ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء (12): 8-43 - 8275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء الثاني عشر
الإمام الحسین بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الإمام الحسین بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء الثاني عشر
الإمام الحسین بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء : 8-43 - 8275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«وَجَعَلْنَاهُمْ أئِمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيْتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»
الأنبياء 21 : 73
«إِنَّ اللّه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنّة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّه فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذلك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»
التوبة 9 : 111
إليك يا مفجّر العلم والإيمان في الأرض.
إليك يا رائد النور والوعى ومحرّر الإنسانيّة.
إليك يا رسول اللّه، وإلى مقامك العظيم
أرفع هذا البحث المتواضع عن حياة ريحانتك وولدك الثاني
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
الذي غذّيته من كمال النبوّة، ووهبته حبّك وإخلاصك، وقلّدته وسامك المشرق بقولك: «حُسَينٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَين» فكان المجدّد لدينك، والمنقذ لأُمّتك، فاستشهد في سبيل أهدافك ومبادئك، فلا أحد أولى به منك، فتقبل هذه البضاعة المزجاة، وامنحني الرضا والقبول، وحسبي ذلك ذخراً يوم ألقى اللّه.
المؤلّف
تمثّلت يومك يوم الطفوف، وأنت ترفع الضحايا من أهل بيتك وأصحابك قرابين خالصة لوجه اللّه إيماناً منك بأنّ الإسلام لا يمكن أن ينتصر في كفاحه ضد قوى البغي والإلحاد إلّا بالتضحية الفذّة التي لا يقوى على أدائها سواك.
لقد استطعت أيُّها الفاتح العظيم أن تملي إرادتك على صفحات هذا الكون، وتعالج المشاكل الرهيبة التي مني بها عصرك بالحلول المطلوبة، لكن ذلك قام بدمك القانى المعطر بشذى الرسالة ووحي السماء قد مرّت أولئك الأقزام من حكّام بني أُميّة الذين اغتالوا الإصلاح الاجتماعي، ودفعوا الناس إلى السراب السياسي، وتاجروا بمقوّمات الأمة ومقدراتها، وقذفوا بها في متاهات سحيقة لا حد لها من الانحطاط والجهل والتأخّر، حتّى توارت فكرة النور التي أوقد سناها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحلّت محلّها الوثنيّة القرشيّة، فَعُقِد لها في كلّ جامع ومنتدىّ من بلاد المسلمين صنم يقذف بشواظ من نار لإذابة هدي العقيدة، وتدمير المُثل العليا، وتجريد الأُمّة من عناصرها الخلّاقة وأفكارها الأصيلة، حتّى توارت بوارق النهضة الفكرية والاجتماعيّة، وكادت تنطوي رسالة الإسلام بقيمها ومُثُلها ومكوناتها.
وانبعث صوتك - أيها الفاتح العظيم - فاستوعب صداه جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهو ينادي بفجر جديدٍ ويومٍ جديد؛ ليستأنف فيه
الإنسان المسلم رسالته، ويبدأ تاريخه، ويبني كرامته، ويعدّل سلوكه، وينفض عنه غبار الذلّ وعار العبوديّة، وينطلق في ميادين التحرّر؛ ليساهم في بناء الحضارة ويدخل موكب التاريخ.
لقد تحدّى أبو الأحرار بثورته الكبرى الطبيعة البشريّة التي هي أسيرة الغرائز والعواطف، فقد تحرّر منها، ولم يعد لها أي حكم أو سلطان عليه، وقد مكنته قواه الروحيّة في ذاتيّة مذهلة أن يشقّ طريقه الخالد ليحقق المعجز، ويقول كلمة اللّه بإيمان لا حد لأبعاده.
إنّه الإيمان الذي هيمن على جميع مناحي تفكيره ومقوّمات ذاتياته، فهون عليه أهوال تلك الكوارث التى تذوب منها القلوب، ويقف الفكر أمامها هائماً وهو حسير، فقد رأى أصحابه الذين هم من أصدق وأنبل وأوفى من عرفهم التاريخ الإنساني يتسابقون إلى الموت بين يديه، ورأى الكواكب من أهل بيته وأبنائه - وهم في غضارة العمر وريعان الشباب - تتناهب أجسامهم السيوف والرماح
رأى حرم الرسالة ومخدّرات النبوّة تعجّ من ألم الرزايا، وتستغيث به من أليم العطش والظمأ القاتل وهو لا يجد سبيلاً لإنقاذهن، فوقف السبط أمام هذه الخطوب التي تذهل كلّ كائن حي، فقال كلمته الخالدة التي نمت عن عمق الإيمان وروعة التصميم : «هَوَّنَ ما نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللّه ...».
أجل، بعين اللّه رزاياك، وفي سبيل الإسلام ما عانيته من أهوال تلك الكوارث والخطوب.
سيدي أبا الأحرار، لقد عوّضك اللّه عما قاسيته من ضروب المحن وصنوف البلاء أنواع الكرامة، فمنحك في الدار الآخ-رة الفردوس الأعلى، وأنزلك به منزلاً كريماً تتبوأ به حيثما شئت، وجعلك سيد
شباب أهل الجنّة، والشفيع المطاع.
وأمّا فى هذه الدار الفانية فقد جعل ذكرك فيها نديّاً خالداً، والدنيا بأسرها خاضعة لك، فأنت حديث الدهر مهما تطاولت لياليه أياماً وصرن ليالي.
وأمّا خصومك فقد تمزّقوا كلّ ممزق، ودفنهم التاريخ في مجاهل سحيقة من الخزي والعار ولعنة الناس.
لقد بقيت أنت وحدك ملء فم الدنيا، ورهن الخلود، وأنشودة الأحرار في كلّ جيل، وعَلَماً يهتدي بك المصلحون في تحقيق ما ينفع الناس.
1 - الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أبرز من خلّدتهم الإنسانيّة في جميع مراحل تاريخها، ومن أروع من ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا في بناء الفكر الإنساني، وتكوين الحضارة الاجتماعيّة، وبلورة القضايا المصيريّة لجميع شعوب الأرض.
إنّ الإمام أبا الأحرار (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ألمع القادة المصلحين الذين حققوا المعجز على مسرح الحياة، وقادوا المسيرة الإنسانيّة نحو أهدافها وآمالها، ودفعوا بها إلى إيجاد مجتمع متوازن تتحقق فيه الفرص المتكافئة التي ينعم فيها الناس على اختلاف قومياتهم.
وأديانهم لقد كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أكثر المصلحين جهاداً وبذلاً وتضحية، فقد انطلق إلى ساحات الجهاد مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه مضحياً بنفسه وبهم؛ ليقيم في ربوع هذا الشرق حكم القرآن وعدالة السماء الهادفة إلى تقويض الظلم، وتدمير الجور، وإزالة الاستبداد، وإقامة حكم عادل يجد فيه الإنسان أمنه وكرامته ورخاءه ما تقتضيه عدالة اللّه في الأرض، ومن ثَمَّ كانت حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع العصور والأجيال رمزاً للعدل، ورمزاً لجميع القيم الإنسانيّة.
إنّ أغلب حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لأممهم وشعوبهم تبقى مشعّة تعطي ثمارها ونتاجها للناس، ولكن في فترة خاصّة ومحدودة من الزمن لم تلبث أن تتلاشى
كما يتلاشى الضوء في الفضاء.
أما حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد شقّت أجواء التاريخ وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس، كما تحمل شارات الموت والدمار للمخربين والظالمين في جميع الأجيال.. لقد تفاعلت حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أرواح الناس وامتزجت بعواطفهم و مشاعرهم، وهي ندية عاطرة تتدفق بالعزة والكرامة، وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه وتقرير مصيره.
إنّها مدرسة الأجيال الكبرى التي تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعاً متفقين و مختلفين، فهي تغذيهم بالوفاء والصبر، وتدفعهم إلى الإيمان باللّه، وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة المتسمة بالكرامة وحسن السلوك، كما تعمل على تهذيب الضمائر، وتكوين العواطف، وتنمية الوعي، فهي أجدر بالبقاء من كلّ كائن حي، بل أحق بالخلود من هذا الكوكب الذي يعيش فيه الإنسان؛ لأنها إطار لأسمى معاني الكرامة الإنسانيّة.
إنّ حياة ريحانة الرسول ومثله ستبقى حيّة وخالدة إلى الأبد؛ لأنها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب، فإنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم ينشد في ثورته الخالدة أي مطمع سياسي أو نفع مادي، وإنما استهدف المصلحة الاجتماعيّة وعنى بأمر الناس جميعاً؛ ليوفر لهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي، وقد أعلن - سلام اللّه عليه - أهدافه المشرقة بقوله :
«إِنِّي لَمْ أَخرُجْ أَشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا ظالِماً، وَلا مُفسِداً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح فِي أُمَّةٍ جَدِّي، أُرِيدُ أَنْ آمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنهَى عَنِ الْمُنكَرِ...» (1).
من أجل هذه المبادئ العليا خلدت قصة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستوعبت جميع
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 89. بحار الأنوار: 44: 329. الفتوح : 5 : 21. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 188 و 189.
لغات الأرض، وأخذ الناس يقيمون لها الذكرى مقتبسين منها الإيمان باللّه، ومقتبسين منها العبر والعظات التي تنفعهم في جميع ميادين حياتهم. إنها من دون شكّ ستظلّ تساير الركب الإنساني وهي ترفع شعار العدل، وشعار الحقّ، وشعار الكرامة، وتضيء الطريق، وتوضّح القصد أمام كلّ مصلح يعمل من أجل صالح الإنسان.
2 - وليس في تاريخ الإسلام من هو أكثر عائدة ولطفاً وفضلاً على الإسلام من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو المنقذ والمجدّد لهذا الدين العظيم الذي أجهزت عليه السياسة الأموية، وتركته جريحاً على مفترق الطرق تتحداه عوامل الانحلال والانهيار من الداخل والخارج، ولم يعد أي مفهوم من مفاهيمه الحية ماثلاً في واقع الحياة العامّة للمسلمين، قد جمدت طاقاته، وأحمد نوره وانتهكت سننه، ولم يبق منه سوی شبح خافت، وظل متهافت، قد أعلنت السلطة في منتدياتها العامّة والخاصّة أنه لا دين ولا إسلام، ولا وحي ولا كتاب. يقول يزيد بن معاوية :
لَعِبَتْ هاشِمُ بِالمُلْكِ فَلاَ***خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحَيَّ نَزَلْ
ويقول الوليد بن يزيد :
تَلَعَّبَ بِالخِلافَةِ هَاشِمِي***بِلا وَحْيِ أَتَاهُ وَلَا كِتابِ
فَقُلْ للّه يَمْنَعُنِي طَعَامِي***وَقُلْ للّه يَمْنَعُنِي شَرَابِي (1)
وإذا استعرضنا ما أُثر عنهم في هذا المجال فلا نجد إلّا الكفر والإلحاد والمس-روق من الدين، وقلّما نجد منهم من يؤمن باللّه واليوم الآخر أو يرجو وقاراً للإسلام، فإنّه - من دون شكّ - لم يدخل أي بصيص من نور الإسلام في قلوبهم ومشاعرهم، وإنّما ظلَّت نفوسهم مترعة بروح الجاهلية ونزعاتها، لم تتغير فيهم أيّة ظاهرة من ظواهر
1) الاحتجاج : 2: 122. كشف الغمّة : 1 : 565. الغدير : 3: 261 مروج الذهب : 3: 216.
الكفر بعد إرغامهم على الإسلام، فكانوا يحملون الحقد والعداء للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويكفرون بجميع ما جاء به من هدى ورحمة للناس.
رأى الإمام السبط الغزو الجاهلي الذي اجتاح العالم الإسلامي، وما منيت به العقيدة الإسلاميّة من أخطار هائلة تنذر بالردة الرجعية والانقلاب الشامل، وتخلي المسلمين عن عقيدتهم ودينهم، فإنّ السلطة الأُموية كانت جاهدة في مسيرتها وجادة في سياستها على استئصال جذور هذا الدين، وإزالة ركائزه وقواعده. وقد تخدّر المسلمون بشكل فظيع نتيجة أوبئة الخوف المفزعة التي انتشرت فيهم، وما أطعمتهم به السياسة الأموية من روح الخيانة والغدر، فلا صوت يصدع بالإصلاح، ولا طبل يدق للحرب، ولا وازع ولا رادع ولا زاجر لما كانت تصنعه الطغمة الحاكمة من المخططات الرهيبة الهادفة إلى استبعاد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون.
رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه المسؤول الوحيد أمام اللّه تعالى، وأمام أجيال الأمة إن وقف موقفاً سلبياً تجاه هذه الأوضاع المنكرة، ولم يغير ولم يبدل، ولم يفجر ثورته الحمراء التي تعصف بالاستبداد، وتهدم صروح الظلم والطغيان، وتقود الجماهير إلى ميادين الحقّ والعدل.
وقد أدلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك في خطابه الرائع الذي ألقاه على الحرّ الرياحي وأصحابه من شرطة ابن زياد، قائلاً: «أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : مَنْ رَأَىٰ سُلْطاناً جائِراً مُستَحِلاً لِحُرَمِ اللّه، ناكِثاً عَهْدَهُ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يَعمَل فِى عِبادِ اللّه بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَم يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ كانَ حَقًّا عَلَى اللّه أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ، أَلاَ وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُوا حَرامَ اللّه، وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ...» (1).
إنّ هذه العوامل الخطيرة هي التي حفّزت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الثورة والخروج
1) بحار الأنوار: 44: 382. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 605. الكامل في التاريخ : 3: 280.
على النظام القائم الذي استباح كلّ ما خالف كتاب اللّه وسنّة نبيه.
لقد أمعنت السلطة الأموية في اضطهاد الناس وإرهاقهم، واعتبرت القطاعات الشعبية بستاناً لها تتحكم في مصائرها ومقدراتها، وتستنزف ثرواتها فتنفقها على ما يثير الشهوات ويفسد الأخلاق، من أجل ذلك ثار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لينقذ الأُمّة ويعيد لها كرامتها وأصالتها.
3 - وأهم فترة في تاريخ الإسلام السياسي هي الفترة التي عاشها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حفلت بأحداث رهيبة غيّرت مجرى الحياة الإسلاميّة، وامتحن المسلمون بها امتحاناً عسيراً، وأرهقوا إرهاقاً شديداً، قد أخلدت لهم الفتن والمصاعب، وجرت لهم الخطوب والكوارث، وألقتهم في شر عظيم.
ومن أفجع تلك الأحداث وأخلدها كارثة كربلاء التي هي أخطر كارثة في التاريخ الإنساني، وهي لا تزال قائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تثير في نفوسهم الحزن واللوعة. ولم تكن هذه الحادثة الخطيرة وليدة المصادفة أو المفاجأة، وإنما جاءت نتيجة حتمية لتلك الأحداث المفزعة التي أخمدت الوعي الإسلامي، وأماتت الشعور بالمسؤوليّة، وجعلت المسلمين أشباحاً مبهمة، وأعصاباً رخوة خالية من الحياة والإحساس، قد سادت فيهم روح التخاذل والانهزام، ولم تعد فيهم أي روح من روح الإسلام وهديه.
وأوضح شاهد على ذلك أن ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته يقتل في وضح النهار، ويُرفع رأسه على أطراف الرماح يُطاف به في الأقطار والأمصار، ومعه عائلة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبايا قد هُتِكَت سُتُورهنّ وأبديت وجوههنّ يتصفحها القريب والبعيد، فلم يثر ذلك حفيظة المسلمين فيهبوا إلى الانتفاضة على حكم يزيد للثأر لابن بنت نبيّهم، ورحم اللّه دعبل الخزاعي إذ يقول :
رَأْسُ ابنِ بِنْتِ محمّد وَوَصِيِّهِ***يا للرِجالِ عَلَى قَناةٍ يُرْفَعُ
وَالمُسلِمُونَ بِمَنْظَرٍ وَبِمَسْمَعٍ***لا جازع مِن ذَا وَلا مُتَخشِّعُ (1)
إنّ كارثة كربلاء لم تأتِ إلا بعد تخدير الأمة، وتغيير سلوكها، وإصابتها بكثير من الأوبئة الأخلاقية والسلوكية الناشئة من عدم تقريرها لمصيرها في أدق الفترات الحاسمة من تاريخها، أمثال مؤتمر السقيفة والشورى وصفين.
وعلى أيّ حال، فإنّ الأحداث التاريخية التي عاشها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجب أن تخضع للدراسة العلمية المتسمة بالعمق والتحليل، والتجرد من العواطف وسائر التقاليد المذهبية التي أوجبت خفاء الحق، وتضليل الرأي العام في كثير من مناحي حياته العقائدية، فإنّ التاريخ الإسلامي لم يدرس دراسة موضوعية وشاملة، وإنما عرض له أكثر الباحثين في التاريخ الإسلامي بصورة تقليدية، وهي لا تجدي نفعاً في المجتمع ولا تفيده، كما لا تلقي الأضواء على واقع تلك الأحداث التي جرت للمجتمع كثيراً من الخطوب والمشاكل، وأوقفت مسيرته نحو التطوّر حسب ما يريده الإسلام.
إنّ الذي لا مجال للشك فيه هو أن في تلك الأحداث كثيراً من المنعطفات التاريخيّة الخطيرة التي تعمّد بعض المؤرخين إهمالها، وعدم الكشف عنها، كما أنّ التاريخ قد خلط بكثير من الموضوعات التي تعمد بعض الرواة إلى افتعالها؛ تدعيماً لسياسة السلطات الحاكمة في تلك العصور، وهي ممّا توجب على الباحث التعمق والتدقيق فيها حتّى يخلص إلى الحقّ مهما استطاع إليه سبيلاً.
ونحن لا نجد بدّاً من عرض بعض تلك الأحداث وتحليلها؛ لأنّها من وسائل الكشف عن حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما أنها في نفس الوقت من وسائل الوقوف على الحياة الفكرية والاجتماعيّة في ذلك العصر الذي تعد دراسة شؤونه من البحوث المنهجيّة التي تكشف عن أبعاد الشخصية وتحليلها حسب الدراسات الحديثة.
إنّي أعتقد أنه لا يمكننا أن نلم إلماماً واضحاً بقضية الإمام الحسين وما جرى
1) ديوان دعبل الخزاعي: 225.
فيها من الأحداث المفزعة من دون أن نكون قد درسنا الحياة الاجتماعيّة والسياسية والاقتصادية في ذلك العصر، فإنّ لها تأثيراً إيجابياً مباشراً في حدوث هذه النكبة.
إن التاريخ الإسلامي في حاجة لأن يتحرر من التقديس، ويكون - كغيره من البحوث - خاضعاً للنقد والتحليل والشكّ والرفض، كما تخضع المادة لتجارب العلماء حتّى يستقيم ويزدهر، ويؤتي ثمراً ممتعاً.
إن السلطات السياسية في تلك العصور أخذت على المؤرخين أن يضعوا التاريخ تحت تصرفهم، فلا يكتبون إلا ما فيه تأييد للسلطة السياسية؛ ولذلك فقد حفل التاريخ الإسلامي بكثير من الموضوعات التي تكلف أصحابها على وضعها وجعلها جزءاً من تاريخ الإسلام، وقد شوّهت واقعه، وحادت بكثير من بحوثه عن الصواب.
إنّ الأقلام التي تناولت كتابة التاريخ الإسلامي في عصوره الأولى لم تكن نزيهة ولا بريئة على الإطلاق، فكانت تخيم عليها النزعة المذهبية، أو التزلف إلى السلطة الحاكمة، فلابد إذن أن يخضع لمجاهر الفحص وأضواء الدراسة والنقد.
4 - لا أحسب أن هناك خدمة للأمة أو عائدة عليها بخير تضارع نشر فضائل أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإذاعة سيرتهم ومآثرهم؛ فإنّها تفيض بالخير والهدى للناس جميعاً، ففيها الدروس الحيّة، والعظات البالغة التي تبعث على الاستقامة والتوازن في السلوك ، وهي من أثمن ما يملكه المسلمون من طاقات ندية حافلة بالقيم الكريمة والمُثل العليا التي هي السر في أصالة هذا الدين وخلوده.
وحياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي أروع سيرة في حياة المسلمين، وهي نبذة من حياة الأئمّة الطاهرين، فقد تخطت حدود الزمان والمكان، وتمثلت فيها العبقرية الإنسانيّة التي تثير في نفس كلّ إنسان أسمى صور الإكبار والتقدير، فقد تجسّد في سيرته ومقتله أروع موضوع في تاريخ الإسلام كله، فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم من القيم الإنسانيّة مثل ما ظهر من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على صعيد كربلاء، فقد ظهر منه من الصمود
والإيمان باللّه، والرضا بقضائه والتسليم لأمره ما لم يشاهده الناس في جميع مراحل تاريخهم، وكان هذا الإيمان الذي لا حد له هو الطابع الخاص الذي امتاز به أهل بيته وأصحابه على بقية الشهداء، فقد أخلصوا في دفاعهم اللّه، وأخلصوا في نضالهم للحق، ولم يكونوا مدفوعين بأي دافع مادي؛ فالعبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان من أقرب الناس للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وألصقهم به لم يندفع بتضحيته الفذة بدافع الأخوة والرحم، وإنّما أقدم على ذلك بدافع الإيمان، والذبّ عن الإسلام، وقد أعلن - سلام اللّه عليه - ذلك فيما أثر عنه من رجز ظلّ يهتف به وينشده شعاراً له في تلك المعركة الرهيبة بعد أن برى القوم يمينه قائلاً:
وَاللّه إِنْ قَطَعَتُمُ يَمِينِي***إِنِّي أُحامِي أَبَداً عَنْ دِينِي
وَعَن إمام صادِقِ اليَقين***نَجْلِ النبيّ الطَّاهِرِ الأمين (1)
ومعنى ذلك بوضوح أن تضحيته لم تكن مشفوعة بأي دافع من دوافع الحبّ أو العاطفة أو غيرها من الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى التراب، وإنما كانت من أجل الذبّ عن دين اللّه، والدفاع عن إمام من أئمة المسلمين فرض اللّه طاعته وولاءه على جميع المسلمين.
وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة الخالدة في التاريخ الإنساني ظهرت من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته وأصحابه، وهي بحق من أثمن الدروس في الإيمان والوفاء والتضحية في سبيل اللّه، وإنّ أية بادرة من بوادر يوم الطفّ لترفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته وأصحابه على جميع شهداء الحقّ والعدل في العالم.
لقد رفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) راية الإسلام عالية خفاقة، وحرر إرادة الأُمّة الإسلاميّة، فقد كانت قبل واقعة كربلاء جثّة هامدة لا حراك فيها ولا وعي، قد كُبّلت بقيود الحكم الأموي، ووضعت الحواجز والسدود في طريق حرّيتها وكرامتها، فحطم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) مناقب آل أبي طالب : 4: 102. بحار الأنوار: 45 : 40 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 337.
بثورته تلك القيود، وحرّرها من جميع السلبيات التي كانت ملمة بها، وقلب مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت سائدة فيها إلى مبادئ الثورة والنضال.
لقد عملت نهضة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تكوين الحسّ الاجتماعي، وخلق الشخصية الاجتماعيّة، فقد انطلقت الأُمّة كالمارد الجبار - بعد تخديرها - وهي تنادي بحقوقها، وتعمل جاهدة على إسقاط الحكم الأموي الذي جهد على إذلالها واستعبادها، وهي تقدّم القرابين تلو القرابين في ثورات متلاحقة حتّى أطاحت بذلك الحكم، واكتسحت مشاعر زهوه وطغيانه وجبروته.
لقد كانت ثورة أبي الأحرار (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعظم الثورات التحررية في الأرض، فقد حملت مشعل النور والفكر في الأرض وسجّلت شرفاً للإسلام، وشرفاً للإنسانية، وأعطت الدروس المشرقة عن العقيدة التي لا تضعف، والإيمان الذي لا يقهر، وستظلّ مصدر عز وفخر وشرف للمسلمين في جميع أجيالهم.
5 - وإنّي في ختام هذا التقديم أعلن بكلّ ثقة وإيمان أنى لا أجد عملاً جديراً برضا اللّه، وجديراً ببلوغ مغفرته ورضوانه سوى التعلّق بسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقذفت نفسي بسفينته التي وسعت الكثيرين من المقصّرين أمثالي، وإنّي تمسكت بأهداب ولائه، فأنا به ألوذ، وبحبل ولائه أتمسّك يوم ألقى ربي.
اللّهمَّ لا تخيّب سعيي، ولا تقطع رجائي، ولا تضيّع أملي، إنّك وليّ ذلك والقادر عليه.
مکتبة الإمام الحسن العامّة
باقر شريف القرشي
النجف الاشرف
ألا بُورك هذا الغرس الذي امتد على هامة الزمن وعياً وإشراقاً، وهو يضيء للناس حياتهم الفكرية والاجتماعيّة، ويهديهم إلى سواء السبيل
إنّه الغرس الطيّب من سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي طهّرها اللّه بفضله، وجعلها تهدي من ضلال، وتجمع من فرقة. إنّها فاطمة الزهراء الّتي تحمل قبساً من روح أبيها، وفيضاً من نوره، وأشعة من هديه، فكانت موضع عنايته واهتمامه، وقد أحاطها بهالة من الإكبار والتقدير، ففرض ولاءها على المسلمين؛ ليكون ذلك جزءاً من عقيدتهم ودينهم، وقد أذاع فضلها وعظيم مكانتها في الإسلام لتكون قدوة لنساء أمته.
لقد أشاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقيمها ومثلها في منتدياته العامّة والخاصّة وعلى منبره ليحفظه المسلمون، فقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيما أجمع عليه رواة الإسلام :
أولاً : «يا فاطِمَةُ، إِنَّ اللّه يَعْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرِضاكِ» (1).
1) الاحتجاج : 2 : 103. المستدرك على الصحيحين : 3: 154 الذريّة الطاهرة : 119. أسد الغابة : 6: 244. میزان الاعتدال : 2 : 492. مجمع الزوائد : 9: 2030. ذخائر العقبی : 39. كنز العمّال : 13 : 674، الرقم 37725 ينابيع المودة : 2 : 57، 464.
ثانياً: «إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها، وَيُنصِبُنِي مَا أَنصَبَها» (1).
ثالثاً : «وفاطِمَةُ سيّدة نِساءِ الْعالَمِينَ» (2).
إلى غير ذلك من الأخبار التي تحدثت عن معالم شخصية الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأنها قدوة الإسلام، والمثل الأعلى لنساء هذه الأمة التي تضيء لهن الطريق في حسن السلوك والعفّة وإنجاب أجيال مهذبة.
فما أعظم بركتها وأكثر عائدتها على الإسلام، وقد سميّت الدولة الفاطمية باسمها الأعظم المبارك الميمون، كما أنّ الجامع الأزهر اشتق من اسمها (3)، بل يكفي في عظمة الدولة الفاطميّة أن تبركت باسم الزهراء.
وعلى أية حال فإنّ الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) استشف من وراء الغيب أنّ بضعته الطاهرة هي التي تتفرّع منها الثمرة الطيبة من أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) خلفاء الرسول، ودعاة الحقّ في الأرض الذين يتحملون أعباء رسالة الإسلام، ويعانون في سبيل الإصلاح الاجتماعي كلّ جهد وضيق ؛ فلذا أولاها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اهتمامه، وجعل ذريتها موضع رعايته وعنايته
1) أمالي الصدوق : 575، الحديث 787 شرح الأخبار: 3 30 و 31، الحديث 59. أمالي المفيد : 260، الحديث.2 دلائل الإمامة : 135 السنن الكبرى / النسائي : 5 : 97. سنن الترمذي : 5 : 656، الحديث 3869. فضائل الصحابة : 78 المعجم الكبير / الطبراني :22 : 404، الرقم 1010 - 1014. تهذيب الكمال : 35 250. تاريخ مدينة دمشق : 3: 156. سير أعلام النبلاء : 2 : 119. لسان العرب : 1 : 758، وقطعة منه في : 8: 12.
2) كمال الدين: 257. معاني الأخبار : 124. شرح الأخبار : 1: 207 و : 3: 60. دلائل الأمامة : 149. روضة الواعظين : 100، 149. الثاقب في المناقب : 174. مسند أحمد بن حنبل : 7: 401. صحيح البخاري : 5 : 55، الحديث 126. أسد الغابة : 6: 223.
3) نساء لهنّ في التاريخ : الإسلامي نصيب : 48.
إنّه ثمرة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الحقّ والعدالة في الأرض، أخي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و باب مدينة علمه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى، وأوّل من آمن باللّه وصدّق رسوله، والقائد الأعلى في مركز القيادة الإسلاميّة بعد الرسول محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تحمّل أعباء الجهاد المقدّس منذ فجر الدعوة الإسلاميّة، فخاض الأهوال، والتحم التحاماً رهيباً مع قوى الشرك والإلحاد حتّى قام هذا الدين وهو عبل الذراع بجهاده وجهوده، قد حباه اللّه بكل مكرمة وخصه بكل فضيلة، وإنّه أبو الأئمّة الطاهرين الذين فجّروا ينابيع الحكمة والنور في الأرض.
وأفرعت دوحة النبوّة وشجرة الإمامة الذرّيّة الطاهرة التي تشكل الامتداد الرسالي بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان الوليد الأول أبا محمّد الزكي اللّه، وقد امتلأت نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سروراً به، فأخذ يتعاهده ويغذيه بمثله ومكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره (1).
ولم تمضِ إلّا أيَّام يسيرة حدّدها بعض المؤرّخين باثنين وخمسين يوماً (2)حتى علقت سيّدة النساء بحمل جديد، ظل يتطلع إليه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بفارغ الصبر، وكلهم رجاء وأمل في أن يشفع اللّه ذلك الكوكب بكوكب آخر ليضيئا في سماء الأمة الإسلاميّة، ويكونا امتداداً لحياة المنقذ العظيم.
ورأت السيّدة أم الفضل بنت الحارث (1)
هي لبابة الكبرى زوج العباس بن عبدالمطّلب، وهي أول امرأة أسلمت بمكة بعد السيّدة خديجة بنت خويلد، وكانت أثيرة عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان يزورها، ويقيل في بيتها، روت عنه أحاديث كثيرة، ولدت للعباس : الفضل، وعبد اللّه، وعبيد اللّه، وقثم، وعبدالرحمن، وأم حبيب، وفيها يقول عبداللّه بن يزيد الهلالي :
مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِن فَحْلِ***بِجَبَلِ نَعْلَمُهُ أَوْ سَهْلِ
کَسِنَّة من بطن أمّ الفضل***أكرم بِهَا مِن كَهْلَةٍ وَكَهْل
عَمّ النبيّ المُصطَفَى ذِي الفَضْلِ***وَخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَيرِ الرُّسُلِ
الطبقات الكبرى : 8: 277 و 278 الاستيعاب : 4 : 1907 و 1908، الحديث 4080. الإصابة : 8 : 178، الحدیث 938.
في منامها رؤيا غريبة لم تهتد إلى تأويلها، فهرعت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلة له : «إنّي رأيت حلماً منكراً كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري ؟!».فأزاح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مخاوفها، ويسرها بخير قائلاً: «خَيْراً رَأَيْتِ، تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللّه غُلَاماً فَيَكُونُ فِي حِجْرِكِ».
ومضت الأيام سريعة فوضعت سيّدة النساء فاطمة ولدها الحسين، فكان في حجر أم الفضل كما أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2)
وفي مسند الفردوسي، قالت أمّ الفضل : «رأيت كأنّ في بيتي طرفاً من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
فجزعت من ذلك، فأتيته فذكرت له ذلك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : هُوَ ذَلِكَ، فولدت فاطمة حسيناً، فأرضعته حتّى فطمته».
وفي تاريخ الخميس : 1 : 418 و 419 : أن هذه الرؤيا كانت قبل ولادة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وظل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يترقّب بزوغ نجم الوليد الجديد الذي تزدهر به حياة بضعته التي هي أعزّ الباقين والباقيات عنده من أبنائه وبناته.
ووضعت سيّدة نساء العالمين وليدها العظيم، الذي لم تضع مثله سيّدة من بنات حواء - لا في عصر النبوّة ولا فيما بعده - أعظم بركة ولا أكثر عائدة على الإنسانيّة منه، فلم يكن أطيب ولا أزكى ولا أنور منه.
لقد أشرقت الدنيا به، وسعدت به الإنسانيّة في جميع أجيالها، واعتزّ به المسلمون، وعمدوا إلى إحياء هذه الذكرى افتخاراً بها في كلّ عام، فتقيم وزارة الأوقاف في مصر سنوياً احتفالاً رسمياً داخل المسجد الحسيني اعتزازاً بهذه الذكرى العظيمة، كما تقام في أكثر مناطق العالم الإسلامي.
وتردّد في آفاق يثرب صدى هذا النبأ المفرح، فهرعت أمهات المؤمنين وسائر السيدات من نساء المسلمين إلى دار سيّدة النساء، وهنّ يهنئنها بمولودها الجديد، ويشاركنها في أفراحها ومسراتها.
ولمّا بُشِّر الرسول الأعظم بسبطه المبارك خف مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وهو مثقل الخُطا قد ساد عليه الوجوم والحزن، فنادى بصوت خافت حزین النبرات : «يا أَسْمَاءُ هَلُمي ابني».
فناولته أسماء الوليد المبارك، فاحتضنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وجعل يوسعه تقبيلاً، وقد انفجر بالبكاء فذهلت أسماء، وانبرت تقول : فداك أبي وأمّي، ممّ بكاؤك ؟!
فأجابها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد غمرت عيناه بالدموع : «من ابني هذا».
وملكتها الحيرة فلم تدرك معنى هذه الظاهرة ومغزاها، فانطلقت تقول :
إنّه وُلد الساعة.
فأجابها الرسول بصوت متقطّع النبرات حزناً وأسى قائلاً: «تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغيةُ مِنْ بَعْدِي، لَا أَنالَهُم اللّه شَفاعَتِي».
ثم نهض وهو مثقل بالهم وأسرَّ إلى أسماء قائلاً: «لَا تُخْبِرِي فَاطِمَةَ فَإِنَّهَا حَدِيثَةٌ عَهْدٍ بولادَةٍ...» (1)
وفي أمالي الصدوق : 199، الحديث 212 : أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ولادته، ثم دفعه إلى صفية بنت عبدالمطلب وهو يبكي ويقول : لَعَنَ اللّه قَوْماً هُمْ قَاتِلُوكَ يا بُنَيَّ، قالها ثلاثاً.
قالت : فداك أبي وأمي، ومن يُقْتُله؟
قال : تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
.وانصرف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو غارق بالأسى والشجون، فقد استشف من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات والخطوب التي تذهل كلّ كائن حي.
واستقبل سبط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دنيا الوجود في السنة الرابعة من الهجرة (2). وقيل : في السنة الثالثة (3).
واختلف الرواة في الشهر الذي وُلِدَ فيه، فذهب الأكثر إلى أنّه ولد في شعبان،
1) مسند الإمام زيد : 468.
2) الإرشاد / المفيد :2 27 مقاتل الطالبيين : 84 تاريخ مدينة دمشق : 14: 115. أسد الغابة : 1 : 496، الحديث 1173. تهذيب الأسماء واللغات : 1: 163، الحديث 123. مجمع الزوائد : 9: 194. الخطط المقريزيّة : 2 : 285 الذرية الطاهرة : 69. جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 116.
3) الكافي : 1 : 530. الخطط المقريزية : 2 : 285. الاستيعاب : 1 : 392.
وأنّه في اليوم الخامس منه (1).
ولم يحدد بعضهم اليوم، وإنّما قال : وُلِدَ ليال خلون من شعبان (2).
وأهمل بعض المؤرّخين ذلك مكتفياً بالقول : أنه ولد في شعبان (3).
وذهب بعض الأعلام إلى أنه وُلِدَ في آخر ربيع الأوّل (4)، إلا أنه خلاف المشهور فلا یعنی به.
وأجرى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه أكثر المراسيم الشرعية لوليده المبارك، فقام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بما يلي :
واحتضن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وليده العظيم فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى (5).
وجاء في الخبر : «إِنَّ ذَلِكَ عِصْمَةٌ لِلْمَوْلُودِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (6).
1) المعجم الكبير : 3 : 117، الرقم 2852. الخطط المقريزيّة : 2 : 185.
2) إمتاع الأسماع : 187. أسد الغابة : 1 : 496. الذرية الطاهرة : 69.
3) فتح الباري : 7 : 74.
4) المقنعة : 467. تهذيب الأحكام : 6 38 الدروس الشرعيّة : 2 : 8.
5) علل الشرائع : 1 : 167، الحديث.. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 25، الحديث 5. معاني الأخبار : 57، الحديث 6. كشف الغمّة : 2 : 216.
6) روى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)قال : «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَلْيُؤَذِّنْ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَلْيُقِمْ فِي اللّه الْيُسْرَى، فَإِنَّ ذَلِكَ عِصْمَةٌ لَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، وَأَنَّهُ اللّه أَمَرَنِي أَنْ يُفْعَلَ ذلِكَ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَأَنْ يُقْرَأَ مَعَ الأذانِ وَالْإِقَامَةِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَآيَةُ الْكُرْسِيُّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوَّذَتَيْنِ» - دعائم الإسلام : 1: 148، الحديث 402.
إنّ أول صوت اخترق سمع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو صوت جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي هو أوّل من أناب إلى اللّه ودعا إليه، وأنشودة ذلك الصوت : «اللّه أكبر... لا إله إلّا اللّه...».
لقد غرس النبيّ عل اللّه هذه الكلمات التي تحمل جوهر الإيمان وواقع الإسلام في نفس وليده وغذاه بها، فكانت من عناصره ومقوماته، وقد هام بها في جميع مراحل حياته، فانطلق إلى ميادين الجهاد مضحياً بكل شيء في سبيل أن تعلو هذه الكلمات في الأرض، وتسود قوى الخير والسلام، وتتحطم معالم الردة الجاهلية التي جهدت على إطفاء نور اللّه.
وسماه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حسيناً كما سمّى أخاه حسناً (1): ويقول المؤرّخون : لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الاسمين حتّى تسمّي أبناءها بهما، وإنّما سمّاهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهما بوحي من السماء (2)
وفي تاريخ الخلفاء : 188 : «روی عمران بن سليمان، قال : الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، ما سمعت العرب بهما في الجاهليّة».
.وقد صار هذا الاسم الشريف علماً لتلك الذات العظيمة التي فجّرت الوعي والإيمان في الأرض، واستوعب ذكرها جميع لغات العالم، وهام الناس بحبها حتّى صارت عندهم شعاراً مقدساً لجميع المثل العليا، وشعاراً لكل تضحية تقوم ع-ل-ى
الحق والعدل.
وحفلت بعض مصادر التاريخ والأخبار بصور مختلفة لتسمية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تخلو من التكلف والانتحال، وهي :
الأولى : ما رواه هانئ بن هانئ، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «لَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ جَاءَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : أَرُونِي ابْنِي مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟
قُلْتُ : سَمَّيْتُهُ حَرْباً.
قالَ : بَلْ هُوَ حَسَنٌ.
فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ قالَ : أَرُونِي ابْنِي مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟
قُلْتُ : سَمَّيْتَهُ حَرْباً.
قالَ : بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ.
فَلَمّا وُلِدَ الثَّالِثُ جَاءَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : أَرُونِي ابْنِي مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟
قُلْتُ : حَرْباً.
فَقالَ : بَلْ هُوَ مُحْسِنٌ» (1).
وهذه الرواية - فيما نحسب - لا نصيب لها من الصحة، وذلك :
أولاً : إنّ سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) اقامت على الالتزام بحرفية الإسلام، وعدم الشذوذ عن أي بندٍ من أحكامه، وقد كره الإسلام تسمية الأبناء بأسماء الجاهليّة (2)التي هي رمز للتأخّر والانحطاط الفكري، مضافاً إلى أنّ هذا الاسم علم لجد الأسرة الأموية
التي تمثّل القوى الحاقدة على الإسلام والباغية عليه، فكيف يسمّي الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبناءه به ؟ !
ثانياً : إن إعراض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن تسمية سبطه الأول به ممّا يوجب امتناع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تسمية بقيّة أبنائه به.
ثالثاً : إنّ مُحسناً باتفاق المؤرخين لم يولد في حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنّما ولد بعد مماته بقليل (1)، وهذا ممّا يؤكد انتحال الرواية وعدم صحتها.
الثانية : روى أحمد بن حنبل بسنده عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «لَمَّا وُلِدَ لِيَ الْحَسَنُ سَمَّيْتُهُ بِاسم عَمِّي حَمْزَةَ، وَلَمَا وُلِدَ الْحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ ي جَعْفَرَ، فَدَعانِي رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : «إِنَّ اللّه قَدْ أَمَرني أَنْ أَغَيْرَ اسْمَ هَدَيْنِ فسَمّاهُما حَسَناً وَحُسَيْناً» (2).
وهذه الرواية كسابقتها في الضعف، فإنّ تسمية السبطين بهذين الاسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور، ولم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد.
الثالثة : روى الطبراني بسنده عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «لَمّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَخِي جَعْفَرٍ، فَدَعَانِي رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَأَمَرَنِي أَنْ أُسَمِّيَهُ حُسَيْناً» (3).
وهذه الرواية تضارع الروايتين السابقتين في ضعفها، فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يسبق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في تسمية سبطه وريحانته، وهو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور، وأجمعت عليه روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(4).
1) الكافي : 6 : 21 مناقب آل أبي طالب : 3 : 304. تاريخ اليعقوبي : 2 : 119 - 120. وفيها : «أنه مات صغيراً».
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 257، الرقم 1374.
3) المعجم الكبير : 3 : 98، الرقم 2780.
4) علل الشرائع : 1 : 166، الحديث 5 و : 167، الحديث 7. الإرشاد / المفيد : 2 : 27. بحار الأنوار : 43: 238، الحديث 3.
وبعدما انطوت سبعة أيام من ولادة السبط أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعقّ عنه بكبش، ويوزع لحمه على الفقراء.
كما أمر أن تعطى القابلة فخذاً منها (1)
وجاء في الذرّيّة الطاهرة : 85 - 86 - عن عائشة - : «أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن عن الحسن والحسين شاتين شاتين، وذبح عنهما يوم السابع، وقال : اذْبَحُوا عَلَى اسْمِهِ فَقُولُوا: بِسْم اللّه اللّهمَّ لك وإليك هذه عَقِيقَةُ فُلان.
وروى مثل هذه الرواية الحاكم في المستدرك : 4 : 237
وطعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك : 4 237، وقال : «إن راويها سوار وهو ضعيف». وذهب مشهور الفقهاء إلى استحباب ذبح شاة واحدة في العقيقة.
، وكان ذلك من جملة ما شرعه الإسلام في ميادين البر والإحسان إلى الفقراء.وأمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يحلق رأس وليده، ويتصدق بزنته فضة على الفقراء (2)، فكان وزنه - كما في الحديث - درهماً ونصفاً (3)، وطلى رأسه بالخلوق (4)، ونهى عمّا كان يفعله أهل الجاهلية من إطلاء رأس الوليد بالدمّ (5).
1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 25 مسند الإمام زيد : 468.
2) سنن الترمذي : 4 : 84، الحدیث 1519. ذخائر العقبی : 118. نور الأبصار : 253.
3) دعائم الإسلام : 2 : 187، الحديث 678. بحار الأنوار : 44 : 136، الحديث 4.
4) الخلوق : طيب مركّب من زعفران وغيره لسان العرب : 10 : 91 - خَلَقَ. مجمع مجمع البحرين : 5 : 157 - خَلَقَ.
5) الكافي : 6: 36. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 25، الحديث 5. بحار الأنوار: 43: 239، الحديث 4.
وتولّى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه رعاية الحسين، واهتم به اهتماماً بالغاً، فمزج روحه بروحه، ومزج عواطفه بعواطفه، وكان - فيما يقول المؤرّخون - يضع إبهامه في فيه، وأنّه أخذه بعد ولادته فجعل لسانه في فمه ليغذيه بريق النبوّة، وهو يقول له : «إيهاً حُسَيْنَ، إِيْهَا حُسَينٌ، أَبَى اللّه إِلَّا مَا يُرِيدُ، هِيَ فِيكَ وَفِي وُلْدِكَ»، يعني الإمامة (1).
وفي ذلك يقول السيّد الطباطبائي :
ذَادُوا عَن المَاءِ ظَمْآناً مَرَاضِعُهُ***مَنْ جَدهُ المُصطَفَى السَّاقِي أَصَابِعُهُ
يُعْطِيهِ إِبْهَامَهُ آنَا وَآوِنَةً***لِسَانَهُ فَاستَوَتْ مِنهُ طَبَائِعُهُ
غَرْسٌ سَقَاهُ رَسُولُ اللّه مِن يَدِهِ***وَطَابَ مِن بَعْدِ طِيبِ الأَصْلِ فَارِعُهُ
لقد سكب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نفس وليده مثله ومكرماته؛ ليكون صورة عنه، وامتداداً لحياته، وممثّلاً له في نشر أهدافه وحماية مبادئه.
وبلغ من رعاية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسبطيه، وحرصه على وقايتهما من كلّ سوء وشرّ أنّه كان كثيراً ما يعوّذهما. فقد روى ابن عبّاس قال : كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعوّذ الحسن والحسين قائلاً: «أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللّه السَّامَّةِ مِنْ كلّ شَيْطَانٍ وَهامَّةٍ، وَمِنْ كلّ عَينِ لَامَّةٍ»، ويقول :«هكذا كانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَبِهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» (2).
ويقول عبد الرحمن بن عوف : قال لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَلا أُعَلِّمُكَ عُوذَةً كَانَ إِبْراهِيمُ يُعَوِّذُ بِها ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، وَأَنا أُعَوَّذُ بِها ابْنَيَّ الْحَسَنَ
وَالْحُسَيْنَ: كَفَى بِاللّه وَاعِباً لِمَنْ دَعا، وَلَا مَرمَى وَرَاءَ أَمْرِ اللّه لِرَامٍ رَمَى» (1).
و دل ذلك على مدى الحنان، والعطف الذي يكنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لهما، وأنه كان يخشى عليهما من أن تصيبهما عيون الحسّاد فيقيهما منها بهذا الدعاء.
وبدت في ملامح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملامح جدّه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان يحاكيه في أوصافه، كما كان يحاكيه في أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين. فقد وصفه محمّد بن الضحّاك، قال : «كان جسد الحسين يشبه جسد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
وقيل : إنه كان يشبه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما بين سرته إلى قدميه (3).
وقال الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى أَشْبَهِ النَّاسِ بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَا بَيْنَ عُنُقِهِ إِلى وَجْهِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلى أَشْبَهِ النَّاسِ بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَا بَيْنَ عُنُقِهِ إِلَى كَعْبِهِ خَلْقاً وَلَوْناً فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِى» (4).
لقد بدت على وجهه الشريف أسارير الإمامة، فكان من أشرق الناس وجهاً، فكان كما يقول أبو كبير الهذلي :
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلى أَسِرْةِ وَجْهِهِ***بَرَقَتْ كَبَرقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ (5)
1) كشف الغمّة : 1 : 492. ذخائر العقبي : 134.
2) المعجم الكبير : 3 : 115، الرقم 2845.
3) سنن الترمذي : 5 : 618، الرقم 3779. أنساب الأشراف: 3 : 359. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 90. الخطط المقريزيّة: 2: 285 المنمّق في أخبار قريش : 535. ذخائر العقبي : 127.
4) المعجم الكبير : 3: 95، الحدیث 2768. كنز العمّال : 13 : 659، الرقم 37673.
5) ديوان الهُذليين : 2 : 94.
وقال بعض المترجمين له : «وروي أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقعد في المكان المظلم فيُهتدى إليه ببياض جبينه ونحره (1).
ويقول آخر: «كان له جمال عظيم ونور يتلألأ في جبينه وخده، يضيء حواليه الليلة الظلماء. وكان أشبه الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2)
وفي مصابيح السنّة :2 : 202 - عن أنس -، قال : «لم يكن أحد أشبه بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الحسن بن علي».
وقال في الحسين: «كان أشبههم برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)».
وفي أنساب الأشراف : 3 : 359 : «إنّ الحسين كان يشبه بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)».
».ووصفه بعض الشهداء من أصحابه في رجز كان نشيداً له في يوم الطف يقول :
لَهُ طَلَعَةٌ مِثْلُ شَمسِ الضُّحَى***لَهُ غُرَّةٌ مِثْلُ بَدْرٍ مُنير (3)
وكانت عليه سيماء الأنبياء، فكان في هيبته يحكي هيبة جده التي تعنو لها الجباه، ووصف عظيم هيبته بعضُ الجّلادين من شَرَطة ابن زياد بقوله : لقد شغلنا نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله (4).
ولم تحجب نور وجهه يوم الطف ضربات السيوف، ولا طعنات الرماح، فكان کالبدر في بهائه ونضارته، وفي ذلك يقول الكعبي :
وَمُجرَّحٍ مَا غَيَّرَتْ مِنْهُ القَنَا حُسْنَاً***وَلاً أَخْلَقْنَ مِنْهُ جَدِيدا
قَد كَانَ بَدراً فَاعْتَدَى شَمْسَ الضُّحَى***مُذ أَلبَسَتْهُ يَدُ الدِّمَاءِ بُرُودَا (1)
ولمّا جيء برأسه الشريف إلى الطاغية ابن زياد بهر بنور وجهه فطفق يقول : ما رأيت مثل هذا حسناً !
فانبرى إليه أنس بن مالك منكراً عليه قائلاً: أما إنّه كان أشبههم برسول اللّه ؟(2).
وحينما عرض الرأس الشريف على يزيد بن معاوية ذهل من جمال هيبته وطفق يقول : ما رأيت وجهاً قط أحسن منه ! فقال له بعض من حضر : إنّه كان يشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(3).
لقد أجمع الرواة أنّه كان يحاكي جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أوصافه وملامحه، وأنّه كان يضارعه فى مثله وصفاته، ولمّا تشرّف عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي بمقابلته امتلأت نفسه إكباراً وإجلالاً له، وراح يقول : (ما رأيت أحداً قط أحسن ولا أملاً للعين من الحسين» (4).
لقد بدت على ملامحه سيماء الأنبياء وبهاء المتقين، فكان يملأ عيون الناظرين إليه، وتنحني الجباه خضوعاً وإكباراً له.
أمّا ألقابه فتدلّ على سموّ ذاته، وما يتمتع به من الصفات الرفيعة، وهي :
1- الشهيد.
2 – الطيّب.
3 - سيّد شباب أهل الجنّة.
4 - السبط ؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حُسَينٌ سِبْطُ مِنَ الأسباط» (1).
5 - الرشيد.
6 - الوفي.
7 - المبارك.
8 - التابع لمرضاة اللّه (2).
9 - الدليل على ذات اللّه.
10 - المطهر.
11 - البر.
12 - أحد الكاظمين (3).
13 - أبي الضيم.
كان يكنّى بأبي عبد اللّه (4)، وذكر غير واحد من المؤرخين أنّه لاكنية له غيرها (5).
1) كشف الغمّة : 1: 551. مسند أحمد بن حنبل : 5 : 182. أنساب الأشراف : 3: 359. سنن الترمذي : 5 : 617، الرقم 3775 دائرة المعارف / البستاني : 7 : 48.
2) مناقب آل أبي طالب : 4: 78. دلائل الإمامة : 73. كشف الغمّة : 1: 551. مطالب السؤول : 2 : 51 نور الأبصار : 253. جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 116.
3) دلائل الإمامة : 73.
4) الإرشاد / المفيد : 2: 27 مناقب آل أبي طالب : 4 : 78 کشف الغمّة : 1: 551. تذكرة الخواص : 210.
5) كشف الغمّة : 1: 551 نور الأبصار : 253.
وقيل : إنّه يكنى بأبي علي (1).
وكنّاه الناس من بعد شهادته بأبي الشهداء، وأبي الأحرار.
كان له خاتمان : أحدهما من عقيق، وقد نقش عليه : «إِنَّ اللّه بَالِغُ أَمْرِهِ» (2)
وفي نور الأبصار : 253: «أن نقش خاتمه كان : «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ» الرعد 13: 38.
.وثانيهما وهو الذي سلب منه يوم قتل، وقد كتب عليه : «لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه عَدَدَ لِقاءِ اللّه»، وقد ورد «أَنَّ مَنْ يَتَخَتَّمُ بِمِثْلِهِما كَانَا لَهُ حِرْزَاً مِنَ الشَّيْطَانِ» (3).
وكان الطيب محبّباً إليه، فكان المسك لا يفارقه في حله وترحاله، كما كان بخور العود في مجلسه (4).
وأول دار سكنها مع أبويه كانت الدار المجاورة لبيت عائشة، ولها باب من المسجد، وتعرف بدار فاطمة.
وتوفرت في سبط الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع العناصر التربوية الفذة التي لم يظفر بها غيره، فأخذ بجوهرها ولبابها، وقد أعدته لقيادة الأمة، وتحمل رسالة الإسلام بجميع أبعادها ومكوناتها، كما أمدته بقوى روحية لا حد لها من الإيمان العميق باللّه، والخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن والخطوب التي لا يطيقها أي كائن حي من بني الإنسان.
أما الطاقات التربوية التي ظفر بها، وعملت على تقويمه وتزويده بأضخم الثروات الفكرية والإصلاحية، فهي :
حددت الوراثة بأنّها مشابهة الفرع لأصله، ولا تقتصر على المشابهة في المظاهر الشكلية، وإنّما تشمل الخواص الذاتية والمقومات الطبيعية، كما نص على ذلك علماء الوراثة، وقالوا : إن ذلك أمر بيّن في جميع الكائنات الحية، فبذور القطن تخرج القطن، وبذور الزهرة تخرج الزهرة، وهكذا غيرها، فالفرع يحاكي أصله ويساويه في خواصه وأدق صفاته.
يقول مندل : «إن كثيراً من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة أو تغير من أحد الأصلين أو منهما إلى الفرع».
وأكّد هذه الظاهرة هكسلي بقوله : «إنّه ما أثر أو خاصة لكائن عضوي إلّا ويرجع
إلى الوراثة أو إلى البيئة، فالتكوين الوراثي يضع الحدود لما هو محتمل، والبيئة تقرر أنّ هذا الاحتمال سيتحقق، فالتكوين الوراثي إذن ليس إلّا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاصّ».
ومعنى ذلك أنّ جميع الآثار والخواص التي تبدو في الأجهزة الحساسة من جسم الإنسان ترجع إلى العوامل الوراثية وقوانينها، والبيئة تقرر وقوع تلك المميزات وظهورها في الخارج. فإذاً ليست البيئة إلا عاملاً مساعداً للوراثة، حسب البحوث التجربية التي قام بها الاختصاصيون في بحوث الوراثة.
وعلى أية حال فقد أكّد علماء الوراثة بدون تردد أنّ الأبناء والأحفاد يرثون معظم صفات آبائهم وأجدادهم النفسية والجسمية، وهي تنتقل إليهم بغير إرادة ولا اختيار.
وقد جاء هذا المعنى صريحاً فيما كتبه الدكتور ألكسيس كارل عن الوراثة بقوله : «يمتد الزمن مثلما يمتد في الفرع إلى ما وراء حدوده الجسمية... وحدوده الزمنية ليست أكثر دقة ولا ثباتاً من حدوده الاتساعية، فهو مرتبط بالماضي والمستقبل، على الرغم من أنّ ذاته لا تمتد خارج الحاضر.... وتأتي فرديتنا كما نعلم إلى الوجود حينما يدخل الحويمن في البويضة، ولكن عناصر الذات تكون موجودة قبل هذه اللحظة، ومبعثرة في أنسجة أبوينا وأجدادنا وأسلافنا البعيدين جدّاً؛ لأنّا مصنوعون من موادّ آبائنا وأمهاتنا الخلوية. وتتوقف في الماضي على حالة عضوية لا تتحلل ونحمل في أنفسنا قطعاً ضئيلة لأعداد من أجسام أسلافنا، وما صفاتنا ونقائصنا إلا امتداد لنقائصهم وصفاتهم...»(1).
وقد اكتشف الإسلام قبل غيره هذه الظاهرة، ودلّل على فعالياتها في التكوين النفسي والتربوي للفرد، وقد حثّ بإصرار بالغ على أن تقوم الرابطة الزوجية على
1) النظام التربوي في الإسلام : 67.
أساس وثيق من الاختبار والفحص عن سلوك الزوجين وسلامتهما النفسية والخلقية من العيوب والنقص.
ففي الحديث : «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَاسٌ» (1).
وأشار القرآن الكريم إلى ما تنقله الوراثة من أدقّ الصفات، قال تعالى حكاية عن نبيه نوح : «رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً» (2)، فالآية دلّت بوضوح على انتقال الكفر والإلحاد بالوراثة من الآباء إلى الأبناء.
وقد حفلت موسوعات الحديث بكوكبة كبيرة من الأخبار التى أثرت عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي تدلل على واقع الوراثة وقوانينها، وما لها من الأهمية البالغة في سلوك الإنسان وتقويم كيانه.
على ضوء هذه الظاهرة التي لا تشذ في عطائها نجزم بأن سبط الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد ورث من جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صفاته الخلقية والنفسية، ومكوناته الروحية التي امتاز بها على سائر النبيين، وقد حددت كثير من الروايات مدى ماورثه هو وأخوه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الصفات الجسمية من جدّهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فقد جاء عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَشْبَهِ النَّاسِ بِرَسُولِ اللّه ما بَيْنَ عُنُقِهِ إِلى وَجْهِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَشْبَهِ النَّاسِ بِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَا بَيْنَ عُنُقِهِ إِلى كَعْبِهِ خَلْقاً وَلَوْناً فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحُسَيْن» (3).
وكما ورث هذه الظاهرة من جدّه فقد ورث منه مثله وسائر نزعاته وصفاته.
الأسرة (1)من العوامل المهمة في إيجاد عملية التطبع الاجتماعي، وتشكيل شخصية الطفل، واكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الأولى في تكوين النمو الفردي، والسلوك الاجتماعي، وهي أكثر فعالية في إيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الأخرى، فمنها يتعلم الطفل اللغة، ويكتسب القيم والتقاليد الاجتماعيّة.
والأسرة إنّما تنشأ أطفالها نشأة سليمة متسمة بالاتزان والبعد عن الشذوذ والانحراف فيما إذا شاع في البيت الاستقرار والمودة والطمأنينة، وابتعد عن ألوان العنف والكراهية، وإذا لم ترعَ ذلك فإنّ أطفالها تصاب بعقد نفسية خطيرة تسبب لهم كثيراً من المشاكل والمصاعب، وقد ثبت في علم النفس أن أشد العقد خطورة وأكثرها تمهيداً للاضطرابات الشخصية هي التي تكون في مرحلة الطفولة الباكرة خاصة من صلة الطفل بأبويه.
كما أن من أهم وظائف الأسرة الإشراف على تربية الأطفال فإنّها مسؤولة عن عمليات التنشئة الاجتماعيّة التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهله في مستقبل حياته من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع.
وأهم وظائف الأسرة عند علماء التربية، هي ما يلي :
أوّلاً : إعداد الأطفال بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم النفسية والاجتماعيّة
ثانياً : إعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع والتعرف على قيمه وعاداته.
1) الأسرة عند علماء الاجتماع: هي الرابطة الاجتماعيّة التي تتكوّن من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والأحفاد. علم الاجتماع : 92.
ثالثاً : توفير الاستقرار والأمن والحماية لهم.
رابعاً : إمدادهم بالوسائل التي تهيئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع (1).
خامساً : تربيتهم بالتربية الأخلاقية والوجدانية والدينية (2).
وعلى ضوء هذه البحوث التربوية الحديثة عن الأسرة ومدى أهميتها في تكوين الطفل وتقويم سلوكه نجزم بأن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان وحيداً في خصائصه ومقوماته التي استمدها من أسرته، فقد نشأ في أسرة تنتهي إليها كلّ مكرمة وفضيلة في الإسلام، فما أظلت قبة السماء أسرة أسمى ولا أزكى من أسرة آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
لقد نشأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ظل هذه الأسرة وتغذى بطباعها وأخلاقها ونعرض بإيجاز لبعض النقاط المضيئة النابضة بالتربية الفذة التي ظفر بها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ظلّ الأسرة النبوية المطهرة :
وقام الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بدوره بتربية سبطه وريحانته فأفاض عليه بمكرماته ومُثُله، وغذاه بقيمه ومكوناته؛ ليكون صورة عنه. ويقول الرواة : إنّه كان كثير الاهتمام والاعتناء بشأنه، فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته فيشمه عرفه وطيبه، ويرسم له محاسن أفعاله، ومكارم أخلاقه، وقد علمه وهو في غضون الصبا سورة التوحيد، ووردت إليه من تمر الصدقة فتناول منها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمرة وجعلها في فيه، فنزعها منه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له : «أَلْقِها، فَإِنَّها لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» (3).
وقد عوده وهو في سنّه المبكر بذلك على الإباء، وعدم تناول ما لا يحل له،
ومن الطبيعي أن إبعاد الطفل عن تناول الأغذية المشتبه فيها أو المحرمة لها أثرها الذاتي في سلوك الطفل وتنمية مداركه حسب ما دللت عليه البحوث الطبية الحديثة، فإنّ تناول الطفل للأغذية المحرمة ممّا يوقف فعالياته السلوكية، ويغرس في نفسه النزعات الشريرة كالقسوة، والاعتداء والهجوم المتطرف على الغير، وقد راعي الإسلام باهتمام بالغ هذه الجوانب فألزم بإبعاد الطفل عن تناول الغذاء المحرّم (1)، وكان إبعاد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسبطه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تناول تمر الصدقة التي لا تحل لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تطبيقاً لهذا المنهج التربوي الفذ... وسنذكر المزيد من ألوان تربيته له عند عرض ما أثر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حقّه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
أمّا الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو المربي الأول الذي وضع أصول التربية، ومناهج السلوك، وقواعد الآداب، وقد ربّى ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتربيته المشرقة فغذاه بالحكمة، وغذاه بالعفة والنزاهة، ورسم له مكارم الأخلاق والآداب، وغرس في نفسه معنوياته المتدفقة فجعله يتطلع إلى الفضائل حتّى جعل اتجاهه السليم نحو الخير والحقّ.
وقد زوّده بعدة وصايا حافلة بالقيم الكريمة والمُثل الإنسانيّة، ومنها هذه الوصية القيمة الحافلة بالمواعظ والآداب الاجتماعيّة وما يحتاج إليه الناس في سلوكهم، وهي من أروع ما جاء في الإسلام من الأسس التربوية التي تبعث على التوازن، والاستقامة في السلوك.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا بُنَيَّ أُوْصِيكَ بِتَقْوَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةِ الحقّ فِي الرِّضا وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدِ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَالْعَدْلِ
1) النظام التربوي في الإسلام : 99 و 100.
فِي الصَّدِيقِ وَالْعَدُوِّ، وَالْعَمَلِ فِي النَّشاطِ وَالْكَسَلِ، وَالرِّضا عَنِ اللّه تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ وَالرَّحَاءِ.
أَيْ بُنَيَّ مَا شَرِّ بَعْدَهُ الجنّة بِشَرٍّ، وَلَا خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيرٍ، وَكُلَّ دُونَ الجنّة مَحقُورٌ، وَكُلُّ بَلاءِ دُونَ النَّارِ عافِيَةٌ.
وَاعْلَمْ يا بُنَيَّ، إِنَّهُ مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ تَعَرَّى مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ مِنَ اللُّبَاسِ، وَمَنْ رَضِيَ بِقِسَ تَعالَى لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ حَفَرَ بِئراً لأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا، وَمَنْ هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ، وَمَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اسْتَعَظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ، وَمَنْ كابَدَ الأُمُورَ عَطَبَ، وَمَنِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ غَرِقَ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيهِ ضَلَّ، وَمَنِ اسْتَغْنى بِعَقْلِهِ زَلَّ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَّ، وَمَنْ جالَسَ الْعُلَماءَ وُفِّرَ، وَمَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَ بِهِ، وَمَنْ سَفِهَ عَلَى النَّاسِ شُتِمَ، وَمَنْ دَخَلَ مَداخِلَ السُّوءِاتُّهِمَ، وَمَنْ خَالَطَ الْأَنْدذالَ حُقِّرَ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ، وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَاهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَاهُ قَلَّ حَياؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَياؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ ماتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النّارَ.
أَيْ بُنَيَّ، مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ بِهَا فَذَاكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ، وَمَنْ تَفَكَّرَ اعْتُبِرَ، وَمَنِ اعْتُبِرَ اعْتَزَلَ، وَمَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ، وَمَنْ تَرَكَ الشَّهَواتِ كَانَ حُراً، وَمَنْ تَرَكَ الْحَسَدَ كَانَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ مِنَ النَّاسِ.
يا بُنَيَّ عِزَّ الْمُؤْمِنُ غِناهُ عَنِ النَّاسِ، وَالْقَناعَةُ مالٌ لَا يَنْفَدُ، وَمَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيا بِالْيَسِيرِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلّا فيما يَنْفَعُهُ.
أَيْ بُنَيَّ، الْعَجَبُ مِمَّنْ خافَ الْعِقابَ وَرَجا الثَّوابَ فَلَمْ يَتُبْ وَيَعْمَلْ.
أَيْ بُنَيَّ، الْفِكْرَةُ تُورِثُ نُوراً، وَالْغَفَلَةُ ظُلْمَةٌ، وَالْجَهالَةُ ضَلالَةٌ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالْأَدَبُ خَيرُ مِيراتٍ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ.
يا بُنَيَّ، لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَماءٌ، وَلَا مَعَ الْفُجُورِ غِنى. أَيْ بُنَيَّ، الْعافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاء: تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا بِذِكْرِ اللّه، وَواحِدٌ فِي تَرْكِ مُجالَسَةِ السُّفَهاءِ. أَيْ بُنَيَّ، مَنْ تَزَيَّا بِمَعاصِي اللّه فِي الْمَجَالِسِ أَوْرَثَهُ اللّه ذُلّاً، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلمَ عَلِمَ.
يا بُنَيَّ، رَأْسُ الْعِلْمِ الرّفقُ وَآفَتُهُ الْخَرْقُ (1)وَمِنْ كُنُوزِ الْإِيْمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ. وَالْعَفَافُ زِيْنَةُ الْفَقْرِ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنى. كَثْرَةُ الزِّيارَةِ تُورِثُ الْمَلَالَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الخُبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ.
أَي بُنَيَّ، لَا شَرَفَ أَعْلى مِنَ الْإِسْلَام وَلَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوى، وَلَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ، وَلَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَا لِباسَ أَجْمَلُ
1) الخَرْقُ : الكِذَّبُ، وَخَرَقَ الرَّجُلُ : كَذَبَ. القاموس المحيط : 1133 - خَرَقَ.
مِنَ الْعافِيةِ، وَلَا مالَ أَذْهَبُ بِالْفَاقَةِ مِنَ الرِّضا بِالْقُوتِ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ تَعَجَّلَ الرّاحَةَ وَتَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ.
أَيْ بُنَيَّ، الْحِرْصُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ ؛ وَداعِ إِلَى التَّقَكُم فِي الذُّنُوبِ، وَالشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَساوِيُّ الْعُيُوبِ، وَكَفاكَ تَأْدِيبَاً لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ كَ. لأخِيكَ عَلَيْكَ مِثْلُ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ بِغَيْرِ نَظَرِ فِي الْعَواقِبِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلنَّوائِبِ. التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ النَّدَمَ. مَنِ اسْتَقَلَّ وُجُوهُ الْآراءِ عَرَفَ مَواقِعَ الْخَطَ. الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ الْفَقْرُ جلْبَابُ الْمَسْكَنَة. الْحِرْصُ عَلامَةُ الْفَقْرِ. وَصُولٌ مُعْدَمٌ خَيْرٌ مِنْ جَافٍ مُكْثِر. لِكُلِّ شَيْءٍ قُوتٌ، وَابْنُ آدَمَ قُوتُ الْمَوْتِ.
أَيْ بُنَيَّ، لَا تُؤْيِسَ مُدْنِباً، فَكَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِهِ خُتِمَ لَهُ بِالْخَيْرِ، وَكَمْ مَنْ مُقْبِلٍ عَلَى عَمَلِهِ مُفْسِدٌ لَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ صَائِرٌ إِلَى النَّارِ، نَعُوذُ بِاللّه مِنْها.
أَيْ بُنَيَّ، كَمْ مِنْ عَاصِ نَجا، وَكَمْ مِنْ عَامِلٍ هَوى.
مَنْ تَحَرَّى الْقَصَدَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ.
وَمَن تَحَرَّى الصِّدْقَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ، وَفِى خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُها. الساعاتُ تَنْتَقِصُ الْأَعْمَارَ، رَبُّكَ لِلْباغِينَ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَعَالِمٌ بِضَمِيرِ الْمُضْمِرِينَ.
يا بُنَيَّ، بِئْسَ الزَادُ لِلْمَعادِ الْعُدْوانُ عَلَى الْعِبَادِ فِي كلّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ،
وَفي كلّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ. لَنْ تُنالَ نِعْمَةً إِلَّا بِفِراقِ أُخْرَى مَا أَقْرَبَ الرّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ، وَالبُؤْسَ مِنَ النَّعِيمِ، وَالْمَوْتَ مِنَ الْحَياةِ، وَالسَّقَمَ مِنَ الصَّحَةِ، فَطُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ للّه تَعَالَى عِلْمَهُ وَعَمَلَهُ، وَحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وَأَخْذَهُ وَتَرْكَهُ، وَكَلَامَهُ وَصَمْتَهُ، وَفِعْلَهُ وَقَوْلَهُ. وَبَحْ بَحْ لِعَالِم عَلِمَ فَكَفَّ وَعَمِلَ فَجَدَّ، وَخافَ التَّبابَ (1)فَأَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ. إِنْ سُئِلَ أَفْصَحَ، وَإِنْ تُرِكَ سَكَتَ، كَلَامُهُ صَوَابٌ، وَصَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٌّ عَنِ الْجَوابِ، وَالْوَيْلُ كلّ الْوَيْلِ لِمَنْ بَلِيَ بِحِرْمَانٍ وَخُذْلَانٍ وَعِصْيانِ، وَاسْتَحْسَنَ لِنَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ لِغَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ يا بُنَيَّ، أَنَّهُ مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ، وَفَّقَكَ اللّه لِرُشْدِهِ، وَجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ بِقُدْرَتِهِ، إِنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ (2).
وحفلت هذه الوصية بآداب السلوك وتهذيب الأخلاق، والدعوة إلى تقوى اللّه التي هي القاعدة الأولى في وقاية النفس من الانحراف والآثام وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالهدى والرشاد.
وعنت سيّدة النساء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بتربية وليدها الحسين، فغمرته بالحنان والعطف؛ لتكون
له بذلك شخصيته الاستقلالية، والشعور بذاتياته، كما غزّته بالآداب الإسلاميّة، وعودته على الاستقامة، والاتجاه المطلق نحو الخير.
يقول العلائلي : «والذي انتهى إلينا من مجموعة أخبار الحسين أنّ أمّه عنيت ببث المُثل الإسلاميّة الاعتقادية لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها، وأصح أوضاعها، ولابدع فإنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشرف على توجيهه أيضاً في هذا الدور الذي يشعر الطفل فيه بالاستقلال.
فالسيّدة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أنمت في نفسه فكرة الخير والحبّ المطلق والواجب، ومدّدت في جوانحه وخوالجه أفكار الفضائل العليا بأن وجهت المبادئ الأدبية في طبيعته الوليدة من أن تكون هي نقطة دائرتها إلى اللّه الذي هو فكرة يشترك فيها الجميع.
وبذلك يكون الطفل قد رسم بنفسه دائرة محدودة قصيرة حين أدار هذه المبادئ الأدبية على شخص والدته، وقصرها عليها وما تجاوز بها إلى سواها من الكوائن، ورسمت له والدته دائرة غير متناهية حين جعلت فكرة اللّه نقطة الارتكاز، ثم أدارت المبادئ الأدبية والفضائل عليها فاتسعت نفسه لتشمل وتستغرق العالم بعواطفها المهذبة، وتأخذه بالمثل الأعلى للخير والجمال...» (1).
لقد نشأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جو تلك الأسرة العظيمة التي ما عرف التاريخ الإنساني لها نظيراً في إيمانها وهديها، وقد صار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الإنساني ومن أبرز أئمة المسلمين.
وأجمع المعنيون في البحوث التربوية والنفسية على أنّ البيئة من أهم العوامل
1) الحسين بن عليّ : 289.
التي تعتمد عليها التربية في تشكيل شخصية الطفل، واكسابه الغرائز والعادات، وهي مسؤولة عن أي انحطاط أو تأخر للقيم التربوية، كما أنّ استقرارها، وعدم اضطراب الأسرة لهما دخل كبير في استقامة سلوك النشء ووداعته.
وقد بحثت مؤسسة اليونسكو في هيئة الأمم المتحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل، وبعد دراسة مستفيضة قام بها الاختصاصيون، فقدموا هذا التقرير : «ممّا لا شك فيه أنّ البيئة المستقرة سيكولوجياً، والأسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تكيف الطفل من الناحية العاطفية، وعلى هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعيّة بصورة مرضية، أما إذا شوهت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع...» (1).
إنّ استقرار البيئة وعدم اضطرابها من أهم الأسباب الوثيقة في تماسك شخصية الطفل وازدهار حياته، ومناعته من القلق، وقد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة وما تحويه من تعقيدات، وما تشتمل عليه من أنواع الحرمان كلّ هذا يجعل الطفل يشعر بأنّه يعيش في عالم متناقض مليء بالغش والخداع، والخيانة والحسد، وأنّه مخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة تجاه هذا العالم العنيف (2).
وقد عنى الإسلام بصورة إيجابية في شؤون البيئة فأرصد لإصلاحها وتطورها جميع أجهزته وطاقاته، وكان يهدف قبل كلّ شيء أن تسود فيها القيم العليا من الحقّ والعدل والمساواة، وأن تتلاشى فيها عوامل الانحطاط والتأخر من الجور والظلم والغبن، وأن تكون آمنة مستقرة خالية من الفتن والاضطراب حتّى تمد الأمة بخيرة الرجال وأكثرهم كفاءة، وانطلاقاً في ميادين البر والخير والإصلاح.
وقد انتجت البيئة الإسلاميّة العظماء والأفذاذ والعباقرة المصلحين الذين هم من خيرة ما أنتجته الإنسانيّة في جميع مراحل تاريخها كسيدنا الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعمار بن ياسر، وأبي ذر، وأمثالهم من بناة العدل الاجتماعي في الإسلام.
لقد نشأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جو تلك البيئة الإسلاميّة الواعية التي فجرت النور وصنعت حضارة الإنسان، وقادت شعوب الأرض لتحقيق قضاياها المصيرية، وأبادت القوى التي تعمل على تأخير الإنسان وانحطاطه، تلك البيئة العظيمة التي هبت إلى ينابيع العدل تعبّ منها فَتَروي وتُروي الأجيال الظامئة.
وقد شاهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في غضون الصبا ما حققته البيئة الإسلاميّة من الانتصارات الرائعة في إقامة دولة الإسلام وتركيز أسسها وأهدافها، وبث مبادئها الهادفة إلى نشر المودة والدعة والأمن بين الناس.
هذه بعض المكونات التربوية التي توفرت للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أعدته ليكون الممثل الأعلى لجده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الدعوة إلى الحق، والصلابة في العدل.
وعنى الإسلام كتاباً وسنة بشأن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأولاه المزيد من العناية والاهتمام؛ لأنه من مراكز القيادة العليا في الإسلام التي تطل على هذا الكون فتشرق على معالمه، وتصلح من شأن الإنسان، وتدفعه إلى السلوك النير، والمنهج السليم.
لقد قابل الإسلام بكل تكريم واحتفاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما عنى به مع أبويه وأخيه، فرفع ذكرهم وحث بإصرار على اتباع سلوكهم، والاقتداء بهم، وضمن للأمة ألا تزيغ عن طريق الهدى إذا لم تتقدم عليهم في مجالات الحكم والتشريع وغيرهما، ونشير بإيجاز إلى بعض ما أثر في الكتاب والسنّة في حقهم :
أما كتاب اللّه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أعلن فضل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إطار أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وله في كتاب اللّه غنيّ عن مدح المادحين ووصف الواصفين، وهذه بعض الآيات الناطقة في فضلهم :
قال تعالى : «إِنَّما يُرِيدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تطهيراً» (1).
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذه الآية :
وأجمع المفسرون (2)وثقات الرواة (3)أنّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم الخمسة أصحاب الكساء وهم : سيد الكائنات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وصنوه الجاري مجرى نفسه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويضعته الطاهرة عديلة مريم بنت عمران سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي يرضى اللّه لرضاها ويغضب لغضبها، وريحانتاه من الدنيا سبطاه الشهيدان الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) سيدا شباب أهل الجنّة، ولم يشاركهم أحد من الصحابة وغيرهم في هذه الآية، ويدل على هذا الاختصاص ما يلي :
أوّلاً : إنّ أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي، وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين فجلّلهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكساء كان عليه، ثم قال : اللّهمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ
1) الأحزاب 33 : 33.
2) تفسير القمي : 2 : 193 و 194. جامع البيان / الطبري : 22 : 60 - 8، وقد ذكر خمس عشرة رواية بطرق مختلفة بأنّ الآية مختصة بهم (عَلَيهِم السَّلَامُ). أسباب النزول : 251 و 252. أحكام لا السلام القرآن : 3 : 571 - 572. التفسير الكبير : 25: 209. الجامع لأحكام القرآن : 14 : 184. تفسير القرآن العظيم : 3: 413 - 416. الدر المنثور : 6: 603 - 607، وقد ذكر ثمان عشرة رواية بطرق مختلفة بأنّ الآية نزلت بحقّهم.
3) المصنف / ابن أبي شيبة : 7: 501، الحديث 41 كتاب السنة : 589، الحديث 1351. السنن الكبرى / النسائي : 5 : 113، الحديث 8409 مسند أحمد بن حنبل 1: 544، : الحديث 3052. صحیح مسلم: 7: 130. سنن الترمذي : 5 : 621 - 622، الحديث 3787. المستدرك على الصحيحين : 2 : 416 و : 3 : 147 و 148. المعجم الكبير : 3 : 52 - 56، الرقم 2662 - 2673.
بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، وَطَهَّرْهُمْ تَطْهِيراً يكرّر ذلك، وأم سلمة تسمع وترى، فقالت : وأنا معكم يا رسول اللّه ؟ ! ورفعت الكساء لتدخل، فجذبه منها، وقال لها إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ». وتواترت الصحاح بذلك (1)، وهي - حسب رواية أمّ سلمة - تدلّ بوضوح على الحصر بهم، وامتيازهم عن غيرهم بهذه المأثرة المشرقة.
ثانياً : إن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد سلك كلّ مسلك في إعلان اختصاص الآية بهم.
فقد روى ابن عباس قال : «شهدت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ أَهْلَ الْبَيْتِ «إِنَّمَا يُريدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (2)الصَّلاةَ رَحِمَكُمُ اللّه، كلّ يوم خمس مرّات» (3).
وروى أنس بن مالك : «أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر فيقول : الصَّلاَةَ لِلأَهْلَ الْبَيْتِ «إِنَّما يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهيرًا»» (4).
وروى أبو برزة قال : «صليت مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبعة أشهر، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقال : السَّلامُ عَلَيْكُمْ «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ اللّه الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»» (5).
وقد أكد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اختصاص الآية بأهل بيته ونفاها عن غيرهم إرشاداً للأمة، وإلزاماً لها باتباعهم وتسليم قيادتها لهم.
ثالثاً: احتجاج العترة الطاهرة على اختصاص الآية بهم، فقد قال الإمام الحسن الزكي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض خطبه : «وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ جَبْرَئِيلُ يَنْزِلُ إِلَيْنَا، وَيَصْعَدُ مِنْ عِنْدِنَا، وَأَنا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللّه عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً» (1).
وتواترت الأخبار من طرق العترة الطاهرة (2)معلنة اختصاص الآية بالخمسة من أصحاب الكساء وعدم تناولها لغيرهم من أسرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وليس لنساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أي نصيب في هذه الآية، فقد خرجن عنها موضوعاً أو حكماً كما يقول علماء الأصول. وللتدليل على ذلك نذكر موردين ممّا يلي :
الأوّل : إنّ الأهل - في اللغة - موضوع لعشيرة الرجل وذوي قرباه(3)ولا يشمل الزوجة، وأكد هذا المعنى زيد بن أرقم حينما سئل عن أهل بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هل يشمل زوجاته ؟
فأنكر ذلك، وقال : «لا - وأيم اللّه - إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها... أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده» (4).
الثاني : أنا لو سلمنا إنّ الأهل يشمل الزوجة ويطلق عليها فلابدّ من تخصيصه
بالأخبار المتقدمة فإنّها توجب التخصيص من دون شك، فقد بلغت حد التواتر اللفظي أو المعنوي.
وهناك جماعة من صنائع بني أمية ودعاة الخوارج حاولوا صرف الآية عن العترة الطاهرة واختصاصها بنساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؛ متمسكين بسياق الآية، ومن الذاهبين إلى ذلك عكرمة، ومقاتل بن سليمان، وكان عكرمة من أشدّ الناس تحاملاً على أصحاب الكساء، وكان ينادي بذلك في السوق (1).
وبلغ من إصراره وعناده أنه كان يقول : «من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبيّ» (2).
ومن الطبيعي أن نداءه في السوق، وعرضه للمباهلة إنما يدل على بغضه الشديد للعترة الطاهرة التي هي عِدل القرآن الكريم، ولابد لنا من النظر في شؤون عكرمة ومقاتل حتّى يتبين حقيقة اندفاعهما لما زعماه.
عكرمة البربري هو أبو عبد اللّه المدني أصله من البربر كان مولى للحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة من قبل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبقي رقاً. حتّى توفي ابن عباس، فباعه علي بن عبداللّه ثم استرده (3). وقد جُرح في عقيدته واتهم في سلوكه، فقد ذكر المترجمون له ما يلي :
أولاً : إنّه كان من الخوارج (1)، وقد وقف على باب المسجد فقال : ما فيه إلّا كافر (2)لأن الخوارج ذهبوا إلى كفر المسلمين، أما موقفهم من الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمعروف بالنصب والعداء.
ثانياً : إنّه عرف بالكذب، وعدم الحريجة منه، وقد اشتهر بهذه الظاهرة، فعن ابن المسيب أنّه قال لمولاه برد : «لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس» (3).
وعن عثمان بن مرة أنّه قال للقاسم : إن عكرمة حدثنا عن ابن عباس كذا، فقال القاسم : يابن أخى إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثاً يخالفه عشياً (4).
ومع اتهامه بالكذب لا يمكن التعويل على أيّة رواية من رواياته، فإن اقتراف الكذب من أظهر الأسباب التي توجب القدح في الراوي.
ثالثاً : إنّه كان فاسقاً يسمع الغناء، ويلعب بالنرد، ويتهاون في الصلاة، وكان خفيف العقل (5).
رابعاً : إن المسلمين قد نبذوه وجفوه، وقد توفي هو وكثَيِّر عزة الشاعر في يوم واحد فشهد الناس جنازة كثَيِّر ولم يشهدوا جنازته (6).
ومع هذه الطعون التي احتفت به كيف يمكن الاعتماد على روايته والوثوق بها ؟ !
1) الطبقات الكبرى : 5: 292 كتاب الثقات : 5 : 229 - 230 معجم الأدباء : 12 : 182، 5: 184. ميزان الاعتدال : 3: 96 طبقات القرّاء : 1 : 15.
2) میزان الاعتدال : 3: 95.
3) معجم الأدباء : 12 : 184 - 185 میزان الاعتدال : 3: 96.
4) كتاب الثقات : 5 : 230 معجم الأدباء : 12 : 189.
5) تهذيب التهذيب : 7 237. معجم الأدباء : 12 : 184. میزان الاعتدال : 3: 95.
6) تهذيب التهذيب : 7 240 ميزان الاعتدال : 3: 96.
وقد اعتمد عليه البخاري وتجنّبه مسلم (1).
قال البخاري : «ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة» (2).
ومن الغريب أنّ البخاري يعتمد في رواياته على عكرمة وأمثاله من المطعونين في دينهم، ويتحرّج من رواية العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن الكريم.
أما مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني، فهو كصاحبه عكرمة كان متهماً في دينه، وذكر المترجمون له ما يلي :
أولاً : إنّه كان كذاباً، قال النسائي : كان مقاتل يكذب، وكذلك قال وكيع (3).
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي : أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير - يعني في البدعة والكذب - : جُهَم، ومُقَاتِل، وعُمَر بن صبح.
وقال خارجة بن مصعب : كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين (4). ومع اتهامه بالكذب لا يصح الاعتماد على روايته، ويسقط حديثه عن الاستدلال به.
ثانياً : إنّه كان متهماً في دينه، وكان يقول بالتشبيه.
قال ابن حَبَّان : كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهاً يشبّه الرب سبحانه بالمخلوقين، وكان يكذب في الحديث (5).
وقد استحل بعض الأخيار دمه. يقول خارجة : لم استحل دم يهودي ولا ذمي،
ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يرانا فيه أحد لقتلته (1).
ثالثاً : عرف مقاتل بالنصب والعداء الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان دأبه صرف فضائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أثر عن الإمام أنّه كان يقول : «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» (2)، فأراد مقاتل أن يجاريه في ذلك فكان يقول : «سلوني عما دون العرش».
فقام إليه إنسان فقال له : أخبرني عن النملة أين أمعاؤها ؟ فسكت، ولم يطق جواباً (3).
وقال مرة : سلوني عمّا دون العرش ! فقام إليه رجل فقال له : «آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين حجّ من حلق رأسه ؟
فقال له : ليس هذا من علمكم، ولكنّ اللّه تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي» (4).
وهذه البوادر تدل على فساد آرائه، وعدم التعويل على أي حديث من أحاديثه
واستدل عكرمة ومقاتل بسياق الآية على أنها نزلت في نساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا تشمل أهل بيته، وقد عرض الإمام شرف الدين (رَحمهُ اللّه) بصورة موضوعية إلى إبطال ذلك.
قال (رَحمهُ اللّه) : «ولنا في رده وجوه :
الأوّل : إنّه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة، والأحاديث المتواترة الصحيحة.
الثاني : إنّها لو كانت خاصة في النساء كما يزعم هؤلاء - لكان الخطاب في الآية
بما يصلح للإناث؛ ولقال عزَّ من قائل : «عَنْكُنُ» و «يَطُهِّركُنَّ» كما في غيرهما في آياتهن، فتذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كافٍ في ردّ تضليلهم.
الثالث : إن الكلام البليغ يدخله الاستطراد والاعتراض وهو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته؛ إذ يقول لها : «إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيدَ كُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعرِضْ عَنْ هَذَا وَاستَغفِرِي لِذَنبِكَ» (1)، فقوله : «يُوسُفُ أعرِضْ عِن هَذَا» مستطرد بين خطابيه معها كما ترى.
ومثله قوله تعالى : «إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَريَةٌ أَفَسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرسِلَةٌ إِلَيهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَا يَرجِعُ المُرسَلُونَ» (2)، فقوله : «وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ» مستطرد من جهة اللّه تعالى بين كلام بلقيس.
ونحوه قوله عز من قائل : «فَلَا أُقسِمُ بِمَواقع النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» (3)، تقديره «فَلَا أُقْسِمُ بِمَواقع النُّجُوم... إِنَّهُ لَقُرآن كَرِيمٌ»، وما بينهما استطراد على استطراد، وهذا كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب وغيرهم من البلغاء.
وآية التطهير من هذا القبيل جاءت مستطردة بين آيات النساء، فتبين بسبب استطرادها أن خطاب اللّه لهنَّ بتلك الأوامر والنواهي والنصائح والآداب لم يكن إلا لعناية اللّه تعالى بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - أعني الخمسة - لئلا ينالهم - ولو من جهتهن - لوم، أو ینسب إليهم - ولو بواسطة - هنات، أو يكون عليهم للمنافقين - ولو بسببهن -
سبيل ؛ ولولا هذا الاستطراد ما حصلت النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم، وكمل إعجازه الباهر كما لا يخفى) (1).
ورأي الإمام شرف الدين (رَحمهُ اللّه) رأي وثيق، فقد قطع به تأويل المتأولين، ودحض أوهام المعاندين، وتمت به الحجة على المناوئين.
ودلت الآية بوضوح على عصمة الخمسة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقد أذهب تعالى عنهم الرجس - أي المعاصي - وطهرهم منها تطهيراً، وهذا هو واقع العصمة وحقيقتها. وقد تصدرت الآية للدلالة على ذلك بكلمة (إنّما) التي هي من أقوى أدوات الحصر، ويضاف إليه دخول (اللام) في الكلام الخبري، وتكرار لفظ الطهارة، وكل ذلك يدل - بحسب الصناعة - على الحصر والاختصاص، وإرادة اللّه في ذلك إرادة تكوينية يستحيل فيها تخلف المراد عن الإرادة : «إِنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2).
ويقول الإمام شرف الدين (رَحمهُ اللّه) : «إنها دلت بالالتزام على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنّه ادّعى الخلافة لنفسه، وادعاها له الحسنان وفاطمة، ولا يكونون كاذبين؛ لأنّ الكذب من الرجس الذي أذهبه اللّه عنهم، وطهرهم منه تطهيراً» (3).
وفرض اللّه على المسلمين مودة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال تعالى : «قُل لَا أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقتَرِف حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللّه غَفُورٌ شَكُورٌ» (1).
ذهب جمهور المسلمين إلى أنَّ المراد بالقربى هم : «علي، وفاطمة، وابناهما الحسن والحسين». وأن اقتراف الحسنة إنّما هي في مودتهم ومحبتهم، وفيما يلي بعض ما أثر في ذلك :
أوّلاً: روى ابن عباس، قال : «لما نزلت هذه الآية... قالوا : يا رسول اللّه، من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُما (2).
ثانياً : روى جابر بن عبد اللّه، قال : «جاء أعرابي إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : يا محمّد، أعرض عليّ الإسلام.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ محمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ.
قال الأعرابي : تسألني عليه أجراً ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا، إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قال الأعرابي : قرباي أم قرباك ؟
فقال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قُرْبايَ.
قال الأعرابي : هات أبايعك، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : آمین» (1).
ثالثاً: روى ابن عباس قال : «لما نزل قوله تعالى : «قُل لاَ أَسأَلْكُم عَلَيهِ أَجراً إِلا المَوَدَّةَ فِى القُربى» قال قوم في نفوسهم ما يريد إلا أن يحثنا على قرابته من بعده، فأخبر جبرئيل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنهم اتهموه، فأنزل «أمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِباً» (2).
فقال القوم : يا رسول اللّه، إنّك صادق، فنزل «وَهُوَ الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ» (3)» (4).
رابعاً : احتجاج العترة الطاهرة بأنّها نزلت فيهم، فقد خطب سبط الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأول وريحانته الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال في جملة خطابه : «وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ افْتَرَضَ اللّه مَوَدَّتَهُمْ عَلَى كلّ مُسْلِمٍ، فَقالَ تَبارَكَ وَتَعالى: «قُلْ لَا أَسأَلُكُم عَلَيْهِ أَجرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً»، فَاقْتِرافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنا أَهْل الْبَيْتِ» (5).
واحتجّ بها سيد الساجدين وزين العابدين الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جيء به
1) الأمالي / المفيد : 152 بحار الأنوار: 27 : 102. حلية الأولياء : 3 : 201.
2) الشورى 42: 24.
3) الشورى 42: 25.
4) شواهد التنزيل : 2 : 138، الحدیث 835. الصواعق المحرقة : 170. ينابيع المودة : 2 : 255.
5) حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1: 72 المستدرك على الصحيحين: 3 : 172 مجمع الزوائد : 9 : 146. الصواعق المحرقة : 170.
أسيراً إلى الطاغية يزيد وأقيم على درج دمشق، انبرى إليه رجل من أهل الشام فقال له : الحمد للّه الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرن الفتنة.
فنظر إليه الإمام فرآه مغفلاً قد خدعته الدعايات المضللة، وحادت به عن الطريق القويم فقال له : أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ ؟
قال : نعم.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَقَرَأْتَ أل حم ؟
قال : قرأت القرآن، ولم أقرأ أل حمّ.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما قَرَأْتَ : «قُلْ لَا أَسأَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى» ؟
فذهل الرجل ومشت الرعدة بأوصاله وسارع يقول : وإنكم لأنتم هم ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ (1).
خامساً : وقال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وفينا فِي الرَّحِمِ آيةٌ لَا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنا إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ، ثم قرأ: «قُلْ لا أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى» (2).
وعلّق الفخر الرازي على هذه الآية مشيداً بآل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال ما نصه : «وإذا ثبت هذا - يعني اختصاص الآية بآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)- وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدل عليه وجوه :
الأول : قوله تعالى : «إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى» ووجه الاستدلال به ما سبق.
وهو ما ذكره من قبل أن آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان
أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكَّ أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بهم وبين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل.
الثاني : لا شك أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يحبّ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» (1).
وثبت بالنقل المتواتر عن محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه كان يحب عليا والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله تعالى: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهْتَدُونَ» (2).
ولقوله تعالى : «فَلْيَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمرِهِ» (3).
ولقوله : «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّه فَاتَّبِعُونِي يُحببكُمُ اللّه» (4).
ولقوله سبحانه : «لَقَدْ كَانَ لَكُم فِي رسول اللّه أُسوَةٌ حَسَنَةٌ» (5).
الثالث : إنّ الدعاء للآل مَنصِبٌ عَظِيمٌ؛ ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله : «اللّهمَّ صَلِّ عَلَى محمّد وَعَلَى آلِ محمّد وَارْحَمْ محمّداً وَآلَ محمّد»، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآلِ، فكل ذلك يدل على أن حبّ آل محمّد واجب» (6).
إن مودة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من أهم الواجبات الإسلاميّة، ومن أقدس الفروض الدينية.
يقول الإمام محمّد بن إدريس الشافعي :
يَا آلَ بَيتِ رَسولِ اللّه حُبُّكُم***فَرْضُ مِنَ اللّه فِي القُرْآنِ أَنزَلَهُ
كَفَاكُمْ مِنْ عَظِيمِ القَدرِ أَنَّكُمُ***مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لا صَلاةَ لَهُ (1)
وقال ابن العربي :
رأيتُ وَلايي آل طه فَرِيضَةً***عَلَى رَعْمِ أَهْلِ البُعدِ يُورِثُنِي القُرْبَى
فَمَا طَلَبَ المَبْعُوثُ أَجْراً عَلَى الهُدَى***بِتَبلِيغِهِ إِلَّا المَودَّةَ فِى القُرْبَى (2)
ويقول شاعر الإسلام الكميت :
وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حَامِيمَ آيَةً***تَأَوَّلَها مِنَا تَقِيُّ وَمُعْرِبُ (3)
إنّ في مودة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أداء الأجر الرسالة، وصلة للرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشكراً له على ما لاقاه من عظيم العناء والجهد في سبيل إنقاذ المسلمين من الشرك، وتحرير عقولهم من الخرافات، وقد جعل تعالى حق نبيه العظيم على هذه الأمة أن توالي عترته، وتكن لها المودة والولاء.
من آيات اللّه البينات التي أعلنت فضل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) آية المباهلة.
قال تعالى : «فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبَتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَى الكَاذِبِينَ» (1).
واتّفق المفسّرون ورواة الحديث أنها نزلت في أهل البيت (2)، وأنّ «أَبْنَاءَنَا» إشارة إلى الحسنين علي، و «وَنِسَاءَنَ»ا إشارة إلى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، و «وَأَنْفُسَنَا» إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فقد نزلت الآية الكريمة في واقعة تاريخية بالغة الخطورة جرت بين قوى الإسلام وبين القوى الممثلة للنصارى، وموجز هذه الحادثة أن وفداً من نصارى نجران قدموا على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليناظروه في الإسلام، وبعد حديث دار بينهم وبين النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اتفقوا على الابتهال إلى اللّه ليجعل لعنته وعذابه على الكاذبين والحائدين عن الحق،
1) آل عمران 3: 61.
2) مجمع البيان: 2 : 762. جامع البيان : 3 : 299 - 300. تفسير الماوردي: 1 : 398 و 399 تفسير البغوي : 1 : 310 تفسير الكشاف : 1 : 193. التفسير الكبير : 8: 80 و 81 تفسیر البيضاوي : 2 : 46 و 47. البحر المحيط / أبو حيان الأندلسي : 3: 188 و 189. تفسیر النهر الماد: 1 : 334 تفسير القرآن العظيم : 1 : 319 الجامع لأحكام القرآن : 4: 104. تفسير الجلالين : 1: 35. تفسیر روح البيان : 1 457. مسند أحمد بن حنبل : 1: 301 : و 302، الحديث 1611. صحيح مسلم: 7: 120 و 121. السنن الكبرى / البيهقي : 7 63. سير أعلام النبلاء : 3: 286 و 287.
وعيّنوا وقتاً خاصاً لذلك، وانصرف وفد النصارى على موعد للعودة للمباهلة حتى يستبين أمر اللّه، ويظهر الحقّ ويزهق الباطل، وقد هامت نفوسهم بتيارات من الهواجس والأحاسيس، لا يعلمون أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمن يباهلهم ؟
وفي اليوم الذي اتفقا عليه خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد اختار للمباهلة أفضل الناس وأكرمهم عند اللّه، وهم : باب مدينة علمه وأبو سبطيه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويضعته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.
وأقبل ال(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)لّه وقد احتضن الحسين، وأمسك بيده الأخرى الحسن، وسارت خلفه الزهراء مغشاة بملاءة من نور اللّه، يسير خلفها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو باد الجلال.
وخرج السيّد والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل، ومعهم نصاری نجران و فرسان بني الحرث على خيولهم وهم على أحسن هيئة واستعداد، واحتشدت الجماهير وقد اشرأبت الأعناق تراقب الحادث الخطير، وساد الوجوم وصار الكلام همساً، ولما رأت النصارى هيئة الرسول مع أهل بيته، وهي تملأ العيون، وتعنو لها الجباه امتلأت نفوسهم رعباً وهلعاً من هيبة الرسول وروعة طلعته، وجثا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للمباهلة بخضوع، فتقدم إليه السيّد والعاقب وقد سرت الرعدة في نفوسهم قائلين : يا أبا القاسم بمن تباهلنا ؟
فأجابهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكلمات تمثلت فيها روعة الإيمان والخشية من اللّه قائلاً: أُباهِلُكُمْ بِخَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَكْرَمِهِمْ إِلَى اللّه، وأشار إلى علي وفاطمة والحسنين.
وانبريا يسألان بتعجب قائلين : لِمَ لا تباهلنا بأهل الكرامة - والكبر، وأهل الشارة ممّن آمن بك واتبعك ؟ !
فانطلق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يؤكد لهم أن أهل بيته أفضل الخلق عند اللّه قائلاً : أَجَلْ أُباهِلُكُمْ بِهَؤُلَاءِ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَفْضَلِ الْخَلْقِ.
فذهلوا، وعرفوا أنّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حق، وقفلوا راجعين إلى الأسقف زعيمهم يستشيرونه في الأمر قائلين له : يا أبا حارثة ماذا ترى في الأمر ؟
فقال : إني أرى وجوهاً لو سأل اللّه بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.
ولا يكتفي بذلك، وإنّما دعم قوله بالبرهان واليمين قائلاً: أفلا تنظرون محمّداً رافعاً يديه ينظر ما تجيئان به ؟ وحق المسيح إن نطق فوه بكلمة لا نرجع إلى أهل ولا إلى مالٍ !
وجعل ينهاهم عن المباهلة ويهتف فيهم، قائلاً: ألا ترون الشمس قد تغيّر لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب هائجة سوداء حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان، لقد أطل علينا العذاب، انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر كيف تتساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا ؟ !
لقد غمرتهم تلك الوجوه العظيمة، ورأوا بالعيان ما لها من مزيد الفضل والكرامة عند اللّه.
ويتدارك النصارى الأمر فأسرعوا إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلين : يا أبا القاسم، أقلنا أقال اللّه عثرتك.
ويخضعون لما شرطه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهم، وأعلن بعد ذلك أنهم لو استجابوا للمباهلة لهلكت النصارى قائلاً : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الْعَذَابَ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرانَ، وَلَوْ لَاعَنُوا لَمُسِحُوا قِرَدَةً وَخَنازِيرَ، وَلَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوادِي ناراً، وَلَاسْتَأْصَلَ اللّه نَجْرانَ وَأَهْلَهُ، حتّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ، وَما حالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى كُلِّهِمْ...(1)
وقد ذكر هذه القصة أكثر أهل الحديث والتفسير في ذكر الآية : 61 من سورة آل عمران.
.1) مناقب آل أبي طالب : 3 369 و 370. بحار الأنوار: 21: 344 و 345. التفسير الكبير : 8 : 80.نور الأبصار : 224.
وأوضحت هذه الحادثة الخطيرة مدى أهمية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنّهم لا مثيل لهم في المجتمع الإسلامي الحافل آنذاك بالمجاهدين والمكافحين في سبيل الإسلام، ولو أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجد من هو خير منهم ورعاً وتقوى لاختارهم للمباهلة؛ بل لو كان هناكمن يساويهم في الفضل لامتنع أن يقدم أهل بيته عليهم؛ لقبح الترجيح بلا مرجح، كما يقول علماء الأصول.
كما أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينتدب للمباهلة أحداً من عشيرته الأقربين فلم يدع صنو أبيه عمه العباس بن عبد المطلب، ولم يدعُ أحداً من أبناء الهاشميين ليضمه إلى سبطيه وكذلك لم يدعُ واحدة من أمهات المؤمنين وهنَّ كنَّ في حجراته، بل لم يدع شقيقة أبيه صفية ولا غيرها ليضمها إلى بضعته سيّدة نساء العالمين، ولم يدع غيرها من عقائل الشرف وخَفِرات عَمرو العُلى، وشيبة الحمد، ولا واحدة من نساء الخلفاء الثلاثة وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وجميع أسرته كانوا بمرأى منه ومسمع، والغرض من ذلك التدليل على فضل أهل بيته وعظيم شأنهم عند اللّه «ذَلِكَ فَضلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّه ذُو الفَضلِ العَظِيم» (1).
يقول الإمام شرف الدين (رَحمهُ اللّه) : «وأنت تعلم أن مباهله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهم والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده لفضل عظيم، وانتخابه إياهم لهذه المهمة العظيمة واختصاصهم بهذا الشأن الكبير، وإيثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق، فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق، ولن يلحقهم فيه لاحق، ونزول القرآن العزيز آمراً بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث يزيد فضل المباهلة ظهوراً، ويضيف إلى شرف اختصاصهم بها شرفاً، وإلى نوره نوراً» (2).
كما دلت الآية - بوضوح - على أن الإمام أمير المؤمنين هو نفس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
ورسول اللّه أفضل من جميع خلق اللّه فعلي كذلك بمقتضى المساواة بينهما.
وقد أدلى بهذا الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال : كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي، وكان مَعْلَم الاثني عشرية، وكان يزعم أنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء سوى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستدل على ذلك بقوله تعالى : «وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم» ؛ إذ ليس المراد بقوله : «وَأَنفُسَنَا» نفس محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب (رضیَ اللّهُ عنهُ)، فدلت الآية على أنّ نفس علي هي نفس محمّد، ولا يمكن أن يكون المراد أنّ هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي المساواة بينهما في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان نبياً، وما كان علي كذلك؛ ولانعقاد الإجماع على أنّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان أفضل من علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)، فبقي ما وراءه معمولاً به، ثم الإجماع دلّ على أن محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان أفضل من سائر الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء.. (1).
1) التفسير الكبير : 8: 81.
ومن آيات اللّه الباهرات التي أشادت بفضل العترة الطاهرة آية الأبرار.
قال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّه يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» (1).
روى جمهور المفسرين والمحدثين أنها نزلت في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(2)، وكان السبب في ذلك أن الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مرضا فعادهما جدهما الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع كوكبة من أصحابه، وطلبوا من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينذر اللّه صوماً إن عافاهما ممّا ألمَّ بهما من السقم، فنذر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صوم ثلاثة أيام، وتابعته الصديقة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وجاريتها فضة في ذلك.
ولما برئ الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) من المرض صاموا جميعاً، ولم يكن عند الإمام أمير المؤمنين في ذلك الوقت شيء من الطعام ليجعله إفطاراً لهم، فاستقرض - سلام اللّه عليه - ثلاثة أصواع من الشعير، فعمدت الصديقة في اليوم الأول إلى صاع فطحنته وخبزته، فلما آن وقت الإفطار وإذا بمسكين يطرق الباب يستمنحهم شيئاً من الطعام فعمدوا جميعاً إلى هبة قوتهم إلى المسكين، واستمروا في صيامهم
لم يتناولوا سوى الماء.
وفي اليوم الثاني عمدت بضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى تهيئة الطعام الذي كان قوامه خبز الشعير، ولما حان وقت الغروب وإذا بيتيم قد أضناه الجوع وهو يطلب الإرفاد منهم، فتبرعوا جميعاً بقوتهم ولم يتناولوا سوى الماء.
وفي اليوم الثالث قامت سيّدة النساء فطحنت ما فضل من الطعام وخبزته، فلما حان وقت الإفطار قدمت لهم الطعام، وسرعان ما طرق الباب أسير قد ألم به الجوع، فسحبوا أيديهم من الطعام ومنحوه له.
سبحانك اللّهمَّ ! أية مبرة أعظم من هذه المبرة ! وأي إيثار أبلغ من هذا الإيثار ! إنّه إيثار ما قصد به إلا وجه اللّه الكريم.
ووفد عليهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في اليوم الرابع فرآهم - ويا لهول ما رأى - أجساماً مرتعشة من الضعف، ونفوساً قد ذابت من الجوع، فتغير حاله وطفق يقول : وَاغَوْثاهُ، أَهْلُ بَيْتِ محمّد يَمُوتُونَ جِياعاً !
ولم يُنهِ الرسول كلامه حتّى هبط عليه أمين الوحي وهو يحمل المكافأة العظمى لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والتقييم لإيثارهم الخالد، إنّها مكافأة لا توصف بكيف ولا تقدر بكم، فهي مغفرة ورحمة ورضوان من اللّه ليس لها حد، فقد «جَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةٌ وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذَلَّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرًا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً» (1).
إنه عطاء سمح وجزيل فقد حباهم ربهم في الدار الآخرة من عظيم النعم
1) الإنسان 76: 12 – 17.
والكرامات، وأجزل لهم المزيد من مغفرته ورضوانه.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الآيات الكريمة التي نزلت في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المعنيين بتلك الآيات الكريمة النازلة من السماء، وقد أبرزت مدى مقامه العظيم عند اللّه.
في السنّة النبوية كوكبة ضخمة من الأحاديث نطق بها الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبرزت معالم شخصية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحددت أبعاد فضله على سائر المسلمين، وقد تظافرت النصوص بذلك وتواترت، وهي على طوائف : بعضها ورد في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ممّا هو شامل للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قطعاً، وبعضها الآخر ورد فيه وفي أخيه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وطائفة ثالثة وردت فيه خاصة، وفيما يلي ذلك :
أما ما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل عترته ولزوم مودتهم فطائفة كبيرة من الأخبار، وفيما يلي بعضها :
الأوّل : روى أبو بكر قال : «رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال : مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أَنا سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَ أَهْلَ الْخَيْمَةِ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ وَالَاهُمْ، لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا سَعِيدُ الْجَدَّ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا شَقِيُّ الْجَدٌ، رَدِيءُ الْوِلَادَةِ» (1).
الثاني : روى زيد بن أرقم : «أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ): أَنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ» (2).
1) شرح الأخبار : 3: 515. الغدير : 1 : 336 و : 4 : 323. الرياض النضرة : 3: 154.
2) مسند أحمد بن حنبل : 3 : 187، الحديث 9405. سنن ابن ماجة : 1: 53، الحديث 145. سنن الترمذي : 5 : 656، الحديث 3870. المستدرك على الصحيحين: 3: 149. تاریخ بغداد : 7: 137 الصواعق المحرقة : 187. الرياض النضرة : 3 : 154. كنز العمال : 12 : 96، الرقم 34159.
الثالث : روى أحمد بن حنبل بسنده : «أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ بيد الحسن والحسين وقال : من أَحَبَّنِي وَأَحَبُّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُما وَأُمَّهُما كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1)
وفي تهذيب التهذيب : 10 : 384 : «لمّا حدّث نصر بن علي بهذا الحديث - يعني حديث علي بن أبي طالب : أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ بيد حسن و حسین فقال : مَنْ مَنْ أَحَبَّ وَأَحَبَّ هذيْنِ وَأَبَاهُما وَأُمَّهُما كَانَ فِي دَرَجَتي يَومَ الْقِيامَةِ - أمر المتوكّل بضربه ألف سوط، فكلّمه فيه جعفر بن عبدالواحد، وجعل يقول له هذا من أهل السنّة، فلم يزل به حتّى تركه».
.الرابع : روى جابر: «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يوم بعرفات، وعلي تجاهه : ادْنُو مِنّي يا عَلِيُّ، خُلِقْتُ أنا وأنتَ مِنْ شَجَرَةٍ، أنا أصْلُها، وَأَنْتَ فَرْعُها، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَغْصانُها، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا أَدْخَلَهُ اللّه الجنّة» (2).
الخامس : روى ابن عباس قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : النُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ، وَأَهْلُ بَيْتِي أَمانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْإِخْتِلافِ، فَإِذَا خَالَفَتْهَا قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ اِخْتَلَفُوا فَصارُوا حِزْبَ إِبْلِيسَ» (3).
السادس : روى زيد بن أرقم قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتَابُ اللّه حَبْلٌ مَمْدُودٌ
1) مسند أحمد بن حنبل : 1: 125، الحديث 577. سنن الترمذي : 5: 599 و 600، الحديث.3733 الصواعق المحرقة : 187.
2) شرح الأخبار: 3 : 98 الطرائف : 1 : 158، الحديث 165. بحار الأنوار: 15: 20. تاريخ مدينة دمشق : 42: 64. شواهد التنزيل : 1 : 291.
3) المستدرك على الصحيحين : 3 : 149. فيض القدير : 6: 297. مجمع الزوائد : 9 : 174. وفي الصواعق المحرقة : 187 : أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : النُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَهْلُ بَيْتِي أَمانٌ لِأُمَّتِي.
مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْنِي، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهما ؟ !» (1).
إنّ حديث الثقلين من أروع الأحاديث النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً بين المسلمين، وقد تكرر هذا الحديث من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مواضع كثيرة، نشير إلى بعضها :
الأول : أعلن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك وهو في حجّه يوم عرفة، فقد روى جابر بن عبداللّه الأنصاري قال : «رأيت رسول اللّه في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول : يا أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتابُ اللّه وعِتْرَنِي أَهْلُ بَيْتِي» (2).
الثاني : أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أدلى بذلك في يوم الغدير، فقد روى زيد بن أرقم قال : «نزل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الجحفة، ثم أقبل على الناس فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال : إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيَّ إِلَّا نِصْفَ عُمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَىٰ فَأُجِيبُ، فَمَا أَنتُمْ قَائِلُونَ ؟
قالوا : نصحت.
قال : أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الجنّة حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ؟
قالوا: نشهد.
فرفع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يده فوضعها على صدره، ثم قال : وأَنا أَشْهَدُ مَعَكُم، والتفت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
1) بصائر الدرجات : 332 - 334 كمال الدين وتمام النعمة : 235. شرح الأخبار : 2: 479. الطرائف : 1 : 165. سنن الترمذي : 5: 622، الحديث 3788. أسد الغابة : 1: 490. ذخائر العقبى : 16.
2) الخصال : 487. بحار الأنوار: 29 : 340. سنن الترمذي : 5: 621، الحديث 3786. المعجم الكبير : 3 : 66، الرقم 2680 ينابيع المودّة : 1 : 99 و : 3 : 141.
إليهم فقال : ألَا تَسْمَعُونَ ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فَإِنِّي فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، وَأَنْتُمْ وارِدُونَ عَلَى الْحَوْضِ، وَأَنَّ عُرْضَهُ ما بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقدَاحٌ عَدَدُ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقْلَيْنِ ؟!
فناداه منادٍ : وما الثقلان يا رسول اللّه ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كِتابُ اللّه طَرَفٌ بِيَدِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيَكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَالْآخَرُ عِتْرَتي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُما رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُما فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُقَصِّرُوا عَنْهُما فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُما فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ».
ثم أخذ بيد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِن نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللّهمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعادِ مَن عاداهُ» (1).
الثالث : أعلن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك وهو على فراش الموت، فقد التفت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أصحابه، فقال لهم : «أَيُّها النّاسُ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سريعاً فَيُنْطَلَقُ بِي، وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ كِتابَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
ثم أخذ بيد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرفعها، فقال : هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُهُما ما خُلَّفْتُ فِيهِما» (2).
إنّ حديث الثقلين من أوثق الأحاديث النبوية وأوفرها صحة، وقد ذكر المناوي،
عن السمهودي أنّه قال : وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة (1)، وكلهم قد رووا هذا الحديث.
وقال ابن حجر : ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً (2).
ويدل هذا الحديث دلالة صريحة واضحة على حصر الإمامة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وعلى عصمتهم من الآثام والأهواء؛ لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرنهم بكتاب اللّه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن الطبيعي أن أي انحراف منهم عن الدين يعتبر افتراقاً عن الكتاب العزيز، وقد صرح (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعدم افتراقهما حتّى يردا عليه الحوض، فدلالته على العصمة ظاهرة جلية لا خفاء فيها، كما أكد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا الحديث على أمته ألا تتقدم عليهم، وأن تسلم إليهم قيادتها لئلا تهلك في مجاهل هذه الحياة.
والبحث عن معطيات هذا الحديث الشريف يستدعي وضع كتاب خاص فيه، وقد عرض جماعة من العلماء بصورة موضوعية وشاملة للبحث عنه (3).
السابع : روى أبو سعيد الخدري، قال : «سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَها نَجا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْنِي فِيكُمْ مَثَلُ باب حِطَّةَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ» (4).
وفي هذا الحديث دعوة خلّاقة وملزمة إلى التمسك بالعترة الطاهرة، فإنّها ضمان
لنجاة الأمة وسلامتها، كما أنّ في البعد عنها غواية وهلاكاً.
يقول الإمام شرف الدين (رَحمهُ اللّه) في بيان هذا الحديث : «وأنت تعلم أنّ المراد من تشبيههم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار، ومن تخلف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه، غير أن ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم والعياذ باللّه.
والوجه في تشبيههم (عَلَيهِم السَّلَامُ) باب حطة هو أن اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة؛ هذا وجه الشبه.
وقال ابن حجر - بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها - : «ووجه تشبيههم بالسفينة - فيما مر - أنّ من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرفهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان».
إلى أن قال : «وباب حطة - يعني ووجه تشبيههم بباب حطة - أنّ اللّه تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سبباً لها (1)» (2).
واستدل المتكلمون من الشيعة بهذا الحديث على حصر الإمامة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؛ لأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اجعلهم كسفينة نوح تميزاً لهم عن غيرهم، فالرجوع إليهم سبب للنجاة والتخلف عنهم سبب للضلالة والهلاك.
الثامن : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَعْرِفَةُ آلِ محمّد بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَحُبُّ آلِ محمّد
جَوازٌ عَلَى الصِّراطِ، وَالْوَلَايَةُ لِآلِ محمّد أَمانٌ مِنَ الْعَذَابِ» (1).
التاسع : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ محمّد ماتَ شَهِيداً، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ محمّد ماتَ مَغْفُوراً لَهُ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد ماتَ تائِباً، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد ماتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلَ الْإِيْمَانِ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد بَشَّرَهُ مَلَك الْمَوْتِ بِالجنّة ثُمَّ مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد يُزَفُ إِلَى الجنّة كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ إِلى بَيْتِ زَوجِهَا، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد فُتِحَ فِي قَبْرِهِ بابانِ إِلَى الجنّة، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ محمّد جُعِلَ قَبْرُهُ مَزارَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ محمّد ماتَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلى بُغْضِ آلِ محمّد جَاءَ يَوْمُ الْقِيامَةِ مَكْتُوباً بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللّه» (2).
لقد دعا الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى موالاة عترته، وأن نكن لهم في أعماق نفوسنا أصدق آيات الحب والولاء، وأن يكون ذلك مستمراً حتّى آخر لحظة من حياتنا.
العاشر : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اجْعَلُوا أَهْلَ بَيْتِى مِنْكُم مَكانَ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَمَكانَ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ، وَلَا يَهْتَدِي الرَّأْسُ إِلَّا بِالْعَيْنَيْنِ» (3).
الحادي عشر : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لَا تَزُولُ قَدَما عَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّىٰ يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْناهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ فِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَعَنْ حُبْنا أَهْلَ الْبَيْتِ» (4).
1) الغدير: 2 : 321 و 10 : 279 و 280. ينابيع المودة : 1 : 78 و : 2 : 254.
2) الرسالة السعدية : 22 و 23 العمدة / ابن البطريق : 54. سعد السعود : 141. بحار الأنوار: 23: 233. الجامع لأحكام القرآن : 16: 23. ينابيع المودة : 1: 91.
3) الأمالي / الطوسي : 482. شرح الأخبار : 2 : 512. بحار الأنوار: 23 : 121.
4) علل الشرايع 1: 218 الخصال : 253. الأمالي / الصدوق : 93، الحديث 70 شرح الأخبار : 2 : 508. العمدة / ابن البطريق : 58. المعجم الكبير : 11 : 83 و 84، الرقم 11177. مجمع الزوائد : 10 : 346.
الثاني عشر : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيا حَياتِي، وَيَمُوتَ مَمَاتِي، وَيَسْكُنَ جَنَّةَ عَدْنٍ الَّتي غَرَسَها رَبِّي فَلْيُوَالِ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي، وَلْيُوالِ وَلِيَّهُ، وَلْيَقْتَدِ بِأَهْلِ بَيْنِي مِنْ بَعْدِي فَإِنَّهُمْ عِتْرَتِي، خُلِقُوا مِنْ طِيْنَتِي، وَرُزِقُوا فَهْمِي وَعِلْمِي، فَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ أُمَّتِي، الْقاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتِي، لَا أَنا لَهُمُ اللّه شَفَاعَتِي» (1).
الثالث عشر : قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الجنّة أَنا وَفاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، قُلتُ : يا رَسُولَ اللّه فَمُحِبُّونا ؟ قال : مِنْ وَرائِكُمْ» (2).
الرابع عشر: روى أبو سعيد الخدري أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دخل على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فقال : «إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهذَا النّائِمُ - يعني علياً - وَهُما - يعني الحسن والحسين - لَفِي مَكانٍ واحدٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (3).
هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل عترته، والمتأمل فيها يطل على الغاية التي ينشدها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي جعل القيادة الإسلاميّة بيد أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين آثروا طاعة اللّه على كلّ شيء حتّى لا تزيغ الأمة في مسيرتها عن طريق الهدى والصلاح، ولا تنحرف في سلوكها عما أمر اللّه به، وتشيع في أوساطها العدالة والحق، وينسدّ الطريق أمام القوى الباغية من أن تنزو على منابر الحكم والخلافة الإسلاميّة.
وحفلت مصادر السيرة النبوية والأحاديث بحشد كبير من الأخبار التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حق السبطين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ومدى أهميتهما ومقامهما الكريم عنده، ونعرض فيما يلي لبعضها :
الأوّل : روى أبو أيوب، قال : «دخلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)بلعبان بين يديه - أو في حجره - فقلت : يا رسول اللّه أتحبّهما ؟
فقال : وَكَيْفَ لَا أُحِبُّهُما ؟ ! وَهُما رَيْحَانَتايَ مِنَ الدُّنْيا أَشُمُّهُما» (1).
وقد أضفى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهما لقب الريحانتين في مواطن عديدة، ونشير إلى بعضها :
1 - روی سعيد بن راشد قال : «جاء الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يسعيان إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخذ أحدهما فضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فضمه إلى إبطه الأخرى، وقال : هذانِ رَبْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا، مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبُّهُما» (2).
2 - قال سعد بن مالك : «دخلت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والحسن والحسين يلعبان على ظهره فقلت : يا رسول اللّه أتحبّهما ؟
فقال : وَما لِيَ لَا أُحِبُّهُما ؟ ! وَإِنَّهُما رَيْحَانَتايَ مِنَ الدُّنْيا» (3).
3 - روى أنس بن مالك قال : «دخلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والحسن والحسين يتقلبان على بطنه، ويقول : رَيْحَانَتِي مِن هَذِهِ الأُمَّةِ» (4).
1) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 130. صفوة الصفوة : 1 330 سير أعلام النبلاء : 3 : 282 مجمع الزوائد: 9: 181.
2) بحار الأنوار: 37: 75 تاريخ مدينة دمشق : 13 : 212 و : 14 : 149. ذخائر العقبي : 124.
3) نظم درر السمطين : 211. كنز العمّال: 3 : 971، الرقم 37712.
4) فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل : 20. السنن الكبرى / النسائي : 5: 49.
4 - روى أبو بكرة قال : كان الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يثبان على ظهر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الصلاة فيمسكهما بيده حتّى يرفع صلبه، ويقومان على الأرض، فلما فرغ أجلسهما في حجره، ثم قال : إِنَّ ابْنَيَّ هذَيْنِ رَبْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا» (1).
روى جابر : «أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): سَلَام عَلَيْكَ يا أبا الرَّبْحانَتَيْنِ، أَوْصِيكَ بِرَيْحَانَتَيَّ مِنَ الدُّنْيا خَيْراً فَمَنْ قَلِيلٍ يَنْهَدُ رُكْنَاكَ، وَاللّه خَلِيفَتِي عَلَيْكَ.
قال : فلما قبض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هذا أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلما ماتت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، قال علي : هذَا الرُّكْنُ الْآخَرُ الَّذِي قَالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
6 - روى البخاري بسنده عن ابن أبي نعم، قال : «كنت شاهداً لابن عُمَر وسأله رجل عن دم البعوض، فقال : مِمَّن أنت ؟
فقال : من أهل العراق.
قال : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : هُما رَيْحَانَتايَ مِنَ الدُّنْيا» (3).
الثاني : روى أنس بن مالك قال : «سئل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أيُّ أهل بيتك أحبّ إليك ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وكان يقول لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): إِدْعِي ابْنَى، فَيَشّمهما
1) الإرشاد / المفيد : 2 : 28. تاريخ مدينة دمشق : 13 : 202. كنز العمال: 13 : 667، الرقم 37699.
2) معاني الأخبار : 403، الحديث 69. روضة الواعظين : 152. العمدة / ابن البطريق : 308. ذخائر العقبى : 56 و 57.
3) فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 3: 226. صحيح البخاري : 8: 11، الحدیث 23. السنن الكبرى / النسائي : 5 : 150. المعجم الكبير : 3: 126 و 127، الرقم 2883. تاریخ مدينة دمشق : 14 : 129.
ويضمّهما إليه» (1).
الثالث : روى ابن عباس قال : «بينا نحن ذات يوم مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذ أقبلت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تبكي، فقال لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فِدَاكِ أَبُوكِ، مَا يُبْكِيكِ ؟
قالت : إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ خَرَجا، وَلَا أَدْرِي أَيْنَ باتا ؟
فقال لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا تَبْكِينَ، فَإِنَّ خَالِقَهُما أَلْطَفُ بِهِمَا مِنِّي وَمِنْكِ، ثم رفع يديه، فقال : اللّهمَّ احْفَظْهُما وَسَلَّمْهُما».
فهبط جبرئيل، وقال : يا محمّد، لَا تَحْزَنْ فَإِنَّهُما في حَضِيرَةِ بَنِي النَّجارِ نائِمَانِ، وَقَدْ وَكَّلَ اللّه بهما مَلَكاً يَحْفَظْهُما.
فقام النبيّ ومعه أصحابه حتّى أتى الحظيرة، فإذا الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) معتنقان نائمان، وإذا الملك الموكل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظلهما، فأكبَّ النبيّ يقبلهما حتّى انتبها من نومهما.
ثم جعل الحسن على عاتقه الأيمن، والحسين على عاتقه الأيسر، فتلقاه أبو بكر، وقال : يا رسول اللّه، ناولني أحد الصبيين أحمله عنك.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نِعْمَ الْمَطِيُّ مَطِيُّهُما، وَنِعْمَ الرّاكِبانِ هُما، وَأَبُوهُما خَيْرٌ مِنْهُما، حتّى أتى المسجد فقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على قدميه، وهما على عاتقيه.
ثمّ قال : مَعاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى خَيْرِ النَّاسِ جَدًا وَجَدَّةٌ ؟!
فقالوا : بلى يا رسول اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ جَدُّهُما رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ، وَجَدَّتُهُما خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدِ سيّدة نِساءِ أَهْل الجنّة.
1) بحار الأنوار : 43: 299. صحيح الترمذي : 5 : 615، الحديث 3772. تاريخ مدينة دمشق : 14: 153 ينابيع المودة : 2 : 33.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ألا أدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ أَبَاً وَأَمَاً ؟
قالوا : بلى يا رسول اللّه.
قال : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَبوهُما عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ، وَأُمِّهُما فَاطِمَةً بِنْتُ خَديجَةَ سيّدة نِساءِ الْعالَمينَ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ عَمَاً وَعَمَّةً ؟ !
قالوا : بلى يا رسول اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَمُهُما جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمْتُهُما أُمُّ هاني بنتُ أبي طالب.
ثمّ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَيُّها النَّاسُ، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ خالاً وَخالَةٌ ؟
قالوا : بلى يا رسول اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ حَالُهُما الْقَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ اللّه، وَخَالَتُهُما زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللّه.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فِي الجنّة، وَجَدَّهُما فِي الجنّة، وَجَدَّتُهُما فِي الجنّة، وَأَبَاهُما فِي الجنّة، وأُمَّهُما في الجنّة، وَعَمَّهُما فِي الجنّة، وَعَمْتَهُما فِي الجنّة، وَخالَهُما فِي الجنّة، وَخالَتَهُما فِي الجنّة، وَمَنْ أَحَبَّهُما فِى الجنّة، وَمَنْ أَبْغَضَهُما فِي النَّارِ» (1).
وهذا الحديث الشريف دلَّ بوضوح على مدى حبّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسبطيه، وأنّهما أحبُّ أهل بيته إليه، كما أنهما أفضل الناس نسباً وحسباً، وأن من أحبهما ينزل معهم مقاماً
1) الطرائف : 1 : 135 و 136، الحديث 129. المعجم الكبير : 3 : 66 و 67، الرقم 2682. تاريخ مدينة دمشق : 13 : 228 و 229 ذخائر العقبی : 130. مجمع الزوائد : 9: 184 كنز العمّال : 12 : 118 و 119، الرقم 34278.
كريماً في الفردوس.
الرابع : روى عمر قال : «رأيت الحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عاتقي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فقلت : نعم الفرس تحتكما.
فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَنِعْمَ الْفَارِسانِ هُما» (1).
وبهذا المضمون روى جابر قال : «دخلت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والحسن والحسين على ظهره وهو يقول : نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُما، وَنِعْمَ الْعِدْلَانِ أَنْتُما» (2).
وقد نظم ذلك السيّد الحميري بقوله :
أَتَى حَسَناً وَالحُسَينَ النبيّ***وَقَد بَرَزَا ضَحَوَةٌ يَلْعَبَانِ
فَفَدَّاهُمَا ثُمَّ حَيَّاهُمَا***وَكَانَا لَدَيهِ بِذَاكَ المَكَانِ
ومرًّا وَتَحتَهُمَا عَاتِقَاهُ***فَنِعْمَ المَطِيَّةُ وَالرَّاكِبَانِ (3)
الخامس : روى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيْدا شَبابِ أَهْل الجنّة (4)
ورواه الحاكم في المستدرك 3: 166 و 167 بسنده عن ابن عمر، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيْدَا شَبَابِ أَهْلِ الجنّة وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا».
وبهذا النص ورد في مسند الإمام زيد : 462.
وفي الإصابة : 1 : 266: «روى جهم قال : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : إِنَّ حَسَناً وَحُسَيْناً سَيْدا شَبَابِ أَهْلِ الجنّة».
وفي كنز العمال: 7: 26، الرقم 17795 و 12 : 112، الرقم 34246 : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيْدا شَبابِ أَهْلِ الجنّة، مَن أَحَبَّهُما فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي».
وفي الجامع الكبير : 1 : 20، عن ابن عساكر في تاريخه : 14: 135 بسنده عن حذيفة أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «أَتَانِي مَلَكَ فَسَلَّمَ عَلَيَّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَهَا فَبَشِّرَنِي أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيْدا شَبابِ أَهْلِ الجنّة، وَأَنَّ فاطِمَةَ سيّدة نِساءِ أَهْلِ الجنّة».
.1) شرح الأخبار: 3 : 107، الحديث 1043. بحار الأنوار : 43 : 285. الغدير : 2 : 266. تاريخ مدينة دمشق : 14: 162.
2) بحار الأنوار: 43: 285 الغدير : 2: 265. المعجم الكبير : 3: 52. تاريخ مدينة دمشق : 13 : 217. ذخائر العقبی : 132. مجمع الزوائد : 9: 182.
3) الأغاني : 7: 202.
4) مسند أحمد بن حنبل : 3 : 469، الحديث 11200. صحيح الترمذي : 5 : 614، الحديث 3768. تاریخ بغداد : 9 231. صفوة الصفوة : 1 : 330. حلية الأولياء : 5: 71.
السادس : روى سلمان الفارسي قال : «سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنايَ مَنْ أَحَبَّهُما أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّهُ اللّه، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللّه أَدْخَلَهُ الجنّة، وَمَنْ أَبْغَضَهُما أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي أَبْغَضَهُ اللّه، وَمَنْ أَبْغَضَهُ اللّه أَدْخَلَهُ النَّارَ» (1)
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد : 9: 179 و 180 بألفاظ مختلفة. وكذلك رواه المتقي الهندي في كنز العمّال: 12 : 120، الرقم 34286.
وفي سنن ابن ماجة : 1: 51، عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ أَحَبَّ صلى اللّه الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُما فَقَدْ أَبْغَضَنِي».
وفي تهذيب التهذيب 2: 258، في ترجمة نصر بن علي الأزدي روى علي بن الصواف، عن عبد اللّه بن أحمد : أن نصراً حدث أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ بيد حسن وحسين فقال : مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبُّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُما وَأَمَّهُما كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فلما سمع ذلك المتوكل أمر بضربه ألف سوط، فكلّمه فيه جعفر بن عبدالواحد، وجعل يقول له : هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتّى تركه.
.السابع : «كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران وهما يمشيان ويعثران، فنزل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، وقال : صَدَقَ اللّه إِذْ يَقُولُ: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَولادُكُم فِتنَةٌ» (2)لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ
الصَّبِيَّيْنِ وَهُما يَمْشِيانِ وَيَعْثَرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حتّى قَطَعْتُ حَدِينِي وَرَفَعْتُهُما» (1).
الثامن : روى يعلى بن مرة قال : «جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول اللّه فضمهما وقال : إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» (2)
ومعنى الحديث أنّ الولد يحمل أباه على البخل والجبن.
.التاسع : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِيْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ» (3)
وفي صبح الأعشى : 1 : 430 : «أنّ الحسن والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) علي أوّل من سميا بالسبطين في الإسلام».
.العاشر : روى أنس : «أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : أَحَبُّ أَهْلِ بَيْتِي إِلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ» (4).
الحادي عشر: روى أنس قال : «سئل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أي أهل بيتك أحب إليك ؟
قال : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. وكان يقول لفاطمة : ادْعِي لِي ابْنَيَّ، فيشمهما ويضمهما إليه».(5).
1) مسند أحمد بن حنبل : 6 : 486، الحديث 22486. صحيح أبي داود : 6 : 110. المستدرك على الصحيحين: 1 : 287. سنن الترمذي : 2 : 616 و 617. السنن الكبرى / النسائي : 3 : 192. السنن الكبرى / البيهقي : 3 : 218. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 149. أسد الغابة : 1 : 489 و 490 كنز العمال : 13: 663، الرقم 37686.
2) المجازات النبويّة : 157. مسند أحمد بن حنبل : 4: 172. المستدرك على الصحيحين: 3: 164. ذخائر العقبى : 123. مجمع الزوائد : 8 155.
3) شرح الأخبار: 3: 88. المعجم الكبير : 3 : 32 تاريخ مدينة دمشق : 14: 150. الصواعق المحرقة : 192. مجمع الزوائد : 9: 181. الجامع الصغير / السيوطي : 1: 575. كنز العمّال : 12 : 115 و 116، الرقم 34264 ينابيع المودّة : 1: 11 و : 2 : 91.
4) سنن الترمذي : 5 : 615 و 616. الجامع الصغير : 1 : 37. كنز العمّال : 12 : 116، الرقم 34265.
5) بحار الأنوار: 43: 299. سنن الترمذي : 5 : 615 و 616. تاريخ مدينة دمشق : 14: 153. نظم درر :السمطين : 210 تيسير الوصول / ابن الديبع : 3: 276.
الثاني عشر : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إمامانِ إِنْ قاما وَإِنْ قَعَدا» (1)
وفي نزهة المجالس 2 : 184 : «أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال الحسن والحسين : أَنْتُما الإمامانِ ولأُمِّكما الشَّفاعة».
وورد هذا الحديث في الإتحاف بحبّ الأشراف: 129.
.لقد أضفى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ريحانتيه حلة الإمامة، وجعلها من ذاتياتهما، سواء أقاما بالأمر وتقلدا شؤون الخلافة أم لا.
وذكر الرواة بوادر كثيرة تدل على مدى تعلق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسبطيه وشدة حبه لهما، وفيما يلي بعضها :
الأولى : إنّه كان إذا غاب عنه الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) اشتد شوقه إليهما، وأمر بمن يدعوهما إليه فيأخذهما ويشمهما، ويضمهما إلى صدره (2).
الثانية : قال عبد اللّه بن جعفر : كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا قدم من سفر تلقى بنا. قال : فتلقی بي وبالحسن أو بالحسين (3).
الثالثة : وبلغ من حُبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسبطيه أنه قبل بيعتهما له ضمن الثلاثة الصغار الذين بايعوه من أهل البيت، هما مع ابن عمهما عبداللّه بن جعفر، ولم يبايع صغيراً قط إلّا هم (4).
1) كفاية الأثر : 38. بحار الأنوار: 36 : 289
2) بحار الأنوار: 43: 299 سنن الترمذي : 5 : 615 - 616، الحديث 3772. تاريخ مدينة دمشق : 14: 153. نظم درر السمطين: 210.
3) صحيح مسلم : 7: 132. سنن ابن ماجة : 2 : 1240، الحديث 3773.
4) بحار الأنوار: 43: 278. الدرجات الرفيعة : 168. المعجم الكبير : 3: 115، الرقم 2843. العقد الفريد : 4 : 384. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 180. جواهر المطالب : 2 : 274. مجمع الزوائد : 6: 40.
الرابعة : وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحملهما على دابته فيجعل أحدهما قدامه والآخر خلفه (1).
الخامسة : وبلغ من حنانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعطفه على سبطيه أنّه كان يصلي العشاء، فإذا سجد وثبا على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذاً رفيقاً فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتّى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه (2).
اللّه لقد أولى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبطيه رعايته ومحبته ؛ ليري المسلمين مدى مكانتهما عنده حتّى يخفضوا لهما جناح المودة، ويقلدوهما قيادتهم الروحية والزمنية؛ ليسيرا بهم إلى مدارج الحياة الكريمة التي يجد فيها الإنسان جميع ما يصبو إليه.
وتواترت الأخبار التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل ريحانته الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تحدد معالم شخصيته، كما تحمل جانباً كبيراً من اهتمام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به، وفيما يلي بعضها :
الأول : روى جابر بن عبد اللّه قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَىٰ سَيِّدِ شَبابِ أَهْلِ الجنّة فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيَّ» (3).
الثاني : روى أبو هريرة قال : «رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو حامل الحسين بن علي،
1) صحيح مسلم : 7 130. سنن ابن ماجة : 2 : 1240، الحديث 3773.
2) الإرشاد / المفيد : 2 28 الثاقب في المناقب: 99 مسند أحمد بن حنبل : 3: 315، : الحديث 10281. المعجم الكبير : 3 : 51 و 52، الرقم 2659 المستدرك على الصحيحين : 3: 167. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 159. مجمع الزوائد : 9: 181.
3) بحار الأنوار: 43: 298 تاريخ مدينة دمشق : 14 : 136. الأنساب / السمعاني : 3: 476. ذخائر العقبي : 129. سير أعلام النبلاء : 3 : 282 و 283.
وهو يقول : اللّهمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» (1)
وفي نور الأبصار : 231، لفظ الحديث : «اللّهمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ وَأَحِبُّ كلّ مَنْ يُحِبُّهُ».
.الثالث : روى يعلى بن مرة قال : «خرجنا مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى طعام دعينا له، فإذا حسين يلعب بالسكة، فتقدم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبسط يديه فجعل الغلام يفر هاهنا وها هنا، ويضاحكه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه (2)فقبله، وقال : حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللّه مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً، حُسَيْنٌ سِبْطُ مِنَ الأَسْباط» (3).
ودلّل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذا الحديث الشريف على مدى الصلة العميقة التي بينه وبين وليده، وأكبر الظن أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يعن بقوله : «حُسَيْنٌ مِنّي...» الرابطة النسبية التي بينه وبينه، وإنما عنى أمراً آخر هو أدق وأعمق، فالحسين منه ؛ لأنه يحمل روحه وهديه، ويحمل اتجاهاته العظيمة الهادفة إلى إصلاح الإنسان ورفع مستواه، وتطوير وسائل حياته على أساس الإيمان باللّه الذي يحمل جميع مفاهيم الخير والسلام فى الأرض.
كما عنى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله : «وَأنا مِنْ حُسَيْنٍ» لما يبذله السبط العظيم من التضحية والفداء في سبيل الدين، وما تؤديه تضحيته من الفعاليات الهائلة في تجديد رسالة الإسلام، وجعلها نابضة بالحياة على مر الأجيال الصاعدة، فكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك
1) كفاية الأثر : 81 و 82 بحار الأنوار: 36 : 312 و 313 المستدرك على الصحيحین: 3 : 177.
2) وفي رواية : «فوضع إحدى يديه تحت قفاه، والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه وهو يقول : حُسَيْنٌ مِني وَأنا مِنْ حُسَينِ...».
3) مسند أحمد بن حنبل : 5 : 182، الحدیث 17111 سنن ابن ماجة : 1: 51. أنساب الأشراف : 3 : 359. المستدرك على الصحيحين: 3 : 177. أسد الغابة : 4 : 749 و 750. تهذيب الكمال : 6: 401 و 402.
حقاً من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو المجدد لدينه، والمنقذ له من شر تلك الطغمة الحاكمة التي جهدت على محو الإسلام من خريطة هذا الكون، وإعادة مفاهيم الجاهلية وخرافاتها على مسرح الحياة، وقد نسف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنهضته أحلام الأمويين، وأعاد للإسلام نضارته وحياته، ورفع رايته عالية خفاقة في جميع الأجيال.
كما دلل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على عظمة حفيده بأن أضفى عليه كلمة السبط، وأراد بها أنّه أمة من الأمم قائم بذاته، ومستقل بنفسه، فهو أمة من الأمم في الخير وأمة من الشرف في جميع الأجيال والآباد.
الرابع : روى الصحابي العظيم سلمان الفارسي، قال : «دخلت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول : أَنْتَ سَيِّدٌ ابْنُ سَيّدِ، أَنْتَ إِمَامٌ ابْنُ إمام أخُو إمامٍ وَأَبُو الأئمّة، وَأَنْتَ حُجَّةُ اللّه وَابْنُ حَجَّتِهِ، وَأَبُو حُجَج تِسْعَةٍ مِن صُلْبِك تاسِعُهُمْ قائِمُهُمْ» (1).
الخامس : قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : و هذا - يعني الحسين - إمام ابْنُ إِمَامٍ، أَخُو إمام، أبو أَئِمَّةٍ تِسْعَةٍ (2).
السادس : روى أبو العباس قال : «كنت عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، والنبيّ تارة يقبل هذا وأخرى يقبل هذا؛ إذ هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين.
فلما سرى عنه قال : «أَتَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ رَبِّي، فَقالَ لِي: يَا محمّد، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السّلامُ، وَيَقُولُ لَكَ : لَستُ أَجْمَعُهُما لَكَ، فانْدِ أَحَدَهُما بِصاحِبِهِ.
فنظر النبيّ إلى إبراهيم فيكى، ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ إِبْراهِيمَ أُمُّهُ أَمَةٌ وَمَتَى ماتَ لَمْ يَحْزَنْ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَأُمُّ الْحُسَيْنِ فَاطِمَةٌ، وَأَبُوهُ عَلِيُّ ابْنُ عَمِّي لَحْمِي وَدَمِي، وَمَتَى مَاتَ حَزَنَتْ ابْنَنِي، وَحَزَنَ ابْنُ عَمِّي، وَحَزَنْتُ أَنا عَلَيْهِ، وَأَنا أَوْثِرُ حُزْنِي عَلَى حُزنهما. يا جَبْرَئِيلُ يُقْبَضُ إِبْراهِيمُ فَدَيْتُهُ بِإبْراهِيمَ، وقبض إبراهيم بعد ثلاث.
فكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا رأى الحسين مقبلاً قبله، وضمه إلى صدره، ورشف ثناياه، وقال : فُدِيْتَ مَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيمَ» (1).
السابع : روى ابن عباس قال : «كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حاملاً الحسين على عاتقه، فقال له رجل : نِعْمَ المَرْكب ركبت يا غلام ! فأجابه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ» (2).
الثامن : روى يزيد بن أبي زياد قال : «خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي، فالتاع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ذلك فقال لفاطمة : أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ بكاءَهُ يُؤْذِينِي» (3).
التاسع : روى عبداللّه بن شداد، عن أبيه قال : «سجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سجدة أطالها حتّى ظننا أنّه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليه، فسألناه عن ذلك، فقال : كلّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِن ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّىٰ يَقْضِي حَاجَتَهُ» (4).
1) مثير الأحزان / ابن نما : 11. الطرائف : 1 : 290 تاریخ بغداد: 2 : 204. تاريخ مدينة دمشق : 52: 324.
2) سنن الترمذي : 5 : 620، الحديث 3784. المستدرك على الصحيحين: 3: 170. ينابيع المودّة : 2 : 36. التاج الجامع للأصول : 3: 218.
3) مناقب آل أبي طالب : 3: 226. المعجم الكبير : 3 : 116، الرقم 2847. تاريخ مدينة دمشق : 14: 171. ذخائر العقبی : 143. سير أعلام النبلاء : 3 284. مجمع الزوائد : 9: 201.
4) معاني الأخبار : 351. شرح الأخبار: 3 : 117. المجازات النبوية : 397. السنن الكبرى / النسائي : 2 : 229 و 230. تهذیب التهذيب : 2 : 346.
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ريحانته، وهي أوسمة شرف ومجد قلده بها إشعاراً منه بأنّ ظله وحقيقته ستمثل في هذا الطفل، وسيكون صورة فذة لإنسانيته العليا، وأسراره العظمى.
وأحاط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصحابه علماً بمقتل ريحانته وسبطه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأذاع ذلك بين المسلمين، حتّى بات عندهم من الأمور المتيقنة التي لم يخالجهم فيها أدنى شك.
يقول ابن عباس : «مَا كُنَّا نَشُكُ وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين بن علي يقتل بالطف» (1).
وقد بكى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر البكاء وأفجعه - في غير موطن - على ما سيحل بريحانته من الخطوب والكوارث التي تذوب منها القلوب، وفيما يلي عرض لتلك الأخبار :
الأول : روت أم الفضل بنت الحارث، قالت : «كان الحسين في حجري فدخلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد حملت معي الحسين، فوضعته في حجر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تهريقان من الدموع.
فقلت له : - يا نبي اللّه، بأبي أنت وأمي، ما لك ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هذا.
وذعرت أم الفضل، فانبرت تقول : يقتل هذا ؟ ! وأشارت إلى الحسين.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): نَعَمْ، وَأَتَانِي جَبْرَئِيلُ بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْراءَ» (2)
وفي تاريخ مدينة دمشق : 14 : 196 و 197 : عن أم الفضل، قالت : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دخل عليّ يوماً وحسين معي، فأخذه وجعل يلاعبه ساعة ثم ذرفت عيناه.
فقلت له : ما يبكيك ؟
فقال : هذا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرْنِي أَنَّ أُمَّتِي تَقْتُلُ ابْنِي هذا».
.واغرورقت عينا أم الفضل بالبكاء، وهامت في تيارات مذهلة من الأسى والحزن.
الثاني : روت السيّدة أم سلمة قالت : «إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو خائر (1). ثم اضطجع فاستيقظ وهو خائر دون ما رأيت به المرة الأولى، ثم اضطجع فاستيقظ، وفي يده تربة حمراء وهو يقبلها، فقلت له : ما هذه التربة يا رسول اللّه ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ ابْنِي هذا يعني الحسين - يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِراقِ، فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ : أَرِنِي تُرْبَةَ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِها ؟
قالَ : فَهَذِهِ تُرْبَتُها» (2).
الثالث : وروت أم سلمة قالت : «كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإذا الحسين في حجره - أو إلى جنبه - يمسح رأسه وهو يبكي، فقلت له : واللّه ما علمت حتى دخل.
فقال لي : إِنَّ جَبْرَئِيلَ كانَ مَعَنا فِي الْبَيْتِ، فَقالَ : أَتُحِبُّهُ ؟
فَقُلْتُ : نَعَمْ.
فَقالَ : إِنْ أُمِّتَكَ سَتَقْتُلُ هذا بِأَرْضِ يُقالُ لَها : كَرْبَلاءُ (3)
وأمّا اشتقاقها فيحتمل من الكُربة : وهي إثارة الأرض للزرع، أي بمعنى الرخاوة، ولما كانت أرض هذا الموضع رخوة سُمّيت كربلاء. أو من النقاوة : من كربلت الحنطة : إذا هززتها ونقيتها، ولمّا كانت هذه الأرض منقاة من الحصا الدقل سميت كربلاء. أو أن كربل : نبات الحماض كان نباته كثيراً في هذه الأرض فسميت به، والأظهر الثاني. نهضة أهل الحرمين : 42.
فَتَناوَلَ جَبْرَئِيلُ مِنْ تُرابِها،فَأَرانِيهِ» (1).
الرابع : روت عائشة قالت : «دخل الحسين بن علي على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول اللّه وهو منكب، فقال جبرئيل : أتحبه يا محمّد ؟
قال : يا جِبْرِيلُ، وَمَا لِيَ لَا أُحِبُّ ابْنِي ؟
قال : فإنّ أُمَّتك ستقتله أُمَّتك ستقتله من بعدك، فمد جبرئيل يده فأتاه بتربة بيضاء فقال : في هذه الأرض يقتل ابنك هذا، واسمها الطف.
فلما ذهب جبرئيل من عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتربة في يده وهو يبكي فقال : يا عائِشَةُ، إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنِي حُسَيْناً مَقْتُولٌ فِي أَرْضِ الطَّفِّ، وَأَنَّ أُمَّتِي سَتُفْتَنُ بَعْدِي.
ثم خرج إلى أصحابه وفيهم علي، وأبو بكر، وعمر، وحذيفة، وعمار، وأبو ذر، وهو يبكي فبادروا إليه قائلين : ما يبكيك يا رسول اللّه ؟ !
فقال : أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ ابْنِى الْحُسَيْنَ يُقتَلُ بَعْدِي بِأَرْضِ الطَّفُ، وَجاءَنِي بِهَذِهِ التُربَةِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيها مَضْجَعَهُ، (2)
وفي تهذيب الكمال : 6: 408 - 409 : «أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ التربة التي جاء بها جبرئيل 408 فجعل يشمها ويقول : وَيْحَ كَرْبٍ وَبَلاءَ».
.الخامس : روت زينب بنت جحش زوج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالت : «كان النبيّ نائماً عندي والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحبو في البيت، فغفلت عنه حتّى أتى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فصعد على بطنه ثم قام النبيّ يصلي واحتضنه، فكان إذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو ويرفع يديه ويقول... فلما قضى الصلاة، قلت له : يا رسول اللّه، لقد رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه ؟
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنِي يُقْتَلُ، قُلْتُ : فَأَرِنِي إِذا، فَأَتَانِي بِتَرْبَةٍ حمراء» (1).
السادس : روى ابن عباس قال : كان الحسين في حجر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال جبرئيل : أتحبه ؟
فقال : كَيْفَ لَا أُحِبُّهُ وَهُوَ ثَمَرَةُ فُؤَادِي ؟!
فقال : إنّ أُمّتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره ؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء (2).
السابع : روى أبو أمامة قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لنسائه : لَا تُبْكُوا هَذَا الصَّبِيَّ يعني حسيناً.
قال : وكان يوم أم سلمة، فنزل جبرئيل فدخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الداخل، وقال لأم سلمة : لَا تَدَعِي أَحَداً يَدْخُلُ عَلَيَّ.
فجاء الحسين فلما نظر إلى النبيّ في البيت أراد أن يدخل، فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه، فلما اشتد في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال جبرئيل للنبي : إن أُمتك ستقتل ابنك هذا.
فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَقْتُلُونَهُ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِي ؟!
قال : نعم، يقتلونه.
فتناول جبرئيل تربة، فقال له : بمكان كذا وكذا يقتل، فخرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد احتضن حسيناً وهو كاسف البال مغموم، فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبيّ عليه، فقالت : يا نبيّ اللّه، جعلت لك الفداء، إنّك قد قلت : لا تبكوا هذا الصبي، وأمرتني ألا أدع أحداً يدخل عليك، فجاء فخليت عنه. فلم يجبها النبيّ بشيء، وخرج إلى أصحابه، وهو غارق في الهم والأسى، فقال لهم : إِنَّ أُمَّتِي يَقْتُلُونَ هذا، وأشار إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فانبرى إليه القوم وفيهم أبو بكر وعمر فقالا له : يا نبي اللّه وهم مؤمنون ؟!! نَعَمْ وَهَذِهِ تُرْبَتُهُ» (1).
الثامن : روى أنس بن الحارث، عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : «إِنَّ ابْنِي هذا - وأشار إلى الحسين - يُقْتَلُ بِأَرْضِ يُقالُ لَها كَرْبَلاءُ فَمَنْ شَهِدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَنصُرة.
ولمّا خرج الحسين إلى كربلاء خرج معه أنس، واستشهد بين يديه» (2).
التاسع : روت أم سلمة، قالت : «كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بيتي فنزل جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا محمّد، إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك - فأوماً بيده إلى الحسين - فبكى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وضمه إلى صدره، وكان بيده تربة فجعل يشمها وهو يقول : وَيْحَ كَرْبِ وَبَلَاءٍ، وناولها أمّ سلمة فقال لها : إِذا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التَّرْبَةُ دَماً، فَاعْلَمِي أَنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ.
فجعلتها أم سلمة في قارورة، وجعلت تتعاهدها كلّ يوم، وهي تقول : إن يوماً
تتحولين دماً ليوم عظيم (1).
العاشر: رأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في منامه كأن كلباً أبقع ولغ في دمه، فأوله بأن رجلاً يقتل ولده الحسين، فكان شمر بن ذي الجوشن الأبرص هو الذي قتل الإمام (2).
الحادي عشر: روت أم سلمة قالت : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يُقْتَلُ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ مِنْ مُهاجِرِي» (3).
الثاني عشر : قال عمارة بن يحيى بن خالد بن عرفطة، قال : «كنّا عند خالد بن عرفطة يوم و الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال لنا خالد : هذا ما سمعت من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّكُمْ سَتَبْتَلَوْنَ فِي أَهْلِ بَيْنِي مِنْ بَعْدِي» (4).
الثالث عشر: روى معاذ بن جبل قال : «خرج علينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : أنا محمّد أَوْتِيْتُ فَواتِحَ الْكَلَامِ وَخَوانِمَهُ، فَأَطِيعُونِي مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، أَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرَّمُوا حَرامَهُ، أَتَتْكُمُ الْمَوْتَةُ... أَتَتْكُمْ فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، كُلَّما ذَهَبَ رُسُلٌ جَاءَتْ رُسُلٌ، تَناسَخَتِ النبوّة فَصَارَتْ مُلْكاً، رَحِمَ اللّه مَنْ أَخَذَها بِحَقِّها، وَخَرَجَ مِنْها كَما دَخَلَها، أَمْسِكَ يا مُعَاذُ، وَاحْصِ.
قال معاذ : فأحصيت خمسة - يعني من الخلفاء - فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَزِيدُ، لَا بَارَكَ اللّه فِي يَزِيدَ.
1) المعجم الكبير : 3 : 108، الرقم 2817. تاريخ مدينة دمشق : 14: 92 و 93. مجمع الزوائد : 9: 189.
2) مثير الأحزان / ابن نما : 48. تاريخ الخميس : 2 : 299.
3) المعجم الكبير : 3 : 105، الرقم 2807 تاریخ بغداد: 1 : 142. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 198. مجمع الزوائد : 9: 190.
4) بحار الأنوار: 28 : 290. المعجم الكبير : 4 : 192، الرقم 4111 مجمع الزوائد : 9: 194. الجامع الصغير : 1 : 388.
ثم ذرفت عيناه بالدموع، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نُعِيَ إِلَيَّ حُسَيْنُ، وَأُتِيْتُ بِتُرْبَتِهِ، وَأُخْبِرْتُ بِقاتِلِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُقْتَلُ بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِ لَا يَمْنَعُوهُ إِلَّا خَالَفَ اللّه بَيْنَ صُدُورِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ شِرارَهُمْ، وَأَلْبَسَهُمْ شِيَعاً.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): واها لِفِرَاخِ آلِ محمّد مِن خَلِيفَةٍ مُسْتَخْلَفٍ مُتْرَفٍ، يَقْتُلُ خَلَفِي وَخَلَفَ الْخَلَفِ، أَمْسَكَ يا مُعاذ.
فلما بلغت عشرة - أي عشرة أشخاص من الذين يتولون الحكم من بعده - قال : «الوَلِيدُ (1)
الملك الفاسق الذي انتهك جميع حرمات اللّه، أراد الحج لشرب الخمر فوق ظهر الكعبة، وهو أشدّ على هذه الأمة من فرعون على قومه، كما في الحديث.
وهو الذي رشق المصحف بالسهام، وقد نقم عليه المسلمون لما أظهره من الإلحاد والبدع والاستهتار بالفسق، وقد ثاروا عليه وقتلوه - تاريخ الخلفاء : 250 - 252.
اِسْمُ فِرْعَونَ هَادِمِ شَرائِعِ الْإِسْلَامِ يَبُوهُ بِدَمِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، يَسُلُّ اللّه سَيْفَهُ فَلَا غِمادَ لَهُ، وَاخْتَلَفَ النّاسُ وَكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه.ثم قال : «بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمائَةٍ مَوْتٌ سَرِيعٌ، وَقَتْلُ ذَريعَ، فَفِيهِ هَلاَكُهُمْ، وَيَلِيَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الْعَبّاسِ» (2).
لقد استشف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من وراء الغيب ما تمنى به أُمته من بعده من الكوارث والفتن من جراء ما يحدث فيما بينها من الصراع الرهيب على الحكم، حتّى يؤول أمر المسلمين إلى فراعنة الشر، وجبابرة الكفر من بني أُمية فيمعنون في قتل المسلمين وإذلالهم، كما أخبر بما سيجري على سبطه من القتل والتنكيل من يزيد بن معاوية، وأخبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن زوال الحكم الأموي وانتقاله إلى بني العباس وعما تعانيه الأمة في تلك الفترات العصيبة من القتل والجور والظلم، وقد تحقق جميع ذلك على مسرح
الحياة كما أخبر الصادق الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
الرابع عشر: روى ابن عباس قال : لما أتت على الحسين سنتان من مولده خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سفر له، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك ؟ فقال : هذا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرُنِي عَنْ أَرْضِ بِشاطِئِ الْفُراتِ يُقالُ لَها : كَرْبَلاءُ، يُقْتَلُ بِها وَلَدِي الْحُسَيْنُ ابْنُ فَاطِمَةَ.
فانبرى إليه نفر من أصحابه فقالوا له : من يقتله يا رسول اللّه ؟!
فاندفع يجيبهم بنبرات متقطعة حزينة قائلاً: رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: يَزيدُ، لَا بِارَكَ اللّه فِي نَفْسِهِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصْرَعِهِ وَمَدْفَنِهِ بَهَا، وَقَدْ أُهْدِيَ بِرَأْسِهِ، وَوَاللّه ما يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى رَأْسِ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ فَيَفْرَحُ إِلَّا خَالَفَ اللّه بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسانِهِ.
ولما قفل النبيّ من سفره كان مغموماً، فصعد المنبر ووعظ المسلمين، وقد حمل معه حفيديه وريحانتيه، فرفع رأسه صوب السماء، وقال : اللّهمَّ إِنِّي محمّد عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَهَدَانِ أَطايبُ عِتْرَتِي، وَخِيارُ ذُرِّيَّتِي، وَأَرُومَتِي، وَمَنْ أَخَلَّفُهُمْ فِي أُمَّتي. اللّهمَّ وَقَدْ أَخْبَرَنِي جَبْرِيلُ بِأنَّ وَلَدِي هذا مَقْتُولٌ مَحْذُولٌ. اللّهمَّ فَبَارِكْ لَهُ فِي قَتْلِهِ، وَاجْعَلْهُ من ساداتِ الشُّهَداءِ، إِنَّكَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللّهمَّ وَلَا تُبَارِكْ في قاتِلِهِ وَخاذِلِهِ.
وانقلبت ساحة الجامع إلى صرخة مدوية من البكاء والعويل، فقال لهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَتَبْكُونَ، وَلَا تَنْصُرُونَهُ ؟ ! اللّهمَّ فَكُنْ أَنْتَ لَهُ وَلِيّاً وَناصِراً.
قال ابن عباس : وبقي النبيّ متغير اللون محمر الوجه، فصعد المنبر مرة أخرى وخطب الناس خطبة بليغة موجزة، وعيناه تهملان دموعاً.
ثمّ قال : أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللّه وَعِشْرَتي، وَأَرُومَتِي، وَمَرَاحُ مَمَاتِي (1)، وَثَمَرَنِي، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَسْأَلُكُمْ
1) كذا في الأصل، وفي اللهوف : 15 والبحار : 44 : 248: «وَمِزاج مائي»، وهو الصحيح.
فِي ذلِكَ إِلَّا ما أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَسْأَلُكُمْ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبِي، فَانظُرُوا أَلَا تَلْقَوْنِي غَداً عَلَى الْحَوْضِ وَقَدْ أَبْغَضْتُمْ عِتْرَنِي.
أَلَا وَإِنَّهُ سَيَرِدَ عَلَيَّ فِي الْقِيامَةِ ثَلَاثُ راياتٍ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ :
رايَةٌ سَوداءُ مُظْلِمَةٌ قَدْ فَزَعَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَقِفُ عَلَيَّ، فَأَقُولُ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَيَنْسَوْنَ ذِكْرِي، وَيَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْلُ التَّوحِيدِ مِنَ الْعَرَبِ.
فَأَقُولُ : أَنَا أَحْمَدُ نَبِيُّ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
فَيَقُولُونَ : نَحْنُ مِنْ أُمَّتِكَ يا أَحْمَدُ.
فَأَقُولُ لَهُمْ : كَيْفَ خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي فِي أَهْلِي وَعِتْرَنِي، وَكِتَابِ رَبِّي ؟
فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْكِتابُ فَضَيَّعْناهُ وَمَزَّقْناهُ، وَ أَمَا عِتْرَتُكَ فَحَرَضْنَا عَلَى أَنْ تُبِيدَهُمْ عَنْ جَدِيدِ الْأَرْضِ.
فَأَوَلَي عَنْهُمْ وَجْهِي، فَيَصْدُرُونَ ظِماءً عُطَاشَىٰ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ.
ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةٌ أُخرى أَشَدُّ سَواداً مِنَ الْأُولَى، فَأَقُولُ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ كَما تَقُولُ الأولى : إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، نَحْنُ مِنْ أُمَّتِكَ.
فَأَقُولُ لَهُم : كَيْفَ خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ كِتابِ اللّه وَفِي عِشْرَتي ؟
فَيَقُولُونَ : أَمَا الْأَكْبَرُ فَخَالَفْنَاهُ، وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَخَذَلْناهُمْ وَمَزَّقْناهُمْ كلّ مُمَزَّقٍ.
فَأَقُولُ : إِلَيْكُمْ عَنِّي، فَيَصْدُرُونَ ظِماء عُطَاشَى مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ.
ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رايَةٌ أُخرى تَلْمَعُ نُوراً، فَأَقُولُ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُم ؟
فَيَقُولُونَ : نَحْنُ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ، نَحْنُ أُمَّةٌ محمّد، وَنَحْنُ بَقِيَّةُ أَهْلِ الحقّ الَّذِينَ حَمَلْنا كِتابَ رَبِّنا فَأَحْلَلْنا حَلَالَهُ، وَحَرَّمْنا حَرَامَهُ، وَأَحْبَبْنا ذُرِّيَّةَ نَبِيِّنَا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَنَصَرْناهُمْ
بِما نَصَرْنا بِهِ أَنْفُسَنَا، وَقاتَلْنا مَعَهُمْ، وَقَتَلْنا مَنْ ناوَاهُمْ.
فَأَقُولُ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَأَنا نَبِيُّكُمْ محمّد، وَلَقَدْ كُنتُمْ في دارِ الدُّنْيا كَما وَصَفْتُمْ، ثُمَّ أَسْقِيهِمْ مِنْ حَوْضِي فَيَصْدُرُونَ مَرْوِييْنَ، أَلَا وَإِنَّ جَبْرَئِيلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَدْ أَخْبَرَنِي بِأَنَّ أُمَّتِي تَقْتُلُ وَلَدِيَ الْحُسَيْنَ بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءِ، أَلَا فَلَعْنَةُ اللّه عَلَى قَاتِلِهِ وَحَاذِلِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
ثم نزل عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا واستيقن أن الحسين مقتول» (1).
هذه بعض الأخبار التي أعلن بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن مقتل سبطه وريحانته، ويلمس فيها ذوب روحه أسى وحزناً عليه، وقد تأكد المسلمون من هذه الأخبار بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يخالجهم فيه أدنى شك، كما آمن بها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأعلن ذلك في كثير من المواقف التي سنعرض لها في غضون هذا الكتاب.
روی عمار الدهني، قال : «مرّ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على كعب، فقال : يقتل من وُلد هذا الرجل رجل في عصابة - لا يجف عَرَق خيولهم حتّى يردوا على محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فمرّ حسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقالوا : هذا يا أبا إسحاق ؟
قال : لا.
فمرّ حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقالوا : هذا ؟
قال : نعم»(2).
الأزمة الجيد ين علي ال الجز الثاني عشر
واحتفت الصحابة بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) احتفاء بالغاً، وقابلوه بمزيد من التكريم والتعظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأحلّوه محل جده العظيم اللّه، وقد وجدوا فيه ما يرومونه من العلم والتقوى والحريجة في الدين.
ويقول المؤرخون : إنّه كان يحنو عليهم ويحدب على ضعفائهم، ويشاركهم في البأساء والضراء، ويصفح عن مسيئهم، ويتعهد جميع شؤونهم كما كان يصنع معهم جده الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وتسابق أعلام الصحابة ووجوههم للقيام بخدمته وخدمة أخيه الزكي الإمام أبي محمّد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانوا يرون أن أية خدمة تُسدى لهما فإنَّما هي شرف ومجد لمن يقوم بها.
فهذا عبد اللّه بن عباس حَبر الأُمّة على جلالة قدره وعظيم مكانته بين المسلمين كان إذا أراد الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن يركبا بادر فأمسك لهما الركاب، وَسوّى عليهما الثياب معتزاً بذلك، وقد لامه على ذلك مدرك أبو زياد، فزجره ابن عباس وقال له : يا لكع ! أتدري من هذان ؟ هذان ابنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أوليس ممّا أنعم اللّه به عليَّ أن أمسك لهما الركاب، وأسوي عليهما الثياب ؟(1).
وبلغ من تعظيم المسلمين، وتكريمهم لهما أنهما لما كانا يفدان إلى بيت اللّه الحرام ماشيين يترجل الركب الذي يجتازان عليه تعظيماً لهما، حتّى شقّ المشي على كثير من الحجاج فكلموا أحد أعلام الصحابة، وطلبوا منه أن يعرض عليهما الركوب أو التنكب عن الطريق، فعرض عليهما ذلك، فقالا : «لَا تَرْكَبُ، وَلَكِنْ نَتَنَكَّبُ عَنِ الطَّرِيقِ»، وسلكا طريقاً آخر (2).
وكانا إذا طافا بالبيت الحرام يكاد الناس أن يحطموهما من كثرة السلام عليهما، والتبرك بزيارتهما (1).
ومن ألوان ذلك التقدير أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اجتاز في مسجد جده على جماعة فيهم عبداللّه بن عمرو بن العاص فسلّم عليهم فردوا (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فانبرى إليه عبداللّه فرد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصوت عال، وأقبل على القوم فقال لهم : ألا أخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء ؟ قالوا : بلى
قال : هذا الماشي - وأشار إلى الحسين - ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفين، ولأن يرضى عنّي أحبّ إلي من أن يكون لي حمر النعم.
وانبرى إليه أبو سعيد الخدري، فقال : ألا تعتذر إليه ؟
فأجابه إلى ذلك، وخفّا إلى بيت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاستأذنا منه فأذن لهما، ولما استقر بهما المجلس أقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عبد اللّه فقال له : أَعَلِمْتَ يا عَبْدَ اللّه أَنِّي أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ؟
فأسرع عبد اللّه مجيباً : إي ورب الكعبة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما حَمَلَكَ عَلى أَنْ قاتَلْتَنِي وَأَبِي يَوْمَ صِفِّينَ، فَوَاللّه لأَبِي كَانَ خَيْراً مِنِّي ؟ !
وألقى عبد اللّه معاذيره قائلاً : أجل، ولكن عمرو - يعني أباه - شكاني إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال له : إنّ عَبدَ اللّه يَقوم الليل، ويصوم النهار.
فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : صَلَّ، وَنَمْ، وَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَأَطِعْ عَمْراً، فلما كان يوم صفين أقسم علي فخرجت، أما واللّه ما اخترطت سيفاً ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، وما زال يتلطف بالإمام حتّى رضى عنه (2)
أسد الغابة : 3: 247. مجمع الزوائد : 9 : 186 و 187. کنز العمال : 11: 343، الرقم : 31695.
.فقد كان عذره في طاعة أبيه في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يحمل طابعاً من المشروعية فإنّ طاعة الأبوين لا تشرع في معصية اللّه حسبما جاء في القرآن.
وعلى أية حال فقد كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) موضع عناية المسلمين وإجلالهم.
ويقول المؤرخون : إنّه حضر تشييع جنازة فسارع أبو هريرة فجعل ينفض بثوبه التراب والغبار عن قدمه (1)
وفي كفاية الطالب : 425، عن أبي المهزم، قال : «كنا في جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجيء بجنازة رجل فجعلها بينه وبين المرأة فصلى عليهما، فلما أقبلنا أعيا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَأَنْتَ تَفْعَلُ هذا ؟».
فقال أبو هريرة : دعني، فواللّه لو علم الناس منك ما اعلم لحملوك على رقابهم - سير أعلام النبلاء : 3 : 287.
.وقد أوصى المقداد بن الأسود - صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحد السابقين الأولين للإسلام - أن تدفع للحسن والحسين ستة وثلاثون ألفاً من تركته بعد وفاته (2).
لقد رأت الصحابة أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو بقية اللّه في أرضه والمثل الأعلى لجده، فأولته المزيد من حبها وتقديرها، وراحت تتسابق للتشرف بخدمته وزيارته.
وتجسدت في شخصية أبي الأحرار جميع القيم الإنسانيّة والمثل العليا، والتقت به عناصر النبوّة والإمامة، فكان بحكم مثله وتهذيبه فذاً من أفذاذ التكامل الإنساني، ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلاميّة، فهو - بحق - الأطروحة الخالدة للإسلام بجميع طاقاته ومقوماته.
إن أية صفة من صفات أبى الشهداء، أو نزعة من نزعاته الكريمة لترفعه عالياً على جميع عظماء العالم، وتدفع إلى القول - بلا مغالاة - أنه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الإطلاق ما عدا جده وأبيه، ونعرض - بإيجاز - إلى بعض خصائصه وذاتياته.
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين استكملت فيهم الصفات الإنسانيّة، وبلغوا ذروة الكمال المطلق، وأقاموا منار هذا الدين، ورفعوا شعار الحقّ والعدل في الأرض، وتبنوا القضايا المصيرية للإسلام، وعانوا في سبيله سبيله جميع ألوان الكوارث والخطوب، ولاقواكل جهد وضيق من جبابرة عصورهم الذين اتخذوا مال اللّه دولاً وعباد اللّه خولاً.
وقد نظر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يوحى إليه - من خلال الأحقاب المترامية إلى الأئمّة الطاهرين من أهل بيته فعرفهم بأسمائهم وصفاتهم، ودلل بنصوصه العامّة والخاصّة
على أنّهم خلفاؤه وأوصياؤه، وأنّهم سفن النجاة وأمن العباد، وقرنهم بكتاب اللّه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد ألمحنا إلى الكثير من تلكم النصوص في البحوث السابقة فلم تعد هنا ضرورة لذكرها، كما أنا بحثنا بصورة موضوعية وشاملة عن الإمامة وضرورتها، وواجبات الإمام وصفاته في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) (1)، فلا حاجة لإعادة البحث هنا.
أما المظاهر الفذة التي اتصفت بها شخصية أبي الأحرار، وكانت من عناصره ومقوماته، فهي :
من النزعات الذاتية لأبي الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوة الإرادة، وصلابة العزم والتصميم، وقد ورث هذه الظاهرة الكريمة من جده الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي غيّر مجرى التاريخ، وقلب مفاهيم الحياة، ووقف صامداً وحده أمام القوى الهائلة التي هبت لتمنعه من أن يقول كلمة اللّه، فلم يعن بها وراح يقول لعمه أبي طالب مؤمن قريش : «يا عَمْ، وَاللّه لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حتّى يُظْهِرَهُ اللّه، أَوْ أَهْلَكَ فِيهِ ما تَرَكْتُهُ» (2).
بهذه الإرادة الجبارة قابل قوى الشرك، واستطاع أن يتغلب على مجريات الأحداث، وكذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم الأموي فأعلن بلا تردد رفضه
لبيعة يزيد، وانطلق مع قلة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق، ويدحض كلمة الباطل، وقد حشدت عليه الدولة الأموية جيوشها الهائلة، فلم يحفل بها، وأعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلاً: «لا أرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةٌ، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً» (1).
وانطلق مع الأسرة الكريمة من أهل بيته وأصحابه إلى ميدان الشرف والمجد ليرفع راية الإسلام، ويحقق للأمة الإسلاميّة أعظم الانتصارات والفتح حتّى استشهد سلام اللّه عليه، وهو من أقوى الناس إرادة، وامضاهم عزيمة وتصميماً غير حافل بما عاناه من الكوارث التي تذهل العقول وتحير الألباب.
والصفة البارزة من نزعات الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاباء عن الضيم حتّى لقب : بـ(أبيِّ الضيم)، وهي من أعظم القابه ذيوعاً وانتشاراً بين الناس، فقد كان المثل الأعلى لهذه الظاهرة، فهو الذي رفع شعار الكرامة الإنسانيّة ورسم طريق الشرف والعزة، فلم يخنع، ولم يخضع لقرود بني أمية، وآثر الموت تحت ظلال الأسنة، يقول عبدالعزيز ابن نباتة السعدي :
وَالحُسَينُ الَّذِي رَأَى المَوتَ فِي ال***عِزُ حَياةُ وَالعَيشَ فِي الذُّلِ قَتْلا (2)
يقول ابن أبي الحديد : «سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحمية، والموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنية، أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عرض عليه الأمان هو وأصحابه فأنف من الذل، وخاف ابن زياد أن يناله بنوع
من الهوان مع أنّه لا يقتله، فاختار الموت على ذلك.
وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول : كأن أبيات أبي تمام في محمّد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَقَد كَانَ فَوتُ المَوتِ سَهْلاً فَرَدَّهُ***إِلَيهِ الحِفَاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعْرُ
وَنَفْسٌ تَعَافُ العَارَ حتّى كَأَنَّمَا***هُوَ الكُفْرُ يَومَ الرُّوع أو دُونَهُ الكُفْرُ
فَأَثَبَتَ فِي مُستَنقَعِ المَوتِ رِجْلَهُ***وَقَالَ لَهَا مِن تَحْتِ أَخْمُصِكِ الحَشْرُ
غَدَا غَدْوَةٌ وَالحَمْدُ نَسْجُ رِدَائِهِ***فَلَمْ يَنْصَرِف إِلا وَأَكْفَانُهُ الأَجْرُ
تَرَدَّى ثِيَابَ المَوتِ حُمْراً فَمَا دَجَا***لَهَا الليلُ إِلَّا وَهيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ (1)
لقد علَّم أبو الأحرار الناس نبل الإباء ونبل التضحية، يقول فيه عبداللّه بن الزبير : «واختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة» (2).
وقد تمثل مصعب بن الزبير عند قتاله جيوش أهل الشام في زمن خلافة أخيه عبد اللّه :
فَإِنَّ الأُلَى بِالطَّفِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ***تَأْسَوا فَسَنُوا لِلكِرَامِ التَّاسِيَا (3)
وقد كانت كلماته يوم الطف من أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزة والمنعة والاعتداد بالنفس، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَةِ وَالذَّلَّةِ، وَهَيْهاتَ مِنا الذُّلَّةَ.
يَأْبَى اللّه لنا ذلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ،
وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ تُؤْثِرَ طَاعَةَ اللَّنامِ عَلى مَصارعِ الْكِرامِ...» (1).
ووقف يوم الطف كالجبل الأشم غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردة الأموية، وقد ألقى عليهم وعلى الأجيال أروع الدروس عن الكرامة وعزة النفس وشرف الإباء، قائلاً : وَاللّه لَا أَعْطيكُمْ بِيَدي إعْطاءَ الذُّلِيلِ، وَلَا أَفِرُّ فِرارَ الْعَبِيدِ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ... (2).
وألقت هذه الكلمات المشرقة الأضواء على مدى ما يحمله الإمام العظيم من الكرامة التي لا حدّ لأبعادها، والتي هي من أروع ما حفل به تاريخ الإسلام من صور البطولات الخالدة في جميع الآباد.
وتسابق شعراء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى تصوير هذه الظاهرة الكريمة، فكان ما نظموه في ذلك من أثمن ما دونته مصادر الأدب العربي، وقد عنى السيّد حيدر الحلي إلى تصوير ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
طَمَعَتْ أَنْ نَسُومَهُ القَومُ ضَيماً***وَأَبَى اللّه وَالحُسامُ الصَّنِيعُ
كَيفَ يلوي عَلَى الدِّنِيَّةِ جيداً***لِسِوَى اللّه مَا لَواهُ الخُضُوعُ
وَلَدَيهِ جَاسٌ أَرَدُّ مِنَ الدَرْعِ***لِظمأى القَنا وَهُنَّ شُرُوعُ
وَبِهِ يَرجِعُ الحِفاظ لِصَدرِ***ضاقَتِ الأَرْضُ وَهِيَ فِيهِ تَضِيعُ
فَأَبَى أَن يَعِيشَ إِلَّا عَزِيزاً***أَوْ تَجَلَّى الكِفَاحُ وَهوَ صَرِيعُ (3)
1) تحف العقول : 241 و 242. اللهوف في قتلى الطفوف 59. بحار الأنوار : 45 : 8 و 9. منتهى الآمال : 1 : 487 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرّم : 287. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 7 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 249 و 250.
2) الإرشاد / المفيد : 2 : 98 مثير الأحزان / ابن نما : 37 بحار الأنوار: 44 : 191. مقتل الحسين / المقرّم : 280. الكامل في التاريخ : 3 : 288.
3) ديوان السيّد حيدر الحلي : 1 : 87.
ولم تصوّر منعة النفس وإباؤها بمثل هذا التصوير الرائع، فقد عرض السيّد حيدر الحلي إلى ما صَمِّمت عليه الدولة الأموية من ارغام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الذل والهوان، وإخضاعه لجورهم واستبدادهم، ولكن يأبى له اللّه ذلك، وتأبى له نفسه العظيمة التي ورثت عزّ النبوّة أن يقر على الضيم، فإنّه - سلام اللّه عليه - لم يلوِ جِيدَهُ خاضعاً لأي أحد إلا اللّه، فكيف يخضع لأقزام بني أمية ؟ ! وكيف يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أردّ من الدرع للقنا الظامئة، وما أروع قوله :
وَبِهِ يَرجِعُ الحِفاظ لِصَدْرٍ***ضاقَتِ الْأَرْضُ وَهِيَ فِيهِ تَضِيعُ
وهل هناك أبلغ أو أدق وصفاً لاباء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعزته من هذا الوصف ؟ ! فقد أرجع جميع طاقات الحفاظ والدمام الصدر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي ضاقت الأرض من صلابة عزمه وتصميمه، بل إنّها على سعتها تضيع فيه. ومن الحقّ أنّه قد حلّق في وصفه لإباء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويضاف لذلك جمال اللفظ، فليس في هذا الشعر كلمة غريبة أو حرف ينبو عن السمع.
وانظر إلى هذه الأبيات من رائعته الأخرى التي يصف بها اباء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيقول :
لَقَدْ َماتَ لَكِنْ مِيتَةً هَاشِمِيةٌ***لَهُمْ عُرِفَتْ تَحْتَ القَنَا المُتَقَصِّدِ
کريم أبى شَمُ الدُّنِيَّةِ أَنفُهُ***فَأَسْمَمَهُ شَوكُ الوَشِيج المُسَدِّدِ
وَقَالَ قِفِي يَا نَفْسُ وَقفَةً وَارِد***حِياضَ الرَّدَى لاَ وَقفَةَ المُتَرَدِّدِ
رَأَى أَنَّ ظَهْرَ الذُّلِّ أَخْشَنُ مَركِباً***مِنَ المَوتِ حَيثُ المَوتُ مِنْهُ بِمَرصَدِ
فَآثَرَ أَنْ يَسعى عَلَى جَمْرَةِ الوَغَى***برجل وَلَا يُعطِي المَقادَةَ عَنْ یَدِ (1)
بِرِجْلٍ لا أكاد أعرف شعراً أدق ولا أعذب من هذا الشعر، فهو يمثل أصدق تمثيل منعة
1) ديوان السيّد حيدر الحلي : 1: 71 و 72.
الإمام العظيم، وعزة نفسه التي أثرت الموت تحت ظلال الأسنة على العيش الرغيد بذلّ وخنوع، ناهجاً بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال، واندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية والفداء؛ لينعموا بالكرامة والعزة.
ومضى السيّد حيدر في تصويره لاباء الإمام الشهيد فوصفه بأنه أبى شم الدنية والضيم، وعمد إلى شم الرماح والسيوف ؛ لأنّ بها طعم الإباء وطعم الشرف والمجد.
وعلى هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي السيّد حيدر في تصويره لمنعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تلك المنعة التي ملكت مشاعره وعواطفه كما ملكت عواطف غيره. ومن المقطوع به أنه لم يكن متكلفاً بذلك ولا منتحلاً، وإنما وصف الواقع وصفاً صادقاً لا تكلف فيه.
ويقول السيّد حيدر الحلي : في رائعة أخرى يصف بها إباء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسمو ذاته، ولعلها من أجمل ما رئي به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول :
وَسامَتْهُ يَركَبُ إِحْدَى اثْنَتَينِ***وقد صَرَّتِ الحَرْبُ أَسنانها
فَإِمَّا يُرَى مُذْعِناً أو تَمُوتُ***نَفْسٌ أَبَى العِزُّ إِذعانَها
فَقالَ لَها اعتَصِمِي بالإباء***فَنَفْسُ الأَبِي وَما زَانَها
إِذَا لَمْ تَجِدْ غَيرَ لِبْسِ الهَوانِ***فَبِالمَوتِ تَنْزَعُ جُثْمانَها
رأى القَتْلَ صَبْراً شِعار الكرام***وَفَخْراً يُزِينُ لها شأنها
فَشَمَّرَ لِلحَرْبِ فِي مَعْرَكِ***بِهِ عَرَكَ المُوتُ فُرسانها (1)
إن مراثي السيّد حيدر للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعد - بحق - طغراءً مشرقاً في تراث الأمة العربية، فقد فكر فيها تفكيراً جاداً، ورتب أجزاءها ترتيباً دقيقاً حتّى جاءت بهذه الروعة، وكان - فيما يقول معاصروه - ينظم في كلّ حول قصيدة خاصة في الإمام
1) ديوان السيّد حيدر الحلي : 1 : 109 و 110.
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويعكف طيلة عامه على إصلاحها، ويمعن إمعاناً دقيقاً في كلّ كلمة من كلماتها حتّى جاءت بمنتهى الروعة والإبداع (1).
ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع، ولا أربط جاشاً، ولا أقوى جناناً من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد وقف يوم الطف موقفاً حيّر فيه الألباب، وأذهل فيه العقول، وأخذت الأجيال تتحدث بإعجاب وإكبار عن بسالته، وصلابة عزمه، وقدم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض.
وقد بهر أعداؤه الجبناء بقوة بأسه، فإنّه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه، وكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلما ازداد الموقف بلاء ومحنة، فإنّه بعد ما فقد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره، وكان عدده - فيما يقول الرواة - ثلاثين ألفاً (2)، فحمل عليهم وحده وقد ملك الخوف والرعب قلوبهم، فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزى إذا شد عليها الذئب - على حد تعبير الرواة (3)- ويقي صامداً كالجبل يتلقى الطعنات من كلّ جانب، ولم يوة له ركن، وإنّما مضى في أمره استبسالاً واستخفافاً بالمنية، يقول السيّد حيدر :
فَتَلَقَّى الجُمُوعَ فَرْداً وَلَكِنْ***كلّ عُضْوِ فِي الرَّوعِ مِنْهُ جُمُوعُ
رُمحُهُ مِن بَنَانِهِ وَكَأَنَّ مِنْ***عَزمِهِ حَدٌ سَيفِهِ مَطبوع
زُوِّجَ السِّيفُ بِالنُّفُوسِ وَلكِنْ***مهرُها المَوتُ وَالخِضابُ النَّجِيعُ (4)
ويقول في رائعة أُخرى :
رَكِينٌ وَلِلأَرْضِ تَحْتَ الكُماة***رَجِيفٌ يُزَلْزِلُ ثَهْلَانَها
أَقَرٌ عَلَى الأَرضِ مِنْ ظَهْرِها***إِذَا مَلَمَلَ الرُّعْبُ أَقرانها
تَزِيدُ الطَّلَاقَةُ فِي وَجهِهِ***إِذَا غَيْرَ الخَوْفُ أَلوانها
ولما سقط أبي الضيم على الأرض جريحاً، وقد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش بأسره من الإجهاز عليه رعباً وخوفاً منه، يقول السيّد حيدر :
عَفِيراً مَتَى عَايَنَتْهُ الكُمَا***ةُ يَخْتَطِفُ الرُّعْبُ أَلوَانَها
فَما أَجْلَتِ الحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ***صَرِيعاً يُجَبِّنُ شُجْعَانَها (1)
وتغذى أهل بيته وأصحابه بهذه الروح العظيمة، فتسابقوا إلى الموت بشوق وإخلاص لم يختلج في قلوبهم رعب ولا خوف، وقد شهد لهم عدوهم بالبسالة ورباطة الجأش، فقد قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد : ويحك ! أقتلتم ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟
فاندفع قائلاً: عضضت بالجندل، إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أم لك ؟ ! (2).
ووصف بعض الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله :
فَلَو وَقَفَتْ صُمُّ الجِبَالِ مَكَانَهُم***لَمَادَتْ عَلَى سَهْلٍ وَدُكَّتْ عَلَى وَعْرِ
فَمِنْ قائِمِ يَستَعرِضُ النَّبْلُ وَجْهَهُ***وَمِنْ مُقْدِمٍ يَرْمِي الأَسِنَّةَ بِالصَّدْرِ(1)
وما أروع قول السيّد حيدر الحلي :
دَكُوا رُباها ثم قالُوا لَها***وَقَد جَدُّوا نَحنُ مَكانَ الرُبا (2)
لقد تحدى أبو الأحرار ببسالته النادرة الطبيعة البشرية، فسخر من الموت، وَهَزأ من الحياة، وقد قال لأصحابه حينما مطرت عليه سهام الأعداء: «قُومُوا رَحِمَكُمُ اللّه إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ هَذِهِ السَّهامَ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ» (3).
لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنّما هو يدعوهم إلى مأدبة لذيذة، ولقد كانت لذيذة عنده حقاً، لأنّه هو ينازل الباطل، ويرتسم له برهان ربِّه الذي هو مبدؤه (4).
من صفات أبي الأحرار الصراحة في القول، والصراحة في السلوك، ففي جميع فترات حياته لم يوارب ولم يخادع، ولم يسلك طريقاً فيه أي التواء، وإنّما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي، وابتعد عن المنعطفات التي لا يقرها دينه وخلقه، وكان من ألوان ذلك السلوك النير أن الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل، وأحاطه علماً بهلاك معاوية، وطلب منه البيعة ليزيد مكتفياً بها في جنح الظلام، فامتنع (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصارحه بالواقع قائلاً: «أَيُّها الأميرُ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النبوّة، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ، بِنا فَتَحَ اللّه وَبِنَا خَتَمَ، وَيَزِيدُ
رَجُلٌ فاسِقٌ فاجِرٌ، شَارِبُ خَمْرٍ، قاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، مُعْلِنُ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ...» (1).
وكشفت هذه الكلمات عن مدى صراحته، وسمو ذاته، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق.
ومن ألوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتياته، أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأ المؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيل، وخذلان أهل الكوفة له، فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحق : «قَدْ خَذَلَتْنَا شِيعَتُنا، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ الْإِنْصِرافَ فَلْيَنْصَرِفْ، لَيْسَ عَلَيْهِ ذِمَامٌ».
فتفرق عنه ذوو الأطماع، وبقي معه الصفوة من أهل بيته وأصحابه الذين أتوا معه من المدينة (2).
لقد تجنب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر بالإغراء والخداع، مؤمناً أنّ ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها والمؤمنة بعدالة قضيتها.
ومن ألوان تلك الصراحة أنّه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرم فأحاطهم علماً بأنّه يقتل في غد، ويقتل جميع من كان معه، صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة وبينة من أمرهم، وأمرهم بالتفرق في سواد ذلك الليل، فأبت تلك الأسرة العظيمة مفارقته، وأصرت على الشهادة بين يديه
تدول الدول، وتزول الممالك، وهذه الأخلاق الرفيعة أحق بالبقاء، وأجدر
بالخلود من كلّ كائن حي ؛ لأنّها تمثل القيم العليا التي لا كرامة للإنسان بدونها.
أما الصلابة في الحقّ فهي من مقومات أبي الشهداء ومن أبرز ذاتياته، فقد شقّ الطريق في صعوبة مذهلة لإقامة الحقّ، ودك حصون الباطل، ودمّر خلايا الجور.
لقد تبنى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحقّ بجميع رحابه ومفاهيمه، واندفع إلى ساحات النضال ليقيم الحقّ في ربوع الوطن الإسلامي، وينقذ الأمة من التيارات العنيفة التي خلقت في أجوائها قواعد للباطل، وخلايا للظلم، وأوكاراً للطغيان، تركتها تتردى في مجاهل سحيقة من هذه الحياة.
رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأمة قد غمرتها الأباطيل والأضاليل، ولم يعد ماثلاً في حياتها أي مفهوم من مفاهيم الحق، فانبرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ميادين التضحية والفداء؛ ليرفع راية الحق، وقد أعلن (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الهدف المشرق في خطابه الذي ألقاه أمام أصحابه قائلاً: «أَلَا تَرَونَ إلَى الحقّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَإِلَى الْباطِل لَا يُتَناهى عَنْهُ ؛ لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقاءِ اللّه...» (1).
لقد كان الحقّ من العناصر الوضاءة في شخصية أبي الأحرار، وقد استشف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه هذه الظاهرة الكريمة، فكان - فيما يقول المؤرخون - يرشف دوماً ثغره الكريم (2)ذلك الثغر الذي قال كلمة اللّه وفجر ينابيع العدل والحق في الأرض.
من النزعات الفذة التي تفرد بها سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصبر على نوائب الدنيا
ومحن الأيام، فقد تجرع مرارة الصبر منذ أن كان طفلاً، فرزئ بجده وأُمّه، وشاهد الأحداث الرهيبة التي جرت على أبيه، وما عاناه من المحن والخطوب، وتجرع مرارة الصبر في عهد أخيه، وهو ينظر إلى خذلان جيشه له، وغدرهم به، حتّى على الصلح، وبقي معه يشاركه في محنه وآلامه، حتّى اغتاله معاوية بالسم، ورام أن يواري جثمانه بجوار جده فمنعته بنو أُمية (1)فكان ذلك من أشق المحن عليه.
ومن أعظم الرزايا التي صبر عليها أنه كان يرى انتقاض مبادئ الإسلام، وما يوضع على لسان جده من الأحاديث المنكرة التي تُغيّر وتبدل شريعة اللّه.
ومن الدواهي التي عاناها أنه كان يسمع سب أبيه وانتقاصه على المنابر (2)، وقيام الطاغية زياد بإبادة شيعتهم واستئصال محبّيهم، فصبر على كلّ هذه الرزايا والمصائب.
وتواكبت عليه المحن الشاقة التي تميد بالصبر في يوم العاشر من المحرم فلم يكد ينتهي من محنة حتّى تطوف به مجموعة من الرزايا والآلام، فكان يقف على الكواكب المشرقة من أبنائه وأهل بيته وقد تناهبت السيوف والرماح أجسامهم فيخاطبهم بكل طمأنينة وثبات : «صَبْراً يا أَهْلَ بَيْنِي، صَبْراً يَا بَنِي عُمُومَتِي، فَوَاللّه لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ» (3).
وقد بصر شقيقته عقيلة بني هاشم، وقد أذهلها الخطب، ومزّق الأسى قلبها، فسارع إليها، وأمرها بالخلود إلى الصبر والرضا بما قسم اللّه.
ومن أهوال تلك الكوارث التي صبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها أنّه كان يرى أطفاله
وعياله، وهم يضجون من ألم الظمأ القاتل، ويستغيثون به من أليم العطش، فكان يأمرهم بالصبر والاستقامة، ويخبرهم بالعاقبة المشرقة التي يؤول إليها أمرهم بعد هذه المحن الحازية.
وقد صبر على ملاقاة الأعداء الذين ملأت الأرض جموعهم المتدفقة، وهو وحده يتلقى الضرب والطعن من جميع الجهات، قد تفتت كبده من العطش وهو غير حافل بذلك كله.
لقد كان صبره وموقفه الصلب يوم الطف من أندر ما عرفته الإنسانيّة، يقول الإريلي: «شجاعة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضرب بها المثل، وصبره في مأقط (1)الحرب أعجز الأوائل والأواخر» (2).
إنّ أية واحدة من رزاياه لو ابتلي بها أي إنسان مهما تدرّع بالصبر والعزم وقوة النفس لأوهنت قواه، واستسلم للضعف النفسي، ولكنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يعنَ بما ابتلي به في سبيل الغاية الشريفة التي سمت بروحه أن تستسلم للجزع أو تضرع للخطوب.
يقول المؤرخون : إنه تفرد بهذه الظاهرة، فلم توه عزمه الأحداث مهما كانت، وقد توفي له ولد في حياته فلم ير عليه أثر للكآبة، فقيل له في ذلك فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَسْأَلُ اللّه فَيُعْطِينَا، فَإِذا أَرادَ مَا نَكْرَهُ فِيما نُحِبُّ رَضِينا» (3).
لقد رضي بقضاء اللّه واستسلم لأمره، وهذا هو جوهر الإسلام ومنتهى الإيمان.
أما الحلم فهو من أسمى صفات أبي الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن أبرز خصائصه فقد كان
ويقول المؤرخون : إن بعض مواليه قد جنى جناية توجب التأديب فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتأديبه، فانبرى العبد :قائلاً: يا مولاي، إن اللّه تعالى يقول: «وَ الكَاظِمِينَ الغَيْظَ».
فقابله الإمام الحسين ببسماته الفياضة، وقال له : خَلّوا عَنْهُ، فَقَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي.
وسارع العبد قائلاً: «وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ»
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ.
وانبرى العبد يطلب المزيد من الإحسان، قائلاً: «وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (1).
فقال : أَنتَ حُرِّ لوجه اللّه.
ثم أمر له بجائزة سنية تغنيه عن الحاجة ومسألة الناس (2).
لقد كان هذا الخلق العظيم من مقوماته التي لم تنفك عنه، وظلت ملازمة له طوال حياته.
وجُبِلَ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على التواضع ومجافاة الأنانية والكبرياء، وقد ورث هذه الظاهرة من جده الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي أقام أصول الفضائل ومعالي الأخلاق في الأرض، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من سمو أخلاقه وتواضعه، نشير إلى بعضها :
1 - إنه اجتاز على مساكين يأكلون في (الصفّة) فدعوه إلى الغذاء فنزل عن راحلته، وتغذى معهم، ثمّ قال لهم : قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُوني، فلبّوا كلامه وخفوا معه إلى منزله.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزوجه الرباب : أَخْرِجِي مَا كُنْتِ تَدَّخِرِينَ، فاخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم (1).
2 - مرّ على فقراء يأكلون كسراً من أموال الصدقة : فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم، وقال : «لَوْلَا أَنَّهُ صَدَقَةٌ لَأَكَلْتُ مَعَكُمْ»، ثم دعاهم إلى منزله، فأطعمهم، وكساهم، وأمر لهم بدراهم (2).
لقد اقتدى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك بجده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسار على هديه، فقد كان - فيما يقول المؤرخون - يخالط الفقراء ويجالسهم، ويفيض عليهم ببره وإحسانه، حتّى لا يتبيغ بالفقير فقره، ولا يبطر الغني ثراؤه.
ومن صفات أبي الأحرار أنه كان شديد الرأفة بالناس يمد يده لكل ذي حاجة، ويسعف كلّ ذي لهفة، ويجير كلّ من استجار به. فقد دخل الحسين على معاوية، وعنده أعرابي يسأله حاجة، فأمسك وتشاغل بالحسين، فقال الأعرابي لبعض
من حضر من هذا الذي دخل ؟
قالوا : الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقال الأعرابي للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أسألك يابن بنت رسول اللّه لما كلّمته في حاجتي، فكلمه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك فقضى حاجته.
فقال الأعرابي :
أَتَيْتُ العَبْشَمِي فَلَمْ يَجُدْ لي***إلى أَن هَزَّهُ ابنُ الرَّسُولِ
هو ابنُ المُصْطَفَى كَرَماً وَجُوداً***وَمِنْ بَطْنِ المُطَهَّرَةِ البَتُولِ
وَإِنَّ لِهَاشِمٍ فَضْلاً عَلَيْكُم***كَمَا فَضَّلَ الرَّبِيعُ عَلَى المُحُولِ
فقال معاوية : يا أعرابي، أعطيك وتمدحه. فقال الأعرابي : أعطيتني من حقّه، وقضيت حاجتي بقوله (1).
وقد فزع مروان إليه وإلى أخيه وهو من ألد أعدائهم، بعد فشل واقعة الجمل، وطلب منهما أن يشفعا له عند أبيهما، فخفا إليه وكلماه في شأنه، وقالا له : يُبايِعُكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَوَلَمْ يُبايِعْنِي قَبْلَ قَتْل عُثْمَانَ ؟ ! لا حاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بِايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسَبَابَتِهِ، أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْفَةِ الْكَلْبِ أَنفَهُ، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ، وسَتَلْقَى الأمةَ مِنْ وُلْدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ» (2).
وما زالا يلطفان به حتّى عفا عنه، إلا أنّ هذا الوغد قد تنكر لهذا المعروف وقابل
السبطين بكل ما يملك من وسائل الشر والمكروه، فهو الذي منع جنازة الإمام الحسن أن تدفن بجوار جده، وهو الذي أشار على الوليد بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن امتنع من البيعة ليزيد، كما أظهر السرور والفرح بمقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحسب مروان أنّه من تلك الشجرة التي لم تثمر إلا الخبيث الدنس وما يضر الناس.
ومن ألوان تلك الصور الخالدة لعطف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورأفته بالناس أنه لما استقبله الحر بجيشه البالغ ألف فارس، وكان قد أرسل لمناجزته وقتاله فرآه الإمام
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش، فلم تدعه أريحيته ولا سمو ذاته ألا يقوم بإنقاذهم، فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) غلمانه وأهل بيته أن يسقوا القوم عن آخرهم، ويسقوا خيولهم، فسقوهم عن آخرهم، وكان فيهم علي بن الطعان المحاربي الذي اشتد به وبفرسه العطش فلم يدركيف يشرب فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه فسقاه (1).
وكانت هذه البادرة من أروع ما سجل في قاموس الإنسانيّة من الشرف والنبل.
من مزايا الإمام أبي الأحرار (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجود والسخاء، فقد كان ملاذاً للفقراء والمحرومين، وملجأ لمن جارت عليه الأيام، وكان يثلج قلوب الوافدين إليه بهباته وعطاياه.
يقول كمال الدين بن طلحة : «وقد اشتهر النقل عنه أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل الرحم، وينيل الفقير، ويسعف السائل، ويكسو العاري، ويشبع الجائع، ويعطي الغارم، ويشد من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويعين ذا الحاجة، وقل أن وصله مال إلا فرقه... وهذه سجية الجواد، وشنشنة الكريم، وسمة ذي السماحة، وصفة من قد حوى مكارم الأخلاق، فأفعاله المتلوة شاهدة له بصنعة الكرم، ناطقة بأنّه متصف بمحاسن الشيم...» (2).
ويقول المؤرخون : إنّه كان يحمل في دجى الليل البهيم الجراب يملؤه طعاماً ونقوداً إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين حتّى أثر ذلك في ظهره (3).
وكان يُحْمَلُ إليه المتاع الكثير فلا يقوم حتّى يهب عامته، وقد عرف معاوية فيه
هذه الظاهرة فأرسل إليه بهدايا والطاف كما أرسل إلى غيره من شخصيات يثرب، وأخذ يحدث جلساءه بما يفعله كلّ واحد منهم بتلك الألطاف، فقال في الحسين : أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين، فان بقي شيء نحر به الجزور وسقى به اللبن...».
وبعث رقيباً يرى ما يفعله القوم فكان كما أخبر، فقال معاوية : «أنا ابن هند أعلم بقريش من قريش» (1).
وعلى أية حال، فقد نقل المؤرخون بوادر كثيرة من جود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسخائه، نشير إلى بعضها :
الأولى : مع أُسامة بن زيد
ومرض أسامة بن زيد مرضه الذي توفي فيه، فدخل عليه الإمام الحس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائداً، فلمّا استقر به المجلس، قال أسامة : واغماه.
فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما غَمُكَ ؟
قال : ديني، وهو ستون ألفاً.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هُوَ عَلَيَّ.
قال : أخشى أن أموت قبل أن يقضى
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَنْ تَمُوتَ حتّى أَقْضِيَهَا عَنْكَ.
وبادر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقضاها عنه قبل موته، وكان يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : شَرُّ خِصال الْمُلُوكِ : الْجُبْنُ مِنَ الْأَعْداءِ، وَالْقَسْوَةُ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَالْبُخْلُ عِنْدَ الْإِعْطاء (2).
وقد غضّ طرفه عن أسامة فقد كان من المتخلفين عن بيعة أبيه، فلم يجازيه
بالمثل، وإنَّما أغدق عليه بالإحسان.
الثانية : مع جارية له
روى أنس، قال : كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها، فقال لها : أنت حرة لوجه اللّه تعالى، وبهر أنس فانصرف يقول : جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها ؟ !
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَذَا أَدْبَنَا اللّه، قَالَ اللّه تَعَالَى: «وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَبُّوا بِأَحْسَنَ مِنهَا قال أَوْ رُدُّوهَا» (1)، وَكانَ أَحْسَنَ مِنْها عِتْقُها» (2).
وبهذا السخاء والخلق الرفيع ملك قلوب المسلمين، وهاموا بحبه وولائه
الثالثة : مع غارم
كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً في مسجد جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان عبد اللّه بن الزبير جالساً في ناحية منه، كما كان عتبة بن أبي سفيان جالساً في ناحية أخرى منه، فجاء أعرابي على ناقة فعقلها ودخل المسجد فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلّم عليه فرد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له الأعرابي : إنّي قتلت ابن عم لي، وطولبت بالدية فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟
فرفع عتبة إليه رأسه وقال لغلامه : ادفع إليه مائة درهم، فقال له الأعرابي : ما أريد إلّا الدية تامة.
فلم يعن به عتبة، فانصرف الأعرابي آيساً منه، فالتقى بابن الزبير فعرض عليه قصته، فأمر له بمائتي درهم فردّها عليه، وأقبل نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرفع إليه حاجته، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال له : هذِهِ لِقَضاءِ دُيُونِكَ، وأمر له بعشرة
آلاف درهم أخرى وقال له : هذِهِ تَكُم بِها شَعْتَكَ، وَتُحْسِنُ بِها حالَكَ، وَتُنْفِقُ بِها عَلَى عيالك، فاستولت على الأعرابي موجات من السرور واندفع يقول :
طَرِبْتُ وَمَا هَاجَ لِي مَعْبَقُ***وَلَا لِي مَقامٌ وَلَا مَعْشَقُ
وَلكِنْ طَرِبْتُ لآلِ الرَّسُول***فَلَنَّ لِيَ الشَّعْرُ وَالمَنْطِقُ
هُمُ الأَكْرَمُونَ الأَنْجَبُونَ***نُجُومُ السَّماءِ بهم تُشْرقُ
سَبَقْتَ الأَيَامَ إِلَى المُكْرُماتِ***وَأَنْتَ الجَوادُ فَلَا تُلْحَقُ
أَبُوكَ الَّذِي سَادَ بِالمَكْرُماتِ***فَقَصُرَ عَنْ سَبقِهِ السُّبُقُ
بِهِ فَتَحَ اللّه بابَ الرَّشادِ***وَبَابُ الفَسادِ بِكُمْ مُغْلَقُ (1)
الرابعة : مع أعرابي
وقصده أعرابي فسلم عليه وسأله حاجته، وقال : سمعت جدك يقول : إِذَا سَأَلْتُمْ حاجَةً فَاسْأَلُوها مِنْ أَرْبَعَةٍ إِمَا عَرَبِيٌّ شَرِيفٌ، أَوْ مَولى كَرِيمٌ، أَوْ حَامِلُ الْقُرْآنِ، أَوْ صَاحِبُ وَجْهِ صَبيح، فأما العرب فشرفت بجدّك، وأمّا الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأمّا القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فَإِنِّي سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَيَّ فَانْظُرُوا إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.
فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما حاجَتُكَ ؟
فكتبها الأعرابي على الأرض، فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : سَمِعْتُ أَبِي عَلِيّاً يَقُولُ : الْمَعْرُوفُ بِقَدَرِ الْمَعْرِفَةِ، فَأَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسائِلَ إِنْ أَجَبْتَ عَنْ واحِدَةٍ فَلَكَ تُلْتُ ما عِنْدِي، وَإِنْ أَجَبْتَ عَنِ اثْنَتَيْنِ فَلَكَ ثُلُثُا ما عِنْدِي، وَإِنْ أَجَبْتَ عَنِ الثَّلاثِ فَلَكَ كلّ ما عِنْدِي، وَقَدْ حَمَلَتْ إِلَيَّ صُرَّةٌ مِنَ الْعِراقِ.
1) أعيان الشيعة : 1 : 580.
فقال الأعرابي : سَلْ عَمّا بدالك، فإن أجبت وإلّا تعلّمت منك، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه.
فقال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟
فقال الأعرابي : الإيمان باللّه
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما نَجاةُ الْعَبْدِ مِنَ الْهَلَكَةِ ؟
فقال الأعرابي : الثقة باللّه.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما يُزِينُ الْمَرْءَ ؟
فقال الأعرابي : علم معه حلم.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذلِكَ ؟
فقال الأعرابي : مال معه مروءة.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذلِكَ ؟
فقال : فقر معه صبر.
فقال الحسين : فإِنْ أَخْطَأَهُ ذلِكَ ؟
فقال الأعرابي : فصاعقة تنزل من السماء تحرقه، فإنّه أهل لذلك.
فضحك الإمام ورمى إليه بالصُّرة (1).
الخامسة : روى بشر بن غالب، قال : خرجنا مع الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إلى المدينة ومعه شاة قد طبخت أعضاؤها، فجعل يناول القوم عضواً عضواً (2).
الخامسة: مع سائل
ووفد عليه سائل فقرع الباب، وأنشأ يقول :
لَمْ يَخِب اليَوْمَ مَنْ رَجاكَ وَمَنْ***حَرَّكَ مِنْ خَلْفِ بابِكَ الْحَلَقَهُ
أَنْتَ ذُو الجُوْدِ أَنْتَ مَعدِنُهُ***أبوكَ قَدْ كَانَ قَاتِلُ الْفَسَقَهُ
وكان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واقفاً يصلي فخفف من صلاته، وخرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر الفاقة، فرجع ونادى قنبراً، فلما مثل عنده قال له : ما تَبَقَى مِنْ نَفَقَتِنا ؟
قال : مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك.
فقال : هاتِها فَقَدْ أَتَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بها مِنْهُمْ.
فأخذها ودفعها إلى الأعرابي معتذراً منه وهو ينشد هذه الأبيات :
«خُذْهَا وَإِنِّي إِلَيْكَ مُعْتَذِرٌ***وَأَعْلَمْ بَأَنِّي عَلَيْكَ ذَوُ شَفَقَهُ
لَوْ كَانَ فِي سَيْرِنا عَصاً تُمَدُّ إِذاً***كَانْتَ سَمانا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَهُ
لكِنَّ رَيْبَ المَنُونِ ذُو نَكَدٍ***وَالْكَفُّ مِنًا قَلِيلَةُ النَّفَقَة»
فأخذها الأعرابي شاكراً وداعياً له بالخير، وانبرى مادحاً له :
مُطَهَّرُونَ نَقِيّاتٌ جُيُوبُهُمْ***تجْرِي الصَّلاةُ عَلَيْهِم أَيْنَما ذُكِرُوا
وَأَنْتُمْ أَنْتُمُ الأَعلَونَ عِندَكُمْ***عِلْمُ الْكِتاب وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّورُ
مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَويّاً حِينَ تَنْسِبُهُ***فَما لَهُ في جميع النَّاسِ مُفْتَخَرُ (1)
السادسة : مع رجل من الأنصار
روي أنه جاء للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل من الأنصار يريد أن يسأله، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أخا الْأَنْصارِ، صُنْ وَجْهَكَ عَنْ ذَلُّ الْمَسْأَلَةِ، وَارْفَعْ حَاجَتَكَ فِي رُفْعَةٍ وَانْتِ بِها،
1) أعيان الشيعة : 1 : 579. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 185.
سَأَراكَ إِن شاءَ اللّه».
فكتب إليه : يا أبا عبداللّه إنّ لفلان على خمسمائة دينار، فكلمه ينظرني إلى ميسرة.
فلمّا قرأ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صرّة فيها ألف دينار، وقال له : «أَمَّا خَمْسُمَانَةِ فَاقْضِ بها دَيْنَكَ، وَأَمَّا خَمْسُمَانَةٍ فَاسْتَعِنْ بها عَلَى دَهْرِكَ، وَلَا تَرْفَعْ حاجَتَكَ إِلَّا إِلى ثَلَاثَةٍ : ذي دِينِ، أَوْ مُرُوءَةٍ، أَوْ حَسَبٍ» (1).
هذه بعض بوادر كرمه وسخائه، وهي تكشف عن مدى تعاطفه وحنوه على الفقراء، وأنّه لم يبغ أي مكسب سوى ابتغاء مرضاة اللّه، والتماس الأجر في الدار الآخرة.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعاتة وصفاته التي بلغ بها ذروة الكمال المطلق، واحتل بها قلوب المسلمين فهاموا بحبّه والولاء له.
واتجه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعواطفه ومشاعره نحو اللّه، فقد تفاعلت جميع ذاتياته بحب اللّه والخوف منه. ويقول المؤرّخون : إنّه عمل كلّ ما يقربه إلى اللّه، فكان كثير الصلاة، والصوم والحج، والصدقة، وأفعال الخير.
ونعرض لبعض ما أثر عنه من عبادته واتجاهه نحو اللّه :
كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في طليعة العارفين باللّه، وكان عظيم الخوف منه، شديد الحذر من مخالفته، حتّى قال له بعض أصحابه : «ما أعظم خوفك من ربِّك ؟ !
1) تحف العقول : 247.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَأْمَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ خَافَ اللّه فِي الدُّنْيا» (1).
وكانت هذه سيرة المتقين الذين أضاء وا الطريق، وفتحوا آفاق المعرفة، ودللوا على خالق الكون وواهب الحياة.
كان أكثر أوقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشغولاً بالصلاة والصوم (2).
وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، كما حدث بذلك ولده زين العابدين (3).
وكان يتختّم فى شهر رمضان (4).
وتحدث ابن الزبير عن عبادة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : أما واللّه لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه (5).
كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير الحج، وقد حجّ خمساً وعشرين حجة ماشياً على قدميه، وكانت نجائبه تقاد بین یدیه (6)، وكان يمسك الركن الأسود ويناجي اللّه ويدعو قائلاً : إلهِي أَنْعَمْتَنِي فَلَمْ تَجِدْنِي شَاكِراً، وَابْتَلَيْتَنِي فَلَمْ تَجِدْنِي صابِراً، فَلَا أَنْتَ
1) بحار الأنوار: 44 : 192. أعيان الشيعة : 4: 104، ريحانة الرسول : 58.
2) الخطط المقريزيّة : 1: 428. تهذيب الأسماء واللغات : 1: 163.
3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 160. تاريخ ابن الوردي : 1 : 165.
4) سير أعلام النبلاء : 3 : 291.
5) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 667. البداية والنهاية : 8: 231.
6) المعجم الكبير : 3 : 115، الرقم 2844. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 180. صفوة الصفوة : 1 : 330. الاستيعاب : 1: 397. سير أعلام النبلاء : 3 : 287. مجمع الزوائد : 9: 201. الطبقات الكبرى / الشعراني : 41.
سَلَبْتَ النِّعْمَةَ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، وَلَا أَدَمْتَ الشِّدَّةَ بِتَرْكِ الصَّبْرِ، إِلهِي مَا يَكُونُ مِنَ الْكَرِيمِ إِلَّا الْكَرَمُ... (1).
وخرج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معتمراً لبيت اللّه فمرض في الطريق فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وكان في يثرب - فخرج في طلبه فأدركه في (السُّقيا) (2)وهو مريض، فقال له : يا بُنَي، ما تَشْتَكي ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَشْتَكِي رَأْسِي، فدعا أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببدنة فنحرها وحلق رأسه، وردّه إلى المدينة، فلما برئ من مرضه قفل راجعاً إلى مكة واعتمر (3).
هذا بعض ما أثر من طاعته وعبادته.
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير البرّ والصدقة، وقد ورث أرضاً وأشياء فتصدق بها قبل أن يقبضها (4)، لم يبتغ بذلك إلا الأجر من اللّه، والتقرب إليه، وقد أشرنا - فيما سبق - إلى كثير من ألوان برّه وإحسانه.
ولم يدانِ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد في فضله وعلمه، فقد فاق غيره بملكاته ومواهبه العلمية، وقد انتهل وهو في سنّه المبكر من نمير علوم جده التي أضاءت آفاق هذا الكون، كما تتلمذ على يد أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باب مدينة علم
1) العدد القويّة : 35. الكواكب الدريّة : 1 : 85.
2) السُّقيا : هي بئر كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يستعذب ماءها فيستقى له منها، واسم أرضها : الفلحان؛ لا السقيا التي يقال : بينها وبين المدينة يومان - معجم البلدان 3: 258.
3) الكافي : 4 : 364. تهذيب الأحكام : 5 : 377، الحديث 1465. دعائم الإسلام : 1 : 344.
4) دعائم الإسلام : 2 : 339.
النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأعلم الأمة وأفقهها بشؤون الدين، وفي حديث ابن عمر : «كَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يُغَرّانِ الْعِلْمَ غَرّاً» (1).
وقال حبر الأمّة عبد اللّه بن عباس : «الْحُسَيْنُ مِنْ بَيْتِ النبوّة، وَهُمْ وَرَثَةُ الْعِلْمِ» (2).
وقال بعض من ترجمه : «كان الحسين أفضل أهل زمانه في العلم والمعرفة بالكتاب والسنّة» (3).
ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه العلميّة :
كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مراجع الفتيا في العالم الإسلامي، وقد رجع إليه أكابر الصحابة في مسائل الدين.
فقد استفتى أعرابي عبداللّه بن الزبير، وعمرو بن عثمان فتواكلا. فقال : اتقيا اللّه، فإنّى أتيتكما مستر شداً؛ أمواكلة فى الدين ؟! ثم أشارا له بالحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فأفتياه، فقال :
جَعَلَ اللّه حُرُ وَجْهَيكُما***نَعْلَين سِبْنا يَطَأَهُما الحَسَنانِ (4)
السبتُ : كلّ جلد مدبوغ، وخص بعضهم به جلود البقر. لسان العرب : 2 : 31 - سَبَتَ. مناقب آل أبي طالب : 3 : 399 و 400. بحار الأنوار : 43: 318.
وكان ممّن سأله عبداللّه بن الزبير، فقد استفتاه قائلاً: يا أبا عبداللّه، ما تقول في فكاك الأسير على من هو ؟
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ أَعانَهُمْ، أَوْ قاتَلَ مَعَهُمْ.
وسأله ثانياً : يا أبا عبد اللّه، متى يجب عطاء الصبيّ ؟
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِذَا اسْتَهَلْ وَجَبَ لَهُ عَطَاؤُهُ وَرِزْقُهُ.
وسأله ثالثاً عن الشرب قائماً ؟ فدعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلقحة - أي ناقة - له فحلبت فشرب قائماً وناوله (1).
قال ابن القيم الجوزية : إن الباقي من الصحابة من رجال الفتيا هم أبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، والحسن، والحسين.
وكتب رجل إلى الإمام الحسين : يا سيدي، أخبرني بخير الدنيا والآخرة ؟
فكتب إليه بعد البسملة : أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ رِضًا اللّه بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللّه أُمُورَ النّاسِ، وَمَنْ طَلَبَ رِضا النّاسِ بِسَخَطِ اللّه وَكَلَهُ اللّه إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلامُ (2).
وروى عمر بن نصر، قال : «حدثّني رجل من أهل البصرة، قال : رأيت الحسين ابن على وعبد اللّه بن عمر يطوفان بالبيت، فسألت ابن عمر عن قول اللّه تعالى : «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (3).
قال : أمره أن يحدث بما أنعم اللّه عليه.
ثم أتى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بما أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ» (4).
لقد كان المسلمون يرجعون إليه في مسائل الحلال والحرام، ويأخذون منه
أحكام الإسلام، وآداب الشريعة.
كان مجلسه مجلس علم ووقار قد ازدان بأهل العلم من الصحابة وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الأدب والحكمة، ويسجلون ما يروون عنه من أحاديث جدّه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويقول المؤرخون : إنّ الناس كانوا يجتمعون إليه ويحتفون به، وكأنّ على رؤوسهم الطير يسمعون منه العلم الواسع والحديث الصادق.
وكان مجلسه في جامع جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وله حلقة خاصة به، وسأل رجل من قريش معاوية : أين يجد الحسين ؟ فقال له : إذا دخلت مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد اللّه (1).
ويقول العلائلي : كان مجلسه : «كان مجلسه مهوى الأفئدة، ومتراوح الأملاك، يشعر الجالس بين يديه أنّه ليس في حضرة إنسان من عمل الدنيا، وصنيعة الدنيا، تمتد أسبابها برهبته وجلاله وروعته، بل في حضرة تفاح بالسكينة كأن الملائكة تروح فيها، وتغدو...» (2).
وروي أن رجلاً قال له : يابن رسول اللّه، أنا من شيعتكم ؟ !
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اتَّقِ اللّه، وَلَا تَدَّعِيَنَّ شَيْئاً يَقُولُ اللّه لَكَ : كَذِبْتَ، إِنَّ شِيعَتَنا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ كلّ غِشَّ وَدَغَلِ، وَلكِنْ قُلْ : أَنَا مِنْ مَوالِيكُمْ وَ مُحِبِّيكُمْ (3).
لقد جذبت شخصيّة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسمو مكانته الروحية قلوب المسلمين ومشاعرهم فراحوا يتهافتون على مجلسه، ويستمعون لأحاديثه، وهم في منتهى الإجلال والخضوع.
مَن روى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعلام النهضة الفكرية والعلمية في عصره، وقد ساهم مساهمة إيجابية في نشر العلوم الإسلاميّة، وإشاعة المعارف والآداب بين الناس، وقد انتهل من نمير علومه حشد كبير من الصحابة وأبنائهم، وهم : ولده الإمام زين العابدين، وابنتاه فاطمة وسكينة، وحفيده الإمام أبو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والشعبي، وعكرمة، وكرز التيمي، وسنان بن أبي سنان الدولي، وعبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وهمام بن غالب الفرزدق، وابن أخيه زيد بن الحسن، وطلحة العقيلي، وعبيد بن حنين، وأبو هريرة، وعبيد اللّه بن أبي يزيد، والمطلب بن عبيد اللّه بن حنطب، وأبو حازم لأشجعي، وشعيب بن خالد، ويوسف الصباغ، وأبو هشام وغيرهم (1).
وقد ألّف أحمد بن محمّد بن سعيد السبيعي الهمداني كتاباً في أسماء من روى عن الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (2).
لقد اتّخذ الإمام الجامع النبوي مدرسة له فكان يلقي محاضراته به في علم الفقه والتفسير، ورواية الحديث، وقواعد الأخلاق، وآداب السلوك، وكان المسلمون يفدون عليه من كلّ فج للانتهال من نمير علومه المستمدة من علوم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعارفه.
وروى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجموعة كبيرة من الأحاديث عن جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد ذكر الزهري في كتاب (المغازي) أنّ البخاري روى عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحاديث كثيرة، وفيها باب تحريض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على قيام الليل.
كما روى عنه الترمذي في كتاب (الشمائل النبوية) أحاديث كثيرة، وقد نقلها عنه سفيان بن وكيع (1)، ونشير إلى بعض رواياته عن جده :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ قِلَّةُ الْكَلَامِ فِيما لَا يَعْنِيهِ» (2).
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ ما لَا يَعْنِيهِ» (3).
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : ما مِنْ مُسْلِمِ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ - أو قال : تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ - وَإِنْ قَدِمَ عَهْدُها فَيُحْدِثُ لَها إِسْتِرجاعاً إِلَّا أَحْدَثَ اللّه لَهُ عِنْدَ ذلِكَ، وَأَعْطاهُ ثَوابَ ما وَعَدَهُ عَلَيْها يَوْمَ أُصِيبَ بها» (4).
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِذَا اسْتَسْقى قالَ : اللّهمَّ أَسْقِنَا سُفْياً واسِعَةٌ، وادِعَةً، عامَّةٌ، نافِعَةٌ غَيْرَ ضَارَّةٍ؛ تَعُمُ بِها حاضِرَنَا وَبادِيَنا، وَتَزِيدُ بِهَا فِي رِزْقِنا وَشُكْرِنا.
1) الثائر الأول في الإسلام : 10.
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 330 و 331، الحديث 1734.
3) الأمالي / المفيد : 34، الحديث 9. وسائل الشيعة : 12 : 195، أبواب أحكام العشرة، باب 119، الحديث 24. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 331، الحدیث 1739. سنن ابن ماجة : 2: 1315 و 1316، الحديث 3976 المعجم الكبير : 3 : 128، الرقم 2886. مجمع الزوائد : 8: 18.
4) مسند أحمد بن حنبل : 1: 331، الحديث 1736. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 111. أسد الغابة : 1 : 496. الإصابة :2 : 15، الحدیث 1719.
اللّهمَّ اجْعَلْهُ رِزْقَ إِيْمَانِ وَعَطَاءَ إِيْمَانِ، إِنَّ عَطَاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوراً. اللّهمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنا فِي أَرْضِنَا سَكَنَها (1)، وَأَنْبِتْ فِيها زِينَتَهَا وَمَرْعاها» (2).
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سَمِعْتُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : مَنْ يُطْعِ اللّه يَرفَعْهُ، وَمَنْ يَعْصِ اللّه يَضَعْهُ، وَمَنْ يُخلِصْ نَيْتَهُ للّه يُزنّهُ، وَمَنْ يَيْقُ بِما عِنْدَ اللّه يُغْنِهِ، وَمَنْ يَتَعَزُّزُ عَلَى اللّه يُذِلُّهُ» (3).
6- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَمِعْتُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : إِنَّ اللّه يُحِبُّ مَعالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفاسِفَها» (4).
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قالَ : الْمَغْبُونُ لَا مَحمُودٌ وَلَا مَأْجُورٌ» (5).
8 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيْمَانِ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ التَّحَبُّ إِلَى النَّاسِ» (6).
9 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا تَزُولُ قَدَما عَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حتّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ : عَن عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ الْبَيْتِ» (7).
10 - عن عباية بن رفاعة عن الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : «جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
1) السَّكَن - بفتح السين والكاف : غياث أهلها الذين تسكن أنفسهم إليه - لسان العرب : 6: 311 - سَكَنَ.
2) عيون الأخبار: 2 : 278 و 279.
3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 160.
4) تاريخ اليعقوبي : 2 : 159.
5) الكافي : 4 : 487. مجمع. الزوائد : 4 75 و 76.
6) الخصال : 1 : 15، الحديث 55.
7) الخصال : 1: 253، الحديث 125.
فَقالَ : إِنِّي جَبانٌ، وَإِنِّي ضَعِيفٌ، قالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لَا شَوْكَةَ فِيهِ الْحَجِّ» (1).
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَأَيْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قامَ خَطِيباً عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَيُّها النّاسُ، كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيها عَلَى غَيْرنا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الحقّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُشَيِّعُ مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفَرٌ عَمَا قَلِيلِ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ؛ نَأْكُلُ تُراثَهُمْ كَأَنَّنا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِيْنا كلّ واعِظَةٍ، وَأَمِنَا كلّ جَائِحَةِ (2). طُوبَى لِمَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ، وَصَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ، وَاسْتَقامَتْ طَرِيْقَتُهُ.
طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ اللّه مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَأَنْفَقَ ممّا جَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَخَالَطَ أَهْلَ الفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلُّ وَالْمَسْكَنَةِ. طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَولِهِ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يَعدِلْ عَنْها إِلى بِدْعَةٍ، ثُمَّ نَزَلَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (3).
12 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قوله : «دَعْ ما يُريبُكَ إِلَى مَا لَا يُريبُكَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ اللللا رِيبَةٌ، وَالصَّدْقَ طُمَأْنِيْنَةٌ» (4).
ألف هذا المسند أبو بشر محمّد بن أحمد الدولابي المتوفى سنة (320هـ)، وقد أدرجه في غضون كتابه (الذرية الطاهرة)، وهذه بعض بنوده :
1 - روى علي بن الحسين، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): «أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ ما لَا يَعْنِيهِ» (5).
2 - قال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وُجِدَتْ فِي قائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صَحِيفَةٌ مَرْبُوطَةٌ : إِنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَلَى اللّه عَذاباً الْقاتِلُ غَيْرَ قاتِلِهِ، وَالضَّارِبُ غَيْرَ صَارِبِهِ، وَمَنْ جَحَدَ نِعْمَةَ مَوالِيهِ فَقَدْ بَرئَ ممّا أَنْزَلَ اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (1).
3 - روى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «قالَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ الْبَخِيلَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (2).
4 - روى الحسين عن أبيه عن جدّه، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يَكُونُ بَعْدِي ثَلَاثُ فِرَقٍ : مُرْجِئَةٌ، وَحَرورِيَّةٌ، وَقَدَرِيَّةٌ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُم، وَإِنْ ماتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ، وَإِنْ دَعَوا فَلَا تُجِيبُوهُمْ» (3).
5 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال : «ما مِنْ عَبْدِ أَوْ أَمَةٍ يَضُنُّ بِنَفَقَةٍ يُنفِقُها فيما يُرْضِي اللّه إِلَّا أَنْفَقَ أَضْعَافَهَا فِي سَخَطِ اللّه، وَما مِنْ عَبْدٍ يَدَعُ مَعُونَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالسَّعْيَ فِي حَاجَتِهِ - قُضِيَتْ تِلْكَ الْحَاجَةُ أَوْ لَمْ تُقْضَ - إِلَّا ابْتُلِيَ بِمَعُونَةِ مَنْ يَأْثَمُ فِيهِ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَما مِنْ عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ يَدَعُ الْحَجَّ وَهُوَ يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَيْهِ لِحَاجَةٍ مِنْ حَوائِجِ الدُّنْيا إِلَّا نَظَرَ إِلَى الْمُحَلِّقِينَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ اللّه تِلْكَ الْحَاجَةَ» (4).
6 - روى يحيى بن سعيد قال : كنت عند علي بن الحسين علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فجاءه نفر من الكوفيين، فقال علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «يا أَهْلَ الْعِراقِ، أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَرْفَعُونِي فَوقَ حَقًّي، فَإِنَّ اللّه عَزَّوَجَلَّ قَدِ اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيَّاً» (5).
7 - روت فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبد اللّه بن عباس : «إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانَ يَقُولُ : لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ» (6).
8 - روت فاطمة بنت الحسين، عن أبيها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه يُحِبُّ مَعالِيَ الْأَخْلَاقِ وَ أَشرافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَها» (1).
9 - روت فاطمة بنت الحسين، عن أبيها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَانَ رَأْسُ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علَى اللّه فِي حِجْرِ عَلِيُّ، وَكانَ يُوحَى إِلَيْهِ، فَلَمّا سَرَى عَنْهُ، قال : يا عَلِيُّ، صَلَّيتَ الْعَصَرَ ؟
قالَ : لا.
قالَ : اللّهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ في حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ رَسُولِكَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ الشَّمْسَ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، فَصَلَّى وَغابَتِ الشَّمْسُ» (2).
10 - روت فاطمة، عن أبيها (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَس» (3).
11 - روت فاطمة بنت الحسين، عن أبيها، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «قالَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَهَا وَإِنْ تَقادَمَ عَهْدُها فَأَحْدَثَ لَهَا إِسْتِرْجَاعاً أَحْدَثَ اللّه لَهُ ثَوَابَ ما وَعَدَهُ حِينَ أُصِيبَ بها» (4).
12 - روت فاطمة بنت الحسين، عن أبيها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَمَا أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ الْعِبادِ جُعِلَ فِي الْحَجَرِ، فَمِنَ الْوَفاءِ بِالْبَيْعَةِ اسْتِلامُ الْحَجَرِ» (5).
13 - روی عبد اللّه بن سليمان بن نافع مولى بني هاشم، عن الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا بَنِي هَاشِمِ، أَطِيبُوا الكَلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعامَ» (6).
14 - روى أبو سعيد الميثمي قال : سمعت الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، يقول : «قالَ
رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ كَسَاهُ اللّه ثَوْبَ نارٍ».
هذه بعض بنود مسند الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي حافلة بآداب السلوك، وتهذيب الأخلاق التي لا غنى للناس عنها.
وروى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمه سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) من الأحاديث ما يلي
1 - روى محمّد بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : «خَرَجْتُ أَمْشِي مَعَ جَدِي الْحُسَيْنِ ابْنِ عَلِيَّ إِلَى أَرْضِهِ، فَأَدْرَكَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا، وَقَالَ لِلْحُسَيْنِ : ارْكَبْ أَبا عَبْدِ اللّه فَأَبى، فَلَمْ يَزَلْ يُقْسِمُ عَلَيْهِ، حتّى قالَ : أَمَا إِنَّكَ قَدْ كَلَّفْتَنِي مَا أَكْرَهُ، وَلكِنْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا حَدَّثَتْنِيهِ أُمِّى فَاطِمَةُ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ : الرَّجُلُ أَحَقُّ بِصَدْرِ دابَّتِهِ وَفِراشِهِ، وَالصَّلَاةِ في بَيْتِهِ إِلَّا إِمَاماً لِجَمْعِ مِنَ النَّاسِ، فَارْكَبْ أَنْتَ عَلَى صَدْرِ الدَّابَّةِ، وَسارَتْ تَدُفُّ، فَقالَ النُّعْمَانُ : صَدَقَتْ فَاطِمَةُ» (1).
2 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالت : «قالَ رَسُولُ اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ مَنْ باتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (2)» (3).
وروى الإمام الحسين عن أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الشيء الكثير سواء أكان ممّا يتعلّق بالسيرة النبوية أم في الأحكام الشرعية، وهذه بعضها :
1 - روى عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَعَثَ سَرِيَّةٌ فَأَسَرُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ
يُقالُ لَهُ : الْأَصْيَدُ بْنُ سَلَمَةَ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رَقَّ لِحالِهِ، وَعَرَضَ عَلَيهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ - وَكانَ شَيْخاً - فَكَتَبَ إِلَيهِ رِسَالَةٌ فِيها هذِهِ الأَبْياتُ :
مَنْ راكِبٌ نَحْوَ المَدِينَةِ سالِماً***حتّى يُبلغ ما أَقُولُ الأصيدا
إِنَّ البَنِينَ شِرارُهُم أَمثالُهم***مَنْ عَن والِدَهُ وَبَرَّ الأَبعدا
أَتَرَكْتَ دِينَ أَبيك وَالسُّمُ العُلَى***أُودُوا وَتَابَعْتَ الغَداةَ محمّدا
فَلِأَيِّ أَمْرٍ يا بُنَيَّ عَقَقْتَنِي***وَتَرَكتَني شَيخاً كَبِيراً مُفندا
أَمَّا النَّهارُ فَدَمَعُ عَينِي سَاكِبٌ***وَأَبِيتُ ليلي كالسليم مُسَهَّدا
فَلَعَلَّ رَبِّاً قَدْ هَداكَ لِدِينِهِ***فاشْكُرْ أَيادِيهِ عَسَى أَنْ تُرْشَدا
واكتُبْ إِلَيَّ بِما أَصَبتَ مِنَ ال***هُدَى وَبِدِينِهِ لَا تَترُكَنَّى مُوْحِدا
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ إِنْ قَطَعَتْ فَرابَتِي***وَعَقَقْتَنِي لَمْ أُلْفَ إِلَّا لِلْعِدا
فَلَمّا قَرَأَكِتابَ أَبِيهِ أَتَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَأَخْبَرَهُ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي جَوابِهِ؛ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيهِ :
إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بقدرة***حتّى عَلا في مُلْكِهِ فَتَوَحِّدا
بَعَثَ الَّذِي لَا مِثْلَهَ فِيمَا مَضَى***يَدعُو لِرَحمَتِهِ النبيّ محمّدا
ضَخْم الدسِيعَةِ كالغَزَالَةِ وَجْهُهُ***قرْنا تَأْزُرَ بِالمَكارِم وارتدى
فَدَعا العِبادَ لِدِينِهِ فَتَتَابَعُوا***طَوعاً وَكَرهاً مُقبِلِينَ عَلَى الهُدى
وَتَخَوَفُوا النَّارَ الَّتِي مِنْ أَجلها***كانَ الشَّقِيُّ الخاسِرَ المُتَلَدِّدا
وَاعلَمْ بأَنَّكَ مَيتُ وَمُحاسَبٌ***فَإِلى مَتَى هَذِي الضَّلَالَةُ وَالرَّدى
وَلَمّا قَرَأَ سَلَمَةُ رِسالَةَ ابْنِهِ، وَفَدَ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأسلم» (1).
2 - وروي أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سأل أباه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سيرة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال :
1) أسد الغابة : 1 : 120 و 121، الحدیث 191. الإصابة : 1: 52 و 53.
«... فَكَيْفَ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي جُلَسائِهِ ؟
فَقالَ : كانَ دائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيْنَ الْجانِبِ، لَيْسَ بِفَظٌ وَلَا غَلِيظ، وَلَا صَخَابٍ، وَلَا فَحَاشِ، وَلَا عَيَابٍ، وَلَا مَزَاحٍ، وَلَا مَدَاحٍ. يَتَغافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي فَلَا يُؤْيَسُ مِنْهُ، وَلَا يَخِيبُ فِيهِ مُؤَمِلِيهِ. قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ : الْمِراءِ، وَالْإِكْثَارِ، وَما لَا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النّاسَ مِن ثَلَاثٍ : كانَ لَا يَذُمُّ أَحَداً وَلَا يُعَيَّرُهُ، وَلَا يَطْلُبُ عَشَراتِهِ وَلَا عَوْرَتَهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا رَجا ثَوابَهُ. إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّما عَلَىٰ رُؤُوسِهِمْ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا. وَلَا يَتَنازَعُونَ عِنْدَهُ الحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا إِلَيهِ حَتَّىٰ يَفْرَغَ حَدِيتُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ؛ يَضْحَكُ ممّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ ممّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَمَنْطِقِهِ حَتَّىٰ إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ : إِذَا رَأَيْتُمْ طالِب حاجَةٍ (1)يَطلُبُها فَأَرْفِدُوهُ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّناءَ إِلَّا مِنْ مُكافا، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ كَلَامَهُ حَتَّىٰ يَجُوزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِنَهْي أَوْ قِيامٍ...» (2).
وقد امتاز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على عامة النبيين بهذه الأخلاق العالية التي ألفت ما بين قلوب المسلمين، ووحدت ما بين مشاعرهم وعواطفهم، وجعلتهم في عصورهم الأولى سادة الأمم، والأدلاء على مرضاة اللّه وطاعته.
3- روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (3).
4- روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): عَجِبْتُ لِمَنْ يَحْتَمِي مِنَ الطَّعَامِ
مَخافَةَ الدّاءِ، كَيْفَ لَا يَحْتَمِي مِنَ الذُّنوبِ مَخافَةَ النَّارِ ؟!» (1).
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : الْإِيْمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِالنِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكان» (2).
6 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه أنه قال : «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوْنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطُنَّ اللّه عَلَيْكُمْ أَشرارَكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيارُكُمْ فَلَا يُستَجابُ لَهُم» (3).
7 - روى عن أبيه أنّه قال : «إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى أَخْفَى أَرْبَعَةٌ فِي أَرْبَعَةِ: أَخْفى رِضاهُ في طَاعَتِهِ فَلَا تَسْتَصْغِرُنَّ شَيْئاً مِنْ طَاعَتِهِ؛ فَرُبَّما وَافَقَ رِضَاهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخْفَى سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرُنَّ شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فَرُبَّما وافَقَ سَخَطَهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخفى إِجابَتَهُ فِي دَعَوَتِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرُنَّ شَيْئًا مِنْ دُعَائِهِ؛ فَرُبَّمَا وَافَقَ إِجَابَتَهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخْفَى وَلِيَّهُ فِي عِبادِهِ فَلَا تَسْتَصْغِرُنَّ عَبْداً مِنْ عَبِيدِ اللّه ؛ فَرُبَّمَا يَكُونُ وَلِيَّهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ» (4).
8 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال : «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنو النَّجَارِ، ثُمَّ بَن عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنو الْحَرْثِ، ثُمَّ بَنُو ساعِدَةَ، وَفِي كلّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ» (5).
1) الفقيه : 3: 257، الحديث 1069. الأمالي / الصدوق : 247، الحديث 265. جواهر المطالب : 2 : 145.
2) الخصال : 1 : 178، الحدیث 239. سنن ابن ماجة : 1 : 25 و 26، الحديث 65. الجامع الصغير : 1 : 478، الحديث 3094.
3) مسند زید بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 420. مجمع الزوائد : 7 : 266. الجامع الصغير : 2: 401، الحدیث 7223.
4) مسند الفردوس / شهردار بن شيرويه الديلمي (المتوفّى سنة 558هـ) : من مصورات مكتبة الإمام الحكيم.
5) معاني الأخبار : 112 و 113، الحدیث 1 الخصال 1: 209 و 210، الحدیث 31.
9 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه أنه قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خَيْرُ الدُّعاءِ الْإِسْتِغْفَارُ، وَخَيْرُ الْعِبَادَةِ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه» (1).
10 - روى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن جدّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «الْزَمُوا مَوَدَّتَنا أَهْلَ الْبَيْتَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللّه وَهُوَ يَوَدُّنا دَخَلَ الجنّة بِشَفَاعِتِنا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَفِعُ عَبْدٌ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ حَقًّنا» (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جده وأبويه.
للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تراث رائع خاض في جملة منه مجموعة من البحوث الفلسفية، والمسائل الكلامية التي منيت بالغموض والتعقيد، فأوضحها وبين وجهة نظر الإسلام فيها، كما خاض في كثير من كلماته في أصول الأخلاق، وقواعد الآداب، وأسس الإصلاح الاجتماعي والفردي، ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه :
من أهم المسائل الكلامية وأعمقها مسألة القدر، فقد أثير حولها الكلام منذ فجر التاريخ الإسلامي، وقد تصدى أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لبيانها، ودفع الشبهات عنها، وقد كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الإمام الحسين عنها، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسالة، هذا نصها :
«اتبع ما شَرَحْتُ لَكَ فِي الْقَدَرِ ممّا أُفْضِي إِلَيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ
خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ حَمَلَ الْمَعَاصِيَ عَلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ فَجَرَ وَافْتَرَىٰ عَلَى اللّه افتراء عظيماً.
إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالَى لَا يُطاعُ بِإِكْرَاءٍ، وَلَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ، وَلَا يُهْمِلُ الْعِبادَ فِي الْهَلَكَةِ، لكنَّه المالك لما مَلّكَهُمْ، وَالْقَادِرُ لِما عَلَيْهِ أَقْدَرَهُمْ، فَإِنِ الْتَمَرُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَكُن اللّه صادَّاً عَنْها مُبْطِئاً، وَإِنِ اسْتَمَرُوا بِالْمَعْصِيَةٍ فَشَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما انْتَمَرُوا بِهِ - فَعَلَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ - فَلَيْسَ هُوَ حَمَلَهُمْ عَلَيْها قَسْراً، وَلَا كَلَّفَهُمْ جَبْراً، بَلْ بِتَمْكِينِهِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ إِعْدَارِهِ وَإِنْدَارِهِ لَهُمْ، وَاحْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ، طَوَّقَهُمْ وَمَكْنَهُمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَىٰ أَخْذِ ما إِلَيْهِ دَعاهُمْ، وَتَرْكِ ما عَنْهُ نَهَاهُمْ. جَعَلَهُمْ مُسْتَطِيعِينَ لأَخْذِ ما أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرَ آخِذِيهِ، وَلَتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ تارِكِيهِ، وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي جَعَلَ عِبادَهُ أَقْوِياءَ : لِما أَمَرَهُمْ بِهِ يَنالُونَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَجَعَلَ الْعُذْرَ لِمَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ السَّبِيلَ حَمْداً مُتَقَبَّلاً، فَأَنا عَلى ذلِكَ أَذْهَبُ، وَبِهِ أَقُولُ، وَاللّه أَنا وَأَصْحَابِي أَيْضاً عَلَيْهِ، وَلَهُ الْحَمْدُ» (1).
وقد عرض هذا الكلام الشريف إلى بحوث كلامية مهمة. والتعرض لها يستدعي الإطالة والخروج عن الموضوع.
كتب إليه جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى : «الصَّمَدُ للّه» فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم بعد البسملة :
«أَمَّا بَعْدُ، فَلَا تَخُوضُوا فِي الْقُرْآنِ، وَلَا تُجادِلُوا فِيهِ، وَلَا تَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : مَنْ قالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
1) فقه الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 408 و 409. بحار الأنوار : 5 : 123 و 124، الحديث 71.
وَإِنَّ اللّه سُبْحانَهُ قَدْ فَسَّرَ الصَّمَدَ فَقالَ : «اللّه أَحَدٌ * اللّه الصَّمَدُ» (1).
ثُمَّ فَسَّرَهُ، فَقالَ : «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» (2).
«لَمْ يَلِدْ» : لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيفٌ كَالْوَلَدِ وَسَائِرِ الْأَشْياءِ الْكَثِيفَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا شَيْءٌ لَطِيفٌ كالنَّفْسِ، وَلَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْبَدَواتُ كالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ، وَالْخَطْرَةِ وَالْهَمِّ، وَالْحُزْنِ وَالْبَهجَةِ، وَالضَّحْكِ وَالْبُكاءِ، وَالْخَوفِ وَالرَّجاءِ، وَالرَّغْبَةِ والسّامَةِ، وَالْجُوعِ وَالشَّبْع تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ.
«وَلَمْ يُولَدْ» : لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْياءُ الْكَثِيفَةُ مِنْ عَناصِرِها كالشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَالدَّابَّةِ مِنَ الدَّابَّةِ، وَالنَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَاءِ مِنَ الْيَنابِيعِ، وَالثَّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ، وَلَا كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْياءُ اللَّطِيفَةُ مِنْ مَرَاكِزِها كالْبَصَرِ مِنَ الْعَينِ، وَالسَّمْعِ مِنَ الأَذْنِ، وَالشَّمِّ مِنَ الْأَنْفِ، وَالذُّوقِ مِنَ الفَمِ، وَالْكَلَامِ مِنَ اللّسانِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّمَيِّزِ مِنَ الْقَلْبِ، وَكَالنَّارِ مِنَ الْحَجَرِ، لَا بَلْ هُوَ اللّه الصَّمَدُ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ، وَلَا فِي شَيْءٍ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ، مُبْدِعُ الأَشْياءِ وَخالِقُها، وَمُنْشِئُ الْأَشْياءِ بِقُدْرَتِهِ.
يَتَلاشى ما خَلَقَ لِلْفَناءِ بِمَشِيئَتِهِ، وَيَبْقى ما خَلَقَ لِلْبِناءِ بِعِلْمِهِ، فَذَلِكُمُ اللّه الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أحد» (3).
وعرض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كثير من كلامه إلى توحيد اللّه، فبين حقيقته وجوهره، وفند شُبه الملحدين وأوهامهم، ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه:
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا هَؤُلَاءِ الْمارِقَةَ الَّذِينَ يُشَبِّهونَ اللّه بِأَنْفُسِهِمْ يُضاهِنُونَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، بَلْ هُوَ اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَا تَدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
اِسْتَخْلَصَ الْوَحْدانِيَّةَ وَالْجَبَروتَ، وَأَمْضَى الْمَشِيئَةَ وَالْإِرادَةَ وَالْقُدْرَةَ وَالْعِلْمَ بِما هُوَ كائنٌ.
لَا مُنازِعَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا كُفَوَ لَهُ يُعادِلُهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ يُنازِعُهُ وَلَا سَمِيَّ لَهُ يُشابِهُهُ، وَلَا مِثْلَ لَهُ يُشَاكِلُهُ.
لَا تُتَداوَلُهُ الْأُمُورُ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، وَلَا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْأَحْداث، وَلَا يَقْدِرُ الواصِفُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، وَلَا يَخْطُرُ عَلَى القُلُوبِ مَبْلَغَ جَبَرُوتِهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ عَدِيلٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ العُلَماءُ بِالْبابِها، وَلَا أَهْلُ التفكير بتفكبِرِهِمْ إِلَّا بِالتَّحْقِيقِ إيقاناً بِالْغَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ صِفاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ الْواحِدُ الصَّمَدُ.
ما تُصُوِّرَ فِي الْأَوْهام فَهُوَ خِلَافَهُ، لَيْسَ بِرَبِّ مَنْ طُرِحَ تَحْتَ الْبَلَاغِ، وَمَعْبُودٍ مَنْ وُجِدَ فِي هَواءِ أَوْ غَيْر هَواءِ.
هُوَ فِي الْأَشْياءِ كَائِنٌ، لَا كَيْنُونَةَ مَحْطُورٍ بِهَا عَلَيْهِ، وَمِنَ الْأَشْيَاءِ بِائِنٌ لَا بَينُونَةَ عَائِبٍ عَنْها.
لَيْسَ بِقادِرٍ مَنْ قارَنَهُ ضِدُّ أَوْ ساواهُ يَدٌ، لَيْسَ عَنِ الدَّهْرِ قِدَمُهُ، وَلَا بِالنَّاحِيَةِ أَمَمُهُ، اِحْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ كَمَا احْتَجَبَ عَنِ الْأَبْصَارِ وَعَمَّنْ فِي السَّمَاءِ احْتِجَابُهُ كَمَنْ في الْأَرضِ قُرْبُهُ كَرامَتُهُ، وَبُعْدُهُ إِهانَتْهُ، لَا تَحِلُّهُ (في)، وَلَا تُوقْتُهُ (إِذْ)، وَلَا تَأْمُرُهُ (إِنْ).
علُو مِنْ غَيْرِ تَوَقُّل (1)، وَمَجِيتُهُ مِنْ غَيْرِ تَنقُلِ، يُوجِدُ الْمَفْقُودَ، وَيُفْقِدُ الْمَوْجُودَ، وَلَا تَجْتَمِعُ لِغَيْرِهِ الصَّفَتانِ فِي وَقْتِ. يُصِيبُ الْفِكْرُ مِنْهُ، الْإِيْمَانَ بِهِ مُوْجُوداً وَوُجُودُ الْإِيْمَانِ لَا وُجُودُ صِفَةٍ. بِهِ تُوصَفُ الصَّفاتُ لَا بِها يُوصَفُ، وَبِهِ تُعْرَفُ الْمَعارِفُ لَا بِها يُعْرَفُ، فَذَلِكَ اللّه لَا سَمِيٌّ لَهُ، سُبْحانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2).
وحذر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تشبيه الخالق العظيم بعباده أو بسائر الممكنات التي يلاحقها العدم، ويطاردها الفناء
إنَّ الإنسان مهما أوتي من طاقات فهي محدودة كماً وكيفاً، ويستحيل أن يصل إلى إدراك حقيقة المبدع العظيم الذي خلق هذه الأكوان، وخلق هذه المجرات التي يذهل العقول تصورها، وما بنيت عليه من الأنظمة الدقيقة المذهلة. إنّ الإنسان قد عجز عن معرفة نفسه التي انطوت على هذه الأجهزة العميقة كجهاز البصر، والسمع، والاحساس، وغيرها. فكيف يصل إلى إدراك خالقه ؟ !
وعلى أية حال فقد أوضحت هذه اللوحة الرائعة كثيراً من شؤون التوحيد ودللت على كيفيته، وهي من أثمن ما أثر عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في هذا المجال.
2 - يقول المؤرخون : إنّ حبر الأمة عبد اللّه بن عباس كان يحدّث النّاس في مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقام إليه نافع الأزرق فقال له : تفتي الناس في النملة والقملة ؟ ! صف لي إلهك الذي تعبد ؟
فأطرق إعظاماً لقوله، وكان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً فانبرى قائلاً: «إِلَيَّ يَابْنَ الْأَزْرَقِ».
فقال : لست إياك أسال !
فثار ابن عباس، وقال له : إنّه من بيت النبوّة، وهم ورثة العلم.
فأقبل نافع نحوه، فقال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «يا نافِعُ، إِنَّ مَنْ وَضَعَ دِينَهُ عَلَى الْقِياسِ لَمْ يَزَلِ الدَّهْرَ فِي الْتِباسِ، مائِلاً ناكِباً عَنِ الْمِنْهَاج، طاعِنَا بِالإعوجاج، ضالاً عَنِ السَّبِيلِ، قائِلاً غَيْرَ الْجَمِيل.
يابْنَ الْأَزْرَقِ، أَصِفُ إِلهِي بِما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأُعَرِّفُهُ بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ، لَا يُدْرَكُ بِالْحَواسِ، وَلَا يُقاسُ بِالنَّاسِ، فَهُوَ قَرِيبٌ غَيْرُ مُلتَصِقٍ، وَبَعِيدٌ غَيْرُ مُنْتَقِصٍ. يُوَحَدُ وَلَا يُبَعضُ، مَعْرُوفٌ بِالآياتِ، مَوْصُوفٌ بِالْعَلَامَاتِ، لَا إِلَهِ إِلّا هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ» (1).
فَحار ابن الأزرق ولم يطق جواباً، فقد ملكت الحيرة نفسه، وسدّ عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلّ نافذة ينفذ منها، وبهر جميع من سمعوا مقالة الإمام، وراحوا يرددون كلام ابن عباس إنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيت النبوّة وهم ورثة العلم.
وجّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الكلمة النيرّة إلى الأنصار والمهاجرين، ونعى عليهم تسامحهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين بني عليهما المجتمع الإسلامي، كما عرض إلى المظالم الاجتماعيّة التي منيت بها الأمة، والتي كانت ناجمة عن تقصيرها في إقامة هذا الواجب الخطير، وهذا نصها :
«اعْتَبِرُوا أَيُّها النَّاسُ بِما وَعَظَ اللّه بِهِ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ سُوءِ ثَنائِهِ عَلَى الْأَحْبَارِ، إِذْ يَقُولُ : «لولا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَولِهِمُ الإِثْمَ» (2)وَقالَ : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *
كَانُوا لَا يَتَنَاهُونَ عَنْ مُنكَرِ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» (1)، وَإِنَّمَا عَابَ اللّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَونَ مِنَ الظُّلَمَةِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ الْمُنكَّرَ وَالْفَسَادَ، فَلَا يَنْهَونَهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيما كانُوا يَنالُونَ مِنْهُمْ، وَرَهْبَةً ممّا يَحْذَرُونَ، وَاللّه يَقُولُ : «فَلَا تَخْشَوا النَّاسَ وَاخشَونِ» (2).
وَقالَ : «المَوْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ» (3).
فَبَدَأَ اللّه بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةً مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا إِذا أُديتْ وَأَقِيْمَتْ اِسْتَقامَتِ الْفَرائِضُ كُلُّها، هَيِّنَها وَصَعْبُها ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ دُعاءٌ إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَدَّ الْمَظَالِمِ وَ مُخالَفَةِ الظَّالِمِ، وَقِسْمَةِ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ، وَأخْذِ الصَّدَقَاتِ مِن مَوَاضِعِها وَوَضْعِها فِي حَقِّها.
ثُمَّ أَنْتُمْ أَيَّتُهَا الْعِصابَةُ، عِصابَةٌ بِالْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ، وَبِالْخَيْرِ مَذْكُورَةٌ، وَبِالنَّصِيحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِاللّه فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مَهابَةٌ. يَهابُكُمُ الشَّرِيفُ، وَيُكْرِمُكُمُ الضَّعِيفُ وَيُؤْثِرُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَدٌ لَكُمْ عِنْدَهُ. تَشْفَعُونَ فِي الْحَوَائِجِ إِذَا امْتُنِعَتْ مِنْ طُلابها، وَتَمْشُونَ فِي الطَّرِيقِ بِهَيْبَةِ الْمُلُوكِ وَكَرَامَةِ الْأَكَابِرِ، أَلَيْسَ كلّ ذَلِكَ إِنَّمَا نِلْتُمُوهُ بِما يُرْجَى عِنْدَكُمْ مِنَ الْقِيام بِحَقِّ اللّه، وَإِنْ كُنتُمْ عَنْ أَكثَرِ حَقِّهِ تُقَصِّرونَ ؟ فَاسْتَخْفَفْتُمْ بِحَقِّ الأئمّة، فَأَمَا حَقٌّ الضُّعَفَاءِ فَضَيَّعْتُمْ، وَأَمَا حَفُكُمْ بِزَعْمِكُمْ فَطَلَبْتُمْ، فَلَا مَالاً بذَلْتُمُوهُ، وَلَا نَفْساً خَاطَرْتُمْ بِها لِلَّذِي خَلَقَهَا، وَلَا عَشِيرَةً عَادَيْتُمُوها فِي ذَاتِ اللّه.
أَنْتُمْ تَتَمَنَّونَ عَلَى اللّه جَنَّتَهُ، وَمُجاوَرَةَ رُسُلِهِ، وَأَماناً مِنْ عَذَابِهِ. لَقَدْ خَشِيْتُ عَلَيْكُمْ
أَيُّهَا الْمُتَمَنُّونَ عَلَى اللّه أَنْ تَحِلَّ بِكُمْ نِقْمَةٌ مِنْ نَقِمَاتِهِ؛ لِأَنَّكُمْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللّه مَنْزِلَةٌ فَضَّلْتُمْ بِها، وَمَنْ يُعْرَفُ بِاللّه لَا تُكْرِمُونَ، وَأَنْتُمْ بِاللّه فِي عِبادِهِ تُكْرَمُونَ، وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه مَنقُوضَةٌ فَلَا تَفْزَعُونَ، وَأَنْتُمْ لِبَعْضِ ذِمَم آبائِكُمْ تَفْزَعونَ، وَذِمَّةً رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَحْقُورَةٌ، وَالْعُمْيُ وَالْبُكْمُ وَالزَّمْنَى فِي الْمَدائِنِ مُهْمَلَةٌ لَا تَرْحَمُونَ، وَلَا فِي مَنْزِلَتِكُمْ تَعْمَلُونَ، وَلَا مَنْ عَمِلَ فِيهَا تُعِينونَ، وَبِالْإِدْهَانِ وَالْمُصانَعَةِ عِنْدَ الظُّلَمَةِ تَأمَنونَ. كلّ ذَلِك ممّا أَمَرَكُمُ اللّه بِهِ مِنَ النَّهِي وَالتَّناهِي وَأَنتُم عَنْهُ غَافِلُونَ.
وَأَنتُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ مُصِيبَةٌ لِما غُلِبْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَنازِلِ الْعُلَمَاءِ لَوْ كُنْتُمْ تَشْعُرُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّ مَجارِيَ الْأُمُورِ وَالْأَحْكامِ عَلَى أَيْدِي الْعُلَماءِ بِاللّه، الْأُمَنَاءِ عَلَىٰ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ فَأَنْتُمْ الْمَسْلُوبُونَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ، وَمَا سُلِبْتُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَفَرُّقِكُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَاخْتِلَافِكُم فِي السُّنَّةِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ الْواضِحَةِ، وَلَوْ صَبَرْتُم عَلَى الأذى، وَتَحَمَّلْتُمُ الْمَؤُونَةَ فِي ذَاتِ اللّه، كَانَتْ أُمُورُ اللّه عَلَيْكُمْ تَردُ، وَعَنْكُمْ نَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ، وَلَكِنَّكُمْ مَكَّنْتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللّه فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، سَلَّطَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِرارُكُمْ مِنَ الْمَوْتِ، وَإِعْجَابُكُمْ بِالْحَياةِ الَّتِي هِيَ مُفارِقَتُكُمْ، فَأَسْلَمْتُمُ الضُّعَفَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَمِنْ بَيْنِ مُسْتَعْبَدٍ مَقْهُورٍ، وَبَيْنِ مُسْتَضْعَفٍ عَلَى مَعِيشَتِهِ مَغْلُوبٍ.
يَتَقَلَّبُونَ فِي الْمُلْكِ بِآرَائِهِمْ، وَيَسْتَشْعِرُونَ الْخِزْيَ بِأَهْوَائِهِمُ اقْتِدَاءً بِالْأَشْرَارِ، وَجُرْأَةٌ عَلَى الْجَبَارِ، فِي كلّ بَلَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مِنْبَرِهِ خَطِيبٌ يَصْفَعُ، فَالْأَرْضُ لَهُمْ شَاغِرَةٌ، وَأَيْدِيهِمْ فِيها مَبْسُوطَةٌ، وَالنَّاسُ لَهُمْ خَوَلٌ، لَا يَدْفَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، فَمِنْ بَيْنِ جَبَارٍ عَنِيدٍ، وَذِي سَطْوَةٍ عَلَى الضَّعَفَةِ شَدِيدٍ، مُطاعِ لَا يَعْرِفُ الْمُبْدِئَ الْمُعِيدَ. فَيا عَجَباً ! وَمَا لِي لَا أَعْجَبُ وَالْأَرْضُ مِن غَاشُ غَشُومٍ، وَمُتَصَدْقٍ ظَلُومٍ، وَعامِلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ غَيْرِ رَحِيمٍ، فَاللّه الْحاكِمُ فِيمَا فِيهِ تَنَازَعْنَا، وَالْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَنَا.
اللّهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنَا تَنافُساً فِي سُلْطَانٍ، التماساً مِنْ فُضُولِ
الْحُطام ؛ وَلكِنْ لِنُرِيَ الْمَعالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ في بِلادِكَ، وَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبادِكَ، وَيُعْمَلَ بِفَرائِضِكَ وَسُنَنِكَ وَأَحْكامِكَ، فَإِنْ لِمْ تَنْصُرُونَا وَتَنْصِفُونَا قَوِيَ الظُّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ، وَحَسْبُنَا اللّه، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْهِ أَتَبْنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» (1).
وحفلت هذه الوثيقة السياسية بذكر الأسباب التي أدت إلى تردي الأخلاق، وشيوع المنكر في البلاد الناجمة من عدم قيام المهاجرين والأنصار بمسؤولياتهم وواجباتهم الدينية والاجتماعيّة، فقد كانت لهم المكانة المرموقة في المجتمع الإسلامي ؛ لأنَّهم صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وحَضَنة الإسلام ويمكنهم أن يقولوا كلمة الحقّ، ويناهضوا الباطل، إلّا أنّهم تقاعسوا عن واجباتهم ممّا أدى إلى أن تتحكم في رقاب المسلمين الطغمة الحاكمة من بني أمية الذين اتخذوا عباد اللّه خولاً، ومال اللّه دولاً.
وسئل الإمام أبو عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الجهاد هل هو سنة أم فريضة ؟
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ : فَجِهادانِ فَرْضٌ، وَجِهادُ سُنَّةٍ لَا يُقامُ إِلَّا مَعَ فَرْضِ، وَجِهادُ سُنَّةٍ، فَأَمَا أَحَدُ الْفَرْضَينِ فَجِهادُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عَنْ مَعَاصِي اللّه، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ، وَ مُجاهَدَةُ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ، وَأَمَا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا يُقامُ إِلَّا مَعَ فَرْضِ فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ لَوْ تَرَكوا الْجِهَادَ لَأَتاهُمُ الْعَذابُ، وَهذا هُوَ مِنْ عَذَابِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ. وَحَدُّهُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَدُوَّ مَعَ الأُمّةِ فَيُجاهِدَهُمْ.
1) تحف العقول : 237 - 239.
وَأَمَّا الْجِهادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ فَكُلُّ سُنَّةٍ أَقامَها الرَّجُلُ وَجَاهَدَ فِي إِقَامَتِهَا، وَبُلُوغِها وَإِحْيانِها فالْعَمَلُ وَالسِّعْيُ فِيها مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمالِ؛ لأنَّها إِحْياءُ سُنَّةٍ، وَقَدْ قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ فَلَهُ أَجْرُها وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً (1).
سئل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في تشريع الصوم على العباد فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لِيَجِدَ الْغَنِيُّ مَسَّ الْجُوعِ فَيَعُودَ بِالْفَضْلِ عَلَى الْمَسَاكِينِ» (2).
وتحدث الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أنواع العبادة فقال : «إِنَّ قَوْماً عَبدوا اللّه رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ التَّجَارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبدوا اللّه رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه شُكراً فَتِلْكَ عِبادَةُ الأَحْرَارِ، وَهِيَ أَفْضَلُ الْعِبادَةِ، (3).
وتحدث (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّن عبد اللّه حق عبادته فقال : «مَنْ عَبَدَ اللّه حَقَّ عِبَادَتِهِ آتَاهُ اللّه فَوقَ أَمَانِيهِ وَكِفايَتِهِ» (4).
وحثّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مودة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، يقول أبو سعيد : «سمعت الحسين يقول : مَنْ أَحَبَّنا نَفَعَهُ اللّه بِحُبِّنَا وَإِنْ كانَ أَسِيراً فِي الدَّيْلَمِ، وَإِنَّ حُبَّنا
لِيُساقِطُ الذُّنُوبَ كَما تُساقِطُ الرِّيحُ الْوَرَقَ» (1).
روى بشر بن غالب أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «مَنْ أَحَبَّنا للّه وَرَدْنا نَحْنُ وَهُوَ عَلَى نبيَّنا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هكذا - وَضَمَّ إصبعيه - وَمَنْ أَحَبَّنا لِلدُّنْيا فَإِنَّ الدُّنْيا تَسَعُ الْبَرِّ وَالْفاجِرَ» (2).
وحدث (عَلَيهِ السَّلَامُ) عما يكتسبه من أتى إليهم من الفوائد، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَتانا لَمْ يُعْدَمْ خُصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعِ : آيَةٌ مُحْكَمَةً، وَقَضِيَّةٌ عادِلَةٌ، وَأَخاً مُسْتَفاداً، وَمُجالَسَةَ الْعُلَماءِ» (3).
ورسم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل بيته وأصحابه مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، وأمرهم بالتحلي بها ليكونوا قدوة لغيرهم، وفيما يلي بعضها :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحِلْمُ زِينَةٌ، وَالْوَفاءُ مُرُوءَةٌ، وَالصَّلَةُ نِعْمَةٌ، وَالْإِسْتِكْثَارُ صَلَفٌ، وَالْعَجَلَةُ سَفَهُ، وَالسَّفَهُ ضَعْفَ، وَالغُلُو وَرْطَةٌ، وَمُجالَسَةُ أَهْل الدَّناءَةِ شَرٌّ، وَمُجالَسَةُ أَهْلِ الفُسُوقِ رِيَبَةٌ» (4)
وفي تاريخ مدينة دمشق : 13 : 259 وكنز العمال : 16 : 269، الرقم 44400: أنّها للحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
.2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الصَّدْقُ عِزّ، وَالْكِذَبُ عَجْزُ، وَالسِّرُّ أَمانَةٌ، وَالْجَوارُ قَرابَةٌ، وَالْمَعُونَةُ صَدَقَةٌ، وَالْعَمَلُ تَجرُبَةٌ، وَالْخُلُقُ الْحَسَنُ عِبادَةٌ، وَالصَّمْتُ زَيْنٌ، وَالشُّحُّ فَفْرٌ، وَالسَّخاءُ غِنى، وَالرِّفْقُ لُبٌّ» (5).
1) الاختصاص : 82 شرح الأخبار : 1: 163 مناقب علي بن أبي طالب / ابن المغازلي: 316، الحديث 455 ينابيع المودة : 2 : 374.
2) الأمالي / الطوسي : 253 و 254، الحدیث 455. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 184.
3) كشف الغمّة : 1 : 575 و 576. بحار الأنوار: 44: 195. العوالم : 17 : 61.
4) كشف الغمّة : 1 : 575 و 576. نور الأبصار : 277.
5) تاريخ اليعقوبي : 2 : 160.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيُّها النَّاسُ، مَنْ جادَ سادَ، وَمَنْ بَخِلَ رَدُّلَ، وَإِنَّ أَجْوَدَ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجو، وَإِنَّ أَعْفَى النَّاسَ مِنْ عَفا عَنْ قُدْرَةٍ، وَإِنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَالْأُصُولُ عَلَى مَغارسها بفُرُوعِها تَسْمُو؛ فَمَنْ تَعَجَّلَ لأَخِيهِ خَيْراً وَجَدَهُ إِذا قَدِمَ عَلَيْهِ غَداً، وَمَنْ أَرادَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالصَّنيعَةِ إِلى أَخِيهِ كَافَاهُ بِهَا فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ، وَصَرَفَ عَنْهُ مِنْ بَلَاءِ الدُّنْيا ما هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَمَنْ نَفَّسَ كُرْبَةَ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللّه عَنْهُ كُرَبَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ أَحْسَنَ اللّه إِلَيْهِ؛ وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (1).
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ، فَلَا تَمَلُّوا النَّعَمَ فَتَعُودَ النَّقَمُ» (2).
5 - رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجلاً قد دعي إلى طعام فامتنع من الإجابة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «قُمْ فَلَيْسَ فِي الدَّعْوَةِ عَفْوٌ، وَإِنْ كُنْتَ مُفْطِراً فَكُلْ، وَإِنْ كُنْتَ صائِماً فَبَارِك» (3).
6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «صاحِبُ الْحَاجَةِ لَمْ يُكْرِمْ وَجْهَهُ عَنْ سُؤَالِكَ، فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ ردِّهِ» (4).
7 - كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) دوماً ينشد هذه الأبيات الداعية إلى حسن الخلق، وعدم العناء في طلب الدنيا، ويزعم بعض الرواة أنها من نظمه، وهي :
لَئِنْ كانَتِ الدُّنيا تُعَدُّ نَفِيسَةٌ***فَدارُ ثَوابِ اللّه أَعْلَىٰ وَأَنْبَلُ
وَإِنْ كَانَتِ الأَبْدانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِأَتْ***فَقَتْلُ امْرِى بِالْسَيْفِ فِي اللّه أَفْضَلُ
1) كشف الغمّة : 1 : 574. بحار الأنوار: 78: 121 نهاية الأرب : 3 : 205. الطبقات الكبرى / الشعراني : 41.
2) كشف الغمّة : 1 : 573. أعلام الدين : 298. بحار الأنوار: 74: 318 و : 78: 121. الطبقات الكبرى / الشعراني : 41.
3) دعائم الإسلام : 2 : 107 و 108.
4) كشف الغمّة : 1 : 576. بحار الأنوار: 44 : 196. نور الأبصار : 277.
وَإِنْ كانَتِ الأَرْزاقُ رِزْقاً مُقَدْراً***فَقِلّهُ جَهْدِ الْمَرْءِ فِي الكَسْبِ أَجْمَل
وَإنْ كانَتِ الأَمْوالُ لِلْتُرْكِ جَمْعُها***فَما بال مَنْرُوك بهِ المَرْءُ يَبْخَلُ
لِئِنْ كانَتِ الأَفعالُ يَوْماً لِأَهْلِها***كَمَالاً فَحُسْنُ الْخُلْقِ أَبْهَى وَأَكْمَل (1)
وألمت هذه الأبيات برغبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالشهادة في سبيل اللّه، كما حكت عن طبيعة كرمه وسخائه.
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تَتَكَلَّف ما لا تُطِيقُ، وَلَا تَتَعَرَّضُ لِما لَا تُدْرِكُ، وَلَا تَعْتَدُ بِما لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا تُنْفِقْ إِلَّا بِقَدَرِ ما تَسْتَفِيدُ، وَلَا تَطْلُبْ مِنَ الْجَزاءِ إِلَّا بِقَدَرِ ما صَنَعْتَ، وَلَا تَفْرَحْ إِلا بما يُلْتَ مِنْ طَاعَةِ اللّه، وَلَا تَتَناوَل إلا ما رَأَيْتَ نَفْسَكَ أَهْلاً لَه»ُ (2).
9 - قال لابن عباس (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يابْنَ عَبّاسٍ، لَا تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ فَإِنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ الْوِزْرَ، وَلَا تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا يَعْنِيكَ حَتَّىٰ تَرى لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً، فَرُبَّ مُتِكَلَّم قَدْ تَكَلَّمَ بِحَقِّ فَعِيْبَ، وَلَا تُمَارِيَنَّ حَلِيماً وَلَا سَفِيهَا، فَإِنَّ الْحَلِيمَ يُقْلِيكَ، وَالسَّفِيمَ يُرْدِيكَ، وَلَا تَقُولَنَّ فِي أَحْيِكَ الْمُؤْمِنِ إِذا تَوارى عَنْكَ إِلا مِثْلَ ما تُحِبُّ أَنْ يَقُولَ فيكَ إِذا تَوارَيْتَ عَنْهُ، وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرامِ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ، وَالسَّلَامُ» (3).
وهذه الكلمات الذهبية هي بعض ما أثر عنه في مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات التي يكسب بها الإنسان المنهج السليم، وحسن السلوك وسلامة الدارين.
وزعم بعض المعاصرين للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الذي شرّع الأذان عبداللّه بن زيد
لرؤيا رآها، فأخبر بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به، فأنكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك، وقال : الْوَحْيُ يَتَنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّكُمْ وَتَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَخَذَ الْأَذانَ عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ زَيْدٍ، وَالْأَذَانُ وَجْهُ دِينِكُمْ... (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْإِخْوانُ أَرْبَعَةٌ : فَأَخُ لَكَ وَلَهُ، وَ أَخٌ لَكَ، وَأَخٌ عَلَيْكَ، وَأَخٌ لَا لَكَ وَلَا لَهُ».
وأوضح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بقوله : «الأخ الَّذِي هُوَ لَكَ وَلَهُ فَهُوَ الْأَخُ الَّذِي يَطْلُبُ بِإِخَانِهِ بَقَاءَ الْإِخاءِ، وَلَا يَطْلُبُ بِإِخانِهِ مَوْتَ الْإِخاءِ فَهذا لَكَ وَلَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ الْإِخاءُ طَابَتْ حَياتُهُما جَمِيعاً، وَإِذا دَخَلَ الْإِخاءُ في حالِ التَّناقُضِ بَطَلَا جَمِيعاً.
وَالأخ الَّذِي لَكَ فَهُوَ الْأَخُ الَّذِي قَدْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ عَنْ حَالِ الطَّمَعِ إِلَى حَالِ الرَّغْبَةِ، فَلَمْ يَطْمَعْ فِي الدُّنْيا إِذا رَغِبَ فِي الْإِخاءِ فَهذا مَوْفُورٌ عَلَيْكَ بِكُلِّيَّتِهِ.
وَالأخ الَّذِي هُوَ عَلَيْكَ فَهُوَ الْأخُ الذِي يَتَرَبَّصُ بِكَ الدَّوائِرَ، وَيُغْشِي السَرائِرَ، وَيَكْذِبُ عَلَيْكَ بَيْنَ الْعَشائِرِ، وَيَنْظُرُ فِي وَجْهِكَ نَظَرَ الْحَاسِدِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الْوَاحِدِ.
وَالأخ الَّذِي لَا لَكَ وَلَا لَهُ، فَهُوَ الَّذِي قَدْ مَلَأَهُ اللّه حُمْقاً فَأَبْعَدَهُ سُحْقًا، فَتَرَاهُ يُؤْثِرُ نَفْسَهُ عَلَيْكَ، وَيَطلُبُ شُرِّ ما لَدَيْكَ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دِراسَةُ الْعِلْمِ لِقاحُ الْمَعْرِفَةِ، وَطُوْلُ التَّجارِبِ زِيادَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَالشَّرَفُ وَالتَّقْوَى وَالْقُنُوعُ راحَةُ الأبْدانِ، وَمَنْ أَحَبَّكَ نَهاكَ، وَمَنْ أَبْغَضَكَ أَغْراك» (3).
وتصدق رجل من بني أمية بأموال كثيرة، ولم تكن تلك الأموال من حلال وإنما كانت من حرام، فقال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَثَلُهُ مَثَلُ الَّذِي سَرَقَ الحاج، وَتَصَدَّقَ بِما سَرَقَ، إِنَّمَا الصَّدَقَةُ صَدَقَهُ مَنْ عَرَقَ فِيها جَبِينُهُ، وَاغْبَرُ فِيها وَجْهُهُ...» (1).
وعنى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعظ الناس وإرشادهم كما عنى أبوه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبله - مستهدفاً من ذلك تنمية القوى الخيرة في النفوس، وتوجيه الناس نحو الحقّ والخير وإبعادهم عن نزعات الشرّ من الاعتداء والغرور والطيش وغير ذلك، ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّه، وَأَحَذَرُكُمْ أَيَّامَهُ، وَأَرْفَعُ لَكُمْ أَعْلَامَهُ، فَكَأَنَّ الْمَخُوفَ قَدْ أُفِدَ بِمَهُولِ وُرُودِهِ، وَنَكِيرِ حُلُولِهِ، وَبَشَع مَذاقِهِ، فَاعْتَلَقَ مُهَجَكُمْ، وَحالَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَبَيْنَكُمْ، فَبَادِرُوا بِصِحَّةِ الأَجْسامِ وَمُدَّةِ الْأَعْمَارِ، كَأَنَّكُمْ نَبَعاتُ طَوارِقِهِ فَتَنْقُلُكُمْ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلى بَطْنِها، وَمِنْ عُلُوها إِلى سُفْلِها، وَمِنْ أُنسِها إلى وَحْشَتِها، وَمِنْ رَوْحِهَا وَضَوْئِها إلى ظُلْمَتِها، وَمِنْ سَعَتِها إِلَى ضِيْقِها حَيْثُ لَا يُزارُ حَمِيمٌ، وَلَا يُعَادُ سَقِيمٌ، وَلَا يُجابُ صَرِيخٌ أَعانَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ عَلَى أَهْوالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَنَجَانَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِقابِهِ، وَأَوْجَبَ لَنا وَلَكُمُ الْجَزِيلَ مِنْ ثَوابِهِ.
عِبادَ اللّه، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ قِصَرَ مَرْماكُمْ، وَمَدى مَضْعَنِكُمْ كَانَ حَسَبُ الْعامِل شُغْلاً يَسْتَفْرِغْ عَلَيْهِ أَحْزَانَهُ، وَيُذْهِلُهُ عَنْ دُنْيَاهُ، وَيُكْثِرُ نَصَبَهُ لِطَلَبِ الْخَلَاصِ مِنْهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُرْتَهَنّ بِاكْتِسابِهِ، مُسْتَوْقَفٌ عَلى حِسابِهِ، لَا وَزِيرَ لَهُ يَمْنَعُهُ، وَلَا ظَهِيرَ عَنْهُ
1) دعائم الإسلام : 1 : 249 - 250. بحار الأنوار: 96 : 27.
يَدْفَعُهُ، وَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خيْراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ؟ (1)
أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّ اللّه قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقاهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمّا يَكْرَهُ إِلَىٰ مَا يُحِبُّ، وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخافُ عَلَى الْعِبادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَيَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْدَعُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ إِنْ شاءَ اللّه» (2).
وحفل هذا الكلام بما يقرب الناس إلى اللّه، وبما يبعدهم عن معاصيه ويجنّبهم عن دواعي الهوى ونزعات الشرور.
2 - أقبل رجل من الجهّال الذين يحبون المماراة والجدل على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : اجلس حتّى نتناظر في الدين.
فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا هذا، أَنا بَصِيرٌ بِدِينِي، مَكْشُوفٌ عَلَيَّ هُدَايَ فَإِنْ كُنْتَ جاهِلاً بِدِينِكَ فَاذْهَبَ وَاطْلُبُهُ، ما لِي وَلِلْمُماراة» (3).
3 - كتب إليه رجل يطلب منه أن يعظه بحرفين - أي يوجز القول - فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «مَنْ حاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اللّه تَعَالَى كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَأَسْرَعَ لِمَجِيءِ ما يَحْذَرُ» (4).
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عِبادَ اللّه اتَّقُوا اللّه، وَكُونوا مِنَ الدُّنْيا عَلَى حَذَرٍ، فَإِنَّ الدُّنْيا لَوْ بَقِيَتْ لِأَحَدٍ أَوْ بَقِيَ عَلَيْها أَحَدٌ لَكَانَتْ الأَنْبِياءُ أَحَقَّ بِالْبَقَاءِ، وَأَوْلَى بِالرِّضَاءِ، وَأَرْضى بِالْقَضاءِ، غَيْرَ أَنَّ اللّه خَلَقَ الدُّنْيا لِلْبَلَاءِ، وَخَلَقَ أَهْلَهَا لِلْفَناءِ، فَجَدِيدُها بَالٍ، وَنَعِيمُها
مُضْمَحِلٌ، وَسُرُورُها مُكْفَهِرٌ وَالْمَنْزِلُ بُلْغَةٌ، وَالدَارُ قَلْعَةٌ، فَتَزَوَّدوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ الْتَّقْوَىٰ، وَاتَّقوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (1).
5 - كتب إليه رجل يسأله عن خير الدنيا والآخرة فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ رضا اللّه بِسَخَطِ النّاسِ كَفَاهُ اللّه أُمورَ النَّاسِ، وَمَنْ طَلَبَ رضا النّاسِ بِسَخَطِ اللّه، وَكَلَهُ اللّه إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَامُ» (2).
6 - قال له رجل : كيف أصبحت يابن رسول اللّه ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَصْبَحْتُ وَلي رَبِّ فَوْقِي، وَالنَّارُ أَمَامِي، وَالْمَوْتُ يَطْلُبُنِي، وَالْحِسَابُ مُحْدِقٌ بِي، وَأَنَا مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِي، لَا أَجِدُ ما أُحِبُّ وَلَا أَدْفَعُ ما أَكْرَهُ، وَالْأُمُورُ بِيَدِ غَيْرِي، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَنِي، وَإِنْ شَاءَ عَفا عَنِّي، فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ مِنِّي ؟!» (3).
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يابْنَ آدَمَ تَفَكَّرْ، وَقُلْ : أَيْنَ مُلُوكُ الدُّنْيا وَأَرْبابُهَا الَّذِينَ عَمَرُوا خَرَابَهَا، وَاحْتَفَروا أَنْهَارَها، وَغَرَسوا أَشْجَارَها، وَمَدَّنوا مَدائِنَها، فارَقُوهَا وَهُمْ كَارِهُونَ، وَوَرِثَها قَوْمٌ آخَرُونَ، وَنَحْنُ بِهِمْ عَمّا قَلِيل لَاحِقُونَ.
يابْنَ آدَمَ، اذكُرْ مَصْرَعَكَ، وَفِي قَبْرِكَ مَضْجَعَكَ، وَمَوْقِفَكَ بَيْنَ يَدَى اللّه، تَشْهَدُ جَوارِحُكَ عَلَيْكَ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَتَبْلُغُ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَبْيَضُ وُجُوهٌ، وَتُسوَدُّ وُجُوهٌ، وَتَبدو السَّرائِرُ، وَيُوضَعُ الْمِيزانُ القِسْطُ.
يابْنَ آدَمَ، اذكُرْ مَصارِعَ آبَائِكَ، وَأَبْنائِكَ، كَيْفَ كانوا، وَحَيْثُ حَلُّوا، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ حَلَلْتَ مَحَلَّهُمْ، وَصِرْتَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِر».
ثم أنشد هذه الأبيات :
أَيْنَ المُلوكُ الَّتِي عَنْ حِفْظِهَا غَفَلَتْ***حتّى سَقاها بِكَأْسِ المَوْتِ ساقيها
تِلْكَ المَدائِنُ في الآفاقِ خالِيَةٌ***عادَتْ خَراباً وَذاقَ الْمَوْتَ بانيها
أَمْوالُنَا لِذَوِي الوراث نَجْمَعُها***وَدُورُنا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها (1)
ونسبت للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأبيات :
مَضَى أَمْسُكَ المَاضِي شَهِيداً مُعَدِّلاً***وَخُلُفْتَ فِي يَوْمٍ عَلَيْكَ شَهِيدُ
فَإِنْ أَنْتَ بِالْأَمْسِ اقْتَرَفتَ إِساءَةً***فَقَيدْ بِإِحْسَانٍ وَأَنْتَ حَمِيدُ
وَلَا تُرْجِ فِعْلَ الخَيْرِ يَوْماً إِلَىٰ غَدٍ***لَعَلَّ غَداً يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ (2)
هذه بعض ما أثر عنه من المواعظ الهادفة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها، وإبعادها عن نزعات الهوى والشرور.
وللإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجموعة كبيرة من الخطب الرائعة التي تجسدت فيها صلابة الحق، وقوة العزم، وروعة التصميم على الجهاد في سبيل اللّه، وقد ألقاها في وقت كان الجو ملبداً بالمشاكل السياسية، وقد شجب فيها سياسة الحكم الأموي، ودعا المسلمين إلى الانتفاضة عليه، وسنذكر جملة منها في مواضعها الخاصّة، ونذكر هنا خطبة واحدة منها :
صعد (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم صلى على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فسمع رجلاً يقول : من هذا الذي يخطب ؟ فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«نَحْنُ حِزْبُ اللّه الْغالِبُونَ، وَعِتْرَةُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الْأَقْرَبُونَ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ الطَّيِّبُونَ، وَأَحَدُ الثَّقَلَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَنا رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثَانِيَ كِتابِ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كلّ شَيْءٍ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا يُبْطِئُنا تَأْوِيلُهُ، بَلْ نَتَّبِعُ حَقائِقَهُ فَأَطِيعُونا، فَإِنَّ طَاعَتَنا مَفْرُوضَةٌ ؛ إِذْ كَانَتْ بِطَاعَةِ اللّه وَرَسولِهِ مَقْرُونَةٌ، قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ» (1).
وقال: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَا تَبَعْتُم الشَّيْطَانَ
1) النساء 4: 59.
إِلَّا قَلِيلاً» (1)، وَأُحَذِّرُكُمُ الْإِصْغَاءَ إِلَى هُتافِ الشَّيْطَانِ بِكُمْ، فَإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فَتَكُونُوا كَأَوْلِيائِهِ الَّذِينَ قالَ لَهُمْ: «لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ» (2)، فَتُلْقَوْنَ لِلسُّيُوفِ ضَرْباً، وَلِلرّماح وِرْداً، وَلِلْعَمَلِ حَطْمَاً، وَلِلسِّهَامِ غَرَضاً، ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْ نَفْسٍ إِيمَانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (3)» (4).
وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى التمسك بعترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولزوم طاعتهم والانقياد لهم، وحذرهم من الدعايات المضللة التي بثتها أجهزة الاعلام الأموي الداعية إلى إبعاد الناس عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم مصدر الوعي والنور في الأرض.
وحفلت الأدعية التي أثرت عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدروس التربوية الهادفة إلى بناء صروح العقيدة والإيمان باللّه، وتنمية الخوف والرهبة من اللّه في أعماق نفوس الناس؛ لتصدهم عن الاعتداء وتمنعهم عن الظلم والطغيان، وقد كان اهتمام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بهذه الجهة اهتماماً بالغاً. ولم يؤثر عن أحد من أئمة المسلمين وخيارهم من الأدعية مثل ما أثر عنهم، وإنّها لتعد من أروع الثروات الفكرية والأدبية في الإسلام، فقد حوت أصول الأخلاق، وقواعد السلوك والآداب، كما ألمّت بفلسفة التوحيد ومعالم السياسة العادلة وغير ذلك، ونشير لبعض أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو بهذا الدعاء يستجير باللّه من شرور أعدائه، وهذا نصه :
«اللّهمَّ يا عُدَّتِي عِنْدَ شِدَّتِي، وَيا غَوْثِي عِنْدَ كُرْبَتِي، اخْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنامُ، وَاكْتُفْنِي بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرامُ، وَارْحَمْنِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، فَلَا أُهْلَكُ وَأَنْتَ رَجَائِي. اللّهمَّ إِنَّكَ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ وَأَقْدَرُ ممّا أَخَافُ وَأَحْذَرُ. اللّهمَّ بِكَ أَدْرَأُ فِي نَحْرِهِ، وَأَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّهِ، إِنَّكَ عَلَىٰ كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1).
ودعا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الدعاء الشريف حينما أمر الطاغية المنصور بإحضاره
1) نور الأبصار : 296. الإرشاد / المفيد : 2 : 184. شرح الأخبار : 3: 306. بحار الأنوار: 47 : 175، الحدیث 21.
مخفوراً لينكل به، فأنقذه اللّه من شره وفرج عنه، فسئل عن سبب ذلك، فقال : إنه دعا بدعاء جده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو بهذا الدعاء إذا خرج للاستسقاء :
«اللّهمَّ اسْقِنا سُقْياً واسِعَةً، وادِعَةً، عامَّةٌ، نافِعَةٌ، غَيْرَ ضَارَّةٍ، تَعُمُّ بِها حاضِرَنا وَبِادِينا، وَتَزِيدُ بِها فِي رِزْقِنا وَشُكْرِنا، اللّهمَّ اجْعَلْهُ رِزْقَ إِيْمَانٍ، وَعَطاءَ إِيْمَانٍ، إِنَّ عَطَاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوراً. اللّهمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنا سَكَنَها، وَأَثْبِتْ فِيها زينَتَها وَمَرْعاها» (1).
وهو من أجل أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأكثرها استيعاباً لألطاف اللّه ونعمه على عباده. وقد روى هذا الدعاء الشريف بشر ويشير الأسديان قالا : كنا مع الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عشية عرفة، فخرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فسطاطه متذللاً خاشعاً، فجعل يمشي هوناً هوناً حتّى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده ومواليه في ميسرة الجبل مستقبل البيت، ثم رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَيْسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ، وَلَا لِعَطائِهِ مانِعٌ، وَلَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ أَجْناسَ الْبَدائِعِ، وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ الطَّلائِعُ، وَلَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ، جازي كُلّ صانع، وَرائِشُ كلّ قانع، وَراحِمُ كلّ ضارع، مُنْزِلُ الْمَنافِعِ وَالْكِتابِ
1) عيون الأخبار: 2 : 278 و 279.
الْجامِعِ بِالنُّورِ السّاطِع، وَهُوَ لِلدَّعَواتِ سَامِعٌ، وَلِلْكُرُباتِ دافِعٌ، وَلِلدَّرَجاتِ رافِعٌ، وَلِلْجَبَابِرَة قامِعٌ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا شَيْءَ يَعْدِلُهُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللّهمَّ إِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ، وَأَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ مُقِرَا بِأَنَّكَ رَبِّي وَأَنَّ إِلَيْكَ مَرَدِّي، ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً، وَخَلَقْتَني مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ أَسْكَنتَنى الْأَصْلَابَ، آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ، وَاخْتِلَافِ الدُّهُورِ وَالسِّنِينَ، فَلَمْ أَزَلْ طَاعِنَا مِنْ صُلْبِ إِلَىٰ رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسانِكَ إِلَيَّ في دَوْلَةِ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَني لِلَّذِي سَبَقَ لِيَ مِنَ الْهُدَى الَّذِي لَهُ يَسَّرْتَنِي، وَفِيهِ أَنْشَأْتَني، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ، وَسْوابِعْ نِعَمِكَ، فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيَّ يُمْنى، وَأَسْكَنتَني فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثَ : بَيْنَ لَحْمٍ وَدَمٍ وَجِلْدٍ، لَمْ تُشْهِدْني خَلْقِي، وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي، ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى إِلَى الدُّنْيا تاماً سَوِيَاً، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ، وَكَفَلْتَني الْأُمَّهَاتِ الرَّواحِمَ وَكَلَاتَنِي مِنْ طَوارِقِ الْجانٌ، وَسَلَّمْتَني مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَنُ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقَا بِالْكَلَامِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الْإِنْعامِ، وَرَبَّيْتَنِي زايِداً فِي كلّ عامٍ، حتّى إِذا اكْتَمَلَتْ
فِطْرَتِي، وَاعْتَدَلَتْ مِرَّتي (1)، أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَن مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَني بِعَجائِبِ حِكْمَتِكَ، وَأَيْقَظْتَني لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدائِعِ خَلْقِكَ، وَتَبَّهْتَني لِشَكْرِكَ وَذِكْرِكَ، وَأَوْجَبْتَ عَلَيَّ طاعَتَكَ وَعِبادَتَكَ، وَفَهَمْتَني ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ، وَيَسَّرْتَ لِي تَقَبَّلَ مَرْضاتِكَ، وَمَنَنْتَ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِعَوْنِكَ وَلُطْفِكَ، ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَني مِنْ خَيْرِ الثّرى لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلهِي نِعْمَةً دُونَ أُخْرى، وَرَزَقْتَني مِنْ أَنْواعِ الْمَعاشِ وَصُنُوفِ الرِّياشِ بِمَنَّكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَم، وَإِحْسانِكَ القَدِيمِ إِلَيَّ، حَتَّىٰ إِذَا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النَّعَمِ، وَصَرَفْتَ عَنِّي كلّ النَّقَم، لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَجُرْأَتِي عَلَيْكَ أَنْ دَلَلْتَني إلى ما يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ، وَوَفَّقْتَنِي لِما يُزْلِفُنِي لَدَيْكَ، فَإِنْ دَعَوْتُكَ أَجَبْتَنِي، وَإِنْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتَنِي وَإِنْ أَطَعْتُكَ شَكَرْتَني، وَإِنْ شَكَرْتُكَ زِدْتَنى (2)، كلّ ذَلِكَ إِكْمَال لِأَنْمُمِكَ عَلَيَّ وَإِحْسانِكَ إِلَيَّ.
فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ مِنْ مُبْدِى مُعِيدٍ حَمِيدٌ مَجِيدٍ، تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ، وَعَظُمَتْ آلَاؤُكَ، فَأَيُّ نِعَمِكَ يَا إِلهِي أَحْصِي عَدَداً وَذِكْراً ؟ ! أَمْ أَيُّ عَطَايَاكَ أَقُومُ بِها شُكْراً ؟! وَهِيَ يا رَبِّ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَها الْعادُّونَ، أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِها الْحافِظُونَ، ثُمَّ ما صَرَفْتَ وَدَرَأت (3)عَنِّى اللّهمَّ مِنَ الضُّرّ
وَالضَّرَاءِ كْثَرُ ممّا ظَهَرَ لِي مِنَ العَافِيَةِ وَالسَّرَاءِ.
وَأَنا يا إِلهِي بِحَقِيقَةِ إِيْمَانِي، وَعَقْدِ عَزَمَاتِ يَقِينِي، وَخَالِصِ صَرِيحٍ تَوْحِيدِي، وَباطِنِ مَكْنُونِ ضَمِيرِي، وَعَلَائِقِ مَجارِي نُورِ بَصَرِي، وَأَسارِيرِ (1)صَفْحَةِ جَبِينِي، وَخُرَقِ مَسارِبٍ (2)نَفْسِي، وَخَذَارِيفِ مارِنِ (3)عِرْنِيني، وَمَسارِبِ سِماخِ (4)سَمْعي، وَمَا ضُمَّتْ وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ شَفَتايَ وَحَرَكاتِ لَفْظِ لِسانِي، وَمَغْرَزِ (5)حَنَكِ فَمِي وَفَكَّي، وَمَنابِتِ أَضْراسي (6)، وَمَساغِ (7)مَطْعَمِي وَمَشْرَبِي، وَحِمالَةِ أُمِّ رَأْسي (8)،
1) أسارير و أسرار، وهي جمع السِّر - بالكسر والضمّ - خطوط الجبهة. لسان العرب : 6: 237 - سَرَرَ.
2) مسارب النفس : مجاريها في العروق. القاموس المحيط في اللغة : 8: 312- سَرَبَ.
3) خذاريف - جمع خذروف - : عُوَيْد مشقوق، في وسطه يشدّ بخيط ويمد، فيسمع له خنين، كناية عن الأنف. لسان العرب 4 : 43 - خَذْرَفَ المارن : ما لان من الأنف – لسان العرب 13 : 87 - مَرَنَ.
4) الصماخ و السماخ : ثقب الأذن الماضي إلى داخل الرأس. لسان العرب : 6 : 356 - سَمَخَ. و : 7: 403 - صَمَخَ.
5) المَغرز : موضع الغرز، ومغرز الفكين محل اتصالهما بالجسم - لسان العرب : 10: 49۔ غَرَز.
6) المنابت - جمع المنبت - محل النبت والأضراس - جمع ضرس بالكسر : الأسنان الخمسة أو الأربعة من كلّ جانب من جوانب الفك. أقرب الموارد : 1 : 682- ضَرَسَ.
7) مساغ - مصدر ميمي - الذي سهل ولان - لسان العرب : 6: 432 - سوغ.
8) الحمالة : علاقة السيف؛ لأنها تحمله. وحمالة أم الرأس : الرابطة التي تربط أم الرأس وهو المخ. بالبدن حتّى لا يتزحزح عن محله. أقرب الموارد : 1 : 232 - حَمَلَ.
وَبُلُوغِ فَارِغِ حَبائِلِ عُنُقِي، وَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ تامُورُ(1)صَدْرِي، وَحَمائِلِ حَبْلِ وَتِيني (2)، وَنِياطِ حِجَابٍ قَلْبِي (3)، وَأَفْلَاذِ حَواشي كَبِدِي (4)، وَما حَوَتْهُ شَراسِيفُ أَصْلَاعي (5)وَحِقاقُ مَفاصِلِي (6)، وَقَبْضُ عَوامِلي، وَأَطْرافُ أَنامِلِي، وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي وَعَصَبي (7)وَعِظامي، وَمُكِّي وَعُرُونِي وَجَمِيعُ جَوارِحي، وَما انْتَسَجَ عَلَى ذلِكَ أَيَّامَ رِضاعِي، وَما أَقَلَّتِ (8)الْأَرْضُ مِنِّي، وَنَوْمِي وَيَقَظَتِي (9)وَسُكُونِي، وَحَرَكاتِ رُكُوعِي وَسُجُودِي، أَنْ لَوْ حَاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الْأَعْصَارِ
1) التامور : الوعاء - لسان العرب : 2 : 51 - تَمَرَ.
2) الوتين : عرق في القلب يجري منه الدم إلى كافة العروق، وحمائله : مواضع اتصاله بالجسم - لسان العرب 15 : 209 - وَتَنَ. أقرب الموارد : 2 : 1424 - وَتَنَ.
3) نیاط القلب : عرقه الغليظ الذي إذا قطع مات الشخص.
4) الأفلاذ - جمع فلذة بالكسر : القطعة لسان العرب : 10: 318 - فلذ. أي قطع أطرق الكبد التي تعمل لأخذ الغذاء، وتقسيمه إلى الأخلاط الأربعة.
5) شراسيف - جمع شرسوف بالضم - طرف الضلع المشرف على البطن، وهو القلب والرئتان : وما إليهما من الأعضاء الرئيسية - لسان العرب : 7 : 82- شَرَسَ.
6) الحقاق - بالكسر - جمع حُقِّ بالضم - : أصل الورك الذي فيه عظم رأس الفخذ، والحقّ أيضاً : : النقرة التي في رأس الكتف - لسان العرب : 3 : 261 - حَقَّقَ. وهي الأقفال للقبض والبسط.
7) العصب : الأطناب المنتشرة في الجسم الذي بها يتحرك الإنسان - أقرب الموارد : 2 : 788 - عَصَبَ.
8) أَقَل : رفع. أقرب الموارد : 2 : 1033 - قلل.
9) اليَقَظَة - بالتحريك - : نقيض النوم. لسان العرب : 15: 453 - يَقَظَ.
وَالْأَحْقابِ (1)- لَوْ عُمِّرْتُها - أَنْ أُؤَدِّيَ شُكْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنْعُمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ذلِكَ إِلَّا بِمَنَّكَ الْمُوجَبِ عَلَيَّ بِهِ شُكْرُكَ أَبَداً جَدِيداً، وَثَناءَ طَارِفاً عَتِيداً (2).
أَجَلْ، وَلَوْ حَرَصْتُ أَنا وَالْعادُونَ مِنْ أَنامِكَ أَنْ نُحْصِيَ مَدَى إِنْعامِكَ، سالِفِهِ وَآنِفِهِ، ما حَصَرْناهُ عَدَداً، وَلَا أَحْصَيْنَاهُ أَمَداً، هَيْهَاتَ أَنَّى ذَلِكَ وَأَنْتَ الْمُخْبِرُ فِي كِتابِكَ النَّاطِقِ وَالنَّبَأَ الصَّادِقِ : «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّه لَا تُحْصُوها» (3)صَدَقَ كِتابُكَ اللّهمَّ وَإِنْباؤُكَ، وَبَلَغَتْ أَنْبِياؤُكَ وَرُسُلُكَ ما أَنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِكَ، وَشَرَعْتَ لَهُمْ وَبِهِمْ مِنْ دِينِكَ، غَيْرَ أَنِّي يا إلهي أَشْهَدُ بِجُهْدِي وَجِدِّي وَمَبْلَغ طاعَتِي وَوُسْعِي، وَأَقُولُ مُؤْمِناً مُوقِناً : الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَيَكُونَ مَوْرُوناً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكَ في مُلْكِهِ فَيُضادُّهُ فِيمَا ابْتَدَعَ، وَلَا وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدُهُ (4)فِيما صَنَعَ فَسُبْحانَهُ سُبْحَانَهُ لَوْ كَانَ فِيهما آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا وَتَفَطَّرَتا (5)، سُبْحانَ اللّه الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
1) الأحقاب - جمع حُقُب بضمتين - الدهر، السنة أو السنون، ثمانون سنة أو أكثر - لسان العرب : 3: 253- حَقَب.
2) الطارف : المستحدت - لسان العرب : 8 145 طَرَفَ العتيد : الجسيم - لسان العرب : 9: 31 - عَتَدَ.
3) إبراهيم 14: 34.
4) رَفَدَه و أرفده : أعطاه. لسان العرب : 5 : 264 - رَفَدَ.
5) تفطّر : انشق - أقرب الموارد : 2 : 933- فَطَرَ.
الْحَمْدُ للّه حَمْداً يُعادِلُ حَمْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ وَأَنْبِيائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَصَلَّى اللّه عَلَى خِيَرَتِهِ محمّد خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمُخْلَصِينَ وَسَلَّمَ».
وأخذ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو اللّه، وقد جرت دموع عينيه على سحنات وجهه الشريف، وهو يقول :
«اللّهمَّ اجْعَلْنِي أَخْشاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ، وَلَا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لِي فِي قَضائِكَ (1)، وَبَارِكْ لِي فِي قَدَرِكَ حتّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَلَا تَأْخِيرَ ما عَجَلْتَ.
اللّهمَّ اجْعَلْ غِنايَ في نَفْسِي، وَالْيَقِينَ فِي قَلْبِي، وَالْإِخْلَاصَ في عَمَلي، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي، وَالْبَصِيرَةَ فِي دِينِي، وَمَتِّعْنِي بِجَوَارِحِي، وَاجْعَلْ سَمْعِيَ وَبَصَرِيَ الْوَارِثَيْنِ مِنِّي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَني وَأَرِني فيهِ تَارِي وَمَارِبي (2)، وَأَقِرَّ بِذلِكَ عَيْني.
اللّهمَّ اكْشِفْ كُرْبَتِي، وَاسْتُرْ عَوْرَتِي، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَاخْسَأْ (3)شَيْطانِي، وَفُكَ رِهَانِي، وَاجْعَلْ لِي يَا إِلهِي الدَّرَجَةَ الْعُلْيا فِي الْآخِرَةِ والاولى.
اللّهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَما خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً بَصِيراً، وَلَكَ الْحَمْدُ كَما خَلَقْتَني؛ فَجَعَلْتَنِي خَلْقاً سَوِيّاً رَحْمَةً بِي، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ خَلْقِي غَنِيّاً، رَبِّ بِمَا بَرَأْتُنِي فَعَدَّلْتَ فِطْرَتي، رَبِّ بِمَا أَنْشَأْتَنِي فَأَحْسَنْتَ صُورَتي، رَبِّ بِمَا أَحْسَنْتَ إِلَيَّ وَفِي نَفْسِي عافَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا كَلَاتُنِي وَوَفَّقْتَني، رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَهَدَيْتَنِي، رَبِّ بِما أَوْلَيْتَني وَمِنْ كلّ خَيْرٍ أَعْطَيْتَني، رَبَّ بِمَا أَطْعَمْتَني وَسَقَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَغْنَيْتَنِي وَأَقْنَيْتَنِي، رَبِ بِمَا أَعَننْتَني وَأَعْزَزْتَني، رَبِّ بِمَا أَلْبَسْتَنِي مِنْ سِتْرِكَ الصَّافِي، وَيَسَّرْتَ لِي مِنْ صُنْعِكَ الْكافِي، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَأَعِنِّي عَلَى بَوائِقِ (1)الدهورِ، وَصُرُوفِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَنَجِّنِي مِنْ أَهْوالِ الدُّنْيا وَكُرُباتِ الْآخِرَةِ، وَاكْفِنِي شَرَّ مَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فِي الْأَرْضِ.
اللّهمَّ ما أَخافُ فاكْفِني، وَما أَحْذَرُ فَقِني، وَفِي نَفْسِي وَدِينِي فَاحْرُسْنِي، وَفِي سَفَرِي فَاحْفَظْنِي، وَفِي أَهْلِي وَمَالِي فَاخْلُفْنِي (2)، وَفِيما رَزَقْتَنِي فَبَارِكْ لِي، وَفِي نَفْسِي فَذَلِّلْنِي، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَعَظَّمْنِي، وَمِنْ شَرِّ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَسَلِّمْنِي، وَبِذُنُوبِي فَلَا تَفْضَحْنِي، وَبِسَرِيرَتِي فَلَا تُخْزِنِي، وَبِعَمَلِي فَلَا تَبْتَلِنِي، وَنِعَمَكَ فَلَا تَسْلُبْنِي، وَإِلَى غَيْرِكَ فَلَا تَكِلْنِي (3).
إِلَهِي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ ! إِلى قَرِيبٍ فَيَقْطَعُنِي أَمْ إِلَى بَعِيدٍ فَيَتَجَهُمُنِي (1)! أَمْ إِلَى الْمُسْتَضْعِفِينَ لِي وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي، أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتِي، وَبُعْدَ دَارِي وَهَوَانِي عَلَىٰ مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي.
إِلَهِي، فَلَا تُحْلِلْ عَلَيَّ غَضَبَكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَضِبْتَ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي سُبْحانَكَ غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، فَأَسْأَلُكَ يا رَبِّ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالسَّماوَاتُ، وَكُشِفَتْ بِهِ الظُّلُماتٌ، وَصَلَحَ بِهِ أَمْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَلَا تُمِيتَنِي عَلى غَضَبِكَ، وَلَا تُنْزِلْ بِي سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى (2)، لَكَ الْعُتبَى حتّى تَرْضَى قَبْلَ ذلِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي أَحْلَلْتَهُ الْبَرَكَةَ، وَجَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ أَمْناً.
يا مَنْ عَفا عَنْ عَظِيمِ الذُّنُوبِ بِحِلْمِهِ، يا مَنْ أَسْبَغَ النَّعْماءَ (3)بِفَضْلِهِ، يا مَنْ أَعْطَى الْجَزِيلَ بِكَرَمِهِ، يا عُدَّتِي (4)فِي شِدَّتِي، يا صاحِبِي فِي وَحْدَتِي، يا غِيَاثِي فِي كُرْبَتِي، يا وَلِيِّي فِي نِعْمَتِي، يَا إِلَهِي وَإِلهَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَرَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، وَرَبَّ محمّد خاتم النَّبِيِّينَ وَآلِهِ المُنْتَجَبِينَ، مُنْزِلَ التَّوْراةِ
والإنجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفَرْقانِ، وَمُنَزَّلَ كهيعص وَطه وَيسَ وَالْقرْآنِ الْحَكِيمِ، أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي (1)الْمَذَاهِبُ فِي سَعَتِها، وَتَضِيقُ بِيَ الْأَرْضُ بِرُحْبِها، وَلَوْلَا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهائِكِينَ، وَأَنْتَ مُقِيلُ عَثْرَتِي (2)، وَلَوْلَا سَتْرُكَ إِيَايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ، وَأَنْتَ مُؤَيَّدِي بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِي، وَلَوْلَا نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَغْلُوبِينَ.
يا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالسُّمُوَ وَالرَّفْعَةِ فَأَوْلِيَاؤُهُ بِعِزَّهِ يَعْتَزُّونَ، يَا مَنْ جَعَلَتْ لَهُ الْمُلُوكُ نِيرَ (3)الْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْناقِهِمْ فَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ خَائِفُونَ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِى الصُّدُورُ، وَغَيْبَ مَا تَأْتِي بِهِ الْأَزْمِنَةُ وَالدُّهُورُ، يا مَنْ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ، يا مَنْ لَا يَعْلَمُ ما هُوَ إِلَّا هُوَ، يا مَنْ لَا يَعْلَمُ ما يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، يا مَنْ كَبَسَ (4)الْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ، وَسَدَّ الْهَواءَ بِالسَّماءِ (5)، يا مَنْ لَهُ أَكْرَمُ الْأَسْمَاءِ، يا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَداً، يا مُقَيَّضَ الرَّكْبِ لِيُوسُفَ فِي الْبَلَدِ الْقَفْرِ، وَمُخْرِجَهُ مِنَ الْجُبِّ(6)، وَجاعِلَهُ بَعْدَ
1) الكهف : الملجأ - لسان العرب : 12 : 176 - كَهَفَ العِيّ : العجز لسان العرب : 9: 510 و 511 - عَيَا.
2) مقيل العثرة : الذي يصفح عن الذنوب، ومنه الحديث : «أَيُّمَا عَبْدِ أَقَالَ مُسْلِماً فِي بَيْعِ أَقَالَهُ اللّه تَعَالَى عَشْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» الكافي : 5 : 155، باب آداب التجارة، الحديث 16.
3) النَّير : الخشبة التي تكون على عنق الثور. لسان العرب : 14 : 348 - نير.
4) الكبس على شيءٍ : الشدّ والضغط عليه. أقرب الموارد : 2 : 1062 - كَبَسَ.
5) وهو الغلاف الجوي الذي يمنع تسرب الهواء من الأرض.
6) الجبّ : البئر والحفرة العميقتين. أقرب الموارد : 1 : 100 - جَبَبَ.
الْعُبُودِيَّةِ مَلِكاً، يا رادَّهُ عَلَى يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنِ ابْيَضَتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، ياكاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى عَنْ أَيُّوبَ، وَمُمْسِكَ يَدَيْ إِبْراهِيمَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ بَعْدَ كِبَرِ سِنِّهِ وَفَناءِ عُمْرِهِ، يَا مَنِ اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَا فَوَهَبَ لَهُ يَحْيِىٰ وَلَمْ يَدَعْهُ فَرْداً وَحِيداً، يا مَنْ أَخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، يا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَنْجَاهُمْ وَجَعَلَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، يا مَنْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، يَا مَنْ لَمْ يَعْجَلْ عَلَى مَنْ عَصَاهُ مِنْ خَلْقِهِ يا مَنِ اسْتَنْقَذَ السَّحَرَةَ مِنْ بَعْدِ طُولِ الْجُحُودِ وَقَدْ غَدَوْا فِي نِعْمَتِهِ يَأْكُلُونَ رِزْقَهُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَقَدْ حادُّوهُ وَنادُّوهُ (1)وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، یا اللّه يا اللّه، يا بَدِيءُ، يا بَدِيعُ لَا نِدَّ لَكَ، يا دَائِمُ لَا نَفادَ (2)لَكَ، يا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، يا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يا مَنْ هُوَ قائِمٌ عَلَى كلّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يَا مَنْ قَلَّ لَهُ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْنِي، وَعَظُمَتْ خَطيئتي فَلَم يَفْضَحْنِي، وَرَآنِي عَلَى الْمَعَاصِي فَلَمْ يَشْهَرْنِي، يَا مَنْ حَفِظَنِي فِي صِغَرِي، يا مَنْ رَزَقَنِي فِي كِبَرِي، يا مَنْ أَيَادِيهِ عِنْدِي لَا تُحْصى، وَنِعَمُهُ لَا تجازي، يا مَنْ عَارَضَنِي بِالْخَيْرِ وَالْإحسانِ، وَعارَضْتُهُ بِالْإِساءَةِ وَالْعِصْيانِ، يَا مَنْ هَدَانِي لِلْإِيمَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَعْرِفَ شُكْرَ الْامْتِنانِ، يَا مَنْ دَعَوْتُهُ مَرِيضَاً فَشَفَانِي، وَعُرْيَاناً فَكَسَانِي، وَجَائِعاً فَأَشْبَعَنِي، وَعَطشاناً
فَأَرْوانِي، وَذَلِيلاً فَأَعَزَّنِي، وَجَاهِلاً فَعَرَّفَنِي، وَوَحِيداً فَكَثَّرَنِي، وَغائِباً فَرَدَّنِي، وَمُقِلَّا فَأَغْنَانِي، وَمُنْتَصِراً فَنَصَرَنِي، وَغَنِيّاً فَلَمْ يَسْلُبْنِي، وَأَمْسَكْتُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَابْتَدَأَنِي.
فَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ يا مَنْ أَقالَ عَثْرَنِي، وَنَفَّسَ كُرْبَتِي، وَأَجابَ دَعْوَتِي، وَسَتَرَ عَوْرَتِي، وَغَفَرَ ذُنُوبِي، وَبَلَّغَنِي طَلِبَتِي، وَنَصَرَنِي عَلَىٰ عَدُوِّي، وَإِنْ أَعُدَّ نِعَمَكَ وَمِنَنَكَ وَكَرَائِمَ مِنَحِكَ لَا أَحْصِيها.
يا مَوْلَايَ أَنْتَ الَّذِي مَنَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَنْعَمْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَحْسَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَجْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَفْضَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَكْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي رَزَقْتَ، أَنْتَ الَّذِي وَفَّقْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَغْنَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَقْنَيْتَ (1)، أَنْتَ الَّذِي آوَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي كَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي غَفَرْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَقَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي مَكَّنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعْزَزْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي عَضَدْتَ، أَنْتَ الَّذِي عَافَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَكْرَمْتَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ دائِماً، وَلَكَ الشُّكْرُ واصِباً أَبَداً، ثُمَّ أَنا يا إِلهِي الْمُعْتَرِفُ بِذُنُوبِي فَاغْفِرْها لِي، أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، أَنَا الَّذِي هَمَمْتُ، أَنَا الَّذِي جَهِلْتُ، أَنَا الَّذِي غَفَلْتُ، أَنَا الَّذِي سَهَوْتُ، أنا الَّذِي اعْتَمَدْتُ، أَنَا الَّذِي تَعَمَّدْتُ، أَنَا الَّذِي وَعَدْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْلَفْتُ أَنَا الَّذِي نَكَفْتُ، أَنَا الَّذِي أَقْرَرْتُ، أَنَا الَّذِي اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ
1) اقناه اللّه : أي أعطاه بقدر ما يكفيه - لسان العرب : 11 : 329 - قنا.
وَعِنْدِي، وَأَبُوهُ بِذُنُوبِي (1)فاغْفِرْها لِي، يَا مَنْ لَا تَضُرُّهُ ذُنُوبُ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ طَاعَتِهِمْ، وَالْمُوَفِّقُ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْهُمْ بِمَعُونَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ إِلهِي وَسَيِّدِي.
إلهِي أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُكَ، وَنَهَيْتَنِي فَارْتَكَبْتُ نَهْيَكَ، فَأَصْبَحْتُ لَا ذَا بَراءَةٍ لِي فَأَعْتَذِرُ، وَلَا ذَا قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَسْتَقْبِلُكَ يَا مَوْلايَ، أَبِسَمْعِي، أَمْ بِبَصَرِي، أَمْ بِلِسانِي، أَمْ بِيَدِي، أَمْ بِرِجْلِي ؟! أَلَيْسَ كُلُّها نِعَمَكَ عِنْدِي وَبِكُلِّها عَصَيْتُكَ يا مَوْلَايَ ؟ ! فَلَكَ الْحُجَّةُ وَالسَّبِيلُ عَلَيَّ، يا مَنْ سَتَرَنِي مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يَزْجُرُونِي، وَمِنَ الْعَشَائِرِ وَالْإِخْوَانِ أَنْ يُعَیّرُونِي، وَمِنَ السَّلَاطِين أَنْ يُعاقِبُونِي، وَلَوِ اطَّلَعُوا يا مَوْلَايَ عَلَى ما اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنِّي إِذا ما أَنْظَرُونِي، وَلَرَفَضُونِي وَقَطَعُونِي، فَها أَنا ذَا يا إلهي بَيْنَ يَدَيْكَ يا سَيِّدِي خاضِعٌ ذَلِيلٌ حَصِيرٌ حَقِيرٌ، لَا ذُو بَراءَةٍ فَأَعْتَذِرُ، وَلَا ذُو قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ، وَلَا حُجَّةٍ فَأَحْتَجُ بِهَا، وَلَا قَائِلٌ لَمْ أَجْتَرِحْ (2)وَلَمْ أَعْمَلْ سُوْءًا، وَمَا عَسَى الْجُحُودُ وَلَوْ جَحَدْتُ يَا مَوْلَايَ يَنْفَعُنِي كَيْفَ وَأَنَّىٰ ذَلِكَ وَجَوارِحِي كُلُّها شاهِدَةٌ عَلَيَّ بِمَا قَدْ عَمِلْتُ ؟! وَعَلِمْتُ يَقِيناً غَيْرَ ذِي شَكٍّ أَنَّكَ سَائِلِي مِنْ عَظائِم الْأُمُورِ، وَأَنَّكَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا تَجُورُ، وَعَدْلُكَ مُهْلِكِي، وَمِنْ كلّ عَدْلِكَ مَهْرَبِي؛ فَإِنْ تُعَذِّبْنِي
يا إِلهِي فَبِذُنُوبِي بَعْدَ حُجَّتِكَ عَلَيَّ، وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَبِحِلْمِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْخائِفِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْوَجِلِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الرَّاجِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الرّاغِبِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُهَلِّلِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ السَّائِلِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُكَبِّرِينَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ رَبِّي وَرَبُّ آبَائِيَ الْأَوَّلِينَ.
اللّهمَّ هَذَا ثَنائِي عَلَيْكَ مُمَجَّداً، وَإِخْلَاصِي لِذِكْرِكَ مُوَحَداً، وَإِقْرَارِي بالأئِكَ مُعَدِّداً، وَإِنْ كُنْتُ مُقِرّاً أَنِّي لَمْ أَحْصِهَا لِكَثْرَتِهَا وَسُبُوعِها وَتَظاهرِها وَتَقَادُمِهَا إِلَىٰ حَادِثٍ مَا لَمْ تَزَلْ تَتَعَهَّدُنِي بِهِ مَعَهَا مُنْذُ خَلَقْتَنِي وَبَرَأْتِنِي مِنْ أَوَّلِ الْعُمْرِ مِنَ الْإِغْناءِ مِنَ الْفَقْرِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ، وَتَسْبِيبِ الْيُسْرِ، وَدَفْعِ الْعُسْرِ، وَتَفْرِيجِ الْكَرْبِ، وَالْعَافِيَةِ فِي الْبَدَنِ، وَالسَّلَامَةِ فِي الدِّينِ، وَلَوْ رَفَدَنِي عَلَى قَدْرِ ذِكْرِ نِعْمَتِكَ جَمِيعُ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ما قَدَرْتُ وَلَا هُمْ عَلى ذلِكَ، تَقَدَّمْتَ وَتَعَالَيْتَ مِنْ رَبِّ كَرِيمٍ عَظِيمٍ رَحِيمٍ لَا تُحْصى الأوكَ، وَلَا يُبْلَغُ ثَناؤُكَ، وَلَا تُكَافَى نَعْمَاؤُكَ، صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد، وَأَتْمِمْ عَلَيْنا نِعَمَكَ، وَأَسْعِدْنَا بِطَاعَتِكَ، سُبْحانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.
اللّهمَّ إِنَّكَ تُجِيبُ الْمُضْطَرَّ، وَتَكْشِفُ السُّوءَ، وَتُغِيثُ الْمَكْرُوبَ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ، وَتُغْنِي الْفَقِيرَ، وَتَجْبُرُ الْكَسِيرَ، وَتَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَتُعِينُ الْكَبِيرَ، وَلَيْسَ دُونَكَ ظَهِيرٌ، وَلَا فَوْقَكَ قَدِيرٌ، وَأَنْتَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، يا مُطْلِقَ الْمُكَبَّلِ الْأَسِيرِ، يا رَازِقَ الطِّفْلِ الصَّغِير، يا عِصْمَةَ الْخائِفِ الْمُسْتَجِيرِ، يا مَنْ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَأَعْطِنِي فِى هَذِهِ الْعَشِيَّةِ أَفْضَلَ ما أَعْطَيْتَ وَأَنَلْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ مِنْ نِعْمَةٍ تُوليها، وَالاءِ تُجَدِّدُها، وَبَلِيَّةٍ تَصْرِفُها، وَكُرْبَةٍ تَكْشِفُها، وَدَعْوَةٍ تَسْمَعُها، وَحَسَنَةٍ تَتَقَبَّلُها، وَسَيِّئَةٍ تَتَغَمَّدُها، إِنَّكَ لَطِيفٌ بِمَا تَشَاءُ خَبِيرٌ وَعَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللّهمَّ إِنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ دُعِيَ، وَأَسْرَعُ مَنْ أَجابَ، وَأَكْرَمُ مَنْ عَفا، وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطى، وَأَسْمَعُ مَنْ سُئِلَ، يا رَحْمَنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُما لَيْسَ كَمِثْلِكَ مَسْئُولٌ، وَلَا سِوَاكَ مَأْمُولٌ، دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ فَرَحِمْتَنِي، وَوَثِقْتُ بِكَ فَنَجَّيْتَنِي، وَفَزِعْتُ إِلَيْكَ فَكَفَيْتَنِي.
اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى محمّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَنَبِيِّكَ وَعَلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ أَجْمَعِينَ، وَتَمِّمْ لَنا نَعْماءَكَ، وَهَنَّئْنا عَطَاءَكَ، وَاكْتُبْنَا لَكَ شاكِرِينَ، وَلِآلائِكَ ذاكِرِينَ، آمِينَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللّهمَّ يا مَنْ مَلَكَ فَقَدَرَ، وَقَدَرَ فَقَهَرَ، وَعُصِيَ فَسَتَرَ، وَاسْتُغْفِرَ فَغَفَرَ، يا غايَةَ الطَّالِبِينَ الرَّاغِبِينَ، وَمُنْتَهى أَمَلِ الرَّاجِينَ، يَا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عِلْماً، وَوَسِعَ الْمُسْتَقِيلِينَ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَحِلْماً.
اللّهمَّ إِنَّا نَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ الَّتِي شَرَّفْتَها وَعَظَمْتَها، بِمحمّد نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَأَمِينِكَ عَلى وَحْيِكَ الْبَشِير النَّذِير السِّراجِ الْمُنِيرِ الَّذِي أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. اللّهمَّ فَصَلَّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد كَما محمّد أَهْلٌ لِذلِكَ مِنْكَ يا عَظِيمُ فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْمُنْتَجَبِينَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ أَجْمَعِينَ، وَتَغَمَّدْنَا بِعَفْوِكَ عَنَّا، فَإِلَيْكَ عَجَّتِ (1)الْأَصْواتُ بِصُنُوفِ اللَّغَاتِ، فَاجْعَلْ لَنَا اللّهمَّ فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ نَصِيباً مِنْ كلّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ بَيْنَ عِبَادِكَ، وَنُورٍ تَهْدِي بِهِ، وَرَحْمَةٍ تَنْشُرُها، وَبَرَكَةٍ تُنْزِلُها، وَعافِيَةٍ تُجَلِّلُها، وَرِزْقٍ تَبْسُطُهُ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
اللّهمَّ أَقْلِبْنا فِى هَذَا الْوَقْتِ مُنْجِحِينَ مُفْلِحِينَ مَبْرُورِينَ غَانِمِينَ (2)، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ (3)، وَلَا تُخْلِنَا مِنْ رَحْمَتِكَ، وَلَا تَحْرِمْنا ما نُؤَمِّلُهُ مِنْ فَضْلِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ رَحْمَتِكَ مَحْرُومِينَ، وَلَا لِفَضْل ما نُؤَمِّلُهُ مِنْ عَطائِكَ قانِطِينَ، وَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا مِنْ بابِكَ مَطْرُودِينَ، يا أَجْوَدَ الْأَجْوَدِينَ، وَأَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ إِلَيْكَ أَقْبَلْنا مُوقِنِينَ، وَلبَيْتِكَ الْحَرَامِ
آمِّينَ (1)قاصِدِينَ، فَأَعِنَا عَلَى مَنَاسِكِنَا، وَأَكْمِلْ لَنَا حَجَّنَا، وَاعْفُ عَنّا وَعَافِنَا، فَقَدْ مَدَدْنَا إِلَيْكَ أَيْدِيَنَا، فَهِيَ بِذِلَّةِ الْإِعْتِرافِ مَوْسُومَةٌ.
اللّهمَّ فَأَعْطِنَا فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ مَا سَأَلْناكَ، وَاكْفِنا مَا اسْتَكْفَيْناكَ، فَلَا كَافِيَ لَنا سِواكَ، وَلَا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ، نافِةٌ فينا حُكْمُكَ، مُحِيطٌ بنا عِلْمُكَ، عَدْلٌ فِينا قَضاؤُكَ، اقْضِ لَنَا الْخَيْرَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ.
اللّهمَّ أَوْجِبْ لَنَا بِجُودِكَ عَظِيمَ الْأَجْرِ، وَكَرِيمَ الذُّخْرِ، وَدَوامَ الْيُسْرِ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا أَجْمَعِينَ، وَلَا تُهْلِكْنَا مَعَ الْهَالِكِينَ، وَلَا تَصْرِفْ عَنَّا رَأْفَتَكَ وَرَحْمَتَكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللّهمَّ اجْعَلْنا فِى هَذَا الْوَقْتِ مِمَّنْ سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ، وَشَكَرَكَ فَزِدْتَهُ، وَتَابَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَهُ، وَتَنَصَّلَ (2)إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِهِ كُلّها فَغَفَرْتَها، يا ذَا الْجَلَالِ والإكرام.
اللّهمَّ وَنَقْنا وَسَدِّدْنا، وَاقْبَلْ تَضَرُّعَنا، يا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ، وَيا أَرْحَمَ مَنِ اسْتُرْحِمَ، يا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إِغْمَاضُ الجُفونِ، وَلَا لَحْظُ الْعُيُونِ، وَلَا مَا اسْتَقَرَّ فِي الْمَكْنُونِ، وَلَا مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مُضْمَرَاتُ الْقُلُوبِ، أَلَا كلّ ذلِكَ قَدْ أَحْصاهُ عِلْمُكَ، وَوَسِعَهُ حِلْمُكَ، سُبْحانَكَ وَتَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَكَ السَّماوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ وَمَنْ فِيهِنَّ،
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالْمَجْدُ، وَعُلُو الْجَدّ، يا ذا الْجَلَالِ وَالْإِكْرامِ وَالْفَضْلِ وَالْإِنعَامِ وَالْأَيادِي الْحِسامِ، وَأَنْتَ الْجَوادُ الْكَرِيمُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ.
اللّهمَّ أَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ، وَعَافِنِي فِي بَدَنِي وَدِينِي، وَآمِنْ خَوْفِي، وَأَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ.
اللّهمَّ لَا تَمْكُرْبِي، وَلَا تَسْتَدْرِجْنِي (1)، وَلَا تَخْدَعْنِي، وَادْرَهُ عَنِّي شَرَّ فَسَقَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ».
ثم رفع بصره إلى السماء، وقال برفيع صوته :
«يا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ، يا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، وَيا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ، وَيا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد السَّادَةِ الْمَيامِينَ (2)، وَأَسْأَلُكَ اللّهمَّ حاجَتِيَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي، وَإِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي، أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يا رَبِّ يَا رَبِّ.
إِلهِي أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنايَ فَكَيْفَ لَا أُكُونُ فَقِيراً فِي فَقْرِي، أَنَا الْجَاهِلُ فِي عِلْمِي فَكَيْفَ لَا أَكُونُ جَهُولًا فِي جَهْلِي.
إِلهِي إِنَّ اخْتِلَافَ تَدْبِيرِكَ، وَسُرْعَةَ طَواءِ مَقادِيرِكَ، مَنَعَا عِبادَكَ الْعارِفِينَ بِكَ عَنِ السُّكُونِ إِلَى عَطَاءٍ، وَالْيَأْسِ مِنْكَ فِي بَلاء.
إلهِي مِنّي ما يَلِيقُ بِلُوْمِي، وَمِنْكَ ما يَلِيقُ بِكَرَمِكَ.
إِلهِي وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ لِي قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفِي، أَفَتَمْنَعُنِي مِنْهُما بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفِي.
إِلهِي إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحاسِنُ مِنِّي فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَساوِنُ مِنِّي فَبِعَدْلِكَ، وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ.
إلهِي كَيْفَ تَكِلُنِي وَقَدْ تَكَفَّلْتَ لِي ؟ ! وَكَيْفَ أَضَامُ وَأَنْتَ النَّاصِرُ لِي ؟! أَمْ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ الْحَفِيُّ بِي ؟ ! ها أَنا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَكَيْفَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِما هُوَ مُحالٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ ؟ ! أَمْ كَيْفَ أَشْكُو إِلَيْكَ حالِي وَهُوَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ ؟ ! أَمْ كَيْفَ أَتُرْجِمُ بِمَقالِي وَهُوَ مِنْكَ بَرَةٌ إِلَيْكَ ؟! أَمْ كَيْفَ تُخَيِّبُ آمَالِي وَهِيَ قَدْ وَفَدَتْ إِلَيْكَ ؟! أَمْ كَيْفَ لَا تُحْسِنُ أَحْوَالِي وَبِكَ قامَتْ.
إِلهِي مَا الْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي، وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي. إِلهِي ما أَقْرَبَكَ مِنِّي وَأَبْعَدَنِي عَنْكَ، وَمَا أَرْأَفَكَ بِي، فَما الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ ؟!
إِلهِي عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَتَنَقَّلَاتِ الْأَطوارِ، أَنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعرَّفَ إِلَيَّ فِي كلّ شَيْءٍ حتّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ.
إِلهِي كُلَّمَا أَخْرَسَنِي لُؤْمِي أَنْطَقَنِي كَرَمُكَ، وَكُلَّمَا آيَسَتْنِي أَوْصَافِي أَطْمَعَتْنِي مِنَتُكَ.
إِلهِي مَنْ كَانَتْ مَحاسِنُهُ مَساوِئَ فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَساوِتُهُ مَساوِئَ ؟! وَمَنْ كَانَتْ حَقايِقُهُ دَعاوِي فَكَيْفَ لَا تَكُونُ دَعاوِيهِ دَعاوِئَ.
إِلهِي حُكْمُكَ النّافِذُ، وَمَشِيَّتُكَ الْقَاهِرَةُ لَمْ يَتْرُكا لِذِي مَقالٍ مَقَالاً، وَلَا لِذِي حال حالاً.
إِلهِي كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُها، وَحَالَةٍ شَيَّدْتُها هَدَمَ اعْتِمَادِي عَلَيْها عَدْلُكَ، بَلْ أَقالَنِي مِنْها فَضْلُكَ.
إِلهِي إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلاً جَزْماً فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةٌ وَعَزْماً.
إِلهِي كَيْفَ أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْقاهِرُ ؟ ! وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ ؟!
إِلهِي تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلْنِي إِلَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ ؟! أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ ؟! متى غِبْتَ حَتَّىٰ تَحْتاجَ إِلَى دَلِيلِ يَدُلُّ عَلَيْكَ ؟ ! وَمَتى بَعُدْتَ حَتَّىٰ تَكُونَ الْآثارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ. عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَراكَ عَلَيْهَا رَقِيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدِ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكِ نَصِيباً.
إِلهِي أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْآثارِ فَارْجِعْنِي إِلَيْكَ بِكِسْوَةِ الْأَنْوَارِ،
وَهِدايَةِ الْإِسْتِبْصَارِ حتّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْهَا كَما دَخَلْتُ إِلَيْكَ مِنْهَا مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَن الْإِعتمادِ عَلَيْها، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إلهِي هَذَا ذُلِّي ظَاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهَذَا حَالِي لَا يَخْفَىٰ عَلَيْكَ، مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَيْكَ، وَبِكَ أَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ فَاهْدِنِي بِنُورِكَ إِلَيْكَ، وَأَقِمْنِي بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ.
إِلهِي عَلّمْنِي مِنْ عِلْمِكَ الْمَخْرُونِ، وَصُنِّي بِسِتْرِكَ الْمَصُونِ. إِلهِي حَقَّقْنِي بِحَقائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بِي مَسْلَكَ أَهْلِ الْجَذْبِ.
إِلهِي أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ لِي عَنْ تَدْبِيرِي، وَبِاخْتِيَارِكَ عَنِ اختياري، وَأَوْقِفْنِي عَلَى مَرَاكِزِ اضْطِرارِي.
إِلهِي أَخْرِجْنِي مِنْ ذُلِّ نَفْسِي، وَطَهُرْنِي مِنْ شَكِّي وَشِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي، بِكَ أَنْتَصِرُ فَانْصُرْنِي، وَعَلَيْكَ أَتَوَكَّلُ فَلَا تَكِلْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ فَلَا تُخَيِّيْنِي، وَفِي فَضْلِكَ أَرْغَبُ فَلَا تَحْرِمْنِي، وَبِجَنابِكَ أَنْتَسِبُ فَلَا تُبْعِدْنِي، وَبِبَابِكَ أَقِفُ فَلَا تَطْرُدْنِي.
إلهى تَقَدَّسَ رِضاكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ مِنْكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ مِنِّي ؟!
إلهِي أَنْتَ الْغَنِيُّ بِذاتِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ النَّفْعُ مِنْكَ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ غَنِيَّاً عَنِّي.
إِلهِي إِنَّ الْقَضاءَ وَالْقَدَرَ يُمَنِّينِي، وَإِنَّ الْهَوَى بِوَثَائِقِ الشَّهْوَةِ أَسَرَنِي، فَكُنْ أَنْتَ النَّصِيرَ لِي حتّى تَنْصُرَنِي وَتُبَصِّرَنِي، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ حتّى أَسْتَغْنِيَ بِكَ عَنْ طَلَبِي أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّىٰ عَرَفُوكَ وَوَحْدُوكَ، وَأَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَائِكَ حَتَّىٰ لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَلَمْ يَلْجَلُّوا إِلَى غَيْرِكَ، أَنْتَ الْمُوْنِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوالِمُ، وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ، ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ ؟! وَما الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ ؟! لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلاً، وَلَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغِى عَنْكَ مُتَحَوِّلاً. كَيْفَ يُرْجِى سِواكَ وَأَنْتَ ما قَطَعْتَ الْإِحسانَ ؟! وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِكَ وَأَنْتَ مَا بَدَّلْتَ عَادَةَ الْإِمْتِنانِ ؟! يا مَنْ أَذاقَ أَحِبَاءَهُ حَلَاوَةَ الْمُوْانَسَةِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِينَ، وَيا مَنْ أَلْبَسَ أَوْلِيَاءَهُ مَلَابِسَ هَيْبَتِهِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُسْتَغْفِرِينَ. أَنْتَ الذَّاكِرُ قَبْلَ الذَّاكِرِينَ، وَأَنْتَ الْبَادِي بِالْإِحْسَانِ قَبْلَ تَوَجُهِ الْعَابِدِينَ، وَأَنْتَ الْجَوادُ بِالْعَطاءِ قَبْلَ طَلَبِ الطَّالِبِينَ، وَأَنْتَ الْوَهَّابُ ثُمَّ لِما وَهَبْتَ لَنَا مِنَ الْمُسْتَقْرِضِينَ.
إلهي أطلَبْنِي بِرَحْمَتِكَ حتّى أَصِلَ إِلَيْكَ، وَاجْذِبْنِي بِمَنَّكَ حتّى أُقْبِلَ عَلَيْكَ.
إلهِي إِنَّ رَجَائِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَإِنْ عَصَيْتُكَ، كَمَا أَنَّ خَوْفِي لَا يُزايلُنِي وَإِنْ أَطَعْتُكَ، فَقَدْ دَفَعَتْنِي الْعَوالِمُ إِلَيْكَ، وَقَدْ أَوْقَعَنِي عِلْمِي بِكَرَمِكَ عَلَيْكَ.
إِلهِي كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ أَمَلِي ؟! أَمْ كَيْفَ أُهَانُ وَعَلَيْكَ مُتَّكَلِي.
إِلهِي كَيْفَ أَسْتَعِزُّ وَفِي الذُّلَّةِ أَرْكَرْتَنِي ؟! أَمْ كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ وَإِلَيْكَ نَسَبْتَنِي.
إِلهِي كَيْفَ لَا أَفْتَقِرُ وَأَنْتَ الَّذِي فِي الْفُقَرَاءِ أَقَمْتَنِي ؟! أَمْ كَيْفَ أَفْتَقِرُ وَأَنْتَ الَّذِي بِجُودِكَ أَغْنَيْتَنِي، وَأَنْتَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ فَمَا جَهِلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الَّذِي تَعَرَّفْتَ إِلَيَّ فِي كلّ شَيْءٍ فَرَأَيْتُكَ ظاهِراً فِي كلّ شَيْءٍ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ. يا مَنِ اسْتَوى بِرَحْمَانِيَّتِهِ فَصارَ الْعَرْشُ غَيْباً فِي ذَاتِهِ، مَحَقْتَ الْآثَارَ بِالْآثَارِ، وَمَحَوْتَ الْأَغْيار بمُحِيطَاتِ أَفْلَاكِ الْأَنْوارِ، يا مَنِ احْتَجَبَ فِي سُرَادِقَاتِ عَرْشِهِ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصارُ، يا مَنْ تَجَلَّى بِكَمالِ بَهَائِهِ فَتَحَقَّقَتْ عَظَمَتُهُ مِنَ الْاسْتِواءِ، كَيْفَ تَخْفى وَأَنْتَ الظَّاهِرُ ؟ ! أَمْ كَيْفَ تَغِيبُ وَأَنْتَ الرَّقِيبُ الْحَاضِرُ ؟ ! إِنَّكَ عَلَى کلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْحَمْدُ للّه وَحْدَهُ» (1).
وأثّر هذا الدعاء تأثيراً عظيماً في نفوس من كان مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاتجهوا بقلوبهم وعواطفهم نحوه يستمعون دعاءه، وعلت أصواتهم بالبكاء معه، وذهلوا عن الدعاء لأنفسهم في ذلك المكان الذي يستحب فيه الدعاء.
ويقول الرواة : إنَّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) استمر يدعو حتّى غربت الشمس، فأفاض إلى (المزدلفة) وفاض الناس معه.
1) إقبال الأعمال : 652 - 662. بحار الأنوار: 98 : 216 - 227. البلد الأمين / / الكفعمي : 251 – 258.
ومنح اللّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعنة الحكمة، وفصل الخطاب فكانت تتدفق على لسانه سيول من الموعظة والآداب، والأمثال السائرة، وفيما يلي بعضها :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أَخَذَ اللّه طَاقَةَ أَحَدٍ إِلَّا وَضَعَ عَنْهُ طَاعَتَهُ، وَلَا أَخَذَ قُدْرَتَهُ إِلَّا وَضَعَ عَنْهُ كُلْفَتَهُ» (1).
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسِيءُ وَلَا يَعْتَذِرُ، وَالْمُنافِقُ كُلُّ يَوْمٍ يَسِيءُ وَيَعْتَذِرُ» (2).
3 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللّهمَّ لَا تَسْتَدْرِجْنِي بِالْإِحْسَانِ، وَلَا تُؤَدِّيْنِي بِالْبَلَاءِ» (3).
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» (4).
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ حاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اللّه كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجِو، وَأَسْرَعَ لِمَجِيءٍ ما يَحْذَرُ» (5).
6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنْ دَلَائِلِ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ الْجُلُوسُ إِلَى أَهْلِ الْعُقُولِ، وَمِنْ علاماتٍ أَسْبابِ الْجَهْلِ الْمُمَارَاةُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَمِنْ دَلَائِلِ الْعَالِمِ انْتِقادُهُ لِحَدِيثِهِ، وَعِلْمُهُ بِحَقَائِقِ فُنُونِ النَّظَرِ» (6).
1) تحف العقول : 246. بحار الأنوار: 78: 117.
2) تحف العقول : 248. بحار الأنوار: 78: 120.
3) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 83. كشف الغمّة : 1 : 575. بحار الأنوار: 78: 127.
4) تحف العقول : 248.
5) الكافي : 2 : 372. تحف العقول : 248 نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 97.
6) تحف العقول : 247 و 248. بحار الأنوار: 78: 119.
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْمُؤْمِنَ اتَّخَذَ اللّه عِصْمَتَهُ، وَقَوْلَهُ مَرْآتَهُ، فَمَرَّةً يَنْظُرُ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَارَةٌ يَنْظُرُ فِي وَصْفِ الْمُتَجَبِّرِينَ، فَهُوَ مِنْهُ فِي لَطَائِفٍ، وَمِنْ نَفْسِهِ فِي تَعارُفٍ، وَمِنْ فِطْنَتِهِ فِي يَقِينِ، وَمِن قُدْسِهِ عَلَى تَمْكِينِ» (1).
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال مَوْتُ فِي عِزَّ خَيْرٌ مِنْ حَياةٍ فِي ذُلُّ» (2).
9- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «البكاءُ مِنْ خَشْيَةِ اللّه نَجَاةٌ مِنَ النَّارِ» (3).
10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الرَّأْي وَعِييَتْ بِهِ الْحِيَلُ كَانَ الرِّفْقُ مِفْتَاحَهُ» (4).
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ قَبِلَ عَطَاءَكَ فَقَدْ أَعانَكَ عَلَى الْكَرَمِ» (5).
12 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ أَعْمَالَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى اللّه عَزَّوَجَلَّ» (6).
13 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خَيْرُ الْمَالِ ما وُقِيَ بِهِ الْعِرْضُ» (7).
14 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْسَأَ مِنْ أَجَلِهِ، وَيُزادَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (8).
15 - قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : يا سَيِّدِي، أَخْبِرْنِي بِخَيْرِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ :
1) تحف العقول : 248. بحار الأنوار: 78 : 119.
2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 68. بحار الأنوار: 44: 192.
3) جامع الأخبار : 259، الحديث 689. مستدرك الوسائل : 11: 245، الباب 15 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث 35.
4) أعلام الدين : 298. بحار الأنوار: 78: 128.
5) بحار الأنوار: 71: 357.
6) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 43، الحديث 156. بحار الأنوار: 93: 347، الحديث 14.
7) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 83. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 181.
8) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 43، الحديث 157. بحار الأنوار: 74 : 91.
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
أمّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ رِضًا اللّه بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللّه أَمُورَ النَّاسِ، وَمَنْ طَلَبَ رِضًا النَّاسِ بِسَخَطِ اللّه وَكَلَهُ اللّه إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَام» (1).
16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيْ بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ ناصِراً إِلَّا اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (2).
17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرجل اغتاب عنده رجلاً : «يا هذا، كُفَّ عَنِ الْغِيْبَةِ فَإِنَّها إدامُ كِلَابِ النَّارِ» (3).
18 - تكلم رجل عنده فقال : إن المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلكِنْ تَكُونُ الصَّنِيعَةُ مِثْلَ َوابِلِ الْمَطَرِ تُصِيبُ البَرَّ وَالْفاجِرَه» (4).
19 - سأله رجل عن تفسير قوله تعالى : «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدَّثْ» (5)، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمَا أَنْعَمَ اللّه بِهِ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ» (6).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم، والمواعظ والآداب، ولم نحلل مضامينها إيثاراً للإيجاز، وابتعاداً عن الإطالة.
1) الأمالي الصدوق : 268، الحديث 14 الاختصاص : 225. روضة الواعظين : 443. بحار الأنوار 27: 208، الحدیث 18 و : 371، الحدیث 3 و : 78: 126، الحديث 8.
2) الكافي : 2 : 333. الخصال : 16. الأمالي / الصدوق : 249، الحديث 273. تحف العقول: 246.
3) تحف العقول : 245. بحار الأنوار: 78 117.
4) تحف العقول : 245 و 246. بحار الأنوار: 78: 117.
5) الضحی 93: 11.
6) تحف العقول : 246 و 247. بحار الأنوار: 78: 118.
وعرضت مصادر التاريخ والأدب العربي إلى بعض ما نظمه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الشعر، وما استشهد به في بعض المناسبات، وإن كان بعضها - فيما نحسب - لا يخلو من الانتحال، وهذه بعضها :
1 - دخل أعرابي مسجد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوقف على الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحوله حلقة مجتمعة من الناس فسأل عنه، فقيل له : إنّه الحسن بن علي، فقال : إيَّاه أردت، بلغني أنّهم يتكلمون فيعربون في كلامهم، وإنّي قطعت بوادي وقفاراً وأودية وجبالاً، وجئت لأطارحه الكلام وأسأله عن عويص العربية، فقال له أحد جلساء الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ان كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب - وأومأ إلى الحسين - فبادر إليه، ووقف فسلم عليه فرد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما حاجتك ؟
قال : جئتك من الهرقل والجعلل والأينم والهمهم.
فتبسم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له : يا أغرابِي، لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِكَلَامٍ مَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الْعَالِمُونَ.
فقال الأعرابي : وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي ؟
فقال له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قُلْ ما شِئْتَ فَإِنِّي مُجِيئُكَ.
قال : إنّي بدوي، وأكثر مقالي الشعر، وهو ديوان العرب.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قُلْ ما شِئْتَ فَإِنِّي مُجِيبُكَ.
وأنشأ الأعرابي يقول :
هفا قَلْبِي إِلَى اللَّهْوِ***وَقَدْ وَدْعَ شَرْخَيهِ
وَقَدْ كان أَنِيفاً***عَصْرَ تِجْرارِي ذَيْلَيهِ
عَلَالَاتٌ وَلَذَاتٌ***فَيَا سُفياً لِعَصْرَيهِ
فَلَمَّا عَمَّمَ الشَّيْبُ***مِنَ الرَّأسِ نِطاقَيهِ
وَأَمْسَى قَدْ عَنانِي مِنْهُ***تَجْدِيدُ خِضابَيْهِ
تَسَلِّيْتُ عَنِ اللَّهْوِ***وَأَلْقَيْتُ قِناعَيْهِ
وَفِي الدَّهْرِ أَعاجيب***لِمَنْ يَلْبَسُ حاليه
فَلَوْ يَعْمَلُ ذُو رَأي***أَصِيلٍ فِيهِ رَأْیِيهِ
لأَلْفَى عِبْرَةً مِنْهُ لَهُ***فِي كلّ عَصْرَيْهِ
فأجابه الإمام الحسين الا ارتجالاً :
فَما رَسُمٌ شَجَانِي قد***محَتْ آياتُ رَسْمَيْهِ
سَفُورٌ دَرَّجَتْ ذِيلَيْنِ***فِي بَوغاءِ قاعَيْهِ(1)
هَتُوفٌ حَرجَفٌ تَتَرى***عَلَىٰ تَلْبِيدِ ثَوبَيْهِ (2)
وَدَلَّاج مِنَ المُزْنِ***دَنا نَوءُ سِماكَيهِ
أَنَّى مُثْعَنْجَرَ الوَدْقِ***يَجُودُ مِنْ خِلَالَيْهِ
وَقَدْ أَحْمَدَ بَرْقَاهُ***فَلَا ذَمِّ لِبَرْقَيْهِ
وَقَدْ جَلَّلَ رَعْداهُ***فَلا ذَمٌ لِرَعْدَيْهِ
ثَجِيجُ الرَّعْدِ ثَجَاج***إِذَا أَرْخَى نُطاقَيْهِ
فَأَضْحَى دارِساً قَفْراً***لبَينُونَةِ أَهْلَيْهِ
1) سفور : مأخوذ من سفرت الريح التراب أو الورق : أزالتهما وذهبت بهما كلّ مذهب - لسان العرب : 6: 276 - سَفَرَ. درجت : من نعوت الريح - لسان العرب : 4 : 320 - دَرَجَ. البوغاء : التراب - لسان العرب : 1 : 536 - بَوَغَ.
2) الهتوف: الريح ذات الصوت الحرجف : الريح الباردة - لسان العرب : 3 : 110 - حَرْجَفَ التلبيد : التداخل - لسان العرب : 12 : 222 - لَبَد.
فلما سمع الأعرابي ذلك بهر وانطلق يقول : ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاماً، وأذرب لساناً ولا أفصح منه نطقاً.
فقال له الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أَعْرَابِيُّ :
غُلامٌ كَرَّمَ الرَّحْمنُ***بالتَّطْهِيرِ جَدَّيْهِ
كَساهُ القَمَرُ القُمْقامُ***مِنْ نُور سَناءَيْهِ
وَلَوْ عَدَّدَ طَمَاحٌ***نَفَحْنا عَنْ عِدَادَيْهِ
وَقَدْ أَرْضَيْتُ مِنْ شِعْرِي***وَقَوَّمْتُ عَروضَيْهِ
فلمًا سمع الأعرابي قول الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) انبرى يقول : بارك اللّه عليكما، نجلته تجلهما الرجال.... فجزاكم اللّه خيراً وانصرف(1).
ودلت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قوة العارضة في الشعر، ومقدرته الفائقة في الارتجال والإبداع، إلا أنَّ بعض فصول هذه القصة - فيما نحسب - لا يخلو من الانتحال، وهو مجيء ء الأعرابي من بلد ناءٍ قد تحمل عناء السفر وشدته من أجل اختبار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعرفة مقدراته الأدبية.
2 - نسبت له هذه الأبيات الحكمية :
إِذا ما عَضُكَ الدَّهْرُ***فَلَا تَجْنَحْ إِلَى الْخَلْقِ
وَلَا تَسْأَلُ سِوَى اللّه***تَعَالَى قاسِمَ الرِّزْقِ
فَلَوْ عِشْتَ وَطَوَّفْتَ***مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ
لما صادَفتَ مِنْ يَقْدِرُ***أَنْ يُسْعِدَ أَوْ يُشْقِي (2)
وحثّ هذا الشعر على القناعة وإباء النفس، وعدم الخنوع للغير، وأهاب
بالإنسان أن يسأل أحداً إلّا ربّه الذي بيده مجريات الأحداث.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
إغْنَ عَن المَخْلُوقِ بِالْخالِقِ***تُغْنَ عَن الكَاذِبِ وَالصَّادِقِ
وَاسْتَرْزِقِ الرَّحْمَنَ مِنْ فَضْلِهِ***فَلَيْسَ غَيْرُ اللّه مِنْ رازِقِ
مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُغْنُونَهُ***فَلَيْسَ بِالرَّحْمنِ بِالْواثقِ
أَوْ ظَنَّ أَن المال مِنْ كَسْبِهِ***زَلْتُ بهِ النَّعْلانِ مِنْ حالِق (1)
أعيان الشيعة : 1 : 621. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 186. جواهر المطالب : 2 : 315 البداية والنهاية : 8: 210.
وفي هذه الأبيات دعوة إلى الالتجاء إلى اللّه خالق الكون وواهب الحياة، والاستغناء عمّن سواه، فإنّ من ركن لغيره فقد خاب سعيه وحاد عن الصواب.
4 - زار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقابر الشهداء بالبقيع ؛ لما في ذلك من التذكير بأحوال الآخرة، فانبرى يقول :
نادَيْتُ سُكَانَ القُبُورِ فَأُسْكتوا***فَأَجَابَنِي عَنْ صَمْتِهِمْ تُرُبُ الحَصا
قالَتْ أَتَدرِي مَا صَنَعْتُ بِساكِنِي***مَزَّقْتُ لَحْمَهُمْ وَخَرَّقْتُ الكِسا
وَحَشَوْتُ أَعْيُنَهُم تُراباً بَعْدَما***كانَتْ تَأذّى بِالْيَسِير مِنَ القَذا
أَمَا العِظامُ فَإِنَّني مَزَّقْتُها***حتّى تَبايَنَتِ المَفاصِلُ وَالشَّوا
قَطَّعْتُ ذَا مِنْ ذَا وَمِنْ هذا كَذا***فَتَرَكْتُها ممّا يَطُولُ بها البلا (2)
وحفلت هذه الأبيات بالدعوة إلى الاعتبار والعظة بمصير الإنسان، وأنّه حينما
يودع في بطن الأرض لم يلبث أن يتلاشى وتذهب نضارته، ويعود بعد قليل كتلة من التراب المهين.
5 - ونسب الأعشى هذه الأبيات للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
كُلَّما زِيدَ صاحِبُ المالِ مالاً***زِيدَ فِي هَمِّهِ وَفِي الاشتغال
قَدْ عَرَفْناكَ يا مَنْغَصَةَ الْعَيْ***ش ويا دارَ كلّ فانٍ وَبالِ
لَيْسَ يَصْفُوِ لِزاهِدٍ طَلَبَ الزُّهْ***د إذا كان مُثْقَلاً بالعيال (1)
وتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الأبيات عن ظاهرة خاصة من ظواهر الحياة، وهي أنّ الإنسان كلما اتسع نطاقه المادي ازدادت آلامه وهمومه، وازداد جهداً وعناء في تصريف شؤون أمواله، وزيادة أرباحها، كما تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَمَّنْ يرغب في الزهد في الحياة، فإنّه لا يجد سبيلاً إلى ذلك ما دام مثقلاً بالعيال، فإنّ شغله بذلك يمنعه عن الزهد في الدنيا.
6 - روى الإريلي أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال هذه الأبيات في ذم البغي :
ذَهَبَ الذِينَ أُحِبُّهُمْ***وَبَقِيتُ فِيمَنْ لَا أُحِبُّة
فِيمَنْ أَراهُ يَسُبُّنِي***ظَهْرَ المَغيِبِ وَلَا أَسُبُّهْ
يَبْغِي فَسادِي ما اسْتَطا***عَ وَأَمرُهُ ممّا أَربُّه (2)
حَنَقَاً يَدُبُّ إِلى الضرا***ءِ وَذاكَ ممّا لَا أَدُبُّهُ
وترى ذُبَابَ الشَّرَّ مِنْ***حولي يَطِنُّ وَلَا يَذُبُّهُ
وَإِذَا خَا وَغْرَ الصُّدو***ر فَلا يَزالُ بِهِ يَشُبُه (1)
أَفَلَا يَعِيجُ بِعَقْلِهِ***أَفَلَا يَثُوبُ إلَيهِ لُبّه (2)
أَفَلَا يَرَى مِن فِعْلِهِ***ما قَدْ يَسُورُ إِلَيْهِ غِبُّه (3)
حَسْبِي يربي كافياً***ما أَخْتَشِي وَالبَغْيِ حَسْبُهُ
وَلَعَلَّ مَنْ يَبْغِي عَلَى***هِ فَما كَفاهُ اللّه رَبُّه (4)
وتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الأبيات عن إحدى النزعات الشريرة في الإنسان وهي البغي، فإنّ من يتلوث به يسعى دوماً إلى سبّ أخيه والاعتداء عليه وإفساد أمره، وإنه إذا سكن وغر الصدور فإنّه يسعى لإثارتها انطلاقاً منه في البغي والاعتداء، وقد وجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه النصح، فإنّه إذا رجع إلى عقله وفكر في أمره، فإن غبه على أخيه يرجع إليه، وتلحقه أضراره وآثامه. ومن الطبيعي أنه إذا أطال التفكير في ذلك فإنّه يقلع عن نفسه هذه الصفة الشريرة حسبما نص عليه علماء الأخلاق.
7 - وزعم أبو الفرج الأصبهاني أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال هذه الأبيات في بنته سكينة، وأمها الرباب :
لَعَمرُكَ إِنَّنِي لأحِبُّ داراً***تكُونُ بِها سُكَينَةُ وَالرِّبابُ
أحبُّهُما وأبذل جُل مالي***وَلَيسَ لِعَاتِب عِنْدِي عِتابُ
فَلَسْتُ لَهُمْ وَإِنْ عَابُوا مُضِيعاً***حَيَاتِي أَوْ يُغَيِّبُنِي التُرابُ (5)
وَلَيْسَ لَهُمْ وَإِنْ عَتَبُوا مُطِيعاً***حَيَاتِي أَوْ يُغَيِّبُنِي التُّرَابُ
1) خبا : سكن - لسان العرب : 4 : 22 - خَبَا.
2) يعيج : ينتفع - لسان العرب : 9 : 492 - عَيْجَ.
3) بسور : يرجع - الصحاح : 2 : 690 - سَوَرَ. لسان العرب : 6: 425 - سَوَرَ.
4) كشف الغمّة : 1 : 577 و 578. بحار الأنوار: 78: 122. أعيان الشيعة : 1: 621.
5) الأغاني : 16 : 104. وفي تذكرة الخواص : 238، والبداية والنهاية : 8: 211، هكذا :
وهذه الأبيات فيما نحسب من المنتحلات والموضوعات، فإنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أجل شأناً وأرفع قدراً من أن يذيع حبّه لزوجته وابنته بين الناس، فليس هذا من خلقه، ولا يليق به، إنّ ذلك - من دون شك - من المفتريات التي تعمّد وضعها للحطّ من شأن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
8 - ومما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
اللّه يَعْلَمُ أَنَّ ما***بِيَدَي يَزِيدَ لِغَيرِهِ
وَبِأَنَّهُ لَمْ يَكْتَسِب***هُ بِخَيرِهِ وَيَميرِهِ
لَوْ أَنصَفَ النَّفْسَ الخَؤُو***ن لَقَصُرَتْ مِنْ سَيرِهِ
وَلَكانَ ذلِكَ مِنْهُ أَدْ***نَىٰ شَرَّهُ مِنْ خَيْرِهِ (1)
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض مثل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونزعاته التي كان بها فذاً من أفذاذ العقل الإنساني، ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلاميّة بجميع قيمها ومكوناتها.
1) كشف الغمّة : 1 : 578. أعيان الشيعة : 1 : 621.
عاش الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو وهو في ريعان الصبا، وغضارة العمر في كنف جده الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان يغدق عليه بعطفه، ويفيض عليه بحنانه، ويعمل على توجيهه وتقويمه، حتی توسعت مداركه، ونمت ملكاته وهو في سنه المبكر، وكانت هذه الفترة القصيرة التي عاشها مع جده من أهم الفترات وأروعها في تاريخ الإسلام كله، فقد وطّد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيها أركان دولته، وأقامها على أساس العلم والإيمان، وهزم جيوش الشرك وفلل قواعد الإلحاد، وقام الإسلام على شوقه عبل الذراع مفتول الساعد، وأخذت الانتصارات الرائعة تترى على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأصحابه، فقد دخل الناس في دين اللّه أفواجاً أفواجاً، وامتد حكم الإسلام إلى أغلب مناطق الجزيرة العربية.
وفي غمرات هذه الانتصارات الرائعة شعر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنّ حياته قد انطوت، وأيامه قد انتهت ؛ لأنه أدى ما عليه، وأقام دينه العظيم يؤدي فعالياته في توجيه الإنسان وإقامة سلوكه، فإذن لابد له من الرحيل عن هذه الحياة.
ونتحدث عن فصول هذه المأساة الكبرى التى منى بها المسلمون وننظر إلى ما رافقها من الأحداث الخطيرة، فإنّها ترتبط ارتباطاً موضوعياً بما نحن فيه، فهي تكشف عن كثير من الأسباب التي أدت إلى ما عاناه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من النكبات والخطوب.
وبدت طلائع الوفاة، ومفارقة الحياة للقائد والمنقذ والمعلم والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كان هناك إنذاران متواليان يدلّان على ذلك، وهما كما يلي :
1 - إنّ القرآن نزل على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرتين فاستشعر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك حضور الأجل المحتوم (1)، وأخذ ينعى نفسه، ويذيع بين المسلمين مفارقته لهذه الحياة، وكان يقول لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): «إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَ أَنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ الْعامَ مَرَّتَيْنِ، وَما أَرى ذلِكَ إِلَّا اقْتِرابَ أَجَلِي» (2).
2 - إنّه نزل عليه الوحي بهذه الآية : «إِنَّكَ مِيِّتٌ وَإِنَّهُم مِيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يُومَ القِيَامَةِ عَنْدَ رَبِّكُم تَخْتَصِمُونَ» (3). وكانت هذه الآية إنذاراً له بمفارقة الحياة، فأثارت كوا من التوجس في نفسه، وسمعه المسلمون يقول : «لَيتَنِي أَعلَمُ مَتَى يَكُونُ ذلِكَ».
ونزلت عليه سورة النّصر فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : «سُبْحانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللّه وَأَتُوبُ إِلَيْهِ».
وفزع المسلمون وذهلوا، وانطلقوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الرهيبة فأجابهم : و أما إِنَّ نَفْسِي قَدْ نُعِيتُ إِلَيَّ... (4).
وفزع المسلمون وهاموا في تيارات مذهلة من الهواجس والأفكار، فقد كان وقع ذلك عليهم كالصاعقة، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم إن خلت هذه الدنيا
من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ولما علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بدنو الأجل المحتوم منه رأى أن يحج إلى بيت اللّه الحرام ؛ ليلتقي بعامة المسلمين، ويعقد هناك مؤتمراً عاماً يضع فيه الخطوط السليمة لنجاة أمته، ووقايتها من الزيغ والانحراف.
وحج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حجته الأخيرة الشهيرة بـ(حجّة الوداع) في السنة العاشرة من الهجرة فأشاع فيها بين الوافدين لبيت اللّه الحرام أن لقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر لقاء، وهو آخر عهدهم به قائلاً: أَيُّها النَّاسُ إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هذا بِهذَا الْمَوقِفِ أَبَداً... (1).
وجعل يطوف على الجماهير، ويعرفهم بما يضمن لهم نجاحهم وسعادتهم قائلاً: يا أَيُّها النَّاسُ، إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتابَ اللّه، وَعِتْرَنِي أَهْلَ بَيْتِي (2).
إنّ الركيزة الأُولى لسلامة الأمة، وصيانتها عن أي زيغ عقائدي هو تمسكها بكتاب
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 250. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 24.
2) کتاب سليم بن قيس : 204، الحديث 300. بصائر الدرجات : 433 و 434، الحديث 3 - 6 الكافي : 3 : 421 - 423. كمال الدين وتمام النعمة : 1 : 241، الحديث 242. كفاية الأثر : 128 و 129. المجازات النبوية : 203 - 208، الحديث 190. الأمالي / المفيد: 46 و 47. مسند أحمد بن حنبل : 3 : 388، الحدیث 10720 و : 393، الحدیث 10747، و 394، الحدیث 10827. سنن الدارمي : 2 : 321 و 322، الحديث 3316. المستدرك على الصحيحين: 3 : 109، الحديث 148. السنن الكبرى / البيهقي : 7 : 30 و 31 و : 10 : 114. السنن الكبرى / النسائي : 5 : 45، الحديث 8148 و 130، الحديث 8464. سنن الترمذي : 5 : 621، الحديث 3786 و : 622، الحدیث 3788 مجمع الزوائد : 9 : 163، وقد ذكر هذا الحديث في مصادر التاريخ : والسيرة بألفاظ مختلفة.
اللّه، والتمسك بالعترة الطاهرة، فهما أساس سعادتها ونجاحها في الدنيا والآخرة.
ولما انتهى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مراسيم الحج، وقف عند بئر (زمزم)، وأمر ربيعة بن أُمية بن خلف فوقف تحت صدر راحلته، وكان صبياً فقال : يا رَبيعَةُ، قُلْ : يا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَسولَ اللّه يَقُولُ لَكُمْ: لَعَلَّكُمْ لَا تَلْقُونَنِي عَلَى مِثْلِ حالي هذِهِ وَعَلَيْكُم هذا، هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هذا ؟ وَهَلْ تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا ؟ وَهَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا ؟
فقال الناس : نعم، هذا البلد الحرام، والشهر الحرام، واليوم الحرام. وبعدما أقروا بذلك قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالَكُم كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هذا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هذا، وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَاتَّقُوا اللّه «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم وَلَا تَعْثَوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (1)فَمَنْ كانَتْ عِنْدَهُ أَمانَةٌ فَلْيُؤَدِّها.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): النَّاسُ فِي الإِسلَامِ سَواءٌ، النَّاسُ طِفُ الصّاعِ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ - لَا فَضْلَ لِعَرَبِيُّ عَلى عَجَمِيٌّ، وَلَا عَجَمِيٌّ عَلى عَرَبِيٌّ إِلَّا بِتَقْوَى اللّه، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا تَأْتُونِي بِأَنْسابِكُمْ وَأتُونِي بِأَعْمالِكُمْ، فَأَقُولُ لِلنَّاسِ هَكَذَا، وَلَكُمْ هكذا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟
قالوا : نعم.
1) هود 11 : 85 الشعراء 26 : 183.
قال : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): كلّ دَمِ كَانَ فِي الْجاهِلِيَّةِ مَوضُوع تَحتَ قَدَمَيَّ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (1)
كان مسترضعاً في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر. وقيل : في بني ليث، وقتلته هذيل - تاريخ اليعقوبي : 1 : 440، وقد أسقط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ديته ؛ لأنّه قتل في الجاهليّة.
أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَكُلُّ رِباً كانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوع تَحْتَ قَدَمي، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ ربا العَباسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَلَا هَلْ بَلَغْتُ ؟
قالوا : نعم
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَيُّها النَّاسُ، «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامَاً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّه» (2).
أَلَا وَإِنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّه السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَ «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّه اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّه مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» (3): رَجَبِّ الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ يَدْعُونَهُ مُضَرَ، وَثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ : ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال : أَوْصِيكُمْ بِالنِّساءِ خَيْراً فَإِنَّما هُنَّ عَوانٍ (1)عِندَكَم، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ له شَيْئاً، وَإِنَّما أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللّه، وَاسْتَحلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتَابِ اللّه، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ : كِسْوَتُهُنَّ، وَرِزْقُهُنَّ بِالْمَعْرُوبِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَا يُوطِنَ فِراشَكُمْ أَحَداً، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا بِعِلْمِكُمْ وَإِذْنِكُمْ، فَإِنْ فَعَمَن شَيْئاً مِن ذَلِكَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، أَلَا هَلْ بَلَفْتُ ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ اشْهَدْ
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فَأَوْصِيْكُمْ بِمَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ ممّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ ممّا تَلْبَسُونَ، وَإِنْ أَذْنَبُوا فَكِلُوا عُقُوباتِهِمْ إِلَى شِرارِكُمْ، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ اشْهَدْ.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَغُشُهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَلَا يَغْتَابُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ دَمُهُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِطِيبٍ نَفْسِهِ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟
قالوا : نعم
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ اشْهَدْ.
ويستمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خطابه الحافل بما تضمنته الرسالة الإسلاميّة من البنود المشرقة في في عالم التشريع، ثم ختمه بقوله :
لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَاراً مُضِلِّينَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، إِنِّي خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ
1) عَوَانٍ - جمع عانية - : وهي الأسيرة، والعواني: النساء؛ لأنهنّ يُظْلَمنَ فَلَا يَنْتَصِرن - لسان العرب : 9 : 443 - عَنَا.
تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللّه وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟
قالوا : نعم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ اشْهَدُ.
ثم التفت إليهم فطالبهم بالالتزام بما أعلنه وأذاعه فيهم قائلاً : إِنَّكُمْ مَسْؤُولونَ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ (1).
وبذلك انتهى خطابه الرائع الحافل بما تحتاجه الأمة في الصعيد الاجتماعي والسياسي، كما عيّن لها القادة من أهل بيته الذين يعنون بالإصلاح العام، وببلوغ أهداف الأمة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعيّة.
ولما انتهى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من حجه قفل راجعاً إلى يثرب، وحينما انتهى موكبه إلى غدير خم، هبط عليه أمين الوحي يحمل رسالة من السماء بالغة الخطورة تحتم عليه بأن يحط رحله ؛ ليقوم بأداء هذه المهمة الكبرى وهي تنصيب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة ومرجعاً للأمة من بعده، وكان أمر السماء بذلك يحمل طابعاً من الشدة، ولزوم الإسراع في إذاعة ذلك بين المسلمين، فقد نزل عليه الوحي بهذه الآية : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (2)
وقد نص على نزول هذه الآية في يوم الغدير الواحدي في أسباب النزول : 139. وذكرها الرازي في تفسيره التفسير الكبير : 12 : 49 و 50. تفسير العياشي : 1 : 331 - 334. تفسير القمي : 1 : 171 - 174 و : 2 : 201 مجمع البيان : 3 : 344. التبيان : 588. شواهد التنزيل : 1 : 187 - 193، وقد ذكر ثمانية طرق في نزول الآية في حقّ عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ). الدرّ المنثور: 3 : 117.
.لقد أنذر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه إن لم ينفذ إرادة السماء ذهبت أتعابه، وضاعت جهوده، وتبدد ما لا قاه من العناء العناء في سبيل هذا الدين، فانبرى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعزم ثابت وإرادة صلبة إلى تنفيذ إرادة اللّه، فوضع أعباء المسير وحطّ رحله في رمضاء الهجير، وأمر القوافل أن تفعل مثل ذلك، وكان الوقت قاسياً في حرارته حتّى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقي به من الحرّ، وأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باجتماع الناس فصلى بهم، وبعد ما انتهى من الصلاة أمر أن توضع حدائج الإبل ؛ لتكون له منبراً ففعلوا له ذلك فاعتلى عليها، وكان عدد الحاضرين - فيما يقول المؤرخون - مائة ألف أو يزيدون، وأقبلوا بقلوبهم نحو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليسمعوا خطابه، فأعلن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما لاقاه من العناء والجهد في سبيل هدايتهم وإنقاذهم من الحياة الجاهلية إلى الحياة الكريمة التي جاء بها الإسلام، كما ذكر لهم كوكبة من الأحكام الدينية وألزمهم بتطبيقها على واقع حياتهم
ثم قال لهم : انظروا كَيْفَ تُخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ ؟
فناداه منادٍ من القوم : ما الثقلان يا رسول اللّه ؟
فقال :(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الثَّقْلُ الْأَكْبَرُ كِتابُ اللّه طَرَفٌ بِيَدِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكوا لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوضَ، فَسَأَلْتُ ذلِكَ لَهُما رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُما فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُقَصِّروا عَنْهُما فَتَهْلَكوا...
ثم أخذ بيد وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليفرض ولايته على الناس جميعاً، حتّى بان بياض إبطيهما، ونظر إليهما القوم، فرفع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صوته قائلاً: أَيُّها النَّاسُ، مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؟
فأجابوه جميعاً : اللّه ورسوله أعلم.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ اللّه مَوْلَايَ، وَأَنا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنا أولى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ قال ذلك ثلاث مرات أو أربع.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ والِ مَنْ والاهُ، وَعادِ مَنْ عاداهُ، وَأَحِبُّ مَنْ أَحَبَّهُ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الحقّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغائِبَ (1).
وبذلك أنهى خطابه الشريف الذي أدى فيه رسالة اللّه، فنصب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة، وأقامه علماً للأمة، وقلّده منصب الإمامة، وأقبل المسلمون يهرعون وهم يبايعون الإمام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلافة، ويهنئونه بامرة المسلمين وأمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمهات المؤمنين أن يسرن إليه ويهنئنه ففعلن ذلك (2).
وأقبل عمر بن الخطاب فهنا الإمام وصافحه وقال له : هنيئاً يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (3)
وانبری حسان بن ثابت فاستأذن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتلاوة ما نظمه، فأذن له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال :
يُنادِيهِمْ يَومَ الغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ**بِخُمٍّ وَأَسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنادِيا
فَقالَ فَمَن مَولاكُمْ وَنَبِيُّكُمْ***فقالوا وَلَم يُبدوا هُناكَ التّعاميا
1) بصائر الدرجات : 97 و 98 قرب الإسناد : 62، الحديث 176. الكافي : 1 : 346 - 357، 353 - 356. مسند زید بن عليّ : 457. علل الشرائع : 1 : 172 و 173، الحدیث 9. دعائم الإسلام : 1 : 16. تاريخ مدينة دمشق : 42: 219 و 220.
2) الإرشاد / المفيد : 1 : 176. بحار الأنوار: 21 : 388. الغدير : 1 : 271.
3) الإرشاد / المفيد : 1 : 177 مسند أحمد بن حنبل : 5 : 355، الحديث 18011 تاريخ مدينة دمشق : 42: 221.
إلهُكَ مَولانا وَأَنتَ نَبِيُّنا***وَلَمْ تَلقَ مِنا في الوِلَايَةِ عاصيا
فَقالَ لَهُ قُمْ يَا عَلِيٌّ فَإِنَّنِي***رَضِيتُكَ مِنْ بَعدِي إِمَاماً وَهادِيا
فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَهذا وَلِيُّهُ***فكونوا لَهُ أَتباعَ صِدْقٍ مَوالِيا
هُناكَ دَعَا اللّهمَّ والِ وَلِيَّهُ***وَكُنْ لِلَّذِي عَادَى عَلِيّاً مُعادِيا (1)
ونزلت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام هذه الآية الكريمة : «اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم الإِسْلامَ دِيناً» (2)
ذکر نزول الآية في يوم الغدير : الخطيب البغدادي في تاريخه : 8 290 السيوطي في الدر المنثور: 3 : 19 مجمع البیان : 3 344 شواهد التنزيل : 1 : 187. وغيرها.
.لقد كمل الدين بولاية أمير المؤمنين، وتمت نعمة اللّه على المسلمين بسمو أحكام دينهم، وسمو قيادتهم التي تحقق آمالهم في بلوغ الحياة الكريمة، وقد خطا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك الخطوة الأخيرة في صيانة أمته من الفتن والزيغ فلم يترك أمرها فوضى - كما يزعمون - وإنما عيّن لها القائد والموجّه الذي يعنى بأمورها الاجتماعيّة والسياسية.
إنّ هذه البيعة الكبرى التي عقدها الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أوثق الأدلة على اختصاص الخلافة والإمامة به، وقد احتج بها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مؤتمره الذي عقده بمكة لمعارضة حكومة معاوية وشجب سياسته، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يعني معاوية - قَدْ فَعَلَ بِنا وَبِشِيعَتِنا ما عَلِمْتُمْ وَرَأَيْتُمْ وَشَهِدْتُمْ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي، وَإِنْ كَذِبْتُ فَكَذَّبُونِي، وَاسْمَعوا مَقَالَتي، وَاكْتُبُوا قَوْلي، ثُمَّ ارْجِعوا إِلَى أَمْصَارِكُمْ
وَقَبائِلِكُمْ وَمَنِ ائْتَمَنْتُمُوهُ مِنَ النَّاسِ وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُ إِلَى مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقِّنَا، فَإِنَّا نَخافُ أَنْ يُدَرَسَ هَذَا الْحَقُّ، وَيَذْهَبَ وَيُغْلَبَ، وَاللّه مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
وما ترك شيئاً ممّا أنزل اللّه في القرآن فيهم إلا ثلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أبيه وأمه ونفسه وأهل بيته إلا رواه، وكلّ ذلك يقولون : اللّهمَّ نعم، قد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعون : اللّهمَّ نعم، قد حدثني به من أصدقه وائتمنه من الصحابة.
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عرض استدلاله : أُنْشِدُكُمُ اللّه، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللّه نَصَّبَهُ - يعني عليا - يَوْمَ غَدِيرِ خُمَّ فَنادِى لَهُ بِالْوَلَايَةِ، وَقالَ : لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
قالُوا : اللّهمَّ نَعَمْ (1).
إنّ البيعة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الغدير جزء من رسالة الإسلام، وركن من أركان الدين، وهي تستهدف صيانة الأمة من التيارات العقائدية، ووقايتها من الانحراف.
ولما قفل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) راجعاً إلى يثرب بدأت صحته تنهار يوماً بعد يوم، فقد ألمّ به المرض، وأصابته حمى مبرحة حتّى كأنّ به لهباً منها، فكانت عليه قطيفة فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرها (2)، وقد وضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد فما زال يضع يده فيه ويمسح به وجهه الشريف، وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهذا أَوانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمَّ» (3)،
وهرع المسلمون إلى عيادته وقد خيم عليهم الأسى والذهول، فازدحمت حجرته بهم، فنعى إليهم نفسه وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح قائلاً:
أَيُّها النّاسُ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سريعاً فَيُنْطَلِقَ بي، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ، أَلَا إِنِّي مُخَلَّفُ فِيكُمْ كِتابَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَعِشْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
ثم أخذ بيد وصيه وخليفته من بعده الإمام أمير المؤمنين قائلاً لهم : هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ، لَا يَفْتَرِفان حتّى يَردا عَلَى الْحَوْضَ فَأَسْأَلُهُما ما خُلَّفْتُ فيهما (1).
وقد قرر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك أهم القضايا المصيرية لأمته، وعيّن لها القائد العظيم الذي تنال به جميع أهدافها وآمالها.
وحينما ألمَّ المرض بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيقن بمفارقته لهذه الحياة، وحدثته نفسه أن يذهب ليودع مقابر المسلمين ويستغفر لهم، فاستدعى أبا مويهبة في غلس الليل البهيم، فلما مثل عنده أمره أن يمضي معه إلى البقيع قائلا له : إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقيع، فَانْطَلِقُ مَعِي.
وسار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى انتهى إلى بقيع الغرقد، فسلم على الأموات، وقال لهم : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْمَقَابِرِ؛ لِيُهْنِئكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ ممّا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم يَتْبَعُ آخِرُها أَوَّلَهَا. الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأَوْلى.
1) الأمالي / الطوسي : 479، الحديث 1045. كشف الغمّة : 1: 157. المعجم الصغير : 1 : 255. المعجم الأوسط : 5 : 455، الرقم 4877 المستدرك على الصحيحين: 3: 124. ينابيع المودة : 1 : 124. الصواعق المحرقة : 126.
لقد استشف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من وراء الغيب ما تمنى به أمته من الانقلاب على الأعقاب وما تصاب به من الانحراف بدينها وعقيدتها، وإنّها ستواجه أمواجاً رهيبة من الفتن والضلال تعصف بها إلى مجاهل سحيقة من هذه الحياة.
والتفت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أبي مويهبة قائلا له : يا أبا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيا وَالْخُلْدَ فيها ثُمَّ الجنّة، فَخُيّرْتُ بَيْنَ ذلِكَ وَبَيْنَ لِقاءِ رَبِّي وَالجنّة.
فبهر أبو موهيبة وانطلق قائلاً: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا وَاللّه، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّيَ وَالجنّة (1).
واستغفر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأهل البقيع ثم انصرف إلى منزله، فاستقبلته عائشة وكانت تشكو صداعاً في رأسها وهى تقول وارأساه.
فقال : بَلْ أَنا وَاللّه - يا عائِشَةُ وارَأْساهُ، ثم قال : ما ضَرَّكِ لَوْ مِنْ قَبْلِي فَقُمْتُ عَلَيْكِ، وَ كَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ.
فأثار ذلك حفيظتها، واندفعت تقول : واللّه لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك.
فتبسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجعل يطوف بأزواجه، وقد رأى نفسه أنه في حاجة إلى التمريض فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة فأذِنَ له في ذلك، فخرج عاصباً رأسه معتمداً على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والفضل بن العباس وق-دماه لا تكادان تحملاته من المرض حتّى دخل بيت عائشة (2).
1) السيرة النبوية / ابن هشام :4: 292. الطبقات الكبرى 2: 204 و 205. تاریخ والملوك : 3 : 57. البداية والنهاية : 5 : 197 تاريخ مدينة دمشق : 4 : 299 و 300.
2) شرح الأخبار : 2 : 240 الطبقات الكبرى: 2: 231 - 233 مسند أحمد بن حنبل : 7 : 325، الحدیث 25380. سنن ابن ماجة : 1: 470، الحديث 1465. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 7 و 58. السنن الكبرى / النسائي : 4 : 252 و 253. البداية والنهاية : : 197 و 198.
واستبانت التيارات الحزبية للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأيقن أنها جادة في مخططاتها الرامية لصرف الخلافة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فرأى أن خير وسيلة يتدارك بها الموقف أن يبعث بجميع أصحابه لغزو الروم حتّى تخلو عاصمته منهم ؛ ليتم الأمر إلى ولي عهده الإمام أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسهولة ويسر، فأمر أعلام المهاجرين والأنصار بذلك وكان منهم - فيما يقول المؤرخون - أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأمر عليهم أسامة بن زيد وهو شاب حدث السن(1)، وكانت هذه البعثة سنة إحدى عشرة للهجرة لأربع ليال بقين من صفر.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأسامة : سِرْ إِلى مَوْضِع قَتْلِ أَبِيكَ فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هذا الْجَيْشَ فَاغْرُ صَباحاً عَلَى أَهْلِ أُبْنَى (2)وَحَرِّقْ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرِعِ السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخَبَارَ، فَإِنْ أَظْفَرَكَ اللّه عَلَيْهِمْ فَأَقِلَّ اللَّبْثَ فِيهِمْ، وَخُذْ مَعَكَ الأَدِلَّاءَ، وَقَدِّمِ الْعُيونَ وَالطَّلَائِعَ مَعَكَ.
وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى جيش أسامة قد مُني بالتمرد، فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية فساءه ذلك، وخرج مع ما به من المرض الشديد فحثهم على المسير، وعقد بنفسه اللواء لأسامة وقال له : اغْزُ بِسْمِ اللّه،
1) الطبقات الكبرى : 2: 189 - 192. تاریخ مدينة دمشق : 8: 46 و : 22: 5 و 6. تاريخ الخميس : 2 : 154 و 155. تهذيب الكمال : 2 : 340، الحديث 344.
2) أُبْنَى - بضم الهمزة وسكون الباء، ثم نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة - : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة تقع بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي وعبداللّه - طالب وعبد اللّه بن رواحة - معجم البلدان : 1 : 110.
وَفي سَبِيلِ اللّه، وَقاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللّه (1).
فخرج أسامة بلوائه معقوداً ودفعه إلى بريدة، وعسكر بـ: (الجرف)، وتثاقل فريق من الصحابة من الالتحاق بالمعسكر، وأظهروا الطعن والاستخفاف بالقائد العام للجيش.
وانتهت كلماته إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد ازدادت به الحمى وأخذ منه الصداع القاسي مبلغاً عظيماً، فغضب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخرج وهو معصب الرأس قد دثر بقطيفته، وقد برح به الأسى والحزن، فصعد المنبر وأظهر سخطه على عدم تنفيذ أوامره قائلاً:
أَيُّها النَّاسُ، ما مَقَالَةٌ بَلَغَتْني عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسامَةَ ؟ وَلَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي تأمِيرِي أَسَامَةَ، لَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأمِيرِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَيْمُ اللّه، إِنَّه كانَ لَخَلِيقاً بِالْإِمَارَةِ، وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ..
ثم نزل عن المنبر ودخل بيته، وجعل يوصي أصحابه بالالتحاق بأسامة وهو يقول لهم : جَهْرُوا جَيْشَ أَسامَةَ، نَفْذوا جَيْشَ أَسامَةَ، لَعَنَ اللّه مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ (2).
ومن المؤسف أنّه لم تثر هذه الأوامر المشددة حفائظ نفوسهم، ولم يرهف عزائمهم هذا الاهتمام البالغ من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد تثاقلوا عن الالتحاق بالجيش واعتذروا للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشتى المعاذير، وهو لم يمنحهم العذر، وإنّما أظهر لهم السخط وعدم الرضا، وقد حللنا أبعاد هذه الحادثة المؤلمة ودللنا على مقاصد القوم في الجزء الأول من كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ))(3).
وألمَّ المرضى بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان يعاني منه أشد العناء، فاستدعى الفضل بن عباس فقال له : خُذْ بِيَدِي يا فَضْلُ، فأخذ بيده حتّى أجلسه على المنبر، وأمره أن ينادي بالناس الصلاة جامعة، فنادى الفضل بذلك فاجتمع الناس، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
أَيُّها النّاسُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَإِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي خُفُوفٌ (1)مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقامِ فِيكُمْ، وَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّى حتّى أُقَوِّمَهُ فِيكُم، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهَذَا ظَهْرِى فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مالاً فَهذا مالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَلَا يَقُولَنَّ قائِلٌ أَخافُ الشَّحْناءَ مِنْ قِبَلِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ.
وقد أسس (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك معالم العدل، ومعالم الحقّ بما لم يؤسسه أي مصلح في العالم، فقد أعطى القصاص من نفسه ليخرج من هذه الدنيا وليس لأي أحد حق أو مال أو تبعة عليه
فانبرى إليه رجل فقال له : يا رسول اللّه، لي عندك ثلاثة دراهم.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَمَا أَنا فَلَا أُكَذِّبُ قائِلاً، وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينِ، فِيمَ كَانَتْ لَكَ عِندِي ؟
قال الرجل : أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم، فأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
1) الخفوف : سرعة السير من المنزل، وفي خطبته في مرضه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنّي خُفُوفٌ...» أي حركة وقرب ارتحال، يريد الإنذار بموته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - النهاية في غريب الحديث والأثر : 2 : 54 - خَفَفَ. لسان العرب : 4 : 154. خَفَفَ.
الفضل أن يعطيها له.
و عاد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خطابه فقال : أَيُّها النَّاسُ، مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٍ فَلْيَرُدَّهُ ؟
فقام إليه رجل فقال له : يا رسول اللّه، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لِمَ غَلَلْتها ؟
قال : كنت إليها محتاجاً.
فأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الفضل أن يأخذها منه فأخذها، وعاد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مقالته، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَيُّها النَّاسُ، مَنْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً فَلْيَقُمْ أَدْعُ اللّه لَهُ.
فقام إليه رجل فقال : يا رسول اللّه، إنّي لمنافق، وإنّي لكذوب، وإني لشؤوم، فزجره عمر فقال له : ويحك أيها الرجل، لقد سترك اللّه لو سترت على نفسك.
فصاح به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَهُ يابْنَ الْخَطَابِ، فُضوحُ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ فُضوح الْآخِرَةِ.
ودعا للرجل فقال : اللّهمَّ ارْزُقْهُ صِدْقاً وَإِيْمَاناً وَأَذْهِبْ عَنْهُ الشُّوْمَ (1).
وانبرى إليه رجل من أقصى القوم يسمى سوادة بن قيس فقال له : يا رسول اللّه، إنك ضربتني بالقضيب الممشوق على بطني، وأنا أُريد القصاص منك، فأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلالاً أن يحضر القضيب ليقتص منه سوادة، وانطلق بلال وهو مبهور، فراح يجوب في أزقة يثرب وهو رافع عقيرته قائلاً: أَيُّهَا النَّاسُ، اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا، فهذا رسول اللّه قد أعطى القصاص من نفسه.
ومضى إلى بيت النبيّ فأخذ القضيب وجاء به إلى الرسول، فأمر أن يناوله إلى سوادة ليقتص منه، فأخذه سوادة وأقبل نحو رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد اتجه المسلمون
1) الإرشاد / المفيد : 1 : 176، 182. مسند أبي يعلى الموصلي : 12: 201، الحديث 176، 6824. تاريخ الأمم والملوك : 3: 58 و 59 النهاية في غريب الحديث والأثر : 2 : 54. خَفَفَ. الكامل في التاريخ : 2 : 216. البداية والنهاية : 5 : 202 و 203.
بقلوبهم إلى هذا الحادث الرهيب، فالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد فتك به المرض وألم به الداء هو يعطي القصاص من نفسه، ووقف سوادة على رسول اللّه فقال له : يا رسول اللّه اكشف لي عن بطنك.
فكشف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن بطنه، فقال له سوادة بصوت خافت حزين النبرات : يا رسول اللّه أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟
فأذن له رسول اللّه، فوضع سوادة فمه على بطن رسول اللّه يوسعها تقبيلاً ودموعه تتبلور على خديه قائلاً: أعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه من النار يوم النار.
فقال له رسول اللّه : أَتَعْفُو يَا سَوادَةُ أَمْ تَقْتَصُّ ؟
فقال : بل أعفو يا رسول اللّه.
فرفع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يديه بالدعاء قائلاً : اللّهمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةَ بْنِ قَيْسٍ كَمَا عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ محمّد (1).
وذهل المسلمون وهاموا في تيارات من الهواجس والأفكار، وأيقنوا بنزول القضاء من السماء، فقد انتهت أيام نبيهم، ولم يبقَ بينهم إلا لحظات هي أعز عندهم من الحياة.
وكانت عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل مرضه سبعة دنانير أو ستة فخاف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يقبضه اللّه وهي عنده فأمر أهله بالتصدق بها، ولكن انشغالهم بتمريضه أنساهم ذلك، وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يفكر بها، فسألهم عنها فأجابوه إنّها لا تزال باقية عندهم، فطلب منهم أن يحضروها،
1) الأمالي / الصدوق : 733 و 734، الحديث 1004. روضة الواعظين : 73 و 74. مناقب آل أبي طالب : 1: 234 و 235.
فلما جيء بها إليه وضعها في كفه، وقال : ما ظَنُّ نَبِيٍّ اللّه لَوْ لَقِيَ اللّه وَهَذِهِ عِنْدَهُ (1)، ثم تصدق بها، ولم يبقَ عنده أي شيء من حطام الدنيا.
وقد تحرّج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حياته عن جميع ملاذ هذه الحياة، فكان - فيما يقول الرواة - إنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير(2). وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير(3).
وكانت وسادته من أدم حشوها ليف (4).
وكان يجلس على حصير حتّى أثر في جنبه فقال له أصحابه : يا رسول اللّه لو اتخذنا لك وطاء، فقال لهم : ما لي وَلِلدُّنْيا، ما أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبِ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وَتَرَكَها (5).
1) مسند أحمد بن حنبل : 7: 125 و 126 و : 151، الحديث 24039، 24212. السنن الكبرى / البيهقي : 6 : 357. البداية والنهاية : 6: 55 و 56.
2) الأمالي / الصدوق : 397 و 398، الحديث 512. بحار الأنوار: 16: 216. صحيح البخاري : 7: 134، الحديث 140. تهذيب الكمال : 1 : 230.
3) قرب الإسناد : 91، الحدیث 291. بحار الأنوار: 16 : 219، مسند أحمد بن حنبل : 1: 493، الحديث 2719. المعجم الكبير : 11 : 21 و 215، الرقم 11697. السنن الكبرى / البيهقي : 6 : 36. مجمع الزوائد : 3: 123.
4) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 668 و 669، الحديث 3480 صحيح البخاري : 7 : 279، الحديث 61. صحيح مسلم : 4: 191 و : 6: 145. تاريخ مدينة دمشق : 4: 208. مجمع الزوائد : 10 : 326.
5) الكافي : 2 : 141. روضة الواعظين : 440. مسند أبي داود : 36. مسند أحمد بن حنبل : 1: 496، 1645 و 646، الحديث 2739، 3701 و : 2 : 16، الحديث 4196. الطبقات الكبرى : 1 : 467. سنن ابن ماجة : 2 : 1376، الحديث 4109. سنن الترمذي : 4 : 508، الحديث 2377. المعجم الكبير : 11 : 11898.
وقد جاءته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بكسرة خبز فقال لها : ما هَذِهِ الْكِسْرَةُ يا فاطِمَةُ ؟
قالت : قُرْصٌ خَبَزْتُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِى حتّى أَتَيْتُكَ بِهذِهِ الْكِسْرَةِ.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَما إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (1).
وكان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء (2).
وروت عائشة عن زهده فقالت : «ظلّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صائماً ثمّ طوى، ثم ظلّ صائماً ثمّ طوى، ثمّ ظل صائماً، فقال : يا عائِشَةُ، إِنَّ الدُّنْيا لَا تَنْبَغِي لِمحمّد وآلِ محمّد، يا عائِشَةُ، إِنَّ اللّه لَمْ يَرْضَ مِنْ أَوْلِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِها، وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلا أَنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهُمْ، فَقالَ: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ» (3)، وَإِنِّي وَاللّه لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا جَهِدِي وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه» (4).
وظل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على هذه الحالة زاهداً في الدنيا غير حافل بجميع ما فيها من المتع والنعم حتّى توفاه اللّه واختاره إليه.
واستشف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من التحركات السياسية التي صدرت من أعلام صحابته
1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 39:2، الحديث 123. الطبقات الكبرى : 1: 400. المعجم الكبير : 1 : 258 و 259، الرقم 750. تاريخ مدينة دمشق : 4: 122.
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 422، 616، الحديث 2303، 3535. سنن ابن ماجة : 2: 1111، الحديث 3347. سنن الترمذي : 4 : 501، الحديث 2360، 2357 - 2359. الطبقات الكبرى : 1 : 400. المعجم الكبير : 11 : 259، الرقم 11900. تاريخ مدينة دمشق: 4 : 126، 235.
3) الأحقاف 46: 35.
4) تفسير القرآن العظيم : 4: 153. الدر المنثور : 7: 454.
أنّهم يبغون لأهل بيته الغوائل، ويتربصون بهم الدوائر، وأنّهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم ، فرأى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يصون أمته من الزيغ، ويحميها من الفتن فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوِ اللّوح وَالدَّواةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً (1).
وهل هناك نعمة على المسلمين أعظم من هذه النعمة ؟ إنّه ضمان من سيّد الأنبياء - الذي لا ينطق عن الهوى - ألا تضلَّ أُمته في مسيرتها، وتواكب الحقّ وتهتدي إلى سواء السبيل.
إنّه صيانة لتوازن الأمة واستقامتها، وضمان لرخائها وأمنها، وتطور لحياتها إنّه التزام من سيد الكائنات بألا تصاب أمته بنكسة أو أزمة في ميادينها السياسية والاقتصادية.
حقّاً إنّها فرصة من أثمن الفرص وأندرها في تاريخ هذه الأمة، ولكن القوم لم يستغلوها، فقد علموا قصد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنّه سينص على باب مدينة علمه وأبي سبطيه، وتضيع بذلك أطماعهم ومصالحهم، فرد عليه عمر بن الخطاب : حسبنا كتاب اللّه.
ولو كان هذا القائل يحتمل أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على الشؤون الدينية لما رد عليه بهذه الجرأة، ولكنّه علم قصده من النص على خلافة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكثر الخلاف بين القوم، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به الرسول، وطائفة أخرى أصرت على معارضتها خوفاً على فوت مصالحها، وانطلقت النسوة من وراء الستر فأنكرن عليهم هذا الموقف المتسم بالجرأة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في ساعاته الأخيرة من حياته، فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول اللّه ؟
فثار عمر وصاح فيهن خوفاً على الأمر أن يفلت منهم، فقال لهنّ : إنّكنّ
1) صحيح البخاري : 4 : 162، الحديث 252. صحيح مسلم : 5 : 75 و 76.
صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه.
فرمقه الرسول وصاحبه: «دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ».
وبدا صراع رهيب بين القوم، وكادت أن تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ ما أمر به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فانبرى أحدهم فسدد سهماً لما رامه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأفسد عليه ما أراد قائلاً: إن النبيّ ليهجر (1).
أقول : ما باله لم يعتقد بهجر أبي بكر وليس شأنه شأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ لما أوصى بالخلافة إلى عمر، وكان قد أغمي عليه أثناء تحرير الاستخلاف، فأتمّ ذلك عثمان بالنص على عمر من دون علم أبي بكر خشية أن يدركه الموت قبل الوصية، فأمضى ما كتبه عثمان لمّا استفاق (2).
لقد أنستهم الأطماع السياسية مقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي زكاه اللّه وعصمه من الهجر وغيره ممّا ينقص الناس.
ألم يسمعوا كلام اللّه يتلى عليهم في آناء الليل وأطراف النهار، وهو يعلن تكامل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتوازن شخصیته، قال تعالى : «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى» (3).
1) نص على الحادثة المؤلمة جميع المؤرّخين في الإسلام، وقد سمّيت بـ: (رزية يوم الخميس (فذكرها البخاري في صحيحه : 4 : 252، و : 6 : 29 و 30، الحديث 423، و 7 219، الحديث 30، إلّا أنّه كتم اسم القائل. النهاية في غريب الحديث والأثر : 5 : 246 - هجر. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 51، تصريح باسم عمر بن الخطاب مسند أحمد بن حنبل : 1 : 585، الحديث 3326 الطبقات الكبرى : 2 : 243 و 244. الفائق في غريب الحديث : 4 : 93 - هجر. مجمع الزوائد: 9: 33 و 34. كنز العمّال : 5 : 644، الحديث 14133.
2) تاريخ الأمم والملوك : 3: 253.
3) النجم 53 : 2 - 5.
وقال تعالى : «إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ* مُطَاع ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ» (1).
لقد وعى القوم آيات الكتاب في حق نبيّهم لم يخامرهم شك في عصمته وتكامل شخصيته، ولكن الأطماع السياسية دفعتهم إلى هذا الموقف الذي يحز في نفس كلّ مسلم. وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يبكي حتّى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، وهو يصعد آهاته ويقول: «يوم الخميس، وما يوم الخميس ؟!! قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً. فقالوا : إنّ رسول اللّه يهجر (2).
حقاً إنّها رزية الإسلام الكبرى، فقد جيل بين المسلمين وبين سعادتهم وتقدمهم في ميادين الحقّ والعدل.
ونخب الحزن قلب بضعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته، وبرّح بها الألم وأضناها الأسى حينما علمت أن أباها مفارق لهذه الحياة، فقد جاءت إليه تتعثر بخطاها وهي مذهولة كأنها هي التي تعاني آلام الاحتضار فجلست إلى جانبه وهي محدقة بوجهه، ويمتلئ قلبها الطاهر بالأسى والحزن والحسرات، فتسرع إليه قائلة (عَلَيهَا السَّلَامُ): وَاكَرْباهُ لِكَرْبِكَ يا أَبَتاهُ.
فأشفق الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما رأى حبيبته كأنها صورة جثمان قد فارقته الحياة،
فقال لها مسلياً : لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ (1).
فكانت هذه الكلمات أشد على نفسها من هول الصاعقة، فقد علمت أنّ أباها سيفارقها، ورآها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي ولهى حائرة، قد خطف الحزن لونها وهامت في تیارات مذهلة من الأسى، فأراد أن يسليها فأمرها بالدنو إليه وأسر إليها بحديث فلم تملك نفسها أن غامت عيناها بالدموع، ثم أسرّ إليها ثانية فقابلته ببسمات فياضة بالبشر والسرور، وعجبت عائشة من ذلك وراحت تقول : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن !
وسألتها عائشة عمّا أسر إليها أبوها فأشاحت بوجهها عنها وأبت أن تخبرها، ولما انصرمت الأيام أخبرت - سلام اللّه عليها - عن ذلك، فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): أَخْبَرَنِي إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كلّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي فِي هَذَا الْعَامِ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَراهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي.
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها، وأما سبب سرورها وابتهاجها فتقول : أَخْبَرَنِي إِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ... أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سيّدة نِساءِ هذه الأمة (2).
لقد كان السبب في إخماد لوعتها إخباره لها أنها أول أهل بيته لحوقاً به، وأخذ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يخفف عنها لوعة المصاب قائلاً لها : يا بُنَيَّةِ، لَا تَبْكِ، وَإِذَا مِتُّ فَقولي : إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ
1) كشف الغمّة : 1: 40. أنساب الأشراف : 2: 225.
2) الأمالي الصدوق : 692، الحديث 948 روضة الواعظين: 150. شرح الأخبار : 3: 23 و 24. كشف الغمّة : 1 : 430. سنن ابن ماجة : 1 : 518، الحديث 1621. مسند أحمد بن حنبل : 7: 401، الحديث 25874 - 25875. المعجم الكبير : 22 : 417 - 421، الرقم 1030 - 1038. الذرية الطاهرة : 99 - 101. تاريخ مدينة دمشق : 3: 155، وقد ذكر هذه الحادثة أكثر أصحاب الحديث والسير
راجِعُونَ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ كلّ مَيِّتٍ مَعُوضَةً.
وقالت له بصوت خافت حزين النبرات : وَمِنْكَ يا رَسُولَ اللّه ؟
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نَعَمْ، وَمِني (1).
واشتد الوجع برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فجعلت تبكي وتقول لأبيها : أَنتَ وَاللّه كَما قالَ القائِلُ :
وَأَبيضُ يُستَسَقَى الغَمَامُ بِوَجهِهِ***ثِمَالُ اليَتامى عِصَمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وأفاق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال لها : هذا قَوْلُ عَمِّي أبي طالب وقرأ قوله تعالى : «وَمَا محمّد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبْتُم عَلَى أَعْقَابِكُم وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّه الشَّاكِرِينَ» (2)، (3).
وروى أنس بن مالك قال : «جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه الذي قبض فيه فانكبت عليه، وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء، فنهاها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن ذلك فانطلقت إلى بيتها والنبيّ تسبقه دموعه، وهو يقول : اللّهمَّ أَهْلُ بَيْتِي، وَأَنا مُسْتَودِعُهُمْ كلّ مُؤْمِنٍ» (4).
وجعل يردد ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالهم لعلمه بما سيجري عليهم من المحن والخطوب.
ولما علمت سيّدة النساء أنّ لقاء أبيها بربه قريب فخفّت إلى دارها وصحبت معها
ولديها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وهي تذرف الدموع، وتطلب منه أن يورثهما شيئاً من مكارم نفسه التي عطر شذاها العالم بأسره قائلة : أَنْحِلُ ابْنَيَّ هَذَيْنِ يَا رَسُولَ اللّه.
وفي رواية أُخرى : هذانِ ابْناكَ فَوَرَّثْهُما شَيْئاً.
ويفيض عليهما الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ببعض خصائصه وذاتياته التي امتاز بها على سائر النبيين قائلاً: أَمَا الْحَسَنُ فَلَهُ هَيْبَتِي وَسُؤْدَدِي، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَلَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي(1)
وفي نظم درر السمطين : 212 : «أن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت : يَا رَسُولَ اللّه، أَنْحِلِ ابْنَيَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ.
فقال : أَنْحَلُ الْحَسَنَ الْمَهابَةَ وَالْحِلْمَ، وَأَنْحَلُ الْحُسَيْنَ السَّمَاحَةَ وَالرَّحْمَةَ».
وفي رواية : «أَنْحَلتُ هذَا الْكَبِيرَ الْمَهابَةَ وَالْحِلْمَ، وَنَحَلْتُ الصَّغِيرَ الْمَحَبَّةَ وَالرّضا».
وفي ربيع الأبرار: 4: 296 و 297 «جاءت فاطمة بابنيها إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت : يا رَسُولَ اللّه، أَنْحِلْهُما.
قال : فِدَاكِ أَبوكِ، مَا لأَبِيكِ مَالٌ فَيُنْحِلَهُما، ثم أخذ الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقبله، وأجلسه على فخذه اليمني، وقال : أَمَّا ابْنِي هذا فَنَحَلْتُهُ خُلُقِي وَهَيْبَتِي، وأخذ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقبله ووضعه على فخذه اليسرى، وقال : نَحَلْتُهُ شَجَاعَتِي وَجُودِي».
.ويقوم الحسنان من عند جدهما وقد ورثا منه الهيبة والسؤدد، والجرأة والجود، وهل هناك ممّا تحويه هذه الأرض أثمن وأعز من هذا الميراث الذي لا صلة له بعالم المادة وشؤونها، وإنّما يحوي كمالات النبوّة وخصائصها.
وأوصى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) برعاية سبطيه، وكان ذلك قبل موته بثلاثة أيام، فقد قال له : يا أبا الرَّيْحَانَتَيْنِ، أَوْصِيكَ بِرَيْحَانَتَيَّ مِنَ الدُّنْيا فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْهَدُّ رُكْنَاكَ، وَاللّه خَلِيفَتِي عَلَيْكَ.
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 396.
ولما قبض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا أَحَدُ رُكْنَيَّ الَّذِي قَالَ لِي رَسولُ اللّه، فلما ماتت فاطمة قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هذَا الرُّكْنُ الثاني الَّذِي قَالَ لِي رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
خف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما كان يعاني آلام المرض وشدائد الاحتضار، فلما رآه ضمه إلى صدره وذهل عن آلام مرضه، وجعل يقول : ما لي وَلِيَزِيدَ، لا بارك اللّه فِيهِ، اللّهمَّ الْعَنْ يَزِيدَ.
ثم غشي عليه طويلاً، فلما أفاق أخذ يوسع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقبيلاً، وعيناه تفيضان بالدموع، وهو يقول : أما إنَّ لِي وَلِقاتِلِكَ مَقاماً بَيْنَ يَدَيِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ (2).
لقد تمثلت كارثة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام جده الرسول وهو في ساعاته الأخيرة فزادته آلاماً وأحزاناً.
وأن الوقت لتلك الروح العظيمة - التي لم يخلق اللّه نظيراً لها فيما مضى من سالف الزمن وما هو آت - أن تفارق هذه الحياة لتنعم بجوار اللّه ولطفه، وجاء ملك الموت فاستأذن بالدخول على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخبرته الزهراء بأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مشغول بنفسه عنه فانصرف، وعاد بعد قليل يطلب الإذن، فأفاق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من إغمائه، وقال لابنته : أَتَعْرِفِيهِ ؟
قالت : (عَلَيهَا السَّلَامُ)، يا رَسولَ اللّه.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : هذا مُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ، وَمُنَغْصُ اللذاتِ، هذا مَلَكُ الْمَوتِ (1).
وقد قلب الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأحاط بها الذهول وأخرسها الخطب.
واندفعت تقول : وا وَيْلَتاهُ لِمَوْتِ خاتم الأَنْبِياءِ، وا مُصِيبَتاهُ لِمَماتِ خَيْرِ الْأَنْقِياءِ، وَلاِنْقِطَاعِ سَيِّدِ الْأَصْفِياءِ، وا حَسْرَتاهُ لِاِنْقِطَاعِ الْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ (2).
وتصدع قلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واشفق على بضعته فقال لها : لَا تَبْكِي، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلى لحوقاً بي (3).
وأذن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالدخول لملك الموت، فلما مثل أمامه قال له : يا رسول اللّه، إن اللّه أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كلّ ما تأمرني، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها.
فبهر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له : وَتَفْعَلُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ؟
قال : بذلك أمرت أن أطيعك في كلّ ما أمرتني.
وهبط جبرئيل على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له : يا أحمد، إن اللّه قد اشتاق إليك (4).
واختار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جوار ربه، فأذن لملك الموت بقبض روحه العظيمة ولما علم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سيفارقهم في هذه اللحظات خفّوا إلى توديعه،
1) بحار الأنوار : 22 : 527 و 528، الحديث 34.
2) درّة الناصحين : 66.
3) مناقب آل أبي طالب : 3 : 361. صحيح البخاري : 5 : 54 و 55، الحديث 126. سنن ابن ماجة : 1 : 518. صحیح مسلم : 7 : 44، 143. الطبقات الكبرى : 2 : 193. السنن الكبرى / النسائي : 5 : 146، الحديث 8516 المعجم الكبير : 22 : 419 - 421، الرقم 1034 - 1038.
4) الطبقات الكبرى : 2 : 259 مجمع الزوائد : 9: 35.
وجاء السبطان فألقيا بنفسيهما عليه وهما يذرفان الدموع والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوسعهما تقبيلاً، فأراد أمير المؤمنين الا أن ينحيهما عنه فأبى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له : دَعْهُما يَتَمَنَّعان مِنِّى وَأَتَمَتَّعُ مِنْهُما فَسَتُصِيبُهُما بَعْدِي إِثْرَةً.
ثم التفت إلى عواده فقال لهم : أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي خَلَّفْتُ فِيكُمْ كِتابَ اللّه وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فالْمُضَيَّعُ لِكِتابِ اللّه كَالْمُضَيَّعِ لِسُنَّتِي، وَالْمُضَيِّعُ لِسُنَّتِي كَالْمُضَيِّعُ لِعِتْرَتِي، إِنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوضَ (1).
وقال لوصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ضَعْ رَأْسِي - يا عَلِيُّ - في حِجْرِكَ فَقَدْ جاءَ أَمْرُ اللّه، فَإِذَا فَاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُها وَامْسَحْ بِهَا وَجْهَكَ، ثُمَّ وَجِّهْنِي إِلَى الْقِبْلَةِ، وَتَوَلَّ أَمْرِي، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ، وَلَا تُفارِقْنِي حَتَّىٰ تُوَارِيَنِي فِي رَمْسِي، وَاسْتَعِنْ بِاللّه عَزَّ وَجَلٌ (2)
وقد تظافرت الأخبار : بأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) توفي ورأسه في حجر على (عَلَيهِ السَّلَامُ). الطبقات الكبرى : 2 : 262 و 263. مجمع الزوائد : 1 : 293. المعجم الكبير : 12 : 110، الرقم 12708. ينابيع المودة : 2 : 299.
.وأخذ أمير المؤمنين رأس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوضعه في حجره، ومد يده اليمنى تحت جنكه، وقد شرع ملك الموت بقبض روحه الطاهرة، والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعاني آلام الموت وشدة الفزع حتّى فاضت روحه الزكية فمسح بها الإمام أمير المؤمنين وجهه.
ومادت الأرض، وخبا نور العدل والحق، ومضى من كانت حياته رحمة ونوراً للناس جميعاً، فما أُصيبت الإنسانيّة بكارثة أقسى من هذه الكارثة. لقد مات القائد والمنقذ والمعلم، واحتجب ذلك النور الذي أضاء الطريق للإنسان وهداه إلى سواء السبيل.
ووجم المسلمون وطاشت أحلامهم، وعلاهم الفزع والجزع والذعر، وهرعت نساء المسلمين، وقد وضعن أزواج النبيّ الجلابيب عن رؤوسهن يلتدمن صدورهن، ونساء الأنصار قد ذابت نفوسهن من الحزن وهن يضربن الوجوه حتّى ذبحت حلوقهن من الصياح (1).
وكان أكثر أهل بيته لوعة، وأشدهم حزناً بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فقد وقعت على جثمانه، وهي تبكي أمر البكاء وأقساه، وهي تقول : وا أَبَتاهُ وارَسولَ اللّه، وا نَبِيَّ الرَّحْمَتاهُ، الآنَ لَا يَأْتِي الْوَحْيُ، الآنَ يَنْقَطِعُ عَنَا جَبْرَئِيلُ، اللّهمَّ الحقّ رُوحِي بِرُوحِهِ، وَاشْفِعْنِي بِالنَّظَرِ إِلَىٰ وَجْهِهِ، وَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَهُ وَشَفاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ (2).
وأخذت تجول حول الجثمان العظيم، وهى تقول : وا أَبَتاهُ، إِلى جَبْرَئِيلُ، أَنْعَاهُ وا أَبَتاهُ، مِنْ رَبِّهِ ما أَدْناهُ، وا أَبَتاهُ، جَنَّةُ الْفِرْدَوسِ مَأْواهُ، وا أَبَتاهُ، أَجابَ رَبِّاً دَعاهُ (3).
وهرع المسلمون وهم ما بين واجم ونائح قد مادت بهم الأرض وذهلوا حتّى عن نفوسهم قد عرتهم الحيرة والذهول.
وتولى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجهيز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يشاركه أحد فيه، فقام في تغسيله وهو يقول : بَأَبِي أَنْتَ وأُمِّي، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النبوّة وَالْإِنْباءِ وَأَخْبارِ السَّمَاءِ، خَصَّصْتَ حتّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِواكَ، وَعَمَّمْتَ حتّى
صارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ، وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع؛ لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ، وَلَكانَ الدّاءُ مُماطِلاً، وَالْكَمَدُ مُخالِفاً وَقَلَّا لَكَ، وَلكِنَّهُ ما لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلَا يُسْتَطاعُ دَفْعُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اذكرنا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بالِك (1).
وكان الفضل بن العباس وأسامة يناولانه الماء من وراء الستر (2).
وكان الطيب يخرج من بدن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيّاً وَ مَيْتاً (3).
وكان الماء الذي غسل فيه من بئر يقال لها : (الغرس) كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يشرب منها (4). وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه، ووضعه على السرير.
وأول من صلى على الجثمان المقدس هو اللّه تعالى من فوق عرشه، ثم جبرئيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمراً زمراً (5).
ثم صلى عليه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نبيّهم فقال لهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يَقُومُ عَلَيْهِ إمامٌ مِنْكُمْ، هُوَ إِمَامُكُمْ حَيّاً وَمَيَّتاً فكانوا يدخلون عليه جماعات وأفراداً فيصلون عليه فرادى ليس لهم إمام، وأمير
1) نهج البلاغة : 355، خطبة 235.
2) الطبقات الكبرى : 2: 263، الحدیث 277 و 278 أنساب الأشراف : 2 : 245 - 247. 263 تاريخ الأمم والملوك : 3: 76. البداية والنهاية : 5 : 228 و 229، وفي جميعها اختلاف في صفة الغسل والتكفين.
3) الطبقات الكبرى : 2 : 281 أنساب الأشراف : 2 : 245، 247. النهاية في غريب الحديث والأثر : 3: 148 - طيب.
4) الطبقات الكبرى : 2 : 280 البداية والنهاية : 5: 229.
5) المعجم الكبير : 3 : 64، الرقم 2676. حلية الأولياء : 4 : 78. مجمع الزوائد : 9: 30 و 31.
المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيّ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ، اللّهمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّه قَدْ بَلَغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَنَصَحَ لأُمِّتِهِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّه حتّى أَعَزَّ اللّه دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ اللّهمَّ فَاجْعَلْنا مِمَّنْ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَثَبِّتْنَا بَعْدَهُ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ (1). وكان الناس يقولون : آمين.
وكانت الجموع تمر على الجثمان العظيم كاسفة البال كسيرة الطرف قد نخر الحزن قلوبها، فقد مات من دعاهم إلى الهدى والحق، وأسس لهم دولة تدعو إلى إنصاف المظلوم، والانتصاف من كلّ معتد أثيم، ومن أشعل نور الهدى، وأضاء الحياة الفكرية في جميع أنحاء الأرض.
وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودعوه الوداع الأخير، قام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غلس الليل فوارى الجثمان المقدس في مثواه الأخير، ووقف على حافة القبر وهو يروي ترابه بماء عينيه، وقال بصوت خافت حزين النبرات : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ (2).
لقد انطوت ألوية العدل، ومادت أركان الحق، وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غير مجرى الحياة إلى واقع مشرق تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذبين، ولا يكون فيه ظل للحاجة والحرمان، ويجد فيه الإنسان جميع ما يصبو إليه من الدعة والأمن والاستقرار.
وفزعت العترة الطاهرة من موت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشدّ وأقسى ما يكون الفزع، فقد خافت من انتفاض العرب الذين وترهم الإسلام عليها، فإن نزعة الأخذ بالثأر متأصلة وذاتية عند العرب وغيرهم، وقد كانت قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية لأسرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتربصون بها الدوائر، ويبغون لها الغوائل للانتقام منها، وكانوا يرون أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي وترها وأطاح برؤوس أبنائها، فهي تتطلع إليه للأخذ بثأرها منه، وقد أيقن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسائر أفراد أسرته بذلك، فقد باتوا ليلة وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهم يتوسدون الأرق، قد أحاطت بهم الهواجس والآلام.
وقد حكى مدى ذعرهم الإمام الصادق بقوله : لَمّا قَبضَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بات آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حتّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَماءَ تُظِلُّهُمْ وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ؛ لِأَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ... (1).
وقد عانى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في سنه المبكر هذه المحنة الكبرى وعرف أبعادها، وما تنطوي عليه من الرزايا التي ستعانيها أُسرته، كما أنه قد فقد بموت جده العطف الذي كان يغدقه عليه، وقد أضناه ما حلّ بأبويه من فادح الأسى والحزن بموت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ترك ذلك أسى في نفسه استوعب مشاعره وعواطفه
لقد مضى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى جنة المأوى، وكان عمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فيما يقول المؤرخون - ست سنين وسبعة أشهر (2)، وقد تكاملت في ذلك الدور جميع مظاهر شخصيته وعرف واقع الأحداث التي جرت وما دبّره القوم من المخططات الرهيبة
الصرف الخلافة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد تركوا جنازة نبيّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) غير حافلين بها وذهبوا يختصمون على الحكم ويتنازعون على السلطان. وقد عرّفته تلك الأحداث طبيعة المجتمع وسائر غرائزه واتجاهاته، فأعلن (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأيه فيه بقوله : النّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ ما دَرَّتْ مَعائِشُهُمْ، فَإِذا مُحْصوا بِالْبَلاءِ قَلَّ الدَّيَّانونَ (1).
وهذه الظاهرة الذاتية سائدة في جميع أنحاء المجتمع لا تختلف في جميع أدوار التاريخ.
لقد حفلت وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحداث رهيبة بالغة الخطورة كان من أفجعها وأقساها إبعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد، وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعيّة، في حين أنّ الأُمّة لم تكن بأية حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدة من الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)كما أن الهزات العنيفة التي منيت بها الأُمّة إِنّما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد انتشرت الأطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة ممّا أدى إلى تشكيلهم للأحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخططاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعم بخيرات البلاد.
وعلى أية حال فإنّ موت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان من أفجع الكوارث الاجتماعيّة التي دهمت المسلمين، وقد حكى الذكر الحكيم مدى خطورتها، قال تعالى : «وَمَا محمّد إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُم عَلَى أَعْقَابِكُم وَمَن يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً»، وقد تحقق هذا الانقلاب الخطير الذي عناه اللّه على مسرح الحياة العامّة، وكان من أفجع أنواعه إبادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء، ورفع رؤوس أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الحراب، وسبي مخدرات الرسالة يطاف بها في الأقطار والأمصار.
1) تحف العقول : 245. كشف الغمّة : 1 : 575.
والشيء المحقق أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد اهتم اهتماماً بالغاً بتكييف حالة المسلمين وتقرير مصيرهم، واستمرار حياتهم في طريقها إلى التطور في مجالاتها الاجتماعيّة والسياسية، ورسم لها الطريق على أساس من المنهج التجريبي الذي لا يخضع بأية حال لعوامل العاطفة أو المؤثرات الخارجية، فعين لها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقيادتها الروحية والزمنية. وذلك لما يتمتع به من القابليات الفذّة التي هي بإجماع المسلمين لم تتوفر في غيره، ولعل من أهمها ما يلي :
1 - إحاطته بالقضاء، فقد كان المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في ذلك، وقد قال فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أَقْضاكُمْ عَلىٌّ» (1). واشتهرت مقالة عمر فيه : «لولا عليّ لهلك عمر» (2).
ولم ينازعه أحد من الصحابة في هذه الموهبة، فقد أجمعوا على أنه أعلم الناس بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبصرهم بأمور الدين وشؤون الشريعة، وأوفرهم دراية في الشؤون السياسية والإدارية.
وعهده لمالك الأشتر من أوثق الأدلة على هذا القول، فقد حفل هذا العهد
بما لم يحفل به أي دستور سياسي في الإسلام وغيره، فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها بتوفير العدل السياسي والاجتماعي لهم كما حدد صلاحيات الحكام ومسؤولياتهم، ونص على الشروط التي يجب أن تتوفر في الموظف في جهاز الحكم من الكفاءة، والدراية التامة بشؤون العمل الذي يعهد إليه، وأن يتحلى بالخلق والإيمان والحريجة في الدين، إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد، والتي لا غنى للأمة حكومة وشعباً عنها.
وقد أشارت كثير من رسائله إلى ولاته وعماله بالشؤون السياسية التي دلت على أنّه ألمع سياسي في الإسلام وغيره، وكما كان أعلم المسلمين بهذه الأمور، فقد كان أعلمهم بسائر العلوم الأخرى كعلم الكلام والفلسفة والحساب وغيرها، وقد فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً حسبما يقول المترجمون له.
ومع هذه الثروات العلمية الهائلة التي يتمتّع بها كيف لا ينتخبه الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)أو يرشحه لمنصب الخلافة التي هي المحور الذي تدور عليه سيادة الأمة وأمنها.
إنّ الطاقات العلميّة الضخمة التي يملكها الإمام أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقضي بحكم المنطق الإسلامي - الذي يؤثر الصالح العام على كلّ شيء - أن يكون هو المرشح للقيادة العامّة دون غيره، فإنّ اللّه تعالى يقول: «هَلْ يَستَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِين لاَ يَعلَمُونَ» (1).
وليس أدعى إلى السخرية من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل، فإنّ هذا المنطق يوجب الغبن في العلم والزهد في الفضيلة وتأخير الأمة وانحطاط قيمها ومثُلها.
2 - إنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان من أشجع الناس وأثبتهم قلباً، وقد استوعبت
1) الزمر 39 : 9.
شجاعته النادرة جميع لغات الأرض، وهو القائل سلام اللّه عليه : «وَاللّه لَوْ تَظاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلى قِتالِي لَما وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقابِها لَسارَعْتُ إلَيْها...» (1).
وقد قام هذا الدين بسيفه وبني على جهاده وجهوده، وهو صاحب المواقف المشهورة يوم بدر، ويوم حنين، ويوم الأحزاب، قد حصد رؤوس المشركين وأباد مضرسيهم، وأشاع فيهم القتل، لم تنفتح ثغرة على الإسلام إلا تصدى إلى إسكاتها، وقدمه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أميراً في جميع المواقف والمشاهد، وأسند إليه قيادة جيوشه العامّة، وما ولج حرباً إلا فتح اللّه على يده، وهو الذي قهر اليهود وفتح حصن خيبر، وكسر شوكتهم وأخمد نارهم.
والشجاعة من العناصر الأساسية التي تتوقف عليها القيادة العامّة، فإنّ الأمة إذا منيت بالأزمات والنكسات وكان زعيمها ضعيف الإرادة خائر القوى جبان القلب فإنّها تصاب حتماً بالكوارث والخطوب، وتلاحقها الضربات والنكبات.
ومع توفر هذه الصفة بأسمى معانيها في الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف لا يرشحه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للخلافة الإسلاميّة ؟ ! إنّه بحكم شجاعته الفذة التي تصحبها جميع الصفات الفاضلة والمثل الكريمة كان متعيناً لقيادة الأمة وإدارة شؤونها، حتّى لو لم يكن هناك نص من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليه.
3 - وأهم صفة لابدّ من توفرها عند من يتصدى لزعامة الأمة نكران الذات، وإيثار مصلحة الأمة على كلّ شيء، وعدم الاستئثار بالفيء وغيره من أموال المسلمين، وكانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف به الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيام حكومته، فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم حاكماً تنكر لجميع مصالحه الخاصّة كالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يدخر لنفسه ولا لأهل بيته شيئاً من أموال الدولة،
1) نهج البلاغة : 3 : 73.
وتحرج فيها تحرجاً شديداً، وقد أجهد نفسه على أن يسير بين المسلمين بسيرة قوامها الحقّ المحض والعدل الخالص، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن حكومته.
4 - العدالة : وهي من أبرز الصفات المائلة في شخصية الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد أترعت نفسه الشريفة بتقوى اللّه، والتجنب عن معاصيه، فلم يؤثر أي شيء على طاعة اللّه، وقد تحرج أشد ما يكون التحرج عن كلّ ما لا يقره الدين وتأباه شريعة اللّه، وهو القائل : «وَاللّه لَوْ أُعْطِيتُ الأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَىٰ أَنْ أَعْصِيَ اللّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضمُها» (1).
وكان من مظاهر عدالته النادرة أنّه امتنع من إجابة عبدالرحمن بن عوف حينما ألحّ عليه أن يقلده الخلافة شريطة الالتزام بسياسة الشيخين فأبى إلا أن يسير على وفق رأيه واجتهاده الخاص (2)، ولو كان من طلاب الدنيا وعشاق السلطان لأجابه إلى ذلك ثم يسير على وفق ما يراه، ولكنه لا يلتزم بشيء لا يقره، فلم يسلك أي طريق فيه التواء أو انحراف عن مُثُل الإسلام وهديه.
لقد توفرت العدالة بأرحب مفاهيمها في شخصية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي من العناصر الرئيسية التي يجب أن يتحلى بها من يتقلد زمام الحكم ويلي أمور المسلمين.
هذه بعض خصائص الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكيف لا يرشحه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا ينتخبه لمنصب الخلافة ؟ ! على أنا لو التزمنا بمبدأ الوراثة الذي احتج به المهاجرون على
الأنصار لكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأولى من غيره بمقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهو ابن عمه وختنه على ابنته وأبو سبطيه.
يقول سيديو : «لو كان قد تم الاعتراف بمبدأ الوراثة - وهو في صالح علي منذ البداية - لكان بوسع ذلك أن يمنع المنازعات النكباء التي أغرقت الإسلام في الدم. كان زوج فاطمة يضم في شخصه حق الوراثة كوارث شرعي للرسول كما يضم الحقّ بالانتخاب» (1).
إنّ التأمل الدقيق الذي لا يخضع لعوامل العاطفة والتقليد يقضي بأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد عيّن من ينوب عنه في إدارة شؤون الخلافة، ولم يهمل هذه الجهة المصيرية لأمته، وأنّه قد نص على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقاعدة الوراثة وغيرها من الاعتبارات العاطفية، وإنّما لتوفر الصفات القيادية في شخصيته.
وإن من أوهى الأقوال وأكثرها بعداً عن منطق الدليل القول بأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أهمل أمر الخلافة، ولم يعرض لها بشيء، وإنما ترك أمرها للمسلمين، وجعل لهم الحرية في اختيار من : وا، فان ذلك - حسبما يقوله علماء الشيعة - تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الإسلام والقاء للأمة في الفتن والأزمات، وفعلاً قد تحقق ذلك على مسرح الحياة الإسلاميّة حينما عمدت الأمة إلى إلغاء النصوص الواردة من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد واجهت هزات عنيفة، وعصفت الفتن والأهواء فقد سادت الأطماع السياسية عند الكثيرين من قادة المسلمين، وتهالكوا على الإمرة والسلطان، فدفعوا بالقطاعات الشعبية إلى الحروب الطاحنة تحقيقاً لأهدافهم، ومطامعهم، حتّى شاع الشكل والحداد في جميع أنحاء العالم الإسلامي :
يقول الأستاذ محمّد سيد الكيلاني : «لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعاً
1) روح الإسلام : 292.
قل أن نجد له مثيلاً في الأمم الأخرى، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفف نحن عن ارتكابه الآن، فترتب على ذلك أن أزهقت أرواح، ودمرت مدن، وهدمت قرى وأحرقت دور، وترملت نساء، وتيتمت أطفال، وهلك من المسلمين خلق كثير» (1).
ومن الطبيعي أن ذلك الدمار الذي حل بالمسلمين كان نتيجة حتمية لانحراف الخلافة عن مجراها الأصيل الذي أراده اللّه لها من جعلها في العترة الطاهرة التي هي عِدل القرآن الكريم.
وعلى أية حال فإنّي أحاول بكل جهد في هذه البحوث أن اتجه صوب الحق، وأصور الأحداث التي رافقت بيعة الشيخين، أصور ذلك بدقة وتجرد شأن الباحث الذي يهمه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلاً.
لا أرى هناك حادثة أخطر على الأمة من مؤتمر السقيفة الذي عقده الأنصار للاستيلاء على الحكم، والاستبداد بشؤون الدولة، فقد كان الحجر الأساسي لتدهور الأمة، وما عانته من الكوارث والخطوب، فقد انبثت فيها الأطماع، وسادت فيها الأهواء :
يقول بولس سلامة :
وَتَوالَتْ تَحْتَ السَّقِيفَةِ أحدا***ثٌ أَثَارَتْ كَوامِناً وَمُيُولا
تَارَةٌ تَطْلُعُ الزَّعَازِعُ غَرْباً***وَتَهِبُ النَّكباءُ حِيناً قُبُولا
نزعاتٌ تَفَرَّقَتْ كَغُصُونِ ال***عوسَجِ الغَضُ شَائِكاً مَدْخُولا
وَانجَلَتْ عَنْ ضَيَاع حَقٌّ وَلِيُّ***كَانَ إِلَّا عَنْ حُزْنِهِ مَشْغُولا (2)
لقد جرّ هذا المؤتمر السياسي سلسلة طويلة من الأحداث المريعة التي كان منها - فيما يقول المحققون - رزية كربلاء :
يقول الإمام كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) :
تَاللّه مَا كَرْبَلا لولا سَقِيفَتُهُم***وَمِثْلُ ذَا الفَرْع ذاكَ الأَصْلُ يَنْتِجُه (1)
في القَلْبِ حَرُّ جَوى ذاكٍ تَوَهُجُهُ***الدمْعُ يُطِفِيهِ وَالذِّكرى تُؤَجِّجُهُ
شعراء الغري: 8: 155 - 157. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 506 - 508.
ولابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا المؤتمر الخطير، وكيف فاز فيه أبو بكر ؟!
أما البواعث التي أدت إلى تسابق الأنصار إلى عقد مؤتمرهم بتلك السرعة الخاطفة، وعدم التريث في الأمر حتّى يوارى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مثواه الأخير، فهي :
1 - إنّهم رأوا التحرك السياسي من قبل المهاجرين الذين يمثلون الجبهة القرشية المعارضة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أجمعوا على صرف الخلافة عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وظهرت منهم بوضوح بوادر التمرد، فقد امتنعوا من الالتحاق بسرية أسامة، وحالوا بين النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين ما رامه من الكتابة التي وصفها بأنّها تضمن لأمته سعادتها وأصالتها.
وأكبر الظن أن الأنصار وقفوا على حقد المهاجرين وكراهيتهم للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زمان بعيد، وأنهم لا يخضعون لحكمه، ولا يرضون بسلطانه ؛ لأن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)قد وترهم، وحصد رؤوس أعلامهم.
يقول عثمان بن عفان للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أصنع ان كانت قريش لا تحبكم،
1) من قصيدة للشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) يرثي بها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مطلعها :
وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلاً، كأن وجوههم شُنُوف (1)الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم (2).
ودلل عثمان على مدى لوعة قريش وحزنها على من قتل منها في واقعة بدر من الرجال الذين كانت وجوههم شبيهة بشنوف الذهب لنضارتها وحسنها وقد صرعت أنا فهم ذلّاً قبل شفاههم، ومما لا شك فيه أنها كانت ترى الإمام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي وترها، فهي تطالبه بذحلها والدماء التي سفكها.
يقول أسيد بن أبى أناس الكناني الدولي (3)
هو الذي كان يحرض على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأهدر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دمه، ثم أتاه عام الفتح فأسلم أسد الغابة : 1 : 108 و 109، الحديث 161. الإصابة : 1: 46، الحديث 173 و 7: 11، الحديث 64.
محرضاً لقريش على الوقيعة بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والطلب بثأرها منه :في كلّ مَجْمَعِ غايَةٍ أَخْزَاكُمْ***جَذَعٌ أَبَرٌ عَلَى المَذاكِي القُرَّح
للّه دَرُّكُمُ أَلَمَّا تَنْصِفوا***قَدْ يُنْصِفُ الحُرُّ الكَرِيمُ وَيَستَحِي
هَذَا ابن فاطِمَةَ الَّذِي أَفنَاكُمْ***ذَبحاً وَقِتلَةَ قَعَصَةٍ لَم تُذبَح
أَعطُوهُ خَرْجاً وَاتَّقُوا بِضَرِيبَةٍ***فِعْلَ الذُّلِيلِ وَبَيعَةً لَمْ تُرْبَحِ
أينَ الكُهُولُ وأين كلّ دَعَامَةٍ***فِي المُعْضِلَاتِ وَأَينَ زَينُ الأَبطَح
أَفناهُمْ قَعْصاً وَضَرْباً يَفْتَرِي***بالسَّيفِ يُعمِلُ حَدُهُ لَمْ يَصْفَح (4)
أسد الغابة : 3: 595. الإصابة : 1: 46.
1) الشُّنُوف - جمع الشنف - : ما علّق في أعلى الأذن، وأما ما علّق في أسفلها فيسمى : القُرط - القاموس المحيط : 1067 - شَنَفَ.
2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 23.
3) أَسَيدُ بنُ أَبي أُناس بن زنيم الكناني الدولي العدوي :
4) الإرشاد / المفيد : 1 : 77 و 78 مناقب آل أبي طالب : 3 : 121. الفصول المختارة : 292. رسائل الشريف المرتضى - المجموعة الرابعة : 120. تاريخ مدينة دمشق : 42 9.
ويروي ابن طاووس عن أبيه، يقول : «قلت لعلي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): ما بال قريش لا تحب علياً ؟
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنَّهُ أَوْرَدَ أَوْلَهُمُ النّارَ، وَأَلْزَمَ آخِرَهُمُ الْعارَ» (1).
وعلى أيّة حال فإنّ الأنصار قد علمت أن المهاجرين من قريش يدبرون المؤامرات ويبغون الغوائل للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنهم لا يرضون بحكمه، وقد أعلنوا ذلك يوم غدير خم فقد قالوا : لقد حسب محمّد أنّ هذا الأمر قد تم لابن عمه وهيهات أن يتم.
وقد أيقن الأنصار أنّهم سيصيبهم الجهد والعناء إن استولى المهاجرون على زمام الحكم ؛ وذلك بسبب مودتهم للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلذلك بادروا إلى عقد مؤتمرهم، والعمل على ترشيح أحدهم للخلافة.
2 - واستبان للأنصار فيما أخبر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن أهل بيته لا ينالون الخلافة، وأنّهم المستضعفون من بعده. فقد روى شيخ الإمامية الشيخ المفيد أنّه بقي عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه عمه العباس، وابنه الفضل، وعلي بن أبي طالب، وأهل بيته خاصة، فقال له العباس : إن يكن هذا الأمر مستقراً فينا من بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فأوصي بنا ؟ !
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَنْتُمُ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ بَعْدِي (2).
وسبق للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)أن أذاع ذلك بين المسلمين فاحتاطت الأنصار لأنفسها فبادرت
لعقد مؤتمرها للاستيلاء على الحكم لئلا يسبقهم إليه المهاجرون من قريش.
3 - أنّ الأنصار كانوا العمود الفقري للقوات الإسلاميّة المسلحة، وقد أنزلوا الضربات القاصمة بالقرشيين، فأبادوا أعلامهم، وأشاعوا في بيوتهم الحزن والحداد في سبيل الإسلام، وقد علموا أن الأمر إذا استتب للقرشيين فإنهم سيمعنون في قهرهم وإذلالهم طلباً بثأرهم. وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر بقوله : «لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم» (1).
وتحقق هذا التنبؤ، فإنّه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الأمد حتّى آل الحكم إلى الأمويين فسعوا جاهدين في إذلال الأنصار وقهرهم، وإشاعة الفقر والحاجة فيهم، وقد بالغ معاوية في الانتقام منهم، ولما ولي الأمر من بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم بجيوشه في واقعة الحرة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيراً في فظاعتها وقسوتها.
هذه بعض العوامل التي أدت إلى مبادرة الأنصار لعقد مؤتمرهم الذي أحاطوه بكثير من السر والكتمان.
ولما اجتمع الأوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم، وكان مريضاً فلم يتمكن أن يجهر بكلام وإنّما كان يقول، ويبلغ مقالته بعض أقربائه، وهذا هو نص خطابه :
يا معشر الأنصار إنّ، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة
1) الهداية الكبرى / الخصيبي : 408. شرح الأخبار : 1: 363 و : 2 : 234 و 235. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2 53. الطبقات الكبرى : 3 : 182. تاريخ مدينة دمشق : 30 : 275.
من العرب، إنّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به إلا قليل، واللّه ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولا أن يعزّوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عمّوا به، حتّى إذا أراد اللّه لكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتّى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً وأعطى البعيد المقادة صاغراً داحراً، حتّى أثخن اللّه تعالى لرسوله بكم الأرض، فدانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه اللّه وهو راض، عنكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر فإنّه لكم دون الناس» (1).
وقد حفل خطابه بالنقاط التالية :
الأولى : الإشادة بنضال الأنصار وبسالتهم الفذة في نصرة الإسلام، وإعزاز كلمته، وقهر القوى المعادية له، حتّى استقام أمره وهو عَبْل الذراع، فلهم الفضل الأكبر في نشره وازدهاره، فهم الذين حموا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيام محنته وغربته، فإذن هم أولى بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحق بمنصبه من غيرهم ؛ لأنّ من كان عليه الغرم فهو أولى بالغنم.
الثانية : التنديد بالأسر القرشية التي ما آمنت بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ناهضت رسالته وناجزته الحرب، حتّى اضطر إلى الهجرة ليثرب، وإن من آمن به منهم لم يتمكن أن يحميه ويذب عنه، وبذلك فلا حق لهم في الحكم ولا نصيب لهم في إدارة شؤون الدولة الإسلاميّة التي أقامها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والتي ما قامت إلا على سواعد الأنصار وجهادهم، وأنّهم غير أكفاء للأنصار، حيث قالت الأنصار : لو لا علي بن أبي طالب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المهاجرين لأبينا لأنفسنا أن يذكر المهاجرون معنا، أو أن يقرنوا بنا ؛
1) الإمامة والسياسة : 1 : 5. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 81. الكامل في التاريخ : 2: 222.
ولكن رُبِّ واحدٍ كألف بل كألوف (1).
ومما يؤخذ به على سعد أنّه قد تناسى العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن الكريم فلم يعرض إلى سيدها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى، فقد تجاهله ودعا إلى نفسه وقومه، وأول سهم سدد إلى آل البيت كان من ذلك اليوم الذي تعمد فيه الأنصار والمهاجرون على الغض من كرامة عترة نبيّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم، والتنعم بخيرات الدولة ومناصبها.
وعلى أيّة حال فانّ سعداً قد أخطأ إلى حدّ بعيد في تجاهله لحق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا نرى له أي مبرر في ذلك، فقد جرّ للأمة الفتن والويلات وألقاها في شرّ عظيم، فقد انحرفت الخلافة عما أرادها اللّه ورسوله من جعلها في العترة الطاهرة التي هي أحرص ما تكون على الالتزام بحرفية الإسلام، وتطبيق شؤونه وأحكامه، فقد تحدث الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَوَّلُ مَنْ جَرَّأَ النَّاسَ عَلَيْنا سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، فَتَحَ باباً وَلَجَهُ غَيْرُهُ، وَأَضْرَمَ ناراً كانَ لَهَبُها عَلَيْهِ وَضَوْءُها لأعْدائِهِ» (2).
وقد لاقى سعد جزاء عمله فإنّه لم يكد يستقر الحكم إلى أبي بكر حتّى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه، حتّى اضطر إلى الهجرة من يثرب إلى أرض الشام فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له فكمنا له ليلاً وطعناه وألقياه في البئر، وتحدثوا أنّ الجن هى التى قتلته، ورووا على لسانها شعراً تفتخر فيه بقتله وهو :
قتلنا سَيِّدَ الخَزْ***رج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهُ
وَرَمَيناهُ بِسَهْمَي***نِ فَلَمْ نُخْطِئ فؤادَة (1)
ومن الغريب أنّ سياسة الحكم في تلك العصور قد استخدمت الجن واتخذته من أدواتها، وقد آمن بذلك السذج والبسطاء من غير وعي وإدراك للأهداف السياسية.
ولم تكن للأنصار إرادة صلبة، ولاعزم ثابت، كما لا دراية لهم في الشؤون السياسية، فقد منوا - على كثرتهم - بالوهن والضعف والتخاذل، فكانوا بعد خطاب سعد - فيما يقول المؤرخون - قد ترادّوا الكلام فيما بينهم، فقالوا : فإن أبى المهاجرون من قريش، وقالوا : نحن المهاجرون وأصحابه الأولون، وعشيرته وأوليائه فعلام تنازعون هذا الأمر بعده ؟ فقالت طائفة منهم : فإنّا نقول : منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبداً.
وثار سعد حينما رأى هذه الروح الانهزامية قد سرت في نفوس قومه فقال : هذا أول الوهن (2).
أجل، إنّ هذا أول الوهن وآخره، فقد كشف عن ضعف نفوسهم، وتفلل صفوفهم، وعدم نضوجهم في الميادين السياسية، فإنّهم إنما عقدوا اجتماعهم، وأحاطوه بكثير من الكتمان ليسبقوا الأحداث، ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش، ولكنهم ظلوا قابعين في هذا الصراع الفارغ حتّى أضاعوا عليهم الفرصة، فقد دهمهم المهاجرون، وأشاعوا بينهم الاختلاف والفرقة حتّى
سيطروا على الوضع، واستولوا على زمام الحكم.
وشيء آخر كان السبب في انهزام الأنصار، هو شيوع الأحقاد والأضغان فيما
بينهم. لقد كانت هناك ثورات وأحقاد بين الأوس والخزرج منذ عهد بعيد أدت إلى إراقة الدماء، وإشاعة الفرقة والعداء فيما بينهم، وكان آخر أيام حروبهم - فيما يقول المؤرخون - هو يوم (بغاث) ؛ وذلك قبل أن يهاجر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى يثرب بست سنین (1).
ولما أطل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهم عمل جاهداً على نشر المحبة والوئام فيما بينهم، وإذابة الأحقاد والأضغان، ولكنّها لم تزل كامنة في نفوسهم، تظهر في كثير من الأحيان حينما تحدث عوامل التنافس فيما بينهم حسبما نص عليه المؤرخون.
وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة، فقد حقد أسيد بن حضير - زعيم الأوس - على سعد بن عبادة - سيد الخزرج - حينما رشحه القوم لمنصب الخلافة، فكان يقول لقومه : لئن وليتموها سعداً عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيباً فيها أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر (2).
ودلّ ذلك على مدى الحقد الكامن في نفوس الأوس للخزرج، فإنّ سعداً إن ولي الحكم مرة واحدة فتكون بذلك فضيلة للخزرج على الأوس، وهذا ممّا يثقل على زعيم الأوس، وفعلاً قد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لما تمّ الأمر له.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ بعض الأوس ممن كانوا يحقدون على سعد، ويستكثرون عليه هذا المنصب، فإنّ بشير بن سعد الخزرجي كان من أهم المنافسين له،
فانحاز مع الخزرج فبايع أبا بكر، وأفسد على سعد أمره.
وعلى أية حال فإنّ هذا الاختلاف والتشاحن ممّا أوجب أن يفلت الأمر من أيدي الأنصار ويظفر به المهاجرون من قريش.
وشيء خطير بالغ الأهمية قام به عمر لتجميد الأوضاع، وإيقاف أية عملية تؤدي إلى انتخاب من يخلف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؛ لأنّ زميله أبا بكر لم يكن في يثرب عند وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنما كان في (السُّنح) (1).
فبعث خلفه من يأتي به إلّا أنّه خشي أن يتقدم إلى الساحة أحد قبل مجيئه، فانطلق بحالة رهيبة، وهو يجوب في أزقة يثرب وشوارعها ويقف عند كلّ تجمع من الناس، ويهز سيفه بيده، وينادي بصوت عال قائلاً: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد مات، وإنّه واللّه ما مات ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران... واللّه ليرجعن رسول اللّه فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته» (2).
وجعل لا يمر بأحد يقول : مات رسول اللّه إلا خبطه بسيفه وتهدده وتوعده. وذهل الناس، وساورتهم الأوهام والشكوك، وعصفت بهم أمواج رهيبة من الحيرة فلا يدرون أيصدقون مزاعم عمر بحياة النبيّ علي الاول بحياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي من أعز ما يأملون، ومن أروع ما يحلمون ؟ أم يصدقون ما عاينوه من جثمان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مسجي بين أهله
لا حراك فيه ؟ !
ويستمر عمر يبرق ويرعد حتّى أزبد شدقاه وهو يتهدد بالقتل ويتوعد بقطع الأيدي والأرجل ممن أرجف بموت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إلا أنه لم يمض قليل من الوقت حتى جاء خدنه وصاحبه أبو بكر من (السنح) فانطلق معه إلى بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكشف أبو بكر الرداء عن وجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليتحقق وفاته، وبعدما اطمأن بموته خرج إلى الناس وهو يفند مزاعم عمر، والتفت إلى الجماهير الحائرة التي أخرسها الخطب بموت منقذها العظيم قائلاً: من كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، وتلا قوله تعالى : «وَمَا محمّد إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُم عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وَسَيَجِزى اللّه الشَّاكِرِينَ» (1).
ولم يلبث عمر أن أسرع إلى الإذعان والتصديق، وانبرى يقول : فواللّه ما هو إلا إذ سمعتها فعقرت حتّى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وقد علمت أن رسول اللّه قد مات (2).
ونحن إذا تأملنا بدقة وإمعان هذه البادرة الغريبة التي صدرت من الشيخين نجد فيها عدة نقاط مهمة تسترعى الاهتمام والتحليل، وهي :
الأولى : إن عمر قد أنكر بصورة جازمة وبإصرار بالغ موت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد زعم أنه ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران، وأنّه لابد أن يرجع إلى الأرض وينكل
بالمرجفين بموته. ومما لا شك فيه أن ذلك لم يكن عن إيمان منه بحياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنما كان ذلك استغلالاً للفرص، وتوصلاً إلى أهدافه السياسية حسب المخططات التي وضع برامجها أقطاب حزبه كأبي بكر، وأبي عبيدة، ويدل على ذلك ما يلي :
1 - إن عمر بالذات كان من المتفائلين بموت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك، فكان يقول لأسامة : «مات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أنت علىّ أمير ؟ !» (1). هذا ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان حياً وقد اطمأن بوفاته حينما نعى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نفسه إلى المسلمين، وساق لهم الأمارات التي تدل على وفاته، حسبما تقدمت في البحوث السابقة.
2 - إنه وقف أمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه الذي توفي فيه وقد صدّه عما رامه من الكتابة التي تقي أُمته من الفتن والضلال، وقال له : «حسبنا كتاب اللّه» (2). ومن الطبيعي أنّه إنما قال ذلك حينما أيقن بوفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
3 - إن كتاب اللّه العظيم أعلن أن كلّ إنسان لابد أن يتجرع كأس المنية، قال تعالى : «كلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرجَعُونَ» (3).
وقال تعالى في خصوص نبيه : «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونُ» (4).
وقال تعالى : «وَمَا محمّد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتمُ عَلَى أَعْقَابِكُم» (5)وهذه الآيات تتلى في وضح النهار، وفي غلس الليل،
أفهل خفيت على عمر، وهو ممن يسمع كتاب اللّه، ويصابح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويماسيه ؟ !
4 - إن سكون عمر وهدوء ثورته الجامحة حينما جاء خدنه أبو بكر وتصديقه بلا مناقشة لمقالته حينما أعلن وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه كلّ ذلك يقضي - بلا شبهة - أنّه إنّما قام بهذه العملية توصلاً إلى مآربه وأهدافه.
كيف ذهل عمر مع أنّ الأمر لم يعضل على أي امرئ من الصحابة، وحاشاهم أن يكون هذا مبلغ علمهم وهم حملة القرآن الكريم، وهم على علم من موته أخذا بما جرى بين البشر من الطبيعة المطردة «ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ» (1)، «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه كِتَاباً مُؤَجَّلًا» (2)، «وَلِكَلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقدِمُونَ» (3).
ولم يكن إنكار عمر موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لجهله بذلك، وقد قرأ عمرو بن زائدة عليه وعلى الصحابة في مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الآية المذكورة قبل تلاوة أبي إياها، وأشفعها بقوله تعالى : «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون» ، فضرب الرجل عنها وعن قارئها صفحاً ؛ وعمرو ابن زائدة صحابي عظيم استخلفه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته (4)، وإنّما كان إنكاره ذلك، وإرهابه الناس لسياسة مدبّرة ؛ وذلك الصرف فكرة الشعب عن الفحص عن الخليفة إلى أن يحضر أبو بكر (5).
الثانية : إنّ حكم عمر بأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سوف يرجع إلى الأرض ويقطع أيدي
رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته لا يخلو من وهن، فإن تقطيع الأيدي والأرجل والحكم بالإعدام إنّما يكون للذين يخرجون عن دين اللّه، أو يسعون في الأرض فساداً، وليس القول بموت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ممّا يوجب ذلك قطعاً.
الثالثة : إنّ أبا بكر أعلن في خطابه الذي نعى به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت».
ومن المقطوع به أنه لم يؤثر عن أي أحد من المسلمين أنه كان يعبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واتخذه رباً من دون اللّه، وإنما أجمع المسلمون على أنه عبداللّه ورسوله اختاره اللّه لوحيه واصطفاه لرسالته.
وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة والبيعة. إذ خرج من مؤتمرهم - وهم لا يشعرون - عويم بن ساعدة الأوسي، ومعن بن عدي حليف الأنصار، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن أعضاء حزبه، وكانت نفساهما مترعة بالحقد والكراهية لسعد، وانطلقا مسرعين وأخبرا أبا بكر وعمر بذلك، ففزعا وانطلقا مسرعين ومعهما أبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وتبعهم جماعة آخرون من المهاجرين فكبسوا الأنصار في ندوتهم، وأُسقط ما بأيدي الأنصار وذهلوا وغاض لون سعد، وتخوف من خروج الأمر عنهم. وذلك لعلمه بضعف الأنصار وتقلل قواهم، وتصدع وحدتهم، فهو قد أحاط مؤتمرهم بكثير من السرّ والكتمان خوفاً من المهاجرين وبدخولهم المفاجئ، فقد انهارت جميع مخططاته، وفشلت جميع مساعيه في عقد البيعة له (1).
1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 68. الكامل في التاريخ : 2 : 221 و 222.
وبعد أن ولج المهاجرون في مؤتمر الأنصار أراد عمر أن يفتح الحديث فنهره أبو بكر ؛ وذلك لعلمه بشدته وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبد والمليء بالأضغان والأحقاد، فيجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسية، والبراعة الفائقة، والكلمات الناعمة لكسب الموقف.
وأنبرى أبو بكر فخاطب القوم وقابلهم ببسمات فياضة بالبشر قائلاً: «نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً، وأكرمهم أحساباً، وأحسنهم وجوهاً، وأمسهم برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين ؛ نصرتم وآويتم وآسيتم فجزاكم اللّه خيراً، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فقد يعلم ملأ منكم أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : الأئمّة مِنْ قُرَيْشٍ، فأنتم أحقّاء ألّا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق اللّه إليهم.
فقال الحباب : ما نحسدك ولا أصحابك، ولكنّا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم فحقدوا علينا.
فقال أبو بكر : إن تطيعوا أمري تبايعوا أحد هذين الرجلين : أبا عبيدة - وكان عن يمينه - أو عمر بن الخطاب وكان عن يساره» (1).
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذا الخطاب :
1 - إنّه لم يعن بوفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي هي أعظم رزية مني بها المسلمون، وأفجع كارثة تصدعت من هولها القلوب، وكان الأجدر به أن يعزّيهم بوفاة منقذهم،
1) أنساب الأشراف : 2 : 262 و 263. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 82 و 83. المصنف : 8: 571. السنن الكبرى / البيهقي : 8 : 142.
ويذكرهم بإحسانه وبره بدينهم ودنياهم، ويدعوهم إلى القيام بتشييع جثمانه الطاهر حتّى يواروه في مثواه الأخير، ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عام يضم جميع الطبقات الشعبية من المسلمين ؛ لينتخبوا عن إرادتهم وحريتهم من يرضونه خليفة لهم على تقدير أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يعهد لأحد من بعده.
2 - إن منطق هذا الخطاب هو طلب الإمرة والسلطان، ولا يعني بأي شيء آخر غير ذلك، وقد عرض فيه على الأنصار أن يتنازلوا لإخوانهم المهاجرين عن الخلافة ولا ينافسوهم في شؤون الملك، ومناهم عوض ذلك أن يكونوا الوزراء، إلا أنّه لما تمّ له الأمر أجحف في حقهم فلم يمنحهم أي منصب من شؤون دولته، وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم.
3 - إن هذا الخطاب قد تجاهل بالمرة حق العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن الكريم، أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى حسبما يقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان الأولى التريث بالأمر حتّى يتم تجهيزه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويؤخذ رأي أهل بيته في ذلك لتحمل الخلافة طابعاً شرعياً، ولا توصم بالفلتة كما وصفها عمر إذ يقول : «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها»(1).
ويقول الإمام شرف الدين: «فلو فرض أن لا نصّ بالخلافة على أحد من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفرض كونهم غير مبرزين في حسب أو نسب، أو أخلاق أو جهاد، أو علم أو عمل، أو إيمان أو اخلاص، ولم يكن لهم السبق في مضامير كلّ فضل، بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي، أو عقلي، أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ ! ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية موقتاً حتّى يستتب أمر الخلافة ؟ !
1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 89 و 90، الحديث 393 تاريخ الطبري : 3 : 70 و 71 تاریخ مدينة دمشق : 30 : 281. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 23.
أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين، وهم وديعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لديهم وبقيته فيهم ؟! وقد قال اللّه تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُم رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَوْوُفٌ رَحِيمٌ» (1)، أليس من حق هذا الرسول - الذي يعزّ عليه عنت الأمة ويحرص على سعادتها، وهو الرؤوف بها الرحيم لها - ألا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر (2).
4 - إنّ المنطق الذي استند إليه أبو بكر لأحقية المهاجرين من قريش بالخلافة هو أنّهم أمسّ الناس رحماً برسول اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)وأقربهم إليه، وهذا الملاك على أكمل وجوهه وأتم رحابه متوفر في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فهم ألصق الناس به - وأمسّهم به. وما أروع قول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ وَأَضاعوا الثَّمَرَةَ» (3).
وخاطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبا بكر بقوله :
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورى مَلَكْتَ أَمُورَهُمْ***فَكَيْفَ بهذا وَالمُشِيرونَ غُيَّبُ
وَإِنْ كُنْتَ بِالقُربَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُم***فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنبيّ وَأَقْرَبُ» (4)
ويقول الكميت :
بِحَقِّكُمْ أَمْسَتْ قُرَيضٌ تَقُودُنا***وَبِالفَذّ مِنْها والرَّدِيفَينِ نُرْكَبُ
إِذَا اتَّضَعُونَا كَارِهِينَ لِبَيْعَةٍ***أناخوا لأُخْرَى وَالأَزِمَّةُ تُجذَبُ
ردافاً عَلينا لَمْ يُسموا رَعِيَّةً***وَهَمُّهمُمُ أنْ يَمْتَوها فَيَحْلِبوا
لِيَنْتَتِجُوها فِتنَةٌ بَعْدَ فِتنَة***فَيَفتَصِلوا أَفَلاءَها ثُمَّ يَرْكَبوا (1)
أَقَارِبُنا الأدنونَ مِنْكُم لِعِلَّةٍ***وَسَلشَتُنَا مِنْهُم ضباعٌ وَأَذؤُب
لَنا قائِدٌ مِنْهُم عَنِيفٌ وَسائِقٌ***يُقَحِّمُنا تلك الجراثيم مُتْعِبُ (2)
وَقَالوا ورثناها أبانا وأُمِّنا***وما وَرَّثَتْهُمْ ذَاكَ أُمِّ وَلَا أَبْ
يَرُونَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَى النَّاسِ واجباً***سفاهاً وَحَقُّ الهاشميِّينَ أَوجَبُ (3)
وعرض الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له عن شدة قربه من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعض مواهبه فقال : «وَاللّه إِنِّي لأخُوهُ وَوَلِيُّهُ، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُ عِلْمِهِ، فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِني ؟!» (4).
لقد انساب القوم وراء أطماعهم وأهوائهم، وتهالكوا على الحكم والظفر بخيراته، وأعرضوا عما ألزمهم به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من التمسك بعترته وعدم التقدم عليها، ووجوب رعايتها في كلّ شيء.
وربح أبو بكر في خطابه السالف، وكسب به الموقف، فقد أثنى فيه على الأنصار، ومجد فيه جهادهم وجهودهم في خدمة الإسلام، وبذلك قد أخمد نار الثورة في نفوسهم، كما منّاهم بالحكم فجعلهم الوزراء، وفند ما كان يختلج في
1) الأفلاء - جمع فلو - : المُهر - القاموس المحيط : 1704 - فَلَو.
2) الجراثيم : أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أوطين - لسان العرب : 2 : 232 - جَرْثَمَ.
3) القصائد الهاشميات : 30 – 32.
4) الأمالي / الطوسي : 507، الحديث 1099. المستدرك على الصحيحين : 3: 126. المعجم الكبير : 1 : 107، الرقم 176. تاريخ مدينة دمشق : 42 : 55 و 56.
نفوسهم من استبداد المهاجرين بالأمر، واستئثارهم بالحكم، وأفهمهم أنّه إنما قدّم المهاجرين عليهم ؛ لأنّ العرب لا تدين إلا لهم، وكأنّ هذه القضية الإسلاميّة الكبرى من قضايا العرب وحدهم، وليس لبقية المسلمين فيها حق ؟ !
وهنا نكتة بارعة عمد إليها أبو بكر وهو أنه جعل نفسه حاكماً في هذا الأمر، وجرد نفسه من جميع الأطماع السياسية، فقد رشّح عمر وأبا عبيدة للخلافة، فهل أمر الخلافة موكل إليه بنص من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو باستشارة من المسلمين حتّى يرشّح من يشاء.
وعلى أية حال فقد غزا نفوس الأنصار، وملك قلوبهم وعواطفهم.
وانبرى عمر فأيّد مقالة صاحبه فقال : «هيهات لا يجتمع اثنان في قرن واللّه لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوّة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ؛ من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ؟!» (1).
وليس في هذا الخطاب شيء جديد سوى التأكيد لما قاله أبو بكر من أحقية المهاجرين بخلافة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ممن هم أولياؤه وعشيرته.
يقول الأستاذ محمّد الكيلاني : «إنّه احتج عليهم بقرابة المهاجرين للرسول، ومع ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعلي بن أبي طالب ما دامت القرابة اتخذت سنداً لحيازة ميراث الرسول. لقد كان العباس أقرب الناس إلى النبي، وكان أحق الناس بالخلافة ؛ ولكنه تنازل بحقه هذا لعلي، فمن هنا صار لعلي الحقّ وحده في هذا المنصب» (2).
وانبرى الحباب بن المنذر فرد على عمر قائلاً: «يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الأمور، فأنتم واللّه أحق بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المُرَجب، أنا شبل في عرينة الأسد، أمّا واللّه لئن شئتم لنعيدنها جذعة، واللّه لا يرد أحد على ما أقول إلّا حطمت أنفه بالسيف».
وحفل هذا الكلام بالعنف والتهديد، والدعوة إلى الحرب، وإجلاء المهاجرين عن يثرب، كما عنى بالاعتزاز بنفسه، والافتخار بشجاعته، وقد رد عليه عمر وصاح به قائلاً: إذاً يقتلك اللّه.
فقال له الحباب : بل إياك يقتل.
وخاف أبو بكر من تطور الأحداث فالتفت إلى الأنصار فرشح للخلافة صاحبيه عمر وأبا عبيدة، فأسرع إليه عمر فأجابه بلباقة قائلاً: يكون هذا وأنت حي ؟ ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
ويقول بعض المحققين : لا نعلم أنه متى أقامه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو دلّل عليه، وإنما كان مع بقية إخوانه من المهاجرين جنوداً في سرية أسامة، ولو كان قد رشحه لمنصب الخلافة وأقامه علماً ومرجعاً للأمة لأقامه معه في يثرب وما أخرجه إلى ساحات الجهاد، وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ساعاته الأخيرة من حياته.
وعلى أية حال فقد بادر أعضاء حزبه بسرعة خاطفة إلى بيعته خوفاً من تطور الأحداث، فبايعه عمر بن الخطاب، وبشير بن سعد الأنصاري، وأسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي
1) الإمامة والسياسة : 1: 6. تاريخ الأمم والملوك : 3: 83 و 84. الكامل في التاريخ : 2: 223 و 224.
حذيفة، وخالد بن الوليد، واشتد هؤلاء في حمل الناس وإرغامهم على مبايعته، وكان من أشدهم اندفاعاً وحماساً عمر بن الخطاب فقد جعل يجول ويصول ويدفع الناس دفعاً إلى البيعة، وقد لعبت درته شوطاً في الميدان، الميدان، وسمع الأنصار وهم يقولون : قتلتم سعداً.
فاندفع عمر يقول بثورة وعنف : «اقتلوه قتله اللّه فإنّه صاحب فتنة».
وكادوا يقتلون سعداً، وهو مُزَمَّل وجع، وحُمل إلى داره وهو صفر اليدين قد انهارت آماله، وتبددت أحلامه وما عساه أن يصيبه وصاحبيه، ثم يصيب الإسلام لو عدا منهم رجل على ابن عبادة فقتله تلبية لهذا الدعوة الغاصبة، وما أحسب حتّى أولئك الذين خذلوه من الخزرج يبيحون دمه، فلذا سارع أبوبكر يكبح جماح جماعته، فنظر إلى عمر قائلا له : مهلاً يا عمر، فالرفق ها هنا أبلغ (1).
ولمّا تمّت البيعة إلى أبي بكر أقبل به حزبه يزفونه إلى مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زفّاً (2)كزفاف العروس، والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسجى على فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه، قد انشغل الإمام أمير المؤمنين بتجهيزه، ولما علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببيعة أبي بكر تمثل بقول القائل :
وأصبَحَ أقوامٌ يَقُولُونَ مَا اشتَهَوا***وتطعُونَ لَمَّا عَالَ زيداً غَوائِلُة (3)
لقد تمّت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة، وقد أهمل فيها رأي العترة الطاهرة ولم يعنّ بها، ومن ذلك اليوم واجهت جميع ألوان الرزايا والنكبات، وما كارثة كربلاء وغيرها من المآسي التي حلت بآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلّا وهي متفرعة من يوم السقيفة حسبما نص عليه المحققون.
وابتهجت قريش حينما آل الحُكْم إلى أبي بكر واعتبرته فوزاً لها، فقد تحققت آمالها وأحلامها، وقد عبر عن مدى سرورها ابن أبي عبرة القرشي بقوله :
شكراً لِمَنْ هُوَ بِالثناءِ حَقِيق***ذَهَبَ الرّجاجُ وَيُويعَ الصِّدِّيق
مِنْ بَعْدِ مَا زَلَّتْ بِسَعْدٍ نَعْلُهُ***ورجا رَجَاء دُونَهُ العَیُّوقُ
إِنَّ الخِلَافَةَ فِي قُرَيشِ مَا لَكُمْ***فِيهَا وَرَبٌ محمّد مَعْرُوقُ (1)
وفي هذا الشعر التنديد والهجاء للأنصار، وإظهار السرور البالغ بحرمانهم من الخلافة. وممن أبدى سروره ببيعة أبي بكر عمرو بن العاص ولم يكن في يثرب آنذاك، وإنّما كان في سفر له، فلما قدم وسمع ببيعة أبي بكر قال :
أَلاَ قُلْ لأُوس إِذا جِئْتَها***وَقُلْ ما إِذا جِئْتَ لِلخَزْرَجِ
تَمَنْيتُمُ المُلْكَ في يَثْربٍ***فَانْزِلَتِ القِدْرُ لَمْ تَنْضَجِ (2)
لقد عمّت الأفراح والمسرات جميع القبائل القرشية، ووقفت موقف التأييد الحكومة أبي بكر، ولما بلغ أهل مكة موت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أرادوا أن يعلنوا الردة والخروج عن الإسلام ؛ إلا أنّهم لما علموا بخلافة أبي بكر أذعنوا وأعلنوا الرضا والسرور.
وعمد أبو سفيان إلى إعلان المعارضة لحكومة أبي بكر، فقد وقف على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحفّزه على مناجزة أبي بكر، ويعده بنصرته وهو يقول : إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم ؟ اين المستضعفان ؟
أين الأذلان علي والعباس ؟! ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟!
ثم قال لعلي : أبسط يدك أبايعك فواللّه لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً فأبى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه، فتمثل أبو سفيان بشعر المتلمّس :
وَلَنْ يُقيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ***إلا الأَذَلَّانِ غَيْرُ الحَيِّ وَالوَتَدُ
هذَا عَلَى الخَسْفِ مَربُوطٌ بِرُمَّتِهِ***وَذَا يُشْجُّ فَلَا يَبْكِي لَهُ أَحَدٌ (1)
لقد استغل أبو سفيان العنصرية القبلية لإحداث الثورة والانقلاب على حكومة أبي بكر، لكن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يفقه دوافعه، ويعرف ذاتياته فلم يستجب له، وإنما نهره وأغلظ له في القول قائلاً: «وَاللّه ما أَرَدْتَ بِهَذَا إِلَّا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللّه طالَما بَغَيتَ لِلْإِسْلَامِ شَرّاً لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ» (2).
وراح أبو سفيان يشتد في إثارة الفتنة، ويدعو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إعلان الثورة على أبي بكر، وكان ينشد :
بني هاشم لَا تُطْمِعُوا النَّاسَ فِيكُمُ***وَلا سِيِّمَا تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ أَوْ عَدِي
فَما الأَمْرُ إِلَّا فِيكُمْ وَإِلَيْكُمُ***وَلَيْسَ لَها إِلا أَبُو حَسَنِ عَلِي
أَبَا حَسَنِ فَاشْدُدْ بِها كَفَّ حازِمٍ***فَإِنَّكَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُرْتَجَى مَلِي
وَأَيُّ أَمْرِى يَوْمِي قُصَيّاً وَرَأْيها*** منيعُ الحِمَى وَالنَّاسُ مِنْ غالِب قَصِي (3)
ومن المقطوع به أنّه لم تكن معارضة أبي سفيان عن إيمان منه بحق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما كانت ظاهرية أراد بها الكيد للإسلام والبغي عليه،
وقد أعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه ولم يعنّ بعواطفه الكاذبة، فإن علاقة أبي بكر مع أبي سفیان كانت وثيقة للغاية، فقد روى البخاري أنّ أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين منهم : أبو بكر، وسلمان، وصهيب، ويلال، فقال بعضهم : ما أخذت سيوف اللّه تبارك وتعالى من عنق عدو اللّه مأخذها ؟ !
فزجرهم أبو بكر وقال لهم : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟!
ومضى مسرعاً إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يخبره بمقالة القوم، فرد عليه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً: يا أَبا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ ؟ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ(1).
ودلت هذه البادرة على مدى الصلة الوثيقة بينهما، وقد جهد أبو بكر في خلافته على استمالة أبي سفیان و کسب ودّه، فقد استعمله عاملاً على ما بين آخر حد الحجاز، وآخر حد من نجران، كما عيّن ولده يزيد والياً على الشام (2)، ومنذ ذلك اليوم قد علا نجم الأمويين وقويت شوكتهم.
وأفل نجم الأنصار، وضاعت أمانيهم، وعراهم الذل والهوان، وقد عبّر عن خيبة أملهم حسان بن ثابت بقوله :
نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النبيّ وَلَمْ نَخَفْ***صُرُوفَ اللَّيَالِي وَالْبَلَاءِ عَلَى رَجُلٍ
بذلنا لهم أنصاف مال أكُفّنا***كَقِسْمَةِ أَيْسَارِ الجَزُورِ مِنَ الْفَضْلِ
وَمِنْ بَعْدِ ذَاكَ المَالِ أَنْصافَ دُوْرِنا***وَكُنَا أُناساً لَا نُعَيْرُ بِالْبُخْلِ
وَنَحْمِي ذِمَارَ الحَيِّ فِهْرَ بنَ مَالِكِ***وَنُوقِدُ نارَ الحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ
فَكَانَ جَزاءُ الْفَضْلِ مِنَا عَلَيْهِمْ***جهالَتَهُمْ حُمْقاً وَمَا ذَاكَ بِالْعَدْلِ (1)
وقوبلت الأنصار بمزيد من الهوان في كثير من عهود الخلفاء، وقد استبان لهم الخطأ الفظيع في تقصيرهم بحق الإمام أمير المؤمنين اللّه وأنهم قذفوا بنفوسهم في متاهات سحيقة من هذه الحياة.
واتفق المؤرخون على أن موقف أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تجاه خلافة أبي بكر قد تميّز بالكراهية، فقد كانوا لا يخالجهم ريب في أنّهم أحق بالأمر وأولى به من غيرهم ؛ لأنهم أقرب الناس وألصقهم برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالإضافة إلى ما تتوفر فيهم من القابليات الفذة، والقدرة على تحمل المسؤولية وقيادة الأمة، ولكن القوم لم يعنوا بهم وتجاهلوا عامدين مكانتهم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقابلوهم بمزيد من العنف، ممّا أدى إلى تشعب صدع الأمة وجر الويلات والخطوب لها في جميع مراحل التاريخ.
ونقم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بيعة أبي بكر، واعتبرها اعتداء صارخاً عليه، فهو يعلم أن محله من الخلافة محل القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل، ولا يرقى إليه الطير - على حد تعبيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وما كان يظن أنّ القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عن أهل بيت نبيهم.
فقد بادر إليه عمه العباس قائلا له : امدد يدك يابن أخي أبايعك، فيقول الناس : عمّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بايع ابن عمّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا يختلف عليك اثنان (2).
فقال له الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَمَنْ يَطْلُبُ هذَا الْأَمْرَ غَيْرُنا ؟ ! (1).
وعلّق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله : «نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة السلطان ؛ لأنه ربيب النبي، وصاحب السابقة في الإسلام، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها ولأنّ النبيّ كان يدعوه أخاه حتّى قالت له أم أيمن ذات يوم مداعبة : تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك ؟ ! ولأن النبيّ قال له : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ مُوسَىٰ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي.
وقال للمسلمين يوماً آخر : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ. من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ابن أخيه، وقال له : ابسط يدك أبايعك» (2).
لقد تخلف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بيعة أبي بكر ساخطاً، وأعلن شجاه وأساه على ضياع حقه، واستبداد القوم بالأمر من دون أن يعنوا به وفي نهجه شذرات من بلیغ کلامه عرض فيها لذلك.
وأجمع رأي القوم على إرغام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقسره على البيعة لأبي بكر، فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره وأخرجوه منها، وهو مهان الجانب، وجيء به إلى أبي بكر، فصاح القوم به بعنف : بايع أبا بكر.
فأجابهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنطقه الفياض، وهو غير وجل من جبروتهم وسطوتهم قائلاً: أنا أَحَقُّ بِهذَا الأَمْرِ مِنْكُمْ، لَا أُبايِعُكُمْ وَأَنتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هذَا الأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرابَةِ مِنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَتَأْخُذُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْت غَصْباً.
أَلَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْكُمْ فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقادَةَ، وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ؟ وَأَنَا أَحْتَجُ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسولِ اللّه حَيّاً وَمَيَّتاً، فَأَنْصِفُونا إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ، وَإِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (1).
ووضع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) النقاط على الحروف بهذا الاحتجاج الرائع، ودلل على أنه أولى وأحق بالأمر منهم ؛ لأنه أقرب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والصق به من غيره ؛ فإنّ القرب من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي الجهة التي تمسك بها القوم في التغلب على الأنصار، وهي متوفرة في الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر من غيره، فهو ابن عم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وختنه على بنته.
وثار ابن الخطاب بعد أن أعوزته الحجة في الرد على الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلك طريق العنف قائلاً له : إنّك لست متروكاً حتّى تبايع.
فزجره الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً : احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ، وَاشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَداً.
وكشف (عَلَيهِ السَّلَامُ) السر في اندفاعات ابن الخطاب وحماسه، فإنَّه لم يقف هذا الموقف الصارم تجاه الإمام إلا من أجل أن ترجع إليه الخلافة وشؤون الملك بعد أبي بكر.
وثار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهتف يزأر قائلاً: وَاللّه يا عُمَرُ، لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ وَلَا أُبايِعُهُ.
وخاف أبو بكر من تطور الأحداث، وخشي من غضب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقبل عليه فخاطبه بناعم القول قائلاً : فإن لم تبايع فلا أكرهك.
و انبرى إليه أبو عبيدة محاولاً إخماد ثورته، وكسب ودّه قائلا له : يابن عم، إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور،
1) الإمامة والسياسة : 1 : 11.
ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً واضطلاعاً به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك، وسابقتك، ونسبك وصهرك.
وأثارت هذه المخاتلة والمخادعة كوامن الألم والاستياء في نفس الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاندفع يخاطب المهاجرين من قريش ويذكرهم مآثر أهل البيت (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وفضائلهم قائلاً: اللّه اللّه يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَا تُخْرِجوا سُلْطَانَ محمّد فِي الْعَرَبِ عَنْ دارِهِ، وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُوْرِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقامِهِ فِي النَّاسِ وَحَقِّهِ. فَوَاللّه يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ؛ لِأَنَّا أَهْلُ الْبَيْتِ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بهذا الأمر مِنْكُمْ، أَما كانَ فِينَا الْقارِئُ لِكِتابِ اللّه، الْفَقِيهُ في دِينِ اللّه، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسولِ اللّه، الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ، الْمُدافِعُ عَنْهُمُ الْأُمُورَ السَّيِّئَةِ، الْقاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ؟ ! وَاللّه إِنَّهُ لَفِيْنا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّه فَتَزدادوا مِنَ الحقّ بُعْداً» (1).
ولو أنّهم استجابوا لنداء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي فيه ضمان أكيد لصالح الأمة، وصيانة لها من الزيغ والانحراف في مجالاتها العقائدية وغيرها ؛ لجنبوا الأمة كثيراً من المضاعفات السيئة ؛ ولكن هيهات من ذلك فقد انساب الإنسان منذ أقدم عصوره وراء شهواته وأطماعه مضحياً بكل شيء في سبيل ذلك.
وعلى أية حال فإنّ القوم لم يعوا منطق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتجاهلوه، وقدّموا مصالحهم الخاصّة على كلّ شيء.
واقتضت سياسة أبي بكر أن يتخذ جميع الإجراءات الصارمة ضد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن يسلك جميع الوسائل التي من شأنها إضعاف جبهته والتغلب
1) الإمامة والسياسة : 1 : 12. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 11 و 12.
عليه ؛ لأنّه يمثل القوى المعارضة لحكومته، فقد كانت الأكثرية الساحقة من الأنصار تميل للإمام أمير المؤمنين، وترغب في أن يتولى زمام الحكم، وهذه بعض الوسائل التي سلكتها حكومة أبي بكر:
والحصار الاقتصادي من أوثق الطرق وأدقها، وأكثرها نجاحاً لشل الحركة المعارضة وإبادتها، فإنّ المال في جميع فترات التاريخ هو الأداة الفعالة التي تعتمد عليها الجبهة المعارضة لقلب نظام الحكم، ولا تزال الدول في جميع أنحاء العالم تسلك هذا الطريق فتصادر أموال خصومها، أو تمنعهم من التصرف بها خوفاً من أن تستخدمه للإطاحة بها، وقد أمعن أبو بكر في ذلك فبادر إلى فرض الحصار الاقتصادي على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لئلا يقوى على الانتفاضة عليه، وقد نفذ ما يلي :
والخمس حق مفروض لآل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نصَّ عليه القرآن الكريم، قال تعالى : «وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ لَكَأَنَّ للّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّه وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللّه عَلَى كلّ شَيءٍ قَدِيرٌ» (1)، وقد أجمع المسلمون على أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يختص بسهم من الخمس، ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره اللّه إلى الرفيق الأعلى، ولما ولى أبو بكر أسقط سهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسهم ذي القربى ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم (2)، وقد أرسلت
إليه بضعة الرسول وريحانته فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس خيبر فأبى أن يدفع إليها شيئاً (1)، وقد ترك شبح الفقر مخيماً على آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وحجب عنهم أهم مواردهم الاقتصادية التي فرضها اللّه لهم.
واستولى أبو بكر على جميع ما تركه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بلغة العيش فلم يبق ولم يذر منه أي شيء وإنّما حازه إلى بيت المال، وقد سدَّ بذلك على العترة الطاهرة أيّة نافذة من مواردها المعاشية، وفرض عليها حصاراً اقتصادياً لا تطيق معه من القيام بأية حركة ضده.
وكانت حجة أبي بكر في مصادرته لتركة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحرمان ورثته منها ما رواه عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : «لاَ نُورِّثْ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» (2)، ولهذا الحديث استند، أبو بكر في حجب سيّدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن إرثها من أبيها. وقد وصم هذا الحديث بالوهن والضعف :
1 - إنّه لو كان صحيحاً ومعتبراً لعرفته سيّدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وما دخلت ميدان المخاصمة والمحاججة معه، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوّة بأمر لم يكن مشروعاً لها ؟ !
2 - إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كيف يحجب عن بضعته أمراً يرجع إلى تكليفها الشرعي ؟! فإنَّ في ذلك تعريضاً للأمة للهلاك وإلقاء لها في ميدان الخصومة.
3 - أنّه من الممتنع أن يحجب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذا الحديث عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو حافظ سره، وباب مدينة علمه، وباب دار حكمته، وأقضى أمته، وأبو سبطيه، ومن المقطوع به أنّه لو كان لهذا الحديث أي نصيب من الصحة العرفه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)وما كتمه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه.
4 - لو كان صحيحاً لعرفه الهاشميون وهم عيبة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأهله، فلماذا لم يبلغهم به ؟ !
5 - إنّه لو كان له أي مدى من الصحة لما خفي على أُمهات المؤمنين، وقد أرسلن إلى عثمان بن عفان يسألنه أن يسأل لهن ميراثهن من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
هذه بعض المؤاخذات التي تواجه الحديث، وهي تجعله من الضعف بأقصى مكان.
وضاقت الدنيا على بضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأرهقت إرهاقاً شديداً من الإجراءات الصارمة التي اتخذها أبو بكر ضدها :
ويقول الرواة : إنّها - سلام اللّه عليها - استقلت غضباً فلاثت خمارها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها، ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة (1).
ثم أنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس، فأمهلتهم حتّى إذا سكن
1) الملاءة : الإزار والملحفة - لسان العرب : 13 : 167 - مَلَأَ.
نشيجهم، وهدأت فورتهم، افتتحت خطابها بحمد اللّه والثناء عليه، وانحدرت في خطابها كالسيل، فلم يسمع أخطب ولا أبلغ منها.
وقد تحدثت في خطابها الرائع عن معارف الإسلام وفلسفته، وألقت الأضواء على علل أحكامه، وحكم تشريعاته، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الأمم قبل أن يشرق عليها نور الإسلام من التناحر والانحطاط ووهن العقول وضحالة التفكير، خصوصاً الجزيرة العربية فقد منيت بالذل والهوان، فكانت على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، وقد بلغت من الانحطاط في حياتها الاقتصادية إلى حد كانت الأكثرية الساحقة تقتات القد، وتشرب الطرق، وظلت على هذه الحال المريرة ترسف في قيود الفقر، إلى أن أنقذها اللّه بنبيه ورسوله محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فدفعها إلى واحات الحضارة، وجعلها سادة الأمم والشعوب، فما أعظم فضله على العرب وعلى الناس جميعاً.
وعرضت سيّدة النساء (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى فضل ابن عمها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجهاده المشرق في نصرة الإسلام والذب عن حياضه، في حين أن المهاجرين من قريش كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الإسلاميّة وإنّما كانوا - على حد تعبيرها - ينكصون عند النزال، ويفرون من القتال، كما كانوا يتربصون بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الدوائر، ويتوقعون بهم نزول الأحداث.
وأعربت (عَلَيهَا السَّلَامُ) في خطابها عن أسفها البالغ على ما مني به المسلمون من الزيغ والانحراف، والاستجابة لدواعي الهوى والغرور، وتنبأت عما سيواجهونه من الأحداث الخطيرة والكوارث المؤلمة نتيجة لما ارتكبوه من الأخطاء والانحراف عمّا أراده اللّه منهم من التمسك بالعترة.
وبعدما أدلت بهذه النقاط المشرقة عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت :
«وَأَنْتُمُ الْآنَ تَزْعُمُونَ أَلَا إِرْتَ لِي مِنْ أَبِي أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ أَحْسَنُ مِنَ اللّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (1)
أَفَلَا تَعْلَمُونَ ؟ ! بَلَى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الصّاحِيَةِ أَنِّي ابْنَتُهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أَأَغْلَبُ عَلَىٰ تُراثِ أَبِي ؟!
يابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، أَفِي كِتابِ اللّه أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَلَا أَرِثَ أَبِي ؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيَّاً. أَفَعَلَى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّه وَتَبَذْ تُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ» (2).
وَقالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيى بنِ زَكَرِيَّا إِذْ يَقُولُ : «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا» (3).
وقال: «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه» (4).
وَقالَ : «يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَين» (5).
وَقالَ : «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ» (6)، وَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا حِظْوَةَ لِي وَلَا إِرِثَ مِنْ أَبِي، وَلَا رَحِمَ
بَيْنَنَا، أَفَخَصَّكُمُ اللّه بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا، أَمْ تَقُولُونَ: أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوارَثانِ ؟!
أَوَلَسْتُ أَنا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي ؟!».
ثم وجهت خطابها إلى أبي بكر فقالت له :
«فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةٌ تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ : فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّه وَالزَّعِيمُ محمّد، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ، وَلَا يَنْفَعَكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ، وَلِكُلِّ نَيَا مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (1)«مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ» (2)».
واتجهت نحو فئة المسلمين تستنهض هممهم، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقها، والثأر لها قائلة :
«يا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ، وأَعضادَ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الْإِسْلَامِ ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي ؟ ! أَمَا كانَ رَسُولُ اللّه أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يَحْفَظُ فِي وُلْدِهِ ؟! سُرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلَانَ ذا إِهالَةٌ (3)، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِما أُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى ما أَطْلُبُ وَأَرَاوِلُ، أَتَقُولُونَ : مَاتَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَاظْلَمَّتِ
الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَانْتَشَرَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ الآمالُ، وَخَشَعَتِ الجِبالُ، وَأُضِيعَ الْحَرِيمُ، وَأُدِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ، فَتِلْكَ وَاللّه النَّازِلَةُ الْكُبْرَى وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى الَّتِي لَا مِثْلَهَا نَازِلَةٌ، وَلَا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ، أَعْلَنَ بِها كِتابُ اللّه جَلَّ ثَناؤُهُ فِي أَفْنَيَتِكُمْ وَمُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكُمْ هُتافاً وَصُراحاً، وَتِلَاوَةً وَأَلحاناً، وَلَقَبْلِهِ ما حَلَّ بِأَنْبِياءِ اللّه وَرُسُلِهِ، حَكَمٌ فَصْلٌ وَفَضاءٌ حَتْمٌ «وَمَا محمّد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّه الشَّاكِرِينَ» (1)».
وأخذت تحفز الأنصار، وتذكرهم بجهادهم المضيء وكفاحهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية أهدافه ومبادئه، طالبة منهم الانتفاضة والثورة على قلب الحكم القائم قائلة :
«إِيْها بَنِي قَيْلَةَ (2)أَأَعْضَمُ تُراثُ أَبِي وَأَنْتُمْ بِمَرْأَى وَمَسْمَع وَمُنْتَدَى وَمُجْمَع تَلْبِسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَتَشْمِلُكُمُ الْخِبْرَةُ، وَأَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالْأَداةِ وَالْقُوَةِ، وَعِنْدَكُمُ السَّلَاحُ وَالجنّة (3)تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ، وَأَنْتُمْ مَوصُوفُونَ بِالْكِفاح، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَالنَّخْبَةُ الَّتِي انْتَخِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنا
أَهْلَ الْبَيْتِ. قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَنَاطَحْتُمُ الْاُمَم، وَكافَحْتُمُ الشُّهَمَ، فَلَا نَبْرَحُ وَتَبْرَحُونَ نَأْمُرُكُمْ مِرُونَ، حَتَّىٰ إِذَا دَارَتْ بِنا رَحَى الْإِسْلَامِ، وَدَرَّ حَلْبُ الْأَيَّامِ، وَخَضَعَتْ نَعْرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةً الْإِفْكِ، وَخَمَدَتْ نِيرانُ الْكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الهَرَج، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ، فَأَنَّى جُرْتُمْ (1)بَعْدَ الْبَيانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإِعْلَانِ، وَأَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدامِ عَنْ قَوْمٍ «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُم فَقَاتِلُوا أَيْمَةَ الكُفْرِ أَنَّهُم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُم وَهَمُّوا بِإِخْرَاج الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخشَوْنَهُمْ فَاللّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ» (2)».
ولما رأت وهن الأنصار، وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحق، وجهت لهم أعنف اللوم، وأشد العتب والتقريع قائلة :
«أَلَا وَقَدْ أَرى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ (3)، وَأَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضّيقِ بِالسِّعَةِ، فَمَجَحْتُمْ ما وَعَيْتُمْ، وَدَعَسْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، فَـ«إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّه لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»(4).
أَلَا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلَكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَبَثّةُ الصَّدْرِ، وَنَفْثَةٌ الْغَيْظِ، وَخَوْرُ الْقَنا وَتَقدُمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوها فاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظُّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفْ، باقِيَةَ الْعارِ، مُوسُومَةٌ بِغَضَبِ اللّه، وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُومَةً بِنارِ اللّه الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (1)فَبِعَيْنِ اللّه ما تَفْعَلُونَ «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2).
وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ «فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» (3)» (4).
وقد وجلت القلوب، وخشعت الأبصار، وبخعت النفوس، وأوشكت أن ترد شوارد الأهواء، ويرجع الحقّ إلى نصابه ومعدنه، إلا أن أبا بكر قد استطاع بلباقته الهائلة، وقابلياته الدبلوماسية أن يسيطر على الموقف وينقذ حكومته من الانقلاب، وقد قابل بضعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكل تكريم واحتفاء، وأظهر لها أنّه يخلص لها أكثر ممّا يخلص لابنته عائشة، وأنّه يكن لها في أعماق نفسه الاحترام والتقدير، كما أظهر لها حزنه العميق على وفاة أبيها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه ودّ أن يكون مات قبل موته، وعرض لها أنّه لم يتقلد منصب الحكم ولم يتخذ معها الإجراءات الصارمة عن رأيه الخاص، وإنما كان عن رأي المسلمين وإجماعهم ؛ ولكن أين الإجماع وقد تخلف عن بيعته أعلام الإسلام أمثال عمار وسلمان وزعيم العترة الطاهرة.
وقد جلب له بذلك القلوب بعد ما نفرت منه، وأخمد نار الثورة وقضى على جميع معالمها.
أما حجة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) على إرثها من أبيها، فقد كانت وثيقة للغاية، فقد كان استدلالها بآيات محكمات لا ترد، ولا تكابر، فاحتجت أولاً على توريث الأنبياء الشامل لأبيها بآيتي داود وزكريا، وهما صريحتان بتوريثهما
واحتجت ثانياً بعموم آيات المواريث، وعموم آية الوصية، ويجب الأخذ بتلك العمومات وهي بالطبع شاملة لأبيها، وخروجه عنها إنّما هو من باب التخصيص بلا مخصص، ثم ذكرت لهم إنّما يوجب التخصيص والخروج عن هذه العمومات هو فيما إذا اختلف الوارث ومورثه في الدين، وتقول لهم : فهل لكم إذ منعتموني عن إرثي من أبي إنّي وإياه من أهل ملتين وهما لا يتوارثان، أولست وإياه من أهل ملة واحدة ؟ ! وقد بلغت بهذا المنطق إلى أبعد الغايات، وقدمت أروع الحجج في الدفاع عن حقها.
ويقي هناك شيء آخر ذا أهمية بالغة في المجال الاقتصادي وهي واردات فدك فقد كانت تقوم بسد جميع ما تحتاجه العترة الطاهرة من النفقات الاقتصادية، وتوفر لها أسباب المعيشة برخاء، إلا أنها أُمّمت وأضيفت وارداتها إلى بيت المال ؛ لئلا تقوى شوكة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مناهضة الحكم القائم.
وهنا بحوث بالغة الأهمية أنفقنا على تحقيقها وقتاً غير قليل، وقد حذفت وأعرضنا عن ذكرها، فإنّه لم تكن عندنا - يعلم اللّه - أية رغبة في الخوض في هذه البحوث المؤلمة إلا أن دراسة حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دراسة منهجية سليمة وشاملة
تتوقف على دراسة هذه الأحداث التي لعبت دورها الخطير في مسرح السياسة الإسلاميّة، فقد أخذت تجري كلها في فصل واحد مترابط، وأعقبت أشد المحن والخطوب.
وطافت موجات قاسية من الهموم والأحزان ببضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وديعته، فقد احتل الأسى قلبها الرقيق المعذب، وغشيتها سحب قاتمة من الكدر واللوعة على فقد أبيها الذي كان أعزّ عندها من الحياة، فكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف حوله وهي حيرى ذاهلة اللب، منهدة الكيان، فتلقي بنفسها عليه، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمه وتقبيله، فتجد في نفسها راحة، وهي تبكي أمر البكاء وأشجاه، وتقول بصوت حزين النبرات :
ماذا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ***أَنْ لَا يَسمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوالِيا
صُبَّتْ عَلَى مَصائِبٌ لَوْ أَنَّها***صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ صِرْنَ لياليا
قُلْ لِلْمُغَيِّبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثَّرِى***إن كُنتَ تَسْمَعُ صَرْخَتِي وَنِدَائِيا
قَدْ كُنْتُ ذَاتَ حِمَى بِظِلُ محمّدٍ***لَا أَخْشَ مِنْ ضَيْمٍ وَكَانَ جَمَالِيا
فالْيَوْمُ أَخْضَعُ لِلذُّلِيلِ وَأَتَّقِي***ضَيْمِي وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِرِدائِيا
فَإِذَا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ فِي لَيْلِها***شَجَناً عَلَىٰ غُصْنٍ بَكيْتُ صَباحِيا
فَلأَجْعَلَنُ الحُزنَ بَعْدَكَ مُؤْنِسى***وَلَأَجْعَلَنُ الدَّمْعَ فِيكَ وِشاحيا (1)
وتصوّر هذه الأبيات أروع تصوير وأصدقه للوعة الزهراء وشجونها، فقد مثلت أحزانها المرهقة على فراق أبيها الذي أخلصت له في الحب كما أخلص لها أبوها،
1) مناقب آل أبي طالب : 1 : 242. روضة الواعظين : 75.
ولو صبت مصائبها الموجعة على الأيام لخلعت زينتها كما صورت هذه الأبيات الحزينة مدى منعتها وعزتها أيام أبيها فقد كانت من أعز نساء المسلمين شأناً وأعلاهنّ مكانة ؛ ولكنّها بعدما فقدت أباها تنكر لها القوم، وأجمعوا على الغض من شأنها، حتّى صارت تخضع للذليل، وتتقي ممن ظلمها بردائها ؛ إذ لم يكن هناك من يحميها، ولم تكن تأوي إلى ركن شديد.
وقد خلدت إلى البكاء والحزن حتّى عدت من البكائين الخمسة (1)الذين مثلوا الحزن والأسى في هذه الحياة، وقد بلغ من عظيم وجدها على أبيها إن أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الأليم، وكان ممن وسد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مثواه الأخير، فقالت له : يا أَنَّسُ، كَيْفَ سَخَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تُحْثوا التُّرابَ عَلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(2).
وقطع أنس كلامه، وطاش لبه، وخرج وهو يذرف الدموع قد غرق في عالم من الأسى والشجون.
وألحّت بضعة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ابن عمها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يريها القميص الذي غسل فيه أباها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فجاء به إليها، فأخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلاً وشماً ؛ لأنها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه، ووضعته على عينيها، وقلبها الزاكي يتقطع من ألم الحزن والأسى حتّى غشي عليها.
وخلدت وديعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل، وظل شبح أبيها يتابعها في كلّ فترة من حياتها القصيرة الأمد، وقد ثقل على القوم - فيما يقول
1) عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الْبَكَاءُونَ خَمْسَةٌ : آدَمُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَفاطِمَةً بِنْتُ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) - الخصال : 272 و 273. بحار الأنوار: 43: 155.
2) سنن ابن ماجة : 1: 522، الحديث 1630. المواهب اللدنية : 4 : 563. سير أعلام النبلاء : 2 : 120.
المؤرخون - بكاؤها فشكوها إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلبوا منه أن تجعل لبكائها وقتاً خاصاً ؛ لأنهم لا يهجعون ولا يستريحون، فكلمها أمير المؤمنين اللّه فأجابته إلى ذلك، فكانت في نهارها تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فتجلس تحت شجرة من الأراك فتستظل تحتها وتبكي أباها طيلة النهار، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب تقدمها الحسنان مع أبيهما (عَلَيهِم السَّلَامُ) ورجعوا قافلين إلى الدار التي خيم عليها الحزن والأسى، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها فكانت تبكي في حر الشمس، فقام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبنى لها بيتاً أسماه : (بيت الأحزان) ظل رمزاً لأساها على ممّر العصور.
ونسب إلى قائم آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال فيه :
أَمْ تَرانِي اتَّخَذْتُ لَا وَعُلَاها***بعْدَ بَيتِ الأَحْزَانِ بَيتَ سُرُور
وكانت حبيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تمكث نهارها في ذلك البيت الحزين تناجي أباها وتبكيه أمر البكاء وأقساه، وإذا جاء الليل أقبل الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأرجعها إلى الدار مع ولديها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
وأثر الحزن المرهق ببضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته حتّى فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها، ولم تتمكن من النهوض والقيام، فبادرت السيدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها : كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول اللّه ؟
فرمقتهنّ بطرفها، وأجابتهن بصوت خافت مشفوع بالحزن والحسرات قائلة : أَجِدُنِي وَاللّه كَارِهَةٌ لِدُنْيَا كُنَّ، مَسْرُورَةً لِفِرَاقِكُنَّ، أَلْقَى اللّه وَرَسُولَهُ بِحَسَراتِكُنَّ، فَمَا حُفِظَ لِيَ الْحَقُّ، وَلَا رُعِيتْ مِنِّي الدَّمةُ، وَلَا قُبِلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَلَا عُرِفَتْ الْحُرْمَةُ (1).
وخيم على النسوة صمت رهيب، وانعكس على وجوههن حزن شديد، وغامت
1) تاريخ اليعقوبي : 1 : 446.
عيونهن بالدموع، وانطلقن إلى بيوتهن بخطى ثقيلة، فعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول، فكانت وقعها عليهم أشدّ من ضرب السيوف، فقد عرفوا مدى تقصيرهم تجاه وديعة نبيهم، فجاءوا معتذرين ونادمين على ما فرطوا من عدم نصرة بنت نبيّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويرجون إقالتهم ؛ ولكنَّها (عَلَيهَا السَّلَامُ) لم تقبل عذرهم.
وهرعت بعض أمهات المؤمنين إلى عيادتها، فقلن لها : يا بنت رسول اللّه، صيري لنا في حضور غسلك حظاً.
فلم تجبهن إلى ذلك، وقالت : أَتُرِدْنَ أَنْ تَقُلْنَ فِيَّ كَمَا قُلْتُنَّ فِي أُمِّي؛ لَا حَاجَةَ لِي في حُضُورِكُن (1).
وتوالت الأمراض على وديعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفتك الحزن بجسمها النحيل المعذب حتّى انهارت قواها، وأصبحت لا تقوى على النهوض من فراشها، وأخذت تذوي كما تذوي الأزهار عند الظمأ، فقد مشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ، وقد حان موعد اللقاء القريب بينها وبين أبيها الذي غاب عنها، وغابت معه عواطفه الفياضة، ولما بدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة طلبت حضور ابن عمها الإمام أمير المؤمنين، فعهدت إليه بوصيتها، وقد جاء فيها أن يواري جثمانها المقدس في غلس الليل البهيم، وألا يشيعها أحد من الذين هضموها ؛ لأنهم أعداؤها وأعداء أبيها - على حد تعبيرها - كما عهدت إليه أن يتزوج من بعدها ببنت أختها (أُمَامَة) ؛ لأنها تقوم برعاية ولديها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) اللذين هما أعز عندها من الحياة، وعهدت إليه أن يعفّي موضع قبرها ؛ ليكون رمزاً لغضبها غير قابل للتأويل على مرّ الأجيال الصاعدة، وضمن لها الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع ما عهدت إليه، وانصرف عنها
1) تاريخ اليعقوبي : 1 : 446.
وهو غارق في الأسى والشجون (1).
وأسرت بضعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أسماء بنت عميس فقالت لها : إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ ما يُصْنَعُ بِالنِّساءِ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ، فقد كانت العادة أن يدرج على المرأة ثوب فيصفها لمن رأى وقد كرهت ذلك، فأحبت أن يصنع لها سرير لا يبدو فيه جسدها، فعملت لها أسماء سريراً يستر من فيه قد شاهدته حينما كانت في الحبشة، فلما نظرت إليه سرت به وابتسمت وهي أول ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى (2).
وفي آخر يوم من حياتها أصبحت وقد ظهر بعض التحسن على صحتها، وكانت بادية الفرح والسرور فقد علمت أنها في يومها تلحق بأبيها، وعمدت إلى ولديها فغسلت لهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهما يومهما، وأمرت ولديها بالخروج لزيارة قبر جدهما، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع وقلبها يذوب من اللوعة والوجد، وخرج الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وقد هاما في تيار من الهواجس، وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان.
والتفتت وديعة النبيّ إلى سلمى امرأة أبي رافع (3)
وهي مولاة صفية بنت عبدالمطلب، وهي امرأة أبي رافع. كانت قابلة بني فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقابلة إبراهيم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي التي غسلت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مع علي ومع أسماء بنت عميس -أسد الغابة : 6 147، الحدیث 7000. الإصابة 8: 112، الحديث 571.
، وكانت تتولى تمريضها وخدمتها، فقالت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) لها : هَيِّئي لي ماءً، فصببت لها فاغتسلت أحسن ما كانت تغتسل، ثم قالت : «ائْتِينِي بِثِيَابِي الْجُدُدِ»، فلبستها.ثم أنت البيت الذي كانت فيه، فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): افْرِشِي لِي فِي وَسَطِهِ.
وذعرت سلمى وارتعش قلبها، فقد عرفت أن الموت قد حل بوديعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وصنعت لها سلمى ما أرادت فاضطجعت على فراشها واستقبلت القبلة والتفتت إلى سلمى قائلة بصوت خافت : إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الآنَ، فَلَا أَكْشَفَنُ، فَإِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ (1)، وأخذت تتلو آيات من الذكر الحكيم حتّى فارقت الحياة. وسمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها لتلتقي بأبيها الذي كرهت الحياة بعده.
لقد ارتفعت تلك الروح إلى جنان اللّه ورضوانه، فما أظلت سماء الدنيا في جميع مراحل هذه الحياة مثلها قداسة وفضلاً وشرفاً وعظمة، وقد انقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وقفل الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إلى الدار فلم يجدا فيها أُمهما فبادرا يسألان أسماء عن أُمهما ففاجأتهما وهي غارقة في العويل والبكاء قائلة : ياسيدي، إن أمكما قد ماتت فأخبرا بذلك أباكما.
فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها، فوقع عليها الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو يقول : يا أُمَاهُ، كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ رُوحِي بَدَنِي.
وَأَلْقى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه عليها وهو يعج بالبكاء، قائلاً: يا أُمَاهُ، أَنَا ابْنُكِ الْحُسَيْنُ كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ يَنْصَدِعَ قَلْبِي.
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً، وتعزيهما وتطلب منهما أن يسرعا إلى أبيهما فيخبراه، فانطلقا إلى مسجد جدهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهما غارقان في البكاء، فلما قربا من المسجد رفعا صوتهما بالبكاء، فاستقبلهما المسلمون، وقد ظنوا أنهما تذكرا جدهما فقالوا : ما يبكيكما يا بني رسول اللّه لا أبكى اللّه أعينكما ؟ لعلكما نظرتما
1) الأمالي / الطوسي : 400 و 401، الحديث 893. كشف الغمّة : 1: 473. بحار الأنوار : 43 : 172.
موقف جدكما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فبكيتما شوقاً إليه ؟
فأجابا : لَا، أَوَلَيْسَ قَدْ ماتَتْ أُمُّنا فاطِمَةُ ؟ !
واضطرب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأنفال لحسين بن علي ال الجز الثاني من وهزّ النبأ المؤلم كيانه، وطفق يقول : بِمَنْ الْعَزاء يا بِنْتَ محمّد ؟ كُنْتُ بِكِ أَتَعَزَّى فَفِيمَ الْعَزاءُ مِنْ بَعْدِكِ ؟
وخف مسرعاً إلى الدار وهو يذرف الدموع، ولما ألقي نظرة على جثمان حبيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ ينشد :
لِكُلِّ اجْتِمَاعِ مِنْ خَلِيلَينِ فُرْقَةٌ***وَكُلِّ الَّذِي دُونَ الفِراقِ قَلِيلُ
وَإِن افتِقادِي فاطِماً بَعْدَ أَحْمَدٍ***دَلِيلٌ عَلَى الَّا يَدُومَ خَلِيلُ (1)
وهرع الناس من كلّ صوب نحو بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم يذرفون الدموع على وديعة نبيهم، فقد انطوت بموتها آخر صفحة من صفحات النبوّة، وتذكروا بموتها عطف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحدبه عليهم، وقد ارتجت يثرب من الصراخ والعويل.
وعهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبي ذرّ (2)أن يعرف الناس أن مواراة بضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تؤخر هذه العشية، وتفرقت الجماهير، وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتلقي نظرة الوداع على جثمان بضعة الرسول فحجبتها أسماء وقالت لها : لقد عهدت إلىَّ ألا يدخل عليها أحد (3).
ولما مضى من الليل شطره قام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فغسل الجسد الطاهر، ومعه أسماء والحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (4)، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم، وبعد أن أدرجها في أكفانها
دعا أطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان أُمّهم ليلقوا عليها النظرة الأخيرة، وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وعويلهم، وبعد انتهاء الوداع عقد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرداء عليها.
ولما حلّ الهزيع الأخير من الليل قام فصلى عليها، وعهد إلى بني هاشم وخلّص أصحابه أن يحملوا الجثمان المقدس إلى مثواه الأخير، ولم يخبر أي أحد بذلك سوى تلك الصفوة من أصحابه وأهل بيته، وأودعها في قبرها وأهال عليها التراب، ووقف على حافة القبر، وهو يروي ثراه بدموع عينيه، واندفع يؤبنها بهذه الكلمات التي تمثل لوعته وحزنه على هذا الرزء القاصم، قائلاً:
السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللّه عَنِّي وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوارِكَ، السَّرِيعَةِ اللحاقِ بِكَ. قل يا رَسولَ اللّه عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَةً عَنْها تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأْسِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفادح مُصِيبَتِكَ مَوضِعَ تَعَزَّ، فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ. إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ َراجِعُونَ، لَقَدِ اسْتَرْجِعَتْ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، أَمَا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهْدٌ إِلى أَنْ يَخْتارَ اللّه لِي دارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِها مُقِيمٌ، وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظافُرِ أُمَّتِكَ عَلى هَضْمِها، فَأَحْفِها السُّؤَالَ، وَاسْتَخْبِرْها الحال. هذا، وَلَمْ يَطْلِ الْعَهْدُ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذَّكْرُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُما سَلَامَ مُوَدِّعِ لا قال وَلَا سَئِمٍ، فَإِنْ انْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ، وَإِنْ أَقَمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنَّ بِمَا وَعَدَ اللّه الصّابِرِينَ (1).
و طفحت هذه الكلمات بالألم الممض، والحزن العميق، فقد أعلن فيها شكواه للرسول على ما ألم بابنته من الخطوب والنكبات، ويطلب منه أن يلح في السؤال منها ؛ لتخبره بما جرى عليها من الظلم والضيم في تلك الفترة القصيرة الأمد
1) کشف الغمّة : 1 : 475 و 476 نهج البلاغة / محمّد عبده : 2 : 182.
التي عاشتها.
كما أعلن - سلام اللّه عليه - عن شجاه المرهق على بضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهو في حزن دائم لا تنطفئ فيه نار اللوعة حتّى يلتحق إلى جوار اللّه. وينصرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قبر الصديقة (عَلَيهَا السَّلَامُ)؛ لكن لا عن سأم ولا عن كراهية وإنّما استجابة لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر.
وعاد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بيته كئيباً حزيناً، ينظر إلى أطفاله وهم يبكون على أمهم أمر البكاء وأشجاه فتهيج أحزانه، وقد آثر (عَلَيهِ السَّلَامُ) العزلة عن الناس، وعدم الاشتراك بأي أمر من أمورهم، فقد أعرض عن القوم وأعرضوا عنه لا يشاركونه بأي أمر من أمورهم، اللّهمَّ إلَّا إذا حلّت في ناديهم مشكلة لا يهتدون إلى حلها فزعوا إليه لينتهلوا من نمير علمه.
وقد قطع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دور الطفولة في هذه المرحلة المحزنة وقلبه قد أُترع بالأحزان والآلام، فقد فَقَدَ في تلك الفترة الحزينة جده الذي كان يفيض عليه العطف والحنان، وفَقَدَ أمه الرؤوم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغض الأهاب.
ومن الطبيعي أنّه ليس أكثر حزناً ولا أقوى صدمة على الطفل من فَقْدِ أُمه العطوف فإنّه يفقد معها جميع آمال حياته.
لقد رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في سنه المبكر ما عانته أمه من عظيم الرزايا والخطوب، فكان لها أعمق الأثر وأقساه في نفسه، وقد أعطته هذه الأحداث دراسة عن ميول الناس واتجاهاتهم، وأنّهم لا يندفعون نحو الحق، وإنما ينسابون وراء أطماعهم وشهواتهم.
كان جهاز الحكم الإداري في عهد أبي بكر خاضعاً لإرادة عمر بن الخطاب فهو المخطط لسياسة الدولة، والواضع لبرامجها الداخلية والخارجية، قد وثق به أبو بكر، وأسند إليه جميع مهام حكومته، فلم يعقد أي عقد أو يقطع أي عهد إلا عن رأيه ومشورته، كما لم يوظف أي عامل إلا بعد عرضه عليه.
أما تعيين الولاة على الأقطار والأقاليم الإسلاميّة، أو إسناد أي منصب حساس من مناصب الجيش، فإنّه لا يمنح لأحد إلا بعد إحراز الثقة به والإخلاص منه للحكم القائم، والتجاوب مع مخططاته السياسية، فمن كانت له أدنى ميول معاكسة لرغبات الدولة ؛ فإنّه لا يرشح لأي عمل من أعمالها.
ويقول المؤرخون : إنّ أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام، ولم يكن هناك أي موجب لعزله إلا لأن عمر نبهه على ميوله لعلي وبيّن له مواقفه يوم السقيفة التي كانت مناهضة لأبي بكر (1).
ولم يعهد أبو بكر بأي منصب لأحد من الهاشميين، وقد كشف عمر الغطاء عن سبب حرمانهم في حواره مع ابن عباس من أنّه يخشى إذا مات وأحد الهاشميين والياً على قطر من الأقطار الإسلاميّة أن يحدث في شأن الخلافة ما لا يحب (2).
كما حرم حرم الأنصار من وظائف الدولة ؛ وذلك لميولهم الشديدة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أما عماله وولاته فقد كان معظمهم من الأسرة الأموية، وهم :
استعمله عاملاً له على ما بين آخر حدّ للحجاز وآخر حدّ من نجران (1).
استعمل يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام. ويقول المؤرخون : إنه خرج مودعاً له إلى خارج يثرب (2).
أقر أبو بكر عتّاب بن أسيد بن أبي العاص والياً على مكة (3).
أقرّه والياً على الطائف (4).
ومنذ ذلك اليوم علا نجم الأمويين، واستردوا كيانهم بعد أن فقدوه في ظلّ الإسلام وأبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من حرمان بني هاشم
1) فتوح البلدان : 112.
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 12، الحدیث 22 المستدرك على الصحيحين: 3: 79 و 80. المعجم الكبير : 22 : 231 و 232، الرقم 606 و 607. السنن الكبرى / البيهقي : 9 : 85 و 86، 89 و 90. الكامل في التاريخ : 2: 289.
3) تهذيب التهذيب : 7 82 أسد الغابة : 3: 452. الإصابة : 4: 211.
4) تهذيب التهذيب : 7: 117 - 118. أسد الغابة : 3: 475 و 476، الحديث 3575. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 251. الكامل في التاريخ : 2: 289.
من التعيين في وظائف الدولة ومنحها للعنصر الأموي الذي ناهض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وناجزه في جميع المواقف.
يقول عبد اللّه العلائلي : «فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر، بل فاز الأمويون وحدهم ؛ لذلك صبغوا الدولة بصبغتهم، واثروا في سياستها، وهم بعيدون عن الحكم كما يحدثنا المقريزي في رسالته (النزاع والتخاصم) (1)» (2).
إنّ القابليات الدبلوماسية والإحاطة بشؤون الإدارة والحكم، والمعرفة بشؤون الدين كانت متوفرة عند الكثيرين من المهاجرين والأنصار من صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان الأجدر تعيين هؤلاء في مناصب الدولة، وإبعاد الأسرة الأموية عنها لوقاية المجتمع الإسلامي من مكائدها وشرورها.
وقبل أن نعرض إلى السياسة المالية التي نهجها أبو بكر، نود أن نعرض إلى السياسة المالية التي وضع برامجها الإسلام، فقد استهدف فيها إذابة الفقر، ومكافحة الحرمان، وتطوير الحياة الاقتصادية بحيث تتحقق الفرص المتكافئة لعامة المواطنين، بحيث لا يبقى أي ظل للبؤس والحاجة، ويعيش الجميع حياة يسودها الرخاء والرفاه.
وكان أهم ما يعنى به الإسلام إلزام الولاة بالاحتياط في أموال الدولة، فلم يجز لهم بأية حال أن يصطفوا منها لأنفسهم شيئاً، كما لم يجز لهم أن ينفقوا أي شيء منها لتوطيد حكمهم ودعم سلطانهم. وكان الطابع العام لهذه السياسة المساواة بين المسلمين في العطاء، فليس لرئيس الدولة أن يميز قوماً على آخرين، فإن ذلك
يخلق الطبقية، ويوجد الأزمات الحادة في الاقتصاد العام، ويعرض المجتمع إلى كثير من الويلات والخطوب.
ويقول المؤرخون : إنّ أبا بكر قد ساوى في العطاء بين المسلمين ولم يشذ عمّا سنه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا المجال، إلا أن بعض البوادر التي ذكرت تجافي ذلك، فقد وهب لأبي سفيان ما كان في يده من أموال الصدقة كسباً لعواطفه التي تشترى وتباع بالأموال، كما قام بتوزيع شطر من الأموال على المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار بقسم من المال مع زيد بن ثابت فأنكرت ذلك وقالت : ما هذا ؟
قال : قِسم قسمه أبو بكر للنساء.
فقالت : أتراشونني عن ديني ؟ واللّه لا أقبل منه شيئاً.
وردت المال عليه (1).
هذه بعض المؤاخذات التي ذكرها بعض النقاد السياسته المالية.
ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه وقد صمم على تقليد زميله عمر بن الخطاب شؤون الخلافة، إلا أن ذلك لاقی معارضة الكثيرين من الصحابة، فقد انبرى إليه طلحة قائلاً : ماذا أنت قائل لربك غداً وقد ولّيت علينا فظاً غليظاً ؟ ! تفرق منه النفوس، وتنفض عنه القلوب (2).
وسكت أبو بكر، فاندفع طلحة يوالي إنكاره عليه قائلاً: «يا خليفة رسول اللّه إنا كنا لا نحتمل شراسته، وأنت تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة ؟ !» (1).
وبادر أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر يعلنون كراهيتهم لخلافة عمر عمر فقد قالوا له : نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا، وأنت لاق اللّه عزّ وجلّ فسائلك، فما أنت قائل ؟
فأجابهم أبو بكر : لئن سألني اللّه لأقولن : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي (2).
وكان الأجدر به - فيما يقول المحققون - أن يستجيب لعواطف الأكثرية الساحقة من المسلمين، فلا يولي عليهم أحداً إلا بعد أخذ رضاهم واتفاق الكلمة عليه، أو يستشير أهل الحل والعقد عملاً بقاعدة الشورى إلّا أنّه استجاب لعواطفه الخاصّة المترعة بالحبّ لعمر.
وقد طلب من معيقيب الدوسي أن يخبره عن رأي المسلمين في ذلك فقال له : ما يقول الناس في استخلافي عمر ؟
قال : كرهه قوم ورضيه آخرون.
قال له : الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه ؟
قال : بل الذين كرهوه (3).
ومع علمه بأن أكثرية الشعب كانت ناقمة عليه في هذا الأمر فكيف فرضه عليهم، ولم يمنحهم الحرية في انتخاب من شاء والرئاسة الحكم.
وعلى أيّة حال فقد لازم عمر أبا بكر في مرضه لا يفارقه خوفاً من التأثير عليه، وكان يعزز مقالته ورأيه في انتخابه له قائلاً : أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
وطلب أبو بكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في عمر، وكتب عثمان ما أملاه عليه، وهذا نصه :
«هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظنّي به ورجائي فيه، وإن بدل وغيّر فالخير أردت ولا أعلم الغيب «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2)» (3).
ووقع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر، وانطلق به يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس، فانبرى إليه رجل وقد أنكر عليه ما هو فيه، قائلاً: ما في الكتاب يا أبا حفص ؟
فنفی عمر علمه بما فيه إلّا أنّه أكد التزامه بما جاء فيه، قائلاً: لا أدري، ولكنّي أول من سمع وأطاع.
فرمقه الرجل، وقد علم واقعه، قائلاً: «ولكنّي واللّه أدري ما فيه، أمرته عام أول، وأمرك العام» (4).
وانبرى عمر إلى الجامع فقرأه على الناس، وبذلك تمّ له الأمر بسهولة من دون منازع، إلا أنّ ذلك قد ترك أعمق الأسى في نفس الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فراح بعد
سنين يدلي بما انطوت عليه نفسه من الشجون. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبته الشقشقية :
«فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ فَذَى، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً، حَتَّىٰ مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَىٰ بِها إِلى فُلَانٍ - يعني عمر – بَعْدَهُ».
ثم تمثل بقول الأعشى :
شَتَّانَ ما يَوْمِي عَلَى كَوْرِها***وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جابر (1)
فَيا عَجَباً ! بَيْنا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ؛ إِذْ عَقَدَها لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، لِشَدَّ مَا تَشَطَّرًا ضَرْعَيْها» (2).
وكشفت هذه الكلمات عن مدى أحزانه وآلامه على ضياع حقه الذي تناهبته الرجال، فقد وضعوه في (تيم) مرة وفي (عدي) تارة أخرى، وتناسوا جهاده المشرق في نصرة الإسلام، وما له من المكانة القريبة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعلى أيّة حال فقد تناهبت الأمراض جسم أبي بكر، ودفعته إلى النهاية المحتومة التي ينتهي إليها كلّ إنسان، وقد راح يبدي ندمه وأساه على ما فرط تجاه حبيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبضعته، قائلاً: «وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، ولو كانوا قد أغلقوه على الحرب»، كما أنّه ودّ لو سأل رسول اللّه عن ميراث العمة وبنت الأخ (3).
وثقل حاله فدخلت عليه بنته عائشة تعوده، فلما رأته يعالج سكرات الموت أخذت تتمثل بقول الشاعر :
لَعَمرُكَ مَا يُغْنِي الثّراءُ عَنِ الفَتَى***إِذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضاقَ بها الصَّدرُ
فغضب أبو بكر وقال لها : «ولكن قولي : «وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» (1)» (2).
ولم يلبث قليلاً حتّى وافاه الأجل المحتوم، فانبرى صاحبه عمر إلى القيام بشؤون جنازته، فغسلته أسماء بنت عميس بوصية منه، وصلّى عليه عمر وواراه في بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وألصق لحده بلحده (3).
ويذهب النقاد من الشيعة إلى أنّ هذا البيت إن كان من تركة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإنّه لم يؤثر عنه أنّه وهبه لعائشة فلابد أن يكون خاضعاً لقواعد الميراث حسبما تراه العترة الطاهرة في تركة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعلى هذا الرأي فلا يحل دفنه فيه إلا بعد الإذن منها ؛ ولا موضوعية لإذن عائشة لأنّها إنّما ترث من البناء لا من الأرض حسبما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة. وإن كان البيت خاضعاً لعملية التأميم حسبما يرويه أبو بكر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أنّ الأنبياء لا يورثون أي شيء من متع الدنيا وإنما يورثون الكتاب والحكمة، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين، فلابد إذاً من إرضاء جماعة المسلمين في دفنه فيه، ولم يتحقق كلّ ذلك بصورة مؤكدة (4).
وعلى أيّة حال فقد انتهت خلافة أبي بكر القصيرة الأمد، وقد حفلت بأحداث رهيبة، وكان من أخطرها - فيما يقول المحققون - معاملة العترة الطاهرة كأشخاص عاديين قد جرد عنها إطار التقديس والتعظيم الذي أضفاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليها،
وقد منيت بكثير من الضيم والجهد، فقد كانت ترى أنها أحق بمقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأولى بمكانته من غيرها، وقد أدى نزاعها مع أبي بكر إلى شيوع الاختلاف وإذاعة الفتنة والفرقة بين المسلمين، كما أدى إلى إمعان الحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلمهم واستعمال البطش والقسوة معهم، ولعل أقسى ما عانوه من الكوارث هي فاجعة كربلاء التي لم يرع فيها أي حق لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عترته وأبنائه.
ومهد أبو بكر الخلافة من بعده إلى عمر فتولاها بسهولة ويسر من غير أن يلاقي أي جهد أو عناء، وقد قبض على الحكم بيد من حديد، فساس البلاد بشدة وعنف بالغين حتّى تحامى لقاءه أكابر الصحابة، فإنّ درته - كما يقولون - كانت أهيب من سيف الحجاج (1)، حتّى إن ابن عباس مع ما له من المكانة المرموقة والصلات الوثيقة به لم يستطع أن يجاهر برأيه في حلّية المتعة إلا بعد وفاته، وقد خافة وهابه حتّى عياله وأبناؤه، فلم يستطع أي واحد منهم أن يفرض إرادته عليه، ونعرض - بإيجاز - إلى بعض مناهج سياسته :
واتفقت مصادر التاريخ الإسلامي على أنّ عمر عدل في سياسته عن منهج أبي بكر، فلم يساوي بين المسلمين في العطاء وإنّما ميّز بعضهم على بعض، وكان قد أشار على أبي بكر في أيام خلافته العدول عن سياسته فلم يقبل، وقال : «إنّ اللّه لم يفضل أحداً على أحد، ولكنه قال : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ» (2)، ولم يخص قوماً دون قوم، فلما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان قد أشار به أولاً» (3).
وفرض عمر لأهل الديوان ففضّل أهل السوابق والمشاهد في الفرائض، وكان أبو بكر قد سوّى بين الناس في القسم، فقيل لعمر في ذلك، فقال : إن أبا بكر رأى في
هذا الحال رأياً ولي فيه رأي آخر، لا أجعل من قاتل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كمن قاتل معه. وقد فرض للمهاجرين والأنصار ممّن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدراً أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اثني عشر ألفاً إلا صفية وجويرية فقد فرض لهما ستة آلاف فأبتا أن تقبلا بذلك، وفرض للعباس عمّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اثني عشر ألفاً، وفرض لأُسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرض لابنه عبداللّه ثلاثة آلاف فأنكر عليه ذلك، وقال : يا أبتِ، لِمَ زدته علي ألفاً ؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وكان له ما لم يكن لي.
فقال له عمر : إنّ أبا أسامة كان أحب إلى رسول اللّه له من أبيك، وكان أسامة أحبّ إلى رسول اللّه منك
وقد فضل عمر العرب على العجم، والصريح على المولى (1).
وقد أدّت هذه السياسة إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين، كما استدعت إلى تصنيف الناس بحسب قبائلهم وأصولهم، فنشط النسابون لتدوين الأنساب وتصنيف القبائل بحسب أصولها ؛ ممّا أدى إلى حَنَق الموالي على العرب، وكراهيتهم لهم، والتفتيش عن مثالبهم، وظهور النعرات الشعوبية والقومية في حين أن الإسلام قد أمات هذه الظاهرة، وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، وألزم السلطة بالمساواة والعدالة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم حتّى لا تحدث ثغرة في صفوف المجتمع (2).
وقد أثارت هذه السياسة موجة من السخط والإنكار عند الكثير من المحققين، وفيما يلي بعضهم
1 - الدكتور عبداللّه سلام
يقول الدكتور عبد اللّه سلام : «لست أدري كيف اتخذ عمر هذا الإجراء ؟ ولماذا اتخذه ؟ إنّه إجراء أوجد تفاوتاً اجتماعياً واقتصادياً، إجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين» (1).
2 - الدكتور محمّد مصطفى
وممن أنكر هذه السياسة الدكتور محمّد مصطفى هدارة، يقول : «وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثر تأثيراً خطيراً في الحياة الاقتصادية للجماعة الإسلاميّة ؛ إذ خلق شيئاً فشيئاً طبقة أرستقراطية غنية يأتيها رزقها رغداً دون أن تنهض بعمل ما مقابل ما يدخل إليها من أموال. ذلك أن فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين القرابة من رسول اللّه، والسابقة في الإسلام ؛ ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات، وبهذا لم يرع عمر فرض العطاء ذلك المقابل الذي لابد أن تأخذه الدولة في صورة عمل وجهاد» (2).
3 - عبد اللّه العلائلي
وأنكر ذلك الشيخ عبداللّه العلائلي بقوله : «هذا التنظيم المالي أوجد تمايزاً كبيراً، وأقام المجتمع العربي على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سواء في نظر القانون
(الشريعة) فقد أوجد أرستقراطية وشعباً وعامة (1).
هؤلاء بعض الناقدين للسياسة المالية التي انتهجها عمر، وهي حسب مقررات الاقتصاد الإسلامي لا تحمل أي طابع من التوازن الاقتصادي، فقد خلقت الرأسمالية عند عدد من الصحابة، وتضخمت الأموال الهائلة عندهم ممّا أوجب تغيير الحياة الإسلاميّة، وسيطرة الرأسماليين على سياسة الدولة وتسخير أجهزتها لمصالحهم، وقيامهم بدور المعارضة لكل حركة إصلاحية أو سياسية عادلة في البلاد، وقد اشتدت تلك الزمرة في معارضة حكومة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وزجت بجميع ما تملك من الوسائل الاقتصادية وغيرها لإسقاط حكمه ؛ لأنّ سياسته العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات ومصادرة ثرواتهم التي ابتزوها بغير حق.
واعتذر عمر عن إلغائه المساواة، وإيجاده لهذه الطبقية في الإسلام من أن لبعض الصحابة فضلاً على بعض باعتبار سبقهم إلى الإسلام، وقيامهم بعمليات الحروب وحركات الجهاد.
وهذا الاعتذار - فيما يبدو - لا موضوعية له، فإنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يؤثر بشيء من أموال الدولة أي أحد من أصحابه، من الذين سبقوا للإيمان وتعرضوا لأنواع المحن والعذاب، أمثال عمار بن ياسر، وبلال الحبشي، وأبي ذر، كما لم يؤثر بأي شيء ابن عمه علياً، وهو بطل الإسلام، والمنافح عنه في جميع المواقف والمشاهد، وإنما جعل أجر المجاهدين وثوابهم عند اللّه في الدار الآخرة، فهو الذي يتولى جزاءهم ويثيبهم على ذلك.
إنّ السياسة المالية التي انتهجها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت تقضي ببسط العطاء على
1) الحسين بن عليّ : 232.
الجميع، والمساواة فيما بينهم من أجل تماسك المجتمع ووحدته، والقضاء على جميع ألوان الطبقية والحزازات.
وندم عمر حينما رأى انتشار الثراء الفاحش عند كثير من الصحابة ولم تطب به نفسه، وإنّما راح يقول : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين» (1).
وفيما نحسب أن هذا الإجراء الذي يرتأيه في معالجة التضخم المالي لا يخلو من تأمل ؛ فإنّ فضول أموال الأغنياء إن كانت من فضل الأعطيات التي كان يغدقها عليهم فهي - من دون شك - من أموال الدولة، واللازم يقضى بتأميمها حفظاً للتوازن الاقتصادي، وإن كانت من أموال التجارة - ولا أظنها - فإنّ الواجب أخذ الضرائب المالية منها من دون أن يمني نفسه بمصادرتها.
وعلى أيّة حال فإنّ الأموال التي تأتي من الفيء، ومن جباية الجزية والخراج هي ملك للمسلمين، ولا يجوز أن يستأثر بها فريق من الرعية دون غيرها، بل لابد من توزيعها على الجميع بالسواء كما كان يصنع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وجهد عمر على فرض سلطانه بالقوة والعنف، فخافه القريب والبعيد، وبلغ من عظيم خوفهم أنّ امرأة جاءت تسأله عن أمر وكانت حاملاً؛ ولشدة خوفها منه أجهضت حملها (2)، وكان شديداً بالغ الشدة، خصوصاً مع من كان يعتد بنفسه.
يقول الرواة : إنّه كان يقسم مالاً بين المسلمين ذات يوم، وقد ازدحم الناس عليه فأقبل سعد بن أبي وقاص - وبلاؤه معروف في فتح فارس - فزاحم الناس حتّى خلص إلى عمر، فلما رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرة، وقال : لم تهب سلطان اللّه في الأرض، فأحببت بأن أعلمك أن سلطان اللّه لا يهابك (1).
وقصته مع جبلة بن الأيهم تدل على مدى صرامته وشدته، فقد أسلم جبلة وأسلم من كان معه، وفرح المسلمون بذلك، وحضر جبلة الموسم، وبينما يطوف حول البيت ؛ إذ وطأ إزاره رجل من فزارة فحلّه، فأنف جبلة وسارع إلى الفزاري فاستدعى الفزاري، فلطمه، فبلغ ذلك عمر وأمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه، وضيّق عليه في ذلك غاية التضييق، فارتد جبلة وخرج عن الإسلام وولى إلى هرقل فاحتفى به وأضفى عليه النعم، إلا أنّ جبلة كان يبكي أمر البكاء على ما فاته من شرف الإسلام وقد أعرب عن حزنه وأساه بقوله :
تَنَصَّرَتِ الأَشْرافُ مِنْ أَجْلِ لَطْمَةٍ***وَمَا كَانَ فِيها لَوْ صَبرتُ لَها ضَرَرْ
تَكَنَّفْنِي مِنْها لَجاجٌ وَنَخْوَةٌ***وَبِعْتُ لَها العَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالعَوَرْ
فيا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي***رَجَعْتُ إِلَى القَولِ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ
وَيَا لَيْتَنِي أَرْعَى المَخاضَ بِقَفْرَةٍ***وَكُنْتُ أَسِيراً فِي رَبيعَةَ أَوْ مُضَرْ
وَيَا لَيْتَ لِي بِالشَّامِ أَدْنَى مَعِيشَةً***أَجَالِسُ قَوْمِي ذَاهِبَ السَّمْعِ والبَصَرُ
أدينُ بما دانُوا بِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ***وَقَدْ يَصْبِرُ العُودُ الكَبِيرُ عَلَى الدَّبَرُ (2)
وقد أراد عمر أن يقوده بأول بادرة تبدو منه ببرة (3)محاولاً بذلك اذلاله
ويحدثنا ابن أبي الحديد عن شدة عمر مع أهله فيقول : كان إذا غضب على واحد منهم لا يسكن غضبه حتّى يعض على يده عضاً شديداً فيدميها (1).
وعرض عثمان إلى شدة عمر حينما نقم عليه المسلمون، واشتدوا في معارضته فأخذ يذكرهم بغلظته وقسوته لعلهم ينتهون عنه، قائلاً: «فقد واللّه عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ؛ ولكنّه وطأكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم» (2).
ووصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد حفنة من السنين سياسة عمر ومدى محنة الناس فيها بقوله : «فَصَيَّرَها - يعني أبا بكر في توليته لعمر - فِي حَوْزَةٍ خَشْناءَ، يَغْلُظُ كَلْمُها، وَيَخْشُنُ مَسُّها، وَيَكْثُرُ الْعِثارُ فِيهَا، وَالْإِعْتِدَارِ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، إنْ أَشْنَقَ لَها خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَها تَقَدَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللّه - بِخَيْطٍ وَشِمَاسِ، وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِراضِ» (3).
وتتجافى هذه السياسة عن سيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسياسته، فقد سار بين الناس بالرفق واللين، وساسهم بالرأفة والرحمة، وكان لهم كالأب الرؤوف، وكان يشجب جميع مظاهر الرعب التي تبدو من بعض الناس تجاهه، فقد جاءه رجل وقد أخذته الرهبة منه، فهدّأه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له : هَوَّنْ عَلَيْكَ، فَإِنَّما أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ (4).
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 342 و 343.
2) تاريخ الطبري : 4: 74 و 75 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 265. البداية والنهاية : 7 : 176 و 177. جواهر المطالب : 2 : 184.
3) نهج البلاغة : 48، خطبة 3.
4) المستدرك على الصحيحين : 2 : 466، و : 3 : 48. الطبقات الكبرى : 1 : 23 تاریخ بغداد :6: 277 و 278. تاريخ مدينة دمشق : 4 : 2 - 84.
وقد سار (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين أصحابه سيرة الصديق مع صديقه والأخ مع أخيه من دون أن يشعرهم بأنّ له أية مزية أو تفوق عليهم، وقد مدح اللّه تعالى معالي أخلاقه بقوله : «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(1).
ويقول المؤرخون : إنّ عمر فرض الحصار على صحابة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم يسمح لهم بمغادرة يثرب، فكانوا لا يخرجون إلا بإذن خاص منه، وقد خالف بهذا الاجراء ما أثر عن الإسلام في منحه الحريات العامّة للناس جميعاً، فقد منحهم حرية الرأي والقول، وحرية العقيدة، وحرية العمل وجعلها من الحقوق الذاتية للإنسان، وألزم الدولة بحمايتها، ورعايتها وتوفيرها، وليس للسلطة أن تقف موقفاً معاكساً أو مجافياً لها، شريطة ألا يستغلها الإنسان في الإضرار بالغير أو يحدث فساداً في الأرض.
وبرر الدكتور طه حسين ما اتخذه عمر من فرض الحصار على الصحابة بقوله : «ولكنّه خاف عليهم الفتنة، وخاف منهم الفتنة، فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلا بإذنه، وحبسهم عن الأقطار المفتوحة لا يذهبون إليها إلّا بأمر منه، خاف أن يفتتن الناس بهم، وخاف عليهم أن يغرّهم افتتان الناس بهم، وخاف على الدولة أعقاب هذا الافتتان» (2).
ولا يحمل هذا التوجيه أي طابع من العمق والتحقيق، فإنّ الصحابة الذين حاولوا السفر من يثرب إلى الأقطار المفتوحة إن كانوا من الأخيار والمتحرجين في دينهم فإنّهم بكل تأكيد يكونون مصدر هداية وخير للشعوب المتطلعة لهدي الإسلام،
فإنهم - من دون شك - يذيعون فيهم أحكام الدين، وآداب الإسلام، ويعملون على تثقيفهم. وإن كانوا من الذين غرتهم الدنيا، وخدعتهم مظاهر الفتوحات الإسلاميّة فله الحقّ في منعهم عن السفر رسمياً لا شرعاً حفظاً على مصالح الدولة، ووقاية للناس من الفتنة بهم ؛ ولكنّه لم يؤثر عنه أنه فرض الحصار على فريق من الصحابة دون فريق، وإنّما فرضه عليهم جميعاً، ومن الطبيعي أنّه بذلك قد شقّ على كثير من أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد حال بينهم وبين حرياتهم.
وسلك عمر ما سلكه أبو بكر في إبعاد الأسرة الهاشمية عن جهاز الحكم، فلم يجعل لها أي نصيب فيه، وإنّما عهد إلى من ولاهم أبو بكر فأقرهم في مناصبهم، ومن الغريب أنّه لم يعيّن أي واحد من الصحابة النابهين أمثال طلحة والزبير. وقد قيل له : إنّك استعملت يزيد بن أبي سفيان، وسعيد بن العاص، وفلاناً وفلاناً من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتركت أن تستعمل علياً والعباس والزبير وطلحة ؟ !
فقال : أمّا علي فأنبه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش، فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد» (1).
وعلق ابن أبي الحديد على كلامه هذا بقوله : «فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك، ويدعيه كلّ واحد منهم لنفسه كيف لم يخف من جعلهم ستة متساوين في الشورى، مرشحين الخلافة ؟! وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا ؟!» (2).
وكان عمر شديد المراقبة لعماله وولاته، فكان لا يولّي عاملاً إلا أحصى عليه ماله، وإذا عزله أحصاه عليه حين العزل، فإن وجد عنده فرقاً قاسمه ذلك الفرق فترك له شطراً، والشطر الآخر ضمه إلى بيت المال (1). فاستعمل أبا هريرة الدوسي والياً على البحرين، وقد بلغه عنه أنه استأثر بأموال المسلمين فدعاه إليه، ولما حضر عنده زجره وقال له: علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف وستمائة دينار.
واعتذر أبو هريرة فقال له : كانت لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت.
ولم يعنَ به عمر وإنّما زجره وصاح به قد حسبت لك رزقك ومؤونتك، وهذا فضل فأدّه.
وراوغ أبو هريرة، فقال له : ليس لك ذلك
قال : بلى واللّه، وأوجع ظهرك.
وغضب عمر فقام إليه وعلاه بدرته حتّى أدماه، ولم يجد أبو هريرة بُدّاً من إحضار الأموال التي انتهبها بغير حق فقال له : سوف احتسبها عند اللّه
فرد عليه عمر منطقه الهزيل، وقال له : ذاك لو أخذتها من حِلَّ، وأديتها طائعاً، أما واللّه ما رجت فيك أُميمة (2)أن تجبي أموال هجر واليمامة وأقصى البحرين لنفسك ؛ لا للّه ولا للمسلمين، ولم تَرجُ فيك أكثر من رعية الحُمُر، وعزله (3).
وقد شاطر من عماله، ما يلي :
1 - سمرة بن جندب.
2 - عاصم بن قيس.
3 - مجاشع بن مسعود.
4 - جزء بن معاوية.
5 - الحجاج بن عتيك.
6 - بشر بن المحتفز.
7 - ابن محرش أبو مريم.
8 - نافع بن الحرث.
هؤلاء بعض عماله وولاته الذين شاطرهم أموالهم (1).
ويقول المؤرخون : إن السبب في اتخاذه لهذا الإجراء هو يزيد بن قيس بن يزيد ابن الصعق فقد حفز عمر إلى ذلك، ودعاه إليه بهذه الأبيات :
أَبْلِغْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ رِسالَةٌ***فَأَنْتَ أَمِينُ اللّه فِي النَّهْيِ وَالأَمْرِ
وَأَنْتَ أَمِينُ اللّه فِينَا وَمَنْ يَكُنْ***أَمِيناً لِرَبِّ العَرْشِ يَسْلَمْ لَهُ صَدْرِي
فَلَا تَدَعَنْ أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ وَالْقُرى***يسيغُونَ مال اللّه فِي الأُدمِ الوَفْرِ
فَأَرْسِلْ إِلَى الحَجَاجِ فَاعْرِفْ حِسَابَهُ***وَأَرْسِلْ إِلَى جُزْءٍ وَأَرْسِلْ إِلَى بِشْرِ
وَلاَ تَنْسَيَنَّ النَّافِعَينِ كِليهما***وَلَا ابْنَ غِلَابٍ مِنْ سُراةِ بَنِي نَصْرِ
وَمَا عاصِمٌ مِنْها بِصِفْرٍ عِيابُهُ***وَذاكَ الَّذِي فِي السُّوقِ مَوْلى بَنِي بَدْرٍ
وَأَرْسِلْ إِلَى النُّعْمَانِ وَاعرِفْ حِسَابَهُ***وَصِهْرِ بَنِي غَزْوانَ إِنِّي لَذُو خُبْرٍ
وَشِيْلاً فَسَلْهُ المال وابن مُحَرِّش***فَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِ الرِّساتِيقِ ذا ذِكْرِ
1) الغدير : 6: 271 - 275 فتوح البلدان : 375 - 378.
فَقاسِمهُمْ أَهلِي فِداؤُكَ إِنَّهُم***سَيَرْضَونَ إِنْ قاسَمْتَهُمْ مِنْكَ بِالشَّطْرِ
وَلَا تَدْعُوَنّي لِلشَّهَادَةِ إِنَّنِي***أَغِيْبُ وَلَكِنِّي أرى عَجَبَ الدَّهْرِ
أَرَى الخَيْلَ كَالجُدْرانِ وَالبَيْضَ كَالدُّمي***وَخَطِيئَةٍ فِي عِدَّةِ النَّمْلِ وَالقَطْرِ
وَمِنْ رَيْطَةٍ مَطُويَّةٍ فِي قِرابِها***وَمِنْ طِيّ أَبْرَادٍ مُضاعَفَةٍ صُفر
نَؤُوبُ إِذا أَبُوا وَنَغْرُوا إِذا غَزَوا***فَأَنَّى لَهُمْ وَفْرٌ وَلَسنا أُوْلِي وَفْرِ
إِذَا النّاجِرُ الدّارِيُّ جَاءَ بِفَأرَةِ***مِنَ الْمِسْكِ رَاحَتْ فِي مَفَارِقِهِمْ تَجْرِي (1)
وعلى أثر ذلك قام فشاطر عماله نعلاً بنعل. ومعنى هذا الشعر إن هؤلاء الولاة قد اقترفوا جريمة السرقة، وخانوا بيت مال المسلمين ؛ ولكن الحكم بمشاطرة أموالهم لا يلائم السنة، وإنّما الواجب يقضي بتقديمهم إلى ساحة القضاء، فإن ثبتت خيانتهم فلابد من إقامة الحد عليهم، ومصادرة الأموال التي اختلسوها، ولا وجه لمشاطرتها، كما يجب عزلهم عن وظائفهم وسلب الثقة منهم.
لقد لاحظ عليهم ثراءً حادثاً وترفاً لم يجده في غيرهم من عامة الناس، ومن الطبيعي أنّ ذلك كان ناجماً من اختلاسهم الأموال التي لم تكن خاضعة في ذلك الوقت للحساب والتدقيق.
بقي هنا شيء يدعو إلى التساؤل وهو أن عمر قد استعمل الشدة والصرامة مع ولاته وعماله إلا معاوية بن أبي سفيان، فإنّه كان يحدب عليه ولم يفتح معه أي لون من ألوان التحقيق، تتواتر إليه الأخبار أنّه قد خان بيت المال، وبالغ في السرف والبذخ فيعتذر عنه، ويقول مشيداً به : تذکرون کسری و قیصر ودهاءهما وعندكم معاوية (2)
وليس في هدي الإسلام - والحمد للّه - كسروية أو قيصرية، ففي الحديث : «إِذا هَلَكَ كِسْرى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرُ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ محمّد بِيَدِهِ، لَتَنْفَقَنَّ كُنُوزَهُما فِي سَبِيلِ اللّه» (1).
لقد كان عمر يبالغ في تسديد معاوية، ويقول الرواة : إن جماعة من الصحابة عرضوا عليه أن معاوية قد جافى السنة بسيرته، فهو يلبس الحرير والديباج، ويستعمل أواني الذهب والفضة، ولا يتحرج في سلوكه عما خالف الشرع، فأنكر عليهم واندفع يؤنبهم قائلاً: «دعونا من ذم فتى قريش من يضحك في الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدمه» (2).
ويقول المؤرخون : إنّه ذهب إلى رفع شأنه وتسديده إلى أبعد من ذلك كله، فقد نفخ فيه روح الطموح، وهدد به أعضاء الشورى الذين انتخبهم لتعيين من يلي الأمر بعده قائلاً لهم : «إنّكم إن تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وإن تحاسدتم وتقاعدتم، وتباغضتم غلبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان» (3).
ولما أمن معاوية من العقوبة، وعرف أنّه ملتزم من قبل الخليفة راح يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان.
ولم يختلف المؤرخون في أنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد انطوت نفسه على حزن عميق، وأسى شديد على ضياع حقه، وسلب تراثه، فقد جهد القوم على الغض من شأنه،
ومعاملته كشخص عادي غير حافلين بمواهبه، ومواقفه ومكانته من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان في معزل عنهم، لا يشاركهم في أي أمر من أمور الملك والسلطان، ولا يشاركونه فيها، وأعرض عنهم وأعرضوا عنه، حتّى ألصق خده بالتراب، كما يقول المؤرّخون.
يقول محمّد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي عما دار بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعثمان قال : «لأن علياً دحضه الأولان - يعني الشيخين - وأسقطاه، وكسرا ناموسه بين الناس، فصار نسياً منسياً» (1).
ويعزو الإمام أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في حديث له مع عبداللّه بن عمر - إلى أبيه عمر جميع ما لاقاه من النكبات التي منها تقدم عثمان عليه، فقد نقل ابن أبي الحديد عن شقيق بن سلمة أنّ علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما انصرف إلى رحله - بعد شورى الستة - قال لبني أبيه : يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ قَوْمَكُمْ عَادَوْكُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَعَداوَتِهِمُ النبيّ فِي حَياتِهِ، وَإِنْ يُطِعْ قَوْمُكُمْ لَا تُؤَمُرُوا أَبَداً، وَوَاللّه لَا يُنيبُ هَؤُلَاءِ إِلَى الحقّ إلَّا بالسَّيْفِ.
فسمع عبد اللّه بن عمر الكلام كله، فدخل وقال : يا أبا الحسن، أتريد أن تضرب بعضهم ببعض ؟!
فقال : أَسْكَتْ وَيْحَكَ ! فَوَاللّه لَوْلَا أَبُوكَ وَمَا رَكَبَ مِنِّي قَدِيماً وَحَدِيثاً، ما نازَعَنِي ابْنُ عَفَانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ (2).
وعلى أية حال فإنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد اعتزل عن الناس في عهد عمر كما اعتزلهم في عهد أبي بكر، فصار جليس بيته يساور الهموم ويسامر النجوم، ويتوسد الأرق، ويتجرع الغصص، قد كظم غيظه فلم يتصل بأحد إلا بخلص أصحابه الذين عرفوا
واقعه ومكانته كعمار بن ياسر، وأبي ذر، والمقداد، وقد عكف على جمع القرآن وكتابته، والإمعان في آياته.
وأجمع المؤرخون على أن عمر كان يرجع إلى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مهام المسائل التي يسأل عنها، والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يضن عليه بالجواب إظهاراً لأحكام اللّه التي يجب على العلماء إذاعتها بين الناس. وكان عمر يذيع فضل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويقول : «لولا على لهلك عمر» (1).
والشيء المحقق أن عمر كان في أكثر المسائل الفقهية إذا سئل عنها لم يهتد لجوابها، وإنّما يفزع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلى سائر الصحابة، وقد اشتهرت كلمته : «كل الناس أفقه من عمر حتّى ربات الحجال» (2).
وقال : «كل الناس أفقه من عمر حتّى المخدرات في البيوت» (3)وقد دلل المحقق الأميني على ذلك بما لا مزيد عليه (4).
وانطوت نفس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حزن لاذع، وأسىً عميق على من احتل مقام أبيه، فبعث ذلك في نفسه عنصراً من عناصر الاستياء والتذمر، وكان يشعر بالمرارة بكل وعي، وهو في سنه المبكر. ويقول المؤرخون : إنّ عمر كان يخطب على المنبر، فلم يشعر إلّا والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد صعد إليه، وهو يهتف : انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي، وَاذْهَبْ إِلى مِنْبَرِ أَبِيكَ.
وبُهت عمر، واستولت عليه الحيرة، وراح يصدقه ويقول له : صدقت لم يكن لأبي منبر.
وأخذه فأجلسه إلى جنبه، وجعل يفحص عمن أوعز إليه بذلك قائلاً له : من علّمك ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَاللّه ما عَلَّمَنِي أَحَدٌ (1).
شعور طافح بالألم انبعث عن عبقرية وإدراك واسع، نظر إلى منبر جدّه الذي كان مصدر النور والوعي، فرأى أنه لا يليق بأن يرقاه أحد من بعده غير أبيه رائد العلم والحكمة في الأرض.
ويقول المؤرخون : إن عمر كان معنياً بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان يأذن له بالدخول قبل أن يأذن للمتقدمين من الأنصار والمهاجرين، وقصده يوماً وهو خال بمعاوية، ورأى ابنه عبداللّه فطلب الإذن منه فلم يأذن له فرجع معه، والتقى به عمر في الغد فقال له : ما منعك يا حسين أن تأتيني ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّي جِئْتُ، وَأَنْتَ خَالٍ بِمُعَاوِيَةَ، وَابْنُ عُمَرَ بِالْبَابِ، فَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ.
فقال عمر : أنت أحق من ابن عمر، فإنّما أنبت ما ترى في رؤوسنا اللّه ثم أنتم (2).
واقتضت سياسته أن يقابل سبطي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بمزيد من التكريم، فقد جعل لهما نصيباً فيما يغنمه المسلمون، ووردت إليه حلل من وشي اليمن، فوزعها على المسلمين ونساهما، فبعث إلى عامله على اليمن أن يرسل له حلتين، فأرسلهما إليه فكساهما، وقد جعل عطاء هما مثل عطاء أبيهما، وألحقهما
بفريضة أهل بدر وكانت خمسة آلاف (1).
ولم تظهر لنا أية بادرة عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد عمر سوى ما ذكرناه، ويعود السبب في ذلك إلى انعزال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبنائه عن جهاز الحكم وإيثارهم الانطواء عن القوم، وعدم الاشتراك معهم في أي شأن من شؤون الدولة، فقد أترعت نفوسهم بالأسى المرير والحزن العميق، وقد أعلن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أساه وأحزانه في كثير من المواقف.
ويقول المؤرخون : إنّ عمر نزلت به نازلة فحار في التخلص منها، وعرض على أصحابه ذلك فقال لهم : ما تقولون في هذا الأمر ؟
فقالوا : أنت المفزع والمنزع.
فلم يرضه ذلك، فغضب وتلا قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» (2).
ثم قال لهم : أما واللّه إنّي وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها.
قالوا : كأنك أردت ابن أبي طالب.
قال : وأنّى يعدل بي عنه ؟ وهل طفحت حرة مثله ؟ !
قالوا : فلو دعوت به يا أميرالمؤمنين.
قال : هيهات إن هناك شمخاً من هاشم، وأَثَرَة من علم، ولحمة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُؤتى ولا يأتي، فامضوا بنا إليه.
وخفّوا جميعاً إليه فألفوه في حائط له، وعليه تُبّان (3)، وهو يتركل على مسحاته
ويقرأ «أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكُ سُدى» (1)- إلى آخر السورة - ودموعه تهمي على خدّيه، فأجهش القوم لبكائه فبكوا، ثم سكت وسكتوا، فسأله عمر عن مسألته فأصدر إليه جوابها.
فقال له عمر : أما واللّه لقد أرادك الحق، ولكن أبي قومك.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا حَفْصٍ، خَفِّضْ عَلَيْكَ مِنْ هُنا، وَمِنْ هُنا، : «إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ ميقاتاً» (2).
وذهل عمر، فوضع إحدى يديه على الأخرى وخرج ؛ كأنَّما ينظر في رماد (3).
ويقول بعض المؤرخين : إنّ العلاقة بين الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآل عمر كانت غير ودية، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ عاصم بن عمر شرب الخمر فشهد عليه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك في مجلس القضاء أيام عثمان فأقيم عليه الحد، وقد أوجبت هذه البادرة شيوع التباغض بين الأسرتين (4).
ولم نبسط القول في خلافة عمر، ولم نلم بسيرته، ولا بما أثر عنه من الأحداث خصوصاً ما صدر عنه من الفتاوى التي كان بعضها من الاجتهاد قبال النص كتحريم المتعة وغيرها، لم نعرض لذلك، فقد آثرنا الإيجاز في أمثال هذه البحوث، وإنما عرضنا للأحداث المتقدمة ؛ لأنها تصور الحياة الاجتماعيّة والفكرية التي عاشها
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك العصر، كما تلقي الأضواء على حياته.
وعلى أية حال فإنّ الذي يهمنا أن نعرض إلى اغتيال عمر وما رافقه من الأحداث الخطيرة، فقد عزا بعض الكتاب من المحدثين إلى أن اغتياله كان وليد مؤامرة حاكها الأمويون للتخلص من حكمه، وفرض سلطانهم على المسلمين (1)، وقد أيدوا ذلك بأنّ أبا لؤلؤة الذي اغتاله كان مولى للمغيرة بن شعبة، وصلة المغيرة بالأمويين كانت وثيقة للغاية.
وفيما أحسب أنّ هذا الرأي لا يحمل أي طابع من التحقيق ؛ لأن علاقة عمر كانت مع الأمويين طبيعية وقوية، فلم تقع بينهما أية منافسة أو كراهية، وكان عمر شدید الميل لهم، فقد استعمل أعلامهم ولاة على الأقطار والأقاليم الإسلاميّة أمثال يزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاوية، ولم يشاطر أي واحد منهم أمواله كما شاطر بقية عماله، بل كان معنياً حتّى بشؤون نسائهم، فقد أقرض هند بنت عتبة أم معاوية أربعة آلاف من بيت المال تتجر فيها (2). فلم يعمل عمر أي عمل يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم، فكيف إذن يقومون بتدبير المؤامرة لاغتياله ؟ !
وعلى أية حال فمن المقطوع به أنّ أبا لؤلؤة إنّما قام بوحي نفسه لا بدافع أموي لاغتيال عمر، أمّا بواعث ذلك - فيما نحسب - فهي أنّه كان شاباً متحمساً لأُمّته ووطنه، فقد رأى بلاده قد فتحت عنوة فذهب مجد قومه وانطوى عزّهم، ورأى أنّ عمر قد بالغ في احتقار الفرس والاستهانة بهم، فقد تمنى أن يحول بينه وبين الفرس جبل من حديد، وقد حضر عليهم دخول يثرب إلا من كان سنه دون البلوغ (3)،
وأصدر فتواه بعدم إرثهم إلّا من ولد منهم في بلاد العرب (1)، كما كان يعّبر عنهم بالعلوج (2)، ثم هو بالذات قد خف إلى عمر يشكو إليه ممّا ألم به من ضيق وجهد من جرّاء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج فزجره عمر ولم يعن به، وقال له : ما خراجك بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال (3).
وقد أوجدت هذه الأمور في نفسه حنقاً وحقداً على عمر فأضمر له الشر، وقد اجتاز عليه فسخر منه، وقال له : بلغني أنك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت.
فلذعته هذه السخرية فاندفع يقول : لأصنعن لك رحى يتحدّث الناس بها.
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال، فطعنه ثلاث طعنات احداهن تحت السرة فخرقت الصفاق (4)وهي التي قضت عليه، ثم انحاز إلى أهل المسجد فطعن من يليه حتى طعن أحد عشر رجلاً سوى عمر، ثم عمد إلى نفسه فانتحر.
وحمل عمر إلى داره، وجراحاته تنزف دماً، وقال لمن كان حوله : من طعنني ؟
قالوا : غلام المغيرة.
قال : ألم أقل لكم : لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني.
وأحضر له أهله طبيباً فقال له : أي الشراب أحب إليك ؟
قال : النبيذ.
فسقوه منه فخرج من بعض طعناته، فقال الناس : خرج صديداً، ثم سقوه لبناً،
فخرج من بعض طعناته فيئس منه الطبيب، وقال له : لا أرى أن تمسي.
ولما أيقن بدنو الأجل المحتوم منه أمر صهيباً أن يصلي بالناس في مرضه ؛ لأنّ إمامة المصلين لا ترتبط بالخلافة، ولا ملازمة بينهما ؛ وبالأمس كان يناضل من أجل استيلاء أبي بكر على الخلافة ؛ لأنّه صلى بالناس في مرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واعتبر ذلك دليلاً على أهليته للخلافة واستحقاقه لها.
ثم أوصى ولده عبد اللّه فقال له : انظر ما علَيّ من دين، فاحصوه، فإذا به ستة وثمانون ألفاً.
فقال : إنّ وفى به مال آل عمر فأدِه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف به أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم (1).
ونحن إذا تأملنا في هذه الوصية، نجد فيها عدة أُمور تدعو إلى التساؤل وهي :
1 - إنّ هذه الأموال الضخمة التي استدانها من بيت المال لم ينفقها إلا في شؤونه الخاصّة، ولو كان قد أنفقها على شؤون المسلمين لما كان هناك أي مجال لاسترجاعها من آل الخطاب، وهذا - من دون شك - لا يتفق مع ما نقله الرواة عن سيرته من أنه كان متحرجاً أشد التحرج وأقساه في أموال الدولة، وأنه لم يكن ينفق منها أي شيء على شؤونه الخاصّة.
2 - إنّه عهد إلى ابنه عبد اللّه أن يستوفي هذه الديون من آله، فإن وفت أموالهم بها فهو، وإلا فيسأل أسرته عن وفائها، وهذا يكشف أنّه قد منحها لهم ؛ وإلا فما هو المبرر لاستيفائها منهم ؛ إذ لا سلطان له على مال الغير وإن كان قريباً منه. وفيما نحسب أن هذه الأموال قد وهبها لهم، وهو يتصادم مع ما نقل عنه من أنه كان شديداً على أهله حتّى يرهقهم من أمرهم عسراً، وأنّه قد أخذهم بضروب من الشدة
1) الإمامة والسياسة : 1 : 20 - 23، الطبقات الكبرى : 3 : 341 - 347. مروج الذهب : 2: 320 و 321 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 185 - 188.
والعنف، وساوى بينهم وبين بقية المسلمين في العطاء.
3 - إنّ وصيته لولده عبد اللّه أن يسأل من قريش خاصة بتسديد ما عليه من ديون إذا لم تف أموال أسرته بها، يكشف عن مدى صلته العميقة وارتباطه الوثيق بهم، وقد كان - فيما يقول المؤرخون - الممثل الوحيد للفئات القرشية، وأنه كان يعكس في تصرفاته جميع رغباتها وميولها.
هذه بعض الملاحظات التي تواجه هذه الوصية، ولم ينص المؤرخون على أنّ عبد اللّه قام بتسديد ما على أبيه من ديون لبيت المال، فقد أهملوا هذه الجهة ولم يعرضوا لها.
وعلى أية حال فإنّ عبداللّه لما أيقن بموت أبيه طلب منه أن يعين أحداً لمركز الخلافة، ولا يهمل شؤون الأمة، فقال له : يا أبة، استخلف على أُمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإنّه لو جاء راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها، وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة، فكيف بأمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟ ! فاستخلف عليهم.
فنظر إليه نظرة ريبة وشك، واندفع يجيبه : إن أستخلف عليهم، فقد استخلف أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
أما حديث عبداللّه فقد كان حافلاً بالوعي والمنطق، فإنّه ليس من الحكمة في شيء أن يهمل الرئيس شؤون رعيته، من دون أن يعين لها القائد من بعده الذي يعنى بأمورها السياسية والاجتماعيّة، فإن إهماله لهذه الجهة الخطيرة يعرضها للأزمات، ويلقيها في شر عظيم. وقد زعم عمر أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يعن بالقيادة الروحية والزمنية من بعده، ولم يعهد بأمره لأحد، ولعل (الوجع) قد غلب عليه فأذهله،
1) صحيح مسلم : 6: 4. المستدرك على الصحيحين: 3: 95. الطبقات الكبرى : 3: 343. السنن الكبرى / البيهقي : 8 148. مروج الذهب : 2 : 321 تاريخ مدينة دمشق : 42: 428.
وأنساه قيام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنصب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة من بعده يوم (غدير خم) (1)والزامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للمسلمين بمبايعته ! وكان عمر بالذات ممّن بايعه، وقال له بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(2).
وعلى أية حال فإنّ عمر قد فتكت به جراحاته، وأخذ منه الألم القاسي مأخذاً عظيماً، وقد جزع جزعاً شديداً وأخذ يقول : لو أن لي بما في الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب اللّه قبل أن أراه (3).
وقال لولده عبد اللّه : ضع خدي على الأرض، فلم يعن به وظن أنه قد اختلس عقله، فأمره ثانياً بذلك فلم يجبه، وفي المرة الثالثة صاح به : ضع خدي على الأرض لا أم لك !
وبادر عبداللّه فوضع خد أبيه على الأرض فأخذ يجهش بالبكاء، وهو يقول بنبرات متقطعة : يا ويل عمر ! وويل أم عمر ! إن لم يتجاوز اللّه عنه (4).
وطلب عمر من ابنه أن يستأذن من عائشة ليدفنه مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر، فسمحت له بذلك (5).
وعلّقت الشيعة على ذلك كما علقت على دفن أبي بكر فقالت : إن ما تركه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن كان لا يرثه أهله، وإنّما هو لولي الأمر من بعده - حسبما يرويه أبو بكر -
1) غدير خُمّ : هي الغيضة التي تسمى : خم، وبين الغدير: والعين مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهناك نخل ابن المعلى وغيره. وبغدير خم قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعليّ : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللّهمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» - معجم ما استعجم : 2 : 368.
2) تاریخ بغداد 8: 290 تاريخ مدينة دمشق : 42: 222. البداية والنهاية : 7: 362.
3) الطرائف : 2 : 192. تاريخ المدينة : 3 : 909. تاريخ مدينة دمشق : 44: 421، 428. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 192.
4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 193. تاریخ مدينة دمشق : 44: 421.
5) تاريخ الأمم والملوك : 3: 571 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 190.
فلا موضوعية للإذن من عائشة، وإن كان يرجع إلى ورثته - كما يقول به أهل البيت - فليس لعائشة فيه أي نصيب ؛ لأنّ الزوجة لا ترث من الأرض حسبما قرره فقهاء المسلمين، ولابد له من الإذن من ورثة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم يتحقق ذلك.
نحن أمام كارثة مذهلة ومفزعة امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً، وأخلدت لهم الفتن والمصاعب، وجرت لهم الويلات والخطوب، وألقتهم في شر عظيم، تلك هي قصة الشورى التي حكت عن تآمر مفضوح في إقصاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ساحة الحكم، وتسليمه إلى بني أمية إرضاء للعواطف القرشية المترعة بالحقد والكراهية للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ونحن - يعلم اللّه - لم نكن نقصد بهذه البحوث إلّا دراسة الأحداث التي عاشها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي - فيما نعتقد - مصدر الفتنة الكبرى التي أدت إلى مجزرة كربلاء الرهيبة، وغيرها من الأحداث التي غيرت منهج الحياة الكريمة في الإسلام.
وعلى أيّة حال فإن عمر لما يئس من حياته، وأيقن بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يمعن النظر ويطيل التفكير فيمن يتولى شؤون الحكم من بعده، وقد تذكر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الأمر لأبي بكر، فرأى أنهم قد اخترمتهم المنية فراح يصعد آهاته وحسراته ويبدي أساه عليهم قائلاً: «لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنّه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته ؛ لأنه شديد الحب اللّه تعالى» (1).
وسالم هذا ليس مولى لأبي حذيفة، وإنّما هو لامرأة من الأنصار، وهي أعتقته
1) تاريخ الأمم والملوك : 3: 601 و 602. تاريخ مدينة دمشق : 58: 404 و 405.
وربته، ونُسب إلى أبي حذيفة بحلف (1).
وهذا يتنافى مع قول أبي بكر للأنصار : إنّ العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قریش (2).
فلماذا لم يستعرض عمر الأحياء من الذين ساهموا في بناء الإسلام كسيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والصفوة الطيبة من صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كعمار ابن ياسر، وأبي ذر، ومقداد، وغيرهم من الأنصار ؛ ليرشحهم لهذا المنصب الخطير ؟ !
لقد انطلق يفتش في قائمة الأموات فتمنى حياة أبي عبيدة وسالم ليقلدهما رئاسة الدولة، مع العلم أنّه لم تكن لهما أية سابقة من الجهاد والخدمة في سبيل الإسلام.
وطلب منه القوم أن يعين أحداً من بعده ليتولى شؤون المسلمين فأبى، وقال : أكره أن أتحملها حياً وميتاً ! (3).
ولكنه لم يلبث أن نقض رأيه، فانتخب أعضاء الشورى الستة، وفوض إليهم أمر الأمة، كما فرض رأيهم على جميع المسلمين، وبذلك فقد تحمل الخلافة حياً وميتاً.
يقول ابن أبي الحديد : «وأي شيء يكون من التحمل أكثر من هذا ! وأي فرق بين أن يتحملها بأن ينصّ على واحد بعينه، وبين أن يفعل ما فعله من الحصر
1) الطبقات الكبرى : 3: 85 - 88. أسد الغابة : 2 : 155، الحديث 1892.
2) تاريخ مدينة دمشق : 30: 282. الجامع لأحكام القرآن : 1: 264. البداية والنهاية : 5 : 367.
3) بحار الأنوار :31: 64 الغدير : 5 : 361. الطبقات الكبرى : 3 : 342. السنن الكبرى / البيهقي : 8 : 148. تاريخ مدينة دمشق : 42: 428 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 122: 108.
والترتيب !» (1).
ودعا عمر أعضاء الشورى الذين انتخبهم وزكاهم، وزعم أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال فيهم : إنّهم من أهل الجنّة (2)، إلّا أنّه لما اجتمعوا عنده وجه إليهم أعنف النقد وأقساه، وطعن في كلّ واحد منهم طعناً لاذعاً، ورماهم بالنزعات الشريرة التي توجب القدح في ترشيحهم لمنصب الإمامة والخلافة. وقد روى المؤرخون حديثه بصور مختلفة، وفيما يلي بعضها :
1 - إنّه لما نظر إليهم قال : قد جاءني كلّ واحد منهم يهز عفريته يرجو أن يكون خليفة، أما أنت يا طلحة، أفلست القائل : إن قبض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنكح أزواجه من بعده ؟ فما جعل اللّه محمّداً أحق ببنات أعمامنا منا، فأنزل اللّه فيك «وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤذُوا رَسُولَ اللّه وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً» (3).
وأما أنت يا زبير فواللّه ما لأن قلبك يوماً ولا ليلة، وما زلت جلفاً جافياً.
وأما أنت يا عثمان فواللّه لروثة خير منك.
وأما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل عاجز تحب قومك جميعاً.
وأما أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة.
وأما أنت يا علي فواللّه لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم.
وقام علي مولياً يخرج، فالتفت عمر إلى حضار مجلسه فقال : واللّه إني لأعلم
مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء ؟ !
قالوا : من هو ؟
قال : هذا المولي من بينكم.
قالوا : فما يمنعك من ذلك ؟
قال : ليس إلى ذلك من سبيل (1).
وقد خدش في كلّ واحد منهم، سوى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّه أبدى إكباره له، واعترف بقابلياته وصلاحيته للحكم، وإنّه لو ولي أمور المسلمين لحملهم على المحجة البيضاء والطريق الواضح، إلا أنه لا يجد سبيلاً إلى ذلك.
2 - يقول المؤرخون : إنّه لما التقى بأعضاء الشورى قالوا له : قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك، ونقتدي به.
فقال : واللّه ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك مع أنّك رجل حرب.
وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلّا أنّك فرعون هذه الأُمّة.
وما يمنعني منك يا زبير إلّا أنّك مؤمن الرضا كافر الغضب.
وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته.
وما يمنعني منك يا عثمان إلّا عصبيتك وحبّك قومك وأهلك.
وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم (2).
وقد وصم أعضاء الشورى بمساوئ الصفات، فوصف عبدالرحمن بن عوف بأنّه
فرعون هذه الأُمّة، ومن الغريب حقاً أنّه لم يلبث أن فوض إليه شؤون الانتخاب، وجعل قوله منطق الفصل وفصل الخطاب. كما انّهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحرص على الخلافة، إلّا أنّ سيرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المشرقة تدل على عكس ذلك، فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن من عشاق السلطة ولا من طلاب الملك، وإنّه إنّما نازع الخلفاء، وأقام عليهم الحجة بأنّه أولى بالأمر منهم لا ليتخذ من الحكم وسيلة للتمتع بخيرات البلاد كما اتخذه بعضهم، ولا من أجل التمتع بالرغبات النفسية التي تتطلب السلطان، وتتهالك عليه لبسط نفوذها واستعلائها على الناس.
إنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن بأية حال ينشد مثل هذه الأهداف الرخيصة، وإنما كان يبغي الحكم لنشر العدل، وإقامة الحق، وتطبيق شريعة اللّه على واقع الحياة من أجل هذه الغايات النبيلة كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) حريصاً على الخلافة، وقد أدلى بذلك بقوله : «اللّهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَا مُنافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومونَ مِنْ عِبادِكَ، وَتُقامُ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِك»(1).
وأعرب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له مع ابن عباس بذي قار عن مدى زهده بالسلطة، واحتقاره للحكم، فقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخصف بيده نعلاله، فالتفت إلى ابن عباس وقال له : ما قِيمَةُ هذَا النَّعْلِ ؟
فقال : لا قيمة لها.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَاللّه لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً، أَوْ أَدْفَعَ باطِلاً (2).
إنّه إنما كان حريصاً على الخلافة من أجل إقامة المُثل العليا، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة وتطوير الوعي الاجتماعي، وازدهار الحياة العامّة
3 - وفي رواية ثالثة : إن عمر دعا أعضاء الشورى، فلما مثلوا عنده قال لهم : أكلكم يطمع بالخلافة بعدي ؟
ووجموا عن الكلام، فأعاد القول عليهم ثانياً، فانبرى إليه الزبير، راداً عليه مقالته : وما الذي يبعدنا منها ؟! وليتها أنت فقمت بها، ولسنا دونك في قريش، ولا في السابقة، ولا في القرابة.
ولم يسعه الرد عليه، وقال لهم : أفلا أخبركم عن أنفسكم ؟!
قال الزبير : قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا !
وأخذ يدلي عليهم اتجاهاتهم وميولهم، ويحدثهم عن نفسياتهم، فاتجه صوب الزبير فقال له : أما أنت يا زبير فوَعِقٌ لَقِسٌ (1)مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوماً إنسان، ويوماً شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظَلْتَ يومك تلاطم بالبطحاء على مُدّ من شعير ؟ ! أفرأيت إن أفضت إليك، فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطاناً، ومن يكون يوم تغضب ؟! وما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة.
إنّ الزبير حسب هذا التحليل النفسي لشخصيته مبتلى بآفات خطيرة :
الأولى : الضجر والتبرم.
الثانية : عدم الاستقامة في سلوكه
الثالثة : الغضب الهائل الذي يفقده الرشد والتوازن.
الرابعة : الحرص والبخل، وهما يجرانه إلى ملاطمة الناس على مُدَّ من شعير.
وهذه النزعات من مساوئ الصفات، ومن اتصف ببعضها لا يصلح لأن يتولى أي
1) الوعق : الضُّجر المُتَبَرم - لسان العرب : 15 : 346 - وَعَقَ. اللقس : من لا يستقيم على وجه - لسان العرب : 12 : 311 - لَقَسَ.
منصب حساس في جهاز الدولة فضلاً عن أن يكون خليفة وإماماً للمسلمين.
ثم أقبل على طلحة فقال له - وكان له مبغضاً منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر -: أقول أم أسكت ؟
فزجره طلحة، وقال له : إنّك لا تقول من الخير شيئاً.
قال : أما إنِّي أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد والبأو(1)الذي حدث لك، ولقد مات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أُنزلت آية الحجاب.
وإذا كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ساخطاً على طلحة كيف يرشحه خليفة وإماماً للمسلمين ؟ كما إن هذا يناقض ما قاله : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مات وهو راض عن أعضاء الشورى.
وعلق الجاحظ على هذا بقوله : لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الآن لطلحة إنّه مات (عَلَيهِ السَّلَامُ) ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه (2)، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أنّ يقول له ما دون هذا، فكيف هذا ؟!
واتجه صوب سعد بن أبي وقاص فقال له : إنّما أنت صاحب مقنب (3)من هذه المقانب تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وسهم، وما زُهْرَة والخلافة وأمور الناس ؟ !
إنّ سعداً رجل عسكري لا يفقه إلا عمليات الحروب، ولا خبرة له بالشؤون الإدارية والاجتماعيّة للأمة، فكيف يرشحه للخلافة ؟ ! كما طعن في صلاحية قبيلة سعد لتولي شؤون الحكم.
وأقبل على عبدالرحمن بن عوف فقال له : أما أنت يا عبدالرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر ؟ !
وعبد الرحمن - حسب رأي عمر - رجل إيمان وتقوى، ولا نعلم أين كان إيمانه حينما عدل عن انتخاب سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسلم أمور المسلمين بيدي الأمويين، فاتخذوا مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، ثم إنّه لم تكن له شخصية قوية، ولا عزم ثابت، ولا إرادة صلبة - حسب اعتراف عمر - فكيف يرشحه للخلافة ؟ ! وكيف يجعل قوله منطق الفصل في تعيين من يشاء لشؤون الأمة ؟!
والتفت إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : اللّه أنت لولا دعابة فيك ! أما واللّه لئن وليتهم لتحملتهم على الحقّ الواضح والمحجة البيضاء.
متى كانت للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدعابة وهو الذي ما ألف في حياته إلّا الجد والحزم في القول والعمل، ثم إنّ من يتصف بهذه النزعة كيف يتمكن أن يحمل المسلمين على الحقّ الواضح والمحجة البيضاء كما يقول عمر ؟ !
ويبدو أنّ ابن الخطاب كان يفتش عن سبب يبرر موقفهم من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمرة يعتذر بأنّ فيه دعابة، وأُخرى بأن قريشاً لا تريد أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد، وثالثة بحداثة سِنّه وحبّه لبني عبدالمطلب، فكيف يجتمع مع قوله : إنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو ولي أمور المسلمين لسار فيهم بالحق، وحملهم على الصراط المستقيم، فكيف يجعله من أعضاء الشورى، ولا ينص عليه بالخصوص ؟ ! وهل من الحيطة على الأمة أن يفوت عليها الفرصة، ولا يسلم أمرها بيد من يسير فيها بسيرة قوامها العدل الخالص والحق المحض ؟ !
وأقبل على عثمان - عميد الأسرة الأموية التي ناهضت الإسلام - فقال له : هيهاً إليك ! كأنّي بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك فحملت بني أمية، ويني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذوبان
العرب، فذبحوك على فراشك ذبحاً، واللّه لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلنّ، ثم أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي فإنّه كائن (1).
ونحن إذا تأملنا قليلاً في قوله لعثمان : كأنّي بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبّها إياك» نجده قد قلّد عثمان الخلافة، فإنّ نظام الشورى الذي وضعه كان حتماً يؤدي إلى فوزه بالسلطة، فقد جعله أحد أعضاء الشورى، وكان أكثرهم ممن له اتصال وثيق بأسرة عثمان، وهم لا يعدلون عن انتخابه، ولا يقدمون غيره عليه.
وفي الحقيقة أنّه هو الذي قلّده الخلافة، وفوض إليه أمور المسلمين، ثم إنّه مع دراسته لنفسيّته، ووقوفه على حبّه الشديد لأسرته كيف يرشحه للخلافة ؟! وه- بالذات يعلم خطر بني أُميّة على الإسلام. وقد أعلن ذلك في حديثه مع المغيرة بن شعبة حيث يقول : قال لي عمر يوماً : يا مغيرة، هل أبصرت بهذه - عينك - العوراء منذ أُصيبت ؟
قلت : لا.
قال : أما واللّه ليُعورن بنو أمية الإسلام، كما أعورت عينك هذه، ثم لَيُعمِيَنَّه حتّى لا يدري أين يذهب، ولا أين يجيء ؟ (2).
فكان الأجدر به، وهو على عتبة الموت أن يجنب الأمة خطر الأمويين، ولا يجعل لهم أي نصيب في الحكم.
هذه بعض الروايات التي أثرت عنه في حديثه مع أعضاء الشورى.
لا أكاد أعرف نظاماً أوهى من نظام الشورى الذي وضعه عمر، فليس فيه أي
توازن أو أصالة، فقد شذّ عن حقيقة الشورى التي يجب أن تمثل رأي الأمة، وتشترك القطاعات الشعبية في الانتخاب، فقد فوّض في هذه الشورى الرأي إلى جماعة لا يمثلون إلا آراءهم الخاصّة.
لقد دعا عمر من رشحهم فقال لهم : احضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء، واحضروا معكم الحسن بن علي، وعبد اللّه بن عباس، فإنّ لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شيء (1).
لقد أقصى الأنصار، ولم يجعل لهم أي نصيب في الانتخاب والاختيار، وإنما جعل لهم الإشراف المجرد الذي يعني حرمانهم والاستهانة بهم، فإنّ الأمر إنّما هو أمر أعضاء الشورى ولا يخص غيرهم، فأين قول أبي بكر للأنصار : نحن الأمراء وأنتم الوزراء حينما اجتمعوا في السقيفة ؛ حتّى يفي للأنصار بوعدهم ؟ !
ثم إنّا لم نعلم ما هي البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عبد اللّه بن عباس، وهما لا يملكان من الأمر شيئاً ؟ !
والتفت إلى أبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له : يا أبا طلحة، إنّ اللّه طالما أعزّ بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فألزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله.
واتجه نحو المقداد بن الأسود، وقال له : اذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتّى يختاروا رجلاً منهم.
ثم قال لصهيب : إذا اتفق خمسة، وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيمها، وإن اتفق ثلاثة منهم على رجل، ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن
1) الإمامة والسياسة : 1 : 24.
رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس (1).
وأنذر عمر الصحابة وهددهم بمعاوية وعمرو بن العاص إذا لم تتفق كلمتهم وتنازعوا على الحكم والسلطان، فقد قال لهم : يا أصحاب محمّد، تناصحوا فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (2).
وعلّق شيخ الإمامية الشيخ المفيد على هذا الكلام بقوله : «إنّما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة وإطماعهما فيها ؛ لأن معاوية كان عامله وأميره على الشام، وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر، وخاف أن يضعف عثمان أن تصير إلى عي (عَلَيهِ السَّلَامُ)فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما وهما بمصر والشام فيتغلبا على هذين الإقليمين إن أفضت إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3).
والتاع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحزن أشد الحزن وأقساه، وعرف أنّ الشورى إنّما هي مؤامرة ومكيدة دبرت لصرف الأمر عنه، فقد التقى بعمه العباس فبادره قائلاً: عُدلَتْ عَنا !
فقال : وما أعلمك ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَرَنَ بِي عُثْمَانَ، وَقالَ : كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ رَضِيَ رَجُلَانِ رَجُلاً وَرَجُلَانِ رَجُلاً فَكُونوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَسَعْدٌ لَا يُخَالِفُ ابْنَ عَمِّهِ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرٌ لِعُثْمَانَ؛ لَا يَخْتَلِفونَ، فَيُوَلِّيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُثْمَانَ، أَوْ يُوَلِّيها عُثْمَانُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَلَوْ كانَ الْآخَرانِ مَعِي لَمْ يَنْفَعانِي» (1).
وصدق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد ولاها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه، وابتغاء رجوعها إليه من بعده.
لقد كانت الشورى بأسلوبها الهزيل مؤامرة مفضوحة لاستار عليها قد دبرت ضدّ وصي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وباب مدينة علمه.
يقول الإمام كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) : «الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية، و شورى صورية، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغماً عليهم، ولكن بتدبير بارع عاد على الإسلام والمسلمين بشرّ ما له دافع».
وكوى هذا التآمر قلب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأثارت الأحقاد القرشية أحزانه، فراح يتحدث عنها بعد سنين، فيقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «حتّى إذا مَضى - يعني عمر - لِسَبِيلِهِ جَعَلَها فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَیاللّه وَلِلنُّورَى، مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حتّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلى هَذِهِ النَّظائِرِ» (2).
أجل واللّه - يا أمير المؤمنين - إنه متى اعترض الريب لأحد في أنك أفضل المسلمين، وأعظمهم جهاداً، وأقدمهم سابقة للإسلام ؛ ولكن أُفٍّ للزمان، وتعساً للدهر الذي قرنك بأمثال هؤلاء الذين حرموا الأمة من التمتع بعدلك ومواهبك.
بقي هنا شيء يدعو للتساؤل وهو أن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لماذا استجاب لأن يكون من أعضاء الشورى مع وجود المفارقات الواضحة بينه وبينهم ؟
وقد أجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك بأنه أراد أن يظهر تناقض عمر، فقد أعلن غير مرة أنّ النبوّة والخلافة لا يجتمعان في بيت واحد، فلماذا إذاً جعله من أعضاء الشورى المرشحين للخلافة ؟ !
وأجمع المحققون من القدامى والمتأخرين على نقد هذه الشورى وتزييف نظامها، وذكروا لها كثيراً من المضاعفات السيئة التي عادت على المسلمين بالفتن والخلاف، وخلقت لهم المصاعب والمشاكل، وقد دللنا عليها في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) (1)، ولكن ضرورة البحث تقتضي ذكرها، وهي :
أوّلاً: إنّ هذا النظام بعيد عن واقع الشورى، وقد خلا من جميع العناصر التي تتميز بها، فإنّه لابد أن تتوفر فيها ما يلي :
1 - أن تشترك الأمة بجميع قطاعاتها في الانتخاب.
2 - أن لا تتدخل الحكومة أي تدخل مباشر أو غير مباشر في شؤون الانتخاب.
3 - أن تتوفر الحريات العامّة لجميع الناخبين.
وفقدت الشورى العمرية هذه العناصر، ولم يعد لها أي وجود فيها، فقد حظر على الأمة أن تشترك في الانتخاب، ولم تمنح لها الحرية في اختيار من ترغب فيه للحكم، وإنّما فوض أمرها إلى ستة أشخاص، وجعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الإسلاميّة، وهذا لون من ألوان التزكية تفرضه بعض الحكومات التي لا تعنى بإرادة شعوبها على أنّه أوعز إلى الحرس بالتدخل في الأمر، وعهد إليهم بقتل من لا يوافق من أعضاء الشورى على من ينتخبه بقية الأعضاء، كما عهد إليهم بتحديد مدة الانتخاب في ثلاثة أيام وقد ضيق الوقت على الناخبين خوفاً من تدخل
1) حياة الإمام الحسن بن علي عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 186 - 190.
القطاعات الشعبية في الأمر فيفوت غرضه.
ثانياً : إنّ هذه الشورى ضمّت العناصر المعادية للإمام أمير المؤمنين والحاقدة عليه، ففيها طلحة بن عبيد اللّه التيمي، وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الخلافة ودفعه عنها، وفيها عبد الرحمن بن عوف الزهري وهو صهر عثمان ومن أكثر المهاجرين حقداً على الإمام فهو كما يقول المؤرخون كان من الذين استعان بهم أبو بكر لإرغام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مبايعته.
وضمت الشورى سعد بن أبي وقاص الزهري، وكانت نفسه مترعة بالحقد والكراهية للإمام من أجل أخواله الأمويين، فإنّ أمه حمنة بنت سفيان بن أمية، وقد أباد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلامهم وصناديدهم في سبيل الدعوة الإسلاميّة، ولما بايع المسلمون الإمام تخلف سعد عن بيعته.
ومن أعضاء الشورى عثمان بن عفان عمید الأسرة الأموية.
وقد اختار عمر - فيما يقول بعض المؤرخين - هذه العناصر المنافسة للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحاقدة عليه ؛ حتّى لا يؤول الأمر إليه.
وقد تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المؤثرات التي لعبت دورها في ميدان الانتخاب، حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَعًا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ، وَمالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ، مَعَ هَنِ وَهَنِ !» (1).
وعلى أيّة حال فإنّ هذه الشورى لم يكن المقصود منها - فيما يقول المحققون - إلّا إقصاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكم، ومنحه للأمويين.
يقول العلائلي : «إنّ تعيين الترشيح في ستة مهد السبيل لدى الأمويين لاستغلال الموقف، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين، وقد وصل إلى هذه النتيجة السيّد مير علي الهندي قال : إن عدم حرص عمر على مصلحة المسلمين دفعه إلى
1) نهج البلاغة : 1 : 35، الخطبة.
اختیار هؤلاء الستة من خيرة أهل المدينة دون أن يتبع سياسة سلفه، وكان للأمويين حزب قوي في المدينة، ومن هنا مهد اختياره السبيل لمكائد الأمويين ودسائسهم، هؤلاء الذين ناصبوا الإسلام العداء، ثم دخلوا فيه وسيلة لسد مطامعهم، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين» (1).
ثالثاً : لقد عمد عمر في هذه الشورى إلى إبعاد الأنصار، فلم يجعل لهم أي نصيب فيها، وهم الذين أووا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونصروا الإسلام في أيام محنته وغربته وقد أوصى بهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خيراً، كما إنه لم يجعل نصيباً فيها لعمار وأبي ذر وأمثالهما من أعلام الإسلام وأكبر الظن أنه إنّما أبعدهم ؛ لأنّ لهم هوى وميلاً للإمام أمير المؤمنين اللّه، ولا ينتخبون غيره، ولا يرضون سواه ؛ ولهذه الجهة أقصاهم، وقصر أعضاء الشورى على العناصر المعادية له.
رابعاً : من غريب أمر هذه الشورى أن عمر قد شهد في حق أعضائها أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)مات وهو عنهم راض، أو أنّه شهد لهم بالجنّة، وقد عهد إلى الشرطة بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب أحدهم.
ويقول الناقدون لهذه الشورى : إنّ التخلف عن الانتخاب لم يكن خروجاً عن الدين، ولا مروقاً عن الإسلام حتّى تباح دماؤهم ! فلم يتفق هذا الحكم مع ما أثر عن الإسلام في حرمة إراقة الدماء ووجوب التحرج فيها إلّا في مواضع مخصوصة ذكرها الفقهاء، وهذا ليس منها.
بقي هنا شيء آخر لا يقل غرابة عن ذلك التناقض، وهو أن عمر إنما قصر أعضاء الشورى على الستة بحجة أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مات وهو عنهم راض، وهذه الحجة لا تصلح دليلاً على التعيين ؛ لأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مات وهو راض عن كثير من صحابته، فتقديم الستة عليهم إنّما هو من باب الترجيح بلا مرجح، وهو ممّا ممّا يتسم
1) الحسين بن عليّ : 267.
بالقبح ؛ كما يقول علماء الأصول
خامساً : إن ممّا يؤخذ على هذه الشورى إن عمر جعل الترجيح للجبهة التي تضم عبد الرحمن بن عوف، وقدمها على الجبهة التي تضم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو تحيز ظاهر للقوى القرشية الحاقدة على الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) والباغية عليه. پ
كما أنّا لا نعلم أنّ هناك أية مأثرة يمتاز بها ابن عوف يستحق بها هذه الإشادة والتكريم، أليس هو وإخوانه من المهاجرين كطلحة والزبير وغيرهما قد استأثروا بأموال المسلمين وفيئهم حتّى ملكوا من الثراء العريض ما لا يحصى، وتحيروا في صرفه وإنفاقه، وقد ترك ابن عوف - فيما يقول المؤرخون - من الذهب ما يكسر بالفؤوس لكثرته (1)؟ ! أمثل هذا يُقَدِّمُ على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ !
وهو صاحب المواهب والعبقريات، الذي لاند له في علمه وتقواه وتحرجه في الدين، واللّه تعالى يقول في كتابه : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (2).
سادساً : إن هذه الشورى أوجدت التنافس بين أعضائها، فإن كلّ واحد منهم قد رأى نفسه نداً للآخر وكفوا له، ولم يكونوا قبل ذلك على هذا الرأي، فقد كان سعد خاضعاً لعبد الرحمن، وعبد الرحمن تابعاً لعثمان ومن خلص أصحابه ومناصريه، وبعد الشورى حدث بينهما انشقاق غريب، فكان عبد الرحمن يؤلب على عثمان، ويدعو علياً ليحمل كلّ منهما سيفه ليناجزه، وقد عهد إلى أوليائه بعد موته أن لا يصلي عليه عثمان.
وكذلك كان الزبير شيعة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد وقف إلى جانبه يوم السقيفة، وتحمّل في سبيله ضروباً شاقة وعسيرة من الجهد والعناء، وقد قال في
عهد عمر : واللّه لو مات عمر بايعت علياً (1)، ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح فرأى نفسه نداً للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففارقه وخرج عليه يوم الجمل.
وهكذا أوجدت الشورى روح التخاصم والعداء بين أعضائها، فقد رأى كلّ واحد منهم أنّه أولى بالأمر، وأحق به من غيره، وقد أدى التخاصم والنزاع الذي وقع بينهم إلى تصديع كلمة المسلمين وتشتيت شملهم، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان في حديثه مع أبي الحصين الذي أوفده زياد لمقابلته، فقد قال له معاوية : «بلغني أن عندك ذهناً وعقلاً، فأخبرني عن شيء أسألك عنه ؟
قال : سلني عمّا بدا لك.
قال : أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين وفرق أهواءهم وخالف بينهم ؟
قال : نعم، قتل الناس عثمان.
قال : ما صنعت شيئاً !
قال : فمسیر علي إليك وقتاله إياك.
قال : ما صنعت شيئاً !
قال : فمسير طلحة والزبير وعائشة، وقتال علي إيّاهم.
قال : ما صنعت شيئاً !
قال : ما عندي غير هذا.
قال : أنا أخبرك، إنّه لم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم إلّا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر ؛ وذلك أن اللّه بعث محمّداً بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره اللّه به، ثم قبضه اللّه إليه، وقدّم
1) الطرائف : 1 : 333 النص والاجتهاد : 392. صحيح البخاري : 8: 300 و 301، الحدیث 25. السنن الكبرى / النسائي : 4: 274. تاريخ مدينة دمشق : 30: 280 و 281. سبل الهدى والرشاد : 12 : 311.
أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم ؛ إذ رضيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأمر دينهم، فعمل بسنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و وسار بسيرته حتّى قبضه اللّه، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف (1).
إنّ من المظاهر الأولية لهذه الشورى إشاعة الأطماع والأهواء السياسية بشكل سافر عند بعض أعضائها، فاندفعوا إلى خلق الحزبية والتكتلات في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم، ممّا أدى ذلك إلى كثير من المضاعفات السيئة، وقد امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً.
هذه بعض آفات الشورى التي عاني منها المسلمون أقسى ألوان الكوارث والخطوب، فقد مهدت الطريق أمام الطلقاء وأبنائهم للاستيلاء على السلطة والقبض على زمام الحكم، وتخطيط سياسة للدولة لم يألفها المسلمون، ومن أبرز برامجها الاستئثار بالفيء ونهب ثروات الأمة وخيراتها، والإمعان في ظلم الأخيار والتنكيل بعترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ولما مضى عمر إلى ربّه، ودفن في مقره الأخير أحاط الحَرس بأعضاء الشورى فألزموهم بالاجتماع واختيار حاكم للمسلمين من بينهم تنفيذاً لوصية عمر، فاجتمعوا في بيت المال. وقيل : في بيت مسور بن مخرمة، وقيل : في بيت عائشة، وقد أشرف على الانتخاب الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعبد اللّه بن عباس، وبادر المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص فجلسا في عتبة الباب، فنهرهما سعد وقال لهما : تريدان أن
1) العقد الفريد : 4 : 281.
تقولا : حضرنا، وكنا في أهل الشورى ؟ (1).
ودلت هذه البادرة على مدى التنافس والأحقاد فيما بين القوم، فقد ضنَّ سعد على المغيرة وابن العاص بالحضور خشية أن يقولا للناس : كنا من أهل الشورى.
وتداول الأعضاء فيما بينهم الحديث عمن هو أحق بالأمر وأولى به، وكثر الصخب والجدل.
وانبرى إليهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحذرهم مغبة ما يحدث من الفتن والفساد إن استجابوا لعواطفهم، ولم يؤثروا مصلحة الأمة فقال : لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَم، فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوا هذا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُحَانُ فِيهِ الْعُهُودُ حَتَّىٰ يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةٌ لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةٌ لِأَهْلِ الْجَهالَةِ» (2).
إنّهم لو سمعوا قوله، ووعوا منطقه لصانوا الأمة من التيارات الجارفة وعادوا عليها بالخير العميم، ولكنهم انطلقوا وراء شهوات الملك والسلطان. وتحقق ما تنبأ به الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم يمض قليل من الوقت حتّى انتضت السيوف وانتشرت الحروب، وسادت الفتن والأهواء، وصار بعضهم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة.
وعمّ الجدل بين القوم فلم ينتهوا إلى غاية مريحة فانفضت الجلسة على غير طائل، وجماهير الشعب تنتظر بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة، وعقد الاجتماع مرة أخرى إلّا أنّه باء بالفشل.
فأشرف عليهم أبو طلحة الأنصاري وهو يتهدد ويتوعد، قائلاً : لا والذي ذهب
بنفس عمر ! لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم (1).
واقترب اليوم الثالث وهو آخر موعد للقوم، فانعقد الاجتماع وبدت فجأة الاندفاعات القبلية التي شذت عن مصلحة الأمة، فقد انبرى طلحة فوهب حقه لعثمان، وإنّما فعل ذلك استجابة لعواطفه المترعة بالكراهية للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنَّه نافس ابن عمه أبا بكر على الخلافة. واندفع الزبير فوهب حقّه للإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لأنّه تربطه به رحم ماسة، وانطلق سعد فوهب حقّه لابن عمّه عبدالرحمن بن عوف ؛ تقوية لجانبه، وتعزيزاً لمركزه
وكان رأي عبد الرحمن هو الفيصل، وجانبه هو المرموق ؛ لأن عمر قد وضع ثقته به، وأناط به أمر الشورى ؛ إلا أنّه كان ضعيف الشخصية هزيل الإرادة، لا قدرة له على تحمل مسؤولية الحكم، فأجمع رأيه على أن يرشح غيره للخلافة، وكان له هوى مع عثمان ؛ لأنّه صهره، وقد استشار عامة القرشيين في الأمر فزهدوه في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنه يحقق أطماعهم ورغباتهم.
وحلت الساعة الرهيبة التي غيرت مجرى التاريخ، فقال عبدالرحمن لابن أُخته المسور بن مخرمة الزهري : اذهب فادع لي علياً وعثمان.
فقال : بأيهما أبدأ ؟
قال : بأيّهما شئت.
وانطلق المشور فدعاهما، وازدحم المهاجرون والأنصار وسائر الناس في الجامع، فانبری عبدالرحمن فعرض عليهم الأمر، وقال : أيّها الناس، إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، فأشيروا عليَّ.
فتقدم إليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للأمة سلامتها
1) تاريخ الأمم والملوك : 3: 604. تاريخ المدينة المنورة / ابن أبي شيبة : 3: 927. الكامل في التاريخ : 3 : 36. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 192.
ويصونها من الفرقة والاختلاف قائلاً : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً.
وانطلق المقداد فأيد مقالة عمار قائلاً: صدق عمار، إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا. واندفعت القوى الباغية والحاقدة على الإسلام وهي تشجب مقالة عمار والمقداد، وتدعو إلى ترشيح عثمان عميد الأمويين، وقد هتف عبداللّه بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان.
واندفع عبد اللّه بن أبي ربيعة فأيد مقالة زميله قائلاً: إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا.
وانبرى الصحابي العظيم عمار بن ياسر فرد على ابن أبي سرح قائلاً : متى كنت تنصح للمسلمين ؟
وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين أو يرجو وقاراً للإسلام، فقد كان من أعدى الناس الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد أمر بقتله بعد فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة (1).
إنَّه لو كان هناك أي منطق أو حساب لأقصى هذا الدعي وأمثاله من التدخل في شؤون المسلمين، فإنّ بني أمية وسائر القبائل القرشية يجب أن تكون في ذيل القافلة ولا يعنى بأمرها ؛ لأنها هي التي ناجزت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحرضت عليه القبائل وكادته، وما دخلت في الإسلام إلا بعد الخوف من حد السيوف، فكيف يسمح لها أن تفرض رأيها، ويؤول إليها أمر المسلمين ؟ !
واحتدم الجدال بين الهاشميين والأمويين، فانبرى عمار بن ياسر وهو يدعو لصالح المسلمين، قائلاً : أيها الناس، إنّ اللّه أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟ !
1) معاني الأخبار : 347. تاريخ مدينة دمشق : 59: 68. الاستيعاب : 3: 918، الحديث 1553. البداية والنهاية : 7: 151 و 152.
لقد كان منطق عمار حافلاً بروح الإسلام وهديه، فإنّ قريشاً وسائر العرب إنّما أعزها اللّه بدينه، وأسعدها برسوله، فهو مصدر عزّ العرب وشرفهم، وكان الواجب عليهم أن يقابلوه بالمعروف والإحسان، فلا يخرجون هذا الأمر عن أهله الذين هم سدنة علمه، وخزنة وحيه، إنّه ليس من العدل في شيء أن يمعنوا جاهدين في قهرهم وإذلالهم.
وانبرى رجل من مخزوم (1)فقطع على عمار كلامه، قائلا له : لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ؟!
ولم يدخل أي بصيص من نور الإسلام وهديه في قلب هذا المخزومي، فقد راح يندد بعمار فنسبه لأمه سمية وهي ممّن يعتز بها الإسلام، ويفخر بنضالها المشرق وتضحيتها الفذة، فهي وزوجها ياسر وابنهما البار في طليعة القوى الخيرة المؤسسة للإسلام، وقد عانت في سبيله أقسى ألوان المحن والخطوب.
إنّ أمر الخلافة لجميع المسلمين يشترك فيه عمار وغيره من الضعفاء الذين أعزهم اللّه بدينه، وليس لطغاة قريش أي حق في التدخل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق أو حساب.
وكثر النزاع واحتدم الجدال بين القوى الإسلاميّة وبين القرشيين، فخاف سعد ابن أبي وقاص أن يفوت الأمر من القوم، فالتفت إلى ابن عمه عبدالرحمن قائلا له : يا عبد الرحمن، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس.
والتفت عبدالرحمن إلى الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر ؟
ورمقه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطرفه، وعرف غايته، فأجابه بمنطق الإسلام، ومنطق
1) هو عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي، والد الشاعر المشهور عمر بن أبي ربيعة - أسد الغابة : 3 : 128 و 129، الحدیث 2937.
الأحرار : بَلْ عَلَى كِتابِ اللّه، وَسُنَّةِ رَسولِهِ، وَاجْتِهَادِ رَأْيِي.
إنّ مصدر التشريع في الإسلام إنّما هو كتاب اللّه وسنة نبيه، فعلى ضوئها تعالج مشاكل الرعية، ويسير نظام الدولة، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع الإسلامي، على أنّهما اختلفا أشد الاختلاف في النظم السياسية، فقد انتهج أبو بكر في سياسته المالية منهجاً أقرب إلى المساواة من سياسة عمر، فإنّه ألغى المساواة في العطاء، وأوجد نظام الطبقية، فقدم بعض المسلمين على بعض، وشرع حرمة المتعتين : متعة الحج ومتعة النساء، في حين أنّهما كانتا مشروعتين في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر، وكانت له آراؤه الخاصّة في كثير من المجالات التشريعية.
فعلى أي المنهجين يسير ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربيب الوحي ورائد العدالة الاجتماعيّة في الإسلام ؟ !
إنّ ابن عوف يعلم علماً جازماً لا يخامره أدنى شك إنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو تقلد زمام الحكم لطبق شريعة اللّه في الأرض، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحق المحض، ولم يمنح الأسر القرشية أية جهة من الامتياز، وساوى بينها وبين غيرها في جميع الحقوق والواجبات، فتفوت بذلك مصالح هذه الطبقة التي جنت على الإسلام، وجرت للمسلمين أعظم الويلات والخطوب.
إن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو وافق على الالتزام بما شرط عليه ابن عوف لما أمكنه أن يطبق أي منهج من مناهج سياسته الهادفة إلى نشر العدل بين الناس. ومن المقطوع به أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى لو التزم بهذا الشرط ظاهراً لحالت قريش بينه وبين تطبيق أهدافه، ولم تدع له أي مجال لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ويكون خروجها عليه مشروعاً لأنه لم يف لها بوعده.
وعلى أيّة حال فإنّ عبد الرحمن لما يئس من تغيير اتجاه الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) انبرى إلى عثمان فشرط عليه ذلك فسارع إلى إجابته، وأظهر استعداده الكامل لكل
ما شرطه عليه.
وفيما أحسب أنّ هناك اتفاقاً سرياً بينهما أحيط بكثير من الكتمان، فإنّه بأيّة حال لا ينتخب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن أجابه إلى ما شرطه عليه، وإنّما طلب منه البيعة لأجل التغطية على مخططاته فاستعمل هذه المناورة السياسية.
ويرى بعض المؤرخين من الإفرنج أنّ عبد الرحمن استعمل طريقة المداورة والانتهازية، ولم يترك الانتخاب يجري حراً.
يقول المؤرخون : إنّ عبد الرحمن بادر إلى عثمان فصفق بكفه على يده وقال له : اللّهمَّ إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان.
ووقعت هذه المبادرة كصاعقة على القوى الخيرة التي جهدت على أن يسود حكم اللّه بين المسلمين.
وانطلق الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صوب ابن عوف فخاطبه قائلاً: وَاللّه مَا فَعَلْتَها إِلَّا لِأَنَّكَ رَجَوتَ مِنْهُ مَا رَجا صَاحِبُكُما مِنْ صاحِبِهِ؛ دَقَّ اللّه بَيْنَكُما عِطْرَ مَنْشِمٍ (1)
اسم امرأة بمكة كانت عطارة، وكانت خُزاعة وجُرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال : أشأم من عطر منشم - صحاح الجوهري : 5 : 2041 - نَشَمَ.
وقد استجاب اللّه دعاء الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكانت بين عثمان وعبدالرحمن أشد المنافرة والخصومة، وقد أوصى ابن عوف أن لا يصلي عليه عثمان بعد موته.
.وألقى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأضواء على اختيار عبد الرحمن لعثمان من أنّه لم يكن من صالح الأمة وانما كان وليد الأطماع والأهواء السياسية، فقد رجا ابن عوف أن يكون خليفة من بعد عثمان، واتجه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صوب القرشيين فقال لهم : لَيْسَ هَذا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّه
1) مَنْشِم - بكسر الشين -:
المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ» (1).
ولذع منطق الإمام ابن عوف، فراح يهدده : يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلاً.
وغادر الإمام المظلوم المهتضم قاعة الاجتماع، وهو يقول : سَيَبْلُغُ الْكِتابُ أَجَلَهُ.
وانطلق ابن الإسلام البار عمار بن ياسر فخاطب ابن عوف يا عبدالرحمن، أما واللّه لقد تركته، وإنّه من الذين يقضون بالحق، وبه يعدلون.
وكان المقداد ممن ذابت نفسه أسىً وحزناً، وراح يقول : تاللّه ما رأيت مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنِّي لأعجب من قريش إنّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم إن أحداً أقضى منه بالعدل، ولا أعلم ولا أتقى منه لو أجد عليه أعواناً. وقطع عليه عبد الرحمن كلامه وراح يحذره من الفتنة قائلاً: اتقِ اللّه يا مقداد، فإنّي خائف عليك الفتنة (2).
وانتهت بذلك مأساة الشورى التي أخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرّ عظيم، فلم يرعَ في تأسيسها وتنفيذها بهذا الشكل أي حق للأسرة النبوية، وإنما عمد القوم بشكل سافر إلى الغض من شأنها، ومعاملتها معاملة عادية اتسمت بالحقد والكراهية لها، وضاعت بذلك وصايا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حقها، ولم يعن بما قاله في شأنها : من أنّها عدل الكتاب العظيم، أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى.
لقد شاهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في غضارة العمر فصول هذه الشورى،
1) يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) 12 : 18.
2) بحار الأنوار: 31 : 385 - 405. الدرجات الرفيعة : 261. تاريخ المدينة المنورة / ابن أبي شيبة : 3: 923 - 931 تاريخ الأمم والملوك : 3: 601 - 606. العقد الفريد : 4: 275 - 280. الكامل في التاريخ : 3 : 34 - 37 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 185 - 194، وقد ذكر القصة أكثر أصحاب التاريخ والأنساب مع اختلاف في ألفاظها.
وما أعقبته من انتشار الأطماع السياسية، والتهالك على السلطة بشكل فظيع، ممّا أدى إلى تشكيل الأحزاب، والتسلح بأسباب القوة لأجل الفوز بالحكم والظفر بخيراته، يقول الشاعر :
إنِّى أرى فِتْنَةٌ هَاجَتْ مَراجِلُها***وَالمُلْكُ بَعْدَ أَبِي لَيْلَى لِمَنْ غَلَبا (1)
لقد أصبح الحكم هو الأمل المنشود والحلم الذي يداعب جميع الفئات.
يقول الجهشياري : لما توفي يزيد بن عبد الملك وأفضى الأمر إلى هشام أتاه الخبر وهو في ضيعة له مع جماعة، فلما قرأ الكتاب سجد وسجد من كان معه من أصحابه خلا سعيد فإنّه لم يسجد، فأنكر عليه هشام وقال له : لِمَ لم تسجد كما سجد أصحابك ؟
فقال : علامَ أسجد ؟ أعلى أن كنت معنا فطرت إلى السماء.
قال : فإنّا طيرناك معنا.
قال : الآن طاب السجود، وسجد معهم (2).
و دلت هذه البادرة وأمثالها ممّا ذكره المؤرخون على تهالك ذلك المجتمع على الحكم لا من أجل أن يتخذ وسيلة للإصلاح الاجتماعي وتطوير حياة الأمة حسب ما يريده الإسلام، وإنّما من أجل الأطماع والاستعلاء على الناس.
وعلى أيّة حال فإنّ تلك الأحداث المؤلمة قد باعدت ما بين القوم وبين دينهم، وكان لها الأثر الإيجابي في هضم العترة الطاهرة، وتعاقب الخطوب المفزعة عليها، ومن بينها كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة الشيخين.
واستقبل المسلمون خلافة عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب، وفزعت القوى الخيرة، وخافت على دينها، واعتبرت فوز الأمويين بالحكم انتصاراً للقوى المناهضة للإسلام.
ويرى (دوزي) أن انتصار الأمويين إنّما هو انتصار للجماعة التي كانت تضمر العداء للإسلام (1).
وتحقق ما خشيه المسلمون وخافوه، فإنّه لم يمض قليل من الوقت حتّى جهدت حكومة عثمان على ممالأة القرشيين، ومصانعة الوجوه والأعيان، ومنحهم الامتيازات الخاصّة، وتسليطهم على فيء المسلمين وخراجهم، والتلاعب باقتصاد الدولة، ومنح الوظائف العالية لبني أُمية وآل أبي معيط، وغيرهم من الذين لا يرجون للّه وقاراً ؛ حتّى سادت الفوضى وعمت الفتن جميع أرجاء البلاد.
وعلى أيّة حال فإنّ عثمان حينما فرضه ابن عوف خليفة على المسلمين حقت به بنو أمية وسائر القبائل القرشية، وهم يعلنون الدعم الكامل لحكومته، ويهتفون بحياته، وجاء وا به يزفونه إلى مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليعلن سياسة دولته وموقفها تجاه القضايا الداخلية والخارجية، واعتلى أعواد المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يجلس فيه أبو بكر ولا عمر، وإنما كان يجلس
1) اتّجاهات الشعر العربي : 26.
أبو بكر دون رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)ه بمرقاة، وعمر كان يجلس دون أبي بكر بمرقاة، وتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم : اليوم ولد الشرّ.
واتجهت الناس بقلوبها ومشاعرها لتسمع الخطاب السياسي الذي يلقيه عثمان، إلا أنه حينما نظر إلى الجماهير أُرتِج (1)عليه، فلم يدر ما يقول : وجهد نفسه فتكلم بهذه الكلمات المضطربة التي لم تلق أية أضواء على سياسته، فقد قال : أمّا بعد، فإن أول مركب صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم اللّه، وإنّ أمرءاً ليس بينه وبين آدم إلّا أب ميت لموعوظ (2).
ونزل عن المنبر وهو وجل القلب، مصفر الوجه، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض وهم يهزءون ويسخرون.
ولابدّ لنا من الإلمام بمظاهر شخصيته والوقوف على اتجاهاته السياسية، كما لابد من التأمل في الأحداث التي رافقت حكومته والتي كان لها التأثير المباشر في كثير من الفتن والخطوب التي مني بها العالم الإسلامي، ونحن لا نجد بُداً من عرض ذلك ؛ لأنّ دراسة هذه الأحداث تلقي الأضواء على حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتكشف لنا كثيراً من جوانب كارثة كربلاء التي جاءت نتيجة حتمية لتلك الأحداث التي لعبت دورها الخطير في تغيير مناحي العقيدة الإسلاميّة.
أمّا الظواهر الكاشفة عن أبعاد شخصية عثمان، والمحددة لذاتياته فأهمها ما يلي :
1 - إنّه كان ضعيف الإرادة خائر العزيمة، فلم تكن له أية شخصية قوية متماسكة يستطيع بها أن يفرض آراءه وإرادته، كما لم تكن له أية قدرة على مواجهة الأحداث والتغلب عليها، قد أخذ الأمويون بزمامه، واستولوا على جميع مقدرات حكومته، فلم يستطع أن يقف موقفاً إيجابياً يتسم بالصلابة ضد رغباتهم وأهوانهم، فكان بالنسبة إليهم - فيما يقول بعض المؤرخين - كالميت في يدي الغاسل، وكان الذي يدير شؤون دولته مروان بن الحكم، فهو الذي يعطي ما يشاء، ويمنع من يشاء، ويتصرف في مقدرات الأمة حسب ميوله من دون أن يعتني بأحكام الإسلام ولا رأي لعثمان ولا اختيار له في جميع الأحداث التي تواجه حكومته، فقد وثق بمروان واعتمد عليه، وأناط به جميع شؤون الدولة (1).
يقول ابن أبي الحديد نقلاً عن بعض مشايخه : «إنّ الخليفة في الحقيقة والواقع إنما كان مروان وعثمان له اسم الخلافة» (2).
إنّ قوة الإرادة لها الأثر التام في تكوين الشخصية واستقامتها، فهي تكسب الشخص قوة ذاتية يستطيع أن يقف بها بحزم أمام التيارات والأعاصير التي تواجهه في هذه الحياة، ومن المستحيل أن يحقق الشخص أي هدف لأمته ووطنه من دون أن تتوفر فيه هذه النزعة، وقد منع الإسلام منعاً باتاً أن يتولى ضعيف الإرادة قيادة الأمة، وحظر عليه مزاولة الحكم ؛ لأنه يعرّض البلاد للويلات والخطوب، ويغري ذوي القوة بالتمرد والخروج من الطاعة، وتمنى الأمة بالأزمات والأخطار.
ووصفه بعض المؤرخين بالرأفة والرقة واللين والتسامح، إلا أن ذلك كان مع أسرته وذويه (3)، أما مع الجبهة المعارضة لحكومته فقد كان شديد القسوة، فقد بالغ
في إرهاقهم واضطهادهم، وقابلهم بمزيد من العسف والعنف، فنفى أبا ذر من يثرب إلى الربذة، وفرض عليه الإقامة الجبرية في مكان انعدمت فيه جميع وسائل الحياة، حتّى مات طريداً غريباً، ونكّل بالصحابي العظيم عمار بن ياسر فأمر بضربه حتّى أصابه فتق، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه، وأوعز إلى شرطته بضرب القارئ الكبير عبداللّه بن مسعود فألهبت جسمه سياطهم وألقوه في الطريق بعد أن هسموا بعض أضلاعه، وحرم عليه عطاءه، وهكذا اشتد في القسوة مع أعلام المعارضة (1).
نعم، كان شديد الرأفة والرقة بأرحامه من بني أمية وآل أبي معيط، فمنحهم خيرات البلاد، وحملهم على رقاب الناس، وأسند إليهم جميع المناصب الحساسة في الدولة.
2 - وظاهرة ثانية من نزعات عثمان هي أنّه كان شديد القبلية، فقد أترعت نفسه بالعواطف الجياشة تجاه قبيلته، حتّى تمنّى أن تكون مفاتيح الفردوس بيده ليهبها لبني أمية، وقد آثرهم بالفيء، ومنحهم الثراء العريض، ووهبهم الملايين من أموال الدولة، وجعلهم ولاة على الأقطار والأقاليم الإسلاميّة، وكانت تتواتر لديه الأخبار بأنّهم جانبوا الحقّ وظلموا الرعية، وأشاعوا الفساد في الأرض فلم يعن بذلك ولم يفتح معهم أي لون من ألوان التحقيق ورد الشكاوى الموجهة ضدهم، وسنعرض لذلك بمزيد من التفصيل.
3 - والظاهرة الثالثة من نزعات عثمان هي أنّه كان يميل إلى الترف والبذخ، ولم يعن ببساطة العيش والزهد في الدنيا كما كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتن بالبذخ والترف فاتخذ القصور، واصطفى لنفسه ما شاء من بيت المال، وأحاط نفسه بالثراء العريض
1) تاريخ اليعقوبي : 2: 70 و 71 مروج الذهب :2 338 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 1 : 199. الفتوح : 2 : 373 - 379.
من دون أن يتحرج في ذلك، ووصفه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : نافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ» (1).
وكان ذلك من موجبات النقمة عليه، وسنتحدث عن هذه الظاهرة بمزيد من التفصيل عند البحث عن سياسته المالية.
هذه بعض نزعات عثمان، وقد أوجبت إخفاقه وفشله في الميادين السياسية، وإذاعة التذمر والنقمة عليه.
أما النظم الإدارية السائدة في حكومة عثمان فإنّها كانت تُعنى بممالأة القرشيين، ومصانعة الوجوه والأعيان، والتسامح واللين مع ذوي النفوذ والقوة، والغض عمّا يقترفونه من المخالفات القانونية، فقد تعمّد عبيد اللّه بن عمر جريمة القتل، فقتل بغير حق الهرمزان، وجفينة، وبنت أبي لؤلؤة اقتصاصاً بدم عمر، وقد أقفل معه عثمان سیر التحقيق، وأصدر مرسوماً خاصاً بالعفو عنه ممالأة لأُسرة عمر، وقد قوبل هذا الإجراء بمزيد من الإنكار، فقد اندفع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإنكار عليه وطالبه بالقود من ابن عمر، وكذلك طالبه المقداد، ولكن عثمان لم يعن بذلك، وكان زياد بن لبيد البياضي إذا لقى عبيد اللّه يقول له :
أَلَا يا عُبَيدَ اللّه ما لَكَ مَهْرَبٌ***وَلَا مَلْجَأَ مِنْ ابن أَرْوى وَلَا خَفَرْ
أَصَبْتَ دَماً وَاللّه فى غَيْرِ حِلّهِ***حراماً وَقَتَلُ الهُرمُزانِ لَهُ خَطَرْ
عَلَى غَيْر شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ قالَ قَائِلٌ***أَتَتُهمونَ الهَرْمُرَانَ عَلى عُمَرُ
فَقالَ سَفِيةٌ وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ***نَعَمْ أَنْهِمْهُ قَدْ أَشارَ وَقَدْ أَمَرْ
وَكَانَ سِلَاحُ العَبْدِ فِي جَوفِ بَيْنِهِ***يُقَلْبُهُ وَالأَمْرُ بِالْأَمْرِ يُعْتَبَرُ
1) نهج البلاغة : 1 : 35، الخطبة 3.
وشكا عبيد اللّه بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره، فدعا عثمان زياداً فنهاه عن ذلك إلا أنه لم ينته وتناول عثماناً بالنقد، فقال فيه :
أَبا عَمْرِو عُبَيْدُ اللّه رَهْنٌ***فَلَا تَشْكُلْ بِقَتْلِ الهُرْمُزانِ
فَإِنَّكَ إِن غَفَرْتَ الجُرْمَ عَنْهُ***وَأَسْبَابُ الخَطا فَرَسا رهان
أَتَعْفُو إِذْ عَفَوْتَ بِغَيْرِ حَقٍّ***فَمَا لَكَ بِالَّذِي تَحْكِي يَدانِ
وغضب عثمان على زياد فنهاه، وحذره العقوبة حتّى انتهى (1).
وأخرج عثمان عبيد اللّه من يثرب إلى الكوفة، وأقطعه بها أرضاً، فنسب الموضع إليه فقيل : كويفة ابن عمر (2).
وقد أثارت هذه البادرة عليه نقمة الأخيار والمتحرجين في دينهم، فقد رأوا أنّ الخليفة عمد بغير وجه مشروع إلى تعطيل حدود اللّه، إرضاء لعواطف آل الخطاب وكسباً لودهم.
وعلى أيّة حال فإنّ النظم الإدارية السائدة في أيام عثمان كانت خاضعة لمشيئة الأمويين ورغباتهم، ولم تسر على ضوء الكتاب والسنة، فقد عمد الأمويون جاهدين إلى العبث بمقدرات الأمة، وإشاعة الجور في البلاد.
ويرى كرد علي أنّ غلطات عثمان الإدارية كانت من أهم الأسباب في قتله (3).
وعمد عثمان إلى فرض أسرته وذوي قرباه على الأمة فجعلهم ولاة وحكاماً على
الأقاليم الإسلاميّة. يقول المقريزي : «وجعل عثمان بني أمية أوتاد خلافته» (1).
ولم تتوفر فيهم المقدرة الإدارية أو القابلية على تحمل مسؤولية الحكم، فعرّضوا البلاد للويلات وأشاعوا فيها الفساد والجور.
ويقول المؤرخون : إنّه شجّع عماله على الاستفادة من بيت المال، فأبو موسى الأشعري سمح لأحد عماله بالتجارة في أقوات أهل العراق.
ويرى السيّد مير مير علي أن المسلمين تذمروا من استبداد الحكام واغتصابهم الأموال (2).
وفيما يلي بعض عماله :
وأسند عثمان ولاية الكوفة إلى سعيد بن العاص فولاه أمر هذا القطر العظيم بعد عزله الوليد بن عقبة لاقترافه جريمة شرب الخمر، وقد استقبل الكوفيون واليهم الجديد بالكراهية وعدم الرضا ؛ لأنّه كان شاباً مترفاً متهوراً لا يتحرج من المنكر (3).
يقول المؤرخون : إنّه قال مرة في شهر رمضان من رأى منكم الهلال ؟ فقام الصحابي العظيم هاشم بن عتبة المرقال فقال : أنا رأيته، فلم يعن به وإنّما وجه إليه منكر القول وأقساه، قائلاً : بعينك هذه العوراء رأيته من بين القوم ؟ !
فالتاع هاشم وانبرى منكراً عليه قائلاً: تعيرني بعيني، وإنما فقئت في سبيل اللّه وكانت عينه أصيبت يوم اليرموك.
وأصبح هاشم مفطراً، عملاً بقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَانظُرُوا
لِرُؤْيَتِهِ» (1)، وفطر الناس لافطاره، وانتهى الخبر إلى سعيد فأرسل إليه وضربه ضرباً مبرحاً، وحرّق داره، وقد أثار ذلك حفائظ النفوس ونقم عليه الناس ؛ لأنه اعتدى بغير حق على علم من أعلام الجهاد في الإسلام (2).
وكان سعيد في منتهى الطيش والغرور، فقد أثر عنه أنه قال : «إنّما السواد بستان لقريش»، وأثار ذلك عليه موجة من الغضب والاستياء، فقد اندفع زعيم الأحرار مالك الأشتر راداً عليه قائلاً: أتجعل مراكز رماحنا، وما أفاء اللّه علينا بستاناً لك ولقومك ؟ واللّه لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ (3)منه (4)
الكامل في التاريخ : 3 : 70 تاریخ ابن خلدون : 2 : 589.
.وهكذا اتخذ الحكم المنحرف الذي فرض على الأمة بقوة السيوف خيرات المجتمع بستاناً لقريش التي ناهضت الإسلام وناجزته الحرب.
وانضم قراء المصر وفقهاؤهم إلى الزعيم مالك الأشتر مؤيدين مقالته ومنكرين على الوالي غروره وطيشه، وغضب مدير شرطة سعيد فرد عليهم رداً غليظاً، فبادروا إليه فضربوه ضرباً عنيفاً حتّى أغمي عليه، وقاموا من مجلسه وأطلقوا ألسنتهم بنقده، وذكروا مثالب عثمان وسيئاته، وأخذوا يذيعون سيئات قريش وجرائم بني أمية.
ورفع سعيد من فوره رسالة إلى عثمان أخبره فيها بشأن القوم، فأجابه عثمان بأن ينفيهم إلى الشام، وكتب في نفس الوقت رسالة إلى معاوية يأمره فيها باستصلاحهم.
ولم يرتكب هؤلاء الأحرار إثماً أو فساداً، ولم يقترفوا جرماً حتّى يقابلوا بالاضطهاد والنفي، وإنما نقد وا أميرهم ؛ لأنه قال غير الحق، وشد عن الطريق القويم، وقد منح الإسلام الحرية التامة لنقد الحاكمين والمسؤولين إذا شذوا في سلوكهم، وجاروا على رعيتهم، وجعل هذه الحرية حقاً ذاتياً لكل مواطن، وألزم الدولة برعايتها وتوفيرها للناس.
وعلى أيّة حال فقد قامت السلطة بإخراجهم بالعنف والقهر من أوطانهم وأرسلتهم إلى الشام، فتلقاهم معاوية وأمر بإنزالهم في كنيسة، وأجرى لهم بعض الرزق، وجعل يناظرهم ويعظهم، ويحبذ لهم مسالمة السلطة والرضا بسياستها، إلا أنّهم لم يستجيبوا له، وأنكروا عليه ما قاله سعيد : من أن السواد بستان لقريش، معلنين على أنّه لا ميزة للقبائل القرشية على غيرها حتّى تختص بخيرات البلاد.
ولما يئس منهم معاوية كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفاً من أن يفسدوا أهلها عليه فأعفاه عثمان، وأمره بردهم إلى الكوفة، فلما عادوا إليها انطلقت ألسنتهم بالنقد في ذكر مثالب الأمويين ومساوئهم، ورفع سعيد أمرهم إلى عثمان ثانياً فأمره بنفيهم عن وطنهم إلى حمص والجزيرة، فأخرجهم من وطنهم إلى حمص، فقابلهم واليها عبد الرحمن بن خالد بأعنف القول وأقساه، وسامهم سوء العذاب وأمعن في إرهاقهم والتنكيل بهم، فكان - فيما يقول الرواة - إذا ركب أمر بهمليسيروا حول ركابه مبالغة في إذلالهم واحتقارهم، ولما رأوا تلك القسوة أظهروا الطاعة والإذعان للسلطة، وكتب إلى عثمان في شأنهم فأجابه إلى ذلك، وأمره بردهم إلى الكوفة.
ولما نزحوا عن حمص جعلوا طريقهم إلى يثرب لمقابلة عثمان، فلما انتهوا إليها قابلوه، وعرضوا عليه ما عانوه من التنكيل والإرهاق، ولم يلبثوا قليلاً حتّى فاجأهم سعيد، فقد جاء في مهمة رسمية إلى عثمان فوجد القوم عنده يشكونه ويسألونه عزله، إلا أنّه أعرض عنهم ولم يستجب لهم، وألزمهم بالانصياع إلى أوامر واليهم،
كما أمره أن يرجع ويزاول عمله، وقفل القوم قبله راجعين إلى مصرهم، وقد سبقوه إليه فقاموا باحتلاله، وأقسموا أن لا يدخله سعيد ما حملوا سيوفهم، ثم خرجوا في جماعة مسلحين بقيادة الزعيم مالك الأشتر حتّى انتهوا إلى (الجرعة) (1)فرابطوا فيها ليحولوا بين سعيد وبين دخوله إلى الكوفة، وأقبل سعيد فقاموا إليه، وعنفوه أشد العنف، وحرموا عليه دخول مصرهم، فولى منهزماً إلى عثمان يشكوهم إليه، ولم يجد عثمان بُداً من عزله، فعزله وولى غيره مكانه على كره منه (2).
وعلى أيّة حال فإنّ عثمان قد نكّل بالناقدين لسعيد بن العاص، وهم قراء المصر وفقهاؤه، ونفاهم عن أوطانهم من أجل شاب طائش متهور ؛ لأنّه من أسرته وذويه، وكان ذلك من موجبات النقمة عليه لا في الكوفة، وإنما في جميع الأقاليم الإسلاميّة
التي انتهى إليها أمرهم.
وعبد اللّه بن عامر بن كريز هو ابن خال عثمان، وقد ولاه إمارة البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى الأشعري، وكان عمره أربعاً أو خمساً وعشرين سنة(3)، وقد اختاره لولاية هذا المصر العظيم، وكان الأولى أن يختار له من ثقات الصحابة وخيارهم ؛ لتستفيد الناس من هديه وصلاحه وتقواه، وتستمد منه الخير والرشاد، ولكنّه لم يعن بذلك، وإنّما عمد إلى ولايته لأنه ابن خاله، وقد سار - فيما يقول الرواة - سيرة ترف وبذخ، فكان ولأجاً خراجاً، كما وصفه الأشعري (4)، فهو أول من لبس
الخزفي البصرة وقد لبس جبة دكناء، فقال الناس : لبس الأمير جلد دب فغير لباسه، ولبس جبة حمراء (1)، وقد أنكر عليه سياسته وسيرته عامر بن عبداللّه التميمي كما عاب على عثمان سلوكه وسيرته.
وقد روى الطبري أنه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان، فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويخبره بإحداثه، واختاروا عامر بن عبداللّه التميمي ثم العنبري - وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس - لمقابلته، ولما التقى به قال له : إن ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً، فاتق اللّه عزّ وجلّ وتب إليه، وانزع عنها.
فاحتقره عثمان، وأعرض عنه، وقال لمن حوله : انظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنّه قارئ، ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات، فواللّه ما يدري أين اللّه ؟
وما هي المحقرات التي كلمه بها ؟ إنه لم يكلمه إلا بتقوى اللّه والعدل في الرعية، وإيثار مصلحة المسلمين، واتباع سيرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولكن عثمان شقّ عليه ذلك، واعتبر نصيحته من المحقرات.
والتفت إليه عامر، فقال ساخراً منه : أنا لا أدري أين اللّه ؟ !
قال : نعم، واللّه ما تدري أين اللّه ؟ !
قال عامر : إنّي لأدري أنّ اللّه بالمرصاد لك
وغضب عثمان فأرسل إلى مستشاريه وعماله فعرض عليهم نقمة المعارضين له، ونقل لهم حديث عامر معه، وطلب منهم الرأي في ذلك، فأشار عليه ابن خاله عبداللّه بن عامر قائلاً رأي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك،
1) الطبقات الكبرى : 5 : 47. تاريخ مدينة دمشق : 29 : 261. أسد الغابة : 3: 185، الحديث 3031.
وأن تجمّرهم (1)في المغازي حتّى يذلوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته، وقمل فروته (2).
وأشار عليه آخرون بخلاف ذلك، إلا أنه استجاب لرأي عبداللّه الداعي إلى مقابلة الناقمين عليه بالعسف والعنف ورد عماله، وأمرهم بالتضييق على المعارضين له، كما أمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم عطائهم حتّى يشيع الفقر والبؤس فيهم فيضطروا إلى طاعته.
ولما قفل عبد اللّه بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبد اللّه، وأوعز إلى عملائه أن يشهدوا عليه شهادة زور وبهتان بأنه قد خالف المسلمين في أمور أحلها اللّه، وأنّه لا يأكل اللحم، ولا يرى الزواج، ولا يشهد الجمعة، ودون شهادتهم بذلك، ورفعها إلى عثمان فأمره بنفيه إلى الشام، وحمله على قتب حتّى يشق عليه السفر.
ولما انتهى إلى الشام أنزله معاوية (الخضراء) (3)وبعث إليه بجارية لتكون عيناً عليه، وتنقل له أخباره وشؤونه، وأشرفت عليه الجارية فرأته يقوم في الليل متعبداً، ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً، وكان يتناول كسراً من الخبز ويجعلها في الماء تحرجاً من أن يدخل جوفه شيء من الحرام، وانبرت الجارية فأخبرت معاوية بشأنه، فكتب إلى عثمان بأمره فأوعز إليه بصلته (4).
1) تجمّر القوم : تجمعوا وانضموا - القاموس المحيط : 469 - جَمَرَ.
2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 70 و 71. أنساب الأشراف : 6: 208 - 210. تاریخ ابن خلدون : 2: 592 و 593 جواهر المطالب : 2 : 182 و 183.
3) الخضراء : دار لمعاوية قد ابتناها في دمشق - أنساب الأشراف : 6 : 167.
4) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 65 و 66. تاريخ مدينة دمشق : 26: 8 - 11. أسد الغابة : 3: 28 و 29، الحديث 2712. الإصابة : 5 : 86 - 87، الحديث 6280.
وقد نقم المسلمون على عثمان، وعابوا عليه ما ارتكبه في شأن هذا الرجل الصالح الذي أمره بتقوى اللّه والعدل في الرعية.
وظل عبداللّه بن عامر والياً على البصرة يسير فيها بسيرة لم يألفها المسلمون، فلم يتحرج عن الإثم والبغي والاعتداء، ولما قتل عثمان نهب ما في بيت المال وسار إلى مكة فوافي بها طلحة والزبير وعائشة فانضم إليهم، وأمدهم بالأموال ليستعينوا بها على مناجزة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو الذي أشار عليهم بالنزوح إلى البصرة، والانصراف عن الشام (1)
تاريخ مدينة دمشق : 29: 261 و 262. أسد الغابة : 3 : 192.
.وعهد عثمان بولاية الكوفة إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخيه من الرضاعة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص الزهري، وحينما رأه أهل الكوفة قالوا : بئسما استقبلنا به ابن عفان ؛ أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين، ويبعث لنا بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن ال الشافي في الإمامة : 4 : 251. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 17 و 18.فاجر، ولم يسعهم إلا أن يذعنوا لهذا الاختيار، وقالوا : أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
وأجمع المؤرخون على أنه كان من فسّاق بني أمية، ومن أكثرهم مجوناً وانحرافاً عن الإسلام، وهو ممّن أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنّه من أهل النار (3)، وكان أبوه عقبة من ألد أعداء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان يأتي بالفروث فيطرحه على بابه (4)، وقد بصق في وجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهدده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنّه إن وجده خارجاً من جبال مكة يأمر بضرب عنقه.
فلما كانت واقعة بدر امتنع من الخروج، فأصرّ عليه أصحابه بالخروج معهم، فأخبرهم بمقالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له، فأغروه وخدعوه، وقالوا له : لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فاستجاب لهم وخرج لحرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلما هزم اللّه المشركين حمل به جمله في جدود من الأرض فأخذه المسلمون، وجاء وا به أسيراً، فأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علياً بضرب عنقه، فقام إليه وقتله (1).
وقد اترعت نفس الوليد بالحقد على النبيّ لأنه قد وتره بأبيه، وقد أسلم مع من أسلم من كفار قريش خوفاً من حد السيف الذي نزع روح أبيه، وقد لقبه القرآن الكريم بالفاسق.
ويقول المؤرخون والمفسرون : إنّه نزلت آيتان في فسقه :
الأولى : قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُم نَادِمِينَ» (2)، وكان سبب نزول هذه الآية أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أرسله إلى بني المصطلق لأخذ الصدقة، فعاد إليه وأخبره بأنّهم منعوه عنها، فخرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليهم غازياً فتبين له كذبه ونزلت الآية معلنة فسقه (3).
الثانية : قوله تعالى: «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» (4)، وسبب نزولها أنّه جرت مشادة بينه وبين الإمام أمير المؤمنين لا، فقال له الوليد :
1) مجمع البيان: 7 260 و 261. الغدير :8 273 أسباب النزول : 234. سبل الهدى والرشاد : 2 : 468 و 469. الجامع لأحكام القرآن : 13 : 25 و 26. الدر المنثور : 6: 249 – 253.
2) الحجرات 6:49.
3) يقول ابن عبد البر في الاستيعاب : 4 : 1553 و 1554 : «لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن الآية نزلت في الوليد».
4) السجدة :32: 18.
اسكت، فإنك صبيّ وأنا شيخ، واللّه إنّي أبسط منك لساناً، وأح-د منك سناناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة.
فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اسكت يا وَلِيدُ، فَأَنَا مُؤْمِنٌ وَأَنْتَ فَاسِقٌ.
فأنزل اللّه فيهما هذه الآية.
ونظم الحادثة حسان بن ثابت بقوله :
أَنْزَلَ اللّه وَالكِتابُ عَزِيزٌ***فِي عَلِيٌّ وَفِي الوَلِيدِ قُرانا
فَتَبَوَّا الوَليدُ مِن ذاكَ فِسْقاً***وَعَلِيٌّ مُبَوَّاً إيمانا
لَيْسَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَمْرُكَ ا***له كَمَنْ كَانَ فاسِقاً خَوَانا
سَوْفَ يُجْزَى الوَلِيدُ خِزْيِاً وَناراً***وَعَلِيٌّ لَا شَكُ يُجرى جنانا
فَعَلِيٌّ يَلْقَى لَدَى اللّه عِزّاً***وَوَلِيدٌ يَلقَى هُناكَ هَوانا (1)
كفاية الطالب : 141. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 285 - 294.
ولما عهد إليه عثمان بولاية الكوفة كان يشرب الخمر جهاراً فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره وهو ثمل يتمثل بأبيات لتأبط شراً :
وَلَسْتُ بَعيداً عَنْ مُدامِ وَقَيْنَةٍ***وَلَا بِصَفَا صَلَّدٍ عَنْ الخَيْرِ مُعَزَلِ
ولكنني أروي مِنَ الخَمْرِ هَامَتِي***وَأَمْشِي المَلَا بِالسّاحِبِ المُتَسَلْسِلِ (2)
ويقول الرواة : إنه كان يستمع إلى الغناء، ويظل يسمر مع ندمائه ومغنيه سكراناً من أول الليل إلى الصباح، وكان يؤثر بمنادمته صديقاً له من نصارى تغلب ه-و أبو زبيد الطائي، وقد أنزله داراً على باب المسجد ثم وهبها له فكان الطائي يخرج
من منزله حتّى يشق الجامع إليه فيسمر عنده ويشرب فيشق المسجد وهو سكران (1).
ويقول المؤرخون : إنّه شرب الخمر فصلى بالناس وهو ثمل صلاة الصبح أربع ركعات، وصار يقول في ركوعه وسجوده اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب وسلم، وقال للمصلين خلفه : هل أزيدكم ؟
فقال له ابن مسعود : لا زادك اللّه خيراً، ولا من بعثك إلينا، وأخذ نعله وضرب بها وجهه، وحصبه الناس بالحصباء فدخل القصر، والحصباء تأخذه وهو ثمل مترنح (2).
وفي فضائحه ومخازيه يقول الحطيئة جرول ابن أوس العبسي :
شَهِدَ الحُطَيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ***أَنَّ الوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْغَدْرِ
نادى وَقَدْ نَفِدَتْ صَلَاتُهُم***أَأَزِيدُكُمْ ثَمِلاً وَمَا يَدْرِي
لِيَزِيدَهُمْ خبراً وَلَوْ قَبِلوا***مِنْهُ لَزادَهُمْ عَلى عَشْرِ
فَأَبَوا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ فَعَلوا***لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
حَبَسُوا عِنانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ***خَلُوا عِنانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي (3)
ويقول فيه الحطيئة مرة أخرى :
تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَزَادَ فِيها***عَلَانِيَةً وَجَاهَرَ بِالنِّفاقِ
وَمَعٌ الخَمْرَ فِي سَنَن المُصَلَّى***ونادى والجَمِيعُ إِلَى افْتِراقِ
أَزِيدُكُمْ عَلى أَن تَحْمَدونِي***فَمَا لَكُمْ وَمَا لِي مِن خَلَاقٍ (4)
وأسرع جماعة من خيار الكوفيين وصلحائهم إلى يثرب يشكون الوليد إلى عثمان، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه في حالة سكره، ولما قابلوا عثمان وشهدوا عنده بما رأوه من شرب الوليد للخمر زجرهم عثمان، وقال لهم : ما يدريكم أنّه شرب الخمر ؟ !
قالوا : هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية.
وأعطوه خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره لتأييد شهادتهم، وغضب عثمان، وقام فدفع في صدورهم، وقابلهم بأخبث القول وأقساه، فخرجوا منه وقد ملكهم الذعر، وانطلقوا إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبروه بما ألم بهم.
فانبرى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عثمان، فقال له : دَفَعْتَ الشُّهُودَ، وَأَبْطَلْتَ الْحُدُودَ ؟!
وهدأ عثمان وخاف من عواقب الأمور، فاتجه نحو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً بصوت خافت: ما تری ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَرى أَنْ تَبْعَثَ إِلى صاحِبِكَ، فَإِنْ أَقاموا الشَّهَادَةَ فِي وَجْهِهِ، وَلَمْ يَدْلُ بِحُجَّةٍ أَقَمْتَ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
ولم يجد عثمان بُداً من الإذعان لقول الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكتب إلى الوليد يأمره بالشخوص إليه، ولما وصلت إلى الوليد رسالة عثمان نزح من الكوفة إلى يثرب، ولما مثل بين يدي عثمان دعا بالشهود فأقاموا عليه الشهادة فلم يدل بأيّة حجة، وبذلك خضع لإقامة الحدّ، ولم ينبر إليه أحد لإقامة الحدّ عليه خوفاً من عثمان، فقام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودنا منه، فسبه الوليد وقال : يا صاحب مکس(1).
وقام إليه عقيل فرد عليه سبّه، وجعل الوليد يروغ عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويناضل عن نفسه ما وسعه النضال، ويضرب بيديه ورجليه كما يفعل الطائر اذا أطبقت عليه
1) المكس : النقص والظلم - لسان العرب : 13 : 160 - مَكَسَ.
الشبهات، ولكن ما هي إلا جذبة حتّى وقع على الأرض فعلاه بالسوط.
وتميز عثمان غيظاً وغضباً فصاح بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس لك أن تفعل به هذا.
فأجابه الإمام بمنطق الشرع قائلاً: بَلَى وَشَرٌّ مِنْ هذا إذا فَسَقَ، وَمَنَعَ حَقٌّ اللّه أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ (1).
ودلت هذه البادرة على تهاون عثمان بحدود اللّه، وعدم اكتراثه بإقامتها.
وعلق الأستاذ عبداللّه العلائلي على هذه البادرة بقوله : «هذه القصة تضع بين أيدينا شيئاً جديداً غير العطاء الذي يرجع إلى مكان العاطفة، تضع بين أيدينا صورة من الإغضاء عن مجاوزة السلطة للقانون، والإغضاء في واقعة دينية، بحيث يجب على الخليفة أن يكون أوّل من يغار عليها، وإلَّا هُدِّد مكانه وأفسح للناس مجال التقول والتجريح، وبالأخص حين جاءت حكومته عقيب حكومة عمر التي عرفت بالشدة فيما يتعلق بالحدود الدينية حتّى لو كان من أقرب ذوي القربى.
إذن فهذه المبالغة في الإغضاء والصفح والمجاوزة لا ترجع إلى مكان العاطفة وحدها، إن كانت، بل إلى الحزبية أيضاً حتّى تتناصر مجتمعة» (2).
وعلى أيّة حال فإنّ الوليد قد ترك أثراً سيئاً في الكوفة، فقد تأثرت بمجونه فكانت سيرته نقطة تحول في هذه المدينة - التي كانت تضم الصحابة والتابعين - إلى مدينة المجّان واللاهين، فقد أغرى الوليد الناس إلى الاندفاع نحو المتع واللهو، وأسست في الكوفة دور للغناء والطرب، وانتشر فيها المجّان، وكان فيها من المغنين عبد اللّه بن هلال الذي لقب (صاحب إبليس)، وحنين الحيري الشاعر النصراني (3).
واستعمل عثمان أخاه من الرضاعة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح على مصر فجعل بيده صلاتها وخراجها (1)، وكان من أخطر المشركين وأكثرهم عداء للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)وسخرية منه، وكان يقول مستهزئاً بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إنّي أصرفه حيث أريد، وقد أهدر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دمه وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وقد هرب بعد فتح مكة فاستجار بعثمان فغيبه، وبعدما اطمأن أهل مكة أتى به عثمان إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فصمت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) طويلاً ثم آمنه وعفا عنه، فلما انصرف عثمان التفت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أصحابه، فقال لهم : ما صَمَتُ إِلَّا لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ لِبَضْربَ عُنُقَهُ .
فقال له رجل من الأنصار : فهلاً أومأت إلي يا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ النبيّ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ (2).
ولمّا ولي عبد اللّه مصر ساس المصريين سياسة عنف وجور، وكلّفهم فوق ما يطيقون، وأظهر الكبرياء والجبروت فضجروا منه، فخف خيارهم إلى عثمان يشكونه إليه، فبعث إليه رسالة يستنكر فيها سيرته وسياسته في القطر، ولم يستجب ابن أبي سرح لعثمان، وراح مصرّاً على غيه واعتدائه على الناس، وعمد إلى من شكاه لعثمان فقتله، وشاع التذمر والسخط عليه، فتشكل وفد كبير من المصريين وكان عددهم فيما يقول الرواة : سبعمائة شخص فخفوا إلى عثمان، وقد نزلوا في الجامع وشكوا إلى الصحابة ما صنع بهم ابن أبي سرح.
فانبرى طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام قاس، وأرسلت إليه عائشة تطالبه بإنصاف
القوم، وكلمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : إِنَّمَا يَسْأَلُكَ الْقَوْمُ رَجُلاً مَكانَ رَجُلٍ، وَقَدْ ادْعُوا قِبَلَهُ دَماً، فَاعْزِلْهُ عَنْهُمْ وَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْصِفَهُمْ مِنْهُ.
واستجاب - على كرهٍ - للقوم، وقال لهم : اختاروا رجلاً أُوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمّد بن أبي بكر، فكتب عهده إلى مصر ووجه معه عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح، ونزحوا عن المدينة، فلما بلغوا إلى الموضع المعروف بـ(ذي خُشُب) (1)وإذا بقادم من يثرب تأملوه فإذا هو ورش غلام عثمان، فتفحصوا عنه وفتشوه وإذا به يحمل رسالة من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالقوم، وتأملوا في الكتاب فإذا به بخط مروان، فقفلوا راجعين إلى يثرب وقد صمموا على خلع عثمان أو قتله (2).
لم يستعمل عثمان معاوية على الشام والياً وإنّما استعمله عمر وأقره عثمان عليها ؛ ولكنّه زاد في نفوذه وبسط في سلطانه، ومهد له الطريق في نقل الخلافة الإسلاميّة إليه.
يقول طه حسين : «وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أُتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان، وتثبيتها في بني أمية، فعثمان هو الذي وسّع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين، ثم مدّ له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر، وأطلق يده في أمور الشام أكثر ممّا أطلقها عمر، فلما كانت الفتنة نظر معاوية فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية
عهداً، وأقواهم جنداً، وأملكهم لقلب رعيته» (1).
إنّ عثمان هو الذي مدّ في سلطان معاوية، وزاد في سعة ولايته، وبسط له النفوذ حتّى كان من أقوى الولاة وأعظمهم نفوذاً، وأصبح قطره من أهم الأقطار الإسلاميّة وأمنعها، وأكثرها هدوءاً واستقراراً.
هؤلاء بعض ولاة عثمان، وكلهم من بني أمية وآل أبي معيط، ولم يمنحهم الحكم إلا إثرة ومحاباة، وتقوية لنفوذ الأمويين وحملهم على رقاب المسلمين.
وقد علق السيّد مير علي الهندي على ولاة عثمان بقوله : «كان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضلين، وقد تعلقوا بالولايات كالعقبان الجائعة، فجعلوا ينهشونها، ويكدسون الثروات منها بوسائل الإرهاق التي لا ترحم» (2).
لم تكن سياسة عثمان المالية إلا امتداداً لسياسة عمر (3)، فليس لعثمان منهج خاص فى السياسة المالية سوى الذى سنّه عمر من إيجاد الطبقية وتقديم بعض الناس على بعض في العطاء، وقد شذت هذه السياسة عمّا قننه الإسلام من لزوم المساواة ووجوب الإنفاق على المرافق العامّة، وإصلاح الحياة الاقتصادية، ومكافحة الفقر، والقيام بإعالة الضعيف والمحتاج، وليس لولاة الأمور أن يصطفوا منها أي شيء، وليس لهم أن يمنحوها لدعم حكمهم وسلطانهم، وقد تحرج الإسلام في ذلك أشد الحرج.
يقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللّه بِغَيْرِ حَقٌّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ
القيامة» (1).
وكتب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الحقّ والعدالة في الأرض إلى قثم بن العباس عامله على مكة كتاباً ألقى فيه الأضواء على السياسة المالية التي انتهجها الإسلام، وهذا نصه : «انْظُرْ إلى ما اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مالِ اللّه فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيالِ وَالْمَجاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَواضِعَ الْفَاقَةِ َوالْخَلَّاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنُقَدِّمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنا» (2).
هذا هو اتجاه الإسلام في أموال الدولة، فهو يلزم ولاة الأمور بإنفاقها على مواضع الفاقة والمحتاجين لئلا يبقى بائس أو محروم في البلاد، ولكن عثمان لم يعن بذلك، وإنّما أنفق الأموال العامّة على الأشراف والوجوه، وبني أمية وآل أبي معيط، فتكدست عندهم الأموال وحاروا في صرفها.
لقد أصبحت الأموال الهائلة التي تتدفق على الخزينة المركزية تمنح للأمويين، وادعوا أن المال إنّما هو ملكهم لا مال الدولة، وأنّه ملك لبني أمية، فقد منحوا أنفسهم جميع الامتيازات (3).
وفيما يلي قائمة في الأموال التي منحها لهم ولغيرهم :
وخص عثمان بني أمية بالأموال، ومنحهم الهبات الضخمة، وهي كما يلي :
ووهب عثمان الحارث بن الحكم بن أبي العاص صهره على عائشة ابنته، مايلي :
ووهب عثمان إلى أبي سفيان رأس المنافقين مائتي ألف من بيت المال(4).
ومنح عثمان سعيد بن العاص مائة ألف درهم.
وتزوّج عبداللّه بن خالد بن أسيد بنتاً لعثمان فأمر له بستمائة ألف درهم وكتب إلى عبد اللّه بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال، وكذلك أعطاه صلة أربعمائة ألف (5).
استقرض الوليد بن عقبة أخو عثمان من أُمه من عبد اللّه بن مسعود أموالاً طائلة من بيت المال في الكوفة فأقرضه، وطلبها منه عبد اللّه فأبى أن يدفعها، فرفع رسالة إلى عثمان يشكوه إليه، فكتب عثمان إلى عبد اللّه رسالة جاء فيها : «إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال»، فغضب ابن مسعود، وطرح مفاتيح بيت
المال وقال : «كنت أظن أني خازن للمسلمين، فأما إذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك»، وأقام بالكوفة بعد أن استقال من منصبه (1).
فبيت المال في عرف السياسة العثمانية ملك للأمويين وليس ملكاً للمسلمين، ونترك هذا الحكم إلى القراء.
كان هذا الرجس الخبيث من ألد أعداء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد نفاه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الطائف وقال : لَا يُساكِنُنِي فِي بَلَدٍ أَبَداً (2)، ولم يزل منفياً هو وأولاده طيلة خلافة الشيخين، ولما انتهى الحُكْمُ إلى عثمان أصدر عنه العفو فقدم إلى يثرب، وهو يسوق تيساً، وعليه ثياب خَلقة، فدخل على عثمان فكساه جبة خز وطيلسان، ووهبه من الأموال مائة ألف، وولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف، فوهبها له (3).
وأدت هباته للحكم إلى شيوع التذمر والنقمة عليه من جميع الأوساط الإسلاميّة.
أما مروان بن الحكم فهو صهره ووزيره ومستشاره الخاص، وجميع مقدرات الدولة تحت تصرفه، وقد منحه الثراء العريض، ووهبه من الأموال ما يلي :
أحْلِفُ بِاللّه رَبِّ الأنام***مَا تَرَكَ اللّه شَيْئاً سُدى
وَلَكِنْ خَلَقْتَ لَنا فِتْنَةٌ***لِكَي نَبْتَلِيَ بِكَ أَوْ تُبْتَلي
فَإِنَّ الأَمِينَينِ قَدْ بَيَّنا***منار الطَّرِيقِ عَلَيْهِ الهُدى
فَمَا أَخَذا دِرْهَماً غِيلَةً***وَمَا جَعَلَا دِرْهَماً فِي الهَوى
دَعوتَ اللعِينَ فَأَدْنَيْنَهُ***خلافاً لِسُنَّةِ مَنْ قَدْ مَضى
وَأَعْطَيْتَ مَرْوانَ خُمْسَ العِبا***دِ ظُلْماً لَهُمْ وَحَميتَ الحِمى (1)
أعطاه ألف وخمسين أوقية، لا نعلم أنها من الذهب أو الفضة، وهي من الأمور التي أشاعت التذمر والنقمة عليه (2).
أعطاه مائة ألف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وجعل يبكي، فنهره عثمان وقال له : أتبكي إن وصلت رحمي ؟
قال : لا، ولكن أبكي لأنّي أظنّك أنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته سبيل اللّه في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واللّه لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً.
فصاح به عثمان : ألقِ المفاتيح يا بن أرقم فإنا سنجد غيرك (3)
هذه بعض صلاته للأمويين، وقد نقم عليه المسلمون، وسخط عليه الأخيار
1) المعارف : 195. جواهر المطالب : 2 : 179 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 198. تاريخ أبي الفداء : 1: 236.
2) السيرة الحلبية : 2 : 272.
3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 99. أنساب الأشراف : 6: 173. الأمالي / المفيد : 69 - 72. تاريخ اليعقوبي : 2 : 64.
4) المعارف : 195. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 198. تاريخ أبي الفداء : 1: 236.
5) الطبقات الكبرى : 3 : 64.
والأحرار، فإنّ هذه الأسرة هي التي عادت اللّه ورسوله وحاربت الإسلام، وليس من الحقّ ولا من العدل أن تستأثر بأموال المسلمين وفيئهم في حين قد شاعت الحاجة في جميع أنحاء البلاد.
ووهب عثمان الوجوه والأعيان ممن يخاف سطوتهم الهبات والمنح، وقد أعطى من الشخصيات ما يلي :
1 -. طلحة بن عبيد اللّه
وأوصل طلحة بمائة ألف. وكانت له عليه خمسون ألفاً، فقال له طلحة : تهيأ مالك فاقبضه، فوهبه له وقال : هو لك يا أبا محمّد على مروءتك (1).
2 - الزبير بن العوام
ومنح الزبير بن العوام ستمائة ألف، ولما قبضها حار فيها فجعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته، فدل على اتخاذ الدور في الأقاليم والأمصار، فبنى إحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر (2).
3- زید بن ثابت
ووهب أموالاً ضخمة لزيد بن ثابت ؛ حتّى بلغ به الثراء العريض أنه لما توفي خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، عدا ما ترك من الأموال والضياع ما قيمته مائة ألف دينار (3).
ومنح أموالاً أخرى للمؤيدين لسياسته كحسان بن ثابت وغيره، وقد ذكرها المؤرخون بالتفصيل، وهي تذكرنا بأصحاب الملايين في عصرنا الحديث.
لقد اتسع الثراء العريض بشكل فاحش عند بعض الصحابة، حتّى إن بعضهم خاف أن يقلل اللّه ثوابه في الدار الآخرة. يقول خباب بن الأرت : لقد رأيتني مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما أملك ديناراً ولا درهماً، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف وافٍ (1)، ولقد خشيت أن تكون عجلت طيّباتنا في حياتنا الدنيا (2).
ویرى فان فلوتن : أنّ هذه السياسة الاقتصادية أدت إلى انتشار الترف والفساد (3).
وأقطع عثمان أراضي في الكوفة مع العلم أنّها ملك للمسلمين ؛ لأنها ممّا فتحت عنوة، فقد أقطع أراضي في داخل الكوفة وخارجها، أما التي في داخل الكوفة فقد أقيمت فيها الدور والمساكن، وسميت (مساكن الوجوه)، وقد أقطع لجماعة من الصحابة، وهم : طلحة، وسمّيت (دار الطلحيين) وكانت في الكناسة.
وأقطع عبيد اللّه بن عمر، وسميت (كويفة ابن عمر).
وأقطع أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وابن أخيه هاشم بن عتبة، وأبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان العبسي، وعبد اللّه بن مسعود، وسلمان الباهلي، والمسيب الفزاري، وعمرو بن حريث المخزومي، وجبير بن مطعم الثقفي، وعتبة بن عمر الخزرجي، وأبا جبير الأنصاري، وعدي بن حاتم الطائي، وجرير بن عبد اللّه البجلي، والأشعث بن قيس الكندي، والوليد بن عتبة، وعمار بن
عتبة، والفرات بن حيان العجلي، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأم هاني بنت أبي طالب.
وأقطع أراضي واسعة تدر بالربح الكثير لجماعة، وهم :
1
1 - طلحة طلحة بن عبيد اللّه، أقطعه (النشاستج) (1).
2 - عدي بن حاتم الطائي، منحه (الروحاء) (2).
3- وائل بن حجر الحضرمي، منحه (ما والى زرارة) (3).
4 - خباب بن الأرت، منحه (صَعْنَبَى) (4).
5 - خالد بن عرفطة، أقطعه أرضاً عند (حمام أعين).
6 - الأشعث بن قيس الكندي، أعطاه (طيز ناباذ) (5).
7 - جرير بن عبد اللّه البجلي، أقطعه أرضاً على شاطئ الفرات.
8 - عبد اللّه بن مسعود، أقطعه أرضاً ب-(النهرين).
9 - سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، أعطاه قرية (هرمز) (6).
10 - عمار بن ياسر، أعطاه (إسبينا).
1) نَشَاستج : ضيعة أو نهر بالكوفة، وكانت عظيمة كثيرة الدخل، وكانت من صوافي آل كسرى؛ ولما جلا عنها أهلها أقطعها عثمان لطلحة. وقيل : بل أعطاه أياها عوضاً عن مال كان له بحضرموت - معجم البلدان : 5 : 330.
2) الروحاء : قرية من قرى الرحبة المشترك وضعاً والمفترق صقعاً : 211.
3) زُرَارة - بضم أوله -: قرية من قرى الكوفة - معجم ما استعجم : 2 : 695 - 696.
4) صَعْنَبَى : قرية بالسواد أقطعها عثمان للخباب بن الأرت - معجم البلدان : 3 : 462 و 463.
5) طيز ناباذ : موضع بين الكوفة والقادسية - معجم البلدان : 4 : 62.
6) هُرْمز : قلعة بوادي موسى من أعمال الشراة، قرب الكرك بالشام. المشترك وضعاً والمفترق صقعاً : 439 و 440.
11 - الزبير بن العوام، أقطعه أرضاً.
12 - أسامة بن زيد، أقطعه أرضاً ثم باعها (1).
هذه بعض الأراضي التي أقطعها عثمان، وقد اندفع جماعة من الطبقة الأرستقراطية إلى شراء أرض العراق الخصبة، فاشترى طلحة ومروان بن الحكم والأشعث بن قيس ورجال من قبائل العراق حتّى شاع الإقطاع، وظهرت الملكيات الواسعة والأقطاعات الكبيرة، وقام بزراعتها الموالي والرقيق والأحرار، وظهر تضخم المال وكثرة الأتباع عند فريق خاص من الناس.
ویری (ماسينيون) و (فلهوزن) أنّ إقطاع هذه الأراضي الزراعية قد حدث قبل أيام عثمان (2).
وعلى أية حال فإنّ هذا الإقطاع الكبير قد أوجد النظام الطبقي، وخلق الصراع بين أبناء الأمة.
واستنزف عثمان بيوت الأموال فاصطفى منها لنفسه وعياله ما شاء.
ويقول المؤرخون : إنه كانت في بيوت الأموال جواهر ثمينة لا تقدر قيمتها فأخذها وجعلها حلية لبناته ونسائه، وقد بالغ هو بالذات في البذخ والسرف إلى حدّ لم يألفه المسلمون، فقد شيّد داراً في يثرب فبناها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة، وكان ينضد أسنانه بالذهب، ويتلبس بأثواب الملوك، وأنفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره، ولما قتل وجد عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم، وخمسون ومائة ألف
دينار، وترك ألف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مائتا ألف دينار (1).
إنّ السياسة المالية التي انتهجها عثمان قد خلقت الطبقية، وعادت بالأضرار البالغة على المسلمين.
يقول محمّد كرد على : «لقد أوجدت هذه السياسة المالية طبقتين من الناس : الأولى الطبقة الفاحشة في الثراء التي لا عمل لها إلا اللهو والتبطل. والأخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض، وتعمل في الصناعة وتشقى في سبيل أولئك السادة، ومن أجل الحصول على فتات موائدهم، وترتب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعيّة على السواء، وقد سارت الدولة الأموية في أيام حكمها على هذه السياسة فأخضعت المال للتيارات السياسية، وجعلوه سلاحاً ضد أعدائهم، ونعيماً مباحاً لأنصارهم» (2).
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية التي شذت عمّا ألزم به الإسلام من التحرج في أموال الدولة ووجوب إنفاقها على مكافحة الفقر، وتطوير الحياة الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد
ونقم المسلمون على عثمان، واشتد خيارهم وصلحاؤهم في معارضته، وقد أنكروا عليه إيثاره لبني أمية وآل أبي معيط وحملهم على رقاب المسلمين، ومنحهم خيرات البلاد ووظائف الدولة، مع إمعانهم في الظلم والجور، وهو لم يحرك ساكناً
تجاههم، وكان يقابل المعارضين بالشتم والاحتقار.
أما الجبهة المعارضة فكانت مختلفة الاتجاه بين اليمين واليسار، فطلحة والزبير وعائشة ومن ينتمي إليهم لم يكن الغرض من نقمتهم عليه المطالبة بالإصلاح الاجتماعي وإن تظاهروا بذلك لإغراء البسطاء والسذج، وإنما غرضهم الوصول إلى كرسي الحكم والاستيلاء على السلطة والظفر بنعم البلاد.
أما الطائفة الأخرى من المعارضة فكانت تضم أعلام الإسلام، وحماة الدين أمثال : عمار بن ياسر، وأبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، ونظراءهم من الذين صدقوا ما عاهدوا عليه اللّه، وأبلوا في سبيل هذا الدين بلاء حسناً، فرأوا أنّ حكومة عثمان قد أماتت السنة وأحيت البدعة، ورأوا صادقاً يكذب، وإثرة بغير حق - كما يقولون - فطالبوا عثمان بتغيير سلوكه وأن يتبع الهدى، ويسير بين المسلمين بالحق، فلم يعن بهم، ولو أنّه استجاب لنصحهم لجنّب الأمة كثيراً من الفتن والمصاعب.
وأمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين والمنددین بسیاسته، فصبّ عليهم جام غضبه، وبالغ في ظلمهم وإرهاقهم إلى حد بعيد، وفيما يلي بعضهم :
ومكانة عمار بن ياسر في الإسلام معلومة، فهو صاحب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخليله، لقي في سبيل الإسلام أعظم الجهد وأقسى البلاء، عذبته قريش مع أبويه أعنف العذاب، استشهد أبواه في سبيل هذا الدين.
وقد أشاد القرآن الكريم بفضله، فقد نزلت في حقه الآية الكريمة : «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ» (1)
وقد نص على نزولها في عمارة (رضیَ اللّهُ عنهُ)؛ ابن سعد في طبقاته : 3: 250. القرطبي في تفسيره : 15 : 239. الواحدي في أسباب النزول : 260. ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 43 : 377.
.1) الزمر :39 : 9.
وقال تعالى فيه : «أَوْ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» (1)
وقد نص على نزولها في عمار (رضیَ اللّهُ عنهُ)؛ ابن كثير في تفسيره : 2 : 150. السيوطي في الدرّ المنثور : 352، وكذلك ابن عبد البرّ في الاستيعاب : 3 : 1137. ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 10 : 103. ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 43: 378.
.وقد اهتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في شأن عمار اهتماماً كبيراً، فكان موضع عنايته وتبجيله، وقد سمع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قريشاً تنال من عمار، فتأثر واندفع يقول : ما لَهُمْ وَلِعَمَارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجنّة، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ عَمَاراً جِلْدَةٌ مَا بَيْنَ عَيْنِي وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ مِنَ الرَّجُلِ فَلَمْ يَسْتَبِقُ فَاجْتَنِبُوهُ (2).
ولما انتقل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى جنة المأوى كان عمار من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاختص به ولازمه، وكان من المتخلفين عن بيعة أبي بكر، فإنّه لم ير أحداً أحق بمكانة النبيّ سوى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وبعدما فرض عمر عثمان خليفة على المسلمين كان عمار من أشد الناقمين عليه، وكان السبب في نقمته عليه، ما يلي :
1 - إن عثمان لما استأثر بالسفط الذي في بيت المال وكان يضم الجواهر الثمينة التي لا تثمن بقيمة، أنكر عليه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأيده عمار فقال له عثمان :
أعلى يابن المَتْكاءِ (1)تجترئ ؟ وأوعز إلى شرطته بأخذه، فقبضوا عليه وأدخلوه إلى منزله فضربه ضرباً مبرحاً حتّى غشي عليه، وحمل إلى منزل أم المؤمنين السيّدة أم سلمة، ولم يفق من شدة الضرب حتّى فاتته صلاة الظهرين والمغرب، فلما أفاق قام فتوضأ وصلى العشاء، وقال : «الحمد اللّه، ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في اللّه».
وغضبت عائشة فأخرجت شعراً من شعر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وثوباً من ثيابه، ونعلاً من نعاله، وقالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد، فغضب عثمان حتّى لا يدري ما يقول ولا يعرف كيف يعتذر عن خطيئته (2).
2 - إن أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها أحداثه ومخالفاته للسنة، وطالبوه بالكف عنها فأخذها عمار ودفعها إليه، فقرأ صدراً منها عثمان، واندفع نحو عمار فقال له : أعليَّ تقدم من بينهم ؟ !
فقال عمار : لأني أنصحهم لك.
فقال : كذبت يابن سُمية.
فقال عمار: أنا واللّه ابن سمية وابن ياسر.
فأمر عثمان جلاوزته فمدوا يديه ورجليه، وضربه عثمان برجليه على مذاكیره، فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً فغشي عليه (3).
3 - إن عثمان لما نكل بالصحابي العظيم أبي ذر صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فنفاه إلى الربذة، ومات فيها غريباً، وجاء نعيه إلى يثرب حزن عليه المسلمون فقال عثمان مستهزئاً : رحمه اللّه !
فاندفع عمار ينكر عليه ذلك قائلاً: رحمه اللّه من كلّ أنفسنا.
وانتفخت أوداج عثمان، فقابل عمار بأفحش القول وأقساه قائلاً: يا عاضّ أير ابيه، أتراني ندمت على تسييره ؟ !
وهذا الكلام لا يليق بأي رجل عادي فضلاً عن عثمان الذي يزعمون أن الملائكة كانت تستحي منه.
وأمر عثمان غلمانه فدفعوا عماراً، وأرهقوه كما أمر بنفيه إلى الربذة، فلما تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسألوه أن يذاكر عثمان في شأنه، فانطلق نحوه الإمام، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اتَّقِ اللّه، فَإِنَّكَ سَيَّرْتَ رَجُلاً صَالِحاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَلَكَ فِي تَسْبِيرِكَ، ثُمَّ أَنْتَ الآنَ تُرِيدُ أنْ تَنْفِيَ نَظِيرَهُ ؟
فثار عثمان وصاح بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنت أحق بالنفي منه.
فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): رُم ذلِك إِنْ شِئْتَ.
واجتمع المهاجرون فعذلوه ولاموه على ذلك، فاستجاب لهم وعفا عن عمّار (1).
إنّ عثمان لم يرع مكانة عمار من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسابقته للإسلام، فاعتدى عليه وبالغ تنكيله ؛ لأنّه أمره بالعدل ودعاه إلى الحق.
وأبو ذر صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخليله، وهو أقدم أصحابه الذين سبقوا للإسلام، وكان أزهد الناس في الدنيا، وأقلهم احتفالاً بمنافعها، وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأتمنه حين حين لا يأتمن أحداً من أصحابه، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد (2)،
وهو أحد الثلاثة الذين أحبهم اللّه وأمر نبيه بحبهم كما أنّه أحد الثلاثة (1)الذين تشتاق لهم الجنّة (2).
ولما حدثت الفتن أيام عثمان واستأثر بنو أمية بمنافع الدولة وخيرات البلاد، وقف أبو ذر موقف المسلم المؤمن بدينه، فأخذ يندد بسياسة عثمان، ويدعوه إلى أن يضع حداً للتدهور الاجتماعي، وقد نهاه عثمان فلم ينته، وانطلق يوالي إنكاره فكان يقف أمام الذين منحهم عثمان الثراء العريض ويتلو قول اللّه تعالى : «وَالَّذِينَ يَكثِرُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ» (3).
وغاظ ذلك مروان بن الحكم الذي تكدست عنده الأموال الضخمة التي وهبها له عثمان، وقد ضاق ذرعاً بأبي ذر فشكاه إلى عثمان، فأرسل إليه ينهاه عن ذلك فأبى أبو ذر، وقال : «أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه وعيب من ترك أمر اللّه ؟ فواللّه لأن أرضي اللّه بسخط عثمان أحب إلي وخيرلي من أن أسخط اللّه برضاه» (4).
والتاع عثمان وضاق ذرعاً بأبي ذر ولكنّه كظم غيظه، وراح يفتش عن الوسائل التي يقضي بها على خصمه.
واستمر الصحابي العظيم أبو ذر يوالي إنكاره على عثمان يبغي بذلك وجه اللّه ويلتمس الدار الآخرة لم يخفه الموت ولم تغره الحياة، وقد حنق عليه عثمان وأمر
بنفيه إلى الشام.
ويقول المؤرخون : إن عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم : أيجوز لأحد أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى ؟
فانبرى كعب الأحبار وكان خصيصاً بعثمان فأفتاه بالجواز، فقال : لا بأس بذلك.
وصعب على أبي ذر أن يتدخل كعب في أمور الدين وهو يهودي النزعة، ويشك في إسلامه، فصاح به : يابن اليهوديين، أتعلمنا ديننا ؟ !
فثار عثمان واندفع يناصر كعباً فصاح بأبي ذر : ما أكثر أذاك وولعك بأصحابي ؟ الحَقِّ بمكتبك في الشام.
وأمر به فسيره إلى الشام، فلما انتهى إليها رأى منكرات معاوية وبدعه، فرآه قد أطلق يديه في بيت المال الذي جمع من جهود الشعب، فجعل ينكر عليه، ويذيع بين المسلمين مساوئ عثمان، وقد أنكر على معاوية حينما قال : المال مال اللّه فقال له : المال مال المسلمين.
كما أنكر عليه بناءه الخضراء، فكان يقول له : يا معاوية، إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف.
وأخذ يدعو المسلمين إلى اليقظة والحذر من السياسة الأموية، وكان يقول لأهل الشام : واللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها ؛ واللّه ما هي في كتاب اللّه، ولا في سنة نبيه، واللّه إنّي لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً يكذب وأثَرَة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه (1).
وكان الناس يؤمنون بحديثه ويصدقون مقالته، وأخذ يبث الوعي الاجتماعي،
1) الشافي في الإمامة : 4 : 293 - 298. أنساب الأشراف : 6 : 166 و 167. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 55 و 56.
ويدعو إلى إنصاف المحرومين، ويحرض الفقراء على استرجاع حقوقهم من الفئة الحاكمة، وخاف الطاغية معاوية أن تندلع نار الثورة عليه فنهى الناس عن الاجتماع به، وخاطبه : يا عدو اللّه، تؤلب الناس علينا، وتصنع ما تصنع ! أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمّد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك.
فردّ عليه البطل العظيم غير حافل بسلطانه، قائلاً: «ما أنا بعدوّ اللّه ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان اللّه ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر» (1).
وظل أبو ذر يواصل نشاطه الاجتماعي، ودعوته إلى إيقاظ المجتمع ويحفزهم على الثورة، فالتاع معاوية وكتب إلى عثمان يخبره بخطره عليه ويلتمس منه أن ينقله عنه، فكتب إليه عثمان أن يرسله على أغلظ مركب وأوعره حتّى يلقى الجهد والعناء، فأرسله معاوية مع جلاوزة لا يعرفون مكانته، ولا يحترمون مقامه، فلم يسمحوا له أن يستريح من الجهد، ومضوا في سيرهم لا يلوون على شيء حتّى تسلخت بواطن فخذه، وكاد أن يموت.
ولما انتهى إلى يثرب دخل على عثمان وهو منهوك القوى، فاستقبله عثمان بالجفوة قائلاً : أنت الذي فعلت وفعلت !
فقال أبو ذر نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك - يعني معاوية - فاستغشني.
فصاح به عثمان : كذبت، ولكنك تريد الفتنة وتحبها، وقد أنغلت الشام علينا. فوجه إليه أبو ذر نصيحته، قائلاً : اتبع سنة صاحبيك - يعني أبا بكر وعمر - لا يكن لأحد عليك كلام.
فثار عثمان وصاح به : ما لك ولذلك لا أم لك.
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 8 256 و 257.
فقال أبو ذر : واللّه ما وجدت لي عذراً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصرخ عثمان، فقال لمن في مجلسه : أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب، إمّا أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله، فإنّه فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام.
والتاع الإمام أمير المؤمنين فراح يندد بعثمان ويقول له : «أَمَا أَنا فَأَشِيرُ عَلَيْكَ بما قالَ مُؤْمِنُ آل فِرْعَوْنَ : «إِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» (1)».
ولم يحفل أبو ذر بعثمان وإنّما مضى في دعوته يواصل إنكاره، فكان يقول له : تستعمل الصبيان، وتحمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء !
وأخذ يذيع بين المسلمين ما سمعه من رسول اللّه في ذم الأمويين ومدى خطرهم على الإسلام فكان يقول : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِذَا كَمُلَتْ بَنُو أُمَيَّةَ ثَلَاثِينَ رَجُلاً اتَّخَذُوا بِلَادَ اللّه دَوَلاً، وَعِبادَ اللّه خَوَلاً، وَدِينَ اللّه دَغَلا»، (2).
وأصدر عثمان أوامره بمنع مجالسة أبي ذر، وحرم مخالطته والكلام معه ؛ لأنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولم يقره على سياسته النكراء.
واستمر أبو ذر في جهاده وإنكاره على السياسة الأموية، لم يثنه عن عزمه جور الأمويين واضطهادهم له، وقد ضاق عثمان به ذرعاً، فرأى أنّ خير وسيلة له أن ينفيه
عن سائر الأمصار الإسلاميّة، ويعتقله في بعض المجاهيل التي لا سكن فيها، فأرسل الشرطة خلفه، فلما حضر بادره أبو ذر :قائلاً: ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول اللّه، ورأيت أبا بكر وعمر، هل رأيت هذا هديهم ؟ أما إنك لتبطش بي بطش الجبارين.
فقطع علیه عثمان کلامه، وصاح به : اخرج عنا من بلادنا.
فقال أبو ذر: أتخرجني من حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ !
قال : نعم، وأنفك راغم.
قال : فإلى مكة ؟
قال : لا !
قال : فإلى البصرة.
قال : لا !
قال : فإلى الكوفة.
قال : لا ! ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتّى تموت فيها
وأوعز إلى مروان بإخراجه فوراً من يثرب إلى الربذة، وأمره بأن يخرجه مهان الجانب، محطم الكيان، وحرم على المسلمين مشايعته والخروج معه، ولكن أهل الحقّ أبوا إلا مخالفة عثمان وسحق أوامره، فقد خفّ لتوديعه الإمام أمير المؤمنين، والحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وعقيل، وعبد اللّه بن جعفر، وعمار ؛ واشتد مروان نحو الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : إيه يا حسن ! ألا تعلم أنّ عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك.
وثار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحمل على مروان وضرب بين أذني دابته، وصاح به : تَنَحٌ، لحاك اللّه إلى النار (1).
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 69. مروج الذهب : 3 : 340 و 341 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 8: 252 و 253.
وولی مروان منهزماً إلى عثمان يخبره بعصيان أمره والاعتداء عليه.
ووقف الإمام أمير المؤمنين على أبي ذر فودعه، وقد غامت عيناه بالدموع، وألقى عليه هذه الكلمات التي حددت أبعاد شخصيته قائلا له : يا أَبا ذَرِّ، إِنَّكَ غَضِبْتَ للّه فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَىٰ دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ ما خافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنْهُم بِما خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَما أَحْوَجَهُمْ إِلَىٰ مَا مَنَعْتَهُمْ، وَما أَغْناكَ عَمّا مَنَعُوكَ، وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرّابِحُ غَداً، والأَكْثَرُ حُمَّداً ؟ ! وَلَوْ أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِينَ كانَتا عَلَى عَبْدِ رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللّه لَجَعَلَ اللّه لَهُ مِنْهُما مَخْرَجاً. لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ، وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْباطِلُ، فَلَوْ قَبِلتَ دُنْياهُمْ لَأَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمنُوكَ (1).
وألقت هذه الكلمات الأضواء على ثورة أبي ذر، وأنها كانت من أجل الحقّ ومن أجل المبادئ العليا التي جاء بها الإسلام، وقد خافه القوم على دنياهم وخافوه من أجل نهبهم لثروات الأمة، وتلاعبهم باقتصادها ومقدراتها، وقد مجّد الإمام أمير المؤمنين لها في أبي ذرّ هذه الروح الطيبة، وطلب منه أن يهرب بدينه ؛ ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم، فإنّه هو الرابح في آخرته والسعيد يوم يلقى اللّه، وهم الخاسرون الذين تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
وبادر الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو عمه أبي ذر فصافحه وودعه وداعاً حاراً، وألقى عليه هذه الكلمات التي تنم عن عظيم مصابه وحزنه :
1) نهج البلاغة : 188، خطبة 130.
يا عَمَاهُ، لَوْلَا أَنَّهُ يَنبَغِي لِلْمُوَدَّعِ أَنْ يَسْكُتَ، وَلِلْمُشَيِّعِ أَنْ يَنْصَرِفَ لَقَصُرَ الْكَلَامُ وَإِنْ طَالَ الْأَسَفُ، وَقَدْ أَتَى الْقَوْمُ إِلَيْكَ ما تَرَى، فَضَعْ عَنْكَ الدُّنْيا بِتَذَكَّرِ فَراغِهَا، وَشِدَّةِ ما اشْتَدَّ مِنْها بِرَجاءِ ما بَعْدَها، وَاصْبِرْ حتّى تَلْقَى نَبِيَّكَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ عَنْكَ راضٍ (1).
وانطلق الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)إلى أبي ذرّ، وقد أخذ منه الأسى مأخذاً عظيماً، فألقى عليه هذه الكلمات المشرقة :
يا عَمَاهُ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ قَادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَ ما قَدْ تَرَى، وَاللّه كلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَقَدْ مَنَعَكَ الْقَوْمُ دُنْيَاهُمْ، وَمَنَعْتَهُمْ دِينَكَ، فَما أَغْناكَ عَمَّا مَنَعُوكَ، وَأَحْوَجَهُمْ إِلَىٰ مَا مَنَعْتَهُمْ ! فَاسْأَلِ اللّه الصَّبْرَ والنَّصْرَ، وَاسْتَعِذْ بِهِ مِنَ الْجَشَعِ وَالْجَزَعِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الدِّينِ وَالْكَرَمِ، وَإِنَّ الْجَشَعَ لَا يُقَدِّمُ رِزْقاً، وَالْجَزْعُ لَا يُؤَخِّرُ أَجَلاً (2).
ما أروع هذه الكلمات التي كشفت الستار عن عداء الأمويين لأبي ذر، فإنّهم قد خافوه على دنياهم، وخافوه على مناصبهم، وقد أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلود إلى الصبر، ونهاه عن الجزع، فإنّه لا يؤخر أجلا.
وقد تذرّع الإمام الحسين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذا الخلق العظيم في يوم الطف، فإنّه لم يخضع للأمويين ولم يجزع عمّا ألم به من عظيم الكوارث والخطوب.
وأقبل عمار بن ياسر وقد غامت عيناه بالدموع فودع خليله وصاحبه أبا ذر وقال له : لا أنس اللّه مَن أَو حَشَك، ولا آمن من أخافك، أما واللّه لو أردتَ دنياهم لأمنوك،
ولو رَضِيتَ أَعْمَالَهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين (1).
وبكى أبو ذر بكاءً مراً، فألقى نظرة الوداع الأخير على أهل البيت الذين أخلص لهم وأخلصوا له، وتكلم بهذه الكلمات التي يلمس فيها ذوب قلبه، قائلاً:
رحمكم اللّه يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلّا اللّه، واللّه ما أريد إلا اللّه صاحباً، وما أخشى مع اللّه وحشة (2).
وتحركت راحلة ابي ذر، وانصرفت به إلى الربذة، مشرداً عن حرم اللّه وحرم رسوله، وقد أترعت نفسه بالحزن والأسى على فراق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم وديعة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أمته.
لقد مضى أبو ذر إلى الربذة ليموت فيها جوعاً، وفي يد عثمان ذهب الأرض ينفقه على بني أمية وآل أبي معيط، ويحرمه على أبي ذرّ شبيه المسيح عيسى بن مريم هدياً وسمتاً.
ولما قفل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجعاً من توديع أبي ذر استقبلته جماعة من الناس فأخبروه بغضب عثمان واستيائه منه ؛ لأنّه خالف أوامره التي حرمت على المسلمين الكلام مع أبي ذر وتوديعه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): غَضَبَ الخَيلِ عَلَى اللَّجُم (1).
وبادر عثمان نحو الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به: ما حملك على ما صنعت بمروان ؟ ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَا مَرْوانُ فَإِنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي يَرُدُّنِي فَرَدَدْتُهُ عَنْ رَدِّي، وَأَمَا أَمْرُكَ فَلَمْ أَرُدَّهُ.
قال عثمان : أولم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه ؟
فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَوَ كُلَّمَا أَمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ نَرى طاعَةَ اللّه وَالْحَقَّ فِي خِلَافِهِ اتَّبَعْنَا فِيهِ أَمْرَكَ ؟ !
قال عثمان : أقد مروان.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَمِمَّا أَقِيدُهُ ؟
قال : ضربت بين أذني راحلته وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك. قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أّما راحِلَتِي فَهِيَ تِلْكَ، فَإِنْ أَرادَ أَنْ يَضْرِبَها كَمَا ضَرَبْتُ رَاحِلَتَهُ فَلْيَفْعَلْ، وَأَمَّا أَنا فَوَاللّه لَئِنْ شَتَمَنِي لَأَشْتُمَنَّكَ أَنْتَ بِمِثْلِها بِما لَا أَكْذِبُ فِيهِ، وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقّاً.
قال عثمان : ولِمَ لا يشتمك إذ شتمته ؟ فواللّه ما أنت عندي بأفضل منه.
وغضب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من منم عثمان الذي هام بحب أسرته، فساوى بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه بمنزلة هارون من موسى، وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في صلب أبيه، وثار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لعثمان : إِلَيَّ تَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ ؟ وَبِمَرْوانَ تَعْدِلُنِي ؟!
فَأَنَا وَاللّه أَفْضَلُ مِنْكَ، وَأَبِي أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكَ، وَأُمِّي أَفْضَلُ مِنْ أُمِّكَ، وَهَذِهِ نَبْلِي قَدْ
1) يضرب مثلاً لمن يغضب غضباً لا ينتفع به ولا موضع له - مجمع الأمثال 2 : 56، الرقم 2662.
نثلتُها وهلُمَّ فَانثل بنَيْلِك.
فغضب عثمان واحمر وجهه ولم يطق جواباً، وانصرف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاجتمع إليه أهل بيته، ورجال من المهاجرين والأنصار (1).
ونكّل عثمان تنكيلاً فظيعاً بالصحابي العظيم عبد اللّه بن مسعود، فقد أمعن في قهره وظلمه، أمّا سبب ذلك فهو ما أشرنا إليه عند البحث عن إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة، فقد نقم عليه عبد اللّه حينما استقرض من بيت المال ولم يؤدّه إليه، وقد رفع الوليد إلى عثمان أمره، فأنكر على ابن مسعود ذلك فاستقال من منصبه، وقفل راجعاً إلى يثرب، فلما انتهى إليها كان عثمان على المنبر يخطب فلما رآه خاطب المسلمين وقال لهم : ألا إنّه قدمت عليكم دويبة سوء، مَنْ يمشي على طعامه يقيء ويسلح ! يعرّض بابن مسعود.
ورد عليه ابن مسعود وقال له : لستُ كذلك، ولكني صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان.
وأثار كلام عثمان موجة من الغضب والاستياء في المجتمع، فاندفعت عائشة تعلن سخطها قائلة له : أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول اللّه ؟ !
وأمر عثمان شرطته بإخراج الصحابي العظيم من المسجد، فأُخرج منه وهو مهان الجانب، وقام إليه عبداللّه بن زمعة أو يحموم غلام عثمان فاحتمله ورجلاه تختلفان علی عنقه حتی ضرب به الأرض، فدق ضلعه.
وثار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخاطب عثمان : یا عُثْمَانُ، أَتَفْعَلُ هذا بِصاحِبِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِقَوْلِ الْوَلِيدِ بن عُقْبَةَ ؟
1) مروج الذهب : 2 : 342 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 8: 254 و 255.
فقال : ما بقول الوليد فعلت هذا، ولكن وجهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة، فقال له ابن مسعود : إن دم عثمان حلال.
ورد عليه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَحَلْتَ مِنْ زُبَيْدٍ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ.
وحمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن مسعود إلى منزله، وقام برعايته حتّى برئ من مرضه وقاطعه عثمان وهجره، وفرض عليه الإقامة الجبرية في يثرب، وقطع عنه عطاءه.
و مرض ابن مسعود مرضه الذي توفي فيه، فدخل عليه عثمان عائداً فقال له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي !
قال : فما تشتهي ؟ !
قال : رحمة ربي.
قال : ألا أدعو لك طبيباً ؟ !
قال : الطبيب أمرضني !
قال : أفلا أمر لك بعطائك ؟ !
قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه ؟ !
قال : يكون لولدك.
قال : رزقهم على اللّه.
قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن.
قال : أسأل اللّه أن يأخذ لي منك بحقي !!
وانصرف عثمان، ولم يفز برضاء ابن مسعود، ولما ثقل حاله أوصى أن لا يصلي عليه عثمان، وأن يصلي عليه صاحبه عمار بن ياسر، ولما توفي قامت الصفوة من أصحابه بتجهيزه ودفنه ولم يعلموا عثمان بذلك، فلما علم غضب وقال : سبقتموني به.
فرد عليه عمار : إنّه أوصى أن لا تصلي عليه
وقال الزبير :
لأَعْرِفَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ تَنْدُبُنِي***وفِي حَياتِي مَا زَوْدْتَنِي زادِي (1)
وننهي بهذا الحديث الكلام عن الجبهة المعارضة التي نقمت على عثمان لاستبداده بأموال الدولة، وإنفاقها على أسرته وذويه في حين أن المجاعة والحرمان قد شملت جميع أنحاء البلاد.
لقد نقم عليه المعارضون، واشتدوا في معارضته حينما بدل سُنّة اللّه فحمل بني أمية وآل أبي معيط على رقاب المسلمين، وخصهم بالمناصب العليا في الدولة، ووهبهم جميع خيرات البلاد.
وكانت الثورة نتيجة للنضج الاجتماعي وإصلاحه إلى حد كبير ؛ كما يقول العلائلي (2).
فقد شاع التذمر، وعم السخط، وأخذت المجالس والأندية تتحدث عن مظالم عثمان واستبداده بشؤون المسلمين، وتنكيله بخيار المسلمين، وقد اجتمع أه-ل الحل والعقد فراسلوا جميع الأمصار يستنجدون بهم، ويطالبونهم بإرسال الجيوش للقيام بقلب الحكم القائم، وهذا نص مذكرتهم لأهل مصر :
«من المهاجرين الأولين وبقية الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين، أما بعد، أن تعالوا إلينا، وتداركوا خلافة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل أن يسلبها، أهلها،
فإنّ كتاب اللّه قد بدل، وسُنّة رسوله قد غيّرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد اللّه من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول اللّه والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا، وأخذ الحقّ لنا وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا، واستولي على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض من غلب على شيء أكله» (1).
وحفلت هذه المذكرة بذكر الأحداث الخطيرة التي ارتكبتها حكومة عثمان، وهي :
1 - تبديل كتاب اللّه، وإلغاء أحكامه، ونبذ نصوصه
2 - تغيير سنة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإهمال تشريعاته الاقتصادية والاجتماعيّة.
3 - تبديل أحكام الخليفتين.
4 - استئثار السلطة بالفيء، وإنفاقها على رغباتها ومصالحها الخاصّة
5 - صرف الخلافة الإسلاميّة عن مفاهيمها الخيرة إلى ملك عضوض لا يعنى بأهداف الأمّة.
وتحفز الأخيار والمصلحون إلى إرسال الوفود إلى يثرب للاطلاع على أوضاع الخليفة والتعرف على شؤونه.
وأرسلت الجبهة المعارضة مذكرة أخرى للمرابطين في الثغور من الصحابة يطالبونهم بالقدوم إلى يثرب للإطاحة بالحكم القائم، وهذا نصها :
إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل اللّه عزّ وجل، تطلبون دین محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)،
1) الإمامة والسياسة : 1 : 35.
فإن دين محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أفسده خليفتكم فأقيموه (1).
وألهبت هذه المذكرة القلوب، وتركت النفوس تغلي كالمرجل غيظاً وغضباً على عثمان.
واستجابت الأقطار الإسلاميّة لنداء الصحابة فأرسلت وفودها إلى يثرب لتقصي الحقائق، والاطلاع على الأحداث، والوفود التي أقبلت هي :
1 - الوفد المصرى
وأرسلت مصر مصر وفداً كان عدده أربعمائة شخص - وقيل : أكثر من ذلك - بقيادة عبد الرحمن بن عديس البلوي، وأبي عمرو عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي.
2 - الوفد الكوفى
وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الأشتر النخعي، وزيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد اللّه بن الأصم العامري، ويرأس الجميع عمر و ابن الأصم.
3- الوفد البصري
وأوفدت البصرة مائة رجل بقيادة حكيم بن جبلة العبدي، ثم أوفدت خمسين رجلاً، وفيهم : ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش وغيرهم من الوجوه والأعيان.
ورحبت الصحابة بالوفود، وقابلتها بمزيد من الاحتفاء والتكريم، وأخذت
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 98 و 99. الكامل في التاريخ : 3 : 84.
تعرض عليها أحداث عثمان، وتحرضها على إقصائه عن الحكم والوقيعة به (1).
ورأى الوفد المصري أن يرفع مذكرة لعثمان يدعوه فيها إلى التوبة والاستقامة في سیاسته وسلوكه، وهذا نصها:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
«أما بعد، فاعلم أنّ اللّه لا يغير ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم، فاللّه اللّه، ثم اللّه اللّه، فإنّك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة ؛ فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم إنّا واللّه اللّه نغضب، وفي اللّه نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلّحة (2)مبلجة، فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك، واللّه عذيرنا منك، والسلام».
واضطرب عثمان بعد ما أحاط به الثوار، فبادر إليه المغيرة وطلب منه الإذن بالكلام معهم فأذن له، ولما قرب منهم صاحوا به : يا أعور وراءك، وصاحوا به ثانياً : يا فاجر وراءك، وصاحوا به ثالثاً : يا فاسق وراءك. ورجع المغيرة خائباً مهاناً قد أخفق في سفارته.
ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلم القوم، فمضى إليهم وسلم عليهم فلم يردوا عليه السلام لعلمهم بفسقه وفجوره، وقالوا له : لا سلّم اللّه عليك ارجع يا عدو اللّه، ارجع يابن النابغة، لست عندنا بأمين ولا مأمون (3).
ورجع خائباً في وفادته، لم يستجب له القوم، وقابلوه بمزيد من التوهين والاستخفاف.
وعلم عثمان أن لا ملجأ له إلّا الإمام أمير المؤمنين فاستغاث به، وطلب منه أن يدعو القوم إلى كتاب اللّه وسنة نبيه، فأجابه إلى ذلك بعد أن أخذ منه المواثيق على الوفاء بعهده، ومضى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الثوار وهو يحمل الضمان لجميع مطاليبهم، فلما رأوه قالوا له : وراءك.
قال : لَا، بَلْ أَمامِي، تُعْطَوْنَ كِتابَ اللّه، وَتُعْتَبُونَ مِنْ كلّ ما سَخَطتُمْ عَلَيْهِ (1).
قالوا : أتضمن ذلك ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نَعَمْ.
قالوا : رضينا.
وأقبل وجوههم وأشرافهم مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدخلوا على عثمان فعاتبوه ولاموه على ما فرط في أمور المسلمين، وطالبوه أن يغير سياسته وسلوكه، ويسير بالعدل والحق بين المسلمين فاستجاب لهم، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتاباً بذلك، فأجابهم إلى ما أرادوا، وكتب لهم هذا الكتاب :
«هذا كتاب من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين، إنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب اللّه وسنة نبيه، يعطى المحروم، ويؤمن الخائف، ويرد المنفي، ولا تجمر البعوث، ويوفّر الفيء، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين على عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب».
وشهد فيه كلّ من الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد اللّه، وسعد بن أبي وقاص.
1) أنساب الأشراف : 6: 179.
وعبد اللّه بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب ذلك في ذي القعدة سنة (35هـ).
وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا إلى جماعتهم، وطلب منه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يخرج إلى الناس ويعلن لهم بتنفيذ طلباتهم، ففعل عثمان ذلك، فأعطاهم عهد اللّه وميثاقه أن يسير فيهم بكتاب اللّه وسنة نبيه، وأن يوفر لهم الفيء ولا يؤثر به أحداً من أقربائه، وقفل المصريون راجعين إلى بلادهم (1).
ونقض عثمان ما قطعه على نفسه، ولم يف للمسلمين بما عاهدهم عليه. ويقول المؤرخون : إن السبب في ذلك إن مروان الذي كان مستشاراً له ووزيراً قد دخل عليه فلامه وعذله على ما صنع قائلاً: تكلم واعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وإن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه.
وامتنع عثمان من إجابته ؛ لأنّه دعاه لأن يناقض نفسه، وأن يقول غير الحقّ ولكنه ما زال به يحذره مغبة ما صنع، ويخوفه عاقبة الأمور، ولم تكن لعثمان إرادة، فكان العوبة بيد مروان فاستجاب له، واعتلى المنبر فخاطب
صلبة، ولا عزم - الناس قائلاً: أما بعد، إنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر، فلما تيقنوا أنّه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم.
وانبرى المسلمون إلى الإنكار عليه، وناداه عمرو بن العاص : اتق اللّه يا عثمان، فإنّك قد ركبت نهابير (2)وركبناها معك، فتب إلى اللّه نتب معك
فصاح به عثمان : وإنّك هنا يابن النابغة ! قَمُلت واللّه جبتك منذ تركتك من العمل ؟ !
وارتفعت أصوات الإنكار من جميع جنبات الحفل وهي ذات لهجة واحدة : اتقِ اللّه يا عثمان، اتق اللّه يا عثمان.
وانهارت قواه وتحطمت فحار في الجواب، ولم يجد بداً من أن يعلن التوبة مرة أخرى عمّا اقترفه، ونزل عن المنبر وهو خائر القوى، ومضى إلى منزله (1).
ولما تبيّن للثوار أنّه لم يقلع عن سياسته، وأنّه جاد في سيرته لا يغير منها ولا يبدل أحاطوا به، وطالبوه بالاستقالة من منصبه فلم يستجب لهم، ورأى أن يستنجد بمعاوية ليبعث له قوة عسكرية تحميه من الثوار، وقد كتب إليه هذه الرسالة : «أما بعد : فإنّ أهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليّ من قبلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول» (2).
وحمل الكتاب المسور بن مخرمة، ولما قرأه معاوية قال له المسور : يا معاوية، إنّ عثمان مقتول، فانظر فيما كتب به إليك.
وصارحه معاوية بالواقع وبما انطوت عليه نيته قائلاً: يا مسور، إنّي مصرّح إن عثمان بدأ فعمل بما يحب اللّه ورسوله ويرضاه، ثم غير فغير اللّه عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير اللّه عز وجل ؟!» (3).
ولم يستجب معاوية له - وكان فيما يقول المؤرخون - يترقب مصرعه ليتخذ من دمه وسيلة للظفر بالملك والسلطان، وقد تنكر لألطافه وأياديه عليه وعلى أسرته
يقول الدكتور محمّد طاهر دروش : «وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية، ودمه في عنقه، ومسؤوليته عن ذلك لا تدفع، فهو أولى الناس به، وأعظم الرجال شأناً في دولته، وقد دعاه فيمن دعا ؛ يستشيره في هذا الأمر وه-و داهية الدهاة فما نهض إليه برأيه، ولا دافع عنه بجنده، وكأنه قد استطال - كما استطال غيره - حياته فترك الأيام ترسم بيدها مصيره، وتحدد نهايته، فإذا جاز لأحد أن يظن بعلي أو بطلحة والزبير وغيرهم تقصيراً في حق عثمان فمعاوية هو المقصر، وإذا جاز أن يلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم»(1).
وعلى أية حال فإنّ معاوية لما أبطأ عن إجابته، بعث عثمان رسالة إلى يزيد بن أسد بن كرز، وإلى أهل الشام يستحثهم على القدوم إليه لإنقاذه من الثوار، ولما انتهى إليهم كتابه نفروا إلى إجابته تحت قيادة يزيد بن أسد البجلي ثم القسري، إلا أن معاوية أمره بالإقامة بـ(ذي خشب) وألا يتجاوزه، فأقام الجيش هناك حتّى قتل عثمان (2).
وكتب عثمان رسائل أخرى إلى أهل الأمصار وإلى من حضر الموسم في مكة يطلب منهم القيام بنجدته، إلا أنهم لم يستجيبوا له ؛ لعلمهم بالأحداث التي ارتكبها
وأحاط الثوار بعثمان، وقد رجع إليهم الوفد المصري حينما استبان المكيدة
الخطيرة التي دبّرت ضده، وقد حاصروا عثمان وهم يهتفون بسقوطه ويطالبونه بالاستقالة من منصبه، وقد أشعل نار الثورة في نفوسهم مروان بن الحكم فقد أطلّ عليهم، وخاطبهم : ما شأنكم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ؟ شاهت الوجوه، تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا.
ونفد صبر الثوار فعزموا على قتله، وصمموا على تقطيع أوصاله، والتنكيل به.
ونقلت كلمات مروان إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخف إلى عثمان مسرعاً، فقال له : أَما رَضِيْتَ مِنْ مَرْوانَ وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحَرُّفِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ عَقْلِكَ؛ مِثْلَ جَمَلِ الظَّعِينَةِ يُقادُ حَيْثُ يُسارُ بِهِ، وَاللّه ما مَرْوانُ بِذِي رَأْي فِي دِينِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ.
وَأَيْمُ اللّه، إِنِّي لأراهُ سَيُورِدُكَ، ثُمَّ لَا يُصْدِرُكَ، وَمَا أَنَا بِعائِدٍ بَعْدَ مَقامِي هذا لِمُعاتَبَتِكَ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ، وَغُلِبْتَ عَلَى أَمْرِكَ ؟ !
وتركه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانصرف عنه.
فقالت نائلة زوج عثمان للأمويين : أنتم واللّه قاتلوه، وميتمو أطفاله.
والتفتت إلى عثمان تنصحه بأن يعزب عن مروان، ولا يطيعه قائلة له : إنك متى أطعت مروان قتلك (1).
وأحاط به الثوار فمنعوا عنه الماء والطعام وحاصروه، وهو مصرّ على سياسته لم يقلع عنها، وقد أترعت النفوس بالحقد والكراهية له، وقد جنى هو على نفسه لا طاعته لمروان وانصياعه لرغبات بني أمية.
واندلعت نيران الثورة واشتد أوارها، فقد أحاط الثوار بدار عثمان وقد خرج إليهم
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 94 و 95 الكامل في التاريخ : 3: 83 و 84. البداية والنهاية : 7: 180.
مروان فبرز إليه عروة بن شييم الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه، وقام إليه عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي بسكين ليقطع رأسه فعذلته فاطمة الثقفية وكانت أُمه من الرضاعة فقالت له : إن كنت تريد قتله فقد قتلته، فما تصنع بلحمه أن تبضعه، فاستحى منها وتركه (1).
ومشى إليه الناس وتسلقوا عليه الدار، ولم يكن عنده أحد يدافع عنه، فقد ورمت منه القلوب، ونفرت منه النفوس، ورمي بالحجارة، فقال عثمان : ما هذه الحجارة.
وناداه الناس : لسنا نرميك، اللّه يرميك ؟
فرد عليهم عثمان : لو رماني اللّه لم يخطأني.
واحتف به بعض الأمويين يدافعون عنه، وقد نشب بينهم وبين الثوار قتال عنيف، وقد فرّ من ساحة القتال خالد بن عقبة بن أبي معيط، وإليه يشير عبد الرحمن ابن سيحان بقوله :
يَلُومُونَنِي فِي الدّارِ إِنْ غِبْتُ عَنْهُمْ***وَقَدْ فَرَّ مِنْهَا خَالِدٌ وَهُوَ دارعُ
وقتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس ونيار بن عبداللّه الأسلمي وغيرهم (2).
وأحاط الثوار بعثمان بعد أن انهزم عنه بنو أمية وآل أبي معيط، فأجهز عليه
جماعة من المسلمين في طليعتهم محمّد بن أبي بكر، فقد قبض على لحيته وقال له : قد أخزاك اللّه يا نعثل.
فقال عثمان : لست بنعثل، ولكن عبد اللّه وأمير المؤمنين.
فقال محمّد : ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان.
فقال عثمان : يابن أخي دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه.
فقال محمّد : ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك.
وطعن جبينه بمشقص كان في يده، ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجاً في أصل أذن عثمان حتّى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف، ووثب عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فجلس على صدره و به رمق فطعنه تسع طعنات، وكسر عمير بن ضابئ ضلعين من أضلاعه، وحاولوا حزّ رأسه، فألقت زوجتاه نائلة بنت الفرافصة، ورملة بنت شيبة بن ربيعة بنفسيهما عليه، فأمر ابن عديس بتركه لهما (1).
وألقي عثمان جثة هامدة على الأرض، لم يسمح الثوار بمواراته.
وقال الصفدي : إنّهم ألقوه على المزبلة ثلاثة أيام (2)مبالغة في تحقيره وتوهينه. وتكلم بعض خواصه مع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتوسط في شأنه مع الثوار في دفنه، فكلمهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأذنوا في دفنه.
ويصف جولد تسيهر دفنه بقوله : «وبسط جثمانه دون أن يغسل على باب، فكان رأسه يقرع قرعاً، يقابل بخطوات سريعة من حامليه، وهم يسرعون به في ظلام
الليل، والأحجار ترشفه واللعنات تتبعه، ودفنوه في (حَشّ كوكب) (1)ولم يرضَ الأنصار بمواراته في مقابر المسلمين» (2).
وأما غلاماه اللذان قتلا معه فقد سحبوهما وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب (3).
وعلى أية حال فقد كانت الثورة على عثمان ثورة اجتماعية لا تقل شأناً عن أنبل الثورات الإصلاحية التي عرفها التاريخ، فقد كانت تهدف إلى الحد من سلطة الحاكمين، ومنعهم من الاستبداد بشؤون الناس، وإعادة الحياة الإسلاميّة إلى مجراها الطبيعي.
وتركت حكومة عثمان كثيراً من المضاعفات السيئة التى امتحن بها المسلمون أشد الامتحان، فقد أشعلت نار الفتن في جميع أنحاء البلاد، وجرت للمسلمين الويلات والخطوب، ونتحدث - بإيجاز - عن الأحداث الكبرى التي مني بها العالم الإسلامي من جراء حكومته، وهي :
1 - إن حكومة عثمان قد عمدت إلى التهاون في احترام القانون، وتجميد السلطة القضائية، فإنّ أفراد الأسرة الأموية قد خالفوا في كثير من تصرفاتهم وسلوكهم الأحكام الدستورية، وكان موقف عثمان معهم يتسم بالميوعة والتسامح، فلم يتخذ معهم أي إجراء حاسم، وإنما كان مسدداً لهم ومتأولاً لأخطائهم كما أشرنا إلى ذلك في البحوث السابقة - وكان من النتائج المباشرة لذلك شيوع الفوضى
في السلوك، وفساد الأخلاق والتمرد على القانون.
2 - إنّ حكومة عثمان لم تتخذ الحكم وسيلة من وسائل الإصلاح الاجتماعي، وإنّما اتخذته وسيلة للإثراء والاستغلال، والسيطرة على الشعوب، ممّا أهاب بكثير من الفئات أن ينظروا إلى الحكم بما إنّه مغنم وسبب للتمتع بنعم الدنيا وخيراتها، وقد أدى ذلك إلى تهالك الجماعات والأفراد نحو الملك والسلطان. فطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم لم يكونوا ينشدون أي هدف إنساني أو اجتماعي في تمردهم على حكومة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما كانوا هائمين في طلب الإمرة والخلافة، وأعقب عصيانهم بلبلة الروح الدينية، وزعزعة الإيمان في النفوس، وانتشار الأحزاب النفعية التي حالت بين المجتمع الإسلامي وبين حكومة القرآن.
3 - وخلقت حكومة عثمان طبقة أرستقراطية أشاعت الترف والبذخ، وتهالكت على اللذة والمجون، وكان من بينها الأسر القرشية التي غرقت بالأموال وحارت في صرفها ؛ في حين أن الأوساط الاجتماعيّة كانت تعاني الضيق والحرمان، ممّا أدى إلى ثورة المصلح الكبير أبي ذر صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الرأسمالية القرشية التي جمعت بغير وجه مشروع، ومطالبته بتأميمها وإرجاعها إلى الخزينة المركزية لتنفق على تطوير الحياة الاقتصادية وتنمية الدخل الفردي، وإذابة الفقر والحاجة في جميع القطاعات الشعبية، حسبما يريده الإسلام.
4 - وعملت حكومة عثمان على إحياء العصبية القبلية التي حاربها الإسلام، فقد جهد عثمان على تقوية أسرته، وبسط نفوذها، وحمايتها من القانون، ومنحها جميع أسباب القوة ممّا أدى إلى تكتل الأسر العربية، وشيوع النعرات الجاهلية من الافتخار بأمجاد الآباء والاعتزاز بالأنساب، وغير ذلك ممّا سنذكره في بحوث هذا الكتاب.
5 - تطلع النفعيين للوصول إلى الحكم، والاعتماد على قوة السيف من دون
الاعتناء بإرادة الأمة.
يقول يوليوس فلهوزن : «فمنذ ذلك الحين صار للسيف القول الفصل في أمر رئاسة الحكومة التيوقراطية، وفتح باب الفتنة، ولم ينسد بعد ذلك أبداً سداً تاماً، ولم يمكن ذلك الحين المحافظة على وحدة ممثلة في شخص إمام على رأس الجماعة إلا في الظاهر - على الأكثر - وبالقوة والقهر. فالحقيقة أن الجماعة قد انشقت وتفرقت شيعاً وأحزاباً كلّ منها يحاول أن يفرض سلطانه السياسي، وأن يلجأ للسيف تأييداً لإمامه على الإمام الحاكم بالفعل» (1).
لقد انتشرت الأطماع السياسية، وتهالك النفعيون للوصول إلى كرسي الحكم، مما أدى إلى إشاعة الفتن والفوضى في جميع أنحاء البلاد.
6 - التطبيل بدم عثمان، واتخاذه شعاراً للفتنة وإراقة الدماء والتمرد ع-ل-ى القانون ؛ لا من قبل الأمويين فقط وإنما من قبل جميع الفئات الطامعة في الحكم، كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم من الذين ساهموا مساهمة إيجابية في الثورة على عثمان، وقد أطلّت في سبيل هذه الأطماع الرخيصة أنهار من الدماء الزكية، وشاع الشكل والحداد في ربوع الوطن الإسلامي.
هذه بعض المتارك التي خلفتها حكومة عثمان وهي - من دون شك - قد أثرت تأثيراً عميقاً في تطور الأحداث، واتجاه المجتمع نحو الأطماع السياسية، وانتشار الانتهازية والوصولية بشكل فظيع، ممّا أدى إلى الصراع العنيف على الحكم، وتحول الحكومة الدينية إلى الملكية التي لا تعنى بأية حال بأمور الإسلام وتطبيق أهدافه، كما باعدت ما بين المسلمين وبين أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين نصّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على إمامتهم، وأوصى الأمة باتباعهم، فقد تحطمت بشكل سافر تلك القدسية التي أحاطهم بها، واتجهت السلطات التي تلت حكومة الخلفاء إلى تمزيق أوصالهم
1) تاريخ الدولة العربيّة : 50 و 51.
والتنكيل بهم، ولم ترعَ فيهم قرابة الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي هي أحق بالرعاية من كلّ شيء.
بقى هنا شيء وهو أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في عهد عثمان في شرخ الشباب، ويقول المؤرخون : إنّه انضم إلى الجيش الإسلامي الذي اتجه إلى فتح (طبرستان) سنة (30هـ) وكان على قيادته سعيد بن العاص فأبلى الجيش بلاء حسناً وفتح اللّه على يده ورجع ظافراً (1).
ولم تظهر لنا بادرة أخرى عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك الفترة، ولعل السبب يعود - فيما نحسب - إلى أنّ الأسرة النبوية كانت من الجبهة المعارضة لحكومة عثمان، وقد قامت بدور إيجابي في التنديد بسياسته، وقد صبّ عثمان جام غضبه على أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأبي ذر، وعمار، وابن مسعود، فأمعن في ظلمهم وإرهاقهم وقد شاهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الأحداث المفزعة، فأضافت إلى نفسه آلاماً وعرفته بواقع المجتمع واتجاهاته.
وزعم بعض المؤرخين أنّ الإمامين الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) دافعا عن عثمان حينما أحاط به الثوار وقد دلّلنا على عدم صحة ذلك بصورة موضوعية في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة عثمان.
وحققت الثورة على عثمان مكسباً عظيماً للمسلمين، فقضت على الاستغلال والتلاعب بمقدرات الأمة، وقضت على الغبن والظلم الاجتماعي، ودكّت عروش الطغيان، وحققت للأمة أهم ما تصبو إليه من تحقيق العدل والرخاء والأمن.
لقد استهدفت الثورة القضايا المصيرية للأمة، وكان من أهمها ترشيح الإمام أمير المؤمنين لمنصب الحكم.
ويقول المؤرخون : إنّ الثوار وسائر القوات المسلحة قد احتفت بالإمام، وهي تهتف بحياته، وتناديه : لا إمام لنا غيرك.
لقد أيقنت الأوساط الشعبية أنّ الإمام هو الذي يحقق آمالها وأهدافها ويعيد لها كرامتها، وأنها ستنعم في ظلال حكمه بالحرية والمساواة والعدل، فأصرت على انتخابه، وتقليده شؤون الخلافة.
واستقبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثوار بالوجوم وعدم الرضا بخلافتهم ؛ لعلمه بالأحداث الرهيبة التي سيواجهها إن قبل خلافتهم، فإنّ الأحزاب النفعية التي خلقتها حكومة عثمان قد تطعمت بالخيانة، وتسربلت بالأطماع والمنافع الشخصية، وإنّها ستقف في وجهه، وتعمل جاهدة على مناجزته، والحيلولة بينه وبين تحقيق مخططاته السياسية الهادفة إلى تحقيق العدل والقضاء على الجور.
وهتف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجماهير الشعب التي احتفت به معلناً رفضه الكامل لخلافتهم قائلاً لهم : لا حاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ، فَمَنْ اخْتَرْتُمْ فَقَدْ رَضِيْتُ بِهِ.
وأيّة حاجة للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافتهم، فهو لم ينشد مكسباً خاصاً له أو لأسرته، وإنما كان يبغي تحقيق أهداف الأمة، وإعادة الحياة الإسلاميّة إلى مجراها الطبيعي.
وأصرت الجماهير على انتخابه قائلة : ما نختار غيرك (1).
ولم يعنّ بهم الإمام، وإنّما أصرّ على الامتناع والرفض، ولكن الثوار لم يجدوا أحداً خليقاً بإدارة شؤون الأمة غير الإمام الذي توفرت فيه جميع الصفات القيادية من الصلابة للحق والقدرة على تحمل المسؤولية، فأصرت على فكرتها في ترشيحه للخلافة.
وعقدت القوات العسكرية مؤتمراً خاصاً - بعد امتناع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إجابتها - فقد عرضت الأحداث الخطيرة التي تواجه الأمة إن بقيت بلا إمام، وقد قررت على إحضار المدنيين وتهديدهم بقوة السلاح إن لم ينتخبوا إماماً للمسلمين، ولما حضروا قالوا لهم : «أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم ؛ فواللّه لئن لم تفرغوا غداً لنقتلنّ علياً وطلحة والزبير، وأناساً كثيراً» (2).
وفزع المدنيون وعلاهم الرعب، وخيّم عليهم الذعر، فهرعوا إلى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم يهتفون : البيعة البيعة، أما ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من أبناء القرى ؟ !
فأجابهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصرّاً على رفضه قائلاً: دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي.
وأحاطهم علماً بالأحداث المذهلة التي سيواجهها إن قبل خلافتهم قائلاً: أَيُّها النّاسُ، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ.
ولم تعِ الجماهير قوله : وإنّما ازدحمت عليه تنادي : إن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكثر إصرار الناس عليه، وتدافعهم نحوه، فصارحهم بالواقع ؛ ليكونوا على بينة من أمرهم قائلاً: وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أَصْعْ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتَبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلِيّ أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنا لَكُمْ وَزيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّى أَمِيراً (1).
لقد أعرب لهم أنّه إن تولى قيادتهم فسوف يسير فيهم بالحق والعدل فلا يحابِ ولا يصانع أي إنسان، ودعاهم إلى التماس غيره، إلّا أنّهم أصرّوا عليه وهتفوا: ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك.
وتزاحمت الجماهير عليه، وانثالوا عليه من كلّ جانب وهم يطالبونه بقبول خلافتهم، وقد وصف الشدة إصرارهم وازدحامهم عليه بقوله : فما راعني إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ (2)إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كلّ جَانِبِ، حَتَّىٰ لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقٌ عِطْفَايَ (3)مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَم (4). (5)
وأجلهم إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الأمر فافترقوا على ذلك.
1) نهج البلاغة : 136، خطبة 92. أنساب الأشراف : 6: 186. تاريخ الأمم والملوك : 4: 158. الكامل في التاريخ : 3: 99.
2) عُرف الضبع : الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع يضرب به المثل في كثرة الازدحام لسان العرب : 9 : 156 - عَرَفَ.
3) شقّ عطفاي : أراد به خدش جانبيه من كثرة زحام الناس عليه للبيعة.
4) ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة، يصف جثومهم بين يديه - لسان العرب : 5 : 111 – رَبَضَ.
5) نهج البلاغة : 1 : 36، الخطبة 3.
ولم يجد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بداً من قبول الخلافة خوفاً أن ينزو إليها علج من بني أمية، كما كان يتحدث بذلك، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَاللّه مَا تَقَدَّمَتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَوفاً مِنْ أَنْ يَنْزُو عَلَى الْأَمْرِ تَيْسٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَيَلْعَبَ بِكِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ (1).
لقد دعته الضرورة والخوف على الإسلام إلى قبول خلافتهم التي لا أرب له فيها سوى إقامة الحقّ ودحر الباطل، فلم يكن ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العدالة الاجتماعيّة في الإسلام من عشاق الملك والسلطان، ولا ممّن يبغي الحكم لينعم في خيراته، إنه ربيب الوحي الذي أثبت في جميع أدوار حياته زهده في الدنيا، وعزوفه عن جميع رغباتها.
وازدحمت الناس في الجامع الأعظم تنتظر بفارغ الصبر لعله قد أجابهم إلى ما يريدون، وأقبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحفّ به البقية الطيبة من صحابة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قوبل بموجة من الهتافات المؤيدة له، وقد أعلنوا عن رغبتهم الملحة في أن يتولى أمر المسلمين.
واعتلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعواد المنبر فخاطب الجماهير قائلاً : أَيُّها النّاسُ، عَنْ مَلَا وَإِذْنِ إِنَّ هذا أَمْرَكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَرْتُم، وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ عَلَى أَمْرٍ، وَكُنْتُ كارهاً لأَمْرِكُمْ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي دُونَكُمْ إِلَّا مَفاتِيحَ مالِكُمْ مَعِي، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَخَذَ دِرْهَمَا دُونَكُمْ فَإِنْ شِئْتُمْ فَعَدْتُ لَكُمْ وَإِلَّا فَلَا أَخُذُ عَلَى أَحَدٍ (2).
وألقى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأضواء على سياسته المالية النيرة، فهو يحتاط
أشدّ ما يكون الاحتياط بأموال الدولة، فلا يستأثر بأي شيء منها، ولا ينفق درهماً على مصالحه وشؤونه الخاصّة وهو يشير بذلك إلى الذين تمرغوا في أموال الخزينة المركزية أيام الحكم المباد فنهبوا الأموال، وأخذوها بغير حلّها، وأنه إذا تولى شؤون المسلمين فسوف يحرمون منها ويعاملون كبقية أفراد الشعب، ويعود المال - حسبما يريد اللّه - للأمة لا للحكّام.
وتعالت الهتافات من جميع جنبات المسجد وهي تعلن الإصرار الكامل على انتخابه قائلین بلسان واحد : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.
وتدافعت الجماهير كالموج المتلاطم إلى البيعة، وتقدم طلحة بيده الشلاء التي سرعان ما نكث بها عهد اللّه فبايع، فتطير منه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطفق يقول : ما أَخْلَقَهُ أَنْ يَنْكُث (1).
وتوالت الجماهير تبايع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي إنّما تبايع اللّه ورسوله، وبايعته القوات المسلحة من المصريين والعراقيين، وبايعه عرب الأمصار، وأهل بدر والمهاجرون والأنصار عامّة (2)، ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها واتساعها، وعمّت الأفراح والمسرات جميع المسلمين.
وقد وصف الإمام مدى ابتهاج الناس وسرورهم ببيعته بقوله : وَبَلَغَ مِنْ سُرورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وَهَدَجَ (3)إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ (4).
لقد ابتهج المسلمون بهذه البيعة التي تحقق أهدافهم، وتحقق ما يصبون إليه
من العزة والكرامة، وقد كانت بيعته يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة (1).
وقد انبرى أعلام الصحابة فأعلنوا أمام جماهير الأمة عن تأييدهم الشامل ودعمهم الكامل الحكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ذكرنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) (2)، كما ذكرنا فيه عرضاً للوفود التي أقبلت من أغلب مناطق العالم الإسلامي وهي تشارك المسلين فرحتهم، وتعلن عن دعمها لبيعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأول عمل قام به الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فور توليته لمنصب رئاسة الدولة هو عزل ولاة عثمان الذين سخّروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصّة، وأثروا ثراءً فاحشاً ممّا اختلسوه من بيت المال، وقد عزل معاوية بن أبي سفيان.
ويقول المؤرخون : إنّه أشار عليه جماعة من المخلصين بإبقاء معاوية في منصبه ريثما تستقر الأوضاع السياسية ثم يعزله فأبى الإمام، وأعلن أن ذلك من المداهنة في دينه، وهو ممّا لا يقره ضميره الحي الذي لا يسلك أي طريق يبعده عن الحق، ولو أبقاه ساعة لكان ذلك تزكية له وإقراراً بعد الته وصلاحيته للحكم (3).
لقد تحرج الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما يكون التحرج في أيام حكومته، فابتعد عن جميع ألوان السياسة المبتنية على الخداع والتضليل.
وانطلق رائد العدالة الإسلاميّة يقيم في ربوع الدولة الإسلاميّة حكم اللّه ويرفع راية الحق، وقد أصدر قراره الحاسم بتأميم الأموال المختلسة التي نهبها الحكم المباد، وبادرت السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها عثمان لذوي قرباه، والأموال التي استأثر بها عثمان، وقد صودرت أمواله حتّى سيفه ودرعه، وأضافها الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بيت المال، وقضى بذلك على تلاعب الحكام والمسؤولين بمقدرات الأمة.
وقد فزع بنو أمية أشدّ ما يكون الفزع واندفعوا إلى الإنكار على الإمام. يقول الوليد بن عقبة يعاتب بني هاشم، وينكر عليهم ذلك، في شعر له :
بني هاشم رُدُّوا سِلَاحَ ابنِ أُخْتِكُمْ***وَلَا تَنْهَبُوهُ لَا تَحِلُّ مَناهِية
بني هاشم كَيْفَ الهَوادَةُ بَيْنَنا***وَعِنْدَ عَلِيٌّ دِرْعُهُ وَنَجَانِبُة
بني هاشم كَيْفَ التَّوَدُّدُ مِنْكُمُ***ويز ابن أروى فِيكُمْ وَحَرائِبة
بني هاشم إِلَّا تَرُدُّوا فَإِنَّنا***سَواءٌ عَلَيْنا قاتِلَاهُ وَسالِبُهُ
بني هاشم إِنَّا وَمَا كَانَ مِنْكُمُ***كَصَدْعِ الصَّفَا لَا يَشْعَبُ الصَّدْعَ شَاعِبُهُ
قَتَلْتُم أَخِي كَيْمَا تَكُونُوا مَكَانَهُ***كَما غَدَرَتْ يَوْماً بِكِسْرى مَرازِبُة (1)
وألمت هذه الأبيات بالتوتر والأحقاد التي أترعت بها نفوس الأمويين فهم يرون الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي قام بالحركة الانقلابية التي أطاحت بحكومة عثمان، وهم يطالبون الهاشميين برد سیف عثمان ودرعه وسائر ممتلكاته التي صادرتها حكومة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد شاع هذا الشعر ورددته الأندية وحفظه الناس، وقد ردّ عليه عبداللّه بن أبي
1) الجمل / مؤلفات الشيخ المفيد : 1 : 209 - 210.
سفيان بن الحارث بأبيات منها :
فَلَا تَسْأَلُونَا سَيْقَكُمْ إِنَّ سَيْفَكُمْ***أُضِيعَ وَأَلْقَاهُ لَدَى الرَّوْعَ صَاحِبُهُ
وَشَبَّهْتَهُ كِسْرَى وَقَدْ كَانَ مِثْلَهُ***شبيهاً بكِسْرَى هَدْبُهُ وَضَرَائِبُه (1)
وطعن هذا الشاعر بشخصية عثمان، فقد رماه بالخور وأنّه ألقى سيفه لدى الروع حينما هجم عليه الثوار، فلم يذب به عن نفسه، ولم يقم بأي دور في الحماية والدفاع عنه، وإنّما استسلم لسيوف الثوار التي تناهبت شلوه.
وفزعت القبائل القرشية وأصابها الذهول، فقد أيقنت أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيصادر الأموال التي منحها لهم عثمان بغير حق، فقد كتب عمرو بن العاص رسالة إلى معاوية جاء فيها. «ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها» (2).
لقد خافت قريش على ثرواتها، وخافت على نفوذها ومكانتها، فقد عرفت
الإمام، وعرفت مخططاته الهادفة إلى إقامة الحقّ والعدل، وتحطيم الامتيازات غير المشروعة، وأنّه سيعاملهم كبقية أفراد الشعب، فلذا أظهرت أحقادها البالغة على حكومته.
وقد وصف ابن أبي الحديد مدى فزعهم واضطرابهم بقوله : «... كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه من إظهار ما في النفوس، وهيجان ما في القلوب حتّى إنّ الأخلاف من قريش، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله
وتقاعست عن بلوغ شأوه» (1).
لقد راح الحسد ينهش قلوب القرشيين، والأحقاد تنخر ضمائرهم، فاندفعوا إلى إعلان العصيان والتمرد على حكومة الإمام، وسنذكر لذلك عرضاً في البحوث الآتية.
وامتحن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) امتحاناً عسيراً من الأسر القرشية، وقد عانى منها أشد ألوان المحن والخطوب في جميع أدوار حياته، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَقَدْ أَخَافَتْنِي قُرَيْشٍ صَغِيراً، وَأَنْصَبَتْنِي كَبِيراً، حتّى قَبَضَ اللّه رَسولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَكَانَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وَاللّه الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (2).
وتحدث (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رسالته إلى أخيه عقيل عن إجماعهم على حربه كما أجمعوا على حرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث يقول : فَدَعْ عَنْكَ قُريشاً وَتَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوالَهُمْ فِي الشَّقاقِ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التَّبِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَىٰ حَرْبٍ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَبْلِي فَجَزَتْ قُرَيْشَاً عَنِّي الْجَوازِي ! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنَ أُمِّي (3).
ولم يعنّ بهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانطلق يؤسس معالم سياسته العادلة، ويحقق للأمة ما تصبو إليه من العدالة الاجتماعيّة، وقد أجمع رأيه على أن يقابلهم بالمثل، ويسدد لهم الضربات القاصمة إن خلعوا الطاعة وأظهروا البغي، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما لِي وَلِقُرَيْشٍ ! أما واللّه لَقَدْ قَتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلا قاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَاللّه لأَبْقَرَنُ الْباطِلَ حَتَّىٰ يَظْهَرَ الحقّ مِنْ حَاصِرَتِهِ، فَقُلْ لِقُرَيْشٍ فَلْتَضِجُ ضَحِيجَها (4).
لقد جهدت قريش على إطفاء نور اللّه، وتدمير المثل الإسلاميّة، بكل قواها في محاربة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والإطاحة بحكومته، كما جهدت من قبل على حرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مورد رسالة الإسلام لمصدرها.
لا أعرف حاكماً سياسياً أو مصلحاً اجتماعياً تبنّى العدل بجميع رحابه ومفاهيمه كالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد بني حكمه على الحقّ الخالص، والعدل المحض، وتبنى مصالح المظلومين والمضطهدين على اختلاف قومياتهم وأديانهم، وقد أجهد نفسه وكلفها رهقاً فيما بسطه من صنوف العدل والمساواة، فكان يشرف على كلّ بادرة في رقاع دولته، ويتفقد جميع شؤون رعيته، فكان يطيل التفكير في البؤساء والضعفاء في جميع أرجاء دولته الممتدة الأطراف، وقد رأى أن يشاركهم في جشوبة العيش، وخشونة اللباس، ويبيت طاوياً ؛ إذ لعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالقوت ولا طمع له بالشبع ؛ لذلك ضيّق على نفسه، وحرم عليها جميع متع الحياة، وحملها على الجهد والحرمان، واتجه فكره النيّر وضميره الحي إلى إسعاد الناس، ونشر الدعة والرفاهية فيهم.
وفيما يلي عرض موجز لسياسته :
سياسته (عَلَيهِ السَّلَامُ) المالية
أما السياسة المالية التي انتهجها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّما هي امتداد لسياسة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي عنى بتطوير الحياة الاقتصادية، وإنعاش الحياة العامّة في جميع أنحاء البلاد بحيث لا يبقى فقير أو بائس أو محتاج ؛ وذلك بتوزيع ثروات الأمة توزيعاً عادلاً على جميع القطعات الشعبية، أما مظاهر تلك السياسة الاقتصادية الخلاقة، فهى :
1 - المساواة في التوزيع والعطاء، فليس لأحد على أحد فضل أو امتياز، وإنّما الجميع على حدّ سواء، فلا فضل للمهاجرين على الأنصار، ولا لأسرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأزواجه على غيرهم، ولا للعربي على غيره. وقد طبق الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الجهة بصورة دقيقة وشاملة فكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - قد ساوى بين المسلمين في العطاء، ولم يميز قوماً على آخرين (1)، فقد وفدت إليه سيّدة قرشية من الحجاز طالبة منه الزيادة في عطائها، وقد التقت قبل أن تصل إليه بعجوز فارسية كانت مقيمة في الكوفة فسألتها عن عطائها فإذا به يساوي ما خصص لها، فأمسكت بها وجاءت بها إليه، وقد رفعت عقيرتها قائلة : هل من العدل أن تساوي بيني وبين هذه الأمة الفارسية ؟ !
فرمقها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطرفه، وتناول قبضة من التراب، وجعل ينظر إليه ويقلبه بيده، وهو يقول : لَمْ يَكُنْ بَعْضُ هذَا التُّرابِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ، وتلا قوله تعالى : «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه أَتْقَاكُم» (2).
ولو استولى أبناؤه (عَلَيهِم السَّلَامُ) على دست الحكم لكانوا ماضين على نفس الخطّ الذي سار عليه الإمام علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد صرّح الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك في حديث له مع أحد أصحابه عندما اغتم من إخبار الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ بعدم تمامية الأمر له في بيعة ولاية العهد، فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَما لَك في هذا لَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَيَّ ما تَقُولُ ؟! وَأَنْتَ مِنِّي كَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ مَا كَانَتْ نَفَقَتُكَ إِلَّا فِي كُمِّكَ، وَكُنْتَ كَواحِدٍ مِنَ النّاس (3).
وقد أثارت هذه العدالة في التوزيع غضب الرأسماليين من القرشيين وغيرهم، فأعلنوا سخطهم على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد خفّت إليه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سياسته، فأجابهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ؟! وَاللّه لَا أَطُورُ بِهِ ما سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كانَ الْمَالُ لِي تَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّما المالُ مالُ اللّه ؟ ! أَلَا وَإِنَّ إِعْطاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ فِي الدُّنْيا وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَيُهيتُهُ عِنْدَ اللّه» (1).
لقد كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يهدف في سياسته المالية إلى إيجاد مجتمع لا تطغى فيه الرأسمالية، ولا تحدث فيه الأزمات الاقتصادية، ولا يواجه المجتمع أي حرمان أو ضيق في حياته المعاشية.
لقد أدّت هذه السياسة المشرقة المستمدة من واقع الإسلام وهديه إلى إجماع القوى الباغية على الإسلام أن تعمل جاهدة على إشاعة الفوضى والاضطراب في البلاد، مستهدفة بذلك الإطاحة بحكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويرى المدائني أنّ من أهم الأسباب التي أدت إلى تخاذل العرب عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اتباعه لمبدأ المساواة، حيث كان لا يفضّل شريفاً على مشروف في العطاء، ولا عربياً على عجمي (2).
لقد ورمت آناف أولئك الطغاة من سياسة الإمام التي هدمت الحواجز، وألغت الطبقية، وساوت بين جميع أبناء المسلمين لا في العطاء فقط، وإنما في جميع الحقوق والواجبات.
2 - الإنفاق على تطوير الحياة الاقتصادية، وإنشاء المشاريع الزراعية والعمل على زيادة الانتاج الزراعي الذي كان العمود الفقري للاقتصاد العام في تلك العصور، وقد أكد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده لمالك الأشتر على رعاية إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَراج؛ لأَنَّ ذلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَهْلَكَ الْعِبادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً... (1).
لقد كان أهم ما يعنى به الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياسته الاقتصادية زيادة الدخل الفردي، ونشر الرفاهية والرخاء بصورة شاملة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد حفلت رسائله إلى ولاته بالاهتمام في هذه الجهة، فقد أكد عليهم لزوم الإنفاق على تطوير الاقتصاد العام حتّى لا يبقى أي شبح للفقر والحرمان في البلاد.
3 - عدم الاستئثار بأي شيء من أموال الدولة، فقد تحرج الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها أشدّ ما يكون التحرج، وقد أثبتت المصادر الإسلاميّة بوادر كثيرة من احتياطه البالغ فيها، فقد وفد عليه أخوه عقيل طالباً منه أن يمنحه الصلة ويرفه عليه حياته المعاشية، فأخبره الإمام أنّ ما في بيت المال للمسلمين، وليس له أن يأخذ منه قليلاً ولا كثيراً، وإذا منحه شيء فإنّه يكون مختلساً، فلم يفقه عقيل ذلك وأخذ يلح عليه ويجهد في مطالبته، فأحمى له الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حديدة وأدناها منه وكاد أن يحترق من میسمها، وضجّ ضجيج ذي دنف، فلما أفاق أجمع رأيه على الالتحاق بمعاوية لينعم بصلاته وهباته التي يختلسها من أموال المسلمين.
لقد أجمع المؤرخون على أنّ الإمام أمير المؤمنين الا قد أجهد نفسه وأرهقها من أمره عسراً، فلم ينعم هو ولا أهل بيته من خيرات الدولة، ولم يصطف منه
1) نهج البلاغة : 3: 96، الكتاب 53.
أي شيء، وقد نفر منه ذوو الأطماع، وراح يوصي بعضهم بعضاً في الابتعاد عنه.
يقول خالد بن معمر الأوسي لعلباء بن الهيثم - وكان من أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - : اتق اللّه يا علباء في عشيرتك، وانظر لنفسك ولرحمك ماذا تؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما فأبى وغضب، فلم يفعل (1).
إنّ الإنسانيّة على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وإبداع في الأنظمة الاقتصادية، فإنّها بأية حال لم تستطع أن تنشأ مثل هذا النظام الاقتصادي الذي انتهجه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنه يرتبط بواقع الحياة ولا يشذ عن سننها، وهو يهدف قبل كلّ شيء إلى عدالة التوزيع وبسط الرفاهية على الجميع، والقضاء على الحاجة والحرمان.
وعلى أية حال فإنّ السياسة الاقتصادية الخلاقة التي تبناها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ثقلت على القوى المنحرفة عن الإسلام، فانصرفوا عن الإمام وأهل بيته والتحقوا بالمعسكر الأموي الذي يضمن لهم الاستغلال والنهب، وسلب قوت الشعب، والتلاعب باقتصاد البلاد.
وقد كان قادة الجيش الذي خف لحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ذوي الثروات الطائلة كعمرو بن حريث (2)، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر وغيرهم ممّن منحتهم الحكومة الأموية الثراء العريض، فاندفعوا إلى حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حفظاً على مصالحهم الشخصية وإبقاء على ثرواتهم التي تكونت بغير وجه مشروع، فقد أيقنوا أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا استتب له الأمر فإنّه لا يشذ عن منهج أبيه وسياسته، وأنّهم سيفقدون المنح والهبات التي تغدقها عليهم الحكومة الأموية،
وسنذكر ذلك مشفوعاً بالتفصيل في البحوث الآتية.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية.
واجهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه على أن يحقق بين الناس العدل الاجتماعي والعدل السياسي ويحملهم على الطريق الواضح الذي لا التواء فيه، ويسير فيهم بسياسة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الهادفة إلى تطبيق العدل، وبسط الحقّ بين القريب والبعيد، بحيث لا يسمع أنين لمظلوم أو محروم، ولا يعد ظل للحاجة والبؤس حسبما يريده اللّه في الأرض، لقد عنى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإزالة جميع أسباب التخلف والانحطاط، وتحقيق حياة كريمة يجد فيها الإنسان جميع متطلبات حياته من الدعة والأمن والرخاء والاستقرار، ونشير فيما يلي إلى بعض مظاهرها :
أمّا المساواة بين الناس فهي من العناصر الذاتية في سياسة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تبناها في جميع أدوار حكومته، ورفع شعارها عالياً حتّى عرف برائد العدل والمساواة في الأرض، أما مظاهرها فهي :
1 - المساواة في الحقوق والواجبات.
2 - المساواة في العطاء.
3 - المساواة أمام القانون.
وقد ألزم الإمام عماله وولاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض رسائله إلى عماله : وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَناحَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنُّظْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ وَالنَّحِيَّةِ، حتّى
لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلَامُ» (1).
ولم تقنن في أي دين أو مذهب اجتماعي مثل هذه المساواة المشرقة التي تنشد كرامة الإنسان وعزته، وتؤلف ما بين المشاعر والعواطف، وتجمع الناس على صعيد من المحبة والإخاء.
أما الحرية عند الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي من الحقوق الذاتية لكل إنسان، ويجب أن تتوفر للجميع شريطة ألا تستغل في الاعتداء والإضرار بالناس. وكان من أبرز معالمها :
الحرية السياسية
ونعني بها أن تتاح للناس الحرية التامة في اعتناق أي مذهب سياسي دون أن تفرض عليهم السلطة رأياً معاكساً لما يذهبون إليه، وقد منح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الحرية بأرحب مفاهيمها للناس، وقد منحها لأعدائه وخصومه الذين تخلفوا عن بيعته كسعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر (2)
فأخرج الحجّاج رجله وقال له : خذ رجلي فإنّ يدي مشغولة.
فقال ابن عمر : أتستهزئ منّي.
قال الحجاج : يا أحمق بني عدي ! ما بايعت مع علي بن أبي طالب : وتقول اليوم : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، أو كان علي إمام زمانك ؟ ! واللّه ما جئت إليّ لقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بل جئت مخافة تلك الشجرة التي صلب عليها ابن الزبير - الإيضاح / ابن شاذان : 34 و 35 الكنى والألقاب : 1: 363 و 364. مروج الذهب : 2 : 353.
، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك،ومسلمة بن مخلد، وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد، وزيد بن ثابت(1)
تاريخ أبي الفداء : 1: 238 - 239.
، وأمثالهم من أنصار الحكم المباد الذين كان يغدق عليهم عثمان صلاته وهباته، فلم يجبرهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يتخذ معهم أي إجراء حاسم كما اتخذه أبو بكر ضده حينما تخلف عن بيعته.كان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى أن الناس أحرار، ويجب على الدولة أن توفر لهم حريتهم ما دام لم يخلوا بالأمن، ولم يعلنوا التمرد والخروج على الحكم القائم، وقد منح (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحرية للخوارج ولم يحرمهم عطاءهم مع العلم أنّهم كانوا يشكلون أقوى حزب معارض لحكومته، فلما سعوا في الأرض فساداً، وأذاعوا الذعر والخوف بين الناس انبرى لقتالهم حفظاً على النظام العام وحفظاً على سلامة المواطنين، ويتفرع على هذه السياسة ما يلي :
حرية القول
ومن مظاهر الحرية الواسعة التي منحها الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للناس حرية القول، وإن كان في غير صالح الدولة ما لم يتعقبه فساد فالعقاب يكون عليه.
فقد روى المؤرخون : أنّ أبا خليفة الطائي لما رجع من النهروان التقى مع جماعة من إخوانه، وكان فيهم أبو العيزار الطائي، وكان من الخوارج، فقال لعدي بن حاتم : يا أبا طريف، أغانم سالم أم ظالم آثم ؟
قال : بل غانم سالم.
قال : الحكم إذن إليك ؟ !
وأوجس منه خيفة الأسود بن زيد والأسود بن قيس فألقيا القبض عليه وجاءا به
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 156. الكامل في التاريخ : 3 : 98. الاستيعاب : 3: 1121.
مخفوراً إلى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونقلا له حديثه المنطوي على الشر والتمرد، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما : ما أَصْنَعُ بِهِ ؟
قالا : تقتله.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَقْتُلُ مَنْ لَا يَخْرُجُ عَلَيَّ ؟!
قالا : فاحبسه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَلَيْسَتْ لَهُ جِنايَةٌ أَحْبِسُهُ عَلَيْها، خَليا سَبِيلَ الرَّجُل (1).
ولم تمنح مثل هذه الحرية للمواطنين في جميع المذاهب الاجتماعيّة، فلم يحاسب الإمام الناس على ما يقولون، وإنّما تركهم وشأنهم لهم حرية القول والفكر، ولم يفرض عليهم رقابة تحول بينهم وبين حرياتهم.
حرية النقد
وكان من مظاهر الحرية السياسية التي منحها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للناس هي حرية النقد للحكم، وعدم التعرض للناقدين بسوء أو مكروه.
يقول المؤرخون : إنّه كان يقرأ في صلاته وخلفه جماعة من أصحابه، فقرأ أحدهم معارضاً لقراءته : «إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للّه يَقُصُّ الحقّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ» (2)، فردّ عليه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معارضاً : «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّه حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» (3)،(4). ولم يتخذ معه أي إجراء، وإنما عفا عنه وخلّى سبيله.
لقد كان يرى للناس الحقّ في الحرية الواسعة، فلم يفرض على أحد أمراً،
ولم يستكره أحداً على الطاعة، ولم يرغم الناس على ما لا يحبون.
هذه بعض مظاهر الحرية التي أعطاها الإمام للناس في أيام حكمه، وقد حققت العدل الاجتماعي والعدل السياسي بين الناس.
وكان العدل الشامل هو الشعار الذي رفعه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالياً وتبناه في جميع أدوار حكومته، فقد جهد نفسه على إقامة العدل ورفع مناره، وكان - فيما يقول المؤرخون - أول حاكم في الإسلام بنى بيتاً للمظالم يضع فيه المظلومون والمعتدى عليهم رقاعاً يذكرون فيها ما أصابهم من اعتداء أو مكروه، وكان بنفسه يتولى الإشراف عليها فيأخذ لهم بحقهم، ويدفع عنهم غائلة ما أصابهم من أذى أو مكروه (1).
لقد عنى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عناية بالغة ببسط العدل ونشره بين الناس. وكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - قد وجه جميع أجهزة حكومته للقضاء على الظلم وتدمير أصوله ومحو أثره، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّىٰ أَخُذَ الحقّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حتّى أَخُذَ الحقّ مِنْهُ (2).
وقد عزل أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة بأنه قد جار في حكمه، فجعل الإمام يبكي ويقول بحرارة : اللّهمَّ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ أَنِّي لَمْ أَمُرْهُمْ بِظُلمِ خَلْقِكَ، وَلَا بِتَرْكِ حَقِّكَ، ثم عزله في الوقت (3).
ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من صور عدله بين الناس بما لم يشاهد له مثيل في
جميع أدوار التاريخ (1).
وجهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر ما يكون الجهد والعناء على العمل على توحيد صفوف الأمة، ونشر الألفة والمحبة بين أبنائها، واعتبر الألفة الإسلاميّة من نعم اللّه الكبرى على هذه الأمة.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلٍ هذِهِ الأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلَّها، وَيَأْرُونَ إلى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَها قِيمَةٌ؛ لِأَنَّها أَرْجَحُ مِنْ كلّ ثَمَنِ، وَأَجَلٌ مِنْ كلّ خَطَرٍ (2).
وناهض كلّ من يدعو إلى التفرقة وتصديع الشمل، وأمر بأن يُعلى وجهه بالسيف - على حدّ تعبيره - وقاوم العصبية التي هي من أسباب التفرقة والبغضاء بين الناس، ودعا إلى التعصب لمكارم الأخلاق.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكارِمِ الْخِصالِ، وَمَحامِدِ الأفعالِ، وَمَحاسِن الأمُورِ الَّتِى تَفَاضَلَتْ فِيها الْمُجَداءُ وَالنّجَداءُ مِنْ بُيُوتاتِ الْعَرَب، وَيَعَاسِيبِ الْقَبائِلِ، بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِيبَةِ، وَالْأَحْلامِ الْعَظِيمَةِ، وَالْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالْآثَارِ الْمَحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ؛ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوارِ، وَالْوَفَاءِ بِالدِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لبر، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفَّ عَنِ الْبَغْيِ، وَالإِعْظام لِلْقَتْلِ، وَالْإِنْصافِ لِلْخَلْقِ، وَالْعَظْمِ لِلْغَيْظِ، وَاجْتِنابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ (3).
لقد عنى الإمام بوحدة الأمة، وتبنى جميع الأسباب التي تؤدي إلى تماسكها واجتماع كلمتها، وقد حافظ على هذه الوحدة في جميع أدوار حياته، فقد ترك حقه وسالم الخلفاء صيانة للأمة من الفرقة والاختلاف
ولم يعهد عن أحد من الخلفاء أنّه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم كالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنّما عنوا بالشؤون العسكرية، وعمليات الحروب وتوسيع رقعة الدولة الإسلاميّة، وبسط نفوذها على أنحاء العالم، ومن ثم كانت حقول التربية الدينية ضعيفة للغاية، الأمر الذي أدى إلى انتشار القلق الديني، وقلة الوعي الإسلامي، وكان من نتائجه ظهور الحركات الإلحادية والمبادئ الهدامة في العصر الأموي والعباسي، كما كان من نتائجه شيوع الخلاعة والمجون في كثير من أنحاء البلاد، أما بيوت الخلفاء والوزراء فكانت من مراكز اللهو والدعارة والتفسخ.
وقد أولى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية، فاتخذ جامع الكوفة معهداً يلقي فيه محاضراته الدينية والتوجيهية، وكان يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى اللّه وإظهار فلسفة التوحيد، وبث الآداب والأخلاق الإسلاميّة، مستهدفاً من ذلك نشر الوعي الديني، وخلق جيل يؤمن باللّه إيماناً عقائدياً لا تقليدياً، وكانت مواعظه تهز أعماق النفوس خوفاً ورهبة من اللّه، وقد تربى في مدرسته جماعة من خيار المسلمين وصلحائهم، أمثال : حجر بن عدي، وميثم التمار، وكميل بن زياد، وغيرهم من رجال التقوى والصلاح في الإسلام.
وكانت وصاياه إلى ولديه الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وسائر تعاليمه من أهم الأسس التربوية في الإسلام، فقد قننت أصول التربية، ووضعت مناهجها على أسس تجريبية كانت من أثمن ما يملكه المسلمون في هذا المجال.
أمّا التعليم فقد كان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المعلم والباعث للروح العلمية، فهو الذي
فتق أبواب العلوم في الإسلام، كعلم الفلسفة، والكلام، والتفسير، والفقه، والنحو، وغيرها من العلوم التي تربو على ثلاثين علماً، وإليه يستند ازدهار الحركة العلمية في العصور الذهبية في الإسلام حسب ما نص عليه المحققون.
لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المؤسس الأعلى للعلوم والمعارف في دنيا الإسلام، وقد بذل جميع جهوده على إشاعة العلم ونشر الآداب والثقافة بين المسلمين، وكان دوماً يذيع بين أصحابه قوله : سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي عَنْ طُرُقِ السَّمَاءِ فَإِنِّي أَبْصَرُ بِها مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ (1).
ومن المؤسف والمحزن - حقّاً - أنّهم لم يستغلوا وجود هذا العملاق العظيم، فيسألوا منه عن حقيقة الفضاء والمجرات التي تسبح فيه، وغيرها من أسرار الطبيعة التي استمد معارفها من الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلم يسألوا عن أي شيء من ذلك، وإنّما راحوا يهزأون، وقد قال بعضهم بسخرية : كم طاقة في رأسي من شعر ؟ ! (2).
لقد عاش الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غريباً في وسط ذلك المحيط الجاهل الذي لم يعِ أي شيء من أهدافه ومثله، ولم يعرف حق قيمته، ولم يثمن عبقرياته ومواهبه.
وعلى أية حال فإنّ الإمام أقام حكومته على تطوير الحياة الفكرية والعلمية، وبثّ المعارف والآداب بين جميع الأوساط.
واحتاط الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما يكون الاحتياط في الولاة والعمال، فلم يستعمل أحداً على قطر من الأقطار الإسلاميّة أو يعهد إليه بعمل إلا بعد إحراز
الثقة بدينه والكفاءة بقدراته الإدارية، ولم يستعمل أحداً محاباة أو إثرة، وإنّما استعمل خيار المسلمين وصلحاءهم أمثال : مالك الأشتر، ومحمّد بن أبي بكر، وسهل بن حنيف، وحبر الأمة عبد اللّه بن عباس، ونظراءهم من الذين توفرت فيهم الخبرة التامة في شؤون الحكم والإدارة، وقد زودهم برسائل مهمة عرض فيها الشؤون الحكم وسياسة الدولة، كما حددت من صلاحياتهم ومسؤولياتهم، وكان من أروع تلك الوثائق السياسية عهده لمالك الأشتر (1)، فقد حفل بتشريع ضخم لإصلاح الحياة السياسية والاقتصادية والعسكزية، وهو أرقى وثيقة سياسية تهدف إلى ارتقاء المجتمع وتحقيق مصالحه، ولولا الخروج عن الموضوع لوضعنا بنوده موضع التحليل
وكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - يتفقد شؤون ولاته وعماله، ويرسل العيون لتحري أعمالهم، فإن رأى منهم خيانة أو تقصيراً في واجبات أحد منهم عزله وأنزل به أقصى العقوبات، وقد بلغه أنّ ابن هرمة قد خان سوق الأهواز فكتب إلى عامله : «إِذا قَرَأْتَ كِتابِي فَنَحٌ ابْنَ هَرْمَةَ عَنِ السُّوقِ، وَأَوْقِفَهُ لِلنَّاسِ، وَاسْجِنْهُ وَنادِ عَلَيْهِ، وَاكْتُبْ إِلى أَهْل عَمَلِكَ تُعْلِمُهُمْ رَأيِي فِيهِ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِيهِ غَفْلَةٌ وَلَا تَفْرِيطٌ فَتَهْلَكَ عِنْدَ اللّه، وَأَعْزِلُكَ أَخْبَثَ عَزْلَةٍ، وَأُعِيدُكَ بِاللّه مِنْ ذلِكَ، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَخْرِجْهُ مِنَ السِّجْنِ، وَاضْرِبْهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثِينَ سَوْطاً، وَطَفْ بِهِ إِلَى الْأَسْوَاقِ، فَمَنْ أَتَى عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ فَخَلْفَهُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَادْفَعْ إِلَيْهِ مِنْ مَكْسَبِهِ ما شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَمُرْ بِهِ إِلَى السَّجْنِ مُهاناً مَقْبُوحاً منبوحاً...» (2).
إنّها صرامة العدل التي تحسم الخيانة، وتقضي على الرشوة، ولا تدع أي مجال للسرقة من الشعب.
وقد تحرى كلّ بادرة تصدر من ولاته، وقد بلغه أن عامله على البصرة قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فكتب إليه يلومه على ذلك، وقد جاء في رسالته :
«أَمَا بَعْدُ يَابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعامِ قَوْمٍ عائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُو، فَانْظُرْ إِلَىٰ مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَة عَلَيْكَ عِلْمُهُ فالْفِظْهُ، وَما أَيْقَنتَ بطيب وُجُوهِهِ فَتَلْ مِنْهُ...» (1).
إنّ الإنسانيّة على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وإبداع في أنظمة الحكم والإدارة فإنّها لم تستطع أن تنشئ مثل هذا النظام الذي يدعو الموظف إلى الترفع ورفض كلّ دعوة توجه إليه خوفاً من تركه للحق، واستجابته لدواعي الخيانة والغرور.
ولم يقرب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحداً من الانتهازيين الذين لا يخلصون للحق وإنما يسعون وراء أطماعهم ومصالحهم، ولا يفقهون المصالح العامّة فإنّهم عون للسلطة على الباطل لا على العدل، وكان المجتمع الكوفي يضم طائفة كبيرة منهم كالأشعث بن قيس، وعمرو بن حريث، وشَبَث بن ربعي وأمثالهم من الذين ضربت مصالحهم في عهد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاتصلوا بحكومة دمشق، وقاموا بدور العمالة لها، فراحوا يعقدون المؤامرات لإفساد جيش الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشعبه مستهدفين من ذلك الإطاحة بحكومته.
1) نهج البلاغة : 3 : 70، الكتاب 45.
وقد كانوا - فيما يقول المؤرخون - قادة الجيش الأموي الذي اقترف أبشع جريمة في التاريخ، وهي قتل سيد الشهداء، فقد أيقنوا أنه إذا استتب له الأمر فإنّه سيدمر مصالحهم، فإنّ سياسته إنّما هي امتداد لسياسة أبيه التي لا ظل فيها للخونة والمجرمين.
ويرى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الإمارة وسيلة من وسائل الإصلاح الاجتماعي لا يجوز أن تمنح إلا للمتحرجين في دينهم الذين لا يخضعون للرغبات والأهواء، ويجب أن تستغل لتحقيق ما ينفع الناس، فلا يجوز أن تمنح أثرة أو محاباة.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رسالته لقاضيه رفاعة بن شداد : «اعْلَمْ - يا رِفاعَةُ - إِنَّ هَذِهِ الْإِمَارَةَ أَمانَةٌ، فَمَنْ جَعَلَها خِيانَةٌ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه إِلى يَوْم الْقِيامَةِ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَ خَائِنَا فَإِنَّ محمّداً للّه بَرِيءٌ مِنْهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ» (1).
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا شعر من أحد أنّ له ميلاً أو هوى في الإمارة فلا يرشحه لها ؛ لأنه يتخذ الحكم وسيلة لتحقيق مآربه وأطماعه، ولما أعلن طلحة والزبير عن رغبتهما الملحة في الولاية امتنع عن إجابتهما، واستدعى عبداللّه بن عباس فقال له : بَلَغَكَ قَوْلُ الرَّجُلَيْنِ يعني طلحة والزبير ؟ !
قال : نعم، بلغني قولهما.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فَما تَرَى ؟
قال : أرى أنّهما أحبّا الولاية فول البصرة الزبير، وولّ طلحة الكوفة.
فأنكر عليه الإمام رأيه، وقال له : وَيْحَكَ إِنَّ الْعِراقَيْن بهما الرَّجالُ وَالأمْوالُ، وَمَتى تَمَلَّكا رِقابَ النَّاسِ يَسْتَمِيلَا السَّفِيهَ بِالطَّمَع، وَيَضْرِبا الضَّعِيفَ بِالْبَلَاءِ، وَيَقْوَيا عَلَى
1) دعائم الإسلام : 2 : 531، 1890.
الْقَوِيِّ بِالسُّلْطَانِ، وَلَوْ كُنْتُ مُسْتَعْمِلاً أَحَداً لِضُرِّهِ وَنَفْعِهِ لَاسْتَعْمَلْتُ مُعاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ، وَلَوْلَا ما ظَهَرَ لِي مِنْ حِرْصِهِما عَلَى الْوِلَايَةِ لَكَانَ لِي فِيهِما رَأي (1).
من أجل هذه النقاط الحسّاسة امتنع أن يوليهما على العراقين.
إنّ الإمارة وسائر المناصب في جهاز الدولة لا يجوز عند الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن تمنح إلا للذوات الزكية التي تعمل لصالح الأمة، ولا تتخذ الحكم مغنماً وسلماً للثراء وسائر المنافع الشخصية.
والشيء البارز في سياسة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو التزام الصراحة والصدق في جميع شؤونه السياسية، فلم يوارب ولم يخادع، وإنّما سلك الطريق الواضح الذي لا التواء فيه، وسار على منهاج ابن عمه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولزم سمته وهديه، ومضى على طريقته، وواكب جميع خطواته، ولو أنّه التزم بالأعراف السياسية التي تبيح وسائل الغدر والنفاق في سبيل الوصول إلى الحكم لما آلت الخلافة إلى عثمان، فقد ألح عليه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه شريطة أن يسير على سيرة الشيخين فامتنع من إجابته وصارحه أنه يسوس الأمة على ضوء كتاب اللّه الذي وعاه، وعلى ضوء سنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وليس غيرهما رصيد يعتمد عليه في عالم التشريع والسياسة في الإسلام (2).
ويقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَوْلَا أَنَّ الْمَكْرَ وَالْخِداعَ فِي النَّارِ لَكُنْتُ أَمْكَرَ النَّاسِ (3).
لقد أبى ضميره الحي المترع بتقوى اللّه وطاعته أن يخادع أو يمكر في سبيل
الوصول إلى الحكم الذي كان من أزهد الناس فيه، وكان كثيراً ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التى كان يعانيها من خصومه وهو يقول : واوَيْلَاهُ يَمْكُرُونَ وَيَعْلَمُونَ أَنِّي بِمَكْرِهِمْ عَالِمٌ، وَأَعْرَفُ مِنْهُمْ بِوُجُوهِ الْمَكْرِ، وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَكْرَ وَالْخَدِيعَةَ فِي النَّارِ، فَأَصْبِرُ عَلى مَكْرِهِمْ، وَلَا أَرْتَكِبُ مِثْلَ ما از تَكَبوا» (1).
وأنكر على من قال فيه : إنّه لا دراية له بالشؤون السياسية، وإن معاوية خبير بها. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): واللّه ما مُعاوِيَةُ بَأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْقَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ...(2).
وتحدث (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الوسائل المنكرة التي يعتمد عليها بعض الناس في سبيل الوصول إلى أهدافهم من الغدر وما شاكله من المكر والنفاق، وأنكر على الذين يبررون هذه الوسائل ويصفونها بحسن الحيلة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
أَيُّها النّاسُ، إِنَّ الْوَفاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقى مِنْهُ، وَما يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْقَدْرَ كَيْساً، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ قاتَلَهُمُ اللّه : قَدْ يَرَى الْحُوّل الْقُلَّبُ وَجْهَ الحيلة وَدُونَهَا مَانِعَ مِنْ أَمْرِ اللّه وَنَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ (3).
على هذا الخلق بنى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سياسته التي أضاءت في دنيا الإسلام، وكانت السبب في خلوده، واعتزاز الإنسانيّة به في جميع الأجيال والآباد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا في سياسة الإمام، وهي - من دون
شك - تنشد الأهداف الأصيلة التي رفع شعارها الإسلام، ولكن لم يفقهها ذلك الجيل الذي تعود على الأثرة، وتعود على الاستغلال ؛ فلذلك لم يكتب لها النجاح.
وامتزجت عواطف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعواطف ولده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتفاعلت روحه مع روحه حتّى صار صورة فذة عنه تحكي واقعه وهديه.
لقد أفاض أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع ذاتياته في نفس ولده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومنحه حبه وإخلاصه، وزوّده بأروع حكمه وآدابه، وقد بلغ من عظيم حبّه أنّه لم يسمح له بالدخول في عمليات الحروب أيام صفين كما لم يسمح لأخيه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك لئلا ينقطع بموتهما نسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد أن رآهما قد تهالكا في ساحة الحرب.
وقد انطبعت مُثل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسائر اتجاهاته الفكرية في نفس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان كأبيه في ثورته على الظلم والباطل، ومناهضته للبغي والجور، وتفانيه في سبيل الحقّ والعدل وتبنيه لجميع وسائل الإصلاح والخير.
لقد كان كأبيه في بسالته وصموده، وعزة نفسه، وإبائه وشممه، وقد اعترف بهذه الظاهرة أعداؤه يوم الطف، فإنّهم لما عرضوا عليه الاستسلام لابن مرجانة والخضوع لإرادته، قال بعضهم : إنّه لا يستجيب لكم فإن نفس أبيه بين جنبيه.
لقد كانت نفس أبيه عملاق هذه الأمة ورائدها الأعلى إلى العزة والكرامة ماثلة بجميع مظاهرها ومقوماتها في نفس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى كأنه لم يعد هناك تعدد في الوجود بين الأب وولده، فكانا معاً من ألمع من تعتز بهما الإنسانيّة في جميع الأجيال.
جاء قوم من أهل الكوفة إلى علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا له : يا أمير المؤمنين،
ادعُ لنا بدعوات في الاستسقاء فدعا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال : يا حَسَنُ ادْعُ.
فقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمَّ هَبْ لَنَا السَّحابَ بِفَتْح الْأَبْوابِ بِمَاءٍ عُبابٍ وَرَبَابٍ، بِانْصِبابٍ وَانْسِكاب يا وَهَابُ. وَاسْقِنا مُطْبِقَةٌ مُغدِقَةً مُونِقَةٌ، افْتَحْ أَغْلَاقَهَا، وَسَهُلْ إطلاقها، وَعَجِّلْ سِياقَهَا بِالْأَنْدِيَةِ فِي الْأَوْدِيَةِ يا وَهَابُ. بِصَوبِ الْمَاءِ يا فَعَالُ اسْقِنا مَطَراً قَطَراً طَلا مُطِلًا، طَبْقا مُطبقاً عاماً مُعِماً، دَهْماً بهماً رَحْماً، رَشَاً مُرَشَاً، واسعاً كافياً، عاجلاً طَيِّباً مُبارَكاً، سَلَاطِحاً بَلَاطِحاً يُناطِحُ الأباطحَ، مُغْدَوْدِقاً مُطْبَوْبِقاً مُغْرَوْرِقاً. وَاسْقِ سَهْلَنا وجبالنا، وَبَدْوَنَا وَحَضَرَنا؛ حتّى تُرْخِصَ بِهِ أَسْعَارَنَا، وَتُبارِكَ بِهِ فِي ضِياعِنا وَمُدُنِنا. أَرنا الرِّزْقَ مَوْجُوداً، وَالْغَلَاءَ مَفْقُوداً، آمِينَ يا رَبِّ الْعالَمِينَ».
ثم قال للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ادْعُ.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمَّ مُعْطِيَ الْخَيْرَاتِ مِنْ مَظانها، وَمُنْزِلَ الرَّحَماتِ مِنْ مَعادِنِها، وَمُجْرِيَ الْبَرَكاتِ عَلى أَهْلِها؛ مِنْكَ الْغَيْثُ الْمُغِيثُ وَأنْتَ الْغِياثُ الْمُسْتَغِيثُ، وَنَحْنُ الْخاطِئُونَ وَأَهْلُ الذُّنُوبِ، وَأَنْتَ الْمُسْتَغْفَرُ الْغَفَّارُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ اللّهمَّ أَرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْنا دِيمَةٌ مِدْراراً، وَاسْقِنا الْغَيْثَ واكِفاً مِغْزاراً؛ غَيْثاً مُغِيثاً، واسعاً مُسْبِعاً، مُهْطِلاً مَرْيَاً مريعاً، غَدَقاً مُنْدِقاً، عُباباً مُجَلْجِلاً، سَحَاً سَحْساحاً، بَسَاً بَسَاساً، مُسْبِلاً عاماً، وَدِقاً مِطْفاحاً، يَدْفَعُ الْوَدْقَ بِالْوَدْقِ دِفاعاً، وَيَطْلُعُ الْقَطْرُ مِنْهُ غَيْرَ خُّْبِ الْبَرْقِ وَلَا مُكَذِّبِ الرَّعْدِ، تَنْعَشُ بِهِ الضَّعِيفَ مِنْ عِبادِكَ، وَتُحْيِي بِهِ الْمَيِّتَ مِنْ بِلَادِكَ، مَناً عَلَيْنا مِنْكَ، آمِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فما تمّ كلامه حتّى صَبّ اللّه الماء صباً.
وسُئل سلمان الفارسي (رضیَ اللّهُ عنهُ) عنه، فقيل له : يا أبا عبد اللّه، هذا شيء علّمناه ؟ ! فقال : ويحكم ! ألم تسمعوا قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث يقول : أُجْرِيَتْ الْحِكْمَةُ عَلَى
لِسانِ أَهْلِ بَيْتِي(1).
وأشاع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين الناس مقتل ولده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما أشاع ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك في كثير من المناسبات، وهذه بعضها :
1 - روى عبداللّه بن يحيى عن أبيه : «أنّه سافر مع علي إلى صفين، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذوا نينوى، تأثر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورفع صوته قائلاً: اصْبِرْ أَبا عَبْدِ اللّه، اصْبِرْ أَبا عَبْدِ اللّه، بِشَطُ الْقُراتِ !
فذهل يحيى، وانبرى يقول : من ذا أبو عبد اللّه ؟
فأجابه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقلبه يتقطع ألماً وحزناً قائلاً : دَخَلْتُ عَلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَعَيْنَاهُ تَفِيضانِ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللّه، أَغْضَبَكَ أَحَدٌ ؟ مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ ؟ قالَ : بَلْ قامَ مِنْ عِنْدِي جَبْرَئِيلُ فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطُ الْفُراتِ، وَقالَ : هَلْ لَك أَنْ أَشُمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ ؟ َقالَ : قُلْتُ : نَعَمْ، فَقَبَضَ قَبْضَةٌ فَأَعْطَانِيهَا، فَلَمْ أَمْلِكُ عَيْنِي أَنْ فاضتا» (2).
حدث هر ثمة بن سليم قال : «غزونا مع علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) غزوة صفين، فلما نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاة، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال : واهاً لَكِ أَيَّتُهَا التَّرْبَةُ، لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجنّة بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وبهر هرثمة، وظل حديث الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يراوده في كلّ فترة، وكان منكراً له، فلما رجع إلى زوجته جرداء بنت سمير، وكانت شيعة لعلي حدثها بما سمعه
من الإمام، فقالت له : دعنا منك أيها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً.
ولم تمض الأيام حتّى بعث ابن زیاد بجيوشه لحرب ريحانة رسول اللّه وكان فيهم هر ثمة، فلما انتهى إلى كربلاء ورأى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه تذكر قول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكرة حربه، وأقبل على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبره بما من أبيه، فقال له الإمام الحسين لا : مَعَنا أَنْتَ أَوْ عَلَيْنَا ؟
فقال : لا معك ولا عليك، تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد.
فنصحه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له : فَوَلَّ هارباً حتّى لَا تَرى لَنا مَقْتَلاً، فَوَالَّذِي نَفْسُ محمّد بِيَدِهِ، لَا يَرَى مَقْتَلَنَا الْيَوْمَ رَجُلٌ وَلَا يُغِيتُنا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللّه النّارَ.
وانهزم هرثمة من كربلاء ولم يشهد مقتل الإمام الحسين (1)».
3 - وروى أبو جحيفة قال : «جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع، فقال : حديث حدثتنيه عن علي بن أبي طالب، قال : نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى علي فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول : هاهنا، هاهنا.
فبدر إليه رجل فقال له : ما ذلك يا أمير المؤمنين ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ثِقْل لآلِ محمّد يَنْزِلُ هَاهُنَا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ.
ولم يعرف الرجل معنى كلامه فقال : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ !
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ تَقْتُلُونَهُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ يُدْخِلُكُمُ اللّه بِقَتْلِهِمُ النّارَ» (2).
4 - روى الحسن بن كثير عن أبيه : «أنّ علياً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل له :
يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء. فأجاب والألم يحز في نفسه، قائلاً: ذاتُ كَرْبِ وَبَلَاءٍ، ثُمَّ أوما بيده إلى مكان
فقال : هاهنا مَوْضِعُ رِحالِهِمْ، وَمُناخُ رِكابِهِمْ، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مِهْراقُ دِمائِهِمْ (1).
5 - روی ابن عباس، قال : كنت مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى - وهو شط الفرات - قال بأعلى صوته : يابْنَ عَبّاسٍ، أَتَعْرِفُ هذا الْمَوْضِعَ ؟
فقلت له : ما أعرفه يا أمير المؤمنين.
والتفت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو غارق في البكاء، قائلاً : لَوْ عَرَفْتَهُ كَمَعْرِفَتِي لَمْ تَكُنْ تَجُوزَهُ حَتَّىٰ تَبْكِي كَبُكائِي.
ثم بكى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكاءً مرّاً، وقد استولى عليه الأسى والحزن، وهو يقول بنبران متقطعة : أَوَّهُ أَوَّهُ، ما لِي وَلِاَلِ أَبِي سُفْيانَ، ما لِيَ وِلاَلِ حَرْبٍ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِياءِ الْكُفْرِ صَبْراً يا أَبَا عَبْدِ اللّه، فَلَقَدْ لَقِيَ أَبُوكَ مِثْلَ الَّذِي تَلْقَى مِنْهُمْ.
ثم دعا الإمام أمير المؤمنين بماء فتوضأ، ثم صلى، وبعد ما فرغ من صلاته جعل يتأوه ويردد كلامه السابق بحسرات، ثم إنّه رقد وانتبه فزعاً، فقال لابن عباس : يابْنَ عَبّاسٍ.
فقلت : ها أناذا.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَلَا أُحَدِّثُكَ بِما رَأَيْتُ فِي مَنامِي آنفاً عِنْدَ رَقْدَتِي ؟
فقلت : نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رَأَيْتُ كَأَنِّي بِرِجالٍ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُمْ أَعْلامٌ بِيضٌ، قَدْ تَقَلَّدوا سُيُوفَهُمْ وَهِيَ بِيضٌ تَلْمَعُ، وَقَدْ خَطُوا حَوْلَ هَذِهِ الْأَرْضِ خُطَّةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ كَأَنَّ هذِهِ النَّخِيلَ قَدْ ضَرَبَتْ بِأَعْصَانِها الْأَرْضَ تَضْطَرِبُ بِدَمٍ عَبِيطٍ، وَكَأَنِّي بِالْحُسَيْنِ
1) وقعة صفين : 142 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 171.
سَخْلِي (1)وَفَرْخِي وَمُضْغَنِي وَمُخّي قَدْ غَرِقَ فِيهِ؛ يَسْتَغِيتُ فَلَا يُغَاثُ، وَكَأَنَّ الرِّجال الْبَيْضَ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّماءِ يُنادُونَهُ، وَيَقُولُونَ : صَبْراً آلَ الرَّسولِ فَإِنَّكُمْ تُقْتَلُونَ عَلَى أَيْدِي شِرارِ النَّاسِ، وَهَذِهِ الجنّة - يا أَبَا عَبْدِ اللّه - إِلَيْكَ مُشْتاقَةٌ، ثُمَّ يُعَزُّونَنِي وَيَقُولُونَ : يا أَبَا الْحَسَنِ، أَبْشِرْ، فَقَدْ أَفَر اللّه بِهِ عَيْنَكَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (2).
6 - روى أبو هريمة قال : كنت مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنهر كربلاء، فمر بشجرة تحتها بغر اللّه غزلان فأخذ من التراب قبضة فشمها، ثم قال : يُحْشَرُ مِنْ هذَا الظَّهْرِ سَبْعُونَ أَلفاً يَدْخُلُونَ الجنّة بِغَيْرِ حِساب» (3).
7 - روى أبو خيرة قال : «صحبت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى أتى الكوفة، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال : كَيْفَ أَنتُمْ إِذا نَزَلَ بِذُرِّيَّةِ نَبِيِّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ ؟ !
قالوا : إذا نبلي اللّه فيهم بلاء حسناً.
فأجابهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَنْزِلُنَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ، وَلَتَخْرُجُنَّ إِلَيْهِمْ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ.
ثُمَّ أَقبل يقول :
هُمْ أَوْرَدُوهُمْ بِالْغَرُورِ وَعَرَّدوا***أَحبُّوا نَجَاةٌ لَا نَجَاةَ وَلَا عُذرا» (4)
8 - روى الطبراني بسنده عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «لَيَقْتَلَنَّ الْحُسَيْنُ قَتْلًا، وَإِنِّي لأعْرِفُ التَّرْبَةَ الَّتِي يُقْتَلُ فِيها بَيْنَ النَّهْرَيْنِ» (5).
9 - روى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالي، عن سويد بن غفلة : «أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب ذات يوم، فقام رجل من تحت منبره، فقال : يا أمير المؤمنين، إنّي مررت بوادي القرى، فوجدت خالد بن عُرفطة قد مات، فاستغفر له.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : واللّه ما ماتَ، وَلَا يَمُوتُ حتّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلَالَةٍ، صاحِبُ لُوانِهِ حَبِيبُ ابن حمارٍ.
فقام إليه رجل ورفع عقيرته قائلاً: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حِمار، وَإِنِّي لك شيعة ومحب.
فقال الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنْتَ حَبِيبُ بنُ حمارٍ ؟
قال : نعم.
وكرر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله : وَاللّه إِنَّكَ لَحَبِيبُ بن حمارٍ، وهو يقول : نعم.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِيْ وَاللّه ! إِنَّكَ لَحامِلُهَا، وَلَتَحْمِلَنَّهَا، وَلَتَدْخُلَنَّ مِن هَذَا الْبَابِ، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة.
قال ثابت : واللّه ما مت حتّى رأيت ابن زياد، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين ابن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل خالد بن عُرفطة على مقدمته، وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل» (1).
وخطب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان من جملة خطابه : «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَاللّه لَا تَسْأَلُونِي عَنْ فِئَةٍ تُضِلُّ مِائَةٌ، أَوْ تَهْدِي مَانَةٌ إِلَّا نَبَّأْتُكُمْ بِناعِقِها وَسائِقِهَا، وَلَوْ شِئْتُ لَأَخْبَرْتُ كلّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَدْخَلِهِ، وَجَمِيعِ شَأْنِهِ.
فانبرى إليه الوغد الخبيث تميم بن أسامة التميمي فقال ساخراً ومستهزئاً : كم في رأسي طاقة شعر ؟ !
فرمقه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطرفه وقال له : أما واللّه ! إِنِّي لَأَعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَيْنَ بُرْهَانَهُ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 286 و 287.
لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِهِ. وَلَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقِيامِكَ وَمَقالِكَ، وَقِيلَ لِي : إِنَّ عَلَى كلّ شَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِكَ مَلَكاً يَلْعَنُكَ، وَشَيْطَاناً يَسْتَفِرُّكَ، وَآيَةً ذَلِكَ أَنَّ فِي بَيْتِكَ سَخْلًا يَقْتُلُ ابنَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَيَحُضُّ عَلى قَتْلِهِ.
يقول ابن أبي الحديد : «فكان الأمر بموجب ما أخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان ابنه حصين - بالصاد المهملة - يومئذ طفلاً صغيراً يرضع اللبن، ثم عاش إلى أن صار على شرطة عبيد اللّه بن زياد، وأخرجه عبيد اللّه إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك، فقتل (عَلَيهِ السَّلَامُ) صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته» (1).
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للبراء بن عازب : «يا بَراءُ، أَيُقْتَلُ الْحُسَيْنُ وَأَنْتَ حَيُّ فَلَا تَنْصُرُهُ ؟ !
فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين.
ولما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ندم البراء وتذكر مقالة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان يقول : أعظم بها حسرة إذ لم أشهده وأقتل دونه (2).
12 - قال أمير المؤمنين : كَأَنِّي بِالْقُصُورِ وَقَدْ شُيَّدَتْ حَوْلَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكَأَنِّي بِالْأَسْوَاقِ وَقَدْ حُفَّتْ حَوْلَ قَبْرِهِ، وَلَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حتّى يُسَارَ إِلَيْهِ مِنَ الآفاقِ، وَذلِكَ بَعْدَ انْقِطاع بَنِي مَرْوانَ» (3).
وتحقق ما أخبر به الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومستودع أسراره وحكمته، فإنّه لم تكد تنقرض الدولة الأموية حتّى ظهر مرقد ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأصبح حرم اللّه الأكبر الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين،
وتتلهف على زيارته ملايين المسلمين، وتشد إليه الرحال من كلّ فج عميق، فالسعيد السعيد الذي يحظى بالتبرك بزيارته ويلثم أعتاب مرقده.
لقد أصبح مرقده العظيم عند المسلمين وغيرهم رمزاً للكرامة الإنسانيّة ومناراً مشرقاً لكل تضحية تقوم على الحقّ والعدل، وعنواناً فذاً لأقدس ما يشرف به هذا الحي من بين سائر الأحياء في جميع الأعصار والآباد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجزء الأول من هذا الكتاب، ونستقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجزء الثاني وهو يعرض للأحداث الرهيبة التي منيت بها الخلافة الإسلاميّة في عهد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً، فقد أدت إلى خذلانه، وإجبار الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) على التنازل عن الخلافة، وتسلط الطغمة الأموية على رقاب المسلمين، وإخضاعهم للذل، وإرغامهم على ما يكرهون، وتدميرهم للقيم العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها في ربوع الأرض.
الحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين الطّاهِرِينَ
الإهداء...7
بين يديك يا أنشودة الأحرار...9
تقديم...13
غرسُ الرسالة
23 - 41
الأمّ...25
الأب...27
الوليد الأول...27
رؤيا أُمّ الفضل...28
الوليد المبارك...29
وجوم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبكاؤه...29
سنة ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...30
مراسيم ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...31
أولاً : الأذان والإقامة...31
ثانياً : التسمية...32
أقوال شاذة...33
ثالثاً : العقيقة...35
رابعاً : حلق رأسه...35
رعاية النبيّ للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...36
تعويذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)...36
ملامحه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...37
هيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...38
القابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...39
كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...40
نقش خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41
استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطيب...41
دار سكناه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41
المكونات التربوية
43 - 57
الوراثة...45
الأسرة...48
التربية النبوية...49
تربية الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) له...50
تربية فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)...53
البيئة...55
في ظلال القرآن
59 - 116
في ظلال القرآن والسنة...61
الأولى : آية التطهير...61
أولاً : من هم أهل البيت ؟...62
ثانياً : خروج نساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...64
ثالثاً : مزاعم عكرمة ومقاتل...65
عكرمة في الميزان...65
مقاتل بن سليمان...67
وَهْنُ استدلالهما...68
دلالة آية التطهير على العصمة...70
الثانية : آية المودة...71
كلمة الفخر الرازي...73
الثالثة : آية المباهلة...76
الرابعة : آية الأبرار...81
في ظلال السُّنّة...84
الطائفة الأولى...84
الطائفة الثانية...92
الولاء العميق...99
الطائفة الثالثة...100
إخبار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ)...104
إخبار كعب بمقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ)...113
احتفاء الصحابة بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...114
لمحاتٌ مِنْ مُثل الأمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
117 - 211
إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...119
مظاهر شخصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...120
أولاً : قوة الإرادة...120
ثانياً : الإباء عن الضيم...121
ثالثاً : الشجاعة...126
رابعاً : الصراحة...128
خامساً : الصلابة في الحقّ...130
سادساً : الصبر...130
سابعاً : الحلم...132
ثامناً : التواضع...133
تاسعاً : الرأفة والعطف...134
عاشراً : الجود والسخاء...136
عبادته وتقواه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...142
أوّلاً : خوفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اللّه...142
ثانياً : كثرة صلاته وصومه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...143
ثالثاً : حجه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...143
رابعاً: صدقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...144
مواهبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلمية...144
الرجوع إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفتيا...145
مجلسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...147
مَن روى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...148
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...149
مسنده (عَلَيهِ السَّلَامُ)...151
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمّه فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)...154
رواياته عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)...154
من تراثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائع...158
القدر...158
الصمد...159
التوحيد...161
الأمر بالمعروف... 163
أنواع الجهاد...166
تشريع الصوم...167
أنواع العبادة...167
مودة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...167
مكارم الأخلاق...168
تشريع الأذان...170
الإخوان...171
العلم والتجارب...171
حقيقة الصدقة...172
الوعظ والإرشاد...172
من خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...176
أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)....178
1 - دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للوقاية من الأعداء....178
2 - دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للاستسقاء..179
3 - دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عرفة...179
جوامع الكلم...202
في حلبات الشعر...205
مأساة الإسلام الكبرى
213 - 249
طلائع الرحيل...216
حجّة الوداع...217
مؤتمر غدیر خم...221
مرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...225
استغفاره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأهل البقيع...226
سرية أسامة...228
إعطاء القصاص من نفسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...230
التصدق بما عنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...232
رزية يوم الخميس...234
تفجع فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)...237
ميراث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسبطيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)...239
وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالسبطين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)...240
لوعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...241
إلى جنة المأوى...241
تجهيز الجثمان المقدس...244
الصلاة عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...245
دفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...246
فزع العترة الطاهرة (عَلَيهِم السَّلَامُ)...247
حكومة الشيخين
249 - 360
مؤتمر السقيفة...256
بواعث المؤتمر...257
الخطاب السياسي لسعد بن عبادة...260
المؤاخذة على سعد بن عبادة...262
وهن الأنصار...263
أحقاد وأضغان...264
فذلكة عمر...265
نقاط مهمة...266
مباغتة الأنصار...269
خطاب أبي بكر...270
دراسة وتحليل...270
بيعة أبي بكر...273
سرور القرشيّين...277
موقف أبي سفيان...277
اندحار الأنصار...279
موقف آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...280
امتناع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن البيعة...280
إرغامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البيعة...281
الإجراءات الصارمة...283
الحصار الاقتصادي...284
إسقاط الخمس...284
الاستيلاء على تركة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...285
حجة أبي بكر...285
حوار الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) مع أبي بكر...286
حجة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)...293
تأميم فدك...293
ماسى الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)...294
إلى جنة المأوى...297
حكومة أبي بكر...303
ولاة أبي بكر...303
1 - أبو سفيان...304
2 - يزيد بن أبي سفيان...304
3 - عتاب بن أسيد...304
4- عثمان بن أبي العاص...304
سياسته الماليّة...305
عهده لعمر...307
حكومة عمر...312
سياسته الماليّة...312
لناقدون...314
حجة عمر...315
ندم عمر...316
سياسته الداخلية...316
الحصار على الصحابة...319
دفاع طه حسین...319
ولاته وعماله...320
مراقبة الولاة...321
اعتزال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...324
عمر والإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...326
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآل عمر...329
اغتيال عمر...329
الشورى...335
عمر مع أعضاء الشورى...337
نظام الشورى...343
إنذاره للصحابة...345
موقف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...345
استجابة الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)....346
آفات الشورى...347
عملية الانتخاب...352
حكومة عُثْمَانَ
361 - 422
ظواهر شخصيته...364
نظمه الإدارية...367
ولاته وعماله...368
1 - سعيد بن العاص...369
2- عبداللّه بن عامر...372
3 - الوليد بن عقبة...375
4 - عبداللّه بن سعد بن أبي سرح...381
5 - معاوية بن أبي سفيان...382
سياسته المالية...383
عطاياه للأمويّين...384
1 - الحارث بن الحكم...384
2 - أبو سفيان بن حرب...385
3 - سعيد بن العاص...385
4 - عبد اللّه بن خالد...385
5 - الوليد بن عقبة...385
6 - الحكم بن أبي العاص...386
7 - مروان بن الحكم...386
منحه للأعيان...388
إقطاع الأراضي....389
استئثاره بالأموال...391
الجبهة المعارضة...392
التنكيل بالمعارضين...393
1 - عمار بن ياسر (رضیَ اللّهُ عنهُ)...393
2 - أبو ذر الغفاري (رضیَ اللّهُ عنهُ)...396
اعتقاله في الشام...397
اعتقاله في الربذة...398
كلمة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...402
كلمة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...402
كلمة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...403
كلمة عمار بن ياسر...403
كلمة أبي ذرّ...404
3 - عبداللّه بن مسعود (رضیَ اللّهُ عنهُ)...406
الثورة على عثمان...408
مذكرة أخرى لأهل الثغور...409
وفود الأمصار...410
مذكرة المصريّين لعثمان...411
استنجاده بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...412
نقضه للميثاق...413
استنجاده بمعاوية...414
الإحاطة بعثمان...415
يوم الدار...416
الإجهاز على عثمان...417
متارك حكومة عثمان...419
عَهْدُ الأمَامَ امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
423 - 461
وجوم الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...425
مؤتمر القوات المسلحة...426
قبول الإمام علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخلافة...428
البيعة...428
تطهير جهاز الدولة...430
تأميم الأموال المختلسة...431
فزع القرشيّين...432
التباع الإمام علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...433
سياسة الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...434
سياسته (عَلَيهِ السَّلَامُ) المالية...434
سياسته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الداخلية...439
المساواة...439
الحرية...440
العدل الشامل...443
وحدة الأمة...444
التربية والتعليم...445
ولاته وعماله...446
مراقبة الولاة...447
إقصاء الانتهازيّين...448
إبعاد الطامعين...449
الصراحة والصدق...450
مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...452
استسقاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل الكوفة...452
إخبار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...454
محتويات الكتاب...461