ghaemiyeh.com
موسوعة
سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الثاني
الرسول الأکرم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)
تأليف
باقر شریف القرشي
تحقيق
مهدي شریف القرشي
موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)
لإحیاء ترراث أهل البیت (علیهم السّلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة
سيرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)
موسوعة
سيرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الثاني
الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)
تأليف
باقر شریف القرشي
تحقيق
مهدي شریف القرشي
موسسة الأمامية الحسن
لإحياء تراث اهل البيت
موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)
تأليف: باقر شریف القرشي
تحقيق: مهدي شریف القرشي
تحقيق : مهدی باقر القرشي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)
المطبعة : ... ستار
الطبعة الثانية : ... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ : ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 164 - 978
ردمك الجزء (2) : 5-44 - 275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)
مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 إنّ سيرة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) بما لها من أبعاد مشرقة في ميادين الإصلاح الاجتماعي والروحي قد أوجدت انقلاباً فكرياً، وتحوّلاً اجتماعياً في مجتمع كان في مستوى سحيق من مجاهل هذه الحياة ، وكان من سماته البارزة خمول في الفكر ، وانحطاط في السلوك ، ووأد للبنات ، وعبادة للأوثان والأصنام ، وغزو الأقوياء للضعفاء ، وسفك للدماء ، وانتهاك للحقوق ، فحول النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) تلك الحياة البائسة التي لا ظل فيها للحق والعدل إلى حياة تسودها العدالة الاجتماعية ، فأقام نظاماً رائعاً متطوّراً ينعم فيه ابن آدم المجهود المكدود ، وتصان فيه الحقوق ، وتنتفي فيه الحاجة ، وتستقيم فيه حياة الناس على اختلاف قومياتهم ولغاتهم ، فكان بحق من أعظم هبات الله تعالى وألطافه إلى عباده ، ومن أعظم تحوّل اجتماعي شاهدته الإنسانية في جميع مراحل تأريخها.
2 إنّ من الصفحات المشرقة من تراث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعض وصاياه التي أدلى بها لوصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ولكوكبة من أصحابه ، وهي من غرر الحكم والآداب ، ومن أسمى أرصدته الروحية والاصلاحية التي عنت بتهذيب الإنسان ، واستقامة سلوكه .
كما أن من تراثه غرر الحكم والآداب ، وقصار الكلمات في محاسن الأعمال ،
وهي من ذخائر الفكر الإنساني ، ومن مناجم الأدب العربي ، وقد رصعت بجواهر البلاغة والفصاحة .
3 وحينما استقر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في يثرب أخذ يعمل جاهداً على نشر الإسلام ، وإشاعة قيمه ، وبلورة أفكاره ، كما عمل على إبادة النعرات القبلية التي كانت سائدة بين الأوس والخزرج ، والتي سفكت من أجلها الدماء ، وهاتان الأسرتان يشكلان معظم سكان يثرب ، وبذلك فقد نزع فتيل العداء والأحقاد بينهما .
وشيء آخر جدير بالاهتمام هو أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) آخى بين المسلمين من مهاجرين وأنصار ، وكانت هذه الاخوة أقوى من رابطة النسب والدم، وقد سادت بين المسلمين المودة والرحمة ، والاخوة الصادقة ، فكان المسلم يشارك أخاه المسلم في السراء والضراء ، وفى مكاره الحياة وغيرها من شؤون .
لقد اهتم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اهتماماً بالغاً في عقد أواصر المحبة والمودة بين المسلمين ، ليكونوا يداً واحدة يشد بعضهم بعضاً ، لا يطمع فيهم طامع ، ولا ينال عدوّ لأي أحد منهم بمكروه أو سوء .
4 وفزعت قريش من هجرة النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) من مكة إلى يثرب ، وساد الرعب والخوف في أوساطهم ؛ لأنهم لم يتركوا لوناً من الأذى بالنبي إلا اقترفوه ، فقد جهدوا على تكذيبه ومحاربته ، وتعذيب من آمن برسالته ، حتّى اضطر المؤمنون إلى الهجرة من ديارهم إلى الحبشة طلباً للأمن والعافية ، وقد نخر الحقد قلوب القرشيين عليهم ، فأوفدوا عصابة منهم إلى ملك الحبشة ليطردهم من مملكته ، فلم يستجب لهم ، ومنحهم الإقامة فيها من دون أن يتعرّض لهم أحد بسوء ، وقد أوضحنا ذلك في فصول هذا الكتاب.
وعلى أي حال فقد أيقنت قريش بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سوف ينتقم منهم ، ويُنزل بهم أقسى الله ألوان العذاب والتنكيل ، فهبوا لمكافحة هذا الخطر الذي يهدد حياتهم واقتصادهم ،
ويلحق بهم أفدح الخسائر ، وأخذوا يجمعون العدد والعدة ، ويستنهضون القبائل لمساندتهم ، فكانت واقعة بدر التي انهزموا فيها شر هزيمة ، وكانت فاتحة النصر لعبد الله ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذا ما سنتحدث عنه في بحوث هذا الكتاب .
5 وورمت أنوف القرشيين ، وساد فيهم حزن عميق ، وألم ممض على الهزيمة الساحقة التي منوا بها في واقعة بدر ، فقد خسروا فيها أعزّ أبنائهم بالاضافة إلى ما تكبدوه من الخسائر الماليّة الفادحة ، وقد ملئت بيوتهم بالشكل والحزن ، وكان الأمويون أشدّ الأسر القرشيّة حزناً على أبنائهم الذين قتلوا في المعركة ، وكانت هند اُمّ معاوية تحرّض النساء والرجال على عدم البكاء على قتلاهم حتى يبقى الحزن عليهم كامناً في دخائل نفوسهم ليأخذوا ثأرهم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
و راحت قريش بلهفة تجمع الجموع ، وتستنهض القبائل ، وتثير العواطف بقيادة أبي سفيان حتى هيأت جيشاً مكثفاً يفوق جيش المسلمين بعدده وسائر أسلحته ، فزحفت بهم إلى يثرب لاستئصال المسلمين ، والتحم الجيشان في المعركة التي عرفت بواقعة أحد ، وقد مني المسلمون بخسائر فادحة ، فقد استشهد أهم قادتهم ، كان منهم الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطلب عم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومثلت هند بجثمانه شر تمثيل ، ويوضح هذا الكتاب تفصيل ذلك.
6 وكان أعظم خطر محدقاً بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هم اليهود ، فكانوا يكيدون له في الليل إذا يغشى ، وفي النهار إذا تجلى ، ويصدون عن سبيل الله ، ويفتنون المسلمين عن دينهم، ويمدون القوى المعادية للإسلام بالمال والسلاح ، ويحرضونهم على مناجزة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما كانوا مأوى للمنافقين يحيكون معهم المؤامرات ضدّ الإسلام ، وكانوا يقولون لعبدة الأوثان من قريش : إنّ دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق نه ، وفيهم نزلت الآية الكريمة : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً *
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً(1). وظل اليهود عنصراً مخرباً ، فناهضهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقاومهم ، ويقول الواقدي : «إن آخر وصية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وصى بها أصحابه : أخرجوا اليهود من جزيرتكم». وسنعرض لمناهضة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهم في غضون هذا الكتاب .
7 ودمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فلول الشرك ، وحطّم أوثان الجاهلية ، وحرّر الأفكار ، وأنارالعقول ، وأقام صروح الإيمان بالله تعالى ، وقد نصره الله تعالى ، وفتح له الفتح المبين ، فاحتلت قواته مكة التي كانت قلعة للأصنام والأوثان ، وطهر البيت الحرام منها ، وقد أصدر عفواً عاماً عن أهلها الذين جهدوا على ظلمه والاعتداء عليه ، وقد أعطى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعفوه درساً عن سماحة الإسلام وسعة رحمته .
إن فتح مكة من الأحداث الجسام في تاريخ الإسلام ، فقد خضعت الجزيرة العربية وغيرها لحكم الإسلام ، وآمنت أنه قوّة لا تقهر ، وأنّ اعتناقه والدخول في حضيرته ضمان لحياتها ، وسلامة لمستقبلها ، كما وجدت في ظلاله الرخاء بعد العسر ، والأمن بعد الخوف ، والسعة بعد الضيق.
وإنّي آمل من الله تعالى أن تكون هذه الدراسة عن سيد الكائنات صلوات الله عليه ذخراً لي يوم ألقى الله تعالى ، وهو كل ما أتمناه .
إنه تعالى ولى ذلك والقادر عليه
مکتبة الأمام الحسن العامة
النجف الاشرف
باقر شریف القرشي
1) النساء 4: 51 و 52 .
وكان من أهم ما عنى به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إقامة مجتمع متوازن في سلوكه ووعيه وقيمه وادابه ، فزوّده بطاقات نديّة في ميادين التربية والتطور الاجتماعي التي تقيم الأودّ وتهدي للتي هي أقوم ، وكان من وصاياه الخالدة ما يلي :
وزوّد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بكوكبة من الحكم والآداب لتكون منهجاً مشرقاً لا له فحسب ، وإنّما لجميع المسلمين .. ونذكر قطعاً من تلك الوصايا من دون أن نذكر النص الكامل لها ، وفيما يلي ذلك :
« 1 »
من غرر وصايا الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)هذه الوصية الذهبية.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يا عَلِيُّ ، إِنَّ مِنَ الْيَقِينِ أَنْ لَا تُرْضِيَ أَحَداً بِسَخَطِ اللَّهِ ، وَلَا تَحْمَدَ أَحَداً بِما آتاكَ اللهُ ، وَلَا تَذَمَّ أَحَدَا عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ ، فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيضٍ ، وَلَا تَصْرِفُهُ كَرَاهَةً كارِهِ. إِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَفَضْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ في الْيَقِينِ وَالرّضا ، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ في الشَّكُ وَالسُّخْطِ».
حكى هذا المقطع بعض الأمور البالغة الأهمية ، وهى :
1 - إنّه ليس من المنطق ، ولا من الفكر لأي إنسان أن يُرضى غيره ، ويتقرّب منه بسخط الله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة ، الذي ترجع إليه جميع مجريات الأحداث ، وغيره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً .
2 - إنّ الإنسان الذي يملك وعيه ورشده ليس له أن يمدح أو يذم غيره على متع الحياة الدنيا ، فإنّ الرزق لا يجلبه الحرص ، ولا تصرفه الكراهية ، وإنما هو بيد الله تعالى يبسطه لمن يشاء ، ويقتره على من يشاء .
3 - إنّ الله تعالى أناط الروح والفرج باليقين والرضا ، وأناط الهم والحزن بالشك والسخط ..
ولنستمع إلى بند آخر من هذه الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، إِنَّه لا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ ، وَلا مالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ ، وَلا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ ، وَلا مُظَاهَرَةَ أَحْسَنُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ ، وَلَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَلا عِبادَةَ كَالتَفَكُرِ».
حفل هذا المقطع ببعض النصائح الذهبية التي تعود على الإنسان بأسمى المنافع ، وهي :
1 - إنّ الجهل آفة مدمّرة للإنسان ، ومهلكة له ، وأن أعظم ما يربحه هو أن يسير على ضوء العقل ، ويهتدي بهديه.
2 - إنّ من مرديات الإنسان عُجبه بنفسه ، فإنّ ذلك يزهده في مجتمعه ، ويجلب له الويل والعطب .
3 - من محاسن الأمور مشاورة الإنسان لغيره في مهامه ، وعدم استبعاده فيها ، فإنّ ذلك يجلب له الرأي الأصيل ، ويجنبه الكثير من الأزمات .
4 - إن تدبير الإنسان لشؤونه الاقتصادية والاجتماعية دليل على وفور عقله.
5 - إنّ التفكر في عجائب مخلوقات الله تعالى والتدبّر في شؤون المجرات التي تذهل كلّ كائن حي ، فإنّ ذلك من أفضل ألوان العبادة ، فإنّها تقود إلى الإيمان المطلق بوجود الخالق العظيم .
ولننظر إلى فقرة أخرى من هذه الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، آفَةُ الْحَدِيثِ الْكِذْبُ ، وَافَةُ العِلْمِ النِّسْيانُ ، وَآفَةُ الْعِبادَةِ الْفَتْرَةُ ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُ ، وَافَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْيُّ ، وَافَةُ الجَمالِ الْخُيَلاءُ ، وَآفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْرُ».
حوت هذه الفقرات الآفات والمضادات للأمور التالية ، وهي :
1 - إنّ آفة الحديث الكذب ، فإنّه لا يبق له أية مصداقية ، ويجعله هباءً .
2 - أما العلم فآفته الكبرى النسيان ، فإنّه ينسفه ويجعله شعاعاً في الفضاء.
3 - أما العبادة فآفتها عدم الاتصال والاستمرار فيها .
4 - أمّا آفة السماحة والبر فهي المنّ على من أحسن إليه وبرّ به .
5 - أمّا الشجاعة فإنّها من مميزات الإنسان ، وآفتها البغي على الغير .
6 - أمّا الجمال فافته الكبرى الخيلاء على الغير .
7- من آفات الحسب الفخر على الغير .
وهذا بند آخر من وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم).
«يا عَلِيُّ ، عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ ، وَلا تَخْرُجْ مِنْ فِيكَ كِذْبَةٌ أَبَداً ، وَلا تَجْتَرِنَنَّ عَلَى خِيانَةٍ أَبَداً؛ وَالْخَوْفِ مِنَ اللهِ كَأَنَّكَ تَراهُ. وَابْذُلْ مَالَكَ وَنَفْسَكَ دُونَ دِينِكَ ، وَعَلَيْكَ بِمَحاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبُهَا ، وَعَلَيْكَ بِمَساوِي الْأَخْلَاقِ فاجْتَنبهَا».
أوصى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وصيه وباب مدينة علمه بالأمور التالية :
1 - أوصاه بالصدق الذي هو من أفضل الصفات وأميزها ، ونهاه عن الكذب الذي هو من أرذل الصفات .
2 - حذره من الخيانة لأي إنسان ، صديقاً أو عدوّاً ، فإنّها من مساوئ الصفات.
3 - أوصاه بالخوف من الله تعالى ، فإنّ من خافه لا يقترف أي مأثم من مآثم الحياة .
4 - أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على حماية الدين وصيانته ، والذب عنه بجميع الوسائل ؛ لأنّه جوهرة الحياة الرفيعة .
5 - أوصى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، والاجتناب عن مساوئ الأخلاق ..
وهذا بند آخر من هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى ثَلاثُ خِصَالٍ : مَنْ أَتَى اللَّهَ بِما - افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ ، وَمَنْ وَرِعَ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النّاسِ ، وَمَنْ قَيْعَ بِما رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ» .
هذه الخصال الثلاث تقرّب الإنسان إلى ربِّه ، وتجعله في مصاف أوليائه ، وتبعده عن مساوئ الحياة ..
ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلاقِ : تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ».
إنّ من يتصف بهذه الصفات الرفيعة فقد بلغ ذروة الكمال والفضل .. وهذه قطعة من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مُنْجِياتٌ : تَكْفُ لِسانَكَ ، وَتَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِكَ ، وَيَسَعُكَ بَيْتُكَ».
إنّ مَن أخذ بهذه الوصيّة فقد نجا من شرّ النّاس ، وسلم من موبقاتهم وآثامهم.. وهذا بند آخر من الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلاثُ خِصالٍ : إِنْصافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَمُساواة الأخ فِي اللهِ ، وَذِكْرُ اللهِ عَلَى كُلِّ حالٍ».
إنّ هذه الخصال الرفيعة من أفضل الصفات التي يسمو بها الإنسان ويتميز على غيره . وهذه قطعة أخرى من الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثَةٌ مِنْ حُلَلِ اللهِ : رَجُلٌ زارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ فَهُوَ زَوْرُ اللَّهِ؛ وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَوْرَهُ وَيُعْطِيَهُ ما سَأَلَ ، وَرَجُلٌ صَلَى ثُمَّ عَقَّبَ إِلَى الصَّلاةِ الْأخْرى فَهُو ضَيْفُ اللَّهِ؛ وَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ ضَيْفَهُ ، وَالْحاج وَالْمُعْتَمِرُ فَهُما وَفْدُ اللهِ؛ وَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَه».
إنّ هذه الخصال الثلاث من أبرز ألوان العبادة التي توصل الإنسان إلى الله تعالى ، وتقربه إليه ، وقد حثّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليها ؛ لأنها من صفات الأبرار والمتقين. وهذا بند آخر من الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ ثَوَابُهُنَّ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : الْحَجَّ يَنْفِي الْفَقْرَ ، وَالصَّدَقَةُ نَدْفَعُ الْبَلِيَّةَ ، وَصِلَةُ الرَّحِمَ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ».
إن هذه الخصال الثلاث من اتصف بها فقد ظفر بخير الدنيا والآخرة . ولنستمع إلى قطعة أخرى من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَمَلٌ : وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ السَّفِيهِ ، وَعَقْلٌ يُدارِي بِهِ النَّاسَ».
الورع عن محارم الله تعالى ، والعلم الذي يردّ به جهل السفيه ، والعقل الذي يداري به النّاس ، هذه الأمور من تحلى بها فقد فاز في الدنيا والآخرة .. وهذا بند آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثَةٌ تَحْتَ ظِلُّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيامَةِ : رَجُلٌ أَحَبَّ لِأَخِيهِ ما أَحَبَّ لِنَفْسِهِ ، وَرَجُلٌ بَلَغَهُ أَمْرٌ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ فِي ذلِكَ الْأَمْرِ لِلَّهِ رِضَى أَوْ سَخَطٌ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ بِعَيْبٍ حَتَّى يُصْلِحَ ذَلِكَ الْعَيْبَ مِنْ نَفْسِهِ ، فإِنَّهُ كُلَّما أَصْلَحَ مِنْ نَفْسِهِ عَيْباً بَدا لَهُ مِنْهَا آخَرُ؛ وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ شُغْلاً».
إن هذه الخصال من صميم الحكمة التي يتصف بها الأولياء والمتقون الذين وهبوا حياتهم الله تعالى ، وتجرّدوا من النزعات المادية .. ولننظر إلى مقطع آخر :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مِنْ أَبْوابِ الْبِرِّ : سَخاءُ النَّفْسِ ، وَطِيبُ الْكَلامِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْأذى».
بهذه الحكم والآداب كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يغذي بها وصيه وباب مدينة علمه ليكون امتداداً مشرقاً للنبوة . ولنستمع إلى مقطع آخر من هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعٌ إِلى جَنْبِهِنَّ أَرْبَعٌ : مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيا حَرِيصاً أَصْبَحَ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ ساخِطٌ ، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ ، وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَضَعْضَعَ لَهُ(1)ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِهِ ، وَمَنْ دَخَلَ النّارَ مِنْ هذِهِ
1) أي خضع وذل له .
الْأُمَّةِ فَهُوَ مِمَّنِ اتَّخَذَ آياتِ اللهِ هُزُواً وَلَعِباً .
أَرْبَعٌ إِلى جَنْبِهِنَّ أَرْبَعٌ : مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَمْ ، كَمَا تَدِينُ تُدانُ ، وَالْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ. فَقِيلَ لَهُ : الْفَقْرُ مِنَ الدِّينارِ وَالدَّرْهَم ؟ فَقالَ : الْفَقْرُ مِنَ الدِّينِ».
وهذه الحكم من حكم السيد المسيح (علیه السّلام)، وقد أقرها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأشاد بها ؛ لأنّها ، من صميم الآداب والأخلاق . وهذا بند آخر من الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، كُلُّ عَيْنِ بِاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَ أَعْيُنٍ : عَيْنٌ سَهَرَتْ فِي سَبِيلِ الله(1)، وَعَيْنٌ غُضَّتْ عَنْ مَحارِمِ اللهِ ، وَعَيْنٌ فَاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» .
إن هذه العيون الثلاث آمنت بالله ، وسهرت على طاعته ، وغضت عن محارمه ، فهي لا تبكي من هول يوم القيامة ، وتكون في أمن من عذاب الله تعالى .. وهذا مقطع آخر من هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، طُوبَى لِصُورَةٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهَا تَبْكِي عَلَىٰ ذَنْبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ».
إن من يقترف ذنباً وإثماً لم يطلع عليه أحد إلا الله تعالى ، وأخذ في الندم عليه ، وبكى على ذلك ، فإنّ الله تعالى يمنحه بلطفه وعفوه .. وهذا بند آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مُوبقات وَثَلاثٌ مُنجيات :
فأَمَّا الْمُوبقاتُ : فَهَوى مُتَّبَعٌ ، وَشُعٌ مُطَاعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ .
وَأَمَّا الْمُنْجِياتُ فَالْعَدْلُ فِي الرّضا وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ،
1) في سبيل الله : كالعبادة ، وقراءة القرآن ، ومطالعة العلوم الدينية .
وَخَوْفُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
حفل هذا المقطع بالموبقات التي تسبب هلاك الناس ، وبعده عن الله ، وهي :
1 - اتباع الهوى والشهوات ، فمن غرق فيها فقد هلك .
2 - الشح ، وهو البخل الذي يبخل به على أهله ونفسه ، وعلى كل مشروع خیر.
3 - إعجاب المرء بنفسه ، فإنّه يصدّه عن كلّ خير، ويحجبه عن كلّ فضل .
وأما المنجيات من الأعمال والصفات فهي :
1 - العدل الذي هو من أفضل الأعمال ، العدل في الرضا والغضب.
2 - القصد وعدم الإسراف في حال الغنى والفقر ، فإنّه يوجب عدم ضياع ثروات الإنسان .
3 - الخوف من الله تعالى في السر والعلانية ، فإنّه يوجب مغفرة الله تعالى وعفوه .. وهذا بند آخر من الوصيّة :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ يَحْسُنُ فِيهِنَّ الْكِذْبُ : الْمَكِيدَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَعِدَتُكَ زَوْجَتَكَ ، وَالْإصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ».
إنّ الكذب مقتض للقبح والإثم ، ولكنه يزول قبحه وإثمه في المواضع الثلاثة التي ذكرها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).. ولننظر إلى مقطع آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ يَقْبُحُ فِيهِنَّ الصِّدْقُ : النَّمِيمَةُ ، وَإِخْبارُكَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِهِ بِما يَكْرَهُ ، وَتَكْذِيبُكَ الرَّجلَ عَنِ الْخَيْرِ».
الصدق مقتض للحسن ، وصفة من أفضل الصفات ، ولكنه يذهب حسنه في هذه المواضع الثلاثة التي يترتب على الكذب فيها الكثير من المنافع .. وهذا مقطع آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، أَرْبَعٌ يَذْهَبْنَ ضَلالاً - أي ضياعا-: الْأَكْلُ بَعْدَ الشَّبْعِ ، وَالسِّراجُ فِي الْقَمَرِ ، وَالزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ السَّبْخَةِ ، وَالصَّنِيعَةُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِها».
إنّ هذه الأمور الأربعة تذهب ضياعاً ولا أثر لها ، وتوجب الضرر والخسران ، كالزرع في الأرض السبخة ، والمعروف عند غير أهله .. وهذا بند آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، أَرْبَعٌ أَسْرَعُ شَيْءٍ عُقُوبَةٌ : رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكافَأَكَ بِالْإِحْسَانِ إِساءَةٌ ، وَرَجُلٌ لا تَبْغِي عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ ، وَرَجُلٌ عَاقَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَمِنْ أَمْرِكَ الْوَفاءُ لَهُ وَمِنْ أَمْرِهِ الْغَدْرُ بِكَ ، وَرَجُلٌ تَصِلُهُ رَحِمُهُ وَيَقْطَعُها» .
إنّ هذه الأمور يعجّل الله تعالى فيها العقوبة على من استحلّها وسار عليها ، فإنّها من موجبات النقمة والعذاب من الله تعالى .. وهذا بند آخر من الوصية :
«يا عَلِيُّ ، أَرْبَعٌ مَنْ يَكُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِسْلامُهُ : الصِّدْقُ ، وَالشُّكْرُ ، وَالْحَياءُ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ».
إنّ من يتصف بهذه الصفات الرفيعة فقد كمل دينه وحسن إسلامه .. ولنستمع إلى الفقرة الأخيرة من هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، قِلَّةُ طَلَبِ الْحَوائِجِ مِنَ النَّاسِ هُوَ الْغِنَى الْحَاضِرُ ، وَكَثْرَةُ الْحَوائِجِ إِلَى النَّاسِ مَذَلَّةٌ وَهُوَ الْفَقْرُ الْحاضِرُ»(1).
وانتهت بذلك هذه الوصيّة الذهبية التي تغذى بها الإمام (علیه السّلام) عملاق هذه الأمة ، ورائد حضارتها الفكرية والعلمية ، وقد غذاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بها وبمواهبه وعبقرياته ، وأقامه علماً ومرشداً لأمته.
1) تحف العقول : 6 - 9.
« 2 »
من وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذه الوصية الذهبية الموجزة : قال (صلی الله علیه و آله و سلم).
«يا عَلِيُّ ، لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ ، إِلا سُوء الْخُلُقِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ كُلَّما خَرَجَ مِنْ ذَنْبٍ دَخَلَ فِي ذَنْبٍ»(1).
إِنْ سو ء الخُلق من أرذل الصفات، ومن مساوئ الخصال التي تلحق الإنسان بقافلة الحيوان الأعجم ، وقد أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في كثير من أحاديثه على ضرورة الاتصاف بالأخلاق الرفيعة، والاجتناب عن الأخلاق السيّئة .
« 3 »
من الوصايا التربوية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، أَفْضَلُ الجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِظُلْمٍ أَحَدٍ .
يا عَلِيُّ ، مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
يا عَلِيُّ ، شَرُّ النّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتَّفَاءَ فُحْشِهِ ، وَأَذَى شَرِّهِ .
«يا عَلِيُّ ، شَرُّ النّاسِ مَنْ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ، وَشَرٌ مِنْهُ مَنْ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غیره»(2).
عرض الحديث إلى شرار النّاس ، وأكثرهم بعداً عن الله تعالى ، وهم :
1 - مَن خاف الناس سطوة لسانه .
2 - من باع آخرته بدنياه .
3 - من باع آخرته بدنيا غيره.
فهؤلاء ما لهم في الآخرة من نصيب ، ومصيرهم الخسران والعذاب
« 4 »
من وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذه الوصية . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يا عَلِيُّ ، إِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَتَفاخُرَهُم بِآبَائِهِم أَلَا وَإِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، وَأَكْرَمَهُم عِنْدَ اللهِ أتفاهم»(1).
إن الإسلام قد هدم الحواجز بين النّاس ، وألغى الفوارق والتفاضل بالأنساب، وجعل التمايز بينهم بالتقوى والعمل الصالح الذي هو أعظم رصيد للإنسان .
« 5 »
قال : «يا عَلِيُّ ، أَنْهَاكَ عَنْ ثَلاثِ خِصال: الْحَسَدِ ، وَالْحِرْصِ ، وَالْكِبْره»(2).
إنّ هذه الخصال من مساوئ الصفات التي تُلقي الإنسان في شرّ عظيم ، وتهبط به إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
« 6 »
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا عَلِيُّ ، مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُماري بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُجَادِلَ بِهِ الْعُلَماءَ ، أَوْ لِيَدْعو النّاسَ إلى نَفْسِهِ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»(1).
إنّ طلب العلم ينبغي أن يكون لكمال الإنسان، وتهذيب سلوكه ، فإذا كان مشفوعاً بالأغراض الخاصة التي مالها إلى التراب ، فلا يترتب عليه أجر، ويعود بالإثم عليه ، ومن بين الأغراض التي ذكرها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
1 - طلب العلم لمماراة السفهاء، والتغلب عليهم ، فإنّ ذلك ينم عن مرض النفس ويُعدها عن الله تعالى .
2 - طلب العلم لمجادلة العلماء ، وإظهار الشخص نفسه أمام المجتمع بأنّه من العلماء ، فإنّ الدافع لذلك حبّ الدنيا ، والتهالك على الجاه ، وحبّ الظهور .
3 - طلب العلم لدعوة النّاس إليه ، والالتفاف حوله ، أعاذنا الله تعالى - بلطفه وفضله - من هذه الآفات التي تحول بين الإنسان وربّه .
« 7 »
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا عَلِيُّ ، بادِرْ بِأَرْبَعِ قَبْلَ أَرْبَعِ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»(2).
إنّ من بادر لاعتناق هذه الصفات فقد فاز فوزاً مبيناً ، ونجا من مآثم الحياة .
« 8 »
من وصايا النبي لوصيه قوله (علیه السّلام):
«يا عَلِيُّ ، أَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ أَهْلِكَ وَجِيرائِكَ وَمَنْ تُعَاشِرُ ، وَتُصَاحِبُ مِنَ النَّاسِ تُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي الدَّرَجاتِ الْعُلى»(1).
إنّ الأخلاق الكريمة من أبرز الصفات الرفيعة التي يتحلى بها الإنسان ، ومن أجملها حُسن الأخلاق مع الأهل والجيران والأصحاب.
ومن غرر وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)هذه الوصية :
«يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مِنْ أَبْوابِ الْبِرِّ : سَحَاءُ النَّفْسِ ، وَطِيبُ الْكَلامِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذى»(2).
إن هذه الخصال الثلاثة من أبرز أبواب البر والإحسان ، فسخاء النفس ، وطيب الكلام والصبر على الأذى والمكروه هي من الأسس التربوية التي تبناها الإسلام .
هذه بعض وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وكلها تتعلّق بآداب السلوك ، ومحاسن الصفات والأعمال .
من غرر الوصايا التي أوصى بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وصيّته لسيدة نساء العالمين ابنته الوحيدة الزهراء سلام الله عليها هذه الوصيّة :
«لَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ. وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ. وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ يَسْكُتْ . إِنَّ الله - تعالى - يُحِبُّ الْخَيْرَ الْحَلِيمَ الْمُتَعَفَّفَ ، وَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الضَّنِينَ السّائِلَ الْمُلْحِفَ إِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْفُحْشَ مِنَ الْبَدَاءِ ، وَالْبَدَاء فِي النَّارِ...»(1).
وفد قيس بن عاصم مع جماعة من بني تميم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وطلب منه أن يزوده بوصيّة ينتفع بها؛ لأنه يقطن في الصحراء ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يا قَيْسُ ، إِنَّ مَعَ الْعِزَّ ذلاً ، وَإِنَّ مَعَ الْحَياةِ مَوْتاً ، وَإِنَّ مَعَ الدُّنْيا آخِرَةً ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ، وَعَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ، وَإِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَواباً ، وَلِكُلٍّ سَيِّئَةٍ عِقاباً ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتاباً ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ يا قَيْسُ - مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ ، وَهُوَ حَيٍّ وَأَنْتَ مَيَّتْ ، فَإِنْ كَانَ كَريماً أَكْرَمَكَ ، وَإِنْ كانَ لَئِيماً أَسْلَمَكَ ، ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ ، وَلَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ ، وَلَا تُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ ، فَلَا تَجْعَلْهُ إِلَّا صَالِحاً ، فَإِنَّهُ إِنْ
1) حياة سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) : 54 .
صَلَحَ أَنِسْتَ بِهِ ، وَإِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَّا مِنْهُ وَهُوَ فِعْلُكَ».
وانبرى قيس قائلاً:
«يا نبي الله ، أحبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفتخر به على من يلينا من العرب ، وندّخره ..» .
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإحضار حسّان الشاعر لينظم وصيّة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وفكر قيس فنظم وصية النبي له ، فقال :
«یا رسول الله ، قد حضرتني أبيات أحسبها توافق ما تريد» .
وأمر النبي بإنشاءها ، فقال :
تَخَيَّر خَليطاً(1)مِنْ فِعَالِكَ إِنَّما *** قَرينُ الفَتى فِي القَبرِ ما كانَ يَفْعَلُ
وَلَا بُدّ بَعْدَ المَوتِ مِنْ أَنْ تَعدَّهُ *** لِيَوم يُنادَى المَرءُ فيهِ فيُقبِلُ
فَإِنْ كُنتَ مَشْعُولاً بشيءٍ فَلَا تَكُنْ *** بِغَيرِ الَّذِي يَرضى بِهِ اللهُ تُشغَلُ
فَلَنْ يصحَبَ الإِنسانَ مِنْ بَعدِ مَوْتِهِ *** وَمِنْ قَبْلِهِ إِلَّا الذي كانَ يَعْمَلُ
أَلا إِنَّمَا الْإِنْسانُ ضَيْفٌ لأَهلِهِ *** يُقيمُ قَليلاً بَينَهُم ثُمَّ يَرْحَلُ(2)
وحكت هذه الأبيات وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التي أناطت جزاء الإنسان في قبره بأعماله في دار الدنيا ، فإن كان عمله صالحاً فيرى الخير ، وإن كان شراً فيرى الشر ، وقد نطق الذكر الحكيم بذلك .
قال تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(3).
أما عبد الله بن مسعود فهو علم من أعلام الإسلام في جهاده ، فقد أبلى في سبيل الله بلاء حسناً ، وكان من ألمع الصحابة في قربه إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد عذب أقسى ألوان التعذيب من جبابرة قريش، وقد أخلص له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كأعظم ما يكون الإخلاص ، فزوده بهذه الوصايا الخالدة ، وقد حدّث ابن مسعود عن السبب في وصية النبي له ، فقال : «دخلت أنا وخمسة رهط من أصحابنا يوماً على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد أصابتنا مجاعة شديدة ، ولم نكن ذقنا منذ أربعة أشهر إلا الماء واللبن وورق الشجر ، فإلى متى نبقى على هذه المجاعة الشديدة ؟ » ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لَا تَزالُونَ فِيها ما عِشْتُم ، فَأَحْدِثوا للهِ شُكْراً ، فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتابَ اللهِ - تَعَالَى الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ ، وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي فَمَا وَجَدْتُ مَنْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا الصَّابِرُونَ».
ثم أخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يتحف ابن مسعود ومن معه بهذه الوصايا .. ونحن نذكر بعضها :
«يابْنَ مَسْعُود ، قالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُوَفِّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(1)أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا(2)، إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ(3).
يابْنَ مَسْعُود ، قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةٌ وَحَرِيرا(4)،
ُأولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا(1). أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مِّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ(2). وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(3)» وانبری بعضهم قائلاً: «یا رسول الله ، من الصابرون؟» .
«الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ ، الَّذِينَ كَسَبُوا طَيِّباً ، وَأَنْفَقُوا قَصْداً ، وَقَدَّمُوا فَضْلاً ، فَأَفْلَحُوا وَنَجَحُوا».
ألقى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الأضواء على الصابرين الذين هم من خيرة النّاس في سلوكهم و آدابهم ، ثم واصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه مع ابن مسعود قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود ، عَلَيْهِمُ - أي على الصابرين - الْخُشُوعُ ، وَالْوقارُ ، وَالسَّكِيْنَةُ ، وَالتّفَكُرُ، وَاللَّيْنُ ، وَالْعَدْلُ ، وَالتَّعْلِيمُ ، وَالْاعْتِبارُ ، وَالتَّدْبِيرُ ، وَالتَّقْوى، وَالْإِحْسانُ ، وَالتَّحَرُّجُ ، وَالْحُبُّ في اللهِ ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ، وَالْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ ، وَإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ ، وَمُعاوَنَةِ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَالْبَغْيَةِ عَلَى الْمُسِيُّ، وَالْعَفْوِ لِمَنْ ظَلَمَ.
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا ابْتُلُوا صَبَرُوا ، وَإِذا أَعْطُوا شَكَرُوا ، وَإِذا حَكَمُوا عَدَلُوا ،
وَإِذا قالُوا صَدَقُوا ، وَإِذا عَاهَدُوا وَفُوا ، وَإِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَرُوا ، وَإِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا ، وَإِذا خَاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ، وَيَقُولُونَ لِلنَّاسِ حُسْناً .
يابْنَ مَسْعُود ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْفَائِزُونَ».
حكى هذا المقطع الصفات الرفيعة الماثلة في الصابرين الذين هم من صفوة النّاس ، ومن خيارهم أدباً وسلوكاً وتحرّجاً في الدين ، وهم الفائزون في الدنيا والآخرة .. وواصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه قائلاً:
«یابْنَ مَسْعُود، أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ(1)، فَإِنَّ النُّورَ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَسَخَ».
و انبرى بعض الحاضرين فقال :
«يا رسول الله ، هل لذلك من علامة ؟».
«نَعَمْ ، التّجافي عَنْ دارِ الْغُرُورِ ، وَالإِنابَةُ إِلى دارِ الْخُلُودِ ، وَالْإِسْتِعْدادِ لِلْمَوتِ قَبْلَ نُزُولِ الْقَوْتِ ، فَمَنْ زَهِدَ فِى الدُّنْيا قَصَّرَ أَمَلَهُ فِيها وَتَرَكَهَا لِأَهْلِها».
وفي هذا المقطع الحديث عمّن شرح الله صدره للإسلام ، فإنّه على نور من ربِّه ، فإنّ الإسلام يبدد ظلمات الجهل في أعماق النفس ، ويفتح له آفاقاً مشرقة من الوعي تجعله في قمّة الأفذاذ والمتقين والصالحين .. ثم ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) علامات المتقين ، وهي التجافي عن دار الدنيا، والإقبال على العمل الصالح الذي هو الزاد لدار الآخرة ، ثمّ ذكر علامة الزهد في الدنيا وهي قصر الأمل فيها وتركها لأهلها .. ثمّ
1) الزمر 39 : 22.
واصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه قائلاً :
«يابْنَ مَسْعُودٍ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(1)، يَعْني أَيُّكُمْ أَزْهَدُ في الدُّنيا . إِنَّها دارُ الْغُرُورِ ، وَدارُ مَنْ لَا دارَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ. إِنَّ أَحْمَقَ النَّاسِ مَنْ طَلَبَ الدُّنيا . قالَ اللهُ تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًاً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ(2)، قالَ اللهُ تَعالى : وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً(3)، يَعْنى الزُّهْدَ في الدُّنْيا ، وَقالَ اللهُ تعالى لِمُوسَى : يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ لَنْ يَتَزَيَّنَ الْمُتَزَيَّنُونَ بِزِينَةٍ أَزْيَنَ فِي عَيْنِي مِثْلَ الزُّهْدِ. يا مُوسى ، إِذا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْغِنى مُقْبلاً فَقُلْ : ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ».
في هذا المقطع الدعوة إلى الزهد في الدنيا، والإقبال على الدار الآخرة التي أعدها الله تعالى للمتقين من عباده ، والتي هي دار البقاء والخلود . ويستمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديثه مع ابن مسعود قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود، قَوْلُ اللهِ تَعالى : وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبْيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرراً عَلَيْهَا يَتَّكِتُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ
رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ(1)، وَقَوْلُهُ : مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُوراً(2)». إنّ الله تعالى خالق الكون بمجرّاته وكواكبه ، وجباله وسهوله ، وغير ذلك من العجائب ، وكلها بمرى من الإنسان ، والجاحد لربه يعدّ من الحيوانات السائمة التي لا تعي ولا تعقل ، وهو في مستوى سحيق من الغباء والجهل ، ولا يشعر إلا بمصالحه الضيّقة الفانية في الدنيا ، وأن ألطاف الله تعالى التي لا نهاية لها لو شاءت الأمدتهم بجميع ألوان النعم ، ثم بعد ذلك يلاقون أعمالهم في الدار الآخرة .. ويستمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته لابن مسعود قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود ، مَنِ اسْتاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ ، وَمَنْ خَافَ النَّارَ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ ، وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ أَعْرَضَ عَنِ اللَّذَاتِ ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيا هانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيباتُ».
من المؤكد أنّ من يشتاق إلى الجنّة التي أعدّت للمتقين والصالحين ، فإنّه يسارع في فعل الخيرات، واجتناب المآثم ، وزهد عن متع الحياة ورغائبها ، وهذا بند آخر من هذه الوصيّة يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يابْنَ مَسْعُود ، قَوْلُهُ تَعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ(3)».
حكت الآية ما فُطر عليه النّاس من حبّهم العارم للشهوات التي منها النساء والبنين والأموال والخيل ، وكلّ ما يحقق رغباتهم ، ومن بنود هذه الوصية قوله :
«يابْنَ مَسْعُود ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلَامِ وَالْمُناجاةِ ، حِينَ تَرَىٰ خُضْرَةَ الْبَقْل مِنْ بَطْنِهِ مِنْ هُزالِهِ(1)، وَما سَأَلَ مُوسَى حِينَ تَولّى إِلَى الظَّلِّ إِلَّا طَعاماً يَأْكُلُهُ مِنْ جُوعٍ .
يابْنَ مَسْعُود ، إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ نُوحٍ نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّهُ عاشَ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يَدْعُو إِلَى اللهِ ، فَكانَ إِذا أَصْبَحَ قَالَ : لَا أَمْسِي ، وَإِذا أَمْسَى قَالَ: لَا أَصْبحُ ، فَكانَ لِباسُهُ الشَّعْرَ ، وَطَعَامُهُ الشَّعِيرَ .
وَإِنْ شِئْتَ نَبَأْتُكَ بِأَمْرِ داودَ (علیه السّلام) خَلِيفَةُ اللهِ فِي الْأَرْضِ ، وَكانَ لِباسُهُ الشَّعْرَ ، وطعامُهُ الشَّعير.
وَإِنْ شِئْتَ نَبَاتُكَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ (علیه السّلام) مَعَ ما كانَ فِيْهِ مِنَ الْمُلْكِ ، كَانَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ ، وَيُطْعِمُ النَّاسَ الْحُوَارى(2)، وَكانَ لِباسُهُ الشَّعْرَ ، وَكَانَ إِذا جَنَّهُ اللَّيْلُ شَدَّ يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ فَلَا يَزَالُ قَائِماً يُصَلِّي حَتَّىٰ يُصْبِحَ .
وَإِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ (علیه السّلام)، كَانَ لِبَاسُهُ الصُّوفَ ، وَطَعَامُهُ الشَّعِيرَ.
وَإِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْر يَحْيى (علیه السّلام)، كانَ لِباسُهُ الليفَ، وَكانَ يَأْكُلُ
وَرَقَ الشَّجَر .
وَإِنْ شِئْتَ نَبَاتُكَ بِأَمْرِ عِيسَى (علیه السّلام) بْن مَرْيَمَ ، وَهُوَ الْعَجَبُ ، كَانَ يَقُولُ : إدامى الْجُوعُ ، وَشَعاريَ الْخَوْفُ(1)، وَلِباسَيَ الصُّوفُ ، وَدابَّتِي رِجْلَاي ، وَسِراجِيَ بِاللَّيْلِ الْقَمَرُ ، وَصَلَايَ فِي الشَّتاءِ مَشارِقَ الشَّمْسِ ، وَفَاكِهَتي وَرَبْحانَتِي بُقُولُ الْأَرْضِ مِمَّا بِأْكُلُ الْوُحُوشُ وَالْأَنْعَامُ ، وَأَبِيْتُ وَلَيْسَ لي شَيْءٌ ، وَأَصْبحُ وَلَيْس لي شَيْءٌ ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَغْنى مِنِّي».
لقد تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن سيرة اخوانه أنبياء الله تعالى ، وزهدهم في الدنيا ، وإعراضهم عن مباهجها وزينتها ليعتبر بذلك ابن مسعود وغيره من المسلمين ، ثمّ واصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه عن أنبياء الله تعالى قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود ، كُلُّ هذا مِنْهُم - أي أنبياء الله تعالى - يُبْغِضُونَ ما أَبْغَضَ الله ، وَيُصَفِّرُونَ ما صَغَرَ اللهُ ، وَيُزَهِدُونَ ما أَزْهَدَ اللهُ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِم فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ، فَقَالَ لِنُوحٍ : إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً(2).
وَقالَ لإبْراهِيمَ : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً(3).
وَقالَ لِداودَ : إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ(4).
وَقالَ لِمُوسى : وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكلِيماً(5).
وَقالَ أَيْضاً لِمُوسى : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيَّاً(1).
وَقالَ لِيَحْيى : وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً(2).
وَقالَ لِعِيسَى : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي(3).
وَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(4)».
وقد ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا المقطع ثناء الله تعالى على أنبيائه ، وتمجيده لهم؛ لأنهم أخلصوا الله تعالى ، وأنابواله ، فشكرهم تعالى وأثابهم بألطافه وفضله ، ويستمرّ النبي في حديثه مع الأنبياء : ، قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود ، كُلُّ ذلِكَ لِما خَوَّفَهُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ(5)، قال الله تَعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(6).
عرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الكلمات إلى خوف الأنبياء : من الله تعالى ، فقد
خافوا شدّة عقابه وعذابه ، فأنابوا إليه وأطاعوه ، ويأخذ النبي في حديثه قائلاً:
«يابْنَ مَسْعُود ، النَّارُ لِمَنْ رَكِبَ مُحَرَّماً ، وَالْجَنَّةُ لِمَنْ تَرَكَ الْحَلَالَ ، فَعَلَيْكَ بِالزُّهْدِ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُباهِي اللهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ ، وَبِهِ يُقْبِلُ عَلَيْكَ بِوَجْهِهِ ، وَيُصَلِّي عَلَيْكَ الْجَبّارُ».
حكت هذه الكلمات أن الله تعالى خلق نار جهنّم - أعاذنا الله منها - لمن اقترف محرماً وارتكب ذنباً كما خلق الجنّة التي تجري من تحتها الأنهار لمن ترك ما أحله الله تعالى وزهد في الدنيا ، ثم يأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بسرد الأحداث التي تجري على أمته :
«يابْنَ مَسْعُود ، سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي أَقوامٌ يَأْكُلُونَ طَيِّبَ الطَّعامِ وَأَلْوانَها ، وَيَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ، وَيَتَزَيَّنُونَ بِزِينَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا ، وَيَتَبَرَّحُونَ تَبَرُّجَ النِّساءِ ، وَزَيَّهِنَّ مِثْلَ زَيَّ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ ، وَهُمْ مُنافِقُو هذِهِ الأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمانِ ، شَارِبُونَ لِلْقَهَواتِ(1)، لَاعِبُونَ بِالْكِعَابِ(2)، راكِبُونَ الشَّهَواتِ ، تارِكُونَ الجماعاتِ ، راقِدُونَ عَنِ الْعَتَماتِ(3)، مُفَرِّطُونَ فِى الْعَدَواتِ ، يَقُولُ الله ގ تَعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً(4).
يابْنَ مَسْعُود مَثَلُهُمْ مَثَلُ الدَّفْلى(5)، زَهْرَتُها حَسَنَةٌ ، وَطَعْمُها مُرٌّ ، كَلَامُهُمُ
الْحِكْمَةُ ، وَأَعْمَالُهُمْ داءٌ لَا يَقْبَلُ الدَّواءَ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا(1)».
حكى هذا المقطع ما يجري على أمته من الشقاء والبعد عن الله تعالى في آخر الزمان ، من إقبالهم على أطيب الطعام إلا أن ذلك ليس محرّماً ، وإنّما يتناولوه من طرق الحرام ، وأن شريحة منهم يتزيّنون تزيّن المرأة ، وهو ما نشاهده من بعض السفلة من الشباب المنحرف الغارق في الشهوات الذي يحكي في لباسه النساء لاغراء من وجرّهنّ إلى ميدان الدعارة والمجون ، أنقذ الله المسلمين من هذه الأوضاع الشاذة .. ويستمر النبي في وصيته قائلاً:
«یابْنَ مَسْعُود ، ما يُغْنِي مَنْ يَتَنَعَّمُ في الدُّنْيا إِذا أُخْلِدَ في النَّارِ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(2)، يَبْتُونَ الدُّورَ ، وَيُشَيَّدُونَ الْقُصُورَ ، وَيُزَخْرِفُونَ الْمَسَاجِدَ ، وَلَيْسَتْ هِمَّتُهُمْ إِلَّا الدُّنْيا ، عاكِفُونَ عَلَيْها ، مُعْتَمِدُونَ فِيها ، آلِهَتُهُمْ بُطُونَهُم.
قالَ اللهُ تَعالى : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُون(3).
قالَ اللهُ تَعَالَى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(4)،
وَما هُوَ إِلَّا مُنافِقٌ جَعَلَ دِينَهُ هَواهُ ، وَإِلهَهَ بَطْنَهُ ، كُلَّما اشْتَهى مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرامِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهُ.
قالَ اللهُ تعالى : وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ(1).
يابْنَ مَسْعُود مَحاريبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، وَشَرَفَهُمُ الدَّراهِمُ وَالدَّنانِيرُ ، وَهِمَّتُهُمْ بُطُونُهُمْ، أَوْلئِكَ هُم شَرَّ الأَشْرارِ الْفِتْنَةُ مَعَهُمْ ، وَإِلَيْهِم تَعُودُ .
يابْنَ مَسْعُود قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتْعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(2).
يابْنَ مَسْعُود ، أَجْسادُهُمْ لَا تَشْبَعُ ، وَقُلُوبُهُمْ لَا تَخْشَعُ».
تحدّث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن شريحة من النّاس لا إرب لها في الحياة سوى تحقيق رغباتها وشهواتها ، وهم في غفلة عن شؤون آخرتهم قد انصرفوا عنها ، وهاموا في الدنيا أولئك هم الخاسرون ، ويتحدّث النبي الخاسرون ، ويتحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أمته في آخر الزمان . يقول (صلی الله علیه و آله و سلم).
«يابْنَ مَسْعُود ، الْإِسْلَامُ بَدَأَ غَرِيباً ، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ ، فَطُوبَى لِلْغُرَباءِ ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ الزَّمَانَ مِنْ أَعْقابِكُمْ فَلَا تُسَلِّمُوا في ناديهِمُ ، وَلَا تُشَيَّعُوا جَنائِزُهُمْ ، وَلَا تَعُودُوا مَرْضاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكُمْ ، وَيَظْهَرُونَ بِدَعْواكُمْ ، وَيُخالِفُونَ أَفْعَالَكُمْ ، فَيَمُوتُونَ عَلى غَيْرِ مِلَّتِكُمْ ، أُولئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَا أَنا مِنْهُمْ ، فَلَا تَخَافَنَّ أَحَداً غَيْرَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِككُمُ
الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَةٍ(1). وَيَقُولُ : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ - إلى قوله : - وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(2)».
عرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا المقطع إلى المنحرفين عن الإسلام في آخر الزمان الذين لم ينفذ الإسلام إلى دخائل نفوسهم، وأعماق قلوبهم ، فالزم بمقاطعتهم ونبذهم؛ لأنّهم يشكلون خطراً على الإسلام وعلى المسلمين . ومن بنود هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ يُرِيدُ بِهِ الدُّنْيا ، وَآثَرَ عَلَيْهِ حُبِّ الدُّنْيا وَزِينَتَها اسْتَوْجَبَ سَخَطَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَكانَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصارى الَّذينَ نَبَذُوا كتابَ الله تعالى ، قالَ اللهُ تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(3).
يابْنَ مَسْعُود، مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيا وَزِينَتَهَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
حكى هذا المقطع أن طلب العلم ينبغي أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، لا يُراد به عرض الدنيا . أما من يبتغي غير ذلك فقد ظل سواء السبيل ، ومن بنود هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) :
يابْنَ مَسْعُود ، مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ حَشَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ، وَمَنْ تَعلم الْعِلْمَ رِياءَ وَسُمْعَةً يُريدُ بِهِ الدُّنْيا نَزَعَ اللَّهُ بَرَكَتَهُ ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ ، وَوَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ وَكَلَهُ اللهُ إِلى نَفْسِهِ فَقَدْ هَلَكَ ، قَالَ اللهُ تَعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشرك بعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(1).
يابْنَ مَسْعُود ، فَلْيَكُنْ جُلَسَاؤُكَ الْأَبْرارُ ، وَإِخْوانُكَ الْأَنْقِياءُ وَالرُّهَادُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى قالَ فِي كِتَابِهِ : الْأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(2).
تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في آخر هذا المقطع عن الصاحب والجليس ، وأنهما لا بد أن يكونا من الأخيار والصالحين، فإنّ الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثر ، فكل إنسان يتأثر فيمن حوله ، ويؤثر فيمن حوله ، فينبغي أن يكون الصاحب مثالاً للكرامة والإنسانية ، وأن يكون في سلوكه قدوة حسنة للغير، وهنا بحوث جليلة عرض لها الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا المقطع لم نذكرها ؛ لأنا آثرنا الايجاز في هذه البحوث ، ولنقرأ بنداً آخر من هذه الوصية التربوية . يقول (صلی الله علیه و آله و سلم) :
يابْنَ مَسْعُود ، عَلَيْكَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَأَداءِ الْفَرائِضِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة(3).
وَيَقُولُ : رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(4).
حكت هذه الكلمات اهتمام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتقوى الله تعالى ، وخشيته في السرّ والعلانية ، وأداء الفرائض ليكون الإنسان بمنجى من عذاب الله تعالى . ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، دَعْ عَنْكَ ما لَا يُعْنِيكَ ، وَعَلَيْكَ بِمَا يُغْنِيكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنْ يُغْنِيهِ(1).
من آداب الإسلام أن يجتنب المسلم كلّ ما لا يعنيه ، وأن لا يكون فضولياً في شؤون الغير، وإنما عليه أن يهتم بما يعنيه.
ويستمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، إِيَّاكَ أَنْ تَدَعَ طَاعَةٌ وَتَقْصِدَ مَعْصِيَةٌ شَفَقَةٌ عَلى أَهْلِكَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازِ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ(2).
حكت هذه الكلمات أن يُعنى الإنسان بتقوى الله تعالى ، وأن لا يؤثر أبناءه وأهله على طاعته تعالى ، وينساب في معصيته ، فإنّ الأهل لا يغنونه شيئاً يوم حشر الإنسان إلى الله تعالى .
ويأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، احْذَرِ الدُّنْيا وَلَذَاتِها وَشَهَوَاتِها وَزِيْنَها ، وَأَكْلَ الْحَرامِ ،
وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، وَالْمَرَاكِبَ ، وَالنِّسَاءَ ، وَالْبَنِينَ ، وَالْقَناطِيرَ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَالْأَنْعَامِ ، وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ(1).
دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ابن مسعود إلى الزهد في الدنيا ، والإعراض عن مباهجها وزينتها ، والإقبال على طاعة الله تعالى التي ذخر للإنسان في يوم حشره . وهذا بند آخر من الوصيّة :
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَغْتَرَنَّ بِاللهِ ، وَلَا تَغْتَرَنَّ بِصَلَاتِكَ وَعَمَلِكَ وَبِرِّكَ وَعِبادَتِكَ.
أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الكلمات على الإخلاص في العمل ، وأن لا يغتر الإنسان في بصلاته وسائر عبادته إذا لم يخلص فيها .
ثمّ يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا تَلَوْتَ كِتابَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَتَيْتَ عَلَى آيَةٍ فِيها أَمْرٌ وَنَهْيَ فَرَدَّدْهَا نَظَراً وَاعْتِبَاراً فِيهَا ، وَلَا تَسْهُ عَنْ ذلِكَ ، فَإِنَّ نَهْيَهُ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ الْمَعَاصِي ، وَأَمْرَهُ يَدُلُّ عَلَى عَمَلِ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ يَقُولُ: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(2).
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالتدبر والإيمان بآيات الكتاب العزيز، وأن يقف القارئ لها على كلّ آية فيمعن في الأوامر والنواهي، وما يدعوان له من أعمال البر والاجتناب عن
مآثم الحياة .
ويأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تُحَقِّرَنَّ ذَنْباً ، وَلَا تُصَفِّرَنَّهُ ، وَاجْتَنِبِ الْكَبَائِرَ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذا نَظَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلى ذُنُوبِهِ دَمِعَتْ عَيْنَاهُ قَيْحاً وَدَماً ، يَقُولُ اللهُ تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بعيداً(1).
إن الإنسان المسلم ينبغي له أن لا يحتقر ذنباً ، فإنّه لا يعلم أنه يعصي به الخالق العظيم ، وأنّ أعماله سوف تعرض عليه تعالى ، فيحاسب عليها ويجازي بما عمله من سوء أو خير .
ومن فقرات هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا قِيلَ لَكَ اتَّقِ اللهَ فَلَا تَغْضَبْ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ(2).
إنّ الأمر بتقوى الله تعالى دعوة إلى الفلاح والنجاح ، ولكن بعض الطغاة والجبارين إذا أمروا بذلك أخذتهم العزة بالإثم ، وقد نقل الرواة عن عبدالملك بن مروان أنّه قال : «مَن أمرنا بتقوى الله تعالى ضربنا عنقه» ، إنّ هذه الكلمة ثقيلة وبغيضة على العتاة الجبارين.
ومن فقرات هذه الوصية الذهبية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، قَصِّرْ أَمَلَكَ ، فَإِذا أَصْبَحْتَ فَقُلْ : إِنِّي لَا أَمْسِي ، وَإِذا أَصْبَحْتَ فَقُلْ: لَا أَصْبحُ ، وَاعْزِمْ عَلى مُفارَقَةِ الدُّنْيا ، وَأَحِبَّ لِقاءَ اللهِ ، وَلَا تَكْرَه لِقاءَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ لِقاءَ مَنْ أَحَبَّ لِقاءَهُ ، وَيَكْرَهُ لِقاءَ مَنْ يَكْرَهُ لِقاءَهُ.
إنّ الإنسان في هذه الحياة ينبغي له أن يقصر أمله ، ويبني على مفارقته للحياة ، فإنّه إذا أقر بذلك كان من أولياء الله تعالى الذين لا يقترفون ذنباً ولا إثماً . ومن فقرات هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَيَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ يُسَمّونَهُ النَّبِيذَ ، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، أَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنِّي بُراءُ .
يابْنَ مَسْعُود ، الزَّانِي بِأُمِّهِ أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِمَّنْ يُدْخِلُ في مَالِهِ مِنَ الرِّبَا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، وَمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً فَهُوَ أَشَدُّ عِنْدَ اللهِ مِنْ الربا؛ لِأَنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٌّ.
وحذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من شرب الخمر الذي يعود بالأضرار الهائلة على الإنسان ، ويسبب له الكثير من مشاكل الحياة(1)، كما حذر من الربا الذي يوجب شيوع الفقر والفاقة عند الناس ، وتكدّس الثراء الفاحش عند ذوي الأطماع والمستغلين. ومن فقرات هذه الوصيّة قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا عَمِلْتَ عَمَلاً فَاعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ عِبادِهِ الْأَعْمَالَ إِلَّا ما كانَ خالِصاً ، فَإِنَّهُ يَقولُ : وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَى *
1) عرضنا لأضرار الخمر الهائلة في كتابنا : العمل وحقوق العامل في الإسلام.
إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى(1). إن كل عمل صالح يعمله الإنسان إذا لم يكن مشفوعاً بالإخلاص لله تعالى فإنّه لا ينفع صاحبه ، فإنّ الإخلاص هو من شروط قبول الأعمال. ومن فقرات هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، دَعْ نَعِيمَ الدُّنْيا وَأَكْلَها وَحَلَاوَتَهَا ، وحارَّها وَبَارِدَهَا ، وَلِينَها وطيبها ، وَأَلْزِمْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَنْهَا ، فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ ذلِكَ كُلِّهِ ، قال الله تَعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ(2).
يابْنَ مَسْعُود فَلَا تُلْهِيَنَّكَ الدُّنْيا وَشَهواتِها ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(3).
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا عَمِلْتَ عَمَلاً مِنَ الْبِرِّ وَأَنْتَ تُريدُ بِذلِكَ غَيْرَ اللَّهِ فَلَا تَرْجُ بِذلِكَ مِنْهُ ثَواباً ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً(4).
حكت هذه الكلمات الدعوة إلى الزهد في الدنيا ، ونبذ مباهجها وملذاتها ؛ لأنه يسأل عنها يوم القيامة ، كما حكت ضرورة الإخلاص لله الأعمال الخيّرة ، وأنّ كلّ عمل إذا لم يقصد به وجه الله تعالى فهو عبث لا فائدة فيه . ويستمرّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته لابن مسعود قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا مَدَحَكَ النَّاسُ فَقَالُوا : إِنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ ،
وَأَنْتَ عَلى غَيْرِ ذلِكَ فَلَا تَفْرَحْ بِذلِكَ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1).
إن مدح الإنسان بأعمال الخير ، وهو لم يأت بها ينبغي أن لا يغره الاطراء والمدح بما لم يعمله ، وإذا صدق ذلك فإنّه لا ينجو من عذاب الله تعالى ونقمته . وهذا بند آخر من الوصيّة :
يابْنَ مَسْعُود، أَكْثِر مِنَ الصَّالِحاتِ وَالْبِرِّ ، فَإِنَّ الْمُحْسِنَ وَالْمُسِيئَ يَنْدَمَانِ ، يَقُولُ الْمُحْسِنُ : يا لَيْتَنِي ازْدَدْتُ مِنَ الْحَسَناتِ ، وَيَقُولُ الْمُسِيیُ : قَصَّرْتُ وَتَصْدِيقُ ذلِكَ قَوْلُهُ تَعالى : وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللُّوْامَةِ(2).
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تُقَدِّمِ الذَّنْبَ ، وَلَا تُؤْخَّرِ التَّوْبَةَ ، وَلكِنْ قَدمِ التَّوْبَةَ ، وَأَخْرِ الذَّنْبَ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ في كِتَابِهِ : بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ(3).
دعت هذه الوصيّة إلى المزيد من أعمال البر والخير ، والاجتناب عن السيئات ؛ لأنّ الإنسان يجد يوم القيامة ما عمله حاضراً ، ولا يظلم ربّك أحداً. ومن بنود هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، إِيَّاكَ أَنْ تَسِنَّ سُنَّةَ بِدْعَةٍ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذا سَنَّ سُنَّةٌ سَيِّئَةٌ لَحِقَهُ
وِزْرُها ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها .
قالَ اللهُ تعالى : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ(1).
وَقالَ سُبْحانَهُ : يُنَبِّوُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ(2).
إنّ الإنسان محاسب أمام الله تعالى عن جميع أعماله ، والتي منها من سنّ سيّئة فإنّ وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة تلاحقه ويطوّق بها ، حسب ما تظافرت الأخبار بذلك .
ومن بنود هذه الوصيّة هذه الكلمات :
يابْنَ مَسْعُودٍ ، لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا ، وَلَا تَطْمَئِنَّ إِلَيْهَا فَسَتُفَارِقُهَا عَنْ قَلِيلِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(3)، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ(4).
يابْنَ مَسْعُود ، اذْكُرِ الْقُرُونَ الْمَاضِيَةِ ، وَالْمُلُوكَ الْجِبابِرَةِ الَّذينَ مَضَوا ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ : وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسُ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً(5).
حكت هذه الكلمات الزهد في الدنيا ، وعدم الافتتان بها ، فإن مصيرها إلى الفناء والزوال، وعلى الإنسان أن ينظر بعمق إلى الملوك الذين مضوا ، فقد طحنهم الموت ، وزال جبروتهم وملكهم .
ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الوصية :
يابْنَ مَسْعُود ، انْظُرْ أَنْ تَدَعَ الذَّنْبَ سِرّاً وَعَلَا نِيَةٌ ، صَغِيرًا وَكَبِيراً ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ما كُنْتَ يَراكَ وَهُوَ مَعَكَ ، فاجْتَنِيْها .
يابْنَ مَسْعُود ، اتَّقِ اللهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا(1).
إنّ الله تعالى هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، وهو مطلع على خفايا النفوس ودخائل القلوب ، فعلى الإنسان أن يتَّقِ ربِّه ، ويخلص في عمله في خلواته وإعلانه .
وعرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيّته الذهبية لابن مسعود إلى التحذير من كيد الشيطان الرجيم ، قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، اتَّخِذِ الشَّيْطَانَ عَدُوّاً ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً(2).
وَيَقُولُ عَنْ إِبْلِيسَ : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(3)، وَيَقُولُ : فَالْحَقُّ وَالْحَقِّ أَقُولُ * لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ(4).
إن الشيطان هو العدو الماكر للإنسان ، الذي يكيد له وضح النهار وفي غلس الليل ، ويرديه صريع شهواته ، ويصرفه عن الطريق القويم ، فلذا حذر منه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأهاب بالمسلمين من اتباعه .
ويستمرّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته :
يابنَ مَسْعُود ، فانْظُرْ أَنْ لَا تَأْكُلِ الْحَرامَ ، وَلَا تَلْبَسِ الْحَرامَ ، وَلَا تَأْخُذْ مِنَ الْحَرام ، وَلَا تَعْصِ اللَّهَ ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لإِبْلِيسَ : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً(1).
وَقالَ : فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ(2).
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من أكل الحرام، فإنّه يعود على الإنسان بالمضاعفات السيئة ، ويجرّ له الويل والدمار، ويسلّط عليه إبليس فيصده عن الله تعالى ، وعن كلّ عمل خير.
ويستمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته قائلاً:
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَقْرَبَنَّ مِنَ الْحَرامِ مِنَ الْمَالِ وَالنِّساءِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(3)، وَلَا تُؤْثِرَنَّ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ بِاللَّذَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَإِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ في كتابِهِ: فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(1)يَعْني الدُّنْيا الْمَلْعُونَةَ ، وَالْمَلْعُون ما فِيهَا إِلَّا ما كَانَ لِلَّهِ . إن تقوى الله تعالى فيها النجاة من الهلاك ، والظفر بنعم الله تعالى في الدار الآخرة التي أعدت للمتقين، وأما من اتبع هواه ، وآثر الحياة الدنيا على الآخرة ، فمصيره إلى النار .
و من بنود هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَخُونَنَّ أَحَداً فى مالٍ يَضَعُهُ عِنْدَكَ أَوْ أَمَانَةٍ الْتَمَنَكَ عَلَيْها ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(2).
إنّ أداء الأمانة إلى أهلها ، وعدم التصرّف فيها من القيم الرفيعة التي تبناها الإسلام ، وألزم بها ..
ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَتَكَلَّمْ إِلَّا بِالْعِلْمِ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ وَرَأَيْتَهُ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(3).
وَقالَ : سَتَكْتَبُ شَهَادَتْهُمْ وَيُسْأَلُونَ(4).
وَقالَ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(1). وَقالَ : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ(2).
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من القول بغير علم ويقين ، فإنّه مسؤول عن ذلك أمام الله تعالى ، وقد استشهد بكوكبة من الآيات دلّت على ذلك .
ومن فقرات هذه الوصيّة :
يابْنَ مَسْعُود لَا تَهْتَمَّنَّ لِلرِّزْقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا(3).
وَقالَ : وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(4).
وَقالَ : وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(5).
إنّ الأرزاق بيد الله تعالى ، فهو الذي يهب لمن يشاء من عباده ، مؤمناً كان أو كافراً ، بغير حساب ، فلا يجهد الإنسان نفسه على شيء ليس بيده ، وإنما هو بيد الله تعالى.
ويقول الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته :
يابْنَ مَسْعُود ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً ، إِنَّ مَنْ يَدَعِ الدُّنْيا وَيُقْبِلْ عَلَى
تِجارَةِ الْآخِرَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَّجِرُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجارَتِهِ ، وَيُرْبح اللهُ تِجارَتَهُ. يَقُولُ اللهُ تعالى : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(1).
فانبرى ابن مسعود قائلاً: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف لي بتجارة الآخرة ؟ وأرشد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى تلك التجارة الرابحة ، فقال :
لَا تُريحَنَّ لِسَانَكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَذلِكَ أَنْ تَقُولَ : سُبْحانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، فَهَذِهِ التَّجَارَةُ الْمُرْيحَةُ .
يَقُولُ اللهُ تعالى : يَرْجُونَ تِجَارَةٌ لَن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِن فَضْلِهِ(2).
يابْنَ مَسْعُود ، كُلَّما أَبْصَرْتَهُ بِعَيْنِكَ ، وَاسْتَحْلَاهُ قَلْبُكَ ، فَاجْعَلْهُ لِلَّهِ ، فَذلِكَ تِجارَةُ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ(3).
ومن بنود هذه الوصية قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، أَحِبَّ الصَّالِحِينَ ، فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ فَأَحِبَّ الْعُلَماءِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً(1). أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمودة الصالحين والأخيار؛ لأنّهم أفذاذ المجتمع الذين يضيئون بسلوكهم وإيمانهم حياة النّاس .
صلى الله ومن فقرات هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، إِيَّاكَ أَنْ تُشْرِكْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَإِنْ نُشِرْتَ بِالْمِنْشَارِ ، أَوْ قُطِعْتَ أَوْ صُلِبْتَ أَوْ أَخْرِقْتَ بِالنَّارِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ(2).
إنّ الشرك بالله تعالى من أعظم الكبائر ، فإنّ الله تعالى لا يغفر لمن يشرك به ، ويخلده في نار جهنم، وبئس مثواه .
ومن فقرات هذه الوصيّة قوله :
یابْنَ مَسْعُود ، اصْبِرْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيُسَبِّحُونَهُ وَيُهَلِّلُونَهُ وَيَحْمِدُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ ، وَيَدْعُونَهُ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ، فَإِنَّ الله يَقُولُ : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ(3)، مَا عَلَيْكَ مِن حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ وَمَا مِن حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ(4).
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ابن مسعود أن يتخذ الصالحين والمنيبين إلى الله تعالى قدوة
يسير على هداهم ، ويقتدي بسلوكهم ..
ومن فقرات هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَخْتارَنَّ عَلى ذِكْرِ اللهِ شَيْئاً فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ(1).
وَيَقُولُ : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(2).
وَيَقُولُ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ(3).
وَيَقُولُ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(4).
أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيّته على ذكر الله تعالى الذي هو مفتاح لكل خير ، وسبب لكل نجاة ، فما ذكره تعالى أكبر من كلّ شيء..
ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود، عَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوِقارِ ، وَكُنْ سَهْلاً ، لَيْناً ، عَفِيفاً ، مُسْلِماً ، تَقِياً ، نَقِياً ، باراً ، طاهِراً ، مُطَهَّراً ، صادِقاً ، خالِصاً ، سَلِيماً ، صَحِيحاً ، لَبِيباً، صالِحاً ، صَبُوراً ، شَكُوراً ، مُؤْمِناً ، وَرِعاً ، عابداً ، زاهِداً ، رَحِيماً ، عالِماً ، فقيهاً ، يَقُولُ اللهُ تَعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاءٌ مُنِيبٌ(5).
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً(1). وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً(2). وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةٌ وَسَلَاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً(3). وَيَقُولُ اللهُ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(4).
يَقُولُ اللهُ تَعالى : أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ(5).
وَقالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(1). أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ابن مسعود أن يتحلى بكل فضيلة ليكون أنموذجاً مشرقاً للمسلمين في سلوكه وآدابه وورعه وتقواه ، وهذا بند آخر من هذه الوصية . يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَحْمِلَنَّكَ الشَّفَقَةُ عَلَى أَهْلِكَ وَوَلَدِكَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْمَعاصِي وَالْحَرامِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(2)، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ ، وَالْعَمَلِ الصّالِحِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً(3).
ينبغي للمسلم أن لا تأخذه الشفقة على أهل بيته ، فلا يزجرهم من اقتراف المحرمات، وإنما عليه أن ينصحهم ويهديهم للتي هي أقوم .
قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(4)، فالواجب على المسلم أن يردع أهله من ارتكاب الحرام ، وإلا فإنّه المسؤول عنهم عند الله تعالى .
ومن فقرات هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يَهْدِي النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ ، وَيَأْمُرُهُم بِالْخَيْرِ وَهُوَ
غافِلٌ عَنْهُ.
يَقُولُ اللهُ تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ(1).
إنّه ليس من الإنسانية في شيء أن يأمر الشخص بفعل الخير وهو لا يعمله ، وينهاهم عن المنكر وهو يقترفه ، فإنّ نصحه وإرشاده لا يجديان شيئاً ما لم يطبق ذلك على نفسه ...
ومن فقرات هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، عَلَيْكَ بِحِفْظِ لِسانِكَ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(2).
يابْنَ مَسْعُود عَلَيْكَ بِالسَّرائِرِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرِ(3).
حكت هذه الكلمات ضرورة أن يحفظ الإنسان لسانه عن كلمات السوء ، والقذف والغيبة ، والنميمة ، وغير ذلك مما يبعده عن الله تعالى ، كما حكت لزوم الحفاظ على السرائر ، وأن تكون مصونة بتقوى الله تعالى .
ومن فقرات وصيّته قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، احْذَرْ يَوْماً تُنْشَرُ فِيهِ الصَّحائِفُ ، وَتُظْهَرُ فِيهِ الْفَضائِحُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ(1). يابْنَ مَسْعُود ، اخْشَ الله تَعَالَى بِالْغَيْبِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ .
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ(2).
حفلت هذه الكلمات بالتحذير من ارتكاب المعاصي التي تعرض على الله تعالى ، ويفتضح بها الإنسان أمام الخلق ، كما حفلت بلزوم الخشية والتقوى من الله تعالى ، فإنّه يرى العبد في خلوته ، ويعلم ما انطوت عليه نفسه ... ومن محتويات هذه الوصية :
يابْنَ مَسْعُود ، انْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَانْصَحِ الْأُمَّةَ وَارْحَمْهُمْ ، فَإِذا كُنتَ كَذلِكَ وَغَضِبَ اللهُ عَلى أَهْلِ بَلْدَةٍ وَأَنْتَ فِيهَا ، وَأَرادَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذابَ نَظَرَ إِلَيْكَ فَرَحِمَهُمْ بِكَ.
يَقُولُ اللهُ تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(3).
إن إنصاف الناس ونصحهم ورحمتهم من موجبات التقوى والإنابة إلى الله تعالى ، وأنه تعالى يرفع العذاب عن بلد يقيم فيه هذا الشخص تكريماً له ...
ومن فقرات هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، إِيَّاكَ أَنْ تُظْهِرَ مِنْ نَفْسِكَ الْخُشُوعَ وَالتَّواضُعَ لِلْآدَمِيِّينَ وَأَنْتَ فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ مُصِرٌ عَلَى الْمَعاصِي وَالذُّنُوبِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ(1). يابْنَ مَسْعُود ، فَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يُشَدِّدُ عَلَى النَّاسِ وَيُخَفِّفُ عَلَى نَفْسِهِ . يَقُولُ اللهُ تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2).
حكت هذه الكلمات أنّ الإنسان المؤمن بربّه لا يكون مرائياً فيظهر للنّاس شيئاً من التقوى والتواضع وهو يعصي الله تعالى ، كما ينبغي له أن لا يشدّد على الناس في أمور الدين وهو يخفف على نفسه..
ومن محتويات هذه الوصيّة قوله :
يابْنَ مَسْعُود ، إِذا عَمِلْتَ عَمَلاً فَاعْمَلْ بِعِلْمٍ وَعَقْلِ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلاً بِغَيْرِ تَدبِيرٍ وَعِلْمٍ ، فَإِنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً(3).
وفي هذه الكلمات النصيحة لكلّ من يعمل عملاً أن يكون عن علم وعقل وتدبير ، ولا يكون ناشئاً عن الرغبات النفسية التي لا تمت إلى العقل بصلة .
ولنستمع إلى هذه الفقرات الأخيرة من هذه الوصية المشرقة ، يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يابْنَ مَسْعُود، عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ ، وَلَا تُخْرِجَنَّ مِنْ فِيكَ كِذْبَةٌ أَبَداً ، وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَأَحْسِنْ ، وَادْعُ النَّاسَ إِلَى الْإِحْسانِ، وَصِلْ رَحِمَكَ ،
وَلَا تَمْكُرِ النَّاسَ ، وَأَوْفِ النَّاسَ بِما عَاهَدْتَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)»(2).
وانتهت هذه الوصيّة التي هي من ذخائر الفكر الإسلامي ، فقد حفلت بجميع مقومات الحياة ، وآداب السلوك ، ومحاسن الأعمال .
إنّها نفحة من نفحات النبوّة التي أضاءت الحياة الدنيا ، وأقامت صروحه .
أما أبو ذر فقد وعى الإسلام ، وآمن بقيمه ، وجاهد في سبيله ، وأبلى بلاء حسناً في الدفاع عنه ، وقد ناهض الردّة الجاهليّة في أيّام الحكم الأموي الذي اتخذ أموال الله تعالى دولاً ، وعباده خولاً ، فقام يشيع القيم الأصيلة التي جاء بها الإسلام في مناهضة الاستبداد والطغيان مما أغضب عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية ، فأقام عليه حكماً ظالماً ، وسدّ عليه جميع منافذ الحياة ، فسيّره إلى الربذة ، وفرض عليه الإقامة الجبرية فيها ، والربذة أمحل بقعة في الجزيرة العربية ، ليس فيها أي رصيد للحياة ، فمات فيها جائعاً، وعند لصوص الأمويين ذَهَب المسلمين ينفقونه على شهواتهم ولياليهم الحمراء ، وكانت حادثة أبي ذرّ ومأساته من الأحداث المروعة في الإسلام.
وعلى أي حال ، فقد كان أبو ذر أثيراً عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن أقرب أصحابه إليه ، وقد زوّده بهذه الوصية القيّمة التي حفلت بآداب الإسلام وقيمه وتعاليمه ،
وقد تحدّث أبو ذر عن سبب هذه الوصيّة ، قال : دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في مسجده ، فلم أرَ أحداً من النّاس سوى النبي والإمام أمير المؤمنين إلى جنبه ، فاغتنمت خلوة المسجد فقلت :
«يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، أوصني بوصيّة ينفعني الله بها» .
ورحب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأبي ذرّ ، وأجابه إلى ذلك وقال له :
«نَعَمْ ، وَأَكْرِمْ بِكَ يا أَبا ذَرِّ . إِنَّكَ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَإِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٌ فاحْفَظها ، فَإِنَّها جامِعَة لِطْرُقِ الْخَيْرِ وَسُبُلِهِ ، فَإِنَّكَ إِنْ حَفَظْتَهَا كَانَ لَكَ بِهَا كِفْلَان.
وأخذ النبي يتلو عليه وصيّته القيمة قائلاً:
«يا أبا ذَرَ ، أَعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ عِبَادَةِ اللَّهِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ ، فَهُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَالْفَرْدُ فَلَا ثَانِيَ لَهُ ، وَالْباقِي لَا إِلى غايَةٍ ، فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَمَا فِيهِما وَمَا بَيْنَهُما مِنْ شَيْءٍ ، وَهُوَ اللهُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ثُمَّ الْإِيمَانُ بي، وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَني إلى كافَّةِ النَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ ، وَسِراجاً مُنِيراً ، ثُمَّ حُبُّ أَهْلِ بَيْتِي الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً.
وَاعْلَمْ يا أَبَا ذَرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ أَهْلَ بَيْتِي فِي أُمَّتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ ، مَنْ رَكبَها نَجا ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْها غَرَقَ ، وَمِثْلَ باب حِطَّةَ في بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً .
حكى هذا المقطع أموراً بالغة الأهمية ، وهي :
1 - أن أن يعبد الإنسان ربِّه خالق الكون ، وواهب الحياة ، عبادة عن فكر ووعي وإيمان ، فيعبد الله تعالى كأنّه يراه .
2 - حفلت هذه الوصيّة ببعض صفات الله تعالى ، وهي :
أنه تعالى الأوّل قبل كل شيء .
الفرد الصمد الذي لا ثاني له .
أنه الباقي بعد فناء كلّ شيء .
أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما .
3 - من محتويات هذا المقطع الإيمان بالرسول الأعظم باعث العلم في الأجيال ، وأنّ الله تعالى أرسله إلى أمم العالم وشعوب الأرض نذيراً وبشيراً وهادياً .
4 - الإيمان بأهل بيت النبوة ومراكز الوحي ، دعاة الإصلاح الاجتماعي في الأرض ، وأنّ من يتمسك بهم فقد فاز فوزاً عظيماً ، ومَن حاد عنهم غرق في متاهات سحيقة من مآثم الحياة .. ثم شرع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في بيان وصيته قائلاً:
يا أَبا ذَرّ، احْفَظْ ما أَوْصِيكَ بِهِ تَكُنْ سَعِيداً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .
يا أَبا ذَرَ ، نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصَّحَّةُ وَالْفَراغ.
إنّ من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان الصحة ، وخلو البدن من الأمراض والأسقام ، وعليه أن يستغل هذه الفرصة بطاعة الله تعالى قبل أن تهجم الليالي وتواريه في الثرى ، وكذلك من نعم الله الفراغ ، وعليه أن يستغله الإنسان في تهذيب نفسه بمعارف الإسلام وحكمه وتعاليمه .. ومن فقرات هذه الوصية قوله :
يا أَبا ذَرّ، اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ
سَقْمِكَ ، وَغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ .
إنّ الإنسان إذا اغتنم هذه الأمور فقد فاز فوزاً مبيناً ، وبلغ غاية المجد ، وطوّر حياته على أساس من الكرامة والنبل ... ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرَ ، إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ بِأَمَلِكَ ، فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ ، وَلَسْتَ بِمَا بَعْدَهُ ، فَإِنْ يَكُنْ غَدْ لَكَ فَكُنْ فِي الْغَدِ كَمَا كُنْتَ فِي الْيَوْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ لَمْ تَنْدَمَ عَلَىٰ مَا فَرْطَّتَ فِي الْيَوْمِ.
يا أَبَا ذَرّ ، كَمْ مِنْ مُسْتَقِيلٍ يَوْماً لَا يَسْتَكْمِلُهُ ، وَمُنْتَظِرٍ غَداً لَا يَبْلَغُهُ .
يا أَبا ذَرّ ، لَوْ نَظَرْتَ إِلَى الْأَجَلِ وَمَصِيرِهِ لَأَبْغَضْتَ الْأَمَلَ وَغُرُورَهُ .
دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإسراع في قضاء مهام الإنسان ، خصوصاً الخيّرة ، وليس له من سبيل في التسويف بها . يقول أبو الحسن التهامي :
فاقْضوا مارَبَكُم عُجالاً *** إِنَّمَا أَعْمَارَكُمْ سَفَرٌ مِنَ الْأَسْفَارِ
والإنسان في هذه الحياة يجهل أحداث يومه وغده ، فقد لا يتم يومه عليه ، وينتقل إلى الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، ولو أمعن الإنسان في ذلك ، وفكر لأبغض الأمل وغروره .. ومن فصول هذه الوصيّة قوله عليه الصلاة والسلام :
يا أَبا ذَر ، كُنْ كَأَنَّكَ فِي الدُّنْيا غَرِيبٌ ، أَوْ كَعَابِرِ سَبِيلٍ ، وَعِدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَصْحَاب الْقُبُور .
يا أبا ذر ، إِذا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثَ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثَ نَفْسَكَ بِالصَّباح ، وَخُذْ مِنْ صِحَتِكَ قَبْلَ سَفَمِكَ ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً.
دعا النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا ذر إلى الزهد في الدنيا ، وعدم الاحتفاء بملاذها ورغباتها ، وأن يحسب نفسه من الراحلين عن هذه الحياة ، وأنه لا يدري ما اسمه في الأيام القريبة منه ، فقد يتبدّل الاسم منه إلى الجنازة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، إِيَّاكَ أَنْ تَدْرِكُكَ الصَّرْعَةُ عِنْدَ الْعَثْرَةِ ، فَلَا تُقالُ الْعَثْرَةُ(1)، وَلَا تُمَكِّنْ مِنَ الرَّجْعَةِ ، وَلَا يَحْمِدُكَ مَنْ خَلَّفْتَ بِمَا تَرَكْتَ ، وَلَا يَعْذِرُكَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَغَلْتَ به.
يا أَبا ذَرّ ، كُنْ عَلى عُمُرِكَ أشحُّ مِنْكَ عَلَى دِرْهَمِكَ وَدِينَارِكَ .
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من العثرة التي لا تقال ، فإنّ أمام الإنسان الحساب والسؤال، فلا يعذره الله تعالى عن عثرته ، ولا تقال له ، كما دعا إلى صرف الوقت في اكتساب الفضائل ، فإنّه أثمن من الذهب ، ولا ثمن يقابل به ... وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، هَلْ يَنْتَظِرُ أَحَدٌ إِلَّا غِنى مُطْفِياً ، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً ، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً ، أَوْ هَرَماً مُفْئِداً ، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً ، أَوِ الدَّجَالَ ، فَإِنَّهُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ.
حكى هذا المقطع أحوال الناس في حاضرهم ومستقبلهم ، فبين من يطغيه غناؤه ، وبين فقير منسي ، وبين مريض أو هرم أو ميت ، وهذه الأحوال هي السائدة في جميع المجتمعات التي يمرّ بها الإنسان . ثمّ تحدّث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الدجال المفسد الذي يظهر في آخر الزمان ، والذي يدعو النّاس إلى الضلال ، وأدهى من جيع هذه الأحداث هي الساعة ، أي يوم القيامة التي يذهل فيها كلّ إنسان ..
1) العثرة : الزلّة والخطيئة. الصرعة - بكسر الصاد -: المرّة من الصرع. الإقالة : الفسخ .
وهذا بند آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ عالِمٌ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْماً لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ .
يا أَبا ذَرّ ، مَنِ ابْتَغَى الْعِلْمَ لِيَخْدَعَ بِهِ النَّاسَ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ .
يا أبا ذر ، إِذا سُئِلْتَ عَنْ عِلْمٍ لَا تَعْلَمُهُ فَقُلْ: لَا أَعْلَمُهُ تَنْجُ مِنْ تَبِعَتِهِ ، وَلَا تَفْتِ بِمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ تَنْجُ مِنْ عَذَابِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
إنّ على العالم أن يشيع علمه بين الناس لينتفعوا به ، فإذا لم يقم بذلك فإنّه محاسب عليه عند الله تعالى ، كما أنّ من طلب العلم ليخدع به الناس فإنّه على ضلال وإثم .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبَا ذَرَ، يَطَّلِعُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُونَ : ما أَدْخَلَكُمُ النّارَ وَقَدْ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ لِفَضْلِ تَأْدِيبِكُمْ وَتَعْلِيمِكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : إِنَّا كُنَا تَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا تَفْعَلُهُ.
إن أخسر النّاس مكانة عند الله تعالى هو من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو لا يطبق ذلك على نفسه، فيقترف الحرام ويترك الواجب ، في حين أن غيره يستفيد من وعظه ويهتدي بقوله .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، إِنَّ حُقُوقَ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِها الْعِبادُ وَإِنَّ نِعَمَ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيها الْعِبادُ ، وَلكِنْ أَمْسُوا وَأَصْبَحُوا تائِبِينَ .
إِنَّ نِعم الله تعالى على عباده ، وألطافه عليهم لا تحصى ولا تعدّ ، ولكن من المؤسف أنهم قابلوها بالمعاصي والآثام .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبَا ذَرَ ، إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ في آجالٍ مَنْقُوصَةٍ ، وَأَعْمال مَحْفُوظَةٍ ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً ، وَمَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يوشَكُ أَنْ يَحْصِدَ خَيْراً ، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًا يُوشَكُ أَنْ يَحْصِدَ نَدامَةٌ ، وَلِكُلِّ زارِعٍ مَثْلَ مَا زَرَعَ .
إن هذه الحكم الرائعة لو يطبقها الإنسان على حياته ، ويسير على ضوئها لبلغ أرقى مراتب الفضل والكمال . إنّ هذه الدنيا مزرعة ، فمن زرع خيراً حصد خيراً ، ومن زرع شرّاً حصد شراً ، ولا يظلم ربّك أحداً .. وهذا بحث آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، لَا يُسْبِقُ بَطىءٌ بِحَظَهِ، وَلَا يُدْرِكُ حَريصٌ ما لَمْ يُقَدَّر لَهُ ، وَمَنْ أعْطِيَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ أَعْطَاهُ ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًا فَإِنَّ اللَّهَ وَقاهُ.
أما بنود هذا المقطع فهي :
1 - إنّ الحظ لا يسبق الإنسان إلى غايته إذا كان بطيئاً في مسيرته
2 - إنّ الحريص لا ينال غايته، ما لم يقدر الله تعالى له .
3 - إن من يعطى خيراً لا بسعيه وإنّما الله تعالى هو الذي أعطاه ، كما أن من وقى شرّاً فإنّه ليس بإرادته ، وإنّما الله تعالى هو الذي وقاه .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ، الْمُتَّقُونَ سَادَةٌ ، وَالْفُقَهَاءُ قادةٌ ، ومُجالَسَتْهُم زِيادَةٌ. إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيرى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ تَحْتَ صَخْرَةٍ يَخافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ الْكَافِرَ لَيَرى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ ذُبَابٌ مَرَّ عَلى أَنْفِهِ.
حكت هذه الكلمات الأمور التالية :
1 - إن المتقين هم سادة المجتمع ؛ لأنهم مصدر فيض وعطاء إلى الناس في سلوكهم وهديهم .
2 - إن الفقهاء هم القادة والموجّهون للناس ، والمعلمون والمرشدون لهم ، وإن مجالستهم توجب الوعي وتهذيب النفس .
3 - إنّ المؤمن إذا أذنب يرى ذنبه كابوساً عليه يخاف منه بعكس الكافر فإنّه لا يرى ذلك .. وهذا فصل آخر من هذه الوصيّة :
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذا أَرادَ بِعَبْدِ خَيْرًا جَعَلَ ذُنُوبَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُمَثَّلَةٌ ، وَالْإِثْمَ عَلَيْهِ ثَقِيلاً وَبِيلاً(1)، وَإِذا أَرادَ بِعَبْدِ شَرّاً أَنْسَاهُ ذُنُوبَهُ .
إن الإيمان إذا استحكم في دخائل النفس وأعماق القلب ، فإنه يستعظم ذنوبه ، ويفزع منها ، وبعكسه من كان بعيداً عن الله تعالى ، فإنّه ينسى ذنوبه ولا يقيم لها وزناً .. وهذا بند آخر من الوصيّة :
يا أَبا ذَرّ ، لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ ، وَلَكِنْ أَنْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ .
ما أروع هذه الحكمة ، فإنّ الإنسان إذا تأمل ونظر إلى من يعصي فإنّه حتماً يرتدع عن ذنبه .. ومن مقاطع هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ أَشَدُّ ارْتِكاضاً مِنَ الْخَطِيئَةِ مِنَ الْعُصْفُورِ حِينَ يُقْذَفُ بِهِ فِي شَرَكِهِ(2).
تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن المؤمن الذي أترعت نفسه بالتقوى والإنابة إلى الله تعالى ، إنّه يضطرب من الذنب ، وتضيق عليه الأرض بما رحبت ، وحاله حال العصفور السجين في الشرك .. ومن جملة هذه الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، مَنْ وافَقَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَذاكَ الَّذي أَصابَ حَظِّهُ ، وَمَنْ خالفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَإِنَّما يُوَبِّحُ نَفْسَهُ.
إنّ الرجل الرشيد الكامل هو الذي تتفق أقواله مع أفعاله ، وإذا شذ عن ذلك فهو يعيب على نفسه بارتكاب هذا الخطأ .. من حكم هذه الوصية قوله :
يا أَبا ذَرّ ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ رِزْقَهُ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ.
ورد في بعض الأدعية الاستعاذة بالله تعالى من الذنوب التي تمنع الرزق ، ولا إشكال في أن لها أثراً وضعيّاً في حرمان الإنسان من رزقه .. يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يا أَبَا ذَرّ ، دَعْ مَا لَسْتَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ، وَلَا تَنْطِقُ فِيمَا لَا يُعْنِيكَ ، وَاخْزِنْ لِسانَكَ كَما تَخْزِنُ وَرَقَكَ.
إن من آداب السلوك الإسلامي أن يترك الإنسان ما لا صلة به ، وأن لا يتدخل فيما لا يعنيه ، فإنّه أسلم له .. يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يا أَبا ذَرّ ، إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَيُدْخِلَ قَوْماً الْجَنَّةَ فَيُعْطِيهُمْ حَتَّى يَمُلُوا ، وَفَوْقَهُمْ قَوْمَ في الدَّرَجاتِ الْعُلى ، فَإِذا نَظَرُوا إِلَيْهِمْ عَرَفُوهُمْ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا إِخْواتُنا كُنَّا مَعَهُمْ في الدُّنْيا فَبِمَ فَضَّلْتَهُمْ عَلَيْنا ؟ فَيُقالُ : هَيْهاتَ هَيْهاتَ ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجُوعُونَ حِينَ تَشْبَعُونَ ، وَيَظْمَرُونَ حِينَ تَروونَ ، وَيَقُومُونَ حِينَ تَنامُونَ ، وَيَشْخَصُونَ حِينَ تُحْفَظُونَ.
عرض هذا المقطع إلى تفاوت الناس في درجاتهم يوم القيامة؛ وذلك لتفاوت أعمالهم في دار الدنيا .. يقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يا أَبا ذَرَ ، جَعَلَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قُرَّةَ عَيْني في الصَّلَاةِ ، وَحَبَّبَ إِلَيَّ الصَّلَاةَ
كَما حَبَّبَ إِلَى الْجائِعِ الطَّعامَ ، وَإِلَى الظُّمْآنِ الْمَاءَ ، وَإِنَّ الْجائِعَ إِذا أَكَلَ شَبعَ ، وَإِنَّ الظَّمْآنَ إِذا شَرِبَ رَوِيَ ، وَأَنا لَا أَشْبَعُ مِنَ الصَّلَاةِ .
تحدّث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن رغبته الملحة وحبّه العارم للصلاة التي هي «قربان كلّ تقيّ» ، وبلغ من كثرة صلاته أن قدميه قد ورمتا من كثرة الصلاة .. ويقول (صلی الله علیه و آله و سلم):
يا أَبا ذَرَ ، أَيُّمَا رَجُلٍ تَطَوَّعَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةِ اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوى الْمَكْتُوبَةَ كانَ لَهُ حَقاً واجِباً بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ .
يا أَبا ذَر ، ما دُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّكَ تَقْرَعُ بِابَ الْمَلِكِ الْجَبَارِ ، وَمَنْ يُكْثِرُ قَرْعَ بَابِ الْمَلِكِ يُفْتَحُ لَهُ.
يا أَبا ذَرَ ، ما مِنْ مُؤْمِنٍ يَقُومُ مُصَلّياً إِلَّا تَنَاثَرَ عَلَيْهِ الْبِرُّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ، وَوُكِّلَ بِهِ مَلَك يُنادي : يابْنَ آدَمَ ، لَوْ تَعْلَمُ ما لَكَ فِي الصَّلَاةِ وَمَنْ تُنَاجِي ما انْفَتَلْتَ(1).
يا أَبا ذَرّ، طُوبَى لِأَصْحَابِ الْأَلْوِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَها فَيَسْبِقُونَ النَّاسَ إِلَى الْجَنَّةِ ، أَلَا وَهُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالْأَسْحَارِ وَغَيْرِ الْأَسْحَارِ .
يا أَبا ذَرّ ، الصَّلَاةُ عِمادُ الدِّين ، وَاللّسانُ أَكْبَرُ ، وَالصَّدَقَةُ تَمْحُو الْخَطِيئَةَ ، وَالنِّسانُ أَكْبَرُ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَاللَّسانُ أَكْبَرُ ، وَالْجِهادُ نَباهَةٌ(2)، وَالنِّسانُ أَكْبَرُ.
حكى المقطع أهمية الصلاة ، وأنّها قربان كلّ تقي ، وأنّها الصلة بين العبد وريه .. ومن بنود هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذر ، الدَّرَجَةُ فِى الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَرْفَعُ ذَرّ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ نُورٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ فَيَفْزَعُ لِذلِكَ ، فَيَقُولُ : ما هذا ؟ فَيُقَالُ : هذا نُورُ أَخِيكَ ، فَيَقُولُ : أَخي فُلان كُنَّا نَعْمَلُ جَمِيعاً في الدُّنْيا ، وَقَدْ فُضَّلَ عَلَيَّ هكذا ؟ فَيُقالُ لَهُ : إِنَّهُ كانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلاً ، ثُمَّ يُجْعَلُ في قَلْبِهِ الرّضى حَتَّى يَرْضى .
الناس في دار الآخرة درجات ، فالمؤمنون درجات ، بعضهم أسمى من بعض؛ وذلك لكثرة عمله الصالح ، كما أنّ الأشرار درجاتهم في العذاب مختلفة ، فمن كان متمادياً في الإثم واقتراف الحرام، فإنّ عقابه أشدّ من غيره .. ومن محتويات هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرَ الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، وَمَا أَصْبَحَ فِيهَا مُؤْمِنٌ إِلَّا حَزِيناً ، فَكَيْفَ لَا يَحْزَنُ الْمُؤْمِنُ وَقَدْ أَوْعَدَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، أَنَّهُ وارِدٌ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَعِدْهُ أَنَّهُ صادِرٌ عَنْهَا ، وَلَيَلْقَيَنَّ أَمْراضاً وَمُصِيبَاتٍ وَأُمُوراً تَغِيظُهُ ، وَلَيَظْلَمَنَّ فَلَا يَنتَصِر ، يَبْتَغِي ثَواباً مِنَ اللهِ تَعَالَى ، فَما يَزالُ فِيهَا حَزِيناً حَتَّىٰ يُفارِقهَا ، فَإِذا فارَقَها أَفْضَى إِلَى الرّاحَةِ وَالْكَرَامَةِ .
حكى هذا المقطع حال المؤمن في دار الدنيا، وما يعانيه فيها من صنوف الآلام وأنواع العذاب حتى يفد إلى الله تعالى ، فيفيض عليه بألطافه وعطائه اللامحدود .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَر ، ما عُبِدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مِثْلِ طُولِ الْحُزْنِ.
يا أَبَا ذَرَ ، مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمَ ما لَا يَنْفَعُهُ؛ لأنَّ اللهَ نَعَتَ الْعُلَماءَ فَقالَ جَلَّ وَعَزَّ: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً(1).
يا أَبا ذَرَ ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْكِي فَلْيَبْكِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُشْعِرْ قَلْبَهُ الْحُزْنَ وَلْيَتَبَاكَ ، إِنَّ الْقَلْبَ القاسي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.
دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإنابة والبكاء من خشية الله تعالى ، والتضرع إليه ، فهو مصدر الخير والفيض والعطاء .. و من بنود هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرّ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ أَوْ ذُبَابٍ مَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ .
حكى هذا المقاطع هوان الدنيا عند الله تعالى ، ولو كانت عنده أيّة أهمية لما سقى الكافر فيها شربة ماء .. وبنود هذه الوصيّة هذه النصائح والمواعظ :
يا أبا ذر ، إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعالى أَوْحَى إِلى أَخي عيسى (علیه السّلام): يا عيسى ، لَا تُحِبَّ الدُّنْيا ، فَإِنِّي لَسْتُ يُحِبُّها ، وَأَحِبَّ الْآخِرَةَ ، فَإِنَّما هِيَ دارُ الْمَعَادِ .
يا أَبا ذَرّ ، إِنَّ جَبْرائِيلَ أَتانى بِخَزائِنِ الدُّنْيا عَلى بَغْلَةٍ شَهْباء فَقالَ لي : يا مُحَمَّد ، هذِهِ خَزائِنُ الدُّنْيا وَلَا يَنْقُصُكَ مِنْ حَظَكِ عِنْدَ رَبِّكَ ، فَقُلْتُ : يا حَبِيبي جَبْرائِيلَ ، لَا حَاجَةَ لي فيها ، إِذا شَبِعْتُ شَكَرْتُ رَبِّي ، وَإِذا
1) الإسراء 17 : 107 - 109 .
جعْتُ سَأَلْتُهُ.
يا أبا ذَرَ ، إِذا أَرادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدِ خَيْراً فَقَهَهُ فِي الدِّينِ ، وَزَهْدَهُ في الدُّنْيا ، وَبَصَّرَهُ بِعُيوبِ نَفْسِهِ.
يا أَبا ذَرَ ، ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيا إِلَّا أَنْبَتَ اللهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ ، وَأَنْطَقَ بِها لِسانَهُ ، وَيُبَصِّرُهُ عُيوبَ الدُّنْيا وَداءَها وَدَواءَها ، وَأَخْرَجَهُ مِنْها سالِماً إلى دارِ السَّلَامِ .
يا أَبا ذَرَ ، إِذا رَأَيْتَ أَحَاكَ قَدْ زَهِدَ في الدُّنْيا فَاسْتَمِعْ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ.
فَقُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ :
مَنْ لَمْ يَنْسَ الْمَقابِرَ وَالْبلى ، وَتَرَكَ فَضْلَ زِينَةِ الدُّنْيا ، وَآثَرَ ما يَبْقَى عَلى ما يَفْنى ، وَلَمْ يَعِدَّ غَداً مِنْ أَيَّامِهِ ، وَعَدَّ نَفْسَهُ فِي الْمَوْتى .
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُوحٍ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبُّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(1).
يا أَبَا ذَرَ ، إِنِّي أَلْبَسُ الْغَلِيظَ ، وَأَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَأَلْعَقُ أَصابعي ، وَأَرْكَبُ الْحِمارَ بِغَيْرِ سَرْجِ ، وَأَرْدِفُ خَلْفِي ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.
يا أَبا ذَرّ ، حُبُّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ أَذْهَبُ لِدِينِ الرَّجُلِ مِنْ ذِنْبَينِ صَارِيَيْنِ في
1) الحجر 15: 98 و 99.
زَرْبِ(1)الْغَنَمِ ، فَأَغارا فِيها حَتَّىٰ أَصْبَحَا فَمَاذَا أَبْقَيَا مِنْهَا .
قال : قلت : يا رسول الله ، الخائفون الخائضون المتواضعون الذاكرون الله كثيراً ، أهم يسبقون الناس إلى الجنّة ؟ فَقالَ :
لَا ، وَلكِنْ فُقَراءُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُم يَتَخَطَّونَ رِقابَ النَّاسِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةٌ الْجَنَّةِ كَما أَنتُمْ حَتَّى(2)تُحَاسَبُوا ، فَيَقُولُونَ : بِمَ نُحَاسَبُ ؟ فَوَاللَّهِ! مَا مَلَكْنا فَنَجُودُ وَنَعْدِلُ ، وَلَا أفِيضَ عَلَيْنا فَتَقْبِضُ وَنَبْسُطُ وَلَكِنَّا عَبَدْنا رَبَّنَا حَتَّىٰ دَعانا فَأَجَبْنا.
وفي هذه المقاطع دعوة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الزهد في الدنيا ، وعدم التهالك على مباهجها وزينتها ، وقد أخذ بها الصحابي العظيم أبو ذر (رحمه الله علیه) ، فقد رفض الدنيا كما رفضها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد أبى أن يساير الحكم الأموي الذي عرض عليه الأموال الهائلة فرفضها وآثر رضا الله تعالى حتى مات فقيراً بائساً في بقعة مجردة من جميع وسائل الحياة وهي الربذة ، وهكذا كان أبو ذرّ زعيم الفقراء والبؤساء ، وهذا لفصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، إِنَّ الدُّنْيا مَشْغَلَةُ لِلْقُلُوب وَالْأَبْدانِ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَائِلُنا عَمَّا نَمَّمَنا في حَلَالِهِ ، فَكَيْفَ بِما نَعَمَنا فِي حَرامِهِ.
يا أَبا ذَرَ ، إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَجَعَلَ رِزْقَ مَنْ يُحِبُّنِي الْكَفَافَ ، وَأَنْ يُعْطِي مَنْ يُبْغِضُنِي كَثْرَةَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ .
يا أبا ذر ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ في الدُّنْيا ، الرّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا
أَرْضَ اللهِ بِساطاً ، وتُرابَها فِراشاً ، وَماءَها طيباً ، وَاتَّخَذُوا كِتابَ اللهِ شِعاراً ، وَدُعاءَهُ دِثاراً ، يَقْرِضُونَ الدُّنْيا قَرْضاً.
يا أَبا ذَرّ ، حَرْثُ الْآخِرَةِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَحَرْتُ الدُّنْيا المالُ وَالْبَنُونَ.
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ رَبِّي أخْبَرَني فَقالَ : وَعِزَّتِي وَجَلالي، مَا أَدْرَكَ الْعابِدُونَ دَرْكَ الْبُكاءِ(1)، وَإِنِّي لَأَبْنِي لَهُمْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى قَصْراً لَا يُشارِكُهُم فِيهِ أَحَدٌ .
قال قلت : يا رسول الله ، أي المؤمنين أكيس ؟ قال :
أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً ، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْداداً .
يا أَبا ذَرَ ، إِذا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَخَ الْقَلْبُ وَاسْتَوْسَعَ .
وانبرى أبو ذرّ قائلاً: فما علامة ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
الإِنابَةُ إِلى دارِ الْخُلُودِ ، وَالتَّجافي عنْ دارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزولِهِ.
يا أَبا ذَرّ ، اتَّقِ اللهَ وَلَا تُرِي النَّاسَ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ فَيُكْرِمُوكَ وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ.
وفي هذه الكلمات دعوة ملحّة إلى العمل الصالح، والزهد في الدنيا الفانية ، وإرشاد إلى سلامة النيّة ، وأن لا يرى الإنسان نفسه للغير أنه من الصالحين وقلبه منطو على الفسق والفجور .. وهذه مقتطفات أخرى من الوصيّة :
يا أَبا ذَرَ ، رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكَّرِ خَيْرٌ مِنْ قِيامِ لَيْلَةِ وَالْقَلْبُ سَاه.
إن التوجه في العبادة ، والإقبال على الله تعالى بنية صادقة خير بكثير من عمل
1) البكاء من خشية الله تعالى .
ليس فيه التوجّه والإخلاص .
يا أبا ذر ، الْحَقُّ مُرّ ، وَالْباطِلُ خَفِيفٌ حُلْوٌ ، وَرُبِّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ تُورِثُ حُزْناً طَويلاً.
الحق ثقيل ، ويؤيده قول الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «ما ترك الحق لي من صديق» ، أما الباطل فهو خفيف حلو تعشقه النفوس التي ليس عندها رصيد من التقوى ، أما الفقرة الأخيرة فى الحديث : «وَرُبَّ شَهْوَةِ ساعَةٍ تُورِثُ حُزْناً طويلاً»، وذلك كالمنجرفين في شرب الخمر والزنا وغيرهما من الموبقات ، فإنّها تورث حزناً طويلاً يلاحق الإنسان في فترات حياته .. وهذه فقرات أخرى من الوصية :
يا أبا ذر ، حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ ، فَهُوَ أَهْوَنُ لِحِسابِكَ غَداً ، وَزِنْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنَ ، وَتَجَهَّزْ لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ تُعْرَضُ ، لَا تَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ خافِيَةٌ.
يا أَبَا ذَرَ ، مَثَلُ الَّذِي يَدْعُو بِغَيْرِ عَمَلٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرْمِي بِغَيْرِ وَتَرٍ.
يا أَبَا ذَرَ ، إِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ ، وَلدَهُ وَوُلْدَ وُلْدِهِ ، وَيَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ وَالدُّورِ حَوْلَهُ ما دامَ فِيهِم .
حفل المقطع الأوّل بأن الدعاء من غير عمل لا أثر له ، ولا يستجاب لصاحبه ، وإنما يستجاب إذا كان مشفوعاً بالعمل الصالح .
وحكى المقطع الثاني بأنّ الرجل المؤمن الصالح ينعم عليه بإصلاح ذريته وعقبه ، وأنّ المجاورين له يفوزون بدفع البلاء عنهم .. ومن فصول هذه الوصية :
يا أَبا ذَرّ، الْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ ، وَالْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ ، وَإِمْلَاءِ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ ، وَالسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ.
إن الجليس الصالح يستفاد منه الكلام الطيب ، والحديث الحسن ، والجلوس معه خير من الوحدة ، كما أنها خير من جليس السوء الذي هو شعلة من نار الجهل ، ولا يتلفّظ إلا بكلمات الفحش والسوء .. ومن بنود هذه الوصية قوله:
يا أَبا ذَرَ ، لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِناً ، وَلَا يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ، وَلَا تَأْكُلْ طَعَامَ الْفَاسِقِينَ.
يا أَبا ذَرّ ، أَطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ تُحِبُّهُ فِي اللهِ ، وَكُلْ طَعَامَ مَنْ يُحِبُّكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
حكى المقطع الأول الاجتناب عن مصاحبة الفاسقين ، فإنّ الإنسان يتأثر ويؤثر في أخلاق جليسه ، كما يقول علماء الاجتماع ، كما حكى هذا المقطع بأن لا يطعم الإنسان زاده إلّا المؤمنين الأخيار ، فإنّه يثاب بذلك .. ومن بنود هذه الوصية :
يا أَبَا ذَرَ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ ، فَلْيَتَّقِ اللهَ امْرُؤٌ وَلْيَعْلَمْ ما يَقُول .
يا أبا ذر ، اتْرُكْ فَضُولَ الْكَلَامِ ، وَحَسْبُكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا تَبْلُغُ بِهِ حاجَتَكَ.
يا أَبا ذَرّ ، كَفَى بِالْمَرْءِ كِذْباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ .
يا أَبَا ذَرَ ، ما مِنْ شَيْءٍ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللَّسَانِ.
يا أَبَا ذَرَ ، إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَإِكْرَامَ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الْعَامِلِينَ ، وَإِكْرامَ السُّلْطانِ الْمُقْسِطِ.
يا أَبا ذَرّ ، مَا عَمِلَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ.
هذه الكلمات حفلت بلزوم المحافظة على اللسان وصيانته من النطق بالباطل،
وأن لا يقول إلّا الحق ، كما حفلت بلزوم إكرام ذي الشيبة المسلم ، وإكرام حملة القرآن العاملين بما فيه ، وإكرام السلطان العادل .. ومن بنود هذه الوصية قوله :
يا أبا ذر ، لَا تَكُنْ عَيّاباً ، وَلَا مَدَّاحاً ، وَلَا طَعَاناً ، وَلَا مُمارياً .
يا أبا ذر ، لَا يَزالُ الْعَبْدُ يَزْدادُ مِنَ اللهِ بُعْداً ما ساءَ خُلُقَهُ .
يا أَبا ذَرّ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَهُ صَدَقَةٌ ، وَكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوها إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ .
دعت هذه الفقرات إلى التحلي بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات التي تسمو بالإنسان إلى الكمال المطلق .. ومن فصول هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرّ ، مَنْ أَجَابَ داعِيَ اللهِ ، وَأَحْسَنَ عِمارَةَ مَسَاجِدِ اللَّهِ كَانَ ثَوابُهُ مِنَ اللهِ الْجَنَّةَ.
فقال أبو ذرّ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف تعمر مساجد الله ؟ فأجابه المصطفى (صلی الله علیه و آله و سلم).
لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْواتُ ، وَلَا يُخاضُ فِيهَا بِالْبَاطِلِ ، وَلَا يُشْتَرى فِيها وَلَا يُباعُ ، وَاتْرُكِ الأَغْوَ ما دُمْتَ فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِلَّا نَفْسَكَ .
يا أبا ذر ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِيكَ ما دُمْتَ جالساً فِي الْمَسْجِدِ بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسْتَ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ ، وَتُصَلِّي عَلَيْكَ الْمَلَائِكَةُ ، وَتُكْتَبُ لَكَ بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفُسْتَ فِيهِ عَشْرُ حَسَناتٍ ، وَتُمْحى عَنْكَ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ .
حكت هذه الكلمات آداب المساجد وبعض أحكامها ، وأنّ الذي يجلس فيها فعليه أن يراعي مكانتها ، ولا يهتك حرمتها . ثمّ عرض فصل آخر من هذه الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، أَتَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1)؟
فقال أبو ذر : «لا أدري» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): فى انْتِظارِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّلَاةِ .
إنّ انتظار الصلاة من أفضل الأعمال خصوصاً في انتظار صلاة الجماعة والجمعة .. وهذا فصل آخر من الوصيّة :
يا أَبا ذَرَ ، إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكارِهِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ ، وَكَثْرَهُ الْاخْتِلَافِ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَذلِكُمُ الرِّباطُ.
يا أَبا ذَرّ ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى : إِنَّ أَحَبَّ الْعِبادِ إِلَيَّ الْمُتَحَابُّونَ مِنْ أجلي ، الْمُتَعَلَّقَةُ قُلُوبُهُمْ بِالْمَسَاجِدِ ، وَالْمُسْتَغْفِرُونَ بِالْأَسْحَارِ ، أُولئِكَ إِذا أَرَدْتُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ عُقُوبَةً ذَكَرْتُهُم فَصَرَفْتُ الْعُقُوبَةَ عَنْهُم .
يا أَبَا ذَرَ ، كُلُّ جُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إِلَّا ثَلَاثَةٌ : قِراءَةً مُصَلَّ ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ ، أَوْ سَائِلٌ عَنْ عِلْمٍ.
عرضت معظم هذه الكلمات إلى آداب المساجد ، وإلى بعض الأعمال المندوبة التي تقرّب الإنسان إلى الله تعالى .. ومن فصول هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرَ ، كُنْ بِالْعَمَل بِالتَّقْوى أَشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكَ بِالْعَمَل ، فَإِنَّهُ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ بِالتَّقْوى ، وَكَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يُتَقَبَّلُ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(2).
يا أَبا ذَرّ ، لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشَدَّ مِنْ مُحاسَبَةِ الشَّرِيكِ شَرِيكَهُ ، فَيَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمَهُ ، وَمِنْ أَيْنَ مَشْرَبَهُ ، وَمِنْ أَيْنَ مَلْبَسَهُ ، أَمِنْ حِلٌّ ذلِكَ أَمْ مِنْ حَرامٍ .
يا أَبا ذَرَ، مَنْ لَمْ يُبالِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ الْمَالَ لَمْ يُبالِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَيْنَ أَدْخَلَهُ النَّارَ .
يا أَبا ذَرْ ، مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْثَرُكُمْ ذِكْراً لَهُ ، وَأَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَتْقَاكُمْ لَهُ ، وَأَنَّجاكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَوْفاً .
يا أَبَا ذَرَ ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يُتَّقَى مِنْهُ خَوْفاً مِنَ الدُّخُولِ فِي الشَّبْهَةِ .
يا أَبا ذَرَ ، مَنْ أَطاعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ذَكَرَ اللهَ وَإِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَصِيامُهُ وَتِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآن.
وحفلت هذه الكلمات بالدعوة إلى تقوى الله تعالى والحث على طاعته، والتحذير من عقابه ، وأن يكون يقظاً يحاسب نفسه على كل بادرة تصدر منه خوفاً من سخط الله تعالى، ومن بنود هذه الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، أَصْلُ الدِّينِ الْوَرَعُ ، وَرَأْسُهُ الطَّاعَةُ.
يا أَبا ذَرّ ، كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ .
يا أبا ذر ، فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّىٰ
تَكُونُوا كَالْحَنايا(1)، وَصُمْتُمْ حَتَّىٰ تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ ما يَنْفَعُكُمْ ذلِكَ إِلَّا بِوَرَعِ .
الورع عن محارم الله تعالى هو جوهر العبادة ، وبه يصل الإنسان إلى أسمى مراتب المتقين .. وهذا فصل آخر :
يا أَبا ذَرَ ، إِنَّ أَهْلَ الْوَرَع وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيا هُم أَوْلِياءُ اللهِ حَقّاً.
يا أَبا ذَرٌ ، مَنْ لَمْ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلَاثٍ فَقَدْ خَسِرَ .
فقال أبو ذر : «وما الثلاثة فداك أبي وأمي ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ السَّفِيهِ ، وَخُلُقٌ يُدارى بهِ النّاسَ .
ومن روائع هذه الوصيّة قوله :
يا أَبا ذَرَ ، إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَقْوى النّاسِ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَإِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَاتَّقِ اللهَ ، وَإِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَكُنْ بِما فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدَيْكَ.
يا أَبا ذَرّ ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ أَخَذُوا بِهذِهِ الْآيَةِ لَكَفَتْهُم وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِه(2).
حكت هذه الكلمات روائع الحكمة ، وآيات الكمال ، وهي من آداب النبوة ،
وبرامج حياة المتقين .. وهذه كلمات أخر من هذه الوصية :
يا أَبا ذَرّ ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَعِزَّتى وَجَلَالِي ، لَا يُؤْثِرُ عَبْدِي هَوَايَ عَلَى هَواهُ إِلَّا جَعَلْتُ غِناهُ فِي نَفْسِهِ ، وَهُمُومُهُ فِي آخِرَتِهِ ، وَضَمَّنْتُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ رِزْقُهُ ، وَكَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ ، وَكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَارَةِ كُلَّ تاجِرٍ.
يا أَبا ذَرَ ، لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَما يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ .
حكى هذا المقطع أن من يتقي الله تعالى ، ويُخلص في طاعته وعبادته ، فإنّ الله تعالى يكفيه مؤونة نفسه ، وما يحتاج إليه ، وسخّر له كلّ شيء .. كما حكى المقطع الأخير أن رزق الإنسان مضمون له .
يا أبا ذر ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعالى لَا يَنْظُرُ إِلى صُوَرِكُم وَلَا إِلى أَمْوالِكُمْ ، ذَرّ وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعْمَالِكُمْ .
يا أَبا ذَرّ ، التَّقوى هاهنا ، التَّقْوى هاهنا - وَأَشَارَ إِلى صَدْرِهِ-.
إنّ الله تعالى لا ينظر إلى صورة الإنسان ولا إلى أمواله ولا إلى حسبه ونسبه ، ولكنه ينظر إلى أعماله التي هي المقياس في موازين العدل الإلهي .. كما أن التقوى لا تكمن بالألفاظ ، وإنما في صدور الناس وقلوبهم .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، أَرْبَعَ لَا يُصِيبُهُنَّ إِلَّا مُؤْمِنٌ : الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبادَةِ ، وَالتَّواضُعُ للهِ سُبْحانَهُ ، وَذْكِرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حالٍ ، وَقِلَّةُ الشَّيْءِ يَعْني قِلَّةُ المالِ .
يا أَبا ذَرْ ، هِمَّ بِالْحَسَنَةِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُهَا لِكَيْلَا تُكْتَبَ مِنَ الْغَافِلِينَ.
إن هذه الخصال الأربع من تحلى بها فقد فاز برضا الله تعالى أولاً ، ونجا ثانياً من
أشرار خلق الله تعالى .. وهذا فصل آخر من الوصية :
يا أَبا ذَرَ ، إِيَّاكَ وَالغِيبَةُ ، فَإِنَّ الغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنا .
فقال أبو ذر : «يا رسول الله ، ولم ذاك ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
لأنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إِلَى اللهِ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ ، وَالْغَيبَةُ لَا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَها صاحِبُها .
يا أَبَا ذَرَ ، سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسوقٌ ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ ، وَأَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ ، وَحُرْمَةُ مالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.
فقال أبو ذرّ : «يا رسول الله ، ما الغيبة ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
ذِكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ.
فقال أبو ذر : «فإن كان فيه ذاك الذي يذكر به ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
اعْلَمْ أَنَّكَ إِذا ذَكَرْتَهُ بِما هُوَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ.
يا أَبا ذَرَ ، مَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِم الغيبَةُ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ.
يا أَبا ذَرّ ، مَنْ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمِ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ فَنَصَرَهُ نَصَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، فَإِنْ خَذَلَهُ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ خَذَلَهُ اللهُ الله في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.
الغيبة من أفحش المحرمات؛ لأنّها تؤدّي إلى هدر كرامة الإنسان المسلم
والحط من قيمته ، والإسلام يحرص على صيانته والحفاظ على شخصيته ، وسلامة المجتمع من التصدّع .. ومن فصول هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم).
يا أبا ذَرّ ، لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَتَاتٌ .
فقال أبو ذرّ : «ما الفتات ؟» ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم): النَّمَامُ .
يا أبا ذر ، صاحِبُ النَّمِيمَةِ لَا يَسْتَريحُ مِنْ عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآخِرَةِ.
إنّ النمّام من أفحش خلق الله ، ومَن أسقط النّاس ، وليس له ضمير فهو أداة شريشيع الفاحشة ، ويلقي العداء بين الناس .. ومن بنود هذه الوصية قوله :
يا أَبا ذَرّ ، مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيا فَهُوَ ذو لِسانَيْنِ فِي النَّارِ.
إن من سمات المنافقين كونهم ذو وجهين ولسانين ، وهم من أراذل المجتمع وسقطة النّاس .. ولنستمع إلى فصل آخر من الوصية :
يا أبا ذَرّ، الْمَجالِسُ بِالأَمانَةِ ، وَإِفْشاءُ سِرِّ أَخِيكَ خِيانَةٌ ، فَاجْتَنِبْ ذلِكَ ، وَاجْتَنِبْ مَجْلِسَ الْعَشيرَةِ.
إن من الآداب الاجتماعية التي سنّها الإسلام أن لا يفشي الإنسان المسلم سرّ أخيه ، فإن فعل ذلك فهو من الخيانة التي يعاقب عليها .. ومن فصول هذه الوصية قوله :
يا أَبا ذَرَ، تُعْرَضُ أَعْمَالُ أَهْلِ الدُّنْيا عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ في يَوْمَيْنِ : الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْداً كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْناءَ(1)فَقالَ : اتْرُكُوا عَمَلَ هذين حَتّى يَصْطَلِحا .
1) الشحناء : العداوة التي امتلئت منها النفس.
يا أَبا ذَرَ ، إِيَّاكَ وَهِجْرانُ أَخِيكَ ، فَإِنَّ الْعَمَلَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنَ الْهِجْرانِ .
يا أَبا ذَرّ ، أَنْهَاكَ عَن الْهِجْرانِ ، وَإِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فاعِلاً فَلَا تَهْجُرْهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَ كَمَلاً ، فَمَنْ ماتَ فِيها مُهَاجِراً لِأَخِيهِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ.
إن الإسلام حثّ المسلمين على الترابط بينهم وشيوع المودة والإخاء في صفوفهم ليكونوا يداً واحدة على من سواهم ، والهجران يجافي ذلك ، فلذا شجبه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) .. و من بنود هذه الوصية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يا أَبا ذَرَ ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجالُ قياماً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
إنّ التكبر على خلق الله تعالى من أفحش المحرّمات ، وكان الإمام الرضا (علیه السّلام) في أيام ولايته للعهد لا يسمح بأن تسير أمامه الرجال ولا من خلفه ، وقال : «إن مشي الرجال خلف الرجل فتنة للمتبوع ، ومذلّة للتابع» ، وهكذا كان جده رائد العدالة الكبرى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد نفر من ذلك ، وكرهه .. ونتابع فصلاً آخر من الوصيّة :
يا أَبَا ذَرَ ، مَنْ ماتَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِيْرٍ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَتَوبَ قَبْلَ ذلِكَ .
فقال أبو ذر : «يا رسول الله ، إنّي ليعجبني الجمال حتّى وددت أن علاقة سوطي ، وقبال نعلي حسن، فهل يرهب على ذلك ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟
قال : «أجده عارفاً للحق ، مطمئناً إليه» ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
لَيْسَ ذلِكَ بِالْكِبْرِ وَلكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ تَتْرُكَ الْحَقَّ ، وَتَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَتَنْظُرَ إلَى النَّاسِ وَلَا تَرَى أَنْ أَحَداً عَرْضَهُ كَعَرْضِكَ وَلَا دَمَهُ كَدَمِكَ.
يا أَبا ذَرّ ، أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلِ النّارِ الْمُسْتَكْبِرُونَ .
وتحدّث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الكبرياء ، وأنّه من أرذل الصفات، وأكثرها مقتاً عند الله ، ونطوي هذه الوصيّة الخالدة بهذه الكلمات المشرقة :
يا أَبا ذَرّ، طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ ، وَأَذَلُّ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ ، وَأَنْفَقَ مَالاً جَمَعَهُ فى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلُّ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ. طُوبَى لِمَنْ صَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ ، وَحَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ. طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ »(1).
وانتهى بذلك معظم هذه الوصيّة الذهبية، والتي حفلت بكنوز من الحكمة وذخائر البيان وآداب السلوك ، ومحاسن الأعمال ، ولم يترك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صفة شريفة ، وعملاً صالحاً ، إلّا زوّد به أبا ذر صاحبه وخليله الذي تربّى على هديه وآدابه ، وسار على ضوء تعاليمه وقيمه .
التفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أبي ذر فقال له :
«أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتِ يَنْفَعُكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِنَّ؟».
فقال أبو ذر (رضی الله عنه): «بلی یا رسول الله» .
«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظُكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدُهُ أَمامَكَ ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّحَاءِ
1) بحار الأنوار : 17 : 74 - 84 . الأمالي : 2 : 138 - 148 .
يَعْرِفُكَ في الشَّدَّةِ ، وَإِذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، فَقَدْ جَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُم جَهِدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُكْتَبْ لَكَ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ»(1).
إن جميع مجريات الأحداث بيد الله تعالى ، ولا شأن لإرادة الإنسان فيها مطلقاً فإذا أراد بعبد خيراً لا يتمكن أي أحد أن يحول بينه وبينه وإذا أراد به شرّاً فكذلك ، فعلى الإنسان أن يصرف فكره وقواه تجاه خالقه العظيم .
ولما بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معاذ بن جبل والياً على اليمن زوّده بهذه الوصية المشرقة التي هي من البنود السياسية في الإسلام، وهذا نصها:
يا مُعَاذُ ، عَلِّمْهُمْ كِتابَ اللهِ ، وَأَحْسِنْ أَدَبَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ ، وَأَنْزِلِ النَّاسَ مَنازِلَهُمْ - خَيْرَهُمْ وَشَرَّهُمْ ، وَأَنْفِذْ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ، وَلَا تُحاشِ فِي أَمْرِهِ ، وَلَا مَالِهِ أَحَداً؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوِلَايَتِكَ وَلَا مَالِكَ ، وَأَدَّ إِلَيْهِمُ الْأَمانَةَ فِي كُلِّ قَلِيل وَكَثِيرٍ ، وَعَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَالْعَفْوِ فِي غَيْرِ تَرْكِ لِلْحَقِّ ، وَاعْتَذِرْ إِلَى أَهْلِ عَمَلِكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ خَشِيتَ أَنْ يَقَعَ إِلَيْكَ مِنْهُ عَيْبٌ حَتَّى يَعْذِرُوكَ ، وَأَمِتْ أَمْرَ الْجاهِلِيَّةِ إِلَّا ما سَنَّهُ الْإِسْلَامُ ، وَأَظْهِرْ أَمْرَ الْإِسلام كلَّهُ ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ ، وَلْيَكُنْ أَكْثَرُ هَمِّكَ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّها رَأْسُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِقْرارِ بِالدِّينِ ، وَذَكَّرِ النَّاسَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَاتَّبِعِ الْمَوْعِظَةَ؛ فَإِنَّهُ أَقْوى لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِما يُحِبُّ اللهُ ، ثُمَّ بُثَّ فِيهِمُ
1) بحار الأنوار: 90: 424.
الْمُعَلِّمِينَ ، وَاعْبُدِ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تَرْجَعُ ، وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمِ.
وأُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَالْوَفاءِ بِالْعَهْدِ ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ ، وَتَرْكِ الْخِيانَةِ ، وَلِينِ الْكَلَامِ ، وَبَذْلِ السَّلَامِ ، وَحِفْظِ الْجارِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ ، وَقَصْرِ الْأَمَلِ ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ ، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسابِ ، وَلُزُومِ الْإِيمَانِ ، وَالْفِقْهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَعَظْمِ الْغَيْظِ ، وَخَفْضِ الْجَناحِ .
وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتِمَ مُسْلِماً ، أَوْ تُطِيعَ آثِماً ، أَوْ تَعْصِيَ إماماً عادِلاً ، أو تُكَذِّبَ صادِقاً ، أَوْ تُصَدِّقَ كاذِباً ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ عِنْدَ كُلِّ شَجْرٍ وَحَجَرٍ ، وَأَحْدِتْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً ، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ.
يا مُعَاذُ، لَوْلَا أَنَّي أَرى أَلَّا تَلْتَقِيَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، لَقَصَّرْتُ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَلَكِنَّنِي أَرى أَنْ لَا تَلْتَقِيَ أَبَداً، ثُمَّ اعْلَمْ يا مُعَاذُ أَنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ يَلْقَانِي عَلى مِثْل الحالِ النِّى فَارَقَنِى عَلَيْها(1).
وحفلت هذه الوصيّة بجميع مقوّمات العدل السياسي ، والعدل الاجتماعي ، وأعطت صورة واضحة إلى رحمة الإسلام ورأفته على النّاس جميعاً ، وقد ذكرنا هذه الوصيّة في البحوث السابقة ، وحلّلنا بعض أبعادها .
أوصى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صاحبه سلمان الفارسي بسبع خصال، وأمره أن لا يدعها ، وهى حسب قول سلمان :
1) بحار الأنوار: 77: 127.
«أَوْصاني أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُوني ، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقي ، وَأَنْ أَحِبُّ الْفُقَراءَ ، وَأَدْنُو مِنْهُمْ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقِّ وَإنْ كانَ مُرّاً ، وَأَنْ أَصِلَ رَحِمى وَإِنْ كَانَتْ مُدْبِرَةٌ ، وَلَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً ، وَأَوْصاني أَنْ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، فَإِنَّها كَنْرٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»(1).
إن هذه الخصال السبع من كنوز الحكمة التي تضمن للإنسان سعادته في دنياه وآخرته .
خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حاجة له، فرأى الفضل ابن عمه العباس ، فأمر أن يحمل معه ، فحُمِل ، والتفت إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فزوده بالوصايا التالية قائلاً:
«يا غُلَامُ ، خِفِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمامَكَ.
يا غُلَامُ ، خِفِ اللَّهَ يُكْفِك ما سِواهُ ، وَإِذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أَنْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئاً قَدْ قُدَّرَ لَكَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ، وَلَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أَنْ يَصْرِفُوا إِلَيْكَ شَيْئاً لَمْ يُقَدَّرْ لَكَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَأَنَّ الْيُسْرَ مَعَ الْعُسْرِ ، وَكُلُّ ما هُوَ آتِ قَرِيبٌ إِنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ : وَلَوْ أَنَّ قُلُوبَ عِبادِي اجْتَمَعَتْ عَلَى قَلْبِ أَشْفَىٰ عَبْدِ لِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَاني جَناحَ بَعُوضَةٍ ، وَلَوْ أَنَّ قُلُوبَ عِبادِي اجْتَمَعَتْ عَلَى قَلْبِ أَسْعَدِ عَبْدِ لي ما زادَ
1) بحار الأنوار: 77: 129.
ذلِكَ في سُلْطاني جَناحَ بَعُوضَةٍ ، وَلَوْ أَنِّي أَعْطَيْتُ كُلَّ عَبْدِ مَا سَأَلَني ما كانَ ذلِكَ إِلَّا مِثْلَ إِبْرَةِ جَاءَهَا عَبْدٌ مِنْ عِبادِي فَغَمَسَهَا فِي الْبَحْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَطَائِي كَلَامٌ ، وَعِدَتي كَلَامٌ ، وَإِنّما أقولَ لِشَيْ: كُنْ فَيَكُونُ»(1).
إنّ جميع مجريات الأحداث ، وشؤون الكون كلها بيد الخالق العظيم الذي يقول للشيء كن فيكون .
*وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم) الخالد بن زيد(2)
وفد خالد بن زيد على رسول الله ، وطلب منه أن يزوّده بوصيّة موجزة ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَوْصِيكَ بِخَمْسٍ : بِالْيَأْسِ عَمّا فِي أَيْدِي النّاسِ ، فَإِنَّهُ الْغِنى ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ ، فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحاضِرُ ، وَصَلَّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ ، وَإِيَّاكَ وَما تَعْتَذِرُ مِنْهُ ، وَأَحِبَّ لأخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ...».
حكت هذه الخصال محاسن الصفات، وأفضل الأعمال التي تسمو بالإنسان وترفع مستواه .
طلب حرملة العنبري من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يدله على شيء ينفعه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَنْظُرْ ما تَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ ، فَإِذا خَلَوْتَ فَلَا تَفْعَلْهُ»(3).
وهذه الكلمة من روائع الحكم التي تعني بحسن السلوك والآداب .
وفد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رجل من بني تميم يقال له أبو أمية ، فقال له :
«إِلَى مَ تدعو النّاسَ يا مُحمّد ؟».
فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بجوهر الإسلام وحقيقتها قائلاً:
«أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(1)، وَأَدْعُو إِلَىٰ مَنْ إِذا أَصابَكَ ضُرٍّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ ، وَإِنِ اسْتَعَنْتَ بِهِ وَأَنْتَ مَكْرُوبٌ أَعانَكَ ، وَإِنْ سَأَلْتَهُ وَأَنْتَ مُقِلٌ أَغْناكَ».
واحتلت هذه الكلمات عواطفه ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أوصني يا محمد ؟» .
«لَا تَغْضَبْ» .
«زِدْنِي» .
«إِرْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَىٰ لَهُمْ بِهِ عَنْ نَفْسِكَ».
«زِدْنِي» .
«لَا تَسُبَّ النَّاسَ فَتَكْتَسِبَ الْعَداوَةَ مِنْهُمْ».
«زِدْنِي» .
«لَا تَزْهَدْ فِى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِهِ» .
«زِدْنِي».
1) يوسف 12 : 108.
«تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسَ يُحِبُّوكَ ، وَالْقَ أَخَاكَ بوَجْهِ مُنْبَسِط ، وَلَا تَضْجَرْ فَيَمْنَعَكَ الضَّجَرُ مِنَ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ، وَانتَزِرْ إِلى نِصْفِ السّاقِ ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزارِ وَالْقَمِيصِ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنَ الْمَخِيلَةِ ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ»(1).
حفلت هذه الوصية بمعالي الأخلاق ومحاسن الصفات التي يسعد بها الإنسان في دنياه وآخرته .
طلب رجل من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يزوّده بوصية تنفعه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ يَسْلُكَ عَن الدُّنْيا(2)، وَعَلَيْكَ بِالشُّكْرِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي النِّعْمَةِ ، وَأَكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتى يُسْتَجَابُ لَكَ ، وَإِيَّاكَ وَالْبَغْيَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضىٰ أَنَّهُ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ(3)، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم(4)، وَإِيَّاكَ وَالْمَكْرَ ، فَإِنَّ اللهَ قَضى أَنْ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السيئ إلا بأهْلِهِ(5)»(6).
حكت هذه الوصية محاسن الصفات، ومعالي الأخلاق التي ينعم بها الإنسان في دنياه، ويتميّز على غيره ، ويسمو على من سواه .
وفد عليه رجل ، فقال له : «يا رسول الله ، أوصني ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئاً وَإِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ، وَإِنْ عُذِّبْتَ ، إِلَّا وَقَلْبُكَ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ . وَوَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُما ، وَبَرَّهُما حَيَّينِ أَوْ مَيِّتَينِ ، فَإِنْ أَمَراكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ فَافْعَلْ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فَلَا تَدَعْها مُتَعَمِّداً ، فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ فَرِيضَةٍ مُتَعَمِّداً فَإِنَّ ذِمَّةَ اللهِ مِنْهُ بَرِيئَة . وَإِيَّاكَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَكُلَّ مُسْكِرٍ فَإِنَّهُما مِفتاح كُلِّ شَرٌّ»(1).
حفلت هذه الوصيّة بالدعوة إلى الإيمان بالله تعالى ، والبر بالوالدين وطاعتهما ، والمحافظة على الصلوات المفروضة ، فإنّها من دعائم الدين، والنهي عن شرب الخمر الذي هو مفتاح كلّ شرّ .
طلب رجل من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يتفضل عليه بوصيّة تنفعه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لَا تَغْضِبْ».
وأعاد الرجل عليه القول فأجابه : «لَا تَغْضَبْ» ، ثُمَّ عقب كلامه ، قال : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(2).
الغضب مفتاح كلّ شرّ ، ومصدر لكل جريمة .
وفد عليه رجل وطلب منه أن يزوده بوصية ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) له :
«إِحْفَظْ لِسانَكَ» .
ثُمّ قال له : «يا رسول اللهِ ، أَوْصني ؟» .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِحْفَظْ لِسانَكَ».
ثم قال : «يا رَسُولَ اللهِ ، أوصنى ؟».
فَقالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَيْحَكَ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟»(1).
طلب منه رجل أن يزوّده بوصيّة تنفعه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ عَمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، فَإِنَّهُ الْغِنَى الْحَاضِرُ».
«زدني يا رسول الله ؟».
«إِيَّاكَ وَالطَّمَعُ ، فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحاضِرُ».
«زدني يا رسول الله ؟».
«إِذا هَمَمْتَ بِأَمْرِ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ ، فَإِنْ يَكُ خَيْراً وَرُشْداً فَاتَّبِعْهُ ، وَإِنْ يَكُ غَيّاً فَدَعْهُ».
1) تحف العقول : 56 .
ما أروع ها هذه الوصيّة التي تضمن للإنسان كرامته وشرفه ، وتصونه عن رذائل الأعمال .
روى الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ، قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الرجل يوصيه :
«أَقْلِلِ الشَّهَواتِ يَسْهُلْ عَلَيْكَ الْفَقْرَ ، وَأَقْلِلْ مِنَ الذُّنُوبِ يَسْهُلْ عَلَيْكَ الْمَوْتَ ، وَقَدَّمْ مالك أمامَكَ يَسُرُّكَ اللحاقُ بِهِ ، وَاقْنَعْ بِمَا أُوتِيتَهُ يُحْفُ عَلَيْكَ الْحِسابُ ، وَلَا تَتَشاغَلْ عَمّا فُرِضَ عَلَيْكَ ، بِما قَدْ ضُمِنَ لَكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفائِتِكَ ما قَدْ قُسِمَ لَكَ ، وَلَسْتَ بِلَاحِقِ ما قَدْ رُوِيَ عَنْكَ ، فَلَا تَكُ جاهِداً فيما أَصْبَحَ نافِذاً ، وَاسْعَ لِمُلْكِ لَا زَوالَ لَهُ فِي مَنْزِلٍ لَا انْتِقَالَ عَنْهُ»(1).
وحفلت وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بكل ما يسمو به الإنسان ويسعد به في دنياه وآخرته .
أما النساء فكنّ موضع اهتمام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقد قال :
«إِنَّ اللهَ تَعالى يُوصِيكُمْ بِالنِّساءِ خَيْراً ، فَإِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ ، وَبَناتُكُمْ وَخالَا تُكُمْ»(2).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوانٌ»(3).
وقال : «خيارُكُمْ خِيارُكُمْ لِنِسائِهم»(1).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ ، وَأَنا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي ، ما أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلَّا كَرِيمٌ ، وَلَا أَهانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ»(2).
أوصى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمته في جميع مراحل تأريخها بهذه الوصية ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أوصي الشَّاهِدَ مِنْ أُمَّتِي وَالْغائِبَ مِنْهُمْ وَمَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجالِ وَأَرْحامِ النِّسَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَى مَسِيرَةِ سَنَةٍ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنَ الدِّينِ»(3).
إن في صلة الرحم تأكيداً للترابط الاجتماعي الذي تبناه الإسلام؛ لأن فيه قوة للمسلمين .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أوصيكُمْ بِكتابِ اللهِ وَأَهْلِ بَيْتي ، فَإِنِّي سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُما حَتَّى يُورِدَهُما عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَأَعْطاني ذلِكَ»(4).
إن التمسك بالثقلين ضمان من الهلاكة ونجاة للأمة في جميع مراحل تأريخها .
اهتم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اهتماماً بالغاً بالوعظ الذي هو بلسم للنفوس الحائرة يهديها للتي هي أقوم، وتشرق به آفاق النفس ، وتصونها من مآثم الحياة ، وقد أثرت عنه كوكبة من المواعظ ، كان منها ما يلي :
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حب الدنيا ، والتهالك على مباهجها ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«ما لِي أَرى حُبَّ الدُّنْيا قَدْ غَلَبَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ في هذِهِ الدُّنْيا عَلَى غَيْرِهِمْ كُتِبَ. وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيا عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ ، كَأَنَّ مَا يَسْمَعُونَ مِنْ خَبَرِ الْأَمْواتِ قَبْلَهُمْ عِنْدَهُمْ كَسَبِيلِ قَوْمٍ سَفْرٍ عَمَا قَلِيلِ إِلَيْهِمْ راجِعُونَ ، وَبُتوتِهُم الأحداث ، وَتَأْكُلُونَ تُراثَهُمْ وَأَنْتُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ . هَيْهَاتَ ، هَيْهَاتَ ، أَما يَتَّعِظُ آخِرُهُمْ بِأَوَّلِهِمْ ، لَقَدْ جَهِلُوا وَنَسُوا كُلَّ مَوْعِظَةٍ فِي كِتابِ اللهِ ، وَأَمِنُوا شَرَّ كُلِّ عَاقِبَةِ سُوْءٍ ، وَلَمْ يَخافُوا نُزُولَ فادِحَةٍ ، وَلَا بَوائِقَ كُلِّ حادِثَةٍ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ .
طُوبَى لِمَنْ طَابَ كَسْبُهُ ، وَصَلُحَتْ سَريرَتُهُ ، وَحَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ ، وَاسْتَقامَتْ خَلِيقَتُهُ .
طُوبى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ .
طُوبَى لِمَنْ تَواضَعَ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ، وَزَهَدَ فِيمَا أَحَلَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ عَنْ سُنَّتِي ، وَرَفَضَ زَهْرَةَ الدُّنْيا مِنْ غَيْرِ تَحَوُّلٍ عَنْ سُنَّتِي ، وَاتَّبَعَ الْأَخْيَارَ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي ، وَخالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ ، وَرَحِمَ أَهْلَ الْمَسْكَنَةِ .
طُوبَى لِمَنِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مالاً مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَعادَ بِهِ عَلى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ ، وَجانَبَ أَهْلَ الْخُيَلَاءِ وَالتَّفَاخُرِ وَالرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيا ، الْمُبْتَدِعِينَ خِلَافَ سُنَّتِي ، الْعَامِلِينَ بِغَيْرِ سِيرَتِي .
طُوبَى لِمَنْ حَسَّنَ مَعَ النَّاسِ خُلْقَهُ ، وَبَذَلَ لَهُمْ مَعُونَتَهُ ، وَعَدَلَ عَنْهُمْ شره»(1).
وأنت ترى في هذه الموعظة التحذير الكامل من شرور الدنيا وآثامها ، فقد هام النّاس بحبها ، ونسوا الموت المحتم الذي يحصدهم ، ويبعث بهم إلى قبورهم ، لقد أعرضوا عن ذلك ، وأقبلوا بنهم على منافعها الزائلة ، وقد أعرضوا عن كل موعظة في کتاب الله تعالى وسنّة نبيه ، ولم يلتفتوا إلى الدار الآخرة ، ثم ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المتقين وبشرهم بلطف الله عليهم ورحمته .
من مواعظ الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله :
«طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، فَحَسُنَ مُنْقَلَبُهُ إِذْ رَضِيَ عَنْهُ رَبُّهُ.
1) تحف العقول : 29 و 30 .
وَوَيْلٌ لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ ، وَسَاءَ عَمَلُهُ ، فَساء مُنْقَلَبُهُ إِذْ سَخِطَ عَلَيْهِ رَبُّهُ»(1).
إن أسعد النّاسِ وأوفرهم حظاً من طالت أيامه ، وتقرب إلى الله تعالى بالمبرات والحسنات ، والويل والشقاء لمن طال عمره ، وقضاه بالمآثم والذنوب .
ومن نصائح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأمته قوله :
«تَقَبَّلُوا لي بِسِثٌ أَتَقَبَّلُ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ : إِذا حَدَّثْتُمْ فَلَا تُكْذِبُوا ، وَإِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا تَخْلِفُوا ، وَإِذَا ائْتُمِثْتُمْ فَلَا تَخُونُوا ، وَغُضُّوا أَبْصارَكُمْ ، وَاحْفَظُوا فُرْجَكُمْ ، وَكُفُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»(2).
إنّ من يلتزم بهذه الخصال الكريمة فقد ضمن له الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) الفردوس الأعلى يتبوء فيه حيثما شاء .
من نصائح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للمسلمين قوله :
«إِنَّ أَخْوَفُ ما أَخافُ عَلَى أُمَّتِي : الهَوى وَطُولُ الأَمَلِ. أَمَّا الْهَوى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ .. وَهَذِهِ الدُّنْيا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً ، وَهذِهِ الْآخِرَةُ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةٌ ، وَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما بَنُونَ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيَا ، فَافْعَلُوا ، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي
دارِ عَمَلٍ وَلَا حِسَابٍ ، وَأَنتُمْ غَداً في دارِ حِسابٍ وَلَا عَمَلٍ ...»(1).
لقد حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الهوى الذي يصدّ الإنسان عن الطريق المستقيم ، ويصرفه عن الله تعالى ، كما حذر من طول الأمل الذي يُنسى الإنسان الآخرة، ويبعثه إلى التكالب على الدنيا .
من مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله - حيث سُئل عن أشد الناس بلاء في الدنيا -:
«النَّبِيُّونَ ، ثُمَّ الْأَمائِلُ فَالْأَمائِلُ ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ ، وَحُسْنِ عَمَلِهِ ، فَمَنْ صَحَ إِيمَانُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ ، وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ»(2).
إنّ الأنبياء دعاة الإصلاح الاجتماعي ينصب عليهم البلاء من الطغاة والجبارين ، وكذلك يلاقى نفس المصير المؤمنون بأهدافهم وقيمهم ، والسائرين على نهجهم .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّهُ واللهِ مَا مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، وَما مِنْ عَمَلِ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ نَبَاتُكُمْ بِهِ وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ ، فَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ : لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّىٰ تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطاءُ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلِبُوا مَا عِنْدَ
اللَّهِ إِلَّا بِمَعاصِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُنالُ ما عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ»(1).
لقد بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمته بجميع ما يقربهم إلى الله زلفى ، ونهاهم عن كلّ ما يبعدهم عن الله تعالى ، وحذرهم من اقترافهم ، كما دعا (صلی الله علیه و آله و سلم) أمته إلى الإجمال في طلب الرزق ، وعدم التهالك على طلبه ، فإنّه مقسوم لكل أحد من قبل الله تعالى.
من مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة العظيمة ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ لَكُمْ مَعَالِماً فَانْتَهُوا إِلى مَعالِمِكُمْ ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إلَى نِها يَتِكُمْ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخافَتَيْنِ :
بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا الله قاضٍ فِيهِ؛ فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ ، وَمِنَ الشَّيْبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ ، وَمِنَ الْحَياةِ قَبْلَ الْمَوْتِ. فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، ما بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ ، وَلَا بَعْدَ الدُّنْيا مِنْ دارِ إِلَّا الْجَنَّةِ أو النَّارِ»(2).
حكت هذه الكلمة دعوة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى العمل الصالح الذي يسعد به الإنسان، والحذر من الأعمال المجافية للدين ، ففيها الهلاك ، وإنّ الإنسان ما دام في دار الدنيا فهو مدعو بالنظر إلى نفسه وما ينجيها وينقذها من أهوال المحشر ، فإنّه ليس بعد الموت من دار يسكن فيها أمّا الجنّة إذا عمل صالحاً ، أو النار إذا كان عمله ليس صحيحاً.
و من مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة القيمة :
«مَنِ انْقَطَعَ إِلى اللهِ كَفَاهُ اللهُ كُلَّ مَؤُونَةٍ . ومَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيا وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْها . وَمَنْ حاوَلَ أمْراً بِمَعْصِيَةِ اللهِ كانَ أَبْعَدَ لَهُ مِمّا رَجا ، وَأَقْرَبَ مِمَّا اتَّقى . ومَنْ طَلَبَ مَحامِدَ النَّاسِ بِمَعاصِى اللهِ عَادَ حَامِدُهُ مِنْهُمْ دَامَاً . وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ إِلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ شَرَّهُمْ . وَمَنْ أحْسَنَ فيما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله كَفَاهُ اللهُ ما بَيْنَهُ وبَينَ النَّاسِ وَمَنْ أَصْلَحَ سَريرَتَهُ أصْلَحَ اللهُ عَلانِيَتَهُ . ومَنْ عَمِلَ لَآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ»(1).
إنّ ارتباط الإنسان بالله تعالى يكفيه كلّ ما أهمه من أمر آخرته ودنياه ، فإنّ جميع شؤون الكون بيده تعالى ، فعلى الإنسان أن لا يكل أموره إلى غيره تعالى .
ومن غرر مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة :
«أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْر هَادِمِ اللَّذَاتِ ، فَإِنَّكُمْ إِنْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي ضِيقٍ وَسَعَةٍ عَلَيْكُمْ فَرَضِيتُمْ بِهِ أَجِرْتُمْ ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي غِنى بَغَضَهُ إِلَيْكُمْ فَجُدْتُمْ بِهِ أَيْبْتُمْ ، إِنَّ الْمَنايا قاطعاتٍ لِلْأَعْمَالِ ، وَاللَّيالي مُدْنِياتِ لِلْأَجَالِ ، وَإِنَّ الْمَرْءَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ : يَوْمَ مَضَى أَحْصِيَ فِيهِ عَمَلُهُ فَخُتِمَ عَلَيْهِ ، وَيَوْمٌ قَدْ بَقِيَ لَعَلَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ ، إِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ ، وَحُلُولٍ رَمْسِهِ ، يَرى جَزاءَ ما أَسْلَفَ ، وَقِلَّةِ غَناءِ
1) التذكرة الحمدونية : 1 : 38.
ما خَلَّفَ ، وَلَعَلَّهُ مِنْ باطِلِ جَمَعَهُ ، وَمِنْ حَقٌّ مَنَعَهُ»(1).
إن ذكر الموت خير واعظ للإنسان ، فهو يضعه أمام الأمر الواقع الذي لا مفر منه ، وهو مفارقته للدنيا ، ومن السخف أن لا يتعظ ولا يحسن سلوكه ، ولا ينزجر عمّا حرم الله.
من غرر مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة هذه الموعظة التي ألقاها وهو راكب على ناقته الجدعاء ، فقال :
«أَيُّها النَّاسُ ، كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيها - أي في الدنيا - عَلَى غَيْرِهِمْ كُتِبَ . وَكَأَنَّ الْحَقِّ فِيها عَلى غَيْرِنا وَجَبَ ، وَكَأَنَّ الَّذي نُشَيَّعُ مِنَ الْأَمْواتِ سَفَرٌ عَمّا قَلِيلٌ إِلَيْنا راجِعُونَ ، نَبُوتُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ ، وَنَأْكُلُ تُراثَهُمْ ، كَأَنَا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ واعِظَةٍ ، وَأَمِنَا كُلَّ جائِحَةٍ .
طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ كَسْبِهِ مِنْ غِيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَخالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ .
طُوبَى لِمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ ، وَحَسَّنَ خَلِيفَتَهُ ، وَأَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ ، وَعَزَلَ عِنِ النَّاسِ شَرَّهُ.
طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ ، وَلَمْ يَتَعَدَّها إِلَى الْبِدْعَةِ»(2).
وفي هذه الكلمات المشرقة الدعوة إلى ذكر الموت الذي يصدّ الإنسان عن اقتراف ما لا يرضي الله تعالى ، كما فيه الحثّ على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.
ومن مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله :
«مَنْ اشْتاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إِلَى الْخَيْراتِ ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ لَهَى عَنِ الشَّهَواتِ ، وَمَنْ تَرَقَّبَ المَوْتَ لَهَى عَنِ اللَّذَاتِ ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيا هانَتْ عَلَيْهِ المُصيبَاتُ. وَمَنْ فُتِحَ لَهُ بِابٌ مِنْ خَيْرٍ فَلْيَنْتَهِرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَلَيْهِ»(1).
إنْ مَن يشتاق إلى الفردوس الأعلى مقرّ الأنبياء والصالحين ، فإنّه يسارع إلى المبرّات وأعمال الخير ، كما أنّ من يخاف النار فإنّه يهرب من الشهوات وعن كلّ ما يقرّبه إلى النّار ، كما أنّ من يزهد في الدنيا فان مصائبها تهون عليه ، وما أبدع قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَمَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنْ خَيْرٍ فَلْيَنْتَهِرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتى يُغْلَقُ عَنْهُ»، ففيه الحثّ على صنع المعروف وإسداء الخير على النّاس ، فإنّ الشخص لا يعلم متى يسدّ ذلك الباب عليه .
ومن مواعظه (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة القيّمة :
«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيا دار التواءِ لَا دَارُ اسْتِواءٍ ، وَمَنْزِلُ تَرَحٍ لَا مَنْزِلُ
1) كشف الخفاء : 2 : 305 . التذكرة الحمدونية : 1 : 46 .
فَرَح ، فَمَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحْ لِرَحَاءٍ ، وَلَمْ يَحْزَنْ لِشَقاءٍ ، أَلَا وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الدُّنْيا دارَ بَلْوى ، وَالْآخِرَةَ دارَ عُقْبى ، فَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيا لِثَوابِ الْآخِرَةِ سَبَباً ، وَثَوابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوى الدُّنْيا عِوَضاً ، فَيَأْخُذُ لِيُعْطى ، وَيَبْتَلَى لِيُجْزِي ، وَإِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ ، وَشِيْكَةُ الانْقِلَابِ ، فَاحْذَرُوا حَلَاوَةَ رِضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِها ، وَاهْجُرُوا لَذيذَ عَاجِلِها لِكَرِيهِ آجِلِهَا ، وَلَا تَسْعُوا فِي عُمْرانِ دارٍ قَدْ قُضِيَ خَرابها ، وَلَا تُواصِلُوها وَقَدْ أَرادَ مِنْكُمُ اجتنابها ، فَتَكُونُوا لِسَخَطِهِ مُتَعَرِّضِينَ ، وَلِعُقُوبَتِهِ مُسْتَحِقِّينَ»(1).
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الدنيا التي ليست بدار قرار ، وأن الإنسان فيها ضيف لا يلبث أن يرحل عنها ، ولو عرفها الإنسان حقّ معرفتها لما فرح برخائها وأمنها .
من مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التحذير من حب الدنيا وذكر مضاعفاتها السيئة . قال (صلی الله علیه و آله و سلم) :
«إِنَّهُ ما سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيا قَلْبَ عَبْدِ إِلَّا الْاطَ بِثَلَاثٍ : شُغْلٌ لَا يَنْفَدُ عَناؤُهُ ، وَفَقْرٌ لَا يُدْرَكُ غِناهُ ، وَأَمَلٌ لَا يُدْرَكُ مُنْتَهاهُ إِنَّ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ طالِبَتانِ وَمَطْلُوبَتانِ ، فَطَالِبُ الْآخِرَةِ تَطْلُبُهُ الدُّنْيا حَتّى يَسْتَكْمِلُ رِزْقَهُ ، وَطالِبُ الدُّنْيا تَطْلُبُهُ الْآخِرَةُ حَتَّى يَأْخُذُ الْمَوْتُ عُنُقَهُ ، أَلَا وَإِنَّ السَّعِيدَ السَّعِيدَ مَنِ اخْتارَ باقِيَةً يَدُومُ نَعِيمُها ، عَلَى فَانِيَةٍ لَا يَنْفَدُ عَذابُهَا ، وَقَدَّمَ لِما يَقْدِمُ عَلَيْهِ مِمّا هُوَ الْآنَ في
1) التذكرة الحمدونية : 1 : 52 .
يَدَيْهِ أَنْ يُخَلِّفَهُ لِمَنْ يَسْعَدُ بِإِنْفَاقِهِ ، وَقَدْ شَقِيَ بِجَمْعِهِ وَاحْتِكَارِهِ»(1).
إن من يبتلى بحبّ الدنيا فإنّه يمنى ببلاء عارم ، وشقاء متصل ، والسعيد من آثر الآخرة وسعى لها ، وطلب مرضاة الله تعالى .
توفي ابن المعاذ ، فكتب إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعزيه ويعظه بهذه الكلمات :
«مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ :
سَلَامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي جَزَعُكَ عَلَىٰ وَلَدِكَ الَّذِي قَضَى اللهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كانَ ابْنُكَ مِنْ مَواهِبِ اللَّهِ الْهَنِيئَةِ ، وَعَوارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ عِنْدَكَ ، فَمَتَّعَكَ اللهُ بِهِ إِلى أَجَلٍ ، وَقَبَضَهُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، لَا يُحْيِطَنَّ جَزَعُكَ أَجْرَكَ وَلَوْ قَدِمْتَ عَلى ثَوابِ مُصِيبَتِكَ ، لَعَلِمْتَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ قَدْ قَصُرَتْ لِعَظِيمِ مَا أَعَدَّ اللهُ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ لِأهْلِ التَّسْلِيم وَالصَّبْرِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ مَيّاً ، وَلَا يَدْفَعُ قَدَراً ، فَأَحْسِنِ الْعَزاءَ ، وَتَنَجَّزِ الْمَوْعُودَ ، فَلَا يَذْهَبَنَّ أَسْفُكَ عَلَى ما لَازِمٌ لَكَ وَلِجَمِيعِ الْخَلْقِ نازِلٌ بِقَدَرِهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ»(2).
وحكت هذه الرسالة أسمى ألوان التعزية والمواساة كما حكت أجمل ألوان الموعظة التي تبعث إلى التوازن والاستقامة في هذه الحياة .
من مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة الثمينة . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَلَا إِنَّ الدُّنْيا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةٌ ، وَالْآخِرَةَ قَدِ احْتَمَلَتْ مُقْبِلَةٌ ، أَلَا وَإِنَّكُمْ في يَوْمِ عَمَلٍ لَا حِسَابَ فِيهِ ، وَيُوشَكُ أَنْ تَكُونُوا فِي يَوْمِ حِسَابٍ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ ، وَإِنَّ اللهَ يُعْطى الدُّنْيا مَنْ يُحِبُّ وَيُبْغِضُ، وَلَا يُعْطِي الْآخِرَةَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ ، وَإِنَّ لِلدُّنْيا أَبْنَاءَ ، وَلِلْآخِرَةِ أَبْنَاءَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيا ، إِنَّ شَرَّ ما أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ اتَّبَاعُ الْهَوى وَطُولُ الْأَمَلِ ، فَاتِّباعُ الْهَوى يَصْرِفُ قُلُوبَكُمْ عَنِ الْحَقِّ ، وَطُولُ الْأَمَلِ يَصْرِفُ هِمَمَكُمْ إِلَى الدُّنْيا ، وَما بَعْدَهُما لِأَحَدٍ مِنْ خَيْرِ يَرْجاهُ في دُنْيا وَلَا آخِرَةِ»(1).
وحفلت هذه الموعظة بما ينفع الإنسان في آخرته ودنياه ، ويبعده عن مآثم هذه الحياة ، ويوجهه نحو العمل الصالح الذي به نجاته .
ومن مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه الموعظة التي حكت مرور ملك الموت على بيوت النّاس ، وندائه لهم ، وهم لا يحسّون به . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«ما مِنْ بَيْتٍ إِلَّا وَمَلَكَ الْمَوْتِ يَقِفُ عَلى بابِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَاتٍ ، فَإِذا وَجَدَ الْإِنْسانَ قَدْ نَفَدَ أَجَلُهُ ، وَانْقَطَعَ َأكُلُهُ ، أَلقى عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَغَشِيَتْهُ كُرُباتُهُ ، وَغَمَرَتْهُ غَمَراتُهُ ، فَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعْرَها ، وَالصَّارِبَةُ وَجْهَها ، الصّارِخَةُ
1) بحار الأنوار 77: 188.
بِوَيْلِها ، الْباكِيَةُ بِشَجوها ، فَيَقُولُ مَلَك الْمَوْتِ: وَيْلَكُمْ مِمَّ الْجَزَعُ ؟ وَفِيمَ الْفَزَعُ ؟ وَاللَّهِ! ما أَذْهَبْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مالاً ، وَلَا قَرَّبْتُ لَهُ أَجَلاً ، وَلَا أَتَيْتُهُ حَتَّى أمِرْتُ ، وَلَا قَبَضْتُ رُوحَهُ حَتَّى اسْتَأْمِرْتُ ، وَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ عَوْدَةٌ ثُمَّ عَوْدَةٌ ، حَتَّىٰ لَا أُبْقِي مِنْكُمْ أَحَداً».
ثم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):
«وَالَّذِي نَفْسي بَيَدِهِ ، لَوْ يَرَوْنَ مَكَانَهُ ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ لَذْهِلُوا عَنْ مَيَّتِهِمْ ، وَبَكَوا عَلَى نُفُوسِهِمْ ، حَتَّى إِذا حُمِلَ الْمَيِّتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ بِرُوحِهِ فَوْقَ النَّعشِ، وَهُوَ يُنادي : يا أَهْلِي وَوُلْدِي ، لَا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيا كَما لَعِبَتْ بي ، جَمَعْتُهُ - أي المال - مِنْ حِلَّهِ ، وَمِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ، وَخَلَّفْتُهُ لِغَيْري ، وَالْمَهْنَأُ لَهُ، وَالتَّبِعاتُ عَلَيَّ ، فَاحْذَرُوا عَنْ مِثْل ما نَزَلَ»(1).
إنّ الإنسان قد طبع على الجشع وحب المال ، لا يحيد عنه حتى يوارى في الثرى رمسه ، فيستيقظ حينئذاك ، وهذا لا يجديه شيئاً .
1) بحار الأنوار: 77: 188 - 189 .
ألقى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعض الخطب في مكة دعا فيها القرشيين إلى اعتناق الإسلام ، والإيمان برسالته الخالدة ، كما ألقى كوكبة من الخطب في المدينة وغيرها ، وقد حفلت بعضها بإبراز القيم الأصلية في الإسلام ، ونعرض لتلك الخطب التي هي من ذخائر الفكر الإنساني ، ومن مناجم الأدب العربي فيما حوته من روائع البلاغة والبيان ، وفيما يلي ذلك :
ولما نزل الوحي على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإنذار عشيرته ، وإبلاغهم بنبوّته ، دعاهم إلى بيته ، وأقام لهم مائدة ، فلما فرغوا من تناول الطعام قام فيهم خطيباً ، فقال - بعد حمد الله والثناء عليه - :
«إِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ ، وَاللهِ! لَوْ كَذَبْتُ النَّاسَ جَمِيعاً مَا كَذَبْتُكُمْ ، وَلَوْ غَرَرْتُ النَّاسَ جَمِيعاً ما غَرَرْتُكُمْ .
وَاللَّهِ! الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً ، وَإِلَى النَّاسِ كافة.
وَاللهِ! لَتَمُوتُنَّ كَما تَنامُونَ ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَما تَسْتَيْقِظُونَ ، وَلَتَحاسَبُنَّ بِما تَعْمَلُونَ ، وَلَتَجْزَونَ بِالْإِحْسانِ إِحْساناً ، وَبِالسُّوءِ سُوءاً ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةَ أَبَداً ،
أَوِ النّارُ أَبَداً»(1).
حفل هذا الخطاب بإبلاغ أسرته بنبوّته ، وأنّه قد بعث لهم وللناس جميعاً ، وأخبرهم بأنّ بعد هذا العالم عالم آخر يجازى فيه المحسن بإحسانه ، والمذنب بذنبه .
وهي أوّل خطبة خطبها في يثرب ، وقد جاء فيها بعد حمد الله تعالى والثناء عليه :
«أَمَّا بَعْدُ أَيُّها النَّاسُ فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ، تَعْلَمُنَّ وَاللهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَها راع ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ ، وَلَيْسَ لَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ ، أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولي فَبَلَغَكَ ، وَآتَيْتُكَ مالاً ، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ ، فَما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ؟ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِيناً وشمالاً ، فَلَا يَرى شَيْئاً ، ثُمَّ لَيْنْظُرَنَّ قُدّامَهُ فَلَا يَرى غَيْرَ جَهَنَّمَ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِى وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ ، فَإِنَّ بِها تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِها إِلى سَبْعَمانَةِ ضِعْفٍ .
وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَعَلَى رَسُولِ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ»(2).
وفي هذه الخطبة الدعوة إلى البر والإحسان ، ومن لم يستطع ذلك فعليه أن يتكلّم بكلمة طيبة فيها إصلاح وموعظة للناس :
ألقى هذه الخطبة بالمدينة في يوم الجمعة ، وهي أوّل صلاة جمعة أقامها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في المدينة ، وهذا نصها :
«الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ ، وَأَسْتَعِينُهُ ، وَأَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَسْتَهْدِيهِ ، وَأَؤْمِنُ بِهِ وَلَا أَكْفُرُهُ ، وَأعادى مَنْ يَكْفُرُهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مَحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَالنُّورِ وَالْمَوْعِظَةِ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ ، وَضَلَالَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَانْقِطَاعِ مِنَ الزَّمَانِ ، وَدُنُو مِنَ السَّاعَةِ ، وَقُرْبٍ مِنَ الْأَجَلِ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ يَعْصِهِما فَقَدْ غَوىٰ وَفَرَطَ ، وَضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ، وَأَوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ خَيْرُ ما أَوْصى بِهِ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ ، أَنْ يَحُضَهُ عَلَى الْآخِرَةِ ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ .
فَاحْذَرُوا ما حَذَرَكُمُ اللهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ نَصِيحَةٌ ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ ذِكْراً ، وَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ عَلَى وَجَلٍ وَمَخافَةٍ مِنْ رَبِّهِ عَوْنُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْغُونَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَمَنْ يُصْلِح الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ أَمْرِهِ في السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ لَا يَنْوِي بِذلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ يَكُنْ لَهُ ذِكْراً في عاجِلِ أَمْرِهِ ، وَذُخْراً فيما بَعْدَ الْمَوْتِ حِينَ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلى ما قَدَّمَ ، وَمَا كانَ مِنْ سوى ذلِكَ يَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ، وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ ، وَالَّذِي صَدَّقَ قَوْلَهُ وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ ، لَا خُلْفَ لِذلِكَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ:
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامِ لِلْعَبِيدِ(1). فَاتَّقُوا الله في عاجِلِ أَمْرِكُمْ وَآجِلِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ، وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً ، وَإِنَّ تَقْوَى الله يُوَفِّي مَقْتَهُ ، وَيُوَفِّي عُقُوبَتَهُ ، وَيُوَكَّي سَخَطَهُ ، وَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ يُبَيِّضُ الْوُجُوهَ ، وَيُرْضِي الرَّبَّ ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ ، خُذُوا بِحَقِّكُمْ وَلَا تُفَرِّطُوا فِي جَنْبِ اللَّهِ ، قَدْ عَلَّمَكُمُ اللهُ كِتابَهُ ، ونَهَجَ لَكُمْ سَبِيلَهُ ، لَيَعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَيَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ، فَأَحْسِنُوا كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكُمْ ، وَعادُوا أَعْداءَهُ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، هُوَ اجْتَباكُمْ وَسَمَاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ ، وَاعْمَلُوا لِما بَعْدَ الْيَوْم ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحْ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَلَى النَّاسِ وَلَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ ، وَيَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ .
اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ»(2)
وفي هذه الخطبة دعوة ملحة من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى المسلمين بتقوى الله تعالى، والتمسك بطاعته ، فإنّه حصن منيع للمسلم في دنياه وآخرته ، وأن الانحراف عن العبودية لله تعالى ، والصدّ عن طاعته إلقاء للنفس في المهالك والعذاب الدائم .
خطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالخيف من منى دعا فيها إلى إخلاص العمل الله تعالى ، والنصيحة لأولي الأمر، وهذا نصها :
«نَضَّرَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتي فَوَعاها ، ثُمَّ أَداها إِلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ : إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّصِيحَةُ لِأُولى الْأَمْرِ ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ . إِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونَ مِنْ وَرائِهِ ، وَمَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ ، وَجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيا وَهيَ راغِمَةٌ ، وَمَنْ كانَ هَمُّهُ الدُّنْيا فَرَّقَ اللَّهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ الدُّنْيا إِلَّا ما كُتِبَ لَهُ(1)».
حكت هذه الخطبة الأعمال التى تقرّب الإنسان إلى ربّه زلفى ، وتبعده عن الصفات الموبقة .
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الخداع بالدنيا واتباع الهوى . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَلَا وَالدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فاتَّقُوا الدُّنْيا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلاً مَخافَةَ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذا عَلِمَهُ».
ولم يزل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف ، فقال :
1) إعجاز القرآن : 5 : 255 .
«إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى إِلَّا لِما بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هذا فيما مضى»(1).
وفي هذه الخطبة الدعوة الملحة من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على قول الحق وعدم الاعتناء بمخافة النّاس .
حج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حجة الوداع ، وهي حجة الوداع ، وهي الحجّة الأخيرة التي انتقل بعدها إلى حضيرة القدس ، وقد خطب في مكة في البيت الحرام هذه الخطبة البليغة التي وضع فيها المنهاج السليمة لصيانة أمته من الزيغ والانحراف ، وقد ألقى هذه الخطبة بصوت خافت وربيعة بن أمية ينقل كلماته إلى الجماهير . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«الْحَمْدُ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أوصِيكُمْ عِبادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ ، وَأَحْتُكُمْ عَلَى الْعَمَل بِطاعَتِهِ ، وَأَسْتَفْتِحُ الله بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
أَمَا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ ، إِسْمَعُوا مِنِّي أُبَيِّنُ لَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقاكُمْ بَعْدَ عامي هذا ، فِي مَوْقِفِي هذا .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ حَرامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا ، فِي بَلَدِكُمْ هذا . أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ. فَمَنْ كانَتْ عِنْدَهُ
1) إعجاز القرآن : 113 .
أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ اثْتَمَنَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنَّ كُلَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ رِباً أَبْدَأُ بِهِ رِبَا الْعَبَاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ، وَإِنَّ دِمَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَم تَبْدَأُ بِهِ دَمَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَإِنَّ َمآثِرَ الْجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ غَيْرَ السَّدانَةِ وَالسَّمَايَةِ . وَالْعَمْدُ قَوَدٌ(1)وَشِبْهُ الْعَمْدِ مَا قُتِلَ بِالْعَصا وَالْحَجَرِ، وَفِيهِ مِائَةُ بَعِيرٍ ، فَمَن َزادَ فَهُوَ مِنَ أَهْلِ الْجاهِلِيَّةِ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُطاعَ فيما سوى ذلِكَ فيما تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ.
أيُّها النَّاسُ ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ(2)، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ(3)، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ ، وَواحِدٌ فَرْدٌ : ذُو الْقِعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ . أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ لِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ، حَقُّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئَنَّ أَحَداً فُرُشَكُمْ، وَلَا يُدْخِلَنَّ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ بُيُوتَكُمْ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ ، وَأَلَّا يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَعْضُلُوهُنَّ وَتَهْجُرُوهُنَّ
فِي الْمَضاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ وَأَطَعْنَكُمْ فَعَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَإِنَّمَا النِّسَاءُ عِنْدَكُمْ عَوانُ(1)لَا يَمْلِكُنَ لأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ ، وَاسْتَوْصُوا بِهِنَّ خَيْراً . أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللهُمَّ اشْهَدْ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(2)، وَلَا يَحِلُّ لَامْرِي مَالُ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ . أَلَا هَلْ بَلَغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ .
فَلَا تَرْجِعُنَّ كُفَاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا : كِتابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي . أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أباكُمْ وَاحِدٌ ، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(3)، وَلَيْسَ لِعَرَبِيَّ عَلَى أَعَجَمِيٌّ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوى . أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
فصاح الجمهور : نعم . فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
فَلْيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ اللهَ قَسَمَ لِكُلِّ وارِث نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيراثِ ، وَلَا تَجُوزُ لِوارِث وَصِيَّةٌ فِي أَكْثَرَ مِنَ الثَّلُثِ. وَالْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، مَنِ ادَّعَى إِلَىٰ غَيْرِ أَبِيهِ ، وَمَنْ تَوَلَّىٰ غَيْرَ مَوَالِيهِ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ،
وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً(1)، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ»(2).
وانتهى هذا الخطاب بقيم الإسلام وحدوده التي تضمن للمسلمين سعادتهم ووحدتهم ، وما يصبون إليه في هذه الحياة من العزة والكرامة .
ولما انتهى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) من حجه قفل راجعاً إلى المدينة ، وحينما انتهى إلى غدیر خم نزل عليه الوحي برسالة من السماء ، برسالة بالغة الخطورة ، وهي إقامة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) خليفة من بعده، وقائداً عاماً لأمته ، وكانت رسالة السماء هذه الآية : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(3).
وانبرى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بعزم ثابت وإرادة صلبة إلى تنفيذ أمر الله تعالى ، فوضع أعباء المسير ، وحطّ رحله في رمضاء الهجير ، وأمر قوافل الحجاج أن تفعل مثل ذلك وكان الوقت قاسياً في شدة حرارته ، حتى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقي به من الحرّ، وبعد ما اجتمع الحجّاج الذين كان عددهم - فيما يقول المؤرخون - مائة ألف أو يزيدون ، قام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خطيباً فقال :
«الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ ، وَنُؤْمِنُ بِهِ ، وَنَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، الَّذِي لَا هَادِيَ لَمَنْ ضَلَّ ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَى .
وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
أَمَّا بَعْدُ : أَيُّها النَّاسُ ، قَدْ نَبَّأَنِيَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُ لَمْ يُعَمَّرْ نَبِيٌّ إِلَّا مِثْلَ نِصْفِ عُمُرِ الَّذِى قَبْلَهُ ، وَإِني أَوْشِكُ أَنْ أَدْعِى فَاجِيبَ ، وَإِنِّي مَسْؤُولٌ، وَأَنتُم مَسْؤُولُونَ ، فَماذا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟».
وهتفوا جميعاً : «نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت ، فجزاك الله خيراً».
وواصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه قائلاً:
«أَلَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ ، وَأَنَّ نارَهُ حَقٌّ ، َوأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيها ، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القَبُورِ ...؟».
وصاحوا من جميع جنبات الحفل بلهجة واحدة قائلين : «بلى ، نشهد بذلك» .
ورفع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) رأسه إلى السماء قائلاً: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ ...».
ثمّ انبرى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في خطبته قائلاً: «أيُّها النّاسُ أَلَا تَسْمَعُونَ؟».
فقالوا : «نعم».
فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
«إِنِّي فرطٌ عَلَى الْحَوْضِ ، وَأَنْتُمْ وارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، وَإِنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَىٰ(1)، فِيْهِ أَقْداحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِن فِضَّةٍ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخَلِّفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ ؟ ...» .
1) صنعاء : عاصمة اليمن . بصرى : قصبة من أعمال دمشق .
فناداه مناد من القوم : «ما الثقلان يا رسول الله ؟».
فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتابُ اللهِ ، طَرَفٌ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُم فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا ، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ عِتْرَتي ، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى یَرِدا عَلَى الْحَوْضَ ، فَسَأَلْتُ ذلِكَ لَهُما رَبَّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُما فَتَهْلَكُوا ، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُما فَتَهْلَكُوا...».
ثمّ أخذ بيد وصيّه ، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ففرض ولايته على جميع المسلمين ، وأخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما ، ورفع صوته قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم ؟...».
فانبروا قائلين : «الله ورسوله أعلم ؟» .
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«إِنَّ اللَّهَ مَوْلَاي ، وَأَنَا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» . قال ذلك ثلاث مرات .
ثمّ قال :
«اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَدِرِ الْحَقِّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ...».
وانتهى بذلك الخطاب الجليل الذي أدّى فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رسالة ربّه ، فنصب فيه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) خليفة على المسلمين ، وأقبل الحاضرون على مبايعة الإمام
أمير المؤمنين (علیه السّلام) .
وانبرى عمر بن الخطاب فبايعه وهناه ، وقال له : «هنيئاً يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة» .
وانبری حسّان بن ثابت فاستأذن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتلاوة أبيات له تصوّر الحادثة قائلاً:
يُنادِيْهُمُ يَوْمَ الْغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ *** بِخُمَّ وأسْمِعْ بالرسول مُناديا
فَقالَ فَمَنْ مَوْلَاكُمْ وَنَبِيُّكُمْ *** فَقالُوا وَلَمْ يُبْدُوا هُنَاكَ التَّعَامِيا
الهُكَ مَوْلَانَا وَأَنْتَ نَبِيُّنا *** وَلَمْ تَلْقَ مِنَا فِي الْوِلَايَةِ عاصِيا
فَقالَ لَهُ: قُمْ يا عَلِيُّ فَإِنَّني *** رَضِيْتُكَ مِنْ بَعْدِي إِمَاماً وَهادِيا
فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهذا وَلِيُّهُ *** فَكُونُوا لَهُ أَتْبَاعَ صِدْقٍ مَوالِيا
هُنَاكَ دَعا اللهم وال وَليَّه وَكُنْ لِلَّذِي عادى عَلِيّاً مُعادِيا(1)
لقد وضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المنهج الكامل لسعادة أمته ووقايتها من التردّي في مآثم الحياة .. إن البيعة للإمام (علیه السّلام) في يوم عيد الغدير جزء من رسالة الإسلام ، وركن من أركان الدين ، فمن أنكرها فقد أنكر الإسلام ، كما يقول العلامة العلائلي .
ونقم الحارث بن النعمان على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أخذه البيعة للإمام أمير المؤمنين ، فأقبل يشتد نحو النبي ، وقد رفع عقيرته قائلاً: «يا محمد ، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، فقبلناه ، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا ، وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثمّ لم ترضَ بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضَّلته علينا ، وقلت : من كنت مولاه
1) موسوعة الغدير / العلامة الأميني : 1 : 11 .
فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله عزّ وجلّ ؟».
وأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتأثر قائلاً:
«وَالَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِنَّ هذا مِنَ اللهِ».
وخرج الوغد غضباناً قد نخر الحسد للإمام (علیه السّلام) قلبه قائلاً:
«اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» .
وسار في طريقه وقد ورم أنفه من الغيظ ، فرماه الله تعالى على يد بعض ملائكته بحجر فسقط على هامته ، ووقع على الأرض جثّة هامدة ، وأنزل الله تعالى على نبيه الآية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ(1).(2)
ومن روائع خطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خطبته في استقبال شهر رمضان المبارك ، وقد خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان ، وقد حثّ فيها على التقوى والبر وعمل الخير ، وقد رواها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهذا نصها :
«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ ، وَلَيالِيهِ أَفْضَلُ الليالي ، وَساعاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيافَةِ اللهِ ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ ، أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ ،
وَدُعاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صادِقَةٍ ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةِ أَنْ يُوَفِّقكُمْ لِصِيامِهِ ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرانَ اللهِ في هَذَا الشَّهْرِ الْعَظيمِ ، وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جوعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَطَشِهِ ، وَتَصَدَّقوا عَلى فُقَرائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ ، وَوَقِّرُوا كِبارَكُمْ ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ ، وَصِلوا أَرْحَامَكُمْ ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ ، وَغَضُوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ ، وَعَمّا لَا يَحِلُّ الْإِسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ ، وَتَحَنَّنوا عَلَى أَيْمَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنُ عَلَى أَيْنَامِكُمْ ، وَتُوبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيْكُمْ بِالدُّعاءِ فِي أَوْقاتِ صَلَواتِكُمْ ، فَإِنَّها أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبادِهِ يُجِيبُهُمْ إِذا ناجَوْهُ ، وَيُلَبِّيهُمْ إذا نادَوْهُ ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذا دَعَوْهُ .
أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُوَنةٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَفُكُوها بِاسْتِغْفارِكُمْ ، وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزارِكُمْ فَخَفَّفُوا عَنْها بِطُولِ سُجُودِكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسّاجِدِينَ ، وَأَنْ لَا يَدْعُوهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ فَطَّرَ مِنْكُم صائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذلِكَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عِتْقُ رَقَبَةٍ وَمَغْفِرَةٌ لِما مَضى مِنْ ذُنُوبِهِ».
قيل : «يا رسول الله ، وليس كلّنا يقدر على ذلك ؟» .
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، اتَّقُوا النّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ ماءٍ .
أيُّها النَّاسُ ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوازاً عَلَى
الصِّراطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ ، وَمَنْ خَفَّفَ في هذا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمينُهُ خَفَّفَ اللهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقاهُ ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلَاةٍ كَتَبَ اللهُ لَهُ بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ أَدّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوابَ مَنْ أَدّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فيما سِواهُ مِنَ الشُّهُورِ ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللهُ مِيزانَهُ يَوْمَ تَخِفُ الْمَوَازِينُ ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَیرِهِ مِنَ الشهور .
أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ أَبْوابَ الْجِنانِ في هذا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَسْألُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يَغْلِقَها عَلَيْكُمْ ، وَأَبْوابَ النِّيرانِ مُغَلَّقَةٌ فَسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يَفْتَحَها عَلَيْكُمْ ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّطَها عَلَيْكُمْ».
وانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فقال له :
«يا رَسُولَ اللَّهِ ، ما أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ في هذَا الشَّهْرِ ؟» .
«يا أَبَا الْحَسَنِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ في هذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
ثم بكى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسارع الإمام قائلاً:
«يا رَسُولَ اللهِ ، مَا يُبْكِيكَ ؟».
«يا عَلِيُّ ، أَبْكِي لِما يُسْتَحَلُّ مِنْكَ في هَذَا الشَّهْرِ ، كَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي
لِرَبِّكَ وَقَدِ انْبَعَثَ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ شَقِيقُ عاقِرِ ناقَةِ ثَمُودَ فَضَرَبَكَ ضَرْبَةٌ عَلَى قَرْنِكَ فَخَضْبَ مِنْهَا لِحْيَتَكَ..».
وراح الإمام (علیه السّلام) يقول برضى وثقة وإيمان :
«وَذلِكَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ ديني ؟».
ولم يحفل بما سيلاقيه من القتل إلا أنّ الذي كان يشغل فكره السلامة في دينه ، فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«نَعَمْ، فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِيْنِكَ يا عَلِيُّ مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي ، وَمَنْ سَبَّكَ فَقَدْ سَبَّني ، لأَنَّكَ مِنِّي كَنَفْسي ، رُوْحُكَ مِنْ رُوْحِي، وَطِيْنَتُكَ مِنْ طِيْنَتي ، إِنَّ اللهَ تَبارك وتعالى خَلَقَني وَإِيَّاكَ ، وَاصْطَفَانِي وَإِيَّاكَ ، وَاخْتارَني لِلنُّبُوَّةِ وَاخْتارَكَ لِلْإِمَامَةِ ، وَمَنْ أَنْكَرَ إِمَامَتَكَ فَقَدْ أَنْكَرَ نُبُوَّتي .
يا عَلِيُّ ، أَنْتَ وَصِنِّي وَأَبُو وُلْدِي ، وَزَوْجُ ابْنَتِي ، وَخَلِيْفَتِي عَلَى أُمَّتِي فِي حَياتِي وَبَعْدَ مَوْتِي ، أَمْرُكَ أَمْرِي ، وَنَهْيُكَ نَهْيِي ، أُقْسِمُ بِالَّذِي بَعَتَني بِالنُّبُوَّةِ وَجَعَلَنِي خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَنَّكَ لَحُجَّةُ الله عَلى خَلْقِهِ ، وَأَمِينُهُ عَلى سِرِّهِ ، وَخَلَيَفتُهُ عَلَى عِبادِهِ»(1).
حكى هذا الخطاب قدسية شهر رمضان المبارك ، وما ينبغي فيه من الأعمال الصالحة والمبرّات التي تقرّب الإنسان إلى الله تعالى ، وأنّ الأعمال الصالحة يضاعف فيه أجرها ؛ وذلك لعظيم حرمته عند الله تعالى .
1) بحار الأنوار: 93: 218 - 219 . عيون الأخبار : 1 : 295 - 297 . أمالي الصدوق : 57 - 58 .
خطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعض الخطب وهو على فراش الموت ، كان منها ما يلي :
ألم المرض بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فهرع المسلمون لعيادته ، وقد خيم عليهم الأسى والذهول ، فنعى إليهم نفسه وقال :
«أَيُّها النَّاسُ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعا فَيُنْطَلَقُ بِي ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِشْرَنِي أَهْلَ بيتي...».
ثم أخذ بيد وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قائلاً :
«هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ»(1).
وقرّر بهذه الكلمات أهم القضايا المصيرية لأمته ، فقد عيّن لها القائد الذي يهديها للتي هي أقوم .
واستدعى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الفضل بن العباس ، فلما مثل عنده قال له :
«خُذْ بِيَدِي يا فَضْلُ». فأخذ بيده وانطلق به إلى الجامع ، وأمره أن ينادي في الناس الصلاة جامعة ، فنادى ، فهرعت الجماهير نحو الجامع ، فاعتلى (صلی الله علیه و آله و سلم) المنبر
1) حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) : 284 ، نقلاً عن الصواعق المحرقة .
وخطب فيهم قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي خُلُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقامِ فِيْكُم ، وَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّىٰ أَقَوْمَهُ فِيْكُمْ ، أَلَا فَمَنْ كُنتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهذا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ مالاً فهذا مالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهذا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ... وَلَا يَقُولَنَّ قائِلٌ : أَخَافُ الشَّحْناءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي ، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ...».
يا لها من كلمات أسست معالم العدل، وأقامت معاني الحق ، لقد جهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يخرج من هذه الدنيا وليس لأي أحد عليه حق أو تبعة ، ولما أنهى الرسول كلامه انبرى إليه رجل فقال له :
«لي عندك ثلاثة دراهم».
فقال له النبي :
«أَمَّا أَنا فَلَا أُكَذِّبُ قائِلاً ، وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينِ ، فَبِمَ كانَتْ لَكَ عِنْدِي ؟».
فأجابه الرجل : «أما تذكر أنّه مربك سائل فأمرتني أن أعطيه ، فأعطيته ثلاثة دراهم ؟» .
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الفضل بإعطائه الدراهم ، ثم استمر النبي في خطابه قائلاً:
«مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ فَلْيَرُدَّهُ...».
فقام إليه رجل فقال له : «يا رسول الله ، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله».
«لِمَ غَلَلْتها ؟».
«كنت محتاجاً إليها».
فأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الفضل باستلامها منه ، فأخذها وعاد النبي في خطابه قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً فَلْيَقُمْ أَدْعُ اللَّهَ لَهُ...».
فقام إليه رجل فقال له : «يا رسول الله ، إنّي لمنافق ، وإني لكذوب ، وإنّي لشؤوم».
فزجره عمر وقال له بعنف :
«ويحك ، لقد سترك الله ، لو سترت على نفسك».
فصاح به النبي :
«صَدْ يابْنَ الْخَطَّابِ! فَضُوحُ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الْآخِرَةِ».
ثم دعا النبي قائلاً:
«اللهُمَّ ارْزُقْهُ صِدْقاً وَإِيماناً ، وَأَذْهِبْ عَنْهُ الشُّؤْمَ»(1).
و انبرى رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له :
«يا رسول الله ، إنك ضربتني بالسوط على بطني ، وأنا أريد القصاص منك».
فأمر النبي بلالاً بإحضار السوط ليقتص منه سوادة ، وانطلق بلالاً وهو خائر القوى ، رافعاً عقيرته قائلاً:
«أيها الناس ، اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه».
وأخذ بلال السوط من بيت النبي ، وأعطاه إلى سوادة ، فأقبل به صوب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد ألم به المرض ، فقال له :
1) البداية والنهاية : 5 : 231.
«يا رسول الله ، اكشف لي عن بطنك».
فكشف الرسول عن بطنه ، وقد ساد الوجوم والبكاء في جميع جنبات المسجد. وقال سوادة للنبيّ بصوت خافت :
«يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟» .
فأذن له النبي ، فوضع سواده فمه على بطن رسول الله وأخذ يوسعها تقبيلاً، ودموعه تتبلور على سحنات وجهه قائلاً:
«أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار».
وانبرى الرسول قائلاً:
«أَتَعْفُو يَا سَوادَةُ أَمْ تَقْتَصُّ ؟».
«بل أعفو يا رسول الله» .
فرفع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يديه بالدعاء له قائلاً:
«اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةَ كَمَا عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ...»(1).
وهام الحاضرون بتيّارات من الأسى والحزن ، وأيقنوا بنزول الرزء القاسم ، وأنّ النبيّ فارقهم(2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض خطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مناهج رائعة للتربية والآداب وحسن السلوك . لقد كانت حكم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منهجاً متكاملاً لما يسمو به الإنسان وتتطوّر به حياته في دنيا الفضائل ، ويكون خليقاً بأن يكون خليفة الله تعالى في الأرض.
إن حِكَم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جزء من الأرصدة الإسلامية التي عالجت جميع قضايا الإنسان ، ووضعت الحلول الحاسمة لجميع ما يعاني منه من الأزمات الاجتماعية والنفسيّة ، ونعرض لبعض نماذجها :
وتبنى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بصورة إيجابية الدعوة إلى حسن الأخلاق التي يتميز بها الإنسان ، فقد كانت هذه الظاهرة من أهمّ ما عنى به ، وقد أثر عنه القول : «إِنَّما بُعِثْتُ لاتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلَاقِ»، وهذا عرض لبعض أحاديثه في سموّ الأخلاق :
1 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَحْسَنُ النَّاسِ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً ، وَأَحْسَنُكُمْ خُلُقاً أَلطَفَكُمْ بِأَهْلِهِ ، له وَأَنا أَلطَفُكُم بِأَهْلِهِ»(1)
إن حسن الأخلاق من الإيمان؛ لأنه عنوان مشرق للفضائل والآداب التي تجمع
1) ربیع الأبرار : 1 : 50 .
الناس على صعيد المحبة والألفة ، ومن أسمى صوره حسن المعاشرة مع الأهل ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من أبر النّاس بأهله .
2 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ أَكْثَرَ ما يُدْخِلُ الجَنَّةَ النَّاسَ تَقْوَى اللهِ ، وَحُسْنُ الخُلُقِ»(1).
إنّ حسن الخُلق من أبواب الجنّة ، ومن موجبات الرحمة والرضوان ، كتقوى الله تعالى.
3- قال (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجالِسَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَحاسِنُكُمْ أَخْلاقاً ، الَّذينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ»(2).
إن أقرب الناس إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من كان يتمتع بالأخلاق الفاضلة التي تطيب بها النفوس ، ولا تنفر منها الطباع .
4 - قال : «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوالِكُمْ وَلَكِنْ سَعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ»(3).
إن حسن الأخلاق يسع الناس ، ويجمعهم على صعيد المحبة والألفة ، وهو أكثر شمولية من بذل الأموال .
5 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «حُسْنُ الخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ»(4).
إنّ الإسلام بُني على حسن الأخلاق ، فهو من عناصره ، ومن ذاتيّاته ، وبه استطاع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يؤلّف بين القلوب ، ويجمع الناس على كلمة التوحيد .
6 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَوَّلُ ما يُوضَعُ فِي الْمِيزانِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ»(5).
إن الخلق الحسن أوّل ما يوضع في ميزان الأعمال، وبه يرجح على غيره من الصفات الكريمة والأعمال الحسنة
7 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا حَسَبَ كَحُسْن الْخُلُق»(1).
إن حسن الأخلاق هو المجد الرفيع ، والحسب الأصيل للإنسان ، وبه يتميّز ويسمو على غيره .
8 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «وحُسْنُ الْخُلُقِ يَبْلُغَ بِصاحِبِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقائِمِ». فَقِيلَ الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): ما أَفْضَلُ ما أَعْطِيَ الْعَبْدُ ؟ قال : «حُسْنُ الْخُلُقِ»(2).
إنّ حسن الأخلاق عبادة ، وفضله وأجره عند الله تعالى كفضل الصائم نهاره ، والقائم بالعبادة في ليله .
9 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «حُسْنُ الخُلُقِ يُثْبِتُ المَوَدَّةَ»(3).
إن حسن الخلق يثبت المودة ، ويشيع المحبة والألفة بين الناس.
10 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إيماناً أَحْسَنُهُمْ أَخْلاقاً»(4).
إن أكمل الناس مؤمنين وغيرهم من كان يتمتع بالأخلاق الفاضلة التي تجذب القلوب والعواطف ، والتي هي بلسم للنفوس.
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مدح الأخلاق الفاضلة التي كانت من عناصره وذاتيّاته ، وقد مدحه الله تعالى بهذه الخصلة الكريمة .
قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(5).
من الصفات النبيلة التي دعا إليها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) البشاشة والابتسام لكل شخص يستقبل شخصاً آخر . قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «مِنْ أَخْلاقِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ : الْبَشاشَةُ إِذا تَزَاوَروا ، وَالْمُصافَحَةُ إِذا تَلاقُوا»(1).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «حُسْنُ الْبِشْرِ يُذْهِبُ بِالسَّخِيْمَةِ(2)»(3).
إنّ البشاشة تجلب المودة والمحبّة في قلوب الناس ، وهي من أخلاق النبيين والصديقين .
نهى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن سوء الخلق ؛ لأنه من مساوئ الصفات قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «سوء الخلق سوم»(4).
إن سوء الخُلق يلقي الإنسان في أزمات ، ويخلق له الأعداء ، ويلقيه في شرّ عظيم.
من مكوّنات الإنسان العقل الذي هو هبة من الله تعالى لعباده : يقيم أودهم ، ويرشدهم للتي هي أقوم . وقد أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كوكبة من الأحاديث في فضله وأهميته البالغة ، كان منها :
1 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما قَسَمَ اللهُ لِلْعِبادِ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ ، فَنَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجاهِلِ ، وَإِقَامَةُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ شُخُوصِ الْجَاهِلِ(1)، وَلَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً وَلَا رَسُولاً حَتّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ ، وَيَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيع عُقُولِ اُمَّتِهِ ، وَما يُضْمِرُ النَّبيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فِي نَفْسِهِ أَفْضَلَ مِن اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَما أَدَّى الْعَبْدُ فَرائِضَ اللَّهِ حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ ، وَلَا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ في فَضْلِ عِبادَتِهِمْ ما بَلَغَ الْعاقِلُ ، وَالْعُقَلَاء هم أولوا الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ(2)»(3).
وفي هذا الحديث إشادة مهمّة بفضل العقل ، وتميّزه على غيره ، فهو دليل الإنسان وربّانه لكل خير رائد ينجيه وينقذه من شرور الحياة وويلات الآخرة .
2 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْعَقْلُ هَدِيَّةٌ»(4).
3 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «صَدِيقُ كُلِّ امْرِءٍ عَقْلُهُ ، وَعَدُوهُ جَهْلُهُ»(5).
العقل هدية من الله تعالى وهبة منه لعباده ، وهو الصديق الحميم والوفي للإنسان إذا سار على هديه ، وفيه يقول أبو العلاء حكيم المعرّة :
فَإِذا ما أَطَعْتُهُ جَلَبَ الرَّحْمَةَ *** عقد المسيرِ وَالإِرْساء
4 - قال رسول (صلی الله علیه و آله و سلم) : «قَسَّمَ اللهُ الْعَقْلَ ثَلاثَةَ أَجْزَاءِ ، فَمَنْ كُنْ فِيهِ كَمُلَ عَقْلُهُ ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلا عَقْلَ لَهُ: حُسْنُ الْمَعْرِفَةِ بِاللهِ تَعَالَى ، وَحُسْنُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ ، وَحُسْنُ الصَّبْرِ عَلى أمر الله»(6).
إنّ من توفّرت فيه هذه الخصال فقد بلغ الذروة في كمال عقله ، وسموّ ذاته .
5 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : «إِذا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ ، فَإِنَّما يُجازى بِعَقْلِهِ»(1).
إنّ المقياس في كمال الإنسان هو كمال عقله ، ولا أهمية لغيره في ميدان التمايز .
6 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِذا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ ، وَكَثِيرَ الصِّيامِ فَلَا تُبَاهُوا بِهِ ، حَتّى تَنْظُرُوا كَيْفَ عَقْلُهُ»(2).
إنّ كثرة الصلاة والصيام لا يدلان على كمال الشخص ، وإنّما الذي يدلّ عليه وفور العقل وكماله .
7- قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ ، قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَعِزَّتِي وَجَلَالي ، ما خَلَقْتُ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ ، بِكَ أَخُذُ ، وَبِكَ أعطي ، وَبِكَ أثيبُ ، وَبِكَ أَعاقِبُ»(3).
إنّ العقل هو أفضل مخلوقات الله تعالى : به يثيب ، وبه يعاقب .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما اكْتَسَبَ رَجُلٌ مِثْلَ فَضْلِ عَقْلِ يَهْدِي صاحِبَهُ إِلَى هُدى ، وَيَرُدُّهُ عَنْ رَدى ، وَما تَمَّ إِيمَانُ عَبْدِ ، وَلَا اسْتَقامَ دِيْنُهُ حَتَّى يَكْمُلَ عَقْلُهُ»(4).
إن العقل هو الذي يهدي للتي هي أقوم، وفي بعض الأخبار أنه الرسول الباطني ، وبه كمال الدين ، وتمام الإيمان .
9 - روت عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، بأي شيء تفاضل النّاس في
الدنيا ؟ قال : «بِالْعَقْلِ» ، قلت : وفي الآخرة ؟ قال : «بِالْعَقْلِ» ، قلت : أليس إنّما يجزون بأعمالهم ؟ فقال : «يا عائِشَةُ ، وَهَلْ عَمِلُوا إِلَّا بِقَدَرٍ ما أَعْطَاهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْعَقْلِ ؟ فَبِقَدَرِ ما أَعْطُوا مِنَ الْعَقْلِ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ ، وَبِقَدَرِ ما عَمِلُوا يُجْزَونَ»(1).
إنّ الإنسان يوفّى أجره يوم القيامة على قدر كمال عقله ، وسموّ فكره ... هذه بعض الأخبار التى أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في فضل العقل.
أما الحمق فهو من مساوئ الصفات وأراذلها ، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «إِنَّ الْأَحْمَقَ يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ»(2).
إنّ الحمق ضرب من الجنون، وكان يضرب المثل في الحمق بعجل بن لجيم ، فقد قيل له إن لكل فرس جواد اسماً ، فسم فرسك ، ففقأ إحدى عينيه ، وقال : سمّيته الأعور وفيه يقول الشاعر :
رَمَتْني بَنو عِجلٍ بِداءِ أَبيهمُ *** وَهَل أَحَدٌ فِي النَّاسِ أَحْمَقُ مِنْ عِجل
أَلَيْسَ أَبوهُمْ عَارُ عَينِ جَوادِهِ *** فَسارَتْ بِهِ الأمثالُ في الناسِ بِالجَهل(3)
العلم أهم ركيزة تقام عليه حضارة الأمّة ، وتقدّمها في ميادين الحضارة والتطوّر ، ومن المستحيل أن تحتل أيّة أمّة مركزاً كريماً تحت الشمس وهي ترزح في قيود الجهل .
وقد تبنّى الإسلام بصورة إيجابية الدعوة الملحة إلى طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ، وبذلك فقد أقام مجتمعه على العلم الشامل لجميع أنواع-ه ع-دا العلوم التي لا تنفع ، كالسحر والغناء ، وهذا عرض لبعض ما أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تمجيد العلم ، وأهمية طلابه :
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَريضَةً عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ ، أَلَا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ بُغاة(1)الْعِلْم»(2).
لقد جعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طلب العلم فريضة ، والفريضة يسئل المسلمون عنها ، وليس لهم التهاون عنها؛ لأنّ العلم مصدر تقدّمهم وتطوّر حياتهم . ومن الجدير بالذكر أنّ الألف واللام في العلم تفيد الشمول ولا تخص علماً دون غيره .
روى الإمام أبو عبدالله الصادق (علیه السّلام) ، عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنه قال : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِها لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِهِ ، وَأَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الحوتُ فِي الْبَحْرِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النَّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَإِنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ . إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً وَلَا دِرْهَماً ، وَلَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٌ وَافِرِ»(3).
أرأيتم هذه الإشادة بطلاب العلم ، ومدى أهميتهم البالغة عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، إنّهم حرّاس الإسلام وطلائعه المقدّسه ، والقدوة الحسنة لكل مسلم ومسلمة.
كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يحدث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ويروي بعض كلماته ، وقد نقل عنه عقاب التارك لعلمه ، قال (علیه السّلام): قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْعُلَماءُ رَجُلانِ : رَجُلٌ عالِمٌ أَخَذَ بِعِلْمِهِ فَهذا ناج ، وَعالِمٌ تارِكْ لِعِلْمِهِ فَهذا هَالِك ، وَأَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَبَتَأْذَوْنَ مِنْ ربح الْعالِم التّارِكِ لِعِلْمِهِ ، وَأَنَّ أَشَدَّ أَهْلَ النَّارِ نَدامَةً وَحَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللَّهَ ، فَأَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ ، وَأَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ ، وَاتَّبَاعِهِ الْهَوى ، وَطُولَ الْأَمَلِ ، وَأَمَا اتِّباعُ الْهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ»(1).
إن العالم إذا لم يهتد بعلمه فقد هلك ، وهلك من يسير بسيرته ، ويقتدي بسلوكه ، وهو في يوم القيامة من أشدّ النّاس حسرة على ما فرط في أمر نفسه.
أعلن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن صلاح الأمة بعلمائها وأمرائها . قال :
«صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ إِذا صَلُحا صَلُحَ النَّاسُ وَإِذا فَسَدا فَسَدَ النَّاسُ : العُلَماءُ والأمراء»(2).
إن هلاك المجتمع وفساده بفساد الأمراء ، والعلماء الذين هم من وعاظ السلاطين ، وأن تطوّره وازدهاره بصلاحهم.
روى الإمام أبو عبد الله (علیه السّلام)، عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنَّه قال : «الْفُقَهَاءُ أَمَنَاءُ الرُّسُلِ ما لَمْ يَدْخُلُوا في الدُّنْيا»، قيل : يا رسول الله ، وما دخولهم في الدنيا ؟ قال : «اتِّباعُ
السُّلْطانِ ، فَإِذا فَعَلوا ذلِكَ فاحْذَرُوهُم عَلى دينِكُم»(1).
إنّ الفقهاء إنّما يكونوا دعاة للاصلاح فيما إذا تجردوا عن الدنيا الفانية ، ولم يكونوا من حواشي السلاطين وأذنابهم الذين لا يقيمون وزناً للحق .
دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى تعلم العلم ونشره بين النّاس؛ لأنه الركيزة لتطور المجتمع ، وإشاعة الفضيلة بين الناس . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعَلَّمَهُ حَسَنَةٌ ، وَمُدارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْتَ عَنْهُ جِهَادٌ ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرامِ ، وَسَالِكَ بِطالِبِهِ سُبُلَ الْجَنَّةِ ، وَمُونِسٌ فِى الْوَحْدَةِ ، وَصاحِبٌ فِي الْغُرْبَةِ ، وَدَلِيلٌ عَلَى السَّرَاءِ ، وَسَلَاحٌ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَزَيْنُ الْأَخِلاءِ ، يَرْفَعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَقواماً يَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ أَئِمَّةً يُفْتَدِى بِهِمْ ، تُرْمَقُ(2)أَعْمَالُهُمْ ، وَتُقْتَبَسُ ،آثَارُهُمْ ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَياةُ الْقُلُوبِ ، وَنُورُ الْأَبْصارِ مِنَ الْعَمَى، وَقُوَّةُ الْأَبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ حَامِلَهُ مَنازِلَ الأحِبَاءِ ، وَيَمْنَحُهُ مُجالَسَةَ الْأَبْرارِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .
بِالْعِلْم يُطاعُ اللهُ وَيُعْبَدُ ، وَبِالْعِلْم يُعْرَفُ اللهُ وَيُوَحَدُ ، وبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحامُ ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرامُ ، وَالْعِلْمُ إمامُ الْعَقْلِ»(3).
لقد أشاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالعلم ، وذكر خصائصه ، وأنّه باب من أبواب الرحمة والرضوان ، فمن سلكه فقد فاز في دنياه وآخرته ، وظفر بالخير بجميع مفاهيمه وصوره .
ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الخسارة التي يمنى بها المجتمع في فقد العلماء . قال :
«لَا يُقْبَضُ الْعِلْمُ انْتِزاعاً مِنَ النَّاسِ ، وَلَكِنَّهُ يُقْبَضُ الْعُلَماءُ ، حَتَّى إذا لَمْ يَبْقَ عالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَالاً ، اسْتَفْتَوْا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(1).
إن الخسارة العظمى التي يمنى بها المجتمع موت العلماء ، وتصدّي الجهال من الرؤساء لقضايا النّاس ، وهم يفتون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على السؤال من أهل العلم ، والتبصر في أمور الدين ، قال :
«الْعِلْمُ خَزائِنٌ وَ مَفاتِيحُهُ السُّوالُ ، فَاسْأَلُوا رَحِمَكُمُ اللهُ ، فَإِنَّهُ يُوجَرُ أَرْبَعَةٌ : السَائِلُ ، وَالْمُتَكَلَّمُ ، وَالْمُسْتَمِعُ ، وَالْمُحِبُّ لَهُمْ»(2).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) في الحث على السؤال :
«سائِلُوا الْعُلَماءَ ، وَخاطِبُوا الْحُكَماءَ ، وَجالِسُوا الْفُقَراءَ»(3).
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الفتوى بغير علم قال :
«مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»(4).
إن الفتوى بغير علم تحلّل الحرام وتحرم الحلال ، وتلقي النّاس في الإثم فلذا حرم الإسلام من الفتوى بغير علم .
منع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من تعلم العلم للماراة والمباهاة . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«إِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُباهِيَ بِهِ الْعُلَماءَ ، أَوْ يَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ لِيُعَظَّمُوهُ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، فَإِنَّ الرِّئاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَلِأَهْلِهَا . وَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِع الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ فِيهِ مَقَتَهُ اللهُ ، وَمَنْ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ : أَنَا رَئِيسُكُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَذلِكَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَمَا قالَ وَيَتُوبَ إِلَى اللهِ مِمّا ادعى»(1).
إن طلب العلم يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى غير مشفوع بالأغراض التي يؤول أمرها إلى التراب ، فمن طلب العلم ليعظمه النّاس فقد باء بغض من الله تعالى ، وهكذا حال من تعلم ليماري السفهاء أو يباهي العلماء .
أمّا منهج التعليم في الإسلام فينبغي أن يكون برفق لا بعنف، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «عَلَمُوا وَلَا تُعَنِّفوا ، فَإِنَّ الْمُعَلَّمَ الْعَالِمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ»(2).
الجهل آفة مدمّرة للمجتمع ، وقد أهاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمته أن لا ترزح في هذا الكابوس المظلم ، وقد أثر عنه القول بصفة الجاهل الصفة الممقوتة.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَصِفَةُ الْجَاهِلِ : أَنْ يَظْلِمَ مَنْ خَالَطَهُ ، وَيَتَعَدَى عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، له وَيَتَطَاوَلَ عَلَىٰ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ، كَلَامُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّر ، إِنْ تَكَلَّمَ أَيْمَ ، وَإِنْ سَكَتَ سَها ،
وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ فِتْنَةٌ سَارَعَ إِلَيْهَا فَأَرْدَتْهُ ، وَإِنْ رَأى فَضِيلَةٌ أَعْرَضَ وَأَبْطَأَ عَنْهَا ، لَا يَخافُ ذُنُوبَهُ الْقَدِيمَةَ ، وَلَا يَرْتَدِعُ فِيما بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، يَتَوانِى عَنِ الْبِرِّ وَيُبْطِئُ عَنْهُ ، غَيْرَ مُكْتَرِبْ لِما فاتَهُ مِنْ ذلِكَ أَوْ ضَيَّعَهُ ، فَتِلْكَ عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ صِفَةِ الْجَاهِلِ الَّذِي حُرِمَ الْعَقْلَ»(1).
وهذه الصفات الممقوتة من أبرز صفات الجاهل الذي حرم العقل والعلم ، وباء بسخط الله تعالى .
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المسلمين على التدبر والتفكر في الأمور قبل الإقدام عليها ، فقد وفد شخص عليه فقال له :
«یا رسول الله ، أوصني...».
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَوْصٍ ؟» - أي تعمل بوصيتي-، وقال ذلك له ثلاث مرات .
«نعم ، يا رسول الله» .
فأوصاه النبي بهذه الوصية الثمينة قائلاً:
«إِنِّي أوْصِيكَ إِذا أَنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرِ فَتَدَبَّرْ ،عاقِبَتَهُ ، فَإِنْ يَكُ رُشْداً فَامْضِهِ ، وَإِنْ يَكُ غَيّاً فَانْتَهِ عَنْهُ»(2).
يا لها من وصيّة تضمن لمن أخذ بها السعادة والخير العميم ، فإن الإقدام على شيء مجهول عواقبه يجرّ الويل والعطب .
من المكارم والأخلاق الفاضلة التي أوصى بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هي الصلة والعفو . قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ»(1).
هذه الكلمات أهم الركائز التي تبنى عليها الحضارة الإنسانية المتطورة التي تعنى بالقيم الكريمة التي يتحلى بها الإنسان .
أشاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالذين يسدون المعروف ، ويصنعون البرّ إلى الناس . قال (صلی الله علیه و آله و سلم) :
«إِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ وُجُوهَا مِنْ خَلْقِهِ حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ فعالَهُ ، وَوَجَّهَ طُلابَ المَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ وَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ إِعْطاءَهُ كَمَا يَسَّرَ الْغَيْثَ إِلَى الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُحْيِيها وَيُحْيِيَ بِها أَهْلَهَا وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَعْدَاءٌ مِنْ خَلْقِهِ بَغْضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ ، وَبَغَضَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ ، وَحَظَرَ عَلَى طُلابِ الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِمْ ، وَحَظَرَ عَلَيْهِم إِعْطاءَهُ كَمَا يَحْظُرُ الغَيْثَ عَنِ الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُهْلِكَهَا وَيُهْلِكَ بِهَا أَهْلَهَا ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أَكْثَر . وَإِنَّ صَنائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقى مَصارِعَ السُّوءِ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ في الدُّنْيا َأهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الآخِرَة، وَإِنَّ أَوَّلَ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً هُمْ أهْلُ الْمَعْرُوفِ . إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ لتطْفِى غَضَبَ الرَّبِّ وَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ لتَزيدُ فِي الْعُمْرِ»(2).
الناس صنفان : صنف طبع على المعروف ، وكان ذلك من خصائصهم ، وقد ميّزهم الله تعالى على خلقه ، ووفقهم لصنع الخير ، وصنف عادوا المعروف ونفروا منه ، وهؤلاء عليهم غضب الله ونقمته ، لا يوفّقون للخير .
وضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منهجاً لآداب النفس وتحليها بالفضائل . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لا مالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ. وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ. وَلَا عَقْلَ كَالتَّدَبُرِ . ولا حَزْمَ كالتَّقْوى ، وَلَا قَرينَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَلَا مِيزانَ كَالْأَدَبِ ، وَلَا فَائِدَةَ كَالتَّوْفِيقِ ، وَلَا تِجارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلَا رِبْحَ كَثَوابِ اللهِ ، وَلَا وَرَعَ كالوقوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ . وَلَا زُهْدَ كالزُّهْدِ فِي الْحَرامِ ، وَلَا عِلْمَ كالتَفَكَّرِ ، وَلَا عِبَادَةَ كَأَداءِ الْفَرَائِضِ ، وَلَا إِيمَانَ كالْحَياءِ وَالصَّبْرِ ، وَلَا حَسَبَ كالتَّواضُعِ ، وَلَا شَرَفَ كَالْعِلْمِ ، وَلَا مظاهِرَ كَالْمُسْاوَرَةِ ، فاحْفَظِ الرَّأْسَ وَما حَوى ، وَالْبَطْنَ وَما وَعى ، وَاذْكُرِ الْمَوْتَ وَطُولِ الْبَلَى»(1).
وحفل هذا الحديث بالآداب الرفيعة التي يسمو بها الإنسان ويبلغ ذروة الكمال .
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على التحلي بالسخاء الذي هو أبرز الصفات الحسنة . قال (صلی الله علیه و آله و سلم) :
«إِنَّ الله - تعالى - اسْتَخْلَصَ هَذَا الدِّينَ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَصْلُحُ لِدِينِكُمْ إِلَّا السَّحَاءُ وَحُسْنُ الخُلُقِ أَلَا فَزَيَّنُوا دِينَكُمْ بِهِما»(2).
السخاء من نبل النفس وكمالها ، وهو من الصفات الرفيعة التي يشرف بها الإنسان ، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقدم الكريم في العطاء على غيره ، فقد وفد عليه وفد من العرب فأعطاهم ، وفضل عليهم رجلاً منهم ، فقيل له في ذلك ، فقال : «كُلُّ الْقَوْمِ عيال عَلَيْهِ»(3).
ندب النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) المسلمين لفعل الخير .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِفْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُم، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ ، فَإِنَّ للهِ نَفَحاتٌ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِها مَن يَشَاءُ مِن عِبادِهِ ، وَسَلوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ ، وَيُؤْمِنَ رَوْعاتِكُمْ»(1).
إن فعل الخير من ذخائر الأعمال الصالحة التي ندب إليها الإسلام . قال تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ(2).
وقد حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على كلمة الخير التي توجب الاصلاح بين الناس .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «كَلِمَةٌ مِنَ الْخَيْرِ يَسْمَعُها الْمُؤْمِنُ ، وَيَعْمَلُ بِها ، وَيُعَلِّمُها ، خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ سنة»(3).
إنّ الحثّ على عمل الخير من أهم الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام.
الإحسان إلى النّاس من الخصال الكريمة التي ندب إليها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
قال : «جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا»(4).
إن النفوس قد جُبلت على حبّ من أسدى إليها معروفاً وإحساناً ، كما جبلت على بغض وكراهية من أساء إليها .
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من بعض الصفات الذميمة التي تجرّ للإنسان الويل والدمار، كان منها ما يلي :
النّفاق من أرذل الصفات التي يجب على المسلم التخلّص منه . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي كُلُّ مُنافِقٍ عَليمِ النِّسانِ»(1).
إنّ المنافق يشكل خطراً على المجتمع الإسلامي ، وما أصيب الإسلام بكارثة كالمنافقين المندسين في صفوف المجتمع .
من الصفات الذميمة التي حاربها الإسلام : الغدر ، فقد روي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِواءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقالُ أَلَا هذه غَدْرَةٌ قَلانِ ابْن فُلان»(2).
ونظراً لتشديد الإسلام في حرمة الغدر فقد امتنع الشهيد الخالد مسلم بن عقيل من اغتيال المجرم الأثيم ابن زياد حينما كان في دار هانئ بن عروة .
من الصفات الذميمة التي حاربها الإسلام خيانة الأمانة ، فقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «يُؤتى بِصاحِبِ الْأَمَانَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُقالُ : أَدْ أَمَانَتَكَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، قَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيا ، فَيُقالُ : اذْهَبوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ ، فَيَهْوي فيها حَتَّى يَنتَهى إلى قَعْرِها ، فَيَجِدُها هُناكَ
كَهَيْئَتِها ، فَيَحْمِلُها فَيَضَعُها عَلَى عَاتِقِهِ ، ثُمَّ يَصْعَدُ بِها حَتَّى إِذا رَأى قَدْ خَرَجَ زَلَّتْ فَهَوَتْ ، وَهَوى في أَثَرِها أَبَدَ الآبدينَ»(1).
إنّ خيانة الأمانة فحش وظلم وسرقة ، وأنّ الله تعالى يعاقب الخائنين بأقسى العقوبات .
ومن بين الصفات التي مقتها الإسلام، وتواعد على عقابها بالنار هي شهادة الزور التي تذهب بحقوق النّاس ، وقد تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن العقاب المذهل الذي يمنى به شاهد الزور.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الطَّيْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَتَضْرِبُ بِمَناقِيرِها ، وَتَقْذِفُ بِما فِي حَواصِلِها ، وَ تُحَرِّكُ أَذْنَابَهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَما يُكَلَّمُ شاهِدُ النُّورِ ، وَلَا تَقَرَّ قَدَماهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّىٰ يُقْذَفَ بِهِ فِي النَّارِ»(2).
من الصفات التي حرّمها الإسلام : البغى ، وقد حرمه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشدّد في تحريمه ، قال : «أَعْجَلُ الْأَشْياءِ عُقُوبَةٌ الْبَغْيِ»(3).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما مِنْ ذَنْبٍ أَدْنَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ في الدُّنْيا مَعَ ما يُدَّخَرُ لَهُ في الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»(4).
من الصفات المكروهة في الإسلام هي الشماتة . قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيُعافِيهِ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ»(1).
إنّ الشماتة من صفات الأنذال الذين لم تهذبهم الأيّام ، ولم تصقلهم التجارب ، وقد أقام الإسلام مجتمعه على النبل والشرف والكرامة .
من الصفات التي مفتها الإسلام وذمّها التكبر على الخلق ، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذم والمقت له .
قال : «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءٌ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ»(2).
وقال : «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»(3).
وقال له : «مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ ، وَاخْتالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبان»(4).
إنّ التكبّر من صفات الجبارين الذين ملئت نفوسهم بالظلم والطغيان .
حرم الإسلام سعاية المسلم بأخيه المسلم إلى السلطة ، فإنّها من أفحش الموبقات
والمحرّمات . قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : «لُعِنَ الْمُثَلَّثُ»، فقيل : ما المثلث يا رسول الله ؟ قال : «الَّذِي يَسْعَى بِصاحِبِهِ إِلى سُلْطانِهِ ، فَيُهْلِكَ نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ وَسُلْطَانَهُة»(1).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْفَعَنَّ إِلَيْنَا عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُؤْمِن»(2).
حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الحسد الذي هو من أرذل النزعات الشريرة .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الْحَسَدَ لَيَأْكُلُ الْحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الْحَطَبَ»(3).
إنّ الحسد قد جرّ الويلات والخطوب إلى النّاس، وألقاهم في شرّ عظيم ، وكان من نتائجه الشريرة إبعاد العترة الطاهرة عن الخلافة ، فقد رفعوا عقيرتهم قائلين: «لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد» ، وقد أقصيت عترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الحياة السياسيّة ، وقد عانت الأمة من جراء ذلك أشقّ ألوان الأزمات والخطوب .
أما المكر فإنّه من أفحش الموبقات ، وقد حذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منه.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِيَّاكَ وَالْمَكْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى أَنْ لَا يَحيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ»(4).
إنّ المكر من أرذل الصفات ومن أخسّها ، ولا يتصف به إلا من تخلّى عن الإنسانية .
أما الكذب ، فإنّه من الموبقات ، وقد حذر منه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
قال : «إِيَّاكُمْ وَالْكِذْبَ ، فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْفُجورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَتَحَدَّثُوا الصِّدْقَ ، فَإِنَّ الصَّدْقَ يَهْدي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدي إِلَى الْجَنَّةِ»(1).
إنّ الكذب من الآفات المدمّرة التي تجرّ الويل والدمار للإنسان، وقد حرّم الإسلام في القرآن العظيم الكذب ، وشدّد في عقاب الكافرين .
من الصفات المذمومة التي حاربها الإسلام : الحرص .
قال : «ما ذِلْبانِ جانِعَانِ أَرْسِلا في غَنَم فَأَفْسَدَاهَا أَشَدَّ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى المالِ»(2).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ، وَتَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتَانِ : الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمْرِ»(3).
إنّ الحرص ظاهرة يمنى بعض النّاس بها ، فتصدّهم عن المعروف وإسداء الخير إلى الفقراء والبؤساء .
أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كوكبة من الأحاديث في ذمّ الفخر ، وهذه بعضها :
1 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَنا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَلَا فَخْر»(1).
2 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «النَّاسُ لِآدَمَ وَحَوّاء ، كَطَفٌ الصاع لَنْ تَمْلَؤُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُ عَنْ أَحْسَابِكُمْ، وَلَا يَسْأَلُ إِلَّا عَنْ أَعْمَالِكُمْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ»(2).
3 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ نَبِيَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَباكُمْ واحدٌ ، وَإِنَّهُ لَا فَضْلَ لِلْأَسْوَدِ عَلَى الْأَحْمَرِ ، وَلَا عَرَبِيَّ عَلى أَعْجَمِيٌّ ، إِلَّا بِالتَّقْوى»(3).
4 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَها بِالْآباءِ . النَّاسُ بَنُو آدَمَ ، . وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، مُؤْمِنٌ تَقِيُّ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، وَلَيَنْتَهِيَنَّ أَقوامٌ يَفْخَرُونَ بِرجالِهِم ، إِنَّما هُمْ فَحَمْ مِنْ فَحَم جَهَنَّمَ ، أَوْ لَيَكونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتْنَ بِأَنْفِهَا ، وَقَدْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ(4)»(5).
وحطّم الإسلام التفاخر بالآباء الذي يتخذ للعلوّ والفخر على الغير، ولم يسمح الإسلام بحال من الأحوال بهذه الظاهرة التي تنم عن الجهل .
أمّا الظلم فهو ممّا حرّمه الله تعالى ، وشدّد في العقوبة عليه.
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ نادى مُنادٍ : أَيْنَ الظُّلَمَةُ ، وَأَهْوانُ الظُّلَمَةِ، وَأَشباه الظلمة ، حَتَّى مَنْ بَرى لَهُمْ قَلَماً أَوْ لاقَ لَهُمْ ،دواةٌ ، فَيَجْتَمِعُونَ في تابوتِ حَدِيدٍ
ثُمَّ يُلْقَىٰ بِهِمُ فِي جَهَنَّمَ»(1).
وقد أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يسارع الظالم إلى المظلوم ويطلب منه العفو .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «رَحِمَ اللهُ عَبْداً كَانَ لِأَخِيهِ قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ فِى عِرْضِ أَوْ مالٍ ، فَأَناهُ فَحَلَّلَهُ مِنْها قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَيْسَ مَعَهُ دينارٌ وَلَا دِرْهَم»(2).
وهدّد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام الظالم بأنه لا تناله شفاعته .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي لا تَنالُهُما شَفاعَتي : إِمَامٌ ظَلُومٌ فَسُومٌ ، وَعَالٍ فِي الدِّينِ مارقٌ مِنْهُ»(3).
من الصفات التي مقتها الإسلام هو الشرّ الذي يحدث من اللسان ، فيتقي منه الناس خوفاً من شرّه واعتدائه ، وقد روي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنَّه قال : «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ لإنقاءِ فَحْشِهِ» ، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «إِنَّ مِنْ شِرارِ النَّاسِ الَّذينَ يُكْرَمُونَ اثْقاءَ أَلْسِنَتِهِمْ»(4).
إنّ هؤلاء حصب جهنّم ، فهم يذمون ويمدحون من أجل أغراضهم الخاصة والظفر بالمادة ، وهم دوماً يجرحون عواطف الناس ، ويعتدون عليهم إرضاء لرغباتهم .
كره الإسلام أن يكون المسلم ذا وجهين ، وينبغي له أن يكون ذا وجه واحد قوال
بالحقِّ ، ذاماً للباطل . قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَا يَنْبَغِي لَذى الْوَجْهَين أَنْ يَكُونَ أَميناً عِنْدَ اللهِ»(1)، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ كانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسانانِ مِنْ نارِ»(2)، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ذُو الْوَجْهَين لا يَكُونُ وَجيهاً»(3).
إن ضعف اليقين في العقيدة من الأخطار المدمّرة للمجتمع ، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) القول : «ما أَخافُ عَلَى أُمَّتِي إِلا ضَعْفَ الْيَقين»(4).
حرّم الإسلام الإعانة على الباطل ، فقد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«مَن أَعانَ عَلَى بَاطِلِ لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ»(5).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِم لِيُعِينَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسلامِ»(6).
إنّ الإسلام يطلب من المسلم أن يعين أخاه المسلم على الحق ، ولا يعينه على الظلم والباطل ، فإنّ فعل ذلك فقد خرج عن الإسلام.
نهى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن مدح الفاسق؛ لأنّ فيه إماتة للعدل ، ومعصية الله تعالى.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِذا مُدِحَ الْفاسِقُ اهْتَزَّ لِذلِكَ الْعَرْشُ ، وَغَضِبَ لَهُ الرَّبُّ تَعالى»(1).
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ إِذا مُدحَ الْفَاسِقُ»(2).
إنّ الإسلام أهاب بالمسلمين أن يمدحوا الفاسقين والظالمين ، وأن ينشدوا الحق ولا يحيدون عنه .
وحرم الإسلام إخافة المؤمن.
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «حَسْبُ امْرِي مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُخيفَ أَخاهُ الْمُسْلِمَ»(3).
إنّ ذعر الإنسان المسلم لأخيه ، وإدخال الرعب عليه من أفحش المحرمات والموبقات ، والتي بها تتصدّع الوحدة الإسلامية .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الصفات المذمومة والمحرمة التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
ندب الإسلام إلى بعض الصفات الكريمة التي يسمو بها الإنسان ، وقد أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
أدلى النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) بخمس خصال توجب كمال الإنسان وصدق إيمانه .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا يُحْمِلُ عَبْد الْإِيمَانَ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ : التَّوَكُلُ عَلَى اللهِ ،
وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ ، وَالتَّصْدِيقُ لِأَمْرِ اللهِ ، وَالرّضى بِقَضاءِ اللَّهِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى بَلَاءِ اللَّهِ ، إِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ ِللَّهِ - تَعالى - وَأَبْغَضَ اللَّهِ ، وَأَعْطى للهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ»(1).
إنّ من يتحلّى بهذه الخصال فقد كمل إيمانه .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «أَرْبَعٌ مَنْ أُوتِيهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : قَلْباً شاكراً ، وَلِساناً الله ذاكِراً ، وَبَدَنَا مِنَ الْبَلَاءِ صابِراً ، وَزَوْجَةٌ لَا تَبْغِيهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ خَوَنا»(2).
إنّ هذه الخصال من موجبات السعادة ومن مكملات الإيمان .
من الصفات الكريمة التي يسعد بها الإنسان القناعة ، التي هي كنز لا يفنى ، وقد أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على التحلي بها .
قال الله : «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَرُزِقَ كَفَافاً ، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِما آتاه»(3).
إنّ القناعة هى السعادة ، وأفضل صفة يتصف بها الإنسان ، وقد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيها : «الْقَناعَةُ مالٌ لَا يَنْفَدُ»(4).
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على الاقتصاد ، فقال : «ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ»(5).
إن الذي يقتصد في صرفه فلا يمنى بعيلولة ، ويكون دوماً بمأمن من ضيق الحياة وبؤسها .
من أفضل الأعمال وأسماها طاعة الله تعالى ، فهي عز للإنسان ، وشرف وذخيرة له يوم يلقى الله تعالى .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعاصِي إِلَى عِزَّ التَّقْوى أَغْناهُ بِلا مالٍ ، وَأَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ ، وَآنَسَهُ بِلَا أَنيس . مَنْ خَافَ الله - تعالى - أَخافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ»(1).
إنّ الاستغفار من الذنب يزيله ، فقد تلطف الله وتفضّل على عباده بالمغفرة والرحمة لكلّ من أذنب إذا تاب واستغفر .
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ»، قالوا : يا رسول الله ، كيف يدخله الجنّة ؟
قال : «يَكُونُ نَصْبَ عَيْنَيْهِ تَائِباً عَنْهُ مُسْتَغْفِراً حَتّى يَدْخُلَ بِهِ الجَنَّةَ»(2).
وقد حثّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على الاستغفار وندب إليه .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «مَنْ لزْمَ الْاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمَّ فَرَجاً وَمَخْرَجاً ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»(3).
نظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الكعبة فقال : «مَرْحَباً مِنْ بَيْتٍ ، ما أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ ، وَاللهِ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعْظَمُ حُرْمَةٌ عِنْدَ اللهِ مِنْكَ ، لأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْكَ واحِدَةٌ ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلاثاً : دَمَهُ ، وَمالَهُ ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السُّوْءِ»(1).
إن المؤمن له الحرمة الكاملة عند الله تعالى ، فقد حرّم نفسه ودمه وعرضه، وأحاطه بهالة من التعظيم والتكريم .
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على إقالة عثرة المسلم ، فقال : «أَقِيلُوا عَثَراتِ ذَوى الْهَيْئاتِ عَثَراتِهِمْ ، إِلَّا مِنَ الْحُدود»(2)، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ أَخُوهُ فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ»(3).
إن إقالة العثرة تطيب القلوب ، وتنعش النفوس، وتعود بالخير على النّاس ، فلذا أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليها .
أكد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على بغض أهل المعاصي والابتعاد عنهم.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِي ، وَالْتَمِسُوا رِضْوانَهُ بِالتَّباعُدِ منهم» ، قالوا : فمن نجالس ؟ قال : «مَنْ تُذَكِّرُكُمْ بِاللهِ تَعَالَى رُؤْيَتُهُ ، وَيَزِيدُ فِي فَهْمِكُمْ
مَنْطِقُهُ ، وَيُرَغْبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ»(1).
إنّ الابتعاد عن العصاة ردع للمنكر وأمر بالمعروف ، وإذلال لهم ، وهو ما يريده الإسلام من إشاعة الفضيلة والآداب بين الناس .
تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أحب أوليائه وأعزهم عن عنده ، قال :
«أَغْبَطُ النَّاسِ عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيْفُ الْحالِ ، ذُوْ حَقَّ مِنْ صَلَاةٍ ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ، وَأَحْسَنَ عَبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطاعَهُ فِي السِّرِّ ، وَكانَ عَامِضاً فِي النّاسِ ، عَجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ وَقَلَّ تُراتُهُ وَقَلَّتْ بَواكِيه»(2).
إِنَّ مَن يتصف بهذه الصفات فهو من الزاهدين في الدنيا ، والمنيبين إلى الله تعالى ، وما أقلهم.
حت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على طلب الحكمة التي هي نور وهدى.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «الحِكْمَةُ ضالَّةُ الْمُؤْمِنِ»(3).
الحكمة تورث وعياً ونوراً فى النفس ، وهي ضالة كل مؤمن رشيد .
حت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على قراءة القرآن الكريم الذي هو المنهاج الكامل لإصلاح
الحياة ، وسعادة الإنسان، وتطوّر حياته على أسس التقوى والإيمان .
قال (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنس : «يا بُنَيَّ ، لَا تَغْفَلْ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِذا أَمْسَيْتَ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»(1).
إن قراءة القرآن الكريم تفتح آفاقاً للوعي والفكر ، وتهدي للتي هي أقوم .
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالرفق وجعله منهجاً من مناهج التربية الإسلامية ، فقد استأذن عليه رهط من اليهود ، فقالوا : «السام(2)عليك» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «وَعَلَيْكُم» ، وانبرت عائشة مغيظة فقالت لهم : «بل عليكم السام واللعنة» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) لها : «يا عائِشَة ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرَّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» ، فقالت : «ألم تسمع ما قالوا ؟ فقال : «قَدْ قُلْتُ : وَعَلَيْكُم»(3).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : «مَنْ رَفِقَ بِأَمَّتِي رَفِقَ اللهُ بِهِ ، وَمَنْ شَقَّ عَلى أُمَّتِي شَنَّ الله عَلَيْهِ»(4).
إن الرفق يطيب النفوس ، ويقضي على الشحناء ، وهو من أهم الوسائل في التربية الإسلامية.
تحدث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن فائدة الصوم ، فقال : «زَكاةُ الْجَسَدِ الصّيامِ»(5).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ الْأَقْطَارِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ»(1).
إنّ للصوم فوائد كثيرة، ومنافع مهمّة ، فهو من الوسائل الناجحة للقضاء على السمنة التي تسبب للإنسان تصلّب الشرايين وارتفاع الضغط الدموي وغيرها .
أمّا الصلاة فهي عمود الدين، وقربان كل تقيّ ، ونظراً لأهميتها البالغة كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة(2).
ندب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بذل الطعام لمن يراه فقال : «مَنْ أَكَلَ وَذُو عَيْنَيْنِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُواسِهِ ابْتُلِيَ بِداء لا دَواءَ لَهُ»(3).
إن عدم المواساة لمن ينظر إلى الطعام ، لا سيما إذا كان فيه ألوان شهيّة ، فإنّه ينمّ عن الجشع ، ويترك الحسرة في نفس الناظر .
حث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على الاقتصاد في الطعام ، وعدم الإسراف فيه؛ لأنه موجب للابتلاء بكثير من الأمراض.
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما زَيَّنَ اللَّهُ رَجُلاً بِزِينَةٍ أَفْضَلَ مِنْ عَفَافِ بَطْنِهِ»(4).
و قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ قَلْ طَعَامُهُ صَحَ بَطْنُهُ ، وَصَفَا قَلْبُهُ ، وَمَنْ كَثرَ طَعَامُهُ سَقَمَ بَطْنُهُ ، وَفَا قَلْبُهُ»(1).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما مَلَأَ ابن آدَمَ وَعَاءٌ شَرَا مِنْ بَطْنٍ ، حَسْبُ الرَّجُلِ مِنْ طَعْمِهِ ما أَقامَ صُلْبَهُ ، أَمَا إِذا أَبَى ابْنُ آدَمَ فَتُلُتْ طَعَامٌ ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ ، وَثُلُثٌ نَفَسٌ»(2).
من الآداب التي حثّ عليها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تكريم الشيخ ، قال :
«مِنْ إِجلالِ اللهِ إِجْلالِ ذي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ»(3).
من الروابط الاجتماعية التي أقامها الإسلام تكريم الشيخ الطاعن في السنّ، فإنّ ذلك ينم عن الآداب وسموّ الأخلاق التي يريدها الإسلام للمسلمين .
من الآداب الإسلامية أن لا يشيع الرجل حديثاً جرى بينه وبين شخص آخر؛ لأنه قد يكون ضرر في إشاعته ، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«الْمَجالِسُ أَمانَةٌ»(4).
ومن الطريف أنّ عبد الملك بن مروان قد انقطع في طريقه عن حراسه وحمايته ، فرأى أعرابياً فقال له : «أتعرف عبد الملك ؟» ، فقال الأعرابي : «جائر بائر» ، فقال له : «ويحك ، أنا عبد الملك» ، وأخذ الرجل في انتقاصه وذمه ، ولما وصلت حمايته قال له الرجل : «يا أمير المؤمنين ، اكتم ما جرى ، فإنّ المجالس أمانة» .
من تعاليم الإسلام أن يستشير المرء في أموره ، ولا يستبد بها خوفاً من أن يقع فيما لا يحمد عقباه.
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «و ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ ، وَلَا افْتَقَرَ مَن اقْتَصَدَ»(1).
يا لها من كلمات قد حوت الحكمة وفصل الخطاب ، فقد أمر الله تعالى نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بمشاورة أصحابه؛ لأنّ فيها الخير وإشاعة المودّة بين النّاس ، وقد أثر عن الإمام الصادق (علیه السّلام) عملاق هذه الأمة ورائد نهضتها العلميّة هذا القول : «مَنِ اسْتَشارَ لَمْ يُعْدِمْ عِنْدَ الصَّوابِ مادِحاً ، وَعِنْدَ الْخَطأ عاذِراً».
وقد كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يستشير أصحابه في معظم أموره ، ففي واقعة بدر نزل في أدنى ماء منها ، فقال له الحبّاب من المنذر : «يا رسول الله ، هل أمرك الله تعالى بالنزول في هذا المنزل فليس لك أن تتقدمه وتتأخره ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ» ، فقال له : «يا رسول الله ، إنّ هذا ليس بمنزل ، فارحل بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فتنزله ، ثمّ نبني عليه حوضاً ، فتملأه ماء ، ثمّ تقاتل القوم ، فتشرب ولا يشربون» ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْي» ، وفعل ما أشار به(2).
من الآداب التي قننها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم ، وقد أوصى بالاجتماع ونهى عن الفرقة ، وهذه بعض أحاديثه :
1 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالفُرْقَةُ عَذابٌ»(1).
2 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ فارَقَ الجَمَاعَةَ ماتَ مِيْتَةٌ جاهِلِيَّةٌ»(2).
3 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً خَلَعَ اللهُ رِبْقَةَ الْإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ»(3).
وكثير من أمثال هذه الأحاديث أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهي تلزم المسلمين بالوحدة والاجتماع ، وتنهى عن الفرقة التي توجب انهيارهم ، وتدمير كلمتهم ، وطمع العدوّ فيهم .
من أفضل الأعمال وأحبّها عند الله تعالى الجهاد في سبيل الله تعالى لنشر كلمة الحق ، وإماتة الباطل ، وهذه بعض أحاديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه :
1 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «قْرَبُ العَمَلِ إِلَى اللهِ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُقارِبُهُ شَيْءٌ»(4).
2 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ أَفْضَلَ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(5).
3 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «جاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»(6).
أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كوكبة من الحكم القصار التي هي من ذخائر البيان، ومن مناجم الأدب والحكمة ، وهي على إيجازها تمثل روعة البلاغة والفصاحة ، وقد حكت الآداب الإسلامية الحافلة بمقوّمات الارتقاء والنهوض ، وهذا عرض لبعضها :
(1) «أَبْعَدُكُمْ بِي شَبَهَا الْبَخِيلُ الْبَذِيُّ الفَاحِشُ».
(2) «أَبْغَضُ الرِّجالِ إِلَى اللهِ الْاَلدُّ الْخَصِمُ».
(3) «ابْغُونِى الضُّعَفَاءَ فَإِنَّما تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ».
(4) «أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ ، وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ ؟ اِرْحَم الْيَتِيمَ ، وَامْسَحْ رَأْسَهُ ، وَأطْعِمْهُ مِنْ طَعامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ ، وَتُدْرك حاجَتَكَ».
(5) «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ كَما تُحِبُّونَ أَنْ يَبَرُّوكُمْ».
(6) «اتَّقُوا فَراسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
(7) «اجْتَنِبِ الغَضَبَ».
(8) «اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شرًّ».
(9) «اجْتَنِبُوا كُلِّ مُسْكِرٍ».
(10) «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُها وَإِن قَلَّ».
(11) «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَطْعَمَ مِنْ جُوعٍ ، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ مَغْرَماً ، أَوْ كَشَفَ عَنْهُ كَرْباً».
(12) «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ حِفْظُ النِّسَانِ».
(13) «أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ».
(14) «أَحَبُّ الطَّعامِ إِلَى اللهِ ما كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدي».
(15) «أَحَبُّ بُيُوتِكُمْ إِلَى اللَّهِ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمَ مُكَرَّمٌ» .
(16) «أَحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِبادِهِ ، وَأَقْوَمُهُمْ بِحَقِّهِ ، الَّذِينَ یُحَجَّبُ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَفِعالَهُ».
(17) «احْتَرسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ».
(18) «أُحْتُوا التُّرابَ فِى وُجُوه الْمَدّاحينَ».
(19) «أَحْزَمُ النَّاسِ أَكْظَمُهُمْ لِلْغَيْظِ».
(20) «أَحْسِنُوا جِوارَ نِعَمِ اللَّهِ لَا تَنْفِرُوها فَقَلَّما زالَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعادَتْ إِلَيْهِمْ».
(21) «احفظ لسانَكَ».
(22) «أَدَّ الْأَمانَةَ إِلى مَنِ انْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ حَانَكَ».
(23) «ادْرَوُا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتَ ، وَأَقِيلُوا الكِرامَ عَثَراتِهِمْ إِلَّا فِي حَدَّ
مِنْ حُدُودِ اللهِ».
(24) «أَدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهِ».
(25) «إِذا آتاكَ اللهُ مالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ كَرَامَتِهِ» .
(26) «إِذا أَرادَ اللهُ بِعَبْدِ خَيْراً صَيَّرَ حَوائِجَ النَّاسِ إِلَيْهِ» .
(27) «إِذا أَرادَ اللهُ بِعَبْدِ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ ، وَزَهْدَهُ فِي الدُّنْيا ، وَبَصَّرَهُ غَيُوبَهُ».
(28) «إِذا أَرادَ اللهُ بِأَهلِ بَيتٍ خَيْراً أَدْخَلَ عَلَيْهِم الرّفْقَ».
(29) «إِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ نَمَاءً رَزَقَهُمُ السَّمَاحَةَ وَالْعَفَافَ ، وَإِذا أَرادَ بِقَوْمِ انْقِطاعاً فَتَحَ عَلَيْهِمْ بِابَ الْخِيانَةِ» .
(30) «إذا اسْتَشاطَ السُّلْطَانُ تَسَلَّطَ الشَّيْطَانُ».
(31) «إِذا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْراً فَلْيَبْدأُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ».
(32) «إِذا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ ، وَإِذا ظَنَنْتَ فَلَا تَقْضِ ، وَإِذا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ».
(33) «إِذا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا وَإِذا قُلْتُمْ فَأَحسِنُوا فَإِنَّ اللهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ» .
(34) «إِذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ لَا يُبالي ما قالَ ، أَوْ مَا قِيلَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَبَغِيٌّ أو شَيْطَانٌ».
(35) «إِذا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الْبَلاءِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعافِيَةَ».
(36) «إذا سادَ الْقَوْمَ فَاسِقُهُمْ ، وَكانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَذَلَّهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ الْفَاسِقُ ، فَلْيُنتظَرِ الْبَلَاءُ».
(37) «إِذا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً فَلْيُتْقِنَهُ».
(38) «إِذا قَدَرْتَ عَلى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ» .
(39) «إِذا قَدِمَ أَحَدُكُمْ مِنْ سَفَرٍ فَلْيَقْدِمْ مَعَهُ بِهَدِيَّةٍ ، وَلَوْ يُلْقِيْ في مِخْلاتِهِ حَجَراً»
(40) «إذا كانَ اثْنَانِ يَتَنَاجَيانِ فَلَا تَدْخُلْ بَيْنَهُما».
(41) «إِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ خِيارَكُمْ ، وَأَغْنِياؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِها . وَإِذا كانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ أَشْرارَكُمْ ، وَأَغْنِياؤُكُمْ بُخْلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلى نِسَاءَكُمْ ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِها».
(42) »إذا كانَ عِنْدَكَ ما يَكفيكَ فَلَا تَطْلُبْ ما يُطْغَيكَ ».
(43) «إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ تَزِلَّ قَدَما عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلُ عَنْ أَرْبَع : عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْناهُ ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَعَمَا اكْتَسَبَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ حُبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ».
(44) «إذا ماتَ الْإِنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
(45) «أَذْكُر اللهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلى ما تَطْلُبُ».
(46) «أَذَلُّ النَّاسِ مَنْ أَهَانَ النَّاسَ».
(47) «أَرْبَعٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّقاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ ، وَشِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيا ، وَالْإصْرارُ عَلَى الذَّنْبِ».
(48) «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ فِي نُورِ اللهِ الْأَعْظَمَ : مَنْ كانَ عِصْمَةُ أَمْرِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، وَمَنْ إِذا أَصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، وَمَنْ إِذا أَصَابَ خَيْراً قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَمَنْ إِذا أَصابَ خَطِيئَةً قَالَ : أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ».
(49) «أَرْبَعَةٌ تَلْزَمُ كُلَّ ذِي حِجى وَعَقْلِ مِنْ أُمَّتِي». قِيلَ : يَا رَسُولَ الله ، ما هُنَّ ؟ قالَ: «اسْتِماعُ الْعِلْمِ ، وَحِفْظُهُ، وَنَشْرُهُ ، وَالْعَمَلُ به».
(50) «أَرْبَعَةٌ قَلِيْلُها كَثِيرٌ : الفَقْرُ ، وَالوَجَعُ ، وَالْعَداوَةُ ، وَالنَّارُ» .
(51) «ارْحَمُوا عزيزاً ذَلَّ ، وَغَنِيّاً افْتَقَرَ ، وَعالِماً ضاعَ بَيْنَ جُهَالٍ».
(52) «ازْهَدْ فِى الدُّنْيا يُحِبُّكَ اللهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ».
(53) «اسْتَعينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْكِتْمَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ».
(54) «اِشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى الرُّيَاةِ».
(55) «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ يُرِي النَّاسَ أَنَّ فيهِ خَيْرَاً وَلَا خَيْرَ فِيهِ».
(56) «أشَدُّ النَّاسِ عذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعُهُ عِلمُهُ».
(57) «أَشَدُّكُمْ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ ، وَأَحْلَمُكُمْ مَنْ عَفَا بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ».
(58) «أَشْقَى الْأَشْقِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنيا وَعَذابُ الْآخِرَةِ».
(59) «أَصْلَحُ النَّاسِ أَصْلَحُهُمْ لِلنَّاسِ».
(60) «أطلبِ الْعافِيَةَ لِغَيْرِكَ تُرْزَقْهَا فِي نَفْسِكَ».
(61) «أُطْلُبُوا الْفَضْلَ عِنْدَ الرُّحَمَاءِ مِنْ أُمَّتِي تَعيشُوا فِي أكنافِهِمْ ، وَلَا تَطْلُبُوهُ مِنَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ».
(62) «اعْتَبِرُوا الصَّاحِبَ الصَّاحِبِ».
(63) «أَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِيَ لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ ، وَكَرِهَ لَهُمْ ما كَرِهَ لِنَفْسِه».
(64) «أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ».
(65) «أعْطِ السَّائِلَ وَلَوْجَاءَكَ عَلى فَرَسٍ ، وَأعْطُوا الْأَجِيْرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقْهُ».
(66) «أَعْظَمُ النّاسِ فِي الدُّنْيا خَطَراً مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلدُّنْيا عِنْدَهُ خَطَراً».
(67) «أَعْقَلُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ مُداراةً لِلنَّاسِ».
(68) «إِنَّما الأعمالُ بِالنِّيَاتِ وَالخَواتِيمِ».
(69) «الأعمالُ بالنَّيَّةِ».
(70) «أَخْذُ الْأَميرِ الْهَدِيَّةَ سُحْتُ ، وَقَبُولُ القاضِي الرَّشْوَةَ كُفْرٌ».
(71) «أَغْفَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَتَّعِظُ بِتَغَيَّرِ الدُّنْيا مِن حالٍ إِلى حال».
(72) «أَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسيراً».
(73) «افْشُوْا السَّلَامَ ، وَأطْعِمُوْا الطَّعامَ ، وَصِلُّوْا الْأَرْحامَ ، وَصَلُّوْا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
(74) «أَفْضَلُ الْأَصْحَابِ مَنْ إِذا ذَكَرْتَ أَعانَكَ ، وَإِذا نَسِيْتَ ذَكَّرَكَ» .
(75) «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْكَسْبُ مِنَ الْحَلَالِ».
(76) «أَفْضَلُ الْأَعْمالِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِن سُرُوراً ، أَوْ تَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَا».
(77) «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ».
(78) «أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يَهِمَّ بِظُلْمٍ أَحَدٍ».
(79) «أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ تَكْرِمَةُ الْجُلَسَاءِ».
(80) «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذاتِ الْبَيْنِ».
(81) «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ عِلْماً ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخاهُ الْمُسْلِمَ».
(82) «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ حِفْظُ اللسان».
(83) «أَفْضَلُ الْعَمَل النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ».
(84) «أَفْضَلُ الْفَضائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ».
(85) «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ تَواضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ ، وَزَهِدَ عَنْ غُنْيَةٍ ،
وَأَنْصَفَ عَنْ قُوَّةٍ ، وَحَلُمَ عَنْ قُدْرَةٍ».
(86) «أَفْضَلُ جِهَادِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَج».
(87) «أَفْضَلُكُمْ إِيمَاناً أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقَا» .
(88) «آفَةُ الْحَدِيثِ الْكِذَبُ».
(89) «اقْبَلُوا الْكَرامَةَ ، وَأَفْضَلُ الْكَرامَةِ الطَّيبُ : أَخَفهُ حَمْلاً ، وَأَطْيَبُهُ ريحاً».
(90) «أَقْرَبُكُمْ مِنِّي غَداً فِي الْمَوْقِفِ أَصْدَقُكُمْ لِلْحَدِيثِ ، وَآداكُمْ لِلْأَمَانَةِ ، وَأَوْفاكُمْ بِالْعَهْدِ ، وَأَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَأَقْرَبُكُمْ مِنَ النّاسِ» .
(91) «أَقَلُّ النَّاسِ راحَةً الْبَحْيِلُ» .
(92) «أَقَلَّ النَّاسِ لَذَّةَ الْحَسُودُ».
(93) «أَقَلُّ ما يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ أَخٌ يُوثَقُ بِهِ ، أَوْ دِرْهَم مِنْ حَلَالٍ» .
(94) «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَناةِ عَثَراتِهِمْ».
(95) «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ».
(96) «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْراكُ بِاللهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَعُقُوقُ الْوالِدَيْنِ ، وَشَهادَةُ الرُّور».
(97) «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعاً في الدُّنْيا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيامَةِ».
(98) «أَكْثَرُ النَّاسِ قِيمَةً أکثَرَهُم عِلْماً».
(99) «أكْرَمُ النَّاسِ أَنْقاهُمْ».
(100) «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ، وَأَحْسِنُوا آدَابَهُمْ».
(101) «أَكْرِمُوا الْعُلَماءَ فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ ، فَمَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
(102) «تَقَبَّلُوْا لِي بِستٍ أَتَقَبَّلْ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ : إِذا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبْ ، وَإِذا وَعَدَ فَلَا يُخْلِفُ ، وَإِذا اثْتُمِن فَلَا يَخُنْ. غُضُوْا أَبْصارَكُمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، وَاحْفَظُوْا فُرُوجَكُمْ».
(103) «الْأَكْلُ فِى السُّوقِ دَنَاءَةٌ».
(104) «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلى خَيْر أَخْلَاقِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ؟: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَأَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ».
(105) «أَلَا رُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْناً طَويلاً».
(106)«أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كانَ ثالِتُهُمَا الشَّيْطَانَ» .
(107) «الْبَسْ جَدِيداً ، وَعِشْ حَميداً».
(108) «الْتَمِسُوا الْجارَ قَبْلَ شِرَى الدّارِ ، وَالرَّفِيقَ قَبْلَ الطَّرِيقِ» .
(109) «الأَمانَةُ تَجْلِبُ الرِّزْقَ ، وَالْخيانَةُ تَجْلِبُ الْفَقْرَ» .
(110) «أُمِرْتُ بِمُداراةِ النّاسِ كَما أُمِرْتُ بِتَبْلِيغ الرّسالَةِ» .
(111) «إِنَّمَا الْأَمَلُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأُمَّني . لَوْلَا الْأَمَلُ ما أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَداً، وَلَا غَرَسَ عَارِسٌ شَجَراً».
(112) «إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ مَنْ حَبَّبَ إِلَيْهِ الْمَعْرُوفَ وَحَبَّبَ إِلَيْهِ
فعاله».
(113) «إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي كُلُّ مُنافِقٍ عَليم اللسانِ».
(114) «إِنَّ أَشَدَّ النّاسِ نَدامَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ رَجُلٌ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِه».
(115) «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ القِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْصَا فِي الْبَاطِلِ».
(116) «إِنَّ أَكْبَرَ الْإِثْمِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُضِيعَ الرَّجُلُ مَنْ يَقُوتُ».
(117) «إِنَّ أَكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النّارَ الْأَجْوَفانِ : الْفَمُ وَالْفَرْجُ» .
(118) «إِنَّ السَّعادَةَ كُلَّ السَّعادَةِ طُولُ الْعُمْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ» .
(119) «إِنَّ الْعاقِلَ مَنْ وَحَدَ اللهَ وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ .
(120) «إِنَّ الْعَبْدَ إِذا أَخْطَأَ خَطيئَةٌ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتابَ صُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِن عادَ زِيدَ فِيها حَتَّى تَعْلُوَ عَلى قَلْبِهِ ، وَهُوَ الرّانُ الّذي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: كَلَا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ».
(121) «إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَاعُ جَبْراً ، وَلَا يُعْصَى مَغْلُوباً ، وَلَمْ يُهْمِلِ الْعِبادَ مِنَ الْمَمْلَكَةِ ، وَلَكِنَّهُ الْقادِرُ عَلى ما أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ ، وَالْمالِكُ لِما مَلَكَهُمْ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ الْعِبادَ إِنِ انْتَمَرُوا بِطَاعَةِ اللهِ لَمْ يَكُنْ مِنْها مانع ، وَلَا عَنْها صادٌ ، وَإِنْ عَمِلُوا بِمَعْصِيَتِهِ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَها فَعَلَ؛ وَلَيْسَ مَنْ إِنْ شَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ فَعَلَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَأَتَاهُ الَّذِي فَعَلَهُ كانَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِيهِ».
(122) «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّ الْكِذْبَ فِي الصَّلَاحِ ، وَأَبْغَضَ الصَّدْقَ فِي الْفَسادِ».
(123) «إن اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعوا حَتَّىٰ لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ».
(124) «إِنَّ اللهَ جَبَلَ قُلُوبَ عِبادِهِ عَلى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا ، وَبُغْضِ مَنْ أَساءَ إِلَيْها».
(125) «إِنَّ اللهَ تَعالى لَا يَهْتِكُ سِتْرَ عَبْدٍ فِيهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَیرٍ».
(126) «إِنَّ اللهَ لَيَدْرَءُ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ مِيْتَةٌ مِنَ السُّوءِ» .
(127) «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُباهِي بِالشّابُ الْعابِدِ المَلَائِكَةَ ، يَقُولُ انْظُرُوا إِلى عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجَلِي».
(128) «إِنَّ اللهَ تَعالى يُبْغِضُ الْفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ».
(129) «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ».
(130) «إِنَّ اللهَ تَعالى يُحِبُّ الرّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّه».
(131) «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ عِبادِهِ الْغَيُورَ».
(132) «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُوصِيكُمْ بِالنِّساءِ خَيْراً فَإِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَخالَاتُكُمْ».
(133) «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الزَّانِي ، وَالْغَنِيَّ الظُّلُومَ ، وَالْفَقِيرَ الْمُخْتالَ ، وَالسّائِلَ الْمُلْحِفَ ، وَيُحْبِطُ أَجْرَ الْمُعْطِي الْمَنَانِ ، وَيَمْقُتُ الْبَدِيخَ الْجَرِيَّ الْعَذَابَ».
(134) «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُرِى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَيُبْغِضُ البُؤْسَ وَالتَّباؤُسَ».
(135) «إِنَّ المُتَحابَينَ فِي اللهِ فِي ظِلُّ العَرْشِ».
(136) «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ بِأَدَبِ اللَّهِ ، إِذا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ اتَّسَعَ ، وَإِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ أَمْسَكَ».
(137) «اِعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً».
(138) «إِنَّا مَعاشِرَ الْأَنْبِياءِ أُمِرْنا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ».
(139) «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِسْلامِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ» .
(140) «الْأَناةُ مِنَ اللهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ».
(141) «أَنْتَ وَمَالُكَ لأبيك».
(142) «إِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ».
(143) «إِنَّ خِيارَ عِبادِ اللَّهِ الْمُوفُونَ الْمُطيِّبُونَ».
(144) «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ داراً يُقالُ لَها دارُ الفَرَح لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ فَرَّحَ يَتَامَى المُؤْمِنِينَ».
(145) «إن فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ».
(146) «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِأَمْوالِكُمْ وَلكِنْ سَعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ».
(147) «إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ تَصْدَءُ كَما يَصْدَءُ الْحَدِيدُ» . قيلَ : فَما جَلاءُها ؟ قالَ : «ذِكْرُ الْمَوْتِ ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ».
(148) «إِنَّ اللَّهِ عِباداً خَلَقَهُمْ لِحَوائِجِ النَّاسِ».
(149) «إِنَّ للهِ تَعالى عباداً اخْتَصَّهُمْ بِحَوائج النَّاسِ ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ
في حَوائِجِهِمْ أُولئِكَ الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ» .
(150) «إِنَّما أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلاثاً : شُحَامُطَاعاً ، وَهَوى مُتَّبعاً ، وَإِمَاماً ضالاً».
(151) «إِنَّما بَقِيَ مِنَ الدُّنْيا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ».
(152) «إِنَّما يُدْرَكُ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِالْعَقْلِ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ».
(153) «إِنَّ مِنَ الشَّعْرِ حُكْماً - وَرُوِي حِكْمَةٌ ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً».
(154) «إِنَّ مِنْ حَقُّ الْوَلَدِ عَلى وَالِدِهِ : أَنْ يُعَلِّمَهُ الْكِتابَةَ ، وَأَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ ، وَأَنْ يُزوِّجَهُ إِذا بَلَغَ» .
(155) «إِنَّ مِنْ مُوْجِباتِ الْمَغْفِرَةِ : بَذْلَ السَّلامِ ، وَحُسْنَ الْكَلَامِ».
(156) «أَوْثَقُ سِلاح إِبْلِيسَ النِّسَاءُ» .
(157) «أوْصانِي رَبِّي بِتِسْع : أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَالْعَدْلِ فِي الرّضا وَالْغَضَبِ ، وَالْقَصْدِ فِى الْفَقْرِ وَالْغِنى ، وَأَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ، وَأَعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي ، وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً ، وَمَنْطِقِي ذِكْراً ، وَنَظَرِي عِبَراً».
(158) «أُوصِيكَ أنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ».
(159) «أُوصيكُمْ بِالْجارِ».
(160) «أَوَّلُ ما يُوزَنُ فِي الْميزانِ الخُلُقُ الْحَسَنُ».
(161) «أَهْلُ الْجَوْرِ وَأَعْوانُهُمْ فِي النَّارِ».
(162) «اِيَّاكُمْ وَالطَّمَعَ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْفَقْرُ الْحاضِرُ».
(163) «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُو فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدين».
(164) «إِيَّاكُمْ وَتَخَشُعَ النِّفاقِ ، وَهُوَ أَنْ يُرَى الْجَسَدُخَاشِعاً وَالْقَلْبُ لَيْسَ خاشع».
(165) «إِيَّاكُمْ وخَضْراءَ الدِّمَنِ». قيلَ : وَمَا خَضْراء الدِّمَنِ ؟ قالَ : «المَرْأَةُ الْحَسْناءُ فِي مَنْبَتِ سُوءٍ» .
(166) «اِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ : الضَّجَرَ ، وَالكَسَلَ ، فَإِنَّكَ إِن ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٌّ ، وَإِن كَسَلْتَ لَمْ تُؤَدُّ حَقًّا».
(167) «إِيَّاكَ وَقَرِيْنَ السُّوْءِ فَإِنَّكَ بِهِ تُعْرَفُ».
(168) «إيَّاكَ وَكُلَّ آمِرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ».
(169) «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ : سائِلَةٌ ، وَمُنْفِقَةٌ ، وَمُمْسِكَةٌ ، وَخَيْرُ الْأَيْدِي المُنفقة».
(170) «أَيُّما راعِ لَمْ يَرْحَمْ رَعِيَّتَهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
(171) «الإيمانُ بِالْقَدَرِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ».
(172) »الْإِيمَانُ نِصْفَانِ ؛ نِصْفُ فِي الصَّبْرِ ، وَنِصْفٌ فِي الشُّكْرِ».
(173) «أَيُّهَا النَّاسُ ماجاءَ كُمْ عَنِّي يُوافِقُ كِتابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ ، وَمَاجَاءَكُمْ يُخالِفُ كِتابَ اللهِ فَلَمْ أَقُلْهُ»
(174) »باكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ».
(175) «ابِرُ الْوالِدَيْنِ يَزيدُ فِي الْعُمْرِ ، وَالكِذْبُ يَنْقُصُ الرِّزْقَ ، والدُّعاءُ يَرُدُّ الْقَضاءَ».
(176) «الْبَطَانَةُ تُفْسِى الْقَلْبَ».
(177) «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْلُ الصَّلَاةِ».
(178) «بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنْ كَقِطَع اللَّيْلِ».
(179) «التَّاجِرُ يَنْتَظِرُ الرِّزْقَ ، وَالْمُحْتَكِرُ يَنْتَظِرُ اللَّعْنَةَ».
(180) «التَّحَدِّثُ بِنِعَمِ اللهِ شُكْرٌ ، وَتَرْكُهُ كُفْرٌ ، وَمَنْ لَا يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَا يَشْكُرِ الْكَثِيرَ ، وَمَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ الله ، وَالجَمَاعَةُ خَيْرٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ».
(181) «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ».
(182) «تَرْلُ الشَّرِّ صَدَقَةٌ».
(183) «تَصافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلَّ عَنْ قُلُوبِكُمْ».
(184) «تَصَدَّقُوا ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ فَكاكُكُمْ مِنَ النَّارِ».
(185) «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ ، وَتَعَلَّمُوْا لِلْعِلْم السَّكِيْنَةَ ، وَالْوَقارَ ، وَتَواضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ».
(186) «تَفَرَّعُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيا مَا اسْتَطَعْتُمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كانَتِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمَّه أَفْشَى اللَّهُ ضَيْعَتَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ أَكْبَرَ هَمِّه جَمَعَ اللهُ تَعالى أَمَرَهُ وَجَعَلَ غِناهُ فِي قَلْبِهِ».
(187) «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ» .
(188) «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ فَتَهْلِكُوا».
(189) «تَواضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ ، وَتَواضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ ، وَلَا تَكُونُوا جَبابِرَةَ الْعُلَماء» .
(190) «تَهادُوْا تَزْدادُوا حُبّاً ، وَهاجِرُوا تُورِثُوا أَبْنَاءَكُمْ مَجْداً ، وَأَقِيلُوا الْكِرامَ عَثَراتِهِم».
(191) «ثلَاثٌ مِنْ أَبْوابِ الْبِرِّ : سَخاءُ النَّفْسِ ، وَطيبُ الْكَلَامِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْأذى».
(192) «ثَلَاثَةٌ مُجالَسَتْهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ : الْجُلُوسُ مَعَ الْأَنْدَالِ ، وَالْحَدِيثُ مَعَ النِّساءِ ، وَالْجُلُوسُ مَعَ الْأَغْنِياءِ».
(193) «ثَلاتٌ مُهْلِكاتٌ وَثَلاتٌ مُنْجِياتٌ؛ فَالْمُهْلِكاتُ : شُح مُطاعٌ ، وَهَوى مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ ، وَالثَّلَاثُ المُنجيات : خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَالعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرّضا» .
(194) «جاهِدُوا أَهْوَاءَكُمْ تَمْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ».
(195) «جُلَساءُ اللهِ غَداً أَهْلُ الْوَرَع وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيا» .
(196) «الْجَمَاعَةُ رَحمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذابٌ».
(197) «جَمَالُ الْمَرْءِ فَصاحَةُ لِسانِهِ».
(198) «الْجَمَالُ في الرَّجُلِ اللَّسانُ».
(199) «الْجَمَالُ فِي اللَّسانِ».
(200) «حُبُّ الثَّناء مِنَ النَّاسِ يُعْمِي وَيُصِمُّ» .
(201) «حُبُّكَ لِلْشَيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ».
(202) «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ».
(203) «الْحُرَّماتُ الَّتِي تَلْزَمُ كُلَّ مُؤْمِن رِعايتُها وَالْوَفاءُ بِها : حُرْمَةً الدِّينِ ، وَحُرْمَةُ الأَدَبِ ، وَحُرْمَةُ الطَّعام».
(204) «حَرَّمَ اللهُ الْخَمْرَ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ».
(205) «حُسْنُ الْبِشْرِ يُذْهِبُ بِالسَّخِيْمَةِ».
(206) «حُسْنُ الْخُلُقِ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقائِم». فَقِيلَ لَهُ: ما أَفْضَلُ ما أُعْطِيَ الْعَبْدُ ؟ قالَ: «حُسْنُ الْخُلُقِ».
(207) «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبادَةِ».
(208) «إِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ».
(209) «حُسْنُ الْمَسْأَلَةِ نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَالرِّفْقُ نِصْفُ الْعَيْشِ».
(210) «حَسْنُوالِباسَكُمْ ، حَسْنُو الباسَكُمْ ، وَأَصْلِحُوا رِحالَكُمْ ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ في النّاسِ» .
(211) «حَصْنُوا أَمْوالَكُمْ بِالزَّكاةِ ، وَدَاوُوا مَرْضاكُمْ بِالصَّدَقَةِ ، وَأَعِدُّوا الْبَلاء الدُّعاءَ».
(212) «الْحَلَالُ ما أَحَلَّ اللهُ فِي كِتابِهِ ، وَالْحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَما سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمّا عُفِيَ عَنْهُ» .
(213) «الْحَمْدُ عَلَى النّعْمَةِ أَمانٌ لِزَوالِها».
(214) «الْحَياءُ حَياء انِ : حَياءُ عَقْلِ ، وَحَياءُ حُمْقٍ ، فَحَياءُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ ، وَحَياءُ الْحُمْقِ الْجَهْلُ».
(215) «الْحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ».
(216) «الْحَياءُ مِنَ الْإِيمَانِ».
(217) «الحَياءُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ».
(218) «خِدْمَتُكَ زَوْجَتَكَ صَدَقَةٌ» .
(219) «خَشْيَةُ اللهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ، وَالوَرَعُ سَيِّدُ الْعَمَلِ».
(220) «خصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعانِ فِي مُؤْمِنٍ : الْبُخْلُ ، وَسُوءُ الخُلُقِ».
(221) ««خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُما مِنَ البِرَّ شَيْءٌ : الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ، وَالنَّفْعُ لِعِبادِ الله».
(222) «خَلَّتَانِ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ فِيهِما مَفْتُونٌ : الصَّحَّةُ وَالْفَراغ».
(223) «الخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيالِهِ».
(225) «خِيارُ الْمُؤْمِنِينَ الْقَانِعُ ، وَشِرَارُهُمُ الطَّامِعُ».
(225) «خِيارُكُمْ مَنْ ذَكَرَكُمْ بِاللهِ رُؤْيَتُهُ ، وَزادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ وَرَغَبَكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ».
(226) «الْخِيانَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ».
(227) «خَيْرُ أَبْوابِ الْبِرِّ الصَّدَقَةُ».
(228) «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُها».
(229) «خَيْرُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ ، وَشَرُّ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْجَهْلِ».
(230) «خَيْرُ الذُّكْرِ الْخَفِيُّ ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي».
(231) «خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أَبْقَتْ غِنى ، وَالْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَعْ بِمَنْ تَعُولُ».
(232) «خَيْرُ الْعَمَلِ أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيا وَلِسانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّه».
(233) «خَيْرُ الْكَسْبِ كَسْبُ يَدِ الْعَامِلِ إِذا نَصَحَ» .
(234) «خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُها».
(235) «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» .
(236) «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طالَ عُمْرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طالَ مْرُهُ ، وَسَاءَ عَمَلُهُ».
(237) «خَيْرُ دينِكُمُ الْوَرَعُ».
(238) «خَيْرُ شَبابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِالْكُهُولِ ، وَشَرُّ كُهُولِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبابِكُمْ».
(239) «الْخَيْرُ كَثِيْرٌ ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِ قَلِيْلٌ».
(240) «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلَّا كَريمٌ وَلَا أَهانَهُنَّ إِلَّا لئیم».
(241) «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسائِهِ وَلِبَناتِه».
(242) «خَيْرُكُمْ مَنْ أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَلَكَهَا».
(243) «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرآنَ وَعَلَّمَهُ».
(244) «خَيْرُ ما يُخَلِّفُ الْإِنْسانُ بَعْدَهُ ثَلَاتٌ : وَلَدٌ صالح يَدْعُو لَهُ ،
وَصَدَقَةٌ تَجْرِي یَبلُغُهُ أَجْرُها ، وَعِلْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ».
(245) «خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ» .
(246) «خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرِ مُعْطِيهِ ، وَشَرٌّ مِنَ الشَّرِّ فاعِلُهُ».
(247) «خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صِداقاً».
(248) «دَعْ قِيلَ وَقالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ ، وَإِضاعَةَ الْمالِ».
(249) «دَعْ ما يُريبُكَ إِلى ما لَا يُرِيبُكَ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ للِهِ».
(250) «دَلِيْلُ الْخَيْر كَفَاعِلِه».
(251) «الدُّنْيا دُوَلٌ ، فَما كانَ لَكَ أَتاكَ عَلى ضَعْفِكَ ، وَمَا كَانَ مِنْها عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ».
(252) «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكافِرِ».
(253) «الدُّنْيا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
(254) «الدِّينُ النَّصيحَةُ».
(255) «ذِكْرُ اللهِ شِفاء القلوب».
(256) «رَأْسُ الدِّينِ الْوَرَعُ» .
(257) «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللهِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ ، وَاصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ إِلى كُلِّ بَرُّ وفاجِرٍ».
(258) «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الْحَياءُ ، وَحُسْنُ الخُلُقِ».
(259) «رُبَّ حامِلِ فِقْهِ غَيْرِ فَقيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ».
(260) «أَلَا رُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْناً طَويلاً».
(261) «رُبَّ عابِدِ جاهِلٍ ، وَرُبَّ عالِمِ فَاجِرٍ ، فَأحْذَرُوا الْجُهَالَ مِنَ العباد ، وَالْفُجَارَ مِنَ الْعُلَماء».
(262) «رَحِمَ اللهُ امْرَءاً أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِه».
(263) «رَحِمَ اللهُ والِداً أَعانَ وَلَدَهُ عَلى بره» .
(264) «رَحِمَ اللهُ عَبْداً قالَ خَيْراً فَغَيْمَ ، أَوْ سَكَتَ عَنْ سُوءٍ فَسَلِمَ».
(265) «رَحِمَ اللهُ عَيْناً بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَرَحِمَ اللهُ عَيْناً سَهِرَتْ فِي سَبيلِ اللهِ» .
(266) «رِضًا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ».
(267) «رِضًا الرَّبِّ فِي رِضًا الْوالِدَيْنِ ، وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِهِما».
(268) «الرّضاعُ يُغَيِّرُ الطباعَ».
(269) «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطأُ ، وَالنِّسْيانُ، وَمَا اسْتَكْرِهُوا عَلَيْهِ (رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً بِسَاعَةٍ».
(270) «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّها تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
(271) «الزُّهْدُ في الدُّنْيا يُريحُ القَلْبَ وَالْبَدَنَ ، وَالرَّغْبَةُ فيها تُنْعِبُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ.
(272) «الزَّهادَةُ في الدُّنْيا لَيْسَتْ بِتَحْريم الْحَلَالِ ، وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِما فِي يَدِ اللَّهِ ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوابِ الْمُصِيبَةِ إِذا أَنْتَ أُصِبْتَ
بِها أَرْغَبَ مِنْكَ فِيها لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ».
(274) «زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ».
(275) «سائِلُوا الْعُلَماءَ ، وَخاطِبُوا الْحُكَمَاءَ ، وَجالِسُوا الْفُقَراءَ» .
(276) «سابُ الْمَوْتَى كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ».
(277) «السّاعِي عَلَى الْأَرْمِلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، أَوِ الْقائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهارِ».
(278) «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمارَةِ ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْكُمْ حَسْرَةٌ ونَدامَةٌ ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ».
(279) «سَخافَةٌ بِالْمَرْءِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ ضَيْفَهُ».
(280) «سُرْعَةُ الْمَشْيِ يَذْهَبْ بِبَهَاءِ الْمُؤْمِنِ».
(281) «السُّلْطانُ الْعادِلُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ بَلَداً لَيْسَ بِهِ سُلْطانٌ عادِلٌ فَلَا يُقيمنَّ بِه».
(282) «السُّلْطانُ الْعادِلُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللهُ ، وَمَنْ أَمانَهُ أَهانَهُ اللهُ».
(283) «السُّلْطانُ الْعادِلُ ظِلُّ اللهِ فِى الْأَرْضِ ؛ يَأْوِي إِلَيْهِ الضَّعِيفُ ، وَبِه يَنتَصِرُ الْمَظْلُومُ».
(284) «سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعافِيَةَ ، فَإِنَّ أَحَداً لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْراً مِنَ الْعافِيَةِ».
(285) «سَلُوا اللهَ عِلْماً نافعاً ، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ».
(286) «السَّماحُ رِباحٌ ، وَالْعُسْرُ شُومٌ».
(287) «سُوءُ الْخُلُقِ شُومٌ».
(288) «سَيِّدُ الْقَوْمِ خادِمُهُمْ ، وَساقِيهِمْ آخِرُهُمْ شَرَاباً» .
(289) «شابٌ سَخِيٌّ حَسَنُ الخُلُقِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ شَيْخِ بَخيلٍ عَابِدِ سَییٔالْخُلُقِ».
(290) «الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ».
(291) «شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها ، وَشَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ ، وَشَرُّ الْعِذْرَةِ حينَ يَحْضُرُ الْمَوْتِ ، وَشَرُّ النَّدامَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَشَرُّ الْمَأْكَل أَكْلُ مالِ الْيَتيم ، وَشَرُّ الْمَكاسِبِ كَسْبُ الرِّيا».
(292) «شَرُّ النَّاسِ الْمُضَيَّقُ عَلَى أَهْلِهِ».
(293) «شَرُّ النّاسِ مَنْ يَبْغُضُ النَّاسَ وَيَبْغُضُونَهُ»
(294) «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».
(295) «الشَّيْخُ شَابٌ في حُبِّ اثْنَتَيْنِ : فِي حُبِّ طُولِ الْحَيَاةِ ، وَكَثْرَةِ الْمالِ».
(296) «الصَّائِمُ فِي عِبادَةٍ وَإِنْ كانَ نائِماً عَلى فِراشِهِ ما لَمْ يَغْتَبْ مسلماً».
(297) «الصدقُ طُمَأْنينَةٌ ، وَالكِذَّبُ رِيبَةٌ».
(298) «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتَطْفِي غَضَبَ الرَّبِّ ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» .
(299) «الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ باباً مِنَ السُّوءِ» .
(300) «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْكَ ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ».
(301) «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» .
(302) «صِلُوا أَرْحامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ».
(303) «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزيدُ فِي الْعُمْرِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ».
(304) «صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ إِذا صَلُحا صَلُحَ النَّاسُ ، وَإِذا فَسَدا فَسَدَ النّاسُ : الْعُلَماءُ وَالْأَمَراء».
(305) «صَوْتَانِ يُبْغِضُهُما اللهُ: إِعْوالٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ، وَمِزْمارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ».
(306) «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ» .
(307) «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصّابِرِ».
(308) «طَعَامُ السَّحْيَّ دَواءٌ ، وَطَعامُ الشَّحيح داءٌ» .
(309) «الطَّمَعُ يُذْهِبُ الْحِكْمَةَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَماء».
(310) «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ فَحَسُنَ مُنْقَلَبُهُ إِذْ رَضِيَ عَنْهُ رَبَّهُ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ طالَ عُمْرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ فَساء مُنْقَلَبُهُ إِذْ سَخِطَ عَلَيْهِ رَبُّهُ».
(311) «طُوبى لِمَنْ مَلَكَ لِسانَهُ ، وَبَكَى عَلى خَطيئَتِه».
(312) «الظُّلَمَةُ وَأَعْوانُهُمْ فِي النَّارِ».
(313) «الْعِبادَةُ سَبْعَةُ أَجْزاء ؛ أَفْضَلُها طَلَبُ الْحَلَالِ».
(314) «عَجَباً لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْهِ قَضاءً إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ ، سَرَّهُ أَوْ ساءَهُ ، إِنِ ابْتَلَاهُ كانَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَأَكْرَمَهُ كَانَ قَدْ حَباهُ».
(315) ««العَدْلُ حَسَنٌ وَلكِنْ فِي الْأُمَرَاءِ أَحْسَنُ ، السَّحَاءُ حَسَنٌ وَلَكِنْ في الْأَغْنِياءِ أَحْسَنُ الْوَرَعُ حَسَنٌ وَلكِنْ فِى الْعُلَماءِ أَحْسَنُ . الصَّبْرُ حَسَنٌ وَلكِنْ فِى الْفُقَراءِ أَحْسَنُ ، التَّوْبَةُ حَسَنٌ وَلَكِنْ الشَّبابِ أَحْسَنُ الْحَياءُ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي النِّسَاء أَحْسَنُ».
(316) «عَدْلُ ساعَةِ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ سَنَةٍ».
(317) «عُدْ مَنْ لَا يَعُودُكَ ، وَاهْدِ لِمَنْ لَا يَهْدِي لَكَ».
(318) «عِدَةُ الْمُؤْمِنِ كَأَخْذِ بِالْيَدِ».
(319) «الْعِدَةُ دَيْنٌ، وَيْلٌ لِمَنْ وَعَدَ ثُمَّ أَخْلَفَ : وَيْلٌ لِمَنْ وَعَدَ ثُمَّ أَخْلَفَ! وَيْلٌ لِمَنْ وَعَدَ ثُمَّ أَخْلَفَ» .
(320) «عرامَةُ الصَّبِيَّ في صِغَرِهِ زِيادَةٌ فِي عَقْلِهِ فِي كِبَرِهِ» .
(321) «عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ، وَأَحْبِبْ ما أَحْبَيْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِه».
(322) «الْعَفَافُ زِينَةُ النِّساءِ».
(323) «عَفْوُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ».
(324) «عَلَامَةُ رِضَى اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ رَخْصُ أسعارِهِمْ ، وَعَدْلُ سُلْطَانِه وَعَلَامَةُ غَضَبِ اللهِ عَلى خَلْقِهِ جَوْرُ سُلْطانِهِمْ ، وَغَلَاءٌ أَسْعَارِهِمْ».
(325) «الْعِلْمُ وَالْمَالُ يَسْتَرانِ كُلَّ عَيْبٍ ، وَالجَهْلُ وَالْفَقْرُ يَكْشِفَانِ كُلَّ عَيْبٍ».
(326) «عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ ، وَإِيَّاكَ وَالْعُنْفَ وَالْفَحْشَ».
(327) «عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الحاضر».
(328) «عَلَيْكُمْ بِالْصِّدْقِ فَإِنَّهُ بابٌ مِنَ أَبْوابِ الْجَنَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكِذْبَ فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ النَّارِ».
(329) «عَمَى الْقَلْبِ الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى».
(330) «غَريبتانِ كَلِمَةُ حِكْمَةٍ مِنْ سَفِيهِ فَاقْبَلُوها ، وَكَلِمَةُ سَيِّئَةٍ مِنْ حَكِيمٍ فَاغْفِرُوها».
(331) «الْغِلُّ وَالْحَسُدُ يَأْكُلانِ الْحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الْحَطَبَ».
(332) «الْغِيبَةُ ذِكْرُكَ أَحاكَ بِما يَكْرَهُ».
(333) «افُضُوحُ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحٍ الْآخِرَةِ».
(334) «فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةٌ» .
(335) «الْقُرْآنُ هُوَ الدَّواءُ» .
(336) «قُلِ الْحَقَّ وَإِن كَانَ مُرّاً».
(337) «قَلْبُ الشَّيْخ شاب على حُبِّ اثْنَتَيْنِ : حُبُّ الْعَيْشِ وَالْأَملِ».
(338) «قِلَّةُ الْعِيالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ».
(339) «الْقَناعَةُ مالٌ لَا يَنْفَدُ».
(340) «قُوا بِأَمْوالِكُمْ عَنْ أَعْراضِكُمْ» .
(341) «قُولُوا خَيْراً تَغْنَمُوا ، وَاسْكُتُوا عَنْ شَرِّ تَسْلَمُوا» .
(342) «قَيْدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتابِ».
(343) «الكاسِبُ مِنْ يَدِهِ خَلِيلُ اللهِ».
(344) «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ جُوعِ ، وَالنَّوْمُ مَنْ غَيْرِ سَهْرٍ، وَالضَّحْكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ».
(345) «كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُميتُ الْقَلْبَ».
(346) «الْكِذْبُ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا ما نَفَعَ بِهِ مُسْلِمٌ».
(347) «الْكَرَمُ التَّقْوى ، وَالشَّرَفُ التَّواضُعُ ، وَالْيَقينُ الْغِنى».
(348) «كَرَمُ الْمَرْءِ دينُهُ ، ومُرُوتُهُ عَقْلُهُ ، وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ».
(349) «كَفَارَةُ الذَّنْبِ النَّدامَةُ ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَآتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ لِيَغْفِرَ لَهُمْ».
(350) «كَفَى بِالدَّهْر واعِظاً وَبِالْمَوْتِ مُفَرِّقاً».
(351) «كَفَى بِالْمَرْءِ إِنْمَا أَنْ يُضِيعَ مَنْ يَقوتُ».
(352) «كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْماً أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِنَفْسِه».
(353) «كَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهَا إِذا عَبَدَ اللهَ ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً إِذا
أُعْجِبَ بِرَأْيِه».
(354) «كَفَى بِالْمَوْتِ واعِظَاً ، وَكَفَى بِالتَّقَى غِنى ، وَكَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغْلاً ، وَكَفَى بِالْقِيَامَةِ مَوْئِلاً وَبِاللهِ مُجازِياً».
(355) «كُلُّ خُلَّةٍ يُطْبَعُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ إِلَّا الْخِيانَةَ وَالْكِذْبَ».
(356) «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَن يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكَاً أَوْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعمَّداً».
(357) «كُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ إِلَّا صَاحِبَ التَّواضُعِ».
(358) «كُلُّ قَرْضِ صَدَقَةٌ».
(359) «كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
(360) «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».
(361) «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إِلَى غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرِ فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
(362) «كُلُّ مُؤْذٍ في النار».
(363) «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».
(364) «كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِل يَوْماً لَا يَسْتَكْمِلُهُ ، وَمُنتَظِرٍ غَداً لَا يَبْلُغُهُ» .
(365) «الْكَيْسُ مَنْ دانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعاجِزُ مَنْ اتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنِّى عَلَى اللَّهِ الْأَماني».
(366) «لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أمانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لَمِنْ لَا عَهْدَ لَهُ».
(367) «لَا تَحاسدوا ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا تَباغَضُوا ، وَلَا تَدابَرُوا ، وَكُونُوا
عِبادَ اللهِ إِخْواناً ، وَلَا تَكُونُوا عَيَّابينَ ، وَلَا مَدّاحينَ ، وَلَا طَعَانينَ» .
(368) «لَا تَخْرِقَنَّ عَلى أَحَدٍ سِتْراً».
(369) «لَا تَرُدُّوا السّائِلَ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ» .
(370) «لَا تَسُبُّوا الْأَمْواتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» .
(371) «لَا تَسُبُّوا الْأَمْواتَ فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ».
(372) «لَا تُظْهِرِ السَّمائَةَ لِأَخِيكَ فَيُعافِيهِ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» .
(373) «لَا تَضَعُوا الْحِكْمَةَ عِنْدَ غَيْر أَهْلِها فَتَظْلِمُوها ، وَلَا تَمْنَعُوْها أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ».
(374) «لَا تَعْمَلْ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِئَاءَ ، وَلَا تَدَعْهُ حَيَاءٌ» .
(375) «لَا تَغْتابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَبَّعُوا عَوراتِهِمْ».
(376) «لَا تَغْضَبْ فَإِنَّ الْغَضَبَ مَفْسَدَةٌ».
(377) «لَا تُكْثِرُ هَمَّكَ ما قُدِّرَ يَكُنْ وَما تُرْزَقُ يَأْتِك».
(378) «لَا تُمارِ أَخَاكَ ، وَلَا تُمازِحْهُ ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ».
(379) «لَا تَمْسَحْ يَدَكَ بِثَوْبِ مَنْ لَا تَكْسُوهُ».
(380) «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٌّ».
(381) «لَا خَيْرَ لَك فى صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرى لَكَ ما يَرى لِنَفْسِهِ»
(382) «لَا دينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ».
(383) «لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتاج» .
(384) «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ».
(385) «لَا عَقْلَ كالتَّدْبِيرِ ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ».
(386) «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّىٰ يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِما بِهِ الْبَأْسُ».
(387) «الَا يَزالُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فِي تُهْمَةِ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ حَتَّىٰ يَكُونَ أَعْظَمَ جُرْماً مِنَ السَّارِقِ» .
(388) «لَا يَشْبَعُ عالِمٌ مِنْ عِلْمِهِ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ».
(389) «لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ».
(390) «لَا يُلْدَغَ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَينِ» .
(391) «لَعَنَ اللهُ الرّاشِيَ وَالْمُرْتَشيَ وَالَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما» .
(392) «الَعَنَ اللهُ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا ، وَبَينَ الْأَخِ وَأَخِيهِ».
(393) «لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ إِلَّا سُوءُ الْخُلُقِ».
(394) «لِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ وَعِمَادُ هَذَا الدِّينِ الْفِقْهُ».
(395) «وَلِلْكَسْلانِ ثَلاثُ عَلاماتِ : يَتَوانِى حَتَّى يُفَرِّطَ ، وَيُفَرِّطُ حَتَّىٰ يُضَيَّعَ ، وَيُضَيِّعُ حَتَّى يَأْثَمَ».
(396) «اللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».
(397) «الَمْ يَكْذِبْ مَنْ نَمَى بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِحَ».
(398) «لَوْ بَعْىٰ جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَدَكَ اللهُ الْباغِيَ مِنْهُما».
(399) «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثيراً» .
(400) «تَهَادَوْا فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ وَلَوْ دُعيتُ إِلى كَراعٍ لأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كَراعٌ لَقَبِلْتُ».
(401) «لَوْلَا الْمَرْأَةُ لَدَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ».
(402) «لَوْلَا أَنَّ الْمَاضِي فَرَطُ الْباقِي ، وَأَنَّ الْآخِرَ لا حِقِّ بِالْأَوَّلِ ، لَحَزَنَا عَلَيْكَ يا إِبْراهِيمَ، ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنُهُ» ، وَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَى الرَّبُّ ، وَإِنَّا بِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْرُونُونَ».
(403) «قُلِ اللَّهُمَّ اِنّى أَسْأَلُكَ نَفْساً مُطْمَئِنَّةٌ تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ وَتَرْضَى بِقَضائِكَ وَتَقْنَعُ بِعَطائِكَ».
(404) «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المالَ أَمِنْ حَلالٍ أَمْ مِنْ حَرامٍ».
(405) «لَا تَزالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَما فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم».
(406) «لَيَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبُ بِها عَلَى ظَهْرِهِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلُهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ».
(407) «لَيْسَ الغِنى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ وَلَكِنَّ الغِنى غِنَى النَّفْسِ».
(408) «لَيْسَ المُؤْمِنُ الَّذي يَشْبَعُ وَجارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِه» .
(409) «أَصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ وَلَوْ تَعْنِي الكِذَّبَ».
(410) «لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِالدِّينِ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ».
(411) «لَيْسَ لِفَاسِقِ غَيْبَةٌ».
(412) «لَيْسَ مِنّا مَنْ غَشَّ مُسْلِماً أَوْ ضَرَّهُ أَوْ مَا كَرَهُ».
(413) «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوفِّرِ الكَبِيرَ وَيَرْحَمِ الصَّغِيرَ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَن المُنْكَر».
(414) «ما أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْداً لِلَّهِ إِلَّا أَكْرَمَهُ رَبُّهُ».
(415) «ما اسْتَرْعَى اللهُ عَبْداً رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِنُصْحِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
(416) «ما أَسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَهَا إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرَا فَشَرِ».
(417) «ما أَعَدَّ اللهُ بِجَهْلِ قَطُّ وَلَا أَذَلَّ اللَّهُ بِحِلْمٍ قَطُّ».
(418) «مَا اكْتَسَبَ مُحْتَسِبٌ مِثْلَ فَضْلِ عِلْمٍ يَهْدِي صاحِبَهُ إِلى هُدى، أو يَرُدُّهُ عَنْ رَدى ، وَلَا اسْتَقَامَ دِينُهُ حَتَّىٰ يَسْتَقِيمَ عَقْلَهُ».
(419) «ما أَكْرَمَ شَابٌ شَيْخاً لِسِنَهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ عِنْدَ سِنْهِ مَنْ يُكْرِمُهُ».
(420) «ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعاماً فَطُ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ داوُدَ كانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَل يَدِهِ» .
(421) «ما أَهْدَى الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ لأَخِيهِ هَدِيَّةٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ
يَزيدُهُ اللهُ بِها هُدى أَوْ يَرُدُّهُ بِها عَنْ رَدى» .
(422) «ما زانَ اللهُ الْعِبادَ بِزِينَةٍ أَفْضَلَ مِنْ زَهَادَةٍ فِي الدُّنْيَا ، وَعِفافٍ في بَطْنِهِ وَفَرْجِه» .
(423) «ما سَلَّطَ اللَّهُ الْقَحْطَ عَلَى قَوْمِ إِلَّا بِتَمَرُّدِهِمُ عَلَى اللهِ» .
(424) «ما ضاقَ مَجلِسٌ بِمُتَحابَّيْنِ» .
(425) «ما كانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زانَهُ ، وَلَا كَانَ الْخُرْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شانه» .
(426) «عالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ عابِدِ».
(427) «مَا مِنْ أَحَدٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ إِمَامٍ إِنْ قالَ صَدَقَ ، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ».
(428) «ما مِنْ صَدَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ».
(429) «ما مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ إِشْبَاعِ كَبِدِ جَائِعِ».
(430) «ما هَلَكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ».
(431) «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ السُّنْبُلَةِ يُحَرِّكُهَا الرّيحُ فَتَقُومُ مَرَّةً وَتَفَعُ أُخْرى ، وَمَثَلُ الْكافِر كَمَثَلِ الأُرُزَةِ لَا تَزالُ قائِمَةٌ حَتَّى تَنْفَعِرَ».
(433) «الْمُجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فى طَاعَةِ اللهِ».
(433) «الْمُحْسِنُ الْمَذْمُومُ مَرْحُومٌ».
(434) «مُداراةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ».
(435) «مَنِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الضَّجَرُ رَحَلَتْ عَنْهُ الرّاحَةُ».
(436) «مَنْ أَرادَ اللهُ به خَيْراً رَزَقَهُ اللهُ خَليلاً صالِحاً».
(437) «مَنْ أَذْنَبَ وَهُوَ يَضْحَكُ دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي» .
(438) «مَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ أَعَزُّ مِمَّنْ تَعَزَّزَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ» .
(439) «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بما في يَدِهِ».
(440) «مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حَشَرَهُ اللهُ في زُمْرَتِهِمْ».
(441) «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ» .
(442) «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النّاسِ فَلْيَتَّقِ اللهَ» .
(443) «مَنْ آثَرَ مَحَبَّةَ اللهِ عَلَى مَحَبَّةِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ» .
(444) «مَنْ أَتى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكافُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَأَثْنُوه فَإِنَّ الثَّناءَ جزاء».
(445) «مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقاهُ كُلَّ شَيْءٍ» .
(446) «مَنْ آتَاهُ اللهُ خَيْراً فَلْيَرَ عَلَيْهِ».
(447) «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» .
(448) «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إِلا يَرْفَعُ عَلَى الْآخَرِ».
(449) «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ في في لحظه وإشارَتِهِ وَمَجْلِسِهِ».
(450) «مَلْعُونٌ مَنْ الْقى كَلَّهُ عَلَى النَّاسِ» .
(451) «مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ ، مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ».
(452) «مِلَالُ الدِّينِ الْوَرَعُ».
(453) «الْمَكْرُ وَالْخَديعَةُ وَالْخِيانَةُ فى النّارِ».
(454) «مُرُوءَتُنا أَهْلِ الْبَيْتِ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَنا ، وَإِعْطاءُ مَنْ حَرَمَنا» .
(455) «مَنْ أَصْبَحَ مِنْ أُمَّتِي وَهِمَّتُهُ غَيْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالذُّلِّ طَائِعاً فَلَيْسَ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» .
(456) «مَنْ أَعانَ عَلَىٰ خُصومَةٍ بِظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ».
(457) «مَنْ أَعانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ».
(458) «مَنْ اعْتَزَ بِالْعَبِيدِ أَذَلَّهُ اللهُ».
(459) «مَن أَعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً : مَنْ أَعْطِيَ الْإِسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ ، وَمَنْ أعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزّيادَةَ ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ ، وَمَنْ أَعْطِيَ الدُّعاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ» .
(460) «مِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا النِّسَانُ الْكَذُوبُ» .
(461) «مَن اقْتَرَبَ أَبوابَ السَّلَاطينَ افْتَتَنَ».
(462) «من أَكَلَ مَا يَشْتَهِي ، وَلَبِسَ مَا يَشْتَهِي ، وَرَكِبَ مَا يَشْتَهِي ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَنْزَعَ أَوْ يَتْرُكَ».
(463) «مِنَ الْبِرِّ أَن تَصِلَ صَدِيقَ أَبِيكَ».
(464) «مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ تُسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْتَ طَلِقُ الْوَجْهِ».
(465) «مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَياءِ فَلَا غِيْبَةَ لَهُ».
(466) «مَنْ بَدأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ»
(467) «مَنْ بَلَغَ حَداً في غَيْرِ حَقٌّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» .
(468) «مَنْ تَأَنَّى أَصابَ أَوْ كادَ ، وَمَنْ عَجَّلَ أَخْطَأَ أَوْ كادَ».
(469) «مَنْ تَأَنَّى أَدْرَكَ ما تَمَنِّى».
(470) «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
(471) «مَنْ تَعَوَّدَ كَثْرَةَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ قَسا قَلْبُهُ».
(472) «مَنْ تَفاقَرَ افْتَقَرَ».
(473) «مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ الْأَخَذُ بِالْيَدِ» .
(474) «مَنْ جادَلَ فِي خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهُ حَتَّى يَنْزَعَ».
(475) «مَنْ حُرِمَ الرَّفْقَ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ».
(476) «مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
(477) «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فاعِلِه».
(478) «مَنْ رَدَّ عَنَ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النّارَ».
(479) «مَنْ رَفِقَ بِأُمَّتِي رَفِقَ اللهُ بِه».
(480) «مَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتِلِهِ».
(481) «مَنْ زَهَدَ فِي الدُّنْيا عَلَّمَهُ اللهُ بِلا تَعَلَّمٍ وَجَعَلَهُ بَصِيراً» .
(482) «مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ».
(483) «مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ : الْمَسْكَنُ ، وَالجَارُ الصَّالِحُ ، وَالمَرْكَبُ الْهَني».
(484) «مَنْ ضَرَبَ بِسَوطٍ ظُلْماً أَقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
(485) «مَنْ ضَمَّ يَتِيماً لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ حَتَّى يُغْنِيهِ اللَّهُ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
(486) «مَنْ طَلَبَ رِضى مَخْلُوقٍ بِسَخَطِ الْخالِقِ سَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ذلِكَ الْمَخْلُوقَ».
(487) «مَنْ عَزَى مُصاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ».
(488) «مَنْ عَفَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْعُسْرَةِ».
(489) «مَنْ غالَبَ اللهَ غَلَبَهُ ، وَمَنْ خادَعَ اللَّهَ خَدَعَهُ».
(490) «مَنْ فُتِحَ لَهُ بابٌ مِنْ خَيْرٍ فَلْيَنْتَهِزْهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عنه» .
(491) «مِنْ فِقْهِ الرَّجُل أَنْ يُصْلِحَ مَعيشَتَهُ ، وَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيا طَلَب ما يُصْلِحُكَ».
(492) «مَنْ قَطَعَ رَحِماً أَوْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ فَاجِرَةِ رَأَىٰ وَبَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ».
(493) «مَنْ قَلَّ طَعْمُهُ صَحَ بَدَنُهُ ، وَمَنْ كَثُرَ طَعْمُهُ سَقُمَ بَدَنُهَ ، وَقَسا قَلْبُهُ».
(494) «مَنْ كانَ حالِفاً فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ».
(495) «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَفِ إِذا وَعَدَ».
(496) «مَنْ كَتَمَ عِلْماً عَنْ أَهْلِهِ أَلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِجاماً مِنْ نارٍ».
(497) «مَنْ كَثرَ هَمُّهُ سَقُمَ بَدَنُهُ ، وَمَنْ ساءَ خُلُقُهُ عَذَبَ نَفْسَهُ ، وَمَنْ لَاحَى الرّجالَ ذَهَبَتْ مُروَّتُهُ وَكَرامَتُهُ» .
(498) «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّهُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
(499) «مَنْ كَفَّ لِسانَهُ عَنْ أَعْراضِ النَّاسِ أَقالَهُ اللهُ عَكْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
(500) «مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَعٌ يَصُدُّهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِذا خَلَا لَمْ يَعْبَأُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ» .
(501) «مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلمُهُ يَضُرُّهُ جَهْلُهُ».
(502) «مَنْ مَشَىٰ مَعَ ظَالِمٍ فَقَدْ أَجْرَمَ».
(503) «مَنْ هَمَّ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَرَكَهُ كانَتْ لَهُ حَسَنَةٌ».
(504) «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ».
(505) «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه فِي الدُّنْيا».
(506) «مَنْ يَغْفِرْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ ، وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ».
(507) «الْمُؤْمِنُ حَرامٌ كُلُّهُ : عِرْضُهُ ، وَمَالُهُ ، وَدَمُهُ» .
(508) «الْمُؤْمِنُ غُرِّ كَريمٌ ، وَالْفَاجِرُ حِبِّ لَئيمٌ» .
(509) «الْمُؤْمِنُ كَيَّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ».
(510) «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبَنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعْضَاً».
(511) «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ، أَخو المُؤْمِنِ ؛ يَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» .
(512) «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَ دِمائِهِمْ».
(513) «الْمُؤْمِنُ مَنْفَعَةٌ ، إِنْ ماشَيْتَهُ نَفَعَكَ ، وَإِنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ ، وَإِنْ شارَكْتَهُ نَفَعَكَ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ مَنْفَعَةٌ».
(514) «النَّاسُ أَشْبَهُ بِزَمَانِهِمْ».
(515) «النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ».
(516) «النَّدَمُ تَوْبَةٌ».
(517) «النظافَةُ مِنَ الْإِيمَانِ».
(518) «نَظَرُ الْوَلَدِ إِلَى وَالِدَيْهِ حُبّاً لَهُما عِبادَةٌ».
(519) «نِعْمَ الشَّفِيعُ القُرْآنُ لِصاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة».
(520) «نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ أَمامِ الْحَاجَةِ».
(521) «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنى».
(522) «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْمَالُ».
(523) «نِعْمَ الْمَالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» .
(524) «نِعْمَ الْهَدِيَّةُ الْكَلِمَةُ مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ».
(525) «نَوْمٌ عَلَى عِلم خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ عَلى جَهل» .
(526) «النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ تُدْخِلُ صاحِبَهَا الْجَنَّةَ».
(527) «وَجَبَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ غَضَبَ فَحَلُمَ».
(528) «الورعُ سَيِّدُ العَمَلُ» .
(529) «وَزِنَ حِبْرُ الْعُلَماءِ بِدَمِ الشُّهَداءِ فَرَجَحَ عليهِ».
(530) «الْوَلَدُ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ».
(531) «وَيْلٌ لِمَنِ اسْتَطَالَ عَلَى مُسْلِمٍ فَانْتَقَصَ حَقَّهُ».
(532) «الْوَيْلُ لِمَنْ تَرَكَ عِيالَهُ بِخَيْرِ ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ بِشَرٍّ» .
(533) «الْهَدِيَّةُ رِزْقٌ مِنَ اللهِ ، فَمَنْ أَهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَقْبَلْهُ».
(534) «الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ».
(535) «يأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ كِتَاباً ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذِنْباً أَكَلَتْهُ الذِّئاب».
(536) «الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعُولُ».
(537) «يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ».
(538) «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مُنْفِقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ، مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ».
وبهذه الكلمات الرائعة التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نطوي حديثنا عن كلماته القصار التي شملت جميع قضايا الحياة ، وقد اقتبسناها من نهج الفصاحة تأليف الشيخ الفاضل غلام حسين المجيدي دون مصادرها تجنّباً للإطالة . ومن الجدير بالذكر أنّ الكلمات التي ذكرنا مصادرها لم نقتبسها من الكتاب المذكور.
والله تعالى ولي التوفيق
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)
في سَاجَاتِ الحُرُوبُ وَالمَعَارِكِ
واقعة بدیٍٔ
احتلت واقعة بدر مركزاً مهماً في تاريخ الإسلام ، فقد فتح الله تعالى بها الفتح المبين، والنصر الحاسم لعبده ورسوله محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأعزّ دينه ، وأذل أعداءه ، وقهر خصومه الذين انطوت أفكارهم على الجهل والغطرسة والأنانية .
لقد كانت واقعة بدر بداية لارتفاع راية الإسلام وفتوحاته ، واندحار معالم الجاهليّة ، ونعرض لبعض فصولها:
أما الحياة الاقتصادية في مكة فكانت تعتمد بصورة أولية على التجارة إلى الشام ، فكان تجار مكة يجلبون منها ما تحتاجه بلدهم من السلع الضرورية والكمالية ، وكانت أضخم تجارة لهم خرج بها أبوسفيان ومعه سبعون قرشيّاً ، وقد نضوا ما كان معهم من سلع ، واشتروا من البضائع ما يريدون ، ثمّ قفلوا راجعين إلى وطنهم ، وعلم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك ، وكان يتحين الفرص للاستيلاء على أموالهم لإضعافهم اقتصادياً حتى لا يتمكنون من مناجزته ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه :
«هذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ ، فَاخْرِجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهُ تَعَالَى يُنْفِلُكُموها».
وعلم أبو سفيان بما دبّر له فخاف أن يعترضه المسلمون ، ويصادرون تجارتهم ، ويقتلون من كان معه من فتيان قريش .
واستنجد أبو سفيان بالقرشيين لحمايته ، وحماية البضائع التي كانت معه به ، فأوفد لهم ضَمْضَم بن عَمْر و الغفاري، وأخذ يجد السير لا يلوي على شيء حتى دخل مكة بصورة مذهلة قد قطع أذني بعيره ، وجدع أنفه ، وحوّل رخله ، وشق قميصه من قبل ومن دبر ، رافعاً عقيرته مشفوعاً بالحزن قائلاً بأعلى صوته :
«يا معشر قريش ، اللطيمة(1).. اللطيمة .. أموالكم مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمد فى أصحابه ، لا أرى أن تُدركوها .. الغوْثَ .. الغوْثَ » .
فكان نداؤه كالصاعقة على رؤوس القرشيين ، فقد أصابهم زلزال مدمر من الفزع والذعر ، فقد خافوا على أموالهم ، وخافوا على زعيمهم أبي سفيان ، وعلى مَن كان معه من فتيانهم .
رأت السيدة عاتكة بنت عبدالمطلب في منامها رؤيا أفزعتها ، فسارعت إلى أخيها العباس بن عبد المطّلب تريد أن نقصها عليه قائلةً:
«إني رأيت رُؤْيا أفزعتني» .
وسارع العباس قائلاً:
«ما رأيت ؟» .
وأخذت تبدي خوفها وفزعها قائلة :
«إنِّي أتخوّف على قومك منها شراً عظيماً ، فاكتُمْ عنّى ما أحدثك به».
1) اللطيمة : الإبل التي عليها التجارة .
«أفعل ذلك».
وأخذت تقص عليه رؤياها ..
«رأيتُ راكباً أقبل على بعير له ، حتى وقف بالأبطح ، ثمّ صرخ بأعلى صوته : ألا انفِرُوا يا آل غدر(1)المصارعكم في ثلاث ، فأرى النّاسَ اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والنّاسُ يَتَّبعونه ، فبينما هم حوله مَثَل به بعیره(2)على ظهر الكعبة ، ثمّ صرخ بمثلها ، ألا انفروا بالغُدر لمصارعكم في ثلاث ، ثمّ مثل به بعيره على رأس أبي قبيس(3)فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضتُ(4)، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة(5)».
وبهر العبّاس بهذه الرؤيا، وأوصاها بكتمانها ، وقد استوعب فكره خوفاً على قومه ، والتقى بالوليد بن عتبة ، وكان له صديقاً حميماً ، فحدّثه برؤيا أخته ، وفشا الوليد بهذه الرؤيا ، فتحدثت بها أوساط قريش ، وسارع أبو جهل إلى العباس قائلاً:
«يا بني عبد المطلب ، متى حدثَتْ فيكم هذه النبيّة ؟» ، يعني عاتكة .
«ما ذاك ؟» .
«تلك الرؤيا التي رأت عاتكة» .
«ما رأت ؟» .
«يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعَمتْ عائكة في رؤياها أنّه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقاً
ما تقول فسيكون ، وإن تَمْض الثلاثُ ، ولم يكن شيء من ذلك ، نكتب عليكم كتاباً أنّكم أكذبُ أهل بيت في العرب...» .
وأنكر العبّاس رؤيا عاتكة ، وأنّ ذلك قد ألصق بها ، ولم يعن أبو جهل بذلك ، ولامت العباس نساء بني عبد المطلب على موقفه المتخاذل أمام أبي جهل ، وعبن عليه ذلك .
ولم تمض الأيام الثلاث من رؤيا عائكة حتى قدم ضَمْضم بن عمرو مكة مرعوباً يستغيث ويستجير بقريش لإنقاذ تجارتهم من أيدي المسلمين ، وبذلك فقد صدقت رؤيا عاتكة .
وهرعت قريش عن بكرة أبيها لحماية أبي سفيان ، وحماية تجارتها ، ولم يتخلّف أحد من أشراف قريش سوى أبي لهب ، فقد بعث مكانه العاص بن هشام ، وكان مديناً له ، بأربعة آلاف درهم ، وقد أفلس بها فاستأجره مكانها ، فخرج نيابة عنه ، كما توقف عن الخروج أمية بن خلف ، وكان شيخاً جليلاً جسيماً ، فأتاه وهو في المسجد عُقبة بن أبي مُعَيط ومعه أبو جهل بمكحلة ومرود ، ووضع أمامه مجْمَرة فيها نار ، وقال له : «استَجْمر ، فإنّما أنت من النساء» .
وقال له أبو جهل : «اكتحل ، إنّما أنت امرأة» ، فشقّ عليه ذلك ، وأمرهم أن يبتاعوا له أفضل بعير في الوادي ، فأتوا به ، فخرج معهم ولم يبق بمكة متخلّف قادر على حمل السلاح إلا خرج .
وخرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من يثرب لثمان خلوّن من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة ، ومعه جيشه المتسلّح بالإيمان ، وعدده خمسة وثلثمائة رجل ، منهم ثلاثة
وثمانون من المهاجرين ، وواحد وستون من الأوس ، والباقي من الخزرج ، ولم تكن عندهم قوّة كافية من العتاد ، فقد كانت إبلهم سبعين بعيراً يتعاقبون عليها كل اثنين منهم أو ثلاثة أو أربعة يتعاقبون بعيراً ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ومَرْتَد بن أبي مَرْثد الغنوي يتعقبون بعيراً ، وسار المسلمون مسرعين لملاحقة أبي سفيان، والاستيلاء على البضائع التي معه ، وانطلق المسلمون في مسيرتهم ، فأخبروا أنّ أبا سفيان قد أفلت من قبضتهم ، وقد فوجئوا بأن قريشاً قد خرجت للدفاع عن أبي سفيان وعن تجارتها .
من سمو أخلاق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مشاورته لأصحابه في الشؤون السياسية ، وغيرها من الأمور العامة التي ترجع إلى تدبير الدولة ، وقد أدبه الله تعالى بذلك ، قال عز اسمه : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ(1).
وعلى أي حال، فقد عرف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بخروج قريش لحماية تجارتهم ، فاستشار أصحابه في الأمر ، فأشار عليه أبو بكر وعمر برأي لم يذكر في سيرة ابن هشام، وانبرى إليه المقداد بن عمرو فقال له بصدق وعزيمة وإيمان :
«امض يا رسول الله لما أراك الله تعالى ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ(2)، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغماد(3)لجالدنا معك من دونه حتى تَبْلُغه ...».
وشكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المقداد، وأثنى عليه ، ودعا له ، ثم التفت إلى أصحابه قائلاً: «أَشِيرُوا عَلَى أَيُّهَا النَّاسُ..».
وقد قصد بذلك الأنصار الذين هم العمود الفقري في جيشه ؛ لأنّهم قد بايعوه بالعقبة على أن يحموه كما يحموا أبناءهم ونساءهم ما دام في ديارهم ، وأراد التعرّف على بقاءهم والتزامهم بما عاهدوه ، وانطلق سعد بن معاذ وقد فهم ما أراد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له :
«يا رسول الله ، كأنك تريدنا ؟» .
«أجل».
وراح سعد يعلن دعمه الكامل للنبي قائلاً:
«قد آمنا بك وصدقناك ، وشَهِدنا أنّ ما جئتَ به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عُهودَنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحقِّ ، لو استعرضت بنا هذا البحرَ فَخُضْتَه لخُضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنَّا لَصُبْرٌ في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله - تعالى - يُريك منا ما تقرُّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله تعالى...».
حكت هذه الكلمات إيمان سعد ، وتصميمه على الذب عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مهما تلبّدت الظروف بالمخاوف، وأنه مع الأنصار يفدون النبيّ بأرواحهم وأموالهم ، ويقفون إلى جانبه لا يحيدون عنه ، وسرّ النبي بمقالة سعد ، وراح يبشر أصحابه بالظفر بأعدائهم قائلاً:
«سيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآن أَنْظُرُ مَصارعَ الْقَوْم».
وتحقق ما تنبأ به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فلم تمض حفنة من الأيام وإذا بعيون القرشيين وزعمائهم صرعى ، وألقيت جيفهم في القليب تلاحقهم اللعنة والعذاب الأليم .
وجعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يتطلع أخبار قريش ، والوقوف على مكان إقامتهم ، وتعداد عددهم ، فأوعز إلى كوكبة من أصحابه في طليعتهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يوافوه بأنبائهم ، وخرج الإمام مع جماعته فألقوا القبض على غلامين لقريش ، فسألوهما :
«من أنتما ؟» .
فقالا : «نحن سُقاة قريش ، بعثونا لنسقيهم الماء » ، فلم يرتضوا مقالتهما ، وأوسعوهما ضرباً ، فقالا : «نحن لأبي سفيان».
وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مشغولاً بصلاته ، فلما فرغ منها قال : «إِذا صَدَّقاكُم ضَرَبْتُموهُما ، وَإِذا كَذَّباكُم تَرَكْتُموهُما» ، ثمّ سألهما النبي عن قريش ، فقالا : «هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب : العَقَنْقَل..» ، ثمّ سألهما النبي :
«كَمِ الْقَوْمِ ؟».
«كثيرون» .
«ما عِدَّتُهُم ؟».
«لا ندري» .
«كَمْ يَنْحَرُون كُلَّ يَوْم ؟».
«يوماً تسعاً - من الإبل - ويوماً عشراً» .
واستشف النبي عددهم ، فقال : «القَوْمُ ما بَيْنَ التَّسْعمانَةِ وَالأَلف»، ثم سألهما : «مَنْ فِيهِم مِنْ أَشْرافِ قُرَيْش ؟» .
«عتبة بن ربيعة ، وشَيْبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر، وطُعَيْمة بن عَدِي ، والنضر بن الحارث ،
وزَمَعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وسهيل بن عمرو ، ونبيه ومُنبّه ابنا الحجّاج ، وعمرو بن عبد ود» .
وأقبل النبي على أصحابه فقال لهم :
«هذِهِ مَكَةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُم أَفْلَاذَ كَبِدِها...».
لقد أقبلت مكة بأفلاذ أكبادها ، وأعزّ أبنائها ليذلّها الله تعالى وينتقم منها ، ويسفك دماءها على يد أعز أوليائه ، وحماة دينه.
وانتظر المسلمون مرور أبي سفيان ليستولوا على تجارته ، إلا أنه أفلت منهم، فقد سبقهم إلى المكان الذي فيه الماء ليستقي منه ، فوجد مجدي بن عمرو ، فسأله : هل رأى أحداً ؟ فقال له : «إنّه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التل» ، فأتى أبو سفيان مناخهما ، فوجد فيه روثاً ، فأخذ منه روثة وفتتها فوجد فيها نواة ، فعرف أنها من علائف يَثْرب ، فأسرع إلى أصحابه وأخبرهم بالأمر ، وعدل عن الطريق ، ونجا من المسلمين.
وأرسل أبو سفيان رسولاً إلى قريش يخبرهم بنجاة تجارته ، ويطلب منهم العودة إلى مكة ، ومضى رسوله فأخبرهم ، ورأى غير واحد منهم الصواب في الرجوع إلى بلدهم إلا أن أبا جهل صاح :
«لا ترجع حتى نرد بدراً فتقيم فيه ثلاثاً ، فَنتحر الجُزر ، ونُطْعَم الطعام ، ونُسْقَى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب فيها بوننا» ، واستجاب له قوم، فمكثوا معه ، ولم يستجب له آخرون ، فقفلوا راجعين إلى مكة .
أقام المسلمون في واد دهس ، وهو المكان اللين الذي لم يبلغ فيه الرمل ، بحيث لو أرادوا أن يرحلوا عنه لرحلوا ، أما المكيون فقد أقاموا في مكان عثر لو أرادوا أن يرحلوا لما استطاعوا ، وكان ذلك من غضب الله تعالى عليهم وما سيواجهه من مصير مظلم .
ولم يكن المكان الذي أقام فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صالحاً للعمليات الحربية ، فأقبل عليه الحُباب بن المنذر بن الجموح ، وكان بصيراً بالشؤون العسكرية ، فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أرأيتَ هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟».
وراح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يخبره بواقع الأمر قائلاً:
«بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ والمَكيدَةُ».
فقال الحباب :
«يا رسول الله ، فإنّ هذا ليس بمنزل ، فانهض بالنّاس حتّى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ، ثمّ نُغَوّر ما وراءه من القلب ، ثمّ نبني عليه حوضاً فنَمْلؤه ماء ، ثمّ نقاتل القوم ، فتشرب ولا يشربون».
واستحسن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا الرأي الأصيل الذي تنجح فيه العمليات الحربية ؛ لأنّ المقاتل أحوج ما يكون إلى الماء ، ونهض النبي ومن معه حتى انتهى إلى أدنى ماء فنزل فيه ، ثم بنى حوضاً على القليب فمُلِئَ ماءً .
أقبل سعد بن معاذ على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فعرض عليه بناء عريش له يتقي به في أثناء المعركة من قريش ، قائلاً:
«يا نبي الله ، ألا نبني لك عريشاً(1)تكون فيه ، ونُعِد عندك ركائبك ، ثم نلقى عدوّنا ، فإن أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدوّنا ، كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ، فَلَحِقْت بمَنْ وراءنا ، فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله ، ما نحنُ بأشدّ لك حبّاً منهم ، ولو ظنّوا أنك تلقى حرباً ما تخلَّفوا عنك ، يَمْنَعُك الله بهم ، يُناصحوك ، ويجاهدون معك ؟» .
فأثنى عليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشكر مساعيه ، ودعا له بخير ، وقام سعد مع قومه ، فبنى له عريشاً يقي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الاعتداء عليه ويحميه من سهام الأعداء .
وأوعزت قريش إلى عُمير بن وهب الجُمحي أن يختبر عدد الجيش الإسلامي ، ومدى قوته وقدرته على القتال ، فمضى بفرسه يجول حول العسكر ، ثمّ قفل راجعاً إليهم ، وأخبرهم أنّهم ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلاً أو يَنْقُصون ، ثم استمهلهم لينظر هل لهم كمين أو مَدَد ، وراح يجول في الوادي فلم ير شيئاً ، فرجع إليهم ، وقال : ما وجدتُ شيئاً ، ولكنّي قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثْرِب(2)تحمل الموت الناقع(3)قوم ليس معهم منعة ، ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ! ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم ، فإذا أصابوا منكم
أعدادهم ، فما خيرُ العيش بعد ذلك ؟».
وأصابت فراسته الواقع ، فقد كانت نواضح يثرب تحمل الأسود المزوّدة بالإيمان ، المتهافتين على الشهادة في سبيل الله ، وجيش قريش غارق في اللهو والمجون ، وقد حصد أولئك الأبطال رؤوس هؤلاء الأقزام ، وأشاعوا الشكل والحزن في بيوتهم .
وأسدى عتبة بن ربيعة نصيحة لقريش بعدم مناجزتهم لحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعدم فتح باب الحرب مع المسلمين قائلاً:
«إني أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم .. يا قوم ، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم..».
وأشار عليهم بالنصيحة التي تحفظ نفوسهم وأموالهم ، وكان من أرشد قومه ، وأكثرهم وعياً ، وقد نظر إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو على جمل أحمر ، فقال لأصحابه :
«إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صاحِبِ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ، إِنْ يُطيعوهُ يَرْشُدوا...».
وسخر أبو جهل من كلامه وراح يقول :
«لا نرجع حتى يحكم الله - تعالى - بيننا وبين محمد .. وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلةُ جَزُور ، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه» .
وجرت مشادة عنيفة بين عتبة وأبي جهل ، فقد قال العتبة :
«لقد ملئت رئتك وجوفك رعباً من محمد» .
فردّ عليه عتبة بعنف قائلاً:
إياي يا مصفراً أسته(1)تعيرني *** ستعلم اليوم أينا أجبن ؟
ولم تصغ قريش لمنطق الفكر، ومضت سادرة في جهلها وكفرها ، مصمّمة على مناجزة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).
وانبرى بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى القليب وجاء بالماء فسقى الجيش .
وأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يلهم أصحابه القوة والنشاط قائلاً لهم :
«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يُقاتِلُهُم رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صابِراً مُحْتَسِباً ، مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ...».
وبعثت هذه الكلمات في نفوس أصحابه القوّة والعزم والنشاط ، فاندفعوا بعزم صادق إلى مناجزة أعداء الله تعالى .
بدأت المعركة صباح يوم الجمعة في يوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة (2هـ) المصادف 15 كانون الثاني سنة (624م) ، وقد فتح القرشيون باب الحرب ، فقد برز منهم عتبة بن ربيعة ، وشيبة والوليد ، وهم أبطال قريش ، وانبرى إليهم كوكبة من فتيان الأنصار فزهد فيهم عتبة ، وأخذته العزة بالإثم ، وقال لهم : «لا نريد هؤلاء ،
1) كان أبو جهل مصاباً بشذوذ جنسي ، وكان يحني استه ليرغب فيه فساق قومه ، فلذا عيّره عتبة .
ولكن نريد أن يبارزنا بنو أعمامنا من بني عبد المطلب» ، فندب إليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أخاه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين وحمزة وعبيدة ، فرضوا بهم أكفاء كراماً ، وبرز حمزة إلى شيبة فقتله ، وبرز الإمام إلى الوليد فاختطفه بسيفه الذي كان منجل الموت ، ويرز عبيدة إلى عتبة ، فأثبت كلّ منهما سيفه في رأس صاحبه ، فبادر الإمام وحمزة ، فمزقا جسد عتبة بسيفهما ، وامتلئت قلوب القرشيين غيظاً وفزعاً ، فقد هوت إلى الأرض جثث أعمدتهم هامدة لا حراك فيها .
وتوجه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الخالق العظيم بخشوع يدعوه أن ينصر المسلمين بنصره الذي لا غالب له قائلاً:
«اللهمَّ هَذِهِ قُرَيْشُ قَدْ أَتَتْ بِخُيَلائِها تُحاوِلُ أَنْ تُكَذِّبَ رَسُولَكَ ، اللهُمَّ فَنَصْرِكَ الَّذِي وَعَدْتَنى ، اللهُمَّ إِنْ تَهْلَكَ هَذِهِ العِصابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَد...».
وما زال ماداً يده يدعو الله تعالى ، وهو أشدّ ما يكون تضرّعاً وخشوعاً وإيماناً بالنصر الحاسم الذي وعده الله تعالى به وهو لا يخلف الميعاد .
والتحم الجيشان كأشدّ ما يكون الالتحام يريد أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن ينصروا الله ورسوله وتعلو كلمة الإسلام ، ويريد القرشيّون أن ينصروا أصنامهم وأوثانهم وتقاليدهم ، وقد قذف الله تعالى في قلوب القرشيين الفزع والخوف ، وأخذت سيوف المسلمين تحصد رؤوسهم ، وتهوي جثثهم إلى الأرض.
وأبدى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من البسالة والصمود ما لا يوصف ، فقد كان القوّة
الضاربة في جيش الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقد غاص في أوساط القرشيين يحصد رؤوسهم ، ويشيع فيهم القتل والدمار ، وقد بهرت الملائكة من قوّة بأسه ، وعظيم إيمانه ، فنادی جبرئیل:
لا سيف إلا ذو الفقار(1)، ولا فتى إلا علي(2).
وكتب الله تعالى للإمام (علیه السّلام) أن يفوز بنصر الإسلام وأن ترتفع رايته بيده .
ونصر الله تعالى نبيه ورسوله ،وأعزّه ، وأذل أعداءه ، فقد تلاشت أجسام، المشركين ، وانتشرت جيفهم على أرض المعركة ، تلاحقهم اللعنة والعذاب الدائم ، وهلك في هذه المعركة جميع الرؤوس والضروس المعادية لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والغارقة في الحقد عليه كان منهم :
وقع أبو جهل صريعاً في المعركة ، فاجتاز عليه عبدالله بن مسعود ، وكان به رمق من الحياة ، فجلس على صدره ليحتزّ رأسه ويشفي غليله منه ؛ لأنه عذبه كثيراً في مكة ، فقال له أبو جهل بألم وحزن :
«لقد ارتقيتَ مُرْتَفّى صَعْباً يا رُوَيْعِي الغنم...» .
ثم فصل رأسه الخبيث عن جسده ، وجاء به إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال له :
«يا رسول الله ، هذا رأس عدوّ الله أبي جهل» .
وسر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك وراح يقول :
«اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُه» .
وهكذا انتقم الله تعالى من هذا العدوّ الماكر الذي قابل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بجميع ضروب الاعتداء .
ومن الجدير بالذكر أنّ الذي ألقى أبا جهل صريعاً في أرض المعركة هو معاذ بن عمرو بن الجموح ، فقد كان يتحرّى قتله ، وقد تبعه فضربه ضربة منكرة أطنّت(1)بنصف قدمه ، فسقط إلى الأرض ، وعمد ابن عكرمة فضرب معاذاً على عاتقه ، فطرح يده فتعلقت بجلدة ، فلم يحفل بها ، وظلّ يقاتل عامةً يومه ، فلما ألمته يده وضعها تحت قدمه فأزالها ، ثم انخرط شاهراً سيفه في صفوف المجاهدين .. أرأيتم هذا الإيمان الذي لا حدود له الذي كان يتمتع به أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وكان هذا الجاهلي قد أسرف في تعذيب المسلمين في مكة ، وكان يعذب بلالاً فيخرجه إلى الرمضاء(2)، ويضجعه على ظهره ، ثم يأتي بصخرة عظيمة فيضعها على صدره ، ويقول له : لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فيجيبه بلال غير حافل بألم التعذيب قائلاً:
«أحد .. أحد..» .
يعني بذلك أنّ الله تعالى واحد لا شريك له ، وقد أسره مع ابنه عبدالرحمن بن عوف ، فرآه بلال فرفع صوته قائلاً:
«رأس الكفر أُمية بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا» .
فعذله عبد الرحمن ، فلم يعن به بلال وراح يصيح :
«يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خَلَف» .
فأحاط به المسلمون من كل جانب ومزقوه مع ابنه بأسيافهم، وهكذا لقي عدو الله مصيره .
أسره المسلمون ، وكان من ألد أعداء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأمر بقتله ، فصاح عقبة : «من للصبية يا محمد ؟» .
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «النّار» ، وانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فحصد رأسه .
أسره المقداد ، وكان من أشد الحاقدين على الإسلام ، وقد عذب كوكبة من المسلمين في مكة ، وقد لقوا منه أشد ألوان التعذيب ، وحينما عرض الأسرى على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نظر إليه بغضب ، فاستشعر من النظر القتل ، فقال إلى رجل إلى جنبه: «محمد والله قاتلي ، لقد نظر إليَّ بعينين فيهما الموت» ، فأنكر عليه الرجل ذلك وقال له : «ما هذا والله منك إلا رعب».
والتفت النضر إلى مصعب بن عمير فقال له : «كلّم صاحبك - يعني النبي أن يجعلني كرجل من أصحابه ، فهو والله قاتلي إن لم تفعل» ، وردّ عليه مصعب : «أنك كنت تقول في كتاب الله وفي نبيه كذا وكذا ، وكنت تعذب أصحابه» ، وأخذ النضر يستثير عواطف مصعب قائلا له :
«لو أسرتك قريش ما قتلتك وأنا حيّ...».
وردّ عليه مصعب هذه المراوغة قائلاً:
«إني والله ما أراك صادقاً...».
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بقتله ، وكان المقداد يطمع في فديته ، فقال : «النضر أسيري» ،
فقال النبي : «اللَّهُمَّ أَغْنِ الْمِقْدادَ مِنْ فَضْلِك»، وانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فقتله .
قتل في المعركة ، وكان من أعدى الناس إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
قتل في المعركة ، وألقيت جيفته في القليب، وكان من الحاقدين على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
هؤلاء بعض رؤوس أعداء الله ورسوله ، أبادهم سيف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) .
وكان معظم القتلى في معركة بدر بسيف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وهذه قائمة بأسمائهم :
1- الوليد بن عتبة : كان جريئاً ، فتاكاً، تهابه الرجال ، هو أخو هند أم معاوية زوجة أبي سفيان .
2 - حنظلة بن أبي سفيان .
العاص بن سعيد : كان بطلاً تهابه الأبطال .
4 - نوفل بن خويلد: كان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكانت قريش تقدّمه ، وتطيعه ، وهو من بني نوفل بن عبد مناف .
5 - زَمْعَة بن الأسود .
6 - النضر بن الحارث بن كلدة : من بني عبدالدار.
7 - طُعَيمة بن عدي بن نوفل : كان من رؤوس أهل الضلال.
8 - عمير بن عثمان بن كعب بن تیم : عم طلحة بن عبد الله .
9 - عثمان بن عبد الله .
10 - مالك بن عبيد الله : أخو عثمان .
11 - مسعود بن أمية بن المغيرة : من بني مخزوم.
12 - حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة .
13 - قيس بن الفاكه.
14 - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة .
15 - عمر بن مخزوم .
16 - الحارث بن زمعة .
17 - أبو المنذر بن أبي رفاعة .
18 - منبه بن الحجاج .
19 - العاص بن منبه : من بني سهم .
20 - علقمة علقمة بن كلدة .
21 - أبو العاص بن قيس بن عدي .
22 - معاوية بن المغيرة بن أبي العاص
23 - لوذان بن ربيعة .
24 - عبد الله بن المنذر .
25 - حاجب بن السائب بن عويم .
26 - أوس بن المغيرة بن لوذان .
27 - زید بن مليص.
28 - غانم بن أبي عويف .
29 - سعيد بن وهب : حليف بني عامر .
30 - معاوية بن عامر : من عبد القيس .
31 - عبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد .
32 - السائب بن مالك .
33 - أبو الحكم بن الأخنس .
34 - هشام بن أبي أمية بن المغيرة(1).
هؤلاء الذين حصد رؤوسهم بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من أجل رفع كلمة الله تعالى في الأرض .
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالقاء جيف المشركين بالقليب ، فألقيت فيه سوى أمية بن خلف ، فقد تفسّخ بدنه ، فألقوا عليه التراب والحجارة ممّا غيّبه عن الأنظار، وهكذا كان مصير هؤلاء الخيبة والخسران ، وسوء المصير.
وقف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على شفير القليب ، وخاطب القتلى قائلاً:
«يا أَهْلَ القَلِيب! يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفَ ! وَيا أَبا جَهْل بن هشام...» ، وعدّد عصابة مِنَ الذين بالغوا في التنكيل به قائلاً:
«هَلْ وَجَدْتُم ما وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا ؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا».
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) : 2 : 17 - 19 ، نقلاً عن السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 449 - 450 .
ويهر أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من خطابه للقتلى قائلين :
«يا رسول الله ، أتنادي قوماً قد جيفوا ؟».
فأجابهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«وَما وَ ما أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِما أَقُولُ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُونِي».
إنّ الأرواح لا تفنى ولا تبلى ، وإنّما الأجسام هي التي تبلى وتعود إلى عنصرها الذي تكوّنت منه ..
وفي رواية أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لأهل القليب :
«يا أَهْلَ القَلِيبِ ، بِئْسَ الْعَشِيرَةِ الَّتي كُنتُم لَنَبِيِّكُم ؛ كَذَبْتُموني وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وأَخْرَجْتُموني وَآواني النَّاسُ ، وقاتَلْتُمُونِي ونَصَرَنِي النَّاسُ» .
لقد أعزّ الله تعالى عبده ورسوله ونصره على أولئك الفسقة الأقزام الذين جهدوا على إطفاء نور الإسلام ، وإعادة الحياة الجاهلية الآثمة إلى مسرح الحياة.
نظم حسّان بن ثابت مقطوعة من الشعر عرض فيها إلى ما صنعه الله تعالى بالمشركين من قريش من التنكيل والقتل والدمار في واقعة بدر التي انتصر فيها الإسلام انتصاراً حاسماً ، وأذل قريشاً دعاة الجاهلية، وألقى أعمدتهم في القليب ، وهذه مقطوعته :
عرفت ديارَ زَيْنب بالكَثِيب *** كخَطُ الوَحْيِ فِي الوَرَقِ الفَشِيبِ(1)
تَداوَلَها الرِّياحُ وكُلُّ جَوْنٍ مِنَ الوَسْمي مُنْهَمِرٍ سَكوبِ(2)
فَأمْسَى رَسْمُها خَلَقاً وأَمْسَتْ *** يباباً بعد ساكنها الحبيب(1)
فَدَعْ عَنْكَ التَّذَكَّرُ كُلَّ يَوْمٍ *** ورُدَّ حرارة الصدرِ الكَثِيبِ
وخيّر بالذي لا عَيْبَ ِفيهِ *** بِصِدْقٍ غيرِ إِخْبارِ الكَذُوبِ
بما صنَعَ المليك غَداةَ بَدْرٍ *** لنا في المُشْرِكِينَ مِنَ النَّصيب
غَداةَ كَأَنَّ جَمْعَهم حِراءٌ *** بَدَت أَرْكَانُهُ جُنْحَ الغُروبِ(2)
فلاقيناهُمُ منا بِجَمْع *** كأسد الغابِ مُرْدانٌ وشِيبٍ
أمامَ مُحمَّدٍ قَدْ وازَرُوهُ *** عَلَى الأعداءِ فى لَفْح الحُرُوبِ
بأيديهم صوارِمُ مُرْهَفات *** وكلُّ مجرَّب خاطي الكُعُوبِ
بنُو الأوسِ الغَطارفُ وازرتها *** بنو النَّجَارِ في الدين الصَّليب(3)
فغادَرْنا أبا جهل صريعاً *** وعُتْبَةَ قَد تَركْنا بالجَبُوبِ(4)
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنا في رجال *** ذَوِي حَسَبٍ إِذا نُسِبوا حسيبِ
يُناديهِمْ رسولُ اللهِ لمَا *** قذفناهُم كَباكِبَ فِي القَلِيبِ(5)
ألَمْ تَجِدُوا كَلامي كانَ حَقّاً *** وأمْرُ اللهِ يأخُذُ بالقُلوبِ
فمانطقوا ولو نطقوا لقالوا *** صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذا رأى مُصيب(6)
وصوّرت هذه الأبيات ما لاقته قريش من الدمار والقتل بأيدي المسلمين ، وعلى رأسهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد حصد رؤوس أعلامهم وقادتهم .
وقع سبعون أسيراً من قريش(1)بأيدي القوات المسلحة من جيش النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخذ من بعضهم الجزية وأطلق سراحهم ، وكانت جزية أحدهم أربعة آلاف درهم ، وتسابق القرشيون إلى إعطاء الفدية عن أسراهم ، وقد أوصى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالأسارى خيراً ، وكان من لا يتمكن من دفع الجزية وهو يحسن القراءة والكتابة أمره النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتعليم أبناء المسلمين بدل الجزية ، وقد أقام بذلك أوّل صرح في عاصمته لمحو الأمية.
كان أبو رافع مولى لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان يكتم إسلامه مع أمّ الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ، ولما جاء النبأ بهزيمة قريش في واقعة بدر وجد أبو رافع مع من كتم إسلامه من قريش قوّة في نفوسهم وعزّاً ، وقد ملئت نفوسهم فرحاً وسروراً ، وبينما كان أبو رافع جالساً ومعه أمّ الفضل إذ أقبل أبو لهب وهو يتطلع إلى أخبار قريش في بدر ، فجلس إلى جانب أبي رافع ، وبينما هما يتحدثان إذ أطلّ عليهما المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب ، فسارع إليه أبو لهب قائلاً:
«هلم إلى فعندك الخبر ؟» .
فجلس المغيرة وفي نفسه ألم مما جرى على قومه ، فأخذ يحدثه عن الكارثة التي ألمت بقريش قائلاً:
«والله ! ما هو إلا أن لقينا القوم فَمَنحْناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاء وا ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم الله ! مع ذلك ما لمت النّاس لقينا رجالاً بيضاً على خيل بُلْق بين
1) تاريخ أبي الفداء : 1: 136 . تاريخ الأمم والملوك : 2: 135.
السماء والأرض ، والله ! ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شي...».
وفرح أبو رافع بنصر الله تعالى للمسلمين ، وراح يقول : «تلك والله الملائكة».
وهي التي شتّتت قريش وأنزلت بهم الهزيمة الساحقة ، ولما سمع ذلك أبو لهب فقد أهابه ، فرفع يده ولطم وجه أبي رافع ، ثمّ طرحه أرضاً ويرك على صدره يوسعه ضرباً ولكماً ، وانبرت إليه أمّ الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ، فأخذت عموداً فضربته على رأسه ، وصاحت به : «استضعفته إن غاب عنه سيّده» ، يعني العبّاس .
فخرج ذليلاً ولم يلبث إلا أياماً حتى هلك عدو الله...»(1).
وتركت واقعة بدر أموراً بالغة الأهمية ، كان منها ما يلي:
وانتصر الإسلام انتصاراً رائعاً بعد انتهاء واقعة بدر ، فقد قويت شوكة المسلمين ، وأكسبتهم قوّة نفسيّة هائلة ، فهي أمّ الفتوح التي شجّعتهم على الخوض في أعنف المعارك التي شنها عليهم أعداء الإسلام ، لقد انتهت معركة بدر ، وقد تقلد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فيها وسام شرف ، فقد كان سيفه فيها منجل الموت الذي حصد به رؤوس القرشيّين الذين ما آمنوا بالله طرفة عين حتى بعد إعلانهم المزيف للإسلام ، وأن جميع ما عاناه المسلمون من الأزمات كانت من صنعهم وتدبيرهم .
أحدث انتصار الإسلام في واقعة بدر موجة من الفزع والخوف في نفوس
1) السيرة النبوية / ابن هشام: 2: 301 و 302 ، ومعظم هذه البحوث اقتبسناها من السيرة.
المشركين من العرب ؛ لأنّ قريش التي هي أقوى العرب في نفوذها وإمكانياتها الاقتصادية قد تحطّمت ، وفقدت أهم أعمدتها في صراعها مع الإسلام، وأيقنت العرب أنّها لا تستطيع أن تقف أمامه ، وأنّه قوّة لا تقهر .
حزن القرشيّون كأشدّ ما يكون الحزن على . منوا به من الخسائر الفادحة في النفوس والأموال ، وكان حزنهم كامناً في نفوسهم ، لا يظهرون خوفاً من شماتة المسلمين بهم ، فقد كتمت هند أمّ معاوية حزنها على أهلها الذين حصدت رؤوسهم وقالت : كيف أبكيكم فيبلغ محمّداً وأصحابه فيشمتوا بنا ، لا والله ! حتّى أثار من محمد وأصحابه ، والدهن عليَّ حرام حتى نغزوا محمداً» ، وأما أبو سفيان فقد أقسم أن لا يمس رأسه ماء من جنابة وغيرها(1).
لقد تركت واقعة بدر لوعة في نفوس القرشيين ، وقد أعرب عن حزنهم البالغ بعض شعرائهم بقوله :
فماذا بالقليب قَلِيبِ بَدْرٍ *** منَ الْفِتْيانِ والقَومِ الكِرامِ
وماذا بالقليب قليب بدر *** من الشَّيزي(2)تُكَلَّلُ بالسَّنامِ(3)
أرأيتم هذا الحزن العميق والأسى البالغ على قتلى بدر، فقد هام القرشيّون بتيّارات من اللوعة والحزن ظل يتابعهم حتى لما بويع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالخلافة ، فقد نظم أسيد بن أياس القرشي مقطوعة من الشعر يستنهض بها همم القرشيين على مناهضة حكومة الإمام (علیه السّلام)، ويذكرهم بمواقفه يوم بدر قائلاً:
في كل مجمع غاية أخزاكُم *** جذع أبر على المذاكي القرح(1)
لله دركم ألما تنكروا *** قد يذكر الحرُّ الكَريم ويستحي
هذا ابن فاطمة(2)الَّذِي أَقْناكُم *** ذَبْحاً وبقتلة بعضه لم يذبح
أعطوهُ خَرجاً واتَّقوا تضريَبهُ *** فعل الذليل وبيعة لم تربح
أينَ الكُهولُ وأينَ كلّ دعامةٍ *** في المُعْضلاتِ وأين زين الأبطح
أفناهُمُ قصعاً وضَرباً يَفْتَري *** بالسَّيْفِ يعمل حدّه لَمْ يصفح(3)
حكت هذه الأبيات مدى حقد القرشيين ، وعداءهم السافر للإمام في أيام حكومته ، ويطلب منهم الشاعر مناهضة حكومته والتمرّد على سلطانه طلباً لثأرهم ، وقد ظل هذا الحقد كامناً في نفوس أبنائهم أمثال يزيد بن معاوية حينما قفز على دست الحكم الذي بناه له أبوه فبادر إلى إباده العترة الطاهرة من أبناء الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) تشفّياً وانتقاماً لقتلى بدر ، وأخذ يترنّم بهذه الأبيات :
لَسْتُ مِنْ خِنْدِفَ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ *** مِنْ بَني أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْ
قَدْ قَتَلْنَا الْقَرْمَ مِنْ ساداتِهِمْ *** وَعَدَلناهُ بِبَدرٍ فَاعْتَدَلْ
وعلى أي حال، فقد انطوت نفوس القرشيين على ألم ممض ، وحزن عميق على قتلى بدر ، وقد اندفع شعراؤهم إلى رثائهم بذوب أرواحهم ، ولنستمع إلى بعض شعرائهم :
بكي ابن إسحاق حليف بن عبد الدار قتلی بدر ورثاهم بقصيدة منها هذه الأبيات :
ماذا عَلى بَدْرٍ وماذا حَوْلَهُ *** من فتية بيضُ الوجوه كرام
تركوا نُبَيهَا خَلْفَهم ومُنَبِّها *** وَابْنَي رَبِيعَةَ خَصْمِ فِنَامِ(1)
والحارثَ الفَيّاض يَبْرُقُ وَجهُهُ *** كالبَدرِ جَليَّ ليلةَ الإظلامِ(2)
ويستمر الشاعر بذكر أوصافهم وصفاتهم ، ويتوجع عليهم ، ويبكيهم أمر البكاء .
ورثى الحارث بن هشام قتلى بدر بقصيدة أعرب فيها عن أساه وحزنه عليهم كان منها هذه الأبيات:
ألا يا لقومي للصَّبابة والهَجْرِ *** وللحُزْنِ منّي والحَرارةِ في الصّدْرِ(3)
وللدَّمْعِ مِنْ عَيْنيَّ جَوْداً كأنَّهُ *** فريد هَوى مَن سِلْكِ ناظِمِهِ يَجْرِي
ويستمر الحارث في بكائه وعويله على قتلى بدر الذين حصدت رؤوسهم سيوف الحق.
رثى أمية بن أبي الصلت قتلى بدر بلوعة وحزن بقصيدة كان منها هذه الأبيات :
ألا يكيت على الكرا *** مِ بَني الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو *** عِ الأَيْكِ فِي الغُصُنِ الجَوانِحُ(4)
يَبْكِينَ حَرَّى مُسْتكينات *** يَرُحْنَ مَعَ الرَّوائِحْ
ثالُهنَّ الباكيا *** ت المُعولاتُ مِنَ النَّوائِح
مَنْ يَبْكِهِم يَبْكِ على *** حُزْنٍ ويَصدق كل مادخ
ويستمر ببكائه على أهل بدر ويذكر صفاتهم وخسارة مكة بفقدهم .
رثت هند بنت عتبة أباها بمقطوعات من الشعر أبدت فيها حزنها العميق ، كان منها هذه الأبيات :
أَبَعْدَ قتيل من لؤي بن غالبِ *** يُراع امرؤٌ إنْ ماتَ أو مات صاحِبة
ألَا رُبَّ يوم قدْ رُزِنتُ مُرَزاً *** تروحُ وَتَغدو بالجزيل مواهبه
فأَبْلِغْ أبا سفيانَ عَنِّي مَالُكاً *** فإِنْ أَلقَهُ يوماً فسوف أعاتبة
فَقَدْ كانَ حربٌ يَسْعَرُ الحربَ إِنَّهُ *** لِكُلِّ امْرِيُّ في النّاسِ مولّى يُطالبة
لقد نخب الحزن قلب هند ، وراحت تحرّض قريش على الأخذ بثأر من قتل من أهلها .
وذكر ابن هشام مجموعة من القصائد الشعراء مكّة يرثون فيها قتلاهم ببدر ، وقد ملئت قلوبهم بالحقد والعداء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بصورة خاصة لأنه حصد رؤوس أعلامهم .
سادت المسرات ، وعمّت الأفراح في أوساط المسلمين على ما أحرزوه من الانتصار في واقعة بدر التي أذل الله بها خصومهم ، وقهروا أعدائهم ، وقد انبرى شعراؤهم إلى نظم هذا النصر العظيم ، كان منهم :
ونظم حسّان بن ثابت عدة قصائد في واقعة بدر أبدى سروره البالغ المسلمين ، وشماتته بقتل القرشيين وأسرهم ، وكان من قصائده هذه الأبيات :
لقَدْ عَلِمَتْ قريش يَومَ بَدْرٍ *** غداةَ الأسرِ والقَتْلِ الشَّدِيدِ
بأَنا حينَ تَشْتَجِرُ العَوالي *** حماةُ الحَرْبِ يَومَ أبي الوَلِيدِ
قَتَلْنَا ابْنَيْ ربيعةَ يومَ سارا *** إِلَيْنَا فِي مُضاعَفَةِ الحَدِيدِ
وفَرَّ بها حَكِيمٌ يومَ جالت *** بنو النَّجَارِ تَخْطِرُ كالأسود(1)
وولَّتْ عندَ ذاكَ جُموعُ فِهْرٍ *** وأَسْلَمها الحُوَيْرِثُ مِنْ بَعِيدِ
لقَد لاقيتم ذلاً وقَتْلاً ***جهيزاً نافذاً تحتَ الوَرِيدِ
وكلُّ القَومِ قد ولَّوْا جميعاً *** وَلَمْ يَلُووا على الحَسَبِ التَّليدِ(2)
حكى هذا الشعر ما لاقته قريش من القتل والأسر والهزيمة المنكرة على أيدي بني النجار الأسود ، الذين نصروا الإسلام واستجابوا لدعوة الحق .
وممّا قاله حسّان في قتلى بدر من قريش :
ألا ليتَ شِعْري هل أتى أهلَ مكَةٍ *** إِبَارَتُنا الكفّارُ في ساعةِ العُسْرِ(3)
قَتَلْنا سُرَاةَ القَوْمِ عِندَ مَجالِنا *** فلم يَرْجِعوا إلا بقاصِمَةِ الظُّهْر
قَتَلْنا أبا جَهْلٍ وعُتْبَة قَبْلَهُ *** وشيبة يَكْبُو اليَدَينِ وَالنَّحْرِ(4)
قَتَلنا سُوَيداً ثُمَ عُتْبَةَ بعدَهُ *** وطعمة أيضاً عند ثائِرَةِ الفَتْرِ(1)
فكَمْ قَتَلْنا مِنْ كَريمِ مُرزاءٍ *** لهُ حَسَبٌ في قومِهِ نابهِ الذكرِ
ترکناهُمُ للعاويات ينبتهم *** ويَصلونَ ناراً بعد حاميَةَ القَعْرِ
لَعَمْرُكَ ما حامَتْ فَوارسُ مالكِ *** وأشياعُهُم يومَ التَقَيْنا على بَدْرِ
عرض حسّان في هذه الأبيات إلى ما واجهته قريش في معركة بدر ، فقد قتل سراتها وعيونها كأبي جهل وعتبة وسويداً وغيرهم ، وقد انتقم الله منهم ، وأنزلهم سوء الدار بمحاربتهم الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومناهضتهم لدعوته .
كان عبيدة من أبطال المسلمين ومن عيون المجاهدين، وقد قطعت رجله في واقعة بدر ، فقال معتزاً ومفتخراً بما أصابه ومندّداً بالقرشيين ، قال :
سَتَبْلُغُ عنا أهل مكةَ وَقْعةً *** يَهُبُّ لها مَن كانَ عَنْ ذاكَ نائيا
بعثبةَ إِذْ ولى وشيبة بعدَهُ *** وما كانَ فيها بكْرُ عُتْبة راضيا
فإِنْ تَقْطَعُوا رِجْلي فَإِنِّي مُسْلِمٌ *** أُرجي بها عيشاً مِنَ اللَّهِ دَانِيا
وبعتُ بها عيشاً تَعَرَّفْتُ صَفْوَهُ *** وعالجتهُ حَتّى فقدتُ الأدانيا
فأَكْرَمني الرَّحْمَنُ مِنْ فَضْلِ مَنْهِ *** بثُوبِ مِنَ الإسلام غَطَّى المَساوِيا
وما كان مكروهاً إِلَي قتالهم *** غداةَ دعا الأكفاءَ مَنْ كانَ داعِيا
ولم يَبْغِ إِذْ سأَلُوا النَّبيَّ سواءنا *** ثلاثتنا حتَّى حَضَرْنا المُنادِيا
لَقِينَاهُمُ كالأُسْدِ تَخْطِرُ بالقَنا *** تُقاتِلُ فِي الرَّحْمَنِ مَنْ كانَ عَاصِيا
عرض عبيدة بهذه الأبيات إلى منازلته مع حمزة والإمام (علیه السّلام) إلى أبطال قريش ،
1) الفتر : الغبار .
وقطع رجله في ميدان الحرب، وأنه يرجو من الله تعالى أن يعوّضه عنها بعيشة راضية يوم يلقاه ، وأنه مع ما عاناه من المصائب والأزمات فإنه سعيد باعتناقه للإسلام . ومن الجدير بالذكر أنّه لما أصيبت رجله قال : «أما والله ! لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنّى أحق منه بما قال :
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ الله يبرز مُحَمَّداً *** وَلَمّا نُطَاعِنْ دونَهُ وتُناضِلِ
ونَنْصُرُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ *** وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنا والحَلَائِلِ(1)
وبهذا نطوي الحديث عن واقعة بدر التي نصر الله تعالى بها عبده ورسوله ، وأذل قريشاً وسائر القوى المعادية للإسلام.
1) جميع هذه البحوث مقتبسة من السيرة النبوية لابن هشام : 2 : 318.
استقبلت قريش نبأ هزيمتهم المنكرة ، وخسائرهم الفادحة بالأنفس والأموال في معركة بدر بمزيد من الأسى واللوعة ، وساد فيهم حزن عميق ، وأسى مرير ، وكان من أشدّهم لوعة أبو سفيان وزوجته هند أمّ معاوية ، فقد حرمت على نفسها وعلى الرجال والنساء من قريش البكاء على قتلاهم حتى يظل الحزن كامناً في نفوسهم لا يطفأ إلا بأخذ الثأر من المسلمين .. ونعرض إلى بعض فصول هذه المعركة التي سميت بواقعة أحد(1).
كان أبو سفيان قائد قريش في واقعة أحد ، والزعيم الأوّل في هذه المعركة ، فقد قام بدور إيجابي في دفع الجماهير الحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد طلب من تجار قريش وذوي ثرائهم أن يعينونه على حرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأموالهم ؛ ليدركوا ثأرهم ، فاستجابوا له ، وأعطوه ما أراد من المال، فاشترى به السلاح والعتاد ، وفي هذه الواقعة نزلت ستون آية من آل عمران .
1) أحد: جبل مشهور بالمدينة ، كانت الواقعة في شوّال سنة ثلاث من الهجرة يوم السبت : لإحدى عشر ليلة من شوّال - السيرة الحلبية / زيني دحلان ، المطبوع على هامش السيرة الحلبية : 2 : 19.
وأجمعت قريش على حرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتبعها قبائل كنانة ، وأهل تهامة وأحابيشهم ، فكان عددهم فيما يقول المؤرّخون ثلاثة آلاف ، وجيش المسلمين سبعمائة .
وقد عزم على التخلّف عن المعركة عمرو بن عبد الله الجُمحي ؛ لأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد من عليه في واقعة بدر فأطلق سراحه ولم يأخذ منه فدية ؛ لأنه بائس فقير ، فأقبل عليه صفوان بن أمية فقال له :
«إنك امرؤ شاعرٌ ، فأعنا بلسانك فاخرج معنا».
فاعتذر منه وقال له : «إن محمداً قد من علَي ، فلا أريد أن أظاهر عليه»، وأخذ يخدعه ويغريه قائلاً له : «لك اللهُ علَيَّ إن رجعتُ أن أغنيك ، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتي يُصيبهنّ ما أصابهنّ من عُشر ويُسر» ، واستجاب له عمر و بعد هذا الالحاح والاغراء ، فخرج يدعو بني كنانة وهو رافع عقيرته قائلاً:
إنها بني عبد مناةَ الرُّزّام *** أنتم حُماةٌ وأبوكم حام(1)
لا تَعِدُونِي نَصركم بعد العام *** لا تُسْلموني لا يَحلّ اسلام
وأخذ صوته يدوي في أوساط الجماهير ، فاستجاب له ، وتهيأت لحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولم يتخلف أحد منهم .
وخرجت قريش عن بكرة أبيها لحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تصحبهم نساؤهم ؛ لأنه
1) الرزام : جمع رازم ، وهو الذي يثبت في الحرب .
أدعى للتفاني في الحرب ، فخرج أبو سفيان ومعه هند بنت عتبة ، وعمرو بن العاص ومعه رَبطة بنت مُنبِّه ، وعكرمة بن أبي جهل ومعه أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، والحارث بن هشام بن المغيرة ومعه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، وصفوان بن أمية ومعه بَرْزَة بنت مسعود ، وطلحة بن أبي طلحة ومعه سلافة بنت سعد ، وأبو عزيز بن عمير ومعه خناس بنت مالك ، كما خرجت عمرة بنت علقمة من نساء بني الحارث ، وغيرهن من النساء ، وتتقدّمهنّ هند ، وكنّ يضربن بالدفوف خلف الرجال ، وهند أمّ معاوية رافعة صوتها بنشيدها :
ويهاً بَنى عبدالدار ويهاً حُماةَ الأدبار(1)ضَرْباً بكل بشار(2)
وتقول في نشيد آخر :
إن تُقبلوا تعانق *** ونفرشُ النَّمارقُ(3)
أو تُدْبِرُوا نُفارِقْ *** فِراقَ غير وامق(4)
وكانت هند تبعث الحماس في نفوس الرجال ، وزوجها يتقدم أرجاس المردة والطغاة ، ويحرّضهم على الخوض في الحرب لإطفاء نور الله تعالى ، وإخماد رسالة الإسلام ، واستمرت قريش في مسيرتها حتى انتهت إلى الأبواء أشارت عليهم هند أمّ معاوية بنبش قبر السيدة أم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإن أسر منكم أحد فديتم كلّ إنسان منكم بجزء من أجزائها ، فلم يستجيبوا ، وقال بعضهم : «لا يفتح هذا الباب وإلا نبش موتانا عند مجيئهم»(5).
كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في معظم أموره السياسية والعسكرية يستشير أصحابه فيها ما لم ينزل عليه الوحي من السماء ، وقد عرض على أصحابه الخروج من المدينة لصدّ عدوان المعتدين من قريش ، أو الإقامة في المدينة ، فإذا جاء العدو قاتلوه فيها ، واختلف رأي أصحابه ، فكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول الإقامة في المدينة، وقال آخرون : «يا رسول الله ، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنَا وضَعُفنا» ، واستجاب لهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على كره ، فدخل بيته ولبس لامته ، وذلك في يوم الجمعة ، وخرج معه ألف مقاتل.
وزحف الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بجيشه لصدّ العدوان عليه ، فلمّا كان بالشَّوْط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبدالله بن أبي بن سلول، وهو من رؤوس المنافقين ، ومعه ثلث عسكر النبي ، وناداهم عبد الله بن عمرو بن حَرَام برفيع صوته:
«یا قوم ، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونَبِيّكم عندما حَضَر من عدوّهم..».
فلم يستجيبوا له ، واعتذروا بأعذار واهية ، فقال لهم :
«أبعدكم الله أعداء الله ، فسيعني الله عنكم نبيه..».
وانصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عنهم ومعه سبعمائة مقاتل .
وسار الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بجيشه لا يلوي على شيء ، حتى نزل الشعب في عُدوة الوادي إلى الجبل ، واستدبر جبل أحد ، وأقام عليه خمسين رجلاً من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وألزمهم بالإقامة على الجبل لا يريمون عنه ليحفظ
المسلمين من خلفهم ، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) لعبد الله :
«انْضَحَ الخَيْلَ عَنا بِالنَّبْل لا يَأْتونا مِنْ خَلْفِنا ، إِنْ كانَتْ لَنا أَوْ عَلَيْنا ، لا تُؤْتَيَنَّ مِنْ قبلك».
وفي رواية : أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال للرماة على الجبل : «إنْ رَأَيْتُمونا تَتَخَطَّفْنا فَلا تَبْرَحوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُم ، وَإِنْ رَأَيْتُمونا ظَهَرْنا عَلَى القَوْم وَأَوْطَأناهُم فَلا تَبْرَحوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُم»(1).
ولو أنّ هذا الفصيل من الجيش أخذ بوصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما مني المسلمون بكارثة الهزيمة وما أعقبها من الخسائر في الأرواح .
وفتحت قریش باب الحرب على المسلمين ، فقد برز إلى الساحة طلحة بن أبي طلحة ، وكان من فرسان قريش رافعاً صوته قائلاً:
«يا أصحاب محمد ، تزعمون أن الله - تعالى - يعجلنا بأسيافكم إلى النار ، ويعجلكم بأسيافنا إلى الجنّة ، فأيكم يبرز إلى ؟».
فبرز إليه بطل الإسلام ، وأسد الله ورسوله الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قائلاً:
«وَاللهِ ! لا أفارِقُكَ حَتَّى أعَجِّلَكَ بِسَيْفِى إِلَى النَّارِ».
وبادره بضربة برا بها رجله فسقط إلى الأرض صريعاً يتخبّط بدمه ، وأراد الإمام أن يجهز عليه ، فناشده الله والرحم أن يتركه ، فتركه ولم يلبث إلا ساعة حتى هلك ، وفرح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بهلاكه ، كما عمت الفرحة جميع المسلمين(2)لأنه كان يسمّى
كبش الكتيبة لشجاعته، وقد كان لقتله صدى حزن ووهن في نفوس القرشيّين، فقد انخذلوا بقتله ، وطاردهم الرعب والفزع بهلاكه ، وبرز بعد طلحة أبطال قريش وشجعانها ، فانبرى إليهم بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فحصد رؤوسهم بسيفه ، وقد انهارت معنوياتهم ، وأيقنوا بالهلاك.
وكانت هند أمّ معاوية في وسط المعركة تلهب في نفوس الجيش الحماس المحاربة المسلمين ، وإذا انهزم رجل من قريش دفعت له ميلاً ومكحلة ، وقالت له : «إنّما أنت امرأة فاكتحل بها»(1)، ولا يقل حماسها عن حماس زوجها أبي سفيان الذي كان يجول في المعركة ويحرّض بلهفة المشركين على قتال المسلمين ، وكان يقول لبني عبد الدار وهم حملة لواء الجيش :
«إنّكم قد وليتم لواءنا يوم بدر ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنّما يؤتى النّاس من قِبَل راياتهم ، إذا زالت زالوا ، فأما أن تكفُونا لواءنا، وأما أن تُخَلُّوا بيننا وبينه فنكفيكموه» ، وقد أثار عواطفهم، واعتبروا ذلك تنديداً بهم ، واحتقاراً لهم ، وقالوا له : «أنحن نُسلّم إليك لواءنا، ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع» ، وهذا ما أراده أبو سفيان من إغراءه لهم .
كان أبو دجانة من خيار الصحابة، وكان شجاعاً يختال الأعداء عند الحرب ، وكان بيد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سيف ، فقال : «مَنْ يَأْخُذُ هذا السُّيف بِحَقِّه ؟».
فانبرى إليه أبو دجانة فقال : «ما حقه يا رسول الله ؟».
«أَنْ تَضْرِبَ بِهِ فِي وَجْهِ العَدُوَّ حَتَّىٰ يَنْحَني».
«أنا آخذه يا رسول الله بحقه» .
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) : 2 : 23 .
فناوله النبي إيَّاه ، فأخذه وتعصب بعصابة حمراء ، فقالت الأنصار :
«أخرج عصابة الموت» ، فخرج مزهواً لم يختلج في قلبه رعب ، وهو يقول :
أَنا الذي عاهدني خَلِيلي *** ونَحنُ بالسَّفْحِ لدى النَّخِيلِ
ألَّا أقومُ الدَّهر في الكَيُّول(1)*** أضرب بسيف الله والرَّسولِ
وحمل على المشركين ، فكان لا يلقى أحداً إلا قتله ، وحمل على هند أم معاوية حتى بلغ سيفه مفرق رأسها ، إلا أنه عدل عن ذلك ترفعاً منه(2).
وفي رواية : أنّه قال : «أكرمت سيف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن أضرب به امرأة»(3).
رسول أن وهكذا كان موقف أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) متسماً بأسمى ألوان التضحية في سبيل الله تعالى ، كما كان متسماً بالشرف والنبل والكرامة .
أبدى الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطّلب من البسالة ما لا يوصف، فقد وقف بإيمان وعزم مدافعاً عن دين الله تعالى ، وهو يجندل الأبطال ويروي الأرض من دماء أولئك الوحوش الكاسرة التي انطوت نفوسهم على الكفر والرذائل ، فكان القوّة الضارية في جيش الإسلام ، ونعرض بايجاز - إلى بعض فصول شهادة بطل الإسلام حمزة سلام الله عليه .
أما الذي اغتال حمزة فإنّه من أرجاس الجاهليّة ، وهو وحشي ، ولم ينبعث
من تلقاء نفسه إلى القيام بهذه العمليّة ، وإنما بعثه إلى ذلك :
1 - هند أمّ معاوية ؛ لأنها قد وترت في واقعة بدر بأعمدة أسرتها ، وقد وعدت وحشياً بالخير الكثير إن قام باغتيال حمزة .
2 - جبير بن مطعم مولى وحشي ، وقد وعده بالعتق والحرية إن اغتال حمزة ، وقد استجاب الخبيث إلى ذلك ، ولنتركه يحدثنا عن كيفية اغتياله لبطل الإسلام ، يقول : «خرجتُ مع النّاس ، وكنتُ رجلاً حَبشيّاً أقذف بالحَرْبة قَذْفَ الحَبشة ، قلما أخطئ بها شيئاً ، فلما التقى النّاسُ خرجتُ أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عُرْض النّاس مثل الجمل الأورق(1)، يَهُدّ النّاس بسيفه هَدّاً ، ما يقوم له شيء ، فوالله إنّى لأتهيأ له ، أريده واستتر منه بشجرة أو حَجَر ليدنو منّي ؛ إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى ، فلما رآه حمزة قال له : هلم إليَّ يابن مُقطّعة البظور ، فضربه ضربة ما أخطأت رأسه ، قال وحشي : وهززت حربتي ، حتى إذا رضيت منها ، دفعتها عليه فوقعتْ في ثُنَّته(2)حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوء(3)نحوي ، فغُلِب وتركته وإيَّاها حتى مات ، ثم أتيتُه فأخذتُ حَربتي ، ثُم رجعت إلى العسكر»(4)، وقد انطوت بشهادته صفحة من أروع صفحات الإيمان ، وقد هد مقتله المسلمون ، فقد خسروا ألمع قائد جاهد في نصرة الإسلام ، والذب عن قيمه وأهدافه ، فسلام الله عليه فما أعظم عائدته على المسلمين.
وطارت هند أم معاوية فرحاً بقتل الشهيد حمزة ، وسارعت إلى أرض المعركة
تفتّش عن جثمانه لتروي حقدها من جسده ، ولما انتهت إليه عمدت إلى بقر بطنه ، واستخرجت كبده فلاكتها ، ولم تستطع أن تُسيغها(1)، فلفظتها وجدعت أنفه وأذنيه ومذاكيره ، واتخذتها قلادة لها، وفعلن النسوة التي معها مثل ذلك في أجسام الشهداء(2)، وقد شفت حقدها بهذه العملية نفسها المترعة بالبغضاء والكراهية الحمزة ، وقد أعلنت ذلك بقولها :
شَفَيْتُ من حَمْرَة نَفْسي بأحد *** حتّى بَقَرْتُ بَطْنَه عن الكَبدِ
أَذْهَبَ عَنِّي ذاك ما كنتُ أجد *** من لذعه الحزن الشديد المُعْتَمدِ
والحرب تَعْلوكم بشُؤبوب(3)بَرد *** تُقدم إقداماً عليكم كالأسَدِ(4)
شكرت هند بمزيد من التقدير لوحشي لاغتياله حمزة ، فأعطته خدمها وقلائدها وقرطها(5)، وقد أثر عنها من الشعر في شكره والثناء عليه ، وذلك بقولها :
شَفَيتُ نَفسي وَقَضَيتُ نَذرى *** شَفَيتَ وَحْشِيٌّ غَلِيلَ صَدْرى(6)
فشُكْرُ وَحْشِيَّ عَلَيَّ عُمْرِي *** حَتَّىٰ تَرِمَ أَعْظُمي في قَبْرِي(7)
وقد سجلت بهذا الشعر شكرها لوحشي ، فقد شفى نفسها الآثمة باغتياله لبطل الإسلام.
وراح أبو سفيان يفتش في جثث القتلى عن جسد حمزة ليروي غليله ، فلمّا به أخذ يضرب في شدقه برج رمحه ، وهو يهتز فرحاً وسروراً ويقول : «ذُق عُقَقُ» ، فقال له الحُليس : «هذا سيّد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحماً(1)» ، فاستحى وقال له : «اكتمها عني فإنّها كانت زلّة»(2).
إنّ الأسرة الأموية رجالاً ونساءً قد تربت على الرذائل والغدر والخيانة والشماتة ، وليس فيهم شريف ولا شهم ، وهذا حفيد أبي سفيان يزيد بن معاوية الذي أباد عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يعتز بأنه شفي غليله من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بقتله لريحانته وسائر الكواكب المشرقة من أهل البيت (علیهم السّلام)، وأنه قد أخذ ثأره من النبي بواقعة بدر.
مضى النبي مع كوكبة من أصحابه يفتش عن جثمان عمه حتى انتهى إليه ، فلمّا رآه ، ويا لهول ما رأى ، فقد نظر إليه وقد مثل به ، فراح يقول بأسى وحزن وغيظ :
«لَنْ أَصابَ بِمِثْلِكَ أَبداً ، ما وَقَفْتُ مَوْقِفاً قَطُّ أَغْيَظَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا ، لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةٌ وَيَكُونَ سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ ، حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السَّباع ، وَحَواصِلِ الطُّيُورِ ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنِ مِنَ الْمَواطِنِ لَا مَثْلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ»(3).
وفي هذا نزل قوله تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي
ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(1). فصبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعفا ونهى عن المُثلة ولو بالكلب العقور .
وقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأسى بالغ وحزن عميق بمواراة جثمان عمّه وهو يذرف أحرّ الدموع قائلاً:
«يا عَمَّ رَسُولِ اللهِ وَأَسَدَ اللَّهِ وَأَسَدَ رَسولِهِ ، يا فاعِلَ الْخَيْراتِ ، يا كاشِفَ الكُرُباتِ يا حَمْزَةَ ، يا ذابُ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ»(2).
وسجى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جثمان عمه ببردته ، وصلى عليه بسبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى فوضعهم إلى جانب عمّه ، فصلّى عليهم وعليه ثنتين وسَبْعين مرّة(3)، ثمّ واراه ، وقد وارى معه النبل والشهامة والتقوى ، فقد كان (رحمه الله علیه) صفحة مشرقة من الجهاد والتضحية في الإسلام.
كانت نساء الأنصار قد أقمن المآتم على أزواجهن وإخوانهنّ وأبنائهنّ ، وهنّ يندبوهم بأقسى ندبة ، فمرّ عليهنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: «لكِنَّ حَمْزَةَ لا بَواكي عَلَيْهِ» .
وسارعت نساء الأنصار إلى البقيّة وأخبرنهنّ بمقالة النبي ، وقلن لهنّ: «لا تبكين على قتلاكم حتى تبكين على عم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)»، فأقمن النساء المآتم على الشهيد عمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
كان مصعب من أنبل فتيان قريش، ومن أتقى المسلمين في إيمانه وجهاده ، فقد أبلى فى الله بلاء حسناً ، وصبر على ما عاناه من ألوان التعذيب ، ومن صنوف المحن والخطوب.
بعثه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سفيراً إلى المدينة مبشراً بدين الله وداعياً إلى الإسلام ، وقد أفلح في سفارته ، فقد أسلم على يده جمع كبير .. وكان (رحمه الله علیه) من القادة المبرزين في واقعة أحد ، وقد أبلى في المعركة بلاء حسناً ، واستشهد فيها ، قتله الجاهلي ابن قمئة الليثي ظانا أنه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد رفع عقيرته قائلاً في وسط المعركة :
«قتلتُ محمّداً».
وتألم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على فقده لهذا الفذ ، فقد خسرت القيادة الإسلامية بطلاً من قادتها المجاهدين الذين أخلصوا في الدفاع عن الإسلام كأعظم ما يكون الإخلاص.
وجيء بجثمان الشهيد لمواراته ، فألقوا عليه نمرة(1)لم يملك سواها ، فلم تكن وافية بلف الجثمان ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «غَطُوا بِها رَأْسَهُ ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الأذْخر»، ثم واروه في مقره الأخير(2)، وقد انطوت بمواراته صفحة مشرقة من الإيمان والجهاد أجزل الله تعالى له المزيد من الأجر .
وأباد المسلمون وعلى رأسهم الإمام أمير المؤمنين حملة ألوية المشركين ، وسقط معظم قادتهم ، وولّى جيشهم الأدبار لا يلوون على شيء ، وخلفهم نساؤهم ينادين
بالويل والثبور حتى قصدن الجبل كاشفات سياقهنّ ، وهنّ بأقصى مكان من الذل والهوان(1)، ولكن لم يمض إلا قليل من الوقت حتى انعكس الأمر.
وتكبّد المسلمون أفدح الخسائر في الأرواح ، فقد نزلت بهم كارثة مدمرة كادت تلف لواء الإسلام ، ويعود السبب في ذلك إلى مخالفة الرماة الذين أقامهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على الجبل لحماية جيشه لئلا يأتيهم العدو من خلفهم ، وقد ألزمهم الإقامة بمواضعهم ، وأن لا يفارقوه في جميع الأحوال ، ولما تعرّضت قريش إلى هزيمة منكرة تاركة وراءها أمتعتها وأسلحتها ، فلما رآها الرماة تركوا مواضعهم ، وانسابوا إلى أرض المعركة لنهب الأمتعة والعتاد ، وبصر بهم خالد بن الوليد وهو من أبطال قريش ، فحمل على أصحاب النبي من الخلف وهم لا يشعرون ، فقتل منهم كوكبة كان معظمها من القادة البارزين في جيش النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكانت هذه الكارثة ناجمة من مخالفة الرماة لأوامر النبي المشدّدة في الحفاظ على أماكنهم لأنها أهم قاعدة عسكرية تضمن للجيش الإسلامي الظفر بالأعداء .
ولما نظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الهزيمة المنكرة التي مُني بها جيشه رفع يديه بالدعاء قائلاً:
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ اللَّهُمَّ لَا قابِضَ لِما بَسَطْتَ ، وَلَا بَاسِطَ لِما قَبَضْتَ، وَلَا هادِيَ لِمَن أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ ،
1) السيرة الحلبية : 2 : 226 .
وَلَا مَانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرَّبَ لِما باعَدْتَ ، وَلَا مُبَاعِدَ لِما قَرَّبْتَ .
اللهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنا بَرَكاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النّعيمَ الْمُقِيمَ الَّذي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ ، وَالْغَنَاءَ يَوْمَ الْفَاقَةَ.
اللهُمَّ إِنِّي عائِدٌ بِكَ مِنْ شَرِّ ما أَعْطَيْتَنَا وَشَرِّ ما مَنَعْتَنا.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِنا، وَكَرَّهُ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَالْحِقْنا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزايَا وَلَا مَفْتُونِينَ.
اللهُمَّ قاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِيَن يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ إِلهَ الْحَقِّ(1).
حكى هذا الدعاء انقطاع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الله تعالى ، والتجائه إليه ، وقد سأل ما يقربه إليه زلفى .
وفي ميدان المعركة دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذا الدعاء الذي أناط به جميع أموره بيد الله تعالى قائلاً:
«اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى ، وَأَنْتَ الْمُسْتَعانُ».
1) السيرة النبوية / ابن كثير : 3 : 77 .
وهبط جبرئيل (علیه السّلام) قائلا له : «لقد دعوت بدعاء إبراهيم حينما ألقي في النّار، ودعا به یونس حينما صار في بطن الحوت»(1).
كان شعار المشركين في المعركة الذين يقاتلون من أجله : يا للعزّى ، يا لهبل ، ودلّ ذلك على مدى تمسكهم بالأصنام والأوثان .
من النساء الفاضلات التي كان لهنّ دور مشرق ومتميز في المعركة الصحابية أم عمارة ، فقد أبلت في المعركة بلاءً حسناً ، وقد سألتها أم سعد بنت سعد بن الربيع عن جهادها بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقالت : «خرجت أوّل النّهار إلى أحد أنظرُ ما يصنع الناس ، ومعي سِقاء فيه ماء ، فانتهيت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو في أصحابه ، والدولة والريحُ(2)للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون انحزتُ إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقمت أباشر القتال ، وأذب عنه بالسيف، وأرمي بالقوس حتى خلصت إلى الجراح ، وكان على عاتقها جرحاً أجوف ، فقالت لها أمّ سعد :
«من أصابك بهذا ؟» .
قالت :
ابن قمئة ، أقمأه الله ، لمّا ولّى النَّاسُ عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقبل يقول : دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، فاعترضتُ أنا ومصعب بن عمير ، وأناس ممّن ثَبت مع رسولِ الله ، فضربني هذه الضّربة ، ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله
كانت عليه درعان»(1). وكانت الصحابية الممجدة أم أيمن لها دور متميز في المعركة ، فقد قامت بسقاية الجرحى...»(2).
وأحاطت عصابة من المجرمين بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أرادت قتله وهم :
كان عتبة بن أبي وقاص من أعدى الناس إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد رماه هذا الخبيث الرجس بحجر فكسر رُباعِيّته اليمنى والسفلى ، وقد دعا عليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال :
«اللهم لا يَحولُ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَتَّى يَموت كافراً».
واستجاب الله تعالى دعاء نبيه ، فقتله حاطب بن أبي بلتعة في نفس ذلك اليوم ، وأخذ سيفه وفرسه ، وجاء بهما إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأسر النبي بذلك ، وقال له : «رَضِيَ اللهُ عَنْكَ»(3).
من ألد أعداء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان يلقاه بمكة ويقول له :
«يا محمد ، إن عندي العَوْذ - وهو اسم لفرسه - أغلفه في كل يوم فَرَقاً(4)من ذُرة لأقتلك عليه» .
فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
وقد أقبل في يوم أحد يشتد كالكلب صوب النبي رافعاً عقيرته قائلاً للنبي :
«يا كذاب أين تفرّ ؟» .
فاعترضه رجال من المسلمين ، فأمرهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يخلو عنه ، وتناول حربة فأطلقها عليه ، فخدشت عنقه ، واحتقن الدم، وصاح الرجس الخبيث :
«قتلني محمد» .
فردّ عليه قومه قائلين :
«ذهب والله عقلك ، إنّك لتأخذ السهام من أضلاعك فترمي بها ، وما هذا عليك به من بأس إنّما هو خدشة». وأخذ الألم منه مأخذاً عظيماً ، فقال لهم :
«هذا الذي بي لو كان بأهل ذي مجاز(1)، أو بربيعة ، أو مضر ، أو بأهل الأرض لماتوا أجمعين لو بصق علَيَّ لقتلني» ، وهلك عدو الله في رجوعه إلى مكة ، وفيه قال حسّان بن ثابت :
لقَدْ وَرِثَ الضَّلالَةَ عن أبيه *** أبي يومَ بارزَهُ الرَّسولُ أتيتَ
إِليهِ تَحْمِلُ رِمَ عَظْمٍ *** وتُوعِده وأنتَ بهِ جَهول
وقال حسان فيه :
ألا مَنْ مُبلغ عني أبياً *** فقد أُلقيت في سُحْقِ السَّعِيرِ
تَمَنّى بالضَّلالةِ مِنْ بَعيدٍ *** وَتُقسِمُ أنْ قَدرْتَ مع النذورِ
تمنيك الأماني من بعيدٍ *** وَقَولُ الكُفْرِ يَرْجَعُ فِي غُرورِ
1) ذي مجاز : سوق في الجاهلية.
فقَدْ لاقَتْكَ طَعْنَةُ ذِي حِفاظ كَريمِ البَيتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ(1)
وبعد أن انهزم من ساحة الحرب معظم المسلمين يطاردهم الرعب والخوف أحدق الخطر بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أصيب بجروح وغيرها في منتهى الخطورة ، كان منها :
1 - کسر رباعيته اليمنى والسفلى .
2 - شقّ شفته العليا ، وسال الدم على سحنات وجهه الشريف ، وهو يمسحه ويقول : «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضْبُوا وَجْهَ نَبِيِّهم وَهُوَ يَدْعُوهُم إلى اللهِ»(2).
وقوعه في حفرة عملها أبو عامر وأخفاها ليسقط فيها المسلمون من حيث لا يعلمون ، وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى جانبه ، فأخذ بيده ورفعه طلحة حتّى استوى قائماً(3).
وأمر أبو سفيان منادياً ينادي في المعركة أن محمداً قد قتل ، ولما سمع المسلمون فرّوا على وجوههم لا يلوون على شيء ، وحاول بعض الصحابة أن يكتب لأبي سفيان يطلبون منه الأمان .
وقام الإمام بدور إيجابي ومتميز بحماية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في الذب عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وحمايته من الفجرة المارقين، والتفت إليه النبي قائلاً:
«يا عَلِيُّ ، ما فَعَلَ النَّاسُ ؟».
فأجابه الإمام بأسى ولوعة :
«نَقَضُوا الْعَهْدَ وَوَلُّوا الدُّبُرَه».
وحملت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عصابة من القرشيين ، فضاق منهم ذرعاً ، فقال لعلي (علیه السّلام): «إكْفِني هؤلاء».
فحمل عليهم الإمام وكشفهم عنه ، وولّوا منهزمين ، ثم حملت عليه عصابة أخرى تقارب خمسين فارساً ، فقال لعليّ : «إِكْفِني هؤلاء»، فحمل عليهم ، وكان راجلاً فقتل منهم أربعة من أبناء سفيان بن عويف ، كما قتل ستة من الكتيبة الأولى . ففي سبيل الله تعالى ما عاناه سيّد الموحدين من المحن الشاقة في سبيل الإسلام .
وحملت كتيبة ثالثة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيها هشام بن أمية ، فقتله الإمام ، وولّت منهزمة ، وحملت عليه عصابة رابعة فيها بشر بن مالك فقتله الإمام وولت كتيبته منهزمة .
وهكذا قام الإمام (علیه السّلام) و بحماية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحصد الرؤوس ، ويجندل الأبطال ، وقد بهر جبرئيل من مواساته للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعظيم جهاده ، فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«إِنَّ هذِهِ الْمُواساة قَدْ عَجِبَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ» .
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«وَما يَمْنَعُهُ وَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ؟».
فقال جبرئيل باعتزاز : «وَأَنَا مِنْكُما»(1).
وقال الإمام (علیه السّلام) في هذه المحنة الحازبة ملازماً للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفدائياً له ، وقد أصيب
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): 18:2.
بستة عشر ضربة تلزمه الأرض ، وما كان يرفعه إلا جبرئيل(1)، ففي ذمة الله ما لاقاه الإمام (علیه السّلام) من المحن والخطوب في الذب عن دين الله تعالى ، ونصرة الإسلام ، والدفاع عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وانبرت كوكبة من المجاهدين الأبطال لحماية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والدفاع عنه ، كان منهم :
ولما انهزم المسلمون ، وأشاع أبو سفيان قتل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) انبرى أنس بن النضر بعزم ثابت فاستقبل المسلمين ورفع عقيرته قائلاً:
«ما تصنعون بالحياة بعده - أي بعد رسول الله - موتوا على ما مات عليه».
وجاهد جهاد الأبطال حتى استشهد(2)أجزل الله له المزيد من الأجر، وحشره مع الشهداء والصالحين.
من أبطال المسلمين وأفذاذهم الشهيد ثابت بن الدَّخداحة ، لما رأى الهزيمة المنكرة التي مُني بها المسلمون ، ومنادي أبي سفيان ينادي قتل محمد ، التفت إلى الأنصار وقال لهم :
«يا معشر الأنصار ، إليَّ ! إليَّ ! أنا ثابت بن الدخداحة ، إن كان محمد قتل ، فإن الله تعالى حي لا يموت ، فقاتلوا عن دينكم ، فإنّ الله تعالى ناصركم ومظفرُكم» .
أرأيتم هذا الإيمان الصادق الذي انبعث عن ضمير مترع بالإيمان والتقوى ،
وقد استجاب له قوم من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعِكْرِمَة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، فحمل عليه خالد بن الوليد فطعنه بالرمح فقتله ، وقتل من كان معه(1).
من أفذاذ المجاهدين أبو دجانة ، فقد حنى ظهره دون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليقيه من السهام ، ولا يصيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شيئاً منها .
من عيون المتقين والمجاهدين زياد بن عمارة ، فقد أبلى بلاء حسناً في الدفاع عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد أصابته سهام قريش ورماحهم ، فوقع مغشياً عليه ، وحمل إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فتوسد قدمه ، ولم يلبث إلا قليلاً حتى سمت روحه إلى الرفيق الأعلى(2).
من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا عليه الله تعالى هو أبو طلحة ، فقد حامى عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أخلص في الدفاع عنه ، وفداه بنفسه ، وكان متضلّعاً في الرمي ، نشر كنانته بين يدي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يقول له :
«نفسى لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء» .
وتابع في رميه ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يأمر رجلاً يقرب له السهام ليرمي بها ، وقد كسر قوسين أو ثلاثاً من كثرة رميه ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يشرف على العدوّ وينظر إليهم ، وأبو طلحة يقول له :
«يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، لا تشرف - يعني على القوم - يصيبك سهم من سها مهم نحري دون نحرك»(1).
وهكذا تجسّد الإيمان بجميع رحابه في نفس هذا المؤمن النبيل .
من خيار المسلمين، وقد تفاعل الإيمان مع مشاعره وقلبه ، وكان أعرجاً ، وله بنون أربعة كالأسود في بسالتهم وشجاعتهم ، وقد شهدوا مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جميع المشاهد ، وخاضوا أعنف المعارك ، وفي واقعة أحد أراد أبناءه حبسه عن الجهاد ، وقالوا له :
«إنّ الله تعالى أعذرك لأنك أعرج، فقد رفع الجهاد عنك» ، فلم يقنع ، وسارع إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بلهفة وأسى قائلاً:
«إنّ بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه ، وإنّي والله لأرجو أن أطأ بعَرْجتي هذه في الجنّة».
أرأيتم هذا الإيمان ، وهذا العزم والتصميم على نصرة الإسلام ، وأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلاً:
«أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ فَلا جهادَ عَلَيْكَ».
ورأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهفته وشوقه العارم على نيل الشهادة ، فقال لبنيه :
«ما عَلَيْكُم أَنْ لا تَمْنَعُوهُ ، لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ».
وخرج وهو ناعم البال ، مسرور فرح ، وخاض في ميادين الحرب حتى استشهد أجزل الله تعالى له الأجر ، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من الشهداء والصديقين ،
1) السيرة الحلبية : 2 : 231.
وحسن أولئك رفيقاً(1).
من الصور الرائعة للإيمان سعد بن الربيع ، وهو من أبطال العقيدة ، خاض في ميدان الجهاد ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حريصاً عليه ، فأمر أصحابه بالبحث عنه ، فانبرى رجل من الأنصار يفتش عنه ، فوجده في آخر رمق من حياته ، فدنا منه ، وقال له :
«إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات» .
فقال له بصوت خافت :
«أنا في الأموات ، أبلغ رسول الله ، وقل له : إنّ سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خيراً ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عنّي السلام ، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : لا عُذر لكم عند الله إن خُلِص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف» .
ولم يلبث إلا قليلاً حتى سمت روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى(2).
وهؤلاء الأفذاذ قد ثبتوا في وقت المحنة ، وآثروا حياة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على حياتهم.
وأصيبت عين قتادة في المعركة حتى سقطت على وجنته فردّها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بیده ، فكانت أحسنَ عَيْنيه وأحدهما ، وقد اعتز ولده بهذه المكرمة ، فقد وفد على عمر بن عبدالعزيز فقال له :
«من أنت ؟» .
فأجابه مرتجلاً:
أنا ابنُ الَّذي سالَتْ عَلَى الخَدِّ عَيْنُهُ *** فَرُدَّتْ بكفِّ المُصْطَفَى أَحْسَنَ الرَّدُ
فعادَتْ كَما كانَتْ لأوَّلِ أَمرِها *** فيا حُسْنَها عَيناً ويا حُسنَ ما خَدَّ
فأجابه عمر :
تلك المكارم لا تعبان من لَبَنِ *** شيبا بماء فعادا بعد أبوالا(1)
وهو عمرو بن ثابت من بني عبد الأشهل ، أسلم يوم أحد ، أخذ سيفه وانضم إلى الجيش الإسلامي ، وأصابته جراحات وسقط في أرض المعركة ، وبصر به بعض أبناء أسرته فجاؤا يفتشون عن قتلاهم ، فقالوا :
«إن هذا هو الأصيرم ، ما الذي جاء به وقد كان منكراً للإسلام ؟» ، فسألوه : «ما الذي جاء بك يا عمرو ؟» ، أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : «بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله ، وأسلمتُ ، ثم أخذت سيفي فغدوتُ مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقاتلت حتّى أصابني ما أصابني» ، فلم يلبث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال : «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» ، وفي الحديث : «إِنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، ولم يصل(2)لأنّ يوم استشهاده صادف أوّل يوم إسلامه ، والإسلام يجب عما قبله.
وهو من بني ثعلبة ، قال لليهود في يوم أحد : «يا معشر اليهود ، لقد علمتم أنّ نَصْر محمد عليكم لحقِّ» ، ثمّ أخذ سيفه وعُدَّته وقال : «إن أصبتُ فَما لي لمحمد ،
يصنع فيه ما شاء».
والتحق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أحد ، وقاتل معه حتى قتل ، واستولى النبي على حيطانه، وكانت سبعة ، وجعلها وقفاً الله تعالى ، وهى أول وقف بالمدينة(1).
وانتهت الحرب بفوز قريش في المعركة وخذلان المسلمين ، وشهادة الكثير من قادتهم ، وقد أعرب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن آخر معركة يصاب فيها المسلمون هذه المعركة ، فقد قال لأخيه ، وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) : «ولا يَصيبُ المُشْرِكُونَ مِنَا مِثْلَهَا أَبَداً حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا»(2).
وعلى أي حال، فقد ارتحل أبو سفيان من أرض المعركة مع جيشه ، وقد ملئت نفوسهم فرحاً ومرحاً .
وقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمواراة جثث الشهداء من أصحابه في أرض المعركة ، وقد دفن كوكبة من أصحابه بعضهم في مقبرة واحدة ، وكان أكثرهم من حفظة القرآن الكريم ، وقد فاح من قبورهم مثل ريح المسك ، واحتمل جماعة قتلاهم إلى المدينة، فردّهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أرض المعركة التي استشهدوا فيها(3). وقد أجرى معاوية بن هند الماء في وسط المقبرة ، وأمر الناس بنقل موتاهم ، فأخرجوهم منها وهي رطبة ؛ وذلك في سنة أربعين من الهجرة(4)، وإنّما عمد إلى ذلك تشفّياً منهم ، وكيف يعمد إلى إجراء
الماء في مقبرة الشهداء الذين وهبوا حياتهم الله تعالى ، وحكم الشريعة واضح في عدم جواز الاعتداء على قبور المسلمين ، وأنه يجب أن تصان ، ولكن معاوية بن أبي سفيان ليست له أية صلة بأحكام الإسلام وتعاليمه .
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أصحابه الذين كانوا في أرض المعركة ، والذين شهدوا معه القتال خاصة ، بالخروج إلى الحرب ، فاستجابوا الله ورسوله ، فانطلقوا ، فأنزل الله تعالى فيهم : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ(1)
واتجه الجيش الإسلامي حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، وهي عن المدينة ثمانية أميال ، فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثمّ قفل راجعاً إلى المدينة. وكان ذلك من أروع المخططات العسكرية ؛ لأن أبا سفيان قفل راجعاً إلى مكة ندماً على عدم مواصلة الحرب ، وعدم استئصال المسلمين بعد ما أحرز النصر .
وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) برأيه الأصيل وهو التوجّه من أرض المعركة صوبه ليوهمه أنه أقام المناهضته جيشاً أقوى من جيشه.
كان معبد الخزاعي مشركاً ، ولكنه كان مخلصاً للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد مر به ، وكان مقيماً بحمراء الأسد ، فقال له :
«يا محمد ، أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ، ووددنا أنّ الله عافاك فيهم».
1) آل عمران 3: 172.
ثم خرج من عند رسول الله ، واتجه صوب مكة ، فالتقى بأبي سفيان بالروحاء ، وكان قد أجمع على الرجوع الحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقالت له قريش : «أصبنا قادة جيش النبي وأشرافهم ، ونريد أن نرجع لاستئصالهم»، والتفت أبو سفيان إلى معبد فقال له :
«ما وراءك يا معبد ؟» .
«قد خرج محمد يطلبكم بجمع لم أرَ مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقاً ، وقد اجتمع معه من تخلف عنه ، وندموا على ما صنعوا ، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط» .
وفزع أبو سفيان وراح يقول بصوت مضطرب :
«ويلك ما تقول ؟» .
«والله ما أراك ترتحل حتّى ترى نواصي الخيل».
وراح أبو سفيان يعرب عن عزمه قائلاً:
«قد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل شأفتهم» .
«فإنّي أنهاك عن ذلك ، ولقد حملني ما رأيت أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر» .
«ما قلت ؟» .
«قلت :
کادتْ تُهدَّ مِنَ الأصواتِ راحِلَتي *** إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيل(1)
تردى باشد كرام لا تنابلة *** عندَ اللقاءِ ولا مِيلٍ مَعازيل(2)
فَظَلْت عَدْواً أظنُّ الأرضَ مائِلَةٌ *** لمَا سَمَوْا بَرئيس غير مَخْدُولِ(1)
فقلتُ : ويل ابْنِ حَرْبٍ من لقائِكُمُ *** إذا تغطمطتِ البَطحاءُ بالجيل(2)
إنّي نذير لأهل البسل ضاحية لكلِّ ذي إرْبَةٍ منهُمْ ومَعقول(3)
من جَيْشِ أحمد لا وخش وتنابلة *** وليسَ يُوصَفُ ما أنذرت بالقِيل(4)
وثنى أبو سفيان عن نيته بمواصلة الحرب ، وكان ذلك نصراً للإسلام .
تركت واقعة أحد على الصعيد الإسلامي بعض المضاعفات المؤلمة التي منها :
وقفلت قريش راجعة إلى مكة ، وهي تعزف أبواق النصر بما حققته من نصر على المسلمين ، وما أوقعته فيهم من الخسائر الفادحة في النفوس والأموال ، وكان من أعظم المسرورين بهذا الانتصار أبو سفيان وزوجته هند ، وبنو أمية ، فقد استوفوا ثأرهم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ وذلك بما سفكوه من دم عمه وسائر أبطال المسلمين ، فقد سارع أبو سفيان إلى قصد الكعبة قبل أن يدخل إلى بيته ورفع إلى كبير الأصنام ، وهو هبل ، التحية وشكره على هذا الانتصار ، ثم رجع إلى داره فقارب زوجته هند موفياً بنذره أن لا يقاربها حتّى ينتصر على محمد (صلی الله علیه و آله و سلم).
وتبارى شعراء قريش فيما نظموه من شعر إلى الاعتزاز فيما أحرزوه من نصر في
واقعة أحد ، وقد انبرى شعراء المسلمين إلى الردّ عليهم فيما نظموه ، وهذه نماذج منها :
قال عبد الله بن الزبعرى مفتخراً بالنصر الذي أحرزته قريش في واقعة أحد :
يا غُرَابَ البَيْنِ أسْمَعتُ فقل *** إنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئاً قَدْ فَعِلْ
إِنَّ للخَيْرِ والشَّرِّ مَدى *** وكلا ذلك وَجْهُ وَقَبلْ(1)
ومنها :
كمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيِّد *** ماجد الجَدَّينِ مِقْدامِ بَطَلْ
صادق النَّجْدَةِ قِرْم بارع *** غير مُلْتَاتٍ لَدَى وَقع الأَسَلْ(2)
فَسَلِ الْمِهْرَاس مَن سَاكِنُهُ؟ *** بينَ أَنْحَافٍ وهامٍ كَالْحَجَلْ(3)
لَيتَ أَشْياخي بِبَدْرٍ شَهِدُوا *** جَزَعَ الْخَزْرِجِ مِنْ وَقْعِ الأَسَلْ
حينَ حَكَّت بقباء بَرْكَها *** واسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فى عبدِ الأَشَلْ(4)
ثُمَّ خَفُّوا عند ذاكُم رُقصاً *** رَقَصَ الحَفَّانِ يَعلو في الجَبَلْ(5)
فَقَتلنا الضُّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِم *** وعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ
لا ألومُ النَّفْسَ إلَّا أَنَّنا *** لَوْ كَرَرْنا لَفَعَلْنَا المُفْتَعَلْ
بسيوف الهنْدِ تَعْلُو هامهم *** عَلَلاً تَعْلُوهُمُ بعدَ نَهَلْ(1)
وأنت ترى في شعر ابن الزبعرى الشماتة بالمسلمين ، وأن قريشاً قد استوفت ثارها وأروت حقدها من المسلمين، وإنّ مَيْلَ بدر قد اعتدل في واقعة أحد ، وأنّ قريشاً قد أبادت أعلام المسلمين ، ومن الجدير بالذكر أن يزيد بن معاوية استشهد ببعض أبيات ابن الزبعرى حين إبادته للعترة الطاهرة في صعيد كربلاء .
وقد ردّ عليه حسّان بن ثابت بقصيدة مثل قصيدته في قافيتها ووزنها ، وهذا بعض منها :
ذهَبَتْ بابن الزبعرى وَقْعَةٌ *** كان مِنَّا الْفَضْلُ فِيها لَوْ عَدَلْ
ولقد نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُمْ *** وَكَذاكَ الْحَرْبُ أَحياناً دُوَل
نضَعُ الأَشيافَ في أكْتافِكُم *** حَيثُ نَهْوِي عَلَلاً بَعْدَ نَهَلْ
ومنها :
ضاقَ عنا الشِّعْبُ إِذ نَجْزَعَهُ *** وَمَلأنا الفَرْطَ مِنْهُ وَالرَّجَلْ(2)
رجالٍ لَسْتُمُ أمْثَالَهُمْ *** أَيَّدُوا جِبْرِيلَ نَصْراً فَنَزَلْ
وعَلُوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بالتقى *** طاعةِ اللهِ وتَصْديق الرُّسُلُ
وَقَتَلْنا كُلَّ رَأْسٍ مِنْهُمُ *** وَقَتَلْنا كلَّ جَحْجاج رِفَلْ(3)
وتركنا في قُرَيشِ عَوْرَةٌ *** يَومَ بَدْرٍ وأَحاديثُ المَثَل
ورسولُ اللهِ حَقّاً شاهداً *** يومَ بَدْرِ والتَّنابيلُ الهُبل(4)
1) السيرة النبوية / ابن كثير : 3 : 110 و 111 . السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 136 .
2) تجزعه : أي تقطعه . الفرط : المكان المرتفع . الرجل : جمع رجلة ، وهو المطمئن من الأرض.
3) الجحجاج: السيد الرفل : الذي يجر ثوبه رياء .
4) التنابيل : القصار اللئام الهبل : من كثر لحمه . السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 137.
عرض حسان في قصيدته إلى بسالة الجيش الإسلامي وقوته في واقعة بدر ، وأنه كبد القرشيين أفدح الخسائر في الأرواح والأموال ، وأنه قد أباد رؤوسهم وأعلامهم أمثال أبي جهل وعتبة والعاص وحنظلة وغيرهم ، وأنّ ما عاناه المسلمون في واقعة أحد من القتل فإن الحرب سجال ، ولا ينبغي لهم أن يفرحوا بها .
ومن الشعراء الذين افتخروا بما حققته قريش من النصر في واقعة أحد هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فقد أعلن اعتزازه بهذه القصيدة التي منها :
ما بالُ هَمَّ عَمِيد باتَ يَطْرُقُني *** بالود من هِنْدِ إِذْ تَعْدو عوادِيها
باتَتْ تُعاتبني هند وتَعْذُلُني *** والحرب قد شُغِلَت عَنّى مواليها
مَهْلاً فلا تعدليني إنَّ مِنْ خُلُقي *** ما قد عَلِمْتِ وما إنْ لَسْتُ أَخْفِيها
مساعِفٌ لبَني كَعْبٍ بما كَلِفُوا *** حَمَالُ عِبْءٍ وأَثقال أُعانيها
وقد حملت سلاحي فوقَ مُشْتَرَفٍ *** ساط سبوح إذا تَجْرِي يُبارِيها(1)
ومنها :
قالت كنانة أنَّى تَذْهَبُونَ بنا *** قلنا النخيلُ فَأُمُّوها ومَنْ فِيها(2)
نَحنُ الفَوارسُ يومَ الجَرَّ مِنْ أُحُدٍ *** هابتْ مَعَدٌ فقُلنا نحنُ نَأْتِيها(3)
هابُوا ضراباً وطَعْناً صادقاً خَدَماً *** مما يرون وقد ضُمَّت قَواصِيها(4)
نُمَّتَ رُحْنا كانا عارِضٌ بَرِدٌ *** وقامَ هامُ بَني النَّجَارِ يَبْكِيها
كَانَ هامُهُم عند الوغى فِلَقٌ *** من قَيْضِ رُيْدٍ نَفَتْهُ عن أَداحِيها(1)
أو حنظل ذَعْذَعَتهُ الرِّيحِ فِي غُصْنٍ *** بالٍ تَعاوَرَهُ مِنْها سَوافِيها(2)
قد نَبدِّلُ المالَ سَحاً لا حِساب لهُ *** ونَطْعنُ الخيلَ شَزْراً في مآقيها(3)
ويستمر الشاعر في قصيدته بهذا الأسلوب من الأدب الجزل ، وهو يعرض إلى شجاعة قومه ، وما أنزلوه بجيش المسلمين من الخسائر في واقعة أحد ، وقد ردّ عليه حسان بن ثابت أو كعب بن مالك بأبيات من نفس القافية :
سُقْتُم كِنانةَ جَهلاً مِنْ سَفاهَتِكُم *** إِلَى الرَّسولِ فَجُنْدُ اللهِ مُخْزِيها
أَوْرَدْتموها حياضَ المَوْتِ ضاحيَةً *** فالنّارُ مَوْعِدُها والقَتْلُ لاقيها
جَمَّعْتُمُوهُم أَحابيشاً بلا حَسَبٍ *** أئِمَّةُ الكُفْرِ غَرَّتْكُمْ طواغيها
أَلا اعتبرتُم بِخَيلِ اللَّهِ إِذْ قَتَلتْ *** أَهلَ القَليب وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فيها
كَمْ مِنْ أسيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلا ثَمَنٍ *** وَجَز ناصيةٍ كُنّا مَوَاليها(4)
حكت هذه الأبيات أن الجيش الذي حاربت به قريش في واقعة أحد لم يكن من العرب ، وإنّما كان من العبيد والأرقاء ، وقد دعتهم إلى الاعتبار بما لاقوه في واقعة بدر من القتل والأسر والتنكيل .
وسرّ المنافقون واليهود سروراً بالغاً بما مني به المسلمون في واقعة أحد من القتل والدمار ، فقد اضطرب وتزعزع حكم الإسلام ، وراحت أنديتهم تتحدث بسخرية واستهزاء عن مصير المسلمين ، فهذا رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول لم يشترك في القتال ؛ لأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يسمع رأيه أو لأنه غضب على مواليه من اليهود والنصارى ، فقد كان ناعم البال ، قرير العين بالخسائر التي تكبدها المسلمون في هذه الواقعة .
وعلى أي حال ، فد شمتت القوى المعادية للإسلام ، وراحت تعلن فرحتها بهذه الكارثة المدمّرة ، وتمنوا أن تتكرّر حتى تنطوي راية الإسلام .
استضعفت القبائل العربية المسلمين بعد واقعة أحد ، فبعد ما كان الرعب مخيّماً عليها ، وهي تخشى بسطة الإسلام عليها ، أخذت بعد ما حلّ بالمسلمين من الدمار أن تغزوهم وتستأصلهم.
تعد واقعة الخندق من أعنف المعارك التي خاضها المسلمون ، فقد تحرّبت القبائل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولذلك سمّيت بواقعة الأحزاب ، وقد ضاق المسلمون منها ذرعاً ، وساد فيهم الرعب والخوف ، وقد حكى القرآن الكريم مدى الهلع والفزع الذي أصاب المسلمين. قال تعالى : إِذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ(1)، ونتحدّث - بإيجاز - عن فصول هذه الواقعة التي انتصر فيها الإسلام على يد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فهو الذي أحرز فيها الفتح المبين ، وفيما يلي ذلك :
أما اليهود فكان لهم دور متميّز في هذه المعركة ، فقد خفت منهم عصابة إلى القرشيين يستنهضونهم لحرب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلين لهم :
«إنا سنكون معكم عليه حتّى نَسْتأصله» .
وهتف القرشيّون بشوق ولهفة قائلين :
«يا معشر اليهود ، إنّكم أهل الكتاب الأول ، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ، نحن ومحمد أفدِينُنا خير أم دينه ؟» .
1) الأحزاب 33 : 10 .
وسارع اليهود قائلين :
«بل دينكم - وهو عبادة الأوثان والأصنام - خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه».
إنّ عبادة الأوثان خير من دين الإسلام الذي يوحد الله تعالى ، ولا يشرك به .. إنّ هذا هو المنطق السائد عند اليهود في جميع عصورهم ، وتأريخهم شاهد بذلك، وقد حكى القرآن الكريم هذه المحاولة التي جرت بين اليهود وبين القرشيين.
قال تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ - أي النبوّة - فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سعيراً(1).(2)
وقد استجابت قريش ، وهي من ألد أعداء الإسلام إلى دعوة اليهود .
لما علم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خروج القرشيين وقبائل غطفان لحربه جمع أصحابه ، وأحاطهم علماً بالأمر ، وطلب منهم الرأي في اتخاذ أهم وسيلة لصدّ العدوان عن المسلمين ، فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة ليمنع وصول العدو لهم ، واستصوب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رأيه ، وقام مع أصحابه بحفر الخندق ، وكان المنافقون يتسللون عن العمل ، ويذهبون لشؤونهم بغير إذن من
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فنزلت فيهم الآية الكريمة : قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1)، أما المؤمنون فقد جهدوا نفوسهم على العمل ، وإذا كانت لهم حاجة استأذنوا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في قضائها ، فأنزل الله تعالى فيهم الآية : إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِع لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الله إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(2).
وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعمل مع العاملين في حفر الخندق ، وكره أن يتميز عليهم وكانت هذه الخطة حكيمة ، فقد وقت المسلمين من شرّ عظيم ، وقد وقفت قريش مذهولة ، فلم تقدر على اجتياز الخندق ، ووقفت بالجانب الآخر منه ، وقد استخدمت النبل في محاربتها للمسلمين ، وكان المسلمون يردّون عليهم بالمثل من دون أن تقع حرب عامة بين الفريقين .
أسلم نُعيم بن مسعود على يد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تلك الفترة ، وكان من زعماء غطفان التي خرجت لحرب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال له :
«يا رسول الله ، إنّي قد أسلمتُ ، وأن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فأمرني بما شِئت» ، فأمره النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتحذيل القبائل عنه وخداعهم ، فإنّ الحرب خدعة ، وقام نعيم بدور إيجابي وفعّال في تفتيت القوى المحاربة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، والقاء الفتنة بينهم، فقد انطلق إلى بني قريظة ، وكان نديماً لهم في الجاهليّة ، فقال لهم :
«يا بني قريظة ، قد عرفتم ودّي إيَّاكم ، والخاصة التي بيني وبينكم» .
وهتفوا قائلين :
«صدقت لست عندنا بمتهم» .
وأشار عليهم بنصيحته قائلاً:
«إنّ قريشاً وغَطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره ، وأن قريشاً وغطفان قد جاؤا إلى محاربة محمد وأصحابه ، وقد ظاهر تموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نُهزة(1)أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تُقاتلوا مع القوم حتّى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمّداً حتى تناجزوه» .
وهتفوا جميعاً :
«أشرت بالرأي» .
ووثقوا بنصيحته ، ومضى إلى قريش فقال لأبي سفيان ومر سفيان ومن معه من زعماء قریش:
«قد عرفتم ودّي وفراقي محمد ، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت على حقاً أن أبلغكموه نُصْحاً لكم ، فاكتموا عنّي».
وطفقوا قائلين :
«نفعل ذلك» .
«تعلموا أنّ معشر اليهود قد نَدِموا على ما صنعوه مع محمّد ، وأرسلوا إليه أنهم
1) النهزة : انتهاز الشيء واختلاسه .
قد نَدِموا على ما فعلوه ، وأنه إذا يرضيه أن يأخذوا من أشراف قريش وغطفان جماعة ، ويسلّموهم إليه ليضرب أعناقهم ثمّ يكونون معه ، فإن بعثت لكم اليهود يلتمسون منكم رُهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً».
واستصوب أبو سفيان رأيه ، وأرسل إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل مع جماعة من قريش يطلب منهم الالتحاق بهم لمحاربة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقالت بنو قريظة : لا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا حتى نناجز محمداً».
وقفلت الرُّسل راجعة إلى قريش وغطفان ، فأخبروهم بمقالة بني قريظة ، فصدقوا مقالة نعيم ، وقالوا :
«لا نعطيهم أي واحد منا» .
وبذلك فقد تخلّص المسلمون من يهود بني قريظة ، فلم ينظموا إلى قريش ، ولم يشتركوا معهم في حرب المسلمين(1).
وعبرت بعض قوات العدو الخندق ، وأخذت تدعو القوات الإسلامية إلى المبارزة والالتحام .
وعبرت الخندق عصابة من قوات الشرك ، كان منها عمرو بن عبدود فارس قریش في الجاهليّة ، وفارس كنانة ، وهو مدجّج بالسلاح ، كأنه القلعة فوق جواده ، وقد اهتزت الأرض من تيهه وزهوه وقوّة بدنه ، وساد الوجوم والخوف بين
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): 2 : 23 .
المسلمين ، وجعل يصول ويجول أمامهم محتقراً لهم ، وقد رفع صوته :
«يا رجال محمد ، هل من مبارز ؟» .
وكان نداؤه كالصاعقة فقد خلعت القلوب ، ولم يجبه أحد ، فصاح ثانياً :
«ألا رجل يبارز ؟».
وانبرى إليه بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قائلاً:
«أَنا لَهُ يا رَسُولَ اللهِ...»!
وكان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ضنيناً على الإمام ، فقال له :
«إِنَّهُ عَمْرُو» .
وجلس الإمام امتثالاً لأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعاد عمرو ساخراً من المسلمين قائلاً:
«يا أصحاب محمد ، أين جنّتكم التي زعمتم أنكم داخلوها إذا قتلتم ؟ ألا يريدها رجل منكم ؟» .
ولم يستجب له أحد من المسلمين ، فقد خطف الرعب ألوانهم ، فانبرى أسد الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وقد أشرأبت إليه الأعناق إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأذن له بعد إصرار وإلحاح .. وقد قلّده وساماً من أعظم الأوسمة قائلاً:
«بَرَزَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّهِ».
الله أكبر ! علي نفس الإيمان والإسلام ، فأي وسام أجدر بالتعظيم والتبجيل من هذا الوسام ، ثم رفع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يديه بالدعاء مبتهلاً إلى الله تعالى أن يحفظ له الإمام قائلاً:
«اللهُمَّ إِنَّكَ أَخَذْتَ مِنِّي حَمْزَةَ يَوْمَ أَحَدٍ ، وَعُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَاحْفَظِ الْيَوْمَ عَلِيّاً ... رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ...».
وبرز بطل الإسلام مزهواً لم يخالجه خوف ولا رعب ، وبهر عمرو بن ود من جرأة
هذا الفتى وإقدامه على مناجزته، وهو فارس العرب قائلا له :
«من أنت ؟» .
فأجابه الإمام ساخراً منه :
«أَنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» .
فأشفق عليه عمرو وقال له :
«قد كان أبوك صديقاً لي».
ولم يحفل الإمام بصداقة عمرو لأبيه وراح يقول له :
«يا عَمْرُو ، إِنَّكَ عَاهَدْتَ قَوْمَكَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلى خِلَالٍ ثَلَاثٍ إِلَّا أَجَبْتَهُ ؟».
«نعم، هذا عهدي».
«إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ».
وضحك عمرو وقال بسخرية :
«أ أترك دين آبائي ، دع هذا عنك».
«أَكُفُ يَدِي عَنْكَ فَلَا أَقْتُلُكَ وَتَرجِعُ ؟» .
وغضب عمرو وأخذته العزة بالإثم ، وعجب من جرأة هذا الفتى عليه ، وقال له :
«إذن تتحدّث العرب بفراري» .
وعرض الإمام عليه الأمر الثالث قائلاً:
«إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النّزالِ ؟»(1).
وعجب عمرو من بسالة الفتى وشجاعته ، فنزل عن فرسه ، واستل سيفه ،
1) مستدرك الحاكم : 3 : 32.
وضرب الإمام ، فاستقبلها بدرقته فقدها ونفذ السيف إلى رأسه فشجّه ، وأيقن المسلمون أنّ الإمام قد لاقى مصيره ، ولكن لم يلبثوا إلا قليلاً حتّى ضرب الإمام عمرواً ضربة منكرة هدّته ، وسقط إلى الأرض جريحاً يخور بدمه ، كما يخور الثور عند ذبحه ، وكبر الإمام (علیه السّلام) ، وكبر المسلمون ، فقد انقصم ظهر الشرك ، وتقلّلت قواه ، وأحرز الإسلام النصر الحاسم على أعدائه بيد إمام المتقين وبطل الإيمان ، وراح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقلده وساماً مشرقاً على امتداد التاريخ قائلاً:
«لَمُبارَزَةٌ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِعَمْرُو بْنِ عَبْدِ وَدَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ أُمَّتِيإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(1).
الله أكبر ! هذه الضربة الحاسمة للشرك تعادل جميع ما تعمله أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) من حسنات ومبرّات إلى يوم القيامة ، فأيّة مكرمة هذه المكرمة ؟
وقال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان :
«لو قسمت فضيلة عليّ بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم(2).
قال عبدالله بن عباس في تفسير قوله تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ(3)قال : «كفاهم بعلي بن أبي طالب»(4).
وبكت قريش أمر البكاء ، وحزنت أعمق الحزن على قتل بطلها عمرو بن عبد ود لأنّ قتله كان هزيمة لهم ، وقد رثاه مُسافح بن عبد مناف بن وهب بقوله :
عمرو بن عبد كان أول فارس *** جزعَ المَذا وكانَ فارِسَ يَلْيَل
سَمْحُ الخَلائِقِ ماجِدٌ ذو مِرَّةٍ *** يبغي القتال بشكةٍ لمْ يَنكُل(1)
ولم تجزع أخت عمرو على أخيها لأن قاتله البطل الأول في العالم العربي ، ولو كان قاتله غيره لحزنت عليه كأشدّ ما يكون الحزن ، قالت :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله *** لكُنتُ أَبْكِي عَليهِ آخِرَ الأَبَدِ
لكنَّ قاتِلُهُ مَنْ لا يُعابُ ِبهِ *** مَنْ كانَ يُدعى أبوهُ بَيضَةَ البَلَد(2)
وقتل الإمام (علیه السّلام) بطلاً آخر من قريش وهو نوفل بن عبد الله ، وقد سبب ذلك هزيمة ثانية لقريش، وراح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول له :
«الآنَ نَغْرُوهُمْ وَلَا يَغْرُونَنا»(3).
وولت قريش منهزمة على أعقابها يطاردها الرعب والخوف ، فقد منيت بقتل أعظم بطل من أبنائها في هذه المعركة ، كما لم يتكبد المسلمون أي خسارة فيها
ولم يكد ينتهي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من واقعة الخندق حتى وافته الأنباء من السماء بالإسراع إلى غزو بني قريظة ، وهم أسوء عصابة إسرائيلية انتهكت حرمات الله ، وباءت بغضبه وغضب رسوله ، وكانت مصدر فتنة ومكر للمسلمين ، فكانوا يكيدون لهم في وضح النهار وفي غلس الليل ، ونعرض في هذا الفصل لشؤون هذه الغزوة ، وإلى فتح حصون خيبر(1)بعد ذلك :
صدرت الأوامر من القيادة العليا إلى الجيش الإسلامي بالزحف إلى بني قريظة ، وأن لا يصلون صلاة العصر إلا فيهم ، واتجه الجيش لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى بني قريظة ، وأحاط بهم ، وفرض عليهم الحصار ، وكانوا في حصون محصنة .
أوفد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أخاه الإمام علي (علیه السّلام) المقابلة بني قريظة ، فلما انتهى إليهم قابلوه
1) خیبر : اسم ولاية مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثير تبعد عن المدينة ثلاثة أميال ، سميت باسم أول من نزلها ، وهو خيبر أخو يثرب من أبناء عاد ، وكانت غزوة خيبر في آخر السنة السادسة من الهجرة . خزانة الأدب : 6 : 69 .
بمرّ القول ، وطعنوا في شخصية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقفل الإمام علي (علیه السّلام) راجعاً إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليخبره بما رأى منهم ، وطلب منه أن لا يدنو من حصونهم ، فسأله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
«لَمْ أَظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُم لِي أَذى ؟» .
«نَعَمْ».
«لَوْ رَأَوْنِي لَما قالوا شَيْئاً مِنْ ذلِكَ» .
ثم دنا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حصونهم وناداهم :
«يا إِخْوانَ القِرَدَةَ ، هَلْ أَخْرَاكُمُ اللهُ وَأَنْزَلَ بِكُم نِقْمَتَهُ».
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتطويق الحصار عليهم ، وظلّ الحصار عليهم خمساً وعشرين ليلة م يقع خلالها سوى التراشق بالسهام والحجارة ، وقد أيقنوا أنّ حصونهم لن تغني عنهم شيئاً ، وأنّهم لا بد أن يقعوا في قبضة المسلمين.
قدم كعب بن أسد نصيحة لليهود تقيهم من القتل جاء فيها :
«يا معشر اليهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإنّي عارض عليكم خلالاً ثلاثاً ، فخذوا أيها شئتم ؟» .
قالوا : «ما هي ؟».
قال : «تُتابع هذا الرجلَ - يعني النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ونصدّقه ، فو الله ! لقد تبين لكم أنه لنبي مُرْسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فَتَأْمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونساءكم» .
وانبروا جميعاً قائلين بصوت واحد :
«لا نفارقُ حُكْمَ التوراة أبداً ، ولا نستبدل به غيره».
وقال كعب :
«فإذا أبيتم علَيَّ هذه ، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مُصْلِتين السيوفَ ، لم نترك وراءنا ثَقَلاً، حتى يحكم الله تعالى بيننا وبين محمد ، فإن نَهْلك نهلك ، ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه ، وإن تظهر فلعمري لنجدنَّ النساء والأبناء» .
وشجب اليهود هذا الرأي ، وراحوا يقولون :
«نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم».
وعرض عليهم رأيه الثالث قائلاً:
«فإن أبيتم علَيَّ هذه ، فإنّ الليلة ليلة السبت، وأنّه عسى أن يكون محمّداً وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة» .
ولم يستجيبوا لرأيه وقالوا له :
«نُفْسِد سَبْتَنا علينا ، وتحدث فيه ما لم يُحدِث مَنْ كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ»(1).
وطلب بنو قريظة من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يبعث إليهم أبا لبابة ليستشيرونه في أمرهم ، وكان أبو لبابة من الأوس وهم حلفاء بني قريظة ، فبعثه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهم ، فلما رأوه قاموا إليه تبجيلاً وتكريماً ، وأجهشت النساء والصبيان بالبكاء في وجهه ، فلما نظر إليهم رقّ إليهم ، وقالوا له :
ما ترى يا أبا لبابة ، هل ننزل على حكم محمد ؟».
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 246 .
فقال لهم :
«نعم - وأشار بيده إلى حَلقه - أنّه الذبح إن لم تفعلوا».
وقد أشار عليهم بالمقاومة وعدم التسليم لأنه الذبح ، وقد ندم على ذلك كأشد ما يكون الندم ، وتاب إلى الله تعالى ، وقد ذكرت بالتفصيل كتب السير توبته(1).
وأرسلت بنو قريظة إلى حلفائهم الأوس التوسط في أمرهم إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وانبرى جماعة من الأوس إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقالوا له :
«يا نبي الله ، ألا تقبل من حلفائنا ما قبلت من حلفاء الخزرج» .
فاستجاب لهم وقال : «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنَكُم وَبَيْنَ حُلَفَائِكُم رَجُلاً مِنْكُم ؟».
قالوا : «بلی» .
فقال لهم : «فَلْيَخْتارُوا مَنْ شاؤوا» ، واختار اليهود سعد بن معاذ ورضوا به حكماً ، فأخذ منهم العهد أن يرضون بحكمه ، فأمرهم أن يضعوا أسلحتهم ، ففعلوا ذلك ، وأصدر حكمه بقتل المقاتلة معهم وسبي نسائهم وذراريهم ، وأقر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حكمه وقال : «لَقَدْ رَضِيَ اللهُ بِحُكْمِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَبِهِ أُمِرْت» .
وجيء بهم إلى أسواق المدينة ، وحُفرت لهم خنادق ، ونفّذ فيهم حكم الإعدام ، فقد كانوا مصدر فتنة وبلاء على المسلمين ، وأراحهم الله تعالى من شرّهم .
والتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى حيي بن أخطب وهو من ألد أعداء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له : «أَلَمْ يُخْزِكَ اللَّهُ تَعَالَى يا حُيَيّ ؟»، فأجابه بصلابة وعدم مبالاة بالموت :
«كل نفس ذائقة الموت ، ولي أجل لا أعدوه ، ولا ألوم نفسي على عداوتك» .
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 247 ، وغيره من كتب السيرة ذكرت قصته.
ثمّ نفّذ فيه حكم الإعدام ، وانبرى ثابت بن قيس إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فطلب منه أن رسول يعفو عن الزبير بن باطا اليهودي ، فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى ذلك ، ومن عليه وعلى أهله وأولاده ، ووهبهم أموالهم التي صودرت ، وسأل الزبير عن زعماء بني قريظة ، فأخبر أنهم قد قتلوا ، فطلب من ثابت الذي تشفّع به أن يلحقه بالقوم ، ورفض العفو ، ونفّذ فيه الإعدام ، وجيء بامرأة قد ألقت رحى على مسلم فقتلته ، وصدر عليها الحكم بالإعدام ، فضحكت وأبدت السرور بذلك ، وقتلت .
وعلى أي حال ، فإنّ بني قريظة كانت لهم صفحات سوداء ، وكانوا مصدر شرّ وفتنة على المسلمين ، وكانوا يقولون : «لا تطيب نفوسنا إلا باستئصال محمد وأصحابه» ، ولو أنهم استجابوا لنداء الإسلام لما أصابهم العذاب الأليم .
وقسم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس ، فأعطى للفارس سهمين، ولفرسه ، وللراجل سهم واحد ، وكانت خيل بني قريظة ستة وثلاثين فرساً، وبقيت معظم النساء على اليهودية لم تتخلّى عنها(1).
وقد أرهبت العرب غزوة بني قريظة ووطدت الملك للإسلام وعرفت القوّة المعادية له أنّه قوّة لا تقهر .
رأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لا يستقيم أمر المسلمين ، ولا تسود له كلمة مع وجود قوة لليهود ، وتلك القوّة ماثلة في حصون خيبر التي هي مصنع للأسلحة على اختلاف
1) حياة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): 356 .
أنواعها من السيوف والرماح والدروع والدبابات التي كانت تقذف بالماء الحارّ والرصاص بعد إذابته ، وهي من أخطر الأسلحة في ذلك العصر ، وكانت خيبر هي التي تمد القوى المحاربة للإسلام بالأسلحة ، وزحف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بجيشه لاحتلال حصون خيبر ، ولما أشرف عليها ابتهل إلى الله تعالى أن يحقق له النصر ، ودعا بهذا الدعاء :
«اللهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ وَما أَظْلَلْنَ ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أَضْلَلْنَ ، وَرَبَّ الرِّياح وَما أَذْرَيْنَ ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ ه-ذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِها وَخَيْرَ ما فيها ، وَنَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وَشَرِّ أَهْلِها وَشَرِّ ما فيها».
وقال للجيش : «اقْدِموا بِسْمِ اللهِ تَعالى».
وأسند قيادة جيشه لأبي بكر فمضى ، ولمّا أشرف على الحصون قوبل بوابل من القذائف ، فرجع منهزماً خائباً ، وفي اليوم الثاني أسند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قيادة الجيش إلى عمر بن الخطاب ، فكان كصاحبه أبي بكر ، فقفل راجعاً منهزماً ، وظلت الحصون مغلقة لم يمسها سوء.
وبعد ما عجز الجيش من اقتحام الحصون أعلن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنه سَيُعينُ القائد الذي يفتح الله على يده ، قائلاً:
«لأَدْفَعَنَّ الرَايَةَ غَداً إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، لَا يَرْجِعُ حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ»(1).
واستشرف الجيش بفارغ الصبر ينتظر القائد الملهم الذي يفتح الله على يده، ولم يطرق بذهن أحد أنّه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)؛ لأنه كان مصاباً برمد ، برمد ، ولما اندلع نور الصبح دعاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان معصباً على عينيه ، فأزاح العصابة عنه ، وسقا
1) حلية الأولياء : 1 62 صفة الصفوة : 1: 163 . فضائل الصحابة : 16 أحمد بن حنبل .
عينيه بريقه ، فبرئتا بالوقت ، وقال له :
«خُذْ هذِهِ الرّايَةَ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ...».
ووصف حسّان بن ثابت رمد الإمام وشفائه من ريق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بقوله :
وكانَ عَلَيٌّ أَرمَدَ العَينِ يَبْتَغِي *** دواءٌ فَلَمْ يُحْسِسْ طَبِيباً مُداوِيا
شَفاءٌ رسولُ اللهِ مِنْهُ بِتَفْلَةٍ *** فَبُورِكَ مَرْقِيّاً وبُورِكَ راقِيا
وقال : سأعطي الرايةَ اليَوْمَ صارِماً *** كَمِيّاً مُحِبّاً للرَّسولِ مُوالِيا
يُحِبُّ إِلهي والإِلهُ يُحِبُّهُ *** بِهِ يَفْتِحُ اللَّهُ الحصونَ الْأَوابِيا
فأصفى بها دونَ البَريَّةِ كُلها *** عَلِيّاً وَسَمَاهُ الوزير المُؤاخيا(1)
ووصف الشاعر الموهوب الأزري الحادثة بقوله :
ولَهُ يَومَ خَيْرٍ فَتَكَاتٌ *** كَبُرَتْ مَنْظَراً عَلى مَنْ رأها
يومَ قالَ النَّبيُّ إنّي لأعطى *** رايتي ليتها وحامي حماها
فاسْتَطالَتْ أَعناقُ كلَّ فَريقٍ *** لِيَروا أي ماجد يُعطاها
فدعا أينَ وارثُ العِلم والحلم *** مجيرُ الأيام مِنْ بَأساها ؟
أينَ ذو النَّجْدَةِ الَّذى لَوْ دَعَتْهُ *** فی القُرَيَا مَروعَةٌ لَبّاها ؟
فأَتاهُ الوَصِيُّ أَرْمَدَ عَيْنٍ *** فَسَقاهُ مِنْ ريقه فَشَفاها
ومضى يطلبُ الصُّفوفَ فَولتْ *** عَنْهُ عِلماً بأنَّهُ أمضاها(2)
وهو وصف رائع وجميل لموقف الإمام (علیه السّلام)، ومن أبلغ ما فيه قوله :
فأَتاهُ الوَصِيُّ أرمَدَ عَيْنٍ *** فَسَقَاهُ مِنْ رِيقِهِ فَشَفاها
ولم يقل : فبصق في عينيه ، وإنما قال فسقاه من ريقه فشفاها ، وهذا غاية الإبداع فى الوصف.
وعلى أي حال ، فقد استلم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الراية من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال «یا رَسُولَ اللهَ ، أَقَاتِلُهُمْ حَتَّىٰ يَكُونُوا مِثْلَنا؟».
فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«انقذ عَلَى رَسُلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِساحَتِهِم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَخْبِرْهُم بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٌّ اللَّهِ ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم»(1).
وأسرع بطل الإسلام إلى ساحة الحرب مزهوّاً لم يختلج في قلبه رعب ولا خوف ، وهو يلوّح بلواء النصر، متجهاً نحو الحصن ، فقلع بابه وتترس بها(2)، وقد وقته من ضربات اليهود وقذائفهم ، وذعر اليهود وأصابتهم أوبئة من الخوف من هذا البطل الذي قلع باب حصنهم وتترس بها .
وبرز مرحب ، وهو من أبطال اليهود وشجعانهم صوب الإمام وعليه مغفر يماني، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز :
1) صفة الصفوة : 1 : 164 . صحيح البخاري : 7 : 121 ، وفي وسائل الشيعة : 6: 3 : «يا علي، لا تُقاتِلَنَّ أَحَداً حَتَّى تَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلام».
2) إنّ قلع الإمام لباب خيبر من المعاجز ، فقد كانت لا يقلعها إلا أربعون رجلاً ، نصت على ذلك المصادر التالية : تاريخ بغداد: 11 : 324 میزان الاعتدال : 2 : 218 کنز العمال: 6 368 ، وفي الرياض النضرة : 2 : 188 «أنه اجتمع سبعون رجلاً فأعادوا الباب بعد جهد» .
قَدْ عَلِمَتْ خَيْرُ أَنَّى مَرْحَبُ *** شاكي السلاح بَطلُ مُجرَّبُ
إذا الليوتُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهبُ
واستقبله حامي الإسلام وعليه جبة حمراء ، فأجابه :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَة *** ضِرْعامُ أَجَامٍ وَلَيْتُ قَسْوَرَة(1)
عَبْلُ الذُّراعَيْن شَدِيدُ الْقَصْوَرَة *** كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرة(2)
أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ رِقَابَ الْكَفَرَةِ *** أَكِيلُهُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة(3)
وأجمع الرواة أنّ هذا الشعر للإمام(4)، وقد حكى قوة بأس الإمام وشجاعته .
وتقدم الإمام نحو مرحب فبادره بضربة قدّت البيضة والمغفر وسقط إلى الأرض صريعاً يتخبّط بدمه ، فأجهز عليه وتركه جثّة هامدة .
وكتب الله تعالى النصر الحاسم للإسلام على يد أخي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وياب مدينة علمه ، وفتحت بذلك حصون خيبر ، وأذل الله تعالى اليهود وكسر شوكتهم ، ولقنهم درساً قاسياً يذكرونه بأسى ولوعة على امتداد التاريخ .
وسرّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذا الفتح المبين الذي أعز الله تعالى به المسلمين ، وقهر أعداءهم اليهود ، وصادف في ذلك اليوم رجوع جعفر الطيار من الحبشة ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) :
«ما أَدْرِي بِأَيْهِما أَنا أَسَرُّ أَبِقَدُومٍ جَعْفَرٍ أَمْ بِفَتْح خَيْبَرَ ؟»(5).
1) الآجام : جمع أجمة ، وهي الشجر الكثير الملتف أو القصب يكونان مأوى للأسود ، وهو إشارة إلى فرط قوّته ومنعة جانبه . القسورة : كناية عن الأسد الذي يأخذ فريسته قسراً .
2) العبل : الضخم القصورة : أصل العنق .
3) السندرة : هي المكيال ، والمعنى : أنّي أقتلكم قتلاً واسعاً ، وقيل غير ذلك .
4) خزانة الأدب : 6 : 65 .
5) شرح نهج البلاغة : 4 : 128 .
وأهدت زينب بنت الحارث إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شاة مشوية قد جعلت فيها السم ، وقد زادت السمّ في الذراع ؛ لأنها علمت أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يميل إليه ، وتناول الذراع فلاك منه مضغة فلفظها ، وتناول منها بشر بن البراء فلم يلفظها فسببت وفاته ، وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «إِنَّ َهذَا العَظْمَ مَسْمُومٌ» ، ودعا بزينب فاعترفت بسم الشاة ، فقال لها :
«ما حَمَلَكِ عَلى هذا ؟» .
فقالت : «بلغتَ من قَوْمي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكاً استرحت منه ، وإن كان نبياً فسيُخبَر» ، فتجاوز النبي عنها(1).
لعلّ من الطريف جداً أن نذكر إسلام الحجّاج بن غِلاط السلمي ، فقد أسلم على يد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكانت له أموال متفرّقة في مكة خاف عليها ، فاستأذن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الرواح لمكة ، فأذن له ، وقد استخرج أمواله بحيلة ، فلما أشرف على مكة استقبله رجال من قريش يتطلعون إلى أخبار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر ، ولم يكونوا على علم بإسلام الحجّاج ، فسألوه عن أخبار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال لهم : «عندي ما يسركم ، لقد هزم محمّد هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، فقد قتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله ، وأسر محمد أسراً ، وقال اليهود لا نقتله ، حتى نبعث به إلى أهل مكة ، فيقتلوه بين أظهرهم طلباً بثأر من قتلهم».
وهرع الجماعة إلى مكة وهم مستبشرون ، ونادوا قد جاءكم الخبر : هذا محمد جيء به إليكم ليُقتل بين أظهركم ، وعمّت الفرحة أهل مكة
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3 352 .
وطلب الحجّاج من الجماعة أن يعينوه على جمع أمواله لتقديم هذه البشرى لهم ، وقاموا فجمعوا له أمواله التي لم يتمكن على تحصيل بعضها ، وانبرى إليه العبّاس يسأله عن صحة الخبر الذي نقل عنه ، فقال له :
«سوف أخبرك على خلاوة بيني وبينك» .
ولما جمع أمواله لقيه العبّاس ، فقال له الحجّاج :
«احفظ عليَّ حديثي ، فإنّي أخشى الطلب ثلاثاً وبعدها قل ما شئت» .
قال العبّاس : «افعل».
فقال : «إنّى والله تركت ابن أخيك عريساً على صفية بنت ملكهم ، وقد أفتتحت خیبر ، واستولى المسلمون على ما فيها من الأموال» .
فقال له العبّاس : «ما تقول يا حجّاج ؟».
قال : «إي والله هو ما قلته لك ، فاكتم عنّى ، وقد أسلمتُ ، وما جئت إلا لأخذ أموالي خوفاً من أن أغلب عليها إذا سمعوا بإسلامي ، فإذا مضت ثلاثة أيام فأخبر النّاس» ، ولما مضت الأيام الثلاث لبس العباس حُلّة له ، وأخذ عصاه ، وخرج حتى أتى الكعبة ، فطاف بها ، فاستقبله القرشيّون ، فقال لهم : «لقد افتتح محمد خيبر وتزوّج ببنت ملكهم ، واستولى على أموالهم» ، فقالوا له : «مَن جاءك بهذا الخبر ؟» ، قال : «الذي جاءكم بالخبر به ، وقد دخل عليكم مُسلماً ، فأخذ ماله ، وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه ، فيكون معهم» ، وفزعوا وقالوا : «انفلت عدو الله ، أما لو علمنا لكان لنا وله شأن » ، ولم تمض أيام حتى وافتهم الأنباء يفتح النبي لحصون خيبر(1).
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 359 - 360 .
نحن أمام غزوات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بعض المناطق والأقاليم والقبائل ، والنظر فيما هو الهدف منها ، والذي أراه بمزيد من التأمل أن الهدف من ذلك يعود لما يلي :
أولاً : إنّ الله تعالى أرسل عبده ورسوله إلى جميع أمم العالم وشعوب الأرض رحمة منه تعالى بهم لينقذهم من واقعهم المرير ، ويهديهم للتي هي أقوم .
لقد كان الإنسان غارقاً في الجهل وفي مآثم الحياة ، وكان ذلك ماثلاً في المجتمع الذي عاش فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقد عكفت القبائل على عبادة الأوثان والأصنام، واتّخذتها آلهة يعبدونها من دون الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، فكان صلوات الله عليه ملزماً من قبل الله تعالى أن يبلغ رسالته إلى عباده ، ويرشدهم إلى معالم الحق ، ويقيم فيهم نظاماً متطوراً يضمن حقوقهم ، وتصان فيه كرامتهم .
ثانياً : التخلّص من الخطر المحدق بالإسلام من بعض القبائل والمناطق التي كانت تكيد للإسلام في وضح النهار وفي غلس الليل ، كاليهود الذين شكلوا قاعدة شعبيّة انضم إليها المنافقون للإطاحة بالنظام الإسلامي ، فاضطر النبي له إلى غزوهم لإنقاذ المسلمين من ويلاتهم وكوارثهم .
ثالثاً : إنّ الغزولم يستهدف بأي حال من الأحوال الاستيلاء على أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، وإنّما كان يستهدف الإيمان بالله ورسوله ، وإقامة شعائر الدين، والتخلّي عن العادات الجاهليّة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق من التأخر والانحطاط .
ونعود إلى ذكر غزوات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حسب ما نصت عليه كتب السيرة النبوية .
غزا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بني سُلَيْم ، فبلغ ماءً من مياههم يقال له : الكُدْر ، فأقام فيه ثلاث ليال ، ثمّ قفل راجعاً إلى المدينة ، ولم يَلْقَ أي جهد أو كيد يذكر(1)لأن القوم قد تفرّقوا.
سبب هذه الغزوة - فيما يرويه مؤلّفو السيرة التي أسموها بغزوة السويق - بأن أبا سفيان قد حلف بعد واقعة بدر أن لا يمس الماء رأسه من جنابة حتى يغزو محمداً ، فخرج مع عصابة من قريش يطوي البيداء حتى أتوا إلى بني النضير بالقرب من المدينة ، فوجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حَرْث لهما ، فقتلوهما ، ثمّ انصرفوا ، ولما انتهى خبرهم إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خرج في طلبهم ، واستعمل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على المدينة بشير بن عبد المنذر ، ولما انتهوا إلى بني النضير وجدوهم قد هربوا إلى مكة ، وقفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع جيشه راجعين إلى المدينة، ولم تقع في هذه الغزوة أية خسارة للمسلمين(2)، ولا أية ريح لهم .
غزا الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) عزوة الفُرُع يريد قريشاً ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وسار مع جيشه حتى بلغ مَعْدِناً بالحجاز من ناحية الفُرُع(3)، فأقام به شهر ربيع الآخر
وجمادى الأولى .. ليعلم أبناء تلك المنطقة أحكام الإسلام وتعاليم القرآن ، ثمّ قفل راجعاً إلى المدينة ولم يُلْقَ أي كيد أو ضرر(1).
غزا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في شهر ربيع الأول ، وقيل : الآخر ، يريد عيراً لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش ومعهم ألفان وخمسمائة بعير ، وخرج مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مائتان من أصحابه، وساروا يطوون البيداء حتى انتهوا إلى بواط وهو جبل لجهينة من ناحية رضوى ، وهو أحد الجبال التي أخذت منها الأحجار التي بنيت منها الكعبة المقدّسة ، وأقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقتاً ، ولم يلق فيها كيداً - أي حرباً(2).
خرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) غازياً في شهر جمادى الأولى يريد الاستيلاء على عير لقريش متوجهة إلى الشام ، وهي أعظم تجارة لها ، فقد اشتركت فيها جميع أبناء قريش ، ولم يبق أحد منهم إلا وله سهم فيها ، ومن ثمّ سمّيت بالعشيرة ، وهي التي كانت سبباً لواقعة بدر الكبرى ، ولم يظفر المسلمون بالقافلة ، فقد سبقتهم إلى مكة(3).
وهم قوم من اليهود اشتهروا بالشجاعة ، وكانوا صاغة، ولهم حلف مع عبادة بن الصامت ، وعبد الله بن أبي سلول ، وبعد واقعة بدر أظهروا البغي والحسد ، ونبذوا العهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولأنه عاهدهم وعاهد بني قريظة ، وبني النضير أن
لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّاً ، وهم أوّل من غدر بالمسلمين من اليهود . فقد قدمت امرأة من العرب بجَلب لها من إبل أو غنم ليباع ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى جانب صائغ منهم ، وكانت المرأة زوجة لبعض الأنصار ، فجعل جماعة منهم يراودونها عن كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي لا تشعر فَعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سَوْءتها ، فضحكوا منها ، فصاحت ووثب رجل من المسلمين إلى الصائغ فقتله ، وشدّ اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهله بالمسلمين ، ونقل الأمر إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«ما عَلى هذا أَقْرَرْناهُم»، وطلب من عُبادة بن الصامت أن يتبرأ منهم ، ولا يقرّ حلفهم ، فقال : «يا رسول الله ، أتولى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ من حلف الكفّار» ، أما عبد الله بن أبي سلول فإنّه لم يتبرأ من حلفهم ، وفيه نزلت الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلى قوله : فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(1).
وجمعهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال لهم :
«يا مَعْشَرَ اليهود ، احْذَرُوا مِنَ اللهِ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النِّقْمَةِ بِبَدْرٍ ، وَأَسْلِموا ، فَإِنَّكُم قَدْ عَرَفْتُم أَنِّي نَبِيٍّ مُرْسَلٌ تَجِدونَ ذلِكَ في كتابِكُم وَعَهْدِ اللهِ تَعَالَى إِلَيْكُم».
فردوا عليه بعنف وقالوا له :
«إنَّكَ تَرَى أنا مثل قَوْمِك - يعني قريشاً - لا يغُرنّك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب ، فأصبتَ منهم فُرصَةً ، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن النّاس».
وسارعوا إلى حصونهم فتحصنوا بها ، فسار إليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولواؤه بيد عمه حمزة ، وحاصرهم خمسة عشر ليلة أشد حصار، واستمر الحصار إلى هلال
1) المائدة 5 : 51 - 56.
ذي القعدة ، وقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب ، وكانوا سبعمائة منهم أربعمائة حاسر(1)، وثلاثمائة دارع(2)، فسألوا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يخلي سبيلهم ، وأن يجلوا عن المدينة مع نسائهم وذراريهم ، وله ما عندهم من الأموال المنقولة وغير المنقولة ، ومنها السلاح ، فأجابهم إلى ذلك ، وقسم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أموالهم على المسلمين بعد أن أخرج الخمس مع أنّها فيء له ؛ لأنه لم يجلب عليها بخيل ولا ركاب(3).
قرْقَرة الكُدْر أرض ملساء فيها طيور في ألوانها كدرة . بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن عصابة من بني سليم وغطفان يريدون الاغارة على المدينة بعد أن غزاهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فسار إليهم في مائتين من أصحابه ، وحمل لواء الجيش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأخذ الجيش يطوي البيداء حتى انتهى إلى هذا الموضع ، فلم يجد فيه أحداً ، وأرسل بعض أصحابه يفتّش عنهم ، فوجد في بطن الوادي خمسمائة بعير مع رعاتها ، فأخرج الخمس وخصّ كلّ واحد من الجيش بناقتين ، ووقع الراعي للإبل في سهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأعتقه لأنه رآه يصلي(4).
بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن شخصاً من غطفان يقال له دعثور يجمع الجموع لغزو المدينة ، وهو مقيم بذي أمر ، وهو موضع من ديار غطفان ، فخرج إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أربعمائة وخمسين رجلاً ، لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، والتقى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)
برجل منهم ، فأخبره بما عزموا عليه ، وقال له : لو علموا بمسيرك إليهم هربوا في رؤوس الجبال ، وأنا سائر معك ، ودعاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الإسلام فأسلم ، وضمه إلى بلال ، وسار الرجل يرشد الجيش إلى سنن الطريق ، فلما انتهى إليهم هربوا في رؤوس الجبال ، وأصاب النبي الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مطر كثير ، فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفًا، واضطجع بمرأى من المشركين ، فقال دعثور وهو زعيم القوم ومعه سيفه-: «قتلني الله إن لم أقتل محمّداً»، وأقبل يشتد حتى وقف على رأس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال له :
«من يمنعك منّي اليوم ؟».
فأجابه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) غير حافل به :
«الله يَمْنَعُني مِنْكَ» .
وأخذته هيبة الرسول وارتعشت يده، فسقط منها السيف ، فتناوله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال له :
«مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟».
فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا أحد يمنعني»، وأعلن إسلامه ، وأعطاه سيفه ، ومضى إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ، ونزلت الآية المباركة في النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(1).
ثم قفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) راجعاً إلى المدينة ، ولم يلق حرباً ، وكانت مدة غزوته إحدى عشرة ليلة(2).
سمّيت بذلك لأنّ بعض الصحابة لم تكن عندهم مركب فثقبت أقدامهم من المشي ، فكانوا يلقون عليها الخرق ، فلذا سميت بذات الرقاع .
وقد كان السبب في هذه الغزوة أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بلغه أنّ بني مُحارب وبني ثعلبة يجمعون الجموع لغزوه ، فخرج لمحاربتهم في أربعمائة ، وقيل : سبعمائة ، وسار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يطوي البيداء بجيشه حتى بلغ نجداً ، فلم يجد بها أحداً ، ثم سار حتى نزل ليلاً في شعب ، وطلب من أصحابه حراستهم في الليل ، فقام عمار بن ياسر وعباد بن بشر وقالا : «نحن نكلوكم» وجلسا على فَمِ الشُّعب ، فقال عبّاد لعمار : «أنا أكفيك أوّل الليل ، وأنت تكفيني آخره» ، فنام عمّار وقام عباد يصلي ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أسر أربع نساء في الطريق ، فقال أحد أزواجهن : «إنّه لا ينثني حتى يصيب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)»، وخرج في غلس الليل ، فرأى سواد عباد ، فسدد له سهماً ، فأصابه ، فانتزعه ، ثم رماه بثان وثالث ، فأخذه الدم ، فأيقظ عماراً وقال له : «قد أتيت» فجلس عمار ورأى ما به فقال له : «ما منعك أن توقظني في أوّل سهم رميت به ؟» ، فقال : «كنت أقرأ في سورة الكهف ، وكرهت أن أقطعها»، وحكت هذه البادرة مدى الإيمان الذي كان يتمتع به أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنهم كانوا في أسمى درجة من الإيمان الخالص .
وأقبل رجل من العدوّ ليفتك بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فجاءه على غفلة ، وكان السيف في حجره فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «دعني أنظر إلى سيفك» ، فأخذه من حجره فاستله ، وجعل يهزّه وقال له :
«يا محمد ، أما تخافني؟».
«لا ، وما أخافُ مِنْكَ».
«أما تَخافُني وفي يَدِي السَّيف ؟» .
«بَلْ يَمْنَعُني اللهُ تَعَالَى مِنْكَ».
واضطرب ، فقد أخذته هيبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأعطاه السيف فقال له :
«مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟».
فقال الرجل : «كن خير آخذ للسيف» ، فعفا عنه ، وأمره باعتناق الإسلام ، فأبى وقال : «أعاهدك على أن لا أقاتلك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك» ، فخلى رسول الله عنه ، وقفل راجعاً إلى قومه ، فقال لهم : «جئتكم من عند خير النّاس» ، ثمّ أسلم(1). ولم تقع حرب ، ورجع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى مكة ، وقد ساد الرعب في القرى الجاهلية التي لم تؤمن إلا بالأوثان والأصنام.
هي بلدة بينها وبين دمشق خمس ليال ، وهي أقرب بلاد الشام إلى المدينة ، وتقع قرب تبوك .
بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن بها عصابة تقطع طريق المارّة ، وأنهم عازمون على غزو المدينة ، فزحف إليهم بألف من المسلمين ، وكان ذلك في أواخر السنة الرابعة من الهجرة ، وكان الجيش الإسلامي يسير إليهم في الليل ويكمن في النهار ؛ خوفاً أن يُعرف أثره ، وكان معه دليل يرشده إلى سنن الطريق ، فلما قرب منهم هربوا واستولى الجيش على ماشيتهم ورعاتهم ، وقبض محمد بن مسلمة على رجل منهم وجاء به مخفوراً إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فسأله عنهم ، فقال له : «هربوا لما سمعوا أنك أخذت نعمهم»، وعرض عليه الإسلام فأسلم ، وقفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) راجعاً إلى المدينة(2).
بنو المصطلق بطن من خزاعة ، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق من الصلق ، وقد بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن زعيم بني المصطلق وهو الحرث بن ضرار يجمع الجموع الحرب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فندب بريدة بن الحصيب ليعلم خبرهم ، وسار إليهم حتى انتهى إليهم ، فقالوا له :
«من الرجل ؟» ، قال : «منكم ، قدمت إليكم لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل - يعني محمداً - فأسير في قومي ، ومن أطاعني لنكون يداً واحدةً حتى نستأصلهم» ، فقال لهم زعيمهم : «فنحن على ذلك ، فعجّل علينا».
وإنما تكلّم بريدة بذلك بعد أن استأذن من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك ، ثم قفل راجعاً إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخبره بالأمر ، وندب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المسلمين لقتالهم ، فسار معه جمع كثير ، منهم المنافقون طمعاً بالمال ، حتى انتهى الجيش إلى مكان ، فنزلوا به ، وأقبل رجل من عبد القيس فسلّم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال له :
«أَيْنَ أَهْلِك ؟» ، فقال : «بالروحاء» .
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)«أَيْنَ تُريدُ ؟» ، قال : «إياك جئت لأؤمن بك ، وأشهد أن ماجئت به حقاً ، وأقاتل معك عدوّك» .
فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْإِسْلامِ».
وسأل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «أي الأعمال أحب ؟» .
فقال : «الصَّلاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِها». وقبض على رجل فجيء به إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فسأله عن القوم ، فتبيّن أنّه عين لهم ، فأمر بضرب عنقه ، وانتهى خبره إلى القوم ، فذعر وا وخافوا خوفاً شديداً، وتفرّق الكثير منهم ، وحمل عليهم الجيش الإسلامي فقتل منهم عشرة وأسر الباقين ، وكانت الغنيمة ألفي بعير وخمسة آلاف شاة ، وقفل
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)راجعاً إلى المدينة ، وهنا بحوث كثيرة أعرضنا عنها ، فقد آثرنا الايجاز فيها(1).
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى مؤته(2)- في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة - جيشاً مكوناً من ثلاثة آلاف رجل ، وأسند القيادة العامة إلى زيد بن حارثة ، وإذا أصيب فبعده جعفر بن أبي طالب ، وإن أصيب فعبد الله بن رواحة .
صلى الله واتجه الجيش للخروج ، فسارع ابن رواحة فودّع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو يبكي ، فقيل له : «ما يُبكيك يابن رواحة ؟» .
«أما والله ما بي حب الدنيا ، ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقرأ آيةً من كتاب الله تعالى يذكر فيها النار : وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضيّاً(3).
وودعه المسلمون بكلمات حارّة مشفوعة بالدعاء ، فقال :
لكِنّني أسأَلُ الرَّحمَنَ مَعْفِرةً *** وضَربةٌ ذات فَرْعَ تَقذِفُ الزَّبَدا(4)
أَو طَعْنَةٌ بِيَدَيْ حَرَانَ مُجْهِزةً *** بِحَرْبةٍ تُنْفِذُ الأحشاء والكَبِدا(5)
حتّى يُقالُ إذا مَرُّوا على جَدَثى *** أرشَده اللهُ مِنْ غاز وقَد رَشَدا
حكت هذه الأبيات الإيمان بأوسع رحابه ومفاهيمه في نفس ابن رواحة ، فقد غذاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بحب الله والتفاني في طاعته
والتفت ابن رواحة إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلاً :
فثَبَتَ اللهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ *** تَثْبيت موسى ونصْراً كالّذى نُصِروا
أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحرَمْ نَوافِلَهُ *** والوجه مِنْهُ فَقَد أَزْرى بهِ القَدَرُ(1)
وسار معه الجيش يطوون البيداء لا يلوون على شيء حتى انتهوا إلى مَعَان من أرض الشام ، وقد انتهت إليهم الأنباء بأنّ هرقل قد نزل مآب ، وهي قطعة من أرض ، البلقاء ومعه جيش يضمّ مائة ألف جندي ، كما انضمّ إليهم من لخم وجُذام وغيرهما مائة ألف ، فصار هرقل في مائتي ألف، وعلم المسلمون بهذا الجيش الضخم الذي جاء لمقابلتهم ، فاجتمع القادة ، وقال بعضهم : «نكتب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نخبره بعدد العدو ، أما أن يُمدنا بالرجال ، أو يأمرنا بأمر فننفذه» ، وانبرى عبد الله بن رواحة فخاطب الجيش قائلاً:
«يا قوم ، والله إنّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل النّاس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنّما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة...» ، وصدق الجيش مقالة المؤمن بدینه قائلين: «صدق والله ابن رواحة».
ومضى الجيش مصمّماً على القتال ، وأنشد ابن رواحة :
جَلَيْنا الخيل من أجَإٍ وَفَرْعِ *** تُغَرُّ مِنَ الحشيش لَهَا العُكومُ(2)
حَذَوناها مِنَ الصَّوَان سِبْتاً *** أزل كأنَّ صَفْحَتُه أدِيمُ(1)
أقامَتْ ليلتين على مَعانٍ *** فأعْقِبَ بَعْدَ فَتْرَتِها جُمُومُ(2)
فرُحْنا والجيادُ مُسَوَّمات *** تنفّس فى مناخرها السَّموم(3)
فلا وأبى مآبَ لَنَأْتِيَنْها *** وإنْ كانَتْ بها عَرَبٌ وَرُومُ(4)
فعَبَأْنا أَعِنَّتَها فَجاءَتْ *** عَوابِسَ والغُبار لها بريم(5)
وأعربت هذه الأبيات عن عزم الجيش وتصميمه على مواصلة الحرب مهما كانت قوة العدو.
وأنشد ابن رواحة قبل أن يفتح باب الحرب بهذه الأبيات :
فشانكِ أَنْعُمٌ وخَلاكِ ذَمّ *** ولا أَرْجِعْ إِلى أَهْلي وَرائي
وجاءَ المُسلمون وغادروني *** بأرض الشام مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ
وردَكِ كلُّ ذي نَسب قريبٍ *** إِلَى الرَّحْمَنِ مُنقَطَعَ الإِخاءِ
هنالِكَ لا أبالي طَلْعَ بَعْلٍ *** ولا نَخْلِ أَسافِلُها رواءِ
وأعرب ابن رواحة بهذه الأبيات عن رغبته الملحة في الشهادة وشوقه العارم للقاء الله تعالى .
1) حذوناها : جعلنا لها حذاء الصوان الحجارة الملساء السبت : النعال التي تصنع من الجلود المدبوغة . أزل : أي أملس صفحته ظاهرة . الأديم : الجلد .
2) معان : موضع بالشام . الفترة : الضعف والسكون . الجموم : النشاط.
3) مسومات : مرسلات . السموم : الريح الحارة .
4) مآب : اسم مدينة بالشام .
5) البريم: مختلطان ؛ أحدهما أحمر والآخر أبيض.
وسارع الجيش الإسلامي إلى مؤتة فأقام فيها ، وزحف إليه جيش هرقل ، والتحم الفريقان ن كأشدّ ما يكون الالتحام ، وقاتل زيد بن حارثة ببطولة منقطعة النظير ، حتى استشهد في أرض المعركة ، وقد فقد الجيش الإسلامي قائداً فذاً من أبطال المسلمين ، وأخذ الراية من بعده جعفر بن أبي طالب ، فعقر فرسه ، وهجم على الأعداء ، وهو يرتجز :
يا حَبَّذا الجَنَّةُ وأقترابها *** طَيِّبةً وبارداً شَرابُها
والرومُ رومٌ قَد دَنا عَذَابُها *** كافرة بعيدة أنسابها
عَلَى إذْ لاقَيتُها ضِرابها
حكى هذا الشعر عن شدة شوقه لملاقاة الله تعالى ليفوز بالجنة ، وينعم بنعيمها.
وقاتل البطل الشهم ببسالة وصمود حتى قُطعت يده اليمنى ، فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يجول في وسط المعركة حتى قطعت يده اليسرى ، فاحتضن اللواء بعَضُدَيه حتى استشهد ، ولم تر مثله القيادة الإسلامية في العصر النبوي قائداً ملهماً قاتل أعداء الله تعالى ببسالة وصبر وصمود حتى لحق بالرفيق الأعلى ، وكان عمره الشريف ثلاثاً وثلاثين سنة ، وقد بكاه الجيش ، ويكاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبناء الأسرة النبوية.
وأخذ الراية البطل المؤمن عبد الله بن رواحة ، وجعل يخاطب نفسه ويدفعها إلى البسالة والصمود قائلاً:
أقسمت يا نفسُ لَتَنْزِلِنَّهُ *** لَتَنْزِلِنَّ أو لَتُكْرَهِنَّهْ
إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدّوا الرَّنَّهُ *** ما لي أراكِ تَكرَهِينَ الجَنَّة
قد طالَ ما قَد كُنتِ مُطْمَئِنَّهُ *** هلْ أَنتِ إِلَّا نُطفةٌ في شَنَّة(1)
1) الشنة : السقاء البالي.
وقال أيضاً :
یا نفسُ لا تُقْتَلي تموتي *** هذا حِمَامُ المَوتِ قد صَليتِ
وما تَمنيت فقد أعطيت *** إِنْ تَفعَلي فِعْلَهما هُدِيتِ
وقد حكى هذا الشعر عن صراعه النفسي ، فهو يريد الالتحاق بزيد بن حارثة وبجعفر الطيار ونفسه تحبّب له البقاء وعدم الشهادة، وقد ورد أن منزلته في الفردوس الأعلى أقل منزلة من صاحبيه .
وعلى أي حال ، فقد التحم مع جيش الشرك ، وجاهد جهاد الأبطال حتى استشهد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى في الأرض .
واستشف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الوحي مصرع ابن عمه جعفر ، فسارع إلى زوجته أسماء بنت عميس يعزيها بزوجها ، وقال لها :
«اثْتيني بابْنَي جَعْفَر» .
وسارعت أسماء فأتت بهما إليه ، فجعل يشمّهما ، وقد غامت عيناه بالدموع، فذهلت أسماء وراحت تقول :
«بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟» .
فأجابها بصوت خافت حزين النبرات :
«نَعَم ، أصيبوا هذَا اليَوْم» .
وذعرت أسماء ، وأخذت تندب زوجها بذوب روحها ، وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتهيئة طعام لآل جعفر ؛ لأنّهم مشغولون بمصابهم الأليم ، فصنع لهم ذلك(1)، واتّخذ
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 15 - 22 ، جميع هذه الأحداث أخذت منه.
المسلمون تهيئة الطعام للمصابين بميت منهم من السنة.
وبعدما اسشهد أعضاء القيادة الإسلامية أسندت القيادة إلى خالد بن الوليد ، فأمر الجيش بالرجوع إلى المدينة والكفّ عن القتال، وفوراً قفل الجيش راجعاً إلى المدينة ، وقد عيب على خالد ذلك ؛ لأنه لم يؤثر الحرب على السلم(1).
وادي القرى يسكنه اليهود ، عرض عليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإسلام فأبوا ، واختاروا القتال ، فقاتلهم المسلمون ، وقد قتل من اليهود أحد عشر رجلاً، كان معظمهم بيد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وغنم المسلمون أموالهم وترك لهم ما في أيديهم من الأرض والنخيل ، وعاملهم بها مثل معاملة خيبر(2).
نحن أمام فتح مكة التي انتصر فيها الإسلام انتصاراً هائلاً، وطويت فيها ألوية الشرك ، وأقبرت معالم الجاهليّة، وذلّت القوى المعادية للإسلام من القرشيين واليهود ، وامتدت دولة الإسلام إلى معظم مناطق الجزيرة العربية .
إن لفتح مكة أهمية بالغة في تاريخ الإسلام، فقد كانت قلعة لقوى الشرك والإلحاد ، فهي التي تمد القوى المناهضة للإسلام ، وقد تبنّت بصورة إيجابية مناجزة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتعذيب من آمن به ، ومطاردة أتباعه ، وهي في نفس الوقت أعظم قوّة في الجزيرة ؛ وذلك بما تملك من ثراء اقتصادي قد سخّر لمحاربة الدعوة الإسلامية .
وعلى أي حال، فإنّا نعرض بصورة موجزة لبعض الشؤون التي دفعت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لاحتلال مكة ، وما يتعلّق بذلك من بحوث .
عقد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بينه وبين قريش عقداً ذا بنود ذكرها مؤلّفو السيرة النبوية ، كان من بنودها : من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعهده فليدخل فيه ، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل ، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ومضت مدة على هذا العهد .
كانت بين خزاعة وبني بكر ثارات ودماء فيما بينهما ، ولما كانت واقعة مؤتة خيل إلى بعض رجال قريش أن الإسلام قد قضي عليه كما اعتقد بنو بكر أن الفرصة قد حانت للانقضاض على خزاعة ، وعرضوا ذلك على جماعة من قريش فشجّعوهم على ذلك ، وأمدوهم بالسلاح والمال ، وبينما كانت خزاعة على ماء لهم إذ هجم عليهم بنو بكر فقتلوا منهم جماعة ، وسارعت كوكبة من خزاعة وعلى رأسهم عمرو بن سالم إلى المدينة ، فأخبروا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما قامت به بنو بکر وقريش من نقض العهد ، فقال النبي الله لعمرو : «نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم» ، ووعده بالنصر .
وخاف أبو سفيان من عواقب الأمور ، فخف مسرعاً إلى المدينة لمقابلة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وإخماد نار الفتنة ، ودخل على أم المؤمنين أم حبيبة التي صهرها الإسلام وهي ابنته ، ورام أن يجلس على فراش النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فطوته عنه ، فسألها عن سبب ذلك فقالت بصراحة :
«هذا فراش رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنت رجل مشرك نجس ، ولا أحب أن تجلس عليه» .
ومضى أبو سفيان إلى بعض الصحابة يستنجد بهم ليشفعواله عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في إبقاء العهد وإطالة مدته ، فلم يجبه أحد ، فمضى إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والتمس منه أن يكلم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذلك ، فأنبأه الإمام برفق أنه لا يستطيع أحد أن يردّ على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمراً قد صمّم عليه ، ثمّ مضى إلى سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وطلب منها أن يُجير ولدها الزكي الإمام الحسن (علیه السّلام) بين الناس، وكان عالماً بعلاقة الحسن مع جده ، فردته سيدة النساء ما يُجير أحدٌ على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). ورجع أبو سفيان بخفي حنين كما في المثل - يجرّ رداء الخيبة إلى مكة من دون أن يظفر بأي نتيجة .
رأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لا يتحقق له النصر الحاسم إلا بفتح مكة التي حاربته حينما كان فيها ، وحينما نزح عنها ، وأخذ يعد لذلك عدته ، وقد وثق بنصر الله تعالى له ، وقهر أعدائه وخصومه .
وجمع النبي له جيشاً مكثفاً قوامه عشرة آلاف جندي مسلّح أو يزيد على ذلك ، وهو مزوّد بجميع آلات الحرب في ذلك العصر، وقد أحاط اتجاهه إلى مكة بكثير من السرّ والكتمان ، فلم تعلم القطعات العسكريّة باتجاهه، فقد خاف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إن تعلم قريش بمسيرة جيشه لاحتلال بلادهم فتستعد للحرب ، فتراق الدماء في البلد الحرام ، فكره ذلك وأحاط الأمر بالكتمان .
كتب حاطب بن أبي بلتعة رسالة إلى قريش يخبرهم بتوجه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لاحتلال بلدهم ، وأعطى الكتاب إلى امرأة وأوصاها بالكتمان ، وأعطاها جملاً إن أوصلت
الرسالة إلى قريش وجعلت المرأة الرسالة في شعر رأسها وأخفته ، ونزل الوحي على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) له فأحاطه علماً بالأمر، فاستدعى أخاه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والزبير بن العوام ، وأمرهما بإلقاء القبض على المرأة وأخذ الكتاب منها ، وسارع الإمام مع الزبير في السير حتى أدركا المرأة ، فسألاها عن الكتاب فأنكرته ، فصاح بها الإمام قائلاً:
«إِنِّي أَحْلِفُ بِاللهِ مَا كُذَّبَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَلَا كَذَّبْنَا ، وَلَتُخْرِجِنَّ لَنا هَذَا الْكِتابَ أَوْ لِنَكْشِفَنَّكِ».
واستولى عليها الخوف ، فأخرجت الكتاب من شعر رأسها ودفعته للإمام ، وقفل به راجعاً ومعه الزبير إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و سلماه الكتاب ، ودعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حاطباً وقال له :
«ما حَمَلَكَ عَلى هذا ؟» .
وأبدى حاطب معاذيره قائلاً:
«يا رسول الله ، أما والله إنّي لمؤمن بالله ورسوله، ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكنّي كنت أمراً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم».
وقبل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله ، ونزلت فيه الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّة(1).
وسارعت الجيوش الإسلامية لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى مشارف مكة وأهلها غافلون لا يعلمون شيئاً ، فقد أحاطت بهم القوات العسكرية ، واقتربت من احتلال بلدهم ، وإنّما عمد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى التعتيم وعدم إشاعة احتلال جيشه
1) التحريم 66 : 1 .
لوطنهم حفظاً على السلام وعدم إراقة الدماء في البلد الحرام .
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بجمع الحطب ، فجمعت كميات هائلة منه ، فلما اختلط الظلام أمر بإشعال النار فيه ، وأخذ لهب النار يعلو في أفق مكة ، وفزع أبو سفيان ، وأوجس في نفسه خيفة منه ، فقال لبديل بن ورقاء ، وكان إلى جانبه :
«ما رأيت كالليلة نيراناً قط مثل هذه النّار ؟» .
وبادر بديل قائلاً:
«هذه والله خزاعة جشها الحرب» .
وسخر منه أبو سفيان وراح يقول له :
«خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها».
واستولى عليه الفزع ، واطمأنت نفسه بأنّها جيوش المسلمين جاءت لاحتلال مكة.
وعلم العباس بقدوم الجيش الإسلامي لاحتلال مكة ، وأوجس في نفسه خيفة على قومه ، وراح يقول :
«واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مكة عنوة قبل أن يأتي أهلها فيستأمنوه ، إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر».
وجهد العباس أن يجد شخصاً فيأتي إلى مكة ليخبر أهلها فيسارعوا إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يطلبون منه العفو ، وبينما هو غارق في تيارات الهواجس إذ بصر بأبي سفيان ، فهتف به :
«يا أبا حنظلة..» .
وعرفه أبو سفيان ، فسارع قائلاً:
«أبو الفضل هذا ؟» ·
«نعم».
«ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله في الناس ، واصباح قريش» .
وذعر أبو سفيان ، وجمد دمه ، وخاف على نفسه وقومه ، وراح يلتمس طرق النجاة له قائلاً:
«وما الحيلة فداك أبي وأمي ؟» .
وسارع العبّاس فأرشده إلى ما يحفظ دمه قائلاً:
«والله لئن ظفر بك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأستأمنه لك» .
فأردفه خلفه ، فكان كلّما مرّ على نار من نيران المسلمين قالوا : «مَن هذا ؟» ، فإذا رأوا بغلة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قالوا : هذا عم رسول الله ، وبصر به عمر بن الخطاب فعرفه ، فصاح : «هذا أبو سفيان عدوّ الله» .
ثم صاح ثانياً :
«الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد» .
ووجم أبو سفيان ، واضطرب وخاف على نفسه وقومه الذين صبوا على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلى المسلمين جميع ألوان التنكيل والتعذيب ، وجرت بين أبي سفيان وعمر مناوشات كلامية ، وسارع العباس إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأحاطه علماً بأمر أبي سفيان ، فأمره أن يأتي به صباحاً ، وأنفق أبو سفيان ليله ساهراً لا يعلم ما سيحلّ به .
ولما اندلع نور الصبح أقبل العبّاس ومعه أبو سفيان إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له :
«وَيْحَكَ يا أَبَا سُفْيانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟» .
ولم يقابل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا سفيان بما عاناه منه ومن قومه من صنوف التنكيل
والاضطهاد ، فقد أسدل الستار على ذلك ، وأفهمه بأنّ الإسلام لا يعرف الانتقام مع أعدائه .
وراح أبو سيفان يتضرع إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويطلب منه العفو قائلاً:
«بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لأغنى عنّى شيئاً».
واعترف أبو سفيان بفشل هبل واللات وسائر أصنام قريش أنها لو كانت آلهة لأغنت عنه .
والتفت إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بلطف ورفق قائلاً:
«وَيْحَكَ يا أَبا سُفْيانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟».
ولم يستطع أبو سفيان أن يعترف بذلك ، فقد انطوت نفسه على الكفر وراح يقول :
«بأبي أنت وأمى ، ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، أما هذه فإن في النفس منها شيئاً حتّى الآن».
وسارع العباس إليه قائلاً:
«ويحك يا أبا سفيان ، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله قبل أن تُضرب عنقك».
ولم يجد الخبيث بُداً ، فأعلن إسلامه على كره خوفاً من حد السيف ، إلا أن قلبه قد انطوى على الكفر والنفاق !
أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عمه العباس بحبس أبي سفيان في مضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمرّ عليه جنود الله تعالى فيراها أبو سفيان حتى يحذر قريشاً من مقاومة الجيش
الإسلامي لئلا تسفك الدماء .
واجتازت الكتائب على أبي سفيان، وهي تحمل رايات الظفر والنصر ، وكلّما مرّت عليه كتيبة مدججة بالسلاح قال للعباس :
«يا عبّاس، مَن هذه ؟».
«سليم».
«مالي ولسليم؟».
واجتازت عليه كتيبة أخرى فقال للعباس :
«يا عباس ، مَن هذه ؟» .
«مزينة» .
«ما لي ولمزينة».
واجتازت عليه الكتيبة الخضراء وهي مدجّجة بالسلاح ، وفي منتهى القوة ، وفيها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد شهرت على رأسه السيوف، وأحاطت به صناديد الفرسان ، فبهر بها أبو سفيان ، وقال للعباس :
«مَن في هذه الكتيبة ؟».
«هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار» .
وراح أبو سفيان يبدي إعجابه بهذه القوّة والعجز عن مقاومته قائلاً:
«ما لأحد بهؤلاءِ قِبَل ولا طاقة .. لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً» .
فردّ عليه العباس قائلاً:
«يا أبا سفيان ، إنّها النبوة» .
فهز أبو سفيان رأسه العفن ، وقال بسخرية :
«نعم ، إذن» .
وما كان هذا الجاهلي يفقه النبوّة ، وإنّما كان يفقه الملك والسلطان .
ووسعت رحمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا سفيان الذي هو من ألد أعدائه وخصومه ، والذي قاد الأحزاب والجيوش لحربه ، فقبل إسلامه المزيف، وأعطاه بذلك مثلاً لرحمة الإسلام وعظم قيمه ومبادئه.
والتفت العباس إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طالباً منه أن يسدي يداً على أبي سفيان قائلاً:
«يا رسول الله ، إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئاً» .
واستجاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لدعوة عمّه وقال :
«نعم ، مَنْ دَخَلَ دارَ أَبِي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَخْلَقَ بِابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ...».
لقد أصدر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عفواً عاماً عن قريش ، الذي لم يحدث له مثيلاً في جميع تاريخ الحروب ، فقد غمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعداءه بألطافه ، وهم الذين جرعوه ألواناً قاسية من المحن والخطوب.
وانطلق أبو سفيان مسرعاً يسبق الجيش إلى مكة ، وهو رافع عقيرته ينادي بأعلى صوته :
«يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ... من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
فهبت قريش قائلة :
«وما تُغني عنك دارُك ؟» .
وهتف فيهم ثانياً :
«مَن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن...».
وسكن روع القرشيين ، وبادروا إلى منازلهم ، وأغلقوا عليهم أبواب دورهم كما با در قوم منهم إلى المسجد الحرام فاعتصموا به .
وانبرت هند وهي فزعة مرعوبة فجعلت تحرّض القرشيين على مقاومة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتدعو إلى الفتك بزوجها قائلةً:
«اقتلوا الحَمِينَ(1)الدّسِم الأحْمَس ، قُبح من طليعة قوم».
وراحت هند تلهب العواطف، وتحفّز الجماهير لمحاربة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، إلا أن أبا سفيان أخذ يحذرهم من مغبة عصيانه ، ويدعوهم إلى عدم سماع زوجته هند ، واستجابت له الجماهير .
وسارعت جيوش المسلمين إلى دخول مكة ، وهي فرحة مستبشرة بهذا النصر العظيم ، الذي لم تلق فيه أيّة مقاومة ، وقد حمل الراية سعد بن عبادة وهو فرح مستبشر ، ويلوّح برايته في الفضاء يميناً وشمالاً ، ويهتف بأعلى صوته :
«اليوم يومُ المَلْحَمة ، اليَومُ تُسْتَحَلَ الحُرَمَة».
وسمعه عمر بن الخطاب ، فسارع إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلاً:
«يا رسول الله ، أسمعت ما قال سعد ؟» .
فأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأخذ اللواء من سعد وإعطائه إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأخذه وأدخله إلى مكة إدخالاً رفيقاً رافعاً صوته قائلاً:
1) الحميت : زق السمن. الدسم : الكثير الودك ؛ والأحمس هنا : الشديد اللحم ، والمعنى على تشبيهه الرجل بالزق لعبالته وسمنه.
«الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ ، الْيَوْمُ تُصانُ الْحُرَمَةُ...».
وعمّت الفرحة الكبرى جميع أوساط القرشيين ، وأيقنوا برحمة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنه لا يؤاخذهم بما اقترفوه تجاهه من التنكيل والاعتداء .
وسارع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بيت الله الحرام ليؤدّي التحية إليه ، فأغلقه بوجهه عثمان بن طلحة وصعد على سطح الكعبة ، وأبى أن يدفع إليه المفتاح ، فانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فلوى يده وأخذ المفتاح منه ، وأعطاه للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ففتح الكعبة ، وصلّى فيها ركعتين(1)، ثمّ سلّم المفتاح له وقال له :
«الْيَوْمَ يَوْمُ بِرَّ وَوَفاء»(2).
نعم ، إنه البر والوفاء والكرامة ، فليس كالإسلام مذهب أو دين يضارعه في قيمه ومثله وكرامته .
ولما دخل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) البيت الحرام بادر قبل كل شيء إلى تحطيم الأصنام وتدميرها ، التي اتخذها القرشيّون آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، وكانت الأصنام المعلّقة على ظاهر الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً ، وكان لكلّ حيّ من العرب صنم خاص بهم .
وكان على جهة باب البيت المعظم الصنم الأعلى لقريش ، وهو هبل ، صنم أبي سفيان ، فجعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يطعن بقوسه في عينه وهو يقول :
«جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كَانَ زَهُوقاً»، ثم أمر بتحطيمه ، وتطهير البيت الحرام منه ، وكان ذلك من أعظم ما رزء به أبو سفيان ، وغيره من عتاة قريش .
واعتلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على منكب الإمام لتكسير الأصنام ، فعجز الامام عن النهوض به ، فقال له الرسول:
«إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ حَمْلَ ثِقْل النُّبُوَّةِ ، فَاصْعَدْ أَنْتَ»، فاعتلى الإمام على كاهل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يقول : «لَوْ شِنْتُ لَئِلْتُ أَفَقَ السَّماءِ» ، ثم أقبل على الأصنام ، فجعل يقلعها ويرمي بها إلى الأرض ، ولم يبق منها إلا صنم واحد ، وهو صنم خزاعة ، وكان موتداً بأوتاد من حديد ، فقال له الرسول : «عالجه» ، فعالجه الإمام ، وهو يقول : «جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كَانَ زَهُوقاً» ، وقلعه ورمى به إلى الأرض حتى صار قطعاً(1)، وبذلك فقد تطهر البيت الحرام من أصنام قريش على يد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلى يد أخيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، كما تحطمت الأصنام من قبل على يد شيخ الأنبياء إبراهيم (علیه السّلام).
ونظم الشاعر الملهم محمد بن أحمد الكاتب المعروف بـ« المفجع » هذه الفضيلة التي جرت على يد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله :
ولهُ مِنْ أَبِيهِ ذِي الأَيْدِ إِسْمَا *** عِيلَ شِبْهُ مَا كانَ عَنِّي خَفِيّا
إنّهُ عاون الخليل علَى الكَعْبـ *** ـبة إذ شَادَ رُكْنها المَبْنِيَا
ولَقَدْ عاونَ الوَصيُّ حبيب اللهـ *** ـهِ إِذْ يَغْسِلانِ مِنْهَا الصَّفيا
رَامَ حَمْلَ النَّبِيِّ كَيْ يَقْطَع الأَصَنا *** مَ مِنْ سَطْحِهَا المُثول الحُبيًا(2)
فَحَنَاهُ تُقْلُ النُّبُوَّةِ حَتَّى كَادَ *** يَنادُ تَحْتَهُ مَنْنِيّا(3)
فَارْتَقى مَنْكِبَ النَّبِيِّ عَلِيٌّ *** صِنْوُهُ مَا أَجَلَّ ذَا المُرْتَقَيّا
فَأَمَاطَ الْأوْثَانَ عَنْ ظَاهِرِ الْكَعْبَـ *** ـةِ يَنْفِى الأَرجَاسَ عَنْهَا نَفِيًا
ولو أنَّ الوَصِيَّ حَاوَلَ مَسَّ النجم ** بالكفَّ لَمْ تَجِدْهُ قَصِيّا(1)
إنّ تحطيم الأصنام وتطهير الكعبة منها كان أقسى ضربة موجعة للقرشيين الذين تفانوا في حبّها ، وتقديم القرابين لها ، كما كان في نفس الوقت أعظم انتصار أحرزه الإسلام الذي كان من أهم قيمه تحرير العقول ونشر الوعي بين الناس.
لقد كان أعظم انتصار أحرزه الإسلام تدمير الأصنام وإزالتها التي أضلت عقول أولئك الجهال ، وهوت بهم إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
أحاطت جماهير أهالي مكة بالرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهي تنتظر بفارغ الصبر ما يواجهونه منه ، فهل ينزل بهم العقاب الصارم ، ويقابلهم بمزيد من الانتقام من جرّاء ما صبّوه عليه وعلى أتباعه المستضعفين من صنوف الخطوب والكوارث ، أو أنه سيعفو عنهم ، ويقابلهم بالعفو والصفح الجميل .
واعتلى النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) منصة الخطابة ، واستمال الجميع إلى إذن صاغية ، وفتح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خطابه بتوحيد الله تعالى والثناء عليه قائلاً:
«لا إلهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، أَلا كُلُّ مَأْثَرَةٍ أَوْ دَم أَوْ مَالٍ يُدَّعى فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتين ، إِلَّا سَدَانَةَ الْبَيْت ، وسقاية الحاج».
وأضاف بعد كلام له في شأن دية الخطأ قائلاً:
«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَحْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُمَها بِالآباءِ . النَّاسُ
1) معجم الأدباء : 17 : 202 .
مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»، ثم تلا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(1).
«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ ؟» .
فهتفوا جميعاً بلسان واحد:
خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ..
وأصدر رسول الرحمة العفو العام عن أولئك الذين ما تركوا لوناً من ألوان الاعتداء إلا وصبّوه عليه قائلاً لهم :
«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقَاءُ...»(2).
وتمثلت الرحمة والكرامة والشرف بجميع ما تحمل هذه الكلمات من معنى في هذا العفو ، فلم يقابل أولئك الجفاة بالمثل ، ولم يأخذهم بذنوبهم فيعدم رجالهم ويستصفي أموالهم ، ولم يترك لهم أي أثر يذكر، إنها رحمة النبوة التي لا تخضع للعواطف والأهواء، ولا تعرف إلا الرحمة والرأفة والإحسان للمسيء، والبر بالمعتدين .
وقام بلال بزهو فأذن بصوته الرقيق : الله أكبر، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله...، وأشهد أن محمداً رسول الله ...، وأخذ يتلو بصوت مرتفع فصول الأذان ، وذعر طغاة قريش وجبابرتها من هذا الأذان ، فكان كالصاعقة على رؤوسهم ، فقال عتاب بن أسيد : «لقد أكرم الله أسيداً. ألا يكون سمع هذا - يعني الأذان - فيسمع منه ما يغيظه» ، وقال الحارث بن هشام : «أما والله لو أعلم أنّه مُحِقِّ لاتبعته» ، وقال
أبو سفيان : «لا أقول شيئاً ، لو تكلّمت لأخبرت عن هذه الحصى» .
وخرج عليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال لهم : «قَدْ عَلِمْتُ الَّذي قُلْتُم» ، ثم ذكر لهم ذلك ، وبهروا بما قاله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وانبرى الحارث وعتاب ، فقالا :
«نشهد أنك رسول الله ، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا حتى نقول : إنّه أخبرك»(1).
وأعلن كوكبة من أعيان قريش ووجوهها إسلامهم ، ونزعوا ثياب الجاهلية ، كان منهم :
كان فضالة بن عمير يطوف بالبيت ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاً يطوف ، فحدثته نفسه بقتل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فدنا منه وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) له :
«أَفَضالَةُ هذا ؟» .
«نعم ، يا رسول الله» .
«ماذا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ ؟» .
«كنت أذكر الله» .
وضحك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال له :
«اسْتَغْفِرِ اللَّهَ عَمّا نَوَيْتَ».
ووضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)يدله على صدر فضالة ، ثم رفعها عنه ، فقال فَضالة :
«والله ما رفع يده عن صدري حتى صار أحبُّ خلق الله لي» ، وقفل راجعاً إلى
1) السيرة الحلبية : 3 : 101 . السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 56 .
أهله ، فمرّ بامرأة كان يتحدث إليها ، فقالت له : «هَلم إلى لتحدّثني» ، فقال لها: «لا».
وأنشأ يقول :
قالَتْ هَلُمَّ إلى الحديث فقُلْتُ لا *** يَأبى عَلَيْكِ الله والإِسلامُ
لَوْما رأيتِ مُحمّداً وقَبِيلَهُ *** بالفتح يَومَ تُكسَّرُ الأصنام
لرأيتِ دينَ اللهِ أضَحْى بَيِّنا *** والشركُ يَعْشى وجهَهُ الإظلامُ(1)
وهرب صفوان بن أمية يريد جُدة ليركب منها إلى اليمن ؛ لأنه كان قد أساء إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتوسط في شأنه عُمير بن وهب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليعفو عنه ، فقال له :
«يا رسول الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر».
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«هُوَ آمِن».
ولم يؤاخذه بما صدر منه تجاهه من سوء ، وانبرى عُمير فقال :
«يا رسول الله ، أعطني آية يعرف بها أمانك ؟».
فأعطاه عمامته التي دخل فيها مكة، وخرج بها عُمير حتّى أدركه قبل أن يركب فى البحر ، وقال له :
«فَداك أبي وأُمِّي ، الله الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول الله قد جئتك به» .
«ويحك أُغْرُبُ عنِّي».
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4: 59 - 60 .
وردّ عليه عُمير مخاوفه وقال له :
«جئتك من أفضل النّاس ، وأبرّ النّاس ، وأحلم النّاس ، وخير النّاس ، ابن عمك ، عزّه عزّك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك» .
«إني أخافه على نفسي».
«هو أحلم من ذاك وأكرم».
وقفل معه راجعاً، حتى جاء به إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال صفوان :
«إن هذا - وأشار إلى عمير - يزعم أنك قد أمنتَني ؟» .
فقال : «صَدَق»، وطلب من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يجعله بالخيار مدة شهرين حتّى يسلم ، فقال له : «أنتَ بالخيار إلى أَرْبَعَةِ أَشْهُر»(1).
أعلن ابن الزُّبَعْرَى إسلامه ، وخرج إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليخبره بذلك ، ونظم هذه الأبيات:
یا رَسولَ المَليكِ إِنَّ لِساني *** راتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أنا بُورُ(2)
إِذْ أباري الشَّيطانَ في سُنَنِ الْغَيِّ *** وَمَنْ مالَ ميلَهُ مَكْبُورُ(3)
آمَنَ اللحْمُ والعِظامُ لِرَبِّي *** ثُمَّ قَلبي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذيرُ
إِنَّني عَنكَ زاجرٌ ثَمَّ حَيّاً *** مِنْ لُؤَيُّ وَكلُّهُمْ مَغْرُورُ(4)
ورفع ابن الزّبَعْرى قصيدة إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يطلب فيها الصفح والعفو عما اقترفه
من الذنوب تجاهه جاء فيها :
منع الرقادَ بَلابل وهُمومُ *** والليلُ مُعْتَلجُ الرّواق بَهِيمُ(1)
مما أتاني أنَّ أحْمَدَ لامَني *** فيهِ فَبِتُ كأنَّني مَحمومُ
يا خيرَ مَنْ حَمَلَتْ على أوصالها *** عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ(2)
إِنِّي لَمُعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنَ الَّذي *** أَسْدَيتُ إِذْ أَنا في الضَّلالِ أهيمُ
أيَامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوى خُطَّةٍ *** سَهُمْ وَتَأْمُرُني بها مَخْرُومُ
وأمدَّ أسبابَ الرَّدَى ويَقودُني *** أمْرُ الغُواة وأمرُهُم مَشْوُومُ
فاليومَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمّدٍ *** قَلْبِي وَمُخْطِي هَذِهِ مَحْرُومُ
مَضَتِ العداوة وانقضتْ أسبابها *** ودَعَتْ أواصِرُ بَينَنا وحُلُومُ
فاغِفْر فِدَى لَكَ وَالِدَيَّ كِلاهُما *** زَلَلي فإِنَّكَ راحِمٌ مَرْحومُ
وَعَلَيْكَ مِن عِلْم المَلِيكِ عَلامةٌ *** نورٌ أغَرُّ وخاتَمٌ مَخْتومُ
أعطاك بعد مَحبّةٍ بُرهانَهُ *** شَرَفاً وبُرْهانُ الإلهِ عَظِيمُ
ولقَد شَهِدتُ بأن دينك صادق *** حقِّ وأنَّك في العِبادِ جَسيم
واللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ مُصْطَفَى *** مُسْتقبل في الصالحينَ كَريمُ
قَرْمَ عَلا بُنيانُهُ مِنْ هَاشِمٍ *** فَرْعٌ تَمَكَّنَ فِي الذُّرى وأرُومُ(3)
وهرب عكرمة إلى اليمن خوفاً من بطش المسلمين ؛ لأنه جهد على حربهم والتنكيل بهم ، وقد أسلمت زوجته أم حكيم ، وطلبت من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يعفو عن زوجها ، فعفا عنه ، فسافرت إلى اليمن وجاءت به ، وأعلن إسلامه(1).
كان لمرداس وثن يعبده من دون الله ، وهو من حجر ، أسماه ضمارِ ، وأوصى ولده عباس بعبادته ، وقال له : «أي بني ، أعْبُدُ ضَمارٍ ؛ فإنّه ينفعك ويضرك ، وسمع عبّاس منادياً يقول له :
قُلْ للقبائلِ مِنْ سُلَيْم كُلِّها *** أَودى ضمارِ وعاشَ أَهْلُ المَسْجِدِ
إِنَّ الَّذي وَرِثَ النُّبوَّةَ والهُدَى *** بعدَ ابنِ مَرْيَمَ مِنْ قُريش مُهْتَدِي
أودَى ضَمَارِ وَكانَ يُعْبَدُ مَرَةٌ *** قَبلِ الكِتابِ إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وعمد عبّاس إلى الصنم ضَمارِ فحرقه ، والتحق بالنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) داعية الله الأكبر في الأرض(2).
وأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) البيعة في مكة من الرجال ، وكانت صيغة البيعة أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وكما أخذت البيعة من الرجال ، كذلك أخذت البيعة من الصغار، وفيها تحرير لعقولهم وتطهير لنفوسهم من براثن الشرك والإلحاد .
وأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) البيعة من النساء، وهي تنشد العفّة والكرامة والشرف لهنّ، وكانت هند أم معاوية من جملة النساء التي بايعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقد جاءت متنكرة لصنيعها بحمزة ، وخافت أن يأخذها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما اقترفته من المُثلة بعمه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) للنساء: «عَلَيْكُنَّ الالتزام بهذه البنود»، وهي :
1 - «با يغنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا»
وانبرت هند قائلة : «إنّك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال» .
لقد صعب عليها الإقرار بالوحدانية الله تعالى ، وهي غارقة بعبادة الأوثان والأصنام.
2 - «لا تَسْرِقْنَ».
وراحت هند تقول : «والله ! إنّي كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة ، وما أدري أكان ذلك حلالاً أم لا» ، فقال لها أبو سفيان - وكان حاضرا : «أما ما أصبت فيما مضى فأنتِ منه في حلّ» .
وعرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هنداً ، فقال لها : «وَأَنْتِ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَة ؟» ، فقالت: «نعم ، فاعف عمّا سلف» ، فقال : «عفا اللهُ عَنْكِ» .
3 - «لا يَزْنِينَ».
فقالت هند : «وهل تزني الحرّة يا رسول الله ؟» ، فضحك عمر .
4 - «لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ» .
فقالت هند : «قد ربّيناهم صغاراً فنقتلهم كباراً»، وقد أشارت بذلك إلى إبادة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والاسرتها في واقعة بدر.
5 - «لا يَأْتينَ بِبُهتانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ».
وقالت هند : «إنّ إتيان البهتان لقبيح» .
6 - «لا يَعْصينني».
فقالت هند : «في معروف ؟» ، ثم أخذ البيعة منهنّ(1).
وأهدر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دماء عصابة من المجرمين الذين بالغوا في الاعتداء عليه وعلى المسلمين ، كان منهم :
عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ، أسلم ثم ارتد ، وقد كتب بعض الوحى ، جاء به أخوه عثمان إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليستأمن له ، فصمت رسول عنه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) طويلاً، ثم قال : «نعم» ، فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لمن حوله : «أما كانَ فِيكُم رَجُلٌ رَشيدٌ يَقومُ إِلى هذا حين رآني قَدْ صَمَتُ فَيَقْتُلُهُ» ، فقالوا له : «هلا أومأت إلينا ؟» ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا يَنْبَغِي لِنَبِيَّ أَنْ تَكونَ لَهُ خائِنَة الأَعْيُن»(2).
أسلم عبدالله فبعثه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جابياً للصدقات ، وبعث معه رجلاً من الأنصار ، فغضب عليه وقتله . ثمّ ارتدّ مشركاً ، وكانت له قينتان ، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولما فتح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مكة تعلّق بأستار الكعبة ، فاستبق إليه سعيد بن حريث
وعمّار بن ياسر ، فسبق إليه سعيد وقتله .
قتل قاتل أخيه خطاً بعدما أخذ الدية ، ثم ارتد مشركاً ، قتله رجل من قومه .
مولاة لبني عبدالمطلب ولعكرمة بن أبي جهل ، كانت تؤذي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حينما كان في مكة، هربت حتى استؤمن لها من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فآمنها .
تقدّم أنه فرّ منهزماً إلى اليمن ، فسارعت زوجته فأسلمت ، وأخذت له أماناً ، فأسلم(1).
استجار رجلان من بني مخزوم بالسيدة أم هانئ بنت أبي طالب ، فأجارتهما ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أمر بقتلهما ، فدخل عليها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ليقتلهما ، فأغلقت عليهما الباب، ومضت مسرعة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال لها :
«ما جاءَ بِكِ يا أُمَّ هانئ ؟» .
«يا نبي الله ، كنت أمنت رجلين من أحمائي ، فأراد قتلهما عليّ» .
فقابلها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بسمات فياضة بالبشر قائلاً لها :
«قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ يا أم هانئ»(2).
وهكذا تمثلت الرحمة بجميع رحابها في سيرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلوكه مع أعدائه وخصومه.
أقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة ، فقد اختلف الرواة في مدة إقامته فيها ، وهذه بعض الأقوال :
1 - عشرة أيام .
2 - خمسة عشر يوماً.
3 - ثمانية عشر يوماً .
ثمّ قفل راجعاً إلى عاصمته المدينة ، التي وجد فيها الأمن بعد الشدة والعناء .
و ساورت المخاوف المدنيين من بقاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة واتخاذها عاصمة له بدل المدينة ، إلا أنّ النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) نفى عنهم هذه المخاوف ، وقال لهم :
«مَعَاذَ اللَّهِ ، الْمَحْيا مَحْيَاكُم ، وَالمَماتُ مَماتُكُم»(1).
والتمس منه أهالي مكة البقاء في بلدهم ، فأبى ، وقال : ولا أَسْكُنُ في بَلَدٍ طُرِدْتُ منه».
ثم أقام النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) مرشداً لأهل مكة يعلمهم أحكام الإسلام ، ويقيم فيهم الصلاة ، ويحلّ مشاكلهم ، ويقضي بينهم على ضوء الكتاب والسنة .
وأقام الموكب النبوي أياماً ، وقد رفرفت عليه أعلام النصر ، فقد فتح الله تعالى الفتح المبين لعبده ورسوله ، ودخل النّاس في دين الله تعالى أفواجاً أفواجاً .
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 59 .
فزعت هوازن - فيما يقول المؤرّخون - كأشدّ ما يكون الفزع باحتلال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مكة ، وخضوع القبائل القرشيّة لسلطان الإسلام ، ودخول الناس في دين الله أفواجاً ، فانبرى مالك بن عوف ، وهو الزعيم المطاع لقبائل هوازن ، فدعا أسرته ، واستنجد ببعض القبائل الأخرى ، وفي طليعتها ثقيف لمحاربة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعرض عليهم الأخطار الهائلة التي ستواجه المشركين وعبادة الأوثان من انتصار الإسلام ، وإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سوف يزحف بجيوشه لاحتلالهم ، واستجاب الجميع لرأيه ، فجنّد قسماً كبيراً منهم للحرب ، وأوصاهم قائلاً : إذا رأيتموهم - يعني المسلمين - فاكسروا جُفون سيوفكم ، ثمّ شدّوا شَدّة رجل واحد ، وازحفوا للحرب .
ولما انتهت أنباء هوازن إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أوفد للقياهم عبدالله الأسلمي ، وأمره بالتعرّف على أنبائهم ، فمضى وعلم أنّهم مصمّمون على الحرب ، فقفل راجعاً إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأخبره بذلك ، فزحف بجيشه البالغ عدده اثنا عشر ألفاً ، وكان فيهم من لم يخالط الإسلام قلبه ، كأبي سفيان بن حرب ، وأمثاله من القرشيين والطامعين في الغنائم والأسلاب .
وتحرّك الجيش الإسلامي من مكة متجهاً صوب هوازن حتى انتهى إلى وداي حنين(1).
والتحم الجيشان كأشدّ ما يكون الالتحام في معركة رهيبة لم يحسب لها
1) وادي حنين : موضع قريب من مكة ، وقيل : هو وادٍ قبل الطائف بجنب ذي المجاز ، وقال الواقدي : بينه وبين مكة ثلاثة ليال . معجم البلدان : 2 : 313.
المسلمون حساباً ، فقد وثبت عليهم هوازن من كلّ جيب في الوادي وهي توسعهم رمياً وقذفاً ، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وبلغت القلوب الخناجر .
وانهزم المسلمون شر هزيمة ، فقد كانت الخطة العسكرية التي عملتها هوازن محكمة للغاية ، فقد كانوا موزعين في جيوب الوادي ، وحينما دخل المسلمون فيه ثاروا عليهم من كل جانب وهم لا يشعرون ، فجفلوا وفروا لا يلوون على شيء، وجعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يدعو المسلمين إلى الصبر والثبات وعدم الفرار قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، هَلُمُّوا إِلَيَّ ، أَنا رَسولُ اللَّهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» .
وثبت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يحرّض المسلمين على الصمود قائلاً للمنهزمين :
«أَيْنَ أَيُّها النّاسُ ، أَيْن؟».
وشاعت في الأوساط أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد استشهد ، وكان منادياً ينادي بصوت عالٍ قائلاً:
«يا مَعْشَرَ الأَنْصارِ الَّذينَ آوَوْا وَنَصَروا ، يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ بايعوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، إِنَّ مُحَمَّداً حَيٍّ فَهَلُمُوا» .
واستجاب المنهزمون إلى نداءه ، وأحاطوا بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يميناً وشمالاً يمنعون عنه العوادي .
وسرّ المنافقون بهزيمة المسلمين ، وطاروا فرحاً وسروراً ، وكان منهم :
وأبدى أبو سفيان سروره البالغ بهزيمة المسلمين قائلاً: «لا تنتهي هزيمتهم - أي المسلمين - دون البحر».
وكان شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قد قتل أبوه في واقعة أحد ، وقد أبدى سروره بهزيمة المسلمين ، فقال - وعلى شفتيه ابتسامة الفرح-: «اليوم أدرك ثأري من محمد».
وأظهر كَلْدَة بن الحنبل سروره البالغ بما مُني به المسلمون من الهزيمة قائلاً: «ألا بطل السِّحْرُ اليوم».
فردّ عليه أخوه صفوان : «اسكت ، فَضَّ الله فاك ، فوالله ! لإن يَرْبُني(1)رجلٌ من قريش أحبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني رجل من هَوازن»(2).
ولما بلغت قلوب المسلمين الحناجر ، وزلزلوا زلزالاً شديداً قد ساد عليهم الرعب والخوف ، نصر الله تعالى عبده ورسوله ، فقتل من المشركين سبعون رجلاً من أبطالهم وعيونهم ، وهزم الباقون شر هزيمة، ولاحقتهم جيوش المسلمين فأشاعت فيهم القتل والأسر ، وردّ الله تعالى كيدهم إلى نحورهم .
وأبدى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من البسالة ما لا يوصف، وأبلى في المعركة بلاءً حسناً ، وقد أجمع الرواة على أنه كان من أصلب المدافعين عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد وقف مع كوكبة من المسلمين إلى جانب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يدافعون عنه ، وقاتلوا قتالاً أهونه الشديد ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يردّد القول :
«أنا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ، أنا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ، الآن حَمِي الوَطِيسُ»(1).
لقد كان النصر المؤزر معظمه في هذه المعركة التي كانت من أعنف المعارك وأشدها قسوة على يد بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)(2).
ووصف القرآن الكريم معركة حنين وما لحق بالمسلمين من الفزع والهزيمة ، وما منّ الله تعالى به من النصر الحاسم ، وتمزيق صفوف المشركين .
قال تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3).
وحفل هذا التصوير بجميع فصول الواقعة ، وما رافقها من أحداث .
وغنم المسلمون في هذه المعركة أموالاً طائلة كان منها :
1 - اثنان وعشرون ألفاً من الإبل .
2 - أربعون ألفاً من الشياء
3 - أربعة آلاف أوقية من الفضّة .
4 - الأسرى ستة آلاف(1).
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن تساق الغنائم إلى الجعرانة ، وسارعت وفود هوازن إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طالبين منه أن يردّ عليهم ما أخذ منهم ، فخيرهم بين نسائهم وأبنائهم ، وبين أموالهم ، فاختاروا نساءهم وأبناءهم، وانبرى زهير بن صرد من بني سعد فخاطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتذلل وخضوع قائلاً :
«یا رسول الله ، إنّما في الحظائر عماتك وخالاتك، وحواضنك اللواتي كنَّ يَكْفُلنك ، ولو أنا أرضعنا الحرث بن أبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر لرجونا عطفه ، وأنت خير المكفولين»، ثمّ قال :
امْنُنْ عَلَينا رسولَ اللهِ في كَرَمِ *** فَإِنَّكَ المَرْءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ
أمنُنْ عَلى نِسوَةٍ قَدْ عَاقَها قدرٌ *** مُمَزَّقٌ شَمْلُها في دَهْرِهَا غِيَرُ
يا خيرَ طِفل ومولودٍ ومُنتخَبِ *** فى العالمينَ إذا ما حَصلَ البشرُ
إِنْ لَمْ تَدارَكَها نِعَماً وتَنشُرها *** يا أرجَحَ النَّاسِ حِلْماً حينَ يُختَبرُ
امَنُنْ عَلَى نِسوَةٍ قد كنتَ ترضَعُها *** إذْ فوكَ تَملؤُهُ مِنْ مَحضِها الدُّرَرُ
إِذْ كُنتَ طِفلاً صغيراً كُنتَ تَرضَعُها *** وإِذْ يُزينُكَ ما تَأتى وما تَذَرُ(2)
فرق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ووهبهم ما كان له ولبني عبد المطلب من الغنائم ، وكذلك وهب الأنصار والمهاجرين وبنو سليم حصتهم ولم يستجب لذلك غيرهم .
ثمّ قسم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الابل والغنم على الجيش ، وازدحموا عليه حتى اختطفت رداؤه ، فقال صلوات الله عليه :
«رُدُّوا عَلَيَّ رِدائي أَيُّها النَّاسُ ، فَوَاللَّهِ ! لَوْ كانَ لِي عَدَدُ شَجَرِ نِهامَةَ نَعَمْ لَقَسَمْتُها
عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا جَباناً».
ولم يعط النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الأنصار شيئاً ، فوجدوا في أنفسهم ، وضاقوا ذرعاً، وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سعد بن عبادة بجمع الأنصار ، فلما مثلوا عنده قال لهم :
«ما حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟! أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَداكُمُ اللهُ بِي ؟ وَفُقَراءَ فَأَغْناكُمُ اللهُ بي ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟».
فانبروا جميعاً قائلين :
«بلى والله يا رسول الله، الله ورسوله المن والفضل».
وخاطبهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بلطف ومودة وحنان قائلاً:
«أَلَا تُجِيبُونِي ؟».
«بماذا نجيبك ؟»
ونظر إليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمودة قائلاً :
«وَاللهِ! لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُم ، فَصَدَقْتُم : أَتَيْتَنَا مُكَذِّباً فَصَدِّقْناكَ ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْناكَ ، وَطَريداً فَأَوَيْنَاكَ ، وَعَائِلاً فَوَاسَيْناكَ ، أَوَجَدْتُم ، يا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنفُسَكُمْ فِي لُعَاعَةٍ(1)مِنَ الدُّنْيا تَألفْتُ بِها قَوْماً لِيُسْلِمُوا وَوَكَلَتْكُمْ إِلى إِسْلَامِكم ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَن يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحالِكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرأَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ ...
اللهُمُ ارْحَم الأَنْصارَ ، وَأَبْناءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءَ الْأَنْصارِ».
وهتفوا جميعاً بعد أن غرقوا بالبكاء .
«رضينا برسول الله قسماً وحظاً»(2).
وطيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نفوس الأنصار بهذه الكلمات التي كانت بلسماً ودواء لكلّ من ظنّ من الأنصار أنّه قد أجحف بحقهم ، فحرمهم من الاعطاء ، فقد قفلوا راجعين إلى أوطانهم ونفوسهم مترعة بالرضا والإيمان .
سأل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن مالك بن عوف الزعيم المطاع لقبائل هوازن ، والذي انهزم بعد فشل واقعة حنين ، فقيل للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إنه بالطائف مع ثقيف ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَخْبِرُوهُ أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ رَدَدْتُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ ومالَهُ ، وَأَعْطَيْتَهُ مائَةٌ مِنَ الإِبل»، وبلغ ذلك مالكاً ، فانسل من ثقيف وهم لا يعلمون به حتّى أتى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأسلم ، فردّ عليه أهله وماله ، وأعطاه مائة من الإبل ، فبهر وقال :
ما إن رأيتُ ولا سَمِعتُ بمِثْلِهِ *** في النّاسِ كُلِّهِمُ بمثلِ مُحَمّدِ
أوفَى وأعطى للجزيل إذا اجْتَدى *** ومتى تَشأُ يُخْبِرِكَ عَمَا فِي غَدِ
وإذا الكتيبةُ عَرَّدَتْ أنْيابَها *** بالسَّمْهَرِي وضَرب كُلِّ مُهنَّدِ(1)
فَكَأَنَّهُ ليتٌ عَلى أَشبَالِهِ *** وَسْطَ الهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَد(2)
واستعمله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على من أسلم من قومه(3). وبذلك فقد تغيّر ذاتيّاً ، ونزع عمّا في نفسه من الشرور والآثام.
وملئت نفوس الجيش الإسلامي بالإيمان ، وحبّ الشهادة في سبيل الله تعالى،
وقد عزم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على غزو الطائف، وكانت مدينة محصنة يعسر اقتحامها ، وكان من الصعب جداً الاقتراب منها ؛ لأنّ أهلها كانوا يرمون بالنبل من أعلى الحصون لمن كان قريباً منها ، مما اضطر المسلمين أن ينزحوا عنها ، وأقاموا بالمسجد الذي بني بالطائف، ومنه فرضوا الحصار على الحصون ، فحاصروها سبع عشرة ليلة ، ورماهم الجيش الإسلامي بالمنجنيق ، وهو أوّل ما رمي به في الحروب التي شنها المسلمون على الكفّار .
ولم يتمكن المسلمون من اختراق الحصون وأخذوا بقطع أشجار الأعناب إضافة إلى قذفهم بالمنجنيق ، وأعلن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه معتق من جاء إليه من الطائف ، فأقبل إليه زهاء عشرين رجلاً ، وفهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منهم أنّ بالحصون من الذخائر ما يكفيهم أمداً طويلاً، وأيقن أن الحصار سيطول أمده ، كما استبان له أن جيشه يود الرجوع إلى المدينة ، فقفل راجعاً إليها .
ولم تبق ناحية من نواحي الجزيرة العربية إلا وأيقنت بقوّة الحكومة الإسلامية ، وأنها قوة لا تقهر ، وأنّها أمام أمرين : أما مقاومة السلطة أو الدخول في الإسلام، والخضوع لأنظمته الدينية والاقتصادية ، وبينما كان العرب مذهولين أمام الأحداث التي سيواجهونها من الإسلام ؛ إذ وافتهم الأنباء بأنّ الروم قد هيأت جيشاً لغزو المسلمين والهيمنة على البلاد الخاضعة لحكم الإسلام .
وشاعت هذه الأنباء ، فقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعزم شامخ لتهيئة جيش قوي يغزو به الروم ويكسر شوكتهم .
وتخلّف المنافقون عن الالتحاق بالجيش الإسلامي ، وأخذوا يلتمسون لهم المعاذير بأن الوقت شديد الحرارة ، وفيهم نزلت الآية : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ
خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(1). واعتذر شخص يسمّى الجَدّ بن قيس للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له :
«يا رسول الله ، أو تأذن لي ولا تَفْتِني ، فوالله لقد عَرَف قومي أنه ما من رجل أشدّ عُجْباً بالنساء منّي ، وإنّي أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر - وهم الروم - أن أصبر».
فأعرض عنه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وفيه نزلت الآية : وَمِنْهُم مَن يَقُولُ الذَن لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(2).
وبلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن هؤلاء المنافقين يجتمعون عند سُوَيْلم اليهودي ، وهم يثبطون العزائم ، ويحرّضون النّاس على التخلف عن ساحات الجهاد ، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله مع كوكبة من أصحابه فحرِّق بيت سُوَيْلِم اليهودي ، ففرّ المجتمعون من ذلك البيت .
ومن المنافقين وديعة بن ثابت ، ومُخَشُن بن حُمَير وغيرهما ، وكان بعضهم يقول لبعض : «أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض ، والله لكأنا بكم غداً مُقَرنين فى الحبال أرجافاً ، وترهيباً للمؤمنينة.
واستشف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من وراء الغيب ما قاله هؤلاء المنافقون ، فبعث عمار بن ياسر وقال له : «سَلْهُم عَمَّا قالوا ، فَإِنْ أَنكَرُوا فَقُلْ : بلى ، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا»، فانطلق إليهم عمار وأخبرهم بما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأقبلوا إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعتذرون إليه ، فقال وديعة له : «يا رسول الله ، إنا كنا نخوض ونلعب» ، فنزلت الآية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ
لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ(1).
وهناك كوكبة من الصحابة قد أترعت نفوسهم بالإيمان ، كان منهم سبعة أشخاص من الأنصار وغيرهم لم يجدوا مركباً لهم ، فطلبوا من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يسعفهم بمركب ليمضون إلى الجهاد ، فقال لهم : لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلُّوا وَأَعْيُتُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ(2)، ومن المؤمنين أبو خيثمة ، فإنّه لم يلتحق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويقي في داره ، وكان الوقت شديد الحرّ، فهيأت له زوجتاه عريشاً، ويردت له ماء ، فنظر إليهما ، وقال بألم وحرارة : «رسول الله في الضّحَ(3)والرّيح والحرّ ، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيّاً ، وامرأة حسناء في ماله مقيم ، ما هذا بالنصف» .
ثم خاطب زوجتيه :
«والله تعالى لا أدخُلُ عريش واحدة منكما حتّى ألحق برسول الله ، فَهَيِّئا لي زاداً» .
فقد ما له الزاد ، ثمّ قدم ناضحه فاعتلاه ، وأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء حتى التحق برسول الله حتى إذا دنا منه وهو في تبوك ، فقال الناس : «هذا راكب على الطريق مُقبل إلينا»، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
«كُنْ أَبَا خَيْثَمَة».
وتأمله المسلمون فقالوا : «هو والله أبو خيثمة» ، ثم دنا من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلم
عليه ، فقال له خيراً ، ودعا له بخير ، ونسب له من الشعر هذه الأبيات :
لما رأيتُ النّاسَ في الدين نافَقُوا *** أتيتُ التى كانَتْ أعفَّ وأكْرَمَا
وبا يَعتُ باليُمْنَى يَدِي لِمُحَمَّدٍ *** فَلَمْ اكْتَسِبْ إِثْماً وَلَمْ أَغْشَ مَحْرما
تَرَكْتُ خَضيباً في العريش وصِرمَةً *** صفایا كِراماً بُسْرُها قَدْ تَحمَّما
وكُنْتُ إِذا شَكَ المُنافِقُ أَسَمَحتْ *** إلى الدين نَفسي شَطَرَهُ حَيثُ يَمَّما(1)
وتخلف أبو ذر عن مسايرة الجيش ؛ لأنّ راحلته لم تطق المشي ، فتركها وأخذ متاعه فحمله على ظهره ، وسار في أثر الجيش ، فأدرك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في بعض المنازل، فقال الناس : «هذا أبو ذر» ، فرحب به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال : «رَحِمَ اللهُ أَبا ذَرَ يَمْشِي وَحْدَهُ ، وَيَموتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَه»(2).
وواكب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في جميع حروبه وغزواته ، إلا في غزوة تبوك ، فقد أبقاه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ممثلاً عنه في المدينة ، وأرجف المنافقون ، وأشاعوا أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إنما لم يصحبه معه لكراهته له ، وبلغ ذلك الإمام ، فأخبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمقالة المنافقين، فردّ عليهم مزاعمهم ، وقلد الإمام أسمى وسام قائلاً:
«كَذَبُوا ، وَإِنَّما خَلَّفْتُكَ لِما وَرائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ ، أَمَا تَرْضى يا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»(3).
ورجع الإمام (علیه السّلام) قرير العين ، فقد قلّده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وسام الخلافة من بعده ، وجعله منه بمنزلة هارون من موسى ، وباء حسّاده بالفشل والخزي .
وتخلّف ثلاثة من الصحابة عن الصحابة عن الالتحاق بغزوة تبوك ، وهم : كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، وقد نهى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن مكالمتهم والحديث معهم ، فامتنع المسلمون من الالتقاء بهم والتحدّث معهم ، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .
ولما انتهى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى تبوك أتاه يُحَنَّة بن رؤبة ، وهو من عظماء تبوك ، فصالحه وأعطاه الجزية، وكذلك أتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية ، وكتب النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا الكتاب ، وجاء فيه بعد البسلمة :
«هذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ ، وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسولِ اللهِ لِيُحَنَّةَ بن رُؤْبة وَأَهْلِ أَيْلَةٍ ، سُفَتِهِمْ وَسيَارَتِهم في البَرِّ وَالبَحْر ، لَهُم ذِمَّةُ اللهِ تَعَالَى وَذِمَّةٌ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ، وَمَنْ كانَ مَعَهُم مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ اليَمَنِ وَأَهْلِ البَحْرِ ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثاً ، فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ ما لَهُ دُونَ نَفْسِهِ ، وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ ، وَلَا طَريقاً يُريدونه مِن بَرَّ أَوْ بَحْر»(1).
ولم يقع قتال ولا إراقة دم ، ثم قفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) راجعاً إلى المدينة بعد أن أقام في تبوك بضع عشرة ليلة.
عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أبي بكر أن يتلو على أهل مكة بنوداً من سورة البراءة ، وما قننه الإسلام من أحكام لمن طاف في بيت الله الحرام ، وهذه بعضها :
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 169 .
أولاً : أن لا يطوف في البيت عريان ، وكانت العادة في الجاهلية أن يطوف الرجل عرياناً.
ثانياً : لا يدخل الجنة إلا من آمن بالله ورسوله .
ثالثاً : مَن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله إلى مدته(1).
رابعاً : أنّ الله تعالى ورسوله بريئان من المشركين(2).
وسار أبو بكر حاملاً رسالة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فهبط عليه الوحى يأمره بإسناد هذه المهمة إلى الإمام أمير المؤمنين وإقصاء أبي بكر ، وسار الإمام مسرعاً حتى وافى أبا بكر في الطريق ، فأخذ منه الرسالة(3)، وتلاها على أهل مكة ، واضطرب أبو بكر ، ورجع وملء إهابه ألم ممض ، فلما رأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أجهش بالبكاء وقال له : يا رسول الله ، حدث فيَّ شيء ؟
فهدأ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، روعه ، وقال له : ما حَدَثَ فِيْكَ إِلَّا خَيْرٌ ، وَلكِنْ أُمِرْتُ أَنْ لَا يُبَلِّغها إِلَّا أَنا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي(4).
وهذه البادرة من الأدلة التي تمسكت بها الشيعة على إمامة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد قالوا : إنّ أبا بكر لا يصلح لأن يبلغ سورة من القرآن لأهل مكة ، وهي من الأمور البسيطة ، فكيف يصلح لأن يكون ممثلاً للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد غيابه عن الحياة.
1) التنبيه والإشراف : 186.
2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) : 2 : 47 .
3) مسند أحمد بن حنبل : 1: 3. الخصائص : 30 . كنز العمال : 4 : 246 . تفسير الطبري : 10 : 46 . المستدرك على الصحيحين: 3 : 51 صحيح الترمذي : 2 : 183. تذكرة الخواص : 37.
4) أمالي المرتضى : 1 : 292 السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 190.
وتحدّث كعب عن الكثير من شؤون حياته في غزواته مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتخلفه عن غزوة تبوك ، ولما قفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) راجعاً إلى المدينة انبرى إليه ، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«ما خَلَّفَكَ ، أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك ؟».
وراح كعب يبدي معاذيره قائلاً:
«إنّي يا رسول الله ، والله تعالى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلاً ، لكن والله لقد علمت لكن حدثتك اليوم حديثاً كذباً لترضى عنّى ، ولَيُو شكنّ الله تعالى أن يُسخطك على ، ولكن حدثتك حديثاً صدقاً تجد علي فيه ، إنّي لأرجو عُقْباي من الله فيه ، ولا والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك».
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَمَا هَذا فَقَدْ صَدَقْتَ فِيهِ ، فَقُمْ حَتَّىٰ يَقْضِي اللَّهُ فِيكَ» .
وبقي كعب مضطرباً ينتظر ما ينزل فيه من الوحي ، وقد لقي صاحباه نفس المصير الذي عاناه .
وظلّ كعب لا يكلّمه أحد من المسلمين ، فقد هجره الناس ، وابتعدوا عنه ، وبينما كان يسير في السوق إذ أقبل نبط من الشام يسأل عنه ، فأشار إليه الناس، فمضى إليه وناوله كتاباً ، ففتحه وإذا به : أما بعد، فإنّه قد بلغنا أن صاحبك - يعني النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ، ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك.
وتحرق كعب ، وذابت نفسه ألماً وجعل يقول : «هذا من البلاء قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك» .
وبقي على هذا الحال المرير زهاء أربعين يوماً ، فأرسل إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يبتعد عن أهله ، وكذلك أمر صاحبيه باعتزال أهليهما .
وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالت له :
«يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له ، أفتكره أن أخدمه ؟».
فقال لها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لا يقْرَبَنَّك».
وسمح لها بخدمته ، وانبرت قائلة:
«والله يا رسول الله ، ما به من حَرَكة إلى ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا» .
وبقي كعب وصاحباه على هذا الحال وهم يعانون العزلة وابتعاد الناس عنهم .
وكان كعب في بيته لا يريم عنه ، مهموماً حزيناً ، وإذا بشخص قد رفع عقيرته : «يا كعب بن مالك ، أبشر فقد جاءك الفرج».
وطار كعب فرحاً ، وسارع إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان مقيماً في المسجد ، فلما رآه تبسّم وقال له بنبرات ملئها الغبطة والفرح :
«أَبْشِر بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أَمُّكَ».
«أمن عندك يا رسول الله ، أم من عند الله؟» .
«بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى».
«يا رسول الله ، إن من توبتي إلى الله عزّ وجلّ أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله» .
فأمره أن يتصدّق ببعض ماله لا بجميعه ، وراح كعب يقول للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا رسول
الله ، إن الله تعالى قد نجاني بالصدق ، وإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقاً ما حبيت».
وأنزل الله تعالى فيهم : لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِمَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَاَمَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(1).
وأعرب كعب عن بالغ سروره بقبول توبته قائلاً:
«والله ما أنعم الله علَيَّ نعمة قط بعد أن هداني للإسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك ، كما هلك الذين كذبوا ، فإنّ الله تعالى قال في الذين كذبوه حين أنزل الوحى ، شرّ ما قال لأحد ، قال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(2)، كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول حين حلفواله ، فعذرهم ، واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى ، فبذلك قال الله تعالى : وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا»(3).
أرسل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معه كتيبة عسكرية إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام أو الحرب ،
وأخذ الإمام يجد في السير لا يلوي على شيء ليؤدي رسالة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وانتهى الإمام (علیه السّلام) إلى اليمن ، والتقى بوجوه اليمانيين وزعمائهم ، وعرض عليهم دعوة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشرح لهم قيم الإسلام ، وما يهدف إليه من إقامة مجتمع أفضل تتوفر فيه جميع ما يصبو إليه المجتمع من العدل والأمن والرخاء .
وقد بهر اليمانيون بكمال الإمام (علیه السّلام) وفضله وأدبه ، فاستجابوا لدعوته ، وأعلنت همدان الإسلام، وهي من أقوى الأسر العربية في اليمن ، ومن أشدّها تمسكاً بقيم الإسلام ، وبذلك فقد فتحت اليمن بغير حرب(1)، وبقيت قاعدة الولاء للإمام (علیه السّلام).
إن مجموع الغزوات التي غزا بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه فهي سبع وعشرون غزوة ، وقد ذكرنا معظمها ، وهي :
1 - غزوة وَدَانَ . / 2 - غزوة الأبواء .
3- غزوة بواط من ناحية رَضْوَى . / 4 - غزوة العُشَيرة من بطن يَنْبُع .
5 - غزوة بدر الأولى . / 6 - غزوة بدر الكبرى(2).
7 - غزوة بني سُلَيْم . / 8 - غزوة السويق يطلب أبا سفيان .
9 - غزوة غَطَفَانَ . / 10- غزوة ذي أمر .
11 - غزوة بَحْران معدن بالحجاز . / 12 - غزوة أحد .
13 - غزوة حَمْراء الأسد. / 14 - غزوة بني النَّضِير .
15 - غزوة ذات الرّقاع . / 16 - غزوة بدر الآخرة .
17 - غزوة دومة الجندل . / 18 - غزوة الخندق .
19 - غزوة بني قُرَيْظة . / 20 - غزوة بني لِحْيَان من هُذَيْل .
21 - غزوة ذي قَرَد . / 22 - غزوة بني المُصْطَلِق من خُزَاعة .
23 - غزوة الحُدَيْبِيَّة . / 24 - غزوة خيبر .
25 - غزوة عُمْرةُ القضاء . / 26 - غزوة الفَتْح .
27 - غزوة حُنَيْن . / 28 - غزوة الطائف .
29 - غزوة تَبُوك .
هذه مجموع الغزوات التي دوّنها ابن هشام(1)، وقد ذكرنا معظمها في البحوث السابقة .
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 256
أما السرايا التي بعثها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لبعض القرى والمناطق ، فكان الغرض منها إظهار قوة الإسلام ، ولا تنضم إلى القوى المعادية للإسلام ، كما أنّ أهدافها التبشير بالقيم العظيمة، والمبادئ الرفيعة التي تبناها الإسلام ، والتي جاءت لتحرير الإنسان من خرافات الجاهليّة ، وعبادتها للأوثان والأصنام ، وإنقاذها من واقعها المرير الذي هبطت به إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
وعلى أي حال ، فإنّا نذكر بعض السرايا التي أسند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قيادتها إلى بعض أصحابه ، وهي ثمانية وثلاثون سريّة :
بعث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) زيد بن حارثة للاستيلاء على تجارة لقريش فيهم أبو سفيان ، ومضى زيد مع فرقة من الجيش ، فأدركوا القافلة ، فأصابوا العير وما تحمل من البضائع ، وهرب الرجال ، وقدموا بالعير والبضائع إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وكان المقصود من هذه السرية إضعاف القوى المعادية للإسلام اقتصادياً.
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جملة من السرايا إلى حوالي مكة يدعون الناس إلى عبادة الله
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 4 : 284 .
عزّ وجلّ ، ومن بين الذين بعثهم خالد بن الوليد فقد بعثه لبني جذيمة داعياً إلى الله ، لا مقاتلاً ، ولما انتهى إليهم خالد أمرهم بإلقاء السلاح ، وشك جحدم في خالد وقال لبنى جذيمة :
«ويلكم يا بني جذيمة ، إنّه خالد ، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبداً».
وأنكر بعض قومه وقالوا له :
«يا جحدم ، أتريد أن تَسْفك دماءنا ؟ إنّ النّاس قد أسلموا ووضعوا السلاح ، ووُضعتِ الحَرْب ، وأمن النّاس ، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضعوا أسلحتهم ، فأمر بهم خالد أن يُكتفوا ، ثمّ عرضهم على السيف ، فقتل جملة منهم ، ولما انتهى الخبر إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) غضب وتألم ورفع يديه إلى السماء ، وقال :
«اللهُمَّ إِنِّي أَبْرأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بنُ الوَليد» .
ودعا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأمره أن يخرج لبني جذيمة ، وينظر في أمورهم ، ويجعل أمر الجاهلية تحت قدميه ، وخرج الإمام ومعه مال قد بعث به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأدى دية المقتولين ، وأدّى ما أصيب لهم من الأموال حتى أدّى لهم مبلغَة(1)الكلب ، ولم يبق أي شيء من دم أو مال إلا وداه ، وبقيت عنده بقيّة من مال ، فأعطاها لهم وقال (علیه السّلام):
«أعطيكم هذه البقيَّةَ مِنْ هذَا المَالِ احْتِياطاً لِرَسولِ اللهِ مِمّا لا يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمون» ، ثمّ قفل راجعاً إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأخبره بما صنع ، فشكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صنيعه ، وقال له :
«أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ»، ورفع يديه إلى السماء وقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
1) الميلغة : شيء يحفر من خشب ويجعل ليلغ فيه الكلب.
«اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمّا صَنَعَ خالد بن الوليد»، قالها ثلاث مرّات(1).
ودلّت هذه البادرة على عدم مراعاة خالد للأعراف السائدة في الإسلام بعدم نكث العهد ، إلا أنه كان متعطشاً لسفك الدماء ، وقصته مع مالك بن نويرة تدلّ على ذلك .
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عبد الله بن رَوَاحة في ثلاثين راكباً إلى يُسير بن رزام اليهودي ، فقد بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خبث هذا اليهودي وكيده ، وأنه يجمع الجموع لحربه ، وسار ابن رواحة مع المفرزة من الجند ، حتّى التقى بيسير ، فقال له :
«إنّ رسول الله أرسلنا إليك ليستعملك في خيبر»، فاستجاب لهم بعد إلحاح، وصحبه من قومه ثلاثون رجلاً بقدر المسلمين ، ولما بلغوا قَرْقَرة نيار ، وهي موضع تبعد عن خيبر بستة أميال ، ندم يُسير ، وأهوى إلى سيف عبد الله بن رواحة ليأخذه ، ففطن لذلك ، فزجر بعيره حتى إذا قرب من يُسير ضرب رجله فقطعها ، وكان في يد يُسير مِخْراش من شَوْحَط(2)، فضرب به وجه عبدالله ، فشح بها أم رأسه ، وانكفأكل واحد من المسلمين على كل رديف له من اليهود فقتله ، غير رجل من اليهود فقد أعجزهم ، وهرب منهم ، ولم يصب أحد من المسلمين ، وأقبل عبد الله بن رواحة إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فرأى الشجّة في رأسه ، فداواها بريقه ، فبرأت(3).
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بشير بن سعد ومعه ثلاثون راكباً إلى بني مرة من أرض فدك ،
فاستاق نعمهم فقاتلوه ، وقتلوا من معه ، وصبر هو وقاتل قاتلاً شديداً حتى نجا ، وقفل راجعاً إلى المدينة.
وبعث إليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مرة ثانية غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة ، كان منهم أسامة أسامة بن زيد وابن مسعود ، وقاتل أسامة مرداس بن نهيك ، وعلاه بالسيف ، فقال مرداس : «لا إله إلا الله» ، ولم يحفل به أسامة حتى قتله ، ولامته الصحابة على ذلك ، وتأثر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال له : «مَن لَكَ يا أسامة بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وندم أسامة كأشدّ ما يكون الندم على ما اقترفه من الذنب(1).
كان أبو حدرد قد عقد على امرأة وأصدقها مائتي درهم ، وجاء إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طالباً منه أن يسعفه بالمهر ، فقال له :
«ما عِنْدِي ما أعينُكَ بِهِ» .
ولم تمض إلا أيام حتى أقبل رفاعة بن قيس ، ومعه خلق من بني جُشم بن معاوية حتى نزل بالغابة يريد أن يجمع جماعة ليحارب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فدعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا حدرد ورجلين من المسلمين ، وأمرهم أن يأتوه بخبر رفاعة ، وخرجوا حتى قربوا من القوم ، وقد غابت الشمس ، وعمّ الظلام المنطقة ، فخرج رفاعة يفتش عن راع له قد تأخر ، ومرّ بأبي حدرد وهو غافل ، فنفحه أبو حدرد بسهم وقع على فؤاده ، فلم يتكلّم وسقط على الأرض ، فبادر إليه واحتزّ رأسه ، وبادر مع صاحبيه فاستاقوا إبلاً عظيمة وغنماً كثيرة ، وجاءوا بها إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأعطى أبا حدرد منها عشرة من الإبل كانت صداقاً لأهله(2).
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له جماعة من أصحابه في سرية إلى إضَمّ ، فلما بلغوا هذا المكان مرّ بهم عامر بن الأضبط الأشجعي ، وكان من المسلمين ومن وجوه الناس ، فحمل عليه محلم بن جنّامة فقتله ؛ لهنات كانت بينهما ، ولما رجعوا إلى المدينة ، وفهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك نزلت عليه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُتُم مِن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُم فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(1).
وبادر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أولياء المقتول ليفديه ، فقال لهم : «هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذوا مِنا خَمْسِينَ بَعِيراً الآنَ ، وَخَمْسِينَ بَعِيراً إِذا رَجَعْنَا إِلَى المَدينَةِ»؛ لأنه لم يكن فيها ، فقام إليه عيينة بن بدر ، وقال : «والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي» ، ولم يزل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يلتمس منهم قبول الدية حتى لا تراق الدماء ، حتى وافقوا وأخذوا الدية(2).
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) زيد بن حارثة نحو مدين، ومعه ضميرة مولى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأصاب سَيْباً من أهل ميناءً ، وفيها جُماع من الناس ، فبيعوا متفرقين ، فخرج إليهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهم يبكون ، فسأل عن بكائهم ، فقيل له : «قد فرق بينهم» ، نهي سلام الله عليه عن بيعهم كذلك ، وقال : «لا تبيعوهُم إِلَّا جَميعاً»(3).
استعمله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على سرية ، وأمر من معه بالطاعة له ، وجرت بينه وبينهم مشادة كلامية فأغضبته ، فأمرهم أن يجمعوا حطباً ، فجمعوه له ، وأضرم فيه النّار ، وقال لهم :
«ألم يأمركم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن تسمعوا لي وتطيعوا؟»، قالوا: «بلی»، قال: «فادخلوا النّار» ، فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : «إنّما فررنا إلى رسول الله من النار»، ولم يلج فيها أحد ، فلما قدموا على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذكروا ذلك له ، فقال : «لَوْ دَخَلوها ما خَرَجوا مِنْها ، إِنَّمَا الطَاعَةُ في المَعْرُوفِ»(1).
بعثه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى جمع من هوازن ومعه أربعة وعشرون رجلاً، وأمره أن يغير عليهم ، فخرج ، وكان يسير في الليل ويكمن في النهار ، حتى جاءهم وهم غارون ، واستولى على نعم كثيرة وشاء فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة ، ووزّع عليهم المال ، فكان نصيب كل رجل منهم خمسة عشر بعيراً(2).
بعثه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ومعه خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات اطلاح من أرض الشام ، فوجدوا جمعاً هناك ، فدعوهم إلى الإسلام ، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل ، فقاتلوهم أشدّ قتال حتى قتلوا، سوى رجل جريح منهم ، فلما حلّ الليل خرج حتى أتى رسول الله فأخبره بما جرى عليهم ، فأراد أن يبعث لهم سريّة أخرى ،
فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر ، فترك(1).
بعثه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يستنفر العرب إلى الشام ، وسار حتى انتهى إلى ماء يقال له السلسل ، بعث إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يستمده بالجيش ، فبعث إليه جماعة فيهم أبو عبيدة الجرّاح ، وأبو بكر وعمر ، وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن لا يختلف مع جماعته ، ولما انتهوا إلى ابن العاص قال عمر و لأبي عبيدة : «إنّما جئت مدداً لي ، قال أبو عبيدة : لا ، ولكني على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه» ، وقال له عمرو : «بل أنت مدد لي» ، وقال أبو عبيدة : «يا عمرو ، إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لي : «لا تختلفا ، وإنك إن عصيتني أطعتُك » ، فقال عمرو : «إنّي الأمير عليك ، وأنت مدد لي» ، قال أبو عبيدة : «فدونك»، فصلى عمر و بالنّاس .
وكان من جنود هذه البعثة عوف بن مالك ، وقد مرّ على قوم قد نحروا جَزُوراً ، وقد عجزوا عن قسمته بينهم ، فقال لهم عوف : «إذا أعطيتموني نصيباً منها قسمتها بينكم» ، فأجابوه إلى ذلك ، فقسمها بينهم ، وأعطوه قسماً منها ، فبادر إلى جماعته فطبخوه وتناولوه ، فأصيبوا بالقي ، وقالوا له : «ما أحسنت حين أطعمتنا» ، ثمّ قفلوا راجعين إلى المدينة ، وبادر عوف إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«أَعَوْفٌ هذا ؟» .
«نعم ، بأبي أنت وأمي» .
«أصاحِبُ الجزور ؟»(2).
ولم تقع في هذه الغزوة أية معركة ، فقد كانت مهمة هذه السرية استنفار
الناس لغزو الشام.
بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا عبيدة الجراح إلى سيف البحر(1)، وكانت أرزاقهم جراباً من تمر ، فكان قوتهم به ، ولما أشرف على النهاية كانوا يأخذون منه عداً ، ولما نفد التمر كان بعضهم يقتات بتمرة واحدة ، ولما فقد التمر أخذهم الجوع ، فأخرج الله تعالى لهم دابة من البحر ، فأصابوا لحمها ، وجعلوا يقتاتون عليه ، ولما رجعوا إلى المدينة أخبروا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) به ، فقال : «رِزْقٌ رَزَقَكُمُوهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ»(2).
غزا زيد بن حارثة وادي القُرى ، وفيه قوم من بني فزارة، وجرح زيد فيها، فلما أستبل من جرحه الى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة ، ومضى إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأسند له قيادة الجيش لغزو بني فزارة ، ومضى إليهم ، فالتحم معهم وأبادهم ، وأسر منهم ابنة أمّ قِرْفَة ، وابن مسعدة(3).
كانت عصماء بنتَ مروان من بني أمية عدوّة للإسلام ، وقد هجت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فندب لقتلها ، فانبرى إليها عمير بن عدي الخطمي فقتلها في بيتها ، وجاء إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له : «إنّي قد قتلتها» ، فشكره النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقال له : «نَصَرْتَ اللهَ وَرَسولَهُ يا عُمَير»، وكان قتلها سبباً لدخول جماعة في الإسلام ، وذلك حينما
رأوا عزّ الإسلام(1).
هذه بعض السرايا التي بعثها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بعض المناطق لهداية الناس إلى الإسلام ، أو مناهضة القوى الكافرة ، فقد تحدّث عنها ابن هشام في سيرته ، قال :
«وكانت بعوثه (صلی الله علیه و آله و سلم) وسراياه ثمانياً وثلاثين من بين بَعْثِ وسَرِيَّة ، وهي :
1 - غزوة عُبيدة بن الحارث .
غزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص .
3- غزوة سعد بن أبي وقاص الحَرّار .
4 - غزوة عبد الله بن جَحْشَ نَخْلَة .
5 - غزوة زيد بن حارثة القَرْدَة .
6 - غزوة محمد بن مَسْلَمَة كَعْبَ بن الأشرف .
7 - غزوة مَرْثَدٍ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ الرَّجيع .
8 - غزوة المُنْذِر بن عمرو بئرَ مَعُونة .
9 - غزوة أبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ ذا القَصَّة من طريق العراق .
10 - غزوة عمر بن الخطاب تُرْبةَ من أرض بني عامر .
11 - غزوة علي بن أبي طالب اليمن .
12 - غزوة غالبِ بنِ عبد الله الكَلْبِيّ ، كَلْبِ ليث الكندية ، فأصاب بني الملوّح(2)، هذا ما ذكره ابن هشام في السيرة ، وقد ذكرنا أربعة عشرة سرية .
أدى النبي العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم) رسالة ربه إلى عباده كاملة مشرقة ، فأنقذهم بعد اللُّتَيّا والتي من عبادة الأوثان والأصنام ، فحرّر العقول وفتح لها آفاقاً كريمة لم يألفها الإنسان حافلة بالوعي والتطوّر ، وأمدها بجميع وسائل النهوض والارتقاء .
وقد عانى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جميع صنوف المحن والخطوب من فراعنة قريش ، وجبابرة العرب ، وفسقة اليهود ، فاتهموه بالجنون والكذب والسحر ، وأغروا صبيانهم وجهالهم بإلقاء التراب والحجارة عليه ، وعذبوا بأقسى ألوان التعذيب من آمن به ، وقد استشهد من تعذيبهم ياسر وسميّة ، واضطرت الطلائع المقدّسة من المسلمين إلى الهجرة من ديارهم إلى الحبشة ، وكان المحامي والناصر للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عمه أبو طالب مؤمن قريش ، وبعد وفاته استضعفته قريش، وأحاطت بداره شاهرين سيوفهم ليمزقوا جسده الطاهر ، ففرّ منهم في غلس الليل البهيم إلى المدينة ، وقد ترك أخاه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في فراشه ملتحفاً ببردته ، وقد نجا صلوات الله عليه بتسديد من الله تعالى ولطفه.
وحينما انتهى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى المدينة وجد في أهلها الحماية والأمن والقوة ، فاتّخذها عاصمة له ، وقد قامت قيامة القرشيّين ، وورمت آنافهم ، فجهزوا الجيوش لمحاربته ، فكانت واقعة بدر وأحد والأحزاب ، ومعظمها بقيادة أبي سفيان جد يزيد وأبو معاوية ، وباءت جميع محاولاتهم بالفشل والخزي ، فقد نصر الله تعالى نبيه نصراً عزيزاً ، وفتح له فتحاً مبيناً ، ودخل الناس في دين الله تعالى أفواجاً أفواجاً ،
وخضعت قريش لحكم الإسلام ، ودخلوا فيه مكرهين أذلاء صاغرين قد أترعت نفوسهم بآثام الجاهلية ومعتقداتها .
وعلى أي حال ، فإنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد ما أدى رسالة ربّه بدت عليه أمارات الرحيل عن هذه الدنيا ، والانتقال إلى الفردوس الأعلى ، وكانت تتكرر عليه علامات الرحيل عن الدنيا ، والسفر إلى الله تعالى ، كان من بينها :
أولاً : أنّ القرآن الكريم نزل عليه مرتين بعدما كان ينزل عليه مرة واحدة ، فاستشعر من ذلك دنوّ الأجل المحتوم منه(1).
وأخذ ينعى نفسه ، ويشيع ذلك بين بين المسلمين ، كما أحاط بضعته سيدة نساء العالمين علماً بانتقاله إلى حضيرة القدس قائلاً لها :
«إِنَّ جِبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي هَذَا الْعامِ مَرَّتَيْنِ ، وَما أرى ذلِكَ إِلَّا اقْتِرابَ أَجَلي»(2).
وذابت نفس بضعته شعاعاً، وودّت مفارقة الحياة ولم تسمع هذه الكلمات من أبيها :
ثانياً : أنه نزل الوحي على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذه الآية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ(3).
وكانت هذه الآية إنذاراً له بمفارقته للحياة ، وقد أثارت في نفسه كوامن الألم ، وسمعه المسلمون يقول :
«لَيْتَنِي أَعْلَمُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟».
ثالثاً : أنّه نزلت عليه سورة النصر ، فشعر منها بدنو أجله ، وكان يسكت بين التكبير والقراءة في الصلاة ويقول :
«سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ».
وذهل المسلمون من ذلك ، وراحوا يسألونه عن هذه الحالة الغريبة التي تعتريه ، فأجابهم :
«إِنَّ نَفْسِي قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ»(1).
وهام المسلمون في تيارات من الهواجس، فقد كان نعي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لنفسه كالصاعقة عليهم ، فلا يدرون ما يجري عليهم إن خلت الدنيا من محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، الذي بر بدينهم ودنياهم، وحرّرهم من عبادة الأوثان والأصنام .
ولما أيقن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بقرب انتقاله إلى جنة المأوى رأى من الواجب عليه أن يحجّ البيت الحرام ، ويضع لأمته الخطوط السليمة لنجاتها ، وصيانتها من الأزمات والفتن ، وسيادتها على بقية أمم العالم وشعوب الأرض ، ولهذه الأسباب حج البيت الحرام ليعلن في صعيده ما يرومه ، وقد أعلن بين الوفود أن عامهم هذا هو آخر عهدهم به قائلاً :
«إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدا».
وفزع الحجّاج وذهلوا ، وأفزعهم كلامه ، وراح يقول بعضهم لبعض : «النبي ينعى نفسه» .
ومضى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تنفيذ مناهجه السليمة التي تضمن سعادة أمته في جميع
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): 2 : 71 - 73.
مراحل تأريخها قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ! إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، كِتابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
ولما أنهى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مراسيم الحج ، وقف عند بئر زمزم ، وأمر ربيعة بن خلف فوقف تحت راحلته ليبلغ الحجاج ما يقوله ، وقال لربيعة : «قُلْ ما أَقُولُهُ»، ثمّ قال :
«أَتَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هذا ؟» .
«أَتَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هذا ؟».
«أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا ؟».
فهتفوا جميعاً :
«نعم ، هذا البلد الحرام، وهذا الشهر الحرام ، واليوم الحرام».
وأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يتلو عليهم القيم الكريمة والمثل العليا التي جاء بها قائلاً:
«إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُم كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هذا ، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هذا ، وَكَحَرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا ... ألا هَلْ بَلَّغْتُ...».
فأجابوا جميعاً :
«نعم».
ثم أخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعرض على حجاج بيت الله الحرام الأحكام التي يلزمون بتطبيقها على واقع حياتهم قائلاً:
«اتَّقُوا اللهَ ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ، وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، فَمَنْ كَانَ عنْدَهُ أمانةً فَلْيُودها ...
النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ سَواءٌ طَفَّ الصَّاعِ لآدَمَ وَحَوَاءَ ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيُّ عَلَى أَعْجَمِيٌّ ، وَلَا لِأَعْجَمِيٌّ عَلَى عَرَبِيَّ إِلَّا بِتَقْوى اللهِ ... أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟».
وانبروا قائلين :
«نعم».
وأضاف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلاً :
«اللهُمَّ اشْهَدْ ، لَا تَأْتُونِي بِأَنْسَابِكُمْ وَائْتُونِي بِأَعْمَالِكُمْ ، فَأَقُولُ لِلنَّاسِ : هَكَذَا ، وَلَكُم هكذا ، أَلَا هَلْ بَلْغْتُ ؟».
وهذه المثل الكريمة هي التي تحقق كرامة الإنسان، وتضمن له سعادته ، ثمّ واصل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه قائلاً:
«اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، كُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمَ رَبِيعَةَ بنِ الْحَارِثِ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ(1)، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ ؟».
«نعم».
«اللهُمَّ اشْهَدْ ، وَكُلُّ رباً كانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ رِبا الْعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟».
«نعم».
«اللهُمَّ اشْهَدْ .. أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
أوْصِيْكُمْ بِالنِّساءِ خَيْراً فَإِنَّمَا هُنَّ عَوارٍ عِنْدَكُمْ ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً ، وَإِنَّما أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتابِ اللهِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ : كِسْوَتُهُنَّ وَرِزْقُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوْطِئْنَ فِراشَكُمْ أَحَداً ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا بِعِلْيكُمْ وَإِذْنِكُمْ ، أَلا هَل بَلغَتُ ؟».
«نعم».
«اللهُمَّ اشْهَدْ ، فَأَوْصِيْكُم بِمَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟».
1) ربيعة بن الحارث قتله بنو سعد بن بكر .
«نعم».
«اللّهُمَّ اشْهَدْ .. إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَغُنُّهُ ، وَلَا يَخُونُهُ ، وَلَا يَغْتَابُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ دَمُهُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ مالِهِ إِلَّا بِطِيْبٍ مِنْهُ ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟».
«نعم».
ويستمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تأسيس المناهج التربوية والأخلاقية والاجتماعية، وما تسعد به الأمة في جميع شؤونها ، ثم ختم خطابه الرائع بقوله :
«لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَاراً مُضَلَّلِينَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ ، إِنِّي خَلَّفْتُ فِيْكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا : كِتابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟».
«اللهُمَّ اشْهَدْ .. إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ ..»(1).
وانتهى هذا الخطاب الحافل بجميع القيم الإنسانية التي تسمو بها الأمة في مجالاتها الاجتماعية والسياسية، وتحقق لها السيادة على شعوب العالم وأمم الأرض .. وقد ختم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإلزام أمته بالتمسك بكتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والتمسك بالعترة الطاهرة لتكون لها القيادة العامة لأمته .
وبعد ما أدى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الحج إلى بيت الله الحرام ، ووضع الخطط السليمة لصيانة الأمة من التردّي في مجاهل هذه الحياة قفل راجعاً إلى المدينة ، ولما اجتاز موكبه في غدير خم هبط عليه جبرئیل برسالة من السماء بالغة الخطورة تتعلق بمصير الأمة ومستقبلها بعد رحيله إلى جنة المأوى ، فقد أمره الله تعالى أن يحطّ رحله في ذلك المكان لينصب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إماماً للأمة وخليفة عليها من بعده ، ويقلّده
1) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام): 1 : 195 - 198 ، نقلاً عن تاريخ اليعقوبي : 2 : 90 - 92.
المرجعيّة العامة لها ، ولم يرخصه فى التأخير لحظة واحدة ، وكان أمر السماء بهذه الآية : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبَّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(1).
ونص الرواة على أنّ الآية نزلت على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في غدير خم(2)وطابعها يحمل التهديد الصارم إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنه إن لم يفعل ما أمر به فما بلغ رسالة ربّه ، وضاعت جهوده وتبدّدت أتعابه .
وتلقى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر الله تعالى بأهمية بالغة ، فانبرى بعزم ثابت وإرادة صلبة غير حافل بالمنافقين والحاسدين للإمام (علیه السّلام) ، فوضع أعباء المسير ، وحط رحله في رمضاء الهجير ، وأمر قوافل الحج أن تصنع مثل ذلك ، وكان الوقت قاسياً في حرارته حتى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدمه يتقي به من الحرّ.
واجتمع الحجاج فصلى بهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وبعد فراغه من الصلاة أمر بوضع حدائج لتكون منبراً له ، فصنعت له فاعتلى عليها ، وكان عدد الحاضرين - فيما يقول الرواة - مائة ألف أو يزيدون ، فخطب فيهم وأعلن عمّا عاناه . من الجهود الشاقة في سبيل هداية الناس وإنقاذهم من خرافات الجاهلية وعبادة الأوثان والأصنام ، ثم ذكر كوكبة من أحكام الإسلام وتعاليمه ، والتفت إلى الجماهير قائلاً:
«انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ ؟» .
فناداه منادٍ من القوم :
ما الثقلان يا رسول الله ؟
وبيّن بوضوح وصراحة الثقلين قائلاً:
«الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ : كِتابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسُكُوا بِهِ وَلاَ تَضِلُّوا ، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ : عِتْرَتِي ، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَسَأَلْتُ ذَلِكَ رَبِّي لَهُما ، فَلَا تَقَدَّمُوْهُما فَتَهْلِكُوا ، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُما فَتَهْلِكُوا».
الضمان الأكيد لسلامة الأمة في مسيرتها التمسك بكتاب الله العزيز وبالعترة الطاهرة .
ثم أخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بيد وصيه وسيّد عترته وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فرفعه حتى بان بياض إبطيهما ، ورفع صوته عالياً قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؟».
فأجابوا مجمعين :
«الله ورسوله أعلم».
فقال صلوات الله عليه :
«إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ ، وَأَنا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنا أَوْلى بِهِمْ مِنْ أَنفُسِهِم ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاه».
قال ذلك ثلاث مرات ، ثم قال :
«اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَأَحِبُّ مَنْ أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغائِبَ».
وانتهى خطابه الشريف الذي أعلن فيه تقليده لمنصب الخلافة والإمامة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
وأقبل المسلمون يبايعون الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بولاية العهد ويهنئونه بهذا المنصب الخطير ، وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمهات المؤمنين أن يبايعن الإمام ، ففعلن ذلك(1)، وأقبل ابن الخطاب فهنا الإمام وصافحه ، وقال له :
«هنيئاً يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة»(2).
وانبرى حسّان فنظم الحادثة الخالدة بقوله :
يُناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخُمُ وأَسْمِعْ بِالرَّسولِ مُنادِيا
فقالَ فَمَنْ مَولاكم ونبيُّكُمْ *** فقالوا ولم يُبدوا هناك التعاميا
إلهُكَ مَولانا وأَنتَ نَبيُّنا *** ولمْ تَلْقَ منا في الولاية عاصيا
فقالَ لَهُ قُمْ يا عَلِيُّ فإِنَّني *** رَضيتُكَ مِنْ بعدي إماماً وهاديا
فَمَنْ كنتُ مَولاه فهذا وليه *** فكونوا له أتباع صدقٍ مَوالِيا
هُناكَ دَعَا اللهُمَّ والي وليَهُ *** وَكُنْ لِلَّذِي عادى عَلِيّاً مُعادِيا(3)
إن تقليد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الخلافة في غدير خم قد ألهمت عواطف الشعراء ، فقد انبرى الشاعر الملهم السيد الحميري إلى نظمها في كثير من شعره ، كان منها هذه الأبيات :
وقامَ مُحَمَّدٌ بِغَدير خُم *** فنادى مُعلناً صَوتاً نَدِيًا
لمَنْ وافاهُ مِنْ عُربٍ وَعُجْمِ *** وحَفُوا حَولَ دوحَتِهِ جِثِيًّا
ألا مَن كنت مولاه فهذا *** لهُ مَوْلى وكانَ بِهِ حَفِيًا(1)
وقال شاعر الإسلام الأكبر الكميت الأسدي :
ويومُ الدَّوح دَوح غديرِ خُم *** أبانَ لَهُ الوِلايَةَ لَوْ أُطيعا
ولكِنَّ الرَّجالَ تبايعوها *** فَلَمْ أَرَ مِثْلَها حَقّاً أَضيعا
وسجّل المحقق الأميني كوكبة من الشعراء الذين نظموا حادثة الغدير من عصر النبوة حتى يوم النّاس هذا .
وفي يوم الغدير الخالد في دنيا الإسلام نزلت الآية المباركة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً(2).
لقد كمل الدين، وتمّت نعمة الله تعالى الكبرى على المسلمين بولاية إمام المتقين وسيّد الموحدين على جميع المسلمين.
لقد جمع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمته على صعيد العلم والتقوى والإيمان بأخذه البيعة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فليس في صحابته ولا في أسرته من يضارع بعض مثل الإمام (علیه السّلام) التي استوعبت بفخر جميع لغات الأرض .
إن البيعة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) جزء من رسالة الإسلام ، وركن من أركان الدين ، فمن أنكرها فقد أنكر الإسلام ، كما قال العلامة العلائلي.
الخلافة في الإسلام من العناصر الأساسية في تكوين المجتمع الإسلامي ، والقوّة
الفاعلة في صيانة المسلمين من الاعتداء والغزو الخارجي ، فهي التي تصون كرامتهم وحريتهم واستقلالهم ، وتدفع عنهم غائلة القوى الكافرة التي تكيد لهم في وضح النهار وفي غلس الليل .
اهتم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اهتماماً بالغاً بالخلافة والإمامة من بعده ؛ لأنّها من أهم المراكز الحسّاسة في إقامة دولته ، فهي امتداد لحكمه واستدامة لشريعته ، وقد قرنها برسالته في بداية دعوته للإسلام حينما دعا أسرته إلى تصديقه ، والإيمان بقيمه ليتخذ منهم شخصاً يؤازره على أداء رسالته فيجعله وزيراً وخليفة من بعده ، فلم يستجب له أحد سوى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأخذ برقبته ، وقال : «هذا أخي ، ووزيري ، وَوَصِبي ، وَخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِى فِيْكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»(1).
ومن شدة اهتمامه بالخلافة قال : «مَنْ ماتَ ولَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جاهِلِيَّة».
إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عالج جميع قضايا المسلمين ، ووضع لها الحلول الحاسمة ، ومن أهمها إقامة خليفة من بعده يقيم فيهم العدالة الإسلامية ، ويحكم بين الناس بشريعة الله تعالى ، وأنّ من أوهى الآراء وأكثرها بعداً عن الصواب القول بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أهمل هذه الجهة التى بها سعادة أمته وسلامتها من الانحراف ، ومن المؤكد إن إهمالها وعدم التعرّض لها إنّما هو تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ، والقاء للأمة في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة .
إنّ الأزمات الحادة والمنازعات العنيفة التي واجهها المسلمون في معظم عصورهم كانت ناجمة - من دون شك من الاهمال المتعمد للنصوص النبوية التي
1) الحديث مجمع على صحته .
عينت الخلافة وحصرتها في أهل بيت النبوة ومراكز الوحي ، دعاة الله تعالى في الأرض . يقول السيد محمد الكيلاني :
«لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعاً قل أن نجد له مثيلاً في الأمم الأخرى ، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفف نحن عن ارتكابه ، فترتب على ذلك أن أزهقت الأرواح ، ودمّرت مدن ، وهدّمت قرى ، وأحرقت دور ، وترملت نساء ، وتيتمت أطفال ، وهلك من المسلمين خلق كثير»(1).
وعلى أي حال، فالرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ، والذي يعز عليه عنت أمته كيف يتركها فوضى من دون أن يعين لها القائد المسيرتها .
والشيء المؤكد - حسب الدراسات العلمية ، والتأمّل الجاد في السيرة النبوية ومصادر التاريخ - أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رشح الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) للخلافة ، وأقامه إماماً لأمّته ، ويدعم ذلك النصوص المتواترة من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تعظيم شأنه والإشادة به، فهو باب مدينة علمه ، وأنّه مع الحق والحق معه ، وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى ، وغير ذلك من مئات الأحاديث التي أثرت عنه في فضل وصيّه وأبي سبطيه.
ويتساءل الكثيرون : لماذا رشح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) للخلافة ، وقدّمه على أهل بيته وأصحابه ؟
والجواب على ذلك أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) نظر بعمق وشمول في أسرته وأصحابه ، فلم ير أحداً
1) أثر التشيع في الأدب العربي : 25.
أفضل من علي (علیه السّلام) ولا أحق بالخلافة منه ، لا لأنه ألصق النّاس به ، بل لأنه كان من أكثر المسلمين وعياً لرسالته ، وأدرى بأحكام شريعته ، ومعاذ الله أن يندفع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) للهو وراء العاطفة التي يؤول أمرها إلى التراب .
لقد انتخب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) خليفة من بعده ؛ وذلك لما يتمتع به من الصفات الرفيعة ، والقابليات الفذة التي لم يتمتّع بها أحد سواه، ولعلّ من أهمها ما يلي :
أولاً: أن الإمام (علیه السّلام) كان يملك طاقات عملاقة من العلم لم يملكها أحد سواه ، خصوصاً فيما يتعلّق بأحكام الشريعة وشؤون الدين، ومسائل القضاء ، فقد كان المرجع الأعلى فيه ، وقد اشتهرت كلمة عمر فيه : «لولا علي لهلك عمر»، ولم يشابهه أحد من الصحابة بهذه الظاهرة ، وقد ألفت بعض الكتب في روعة قضائه.
كما كان سلام الله عليه من أرقى القادة في العالم الإسلامي في الشؤون السياسية والإدارية ، وعهده لمالك الأشتر من أوثق الأدلّة الحاسمة على ذلك ، فقد حفل هذا العهد الشريف بالشؤون السياسية الإسلامية بما لم يحفل به أي دستور سياسي في الإسلام.
وإن المتتبع في الوثائق السياسية التي دونت في نهج البلاغة يجد صوراً رائعة للسياسة الرشيدة التي لا التواء فيها ، والتي تبنت العدل الخالص بجميع صوره.
وكما كان الإمام (علیه السّلام) أعلم المسلمين بشؤون السياسة العادلة التي لا تعرف الخداع والنفاق والتضليل ، فقد كان من أعلمهم بسائر العلوم الأخرى ، كعلم الكلام ، والفلسفة ، وعلم الحساب ، والهيئة ، وغيرها ، يقول العقاد إن الإمام لها فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً ، ومع هذه الثروات العلمية الهائلة التي يتمتع بها الإمام (علیه السّلام) كيف لا ينتخبه الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لمنصب الخلافة التي تدور عليها استقلال
الأمة وأمنها وحريتها ورخائها(1).
إنّ الطاقات العلميّة اللا محدودة التي يملكها الامام (علیه السّلام) تقتضي بحكم المنطق الإسلامي الذي يؤثر الصالح العام على كلّ شيء أن يكون هو المرشح لقيادة الأمّة دون غيره ، فإنّ الله تعالى يقول: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(2).
وليس شيء أدعى إلى السخرية والاستهزاء من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل ، فإنّ هذا المنطق اللاعلمي يتجافى مع القيم الإسلامية التي الزمت بتقديم العلماء على غيرهم وترشيحهم للمناصب الحسّاسة ، وتقديم غيرهم عليهم تدمير للقيم الكريمة ، وتجنّي على العلم .
ثانياً : إنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان من أشجع الناس وأقواهم جناناً ، وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الأرض، وهو القائل : «لَوْ تَظَافَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتالي لَما وَلَّيْتُ عَنْها» ، وقد قام الإسلام بسيفه ، وبني على جهاده وجهوده ، وهو صاحب المواقف المشهودة يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب ، فقد حصد بسيفه رؤوس المشركين ، وأباد أعلامهم وضروسهم، وأشاع في بيوت الجبابرة والطغاة الشكل والحزن ... ولم تنفتح ثغرة على الإسلام من خصومه وأعدائه إلا تصدى لإسكاتها ، وقد قدمه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على غيره ، فأسند له قيادة جيشه ، وما ولج حرباً إلا فتح الله تعالى على يده ، وهو الذي أذل اليهود وقهرهم ، وفتح حصون خیبرهم ، وكسر شوكتهم .
إن الشجاعة من العناصر الأساسيّة التي يجب توفرها عند من يتولّى زعامة الأمة ، وإدارة شؤون البلاد، وأما إذا كان خائر القوى جباناً ، فإنّ الأمة تتعرّض للكوارث والأزمات .
ومع توفّر الشجاعة بأسمى معانيها ، وأجلى صورها في شخصية الإمام (علیه السّلام) كيف لا يرشحه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للخلافة والإمامة من بعده .
إنّ الإمام (علیه السّلام) بحكم شجاعته النادرة التي تصحبها جميع الصفات الكريمة ، والنزعات الشريفة ، هو المتعيّن لقيادة الأمة حتى لو لم يكن هناك نص من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
ثالثاً : من أهم الصفات التي يجب توفرها عند من يتصدى للخلافة نكران الذات ، وإيثار مصلحة الأمة على كلّ شيء ، والتي منها الاحتياط التام في أموال المسلمين ، وإنفاقها على تطوير حياتهم، وإنقاذهم من غائلة الفقر ، وكانت هذه الظاهرة من أبرز القيم في حكومة الإمام (علیه السّلام)، فلم يعرف المسلمون حاكماً زهد في الدنيا ورفض جميع مباهجها كالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام ، لقد أجمع المؤرّخون والرواة على أنّ الإمام (علیه السّلام) في أيام حكومته قد تحرّج كأشدّ ما يكون التحرج في أموال الدولة ، فلم يدخر لنفسه ولا لأهل بيته أي شيء منها ، وساس المسلمين سياسة رشيدة في العطاء، وساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات وغيرها ، كما لم تقنّن في أي مذهب مثل ما قننه الإمام في سياسته الرشيدة في المثل والقيم الكريمة ، وما تبنّاه من العدل الخالص والحق المحض .
رابعاً : من الصفات التي يجب توفرها في الإمام الذي يتصدّى لزعامة الأمة أن يكون تقياً ورعاً صالحاً لا يؤثر أي شيء على طاعة الله تعالى ، وهذه الصفة قد تميز بها الإمام (علیه السّلام) وحده ، فكانت من أبرز صفاته ، فقد تحرّج عن كل ما لا يقربه إلى الله تعالى زلفى ، وهو القائل :
«وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا ، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ جُلْبَ شَعِيرَةٍ أَسْلُبُهَا مِن فَم نَمْلَةٍ مَا فَعَلْتُ».
إن الإمام (علیه السّلام) هو داعية الله تعالى الأكبر في الأرض بعد أخيه وابن عمه الرسول محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد حفل نهجه بالخطب الرائعة التي يدعو فيها إلى توحيد الله تعالى وطاعته .
وكان من مظاهر تقوى الإمام (علیه السّلام) أنه امتنع من إجابة عبدالرحمن بن عوف حينما ألح عليه بعد مقتل عمر بن الخطاب أن يقلّده الخلافة بشرط أن يلتزم بسياسة الشيخين ويسير على منهجهما فامتنع كأشدّ ما يكون الامتناع ، وأصر على أن يسير في سياسته على وفق كتاب الله تعالى وسنة نبيه ، واجتهاده الخاص ، ولو كان من طلاب الملك والسلطان لأجابه إلى ذلك ، ثمّ يسير على وفق سياسته ، فإن اعترض عليه ابن عوف اعتقله وأودعه في السجون .
إن الإنسانية على ما جربت من تجارب ، وبلغت من رقي وإبداع في عالم السياسة والحكم ، فإنّها لم تر حاكماً في جميع فترات التاريخ مثل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في فضله وعلمه ونزاهته وتجرّده من جميع زخارف الحياة .
وعلى أي حال، فهذه لمحات موجزة عن شخصيّة الإمام (علیه السّلام) فكيف لا يرشحه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويقيمه علماً لأمته يهديها للتي هي أقوم .
إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بصورة جازمة لا تقبل الشك قد أقام الإمام (علیه السّلام) خليفة ومرجعاً للأمة ، وخصّه بهذا المنصب لا لقاعدة الوراثة وغيرها التي يؤول أمرها إلى التراب ، وإنّما لتوفّر الصفات الرفيعة في شخصيته ، ولا نصيب من الصحة للقول بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أهمل أمر الخلافة ، ولم يعرض لها بقليل ولا بكثير ، وترك الأمة تتردّى في متاهات سحيقة من الفوضى والجهل .
وبعد ما أقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) خليفة من بعده على أمته في غدير خم ، قفل راجعاً إلى المدينة ، وقد بدت صحته تنهار يوماً بعد يوم ، فقد ألمت به الأمراض ، وأصابته حمى مبرحة حتى كأنّ به لهباً منها ، وقد لازمته ولم تنقطع عنه ، وكانت عليه قطيفة ، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرّها(1)، ووضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد ، فكان يضع يده فيه ويمسح بها وجهه الشريف لتخفّ عنه حرارة الحمّى ، وذهبت بعض المصادر إلى أنّ مرضه مستند إلى طعام مسموم قدّمته يهودية له ، فكان يقول :
«ما أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُهُ بِخَيْبَر ، فَهَذَا أَوانُ ، وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّم»(2).
ولمّا أشيع مرضه هرع المسلمون لعيادته ، وهم ما بين باك وواجم ، فقد طافت بهم موجات من الألم والذهول ، فهل يغيب عنهم ذلك الكوكب الذي أضاء في سماء الكون ، وتختفي أنواره المشرقة ، ومما زاد في ذهولهم أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) استقبلهم بأسى بالغ ، ونعى إليهم نفسه الشريفة ، وأوصاهم بما يضمن سعادتهم قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، يُوشَكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعا فَيُنْطَلَقَ بِي ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ
إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
وكان أخوه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى جانبه ، فأخذ بيده وقال لعوّاده :
«هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرآنِ ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ»(1).
وقد وضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أهم المخططات التي تضمن نجاح أمته وتقيها من الخطوب والأزمات فأوصاها بما يلي :
أوّلاً: التمسّك بكتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثانياً : التمسك بعترته الطاهرة ، دعاة العدل الاجتماعي في دنيا الإسلام ، وعلى رأس عترته الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فإنّهما الضمان لنجاح الأمة ووقايتها من الفتن والاضطراب .
ولما علم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إن لقاءه بربّه قريب دعا الفضل بن عباس ، فأمره أن يأخذ بيده ، ويجلسه على المنبر ، وأن ينادي بالنّاس الصلاة جامعة ، وأدّى الفضل ما أمر به ، فاجتمع النّاس ، فخطب فيهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال - بعد حمد الله تعالى والثناء عليه -:
«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّهُ قَدْ دَنا مِنِّي خُلُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقامِ فِيْكُم، وَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنِ عَنِّي حَتَّى أَقَوْمَهُ فِيْكُمْ ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهذا ظَهْرى فَلْيَسْتَقِدْ ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ مالاً فَهَذا مالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ ... وَلَا يَقُولَنَّ قائِلٌ : أَخَافُ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي ، وَإِنَّ أَحَبَّكُم إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ».
1) الصواعق المحرقة : 2 : 361 .
يا لروعة العدل !
يا لروعة الخلق النبوي !
الله أكبر ! أي سموّ هذا ، وأي خُلق هذا ؟ لقد أسس النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جميع صنوف العدل وسموّ الذات وكمال النفس .
لقد أعطى رسول الإنسانية القصاص من نفسه وهو في الساعات الأخيرة من حياته ليخرج من هذه الدنيا وليس لأي أحد عليه تبعة .. وانبرى إليه رجل من القوم فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«يا رسول الله ، لي عندك ثلاثة دراهم».
فقابله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بلطف قائلا له :
«أَمَّا أَنا فَلَا يُكَذَّبُ قَائِلاً ، وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلى يَمِينِ ، فَبِمَ كانَتْ لَكَ عِنْدِي ؟».
وسارع الرجل قائلاً :
«أما تذكر أنّه مربك سائل فأمرتني أن أعطيه ، فأعطيته ثلاثة دراهم» .
وأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الفضل بإعطائه الدراهم ، فأعطاها له ، ثم عاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى خطابه قائلاً:
«مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٍ فَلْيَرُدَّهُ» .
فقام إليه رجل فقال له :
«يا رسول الله ، عندي ثلاثة دراهم للتها في سبيل الله» .
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
«لِمَ غَلَلْتها ؟».
«كنت محتاجاً إليها» .
فأمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأخذها منه ، ثم عاد في خطابه :
«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَحَسٌ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً فَلْيَقُمْ أَدْعُ اللَّهَ لَهُ».
فقام إليه رجل فقال :
«یا رسول الله ، إنّي لمنافق، وإنّي لكذوب ، وإنّي لشؤوم».
فزجره عمر وصاح به :
«لقد سترك الله ، لو سترت على نفسك» .
والتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى عمر فقال له:
«صَه بِابْنَ الْخَطَّابِ! فُضُوحُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الْآخِرَةِ» .
ثم دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للرجل قائلاً :
«اللهُمَّ ارْزُقْهُ صِدْقاً وإيماناً ، وَأَذْهِبْ عَنْهُ النشّومَ»(1).
وانبری رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس ، فقال :
«يا رسول الله ، إنك ضربتني بالسوط على بطني ، وأنا أريد القصاص منك» .
واستجاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له ، فقال لبلال :
«عَلَيَّ بِالسَّوْطِ لِيَقْتَصُ مِنِّي سَوادَةُ».
وذهل الحاضرون ، وساد عليهم صمت رهيب من هذ العدل ، وانطلق بلال رافعاً عقيرته قائلاً:
«أيها الناس ، اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه».
ومضى بلال وهو خائر القوى إلى بيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فجاء بالسوط وناوله إلى سوادة، فأخذه وأقبل به صوب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي ألمت به الأمراض ، وهو في الساعات
1) البداية والنهاية : 5 : 231.
الأخيرة من حياته ، فقال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) :
«يا رسول الله ، اكشف لي عن بطنك».
وكشف الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) عن بطنه ، فقال له سوادة وهو غارق في البكاء :
يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟» .
«نَعَمْ».
ووضع سوادة وجهه على بطن رسول الله ، ودموعه تتبلور على خديه ، وهو يقول بصوت حزين النبرات :
«أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النّار».
والتفت إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلاً :
«أَتَعْفُو يا سَوادَةُ أَمْ تَقْتَصُّ ؟».
«بل أعفو يا رسول الله».
فشكره النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ورفع يديه بالدعاء له قائلاً:
«اللهُمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةً كَما عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ»(1).
إنّ هذا الخلق النبوي أحق بالبقاء من هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، فقد تجسّدت فيه جميع القيم الإنسانية التي سما بها النبي على جميع الأنبياء .
واستبانت للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التيارات الحزبية من صحابته الهادفة إلى صرف الخلافة عن أهل بيت النبوة ومراكز العلم والحكمة ، فرأى خير ضمان يتدارك به الموقف أن يزج بجميع أصحابه لغزو الروم حتّى تخلو عاصمته منهم فيما إذا انتقل إلى حضيرة
1) بحار الأنوار: 502:22 .
القدس ، ويتم بذلك تسلّم الإمام (علیه السّلام) لمقاليد الحكم من دون منازع ، وأمر أعلام المهاجرين والأنصار بالالتحاق بالجيش ، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الجرّاح ، وبشير بن سعد(1)، وهؤلاء من أقطاب الحزب المعارض للإمام (علیه السّلام) .
وعهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإمارة الجيش إلى أسامة بن زيد ، وهو في شرخ الشباب ، ولم يعهد بالإمارة إلى شيوخ الصحابة لأن في ذلك إشعاراً منه بأن القيادة العامة لا تخضع لكبر السنّ ، وإنما تخضع للمؤهلات والقابليات التي يتمتع بها الشخص.
وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأسامة :
«سِرْ إِلَى مَوْضِعِ قَتْلِ أَبِيكَ فَأَوْطِتْهُمُ الْخَيْلَ ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ فَاغْرُ صَباحاً عَلَى أَهْلِ أَبنى(2)وَحَرِّقْ عَلَيْهِم ، وَأَسْرِعِ السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخْبَارَ ، فَإِنْ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِم فَأَقْلِلِ اللَّبْثَ فِيهِمْ ، وَخُذْ مَعَكَ الأدلاء ، وَقَدِّمِ الْعُيونَ وَالطَّلَائِعَ مَعَكَ».
وحفلت هذه الوصية بالمناهج العسكرية الرائعة التي دلّت على مدى الخبرة المذهلة في الشؤون العسكرية عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جيشه قد مني بالتمرّد ، فلم يلتحق به أعلام الصحابة ، فساءه ذلك ، وخرج مع ما به من المرض ، فحتهم على المسير، وعقد بنفسه اللواء لأسامة وقال له : «اغْزُ بِسْمِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ» .
وخرج أسامة معقوداً لواؤه ، فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف(3)، وتثاقل بعض
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) : 2 : 85. كنز العمال : 5 : 312. الطبقات الكبرى / ابن سعد : 4 : 46. تاريخ الخميس : 2 : 46 .
2) أبنى : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، تقع بين عسقلان والرملة ، بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها الشهيد الخالد جعفر الطيار وزيد بن حارثة .
3) الجرف : موضع على ثلاثة أميال عن المدينة ، نحو جهة الشام ، كانت به أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة - معجم البلدان : 2 : 128 .
الصحابة من الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا العصيان والتمرّد والطعن بقيادة أسامة ، يقول له عمر :
«مات رسول الله ، وأنت علَيَّ أمير ؟».
ونقلت هذه الكلمات إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد ازدادت به الحمّى ، فغضب ، وخرج وهو معصب الرأس ، قد دثّر بقطيفته ، فاعتلى المنبر ، وهو متبرم ، فأعلن سخطه البالغ على المتخلفين عن جيش أسامة ، وقال :
«أَيُّها النَّاسُ ، ما مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسَامَةَ ؟ وَلَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لَخَلِيقاً بِالْإِمَارَةِ وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِها»(1).
ثمّ نزل عن المنبر ، وجعل يؤكّد على الالتحاق بالجيش ، ويلعن من تخلّف عنه قائلاً:
«جَهْزُوا جَيْشَ أَسامَةَ».
«نَفْذُوا جَيْشَ أَسامَةَ».
«لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ أَسَامَةَ» .
ولم تثر هذه الأوامر المشدّدة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حفائظ نفوسهم ، ولم تدفعهم إلى الالتحاق بالجيش ، فقد تثاقلوا واعتذروا للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بشتى المعاذير الواهية ، و وهو سلام الله عليه لم يمنحهم العذر ، وإنّما أظهر لهم السخط وعدم الرضا.
أما الحكمة في تأمير أسامة - وهو في شرخ الشباب - فهي ما يلي :
أوّلاً : سدّ جميع نوافذ الخلاف والطعن في خلافة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) باعتباره حدث السنّ ، فإن أسامة كان أصغر منه ، وقد أسند إليه القيادة العامة في جيشه ·
1) السيرة الحلبية : 3 : 342 .
ثانياً : إلغاء التقدّم في السن، وعدم الاعتناء به في استحقاق المناصب الرفيعة في الدولة مع الحرمان من القابليات والمواهب ، فإن إدارة شؤون الأمة إنما يستحقها ذوو الكفاءات والمعرفة بالشؤون الإدارية .
وقد أعلن الإسلام ذلك . يقول (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ تَقَدَّمَ على قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ فيهِم مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والمُسْلِمِينَ»(1).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى قَوْمِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِم مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذلِكَ مِنْهُ ، فَقَدْ خانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَميعَ المُسْلِمِينَ»(2).
إن الإسلام يحرص كل الحرص على تعيين خيرة الرجال في جهاز الدولة ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم ، ويكونون أمناء فيما يجبونه من الناس ، وفيما ينفقونه على المرافق العامة ، وأن يسيروا بين النّاس بسيرة قوامها العدل الخالص ، وليس لذلك أيّة علاقة بتقدّم السنّ.
ثالثاً : إنّ في تأمير الشاب أسامة قد كبح جميع المناوئين للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والحاقدين عليه .
هذه بعض البوادر التي تطل على المتأمل في سرية أسامة ، وهي صريحة الدلالة من قصد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في تأميره لأسامة(3).
واستبان للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بصورة مكشوفة تصميم بعض الصحابة على صرف الخلافة عن أهل البيت (علیهم السّلام)، فرأى أن يعزّز بيعة يوم الغدير العامة ، ويدعمها بثبت خطي ،
فقال : «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ لأكتُبَ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً».
يا لها من نعمة كبرى على المسلمين ، إنّ الكتاب يضمن للمسلمين سلامتهم من الغي والفتن والأزمات على امتداد التاريخ ، انّه التزام بذلك من سيد الكائنات.
إنّه صيانة للأمة من الزيغ والانحراف ، والتردّي في مجاهل الحياة ، وعلم بعض الصحابة ما يريده النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من نصب الإمام (علیه السّلام) خليفة على المسلمين ، فقال :
«حسبنا کتاب الله» .
إنّه مهاجمة صريحة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي قرن سعادة أمته بالتمسك بالكتاب والعترة ، فقد حذف العترة وذكر الكتاب .
إن المتأمل في هذا الكلام يطل على الغاية المنشودة لهذا القائل ، وهي صرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الكتابة في حق الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فلو كان يعتقد أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يريد أن يوصي بالمحافظة على الطقوس الدينية لما ردّ عليه بهذه الجرأة ، ووقف بصلابة دون تنفيذ رغبته .
وعلى أي حال ، فقد كثر الجدل بين القوم ، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وطائفة أخرى أصرت على معارضتها للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، والحيلولة بينه وبين الكتابة ؛ وذلك خوفاً على فوات مصالحها وأطماعها.
وانطلقت بعض السيدات من أمهات المؤمنين وغيرهن من وراء الستر ، فأنكرن على القوم هذا الموقف المتسم بالجرأة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، فقلن لهم :
«ألا تسمعون ما يقول رسول الله ؟» .
«ألا تنفّذون ما يريد رسول الله ؟» .
فثار عمر وهو بطل الموقف، وزعيم المعارضة فصاح بالنساء قائلاً:
«إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه».
فرمقه الرسول بطرفه غضباناً ، وصاح به :
«دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ» .
وبدا صراع رهيب بين القوم وكادت تفوز الجبهة التي أرادت الكتابة ، فانبرى شخص فسدّد سهماً لما أراده النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال - ويا لهول ما قال - :
«إن النبي لَيَهْجُر»(1)!
ما أعظم هذه الجرأة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)!
ما أقسى هذا الاعتداء على مركز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)!
يالها من كلمة تحمل جميع ألوان الشر!
ألم يسمع هذا القائل كلام الله تعالى في شأن النبي العظيم ، قال تعالى :
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(2)؟
ألم تمرّ عليه هذه الآية في سموّ مكانة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ(3)؟
بلى والله ! لقد سمع هذا القائل ما أنزل الله تعالى من آيات بينات في شأن رسوله الكريم ، ولكنّ الأطماع السياسية والتهالك على الإمرة والسلطان دفعت القائل إلى هذا الموقف الذي جرّ للمسلمين الفتن والأزمات وألقاهم في شرّ عظيم ، وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يذوب أسى ولوعة ، ويبكي حتّى تسيل دموع
عينيه على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ وهو يقول :
«يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟ قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبداً»، فقالوا : إن رسول الله يهجر»(1).
ومن المؤكد أن ابن عباس إنّما غرق بالبكاء لأنه على علم بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أراد أن ينص على خلافة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
لقد اتهموا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالهجر وعدم الوعي الذي فيه طعن صريح بشخصية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) الأمر الذي دعاه أن يُعرض عن الكتابة حفظاً على قداسة النبوة .
منیت زهراء الرسول عليها أفضل الصلوات بكارثة مدمّرة حينما علمت أنّ أباها سيفارق الحياة ، فقد نخب الحزن قلبها الرقيق ، وهامت في تيارات من الأسى واللوعة ، وقد لازمت أباها وهي مذهولة كأنّها جثمان فارق الحياة ، وقد أحدقت بوجهه الشريف ، فسمعته يقول :
«وَاكَرْباه !».
فأسرعت قائلة - ودموعها تتبلور على وجهها الشريف-:
«وَاكَرْبِي! لِكَرْبِكَ يا أَبَتِ».
وأشفق عليها أبوها وراح يسلّيها قائلاً:
«لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ»(2).
وكانت هذه الكلمات أشدّ عليها من الموت ، ورآها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي ولهى قد خطف الحزن لونها ، كأنها تعانى آلام الاحتضار ، فأمرها بالدنو منه ، فأسر لها بحديث ففاضت عيناها بالدموع ، ثمّ أسر لها بحديث ثانياً فقابلته ببسمات فياضة بالبشر والرضا ، ورأت ذلك عائشة فبهرت وراحت تقول :
«ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن»!
وسألتها عما أسر إليها أبوها ، فأشاحت بوجهها عنها ، وأبت أن تخبرها ، ولما انصرفت أخبرت سلام عليها بعض السيدات عن ذلك فقالت :
«أَخْبَرَنِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي هذَا الْعامِ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي».
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، أما السبب في سرورها وابتهاجها فقالت :
«أَخْبَرَنِي أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي ، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِساء هذه الأمة»(1)؟
وكانت بضعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى جانب أبيها تمرّضه، وقد ذابت نفسها شعاعاً وحزناً ، وقد أخذ يصبرها ويخفف عنها لوعة الحزن قائلاً:
«يا بُنَيَّةُ ، لَا تَبْكِي ، وَإِذا مِتُّ فَقُولِي : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَيِّت مَعُوضَةً».
فتجيبه بدموع وصوت متقطع حزين قائلة :
«وَمِنْكَ يا رَسُولَ اللهِ ؟».
1) أنساب الأشراف - القسم الأول : 1 : 133 .
«نَعَم ، وَمِنّي»(1).
واشتدّ الوجع بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالت له بضعته :
«أَنْتَ وَاللَّهِ! إِكَما قالَ الْقَائِلُ :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ»
فقال لها أبوها :
«هذا قَوْلُ عَمِّكِ أَبِي طَالِبٍ» ، وقرأ قوله تعالى : وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(2).
روى أنس بن مالك ، قال : جاءت فاطمة ومعها الحسنان إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في مرضه الذي توفي فيه فانكبت عليه، وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء ، ثمّ انطلقت إلى بيتها ، والنبي غارق في البكاء وهو يقول :
«اللَّهُمَّ أَهْلَ بَيْتِي ، وَأَنَا مُسْتَوْدِعُهُمْ كُلَّ مُؤْمِنٍ».
وجعل يردّد ذلك ثلاث مرّات(3)، لقد استشف من وراء الغيب ما يجري عليهم من الكوارث والمحن والخطوب.
وقبل أن ينتقل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى حظيرة القدس بثلاثة أيام أوصى أخاه وباب مدينة
علمه أمير المؤمنين (علیه السّلام) برعاية سبطيه قائلاً:
«يا أبا الرَّيحانَتَيْنِ ، أَوْصِيْكَ بِرَبْحانَتَيْ مِنَ الدُّنْيا ، فَعَنْ قَلِيل يَنْهَدُ رُكْناكَ ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ».
ولما قبض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال الإمام :
«هذا أَحَدُ رُكْنَيَّ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)»
ولما توفيت سيدة نساء العالمين قال :
«هذا الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ الله»(1).
وآن لسيد الكائنات أن يلتحق بالفردوس الأعلى ، ويودع الحياة ، فقد وفد عليه ملك الموت ، فاستأذن بالدخول عليه ، فأخبرته زهراء الرسول (عليها السلام) أنه مشغول بنفسه عنه ، فانصرف، وبعد قليل عاد طالباً الإذن ، فأفاق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال لبضعته :
«أَتَعْرِفِينَهُ ؟» .
«لا ، يا رَسُولَ الله».
«إِنَّهُ مُعَمِّرُ القبور ، وَمُخَرِّبُ الدُّورِ ، وَمُفَرِّقُ الجماعات».
وذهلت حبيبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، واندفعت بألم وحزن تقول :
«وا أَبْتَاهُ! لِمَوْتِ خاتَمِ الْأَنْبِياءِ ، وَامُصِيبَتاهُ! لِمَمَاتِ خَيْرِ الْأَنْقِياءِ ، وَلِإِنْقِطَاعِ سَيِّدِ الْأَصْفِياءِ ، وَاحَسْرَتاه ! لانقِطَاعِ الْوَحِي مِنَ السَّمَاءِ ، فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ».
1) أمالي الصدوق : 119 .
وتصدّع قلب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وراح يسلي بضعته قائلاً:
«لا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقاً بِي»(1)
وأذن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لملك الموت بالدخول عليه ، ولما مثل أمامه قال له :
«يا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَطِيعَكَ فِي كُلِّ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ ، إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ نَفْسَكَ قَبَضْتُها ، وَإِنْ تَأْمُرْنِي أَنْ أَتْرَكَهَا تَرَكْتُها».
وبهر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال :
«أَتَفْعَلُ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ذلِكَ ؟».
«بِذلِكَ أُمِرْتُ أَنْ أطِيعَكَ فِي كُلِّ ما أَمَرْتَنِي».
ولم يحظ أحد من أنبياء الله تعالى بهذه المنزلة بمثل ما حظي به سيد الأنبياء محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهبط عليه جبرئيل فقال له :
«يا أَحْمَدُ ، إِنَّ اللهَ قَدِ اشْتاقَ إِلَيْكَ».
واختار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جوار ربّه ، فإنّ الآخرة خير له من الدنيا وأبقى.
وأذن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لملك الموت باستلام روحه المقدّسة ، ودعا وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين ، فلما مثل أمامه قال له :
«ضَعْ رَأْسِي فِي حِجْرِكَ ، فَقَدْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ، فَإِذَا فَاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُهَا ، وَامْسَحْ بِهَا وَجْهَكَ .
ثُمَّ وَجْهْنِي إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَتَوَلَّ أَمْرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ ، وَلَا تُفَارِقْنِي حَتَّى تُوارِيَنِي فِي رَمْسِي وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وأخذ الإمام (علیه السّلام) رأس النبي فوضعه في حجره ، ومد يده اليمنى تحت حنكه ،
1) درّة الناصحين : 66.
وأخذ النبي يعاني آلام الموت وقسوته حتى فاضت روحه العظيمة إلى بارئها . فمسح بها الإمام (علیه السّلام) وجهه الشريف(1)
جاء ذلك في : الطبقات الكبرى : 2 : 51 . مجمع الزوائد : 1 : 293. كنز العمال : 4 : 55 .
ذخائر العقبى : 94 . الرياض النضرة : 2: 219 .
.لقد مادت الأرض ، وخبا نور العدل، وانطفأت تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت سماء الدنيا بالعدل والعلم والإيمان ، ودمرت معالم الجاهلية وأوثانها .
يا لمدينة الرسول ، وآل الرسول من هول هذه الكارثة .
يا له من يوم خالد في دنيا الأحزان ، يوم ليس كمثله في الأيام الحالكات التي عمّ فيها الظلام .
ووجم المسلمون ، وطاشت أحلامهم ، وهرعت السيدات صوب دار الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهن يلد من الوجوه ، قد علت أصواتهن بالبكاء ، أما أمهات المؤمنين فقد وضعن الجلاليب عن رؤوسهنّ ، وهن يلدمن صدورهنّ ، وأما نساء الأنصار فقد ذبحت حلوقهنّ من كثرة العويل(2).
وكان أعظم أهل البيت لوعة وحزناً بضعة الرسول وريحانته ، فقد وقعت على الجثمان المقدّس وهي تبكي أمر البكاء ، وتقول بذوب روحها :
«وا أَبتاه!» .
«وا نَبِيَّ الرَّحْمَة» .
«الآنَ لَا يَأْتِي الْوَحِي . الآنَ يَنْقَطِعُ عَنَا جَبْرَئِيلُ ، اللهُمَّ أَلْحِقْ رُوحِي بِرُوحِهِ ،
وَاشْفَعْنِي بِالنَّظَرِ إِلَىٰ وَجْهِهِ ، وَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَهُ وَشَفَاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1).
وأخذت تجول حول الجثمان العظيم وهي ولهى قد أخرسها الخطب قائلة :
«وَا أَبَناهُ ! إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنْعَاهُ» .
«وا أَبَتاهُ ! جَنَّةُ الْفِرْدَوْس مَأْوَاهُ» .
«وَا أَبَتاهُ ! أَجَابَ رَبِّاً دَعَاهُ»(2)
عن حماد بن زيد ، قال : رأيت ثابتاً راوي الحديث حينما يحدث به يبكي حتى رأيتُ أضلاعه تَخْتَلفُ .
.ومادت الأرض ، وذهل المسلمون حتى عن نفوسهم ، فيالهول الفاجعة الكبرى .
وتولى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) تجهيز أخيه ؛ وذلك بأمر منه ، وهو يذرف أحرّ الدموع ، فغسل الجسد الطاهر وهو يقول :
«بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ ، وَعَمَّمْتَ حَتَّىٰ صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ . وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ السُّؤون وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً ، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً»(3).
وتحدث الإمام (علیه السّلام) عمّن أعانه على غسله ، فقال :
وَلَقَدْ وَلَيْتُ غُسْلَهُ - (صلی الله علیه و آله و سلم) - وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوانِي ، فَضَجَّتِ الدّارُ وَالْأَغْنِيَةُ ، مَلَةٌ يَهْبِطُ
وَمَلَا يَعْرُجُ ، وَما فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْئَمَةٌ مِنْهُمْ(1)يُصَلُّونَ عَلَيْهِ».
وكان العباس عم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأسامة يناولان الإمام الماء من وراء الستر(2)، وكان الطيب يفوح من الجسد الطاهر ، والإمام يقول :
«بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ، طِبْتَ حَيّاً وَمِيّتاً»(3)، أما الماء الذي غسّل به الجسد الطاهر فهو من بئر يقال لها الفرس ، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يشرب منها(4).
وبعدما فرغ الإمام من غسل الجسد الطاهر أدرجه في أكفانه ووضعه على السرير .
وأول من صلى على الجثمان العظيم هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثم إسرافيل ، ثمّ الملائكة زمراً زمراً(5)، وهرع المسلمون للصلاة على جثمان نبيهم ، فقال لهم الإمام :
«لَا يَقُومُ عَلَيْهِ إمامٌ مِنْكُمْ ، هُوَ إمامُكُم حَيّاً وَمَيّتاً»، فكانوا يدخلون عليه رسلاً رسلاً فيصلّون عليه صفاً ليس لهم إمام، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول :
«السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .. اللهُمَّ اشْهَدْ أَنَّهُ قَدْ بَلغَ ما أُنزِلَ إِلَيْهِ ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ ، اللهُمَّ فَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَتَّبِعُ ما أُنزِلَ إِلَيْهِ ، وَثَبِّتْنا بَعْدَهُ ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ».
وكان المصلون يقولون بعد ذلك : آمين(1)، وكانت جموع المسلمين بعد الصلاة تمرّ على الجثمان العظيم فتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة وهي مذهولة غارقة في تيارات من الأسى والحزن ، فقد مات المنقذ ، ومات المعلم ، ومات من أسس لهم دولة سيطرت على معظم أنحاء العالم .
وبعدما فرغ المسلمون من أداء الصلاة على الجثمان المقدّس قام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فحفر القبر، وبعد الانتهاء منه وارى جثمان سيد الكائنات ، وأسمى شخصيّة خلقها الله تعالى في هذا الكون ، وأفضل داعية الله تعالى في الأرض ، ووقف الإمام على حافة القبر وهو يروي ترابه من ماء عينيه قائلاً:
إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ»(2).
وانطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان ألوية العدل، وغاب ذلك النور الإلهي الذي أضاء سماء الكون وغيّر مجرى حياة الإنسان من واقع مظلم ليس فيه بصيص من النور إلى تاريخ مشرق بالوعي والفكر ، قد غابت فيه آهات المظلومين
وأنين المحرومين .
وألقى الإمام (علیه السّلام) كلمة تأبينية للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وختمها بهذه الأبيات :
«ما فاضَ دَمْعِي عِنْدَ نازِلَةٍ *** إِلَّا جَعَلْتُكَ لِلْبُكا سَبَبًا
فَإِذا ذَكَرْتُكَ سَامَحَتْكَ بِهِ *** مُقَلُ الْجُفُونِ فَفَاضَ وَانْسَكَبا
إِنِّي أُجِلُّ تَرى حَلَلْتَ بِهِ *** مِنْ أَنْ أَرَىٰ بِسِواهُ مُكْتَنِبا»(1)
وفزع أهل البيت (علیهم السّلام) كأشد ما يكون الفزع ، وداخلهم خوف رهيب من الأسر القرشيّة الذين وترهم الإمام (علیه السّلام) بسيفه ، وكانت تتربص بالإمام (علیه السّلام) الدوائر ، وتبغي له الغوائل ، وقد بات هو وأهل بيته بأطول ليلة قد حاطت بهم الهواجس والآلا وقد حكى الإمام الصادق (علیه السّلام) مدى ذعرهم بقوله : «لَمَا مَاتَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) باتَ أَهْلُ بَيْتِهِ كَأَنْ لَا سَماءَ تُظِلُّهُم ، وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُم ؛ لِأَنَّهُ وَتَرَ الْأَقْرَبَ وَالْأَبْعَدَ»(2)
ومنذ وفاة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تابعت المحن والخطوب على أهل بيته ، يتبع بعضها بعضاً ، فقد انتقمت منهم قريش ، وأعلنت بصراحة : «لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد ، فأبعدتهم عن مراكزهم ، وحالت بينهم وبين ما أراده الله تعالى ورسوله لهم ، فلم تمض على انتقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى حظيرة القدس خمسون عاماً وإذا بهم في موكب جهير يطوف الأقطار حاملين رؤوس أبنائه على أطراف الرماح ، وبناته سبايا يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وبهذا نطوي الصفحات الأخيرة من دراستنا لحياة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، سائلاً من الله تعالى أن يتقبل هذا الجهد ، وأن ينتفع به اخواننا القرّاء ، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه .
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطَّاهِرينَ
القران الکریم
1 - أبو طالب وبنوه : عليخان ، محمد عليّ .
2 - اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين : الزبيدي = المرتضى = محمد الحسيني (- 1251هـ) : دار الفكر - بيروت .
3 - أثر التشيع في الأدب العربي : محمد سيد الكيلاني : دار الكتاب العربي - القاهرة / 1947م.
4 - أحكام القرآن : الجصاص = أحمد بن علي (350 - 370هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
5 - إحياء علوم الدين : الغزالي ، محمد بن محمد (450 - 505هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2000 م .
6 - أخبار مكة : الأزرقي = محمد بن عبد الله بن أحمد : دار الثقافة - مكة المكرمة / 1965م.
7 - الأخلاق النبوية : محمد ياقوت .
8 - أدب الدنيا والدين : الماوردي = أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي (364 - 450هـ) : مكتبة الشرق الجديد - بغداد / 1983م .
9 - الأدب المفرد : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256هـ) : عالم الكتب - بيروت / 1405هـ .
10 - الأزرية : الأزري ، عبدالحسين (1880 - 1954م) : تحقیق : جابر الكاظمي ، دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الأولى 1409هـ / 1989م.
11 - أسباب النزول : الواحدي النيسابوري ، علي بن أحمد (- 468هـ) : نی - طهران / 1383هـ . ش .
12 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي (368 - 463هـ) : دار الإسلام - عمان / 2002م .
13 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمد بن محمد (555 - 630هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .
14 - الإسلاميات : العقاد ، عباس محمود (1889 - 1964هـ) : دار الكتاب اللبناني - بيروت ، الطبعة الأولى / 1974م.
15 - أسنى المطالب في نجاة أبي طالب : زيني دحلان ، نورالدين أحمد الشافعي (1816 - 1886م) : نی - طهران / 1990م.
16 - الإصابة في تمييز الصحابة : ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (733 - 852هـ) : دار الفكر - بيروت / 2001 م .
17 - الأصنام : ابن الكلبي : الأميرية - القاهرة / 1914م.
18 - إعجاز القرآن : الباقلاني = أبو بكر بن الطيب : دار المعارف - القاهرة .
19 - أعلام السائلين : ابن طولون الدمشقي ، شمس الدين.
20 - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام كحالة ، عمر رضا : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1984م.
21 - الاكتفاء: ابن ربيع الكلامي : باريس / 1931م .
22 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): تحقيق ونشر: قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417هـ.
23 - الأمالي وذيله : القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم (288 - 356هـ) : ملتقى مصري - الاسكندرية / 1999م.
24 - أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد : الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1387هـ.
25 - إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن علي بن عبد القادر (766 - 845هـ) : تحقيق وتعليق : محمد عبدالحميد النميسي ، منشورات محمد علي بيضون 1420هـ / 1999م.
26 - الامتاع والمؤانسة : أبو حيان التوحيدي = عليّ بن محمّد : مكتبة الهلال - بيروت / 2002 م .
27 - الأمثال والحكم : الماوردي = أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي (364 - 450 هـ).
28 - أنساب الأشراف: البلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ) : تحقيق : د . سهیل زکار و د. رياض زكلي ، دار الفكر - بيروت / 1417هـ .
29 - الأنوار الساطعة في خديجة : السيلاوي ، غالب : الطبعة الأولى / 1421هـ.
30 - الإيمان : ابن مندة الأصفهاني (- 475هـ) .
...
31 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمد تقي (1037 - 1111هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
32 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي = عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774هـ) : تحقیق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
33 - البلد الأمين : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) : مؤسسة قائم آل محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.
34 - بلوغ الإرب : العلّامة الشرنبلالي .
35 - بهجة المجالس وأنس المجالس : ابن عبدالبر = يوسف بن عبدالله النمري القرطبي : الدار المصرية - القاهرة / 1900م.
36 - والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
37 - التذكرة السعدية : العبيدي ، محمد العبيدي .
38 - الترغيب والترهيب في الحديث الشريف : زكي الدين المنذري ، عبدالعظيم : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1388هـ .
39 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء ، عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (672 - 732هـ): تعلیق: محمود دیوب ، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
40 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004 م .
41 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي (392 - 463هـ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م.
42 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكري = حسين بن محمد بن حسن (- 966هـ) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م .
43 - تاريخ الطبري = تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد (224 - 310هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ / 1989م.
44 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- 278هـ) : دار صادر - بيروت / 1984م.
45 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحراني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421هـ .
46 - التذكرة الحمدونية : ابن حمدون ، أبو المعالي محمد البغدادي : دار صادر - بيروت ، الطبعة الأولى / 1996م.
47 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
48 - تفسير الآلوسي = روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (1217 - 1270هـ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (30 جزءاً في 16 مجلداً) .
49 - تفسير ابن كثير = تفسير القرآن العظيم : عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي القرشي (701 - 774هـ) : تحقيق : سامي بن محمد سلامة ، دار طيبة ، الطبعة الثانية 1420هـ/ 1999م.
50 - تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق التنزيل : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ) : مؤسسة التاريخ العربي - بيروت / 2000م .
51 - تفسير السيوطى = الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدین عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911هـ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجیب ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1421هـ / 2001م (8 مجلدات) .
52 - تفسير الطبرسي = مجمع البيان : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ) : تحقيق : السيد هاشم الموسوي المحلاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1408هـ - 1998م .
53 - تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (- 310هـ) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي ، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الأولى 1422هـ/ 2001م ، (24 مجلداً + مجلدا الفهارس).
54 - تفسير الفخر الرازي = التفسير الكبير = مفاتيح الغيب : خطيب الري ، فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضیاء الدین عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606هـ) : تقديم : الشيخ خليل محيي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ، الطبعة الأولى 1415هـ / 1995م (32 جزءاً في 16 مجلداً + مجدّد الفهرس) .
55 - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن : أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي الأنصاري (- 671هـ) : التحقيق : هشام سمير البخاري ، دار عالم الكتب - الرياض 1423هـ / 2003م.
56 - تمهيد الباقلاني : الباقلاني ، محمد بن طيب (338 - 403هـ) : دار الفكر - بيروت / 1981م.
57 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (- 345هـ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
58 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417هـ.
59 - تهذيب الأسماء واللغات : النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف (- 676هـ) : طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
60 - تهذیب تاریخ دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) : تحقيق : عبد القادر بدران ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الثالثة 1407هـ / 1988م.
61 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742هـ:) : مراجعة : سهيل زكار ، تحقيق : أحمد علي عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414 هـ / 1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس) .
62 - الثقات : ابن حبّان السجستاني = الحافظ محمد بن أحمد أبو حاتم السبتي التميمي (370 - 354هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1998م .
63 - ثمرات الأوراق : أبو بكر الحموي = أحمد بن محمد (من أعلام القرن الحادي عشر) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1983م.
64 - ثورة الإسلام وبطل الأنبياء : جمعة ، محمد لطفي : لجنة البيان العربي - القاهرة / 1958م.
65 - جامع السعادات : النراقي ، مهدي بن أبي ذرّ (1128 - 1209هـ) : تعليق : مؤسسة السيدة المعصومة (عليها السلام) - قم المقدسة / 2005م .
66 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير : جلال الدين السيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر ( 849- 911هـ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى / 1401هـ.
67 - جمهرة خطب العرب : صفوت، أحمد زكي : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1933م.
68 - جمهرة رسائل العرب : زكي صفوت، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1937م.
69 - جواهر البحار في فضائل النبي المختار : النبهاني = يوسف بن إسماعيل : مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر .
...
70 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني = الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
71 - حياة الإمام الحسن بن عليّ 8: القرشي ، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009 م .
72 - حياة الإمام الحسين بن عليّ 8: القرشي ، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009 م .
73 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم 8: القرشي ، باقر شریف (1926 - م): تحقیق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م.
74 - حياة الرسول المصطفى : الحلّي ، باسم : دار الأثر - بيروت ، الطبعة الأولى / 1424هـ.
75 - حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء :: القرشي ، باقر شريف (- 1926م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م .
76 - حياة محمد : الجندي ، عبدالحليم .
77 - حياة محمد : هيكل ، محمد حسنين : السنة المحمدية - القاهرة / 1965م.
78 - الخراج : أبو يوسف القاضي ، يعقوب بن إبراهيم (113 - 182 هـ) : دار المعرفة - بيروت / 1399هـ.
79 - الخصائص الكبرى : جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1405هـ.
80 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين / 1424هـ.
81 - دائرة معارف القرن العشرين: وجدي ، محمد فريد : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثالثة 1971م.
82 - الدرّ المنثور في ربّات الخدور: زينب بنت علي فوّاز .
83 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة : صدر الدين المدني = علي خان بن أحمد الشيرازي الحسيني (1052 - 1120هـ) : مكتبة بصيرتي - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1397هـ.
84 - درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد : الخويري، عثمان بن حسن شاكر (القرن 13) : مكتبة الثقافة - بيروت / 1985م .
85 - دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام: القاضي التميمي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور (- 363هـ) : اسماعيليان - قم المقدسة / 1372هـ. ش .
86 - دلائل النبوة : أبو نعيم الأصبهاني = أحمد بن عبد الله (- 430هـ) : تحقيق محمد رواس وعبد البرّ عباس ، دار النفائس - بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ / 1986م (جزءان في مجلّد).
87 - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة : أبو بكر البيهقي = أحمد بن الحسين بن عليّ (384 - 458هـ) : تحقيق : عبدالمعطي قلعجي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1405هـ / 1985م (7 مجلدات) .
88 - ديوان الحميري : الحميري ، إسماعيل بن محمد (105 - 173هـ) : جمعه وحققه : هادي شاکر ، دار صادر - بيروت / 2005م .
89 - ديوان السيد حيدر الحلّي : ابن سليمان الحلّي ، حيدر (1246 - 1304هـ) : تحقيق : على الخاقاني .
90 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربي : محب الدين الطبري = أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد المكي الشافعي (615 - 694هـ) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصّحابة - جدة ، الطبعة الأولى 1415هـ/ 1995م.
...
91 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ) : دار الذخائر - قم المقدسة / 1410هـ .
92 - رسائل ابن أبي الدنيا .
93 - الرياض النضرة في مناقب العشرة : محبّ الدين الطبري = أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد المكي الشافعي (615 - 694هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت.
94 - زاد المعاد : العلامة المجلسي = محمّد باقر بن محمد تقي (1037 - 1111هـ) : تعريب وتعليق : علاء الدين الأعلمي ، مكتبة فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1423هـ.
95 - سراج الملوك : الطرطوسي = أبو بكر محمد بن وليد (520 - 451هـ) : رياض الريس - لندن / 1990م.
96 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي = عباس بن محمد رضا (1254 - 1359هـ) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427هـ.
...
97 - الروض الأنف في شرح السيرة النبوية : عبدالله السهيلي ، عبدالرحمان (- 581 هـ) : تحقيق وتعليق وشرح: عبدالرحمان الوكيل ، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي - بيروت .
98 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني = أبو عبد الله محمد بن يزيد (- 273ھ) : تحقیق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ / 1997م (4 مجلدات + مجلد الفهرس) .
99 - سنن أبي داود : الحافظ أبو داود السجستاني = سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275هـ) : تحقيق : سعيد محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
سنن البيهقي = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384 - 458هـ) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416هـ / 1996م.
101 - سنن الترمذي : أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279هـ) : الجمعية الإسلامية / 1421هـ.
102 - السنن الكبرى = سنن النسائي : أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر (215 -303هـ) : دار ابن حزم - بيروت / 1999 م .
103 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي - محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419هـ.
104 - سيرة الرسول.
105 - السيرة الحلبية : الحلبي = عليّ بن برهان الدين (975 - 1044هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 2006م .
106 - السيرة النبوية : ابن كثير الدمشقي = عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774ھـ) : تحقیق : مصطفى عبد الرزاق ، دار المعرفة - بيروت / 1393هـ.
107 - السيرة النبوية : ابن هشام = أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (- 218هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 2000م .
108 - السيرة النبوية والآثار المحمّديّة: زيني دحلان ، نورالدين أحمد الشافعي (- 1304هـ) : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1310هـ.
109 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد الحنبلي = أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد (1032 - 1089هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
110 - شرح السنّة : البغوي ، الحسين بن مسعود (438 - 516هـ) : المكتب الإسلامي - بيروت.
111 - شرح الشفا : الخفاجي الحنفي ، علي بن سلطان محمد القاري : الأزهرية المصرية - دار الكتاب العربي - بيروت / 1327هـ.
112 - شرح شواهد المغني : جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن أبي بكر (849-911هـ) : تعليق : الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي : نشر أدب الحوزه ت قم المقدسة .
113 - شرح معاني الآثار : الطحاوي الحنفي = أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة (- 321هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت .
114 - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : القسطلاني المصري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمّد (851 - 923هـ) : الدار العلميّة - بيروت / 1996م.
115 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ (586 - 656هـ) ، قدّم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415هـ- 1995م.
116 - شعب الإيمان : أبو بكر البيهقي - أحمد بن الحسين بن علي (384 - 458هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت.
117 - الشفا بتعريف أحوال المصطفى : القاضي اليحصبي ، عياض بن موسى (476 - 544هـ) : دار المكتبة العلميّة والمكتبة العصرية - بيروت / 2001م .
118 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد (- 821هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1987م .
119 - صحيح البخاري : البخاري = أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256هـ) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق. الطبعة الخامسة 1414ه- / 1993م (6 مجلدات + مجلد الفهارس) .
120 - صحيح الترمذي : الترمذي = أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (209 - 279هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م.
121 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : القشيري النيسابوري = أبو الحسين مسلم بن حجاج (206 - 261هـ) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ / 1995م.
122 - الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) : مرتضى العاملي ، جعفر : دار الهدى للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الرابعة 1415هـ / 1995م .
123 - صحيفة الرضا (علیه السّلام): ابن بابويه، منتخب الدين: مدرسة ومؤسسة الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة / 1408هـ.
123 - الصحيفة العلوية الثانية : الطبرسي ، حسين : مكتبة نينوى - طهران / 1312هـ.
125 - صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد (- 597هـ) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
126 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ (909 - 974هـ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط ، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (مجلدان) .
127 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي = أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168 - 230هـ) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس).
128 - الطرق الحكميّة في السياسة الشرعيّة : ابن قيم الجوزية = شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (691 - 751هـ) : تحقيق : محمد حامد الفقي، المحمدية - القاهرة / 1935م.
129 - العمل وحقوق العامل في الإسلام : القرشي ، باقر شريف (1926 - م) ، المطبعة: ستارة ، الناشر : الرافد ، سنة الطبع : 2011م .
130 - عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرئاسة : ابن هذيل الأندلسي ، حسن بن عليّ : مطبعة الاعتماد / 1303هـ و 1318هـ بهامش غرر الخصائص الواضحة .
131 - عيون الأثر : ابن سيد الناس = محمد بن محمد (671 - 734هـ) : دار الفكر - دمشق / 1988م.
132 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
133 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسين (1281 - 1349هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.
134 - غرر الخصائص : الوطواط .
...
135 - فاطمة والمفضّلات من النساء : البغدادي ، عبداللطيف .
136 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن عليّ الشافعي (733- 852هـ) : تحقیق : عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ/ 1993م ( 15 مجلداً + مجلدا المقدّمة والخاتمة).
137 - فتوح البلدان : البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي - (279هـ) .
138 - فتوح الشام : الواقدي = محمد بن عمر بن واقد (- 207) : دار الجيل - بيروت .
139 - الفضائل : شاذان بن جبرئيل القمي (- 660هـ) : الحيدرية - النجف الأشرف 1381هـ/ 1962م.
140 - فقه السيرة : سيد سابق .
141 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي (952- 1031هـ) : دار الفكر - بيروت / 1423هـ.
142 - قاموس الرجال : التستري ، محمد تقي بن كاظم : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ (4 مجلدات) .
143 - قراءة جديدة فى السيرة النبوية : دار البحوث العلمية - الكويت ، الطبعة الثانية / 1984م.
144 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ) مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ/ 2005م .
145 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1408هـ / 1989م.
146 - الكامل في ضعفاء الرجال : الجرجاني ، أبو أحمد عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك (- 365هـ) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418 هـ/ 1997م (9 مجلدات) .
147 - كتاب الصلاة : أحمد بن حنبل .
148 - كشف الخفاء ومزيل الالتباس : العجلوني ، إسماعيل بن محمد الجراحي (- 1162هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408هـ/ 1988م.
149 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : حاجي خليفة ، مصطفى بن عبدالله (- 1067هـ) : دار الفكر - بيروت ، 1402هـ / 1982م.
150 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإريلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538ه) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
151 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ) : صححه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1422هـ.
152 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين (888 - 975هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .
...
153 - اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة : جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ) : تحقیق : صلاح محمد ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1996م.
154 - اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية : الشهيد الأول = محمد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : تحقيق : محمد تقي وعلي أصغر مرواريد ، نشر دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م .
155 - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين : ابن حبان البستي التميمي = أبو حاتم محمد بن حبّان بن أحمد (- 354هـ) : تحقيق : محمود إبراهيم زايد ، دار المعرفة - بيروت ، 1412هـ / 1992م (3 أجزاء في مجلّد) .
156 - مجلة الأزهر - العدد 8 و 9 .
157 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 807هـ): دار الكتب العلمية - بيروت 1408هـ / 1988م.
158 - مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة : حمید الله ، محمد .
159 - مجموعة ورام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري ، الأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس (- 605هـ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثانية / 1368هـ.
160 - محاضرات الأبرار: محيي الدين بن العربي .
161 - محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء : الراغب الأصفهاني = الحسين بن محمد (- 502) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 1416هـ.
162 - المحبّر : ابن حبيب الهاشمي البغدادي ، محمّد : دار الغد العربي - القاهرة / 2000م .
163 - محمد المثل الكامل : كاريل ، توماس .
164 - مختصر تاريخ مدينة دمشق : ابن منظور الأفريقي المصري : محمّد بن مكرّم (- 711هـ) : تحقيق : سكينة الشهابي ، دار الفكر - دمشق ، الطبعة الأولى 1408هـ / 1988م.
165 - مسالك الأبصار : ابن فضل الله العمري .
167 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمّد (- 405هـ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ / 1990م.
167 - المستطرف : شهاب الدين الأبشهيّ ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1942م .
168 - مسند أبي عوانة : ابن السكيت = يعقوب بن إسحاق (186 - 246هـ) : دار المعارف - القاهرة / 1956م.
169 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد (164 - 241هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م.
170 - مسند :شهاب : القضاعي = محمد بن سلامة بن جعفر الشافعي (- 454هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الأولى / 1405هـ .
171 - مشكاة الأنوار في غرر الأخبار : الطبرسي = علي بن حسن (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام)- قم المقدسة / 1423م .
172 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة (239 - 321هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت 1408هـ / 1987م.
173 - المطالع النصيرية في الأصول الخطية : أبو الوفاء الهوريني المصري .
174 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي ، تعليق : علي أكبر الغفاري ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الأولى 1410هـ / 1990م.
175 - المعجم الأوسط : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ) : دار الفكر - عمان / 1999م.
176 - معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي (- 626هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.
177 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
178 - معراج النبي للفضاء الخارجي : شريف القرشي ، كاظم .
179 - معرفة الصحابة : ابن مندة الأصبهاني .
180 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد (- 356هـ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدسة / 1416هـ.
181 - المقاصد الحسنة : عبد الرحمن السخاوي ، محمد : دار الأدب العربي / 1956م.
182 - مكاتيب الرسول : الأحمدي الميانجي ، علي (1304 - 1379هـ) : دار الحدیث - طهران ، الطبعة الأولى / 1998م.
183 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي (468 - 548هـ) : دار الفقه - قم المقدسة / 1425هـ.
184 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني (488 - 588هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.
185 - مناقب خديجة الكبرى : العلوي المالكي ، محمد بن علوي : قام بنشره بعض طلبة العلم .
186 - منهل الصفا في تحقيق الوفا والود لآل بيت المصطفى : محمود المنوفي ، دار نهضة مصر - القاهرة .
187 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي = أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد (- 597هـ) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الأولى / 1415هـ - 1995م.
188 - مواقف حاسمة : عبدالله عنان ، محمّد : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1932م.
189 - المواهب اللدنية بالمنح المحمّديّة : القسطلاني المصري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمّد (851 - 923هـ) : الدار العلمية - بيروت / 1996م.
190 - موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): القرشي ، باقر شريف (- 1926 م) : دار الهدى - قم المقدسة / 2002م .
191 - موسوعة العتبات المقدّسة : الخليلي ، جعفر : دار التعارف - بغداد / 1965م .
192 - الموطأ : الإمام مالك بن أنس (93 - 179هـ) : تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
193 - مهذب الأغاني : الخضري ، محمد.
194 - نثر الدرر : منصور بن الحسين ، أبو سعد (- 421هـ) : الدار التونسية - تونس ، الطبعة الأولى / 1983م.
195 - نظام الحكومة النبوية : عبد الحي الكناني ، محمد .
196 - نظام السياسي في الإسلام: القرشي ، باقر شريف (1926 م) : برنابا - بيروت / 1990 م .
197 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
198 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، أحمد بن عبدالوهاب (- 733هـ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، المؤسسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية .
199 - نهاية في غريب الحديث والأثر = نهاية اللغة : ابن الأثير الجزري ، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد (544 - 606هـ) : دار الفكر - بيروت / 1990م.
200 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1410هـ - 1990م .
201 - نهج الفصاحة : مجيدي ، غلام حسين : الصدر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1421م .
202 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين (1033 - 1104هـ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام)- قم المقدسة ، الطبعة - الثانية / 1416هـ.
203 - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى : السمهودي ، نور الدين علي بن القاضي عفيف الدين عبدالله بن أحمد الحسيني الشافعي (843 - 911هـ) : دار الفكر - بيروت / 1980م.
علي بن أبي طالب
204 - آداب السلطانية والدول الإسلامية : ابن طباطبا ، محمد بن علي (660 - 709هـ) : دار صادر - بيروت / 1990م .
205 - الآداب الشرعية والمنح المرعية : شمس الدين الحنبلي = محمد بن مفلح بن مفرج المقدسي الراميني الدمشقي (710 - 763هـ) .
206 - اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني : هدارة ، محمد مصطفى : دار النهضة - بيروت / 1994م .
207 - أبو طالب وبنوه : آل السيد عليخان ، محمد علي .
208 - أحاديث أم المؤمنين عائشة : العسكري ، مرتضى : منشورات الصدر ، الطبعة الخامسة 1414هـ / 1993م.
209 - احتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي = أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560هـ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425هـ.
210 - أحكام القرآن (تفسير) : الجصاص = أحمد بن عليّ (350 - 370هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
211 - إحياء علوم الدين : الغزالي ، محمد بن محمد (450 - 505هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2000م .
212 - الأخبار الطوال : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ) : منشورات الشريف الرضي ، قم المقدّسة / 1412هـ.
213 - أخبار القضاة : ابن حبّان ، محمد بن خلف (- 306هـ) : المكتب الإسلامي - بيروت / 1420هـ.
214 - أخبار المدينة النبوية : ابن شبة النميري = أبو زيد عمر البصري : مركز الرسول - بيروت / 1998هـ.
215 - أخبار الموفقيّات : الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي (172 - 256هـ) : تحقيق : د . سامي مكي العاني ، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
216 - أخلاق حملة القرآن : أبو بكر الآجري = محمد بن الحسين بن عبدالله (قبل 330 - 360هـ) .
217 - إدارة الإسلامية في عزّ العرب : كرد علي ، محمد : مطبعة مصر - القاهرة / 1981م.
218 - أدب الدنيا والدين : الماوردي = أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي (364 - 450هـ) : مكتبة الشرق الجديد - بغداد / 1983م .
219 - الأذكياء : سبط ابن الجوزي = شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ) : دار صادر - بيروت / 1990م .
220 - الإرشاد في أصول الاعتقاد : إمام الحرمين الجويني = عبدالملك بن عبدالله (419- 478هـ) : القاهرة / 1990م.
221 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) - قم المقدسة / 1416هـ.
222 - إرشاد القلوب : الديلمي ، أبو محمد الحسن بن محمد الواعظ (- 841هـ) : كمال الملك - قم المقدّسة / 1426هـ.
223 - أسباب النزول : الواحدي النيسابوري ، علي بن أحمد (- 468هـ) : نی - طهران /1383هـ . ش .
اسبوع الإمام علي (علیه السّلام) (مجموعة مقالات ) : لجنة المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر ، تقديم : السيّد محمّد تقي الحكيم ، مطبعة الراعي / 1939م .
225 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي (368 - 463هـ) : دار الإسلام - عمان / 2002م .
226 - أسرار آل محمد: ابن قيس الهلالي = أبو صادق العامري الكوفي (- 76هـ) : تحقيق : محمد باقر الأنصاري الزنجاني ، نشر الهادي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
227 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمد بن محمد (555 - 630هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .
228 - الإسلاميات : العقاد ، عبّاس محمود (1889 - 1964هـ) : دار الكتاب اللبناني - بيروت ، الطبعة الأولى / 1974م.
229 - أسنى المطالب في نجاة أبي طالب : زيني دحلان ، نورالدين أحمد الشافعي (1816 - 1886م) : نی - طهران / 1990م.
230 - الاشتقاق : ابن دريد = أبي بكر محمد بن الحسن الأزدي (223 - 321هـ) : مكتبة المثنى - بغداد / 1399هـ .
231 - الإصابة في تمييز الصحابة : ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (733 - 852هـ) : دار الفكر - بيروت / 2001م .
232 - أصول العامة للفقه المقارن : الحكيم ، محمد تقي (1305هـ) : دار الأندلس - بيروت / 1990م.
233 - أضواء على دعاء كميل : بحر العلوم ، عزّ الدین بی جا بی نا - قم المقدسة / 1900م.
234 - أضواء على السنّة المحمّديّة : أبورية ، محمود (- 1385ه)) : البطحاء - قم المقدسة / 1994م.
235 - إعانة الطالبين : البكري الديماطي ، محمد شطا (- 1310هـ) : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت 1418هـ / 1997م.
دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
236 - إعجاز والإيجاز : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد (- 429هـ) : دار الثقافة - القاهرة / 2006م.
237 - الأعلام : الزركلي = خير الدين بن محمود بن محمد (- 1410هـ) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.
238 - أعلام الدين في صفات المؤمنين : الديلمي = أبو محمد الحسن بن محمد الواعظ - (- 841هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث ، الطبعة الأولى / 1408هـ.
239 - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام: كحالة ، عمر رضا : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1984م.
240 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي = أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - قم المقدسة / 1417هـ.
241 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن (1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000م .
242 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهاني ، علي بن حسين (284 - 356هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
243 - الإفصاح : الشيخ المفيد = أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : مؤسسة البعثة ، الطبعة الثانية 1414هـ / 1993م.
244 - إقبال الأعمال : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1996م.
245 - الأمالي : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417هـ.
246 - الأمالي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، دار الثقافة - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1414هـ.
247 - الأمالي: الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336- 413هـ) : تحقيق : علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1425هـ.
248 - الأمالي وذيله : القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم (288 - 356هـ) : ملتقى مصري - الاسكندرية / 1999م.
249 - الإمام الحسين (علیه السّلام) : العلائلي ، عبدالله (1914 - 1997م) : دار مكتبة التربية - بيروت / 1972م.
250 - الإمام علي بن أبي طالب : عبدالمقصود ، عبدالفتاح (1912 - 1993هـ) : مكتبة العرفان - بيروت / 1971م.
251 - الإمام علي صوت العدالة الإنسانية : جرداق ، جورج (1926 - م) : ذوي القربى - قم المقدّسة / 1423هـ.
252 - الإمام عليّ في آراء الفقهاء : فقيه ايماني ، مهدي : ترجمة : يحيى كمالي البحراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة / 1420هـ.
253 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 2007م .
254 - الامتاع والمؤانسة : أبو حيان التوحيدي = علي بن محمد : مكتبة الهلال - بيروت / 2002م.
255 - الأموال : القاسم بن سلام ، أبو عبيد (- 224هـ) ، تحقيق : محمد خلیل هراس ، دار الفكر للطباعة والنشر - بيروت 1408هـ / 1988م.
256 - إنباه الرواة على أنباه النحاة : القفطي ، علي بن يوسف : دار الكتب المصرية / 1374هـ.
257 - أنساب الأشراف : البلاذري = أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ) : تحقيق : د . سهیل زکار و د ریاض زكلي ، دار الفكر - بيروت 1417هـ / 1997م.
258 - إنسان العيون : الحلبي ، عليّ بن إبراهيم (975 - 1044هـ) : الحلبي - القاهرة / 1990م.
259 - الأنوار العلوية : النقدي ، جعفر (1885 - 1951م) : يه نا - قم المقدّسة / 1990م.
260 - الإيضاح النقدي ، جعفر (1885 - 1951م) : بی نا - قم المقدسة / 1992م .
261 - إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عزّ وجلّ : ابن الأنباري ، محمد بن قاسم بن بشار (271 - 328ھ) .
262 - إيمان أبي طالب : الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : مؤسسة البعثة ، الطبعة الثانية 1414هـ / 1993م.
...
263 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمد تقي (1037 - 1111هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
264 - بداية المجتهد ونهاية المقتصد : القاضي ابن رشد القرطبي (530 - 595هـ) : دار ابن حزم - بيروت ، الطبعة الأولى / 1416هـ / 1995م.
265 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (700 - 774هـ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
266 - البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان (م): الأصفهاني ، عماد الدين.
267 - البرهان في تفسير القرآن (تفسير) : البحراني ، السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1419هـ / 1999م.
268 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد: الصفار ، الثقة الجليل أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (-290هـ) : تعليق : التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي ، قم المقدسة / 1404هـ.
269 - البصائر والذخائر : التوحيدي ، أبو حيان (- 380 أو 400 هـ) : دار صادر - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1999م.
270 - بلاغات النساء : ابن طيفور = أحمد بن أبي طاهر (204 - 280هـ) : تحقیق : د. يوسف البقاعي ، الناشر : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ / 1999م.
271 - البلد الأمين : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) : مؤسسة قائم آل محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.
272 - بهجة المجالس وأنس المجالس : ابن عبدالبر = يوسف بن عبدالله النمري القرطبي : الدار المصرية - القاهرة / 1900م .
273 - البيان والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
274 - بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان : القمي ، الشيخ عباس (1254 - 1319هـ) : دار الحكمة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1412هـ.
275 - تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق (تفسير) : الزيلعي ، أبو محمد عثمان بن عليّ (- 743هـ) : دار المعرفة - بيروت .
276 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ) : دراسة وتحقيق : علي شيري ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م (20 مجلداً) .
277 - تاریخ ابن خلدون = العبر: ابن خلدون = أبو زيد ولي الدين عبدالرحمن بن محمد الحضرمي الإشبيلي : (732 - 808هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2008 م .
278 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء ، عماد الدين إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (672 - 732هـ) : تعليق محمود دیوب، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
279 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م .
تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي = أبو بكر أحمد بن علي (392 - 463هـ) : تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
281 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الديار بكري = حسين بن محمد بن حسن (966هـ) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م .
282 - تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري : البهبيتي ، نجيب محمد ، دار البيضاء ودار الثقافة - بيروت / 1987م .
283 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : أبو جعفر محمد بن جریر بن یزید بن خالد الطبري (224 - 310هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ / 1989م.
284 - تاريخ العراق في ظلّ الحكم الأموي : حسن الخربوطلي ، عثمان غالب بن محمد (1261 - 1338هـ) .
285 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) : دار الفكر - دمشق / 1419هـ .
286 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- 278هـ) : دار صادر - بيروت / 1984م .
287 - تبصرة الأحكام : ابن فرحون = برهان الدين إبراهيم بن علي المالكي (729 - 799) : الرسالة - بيروت / 1992م.
288 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421هـ.
289 - تحفة الاحوذي في شرح سنن الترمذي : محيي الدين ابن العربي = أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الحاتمي الطائي (560 - 638هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1991م.
التحفة السنية بشرح مقدّمة الأجرومية : محيي الدين عبد الحميد ، محمد : دار الكتاب - بيروت / 1900م.
291 - تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (شرح منهاج الطالبين للنووي) : ابن حجر الهيتمي = أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ (909 - 974هـ) : بولاق - 1290هـ.
292 - التحقيق في الإمامة وشؤونها : البغدادي ، عبداللطيف : بيروت / 1992م.
293 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى1418هـ / 1997م.
294 - التسهيل لعلوم التنزيل : ابن جزي الكلبني = محمد بن أحمد (741693هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1973م.
295 - التبيان في تفسير القرآن : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1409هـ.
296 - تفسير القرآن العظيم مُسنداً عن رسول الله ، والصحابة والتابعين : للحافظ ابن أبي حاتم الرازي = عبد الرحمن بن محمد بن إدريس (- 327هـ) ، تحقيق : أسعد محمد الطيب ، المكتبة العصرية صيدا - بيروت، الطبعة الثانية 1419هـ / 1999 م (10 مجلدات + 4 مجلدات الفهارس) .
297 - تفسير الأصفى : الفيض الكاشاني ، الملا محسن بن مرتضی محمد محسن (1007 - 1091هـ) : اللوح المحفوظ - طهران / 1423هـ.
298 - تفسير البغوي = معالم التنزيل : البغوي = أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء (438 - 516هـ) : دار الكتاب العلمية - بيروت / 1324هـ.
299 - تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل و أسرار التأويل : ناصر الدين أبي سعيد عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي الشيرازي (- 791هـ) : دار الفكر - بيروت / 2005 م .
300 - تفسير الثعلبي = الكشف والبيان : أبو إسحاق النيسابوري = أحمد بن محمد بن إبراهيم (- 427هـ) : دراسة وتحقيق : أبو محمد بن عاشور ، مراجعة وتدقيق : نظير الساعدي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1422هـ / 2002م (10 مجلدات) .
301 - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن : أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي الأنصاري (- 671هـ) : التحقيق : هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب - الرياض 1423هـ / 2003م .
302 - تفسير الجلالين : جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ) : مكتبة لبنان - بيروت / 2000م .
303 - جوامع الجامع (تفسير) : الطبرسي = الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (468 - 548 هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1418هـ.
304 تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن : للثعالبي المالكي = أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف (786 - 875هـ) : تحقيق : علي محمد معوّض وعادل أحمد الموجود ، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التأريخ العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م (5 مجلدات) .
305 - تفسير ابن العربي = رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن : محيي الدين ابن العربي = أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الحاتمي الطائي (560 - 638هـ).
306 - تفسير الآلوسي = تفسير الآلوسي = روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (1217 - 1270هـ) : دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (30 جزءاً في 16 مجلداً) .
307 - تفسير القرآن = تفسير السمعاني = أبو المظفر السمعاني = منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي المروزي الشافعي السلفي (- 489هـ) : تحقيق : أبو تميم ياسر بن إبراهيم وأبي بلال غنيم بن عباس ، دار الوطن - الرياض ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م (6 مجلدات) .
308 - تفسير الصافي : الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضی محمد محسن (1007 - 1091هـ).
309 - تفسير القمي : القمي ، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم (- 329هـ) : تحقيق : السيد طيب الجزائري الموسوي ، الناشر دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ. / 1991م (مجلّدان).
310 - تفسير العياشي : العياشي ، أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي (- 320هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1421هـ (3 مجلدات) .
311 - تفسير غريب القرآن : فخر الدين الطريحي = محمد بن علي (979 - 1085هـ) : بيروت / 1900م.
312 - تفسير فتح القدير : الشوكاني = محمد بن علي بن محمد (1173 - 1250هـ) : تحقيق : عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ / 1999م (5 مجلدات + مجلد الفهارس).
313 - تفسیر فرات الكوفي : فرات بن إبراهيم بن فرات (- 352هـ) : تحقيق : محمد الكاظم ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران ، الطبعة الأولى / 1410هـ.
314 - تفسير الرازي = التفسير الكبير = مفاتيح الغيب : خطيب الري = فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606هـ) : تقديم : الشيخ خليل محيي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ / 1995م (32 جزءاً في 16 مجلداً + مجلد الفهرس) .
315 - تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق التنزيل : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ) : مؤسسة التاريخ العربي - بيروت / 2000 م .
316 - تفسير مجاهد : أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي المخزومي (- 104هـ) : برواية ابن أبي نجيح ، قدّم له وحققه وعلّق حواشيه : عبدالرحمن الطاهر بن محمد السورتي ، مجمع البحوث الإسلامية - إسلام آباد .
317 - مواهب الرحمن في تفسير القرآن (تفسير) : السبزواري ، السيد عبدالأعلى الموسوي (1288 - 1372هـ) : مؤسسة المنار - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1414هـ (10 - مجلدات ، غير كامل) .
318 - التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (علیه السّلام) (260هـ) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1409هـ.
319 - نور الثقلين (تفسير) : الحويزي ، الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي (- 1112هـ) : مؤسسة إسماعيليان - قم المقدسة ، الرابعة / 1415هـ.
320 - الميزان في تفسير القرآن (تفسير) : الطباطبائي ، محمد حسین (1281 - 1360هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى المحققة 1417هـ / 1997م.
321 - تقييد العلم : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي (392 - 463هـ) : دار إحياء السنة النبوية - بيروت / 1395هـ.
322 - تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله (696 - 764هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 1419هـ.
323 - التمثيل والمحاضرة : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد (- 429هـ) : دار إحياء الكتب العربيّة - القاهرة / 1961م.
324 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (- 345هـ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
325 - تنقيح التحقيق : الحافظ ابن عبدالهادي .
326 - التوحيد : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة ، الطبعة الثامنة / 1423هـ.
327 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417هـ .
328 - تهذیب تاریخ دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) : تحقیق : عبدالقادر بدران ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الثالثة 1407هـ / 1988م.
329 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد (773 - 852هـ) : دار الفكر - بيروت / 1995م.
330 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742هـ) : مراجعة: سهيل زكار ، تحقيق : أحمد علي عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414 هـ/ 1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس).
331 - الثقات : ابن حبّان السجستاني = الحافظ محمد بن أحمد أبو حاتم السبتي التميمي (370 - 354هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1998م .
332 - ثمرات الأوراق : أبو بكر الحموي - أحمد بن محمد (من أعلام القرن الحادي عشر) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1983م.
333 - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، الشريف الرضي / 1418هـ.
...
334 - جامع أحاديث الشيعة : المعزي الملايري ، إسماعيل : بإشراف آية الله البروجردي (قدس سره)، طبع المطبعة العلمية - قم المقدسة / 1399هـ.
335 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن - تفسير الطبري : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (- 310هـ) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الأولى 1422هـ / 2001م ، (24 مجلداً + مجلدا الفهارس).
336 - جامع الأصول في أحاديث الرسول : لابن الأثير الجزري = أبي السعادات المبارك بن محمد (544 - 606هـ) : تحقيق وتعليق : عبد القادر الأرناؤوط ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الثانية 1403هـ / 1983م ، (11 مجلّداً + مجلدا الفهارس + مجلدا التتمة) .
337 - جامع بيان العلم وفضله : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي المالكي (363 - 463هـ) : تحقيق : أبي الأشبال الزهيري ، دار ابن الجوزي الدمام ، الطبعة الثالثة 1418هـ/ 1998م (مجلّدان).
338 - جامع السعادات: النراقي ، مهدي بن أبي ذرّ (1128 - 1209هـ) : تعليق : مؤسسة السيدة : المعصومة (عليها السلام)- قم المقدسة / 2005م .
339 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير : السيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر ( 849- 911هـ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى / 1401هـ.
340 - الجامع الكبير = تفسير الطبرسي = جمع الجوامع : أمين الإسلام = أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1418هـ.
341 - جامع العلوم في اصطلاحات الفنون = دستور العلماء : الأحمد نگري : القاضي عبدالنبيّ عبدالرسول : نشر : محمد عليّ بيضون - دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1421هـ.
342 - جامع المدارك في شرح المختصر النافع : الخوانساري ، أحمد : تحقيق : علي أكبر غفاري - مكتبة الصدوق - طهران ، الطبعة الثانية / 1405هـ.
343 - جامع المقاصد في شرح القواعد : الكركي = المحقق الثاني = أبو الحسن نور الدين عليّ بن الحسين (868 - 940هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - قم المقدسة / 1991م.
344 - الجعفريات (المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام)) : الحميري ، عبدالله بن جعفر (- 310هـ) : مؤسسة الثقافة - قم المقدسة / 1417هـ.
345 - جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : دار الذخائر - قم المقدّسة / 1411هـ.
346 - الجمل : الشيخ المفيد = أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1430هـ.
347جمهرة أشعار العرب : ابن شبة = أبو زيد عمر النميري البصري ، الطبعة الأميرية / 1308هـ.
348 - جمهرة رسائل العرب : زكي صفوت ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1937م.
349 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : الشيخ النجفي ، محمد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم (1200 - 1266) : حققه وعلّق عليه وأشرف على طبعه : الشيخ عباس القوچاني ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1400هـ.
350 - جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب : الباعوني ، شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي (780 - 871هـ) : مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة / 1415هـ.
351 - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع : متز ، آدم : لجنة التأليف - القاهرة / 1957م .
352 - الحضارة العربية الإسلامية : حسن الخربوطلي ، عثمان غالب بن محمد (1261 - 1338هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة / 1994م.
353 - حقيقة الإسلام وأصول الحكم : بخيت المطيعي ، محمد (1854 - 1935م) .
354 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
355 - الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة : الزبيدي، محمد حسين : المطبعة العالمية - القاهرة / 1971م.
356 - حياة الإمام الحسن بن عليّ : القرشي ، باقر شريف (1926- م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009 م .
357 - حياة الإمام محمد المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف): القرشي ، باقر شريف (- 1926م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) دار المعروف ، الطبعة الأولى 14360هـ/ 2009م.
358 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (علیهما السّلام): القرشي ، باقر شریف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م .
359 - حياة أمير المؤمنين (علیه السّلام): صادق الصدر ، محمد (1943 - 1999م): بيروت / 1988م.
360 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدین محمد بن موسی (742 - 808هـ) : ناصر خسرو - طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة (1390هـ / 1970م) .
361 - حياة الصحابة : الكاندهلوي ، محمد يوسف (1335 - 1384هـ) : دار الفكر - بيروت / 2002م .
362 - الخرائج والجرائح : الراوندي = قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله (- 573هـ) : مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت ، الثانية / 1411هـ.
363 - الخراج : القرشي ، يحيى بن آدم : الحلبي - القاهرة / 1954م .
364 - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : البغدادي ، عبدالقادر بن عمر (1030 - 1093هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة / 1983م.
365 - الخصائص الكبرى : جلال الدين السيوطي = جلال الدين عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1405هـ.
366 - خصائص الأئمة (علیهم السّلام): الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ) : مجمع البحوث الإسلامية - مجمع البحوث الإسلامية - مشهد / 1406هـ.
367 - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : النسائي = أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر (215 - 303هـ) : تحقيق : السيد جعفر الحسيني ، دار الثقلين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
368 - خصائص الوحي المبين : ابن البطريق = يحيى بن الحسن الأسدي الحلي (- 600هـ) : تحقيق وتعليق : محمد باقر المحمودي ، منشورات مطبعة وزارة الإرشاد الإسلامي - طهران ، الطبعة الأولى / 1406هـ.
369 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424هـ.
370 - الخطابة في صدر الإسلام : درويش ، محمد طاهر .
371 - خطط الكوفة : ماسينيون ، لويس : ترجمة : تقي المصعبي ، صيدا / 1939م .
372 - الخلاف : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : السيد علي الخراساني والسيد جواد الشهرستاني والشيخ محمد مهدي نجف ، طبع ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المشرّفة ، الطبعة الخامسة / 1418هـ.
373 - تفسير السيوطي - الدر المنثور في التفسير بالمأثور : جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911هـ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجیب ، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ/ 2001م (8 مجلدات) .
374 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة : المدني، صدر الدين علي خان بن أحمد الشيرازي الحسيني (1052 - 1120هـ) : مكتبة بصيرتي - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1397هـ.
375 - الدرر اللامعة في الأحاديث الجامعة : عبدالله شبر = السيد عبدالله بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن عليّ (1188 - 1242هـ) : مؤسسة الوفاء - بيروت ، الطبعة الأولى 1403هـ 1983م.
376 - الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة / 1409هـ.
377 - الدروس الشرعية في فقه الإمامية : الشهيد الأول = شمس الدین محمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني(734 - 786هـ): تحقيق ونشر مجمع البحوث الإسلامية - مشهد / 1996م.
378 - درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد : الخويري، عثمان بن حسن شاكر (القرن 13) : مكتبة الثقافة - بيروت / 1985م .
379 - دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام: القاضي التميمي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور (- 363هـ) : اسماعيليان - قم المقدسة / 1372هـ. ش .
380 - الدعوات : الراوندي ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله (- 573هـ) : دليل ما - قم المقدسة / 1385هـ. ش .
381 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير (- 310هـ) : مؤسسة البعثة - قم المقدسة / 1412هـ.
382 - دلائل الصدق : المظفّر ، محمد حسن (1882 - 1956م) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
383 - دیوان ابن المعتز : ابن المعتز (247 - 296هـ) : دار صادر - بيروت / 1985م.
384 - دیوان بولس سلامة : سلامة ، بولس دار الكتاب - بيروت / 1988م .
385 - ديوان الجواهري : مهدي الجواهري ، محمد (1903 - 1998هـ) : دار المعرفة - بيروت / 2005 م .
386 - ديوان الحميري : الحميري ، إسماعيل بن محمد (105 - 173هـ) : دار صادر - بيروت / 2005م .
387 - ديوان العمري : العمري ، عبدالباقي : صححه عثمان المولوي : الحجر الفاخرة - القاهرة / 1287هـ.
388 - ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى : الطبري ، محب الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد المكي الشافعي (615 - 694هـ) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصحابة - جدة ، الطبعة الأولى 1415هـ / 1995م.
389 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، محمد محسن (1255 - 1389هـ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403هـ.
...
390 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ) ، دار الذخائر - قم المقدسة / 1410هـ.
391 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382هـ . ش .
392 - رجال النجاشي : أبو العباس الأسدي الكوفي ، أحمد بن علي (372 - 450هـ) : جماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1407هـ.
393 - رسائل الجاحظ : الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : اعتناء : السندوبي : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1995م .
394 - الرسائل العشر : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة / 1363هـ. ش .
395 - رسائل الشريف المرتضى : الشريف المرتضى = علم الهدى = أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ) : دار القرآن الكريم - قم المقدسة / 1410هـ.
396 - روائح المصطفى : صدر الدين البردواني ، أحمد .
397 - الروض المعطار : الحميري = محمّد بن عبد المنعم (900هـ) : / 1975م .
398 - الروضة المختارة - شرح القصائد الهاشميات والعلويات للكميت بن زياد (60 - 126هـ) : ابن أبي الحديد المعتزلي (- 656هـ) - : مؤسسة النعمان - بيروت ، الطبعة الأولى / 1979م.
399 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلّمين : الفعّال النيشابوري ، محمد بن أحمد (508هـ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1386 ش .
400 - الرياض النضرة في مناقب العشرة : محب الدين الطبري = أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي (615 - 694هـ) : تحقيق عبدالمجيد الحلبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م (4 أجزاء في مجلد) .
401 - الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية : أبو حاتم الرازي ، أحمد بن حمدان (- 322هـ) : الحلبي - القاهرة / 1412م .
...
402 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي ، عباس بن محمد رضا (1254 - 1359هـ) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427هـ.
403 - السقيفة وفدك : أبو بكر الجوهري = أحمد بن عبدالعزيز البصري البغدادي (- 323هـ) : تحقيق : د. محمد هادي الأميني ، طبع ونشر شركة الكتبي - بيروت ، الطبعة الثانية / 1413هـ.
404 - سموّ المعنى في سمو الذات : العلائلي ، عبدالله (1914 - 1997م) : بیروت / 1972م.
405 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني = أبو عبد الله محمد بن يزيد (273هـ) : تحقیق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ / 1997م (4 مجلدات + مجلد الفهرس) .
406 - سنن أبي داود : الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (202 - 275هـ) تحقيق : سعيد محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ/ 1990م.
407 - سنن الترمذي : أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279هـ) : الجمعية الإسلامية / 1421هـ.
408 - السنن الكبرى : الدارمي السمرقندي ، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي (- 225هـ) : تحقيق : محمد عبد العزيز الخالدي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1417هـ / 1996م (مجلدان) .
409 - السنن الكبرى = سنن النسائي : أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر (215 - 303هـ) : دار ابن حزم - بيروت / 1999 م .
410 - سنن البيهقي = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384 - 458هـ) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416هـ / 1996م.
411 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419هـ.
412 - سيرة ابن إسحاق = السير والمغازي : ابن إسحاق ، محمد بن يسار (85 - 151هـ) : دار العلم للملايين - دمشق / 1994م.
413 - السيرة الحلبية : الحلبي = علي بن برهان الدين (975 - 1044هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 2006 م .
414 - السيرة النبوية : ابن هشام = أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (- 218 هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 2000 م .
415 - السيف والسياسة : الورداني ، صالح : دار الجسام - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1996م.
416 - الشافي في الإمامة : السيد المرتضى ، علي بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ) : مؤسسة الصادق للطباعة والنشر - طهران / 1426هـ.
417 - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار : القاضي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري (- 363هـ) : تحقيق : السيد محمد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة / 1409هـ.
418 - شرح الأزرية : محمد معتوق ، أحمد .
419 - شرح الخريدة العينية في شرح القصيدة العينية : أحمد الدردير ، أبو البركات .
420 - شرح الشفا : الخفاجي الحنفي ، عليّ بن سلطان محمد القاري : الأزهرية المصرية - دار الكتاب العربي - بيروت / 1327هـ.
421 - شرح نهج البلاغة : عبدة ، محمد (1849 - 1905 م) : مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1985م.
422 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد = عزّ الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ (586 - 655هـ) ، قدم له وعلق عليه : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415هـ - 1995م.
423 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل : الحاكم النيسابوري ، عبیدالله بن عبدالله بن أحمد الحسكاني (- 490هـ) : محمد إحياء الثقافة الإسلامية - بيروت / 1427م .
424 - شيخ المضيرة أبو هريرة : أبو رية ، محمود (- 1385هـ) : دار المعارف - القاهرة / 1969م.
...
425 - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء : القلقشندي - أحمد بن علي بن أحمد (- 821) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1987م.
426 - الصحاح = تاج اللغة وصحاح العربيّة : الجوهري ، إسماعيل بن حماد (قيل : 332 - 392هـ) : تحقيق : أحمد عبد الغفور عطار ، دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1990م.
427 - صحيح ابن حبان (بترتيب ابن بلبان) : محمد بن أحمد (274 - 354هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1997م.
428 - صحيح ابن خزيمة : ابن خزيمة ، محمد بن إسحاق (223 - 311هـ) : المكتب الإسلامي - بيروت / 1412هـ .
429 - صحيح البخاري : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري (194 - 256هـ) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق . الطبعة الخامسة 1414هـ / 1993م (6 مجلدات + مجلد الفهارس) .
430 - صحيح مسلم - الجامع الصحيح : أبو الحسين مسلم بن حجاج القشيري النيسابوري (206 - 261هـ) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ/ 1995م.
431 - الصحيفة العلوية الأولى : السماهيجي = عبد الله بن صالح بن جمعة بن علي بن أحمد البحراني (- 1135هـ) :
432 - الصحيفة العلوية الثانية : الطبرسي، حسين : مكتبة نينوى - طهران / 1312هـ.
433 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم : العاملي ، علي بن يونس : الحيدرية - طهران ، الطبعة الأولى / 1382هـ . ش .
434 - صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد (- 597هـ) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
435 - الصناعتين في الكتابة والشعر : أبو الهلال العسكري ، الحسن بن عبد الله (- 395هـ) : تحقيق : محمد علي البجاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم.
436 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي = أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ (909 - 974هـ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (مجلدان) .
437 - ضحى الإسلام : أحمد أمين : نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة العاشرة .
438 - طبقات فحول الشعراء: ابن سلام ، محمد الجمحي (- 232هـ) : شرح : محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني ، المؤسسة السعودية بمصر / 1973م.
439 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168 - 230هـ) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس) .
440 - الطرق الحكمية في السياسة الشرعيّة : ابن قيم الجوزية = شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (691 - 751ه+) : تحقيق : محمد حامد الفقي ، المحمّديّة - القاهرة / 1935م.
441 - عبقرية الإمام عليّ : العقاد ، عبّاس محمود (1889 - 1964هـ) : دار المعارف - بيروت / 1990م.
442 - عبقرية الشريف الرضي : د. زكي مبارك ، محمد (1861 - 1952م) : مكتبة مصر - القاهرة / 1996م.
443 - الا عجائب أحكام أمير المؤمنين (علیه السّلام): الأمين العاملي ، محسن (1865 - 1952م) : تحقيق : فارس حسون كريم ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم المقدّسة 1426هـ / 2006 م .
444 - عدّة الداعي : ابن فهد الحلّي ، جمال الدين أبو العباس أحمد بن شمس الدين محمد بن فهد (757 - 841هـ) : تحقيق : فارس حسّون كريم ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة / 1421هـ.
445 - العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي : د. النص ، إحسان : دار اليقظة العربية - بيروت / 1964م.
446 - العقد الفريد : ابن عبدرته الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد (246 - 328هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
447 - العقد المفصل : الحلّي ، حيدر (1831 - 1886هـ) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 1379م.
العقيدة والشريعة في الإسلام جولد زيهر ، أجناس : ترجمة : محمد يوسف ، دار النهضة - بيروت / 1990م.
449 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ (جزءان في مجلد) .
450 - العلم : أبو خيثمة النسائي (- 234هـ).
451 - علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة : عبدالكريم الخطيب .
452 - عليّ والخلفاء : العسكري ، نجم الدين : مطبعة الآداب - النجف الأشرف ، الطبعة الأولى .
453 - عليّ وبنوه : د. حسين ، طه (1889 - 1973م) : دار المعارف - القاهرة / 1989م .
454 - عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب الأبرار: ابن البطريق = يحيى بن الحسن الأسدي الحلي (230 - 600هـ) : نشر جماعة المدرسين - قم المقدسة / 1407هـ.
455 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني (741 - 828هـ) : المكتبة الثقافية - قم المقدسة / 2004 م .
456 - عمدة القارئ : بدر الدين العيني ، أبو محمد محمود بن أحمد (763 - هـ55 ) : مصطفی الحلبي - القاهرة / 1973م.
457 - عوالي اللآلئ العزيزية في الأحاديث الدينية : ابن أبي جمهور الأحسائي ، محمد بن عليّ بن إبراهيم (- 880هـ) : دار سيّد الشهداء (علیه السّلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1405هـ.
458 - عيون الأثر ابن سيد الناس = محمد بن محمّد (671 - 734هـ) : دار الفكر - دمشق / 1988م.
459 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
460 - عيون أخبار الرضا (علیه السّلام): الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1404هـ .
461 - الغارات : ابن هلال الثقفي، إبراهيم بن محمد الكوفي (- 283هـ) : دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة / 1411هـ.
462 - غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي ، ابن زهرة ( 629 565هـ) : المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382هـ.
463 - غاية المرام وحجّة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام : البحراني = السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : تحقيق : السيد علي عاشور ، مؤسسة التاريخ العربي - بيروت / 1422هـ.
464 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسين (1281 - 1349هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.
465 - الغرر والدرر: الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ) : مجمع الذخائر الإسلامية - قم المقدّسة / 1425م .
466 - غريب الحديث : أبو عبيد = قاسم بن سلام (154 - 224هـ) : تحقیق : محمد عبد المعيد خان ، مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدرآباد ، الطبعة الأولى 1384هـ / 1964م.
467 - الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية : سلوم السامرائي ، عبدالله : دار الحرّية ، - بغداد / 1985م.
468 - الغَيبة : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (- 460هـ) : تحقيق : الشيخ عبدالله الطهراني والشيخ علي أحمد صالح، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة ، الثالثة / 1425هـ.
469 - الفائق في غريب الحديث : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1417هـ.
470 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (733 - 852هـ) : تحقیق : عبدالعزیز بن عبدالله بن باز ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414هـ / 1993م (15 مجلداً + مجلدا المقدمة والخاتمة).
471 - الفتنة الكبرى : د . حسین ، طه (1889 - 1973م) : دار المعارف - القاهرة / 2003م .
472 - الفتنة ووقعة الجمل : الضبي ، سيف بن عمر (- 200هـ) : تحقيق : أحمد راتب عرموش ، دار النفائس - بيروت، الطبعة الأولى / 1972م .
473 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي - أحمد بن محمد بن عليّ (- 314هـ) : دار الفكر - بيروت / 1992م.
474 - الفتوحات المكيّة : ابن العربي ، محيي الدين (560 - 638هـ) : دار الفكر - بيروت / 2002م.
فتوح البلدان : البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ) : المطبعة المصرية - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1932م.
:
476 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذُرِّيَّتهم (علیهم السّلام): الجويني الخراساني ، إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن عبدالله بن علي بن محمد (644 - 730هـ) : تحقيق : محمد باقر المحمودي ، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر - بيروت ، الطبعة الأولى 1400هـ/ 1980م .
477 - الفروسية : ابن قيم الجوزية = شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (691 - 751هـ) : دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد / 1987م .
478 - فصل الخطاب : المحدّث النوري = الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320هـ) .
479 - الفصول المختارة من العيون والمحاسن : الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : تحقيق : السيد علي مير شريفي ، دار المفيد - بيروت ، الطبعة الأولى 1414هـ / 1993م.
480 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي (- 855 هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م.
481 - الفصول المهمة في أصول الأئمة : الحر العاملي = محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين (1033 - 1104هـ) : مؤسسة المعارف الإسلامية / 1418هـ.
482 - الفضائل : شاذان بن جبرئيل القمّي (- 660هـ) : الحيدرية - النجف الأشرف 1381هـ/ 1962م.
483 - فضائل آل البيت : محمد بن موسى آل نصر.
484 - فضائل الخمسة من الصحاح الستة : الحسيني الفيروزآبادي ، مرتضى (1289 - 1368هـ) ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1402هـ / 1982م.
485 - فضائل الصحابة : ابن حنبل الشيباني ، أحمد (164 - 241هـ) : دار الثقافة - الرياض / 1990م.
486 - فقه الرضا ۷(المنسوب للإمام علي بن موسى الرضا (علیهما السّلام)) : ابن بابويه القمي ، علي بن الحسين (- 329هـ) : تحقيق : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث ، المؤتمر العالمي للإمام الرضا (علیه السّلام)- مشهد المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1406هـ.
487 - فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة : السيد ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : تحقيق: غلام حسين المجيدي ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
488 - قوات الوفيات : ابن شاكر الكتبي = محمد بن شاكر (681 - 764هـ) : تحقيق : علي محمد بن يعوض الله و عادل أحمد عبدالموجود ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 2000 م.
489 - فيض القدير شرح الجامع الصغير : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي (952 - 1031هـ) : تحقيق : أحمد عبد السلام ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
490 - القاموس الإسلامي : وضع : أحمد عطية : مكتبة النهضة المصرية 1396هـ / 1976م.
491 - قرب الإسناد : الحميري ، أبو العباس عبد الله بن جعفر (- 310هـ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.
492 - قضاء أمير المؤمنين (علیه السّلام) : محمد تقي التستري = نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي الشوشتري (956 - 1019هـ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف .
493 - الكافي : ثقة الإسلام = أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي الكليني (328 - 329هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ/ 2005م .
494 - الكامل في اللغة والأدب : المبرد = أبو العباس محمد بن يزيد (210 - 286هـ) : دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م.
495 - كامل الزيارات : ابن قولويه ، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد القمّي (- 368هـ) : نشر : الفقاهة - قم المقدسة / 1420هـ.
496 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير = عزّ الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1408هـ /1989م.
497 - الأربعين : الشيخ البهائي = بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (953 - 1030هـ) : نوید اسلام - قم المقدسة / 1416هـ.
498 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإربلي = أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
499 - الكشكول = أنيس المسافر وجليس الحاضر : البحراني = الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الدرازي (1107 - 1186هـ) : بومباي / 1291هـ.
500 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الحافظ الكنجي الشافعي = أبو عبدالله محمد بن يوسف القرشي ، (- 658هـ) : تحقيق : محمد هادي الأميني ، دار إحياء تراث أهل البيت (علیهم السّلام) - طهران ، الطبعة الثانية / 1404هـ.
501 - الكفاية في علم البداية : الصابوني ، نور الدین : بیروت / 1988م.
502 - الكلمة الغرّاء فى تفضيل الزهراء : الإمام شرف الدين = عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : الدراسات الإسلامية / 1996م.
503 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ) : صححه وعلّق عليه : على أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1422هـ.
504 - كميل بن زياد النخعي : الهاشمي الخطيب = السيد علي بن الحسين (- 1396هـ) : دار المفيد - بيروت / 1411هـ.
505 - كنز الدقائق وبحر الغرائب (تفسير) : ابن المشهدي - الميرزا محمد بن محمد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمّي (القرن 12 الهجري) : دار الغدير - قم المقدسة / 1423هـ.
506 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين (888- 975هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .
507 - كنز الفوائد : أبو الفتح الكراجكي ، محمد بن علي بن عثمان الطرابلسي (- 449هـ) : مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1410هـ .
508 - كنوز الحقائق : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي (952 - 1031هـ) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1986م.
509 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي ، عبّاس (1254 - 1319هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1425هـ.
510 - لسان العرب : ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ) : تنسيق وتعليق : علي شيري ، دار صادر - بيروت / 1995م .
511 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (773 - 853) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1416هـ / 1996م (7 مجلدات) .
512 - لطائف المعارف : أبو منصور الثعالبي = عبد الملك بن محمد (350 - 429هـ) : الحلبي - القاهرة / 1988م.
513 - اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية : الشهيد الأول : محمد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : تحقيق : محمد تقي وعلي أصغر مرواريد ، نشر دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
514 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة : القلقشندي - أحمد بن عليّ (756 - 821هـ) : دار الثقافة - القاهرة / 1985م.
515 - مالك الأشتر : جعفر الحكيم ، محمدرضا : الوليد - بيروت / 2001م .
516 - المبسوط في فقه الإمامية : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : محمد باقر البهبودي ، مؤسسة النشر الإسلامي / 1422هـ.
517 - المبين في إثبات إمامة الأئمة الطاهرين : البحراني = السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) .
518 - مجالس ثعلب : ابن يسار الشيباني المعروف بـ«ثعلب» = أبو العباس أحمد بن يحيى (200 - 291هـ) : دار المعارف - القاهرة / 1948م.
519 - المجالس السنيّة : الأمين العاملي ، محسن (1865 - 1952م) : دار المعارف - بيروت / 1992م.
520 - مجمع الأمثال : أبو الفضل الميداني ، أحمد بن محمد النيسابوري (- 518هـ) : عيسى البابي - القاهرة / 1982م.
521 - مجمع البحرين ومطلع النيرين : فخر الدين الطريحي = محمد بن عليّ (979 - 1085هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - طهران ، الطبعة الأولى / 1414هـ(3 مجلدات) .
522 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : نور الدين الهيثمي = الحافظ علي بن أبي بكر المصري الشافعي (35 - 807هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408هـ / 1988م.
523 - المجموع (شرح المهذب للشيرازي) : محيي الدين النووي = أبو زكريا يحيى بن شرف (631 - 676هـ) : دار الفكر - بيروت / 1969م.
524 - المحاسن : البرقي ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد (- 274هـ) : المجمع العالمي لأهل البيت (علیهم السّلام) - قم المقدسة / 1416هـ.
525 - محاضرة الأوائل : عليّ دده، علاء الدین : مطبعة الميرية - القاهرة / 1359هـ.
526 - محاكمة في القضاء : الحسيني ، محمد حسين .
527 - المحبر : ابن حبيب الهاشمي البغدادي ، محمد : دار الغد العربي - القاهرة / 2000م .
528 - المحرّر الوجيز : ابن عطية الأندلسي ، أبو محمد عبد الحق بن غالب (481 - 542هـ) : الحلبي - القاهرة / 1998م .
529 - المحصول في علم أصول الفقه : خطيب الري = فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 1999 م .
530 - المحلّى : ابن حزم الأندلسي = أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري (384 - 456هـ) : تحقيق : أحمد محمد شاكر ، دار الفكر - القاهرة / 1383هـ.
531 - المختار من كتاب عيون الأخبار : عبد الحليم البردوي ، أحمد : بيروت / 2002م .
532 - مختصر البصائر : ابن سليمان الحلّي ، الحسن (القرن التاسع الهجري) : قم المقدسة / 2003م .
533 - مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي : علي ، أمير : دار الآفاق - القاهرة / 2001م .
534 - مدينة معاجز الأئمة الاثنى عشر ودلائل الحجج على البشر : البحراني = السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : تحقيق : لجنة بإشراف فارس کریم ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة / 1416هـ.
535 - المراجعات : الإمام شرف الدين، عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1386هـ.
536 - مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ (- 346ـ) : تحقيق : عبد الأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
537 - المزار للشهيد الأوّل ، محمد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة / 1410هـ.
538 - المزار الكبير : ابن المشهدي ، الشيخ أبو عبدالله محمد بن جعفر بن علي الحائري (- 610هـ) : تحقيق : جواد القيّومي الأصفهاني ، نشر دار القيوم ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
539 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمد (- 405هـ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ/ 1990م.
540 - مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري ، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320هـ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1408هـ.
541 - مسند أبي داود الطيالسي : الحافظ ابن داود البصري الفارسي = سليمان بن داود بن الجارود ، (203 - 275هـ) : مكتبة الأزهرية - القاهرة / 1979م .
542 - مسند أبي عوانة : ابن السكيت = يعقوب بن إسحاق (186 - 246هـ) : دار المعارف - القاهرة / 1956م.
543 - مسند أبي يعلى : أبو يعلى التميمي الموصلي ، أحمد بن علي بن المثنى (451 - 526هـ) : تحقيق حسين سليم ، دار الثقافة العربية - دمشق ، الطبعة الثالثة 1412هـ / 1992م (13 مجلداً + مجلدا الفهارس) .
مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد (- 241هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م.
545 - مسند زيد بن عليّ : زيد بن علي (رضی الله عنه) (79 - 122هـ) : مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء / 1987م.
546 - مسند الشاميين : الطبراني = أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ) : تحقيق : أحمد عبدالمجيد السلفي ، مؤسسة السرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1417هـ / 1996م.
547 - مسند شهاب : القضاعي = محمد بن سلامة بن جعفر الشافعي (- 454هـ) : مؤسسة أمّ القرى - الرياض / 1995م.
548 - مشكاة الأنوار في غرر الأخبار : الطبرسي = علي بن حسن (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام)- قم المقدسة / 1423م .
549 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة (239 - 321هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت 1408هـ / 1987م.
550 - مصابيح السنّة : البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء (- 516هـ) : تحقيق : د. يوسف عبدالرحمن المرعشلي ومحمد إبراهيم سمارة وجمال حمدي الذهبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى 1407هـ/ 1987م.
551 - مصادر نهج البلاغة وأسانيده : الحسيني ، عبدالزهراء : دار الأضواء - بيروت / 1985م .
552 - مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) (م) : میرجهانی ، حسن (1280 - 1388هـ . ش).
553 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م
554 - مصباح الزائر : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.
555 - المصنف في الأحاديث والآثار : ابن أبي شيبة ، عبدالله بن محمد بن إبراهيم (159 - :235هـ) تحقيق : حمد بن عبدالله الجمعة ومحمد بن إبراهيم، مكتبة الرشد - الرياض ، الطبعة الأولى 1425ه( / 2004م ، 14 مجلداً + مجلد الفهارس .
556 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي ، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشافعي (583 - 652هـ) : مؤسسة أم القرى - قم المقدسة / 1420هـ.
557 - المعارف : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ) : دار المعارف وزارية الثقافة - دمشق / 2000م .
558 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي ، تعليق : علي أكبر الغفاري ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الأولى 1410هـ/ 1990م.
559 - معاني القرآن الكريم : النحاس = أحمد بن محمد (- 384هـ) : جامعة أم القرى - مكة المكرمة / 1989م.
560 - المعتبر في شرح المختصر : المحقق الحلي ، أبو القاسم نجم الدین جعفر بن الحسن الهُذَلي (602 - 676هـ) : مؤسسة سيّد الشهداء (علیه السّلام) - قم المقدسة / 1406هـ.
561 - معجم الأدباء : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي البغدادي (574 - 626هـ) : دار المأمون - القاهرة / 2001م .
562 - المعجم الأوسط : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ) : دار الفكر - عمان / 1999م.
563 - معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي (-626هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.
564 - معجم رجال الحديث : السيد الخوئي ، السيد أبو القاسم الموسوي (- 1413هـ) : الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413هـ / 1992م.
565 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
566 - معجم ما استعجم : البكري الأندلسي ، عبدالله بن عبدالعزيز (432 - 487هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1996م.
567 - المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : دشتي ، محمد (1330 - 1380هـ) : مشهور - قم المقدسة / 1380هـ . ش .
568 - معرفة السنن والآثار : أبو بكر البيهقي = أحمد بن الحسين بن عليّ (384 - 458 هـ) : -مكتبة الخانجي - القاهرة / 1980م .
569 - معرفة الصحابة : أبو نعيم الأصفهاني = أحمد بن عبدالله (- 430) .
570 - المغازى : الواقدي، محمد بن عمر بن واقد (135 - 207) : مركز النشر - قم المقدسة / 1418هـ.
571 - مفتاح السعادة ومصباح السيادة : طاش كبرى زاده ، أحمد بن مصطفى (901 - 968هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1980م .
572 - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : عليّ ، جواد : مكتبة النهضة - بغداد / 1978م.
574 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد (284 - 356هـ) : مكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 1423هـ .
574 - مقتل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): ابن أبي الدنيا ، عبدالله : نيلو برگ - طهران / 1383هـ . ش .
575 - مقتل الحسين (علیه السّلام): الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي (484 - 568هـ) : تحقيق : محمد السماوي ، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1418هـ.
576 - المقنع والهداية : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة الإمام الهادي (علیه السّلام)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
577 - مكاتيب الرسول : الأحمدي الميانجي ، علي (1304 - 1379هـ) : دار الحديث - طهران ، الطبعة الأولى / 1998م.
578 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي (468 - 548هـ) : دار الفقه - قم المقدسة / 1425هـ .
579 - المكاسب المحرمة : الشيخ الأعظم = مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري (1214 - 1281هـ) : دار الحكمة - قم المقدّسة / 1416هـ.
580 - ملحمة أهل البيت : الفرطوسي ، الشيخ عبدالمنعم النجفي : دار الزهراء (عليها السلام)- بيروت ، الطبعة الأولى / 1977م.
581 - الملل والنحل : الشهرستاني ، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم (479 - 548هـ) : مؤسسة الصادق (علیه السّلام)- طهران / 1387ه- .
582 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني (488 - 588هـ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.
583 - مناقب أبي حنيفة : أخطب خوارزم = الموفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي الخوارزمي (484 - 568هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1988م .
584 - مناقب أحمد بن حنبل : ابن الجوزي = أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد (508 - 597هـ) : دار ابن خلدون - الاسكندرية / 1986م.
585 - مناقب أهل البيت : أبو الفرج الاصفهاني = علي بن حسين (284 - 356هـ) : قم المقدسة / 1420هـ.
586 - المناقب : الخوارزمي = أخطب خوارزم ، الموفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي (484 - 568هـ) : تحقيق : مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الثالثة / 1417هـ.
587 - المناقب والمثالب : القاضي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري ) (- 363هـ) : المعارف - القاهرة / 1980م .
588 - المنتقى : الباجي ، سليمان بن خلف.
589 - منتهى المطلب في تحقيق المذهب : العلامة الحلّي = أبو منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي (648 - 726هـ) : مجمع البحوث الإسلامية - مشهد المقدسة ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
590 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م .
591 - منهاج الصالحين : السيد الحكيم ، محسن (1267 - 1348هـ) : النجف - النجف الأشرف / 1387هـ.
592 - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : الميرزا الهاشمي الخوئي ، حبيب الله بن محمد هاشم (1268 - 1324هـ) : عني بتصحيحه وتهذيبه : السيد إبراهيم الميانجي ، بنیاد فرهنگی امام المهدى ، المطبعة الإسلامية - طهران ، الطبعة الرابعة / 1364هـ . ش .
593 - منية المريد : الشهيد الثاني = الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن جمال الدين العاملي الجعبي (911 - 965هـ) : مركز النشر الإسلامي - قم المقدّسة / 1418هـ.
594 - المواقف : عضد الدين
595 - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : القسطلاني المصري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمّد (851 - 923هـ) : الدار العلميّة - بيروت / 1996م.
596 - الموضوعات : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد (508 - 597هـ) : أضواء السلف - الرياض / 1997م.
597 - الموطأ : الإمام مالك بن أنس (- 176هـ) : تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
598 - مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام : السيد الصدر ، حسين .
599 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيد ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
600 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي ، الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الفكر - بيروت / 1420هـ .
601 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي (813 - 784هـ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م .
602 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ) : قم المقدّسة / 1419هـ .
603 - نزهة الألباء في طبقات الأدباء (م) : ابن الأنباري ، عبدالرحمن بن محمد (513 - 577هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 2003م.
604 - نزهة المجالس و منتخب النفائس : الصفوري الشافعي ، عبدالرحمان بن عبد السلام (- 894هـ) : المعارف - الاسكندرية / 2001م .
605 - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : الحلواني ، أبو عبد الله الحسين بن محمد (القرن الخامس الهجري) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1408هـ.
606 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية : العلوي ، محمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر (1863 - 1931م) : مؤسسة الفجر - بيروت / 1991م.
607 - نصب الراية : جمال الدين الزيلعي = عبدالله بن يوسف الحنفي (- 762هـ: دار الأزهر - القاهرة / 1998م.
608 - نصرة الثائر على المثل السائر : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله (696 - 764هـ) .
609 - النص والاجتهاد = الاجتهاد في مقابل النصّ : الإمام شرف الدین = عبدالحسین الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الحادية عشر 1426هـ / 2005م.
610 - نظام الحكم والإدارة في الإسلام: القرشي ، باقر شريف (1926 - م) ، المطبعة: ستارة : الناشر : الرافد ، سنة الطبع 2011م .
611 - النظم الإسلامية : موريس كود فروا ، ديمومين (1863 - 1957م) : دار المعارف - القاهرة / 1982م.
612 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين : الزرندي الحنفي ، جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد المدني (693 - 750هـ) : المجمع العالمي للتقريب - طهران / 2009م .
613 - نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن : الشرواني، أحمد بن محمد الأنصاري اليمني (- 1250هـ) : بيروت / 1980م.
614 - النوادر: الراوندي ، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله (- 573هـ) : بيروت / 1988م.
615 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد عليّ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ/ 1997م.
616 - نور القبس المختصر من المقتبس: المرزباني ، محمد بن عمران (297 - 384هـ) : مكتبة الخانجي / 1975م.
617 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، أحمد بن عبدالوهاب (677 - 733هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1987م .
618 - نهج الإيمان : ابن مجاهد، جبر ( من أعلام القرن السابع ) : تحقيق : السيد أحمد الحسيني ، مجتمع الإمام الهادي (علیه السّلام)- مشهد ، الطبعة الأولى / 1418هـ.
619 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد = عزّ الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزلي (586 - 655هـ) ، قدم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلميّ ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415هـ- 1995م.
620 - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : المحمودي ، محمد باقر وزارة الثقافة والإرشاد - طهران / 1418هـ.
621 - نيل الأوطار : الشوكاني ، محمد بن علي بن محمد (- 1250هـ) : المكتبة العصرية - بيروت.
622 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله (696 - 764هـ) : تحقيق : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث - بيروت 1420هـ / 2000م .
623 - واقعة صفين : زكريا ، محمد .
624 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي = محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسين (1033 - 1104هـ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) - قم المقدسة ، الطبعة - الثانية / 1416هـ.
625 - وضوء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : الشهرستاني ، علي : ستارة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
626 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان = أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر (- 681هـ) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406هـ.
627 - وقعة الجمل : زكريا ، محمد .
628 - وقعة صفين : المنقري ، نصر بن مزاحم (212هـ) : طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة / 1404هـ (بالأنسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربية الحديثة - القاهرة / 1382هـ).
629 - الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمد بن يوسف ، مكتبة الخانجي - القاهرة /1988م.
630 - الهداية الكبرى : الحضيني الجنبلائي ، أبو عبدالله الحسين بن حمدان (- 334هـ) : بیروت / 1417هـ.
631 - هذه هي الشيعة : القرشي ، باقر شريف (1926 - م) ، المطبعة : ستارة ، الناشر : ماهر ، سنة الطبع 2011م.
632 - ينابيع المودة لذوى القربي : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
تقديم ... 7
الوصايا التربوية 11 - 95
وصاياه (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام على (علیه السّلام) ... 13
وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لسيدة النساء (عليها السلام) ... 26
وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لقيس ... 26
وصيّة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا بن مسعود ... 28
وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي ذر (رضی الله عنه) ... 60
وصيّة أخرى لأبي ذر (رضی الله عنه) ... 85
وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لمعاذ بن جبل ... 86
وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم) لسلمان الفارسي (رضی الله عنه) ... 87
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) للفضل بن العباس ... 88
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) لخالد بن زید ... 89
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) لحرملة العنبري ... 89
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي أمية ... 90
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) لرجل ... 91
وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم) لرجل آخر ... 92
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) لرجل ... 92
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) الرجل ... 92
وصيته (صلی الله علیه و آله و سلم) الرجل ... 93
وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم) الرجل ... 94
وصيّته (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنساء ... 94
وصيّة عامة للمسلمين ... 95
الوصيّة بكتاب الله والعترة ... 95
المَوَاعِظُ والنصائح
97 - 110
1 - التحذير من حب الدنيا ... 99
2 - مَن حسن عمله ... 100
3 - الخصال الشريفة ... 101
4 - الهوى وطول الأمل ... 101
5 - أشد الناس بلاءً ... 102
6 - الأعمال المقربة للجنة والنار ... 102
7 - ما بعد الدنيا إما الجنّة أو النّار ... 103
8 - الانقطاع إلى الله تعالى ... 104
9 - ذكر الموت ... 104
10 - مع الموت ... 105
11 - المسارعة إلى الخيرات ... 106
12 - الدنيا دار التواء ... 106
13 - حب الدنيا ... 107
14 - تعزية وموعظة ... 108
15 - إدبار الدنيا ... 109
16 - مع ملك الموت ... 109
1 - خطابه (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة ... 113
2 - خطابه (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمدينة ... 114
3 - خطبة الجمعة بالمدينة ... 115
4 - خطبته (صلی الله علیه و آله و سلم) بالخيف .... 117
5 - خطبته (صلی الله علیه و آله و سلم) في التحذير من الدنيا ... 117
6 - خطبته (صلی الله علیه و آله و سلم) في حجة الوداع ... 118
7 - خطابه (صلی الله علیه و آله و سلم) في غدیر خم ... 121
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع الحارث بن النعمان الفهري ... 124
8 - خطبته (صلی الله علیه و آله و سلم) في استقبال شهر رمضان ... 125
9 - خطبته (صلی الله علیه و آله و سلم) في مرضه : ... 129
1 - الوصية بالإمام (علیه السّلام) ... 129
2 - إعطاء القصاص من نفسه (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 129
روائع الحكم و الآداب
133 - 168
الأخلاق الحسنة ... 135
البشاشة ... 138
سوء الخُلق ... 138
العقل ... 138
الحمق ... 141
العلم ... 141
أهمية العلم ... 142
ثواب العالم ... 142
عقاب التارك لعلمه ... 143
صلاح الأمة بالعلماء والأمراء ... 143
الفقهاء أمناء الرُّسل ... 143
تعلّم العلم ... 144
موت العالم ... 145
العلم خزائن ... 145
التقوى بغير علم ... 145
العلم للمباهاة ... 146
التعليم برفق ... 146
ذم الجهل .... 146
التدبر في الأمور ... 147
الصلة والعفو ... 148
الإشادة بالمعروف ... 148
آداب النفس ... 149
السخاء ... 149
فعل الخير ... 150
الإحسان ... 150
صفات ذميمة ومحرّمة ... 151
النّفاق ... 151
الغدر ... 151
خيانة الأمانة ... 151
شهادة الزور ... 152
البغي ...152
الشماتة ... 153
التكبر ... 153
السعاية ... 153
الحسد ... 154
المكر ... 154
الكذب ... 155
الحرص ... 155
الفخر ... 155
الظلم ... 156
مَن يتقى لسانه ... 157
ذو الوجهين ... 157
ضعف اليقين ... 158
الإعانة على الباطل ... 158
مدح الفاسق ... 158
إخافة المسلم ... 159
خصال محمودة ... 159
خمس خصال ... 159
أربع خصال ... 159
القناعة ... 160
الاقتصاد ... 160
طاعة الله عزّ وجلّ ... 161
الاستغفار ... 161
حرمة المؤمن ... 162
إقالة العثرة ... 162
بغض أهل المعاصي ... 162
أحبّ النّاس للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 163
الحكمة ضالة المؤمن ... 163
الحث على قراءة القرآن ... 163
الرفق ... 164
فائدة الصوم ... 164
الصلاة ... 165
المواساة في الطعام ... 165
الاقتصاد في الطعام ... 165
تكريم الشيخ ... 166
المجالس أمانة ... 166
المشورة ... 167
الجماعة ... 167
الجهاد في سبيل الله تعالى ... 168
الكلمات القضارُ
210 - 199
النبي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في ساحات الحروب والمعارك
واقعة بديٍ
211 - 242
تجارة أبي سفيان ... 213
استنجاد أبي سفيان بقريش ... 214
رؤيا عاتكة ... 214
النفير العام في مكة مكة ... 216
زحف المسلمين ... 216
استشارة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أصحابه ... 217
إلقاء القبض على غلامين لقريش ... 219
نجاة أبي سفيان ... 220
رسول أبي سفيان لقريش ... 220
إقامة المسلمين والمكيّين ... 221
مشورة الحُبَاب على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 221
بناء عريش للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 222
قریش تختبر الجيش الإسلامي ... 222
نصيحة عُتْبَةَ بن ربيعة ... 223
سقاية الإمام (علیه السّلام) الجيش ... 224
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع أصحابه ... 224
المعركة .... 224
دعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 225
المعركة الحاسمة ... 225
بسالة الإمام (علیه السّلام) ... 225
النصر المبين ... 226
الذين صرعوا من المشركين :
أبو جهل ... 226
أُمية بن خلف ... 227
عقبة بن أبي معيط ... 228
النضر بن الحارث ... 228
عتبة بن ربيعة ... 229
شيبة بن ربيعة ... 229
أسماء من قتلهم الإمام (علیه السّلام) ... 229
جيف المشركين في القليب ... 231
خطاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على أهل القليب ... 231
شعر حسان في أهل القليب ... 232
الأسرى من قريش ... 234
أبو رافع مع أبي لهب ... 234
متارك بدر ... 235
1 - انتصار الإسلام ... 235
2 - فزع المشركين ... 235
3 - حزن القرشيين ... 236
شعراء قريش يرثون قتلاهم :
ابن إسحاق ... 238
الحارث بن هشام ... 238
أمية بن أبي الصلت ... 238
هند بنت عتبة ... 239
4 - سرور المسلمين ... 239
حسان بن ثابت ... 240
عبيدة بن الحارث ... 241
واقعة أحد
2453 - 277
قيادة أبي سفيان ... 245
إجماع قريش على الحرب ... 246
خروج قريش مع نسائها للحرب ... 246
مشاورة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه ... 248
انخذال المنافقين ... 248
نزول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالشعب ... 248
الحرب ... 249
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع أبي دجانة ... 250
مصرع الشهيد حمزة ... 251
اغتيال حمزة ... 251
التمثيل بجسده الطاهر ... 252
مكافأة وحشي شماتة أبي سفيان ... 254
لوعة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على عمه ... 254
مواراة الجثمان المقدّس ... 255
مأتم عزاء على حمزة ... 255
مصرع الشهيد مصعب ... 256
اندحار المشركين ... 256
هزيمة المسلمين ... 257
دعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 257
دعاء آخر للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 258
شعار المشركين في المعركة ... 259
جهاد أم عمارة ... 259
أرجاس حاولوا قتل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 260
عتبة بن أبي وقاص ... 260
أُمية بن خلف خلف ... 260
الخطر محدق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 262
نداء أبي سفيان ... 262
حماية الإمام (علیه السّلام) للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 262
مجاهدون أبطال ... 264
1 - أنس بن النضر ... 264
2 - ثابت بن الدَّخداحة ... 264
3 - أبو دجانة ... 265
4 - زياد بن عمارة ... 265
5 - أبو طلحة ... 265
6 - عمرو بن الجموح ... 266
7 - سعد بن الربيع ...267
8 - عاصم بن عمر بن قتادة ... 267
9 - الأصيرم ... 268
10 - مخيريق ... 268
انتهاء الحرب ... 269
دفن الشهداء ... 269
زحف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بجيشه لمحاربة أبي سفيان ... 270
معبد مع أبي سفيان ... 270
متارك واقعة أحد ... 272
1 - ابتهاج القرشيين ... 272
2 - مع الشعراء ... 272
ابن الزبعرى ... 273
هبيرة بن أبي وهب ... 275
3 - سرور المنافقين واليهود ... 277
4 - استضعاف المسلمين ... 277
وَاقِعَة الخَنْدَقِ
279 - 289
دور اليهود ... 281
حفر الخندق ... 282
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع نعيم ... 283
عبور الخندق ... 285
مبارزة الإمام (علیه السّلام) لعمرو ...285
بنو قريظة وفتح خيبر
291 - 303
زحف الجيش الإسلامي ... 293
إيفاد الإمام (علیه السّلام) لمقابلتهم ... 293
نصيحة كعب بن أسد لهم ... 294
بعثة أبي لبابة ... 295
تحکیم سعد بن معاذ ... 296
قسمة أموال بني قريظة ... 297
فتح خيبر ... 297
مبارزة الإمام (علیه السّلام) المرحب ...300
الشاة المسمومة ... 302
إسلام الحجاج بن علاط ... 302
الغَتَزَوَاتُ
305 - 361
1 - غزوة بني سُلَيْم ... 308
2 - غزوة السويق ... 308
3 - غزوة الفُرّع ... 308
4 - غزوة بواط ... 309
5 - غزوة العشيرة ... 309
6 - غزوة بني قينقاع ... 309
7 - غزوة فَرْقَرة الكُدْر ... 311
8 - غزوة ذي أمرّ ... 311
9 - غزوة ذات الرقاع ... 313
10 - غزوة دومة الجندل ... 314
11 - غزوة بني المصطلق ... 315
12 - غزوة مؤتة ... 316
التحام الفريقين ... 319
تعزية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لآل جعفر ... 320
رجوع الجيش إلى المدينة ... 321
13 - غزوة وادى القرى ... 321
14 - فتح مكة ... 321
صلح الحديبية ... 322
نقض العهد ... 322
أبو سفيان بالمدينة ... 322
تصميم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على فتح مكة ... 323
زحف الجيش الإسلامي إلى مكة ... 323
رسالة حاطب لقريش ... 323
على مشارف مكة ... 324
العباس وأبو سفيان ... 325
صلى أبو سفيان بين يدي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 326
أبو سفيان في مضيق الوادي ... 327
الطاف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على أبي سفيان ... 329
نداء أبي سفيان ... 329
معارضة هند ... 330
دخول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مكة ... 330
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في الكعبة ... 331
تطهير البيت من الأصنام ... 331
خطاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 333
بلال يؤذن فوق الكعبة ... 334
إسلام جماعة ... 335
1 - فضالة بن عُمَير ... 335
2 - صفوان بن أمية ... 336
3 - ابن الزُّبَعْرَى ... 337
4 - عكرمة بن أبي جهل ... 339
5 - عباس بن مرداس ... 339
بيعة الرجال للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 339
بيعة النساء ... 340
عصابة أهدر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دماءهم : ... 3414
عبدالله بن سعد ... 341
عبدالله بن خَطَل ... 341
مقيس بن صبابة ... 342
أم سارة ... 342
عكرمة بن أبي جهل ... 342
استجارة رجلين بأم هانئ ... 342
مدة إقامة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة ... 343
مخاوف المدنيين من بقاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة ... 343
15 - غزوة حنين : ... 344
زحف المسلمين للحرب ... 344
التحام الجيشين ... 344
هزيمة المسلمين ... 345
شماتة المنافقين ... 345
أبو سفيان ... 345
شيبة بن عثمان - كَلْدَةُ بن الحنبل ... 346
هزيمة المشركين ... 346
بسالة الإمام (علیه السّلام) ... 346
معركة حنين في القرآن ... 347
قسمة الغنائم ... 347
قدوم ابن عوف على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 350
16 - غزوة الطائف ... 350
17 - غزوة تبوك ... 351
تخلّف المنافقين ... 351
مؤمنون ... 353
الإمام اللا في غزوة تبوك ... 354
الثلاثة المتخلفون عن تبوك ... 355
إعطاء الجزية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 355
الإمام وسورة براءة ... 355
حديث كعب ... 357
توبة الله عليهم ... 358
18 - الإمام (علیه السّلام) وفتح اليمن ... 359
إسلام همدان ... 360
مجموع غزوات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 360
السَّرايَا
363 - 373
1 - سرية زيد بن حارثة ... 365
2 - سرية خالد لبنى جذيمة ... 365
3 - سريّة عبد الله بن رواحة ... 367
4 - سريّة بشير بن سَعْد ... 367
5 - سريّة أبى حدرد ... 368
6 - السرية إلى إضَمّ ... 369
7 - سرية زيد بن حارثة ... 369
8 - سريّة عبد الله بن حذافة السهمي ... 370
9 - سرية شجاع بن وهب ... 370
10 - سريّة كعب بن عمير ... 370
11 - سريّة عمرو بن العاص ... 371
12 - سرية أبي عبيدة ... 372
13 - سرية زيد بن حارثة ... 372
14 - سريّة عمير بن عدي ... 372
طلائع الرحيل
392 - 375
حجة الوداع ... 379
مؤتمر غدیر خم ... 382
البيعة العامة للإمام (علیه السّلام) ... 385
نزول آية إكمال الدين ... 386
البيعة للإمام ضرورة إسلامية ... 386
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والخلافة ... 387
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رشح عليا (علیه السّلام) للخلافة ... 388
لماذا رشح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا (علیه السّلام) ... 388
السَّاسَاةُ الخَالِدَةُ
393 - 414
إعطاء القصاص من نفسه (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 396
سرية أسامة ... 399
رزية يوم الخميس ... 402
فجيعة الزهراء (عليها السلام) ... 405
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يوصى بأهل بيته (علیهم السّلام) ... 407
وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بسبطيه (علیهما السّلام) ... 407
إلى الفردوس الأعلى ... 408
تجهيز الجثمان العظيم ... 411
الصلاة على الجثمان العظيم ... 412
مواراة الجثمان العظيم ... 413
تأبين الإمام (علیه السّلام) ... 413
فزع أهل البيت (علیهم السّلام) ... 414
مصادر الكتاب ... 415
محتويات الكتاب ... 481