ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء : 8-43 - 8275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء الأول
الرّسول الأکرم محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحياء تراث أهل البيت
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الرّسول الأکرم محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء الأول
الرّسول الأکرم محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء : 8-43 - 8275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»
التوبة 9: 33
«لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ»
التوبة 9: 128
«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»
سبأ 34: 28
«هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»
الجمعة 61: 2
«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»
الأنبياء 2 : 107
إلى : صانع الحضارة الإنسانيّة
إلى : أسمى منقذ ومحرّر لإرادة الإنسان وسلوكه
إلى : من دمّر عقائد الجاهلية وحوّلها إلى ركام
إلى : سيّد وخاتم النبيين
محرّر الأعظم الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
أرفع هذا الجهد عن حياته التي أضاءت واحات الكون بقيمها ومبادئها آملاً ان يتفضل عليّ بالقبول واللطف
المؤلّف
هذه آخر كلمات كتبها العلّامة الشيخ باقر شريف القرشي (حفظه اللّه) تقديماً الموسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو على سرير المرض، ويعاني من آلام شديدة، وهي عاماً.
إنّ عرض سيرة أهل البيت، وإبراز قيمهم، من أسمى الخدمات التي تقدّم للأُمّة، ومن أكثرها أصالة، فإنّها حافلة بمقومات الحياة وتطوّرها، وأنّ المتتّبع لها (يرى فيها المنهج الصحيح الذي تسير عليه الإنسانيّة) (1)، وليس في ذلك غلوّ ولا خروج عن موازين الاعتدال، وهي تحكي موازين الاعتدال، وتدل بصورة موضوعيّة على ذلك
وإنّا نبارك للقائمين بذلك، راجين لهم التطوّر والإبداع والخدمة للفكر.
باقر شريف القرشي
الثلاثاء 2 جمادى الآخرة 1433هـ.
المصادف 24 / 4 / 2012م
1) أضفناها لاقتضاء سياق الكلام.
1 - قدّم العظماء والمصلحون لشعوبهم وأوطانهم خدمات جبّارة في ميادين الإصلاح الاجتماعي، فأشاعوا العلم، وأسّسوا المراكز الثقافيّة والصحّية، وحرّروا أوطانهم من الخرافات والأضاليل، وفتحوا لها آفاقاً مشرقة من الوعي والتطوّر، وألحقوها بقافلة الحضارة الإنسانيّة، كما إن لبعض المصلحين الفضل في تحرير أوطانهم من الاحتلال والاستعمار، وإقامة أعلام الحرّيّة فيها.
وقد اعترفت شعوبهم بالفضل الذي أسدوه عليها، فقدمت لهم جميع ألوان التكريم والتعظيم لهم، فنصبت لهم التماثيل التي تحكيهم في الأمكنة العامّة، وطبعت صورهم في الأوراق النقديّة، وألّفت الكتب التي تحكي سيرتهم وخدماتهم ومآثرهم وآثارهم، وما أسدوه على أمّتهم من الألطاف، كما تقيم لهم المهرجانات الشعبيّة في أيّام ولاداتهم ووفاتهم ومواقفهم الخالدة، وذلك اعترافاً من الشعوب بفضلهم، وتخليداً لخدماتهم.
2 - ومَن هو أولى بالتكريم، وأحقّ بالتعظيم، من سيّد الكائنات وخاتم الأنبياء الذي قدّم للإنسانيّة أهم الخدمات، فأقام معالم الحضارة، وأسس حقوق الإنسان، وحرّر العقول من عبادة الأوثان والأصنام، ودمّر معالم الجاهلية الرعناء التي أباحت كلّ مآثم الحياة التي كان منها وأد البنات، وشاع في ذلك قولهم: «دفن البنات من المكرمات»، وغزوا القرى، ونهبهم لأموال الفقراء ومصادرة عيشهم، وسيادة الجهل والأميّة، فحرّم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميع ذلك، وأقام معالم الحضارة والتطوّر
والحياة الكريمة التي ينعم بها الإنسان، وكان من معالمها الدعوة الجادّة للتسلّح بالعلم، فقد جعل طلبه فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، وجعل خير الناس مَن نفع الناس، ودعا إلى تطوير الحياة بجميع جوانبها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والتحرير الكامل من البؤس والفقر، وتأسيس المشاريع العامّة التي يجد الإنسان في ظلالها الأمن من البطالة والفقر، فما أعظم عائدة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على البشريّة جمعاء.
3 - تحدّث القرآن الكريم عن عظيم حبّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأمّته، وحرصه البالغ على سعادتها، وضمان مستقبلها، قال تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1). هذا الرسول العظيم الحريص على أمته الذي يعزّ عليه عنتها، كيف يتركها بعد وفاته تتقاذفها أمواج الفتن، وتتردّى في مجاهل هذه الحياة، ولا يضع لها المنهج السليم الذي يقيها من الزيغ والانحراف، بل واللّه لقد وضع لها الرصيد الكامل لسلامتها، وهو كتاب اللّه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعترته الطيبين عدلاء الذكر الحكيم، قال صلوات اللّه عليه: «خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابَ اللّه تَعَالَى وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي، ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً».
ومن المؤسف أنّ بعض رموز السياسة من الصحابة ردّ عليه بقوله: «حسبنا کتاب اللّه»، ومعناه يكفينا كتاب اللّه تعالى، لا حاجة لنا في عترتك.
وبعد انتقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى حظيرة القدس رفع بعض الصحابة شعارهم : «أبت قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد»، وأجمع الحزب القرشي بقيادة أقطابه على إقصاء أهل البيت عن المسرح السياسي، ومعاملتهم معاملة عادية اتّسمت بالحقد والكراهية، وقد واجهت الأمّة من جرّاء ذلك أعنف المشاكل، وأقسى ألوان المحن والخطوب، فقد عصفت بها الفتن والأهواء، وتفرّقت إلى شيع وأحزاب،
1) التوبة 9: 128.
وتحكّم في مصيرها اللصوص والخونة من الأمويّين والعباسيّين، وكان ذلك ناجماً من دون شكّ من أحداث السقيفة ومؤتمر الشورى، وهو واضح كلّ الوضوح والظهور لمن يقرأ الوثائق التاريخيّة في تلك الفترة من الزمن الحافلة بالأحداث الجسام التي كانت خاضعة للأهواء وحبّ الملك والسلطان، ولم يقرّر فيها أي مصلحة للأمّة عبر أجيالها الصاعدة.
4 - أما أوصياء النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مصابيح الإسلام، وخزنة العلم وأهل التوحيد، قد منحهم تعالى الحكمة وفصل الخطاب، وطهرهم من الرجس تطهيراً، وفرض مودّتهم على عباده، وقد وهبوا حياتهم اللّه تعالى، وأخلصوا في طاعته أعظم ما يكون الإخلاص، وتبنّوا بصورة إيجابية حقوق المظلومين والمعذبين، وكانوا الجبهة المعارضة لسياسة ملوك الأمويين والعبّاسيّين الذين جهدوا على ظلم الناس، وإرغامهم على ما يكرهون، وأنفقوا موارد الأمّة وخيرات البلاد على شهواتهم ولياليهم الحمراء، وعلى العابثين والماجنين الذين يفسدون الأخلاق، ولا يرجون اللّه وقاراً، ولم تكن هناك جبهة معارضة تطالب بالإصلاح الاجتماعي سوى أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين تعرضوا لسخط أولئك الجبابرة، فصبّوا عليهم وعلى شيعتهم أقسى ألوان المحن والخطوب.
5 - كنت في شرخ الشباب لا أتجاوز العشرين عاماً، وكان لي ولع شديد في التأليف، فشرعت بتأليف حياة الإمام الزكي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقد جهدت جهداً شاقّاً وعسيراً، وذلك لعدم توفّر مصادر البحث، فلم تكن في النجف سوى مكتبتين عامّتين، فكنت أوزّع الوقت بينهما، كما كنت أسافر إلى بغداد للاطّلاع على بعض المصار، وبعون من اللّه تعالى تمّ تأليف الكتاب في جزئين، وقد طبع غير مرّة، ونال الرضا في نفوس القرّاء، ثمّ واصلت المسيرة في التأليف عن بقية أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد وجدت في سيرة كلّ إمام منهم هالة
من الشرف والنور ما يبهر العقول، وهم ليسوا ملكاً لطائفة دون أُخرى، وإنّما هم ملك للناس جميعاً، كالشمس الذي ليست ملكاً لصنف دون صنف، وإنما هى ملك لجميع الناس، وبعد الفراغ منهم شرعت في التأليف عن جدهم سيد الكائنات الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد تمّ - والحمد للّه - وقد بلغت الموسوعة ما يزيد على أربعين جزءاً، وأنا قد أخذت بعنق الثمانين عاماً، جعل اللّه تعالى ذلك لنا ذخراً يوم نلقاه.
6 - ونجحت هذه الموسوعة، وتلقّاها القراء بالرضا، وقد أُعيد طبع معظم أجزائها، خصوصاً (حياة الإمام الحسين بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ))، فقد طبع في بيروت وإيران العراق بكثرة قرّاؤه، وكان من نجاح هذه الموسوعة أن ترجمها الفاضل الحاج محمّد تقي أنصاريان إلى اللغة الانجليزية، وقال إنها لاقت نجاحاً كبيراً في الغرب، وتلقى رسائل شكر من المتعطّشين لمعرفة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والذين لا يحسنون اللغة العربيّة ولا الفارسيّة، كما ترجمت معظم أجزائها إلى اللغة الفارسيّة وكان ذلك ببركة أئمّة الحق (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتسديدهم.
7 - وندرت هذه الموسوعة في الأسواق، وكثر الطلب عليها، وقد انبرى معالي وزير الإرشاد الإسلامي في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى إعادة طبعها بشكل جميل، فسعي جميل، وكان ذلك بسعى كلّ من سماحة آية اللّه العلّامة المحّقق الشيخ جعفر سبحاني. ومن الخطيب المفوّه الفاضل العلّامة الشيخ حسين أنصاريان وسماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ المعراجي، كما أنّي أشيد بإجلال وتعظيم إلى سماحة المغفور له حجّة الاسلام والمسلمين أخي العلّامة الشيخ هادي شريف القرشي على ما أبداه من جهد معي في تأليف معظم الموسوعة سائلاً المولى القدير أن يجزل له المزيد من الرحمة والغفران. كما أكرّر شكري إلى فضيلة العلّامة ولدي الشيخ مهدي، فقد بذل جهداً شاقّاً في مراجعة الموسوعة وملاحظة مصادر البحث فيها، وفّق اللّه تعالى الجميع لما فيه الخير، إنّه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
مکتبة الإمام الحسن العامّة
النجمة لأشْرَفُ
باقر شريف القَرَشي
10 / رمضان المبارك / 1428هـ
سيرة أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) سيرة عطرة طيبة، تذكّر باللّه تعالى، وتحيي النفوس، فهم أهل بيت النبوّة، وغرائس الوحي، ومعدن العلم والنور، وهم قبس من نور اللّه تعالى، ذكرهم شفاء للنفوس.
فالأئمّة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) فيض وعطاء من اللّه تعالى لنبيّه الكريم محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، تكريماً لجهوده في إقامة معالم الدين الإسلامي، فهم حماة الإسلام وأوصياء الرسول، وعدلاء الذكر الحكيم، وسفن النجاة. يقول النبيّ الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إنِّي تارك فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابَ اللّه وَعِتْرَتي أَهْلَ بيتي».
فمودّة ومحبّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فرضٌ وإلزام على المسلمين لقوله تعالى: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المودّة فِي الْقُرْبَى» (1).
لقد اتّسمت سيرتهم المباركة بالتجرّد الكامل عن متع الحياة وزخرفها، والإقبال على اللّه تعالى والعبودية المحضة له.
فكانوا يقضون لياليهم بالعبادة والخشوع والتضرع إلى اللّه تعالى، وتلاوة كتابه الكريم، في حين أن خصومهم كانت لياليهم مشفوعة بالفسق والمجون، ورحم اللّه أبا فراس إذ يقول:
1) الشورى 42: 23.
تُمْسي التَّلاوَةُ فِي أَبْيَاتِهِمْ أَبَداً***وفي بُيوتِكُمُ الأوتاد وَالنَّغَمُ
إنّ المنهج التشريعي لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هو المنهج المشرق الصحيح المستمد من النبيّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، الذي يعالج جميع شؤون الحياة، فهو يحكي جوهر الإسلام وحقيقته النازلة من ربّ العالمين، لذا على المسلمين أن يتّبعوا مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذي يقربهم إلى اللّه تعالى زلفى.
إنّ حياة الأئمّة الأطهار حياة علم وجهاد وعطاء، فكلّ إمام فيض في مختلف العلوم، لم يسبقهم ولم يلحقهم أحد، فكلّ إمام علم ونبراس للأمّة في القيم التربوية والأخلاقيّة والتشريعيّة، وفي مختلف ميادين الحياة.
فمذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مذهب صاف نقيّ، فإن جميع ما أثر عن الأئمّة الأطهار من أحكام وتشريعات مستمدّة من الرسول الأكرم، ولكن للأسف إنّ الأمّة الإسلاميّة لم تنهل من هذا النمير، وسلكت في طرق شتّى.
إن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأتباعهم قد عانوا أشدّ المعاناة في فترة الحكم الأموي والعباسي، وقدموا آلاف الشهداء في سبيل العقيدة الإسلاميّة، رافعين لواء الحق والدفاع عن حقوق المظلومين والمحرومين.
إنّ موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هي الموسوعة الشاملة لحياة جميع الأئمّة في مختلف شؤون حياتهم المباركة، وبحمد اللّه عزّ وجلّ قد ترجمت إلى اللغة الانكليزيّة والفارسيّة، وهي الآن قيد الترجمة إلى اللغة الفرنسيّة، وبعض مفردات الموسوعة قد ترجم إلى عدّة لغات.
فقد بذل سماحة الوالد حفظه اللّه تعالى جهداً شاقاً منذ خمسين عاماً تأليف الموسوعة الكبرى لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وذلك لإبراز قيمهم
ومثلهم للمجتمع، لأنّهم مصدر الوعي والفكر في الأرض، فجزاه اللّه خير جزاء الصالحين.
وقد جمّد أبحاثه الفقهيّة والأصولية المستفاضة من أساتذته العظام، وذلك إحياءاً لتراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ونحن إذا وفقنا اللّه نشرع في تبييض وتبويب تلك الأبحاث.
وهناك شرح وافي ومفصل لكفاية الأصول، قد كتب منذ فترة من الزمن، وإن شاء اللّه يخرج بحلّيّته الجديدة إلى الطلبة الأعزاء.
ونحن نحمد اللّه عزّ وجلّ لما وفّقنا إليه، فقد بذلنا جهداً وافراً في تحقيق موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، نسأل البارى عزّ وجل أن يرزقنا شفاعتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وفي الختام أرفع شكري ودعائي للاخوة الأعزاء الذين بذلوا جهدهم معنا في التحقيق.
والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين
مهدی باقر القرشي
22 ذي القعدة 1429هـ
1 - نحن أمام داعية اللّه الأكبر، الذي حطّم الأوثان، ودمّر الأصنام، وفتح آفاق العلم والفكر، وحرّر الإنسان من مآثم الحياة، و أقام له صرحاً شامخاً من التطوّر والإبداع.
نحن أمام الرحمة الكبرى التي وهبها اللّه تعالى لعباده ليقيم أودهم، ويهديهم للتي هي أقوم، ويضيء لهم الطريق، ويوضح لهم القصد
نحن أمام الفيض الإلهي الذي ألهم الأفكار فعل الخير، و أكسبها ثراء وإبداعاً في سلوكها وعلاقاتها و آدابها.
نحن أمام أعظم مصلح اجتماعي في تأريخ بني الإنسان، الذي أقام صروح الحضارة لأمم العالم وشعوب الأرض بعدما كانت تعيش في فوضى مدمّرة في حياتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
نحن أمام أعظم بطل في تأريخ العالم كله، الذي استطاع أن يغير تأريخ البشريّة من ظلام قاتم لا بصيص فيه من النور إلى حياة مشرقة بالوعي والنور والاطمئنان والمودّة والجمال.
نحن أمام البطولات الهائلة التي أنكرت الضعف، و أبت الاستسلام والإنخذال، ومضت مسرعة في طريقها تشقّ الأجواء، فرفعت كلمة اللّه عالية في الأرض، والتي تعني تحرير الإنسان من العبوديّة والسلوك القاتم.
نحن أمام الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعه ابن عمه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو دنيا من البطولات، فأقاما في هذا الشرق العربي صروح الإيمان باللّه تعالى الذي تبتني عليه قوى الخير والسلام في الأرض
نحن أمام هبة اللّه إلى العالم كله و هو الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي قال : «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مهداة».
2 - إن جميع نواحي العظمة الإنسانيّة متوفّرة في سيرة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي آدابه وحكمه وتعاليمه التي تزيد الفكر خصباً، وتكسبه ثراءً، وليست أدب عصر من العصور ولا ثقافة بيئة خاصّة من البيئات، وإنما هي آداب العصور والبيئات على امتداد التأريخ.
لقد وضعت سيرة الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأسس التربويّة والمناهج الحيّة لسلوك الإنسان وسيرته مع نفسه وأسرته ومجتمعه، وقد تميزت تلك المناهج بأنّها تواكب الفطرة وتساير الزمن، وتتفاعل مع الحياة لم تشدّ عن الطبيعة، ولم تتصادم مع سنن الكون، وستبقى حية لا يجد الإنسان لها بديلاً ومثيلاً حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها.
3 - النبوّة هبة اللّه تعالى لعباده تقيم فيهم سنن الحقّ والعدل، وتصلح ما أعوج من نظم حياتهم التي ينعمون بها، وليست - بأي حال من الأحوال - خاضعة للقوانين التي يخضع لها الناس في انتخاب زعمائهم، واختيار قادتهم، وإنّما أمرها بيد الخالق العظيم، خالق الكون، وواهب الحياة، فهو أعلم وأدرى و أخبر بمن يختاره لهداية عباده، وإصلاح شؤونهم، وإقامة سلوكهم، وتهذيب نفوسهم.
وقد اختار اللّه تعالى منذ فجر تأريخ الإنسانيّة خيرة عباده لتبليغ رسالاته، وإشاعة الخير والمودّة بين الناس، وقد حمل الأنبياء العظام رسالة اللّه تعالى، وقاموا بدور إيجابي ومتميز بتعليمهم وإرشادهم إلى حياة أفضل تتوفّر فيها سعادتهم، وما يصبون إليه من الضمان لكرامتهم وحقوقهم، وبهذا الدور المشرق قام خاتم الأنبياء وسيّدهم
الرسول محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأدّى رسالة ربّه، وتحمّل المحن الشاقّة في إنقاذ عباده من براثن الجاهليّة ومآثمها، ففجر ينابيع العلم والحكمة، وحمل مشاعل النور، التي تضيء الطريق وتهدي الضالّ، وتنير العقول.
4 - والشيء المهم في بعثة الأنبياء الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى وتوحيده وتنزيهه عن الشريك، فإن الإيمان باللّه تعالى تبتني عليه قوى الخير والأمن والسلام في الأرض، فمن آمن باللّه ووحّده فإنه لا يقترف إثماً ولا ظلماً ولا اعتداء على غيره، ومن المؤكّد أنّ جميع ويلات الحروب، وما يصيب الناس من شقاء فإنّه ناجم من ضعف الإيمان باللّه تعالى، ولذا كانت الدعوة إلى الإيمان بالخالق العظيم من أهم ما عنى به الأنبياء في رسالتهم إلى الناس، فلا تقرأ سيرة نبيّ من أنبياء اللّه تعالى إلا وترى البارز فيها الدعوة الجادة والخالصة إلى الإيمان باللّه وتنزيهه عن الشريك.
5 - وتميّزت دعوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لتوحيد اللّه تعالى بالأدلة الحاسمة التي تستند إلى المحسوسات التي لا يتطرق لها وهم ولا شك، ولم تحفل بالبحوث الفلسفية من الدور والتسلسل، وغيرهما من الأمور المعقدة التي لا تفهمها العامّة، فقد أعرض عنها واتجه صوب الأدلّة الحسيّة المتوفّرة في جميع مظاهر الكون، وفي خلق الإنسان نفسه وما فيه من الأجهزة المدهشة في صورته ودماغه وبصره وسمعه وإدراكه. وهذه الأدلّة الناصعة قد حفل بها القرآن الكريم في كثير من آياته.
ومن الجدير بالذكر أن الآيات الكريمة التي نزلت في توحيد اللّه، وفندت أفكار الجاهلية كانت معظمها في مكّة، ولم تكن في المدينة المنورة ؛ لأنّ أهالي مكّة كانوا عبدة الأوثان والأصنام، أما المدينة المنوّرة التي اتخذها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عاصمة له، فكانت قليلة الشرك والإلحاد، وقد آمن أبناؤها بالإسلام فكراً وعقيدة، و أبلوا في سبيله البلاء الحسن، وقد ارتفعت في هذا البلد الطيب كلمة التوحيد، ومنها امتدت موجاتها المشرقة إلى أمم العالم وشعوب الأرض.
6 - ولم تقتصر رسالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على توحيد اللّه تعالى وسائر الطقوس الروحية، وإنّما كانت شاملة لجميع مظاهر الحياة وشؤونها، فقد وضع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النظم الاجتماعيّة للفرد وللأُسرة وللمجتمع وللدولة، كما وضع لها المناهج في سياستها الداخلية والخارجية القأئمّة على العدل الخالص والحقّ المحض.
لقد امتدّت رسالة الإسلام إلى جميع مناحي الحياة، وفتحت آفاق العقل، وعنت بالعلم، وجعلته الأساس حتّى في أداء الشهادات لا الظنّ الذي لا يغني عن الحق شيئاً، كما لم يسمح بتقليد الآباء في الشؤون العقائدية، بل لا بد من اتباع العلم فيها ليكون الإنسان على بينة من أمر دينه أمام اللّه تعالى و أمام نفسه
7 - وكان مما عنى به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رسالته الخالدة إبادة الفقر، وإقصاء الحاجة، فقد أهتم بذلك اهتماماً بالغاً، فشرع الضرائب المالية، كالزكاة والخمس والضمان الاجتماعي، وحثّ على البرّ والإحسان، كما أقام نظمه الاقتصاديّة على نشر الرخاء بين الناس، وعدم احتكار الثروة عند فئة من الناس، فقد حرّم تحريماً باتّاً الوسائل التي توجب تكدّس الثروة عند شريحة من الناس، ومن بين تلك الوسائل :
1 - تحريم الربا.
2 - تحريم الاستغلال
3 - تحريم احتكار الأطعمة.
4 - تحريم الغبن.
5 - تحريم الغش
6 - تشريع المواريث الذي يبدد الثراء الفاحش، وعدم حصره عند الولد الأكبر، كما هو الحال في بعض الأنظمة الغربيّة.
وعلى أي حال، فإنّ الاقتصاد الإسلامي بأنظمته الخلّاقة - التي ألمحنا لبعضها - قد نشر الرخاء بمفهومه الواسع بين الناس
8 - ومن بنود التشريع الإسلامي العناية بالصحّة العامّة وجعل الطب وقائياً، فقد دعا الإسلام إلى عدم الإسراف في تناول الطعام، قال تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (1)، فإنّ الإسراف فيه له مضاعفاته السيئة التي منها الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي، والإصابة بالسمنة، و أمراض القلب، ولو أن المسلمين طبقوا ذلك على واقع حياتهم الصحية لما احتاجوا إلى مراجعة الأطباء، وكان الطبّ عندهم وقائياً.
ومن بين الوسائل التي دعا إليها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النظافة، فقد جعلها من الإيمان - كما في الحديث - وليست النظافة مقتصرة على الجسم، وإنما هي شاملة لما يشربه الإنسان ويأكله ويلبسه ويسكنه، كما أنها شاملة إلى الشارع والمحلات وغيرها، التي تمنع من انتشار الأوبئة والأمراض.
وكثير من الشؤون الصحية قد ندب إليها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليكون المسلم بمأمن من الإصابة بالأمراض التي يعيش الإنسان في ظلالها ببؤس وشقاء. ويعرض هذا الكتاب إلى بعضها.
9 - أما شخصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهي ملء فم الدنيا سموّاً وتكاملاً وفضلاً، ففي جميع مراحل حياته كان مثالاً للتكامل الإنساني بجميع رحابه ومفاهيمه، فقد كان في شرخ شبابه بعيداً عن اللهو واللغو، فلم يختلط مع فتيان قريش الذين كانوا غارقين في مسارح الدعارة والمجون، كما كان من أصدق الناس، و أوصلهم لرحمه، وأشدهم إيثاراً للفقراء، وكانت تقول له أمّ المؤمنين خديجة (رضیَ اللّهُ عنهَا): «إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلأ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ».
وما أصدق قول الشاعر فيه :
خُلِقْتَ مُهَذِّباً عَنْ كلّ عَيْبٍ***كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ
1) الأعراف 7: 31.
وهكذا خلقه اللّه منزّهاً عن كلّ نقص وإثم، فقد خلقه للفضائل والكمال والآداب.
10 - وثمة ظاهرة أخرى في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تجاوزت حدّ الوصف والإطراء. وهي أنه كان يملك إرادة فذّة لم يملكها أي إنسان في جميع فترات التأريخ، فقد رفع رسالة اللّه تعالى وحده وحاربه أقرباؤه وعلى رأسهم عمه أبو لهب، ومعظم مجتمعه، فلم يعبأ بهم، ولم يحفل بمقاومتهم، وظل صامداً أمام التعديات الصارخة على شخصيّته العظيمة.
وقد قال كلمة الفخر والاعتزاز التي ظلت وساماً له وهي: «لَوْ وَضَعوا الشَّمْسَ بِيَمينِي، وَالْقَمَرَ بِيَساري عَلى أَنْ أَتْرُكَ هذَا الأَمْرَ ما فَعَلْتُ حَتَّىٰ يُظْهِرَهُ اللّه، أَوْ أَموتَ دُونَه»، وظل صامداً كالجبل، لم يتأخر ولا لحظة واحدة عن التبشير بقيمه ومبادئه حتّى نصره اللّه و أعزّه، وارتفعت كلمة التوحيد في ذلك المجتمع الذي خضع بعبودية وذلّ إلى الأصنام والأوثان، فدمّرها سلام اللّه عليه بقوة وعزم وتصميم، وهكذا كانت بطولاته التي دمّرت معالم الجاهليّة وعاداتها وتقاليدها وصارت موضع درس لكلّ مصلح اجتماعي في الأرض.
11 - وفجر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوته الخلّاقة في ربوع مكّة التي هي وطنه، وقد عُرف أهلها بالأنانية والغطرسة والتكبّر، وقد تصادمت رسالته مع تقاليدهم و أديانهم وميولهم وعاداتهم، فورمت أُنوفهم، وانتفخ سحرهم، فأجمعوا على إخماد ذلك الصوت في مهده، وناجزوا الدعوة بجميع طاقاتهم.
فقد حاربه الأقوياء وذوو النفوذ من بهائم البشر، وعلى رأسهم الجاهلي أبو سفيان شيخ قريش، وقد لاقى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم عناء أي عناء، فقد سخروا منه، وسلطوا عليه صبيانهم يقذفونه بالأحجار، ويلقون عليه الرماد والتراب، وقد احتمى عنهم بأخيه وابن عمّه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في فجر الصبا، فكان إلى جنبه يطارد صبيان قريش ويصدّهم عنه.
12 - ولم يقف إلى جانب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيّام محنته إلّا عمّه أبو طالب مؤمن قريش وشيخ البطحاء، فقد احتضن الدعوة، وآمن بها إيماناً مطلقاً، وأبلى في سبيلها أعظم ما يكون البلاء، وقد جنّد أبناءه على حماية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والذب عنه، وعلى رأس أبنائه بطل الإسلام الخالد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي فدى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بروحه، ونصره في جميع المواقف والمشاهد، فكان القوة الضاربة التي احتمى بها من إيذاء قريش.
لقد آمن أبو طالب بالإسلام، ونفَذَتْ تعاليمه وقيمه إلى أعماق نفسه ودخائل ذاته وهو القائل :
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ محمّد***مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينا
وكان يبعث العزم في نفس ابن أخيه على مواصلة دعوته، وعدم الاعتناء بمناجزة القرشيّين له وهو القائل له :
وَاللّه لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ***حَتَّى أَوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينا
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ***وَابْشِرْ بِذاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيونا (1)
جزى اللّه أبا طالب عن الإسلام خيراً، و أجزل له المزيد من الأجر، فقد بذل قصارى جهوده في حماية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولولاه لأتت قريش على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و أقبرت الدعوة في مهدها، وسنعرض في غضون هذا الكتاب إلى صفحات مشرقة من جهاده.
13 - وآمن المستضعفون والأرقاء في مكّة بالإسلام، واعتنقوا مبادئه وأهدافه، كانوا على ثقة أنه جاء لتحريرهم من عنف القرشيّين واضطهادهم، وأنّهم سيكونون السادة، وطغاة قريش سيكونون أرقاءً وعبيداً لهم، كما اعتنق الإسلام بعض الشباب من قريش من ذوي الأفكار الصقيلة والأفهام البارعة، وكذلك آمنت بالإسلام
1) أسنى المطالب في نجاة أبي طالب : 25.
كوكبة من سيّدات قريش، وكانوا جميعاً يسخرون ويهزءون من أصنام قريش ويعيبون أوثانهم التي اتّخذوها آلهة يعبدونها من دون اللّه تعالى، وزاد ذلك عتوّاً وسخطاً في نفوس الطغاة والمستكبرين، فعمدوا إلى تعذيبهم بشتّى أنواع التعذيب وأقساه، وقد استهدفوا بتعذيبهم الضعفاء الذين ليس لهم ركن شديد يأوون إليه، ولا قوة تحميهم من عنف السادة والتنكيل بهم، أمثال : عمار، وياسر، وسميّة، وبلال الحبشي، وخباب بن الأرت، وعبد اللّه بن مسعود، وكان أبو جهل يخترع في تعذيبهم أشقّ ألوان التعذيب إلّا أنّ ذلك لم يصدّهم عن الإسلام، فقد خلق لهم طباعاً جديدة كان قوامها الصبر والثبات والاطمئنان، ولم يعرفوا الاضطراب في دينهم ولا التردّد فيما اعتنقوه.
وقد أذن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لمن آمن برسالته بالهجرة إلى الحبشة ليعبدوا اللّه فيها آمنين لا يلقون فتنة ولا عذاباً، وبقي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة مع بعض أهل بيته ومن آمن به وهم يلقون من الأذى والاضطهاد ما لا يوصف لمرارته وقسوته.
14 - وبعد ما رزأ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوفاة عمه أبي طالب لم يكن له في مكّة ركن شديد يأوي إليه، ولا ذو بأسٍ يحميه ويلجأ إليه من كيد القرشيّين وبطشهم، فأجمع رأيهم على قتله، فأحاطوا بداره شاهرين سيوفهم ينتظرون طلوع الفجر لتصفيته، فأمره الوحي بمغادرة مكّة، فخرج منها في غلس الليل وهم لا يشعرون، وقد أمر أخاه وابن عمه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمبيت على فراشه، فاستجاب له فرحاً ليكون فداءً له.
واتّجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صوب يثرب، وقد استقبل من أهلها استقبالاً حاشداً تعمّهم الأفراح بتشريفه لديارهم، وقد وجد فيهم الأمن بعد الخوف، والقوة بعد الضعف، والسعة بعد الضيق.
15 - ولم يمكث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في يثرب جالساً من دون أن يزاول أهمّ الأعمال، وإنّما نهض بصلابة وعزم إلى جمع كلمة المدنيّين بعد أن كانت متفرقة،
قد شاعت بينهم العداوة والبغضاء، خصوصاً ما بين الأوس والخزرج، اللذين يشكّلان فيها الأكثرية الساحقة، فقد سادت الكراهية وسفك الدماء بينهم، وقد أخى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بينهما، وأزال الحقد والبغضاء منهما، كما آخى بين المهاجرين والأنصار، وربط بينهما برباط الأخوة الإسلاميّة التي هي أوثق وأشدّ عرى من الأخوة النسبيّة، كما قام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتأسيس الجامع المعظم، فاتّخذه مقراً لحكومته ومعهداً لتعاليمه، وقد انتشر الإسلام بسرعة الضوء، وتشكلت الدولة الإسلاميّة العظمى التي امتدّت - بعد زمان يسير - إلى معظم أنحاء العالم، وارتفعت كلمة اللّه تعالى في أمم العالم وشعوب الأرض.
16 - لقد غيّر النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مناهج الحياة القاتمة والقأئمّة على الجهل والظلم والبؤس والبغي، فأزال عنها ذلك الكابوس الرهيب، وأشاع فيها العلم والنور والحكمة والأمن والرخاء، فما أعظم عائدته على الإنسانيّة جمعاء.
ولعلّ هذه الدراسة تلقي الأضواء على بعض معالم شخصيّته العظيمة التي استوعبت بفخر واعتزاز جميع لغات العالم، وآمن بقدسيتها وعظيم شأنها جميع رجال العلم والفكر في العالم. إن تأريخ حياته حافل بكنوز من الفكر والتطور والإبداع، وحياته إنّما هي تأريخ للإنسانيّة بجميع أبعادها وشؤونها، فقد اعترف كبار المستشرقين بذلك، أمثال أرنست رينان، وجولد زيهر، وستوك هيرجو، وجوستاف لينون، وغيرهم، ومن المؤكّد أنّها تولّدت حضارة الإسلام في مكّة والمدينة وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وقرطبة وغرناطة كما كان انتشار الحضارة في كلّ من لندن وباريس وروما وبرلين (1).
17 - ومن بنود هذا الجزء رحلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى يثرب بعدما عانى ألواناً قاسية من الاضطهاد والتنكيل من أهالي مكّة، وكان آخر ما لاقاه منهم إجماعهم على
1) ثورة الإسلام وبطل الأنبياء : 76.
تصفيته جسديّاً، وإحاطتهم بداره شاهرين سيوفهم منتظرين الصبح، فخرج صلوات اللّه عليه في غلس الليل البهيم بعد أن أقام أخاه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فراشه، وسلم من مؤامرتهم، ولما استقر في يثرب أقام دولته العظمى، وفتح اللّه تعالى له الفتح المبين، فأسس جيشاً مسلحاً بالإيمان لحماية دولته، والتبشير بدعوته، والصيانة لمبادئه.
ومن بحوث هذا الكتاب صفحات مشرقة من تراث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في طليعتها أدعيته الشريفة التي تمثّل عمق إيمانه باللّه تعالى، الذي كان عنصراً من عناصره، وذاتاً من ذاتياته.. لقد تفانى صلوات اللّه عليه في حبّ اللّه تعالى، ووهب حياته بإخلاص لأداء رسالته تعالى، وإنقاذ عباده من براثن الجهل ومآثم الحياة.
كما أنّ من الصفحات المشرقة من تراث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض وصإيّاه التي أدلى بها لوصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكوكبة من أصحابه، وهي من غرر الحكم والآداب، ومن أسمى أرصدته الروحية والاصلاحيّة التي عنت بتهذيب الإنسان، واستقامة سلوكه.
18 - ولم أعرض في دراستي عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ذكر الأسانيد المطوّلة التي ذكرتها كتب التاريخ والسِّير، فليس في إثباتها متعة ولا لذّة للقراء الذين يبغون اليسر والسهولة في الكتاب.
وعلى أي حال فقد حفلت السيرة بأدب خصب ومنعش ؛ لأنّها ترضي العقل والشعور، وتلائم الحياة التي يحياها الناس، وتساير خواطرهم التي تكمن في عقولهم، وليست هي من آداب عصرٍ خاصّ ولا جيل من الأجيال، وإنّما هي من آداب جميع العصور والأجيال، وقد ألهمت العباقرة والأدباء فنظموها أجمع، ونظموا بعضها - كشوقي - ودوّنها نثراً - كطه حسين عميد الأدب العربي وغيره من قدامى ومحدثين. وعلى أي حال فإنّي أعتمد في بحوثي على الأخبار التي يطمئن لها العقل ويرضاها
المنطق وتستقيم عليها أساليب التفكير العلمي، وهي مما تثير عواطف الخير في النفوس، وتصرف عنها بواعث الشر والغرور.
إنّى آمل من اللّه تعالى أن تكون هذه الدراسة عن سيّد الكائنات صلوات اللّه عليه ذخراً لي يوم ألقى اللّه تعالى، وهو كلّ ما أتمنّاه.
إنّه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه
مکتبة لامام الحسن العامّة
النجف الاشرف
باقر شريف القَرشي
17 / ربيع الأول / 1425هـ
لعلّ من النافع أن نتحدّث عن مكّة - بإيجاز - لأنها البلد الذي نشأ فيه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفجّر فيها دعوته الخالدة التي لم يؤمن بها إلّا كوكبة من الأرقّاء والمستضعفين، أما الرؤساء وذوي الثراء العريض فقد ناجزوه الحرب، وأعلنوا عليه العصيان المسلّح.
إن الحديث عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و دراسة حياته يستدعي الحديث عن مكّة وعن حياة أهلها الفكرية والعقائدية والاقتصاديّة، وفيما أحسب أنّ ذلك من مهمات البحث عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
قال أبو بكر الأنباري : سمّيت مكّة لأنها تمكّ الجبّارين، أي تذهب نخوتهم (1)، فعلى هذا فهي مشتقّة من مكَّ.
وفي القاموس يقال : إن فلاناً مك فلاناً، أي أهلكه ونقصه، ومنه مكّة البلد الحرام أو للحرم كلّه ؛ لأنها تنقص الذنوب أو تفنيها، وقيل : إنّها مشتقة من مكّ الثدي، أي مصّه لقلّة مائها ؛ لأنّهم كانوا يمتكون الماء، أي يستخرجونه (2).
وسمّيت مكّة المكرّمة بأسماء تنم عن مدى أهميتها ومكانتها في النفوس، ومن أسمائها :
1- أم القرى
سمّاها اللّه تعالى بهذا الاسم في كتابه. قال تعالى : «وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا» (1)، سميت بذلك لأنها أعظم القرى شأناً (2).
وورد ذكرها مرة أخرى في القرآن. قال تعالى : «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنذِرَ أُمَّ الْقَرَى وَمَنْ حَوْلَهَا» (3).
2 - البلد الأمين
وسمّيت بالقرآن الكريم بالبلد الأمين. قال تعالى: «وَالتِّين وَالزَّيْتُونِ * وَطُور سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» (4)، كما سمّيت بالبلد. قال تعالى: «لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ» (5).
3 - بكة
ومن أسماء مكّة : بكّة، سميت بذلك لأنّها تبك آفاق الجبّارين إذا ألحدوا فيها بظلم (6).
وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم. قال تعالى: «إِنْ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكاً وَهُدَى لِلْعَالَمِينَ» (1).
4 - البيت الحرام
وتشرفت مكّة فسمّيت بالبيت الحرام الذي جعله اللّه تعالى قبلة للعالمين، وقد روي أنّه شيّد قبل آدم ؛ فقد روى أبو الوليد الأزرقي بسنده عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ مَلَائِكَتَهُ فَقالَ : ابْنُوا لي بناءً في الْأَرْضِ تِمْثَالَ الْبَيْتِ وَقَدْرَهُ، وَأَمَرَ اللّه تَعَالَى مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوْفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّماءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَكانَ هذا قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ» (2).
أمّا الذي أشاد بناءه وأقامه مركزاً لعبادة اللّه تعالى فهو شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ولده المعظّم نبيّ اللّه تعالى إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهما اللذان أشاداه، وهو أوّل بيت في الأرض أتّخذ لعبادة اللّه تعالى. قال عزّ وجلّ : «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكاً وَهُدَى لِلْعَالَمِينَ» (3).
إنّه أجلّ بيت شرّفه اللّه تعالى وخصه بالعظمة. قال تعالى : «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهُرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» (4).
وطلب إبراهيم الا من اللّه تعالى أن يخص مكّة بالأمن، ويرزق أهلها من الثمرات. قال تعالى : «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (5)، وفرض اللّه تعالى على عباده الحجّ
إلى هذا البيت العظيم. قال تعالى : «وَلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (1).
ولها أسماء أخرى وردت في المعاجم، وبهذا نطوي الحديث بهذا الخصوص.
أما موقعها الجغرافي فإنّها تمتدّ من الغرب إلى الشرق على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات طولاً، وما يقرب من نصف ذلك عرضاً، في وادٍ مائل من الشمال إلى الجنوب، منحصر بين سلسلتي جبال تكادان تتصلان ببعضهما من جهة الشرق والغرب والجنوب، أعنى على أبواب مكّة الثلاثة، ولذا لا يشاهد أبنيتها القادم عليها إلّا وهو على أبوابها، والسلسلة الشمالية منها تتركب من جبل الفلج (الفلق) غرباً، ثمّ جبل قيعان، ثمّ جبل الهندي، ثمّ جبل لعلع، ثمّ جبل كداء بفتح أوله، ومد آخره - وهو في أعلى مكّة، ومن جهته دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين الفتح. أمّا الجنوبية فإنّها تتركّب من جبل أبي حديدة غرباً، يتلوه جبل كداء بانحراف إلى الجنوب، ثمّ جبل أبي قبيس إلى شرقيهما، ثمّ جبل خندمة، وكلّ سفوح هذه الجبال من الحرم تراها عامرة بالبيوت والمساكن التي تدرج عليها إلى قلب الوادي (2).
إن مكّة تقع بواد غير ذي زرع، تحفّ بها الجبال السود، ليس فيها ماء سوى ماء زمزم وما يجلب لها من الخارج، وسنعرض إلى الحياة الاقتصاديّة فيها.
كانت مكّة أحب بلد للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد وقف عام الفتح على جمرة العقبة وقال :
«وَاللّه إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللّه، وَإِنَّكَ لَأَحَبُّ أَرْضِ اللّه إِلَيَّ، وَلَوْ لَمْ أَخْرَجْ مَا خَرَجْتُ، إِنَّها لَمْ تَحُلُّ لِأَحَدٍ َكانَ قَبْلِي، وَلَا تَحُلُّ لِأَحَدٍ كانَ بَعْدِي، وَما أُحِلَّتْ لي إِلَّا ساعةً مِنْ نَهارٍ، ثمّ هِيَ حَرَامٌ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُها، وَلَا يُحْتَشُ خِلالها، وَلَا تُلْتَقَطُ ضالتها، إِلَّا لِمُنْشِد»، فقال رجل : يا رسول اللّه، إلا الإذخر فإنّه لبيوتنا وقبورنا، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إلا الإِذْخِر»، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مكّة ساعةً تَباعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسيرَةَ مَائَةَ عامٍ، وَتَقَرَّبَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ مائَتَي عامٍ» (1).
وقدس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) البيت الحرام وعظّمه كأشد ما يكون التعظيم شأناً، فقد قام في وسط المسجد الحرام، وألتفت إلى البيت وخاطبه قائلاً:
«إِنِّي لأَعْلَمُ ما وَضَعَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ بَيْتاً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْكَ، وَمَا فِي الْأَرْضِ بَلَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَمَا خَرَجْتُ عَنْكَ رَغْبَةٌ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ أَخْرَجُونِي» (2).
لقد عنى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالبيت الحرام، واحتفى به وأحبّه، وجعله من أقدس المراكز لعبادته فى الأرض ؛ وذلك لما حواه من المزايا العظيمة، وفيه يقول الشاعر :
أرضٌ بها البيت المحرَّمُ قِبلة***للعالَمينَ لَهُ المساجد تعدلُ
حَرمٌ حَرامٌ أَرضُها وصيودُها***والصَّيدُ في كلّ البلادِ مُحَلَّلُ
وبها المشاعِرُ والمناسِك كلُّها***وَإِلَىٰ فَضيلتِها البَريَةُ تَرحلُ
وبها المقامُ وحوضُ زمزمَ مُشرَعٌ***والحجرُ والرُّكنُ الذى لا يرحلُ
والمسجد العالي المُحرَّمُ والصَّفا***والمشعَرانِ لمَن يطوفُ ويرحلُ
وبمكةَ الحَسَناتِ ضوعفَ أَجْرُها***وبها المسيء عنه الخطايا تُغسل
وجاء في الأغاني : أن زيد بن عمرو بن نفيل كان يستقبل الكعبة ويقول:
لبيك حقاً حقاً***تَعبُداً ورقا
ويقول :
عُذْتُ بما عاذَ بِهِ إبراهِيم***مستقبلَ الكَعْبة وهو قائم
أنفى لك اللّهمَّ عانٍ راغم***مهما تُجشِّمُنى فإنّي جاشِمْ (1)
ومن الجدير بالذكر أن الكعبة سمّيت بالحمساء، وانتسب إليها الحمس، وهم طوائف متشدّدون في فرائضهم وخلائفهم، يدينون بالتقشّف والزهد في مواسم العبادة، فيقفون زمناً بالعراء، لا يحول بينهم وبين السماء حائل من سقف أو ستار، ويحرمون على أنفسهم في الأشهر الحرم أكل الأقط والسمن ولبس النسيج من الوبر والشعر، ولا يجيزون لغيرهم أن يطوف بالبيت في غير الثياب الأحمسية، ويجعلون المطاف بالليل للنساء إذا لم تكن عليهم هذه الثياب (2).
وقامت قريش ببناء البيت بعد هدمه، فتقدم عائد بن عمران بن مخزوم، وهو خال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال لقريش (3)
وقريش هي التي تسكن البحر***بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا***تترك فيه لدى الحناجر ريشا
:«يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً لا يدخل فيها مهر بغيّ، وَلَا بيع رياً، وَلَا مظلمة أحدٍ من النّاس».
وقامت القبائل القرشيّة ببناء البيت المعظّم، فلمّا انتهت إلى موضع الركن لوضع الحجر الأسود فيه اختصمت القبائل في وضعه، كلّ قبيلة تريد أن تضعه في موضعه لتفوز بالفخر والشرف، واحتدم الصراع فيما بينهم حتّى كادوا أن يقتتلون، فانبرى أبو أمية بن المغيرة، وكان من أشراف قريش ومطاعاً عندهم، فحسم النزاع وقال لهم : اجعلوا الحكم بينكم فيما اختلفتم فيه أوّل من يدخل باب بني شيبة...»، فاستجابوا جميعاً لقوله ورأوا فيه حسماً للنزاع، وكان أوّل داخل من باب بني شيبة هو الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلمّا رأوه هتفوا قائلين :
«هذا محمّد الأمين... رَضِينا بحكمه..».
وقضوا على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قصتهم، فأطفأ نار الفتنة، وحلّ المشكلة بأروع أسلوب وأرضى الجميع، فأمرهم بإحضار ثوب، فأحضر، ثمّ قال لهم : «لِتَأْخُذَ كلّ قَبيْلَةٍ مِنْكُمْ بِطَرَفِ هذَا الثَّوْبِ حتّى تَشْتَرِكُوا جَمِيْعاً بِهَذَا الْفَضْلِ»، فحملوه ورفعوه إلى ما يحاذي موضعه، فتناوله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الثوب ووضعه في محلّه، وقد أثار ذلك إعجاب القرشيّين (1)وفيه يقول هبيرة بن أبي وهب المخزومي :
تشاجَرَتِ الأحْياءُ فِي فَصلِ خِطَّةٍ***جَرَتْ بَيْنَهُمْ بِالنَّحْسِ مِنْ بَعدِ أَسعُدِ
تلاقوا بها بالبُغضِ بعدَ مَودَّةٍ***وأوقدوا ناراً بيْنَهُم شَرَّ مَوْقِدِ
فلمّا رأَيْنا الأمرَ قَدْ جَدَّ جِدُّهُ***وَلَمْ يبقَ شَيءٌ غيرَ سَلِّ المُهنَّدِ
رضينا وقلنا العدلُ أوّلَ طالع***يَجيءُ منَ البَطحاءِ مِنْ غيرِ مَوْعِدِ
ففاجأنا هذا الأمينُ محمّد***فَقُلنا رضينا بالأمين محمّد
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 67. الطبقات الكبرى / ابن سعد : 1 : 93، القسم الأوّل.
بخَيرِ قُريش كُلُّها أمسِ شيمة***وفي اليَومِ مَعْ مَا يُحدِثُ اللّه فِي غَدِ
فجاءَ بأمر لم يرَ النّاسُ مثلَهُ***أعم وأرضى في العواقبِ والبَدِ
أخَذْنا بأطراف الرداء وَكُلُّنا***لهُ حِصَّةٌ مِنْ رَفْعِها قَبْضةُ اليَدِ
فقالَ ارْفَعُوا حَتَّىٰ إِذا ما عَلَتْ بِهِ***أَكْفُهُمْ وفا به خير مسندِ
وكُلُّ رَضِينَا فِعْلَهُ وَصَنيعهُ***فَأَعْظِمْ بِهِ مَن رأي هَادٍ وَمُهْتَدِ
وتلك يدٌ مِنْهُ عَلينا عَظيمةٌ***يَروحُ بِها هذا الزَّمانُ ويَغْتَدى (1)
وحكى هذا الشعر التناحر والتشاجر بين القرشيّين، فكل قبيلة منها أرادت أن تفوز بالفخر في وضع الحجر الأسود في موضعه، فحسم النزاع فيما بينهم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي شارك القبائل جميعاً برفعه، ثمّ قام بنفسه فوضعه في موضعه، ونال ذلك إعجاب جميع القرشيّين.
أما أوّل من سكن مكّة واتخذها مقراً فهي المرأة الصالحة الزكية هاجر أمّ نبي اللّه تعالى إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أسكنهما فيها شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي تلك المدّة اجتازت قبائل جرهم على مكّة، وقد أصابها الظمأ، فرأى أحدهم طيوراً تحوم في تلك الأرض، فاستشف وجود الماء فيها، فأخبر بذلك القافلة، فأسرعوا صوبه فوجدوا عيناً تنضح ماءً، وهي ماء زمزم، وفي جوارها امرأة، وهي هاجر وولدها إسماعيل، فارتووا من الماء، وطلبوا منها الإقامة بجوارها، فسمحت لهم بذلك، وكان إسماعيل هو القائم بأمور البيت وغيره من شؤون مكّة، فلمّا توفّي إسماعيل ودفن إلى جوار أمه هاجر بالحجر - المعروف بحجر إسماعيل - قام ابنه نابت برعاية البيت وشؤونه، ثمّ بعده تغلّبت جرهم على ولاية البيت وشؤون مكّة، ونزحت
1) أخبار مكّة / قطب الدين الحنفي : 55 و 56. إمتاع الأسماع : 4: 108.
قبيلة خزاعة إلى مكّة في أيّام جرهم، ونشبت بينهم وبين قبائل جرهم حرب، فتغلّبت خزاعة عليهم وانتزعت منهم إمارة البيت، وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض وهو في طريقه إلى اليمن :
وقائلَة وَالدَّمعُ سَكْبٌ مُبادِرُ***وَقَد شَرِقتْ بالدَّمع مِنها المَحاجِرُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بينَ الْحُجُونِ إِلَى الصَّفَا***أنيسٌ ولَمْ يَسمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ
بلى نَحْن كنا أهلَها فَأَزالَنا***صُرُوفَ الليالى والجُدُودُ العَواثِرُ
وكُنّا وَلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتِ***نَطُوفُ بِذاكَ الْبَيتِ وَالخيرُ ظَاهِرُ
إلى أن قال:
وَصِرْنا أحاديثاً وكُنَا بِغِبْطَةٍ***بذلك عَضَّتنا السنونُ الْغَوابر
فَسَحت دموع العينِ تَبْكِي لِبَلْدَة***بِها حَرَم أَمْنٌ وفيها المشاعِرُ
وَتُبكي لبيت ليسَ يُؤَذى حَمامُهُ***يَظَلُّ بِهِ أَمْناً وفيهِ المَصافِرُ
وفيهِ وحُوضٌ لا تُرامُ أَنيسة***إِذا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيسَتْ تُغادِرُ (1)
وحكى هذا الشعر لوعة الشاعر وحزنه العميق على طردهم من مكّة، وهم ولاتها الذين يتمتعون بنعمها وبالطواف بالبيت الحرام، وقد صاروا بعدها بأسى وبؤس وشقاء.
واستمرت خزاعة في مكّة زهاء ثلثمائة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، ذلك، وهي تحكم مكّة وتتولى شؤون البيت الحرام، وداهمتهم قبائل قريش، فانتزعت منهم مكّة بعد حرب نشبت بينهم وبين خزاعة، فصارت ولاية البيت وإمارة مكّة بيد القرشيّين حتّى قام الإسلام، وقامت قريش بحفر عدّة آبار، كما أحدثت بعض المشاريع لتنظيم الحياة الاقتصاديّة في مكّة، وقد تولّى قصي الإمارة، وأنشأ في داره بيتاً
1) البداية والنهاية : 2 : 185.
أسماه دار الندوة، وهو ما سنتحدّث عنه.
أما الحياة الفكرية في مكّة فكان السائد في بعض قبائلها صيانة الحقوق، وضمان مصلحة الغريب والمستضعفين، وقد أسست من أجل ذلك دائرتان وهما :
وهي شبيهة بالمجلس النيابي - في هذا العصر - وقد أنشأ هذه الدار قصيّ، وجعل بابها مسجد الكعبة، وفيها كانت تجتمع قريش للتداول في الرأي والتشاور في شؤون المدينة والبيت الحرام، وكان من نظامها أن لا يدخل فيها من قصر سنّه عن الأربعين عاماً، وقد ازدادت قوة، وعظم شأنها عند العرب، وكانت مركزاً لفصل الخصومات.
وقد أناط قصي رعاية هذه الدار والقيام بشؤونها إلى ولده عبد مناف، وهنا بحوث ذكرت في أخبار مكّة وغيرها من المصادر التأريخية والأدبيّة (1).
أما حلف الفضول فهو من أهمّ الأحداث الاجتماعيّة في مكّة، فقد أسّس للأخذ بنصرة الضعيف، وحماية حقوق الغرباء والأقلية التي كانت تقطن في مكّة، وكان موضع اعتزاز وفخر لأهل مكّة وللعرب جميعاً ؛ وذلك لما تضمّنه من القيم الكريمة، وقد أقيم هذا الحلف بدار عبد اللّه بن جدعان، وأدركه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : «لَقَدْ شَهِدْتُ في دارِ عَبْدِ اللّه بْنِ جَدْعَانَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَلَوْ أَدْعِى إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ».
ومن الجدير بالذكر أنه حدثت مشادة بين أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) بلوغ الارب : 2: 272 موسوعة العتبات المقدّسة / قسم مكّة المكرّمة : 42:1.
وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميراً على المدينة من قبل معاوية، فتحامل الوليد على الإمام الحسين، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له :
«أُقْسِمُ بِاللّه لَتَنْصِفَنِّى أَوْ لاخَذَنَّ سَيْفى ثمّ لَأَتُوْمُ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثمّ لأَدْعُون بِحِلْفِ الْفُضُوْلِ»، وكان ابن الزبير حاضراً فقال : «وأنا أحلف باللّه لو دعا به الحسين لأجبته حتّى ينصف من حقّه أو نموت»، وقال مثل ذلك المسور بن مخرمة الزهري وعبد الرحمن بن عثمان بن عبد اللّه التميمي، ولما سمع الوليد بذلك أذعن للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأعطاه حقّه (1).
أمّا الحياة الدينيّة السائدة في مكّة فكانت الوثنية وعبادة الأصنام، وكانت مكّة قلعة لهذه الديانة التي تنم عن الجهل وضحالة الفكر، وتلحقهم بقافلة الحيوانات، وكان من أشد المتفانين في حبّ الأصنام والاعتقاد بها الجاهلي أبو سفيان عميد الأسرة الأموية، وشيخ القرشيّين، وقد فزع حينما رأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يطوف حول الكعبة، ويتلو نشيد الإسلام
«لَبَّيْكَ اللّهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ».
فقد أهابه ورفع عقيرته قائلاً: «إِعْلُ هُبَل».
فرد عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يا أبا سُفْيَانُ، اللّه أَعْلَىٰ وَأَجَلٌ» (2).
وقد علّقت على جدران الكعبة ما يزيد على ثلثمائة صنم، وقد آمنت بها قريش إيماناً مطلقاً.
وسخر بعض ذوي العقول النيرة من الأصنام، وضعفت عقيدتهم بها، ومنهم :
1 - إمرؤ القيس
من المنحرفين عن الأصنام إمرؤ القيس الشاعر الجاهلي، فقد خرج - فيما يقول الرواة - طالباً بثأر قتلة أبيه، وعرج على صنم يقال له ذو الخلصة كانت العرب تعظمه، فاسْتَقْسَم عنده بالأزلام، فخرج السهم بنهيه عن الدخول في الحرب مع قتلة أبيه ثلاث مرات، فجمع السهام وكسرها وضرب بها وجه الصنم وسبه وسخر منه، وقال :
«لو أبوك قتل ما عفتني»(1).
ثم خرج طالباً بثأر أبيه وهو يقول :
لو كُنتَ يا ذا الخلص المَؤتورا***مِثلى وكانَ شَيُحْكَ المَقْبُورا
لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ العُدَاةِ زُورا
2 - غاوي بن عبد العزى
مرّ بصنم يسمّى سواع، فرأى ثعلبين يأكلان بين يديه، ثمّ يعتليانه فيبولان فوق رأسه، فأثار ذلك كوامن الشك في نفسه، وسخر منه وراح يقول :
أَرَبِّ يَبولُ المُعْلُبانُ بِرَأْسِهِ***لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بِالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ (2)
3- زيد بن عمر
وسخر زيد بن عمر من عبادة الأصنام، ورأى في عبادتها تحقيراً للعقل، وقال :
عَزَلْتُ اللاتَ وَالعُزَّى***كَذلِكَ يَفعلُ الجَلْدُ الصَّبُورُ
فَلَا العُزّى أدينُ وَلَا ابنتيها***ولا صَنَمَيْ بَني عَمرو أَزُورُ
ولا هُبَلاً أُدينُ وَكانَ رَبِّاً***لنا فِي الدَّهْرِ إِذْ حِلْمِي يَسيُر (1)
4 - أعرابي
ومن الساخرين بالأصنام أعرابي مرّ بساحل جدّة يقال له سعد ومعه إبل، فأقبل بها إلى الصنم لتتبرّك به، فلمّا دنت منه نفرت لما عليه من دماء القرابين، فتناول الأعرابي حجراً ورمى به الصنم وقال له : «لا بارك اللّه فيك إلهاً، أنفرت علَيَّ إبلي»، ثمّ جدّ في طلبها حتّى جمعها وانصرف، وهو يقول :
أَتَيْنَا إِلَى سَعْدٍ ليَجمَعَ شَمْلَنا***فَشَتَّتَنا سَعدٌ فلا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
وما سَعْدُ إِلَّا صَخْرةٌ في تَنوفَةٍ***مِنَ الأرضِ لا يَدعو لِغَيَّ ولا رُشْدِ (2)
5 - خزاعی بن عبد
وكان خزاعي بن عبد المزني سادناً لصنم مزينة يدعى نهم، فارتدّ عن عبادته وأسرع إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأسلم وراح يقول :
ذَهَبتُ إِلى نَهْم لأذبَحَ عِندَهُ***عقيرةَ نُسكِ كالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ
فَقُلتُ لِنَفْسى حينَ راجعتُ عَقلَها***أَهذا إِلهُ أَبْكَمْ لَيسَ يَعْقِلُ
أَبَيْتُ فَدينى اليَومَ دينُ محمّد***إِلهُ السَّماءِ الماجِدُ المُتَفَضِّلُ (3)
6 - عبد الرحمن
ولمّا بلغ عبد الرحمن بن أبي سبرة ظهور النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عمد إلى صنم يسمّى فراص
السعد العشيرة فحطّمه، وأقبل إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأسلم، وقال :
تبعتُ رَسولَ اللّه إِذْ جَاءَ بالهدى***وخَلَّفْتُ فراصاً بدارِ هَوانِ
شَدَدتُ عَليهِ شدّةً فتَركتُهُ***كَأَنْ لَم يَكُنْ والدَّهرُ ذو حَدَثَانِ
ولَمّا رَأيتُ اللّه أَظْهَرَ دينَهُ***أَجَبْتُ رَسولَ اللّه حينَ دَعاني
فَأَصْبَحتُ للإِسْلامِ ما عشتُ ناصراً***وَأَلفَيْتُ فيهِ كَلْكَلي وجراني
فمَنْ مُبلغ سعدَ العَشيرةِ أَنَّني***شَرِيتُ الَّذي يَبقى بِآخرَ فَانِ (1)
والشيء المحقق أن الأسرة الهاشميّة كانت تدين بدين إبراهيم شيخ الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم تعبد صنماً. يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«وَاللّه ! ما عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عبد المطّلب وَلَا عَبْدُ مُنافٍ وَلَا هَاشِمٌ صَنَماً، وَإِنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ اللّه، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسْكِينَ بِهِ...» (2).
وهذا وسام شرف للأسرة الهاشميّة دلّ على نضوجهم الفكري، وسلامتهم من الانحراف عن طريق التوحيد
وقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتحطيم الأصنام وتدميرها، كما فعل جده شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان ذلك قبل أن يُبعث إلى الناس، فقد روى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :
«انْطَلَقْتُ أَنا وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اجْلِسُ، وَصَعَدَ
عَلَى مَنْكِبَيَّ فَذَهَبْتُ لِأَنْهَضَ بِهِ فَرَأَى مِنِّي ضَعْفاً، فَنَزَلَ وَجَلَسَ لي نَبِيُّ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَقالَ : اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبَيَّ.
قالَ : فَصَعَدْتُ عَلى مَنْكِبَيْهِ، فَنَهَضَ بِي، فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَى أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَئِلْتُ أَفَقَ السَّمَاءِ حتّى صَعَدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تِمْثالُ صِفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ فَجَعَلْتُ أَزَاوِمصُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ حتّى اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، قال لى رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اقْذِفْ بِهِ، فَقَذَقْتُ بِهِ تَتَكَسَّرَ كَما تَتَكَسُّرُ الْقَوارِيرَ، ثمّ نَزَلْتُ، فَانْطَلَقْتُ أَنا وَرَسُولُ اللّه نَسْتَبِقُ حتّى تَوارَيْنا بِالبُيوتِ خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ» (1).
ولمّا فتح اللّه تعالى لعبده ورسوله الفتح المبين واحتل مكّة، وكان قد علّق على الكعبة المقدّسة ثلاثمائة صنم أو يزيد اتّخذتها قبائل قريش آلهة يعبدونها من دون اللّه تعالى، كان منها : نائلة وأساف ومناف وذو الخلصة وذو الكنى وذو الشرف والأقيصر ونهم وسمير وغيرها (2).
وكان سيد تلك الأصنام هبل، وهو آله أبي سفيان أبو معاوية وجدّ يزيد، وكان من نحاس، وقد أوتد بأوتاد من حديد، فصعد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منكبي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعالجه حتّى تمكّن من قلعه، ورمى به إلى الأرض، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتلو قوله تعالى : «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً» (3)، ثمّ قذف الإمام ببقية الأصنام، وبذلك فقد طهر البيت الحرام (4)من تلك القاذورات التي كانت على ظهر الكعبة التي اتخذتها قريش آلهة تعبدها.
لقد حطّم الرسول الأصنام في وقت كانت مكّة ترزح بها. يقول الشاعر :
أَتيْتُ والنَّاسُ فَوضى لا تَمرُّ بِهِم***إِلَّا عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ
كانت مكّة مسرحاً لنشاط تجاري فعّال، قد كثرت فيها الحركات التجارية، واستخدم فيها رأس المال على نطاق واسع في المضاربة بين صاحب المال والعامل، وله من الربح حسب الاتفاقية بينه وبين صاحب المال.
وكانت القوافل التجارية التي تنطلق من مكّة تستجلب من اليمن منتجات الهند وحرير الصين والمنسوجات العدنية وفيما عدى التبر أو تراب الذهب التي كانت تستجلب من أفريقيا، أما ما يجلبه التجار من مصر وسورية فهي الأقمشة القطنيّة والكتانيّة والحريريّة، والأقمشة الملونة باللون الارجواني البراق، كما كان يجلب من سوريا الأسلحة والحبوب والزيت وغير ذلك، وكانت نسبة الربح تصل إلى مئة بالمئة في مثل هذه التجارة (1).
وكانت لقريش رحلتان للتجارة في كلّ سنة : رحلة في الشتاء إلى اليمن ؛ لأنها بلاد حامية، ورحلة إلى الشام ؛ لأنها بلاد باردة، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكنهم الإقامة في مكّة، وكانت بلدهم آمنة من الأعداء ؛ لأن فيها بيت اللّه الحرام.
قال الكلبي : «إنّ أوّل من حمل المبرة من الشام ورحل إليها هاشم بن عبد المناف وفيه يقول الشاعر :
تَحمَّلَ هاشم ما ضاقَ عنه***وَأَعْيا أَنْ يَقومَ بِهِ ابْنُ بِيضِ (2)
أَتاهُمْ بِالغَرَائِرِ مُتَأَفَاتٍ***مِنَ أَرْضِ الشَّامِ بِالبُرِّ النَّفيض (3)
فَوَسَّعَ أَهْلَ مكّة مِنْ هَشيم***وشابَ البُرَّ بِاللَّحْمِ الغَريضِ (1)
قال سعيد بن جبير : مرّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعه أبو بكر بملأ وهم ينشدون :
يا ذا الَّذِي طَلَبَ السَّماحةَ والنَّدَى***هلّا مَرَرْتَ بِآلِ عَبْدِ الدّار
لَو أَنْ مَررت بهم تُريدُ قِراهُمُ***مَنَعُوكَ مِنْ جُهْدٍ ومِنْ إِقْتَارِ
فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبي بكر : «هكذا قالَ الشَّاعِرُ ؟».
قال : «لا والذي بعثك بالحقّ نبيّا، إنّما قال :
يا ذا الَّذِي طَلبَ السَّماحةَ والنَّدى****هَلًا مَرَرْتَ بِالِ عَبْدِ مُنافِ
لو أن مَررت بهم تُريدُ قِراهُمُ***مَنَعوكَ منْ جَهْدٍ ومِنْ ايجافِ (2)
الرائشين وليسَ يوجَدُ رائِشٌ***والقائِلِينَ هَلُمَّ للأضياف (3)
والخالِطينَ غَنيَّهم بفَقيرهِم***حتّى يصير فقيرُهُم كالكافي
والقائلين بكل وعد صادِقٍ***ورجالُ مكّة مُسْيَتونَ عِجاف
سَفَرينِ سَنَّهُما لهُ ولقَومه***سَفَرُ الشَّتاءِ وَرِحْلَةُ الأَصْيافِ(4)
وكانت في مكّة جماعة تملك الثراء العريض، منها أم المؤمنين خديجة (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وكانت تبعث بأموالها للتجارة، وقد انجر النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأموالها وربح الشيء الكثير، كما سنعرض له في بحوث هذا الكتاب.
ومن الجدير بالذكر أن أمّ أبي جهل كانت تدير محلاً لبيع العطور، وأنّ هنداً
أمّ معاوية كانت تبيع السلع على الكلبيين في سورية (1)، وان أبا سفيان كان يتزعم القوافل التجاريّة.
وعلى أي حال، فقد كانت مكّة مركزاً للتجارة، وكانت الأكثرية الساحقة من
تجارها تتعامل بالربا، وكان من المرابين العباس بن عبد المطّلب، فقد كان يملك ثراء من هذا الطريق، وكان من بين المثرين فيها عبد اللّه بن جدعان التميمي، وبعض الأسر الأموية، والوليد بن المغيرة المخزومي، وعبد اللّه والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وكانت هذه الجماعة التي تملك الثراء العريض تعيش في ترف، وتملك العشرات من الأرقاء، في حين أن الكثير من أهالي مكّة كانوا يعيشون عيشة البؤساء والفقراء.
ومن أبرز الأسر العربيّة القاطنة في مكّة الأسرة الهاشميّة والأمويّة، وقد تباينت طباع الأسرتين، واختلفت كأشد ما يكون الاختلاف، ونشير - بإيجاز - إلى طباع هاتين الأسرتين اللتين هما من أبرز الأسر القاطنة في مكّة.
أمّا الهاشميّون، فكانوا يمثلون الشرف والنجدة والخلق الرفيع، فكانوا أمثلة رائعة لكلّ ما تعتز به الإنسانيّة من الصفات الكاملة، خصوصاً الأسرة النبويّة، التي هي نفحة من روح اللّه تعالى. يقول الكميت في وصفهم وهو معاصر لهم :
القريبينَ مِنْ نَدى والبعيدين***عَنِ الجورِ في عُرى الأَحْكامِ
والمُصيبينَ ما أَخْطَأَ النَّاسُ***ومُرسي قَواعِدَ الإِسْلامِ
1) موسوعة العتبات المقدّسة / قسم مكّة المكرّمة : 2 : 190.
والغُيوتُ الليوتُ أَنْ أَمْحَلَ***النَّاسُ ومَأْوَىٰ حَواضِنِ الأَيْنام
إنّ الشجرة العلويّة منذ فجر تأريخها حتّى يوم الناس هذا ما أثمرت إلّا ما ينفع الناس، وقد تبنّى العلويّون مصالح المظلومين والمضطهدين وحقوق الإنسان، وابلوا البلاء الحسن في سبيل اللّه، وأشاعوا الخير والرحمة بين الناس.
فالبارز في أخلاقهم الظلم والأنانيّة، والاعتداء على الناس بغير حقّ، ولهم من المثالب والمساوئ والصفات الممقوّتة ما سوّدوا بها وجه التاريخ، وقد ملئت نفوسهم بالحقد والعداء للسادة الهاشميّين، فقد قاوموا الدعوة الإسلاميّة، وسعوا جاهدين لإخماد ضوء الرسالة الإسلاميّة منذ فجرها، وقد ناهضوا الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقادوا الجيوش لمحاربته وتصفيته جسدياً، إلا أن اللّه تعالى ردّ كيدهم ونصر عبده ورسوله، وأذلهم.
لقد أترعت نفوس الأمويّين بالبغض والحقد للهاشميين رجالاً ونساءً، فقد ذكر المؤرّخون أنّ السيّدة عاتكة بنت عبد المطّلب رأت في منامها رُؤيا أفزعتها، فسارعت إلى أخيها العباس بن عبد المطّلب قائلة له :
«إني رأيت الليلة رُؤْيا أفزعتني...».
وسارع العباس قائلاً:
«وما رأيت ؟...».
وأخذت تقصّ عليه رؤياها قائلةً :
«إني أتخوّف أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومُصيبة، فاكتُم منّى ما أحدثك به...».
«أفعل ذلك، ولا أحدّث به...».
وأخذت تحدثه قائلةً :
«رأيتُ راكباً أقبل على بعير له، حتّى وقف بالأبطح، ثمّ صرخ بأعلى صوته : ألا انفِرُوا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه...، ثمّ أخذ صَخْرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيتٌ من بيوت مكّة ولا دارٌ إلّا دخلتها منها فلقة...».
وفزع العباس من هذا الحلم الذي ينذر بالخطر العظيم على أهالي مكّة، ولم يستطع كتمانه، وراح يشيعه بين الناس، ووصل الخبر إلى بني أميّة، وكان فيهم أبو جهل، فراحوا يهزؤون ويسخرون، وسارع أبو جهل صوب العباس فقال له بسخرية :
«يا بني عبد المطّلب، أمّا رضيتم أن يتنبّأ رجالكم حتّى تتنبأ نساؤكم ؟..» (1).
وصدقت رؤيا عاتكة، فقد حلّ بالقرشيّين الذل والدمار، فكانت واقعة بدر التي أسكنت بيوتهم الشكل والحزن والحداد، وألحقت بهم العار والهزيمة.
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 259 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 136.
أمّا الأصول الكريمة التي تفرّع منها سيّد الكائنات فإنّها كانت من عمالقة البشر، ومن أفذاذ ما خلق اللّه تعالى طهارة وعفة وسموّاً وكمالاً.
قال الماوردي:«إنّه - أي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من سلالة آباء كرام ليس فيهم مترذّل، بل كلّهم سادة قادة، وشرف النسب، وطهارة المولد من شروط النبوّة» (1)، وقد حفل تأريخ أسرته الممجّدة بالفضائل والمكارم، وتتبنّى الخدمات الاجتماعيّة للناس، وقد زاد في شرفها وسموّ مكانتها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي حوى جميع فضائل الدنيا. يقول الشاعر :
ونِسْبَةُ عِزّ هاشم مِنْ أُصول***ومَحْتِدِها المَرْضِيِّ أَكْرَم مَحْتِدِ
سَمَتْ رِتْبَةٌ عَلياءُ أَعْظِمْ بِقَدْرِها***وَلَمْ تَسْمُ إِلَّا بالنبيّ محمّد
ويقول صاحب الهمزية في نسب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
وبَدا للوجودِ مِنكَ كَريمٌ***مِنْ کَریم آباؤُهُ كُرَماءُ
نَسب تحَسَبُ العُلا بِجَلاهُ***قلَّدتها نجومها الجوزاء
حَبَّذا عِقْدُ سُودَدٍ وَفَخارٍ***أنتَ فيه اليتيمةُ الجوزاء
وقال شاعر آخر :
1) السيرة النبويّة والآثار المحمّدية : 1 : 7.
قالوا أبو الصَّقرِ مِنْ شَيبان قُلتُ***لهُم كَلَّا لَعَمْرِى ولكِنْ مِنْهُ شَيْبانُ
وكَم أبٌ قَد عَلا ابنِ ذُرى شَرَفٍ***كَما عَلا بِرَسولِ اللّه عَدنانُ
إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليس فخر عدنان ومجد بني هاشم فحسب، وإنّما هو فخر وعزّ وشرف للإنسانيّة في جميع فترات تأريخها، فهو الذي صنع حضارة الإنسان، وفجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض... ونعرض لبعض أعمدة الشرف من هذه الأسرة المعظّمة وهم :
اسمه عمرو، ويقال له : عمر و العلا لعلو رتبته، وسموّ مكانته، وكان يسمّى هو وإخوته أقداح النضار - أي الذهب - ويقال لهم : المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على العرب، ومن سخائه أنه أصابت قريش مجاعة شديدة، فأسرع هاشم إلى الشام فاشترى دقيقاً وكعكاً وقدم به إلى مكّة، وهشم الخبز والكعك، ونحر جزوراً وجعل ذلك ثريداً، وأطعم الناس حتّى أشبعهم فسموه بذلك هاشماً، وكان يسمّى أبو البطحاء وسيّد البطحاء، وفيه يقول الشاعر :
عُمْرُو العُلا هَشَمَ الشَّرِيدَ لِقَوْمِهِ***وَرِجَالُ مكّة مُسْنِتُونَ عِجافُ
وقال شاعر آخر
عَمْر و العُلا ذو النَّدا مَنْ لا يُسابقُهُ***مَرُّ السَّحابِ ولا ريحٌ تُجاريه
جفانُهُ كالجوابي للوفود إذا***أتوا بمكةَ ناداهُم مُناديهِ
أَوْ أَمْحَلُوا خَصِبوا مِنها وَقَدْ مُلِئَت***لحاضر منهُم وباديهِ
وقال شاعر آخر:
قُل للذي طَلَبَ السَّماحةَ والنَّدى***هَلامَرَرت بآلِ عَبدِ مُنافِ
الرائِشون وليسَ يوجَدُ رائشٌ***والقائِلُونَ هَلُمَّ للأَضافِ
وكان في منتهى الشرف وسموّ النفس، وكان فيما يقول الرواة : يحمل ابن السبيل، ويؤدّي الحقِّ، ويؤمن الخائف، وهذه الصفات من أنبل الصفات وأندرها، ومن مكارمه إذا أطلّ شهر ذي الحجّة يقوم خطيباً في أهل مكّة يحفّزهم على القيام بخدمة حجاج بيت اللّه الحرام قائلاً لهم :
«يا معشر قريش، إنكم سادة العرب، أحسنها وجوهاً، وأعظمها أحلاماً، وأوسط العرب أنساباً.
يا معشر قريش، إنكم جيران بيت اللّه، أكرمكم اللّه بولايته، وخصكم بجواره دون بقية بني إسماعيل، وأنّكم يأتونكم زوّار اللّه يعظمون بيته فهم أضيافه، وأحق من أكرم أضياف اللّه أنتم، فأكرموا أضيافه وزوّار بيته، فوربّ هذه البنية، لو كان لي مال يسع لذلك ما كلّفتكموه، وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم، ولم تؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت اللّه تعالى وتقويتهم إلا طيباً لم يؤخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحماً، ولم يؤخذ غصباً» (1).
ودلّ هذا الخطاب على إيمانه العميق باللّه تعالى، واحتياطه الشديد في الاجتناب عن الأموال التي أخذت بظلم، فقد أهاب بأهل مكّة أن لا يقدّموا لضيوف بيت اللّه الحرام إلا أطيب أموالهم التي لم يؤخذ بظلم ولا من كسب غير مشروع، وقد اختاره اللّه لجواره وهو مطمئن النفس نقيّ الثوب، لم تلوّثه الجاهلية بآثامها، ولم تلبسه من مدلهمّات ثيابها، رحم اللّه مثواه، وأسكنه الفسيح من جنانه
1) السيرة النبويّة والآثار المحمّدية : 1 : 11.
ومن أعمدة الشرف، ومن مفاخر العرب السيّد الجليل عبد المطّلب، فقد كان في شبابه من أنبل فتيان قريش، وفي شيخوخته من أوقر شيوخ عصره، حتّى لقّب بشيبة الحمد لكثرة حمد الناس وثنائهم عليه (1).
وكان عبد المطّلب على دين جده إبراهيم لم يعبد صنماً، وإنما كان يعبد اللّه تعالى. قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنَّ عبد المطّلب كَانَ لَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، وَلَا يَعْبُدُ الأَصْنامَ، وَلَا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ، وَيَقُولُ : أَنَا عَلَى ِديْنِ أَبي إِبْراهيمَ» (2).
ومن المؤكّد أنّه كان على إيمان وثيق باللّه تعالى، وقد اثرت عنه بعض الكلمات دلّت على إيمانه العميق باللّه تعالى كان منها :
1 - «لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم منه وتصيبه عقوبة»، ومعنى ذلك أنّه كان يؤمن أن هناك مدبّراً لهذا الكون ينتقم من الظالم قبل أن يخرج من الدنيا.
2 - «واللّه أنّ وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسي بإساءته» (3).
يَعيبُ النّاسُ كُلُّهمُ زَماناً***وما لزَمانِنا عَيْبٌ سِوانا
نَعِيبُ زَمانَنا والعَيبُ فينا***ولَو نَطَقَ الزمانُ بنا هَجانا
وَأنَّ الذَّئب يَتْرُكُ لَحْمَ ذَنْبٍ***وَيَأْكُلُ بَعضُنا بعضاً عَيانا (1)
وقد أسندت إليه وفادة الحجّاج وسقايتهم، وقد لاقى جهداً شاقّاً وعسيراً في جمع الماء، فكان يجمعه من المطر وغيره في أحواض من الأدم وغيرها، ويقدّمه اللّه.
بسخاء لحجاج بيت الل ومن الغريب ما ذكره المستشرق (مرجوليوث) : «أنّ عبد المطّلب كان يبيع الماء للحجّاج ويربح من بيعه ربحاً طائلاً».
وقد ردّ عليه لطفي جمعة فقال : «غنيٌ عن البيان، أنّ مرجوليوث يقيس على بعض بلاد اوربا الغربيّة التي لا يقام فيها وزن للكرم إلا نادراً، فلا يتصوّر رجل يضع ماله للجود إلا نادراً، فإن معظم بلاد اوربا لا يستطيع الرجل أن يشرب جرعة ماء بلا مقابل فضلاً عن الطعام، فلا يتصوّر في ذهن مرجوليوث أنّ عبد المطّلب ينقل الماء ويضع التمر والزبيب للحجاج تقرباً إلى اللّه تعالى وخدمة للحجّاج...» (2).
وهذا عرض لبعض شؤون هذا العملاق العظيم :
من المكرمات الشائعة في التأريخ لعبد المطّلب، إعادته لبئر ماء زمزم التي كانت مطمورة عدة قرون وأجيال، لا يعرف المكيون موضعها فأظهرها عبد المطّلب، وأعاد الحياة لأهالي مكّة الذين كانوا يعانون مرارة الظمأ، وقساوة العطش.
أما السبب في اختفاء ماء زمزم فتعزوه بعض المصادر إلى أن مضاض بن عمرو الجرهمي، الذي كان يعيش قبل عبد المطّلب بنحو ثلثمائة سنة، كان قد اشتبك
في حرب مع أعدائه انتهت بهزيمته، وأدرك أن أعداءه سوف يخرجوه من مكّة، فرأى أن يحرمهم من الماء، فدفن في بئر زمزم بعض نفائسه وذهبه، ثمّ ردم البئر وأخفى معالمها، وتكاثرت عليها الرمال حتّى اندثرت وهرب مضاض إلى بلاد اليمن، واضطر المكيون إلى حفر الآبار، فحفرت ببطون مكّة آباراً متعدّدة، فحفر عبد شمس بئراً سمّاها طوى، وحفر هاشم بئراً سمّاها بذر وأباحها للناس، وحفر أميّة بئراً سمّاها الحفر واحتكرها لنفسه، وهكذا حفرت القبائل آباراً لها (1).
إلّا أنّ ياقوت الحموي يعزو السبب في ذلك إلى أن السيول قد غمرت عين زمزم وعفتها الأمطار، فلم يبق لها أثر يُعرف (2).
ومهما يكن الأمر فقد اختفت على المكّيّين هذه العين التي كانت تمدّهم بالحياة.
وكان عبد المطّلب قد لاقى عناءً شديداً في جمع الماء، وتقديمه لضيوف الرحمن، وقد شهدت مكّة عام جدب لم يسقط فيها مطر، وثقل ذلك على عبد المطلب، وطافت به موجات من الألم والأسى على حجّاج بيت اللّه لقلة الماء، وبينما هو نائم في مضجعه إذ سمع هاتفاً يأمره بحفر طيبة أو برة أو المضمونة، وتوالت الرؤيا عليه ثلاث ليال، وهو قلق يخاف أن ينقل رؤياه فيسخر منه حرب بن أميّة وفتيان مخزوم.
وعاوده الهاتف مرّة أخرى فأمره بحفر بئر زمزم، وعين له مكانها، وتذكر عبد المطّلب أنّها البئر التي كانت في عهد جده إبراهيم، فقام بتنفيذ ما أمر به الهاتف، وسحب معه ابنه الحارث، فبذل مجهوداً كبيراً لإزالة الرمال المتراكمة، وقد دأب في
التنقيب عن البئر لا يقيل ولا يستريح ولا يرفق بنفسه، وهو يرتجز :
لَا هُمْ قَدْ لَبَيتُ مَنْ دَعاني***وَجِئْتُ بِسَعْيِ المُسْرِعِ العَجْلانِ
وبينما هو جادّ في الحفر إذ عثر على غزالين من ذهب، وأسياف، وأدرع ثمينة، وهذه النفائس كانت لمضاض الجرهمي التي طمرها في بئر زمزم قبل هربه من أعدائه إلى اليمن، وشاع ذلك في أوساط القرشيّين، فأسرعوا صوب البيت، فرؤوا نفائس الكنز التي عثر عليها عبد المطّلب، فثاروا عليه، وطالبه فريق منهم أن يشاركوه فيها، وقال آخرون إنّها له، واحتدم النزاع بين القرشيّين، إلّا أنّ عبد المطّلب حسم الجدال، فرصد الكنز للكعبة المقدّسة ينفق على مصالحها، ونال بذلك رضاً في نفوس القرشيّين وتعظيماً وإكباراً له.
ولم يمض عبد المطّلب في التنقيب عن الماء إلّا وقتاً قصيراً حتّى عثر عليه، وإذا به يتدفّق ويسيل على الأرض يروي العطاشى، ويقيم الحياة الاقتصاديّة وتزهو مكّة، وانتشر فيها الخبر كالضوء، فهرعت النساء والشيوخ والأطفال للنظر إلى هذا الإنجاز العظيم، وقد امتلئت نفس عبد المطّلب فرحاً وسروراً على هذا الفتح المبين الذي يوفّر الماء لحجاج بيت اللّه الحرام ويروي أهل مكّة، وقد ارتفع ذكره وتحدثت الركبان عن فضله.
ولاقى عبد المطّلب جهداً شاقّاً في تنقيبه عن ماء زمزم، وكان من أقسى ما عاناه سخرية قريش واستهزاءهم به حينما كان يفتش ويعمل للعثور على ماء زمزم، ثمّ منازعتهم له حينما ظفر بالكنز، وقد شعر بأنّ ذلك لضعفه، وقلة أولاده، فنذر اللّه تعالى إن ولد له عشرة نفر وبلغوالينحر أحدهم اللّه عند الكعبة، كما فعل جدّه إبراهيم حينما فرغ من بناء الكعبة، وفعلاً فقد رزقه اللّه عشرة أولاد، وهم :
الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة،
وأبو طالب، وعبد اللّه.
ومن البنات : صفية، وبرة، وعاتكة، وأمّ حكيم، واجبحة، واروى، وقد تحقّقت أمنيته وقويت شوكته.
لقد تحقّقت أمنية عبد المطّلب، وأصبح أولاده عشرة، فكان عليه الوفاء بالنذر، فدعا أبناءه وأخبرهم بنذره، فأبدوا طاعتهم ورضوخهم لأمره، واقرع بينهم، فصارت القرعة على عبد اللّه، وهو والد الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأحب أبنائه إليه، وانطلق به ليذبحه عند إساف ونائلة، وهرعت إليه قريش فقالت له : واللّه لا تذبحه أبداً حتّى تُغذِر فيه. يا أبا الحارث، إنّك إن فعلت ذلك صارت سنة في قومك، ويأتي الرجل بولده ليذبحه هنا (1).
وأجابهم عبد المطّلب عن إصراره على الوفاء بالنذر قائلاً:
«إني عاهدت ربي، وأنا موف بما عاهدته...».
وانبرى إليه قوم فعذلوه عن عزمه، وقالوا له إنطلق بولدك إلى عرّافة بخيبر فتسأله فإن أمرك بذبحه ذبحته، وإن أمرك بأمرٍ فيه فَرَجَ قَبِلْته، ونزل عبد المطّلب على رغبتهم، ومضى إلى عرّافة، فعرض عليه الأمر، فاستمهله حتّى يأتيه تابع له ويستشيره في الأمر، وفي اليوم الثاني قال لعبد المطّلب :
«كم الدية فيكم ؟».
«عشرة من الإبل».
ارجعوا إلى بلدكم ثمّ قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشراً من الإبل، ثمّ اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجتْ عَلَى صاحبكم فزيدوا من الإبل عشراً فعشراً،
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 162.
حتى يَرْضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل، فانحروها عنه، فقد رَضِي رَبُّكم ونجا صاحبكم...».
وقفل عبد المطّلب راجعاً إلى مكّة، فأحضر مائة من الإبل، وضرب بالقداح عليها وعلى ولده عبد اللّه، فخرجت على الإبل بعد إذ ضرب عشر مرات. وكبّر الناس وقالوا له : «رضِيَ ربِّك يا عبد المطّلب»، فقال لهم :
«إنّي معيد القداح...».
وإنّما قال ذلك ليطمئن قلبه، وأعاد الضرب ثانية، فخرجت على الإبل بالمرّة العاشرة، فأيقن عند ذلك، وأمر بذبح مائة ناقة بين الصفا والمروة، وأمر منادياً ينادي أهل مكّة بالمبادرة لأخذ اللحم، وأسرعوا لأخذه (1).
لقد نجا عبد اللّه من الذبح كما نجا جده إسماعيل، وانتشر الخبر في أرجاء مكّة، وانصرف عبد المطّلب آخذاً بيد ولده وهو ناعم البال، مسرور بنجاة ولده الذي أشرق وجهه بنور النبوّة التي في نسله.
ولد الرسول الأعظم اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أيّام جدّه عبد المطّلب، وقد رزء النبيّ بوفاة أمه في وأبيه -كما سنذكره - وقد تبنّاه جده، فعاش في ذرى عطفه ومودته، وقد أيقن الجدّ بأن حفيده ذو شأن عظيم، أخبرته بذلك الرهبان وغيرهم، فقام برعايته، وتولّى بنفسه خدماته، وأخلص له في الحبّ كأعظم ما يكون الإخلاص، فقدّمه على أبنائه وأحفاده.
وصيّته بالنبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
كان عبد المطّلب حذراً وخائفاً على حفيده، الذي يستوعب الدنيا ذكره،
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1: 163.
وأنّه سيخلق لهم مجداً وذكراً عاطراً لا يُنسى مدى الدهر... وقد شعر بدنو الأجل المحتوم منه، فأوصى ولده أبا طالب بالنبيّ بهذه الوصية الذهبيّة :
«انظر يا أبا طالب أن تكون حافظاً لهذا الوحيد الذي لم يشمّ رائحة أبيه، ولم يذق شفقة أمّه، انظر أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإنّي قد تركت بني كلّهم، وخصصتك به، فانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنّ اللّه سيودّه، ويملك ما لا يملك أحد من آبائي...».
وحفلت هذه الوصية برأفته، وشفقته على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه سيكون له شأن عظيم لم يبلغه أحد من آبائه، ثمّ التفت إلى أبي طالب قائلاً :
«هل قبلت وصيّتي ؟».
«نعم، قبلت وصيّتك، واللّه على ذلك شاهد.».
واستراح عبد المطّلب من هم ثقيل كان جائماً عليه، فقال لأبي طالب
«الآن خفف عليَّ الموت».
وأخذ يوسعه تقبيلاً ويقول له :
«لم أر أحداً أطيب ريحاً منك، ولا أحسن وجهاً».
ولم يلبث عبد المطّلب بعد وصيّته بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا وقتاً يسيراً ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة، وقد انطوت بوفاته صفحة من صفحات النبل والشرف وضجّت مكّة بنبأ وفاته، فقد خسروا المصلح الذي كان يحنو عليهم ويعطف... وقد شيّع جثمانه بتشييع حافل ضمّ جماهير أهل مكّة وهم غارقون بالأسى واللوعة، ودفن في مقرّه الأخير تحت هالة من البكاء وقد أبنه مطرود بن كعب بهذه الأبيات :
يا أَيُّها الرَّجُلُ المُحوّل رَحلَهُ***أَلا نَزلَت بالِ عبدِ مَنافِ
هَبِلَكَ أُمُّكَ لو نَزَلَتَ عَلَيْهِمُ***ضَمِنوكَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ إِقْرافِ
المُنْعِمِونَ إِذَا النُّجُومُ تَغَيَّرتْ****والراحِلونَ لرِحْلَةِ الإِيلافِ
وَالمُطْعِمُونَ إِذا الرياحُ تَناوَحَتْ***حتّى تغيبَ الشَّمْسُ في الرَّجَافِ (1)
وَالمُفْضِلُونَ إِذَا المُحولُ تَرادَفَتْ***وَالْقائِلُونَ هَلُمَّ للأَضْيافِ
وَالخالِطونَ عَنيَّهم بِفَقيرهِم***حتّى يَكونَ فَقيرُهُم كالكافي
كانَتْ قُرَيضٌ بَيْضةٌ فَتَفَلَقَتْ***فالمُخُّ خالصَةٌ لِعَبْدِ مَنافِ (2)
وحكى هذا الشعر ما تتمتع به الأسرة الهاشميّة من الكرم وقراية الضيوف والسخاء اللّامحدود.
رحم اللّه عبد المطّلب فقد كان من أعمدة الجود والسخاء في العالم العربي.
ومن الجدير بالذكر أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان عمره الشريف يوم وفاة جده ثمان سنين(3).
لقد نشأ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ظلال هذه الأسرة التي توارثت النبل والشهامة، وتطبّعت على الخير والإحسان.
وقبل أن نتحدّث عن مشرق النور في ولادة سيّد الكائنات نعرض لأبيه الطاهر وأمه الزكية، اللذين تفرّع منهما هذا العملاق العظيم، الذي غيّر مجرى تأريخ البشريّة، وأنقذها من متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة، ورفعها إلى مستوى كريم تضيء في آفاقها أعمدة النور التي امتدت موجاتها إلى أمم العالم وشعوب الأرض، وفيما يلي ذلك :
أما عبد اللّه الأب الكريم للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان من سادات قريش في سادات قريش في آدابه وحسن سلوكه، وكان عفيفاً لم تدنّسه الآثام، وتحدّث الرواة عن عظيم عفافه، فقد اجتاز مع أبيه عبد المطّلب على فاطمة بنت مر الخثعمية وكانت شاعرة وكاهنة وعفيفة، وقد قرأت في بعض الكتب علائم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلمّا رأت وجه عبد اللّه، وهو مضيء بنور النبوّة طلبت منه أن يباشرها وتعطيه مائة من الإبل فامتنع من ذلك وقال لها :
أَمَا الحَرامُ فالمَماتُ دُونَة***والحِلُّ لاحِلٌ فَاستَبينَة
فَكَيفَ بِالأَمْرِ الذي تَبغِيَنهُ***يحمي الكَريمُ عِرْضَهُ وَدينَه (1)
ودلّ هذا الشعر على قوّة إيمانه، فإنّه لم ينهار أمام الغريزة الجنسية، ثمّ عرفها أنّه
1) السيرة النبويّة / دحلان : 1 : 30.
مع أبيه، ولا يقدر على مفارقته، ثمّ مضى مع أبيه، فزوجه الفاضلة الكاملة آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وأقام عندها ثلاثاً ثمّ انصرف واجتاز على فاطمة الخثعمية فقالت له :
«يا فتى، إنّي واللّه ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نوراً، فأردت أن يكون فيَّ، وأبى اللّه أن لا يجعله إلا حيث أراد، فما صنعت بعدي ؟».
فقال لها :
«زوجني أبي آمنة بنت وهب فأقمت عندها ثلاثاً».
وأنشأت فاطمة تقول بحسرة :
إِنِّي رَأَيْتُ مُحِيلَةٌ لَمَعَتْ***فَتَلالات بحناتِمِ القَطر
فَلَماتُها نوراً يُضِيءُ لَهُ***ما حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ
فَرجَوْتها فَخْراً أَبوءُ بِهِ***ماكل قادحُ زَندِهِ يُوري
لِلَّهِ ما زُهْرِيَةٌ سَلَبَتْ***ثَوْبَيكَ مَا اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي (1)
ونسب لها شعر آخر حكى لوعتها وأساها على ما فاتها من الفخر والشرف، وهو:
بَني هَاشِمٍ قَدْ غادَرَتْ مِنْ أَخيَكُمُ***أَمَينَةُ إِذْ لِلبَاهِ يَعْتَرِكانِ
كما غادَرَ الْمِصْباحُ عِندَ خُمودِهِ***فَتائِلُ قَدْ مِيهَت لَهُ بِدهانِ
وما كلّ ما يَحْوِي الْفَتَى مِنْ تِلادِهِ***لعَزْمِ ولا ما فاتَهُ لِتَوانِ
فَأَجْمِلْ إِذا طَالَبتَ أَمْراً فَإِنَّهُ***سَيَكفِيكَهُ جَدَانِ يَعْتَلِجانِ
سَيَكفِيكَهُ إِمَا يَدٌ مُقْفَعِلَةٌ***وَإِمَا يَدٌ مَبْسوطَةٌ بِبِنانِ
وَلمّا حَوَتْ مِنْهُ أَمَيْنَةُ ما حَوَتْ***حوَتْ مِنْهُ فَخْراً ما لِذلِك ثان (2)
حكى هذا الشعر لوعتها على ما فاتها من الفخر الذي لا فخر مثله، كما حكى غبطتها للسيّدة آمنة التي خصها اللّه تعالى بهذه الكرامة.
ولم يقم عبد اللّه مع زوجته طويلاً، وإنما خرج في تجارة إلى الشام، ولمّا قفل راجعاً عرج علی أخواله عائداً إلى المدينة ليستريح عندهم من عناء السفر، ثمّ يرحل بعد ذلك إلى مكّة، إلا أنه فوجئ بمرض ألمّ به عند أخواله، فتركه رفقاؤه واتجهوا صوب مكّة، فأخبروا أباه بمرضه، فأضطرب وأرسل أخاه الأكبر الحارث للتعرّف عليه ويعود به إلى وطنه، ولما بلغ الحارث المدينة علم أن أخاه قد توفّي بعد شهر من سير القافلة إلى مكّة، ودفن في المدينة، فقفل راجعاً إلى مكّة ينعى أخاه.
واستقبل النبأ عبد المطّلب بأسى بالغ كما حزنت أشد الحزن زوجته آمنة التي كانت تتطلّع إلى مقدمه بمزيد من الأمل والرجاء، وقد رثته بذوب روحها بهذه الأبيات :
عفا جانِبُ البَطْحاءِ مِنْ آلِ هاشم***وجاوَرَ لحداً خارجاً في الغمائِمِ
دَعَتْهُ المَنايا دعوة فأجابها***وما تَرَكتْ في النَّاسِ مِثل ابن هاشم
عَشِيَّةَ راحوا يَحْمِلُونَ سريرَهُ***تَعاوَرهُ أصحابُهُ في التَّزاحُم
فَإِنْ تَك غاللّه المَنونُ وَرَيْبُها***فَقَدْ كانَ مِعْطَاءٌ كَثيرَ التَّراحُمِ (1)
وحكى هذا الشعر لوعتها وأساها على زوجها الذي توفي وعمره كعمر الزهور ولم تنعم به .
وترك عبد اللّه بعده: خمسة من الإبل، وقطيعاً من الغنم، وجارية هي أم أيمن
1) السيرة النبويّة / دحلان : 1 : 30.
حاضنة النبيّ (1). ومن الطبيعي أن هذه التركة لا تدل على ثراء واسع عنده.
أمّا السيّدة الكريمة التي حظيت بالشرف والنور والمجد فهي أمّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) آمنة بنت وهب من بني زهرة من القبائل العربيّة الممجّدة، وقد عنى النسابون بذكر النابهين منهم، وكانت آمنة أفضل فتاة في قريش نسباً وموضعاً (2).
وكان معظم أبناء أسرتها يقطنون في المدينة المنوّرة، وقد افتخر الزهريّون بخؤولتهم للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكانوا يقولون باعتزاز وفخر نحن أخوال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (3).
وقد تزوّجت بعبد اللّه وهو أفضل شاب في قريش، وقد غبطتها فتيات قريش بهذا القران، ووددن لو أنهن حظين بالزواج من عبد اللّه.
ورأت آمنة في منامها رؤيا غريبة قصتها على زوجها، فقالت له :
«لقد رأيت كأن شعاعاً من النور انبثق من كياني فأضاء الدنيا من حولي، حتّى رأيت به قصور بضرى من أرض الشام، وسمعت هاتفاً يهتف إنك قد حملت سيد هذه الأمّة...» (4).
وصدقت رؤياها، فقد حملت بسيّد الكائنات الذي خضعت له الدنيا. ألا بوركت هذه السيّدة التي خصها اللّه تعالى بهذا الفضل الذي لم تظفر به أي سيّدة في الدنيا،
وتحدثت آمنة عن بركة مولودها العظيم، فقالت :
«منذ اليوم الذي حملت فيه ولدي حتّى الساعة التي وضعته فيها لم أشعر بأقل ألم، وإنّي لم أشعر حتّى بمجرد ثقله، بل ما شعرت أنّي قد حملت به، حتّى أتاني آتٍ وأنا بين النوم واليقظة، فقال : هل شعرت أنّك حملت ؟ فكأنّي أقول : ما أدري.
فقال : «إنك قد حملت بسيد هذه الأمّة ونبيّها، أعلمي ذلك» (1).
وكانت آمنة وفيّةً لزوجها عبد اللّه، ومن عظيم وفائها أنها كانت تخرج من مكّة لزيارة قبره في كلّ عام، ومعها عبد المطّلب وأم أيمن حاضنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفي إحدى زياراتها لمرقده وافتها المنية بالأبواء، ودفنت فيها (2).
وأشرقت الدنيا وأطلّت على الكون نفحات من روح اللّه تعالى لتنقذ الإنسان من ويلات الجاهلية، ومآثم الحياة، إنّها الرحمة الكبرى التي أفاضها اللّه تعالى على عباده لتقيم أودهم، وتهديهم للتي هي أقوم. ونتحدّث - بإيجاز - عن ولادته التي هي أعظم حدث في تأريخ العالم، وأسمى لطف وبركة من اللّه تعالى على عباده، وفيما يلي ذلك :
وتحدثّت السيّدة الزكيّة عن كيفية ولادتها بالرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت:
«وفي نفس اللحظة - يعني من ولادتها - خرج من أحشائي خيط من النور
وترامى ناحية المشرق حتّى بلغ أرض الشام، وعندما دنا موعد ولادتي ظهر لي المَلك من جديد، وأوصاني قائلاً: عندما تضعين ولدك قولي : أُعيذه بالواحد الصمد من شرّكل حاسد، ثمّ سمّيه محمّداً، فهذا هو الاسم الذي بُشِّر به في التوراة والإنجيل ؛ ولأنّه سوف يحمد من جميع سكان السماء والأرض...» (1).
واختلف الرواة في العام الذي ولد فيه سيّد الكائنات، وهذه بعض الأقوال :
1 - ولد سنة (570م) ذهب إلى ذلك الأكثر، وذلك في عام الفيل (2).
2 - ولد في عام الفيل يوم الجمعة، في شهر ربيع الأول، في يوم السابع عشر منه (3).
أما المكان الذي حظي بولادة سيد الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهو مكّة، وفي دار جدّه عبد المطّلب :
وحينما بُشِّر عبد المطّلب بولادة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) طافت به موجات من السرور والابتهاج وعوّذه بهذا الشعر:
الحَمْدُ للّه الَّذى أَعْطاني***هذا الغُلامُ الطيِّبُ الأَرْدانِ
قَدْ سادَ في المَهدِ على الغُلْمَانِ***أعيذُهُ بالبَيتِ ذي الأركان (4)
كما عمّت الفرحة الكبرى أعمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد أثر عن عمه العباس هذا الشعر :
وأنتَ لمّا وُلدتَ أشْرَقَتِ الأر***ضُ وضاءَتْ بنورِكَ الأُفُقُ
فنَحْنُ في ذلك الضّياءِ وفي الن***ور وسيلِ الرَّشادِ نَسْتَبِقُ (1)
وأيقن عبد المطّلب أنّ لحفيده شأناً عظيماً أخبرته بذلك الكهان وغيرهم، وقد أخذه وطاف به الكعبة، وهو يشكر اللّه تعالى على هذه النعمة (2).
ويقول البوصيري :
وتوالت بُشرى الهواتف أَنْ قد***وُلِدَ الْمُصْطَفى وَحَقَّ الهَناء
ويقول شوقي :
وُلِدَ الهُدى فالكائنات ضياءُ***وقَمُ الزَّمانِ تَبسُّمٌ وثَناءُ
وفي اليوم السابع ذبح عنه، ودعا قريشاً لتناول الطعام.
وسمّاه جده محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقالت له قريش : لِمَ سمّيته بهذا الأسم ورغبت عن تسميته بأسماء أهل بيته ؟ فقال : أردت أن يحمده اللّه تعالى في السماء، وخلقه في الأرض (3).
وقال بعض العلماء : «ألهمهم اللّه عزّ وجلّ أنّ سمّوه محمّداً لما فيه من الصفات الحميدة ليتطابق الاسم والمسمّى في الصورة والمعنى، وما أبرك وأجلّ من اسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أثر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : «ما مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ محمّد إِلَّا وَسُعَ اللّه عَلَيْهِمْ
الرِّزْقَ، فَإِذا سَمَّيْتُمُوْهُمْ فَلَا تضضْرِبُوهُمْ وَلَا تَشْتُمُوهُمْ، وَمَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ ذُكُورٍ فَلَمْ يُسَمَّ أَحَداً مِنْهُمْ أَحْمَدَ أَوْ محمّد فَقَدْ جَفاني» (1).
وصحبت ولادة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)بعض الخوارق والمعجزات، كان منها :
1 - ارتجاج إيوان کسری وسقوط شرفاته.
2 - غيض بحيرة طبرية.
3 - خمود نار فارس، وكان لها ألف عام لم تخمد، وكانت تعبد من دون اللّه، وقد ألمح البوصيري في همزيته إلى هذه الخوارق بقوله :
وتَداعَى إِيوانُ كِسرى وَلَولا***آيةٌ مِنكَ ما تَداعَى البناءُ
وغَدا كلّ بيتِ نارِ وفيهِ***كُربَةٌ مِنْ خُمودها وبَلاءُ
وعُيون للفُرسِ غارَت فَهَلْ***كانَ لنيرانهم بها إطفاء (2)
لقد كانت ولادة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مشفوعة بالآيات البيّنات، والمعاجز الباهرات.
وفزع بعض أحبار اليهود من ولادة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد صعد على أطمة (3)بيثرب، وصرخ بأعلى صوته طالباً حضور اليهود قائلاً: يا معشر اليهود، فلمّا اجتمعوا عنده رأوه فزعاً مذهولاً فقالوا له :
«ويلك ! ! ما لك ؟..».
«طلع الليلة نجم أحمد الذي وُلد به» (1).
وفزع يهودي كان يسكن مكّة، فقد قال في بعض مجالس قريش : هل ولد فيكم في هذه الليلة مولود ؟ فقالوا : ما نعلم ذلك، وسارع قائلاً لهم :
«احفظوا ما أقول لكم : ولد في هذه الليلة نبيّ هذه الأمّة، وهو منكم معاشر قريش، وأخذ يحدّثهم عن أوصافه، وأخبرهم أنه وجد ذلك في الكتب القديمة» (2).
وعلى أي حال، فقد ولد سيد النبيين الذي ملأ الدنيا نوراً وعلماً وفكراً، وأنقذ الإنسان من ويلات الجاهلية.
مرضعاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
1 - أوّل من أرضعته السيّدة الزكيّة الطاهرة أُمّه، فقد أرضعته أياماً، قيل : سبعة أيّام، وقيل : تسعة أيّام (3)، ثمّ جفّ لبنها تأثّراً بوفاة زوجها.
2 - أرضعته جارية لأبي لهب، وقد أعتقها، وكانت قد أرضعت حمزة قبله (4).
3 - حليمة السعدية، وقد رأت في رضاعها للنبيّ من البركة والخير الشيء الكثير، ونعمت مع قومها بالخير العميم. ويقول الرواة : إن عبد المطّلب قال لحليمة : من أنت ؟...
امرأة من بني سعد.
ما اسمك ؟..
حليمة.
بخ بخ سعد وحلم، خصلتان فيهما خير الدهر وعزّ الأبد. يا حليمة، إن عندي غلاماً يتيماً، قد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن، وقلن ما عند اليتيم من الخير، إنّما نلتمس له الكرامة من الآباء، فهل لكِ أن ترضعيه فعسى أن تسعدي به ؟
واستجابت له، وقد ملأ اللّه تعالى قلبها حبّاً ومودّة له.
يقول البوصيري في رائعته :
وبَدَتْ في رضاعِهِ مُعْجِزاتٌ***لَيسَ فيها عَنِ الْعُيونِ خَفَاءُ
إِذْ أَبَتْهُ لَيُنْمِهِ مُرْضِعاتٌ***قُلْنَ مَا فِي اليَتِيمِ عَنَا غَناءُ
فَأَتَتْهُ مِنْ آلِ سَعْدِ فَتاةٌ***قَدْ أَبَتْهَا لِفَقْرها الرُّضَعَاءُ
أَرْضَعَتَهُ لِبانَها فَسَقَتْها***وَبَنيها ألبانُهُنَّ الشّاءُ
أَصْبَحَتْ شَولاً عِجافاً وَأَمْسَتْ***ما بِها شائِلٌ وَلَا عَجْفاءُ
أَخْصَبَ العيشُ عِندَها بعدَ مَحْلٍ***إِذْ غَدا للنبيّ مِنْها غذاءُ(1)
ووجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند حليمة من اللطف والبر والرعاية ما ملأ نفسه اعتزازاً وولاء لها ولقومها، وقد أثر عنه القول في ذلك : «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادَ، وَاسْتَرْضَعْتُ في بَني سَعْدِ».
وقد رأت حليمة الآيات والمعاجز من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مما أبهرها، فقدّمته على أولادها بالرعاية والعطف، وبعد ما بقي عندها أشهراً جاءت به إلى أمه في مكّة لتنعم برؤياه، إلا أنه ضاع منها في جبال مكّة، ففزعت وأقبلت نحو جده عبد المطّلب وهي مذهولة فأخبرته بذلك، وذهل عبد المطّلب ومضى إلى الكعبة يدعو اللّه تعالى أن يردّه إليه، وقد وجده ورقة بن نوفل ورجل من قريش، فأتيا به إلى جده وقالا له : هذا ابنك وجدناه بأعلى مكّة، فابتهج وحمله على عاتقه، وجعل يطوف به بالكعبة
1) السيرة النبويّة / زيني دحلان : 1 : 35 و 36.
يعوذه ويدعو له، ثمّ حمله إلى أمّه (1).
وقد ألمح الذِّكر الحكيم إلى نعمة اللّه تعالى عليه حينما ضاع قال تعالى : «وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى» (2)، وبعدما نعمت أمه برؤياه ومكث عندها أياماً رجع مع مرضعته إلى موطنها، فقد خافت عليه من وباء منتشر في مكّة.
واجتازت حليمة بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سوق عكاظ، فنظر إليه كاهن، فرفع صوته قائلاً: «يا معشر العرب، اقتلوا هذا الصبي، فليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرنّ أصنامكم، وليظهرنّ أمره عليكم».
وأنجاه اللّه تعالى من كيده، وسلم من شره (3).
مع أخواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الرضاعة
وكانت أخوات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لهم من الرضاعة يكن له أعمق المودّة والحبّ، فأخته الشيماء كانت تحتضنه، وتقول :
هذا أَخٌ لَمْ تَلِدُهُ أُمّي***وليسَ مِنْ نَسلِ أَبِي وَعَمّي
فَأَنْمِهِ اللّهمُ فيمَنْ تُنْمي (4)
وكانت الشيماء تحنو عليه وتعطف وتبرّبه، وكذلك أخواتها، وقد أقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع مرضعته سنتين، ثمّ عاد إليها سنتين، وقد عاش في جو البادية، لا يعرف
إلّا الهواء الطلق والأخلاق العربيّة التي لم تتلوّث بالعادات السيّئة.
وذكر مدوّنوا السيرة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل أن يبلغ السنة الثالثة من عمره الشريف كان مع أخيه من الرضاعة في بهم لأهله خلف بيوتهم ؛ إذ أقبل رجلان فأخذا النبيّ واضجعاه وشقا بطنه، والتمسا فيه شيئاً فأخرجاه، ولم يعلم ما هو (1)، ولم يحسّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بألم وأذى من هذه العملية.
وعلّل بعضهم بأنّ هذه العملية أخرجت ما في جوف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض النزعات الشريرة السائدة في بني آدم من الأنانية والحسد والكبرياء وغيرها، والذي نراه بعد التأمل أنه لا واقع لذلك، فإنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد خلق مهذباً عن كلّ عيب، لم تدنّسه أية نزعة شريرة. يقول الشاعر:
خُلِقْتَ مُهَذَّباً عَنْ كلّ عَيْبٍ***كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كما تَشاءُ
فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جميع فترات حياته قد طهره اللّه تعالى من الرجس، وعصمه من الذنب، ولا يحتاج في طهارته إلى أية عملية جراحية.
وتشرفت بحضانة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أم أيمن بركة الحبشية، فقد قامت بحضانته ورعايته حتى كبر، وهي أم أسامة بن زيد (2).
أما ملامح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد بدت عليه أسارير النبوّة، فكان وجهه الشريف كالقمر
في تمامه تعنو لمنظره الجباه، فكان آية من آيات اللّه تعالى في جماله وبهاء منظره، فلم يرَ الراؤون مثله في روعة منظره، وجمال صورته وقد بهر بها الجميع.
وقد روى الترمذي وغيره عن الإمام الحسن سبط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : سألت خالي هند بن أبي هالة أن يصف لي جدي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان يجيد الوصف فقال :
«كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشدب (1)، عظيم الهامة، رجل المشعر (2)، انفرقت عقيقته (3)، فرق، وإلّا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب (4)سوابغ من غير قرب بينهما، أقنى العرين (5)، له نور يعلوه، فيحسبه من لم يتأمّله أشم (6)، كثّ اللحية، أدعج (7)الخدّين، ضليع الفم (8)، أشنب (9)، مفلج الأسنان (10)، دقيق المسربة (11)، كأنّ عنقه جيد دمية (12)في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادناً، متماسكاً، سواء البطن والصدر، شيح الصدر (13)، بعيد ما بين
1) المشدب : البائن الطول في نحافة.
2) المشعر : الرجل الذي مشط قليلاً، فهو ليس بسبط ولا جعد.
3) العقيقة : شعر الرأس.
4) أزج الحواجب : المقوّس الطويل.
5) الأقنى : السائل الأنف.
6) الأشم : الطويل الموادجة، قصبة الأنف.
7) الأدعج : الشديد السواد.
8) الضليع : الواسع.
9) الشنب : رونق الأسنان.
10) الفلج : الفرق بين الثنايا.
11) دقيق المسربة : خبط الشعر بين السرّة والصدر.
12) الدمية : الغزال.
13) الشيح : باد الصدر.
المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرّة بشعر يجري كالخط، عادي الثديين والبطن ما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفين(1)والقدمين، سائل الأطراف (2)، سبط العصب، خصمان الأخصمين، مسيح القدمين (3)ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تعلّقاً ويخطو تكفؤاً، ويمشي هوناً، ذريع المشية (4)، إذا مشى كأنّما ينحط من صبب، وإذا ألتفت التفت جميعاً، خافض الطرف إلى الأرض، أطول نظره إلى السماء (5).
هذه بعض أوصافه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي ملء فم الدنيا عظمة ومجداً.
وخرجت آمنة بابنها إلى المدينة لتريه أخوال جدّه من بني النجار، وقد صحبت معها أم أيمن، ولمّا انتهت إلى المدينة عرفته بالمكان الذي توفّي به أبوه، والمكان الذي دفن فيه، وقد ترك ذلك في نفسه الشريفة أعمق الحزن، وبقيت أياماً معدودة ثمّ قفلت راجعة إلى مكّة، وفي أثناء الطريق مرضت بالأبواء (6)فتوفيت هناك، ودفنت فيه (7)، وقد فجع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كأقسى ما تكون الفجيعة بوفاة والدته الرؤم التي كانت تحنو عليه وتعطف، فإنّ أقسى محنة تمرّ على الطفل فقده لأبويه اللذين ينتهل منهما العطف والحنان.
سئل الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لم أوتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أبويه فقال : «لئلا يوجد عليه حقّ لمخلوق» (1).
من الروايات التي لا يقين لها من الصحّة ما رواه ابن بريدة عن أبيه، قال : كنت مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا وقف على غنان فنظر يميناً وشمالاً، فأبصر قبر أمه آمنة، فورد الماء فتوضأ، ثمّ صلّى ركعتين، فلم يفاجئنا إلا ببكائه فبكينا لبكاء رسول اللّه، ثمّ انصرف إلينا فقال :
«ما الَّذي أَبْكاكُم ؟..».
«ما ظَنَنتُم ؟».
«لَمْ يَكُنْ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ».
«لَمْ يَكُنْ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ، وَلكنّي مَرَرْتُ بِقَبْرِ أمّي فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْن، ثمّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرْ لَهَا، فَنُهِيتُ، فَبَكيتُ ثمّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرْ لَها فَزُجِرْتُ زَجْراً، فَعَلا بُكائي».
ثم دعا براحلته فركبها، فما سارت إلا هنيئة حتّى قامت الناقة فأنزل اللّه تعالى : «مَا كَانَ للنبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» (2)، إلى آخر الآيتين، فقال
النبي : «أَشْهِدُكُم أَنَّى بَريءٌ مِنْ آمِنَةَ كَما تَبَراً إبراهيمُ مِنْ أبيه»(1).
حكت هذه الرواية الحاد السيّدة آمنة وعدم إيمانها، وهذا لا صحّة له ؛ فإنّ الأسرة النبويّة كانت على ملة إبراهيم شيخ الأنبياء ولم تسجد لصنم، ولم تؤمن بوئن، وقد ولد سيّد الأنبياء صلوات اللّه عليه من أرحام مطهرة لم تلوّثها الجاهلية بأوثانها، فالرواية إسرائيلية ولا نصيب لها من الصحّة.
وفاجعة أخرى داهمت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي فقده لجده عبد المطّلب الذي عاش في ذرى عطفه، وفي كنف مودته، وكان عمر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فيما يقول الرواة - ثمان سنين (2)، وكان لفقده صدى حزن وأسى في أوساط مكّة، فبكاه الجميع، ورثاه أصدقاؤه وبناته بمجموعة من القصائد ذُكرت في سيرة ابن هشام، وكان من أقسى ما عاناه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في السنين الأولى من حياته فقده لجدّه عبد المطّلب الذي أغدق عليه بحنانه وعطفه، وقدّمه في الرعاية على أبنائه وأحفاده، وأوصى به عمه أبا طالب بعد وفاته، ونعرض لمدى رعايته له بعد ما عهد أبوه بذلك.
نشأ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كنف عمه أبي طالب وفي ذرى عطفه، وقد أخلص له في المودّة والحبّ، وقدمه على أهله وأبنائه، وكان يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله (3)، فقد أخبرته الرهبان والكهان أن لابن أخيه شأناً عظيماً، فخاف عليه من كيد اليهود ومكرهم، فلم يفارقه ساعة من ليل أو نهار (4)، ولم يأتمن
عليه أي أحد، وبلغ من برّه وعطفه عليه أنه إذا حضر الطعام لا يسمح لأولاده بتناوله حتى يحظر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيأكل معهم (1).
لقد أيقن أبو طالب أنّ ابن أخيه هو خاتم الأنبياء، وسيّد المرسلين، ورائد النهضة الفكرية والحضارية لجميع بني الإنسان، فلذا أحاطه بجميع طاقاته، وسخر نفسه لكافة خدماته وشؤونه.
أما السيّدة فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب، فقد قامت بدور مهم في خدمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورعايته، وكانت تفضّله على أولادها في المودّة، وقد عوّضته عن عطف أمه وحنانها، وكانت تدعو اللّه تعالى أن يرزقها ولداً ليكون أخاً له، فاستجاب اللّه دعاءها فرزقها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، فكان أخاً له، وناصراً ومحامياً عنه.
ومن الجدير بالذكر أن هذه السيّدة المعظّمة كانت من السابقات لاعتناق الإسلام، فقد أسلمت بعد عشرة أشخاص (3)، كما أنّها أول امرأة بايعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما أخذ العهد على النساء المسلمات أن يلتزمن بالعفة والطهارة واجتناب المنكر.
وعدّها علماء الحديث من الرواة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد رووا عنها ستّاً وأربعين حديثاً، وأخرج لها في الصحيحين حديثاً واحداً متّفقاً عليه (4).
ورزء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوفاة السيّدة فاطمة التي كانت تحنو عليه وتعطف، وتبالغ في برّه
والإحسان إليه، وكان يدعوها أُمّه، فقد صعدت روحها كأسمى روح صعدت إلى اللّه تعالى تحفّها ملائكة الرحمن، وقد شيّع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جثمانها الطاهر ببالغ الأسى والحزن، وحفروا لها قبراً فاضطجع فيه النبيّ، ودعا لها بالمغفرة والرحمة، وقيل له :
ما رأيناك صنعت بأحد كما صنعت بها ؟
فقال : «لَمْ يَكُنْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ أَبَرَّ بِي مِنْهَا، إِنَّمَا أَلْبَسْتُها قَمِيصِي لِتَكْسَى مِنْ حُلَلٍ الْجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ فِي قَبْرها لِيُهَونَ عَلَيْها» (1).
لقد بذلت هذه الفاضلة الزكية قصارى جهودها في خدمة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد عوّضها اللّه تعالى عن خدمتها ويرها لنبيه بأن جعلها أُمّاً للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حامي الإسلام، والذابّ عن قيمه وأهدافه.
كان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في السنة الثانية عشر من عمره الشريف، وقد أراد عمّه أبو طالب السفر إلى الشام في تجارة له، وقد خاف أن يصحب معه ابن أخيه لئلا يصيبه جهد من وعثاء الطريق إلا أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبدى رغبته الملحة في السفر معه قائلاً:
«عَلَىٰ مَنْ تُخَلَّفْني وَلَا أَبْ لِي وَلَا أُمِّ»، فاستجاب له، فغادر مع عمّه مكّة مع قافلة من قريش، وهم يجدون في السير لا يلون على شيء، حتّى أشرفوا على الشام.
واستراحت القافلة في مسيرتها في مكان كان فيه راهب له اطلاع واسع بكتب النصرانية، فرأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد استظل تحت شجرة تدانت عليه أغصانها، فآمن بأنّه سيكون نبيّاً، وأنّه خاتم الأنبياء، وسارع إلى قريش قائلاً:
1) أسد الغابة : 5: 515 معرفة الصحابة : 1 : 279. الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة) : 4: 269.
إنِّي قد صنعت لكم طعاماً، وأحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحرّكم.
وبهر القرشيون من ذلك، ورفع شخص عقيرته قائلاً:
كنا نمرّ بك كثيراً فما شأنك اليوم ؟
فأجاب الراهب :
صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم اليوم جميعاً في ضيافتي
وشكره القوم، وهرعوا جميعاً لمنزله، وتخلّف عنهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونظر الراهب إليهم فلم ير فيهم النبيّ، فقال :
يا معشر قريش، لا يتخلّف أحد منكم عن تناول الطعام
نعم، لم يتخلّف أحد منا سوى غلام، وهو أحدثنا سناً.
دعوه فليحضر هذا الطعام.
وانبرى أحدهم فأحضر النبيّ، وأخذ الراهب يطيل النظر إليه، ثمّ وجه إليه السؤال التالي :
یا غلام أسألك بحقّ اللّات والعزّى (1)إلّا ما أخبرتني عمّا أسألك ؟
ونفر النبيّ من القسم بالأصنام وقال له :
«لَا تَسْأَلْني بِحَقِّ اللّاتِ وَالْعُزَى، فَوَاللّه، مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً قَطُ بُغْضَهُما».
وعرف الراهب أن الفتى ليس دينه دين قريش الخاضعين للأصنام، فقال له :
باللّه أسألك إلا ما أخبرتني ؟
«سَلْ ما أَرَدْتَ».
1) إنّما أقسم باللّات والعزّى مجاراة لقريش الذين كانوا يعبدون الأصنام.
وأخذ الراهب يسأله عن نومه ويقظته وسائر شؤونه، والنبي يجيبه، ثمّ نظر إلى خاتم النبوّة بين كتفيه، فألتفت إلى أبي طالب قائلاً:
ما هذا الغلام منك ؟
ابني.
ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً.
إنَّه ابنُ أخي.
صدقت، ما فعل أبوه ؟
مات أبوه وأُمّه حُبلى به.
صدقت. ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه من اليهود، فواللّه، لئن رأوه وعرفوا ما عرفت لَيَبْغُنّه شرّاً، إن لابن أخيك لشأناً عظيماً.
وبعد ما فرغ أبو طالب من تجارته بالشام قفل راجعاً به إلى مكّة (1).
لقد شاهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وهو في شرخ الصبا - المناظر الجميلة في الشام، كحدائقها وزرعها وجودة مناخها، كما استمع إلى أحاديث أهلها مع عمّه عن النصرانيّة ومعتقداتها، واليهودية وطقوسها، ففضّلهما على الوثنية التي تعبدها قريش، وقد وعى ذلك بعقله الثاقب، فقد كان في صباه في غاية الذكاء، ورجحان العقل، وسموّ الفكر.
من الأحداث التي شاهدها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في مقتبل عمره حرب الفجار، فقد نشبت هذه الحرب بين قريش وبين قيس عيلان في أثناء الأشهر الحرم التي كانت
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1: 181 و 182.
الجاهليّة تحرّم القتال فيها، لذا سميت بهذا الاسم، ودامت الحرب الطاحنة بينهما أربع سنين، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فيما يقول بعض المؤرخين - يجمع السهام التي تقع من هوازن على قومه، وقد كره النبيّ هذه الحرب وودّ أنّه لم يكن شاهدها (1).
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سني صباه يرعى أغنام أهله، وكان يعتز بذلك، فقال : «ما بَعَثَ للّه نَبِيَّاً إِلَّا راعِيَ غَنَم»، وقال : «بُعِثَ مُوسى وَهُوَ راعي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ راعي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعى غَنَمَ أَهْلي» (2). ليس في العمل نقص، فإنّه شرف وجهاد، والخسّة في البطالة والزهد في العمل.
وعلى أي حال، فقد كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أثناء عمله يطيل التفكر في خلق السموات والأرض وسائر شؤون الكون، فيزيده ذلك اطمئناناً ويقيناً بخالق الكون وواهب الحياة، ويبعثه إلى مناهضة الأصنام والأوثان التي يعبدها قومه من دون اللّه تعالى.
والظاهرة البارزة في حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وهو في شرخ الشباب - انصرافه التام عن اللهو، فلم يكن يلهو كما تلهو الشباب، فقد انصرف انصرافاً كاملاً عما يشين الإنسان من اقتراف مآثم الحياة، فقد أقام حياته على الفضيلة ومحاسن الأعمال والصفات، وقد تميّز بهذه الظاهرة عن فتيان قريش الذين أنفقوا شبابهم على العبث والمجون،
وقد بهرت قريش من سلوكه المطعم بالفضيلة وسموّ الآداب.
لقد خلد في شبابه إلى التفكر في خالق الكون، والعمل على إصلاح الحياة، وإنقاذ الإنسان من مجاهل هذه الحياة، وشغله ذلك عن النظر في أي شأن من شؤون حياته الأخرى التي يؤول أمرها إلى التراب.
من الأحداث المهمّة التي جرت للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)وهو في شرخ الشباب وضعه للحجر الأسود في موضعه بعد أن احتدم النزاع بين القبائل القرشيّة في السابق لوضعه، وكادت أن تقع الحرب بينهم إلا أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) استطاع بفكره الثاقب أن يحسم النزاع، وشارك جميع القبائل في وضعه، وقد عرضنا بصورة مفصلة لذلك في البحوث السابقة.
وحينما كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دور الطفولة أصابت قريش أزمة مادية حادّة تأثر منها أبو طالب، فانبرى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى عمه حمزة والعباس، وطلب منهما أن يتحمّلا ثقل عمه، فاتجهوا صوبه وعرضوا عليه الأمر، فقال لهم : «دعوالي عقيلاً وخذوا من شئتم، وكان شديد الحبّ لولده عقيل، فأخذ العباس طالباً، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ الرسول عليّاً، وقال لهما :
«اِخْتَرْتُ مَنِ اخْتارَهُ اللّه تَعالى عَلَيْكُما - يعني عليا -».
فكان الإمام في حجر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفي ذرى عطفه ومودّته، وقد غذّاه بطباعه وهديه، وأفاض عليه مكوّناته النفسيّة، فكان في جميع فترات حياته نسخة عنه، ومثلاً مشرقاً له، وقد تحدّث الإمام عن تلك الفترة الذهبية التي عاشها مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما لاقاه من صنوف الحفاوة والتكريم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ.
وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلِيدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُنِي عَرْفَهُ. وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثمّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كِذْبَةٌ فِي قَوْلٍ، أَخْلَاقِهِ وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ. وَكُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كلّ يَوْمٍ مِنْ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالْاِقْتِدَاءِ بِهِ».
أرأيتم كيف أخلص له النبيّ في الحب والمودّة فربّاه بمعالي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين حتّى يكون صورة عنه، وممثلاً له في حياته وبعد وفاته (1).
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اللّه : 49:1.
تفرّعت السيّدة الزكيّة أمّ المؤمنين السيّدة خديجة من أسرة عربيّة عرفت بأسرة بني زهرة الذي هو ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وإليه تنتمي هذه الأسرة التي هي إحدى الأسر العربيّة التي كانت تقطن في مكّة، وقد عرفت بقراية الضيف وغيره من مميّزات العرب.
وقد أنجبت هذه الأسرة بعض مشاهير العرب، كان منهم عبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ومن أعلامها النابهين العالم الكبير الفقيه محمّد بن مسلم الزهري الذي تخرّج من مدرسة الإمام الأعظم أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما تخرّج من جامعة الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإليه يرجع الفضل في الحفاظ على تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وذلك بما دوّنه ورواه من أحاديثهم في الفقه ومحاسن الشريعة الإسلاميّة.
ويرى اليعقوبي أنّ السيّدة خديجة تجتمع في نسبها المشرق مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في قصي الذي هو الجدّ الرابع للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والجدّ الثالث لها، وينتهي هذا النسب الكريم إلى شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 118.
أمّا والد اُمّ المؤمنين السيّدة - ديجة فهو من وجهاء أسرتها ومن أعلامها، وهو خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب (1).
ولم تذكر المصادر التي بأيدينا شيئاً عن ترجمة حياته، سوى أنه شريف وسيد كريم مشهور بالجود والسخاء(2). وحسبه فخراً أن تكون هذه السيّدة الزكية بنتاً له.
أمّا أمّ السيّدة خديجة فهي الفاضلة فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي (3).
وكانت هذه السيّدة الفاضلة مثالاً للطهارة والعفّة، وحسبها سموّاً وشرفاً أنها كانت وعاءً لأعظم سيّدة لا في عصرها وإنما في جميع العصور، وهي بضعة رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
1 - نوفل بن خویلد : وهو والد ورقة.
2 - حزام بن خويلد : وهو والد حكيم.
3 - العوام بن خويلد : وهو والد الزبير.
وأمّا الأخوات فهنّ :
1 - هالة بنت خويلد.
ولدت أمّ المؤمنين السيّدة خديجة في أفضل بقعة من بقاع الأرض، وهي مكّة المكرّمة قبل عام الفيل بثلاث سنوات، ونشأت في بيت من أفضل بيوتها، وقد تغذّت بالعفة والكرامة والأخلاق الرفيعة حتّى صارت المثل الأعلى لكل فتاة عربيّة، لقد ولدت في بيت مجد وسؤدد ورئاسة، فنشأت على التخلّق بالأخلاق الحميدة، واتصفت بالحزم والعقل والعفّة. أما سنة ولادتها فسنعرض لها عند التحدث عن سنها حين اقترانها بسيد الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
سمّاها أبوها خديجة، وهو من الأسماء الكريمة، وقد احتلت في طفولتها عواطف أبويها وأسرتها.
كانت العرب تكنّي أبناءها منذ طفولتهم ونشأتهم تكريماً لهم، واعتزازاً بهم، وكانت سيّدة النساء خديجة تكنى في الجاهلية بالطاهرة(3)لشدّة عفافها وطهارتها، كما كانت تسمى سيّدة نساء قريش، وذلك لما تتمتّع به من الصفات الرفيعة والنزعات الشريفة.
وما من صفة كريمة أو نزعة شريفة يمتاز بها الإنسان، ويسمو إلى أرقى مدارج الكمال إلّا وهي من عناصر أم المؤمنين السيّدة خديجة، ومن صفاتها البارزة :
آمنت أمّ المؤمنين باللّه تعالى إيماناً لا يخامره شك، وأخلصت في طاعتها اللّه تعالى أعظم ما يكون الإخلاص، وقد تعرّضت لسخط قريش حينما آمنت باللّه ونبذت عبادة الأصنام والأوثان، وهي ساخرة منها ومحتقرة لها، واتّجهت صوب اللّه تعالى فكانت أوّل من أجاب لدعوته، وآمن بنبيّه.
وكانت فيما يقول الرواة قد اتخذت حرزاً تتحصن به، وهو : «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث فأغثني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، وأصلح لي شأني كلّه» (1).
وحكى هذا عن إيمانها العميق باللّه وإنابتها إليه.
وظاهرة أخرى من ذاتيّات اُمّ المؤمنين السيّدة خديجة أنها كانت تملك إرادة قوية، فلم تنهار أمام الأحداث الجسام التي أحاطت بها حينما أعلنت الإسلام وتبنّت الدعوة المباركة، وقدّمت جميع ما تملك من الثراء العريض لدعمها، وإرساء قواعدها، ولم تحفل بالقوى المعارضة نساء ورجالاً التي قاومتها بجميع طاقاتها وهي مع ذلك كانت تزداد حماساً ونشاطاً لمساندة زوجها، وتخفيف ما يلاقيه من جهد وعناء، وتبعث في نفسه العزم والقوة والنشاط للاستمرار في أداء رسالة
1) بحار الأنوار: 94: 224.
ربّه، فكانت من السيدات الخالدات التي ميّزهنّ اللّه على بقيّة النساء، ففي الحديث عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : إِنَّ اللّه اخْتارَ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعاً : مَرْيَمَ وَاسِيَةَ وَخَديجَةَ وَفاطِمَةَ» (1).
وصبرت أمّ المؤمنين السيّدة خديجة على المحن الشاقة التي ألمت بها حينما تبنّت رسالة الإسلام، فقد تلقت السب والشتم من قومها وهجران النساء لها، وقد خلدت إلى الصبر، وفوّضت أمرها إلى اللّه تعالى، واحتسبت ما عانته من الآلام في جنب اللّه تعالى.
ومن ذاتيّات أم المؤمنين السيّدة خديجة العفة، فقد كانت بإجماع الرواة من أعف نساء قريش وأطهرهنّ، وكانت مضرب المثل في طهارتها وسلامتها من كلّ دنس، في مجتمع جاهلي ندرت فيه الخصال الشريفة التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة.
كانت أمّ المؤمنين السيّدة خديجة من أندى الناس كفّاً، فقد بذلت الكثير من أموالها لإعانة ضعفاء المسلمين الذين جهدت قريش على تعذيبهم وحرمانهم من جميع حقوقهم، فكانت هي التي تنفق عليهم بسخاء وتقوم بسدّ احتياجاتهم.
وقد قامت بدور مهم جداً في الإنفاق على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبني هاشم حينما حبسوا في شعب أبي طالب، وفرضت عليهم قريش الإقامة الجبرية فيه حتّى يموتوا
1) بحار الأنوار: 16 : 2، الحديث 5.
ولم يمدّهم أحد بما يحتاجونه من الطعام وغيره، سوى سيّدة النساء خديجة فهي التي كانت تتولّى الإنفاق عليهم، فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين.
ومن كرمها وجودها أنّها قد منحت الفاضلة حليمة مرضعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أربعين شاة وبعيراً موقعاً للظعينة (1).
وكانت أمّ المؤمنين السيّدة خديجة لها مكانة متميّزة في قريش قبل الإسلام، وكانت تدعى الطاهرة (2)، وسيّدة قريش (3).
لأمّ المؤمنين السيّدة خديجة مكانة بالغة الأهمية فى الإسلام، لأنّها من أهمّ رموزه الذين ساهموا في إقامة صروحه وتوطيد أركانه.
إنّ لأمّ المؤمنين السيّدة خديجة دوراً متميزاً في نشر الإسلام في وقت كان من أحلك الظروف، وأشدّها محنة وبلاءً، فقد أجمعت قريش على محاربته وإخماد نوره، وإبعاده عن حياتهم العقائدية والاجتماعيّة، ولم يكن للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) معين ولا ناصر سوى أبي طالب حامي الإسلام والسيّدة خديجة، ففي ظلالهما ترعرع الإسلام وقام على سوقه عبل الذراع.
اعتزت سيّدة النساء فاطمة 7 بأمها المعظمة السيّدة خديجة قائلة: «أَنَا ابْنَةُ
خَدِيجَةَ الْكُبْرى» (1).
قال شيخ البطحاء في حقّ اُمّ المؤمنين السيّدة خديجة : «امرأة كاملة، ميمونة فاضلة، تخشى العار، وتحذر الشنار» (2).
وقال في خطبتها للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أنا خاطب كريمتكم الموصوفة بالسخاء والعفّة، المعروف فضلها الشامخ» (3).
لقد كانت أم المؤمنين السيّدة خديجة وحيدة في نساء قريش في عفّتها وطهارتها وسموّ ذاتها، وهي موضع اعتزاز لا لنساء قريش وإنّما لجميع نساء الدنيا.
كانت السيّدة خديجة شديدة الميل للتجارة التي كانت سائدة في أوساط مكّة، وكان لها نشاط تجاري ملحوظ في مكّة حيث ملكت الثراء العريض حتّى صارت في طليعة تجار مكّة، وقد ربحت في تجارتها كثيراً حتّى صار عندها ما لا تملكه امرأة من نساء مكّة.
وقد كان فريق من المكيّين يتجرون بأموالها مضاربة حسب الشرط في تعيين الأرباح، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية.
هذه بعض مكوّنات أمّ المؤمنين السيّدة خديجة التي تميزت بها على نساء قريش وغيرهم، فكانت من سيّدات النساء الخالدات.
ذكر الرواة والمؤرّخون صوراً مختلفة عن تجارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأموال أم المؤمنين السيّدة خديجة، لعلّ من أدقّها وأكثرها صواباً ما رواه الشيخ المجلسي بقوله :
كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريش قوماً تجاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من صدق حديثه، وعظيم إيمانه، وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجراً إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فاستجاب لها، وسار معه غلام لها يقال له ميسرة، حتّى قدم الشام فنزل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب، فقال لميسرة : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟
وراح الراهب بدهشة وذهول قائلاً: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي.
وباع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) البضاعة التي كانت معه، وقد ربح ربحاً كثيراً لم يعهد مثله، ثمّ اشترى من البضاعة ما شاء، وقفل راجعاً مع ميسرة إلى مكّة (1).
فلمّا انتهيا إليها سارع ميسرة إلى السيّدة خديجة فبشرها بالأرباح الهائلة التي ظفر بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثمّ أخذ يحدّثها بدهشة عمّا رآه من العجائب والغرائب التي شاهدها من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رحلته من أخبار الراهب وتظليل الغمامة له، ومن نظره إلى السماء بخشوع ومناجاته اللّه تعالى بإيمان وإخلاص وغير ذلك مما يثير الدهشة والإكبار.
1) بحار الأنوار: 16 : 8.
ملئت نفس السيّدة خديجة إعجاباً وإكباراً بالنبيّ، وذلك لما تعرفه من سجإيّاه الكريمة وسموّ أخلاقه، وأنه ليس كشباب قريش الذين هاموا بالعبث والمجون والخلاعة، فقد فاقهم وتميّز عليهم بكماله ورجحان عقله، وطهارة ذاته، وغير ذلك من محاسن الأخلاق التي ميزته على جميع شباب قريش، وأيقنت أنّ له شأناً كبيراً ومستقبلاً مشرقاً.
وبادر زعماء قريش وتجارها وذوو الثراء منهم إلى خطبة السيّدة خديجة، كان منهم عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وأبو جهل، وأبو سفيان، فزهدت فيهم، ورفضتهم، واتّجهت صوب النبيّ، فقد آمنت إيماناً لا يخامره شك أنه النبيّ المرسل من السماء إلى عموم الخلق، وأنّه الذي بشر به الأنبياء، وكانت تقول : «سعدت من تكون لمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرينة» (1).
يقول البوصيري :
وَرَأَته خديجة والتقى***والزهد فيهِ سَجِيَّةٌ وَحَباءُ
وَأَتاها أَنَّ الغَمامَةَ وَالسَّرحَ***أَضَلَّتهُ مِنهُما أَفياء
فَدَعَتَهُ إلى الزواج وَما***أَحسَنَ ما يَبْلُغُ المُنى الأذكياء (2)
وسارعت السيّدة خديجة فخطبت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأرسلت المهر من أموالها، وبهر بعض القرشيّين من ذلك وقال : المهر على النساء للرجال!
فردّ عليهم أبو طالب ببالغ الحجّة قائلاً: «إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان، وإن كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي» (1).
لقد اختارت السيّدة خديجة خيرة من في الأرض، وسعدت بذلك، وتميّزت على جميع نساء العالمين، ولو لم تكن على جانب عظيم من الإيمان والتقوى وسلامة الذات لما فازت بهذه المنزلة العظيمة.
ومضى أبو طالب مع كوكبة من بني هاشم ونفر من قريش إلى عمّ السيّدة خديجة عمرو بن أسد فاستقبلهم بحفاوة وتكريم، فخطب أبو طالب خطبته البليغة قائلاً: «الحمد لربّ هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه.
ثمّ إنّ ابن أخي هذا يعني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - ممّن لا يوزن برجل من قريش إلا رجع به، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنده، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلّاً في المال، فإنّ المال رفد جار، وظلّ زائل، وله في خديجة رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر عليَّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله وربّ هذا البيت حظ عظيم، ودين شائع، ورأي كامل» (2).
وأعرب عمّ السيّدة خديجة عن سروره بهذه الصلة وتقديره لأبي طالب، ثمّ أجريت بعد ذلك مراسم العقد، ورفع المدعوون تهانيهم لأبي طالب وباقي أفراد الأسرة، كما شكر الهاشميون عمّ السيّدة خديجة على احتفائه وتكريمه لهم.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في بعض البنود التي حفلت بها خطبة أبي طالب، وهي :
أوّلاً: إنّها أشادت بفضل الأسرة الهاشميّة وسموّ مكانتها الاجتماعيّة، وذلك لما تتمتّع به من الصفات الرفيعة، والتي منها :
1 - إنّها تفرّعت من أصول كريمة هي في قمة الشرف، فهي من ذريّة إبراهيم شيخ الأنبياء ومن ولده نبيّ اللّه إسماعيل.
2 - إنّ الأسرة الهاشميّة استوطنت أفضل بقعة من بقاع الأرض وهو حرم اللّه تعالى الذي جعله أمناً لعباده.
3 - من مميزات الهاشميّين أنهم السادة والحكام الذين يرجع إليهم الناس فيما شجر بينهم من خلاف.
ثانياً : إنّ الخطبة حكت عظم شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي التقت به جميع صور المآثر والفضائل التي منها :
1 - إنّه لا يوزن في صفاته رجل من قريش، ولا يدانيه أحد منهم في فضله إلّا رجح عليه.
2- لا يقاس به رجل من العرب وغيرهم إلّا فضل عليه.
3 - إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا شبيه له في جميع خلق اللّه تعالى.
ثالثاً : إنّه ليس في شخصية الرسول من خلل سوى الفقر وقلّة المال، وهذا ليس نقصاً فيه، لأن المال ظلّ زائل ورفد جار.
رابعاً : إن أبا طالب استشفّ من وراء ما أخبرته الكهنة أن ابن أخيه له شأن عظيم ودين شائع يسود في الأرض.
هذه بعض النقاط في خطبة أبي طالب
كان عمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند اقترانه بأم المؤمنين السيّدة خديجة 25 سنة (1).
واختلف الرواة في عمر اُمّ المؤمنين السيّدة خديجة حينما اقترنت بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ذكر سماحة العلّامة المحقق السيّد جعفر مرتضى العاملي دامت بركاته أقوال المؤرّخين، وهي :
1 - عمرها 25 سنة (2).
2 - عمرها 28 سنة (3).
3 - عمرها 30 سنة (4).
4 - عمرها 35 سنة (5).
5 - عمرها 40 سنة (6).
6 - عمرها 44 سنة (7).
7 - عمرها 45 سنة (8).
1) دلائل النبوّة : 2 : 71 البداية والنهاية : 2 294 السيرة الحلبيّة : 1: 140.
2) دلائل النبوّة : 2 : 71 البداية والنهاية : 2 294 السيرة الحلبيّة : 1: 140.
3) شذرات الذهب : 1 : 14. تهذيب تاریخ دمشق : 1 : 303.
4) السيرة الحلبيّة : 1 : 140. تاريخ الخميس : 1 : 264.
5) البداية والنهاية : 2 : 95. السيرة النبويّة / ابن كثير : 1 : 265.
6) أنساب الأشراف - قسم حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 98. المحبر : 49. المواهب اللدنية : 1: 38.
7) تهذیب تاریخ دمشق : 1 : 303.
8) تهذيب الأسماء واللغات : 2 342. مختصر تاریخ دمشق : 2 : 275. السيرة الحلبيّة : 1 : 140. تاريخ الخميس : 1: 301.
8- عمرها 46 سنة (1).
وذهب السيّد المحقق إلى أن عمرها 25 سنة في زواجها، كما ذكر ذلك البيهقي وغيره.
وهو الذي نراه حسب ما تأملناه في الوثائق التاريخية التي ذكرها السيّد جعفر دامت برکاته.
ووهبت اُمّ المؤمنين السيّدة خديجة جميع ما تملك من الأموال المنقولة وغيرها للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمرت خادمها ميسرة بإذاعة ذلك في أوساط قريش، وقد أنفق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميع أموال السيّدة خديجة على دعم الدعوة الإسلاميّة وتوطيد أركانها.
ومن أملاك السيّدة خديجة سوق بناحية مكّة كان العرب يشترون منه، وقد اشتراه حكيم لعمّته السيّدة خديجة فوهبته للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
والشيء المحقّق حسب الدراسة الجادّة أن أم المؤمنين السيّدة خديجة لم تكن متزوجة قبل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وما قيل في زواجها بغير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا نصيب له من الصحّة، وأكبر الظنّ أنّ ذلك من وضع الأمويين والعباسيين للتقليل من أهمّيّة هذه السيّدة العظيمة التي هي جدّة الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ). أمّا ما يدعم ذلك ويثبته فهو :
أوّلاً: ادّعى أنّها تزوّجت برجلين، وأعقبت منهما، وهما :
1 - عتيق بن عائذ بن عبداللّه المخزومي.
2 - أبو هالة التميمي.
وهذا الشخصان مجهولان قد أحيطا بكثير من الغموض لم يحدّث الرواة عنهما شيئاً، ولا عن عقبهما سوى هند، ولم يعلم أنّها من أي الزوجين.
ثانياً : إنّ السيّدة خديجة كانت من أجمل نساء قريش، ومن أوفر التجار مالاً، وقد خطبها سادة قريش وذوو الثراء منهم، فامتنعت من إجابتهم، فكيف تتزوج من شخصين مجهولين لم يعرف شيء عن وضعهما الاقتصادي، ولا عن مكانتهما الاجتماعيّة.
ثالثاً : إنّ وجوه قريش وذوي الثراء منهم قد تدافعوا إلى خطبة السيّدة خديجة، ومن المؤكد أنّ ذلك لا يكون إلا إلى المرأة العذراء دون غيرها حسب العادات العربيّة قديماً وحديثاً.
رابعاً : إن جمهرة من أعلام الرواة ومدوّني الأخبار صرحوا بأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تزوّج بالسيّدة وهي عذراء، صرّح بذلك البلاذري والسيّد المرتضى وابن شهرآشوب وغيرهم.
خامساً: إذا كانت السيّدة خديجة في سنّ الأربعين فما فوق، كيف رزقت كوكبة من الأطفال، ومن المؤكّد أنّ من تبلغ هذا السنّ وما يزيد عليه فإنها غير قابلة للحمل.
هذه بعض النقاط التي تبعد زواج السيّدة خديجة بغير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مضافاً إلى أنّ عمرها كان في وقت زواجها لا يتجاوز 25 عاماً، فكيف تزوجت بهذين الشخصين وأعقبت منهما ؟ !
ما خلق اللّه تعالى فضيلة يشرّف بها الإنسان ويسمو إلا وهي من عناصر شخصيّة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و من مقوماته وذاتيّاته، فقد خلقه اللّه تعالى مهذباً من كلّ عيب، ومطهّراً من كلّ رجس، قد توفّرت فيه جميع الصفات الرفيعة والمثل العليا التي استطاع بها أن يغيّر مجرى تأريخ العالم، ويحدث زلزالاً مدمّراً لعقائد الجاهليّة التي استباحت جميع مآثم الحياة.
إنّه ليس في تأريخ عظماء العالم شخصيّة تضارع شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مواهبه وعبقرياته، وفي قدراته وملكاته، فقد رفع رسالة ربّه بقوّة وشموخ وليس عنده قوّة تحميه من المدّ الجاهلي الجاهلي، سوى، سوى عمّه مؤمن قريش أبي طالب وابنه بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... وهذه لمحات من عناصره ومكوناته النفسيّة
من المؤكّد في علم النفس أنّ قوّة الإرادة من أميز الصفات التي يتحلى بها الإنسان، وتدرجه في مصاف العظماء الخالدين، وقد كتب الخلود لبعض الشخصيات التي دخلت معترك الحياة، وفي ميدان الصراع المسلّح مع القوى الناهضة لها أمثال نابليون وأبي مسلم الخراساني وغيرهما، وهم لا يملكون أية صفة أخرى سوى هذه الظاهرة.
وقد دخل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في صراع رهيب مع القوى الجاهليّة المنحطّة فكريّاً،
قد مّر جميع معالمها، وقضى على أعمدتها، وذلك بقوّة إرادته، وصلابة عزمه، مع ما تمتع به من الصفات المشرقة.... قد تسلّحت قريش بقواها المادية ودخلت في میدان الصراع مع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المحرّر الأعظم، فلم يحفل بهم، ولم تخفه وحدته وقلّة من آمن به من المستضعفين، الذين لم يكن لهم ركن شديد يأوون إليه، وراح النبيّ لعل اللّه مع قلة الصديق والناصر يملي على صفحات الكون إرادته التي لا يقف أمامها شيء قائلاً لعمه :
«وَاللّه يا عَمُ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ بِيَمِيْنِي، وَالْقَمَرَ بِيَساري عَلى أَنْ أَتْرُكَ هذَا الأَمْرَ ما تَرَكْتُهُ، حتّى يُظْهِرَهُ اللّه تعالى أَوْ أَمُوْتَ دُونَهُ..».
أي إرادة أقوى من هذه الإرادة ؟
أي عزم أصلب من هذا العزم ؟
وقد ورث هذه الظاهرة بجميع معانيها ومكوّناتها سبطه أبو الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد وقف أمام المد الجاهلي بقيادة حفيد أبي سفيان يزيد بن معاوية مع قلّة الناصر، وقال كلمته الخالدة التي هي وسام شرف للإسلام
«فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً...».
ووصفه السيّد حيدر الحلّي بهذه الأبيات الرائعة :
طَمَعَتْ أَنْ تَسُومَهُ الْقَوْمُ ضَيْماً***وأبى اللّه والحُسامُ الصَّنِيعُ
كَيْفَ يَلوِي عَلَى الدَّنِيَّةِ جيداً***لسوى اللّه ما لَواهُ الخُضُوعُ
وَلَدَيْهِ جَاسٌ أَرَدُّ مِنَ الدِّرْ***ع لِظَمْأَى القَنا وَهُنَّ شُرُوعُ
وَبِهِ يَرْجِعُ الحِفاظُ لِصَدْر***ضَاقَتِ الْأَرْضُ وَهْيَ فِيهِ تَضِيعُ
فَأبى أَنْ يَعِيشَ إِلَّا عَزِيزاً***فَتَجَلّى الْكِفَاحُ وَهُوَ صَرِيعُ (1)
1) ديوان السيّد حيدر : 87.
لقد مضى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نضاله وكفاحه حتّى نصره اللّه تعالى وأعزّه وأيدّه، فأقام كلمة التوحيد، وأنقذ الناس من عبادة الأوثان والأصنام.
من أبرز الصفات الرفيعة الماثلة في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سمّو الأخلاق، فقد كان آية من آيات اللّه تعالى في هذه الظاهرة التي امتاز بها على سائر النبيّين، وساد بها على جميع المخلوقين، وقد صعق بها القلوب حتّى استطاع أن يجمع كلمة العرب، ويوحد صفوفهم، ويجنّدهم لتطهير الأرض من براثن الوثنية والجاهلية، وقد أثنى اللّه تعالى عليه، ومجد فيه هذه الصفة الرفيعة قال تعالى : «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم» (1)، وتحدث (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن معالي أخلاقه فقال :
«إِنَّما بُعِثْتُ لِأتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلَاقِ» (2).
لقد كانت الأخلاق السامية التي فطر عليها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من صميم خلقته، لیست مصطنعة ولا مكتسبة، وكان فيما يقول الرواة ينفر من التصنّع والتكلّف، وكان يدعو ويقول : «اللّهمَّ كَما أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقي».
وهذه شذرات من خُلقه الفيّاض :
1- من معالي أخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن إسرائيلياً كان حاقداً على النبيّ، وقد بالغ في الإعتداء عليه، فكان يُلقي عليه التراب والرماد إذا اجتاز على داره، ومرض اليهودي، فطرق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باب داره فخرجت زوجته فقال لها : «إِنَّ زَوْجَكِ عَوَّدَنا بِعَادَةٍ وَقَدِ انْقَطَعَ عَنْهَا وَأَنا أَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَرِيْضٌ»، وقد جئت لعيادته، فأذنت له بالدخول عليه، فلمّا رأه اليهودي بهر، وراح يقول : هذه أخلاق الأنبياء، وأسلم،
فقد استجاب للحق، ونزع ما في نفسه من شرّ بسبب أخلاق النبي.
2 - من سموّ أخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه إذا سلّم عليه شخص في الطريق فلا ينصرف حتّى يكون الشخص هو المنصرف عنه، كما إذا صافحه أحد فلا ينزع يده عنه حتّى يكون الشخص هو الذي ينزع يده عنه، كما روى ذلك ابن عمر وغيره (1).
3- ومن نفحات أخلاقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه ما كلّم أحداً بكلمة تغيظه أو تكرهه، وإنما كان يقابل الناس بالكلمات الناعمة والطيّبة.
4 - وفد على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شخص فأخذته هيبته ولم يستطع أن يتكلّم، فنهره النبيّ وقال له :
«إِنَّما أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ في مكّة» (2).
5 - ومن سمات أخلاقه أنّه كان يقسم لحظاته على أصحابه بالسوية (3)، وكان يلاقي الكبير والصغير، والحر والعبد، ببسمات فياضة بالبشر من دون أن تظهر على سحنات وجهه الشريف أي أمارة للغضب، اللّهم إلّا إذا رأى عملاً مجافياً لشريعة اللّه تعالى، فإنّ الغضب يبدو عليه.
6- وروى عبداللّه بن عمر عن عظيم أخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه ما أخرج ركبتيه بين جليس له قطّ، وما جلس أحد أمامه فيقوم حتّى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه (4).
7- تحدثت عائشة عن أخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت : ما كان أحد أحسن خُلقاً من
رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلّا قال له : لبّيك (1).
وقالت عائشة : كان خلق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) القرآن الذي لا تتناهى معانيه وأوصافه كذلك كان الرسول.
وكثير من أمثال هذه البوادر المشرقة من أخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذكرها المؤلفون في سيرته، وهي توضّح ما اتصف به من سموّ الأخلاق التي استطاع بها أن يغير مجرى التأريخ، ويقيم حكومة اللّه تعالى في الأرض، وينقذ الإنسان من متاهات سحيقة من مجاهل الحياة.
نختم هذا البحث بكلمة جامعة الأخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعض شؤونه وسيرته، أدلى بها وصيّه وباب مدينة علمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):
قال :
«ما صافَحَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَحَداً قَطُّ فَنَزَعَ يَدَهُ، وَمَا فَاوَضَهُ أَحَدٌ قَطُّ فِي حَاجَةٍ أَوْ حديثٍ فَانْصَرَفَ، حتّى يَكونَ الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ، وَما نازَعَهُ الْحَدِيثَ أَحَدٌ حتّى يَكونَ هُوَ الَّذي يَسْكُتُ، وَمَا رُئِي مُقَدِّماً رِجْلَهُ بَيْنَ يَدَي جَليس لَهُ قَطُّ، وَلَا عَرَضَ لَهُ أَمْرَانِ إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِما، وَما انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَظْلَمَةٍ حتّى تُنْتَهَكُ مَحارِمُ اللّه، فَيَكونَ حينَئِذٍ اللّه تَبارَكَ وَتعالى، وَما أَكَلَ قَطُّ مُتَّكِئَا حتّى فارَقَ الدُّنْيا، وَمَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا، وَما رَدُ سائِلاً حاجَةً إِلَّا بِها أَوْ بِمَيْسورٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَكَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةٌ، وَكَانَ أَقْصَرَ النَّاسِ خُطْبَةٌ، وَأَقَلَّهُم هَدْراً، وَكانَ يُعْرَفُ بِالرِّيح الطَّيِّبِ إِذا أَقْبَلَ، وَكَانَ إِذا أَكَلَ مَعَ الْقَوْمِ أَوَّلُ ما يَبْدَأُ وَ آخِرُ مَنْ يَرْفَعُ يَدُهُ، وَكانَ إِذا أَكَلَ أَكَلَ مِمّا يليهِ، فَإِذا كانَ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ جَالَتْ
1) تفسير الرازي : 15: 82، في تفسير قوله تعالى : «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ».
يَدُهُ، وَإِذا شَرِبَ شَرِبَ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ، وَكانَ يَمُصُّ الماءَ مَصَاً، وَلَا يُعْبُهُ عَباً، وَكانَ يَمينُهُ لِطَعَامِهِ وَشَرابِهِ وَأَخْذِهِ وَإِعْطَائِهِ، كانَ لَا يَأْخُذُ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يُعْطِ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَكَانَ شِمَالُهُ لِما سوى ذلِكَ، وَكانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي كلّ أُمُورِهِ: فِي لِبْسِهِ وَتَنَعَلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَكَانَ إذا دَعا دعا ثَلاثاً، وَإِذا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ وِتْراً، وَإِذا اسْتَأْذَنَ اسْتَأْذَنَ ثَلاثاً، وَكانَ كَلَامُهُ فَضْلاً يَتَبَيَّنُهُ كلّ مَنْ سَمِعَهُ، وَإِذا تَكَلَّمَ رُنِي كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَإيّاه، وَإِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتَ : أَفْلَجُ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَكانَ نَظَرُهُ اللَّحْظُ بِعَيْنِهِ، وَكانَ لَا يُكَلَّمُ أَحَداً بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، وَكَانَ إِذَا مَشى يَنْحَطَّ مِنْ صَبَبٍ، وَكانَ يَقُولُ : إِنَّ خِيارَكُم أَحْسَنُكُم أَخْلَاقاً، وَكانَ لَا يَذُمُّ ذَوّاقاً وَلَا يَمْدَحُهُ، وَلَا يُنازِعُ أَصْحابَهُ الحَدِيثَ، وَكانَ الْمُحَدِّثُ عَنْهُ يَقولُ : لَمْ أَرَ بِعَيْنِي مِثْلَهُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ» (1).
وحكت هذه الكلمة صفات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي كان هبة من اللّه تعالى لعباده فأنقذهم من مجاهل الحياة، وأقام لهم نظاماً متطوّراً يقيم أودهم ويصلح شؤونهم.
من الصفات البارزة في شخصية النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبعة الحلم، فقد كان من أوسع الناس حلماً، وكانت هذه الظاهرة من أبرز صفاته ومن أميزها، وذكر المؤلفون في سيرته بوادر مهمة من عظيم حلمه كان منها :
1 - روى أنس بن مالك قال : كنت مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابي جذباً شديداً، فأثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف، ورفع صوته على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً :
«يا محمّد، أحمل لي على بعيري هذين من مال اللّه - تعالى - الذي عندك، فإنّك لا تحمل من مالك، ولا من مال أبيك..».
1) بحار الأنوار : 16 : 237.
ولم يتأثر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من اعتدائه عليه، وإنّما قابله بلطف قائلا له :
«المال مال اللّه، وَأَنا عَبْدُهُ..».
وقابله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ببسمات قائلاً :
«وَيُقادُ مِنْكَ يا أَعْرابِيُّ ما فَعَلْتَ بي؟».
«لا».
«لِمَ؟».
«لأنّك لا تكافئ بالسيئة السيئة».
وضحك النبيّ، وأمر أن يحمل له على أحد بعيريه تمراً، وعلى الآخر شعيراً (1).
أرأيتم هذا الحلم الرفيع الذي هو نفحة من روح اللّه تعالى، ومن اللّه تعالى، ومن ألطافه التي منحها العبده ورسوله ليكون نوراً يستضيء به العباد.
2 - ومن عظيم حلمه أنه لما كسرت رباعيته، وشجّ جبينه في يوم أحد شق ذلك على أصحابه فراحوا يقولون له :
«لو دعوت عليهم ؟».
فأجابهم برحمة ولطف..
«إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ لَعَاناً، وَلكِنْ بُعِثْتُ داعِياً وَرَحْمَةً، اللّهم إِهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمُ لَا يَعْلَمُونَ» (2).
وهكذا تجلت الرحمة بجميع رحابها في نفسه العظيمة على أعدائه الذين أسرفوا في ظلمه والاعتداء عليه، فأشفق عليهم، ودعا لهم بالهداية لا بالعذاب والانتقام.
3- ومن سعة حلمه وعظيم عفوه أنّه كان نائماً في قيلولة، فاستيقظ فرأى رجلاً واقفاً، وقد شهر سيفه عليه يريد قتله، فقال له الرجل :
«ما الذي يمنعك منّي ؟».
فأجابه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بثقة واطمئنان:
«اللّه الذي يَمْنَعُني».
اللّه واضطرب الرجل وسقط السيف من يده، فأخذه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له :
«مَنْ يَمْنَعُكَ مِنّي؟».
فقال الرجل بتضرّع وخشوع:
«كن خير آخذ»، يعني السيف.
صلى اللّه فعفا عنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و قفل الرجل راجعاً إلى قومه، وقد بهر بأخلاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال لهم : جئتكم من عند خير الناس.
4 - سماحة حلمه أن ومن حلمه أن بجير بن زهير أسلم، فعلم أخوه كعب، فكتب إليه رسالة يؤنّبه على إسلامه ويبالغ في التنديد به، وكتب في آخر رسالته أبياتاً من الشعر كان منها :
أَلا أَبْلِغا عَني بجيراً رسالةً فَهَلْ***لَكَ فِي مَا قُلتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
ففارقتَ أَسبابَ الْهُدى وتَبِعَتَهُ***على أَيِّ شَيْءٍ وَيلَ غَيرِكَ وَيْلَكا
عَلى مَذْهَبِ لَمْ تَلفُ أُمّاً وَلَا أَباً***عَليهِ وَلَمْ تَعْرِفْ عَلَيْهِ أَخا لكا
وخفّ بجير إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فشكا أخاه، وقرأ عليه شعره، فتألم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأهدر دمه، فكتب إليه بجير بذلك وأعلمه أن النبيّ يقبل من جاء إليه تائباً ولا يطالبه بما عمله قبل الإسلام، ولما انتهى الكتاب إلى كعب فزع إلى أسرته، وطلب منهم حمايته فلم يستجب إليه أحد، وبادر مسرعاً إلى المدينة، ونزل ضيفاً عند الإمام
أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأتى به الإمام إلى المسجد، وقال له هذا رسول اللّه قم إليه واستأمنه، وانبرى نحو النبيّ ورفع عقيرته قائلاً:
«يا رسول اللّه، أنا كعب بن زهير.»
ووثب إليه رجل من الأنصار فقال : «يا رسول اللّه، دعني وعدوّ اللّه أضرب عنقه»، فنهره النبيّ وقال : «دَعْهُ فَقَدْ جاءَ تائباً»، وانبرى كعب فأنشد رائعته التي مدح بها النبيّ، ويذكر خوفه وشدّة وجله قائلاً:
أُنْبِنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللّه أَوْعَدني***وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسولِ اللّه مَأْمُولُ
مَهْلاً هَداكَ الَّذِى أَعْطاكَ نافِلَةَ***القُرآنِ فِيها مواعيظ وتَفصيلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوالِ الوُشَاةِ وَلَمْ***أَذْنِبْ وَإِنْ كَثُرَت فِي الْأَقاوِيلُ
ولما انتهى إلى قوله :
إِنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ***وَصارِمٌ مِنْ سُيوفِ اللّه مَسْلُولُ
خلع عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بردته، وقابله بمزيد من الرضا والتكريم.
5 - ومن بوادر حلمه أن زيد بن سعنة وفد عليه قبل إسلامه في دين يتقاضاه منه، فجذب ثوب النبيّ عن منكبه، وأغلظ له في القول، فانتهره عمر، فابتسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال لعمر :
«أَنا وَهُوَ إِلَى غَيْرِ هَذا أَحْوَجُ يا عُمَرُ تَأْمُرُني بِحُسْنِ القَضاءِ، وَتَأْمُرُهُ بِحُسْنِ التَّقاضى» (1).
وقاضاه النبيّ وزاده عشرين صاعاً، وكان ذلك سبب إسلامه، وقال في حقّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا تزيده شدة الجهل عليه إلّا حلماً (2).
6- ومن سمّو حلمه أنّه عفا عن أبي سفيان، الذي ناجزه الحرب وجهد على قتله، فعفا عنه، وبهر أبو سفيان، فقال بإعجاب :
«بأبي أنت وامي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك» (1).
كما عفا عن وحشي قاتل عمه حمزة بعد ما أسلم، كما أصدر عفواً عامّاً عن أعدائه من أهل مكّة، وقال : «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقاء» (2).
إنّ مقابلة المسي بالإحسان من طباع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي جبل عليها، وقد احتلّ بها عواطف الناس، وقد أشار صاحب الهمزية إلى عظيم حلمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
جَهِلَتْ قَومُهُ عَلِيهِ فَأَغْضَى***وَأَخو الحِلْمَ دَابَهُ الإِغْضَاءُ
وَسِعَ العالَمينَ عِلْماً وحِلْماً***فَهُوَ بَحْرٌ لَمْ تُعْيِهِ الأَعْباءُ
لقد كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من آيات اللّه العظام في عظيم حلمه، وأعجوبة الدنيا، وحديث الناس على امتداد التأريخ، وهذه بعض البوادر عن ظاهرة أخرى كانت من ذاتياته.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أندى الناس كفاً، وأكثرهم برّاً، وكان البر والإحسان إلى البؤساء والمحرومين من صفاته وعناصره. وقد ذكر الرواة أمثلة كثيرة من بره كان منها :
1 - إن رجلاً سأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأعطاه غنماً سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى بلده مبهوراً قد غمرته المبرّة النبويّة فقال لقومه : «أسلموا فإنّ محمّداً يعطي عطاء
من لا يخشى الفاقة» (1).
2 - ردّ على هوازن سبإيّاها، وقد بلغت سنة الآف (2).
3- أعطى غير واحد من الناس مائة من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثمّ مائة (3).
4 - أهدت إليه امرأة بردة، وكان محتاجاً إليها، فلبسها، فرآها رجل من الصحابة فقال : «يا رسول اللّه ما أحسن هذه ؟» فقال : «تَعم»، ونزعها وأعطاها له (4).
5 - لما قفل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من حنين جاءت إليه الأعراب يسألونه البرّ، حتّى اضطروه إلى شجرة، وخطفوا رداءه فقال لهم : «أَعْطُوني رِدَائيّ، لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ العِضاةِ نِعَماً لَقَسَمْتُها بَيْنَكُمْ، ثمّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا كَذَاباً وَلَا جَباناً» (5).
6 - أتي بمال من البحرين، فقال لأصحابه : «انثُروه»، فنشروه، وكان أكثر مال أتي به إليه، فخرج إلى المسجد، فلمّا قضى الصلاة جاء ووزّعه على أصحابه، ولم يبقِ لنفسه منه شيئاً.
7 - ومن بره وجوده أنّه مضى إلى الجعرانة (6)، فقسم فيها الأموال، وازدحم عليه الناس وهو يعطيهم، حتّى ألجأوه إلى شجرة، فأخذوا برده، فقال لهم : «رُدّوا عَلَيَّ بُرْدِي، وَاللّه لَوْ كَانَ عِنْدِي عَدَدَ شَجَرِ تهامَةَ لَقَسْمْتُهُ بَيْنَكُم» (7).
ومن الجدير بالذكر أن بر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يقتصر على البؤساء، وإنما شمل حتّى الحيوان، فقد قدّم له رطب، وكان بالقرب منه شاة فجعل يأكل الرطب بيمينه،
ويمسك النوى بيساره، وجعل يشير إلى الشاة فأقبلت، وجعلت تأكل النوى الذي بیساره، ولم يرم النوى في الأرض لئلا يتلوّث وتُحرم منه الشاة (1).
ووصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جوده وسخانه بقوله : «كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفَّاً، وَأَشْرَحَهُم صَدْراً، وَأَصْدَقَ النّاسِ لَهْجَةٌ، وَأَلْيَنهُم عَريكَةٌ، وَأَكْرَمَهُم عَشيرةً. مَنْ رَآهُ بَديهَةٌ هابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةٌ أَحَبَّهُ، يَقولُ ناعِتُهُ : لَمْ أَرَ، قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، مِثْلَه» (2).
ويقول شوقي :
وَالبِرُّ عِنْدَكَ ذِمَّةٌ وَفَريضَةٌ***لَا ذِمَّةٌ مَمنونَةٌ وَجِباءٌ
ومن الجدير بالذكر أنّ النبيّ 44 كان بنفسه يتولى البر والصلة للفقراء ولا يوكل أحداً بذلك، فقد روت عائشة أنّها ما رأت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكل صدقاته إلى غير نفسه حتّى يكون هو الذي يضعها في يد السائل، وعلى أي حال، فقد كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أجود الناس بالخير، كما قال ابن عباس.
وقد ورث هذه الظاهرة الفذة سبطه وريحانته وسيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان أجود أهل زمانه، وكان لا يعرف للمال قيمة سوى ما يردّ به جوع جائع أو يكسو به عرياناً، حتّى لقب بكريم أهل البيت، مع أنهم كانوا معدن الكرم والجود.
من الصفات الرفيعة المائلة في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التواضع فهو بالرغم من أنه سيّد الكائنات وأعظم الموجودات، إلّا أنّه كان من أشد الناس تواضعاً، وقد قال
لأصحابه : «إِنَّما أَنا عَبْدٌ : أَكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ» (1).
وكان يحلب شاته، ويرفع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل البعير ويعلف نافحه، ويأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق (2).
وقد قال له شخص : يا خير البرية، فردّ عليه: «ذاكَ إِبْراهِيمُ» (3).
وقال لأصحابه: «لَا تُطْرُونِي كَما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُوْلُوا : عَبْدُ اللّه وَرَسُولُهُ» (4).
وروى أنس عن تواضع الرسول: أنّ امرأة عرضت للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الطريق، فقالت له : «إنّ لي إليك حاجة»، فأجابها بالقبول، وجلس في الطريق، فأمضت بحاجتها، فقضاها (5)، لقد ملك قلوب المسلمين بتواضعه فهاموا في حبّه.
وكان من تواضعه أنّ عدي بن حاتم وفد عليه، فقال له النبيّ :
«مَن الرَّجُلُ ؟».
«عدي بن حاتم».
فانطلق به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بيته، وقابله بحفاوة وتكريم، فألقى له وسادة وقال له : «اجْلِسْ عَلَيْها»، وجلس هو على الأرض، فبهر عدي من معالي أخلاقه، وقال بإعجاب وإكبار :
«أشهد أنّك لا تبغى فى الأرض علوّاً ولا فساداً». ثمّ أعلن إسلامه (6).
1) كنز العمّال : 8 407. الكامل في ضعفاء الرجال : 1 : 255.
2) جواهر البحار في فضائل المختار : 1 : 50.
3) فتح الباري : 8 533. الدر المنثور : 1 : 116. صحيح البخاري : 4 : 204.
4) شرح السنة : 7 : 130.
5) شرح السنة : 7 : 130.
6) السيرة النبويّة / ابن هشام : 4 : 227. السيرة النبويّة / ابن كثير : 4: 125 و 126.
وهكذا كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)المثل الأعلى لكل فضيلة خلقها اللّه تعالى في الأرض.
من خصائص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الزهد في الدنيا، فقد رفض زينتها ومباهجها، وتجرّد تجرّداً كاملاً عن جميع رغباتها، وعاش عيشة الفقراء والبؤساء، وهذه بعض الروايات عن زهده :
1 - روت عائشة قائلة : إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يمتلأ جوفه شبعاً قط، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، وإن كان يظل جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع فلم يمنعه ذلك من صيام يومه، ولو شاء سأل ربه فأتاه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها، ولقد كنت رحيمة مما أرى به، أمسح بيدي على بطنه ممّا أرى به من الجوع، وأقول : نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا مما يقوتك ؟ فيقول :
«يا عائِشَةُ، ما لي وَلِلدُّنْيا ؟ إِخْواني أولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلى ما هُوَ أَشَدُّ مِنْ هذا، فَمَضَوا على حالِهِم، فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ ما بَهُمْ، وَأَجْزَلَ ثَوابَهُمْ، فَأَجِدُني أَسْتَحْيِي إِنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيْشَتي أَنْ يَقْصُرَ بي غَداً، وَما مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللحُوقِ بِإِخواني وَأَخِلّاني» (1).
وهو وصف دقيق لزهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونبذه لرغبات الدنيا، ومسايرته في سلوكه لأنبياء اللّه تعالى العظام في معيشتهم.
2 - دخل على النبيّ رجل فرآه جالساً على حصير قد أثر في جسمه، ووسادة من ليف أثّرت في خدّه، فجعل الرجل يقول بألم : ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر، إنّهم ينامون على الحرير والديباج، وأنت على هذا الحصير، فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أنا
1) أخلاق النبوّة : 286.
خَيْرٌ مِنْهُما، ما أَنَا وَالدُّنْيا، إِنَّما مَثَلُها كَمَثَلِ راكِبٍ مَرَّ عَلَىٰ شَجَرَةٍ، وَلَهَا فَيْءٌ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَها، فلمّا مالَ الظُّلُّ عَنْهَا ارْتَحَلَ وَتَرَكَها» (1).
3- روت عائشة قالت : «ما شبع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثلاثة أيّام تباعاً من خبز، حتّى مضى لسبيله» (2).
4 - روی ابن عباس قال : «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاوياً لا يجدون عشاءً» (3).
5 - روت عائشة قالت : «كان فراش رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي ينام عليه أدماً، حشوه من ليف، وقد توفّي صلوات اللّه عليه ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو: اللّهمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلَ محمّد قُوْتاً» (4).
6 - أهدى رجل من الأنصار إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صاعاً من رطب، فقال للخادمة التي جاءت بالرطب : «ادْخُلى فانْظُري هَلْ تَجِدِينَ فى الْبَيْتِ قِصْعَةٌ أَوْ طَبَقاً فَتَأْتِينى بهِ - ليضع فيه الرطب»، فذهبت فلم تجد شيئاً، فأخبرت النبيّ بذلك، فكنس موضعاً بثوبه وقال : «ضَعِيْهِ - أي الرطب - عَلَى هَذَا الْحَضِيْضِ»، ثمّ قال : «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللّه تَعالى جناحَ بَعُوضَةٍ ما أَعْطى مِنْهَا الْكَافِرَ والمُنافِقَ شَيْئاً» (5).
هذه نبذة يسيرة من زهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد نهج نهجه وسار على سيرته وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد طلّق دنياه ثلاثاً لا رجعة فيها حتّى وافاه الأجل، ولم يخلف صفراء ولا بيضاء، وكان همه في أيّام حكومته إقامة العدل
الخالص والحق المحض، ولم يحفل بأي شيء غير ذلك (1).
من ذاتيات النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإنابة إلى اللّه تعالى، والخوف الشديد منه. يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما كانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ أَنْ يَظَلُّ خَائِفاً جَائِعاً في اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (2).
وروى ابن عمر قال : «انا كنا نعد في مجلس الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول مائة مرّة : رَبِّ اغْفِرْ لي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ التَّوَابُ الْغَفُورُ» (3).
لقد أناب إلى اللّه تعالى، وأرهق نفسه إرهاقاً شديداً في عبادته، حتّى نزل عليه الوحي بهذه الآية: «وطه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْفَى» (4)، وقد فاق جميع الأنبياء بعبادته وإنابته إلى اللّه تعالى، وهذه صور عن عبادته :
لعلّ من المفيد جدّاً أن نعرض لما يتصل بصلاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من شؤون :
أمّا الذي كان يعيّن أوقات الصلاة المكتوبة من صلاة الصبح والظهرين والعشائين فهو بلال (5)، وفي بعض الأحيان كان عبد اللّه بن مسعود (6).
أما مؤذن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد كان بلال الحبشي (1)، وكان ينطق بالشين سيناً، فيقول في آذانه: أسهد أن لا إله إلا اللّه، وكان المنافقون يسخرون منه ويعيبون عليه ذلك، فرفع ذلك إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فتأثر وقال : إن سين بلال شين عند اللّه تعالى، إِنّ سين بلال خَيْرٌ مِنْ شَيْنِكُمْ».
وكان ابن أم مكتوم مؤذناً آخر للنبيّ (2)، وقد لازم هو مع بلال الأذان للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المدينة، وقيل للنبيّ خمس مؤذنين، ونظم بعض الشعراء أسماؤهم بقوله :
لخَيْرِ الْوَرى خَمْسٌ مِنَ العِزَّ أَذَنَّوا***بِلالٌ نَدِيُّ الصوتِ يدوا يعين
وعمرو الذي أُمُّ مكتوم أُمُّهُ***وبالقرص أذكر سعدَهُم إِذْ تَبيَّن
وَأَوْسٌ أبو مَخدورةٌ وَبِمكّة***زيادُ الصَّداء نجل حارث يعلى
ونظم أسماؤهم أيضاً الشيخ الناودي بقوله:
عمروٌ وبلالٌ وأبو مَخْدورَة***سَعْدٌ زيادٌ خَمسةٌ مَذكورة
قد أذنَّوا جميعهم للمُصطَفى***نالوا بذاك رتْبةً وَشَرَفا (3)
وكان المؤذن له منزلة خاصة في الأوساط الإسلاميّة، وقد أثرت في فضله بعض الأحاديث.
3 اهتمامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بصلاة الجماعة
اهتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اهتماماً بالغاً بصلاة الجماعة التي هي من مظاهر العبادة والطاعة
للّه تعالى، كما أنّها مظهر القوة للمسلمين، ووحدة صفوفهم، وتماسك شملهم، وكان من اهتمامه بها أنّه هم بحرق در الذين لم يشهدوا معه صلاة الجماعة (1).
وكان بلال الحبشي يسوّي صفوف المسلمين، ويضرب عراقيبهم بالدرّة حتّى يستووا (2)حتّى تكون الجماعة بمنظر متوازن رائع.
كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كثير الصلاة، وكان يجد فيها متعة من أعظم متع حياته ؛ لأنّه كان يناجي ربّه تعالى، وقد ورمت قدماه من كثرة الصلاة، فقالت له عائشة: «لِمَ تصنع هذا يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر» ؟، فقال : «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً، (3).
وروت أم سلمة، قالت : «كان - النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يصلي ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثمّ يصلّي قدر ما نام، ثمّ ينام قدر ما صلّى حتّى يصبح» (4).
وروى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «لَمّا نَزَلَ عَلَى النَّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً» (5)قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلاً وَيَضَعُ أخْرَى، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ بالآية: «وطه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْفَى» (6).
1) کتاب الصلاة / أحمد بن حنبل : 14 سنن ابن ماجة : 1: 259، الحديث 791.
2) كتاب الصلاة / أحمد بن حنبل : 14.
3) صحيح البخاري : 4 : 1830، الحديث 4557، كتاب التفسير - تفسير الآية : «لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ».
4) صحيح الترمذي : 2: 152.
5) المزمّل 73: 1 و 2.
6) كنز العمّال : 1 : 273.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا صلى يبكي من خشية اللّه تعالى، فقد روى مطرف عن أبيه، قال : «رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء» (1).
وقد اقتدى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بكائه في صلاته بأخيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان فيما يقول الرواة يقبل على اللّه تعالى بقلبه وروحه حتّى يُغشى عليه(2).
وعلى هذا المنهاج سار أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) فكانوا - فيما أجمع عليه الرواة - أمثلة للإنابة إلى اللّه تعالى والخوف منه، ويتجلى ذلك في صلاتهم، فقد تجلت فيها الخوف من اللّه تعالى، والبكاء من خشيته.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشد الناس حياءً. قال أبو سعيد الخدري : «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشدّ حياء من العذراء في خدرها (3).
ولمّا فتح اللّه تعالى الفتح المبين باحتلال مكّة التي كانت قلعة للوثنيّة ومركزاً للقوى المعادية للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، دخل فاتحاً تحف به قوّاته المسلّحة، وهو مطأطأ برأسه إلى الأرض خجلاً وحياءً من قريش التي جهدت على مناجزته ولف لواء رسالته، وخاطبهم بناعم القول قائلاً لهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقاء».
وكان من حيائه أنه لم يصرح باسم من يكرهه، وإنما يقول : «ما بالُ أَقوامٍ يَقُولُونَ أَوْ يَصْنَعُونَ كَذا» (4).
وكان يقول : «إِنَّ اللّه إِذا أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْداً نَزَعَ مِنْهُ الْحَياءَ، فَإِذا نَزَعَ مِنْهُ الْحَياءَ لَمْ تلْقَهُ إِلَّا مَقيتاً مُمَقْتاً، فَإِذا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتاً مُمَقَّتاً نُزِعَتْ مِنْهُ الأمانَةُ، وَإِذا نُزِعَتْ مِنْهُ الأمانَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خائِناً مُخَوَّناً، فَإِذا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِناً مُخَوَّناً نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيْماً مُلَعَّناً، فَإِذا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَحِيماً مُلَعْناً نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الإسلام» (1).
وقال : «الْحَياءُ وَالإِيمَانُ مَقْرُونانِ في قَرْنِ واحِدٍ، فَإِذا سُلِبَ أَحَدُهُما تَبِعَهُ الآخرُ» (2).
وقد ورث هذه الظاهرة سبطه الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان من أشدّ النّاس حياء، وفيه يقول الفرزدق في قصيدته العصماء :
يُغْضِي حَيَاءٌ وَيُغْضَىٰ مِنْ مَهَابَتِهِ***فَما يُكَلَّمُ إِلَّا حينَ يَبْتَسِمُ
إنّ الحياء من أنبل الصفات، وهو ينم عن سموّ الذات، وشرف النفس، وهو من صفات الأنبياء والأوصياء.
كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دوماً يلهج بذكر اللّه تعالى، فكان - فيما يقول الرواة -: إذا أصبح يقول: «الْحَمْدُ للّه كَثِيراً عَلى كلّ حالٍ»، يردّد ذلك ثلثمائة وستّين مرّة، وإذا أمسى قال مثل ذلك (3).
وكان يقول : «خَيْرُ الْعِبادَةِ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه» (4).
وروى الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَانَ لَا يَقومُ مِنْ مَجْلِسِ وَإِنْ خَفَّ حَتّى يَسْتَغْفِرِ اللّه عَزَّ وَجَلْ خَمْاً وَعِشْرِينَ مَرَّةً» (1).
وكان في كلّ يوم يستغفر اللّه عزّ وجلّ سبعين مرّة، ويضيف إلى الاستغفار: «وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» (2).
وإذا تليت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض الآيات أغرق في البكاء، فقد روى ابن مسعود قال :
«قرأت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من سورة النساء، فلمّا بلغت هذه الآية : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً» (3)، ففاضت عيناه من الدموع» (4)
وروى عبد اللّه، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اقرأ عليَّ، قلت : لأقرأ عليك وعليك أنزل ؟
قال : أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فقرأت حتّى إذا بلغت : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً»، قال : رأيت عينيه تذرفان دموعاً»(5).
لقد تعلّق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باللّه تعالى، وتفاعل حبّه له بمشاعره وعواطفه، وكان ذلك ناجماً عن عن معرفته الكاملة للّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
من عناصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشفقة والرحمة لجميع الناس متفقين ومختلفين، وقد أعلن الذكر الحكيم ذلك قال تعالى : «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَتِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1).
ومن شفقته على قومه الذين كذبوه وناجزوه وجهدوا على قتله أنّه لم يدعو عليهم، فبعد أن بالغوا في إيذائه وتكذيبه والاعتداء عليه جاءه جبرئيل فقال له : «إنّ اللّه تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال تأمره بما شئت فيهم، وناداه ملك الجبال بعد أن سلّم عليه : مرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشيين - وهما جبلان في مكّة - فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أَرْجُوْ أَنْ يُخْرِجَ اللّه تعالى مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللّه تَعالى وَلَا يُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً» (2).
أرأيتم هذه الرحمة التي لا حدود لها، وقد أعلنها القرآن الكريم. قال تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (3)، وأي رحمة أعظم من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الناس، فقد رفع كلمة اللّه تعالى عالية في الأرض وهي مصدر كلّ رحمة ونعمة، وأقام نظاماً رائعاً متطوراً لإصلاح البشريّة.
ومن رحمته وشفقته أنّه كان يؤتى بالصبي ليدعو له بالبركة، أو يسمّيه فيأخذه ويضعه في حجره، وربّما بال الصبي عليه فيصيح بأهله بعض من رآه، فيقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لَا تَزْرِمُوا الصَّبيَّ»، ثمّ يفرغ لدعائه للصبي، ويأخذ الفرح أهل الصبي، ويقوم النبيّ بعد ذلك لغسل ثوبه وبدنه (4)
وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شديد الرحمة والشفقة على أهله وعياله. يقول خادمه أنس بن مالك : ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
لقد كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أروع أمثلة الرحمة التي شملت الأصدقاء والأعداء، وقد استطاع برحمته ورأفته أن يؤلّف بين القلوب، ويوحد بين المشاعر، ويجمع الكلمة، ويوحد الصف.
من الصفات الرفيعة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الوفاء، فقد كان من أوفى الناس، وأرعاهم لمقابلة المعروف والإحسان بالإحسان، وكان من وفائه لأمّ المؤمنين خديجة بعد وفاتها أنه إذا قدمت له هدية بادر بإهدائها إلى إحدى صديقات خديجة (2).
وقالت عائشة : «ما غرت على امرأة مثل ما غرت على خديجة لما كنت أسمعه عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنها، وأنه كان يذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه امرأة فهشّ لها، وأحسن السؤال عنها، فلمّا خرجت قال : إنها كانَتْ تَأْتِيْنا أيّام خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» (3).
ومن وفائه أنه كان يبعث إلى ثويبة مولاة أبي لهب بصلة وكسوة لأنها أرضعته، ولمّا ماتت سأل : «مَن بَقِيَ مِنْ قَرابَتِها ؟».
قيل : «ليس لها أحد» (4).
وأقبل أبوه من الرضاعة فقابله بالاحتفاء والتكريم، ووضع له بعض ثوبه للجلوس
عليه، ثمّ أقبلت أمه من الرضاعة، فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر، فجلست علیه (1).
وهكذا كان أروع مثل للوفاء، ورعاية العهد، فإنّه قد ألزم نفسه بذلك. وكان من وفائه لأصحابه أنّه إذا غاب عنه شخص منهم ثلاثة أيّام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
ومن وفائه أنّه وفد عليه وفد من النجاشي الذي أكرم اللاجئين عنده من المسلمين الذين هاجروا للحبشة، فقام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه يخدمهم، فقال له أصحابه : «نكفيك»، فقال «إِنَّهُمُ كانُوا لأَصْحابنا مُكْرِمِينَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكافِنَهُمْ» (2).
وفي ذلك يقول الشاعر :
وَقدُ النَّجاشِي طه قامَ يَخْدِمُهُم***بِنَفْسِهِ حِينَ حَلُوا ساحَةَ الْكَرَمِ
قالَتْ صَحابَتُهُ نَكْفيك قالَ: أَنا***أَحقُّ لِلْمُكرِمِينَ الصَّحْب بالخَدَمِ (3)
إنّ الوفاء من أميز الصفات النفسيّة التي تنم عن عظم الشخص وسموّ ذاته.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشجع الناس، وأصلبهم وأقواهم شكيمة، وتحدّث الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شجاعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
«إِنَّا كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْسُ، وَاحْمَرَّتِ الْحَدَقُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتَني يَوْمَ بَدْرٍ، وَنَحْنُ نَلُوذُ بالنبيّ، وَهُوَ أَقْرَبُ بِنا إِلَى
الْعَدُوِّ، وَكانَ مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ بَأْساً (1).
وروى العباس عن شجاعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
«لما التقى المسلمون والكفّار يوم حنين ولّى المسلمون مدبرین، فطفق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يركض بغلته نحو الكفار، وأنا آخذ بلجامها أكفّها أن لا تسرع، وأبو سفيان بن الحارث، ثمّ نادى يا لَلْمُسْلِمينَ...». (2).
وتحدّث عمران بن حصين عن شجاعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
«ما لقي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كتيبة إلا كان أول من يضرب، ولمّا رآه أبي بن خلف يوم أحد جعل يقول : أين محمّد! لا نجوت إن نجا، فلمّا رآه شدّ على رسول اللّه فاعترضه رجال، فأمرهم النبيّ أن يخلو عنه، وتناول النبيّ حربة من الحارث فطعنه في عنقه طعنة كادت تهوي به عن فرسه، ثمّ انهزم، وقفل راجعاً إلى قريش، وهو يقول : قتلني محمّد، وهم يقولون له : لا بأس بك، فقال : لو كان جميع الناس لقتلهم محمّد، أليس قد قال : أنا أقتلك، واللّه لو بصق علي لقتلني، ثمّ هلك بسرف» (3). (4).
إنّ شجاعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعظم من أن توصف أو يلم بها بيان، وقد ورثها سبطه أبو الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان من أشجع خلق اللّه تعالى، فقد توسّط في ساحة الحرب وحده، وحمل على ذلك الجيش الأعمى، ففروا بين يديه فرار المعزى إذا شد فيها الذئب - على حد تعبير الرواة - ولمّا سقط في ميدان الشرف والكرامة صريعاً خاف ذلك الجيش المنحط من الدنوّ إليه وجبنوا.
يقول السيّد حيدر :
فَما أَجْلَتِ الحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ***صَرِيعاً يُجَبِّنُ شُبْعانَها
من الصفات الرفيعة الماثلة في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حبّه للفقراء، فكان يكنُّ لهم في دخائل نفسه أعظم الود والإخلاص، وكان أباً وحصناً لهم وكهفاً وملجاً وملاذاً، وقد وجدوا في كنف مراعاته من البرّ ما لا يوصف، وكان يوصي المسلمين بالبرّ والإحسان لهم، وجعل لهم نصيباً مفروضاً في أموال الأغنياء، فشرع الزكاة وألزم بها، كلّ ذلك مراعاة لهم، وكان من حبّه لهم أنه كان يدعو اللّه تعالى أن يحشره في زمرتهم، فقد روى أبو سعيد قائلاً: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «اللّهم أحيني مِسْكِيْناً، وَتَوَفَّنِي مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَساكِينِ، وَأَنَّ أَشْقَى الْأَشْقِياء، مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيا وَعَذابُ الْآخِرَةِ» (1).
وروى أنس أن رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «اللّهم أحيني مِسْكِيْناً، وَاحْشُرْني في زُمْرَةِ الْمَساكِيْنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»، فانبرت إليه عائشة قائلة : «لم يا رسول اللّه ؟».
فقال لها :
«إِنَّهُمْ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيائِهِمْ بِأَرْبَعيْنَ خَريْفاً. يا عَائِشَةُ، لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ. يا عَائِشَةُ، أَحِبّي الْمَسَاكِيْنَ وَقَرَّبِيْهِمْ، فَإِنَّ اللّه يُقْرِّبُكَ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (2).
من الصفات البارزة في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كراهيته الشديدة للتفوق والأنانية
والعظمة، فقد روى ابن عباس قال : مشیت خلف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنظر هل يكره أن أمشي وراءه أو يحبّ ذلك، قال : فالتمسني بيده وألحقني به حتّى مشيت بجنبه، ثمّ تخلّفت مرة ثانية، فالتمسني بيده فألحقني به فعرفت أنه يكره ذلك» (1).
وكان يكره أن يستقبل بالتعظيم والتبجيل، وكان يقول لأصحابه : «لَا تَقُوْمُوا - لي- كَما تَقُوْمُ الأعاجِمُ يُعَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً» (2).
وهكذا كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينفر ويمج جميع ألوان التعظيم، ويرى أنه لا يحسن إلا اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
ومن مكوّنات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الصبر، فقد صبر على أقسى ألوان المحن والخطوب، فقد عانى من قريش جميع صنوف الأذى، حاربوه واعتدوا عليه وسبوه حينما كان في مكّة، ولما هاجر منها تتبعوه، وحرّضوا عليه القبائل، وشنوا عليه الحروب بلا هوادة، وقد صبر على كلّ هذه المحن. يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جميلا» (3)، (4)، لقد صبر صلوات اللّه عليه على ما لاقاه من قومه من المكروه حتّى فتح له اللّه تعالى الفتح المبين.
إن اللّه تعالى أمر نبيه بالصبر. قال تعالى : «وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الْأُمُورِ» (5)، وقد رباه اللّه تعالى بهذا الخلق الرفيع ليكون هادياً ومرشداً للعالمين.
من ذاتيات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تبنّيه للعدل الخالص، فقد فُطر عليه، وأقامه في دنيا الوجود، وهو من أهم بنود رسالته المشرقة الهادفة لنشر العدالة الاجتماعيّة بين الناس، وقد خاطبه بعض جهال العرب، فقال له :
«أعدل يا محمّد».
فرد عليه قائلاً:
«وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلْ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ، خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» (1).
وكان من عدله أنّه لا يأخذ أحداً بقرف أحد، ولا يصدّق أحداً على أحد، وقد نشر العدل بجميع رحابه وصنوفه بين الناس، فلم يميّز أحداً على أحد، وساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات، ولم يستثن منها أي أحد، وأقام نظامه على أروع صور العدل الذي فيه حياة الناس، وضمان حقوقهم وأمنهم ورخائهم.
من خصال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النظافة ونزاهة الجسم من الأوساخ، وقد عرف بهذه الظاهرة. قال أنس : «ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان إذا صافح أحداً فإنه يظل يومه يجد ريحها، وإذا وضع يده على رأس صبي فيعرف بطيبه من بين الصبيان، وإذا سلك في طريق فإن طيبه يؤثر في الطريق».
وقد حثّ على النظافة بمفهومها الواسع فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى النَّظَافَةِ» (2).
إن النظافة في الإسلام تشمل ما يلي :
1 - نظافة الماء الذي يشرب.
2 - نظافة الطعام.
3- نظافة اللباس.
4 - نظافة المسكن.
إنّ النظافة التي حثّ عليها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تشمل جميع مرافق الحياة، وهي ممّا تجعل الطب وقائياً لو طبق على واقع الحياة.
كان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولعاً بالطيب، وكان ينفق عليه أكثر ممّا ينفق على الطعام، ولم يعرض عليه طيب جيّد إلا تطيب به، ويقول : هُوَ طَيِّبٌ ريحُهُ، خَفيفٌ حَمْلُهُ، وكان يدهن بالبنفسج، ويقول : هو أفضل الأدهان، كما تطيب بالمسك والغالية (1)، وإذا تطيب بالمسك يرى وبيضه (2)في مفارقه (3).
وظاهرة أخرى من صفات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأريحيّة وملاطفة الناس بما تطيب به نفوسهم، وهذه بعض البوادر:
1 - جاءه شخص وفيه بله، فقال : يا رسول اللّه، احملني ؟ فقال له : «أَحْمِلُكَ عَلَى ابْنِ النّاقَةِ»، فقال : ما عسى أن يغني عنّي ابن الناقة ؟ فقال له الرسول بلطف :
«هَلْ يَلِدُ الْجَمَلُ إِلَّا ابْنَ النّاقَةِ» (1).
2 - جاءته عجوز فطلبت منه أن يدعو اللّه تعالى ليدخلها الجنّة، فقال لها بلطف : «يا أم فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُها عَجُوز»، فولت باكية، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «وأَخْبِرُوها أَنَّ الْجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ إِنَّ اللّه تَعَالَى يَقُولُ : «فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْرَاباً» (2)» (3).
3 - كان خوّات بن جبير الأنصاري يجوب في أطناب البيوت قبل الإسلام فيزني بالنساء، فإذا سئل عن شأنه يجيب أنّ له ناقة ضالة يفتش عنها، وأسلم خوات على يد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبعد فترة جاء فسلّم عليه، فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مداعباً :
«ما فَعَلَ جَمَلكَ الشَّرُوْدُ ؟».
فأجاب خوّات بلطف وأدب قائلاً:
«عقله الإسلام يا رسول اللّه» (4).
4 - أصبح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متغيّر اللون، فقال بعض أصحابه : لأضحكنه، وخفّ نحو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له : «بأبي أنت وأُمّي، بلغني أن الدجّال يخرج والناس جياع، فيدعوهم إلى الطعام، أفترى إن أدركته أن أضرب في ثريدته حتّى إذا تضلّعت آمنت باللّه - تعالى - وكفرت به أم اتنزّه عن طعامه، فضحك النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان ضحكه التبسّم، وقال له : «بَلْ يُغْنِيْكَ اللّه تَعَالَى بِما يُغْنِي الْمُؤْمِنينَ» (5).
5 - قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لامرأة من الأنصار : «إِلْحَقِّيْ زَوْجَكِ فَفِي عَيْنَيْهِ بَياضٌ»، فسعت
المرأة إلى زوجها فقالت له : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لي : أن في عينك بياضاً ؟ فقال لها : أما ترین بیاض عيني أكثر من سوادها (1).
6 - رأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صهيباً وعينه رمدة وهو يأكل التمر، فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا صُهَيْبُ، تَأْكُلُ التَّمْرَ عَلى عِلَّةٍ عَيْنِكَ ؟». فقال له : «يا رسول اللّه، أكله من شقى الصحيح» (2).
7 - سرق أبو هريرة نعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واشترى بثمنه تمراً، وجعل يأكله، فقال له رسول اللّه : «ماذا تَأْكُلُ يا أَبا هُرَيْرَةَ ؟»، فقال : أكل نعل رسول اللّه.
وكثير من أمثال هذه البوادر ذكرت في سيرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي تدلّ على سموّ الخُلق والأريحية، ومسايرة الناس في ميولهم وطباعهم.
من الصفات البارزة في شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه كان أمير البيان وسيّد البلغاء والفصحاء الذي أذهلت بلاغته روّاد الحكمة والبيان، فجوامع كلماته، وبدائع حکمه كانت في أرقى مراتب البلاغة، ليس فيها تعقيد ولا غموض ولا التواء، قد رصّعت بجواهر البلاغة.
قال الغزالي : «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتكلم بجوامع الكلم، لا فضول ولا تقصير، يتبع كلامه بعضه بعضاً، يحفظه سامعه ويعيه»(3).
وقد استطاع صلوات اللّه عليه بسموّ بلاغته أن يحتل العواطف، ويسيطر على النفوس، وأنّ الكثيرين ممن آمنوا به قد جلبهم روعة بيانه وصدق دعوته، وقد أثر
عنه القول :
«أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالصَّادِ، وَنَشَأْتُ في بَني سَعْدٍ» (1).
وقال له بعض أصحابه : «ما أفصحك يا رسول اللّه، وما رأينا من هو أفصح منك»، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«وَما يَمْنَعُني مِنْ ذَلِكَ، وَبِلِسانِي نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَبِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِيْنِ» (2).
لقد نزل القرآن الكريم على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو من آيات اللّه تعالى، لا يدرك البشر مجاراته، ولا يدركون عظيم أسلوبه، وجزالة بيانه، وروعة نظمه، وكان معجزته الخالدة على امتداد الزمن.
لقد كانت البلاغة بما فيها من مفهوم رائع وشامل من خصائص الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأثر عنه القول : «أُوتِيتُ جَوامِعَ الْكَلِم»، واختصرت لي الحكمة اختصاراً.
وعلى أي حال فإنا سنعرض لبعض وصإيّاه التربوية، وخطبه، وجوامع كلماته التي هي من آيات الفصاحة والبلاغة.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحيد دهره في وقاره، وقد خضعت له الجباه، فلم ير الناس مثله في هيبته ووقاره، ووصفه الرواة أنه إذا جلس فلا يخرج شيء من أطرافه، وإذا جلس احتبى بيديه ولا يتكلّم في غير حاجة تعرض له، كما كان يعرض عمّن يتكلّم بغير أدب ووصفه ابن أبي هالة بقوله : «كانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سُكُوْتُهُ عَلَى أَرْبَعِ : عَلَى الْحِلْمِ،
وَالْحَذَر، وَالتَّقْدِير، والتفكير» (1).
لقد كان آية من آيات اللّه تعالى العظام في وقاره، وفي كلّ شأن من شؤون حياته.
وتميز الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسياسته الرشيدة التي لم يشاهد مثلها في جميع فترات التأريخ، فقد ساس ذلك المجتمع الجاهلي بلطفه وسموّ أخلاقه، واحتمل جفوتهم واعتداءهم عليه، وصبر على ما عاناه من صنوف الخطوب والتنكيل منهم حتّى استجابوا لدعوته، وآمنوا بقيمه وأهدافه وشكل منهم جيشاً متسلّحاً بالإيمان، فجعلوا يقاتلون آباءهم وإخوانهم عن رضى وإيمان، حتّى أقاموا الدولة الإسلاميّة العظمى التي سيطرت على معظم أنحاء العالم، وصارت القوة الوحيدة في الأرض التي لا تقهر، كلّ ذلك ببركة سياسة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي بنيت على العدل الخالص، والحقّ المحض.
1) أسد الغابة : 1 : 26.
وتبدأ حياة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الفكرية والرسالية من غار حراء (1)، فكان يقيم فيه بعيداً عن ضوضاء الحياة، ممعناً في التأمل بمظاهر الكون، وما فيه من الأدلة الحاسمة على وجود الخالق العظيم، كان ينظر إلى الكواكب ويتأمل، فتزيده إيماناً ويقيناً ورسوخاً بعظمة اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
وكان مما يزيد آلامه ما عليه قومه من الضلال والجهل والغباء بعبادتهم للأصنام واتّخاذها آلهة يعبدونها من دون اللّه تعالى، إنّها لا تخلق ولا ترزق، ولا تضرّ ولا تنفع، وكان يردّد في قرارة نفسه :
أين الفكر ؟
أين الحق ؟
علام هذا الخلق في ظلام ليس فيه بصيص من النور، كيف يعبدون الأوثان والأصنام ؟ لقد ضلّوا في مجاهل هذه الحياة، وتأخذه العاطفة عليهم، فجعل يردّد في آفاق نفسه :
لابد من هدايتهم، وإنقاذهم ممّا هم عليه من الضلال...
إن نفس الرسول كانت تذهب شعاعاً وحزناً على قومه الذين بلغ بهم الانحطاط
1) حراء: جبل يبعد عن مكّة فرسخين.
الفكري إلى عبادة الأصنام... وقد أعلن القرآن أساه على قومه قال تعالى : «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (1).
لقد كان غار حراء مصدر النور والوعي في هذا الكوكب الذي نعيش عليه، فبورك ذلك الجبل الذي شعت منه أنوار الهداية في مكّة، وامتدت إلى شعوب العالم وأمم الأرض، وفيه يقول الشاعر القرشي :
بهِ خَلَوَةُ الهادي البَشيرِ محمّد***وَمِنْ فَوقِهِ غَارٌ لَهُ كانَ يَرقَاهُ
بهِ مَركز النور الإلهي مُثبتاً***فَللّهِ ما أَحْلى مَقاماً بِأَعْلاهُ
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقيم في غار حراء يتعبد ويسبح اللّه تعالى، وهو على ثقة أنه المصلح الأكبر للإنسانيّة، والمنقذ لها من خرافات الجاهليّة، وأنه وحده الذي ينشر كلمة التوحيد في الأرض، ويدمر الأوثان والأصنام، وأنه النبيّ الذي بشرت به الكتب السماويّة، وهو خاتم النبيين وسيّد المرسلين.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على يقين لا يخامره شكّ أنّه رسول اللّه تعالى للإنسانيّة جمعاء، على اختلاف لغاتها وقوميّاتها، وكان يطيل التفكير في إصلاحها وهدايتها، ونشر الوعي في أوساطها، كي تتخلّى عن عاداتها وتقاليدها التي رمت بها إلى مستوى حضيض من الجهل ما له من قرار.
أما بداية الوحي على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان في تلك البقعة المباركة من غار حراء، وكان عمره فيما يقول الرواة - أربعين سنة، وكان في أوّل فبراير سنة (610م)، كما ضبطه محمود باشا الفلكي، المصادف سنة ثلاثة عشر قبل الهجرة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك.
1) الشعراء 3:26.
وقد نزل عليه جبرئيل بالرسالة المقدّسة، مبتدءاً بسورة «اقرأ...،» فأعرب له الرسول أنه لا يقرأ، فألح عليه ثانياً وثالثاً، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«ماذا أَقْرَأُ ؟».
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلْمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (1)، فقرأها، وانصرف الملك وقد نقشت في قلبه (2).
وقفل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) راجعاً إلى مكّة، وقد امتلأت نفسه الشريفة رعباً وخوفاً من اللّه تعالى، وقد اطمأنت نفسه لتحمل المسؤولية العظمى في إنقاذ الناس من الجهل والانحطاط، وكان جبرئيل يلاحقه في الطريق، وهو يبشره ويهنيه على هذا المنصب العظيم، والمكانة العليا عند اللّه تعالى.
وأسرع الرسول له إلى زوجته الوفية أم المؤمنين خديجة، وقد أخذته رعدة المحموم قائلاً لها :
«دَثِّرُوني، دَثِّرُوني».
وسارعت خديجة فدثرته، وقد ملكها فزع عظيم، فقالت له :
«يا أبا القاسم، حدّثني باللّه ماذا حدث لك ؟».
فحدّثها بما رأى، فانبرت تبعث في نفسه الاطمئنان، وتشجعه على تحمّل رسالة ربّه قائلة له :
«واللّه ! لا يخزيك اللّه أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسي المعدم،
وتعين على نوائب الدهر.
إبشر يا بن عمّي واثْبُتْ، فوالذي نفس خديجة بيده، إنّي لأرجو أن تكون نبي هذه الأمّة» (1).
وقد بعثت أمّ المؤمنين في نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)العزم والنشاط، وأزالت عنه شبح الخوف.
وسارعت خديجة إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان يدين بالنصرانية وعارفاً بالإنجيل، فأخبرته بما رأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسمع فأطرق ورقة مليّاً ثمّ رفع رأسه، وقد أصابه الفزع والذهول وقال بصوت مضطرب النبرات :
«قدّوس، قدّوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنّه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له : فليثبت».
وملئت نفس خديجة فرحاً وابتهاجاً، فسارعت إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لتبشّره بمقالة ورقة، ووجدته نائماً، وإذا به قد اهتز وأخذ العرق ينصب منه، وإذا بجبرئيل يوحي إليه :
«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثُرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبَرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهَّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْتُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبر» (2).
لقد أمره اللّه تعالى بأن يقوم بنشاط فيدعو العباد إلى كلمة التوحيد التي تُبنى عليها جميع قوى الخير والسلام في الأرض، وأن ينذرهم من عذاب اللّه تعالى الذي
ينزله على الظالمين والكافرين.
وأخذت أمّ المؤمنين خديجة تحفّزه وتنشّطه على أداء رسالة اللّه تعالى لعباده، وأن يتسلّح بالصبر والعزم في دعوته إلى اللّه تعالى.
وأسلمت أمّ المؤمنين خديجة بالوقت، فكانت أول من حظيت باعتناق الإسلام، كما أسلم معها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكانا أوّل من أسلم (1)، وأجابا داعي اللّه تعالى.
وقد تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سبقه للإسلام مع أمّ المؤمنين خديجة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِتُهُما»(2).
وكان عمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبع سنين، وقيل : تسع سنين (3)، وقد نسب له من الشعر في ذلك قوله :
«سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرّاً***غُلَاماً ما بَلَغْتُ أَوانَ حُلْمِي» (4)
1) صحيح الترمذي : 2 : 301 الطبقات الكبرى / ابن سعد : 3 : 12، القسم الأوّل. أسد الغابة : 4 : 17. كنز العمال: 6 400. تاريخ الأمم والملوك : 2 55. تاریخ بغداد : 2 : 18، وغيرها.
2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المؤلف : 1 : 54.
3) صحيح الترمذي : 2 : 301. كنز العمال : 6 : 400. تاريخ الأمم والملوك : 2 : 55.
4) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 81.
وفي اليوم الثاني من نزول الوحي على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتقلّده للنبوّة مضى إلى الكعبة فأدّى الصلاة فيها (1)وقد ائتمت به أمّ المؤمنين خديجة والإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي أوّل صلاة في الإسلام تقام في الكعبة المقدّسة، وكانت موضع استغراب وتعجّب، فقد روى عفيف الكندي قال : «جئت في الجاهلية إلى مكّة، وأنا أريد أن ابتاع لأهلي من ثيابها، وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطّلب، وكان تاجراً، فأنا عنده جالس أنظر إلى الكعبة، وقد حلّقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت ؛ إذ جاء شاب فرمى ببصره نحو السماء، ثمّ قام مستقبل الكعبة، ولم يلبث إلا يسيراً حتّى جاء غلام فقام عن يمينه، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب، فركع معه الغلام والمرأة، ثمّ رفع الشاب رأسه، فتابعه الغلام والمرأة، وسجد الشاب، وسجد معه الغلام والمرأة، فقلت متعجباً :
يا عبّاس، أمر عظيم ؟
وراح العباس قائلاً:
نعم، أمر عظيم. أتدري مَن هذا الشاب ؟
لا.
هذا محمّد بن عبد اللّه ابن أخي.
أتدري مَن هذا الغلام ؟ هذا عليّ بن أبي طالب.
أتدري مَن هذه المرأة ؟ هذه خديجة زوجته.
إنّ ابن أخي - وأشار إلى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - أخبرني أن ربّه ربّ السماء والأرض أمره
1) تهذيب الكمال : 20 : 185، وجاء فيه : «أنّ النبيّ استنبئ يوم الاثنين، وصلّى بالكعبة يوم الثلاثاء».
بهذا الدين الذي هو عليه، ولا واللّه ! ما على الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة» (1).
وطاف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الكعبة، وهو أوّل طواف إسلامي يقام في الكعبة المشرفة، فقد روى عبد اللّه بن مسعود، قال : «إنّ أوّل شيء علمته من أمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنى قدمت الكعبة مع عمومة لي، فأرشدنا إلى العباس بن عبد المطّلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينما نحن عنده ؛ إذ أقبل رجل من باب الصفا ؛ أبيض، تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه، أقتر الأنف، برّاق الثنايا، أدعج العينين، كث اللحية، دقيق المسربة، شئن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر، يمشي عن يمينه غلام أمرد، حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوه امرأة قد سترت محاسنها، حتّى قصد نحو الحجر فاستلمه، ثمّ استلمه الغلام، ثمّ استلمته المرأة، ثمّ طاف بالبيت سبعاً، والغلام والمرأة يطوفان معه.
قلنا : يا أبا الفضل، إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم أوشيء حدث ؟
قال العباس : هذا ابن أخي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والغلام عليّ بن أبي طالب، والمرأة خديجة».
وتابع ابن مسعود حديثه قائلاً: «واللّه ما على وجه الأرض من أحد نعلمه يعبد اللّه بهذا الدين إلّا هؤلاء الثلاثة» (2).
وهذه فضيلة لأمّ المؤمنين خديجة وللإمام، لم يفز بها غيرهما.
وأحاط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوته إلى الإسلام بكثير من السرّ والكتمان ؛ إذ لم يكن هناك
أي مجال لإظهار الدعوة إلى الإسلام والجهر بها في وسط ذلك المجتمع المنحط فكرياً، والمخيّم عليه الجهل، والغارق في عبادة الأصنام والأوثان، فالجهر بالدعوة سوف يقابل بعنف وقسوة وشدّة لا طاقة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليه.
واقتصر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الدعوة إلى اللّه تعالى فقط، فقد بدأ رسالته بهذه الكلمة الذهبية : «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه تُفْلِحُوا».
إن الدعوة إلى اللّه تعالى هي روح الإسلام، وجوهر الإيمان، فاللّه وحده هو الحقِّ، وكلّ ما يدعون من دونه هو الباطل، وإليه تعفّر الجباه، ويسجد له من في السموات والأرض.
إن الدعوة إلى الإيمان باللّه تعالى تلزم المؤمنين بتدمير الأصنام والأوثان وسحقها وتطهير الأرض منها.
الأصنام التي آمنت بها قريش إيماناً مطلقاً، وعكفت على عبادتها، وتقديم القرابين لها، كيف تقاوم وتناهض ؟ وكيف تغسل أدمغة القرشيّين من الإيمان بها ؟ وكان من عظيم عقيدتهم بالأصنام أنّهم طلبوا من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعبدها سنة، ويعبدون اللّه تعالى سنة أخرى، فنزلت عليه هذه السورة : «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ» (1).
1) سورة الكافرون.
وطلب قوم آخرون من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يصف لهم اللّه تعالى هل هو من الذهب أو النحاس أو الحديد أو الخشب، بهذه العقلية المنحطة وهذا الجهل السائد، قام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدعو إلى اللّه تعالى وحده لا شريك له، يقيم لهم الأدلة الحاسمة التي لا مجال للشك فيها، ولكنّهم لا يفهمون ولا يعقلون.
وعلى أي حال، فقد آمن بالدعوة إلى الإسلام المستضعفون من الأرقاء والعبيد والنساء، وآمن بها بعض ذوو الأفكار الصقيلة والأفهام البارعة، وضلّت الدعوة سرّاً محاطة بالكتمان.
ومن الجدير بالذكر أنه قد أسلم في تلك الفترة جماعة، كان منهم أبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي، وأبو بكر، والزبير، وطلحة، وعمر بن الخطاب.
وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على يقين لا يخامره شك ولا وهم أن الإسلام لا بد أن ينتشر ويسود في الأرض، ولا بد أن تطوى معالم الجاهليّة وتدمر أفكارها، فقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ - أَي الإِسْلَامُ ما بَلَغَ اللَّيْلُ، وَلَا يَتْرُكِ اللّه بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ هذَا الدِّيْنُ، يَعِزُّ عَزِيزٌ بِهِ، وَيَذِلُّ ذَلِيْلٌ بِهِ، يُذِلُّ اللّه بِهِ الْكُفْرَ» (1).
إنّ القيم الإسلاميّة التي أعلنها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أنزلت الهزيمة بأفكار الجاهلية ومعتقداتها، وحوّلتها إلى ركام يقول شوقي في نهج البردة :
شريعةٌ لَكَ فجَّرْتَ الْعُقولَ بها***عنْ زَاخِرٍ بِصُنوفِ الْعِلْمِ مُرْتَطِم
يَلوحُ سنا التوحيد جوهرها***كالحُلِّي للسَّيْفِ أَوْ كَالوَشْي لِلْعَلَمِ
ويقول شوقي في صلاحية الرسالة الإسلاميّة لجميع شعوب العالم :
نورُ السَّبيل يُساسُ العالَمونَ بها***تَكفَّلَتْ بِشبابِ الدَّهْرِ وَالْهَرَمِ
يجري الزَّمانُ وأحكامُ الزَّمَانِ عَلَى***حُكْمِ لَها نافِةٌ في الخَلْقِ مُرْتَسِمِ
1) ربيع الأبرار: 2 : 192.
مضت ثلاث سنين والدعوة الإسلاميّة محاطة بالكتمان، وبعد انقضائها أمره اللّه تعالى بالجهر بها، فقد نزل عليه الوحي بهذه الآية: «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1).
وتلقّى النبيّ أمر اللّه تعالى بالترحيب، وعزم على الجهر بالدعوة وإعلانها مدوّية لا لبس فيها ولا خفاء، فأمر ابن عمه عليّاً بدعوة بني هاشم وبني عبد المطّلب وبني نوفل وغيرهم من أولاد عبد مناف، كما أمر عليّاً أن يصنع لهم طعاماً مكوناً من فخذ شاة، ومد من برّ، وصاع من لبن، وحضر المدعوون وكان عددهم أربعين رجلاً، كان من بينهم أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب (2). وقدّم لهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الطعام، وقال لهم : «كُلُوا بِسم اللّه»، فأكلوا حتّى شبعوا، وشربوا حتّى نهلوا، مع أن الواحد منهم كان يأكل الشاة ويشرب جرّة من لبن، ولكن الطعام والشراب كفاهم، وبهروا بذلك، وأراد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يتكلّم، فسارع أبو لهب قائلاً:
«ما رأينا سحراً كسحر اليوم، فلنبادر بالانصراف».
وتفرّق الجميع بين مستهزء وساخر، ولم يحدّثهم النبيّ بشيء، فقد قطع أبو لهب حديثه، وفي اليوم الثاني دعاهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى تناول الطعام، فأكلوا وشربوا،
وقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فخطب فيهم قائلاً:
«يا بَنِي عبد المطّلب، إِنِّي وَاللّه مَا أَعْلَمُ شاباً فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلِ مِمَا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللّه تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلى هَذَا الْأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَوَصِبِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ؟».
وأحجم القوم كلّهم، ولم ينبس أحد ببنت شفة، كأن على رؤوسهم الطير وانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين، فقال له بحماس بالغ :
«أَنا يَا نَبِيَّ اللّه أَكُونُ وَزِيْرَكَ عَلَيْهِ».
اللّه فأخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) برقبته، وخاطب القوم :
«إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيْكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».
وتعالت الأصوات بالسخرية والاستهزاء، قائلين لأبي طالب :
«أمرك أن تسمع لابنك وتطيع» (1).
لقد قرن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوته إلى التوحيد بالدعوة إلى الخلافة والوزارة والإمامة من بعده، وقد قلّدها إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووصف السيّد الحميري دعوة النبيّ لأسرته، ونكوصهم عن إجابته وإجابة الإمام، بهذه الأبيات :
ويَومَ قالَ له جبريلُ قد عَلِمُوا***أَنذِرْ عشيرتك الأدنَيْنَ إِنْ بَصُرُوا
فَقالَ يا قومِ إِنَّ اللّه أَرْسَلَني***إِلَيكُمُ فأجيبوا اللّه وَادَّكِرُوا
فَأَيُّكُمْ يَجتَبى قولى وَيُؤْمِنُ بي***أنّي نَبِيٌّ رَسُولٌ فانبَروْا غُدَرُ
فَقالَ نَبَاً أَتَدعونا لتلفِتَنا***عَنْ ديننا ثمّ قامَ القومُ فاشْتَمروا
1) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 63. الكامل في التاريخ : 2 24. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 159، السيرة النبويّة / ابن كثير : 1 : 457 - 459، ومن الغريب أن ابن كثير ذكر الحادثة إلّا أنّه حرف فيها، يراجع تفسيره.
مِنَ الَّذِي قَالَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَحْدثُهُمْ***سِنَّا وَخِيرُهُمْ فِي الذِّكْرِ إِذْ سُطِروا
آمَنتُ باللّه قَدْ أعطيت نافلةً***لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ جِن ولا بشَرُ (1)
وعلى أي حال، فقد أعار القوم دعوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أذنا صماء، ولم يستجب منهم أحد سوى عمه أبي طالب، وابنه الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وفزع القرشيّين كأشد ما يكون الفزع من دعوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واضطربت حياتهم، وانتشرت الكراهية والبغضاء في بيوتهم، فقد صباً إلى الإسلام فريق من أبنائهم، وكوكبة من نسائهم، والأرقاء من عبيدهم، والمستضعفون في ديارهم، أمثال عمّار وياسر وسمية، وهؤلاء الذين صبوا كانوا على أشدّ ما يكون من الاختلاف مع أخوانهم وآبائهم، فكان الولد المسلم ينفر من أبويه المشركين، والمرأة تخلع طاعة زوجها وتبين منه ؛ لأنه ليس بمسلم. أما الأرقاء والمستضعفون فقد فتح لهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) آفاقاً كريمة من الحرية والعزة والكرامة، وبشرهم بأنهم سيكونون السادة، وجبابرة قريش سيكونون عبيداً لهم.
وهكذا عمّت الاضطرابات جميع بيوت مكّة، وحدث فيها زلزال مدمر، وصراع رهيب.
وأجمعت قريش على مناجزة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومناهضته بجميع ما تملك من وسائل العنف والشدّة، لقد ضاقت قريش من الإسلام أشدّ الضيق، ونفروا أشدّ النفور، وقاوموه بأعنف المقاومة وأقساها، وكان منها ما يلي :
1) دیوان الحميري : 203.
وسخرت قريش بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في اية دعوته، وكانوا يقولون باستهزاء :
«هذا ابن أبي كبشة يُكلّم من السماء».
«هذا غلام عبد المطّلب يُكلّم من السماء».
وكانوا لا يزيدون على ذلك، فلمّا عاب آلهتهم، وسفّه عقولهم ثارت في نفوسهم حمية الجاهلية غيرة على آلهتهم وتقاليدهم وعاداتهم، فأجمعوا على الكيد به.
وأوعزت قريش إلى صبيانهم وشجعتهم على محاربة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكانوا يلقون عليه الحجارة والتراب والرماد، وقد عمدت إلى ذلك لتعتذر من أبي طالب حامي النبيّ، والمدافع عنه، فتنفي عنهم المسؤولية وتلقيها على أطفالهم الذين لا يحاسبون، وقد تألّم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتأثّر من عبث الأطفال، فصحبه الإمام عليّ وهو في سنّه المبكر، وكان قويّ الساعدين، فكان يحمل عليهم بقوّة وقسوة، فيوجعهم لكماً وضرباً، فيفرون من بين يديه، فإذا خرج النبيّ ومعه علي انهزموا يطاردهم الرعب والفزع.
ومن بين الوسائل التي عمدت إليها قريش في محاربة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رميه بالجنون ؛ لأنّه جاءهم بشريعة مجافية لطباعهم التي ران عليها الجهل
لقد اتّهموه بالجنون، وهو العقل المدبر للإنسانيّة، والدماغ المفكّر الذي استوعب بوعي قضايا الإنسان ومشاكله ووضع لها الحلول الحاسمة.
لقد اتّهموه بالجنون لإفشال دعوته، وصدّ الجماهير من اعتناقها، وقد باؤوا بالفشل، فقد سارت دعوته كالضوء، وامتدت إلى شعوب العالم وأمم الأرض،
وهي تنير لهم الطريق وتوضح لهم القصد.
واستهزأت بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عصابة من قريش، وقد جهدت على إيذائه والاستهزاء به والسخرية منه، إلّا أنّ اللّه تعالى أمره بالصمود وعدم الاعتناء بهم. قال تعالى : «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (1)، وكانوا يلاحقونه بالسخرية فيرفع صوته بـ(بسم اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِيم)، فيولون مدبرين، ونزلت عليه هذه الآية «وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً» (2)
أما المستهزؤون به فهم :
وبالغ الوليد بن المغيرة في إيذاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والاستهزاء به، وقد انتقم اللّه تعالى منه، فقد اجتاز على نبل لرجل من خزاعة فأصابته شظية منه قطعت أكحله حتّى هلك وهو يقول : «قتلني ربّ محمّد».
وهو من المستهزئين بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد عانى منه النبيّ جميع صنوف الأذى والسخرية، وقد انتقم اللّه تعالى منه فسقط عليه حجر فهلك.
كان يستهزأ بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويسخر منه، خرج يستقبل ابنه ومعه غلام، فاستظلّ تحت شجرة، فأخذ جبرئيل رأسه وضرب به الشجرة، فاستنجد بغلامه، وقال له :
«امنع هذا عنّي»، فقال له : «ما أرى أحداً»، وصاح بأعلى صوته : «قتلني ربّ محمّد».
من المستهزئين بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الحارث، وقد انتقم اللّه تعالى منه، فقد خرج من بيته في وقت شديد الحرّ، فتحوّل وجهه إلى سواد، فرجع إلى أهله فلم يعرفوه لسواد وجهه، فعمدوا إلى قتله.
استهزأ كثيراً بالنبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد انتقم اللّه تعالى منه، فأكل حوتاً صالحاً، فأصابه العطش، وأخذ يشرب الماء حتّى هلك، وهو يقول : «قتلني ربّ محمّد».
وهكذا انتقم اللّه من هؤلاء على ما اقترفوه من عظيم الإثم تجاه نبيّه العظيم، فقد كفاه اللّه شرّهم، وانتقم منهم كأعظم ما يكون الانتقام.
واشتدت العصابة المجرمة من قريش على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقابلوه بمنتهى القسوة، كان منهم :
وكان من ألد أعداء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبو جهل، فقد ملئت نفسه الخبيثة حقداً وعداءً له، وكان من إيذائه للنبيّ ما رواه عبد اللّه بن مسعود قال : «كنا مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المسجد وهو يصلّي، فقال أبو جهل :
ألا رجل يقوم إلى فرث جزور بني فلان فيلقيه على محمّد وهو ساجد ؟ فقام عقبة بن أبي معيط وجاء بالفرث فألقاه على النبيّ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا في المسجد على إلقاء الفرث عنه لضعفهم، وعدم قدرتهم،
على مقاومة أعداء النبيّ، وانبرى بعضهم إلى سيّدة النساء فاطمة سلام اللّه عليها فأخبرها بما جرى على أبيها، فأسرعت وهي باكية العين فأزالت القذارة عنه، وغسلت بدن أبيها، وتألّم النبيّ كأشدّ ما يكون التألّم، وراح يدعو عليهم قائلاً :
«اللّهمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ».
قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا سمعوا دعاءه فزعوا وخافوا، وواصل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعاءه عليهم قائلاً:
اللّهمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعِتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالوليدِ بْنِ عَقَبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَعَقَبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيْطٍ..
قال ابن مسعود :
فوالذي بعث محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالحق، لقد رأيت الذين سمّى - يعني الذين دعا عليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - صرعى يوم بدر، ثمّ سحبوا إلى القليب، قليب بدر وأُلقيت جيفهم فيه» (1).
وكان من حقد هذا الكلب على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن النبيّ كان بسوق ذي المجاز يدعو الناس إلى اعتناق الإسلام ويقول : «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه تُفْلِحُوا»، وأبو جهل خلفه يسفي عليه التراب، ويخاطب الناس قائلاً: «لا يَغُرَّنَّكُمْ هذا عن دينكم، إنّما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى» (2).
ومن اعتداء هذا الوحش على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه حاول أن يطأ رقبة النبيّ وهو في أثناء الصلاة، إلّا أنّه نكص على عقبيه، فقيل له في ذلك، فقال : «رأيت أن بيني وبينه خندقاً من نار مهولاً، ورأيت ملائكة ذوى أجنحة»، ونقل ذلك إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال :
«لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْواً عُضْواً»، ونزلت الآية: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى» (1)، إن هذا الوحش الكاسر لم يترك لوناً من ألوان الاعتداء إلا صبه على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
أما أبو لهب فكان من أحقد أعداء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن أكثرهم تجرءاً وتكذيباً له، وقد عانى منه النبيّ أقسى ألوان المحن والخطوب، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جاراً له، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينحيه عن داره ويقول :
«يا بني عَبْدَ مُنافٍ، أَيُّ حوارٍ هذا ؟».
وكانت زوجته أم جميل أخت أبى سفيان لا تقلّ في عدائها وبغضها للنبيّ من زوجها، وكانت تقابله بالسبّ والشتم، وتضع الشوك في طريقه، واشتدّت في عدائها له لما نزلت فيها وفي زوجها سورة أبي لهب التي كشفت خبثها وسوء سريرتها قال تعالى : «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ» (2).
وكان من مقاومة أبي لهب للدعوة الإسلاميّة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما كان يدعو إلى اللّه تعالى كان أبو لهب يرفع عقيرته مخاطباً قريش :
«لا يَغُرَّنَّكُمْ عن دينكم ودين آبائكم» (3).
وكان ذلك من أعظم ما لاقاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). يقول المتنبي :
وظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةٌ***علَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الْحِسَامِ المُهَنَّدِ
وكان عقبة من أعدى الناس لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبالغ في إيذائه والاعتداء عليه، فقد رآه يصلي في جوف الكعبة فوضع ثوبه في عنق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخنقه، فسارع أبو بكر فدفعه عنه، وقال له :
«أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي اللّه وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم» (1).
من المعتدين على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والساخرين منه : الأسود بن عبد يغوث الزهري القرشي، وقد بالغ في السخرية بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإيذاء أصحابه، وكان يقول للنبيّ مستهزءاً، وإذا رأى أصحاب النبيّ يقول ساخراً منهم :
«هل كُلَّمتَ اليوم من السماء ؟».. «جاءكم ملوك الأرض» (2).
وإنّما قال لهم ذلك ؛ لأنّ ثيابهم كانت رنّة، وعيشهم كان خشناً، وكان النبيّ قد بشّرهم بأنّهم سيكونون ملوك الأرض، فلذا راحوا يستهزؤون ويسخرون منهم
كان الحكم بن أبي العاص بن أميّة والد مروان استخف بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستهزأ به، فكان يمر خلفه فيغمز به ويخلج بأنفه وفمه، والتفت إليه النبيّ فرآه يفعل ذلك فقال له : «فَلْتَكُنْ كَذلِكَ»، فكان يختلج ويرتعش حتّى هلك، وهجاه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بقوله مخاطباً مروان ولده قائلاً (3):
إِنَّ اللَّعِينَ أَبَاكَ فَارْمِ عِظامَهُ***إِنْ تَرْمِ تَرْمِ مُخَلَّجاً مَجْنونا
يُمْسِي خَمِيصَ البَطْنِ مِنْ عَمَلِ التَّقى***وَيَظَلُّ مِنْ عَمَلِ الْخَبِيثِ بَطينا (1)
أمّا أُمية بن خلف، فقد كان من أخبث الناس عداوة للنبي، وكان إذا رآه همزه ولمزه، فأنزل اللّه تعالى فيه الآية : «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لَمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَدَهُ» (2)، وقد قتل هذا الباغي اللثيم في يوم بدر (3).
واتهمت قريش النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالساحر ؛ لأنه كان يتلو عليهم آيات اللّه البيّنات البالغة حد الإعجاز في بلاغتها وفصاحتها، مضافاً إلى ما يلقيه عليهم من روائع الحكم والآداب التي تأخذ بمجامع القلوب، مضافاً إلى ما يريهم من المعجزات الباهرات التي أمده اللّه تعالى بها دعماً لرسالته وتصديقاً لدعوته، فلم يتمكنوا من مناهضته، فاتهموه بالسحر، وقد باء ذلك بالفشل والخسران.
وبلغ من حقد القرشيّين للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّهم صدّوا من مدحه، وبذلوا له المال لمنعه من الوصول إليه، ويقول الرواة : أنّ الأعشى مدحه بقصيدة مطلعها :
ألم تَعْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أَرْمَد***وَعاداكَ ما عدى السَّليمَ المُسَهَّدا (4)
وما ذاكَ مِنْ عِشْقِ النّساءِ***تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
وَلكِنْ أَرَى الدَّهرَ الذي هُوَ خَائِنٌ***إِذا أَصْلَحَتْ كَفَّاي عادَ فَأَفْسدا
كهولاً وشُبّاناً فَقَدْتُ وثَرْوةً***فَلهِ هذا الدَّهْرُ كيفَ تَرَدَّدا
وما زِلتُ أَبْغِي المالَ مُذْ أنا يافِعٌ***وليداً وَكَهْلاً حينَ شِبْتُ وَأَمْرَدا
وفيها يقول :
فَالَيتُ لا أَرثى لها مِنْ كَلالةٍ***ولا من حفى حتّى تَزورَ محمّدا
نَبيّاً يَرى ما لا تَرونَ وذِكْرُهُ***أَغارَ لِعَمْرِي في البلادِ وأَنْجَدا
لهُ صَدَقات ما تُغِبَ ونائل***وَلَيسَ عَطَاءُ اليوم مانِعُهُ غَدا
مَتى ما تُناخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ***تُراحى وَتَلْقَى مِنْ فَواضِلِهِ نَدى (1)
ولما علمت قريش خبره رصدته على طريقه، فلمّا رأوه بادروا إليه قائلين :
«أين تريد ؟».
«أريد محمّداً الأسلم».
«إنّ محمّداً ينهى عن الزنا والربا والخمر والقمار».
«لقد تركني الزنا وما تركته».
وأبدى زهادته في القمار، كما أبدى جزعه عند ذكر الخمر الذي حرمه الإسلام، وانبرى إليه أبو سفيان فقال له :
«هل لك في خير مما هممت به ؟».
«ما هو ؟».
«تأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفه، وإن ظهر علينا أتيته».
«ما أكره ذلك».
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 2 : 26. مهذب الأغاني : 1: 162.
وجمع له أبو سفيان من قريش مائة من الإبل، فأخذها وانطلق إلى بلده... ولم يفز برؤيا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد صدّه أبو سفيان من الالتقاء به (1).
ووقفت قريش لمنع الراغبين في اعتناق الإسلام والبقاء على عبادة الأوثان، فقد روى المؤرّخون أنّ مروان بن الحكم التقى بحويطب، فسأله عن عمره فأخبره به، فقال له مروان (2):
«تأخّر إسلامك أيها الشيخ حتّى سبقتك الأحداث».
وصارحه حويطب قائلاً:
«واللّه لقد هممت بالإسلام غير مرّة، كلّ ذلك يعوقني أبوك، يقول لي :
تضيع شرفك، وتدع دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعاً» (3).
وهكذا كان موقف قريش، وفي طليعتهم الأمويون متسماً بالعداء العارم للإسلام والبغض الشديد للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد جهدوا على إطفاء نور الإسلام، ولكنّهم ما أفلحوا، فقد انتشر الإسلام كالضوء يحرّر العقول، ويبني أسس مجتمع جليل متكامل في سلوكه واتّجاهاته.
وصبّ القرشيّون جام غضبهم على كلّ من أسلم وآمن بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واستهدفوا المستضعفين والأرقّاء الذين ليس لهم ركن شديد يحميهم من طغيان القرشيّين، وكانوا الدرع الحصين للدعوة الإسلاميّة، وقد أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال : «يَنْصُرُ اللّه
هذِهِ الأمّة بِضُعَفَائِها : بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ..» (1).
وقد بالغت قريش في ظلمهم والسخرية منهم، وقد نزلت فيهم هذه الآية : «إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ»(2).
ولكن لم يلبثوا إلّا زمناً يسيراً حتّى دمرهم الإسلام، وقضى على جاهليّتهم، وعفونة عقولهم، وصار المستضعفون كواكب المجتمع، ونجوم الأرض.
وعلى أي حال، فقد عذبت قريش كوكبة من أعلام الإسلام، كان منهم الأسرة الكريمة المكوّنة من :
1 - عمّار.
2 - ياسر.
3 - سميّة.
فقد عذبت هذه الأسرة عذاباً منكراً وأليماً، وكان النبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يجتاز عليهم وهم في وطأة التعذيب، فيتقطع قلبه الشريف ألماً وحزناً، وقال فيهم كلمته الخالدة التي هي وسام شرف لهم :
«صَبْراً آلَ يَاسِرٍ إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» (3).
واستشهد ياسر وسميّة تحت وطأة التعذيب، وظلّ عمّار تحت التعذيب حتّى أرهقه إرهاقاً شديداً، ولم يطق تحمّله، وعرضت عليه قريش سبّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأجابهم على كُره إلى ذلك، فأطلقوا سراحه، وسارع إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو باكٍ حزين
النفس، وعرض على النبيّ سبّه له وهو غارق بالبكاء، فجعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمسح عينيهويقول له
«إِنْ عادُوا فَعُدْ لَهُمْ بِما قُلْتَ».
وأنزل اللّه تعالى فيه الآية: «مَن كَفَرَ بِاللّه مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أَكْرَهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ» (1).
لقد ملئت نفس عمّار إيماناً باللّه تعالى، وتفانياً في سبيل الإسلام، حتّى استشهد سبيله، في صعيد صفين مع رائد الحكمة، وأمير العدل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن المعذّبين في سبيل الإسلام الصحابي الجليل بلال الحبشي مؤذّن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد عذّبه الجاهلي أميّة بن خلف، وصبّ عليه ألوان العذاب، فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة بعد أن يجيعه ويعطّشه ليلة ويوماً، فيطرحه على ظهره في الرمضاء، ثمّ يأمر بصخرة عظيمة فتوضع على صدره، ثمّ يقول له : هكذا حتّى تموت أو تكفر بمحمّد وتعبد اللات والعزى، ومن صنوف تعذيبهم له أنّهم كانوا يربطونه بالحبال وتسحبه أطفالهم ويطوفون به شعاب مكّة، ولم يحفل بذلك، وإنما كان يقول : «أَحَدٌ، أَحَد» (2)، وقد مزج ذلك بحلاوة الإيمان، وفيه يقول محمّد الشقراطي :
لاقى بلالٌ مِنْ أُميّة قد***أَحَلَّهُ الصَّبْرُ فيها أَكْرَمَ النُّزُلِ
إِذْ أَجْهَدُوا بِضَنكِ الأَسْرِ وَهُو عَلى***شدائِدِ الْأَرْلِ ثَبتُ الأَزْرِ لَمْ يَزَلِ
القوه بطحاً برَمْضاءِ البِطاح وَقَد***عالوا عَلَيْهِ صُخوراً جَمَّةَ النَّقل
فَوحَّدَ اللّه إِخْلاصاً وَقَدْ ظَهَرَتْ***بِظَهْرِهِ كَنُدوبِ الظَّلِّ في الظُّلَلِ
إِنْ قَدَّ ظَهْرَ وَليّ اللّه مِنْ دُبُرٍ***قَدْ قَدَّ قَلبَ عَدُوَّ اللّه مِنْ قُبُل
وأشار الشاعر في البيت الأخير من مقطوعته أنه قتل عدو اللّه يوم بدر، وقد أخذ منه ثأر تعذيبه.
وعلى أي حال، فإنّ صمود هؤلاء المعذبين قد أذهل جبابرة قريش، فورمت آنافهم، وانتفخ سحرهم، وكان من أشد الحاقدين على من أسلم : الجاهلي أبوجهل، فإذا سمع برجل قد أسلم وكانت له منعة في قومه بادر إليه فعاتبه ولامه وقال له : تركت دين أبيك، وهو خيرٌ منك ! لَنُسَفَهنَّ حِلْمكَ، وَلنُفَيّلَن رَأْيَك (1)، ولنضعن شرفَك. وإن كان تاجراً قال له : لنكَسّدنَ تجارتك، وَلنُهلكنّ مالك، وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به (2).
وروی سعید بن جبیر، قال : «قلت لعبد اللّه بن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من العذاب ما يُعذَرون به في تَرْك دينهم ؟
فقال ابن عباس :
نعم واللّه إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعُونه ويُعطشونه، حتّى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدّة الضُّرّ الذي نزل به، حتّى يُعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتّى يقولوا له :
«اللّات والعزّى إلهك من دون اللّه تعالى ؟ فيقول : نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جَهْده» (3). من
وبالغت قريش في إيذاء المسلمين وتعذيبهم بأقسى ألوان العذاب وأشدّه، وقد انهارت أعصاب بعضهم، ففتنوا عن دينهم، وبقي فريق منهم متمسكاً بدينه لم يحفل ببطش القرشيّين وتعذيبهم، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدعو المؤمنين إلى الصمود والصبر على ما حلّ بهم من العذاب الأليم، وقد طلب الخباب بن الأرت من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يدعو على قريش فقال له :
«كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ يُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، ما دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْم أَوْ عَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذلِكَ عَنْ دَيْنِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذلِكَ عَنْ دَيْنِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللّه هذَا الأَمْرَ حتّى يَسِيْرَ الرّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلى حَضْرَ مَوْتِ ما يَخافُ إِلَّا اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (1).
أرأيتم هذا العزم الجبّار على استمراره في الدعوة الإسلاميّة، وعدم الخضوع للأزمات الحادة التي واجهها أصحابه.
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الاقتداء بالمتّقين العظماء الذين تحمّلوا أشقّ ألوان المحن والخطوب في سبيل اللّه تعالى، فقارعوا الطغاة الذين تمرّدوا على القيم والمبادئ الكريمة، وصبروا على ما حلّ بهم من الرزايا والعذاب الأليم.
قام أبو طالب بدور إيجابي ومتميز في حماية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان القوة الضارية التي وقفت إلى جانبه، ولولاه لما استطاع النبيّ أن يقف بعزم وثبات لتبليغ رسالة ربه أمام تلك الوحوش الكاسرة التي جهدت على إطفاء نور اللّه تعالى.
1) السيرة النبويّة / ابن كثير : 1 : 496.
لقد أوجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ثورته الكبرى انقلاباً فكرياً وتحوّلاً اجتماعياً، فقد خافت قريش على آلهتها وأصنامها التي أعلن النبيّ عليها الحرب بلا هوادة، كما خافت على تقاليدها وعاداتها التي سخر منها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ورمت آنافهم، وانتفخ سحرهم، فناجزوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحاربوه، وكان أبو طالب يبعث في نفسه العزم والنشاط على إشاعة مبادئه، وقد خاطبه بهذه الأبيات :
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ***وَابْشِرْ بِذاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيونا
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ نَاصِحي***وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثمّ أَمِينا
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ محمّد***مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينا
وَاللّه لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ***حتّى أُوَسدَ فِي التُّرابِ دَفِيناً
حكت هذه الأبيات إيمان أبي طالب العميق بالإسلام، وتفانيه في الدفاع عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأن القوى المعادية مهما بذلت من جهد في محاربته فإنّها لن تستطع أن تصده عن إشاعة مبادئه وتبليغ رسالة ربّه.
وكان أبو طالب حريصاً أشدّ الحرص على ابن أخيه، لا يفارقه، ولم يخل بينه وبين غوائل الدهر وعاديات الأيام، وكان شفيقاً عليه، رفيقاً به، يكلؤه، ويرعاه، ويحوطه، ويحميه، ويضنّ به على المكروه.
وأخلص أبو طالب في الدفاع عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والوقوف إلى جانبه، وقد سخر من القرشيّين الذين طلبوا منه أن يتخلّى عن النبيّ، فقال لهم :
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّه نُخْلِى محمّداً***وَلَمّا نُطَاعِنْ دونَهُ ونُناضِلِ
ونَنْصُرُهُ حتّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ***وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالحَلَائِلِ
ويقول في مدحه للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمامُ بِوَجْهِهِ***ثُمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرامِل
174
يَلُوذُ بِهِ الْهَلَاكُ مِنْ آلِ هاشم***فَهُم عِنْدَهُ في رحمةٍ وَفَواضِلِ (1)
لقد كان أبو طالب شعلة مشرقة بالنور والإيمان والولاء للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد جاهد في سبيل الإسلام كأعظم ما يكون الجهاد، وقد سخّر مواهبه الأدبية لمدح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإشادة به، ولنستمع إلى هذه الأبيات التي هي من نفس القصيدة العصماء التي ذكرت فيها الأبيات المتقدّمة. يقول :
لَعَمري لَقَد كُلِّفتُ وَجْداً بِأَحْمَدٍ***وإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبُّ المُواصِلِ
فَمَنْ مِثْلَهُ في النَّاسِ أَيُّ مؤمَّل***إذا قاسَهُ الحُكَامُ عِندَ التَّفاضُلِ
حليمٌ رَشيدٌ عادِلٌ غير طائِش***يُوالي إلها لَيْسَ عَنهُ بِغَافِلِ
كَريم المساعي ماجِدٌ وابن ماجد***لهُ إرْتُ مَجْدِ ثابتِ غَيْرُ ناصِل (2)
فَأَيَّدَه رَبُّ العِبادِ بِنَصْرِهِ***وَأَظْهَرَ ديناً حَقَّهُ غَيْرُ باطِلِ
فو اللّه لَولا أنْ أجِيَّ بِسَبَةٍ***تُجرّ على أَشْياخِنا في المَحافِلِ
لكُنّا اتبعناهُ عَلى كلّ حالة***مِنَ الدَّهْرِ جِداً غَير قَولِ النَّهَازُلِ
لَقَد عَلِموا أنَّ ابنَنا لا مُكَذَّبٌ***لَدَيْنَا وَلا يُعنى بِقَوْلِ الأَباطِل
فَأَصْبَحَ فينا أَحْمَدٌ في أرومَةٍ***تُقصر عنها سَوْرَةُ المُتطاول
حَدِبْتُ بِنَفْسي دونَهُ وَحَمَيْتُهُ***ودافَعْتُ عَنْهُ بِالذُّرىٰ وَالكَلاكِلِ (3)
والقصيدة طويلة، وقد علّق عليها ابن كثير بقوله : «هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع،
وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعاً» (1).
ومهما يكن الأمر، فقد كان أبو طالب كلفاً في حبّ ابن أخيه، وفي الدفاع عنه، ولولاه لما استطاع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعلن القيم والمبادئ التي تبنّاها في دعوته الخالدة.
وخفت جماعة من رؤساء قريش إلى أبي طالب فعرضوا عليه أن يسلّمهم النبيّ لتصفيته جسدياً، ويعطوه عوضه عمارة، وهو من أنبل فتيان قريش، ومن أصبحهم وجهاً، فسخر منهم أبو طالب وقال لهم :
«ما أنصفتموني أيها الحمقاء، تباً لكم وسحقاً، أتريدون مني أن أعطيكم روحي وولدي لتقتلوه، وتعطوني ابنكم أرتيه لكم، ما لكم كيف تحكمون ؟ أترجون منّى أن استبدل محمّداً بعمارة بن الوليد. فوالذي نفسي بيده، لو أعطيتموني العالم كله لما استبدلته بظفر من رجل محمّد، فإليكم عنّي لا تكلموني، وإلا علوت رؤوسكم بالسيف» (2).
وانصرفوا خائبين خاسرين قد سفّه آمالهم وأحلامهم، وتركهم وقد نخب الحقد قلوبهم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
صلى اللّه
رأى أبو طالب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يصلي وعن يمينه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالتفت إلى ولده جعفر وقال له :
«صل جناح ابن عمّك، فصلّ عن يساره» (3)، وتلا هذه الأبيات التي هي من نظمه :
إِنَّ عَلِيّاً وَجَعفَراً ثِقَتى***عِنْدَ مُلِ الزَّمانِ والنُّوَبِ
لا تَخْذُلا وانْصُرا ابْنَ عَمِّكُما***أَخي لأُمّي - مِنْ بَيْنِهِم - وأبي
واللّه لا أَخْذُلُ النبيّ وَلَا***يَخْذُلْهُ مِنْ بَنيَّ ذُو حَسَبٍ (1)
أرأيتم هذا الإيمان والجهاد في سبيل الإسلام... إنّه لا يخذل النبيّ، ولا يخذله أحد من أبنائه. وكان من نصرة أبي طالب للنبيّ وتفانيه في الذب عنه أن النبيّ دخل الكعبة ليصلّي فقال أبو جهل : «من يقوم لهذا الرجل فيفسد عليه صلاته»، فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطخ به وجه النبيّ، وانفتل النبيّ من صلاته إلى عمه فسأله عمه : «من فعل بك هذا ؟»، قال : «عَبْدُ اللّه بنِ الزَّبَعْرى»، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه، ومشى حتّى أتى القوم، فلمّا رأوه قد أقبل جعلوا ينهضون، فقال أبو طالب : «واللّه لئن قام رجل لجللته بسيفي»، فقعدوا حتّى دنا منهم، وأخذ فرثاً فلطخ به وجوههم ولحاهم وهو يغلظ لهم في القول (2).
وتبنّى أبو طالب الدعوة إلى الإسلام، فقد دعا ملك الحبشة إلى اعتناق الإسلام وكتب له بذلك رسالة وختمها بهذه الأبيات :
أَتَعْلَمُ مُلْكَ الْحُبْشِ أَنَّ محمّداً***نَبِيُّ كَمُوسى وَالْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمِ
أَتَى بِالْهُدَى مِثْلَ الَّذِي فِي هُداهُما***فَكُلُّ بِأَمْرِ اللّه يَهْدِي وَبَعْصِمِ
وَأَنَّكُمْ تَتْلُونَهُ فِي كِتابِكُمْ***بِصِدْقِ حَدِيثٍ لَا حَدِيثِ التَّراجُم
فَلا تَجْعَلُوا للّه نِدّاً وَأَسْلِمُوا***فَإِنَّ طَريقَ الْحَقِّ لَيْسَ بِمُظْلِمِ (3)
حكت هذه الأبيات إيمان أبي طالب بالإسلام، وتبنّيه لدعوته، وتفانيه في إشاعته ونشره.
وكان إسلام حمزة نصراً للإسلام، وعزّاً للمسلمين، فقد عرف في أوساط مكّة بقوّة البأس، ورجاحة الفكر، وصدق العزيمة، وكان مهاب الجانب، عزيز النفس، له مكانته في نفوس القرشيّين، أما سبب إسلامه فتعزوه مصادر السيرة إلى أنّ أبا جهل اجتاز على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند الصفا فبالغ في شتمه والاعتداء عليه، وانتقاص الإسلام، فلم يكلمه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد سمعت مولاة لعبد اللّه بن جدعان كلامه، وكان حمزة راجعاً من الصيد، فلم يصل إلى أهله، ومضى صوب الكعبة فطاف بها، ثمّ رجع إلى قريش فتحدّث معهم، ثمّ قفل راجعاً إلى بيته، فبادرت إليه المرأة التي سمعت اعتداء أبي جهل على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت له :
«يا أبا عُمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّد من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالساً - يعني في الصفا - فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره ثمّ انصرف عنه، ولم يكلّمه محمّد».
فثار حمزة وفقد أهابه، وراح يجد حتّى دخل المسجد، فرأى أبا جهل، فوقف على رأسه، فرفع القوس وضربه ضربة منكرة شجّ بها رأسه، وصاح به :
«أتشتمه وأنا على دينه. أقول ما يقول، فرُدَّ ذلك علَيَّ إن استطعت».
وانبرى قوم من مخزوم لينصروا صاحبهم أبا جهل، فمنعهم وقال لهم :
«إنِّي قد سَبَبْتُ ابن أخيه سباً قبيحاً» (1).
وأعلن حمزة إسلامه، وعاهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حمايته والذبّ عنه، والتضحية
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 311.
في نصرة الإسلام. لقد كان إسلام حمزة عزّاً للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأصحابه، فقد كف عنه كثيراً من أذى قريش، وكان يجهر بالإسلام ولا يخافت به، ويتحدّى جبروت القرشيّين.
ولما رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما مني به أصحابه من العذاب والتنكيل، وما تعرضوا له من صنوف المحن والبلاء أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة ؛ لأنّ بها ملكاً لا يظلم أحداً ولا يعتدي عليه، وهي أرض صدق، حتّى يجعل اللّه تعالى لهم مخرجاً ممّا هم فيه.
وخرجت كوكبة من المسلمين من الذين اضطهدوا وعذَّبوا، وقد فرّوا إلى اللّه تعالى بدينهم، وكان عددهم - فيما يقول مؤلفو السيرة النبويّة - أحد عشر رجلاً وأربع نساء، ثمّ تتابع المسلمون للالتحاق بهم، وكان منهم الشهيد الخالد جعفر الطيار، وقد هاجر بعضهم ومعه أهله، وهاجر آخرون بأنفسهم، وقد استقبلهم النجاشي خير استقبال، ووفّر لهم الحماية والأمن، وقد وجدوا في كنف رعايته الكثير من البرّ والإحسان.
ويرى (هيكل) أن القصد من أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالهجرة إلى الحبشة ليس هو الفرار من جور القرشيّين فحسب، وإنما كان له مغزى سياسي مهم، وهو تبشير المهاجرين بدين الإسلام وعرض محنة المهاجرين وما لاقوه من صنوف التعذيب من القرشيّين، وفيما أحسب أن هذا الراي وثيق للغاية، فإن خطوات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم تكن - بأي حال - عفوية، وإنّما هي بعيدة الغور، ولها أهدافها السياسية البالغة الأهمية، فإنّ الغاية من أمر النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالهجرة إلى أرض الحبشة دون غيرها من المناطق المجاورة لمكة كاليمن، هو أن أهالى الحبشة - ملكاً وشعباً كانوا يدينون بالنصرانية، وقد حفلت كتبهم المقدّسة بالتبشير بظهور النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهم أجدر بالإجابة إلى الإسلام من المدن الخاضعة للوثنية أو الإسرائيليّة، وعلى أي حال، فقد أصبح
المهاجرون بمأمن من عذاب القرشيّين وبطشهم، وقد عرض عبد اللّه بن الحارث في أبيات له إلى ما لاقاه مع أخوانه المهاجرين من العذاب في مكّة حتّى أنقذهم اللّه تعالى بالهجرة منها إلى أرض اللّه الواسعة قال :
يا راكباً بَلِّغَنْ عنّى مُغَلقَلةٌ***مَنْ كانَ يَرجو بلاغَ اللّه والدِّينِ (1)
كلّ امْرِئٍ مِنْ عِبادِ اللّه مُضْطَهِدٍ***بِبَطنِ مكّة مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ
أَنَا وَجَدْنَا بِلَادَ اللّه وَاسِعَةً***تُنجِي مِنَ الذُّلِّ والمَخْزاةِ والهُونِ
فَلا تُقيموا عَلَى ذُلِّ الحَياةِ وخِزْ***ي في المماتِ وَعَيْبٍ غَيرِ مَأْمونِ
إِنَّا تَبِعنا رَسولَ اللّه وَاطْرَحوا***قولَ النبيّ وعالوا في الموازين (2)
فَاجْعَلْ عَذَابَكَ بِالقَومِ الَّذِينَ بَغَوا***وعائِذاً بِكَ أَنْ يَعْلوا فيُطغوني (3)
وصوّرت هذه الأبيات المحن الشاقة والعسيرة التي ابتلى بها المسلمون في مكّة، فكلّ فرد منهم مضطهد ومقهور ومفتون وهو يدعو إلى الهجرة منها والإقامة بأرض اللّه الواسعة ليكون المهاجر بأمن من الذل والهوان، كما حكت هذه الأبيات متابعة المهاجرين وامتثالهم لأوامر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وانقيادهم لطاعته، كما أن الشاعر يطلب من اللّه تعالى أن ينزل عقابه وهوانه على الطغاة والباغين من قريش.
وصوّر عبد اللّه بن الحارث في أبيات له إجلاء المسلمين عن ديارهم وإبعادهم عن وطنهم قال :
أبتْ كَبِدى لا أَكْذِبَنْك قتالهم***عَلَيَّ وتَأْبَاهُ عَلَيَّ أَناملي
وكَيفَ قِتالي مَعشَراً أدَّبوكُمُ***عَلَى الْحَقِّ أَنْ لَا تأْشِبُوهُ بِباطلِ(1)
نَفَتْهم عبادُ الجِنّ مِنْ حُرِّ أَرْضِهِمْ***فَأَضْحَوا عَلَى أَمْرٍ شَديدِ البَلابِلِ (2)
وقال يذم قريشاً :
وَتِلْكَ قُرَيش تَجْحدُ اللّه حَقَّهُ***كَما جَحَدَتْ عادٌ ومَدْيَنُ وَالحِجْرُ (3)
فَإِنْ أَنا لَمْ أُبَرِقْ فَلَا يَسَعَنَّني***مِنَ الْأَرْضِ بَر ذُو فَضاءِ وَلَا بَحْرُ (4)
بِأَرْضِ بِها عَبَدَ الإله محمّداً***أبيِّنُ ما في النَّفْسِ إِذْ بُلغَ النَّفْرُ (5)
وحكت هذه الأبيات جحود القرشيّين حقّ اللّه تعالى، كما جحدت عاد وثمود، وأنه إذا لم يهدّد قريشاً فلا تسعه أرض ولا بحر، وأنه يروم البقاء بأرض يعبد اللّه تعالى لا يرحل عنها.
ومن السابقين للإسلام عثمان بن مظعون، وقد هاجر إلى الحبشة، بعد أن عاني أمر التعذيب وأقساه من ابن عمه أمية بن خلف، فقال يعاتبه بهذه الأبيات :
أتيمَ بنَ عَمْرو للذي جاءَ بعضه***ومِن دونِهِ الشَّرمان والبَرْلُ أَكْتعُ (6)
أأَخْرَجْتَنِي مِنْ بَطنِ مكّة آمِناً***وَأَسْكَنتَني فِي صَرْح بَيْضَاءَ تَقذَعُ (7)
1) تأشبوه : أي تخلطوه.
2) حرّ أرضهم : أي الكريمة والعزيزة البلابل: وساوس الأحزان. السيرة النبويّة / ابن هشام : 354:1.
3) الحجر : أراد أهل الحجر، وهم ثمود.
4) أبرق : أهدد.
5) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 355.
6) الشرمان: موضع أو الشرمان أيضاً لجّة البحر. البرك : الإبل المباركة.
7) صرح بيضاء : يريد بها أرض الحبشة. تقذع : أي تكره.
تَريشُ نِبالاً لا يُوافيك ريشها***وتبري نِبالاً ريشها لَكَ أَجْمَعُ (1)
وَحارَيْتَ أَقواماً كِراماً أَعِزَّةً***وَأَهْلَكْتَ أَقواماً بِهِمْ كُنْتَ تَفْزَعُ
سَتَعْلَمُ إِنْ نَابَتْكَ يَوْماً مُلِمَّةٌ***وَأَسْلَمكَ الْأَوْبَاشُ مَا كُنتَ تَصْنَعُ (2)
وأعرب عثمان بن مظعون بهذه الأبيات عن أسفه البالغ وحزنه العميق على إجلائه عن وطنه، وإبعاده عن دياره، وهو يعتب أشدّ العتب على ابن عمّه الذي جهد في الاعتداء عليه، وأنّه قد حارب أقواماً كراماً أعزّة، وأنّه لمن يلجأ إذا ألمت به كارثة أو نزل به خطب.
وفزعت قريش كأشدّ ما يكون الفزع من هجرة المسلمين لأرض الحبشة، وقد خافوا من تطوّر الأحداث، وانقلاب الأمر عليهم باتّخاذ الحبشة قاعدة ومركزاً للدعوة الإسلاميّة، فأوفدوا للنجاشي وفداً يسأله أن لا يمنح المكيين الذين عنده الحماية، وأن يسلّمهم إلى القرشيّين، واختاروا للسفارة عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن أبي ربيعة، وأرسلوا معهما هدايا نفيسة، وبادر أبو طالب فبعث رسالة للنجاشي يحثّه فيها على حسن جوار المسلمين والدفاع عنهم، وختم رسالته بهذه الأبيات :
أَلَا لَيْتَ شِعري كيفَ فِي النَّايِ جَعْفَرٌ***وَعَمررٌ وَأَعداء العَدُوِّ الأَقارِبُ (3)
وهَلْ نالتِ افْعَالُ النَّجاشي جَعْفَراً***وَأَصْحابَهُ أوْ عاق ذلك شاغِبُ (4)
تَعَلَّمْ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، أَنَّكَ ماجِدٌ***كَريمٌ فَلَا يَشْقَى لَدَيْكَ المُجانِبُ (1)
تَعَلَّمْ بِأنَّ اللّه زادَكَ بَسْطَةٌ***وَأَسْبَابَ خَيرٍ كُلُّها بِكَ لازِبُ (2)
وَإِنَّكَ فَيضُ ذو سِجالٍ غَزِيرَةٍ***يَنالُ الْأَعادِي نَفْعَها وَالأقَارِبُ (3)
وأنت ترى في هذه الأبيات مدى شفقة أبي طالب على ولده جعفر، وخوفه من أن ينال عقاباً أو مكروهاً من النجاشي، وقد أثنى ثناءً عاطراً على النجاشي ووصفه بأنّه ماجد كريم لا يشقى مجاوره، وعلى أي حال فقد مثل السفيران أمام النجاشي وقال له أحدهما :
«أيّها الملك، قد ضوى (4)إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه».
وصدقت البطارقة التي هي من حاشية النجاشي كلام الوفد القرشي، وطلبت منه إجابة الوفد القرشي لأنّه قدّم لهم هدايا وألطافاً، وغضب النجاشي وأبى أن يدفعهم للوفد قائلاً:
«لا أسلّمهم إليهما، كيف أسلّمهم وقد نزلوا في بلادي، واختاروني عمن سواي، حتّى أسألهم عمّا يقولون، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما».
وبعث إليهم فلمّا مثلوا أمامه قال لهم :
«ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل» ؟
فانبرى إليه جعفر الطيار فأدلى بحجّته البالغة قائلاً له :
«أيّها الملك، كنا قوماً أهل جاهليّة نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسي الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام».
وعدد جعفر ما جاء به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من القيم الكريمة والمبادئ الرفيعة، وأضاف قائلاً:
«فصدّقناه، وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك».
وكان خطاب جعفر حافلاً بأحكام الإسلام، فبهر منها النجاشي وألتفت إليه قائلاً :
«هل لك ممّا جاء به عن اللّه تعالى ؟».
«نعم».
«اقرأه عليَّ ؟».
وتلا عليه سورة مريم من أوّلها حتّى انتهى إلى قوله تعالى :
«فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللّه آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً» (1).
وهيمنت هذه الآيات على مشاعر النجاشي والأساقفة، وغرقوا في البكاء، وراح النجاشي يقول لجعفر :
«إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا واللّه لا أسلمهم إليكما ولا يكادون».
ثم أمر بطرد ابن العاص وصاحبه، وعدم تسليم المسلمين إليهم، وتميّز ابن العاص غيظاً وغضباً، وورم أنفه، فدبّر لهم مكيدة ومكراً، وبادر إلى النجاشي قائلاً:
«إنّ المسلمين يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً».
وفزع النجاشي فأرسل خلف المسلمين، فلمّا مثلوا عنده سألهم عما يقولون في السيبد المسيح، فبادر جعفر قائلاً:
«إنّ نبينا يقول : هو عبد اللّه ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول».
وامتلأت نفس النجاشي سروراً وابتهاجاً وخط في الأرض خطاً وقال لجعفر :
«ليس بين ديننا ودينكم أكثر من هذا الخط».
وأيقن النجاشي بأنّ المسلمين على حق، وأن خصومهم على مزلقة الباطل،
1) مريم 19 : 29 – 33.
ومنح المسلمين الإقامة في الحبشة، وجعلهم في مأمن ودعة من أذى القرشيّين، ورجع ابن العاص بخفي حنين، يجر معه رداء الخيبة والخسران، ووفّر النجاشي لهم الحماية الكاملة، ومنحهم الحرية في أداء طقوسهم الدينيّة، فقد روت اُمّ سلمة قالت : «حينما نزلنا في أرض الحبشة جاورنا خير جار، النجاشي آمننا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه» (1).
وشاع الخبر في أوساط المسلمين بمكة من حماية النجاشي لمن دخل منهم إلى بلاده واستجار به، وأن وفادة قريش له باءت بالفشل، فهاجر ثمانون رجلاً منهم غير نسائهم وأطفالهم، وكانت لهجرتهم صدى في مكّة وخارجها، وقد أثارت انتباه الرأي العام في تلك المناطق، وقد دلّت على البراعة السياسية التي خطّطها الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد أحدثت تساؤلاً عن الإسلام في أوساط ذلك المجتمع وغيره، فاستجاب إلى الإسلام رهط غير قليل.
كان عمر حادّ الطبع، سريع الغضب، وصفه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبته الشقشقية بالحوزة الخشناء، وكان محباً للهو والخمر (2)، وكان من أشدّ قريش أذى للمسلمين ووقيعة بهم، وقد بلغه هجرة المسلمين إلى ديار الحبشة فساءه ذلك، وقد عزم على قتل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليريح قريشاً منه، وانطلق لمهمته، فالتقى بنعيم بن عبد اللّه فقال له :
«أين تريد يا عمر ؟».
«أريد محمّداً الذي فرّق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله»
ووبّخه نعيم، وفند فكره، ونصحه قائلاً:
«واللّه لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمّداً ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟».
وانبرى عمر قائلاً:
«وأي أهل بيتي ؟».
«خَتنك، وابن عمّك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطّاب، فقد واللّه أسلما، وتابعا محمّداً على دينه، فعليك بهما».
وفزع عمر، وراح يشتد نحو أخته وختنه، وكان عندهما الخباب بن الأرت يعلّمهما الإسلام، ويرشدهما إلى معارفه وأحكامه، ويقرأ عليهما سورة (طه)، فلمّا سمعوا صوت عمر ذهلوا، وتغيب الخباب في مخدع خوفاً من بطش عمر، وسارعت فاطمة بنت الخطاب إلى الصحيفة التي فيها سورة (طه) فسترتها، وكان عمر قد سمع قراءة الخباب، فقال لأخته :
«ما هذه الهَيْنَمة ؟»
«ما سمعت شيئاً».
«بلى لقد أخبرت أنّكما تابعتها محمّداً على دينه».
ثمّ بطش بسعيد، فقامت إليه زوجته بنت الخطاب لتمنعه عن زوجها، فضربها، وشجّ رأسها، فصاحت به غير حافلة بقسوته وشدته قائلة له :
«قد أسلمنا وآمنا باللّه ورسوله، فأصنع ما بدا لك».
وندم عمر على ما اقترفه في حقّ أخته، وأيقن أن الإسلام لا بد أن ينتصر،
ولا سبيل لمقاومته، ولا تجدي مناهضة قريش له، وطلب من أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرؤون بها فقالت له :
«إنّا نخشاك عليها».
«لا تخافي».
وحلف لها بالهته التي كان يعبدها أن يردّها إليها إذا قرأها.
وطمعت في إسلامه، وقالت له :
«إنك نجس وعلى شركك، وإنّه لا يمسها إلّا الطاهر».
وقام عمر فاغتسل، فناولته الصحيفة التي فيها سورة (طه) فقرأها، وغمرته بلاغة القرآن الكريم، فاستجاب للإسلام، وقال لأخته :
«ما أحسن هذا الكلام وأكرمه» (1).
وبادر إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأعلن إسلامه، وقد فرح المسلمون بإسلامه ؛ لأنهم استراحوا من معاداته وخصومته.
وضاقت قريش ذرعاً من المبادئ والقيم التي أعلنها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والتي استهدفت تدمير أصنامهم ومعتقداتهم، وتأسيس حياة جديدة لم يألفوها، قأئمّة على العدل الخالص والحقّ المحض، وقد أعيت بهم السبل والحيل، فقد استجاب لدعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض غلمانهم ونسائهم والأرقاء والمستضعفين، وقد رأوا أن سياسة العنف والشدّة لا تجدي شيئاً، فأجمعوا على الالتقاء بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مباشرة، وشكلوا وفداً بزعامة عُتبة بن ربيعة، وكان من سادات قريش، فالتقوا بالنبيّ
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 367 - 370.
في البيت الحرام، وبادر عتبة فخاطب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بناعم القول قائلاً:
«يابن أخي، إنك منا حيث علمت من السِّطة (1)في العشيرة، والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به مَنْ مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها».
وبادر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً :
«قُلْ يا أَبا الْوَلِيدِ أَسْمَعُ».
«يا بن أخي، إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا، حتّى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا، حتّى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً (2)تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالنا حتّى نُبرئك من فإنه ربما غلب التابع (3)على الرجل حتّى يداوى منه».
ولما أنهى عتبة حديثه الحافل بالمغريات والتمنيات، التفت إليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعزم قائلاً:
«قَدْ فَرَغْتَ يا أَبَا الْوَلِيدِ ؟».
«نعم».
«اسْمَعْ مِنّي».
«أفعل».
وتلا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«حم تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ» (1).
ومضى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في تلاوة السورة، وبهر بها عتبة، وهام في تيّارات مذهلة والتفت إليه النبيّ قائلاً: «قَدْ سَمِعْتَ يا أبا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذاكَ».
وقفل عتبة راجعاً إلى أصحابه، وملء إهابه إكبار وإعجاب، وقد بدا عليه التغيّر والذهول، فاستقبله أصحابه قائلين :
«ما وراءك يا أبا الوليد ؟».
«إنّي سمعت قولاً، واللّه ! ما سمعت مثله قط، واللّه ! ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه. فواللّه ! ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهَرْ على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به».
وقد أرشدهم إلى الخير بجميع سبله ومفاهيمه، لقد نصحهم أن لا يعرضوا بسوء ومكروه إلى الرسول، ويتركوه وشأنه إلّا أنّهم أعاروا نصحه آذانا صماء، وقالوا له :
«سحرك يا أبا الوليد».
«هذا رأيي فيه، فاصنعوا له ما بدا لكم» (2)
وانصرفوا مصرّين على غيّهم، ومناهضة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بجميع الوسائل التي يملكونها، ولو كان عندهم مسكة من رشد لاستجابواله، فلم تمض حفنة من السنين وإذا بالناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً أفواجا، وداهمهم الجيش الإسلامي، وظلّوا قابعين في بيوتهم يطاردهم الرعب والخوف، حتّى تكرّم عليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فمنَّ عليهم بلطفه، ولم يؤاخذهم على ما اقترفوه من ظلم واعتداء عليه.
وورمت أنوف القرشيّين، وتميزوا غيظاً وغضباً من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي عاب الهتهم، وسخر من معتقداتهم، وهزأ من تقاليدهم، ونعى عليهم حياتهم الحافلة بالمآثم والرذائل، فضاقوا ذرعاً من ذلك، فاجتمعوا وتذاكروا ما حلّ بهم من تفلّل مجتمعهم ، فقد صبا إلى الإسلام بعض شبابهم ونسائهم وأرقائهم، وقد احتدم الجدل بينهم كأشدّ ما يكون، فكان الشاب يعقّ أبويه، وكانت المرأة تبين زوجها لأنه کافر، ولم تهدأ قريش، ولم تقرّلها عين، وقد عرضوا على وجوههم محنتهم، وما يعانونه من صنوف المحن والخطوب، فعقدوا مؤتمراً قرروا فيه ما يلي :
1 - أن لا يزوجوا شخصاً من بني هاشم وبني عبد المطّلب.
2 - أن لا يتزوّج أحد من هاشمية.
3- لا يبيعوهم شيئاً.
4 - لا يبتاعوا منهم شيئاً.
وسجّلوا هذه البنود في صحيفة وعلّقوها في جوف الكعبة توكيداً لأنفسهم، والتزاماً بها، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فدعا عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فشلت بعض أصابعه (1).
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 375.
وفرض القرشيّون الإقامة الجبريّة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبقية الهاشميّين، ومنعوهم من الاختلاط بالناس لئلا يغسلوا أدمغتهم المشبعة بالوثنية وعقائد الجاهلية، وقد أقاموا في شعب أبي طالب لا يريمون عنه، وهم يعانون أقسى ألوان الاضطهاد، وأشدّ صنوف الارهاق، وقد أمدّتهم أم المؤمنين خديجة (رضیَ اللّهُ عنها) بجميع ما يحتاجون إليه حتّى نفد ما عندها من الثراء العريض، فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين، وكان مع الهاشميّين في محنتهم أبو طالب شيخ البطحاء، وقد ندّد بالقرشيّين وبصحيفتهم، ودعاهم إلى الإفراج عنهم، وقد أثرت عنه هذه الأبيات :
وَإِنَّ الَّذي أَلصَفْتُمُ مِنْ كِتابِكُمْ***لَكُمْ كَائِنٌ نَحْساً كَرَاغِيَةِ السَّفْبِ (1)
أَفِيقُوا أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ يُحفَر الثّرى***وَيُصبحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْباً كَذِي الذَّنْبِ
وَلَا تَتْبَعُوا أَمْرَ الوَشاةِ وَتَقْطَعوا***أَواصِرَنا بَعْدَ المودّة وَالْقُرْبِ
وَتَسْتَجْلِبوا حَرْباً عَواناً ورُبَّما***أَمرٌ على مَنْ دَاقَهُ جَلبُ الْحَرْبِ
فَلَسْنا وَرَبِّ الْبَيْتِ نُسْلِمُ أَحْمَداً***لعزاءَ مِنْ عَضُ الزَّمانِ وَلَا كَرْبِ (2)
وَلَمَا تَبنُ مِنَّا وَمِنْكُم سَوالف***وَأَيدٍ أُترَّت بِالقُساسيَّة الشُّهْبِ (3)
وندّد شيخ البطحاء بهذه الأبيات بصحيفة القرشيّين التي حرموا فيها على أنفسهم الاتصال بالسادة الهاشميّين، وقطع كلّ صلة بهم، كما حذرهم من قول الوشاة الذين جهدوا على إلقاء الفتنة بينهم وبين القرشيّين، وقد أهاب بهم من إشعال نار الحرب
التي تجرّ لهم الويلات والكوارث، وأعرب لهم أنّهم مهما يلاقونه من جهد ومشقة وعناء فلا يسلمون لهم محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسوف يمنعونه ببأس وقوّة من كلّ عادية ومكروه.
ومكث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع السادة الهاشميّين معتقلين في شعب أبي طالب سنتين أو ما يزيد عليهما، وقد لاقوا من الجهد والعناء ما لا يوصف لقسوته ومرارته، فقد كانوا بمعزل تام عن المجتمع مقيمين إقامة جبرية في الشعب لا يريمون عنه، قد سدّت عليهم جميع نوافذ الحياة، قد حرمت عليهم قريش كلّ صلة لهم مع الناس.
وشاء اللّه تعالى أن ينقذ نبيّه الكريم مع من آمن معه من هذه المحنة الحازبة، وينجيهم من هذا البلاء العظيم، فسلّط الأرضة على الصحيفة فأتت عليها وتركت اسم اللّه تعالى لم تلتهمه، وأخبر جبرئيل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك، وسارع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى عمّه أبي طالب، فأخبره بالأمر قائلا له :
«إِنَّ رَبِّيَ اللّه تَعَالَى قَدْ سَلَّطَ الْأَرْضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمَا هُوَ للّه إِلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيها، وَنَفَتْ مِنْهُ الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتانَ».
وبادر أبو طالب قائلاً:
«أربّك أخبرك بهذا ؟».
«نعم».
وانطلق أبو طالب صوب قريش، فقال لهم :
«يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فانظروا إلى صحيفتكم، فإن كان كما قال ابنُ أخي فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عمّا فيها، وإن يكن كاذباً دفعتُ لكم ابن أخي».
وانطلقت أصواتهم بلهجة واحدة قائلين :
«رضينا، رضينا».
وسارعوا صوب الصحيفة فوجدوها كما أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)$، فزادهم ذلك عتوّاً وشرّاً (1).
وعرض أبو طالب في مقطوعة أدبية خبر الصحيفة التي مزّقتها الأرضة. قال :
أَلَا هَل أتى بَحْرِيَّنا صُنع ربِّنا***عَلَى نَأْيهم واللّه بِالنَّاسِ أَرْوَدُ(2)
فيُخبِرَهُم أَنَّ الصَّحِيفَة مُزِّقَتْ***وَأَنْ كلّ ما لَمْ يَرْضَهُ اللّه مُفْسَدُ
تراوحها إنك وسِحْرٌ مجمَّع***وَلَمْ يُلْفَ سِحر آخِرَ الدَّهْرِ يَصْعَدُ
تَداعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرٍ***فَطائرها في رَأْسِهَا يَتَرَدَّدُ(3)
وَكانَتْ كِفاءَ وَقْعَةٌ بِأَثِيمةٍ ليُقطَعَ مِنْها ساعِدٌ ومُقدَّدُ (4)
عرض شيخ البطحاء في هذه الأبيات إلى الصحيفة التي نهبتها دابة الأرض فتركتها هشيماً، وهو يتمنّى أن يصل نبأها إلى المسلمين الذين هربوا إلى أرض الحبشة فراراً بدينهم من عنف القرشيّين وجورهم، حتّى تعمهم الفرحة الكبرى.
وعلى أي حال، فقد بقي السادة الهاشميون تحت وطأة التعذيب في الشعب حتّى تناقلت الأنباء في أوساط القرشيّين خبر الصحيفة، فقام رهط من القرشيّين في طليعتهم زهير بن أبي أمية، فاتفق مع جماعة من إخوانه على رفع الحصار ع-ن الهاشميّين، فقام خطيباً، فقال :
«يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم ملكى لا يُباع ولا يُبتاع
منهم. واللّه ! لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة».
فردّ عليه بعنف أبو جهل قائلاً:
«واللّه لا تُشقّ».
وانبرى جماعة من المؤيّدين لزهير فردوا على أبي جهل، وأبدوا معارضتهم له، وذهل أبو جهل وقال :
«هذا أمر قُضِيَ بليل».
وفازت المعارضة، ولم يستطع أبو جهل أن يصنع شيئاً، وأطلق سراح الهاشميّين من الشعب، وأثنى أبو طالب ثناءً عاطراً على المعارضة، وقدم لها آيات الشكر بأبيات منها :
جَزَى اللّه رَهْطاً بالحَجونِ تَبايَعُوا***عَلَى مَلَا يَهْدِي لِحَرْمِ وَيُرْشِدُ
قُعوداً لدى خَطم الحَجون كَأَنَّهُم***مَقاوِلةٌ بَلْ هُم أَعَزُّ وَأَمْجَدُ (1)
أعانَ عَلَيْهَا كلّ صَفْرٍ كَأَنَّهُ***إذا ما مَشى في رَفْرَفِ الدَّرْعِ أَحْرَدُ (2)
جَرِيٌّ عَلى جُلّى الخُطوبِ كَأَنَّهُ***شهابٌ بِكَفِّي قابس يَتَوَقّدُ (3)
من الأَكْرَمين مِنْ لُؤي بن غالِبٍ***إذا سِيمَ خَسْفاً وَجْهُهُ يَتَرَبَّدُ (4)
طَويلُ النَّجادِ خارج نصفُ ساقِهِ***عَلى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمامُ وَيُسْعَدُ
عَظيمُ الرّماد سَيّد وَابْنُ سَيّدِ***يَحضُّ عَلَى مَقْرَى الضُّيوفِ وَيَحْشِدُ (5)
وقد أثنى شيخ البطحاء على الذين نقضوا الصحيفة، ووصفهم بالجود والسخاء، وشكر جهودهم ومساعيهم في إنقاذ الهاشميّين من الشعب الذي ضاقوا فيه مرارة السجن والتعذيب.
لقد خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الشعب بعزم وقوة بأس، وهو يدعو الناس إلى الإسلام، ونبذ الجاهلية لأصنامها وأوثانها غير حافل بمناهضة قريش، فقد احتمى بعمه أبي طالب، فكان مع أبنائه سدّاً حصيناً له، وقوة ضاربة يحتمي بها من أذى قريش، وكان أبو طالب يشجّعه على أداء رسالته، وإشاعة قيمه قائلا له :
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ***وَابْشِرْ بِذاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيونا
وَاللّه لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ***حتّى أَوَسَّدَ فِي التُرابِ دَفِيناً (1)
وحكى هذا الشعر إيمان أبي طالب وتفانيه في الولاء لابن أخيه، وتصديقه لرسالته... وقد ازداد حسد القرشيّين للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما كانت الأندية تتحدّث عن عظيم ما جاء به من الخير والهدى للناس وإيمان بعض شبابهم ونساءهم بالإسلام، ففزعوا من ذلك أعظم الفزع وبالغوا في أذاه والاعتداء عليه
وأخذ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعرض رسالته على القبائل، ويدعوهم إلى عبادة اللّه تعالى. ونبذ الأصنام، لقد لبث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عشر سنين يتبع الحجاج في منازلهم بمنى والموقف، ويأتي إليهم في أسواق الموسم، وهي عكاظ ومجنة وذو المجاز ليبلغ رسالات ربّه (2).
وهذه بعض القبائل العربيّة التي عرض عليها الإسلام :
وقصد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبائل كندة في منازلها، ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وامتنعوا من إجابته (1).
عرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإسلام على بني حنيفة، فامتنعوا من إجابته وردّوه بأقبح رد.
وسار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الإسلام، فانبرى إليه بَيْحَرة بن فراس، فقال له :
«أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟».
لقد حسب بَيْحَرة أن دعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوة إلى الملك والسلطان فيطلب أن الأمر من بعده لقومه، فأجابه الرسول :
«الْأَمْرُ للّه يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ» (2).
ولذعه قول النبيّ وراح يقول :
«أَفَتُهدَف نحورُنا للعرب دونك، فإذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك» (3).
وقفل الرسول راجعاً، ولم يستجيبوا له، وعرض العامريون حديث النبيّ على
شيخ منهم، فلامهم على عدم إجابتهم له قائلاً:
«والذي نفسي بيده، ما تقوّلها إسماعيليّ (1)قطّ، وإنّه لمحقِّ، فأين رأيكم كان عنكم ؟» (2).
وعمد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مبشِّراً بدين اللّه تعالى إلى ثقيف، فقابل اخوة ثلاثة هم من سادات ثقيف، فعرض عليهم الإسلام، فقال له أحدهم - وهو يَمرُط ثياب الكعبة، أي يشقها - : «إن كان اللّه أرسلك»
وقال له الثانى : «أما وجد اللّه أحداً يُرسله غيرك ؟».
وقال له الثالث : «واللّه ! لا أكلمك أبداً، لئن كنتَ رسولاً من عند اللّه - كما تقول - لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب على اللّه، ما ينبغي لي أن أُكلّمك».
وخرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وملئ إهابه ألم منهم، وقالوا له اخرج من بلدنا والحقّ بمن شئت، وأغروا سفهاءهم وعبيدهم بسبه، وقد اجتمع حوله الناس وصاروا صفيّن، فرجموه بالحجارة حتّى أدموا رجليه، فجلس على الأرض ولم يستطع النهوض، فأخذ اثنان بعضديه فنهض، فجعلوا يقذفونه بالحجارة وهم يضحكون، وقد شجَّ برأسه ورجلاه يسيلان دماً (3).
ولما نجا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ثقيف وتخلّص من شرهم دعا اللّه تعالى بهذا الدعاء
الشريف الذي يحكي مدى تألّمه وأساه :
«اللّهمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حيلتي، وَهَواني عَلَى النَّاسِ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ إِلَى مَنْ تَكِلُّني: إِلى عَدُوٌّ بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُني، أَمْ إِلى صَديقٍ قَرِيبٍ مَلَكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبانٌ عَلَيَّ فَلَا أُبالي، غَيْرَ أَنَّ عافِيَتَكَ أَوْسَعُ لي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَنْزِلَ بي غَضَبُكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ وَلَكَ الْعُتَبِى حتّى تَرْضى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِك» (1).
وعرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوته المباركة على قبائل شتّى من العرب، كان منهم بنو عبس، وبنو سليم، وبنو محارب، وفزارة، ومرّة، وبنو النضر، وعذرة، والحضارمة، فقابلوه بكلمات نابية وقالوا له :
«أسرتك وعشيرتك أعلم بك، حيث لم يتبعوك» (2).
ولم تفلح هذه القبائل بالاستجابة لدعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي جاء ليحرّرهم وينقذهم من الظلمات إلى النور.
خص اللّه تعالى نبيّه العظيم بالإسراء والمعراج، فقد ميّزه بهما على بقيّة
أنبيائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ونعرض - بإيجاز - لهما :
أمّا الإسراء فقد تحدّث عنه القرآن الكريم. قال تعالى : «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (1)؛ ونظراً للأهميّة البالغة لهذه الرحلة المباركة سمّيت السورة بأسم (سورة الإسراء). فكان إسراء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من تلك البقعة المباركة التي هي مهبط أنبياء اللّه تعالى ورسله، فقد بارك تعالى فيها وخصها بالفضل، وميّزها على بقية البقاع.
لقد أسري بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بالقدس، كما جاء في نص الآية المباركة، وكان الإسراء بنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جسداً وروحاً (2).
اختلف الرواة في السنة التي وقع فيها الإسراء، وهذه بعض الأقوال :
1 - إنّه كان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً (3).
2 - إنه قبل الهجرة بسنة واحدة، وإنّه يوم الأثنين.
3- وقع الإسراء قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر (4).
4 - حدث الإسراء في السنة الحادية عشرة من المبعث (5).
5 - إنّه بعد النبوّة بعشر سنين وثلاثة أشهر (1).
وقيل غير ذلك
أمّا الشهر الذي أسري فيه بخاتم الأنبياء، فقد اختلفت فيه روايات المؤرّخين وكذلك في الليلة، وفيما يلي ذلك :
1 - في ربيع الأوّل في ليلة السابع عشر منه (2).
2 - في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب (3).
3 - في ليلة السبت لسبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان المبارك (4).
أمّا المكان الذي حظي بإسراء سيّد الكائنات، فقد روي بصور مختلفة منها :
1 - روى أنس بن مالك عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : «بَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ في الحِجْرِ بَيْنَ النَّائِمَ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ بِالْبُراقِ» (5).
2 - روى مالك : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «بَيْنَما أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، فَأُتِيْتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلِيءٍ حِكْمَةً وَإِيمَاناً» (6).
3 - روت السيّدة أم هاني قالت : «إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نام عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثمّ نام ونمنا، فلمّا كان قبل الفجر أيقظنا، فلمّا صلّى
1) حياة الرسول المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 1 : 232.
2) نهاية الارب : 16: 293.
3) سيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 101.
4) حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 1 : 232.
5) حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 1 : 232.
6) المصدر المتقدم : 233.
الصبح وصلينا معه، قال : «يا أُمَّ هاني، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشاء الآخِرَةَ، كَما رَأَيْتِ ثمّ جِئْتُ جنتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيْهِ، ثمّ قَدْ صَلَّيْتُ الْغَداةَ الآنَ كَما تَرَيْن» (1).
4 - روى أبو ذر الغفاري : أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «أنا بِمَكَّةَ فَأَتاني جَبْرئِيْلُ فَقالَ : قُمْ أَيُّهَا النّائِمُ، ثمّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا» (2).
هذه كوكبة من الأخبار التي أثرت في تعيين المكان الذي أسري به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكّة إلى بيت المقدس، البيت المعظم الذي دنّسته اليهود في هذا العصر، وأخذت تبيد أهله بالأسلحة الفتاكة التي أمدتهم بها الولايات المتحدة التي تزعم أنها تنادي بحقوق الإنسان.
وصوّر الرواة المركبة التي اعتلاها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في إسرائه لبيت المقدس بما لا يخلو من تكلف، وليس في ذكرها فائدة أو متعة تعود على القراء، وإنّما نذكر بعض المواضع التي صلّى فيها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي :
1 - طور سيناء : أمره جبرئيل أن يصلّي فيه ؛ لأنّ اللّه تعالى كلّم فيه موسى بن عمران.
2 - بيت لحم.
أوعز جبرئيل إلى النبيّ أن يصلّي في بيت لحم ؛ لأنه ولد فيه السيّد المسيح، فصلّى فيه.
3- بيت المقدس : وانتهت المسيرة بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بيت المقدس، فأنزله جبرئيل في المسجد فصلى فيه ركعتين، وقد ائتمت به الأنبياء العظام سلام اللّه عليهم.
وعرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من صخرة بيت المقدس إلى مكّة، وقد وصفها ابن عربي بقوله :
«إنّ صخرة بيت المقدس من عجائب اللّه تعالى، فإنّها صخرة شعثاء قأئمّة وسط المسجد الأقصى، قد انقطعت من كلّ جهة، ولا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وفي أعلاها من جهة الجنوب أثر قدم النبيّ، حيث صعد عليها حين ركب البراق، وقد مالت من تلك الجهة، ومن الجهة الأخرى أصابع الملائكة التى أمسكتها لما مالت، ومن تحتها المغارة التي انفصلت من كلّ جهة، فهي معلّقة بين السماء والأرض لا يتصل بها من الأرض شيء، ولا بعض شيء، وبعض الجهات أشدّ انفصالاً من بعض» (1).
أما المعراج فإنّه يحكي الواقع المشرق للفكر الإسلامي الذي لا يؤمن - بأي حال من الأحوال - بالجمود الفكري، ويدعو إلى التحرّر والانطلاق في رحاب هذا الكون الفسيح، حتّى يؤمن الإنسان باللّه تعالى إيماناً عميقاً وقائماً على العلم والبرهان لا على التبعية والتقليد. إنّ تخطّي الكون، والارتقاء إلى الفضاء الخارجي أمر ممتنع في ذلك العصر، ولكن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دلّل في معراجه على إمكانه ووقوعه، لكنه بأمر من اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة، لقد قطع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المسافات الهائلة بفترة يسيرة من الزمن لا تقطعها سرعة الضوء، فأقلّ من لحظة عين وصل إلى بيت المقدس، ثمّ منه إلى الملكوت الأعلى، ثمّ قفل راجعاً إلى الكرة الأرضية.
لقد كان المعراج من الوجهة العلمية من أروع أدلّة التوحيد وأوثقها على عظم مكانة النبيّ وسموّ منزلته عند اللّه تعالى، وأشار صاحب الهمزية إلى المعراج بقوله :
1) دائرة معارف القرن العشرين : 6 : 316.
قطوى الأرْضَ سائِراً والسَّموا***تِ الْعُلى فَوقها لهُ إِسْراءُ
فَصفِ الليلةَ التي كانَ لِلمُخت***ار فيها عَلى البُراقِ اسْتِواءُ
وترقى بها إلى قابِ قَوْسَينِ***وَتِلك السيادةُ القَعْساء
رُتَبٌ تُسْقُطُ الأمانيُّ حَسْرى***دونها ما وَراءَهُنَّ وَراءُ (1)
ونعرض - بإيجاز لبعض شؤون هذه الرحلة المباركة، وفيما يلي ذلك :
شاهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رحلته صوراً رائعة كان منها :
1 - إلتقاؤه بآدم أبي البشر واحتفاؤه به.
2 - إلتقاؤه بالسيد المسيح ومقابلته له بمزيد من الاحتفاء والتكريم.
3- مقابلته ليوسف الصديق
4 - إلتقاؤه بالنبيّ موسى وترحيبه به.
5 - إلتقاؤه بإدريس (2).
6 - كما شاهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تلك الصور الرائعة، والتقى بأنبياء اللّه العظام، فقد شاهد صوراً مفزعة ومذهلة، كان منها أنّه رأى عصابة من المجرمين يعذبون بأقسى العذاب وأشدّه، وهم الهمّازون واللّمّازون، والذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، والمرابون، وإنما رأى قسوة عذابهم ليبين لأمته شدّة آثامهم، فلا يسلكوا سبيلهم (3).
وتشرف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسماع حديث الخالق العظيم، أما منه وأما بالواسطة، كما تشرّف بذلك موسى بن عمران، وقد حكى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما دار بينهما من الحديث قال : «لَمّا عُرِجَ بي إِلَى السَّمَاءِ نُودِيْتُ : يا محمّد، فَقُلْتُ : رَبِّي، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعالَيْتَ، فَنُوْدِيتُ : يا محمّد، أَنْتَ عَبْدِي وَأَنا رَبُّكَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ تَوَكَّلْ، فَإِنَّكَ نُوْرِي فِي عِبادِي، وَرَسُولي إِلى خَلْقِي، وَحُجَّتي عَلَى بَريَّتِي، لَكَ وَلِمَنْ تَبِعَكَ خَلَقْتُ جَنَّتي، وَلِمَنْ خَالَفَكَ خَلَقْتُ ناري، وَلِأَوْصيائِكَ أَوْجَبْتُ كَرامَتي (1).
ورويت المناجاة بين اللّه تعالى وبين عبده ورسوله بصورة أخرى، وهي :
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ولَمّا أُسْرِيَ بي إِلَى السَّمَاءِ نادانى اللّه عَزَّ وَجَلَّ قائِلاً: يا محمّد، قَدِ انْقَضَتْ نُبُوَّتُكَ فَمَنْ لِأُمَّتِكَ ؟ فَقُلْتُ : يا رَبِّ إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ خَلْقَكَ، فَلَمْ أَجِدْ أَطْوَعَ، وَلَا أَحَبَّ لِي مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقالَ اللّه تَعَالَى : يَا محمّد، بَلِّغْهُ أَنَّهُ رايَةُ الْهُدَى، وَإِمامُ أَوْلِيائي، وَنُوْرٌ لِمَنْ أَطَاعَنى» (2).
وهكذا كانت الإمامة متميّزة باهتمام اللّه تعالى ورسوله الكريم ؛ لأنها الإطار الجامع لحياة المسلمين وكرامتهم.
من الروايات المخدوشة هذه الرواية، وهي أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «إِنَّ اللّه تَعالى أَوْحَىٰ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَعَرَضَ عَلَيَّ خَمسينَ صَلاةٌ فِي كلّ يَومٍ وَلَيْلَةٍ، وَنَزَلْتُ إِلَى
مُوسى صَلَّى اللّه على نبينا وعليه، فقال لي :
ما فرض ربّك على أمتك ؟
خَمْسِينَ صَلاةٌ.
ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنّ أمتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فَرَجَعْتُ إِلى رَبِّي، فَقُلتُ : يا رَبِّ، خَفَفْ عَلى أُمَّتِي فَحَطّ عَنِّى خَمْساً، فَرَجَعْتُ إِلى مُوسى فَقُلْتُ لَهُ:
حَطَّ عَنِّي خَمْساً، أي خمس صلوات.
فقال موسى : إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف
قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فَلَم أزل أراجع بين اللّه تعالى وبين موسى، حتّى قالَ اللّه تَعَالَى :
إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَواتٍ كلّ يَوْمٍ وَلَيْلَة... ومَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ إِذا لَمْ يَعْمَلُها، فَإِنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، وَمَنْ هَم بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلُها فَلَا يُكْتَبُ لَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ.
قال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فنزلت إلى موسى فَأَخْبَرَتُهُ، فَقَالَ :
«ارجعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَلهُ التَّخْفيف».
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فَرَجَعتُ إِلَىٰ رَبِّي إِلَّا إِنِّي اسْتَحْيَيتُ مِنْهُ».
والذي أراه بمزيد من التأمّل أنّ هذه الرواية من الإسرائيليّات التي لا نصيب لها من الصحّة، والذي يواجهها من المؤاخذات:
1 - ما الداعي للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يراجع موسى دون غيره من أنبياء اللّه تعالى في تشريع الصلاة، ونصيحة موسى له أنّها ثقيلة ومجهدة على المسلمين.
2 - إن تكرار مراجعة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعالى في تخفيف هذا الفرض عن كاهل المسلمين
كلّ ذلك مما يدلّ على أن الحديث موضوع ومفتعل، ولا نصيب له من الصحّة.
والذي نراه أن الأهداف في المعراج المبارك هي ما يلي :
1 - مشاهدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعظيم ملكوت اللّه تعالى، وبدائع صنعه، وعجائب مخلوقاته المتجلّية في العالم الخارجي، التي هي أعظم من هذا الكوكب الذي نعيش عليه، فإنّه بما فيه من الجبال والبحار والنبات والحيوانات من أبسط مخلوقات اللّه تعالى، فإنّه إذا قيس إلى سائر المجرّات والكواكب العملاقة وغيرها تكون نسبته إليها نسبة الرملة الواحدة إلى رمال صحراء الجزيرة العربيّة حسبما يقول المتخصصون في علوم الفضاء.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الهدف بقوله تعالى : «لَقَدْ رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى» (1).
2 - إنّ هذه الرحلة المباركة كانت من أوثق الأدلّة الحاسمة على وجود الخالق العظيم واهب الحياة، ومدبّر الكون.
3 - إن هذه الرحلة المباركة ملئت نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صبراً وعزماً على أداء رسالة اللّه 2 تعالى، وإشاعة أحكام الإسلام الهادفة إلى تغيير مناهج الحياة البشعة التي عاشها الإنسان الجاهلي، ووضع المناهج الإسلاميّة التي تبنّت الأهداف الأصيلة والمثل العليا التي يعيش الإنسان في ظلالها وهو موفور الكرامة ناعم البال.
وانتشر نبأ معراج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة فتلقّاه المسلمون بمزيد من الرضا والتصديق،
1) النجم 53: 18.
وتلقّاه الكافرون والذين في قلوبهم مرض بمزيد من الشك والإنكار، فلم تتحمل عقولهم هذا النبأ العظيم، ولنستمع إلى ما رواه المؤرّخون وأرباب السير إلى موقف قريش من المعراج، فقد رووا أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخبر أمّ هاني أخت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك، وأراد أن تشيع الخبر في أوساط قريش، فوجمت وخافت علی النبيّ من عتاة قريش وقالت له :
«أنشدك اللّه تعالى أن لا تحدّث قريشاً بذلك، فيكذبك من صدقك».
ولم يحفل بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخرج منها، فأوعزت إلى جاريتها أن تتبع النبيّ وتنظر، ماذا يصنع فقد سارع صلوات اللّه عليه إلى نفر من قريش في الحطيم، وهو ما بين الكعبة والحجر الأسود، وكان المكان يضمّ المطعم بن عدي وأبا جهل بن هشام، فأخبرهم النبيّ برحلته إلى بيت المقدس، ومعراجه إلى السماء، وانبرى أبو جهل منكراً ومستهزاً قائلاً له :
«ماذا عندك ؟».
«أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ».
«إلى أين ؟».
«إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
فأنكر أبو جهل وقال بسخرية :
«ثمّ أصبحت بين أظهرنا».
«نَعَمْ».
«أرأيت أن دعوت قومك تحدّثهم بما حدثتني ؟».
«نَعَمْ».
وانطلق أبو جهل كالكلب رافعاً عقيرته قائلاً:
«يا معشر بني كعب بن لؤي». وهرعت الجماهير إليه فزعة قائلة :
«ما وراءك ؟».
وسارع أبو جهل إلى النبيّ قائلاً: «حدّث قومك بما حدّثتني به».
وانبرى النبيّ قائلاً:
«أُسْرِيَ بِيْ».
فصاحوا جميعاً :
«إلى أين ؟».
«إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنُشِرَ لِي رَهْطٍ مِنَ الْأَنْبِياءِ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعَيْسَى (عَلَيهِم السَّلَامُ)وَصَلَّيْتُ بِهِمْ، وَكَلَّمْتُهُمْ».
وانبرى أبو جهل بسخرية واستهزاء قائلاً:
«صفهم لي».
«أَمَا عِبْسَى فَفَوْقَ الرَّبْعَةِ وَدُوْنَ الطَّوِيْلِ، تَعْلُوْهُ حُمْرَةٌ، كَأَنَّمَا يَتَحادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ الْجُمَانُ، وَأَمَّا مُوسَى فَضَخْمَ آدَمٌ طَوِيْلٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنْو أَةٍ، وَأَمَا إِبْراهِيمُ فَإِنَّهُ وَاللّه أَشْبَهُ النَّاسِ بي خَلْقاً وخُلقاً».
واختلف القوم : فصدّقه المؤمنون، وأنكره غيرهم، وانطلق المطعم بن عدي مهاجماً للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و منكراً عليه قائلاً:
«كان أمرك قبل اليوم يسيراً غير قولك اليوم، وهو يشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً، ومنحدراً شهراً، وتزعم أنك أتيته في ليلة واحدة، واللات والعزى ! لا أصدقك وما كان هذا الذي تقول قطّ» (1).
1) دائرة معارف القرن العشرين: 6: 16 و 317.
وهكذا تلقت بعض الأوساط القرشيّة نبأ الإسراء بالإنكار والجحود ولم تؤمن به.
واختلف العلماء في معراج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : هل هو بروحه أم بجسده ؟ فذهب المشهور إلى أنّ الإسراء والمعراج كانا بروحه الشريفة، وذهب آخرون إلى أنّه كان بجسمه، وهذه بعض الأقوال :
قال العلّامة الطبرسي : «الظاهر من مذهب أصحابنا، والمشهور في أخبارهم أنّ اللّه تعالى أصعد بجسمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)إلى السماء حيّاً، حتّى رأى من ملكوت السموات بعينيه، ولم يكن ذلك في المنام» (1).
قال المحقّق المجلسي : «اعلم أن عروجه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بيت المقدس، ثمّ إلى السماء في ليلة واحدة بجسده الشريف مما دلّت عليه الآيات والروايات المتواترة من طريق الخاصة والعامّة، وإنكار أمثال ذلك أو تأويلها بالعروج الروحاني، أو يكون في المنام ينشأ أما من قلة التتبع في آثار الأئمّة الطاهرين، أو من قلة التدين، وضعف اليقين» (2).
وذهب الطبري إلى أن معراج النبيّ كان بروحه لا بجسده، وقد حكى ذلك عن حذيفة فقد قال : «إن المعراج كان رؤيا، وما فقد جسد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإنما أُسري
بروحه»، وحكى الطبري ذلك عن عائشة، وعن معاوية (1).
واستدل المانعون من إسراء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بجسده، وإنما بروحه، بوجوه منها :
1 - إن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة.
2 - إن صعود النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى السموات يوجب انخراق الفلك
3 - إنّه لو صح إسراء النبيّ ومعراجه بجسده لوجب أن يكون من أعظم معجزاته، ولا بد أن يكون بمحضر من الناس حتّى يستدلوا به على صدقه، وما الفائدة في إسرائه ليلاً على حين غفلة من الناس.
4 - إن الإنسان عبارة عن الروح وحدها التي هي باقية من أول العمر إلى آخره، أمّا الأجزاء البدنيّة فإنّها في تغيير مستمر، والباقي هي الروح مغاير للمتغير.
5 - واستدلوا على ذلك بالآية الكريمة، وهي قوله تعالى : «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِّلنَّاسِ» (2)، وأن تلك الرؤيا هي حديث المعراج، وإنما كانت و فتنة للنّاس لأنّ كثيراً ممن آمن به حين سمعها أرتدّ وكفر به.
هذه بعض أدلتهم، وقد أجيب عنها بما يلي : أن معراج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ليلة واحدة لو كان ممتنعاً لكان القول بنزول جبرئيل من العرش إلى مكّة في لحظة واحدة أيضاً ممتنعاً، وكذا القول في حركات الجن والشياطين، وقد سخر اللّه تعالى الريح لسليمان غدوها شهر، ورواحها شهر، «قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» (3)، فقد كان عرش بلقيس في أقصى اليمن، وسليمان
في الشام... ويؤيد ذلك ما قيل إنّ الشعاع ينتقل من العين إلى الكواكب في آن واحد، فثبت أنّ المعراج أمر ممكن في نفسه، وأقصى ما قيل هو الاستبعاد، وخرق العادة، ولا يقتصر ذلك على المعراج وإنّما يعمّ جميع المعجزات التي هي خلاف العادة كصيرورة النار برداً وسلاماً لإبراهيم شيخ الأنبياء.
أمّا فائدة الإسراء فقد عادت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأعظم المكاسب، فقد شاهد العالم العلوي، والعرش، والكرسي، وما فيها من العجائب المذهلة التي أوجبت انقطاعه الكامل إلى اللّه تعالى.
وعلى أي حال، فالذي أراه أنّ قدرة اللّه تعالى أعظم من أن توصف أو تحدّ، فهو خالق المجرات القأئمّة في الفضاء، ولا شيء يمسكها إلا قدرة اللّه تعالى، وهو خالق العجائب المذهلة، ومعراج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الفضاء الخارجي من أبسط الأمور وأهونها عند اللّه تعالى (1).
وانفرد فريد وجدي برأي في الإسراء والمعراج، فذهب إلى أن الإسراء كان ببدن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمّا المعراج فكان بروحه لا غير. قال :
«الإسراء بالجسد والروح من مكّة إلى بيت المقدّس أمر ممكن غير مستحيل، فقد ثبت من تجارب العلماء الأوربيين في المسائل الروحانية أن ما يسمونه الأرواح تأتيهم بالزهور النديّة الغضّة من أقصى البلاد، كالصين والهند مثلاً، وتنثره عليهم وهم جلوس في الغرف، وقد ثبت هذا الأمر لجمهور العلماء الذين أمضوا عشرات السنين في التجارب، ودوّنوه في مؤلّفاتهم، ولا عبرة بالتكذيب من بعض الجامدين
1) دائرة معارف القرن العشرين 6: 324، نقلاً عما ذكره نظام الدين الحسن النيسابوري في تفسیره.
الذين لم يحضروا التجارب ولا قرأوا فيها كتاباً، فإذا ثبت هذا جاز أن ينتقل نبي مرسل من بلده إلى بلد قاص بطريق الإعجاز، فإن اللّه تعالى أقدر على نقل الأجسام وغيرها».
وأضاف يقول : «إنّ الذين شاهدوا بأعينهم التجارب الروحية أو قرأوا ما كتبه المجرّبون، أمثال وليم كركس أو روسل وباركس ولودج وغيرهم من الإنجليز والألمان والفرنسيين، لا يعدّون هذه المسألة مستحيلة وغير ممكنة.
أما مسألة العروج إلى السماء فإنّها مستحيلة لأنه ثبت علمياً أن السماء ليست سقفاً ماديّاً، بل هى فضاء لا نهاية له، تسبح فيه الأجرام، منها ما هو محترق كالشمس، ومنها ما هو بارد، وفيه عوالم كعالمنا، وما ورد في القرآن غير ذلك فلابد من تأويله» (1).
هذا بعض ما أفاده فريد وجدي في الإسراء والمعراج، والذي أراه بمزيد من التأمّل أنّه لا مجال لهذا التفصيل بعد التسليم بقدرة اللّه تعالى اللامتناهية، فإنّه الخالق والصانع للعجائب المذهلة التي يعجز العقل عن تصوّرها.
وعلى أي حال، فإنّ هناك بعض الأمور التي تواجه المعراج بجسد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتي منها :
1 - التخلّص من الجاذبية.
2 - التخلّص من الغلاف الجوّي.
3 - التخلّص من الشهب.
4 - انعدام الوزن.
وغير ذلك من الأمور التي أشكل بها بعض المؤلّفين، ويدفع ذلك القدرة الخارقة
1) دائرة معارف القرن العشرين : 6: 28 و 329.
اللّه تعالى التي خضع لها كلّ شيء...إن من يتأمل في عجائب مخلوقات اللّه تعالى وبدائع صنعه وعظيم حكمته، فإنّه يجزم بسهولة الإسراء والمعراج من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بروحه وبدنه، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الإسراء والمعراج (1).
وبعدما خرج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الشِّعب الذي فرضت عليه - وعلى من اتّبعه - الإقامة الجبرية، أخذ يذيع رسالته بين القبائل التي تفد إلى مكّة، محتمياً بعمه شيخ البطحاء الذي سخّر جاهه وحياته وجميع إمكانياته لخدمة الإسلام، وحماية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد أشرف على الثمانين عاماً، وقد ألمت به الأمراض، فخفت لعيادته أشراف قريش، وقالوا له :
«يا أبا طالب، أنت منا حيث علمت، وحضرك ما ترى.. وعلمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فدعه، فخذ له منا وخذ منه لنا، ليكفّ عنا ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه».
وأرسل أبو طالب خلف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلمّا حضر عرف ما عندهم فبادرهم قائلاً:
«كَلِمَةً واحِدَةٌ تُعْطُوْنِيَّاها تَمْلِكُونَ بها الْعَرَبَ، وَتَدَيْنُ لَكُمْ بِها الْعَجَمُ».
وسارع أبو جهل قائلاً:
«نعم وأبيك عشر كلمات».
تَقُولُونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَتَخْلَعُونَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ).
وأنكر بعضهم ذلك، وفقد إهابه، فقال للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
1) معراج النبيّ للفضاء الخارجي (مخطوط) / كاظم شريف القرشي، وقد استفدنا منه هذه البحوث.
«أتريد يا محمّد أن تجعل الآلهة إلهاً وحداً ؟».
وأيس القوم من إجابة النبيّ لهم، وانبرى بعضهم قائلاً :
«ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون».
وخرجوا واجمين مذهولين لم يظفروا بشيء قد صدّهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن رغبتهم.
وقبل أن ينتقل أبو طالب إلى حضيرة القدس أوصى أبناءه وأفراد أسرته بهذه الوصية الحافلة بمكارم الأخلاق ومحاسنها، كما أوصاهم برعاية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهذه بعض بنودها : «أوصيكم بتعظيم هذه البنية - يعني الكعبة المقدسة - فإنّ فيها مرضاة الربّ، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطنة. صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإنّ صلة الرحم منساة للأجل، وزيادة في العدد. واتركوا البغي، وأعطوا السائل، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإنّ فيها محبّة في الخاص، ومكرمة في العام».
وهذه الوصية مقتبسة من تعاليم الإسلام التي أعلنت كلّ فضيلة يسمو بها الإنسان.
وأضاف شيخ البطحاء في وصيّته الخالدة :
وَإِنِّي أُوصِيْكُمْ بِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَإِنَّهُ الْأَمِينُ في قُرَيْشٍ، وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَرَبِ، وهو الجامع لكلّ ما أوصيتكم به، ولقد جاءنا بأمر قبله الجنان، ووعاه القلب.
وأيم اللّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمار الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودوره-ا خ-راب-اً، وإذا بأعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادتها، دونكم يا معشر قريش، دونكم أبن أخيكم، كونواله ولاة، ولحزبه حماة،
فواللّه لا يسلك أحد سبيل محمّد إلّا رشد، ولا يأخذ به إلا سعد، ولو كان لنفسي مّدة، وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ودفعت عنه الدواهي، غير إني أشهد بشهادته، وأعظم مقالته» (1).
حكت هذه الوصية إيمان أبي طالب بالإسلام، وتفانيه في الدفاع عنه، كما حکت ما استشفه من المستقبل العظيم للإسلام، وأنه سيؤمن به المستضعفون ويحامون عنه، وسيكونون السادة والوجوه في المجتمع، أما صناديد قريش وسادتها فسيكونون أذلاء صاغرين، وسوف يستعطفون النبيّ وأصحابه ويطلبون ودهم، ولم تمض الأيام حتّى تحقق ذلك على مسرح الحياة، فقد أعز اللّه تعالى المسلمين، وأذل القوّة المعادية للإسلام وعلى رأسهم الأمويون.
يقول الرواة : إن امرأة من المسلمين خطبها معاوية فاستشارت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الزواج منه، فنهاها، وقال : «لَا تَتَزَوَّجي بِهِ، فَإِنَّهُ صَعْلُوك» (2).
وعلى أي حال، فإن وصيّة أبي طالب حافلة بالقيم الكريمة، والمثل العليا، والإيمان العميق بالإسلام.
ولاقى أبو طالب جهداً شاقاً وعسيراً في نصرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحمايته، وكفاحه للقوى المعادية له، وقد ألمت به الأمراض، ودنا إليه الموت سريعاً، وكان في اللحظات الأخيرة من حياته يوصي أبناء أسرته بالوقوف إلى جانب النبيّ وحمايته من كيد القرشيّين وبطشهم، ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة، فصعدت روحه الطاهرة إلى اللّه
تعالى تحفّها الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون.
وسارع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فغسل الجسد الطاهر، وأدرجه في أكفانه، وقد ذابت نفسه عليه حزناً وأسى، وهرعت الجماهير إلى تشييع الجثمان المقدّس فحملوه إلى مقرّه الأخير وواروه فيه، وقد واروا معه الإيمان والشرف.
لقد انطوت حياة هذا العملاق العظيم الذي أعز اللّه به الإسلام، فسلام اللّه عليه فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين.
وفجع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوفاة عمه، فقد فَقَدَ الناصر والمحامي والذاب عنه، وقد وقف على حافة القبر وهو واجم حزين قد روّى ثرى القبر بدموع عينيه، وهو يصوغ من حزنه كلمات قائلاً:
«وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عَمٌ، جُزيْتَ خَيْراً يا عَمَ، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَلْتَ صَغِيراً، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً، أَما وَاللّه الأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَأَشْفَعَنْ فِيْكَ شَفَاعَةٌ يَعْجَبُ مِنْها الثَّقَلانِ» (1).
وحزن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على عمّه حزناً عميقاً، حتّى سمي العام الذي توفّي فيه عام الحزن.
لقد فقد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المحامي والناصر، والركن الشديد الذي كان يأوي إليه، وقد استوحدته قريش، وأجمعت على التنكيل به. وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«ما نالَتْ قُرَيْسٌ شِيْئاً أَكْرَهُهُ حتّى ماتَ أَبو طالب» (2).
وقد بالغت قريش في الاعتداء على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد موت عمه، فكانوا ينثرون التراب عليه، وطرح عليه بعضهم رحم شاة وهو يصلي (1)، إلى غير ذلك من صنوف الأذى والاعتداء.
وعلى أي حال، فإنّ أبا طالب حامي الإسلام وناصره في أيّام محنته، فله اليد البيضاء على كلّ مسلم بما أسداه من الخدمات لدين اللّه تعالى، ومن سخف القول أنّ هذا المجاهد العظيم مات كافراً، فإنّ هذا البهتان من صنع الأمويين، ومن مفتريات العباسيين الحاقدين على الأسرة العلوية وعلى سيّدها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
كيف يحزن النبيّ أشدّ الحزن على موت كافر، ويسمّي العام الذي مات فيه عام الحزن ؟
كيف يترحّم عليه ويضفي عليه جميع ألوان الاحترام والتكريم، وهو كافر ؟
كيف كان يأكل ويشرب في داره، وحكم الإسلام صريح في نجاسة الكافر ؟
جزى اللّه تعالى أبا طالب أجزل الأجر، وشكر له خدماته، وحشره مع أنبيائه وأوليائه العظام.
وقفت أمّ المؤمنين خديجة إلى جانب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تشد أزره، وتخفف عنه ما يقاسيه من ألوان الاضطهاد التي كان يعانيها من القرشيّين، فقد روى ابن إسحاق أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان لا يسمع شيئاً يكرهه من حقد عليه وتكذيب له فيحزنه إلا فرج اللّه عنه بخديجة (رضیَ اللّهُ عنهَا) إذا رجع إليها، فكانت تثبته، وتخفّف عنه، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس، وأعانته على احتمال أثقال الحياة، وما زالت على ذلك حتّى
1) الكامل في التاريخ : 2: 34.
لحقت بربّها» (1).
وقد سخّرت خديجة ثرائها العريض لخدمة الإسلام، فبذلت بسخاء جميع ما تملكه لنشر الدعوة الإسلاميّة، ولمّا اعتقل النبيّ مع أسرته في الشعب، وفرض عليهم الحصار الاقتصادي، أمدّتهم خديجة بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام وغيره، طيلة المدة التي مكثوا فيها في الشعب.
لقد قدّمت أمّ المؤمنين خديجة جميع ما تملكه من الثراء للإسلام حتّى نفد جميع ما عندها من المال، حتّى لم تملك حصيراً تجلس عليه.
ولأمّ المؤمنين خديجة المكانة المتميّزة عند اللّه تعالى، فقد شكر مساعيها في خدمة الإسلام، وقد تواترت الأخبار أنّ اللّه تعالى أرسل لها تحية وسلاماً على يد عبده ورسوله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
وكان من عظيم منزلة أمّ المؤمنين خديجة عند اللّه تعالى أن منحها قصراً في الفردوس الأعلى من أهمّ القصور وأعظمها شأناً، ففي الحديث أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال :
«أُمِرْتُ أَنْ أَبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيْهِ وَلَا نَصَبَ» (3).
ونظم الحرّ العاملي هذا الحديث بقوله :
لَها مِنَ الجَنَّةِ بَيتُ مِنْ قَصَبْ***لاصَخَبٌ فِيهِ وَلَا نَصَبْ
وَهَذِهِ صورة لفظِ الْخَبَرِ***عَنِ النبيّ الْمُصْطَفَى الْمُطَهَّر (1)
وكان هذا جزاء لها من اللّه تعالى على عظيم ما قدّمته من الخدمات للإسلام.
احتلّت أمّ المؤمنين خديجة عواطف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وحظيت بأسمى مكانة عنده، فكان يقيم لها في نفسه خالص المودّة والتكريم، وقد حدثت عائشة عن عميق حبّ النبيّ لها فقالت :
«كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً فأدركتني الغيرة.
فقلت : «هل كانت إلا عجوزاً، قد أبدلك اللّه خيراً منها».
فغضب النبيّ حتّى اهتز مقدّم شعره من الغضب، ثمّ قال :
«لَا وَاللّه ! ما أَبْدَلَني اللّه خَيْراً مِنْهَا : آمَنَتْ بي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَوَاسَتْني في مالها إِذْ حَرَمَني النَّاسُ، وَرَزَقَنِي مِنْها أَوْلَاداً إِذْ حَرَمَني أَوْلَادَ النِّساءِ» (2).
وكان من حبّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)ولائه لها أن هالة أخت خديجة دخلت بيت النبيّ فسمع صوتها في بهو بيته، وكان يشبه صوت خديجة التي برّت به وأحسنت إليه، فهتف قائلاً:
«اللّهم هالةُ».
وما ملكت عائشة نفسها، وقالت بحرارة :
«ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، قد هلكت في الدهر، قد أبدلك اللّه خيراً منها»
وتميّز الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) غيظاً، وصاح بعائشة :
«وَاللّه ! ما أَبْدَلَنِي اللّه خَيْراً مِنْهَا : آمَنَتْ بِي حِيْنَ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَواسَتْني بِمالِها حِيْنَ حَرَمَنى النَّاسُ، وَرَزَقَنِيَ اللّه مِنْهَا الْوَلْدَ دُونَ غَيْرِها مِنَ النساء» (1).
وكان من ولائه ومحبته لخديجة أنه إذا ذبح شاة يقول : أرسلوا إلى صديقات خديجة، وثارت عائشة وقالت له :
«لم تفعل ذلك ؟».
فيجيبها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«إِنِّي لأحِبُّ حَبِيْبَها» (2).
ونخر الحسد قلب عائشة لكثرة إطراء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على خديجة فقالت :
«ما حسدت امرأة مثل ما حسدت خديجة، وما تزوجني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلّا بعدما ماتت» (3)
وخص اللّه تعالى أمّ المؤمنين خديجة بألطاف لم تظفر بها أية سيّدة من بنات حواء، فقد كانت أماً لأفضل سيّدة خلقها اللّه تعالى من بداية تكوين الإنسان إلى أن تقوم الساعة، وهي زهراء الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كما جعلها جدة لسبطي النبوّة، وإمامي الهدى، وسيّدي شباب أهل الجنة، الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، كما أنها جدة لأزكى امرأة في الأرض، وهي السيّدة زينب سلام اللّه عليها التي هي أوّل مظلومة ومهضومة
في دنيا الإسلام بعد أمها، فقد تجرّعت أقسى ألوان الكوارث والخطوب وقابلتها بالشكر والرضا بما قسم اللّه تعالى لها، كما أنّ من ألطاف اللّه تعالى على خديجة أنّها جدة لحجج اللّه تعالى على خلقه، أعلام الإسلام، ومصابيح العلم والفكر، الأئمّة الطاهرين سلام اللّه عليهم.
وتناهبت الأمراض جسم اُمّ المؤمنين خديجة، ودنا إليها الموت سريعاً، وكان من أهم ما عانته فى المرحلة الأخيرة من حياتها أمر ابنتها الوحيدة زهراء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي في سنّ الطفولة، فكانت تنظر إليها بألم بالغ، ونفسها تذوب عليها أسى وحسرات، وقد أوصت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمراعاتها مع علمها أنها قطعة من قلبه.
ولم تلبث أمّ المؤمنين خديجة أن لفظت أنفاسها الأخيرة، وسمت روحها الطاهرة إلى اللّه تعالى كأسمى روح صعدت إليه تعالى، تحقها ملائكة الرحمن، وتستقبلها أنبياء اللّه تعالى.
لقد فجع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوفاة خديجة التي ملأت نفسه رضا وطمأنينة، وهونت عليه ما كان يعانيه من اضطهاد القرشيّين وظلمهم واعتدائهم عليه، وقد خيم عليه الحزن، فقام بتجهيزها، فغسل جسدها الطاهر، وأدرجها في أكفانها، وصلى عليها، وحفر لها قبراً وأنزلها فيه، كما نزل في القبر ليكسوه روحانيّة (1)، ووارى عليها التراب، وقد وارى في قبرها العفاف والشرف والفضيلة والإيمان، وقد انهالت عيناه بالدموع على زوجته التي ملأت نفسه محبّة ومودّة ومسرّات.
لقد اختطف الموت خديجة التي كانت أبر الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأسرعهم لنصرته، وقد استوعب الأسى قلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لفقدها، فسمى العام الذي توفيت فيه
1) الدرّ المنثور في ربّات الخدور 180 السيرة النبويّة : 1: 139.
عام الحزن، وكان عمرها خمساً وستين سنة، ووافاها الأجل المحتوم في شهر رمضان، وقد أقامت مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمساً وعشرين سنة (1).
ولمّا أراد اللّه تعالى إعزاز عبده ورسوله، وإظهار دينه، وإنجاز وعده له بالنصر، خرج صلوات اللّه عليه يعرض نفسه، ويبشِّر بدين اللّه على القبائل، فبينما هو في العقبة لقى رهطاً من الخزرج، فقال لهم :
«مَنْ أَنْتُمْ ؟».
«نفر من الخزرج».
«مِنْ مَوالى الْيَهُودِ ؟».
«نعم».
«تَجْلِسُونَ أَكَلِّمُكُمْ ؟».
«بلی».
فأخذوا مجالسهم، وعرض عليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإسلام الحافل بالمثل العليا والقيم الكريمة، وتلا عليهم آيات من الذكر الحكيم التي تعنو لها الوجوه، وتأخذ بمجامع القلوب، فنفذت إلى أعماق نفوسهم، وزاد في إيمانهم أن اليهود الذين كانوا معهم، كانوا يبشّرون بخروج نبي مبعوث، فلمّا دعاهم النبيّ إلى الإسلام، قال بعضهم لبعض :
«يا قوم، إنّه النبيّ الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقونكم إليه».
وأجابوا النبيّ، وأعلنوا إسلامهم، وقالوا للنبيّ :
1) السيرة النبويّة / زيني دحلان : 1 : 139.
«إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والبغضاء ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّه تعالى بك فتدعوهم إلى الإسلام، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه، فإن أجابوك فلا رجل أعزّ منك». وقفلوا راجعين إلى وطنهم، وقد أعلنوا إسلامهم، وهم يبشرون به، ويذكرون مثله الرفيعة، ومحاسنه العظيمة، وكانوا اثنى عشر رجلاً وهم : أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، وأخوه معاذ ورافع بن مالك، وذكوان بن عبد القيس، وعُبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة، وعُقبة بن عامر، وقُطْبة بن عامر، وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس عويم بن ساعدة وأبو الهيثم مالك بن التيهان (1).
وانتشر الإسلام في ربوع يثرب، فقد أشرقت كلمة التوحيد في ديارهم، ونعموا بهذه النعمة التي خصّهم اللّه تعالى بها، وميّزهم على بقية العرب.
أما صيغة بيعة الأنصار للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهي : لا يشركون باللّه شيئاً، ولا يسرقون، ولا يزنون، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتون ببهتان يفتروه، ولا يعصون اللّه تعالى في معروف... فإن وفوا بذلك فلهم الجنة، وإن لم يفوا فأمرهم إلى اللّه تعالى، إن شاء عفا وإن شاء عاقب (2).
وحفلت صيغة البيعة بالقيم الكريمة التي رفع شعارها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتي تضمن النجاح والخير للمسلمين.
أرسل أهل المدينة وفداً إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يطلبون منه أن يرسل لهم مرشداً دينياً
يعلّمهم أحكام الإسلام، ويرشدهم إلى سننه وآدابه، فاختار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مصعب بن عمير، وكان من خيار شباب المسلمين في فضله وفقهه، كما كان من أصبح فتيان قريش، ومن أكثرهم أدباً، وأحسنهم سلوكاً، فغادر مكّة، ومضى إلى يثرب، فأخذ يشيع في أوساط الأوس والخزرج معارف الإسلام، ويهديهم للتي هي أقوم، يتلو عليهم كتاب اللّه العزيز الذي يبهر العقول في فصاحته وبلاغته، وسموّ تعاليمه وأحكامه، وقد انتشر الإسلام انتشاراً هائلاً، فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه رجال ونساء قد اعتنقوا الإسلام (1)، وقد نجح مصعب نجاحاً باهراً، فكان أول سفير في الإسلام يكتب له النجاح في مهمته.
وقفل مصعب بن عمير راجعاً إلى مكّة، وهو يحمل إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) البشارة العظمى بانتشار الإسلام في المدينة، وتجاوب الأوس والخزرج مع الإسلام وتفانيهم في الدفاع عنه، والذود عنه بجميع ما يملكونه من طاقات مادية ومعنوية، وقد سرّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سروراً بالغاً، وابتهج كما عمّت الفرحة الكبرى المسلمين في مكّة الذين كانوا يعانون الاضطهاد والتعذيب... ونعرض لبعض شؤون هذه البيعة المباركة التي كانت بداية للفتح الإسلامي، ففيما يلي ذلك :
وأوفد الأنصار وفداً لملاقاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتعيين وقت للالتقاء به، وخرج الوفد يجد في السير لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى مكّة، وكان فيه البراء بن معرور، وكعب بن مالك، والتقى الوفد بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المسجد، وقدموا له الاحترام البالغ وشوق أهل المدينة للتشرف بقدومه واتّخاذ بلدهم عاصمة له.
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 2 : 76.
وانبرى العباس، وكان مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فألقى خطبة على الوفد جاء فيها :
«يا معشر الخزرج، إنّ محمّداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا - يعني على الشرك - فهو في عزّ من قومه، ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون به بما دعوتموه إليه ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وان كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده...»
وحكى خطاب العباس رغبة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الهجرة إلى المدينة، واتخاذها مقرّاً لدعوته، ومركزاً لنشر قيمه وأهدافه، وأهاب بالأنصار أن لا يسلموا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أعدائه، ويقوموا بدور إيجابي لحمايته والدفاع عنه، وأكبر الظنّ أنّ العباس قد استشف أنّه ستحدث حروب دامية بين المسلمين وبين جبابرة قريش، فلذا طلب من الأنصار حماية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
واتّفق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع وفد الأنصار أن يجتمع بهم في أيّام التشريق، ووفدت كوكبة من الأنصار لحج بيت اللّه الحرام كان عددهم سبعين رجلاً وامرأتين، هما : أمّ عمارة نُسيبة بنت كعب، وأمّ مَنيع أسماء بنت عمرو، وسنذكر أسماءهم.
وكتم الأنصار الأمر خوفاً من مشركي قريش، وانتظروا حتّى مضى من الليل ثلثه، فتسللوا جميعاً إلى العقبة ومعهم المرأتان، وتشرّفوا بمقابلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فرحب بهم أجمل ترحيب، فدعاهم إلى اللّه تعالى، وتلا عليهم آيات من الذكر الحكيم وجلت منها قلوبهم، وانبروا قائلين :
«سمعنا مقالتك، فتكلّم، وخذ لنفسك ولربّك بما أحببت».
وتلا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما يريده منهم قائلاً:
«أبايِعُكُمْ عَلى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِساءَكُمْ وَأَبْناءَكُمْ».
وانبرى البراء بن مغرور فأخذ بيد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال :
«والذي بعثك بالحقِّ لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا (1)، فبايعنا يا رسول اللّه، فنحن واللّه أهل الحرب، وأهل الحلقة (2)، ورثناها كابراً عن كابر» (3).
ونهض ابن رواحة، فخاطب النبيّ قائلاً:
«فإذا فعلنا، فما لنا ؟».
«لَكُمُ الْجَنَّةُ».
وقام أبو الهيثم بن التيهان فأحاط النبيّ علماً بخطر اليهود عليهم قائلاً:
«إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً - يعني اليهود - نحن قاطعوها، فهل عسيت أن نحن فعلنا ذلك، ثمّ أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا».
فتبسّم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأعرب له أنّه معهم يحارب من حاربوا، ويسالم من سالموا قائلاً:
«بَلِ الدَّمَ الدّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنْتُمْ مِنّي وَأَنَا مِنْكُمْ، أَحارِبُ مَنْ حارَبْتُمْ، وَأَسالِمُ مَنْ سالَمْتُمْ».
ويعتبر هذا الموقف من النبيّ والأنصار إعلان حرب على اليهود الذين يعيثون في الأرض فساداً... وقبل أن يبايعوا النبيّ رفع العباس ابن عبادة صوته قائلاً:
«يا معشر الخزرج، أتعلمون علَامَ تبايعون هذا الرجل ؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من النّاس، فإن كنتم تَرَوْن أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن فدعوه، فواللّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو واللّه خير الدنيا والآخرة».
وتعالت أصواتهم بلهجة واحدة :
«إنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا يا رسول اللّه إن نحن وفينا بذلك ؟»
فأجابهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بثقة وإطمئنان :
«الجنّة».
ورضوا بالجنّة بديلاً على ما يصيبهم من الجهد والعناء وذهاب الأموال والأنفس.
وكانت صيغة البيعة التي بايعوا فيها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما رواها عبادة بن الصامت، قال :
«بايعنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في اللّه لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا اقدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنّة» (1).
وسمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان، ونزلت الآية الكبرى : «لَقَدْ رَضِيَ اللّه عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ
1) السيرة النبويّة / ابن كثير :2 : 203.
فَتْحاً قَرِيباً» (1).
ونزلت الآية الكريمة : «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّه فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عظيماً» (2).
أما بيعة النساء في مكّة فكانت المرأة تدخل يدها في قدح من الماء ثمّ تخرجها، وقد قال عنها تعالى : «يَا أَيُّهَا النبيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللّه شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللّه إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (3).
وبذلك تمّت البيعة التي حفلت بالقيم الكريمة، والمثل العليا، والتي كانت بداية المستقبل الدولة الإسلاميّة.
وبعد ما تمّت البيعة المباركة طلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم أن يختاروا منهم أثنى عشر نقيباً يكونون على قومهم كفلاء، فاختاروا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس وهم :
1 - سعد بن الربيع.
2 - سعد بن عُبادة.
3 - عبد اللّه بن رواحة.
4 - سعد بن خيثمة.
5 - أبو الهيثم بن التيهان.
6 - البراء بن مَغرور.
7 - رفاعة بن عبدالمنذر.
8 - عبد اللّه بن عمرو.
9 - عبادة بن الصامت
10 - المنذر بن عمرو.
11 - أسعد بن زرارة.
12 - أُسيد بن حُضَير.
وجعل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أسعد بن زرارة نقيباً على النقباء، وقال للنقباء :
«أَنْتُم عَلى قَوْمِكُم بما فيهم كُفَلاهُ، كَكَفالَةِ الْحَوارِيِّينَ لِعيسى بن مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ على قَوْمي».
كانت هذه البيعة، وتم اختار النقباء في غلس الليل البهيم في شعب العقبة، ورجع القوم إلى مضاجعهم، حتّى أيقظهم الصبح.
وبايع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحد عشر رجلاً من الأوس، واثنان وستون من الخزرج، وامرأتان.
أما الذين بايعوه من الأوس فهم :
1 - أُسَيد بن حضير.
2 - أبو الهيثم بن التيهان.
3 - سلمة بن سلامة.
4 - ظهير بن رافع.
5 - نهير بن الهيثم.
6 - أبو بردة هانيء بن نيار.
7 - سعد بن خيثمة.
8 - رفاعة بن عبد المنذر.
9 - عبد اللّه بن جبير.
10 - معن بن عدي.
11 - عويم بن ساعدة.
أما الذين بايعوه من الخزرج فهم :
1 - أبو أيوب خالد بن زيد.
2 - معاذ بن الحارث.
3 - عوف بن الحارث.
4 - معوّذ بن الحارث.
5 - عمارة بن حزم.
6- أسعد بن زرارة.
7 - سهل بن عتيك.
8 - أوس بن ثابت.
9 - أبو طلحة زيد بن سهل.
10 - قيس بن أبي صعصعة.
11 - عمرو بن غزيّة.
12 - سعد بن الربيع.
13 - خارجة بن زيد.
14 - عبد اللّه عبد اللّه بن رواحة.
15 - بشير بن سعد.
16 - عبد اللّه بن زيد.
17 - خلاد بن شوید.
18 - عقبة بن عمرو.
19 - زياد بن لبيد.
20 - فروة بن عمرو.
21 - خالد بن قيس.
22 - رافع بن مالك
23 - عباد بن قيس.
24 - الحارث بن قيس.
25 - البراء بن مغرور.
26 - بشر بن البراء.
27 - سِنان بن صَيْفي.
28 - الطفيل بن النعمان.
29 - مَعْقل بن المنذر.
30 - يزيد بن المنذر.
31 - مسعود بن يزيد.
32- الضحاك بن حارثة.
33 - يزيد بن حرام.
34 - جبار بن صخر.
35 - الطفيل بن مالك
36 - كعب بن مالك.
37 - سليم بن عمرو.
38 - قطبة بن عامر.
39 - يزيد بن عامر.
40 - أبو اليَسَر كعب بن عمرو.
41 - صَيْفِيّ بن سَواد بن عباد.
42 - ثعلبة بن غَنَمة.
43 - عَبْس بن عامر.
44 - عمرو بن غَنَمة.
45 - عبد اللّه بن أُنيس.
46 - خالد بن عمرو.
47 - عبد اللّه بن عمرو.
48- جابر بن عبد اللّه.
49 - ثابت بن الجذع.
50 - معاذ بن عمرو.
51 - خَدِيج بن سلامة.
52 - معاذ بن جبل.
53 - عبادة بن الصامت.
54 - العباس بن عبادة.
55 - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة.
56 - عمرو بن الحارث.
57 - سالم بن غنم.
58 - رفاعةُ بن عمرو.
59 - عُقبة بن وهب.
60 - سعد بن عبادة.
61 - المنذر بن عمرو.
وفزعت قريش كأشدّ ما يكون الفزع حينما علمت ببيعة أهل المدينة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتعهدهم بحمايته، والذب عن مبادئه وقيمه، وقد أيقنت أنها المستهدفة من هذه المعاهدة، فهي التي كفرت بالدين، وعذّبت المستضعفين ممن آمن به، وهي التي اعتدت على شخصية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وجرعته نغب التهمام، فلابد أن يثأر منهم.
وعلى أي حال، فقد خفّت مشيخة قريش إلى الركب المدني، فقالوا لهم :
«يا معشر الخزرج، إنّه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجوه من بین أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وأنه واللّه ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم».
وانبرى جماعة من الخزرج الذين لم يعتنقوا الإسلام فحلفوا لهم أنه لم يكن شيء مما ذكروه، وسارع الذين بايعوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه إلى الرحيل من مكّة إلى المدينة ليكونوا بمأمن من شرّ القرشيّين.
وتأكدت قريش من صحة بيعة الأنصار للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فخفّوا سراعاً في طلبهم، فلم يدركوهم ولكن أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر (2)والمنذر بن عمرو وكلاهما من
النقباء، أما المنذر فقد استطاع الهرب منهم، وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله، ثمّ أقبلوا به إلى مكّة وهم يضربونه ويجذبونه بجُمَّته (1)، فرق له رجل من القوم فقال له : «أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟». ف
قال : «بلى واللّه! لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي، وأمنع من أراد ظُلْمَهُ، وكذلك كنت أصنع مع الحارث بن حَرْب بن أُميّة».
فقال له الرجل : «ويحك فاهتف باسم الرّجلين، وأذكر ما بينك وبينهما».
وهتف سعد باسمهما، وذكر جوارهما، وهرع الرجل يفتّش عنهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فأخبرهما أن رجلاً من الخزرج يُضْرَب بالأبطح، وتهتف بكما، ويذكر أنّ بينكما وبينه جواراً».
فقالا له : «مَن هو ؟»، فاخبرهما بأنه سعد بن عبادة.
فقالا : «صدق الرجل، إنّه كان يُجير تجارتنا، ويمنع من ظلمنا ببلدته».
وسارعا صوبه وأنقذاه من بطش القرشيّين (2).
وهكذا ورمت أنوف القرشيّين، وانتفخ سحرهم من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وممن آمن معه.
وصارت يثرب بعد بيعة العقبة مركزاً قويّاً للمسلمين، فقد تبنّى الأنصار حمايتهم والذبّ عنهم، فقد شاع الإسلام في أنديتهم ومجالسهم، وتحدّث وجوههم وأعيانهم عن سموّ أحكام الإسلام، وأنّه هبة من اللّه تعالى لهم، وقد جهدت قريش في التنكيل بالمسلمين وإرهاقهم، فاستأذنوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الهجرة إلى يثرب، فقال لهم مبشراً :
«أَرَيْتُ هِجْرَتَكُمْ بِسَبْخَةٍ ذاتِ نَخْلِ بَيْنَ لابَتَيْنِ - وَهُما الحَرَّتان (1)»، وأذن لهم إذناً عاماً بالهجرة إلى يثرب، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّدارَ هِجْرَتِكُمْ هِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا» (2).
وجعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحفز المسلمين، ويدعوهم إلى الهجرة إلى المدينة قائلاً:
«إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَكُمُ إِخْواناً وَداراً تَأْمَنُونَ بِها».
وخرج المسلمون إلى يثرب إرسالاً سرّاً (3)خوفاً من بطش القرشيّين وكيدهم، وقد كانت الهجرة مبنية على رأي عميق، فقد نشطت الأنصار، وبعثت في نفوسهم العزم والحماس لنصرة الإسلام، كما تركت مثل هذا الأثر في نفوس المهاجرين، وهذه قأئمّة بأسماء بعض المهاجرين :
1 - أبو سَلَمة
هو عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي، وهو أوّل من هاجر إلى المدينة من أصحاب النبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (4)، ولحقت به زوجته أم سلمة، وقد عانت أمرّ البلاء وأقساه من قريش، وقد حماها منهم عثمان بن طلحة، وقد قالت : «واللّه ! ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قط كان أكرم من عثمان بن طلحة» (5).
2 - عامر بن ربيعة
ومن السابقين إلى الهجرة ليثرب : عامر بن ربيعة، حليف بني عدي بن كعب،
ومعه زوجته ليلى بنت أبي حَثْمة (1).
3 - عبد اللّه بن جحش
وهاجر عبد اللّه بن جحش بن رئاب إلى المدينة، ومعه أهله وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش، وتركوا دارهم في مكّة ليس فيها ساكن.
4 - عمّار بن ياسر
ومن المهاجرين الأولين إلى المدينة : الصحابي العظيم عمّار بن ياسر، الذي أبلى في اللّه تعالى بلاء حسناً.
5 - بلال الحبشي
ومن السابقين للهجرة : بلال الحبشي مؤذّن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
6 - سعد بن أبي وقّاص
ومن الراحلين إلى يثرب : سعد بن أبي وقاص، فاتح العراق.
7- عمر بن الخطّاب
رحل عمر بن الخطاب إلى يثرب ومعه عياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي ومعهم عشرون راكباً (2).
ولمّا نزح عياش إلى المدينة خرج في طلبه أبو جهل، وأخوه الحارث ليفتنانه عن دينه، ولمّا التقيا به قالا له :
«إنّ أمّك قد نذرت أن لا تغتسل، ولا يمس رأسها مشط، ولا تستظلّ من شمس
حتّى تراك، فارجع إلى أمّك، وأعبد ربّك كما في المدينة».
فحذره عمر من هذه الخديعة وقال له : «يا عياش، إنّ القوم يريدوك ليفتنونك عن دينك فاحذرهم، فلم يحفل به، ومضى مع أبي جهل والحارث، وفي بعض الطريق طلب منه أبو جهل أن يردفه على ناقته، فاستجاب له، فأناخ ناقته، فعمد أبو جهل والحارث فأوثقاه وربطاه، وجلداه مائة جلدة، ثمّ دخلا به مكّة، ورفع أبو جهل عقيرته قائلاً:
«يا أهل مكّة، هكذا فافعلوا مع سفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا».
ولمّا رأته أمّه قالت :
«لا تفكّوا وثاقه حتّى يرجع عن دينه».
فافتتن عن دينه (1)بعد أن عانى من العذاب أقساه وأشدّه.
وقام الأنصار بضيافة المهاجرين، فأنزلوهم في ديارهم، ورحبوا بهم أجمل ترحيب، وقاموا بالإنفاق عليهم، فقد نزل عمر بن الخطاب مع جماعته على رفاعة بن عبد المنذر (2)، ونزل مصعب بن عمیر علی سعد بن معاذ، ونزل حمزة بن عبد المطّلب وزيد بن حارثة على كلثوم بن الهدم (3).
وهكذا استقبلت المدينة المهاجرين إليها بكل حفاوة وتكريم، وقامت بضيافتهم، والإنفاق عليهم، وتقديم دور السكن لهم ولعوائلهم، ومشاطرتهم ما يملكون من الأموال.
لعلّ من المفيد جدّاً أن نعرض إلى منهاج الدعوة الإسلاميّة المباركة في مكّة التي كانت قلعة للوثنيّة والشرك، ومركزاً للعادات والتقاليد الجاهلية التي لا تحمل أي بصيص من النور، وأنّ أهلها لا نصيب لهم من الوعي، فقد انطوت نفوسهم على الجهل والتنكر للقيم والأعراف الإنسانيّة، وفيما يلي عرض لما يرتبط بالدعوة الإسلاميّة من شؤون :
وتميزت دعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الإسلام في مكّة بالأساليب الرائعة، والتي منها :
وكان البارز في أسلوب النبيّ الحكمة والموعظة الحسنة. قال تعالى : «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (1).
لقد تبنّى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في دعوته المشرقة الحكمة بجميع أبعادها وصورها لهداية ذلك المجتمع وإنقاذه من ويلات الجاهلية ومآثمها.
وكانت دعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مشفوعة بالقول الحسن الذي لا يثير عاطفة، ولا يخدش كرامة أحد، وقد أدبه اللّه تعالى بذلك، ووضع له المنهج الكريم.
قال تعالى : «وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (2).
وقال تعالى : «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» (1).
إنّ القول الحسن مدعاة لتآلف القلوب، ونجاح الدعوة، وسلامتها من التردّي.
واعتمد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نشر دعوته على اللين والتسامح، والابتعاد عن أساليب الغلظة والصرامة، وقد علّمه اللّه تعالى وأرشده إلى هذا الخلق الرفيع
قال تعالى : «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِن حَوْلِكَ» (2).
لقد كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من آيات اللّه العظام في سموّ الأخلاق ومحاسن الآداب.
وركز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعوته على دفع ما يعانيه من اضطهاد القرشيّين وقسوتهم عليه بالمرونة والإحسان إليهم، عملاً بقوله تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (3).
وبهذا المستوى الرائع من الخلق الرفيع استطاع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن ينشر كلمة الإسلام، ويغيّر طباع الناس، ويقاوم الأحداث الرهيبة التي أحاطت به.
تسلّح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصبر على أداء رسالته العظمى، فقد أمره اللّه تعالى به.
قال اللّه تعالى في كتابه : «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً» (4).
وخاطبه اللّه تعالى : «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّه وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ ممَّا يَمْكُرُونَ» (1).
وقال تعالى : «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ أَثِماً أَوْ كَفُوراً» (2).
لقد عانى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قريش أشدّ ألوان المحن والبلاء إلا أنه لم يحفل بها، واحتسبها عند اللّه تعالى، واستمرّ على أداء رسالته حتّى فتح اللّه تعالى له الفتح المبين ونصره على أعدائه، وقد أمره اللّه تعالى بالاقتداء بأنبيائه أولي العزم الذين صبروا على المحن الشاقّة التي لاقوها من أممهم.
قال تعالى : «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ» (3).
من أساليب دعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تحذير المجتمع من عذاب اللّه تعالى إن لم يستجيبوا له، وكان يتلو عليهم آيات من القرآن الكريم التي تنعى عليهم كفرهم وضلالهم. قال تعالى: «وَمَن لَمْ يَؤْمِنُ بِاللّه وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سعيداً» (4).
وقال تعالى :«وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينًا» (5).
وقد عرض الذكر الحكيم بكثير من الآيات إلى تحذير الكافرين من عذاب اللّه تعالى، وأنّهم سيخلدون في نار جهنّم لا يخفّف عنهم العذاب.
من منهاج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه كان يبشر المؤمنين بالفوز بالجنة، والظفر بخيراتها ونعيمها.
قال تعالى : «إِنَّ اللّه يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» (1).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْتَدِرٍ» (2).
وقال تعالى : «الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (3).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي وعد اللّه تعالى المتقين من عباده بالفوز بالجنّة، وهي من بنود قد استعملها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)في تبليغ رسالته ونشر قيمه وأهدافه.
وأوّل المبادئ الخالدة، والقيم الرفيعة التي تبنّاها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي الدعوة إلى توحيد اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة، لقد رفع هذا الشعار عالياً بقوله : «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه تُفْلِحُوا»، وكان ذلك ثقيلاً على ذلك المجتمع الذي تربى على عبادة الأصنام والأوثان، فلذا هبوا لإخماد هذا النور، وإسكات هذا الصوت الذي تبتني
عليه جميع قوى الخير في الأرض، وقد خاض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في دعوته جميع بنود التوحيد وصوره، مستدلاً على ذلك بالأدلة المحسوسة التي لا تقبل الجدل والشك والوهم، ونحن نعرض - بإيجاز - لبعضها، والتي هي مستمدة من القرآن الكريم.
من الأمور الواضحة التي لا تقبل الجدل والشك وجود الخالق العظيم، مدبّر الكون، وواهب الحياة، وقد استدل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ذلك بآيات من الذكر الحكيم التي ألقت الأضواء على الأمور المحسوسة التي هي من صنعه تعالى، وهذه بعض الآيات :
الأولى:
قال تعالى : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّه مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كلّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (1).
حكت الآية أوثق الأدلّة، وأكثرها إصالة على وجود الخالق العظيم، وهذه الأدلّة
حسيّة لا مجال للشك فيها، والتي منها :
1 - خلق السموات وما فيها من ملايين المجرات التي لا تحصى، وهي تسبح في الفضاء بدقة ونظام. قال تعالى في الشمس والقمر : «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(2).
2 - اختلاف الليل والنهار فهما من الآيات الباهرات على وجود اللّه تعالى وعظيم
قدرته. قال تعالى : «وَآيَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ» (1).
3- جريان الفلك في البحور الرهيبة التي تجلب البضائع من قطر إلى قطر، وجريانها في البحر من آيات اللّه تعالى. قال عز اسمه : «وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» (2).
4 - نزول الماء من السماء الذي فيه الحياة للكائنات الحيّة. قال تعالى : «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ» (3).
5 - تصريف الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض، فإنّ ذلك من آيات اللّه العظام التي تدلّل بصورة محسوسة على وجود الخالق العظيم... هذه بعض الأدلّة الناطقة بوجود اللّه تعالى.
الثانية :
من آيات اللّه تعالى البينات على وجوده تعالى خلق الإنسان. قال تعالى : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ * ثمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثمّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (4).
إنّ اللّه تعالى أفاض على الإنسان نعمة الوجود، وفي بداية تكوينه يمر بهذه المراحل التي ذكرت في القرآن المجيد، وإذا تأملها الإنسان فإنّه يؤمن بوجود اللّه
تعالى وعظيم قدرته.
الثالثة :
من آيات اللّه تعالى هذه الأرض التي هي أمنا، وتمدنا بالنعم والحياة، وفيها البحار والأنهار والجبال الراسيات وغير ذلك. قال تعالى : «وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كلّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْن» (1).
إنّ الآيات على وجود اللّه تعالى لا تحصى، ففي كلّ ذرّة من المخلوقات دليل حاسم على وجود اللّه تعالى، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتلوها على ذلك المجتمع الوثني فما آمن بها إلا القليل.
اللّه واحد لا شريك له في ملكه وفى عظمته، واستحالة الشريك وامتناعه أعلنها القرآن الكريم. قال تعالى : «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا» (2).
ومن الظاهر أنه لو كان اللّه شريك لفسدت المجرّات والكواكب، فإنّ الشريك لو كان يملك القدرة التي يملكها اللّه تعالى لتصرّف في هذه الكائنات حسب رغباته وميوله، وهو ممّا يؤدّي إلى فساد السموات والأرض. قال تعالى : «وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إِله إِذا لَّذَهَبَ كلّ إِله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَّا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ» (3)، وقال تعالى : «إِنَّ إِلهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ» (4).
إنّ اللّه تعالى واحد في قدرته وعلمه ومشيئته، لا شريك له ولا مثيل.
إنّ كلّ شيء في السموات والأرض خاضع لقدرة اللّه تعالى ومشيئته. قال تعالى : «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (1)، وقال تعالى : «بَدِيعُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2).
إنّ جميع ما في هذا الكون الفسيح يسير بإرادة اللّه تعالى وقدرته ومشيئته.
أما علم اللّه تعالى فلا يحصى ولا يدرك، وغير قابل للعدّ. قال تعالى : «وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» (3).
إنّه يعلم ما تنطوي عليه القلوب من أسرار وشؤون. قال تعالى : «وَهُوَ اللّه فِي السَّماوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ» (4).
وتحدّث القرآن الكريم - سعة علم اللّه. قال : «اللّه يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كلّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارِ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ» (5).
كان الرسول الأعظم يتلو هذه الآيات البينات على كفار مكّة، ويقيم لهم الأدلّة القاطعة على وجود اللّه تعالى وعلى صفاته وذاتياته، ولكنهم لم يذعنوا له، فقد خيم عليهم الجهل، وأنهم لا يؤمنون ولا يذعنون لكل آية، فاتّهموه بالسحر، واتهموه بالكذب، وحاربوه وناجزوه حتّى نصره اللّه وأعزّه.
وما دمنا مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة نعرض التشريع الوضوء والصلاة، فقد شرعا في بداية الوحي، فقد ذكر الرواة أن جبرئيل هبط على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في أعلى مكّة، فهمز في الأرض فانفجرت منه عين فتوضأ منها جبرئيل، ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينظر إليه، ثمّ قام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتوضأ كما توضأ جبرئيل، ثمّ قام جبرئيل فصلى، وصلى النبيّ بصلاته (1).
وكان ذلك بداية فرض الصلاة، ولما نزل الوحي على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واختاره اللّه لأداء رسالته في يوم الأثنين صلّى في اليوم الثاني عند الكعبة المشرفة، ومعه وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا وأم المؤمنين خديجة الكبرى.
وكما شرّعت الصلاة، فقد شرّع معها الأذان، وكان أوّل من أذن في الإسلام هو الصحابي الجليل الثائر على التخلف أبو ذرّ الغفاري، فقد اعتلى الكعبة ورفع صوته بالأذان، فهرعت قريش وضربته ضرباً مبرحاً حتّى فقد وعيه، وحُمِل إلى بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأفاق من الإغماء في غلس الليل، فلمّا أصبح الصبح اعتلى جواده، ووقف قبال القرشيّين ثمّ رفع صوته عالياً بالأذان ليغيظهم، فوثبوا عليه، فأطلق عنان جواده وسلم منهم.
وكان بلال الحبشي مؤذناً للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان لا يتمكن من النطق بالشين،
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 1 : 244.
وإنّما ينطقها بالسين، فعاب عليه المنافقون وهزؤوا منه، وبلغ الرسول اللّه ذلك، فقال: «إِنَّ سِينَ بِلالٍ خَيْرٌ مِنْ شِيْنِكُمْ إِنَّ سِيْنَ بِلالٍ شِيْنٌ عِنْدَ اللّه تَعَالَى».
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يستقبل في صلاته بيت المقدس، فقد صلّى لجهته ثلاث عشر سنة حينما كان في مكّة، وبعد هجرته إلى يثرب صلّى نحوه سبعة أشهر، ثمّ وجّهه اللّه تعالى إلى الكعبة، وسبب ذلك أن اليهود كانوا ينتقصون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويقولون له أنت تصلّي لقبلتنا، فأغتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر الأمر من اللّه تعالى، فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر، وكان في مسجد بني سالم قد صلّى من الظهر ركعتين، فنزل عليه جبرئيل، فأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة، وأنزل عليه الآية : «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» (1). وقالت اليهود : «مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا» (2)، وأجيبوا أن هذا هو الحق من عند اللّه تعالى (3).
أيّد اللّه تعالى رسوله الكريم بالمعاجز الباهرة التي تثبت رسالته ونيابته عن اللّه تعالى، وكان من بينها ما يلي :
وأعظم معجزة للرسول الأكرم هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، وهو من أوثق الأدلّة على نبوّته وصدق رسالته، فقد عجز المتمرسون في الفصاحة والبلاغة عن مجاراته والإتيان بمثله، وقد تحدّاهم القرآن الكريم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. قال تعالى : «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّه إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (1).
وقال تعالى : «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ» (2).
وبالإضافة إلى بلاغته الباهرة فإنّه قد حفل بجميع فنون العلم والمعرفة، ففيه التشريع المدني، والتنظيم الإداري، والفنّ الحربي، وليس فيه تناقض أو تضارب، وهو مصون من كلّ زيف. قال تعالى : «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيْر اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً» (3).
ولو لاحظنا الأناجيل لوجدنا فيها التناقض والتضارب في طبعاتها، وقد سلم القرآن - والحمد للّه - من ذلك
إنّ القرآن الكريم معجزة في تشريعاته التي تواكب الفطرة، ولا شدّ عن سنن الكون. قال عز وجل : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (4)، فقد بنيت أحكامه على العدل الخالص والحق المحض. قال تعالى : «إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (5).
إن تشريعاته العدل، والحق، والإحسان، وصلة الأرحام، والنهي عن الفحشاء والمنكر، التي تتطوّر بها الحياة، ويعيش الإنسان في ظلالها موفور الكرامة ناعم
البال، لا اعتداء، ولا غبن، ولا ظلم، ولا فحشاء في جميع بنوده.
وبهذا العرض الموجز عن معجزة القرآن الخالدة التي هي أعظم معاجز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نطوي الحديث عنها.
من معاجز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حديث الشجرة، ولندع الحديث للإمام أمير المؤمنين لا يقول :
«وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَمَّا أَتاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ :
يَا محمّد، إِنَّكَ قَدِ ادَّعْيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسَأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نِبِيٍّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَمَا تَسْأَلُونَ ؟
قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حتّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اللّه لَكُمْ ذَلِكَ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟
قَالُوا : نَعَمْ.
قَالَ : فَإِنَّى سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيتُونَ (1)إِلَى خَيْرٍ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ (2)، وَمَنْ يُحَرِّبُ الْأَحْزَابَ.
ثمّ قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ، إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمِينَ أَنَّي رَسُولُ اللّه، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حتّى تَفِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللّه
فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، لانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصَفٌ (1)كَفَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ؛ حتّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُرَفْرِفَةٌ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ، فلمّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذلِكَ قَالُوا - عُلُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً - : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَىٰ نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيَاً، فَكَادَتْ تَلْتَفُ بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالُوا - كُفْراً وَعُتُوا : فَمُرْ هَذَا النَّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَرَجَعَ : فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه : إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللّه، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بَأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللّه تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَإِجْلَالًا لَكَلِمَتِكَ.
فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكِ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا ! (يَعْنُونَنِي)» (2).
ولم تؤمن من تلك النفوس التي ران في قلوبها الباطل، وعشعش فيها الجهل، «وَإِن يَرَوْا كلّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا» (3).
نعم، آمن بها من طهر اللّه قلبه من الزيغ والرجس، وهو باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من معاجز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انشقاق القمر، حينما طلب المشركون ذلك منه، فقد التقى به الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد، والأسود بن المطّلب، وزمعة بن الأسود، والنظر بن الحارث، ونظراءهم من
المشركين، وقالوا له :
«إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين نصفين : نصفاً على أبي قبيس، ونصفاً على قيعقان».
وانبرى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً لهم :
«إن فعلت تؤمنون ؟».
«نعم».
وسأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعالى أن يعطيه ما سألوا، ولم يلبثوا إلا قليلاً إلا والقمر قد انشقّ نصفين : نصفاً على أبي قبيس، ونصفاً على قعيقعان ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينادي :
«يا أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ وَالْأَرْقَمَ بْنَ الْأَرْقَم، اشْهَدُوا»، ولكن القوم لم يؤمنوا بذلك، وقالوا جميعاً هذا سحر مفترى (1)، لقد خيّم على قلوبهم الجهل والباطل فلم يؤمنوا بأية آية من آيات اللّه تعالى، وأصروا على البغي والعناد.
ومادمنا مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)في مكّة نعرض إلى السور التي نزلت عليه فيها، فقد كان مجموعها ستاً وثمانين سورة، وهي حسب الترتيب القرآني :
الفاتحة الأنعام الأعراف يونس هود يوسف إبراهيم الحجر النحل الإسراء الكهف مريم طه الأنبياء المؤمنون الفرقان الشعراء النمل القصص العنكبوت الروم لقمان السجدة سبأ
1) السيرة النبويّة / ابن كثير : 2: 116 و 117. صحيح البخاري : 4 : 243. صحيح الترمذي : 3: 211. مسند أحمد بن حنبل : 1: 413. السيرة النبويّة / زيني دحلان : 2 : 198.
فاطر يس الصافّات ص الزمر غافر فصّلت الشورى الزخرف الدخان الجاثية الأحقاف ق الذاريات الطور النجم القمر الواقعة الملك القلم الحاقّة المعارج نوح الجنّ المزمّل المدّثّر القيامة المرسلات النبأ النازعات عبس التكوير الانفطار المطفّفين الانشقاق البروج الطارق الأعلى الغاشية الفجر البلد الشمس الليل الضحى الشرح التين العلق القدر العاديات القارعة التكاثر العصر الهمزة الفيل قريش الماعون الكوثر الكافرون المسد الإخلاص الفلق الناس (1).
ومن الجدير بالذكر أن هذه السور الكريمة نزلت على الرسول المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة، وهي حافلة بالدعوة إلى توحيد اللّه تعالى، وإقامة الأدلة الحاسمة على وجوده ووحدانيّته، ولم يعرض معظمها إلى بيان الطقوس الدينيّة والواجبات الشرعيّة، وإنما كانت السور النازلة في المدينة قد عرضت لذلك.
1) حياة الرسول المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 2 : 317.
واطمأنّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بيعة الأنصار، ووثق بإخلاصهم له، وتفانيهم في حماية الدعوة الإسلاميّة والذب عنها، وقد صارت يثرب قلعة حصينة للإسلام، فقد هاجر إليها نخبة من المؤمنين، ووجدوا فيها الحماية والأمن، والمواساة لهم في السراء والضراء.. وقد صمّم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الهجرة إليها، وتعتبر من أعظم الأحداث وأكثرها أهمية في تاريخ الإسلام، فقد كانت البداية المباركة لإقامة الدولة الإسلاميّة، وانتشار الإسلام في معظم أنحاء الجزيرة، ونعرض للهجرة وما يرتبط بها من شؤون :
وفزعت قريش كأشدّ ما يكون الفزع حينما تسرّبت لهم الأنباء بعزم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على مغادرة بلدهم إلى يثرب، واتخاذها مقراً لدعوته، وهم الذين جهدوا على محاربته، وتعذيب من آمن برسالته، وهم الذين حبسوه في الشِّعب، وقابلوه بجميع ألوان العنف، وأنه إذا غادر بلدهم فسوف يأتيهم بجنود لا قبل لهم بها، وينتقم منهم كأشدّ ما يكون الانتقام. لقد ساورتهم الهموم، وخافوا على مصالحهم من أن يجتمع عليهم أهالي يثرب فيقطعون عليهم تجارتهم إلى الشام.
وعلى أي حال، فقد حسب المكيّون ألف حساب لهجرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينة، وننظر إلى ما اتخذوه من إجراءات :
وتنادى زعماء قريش للاجتماع في دار الندوة، وهي دار قصيّ بن كلاب التي اتخذتها قريش للتشاور فيها إذا عرضت لهم حادثة مهمة فيتّخذون فيها القرار الذي يسيرون عليه، وقد ضمّت الندوة كلاً من عتبة وشيبة، وأبي سفيان، وطعمة بن عدي، وجُبير بن مُطعم، والحارث بن عامر، والنَّضر بن الحارث، وابن البختري، وزَمْعة بن الأسود، وحكيم بن حِزام، وأبي جهل، ونُبيه ومنبِّه ابني الحجّاج، وأُميّة بن خلف، وغيرهم، وانضم إليهم إبليس بصورة شيخ نجدي، وافتتح المؤتمر بكلمة لبعضهم ذكر فيها الأحداث التي سيواجهونها إن خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بلدهم قائلاً: «إنّ هذا الرجل - يعني محمّدا قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنّا واللّه لا نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً ؟».
واقترح ابن البختري بن هشام رأياً، فقال : (احبسوه - يعني النبيّ - في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء، الذين كانوا قبله : زهيراً والنابغة، ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتّى يصيبه ما أصابهم».
ولم يوافق الحاضرون على هذا الرأي، وردّوا عليه : «إن أصحاب محمّد لا بد أن يعلموا بمكان حبسه، ولا بدّ أن يهاجموا هذا المكان، ويستخرجوا محمّداً منه» (1).
واقترح الأسود بن ربيعة العامري، فقال : «نُخرجه أي محمّد - من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فواللّه ما تُبالي أين ذهب، ولا حيث وقع.. إذا غاب
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 2 : 125.
عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا والفتنا كما كانت...».
وانبرى الشيخ النجدي ففند هذا الاقتراح قائلاً:
«لا واللّه ! ما هذا لكم برأي، أما تروا حُسْنَ حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، واللّه ! لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتّى يتابعوه عليه، ثمّ يسير بهم إليكم حتّى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثمّ يفعل بكم ما أراد، فدبّروا فيه رأياً غير هذا..».
واستحسنوا هذا الرأي، وأعرضوا عن اقتراح الأسود.
وانبرى أبو جهل بن هشام فخاطب القوم قائلاً: «إنّ لي فيه رأياً، ما أراكم قد وقعتم عليه بعد...».
فقالوا : «ما هو يا أبا الحكم ؟».
قال : «أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة من قبائلكم العشر فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثمّ نعطي كلّ فتى منهم سيفاً صارماً، ثمّ يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربةً رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنّهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم» (1).
وأقرّ الجميع هذا الرأي واستصوبوه، وقالوا : «لا رأي غيره» (2).
وتمّ تعيين الرجال الذين سيتولون القيام بهذه الجريمة، كما تم في نفس الوقت تعيين الزمن الذي يفدون فيه للهجوم على بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إلا أن المشيئة الإلهية أخلفت ظنّهم، فقد مكروا ومكر اللّه، واللّه خير الماكرين.
وأوعز اللّه تعالى إلى عبده ورسوله بمغادرة مكّة والهجرة إلى يثرب، وأعلمه بما دبّره المشركون من اغتياله، وفي تلك الليلة أحاط المشركون بدار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهم يترقبون طلوع الصبح لتمزق سيوفهم جسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي أراد أن يحررهم من ظلمات الجاهليّة ومآثمها، لقد أرادت قريش أن تنصر أصنامها وأوثانها، وتعيد مكانتها في أوساط العرب بعد ما فقدته.
وسارع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أخيه، وباب مدينة علمه، الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأحاطه علماً بما دبّرته قريش ضدّه، وطلب منه أن يبيت في فراشه، ويتشح ببردته الخضراء، ليوهم على أولئك الأقزام أنه هو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، حتّى يسلم من شرهم، وتلقى الإمام طلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمزيد من السرور والابتهاج، وشعر بالسعادة ليكون فداءً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وخرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الدار، ورماهم بحفنة من التراب أتت على وجوههم القذرة الكريهة، قائلاً:
«شاهَتِ الْوُجُوهُ ذُلّاً».
وتلا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قول اللّه تعالى : «وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» (1).
1) یس 36 : 9.
إنّ مبيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فراش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ووقايته له صفحة مشرقة من جهاده، وقد أنزل اللّه تعالى فيه الآية المباركة : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّه» (1).
ويقول الرواة : «إنّ اللّه تعالى باهى ملائكته بالإمام، فأوحى إلى جبرئيل وميكائيل إنّي أخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة على صاحبه، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا إلى الأرض، فكان جبرئيل عند رأس علي، وميكائيل عند رجليه، وهو يقول : بخ، بخ، من مثلك يابن أبي طالب، يباهي اللّه بك الملائكة، وأنزل اللّه تعالى على رسوله الكريم، وهو متوجّه إلى المدينة، في شأن علي : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّه» (2).
إن مبيت الإمام في فراش النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تضحية منه لوقاية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أعظم خطر كان محدقاً به. يقول الشاعر الكبير الشيخ هاشم الكعبي في رائعته :
وَمَواقِفٌ لَكَ دُونَ أَحْمَدَ جَاوَزَتْ***بِمقامِكَ التَّعْرِيفَ وَالتَّحْدِيدا
فَعَلَى الْفِراشِ مَبِيتُ لَيْلِكَ وَالْعِدى***نُهْدِي إِلَيْكَ بَوارقاً وَرُعودا
فَرَقَدْتَ مَعْلُوجَ الْفُؤادِ كَأَنَّما***يُهْدِي الْقِراعُ لِسَمْعِكَ التَّغْرِيدا
فَكُفِينَ لَيْلَتَهُ وَقُمْتَ مُعارِضاً***بِالنَّفْسِ لَا فَشِلاً ولا رِعْديدا
وَاسْتَصْبَحوا فَرَأَوا دُوَيْنَ مُرَادِهِمْ***جَبَلاً أَشمَّ وَفارِساً صِنْدِيدا
رَصَدُوا الصَّباحَ لِيُنْفِقُوا كَنزَ الْهُدى***أَوَ ما دَرَوْا كنز الْهُدى مَرصودا
وأنفق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليله ساهراً يدعو اللّه تعالى لينقذه وأخاه من هذه المحنة الحازبة، وهذا نص دعائه :
«يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ رَبِّ يُدعى، يَا مَنْ لَيْسَ فَوْقَهُ خَالِقٌ يُخْشَى، يا مَنْ لَيْسَ دُونَهُ إِلهُ يُتَّقى، يا مَنْ لَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ يُرْشى، يا مَنْ لَيْسَ لَهُ نَدِيمٌ يُغْشَى، يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجِبٌ يُنَادِى، يَا مَنْ لَا يَزْدَادُ عَلى كَثْرَةِ السُّؤالِ إِلَّا كَرَماً وَجُوداً، يَا مَنْ لَا يَزْدَادُ عَلَى عَظِيمٍ ذُنُوبِ عِبَادِهِ إِلَّا رَحْمَةً وَعَفْواً» (1).
وأثر عنه دعاء آخر في تلك الليلة، وهو :
«أَمْسَيْتُ اللّهمَّ مُعْتَصِماً بِذِمَامِكَ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُحَاوَلُ وَلَا يُطَاوَلُ، مِنْ شَرِّ كلّ غَاشِمٍ وَطَارِقٍ مِنْ سَائِرِ مَنْ خَلَقْتَ، وَمَا خَلَقْتَ مِن خَلْقِكَ الصَّامِتِ وَالنَّاطِقِ، فِي جُنَّةٍ مِنْ كلّ مَخُوفٍ، بِلِبَاسِ سَابِغَةٍ بِوَلَاءِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيَّكَ محمّد صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم، مُحْتَجِباً مِنْ كلّ قَاصِدٍ لي بأذِيَّةٍ، بِجِدَارٍ حَصِينِ الإخلاص فِي الْاعْتِرَافِ بِحَقِّهِمْ، وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِهِمْ، مُوقِناً أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَمَعَهُمْ وَفِيهِمْ، وَبِهِمْ وَمِنْهُمْ وَإِلَيْهِمْ، أوالي مَنْ والَوْا، وَأَعَادِي مَنْ عَادَوا، وأجَانِبُ مَنْ جَانَبُوا.
فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وأَعِذْنِي اللّهمَّ بِهِمْ اتَّقِي مِنْ شَرِّ كلّ مَا أَتَّقِيهِ
1) الصحيفة العلوية الثانية : 117.
يا عَظِيمُ، حَجَزْتُ عَنِّي الْأَعَادِيَ بِبَدِيعِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» (1).
والذي أراه أنّ هذا الدعاء الشريف لم ينشئه الإمام في مبيته على فراش النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإنّ محتواه لا يدلّ على ذلك.
ولما اندلع نور الصبح هجم المشركون على الإمام، ظانين أنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فشهر في وجوههم سيفه، فلمّا رأوه ذهلوا ووجموا وصاحوا به :
«أين محمّد ؟».
وقابلهم الإمام بعنف وصاح بهم قائلاً:
«جَعَلْتُمُونِي حَارِساً عَلَيْهِ ؟».
ووجم القوم، ونكصوا على أعقابهم يجرون رداء الخيبة والخسران، فقد قلت الرسول من قبضتهم، وسلم من مكيدتهم.
ولما توجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صوب المدينة دعا اللّه بهذا الدعاء الشريف :
«الْحَمْدُ للّه الَّذِي خَلَقَني وَلَمْ أَكُ شَيْئاً. اللّهمَّ أَعِنِّي عَلَى هَوْلِ الدَّنْيا، وَبَوائِقِ الدَّهْرِ، وَمَصائِبِ اللَّيالي وَالْأَيَّام.
اللّهمَّ اصْحَبْني فِي سَفَري، وَأَخْلِقْني فِي أَهْلِي، وَبَارِكْ لي فيما رَزَقْتَني،
1) البلد الأمين: 27 و 28.
وَلَكَ فَذَلِّلْني، وَعَلى صالِحٍ خُلُقي فَقَوَّمْنِي، وَإِلَيْكَ رَبِّ فَحَبَّيْنِي، وَإِلَى النَّاسِ فَلا تَكِلْني.
رَبِّ المُسْتَضْعَفينَ، أَنْتَ رَبِّي، أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَريم الذي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمواتُ وَالأَرْضُ، وَكَشَفْتَ بِهِ الظُّلُماتِ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرينَ أَنْ لا تُحِلُّ عَلَيَّ غَضَبَكَ، أَوْ تُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَفَجْأَة نقمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ. لَكَ العُشْبى عِنْدِي خَيْرَ مَا اسْتَطَعْتُ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» (1).
وجعلت قريش لمن أخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رحلته إلى المدينة مائة من الإبل، فخرج سراقة في طلبه، فلحق به، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«اللّهمَّ اكْفِنِي شَرَّ سُراقةَ بنِ مالِكِ بِما شِئْتَ»، واستجاب اللّه تعالى دعاءه، فساخت قوائم فرسه في الأرض، فالتفت إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له : «إنّ الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادع اللّه أن يُطلق فرسي، فلعمري إن لم يصبكم من خير لم يصبكم منّي شرّ»، فدعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأطلق اللّه تعالى فرسه، ولم ينزجر. وأخذ يلاحق النبيّ ال(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)لّه، فساخت و فرسه في الأرض، فطلب من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يطلق سراح فرسه، فدعا له فخرجت فرسه، ثمّ عاد في طلب النبيّ، فساخت به فرسه، فتوسل بالنبيّ، فخرجت فرسه، والتفت إلى النبيّ فقال له : «يا محمّد، هذه إبلي بين يديك، فيها غلامي، فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه، وهذا سهم من كنانتي علامة، وأنا ارجع فاردّ عنك الطلب»، فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
1) السيرة النبويّة / ابن كثير 2: 234.
«ولَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا عِنْدَكَ» (1).
واتّجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صوب يثرب، وقد أنجاه اللّه تعالى من شرّ أولئك الوحوش الكاسرة الذين أترعت نفوسهم بالرذائل والآثام، وخرج معه أبو بكر، وانطلقا إلى غار ثور (2)، فأقاما فيه ثلاثة أيام، وأرسل اللّه تعالى زوجاً من الحمام فياضتا في أسفل الثقب، وأوحى اللّه تعالى إلى العنكبوت فنسجت فيه، وخفت قريش مسرعة في طلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يتقدمهم سراقة بن مالك، وكان عارفاً بالأثر، فانتهى إلى باب الغار، فرأى بيض الحمام ونسج العنكبوت، فقال : «لو دخل الغار أحد لانكسر البيض، والنبي يراهم، ويدعو قائلاً:
«اللّهمَّ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ».
وأعمى اللّه أبصارهم، فخفي عليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفزع أبو بكر وقال للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا»، وهذا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) روعه، وقال له :
«لَا تَخَفْ إِنَّ اللّه مَعَنا».
ونزلت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الآية الكريمة : «إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّه إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّه هِيَ الْعُلْيَا وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (3).
ونزل رجل من قريش على باب الغار فبال، فخاف أبو بكر وقال : «يا رسول اللّه،
الجزء الأول قد أبصرونا، فردّ عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً: «لَوْ أَبْصَرُونا ما اسْتَقْبَلُونَا بِعَوْراتِهِمْ» (1)، ولمّا يئست قريش من الظفر قفلت راجعة إلى مكّة، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد استأجر بعيرين أحدهما له، والآخر لأبي بكر، ولما سكنت قريش عن طلبه جيء بهما إليه، فامتطى أحدهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وامتطى الآخر أبو بكر، وسارا يجدان في السير لا يلويان على شيء متّجهين صوب يثرب.
وانتهت الأنباء لأهل المدينة بهجرة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليهم، فهرعت الجماهير بشوق عارم لاستقباله، وخرجت النساء وهن ينشدن :
طَلَعَ الْفَجْرُ عَلَيْنا***مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا***ما دَعَا للّه دَاعْ(2)
كما خرجت جواري بني النجار وهن يضربن بالدفوف وينشدن :
نَحنُ جَوَارٍ مِن بَني النَّجَارِ***يا حَبَّذا محمّد مِنْ جارٍ
واحتشدت الجماهير في الطرق وهم يهتفون :
«جاء محمّد».
«جاء رسول اللّه».
«اللّه أكبر» (3).
واحتشدت الجماهير تحت هالة من التكبير، وهي ترحّب أشدّ الترحيب بمقدم المحرّر والمنقذ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان يوماً مشهوداً لم يمر على يثرب مثله، وقد وجد
الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نفسه الغبطة والمسرّة على هذا الاستقبال العظيم.
وحقت رؤساء القبائل بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد طلب كلّ واحد منهم أن يتشرف ويحظى بضيافته والنزول عنده، فشكرهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأحاطهم علماً أنّ الناقة مأمورة أن تحط في المكان الذي يختاره اللّه تعالى، وسارت الناقة وخلفها الجماهير الحاشدة، حتّى أتت دار أبي أيوب خالد بن زيد، فتَحلحلت، وَرزَمتْ، ووضعت جِرانها وبركت، فنزل عنها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واستقبله أبو أيّوب بكلّ حفاوة وتكريم، وعدّ ذلك من ألطاف اللّه تعالى ومن نعمه عليه (1).
ووفدت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجوه أهل المدينة وأعيانهم وسائر طبقاتهم وهم يرحبون بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويضمنون له الحماية، والذب عن مبادئه وقيمه، والنصرة لدينه، وقابلهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالشكر وقال لهم : «أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ»، قال ذلك ثلاث مرّات (2).
ونزل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الطابق الأسفل من الدار، وأبو أيوب في الجانب الأعلى منه، وتحرّج أبو أيوب كأشدّ ما يكون التحرج، فقال للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لا أعلو سقيفة أنت تحتها»، وكان ذلك من عظيم آدابه، فتحوّل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الجانب العلوي من الدار (3).
وكان يصنع الطعام ويقدّمه للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإذا فضل منه شيء سارع هو وزوجته إلى تناوله للبركة (4). وقدم له مرّة طعاماً فيه ثوم أو بصل، فلم يتناول منه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شيئاً،
فقال له أبو أيّوب : «يا رسول اللّه، بأبي أنت وأُمّي رددت عشاءك ولم أرَ فيه موضع يدك ؟».
«بأبي وأمي أنت يا رسول اللّه، لم رددتَ عشاؤك ؟»، فقال له الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنا أناجِي - أي النّاس - فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ»، فأكله أبو أيّوب، وامتنع بعد ذلك من وضع البصل والثوم في الطعام الذي يقدّمه لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
بنى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مساكنه إلى جانب المسجد الشريف باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد (1).
وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يؤتى له بالماء من بئر أبي الهيثم بن التيهان، وكان ماؤها طيّباً، وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يهتمّ بنظافة الماء، فقد استسقى ماءً، فأتاه شخص بقدح فيه ماء، وكانت فيه شعرة، فبادر إلى إزالتها، فدعا له النبيّ وقال : «اللّهمَّ جَمِّلْهُ»، ويقول الرواة : إن الشخص بلغ أربعاً وتسعين سنة، وليس في لحيته شعرة بيضاء (2).
وأوعز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)إلى حذيفة بن اليمان بتسجيل عدد المسلمين، فكتب له ألفاً وخمسمائة رجل (3).
أمّا سكّان المدينة التي اتخذها النبيّ عاصمة لدولته، فقد تجاوب معظم سكّانها لاعتناق الإسلام، وقد اتخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم جيشاً مزوّداً بالعقيدة، مؤمناً بأصالة الإسلام، فخاضوا أعنف المعارك، واشتبكوا مع أعتى القوى المعادية للإسلام المزوّدة بأحدث الأسلحة في ذلك العصر، في حين أن الجيش الإسلامي لم تكن عنده تلك الأسلحة، إلا أنه يتمتّع بقوّة الإيمان وصلابة العقيدة، فاستطاع أن يهزم القوى المعادية للإسلام حتّى نصر اللّه دينه، وأعزّ عبده ورسوله، فامتدت أشعة النور إلى معظم أنحاء العالم العربي وغيره، وانطوت بذلك معالم الجاهلية وخرافاتها وأصنامها.
ومن الجدير بالذكر أن سكان المدينة لم يكونوا على نمط واحد من ناحية عقيدتهم، فقد كان فيهم المؤمنون، والمتحرّجون في دينهم، كما كان فيهم عصابة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام بألسنتهم وقلوبهم مليئة بالكفر والعداء للإسلام، كما كان من سكان المدينة اليهود وهم من أخطر أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، فما من مؤامرة تدبّر ضدّ الإسلام إلا أمدوها بالمال والسلاح، واستبان ذلك للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فشنّ عليهم حروباً قتاليّة، وحذر المسلمين من شرورهم، وكان آخر ما أوصى به إخراجهم من الجزيرة العربيّة حسب رواية الواقدي.
وعلى أي حال، فإنّ معظم سكان المدينة كانوا هم من الأوس والخزرج، وقد سادت بينهم الحروب، إلّا أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قضى عليها، وآخى بينهم.
أقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صلاة الجمعة حين قدومه إلى المدينة، وقد خطب في المصلين هذه الخطبة :
«الْحَمْدُ للّه أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَسْتَهْدِيهِ، وَأؤْمِنُ بِهِ وَلَا أَكْفُرُهُ، وَأعادي مَنْ يَكْفُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ.
وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ وَالنُّورِ وَالْمَوْعِظَةِ عَلى فَتْرَةِ مِنَ الرُّسُلِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَضَلَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَانْقِطَاعِ مِنَ الزَّمانِ، وَدُنُو مِنَ السَّاعَةِ، وَقُرْبِ مِنَ الْأَجَلِ. مَنْ يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى وَفَرَّطَ وضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً.
وَأوْصِيكُمْ بِتَقْوى اللّه، فَإِنَّهُ خَيْرُ ما أَوْصى بِهِ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَحُضُهُ عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللّه، فَاحْذَرُوا ما حَذَّرَكُمُ اللّه مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ نَصِيحَةٌ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ ذِكْرَى، وَإِنَّهُ تَقْوَىٰ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ عَلَى وَجَلٍ وَمَخافَةٍ، وَعَوْنُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْتَغُونَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَة.
وَمَنْ يُصْلِح الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّه مِنْ أَمْرِ السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ لَا يندى بِذلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللّه يَكُنْ لَهُ ذِكْراً في عاجِلِ أَمْرِهِ، وَذُخْراً فيما بَعْدَ الْمَوْتِ حِينَ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلى ما قَدَّمَ، وَما كانَ مِنْ سِوى ذلِكَ يَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللّه نَفْسَهُ، وَاللّه رَؤوفٌ بِالْعِبادِ.
وَالَّذِي صَدَقَ قَوْلَهُ، وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ، لا خُلْفَ لِذلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: «مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامِ لِلْعَبِيدِ» (1).
وَاتَّقوا اللّه في عاجِلِ أَمْرِكُمْ وَآجِلِهِ، في السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ، فَإِنَّهُ «وَمَن يَتَّقِ اللّه
1) ق 50: 29.
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا» (1)، وَمَنْ يَتَّقِ اللّه فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظيماً، وَإِنَّ تَقْوَى اللّه تُوفَّى مَفْتَهُ، وَتُوَفَّى عُقوبَتَهُ، وَتُوَكَّي سَخَطَهُ، وَإِنَّ تَقْوَى اللّه تُبَيِّض الوجوه، وَتُرْضِي الرَّبَّ، وَتَرْفَعُ الدَّرَجَةَ.
خُذوا بِحَظِّكُم، وَلَا تُفَرِّطوا في جَنْبِ اللّه قَدْ عَلَّمَكُمُ اللّه كِتابَهُ، وَنَهَجَ لَكُم سَبِيلَهُ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلِيَعْلَمَ الكاذِبينَ، فأحْسِنوا كما احْسَنَ اللّه إِليکم، وعادوا أَعْداءَهُ، وَجاهِدوا في اللّه حقّ جِهادِهِ، هُوَ اجْتَباكُم وَسَمَاكُم المُسْلِمِينَ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيَّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (2)، وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللّه، وَاعْمَلُوا لِما بَعْدَ المَوْتِ، فَإِنَّهُ مَنْ أَصْلَحَ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّه يَكْفِهِ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّه يَقْضى عَلَى النَّاسِ وَلا يَقْضُونَ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ، وَلا يَمْلِكُونَ مِنْهُ، اللّه أَكْبَرُ، وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه العَلِيِّ العَظِيم» (3).
حكت هذه الخطبة الإيمان المطلق باللّه تعالى، وتوجيه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للمسلمين صوبه؛ لأنه مفتاح النجاح لهم.
بادر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى تأسيس جامع له ليكون مقرّاً لحكومته، ومعهداً لتعاليمه. ومركزاً لعبادته، وكانت قطعة أرض تسمّى المزيد، فسأل عن صاحبها، فقيل له : إنّها لسهل وسُهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لمعاذ بن عفراء، وضمن معاذ إرضاءهما، فاتخذه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسجداً له، وكان طوله ستين ذراعاً، وعرضه
كذلك، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من جملة العمال، وقال شخص من المسلمين :
لَئِنْ قَعَدنا والنَّبيُّ يَعْمَلُ***لذاكَ مِنّا العَملُ المُضَلَّلُ
وارتجز المسلمون في أثناء عملهم :
لا عَيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرة**اللّهمَّ ارْحَمِ الأنصارَ وَالمُهَاجِرَه
وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعمل ويرتجز :
لا يَسْتَوى مَن يَعْمَرُ المساجِدا***يَدابُ فيهِ قائِماً وقاعِدا
وَمَنْ يُرى عَنِ الغبار حائِدا (1)
وجرت مشادّة بين الصحابي العظيم عمّار وبين شخص، فقال له :
«إنِّي سأعرض هذه العصا لأنفك». فسمع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك، فتأثر وقال :
«ما لَهُمْ وَلِعَمَارٍ ! يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّارِ، إِنَّ عَمَاراً جِلْدَةُ ما بَيْنَ عَيْنَيَّ وَأَنْفي، فَإِذا بُلغَ ذلِكَ مِنَ الرَّجُلِ فَلَمْ يُسْتَبق فاجْتَنِبُوهُ» (2).
ومن الجدير بالذكر أنّ امرأة حبشية كانت تلقط القذى وتميط الأذى عن مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لهَا كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ».
وفي تأسيس الجامع النبوي ومساكن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انتشر الإسلام في ربوع المدينة ونواحيها، وبذلك تشكلت الدولة الإسلاميّة العظمى.
واعتز الأنصار بقدوم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليهم، واتَّخاذ بلدهم مقراً لعاصمته، وقد أثر عن أبي قيس بن أبي أنس هذه اللوحة البديعة من الشعر، يذكر فيها ما أكرمهم اللّه به من
الإسلام، وما خصهم به من رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ثوى في قُريش بضْعَ عَشْرَةَ حِجَةٌ***يُذَكِّرُ لو يَلْقى صَدِيقاً مُواتِيا
وَيَعْرِضُ في أهْلِ المَواسِم نَفْسَهُ***فَلَمْ يَرَ مَن يُؤْوِي وَلَم يَرَ داعِيا
فَلَمّا أَتانا أَظْهَرَ اللّه دِينَهُ***وَأَصْبَحَ مَسْروراً بطيبة راضيا
وَأَلفى صديقاً واطْمَأَنَتْ بهِ النَّوى***وكانَ لَهُ عَوْناً مِنَ اللّه بادِيا
يَقُصُّ لنا ما قالَ نُوحٌ لِقومِهِ***وما قالَ مُوسَى إِذْ أَجابَ المُناديا
فأصبحَ لا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ واحداً***قَريباً ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ نائيا
بَذَلْنا لَهُ الأموالَ مِنْ جُلَّ مالِنا (1)***وأَنفُسَنا عند الوغى والتآسيا
نُعادى الذى عادى مِنَ الناسِ كلَّهم***جميعاً وَإن كان الحبيب المواسيا
وَنَعْلَمُ أنَّ اللّه لا شَيْءَ غَيْرُه***ونعْلَمُ أَنَّ اللّه أفضل هاديا
أقُولُ: إذا أَدْعُوكَ فى كلّ بَيْعةٍ***تباركت قد أكثرتُ لاسمك داعيا
أقُولُ : إذا جاوَزْتُ أَرضاً مُخيفةٌ***حَنانَيْكَ لا تُظْهِر عَلَيَّ الأعاديا (2)
فَطَاً مُعْرضاً إِنَّ الحُتُوفَ كَثيرةٌ***وإِنَّكَ لَا تُبْقِي لنَفْسِكَ باقيا (3)
فواللّه ما يَدْري الفتى كيف يَتَّقى***إذا هُوَ لَمْ يَجْعل لهُ اللّه واقِيا
ولا تَحْفِلُ النخلُ المُعيمةُ ربَّها***إذا أَصبَحَتْ رَبِّاً وأَصْبحَ ثاويا (4)
حكت هذه الأبيات ما يلي :
1 - إنّها عرضت إلى جهاد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة حاملاً رسالة ربه، فلم يستجب له أحد منهم، سوى القليل، وكذلك عرض نفسه على أهل المواسم فلم يؤمنوا به، وقد مكث في قومه بضع عشرة سنة مبشِّراً بدين اللّه تعالى فما استجابوا له.
2 - إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما هاجر إلى يثرب، واتخذها مقراً له، سارع أهلها إلى تصديقه والإيمان برسالته، وكانوا من حماته والذابين عن قيمه ومبادئه، وكانوا قوة ضاربة لأعدائه، فلم يخف ولم يخش أحداً.
3 - إن المدنيين قاموا بدور إيجابي ومتميز في خدمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقدوه بنفوسهم وأموالهم التي اكتسبوها من الحلال، وكان من ولائهم العارم له أنهم يعادون من عاداه، ويوالون من والاه.
4 - إنّهم أيقنوا أن اللّه تعالى وحده لا شريك له، وأن القرآن الكريم أصبح لهم هادياً.
5 - إن الشاعر إذا صلّى يدعو اللّه تعالى أن لا يظهر عليهم أعداءه وأن يكفيهم شرّهم.. هذا بعض ما حفلت به هذه المقطوعة الأدبيّة من شؤون.
من الأعمال الرائعة التي قام بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه أخى بين المهاجرين والأنصار برباط الأخوة الصادقة التى هى أوثق من رابطة النسب والدم، والتي من مظاهرها أن يشارك كلّ واحد منهم أخاه في مكاره الدهر ولينها، وقد آخى بينه وبين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وشيء آخر جدير بالاهتمام، وهو أنه قام بالإصلاح بين الأوس والخزرج، ونزع ما كان سائداً بينهما من العداوة والبغضاء.
وبعد ما استقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في يثرب، ووجد في أهلها الحماية والأمن شرع
في إقامة الحضارة الإسلاميّة التي تسمو بالإنسان وتنقذه من مآثم الحياة، وقد حفلت حضارته بجميع ألوان التطوّر والإبداع، فقد صنعت منهجاً متكاملاً للإنسان يجد في ظلاله الأمن والرخاء، وجميع ما يصبو إليه في حياته، فقد عالج جميع قضإيّاه بالاصلاح الشامل، وحسم جميع ألوان الشر والفساد، وكان من بين مناهجه :
كانت المرأة في العصر الجاهلي من أضعف مخلوقات اللّه تعالى، ومن من أشدّها عناء وبلاء، فقد أحاطت بها الويلات والكوارث، وكان من مظاهر ظلمها وبلائها.
وكان من الظلم الفاحش للمرأة في العصر الجاهلي أنه إذا ولد لشخص بنت ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم، وقد حكى القرآن الكريم ذلك. قال تعالى : «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَاً وَهُوَ كَظِيمٌ» (1)، والأدهى من ذلك أنهم كانوا يعمدون إلى وأد البنت وهي حيّة، وقد نعى عليهم القرآن ذلك. قال تعالى : «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» (2). وكانت هذه الظاهرة سائدة عند بعض القبائل، كربيعة، وكندة، وتميم، ومن الأمثلة الشائعة عندهم : «دفن البنات من المكرمات.». وحرّرها الإسلام من هذا الظلم الفاحش، وبنى للمرأة كياناً متميزاً بالتكريم والتبجيل، فهي صانعة الحياة ومربية الجيل، وهي قوام الحياة.
أمّا المرأة في العصر الجاهلي، فقد حرمت من الميراث، فإنّها لا ترث زوجها وأباها وأُمّها، ولا حظ لها فيما يتركونه من متع الحياة، وقد ساوى الإسلام بينها
وبين الرجل في هذه الظاهرة مساواة كاملة، فهي ترث وتورّث على تفصيل في كيفية الإرث ذكره فقهاء المسلمين.
أمّا أرملة الأب في العرف الجاهلي فإنّ أمرها بيد الولد الأكبر، فله أن يتزوج بها، وإن لم يكن له إرب فيها زوجها من بعض اخوانه، وأخذ مهرها.
أمّا زواج المرأة فهو تابع لرغبات الآباء والاخوان وسائر الأرحام من دون أن يكون للمرأة أي شأن في زواج نفسها، ولهم السيطرة التامة عليها، فإذا شاؤوا تركوها عانسة، أو تفدي نفسها بالمال، وحرّرها الإسلام من هذه القيود، ولم يجعل لأحد عليها سلطاناً سوی الأب على رأي بعض الفقهاء؛ لأنّه أعرف منها بشؤون الرجال منها، ويشترط في ولايته عليها أن يراعي مصلحتها، أما إذا لم يحفل بذلك فلا سلطان له عليها. هذا في المرأة الباكر، وأما الثيب فلا سلطان للأب عليها. لقد حرّر الإسلام المرأة من القيود التي فرضتها الجاهلية عليها، وبنى لها اطاراً من العزة والكرامة.
هذه بعض الحقوق التي قننها الإسلام للمرأة، وهي غريبة على العرف الجاهلي.
من القيم الحضارية التي أسّسها الإسلام المساواة العادلة بين جميع أبناء البشر على اختلاف قوميّاتهم ولغاتهم وألسنتهم، لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير، ففي الحديث : «كُلُّكُمْ لَآدَمَ وَ آدَمُ مِنْ تُراب».
يقول (جيب) : «إنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال في قدرته أن ينجح نجاحاً باهراً في تأليف العناصر والأجناس البشريّة المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة، وإذا وضعت منازعات الشرق والغرب موضع الدرس، فلا بدّ من الالتجاء إلى الإسلام».
ويقول (جواهر لال نهرو) : «إنّ نظرية الاخوة الإسلاميّة والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها، ويعيشون فيها، أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاً، وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرّم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانيّة».
ويقول (توماس كارليل) : «إنّ في الإسلام خلّة من أشرف الخلال وأحبّها، هي المساواة بين النّاس» (1).
وليس المقصود من المواساة التي أعلنها الإسلام هي المساواة الطبيعية بين النّاس، وهي تساويهم في اللون والذكاء والأخلاق والطباع، فإن هذه الأمور يستحيل التساوي فيها، كما أن المقصود ليس هو التساوي في المعيشة، فإن ذلك غير ممكن، وفي الحديث : «لَوْ تَساوَيْتُمْ لَهَلَكْتُمْ»، أما مظاهر التسوية في الإسلام فهذه لمحات منها :
وقرّر الإسلام بصورة إيجابية المساواة الطبيعية بين الناس. قال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ» (2). روى ابن عباس سبب نزول هذه الآية أن أحد الموالي خطب امرأة من بني بياضة، فأشار النبيّ على أهلها أن يزوجوها منه، فقالوا له :
«يا رسول اللّه، أنزوّج بناتنا من موالينا ؟».
ونزلت الآية المباركة في تحطيم العادة الجاهليّة التي تقتضي بتفاوت بعض الطبقات على بعض، وعدم صلاحيّة المولى للزواج ببنات الأسر البارزة في
المجتمع، وقد سار على هذه الخطة المثالية أئمّة أهل البيت :، فقد أعتق الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارية له، وبعد العتق تزوّج بها، وقد عاب عليه عبدالملك بن مروان، فكتب له رسالة ندّد فيها صنعه هذا نصّها :
«أما بعد، فقد بلغني تزويجك مولاتك، وقد علمت أنّه كان فی أكفائك من قريش من تمجد به في الصهر، وتستنجبه من الولد، فلا لنفسك نظرت، ولا على ولدك أبقيت، والسلام».
وردّ عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسالة بين فيها مبادئ الإسلام هذا نصها :
«أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتابُكَ تُعَنِّفُني فِيهِ بِتَزْويجي مَوْلاتي، وَتَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي نِساءِ قُرَيشِ مَنْ أُمَجدُ بِهِ فِي الصَّهْرِ، وَأَسْتَنْجِبُهُ في الوُلدِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ رَسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَرْتَقى في مَجْدٍ، ولا مُستَزاد في كَرم، وَإِنَّمَا كانَتْ مِلْكَ يَمينِي، خَرَجَتْ مِنّي بِأَمْرِ إِرادَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، الْتَمَسْتُ فِيهِ ثَوابَهُ، ثمّ ارْتَجَعْتَها عَلَى سُنَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ زَكِبًا فِي دِينِهِ فَلَيْسَ يَخِلُّ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَقَدْ رَفَعَ اللّه بِالإِسْلامِ الخَسيسةَ، وأَتَمَّ بِهِ النَّقيصَةَ، وَأَذْهَبَ اللَّوْمَ، فَلا لَوْمَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِنَّمَا اللَّوْمُ لَوْمُ الجَاهِلِيَّةِ...» (1).
هذا هو منطق الإسلام صريح واضح، قد ألغى الامتيازات، وهدم الحواجز بين المسلمين. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «كُلُّكُمْ لَآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَلَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، أَوْ لَيَكونَنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللّه مِنَ الجِعْلان».
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنَّ اللّه قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الجاهِلِيَّةِ وَتَعاظُمِها بآبائِها، فَالنَّاسُ رَجُلان : رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيُّ كَريمٌ عَلَى اللّه تَعَالَى، وَرَجُلٌ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللّه تَعَالَى» (2).
إنّ الإسلام وضع قواعد المساواة على أساس الفطرة السليمة، فلم يميّز قوماً
على قوم إلّا بالتقوى. يقول الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنَّ اللّه تعالى خَلَقَ الجَنَّةَ لِمَنْ أَطاعَهُ، وَلَوْ كانَ عَبْداً حَبَشِيَاً، وَخَلَقَ النّارَ لِمَنْ عَصاهُ وَلَوْ كانَ سَيِّداً قُرَشِيَاً».
وخاطب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبناء أسرته، فقال لهم : «يا بني هاشم، لا يَأْتيني النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ وَتَأْتُونِي بِأَنْسَابِكُمْ تَقُولُونَ : نَحْنُ ذُرِّيَّةٌ محمّد...».
إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ناهض التفاخر بالآباء الذي كان سائداً عند العرب، ومن أمثلة ذلك أنّ عبداً أسود خاصم عبد الرحمن بن عوف، فغضب منه لأنّه خاصمه، فقال له : يابن السوداء، ولما سمع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك اندفع بغيظ قائلاً لابن عوف :
«لَيْسَ لابْن البَيْضاءِ عَلَى ابْن السَّوْداءِ سُلْطانُ إِلَّا بِالْحَقِّ».
إنّ المساواة التي تبنّاها الإسلام حافلة بجميع عوامل الارتقاء والنهوض، وهي من مقومات الحياة، توطد معالم السلم، وتقضي على أسباب التأخر والانحطاط.
من معالم السياسة الإسلاميّة مساواة النّاس أمام القانون بلا فرق بين القوي والضعيف، والغني والفقير، فقد سئل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعفو عن سارقة لشرف أسرتها، فامتنع وأجاب : «إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ؛ لأنهم كانوا إذا أَذْنَبَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ عاقبوهُ، وَإِذا أَذْنَبَ الشَّريف فيهِمْ تَرَكُوهُ، واللّه ! لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ محمّد لَقَطَعْتُ يَدَها» (1).
ومن مساواة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الباهرة أنه لما دنا منه الأجل المحتوم خرج وهو مريض فاعتلى أعواد المنبر وخطب قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهذا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ مالاً فهذا مالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ...
1) الخراج / أبو يوسف : 50.
وَلَا يَقُولَنَّ قائِل : أَخافُ الشَّحْناءَ مِنْ قِبَل رَسُولِ اللّه، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْناءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا كانَ لَهُ عَلَيَّ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِى مَظْلِمَةٌ...» (1).
حقاً هذه هي المساواة التي تحي بها الأمم والشعوب. إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي هو قمّة الشرف والمجد أعطى القصاص من نفسه، وساوى بينه وبين غيره، وسار على هذه الخطة وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ففي أيّام خلافته فقد درعاً له فوجده عند يهودي، فادّعى ملكيته، فرفع الإمام الأمر إلى القاضي فحكم لصالح اليهودي وانصاع للقضاء، وفي أيّام حكومة عمر خاصمه يهودي فقال له عمر :
«قم يا أبا الحسن وقف مع خصمك».
فتغيّر وجه الإمام، وبعد الانتهاء من المرافعة، قال له عمر :
«يا أبا الحسن، لعله ساءك أمري أن تقف مع خصمك اليهودي ؟».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وكَلَّا، وَإِنَّما سَاءَني أَنَّكَ كَذَّيْتَنِي، وَلَمْ تُساوِ بَيْنِي وَبَيْنَ خَصْمي، والْمُسْلِمُ وَاليَهودي أمامَ الحَقِّ سَواءٌ».
إنّ الإسلام ألزم بالمساواة بين الخصمين في مجلس القضاء، فلا يصح تقديم أحدهما على الآخر، ونشير إلى بعض الصور الرائعة من المساواة في القضاء، وهي :
1 - التسوية بين الخصمين في السلام، فليس للقاضي أن يخص أحدهما بالسلام ويعرض عن الآخر، كما أنّه إذا سلّما معاً يجب عليه أن يردّ عليهما.
2 - المساواة بينهما في الكلام، فليس له أن ينطلق في كلامه مع أحدهما ويسكت عن الآخر.
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 82.
3 - المساواة بينهما في الإذن بالدخول عليه، وليس له أن يسمح لأحدهما بالدخول ويحجب الآخر.
4 - التسوية بينهما بالتكريم والاحترام.
5 - التسوية بينهما في المجلس، فلا يجوز له أن يخص أحدهما بالمكان الأعلى دون الآخر.
6 - التسوية بينهما في طلاقة الوجه.
7 - الاستماع لكلامهما، وليس له أن يسمع كلام أحدهما دون الآخر.
8 - أن يساوي بينهما في العدل والانصاف.
9- لا يجوز للقاضي أن يرجح أحد الخصمين على الآخر بأي شيء (1). إنّ هذه المساواة التى أعلنها الإسلام لا يوجد لها أي مثيل في الأنظمة الحديثة وغيرها (2).
إنّ الضرائب الماليّة التي فرضها الإسلام، كالزكاة والخمس وغيرهما يتساوى فيها جميع المسلمين، فلا يعفى عنها شخص، وتفرض على شخص آخر.
من روائع العدالة الاجتماعيّة التي أنشأها الإسلام المساواة بين المواطنين في التوظيف والمناصب، فلا يختص بها قوم دون قوم، فجميع من تتوفر فيه الامكانيات والشرائط فهو أولى بالمنصب، وإن كان ذلك قريباً لأحد المسؤولين.
إنّ الإنسان فى شريعة الإسلام مسؤول عن عمله لا يؤخذ غيره بوزر عمله. قال تعالى : «كلّ امْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ» (1).
وقال تعالى : «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (2).
وهذه المسؤوليّة من روائع ما قننه الإسلام في حضارته التي أعلنت حقوق الإنسان.
من القيم الحضارية التي أسّسها الإسلام إلغاء التمييز العنصري بين المسلمين يقول الرواة : إنّ امرأة سوداء كانت تقيم في المسجد فقيرة بائسة، ففقدها النبيّ، فقيل له : إنها ماتت، فتألّم وقال لأصحابه :
«أَفَلا كُنتُم أَخْبَرْتُموني ؟».
وطلب النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يرشدوه لقبرها، فأرشد وه له، فانطلق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى القبر (3).
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سلمان الفارسي (رَحمهُ اللّه) : «سَلْمانُ مِنَا أَهْلَ البَيْتِ، الصَّدَقَةُ حَرامٌ عَلى سلمان».
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بلال الحبشي حينما كان لا يتمكّن من النطق بالشين، وإنّما كان ينطق بالسين، فاتّخذ بعض المنافقين ذلك ذريعة للسخرية به، ولما علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
ذلك قال : «إِنَّ سينَ بِلالٍ شِينٌ عِنْدَ اللّه تَعَالَى إِنَّ سِينَ بِلالٍ خَيْرٌ مِنْ شِينِكُم»، إلى غير ذلك من البوادر التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي تدلّ على مدى اهتمامه بالمساواة بين المسلمين.
من المبادئ الرفيعة التي تبناها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الاخوة الإسلاميّة، ولم تكن شعاراً زائفاً، وإنّما هي حقيقة بارزة من أحكام الإسلام.
إنّ الاخوة الإسلاميّة لم تقم على أساس قبلي أو جنسي أو إقليمي، وإنّما أُقيمت على أنّها جزء من العقيدة الإسلاميّة يسأل عنها المسلم، ويحاسب عليها، تمدّ المجتمع بالوحدة والتفاهم، والايثار والتعاون، وتخلق له نموذجاً فريداً من التكامل الاجتماعي، وتسدّ الطريق أمام أعدائه من أفاعي الجشع والاستعمار.
أمّا حقيقة الاخوّة الإسلاميّة فقد تحدّث عنها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
«لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتّى يُحِبَّ لأخيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه).
ووصف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المجتمع الإسلامي في اخوّته وتقارب عواطفه، ووحدة مشاعره بأنّهم كالجسم الواحد. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمّى».
لقد أضفى الإسلام على الاخوة الإسلاميّة المنزلة الرفيعة، فجعلها أقوى من رابطة النسب والدم، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «المُسْلِمُ أَخو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يُحَقِّرُهُ...».
إنّ الاخوة الإسلاميّة ليست عاطفة مجرّدة، وإنّما هي علاقة وثيقة تمتدّ إلى أعماق القلوب ودخائل النفوس، وتوجب اشتراك الجميع في البأساء والضرّاء، وقد أعلن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك، فقد بعث رجلاً في حاجة له فأبطأ عليه، فلمّا مثل عنده قال له :
«ما أَبْطَأَكَ ؟».
«العريّ».
«أما كانَ لَكَ جارٌ لَهُ ثَوْبان يُعِيرُكَ أَحَدَهُما ؟».
«بلی یا رسول اللّه».
فتألم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال :
«ما هذا لَكَ بِأَخ».
ويقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عملاق هذه الأمّة، ورائد نهضتها الفكرية والحضارية : «المُسْلِمُ أَخو المُسْلِمِ، هُوَ عَيْنُهُ، وَمِرْآتُهُ، وَدَليلُهُ ؛ لا يَحُونُهُ، وَلَا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْدَعُهُ، ولا يُكَذِّبُهُ، وَلا يَغْتابه...» (1).
إنّ هذه المثل الكريمة تشدّ روابط الاخوة الإسلاميّة، وتقيمها على أساس من الوعي والتطور.
وتحدّث الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو من ألمع أبناء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن حقيقة الاخوة الإسلاميّة، قال : «المُؤْمِنُ أَخو المُؤْمِنِ، لَا يَشْتِمُهُ، وَلَا يُحْزِنُهُ، وَلَا يُسِينُ بِهِ الظَّنَّ» (2).
لقد أقام الإسلام دعائم الاخوة الإسلاميّة على أسس عميقة تؤلّف ما بين العواطف والقلوب، وتصهر المجتمع بقوة وتضامن وتألف.
وندب الإسلام إلى بعض الأمور التي تجمع المسلمين على صعيد المحبّة
والاخاء، ومن بينها :
حثّ الإسلام على التراحم والتعاطف. يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) باني الإسلام ومجدّده لأصحابه :
«اتَّقُوا اللّه، وَكُونُوا إِخْوَةٌ مُتَحابَين في اللّه، مُتَواصِلِينَ، مُتَراحِمِينَ، تَزاوَرُوا وَتَلاقُوا وَتَدَا كَرُوا أَمْرَنَا وَأَحيُوهُ» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَحِقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الإِجْتِهادُ في التَّواصُلِ وَالتَّعاونُ عَلَى التَّعاطُفِ وَالمُواساة لِأَهْل الحاجَةِ، حتّى تَكُونُوا كما أَمَرَكُمُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»، مُتراحِمينَ، مُعْتَمِّينَ لِما غابَ عَنْكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
إنّ هذه النصائح تجعل المسلمين يداً واحدة على من سواهم، ولو تحلّى بها المسلمون لما طمعت فيهم إسرائيل وعبيدها الأمريكان.
من روابط المجتمع الإسلامي إفشاء السلام، وقد أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما وصل إلى يثرب - المسلمين وأوصى به قائلاً: «افْشُوْا السَّلَامَ، وَأَطِيبوا الكَلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوْا الأَرْحامَ، وَصَلُّوْا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوْا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (3).
وهذه التعاليم الرفيعة جزء من رسالة الإسلام الهادفة إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده المحبّة والألفة.
وحثّ الإسلام المسلمين على التزاور فيما بينهم؛ لأنه يعقد أواصر المحبة والمودّة بينهم. يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لقاء الإِخْوَانِ مَغْنَم جَسِيمٌ وَإِنْ قَلُوا» (1).
ويقول الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه : «أَبْلِغْ مَنْ تَرى مِنْ مَوالينا السَّلَامَ، وَأَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللّه العَظِيمِ، وَأَنْ يَعُودَ غَنِيّهُم عَلَى فَقِيرِهِمْ، وَقَوِيُّهُم عَلَىٰ ضَعِيفهِمْ، وَأَنْ يَشْهَدَ حَيُّهُمْ جَنازَةَ مَيَّتِهِمْ، وَأَنْ يَتَلاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّ لَقَيَا بَعْضُهُمْ بَعْضاً حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا، رَحِمَ اللّه مَنْ أَحْيا أَمْرَنا» (2).
وأثرت عن أئمّة الهدى كوكبة من الأحاديث، وهي تدعو المسلمين إلى التمسك بزيارة الاخوان :
وتواترت الأخبار عن أئمّة الهدى بناة الإسلام بالحثّ على قضاء حوائج الناس؛ لأنه يجلب إلى المسلمين التآلف والترابط، وقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ذلك. يقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «مَن مَشى في قَضَاءِ حَاجَةِ أَخِيهِ سَاعَةً في لَيْل أَوْ نَهَارِ قَضاها أَوْ لَمْ يَقْضِها كانَ خَيْراً مِنِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ» (3).
وروى صفوان الجمال، قال : كنت مع الإمام أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ إذ دخل عليه رجل من أهل مكّة يقال له مَيْمُونٌ، فشكا إليه تَعَذَّر الكِراءِ عليه، فقال لي :
«قُمْ فَأَعِنْ أَحَاكَ».
وقام صفوان فقضى حاجة المكي، ولمّا قفل راجعاً إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له :
«ما صَنَعْتَ في حاجَةِ أَخِيكَ ؟).
«قضاها اللّه بأبي أنت وأمّي».
وسرّ الإمام بذلك وأخذ يحدّثه عن الثواب الجزيل الذي أعده اللّه لمن تضى حاجة أخيه المسلم قائلاً :
«أما إِنَّكَ إِنْ تُعينَ أَخَاكَ المُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَوافِ أَسْبُوعِ بِالْبَيْتِ مُبْتَدِنَا» (1).
إنَّ السعي والمبادرة في قضاء حوائج النّاس تبعث على إشاعة الحبّ والمودّة بين المسلمين، وهي من أوثق الأسباب في ربط المسلمين بعضهم ببعض.
من برامج الاخوة الإسلاميّة : إغاثة المسلم وردّ لهفته. قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ نَفْسَ عَنْ مُسْلِمٍ كَرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفْسَ اللّه عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيامَةِ. واللّه فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (2).
قال الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يَرى أَحَدُكُمْ إِذا أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُوراً أَنَّهُ عَلَيْهِ أَدْخَلَهُ فَقَط، بَلْ وَاللّه عَلَينا، بَلْ واللّه عَلى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (3).
وتواترت الأخبار عن أئمّة الهدى : في فضل قضاء حوائج الناس؛ لأنه من أوثق الأسباب في دعم الاخوة الإسلاميّة، ومن الطبيعي أن الحب من الأسباب التي تنشأ من الإحسان وصنع المعروف.
هذه بعض الأسباب التي تدعو إلى وحدة المسلمين وتضامنهم، وشيوع الاخوة
والمودّة بينهم.
وسدّ الإسلام جميع النوافذ التي تتسرب منها عوامل التفرقة للاخوة الإسلاميّة، وتسبّب تصدّع وحدة المسلمين وتضامنهم، والتي منها :
حرم الإسلام السخرية والتنابز بالألقاب. قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الْاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (1).
حكت الآية الكريمة النهي عن أمور ثلاثة تؤدّي إلى تفكك وحدة المسلمين، وتؤثر العداوة والبغضاء فيما بينهم وهي :
أمّا السخرية فبواعثها احتقار الغير، والاستهانة بكرامته، وإظهار مساوئه وعيوبه، وهي تنشر البغضاء والكراهية، وتقطع روابط الاخوة الإسلاميّة، فلذا نهي عنها.
وحرّم الإسلام اللمز، وهو أن يذكر شخص عيوب شخص آخر بحضوره لا بغيابه، ويطعن في شخصيّته، وقد نسبت الآية الكريمة اللمز إلى نفس المعتدين لبيان أنّ الشخص إذا عاب أخاه المسلم فقد عاب نفسه واحتقر ذاته لأنّه بمنزلة نفسه.
1) الحجرات 49 : 11.
والمراد بالتنابز أن يدعو أحد أخاه المسلم بلقب يكرهه، سواء أكان ذلك اللقب مما يخص نفس الشخص أم من يمت إليه بصلة، كالأبوين والأقارب وغيرهما، فإنّ ذلك موجب لقطع روابط المودّة بين المسلمين.. هذه الموارد التي نهى عنها الإسلام من عوامل الشر والتفرقة.
حرّم الإسلام الغيبة، وهي أن يذكر المسلم أخاه المسلم في غيبته وعدم حضوره بما يسوؤه ويكرهه، سواء أكان ذلك الانتقاص صراحة أم كناية أم إشارة، وسواء أكان الانتقاص بخلقه أم بخلقته، ففي جميع ذلك إثارة للعداوة والبغضاء، وتفريق لكلمة المسلمين، وتصديع لوحدتهم. قال تعالى : «وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه تَوَّابٌ رَحِيمٌ» (1).
لقد شبّه القرآن الكريم المغتاب بالأكل لحم أخيه المسلم في حال موته، وقد شدّد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حرمة الغيبة، فقد خطب حتّى أسمع العوائق في بيوتها، وكان من جملة خطابه : «يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمينَ وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْراتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَتَبَّعُ اللّه عَوْرَتَهُ حَتَّىٰ يَفْضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِه (2).
وأكد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحرمة الهائلة في الغيبة، فقال : «الغِيْبَةُ أَسْرَعُ في دينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الآكِلَةِ فِي جَوْفِهِ» (3).
وقال أيضاً : «ما عُمَرَ مَجْلِس بالغيبةِ إِلَّا خُرّبَ بالدِّينِ، فَنَزُهُوا أَسْماعَكُم اسْتِمَاعَ
الغيبَةِ، فَإِنَّ القائِلَ وَالمُسْتَمَعَ لها شَريكان في الإِثْمِ» (1).
لقد بنى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المجتمع الإسلامي على النظافة وسموّ الآداب ومحاسن الأعمال.
وحرّم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النميمة، وهي أن يقول شخص لآخر أن فلاناً تكلّم فيك بكذا، أي ممّا يسوؤه ويزعجه، وهي تؤدّي إلى إشعال نار الفتن وإشاعة البغضاء والعداء بين المسلمين، وهذه بعض الأحاديث النبويّة في تحريمها :
1- قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللّه الْمَشَاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ، الباغُونَ لِلْبُرَاءِ المَعايبَ» (2).
2 - قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأصحابه : «أَلا أُنَبِّئُكُم بِشِرارِكُم ؟»، فقالوا : بلى يا رسول اللّه، فقال : «المَشَاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ، الباغُونَ لِلبُرَاءِ المَعايبَ» (3).
وقد أثرت عن أئمّة الهدى ومصابيح الإسلام الأئمّة : كوكبة من الأحاديث في التحذير من جريمة النميمة، فقد قال محمّد بن فضيل عن الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جعلت فداك، الرجل من اخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فاسأله عنه، فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات ؟».
فقال له الإمام : «يا محمّد كَذَّبْ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ عَنْ أَحْيِكَ، فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ خَمْسونَ قُسَامَةً فَقالَ لَكَ قَوْلاً فَصَدِّقْهُ وَكَذَّبْهُمْ، وَلا تُذيعَنَّ عَلَيْهِ شَيْئاً يُشيَنَهُ، وَتَهْدِمْ مروءَتَهُ، فَتَكُونَ مِنَ الَّذينَ. قالَ اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (1)» (2).
وهناك كوكبة من الأحاديث تحرّم النميمة، وتهيب بالمسلم أن لا يتصف بها لأنّها تؤدّي إلى شرّ عظيم.
وينى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المجتمع الإسلامي على التواصل والمودّة ونهى عن التقاطع. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أَيُّما مُسلِمَيْنِ تَهاجَرا، فَمَكَنا ثَلاثاً لا يَصْطَلِحانِ إِلَّا كانا خارِجَيْنِ مِنَ الإِسْلامِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما وَلايَةٌ، فَأَيُّهُما سَبَقَ إِلى كَلام أخيهِ كانَ السَّابِقُ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الحِسابِ» (3).
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ» (4).
إنّ التقاطع يفلّ الروابط الإسلاميّة، ويفصم عرى الوحدة الدينيّة التي حرص الإسلام على إقامتها، وقد أثرت كوكبة من الأخبار عن أئمّة الهدى :، وهي تحثّ المسلمين على التواصل والتعاون فيما بينهم.
أقام الإسلام المجتمع على التعاون بين المسلمين، ونهى عن الاخلال به، وقد تظافرت الأخبار بذلك، فقد روي عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال : «مَنْ بَخِلَ بِمَعُونَةِ أخيهِ المُسْلِمِ والقِيامِ لَهُ في حاجَتِهِ إِلَّا ابْتُلِيَ بِمَعُونَةِ مَنْ يَأْثَمُ عَلَيْهِ وَلَا يُوْجَرُ» (5).
وقد أكد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة التعاون بين المسلمين، فقد قال لأصحابه :
«ما لَكُم تَسْتَخِفُونَ بِنا ؟».
فانبرى إليه رجل من خراسان، فقال له :
«معاذ اللّه أن نستخف بك أو بشيء من أمرك».
فأجابه الإمام وهو مغيظ :
«إِنَّكَ أَحَدُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِنا».
«معاذ اللّه أن أستخف بك».
«وَيْحَكَ أَلَمْ تَسْمَعْ فُلاناً - وَنَحْنُ بقرن الجحفة - وَهُوَ يَقُولُ لَكَ : احْمِلْنِي قَدْرَ مِيلٍ فَقَدْ وَاللّه أَعْبَيَتُ، وَاللّه ! ما رَفَعْتَ لَهُ رَأْساً، لَقَدِ اسْتَخْفَفْتَ بِنا، وَمَنِ اسْتَخَفْ بِمُؤْمِن فِينا اسْتَخَفْ وَضَيَّعَ حُرْمَةَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (1).
إنّ ترك التعاون بين المسلمين له مضاعفاته السيئة التي منها انقطاع المودّة والألفة بينهم.
حرّم الإسلام إيذاء المسلم وتحقيره وإهانته، وقد أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كوكبة من الأحاديث تحرّم ذلك، منها :
1 - قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونُ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِه».
2 - قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُسْيَرَ إِلَى أَخِيهِ بِنَظْرَةٍ تُؤْذِيهِ».
3- قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ نا بَذَنِي مَنْ أَذَلَّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ» (2).
إنّه ليس من الإسلام في شيء إيذاء أي إنسان مسلم أو احتقاره. قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اسْتَذَلَّ مُؤْمِناً وَاسْتَحْفَرَهُ لِقِلَّةِ ذاتِ يَدِهِ وَلَفَقْرِهِ شَهَرَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ» (1).
وقال : «مَنْ حَقَّرَ مُؤْمِناً مِسْكِيناً أَوْ غَيْرَ مِسْكِينِ لَمْ يَزَلِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ حاقِرًا لَهُ ماقتاً حتّى يَرْجِعَ عَنْ مَحْفَرَتِهِ إيّاه» (2).
إنّ إيذاء النّاس واحتقارهم إنّما يصدر عن شخص قد أفلس من الإيمان واستخف بحرمة اللّه تعالى، وصدّ عن السبيل القويم.
وحرّم الإسلام تخويف أي إنسان مسلم أو إرهابه. قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِنٍ نَظْرَةٌ لِيُخِيفَهُ بِها أَخَافَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (3).
وقال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ رَوْعَ مُؤْمِناً بِسُلْطانِ لِيُصِيبَهُ مِنْهُ مَكْرُوهُ فَلَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ في النّارِ، وَمَنْ رَوَّعَ مُؤْمِناً بِسُلْطَانٍ لِيصِيبَهُ مِنْهُ مَكْرُوهُ فأصابَهُ فَهُو مَعَ فِرْعَوَنَ وَآلِ فِرْعَوْنَ في النّارِ» (4).
إنّ الإسلام حرّم الارهاب، وتوعّد الارهابيين بالخلود في نار جهنم وبئس المصير.
ومن معالي التربية الإسلاميّة تحريم السباب حتّى مع الأعداء في الدين. قال
تعالى : «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه فَيَسُبُّوا اللّه عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ» (1).
وأثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض الأحاديث في النهي عن السباب. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «سباب المُؤْمِن فُسُوقٌ، وَأَكْلُ لَحْمِهِ مَعْصِيَةٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ، وَحُرْمَةُ مالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِه» (2)، ووفد رجل من تميم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وطلب منه أن يوصيه، فكان مما أوصاه به : «لا تَسُبُّوا النَّاسَ فَتَكْتَسِبُوا العَداوَةَ بَيْنَهُمْ» (3)، إلى غير ذلك من الأخبار التي حذرت من السباب؛ لأنه يؤدّي إلى نشر العداوة والبغضاء بين الناس.
وأحاط الإسلام المجتمع الإسلامي بسياج واقٍ من التصدّع والتشتّت، فكان مما نهى عنه تتبع عثرات النّاس، ونشر مساوئهم، وقد حذر القرآن عن ذلك أشدّ الحذر. قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (4). وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُسْلِمْ بِقَلْبِهِ، لَا تَتَبَّعُوا عَثَراتِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَثَراتِ المُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللّه عَشْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللّه عَثَراتِهِ يَفْضَحْهُ» (5).
قال الإمام أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ أَسْرَعَ الخَيْرِ ثَواباً البِرُّ، وَأَسْرَعَ الشَّرِّ عُقوبةَ الْبَغْيُّ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ مَا يَعْمَى عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُعَيَّرَ النَّاسَ بِما لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ، وَأَنْ يُؤْذِي جَلِيسَهُ بِما لا يَعْنيهِ» (6).
وقال الإمام الباقر عملاق هذه الأمّة : «مَن أَقْرَبِ ما يَكُونُ العَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ
يُؤاخِيَ الرَّجُلُ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِي عَلَيْهِ زَلَاتِهِ لِيُعَيَّرَهُ بِها يَوْماً ما» (1).
إنّه ليس من الإسلام في شيء أن ينتقص المسلم أخاه المسلم ويحتقره، وقد حذر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المسلمين من ذلك، قال : «مَنْ أَذاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدئِها وَمَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّىٰ يَرْكَبَهُ» (2).
لقد حرم الإسلام ذلك حفظاً على وحدة المسلمين وتضامنهم وترابطهم الاجتماعي، وإبعادهم عن المستوى السحيق.
نهى الإسلام عن التفاخر بالأنساب؛ لأنه موجب لتصدّع الاخوّة الإسلاميّة، فالناس في شريعة الإسلام سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وعمل الخير، ومن أمثلة ما ورد في هذا الموضوع أن عقبة بن بشير الأسدي تشرّف بمقابلة الإمام أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذ يطري على نفسه وحسبه قائلاً:
«أنا عُقْبَةُ بن بشير الأسدي، وأنا في الحَسَبِ الخَضْمِ مِن قَوْمي».
فردّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التفاخر بقوله :
«ما تَمُنُّ عَلَيْنا بِحَسَبِكَ، إِنَّ اللّه رَفَعَ بِالإِيمَانِ مَنْ كانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُ وَضِيعاً، إِذا كانَ مُؤْمِناً وَوَضَعَ بِالكُفْرِ مَنْ كانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُ شَرِيفاً إِذا كانَ كافِراً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلى أَحَدٍ فَضْل إلا بالتقوى» (3).
إن التفاخر بالأنساب ليس من الإسلام، وإنما التفاخر بأعمال الخير والعمل
الصالح... وبهذا ينتهي الحديث عن عوامل التفرقة التي تؤدّي إلى إضعاف المسلمين، وفلّ وحدتهم.
وانتهج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أروع الأنظمة وأكثرها أصالة وعمقاً لأمته، توفّر لها الأمن والاستقرار، وقد عرضنا إلى بعضها في البحوث السابقة، ويقي علينا أن نعرض لبعضها الآخر وهي :
تبنّى الإسلام الحرية الكاملة للإنسان؛ لأنها كالهواء لرئته، لا تستقيم من دونها الحياة، والحرية التي أعلنها الإسلام وهي ما يلي :
إنّ حرية العقيدة للإنسان هي جزء من رسالة الإسلام، فإنّ خطّة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي إبلاغ قيمه ومبادئه إلى المجتمع، فإن شاؤوا آمنوا بها، وإن شاؤوا تركوها.
قال تعالى مخاطباً نبيه : «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (1).
وقال تعالى : «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكَّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ» (2).
وقال تعالى : «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ» (3)، إنّه ليس على الإسلام من بأس إذا أصر المسيحيون واليهود على
البقاء على عقيدتهم. قال تعالى مخاطباً لنبيه : «أَفَأَنتَ تُكْرَهُ النَّاسَ حتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (1).
إنّ الإسلام قد تبنّى سياسة التسامح مع جميع الأديان السماوية وغيرهم.
يقول (جولد سهر) : «سار الإسلام لكي يصبح قوّة عالميّة على سياسة بارعة، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمراً محتوماً، فإنّ المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدّون شرائعهم من كتب منزلة، كاليهود والنصارى والزرادشتية، كان في وسعهم - متى دفعوا الجزية - أن يتمتعوا بحرية الشعائر، وحماية الدولة الإسلاميّة. لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة، ففي الهند - مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل والمعابد في ظلّ الحكم الإسلامي» (2).
ويذكر (دوزي) مدى أهمية التسامح الإسلامي في حديثه عن فتح الأندلس.
يقول : «ولم تكن حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي م-ا يدعو إلى كثير م-ن الشكوى بالنسبة لما كانت عليه من قبل. أضف إلى ذلك أنّ العرب كانوا يتحلون بكثير من التسامح، فلم يرهقوا أحداً في شؤون الدين... ولم يغمط النصارى للعرب هذا الفضل، بل حمدوا للعرب تسامحهم وعدلهم، وآثر حكمهم على حكم الجرمان والفرنج» (3).
إنّ الإسلام - بكل اعتزاز وفخر - قد ألزم المسلمين باحترام حقّ الغير في عقيدته، فليس لأي أحد أن يكره الغير على اعتناق الإسلام. قال تعالى : «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (4)، وإذا أراد المسلم أن يعارض الغير في عقيدته فعليه أن
يقيم له الأدلّة الحاسمة على الإسلام ويبين له بالمنطق والدليل الخطأ في عقيدته، فإن ثاب إلى الحقّ فذاك، وإلا فليس له الضغط واستعمال القوة لفرض عقيدته.
ومن مظاهر الحريّة التامّة التي منحها الإسلام لذوي الأديان السماويّة أنّه لا يلزمهم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة على واقع حياتهم، لا سيما في الأحوال الشخصيّة، فإنّهم يرجعون إلى أحكام دينهم.
ومهما يكن الأمر، فإنّ التاريخ لم ينقل أنّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قتل كتابيّاً لأنّه لم يُسلم أو عذّبه أو سجنه أو منعه من التعبّد بغير دينه.
إنّ الإسلام قد فتح آفاق الفكر أمام العقل ودعاه إلى الانطلاق إلى بثّ نشاطه وفعالياته ليتدبّر في شؤون الكون، وينظر فيما خلقه اللّه تعالى من الكائنات وغيرها التي تدعو إلى الإيمان المطلق باللّه تعالى.
إن الحرية الفكرية التي رفع شعارها الإسلام تدعو إلى التطوّر الفكري والتحرّر من كلّ خرافة ووهم، وهو ما كان سائداً في مجتمع مكّة التي سادت فيها عبادة الأوثان والأصنام التي هي من صنع الإنسان وضلاله، فكان مثلهم مثل الحيوان السائم. قال تعالى : «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (1).
إنّ الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعا المجتمع المكّي إلى التحرّر وإلى إيقاظ عقولهم وتحرير أفكارهم، ونعى عليهم اتباع آبائهم وتقليدهم بلا وعي ولا تدبّر. قال تعالى : «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ
1) الأعراف 7: 179.
لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ» (1).
وأمر تعالى نبيه أن يخاطب قومه الذين ضلوا عن الطريق وعبدوا الأصنام بلا وعي ولا تدبر، قال تعالى: «قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه إِنْ أَرَادَنِيَ اللّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللّه عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ» (2).
إن جميع مجريات الأحداث بيد اللّه تعالى، فهو الخالق والمدبّر لجميع هذه الأكوان، والإقرار له تعالى بالعبوديّة إنّما هو تحرير للإنسان وارتقاء له في مدرج الكمال.
ونعني بها إعطاء الفرد الحريّة التامّة في مجال العمل بشرط أن لا يكون محرّماً في الإسلام، كصنع آلات اللهو، وكذلك معامل صنع الخمر وغير ذلك من الأعمال المحرّمة.
ومن بنود الحريّة المدنيّة حرية المسكن، فإنّ له الحريّة في اختيار أي دار أو شقّة يسكن فيها بشرط أن لا تكون مغصوبة، كما إنّ له الحرية في السكن في أي بلد شاء إلا أن تكون هجرته إلى بلد غير إسلامي، ويخشى عليه أن ينحرف عن دينه، فيحرم عليه الهجرة إليه.
هذه بعض مظاهر الحرية، وقد ذكرنا عرضاً تفصيلياً لصورها، كما ذكرنا بعض صور الحرية الشخصيّة الممنوعة والمحرّمة، والتي فيها الإساءة إلى المجتمع، والتحلّل من القيم الإسلاميّة، فقد حرمها الإسلام، ولم يسمح بها بحال من الأحوال.
ولما ظهر أمر الإسلام، واستقرّت دولته العظمى، أخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يرسل الولاة والعمّال إلى البلاد والقرى التي آمنت بالإسلام.
أمّا مهمّة الولاة الذين أرسلهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الذين آمنوا بالإسلام فهي :
1 - تعليم أحكام الإسلام، كالصلاة والصوم والحج والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم القرآن الكريم، ونشر الأخلاق والآداب، وإشاعة الفضيلة بين النّاس.
2 - جباية الضرائب الإسلاميّة، كالزكاة وإنفاقها على فقراء المحلة، وما شاكل ذلك من المصالح العامّة.
3- فصل الخصومات والنزاعات بين الناس، وحل مشاكلهم على ضوء الأحكام الإسلاميّة.
4- ومن مهام الولاة مراقبة السوق، فكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينظر باهتمام إلى الحياة الاقتصاديّة، فكان الذين يبيعون الطعام مجازفة - أي من غير كيل ولا وزن - يُضربون في عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولا بد أن يكون بيع الطعام خاضعاً للكيل والوزن (1).
وقد استعمل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سعيد بن العاص على سوق مكّة بعد الفتح (2)، حذراً من التعامل الربوي.
عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى عمرو بن حزم أحد ولاته على اليمن بهذا العهد، وقد جاء فيه
بعد البسملة :
«هذا بَيَانٌ مِنَ اللّه وَرَسُولِهِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعَهْدِ، عَهْدٌ مِنَ النبيّ محمّد رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعمرو بن حَزْم حينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَن، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه فى أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنون، أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَهُ اللّه، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُم بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَيُفَتِّهَهُم فِيهِ، وَيَنْهَى النَّاسَ فَلا يَمسَّ القُرآنَ إِنسانُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذي لَهُم وَالَّذي عَلَيْهِم، وَيَلينَ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدَّ عَلَيْهِم فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللّه كَرِهَ الظُّلْمَ وَنَهى عَنْهُ، فقالَ: «أَلَا لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ» (1)، وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاسَ النّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِف النّاسَ حتّى يَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعالِمَ الْحَجِّ وَسُنَّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ، وَمَا أَمَرَ اللّه بِهِ وَالحَجِّ الْأَكْبَر» (2).
هذه بعض فصول العهد، وقد أكّد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ضرورة الوفاء بالعهد، كما أمر واليه بتقوى اللّه تعالى الذي يصدّ الإنسان عن اقتراف ما حرّم تعالى من إثم وحرام، وغير ذلك من التعاليم الرفيعة التي يسعد بها الإنسان.
وعهد النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى واليه معاذ بوصيّة ألزمه بتنفيذ بنودها، وقد رويت بصورتين وهما :
الصورة الأولى :
«يا مَعَاذُ، إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللّه، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَداءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيانَةِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيم، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَكَظم الْغَيْظِ، وَخَفْضِ الْجَناح، وَبَذْلِ السَّلَام، وَلِينِ الْكَلام، وَلُزُوم الإيمانِ، وَالتَّفَقُهِ بالْقُرْآنِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَالْجَزَع مِنَ الْحِسابِ، وَقِصْرِ الْأَمَلِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتِمَ مُسْلِماً، أو تُكَذِّبَ صادِقاً، أَوْ تُصَدِّقَ كاذِباً، أَوْ تَعْصِيَ إماماً عادلاً .
يا معاذ، اذْكُرْ رَبَّكَ عِنْدَ كلّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، وَأَحْدِتْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ، وَعُدِ الْمَرِيضَ، وَأَسْرِعْ في حوائِجِ الْأَرامِلِ وَالضُّعَفَاءِ، وجالِسِ الْفُقَراءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَقُل الْحَقَّ وَلَا تَأْخُذُكَ فِي اللّه لَوْمَةَ لَائِمٍ» (1).
الصورة الثانية :
«يا مَعَاذُ، عَلَّمْهُمْ كِتابَ اللّه، وَأَحْسِنْ أَدَبَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْزِلِ النَّاسَ مَنازِلَهُمْ - خَيْرَهُمْ وَشَرَّهُمْ -، وَأَنْفِذْ فِيهِمْ أَمْرَ اللّه، وَلَا تُحاشِ فِى أَمْرِهِ، وَلَا مَالِهِ أَحَداً، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوِلَايَتِكَ وَلَا مَالِكَ، وَأَدَّ إِلَيْهِمُ الْأَمانَةَ فِي كلّ قَلِيلِ وَكَثِيرِ، وَعَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَالْعَفْوِ فِي غَيْر تَرْكِ لِلْحَقِّ، يَقُولُ الْجاهِلُ : قَدْ تَرَكْتَ مِنْ حقّ اللّه، وَاعْتَذِرُ إِلَى أَهْلِ عَمَلِكَ مِنْ كلّ أَمْرٍ خَشِيتَ أَنْ يَقَعَ إِلَيْكَ مِنْهُ عَيْبٌ حتّى يَعْذِرُوكَ، وَأَمِتْ أَمْرَ الْجاهِلِيَّةِ إِلَّا ما سَنَّهُ الإِسْلَامُ، وَأَظْهِرْ أَمْرَ الْإِسْلَامِ كُلَّهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، وَلْيَكُنْ أَكْثَرُ هَمِّكَ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّهَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ
1) التذكرة الحمدونية : 1 : 42 - 43.
بَعْدَ الْأَقْرارِ بِالدِّينِ، وَذَكَّرِ النَّاسَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَاتَّبِعِ الْمَوْعِظَةَ؛ فَإِنَّهُ أَقْوى لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِما يُحِبُّ اللّه، ثمّ بُثَّ فِيهِمُ الْمُعَلِّمِينَ، وَاعْبُدِ اللّه الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُ، وَلَا تَخَفْ فِي اللّه لَوْمَةَ لائِمٍ.
وأوصِيكَ بِتَقْوَى اللّه، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيانَةِ، وَلِينِ الْكَلامِ، وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَقِصْرِ الْأَمَلِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسابِ، وَلُزُومِ الْإِيمَانِ، وَالْفِقْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَعَظْمِ الْغَيْظِ، وَخَفْضِ الْجَناحِ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتِمَ مُسْلِماً، أَوْ تُطِيعَ أَثِماً، أَوْ تَعْصِيَ إِاماً عادِلاً، أو تُكَذِّبَ صادِقاً، أَوْ تُصَدِّقَ كاذباً، وَاذْكُرْ رَبَّكَ عِنْدَ كلّ شَجَرِ وَحَجَرٍ، وَأَحْدِتْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ».
أرأيتم هذا العهد الذهبي الحافل بقيم الأخلاق والآداب الذي تسعد به الشعوب وحكّامها، وينتعش في ظلالها الجميع، ونلخّص هذه الرسالة بما يلي :
1 - تنفيذ أحكام اللّه تعالى على الجميع، وعدم خشية النّاس ومراقبتهم.
2 - الرفق بالرعية والإحسان إليها، والعفو عن المسيء في غير ترك الحق.
3 - القضاء على معالم الجاهلية وعاداتها بما أقره الإسلام منها.
4 - إظهار الدعوة الإسلاميّة وبيان محاسنها.
5 - الاهتمام بأمر الصلاة، فإنّها روح الإسلام.
6 - وعظ المجتمع وتحذيره من اقتراف المعاصي والآثام.
7 - نشر التعليم وتثقيف المجتمع بالعلوم النافعة التي تتطوّر بها حياتهم
8- الصلابة وعدم الخشية من أي إنسان في سبيل إقامة العدل وإشاعة الحقّ.
9 - تعليم المجتمع لكتاب اللّه الكريم، وتربيته بالآداب الفاضلة والأخلاق الكريمة.
هذه بعض النقاط التي يجب على الولاة تنفيذها وتطبيقها على مسرح الحياة العامّة. كما حفلت وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بما يجب على الولاة من الاتصاف والتحلّي بما يلي :
1 - الصدق في الحديث، والتجنّب عن الكذب في جميع المجالات.
2 - الوفاء بالعهد والوعد.
3- أداء الأمانات إلى أهلها.
4 - التجنّب عن الخيانة بجميع صورها، سواء أكانت خيانة الأمّة أم الدولة.
5 - لين الكلام، وحسن الأخلاق مع الرعية.
6 - المحافظة على الجار والبرّبه، وإسداء المعروف إليه.
7 - الحنان على الأيتام، والرفق بهم، والعطف عليهم.
8 - الإتيان بأفضل الأعمال المقرّبة إلى اللّه تعالى.
9 - التفقه في القرآن الكريم، ومعرفة أحكامه.
10 - التحلي بالحلم وكظم الغيظ.
11 - خفض الجناح، وعدم التكبّر.
12 - التجنّب عن الشتائم.
13 - ترك الاتصال بالفجار والمفسدين.
14 - إطاعة الإمام العادل، والانصياع لأوامره.
15 - أن لا يكذب صادقاً، ولا يصدّق كاذباً.
لقد حفلت هذه الوصيّة الذهبيّة بأروع النصائح التي يجب تطبيقها على الحكام
والمسؤولين، ولو أن المسلمين أخذوا بها لكانوا سادة الأمم والشعوب.
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شديد الفحص عن سيرة الولاة، فإذا رأى والياً تشتكي منه الرعيّة لسوء إدارته أو سوء أخلاقه بادر إلى عزله، وقد عزل العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين لأن وفد عبد القيس شکوه، وولّى مكانه ابان بن سعيد، وقال له : «اسْتَوْصِ بِعَبْدِ الْقَيْسِ خَيْراً وَأَكْرِمْ سُراتَهُم» (1).
كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحاسب ولاته وعماله على المستخرج والمصروف منه، وقد استعمل رجلاً من الأزد على الصدقات، فقال :
«هذا لكم، وهذا أهدي لي...».
وتألم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من كلامه، وقال له :
«ما بالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَل مِمَا وَلَانَا اللّه، فَيَقُولُ : هذا أَهْدى لى ؟ أَفَلَا فَعَدَ في بَيْتِ أُمِّهِ وَأَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهدى إِلَيْهِ أمْ لا ؟ وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ، لَا نَسْتَعْمِلُ رَجُلاً عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَانَا اللّه مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، وَإِنْ كانَتْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، وَإِنْ كانَتْ شَاةً تَمْغُر».
ثمّ رفع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يديه إلى السماء، وقال : «اللّهم بَلَّغْتُه»، قالها مرتين أو ثلاثاً (2).
ولمّا شاع في أوساط المسلمين احتياط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على نزاهة العمّال والولاة،
وتجرّدهم من قبول الهدية وغيرها، فقد امتنعوا من قبولها، فقد روى المؤرّخون أنّ عبد اللّه بن رواحة كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يبعثه كلّ عام إلى يهود خيبر، وكانت قراهم من أهمّ قرى الحجاز، ليخرص عليهم تمرهم، فإذا قضى وخرص تمرهم ضمنوه منه، وقد أراد اليهود أن يرشوه فجلّلوا له حليّاً من حلي نسائهم، وقالوا له :
«هذا لك، وخفّف عنا، وتجاوز في القسم».
فلذعه منطقهم، واندفع بثورة وعنف قائلاً:
«يا معشر اليهود، إنكم لمن أبغض خلق اللّه تعالى إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، وأمّا ما عرضتم عليَّ من الرشوة فإنّها السحت وأنا لا نأكلها».
ودلّت هذه البادرة على نزاهة ابن رواحة وسموّ ذاته، وأنه في طليعة صحابة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إيماناً وتحرجاً، ولما سمع اليهود مقالته بهروا وقالوا :
«بهذا قامت السموات والأرض» (1).
إنّ هؤلاء الأعلام هم الذين أشادوا صروح الإسلام، وأبرزوه على واقعه النازل من رب العالمين.
واهتمّ الإسلام اهتماماً بالغاً في شؤون الموظفين في جهاز الدولة، فكان من أهمّ ما عنى به الترفيه عليهم، وعدم حاجتهم لما في أيدي الناس، فقد استعمل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عتاب بن أسيد والياً على مكّة، ومنحه من الرزق في كلّ يوم درهماً، وكان الدرهم له أهمّيته، فكان يساوي قيمة شاة، وقيمة زقّ من السمن أو العسل، وأعلن عتاب عن سروره بما فرضه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الرزق قائلاً :
«أجاع اللّه كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) درهما كلّ يوم،
1) السيرة النبويّة / ابن هشام : 3 : 369.
فلست في حاجة إلى أحد» (1).
كما جعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لبعض ولاته مقداراً معيناً من الطعام راتباً له عوضاً عن النقود، فقد جعل لقيس بن مالك الأرحبي من همدان حينما استعمله على قومه فأقطعه من ذرة نسار مائتي صاع ومن زبيب خيوان (2)مائتي صاع جار له ولعقبه من بعده (3).
بعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كوكبة من العمال والولاة إلى جميع القرى والبلدان التي آمنت بالإسلام، كان منهم :
ابن أبي أُمية، بعثه والياً على صنعاء.
ابن لبيد، بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والياً على حضرموت.
ابن حاتم، بعثه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والياً على طيّ.
أقامه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والياً على مكّة، وإقامة الموسم والحج بالمسلمين، وهو دون العشرين سنة، وكانت ولايته عامة (4).
ابن ربيعة، استعمله النبيّ على الطائف (1).
الأنصاري، استعمله النبيّ على نجران، وروى عنه كتاباً كتبه له في الفرائض والزكاة والديات (2).
نائب كسرى، ولاه النبيّ على جميع مخاليف اليمن، وكان منزله بصنعاء، وبقي حتّى مات بعد حجّة الوداع، فولى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابنه شهر بن باذان على صنعاء(3)، وقد نظم الحافظ العراقي أسماء ولاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمقطوعة منها هذه الأبيات :
أَمْرَ باذان بلادَ اليَمنِ***ثمّ ابْنَهُ شَهراً بصنعاءِ اليَمَن
وابن أبي أميَّةَ المُهاجرا***كندة والصدق فقيل إِن سَرى
عَلِيّاً القضاء والأخماسا***بيمن وكان فيه راسا كذا
أبو موسى زبيداً وَعَدَن***ونافعا الساحلَ مِنْ أَرضِ اليَمَن
كَذاكَ قد ولى معاذاً الجَنَد***كَذاك عتاباً على خَبرِ البَلَد
كذاكَ أَمَّرَ ابن حاتم عَدِيّ***في صَدَقَاتِ أَسَدٍ وَطَيَّ (4)
هؤلاء ولاته على المدن والقرى والأرياف، وكانت مهمتهم نشر الإسلام وإشاعة مبادئه وقيمه.
وإقامة الحق والعدل، وتعليم الناس لأحكام الدين، وإشاعة الآداب ومحاسن الأخلاق، وقد عرضنا في البحوث السابقة نماذج من مسؤولياتهم وواجباتهم.
ولما أقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دولته العظمى في يثرب، ووجد في أهلها الحماية لرسالته أخذ يبعث السفراء للملوك والأمراء يدعوهم إلى توحيد اللّه تعالى، والدخول في دين الإسلام الذي ارتضاه اللّه تعالى ديناً لجميع عباده، وكانت رسائله إليهم من أهمّ وسائل الإعلام على الصعيد العالمي، فقد أنذر ملك الفرس كسرى، وقيصر ملك الروم، وكانا يقتسمان معظم سواد العالم القديم، فکان کسری قد بسط نفوذه على شمال شرقي الجزيرة، ويدين لحكمه أغلب ملوك العرب، وأما قيصر فقد بسط نفوذه على الشام، وما إليها جنوبها حتّى شمالي الحجاز، لقد أنذرهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وغيرهما من الشخصيّات البارزة في ذلك العصر، وهو على يقين لا يخامره شك أن رسالته الخالدة سوف تعم الأرض وتنعم ببركاتها أمم العالم وشعوب الأرض. وقد طلب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أصحابه الذين اختارهم لوفادة الملوك للحضور عنده، فلمّا مثلوا أمامه زوّدهم بهذه النصيحة :
«انْصَحوا للّه فِي عِبادِهِ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَرْعى شَيْئاً مِنْ أُمورِ النَّاسِ ثمّ لَمْ يَنْصَح لَهُم حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، انْطَلِقوا، وَلا تَصْنعوا كَما صَنَعَتْ رُسُلُ عِيسَى بْنِ مَرْيَم».
والتفت أصحابه إليه قائلين :
«ما صنعوا يا رسول اللّه ؟».
«دَعاهُم إِلَى الَّذِي دَعَوْتُكُم إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ بَعَثَهُ مَبْعَثاً قَرِيباً فَرَضِيَ وَسَلَّم، وَأَمَّا مَنْ بَعَثَهُ مَبْعَثاً بَعِيداً فَكَرِهَ وَجْهَهُ وَ تثاقَلَ، فَشَكى ذلِكَ عيسى إِلَى اللّه» (1).
1) شرح الشفا : 1 : 641، كنز العمّال : 5 : 226 السيرة الحلبيّة : 3 : 272.
يقول الدكتور (طه حسين) : «الإسلام يريد أن يكون الخلفاء والولاة أمناء للناس على حقوقهم وأموالهم ومرافقهم يدبرونها على ملاءمتهم وعن مشاورة ومؤامرة، ويمضونها في غير تجبّر ولا تكبر ولا إثرة ولا استعلاء ويدبرونها كذلك لا على أنّهم سادة يمتازون عن النّاس بأي لون من ألوان الامتياز، بل على أنّهم قادة يثق النّاس بهم ويطمئنون إليهم، ويرونهم ثقاة للقيام على أمورهم فيعهدون إليهم بهذه الأمور عن رضى واختيار لا عن قهر أو استكراه، ثمّ يراجعهم في هذه الأمور من شاء منهم أن يراجعهم فيها، فإن استبان لهم أنهم أخطأوا كان من الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، فإن استبان لهم أنّهم انحرفوا كان من الحقِّ أن يستقيموا على الطريقة. وعلى هذا النحو مضى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى اختاره اللّه إلى جواره» (1).
وهذا عرض لبعض رسائله :
بعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبداللّه بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، وزوّده بهذه الرسالة، وجاء فيها بعد البسملة :
«مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلى كِسْرَى عَظيم مُلوكِ فارس، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللّه وَرَسُولِهِ، وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَدْعوكَ بِدعايةِ اللّه، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللّه إِلَى النَّاسِ كافَّةً، لِأَنْذِرَ مَنْ كانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ...» (2).
ولما وفد سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على كسرى أمر بأخذ الرسالة منه، فأبى إلا أن يدفعها له شخصيّاً، فاستجاب وسلّمه الرسالة، وأوعز أن تقرأ له فقرأت، فإذا فيها من محمّد
إلى كسرى عظيم ملوك فارس، فأخذته العزة بالإثم ؛ لأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد بدأ باسمه، فأخذ الكتاب ومزقه قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بإخراج السفير، وقفل راجعاً إلى المدينة، فأخبر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فتأثر ودعا عليه قائلاً:
«مَزَّقَ اللّه مُلْكَهُ» (1).
واستجاب اللّه تعالى دعاء نبيّه، فقد مزقت الجيوش الإسلاميّة ملكه، وذهب سلطانه أدراج الرياح.
ومن الجدير بالذكر أن كسرى بعث زاجراً ومصوّراً إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال للزاجر : «انظر ما ترى في طريقك»، وقال للمصوّر : «ائتني بصورته»، فلمّا عاد إليه أعطاه المصوّر صورته ووضعها كسرى على وسادته، وقال للزاجر : «ما رأيت ؟»، فقال : «ما رأيت ما تزجر به حتّى الآن، وأرى أمره يعلو عليك ؛ لأنك وضعت صورته على وسادتك» (2).
أوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم، وزوّده بهذه الرسالة :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ محمّد بْنِ عَبْدِ اللّه إِلَى هِرَقْلَ عَظيمِ الرُّومِ (3).
سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
أَمَا بَعْدُ : فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدعايةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللّه أَجْرَكَ مَرَّتَينِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّما عَلَيْكَ إِثْمُ الاريسيّين (1)«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّه وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (2)» (3).
ووصل سفير النبيّ إلى ملك الروم، وعرض عليه كتاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقرأه.
قال دحية لقيصر : «يا قيصر، أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله خير منه ومنك، فاسمع بذل ثمّ أجب تنصح، فإنّك إن لم تذلّل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف».
«هات».
«هل تعلم أكان المسيح يصلّي ؟».
«نعم».
«فإنّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلّي له، وأدعوك إلى من دبر خلق السموات والأرض، والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبى الأمّى الذي بشّر به موسى، وبشّر به عیسى بن مريم بعده، وعندك من ذلك إثارة من علم تكفي عن العيان، وتشفي من الخبر، فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلَّا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت في الدنيا، واعلم أنّ لك ربّاً يقصم الجبابرة، ويغيّر النِّعم» (4)
وحكى هذا الحديث أصالة رأي دحية وعمق تفكيره، وأنه كان جديراً ليكون سفيراً للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وممثلاً له أمام أقوى شخصية سياسيّة في عصره.
وكان في مجلسه أبو سفيان، فالتفت هرقل وقال للرسول :
«هل يوجد أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟».
فقالوا : «نعم».
وكان أبو سفيان قبل أن يسلم حاضراً، فأشار الجماعة إليه وقالوا : «إنّه أقرب إلى النبيّ»، فدعي إلى مقابلة هرقل، فلمّا مثل أمامه أمر ترجمانه أن يسأله عن الأمور التالية :
«كيف حسبه فيكم ؟».
أبو سفيان : «هو ذو حسب».
هرقل : «هل كان من آبائه ملك ؟»
أبو سفيان : «لا».
هرقل : «هل كنتم تتهمونه بالكذب ؟».
أبو سفيان : «لا».
هرقل : «مَن يتبعه أشراف الناس أم ضعفائهم ؟».
أبو سفيان : «بل ضعفائهم».
هرقل : «أيزيدون أم ينقصون ؟».
أبو سفيان : «بل يزيدون».
هرقل : «هل يرتد أحد من دينه بعد أن يدخل فيه ؟».
أبو سفيان : «لا».
هرقل : «فهل قاتلتموه ؟».
أبو سفيان : «نعم».
هرقل : «فكيف كان قتالكم إيّاه ؟».
أبو سفيان : «يكون الحرب بيننا وبينه سجالاً يصيب منّا ونصيب منه».
هرقل : «فهل يغدر ؟».
أبو سفيان : «لا».
هرقل: «كيف عقله ورأيه ؟».
أبو سفيان : «لم نصب له عقلاً ولا رأياً».
هرقل : «فما يأمركم به ؟».
أبو سفيان: يأمر بالصلاة وبالزكاة والعفاف، وأن نعبد اللّه وحده لا شريك له ويأمرنا بالعهد وأداء الأمانه».
وجرى حوار بين هرقل وأبي سفيان أبدى هرقل إعجابه وإكباره، وورم أنف أبي سفيان، وانتفخ سحره، وراح يقول بألم :
«لقد أبر (1)أمر أبي كبشة أصبح ملك الروم يهابه».
وقابل هرقل سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكل حفاوة وتكريم، وعرض الإسلام على الروم، فأبوا، وكتب إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)رسالة أعلن فيها إسلامه، وامتناع الروم من قبول الإسلام، وهذا نصّ رسالته:
«إلى أحمد رسول اللّه، الذي بشر به عيسى. من قيصر ملك الروم أنّه جاءني كتابك مع رسولك، وإنّي أشهد أنّك رسول اللّه، نجدك عندنا في الإنجيل بشرنا بك عيسى بن مريم، وإنّي دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك فأبوا، ولو أطاعونى لكان خيراً لهم، وودت أنّي عندك فأخدمك، واغسل قدميك (2)».
لقد أعلن هرقل إسلامه، وقد ترك ذلك أثراً عميقاً في تقوية معنويات المسلمين، كما أوجد تهيباً للإسلام في البلاط الروماني وفي الكنيسة أيضاً.
وأوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم القبط، وكان نصرانيّاً، وزوّده بهذه الرسالة وجاء فيها بعد البسملة :
«مِنْ محمّد بْنِ عَبْدِ اللّه إِلَى المُفَوقَسِ عَظيم القِبْطِ، سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
أَمَا بَعْدُ : فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعايَةِ الْإِسْلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللّه أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّما عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّه وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (1)» (2).
وروي كتاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المقوقس بصورة أخرى، وهي :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّه إِلى صاحِبِ مِصْرَ.
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللّه تَعَالَى أَرْسَلَنِي رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتاباً قُرْآنَا بَيْنَا، وَأَمَرَنِي بِالْإِعْدَارِ وَالْإِنْدَارِ وَمُقابَلَةِ الكُفَّارِ حتّى يَدينوا بِديني، وَيَدْخُلَ النَّاسُ فِيهِ، وَقَدْ دَعَوْتُكَ إِلَى الْإِقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعَالَى، فَإِنْ فَعَلْتَ سَعُدْتَ، وَإِنْ أَبَيْتَ شَقيتَ، وَالسَّلامُ» (3).
ومضى حاطب يجد في السير حتّى انتهى إلى القاهرة، فلم يجد فيها المقوقس، فراح إلى الاسكندريّة، فأخبر أنّه في مكان مشرف على البحر، فركب حاطب
سفينة، وحاذى مجلسه، ولوّح له بالكتاب، فأمر المقوقس بإحضاره، فلمّا مثل عنده ناوله الكتاب فقبضه وقرأه، وقال لحاطب :
«ما منعه - إن كان نبياً- أن يدعو على مَن خالفه، وأخرجه من بلده إلى غيره، أن يدعو اللّه عليهم ؟!»
فأجابه حاطب بمنطقه الفياض قائلاً:
«ألست تشهد أنّ عيسى بن مریم رسول اللّه، فماله عیسی بن مریم رسول اللّه، فماله حين أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون دعا عليهم أن يهلكهم اللّه تعالى حتّى رفعه اللّه إليه ؟»
وبهر عظيم القبط بهذه الحجّة، وراح يقول :
«أنت حكيم من عند حكيم» (1).
وفي الروض : أن حاطباً قال للمقوقس :
ـكان رجل قبلك يزعم أنه الربّ الأعلى - يعني فرعون - فأخذه اللّه تعالى نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثمّ انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك».
فقال المقوقس :
«هات ما عندك ؟»
«إنّ لك ديناً لن تدعه إلا لمن هو خير منه، وهو الإسلام، الكافي به اللّه تعالى، إنّ هذا النبيّ دعا الناس فكان أشدّهم عليه قريشاً، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمّد، وما دعاؤنا إيّاك للقرآن إلاكدعاء أهل التوراة للإنجيل، وكل نبي أدرك قوماً من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبيّ فعليك طاعته...» (2).
وقوبلت كلمات حاطب بالإكبار والإعجاب، وأخذت مأخذاً عظيماً من نفس المقوقس.
هدايا المقوقس للنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
قدم المقوقس إلى النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض الهدايا، وهي :
1 - جارية اسمها، مارية، وهي أم إبراهيم ولده.
2- جارية اسمها قيسر.
3 - جارية سوداء.
4 - غلام خصي أسود.
5 - بغلة شهباء هي الدلدل.
6 - حمار أشهب.
7 – فرس.
8- عسل جيد من عسل بنها، وهي من قرى مصر.
9 - مكحلة.
10 - قارورة دهن.
11 - مقص ومسواك ومشط ومرآة.
12 - عمائم قبطيّة.
13 - طيب، وعود، ومسك.
14 - ألف مثقال من ذهب.
15 - قدح من قوارير (1).
1) السيرة الحلبيّة : 3 : 250. كنز العمال: 3 : 321.
16 - طبيب يداوي مرض المسلمين، فأمره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالرجوع إلى وطنه، وقال له : «إِنَّا قَوْمٌ لَا نَأْكُلُ حتّى نَجوعَ، وَإِذا أَكَلْنَا لَا نَشْبَع» (1).
إن الكثير من الأمراض ناجمة من الإسراف في الأكل، وقد نهى القرآن عن ذلك. قال تعالى : «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» (2).
ورفع المقوقس رسالة إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جاء فيها :
«لمحمّد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك.
أمّا بعد : فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيّاً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك...» (3).
وقفل حاطب راجعاً إلى يثرب ومعه الهدايا، فقدّمها إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقرأ الكتاب، وقال : «ظَنَّ بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِه» (4).
ووفد جماعة من ثقيف فيهم المغيرة بن شعبة، وكان قبل إسلامه، فسألهم قائلاً: «كيف خلصتم لي وبينكم وبين محمّد وأصحابه ؟».
«لصقنا بالبحر».
«كيف صنعتم فيما دعاكم إليه ؟»، يعني الإسلام.
«ما تبعه منّا رجل واحد».
«كيف صنع قومه ؟».
«تبعه الأحداث، ولاقاه من خالفه في مواطن كثيرة».
«ماذا يدعو ؟».
«أن نعبد اللّه وحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا، ويدعو إلى الصلاة والزكاة ويأمر بصلة الرحم، ووفاء العهد، وتحريم الزنا والربا والخمر».
وأعجب المقوقس بهذه القيم الرفيعة، وراح يقول :
«هذا نبيّ مرسل إلى النّاس كافة، ولو أصاب القبط والروم لاتّبعوه، وقد أمرهم عیسى بذلك، وهذا الذي تصفون منه نعت به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتّى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخفّ والحافر».
وكانت كلماته كالصاعقة على رؤوس هؤلاء الأجلاف، فاندفعوا قائلين :
«لو دخل الناس كلهم ما دخلنا معه».
وزهد فيه المقوقس فقال لهم :
«أنتم في اللعب» (1).
ولم يؤمن المقوقس بالإسلام حتّى غزته الجيوش الإسلاميّة، واحتلّت بلاده وأصبحت خاضعة لحكم الإسلام.
وأوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابن عمّه جعفر ومعه كوكبة من الصحابة إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، وزوّده بهذه الرسالة، وجاء فيها بعد البسملة :
«مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلَى النَّجاشِي الأَضْخَمِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، سَلامٌ عَلَيْكَ.
1) السيرة النبويّة / زيني دحلان : 2 : 174.
فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللّه الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ القُدوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللّه، وَ كَلِمَتُهُ التي ألقاها إلى مَرْيَمَ البَتُولِ الطَّيِّبَةِ الحَصينَةِ، فَحَمَلَتْ بِعيسى، فَخَلَقَهُ مِنْ روحِهِ وَنَفَخَهُ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَنَفَخَهُ، وَإِنِّي أَدْعوكَ إِلى عِبادَةِ اللّه وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَالْمُوالَاةِ عَلى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبِعْني فَتُؤْمِنَ بي وَبِالَّذِي جاءَني، فَإِنِّي رَسُولُ اللّه، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُم ابنَ عَمِّى جَعْفَراً وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإِذا جاؤوكَ فَأَقِرَّ وَدَع التَّجَبُّرَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنودكَ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ، فَاقْبلوا، وَالسَّلامُ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدى» (1).
وحينما انتهى إليه الكتاب قابل الوفد بمزيد من التكريم والتبجيل، ووضع الكتاب على عينيه، وأعلن إسلامه، ودعا بحُقِّ من عاج، فوضع فيه رسالة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأرسل إلى النبيّ ألطافاً وهدايا، وبعث إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رسالة أعرب فيها عن اعتناقه للإسلام، وقفل الوفد راجعاً إلى المدينة، وأحاط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علماً بما لاقوه من الترحيب والتكريم والاستجابة إلى الإسلام، فسر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك، وقويت شوكة المسلمين (2)، وقد زوّدهم النجاشي بالرسالة التالية :
ورفع النجاشي رسالة إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعلن فيها إسلامه جاء فيها بعد البسملة :
«سلام عليك يا نبيّ اللّه ورحمة اللّه وبركاته، سلام عليك من اللّه الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام
أمّا بعد : فقد بلغني كتابك يا رسول اللّه فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض، أن عيسى لا يزيد على ما ذكرت فروقاً، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعث به
إلينا، وقد قربنا ابن عمك (1)وأصحابه، فاشهد أنك رسول اللّه صادقاً مصدّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه، وأسلمت على يديه اللّه ربّ العالمين.
وقد بعثت إليك بابني : ارها بن الاضخم بن أبجر، فإنّي لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول اللّه، فإنّي أشهد أن ما تقوله حقّ، والسلام عليك يا رسول اللّه...» (2).
حكت هذه الرسالة صدق إيمان النجاشي، فقد هداه اللّه تعالى للإسلام، ووفقه لمغفرته ورضوانه.
أوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شجاع بن وهب إلى ملك غسان الحارث بن أبي شمر يدعوه إلى الإسلام، وبعث إليه هذه الرسالة :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلَى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ يَبْقَى مُلْكُكَ...» (3).
ولما قرأ رسالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تميز غيظاً، وقال السفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«من ينتزع ملكي ؟ ها أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته».
وأمر بعرض عسكري على السفير، وقال له :
«أخبر صاحبك بما ترى من الجيوش والخيول وأنا سائر إليه».
وكتب ملك غسّان إلى قيصر ملك الروم يخبره بما عزم عليه من محاربة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتشاء الصدف أن يكون عنده سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دحية بن خليفة الكلبي، ولما قرأ قيصر الرسالة كتب إليه بالخلود إلى السكون، والإعراض عما عزم عليه، ولمّا وصل جواب قيصر فزع، واستدعى سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأكرمه وأمر له بالهدايا والأموال (1).
أوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سَليط بن عمرو إلى ملك اليمامة هوذة بن علي يدعوه إلى الإسلام، وأرسل معه هذه الرسالة
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. وَاعْلَمْ أَنَّ ديني سَيَظْهَرُ إِلى مُنْتَهَى الْخِفِّ وَالحَافِرِ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ ما تَحْتَ يَدَيْكَ...» (2).
والتفت سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليه ينصحه قائلاً:
«ياهوذة، إنّما السيّد من منّع بالإيمان، ثمّ زوّد بالتقوى، إن قوماً سعدوا برأيك فلا يشقون به، وإنّي آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شيء منهي عنه، آمرك بعبادة اللّه، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإنّ في عبادة اللّه الجنّة، وفي عبادة الشيطان النّار، فإن قبلت نلت ما رجوت وآمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء، وهول المطّلع (3).
وطلب ملك اليمامة من سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يمهله وقتاً حتّى يستشير، فأمهله
أيّاماً، ثمّ كتب إلى الرسول هذه الرسالة :
«إلى رسول اللّه. ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك» (1).
لقد حسب أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يروم الملك والسلطان، ولم يعلم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رسول اللّه، وخاتم النبيين، ولا إرب له إلّا نشر كلمة الإسلام وتعاليمه وقيمه.
وقفل سفير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) راجعاً إلى يثرب، فعرض الأمر على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال :
«لَوْ سَألني سَيابَةٌ - أي قطعة منها - مِنَ الأَرْضِ مَا فَعَلْتُ، باد وبادَ ما في يَدَيْه» (2).
لقد باد ملكه فقد استولت عليه الجيوش الإسلاميّة الظافرة، واحتلّت مملكته، ورفع عليها لواء الإسلام.
أوفد النبيّ في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة عمرو بن العاص إلى جعفر وعبد ملكي عمان يدعوهما إلى الإسلام، وزوّده بهذه الرسالة بعد البسملة :
«مِنْ محمّد بنِ عَبْدِ اللّه وَرَسُولِهِ إِلَى جَعْفَرَ وَعَبْدِ ابْنَي الجُلَنْدِي، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أَمَا بَعْدُ.. فَإِنِّي أَدْعُوكُما بِدِعايَةِ الإسلامِ، أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَى النّاسِ كافة لأنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّا وَيَحِنُّ القَوْلُ عَلَى الكافِرِينَ، فَإِنَّكُما إِنْ أَقْرَرْتُمَا بِالْإِسلامِ وَلَّيْتُكُما، وَإِنْ أَبَيْتُمَا أَنْ تَقِرًا بِالإسلامِ فَإِنَّ مُلْكَكُما زَائِلٌ عَنْكُما، وَخَيْلِي تَحِلَّ بِساحَتِكُما، وَتَظْهَرُ نُبُوَّتى عَلَى مُلْكِكُما» (3).
ونجحت سفارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد أعلنا إسلامهما عن رضى ورغبة، وبذلك
فقد رفرف لواء الإسلام على عمان من دون حرب وقتال (1).
كتب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أهل هجر، وهم البحرانيون، هذه الرسالة، وجاء فيها بعد البسملة :
«مِنْ محمّد النبيّ رَسُولِ اللّه إِلَى أَهْلِ هَجَر :
إِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللّه الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي أَوْصِيكُمْ بِاللّه وَبِأَنْفُسِكُم أَنْ لَا تَضِلُّوا بَعْدَ إِذْ هُديتُم، وَأَنْ تَغْلُوا بَعْدَ إِذْ رُشِدْتُم، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَ وَفْدُكُم فَلَمْ آتِ إِلَيْهِم إِلَّا ما سَرَّهُم، وَإِنِّي لَوْ جَهِدْتُ حَقّي فيكُم كُلَّهُ أَخْرَجْتُم مِنْ هَجَر، فَشَفَعْتُ غائِبَكُم، وَأَفْضَلْتُ عَلى شاهِدِكُم، فاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُم.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتاني الَّذى صَنَعْتُم، وَإِنَّهُ مَنْ يُحْسِنُ مِنْكُم لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ الْمُسيَّ، فَإِذا جاءَكُم أَمَرائي فَأَطيعوهُم وَانْصُرُوهُم عَلَى أَمْرِ اللّه وَفِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَل مِنْكُم عَمَلاً صالِحاً فَلَنْ يَضِلُّ عِنْدَ اللّه وَعِنْدِي» (2).
كتب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المنذر بن الحارث الغساني صاحب دمشق هذه الرسالة :
«سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى وَآمَنَ بِاللّه، فَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يَبْقى لَكَ مُلْكُك» (3).
هذه بعض رسائله إلى الملوك، وهي تنمّ عن إيمانه الوثيق بانتصار الإسلام واندحار القوى المعادية، وأنّه لا بد أن يسود العالم كقوة حاكمة في الأرض.
ولم تقتصر دعوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الملوك، وإنما شملت الوجوه والأعيان، فقد أوفد رسله إلى بعض زعماء الجزيرة، كان منهم :
أمّا أكثم بن صيفى فهو من حكام العرب ووجوههم، وأوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليه شخصاً يدعوه إلى الإسلام ومعه هذه الرسالة :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلَى أَكْثَمِ بنِ صَيْفِي :
أَحْمَدُ اللّه إِلَيْكَ أَنَّ اللّه أَمَرَنِي أَنْ أَقولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَمَرَ النَّاسَ بِها.. وَالْأَمْرُ كُلُّهُ للّه خَلَقَهُم وَأماتَهُم وَيُنْشِرُهُم، وَإِلَيْهِ المَصِيرُ، أَدْبَكُم بِآدابِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَتَسْتَلُنَّ عَنِ النَّبا العَظيمِ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين».
ولما انتهت إليه رسالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعث رجلين من خيرة قومه ليتعرفا خبر النبيّ، ويقفا على دعوته، ولما انتهيا إلى يثرب تشرفا بمقابلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وقالا له :
«نحن رسولا أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت ؟ وما أنت ؟ وبما جئت».
فأجابهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«أَنَا محمّد بْنُ عَبْدِ اللّه، وَأَنا عَبْدُ اللّه وَرَسُولُه، ثمّ تلا قوله تعالى : «إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (1).
1) النحل 16: 90.
وقفلا راجعين وملء اها بهما إيماناً بالرسول، وتصديقاً بدعوته، وأخبرا أكثم بما شاهداه وسمعاه، فالتفت إلى قومه قائلاً:
«يا قوم، أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مضادها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء ولا تكونوا فيه أذناباً، وكونوا فيه أولاً ولا تكونوا فيه آخراً» (1).
وقد أعلن قومه الإسلام، ودخلوا في دين اللّه تعالى.
وأوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شخصاً إلى زياد بن جمهور، وهو من وجوه العرب، ومعه هذه الرسالة :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ محمّد رَسُولِ اللّه إِلَى زِيَادِ بْنِ جُمْهور:
إِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللّه الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَذَكِّرُكَ اللّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ، أَمَا بَعْدُ فَلَيوضَعَنَّ كلّ دينِ دانَ بِهِ النَّاسُ إِلَّا الْإِسْلَام» (2).
وأوفد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كوكبة من الوفود إلى بعض الشخصيات العربيّة يدعوهم إلى الإسلام، وهو على ثقة أنه لا بد أن تعلو كلمة اللّه تعالى في الأرض، ويسود الإسلام معظم أنحاء العالم. يقول الأستاذ محمّد عبداللّه عنان عن هذه السفارات والبعثات النبويّة :
«كانت هذه السفارات والكتب النبويّة عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان، وليس أسطع من هذه السفارات
دليلاً على ما كانت تجيش به نفس النبيّ العربي من فيض من الإيمان والشجاعة، ذلك النبيّ الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد قومه، ولم يكن له سلطان يعتدّ به، أو قوى يخشى بأسها، يقدم في ثقة وشجاعة على دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية، وباقي الملوك والأمراء المعاصرين إلى اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها.
على أن هذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثاً كما رأينا، ولا ريب أن النبيّ لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته، وهو ما يزال يكافح في بنها بين قومه وعشيرته، بَيْد أنّ هذه البعوث كان عملاً متمماً للرسالة النبويّة، وكان العالم القديم الذي يتجه إليه النبيّ العربي بدعوته يقوم على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت لآخر. وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن، فكانت الدعوة الإسلاميّة تبدو في جدّتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس، ولم يكن عسيراً أن يستشف أولوا النظر البعيد ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى تنذر بالانفجار، وقد كان الانفجار في الواقع سريعاً جداً، فلم تمض أعوام قلائل على إيفاد هذه البعوث حتّى كان الإسلام قد غمر قلب الجزيرة العربيّة، وانساب تيار الفتح الإسلامي إلى قلب الدولتين الرومانية والفارسيّة، وأخذ العرب أبناء الدين الجديد، وحملة الرسالة المحمّدية يعملون بسرعة خارقة في إنشاء الدولة الإسلاميّة الكبرى» (1).
إن بعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للسفراء والوفود للدول وللزعماء المحليين في الجزيرة كان له الأثر الفعّال والعميق في تطوير الدولة الإسلاميّة، كما كان له أثره في إرهاب القوى المعادية للإسلام والحاقدة عليه، فقد أخذت أندية القرشيّين في مكّة تتحدّث عن ذلك مما زادها خوفاً وأكسبها ذعراً.
1) مواقف حاسمة : 208.
ووفد على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جمهرة من بني تميم تضمّ أعيانهم ووجوههم وشعراؤهم وخطباؤهم، وكان عددهم سبعين أو ثمانين - فيما يقول الرواة - وقد جاء واليفاخرون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولما كانوا بالقرب من حُجرات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رفعوا أصواتهم قائلين :
«اخرج يا محمّد، فقد جئنا لنفاخرك، وجئناك بخطيبنا وشاعرنا».
وخرج إليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فاستقبله الأقرع بن حابس بعنف قائلاً:
«إنّ مدحي لزين، وإن ذمّي لشين«.
فأجابه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«ذلِكَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ».
فإنّ مدحه وثناءه تعالى زينة وفخر لمن مدحه، كما في مدحه للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (1)، فإنّ ذلك وسام شرف له، وأما ذمّه تعالى فإنّه شين ونقص لمن ذمه كما في ذمّه لأبي لهب.
وعلى أي حال، فقد انبرى بعضهم رافعاً صوته يفتخر على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً:
«إنا لأكرم العرب».
وردّ عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً :
«أَكْرَمُ مِنْكُم يُوسف بنُ يَعْقوب».
وطلبوا من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يأذن لخطيبهم أن يلقي كلمة له، فأذن له، فقام خطيبهم
1) القلم 68 : 4.
وهو عطارد بن حاجب، فقال :
«الحمد للّه الذي له علينا الفضل والمنّ، وهو أهله الذي جعلنا ملوكاً، وجعلنا أعز أهل الشرق، وآتانا أموالاً عظاماً، نفعل فيها بالمعروف، وليس في الناس مثلنا، ألسنا رؤوس النّاس، وذوي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدّد مِثْل ما عدّدنا، ولو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكننا نستحي من الإكثار فيما خوّلنا اللّه تعالى وأعطانا، أقول هذا، فأتوا بقول أفضل من قولنا، وأمر أبين من أمرنا».
وأنهى خطابه الحافل بذكر مآثر قومه من الملك والمال اللذين لا قيمة لهما في الإسلام، وانبرى إليه ثابت بن قيس فقال له :
«الحمد للّه الذي السموات والأرض من خلقه، وقضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يقض شيئاً إلا من فضله وقدرته، ثمّ كان من قدرته أن اصطفى من خلقه رسولاً أكرمهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأحسنهم رأياً، فأنزل اللّه تعالى عليه كتاباً وائتمنه على خلقه، فكان خيرة اللّه من العالمين، ثمّ دعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الإيمان، فأجابه من قومه وذوي رحمه المهاجرون أكرم الناس أنساباً، وأصبح الناس وجوهاً، وأفضل النّاس أفعالاً، ثمّ كان أوّل مَن اتَّبع رسول اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من العرب واستجاب له، نحن معاشر الأنصار، فنحن أنصار اللّه ووزراء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلا اللّه، فمن آمن باللّه ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر باللّه ورسوله، جاهدناه في اللّه، وكان جهاده علينا يسيراً، أقول قولي هذا وأستغفر اللّه للمؤمنين والمؤمنات».
وأنهى خطابه الحافل بتوحيد اللّه تعالى، وما من به على النّاس أن بعث إليهم رسولاً يدعوهم إلى الإيمان، وينقذهم من ويلات الجاهلية وآثامها، فاستجاب له جمع من المهاجرين، وآمن به الأنصار، فجاهدوا في سبيله، وأبلوا البلاء الحسن في الذبّ عن قيمه.
وقام الزبرقان بن بدر فألقى أبياتاً مجد فيها قومه قائلاً:
نَحنُ المُلولُ فلا حَيٌّ يُقاربنا***مِنّا الملوك وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ
تلك المكارمُ حُزناها مُقارعةً***إذا الملوك على أمثالها قرعوا
كم قد فَسَرْنا مِنَ الأحياءِ كُلَّهُمُ***عندَ النَّهابِ وفَضلِ العِزِّ يُتَّبِعُ
فَتنْحَرُ الكُومِ عُبْطاً في منازلنا***للنازلين إذا ما اسْتَطعموا شَبَعوا (1)
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنا***مِنَ العبيط إذا لم تظهر القزعُ
وتبصُرُ النَّاسَ تأتينا سُراتهُم***مِنْ كلّ أُوبِ فَنَمضي ثمّ نَتَّبِعُ
وحكت هذه الأبيات افتخار الزبرقان بأسرته ؛ لأنّ فيهم الملوك الذين قارعوا أمثالهم كما أنهم مأوى للضيوف، وملجاً للذين أصابهم القحط.
ودعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شاعره حسّان ليردّ على الزبرقان، فأجابه بهذه الأبيات :
إِنَّ الذوائبَ مِنْ فِهْرٍ وإخوتهم***قَد بَيِّنوا سُنَّةٌ للنّاس تُتَّبَعُ
يَرْضَى بهم كلّ مَنْ كانَتْ سَريرتُهُ***تَقْوَى الإلهِ وَكلَّ الخير يُصْطَنَعُ
قوم إذا حاربوا ضَروا عدوَّهُمُ***أو حاولوا النَّفْعَ في أشياعِهِم نَفَعوا
إِنْ كانَ في النَّاسِ سَبّاقون بَعدَهمُ***فكُلُّ سَبْقٍ لأدْنى سَبْقِهِم تَبَعُ
سَجِيَّةً تِلكَ مِنْهُم غير مُحْدَثة***إِنَّ الخلائِقَ يوماً شَرُّها البِدَعُ
لا يَرْقَع الناس ما أَوْهَتْ أَكُفُهمُ***عند الدفاع ولا يُوهونَ ما رَقَعوا
أَعِفَّةٍ ذُكِرَتْ في الوَحْي عِفَّتَهُم***لا يطمعون ولا يُزري بهم طَمَعُ
لا يبخلون على جارٍ بِفَضْلِهِمُ***ولا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَع طَبعُ
يسمون للحربِ تَبْدو وهي كالحَة***إذا الزَّعَانُفَ مِنْ أَظْفارِها خَشَعوا
1) الكوم : جمع كوماء، وهي العظيمة السنام من النوق.
لا يفخرون إذا نالوا عدوَّهم***وإن أصيبوا فلا حُزْنٌ ولا جَزَعُ
كَانَهُم في الوغى والموتُ مُكتنِعٌ***أسدٌ بِحَلْية في أرساغها فَدَعُ
خُذْ منهُمُ ما أتى عَفْواً إِذا غَضِبوا***وَلا يَكُنْ همك الأمر الذي منعوا
أَكْرِمْ بِقَومٍ رَسولُ اللّه قائِدُهُم***إذا تَفاوتت الأهواء والشّيعُ
أهْدي لهم مدحتى قَلبٌ يُؤازره***في ما أرادَ لِسانٌ حائِكَ صَنعُ
فإِنَّهُم أفضل الأحياءِ كُلَّهمُ***إِنْ جِدَّ بالنّاسِ جِد القولِ أَوْ شَمَعوا (1)
وقد أشاد حسّان بهذه الأبيات بالمسلمين، وذكر مآثرهم وفضائلهم، والتي منها أنّهم كالأسود سود في الوغى، وأن سجيتهم العفو والصفح عمّن أساء إليهم، ويكفيهم شرفاً وفخراً أن قائدهم النبيّ قائدهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي هو أسمى من خلقه اللّه تعالى.
وانبرى حاجب بن عطارد فقال معتزاً بقومه :
أتيناك كيما يعلَمَ النَّاسُ فَضلَنا***إذا احتفلوا وقت احتضار المواسم
بأَنا فروعُ النَّاسِ في كلّ مَوْطِنٍ***وَأَنْ ليسَ فِي أَرْضِ الْحَجازِ كدارم (2)
فأجابه حسّان :
نَصَرْنا وآوينا النبيّ محمّداً***عَلى أَنْفِ راضٍ مَن مَعَدَّ وراغِمِ
هَلِ الْمَجْدُ إِلَّا السُّوْدَدُ العَوْدُ والنَّدى***وجاهُ الملوك واحتمال العظائم
وقام الأقرع بن حابس فأشاد بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويخطيبه وشاعره قائلاً:
«إنَّ هذا الرجل - يعني النبيّ - لَمُؤَنّى له (3)، واللّه لشاعره أشعر من شاعرنا،
ولخَطيبه أخطب من خطيبنا».
ثم التفت إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له : «أعطني يا محمّد»، ثمّ قال له : «زدني»، فزاده، ورفع عقيرته قائلاً:
«اللّهم إنّه سيّد العرب».
ثمّ إنّ القوم أسلموا، وأقاموا عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتعلمون القرآن، ويتفقهون في الدين، وأغدق عليهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكرمه ويرّه (1).
ووفد النابغة الجعدي على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأنشده قصيدته التي يقول فيها :
بَلَعْنا السَّماء مَجدنا وجدودنا***وإنا لنرجو فوق ذلِك مَظْهَرا
فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«إلى أَيْنَ يا أَبا لَيْلى ؟».
«إلى الجنّة».
«أولى لك» (2).
وفد قرة بن هبيرة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأكرمه وكساه واستعمله على صدقات قومه، فقال :
حَباها رَسولُ اللّه إِذْ نَزَلَتْ بهِ***وَأَمْكَنَها مِنْ نائل غير أَنْكَدِ
فَأَضْحَتْ بِرَوْضِ الخُضِرِ وَهِيَ حَثِيثةٌ***وَقَد أَنْجَحتْ حاجاتها مِنْ محمّد (1)
اهتم النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اهتماماً بالغاً بنشر العلم ومحو الأمية، وجعل طلب العلم فريضة على المسلمين، وأمر بتقييد العلم بالكتابة لئلا ينسى (2)، وندّد بمن لا يتعلّم، فقال :
«ما بالُ أَقْوام لَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ جيرانِهِم وَلا يَتَفَقَّهون»، وشدّد بالعقوبة على من لا يعلم ولا يتعلّم (3).
وساوى بين الرجال والنساء في التعليم؛ لأنه لا يمكن لأية أمة أن تنهض وهي قابعة بالجهل، ونعرض لبعض المعلّمين :
أمّا المعلّمون من الرجال فهم جماعة فقد قاموا بدورهم في التعليم، وهم :
أمره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعلّم الناس بالمدينة، وكان كاتباً محسناً (4).
روى ابن ثعلبة قال : لقيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلت له : «يا رسول اللّه، إدفعني إلى رجل حسن التعليم»، فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال لي : «دَفَعْتُكَ إِلى رَجُلٍ يُحْسِنُ تَعْلِيمَك» (1).
جعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على أسرى بدر الفدية، ومن عجز عنها فعليه أن يعلّم صبيان المدينة، فلا يطلقونه إلا بعد تعليم الصبيان، وبذلك انتشرت الكتابة في المدينة (2).
أما موقف الإسلام تجاه التعليم ومحو الأمية فهو واضح، ولا يختصّ ذلك بالرجال، وقد أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشفاء أمّ سليمان بن أبي حتمة أن تعلّم حفصة رُقية النملة كما علمتها الكتابة (3).
وأما حديث : «لا تعلموهنّ الكتابة - أي النساء - ولا تسكنوهن الغرف، وعلموهن سورة النور»، فهو من الأحاديث الموضوعة (4).
وكانت بضعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها تقوم بتعليم نساء المسلمين بالآداب الإسلاميّة وأحكام الدين. وكذلك قامت بمثل
1) کنز العمّال : 11 : 237.
2) نظام الحكومة النبويّة : 131، نقلاً عن المطالع النصرية في الأصول الخطية / أبو الوفاء الهوريني المصري.
3) مسند أحمد بن حنبل : 6 : 372، والنملة : قروح تخرج في الجبين، وهو داء معروف. وسمّي نملة لأن صاحبه يُحسّ في مكانه كأن نملة تدبّ عليه.
4) تاریخ بغداد : 14 : 224 المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين / ابن حبان : 2: 302 شعب الإيمان : 2 : 477.
هذا الدور سيّدة النساء عقيلة بني هاشم رائدة الجهاد في الإسلام السيّدة زينب سلام اللّه عليها، ولم تقتصر على تعليم النساء وإنّما كانت مرجعاً في الفتيا، فقد كانت الصحابة وغيرهم يسألونها عن أحكام الدين، وسنن الإسلام، واختصت بالمرجعية للأحكام بعد شهادة أخيها أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
انبرت أسماء بنت يزيد الأنصاريّة إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فخاطبته قائلة :
«إنّي رسول من ورائي جماعة من نساء المسلمين، يقلن بقولي وعلى مثل رأيي إن اللّه بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، ونحن معاشر النساء مقصورات مخدّرات، قواعد بيوت، وموضع شهوات الرجال، وحاملات أولادكم، وأنّ الرجال فضّلوا بالجماعات، وشهود الجنائز، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، ورتينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول اللّه ؟».
وأكبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حديثها، فالتفت إلى أصحابه قائلاً:
«هَلْ سَمِعْتُم امْرَأَةٌ أَحْسَنَ سُؤالاً عَنْ دينِهَا مِنْ هذِهِ ؟».
«لا يا رسول اللّه».
فأجابها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلطف قائلاً:
«إِنْصَرفي يا أَسْمَاءُ، وَأَعْلِمي مَنْ وَرَائَكِ مِنَ النِّساءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَقُلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبها لِمَرْضاتِهِ، وَاتِّباعَها لمُوافَقَتِهِ تَعْدِلُ كلّ ما ذَكَرْت..
وانصرفت المرأة مستبشرة بمقالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
حكى الحديث عن مساواة المرأة والرجل فى الأجر، وإن اختلفت وظائفهما
1) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة : 4 : 237.
وأقام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) داراً للضيوف سمّيت بالدار الكبرى (1)، وهي أول دار اتخذت في يثرب، فقد كانت الوفود التي تفد على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعلن إسلامها، أو غير ذلك، فتقيم في تلك الدار، فقد روی حبیب بن عمرو، قال :
قدمنا ونحن سبعة نفر إلى المدينة، فصادفنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خارجاً لتشييع جنازة دعى إليها، فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، وقال :
«مَنْ أَنْتُم ؟».
«قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا».
والتفت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ثوبان غلامه فأمره أن ينزلهم في دار الضيافة، ووصفها تبيب بأنها دار واسعة فيها نخل، وكان فيها وفود من العرب (2).
ووفد على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جماعة من ثقيف، فأكرمهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان معهم من بني مالك، فضرب لهم قبّة لينزلوا فيها، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأتيهم كلّ ليلة بعد العشاء فيحدّثهم حتّى يراوح بين قدميه، ويشكو ما ألمّ به من الأذى من قريش، ويذكر لهم ما دار بينه وبينهم من الحرب (3).
صلى اللّه ووفد على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد تجيب فرحب بهم النبيّ وأكرمهم، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد (4).
أقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) داراً للقراء، وهي دار مخرمة بن نوفل (1)، فقد قدم إلى المدينة عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى مع مصعب بن عمير بعد واقعة بدر ونزل دار القراء (2).
أقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للمسلمين اقتصاداً متطوراً يحسم الفقر، ويقضي على الحرمان، وكان من بين وسائل اقتصاده :
كانت الزراعة في العصر الإسلامي الأول وما تلاه هي العمود الفقري للاقتصاد العامّ، وقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الزراعة، ودعا بصورة إيجابية إلى غرس النخيل، فقد دخل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على أم مُبَشِّر الأنصاريّة في نخل لها، فقال :
«لا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسانُ أَوْ دَابَةً إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» (3).
وقال ابن شهاب : «أرسل إليَّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال : جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال : يا أمير المؤمنين، اقطعني الشديد فإنّه بلغني عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : ما مِنْ رَجُلٍ غَرَسَ غَرْساً إِلَّا أَعْطَاهُ اللّه مِنَ الْأَجْرِ عَدَدَ الغَرْسِ وَالثَّمَرِ، أسمعت هذا ؟ فقلت : نعم (4).
والأخبار التي وردت في الحثّ على الزراعة كثيرة جدّاً، ومنها هذا الحديث : «ما مِنْ رَجُلٍ يَغْرِسُ غَرْساً إِلَّا كَتَبَ اللّه تَعَالَى لَهُ مِنَ الأجْرِ قَدْرَما يَخْرُجُ مِنْ ثَمَر ذلِك الغَرْسِ» (1).
حث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على العمل بجميع صنوفه، وندب إليه لأنه من أهم العناصر في الانتاج، وقد أخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيد عامل فجعل يقلبها أمام أصحابه وهو يقول : «هذِهِ يَدٌ يُحِبُّها اللّه وَرَسولُه» (2).
واعتبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العمل شرفاً وجهاداً في سبيل اللّه تعالى، وأن اللّه تعالى لم يبعث نبيّاً إلا وهو من العمّال.
وعلى أي حال، فالعمل قد دعا إليه الإسلام بصورة متميّزة، ونهى عن البطالة والكسل اللذين يقفان حجر عثرة أمام تطوّر اقتصاد الأمّة ورخائها.
من الوسائل الاقتصاديّة التي توجب شيوع الثروة في الأمّة وعدم احتكارها عند فئة من الرأسماليين، هو تحريم الإسلام للربا، والتشديد في العقاب على مقترفها، ففي بعض الأخبار : «دِرْهَمُ رِباً يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ - وَهُوَ يَعْلَمُ - أَشَدُّ عِنْدَ اللّه مِنْ سِتَّة وَثَلاثِينَ زِنْيَةٌ».
لقد حرّم الإسلام الربا ليقيم اقتصاده على أسس علمية صحيحة لا ظلم فيها، ومن المؤكد أنّ الربا من أفحش الوسائل في كسب المال وتكديسه عند فئة من الناس لم تبق له فيها أي جهد في تنمية المال
وحرم الإسلام الغين، سواء أكان غبن البائع أم المشتري؛ وذلك لئلا يضام أحدهما بخسارة ماليّة، وإذا وقع الغبن فقد فتح الشارع باب الخيار أي خيار فسخ المعاملة أو إعطاء المغبون حقه ممّا غبن فيه.
من بنود الاقتصاد الإسلامي تحريم الاحتكار، الذي يؤدي إلى اضطراب السوق، وزيادة الأسعار، وإشاعة الفقر بين النّاس.
وقد تظافرت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذم المحتكر، وهذه بعضها :
1 - «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللّه بِالْجُذَامِ» (1).
2- لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خاطئة، (2).
3 - «بِئْسَ العَبْدُ المُحْتَكِرُ : إِنْ أرْخَضَ اللّه تَعَالَى الأَسْعَارَ حَزِنَ وَإِن أَخْلاهَا اللّه فَرِحَ» (3).
4- «الجالِبُ إِلى سُوقِنا كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللّه وَالمُحْتَكِرُ في سوقِنا كَالْمُلْحِدِ في كتاب اللّه» (4).
وحكم الإسلام بإلقاء القبض على السلع وتسعيرها بما لا يضر المواطنين، وقد ذكر الفقهاء تحديد مدة الاحتكار والسلع التي تخضع للاستيلاء عليها.
من بنود الاقتصاد الإسلامي مراقبة السوق، وتفتيش السلع؛ وذلك حذراً من الغش فيها، وحذراً من زيادة الأسعار التي تجحف بحق المواطنين.
وفرض الإسلام الضرائب الماليّة لتدفع إلى الفقراء، وكان منها زكاة الفطرة، وهي تجب بعد انقضاء شهر رمضان على كلّ مسلم، صغيراً وكبيراً، ذكراً أم أنثى، ومقدارها ثلاث كيلوغرامات من الطعام أو ما يساوي ثمنها، وتدفع إلى الفقراء، وقد ذكر الفقهاء في رسائلهم العملية ما يتعلق بهذه الضريبة من شؤون.
وتجب الزكاة في الغلات الأربعة، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب إذا بلغت النصاب، وهو ثمان مائة كيلو غرام وما يقرب من خمس وعشرين كيلوغرام، فما زاد عليه يجب إخراج زكاته، فإن سقي بالسيح أو المطر ففيه العشر، وإن سقي بالواسطة ففيه نصف العشر، وكذلك تجب الزكاة في الأنعام، وهي : الغنم، والبقر، والإبل إذا بلغت النصاب، وكذلك تجب في الدينار والدرهم إذا بلغا النصاب، وقد ذكر الفقهاء تفصيل ذلك في رسائلهم.
وتدفع الزكاة إلى فقراء المحلة، ولا سبيل لنقلها إلى الخارج، وذلك لمكافحة الفقر والقضاء عليه.
وتظافرت الأخبار عن أئمّة الهدى سلام اللّه عليهم في وجوب الخمس، وهو يجب في المعادن والغوص، والمال المختلط بالحرام، وأهم بنوده ما يفضل من مؤونة السنة، وينقسم إلى نصفين : نصف إلى فقراء السادة زادهم اللّه شرفاً،
وهو عوض عمّا حرّم عليهم من أخذ الزكاة، فإنّه لا يجوز لهم أخذ شيء منها إلا إذا كان من تجب عليه علويّاً، فإنّه يجوز له أخذها.
وأما النصف الثاني فيدفع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي حال الغيبة يدفع إلى نائبه لينفقه على ترويج الشريعة المقدّسة، ومن أهمها : القيام بالإنفاق على طلبة العلوم الدينيّة، وتسديد جميع شؤونهم، كما إن من أهم مصاديقه الإنفاق على المشاريع الإسلاميّة، كنشر الكتب الدينيّة التي تعرض إلى محاسن التشريع الإسلامي، وقد عرضت رسائل العلماء الأعلام إلى بيان موارد إنفاق حقّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة مفصّلة.
من بنود الاقتصاد الإسلامي مسؤولية الدولة عن مكافحة الفقر والقضاء عليه؛ وذلك بما يلي :
والدولة مسؤولة عن توفير العمل للمواطنين، وتهيئة الفرص المتكافئة لهم حتّى لا تنتشر البطالة، وتعم الحاجة بين النّاس.
إذا كان المواطن موظفاً أو غير موظف لا يكفيه دخله أو راتبه في تسديد شؤونه، فإن الدولة مسؤولة عن تسديد ذلك النقص، ولا يبقى الشخص في حاجة ويؤس، فإنّ الفقر كالكفر يجب مكافحته وإزالته.
إذا استدان الشخص للإنفاق على عياله، ولم يتمكن من تسديده فعلى الدولة وفاء دينه، وقد أثر عن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : «مَنْ تُوفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ
لا يَتَمَكَّنُ وَرَثَتُهُ مِنْ دَفْعِهِ، فَنَحْنُ مَسْؤولُونَ عَنْ وَفاءِ دَيْنِهِ».
كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتجه في صلاته صوب بيت المقدس، وتحولت القبلة إلى الكعبة المقدّسة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقد سمّي المكان الذي صلّى فيه بمسجد القبلتين (1).
وكان مجموع صلاته إلى بيت المقدس سنّة عشر شهراً (2).
وفي السنة الثانية من الهجرة أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بصيام شهر رمضان المبارك، وإخراج زكاة الفطرة، وذلك بعد ما حوّلت القبلة إلى الكعبة المشرفة بشهر (3).
والظاهرة البارزة في سيرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه كان يستشير أصحابه في معظم الأمور السياسية والاجتماعيّة عملاً بقوله تعالى : «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (4)، فقد روى أبو هريرة، قال : «ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (5).
ومن المؤكد أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يكن بحاجة إلى رأي أحد من أصحابه، فقدكان العقل المدبّر والمفكر الذي لم يشاهد مثله في جميع فترات التاريخ، وإنما كان
يستشير أصحابه لجمع كلمتهم وإشاعة المحبّة له بينهم، ويقول الرواة : «إنه كان يستشير حتّى المرأة، فتشير عليه، فيأخذ برأيها (1).
واتَّخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كوكبة من الصحابة يكتبون له ما ينزل عليه من الوحي وما يبعثه من الرسائل إلى الملوك الذين يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكتب المصالحة والهدنة وغير ذلك، وقد تولى القيام بهذه المهمة ما يلي :
وهو أخو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و باب مدينة علمه، فقد كتب أكثر الوحي (2)، كما كان يكتب عهوده وصلحه وغير ذلك من شؤونه (3).
الأنصاري الخزرجي، وهو أول من كتب له بعد مقدمه إلى المدينة (4).
الأنصاري الخزرجي، من كتاب الوحي، كما كان يكتب الرسائل إلى الملوك، وكانت ترد بعض الرسائل إلى النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالسريانيّة، فأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زيداً بتعلّمها، فتعلّمها، وكان يكتب إلى الملوك (5).
كان يكتب إلى الملوك، كما كان يكتب للنّاس سائر العقود والمعاملات (1).
كتب للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحياناً (2).
ذكره بعض أنه من كتاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(3).
كان يكتب للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المغانم (4).
كان يكتب للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين يديه فيما يعرض له من الأمور، وقد بعثه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عاملاً على صدقات اليمن (5).
ذكره اليعقوبي من كتاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (6).
هؤلاء بعض كتاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقيل : إنّ كتابه كانوا اثنين وأربعين شخصاً،
وذكروا منهم المغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، ونحن لا نثق بذلك، فإنّ الجماعة لهم تأريخ أسود حافل بالموبقات، والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عالم بدخائل نفوسهم المترعة بالنفاق، فكيف يقرّبهم إلى ساحته، ويعهد إليهم بكتابة بعض رسائله.
واتّخذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خاتماً قد نقش عليه : «محمّد رَسُولُ اللّه»، وقد صنع من فضّة (1)، أمّا السبب في اتخاذ الرسول الخاتم فهو أنّ بعض الصحابة قال للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ المرسل إليهم من رسائله لا يقرؤونها إذا لم تكن مختومة، فاتخذ النبيّ الخاتم (2).
ولما استقر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في يثرب واتخذها عاصمة له بادر إلى تدوين وثيقة سياسيّة ذات أهمية بالغة وصفها المستشرقون بأنّها دستور أهل المدينة، فقد وضعت القوانين العامّة والخاصة لهم ولاخوانهم المهاجرين، كما وضعت المناهج لليهود المقيمين في المدينة، فجعلهم في حريّة تامة لإقامة طقوسهم الدينيّة، كما اشترط عليهم عدة شروط إلزامية.. وهذه بنوده بعد البسملة :
1- هذا كتاب من محمّد النبيّ رسول اللّه بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم بهم وجاهد معهم.
2 - إنّهم أمة واحدة من دون النّاس.
3- المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم (1)، يتعاقلون بينهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم (2)بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.
4 - وبنو عَوْف على رِبْعَتِهِم يتعاقلون معاقلهم. (3)الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
5 - وبنو الحارث من الخزرج على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
6 - وبنو ساعدة على ربغتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
7- وبنو جُشَم على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
8- وبنو النجار على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
9 - وبنو عمرو بن عوف على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
10 - وبنو النّبيت على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
11 - وبنو الأوس على رِبْعَتِهِم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
12 - وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحاً (1)بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه
13 - وإنّ المؤمنين المتقين أيديهم على من بغى منهم أو ابتغى دَسِيعة (2)ظُلم أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وأنّ أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم.
14 - ولا يقتل مؤمن مؤمناً فى كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.
15 - وإنّ ذمّة اللّه واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
16 - وإن من تبعنا من يهود فإنّ له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
17 - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلا على سواء وعدل بينهم.
18 - وإنّ كلّ غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضاً.
19 - وإنّ المؤمنين يُبى بعضُهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل اللّه تعالى.
20 - وإنّ المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.. وإنّه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن.
21 - وإنّه من اعتبط (3)مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنّه قَوَدٌ به إلا أن يرضي ولي المقتول بالعقل، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
22 - وإنّه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن باللّه واليوم الآخر أن
ينصر مُحْدِثاً أو يُؤويه، وأنّه من نصره أو أواه فإنّ عليه لعنة اللّه وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
23 - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنّ مرده إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
24 - وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
25 - وإن يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنّه لا يُوتغ (1)إلّا نفسه وأهل بيته
26 - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عَوْف.
27 - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
28 - وإنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
29 - وإن ليهود بني جُسم مثل ما ليهود بني عوف.
30 - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
31 - وإنّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عَوْف إِلَّا من ظلم وأثِم فإنَّه لا يُوتِعْ إلّا نفسه وأهل بيته.
32 - وإن جَفْنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
33 - وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البردون الإثم.
34 - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم (2).
35 - وإن بطانة اليهود كأنفسهم.
36 - وإنه لا يخرج أحد إلا بإذن محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنه لا ينحجز على ثارِ جُرْح وإنّه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم، وأنّ اللّه على أبرّ من هذا (1).
37 - وإن على اليهود نفقتهم، وإنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.. وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
38 - وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
39 - وإنّ يثرب حرام جَوْفها لأهل هذه الصحيفة.
40 - وإن الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم.
41 - وإنّه لا تُجار حُزمة إلا بإذن أهلها.
42 وإنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة مِن حَدَث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإنّ مردّه إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى محمّد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
43 - وإنّه لا تُجار قريش ولا من نصرها.
44 - وإنّ بينهم النصر على من دَهم يثرب.
45 - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنّهم يصالحونه ويلبسونه، وإنّهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنّه لهم على المؤمنين إلا مَنْ حارب في الدين.. على كلّ أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
46 - وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المخض من أهل هذه الصحيفة، وإن البردون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأنّ اللّه على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
47 - وإنّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو أثم، وأنّه من خرج آمِنٌ، ومن قعد
1) على أبرّ من هذا : أي على الرضا به.
آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وأن اللّه جاز لمن بر واتقى، ومحمّد رسول اللّه» (1).
حكت هذه الوثيقة تنظيم العلاقات الاجتماعيّة بين المهاجرين والقبائل العربيّة النازلة بالمدينة، وبين القبائل واليهود، وقد اهتم بتحليلها (ويلهوزن)، وقال : «إنّها وقعت لنا من السماء» (2).
وقد عرض الأستاذ لطفي جمعة إلى تحليل هذه الوثيقة وإبراز قيمها ومحتوياتها (3).
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) داعية اللّه الأكبر في الأرض، وترجمان وحيه، وإمام الموحدين، وسيد المنيبين، وخاتم النبيين، الذي رفع بقوّة وشموخ كلمة التوحيد، ودمر بعزم وصلابة الأوثان والأصنام التي تعبد من دون اللّه تعالى، فأشاع معرفته، ودلّل على وحدانيته، ووجوب ذاته، وعظيم شأنه، فأنار العقول، وأضاء دخائل النفوس، وأقام صروح الإيمان، وفند شبه الملحدين.
لقد أخلص الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في دعوته المشرقة إلى اللّه تعالى منذ وهب روح-ه جميع طاقاته لنشر دينه، وعمل جاهداً على إنقاذ الإنسان من ظلمات الجهل وخرافات الجاهلية، وتبنّى بصورة إيجابية تهذيب الإنسان وتوازن سلوكه، ووضع لذلك المناهج التربوية التي يسعد بها الإنسان، ومن بين تلك المناهج أدعيته التي هي بلسم للنفوس الحائرة؛ وذلك بما تحمل من روحانية وإشراق.
وقبل أن نعرض إلى نماذج منها نذكر بعض ما أثر عنه في فضل الدعاء وأهميته وأوقاته وآدابه، وما يرتبط بذلك من شؤون :
للدعاء أهمية بالغة عند الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أثرت عنه كوكبة من الأحاديث في أهميته، وهذه بعضها :
1 - «الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ» (1).
2- «الدُّعاءُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ» (2).
3 - «الدُّعاءُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ» (3).
وهذه نصوص الأحاديث التي وردت في أهمية الدعاء.
أما الفوائد التي يظفر بها الإنسان في دعائه اللّه تعالى فهي :
إنّ القضاء المبرم والمحتّم يدفع بأمور كان منها الدعاء، وقد أعلنت ذلك بعض
الأحاديث النبويّة، ولنقرأ بعضها :
«أَكْثِرْ مِنَ الدُّعاءِ فَإِنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القُضَاءَ» (4).
«إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعاءُ، وَلَا يَزيدُ في العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» (5).
«بِرُّ الوالِدَيْنِ يَزيدُ في العُمْرِ، وَالكِذْبُ يَنْقُصُ الرِّزْقَ، والدُّعاءُ يَرُدُّ القَضَاءَ (6).
«الدُّعاءُ يَرُدُّ الْبَلاءَ» (7).
1) نهج الفصاحة : 1 : 323، عن سنن أبي داود : 1: 333. مسند أحمد بن حنبل : 4 : 467.
2) نهج الفصاحة : 2 : 323، نقلاً عن كنز العمّال : 2 : 62.
3) المستدرك على الصحيحين : 1 : 492.
4) نهج الفصاحة : 1 : 321، نقلاً عن كنز العمال: 3 : 7.
5) مسند أحمد بن حنبل : 5 : 277.
6) الترغيب والترهيب : 3 : 596.
7) كنز العمّال : 3: 63.
«حَصَّنُوا أَمْوالَكُمْ بِالزَّكاةِ، وَداوُوا مَرْضاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَأعِدُوا لِلْبَلَاءِ الدُّعاءَ» (1).
«لَا يَرُدُّ القضاءَ إِلَّا الدُّعاءُ، وَلَا يَزيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» (2).
«لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ عَنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمّا لَمْ يَنْزِل (3).
هذه بعض الأحاديث التي أعلنت الفائدة العظمى التي يظفر بها من يدعو اللّه تعالى بإخلاص، فإنّه يقيه من الكوارث، ويدفع عنه البلاء المبرم.
أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جمهرة من الأحاديث أعلنت عن كوكبة من الناس يستجاب دعاؤهم، وهم :
«اِتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّما يَسْأَلُ اللّه تَعَالَى حَقَّهُ وَإِنَّ اللّه تَعَالَى لَا يَمْنَعُ ذَا حقّ حَقَّهُ» (4).
حكى هذا الحديث أنّ اللّه تعالى ليس بغافل عن عباده، فهو يستجيب دعاء المظلوم والمعتدى عليه، وينتقم من الظالم، وأن دعوة المظلوم مستجابة، سواء صدرت من مسلم أو من كافر.
ففي الحديث : «دَعْوَةُ المَظْلُوم مُسْتَجابَةٌ وَإن كانَ فاجِراً فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِه» (5).
«اِجْتَنِبُوا دَعَواتِ المَظْلُومِ ما بَيْنَهَا وَبَينَ اللّه حِجابٌ» (1).
«اِتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُوم فَإِنَّها تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ يَقولُ اللّه تَعَالَى وَعِزتي وَجَلَالى لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حينٍ» (2).
«اِتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُوم فَإِنَّها تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا شَرارَةٌ» (3).
«مَنْ دَعا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتُصِرَ» (4).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في استجابة دعوة المظلومين والمضطهدين الذين لا يجدون ناصراً، ولا مغيثاً إلا اللّه تعالى
من الأدعية التي يستجيبها اللّه تعالى : دعاء الوالد لولده؛ لأنه يدعو له بلهفة وإخلاص، ومن صميم القلب، وقد أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال :
«دعاء الوالِد لِوَلَدِهِ كَدُعاءِ النبيّ لِأُمَّتِهِ» (5).
من الأدعية التي لا يردّها اللّه تعالى : دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب، حسب ما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال :
«دُعاءُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ لَا يُرَدُّ» (6).
ضمن اللّه تعالى إجابة دعاء الغائب للغائب، فقد ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال : «أَسْرَعُ الدُّعاءِ اِجابَةٌ دُعاءُ عَائِبٍ لِغَائِبٍ» (1).
من الأدعية التي يستجيبها اللّه تعالى : دعاء المؤمن المبتلى، ففي الحديث النبوي: «اِغْتَنِمُوا دَعْوَةَ المُؤْمِن المُبْتَلَى» (2).
من الأدعية التي تستجاب : هو الدعاء في حال الرقة والخشية والتضرّع، فقد ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«اغْتَنِمُوا الدعاءَ عِنْدَ الرِّقَةِ فَإِنَّها رَحْمَةٌ» (3).
من الأدعية المستجابة دعاء المحسن إليه إلى المحسن، ففي الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :
«دُعاءُ المُحْسَنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِن لَا يُرَدُّ» (4).
من الأدعية التي تستجاب : دعاء المسلم لأخيه المسلم، حسبما أعلنه
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله :
«دُعاءُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مُسْتَجَابٌ لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ عِنْدَ رَأْسِه مَلَكَ مُوَكَّلٌ بِهِ كُلَّما دَعا لأخيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ : آمين ولَكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ» (1).
«خَمْسُ دَعواتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ : دَعْوَةُ المَظْلُومِ حتّى يُنْتَصَر وَدَعْوَةُ الحَاجِّ حتّى يَصْدُرَ وَدَعْوَةُ الغازي حتّى يَقْفُلَ وَدَعْوَةُ المَريضِ حتّى يَبْرَأَ وَدَعْوَةُ الأخ لأخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعَواتِ إِجابَةٌ دَعْوَةُ الأَخِ لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ» (2).
«ثَلَاثٌ حقّ عَلَى اللّه أنْ لَا يَرُدَّ لَهُمْ دَعْوَةٌ. الصَّائِمُ حتّى يُفْطِرَ وَالمَظْلُومُ حتّى يُنْتَصَرَ وَالمُسافِرُ حتّى يَرْجِعَ» (3).
هذه بعض الدعوات التي يستجيبها اللّه تعالى من عباده إن عاجلاً وإن أجلاً، ومن أسرعها إجابة دعوة المظلوم الذي لم يجد له ناصراً إلا اللّه تعالى.
أعلن النبيّ عل اللّه أن بعض الدعوات لا يستجيبها اللّه تعالى، وهي :
1 - «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيْسَلِّطَنَّ اللّه عَلَيْكُمْ شِرارَكُمْ فَيَدْعُو خِيارُكُمْ فَلَا يُسْتَجابُ لَهُم» (4).
إنّ استجابة الدعاء - حسب هذا الدعاء - مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن - المنكر، ولعلّ عدم استجابة دعاء بعض النّاس إهمالهم لهذا الواجب الإسلامي.
2 - «ادْعُوا اللّه وَأَنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِالإِجابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه لَا يَسْتَجِيبُ دُعاءً مِنْ قَلْبٍ غافل لاه» (1).
إن الإنسان الذي يدعو اللّه تعالى وقلبه غافل لاو لا يستجاب دعاؤه؛ لأنّ اللّه تعالى يريد الدعاء من قلب منيب خاشع خاضع مملوء بالرقة.
«إِنَّ اللّه تَعالى حَبِيٌّ كَرِيم يَسْتَحْيِي إِذا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيهِ يَدَيه أَنْ يَرُدَّهُما صِفْراً خائِبَتَين» (2).
علمنا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)كيفيّة الدعاء، وهو أن يكون مشفوعاً بتذلّل وخشوع، وأن يرفع العبد يديه بالدعاء طالباً فيض المبدع العظيم.
أمّا أفضل الأدعية التي يدعو بها العبد إلى اللّه تعالى فهذه بعضها :
«اللّهمَّ اجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي، وَانْقِطَاعِ عُمْرِي» (3).
وهذا من أفضل الدعاء؛ لأنّ الإنسان إذا بلغ من العمر عتيّاً، فإنّ معظم شؤونه
الماديّة تتوقّف، فإذا رزقه اللّه تعالى فإنّه من أجمل وأفضل موارد الرزق.
«(اللّهمَّ اجْعَلْنِي أَخْشاكَ كأَني أراكَ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْواكَ، وَلَا تُشْقِني بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لي في قَضائِكَ، وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ، حتّى لَا أُحِبُّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَلَا تَأْخِيرَ ما عَجَّلْتَ، وَاجْعَلْ غِنايَ في نَفْسي» (1).
من أروع الأدعية هذا الدعاء الحافل بمقومات التقوى والصلاح والإيمان الذي يصون الإنسان من مآثم الحياة.
«اللّهمَّ اجْعَلْني صَبُوراً، وَاجْعَلْني شَكُوراً، وَاجْعَلْني فِي أَمَانِكَ.
اللّهمَّ اجْعَلْني شَكُوراً، وَاجْعَلْني صَبُوراً، وَاجْعَلْني فِي عَيْنِي صَغِيراً، وَفي أَعْيُنِ النّاسِ كَبِيراً» (2).
حكى هذا الدعاء أجل الصفات التي يتحلى بها المتقون من الصبر والشكر اللّه تعالى، وأنه لا يرى لنفسه أية أهمية
«اللّهمَّ اجْعَلْني مِنَ الَّذينَ إِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَرُوا» (3).
حفل هذا الدعاء بما يسمو به الإنسان من البر والإحسان والاستغفار عند اقتراف الذنب.
«اللّهمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبي، وَوَسِّعْ لي في داري، وبارك لي في رزقي» (1).
«اللّهمَّ أَحْسِنُ عاقِبَتَنا في الأمُورِ كُلُّها، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ» (2).
«اللّهمَّ احْفَظْني بِالْإِسْلَامِ قائِماً، وَاحْفَظْني بِالْإِسْلَامِ قاعِداً، وَاحْفَظْني بِالْإِسْلَامِ راقِداً، وَلَا تُشْمِتْ بي عَدُوّاً وَلَا حَاسِداً.
اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كلّ خَيْرٍ خَزائِتُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كلّ شَرٌّ خَزائِتُهُ بِيَدِكَ» (3).
«اللّهمَّ أَحْيِني مِسْكِيناً، وَأَمِتْني مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينَ. وإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيا وَعَذابُ الآخِرَةِ» (4).
«اللّهمَّ اصْلِحْ َذاتَ بَيْتِنا، وَأَلْفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنا مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللّهمَّ بَارِكْ لَنا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصارِنا وَقُلُوبِنا وَأَزْواجِنَا وَذَرَارِينَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمِ» (1).
حفل هذا الدعاء الشريف بجميع أنواع الخير والهداية والاستقامة، واجتناب الفواحش، لا له فقط، وإنّما لمن يمتّ إليه بصلة من زوجة وأولاد.
«اللّهمَّ اصْلِحْ لي دِينيَ الَّذي هُوَ عِصْمَةً أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي فيها معاشي، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتيَ الَّتي فيها مَعادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيادَةٌ لي في كلّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ راحَةً لي مِنْ كلّ شَرٌّ» (2).
حكى هذا الدعاء طلب الخير من اللّه تعالى بجميع رحابه ومناهجه، خير الدنيا وخير الآخرة.
«اللّهمَّ أَعِنِّي عَلى غَمَراتِ الْمَوْتِ، وَسَكَراتِ الْمَوْتِ» (3).
إن أعظم شدّة يجتازها الإنسان هي غمرات الموت، وطلب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعينه اللّه عليها، ويخفّف آلامه عنه
«اللّهمَّ اغْفِرْ لي خَطيئتي وَجَهْلي وَإِسْرافي في أَمْرِي، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللّهمَّ اغْفِرْ لي خَطَئِي وَعَمْدي، وَهَزْلِي وَجِدِّي، وَكُلُّ ذلِكَ عِنْدِي. اللّهمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ» (1).
وفي هذا الدعاء رجاء العبد إلى خالقه بالمغفرة، وما أسرف على نفسه من اقتراف الخطايا والذنوب.
«اللّهمَّ أَغْنِنِي بِالْعِلْمِ، وَزَيَّني بِالْحِلْمِ، وَأَكْرِمْني بِالتَّقْوى، وَجَمَّلْني بِالْعَافِيَةِ» (2).
إنّ العلم والحلم والتقوى والعافية هي أثمن ما في الحياة، ومن ظفر بها فقد فاز في دنياه وآخرته.
«اللّهمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ ما يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ ما يُهَوِّنُ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيا،
وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصارِنا وَقُوَّتِنا ما أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَا، وَاجْعَلْ ثارَنا عَلَى مَنْ ظَلَمَنا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عادانا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّنا، وَلَا مَبْلَغَ، عِلْمِنا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لَا يَرْحَمُنا» (1).
حفل هذا الدعاء بجميع أنواع الخير التي يسمو بها الإنسان في دنياه وآخرته.
«اللّهمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسي، وَأنْتَ تَوَفَّيها، لَكَ مَمَاتُها وَمَحْياها، إِن أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِن أَمَتَهَا فَاغْفِرْ لَهَا. اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ» (2).
سأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الخالق تعالى في هذا الدعاء طلب المغفرة في الممات، والعافية في الحياة.
«اللّهمَّ عافِني في بَدَني. اللّهم عافني في سَمْعي. اللّهم عافني في بَصَري. اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ الْقَبْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (3).
حفل هذا الدعاء بطلب العافية من اللّه تعالى بجميع رحابها، عافية في البدن، وفي السمع، وفي البصر، كما حفل الدعاء بالاستعاذة من الكفر والفقر وعذاب القبر.
«اللّهمَّ انْفَعْني بِما عَلَّمْتَني، وَعَلَّمْني ما يَنْفَعُني، وَزِدْنِي عِلْماً» (1).
إنّ العلم أفضل ما يتحلى به الإنسان من الصفات، وهو مما يوجب سموّ الإنسان.
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدى وَالتَّقى والعفاف والغنى» (2).
وهذه الصفات من أميز الصفات التي يتصف بها الشخص، فإنّها ترفع شأنه في دنياه وآخرته.
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صِحَةً في إيمانٍ، وَإِيماناً في حُسْنِ خُلْقٍ، وَتَجَاحاً يَتْبَعُهُ فَلَاح» (3).
الإيمان الصحيح الماثل في حسن الخُلق، والنجاح الذي يتبعه الفلاح، هما من ذخائر هذه الحياة.
«اللّهم بارك لأمتي في بكورها» (4).
إن اللّه تعالى جعل الرزق والبركة في الصباح المبكر، وفيه أن الإنسان يملك تمام نشاطه.
«اللّهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبِ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً، وَتَوَفَّنِي إِذا عَلِمْتَ الْوفاةَ خَيْراً لي. اللّهمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْإِخلاص في الرّضا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنى»(1).
وهذا الدعاء من ذخائر أدعية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد حفل بجميع مقومات الإيمان والتقوى، وآداب السلوك
«اللّهمَّ ربَّنَا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وَقِنا عَذابَ النار» (2).
إنّ من أعطاء اللّه تعالى في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، فقد فاز فوزاً عظيماً.
«اللّهمَّ زِدْنا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنا وَلَا تَهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وَأَرْضِنا وَارْضَ عَنّا» (3).
وفي هذا الدعاء الشريف طلب المزيد من عمل الخير والكرامة والتسديد والتأييد.
«اللّهمَّ لَا تَكِلْني إلى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا تَنْزِعُ مِنِّي صالح ما أعْطَيْتَني» (1).
إنّ النفس الأمارة بالسوء، وقد استعاذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من شرورها ونزعاتها.
«اللّهمَّ مِنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفِقَ بِهِمْ فَارْفقُ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ» (2).
دعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ولاة أمور المسلمين بالخير والتسديد إن عاملوا المسلمين بالشفقة والرحمة والرأفة، ودعا عليهم إن لم يعملوا ذلك
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ» (3).
إن الخير كله من أهم ما يدعو به الإنسان، كما أنّ الاستعاذة من الشرّ من أهم
ما يظفر به الإنسان من متطلبات حياته.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئُ الْأَسْقَامِ» (1).
يجب على الإنسان أن يشكر ربه عزّ وجلّ لسلامته من الإصابة بهذه الأمراض وعدم ابتلائه بهذه الأمراض الجسدية؛ لأنها من أفظع الأمراض والأسقام التي تصيب الإنسان في حياته.
اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْقَسْوَةِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالْعَيْلَةِ، وَالذِّلَّةِ، وَالْمَسْكَنَةِ.
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ، وَالْكُفْرِ، وَالْفُسُوقِ، وَالشَّقاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالرِّياءِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ، وَالْبَكَمِ، وَالجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَسَيَّى الْأَسْقام (2).
وهذه الآفات والأمراض التي تعوّذ منها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أقسى ما يمنى به الإنسان من البلاء.
«اللّهمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جارِ السُّوءِ في دارِ الْمُقامَةِ، فَإِنَّ جَارَ
البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ» (1).
الجار نوعان : الأول الجار المقيم.
والثاني الجار في البادية، الذي يتحوّل.
وقد استعاذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأوّل، وهو الذي يجرّ الويل إلى مجاوره إذا كان سيئ الأخلاق.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ خَليلٍ ما كِرٍ عَيْنَاهُ تَرَيانِي وَقَلْبُهُ يَرعاني إِن رَأَى حَسَنَةً دَفَنَها وَإِن رَأى سَيِّئَةٌ أذاعَها» (2).
إنّ صديق السوء من أخبث الأصحاب، فإنّ نفسه مترعة بالبغض والنفاق إلى صاحبه، إن رأى حسنة منه دفنها، وإن رأى منه سيّئة أشاعها بين الناس.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَعَمَلٍ لا يُرْفَعُ، وَدُعاء لَا يُسْمَعُ» (3).
لا خير في العلم الذي لا يهذب صاحبه، ولا يقيم سلوكه، كما لا خير في العمل الذي لا يُرفع إلى اللّه تعالى، كالعمل المشفوع بالرياء، وكذلك لا خير في الدعاء الذي لا يسمع ولا يستجيبه اللّه تعالى.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْداءِ» (1).
استعاذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من غلبة الدين والعدوّ وشماتة الأعداء، وهي كابوس مظلم إذا خيّم أحدها على الإنسان.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النِّساءِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» (2).
إن فتنة النساء من أعظم المحن وأشدّها بلاء، أعاذنا اللّه منها.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَراتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَهْواءِ وَالْأَعْمالِ وَالْأَدْواءِ» (3).
إنّ هذه المنكرات تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق من مجاهل هذه الحياة.
«اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوءِ، وَمِنْ لَيْلَةِ السُّوءِ، وَمِنْ ساعَةِ السُّوءِ، وَمِنْ صاحِبِ السُّوءِ، وَمِنْ جارِ السُّوءِ في دارِ الْمُقامَةِ» (4).
أعاذنا اللّه والمسلمين من السوء بجميع مراحله وصنوفه.
كان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا أراد السفر دعا بهذا الدعاء :
«اللّهمَّ أَنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ، وَالْخَليفَةُ فِي الْأَهْلِ اللّهمَّ أَصْحِبْنا بِنَصْحٍ، وَأَقْبِلْنا بِنُجْحِ اللّهمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوَّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ اللّهمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ وَعْناءِ السَّفَرِ وَكابَةِ الْمُنْقَلَب (1)».
هذه نماذج من غرر الأدعية التي كان يدعو بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي تحكي انقطاعه الكامل إلى اللّه تعالى، فقد هام به، والتجأ إليه في جمع مهامه وأموره.
أفاض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على وصيه وباب مدينة علمه جميع مكوناته، وعهد إليه بجميع ما يقربه إلى اللّه تعالى زلفى، وقد علّمه بعض الأدعية الشريفة ليناجي بها اللّه تعالى، والتي منها ما يلي :
الدعاء الأوّل
أرسل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) داعية إلى اليمن يدعوهم إلى توحيد اللّه واعتناق الإسلام، وقد أسلموا على يده بلا قتال، وقد زوّده بهذه الدعاء الشريف :
«اللّهمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِلَا ثِقَةٍ مِنِّي بِغَيْرِكَ، وَلَا رَجَاءٍ يَأْوِي بِيَ إِلَّا إِلَيْكَ، وَلَا قُوَّةٍ أَتَّكِلُ عَلَيْهَا، وَلَا حِيْلَةٍ أَلْجَأْ إِلَيْهَا إِلَّا طَلَبَ فَضْلِكَ، وَالتَّعَرُّضَ
1) التذكرة الحمدونية : 8: 116.
لِرَحْمَتِكَ، وَالسُّكُونَ إِلى أَحْسَنِ عَادَتِكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا سَبَقَ لِي فِي وَجْهِي هذَا مِمَّا أُحِبُّ وَأَكْرَهُ، فَأَيَّمَا أَوْقَعَتْ عَلَيَّ فِيهِ قُدْرَتَكَ، فَمَحْمُودٌ فِيهِ بَلَاوْكَ مُتَضِحٌ فِيهِ قَضَاؤُكَ، وَأَنْتَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُنْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ.
اللّهمَّ فَاصْرِفْ عَنِّي مَقَادِيرَ كلّ بَلَاءٍ، وَمَقَاصِرَ كلّ لَأُواءِ، وَأَبْسُطْ عَلَيَّ كَنَفَاً مِنْ رَحْمَتِكَ وَسَعَةٌ مِنْ فَضْلِكَ، وَلُطفاً مِنْ عَفْوِكَ حتّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ، وَذَلِكَ مَعَ مَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْلُفَنِي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي، وَصُرُوفِ حُزَانَتِي بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ بِهِ غَائِباً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَحْصِينِ كلّ عَوْرَةٍ وَسَتْرِ كلّ سَيِّئَةٍ، وَحَدٌ كلّ مَعْصِيَةٍ، وَكِفَايَةِ كلّ مَكْرُوه، وَارْزُقْنِي عَلى ذَلِكَ شُكْرَكَ وَذِكْرَكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ يَا وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَاجْعَلْنِي وَمَا خَوَّلْتَنِي وَوَلَدِي، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي حِمَاكَ الَّذِي لَا يُسْتَبَاحُ، وَذِمَّتِكَ الَّتِي لَا تُخْفَرُ، وَجِوَارِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَأَمَائِكَ الَّذِي لَا يُنْقَضُ، وَسِتْرِكَ الَّذِي لَا يُهْتَكُكَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ فِي حِمَاكَ وَذِمَّتِكَ وَجِوَارِكَ وَأَمَانِكَ وَسِتْرِكَ كَانَ آمِناً مَحْفُوظاً، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا ِباللّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ» (1).
حكى هذا الدعاء تبتل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى اللّه تعالى، وانقطاعه إليه، وأنه لا يرى في ساحة الوجود سواه، فاعتصم به، والتجأ إليه.
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 4 : 292 - 293.
الدعاء الثاني
من الأدعية المهمة التي علّمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الدعاء الشريف، وقد رواه أنس بن أويس، وهذا نصه :
«اللّهمَّ أَنْتَ اللّه، وَأَنْتَ الرَّحْمَنُ، وَأَنْتَ الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْحَمِيدُ، الْمَجِيدُ، الْمُبْدِيُّ، الْمُعِيدُ، الْوَدُودُ، الشَّهِيدُ، الْقَدِيمُ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، الْعَلِيمُ، الصَّادِقُ، الرَّؤُوفُ، الرَّحِيمُ، الشَّكُورُ، الْغَفُورُ، العَزِيزُ، الْحَكِيمُ، ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، الرَّقِيبُ، الْعَظِيمُ، الْعَلِيمُ، الْغَنِيُّ، الْوَلِيُّ، الْحَفِيظُ. ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْعَظِيمُ، الْعَلِيمُ الْغَنِيُّ، الْوَلِيُّ، الْفَتَّاحُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْعَدْلُ، الْوَفِيُّ، الْوَلِيُّ، الْحَقُّ، الْمُبِينُ، الْخَلَّاقُ، الرَّزَّاقُ، الْوَهَّابُ، التَّوَّابُ، الرَّبُّ، الوَكِيلُ، اللطِيفُ الْخَبِيرُ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الدَّيَّانُ، الْمُتَعَالِي، الْقَرِيبُ، الْمُجِيبُ، الْبَاعِثُ، الْوَارِثُ، الْوَاسِعُ، الْبَاقِي، الْحَيُّ، الْدَائِمُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومُ، النُّورُ، الْغَفَّارُ، الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، ذُو الطَّوْلِ، الْمُقْتَدِرُ، عَلامُ الْغُيُوبِ، الْمُبْدِئُ، الْبَدِيعُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الدَّاعِي، الْمُغِيثُ، الدَّافِعُ، الضُّارُّ، النَّافِعُ الْمُعِزُ الْمُذِلُّ، المُطْعِمُ، الْمُنْعِمُ، الْمُهَيْمِنُ الْمُحْسِنُ، الْحَنَّانُ، الْمُتَفَضّلُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْفَعَّالُ لِمَا يُريدُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مِنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي
اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ حِسَابٍ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ، وَفَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ والْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
اللّهمَّ وَمَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلْفٍ، أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ، فِي يَوْمِي هَذَا وَلَيْلَتِي هَذِهِ، فَمَشِيَّتُكَ بَيْنَ يَدَي ذَلِكَ كُلِّهِ، مَا شِئْتَ مِنْهُ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشأُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ، فَادْفَعْ عَنِّي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
اللّهمَّ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عِنْدَكَ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَتُبْ عَلَيَّ، وَتَقَبَّلْ مِنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي، وَيَسِّرْ أُمُورِي، وَوَسِّعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِي، وَأَغْنِنِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ، وَصُنْ وَجْهِي وَيَدِي وَلِسَانِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَتَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَأَنْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللّه عَلَى محمّد وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ» (1).
وأنت ترى فى هذا الدعاء الجليل العظمة الكبرى اللّه تعالى وتمجيده والثناء عليه بأسمى ما يكون الثناء.
الدعاء الثالث
من الأدعية الجليلة التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لوصيّه وباب مدينة علمه هذا الدعاء، وقد رواه أويس القرني، وجاء فيه بعد البسملة :
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 4 : 292 - 293.
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَلَا أَسْأَلُ غَيْرَكَ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ وَلَا أَرْغَبُ إِلَى غَيْرِكَ، أَسْأَلُكَ يَا أَمَانَ الْخَائِفِينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، أَنْتَ الْفَتَّاحُ، ذُو الْخَيْرَاتِ، مُقِيلُ الْعَثَرَاتِ، وَمَاحِي السَّيِّئَاتِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ، وَرَافِعُ الدَّرَجَاتِ، أَسْأَلُكَ بِأَفْضَلِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَأَنْجَحِهَا الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْعِبَادِ أَنْ يَسْأَلُوكَ إِلَّا بِهَا، وَأَسْأَلُكَ بِك يا اللّه، يَا رَحْمَنُ، وَبِإِسْمَائِكَ الْحُسْنَى، وَأَمْثَالِكَ الْعُلْيا، وَنِعَمِكَ الَّتِي لَا تُحْصى، وَبِأَكْرَم أَسْمَائِكَ عَلَيْكَ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكَ وَأَشْرَفِهَا عِنْدَكَ مَنْزِلَةٌ، وَأَقْرَبِهَا مِنْكَ وَسِيلَةً، وَأَجْزَلِهَا مَبْلَغاً، وَأَسْرَعِهَا مِنْكَ إِجَابَةً، وَبِاسْمِكَ الْمَخْرُونِ الْجَلِيلِ الْأَجَلِ الْعَظِيمِ الْأَعْظَم، الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَتَرْضىٰ عَمَّنْ دَعَاكَ بِهِ، فَاسْتَجَبْتَ دُعاءَهُ، وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَلَّا تَحْرِمَ بِهِ سَائِلَكَ، وَبِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ، وَبِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ لَمْ تُعَلِّمْهُ أَحَداً، وَبِكُلِّ اسْم دَعَاكَ بِهِ حَمَلُهُ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتُكَ وَأَصْفِياؤُكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ لَكَ وَالرَّاغِبِينَ إِلَيْكَ وَالْمُتَعَوِّذِينَ بِكَ وَالْمُتَضَرِّعِينَ لَدَيْكَ، وَبِحَقِّ كلّ عَبْدٍ مُتَعَبِّدِ لَكَ فِي بَرَّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ سَهْلٍ أو جَبَلٍ، أَدْعُوكَ دُعَاءَ مَنْ قَدْ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ، وَعَظُمَ جُرْمُهُ، وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَةِ نَفْسُهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَمَنْ لَا يَثِقُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَا يَجِدُ لِذَنْبِهِ غَافِراً غَيْرَكَ، وَلَا لِسَعْيِهِ مَلْجَاً سِوَاكَ، هَرَبْتُ مِنْكَ إِلَيْكَ مُعْتَرِفاً غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ، وَلَا مُسْتَكْبِرٍ عَنْ عِبَادَتِكَ، يَا أَنْسَ كلّ فَقِيرٍ مُسْتَجِيرٍ، أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، أَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ، وَأَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُوكُ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ، وَأَنَا الدَّلِيلُ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ، وَأَنْتَ الْحَيُّ،
وَأَنَا الْمَيِّتُ، وَأَنْتَ الْبَاقِي وَأَنَا الْفَانِي، وَأَنْتَ الْمُحْسِنُ وَأَنَا الْمُسِيءُ، وَأَنْتَ الْغَفُورُ، وَأَنَا الْمُذْنِبُ وَأَنْتَ الرَّحِيمُ، وَأَنَا الْخَاطِيُّ وَأَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ، وَأَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ، وَأَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ، وَأَنْتَ الْآمِنُ وَأَنَا الْخَائِفُ، وَأَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ وَاسْتَغَقْتُ بِهِ وَرَجَوْتُهُ، لِأَنَّكَ كَمْ مِنْ مُذْنِبٍ قَدْ غَفَرْتَ لَهُ، وَكَمْ مِنْ مُسِيءٍ قَدْ تَجَاوَزْتَ عَنْهُ، فَاغْفِرْ لِي، وَتَجَاوَزْ عَنِّي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي مِمَّا نَزَلَ بِي، وَلَا تَفْضَحْنِي بِمَا جَنَيْتُهُ عَلَى نَفْسِي، وَخُذْ بِيَدِي، وَبِيَدِ وَالِدَيَّ وَوَلَدِي، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (1).
وأنت ترى في هذا الدعاء جميع ألوان التبتل إلى اللّه تعالى، والانقطاع إليه، وهو يعطي صورة مشرقة عن عظيم الإيمان الذي عرفت به الأسرة النبويّة.
الدعاء الرابع
من الأدعية الجليلة التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الدعاء، وأمره أن يحتفظ به، ويدعو به عند كلّ شدّة تلم به، وهذا نصه بعد البسملة :
«الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْمُدَبِّرُ بِلا وَزِيرٍ، وَلَا خَلْقٍ مِنْ عِبَادِهِ يَسْتَشِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، الْعَظِيمُ الرُّبُوبِيَّةِ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَفَاطِرُهُمَا وَمُبْتَدِعُهُمَا، بِغَيْرِ عَمَدٍ خَلَقَهُمَا، وَفَتقَهُمَا فَتْقاً، فَقَامَتِ السَّمَوَاتُ طَائِعَاتٍ بِأَمْرِهِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرَضُونَ بِأَوْتَادِهَا فَوْقَ الْمَاءِ، ثمّ عَلَا رَبُّنَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلى، الرَّحْمَنُ
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 4 : 296 - 297.
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى، فَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللّه لَا رَافِعَ لِمَا وَضَعْتَ، وَلَا وَاضِعَ لِمَا رَفَعْتَ، وَلَا مُعِزَّ لِمَنْ أَذَلَلْتَ، وَلَا مُذِلَّ لِمَنْ أَعْزَزْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَأَنْتَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ كُنْتَ إِذْ لَمْ تَكُنْ سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ. وَلَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ، وَلَا شَمْسٌ مُضِيئَةٌ، وَلَا لَيْلٌ مُظْلِمٌ، وَلَا نَهَارٌ مُضِيءٌ، وَلَا بَحْرٌ لُجِّيٍّ، وَلَا جَبَلْ رَاسٍ، وَلَا نَجْمٌ سَارٍ، وَلَا قَمَرٌ مُنِيرٌ، وَلَا رِيحٌ تَهبُّ، وَلَا سَحَابٌ يَسْكُبُ، وَلَا بَرْقٌ يَلْمَعُ، وَلَا رَعْدٌ يُسَبِّحُ، وَلَا رُوحٌ تَنَفَسُ وَلَا طَائِرٌ يَطِيرُ، وَلَا نَارٌ تَتَوَفَّدُ، وَلا مَاءً يَطَّرِدُ، كُنْتَ قَبْلَ كلّ شَيْءٍ، وَكَوَّنْتَ كلّ شَيْءٍ، وَقَدَرْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ، وَابْتَدَعْتَ كلّ شَيْءٍ، وَأَغْنَيْتَ وَأَفْقَرْتَ، وَأَمَةً وَأَحْيَيْتَ، وَأَضْحَكْتَ وَأَبْكَيْتَ، وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَيْتَ، فَتَبَارَكْتَ يَا اللّه وَتَعَالَيْتَ، أَنْتَ اللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْخَلَّاقُ الْمُعِينُ، أَمْرُكَ غَالِبٌ، وَعِلْمُكَ نَافِذُ، وَكَيْدُكَ غَريبٌ، وَوَعْدُكَ صَادِقٌ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَحُكْمُكَ عَدْلٌ، وَكَلَامُكَ هُدى، وَوَحْيُك نُورٌ، وَرَحْمَتُكَ وَاسِعَةٌ، وَعَفْوُكَ عَظِيمٌ، وَفَضْلُكَ كَثِيرٌ، وَعَطَاوْكَ جَزِيلٌ، وَحَبْلُكَ مَتِينٌ، وَإِمْكَانُكَ عَتِيدٌ، وَجَارُكَ عَزِيزٌ، وَبَأْسُكَ شَدِيدٌ، وَمَكْرُكَ مَكِيدٌ، أَنْتَ يَا رَبِّ مَوْضِعُ كلّ شَكْوَى، وَحَاضِرُ كلّ مَلَا، وَشَاهِدُ كلّ نَجْوى، مُنْتَهى كلّ حَاجَةٍ، مُفَرِّجُ كلّ حُزْنٍ، غِنَى كلّ مِسْكِينِ، حِصْنُ كلّ هَارِبٍ، أَمَانُ كلّ خَائِف، حِرْزُ الضُّعَفَاءِ، كَنْزُ الفُقَرَاءِ، مُفَرِّجُ الْغَمَّاءِ، مُعِينُ الصَّالِحِينَ، ذَلِكَ اللّه رَبُّنَا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، تَكْفِي مِنْ عِبَادِكَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ جَارُ مَنْ لَاذَ بِكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ، عِصْمَةُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ، نَاصِرُ مَنِ انْتَصَرَ بِكَ، تَغْفِرُ الذُّنُوبَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَكَ، جَبَّارُ الْجَبَابِرَةِ، عَظِيمُ
الْعُظَمَاءِ، كَبِيرُ الْكُبَرَاءِ، سَيْدُ السَّادَاتِ، مَوْلَى المَوَالِ، صَرِيخُ الْمُسْتَصْرِخِينَ، الْمُنَفِّسُ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، مُجِيبُ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، أَسْمَعُ السَّامِعِينَ، أَبْصَرُ النَّاظِرِينَ، أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ، أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، خَيْرُ الْغَافِرِينَ، قَاضِي حَوَائِجِ الْمُؤْمِنِينَ، مُغِيثُ الصَّالِحِينَ.
أَنْتَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ، وَأَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُولُ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ، وَأَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ، وَأَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ، وَأَنْتَ الْجَوادُ وَأَنَا الْبَخِيلُ، وَأَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ وَأَنَا الدَّلِيلُ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ، وَأَنْتَ السيّد وَأَنَا الْعَبْدُ، وَأَنْتَ الْغَافِرُ وَأَنَا الْمُسِيءُ، وَأَنْتَ الْعَالِمُ وَأَنَا الْجَاهِلُ، وَأَنْتَ الْحَلِيمُ وَأَنَا الْعَجُولُ، وَأَنْتَ الرَّحْمَنُ وَأَنَا الْمَرْحُومُ، وَأَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنَا الْمُبْتَلَى، وَأَنْتَ الْمُجِيبُ وَأَنَا الْمُضْطَرُّ، وَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللّه لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمُعْطِي عِبَادَكَ بِلَا سُؤَالٍ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللّه الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْمُتَفَرِّدُ الصَّمَدُ الفَرْدُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، وَصَلَّى اللّه عَلَى محمّد وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَاسْتُرْ عَلَيَّ عُيُوبِي، وَافْتَحْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَرِزْقاً وَاسِعاً يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وَالْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَاقُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» (1).
وفي هذا الدعاء من صنوف التعظيم والتمجيد اللّه تعالى ما قل نظيره في أدعية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما حوى على التذلّل والتضرّع والخشوع اللّه تعالى، وهذا سمت من
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 4 : 298 - 300.
الطاعة غدى به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصيّه وباب مدينة علمه.
الدعاء الخامس
من الأدعية الشريفة التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الدعاء ليدعو به عند الإفطار، وهذا نصه :
«اللّهم رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَرَبَّ الشَّفْعِ الْكَبِيرِ، وَالنُّورِ الْعَزِيزِ، وَرَبَّ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ الْعَظِيم.
أَنْتَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَاللّه مَنْ فِي الْأَرْضِ، لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُكَ.
وَأَنْتَ جَبَّارُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَجَبَّارُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، لَا جَبَّارَ فِيهِمَا غَيْرُكَ.
وَأَنْتَ مَلِكُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَلِك مَنْ فِي الْأَرْضِ، لَا مَلِكَ فِيهُمَا غَيْرُكَ.
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْكَبِيرِ، وَنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَ بِهِ كلّ شَيْءٍ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي صَلَحَ بِهِ الْأَوَّلُونَ، وَبِهِ يَصْلَحُ الْآخِرُونَ، يَا حَيَا قَبْلَ كلّ حَيٍّ، وَ يَا حَيّاً بَعْدَ كلّ حَيٍّ، يَا حَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَاجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي يُسْراً وَفَرَجاً قَرِيباً، وَثَبِّتْنِي عَلى دِينِ محمّد وَآلِ محمّد وَعَلَى هُدَى محمّد وَآلِ محمّد، وَعَلَى سُنَّةِ محمّد وَآلِ محمّد، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَاجْعَلْ
عَمَلِي فِي الْمَرْفُوعِ الْمُتَقَبَّلِ، وَهَبْ لِي كَمَا وَهَبْتَ لِأَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ، فَإِنِّي مُؤْمِنٌ بِكَ، مُتَوَكَّلْ عَلَيْكَ، مُنِيبٌ إِلَيْكَ، مَعَ مَصِيرِي إِلَيْكَ، وَتَجْمَعُ لِي وَلِأَهْلِي الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَتَصْرِفُ عَنِّي، وَعَنْ وَالِدَيَّ، وَعَنْ أَهْلِي، وَعَنْ وَلَدِي الشَّرَّ كُلَّهُ، أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، تُعْطِي الْخَيْرَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَصْرِفُهُ عَمَّنْ تَشَاءُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» (1).
هذه بعض الأدعية التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام الذي هو نفسه.
تولّى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه تربية بضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فغذاها بجميع صنوف التقوى، وغرس في نفسها النزعات الخيّرة، والآداب الكريمة، ممّا جعلها فريدة الدنيا في مثلها ومكوّناتها النفسيّة، والقدوة الحسنة لكل امرأة مسلمة، وكان مما غذاها به الأدعية الكريمة التي هي تبتل وتضرّع وانقطاع إلى اللّه تعالى، وهذه بعضها :
الدعاء الاوّل
«يا اللّه، يا أَعَزَّ مَذْكُورٍ وَأَقْدَمَهُ قِدَماً فِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ.
يا اللّه، يا رَحِيمَ كلّ مُسْتَرْحِمِ، وَمَفْزَعَ كلّ مَلْهُوفٍ إِلَيْهِ.
يا اللّه، يا راحِمَ كلّ حَزِينٍ يَشْكُو بَنَّهُ وَحُزْنَهُ إِلَيْهِ.
يا اللّه، يا خَيْرَ مَنْ طُلِبَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُ، وَأَسَرَّ فِي الْعَطاءِ.
1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 4: 301 - 302.
يا اللّه، يا مَنْ تَخافُ الْمَلَائِكَةُ الْمُتَوَفَّدِةُ بِالنُّورِ مِنْهُ.
أَسْأَلُكَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِها حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَنْ حَوْلَ عَرْشِكَ، بِنُورِكَ يُسَبِّحُونَ بِها شَفَقَةٌ مِنْ خَوْفِ عَذابِكَ، وَبِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِها جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ إِلَّا أَجَبتَني وَ كَشَفْتَ يا إِلهِي كَرْبَتِي، وَسَتَرْتَ ذُنُوبِي.
يا مَنْ يَأْمُرُ بِالصَّيْحَةِ فِي خَلْقِهِ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يُحْشَرُونَ، أَسْأَلُ بِذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي تُحْيِي بِهِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي، وَتَشْرَحَ صَدْرِي، وَتُصْلِحَ شَأْنِي.
يا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْبَقاءِ، وَخَلَقَ لِبَرِيَّتِهِ الْمَوْتَ وَالْحياةَ، يا مَنْ فِعْلُهُ قَوْلٌ، وَقَوْلُهُ أَمْرٌ، وَأَمْرُهُ ماضٍ على ما يَشاءُ، أَسْأَلُكَ بِالْإِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ خَلِيلُكَ حِينَ الْقِيَ فِي النَّارِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ، وَقُلْتَ : يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (1).
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ مُوسَى مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ دعاءَة.
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي كَشَفْتَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ الضُّرَّ، وَتُبْتَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ، وَسَخَّرْتَ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ وَالشَّيَاطِينَ، وَعَلَّمْتَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ.
وبِالْإِسْمِ الَّذِي وَهَبْتَ بِهِ لِزَكَرِيَّا يَحْيَى، وَخَلَقْتَ عِيْسَىٰ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ
1) الأنبياء 21: 69.
مِنْ غَيْرِ أَبِ. وَبِالْإِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيُّ، وَبِالْإِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الرَّوْحَانِيِّينَ. وَبِالْاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْجِنَّ وَالْإِنسَ. وَبِالْإِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ الْخَلْقِ وَجَمِيعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ شَيْءٍ. وَبِالْإِسْمِ الَّذِي قَدَرْتَ بِهِ عَلَى كلّ شَيْءٍ أَسْأَلُكَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمَا أَعْطَيْتَنِي سُوَالِي، وَقَضَيْتَ بِهَا حَوائِجِي» (1).
وحكى هذا الدعاء التوسل التامّ إلى اللّه تعالى بجميع أسمائه وقدراته لقضاء ما أهمّ الإنسان من أمر.
الدعاء الثاني
ومن الأدعية التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذا الدعاء عند نزول المصيبة :
يا عالِمَ الْغَيْبِ وَالسَّرائِرِ، يا مُطاعُ یا عَلِيمُ، يا اللّه يا اللّه يا اللّه، يا هازِمَ الْأَحْزَابِ لِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يا كائِدَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى، يَا مُنْجِيَ عِيسَى مِنَ أَيْدِي الظُّلَمَةِ، يَا مُخَلِّصَ قَوْمِ نُوحٍ مِنَ الْغَرَقِ، يا راحِمَ عَبْدِهِ يَعْقُوبَ، یا كاشِفَ ضُرِّ أَيُّوبَ، يا مُنْجِيَ ذِي النُّونِ مِنَ الظُّلُمَاتِ، يا فاعِلَ كلّ خَيْرٍ يا هادِياً إِلى كلّ خَيْرٍ، يا دالاً عَلى كلّ خَيْرٍ، يا آمِراً بِكُلِّ خَيْرٍ، يا خالِقَ الْخَيْرِ، وَيا أَهْلَ الْخَيْرِ، أَنْتَ اللّه رَغِبْتُ إِلَيْكَ فِيمَا قَدْ عَلِمْتُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى محمّد وَآلِ محمّد» (2).
ومن الأدعية التي علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذا الدعاء لدفع الأرق :
عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) شكت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأرق فقال لها قولي :
«يا مُشْبِعَ الْبُطُونِ الْجائِعَةِ، وَيا كاسِي الْجُسُومِ الْعَارِيَةِ، وَيَا سَاكِنَ الْعُرُوقِ الضّارِبَةِ، وَيَا مُنَوَّمَ الْعُيُونِ السَّاهِرَةِ، سَكِّنْ عُرُوقِي الضَّارِبَةِ، وَأَذَنْ لِعَيْنِي نَوْماً عاجلاً»(1).
الدعاء الثالث
علّم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سيّدة نساء العالمين الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) هذا الدعاء الموجز إذا أرادت الدخول إلى أحد المساجد، وهو :
«اللّهمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوابَ فَضْلِكَ» (2).
وأمّا دعاء الخروج من المسجد :
«اللّهمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أَبوابَ رَحْمَتِكَ» (3).
الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيۀدنا محمّد وعلى آله الطَّاهِرِينَ
الإهداء...6
مقدمة الطبعة الثانية...7
مقدمة الطبعة الأولى...9
كلمة المحقّق...13
تقديم...17
مَكَةُ المُكَرّمَةُ
29 - 50
اشتقاق ...31
أسماؤها...32
موقعها الجغرافي...34
مكّة أحبّ بلد للنبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...34
تعظيم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للبيت...35
وضع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للحجر في موضعه...36
أوّل مَن سكنها...38
الحياة الفكرية...40
دار الندوة...40
حلف الفضول...40
الحياة الدينيّة...41
المنحرفون عن الأصنام...42
عقيدة الهاشميّين...44
تحطيم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للأصنام...44
الحياة الاقتصاديّة...46
الحالة الاجتماعيّة...48
الهاشميّون...48
الأمويّون...49
عَمَالِققَة وَامجَادٌ
51 - 63
1 - هاشم ...54
2 - عبد المطّلب...56
إيمان عبد المطّلب...56
إسناد وفادة الحجاج إليه - إعادة بئر زمزم...57
رؤيا عبد المطّلب...58
نذر عبد المطّلب...59
الوفاء بالنذر...59
رعايته للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وصيته بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...61
إلى الرفيق الأعلى...62
أُبوَّةٌ وأُموَّمَةٌ وَاشْراقٌ
65 - 89
الأب : عبد اللّه...67
إلى الرفيق الأعلى...69
الأم : آمنة...70
رؤيا آمنة...70
وفاءها لزوجها...71
مشرق النور....71
الولادة...71
الزمان - المكان - ابتهاج عبد المطّلب...72
تسميته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...73
خوارق ومعجزات - فزع اليهود...74
مرضعاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...75
في سوق عكاظ - مع أخواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الرضاعة...77
رواية مخدوشة - حاضنته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - ملامحه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...78
وفاة آمنة...80
رواية مخدوشة...81
وفاة عبد المطّلب...82
في رعاية أبي طالب (رَحمهُ اللّه)... 82
رعاية زوجة أبي طالب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...83
وفاتها...83
مع عمّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الشام...84
مع راهب...84
حرب الفجار...86
رعيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للأغنام...87
انصرافه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن اللهو...87
وضعه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للحجر في موضعه...88
احتضان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...88
اَضْوَاءُ عَلَى حَيَاةِ السيّدة خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ)
91 - 106
الأسرة...93
الأب...94
الأم...94
الاخوة والأخوات...94
ولادتها...95
تسميتها...95
كنيتها...95
عناصرها النفسيّة...96
الإيمان الوثيق باللّه عزّ وجلّ...96
قوّة الإرادة...96
الصبر - العفّة – السخاء...97
مكانتها في الجاهليّة...98
مكانتها في الإسلام...98
اعتزار الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بأمّها...98
ثناء أبي طالب عليها...99
حبها للتجارة...99
مضاربة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأموالها...100
إعجاب السيّدة خديجة بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...101
خطبتها للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...101
خطبة أبي طالب...102
تحليل خطبة أبي طالب...103
عمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...104
عمر السيّدة خديجة...104
السيّدة خديجة وهبت أموالها للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...105
السيّدة خديجة لم تتزوج غير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...105
عَناصِرُهُ النفسيّة
107 - 141
قوة الإرادة...109
سموّ الأخلاق...111
كلمة جامعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...113
الحلم...114
الجود...118
التواضع...120
الزهد...122
الإنابة إلى اللّه تعالى...124
صلاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)....124
1 - تعيين أوقات الصلاة...124
2 – المؤذن...125
3 - اهتمامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بصلاة الجماعة...125
4 - تسوية صفوف المسلمين...126
5 - كثرة صلاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...126
6 - بكاؤه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في صلاته...127
الحياء....127
ذكره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للّه عز وجلّ...128
بكاؤه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند تلاوة بعض الآيات عليه...128
الشفقة والرحمة...130
الوفاء...131
الشجاعة...132
حبّ الفقراء...134
كراهته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للعظمة...134
الصبر...135
العدل...136
النظافة...136
ولعه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالطيب...137
الأريحيّة...137
الفصاحة والبلاغة...139
الوقار...140
السياسة الرشيدة...141
في غَارِ حِرَاء
143 - 154
الوحي...146
مع السيّدة خديجة...147
السيّدة خديجة مع ورقة...148
إسلام السيّدة خديجة وعلي (عَلَيهِم السَّلَامُ)...149
صلاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الكعبة...150
طواف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالكعبة...141
الدعوة سرّاً...152
الدعوة إلى اللّه عزّ وجلّ...152
الجهر بالدعوة
155 - 250
فزع القرشيّين...159
إجراءات قاسية...159
1 – الاستهزاء...159
2 - إغراء صبيانهم بمحاربته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...160
3 - اتهام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالجنون...160
المستهزؤون بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...161
الوليد بن المغيرة - العاص بن وائل - الأسود بن عبد يغوث... 161
الحارث - الأسود بن الحارث...162
المعتدون على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...162
1 - أبو جهل...162
2 - أبو لهب...164
3 - عقبة بن أبي معيط...165
4 - الأسود...165
5 - الحكم...165
6 - أمية بن خلف...166
4 - اتهام النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالسحر...166
5 - صدّ المادحين للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...166
6 - منع الراغبين في اعتناق الإسلام...168
7- اضطهاد المؤمنين...168
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدعو المسلمين للصمود...172
حماية أبي طالب للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...172
قريش تطالب أبا طالب بتسليم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لها...175
أبو طالب (رَحمهُ اللّه) يأمر جعفر باتباع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...175
أبو طالب (رَحمهُ اللّه) يدعو النجاشي للإسلام...176
إسلام حمزة...177
هجرة المسلمين الأولى للحبشة...178
وفادة قريش للنجاشي...181
الهجرة الثانية للمسلمين...185
إسلام عمر...185
دعوة قريش للنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...187
الصحيفة...190
في شعب أبي طالب...191
نقض الصحيفة...192
النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع القبائل...195
1 - كندة...196
2 - بنو حنيفة...196
3 - بنو عامر...196
4 - ثقيف...197
دعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...197
5 - قبائل شتّى...198
الإسراء والمعراج...198
الإسراء...199
سنة الإسراء...299
الشهر والليلة...200
مكان الإسراء...200
كيفية الإسراء...201
صخرة بيت المقدس...202
المعراج...202
مشاهداته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...203
مع الخالق المعظّم...204
رواية أخرى...204
رواية مخدوشة...204
أهداف المعراج...206
صدى المعراج في مكّة...206
المعراج روحي أم جسدي؟...209
الطبرسي - المجلسي - الطبري...209
أدلّة المانعين من الإسراء بالجسد...210
رأي فريد وجدي...211
عام الحزن : وفاة أبي طالب (رَحمهُ اللّه) ...213
وصية أبي طالب (رَحمهُ اللّه)...214
في ذمّة الخلود...215
تأبين النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له (رَحمهُ اللّه)...216
وفاة السيّدة خديجة...217
تحيات من اللّه للسيدة خديجة... 218
بيتها في الجنّة...218
مكانتها عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...219
ألطاف اللّه على السيّدة خديجة...220
إلى الفردوس الأعلى بيعة العقبة الأولى...221
صيغة البيعة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...222
إيفاد مصعب للمدينة ...223
بيعة العقبة الثانية...224
وفد الأنصار للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...224
كلمة العبّاس...225
التقاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالأنصار... 225
صيغة البيعة...227
بيعة النساء... 228
النقباء الاثنى عشر...228
أسماء الذين بايعوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...229
فزع قریش...232
مطاردة قريش للمدنيين... 232
هجرة المسلمين للمدينة...233
أبو جهل مع عياش...235
المهاجرون في ضيافة الأنصار...236
منهج الدعوة في مكّة...237
أسلوب الدعوة...237
1 - الحكمة والموعظة الحسنة 2 - القول الحسن...237
3 - اللين والتسامح 4 - الدفع بالتي هي أحسن...238
5 - الصبر...238
6 - تحذير الكافرين من عذاب اللّه عزّ وجلّ...239
7 - تبشير المؤمنين بالجنان...240
الدعوة إلى اللّه تعالى...240
وجود اللّه تعالى...241
وحدانية اللّه تعالى...243
قدرة اللّه تعالى - علم اللّه تعالى...244
تشريع الوضوء والصلاة....245
القبلة...246
معاجز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكّة...246
1 - القرآن الكريم...246
2 - معجزة الشجرة...248
3 - انشقاق القمر...249
السور المكية...250
هجرة الرسول إلى يثرب
253 - 348
فزع قريش...255
دار الندوة...256
رأي ابن البختري...256
اقتراح الأسود...256
اقتراح أبي جهل...257
مغادرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكّة...258
مبيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فراش النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...258
دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...260
هجوم القوم على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...261
دعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...261
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع سراقة...262
مرافقة أبى بكر للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...263
استقبال المدينة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...264
في ضيافة أبي أيّوب...266
تأسيس بيت للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...266
اهتمامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالماء...266
تسجيل عدد المسلمين...266
سكّان المدينة...267
إقامة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لصلاة الجمعة...267
تأسيس الجامع النبوي...269
اعتزاز الأنصار بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...270
الاخوّة بين المسلمين...272
إقامة الحضارة الإسلاميّة...272
تحرير المرأة...273
1 - وأد البنات...273
2 - حرمان المرأة من الميراث...273
3 - زواج المرأة...274
المساواة : ...274
1 - المساواة الاجتماعيّة...275
2 - المساواة أمام القانون...277
3- المساواة في الضرائب...279
4 - المساواة في التوظيف...279
المسؤولية الفرديّة...280
إلغاء التمييز العنصري...280
الاخوّة الإسلاميّة...281
عوامل التضامن:...282
1 - التراحم والعاطف...283
2 - إفشاء السلام...283
3 - التزاور...284
4 - قضاء حوائج النّاس...284
5 - إغاثة المسلم...285
عوامل التفرقة :...286
1 - السخرية والتنابز : ...286
السخرية - اللمز...286
التنابز...287
2 - الغيبة...287
3 - النميمة... 288
4 - التقاطع...289
5 - عدم التعاون...289
6 - الإيذاء والتحقير...290
7 - التخويف والارهاب...291
8 - السباب...291
9 - تتبع العثرات والعيوب...292
10 - انتقاص المسلم...293
11 - التفاخر بالأنساب...293
بنود من الحضارة الإسلاميّة : ... 294
الحريّة...294
1 - حريّة العقيدة...294
2 - حريّة الفكر... 296
3 - الحريّة المدنية...297
الولاة والعمّال :...298
مهمة الولاة...298
العهد النبوي للولاة...298
عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى معاذ...299
عزل الولاة...303
محاسبة الولاة والعمال...303
امتناع بعض العمّال من قبول الهدية...303
رواتب الموظفين...304
بعض ولاته وعماله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):...305
1 - المهاجر 2- زياد - عدي 4 - عتاب بن أسيد... 305
5 - سعد بن عبداللّه 6 - عمرو بن حزم 7 - باذان.. 306
السفراء...307
1 - إلى كسرى...308
2 - إلى قيصر..309.
حديث دحية مع قيصر...310
3 - إلى المقوقس...313
هدايا المقوقس للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 315
رسالة المقوقس إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)..316.
المقوقس مع وفد من ثقيف...316
4 - إلى النجاشي الأوّل...317
جواب النجاشي...318
5 - إلى ملك غسّان...319
6 - إلى ملك اليمامة...329
7 - إلى ملكي عمان...321
8 - إلى أهل هجر...322
9 - إلى المنذر بن الحارث...322
مراسلة الوجوه : ...323
1 - أكثم بن صيفي... 323
2 - زياد بن جمهور...324
الوافدون على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ... 326
1 - وفد بني تميم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...326
2 - النابغة الجعدي...330
3 - قرّة بن هبيرة...330
نشر التعليم...331
المعلمون من الرجال: ...331
1 - سعيد بن العاص...331
2 - عبادة بن الصامت...332
3 - أبو عبيدة بن الجراح...332
4 - أسرى بدر...332
تعليم النساء...332
امرأة تمثل النساء أمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...333
دار الضيافة...334
دار القرّاء...335
الاقتصاد الإسلامي : ... 335
1 - الحثّ على الزراعة...335
2 - الحثّ على العمل...336
3 - تحريم الربا...336
4 - تحريم الغبن...337
5 - تحريم الاحتكار...337
6 - مراقبة السوق...338
7 - الضرائب المالية...338
8 - زكاة الأموال...338
9 - الخمس...338
10 - مسؤولية الدولة : ...339
1 - توفير العمل...339
2 - تسديد نقص ذوي الدخل المحدود...339
3 - وفاء الدين...339
تحويل القبلة إلى الكعبة...340
فريضة رمضان... 340
مشاورة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأصحابه... 340
كتّابه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):...341
1 - علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...341
2 - أبي بن كعب 3 - زید بن ثابت...341
4 - عبد اللّه بن أرقم 5 - علاء بن عقبة...342
6 - الزبير بن العوام 7 - معيقيب بن أبي فاطمة...342
8 - خالد بن سعيد 9 - حنظلة بن ربيع...342
اتّخاذه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الخاتم...343
الوثيقة السياسيّة...343
نماذج مِنْ اَدعِيته
349 - 381
أهمّية الدعاء...351
فوائد الدعاء...352
الدعاء يردّ القضاء...352
المستجاب دعاؤه : ...353
1 - المظلوم...353
2 - دعاء الوالد لولده...354
3 - دعاء الأخ لأخيه...354
4 - دعاء الغائب للغائب...355
5 - دعاء المؤمن المبتلى...355
6 - الدعاء عند الرقّة...355
7 - دعاء المحسن إليه...355
8 - دعاء المسلم لأخيه...355
9 - دعوات مستجابة...356
10 - دعوات لا تردّ...356
دعوات لا تستجاب...356
كيفية الدعاء...357
أفضل الأدعية : ...357
1 - السعة في الرزق عند كبر السنّ...357
2 - الخشية من اللّه عزّ وجلّ...358
3 - الشكر والصبر...358
4 - الإحسان...358
5 - السعة في الدنيا...359
6 - حسن العاقبة...359
7 - الحفظ...359
8 - الحشر مع المساكين...350
9 - إصلاح ذات البين...360
10 - الصلاح في الدين والدنيا...360
11 - الإعانة على سكرات الموت...360
12 - طلب المغفرة...361
13 - التزين بأفضل الصفات...361
14 - الخشية من اللّه عزّ وجلّ...361
15 - طلب العافية...362
16 - الزيادة في العلم...363
17 - التحلي بالصفات الفاضلة ...363
18 - الإيمان...363
19 - البركة في الصباح...363
20 - الخشية من اللّه عزّ وجلّ...364
21 - الحسنة...364
22 - الزيادة في الخير...364
23 - السيطرة على النفس...365
24 - ولاة أمر المسلمين...365
25 - طلب الخير....365
26 - السلامة من الأمراض...366
27 - السلامة من النزعات الشريرة...366
28 - جار السوء...366
29 - الصديق الماكر...367
30 - العلم والعمل...367
31 - غلبة الدين...368
32 - فتنة النساء...368
33 - المنكرات...368
34 - يوم السوء...368
35 - إذا أراد السفر...369
أدعية علّمها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...369
أدعية علمها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) السيّدة النساء (عَلَيهَا السَّلَامُ) ...378
محتويات الكتاب ...383