ghaemiyeh.com
تجارب الأمم
وتعاقب الهمم المجلد
تأليف
أبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مِسْكَوَيه
المتوفى سنة 421 ه
تحقيق
سَيّد كسروي حسن
الجُزء الأوّل
يحتوي على أخبار ملوك الفرس السّابقين على الإسلام، وعلى الحَوادث الّتي جرت في عصر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والخلفاء الراشدين، ثم خلافة المسهر بن علي
منشورات محمّد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
منشورات محمّد علي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظ لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
2003 م. 1424ه
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامّة عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس : 13 / 12 / 11 / 804810 (5 961 +)
صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت – لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str.. Melkart Bldg. 1st Floor Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13 P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage Administration général
Aramoun⚫ Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
بِسْمِ اللّهِ الرّحمن الرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد اللّه النبيّ العربي الأميّ الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الكرام المنتجبين.
وبعد
فإن الكتابة التاريخيّة بشكل عام ليست نشاطاً فكرياً محايداً، على الرغم من الشروط الّتي حددها علماء الاجتماع والتاريخ لتكون الكتابة التاريخيّة علماً قائماً بذاته.
وإذا كان المؤرخ لا يستطيع أن يتجرد من أهوائه السياسية وارتباطه ذاتياً أو موضوعياً بأحد أطراف الصراع باعتبار أن التاريخ بشكل أساسي هو تاريخ الصراعات، فكيف بصاحب القراءة (التاريخيّة - السياسية - الاجتماعية) الّذي يجد مادته الأساسية في نصوص التاريخ الموضوعة، وكذلك كيف بالمؤرخ الّذي يكتب ما يراه ويتفاعل معه شخصياً ويعايشه، بالإضافة إلى ارتباطه شخصياً بأبطال تاريخه.
والواقعة التاريخيّة إن كانت قائمة بذاتها موضوعياً، فإنها في المتناول تلك الصورة الّتي يقدمها ذهن ما لتلك الواقعة، أو بتعبير آخر : ليست هناك واقعة تاريخية، بل هناك وعي ما لتلك الواقعة، وهذا الوعي متعدد بتعدد القائمين به. وهكذا فإننا بانتقالنا التدريجي من التاريخ البحث إلى التاريخ السياسي، إلى الاجتماع السياسي، إلى القراءة والكتابة السياسية الاجتماعية نبتعد بشكل واضح عن الحياد العلمي لندخل في دائرة «الرأي»، و«وجهة النظر».
هذه المقدمات تنطبق بشكل واضح على الكتاب الّذي بين أيدينا «تجارب الأمم» لأبي علي مسكويه. ولقد صرّح مسكويه في بداية ذكر حوادث سنة 340ه، حيث قال: «أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة (أي سنة 340ه) فهو مشاهدة وعيان، أو خبرٌ محصل، يجري عندي خبره مجرى ما عاينته، وذلك أن مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - رضي اللّه عنه - خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره، وما اتفق له فيها، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثقة به والسكون إلى صدقه، ومثل أبي محمد المهلبي - رحمه اللّه - خبّرني بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك
بطول الصحبة وكثرة المجالسة، وحدّثني كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة. وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجرّبته بنفسي، فأحكيه أيضاً بمشيئة اللّه تعالى».
وهذا الكتاب «تجارب الأمم» ينشر للمرة الأولى بكامل نصه، حيث اعتمدنا في هذه الطبعة على النسخة الإيرانية الصادرة «عن دار سروش للطباعة والنشر» طهران 1366ه / 1987 م. وهذه الطبعة صدرت في مجلدين فقط وهي تشمل بدء الكتاب أي من مقدمة المؤلف حتّى حوادث سنة 103ه. وكذلك اعتمدنا الطبعة المصرية الصادرة من عن دار الكتاب الإسلامي القاهرة. وهذه الطبعة صدرت في ثلاثة مجلدات، وهي تبدأ بذكر حوادث سنة 295ه، حتّى حوادث سنة 369ه وهو آخر ما كتبه أبو علي مسكويه، وأضيف إليه «ذيل تجارب الأمم» الظهير الدّين أبي شجاع محمد بن الحسين بن عبد اللّه بن إبراهيم الروذراوري. وهذا الذيل يشمل حوادث سنة 369ه. حتّى حوادث سنة 389ه. وأضيف كذلك إليهما قطعة من تاريخ أبي الحسين هلال بن المحسن إبراهيم الصابي الكاتب. وهذه القطعة تحتوي على حوادث بن خمس سنين أولها سنة 389ه، وآخرها سنة 393ه.
أما حوادث الفترة الممتدة ما بين سنة 104ه حتّى آخر سنة 294ه، فقد قام المحقق سيد كسروي حسن بنسخها عن المخطوطات وتحقيقها.
وقد اعتمد المحقق في نسخ حوادث هذه الفترة على مخطوطتين؛ الأولى النسخة الإيرانية المحفوظة في «كتابخانة آستان»، والثَّانية النسخة البغدادية المحفوظة في مكتبة جامعة الحكمة في بغداد. وفي الصفحات التالية صور عن هاتين المخطوطتين.
وبهذا نكون قد أصدرنا كتاب «تجارب الأمم» بكامل نصه، حيث أسهمنا في سد الفراغ الّذي طالما شغل بال الكثيرين من المعنيين بالدراسات التاريخيّة الإسلامية.
ونرجو أن يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه تعالى، واللّه الكمال وحده، وهو ولي التوفيق.
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1 / 365 - 371 : التاريخ في اللغة تعريفُ الوقت. فقيل : هو قلب التأخير. وقيل : هو بمعنى الغاية، يقال: فلان تاریخ قومه أي ينتهي إليه شرفهم فمعنى قولهم فعلت في تاريخ كذا فعلت في وقت الشيء الّذي ينتهي إليه. وقيل : وهو ليس بعربي فإنّه مصدر المؤرّخ، وهو معرب ماه روز. وأما في اصطلاح المنجمين وغيرهم فهو تعيين يوم ظهر فيه أمرٌ شائع من ملة أو دولة أو حدث فيه هائل كزلزلة وطوفان ينسب إليه، أي إلى ذلك اليوم ما يراد تعيين وقته في مُستأنف الزمان أو في متقدمه. وقد يُطلق على نفس ذلك اليوم وعلى المُدّة الواقعة بین ذلك اليوم والوقت المفروض، كذا في شرح التذكرة. والبلغاء يُطلقونه على اللفظ الدال بحساب الجُمل بحسب حروفه المكتوبة على تعيين ذلك اليوم على ما في مجمع الصنائع، حيث قال : التاريخُ عند البلغاء : هو أن يعمد الشاعِرُ إلى أنْ يجمع حروفاً لواقعة أو أمر في كلمة أو مصْراعاً بحساب الجمل موافقاً للتاريخ الهجري، فتكون الكلمة أو المصراع بحسب مقدار حروفها بحساب الجمل هي تاريخ لتلك الواقعة، وأحسن أنواع التاريخ أن يكون الكلامُ مناسباً للموضوع كما في المثل التالي: فقد بنى إبراهيم خان مسجداً في بلاد البنغال وضع أحدهم تاريخاً لذلك بهذا المصراع: «بناى كعبهء ثاني نهاد ابراهيم» أي وضع إبراهيم بناء الكعبة الثَّانية انتهى.
إعلم أن التواريخ بحسب اصطلاح كلّ قوم مختلفة. فمنها تاريخ الهجرة [ويسمى بالتاريخ الهجري أيضاً] وهو أول المُحَرَّم من السنة الّتي وقع فيها هجرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من مَكَّةَ إلى المدينة. وشهورُ هذا التاريخ معروفة مأخوذة من رؤية الهلال، ولا يزيد شهرٌ على ثلاثين يوماً ولا ينتقص من تسعة وعشرين يوماً. ويمكن أن يجيء أربعةُ أشهر ثلاثين يوماً على التوالي، لا أزيد منها، وأن يجيء ثلاثة أشهر تسعة وعشرين يوماً على التّوالي لا أزْيَد منها. وسنوهم وشهورهم قمرية حقيقية، وكلّ سنة فهو اثنا عشر شهراً. والمنجمون يأخذون للمحرَّم ثلاثين يوماً وللصفر تسعة وعشرين يوماً وهكذا إلى الآخر، فسنوهم وشهورهم قمرية اصطلاحية. ويجيء تفصيله في لفظ السنة.
وسبب وضع التاريخ الهجري أنه كتب أبو موسى الأشعري (1)إلى
1) هو عبد اللّه بن قيس بن سليم بن حضر بن حرب أبو موسى الأشعري. ولد باليمن عام 21 ق. = ه / 602م وتوفي بالكوفة عام 44ه / 665م. صحابي جليل، شجاع من القادة الفاتحين، تولى التحكيم بين علي ومعاوية. وله أخبار مشهورة، راو للحديث، إمام في القراءة. الأعلام 114/4، طبقات ابن سعد 79/4، غاية النهاية 441/1، صفة الصفوة 225/1، حلية الأولياء 256/1.
عمر (1)رضي اللّه تعالى عنه أنا قد قرأنا صَكّاً من الكتب الّتي تأتينا من قبل أمير المؤمنين، رضي اللّه تعالى عنه، وكان محلُّه شعبان، فما ندري أيّ الشعبانَين هو الماضي أو الآتي فجمع أعيانَ الصَّحابة واستشارهم فيما تُضْبَطُ به الأوقات، وكان فيهم ملك أهواز (2)اسمه الهرمزان (3)وقد أسلم على يَدِه حين أُسِرَ، فقال : إن لنا حِساباً نسمّيه ماه روز، أي حساب الشهور والأعوام، وشَرَحَ كيفية استعماله، فأمر عمر بوضع التاريخ. فأشار بعض اليهود إلى تاريخ الروم فلم يقبله لما فيه من الطول. وبعضهم إلى تاريخ الفرس فردّه لعدم استناده إلى مبدأ معين، فإنهم كانوا يجدّدونه كلّما قام ملك ويطرحون ما قبله، فاستقرَّ رأيهم على تعيين يوم من أيّامه عليه الصلاة والسلام لذلك. ولم يصلح وقتُ المَبعث لكونه غير معلوم ولا وقت الولادة للاختلاف فيه. فقيل : إنه قد وُلِد ليلةَ الثاني أو الثامن أو الثالث عشر من ربيع الآخر سنة أربعين أو اثنتين وأربعين أو ثلاثة وأربعين من ملك أنوشيروان، ولا وقت الوفاة لتنفّر الطبع عنه. فجعل مبدأ الهجرة من مَكَّة إلى المدينة إذ بها ظهرت دولةُ الإسلام. وكانت الهجرة يوم الثلاثاء لثمانٍ خَلَوْنَ من ربيع الأول، وأوَّلُ تلك السنة يومُ الخميس من المحرّم بحسب الأمر الأوسط، وكان اتفاقهم على هذا سنة سبعَ عَشرةَ من الهجرة.
ومنها تاريخُ الروم ويسمّى أيضاً بالتاريخ [الرومي] (4)الإسكندري، ومبدؤه يوم الإثنين بعد مضي اثنتي عشرة سنة شمسية من وفاة ذي القرنين إسكندر بن فيلقوس (5)الرومي الّذي استولى على الأقاليم السبعة. وقيل : بعد مضي ست سنين من جلوسه. وقيل :
1) هو الخليفة عمر بن الخطّاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص ولد عام 40 ق. ه / 584 م وتوفي عام 23ه / 244 م. ثاني الخلفاء الراشدين وأول من لقب بأمير المؤمنين. صحابي جليل، شجاع عدل حازم. أسلم قبل الهجرة. فُتح العراق والشام على عهده وكذلك فلسطين ومصر. وكانت له مواقف مشهودة في تاريخ الدعوة الإسلامية. وهو أول من دوَّن الدواوين في الإسلام. مات قتلاً بخنجر من أبي لؤلؤة الفارسي. الأعلام 45/5 ابن الأثير،19/3، الطبري، 187/1، اليعقوبي 117/2، صفة الصفوة،101/1، حلية الأولياء 38/1، تاريخ الخميس 1/ 259 البدء والتاريخ 88/5.
2) هي الاسم- سم العربي لكورة - أي صُقع - خوزستان وتقع بين البصرة وفارس والجبال. ثم عرب اسم الكورة (الأهواز) على إحدى مدنه وقَصْبته، وهي سوق الأهواز، فهي المرادة في كلام المتأخرين. معجم البلدان 1 / 284، الأنساب 391/1، تقويم البلدان 316، الأمصار ذوات الآثار 224.
3) هو اسم لقائد فارسي معروف وقع في أسر المسلمين أيّام عمر بن الخطّاب، ثم أسلم ظاهراً.
4) الرومي (+ م).
5) هو الإسكندر الأكبر المقدوني ذو القرنين إسكندر بن فيلقوس أو فيليپوس. حكم من سنة 336 - 323 ق. م. وقد بنى مدينة الإسكندريّة فنسبت إليه ودفن فيها. وذكر المسعودي أن قبره كان لا يزال بها حوالي سنة 322 ه. أخبار الحكماء 26، خطط المقريزي / 150، دائرة المعارف الإسلامية مادة الإسكندر طبقات الأطباء والحكماء 28 هامش 10.
مبدؤه أوّل ملكه. وقيل : أول ملك سولوقس (1)وهو الّذي أمر ببناء أنطاكية (2)وملك الشام والعراق وبعض الهند والصين. ونسب بعده إلى إسكندر واشتهر باسمه إلى الآن. وقيل: مبدؤه مقدم على مبدأ الهجري بثلاثمائة وأربعين ألفاً وسبعمائة يوم. وذكر كوشيار (3)
ص: 202 ود. ذبيح اللّه صفا، تاريخ الأدب في إيران ج 1، ص : 336.
في زيجه الجامع أنّ هذا التاريخ هو تاريخ السريانيين، وليس بينهم وبين الروم خلاف إلا في أسماء الشهور وفي أوّل شهور السنة، فإنه عند الروم كانون الثاني باسم رومي على الترتيب. وأسماء الشهور في لسان السريانيين على الترتيب هي هذه : تشرين الأول تشرين الآخر كانون الأول كانون الآخر شباط آذار نيسان أيار حزيران تموز آب أيلول. والمشهور أن هذه الأسماء بلسان الروم وأن مبدأ سنتهم أوّل تشرين الأول ووقته قريب من توسط الشمس الميزان على التقديم والتأخير. والسنة الشمسية يأخذون كسرها ربعاً تاماً بلا زيادة ونقصان. وأيّام أربعة أشهر منها وهي تشرين الآخر ونيسان وحزيران وأيلول ثلاثون ثلاثون، وشباط ثمانية وعشرون، والبواقي أحد وثلاثون أحد وثلاثون ويزيدون يوم الكبيسة في أربع سنين مرة في آخر شباط فيصير تسعة وعشرين. وقيل : في آخر كانون الأول ويسمون تلك السنة سنة الكبيسة فسنوهم [وشهورهم] شمسية اصطلاحية. ومنها تاريخ القبط المحدث. وأسماء شهوره :هذه توت با به هثور كيهك طوبه أمشیر برمهات برموزه بشنشد بونه ابيب مسري. وأيّام سنتهم كأيّام سنة الروم، إلا أن أيّام شهورهم ثلاثون ثلاثون، والخمسة المستَرَقة تُزاد في آخر الشهر الأخير وهو مسري والكبيسة مُلحقة بآخر السنة. وأوّل سنتهم وهو التاسع والعشرون من شهر آب الرومي إلا أن يكون في سنة الروم كبيسة فإنه حينئذٍ يكون أول السنة هو الثلاثون منه. ومبدأ هذا التاريخ حين استولى دقلديانوس (4)ملك الروم على القبط، وهو1) سولوقس، قائد مقدوني يوناني من قواد الإسكندر (355 - 280 ق. م) أرسل إلى الجهة الشرقية من إمبراطورية الإسكندر حاكماً على بابل. ثم أسس المملكة السلوقية بعد الإسكندر، فحكم منطقة الشرق ولقب بسولوقس الأول. أعقبه سولوقس الثاني حتّى السادس حوالي 95 ق. م.
2) مدينة بالشام على ساحل البحر. قالوا : وكل شيء عند العرب من قبل الشام فهو إنطاكية. وقد مدحها العرب والجغرافيون لحسن موقعها. بناها بطليموس من ملوك اليونانيين. ثم اتخذها النصارى مركزاً للعبادة، ودعوها مدينة اللّه ومدينة الملك وأم المدائن. وقد وصفها العلماء في كثير من الكتب وذكروا ما فيها من ينابيع وأشجار وغير ذلك. الروض المعطار 38، نزهة المشتاق 195، مروج الذهب 2/،، صبح الأعشى 129/4، معجم البلدان إنطاكية - تقع اليوم ضمن تركيا -.
3) هو أبو الحسن كوشيار بن لبان باشهري الجبلي. من أجلة الرياضيين والمنجمين في أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الخامس. ومن آثاره الباقية : كتاب الأسطرلاب، عيون الحقائق في علم أحكام النجوم، مجمل الأصول. انظر عنه: م. معين، جهار مقالة،
4) دقلديانوس (245 - 313م) حكم الإمبراطورية الرومانية بين (284 - 305م) جندي فلاح الأصل من إقليم الليريا المطل على البحر الأدرياتيكي. بذل جهوداً فذة في القيادة والتنظيم والإدارة فأدخل مركزية الحكم وقسم الولايات تقسيماً جديداً فاصلاً السياسة عن السلطة العسكرية، جعل نفسه إمبراطوراً مستبداً مدعياً حقوقاً إلهية، ووضع تحته أداة إدارية يديرها جمع كبير من فئات الموظفين المدنيين المتسلسلي الرتب. قسم إمبراطوريته إلى أربع جهات ليسهل = الدفاع عن كل منطقة وهي منطقة ألمانيا إيطاليا، سرميوم - بلغراد - نيقوميديا - ازمت - قرب اسطنبول وأقام في الأخيرة مراقباً أوضاع الشرق المضطربة، كما أقرّ بدعة جديدة بقيام قيصرين في الحكم هو ومكسيميانوس، وأعقبهما قسطنطين الّذي أدخل النَّصرانيَّة على الإمبراطورية، علماً أن النصارى لقوا اضطهاداً شديداً في عهد دقلديانوس الوثني.
مؤخّر عن مبدأ تاريخ الروم بمائتين وسبعة عشر ألف يوم ومائتين وأحد وتسعين يوماً. وأوله كان يوم الجمعة وعلى هذا التاريخ يعتمد أهل مصر وإسكندرية.
ومنها تاريخ الفرس، ويسمّى تاريخاً يزدجردياً وقديماً (1)أيضاً. إعلم أن أهل الفرس كانوا يأخذون كسر السنة الشمسية أيضاً ربعاً تاماً كالروم. وأول وضعه كان في زمن جمشید (2). ثم كانوا يجدّدون التاريخ في زمان كلّ سلطان عظيم لهم. وأيّام شهورهم ثلاثون ثلاثون وأسماء شهورهم هذه فروردین ماه اردی بهشتماه خردادماه تیرماه مردادماه شهریورماه مهرماه آبان ماه آذرماه دیماه بهمن ماه اسفندار مذماه. لكن يُقَيَّدُ جميعها بالقديم بأن يُقال فروردين ماه القديم الخ. وهذه الأسماء بعينها أسماء شهور التاريخ الجلالي، إلا أنّها تقيَّد بالجلالي. ثم إنّهم كانوا يزيدون في كل مائة وعشرين سنة شهراً فتصير شهور السنة ثلاثة عشر ويسمُّونه باسم الشهر الّذي أُلحق به، وينقلون الشهر الزائد من شهر إلى شهر، حتّى إذا تكرَّر فروردين في سنة تكرّر ارديبهشت بعد مائة وعشرين سنة وهكذا إلى أن تصل النوبة إلى اسفندارمذ، وذلك في ألف وأربعمائة وأربعين سنة، وتسمّى دور الكبيسة، ويزيدون الخمسة المستَرَقة في سنة الكبيسة في آخر الشهر الزائد، فيصير خمسة وثلاثون يوماً. وفي السنين الأخرى يزيدونها في آخر الشهر الّذي وافق اسمه اسم هذا الشهر. فإذا تمَّت مائة وعشرون سنة أخرى ووقعت كبيسة أخرى وصار اسم الشهر الزائد موافقاً لاسم شهر آخر يزيدونها على آخر هذا الشهر وهكذا. وكان مبدأ السنة أبداً هو الشهر الّذي يكون بعد الخمسة. ولمّا جدّدوا التاريخ ليزدجرد (3)كان قد مضى تسعمائة وستون سنة من دور الكبيس، وانتهى الشهر الزائد لى آبانماه والمستَرَقة كانت في آخره. ثم لمّا ذهبت دولة الفرس على يده في زمن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، حيث انهزم من العرب عند محاربتهم إيّاه ولم يقم مقامه مَنْ يُجدّد له التاريخ، اشتهر هذا التاريخ به من بين سائر ملوك الفرس، وبقيت الخمسة تابعة لآبانماه من غير نقل ولا كبس. وكان كذلك إلى سنة ثلاثمائة وخمس وسبعين يزدجردية، وقد تَمَّ الدور حينئذٍ، وحلّت الشمس أوّل الحمل في أوّل فروردین ماه فنقلت الخمسة بفارس إلى آخر اسفندار مذماه وتركت في بعض النواحي إلى
آخر آبانماه، لأنهم كانوا يظنون أن ذلك دين المجوسة، لا يجوز أن يبدل ويغير. ولما خلا هذا التاريخ عن الكسور حينئذٍ، صار استعمال المنجمين له أكثر من غيره. وأوّل هذا التاريخ الثلاثاء أوّل يوم من تلك السنة فيها يزدجرد، وهو مؤخر عن مبدأ الهجري بثلاثة آلاف يوم وستمائة وأربعة وعشرين يوماً.
ومنها التاريخ الملكي ويسمى بالتاريخ الجلالي أيضاً وهو تاريخ وضعه ثمانية من الحكماء لما أمرهم جلال الدّين ملك شاه السلجوقي (1)بافتتاح التقويم من بلوغ مركز الشمس أوّل الحَمَل. وكانت سِنُو التواريخ المشهورة غير مطابقة لذلك، فوضعوا هذا التاريخ ليكون انتقال الشمس أوّل الحمل أبداً أوّل يوم من سنتهم. وأسماء شهورهم هي أسماء الشهور اليزدجردية، إلا أنها تقيّد بالجلالي. وأوّل أيّام هذا التاريخ كان يوم الجمعة، وكان في وقتِ وضعه قد اتفق نزول الشمس أوّل الحَمَل في الثَّامن عشر من فروردینماه القديم، فهم جعلوه أوّل فروردینماه الجلالي، وجعلوا الأيّام الثمانية عشر كبيسة. ومن هذا تسمعهم يقولون إن مبدأ التاريخ الملكي هو الكبيسة الملك شاهية، وهو متأخر عن مبدأ التاريخ اليزدجردي بمائة وثلاثة وستين ألف يوم ومائة وثلاثة وسبعين يوماً.
ومنها التاريخ الإيلخاني وهو كالتاريخ الملكي مبدأ وشهوراً بلا تفاوت. وكان ابتداؤهفي سنة أربع وعشرين ومائتين من التاريخ الملكي وكان أوّل هذا التاريخ يوم الاثنين.
ومنها تاريخ القبط القديم وهو تاريخ بخت نصر الأول (2)من ملوك بابل (3). وأيّام سنة هذا التاريخ ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً بلا كسر. وأسماء شهوره هذه توت فاوفي اتور خوافي طوبى ماخير فامينوث فرموت باخون باويتي ابيفي ماسوري. وأيّام كل شهر ثلاثون. والخمسة المستَرَقة تلحق بالشهر الأخير. وأوّل هذا التاريخ كان يوم الأربعاء من أول جلوس بخت نصر. ومبدؤه مقدّم على مبدأ تاريخ الروم بمائة وتسعة وخمسين ألف يوم ومائتي يوم
1) هو السلطان الكبير جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان محمد بن جفر بيك السلجوقي التركي. تملك بعد أبيه، كان ذا هيبة وسطوة، وبسط نفوذه على كثير من الممالك. وكان حسن السيرة واهتمَّ بالعمران وبنى في بغداد جامعاً كبيراً. سير أعلام النبلاء 54/19 المنتظم 69/9، الكامل في التاريخ 76/10، وفيات الأعيان 283/5، العبر 309/3، البداية والنهاية 142/12، شذرات الذهب 376/3.
2) رجل من العجم كان في خدمة لهراسب الملك حيث وجهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلي اليهود عنها، فسار إليها ثم انصرف. ثم وجهه بهمن الملك ليجلي اليهود عن بيت المقدس مرة أخرى، فسار إليهم وقاتلهم وسبى ذراريهم وهدم البيت وانصرف إلى بابل. تاريخ الطبري 2/ 541، ط. دار المعارف.
3) حاضرة من حواضر العراق القديم. قيل : إن الضحاك أول من بناها وسكنها العمالقة ودخلها إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويقال : إن بها هاروت وماروت المذكورين في القرآن الكريم. وذكر أنها أقدم بناء بني بعد الطوفان، ثم هدمها كسرى الأول ملك الفرس، واشتهرت بحدائقها المعلقة. وورد ذكرها كثيراً لدى العلماء في كتبهم. الروض المعطار 73.
ويومين. وعلى هذا التاريخ وضع بطليموس (1)أوساط الكواكب في المِجَسْطي.
ومنها تاريخ اليهود وسنوه [ كسني تاريخ الروم كما يفهم من زيج إيلخاني]، شمسية حقيقية وشهوره قمرية. وأسماء شهورهم هي هذه: تسري مرخشوان کسلیو طيبث شفط آذر نیسن ايرسيون تموز آب أيلول وسبب وضعه أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نجا من فرعون وقومه وغرقوا، استبشر بذلك اليوم وأمر بتعظيمه وجعله عيداً. وكان ذلك في ليلة الخميس خامس عشر شهر نيسن، وقد طلع القمر مع غروب الشمس في ذلك الوقت، وكان القمر في الميزان والشمس في الحَمَل، وكانوا يفركون سنبل الحنطة بأيديهم. وذلك يكون في المصر بقرب أوائل الحمل. فاحتاجوا إلى استعمال السَّنة الشمسية والشهور القمرية وكبس بعض السنين بشهر زائد لِئَلا يتغير وقت عبادتهم. وسمّوا سنة الكبيسة عبوراً وغير الكبيسة بسيطة وكبسوا تسع عشرة سنة بسبعة أشهر قمرية على ترتيب بهزيجوج كبائس. لكنّ العرب كانوا يزيدون الشهر الزائد على جميع السنة، واليهود أبداً يكرّرون الشهر السادس وهو آذر، فيصير السنة آذران، آذر الكبس فيعدونه زائداً وبعده آذر الأصل ويعدونه من أصل السنة وبعدهما نيسن. وأول سنتهم يكون متردّداً بين أواخر آب وأيلول من سنة الروم. وأما الشهور بين أواخر آب وأيلول من سنة الروم. وأما الشهور فبعضهم يأخذونها من رؤية الأهلة ولا يتلفتون إلى التفاوت الواقع في الأقاليم كالمسلمين، وكان في زمن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك. وبعضهم يأخذون بعض الشهور ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين على ترتيب أهل الحساب حتّى لا يتغيّر ابتداء الشهور في جميع العالم. فالشهور تكون قمرية وسطية. لكنهم يجعلون كُلاً من البسيطة والكبيسة ناقصة ومعتدلة وكاملة. فالبسيطة الناقصة شنجه يوماً. والمعتدلة شند. والكاملة شنه. والكبيسة الناقصة شفد يوماً. والمعتدلة شدد والكاملة شنه. فأيّام كل من تشري وشفط ونيسن وسيون وأوب ثلاثون وكذا أيّام آذر الكبس. وأيّام كل من طيبث وآذر الأصل وأير وتموز وأيلول تسعة وعشرون. وأيّام مرخشوان في السنة المعتدلة تسعة وعشرون وأيّام كسليو فيها ثلاثون وأيّامها في السنة الزائدة ثلاثون ثلاثون، وفي الناقصة تسعة وعشرون تسعة وعشرون والحاصل أنهم رتبوا الشهور في السنة البسيطة إلى آخرها وفي السنة الكبيسة إلى الشهر الزائد كترتيب الشهور العربية أعني جعل الشهر الأول ثلاثين والثاني تسعة وعشرين، وعلى هذا إلى آخر السنة البسيطة. وأما في الكبيسة فيتغيّر ترتيب شهرين فقط وهما الخامس والسادس المكبوس، فإنّ كلَّ واحد منهما ثلاثون يوماً. وفي
1) هو بطليموس الثاني الملقب فيلادلفوس (أي محب أخيه). ولد في قونية 309 ق. م. وحكم من سنة 285 - 246 ق. م. ملك بعد الإسكندر وكان حريصاً على العلم مولعاً به كثير البحث. وله العديد من الكتب الفلسفية والطبية وفي الحكمة. ومنها كتاب المجسطي في الفلك والهيئة والجغرافيا. عيون الأنباء 721 مختصر الدول 98 اليعقوبي،107، خطط المقريزي 154/1، طبقات الأطباء والحكماء،35، أخبار الحكماء 99.
السنة الناقصة من البسيطة والكبيسة يكون كلّ من الشهرين الثاني والثالث تسعة وعشرين يوماً. وفي الكاملة كلّ واحد منهما يكون ثلاثين يوماً. ويشترطون أن يكون أوّل أيّام السنة أحد أيّام السبت والاثنين والثلاثاء والخميس لا غير، وأن يكون الخامس عشر من نيسن الّذي هو عندهم هو الأحد أو الثلاثاء أو الخميس أو السبت لا غير، ويكون حينئذٍ الشمس في الحَمَل والقمر في الميزان، وهو إما يوم الاستقبال أو اليوم الّذي قبله أو بعده وقد تزحفان إلى أوائل الثور والعقرب بسبب الكبس وهو نادر. ويجعلون مبدأ تاريخهم من هبوط آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويزعمون أن بين هبوطه وزمان موسی علیه السلام أي زمان خروج بني إسرائيل من مصر وهو زمان غرق فرعون ألفين وأربعمائة وثمان وأربعين سنة، وبين موسى وإسكندر ألف سنة أخرى.
ومنها تاريخ الترك وسنوه أيضاً شمسية حقيقية. ويقسمون اليوم بليلته اثني عشر قسماً، كل قسم يسمّى چاغا يقسم ثمانية أقسام يسمّى كل قسم ركها لها. وأيضاً يقسمون اليوم بليلته بعشرة آلاف قسم، يسمّى كل قسم منها فنكاً. والسنة الشمسية بحسب أرصادهم ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وألفان وأربعمائة وستة وثلاثون فنكاً. ويقسمون السنة بأربعة وعشرين قسماً متساوية خمسة عشر يوماً وألفان ومائة وأربعة وثمانون فنكاً وخمسة أسداس فنك. ومبدأ السنة يكون عند وصول الشمس إلى الدرجة السادسة عشر من الدّلو. وكذا مبادىء الفصول الباقية تكون في أواسط البروج الباقية. وأما شهورهم فتكون قمرية حقيقية، ومبدأ كل منها الاجتماع الحقيقي. وأسماء الشهور هذه آرلم آی ایکندی آی جونج آی دونج آی بیشخ آی الیت آی شکیسحآی طوفتج آی لوترنج آی ان پیرنج آی چغشاباط آی. ويقع في كل شهر من الشهور القمرية قسم زوج من أقسام السنة يكون عدد ضعف عدد ذلك الشهر. فإن لم يقع في شهر قسم زوج وهو ممكن لأن مجموع قسمين أعظم من شهر واحد، فذلك الشهر يكون زائداً ويسمّى بلغتهم شون آى. وإنما يزيدون هذا الشهر ليكون مبدأ الشهر الأول أبداً في حوالي مبدأ السنة وهذا الشهر هو الكبيسة، وترتيب سني الكبائس عندهم كترتيبها عند العرب، أعني أنهم يكبسون أحد عشر شهراً في كل ثلاثين سنة قمرية على ترتيب بهزيجوج أدوط، لكن لا يقع شهر الكبيس في موضع معين من السنة، بل يقع كل موضع منها. وعدد أيّام الشهر عندهم إما ثلاثون أو تسعة وعشرون. ولا يقع أكثر من ثلاثة أشهر متوالية تاماً ولا أكثر من شهرين متواليين ناقصاً. وإذا أسقط من السنين الناقصة اليزدجردية ستمائة واثنان وثلاثون، وطرح من الباقي ثلاثون ثلاثون إلى أن يبقى ثلاثون أو أقل منه، فإن وافقت إحدى السنين المذكورة للكبيس فكبيسة وإلا فلا. وأمّا أنّ هذا الشهر يكون بعد أيّ شهر من شهور السنة فذلك إنّما يعرف بالاستقراء وحساب الاجتماعات واعلم أنّ لهم أدواراً: الأول منها يُعرف بالدور العشري ومدته عشر سنين، لكل سنة منها اسم بلغتهم، والثاني يعرف بالدور الاثني عشري ومدته اثنتا عشرة سنة، وكل سنة منها
تنسب إلى حيوان بلغتهم، وهذا الدور هو المشهور فيما بين الأمم. والثالث الدور الستوني ومدته ستون سنة وهو مركب من الدورين الأولين، فإنه ستة أدوار عشرية وخمسة أدوار اثنا عشرية. وأول هذا الدور يكون أول العشري وأول الاثني عشري جميعاً. وبهذه الأدوار الثلاثة يعدون الأيّام أيضاً كما يعدّون السنين بها ولهم دور آخر يسمّى بالدور الرابع والدور الاختياري يعدّون به الأيّام فقط ومدته اثنا عشر يوماً، وهو مثل أيّام الأسابيع عندهم، وكل يوم منه ينسب إلى لون من الألوان، ويسمّى باسم ذلك اللون بلغتهم. وبعض هذه الأيّام عندهم منحوس وقريب منه. وبعضها مسعود وقريب منه وفي الاختيارات يعتمدون على ذلك. وإذا بلغ هذا الدور إلى أول قسم فرد من أقسام السنة يكرّر يوم هذا الدور أعني بعد اللازم الأول من هذا القسم واليوم الّذي قبله في هذا الدور واحداً. ولكل قسم من أقسام السنة وكذا لكل يوم من أيّام الأدوار الأربعة اسم بلغتهم وتفصيل ذلك يطلب من كتب العمل. ويجعلون مبدأ تاريخهم ابتداء خلق العالم، وقد انقضت بزعمهم في سنة ستين وثمانمائة يزدجردية من ابتداء خلق العالم ثمانية آلاف وثمانمائة وثلاثة وستون قرناً وتسعة آلاف وتسعمائة وخمس وستون سنة، ويزعمون أن مدة بقاء العالم ثلاثمائة ألف قرن، كل قرن عشرة آلاف سنة. هذا كله خلاصة ما في شرح التذكرة وغيره. وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الزيجات.
وقال حاجي خليفة في كشف الظنون 271/1 : التاريخ في اللغة تعريف الوقت مطلقاً يقال : أرخت الكتاب تأريخاً وورخته توريخاً كما في الصحاح قيل : هو معرب من ماه روز و صرفاً هو تعيين وقت لينسب إليه زمان يأتي عليه أو مطلقاً يعني سواء كان ماضياً أو مستقبلاً. وقيل : تعريف الوقت بإسناده إلى أول حديث أمر شائع من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل من الآثار العلوية والحوادث السفلية ممّا يندر وقوعه جعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور الّتي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين وقيل : عدد الأيّام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر وإلى ما بقي. وعلم التاريخ هو معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم إلى غير ذلك. وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم. والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية. وفائدته العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار ويستجلب نظائرها من المنافع. وهذا العلم كما قيل عمر آخر للناظرين والانتفاع في مصره بمنافع تحصل للمسافرين كذا في مفتاح السعادة. وقد جعل صاحبه لهذا العلم فروعاً كعلوم الطبقات والوفيات لكن الموضوع مشتمل عليها فلا وجه للإفراز والتفصيل في مقدمة الفذلكة من مسودات جامع المجلة.
ترجمة أبي علي مسكويه (1)
معجم الأدباء، لياقوت الحموي 3/2 - 10.
2 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة 73/5.
3 - الوافي بالوفيات للصفدي 269/2.
4 - تتمة يتيمة الدهر للثعالبی 115/50 - 119.
5 - عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ص: 330.
وقد ذكر مسكويه أيضاً أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات، ومثالب الوزيرين والصداقة والصديق، وكذلك أبو سليمان المنطقي في صوان الحكمة، وأبو بكر الخوارزمي في رسائله، وبديع الزمان الهمذاني في رسائله والقفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء.
قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء 3/2 - 10 :
هو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُلَقَّبُ مَسْكَوَيْهِ أَبُو عَلِيِّ الْخَازِنُ، صاحبُ التَّجَارِب مَات فيما ذكرهُ يَحْيَى بْنُ مَنْدَةَ، في تاسع صَفَر، سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. قال أَبو حَيَّان في كتاب الإمتاع، وقد ذكر طائفةٌ من مُتَكَلَّمي زمانِهِ، ثُمَّ قال : وأَما مَسْكَوَيْهِ، فقيرٌ بين أغنياء، وغنيٌّ بين أنبياء، لأنَّه شاذٌ، وإنما أعطيتُهُ في هذه الأيّام، صفوَ الشَّرح لإيساغُوجي، وقَاطِيغُورْيَاس ِمن تنصيف صديقنا بالرَّي. قال الوزير (2): ومن هو؟ قُلْتُ : أبو القاسم الكاتبُ، غلامُ أبي الْحَسَن العامري، وصحَّحَهُ مَعِي، وهو الآن لائذُ بِابْنِ الخَمَّار، وربَّما شاهد أبا سُلَيْمَانَ المَنْطِقِيَّ، وليس له فراغ، لكنَّه مُحبٌّ في هذا الوقت، للحسْرة الّتي لحقتهُ ممّا فاته من قبلُ. فقال : يا عَجَباً لرجل صحب ابن العَمِيد وأبا الَفضْل، ورَأى ما عندهُ، وهذا حظُّه ! قلت : قد كان هذا، ولكنَّه كان مشغولاً بطَلَبِ الكيمياء، مَعَ أبي الطَّيب الكيميائي الرّازي، منهوكَ (3)الهمَّة في طلبه والحِرْص على إصابته مفتوناً بكتب أبي زَكَرِيَّا، وجابِرِ بنِ حيَّان ومع هذا، كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتُبه هذا مع تقطيع الوقت في الحاجاتِ الضَّرورية والشَّهوية والعمرُ قصيرٌ والساعات طائرةٌ، والحركات دائمةٌ، والفُرَصُ بروقٌ تأتَلِقُ (4)، والأوطارُ في عرضها تجتمع وتفترقُ، والنفوسُ عن فوائتِها (5)تَذُوبُ وتحترقُ، ولقد قطن العامري الرَّيَّ خمس سنين ودرّس وأملى، وصنّفَ وروى، فما أخذَ عنه
مَسْكَوَيْهِ كلمةً واحدةً ولا وعى مسألة، حتّى كأنَّه كان بينه وبينه سدّ، ولقد تجرَّع على هذا التواني حنْظَلِ الصَّابَ والعلقم، ومضغ لقمة حنْظَل النّدامة في نفسِهِ، وَسمِعَ بأُذُنِهِ، قوارعَ الْمَلامةِ (1)من أصدقائه، حين ما ينفع ذلك كلهُ. وبعد هذا، فهو ذكيٌّ، حسُن الشعر، نقي اللفظ وإن بقي فعساه أن يتوسط هذا الحديث ما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء، وإنفاق زمانه، وكَدِّ بدنِهِ وقلبه في خدمة السّلطان واحتراقِهِ في البخل بالدَّانقِ والقيراط، والكسرةِ والخِرْقة، نعوذُ باللّه من مدح الجودِ باللّسان، وإيثار الشحّ بالفعل، وتمجيد (2)الكرم بالقول، ومفارقته بالعمل. قال أبو منصورِ الثَّعالبي : كان في الذروة العليا من الفضلِ والأدب والبلاغة والشعر، وكان في ريعان شبابه متصلاً بابن العميد مختصاً به، وفيه يقول : [البسيط]
لا يُعْجِبَنَّكَ حُسْنُ الْقَصْرِ تَنْزِلُهُ***فَضِيلَةُ الشَّمْسِ لَيْسَتْ فِي مَنَازِلِهَا
لَوْ زِيدَتِ الشَّمْسُ فِي أَبْرَاجِهَا مِائَةً***مَا زَادَ ذَلِكَ شَيْئاً فِي فَضَائِلِهَا
ثمَّ تَنَقَّلت بهِ أحوال جليلةٌ، في خدمة بني بُوَيْهِ، والاختصاص ببهاء الدولة، وعظم شأنه، وارتفع مقداره، فترفع عن خدمة الصاحب، ولم ير نفسه دونه، ولم يخلُ من نوائب الدَّهْر، حتّى قال ما هو متنازع بينه وبين نفر من الفضلاء : [الخفيف]
مَنْ عَذِيرِي (3)مِنْ حَادِثَاتِ الزَّمَانِ***وَجَفَاءِ الإِخْوَانِ وَالْخِلَّانِ
قالَ : وَلَهُ قصيدةٌ في عَمِيدِ الملك تَفَنَّنَ فيها، وهنّأه باتِّفاق الأضحى، والمهرجان في يوم، وشكا سوء أثر الهرم، وبلوغه إلى أرذل العمر : [البسيط]
قُلْ لِلْعَمِيدِ : عَمِيدِ الْمُلْكِ وَالأَدَب***أَسْعِدْ بِعِيدَيْكَ : عِيدِ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ
هَذَا يُشِيرُ بِشُرْبِ ابْنِ الْغَمَامِ (4)ضُحًى***وَذَا يُشِيرُ عَشِيّاً بِابْنَةِ الْعِنَبِ (5)
خَلَائِقُ خَيْرَتْ فِى كُلِّ صَالِحَة***فَلَوْ دَعَاهَا لِغَيْرِ الْخَيْرِ لَمْ تُجِبِ
أَعَدْنَ شَرْخَ شَبَابِ (6)لَسْتُ أَذْكُرُهُ***بُعْداً وَرَدَّتْ (7)عَلَيَّ الْعُمْرَ مِنْ كَثَبِ
فَطَابَ لِي هَرَمِي وَالْمَوْتُ يَلْحَظُنِي***لَحْظَ الْمُرِيبِ وَلَوْلاَ أَنْتَ لَمْ يَطِبٍ
فَإِنْ تَمَرَّس (8)لِي خَصْمٌ تَعَصَّبَ لِي***وَإِن أَسَاءَ إِلَيَّ الدَّهْرُ أَحْسَنَ بِي
1) وفي الإمتاع والأصل الّذي في مكتبة إكسفورد: «الندامة».
2) وفي الإمتاع والنسخة الّتي في مكتبة إكسفورد «محتد».
3) عزيري يعذرني.
4) ابن الغمام: المطر.
5) ابنة العنب : الخمر.
6) شرخ الشباب : فتوته.
7) نون النسوة وتاء التأنيث، لحقتا أعاد ورد لعودهما إلى الخلائق في البيت السابق، ومن كثب: أي من قرب «عبد الخالق».
8) تمرس: أي تعرض لي بالشر.
ومِنْهَا :
وَقَدْ بَلَغْتُ إِلَى أَقْصَى مَدَى عُمُرِي***وَكَلَّ غَرْبِيّ (1)وَاسْتَأْنَسْتُ بِالنُّوَبِ
إذا تَمَلأَتُ مِنْ غَيْظِ عَلَى زَمَنِي***وَجَدْتُنِي نَافِخاً في خلوة اللّهب
وَمِنْهَا :
وَإِنْ تَمَنَّيْتَ عَيْشَ الدَّهْرِ أَجْمَعَهُ***وَأَنْ تُعَايِنَ مَا وَلَّى مِنَ الْحِقَب (2)
فَانْظُرْ إِلَى سِيَرِ الْقَوْمِ الّذين مَضَوْا***وَالْحَظُ كِتَابَتَهُمْ مِنْ بَاطِنِ الْكُتُبِ
تَجِدُ تَفَاوُتَهُمْ فِي الفضل مُخْتَلِفاً***وَإِنْ تَقَارَبَتِ الْأَحْوَالُ فِي النَّسَبِ
هَذَا كَتَاجَ عَلَى رَأْسِ يُعَظْمُهُ***وَذَاكَ كَالْبَعْرِ الْجَافِي (3)عَلَى الذَّنَبِ
قال المؤلف : وكان مجوسياً وأسلم، وكان عارِفاً بعلوم الأوائل معرفة جيدة، وله ذلك : كتاب الفَوْزِ الأَكْبَرِ، كتاب الفَوْزِ الأصغَرِ. وصنَّفَ كتب تَجَارِبِ الأمم في التَّاريخ، ابتداؤه من بعد الطوفان، وانتهاؤه إلى سنة تسع وستين وثلاثمائة. وله: كتاب أُنْسِ الفَريد، وهو مجموع يتضمَّن أخباراً وأشعاراً، وحكماً وأمثالاً، غيرُ مبوب، وكتاب ترتيب العادات، وكتاب المُستَوْفِي أشعار مختارةً، وكتاب الجامع، وكتاب جَاوَزَانَ فُرْدَ، وكتاب السِّيرِ أَجاده، ذكر فيه ما يُسَيِّرُ به الرجلُ نفسه من أمور دنياه، مزجه بالأثر، والآية والحكمة والشعر وللبديع الهَمذَانيِّ إلى أبي عَلِيٍّ مَسْكَوَيْهِ، يعتذرُ من شيءٍ بَلَغَهُ عنه، بعد مودةٍ كانت بينهما : [الطويل]
وَيَا عَزَّ : إِنْ وَاشِ وَشَى بِي عِنْدَكُمْ***فَلَا تُمْهِلِيهِ أَنْ تَقُولِي لَهُ : مَهْلاً
كَمَا لَوْ وَشَى وَاشٍ بِعَزَّةَ عِنْدَنَا***لَقُلْنَا : تَزَحْزَحْ لَا قَرِيباً وَلاَ سَهْلا (4)
بَلَغَنِي - أطالَ اللّه بقاء الشَّيخ، أَنَّ قَيضةَ (5)كلب وافتْهُ بأحاديثَ لم يُعرها الحق نورَهُ، ولا الصدقُ ظهورهُ، وأن الشيخ أذن لها على حجاب (6)أُذنه، وفسح لها فناء ظنّه، ومعاذ اللّه أن أقولها وأستجيز معقولها، بلى (7)قد كان بيني وبينهُ عِتاب لا ينزعُ، ولا كنفه (8)، ولا يجدِفُ (9)أنفَه، وحديث لا يتعدى إلى النفس وضميرها، ولا تعرفُهُ (10)
1) غرب كل شيء حده يريد لسانه.
2) الحقب السنين.
3) من جفا على الشيء : ثقل، فهو يرى أن الفضل الّذي في النّاس مختلف نوع كالتاج على رأس ذوي الفضل، وآخر يشبه بالبعر على الذنب ثقيل عليه، ومحقر لصاحبه عبد الخالق.
4) في الرسائل : «أهلا».
5) القيضة : العظمة.
6) في الرسائل : «مجال».
7) في الرسائل : «بل».
8) وفي الرسائل: ينزل كتفه.
9) وفي الرسائل : «يجذف» والمعنى قطعه، والفعل من باب ضرب وتجده بالذال والذال «عبد الخالق».
10) وفي الرسائل: تعرف.
الشفةُ وسميرُها (1)، وعربَدَة كعربدةِ أهل الفضلِ، لا تتجاوزُ الدَّلالِ والإدلال، ووحشةً يكشفها (2)عِتابُ لحظة كغناء (3)جحظة، فسُبحانَ من ربَّى هذا الأمر، حتّى صَارَ أمراً وتأبط شرّاً، وأوحش حُرّاً، وأوجب عُذراً، بل سُبحان من جعلني في حيّز العُذرِ (4)أشِيمُ بارقَتَهُ (5)، وأستقبلُ صاعقته، وأنا المساء إليه، والمَجْنِيُّ عليه، والمستخفُ به، لكن من بُلِيّ من الأعداءِ كما بُليتُ ورُمِيّ من الحَسَدَةِ بما رُمِيتُ، ووقف من الوجدِ والوحدة حيث وقفتُ واجتمع عليه من المكارِهِ ما وصفت اعتذر مظلوماً، وأحسنَ ملوماً، وضحك مشتوماً، ولو عَلِمَ الشيخ عددَ أبناء الحدّدِ (6)، وأولادَ العَدَدِ، بهذا البلدِ ممَّن ليس له هِمَّة إلا في شكاية أو حكاية أو سعاية أو نكاية لضَنَّ بِعِشرة غريب إذا بَدَرَ، وبعيد إذا حَضَرَ، ولصَانَ مجلسهُ عمَّن لا يصونه عما رَقِيَ إليه، فهبْنِي قلت ما حُكِيَ له أليس الشاتمُ من أسمَعَ (7)؟ أليس الجاني من أبلغَ؟ فقد بَلَغَ من كَيْدِ هؤلاء القومِ، أَنَّهُم حين صادفوا من الأستاذ نفساً لا تستفزُّ، وحَبْلاً لا يهز، وحَبْلاً لا يهز، دسُّوا إليه حديثَهُ بما حَرَّشوا بِهِ نارَهم (8)وردَّ عليَّ ممّا قالوه فما لبثت أن قُلْتُ : [الطويل]
فَإِنْ يَكُ حَرْبٌ بَيْنَ قَوْمِي وَقَوْمِهَا***فَإِنِّي لَهَا فِي كُلِّ نَائِبَةٍ سِلْمُ
فليعلم الشيخُ الفاضلُ، أنَّ في كبدِ الأعداءِ مني جمرة، وأنَّ في أولادِ الزِّنَا عندنا كثرة، قُصَارَاهُم نارٌ يشبُونَها أو عقرب يُدَبِّبُونَهَا، أو مكيدة يطلبونها، ولولا أن العُذْرَ إقرار بما قيل وأكره أن أستقيل بسطتُ في الاعتذار شاذَرْوَاناً، ودخلتُ في الاستقالة ميداناً، لكنه أمرٌ لم أضِعْ أوّله، فلا أتدارك آخَره، وقد أبى الشيخ أبو مُحَمَّدٍ، إلا أن يُوصِل هذا النَّثر الفاتِرَ بنظم مثلِهِ، فَهَاكَهُ (9)يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضاً : [السريع]
مَوْلاَيَ إِنْ عُدْتُ وَلَمْ تَرْضَ لِي***أَنْ أَشْرَبَ الْبَارِدَ لَمْ أَشْرَب
إِمْتَطِ خَدّي وَانْتَعِلْ نَاظِرِي***وَصِدْ بِكَفِّي حُمَةَ (10)الْعَقْرَب
بَاللّه مَا أَنْطِقُ عَنْ كَاذِبِ***فِيكَ وَلاَ أُبْرِقُ عَنْ خُلَّبِ (11)
1) لعل سمير الشفة : اللسان.
2) في الرسائل : لا يكشفها.
3) وفي الرسائل : «كتاب».
4) وفى الرسائل : جنب العدو.
5) أي أرى أوائله، وكان في الأصل مكان أستقبل: أستحيل، فجعلتها كما ذكرنا للمناسبة، ولأنه لا معنى لما في الأصل «عبد الخالق».
6) في الرسائل: الجدد، وعند شارح الرسائل : أنه جمع جديد والصواب الحدد بمعنى الباطل.
7) وفي الرسائل: «أسمع النّاس».
8) وفي الرسائل : وشوا إلى خدمه بما أرثوا نارهم، ومعنى أرثوا النار : أوقدوها.
9) وفي الرسائل: «فهاكه» بدل فكاهة الّتي كانت في الأصل هذا، وقد أصلحناه كما في الرسالة.
10) ما تلدغ به.
11) البرق الخلب : ما خلا من المطر وفي الرسائل : «فيك» بدل «فيه» الّتي كانت بالأصل قبل الإصلاح.
فَالصَّفْوُ بَعْدَ الْكَدَرِ الْمُفْتَرَى***كَالصَّحْوِ بَعْدَ الْمَطَرِ الصَّيِّبِ (1)
إِنْ أَجْتَنِ الْغِلْظَةَ مِنْ سَيْدِي***فَالشَّوْكُ عِنْدَ الثَّمَر الطَّيب
أَوْ نَفَقَ (2)الرُّورُ عَلَى نَاقِدِ***فَالْخَمْرُ قَدْ تُعْضَبُ بِالثّيِّبِ (3)
ولعلَّ الشيخ أبا مُحَمَّدٍ يقومُ من الاعتذار، بما فَعَدَ عنه القلم والبيان، فنعم رائد الفضل هو، والسلام.
وَجَاءَ الْجَوَابُ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ : [الرَّمل]
وَإِذا الْوَاشِي أَتَى يَسْعَى لَهَا***نَفَعَ الْوَاشِي بِمَا جَاءَ يَضُرْ
فَهِمْتُ خطاب الشيخ الفاضل، الأديب البارع، الّذي لو قلتُ : إنه السحرُ الحلالُ، والعذبُ الزلالُ، لنقصته حظَّهُ، ولم أوفِّهِ حقَّهُ، أما البلاغات الّتي أومأ إليها، فواللّه ما أذنتُ لها ولا أذنتُ فيها وما أذهبني عن هذه الطريقة، وأبعدني عنها ! وقد نزّه اللّه لسانه عن الفحشاء وسمعي عن الإصغاء، وما يتَّخِذُ العدو بينهما مجالاً. وأما الأبيات فقد تكلفتُ الجواب عنها، لا مساجلةً له، ولكن لأبلغ المجهود في قضاء حقِّه : [السريع]
يَا بَارِعاً فِي الأَدَبِ الْمُجْتَنَى***مِنْهُ ضُرُوبُ الثَّمَرِ الطَّيِّبِ
لَوْ قُلْتُ: إِنَّ الْبَخَرَ مُسْتَغْرِقٌ***فِي بَحْرِكَ الْفَيَّاضِ لَمْ أَكْذِبِ
إذا تَبَوَّأْتَ مَحَلاً فَمَا***نَزَلْتَ إِلا مَنْزِلَ الْكَوْكَبِ
أَحْمَدْتَنِي الشَّعْرَ وَأَعْتَبْتَنِي (4)***فيهِ وَلَمْ أَذْمُمْ وَلَمْ أَعْتِبَ
وَالْعُذْرُ يَمْحُو ذَنْبَ فَعَالِهِ***فَكَيْفَ يَمْحُوهُ وَلَمْ يُذْنِبِ
أَنَا الّذي آتِيكَ مُسْتَغْفِراً***مِنْ زَلَّةٍ لَمْ تَكُ مِنْ مَذْهَبِي
وَأَنْتَ لاَ تَمْنَعُ مُسْتَوْهِباً***مَالاً فَهَبْ ذَنْباً لِمُسْتَوهِبِ
قال أَبو حَيَّان في كتاب الوَزِيرَيْن : فإنَّ ابن السيد اتَّخذه خازناً لكتبهِ، وأَرادَ أيضاً أن يقدحَ ابنه به، ولم يكن من (5)الصَّنائع المقصودة والمهمَّات اللازمة وكان يحتمل ذلك لبعض العَزَازةِ بظلِّه، والتظاهر بجاهه.
بِسْمِ اللّه الرّحمن الرَّحِيمِ : هَذَا مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ يومئذٍ آمِنٌ فِي
سِرْبِهِ، مُعافّى في جسمِهِ، عندهُ قُوتُ يَومِه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة، ضرورةُ نفس ولا بدن، ولا يريد بها مُراءاة مخلوقٍ ولا استجلاب منفعةٍ ولا دفع مضرة منهم، عاهده على أن يجاهد نفسه، ويتفقد أمرَهُ، فيعفّ، ويشجع، ويحكم وعلامة عِفّتِه : أن يقتصد في مآرب بدنِهِ، حتّى لا يحمله الشَّرَهُ على ما يضرُّ جسمَهُ، أو يهتِكَ مُروءته. وعلامة شجاعته : أن يحارب دواعي نفسه الذميمةَ، حتّى لا تقهره شهوةٌ قبيحةٌ، ولا غضب في غير موضعه. وعلامةُ حكمتِهِ : أن يَستبصِرَ في اعتقاداته حتّى لا يفُوتَهُ بقدرِ طاقتِهِ شَيْء مِنَ العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولاد نفسه (1)ويُهذِّبها، ويحصلَ له من هذه المُجاهدة ثمرتها، الّتي هي العدالةُ، وعلى أن يتمسَّكَ بهذه التذكرة ويجتهدَ في القيام بها، والعمل بموجبها، وهي خَمْسَةَ عشر باباً : إيثارُ الحقِّ على الباطل في الاعتقادات، والصِّدقِ على الكذب في الأقوال، والخير على الشرِّ في الأفعال، وكثرةِ الجهادِ الدائم، لأجل الحرب الدائم، بين المرء وبين نفسهِ، والتَّمسك بالشريعة، ولزوم وظائفها. وحِفْظِ المواعيد حتّى ينجزها، وأولُ ذلك، ما بيني وبينَ اللّه جلَّ وعزَّ. وقلةُ الثَّقة بالنّاس بتركِ الاسترسال. ومحبَّةُ الجميل لأنَّهُ جميلٌ لا لغير ذلك. والصَّمتُ في أوقاتِ حركاتِ النَّفس للكلام حتّى يُستشَارَ فِيهِ العقل. وحفظ الحال الّتي تحصل في شيء حتّى تصير ملكة، ولا تفسد بالاسترسال. والإقدام على كلِّ ما كانَ صواباً. والإشفاقُ على الزَّمانِ الّذي هو العمرُ، ليستعمل في المهم دون غيره. وترك الخوف من الموتِ والفقر لعمل ما ينبغي. وترك التَّواني. وترك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسَدِ، لئلا يشتغل بمقاتلتهم. وترك الانفعال لهم. وحسن احتمال الغنى والفقر، والكرامة والهوان بجهةٍ وجهةٍ. وذِكْرُ المرض وقتَ الصحة، والهم وقت السرور، والرِّضا عند الغضبِ، ليقل الطغي والبَغْيُ. وقُوَّةُ الأمل، وحُسْنُ الرَّجاءِ. والثَّقَةُ باللّه عزَّ وجلَّ، وَصَرْفُ جَميعِ الْبَالِ إِلَيْهِ.
وقال الثعالبي في تتمة يتيمة الدهر 115/5 - 119 : أبو علي مسكويه الخازن في الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشعر وكان في ريعان شبابه متصلاً بابن العميد مختصاً به وفيه يقول هذين البيتين ووقعا في اليتيمة بلا ثالث (2):
لا يعجبنك حسن القصر تنزله***فضيلة الشَّمس ليسَتْ في منازلها
لو زيدَتَ الشَّمسُ في أبراجها مائة***ما زاد ذلك شيئاً في فضائلها
ثم تنقّلت به أحوال جليلة في خدمة بني بويه والاختصاص ببهاء الدولة وعظم شأنه وارتفع مقداره وترفع عن خدمة الصاحب ولم ير نفسه دونه ولم يخلُ من نوائب الدهر حتّى قال ما هو متنازع بينه وبين نفر هو متنازع بينه وبين نفر من الفضلاء :
من عذيري من حادثات الزّمان***وجفاء الإخوان والخلّانِ
شاب رأسي وقل مالي وصدَّت***عني البيض والتحى غلماني
وله من قصيدة في عميد الملك تفنن فيها وهناه بإتقان الأضحى والمهرجان في يوم وشكا سوء أثر الهرم وبلوغه أرذل العمر :
قُلْ للعميد عميد الملكِ والأدب***اسعد بعيدَيك عيد العُجْم والعربِ
هذا يشير بشرب ابن الغمام ضَحى***وذا يشير عشياً بابنةَ العنبِ
ومنها :
خلايقٌ خيّرت في كلّ صالحة***فلو دعاها لغير الخير لم تجبِ
هي الّتي غمستني في مودّته***بالجسم والرّوح أفديهن لا بأبي
أعدنَ شرخَ شباب لست أذكره***بعداً وردّت علي العمر من كثب
فطاب لي هرمي والموت يلحظني***لحظ المريب ولولاهن لم يطب
فإن تمرّس بي خصمٌ تعصَّب لي***وإن أساء إليّ الدّهرُ أحسن بي
ومنها :
أدركتُ بالقلم الخطّي من قصب***ما ليس يدرك بالخطي والقضب(1)
ونلت بالجدّ والجّد اللَّذين هما***أمنيتا كل نفس كلّ مطّلب
فلو أدرت رحى (2)الدّنيا مفوّضةً***إليك أقطارها دارت بلا قطب
ومنها :
وقد بلغت إلى أقصى مدى عمري***وكلَّ غربي(3)واستأنست بالنوب
ومنها :
إذا تملأت من غيظي (4)على زمني***وجدتني نافخاً في جذوة اللّهب
ومنها:
ما الدّهرُ إلّا كيوم واحٍد غدهُ***كأمس يومك والماضي كمرتَقبِ
فإِنْ تمنّيتَ عيش الدّهر أجمعه***وإن تعاين ما ولى من الحقَبِ
فانظر إلى سير القوم الّذين مضَوْا***والحظ كتائبهم من باطنِ الكتبِ
تجد تفاوتهم في الفضل مختلفاً***وإنْ تقاربتِ الأحوالُ في النّسب
هذا كتاجٍ على رأسٍ تعظّمه***وذاك كالشَّعر الجافي على الذّنبِ
والنّاس في العين أشباه وبينهم***ما بين عامر بيت اللّه والخرب
في العود ما يقرب المسك الذّكيّ به***طيباً وفيه لقى ملقى مع الحطب
لا تطلبوا المال من حول ومن حيل***فربّما جاء مطلوب بلا طلب
يأتي الفتى رزقه المقسوم عن سببٍ***باد يراه وقد يأتي بلا سبب
واستخصموا الفلكَ الدّوّار يلقكم***بحجتي رغب إن شاء أو رهب
أراه يسكن عني وهو يركض بي***ركض الفوارس بالتقريب والخبب (1)
كالنَّار تأكل ما تحيى به لهماً***ولیس تفرق بين النّبع والغربِ
أصبحت أجرد والأحداث تجردني***دأب الجراد إذا استولى على العشب
وصرت ديناً على الدنيا لآخرتي***رسل المنايا تقاضاها وتمطل (2)بي
قاسيت أحوال هذا الدّهر مرتكباً***أهوالها وصريعاً غیر مرتک
ومَنْ تعوّد عض السيف هامتُهُ***هانت على اليتيه عضّة القببِ (3)
وهي طويلة وكأنّه جمع إحسانه فيها، وكتب إلى أبي العلاء بن حسول قصيدة منها :
ولقد نفضت بهذه الدّ***نيايدي وحسمتُ دائي
ماذا يغرني الزّما***ن وقد قضيت به قضائي
أو بعد ما استوفيت عم***ري واطَّلعت على فنائي
أصطاد بالدّنيا وين***صب لي بها شرك الرَّجاءِ
هيهات قد أفضيت من***صبح الحياة إلى المساء
وبلغت من سفري إلى***أقصاه مذموم العناء
وله من قصيدة في أبي العباس الضبي كأنّها قول ابن الرومي :
ما كان أغنى أبا العباس عن شرهٍ***إلى لحوم سباع كُنَّ في الأجم
يسترجع القوت أمضاه سواه لنا***لوماً ويبذله للشاء والنّعم
صبرت حَوْلاً على مكروه نقمته***فليصبرِ الآن لي حولاً على النّقم
سيعلم الوغد إن لم تؤت فطنتهُ***من كثرة الهمّ أو من قلّة الفَهَم
إني لألقاه ممّا أستعدّ لهُ***بكلّ عجراء (4)لكن ليس من سلم
إذا خبطت بها عرض امرىء لججَتْ (5)***في سمعه يده شوقاً إلى الصَّمَمِ
ومنها :
إذا اضطجعتُ أتاني الشِّعرُ يقدح لي***من ناره وأتاني الليل بالفحم
وصائغ الشعر لا يرضى سبيكته***حتى يفرغها في قالب الحكم
يُصبُّ في مسمَعَيْه ما أذيب له***كالقطر أفرغه الباني على الرّدمِ
إذا تورم غيظاً ضاق مضرطه***حتى يوسعه الإطراق للنّدم
إني وإن كنت لا أرضى الخنى (1)لفمي***ولا أحطّ لقول فاحش هممي
ليستريح إلي القول أحوجه***حرّ السكوت إلى الترويح بالنّسم
إنّ القوافي كفتني نظم أنفسها***فهنّ ينظمْنَ لي من كلّ منتظمٍ
تدنو شواردها حتّى يغصّ لها***ذهني فأنفضها منه على قلمي
خُذْها إليك أبا العباس جامعة***شنعاء (2)توقد نار الهجرِ في علم
لقيتني بوقار العلم محتشماً***وهِجتني فَالْقَ جهلي غير محتشم
ومنها في هجاء الصاحب بعد موته بزمان:
لا كان أير ابن عباد وغلمته***ما كان أسرعه في كلّ مغتلم
دمى جبين أبي العباس فهو يرى***تقییر كلّ جبين واضح بدم
أحفاه بالقلم الحافي وعلّمه***خلاف ما علّم الرّحمن بالقلم
قد كان أهوج ربُّ العقل مقتحماً***على الدّنيّات وقّافاً لدى التُّهم
ومَنْ يدر مثل عيني طيشه لمماً***لم يرض من فخذ الأحداث باللّمم(3)
لأهدينَّ لأفواه الرّواة له***لحماً تمضغه الأفواه عن بشم (4)
وختم القصيدة بقوله للضبي :
ما زلت مذ كنت سلاحاً على كمر النّ***ازي (5)عليك وبوّالاً على القدم
عاش مسكويه حوالي مائة سنة، ووصل إلى أرذل العمر الّذي امتد سنة 320ه على الأقوى، إلى التاسع من صفر سنة 421ه بالتحديد على ما ذكره ياقوت نقلاً عن يحيى بن مندة.
وأمّا الدلائل أو الأمارات الموجودة لتحديد مولد مسكويه فهي :
1 - ما قاله مسكويه نفسه في تجارب الأمم في مقدمة حوادث سنة 340 فصاعداً وذكر مصادره في تقرير تلك الحوادث. قال: «أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة، [أي بعد سنة 340ه] فهو عن مشاهدة وعيان أو خبر محصّل يجري عندي خبره مجرى ما عاينته. وذلك أنَّ مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - رضي اللّه عنه - خبَّرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبَّره وما اتَّفق له فيها، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثّقة والسُّكون إلى صدقه ومثل أبي محمد المهلبي - رحمه اللّه - خبَّرني بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة، وحدَّثني كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره، وما شاهدته وجرَّبتُه بنفسي فسأحكيه أيضاً بمشيئة اللّه».
2 - ما قاله مسكويه في تجارب الأمم أيضاً عن نفسه (انظر حوادث سنة 341)، وذلك
عند ذكر معزّ الدولة بالحدة والبذاءة وموقف الوزير المهلبي من أخلاقه. قال مسكويه وكان معزّ الدولة حديداً سريع الغضب بذيء اللسان، يُكثر سبّ وزرائه والمحتشمين من حشمه، ويفتري عليهم، فكان يلحق المهلبي - رحمه اللّه - من فحشه وشتمه عرضة ما لا صبر لأحد عليه، فيحتمل ذلك احتمال مَنْ لا يكترث له وينصرف إلى منزله، وكنتُ أُنادمه في الوقت، فلا أرى لما يسمعه فيه أثراً، ويجلس لأنسه نشيطاً مسروراً...».
أما في الدليل الأول فيحدثنا مسكويه عن طول الصحبة وكثرة المجالسة الّتي كانت بينه وبين الوزير المهلبي، وفي الدليل الثاني يقول : وكنت أنادمه في الوقت».
والمعروف أنَّ المهلَّبي قد تولّى الكتابة لمعزِّ الدولة سنة 339ه وخوطب بالوزارة سنة 345ه، وتَوفّي في شعبان سنة 352 (انظر التجارب، حوادث سنوات،339، 345، 352) والفترة الواقعة بين سنتي 339 و 352 هي الّتي كانت فيها تلك 352) المنادمة والصحبة والمجالسة الّتي وصفها مسكويه بالكثرة والطول. نعم صحيحٌ أنه «قد صحب الوزير المهلّبي في أيّام شبيبته» - كما صرّح به أبو سليمان أيضاً في الصوان (ص 346 - 347) - لكنّ مسكويه في هذه الشبيبة لا يمكن أن تكون سنّه أقلّ من 25 سنة، وخاصَّةً بالنظر إلى أنَّه «كان من خواصه ووجوه المختصِّين به» - كما أضاف أبو سليمان - وكان من الحنكة والبصيرة على مستوى جعل المهلّبي يتخذه نديماً له و«يُخبره بأكثر ما جرى في أيّامه»، كما جعل مسكويه يعد نفسه مصدراً من مصادر تاريخ سنة 340 فصاعداً، وذلك في قوله : «وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكرُه، وما شاهدتُه وجرَّبتُه بنفسي، فسأحكيه بمشيئة اللّه». فبذلك لا يصح أن يكون مولده بعد سنة 320. كما تكون منادمته وصحبته الطويلة ومجالسته الكثيرة للوزير المهلبي ابتداء من عام 345 أي دون احتساب الخمس السنوات الأولى (339 - 344ه) من وزارة المهلَّبي وذلك
لبعض الاحتمالات السلبية الّتي قد تعتري هذا الافتراض.
3 - وهناك دليل آخر وهو دليل على طول عمره أكثر من كونه دليلاً على تحديد سنواته أو تحديد ميلاده، وهو أنَّ لمسكويه أبياتاً يشكو فيها «سوء أثر الهرم وبلوغه أرذل العمر» (انظر الثعالبي، التتمَّة ص 96).
فبهذا لا نستبعد أن يكون مسكويه قد عُمر مائة سنة كاملة (320 - 421) إن لم نقل أكثر من ذلك وعاش قرناً كاملاً هو ألمع القرون الإسلامية حضارة، وهو عصر النهضة في الإسلام كما سماه آدم متز. وإذا عرفنا أنَّ دولة البويهيين قد بدأت هي أيضاً في سنة 320ه، فيكون مسكويه والدولة البويهية تزبَيْنِ، أو لِدَيْنِ، تعاصرا قرناً كاملاً. والسنوات المائة هذه كانت قِمَّة ازدهار تلك الدولة. وأمّا السنوات المتبقية من عمر الدولة (27 = 421 - 448ه) فهي سنوات تنحدر الأسرة البويهية فيها، إلى حضيض الضعف والاضمحلال. فبذلك يُصبح مسكويه وثيقةً حيّةً من أوثق وثائق تلك الحقبة التاريخيّة الّتي لها خصائص وميزات في تاريخ الفكر والعلم الإسلاميين، وإن كانت بالنسبة للخلافة العباسية عصر تفكُّك وتعدُّدٍ في مراكز الحكم، وهذا بالذات، أدّى إلى تعدد مراكز العلم أيضاً كما أدى إلى ازدهار تلك المراكز، ونبوغ العلماء المنتمين إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي آنذاك، وذلك لتنافس الأمراء وتفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء والأدباء إلى بلاطاتهم. فنبغ في غضون ذلك رجال علم وحكمة وأدب وسياسة عاصرهم مسكويه وعاصروه، وكان مسكويه على اتّصال وثيقٍ بكثيرٍ منهم.
ابتدأ الدور الثاني للخلافة العباسية في أيّام المستكفي باللّه الّذي تولى الخلافة، أو أسند إليه منصب الخلافة، أسنده إليه القائد «توزون» الديلمي بعد أن غدر بالخليفة المتقي للّه (20 ربيع الأول سنة 329 - 20 صفر سنة 333).
وكان الخلفاء من بني العباس يجمعون السلطة الدينية والسلطة الزمنية في تلك الدولة الواسعة المترامية الأطراف، ولم يبق للخليفة العباسي في بغداد من الخلافة إلاّ اسمها، أي أنه أصبح رمزاً للسلطة الدينية فحسب يُدعى باسمه على المنابر، وليس له شيء من الأمر أو النهي، بل لم يبق له وزير يدبّر شؤون الدولة باسمه، وإنما كل ما كان له كاتب يدبر شؤونه المالية ويحصي نفقاته ودخل إقطاعاته لا غير.
أما ما عدا ذلك من شؤون الحرب والسياسة وتدبير أمر الرعية، فلم يكن لخليفة بني العباس منها قليل أو كثير.
وقد ظهر بنو بويه (334 - 447ه) وفي تلك الفترة أُسندت الخلافة الاسمية إلى
خمسة من خلفاء بني العباس هم : المستكفي والمطيع والطائع والقادر والقائم.
وكان آل بويه من بلاد الديلم أو بلاد جيلان الّتي تقع في الجنوب الغربي من شاطىء بحر الخزر «بحر قزوين».
وقد ظل الديالمة على وثنيتهم حتّى بعد أن فتح المسلمون بلادهم وأمنوهم على أنفسهم وأموالهم في أيّام الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، على الرغم من أن بلاد طبرستان الّتي كانت تجاور بلادهم كان يدين أكثر أهلها بالإسلام، وكان بينهم وبين الطبريين سلم وموادعة.
وظلّ الديالمة على وثنيتهم حتّى دخل بلاد الديلم الحسن بن علي الأطروش الّذي أقام بينهم مدّة ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويقتصر منهم على العشر، ويدفع عنهم عدوهم حتّى تبعه منهم خلق كثير ودخلوا في الإسلام وبنى في بلادهم المساجد لإقامة الصلاة
وقد ساد من بني بويه ثلاثة أشقاء استطاعوا ببسالتهم وسخائهم وحسن حيلتهم أن يقودوا الجيوش، وأن يجمعوا حولهم القلوب، وأن ينشروا سلطانهم على بقعةٍ كبيرةٍ من الدولة الإسلامية، حتّى كانت لهم دولة مزدهرة في تاريخ الإسلام حكمت مدة طويلة (320 - 447ه)، (932 - 1055م).
وكان أبوهم بويه بن فناخسرو المُكنى بأبي شجاع يَدّعي أنه من نسل ملوك ساسان القدماء ليكسب لأسرته نفوذاً فى هذه البلاد وأشهر الّذين نقل عنهم هذا القول أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي المتوفى سنة 384ه، فقد قال في كتابه «التاجي» أن بني بويه يرجعون في نسبهم إلى بهرام جور بن يزدجرد الملك الساساني، وأن بويه هو ابن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن شيركوه بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شیرفنه بن سستان شاه ابن سسن بن شيروزيل بن سسناد بن بهرام جور الملك ابن یزدجرد بن هرمز.
وتدل الروايات على أن الصابي حين كان يكتب كتابه «التاجي» لم يكن متمتعاً بتمام حريته، وأنه حمل عليه حملاً، فقد ذكر ابن خلكان أن الصابي كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار ابن معز الدولة ابن بويه الديلمي.
وكانت تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بما يؤلمه، فحقد عليه، فلما قتل عز الدولة وملك عضد الدولة بغداد اعتقله في سنة 367ه، وعزم على إلقائه تحت أيدي الفيلة، فشفعوا فيه، ثم أطلقه سنة 371ه، وكان قد أمره أن يضع له كتاباً يض- له كتاباً في أخبار الدولة الديلمية، فعمل «الكتاب التاجي» فقيل لعضد الدولة أن صديقاً للصابي دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبييض، فسأله عما يعمل فقال: «أباطيل
أنمقها، وأكاذيب الفقها» فحركت ساكنه، وهيجت حقده، ولم يزل مبعداً في أيّامه (1).
فهل نستطيع أن نطمئن إلى صحة هذا النسب كما رواه الصابي !
ليس من المعقول أن يصدق قول الصابي «أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها» على كل ما كتب الصابي بل المعقول أن في التاجي»، بل أن أكثر ما فيه صحیح، فقد كتب على أرض الأحداث، وفي مشهد من الّذين عاشوا هذه الأحداث وعاصروها، ولكن الأسباب الضاربة إلى هذا الحد من القدم مجال كبير للشك والتردد، ومجال كبير للحدس والتأليف، لا سِيَّما أن تلك الأمم لم تكن معروفة بحفظ الأنساب، ولم يكن يعرف شيء من ذلك أي من آباء بويه وأجداده قبل أن يصبح أبناؤه ملوكاً وحكاماً.
على أن هذا النسب الّذي ذكره أو اخترعه أو أمر بذكره واختراعه لم يقابله كثير من المترجمين بالرضا والاطمئنان وطعن بعضهم في أخباره، وقد روى ياقوت ما ذكره ثقات منهم أبو القاسم علي بن محمد الكرخي. وكان شديد الاختصاص بالصاحب، أن الصاحب كثيراً ما كان يقول : «كتاب الدنيا وبلغاء العصر أربعة : الأستاذ ابن العميد، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق الصابي، ولو شئت لذكرت الرابع» يعني الصاحب به نفسه.
ويقول ياقوت بعد ذلك: فأما الترجيح بين هذين الصدرين، أعني الصاحب والصابي في الكتابة، فقد خاض فيه الخائضون وأطنب المحصلون (2)، ومن أشفى ما سمعته في ذلك (3)أن الصاحب كان يكتب كما يريد، وأبو إسحاق يكتب كما يؤمر، وبين الحالتين بون بعيد. (4)
ثم إننا لم نر إجماعاً على صحة هذا النسب إلى ملوك آل ساسان القدماء، فقد اختلف المترجمون في بهرام الّذي رفع إليه نسب بويه، فقد قال القائلون بنسبه إلى الفرس هو بهرام جور بن يزدجرد بن سابور (5)، وقال آخرون بنسبته إلى العرب، وقالوا عن بهرام إنه بهرام بن الضحاك بن الأبيض بن معاوية بن الديلم بن باسل بن ضبة بن إد (6).
ويرى البيروني أن هذا النسب مختلف لأن الأنساب قَلَّ أن تحفظ بالتوالي إذا طال الزمان وامتدت الأيّام، ويقول إن السبيل إلى معرفة صحة الانتماء إلى أصل ما من باطله اتفاق الكافة وإجماع الجيل على ذلك، كسيّد ولد آدم عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن خلدون : إن هذا النسب مصنوع تقرّب إلى بني بويه به من لا يعرف طبائع الأنساب في الوجود وأستبعد أن يكونوا من غير الديلم ثم تكون لهم رياسة على الديلم، كما أستبعد أن يختفي نسبهم هذا ولم يكن بينهم وبين يزدجرد وانقطاع الملك إلا ثلاثمائة سنة، فيها سبعة أجيال أو ثمانية (1).
وبقي بعد ذلك أن بني بويه كانوا من الديلم، والباحثون عن تاريخهم القديم يختلفون في أصل هذا الشعب كله فيذهب بعضهم إلى أنهم من ولد ضبة الّذين كانت مساكنهم بالناحية الشمالية من بلاد نجد بجوار بني تميم، وأنهم قد هاجروا إلى هذه الجهات على أثر نزاع بينهم وبين جيرانهم من القبائل الأخرى، وأنهم افترقوا فرقتين لأنهم كانوا ينتسبون إلى أخوين «ديلم» و «جيل» فبقيت ذرية كل واحد من الأخوين منسوبة إليه (2)، ومعنى ذلك أنهم يرجعون إلى أصل عربي، وقد تشكك في هذا القول أكثر المؤرخين.
وذهب آخرون إلى أن الديلم من أصل فارسي كما مرّ في حين يرى فريق ثالث أن الديلم كانوا جنساً مستقلاً، وأن المناطق الّتي كانوا يسكنونها عند بحر قزوين هي مواطنهم الأصلية، وأن لهم صفاتهم وأخلاقهم وطبائعهم المتميزة الّتي جعلت لهم شخصية مستقلة وهم شعب بدوي يمتاز بالخشونة والجلد والعجلة وقلّة المبالاة كما يقول الإصطخري (3)، ولما أراد الحجاج أن يفتح بلادهم، ولم يكن رجاله يعرفون طبيعتها، أمر برسم مصور لها، فلما عرف الديلميون ذلك قالوا : «صدقوك عن بلادنا هذه صورتها، غير أنهم لم يصوِّروا لك فرسانها الّذين يمنعون هذه العقاب والجبال، وستعلم ذلك لو تكلّفته (4)، ولما علم الخليفة العباسيّ المعتضد خبر دخول أحد الديالمة قزوين وصفهم بأنهم شر أمة في الدنيا، وأتمهم مكراً، وأشدّهم بأساً وأقواهم قلوباً... واللّه لو ملكوا قزوين لنبعوا عليَّ من تحت سريري هذا واحتووا على دار المملكة» (5).
وقد ألحق بويه أولاده في خدمة قوّاد الدولة، وكانوا يعيشون مع أبيهم على صيد السمك واحتطاب الحطب، وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «شذور العقود» أن معز الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه، ثم ملك هو وأخواه البلاد (6)، وفي حديث صاحب «تجارب الأمم» عن ركن الدولة الحسن بن بويه أنه كان يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا يمكن أحد
تلافيه وردهم عنه، وكان مضطراً إلى فعل ذلك، لأنه لم يكن من أهل بيت الملك، ولا كانت له بين الديلم حشمة من يمتثل جميع أمره، وإنما يرأس عليهم بسماحة كثيرة كانت فيه، ومسامحة في أشياء لا يحتملها أمير عن مأمور (1)، والذي يستفاد من كل هذا أن بني بويه قد صنعوا أمجادهم بأنفسهم، وبنوا ملكهم بسواعدهم وحرابهم وسيوفهم وسخائهم وواسع حيلتهم.
وأولاد بويه الّذين سُمّيت «دولتهم دولة بني بويه» أو «الدولة البويهية» ثلاثة هم:
1 - عماد الدولة، علي بن بويه، الّذي كان يحكم فارس والأهواز، وكان أكبر بني بويه ولذلك كان يُلقب «أمير الأمراء».
2 - ركن الدولة، الحسن بن بويه، الّذي كان يحكم الجبل والري وجرجان و طبرستان.
3 - معز الدولة، أحمد بن بويه الّذي حكم العراق وقد أطلقت هذه الألقاب الثلاثة : عماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة على الإخوة الثلاثة في يوم واحد، وكان الّذي أطلقها عليهم هو الخليفة العباسي «المستكفي باللّه».
كان هؤلاء الثلاثة حينما قام الديلم بتوسعهم وفتوحهم جنوداً في جيش (ما كان بن كالي) ولكنهم ارتقوا بسرعة إلى مرتبة الأمراء، ثم فارقوه بعد أن ضعف أمره وانحازوا إلى قائد ديلمي آخر هو (مرداویج بن زياد) الّذي خرج على (أسفار بن شيرويه) واستولى على بلاد جرجان و طبرستان و قزوین و زنجان وقم والكرج، فزاد نفوده حوالي 320ه، وتحبَّب إلى الرعية وعمل له سريراً من ذهب يجلس عليه وسريراً من فضة يجلس عليه أكابر قوّاده، وامتدّت سلطته إلى حدود العراق، وأسس الدولة الزيادية، وعزم على أن يستولي على بغداد، وينقل الدولة إلى الفرس ويبطل دولة العرب (2).
ولما استقرّت قدم «مرداويج» على هذا النحو، قدم عليه أبناء بويه الثلاثة الّذين كانوا قواداً في جيش (ماكان بن كالي) وفارقوه لما ضاقت بهم الحال، وكان معهم جماعة من قواد (ماكان). وقد رحب مرداويج بأبناء بويه فخلع على عليّ والحسن، وولى القوّاد الّذين جاؤوا معهم النواحي، وولّى علي بن بويه بلاد الكرج، وكتب لهم بذلك العهود فساروا إلى الري، وبها «وشمكير» أخو مرداويج، ومعه وزیر مرداویج «الحسين بن محمد» الملقب بالعميد وصادف أن كان لابن بويه بغلة شهباء من أحسن ما يكون، فعرضها للبيع فبلغ ثمنها 200 دینار، فعرضت على العميد فأخذها ونقد
ثمنها، فلمّا حمل إلى عليّ أخذ منه عشرة دنانير، وردّ الباقي ومعه هدية جميلة، فكان ذلك بدء الصلة بين العميد وآل العميد وآل بويه.
ولكن مرداويج أحس بالخطأ فيما فعل وندم على ما كان من اطمئنانه إلى هؤلاء، فكتب إلى أخيه «وشمكير» وإلى العميد يأمرهما بمنع أولئك القوّاد عن المسير إلى أعمالهم، وإن كان بعضهم قد خرج يرد.
ولكن الكتب كانت تصل إلى العميد فيقرؤها قبل وشمكير ثم يعرضها عليه. فلما وقف العميد على هذا الكتاب أنفذ إلى عليّ بن بويه يأمره بالمسير من ساعته إلى عمله ويطوي المنازل، فسار ابن بويه من ساعته.
ولمّا أصبح العميد عرض كتاب مرداويج على وشمكير، فمنع سائر القواد من الخروج إلى الري، واستعاد التوقيعات الّتي كانت معهم.
وأراد أن ينفذ خلف علي بن بويه من يرده، فقال العميد : «إنه لا ير يرجع طوعاً، وربما قاتل من يقصده ويخرج من طاعتنا فتركه ووصل علي بن بويه إلى الكرج، وأحسن إلى النّاس ولطف بعمال البلاد، فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه، ويصفون ضبطه للبلاد وحسن سیاسته وصرف كثيراً في استمالة الرجال بالصلات والهبات فشاع ذكره، وقصده النّاس وأحبوه.
ولمّا كان مرداويج بالري أطلق مالاً لجماعة من قواده على الكرج، ولكن ابن بويه استطاع أن يستميلهم، فوصلهم وأحسن إليهم حتّى مالوا إليه، وأحبوا طاعته، وبلغ ذلك مرداویج فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القوّاد، فكتب إليهم وإلى عليّ بن بويه يستدعيهم إليه، وتلطف بهم في هذا الاستدعاء ما استطاع
ولكن ابن بويه أخذ يراوغه واشتغل بأخذ العهود على قواده وخوفهم سطوة مرداويج فأجابوه جميعاً، فجبى مال الكرج، واستأمن إليه «شيرازاد» وهو من أعيان قواد الديلم، فقویت نفسه، وسار بمن معه إلى أصبهان فاستولى عليها من يد المظفر بن ياقوت.
وقد بلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ مرداويج فأقلقه، وخاف على ما بيده من البلاد، واغتم لذلك غماً شديداً، ولكن مرداويج أراد أن يحتال فكتب إلى ابن بويه يعاتبه ويستميله، ويطلب منه أن يظهر طاعته حتّى يمده بالعساكر الكثيرة ليفتح بها البلاد، ولا يكلفه سوى الخطبة باسمه في مساجد البلاد الّتي يستولي عليها. وفي الوقت نفسه جهز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليأخذ ابن بويه على غرة، فعلم بذلك فرحل عن أصبهان بعد أن جباها شهرين وتوجّه إلى أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت عنها أبو بكر من غير قتال وقصد رامهرمز، فاستولى عليّ على أرجان سنة فانهزم 320ه واستخرج منها أموالاً قوى نفسه بها.
وقد جاءته وهو برامهرمز كتب من أبي طالب زيد بن علي النوبندجاني يشير عليه بالمسير إلى شيراز ويهوّن عليه أمر ياقوت وأصحابه ويعرفه بتهوره واشتغاله بجباية الأموال، وكثرة مؤونته ومؤونة أصحابه، وثقل وطأتهم على النّاس مع فشلهم وجبنهم، فتردد عليّ أوّلاً، ثم عزم على المسير، فسار نحو النوبندجان في ربيع الآخر سنة 321ه فلقي بها مقدمة ياقوت فهزمها، ثم سار منها إلى اصطخر، خوفاً أن يقع بين ياقوت ومرداويج لأنه بلغه أنهما تراسلا ليتفقا عليه فقابله ياقوت بجيوشه فكان النصر لعليّ، وانهزم ياقوت ومن معه.
وكان أحمد بن بويه ممن ظهر أثره في ذلك اليوم، وهو صبي لم تنبت لحيته، وكان عمره 19 سنة. وبعد هذا الانتصار عامل عليّ الأسرى أحسن معاملة، وخيرهم بين المقام عنده واللحاق بياقوت فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم وأحسن إليهم.
ثم سار حتّى أتى شيراز قصبة فارس فاستولى عليها ونادى في النّاس بالأمان، واستولى على كثير من أموال ياقوت وودائعه فسهلت عليه استرضاء الجنود والتودد إليهم فأحبوه، وثبت ملكه.
وعند ذلك أحسّ عليّ بن بويه بحاجته إلى قوة روحية تسنده، وتثبت سلطانه، فأرسل إلى خليفة بغداد (الراضي باللّه) وإلى وزيره (ابن مقلة) يعرفهما أنه على الطاعة، ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك وأنفذت إليه الخلع واللواء.
ولما بلغ مرداویج ما ناله ابن بويه قام لذلك وقعد وسار إلى أصبهان للتدبير عليه، وبها أخوه وشمكير، فرأى أن ينفذ عسكراً إلى الأهواز للاستيلاء عليها، ويسد الطريق على ابن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق إلى الخليفة ويقصده هو من ناحية أصبهان وسارت عساكر مرداویج حتّى بلغت أيذج في رمضان، ثم استولت على رامهرمز في شوال سنة 332ه ثم استولت على الأهواز وأجلت عنه ياقوتاً.
ولمّا بلغ ابن بويه أن مرداويج استولى على الأهواز كاتب نائبه يستميله إليه، ويطلب منه أن يتوسط بينه وبين مرداويج، ففعل واستمر الأمر بينهما على أن يخطب ابن بويه باسم مرداويج، وأهدى له ابن بويه هدية جميلة، وأنفذ إليه أخاه الأوسط الحسن بن بويه، ليكون رهينة بين يديه.
ومن حسن حظ ابن بويه أن جنود مرداويج الأتراك تمردوا عليه لأنه كان كثير الإساءة إليهم، يفضّل عليهم الديالمة الّذين هم من عنصره، فاتفقوا على اغتياله فقتلوه سنة 323ه.
وكان رؤوساء المتألبين على مرداويج من الأتراك (بجكم» و«توزون وهما اللذان
توليا إمرة الأمراء بالعراق و«ياروق» و «ابن بغرا» و «محمد بن ينال» الترجمان.
ولمّا تم لهم ما أرادوا تفرق الجيش، فأما الأتراك فافترقوا فرقتين : فرقة منهم لحقت بابن بويه، وفرقة سارت نحو الجبل مع «بجكم». وأما الديلم فقد ذهبوا إلى وشمكير أخي مرداويج أن تخلص الحسن بن بويه الّذي كان رهينة عنده، وسار إلى أخيه بفارس.
وعلى هذا صارت القوى الكبرى الّتي تتنازع بلاد العجم ثلاثاً : قوة علي بن بويه بفارس، وقوة وشمكير بالري وقوة السامانية بخراسان وما وراء النهر.
أما ياقوت الّذي كان بالأهواز فقد ضعفت قوته حتّى لم يعد قادراً على الاحتفاظ بما معه فضلاً عن مصادمة غيره.
وكانت القوة الحية النامية بين هذه القوى جميعاً هي قوة ابن بويه الّذي سيَّر أخاه الأوسط «الحسن بن بويه» إلى بلاد الجبل ومعه العساكر فاستولى على أصبهان، وأزال عنها وعن عدة من بلاد الجبل نوّاب وشمكير، وبقي هو ووشمكير يتنازعان هذه البلاد، وهي: أصبهان، وهمذان، وقم، وقاشان، وكرج، والريّ، وكنكور، وقزوين وغيرها، حتّى تم للحسن بن بويه الاستيلاء عليها بعد خطوب وحروب طويلة حتّى استطاع أن يجلي عنها نواب وشمكير.
خطر ببال عليّ بن بويه أن يمد سلطانه إلى الأهواز والعراق، لما علمه من ضعف قوة الخليفة ببغداد وكان هو مشغولاً بإدارة إقليم فارس وكان أخوه الحسن مشغولاً ببلاد الجبل، أما أخوهما الأصغر «أحمد» فلم يكن له شغل، فسيّره علي إلى الأهواز، فاستولى عليها بعد حروب بينه وبين «بجكم الرائقي» وانهزم بحكم إلى واسط.
فتح العراق :
كان من أهم ما يتطلع إليه ابن بويه المسير إلى العراق بعد الاستيلاء على واسط، فصار أحمد بن بويه يسير إلى واسط ثم يعود عنها، حتّى كاتبه قوّاد بغداد يطلبون إليه المسير نحوهم للاستيلاء على بغداد وقد استجاب لهذا الطلب، فسار إلى بغداد حتّى وصل إليها يوم 11 جمادى الأولى سنة 334ه، وكان الخليفة بها هو «المستكفي باللّه» الّذي قابله واختفى به وبايعه أحمد، وحلف كل منهما لصاحبه، هذا بالخلافة، وذاك بالسلطنة.
وفي ذلك اليوم شرف الخليفة بني بويه بالألقاب : فلقب علياً صاحب فارس «عماد الدولة» وهو أكبرهم.
ولقّب الحسن صاحب الريّ والجبل «ركن الدولة».
ولقّب أحمد صاحب العراق «معز الدولة» وهو أصغرهم (1).
1) تاريخ الأمم الإسلامية «عصر الدولة العباسية» 378/3.
ومنذ ذلك اليوم أخذ نجم بني بويه في الإشراق واللمعان، وإن أخذت الدولة في التدهور والانحلال واختلت أحوال الرعايا أمام أحداث كثيرة لا مجال لتفصيلها في هذه العجالة.
ولقد خطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة أيضاً عن بني العباس، ويوليها خليفة علوياً، لأن البويهيين كانوا شيعة زيدية، قد وصلت إليهم التعاليم الإسلامية على يد الحسن بن زيد، ثم على يد الحسن الأطروش، وكلاهما زيدي. فكانوا يعتقدون أن بني العبّاس قد غصبوا الخلافة من مستحقيها، وهم أبناء عليّ. ولقد حاول معز الدولة ذلك لولا أن بعض خواصه أشار عليه ألّا يفعل، وقالوا له: «إنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، متى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوا» !
فأعرض عمّا كان قد عزم عليه وأبقى اسم الخلافة لبني العبّاس، وانفرد هو بالسلطان، ولم يبق بيد الخليفة شيء ألبتة إلّا ما أقطعه معز الدولة ممّا يقوم بحاجته (1).
وعلى الرغم من أن بني بويه قد سلبوا السلطة كلها من يد خليفة بني العباس، وعلى الرغم من رضا الخلفاء بهذا الهوان، لم يسلموا من سوء معاملة البويهيين وظلمهم، ففي سنة 334 ذهب معز الدولة إلى دار الخلافة وذهب إليها سائر النّاس على عاداتهم فلما جلس المستكفي على سريره ووقف النّاس على مراتبهم دخل الأمير فقبل الأرض على رسمه، ثم قبل يد المستكفي، ووقف بين يديه يحدثه، ثم جلس على كرسي، فتقدم اثنان من الديلم، ومدا أيديهما إلى المستكفي، وعلا صوتهما بالفارسيّة فظن أنهما يريدان تقبيل يده فمدها إليهما، فجذباه بها، وطرحاه على الأرض، ووضعا عمامته في عنقه وجراه.
فنهض معز الدولة، واضطرب النّاس، وارتفعت الزعقات، وافتتنت دار السلطان، وضربت الأبواق. وساق الديلميان المستكفي باللّه ماشياً إلى دار معز الدولة حيث خلع، وسملت عيناه، وأُقيم مكانه المطيع خليفة (2).
وطوال القرن الّذي وصل فيه نفوذ البويهيين إلى أقصاه (945 - 1055م) واصل البويهيون سياستهم من عزل الخلفاء وتوليتهم وفق هواهم. وكان لهم في بغداد قصور عدة فخمة كان يجعلها باسم دار المملكة.
ولم تعد بغداد السيدة الّتي تحرك العالم الإسلامي بل زاحمتها، وطغت عليها في ذلك شيراز، وغزنة، والقاهرة، وقرطبة، الّتي كانت كلها تتقاسم السيادة الدولية في العالم الإسلامي (1).
وكانت مدة ملك معز الدولة في العراق إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً، وتوفي في ربيع الآخر سنة 356ه ببغداد ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد له بُني له في مقابر قريش (2).
وولي المملكة بعد وفاة معز الدولة ابنه أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة، وتزوج الخليفة الطائع ابنته «شاه زمان» على صداق مبلغه مائة ألف دينار. وكانت بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة الحسن بن بويه منافسات في الملك أدّت إلى التنازع وأفضت إلى المحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء 18 شوال سنة 367ه، فقتل عز الدولة وكان عمره ستاً وثلاثين سنة (3).
وقد وصلت قوة البويهيين إلى أقصاها في عهد عضد الدولة (367 - 372ه)، (979 - 983م). ولم يكن عضد الدولة أعظم البويهيين فحسب بل كان أيضاً أعظم). حاكم في زمانه. لقد طوى تحت صولجانه كل الدويلات الصغيرة الّتي ظهرت في عهد الحكّام البويهيين في فارس والعراق، فألف من المجموع إمبراطورية كادت تصل في الاتساع إلى إمبراطورية هارون الرشيد وقد تزوج من ابنة الخليفة (الطائع)، وحمل الخليفة على الزواج من ابنته وكان يأمل من وراء ذلك أن يكون له ولد يكون له الحق في الخلافة نفسها.
وكان عضد الدولة أول حاكم في الإسلام حمل لقب (شاهنشاه) (4)ولم يقم في آل بويه من يماثل عضد الدولة جرأة وإقداماً، وكان عاقلاً فاضلاً، حسن السياسة، شديد الهيبة بعيد الهمة، ثاقب الرأي محباً للفضائل واهباً باذلاً في مواضع العطاء، مانعاً في مواضع الحزم، ناظراً في عواقب الأمور، وهو الّذي بنى على مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سوراً إلا أنه كان مع ذلك فخوراً يميل إلى اللعب واللّهو وكان شاعراً أديباً، ومن شعره :
ليس شرب الكأس إلا فيالمطر***وغناء من جوار في السحر
1) فيليب حتّى (تاريخ العرب) 610/2.
2) هي مقبرة مشهورة ببغداد ومحلة فيها خلق كثير وبها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق وأول من دفن بها جعفر الأكبر بن أبي جعفر المنصور سنة 150ه. والمنصور هو أول من جعلها مقبرة لما ابتنى مدينة بغداد سنة 149ه.
3) وفيات الأعيان 11/2.
4) شاهنشاه كلمة فارسيّة معناها «ملك الملوك» وقد صيغت غرار اللقب القديم للملكية. (انظر تاريخ العرب 611/2).
غانيات سالبات للنهى***ناغمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها***ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها***ملك الأملاك غلاب القدر
وهذا غلو كبير (1). وقد جمل بغداد وأصلح القنوات الّتي كانت قد طمست وأقام في كثير من المدائن المساجد والمستشفيات والمباني العامّة وخصص جزءاً من أموال الدولة لأعمال الخير والإحسان ومن المباني الهامة الّتي شيّدها «مشهد الإمام علي».
ولكن أشهر مبانيه على الإطلاق هو مستشفى بغداد المشهور المسمى «البيمارستان العضدي» وكلّف الخزانة مائة ألف دينار. وكان يعالج المرضى في المستشفى أربعة وعشرون طبيباً كانوا أيضاً بمثابة هيئة تدريس في كليته الطبية.
وكثيراً ما تغنّى الشعراء من أمثال المتنبي (2)بمدح عضد الدولة، كما أهدى إليه كثير من المؤلفين كتبهم مثل النحوي المشهور أبي علي الفارسي الّذي ألف كتاب «الإيضاح» ورفعه إليه (3).
وولي الملك بعد عضد الدولة ابنه أبو كاليجار المرزبان الملقب صمصام الدولة الّذي اجتمع القوّاد بعد وفاة أبيه على بيعته. وكان إخوته وينو أعمامه متفرقين في الولايات: فأخوه شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة «بفارس» وعمه «مؤيد الدولة أبو منصور بويه» بجرجان.
وقد مكث صمصام الدولة قائماً بأمر العراق في جوّ مضطرب من جرّاء خلاف أخيه شرف الدولة عليه، واستيلاء الأكراد على بلاد الموصل، فانتهز الفرصة أخوه شرف الدولة صاحب فارس، وتجهز يريد الاستيلاء على الأهواز والعراق، فسار بجيشه سنة 375ه فاستولى على الأهواز من يد أخيه «أبي الحسن الملقب بتاج الدولة» ثم سار إلى البصرة فملكها، واصطلح الأخوان شرف الدولة وصمصام الدولة على أن يخطب الشرف الدولة بالعراق، وسيّرت إليه الخلع من الطائع اللّه، فلمّا وردت عليه الرسل بذلك ليحلفوه رجع عن الصلح، وسار إلى واسط فملكها، واتسع الخرق على صمصام الدولة وشعب عليه الجند، فقرّ رأيه على اللحاق بأخيه والدولة في طاعته، فسار إليه، وقبض عليه شرف الدولة وسار إلى بغداد فدخلها في رمضان سنة 367ه. وانتهت مدة صمصام الدولة بالعراق ومقدارها ثلاث سنين وأحد عشر شهراً.
وفي عهد صمصام الدولة توفي عمّه «مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة» صاحب جرجان، وتولى أخوه فخر الدولة علي بن ركن الدولة على بلاده باختيار القوّاد والوزير الكبير «الصاحب ابن عباد».
ونقف عند هذا من أخبار بني بويه، ولكن وجب علينا أن نشير إلى عناية بني بويه بالعلم والأدب، وحبّهم للعلماء والأدباء، على الرغم من الأحداث والاضطرابات الّتي وقعت في عصرهم.
أدب بني بويه :
كان بنو بويه يحبون العلم والأدب، ولا يستوزرون أو يستكتبون إلا العلماء والشعراء والكتاب فكان أشهر أدباء ذلك العصر من وزرائهم أو عمالهم أو قضاتهم أو كتابهم كابن العميد والصاحب ابن عباد وسابور بن أدرشير. فضلاً عن الأدباء من العمال والقضاة وكتاب الدولة، على أن ملوك آل بويه أنفسهم اشتهر منهم غير واحد في الأدب والشعر (1).
وأشهر بني بويه في ذلك عضد الدولة المتوفى سنة 372ه، وكان كما يقول الثعالبي (2)على ما مكن له في الأرض، وجعل إليه من أزمة البسط والقبض، وخص به من رفعة الشأن، وأوتي من من سعة السلطان يتفرّغ للأدب، ويتشاغل بالكتب، ويؤثر مجالسة الأدباء على منادمة الأمراء، ويقول شعراً كثيراً.. ووصف الصاحب ابن عباد بعض شعره في قوله : «وأما قصيدة مولانا فقد جاءت معها عزّة الملك، وعليها رواء الصدق، وفيها سيما العلم وعندها لسان المجد ولها صيال الحق».. وفي قوله : الأغر وإذا فاض بحر العلم على لسان الشعر أن ينتج ما لا عين وقعت على مثله، ولا أذن سمعت بشبهه».. وقوله : «لو استحق شعر أن يعبد لعذوبة مناهله، وجلالة قائله، لكانت قصيدته هي : ألا إني اتخذتها عند امتناع ذلك قبلة أوجه إليها صلوات التعظيم، وأقف عليها طواف الإجلال والتكريم».. وفي قوله : «شعر قد حبس خدمته على فكره، ووقف كيف شاء على أمره، فهو يكتب في غزّة الدهر، ويشدخ جبهتي الشمس والبدر» وقال أبو بكر الخوارزمي: كان ينادم عضد الدولة بعض الأدباء الظرفاء ويحاضر بالأوصاف والتشبيهات، ولا يحضر شيء من الطعام والشراب وآلاتهما إلا وأنشد فيها لنفسه أو لغيره شعراً حسناً. فبينما هو ذات يوم معه على المائدة ينشد كعادته «بهطة أرز يطبخ باللبن والسمن» فنظر عضد الدولة كالآمر إيّاه بأن يصفها فأرتج عليه، وغلبه سکوت معه خجل، فارتجل عضد الدولة وقال :
بهطة تعجز عن وصفها***يا مدعي الأوصاف بالزور
كأنها في الجام مجلوّة***لآلىء في ماء كافور
ومن شعره في وصف الخيري (1):
طيب رائحة من نفحة الخيري***إذا تمزق جلباب الدياجير
كأنما رسّ بالماورد أو عبقت***فيه دواخن ند عند تبخیر
كأن أوراقه في القد أجنحة***صفر وحمر وبيض من دنانير
وألّف له أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة على النحو، وقصده فحول الشعراء في عصره كالمتنبي والسلامي وغيرهما.
ومن شغفه بالشعر أنه تمنى أن يكون هو المصلوب بدل ابن بقية الوزير، لتقال فيه قصيدة محمد بن عمران الأنباري الّتي مطلعها:
علوّ في الحياة وفي الممات***لَحَق أنت إحدى المعجزات
ومن نكاته الأدبية أن «أفتكين التركي» صاحب دمشق كتب إليه : «إن الشام قد صفا وصار في يدي.. وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مستقرهم»! فكتب عضد الدولة جوابه كلمات متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط والضبط وهي غرّك عزّك، فصار قصار ذلك دلّك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدا»!
ومن آدب بني بويه وأشعرهم عز الدولة أبو منصور بختيار ابن معز الدولة، ومن شعره:
فيا حبذا روضتا نرجس***تحيي الندامی بریحانها
شربنا عليها كأحداقنا***عقاراً بكأس كأجفانها
ومسنا من السكر ما بيننا***نجرّر ريطاً (2)كقضبانها
ومن خمرياته قوله :
اشرب على قطر السماء القاطر***في صحن دجلة واعص زجر الزاجر
مشمولة أبدى المزاج بكأسها***درّاً نثيراً بين نظم جواهر
من كفّ أغيد يستبيك إذا مشى***بدلال معشوق ونخوة شاطر
والماء ما بين الغصون مصفق***مثل القيان رقصن حول الزامر
ومن شعره الغزلي :
وفاؤك لازم مکنون سرّي***وحبّك غايتي والشوق زادي
وخالك في عذارك في الليالي***سواد في سواد في سواد
ومنهم تاج الدولة بن عضد الدولة، ويقال : إنه كان آدب آل بويه وأشعرهم وأكرمهم، وكان يلي الأهواز، فأدركته حرفة الأدب، فأدّت إلى نكبته وحبسه من جهة أخيه أبي الفوارس، وكان شعره رائقاً عذباً جميلاً، ومنه قوله :
سلام على طيف ألم فسلّما***وأبدى شعاع الشمس لما تكلما
بدا فبدا من وجهه البدر طالعاً***لدى الروض يستعلي قضيباً منعما
وقد أرسلت أيدي العذارى بخدّه***عذاراً من الكافور والمسك أسحما (1)
وأحسب هاروتاً أطاف بطرفه***فعلّمه من سحره فتعلّما
ألمّ بنا في دامس الليل فانجلى***فلما انثنى عنّا وودّع أظلما
وأنشد له بديع الزمان الهمذاني هذين البيتين :
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه***وأعقب بالحسنى من الحبس والأسر
فمن لي بأيّام الشباب الّتي مضت***ومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري
ومن شعره الفاخر الحماسي :
ألا شفيت علتي***من العداة بالتي
و صارم مهند***ماضٍ رقيق الشفرة
وليلة أحییتها***منوطة بلیلة
كأنما نجم الثريا***في الدجى ومقلتي
جوهرتا عقد علی***نحر فتاة طفلة
أفكر في بني أبي***وفعل بعض إخوتي
تظن أني أحمل الضيم***فأين همتي
تقنع بالأهواز لي***وواسط والبصرة
لست بتاج الدولة***سلیل تاج الملة
إن لم تزر بغداد بي*** عما قليل كبّتي (2)
وعسکر عرموم***یملك كل بلدة
حشو الجبال والفلا***مواكب من غلمتي
نصرتهمم مني ومن***ربّ السماء نصرت
ومن قوله في النكبة :
حتى متى نكبات الدهر تقصدني***لا أستريح من الأحزان والفكر
إذا أقول مضى ما كنت أحذره***من الزمان رماني الدهر بالغير
فحسبي اللّه في كل الأمور فقد***بدلت بعد صفاء العيش بالكدر
ويكفي هذا القدر من الاستشهاد لهذا الشعر الرائع الجميل، يتفجّر من شاعرية مطبوعة، ومن شعراء بني بويه أبو العباس خسرو بن فيروز بن ركن الدولة، أنشد له الثعالبي في اليتيمة هذه الأبيات من خمرياته :
أدر الكأس علینا***أيّها الساقي لنطرب
من شمول (1)مثل كأس***في فم الندمان تغرب
فحكت حين تجلّت***قمراً یلثم کوکب
ورد خدیه جنيّ***لكن الناطور عقرب (2)
فإذا ما لدغت فالر***يق درياق مجرّب (3)
ولا شك أن ملوكاً هذا، أدبهم، وتلك آثار شاعريتهم، لجدير بالأدب أن يزدهر في دولتهم، وأن يعزّ بنصرتهم، وأن يطلب الزلفى به إليهم كل صاحب موهبة وفن، وهكذا كان.
1 - ترتيب السعادات ومنازل العلوم. والكتاب شرحٌ لمراتب السعادة الثلاث وتحديد دقيق لمراتب العلوم حسب مدرسة أرسطو وقيمتها في الرُّقي بالإنسان نحو السعادة والكمال الإنسي (التهذيب : 15).
2 - الفوز الأصغر. وقد يسمّى الكتاب باسم آخر هو كتاب الجواب عن المسائل الثلاث. اختصر إقبال اللاهوري نظام مسكويه الفلسفي من خلال الفوز الأصغر، وقال: «إنّي أطرح الفلسفة الأولى لمسكويه الّتي لا شك أنها أكثر انتظاماً من فلسفة الفارابي، كما أستبدل الفلسفة الأفلاطونية الحديثة لابن سينا بالخدمة الأصيلة الّتي أداها مسكويه تجاة فلسفة بلاده».
3 - الهوامل والشوامل. وقد استعار أبو حيان التوحيدي كلمة الهوامل لأسئلته المبعثرة الّتي تنتظر الجواب (175 مسألة) واستعمل مسكويه كلمة الشوامل في الإجابات الّتي أجابه بها، فضبط بها هوامل أبي حيان الّتي كانت كالإبل المسيَّبة ؛ لأنَّ الشوامل هي
الحيوانات الّتي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها.
4 - تهذيب الأخلاق = (كتاب طهارة النفس، طهارة الأعراق). أما تهذيب الأخلاق اسمٌ أطلقه مسكويه أيضاً في كتابه الآخر جاويدان خرد. وقد اتخذ اسم الكتاب أشكالاً مختلفة في مخطوطات الكتاب نقله نصير الدّين الطوسي إلى الفارسيّة وسمَّاه : أخلاق ناصري؛ كما قال فيه وفى مؤلّفه أبياته الأربعة المعروفة، إعجاباً بهما. ونقله أبو طالب الزنجاني إلى الفارسيّة أيضاً. والكتاب يتألف من ستّ مقالات هي : الأولى في مبادىء الأخلاق ؛ والثَّانية في الخلق وتهذيبه والكمال الإنساني وسبيله ؛ والثالثة في الخير وأقسامه والسعادة ومراتبها والرابعة في العدالة؛ والخامسة في المحبة والصَّداقة ؛ والسادسة في صحة النفس وحفظها.
5 - الفوز الأكبر = (الكبير) ليس للكتاب أثرٌ في فهارس الكتب المطبوعة. بيد أن هناك رأياً قائلاً بكون الفوز الأكبر وتهذيب الأخلاق كتاباً واحداً، على أنَّ أبا سليمان أورد العنوانين لكتابين مختلفين (انظر الصوان : 347).
6 - فوز السعادة = (نور السعادة)، نرجح أن يكون الشبه القريب بين «فوز» و نور قد أدَّى إلى تصحيف جعل صاحب ريحانة الأدب (8: 208) يعدّهما عنوانين لكتابين مختلفين وهما كتاب واحد. كما أنّ موضوع الكتاب يظهر من عنوانه بجلاء.
7 - رسائل فلسفية. محفوظة في مجموعة راغب باشا تحت رقم 1463. وهذه الرسائل مختصرة تبلغ صفحاتها 32 صفحة وتتراوح بين صفحة واحدة و16 صفحة وعناوينها هي: أ. رسالة في اللَّذات والآلام. ب. رسالة في الطبيعة. ج. رسالة في جوهر النفس والبحث عنها: د. رسالة في العقل والمعقول ؛ ه. رسالة في النفس والعقل ؛ و. رسالة في إثبات الصور الروحانية الّتي لا هيولى لها؛ ز. ما الفصل بين الدهر والزمان.
8 - رسالة في ماهية العدل. العنوان الكامل لها كما جاء في مستهلّ المخطوطة الموجودة في مشهد (1 : 43، 137/44) هو : رسالة الشيخ أبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه إلى علي بن محمد أبي حيَّان الصوفي، في ماهية العدل وبيان أقسامه.
9 - جاویدان خرد. قال مسكويه عنه : «... فهذه جملٌ نُحكمها قبل تفصيلها بالجزئيات، ولولا أنَّا قد أحكمنا لك الأصول كلها في كتابنا الموسوم بتهذيب الأخلاق، لأوجبنا لك إيرادها ها هنا، ولكن هذا كتابٌ غرضنا فيه إيراد جزئيات الآداب بمواعظ الحكماء من كلِّ أُمَّةٍ ونحلةٍ، وتبعنا فيه صاحب كتاب جاویدان خرد [أحد ملوك الفرس الأقدمين ] كما وعدنا به في أوَّله، ولأنَّ موضوع الكتاب الأوّل كتاب فارسيٌّ، وجب أن نبدأ
بآداب الفرس ومواعظهم، ثمَّ نتبعها بآداب الأمم الآخرين». فإذن، القسم الأول للكتاب بُني على جاويدان خرد من تأليف قدامى الفرس والقسم الثاني هو آداب الأمم الأخرى، بدأها بآداب الفرس المتأخرين (إلى ما قبل الإسلام). وأما آداب الأمم الأخرى فهي : آداب الهند آداب العرب، آداب الروم (منها لغز قابس) حكم الإسلاميين.
10 - آداب الدنيا والدين. وقال المحقّق النّراقي في كتابه الخزائن : قال ابن مسكويه في كتاب آداب الدنيا والدين: والفرق بين السرف والتبذير، أنَّ السرف هو الجهل بمقادير الحقوق والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق انتهى». ثمَّ قال صاحب الروضات : «وظنّي أنَّ الغالب على كتابه هذا الّذي لم نذكره في المتن، متون اللغة، وأصول المعرفة مع شيء من مراسم الشريعة وأحاديث العلم والحكمة، فيلاحظ إن شاء اللّه منه».
11 - أنس الفريد. قال ياقوت: «وله كتاب أنس الفريد وهو مجموع يتضمّن أخباراً وأشعاراً وأمثالاً غير مبوَّب». وقال القفطي : «فمن تصانيفه كتاب أنس الفريد وهو أحسن كتاب صُنِّف في الحكايات القصار والفوائد اللِّطاف».
12 - الخواطر = (أنس الخواطر ؟). ذكره أبو سليمان في الصوان باسم الخواطر ونقل منه قطعةً تدلُّ على أن الكتاب في النفس وأنها جوهر بجهة وعرض بجهة وما إلى ذلك.
13 - حقائق النفوس. وهو مجال آخر لدراسات مسكويه النفسية.
14 - كتاب السياسة للملك.
15 - المستوفى في الشِّعر.
16 - الرسالة المسعدة. ذكره مسكويه في التهذيب بنفس العنوان. وعنوان الرسالة ينطق بكونها دراسة في مسألة السعادة، لا سِيَّما بالنظر إلى ما نعرفه عند مسكويه من الاهتمام بموضوع السعادة.
17 - فوز النجاة. ذُكر الكتاب عند بعض من درس مسكويه هامشياً بعنوان : فوز النجاة في الاختلاف = (الأخلاق). يمكن أن يكون عنواناً ثانياً لكتابه الآخر المسمَّى فوز السعادة، ولكنَّنا لا نستبعد أن يكون عنواناً لكتاب على حدة، بالنظر إلى كثرة ما كتبه مسكويه خصيصاً في علم النفس والأخلاق.
18 - کتاب السِّير. ذكره ياقوت (5 :10) كما عرّفه باختصار قائلاً: «.... وكتاب السير، أجاده، ذكر فيه ما يُسيّر به الرجل نفسه من أمور دنياه. مزجه بالأثر، والآية، والحكمة والشِّعر». هذا كلّ ما أورده ياقوت.
19 - كتاب الجامع. ورد بنفس العنوان عند كل من ياقوت (5 : 10) والعاملي (10 : 146) ويمكن القول : إنّه أجمع من كتاب الرازي المسمَّى بالحاوي، لأن مسكويه درس
الرازي وأكب على كتبه. ثمَّ كتب هذا الكتاب في ضوء اجتهاداته بعد تلك الدراسة.
20 - كتاب في تركيب الباجات من الأطعمة = (كتاب الطبيخ: انظر ابن أبي أصيبعة ص: 335) قال القفطي (ص: 332) وذلك عند إحصائه لكتب مسكويه الطبية : «... وكتاب في تركيب الباجات من الأطعمة، أحكمه غاية الإحكام أتى فيه من أصول علم الطبيخ وفروعه بكلّ غريبٍ حسنٍ».
21 - كتاب الأشربة ذكره ابن أبي أصيبعة (ص : 335) بنفس العنوان، كما ذكره العاملي (10 : 146) بقوله : «كتاب الأشربة وما يتعلق بها من الأحكام الطبيَّة».
22 - كتاب في الأدوية المفردة. هذا الكتاب تفرّد بذكر اسمه القفطي (ص: 332) فلم يذكره غيره من المترجمين لمسكويه، من أمثال ابن أبي أصيبعة الّذي ذكر بعض آثاره في الطب والعلاج.
23 - مختصر النّبض. كتاب في الطّب كُتب لعضد الدولة البويهي، وهو متنازع فيه بين ابن سينا وبين أبي علي مسكويه، أو أبي علي مندويه. أما انتساب الكتاب إلى ابن سينا فمردود، لأنه كان طفلاً عمره سنتان عندما مات عضد الدولة، ولذلك ذهب فيلسوف الدولة صاحب كتاب مطرح الأنظار إلى أنَّ الكتاب لأبي علي مسكويه أو لأبي علي مندویه (انظر الگود، تاریخ پزشكي ايران ص: 28).
24 - تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. قال في الذريعة : «ذكر هذا العنوان صاحب الريحانة ولم نجد غيره. قال صاحب الريحانة [ عند ذكره لآثار مسكويه] تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين في الأخلاق، وللراغب الأصفهاني أيضاً كتب في معرفة النفس بهذا العنوان».
25 - أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السلف
26 - المختصر في صناعة العدد.
27 - فقر أهل الكتب. وهو كتاب قد يكون طريفاً. لأنَّ مسكويه ربما يعرض فيه نتائج تجربته الخاصّة مع هذه الفئة الّتي احتكّ بها والتي ينتمي إليها بحكم كونه خازناً لمكتبات الأمراء والوزراء البويهيين.
28 - رسالة في دفع الغمّ من الموت. ونُسبت إلى ابن سينا عندما نشرت ضمن رسائل ابن سينا في الحكمة المشرقية (ليدن 1894 انظر محقق ص : 209 - 430) كما نقلها إلى الفارسيّة البرقعي القمي في 73 صفحة تحت عنوان: چرا از مرگی بترسم؟ لماذا أخاف من الموت؟ (قم، ط 2، 1327 ش - انظر مشار).
29 - تعاليق على الكتب المنطقية.
30 - وصيّة له. أوردها مسكويه نفسه في جاويدان خرد (نشرة بدوي
ص: 285 – 292) أولها : «يا طالب الحكمة طهر لها قلبك...» وختامها : «بلا حاجة إلى تفكير وتمييز وتطلّب».
31 - وصيّة أبي علي مسكويه (عهده مع نفسه). أوردها ياقوت (5 : 17 - 19) : بن محمد ونقل عنه العاملي (10 : 198 - 199)، أولها : «هذا ما عاهد عليه أحمد وهو يومئذٍ آمن في سربه...» وختامه : «وصرف جميع البال إليه».
32 - مراسلة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني. للبديع رسالة اعتذار إلى مسكويه، أجاب عليها مسكويه. تجد الرسالة والجواب عند ياقوت (5 : 11 - 17).
33 - شعر مسكويه. نقل الثعالبي (التتمة 96 - 100) ونقل عنه ياقوت (5 : 7 - 17) نماذج من شعره. وأثنى عليه الثعالبي بقوله : «وكان في الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشّعر».
34 - نزهت نامه علائي. ذكره العاملي (10 : 145) وصاحب الريحانة (8: 208) ونسباه إلى مسكويه. كما ذكره صاحب الذريعة (24 : 130) ونسبه إلى شهمردان ابن أبي الخير الرازي قائلاً : وقد نسبه إسماعيل پاشا (هدية 1 : 73) خطأ إلى «ابن» مسكويه وعنه أخذ في أعيان الشيعة وكذلك أخطأنا نحن في النّاسب - ص: 28. فإذن الكتاب ليس لمسكويه.
35 - تجارب الأمم. وهو الكتاب الّذي بين يدي القارىء، كتاب جليل في التاريخ، ومصدر لا يُستغنى عنه في الدراسات التاريخيّة، لم يُنشر حتّى الآن - مع الأسف - إلّا بعض أجزائه، فأخذنا على عاتقنا تحقيق نصِّه ونشره بكامل أجزائه.
وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون 73/5، المؤلفات التالية لمسكويه :،
1 - آداب العرب والفرس.
2 - تجارب الأمم وتعاقب الهمم، في التاريخ.
3 - ترتيب السعادات.
4 - تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق.
5 - جاویدان خرد. فارسی.
6 - الفوز الأصغر، في أصول الديانات.
7 - الفوز الأكبر.
8 - فوز النجاة في الأخلاق.
9 - كتاب السياسة.
10 - مجموعة أنس الخاطر.
11 - مختار الأشعار.
12 - نديم الفريد.
13 - نزهت نامه علائي فارسي كتبه باسم علاء الدولة الديلمي.
كتاب تجارب الأمم
بنظرة إلى مقدمة كتاب تجارب الأمم، يتضح أنَّ التاريخ في رأي مسكويه، يشتمل على أحداث يمكن للإنسان أن يستفيد منها تجربة في الحياة الفردية والاجتماعية، في أمور لا تزال يتكرّر مثلها، ويُنتظر حدوث أشباهها، وإذا عرف الإنسان تلك الأحداث وقيمتها التجريبية ثم اتَّخذها إماماً لنفسه يقتدي به فهذا يجعله يحذر ممّا ابتلي به قومٌ، ويتمسَّك بما سعدوا به. والنظرة هذه تبتنى على رأيه القائل : إنَّ أمور الدنيا متشابهة وأحوالها متناسبة. فباستطاعة الإنسان أن يُقارن الحاضر بالماضي، ويهتدي بهدي التجارب الّتي حصلت فيه للأسلاف. ثمَّ إنَّ ما يحفظه الإنسان من التاريخ، كأنه تجارب له، باشَرَها بنفسه، فأصبح خبيراً بالأمور الّتي لم يجربها فعلاً في حياته، حتّى إنَّه يعرفها بعد ذلك قبل وقوعها، فيستقبلها استقبال الخير، فيفعل في علاجها الأنسب والأجدى، فيحل مشاكله وينجح في مشاريعه نجاح الخبير الواعي.
بيد أنّ مسكويه لاحظ أنَّ تلك الأخبار التاريخيّة الحقَّة مغمورة بالأسماء، متبدّدة في الخرافات والأساطير الّتي ليست لها فائدة إلا استجلاب النَّوم بها، والتأنّس بالمستطرف منها، فأخذها بالنقد واستخراج ذات القيمة منها، وضرب صفحاً عما عما لم يجد فيها قيمةً تاريخيةً تجريبيّةَ وتركها وهو يرى أَنَّ للأحداث التاريخيّة الحقَّة أيضاً أنس السَّمَر الّذي يوجد في الخرافات والأساطير. إنَّ مسكويه لم يثق بروايات ما قبل الطوفان لفقدانها القيمة التاريخيّة الّتي ينشدها هو، كما لم يجد في المعجزات تجربةً إنسيَّةً يستطيع الجميع أن يمارسوا مثلها، أو يعتبروا بها، وهذا لا يعني أنه ترك ما كان للأنبياء من تدابيرهم البشريَّة الّتي ليست مقرونة بالإعجاز، لأَنَّ النمط من أخبارهم وارد في صميم ما اهتمَّ به مسكويه في كتابة التاريخ مع العلم بأن لمسكويه كتاباً في صفات الأنبياء السالفين تحت عنوان: أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السالفين.
وأخيراً، عمد مسكويه إلى أحداث تجري على البخت والاتّفاق، ممّا هو خارج عن نطاق تدبير الإنسان وقدرته، حتّى تكون في حسبانه، ولا تسقط من ديوان الحوادث عنده، وما يُنتظر وقوع مثله، وإن لم يستطع تحرُّزاً من مكروهه.
إنّه لن ينسى ما ضمنه في مقدمة الكتاب بل نراه يؤكّد هنا وهناك، وبمناسبات
شتّى، على أغراضه ويُصرُّ على المضي في النَّهج الّذي نهجه لنفسه في عمله. فحيناً نراه يبرر تركه ذكر بعض الأشياء بقوله : «الخروجها عمَّا بنينا عليه غرض هذا الكتاب»، وحيناً يؤكّد على هذا الغرض حتّى في عنوان حديث أراد ذكره، ففي عنوان الحديث عن الشورى يقول : «ذكر ما يجب ذكره من حديث الشورى وما يليق منه بهذا الكتاب».
وكذلك وبعد أن ينقل الحوار الّذي جرى بين الإمام علي بن أبي طالب والزُّبير : الحوار الّذي أثَّر في الزُّبير حتّى أقسم أن لا يحارب عليّاً - لولا وسوسة ابنه له واقتراحه التكفير عن اليمين بعتق غلام له، يقال له: مكحول - وبعد إيراده هذا الحدث نراه يقول : «وإنّما حكينا هذه الحكاية لأنّ فيها تجربة تستفاد وإن ذهب على قوم فإنّا نُنَبِّه عليه، وذلك أنَّ المحنق ربما سكن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزُّور من الكلام، وذلك بحسب تأتي من يريد ذلك، وإتيانه من وجهه». ولا يهمّه في ذلك شخصية القائل أو الفاعل، ولا ينظر إلى من قال أو فعل بل يهمُّه مغزى ما قال أو فعل، من حيث تلاؤمه وأغراضه في كتابه تجارب الأمم. فنراه يستحسن موقفاً من مواقف الضَّحاك الشَّهير بالسفك والقتل والظُّلم، وينقل كلاماً منه حيث قال في الإجابة على أمه البذيئة : «فلما هممتُ بالسطوة بهم أي: بكابي الأصفهاني وأصحابه عندما زاروه للتأتِّي له واستعطافه وقف الحقّ بيني وبينهم كالجبل، فحال بيني وبين ما أردتُ، ثمَّ يعلِّق مسكويه على هذا الكلام بقوله: «فهذا ما استحسن من فعل الضِّحاك وقوله ولا يعرف له شيء مستحسن غيره». إنَّ هذا الالتزام الواعي الّذي يبديه مسكويه تجاه منهجه، هو ما لا نراه عند كثير من المصنِّفين فمسكويه، كما قال روزنتال (196، 197) يمثِّل مستوى عالياً في الكتابة التاريخيّة، فهو قلَّما يهتمُّ بالأمور التافهة، بل يدرك كلَّ ما له قيمةٌ تاريخيَّة جوهريَّة، ويعرض الأحداث الهامَّة بشكل معقولٍ متماسك.
إِنَّ المؤرخين المسلمين - ومعظمهم ممَّن تأخر عن مسكويه وربما تأثر به بالذات. نظروا إلى التاريخ من حيث هو درس وعظة وعبرة ولكنّ مسكويه، السابق في هذا المضمار، هو المؤرّخ الوحيد الّذي نهج منهج الاستدلال الفلسفي مع ما كان له من نظرة أخلاقية علميَّة برغماتية (Pragmatic) إلى حوادث التاريخ (زرياب : 118 - بتصرّف) إنّك لا تجد بين المؤرّخين المسلمين مؤرّخاً عمد إلى التاريخ عن وعي وجدّ، نشداناً للفوائد الّتي تنطوي عليها أحداثه بالمستوى الّذي عمد إليه مسكويه، إنّه حكيم أخلاقيّ، ومصنِّف كتاب حكيم باسم تجارب الأمم. كما هو رائد في الكتابة العلمية للتاريخ، وأوّل من شقّ الطريق إلى فلسفة التاريخ ليكون أسوة حسنة فيما بعد، لأمثال رشيد الدّين فضل اللّه (645 - 718ه) في جامع التواريخ، وابن خلدون (732 - 806ه) في مقدمته، ثم الكافيجي (القرن التاسع) في كتابه: المختصر في علم
التاريخ، والسخاوي (830 - 920 عبد الرّحمن ه) في كتابه : إعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التاريخ، ومسكويه خلافاً لسلفه الشهير الطبري الّذي استهدف - أساساً - جمع الموادّ التاريخيّة، وعَرْضَها على ترتيب تاريخيّ لائق، عزم على أن يصنّف تاريخه كبناء عضويِّ يكون الفكر الأساسي المحدّد عنصراً بناءً في الكتاب بأسره، رابطاً كلَّ أجزاءِ التصنيف بعضها ببعض. يرى القارىء على صفحات هذا الكتاب عنصراً شخصياً لا يجده في المصنفات التاريخيّة الأخرى المؤلَّفة في تلك الحقبة.
إنَّ تجارب الأمم - وبصورة جلية - عمل فكريٌّ نتج عن ذهن استدلالي بنَّاءٍ، يسوده انطباعٌ سامٍ من غرض المؤرّخ وواجبه، وبهذا يُبدي مسكويه فضلاً كبيراً على من سبقه أو عاصره من المؤرّخين الّذين كتبوا آثارهم باللغة العربية. إنّه لا يُرضيه مجرَّد جمع المادة التاريخيّة وعرضها في ترتيب تاريخيّ، لأنّه يعتقد أنَّ أحداث الماضي تترابط في ما بينها بشبكة من المصالح الإنسيَّة. وفي الحقيقة، فإنَّ التاريخ - كما يراه مسكويه - ليس غير هذا، كما يرى العاقل في رواية التاريخ الحقة ينبوعاً من العلم الثمين.
صرَّح مسكويه بأنَّه لمّا قرأ أخبار الأمم، وسير الملوك، وأخبار البلدان، وكتب التواريخ (انظر المقدمة) وجد فيها ما تستفاد منه تجربة... وهذا دليل واضح على تعدّد مصادره، في كتابة التاريخ. بيد أنه اعتمد اعتماداً كلياً على الطبري (224 - 310ه)، كما اعتمد على المصادر الأخرى الّتي تتنوّع وتختلف، حسب الفترات التاريخيّة الّتي أرّخها في تصنيفه، وحسب مصادر كانت في متناوله، بحيث لا يمكن عدُّها وحصرها إلا بعَدِّ المصرَّح منها في الكتاب، وحصر غير المصرَّح منها بإرجاع نُقول مسكويه إلى أصولها وأصحابها، وهذا يتطلب دراسةً مستقلةً قد تأخذ وقتاً طويلاً. فمصادر مسكويه حسب هذه العجالة هي :
1 - تاريخ الطبري: عوّل مسكويه أوّلاً وقبل كلّ شيء، على الطبري. وذلك بحذف كثير من موادِّ الطبري، من مكرّره وما لم يدخل في إطار منهج مسكويه في كتابة تاريخه، فمسكويه يوازي الطبري ابتداءً من العصر الفيشداذي وذكر أوشهنج بالذَّات، أو ممّا بعد الطوفان حسب تصريحه ؛ إلى سنة 295ه، مع العلم بأنَّ الطَّبري استمرّ في تاريخه حتّى سنة 302ه. ومسكويه ليس المؤرّخ الوحيد الّذي ينهل من مناهل الطبري ويعول عليه في تصنيفه. فمن هو الّذي لم يعوّل على الطبري؟ فها هو ابن الأثير يصرح في مقدمته (ص: 3) قائلاً: «فابتدأت بالتاريخ الكبير الّذي صنَّفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو المعوّل عند العامّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه. فأخذتُ ما فيه من جميع تراجمه لم أخلّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات
ذات عدد، فقصدتُ أتمَّ الرّوايات وأضفتُ إليها من غيرها ما ليس منها... فلمَّا فرغتُ منه أخذتُ غيره من التواريخ المشهورة [منها تجارب الأمم] فطالعتها، وأضفتُ منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه...».
هذه هي الحالة عند جلِّ المؤرّخين منهم ابن خلدون أيضاً (العبر: 4 : 1140)، إنَّهم وجدوا تاريخ الطبري ينبوعاً ثرَّاً يتدفّق منه ذلك الحجم الهائل من الموادّ التاريخيّة، والروايات المختلفة الكثيرة، الّتي أوردها فيه دون نقد أو تعديل أو تعليق واعياً عامداً ما يفعله، كما صرَّح به في مقدّمته. ولكن المؤرّخين صاغوا ما أخذوه عن الطبري في قوالب ارتضوها لتصانيفهم كلِّ على شاكلته ومن هؤلاء مسكويه، الّذي أخذ بدوره عن الطبري أخذَ نقدٍ واختيار وتعديل وتمحيص وحذف وإضافة من مصادر أخرى، وفقاً لأغراضه الّتي تحدّث عنها في مقدمة تجارب الأمم.
والجدير بالذكر أنَّ هناك مناسبة خاصَّة بين مسكويه والطبري يمتاز بها مسكويه من بين سائر المؤرّخين، حيث يُعتبر مسكويه تلميذاً غير مباشر للطَّبري في استماع تاريخه عن صاحبه، وقراءة كتابه عليه، والحصول على الإجازة منه. قال مسكويه بهذا الصدد (انظر التجارب 243، 6): «وفيها [أي في سنة 350ه] مات أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، رحمه اللّه، ومنه سمعتُ كتاب التاريخ لأبي جعفر الطبري، وكان صاحب أبي جعفر، قد سمع منه شيئاً كثيراً، ولكنّي ما سمعت منه عن أبي جعفر غير هذا الكتاب، بعضه قراءة عليه، وبعضه إجازة لي، وكان ينزل في شارع عبد الصمد، ولي معه اجتماع كثير».
2 - نفائس المكتبات : لم يكتف مسكويه بالطبري، حتّى بالنسبة إلى القسم الّذي قلنا إنه عوّل فيه عليه تعويلاً كليّاً (العصر الفيشداذي إلى سنة 295)، بل أورد في تاريخه نصوصاً إيرانيَّةً عديمة النظير لا تجدها عند الطبري ولا عند غيره من كبار المؤرِّخين من أمثال المسعودي وابن الأثير ومن إليهما، ونخصُّ بالذكر عهد أردشير الّذي يُعتبر من أقدم النصوص الإيرانية المدوّنة الّتي وصلت إلينا، وكذلك السيرة الذاتية لأنوشروان، وخطبته المشحونة، اللتين نقلهما مسكويه عن كتاب كتبه أنوشروان نفسه في سيرته.
من أين أتى مسكويه بهذه النصوص وغيرها ممّا تفرد بنقلها بين المؤرِّخين؟ إنَّه كان خازناً لمكتبات البويهيين من أمثال ابن العميد وابنه أبي الفتح، وعضد الدولة. لقد دامت صحبته أو خزانته سبع سنين لابن العميد فقط (350، 6)، وكان لفهرس مكتبة ابن العميد 1056 ورقة = (44 كرَّاسة لكلّ منها 24 ورقة - متز 1 : 297) ولم يثبت في هذا الفهرس إلا أسماء الكتب، وقد اجتمعت في تلك المكتبة كلّ أنواع العلوم والحكم والآداب، تحمل على مائة وقر وزيادة. وعن مكتبة عضد الدولة حكى لنا المقدسي (الّذي كان يختلف إليها، فلا جرم أنه زار مسكويه أيضاً) حيث قال عند وصفه لدار
عضد الدولة بشيراز وغرفها وعجائبها : «... وخزانة الكتب عليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صُنّف إلى وقته من أنواع العلوم كلّها إلّا وحصَّله فيها، وهي أَزَجٌ طويل، في صُفّةٍ كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتاً طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوّق، عليها أبواب تنحدر من فوق والدفاتر منضَّدة على الرفوف، لكلّ نوع بيوتٌ وفهرستاتٌ، فيها أسامى الكتب لا يدخلها إلَّا وجيهٌ...». فلا شكٍّ أنَّ مسكويه استفاد من هذه المكتبات كثيراً من علمه والمواد التاريخيّة الّتي أوردها في كتابه ممّا لا يوجد عند سائر المؤرّخين سواءٌ ما أضافه في تاريخ ما قبل الإسلام مستمدّاً من مصادر إيرانية قديمة موجودة في تلك الخزانات أو ما أضافه إلى تاريخ ما بعد الإسلام أخذاً عن مصادر إسلامية كانت فيها.
3 - ثابت بن سنان هناك فترة تاريخية تبدأ من سنة 295 إلى سنة 340ه يعتمد مسكويه فيها على مصادر مستقاة عن الطبري، منها : تاريخ ثابت بن سنان (المتوفى سنة 363ه) ابن ثابت بن قرة الصابي الحرّاني (221 - 288ه) خال أبي إسحاق هلال بن محسن الصَّابي. كتب ثابت بن سنان تاريخه ابتداء من خلافة المقتدر (من سنة مائتين ونيّف - القفطي) إلى سنة 360ه. فكتب أبو إسحاق هلال بن محسَّن تتمّةً لتاريخ ثابت بن سنان وصلت إلى سنة 447. ومن دلائل كونه مصدراً لمسكويه ما جاء في التجارب حيث قال : «... وحكى ثابت بن سنان في كتابه أن...» فهذا تصريح من مسكويه أنَّه أخذ في تاريخ هذه الفترة عن ثابت بن سنان أيضاً.
وهناك قول بكون أبي إسحاق هلال الصابي أيضاً من مصادر مسكويه، لا يمكن الاطمئنان إليه. قال الروذراوري في الذيل (ص : 23) : «وعمل أبو إسحاق الكتاب الذي سمَّاه : التاجيّ في الدولة الديلمية. وهو كتاب بديع الترصيف حسن التصنيف.. ووجدنا آخره موافقاً لآخر كتاب تجارب الأمم، حتّى إنَّ بعض الألفاظ تتشابه في خاتمتهما، وانتهى القولان في التاريخ بهما إلى أمدٍ واحدٍ والكتاب موجود يُغني تأمُّله عن الإخبار عنه». فكيف نطمئنُّ إلى هذا القول ونحن نعلم أنَّ أبا إسحاق الصَّابي كتب تاريخه حتّى سنة 447ه. في حين أن تجارب الأمم لا يتجاوز سنة 369 كما أقرّ به صاحب الذيل أيضاً (انظر الذيل) وافتراض أنَّ لتجارب الأمم أجزاء أخرى أيضاً لم تصل إلينا وما هو موجود ناقص. فهذا الافتراض أيضاً مردود لأن مسكويه لم يعش بعد سنة 421ه. اللّهمَّ إلَّا أن يكون الأمر قد اختلط للروذراوري، أو كان الّذي قصده، هو ثابت بن سنان الصابي الّذي وصل تاريخه إلى سنة 360ه، أو إلى آخر حياته (سنة 363ه) حسب قولين يذكران بصدد نهاية كتابه. بيد أنَّ هذا أيضاً غير مقبول، لأنَّ
تاريخ مسكويه وصل إلى سنة 369ه، فكيف يمكن أن يكون آخر الكتابين أمداً واحداً. وأمّا هلال الصابي لو صح نقل مسكويه عنه، فهو يصل بحوادث أوائل كتابه أي من سنة 364 (ابتداء تاريخ هلال) إلى سنة 369 أي انتهاء تجارب الأمم بيد أنَّ هذا أيضاً، مرفوض. لأنَّ مسكويه في هذه الفترة يكتب التاريخ عن مشاهدة وعيان، ويعتبر مصدراً لنفسه.
4 - مسكويه مصدراً: مهما يكن من أمر الفترة السابقة، أي الّتي تنتهي إلى سنة 340ه، فإنَّ مسكويه بشهوده وعيانه تارةً وبسماعه من الأصدقاء والزملاء الساسة المشايخ تارة أخرى، يُعتبر مصدراً حياً لكتابة تاريخه. لقد صرَّح مسكويه بذلك في بداية ذكر الحوادث لتلك السنة حيث قال :
«أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة (340ه) فهو مشاهدة وعيان، أو خبر محصَّل، يجري عندي خبره مجرى ما عاينتُه، وذلك أنَّ مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - رضي اللّه عنه - خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبَّره، وما اتفق له فيها، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثّقة به، والسكون إلى صدقه، ومثل أبي محمد محمد المهلبي - رحمه اللّه - خبَّرني بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة، وحدَّثني كثيرٌ من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة، وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجربته بنفسي، فسأحكيه أيضاً بمشيئة اللّه».
وهكذا يصل تاريخه إلى سنة 369ه أنّه عاش حتّى 421ه أي لمدة نصف مع قرن، تاركاً كتابة تاريخ تلك المدّة. وبالرغم من ذلك فإنَّ تجارب الأمم عُرف كمصدرٍ أساس لا يستغنى عنه لدراسة القرن الرابع الهجري والعصر البويهي الّذي يعتبر ألمع العصور الإسلامية علماً وحضارة.
ترجمة أبي شجاع ظهير الدّين الروذراوري (1)
1 - وفيات الأعيان لابن خلكان 91/2.
2 - تاريخ الإسلام للذهبي وفيات سنة 488ه.
3 - كشف الظنون، لحاجي خليفة 77/6.
قال الذهبي في تاريخ الإسلام في ترجمة سنة 488 : محمد بن الحسين بن عبد اللّه بن إبراهيم الوزير، ظهير الدين، أبو شجاع الروذراوري، وزر للمقتدي باللّه بعد عزل عميد الدولة منصور بن جهير سنة 76، وصرف سنة 84، وأعيد ابن جهير، ولما عزل قال :
تولاها وليس له عدو***وفارقها وليس له صديق
ثم إنه حج وجاور بالمدينة إلى أن مات بها كهلاً وكان ديناً عالماً من محاسن الوزراء.
قال العماد الكاتب : لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدّين والشرع مثله، وكان عصره أحسن العصور رحمه اللّه. وقال صاحب المرآة : ولما ولي وزارة المقتدي كان سليماً من الطمع في المال لأنه كان يملك حينئذٍ ستمائة ألف دينار فأنفقها في الخيرات والصدقات. قال أبو جعفر الخرقي : كنت أنا واحداً من عشرة نتولى إخراج صدقاته فحسبت ما خرج من يدي فكان مائة ألف دينار، وكان يبيع الخطوط الحسنة ويتصدق بها، ويقول : أنا أحب الأشياء إلي الدينار والخط الحسن فأنا أتصدق بمحبوبي اللّه.
وجاءته قصة بأن امرأة وأربعة أيتام عرايا فبعث من يكسوهم وقال : واللّه لا ألبس ثيابي حتّى ترجع، وتعرّى، فعاد الغلام وهو يرعد من البرد.
وكان قد ترك الاحتجاب ويكلم المرأة والصبي، ويحضر مجالسة الفقهاء، والعوام لا يمنع أحداً. وأسقطت المكوس في أيّامه، وألبس أهل الذمة الغيار.
ومحاسنه كثيرة وصدقاته غزيرة وتواضعه أمر عجيب فرحمه اللّه.
ولد ظهير الدّين أبو شجاع الروذراوري سنة 437ه، وتوفي سنة 488ه، وله ديوان شعره، وذيل على تجارب الأمم لمسكويه في التاريخ.
1) انظر ترجمته أيضاً في :
ترجمة هلال بن المحسن الصابى (1)
1 - الأدباء، لياقوت الحموي، 599/5 - 601.
2 - كشف الظنون، لحاجي خليفة، 510/6.
3 - وفيات الأعيان لابن خلكان 192/2.
4 - تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات سنة 488.
قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء 599/5 - 601 :
هو هِلَالُ بْنُ الْمُحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَهْرُونَ بْنِ حَیُّونَ الصَّابِي الْحَرَّانِيُّ أَبُو الْحَسَنِ، وَهوَ حَفِيدُ أَبِي إِسْحَاقَ الصَّابِي الكاتب المشهور. وكان هِلَالَ هذا أديباً كاتباً فاضلاً له معرفة بالعربية واللغة أخذ عن أَبي عَلِي الْفَارسي وأبي عِيسَى الرُّمَّانيّ وأَبي بكرٍ أَحْمَدَ بْنِ الجَرَّاح الخَرَّاز، وكان صابئاً ثم أسلم في آخرٍ عُمُرِهِ وحسن إسلامه، وكتب عنه الخطيب البغدادي وقال : كان ثقة صدوقاً، وصنف كتاب الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان، جمَعَ فيه أخباراً وحكايات مستطرفةً ممّا حُكِيَ عن الأعيان والأكابر وهو كتاب ممتع، ومما يستحسن من تلك الأخبار قال : حدَّث القاضي أبو الحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللّه بْنُ عيَّاش : أَنَّ رَجُلاً اتَّصلَتْ عُطْلَتُهُ وانقطعت مدَّته، فزوَّر كتاباً عن الوزير أبي الحَسَن بن الفراتِ إلى أبي زنبور المادِرَائي عامل مصْرَ يتضمَّنُ الوصاية به (2)والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه، وخرَجَ إلى مصر فلقيه به فارتاب أبو زنبور في أمره لتغيُّر الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء أكثر ممّا يقتضيه محله، فراعاه مراعاةً قريبةً ووصله بصلةٍ قليلةٍ، واحتبسه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه وأنفذه بعينه إليه استثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر فوجد فيه ذكر الرجل وأنَّه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه، وما يقالُ في ذلك (3)ممّا قد استوفى الخطاب فيه، فعرَضَ ابْنُ الفُراتِ الكتاب على كُتَّابِهِ وعرَّفهم الصورة فيه، وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل وقال لهم : ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم؟ فقال بعضُهم : تأديبُهُ أو حبسُهُ. وقال آخر : قطعُ إبهامه لئلا يعاودَ مثل هذا، ولئلا يقتدي به غيرُهُ فيما هو أكثرُ من هذا. وقال أحسنهم محضراً : يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه.
فقال ابنُ الفراتِ: ما أبعدكم عن الحرية والخيريَّة وأنفرَ طباعكم عنها، رجلٌ توسّل بنا وتحمل المشقَّة إلى مصر في تأميل الصَّلاح بجاهنا واستمدادِ صنع اللّه عزّ وجلّ بالانتساب إلينا، ويكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيب ظنِّه وتخييب سعيهِ؟ واللّه لا كان هذا أبداً، ثم إنه أخذ القلم من دواته ووقَّع على الكتاب المزوّر : هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت امرَهُ واعترضتك شبهةٌ فيه؟ وليس كُلُّ من خدمنا وأوجب حقّاً علينا تعرفه، وهذا رجلٌ خدمني في أيّام نكبتي، وما أعتقدُهُ في قضاء حقّه أكثر ممّا كلّفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقده، ووفّر رِفْدَهُ، وصرِّفهُ فيما يعود عليه نفعه، ويصل إلينا بما يتحقق به ظنُّه ويتبين موقعه! وردَّ الكتاب إلى أبي زنبور عامل مصر من يومِهِ، فلما مضت على ذلك مدَّةٌ طويلة دخل يوماً على الوزير أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزَّةٍ جميلةٍ وأقبل يدعو له ويُثني عليه ويبكي ويقبل الأرض، فقال ابنُ الفراتِ : من أنتَ بارك اللّه فيك؟ وكانت هذه كلمته - فقال : أنا صاحب الكتاب المُزوّر إلى أبي زنبور عامل مصر، الّذي صحَّحه كرم الوزير وتفضله فَعَلَ اللّه به وصنَعَ، فضحك ابن الفرات وقال : كُمْ وَصَلَ إليكَ منهُ ؟ قال : وَصَلَ إليَّ من مالِهِ وتقسيط قَسَطَهُ على عُمَّاله ومعامليه وعمل صرَّفني فيه عشرون ألف دينار. فقال ابنُ الفراتُ : الحمدُ للّه، أَلْزَمْنَا فإنا نعرِّضُك لما يزداد به صلاح حالك! ثمَّ اختبره فوجده كاتباً سديداً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً. انتهى.
مات هلال بن المحسن، ليلة الخميس سابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون 6 / 510، مؤلفات هلال بن المحسن الصابي، وهي:
1 - الذيل على تاريخ ثابت بن قرة من وقائع سنة 364ه، إلى سنة 447ه.
2 - كتاب الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان، في الأخبار والنوادر.
بسم اللّه الرّحمن الرحيم
الحمدُ للّه ربِّ العَالَمِين حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وصَلَواتُه على محمدٍ النبيّ وَآلِهِ أجمعين. قد أنعم اللّه علينا، معاشرَ خَدَم مولانا المَلِكِ السَّيِّد الأجل، ولَيّ النّعم - أطال اللّه بَقَاءَهُ، وأكبَّ أعداءَهُ، وحَرَسَ مُلكُه، وأعزَّ سُلطَانَهُ - لَمّا أَخْرَجَنَا فِي زَمَانِهِ، وأَنشأَنَا فِي أيّامه، وبوَّأَنا ظِلَّهُ، وأَنزلَنا كَنَفهُ، وجَعَلنا من خاصّ خَدَمِه. فَنَحنُ نَتَقَلَّبُ مِن نِعَمِهِ فيما لا شكرَ لَهُ غَيرَ الدُّعاءِ، وَلاَ ثَمَنَ لَهُ غَيرَ الثَّناءِ، فَنَسألُ اللّه بِأَخْلَصِ نِيَّةٍ وأَصدَقِ طَوِيَّةٍ، إدامَةَ أيّامه، والإمتاعَ بِما خَوَّلَناهُ من إنعامه، إنّه جوادٌ كريمٌ.
وإنّي لمّا تصفّحتُ أخبار الأمم، وسِيَرَ المُلُوكِ، وَقَرأتُ أخبار البلدانِ، وكُتُبَ التَّواريخ، وَجَدتُ فيها ما تُستفاد منه تَجرِبةُ في أمورٍ لا تزالُ يتكرَّرُ مثلُها ويُنتظرُ حُدوثُ شبهها وشَكلِها : كَذِكرِ مَبادئ الدُّول، ونشءِ الممالك، وذكرِ دُخولِ الخَلَلِ فيها بعد ذلك، وتَلافي مَن تَلافاه وتَداركه إلى أن عاد إلى أحسن حالٍ، وإغفال من أَعْفَلَهُ واطَّرحه إلى أن تأدّى إلى الاضمحلال والزَّوالِ، وذكر ما يتَّصلُ بذلكَ مِنَ السِّياسات في عمارَةِ البُلدانِ، وجمعِ كَلم الرّعيَّةِ، وإصلاح نيّاتِ الجُندِ، وحِيَلِ الحُرُوبِ ومَكائِدِ الرّجال، وما تمَّ منها على العدوِّ، وما رَجعَ على صاحبه، وذكر الأسباب الّتي تقَدَّم بها قومٌ عند السُّلطان، والأحوالِ الّتي تأخَّرَ لها آخَرُونَ، ومَا كَانَ منها محمودَ الأوائلِ مَذْمُومَ العَواقِبِ، وما كانَ بضدّ ذلك، وما استمرَّ أوَّلُه وآخِرُهُ على سَنَنٍ واحدٍ ؛ وذكر سياساتِ الوزراء، وأصحاب الجيوش ومن أُسندَ إليهِ حَربٌ وسياسةٌ، أو تدبيرٌ أو إيالَةٌ، فَوَفَى بذلك وتأتى له، أو كان بخلاف ذلك.
ورأيتُ هذا الشَّربَ من الأحداث، إذا عُرف لَهُ مِثالُ ممّا تقدَّم، وتجربَةٌ لِمَن سَلف، فاتُّخذ إماماً يُقتدى به، حُذر ممّا ابتلي به قومٌ، وتُمُسِّك بِما سَعدَ به قومٌ. فَإِنَّ أمور الدنيا متشابهةٌ، وأحوالها مُتناسِبَةٌ، وصَارَ جميعُ ما يَحفَظُه الإنسانُ مِن الضّرب كأنَّه تجاربُ لَهُ، وقد دفع إليها، واحتُنك بها، وكأنَّه قد عاش ذلك الزمان كُلَّه، وبَاشَرَ تلكَ الأحوال بنفسه، واستقبل أموره استقبالَ الخَبرِ وعَرَفها قبل وقوعها، فجعلَها نُصبَ عينه وقُبالةَ لحظِه، فأَعَدَّ لها أقرانها وقابلها بأشكالها. وشتّان بين مَن كانَ بهذه الصُّورةِ وبينَ
من كان غِرّاً عُمراً لا يَتَبَيَّنُ الأمر إلّا بعدَ وُقوعه، ولا يلاحظه إلّا بعين الغريب منه، يُحيّره كلُّ خَطب يستقبله، ويدهشه كُلُّ أمرٍ يَتَجَدِّدُ لَهُ.
وَوَجَدتُ هذا النمط مِنَ الأخْبَارِ مغموراً بالأخيار الّتي تجري مَجرى الأسمارِ والخُرافاتِ الّتي لا فائدة فيها غير استجلابِ النَّوم بها، والاستمتاع بأنس المُستطَرِف منها، حتّى ضاعَ بينَها، وتبدَّدَ في أثنائها، فبطل الانتفاعُ به، ولم يَتَّصِل لِسَامِعِه وقارِئه اتصالاً يربط بعضه بعضاً، بل تُنسى النُّكتةُ منها قبل أن تجيء أختُها، وتتفلَّتُ من الذهنِ قبل أن تُقيّدها نظيرتها ويشتغِلُ الفكرُ بِسِياقَةِ خَبَرِها دون تحصيل فائدَتِها.
فَلِذلِكَ، جَمَعْتُ هذا الكتاب، وسَمَّيْتُه تَجارِبَ الأمم. وأكثرُ النّاس انتفاعاً به وأكبرُهم حَظًّا مِنهُ، أوفرهُم قِسطاً من الدنيا، كالوُزراءِ، وأصحاب الجيوش، وسُوَاسِ المُدخن، ومُدَبِّري أمرِ العامّة والخاصّة، ثمَّ سائر طَبَقاتِ النّاس. وأقلُّ النّاس حَظًّا لَا يَخلو أن يَنتفِعَ به في سِيَاسَةِ المنزل، وعِشرةِ الصَّديقِ، ومُداخَلَةِ الغريب، ولا يَعدَمُ معَ ذلكَ، أنسَ السَّمرِ الّذي يُوجَدُ في القسم الآخر الّذي اطَّرحناه.
وبَعدُ، فَلَو كانَ الخادم لا يَتَقَرَّبُ إلا بما يَعزُّ وُجوده عندَ سلطانِه، ولا يَلطف في الخدمةِ إلّا بما لا يُجدُ مثلَه، لانقَطَعَتْ أَسبابُ الهَدايا والتُّحف، وارتفعَتِ الملاطفاتُ بالآداب والطُّرَفِ، ولا سِيَّما عندَ مَن كانَ في عُلو الهمَّةِ، وتَوَقُدِ القَريحة، وحِفْظِ الآداب، وسِيَاسَةِ المُلكِ والرَّعيَّةِ في الخيرِ، على ما عليهِ المَلِكُ السَّيِّدُ، أدام اللّه سلطانه.
وأنا مُبتَدىءٌ بِذِكرِ اللّه ومِنَّتِهِ، بِمَا نُقِلَ إلينا مِنَ الأخبارِ بَعدَ الطُّوفانِ، لِقِلَّةِ الثَّقَةِ بِما كَانَ منها قَبْلَهُ، ولأنَّ ما نُقل إلينا أيضاً لا يُفيد شيئاً ممّا عَزَمْنا على ذكره وضَمِنّاه في صدر الكتاب، ولهذا السَّبب بعينه، لم نَتَعَرَّضُ لِذِكرِ مُعجزاتِ الأنبياء - صَلَواتُ اللّه عليهم - وما تمَّ لَهُمْ مِنَ السّياسات بها لأنَّ أهلَ زَمَانِنا لا يستفيدون منها تجربةً فيما يَستَقْبِلُونَهُ من أمورهم، اللّهم إلّا ما كان منها تدبيراً بَشَرِيَّا لَا يَقْتَرِنُ بالإعجاز.
وقَدْ ذَكَرنا أشياءَ ممّا يجري على الاتفاقِ والبَخْتِ، وإن لم يكن فيها تجربةً، ولا تُقصَدُ بإرادَةِ. وإِنَّما فَعَلنا ذلك لتكون هي وأمثالُها في حِسابِ الإنسان وفي خَلدِهِ ووَهمِه، لِئَلا تَسْقُطَ من ديوان الحوادثِ عندَهُ وما يُنتظَرُ وقوع مثله، وإن لم يستطعْ تَحَرُّزاً من مكروهه إلّا بالاستعانة باللّه، وَلاَ تَوَقَّعاً لِمَحْبُوبِه إِلا بِمَسْأَلَتِه التوفيق، وَهُوَ - عَزَّ اسْمُهُ - خَيْرُ مُوَفِّقٍ ومُعِينٍ.
فأوّل مَن يُحفظ اسمُه وسيرتُه من الملوكِ أو شهنج وأنا ذاكره والملوك بعده على توال ونسق. فإن كان لواحدٍ منهم سيرةُ محمودةُ أو تدبيرُ مرضيٌّ، ذكرتُه وذكرتُ سائر ما ضمِنْتُه في صَدرِ الكتاب، ومَنْ لم يُحفظ له سيرةٌ، ذكرت اسمه فقط، ليكونَ نِظامُ التاريخ محفوظاً، فأقول : إنَّ أوشهنج هذا هو الّذي خَلفَ جدَّه جَيُومَرْت وجَمعَ الأقاليم السَّبَعةً، ورتَّبَ المُلكَ، ونَظم العمّال، ولُقب ب«فيشداذ»، وتفسيره بالعربية : أوّلُ سِيرة العدل. ويُقالُ : إِنَّه كان بعدَ الطُّوفان بمائتي سنة. وهو أَوّلُ من عُرِفَ قَطعَ الشجر، وبَنى به واستخرج المعادن وبنى مدينتي بابِلَ والسُّوسَ. وكان فاضلاً سائساً محموداً. ونزل الهند. ثمَّ تنقَّل في البلاد، وعقد التّاج، وجلس على السَّرير. وكان من حسن سياسته أن نفى أهل الفساد والدَّعارة من البلدان إلى البراري وألجأهم إلى رؤوس الجبال وجزائر البحار، وطهر منهم الممالك، واستخدم من كان يستصلحه منهم، وسمَّاهم الشَّياطين والعفاريت وقرّب أهل الصلاح، وأحسن رعاية الأمور، إلى أن انتهى مُلكُه إلى طهومَرت بعده.
وهو من وُلد أوشهنج، وبينهما عدَّة آباء، وسلك سيرة جدّه، وتنقل في البلدان، وبنى الموضعَ الّذي جدَّده بعد ذلك سابور من فارس، ونزله، وطلب الدُّعار ونفى الشَّياطينَ أعني الأشرار. وهو أوّل من كتب بالفارسيّة. وسلك سبيلَ جدَّه، فاستمرَّ نظام المُلكِ على حالٍ واحدة من عموم الصَّلاح، واستقامة أحوال الجُند والرَّعيَّة، إلى أن ملك بعده جمَّ شيذ.
وهو أخو طَهُومَرْت، وتفسير «شيذ» الشُّعاعُ. لأنّه كان وضيئاً جميلاً. وملك الأقاليم، وسلك السِّيرة المتقدِّمة، وزاد عليها بأن صنَّف النّاس وطبَّقهم ورتَّب منازل الكتّاب، وأمر أن يلزم كلُّ أحد طبقته. وعمل أربعةَ خواتيم : خاتماً للحروب والشُّرط، وكتب عليه «الأناة»، وخاتماً للخراج، وجباية الأموال، وكتب عليه «العمارة»، وخاتماً
للبريد، وكتب عليه «الوحا» وخاتماً للمظالم، وكتب عليه «العَدْل». فبقيت هذه الرُّسوم في ملوك الفُرس إلى أن جاء الإسلام وألزَم من غلبه من أهل الفَساد والشَّياطين الأعمالَ الصَّعبة، وأذلَّهم بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعَمَلِ الكِلْسِ والجِصّ والبناء والطِّين، وعمل المعادن، وغير ذلك من الأمور الصَّعبة. فحسنت سيرتُه، وخافه أهلُ العيث والفَساد، بما ألزمهم من الأعمال الشّاقَّة. وأحدث النَّوروز، وجعله عيداً وأمر النّاس بالتّنعُّم فيه. ثُمَّ إنَّه بعد ذلك، بدَّل سيرته. فكان من نتيجة فعله وسوء عاقبته، أن دخلَ الوَهنُ في الممالكِ، وتَجاسَر أهل الفسادِ عليه.
فمِمّا حُكي من تبديل سيرته، إظهارُ الكبر والجبرية على وزرائه وكُتّابه وقُوّادِه، وإيثارُ التَّخلي والإغرام باللذاتِ، وترك مراعاة كثير من السِّياسات الّتي كان يتولَّاها بنفسه. فأحسَّ بذلك بيوراسب - وهو الّذي تسمّيه العرب الضحاك - وعَلِمَ استيحاشَ النّاس منه، وتَنَكَّرَ خواص أصحابه له، فدس إلى رجاله من استصلحه لنفسه، ودبَّر عليه حتّى قَوِيَ، ثمَّ قصده، فهرب منه جمُّ وتبعه حتّى ظفرَ به، فنكل به، وأشره بمنشار. وقد كان جمُّ تنقَّلَ في البلدان قبل ذلك، إلى أن جرى عليه ما جرى.
وكان الضحاك هذا - على ما تزعم الفرس الفرس - من ولد جيومرت، وبينه وبين جيومرت من الآباء «تاج» وإليه تنتسب العربُ فيُقالُ لهم: «تاجي» وهم يُلقبون بيوراسب ب«الأزدهاق». وقومُ منهم يزعمونَ أن جمَّ شيذ زوّج أخته من بعض أشرافِ أهل بيته وملكه اليمن، فولدت له الضّحّاك. وأمّا العرب فينسبون الضحاك غير هذه النِّسبةِ. وزعم قوم أنَّه نُمرود. وزعم آخرون أنَّ نُمرود كان عاملاً من قِبَلِه على كثير من أعماله، ولا ينبغي أن نذكر من أمره فيما قصدنا له أكثر من هذا النبذ، لئلّا ننقطعَ عن غرضنا.
ولمّا ملك بيوراسبُ ظهر منه خُبثٌ شديدٌ وفُجورٌ كثير، وملك الأرضَ كُلَّها، فسار فيها بالجور والعَسْف وبسط يده بالقتل والصَّلبِ لِيَهابَه النّاس، وليمحو عن صُدور النّاس سياسةَ مَن تقدَّمه وذكرهم وسنَّتهم. فَسنَّ العُشور، واتَّخذ المغنِّين والمُلهين. وكان على منكبه سلعتان يُحرِّكُهما إذا شاء، كما يَحرِّكُ يديه. فادَّعى أنَّهما حيَّتان، تهويلاً على ضُعَفاء النّاس وأغبيائهم، وكان يسترهما بثيابه.
فلمّا طالت أيّامه وعمّ النّاس جَورُه، كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بأصبهان رجلٌ يقال لَهُ: «كابي» من أثناء العامّة، وكان الضحّاك قتل له ابنين. فلمّا بلغ الجزعُ من كابي هذا على وَلَدَيه ما بلغ أخذ عصاً، فعلق بطرفها جراباً. - ويقال : إنَّه كان حدّاداً وإنّ الّذي علقه نَطع كان يتوقى به من النار - فجعله علماً ودعا النّاس إلى مجاهدة
بیوراسب، فأجابه خلقٌ كثير، لما كانوا فيه من البلاء وفُنونِ الجَور. فاستفحلَ أمرُه وقَوِي، وتفأّلَ الفُرسُ بذلك العَلم، وعظَّموا أمرَهُ، وزادوه ورصَّعوه بعد ذلك بالجواهر، حتّى جعله مُلوكُ العجم علمهم الأكبرَ الّذي يتبركونَ به، وسمَّوهُ «درَفْشِ کابیان». فكانوا لا يسيِّرونه إلا في الأمور العِظام.
ولما استعلى كابي الأصبهاني، وأشرف على بيوراسب هرب عن منازله. واجتمع أشراف النّاس على كابي وناظروه في المُلك. فقال لهم کابي: إنّه لا يتعرَّض لِلمُلك، لأنَّه ليس من أهله. وأمرهم أن يُملكوا بعض وُلْدِ جمِّ. وكان أفريذون بنُ أثفيانَ مستخفياً من الضَّحَاك في بعض النواحي، فوافى هو ومن معه إلى كابي، فاستبشر النّاس به، لأنه كان مرشّحاً لِلمُلكِ. فصار كابي أحد أعوان أفريذون حتّى احتوى على منازل بيوراسبَ، وحتّى تبعه وأسره بدُنباوَند، فقتله.
ولم يُسمع من أمور الضّحّاك بشيءٍ يُستحسن، ولا نُقل من أخباره ما يُكتب غير شيء واحد. وهو أنَّ بليته لما اشتدَّت وطالت أيّامه وتراسل وجوه النّاس في أمره، النَّواحي وأجمعوا على المصير إليه من البُلدان وافى بابه العظماءُ والوجوهُ من النَّواحي والأقطار، وتناظروا في الدُّخول عليه والتّأتّي له واستعطافه، وأجمعوا على تقديم كابي الأصبهاني، وذلك لما رأوا من تحرُّقِه على ولديه وجُرأته على الكلام. فلمّا اجتمعوا ببابه أعلم بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا يقدُمهم كابي. فمثُل بين يديه، وأمسك عن السَّلام، ثُمَّ قال :
فقال: «بل سلّم سلامَ مَن يملِكُ الأقاليم كُلَّها، فإنّي ربُّ الأرض».
فقال له كابي : فإن كنتَ مالك الأقاليم كلِّها، فما بالُك خَصَصتَ بتحاملك ومُؤنك وإساءَتك ناحية كذا؟ وهلاً قسمتَ أمر كذا بين الأقاليم؟».
ثمَّ عدد أشياء، وجرَّد له الصِّدق، حتّى انخزل له الضّحّاك وأقرّ، ووعَدَ النّاس بما يُحبّون، وأمرَهُم بالانصرافِ لِيَتَّدِعُوا، ثُمَّ يَعُودوا إليه ليقضي حاجاتهم.
وكانت له أم فاحشةٌ بذيئةُ جبارة، وكانت تسمع كلامهم لما دخلوا عليه، فاغتاظت منهم وأنكرت إقراره للقوم. فكلّمت بيوراسب منكرة عليه وقالت :
فقال لها الضَّحَاكُ على عُتُوه :
هَمَمتُ بالسَّطوةِ بهم، وقفَ الحقُّ بيني وبينهم، واعترض كالجبل، فحال بيني وبين ما أردتُ».
فهذا ما استُحسِنَ من فعل الضَّحَاكِ وقوله ولا يُعرف له شيء مستحسن غيره.
وهو من ولد جَمّ. ويقال : إِنَّه كان التّاسعَ مِن وُلده. فردَّ مظالم النّاس، وأمر بالإنصاف والإحسانِ، ونظر إلى ما غصب عليه الضَّحَاكُ من الأرضين وغيرها، فردَّها كلها على أهلها إلا ما لم يجد له أهلاً، فإنّه وقفه على المساكين ومصالح العامّة. وكانَ مُوثِراً للعلم وأهله، وكان صاحب طبّ ونجوم وفلسفة. وكان له ثَلاثَةُ أولادٍ: سَرْم، وطُوج، وإِيرَج. فَخَشِيَ ألا يتفقوا بعدَهُ وأن يبغي بعضهم على بعض. فظنَّ أَنَّه إذا قَسَم المُلك بينهم أثلاثاً في حياته، بقي الأمرُ بعده على انتظام وصَلاحِ. فجعل الرُّومَ وناحية المغرب لسرم، والتُّرك والصّين لطوج، والعِراقَ والهِند لايرج وهو صاحب التّاج والسَّرير. فلما مات أفريذون، وثَبَ طوج وسرم بإيرج، فقتلاه، ومَلَكا الأرضَ بينهما.
وأفريذونُ أوّلُ مَنْ تَسمّى بِ«كَي». فكان يُقالُ له: كَيْ أفريذون، وهي كلمة تعني التّنزيه، أي: رُوحانِيُّ أي هو منزّه متصل بالرُّوحانيّة. وكان جسيماً وسيماً حسن البهاء، مِحرَباً عظيم القوَّة.
ويقال : إنَّ بيوراسب قال له لما ظفر به.
فقال له أفريذون منكراً لقوله :
وأفريذون أوّلُ من عُرِفَ ذلَّلَ الفِيَلَةَ، وقاتَلَ بها الأعداء. ثُمَّ قسّم الأرض كما ذكرنا بين أولاده. ولأجل ما صار بين أولاده من العداوة بقيت النُّحولُ بينَ التُركِ، ومُلوكِ إيرانشَهَر، والرّوم، وطلب بعضُهم بعضاً بالدِّماء والتّراتِ.
وكان إبراهيمُ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - في أيّام الضَّحَاك. ولذلك زعم قوم أنه نُمرود وأنّ نُمرود عامل من عُمّالِه. ولم يُنقَل من أخباره - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - شيءٌ من النمط الّذي هَممنا بإيراده في هذا الكتاب إلا أشياء حكاها ماني وهي بعيدةٌ من الحقِّ، فلذلك لم أوردها، ولم أتعرَّض لذكرها.
فكان من سوء عاقبة وثوب وطوج وسرم بإيرج وقتلهما إيّاه، أن نَشَأَ ابْنُ لإيرج بن أفريذون يقال له : منوشهر حقد على طوج، فدبَّر عليه إلى أن قاومهُ، وتغلب على ملك أبيه إيرج. ثمَّ نشأ وَلَدٌ لطوج التُّركي، فنفى منوشهر عن بلاده. وكانت بينهما حروب لم يُنقل منها شيءٌ يُستفادُ منه تجربةٌ. ثُمَّ أُديل منه منوشهر، فنفاه عن بلاده وعاد إلى ملكه.
وكان منوشهر موصوفاً بالعدل والإحسان. وهو أوّلُ من عُرِفَ خَندَقَ الخنادقَ وجمع آلة الحروب، وأوّلُ مَن وضع الدِّهقنة، فجعل لكل قرية دهقاناً، وجعل أهلها عبيداً وخوَلاً، وألبسهم لباس المذلَّة، وأمرهم بطاعته. ولما قوي سار نحو التُّرك وطلب دم جدِّه إيرج بن أفريذون، فقتل طوج بن أفريذون وأخاه سرماً، وأدرك ثأره وانصرف.
ثمّ نشأ فراسياب بن تُركِ الّذي يُنسب إليه التُّرك من ولد طوج بن أفريذون، فحارب منوشهر وحاصره بطبرستان ثُمَّ إنّ منوشهر وفراسياب اصطلحا، وضربا بينهما حدا لا يُجاوزه واحد منهما، وهو نهر بلخ - والفرس تحكي في ذلك حكايات لا فائدة في إيرادها إيرادها - فانقطعتِ الحربُ بينَ فراسياب و منوشهر.
فَمِمّا حكى ونقل من تدابير منو شهر أنّه لمّا مضى من مُلكه نحو ثلاثين سنة، تناولت الأتراك أطراف أعماله، فجمع قومه، ووبَّخهم، ثُمَّ خطب عليهم، وهذه أوّل خطبةٍ عرفناها ونقلت إلينا. قال :
«أيّها النّاس: إنّكم لم تلدوا النّاس كُلَّهم. وإِنَّما النّاس ناسٌ ما حفظوا أنفسهم، ودفعوا العدوَّ عنهم، وقد نالت التُّرك منكم، ومن أطرافكم، وليس ذلك إلا من ترككم جِهادَ عدوِّكم، وقلَّةِ المُبالاة، وإنّ اللّه تعالى أعطانا هذا المُلك ليبلوَنا: أنشكر فيزيدنا، أم نكفر فيعاقبنا؟ ونحن أهل بيت خير ومعدِنُ المُلك. فإذا كان غداً فاحضروا».
فاعتذر النّاس، وواعدوه الحضور. فلمّا كان من غدٍ، أرسل إلى أهل بيت المملكة وأشرافهم، وإلى الأساورة وكبارهم، فدَعاهم وأذِن للرُّؤساءِ من النّاس ودعا «مُوبَذان مُوبَذ»، وأقعده على كرسيٍّ مقابلَ سريره، ثمّ قام على سريره خطيباً. فقام أشراف النّاس، وأهلُ بيت المملكة والأساورة فقال : اجلسوا. فإِنِّي إِنَّما قُمت لأسمعكم. فجلسوا، فقال:
«أيّها النّاس، إنَّما الخَلق للخالق، والشَّكرُ للمُنعم، والتّسليمُ للقادر، ولا بُدَّ ممّا هو كائن، وإنّه لا أضعفَ من مخلوق، طالباً كان أو مطلوباً، ولا أقوى من خالق، ولا أقدرَ مِمَّن طلبته في يده، ولا أعجزَ مِمَّن هو في يد طالبه».
«ألا وإنّ التَّفكَّرَ نورٌ»، والغفلة ظُلمةٌ، والجهالة ضلالةُ. وقد وَرَدَ الأوّل، ولا بُدَّ للآخر من اللُّحوق بالأوّل، وقد مضت قبلنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله وإنّ اللّه - عزّ وجلّ - أعطانا هذا المُلك فله الحمد، ونسأله إلهام الرُّشد والصِّدق واليقين».
«ألا وإنَّ لِلمَلِك على أهل مملكته حقًّا، ولأهل مملكته عليه حقَّا. فحقُّ الملك على أهل مملكته، أن يُطيعوه ويُناصِحوه ويقاتلوا عدوَّه ؛ وحقَّهم على الملك أن يُعطيهم أرزاقَهم في أوقاتها، إذ لا مُعْتَمَدَ لهم على غيرها وإنّه تجارتهم وحقّ الرَّعيَّة على الملك، أن ينظر لهم، ويَرفُقَ بهم، ولا يُحمّلهم ما لا يطيقون. فإن أصابتهم مصيبةٌ تَنقص من ثمارهم، لآفة أو ضرر من السَّماءِ أو الأرض، أن يُسقِطَ عنهم خَراج ما نَقص وإن اجتاحتهم مصيبةٌ، أن يُعوِّضَهم ما يُقوّيهم على عمارتهم، ثُمَّ يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما لا يُجحَفُ بهم في سنة أو سنتين. والجُند لِلمَلِك بمنزلة جناحي الطَّير. فهم أجنحة المَلِكِ. ومتى قُصَّ من الجناح ريشةٌ، كان ذلك نقصاناً منه، وكذلك المَلِكُ، إِنَّما هو بجناحه وريشه».
«وإِنَّ المَلكَ ينبغي له أن يكون فيه ثلاثُ خِلال: أوّلها أن يكون صدوقاً فلا يكذب، وأن يكون سخَّيا فلا يبخل، وأن يملك نفسه عند الغضب، فإنَّه مسلَّط، ويَدُه بسوطةٌ، والخراج يأتيه. فينبغي له أن يَستأثِرَ عن جنده ورعيّته، بما هم أهل له، وأن يُكثِر العفو. فإنَّه لا مُلكَ أبقى من مُلكِ فيه العفو، ولا أهلَك من مُلكِ فيه العقوبة. وإنّ المرءَ لأن يخطئ في العقو، خيرٌ له من أن يُخطئ في العُقوبة. فينبغي له أن يَتَثَبَّتَ في الأمر الّذي فيه قتلُ النَّفس وبوارها. وإذا رُفع إليه من عامل من عُمّاله ما يَستوجبُ به العقوبة، فلا ينبغي له أن يُحابيه وليجمع بينه وبين المتظلّم، فإن صحَّ عليه للمظلوم حقٌ خرج إليه منه، وإن عجز عنه أدّى المَلكُ عنه، وردّه إلى موضعه، وأخذه بإصلاح ما أفسد فهذا لكم علينا ألا ومن سفك دماً بغير حق، أو قطع يداً بغير حق، فإنّي لا أعفو عن ذلك إلّا أن يعفو عنه صاحبه. فخذوا هذا عنّي».
«ألا وإنَّ التُركَ قد طمعت فيكم فاكفونا، فإنَّما تكفون أنفسكم وقد أمرت لكم بالسِّلاح والعُدَّة، وأنا شريككم في الرّأي. وإنّما لي من هذا المُلك اسمه مع الطّاعة
منكم. ألا وإنَّ المَلك مَلكٍ إذا أطيع، فإذا خولف، فذلك مملوكٌ وليس بملك. ومهما بَلَغَنا من الخلاف فإنا لا نقبله من المُبلغ حتّى نتيقَّنَهُ. فإذا صحت معرفة ذلك، أنزلناه منزلة المُخالف».
«ألا وإنّ أكمل الأداة عند المصيبات الأخذُ بالصَّبر، والرّاحةٌ إلى اليقين. فمن قُتل في مجاهدة العدوِّ، رَجَوتُ له الفوزَ برضوان اللّه. وأفضل الأمور التَّسليمُ لأمر اللّه، والرّاحة إلى اليقين والرّضا بقضائه. أين المهربُ ممّا هو كائن، وإنّما نتقلب في كفّ الطالب. وإنَّما هذه الدّنيا سَفَرٌ أهلها لا يحلّون عُقَدَ الرّحالِ إلّا في غيرها. إنَّما بلغَتُهم فيها بالعواري. فما أحسنَ الشُّكر للمنعم، والتَّسليمَ لِمَرْ قضاء الحقِّ، ومن أحقُّ بالتَّسليم لمن فوقه مِمَّن لا يجد مَهرَباً إلا إليه ولا معوّلاً إلّا عليه. فَثِقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم أنَّ النَّصر من عند اللّه. وكونُوا على ثقةٍ من دَرَكِ الطَّلِبة إذا صحَّت نياتكم. واعلموا أنَّ هذا الأمر لا يقوم إلا بالاستقامة، وحسن الطّاعة، وقمع العدو، وسدِّ الثّغور، والعدل لِلرَّعيَّة، وإنصاف المظلوم. فشفاؤكم عندكم، والدَّواءُ الّذي لا داءً فيه الاستقامةُ والأمرُ بالخير والنَّهي عن الشَّرِّ، ولا قوة إلّا باللّه».
«انظروا للرَّعيَّة فإنَّها مطعمُكم ومشربُكم، ومتى عدلتم فيهم، رغبوا في العمارة، فزادَ ذلك في خراجكم، وتبيَّن في زيادة أرزاقكم. وإذا خفتم على الرّعيَّة زهدوا في العمارة وعطّلوا أكثر الأرض، فنقص ذلك من خراجكم، وتبيَّن في نقص أرزاقكم. فتعاهدوا الرَّعيَّة بالإنصاف وما كان من الأنهار والبُثوقِ، ممّا نفقته على السّلطان، فأسرعوا فيه قبل أن يكبر. وما كان من ذلك على الرّعيّة، فعجزوا عنه، فأقرضوهم من بيت مال الخراج، فإذا جاءت أوقات خراجهم، فخذوا من خراج غلّاتهم على قدر ما لا يُجحف بهم.ذلك رُبعٌ في كلِّ سنة، أو ثلثٌ، أو نصفُ، لكيلا يتبيّن عليهم.
هذا قولي وأمري يا مُوبَد مُوبَذان الزم هذا القولَ، وجِدَّ في الّذي سمعت في يومك. أسمعتم أيّها النّاس؟».
قالوا: «نعم».
وأثنوا عليه، ودَعوا له. ثمّ أمر بالطَّعام. فَوُضع، وأكلوا وشربوا، وخرجوا وهم له شاكرون. ثم كان من أمره ما كان ممّا ذكرناه.
وفي أيّامه غزا الرّايش بن قيس بن صيفي بن يشجب بن يعرب بن قَحطان من ملوك اليمن. وكان اسم الرّايش الحارث غزا الهند فغنم غنائم عظيمةً، فأنفذ رجلاً من أصحابه يعرف بشمر بن العطاف، فدخل التّرك من أرض أذربيجان، وهي يومئذٍ في
أيديهم، فقتل وسبى وغنم.
وغزا بعده ذو منار بن الرّايش بعد أبيه، وإنّما سُمِّيَ ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب، فوغل فيها برًّاً وبحراً وخاف على جيشه الهلاك عند قفوله، فبنى المنارَ ليهتدوا بها. ثُمَّ وجَّه ابنَه إلى أقاصي المغرب فغنم، وأصاب مالاً، وقدم عليه بسبيٍ لهم خِلقةٌ منكرة، فذُعِرَ النّاس منهم، فسمّوه ذا الأذعار.
وإنما ذكرتُهم في هذا الموضع لاتصال ذلك بذكر منوشهر، وأنّ الفرس تدّعي أنّ ملوك اليمن كانت عمّالاً لملوك الفرس بها، وأنّ الرّايش كان من قبل منوشهر يغزو التُّرك وغيرهم. والعرب تنكر ذلك، وتزعم أنّ مُلكهم لم يكن قطُّ من قِبَلِ أحدٍ، وإنّما كانوا برؤوسهم.
وفي أيّام منوشهر ظهر موسى - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ويقال : إن عمره - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كان مائةً وعشرين سنة، منها في أيّام أفريذون عشرون سنة، وفي أيّام منوشهر مائة سنة. وكان من حدیث موسى مع فرعون وما أنزل اللّه من الآيات على يده، ما هو مشهور. وقد اعتذرنا من ذكر هذه الأخبار وتركها.
ثُمَّ كان من حديث التّيه ما كان إلى أن أخرَجَ بني إسرائيل منه يوشعُ بنس نون بعد موت موسى، وغزا الكنعانيّين، ونفاهم إلى السَّواحل وافتتح مدينةَ الجبّارين. فيقال إنّ إفريقس بن قيس بن صيفي بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن بهم يعرب بن قحطان مَرَّ بهم متوجهاً إلى إفريقية، فاحتملهم من سواحل الشام، حتّى أتى بهم إفريقيةَ، فافتتحها، وقتل مَلِكَها جرجيراً، وأسكنها البقيَّة الّتي كانت بقيت من الكنعانيّين الّذين كان احتملهم من سواحل الشّام، فهم البرابرة. وإِنَّما سُموا بذلك لأنَّ إفريقس قال لهم : «ما أكثَرَ بربَرَتكُم!» فسمّوا بذلك «بربراً».
وكان إفريقس هذا عاملاً لمنوشهر على ما تزعم الفرس. وكان تدبير يوشع أمرَ بني إسرائيل، من لدن مات موسی إلى أن تُوفِّي يُوسُعُ في زمان منوشهر، عشرين سنة، وفي زمان فراسیاب سبع سنين. ولمّا هلك منوشهر، تغلّب فراسياب على مملكة فارس وطلب بالذُّحول. وصار إلى أرض بابل وأقام بمِهرجاقذق، وأكثر الفساد، وخرّب ما كان عامراً، ودفن الأنهار والقُنِيّ، فَقَحِطَ النّاسُ في سنة خمس من مُلكه، إلى أن أُخرج، ورُدَّ إلى بلاد الترك. فغارت المياه في تلك السِّنين، وحالت الأشجار المثمرة.
ولم يزل النّاس في أعظم بليَّةٍ إلى أن ظهر زَوّ بن طهماسب، ويقول بعضهم: زاغ،
وبعضهم زاب وبعضهم : راسب، وهو من أولاد منوشهر، وبينه وبينه عدَّةُ آباء.
فلما ظهر زَوُّ طرد فراسياب عن مملكة فارس، حتّى ردّه إلى الترك بعد حروب كثيرة جرت بينهما لم يُذكر لنا منها ما نستفيد منه تجربةً. وكانت غلبةُ فراسياب على إقليم بابل اثنتي عشرة سنةً من لدن تُوُفِّي منوشهر إلى أن طرده زَوُّ بن طهماسب، إلى تركستان.
ثم ابتدأ زَوّ في عمارة ما خرَّبه فراسياب فأمر ببناء ما هدم من الحصون وإعادة ماطمَّر وعوَّر من الأنهار والقُنيِّ وكرى ما كان اندفن من المياه حتّى عاد جميع ذلك إلى أحسن ما كان ووضع عن النّاس الخراج سبع سنين. فعمرت البلاد في أيّامه، وكثرت المياه، ودرت معائش النّاس، واستخرج بالسواد نهراً، وسماه الزاب، وبنى على حافتيه مدينة، وهي الّتي تسمى : المدينة العتيقة، وكوّرها كورةً، وجعلها ثلاث طساسيج : الزَّاب الأعلى، والزَّاب الأوسط، والزاب الأسفل، ونقل إليها بذور الرّياحين وأصول الأشجار من الجبال. وزَوُّ هذا أوّل من عُرِفَ اتَّخذ ألوان الطَّبيخ، وأصنافَ الأطعمة، وأعطى جنودَه ممّا غنم بالخيل، ومِمّا أوجف عليه من أموال الترك وكان وزيره «كرساسفُ» من أولاد طوج بن افريذون. وقد حُكي أنَّ زَوَّا وكرساسفَ، اشتركا في المُلك. المُلك. والصَّحيح من أمره أنه كان وزيراً لِزَوِّ ومُعيناً له. فكان جميع ملك زَوِّ ثلاث سنين.
ثُمَّ ملك بعده كيقباذ بنُ زَوِّ، وسلك سبيل أبيه. فكوّر الكُوَرَ، وبَيَّنَ حدودها وحريمها، وأمر النّاس بالعمارات، وأخذ العُشر من الغلات لأرزاق الجند، وكان حريصاً على العمارة، ومانعاً لحوزته. والملوكُ الكَيِيَّةُ من نسله. وجرت بينه وبين التُّرك حروب كثيرة. وكان مقيماً في الحدّ الّذي بين مملكة الفرس والتّرك بناحية بلخ، يمنع التُّركَ من تطرّف شيءٍ من حدود فارس فجميع هذه العداوات والحروب سببها سوء نظر من قسم المُلكَ بين أولاده، ثُمَّ وثوبُ من وثب من الإخوة بأخيه، واستمرار الشحناء بعد ذلك والعداوات.
وأَمَّا القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع، فكان كالب بن توفيل، ثُمَّ حزقيل الّذي يُقالُ له : ابن العجوز - وكانت لهما أخبار مشهورة تركنا ذكرها لأنّها معجزات لا تستفاد منها تجربة - وحزقيل هو صاحب القوم «الّذين خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّه مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ» [البقرة : 243] لأنَّهم ودُّوا لو ماتوا فاستراحوا من بلاءٍ كان أصابهم: إمّا طاعون أو ما أشبهه، فخرجوا فراراً من ذلك.
ثُمَّ إلياس، ثُمَّ اليسع، ثُم إيلاف وفي خلال هؤلاء، كان يتملك عليهم قوم من الكنعانيّين وغيرهم، فيسومونهم البلايا والعظائم، وليس في ذكرهم فائدة. إلى أن جاءهم شمويل النبيّ. وكان من خبره مع جالوت وطالوت ما ذكره اللّه تعالى. وملك داود لمّا كان منه من مبارزة جالوت والخبر مشهور مقرون بمعجزة الأنبياء. ثُمَّ ملك سليمان وأخباره ومعجزاته مذكورة.
ثُمَّ ملك بعد كيقباذ كيقابوس بن كيبنةَ بن كيقباذَ الملك. فتشدّد على أعدائه وقتل خلقاً من عظماء البلاد مِمَّن كان يُنكر أمرُهم وسكن بلخ. ووُلِدَ له ابن لم يُرَ مثلُه في عصره جمالاً وتمام خلقةٍ، وسمّاه «سياوَخشَ»، وضمَّه إلى «رُسْتَم» الشَّديد بن دَستان من وُلدِ كرساسفَ الّذي ذكرناه قبيل، وكان إصبهبذَ سجستانَ وما يليه من قِبله، وأمره بتربيته وأوصاه به فأخذه رستم، ومضى به إلى سجستان وتَخَيَّر له الحواضنَ والمرضعات، حتّى أدرك، فجمع له المعلِّمين، وأدَّبه، ثُمَّ علَّمه الفروسة، حتّى فاق
فيها، وقدم على والده رجلاً كاملاً، فامتحنه كيقابوس والده، فوجده كاملاً نافذاً بارعاً.
وكان لكيقابوس زوجة بارعةُ الجمال، يُقال: إنَّها بنتُ فراسياب ملك التُّرك، ويقالُ إنَّها بنتُ ملك اليمن. فَهويت سياوخش وهَوِيَها. والفرس تحكي أموراً طويلةً، وتزعم أنّها كانت ساحرة وأنَّها سحرته. إلاّ أنَّ آخر أمرِها آلَ إلى أن عَلِمَ كيقابوسُ بما يجري بينهما.
فكان من عاقبة ميلهما إلى الهَوى، وظَنّهما أنَّ ذلك ينكتم أن تغيَّر كيقابوسُ لابنه سياوخش، وأشفق سياوخش على نفسه. فسأل رستم أن يسأل أباه توجيههَ لحرب فراسياب. وكان قد تجدّدت وحشةً بين كيقابوس وفراسياب. وأراد سياوخشُ بذلك البُعد من والِده، والتَّنحِيَ عما تكيدُه به امرأةُ أبيه. ففعل ذلك رستم وخاطب أباه فيه، واستأذن له في جندِ يضمُّهم إليه. فأذِنَ له، وضم إليه جنداً كثيفاً وأشخص سياوخشَ إلى بلاد الترك. فلمّا التقى سياوخش و فراسیابُ، جرى بينهما صلحٌ. وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يُعلمه ما جرى بينه وبين فراسیاب.
فكتب إليه أبوه بإنكار ذلك، وأمره بمناهضته ومُناجَزَتِه الحرب. فرأى سياوخشُ أنّ في فِعله ما كتب به أبوه من محاربة فراسياب - بعد الّذي جرى بينهما من الصُّلح والهُدنة، من غير نقض فراسيابُ شيئاً من أسباب ذلك - عاراً ومنقصة. فامتنع من إنفاذ أمرٍ أبيه في ذلك. ورأى أنَّه يُؤتى في كُلِّ ذلك من زوجة أبيه. فمال إلى الهَرَبِ من أبيه. فراسل فراسياب في أخذ الأمانِ لنفسه منه، واللِّحاق به وفِراقِ والده فأجابه فراسياب إلى ذلك. وكان السَّفيرُ بينهما رجلاً من عظماء التُّرك يقال له : فيران. فلمّا فعل ذلك سياوخش، انصرف عنه من كان معه من جند أبيه، إلى أبيه. وأكرم فراسياب سیاوخش وزوجه ابنةً له وهي أمُّ كيخسرو، ولم يزل على إكرامه، إلى أن ظهر له من أدب سياوخش وإربه وكماله، ونجدته ما أشفق منه وضَرَّبَ بينهما أخ كان لفراسياب وابنان له حذراً على ملكهم وله خبرٌ طويل في ذلك، إلى أن قُتِلَ وامرأة سياوخش - وهي - ابنة فراسياب - حامل منه بابنه كيخسرو فطلبوا له الحيلة لإسقاطها ما في بطنها، فلم تُسقط.
ثُمَّ إن فيرانَ الّذي توسَّط الصَّلحَ بين سياوخش وبين فراسياب، أنكر ما جرى من فعل فراسياب، وحذَّره عاقبةَ الغَدرِ والّطلب بالثَّأرِ، وأشار عليه أن يدفع ابنته إليه، يعني: زوجة سياوخش، لتكونَ عنده إلى أن تَضعَ، ثُمَّ إن أراد قتله قتله. ففعل فراسياب ذلك. فلمّا وضَعَت امتنع فيران من قتلِ الوَلَدِ وسَتَرَ أمَرَهُ حتّى بَلغَ المولود، وهو كيخسرو.
ويُحكى : أنَّ كيقابوس بعث بيبَ بنَ جُوذَرز إلى بلادِ التُّرك، وأمره بالبحث عن
أمر المولود الّذي لسياوخش، والتأتي لإخراجه مع أمِّه. ففعل بيبٌ ذلك، وبقي زماناً طويلاً يبحث عن أمره، إلى أن وقف على خبره فاحتال فيه وفي أمِّه، حتّى أخرجهما من أرضِ التُرك. فاستقبلهما رُستَمُ الشَّديدُ في جندِ عظيم من أولي البأس والنَّجدة، وطلب التُّرك أثر كيخسرو، فجرت بينهم وبين رُستَم حروبٌ ظفر فيها رُستم.
فللفرس ههنا خُرافات، وتزعم أنّ الشَّياطين كانت مُسخَرةً لكيقابوس، وقومٌ يزعمون أنَّ سليمان بن داود - (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - أمرهم بذلك في خرافاتٍ كثيرة ظاهرة الإحالة من الصُّعود إلى السَّماءِ، وبناء مدينةِ كُنكِرز بأسوار ذهب وفضَّة وحديدٍ ونُحاس، وأنَّها بين السَّماء والأرض، وأشباه ذلك ممّا لا فائدة في ذكره.
إلّا أن جملة أمره، أنه تجَبَّرَ لَمّا تمَّ له أكثرُ ما كان يقصده. وسار من خراسان حتّى نزل بابل، وترك ما كان يسوسه بنفسه، ويباشره برأيه. وأوحش النّاس بالحُجَابِ والتَّعظم، وآثَرَ الخلوة. فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه مُلكُه، وكثرتِ الملوكُ في النواحي، حتّى كان يغزوهم بعد ذلك ويغزونه، فيظفّر مرّةً ويُنكب أخرى إلى أن غزا بلاد اليمن والمَلِكُ يومئذٍ بها ذو الأذعار بن أبرهة بن ذي المنارِ بن الرّايش. فلما أظله كيقابوس، خرج إليه ذو الأذعار في جموع حمير ووُلدِ قحطان، فَظَفر بكيقابوسَ، وأسرهُ واستباحَ عَسكَرَهُ، وحبسه في بئر وأطبق عليها طبقاً.
فخرج من سَجِستَانَ رُستَمُ الشَّديدُ في من أطاعه من النّاس. وأمّا الفرس فتحكي حكايات لا فائدة فيها عن شدَّة رُستم وبأسِه، وأنَّه وَغَلَ في البلاد بلاد اليمن، واستخرج كيقابوس من محبسه. وأما اليمن فتزعم أنه لم يكن من ذلك شيءٌ، وأن ذا الأذعار لَمّا بلغه إقبالُ رستم، خرج إليه في جنودِ عظيمةٍ وخَندقَ كلُّ واحدٍ منهما على نفسه وعسكره، وأنّهما أشفقا من البوار على جنديهما، وتخوّفا - إن تَزاحَما - أن لا يكون لهما بقيَّةٌ. فاصطلحا على دفع كيقابوسَ إلى رستم ووَضعِ الحرب. فانصرف رستمُ بكيقابوس إلى بابل فكتب له كيقابوسُ كتاباً بالعتق وأقطعه سجستان وزابُلستانَ. وكانت الكُتُب يومئذٍ والرسائلُ يسيرةً نزرة الكلام، لا يُذكر فيها الأسباب والعِللُ. ونسخة الكتاب :
«من كيقابوس بن كيقباد، إلى رُستم.
إنّي قد أعتقتُكَ من العُبودة، ومَلَّكتُك على بلادِ سجستانَ. فلا تُقِرَّنَ لأَحدٍ بِعُبودة. واملِك سجستان كما أمرتُكَ. واجلس على سرير من فِضَّةٍ مُمَوَّهة بالذَّهب. والبَس قَلَنسُوَةً منسوجة بالذهب متوجةً».
وممّا يدلُّ على صدق ما حكيناه من أمر كيقابوس، قولُ الحسن بن هاني:
وقَاظَ قابُوسُ في سَلاسِلِنا***سنينَ سَبعاً وَفَت لِحاسِبها
فعقد التّاج على رأسه، وخطب رعيَّته خُطبة بليغةً، أَعلَمَهُم فيها أنَّه على الطَّلبِ بدم أبيه سياوخش قِبَلَ فراسياب. ثُمَّ كتب إِلى جُوذَرزَ بأصبهان وكان إصفهبذَهُ على خراسان، يأمره بالمصير إليه، وأمره أن يَعرِضَ جنده وأن يَنتَخِب ثلاثين ألفَ رجل، وضمَّهم إلى «طوس»، وكان في من أشخص معه بُرزافُرةُ عمُّ كيخسرو، وابنٌ الجُوذرزَ، وجماعة من إخوته وتقدَّم كيخسرو إلى طوس أن يكون قصده لفراسياب وطراخِنَتِه، وحذَّره من ناحية ببلادِ التُّرك فيها أخٌ له يقال له : فُروذ بن سياوخش، من بعض نساء الأتراك، كان سياوخش تزوّجها أيّام صار إلى فراسياب، فولدت له فُروذَ، وأقام بموضعه إلى أن شَبٌ.
فكان من غلط طوس أن خالف كيخسرو. وذاك أنه لما صار بالقرب من المدينة الّتي فيها فروذ، هاجت الحرب وقتل فروذ. واتَّصل خبره بكيخسرو. فكتب إلى بُرزافَرَةَ عمه كتاباً غليظاً يُعلمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس، ومحاربته فروذ، وقتله إيّاه. وأمره بتوجيه طوس إليه مقيَّداً مغلولاً وتقدم إليه في القيام بالعسكر، والتَّوجه إليه لوجهِهِ. ففعل برزافرة ذلك، وتولّى أمر العسكر، وعَبَرَ النَّهر المعروف ب«كاسرود»، وانتهى خبره إلى فراسياب. فوجّه إلى برزافُرة جماعةً من إخوته وطراخنته لمحاربته. فالتقوا وفيهم «فيران» وإخوته. فاقتتلوا قتالاً شديداً، وظهر من بُرزافُرَةَ في ذلك اليوم فشل لَمّا اشتدَّ الحربُ وكَثُرَ القتلى فَهَرَبَ وانحاز بالعَلَم إلى رؤوس الجبال، واضطرب على وُلدِ جوذرزَ أمرُهم، فقُتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة سبعون رجلاً، وقُتِل بشرٌ كثيرٌ.
وانصرف بُرزافُرة ومن أَفلَتَ معه إلى كيخسرو. فَرُئيت الكآبةُ في وجهه، وامتنع من الطَّعام والشراب، إلى أن مضت أيّام. ثُمَّ راسل جوذرزَ. ولمّا دخل عليه شكا إليه برزافُرة، وأعلمه أنَّه كان سبب الهزيمة بالعَلَم وخذلانِه وُلدَهُ. فقال كيخسرو : «إِنَّ حقَّك لازم لنا لخدمتك أبانا، وهذه جنودنا وخزائننا مبذولة لك. فاطلب تِرَتَكَ، واستعدَّ وتهيأ لِلتَّوجُهِ إِلى فراسياب».
فنهض جوذرزُ، فقبل يده وقال: «أيّها الملك، نحن رعيَّتُك وعبيدك. فإن كانت آفة، أو نازلةً، فلتكن بالعبيد دون الملوك. وأولادي المقتولون فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاشتفاء من التّرك».
وكتب كيخسرو إلى رؤساء أجناده ووجوه عسكره يأمرهم بموافاته في صحراء تُعرفُ ب«بشاه اسطون» من كورة بلخ، في وقتٍ وقَّتَهُ لهم. فوافت رؤساء الأجناد في
ذلك اليوم، وشخص إليه كيخسرو بإصبهبذيه وأصحابهم وفيهم بُرزافُرةُ عَمُّه، وجوذرزُ وبَقيَّةُ وُلدِه. فتولّی کیخسرو بنفسه عَرضَ الجندِ، حتّى عَرَفَ مبلغهم، وفَهِمَ أحوالهم. ثُمَّ دعا بجوذرزَ وثلاثة نفرٍ معه فأعلمهم أنَّه يُريد إدخال العساكر على التّرك من أربعةِ وجوه، حتّى يحيطوا بهم برّاً وبحراً وقوَّد على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرزَ وجماعة من الإصبهذين كثيرة. ودفع إليه يومئذٍ العلم الأكبر الّذي يُسمّونه «درفش کابیان»، ولم يكن يُدفع قبل ذلك إلى أحدٍ من القوّاد، وإنّما كانوا يسيِّرونه مع أولاد الملوك، وأمر أحدَ القوّاد بالدُّخول ممّا يلي الصّين، وضمّ إليه جماعةَ كثيرةَ، وأمر آخَرَ بالدّخولِ من ناحيةِ الخَزَر، وضَمَّ إِلى آخر ثلاثين ألف رجلٍ وأمرهم بالدُّخول من طريقٍ بين جوذرز، وبين الّذي دخل من طريق الصّين.
ودخل جوذرزُ من ناحية خراسان، وبدأ بفيرانَ. فالتحمت بينهما حربٌ مذكورةٌ، تحكي فيها الفرسُ عجائب، بارزَ فيها بيزَنُ بنُ بيب حمان وهو أخو فيران، فقتله مبارزةً وقتل جوذرز فيران مبارزةً أيضاً. وقصد جوذرزُ فراسياب، وألحَّت عليه العساكرُ من كلّ وجه، واتَّبع القومَ كيخسرو بنفسه، وجعل قصده للوجه الّذي كانَ فيه جوذرزُ، وصيَّر مدخله منه. فوافى عسكر جوذرزَ، وقد أثخن في القتل. وقتل فيرانُ إصهبذَ فراسياب والمرشّحَ لِلمُلكِ بعده، وجماعةً كثيرة من إخوته وأولاده، وأسر بروين قاتل سياوخش، وَوَجد جوذرز قد أحصى القتلى والأسرى وما غنم من الكُراع والأموال، فوجد مبلغ ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفاً ومن القتلى خمسمائة ألفٍ ونيفاً وستين ألفاً على ما تزعمُ الفرسُ وحاز من الكُراع والأموال ما لا يُحصى كثرةً، وأمر كلَّ واحدٍ من الوجوه الّذين كانوا معه، أن يجعلَ أسيَرَهُ أو قتيلهُ عند علَمِه، لِيَنظُرَ إليه كيخسرو عند موافاته.
فلمّا وافي كيخسرو العسكر موضع الملحمة اصطَّفت الرّجالُ له وتلقّاه جوذرزُ. فلما دخل العسكَر، جعل يمُرُّ بعلَم عَلَم. فكان أوّلُ قتيلٍ رآه جثةَ فيرانَ. فنظر إليه، وخاطبه بما يجري مجرى الاشتفاء، ولم يزل يفعلُ ذلك حتّى وقف على علم بيبِ بنِ جوذرز، ووجد تحتهُ بروين حيَّا أسيراً، فسأل عنه، فأُخبر أنَّه قاتِلُ سياوخش الّذي مَثَلَ به بعد قتله. فقرُبَ منه كيخسرو، ثمَّ طأطأ رأسه بالسُّجودِ ثُمَّ قال : «الحمد للّه الّذي أمكنني منك». ووبَّخه طويلاً. ثُمَّ أمر بقطع أعضائه حيَّا. فلما لم يبقَ له طابقٌ ذَبَحَهُ. ثُمَّ استقرَّ في مضربه وأجلس عمّه عن يمينه ودعا بجوذرز فأحسن صلته ومخاطبَته، وحمد ما كان منه وفوّض إليه الوزارة الّتي يقال لها : برزج فَرمَذار، وهو مرتبة الوزارة، وجعل إليه مع ذلك أصبهان وجرجانَ، وفعل مِثلَ ذلك من الحباء والكرامة بكل من أبلى من قُوّاده ورجاله.
ثُمَّ أَتَتْهُ الأخبار من الوجوه الثَّلاثةِ الأُخرِ : أنّهم قد أحاطوا بفراسيابَ. وبَرَزَ
فراسيابُ، وما كان بقي من ولده إلّا «شيذَه»، فتوجّه نحو كيخسرو بعُدَّةِ وعَتادِ. فيقال : إنَّ كيخسرو أشفقَ يومئذٍ وهابَهُ، وظنّ أن لا طاقة له به، وأنَّ القتال بقي متصلاً بينهما أربعةَ أيّام، إلى أن انهزم شيذه واتَّبعه كيخسرو، فَلَحِقه وضربه بالعمودِ على رأسه فخرَّ ميِّتاً، وغَنِم كيخسرو ماله.
وبلغ الخبرُ فراسيابَ. فأقبل في جمع عظيم. فلمّا التقى مع كيخسرو، نَشبت بينهما حربٌ يقال : إِنَّه لم يُرَ مثلُها قُّط على وجه الأرض، حتّى اختلط رجالُ إيرانشهر برجال التُّرك. ثُمَّ انهزم فراسيابُ وكَثُرَ القتلُ. فتزعمُ الفُرس أنَّه بلغ عددُ القتلى أمراً عظيماً، لم أستحسن ذكره لكثرته. وجدَّ كيخسرو في طلبه، حتّى لحقه بأذربيجان، فظفر به واستوثق منه بالحديد ثُمَّ وبَّخه، وسأله عن سبب قتله سياوخش. فلم تكن له حُجَّةٌ، فذبحه كما ذبح سياوخش. ثم انصرف غانماً مسروراً.
وكان لفراسياب أخٌ يقال له: كي شواسف، صار إلى بلاد التُّرك بعد أخيه، وكان له ابن يقال له : خرزاسف، فملك البلاد بعد أبيه كي شواسفُ، وهو ابنُ أخي فراسياب الّذي حارب منوشهر.
ولمّا فرغ كيخسرو من المطالبة بوترِه، واستقرَّ في ملكه، زَهِدَ في الملك، وتنسَّك وأعلَمَ الوجوه من أهل بيته ومملكته أنَّه على التّخلَّي. فاشتدَّ جَزَعُهم، وتضرَّعوا إليه، وراوَدُوهُ على المُقام على تدبيرِ مُلكهم. فأبى عليهم، ولمّا يئسوا، قالوا: «فإذا قمتَ على ما أنتَ عليه، فَسَمٌ مَن يقوم به». وكان لهراسفُ حاضراً، فأشار بيده إليه، وأعلمهم أنه خاصَّته ووصيُّه. فَقَبِلَ لهراسفُ الوصية وأقبل النّاس عليه، وفُقِدَ كيخسرو. فبعض النّاس يقول : إنّه غاب للتّنسُّكِ، ولا يُدرى أين مات. وبعضهم يقول غير ذلك. وكان مُلكُه ستّين سنةً. ثُمَّ مَلَكَ بعده لهراسب.
ويُقال: إنّه ابن أخي كيقابوس. واتَّخذ سريراً من ذهب مكلَّلاً بالجوهر للجلوس عليه. وبُنيت له بأرض خراسان مدينُة بلخ وسمّاها: «الحسناء». وهو أوّلُ من دوّنَ الدّواوين، وقوّى مُلكه بانتخاب الجنودِ لنفسه وعَمَرَ الأرضَ. وذلك أنّ الأتراك اشتدَّت شوكتُهم في زمانه، فجعل منزله بلخ ليقاتل الأتراك. ووجه يُختَنَصَّر إصبهبذاً لما بين الأهواز إلى أرض الرّوم من غربيّ دجلةَ. ويقال : إنّ اسمه بالفارسيّة : «بُختَ نَرسي». فشخص حتّى أتى دمشق، فصالحه أهلها. ووجَّه قائداً له، فأتى بَيتَ المَقدِس، فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجلٌ من ولد داود، وأخذ منه رهائن وانصرف، فلمّا بلغ طبرية وثبت بنو إسرائيل على ملكهم، فقتلوه وقالوا : «داهنتَ أهلَ بابل وخذلتنا»، واستعدّوا للقتال.
فكان من عاقبة جنايتهم على ملكهم أن كتب قائد بختنصَّر إليه بما كان. فكتب إليه يأمره أن يُقيم بموضعه حتّى يوافيه، وأن يضرب أعناق الرَّهائن الّذين معه، وسار بختنصَّر، حتّى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عَنوةً، وقَتَلَ المقاتلة، وسَبَى الذُّرِّية، وهرب الباقون إلى مصر.
فكتب بختنصَّر إلى مَلِكِ مصر : «إنّ عبيداً لي هربوا مِنّي إليك. فَسَرِّحهم إليَّ، وإلّا غزوتُك وأوطأتُ بلادَك الخيلَ».
فكتب إليه ملك مصر : م«ا هم عبيدك، ولكنّهم الأحرارُ أبناء الأحرار».
فغزاه بختنصَّر فقتله، وسَبى أهل مصر. ثُمّ انصرف بسبي كثير من أهل فلسطين والأردن فيهم دانيالُ النبيّ وغيره من أبناء الأنبياء، وخرب بَيتُ المُقدِس منذُ ذاك.
وكان لهراسفُ بعيد الهِمّة، طويل الفكر، شديدَ القمع للملوكِ المحيطة بإيرانشهر. وكانت ملوكُ الروم والمغرب والهند يحملون إليه في كُلِّ سنةٍ وظيفةً معروفةً وإتاوةً معلومة، ويُقِرُّون له أَنَّه مَلِكُ المُلوكِ هيبة له. وكان بختنصَّر حمل إليه من بيتِ المَقدِس خزائن وأموالاً عظيمةً. ثُمّ كَبُرت سِنُّه، وأحسَّ بالضَّعف. فملَّك ابنَه بُشتاسِفَ، واعتزلَ المُلكَ، وكان عمره ومُلكه فيما ذكر مائة وعشرين سنةً.
وقد قيل : إِنَّ يُختَنصَّر كان في خدمة لهراسفَ، وتوجّه من قِبَلِه إِلى الشّام وبيتِ المَقدِس، لِيُجلِيَ اليهود عنها، ففعل، ثُمَّ انصرف. ثُمَّ كان في خدمة ابنه بشتاسفَ، ثُمَّ في خدمة ابنه بهمنَ، وإِنَّ بَهمن أقامَ يبلغ الّتي كانت تسمَّى الحسناء، وأنفذ بختنصَّر إلى بيتِ المَقدِس لإجلاء اليهود، وإِنَّ السَّبب في ذلك كانَ وثوبَ صاحب بيت المقدس على رُسُلِ بهمن وقتله بعضهم. فمضى بختنصَّر، فَسَبى وهَدَمَ بيت المقدِسِ وانصرف إلى بابِلَ، وملَّك «متنيا» وسمّاهُ: «صدقيا». فلما صار بختنصَّر ببابل، خالَفَهُ صدقيا. فغزاه بختنصَّر ثانياً، وظفر به. فأخربَ المدينة والهيكل وأوثق صدقيا وحَمَلَهُ إلى بابل، بعد أن ذبح ولدَه وسَمَلَ عينيه. فمكث بنو إسرائيل ببابل، إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس. فكانت غلبةُ بختنصَّر - وهو بُحْتَ نَرسي - إلى أن ماتَ، في هذا القول الّذي حكيناه آنفاً، أربعين سنةً.
ثُمَّ قام بعده ابن له يقال له : نَمرُوذ، ثُمَّ ابن له يقال له : بلتَنَصَّر، فخلَّط، ولم يرتض بهمنُ أمرَه، فعزله، وملَّك مكانَه :
وتقدَّم إليه بَهمنُ أن يرفقَ ببني إسرائيل، ويُطلِقَ لهم النّزول حيثُ أحبُّوا، والرُّجوع إلى أرضهم وأن يُولّي عليهم مَن يختارونه، فاختاروا دانيالَ النبيّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فولاه أمرهم. وكان مُلكُ كيرُشَ ومدَّةُ سنيه معدودةً من خراب بيت المقدس، منسوبةً إِلى بختنصَّر
ومبلغها سبعون سنةً. ثُمَّ مَلك بابل وناحيتها من قبل بهمن رجلٌ من قرابته يقال له :
ابن كيرُشَ بن جاماسِبَ المُلقَّب ب«العالم».
وَوُلِدَ لإخشَوارِسَ وَلدٌ من امرأةِ مِن سَبي بني إسرائيل يقال لها : أَشيرُ، صُنعاً من اللّه لِبَني إسرائيل، فسمّاه:
فملك بعد أبيه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وعلَّمه خالُه التَّوراة، وفَهم أمرَ دانيالَ ومن كان معه : مثل حَنَنيا، وعازَرِيا، وعُزير. وتأدَّب وعَلِمَ العلوم. وسأله بنو إسرائيل أن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال :
«لو كان معي منكم ألفُ نبيِّ، ما فارقني، ما دمتُ حيّا».
وَوَلّى دانيال القضاء، وأمره أن يُخرج كلّ شيءٍ في الخزائن ممّا كان بختنصَّر أخذه مِن بَيتِ المقدِسِ، فبُنِيَ وعُمِرَ في أيّام كيرُشَ، ومات بهمنُ لثلاثَ عشرةَ سنةً خلت من قيام كيرُش ببابل.
وقد حكى أهلُ التَّوراةِ في أمرٍ يُختَنصَّر أقوالاً مختلفةً تركنا ذكرها. إلّا أنَّهم ذكروا أنَّ بختنصَّر لمّا خرَّب بيت المقدِس، أَمَرَ جنودَه أن يملأ كلُّ رجل منهم تُرسَهُ تراباً، ثُمَّ يقذفَه في بيت المقدس. فَقَذَفُوا فيه من التُّراب ما ملأه. ولمّا انصرف إلى بابل، اجتمعَ معه سبايا بني إسرائيل، وأمرَهُم أن يَجْمَعوا مَن كان في بيت المقدس كلَّهم. فاجتمع عنده الكلّ، فاختار منهم سبعين ألفّ صبيّ. فلما خرجت غنائمُ جندِه، سألوه أن يَقسِمَ فيهم الصّبيان. فَقَسَمَ في الملوك منهم، فأصاب كلّ رجل منهم أربعة. فكان من أولئك الغلمةِ: دانيالُ النبيّ، وحننيا، وميشايل، وسبعةُ آلاف من أهل بيت داود، وأحدَ عَشَر ألفاً من سبط آسرِ بن يعقوب، وعلى ذلك سائر أولاد يعقوب الأسباط.
ثُمَّ غزا بختنصَّر العرب. وذلك في زمن معدً بن عدنانَ. فوثب على من كان في بلاده من تُجّار العرب وكانوا يقدمون عليه بالتّجارات ويمتارون من عندهم الحبَّ والتَّمر والثِّياب وغيرها. فجمع من ظَفِرَ به منهم، وبَنى لهم خيراً على النَّجف وحصَّنه، وضمَّهم فيه، ووكَّل بهم حرساً ثُمَّ نادى في النّاس بالغزو، فتأهَّبوا لذلك، وانتشر الخبرُ في من يليهم من العرب، فخرجت إليهم طوائفُ منهم مسالمين فأحسن إليهم، وأنزلهم بُختَنصَّر شاطئ الفراتِ فابتَنوا موضع معسكرهم، وسمَّوه : «الأنبار» وخلّى عن أهل الحيرة، فاتَّخذوها منزلاً مدّة حياة بختنصَّر. فلما مات انضمُّوا إلى أهل الأنبار وبقي ذلك الحَيرُ خراباً.
فبنى مدينة فَسًا، وهو أوّل من عُرِف بَسَطَ دَواوين الكتّاب، لا سِيَّما ديوان الرَّسائل، وأمر الكُتّاب أن يُطيلوا كتب الرَّسائل، ويذكروا فيها الأسباب والعلل. وكان له ديوانان: أحدهما ديوان الخراج، والآخر ديوان النَّفقات. فكان كلُّ ما يرِدُ، فإلى ديوان الخَراج، وكل ما يخرُجُ من جيش وغيره، فإلى ديوان النَّفقات. وكان من رسم الوزير - واسمهُ «بُرُزج فَرمَذار» - أن يكون له خليفة يسمّى : «إيرانمارغر»، يصل إلى المَلِكِ، ويعرض عليه وينوبُ عن الوزير. فأما المتقلِّدُ لديوانِ الرَّسائل فيُسمّى: «دبيرفَذ»، وكان له كاتبٌ موكَّلٌ بدار المملكة، فإن وقع على أحدٍ تقصيرٌ في منزلةٍ، أو حَطُّ في درجةٍ، رجع إلى ذلك الكاتب حتّى يُبَيِّن حالَ مَرتبَته، فَيُجرى على رسمه.
وظهر في أيّامه زردشت، وأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك، ثُمَّ صدَّقه، وقَبِلَ ما دعاه إليه وأَتاه به، من كتاب يُكتبُ في جلدِ اثنَي عَشَرَ أَلفَ بَقَرَةٍ، حفراً في الجلود، ونقشاً بالذهب. وصيَّر بشتاسِفَ ذلك بإصطخر ووكَّل به الهرابِذَة، ومَنعَ تعليمه العامّة، وبنى ببلاد الهند بيوتاً للنّيران وتنسَّك واشتغل بالعبادة. وهادَن خرزاسف بن كي سواسف ابن أخي فراسياب ومَلَكَ التّرك على ضرب من الصُّلح. وفي شريطة الصُّلح أن يكون ببلاد خرزاسف دابَّةٌ موقوفةٌ في منزلة الدَّوابِّ الّتي تكون على أبواب الملوك، فأشار زردشت على بشتاسف بنقض الهدنة، ومفاسدة مَلكِ التُرك. فَقَبِلَ منه، وبعث إلى الدّابَّةِ والموكَّل بها أن ينصرفَ، وأظهر الغدر. فغضب خرزاسف، وكتب إليه كتاباً غليظاً، وأمره بتوجيه زردشت إليه وأقسم - إن امتنع - أن يغزوه حتّى يسفك دمه ودماء أهل بيته.
فلمّا ورد الرَّسول بالكتاب، كَتَبَ كتاباً أغلظ منه جواباً عن كتابه، وآذَنه بالحرب، وأعلَمه أنَّه غير مُمسِكِ عنه إن أمسَكَ، فسار بعضُهما إلى بعض، ومع كُلّ واحد منهما إخوته وأهلُ بيته. فقُتِل بينهما خلقٌ كثير، وأحسن الغناءَ ابن بشتاسف إسفنديار، وقُتل بيدرفشُ السّاحرُ بيده مبارزَةً. فصارت الدَّبَرةُ على الترك، فقُتِلوا قتلاً ذريعاً، ومضى خرزاسف هارباً على وجهه، ورجع بشتاسف إلى بلخ.
فلمّا مَضَت لتلك الحرب سنون سعی علی اسفندیار رجلٌ يقال له : فَرُّوخ. فأفسد قلب بُشتاسف عليه. وذاك أنَّه أعلمه : أَنَّه يَنتَدِبُ لِلمُلك، ويزعُم أنَّه أحقُّ به، وأنَّ النّاس مائلون إليه. فصدّق يُشتاسفُ بذلك، وتَرَكَ الرّفق ومعالجة الأمور على تُؤدة،
وأخذ في أن يندبه لحربٍ دون حرب. فكان ينجح فيها كلها، ثُمَّ أمر بتقييده، وصيَّرهُ في الحصن الّذي فيه حبسُ النِّساء. وصار بشتاسف إلى جبل يُقال له : «طَميذَر»، الدراسة دينه والتنسُّكِ هناك، وخلف أباه لهراسف في مدينة بلخ شيخاً هَرِماً قد أبطله الكِبَرُ، وترك خزائنه وأمواله على امرأته.
فكان من عاقبة ذلك، أن حَمَلتِ الجواسيسُ خَبَره إلى خرزاسف، فَجَمعَ جنوداً لا يُحصَونَ كثرة، وشخَصَ من بلاده نحو بلخ. فلمّا انتهى إلى تُخوم مُلكِ فارِسَ، قدَّم أمامه جوهَرمَز أخاه - وكان مرشَّحاً لِلمُلكِ - في جماعة من المقاتلة كثيرة، وأمرهم أن يُغذّوا السَّير، حتّى يتوسطوا المملكة، ثُمَّ يُوقعوا بأهلها ويُغيروا على المدن والقرى. ففعل جوهرمزُ ذلك، وسفك الدماء، واستباحَ الحُرَمَ، وسبى ما لا يُحصى كثرةً، واتّبعه خرز اسف، فأحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذةَ وهَدَمَ بيوت النيران، واستولى على الأموال والكنوز وسبى ابنتين لبشتاسفَ، وأخذ فيما أخذ «درفش كابيان»، وشخص يتبع بشتاسف، فهرب منه بشتاسف، حتّى تحصَّن في الجبل الّذي يُعرف بِطَميذَر ممّا يلي فارِسَ، ونزلَ بِبُشتاسف ما ضاق به ذَرعاً ونَدِمَ على ما صَنَعَهُ بإِسفنديار.
فيقال : إِنَّه وجّه إليه بجاماسِفَ، حتّى استخرجه من محبسه، وصار به إلى أبيه. فلمّا دخل عليه اعتذر إليه ووعده عقدَ التّاج على رأسه، وأن يفعل به مثل الّذي فعل به لهراسف، وقلَّده عسكره، وأمره بمحاربة خرزاسف. فلمّا سمع إسفنديارُ كلام أبيه، طابت نفسُهُ، وكفّر بين يديه، وتولّى الأمرَ، وتقدَّم فيما احتاج إليه.
ثُمَّ عَبّى ليلتَهُ أصحابَهُ، فلمّا أصبح، أمر بنفخ القُرون، وسار بالجنود نحو عسكر التُّرك. فلمّا رأت التُّرك عسكره، خرجوا إليه على وجوههم يتسابقون وفي القوم جَوهَرمَزُ وأندَرمان. فالتحمت الحرب بينهم، وانقضَّ إسفنديار وبيده الرُّمح كالبرق، حتّى خالط القوم، وأكبَّ عليهم بالطَّعن فلم تكن هُنيهةً حتّى ثَلمَ في القوم ثلمَةٌ عظيمةً، وفَشا في التُّرك أنَّ إسفنديار قد أطلق من الحبس، فانهزموا لا يلوُونَ على شيء، وانصرف إسفنديارُ وقد ارتجعَ العَلَمَ الأكبر، وحُمِل معه منشوراً.
فلمّا دَخَلَ على بشتاسف استبشر بظفَرِه، وأمره باتّباع القوم وقتلِ خرزاسف إن قدر عليه، بلهراسف، وبقتل جوهر مز وأندرمان، بمن قتل من ولده، ويهدم حصون التُركِ وبحرق مُدُنها وبقَتل أهلها، بمن قُتِلوا من حملة الدّين، وباستنقاذ السَّبايا، ووجَّه معه من القُوّاد والعظماء خلقا كثيراً. فدخل إسفنديارُ بلادَ التُركِ، ورام ما لم يَرمه أحدٌ، واعترض - على ما تزعُم الفرسُ - العنقاءَ المذكورة ورماها ودخل مدينةَ الصُّفر عنوةً، حتّى قتل مَلِكَها وإخوته ومقاتلته، واستباح أموالَهُ، وسَبى ذَرارِيَّهُ ونساءه واستنقذ أُختيه، وكتب بالفتح إلى أبيه.
فأمّا ملوك اليمن، فقد كتبناهم إلى عهد سليمان وأيّامه. ثُمَّ صار المُلك إلى ياسر بن عمرو الّذي يقال له: ياسرُ أنعم، لإنعامه على العرب. وكان سار غازياً نحو المغرب. حتّى بلغ وادياً يقال له : «وادي الرَّمل»، ولم يكن بلغه أحدٌ قبله، ولم يجد وراءه مجازاً لكثرة الرَّمل. فبينا هو مقيمٌ إِذا انكشف الرَّملُ. فأمر بعض أهل بيته أن يعبُرَ هو وأصحابُه. فعَبَروا ولم يرجعوا. فأمر بِصَنَم من نُحاسٍ، فصُنع ثُمَّ نُصبَ على صخرة عظيمة على شفير الوادي، وكتب في صدره بالمُسنَدِ :
«هذا الصَّنم لياسر أنعم الحميري، ليس وراءه مذهبٌ، فلا يتكَلَّفنَّ ذلك أحدٌ فَيَعطَب».
ثُمَّ ملك بعدهُ تُبَّع. وهو تُبانٌ، وهو أسعدُ، وهو أبو كرب بن مليكيكرب، تبَّع بنِ زيد بنِ عمرو بن تُبّعٍ ذي الأذعارِ بن أبرهة تُبَّعِ ذي المنارِ بنِ الرّائش بن قيس بن صيفي بن سبأ.
وكان تُبَّع هذا في أيّام بشتاسف وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسف، خَرَجَ وغزا، وبلغ الأنبار، والموصل، ثُمَّ أذربيجان، ولَقِيَ بها التُّرك، فهزمهم، وقتل بها المقاتِلةَ، وسَبى الذُّرِيَّةَ، فأقام بها دهراً، وهابَتهُ الملوك، وأهدت إليه، وقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والطَّرَفِ من الحرير والمسك، وسائر الطُّرَف، فرأى ما لا يُرى مثله.
فقال : «ويحك ! أكُلُّ هذا في بلادكم؟؟».
فقال: «أبيت اللَّعن، هذا أقلُّ ما ترى في بلادنا، وأكثره في بلاد الّصين».
ووصف له بلاد الصّين، وسِعَتها وخصبَها. فَآلى : لَيَغْزُونَّها، وسار بِحِمير، حتّى أتى الصّين في جمع عظيم، حتّى دخلها فقتل مقاتلتها واكتسح ما وجد فيها. ويزعمون أنَّ مَسيرَهُ إِليها كان - ومقامُه بها ورجعتُه منها - في سبع سنين. وخلّف بالتُبَّتِ اثني عشر ألفَ فارس من حِميرَ، فهم أهلُ التَّبَّتِ اليوم ويزعمون أنَّهم عربٌ، وخِلَقُهم وألوانُهم خِلَقُ العرب وألوانهم.
وملك بعد بشتاسف أردشير بهمن. وانبسطت يده، وتناول الممالك بقُدرةٍ حتّى ملك الأقاليم. وابتنى بالسَّواد مدينةً وهي المعروفة ب«هُمينيا» وهو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي الفُرس الأخير أردشير بن بابك وولده. وكان بهمنُ بنُ إسفنديار كريماً،
متواضعاً، مرضياً. وكانت تخرج كُتُبُه : م«ن أردشير بهمن عبد اللّه، وخادم اللّه، والسائس لأمركم».
ويقال : إِنَّهُ غزا الرُّوميةَ الدّاخِلةَ في ألفِ ألفِ مقاتل. ولم تزل ملوك الأرض تحمل إليه الإتاوة، إلى أن هلك، وابنه دارا الأكبر في بطن أمِّه. فملَّكوا خُماي بنته شُكراً لأبيها. وكان من أعظم ملوك الفرس شأناً، وأفضلهم تدبيراً. وله كتبٌ ورسائل تفوق كتب أردشير وعهده. وتفسير «بهمن» بالعربية : «الحَسَنُ النّيّة».
ثُمَّ ملكت خُماي بنته. لأنّها حملت منه دارا الأكبر، وسألته أن يعقد التاج له في بطنها، ويُوثره بالملك، ففعل بهمنُ ذلك. وكان ساسانُ بنُ بهمن في ذلك الوقت رجلاً يتصنّع للملك، لا يشكّ فيه. فلما رأى ساسان ما فعل أبوه، شَقَّ عليه، فَلحِقَ بإصطخر، وتزهَّد، وخرج من الحِلية، واتَّخذ غُنَيمةٌ، فكان يتولَّى ماشيته بنفسه، واستشنعتِ العامّة ذلك من فعله، وقالوا : «صار ساسان راعياً»، وسَبُّوه به ثُمَّ لما كبر دارا حَوَّلَ النّاجَ إِليه. وكانت خماي ضَبَطَتِ الحكم بِنَجدَةِ ورأي وحصافة، وأغزتِ الرّومَ جيشاً، وأوتيت ظفراً. فقمعتِ الأعداء وشغلتهم عن تَطَرُّفِ شيء من بلادها، ونال رعيَّتَها في تدبيرها خفضٌ ورفاهةٌ، إلى أن مُلكَ ابنها :
دارا بن بَهمَن
فنزل بابل، وكان ضابطاً لِمُلكه، قاهراً لِمَن حوله مِنَ الملوكِ يُؤَدُّون إليه الخراج. ابتنى بِفارِسَ مدينةً، وسمّاها : «دارا بجرد». وحذف دَوابَّ البريد ورَتَّبَها. وكان مُعجَباً بابنه «دارا»، وبلغ مِن حُبِّه إيّاه أن سمّاه باسم نفسه، وصيَّر له المُلكَ مِن بعده. وكان له وزير يسمّى : «رُشتين» محموداً في عقله. فشجر بينه وبين غلام تربّى مع دارا الأصغر يقال له : «بيرى»، شُرُّ وعداوةٌ. فَسَعى رُشتين عليه عند الملك. فيقال : إن الملك سقى بيرى شربةً فمات، فاضطغن دارا الأصغرُ على رُشتين، وعلى جماعة كانوا عاوَنُوه.
فلمّا مَلَكَ دارا بنُ دارا بنُ بهمن، كانَ أوَّل ما تكلم به حين عقد التاج على رأسه، قال :
«لن ندفع أحداً في مهوى الهَلَكَةِ، ومن تردى فيها، لم نكففه عنها».
واستكتب أخابيرى، واستوزره، رعايةً لحقِّ أخيه، وأُنساً به، ولم يكن في موضع
الوزارة، ولا كان له كفاية رُشتين.
فكان من عاقبة ذلك، أن أفسَدَ قلبه على أصحابه، وحَمَلهُ على قتل بعضهم، فاستوحشت منه الخاصّة والعامّة، ونَفَرُوا عنه، وكان حقوداً جبّاراً. فعرفَ خبرَهُ الإسكندرُ فغزاه وقد ملَّه أهلُ مملكته، واستوحش جنده، وأحبَّ الجميع الرّاحة منه. فلحق كثيرٌ من وجوه أصحابه وأعلام جنده بالإسكندر فأطلعوه على عورة دارا وقَوَّوهُ عليه، فلمّا التقيا ببلاد الجزيرة اقتتلا سنةً. ثُمَّ إِنَّ رجالاً من أصحاب دارا وثبوا به، فقتلوه، وتقرَّبوا بذلك إلى الإسكندر، فأمر بقتلهم وقال :
«هذا جزاء من اجترأ على مَلِكِه».
وتزوّج ابنته : روشَنَك. ثُمَّ غزا الهند ومشارق الأرض، فملكها. ثُمَّ انصرف وهو يُريد الإسكندريّة، فهلك بناحية السَّواد فَحُمِلَ في تابوت من ذهب إلى أمه. وكان مُلكه أربع عشرة سنةً. واجتمع مُلك الرُّوم وكان قبل الإسكندر متفرِّقاً، وتفرَّق مُلكُ فارس وكان مجتمعاً.
وقد كان فيلفُوسُ أبو الإسكندر، صالح دارا، على خراج يحمله إليه في كُلَّ سنة. فلمّا هلك الأبُ، وملك الإسكندر، وطَمعَ في دارا، منعه الخَراج الّذي كان يحمله أبوه إليه. فأسخَطَ دارا، فكتب إليه يؤنّبهُ بسوء صنيعه في تركه حَملَ ما كان أبوه يحمله من الخراج، وأنَّه إنما دعاه إلى حبس ذلك الصّبي والجهل، وبَعَثَ إِليه بِصولَجان وكرَةِ وبقفيز من السِّمسم : يُعلمه بذلك أنّه إنّما ينبغي أن يلعب مع الصِّبيان بالصَّولَجان، ولا يتقلَّد المُلكَ، ولا يتلبس به، ويُعلمه أنَّه إن لم يقتصر على ما أمره به، وتعاطى المُلك، بعث إليه من يأتيه به في وثاقٍ، وأنَّ عِدَّة جنوده الّذين يبعث بهم، كعِدَّة حَبِّ السِّمسم الّذي بعث به إليه.
فكتب الإسكندرُ في جواب ذلك، أن قد فَهِمَ ما كتب به، ونظر إلى ما أرسله من الصولجان والكُرة، وتيمَّنَ به، لإلقاء المُلقى الكرةَ إلى الصَّولجان واجتراره إيّاها، وأنَّه شبه الأرض بالكرة، وتفأَّل بملكه إيّاها واحتوائه عليها، وأنَّه يجترُّ مُلكَ دارا إلى مُلكِه، وبلاده إلى حيِّزه من الأرض، وأنَّ نَظَرَهُ إِلى السِّمسِم الّذي بعث به، كنظره إلى الصَّولجان والكرةِ، لِدّسمه وبُعدِه من المرارة والحرافة. وبعث إلى دارا مع كتابه بصُرَّة من «خَردل»، وأعلمه في ذلك الجواب : أنّ ما بعث به إليه قليلٌ، غير أنّ ذلك مثل الّذي بعث به في القُوَّةِ، والحرافة، والمرارة، وأنَّ جنوده فيما وصف به منه.
فلمّا وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر جمع إليه جُندَه، وتأهّب لمحاربة الإسكندر، وتأهّب له الإسكندر، وسار نحو بلاد دارا. فلمّا التقيا، وجرى ما جرى من أمر القائدين اللَّذين تقرَّبا إلى الإسكندر وطلبا الحظوَةَ عنده والوسيلةَ، وكان نادي الإسكندر ألا يُقتَلَ دارا، وأن يُؤسَرَ أسراً، فلمّا أُعلِمَ الإسكندرُ بما جرى، سار حتّى وقف عنده فرآه يجود بنفسه. فنزل الإسكندر عن دابّتِه، حتّى جلس عند رأسه، وأخبره أنّه ما همَّ بقتله، وأن الّذي أصابه لم يكن عن رأيه.
وقال له : «سَلني ما بَدا لَك فإنّي أسعِفُكَ بِه».
فقال له دارا : «لي حاجتان: إحداهما أن تنتقم لي من الرَّجلين اللَّذين فَتَكَا بي -وسَمّاهُما - والأخرى أن تتزوَّجَ ابنتي : روشنك».
فأجابه إلى الحاجتين، وأمر بصلب الرَّجلين اللَّذين انتهكا من ملكهما ما انتهكا، وتزوَّج روشنك وملك الأرض كلَّها.
ويُقالُ: إِنّ الرَّجلين اللَّذين قتلا دارا، إنّما فَعَلا ذلك بأمر الإسكندر، وكانَ شَرَطَ لهما شرطاً. فلمّا طعناه، دفع إليهما حُكمهما، وَوَفى لهما بشرطهما، ثُمَّ قال:
ويُقالُ : إِنَّ الإِسكندر في الأيّام الّتي نازل فيها دارا كان يصير إليه بنفسه على أنَّه رسولٌ. فيتوسَّط العسكَر، ويعرف كثيراً ممّا يحتاج إليه. فكان إذا وصله دارا، أعجب واستحسن سَمتَهُ، ومجاراته. إلى أن اتَّهمه وأحسَّ الإسكندر، فهَرَبَ.
فلمّا تواقفت الخيلان يوم الحرب، خرج الإسكندر من صفّ أصحابه وأمر من ينادي :
واتَّهمتِ الفرسُ بعضُها بعضاً. فكان أوّل اضطرابٍ حَدَثَ فيهم.
ومِمّا يُحكى من حِيَلِهِ في الحروب : أنَّه لمّا شَخَصَ عن فارس إلى أرض الهند تلقاه فُورٌ مَلِكُها في جمع عظيم، ومعه ألف فيل عليها السِّلاح والرّجال، وفي خراطيمها السُّيوف والأعمدة، فلم تقف دوابُّ الإسكندر وانهزم. فلما حصل في مأمنه، أمر باتِّخاذ
فِيلَةٍ من نُحاس مجوَّفَةٍ، ورَبَطَ خيله بين تلك التَّماثيل حتّى ألفتها، ثُمَّ أمر فمُلئت نقطاً وكبريتاً، وألبسها الدُّروع، وجُرَّت على العَجَل إلى المعركة، وبين كلِّ تمثالين منها جماعةٌ من أصحابه. فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النّيران فى أجواف التَّماثيل، فلمّا حمیت، انكشف أصحابه عنها، وغشيتها الفِيلةُ، فضربتها بخراطيمها، فنشطت وولَّت مُدبرةً راجعةً على أصحابها وصارت الدَّبرة على ملك الهند.
ومِمّا يُحكى أيضاً عنه : أنَّه كان نزل على مدينة ٍحصينةٍ. فتحصَّن منه أهلُها وعرف خبرها، فأعلم أنَّ فيها من الميرة والعيون المنفجرة كفايتهم. فدس تُجاراً متنكِّرين وأمرهم بدخول المدينة، وأمدهم بمال على سبيل التّجارةِ، وتقدَّم إليهم ببيع ما معهم، وابتياع ما أمكنهم من الميرة، والمغالاة بها. ففعل التَّجار ذلك، ورحل الإسكندرُ عنهم. فلم يزلِ التَّجارُ يشترون الميرة، إلى أن حصل في أيديهم أكثرُهُ، فلما علم الاسكندرُ ذلك، كتب إليهم أن أحرقوا الميرةَ الّتي في أيديكم واهربوا. ففعلوا ذلك، وزحف الإسكندر إليها، فحاصرهم أيّاماً يسيرةً، فأعطوه الطّاعة، ومَلَكَ المدينة.
وكان أيضاً إذا انصرف عن مثل هذه المدينة شرَّد من حولها من أهل القُرى، وتهدَّدَهم بالسَّبي، حتّى خرجوا هاربين معتصمين بالمدينة، فلا يَزال بذلك حتّى يعلم أنَّه قد دخلها أضعافُ أهلها وأسرعوا في الميرة فيرجع حينئذٍ فيحاصرهم، ويفتح المدينة.
ومِمّا يُحكى عنه : أنَّه كتب إلى أرسطو طالس :يُخبره أنّ في عسكره مِن الرُّوم جماعة من خاصَّته، لا يأمنهم على نفسه، لما يرى من بعدِ هِمَمهِم وشَجَاعَتِهم وكثرة آلَتِهم، ولا يرى لهم عقولاً تفي بتلك الفضائل، ويَكرَهُ الإقدامَ بالقتل عليهم بالظَّنَّة، مع وجوب الحُرمةِ.
فكتب إليه أرسطوطالِسُ :
وكان الإسكندر في الأيّام الّتي لقي فيها دارا، وَجِل من محاربته، ودعاه إلى الموادعة، لما رأى كثرة عُدَّتِه وعَتاده وعددِ جنده فاستشار دارا أصحابه في أمره، فغشُّوه، وزيَّنوا له الحرب، لفسادِ قلوبهم عليه، وكاتبوا الإسكندر، وأطمعوه فيه. وكان ملك دارا أربع عشرة سنة. فهدّم الاسكندر حصونَ الفرس، وبيوت النّيران، وقتل الهرابذةَ، وأحرق كُتبُهم، ودواوين دارا.
وكاتب معلّمه ووزيرَهُ أرسطو طالسَ يُعلِمُهُ : أنّه شاهَدَ بإيرانشهر رجالاً ذَوي أصالة في الرّأي، وجَمالٍ في الوجوه، لهم مع ذلك صرامةٌ وشجاعةٌ، وأنَّه رأى لهم هَياتِ وخلقاً، لو كان عَرَفَ حقيقتها، لما غزاهم، وأنَّه إِنَّما ملكهم بحسن الاتفاق والبَختِ، وأنَّه لا يأْمَنُ - إِن طَعَنَ عنهم - وُثُوبَهم، ولا تسكُنُ نفسه إلا ببوارهم.
فكتب إليه أرسطو طالس :
ففعل الإسكندرُ ذلك، فتمَّ أمرُه، وأمكنه أن يتجاوزَ مُلكَ الفُرس فسار قُدماً إلى أرض الهند، حتّى قتل ملكها مبارزةً بعد حروبٍ عظيمةٍ هائلةٍ، وفَتحَ مُدُنَها، ثُمَّ صار إلى الصِّين، وصنع بها كصنيعه بأرض الهندِ، ثُمَّ طاف ممّا يلي القُطب الشَّماليَّ، ورجعَ إلى العراق، وخرج منها بعد أن ملَّك ملوك الطَّوائف، فمات في طريقه بشهرزور، ويقال : بَل في قرية من قُرى بابل، وكان عمره ستّا وثلاثين سنةً، وملك منها ثلاثَ عشرة سنة وأشهراً. وقَتَل دارا في السَّنة الثالثةِ من ملكه.
وفي الرّواية الصَّحيحة أن الإسكندر لمّا انتهى إلى بلاد الصّين، أتاهُ حاجبُه وقد مضى من اللَّيل شطرهُ، فقال : «هذا رسول مَلكِ الصّين بالباب يستأذن في الدُّخول عليك». قال: «أدخله». فأدخَلَهُ. فوقف بين يدي الإسكندر، وسلَّم، ثُمَّ قال: «إن رأى
المَلِكُ يستخليني». فأمر الملك من بحضرته أن ينصرفُوا، فانصرَفُوا كُلُّهم وبقي حاجبه. فقال: «إِنَّ الّذي جئتُ له لا يحتمل أن يسمعه غيرُك». قال: «فَتِّشوه». فلم يوجد معه سلاحٌ. فوضع الإسكندر بين يديه سيفاً مسلولاً وقال له : «قف بمكانك وقُل ما شئتَ». وأخرَجَ كُلَّ مَن كان بَقِيَ عنده.
فقال: «أنا مَلِكُ الصّين، لا رسولُه، جئتُ أسألك عَمّا تُريده فإن كان ممّا أمكن عمله، - ولو على أصعب الوُجوهِ - عَملتُه، وأغنيتُكَ عن الحرب».
فقال له الإسكندر: «ما الّذي آمَنَكَ مني؟».
قال : عِلمي بأنَّك عاقلٌ حكيمٌ، ولم تَكُ بيننا عداوةٌ، ولا مطالبةٌ بِذَحل، وأنَّكَ تعلم، إن قتلتني، لم يكن ذلك سبباً لتسليم أهل الصين إليك مُلكهم، ولم يمنعهم قتلي من أن ينصبوا لأنفسهم مَلِكاً، ثُمَّ يُنسَبُ إلى غير الجميل، وضدِّ الحزم».
فأطرق الإسكندرُ، وعلم أنَّه رجل عاقل، ثُمَّ قال له : «الَّذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلاً، ونصفُ ارتفاع مملكتك لكُلِّ سنةٍ».
قال : «هل غير هذا؟».
قال: «لا».
قال : «قد أجبتُكَ، ولكن سَلني : كيف تكون حالي بعد ذلك؟».
قال: «قُل، كيف تكون حالك؟».
قال : «أكون أوّلَ قتيل من محارب، أو أوّل أكيلةِ مفترس».
قال: «فإن قنعتُ منك بارتفاع سنتين، كيف تكون حالك؟».
قال: «تكون أصلح قليلاً وأفسح مدَّةً».
قال: «فإن قنعتُ منك بارتفاع سنةٍ؟».
قال : «يكون في ذلك بقاءً لِمُلكي، وذهابُ جميعِ لَذَاتي».
قال : فإن قنعتُ منكَ بارتفاع الثُّلث، كيف تكون حالك؟».
قال : «يكون السُّدس للفقراء ومصالح البلاد، ويكون الباقي لجيشي ولسائر أسباب المُلكِ».
فقال : «قد اقتصرتُ منك على هذا».
فَشَكَرَهُ وانصرف. فلمّا طلعتِ الشَّمسُ، أقبلَ جيش الصّين، حتّى طَبَقَ الأرضَ، وأحاطَ بجيش الإسكندر، حتّى خافوا الهَلاكَ. وتواثَب أصحابُه حتّى ركبوا الخيل، واستعدُّوا للحرب بعد الأمن والطُّمأنينة إلى السِّلم. فبينا كذلك، إذ طلع مَلِكُ الصّين وعليه التاج وهو راكبٌ. فلمّا تراءى الصَّفّان، ورأى الإسكندرُ مَلِكَ الصّين، قدر أنَّه
حَضر للحرب.
فصاح به : «أغدرت؟».
فترجَّل، وقال: «لا، واللّه».
قال: «فادنُ مِنّي».
فَدَنَا وقال: «ما هذا الجيش الكثير؟».
قال: «إني أردتُ أن أُريكَ أَني لا أطيعك من قِلَّةٍ وضعف، ولكنّي رأيتُ العالم العلوي مقبلاً عليك، مُمَكِّناً لك مِمَّن هو أقوى منك وأكثر عدداً، ومن حارب العالم العلويَّ غُلب، فأردتُ طاعته بطاعتك، والتذلُّل له بالتّذلُّلِ لَكَ».
فقال له الإسكندر: «ليس مثلك من يُسامُ الذُّلَّ، ولا مَن يُؤدِّي الجزيةَ، فما رأيتُ بيني وبينَكَ مِنَ الملوك، من يستحقُّ التَّفضيل والوصف بالعقل، غيرك، وقد أعفيتُك من جميع ما أردتُه منك، وأنا منصرف عنك».
فقال مَلِكُ الصّين: «فَلستَ تخسر».
ثُمَّ انصرف عنه الإسكندر، فبعث إليه مَلِكُ الصّين بضعفِ ما قرَّره معه.
وبنى الإسكندر اثنتي عشرة مدينةً، وسمّاها كُلها «الإسكندريّة»، منها: مدينة «جيِّ» بأصبهان، وثلاثُ مدنٍ أخرى بخراسان، وهي هراة، ومرو، وسمرقند. وبنى بأرض بابل مدينةً لروشنك، وبنى بأرض يونان سبعَ مدنٍ.
وعُرض على ابن للإسكندر المُلكُ بعد وفاة أبيه، فأبى واختار النُّسكَ، ملكتِ اليونانيةُ على رواية أكثر النّاس بطليموس. ثُمّ ملك عدّة متواليةً يُقالُ لكل واحدٍ منهم : «بطليموس»، كما يقال لملوك الفرس : «الأكاسرةُ» وتغلّب قومٌ مِنَ اليونانيين بعده على نواحي مصر والشّام.
واختلف أهل الرّواية في عدد ملوك الطّوائف الّذين ملكوا إقليم بابل، إلى أن قام بالمُلك أردشير بابكان، فنظم مُلك الفُرس. فبعضهم يزعم أنّ آشك - وهو ابن دارا الأكبر. جمع جمعاً كثيراً وسار إلى أنطيخس، وكان مقيماً بسواد العراق من قِبَلِ الرّوم، وزحف إليه أنطيخُس. فالتقيا ببلاد الموصل، فقُتِلَ أنطيخس، وغلب آشك على السَّواد، وصار في يده من الموصل إلى الزي، وأصبهان وعظَّمه سائرُ ملوك الطَّوائف الشرفه، وما كان من فعله وبدأوا به على أنفسهم في كُتُبهم، وبدأ فيما كان يكتب إليهم بنفسه، وسمَّوه ملكاً، وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحداً منهم، أو يستعمله.
وهو الّذي غزا بني إسرائيل المرّة الثَّانية. وذلك بعد قتلهم يحيى بن زكريّا. فسلَّطه اللّه عليهم، فأكثر القتلَ فيهم، فلم تَعُد لهم جماعةٌ بعدَ ذلك ورفع اللّه عنهم النُّبوَّةَ، وأنزل بهم الذُّلَّ.
وكان من سُنّة الفرس بعد الإسكندر، أن يَخضعُوا لِمَن مَلَكَ بلادَ الجَبَل. فخضعوا للأشغانيّة، وأولهم : أشكُ بنُ أشكانَ، ثُمَّ سابورُ بنُ أشكانَ - وفي أيّامه ظهر عيسى ابنُ مريم بأرض فلسطين - ثُمَّ ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر، ثُمَّ بيرى الأشغاني، ثُمَّ جوذَرزُ الأشغاني، ثُمّ نَرسى الأشغاني، ثُمَّ هُرمزُ الأشغاني، ثُمَّ أردوانُ الأشغاني، ثُمَّ كسرى الأشغاني، ثُمّ بلاشُ الأشغاني، ثُمَّ أردوانُ الأصغر الأشغاني، ثُمَّ أردشيرُ بنُ بابك. فكان مدّةُ هؤلاء إلى أن وثب أردشير على الأردوان، فقتله وجمع أمر الفرس، مائتين وستَّا وستّين سنةً. ولم يقع إلينا شيءٌ من تدابيرهم يُستفاد منه تجربةٌ إلّا خبر لبعض الرّوم، وهو :
كان أحد ملوك الفرس وَجَّهَ رجلاً من جِلَّةِ قُوَّادِه في جيش إلى مَلكِ الرُّوم، فحاربه، فأجلاه الفارسيُّ عن أكثر بلاده، حتّى فتح أنطاكية، وجاوزها وأوغل في بلاد الرّوم. فجمع مَلكُ الرّوم رؤساء قومه، فشاوَرَهم. فأشاروا بأمورٍ مختلفةٍ، حتّى انفرد له رجلٌ من أهل مملكته ولم يكن من أبناء الملوك.
فقال : «إنّ عندي رأياً أُشيرُ به. فإن رزق اللّه الظَّفر، فما لي عندك؟».
قال الملك : «سَل حاجتك».
قال : «إِني أرى الرّأيَ الصَّحيح، وأخاطر فيه بنفسي، فاجعل لي المُلكَ من بعدك».
قال: «نعم»، فوثق له به.
فقال الرّومي: إ«ِنّ الفُرسَ قد طمعت في مُلكنا، فلم يبق منهم نجدٌ ولا ذو رأي إلّا وجَّهوه في وجوهنا، وقد ضعفنا عنهم، وقد حملوا ذراريهَّم إلى الشّام والجزيرة. فالرّأي أن تأذن لي فأنتخب من عسكرك خمسة آلافِ رَجُلِ ثمّ أحملهم في البحر، وأصير من خلفهم، فأوكل بمضائق الطُّرق، وصعاب العِقابِ رجالاً من أصحابي من أهل البأس والنَّجدة، فإن خبري إذا بلغهم، فتَّ في عَضُدِهم ونُخِبَت قُلوبُهم، ورجعوا إلى عيالاتهم وأموالهم متقطِّعين، فَلا يَمُرُّ بالمواضع الّتي وَكَّلتُ بها، أحدٌ من الفرس إِلّا قُتِلَ، فلا يسلم إلّا القليل الّذين إذا صاروا إلى الشّام أتيتَ عليهم وتُشرِّدُهم أنت من خلفهم».
فأجابه الملكُ إلى رأيه، وأنفذه إلى الشّام. فلما بلغ الفرسَ أنَّ الرّوم قد خلفتهم في أموالهم، وأهاليهم، خرج أكثرهم على وجوههم متقطِّعين لا يَلوُونَ على شيءٍ، ومرّوا بمضائق الطُّرق فقُتِل أكثرهُم، وخرج مَلِكُ الرّوم إلى مَن بَقِي منهم، فهزمهم، فلم يسلم منهم إلّا القليل. فتحَوّلَ المُلكُ بذلك السَّبب من أهل بيت المملكة بالرّوم، إلى قومٍ ليسوا من أهل بيتها، بل هُم مِن أهل إرميناقس، فبقي فيهم إلى هذه الغاية.
كُنا حكينا من أمر بختنصَّر أنّه أنزلَ الحيرة من العرب جماعة، فانتقلوا بعد موته إلى الأنبار، وبقي الحَيرُ خَراباً يباباً، زماناً طويلاً، لا تطلع عليهم طالعةٌ من بلاد العرب، ولا يطمع أحدٌ فيهم من الرّيف، بعدما قصدهم بُختنصَّر. فلمّا غلب الإسكندرُ على مملكة الفرس، وجعلها مقسومة في ملوك الطَّوائف، ضعف كُلُّ واحدٍ منهم في نفسه، وصار عدوُّه بالقرب منه من الأرضِ ولكلّ واحدٍ خَندَقٌ يقصده الآخَرُ، فيُغير بعضُهم على بعض، ثُمَّ يرجع كالخَطفة.
وقد كان كَثُرَ في ذلك الزّمانِ أولاد معدّ بن عدنان ومَن كان معهم من قبائل العرب، وملأوا بلادهم من تِهامَةَ وما يليهم، وحدثت بينهم أحداثٌ وحروبٌ، فتفرَّقوا، وخرجوا يطلبون متَّسعاً في بلاد اليمن ومشارف الشّام، وأقبلت منهم قبائلُ حتّى نزلوا البحرين وبها جماعة من الأزد، وكانوا نزلوها في زمانِ ابن ماء السَّماء، وتحالف القوم الّذين خرجوا من تهامة على التُّنوخ بالبحرين - والتُّنوخُ : المُقام - وكان منهم قومٌ من
قُضاعةً وقومٌ من معدّ، وقومُ من إياد فتعاقَدُوا على التّوازِرِ والتَّناصر، وصارُوا يَداً على النّاس وصار اسمهم: «تنوخ».
ثمّ لما بلغهم انتشارُ أمرِ الفرس واختلافُ كلمتهم، تطلعت نفوسهم، إلى ريف العراق، وطَمِعُوا في الفرس وفيما يلي بلاد العرب من أعمالهم، أو مُشاركتهم فيها، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطَّوائف من الاختلاف، فأجمع رؤساؤهم على المسير إلى العراق. فلمّا ساروا، وجدوا الإرمانيّين - وهم القومُ الّذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل - يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطَّوائف، وهم فيما بين نفَّر - قرية من سواد العراق - إلى الأُبلَّة وأطرافِ البادية. فلم تدن لهم، فدفعوهم عن بلادهم. وإنما قيل : «الإرمانيّين» لأنَّه كان يقال لعادٍ : «إِرَمُ»، فلمّا هلكت قبل لثمود: «إِرَم» ثُمَّ سُمُوا : «الإرمانيّين» وهم بقايا «إِرَم»، وهم نَبطُ السَّواد. ويُقال لدمشق: «إرم».
ثُمَّ طلع قومٌ من تَيم اللّه، وغطفان في من تَنخَ معهم من الحلفاء والعشائر على الأنبار، على مُلك الإرمانيّين. وطلع قومٌ من كندَة وبَني فَهم مع من حالفهم وتَنخَ بعضهم على نفّر على مُلكِ الأردوانيّين، فأنزلوا الحَيرَ، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفّر على ذلك، لا يدينون للأعاجم، ولا تدين لهم الأعاجم، حتّى قدِمَها تُبع أسعد بن مليكيكرب - في جيوشه، فخلَّف بها من لم تكن به قُوَّةً ومن لم يَقوَ على الغَزْوِ معه، ولا الرَّجوع إلى بلاده فانضموا إلى أهل الحيرةِ، وخرج تُبَّع في حِميَر سائراً، ثُمَّ رجع إليهم، فأقرَّهم على حالهم، وانصرف إلى اليمن وفيهم من كُلِّ القبائل من بني لحيان - وهم بقايا بقايا جُرهُم - وطيِّءٍ، وكلب، وتميم وغيرهم واتَّصلت جماعتُهم وقَوُوا، وكانوا بين الأنبار والحيرة إلى طفِّ الفَراتِ فى المظالِّ والأبنية، وكانوا يُسمّونَ : «عَربَ الضاحية».
من عاصر الأشغانيّين من ملوك العرب
فكان أوّل من مَلَكَ منهم :
مالك بن فهم، وملوك الفرس طوائف، وقد دخل الوُهن عليهم، وطمع فيهم.
ثُمَّ ملك أخوه عمرُو بنُ فَهم.
ثُمَّ جَذيمة الأبرشُ بن مالك بن فهم، فَقَوِيَ أمره، وكان جَيِّد الرَّأْيِ، شديد النِّكاية في الأعداء بعيدَ المُغار. فاستجمع له المُلكُ بأرض العراق، وضمَّ إليه العربَ، وغزا بالجيوش، وعظَّمته العربُ، وكَنَت - عَن برص به - ب«الأبرش» وب«الوَضَّاحِ»، فكان تَفِد عليه الوفود، وتُجبى إليه الأموال.
وكان عنده غلامٌ من إياد يقال له: عديُّ بن نصر بنُ ربيعةَ، وضيءُ، لهُ جمالٌ
وظَرَفٌ، يَلي شرَابه. فعَشِقَتهُ أختُ جَديمَةَ رَقاشُ، وما زالت تحتال، وتواطئه، حتّى زوَّجها الملكُ بِعَديِّ في سُكرِه. فوطِئَها من ليلته وعلقت منه. فلمّا أصبح جَذيمة وعرف الخَبَر، نَدِمَ ندامةً شديدةً. وعَرَفَ عَديُّ الخَبَر، فهرب، ولحق بإياد حتّى هلك. واشتملت رقاش على حَبَلِ، فولدت غلاماً وسمّته عمراً. فترعرع الغلام وحَسُنَ وبَرَعَ، فألبسته وحلَّته، وأزارته خَالَه جَذيمة، فأُعجب به، وأحبَّهُ، وخَلَطَه بولده، وأَمر فَطُوِّقَ،، وهو أوّلُ عربيُ أُلبِسَ طَوقاً. ثُمَّ تزعُم العرب أنّ الجنَّ استهوته زماناً إلى أن عاد إلى جَديمَةَ. وله خَبَرٌ.
وكان قد مَلَكَ بأرضِ الحيرة ومشارف بلادِ الشّام، عمرُو بن ظَرِب بنِ حَسَانِ العمليقي. فجمع جَذيمة جموعه من العرب ليغزُوَه. وأقبل عمرُو بن ظَرِب بجموعه من الشام. فالتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً، فقُتل عمرُو بن ظَرِب، وفُضَّت جموعُه، وغَيْمَهُ جذيمةُ وانصرف موفوراً. فملكت من بعده ابنته :
واسمُها نائلةُ. وكان جنودُها بقايا من العماليق، والعاربة الأولى، وقبائل من قُضاعةً. فلمّا استحكم حُكمُها، أجمعت على غزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها. واستشارت أهلَ الرَّأي، فأشير عليها بالعدول عن الحرب إلى المكر، وأعلموها أنَّها امرأة، والحربُ سِجال بين الرّجال، وأنَّها لو قد هُزِمَتْ كان البوار، وأعلموها من غِبِّ مُباشرَةِ مِثلها للحرب، ما كَرِهَتهُ.
وأشارت عليها أختها «زنيبة» وكانت ذاتَ دهاءٍ وإرب - أن تأتي الأمر من جهة الخَدِعِ والمكرِ، وأن تكتب إِلى جَذيمة تدعوهُ إلى نفسها ومُلكها. فقبلت ذلك وكتبت إليهِ أَنَّها لم تجد مُلكَ النِّساءِ إِلّا إِلى قُبح في السَّماع، وضعف في السُّلطان وقلَّة ضبط للمملكة؛ وأنَّها لم تجد لِمُلكها موضعاً، ولا لنفسها كُفؤاً «غيرك. فهَلُمَّ إِليَّ، واجمع ملكي إِلى مُلكِكَ، وصل بلادي ببلادك، وتَوَلَّ تدبيري كُلَّه وأمري، لتموتَ الصَّغائنُ والأحقاد، وتزول عن قلوب النّاس ما خامرها من العداوات».
فلمَّا انتهى كتابُ الزَّباء إلى جذيمة، وقَدِمَ عليه رُسُلُها، بمخاطباتٍ شبيهة بهذا المعنى، استخفّه ما دَعَتهُ إِليه، ورغب فيما أطمعتهُ فيه وجمع أهل الرأي من أصحابه، فاستشارهم فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويَستَولي على مُلكِها. وكان فيهم رجلٌ يقالُ له :
وكان سعدٌ هذا تزوّج أَمَةً تخدم لِجَديمَةَ، فولدت له قصيراً، وكان حازماً، أريباً،
أثيراً عند جذيمة. فخالفهم في ما أشاروا به عليه، وقال:
فنازعوه الرّأي، فقال لِجَذيمةَ : «اكتب إليها فلتُقبل إليك إن كانت صادقةً. فإن لم تفعل، فلم تَسِر إليها مُمَكِّناً إيّاها من نفسك وقد وَتَرتَها، وقتلت أباها».
فلم يوافق جَذيمةُ ما أَشارَ به عَلَيْهِ قصيرٌ، وقال جَذيمةُ :
ودعا جذيمةُ ابنَ أختِه عمرو بن عديّ، فاستشاره فشجَّعَهُ على المسير، وقال:
فأطاعه وعَصى قصيراً. فقال قصيرٌ :
وفي ذلك يقول الشعراء ما حذَفناه طلب الإيجاز.
واستخلف جَيمةُ عمرو بنَ عَديّ على مُلكِه وسُلطانه. وسار في وجوه أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربيّ. فلمّا نزل رَحبةَ مالك بن طوق - وكان تُدعى في ذلك الزَّمان «الفُرضَةَ» - دعا قصيراً، فقال:
«بِبقَّةَ تركتَ الرَّأي» - فذهبت مثلاً.
واستقبلتهُ رُسُلُ الزَّبَاءِ بالهدايا والألطاف، فقال:
«يا قصيرُ كيف ترى؟» قال :
«خَطَرٌ يَسيرٌ في خطب كبير - فذهبت مثلاً - وستلقاك الخيلُ، فإن سارت أمامك فإنّ المرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيكَ، فالقومُ غادرون، فاركب العصا، فإنّي مُسايرك عليها».
وكانت العصا فرساً لِجَذيمة لا تُجاري فلقيتهُ الخيولُ والكتائب، فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير مولّياً على متنها، فقال:
ونجا قصيرٌ، وأُدخِلَ على الزّبّاءِ. فلما رأته كشفت له عن إسبها، فإذا هو مضفورٌ. فقالت :
فقال: «بَلَغَ المَدى، وجفَّ الثَّرى، وأمر غدرٍ أرى». - فذهبت مثلاً.
فتمَّت حيلتُها على جذيمة، حتّى قَتَلَته بأن قطعت راهِشَيه، في خبرٍ طويل، وأمثالِ محفوظة. فهلك جذيمةُ، وخرج قصيرٌ حتّى قَدِمَ على عمرو بن عديّ وهو بالحيرة
فقال له قصير : «أَدائِرٌ، أم ثائر؟» فقال : - بل ثائر سائر». - فذهبت مثلاً.
كانت الزّبّاء قد سألت الكهنةَ والمنجِّمين عن أمرها ومُلكها، فقالوا
ووصفوا قصيراً وعَمرو بن عديّ وقالوا :
فحذرت عَمراً، واتَّخذت نفقاً من مجلسها الّذي كانت تجلس فيه، إلى حصن لها داخل مدينتها، وقالت إن فَجِئَني أمرٌ دخلتُ النَّفقَ إِلى حِصني.
ثُمَّ دَعَت مَصوِّراً حاذقاً فجهَّزتهُ، وقالت :
فانطلق المصوِّر، حتّى قَدِمَ على عمرو بن عدي وبَلَغَ جميعَ ما وصَّته به، ثُمَّ رجع إليها بما وجَّهتهُ له من الصُّور. فعرفت عمراً على جميع هيئاته، وحذرته.
ثُمّ إِنْ قصيراً قال لعمرو : «اجدع أنفي واضرب ظهري، ودعني وإيّاها».
فقال عمرو: «وما أنا بفاعل ولا أنت بمستحق منّي لذلك».
فقال قصير : «خَلِّ عَنِّي إِذا وخلاكَ ذَمُّ». - فذهبت مثلاً.
فقال له عمرو : «فأنتَ أبصرُ». فَجَدَعَ قصيرٌ أنفَ نفسه، وأثّر بظهره، وقيلت فيه الأشعار، وخرج قصيرٌ كأَنَّه هاربٌ، وأظهر أنّ عمراً فعل به ذلك، وأنه يزعم أَنَّه مَكرَ بخاله جَذيمة، وغرَّه من الزباء.
فسار قصير حتّى قدِم على الزباء. فقيل لها: «إن قصيراً بالباب».
فأمرت به، فأُدخِلَ عليها، فإذا أنفُه قد جُدِع وظهرُهُ قد ضُربَ.
فقالت: «ما الّذي أرى بك يا قصيرُ؟».
قال: زعم عمرو أنّي غَرَرتُ خالَهُ، وزيَّنتُ له المسير إليكِ، وغَشَشْتُهُ، ومالأتُكِ عليه، ففعل بي ما تَرَينَ، فأقبلتُ إليكِ، وعَرَفتُ أنّي لا أكُونُ مع أحد هو أثقل عليه منكِ».
فأكرمته، وأصابت عنده حزماً ورأياً وتجربةً ومعرفةً بأمور الملوك. فلمّا علم أنَّها قد وثقت به، واسترسلت إليه، قال لها :
فلم يزل بها يزيِّنُ لها ذلك، حتّى سرَّحته، ودفعت إليه أموالاً، وجهَّزت معه عيراً، وقالت :
سار قصيرٌ، وأتى الحيرة متنكّراً، فَدَخَلَ على عمرو، وأخبره بالخبر، وقال:
فأعطاه حاجته، وجهزه بصنوف الثّياب وغيرها. فرجع بذلك كُلِّه إِلى الزَّبَاءِ فعرضه عليها. فأعجبها ما رَأَتْ، وازدادت به ثقةً، وإليه طمأنينة. ثُمَّ جَهَّزته بأكثرَ ممّا كانت جهّزته به. فسار حتّى قَدِم العراق، ولقي عَمرو بن عديِّ، وحمل من عنده ما ظنَّ أنَّه موافق للزّبّاء، ولم يترك جهداً ولا حيلة في طُرفةٍ ولا مَتاع قَدَرَ عليهِ إِلّا حمله إليها.
ثُمَّ عاد الثالثة إلى العراق. فقال لعمرو :
وحَمَلَ كلَّ رجلين في غرارتين، وجَعَلَ معقَدَ رؤوس الغرائر من باطنها، وقال:
ففعل عمرو بن عديّ جميع ذلك. فلمّا قرب من المدينة، تقدَّم قصيرٌ إليها، وبشَّرها، وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثّياب، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قُطراتِ تلك الإبل، وما عليها من الأحمال. وكان قصير يَكمُنُ النَّهارَ ويسير بالليل. فخرجت الزّبّاء فأبصرت الإبل. فلمّا توسطتِ الإبلُ المدينةَ أنيخت ودلَّ قصير عمراً على باب النّفق، وخرجت الرّجالُ من الغرائر، وصاحوا بأهل المدينة، ووضعوا فيهم السِّلاح. وقام عمرُو بنُ عديّ بباب النَّفَقِ، وأقبلت الزّبّاء مبادرة تريد النَّفقَ لتدخله. فأبصرت عمراً قائماً، فعرفته بالصُّورة الّتي صوّرها المُصوِّرُ، فمصَّت خاتمها وكان فيه سم، وقالت :
فحللّها بالسَّيف، فقتلها وأصابَ ما أصاب وانكفاً سالماً.
وصار المُلكُ بعد جذيمة لعمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعةَ بن الحارث بن مالك بن عمرو بنِ نُمارَةَ بن لَخمٍ، وهو أوّلُ من اتَّخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب، وإليه تُنسب ملوكُ آلِ نصر، ومات وهو ابنُ مائةٍ وعشرين سنةَ، لا يدين لملوك الطُّوائف، ولا يدينون له، حتّى قَدِم أردشير بن بابك في أهل فارِسَ، فكان من أمرهم ما كان.
ولم يكن لملوك اليمن نظامٌ قبلَ آلِ نصر، وإنّما كان الرَّئيسُ يكونُ مَلِكاً على مخلافه ومَحجَرِه، لا يتجاوزه، فإن نَبغَ منهم نابغٌ مثل تُبَّع وغيره، فتجاوزَ ذلك، فإِنَّما هو عن غير نظام ولا مُلكِ مُوَطَّدٍ له ولا لآبائه، ولا لأبنائه، ولكن كالّذي يكون من بعض من تشرَّدَ، فيُغير عند الغِرَّةِ، فإذا قصده الطَّلبُ، لم يكن له ثباتٌ. فكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحدُ منهم بعد الواحد، في قديم الدَّهر، يخرج من مخلافه ومحجره أيّاماً، فيُصيبُ ما مرَّ به، ثُمَّ يتشمَّرُ عند الطَّلب راجعاً إلى موضعه من غير أن يَدين له أحدٌ من غير أهل مخلافه ومحجره بالطّاعةِ، أو يؤدّي إليه خرجا إلّا ما يُصيبُ على جهة الغارة، حتّى كان عمرُو بن عديّ، ابن أختِ جَذِيمةً، فَإِنَّه اتَّصل له ولِعَقبِهِ ولأسبابه المُلكُ على من كان بنواحي العراق، وبادية الحجاز، باستعمال ملوك فارس إيّاهم واستكفائهم أمرَ منَ وليهم من العرب.
ومِمَّن أساء السّيرة فاصطلِمَ طسمٌ وجديسٌ، وكانوا في أيّام ملوك الطَّوائف. فأمّا طسمٌ فكان المَلِكُ فيهم، وكانوا ساكني اليَمامةَ، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيراً، لهم فيها صنوفُ الثّمار، ومعجِباتُ الحدائق والقصور الشّامخةِ. وكان ملكهم ظلوماً غشوماً راكباً هواه. فكان ممّا لَقُوا من ظلمه : أَنَّه أَمَرَ أَلّا تُهدى بِكرٌ من جَديس إلى زوجها حتّى تدخُلَ عليه فيفترعَها. فَغَبَرَ على ذلك دهراً، حتّى أنف منهم رجلٌ يقال له : الأسودُ بن عفار.
فقال لرؤساء قومه :
قالوا : «وما ذاك؟».
فأخذ عهودهم إلى أن وَثِقَ ثُمَّ قال :
فأجابوه إلى ذلك، واجتمع رأيهم عليه. فاتَّخذ طعاماً وأمر قومه، فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرَّملِ، وقال:
وحضر الملك، فقُتِلَ وقُتِل الرُّؤساءُ، ثُمّ شَدُّوا على البقيَّة، فأفنوهم.
فهرَب رجلٌ من طَسم يقال له : رياح بن مُرَّة، حتّى أتى حسّان بن تُبَّع، فاستغاثَ به. فخرج حسّان بن تُبَّع في جميرٍ، فلمّا كان من اليمامة على ثلاث، قال له رياحٌ :
ففعلوا ذلك، فأبصرتهم، فقالت لجديس :
فكذَّبوها وقالوا :
قالت : «أرى رجلاً في شجر معه كَتِفٌ يتعرَّقُها أو نعلٌ يخصفها».
فلم يستمعوا منها، واستهانوا، فكان كما قالت. وصبَّحَهم حسّان فأبادهم وأخربَ بلادهم، وهدَّم قصورَهُم وحصونهم. وأتى حسّان باليمامة فَفَقَأ عينها، وقالت العربُ في ذلك الأشعار، وهي معروفةٌ.
ثُمَّ لما استولى أردشير بن بابك على الإرمانيّين (وهم ملوك العراق وأنباطُ السَّوادِ، وكان كلّ واحدٍ منهم يُقاتل صاحبه فاستولى أردشيرُ عليهما، وقتل الأردوان - ويُسمّى «شاهنشاه») كَرِهَ كثيرٌ من تَنُوخَ أن يُقيموا في مملكته، فخرجُوا فَلحقوا بالشّام، وانضمُّوا إلى من كان هناك وكان ناسٌ من العرب يُحدِثونَ الأحداث لو تضيق بهم المعيشة، فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث : الثُلتُ الأوّل: «تَنوخ»، وهو مَن كانَ يسكنُ المظالَّ وبيوت الشَّعر والوَبَرِ في غربيِّ الفراتِ فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها والثُّلثُ الثّاني: «العُبَادُ»، وهم الّذين سكنوا الحيرة وابتَنوا بها. والثُّلث الثّالث : «الأخلافُ»، وهم الّذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم مِمَّن لم تكن من تنوخ الوَبَرِ ولا مِنَ العُبّادِ الّذين دانوا لأردشير. وكانت الحيرةُ والأنبارُ جميعاً بُنيتا في زمن بختنصَّر، فخَربتِ الحيرةُ لما تحوّل أهلها عند هلاكِ بختنصَّر إلى الأنبار، وعَمَرتِ الأنبارُ خَمسمائةٍ وخمسين سنةَ إلى أن عَمَرَتِ الحيرة في زمن عمرو بن عديّ باتّخاذه إيّاها منزلاً، فَعَمَرَتِ الحيرةُ خمسمائةٍ وبضعاً وثلاثين سنةً، إلى أن وُضعت الكوفةُ، ونَزلها المسلمون.
ودبّر أردشير أمرَ الفُرس والعرب، وردَّ نِظامَ المُلكِ، وكان حازماً أريباً كثير الاستشارة طويل الفكر، معتمداً في تدبيره على رجل فاضل من الفرس يُعرف ب«تنسر»، وكان هربَذاً. فلم يزل يدبِّر أمره ويجتمع معه على سياسة الملك، إلى أن أطاعه من جاوره مِن مُلوك الطَّوائف، وعرفُوا فضله، ودخلُوا تحت رايته رهبةً ورغبةً، وحارب من امتنع منهم عليه.
وله مكائدُ وحروبٌ يطولُ الكتابُ بذكرها. فمن أحسن ما حفظ له عهدُه إلى الملوك بعده، وهذه نسخته :
ثُمَّ كلَّما ازدادَ في العُمر تَنَفُّساً وفي المُلك سلامةً، زادَهُ في هذهِ الطَّبائع الأربع، حتّى يُسلِمَهُ إِلى سُكرِ السُّلطان الّذي هو أشدُّ مِن سُكرِ الشَّرابِ، فَيَنسى النَّكَباتِ والعَثراتِ والغِيَرَ والدَّوائرَ وفُحش تسلُّط الأيّام، ولُوْمَ غَلِبَةِ الدَّهرِ، فَيُرسلُ يَدَه ولسانه بالفعل والقولِ. وقد قال الأوَّلون منّا: عندَ حُسنِ الظَّنِّ بالأيّام تحدُث الغِيَرُ. وقد كان من الملوك مَن يُذكّره عِزّه الذُّلَّ، وأمنُهُ الخَوفَ، وسُرورُه الكَآبَةً، وبَطَرُهُ السُّوقةَ، وقُدرَتُه المعجزة، ولا حزم إلّا في جميعها».
وهذا الباب من الأبواب الّتي تَكسِرُ سُكورَ الفسادِ ويُهاج بها قُرُباتُ البَلاء، ويُغني البصير اللّطيف ما ينتهك من الأمور في ذلك فإنّا قد رأينا المَلِكَ الرَّشيدُ السَّعيد المنصور المكفيَّ المظفّرَ الحازم في الفُرصة، البصير بالعورة، اللَّطيف لِلشُّبهة المبسوط له في العلم والعُمرِ ؛ يجتهد فلا يعدو صلاح مُلكه حياته، إلّا أن يشبَّه به متشبِّهٌ. ورأينا الملك القصير عُمَرُه، القريبة مُدَّتُه، إذا كان سعيُهُ بإرسال اللِّسان بما قال، واليد بما عملت، بغیر تدبیر يُدرك، أفسد جميع ما قدّم له من الصَّلاح قبله، ويُخلّف المملكة خراباً على من بعده.
سُوقَ الأرباح، ولا يعلم ذلك الوزيرُ والقرينُ أنَّ في التماسِ الرِّبح على السُّلطانِ فساد جميع الأمور، وقد قال الأوَّلون منَّا : رَشادُ الوالي خَيرٌ للرَّعيَّةِ من خِصبِ الزَّمانِ.
واعلموا أنّ المُلكَ والدّين أخوانِ تَوأمان، لا قوامَ لأحدهما إلّا بصاحبه، لأنَّ الدّين أُسُّ المُلك وعماده. وصار الملكُ بعدُ حارس الدّين، فلا بُدَّ لِلمُلَكِ من أُسه، ولا بُدَّ لِلدِّين من حارسه، فإنَّ ما لا حارس له ضائعٌ، وإنّ ما لا أسَّ له مهدومٌ. وإن رأسَ ما أخاف عليكم مبادرةُ السَّفِلِةِ إِيَّاكم إلى دراسةِ الدّين وتلاوته والتَّفقه فيه، فتحملكُمُ الثّقةُ بقُوَّةِ السُلطان على التّهاون بهم، فتحدث في الدّين رئاساتٌ مُستَسِرّاتٌ في مَن قد وَتَرتُم وجَفَوتُم وحَرَمتُم وأخَفتُم وصَغَرتُم مِن سَفِلَةِ النّاس والرّعيّةِ وحشوِ العامّة، ولم يجتمع رئيسٌ في الدّين مُسِرٌّ، ورئيسٌ في المُلكِ مُعلنٌ، في مملكة واحدة قطُّ، إلا انتَزعَ الرَّئيسُ في الدّين ما في يَدِ الرَّئيس في المُلك، لأنّ الدّين أَسُ والمُلكَ عماد، وصاحبُ الأُسُّ أولى بجمع البُنيانِ من صاحب العماد.
وقد مضى قبلنا ملوكٌ كان المَلِك منهم يتعهَّدُ الجملة بالتفسير والجماعات بالتَّفصيل، والفَراغَ بالأشغال، كتعهُّدِه جَسَدَهُ بقصِّ فضولِ الشَّعر والظُّفْرِ وغَسل الدَّرَنِ والغَمَرِ، ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن. وقد كان من أولئك الملوكِ من صِحَّةُ ملكه أحبُّ إليه من صحةِّ جَسَدِه، وكان بما يُخلَّفه من الذكر الجميل المحمود، أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأُذُنه في حياته. فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم مَلِكٌ واحد، وكأن أرواحهم روحٌ واحدة، يُمكِّنُ أوّلهم لآخرهم، ويصدق آخرهم أوَّلهم بجميع أنباء أسلافهم، ومواريث آرائهم، وصياغات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، فكأنَّهم جُلوس معه، يُحدِّثونه ويشاورونه، حتّى كان على رأس دارا بن دارا ما كان، وغلبة الإسكندر على ما غلب من مُلكنا. فكان إفسادُهُ أمرنا وتفريقُه جماعتنا، وتخريبُه عُمران مملكتنا، أبلغ له في ما أراد من سفك دمائنا. فلما أذن اللّه في جمع مملكتنا ودولة أحسابنا، كان من ابتعاثه إيّانا ما كان، وبالاعتبار تُتَّقى الغِيَرُ، ومن يخلفنا أوجدُ للاعتبار، مِنَّا، لما استدبروا من أعاجيب ما أتى علينا.
اعلموا أن سلطانكم إنّما هو على أجسادِ الرَّعيَّة، وأنَّه لا سلطان للملوك على أنَّ القلوب. واعلموا أنّكم إن غلبتم النّاس على ذات أيديهم فَلَن تغلبوهم على عقولهم. واعلموا أنّ العاقل المحروم سال عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإن أشدَّ ما يضربكم به من لسانه ما صَرَفَ الحيلة فيه إلى الدّين فكأنَّ بالدّين يحتج وللدين - فيما يُظهر - يغضب، فيكون للدّين بكاؤه، وإليه دعاؤه، وهو أوجد التّابعين والمصدّقين، والمناصحين والمؤازرين منكم. لأن بغضةَ النّاس هي موكَّلة بالملوك، ومحبَّتهم ورحمتهم موكَّلةٌ بالضعفاء المغلوبين. وقد كان من قبلَنا مِن المُلوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها،
فإنّ العاقل لا تنفعه جَودَةُ نحيزته إذا صُيّرُ عقله خراباً مواتاً، وكانوا يحتالون للطّاعنين بالدّين على الملوك، فيُسمُّونَهم المبتدعين. فيكونُ الدّين هو الّذي يقتلهم ويُريح الملوك منهم. ولا ينبغي لِلمَلِكِ أن يعترف للعبّادِ والنسّاكِ والمُتبتّلين أن يكونوا أولى بالدّين، ولا أحدبَ عليه، ولا أغضبَ له منه. ولا ينبغي للملك أن يَدَعَ النُسّاك بغير الأمر والنَّهي لهم في نسكهم ودينهم فإنَّ خروج النُّسَاكِ وغيرِ النَّسَاكِ من الأمر والنَّهي عيب على الملوك، وعيب على المملكة، وثُلمةٌ يَتَسَنَّمُها النّاس بنيَّة الضّرر للملك ولمن بعده.
واعلموا أن مصير الوالي إلى غير أخدانه، وتقريبه غير وزرائه، فتح لأبواب الأنباء المحجوب عنه عِلمُها. وقد قيل : إذا استوحش الوالي مِمّن لم يُوطن نفسه عليه، أطبقت عليهِ ظُلَمُ الجَهالة، وقيل: أخوَفُ ما تكون العامّة آمن ما يكون الوزراء.
«اعلموا أنّ دولتكم تُؤتى من مكانين: أحدهما غلبة بعض الأمم المخالفة لكم، والآخرُ فسادُ أديكم. ولن يزال حريمُكم من الأمم محروساً، ودينكم من غلبة الأديانِ محفوظاً، ما عُظَّمتْ فيكم الوُلاةُ، وليس تعظيمُهم بتركِ كلامهم، ولا إجلالُهم بالتَّنحِّي عنهم، ولا المحبَّةُ لهم بالمحبَّةِ لِكُلِّ ما يُحبُّون. ولكن تعظيمهم تعظيم أديانهم وعُقولهم، وإجلالُهم إجلالُ منزلتهم من اللّه ومحبَّتُهم محبَّةُ إصابتهم، وحكاية الصَّواب عنهم».
«واعلموا أنَّه لا سبيل إلى أن يُعظَّمَ الوالي إلا بالإصابة في السِّياسةِ، ورأسُ إصابة السِّياسةِ أن يفتح الوالي لِمَن قِبَلَه من الرّعيّةِ بابين: أحدهما بابُ رِقّةٍ ورحمة ورأفةٍ وتضرُّع وبذل وتحَنُّنِ والطافٍ ومواساةٍ ومؤانسةٍ وبشرٍ وتهلُّلٍ وعفوٍ وانبساطٍ وانشراح؛ والآخرُ : بابُ غِلظةٍ وخشيةٍ وتَعَنَّتِ وتسدُّدٍ وإمساكٍ ومباعدةٍ وإقصاءٍ ومخالفةٍ ومَنْعِ وقُطوب وانقباض وتضييقٍ وعقوبةٍ ومحقرة إلى أن يبلغ القتل. واعلموا أني لم أُسَمَّ هذين البابين بابَ رِفقٍ وباب عُنفٍ، ولكني سميتهما جميعاً «بابي رفق»، لأنَّ فتح باب المكروه مع باب الشُّرور هو أوشكُ لِغَلقه، حتّى لا يُبتلى به أحدٌ. وفي الرَّعيَّةِ مِن الأهواء الغالبةِ للرَّأي والفجور المستثقل للدِّينِ والسَّفِلة الحَنقةِ على الوجوه بالنَّفاسَةِ والحسد، ما لا بُدَّ معه أن يُقرَنَ بباب الرَّأفَةِ بابُ الغَلظة، وبباب الاستبقاء بابُ القتل، وقد يُفسد الوالي بعض الرَّعيَّة من حرصه على صلاحها، ويَغلّظُ عليها من رِقِّتِه لها، ويقتل فيها من حرصه على حياتها».
«واعلموا أنَّ قِتَالَكم الأعداء مِنَ الأمم قَبلَ قِتالِكم الأدب من أنفُسِ رعيَّتِكم، ليس بحفظ، ولكنّه إضاعةٌ. وكيف يُجاهَد العدوُّ بقلوبٍ مختلفةٍ، وأيد متعادية. وقد علمتُم أنَّ الّذي بُني عليه النّاس وجُبلت عليه الطَّباعُ حُبُّ الحياةِ وبُعْضُ الموتِ، وأنّ الحرب تُباعدُ من الحياة، وتُدنى من الموتِ، فلا دفع ولا منع ولا صبرَ ولا محاماة مع
هذا، إلا بأحد وجهين : إمّا بنية والنِّيَّةُ ما لن يقدر عليهِ الوالي عِندَ النّاس بعد النِّيَّةِ الّتي تكون في أوّل الدَّولة، وإما بحُسن الأدب وإصابة السِّياسة».
«واعلموا أن بدءً ذهاب الدولِ مِن قِبَلِ إِهمالِ الرَّعيةِ بغير أشغال معروفة، ولا أعمال معلومةٍ. فإذا فشى الفراغ في النّاس، تولَّد منه النَّظرُ في الأمور، والفكرُ في الأصول. فإذا نظروا في ذلك، نظروا فيه بطبائع مختلفة، فتختلفُ بهم المذاهبُ، ويتولَّدُ من اختلافِ مذاهبهم، تَعادِيهم وتضاغُنُهم وتطاعُنُهم، وهم في ذلك مجتمعون - في اختلافهم - على بُغض الملوك، لأن كلَّ صِنفٍ منهم إنَّما يَجري إلى فجيعةِ المَلِكِ بمُلكِه، ولكنّهم لا يجدون سُلَّماً إلى ذلك أوثَقَ مِن الدّين، ولا أكثر أتباعاً، ولا أعزّ امتناعاً، ولا أشدَّ على النّاس صَبراً. ثُمَّ يتولد من تعاديهم أن المَلِكَ لا يستطيع جَمعَهم على هوى واحدٍ فإذا انفرد ببعضهم، فهو عَدُوٌّ بَقيَّتِهم، ثُمَّ تتولد من عداوتهم لِلمَلِكِ كثرتُهم، فإنّ من شأن العامّة الاجتماع على استثقال الولاة والنَّفاسَةِ عليهم. لأنّ في الرَّعيَّة المحروم، والمضروبَ، والمُقامَ عليه وفيه وفي حميمه الحدود، والداخلَ عليهِ بعِزّ المَلِكِ الذُّلُّ في نفسِه وخاصَّتِه. فكلُّ هؤلاء يجري إلى متابعة أعداء المَلِك. ثُمَّ يتولد من كثرتهم أن يَجبُنَ المَلِكُ عَن الإقدام عليهم، فإن إقدامَ المَلِكِ على جميع الرَّعيَّةِ تغريرٌ بمُلكه ونفسه، ويتولَّد من جُبن الوُلاةِ عن تأديب العامّة تضييعُ الثَّغور الّتي فيها مم من ذوي الدّين والبأس، لأنَّ المَلِكَ إن سدَّ الثَّغور بخاصّته المناصحين له، وخَلَت به العامّة الحاسدة المعاديةُ، لم يعدُ بذلك تدريبهم في الحرب، وتقويتهم في السِّلاح، وتعليمهم المكيدَةَ مع البغضةِ، فهم عند ذلك أقوى عدوّ وأضرُّه، وأحنقُه، وأحضرُه، وأخلقه بالظَّفر، ولا بُدَّ مِن استطرادِ هذا كُلَّه إِذا ضُيعَ أوّلُه».
مطمعةٌ لِلَّذين يَلُونَ المُلوكَ فى المُلكِ، ومطمعةٌ لِلَّذين دونَ الّذين يَلُونَ الملوك في تلك الحال، وهذا لِقاحُ بَوارِ المُلكِ».
«ومن ألفى منكم الرّعيَّة وقد أضيعَ أوّلُ أمرِها، فألفاها في اختلاف من الدِّينِ، واختلاف من المراتب وضياع من العامّة، وكانت به على المكاثرةِ قُوَّةٌ، فليُكاثِر بقوَّتِه ضَعفَهم، وليبادر بالأخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالأخذ بكَظَمِه، ولا يقولَنَّ : أخاف العَسفَ. فإِنَّما يخاف العسف من يخافُ جريرةَ العسف على نفسه، فأَمَّا إذا كان العسفُ لبعض الرَّعيَّةِ صلاحاً لبقيَّتها، وراحة لهُ ولِمَن بَقي معه من الرَّعيَّة، مِن النَّغَل والدَّغَلِ والفساد، فلا يكونن إلى شيءٍ بأسرعَ مِنهُ إِلى ذلك، فإنّه ليس نفسه ولا أهلَ موافقته يَعسفُ، ولكنَّما يَعسفُ عدوَّهُ».
«ومن ألفى منكم الرَّعيَّة في حال فسادِها ولم يَر بنفسه عليها قُوَّةً في إصلاحها، فلا يكونَنَّ لقميص قَمِل بأسرع خلعاً منه لما لَبِس من ذلك المُلكِ، وليأتِه البوار - إذا أتاه - وهو غير مذكورٍ بشُوم، ولا مُنوَّه به في دنياه، ولا مهتوكٍ به سترُ ما في يَدَيه».
«واعلموا أنَّ فيكم من يستريح إلى اللّهوِ والدَّعَةِ، ثُمَّ يُديم من ذلك ما يُورثه خُلقاً وعادةً. فيكون ذلك لقاح جد لا لهو فيه، وتعب لا خَفضَ فيه، مع الهُجنة في الرّأي والفضيحة في الذّكرِ. وقد قال الأولون مِنّا: لَهُو رَعيّةِ الصِّدقِ بتقريظ الملوكِ، ولهو ملوك الصدق بالتَّودُّدِ إِلى الرَّعيَّةِ».
«واعلموا أن مَن شاءَ منكم ألّا يسير بسيرة إِلا قُرّظت له فعل، ومن شاءَ منكم بعث العيون على نفسه فأذكاها، فلم تَكُنِ النّاس بِعِيبِ نفوسهم بأعلَمَ مِنْهُ بعيبه».
«ثُمَّ إِنَّه ليس منكم مَلِكٌ إِلا كثير الذكر لِمَن يَلي الأمر بعده، ومن فساد الرّعيَّةِ نشر أمور وُلاةِ العهود، فإنَّ في ذلك من الفساد أنَّ أوّله دخول عداوةِ مُمضّةٍ بينَ المَلِك، ووليِّ عهده، وليس يتعادي متعاديان بأشدَّ من أن يسعى كُلّ واحدٍ منهما في قطع سُولِ صاحبه. وهكذا المَلكُ، وولي عهده : لا يَسُرُّ الأرفعَ أن يُعطى الأوضعُ سُؤلَه في فنائه، ولا يَسُرُّ هذا الأوضعَ أن يُعطى الآخَرُ سؤله في البقاء، ومتى يَكُن فرحُ أحدهما في الرّاحة من صاحبه، تدخل كُلّ واحدٍ منهما وحشةٌ من صاحبه في طعامه وشرابه، ومتى تداينا بالتُّهمةِ، يَتَّخذ كُلُّ واحدٍ منهما أحبّاء واخداناً وأهلاً، ثُمّ يدخل كُلَّ واحدٍ منهما وغَرٌ على أحبّاءِ صاحبه. ثُمَّ تَنساقُ الأمور إلى هلاكِ أحدهما لما لا بُدَّ منه مِن الفناء، فتُفضِي الأمور إلى الآخر وهو حَنِقٌ على جيل من النّاس، يرى أنّه موتورٌ إِن لم يحرمهم، ويضعهم، ويُنزِلْ بهم الّتي كانوا يُريدون إنزالها به لَو وَلُوا. فإِذا وَضعَ بعض الرّعيَّة وأسخط بعضاً على هذه الجهةِ، تَولَّد من ذلك ضغنّ وسَخَطُ من الرّعيَّةِ، ثُمَّ ترامى ذلك إلى بعض ما أحذرُ عليكم بعدي. ولكن ليَختَرِ الوالي منكم للّه، ثُمَّ لِلرَّعيَّة،
ثُمَّ لنفسه، وَليًّا للعهد من بعدهِ، ثُمَّ ليكتب اسمه في أربع صحائف، فيختمها بخاتمه، فيضعها عند أربعة نفر من خيار أهل المملكة. ثُمّ لا يكونَنَّ منه في سرّ ولا في علانيةٍ أمرٌ يُستدل به على ولي ذلك العهد، لا في إدناء وتقريب يُعرف به، ولا في إقصاء وتنكب يُسترابُ لَهُ، ولْيَتَّقِ ذلك في اللَّحظةِ والكلمة. فإذا هلك، جُمعت تلك الكُتب عند الرَّهط الأربعة، إلى النسخة الّتي عند الملك، ففُضضنَ جميعاً، ثُمَّ نوّه بالذي وُضع اسمُهُ في جميعهنَّ. فيلقى المُلكَ - إذا لَقِيَه - بحداثة عهده بحال السُّوقة، فلبس ذلك المُلكَ - إذا لبسه - ببصرِ السُّوقة وسمعها، ورأيها. فإن في سُكر السُّلطانِ الّذي سَيَنَالُه، ما يكتفي به له من سُكر ولاية العهدِ مع سُكر المُلك. فيصُمُّ ويعمى قبل لقاء المُلك لصمم الملوك، وعماهم، ثُمَّ يَلقى المُلكَ، فيزيدُهُ صَمَماً وعمّى مع ما يلقى في ولاية العهدِ مَن بَطَر السُّلطان، وحيلةِ العُتاة، وبغي الكذّابين وترقية النَّمَّامين وتحميل الوُشاة بينه وبين من فوقه».
«ثُمَّ اعلموا أنَّه ليس للملك أن يبخل، لأنه لا يخاف الفقر، وليس له أن يكذب، لأنه لا يقدرُ أحدٌ على استكراهه، وليس له أن يغضب، لأنّ الغضب والعداوة لِقاحُ الشَّرِّ والنَّدامة، وليس له أن يلعب ولا يعبثَ، لأنَّ العبث واللَّعب من عمل الفُرّاغ، وليس له أن يَفرُغَ، لأنَّ الفَراغَ من أمر السُّوق، وليس له أن يَحسُدَ إلّا ملوك الأمم على حُسن التَّدبير، وليس له أن يَخافُ، لأنّ الخوف من المُعور، وليس له أن يتسلط، إذ هُوَ معورٌ».
«واعلموا أنْ زَينَ الملوك، في استقامة الحال : أن لا تختلف منه ساعاتُ العمل والمباشرة، وساعاتُ الفراغ والدَّعَةِ، وساعاتُ الرُّكوب والنُّزهة، فإِنَّ اختلافها منه خِفَّةٌ، وليس للملكِ أن يَخفَّ».
اعلموا أنكم لَن تَقدِرُوا على ختم أفواه النّاس مِن الطَّعن والإزراء عليكم، ولا قدرة بكم على أن تجعلوا القبيحَ حَسَناً».
«واعلموا أنّ لِباسَ الملكِ ومطعمه مُقاربٌ للباس السُّوقة ومطعمهم، وبالحريِّ أن يكون فرحُهما بما نالا من ذلك واحداً. وليس فضلُ الملك على السوقة إلّا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فإن المَلِك إِذا شاءَ أحسنَ، وليس السُّوقة كذلك».
«واعلموا أنه يحقُّ على المَلِكِ منكم أن يكون ألطف ما يكون نظراً، أعظم ما يكون خطراً، وألا يُذهَبَ حُسنَ أثره في الرّعيّةِ خَوفُه لها، وألّا يستغني بتدبير اليوم عن تدبير غٍد، وأن يكون حذرُه للمَلاقين أشدَّ من حَذَرِه للمباعدين، وأن يتّقي بطانة السّوءِ أشدَّ من اتقائه عامَّة السوء، ولا يطمعنَّ مَلِكٌ في إصلاح العامّة إذا لم يبدأ بتقويم الخاصّة».
«واعلموا أنَّ لكُلِّ مَلِكِ بِطانَةٌ، وأنَّ لِكُلِّ رجل من بطانيه بطانة، ثُمَّ لكلِّ امرئ من بطانة البطانة بطانةَ، حتّى يجتمع في ذلك جميعُ أهل المملكة! فإذا أقام المَلِكُ بطانته
على حالِ الصّواب، أقامَ كُلُّ امرئ منهم بطانته على مثل ذلك حتّى يجتمع على الصّلاح عامَّةُ الرّعيّة.
«اعلموا أنّ الملك منكم قد تَهُونُ عليه العيوبُ، لأنّه لا يستقبل بها وإن عملها حتّى يرى أنّ النّاس يَتَكاتَمُونَها بينهم كُمكاتمتهم إيّاه تلك العيوب. وهذا من الأبواب الدّاعية إلى طاعة الهوى، وطاعةُ الهوى داعيةٌ إلى غلبته، فإذا غلب الهوى اشتدَّ عِلاجه من السُّوقة المغلوب فضلاً عن المَلِكِ الغالب».
«اتّقوا باباً واحداً طالما أَمِنتُه فضرَّني، وحَذِرتُه فَنفعني : احذَرُوا إفشاءَ السِّرِ عندَ الصِّغارِ مِن أهليكُم وخَدَمِكم، فإنّه لا يصغُر أحدٌ منهم عن حمل ذلك السِّرَّ كاملاً! لا يقول منه شيئاً حتّى يَضَعَه حيث تكرهونَ، إِمّا سَقَطاً وإمّا غِشاء والسَقَطُ أكثرُ ذلك. اجعلوا حديثكم لأهلِ المَراتِب، وجباءَكم لأهل الجهادِ وبِشرَكم لأهلِ الدِّين، وسِرَّكم عندَ مَن يلزمُهُ خيرُ ذلك وشره وزينُه وشَينُهُ».
«واعلموا أنّ صحّة الظُّنون مفاتيح اليقين، وأنَّكم ستستيقنونَ مِن بعض رعيَّتكم بخير وشرّ، وستظنّونَ ببعضهم خيراً وشرا، فمن استيقنتم منه بالخير والشَّرِّ، فليستيقن منكم بهما، ومن ظننتُموهما به فليظنَّهما بكم في أمره، فعند ذلك يَبدُو مِنَ المُحسنِ إحسانه، فيخالفُ الظَّنَّ فَيعْتَبِط، ومن المُسيء إساءته، فيصدق الظَّنّ به فيندم». و
أسعدوا الرّأي على الهَوى، فإنَّ ذلك تمليكٌ لِلرَّأي. واعلموا أنَّ من شأن الرَّأي الاستخذاء للّهوى، إذا جرى الهوى على عادته. وقد عرفنا رجالاً كانَ الرَّجلُ منهم يؤنس مِن قُوَّةِ طباعه ونبالة رأيه ما تُريه نفسه أنّه على إزاحة الهوى عنه، وإن جرى على عادته، ومعاودته الرَّأيَ، وإن طال به عهدُه، قادرٌ، لثقة يجدها بقوَّة الرَّأي. فإذا تمكّن الهوى منه فسخ عزم رأيه، حتّى يُسمّيه كثير من النّاس ناقصاً في العَقلِ. فأمّا البصراءَ فيستبينون من عقله عند غلبة الهوى عليه ما يُستبان من الأرض الطَّيِّبة المواتِ.
الوُلاة، ومن قَوِي على جفوتهم فهو غيرُ سادٍّ ثَغراً ولا مُناصحٌ إماماً، ومن غَشَّ الإمامَ فقد غشَّ العامّة وإن ظنّ أنّه للعامَّة مناصحٌ، وكان يُقال : لم ينصح عملاً مَن غَشَّ عامِلَهُ».
«وفي الرّعيّة صنف تركوا إتيان الملوكِ من قبل أبوابهم وأتوهُم من قِبل وزرائهم. فليعلم المَلكُ منكم أنَّ مَن أتاه مِن قِبَل بابه فقد آثَرَهُ بنصيحته إن كانت عنده، ومن أتاه من قِبل وُزرائه فهو موثِرٌ للوزير على المَلِكِ في جميع ما يقول ويفعل».
«وفي الرَّعيَّة صنفٌ دَعَوا إلى أنفسهم الجاه، بالإباء والرّد له، ووجدوا ذلك عند المُغَفّلين نافقاً، ورُبَّما قرَّب المَلِكُ الرّجُلَ من أُولئك لغير نُبل في رأي، ولا إجزاء في العمل، ولكنّ الإباء والرّدَّ أعْرَياهُ به».
«وفي الرَّعيَّة صنف أظهروا التَّواضع، واستشعروا الكِبَر. فالرّجلُ منهم يَعِظُ الملوك زارياً عليهم بالموعظة، يَجدُ ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم ويسمّى - هو ذلك وكثيرٌ مِمَّن مَعَهُ - تحرياً للدّين. فإن أراد المَلِكُ هَوانَهم لم يعرف لهم ذنباً يُهانون عليه ؛ وإن أراد إكرامهم فهي منزلةٌ حَبّوا بها أنفسَهم على رغم الملوك، وإن أراد إسكاتَهم كان السَّماعُ في ذلك أنَّه استثقل ما عندهم من حفظ الدّين؛ وإن أمروا بالكلام قالوا ما يُفْسِدُ ولا يُصلح. فأولئك أعداءُ الدُّول وآفاتُ الملوكِ. فالرّأي للملوك تقريبُهم من الدّنيا، فإنَّهم إليها أجروا وفيها عَمِلوا، وَلَها سَعَوا، وإيّاها أرادوا. فإذا تَلوَّثُوا فيها بَدَت فضائحهم، وإلا فإنَّ فيما يُحدِثون ما يجعل للملوك سُلَّماً إلى سفك دمائهم. وكان بعض الملوك يقول : القتل أقلُّ للقتل».
«وفي الرَّعيَّةِ صنفٌ أتوا الملوك من قبل النصائح لهم، والتمسوا صلاح منازلهم بإفسادِ منازلِ النّاس. فأولئكَ أعداءُ النّاس وأعداء الملوك ومن عادى الملوك وجميع الرَّعيَّةِ، فقد عادى نفسه».
«واعلموا أنّ الدّهر حاملكُم على طبقات منهنَّ : حالُ السَّخاء حتّى تدنو من السَّرَفِ، ومنهنَّ : حالُ التَّقتير حتّى تقرُبَ من البخل، ومنهنَّ : حالُ الأناة، حتّى تصير إلى البلادة ومنهنَّ : حالُ المناهَزة للفرصة حتّى تدَنوَ مِنَ الخِفَّةِ، ومنهنَّ حالُ الطَّلاقة في اللسان حتّى تدنو من الهَذْرِ، ومنهنَّ : حال الأخذ بحكم الصَّمتِ حتّى تدنو مِنَ العِيّ. فالمَلِكُ منكم جديرٌ أن يبلغ من كلّ طبقةٍ في محاسنها حدَّها، فإذا وقف على الحدودِ الّتي ما وراءَها سَرَفٌ، ألجم نفسَه عَمّا وراءها».
«واعلموا أنَّ المَلِكَ منكم ستعرض له شهوات في غير ساعاتها. والملكُ إِذا قَدّرَ ساعة العمل، وساعةَ الفَراغ، وساعةَ المطعم، وساعةَ المشربِ، وساعةَ الفضيلةِ، وساعةَ اللّهو، كان جديراً ألا يُعرَفَ منه الاستقدَامُ بالأمور، ولا الاستيخار عن ساعاتها. فإنَّ اختلاف ذلك يُورث مضرَّتين: إحداهما السُّخفُ وهي أشدُّ الأمرين، والأخرى
نقصُ الجسد، بنقص أقواته وحركاته».
«واعلموا أن من ملوككم من سيقول : لي الفضلُ على مَن كانَ قبلي مِن آبائي وعُمومتي ومَن ورثتُ عنه هذا الأمر، لبعض الإحسانِ يكون منه. فإذا قال ذلك، سُوعِدَ عليه بالمتابعة له. فليعلم ذلك المَلِكُ والمتابعون : إِنَّما وضعوا أيديهم وألسنتهم في قصب آبائه مِنَ الملوكِ وهم لا يشعُرُونَ. وَلَبِالحَرِيّ أن يشعُر بعض المتابعين له فَيُغمِّض على ما لا يحزنُه من ذلك».
«واعلموا أنَّ ابن الملكِ وأخاهُ وعمَّه وابن عمِّه كلَّهم يقول : كدتُ أن أكونَ مَلِكاً، وبالحريّ ألّا أموت حتّى أكون ملكاً، فإذا قال ذلك، قال ما لا يَسُرُّ المَلِكَ. فإن كتمه، فالدّاءُ في كُلِّ مكتوم، وإن أظهرهُ كَلَمَ في قلب الملكِ كَلماً يكونُ لِقاحاً للتَّبايُنِ والتَّعادي. وستجدون القائل ذلك من المتابعين والمحتملين والمتمنِّين، ما تمنّى لنفسه ما يُريده، إلّا ما اشتاق إليه شوقاً. فإذا تَمَكَّنَ في صدره الأملُ، لم يَرجُ النّيلَ له، إلّا في اضطراب من الحَبل، وزَعَزعة تدخل على المَلِك وأهل المملكة. فإذا تمنّى ذلك فقد جعل الفسادَ سُلَّماً إلى الصَّلاح، ولم يكن الفساد سُلَّماً إلى صلاح قطُّ. وقد رسمت لكم في ذلك مِثالاً لا مَخرج لكم منه إلا به اجعلوا أولاد الملكِ من بنات عُمومتهم. ثُمَّ لا يصلح من أولاد بنات الأعمام، إلّا كاملٌ غير سخيف العقل، ولا عازبُ الرَّأي، ولا ناقص الجوارح، ولا معيوب عليه في الدّين فإنكم إذا فعلتم ذلك، قلَّ طلّاب المُلكِ، وإذا قلَّ طّلابه استراح كلُّ امرئ على جديلته وعرف حاله، وغضَّ بصرَه، ورضِيَ بمعيشته واستطاب زمانه».
«واعلموا أنّه سيقول قائلٌ من عُرض رعيَّتِكم، أو من ذوي قرابتكم : ما لأحدٍ عليَّ فضلٌ ولو كان لي مُلكٌ، فإذا قال ذلك فإنّه قد تمنّى المُلك وهو لا يشعرُ، ويُوشِكُ أن يتمنّاه بعد ذلك وهو يشعُرُ. فلا يرى ذلك من رأيه خطلاً، ولا من فعله زَلَلاً، وإنّما يستخرجُ ذلك فراغ القلب واللسان ممّا يُكلّف أهل الدّين والكتّاب والحُسَّابَ، أو فراغ اليدِ ممّا يكلّفُ الأساورة، أو فراغ البَدَنِ ممّا يكلّف التُّجارَ، والمهنَة، والخَدَمَ. واعلموا أنّ الملك ورعيّته جميعاً يحق عليهم ألا يكون للفراغ عندهم موضعٌ، فإِنَّ التَّضييع في فَراغِ المَلِكِ، وفساد المملكة في فراغ الرّعيّة».
«واعلموا أنا على فضلِ قُوّتِنا، وإجابةِ الأمور إيّانا، وحدَّة دولتنا، وشدّة بأس أنصارنا، وحسن نيَّةِ وزرائنا، لم نستطع إحكام تفتيش النّاس، حتّى بلغنا من الرّعيَّة مكروهها، ومن أنفسنا مجهودها».
«واعلموا أنّه لا بُدَّ من سَخَط سيحدُث منكم على بعض أعوانكم المعروفين بالنَّصيحة لكم، ولا بُدَّ من رضى سيحدثُ لكم من بعض أعدائكم المعروفينَ بالغشِّ
لكم، فلا تُحدثوا عندما يكون من ذلك انقباضاً عن المعروف بالنصيحة، ولا استرسالاً إلى المعروفِ بالغِشِّ.
«قد خلَّفتُ لكم رأيي، إذ لم أستطع تخليف بدني، وقد حَبوتُكم بما حَبَوتُ به نفسي وقضيتُ حقكم فيما آسَيتُكم به من رأي. فاقضُوا حقّي بالتَّشفيع لي في صلاح أنفسكم والتَّمَسُّكِ بِعَهدي إليكم. فإنّي قد عَهِدتُ إليكم عهدي، وفيه صلاح جميعِ مُلوكِكُم وعامَّتِكم وخاصَّتِكم. ولَن تَضِيعُوا ما احتفظتُم بِما رسمتُ لكم ما لم تَصنَعُوا غيره. فإذا تمسَّكتم به كان علامة في بقائكم ما بَقِيَ الدَّهرُ».
«ولولا اليقين بالبوار النّازل على رأس الألف من السِّنين، لظننتُ أنّي قد خلَّفتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به، كان علامةً في بقائكم ما بقي الدّهرُ، ولكن القضاء إذا جاءت أيّامه، أطعتم أهواءكم، واستثقلتم ولاتكم، وأمِنتُم وتنقّلتم عن مراتبكم وعصيتُم خِياركم وأطعتم شِرَارَكم وكان أصغرُ ما تُخطئون فيه سُلَّماً إلى أكبر منه حتّى تفتقُوا ما رتَقنا، وتُوهُوا ما وثّقنا، وتُضيعوا ما حفظنا. والحقُّ علينا وعليكم ألا نكون للبوار أغراضاً، وفي الشُّؤم أعلاماً. فإنّ الدّهر إذا أتى بالذي تنتظرون، اكتفى بوحدته. ونحن ندعو اللّه لكم بنماء المنزلة، وبقاء الدّولة، دعوة لا يُفنيها فناء قائلها حتّى المنقَلبِ، ونسألُ اللّه الّذي عجَّل بنا، وخلّفكم أن يَرعاكُم رِعايةً يرعى بها ما تَحتَ أيديكم وأن يرفعكم رِفعةً يَضعُ بها من عاداكم، ويُكرِمَكُم كَرامةً يُهينُ بها من ناوأكم. ونستودعكم اللّه وديعة يكفيكُم بها الدَّهرَ الّذي يُسلَّمكم إلى زيالِه وغيره وعثراته وعداوته، والسَّلام على أهلِ المُوافَقَةِ مِمَّن يأتي عليهِ العهدُ من الأمم الكائنة بعدي».
فمن وجوه المكائد الغريبة ما تمَّ على رجل من الجرامقة يقال له : السّاطرون، وهو الّذي تُسمّيه العرب: «الضيزنَ»، وكان ينزل بجبال تكريتَ بين دجلةَ والفرات في مدينة يقالُ لها : الحَضرُ. وزعم هشام بن الكلبي أنّه من العرب من قُضاعة وأنه ملَكَ أرضَ الجزيرة، وكان معه من قبائل قُضاعةَ ما لا يُحصى، وبلغ مُلُكه الشّام.
ثمّ إِنّه تطرّف بعض السّواد في غيبة لسابور إلى ناحيةِ خراسان. فلمّا قدِمَ من غيبته، شَخَصَ إِليهِ حتّى أناخ على حصنه، وتحصَّنَ الضَّيزنُ، كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ، سنتين، لا يقدر سابورُ على الوصول إليه، وهو قوله :
ألَمْ تَرَ لِلحَضر إذ أهله***بنُعمى، وهَل خالدٌ مَن نَعِم
أقامَ به شاهَبورُ الجُنُو***دِ حولَينِ يضرِبُ فيه القُدُم
وكان للضّيزنِ هذا ابنة يقال لها : النَّضيرة عركت فأخرجت إلى رَبَضِ المدينة -
وكذلك كان يُفعل بالنِّساءِ إذا عركن - وكانت من أجمل نِساءِ زَمانِها، وكان سابورُ أيضاً من أجمل رجال زمانه. فاطَّلعت عليه يوماً، فرأته، فعشقته، وأرسلت إليه :
«ما تجعل لي، إن دَلَلتُك على ما تهدم به سُوّر هذه المدينة، وتقتل أبي؟» قال:
«حكمكِ، وأرفعُكِ على نسائي، وأخصُّكِ بنفسي دونَهنَّ». فاحتالت للحرس حتّى سَقَتهم الخمر وصرَّعتهم، وأظهرت علامةَ ذلك لِسابُور. فَنَصَبَ السُّور حتّى تسوّرَ وفَتَحها عَنوةً، وقتل الحرسَ والضَّيزَنَ، وأبادَ قُضاعةَ الّذين كانوا مع الضَّيزِنِ، فلم يَبقَ منهم باقٍ يُعرفُ إلى اليوم، وأخربَ سابور المدينة. وفي ذلك يقول عمرو بن إله:
ألم يحزنك والأنباء تنمى***بما لاقت سَراةُ بَني العَبِيدِ
ومصرعُ ضَيزنٍ وبَني أبيهِ***وأحلاسُ الكتائب مِن تَزيد
أتاهُم بالفُبُولِ مُجَللات***وبالأبطالِ سابُورُ الجُنُودِ
فهدَّم من أواسي الحِصن صَخراً***كأنَّ ثِفالَه زُبَرُ الحَديدِ
واحتمل سابورُ النّضيرةَ بنتَ الضّيزنِ، فأعرس بها بعين التَّمر. فذكر أنَّها لم تنم، وتضوّرت ليلتها من خشونةِ فُرُشِها وهي من حرير، محشُوَّةً بالقَزِّ. فالتُمس ما كان يُؤذيها. فإذا ورقةُ آسٍ مُلتزقةٌ بِعُكنةٍ من عُكَنِها قد أثَّرت فيها من لين بَشَرَتِها.
فقال لها سابورُ : «ويحكِ ! بأيِّ شيءٍ كان يَعذُوكِ أبوكِ؟».
فقالت: «بالزُّبد، والمخِّ، وشَهدِ الأبكار من النَّحل، وصَفوِ الخَمرِ».
قال: «وأبيكِ لأنا أحدثُ عهداً بكِ وأَوتَرُ لكِ من أبيكِ الّذي غذاكِ بما تذكرين».
فأمر رجلاً، فركب فرساً جموحاً، ثُمَّ عَصبَ غدائرها بِذَنَبِه، ثُمَّ استركضها، فقطَّعها قِطَعاً. وقد أكثر الشُّعراء في ذكر الضَّيزن هذا، وإيّاه عَنى عدي بن زيد بقوله :
وأخو الحضر، إذ بناه وإذ دج***لة تُجبى إليه، والخابور
شادَهُ مَرمَراً، وجللّه كل***ساً، فلِلطَّير في ذُراه وكور
لم يَهَبهُ رَيبُ المَنونِ فَبادَ ال***مُلكُ عَنْهُ، فبابه مهجور
ومضت أيّام سابور، وهي ثلاثون سنة، حميدةً. وفي أيّامه ظهر ماني الزّنديق، وكذلك أيّام ابنه هرمز الملقَّب بالبطل والجريء. وكان عظيمَ الخَلق جريئاً. له حكاياتٌ عظيمةٌ جدًّا، وَكَوَّرَ مدينةَ «رامهرمُزَ» وملك سنةً. ثُمَّ مضت أيّام ابنه بهرامَ بن هرمزَ كذلك، وقتل ماني وسلخه. ومضت أيّام ابنه بهرام بن بهرام، ثمّ أيّام ابنِه بهرامَ ِبنِ بهرام بنِ بهرامَ، ثُمَّ أيّام نَرسي بنِ بهرامَ أخي بهرامَ الثَّالث، ثُمَّ أيّام هرمز بنِ نَرسي، وكان فَظًّا، إلّا أنَّه رَفِقَ بالرّعيّة، وسار بأعدل سيرة فيهم، وحرص على العمارة وانتعاش
الضُّعَفاء، ثُمَّ هلك وببعض نسائه حَبَلُ. فبعض النّاس يزعم أنَّه وصّى بالمُلك لذلك الحمل في بطنِ أُمِّه، وبعضهم زعم أنَّ النّاس لمّا شقّ عليهم موتُ هرمز، سألوا عن نسائه. فلمّا عرفوا أنَّ ببعضهنَّ حَبَلاً، عقدوا التَّاجَ عليه في بطن أمه. ثُمَّ وُلِدَ :
وهو سابورُ بنُ هرمز بنِ نَرسي بنِ بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. فكتب إليه النّاس الكتب من الآفاق، ووجَّه البُرُدَ إلى الأطراف، وقلَّد الوزراءَ والكُتّاب، والعُمالَ، الأعمال الّتي كانوا يعملونها في مُلك أبيه.
فيما حدث في أيّامه : أَنَّ خَبَرَهُ لمّا فشا وشاع، وعلمَ أصحابُ الأطراف أنَّ مَلِكَ الفُرس صبيٌّ يُدبِّرُ، ولا يُدرى ما يكون منه، طمع فيهم وفي مملكتهم الرّومُ، والتُّرك والعرب. وكانت أدنى بلادِ الأعداء إلى فارس بلاد العرب، وكانوا من أحوج الأمم إلى تَناول شيء من المعايش، لسوء حالهم وشَطَفِ عيشهم. فسار جمعٌ عظيمٌ منهم في البحر، من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة، حتّى أناخوا براشهر وسواحل أردشير خُرّه، وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحُروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، ومكثوا بذلك حيناً لا يغزوهم أحدٌ من الفرس لِقلَّةِ الهيبة، وانتشار الأمر، وكثرة المدبّرين، ولأنَّ المَلِكَ طفل، حتّى ترعرع سابورُ، وجعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود الّتي في الثغور، ووردت الأخبارُ بأن أكثرهم قد أحلَّ. وعظَّموا عليه الأمر بعد الأمر. وكان ممّا عُرِضَ عليه، أمرُ الجنودِ الّتي في الثّغور، ومَن كان منهم بإزاء الأعداء، وأنّ الأخبار وردت بإحلال أكثرهم. وهؤلوا عليه الخطب في ذلك.
فقال لهم سابور: «لا يكبرنَّ عليكم هذا فإنّ الحيلة فيه يسيرة».
وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود بأنه :
وتقدّم إلى من اختار الانصراف، في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجّة إليه.
فلمّا سمع الوزراءُ ذلك من قوله ورأيه استحسنُوهُ وقالوا: «لو كان هذا قد أطال تجربةَ الأمور وسياسة الجند، ما زاد رأيه على ما سمعنا منه». ثُمَّ تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه، حتّى إذا تمَّت له ستّ عشرة سنةً، وأطاق حَملَ السّلاح وركوبَ الخيل، واشتدَّ عَظمُه جَمعَ إِليه رؤساء أصحابه وأجنادِه، ثُمَّ قامَ فيهم خطيباً. فذكر اللّه عزّ وجلّ، وذكر ما أنعم به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من إربهم، ونَفَوا من
أعدائهم، وما اختل من أمورهم في الأيّام الّتي مضت من أيّام صباه، وأعلمهم : أنه يستأنف العَمَلَ في الذَّب عن البيضة، وأنه يُقدِر الشَّخوص إلى بعض الأعداء لمُحاربته، وأنّ عدةَ من يشخص معه من المقاتلة ألفُ رجل. فنهض إليه القوم داعين متشكِّرين، وسألوه أن يُقيم بموضعه ويوجِّه القُوّادَ والجنود لِيَكفُوهُ ما قدَّر من الشُّخوص فيه. فأبى أن يجيبهم إلى المقام. فسألوه الازدياد على العدّة الّتي ذكرها، فأبى. ثُمَّ انتخب ألفَ فارس من صناديد جُندِه وأبطالهم وأغنيائهم، وتقدَّم إليهم في المُضِيِّ لأمره، ونَهاهُم عن الإبقاء على العرب وعلى من لقُوا منهم، ووضاهُم ألّا يُعرّجوا على مالٍ ولا غنيمةٍ ولا يلتفتوا إليه.
ثُمَّ سار بهم، حتّى أوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون. فقتل منهم أبرحَ القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيتُهم. ثُمَّ قطع البحر في أصحابه فَوَرَدَ الخطَّ، واستبرى بلاد البحرين. فجعل يقتل أهلها ولا يقبل فداءاً ولا يُعرّج على غنيمةٍ. ثُمَّ مضى على وجهه، فَوَرَدَ هَجَر وبها ناسٌ من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس. فسفك فيهم من الدّماء سفكاً سالت كسيل المطر، حتّى كان الهاربُ منهم يرى أن لَن يُنجيه غارٌ ولا جَبَلْ ولا بحرٌ ولا جزيرة. ثُمَّ عَطَفَ إِلى بلادِ عبد القيس، فأباد أهلها إلّا من هرب منهم. فلحق بالرِّمال، ثُمَّ أتى اليَمامَةَ، فقتل بها مثل تلك المقتلة. ولم يَمُرَّ بماء من مياه العرب إلّا عوّره ولا جُبِّ من جِبابِهم إلّا طَمَّهُ. ثُمَّ أَتى قُربَ المدينةَ، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر. ثُمَّ عطف نحو بلاد بكر وتغلب وفيما بين مملكة فارس ومَناظِر الرُّوم بأرضِ الشّام. فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطمَّ مياههم.
ثُمَّ أسكن قوماً من بني تغلب ومَن سكن منهم البحرين دارين والخطّ ؛ ومن كان من عبد القيس وطوائف تميم هَجَرَ ؛ ومَن كان من بكر بن وائلٍ، كَرمان ؛ - وهم الّذين يُدعون بكر إياد - ومن كان منهم من بني حنظلة، بالرُّمَيلة من بلاد الأهواز. وبَنى بالسَّواد مدينة بُزُرج سابُور، وبنى الأنبارَ، وبنى السُّوس والكرخَ. وغزا بعد ذلك أرض الرُّوم، فسبى سَبياً كثيراً. وبنى بخراسان نيسابور. ثُمَّ هادن قسطنطين مَلِك الرّوم الَّذي بَنى قُسطنطينية، وهو أوّلُ من تنصَّر من ملوكِ الرُّوم.
كان قسطنطين لمّا ملك الزومَ كبرت سنه، وساء خُلُقه، وظهر به وَضَحٌ. فأرادت الرّوم خلعه وكاشفته وقالت :
فشاور نُصَحاءَهُ فقالوا له :
قال : «فما الحيلة؟».
قالوا : «تحتال بالدّين - وكانت النَّصرانيَّة قد ظهرت وهي خفيّةُ - وذلك بأن تستأذن في زيارة بيت المَقدِس، وتستمهلهم مُدَّةَ ما تَعُودُ. فإذا حَصَلتَ بها دخلت في هذا الدّين النَّصراني تحمل النّاس عليه فإنَّهم يفترقون فرقتين، فتقاتل بمن أطاعك من عصاك، وما قاتل قوم على دين قطُّ إلّا غلبوا».
ففعل قسطنطين ذلك، فظفر بالرُّوم. فأحرق كُتُبهم وحكمتهم، وبنى البيع، وحملَ النّاس على النَّصرانيَّة، ونقلهم من الرّوميةِ وكانت دار مملكتهم، وبَنى قُسطنطينيّة ولم يَزلِ المُلكُ محروساً بالنَّصرانيَّة، وغَلبَ على الشّام، إلى أن ظهر الإسلام.
وكان يدين بملةِ اليونانية القديمة الّتي كانت قبل النَّصرانيَّة. فلمّا مَلَكَ، أظهر مِلَّتَه، وأعادها كهيئتها، وأمر بهدم البيع، وجمع جموعاً من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب.
فكان من عاقبة ذلك السَّرف الّذي أقدم عليه سابور من قتل العرب : أن اجتمع في عسكر لليانوس مِنَ العرب مائة وسبعون ألف مقاتل. فوجَّههم مع بطريق له في مقدّمته. وأقدموا على فارسَ حَنِقينَ مَوتورين. وذلك أن سابور لم يقتصر على الانتقام ممَّن أذنب وتجاوز حدَّهُ، حتّى قتل البريء، وسفك من الدماء ما لا يُحصى.
فلمّا انتهى إلى سابُورَ كثرةُ من معَ لليانوس من الجنود، وشِدَّةُ بصائرهم، وحَنقُ العرب، وعددُ الرّوم والخزر، هالَه ذلك، ووجَّهَ عُيوناً تأتيه بأخبارهم، ومبلغ عددهم، وشَجَاعَتِهم، وعُدَّتِهم. فاختلفت عليه أقاويلُ أولئك العيونِ في ما أَتَوه به من الأخبار عن لليانوسَ وجُندِه. فتنكَّر سابورُ، وسار في ثقاتِه لِيُعَايِنَ عسكرهم.
فكان ممّا جنى فيه على نفسه وتخلّص منه بحسن الاتّفاق : أنَّه لمّا قرب من عسكر البطريق الّذي كان على المقدَّمة وكان اسمه يوسانوس ومعه العربُ والخزرُ، وجّه قوماً ليتجسَّسوا الأخبار ويأتوهُ بحقائقها. فَنَذِرَت بهم الرّومُ، فأخذوهم ودفعوهم إلى یوسانوس. فأقرَّ من جملتهم رجلُ واحدُ، وأخبر بالقصَّةِ على وجهها وبمكان سابور،
وسأله أن يوجَّه معه جُنداً فيدفع إليهم سابور. فأرسل يوسانوسُ رجلاً من بطانته إلى سابور يُعلمه ما أُلقِيّ إليه من أمره ويُنذِرُه. وإنّما فعل ذلك لميله إلى النَّصرانيَّة الّتي قصدها لليانوس. فارتحل سابور من الموضع الّذي كان فيه وصار إلى عسكره. ثُمّ زحف لُليانوس بمسألة العرب إيّاه، فقاتل سابور وفضَّ جَمعَه، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب سابورُ في من بقي من جنده، واحتوى لليانوسُ على مدينة طيسبونَ محلّة سابور، وظفر ببيوت أمواله وخزائنه فيها. ثُمَّ اجتمع إلى سابور من آفاق بلاده جنودُه، وحارب لُليانوس، واستنقذ منه طيسبون، واختلفت الرُّسُل بينه وبين لليانوس.
فكان من سوء تحفُّظ لُليانوس في تلك الحال واسترساله : أن كان يوماً جالساً في حُجرة مِن فُسطاطه، والرُّسل تختلفُ بينه وبين سابور، فجاءه سَهِمٌ غَرِبٌ فأصاب مقتله من فؤاده، فسقط ومات، وأسقِطَ في روع جُنده وهالهم ما نزل به، ويئسوا من التّقصّي في بلاد فارس، فصاروا نشَراً لا مَلِكَ عليهم. فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولّى المُلكَ لهم ليُملِّكوه عليهم. فأبى ذلك، وألحُّوا عليه، فأعلمهم أنَّه على مِلَّة النَّصرانيَّة، وأنَّه لا يلي قوماً هم له مخالفون في دينه. فأخبرتهم الرّوم أنّهم على ملّته، وأنَّهم كتموها مخافة لُليانوس. فأجابهم حينئذٍ، فلمّا ملكوه أظهروا النَّصرانيَّة.
ثُمَّ إِنَّ سابور لما علم بهلاك لليانوس، أرسل إلى قُوّاد جُنودِه الرّوم يقول :
فعزم يوسانوس على إتيان سابور لما كان بينه وبينَهُ، لِما أَنذره ومَنَّ عليه. فلم يُتابعه أحدٌ من قُوّادِ جُندِه. فاستبدَّ برأيه، وجاء إلى سابور في ثمانين رجلاً من أشراف من كان في عسكره وجُندِه، وعليه تاجُهُ. فبلغ سابور مجيئُهُ إليه، فتلقّاه، وتساجدا، فعانقه سابور شكراً لما كان منه في أمره، وطَعِم عنده يومئذٍ ونَعِمَ. وإِنَّ سابور أرسل إلى قُوّاد جند الرّوم وذوي الرئاسة فيهم يُعلمهم : أنَّهم لو ملَّكوا غير يوسانوس، لجرى هلاكُهم في بلادِ فارس، ولكن تمليكهم إيّاه يُنجيهم من سطوتِه. ثُمَّ قوّى أمرَ يوسانوس بكلِّ جهد، وقال له عند مُنصَرفه»
فأجاب يوسانوس وأشرافُ جُندِه سابورَ إلى ما سأل من العوض، ودفعوا إليه
نصيبين. فبلغ ذلك أهلها، فجلوا عنها إلى مُدنٍ للرّوم، خوفاً على أنفسهم من مَلكِ مخالف مِلَّتَهم. فبلغ ذلك سابور، فنقل اثنّي عَشَرَ ألَفَ أهل بيتٍ من أهل اصطخرَ وأصبهانَ وكُوّرٍ أخر، من بلاده إلى نصيبين فأسكنهم إيّاها. وانصرف يوسانوس إلى الروم وملكها يسيراً ثم هلك.
وضَرِي سابورُ على قتل العرب ونزع أكتافِ رؤسائهم زماناً طويلاً، فَسَمَّته العرب «ذا الأكتاف». ثمّ إنّه استصلح العرب وأسكن من بعض تغلب وعبد القيس وبكر، كرمان وتَوَّجَ والأهواز. وبنى مدينة نيسابور ومدائن أُخر بالسِّند وسجستان، ونقل طبيباً من الهند فأسكنه السُّوسَ، فَوَرِتْ طِبَّه أهلُ السُّوس. وهلك سابور بعد اثنتين وسبعين سنة من ملكه.
وقام بالمُلك بعد سابور، أخوه أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك. فلمّا استقرَّ به المُلكُ ظَهَر منه شرّ، وقَتَلَ مِن ذوي الرِّئاسة والعظماء خلقاً كثيراً، فخلعه النّاس بعد أربع سنين من ملكه، وملَّكوا:
فاستبشرت الرّعيّةُ به وبرجوع مُلكِ أبيه إليه. فأحسن السيرة ورفق بالرَّعيَّةِ، إلى أن سقط عليه فسطاطٌ كان ضُرِبَ عليه، فمات ومُلك بعده أخوه :
وكان يُلقَّب بكرمان شاه، لأنّ سابور ولاه «كرمان»، فمضت أيّامه محمودةً، وكان جميل السِّياسةِ مُحبَّباً. ثُمّ قام بالملك :
ومن الفرس من يقول : هو أخو بهرام وهو يزدجردُ بنُ سابورَ ذي الأكتافِ. وكان فظًا غليظاً ذا عيوب كثيرة، وكان من أشدّ عيوبه وضعه ذكاءً ذهن وحُسن أدب كانا فيه، غير موضعهما. وذلك أنَّه كان كثير الرؤية في الضّارِ من الأمور، واستعمل عِلمه الّذي أوتِيَهُ، في الدَّهاءِ والخَتلِ، واستخف بكُلِّ علم كان عند النّاس، واحتقر آدابهم واستطال بما عنده، وكان مع ذلك معجَباً، غَلِقاً، سَيِّىء الخُلق، رديء الطِّعمة، حتّى بلغ من شدَّة غلَقِه وحدَّته أن يستعظم صغير الزلات ولا يرضى في عقوبتها إلّا بما لا يُستطاعُ أن يبلغ مِثلَها. ثُمَّ لم يقدر أحدٌ من بطانته - وإن كان لطيف المَنزِلة منه - أن يشفع لمن ابتلي به، وإن كان ذنب المبتلى به يسيراً. ولم يكن يأتمن أحداً على شيء من الأشياء. ولم
یکن يُكافى على حسن البلاء. وكان يعتد بالخسيس من العُرفِ إذا أولاه ويستجزل ذلك. فإن جَسرَ على كلامه أحدٌ في أمر قال له :
وما أشبه ذلك. فلقي النّاس منه عَنتاً. فلمّا اشتدّت بليَّتُه، وكثُرَ إهانته للعظماء، وحمل على الضُّعفاء، وأكثر من سفك الدِّماء، اجتمعوا وتضرَّعوا إلى ربِّهم في تعجيل إنقاذهم منه.
فتزعم الفرس : أنّه كان مطَّلعاً أنه كان مطلعاً من قصره ذات يوم إذا رأى فرساً عائراً لم يُرَ مِثله قطُّ في الخيل، حُسنَ صورة وتمامَ خَلق حتّى وقف على بابه، فتعجب النّاس منه، لأنه كان متجاوز الأمر. فأمر يزدجرد أن يُسرَج ويُلجم ويُدخل عليه. فحاول ساستُه وأصحابُ مراكبه الجامَهُ وإسراجَه، فلم يمكن أحداً منهم من نفسه. فخرج بنفسه إلى الموضع الّذي فيه الفرسُ، فالجمه بيده وأسرجه ولينه فلم يتحرك، فلما استدار به ورفع ذَنَبه لِيُنفره، رَمَحَهُ الفَرسُ على فؤاده رمحة هلك منها مكانه. ثُمّ لم يعاين ذلك الفرسُ. فأكثرت الفُرسُ في حديثه وظَنّتِ الظُّنونَ. وكان أحسنهم مذهباً مَن قال: «إِنَّما استجاب اللّه دعاءنا».
ثُمَّ ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنهُ :
وكان أسلمه يزدجرد إلى المنذر بن النُّعمان ليربِّيه في ظهر الحيرةِ، لصحّةِ التُربةِ والهَواء، وليتعلَّمَ هناك الفروسيّةَ. وتكفّله النُّعمان وعظَّم يزدجرد المنذر بن النُّعمان وشرفه، وملكه على العرب، وسار به المنذر، فربّاه، واستدعى له الحواضن من الفُرسِ والعرب، ثُمَّ أحضره المؤدِّبينَ، وحرص بهرام على الأدب.
فتحكي عنه حكاياتٌ من النجابة في صِغَرِه، فمنها أنَّه قال للمنذر بن النُّعمان وهو ابن خمس سنين :
فقال له المنذر : إِنَّكَ بعد صغيرُ السِّنِّ، ولم يأنِ لَكَ ذلك بعدُ.
فقال له بهرام: «أما تعلمُ أيّها الرَّجلُ أنّي من ولد الملوك، وأنّ المُلك صائرٌ إليّ، وأولى ما كُلّف به الملوكُ وطلبوه، صالح العلم، لأنَّه زينٌ لهم وركنٌ، وبه يفوقون؟ أما تعلمُ أنَّ كلَّ ما يُتقدَّم في طلبه يُنالُ وقتَهُ، وما لا يتقدَّم فيه، بل يُطلب في وقتِه، يُنالُ في غير وقتِه، وما يُفرَّطُ فيه وفي طلبه، يفوتُ فلا يُنال؟ عَجْل عليَّ بما سألتُك !».
فوجه المنذرُ ساعةَ سَمعَ مقالة بهرام، إلى باب الملكِ من أتاه أتاه برهط من المعلمينَ
والفقهاء ومُعلِّمي الرَّمي والفروسيّة، وجمع له حكماء الروم وفارِسَ ومحدِّثي العرب، فألزمهم إيّاه، ووقف أوقاتاً لِكُلِّ قوم منهم. فتفرَّغَ بهرامُ لِتَعلم كُلِّ ما سَأَلَ أن يُعلَّمَ، واستمعَ مِن أهل الحكمة، ووعى ما سَمِعَ، وثَقِفَ كلَّ ما عُلم بأيسر سَعي، وبلغ أربعَ عشرة سنة وقد فاق معلِّميه، واستفادَ كُلَّ ما أفيد وحَفِظ وفاق. ثُمّ حرص على انتخاب الأفراس العربية وركوبها وإحضارها والرَّمي عليها، فَبَرَع في ذلك. وتحكي الفرس عنه حكايات عظيمة جدا.
ثُمَّ أعلم المنذر أنّه على الإلمام بأبيه، فشخص، وكان أبوه لا يحفل بولد له، فاتخذ بهرام للخدمة، ولقي بهرام من ذلك عَنتاً. واتَّفَقَ أن ورد على يزدجرد وفدٌ من قيصر - وفيهم أخو قيصر - في طلب الصُّلح والهُدنة، فسأله بهرام أن يكلّم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر. فأذن له أبوه وانصرف إلى بلاد العرب وقد عرَّض بأبيه ورأى قِلَّةَ نفاقِ أدبه عليه، ولقي شِدَّةً وهواناً. فأقبل على التَّنعُّم والتَّلذُّذِ، إلى أن هلك أبوه يزدجرد وبهرامُ غائبٌ.
فتعاقد قوم من العظماء ألا يُملكوا أحداً من نسل يزدجرد، وأظهروا: أنَّ وُلدَ یزدجرد لا يحتملون المُلكَ، وليس فيهم نجيب غير بهرام، وبهرامُ لم يتأدب بأدب الفُرس، وإِنَّما أدبُه أدب العرب، وأخلاقه أخلاقهم، لنشئه في ما بينهم وبين أظهرهم، واجتمعت كلمة العامّة معهم على صرفِ المُلك عن بهرامَ إِلى رَجُلٍ من عترة أردشير بنِ بابك يُقال له :
فملَّكوه، وانتهى هلاكُ يزدجرد وما كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام. فدعا بالمنذر وبالنُّعمان ابنه وناس من علية العرب. فذكَّرهم إحسان والده إليهم وإنعامه عليهم مع فظاظته وشدّتِه على الفُرس، وأخبرهم بموتِ والده وما كان من الفرُس من تمليك غيره، ومناهُم من نَفسِه ووَعدَهُم بما أنسوا به. فقال المنذر :
ثُمَّ إِنّ المنذر جهز عشرة آلاف من فرسان العرب مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مَدينتَي المُلكِ، وأمره أن يُعسكر قريباً منهما، وأن يُغير على ما والاهُما، وإن تحرّك أحدٌ لقتاله قاتله. وأذِنَ لَهُ في الأسرِ والسَّبي، ونهاه عن القتل.
فسار النُّعمان حتّى نزل قريباً من المدينتين، ووجَّه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفُرس. فاجتمع رأيُ العظماء وأهل البيوتات على إنفاذ حواي على تأدية رسالة - وحواي هذا صاحب رسائلِ يَزدجرد - إلى المنذر ويستكفونَهُ أمر النُّعمان ابنِه، ويُخوِّفونه
مِن عُقبى جنايته عليه.
فلما ورد حواي على المنذر قال له : «إلى الملك بهرام».
ووجّه معه مَن يُوصله إليه. فلما دخل عليه راعه منظر بهرام وما رأى من وَسامَتِه. فكلَّمه بهرام ووعده ومنَّاه وردَّهُ إلى المنذر، ورسم له أن يُجيب عمّا كُتب إليه.
فقال المنذر لحواي : قد تدبّرتُ ما جئتَني به، وقرأتُ الكتاب ولستُ صاحب النُّعمان، وإنّما صاحبه الملك بهرام، وهو الّذي وجهه إلى ناحيتكم، ورسم له ما هو لا محالة متمثِّلُه، لأنّ المُلكَ صار له بعد أبيه، ولا حظ لغيره فيه».
فلمّا سمع حواي مقالتُه، وتذكَّر ما عاين من بهاء بهرام ورُوائه وحُسنِ کلامِه، عَلِمَ أنَّ جميعَ مَن يشاورُ في صرفِ المُلكِ عنه مخصومٌ محجوجٌ. فقال للمنذر :
فردّ المنذرُ حواي، واستعدَّ، وسارَ بعده بيوم مع بهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك. فلمّا ورَدَهما، جمع النّاس وجلس على منبرِ من ذهب مكلَّل بالجوهر، وجلس المنذرُ عَن يمينه، وتكلَّم عظماء الفرس، وفَرَشُوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد كانت وسوء سيرته، وأنّه أخرب الأرضَ وأكثر القتل ظلماً حتّى قلّ النّاس. وذكروا أموراً فظيعةً، وذكروا أنهم إنّما تعاقدوا على صرف الملك عن وُلد يزدجرد لذلك. وسألوا المنذر ألّا يُجِبِرَهم في أمر المُلكِ على ما يكرهونه.
فقال المنذر لبهرام : «أنت أولى بإجابة القوم».
فقال بهرام: إنّي لستُ أكذِّبكم في شيء ممّا نسبتم إلى يزدجرد لما استقر عندي من ذلك. ولقد كنتُ منكراً سوءَ هَديه متنكّباً طريقته، ولم أزل أسألُ اللّه أن يُفضي بالمُلك إليَّ فأُصلحَ كُلّ ما أفسد، وأرأَبَ ما صَدَعَ، وسأعيد الأمور بمشيئة اللّه إلى أتم ما كانت عليه في وقت من الأوقات انتظاماً، وأعمُرُ البلاد، وأُرفّهُ الرَّعيَّة، وأوسعُ لهم، وأوطىء جانبي، وأُدِرُ أرزاق الجُنودِ وأهلِ الطاعة، وأسُدُّ الثّغور، وأنفي أهل الفساد. فإن أتت المُلكي سنةٌ ولم أف لكم بهذه الأمور الّتي عددتُ عليكم، تبرّأتُ من المُلك طائعاً، وأشهدُ اللّه بذلك وملائكته ومُوبَذان مُوبَذ».
فسمع أكثرُ النّاس ورَضُوا وتكلمت طائفةٌ كان رأيّها مع كسرى.
فقال بهرام: «فإنّي على ما ضَمِنتُه لَكُم، واستيجابي لِلمُلكِ، وأنّه حقٌ لي. قد
رضيتُ أن يوضع التاجُ والزّينة بين أسدينِ مُشبلينِ، فَمَن تناوله فهو المَلِك».
فلمّا سمع القوم هذه المقالة، مع ما وعد من نفسه سكنوا، وأظهروا الاستبشار والرضاية، وقالوا :
فتفرَّقوا على هذا الرّأي، وجلس بهرام من الغد في مثل مجلسه بالأمس، وحضر من كان يُحاده فقال :
فقال القوم: «قد رضينا بحكمك، وأن يُوضَعَ التاجُ والزّينة بين الأسدين كما ذكرتَ بحيثُ رسمت، وتُنازعاهُما أنتَ وكسرى».
فأتي بالتّاج والزّينة. وتولّى مُوبَذان مُوبَذ الّذي كان يعقد التّاج على رأس كلِّ ملكٍ يَملك، فوضعهما ناحيةً، وجاء أصهبذٌ مع ثقاتِ القوم بأسدين ضاريين مُجوَّعين مُشبِلين. فوقف أحدهما عن جانب الموضع الّذي وُضع فيه التَّاجُ والزّينة، والآخر بحذائه، وأُرخي وثاقهما.
ثم قال بهرام لكسرى : «دونَكَ التّاج والزّينة !».
فقال كسرى: «أنت أولى بالبدء مِنّي، لأنَّك تطلب المُلكَ بوراثة، وأنا فيه دخیلٌ».
ولم يكره بهرام قوله لثقته بنفسه، وحمل جُرزاً وتوجه نحو التّاج والزّينة.
فقال له مُوبَذان مُوبَذ : استماتتك في هذا الأمر الّذي تُقدم عليه هو تطوُّعٌ منك، لا عن رأيي، ولا عن رأي أحدٍ من الفرس، ونحن بُراء إلى اللّه من إتلافك نفسك».
فقال بهرام: «نعم، أنتم بُرَءَاءُ، ولا وِزرَ عليكم».
ثمَّ أسرع نحو الأسدين. فلمّا رأى مُوبَذان مُوبَد جِدَّه، هتف به وقال :
قباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثُمَّ مَشى نحو الأسدين، فَبَدَر، أحدهما، فلمّا دنا من بهرام، وثب وثبةً، فإذا هو على ظهر الأسد، وعَصر جَنبَي الأسدِ بِفَخِذَيهِ حتّى
أثخنه، فجعل يضرب على رأسه بالجُرز، ثمَّ قرب من الأسد الآخر. فلما تمكَّن منه قبض على أُذُنيه وعَرَكَهُما بكلتي يديه، ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسدِ الّذي كان ركِبَ ظَهرَه، حتّى دَمَعهما، ثُمَّ قتلهما ضرباً على رأسهما بالجرز، وذلك كُلُّه بمشهدٍ من جميع مَن حَضَر ذلك الموضعَ وبمرأى من كسرى فتناول بهرامُ التّاجَ والزّينة، وكان كسرى أوّل مَن هتف به وقال :
ثمّ هتف النّاس وجميع من حضر ذلك المجلس، وقالوا :
وكثر الدّعاء والضَّجيج. ولقي الرُّؤساءُ المُنذِرَ بعد ذلك وسألوه أن يُكلِّم بهرام في التَّغمُدِ لإساءتهم والصّفح عنهم. فسأله المنذرُ وأَسعَفَهُ المَلِكُ. ثم جلس بهرام - وهو ابن عشرين سنة - سبعة أيّام متوالية للجندِ والرّعيّة، يَعِدُهم الخيرَ من نفسه ويحضُّهم على تقوى اللّه وطاعته، وغَبَرَ زماناً يُحسنُ السِّيرةَ ويعمرُ البلاد ويُدِرُّ الأرزاق.
ثُمَّ آثَرَ اللّهوَ على ذلك، وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي والجواري، حتّى كثرت ملامة رعيّته إيّاه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على بلاده.
وكان أوّلُ مَن سَبَقَ إلى مُكاثَرَتِه ومُغالَبتِه خاقانَ مَلِكَ التّركِ. فإنّه غزاه في مائتين وخمسين ألفاً من الأتراك. فبلغ الفُرسَ إِقبال خاقان في هذا الجمع العظيم فهالهم وتعاظمهم، ودخل إليه من عظمائهم قوم من أهل الرأي فقالوا :
فكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه، يُجيب القوم : بأن اللّه ربَّنا قوي ونحن أولياؤه، ثُمَّ يُقبل على المُثابرة واللّزوم لما فيه من اللّهو والصيّد.
إلى أن أظهر ذات يوم التَّجهز إلى آذربيجان لينسُكَ في بيتِ نارِها ويتوجَّه منها إلى إرمينية ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره في سبعة رهطٍ مِن العلماء وأهلِ البيوتات وثلاثمائة رجُلٍ من رابطته، ذوي بأس ونَجدَةِ. واستخلف أخاً له يقال له : «نرسی»، على ما كان يُدَبِّرُ من مُلكه. فلم يشكُ النّاس حين بلغهم مسير بهرام في مَن سار بهم، واستخلافه أخاه على ما استخلف في أنَّ ذلك هرب من عَدوّه، وإِسلامٌ
لملكه. وتَوامَروا في إنفاذ وفد إلى خاقان والإقرار له بالخراج، مخافةً منه، لاستباحة بلادهم، واصطلامِه مقاتلتهم ووجوهَهُم، إن هم لم يفعلوا ذلك ويبادروا إليه. فبلغ خاقانَ الّذي أجمع عليه الفُرسُ من الانقيادِ والخضوع. فَأَمنهم وتودَّعَ وتَرَكَ كثيراً من الجد والاستعداد وآثر أيضاً ذلك. وأتى بهرام عين له من جهة خاقان، فأخبره بحاله وحالِ جُندِه، وفتورهم عن الجدِّ الّذي كانوا عليه.
فسار بهرام في العِدَّة الّذين كانوا معه، فَبَيَّتَ خاقان وقتله بيده، وانهزم من سلم من القتل منهم، وخلَّقوا عسكرهم وأثقالهم. فأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم، ويحوي الغنائم ويسبي الذُّراريَّ، وانصرف هو وجندُه سالمين، وظفر بتاج خاقان وإكليله، وبَخِعَ له أهل البلاد المتاخِمةِ لَما غَلبَ عليه، بالطّاعةِ. وسألوه أن يَحدَّ لهم حدّاً بينه وبينهم فلا يتعدّوه. ثُمَّ بعث قائداً له إلى ما وراء النهر فأثخنهُم وأقروا له بالعبودية وأداء الجزية. وانصرف بهرام بالغنائم العظيمةِ والتَّاج والإكليل وما فيهما من الياقوت الأحمر وسائر الجواهر فنحلها بيتَ النّارِ بآذربيجان ورفع الخراج عن النّاس ثلاث سنين، وقسم في الفقراء مالاً عظيماً، وفي البيوتات وأهل الأحساب عشرين ألف ألفِ 20،000،000 درهم، وكتب كتباً إلى الآفاق يذكر فيها أن الخبر كان ورد عليه بوُرودِ خاقان بلاده وأنّه مجَّد اللّه وتوكَّل عليه، وسار في سبعة رهط من أهل البيوتات، وثلاثمائة فارس من نُخبة رابطته على طريق آذربيجان، وجبل القبق، حتّى نفذ إلى براري خوارزم ومفاوزها، و أبلاه اللّه أحسن بلاء، وذكر في الكتاب ما وَضَعَهُ عن النّاس من الخراج، وهذا الكتابُ كان بليغاً، والفرس يحفظونه.
ويُقال : إِنَّ بهرام تَرَكَ من حق بيت المال من الخراج سبعين ألف ألف 70،000،000 درهم بقسط تلكَ السَّنَةِ، وكان هذا مقدار ما بَقي مِنهُ. ثُمَّ أمر بترك الخراج ثلاث سنين أُخَر.
ثُمَّ إِنَّ بهرام لَمّا انصرف من غَزوه خاقان مظفّراً قَصَدَ الهند، فيُحكى له حكايات عظيمة وأمورٌ كبارٌ تولاها، وغَلبَ عليها، وزوّجه مَلِكُ الهند ابنتَهُ ونَحَلَهُ الدَّيبُلَ ومُكران وما يليها، فضمَّها بهرامُ إلى أرضِ الفُرس، وحُمِلَ خراجُها إلى بهرام.
ثُمَّ أعْزى بهرامُ «مِهرنَرسى» إلى بلاد الرّوم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها ويُناظِرَه في أمر الإتاوة وغيرها. فتوجَّه مهرنرسي في تلك العُدَّةِ، ودخل قسطنطينيَّة، ومُقامُه مشهورٌ هناك، فهادنَه مَلكُ الرّوم، وانصرف بجميعِ ما أراد بهرام - وكان مهرنرسى هذا ولد من بهمن بن اسفندياذ بن بشتاسف، وربَّما خُفِّفَ اسمه، فقيل : «نرسى» - وبلغ مبلغاً، وكُلُّ ذلك بهيبة بهرام وما تمكَّن له في قلوب الملوكِ وأهل الأطرافِ والجُندِ من جودةِ الرّأي وحسن التدبير والشَّجاعة ونفاذ العزيمة، وقلّة الاتّكال على غيره.
وذُكر أنَّ بهرام بعد فراغه مِن أمرٍ خاقان وأمر ملوكِ الرّوم والسِّندِ مضى إلى بلاد السُّودان من ناحية اليمن فأوقع بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقاً، وانصرف إلى مملكته وهلك بعد ذلك في «ماه» وذلك أنه توجه إليها للصّيد فشدَّ على عَيرِ وأمعن في طلبه فارتطم في ماء في سَبِخَةٍ وغرق هناك. فسارت والدته إلى ذلك الموضع بأموال عظيمةٍ، فأقامت قريبة منها وأمرت بإنفاق تلك الأموال على مَن يُخرجه. فنقلوا طيناً عظيماً وحَمأة كثيرةً، وجمعوا مِنهُ إكاماً عظاماً، ولم يقدروا على جُنَّةِ بهرام. وكان مُلكُه ثلاثاً وعشرين سنة. ثم مَلَكَ بعدَه :
فكان يَسير بسيرة أبيه، ولم يزل قامعاً لَعُدوّه رؤوفاً برعيَّته وجنوده. وكان له ابنان: أحدهما يسمّى هُرمُزَ، والآخرُ فيروز. فغلب هرمز على المُلكِ بعد أبيه يزدجرد، وهَرَبَ فيروز منه ولحق ببلاد الهَياطِلة، وأخبر مَلِكَها بقِصَّتِه وقصة أخيه هرمز، وأنَّه أولى بالمُلك منه، وسأله أن يُمِدَّه بجيش يقاتل بهم أخاه فأبى عليه ملك الهياطلة وقال :
فلمّا عَرفَ ملك الهياطلة أن هرمز مَلِكٌ ظلومٌ غشوم، قال»
فَأَمدَّ فيروز، ودفع إليه الطّالقان. فأقبل فيروز من عنده بجيش طخارستانَ وطوائف خراسان، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد وهو بالرَّيِّ، وكانت أمُّهما واحدةً، وكانت بالمدائن تدبِّر ما يليها مِنَ المُلكِ، فظفِر فيروز بأخيه، فَحَبَسه وأظهر العدلَ وحُسنَ السيرة، وكان يتديَّن، إلّا أنّه كان مُحارفاً مشؤوماً على رعيَّته، وقَحِطَ النّاس في زمانه سبع سنينَ، فأحسنَ فيها إلى النّاس، وقَسَمَ ما في بُيوتَ الأموال، وكفَّ عن الجباية، وساسَهم أحسنَ سياسة.
ويُقال : إِن الأنهار غارت في مُدَّةِ هذه السَّبع السِّنين، وكذلك القُنِيُّ والعيونُ، وفَحِلتِ الأشجارُ والغِياض، وتَماوتَتِ الوُحوش والطيور، وجاعتِ الأنعام والدّوابُّ، حتّى كانت لا تُطيقُ أن تحمل حمولة، وعَمَّ َأهل البلادِ الجَهدُ والمَجاعة.
فبلغ مِن حُسنِ سياسة فيروز لذلك الأمر أن كتب إلى جميع أهل رعيَّتِهِ : أنّه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سُخرة، وأنَّه قد مَلْكَهُم أَنفُسَهم وأمَرَهم بالسعي فيما يقوتُهم ويصلحهم. ثُمَّ كتب إليهم في إخراج الهوى والطَّعام والمطامير لِكُلِّ مَن كان يَملِكُ شيئاً
من ذلك ممّا يقوتُ النّاس والتَّآسي فيه، وتَركِ الاستيثار به، وأن يكونَ حالُ الفَقرِ والغنى وأهلِ الشرفِ والضّعةِ في التاسي واحدة، وأخبرهم أنَّه إِن بَلَغَهُ أَنَّ إِنسِيًّا ماتَ جوعاً، عاقب أهلَ تلك المدينة أو القريةِ أو الموضع الّذي يموت فيه ذلك الإنسيُّ، ونكَّل بهم أشدَّ النّكال.
ويقال : إنّه لم يهلك في تلك اللَّزبة والمجاعة أحدٌ من رعيَّتِه إلّا رجلٌ من رُستاقِ كورة أردشير خُرّة.
ثمَّ إِنَّ فيروز لمّا حَيِيَت بلادُهُ، وأغاثه اللّه بالمطر، وعادت المياه، وصلُحت الأشجار، واستوسق له المُلكُ، أثخن في الأعداء وقهرهم، وبنى مدناً إحداها بالرّي، والأخرى بين جُرجانَ وصُول. والأخرى بناحية آذربيجان. ثُمَّ سارَ بِجنوده نحو خراسان مُريداً حربَ أَخْشُنُواز مَلِكِ الهياطلة، لأشياء كانت في نفسه، ولأّن هؤلاء القوم كانوا يأتون الذكران ويرتكبون الفواحش، فتأوّل بها وسار إليهم. فلما بلغ أُخشُنوازَ خَبَرُهُ اشتدَّ منه رُعبه وعَلِم أن لا طاقة له به.
فكان ممّا تَمَّ له على فيروز من الحيلة حتّى فَهَرَهُ وقَتَلَهُ وقَتَلَ عامَّةً مَن كان معه : أنَّ رجلاً مِن أصحاب أُخشُنواز، لَمّا علم أنَّ مَلِكَهُ قد بَعِلَ، وأنه قد أشرف على الهلاك هو وأهل بلاده، تنصح إليه وقال :
ففعل ذلك أُخشُنواز بذلك الرجل، وألقاه في طريق فيروز. فلمّا مرّ به أنكر حاله ورأى شيئاً فظيعاً. فسأله عن أمره، فأخبرهُ أنَّ أُخشنُوازَ فَعَلَ به ذلك، لأنه قال له : «لا قوام لك بالمَلِك فيروز وجنوده، وأشار عليه الانقياد له والعُبودة.
فرقَّ له فيروز، ورحمه، وأمر بحمله معه، فأعلمه على وجه النُّصح، أو في ما زعم، أنّه يَدُلُّه على طريق قريب مختصر لم يدخل أحد منه قَطُّ إِلى أُخشُنواز على طريق المفازة. وسأله أن يشتفي له منه فاغتر فيروز بذلك منه وأخذ الأقطع بالقوم في الطريق الّذي ذكره له، فلم يزل يقطعُ بهم مَفازة بعد مَفازة. فلمّا شَكوا عَطَشاً أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المَفازة، حتّى بلغ بهم موضعاً عَلِمَ أنَّهم لا يقدرون فيه على تقدُّم ولا تأخرُّ، بَيْنَ لهم أمرَهُ.
فقال أصحاب فيروز لفيروز :
فمضوا لوجوههم وقَتَلَ العطشُ أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوّهم. فلما أشرفوا عليهم - وهم بأسوإ حالٍ من الضُّرُ والضَّعفِ - دَعَوا أُخشُنواز إلى الصُّلح، على أن يُخلِّي سبيلهم حتّى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعلَ له فيروز عهد اللّه وميثاقه ألا يَعْزُوَهم ولا يَرومَ أَرضَهم ولا يبعثَ إِليه جُنداً يقاتلونهم، ويجعل بين المملكتين حدَّا لا يجوزُه. فَرضِيَ أخشُنواز بذلك، وكتب له كتاباً مختوماً وأشهد له على نفسه شهوداً، ثُمَّ خلى سبيله وانصرف. فلما صار إلى مملكته حَمَلَهُ الأنْفُ على مُعاوَدَةِ أُخشُنواز.
فكان من عاقبةِ غَدرِه : أنّه غزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصَّتُه عن ذلك، لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم وأبى إلّا ركوب رأيه. وكان في من نهاه عن ذلك رجلٌ يخصُّه ويجتبي رأيه يقال له : مربوذ. فلمّا رأى لجاجَتَه كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها. ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد أخشنواز. فلمّا بلغ فيروز منارةً كان بناها بهرام جور في ما بين تخوم بلادِ خراسان وبلادِ التُرك - لِئَلاً يجوزها التُركُ إلى خراسان، لميثاق كان بين التُّرك والفُرس على تَركِ الفريقينِ التَّعدي لها، وكان فيروز عاهد أُخشُنواز أن لا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة - أمَرَ فيروز فَصُمِدَ فيها خمسون فيلاً وثلاثمائة رجل، فَجُرَّت أمامه جراً واتبعها، وزعم أنه يُريد بذلك الوفاء، وترك مُجاوَزَةٍ ما عاهَدَ عليه.
فلمّا بلغ أخشُنواز ذلك من فعل فيروز أرسل إليه يقول له: «إن اللّه عَزَّ وجلَّ لا يُخادِع ولا يُماكر، فانتَهِ عمّا انتهى عنه أسلافُك، ولا تُقدِم على ما لم يُقدِموا عليه». فلم يحفل فيروز لقوله، ولم يكترث برسالته، وجعل يستطعم مُحارَبَةً أُخشُنواز ويَدعوه إليها، وجعل أُخشُنوازُ يمتنع من محاربته ويتكرهها لأنَّ جُلَّ محاربةِ التُّركِ إِنَّما هو بالخداع والمكر والمكائد.
ثم إِنْ أُخشُنواز أمر فَحُفِرَ خَلفَ عسكره خندقٌ عرضُه عشرة أذُرع وعُمقُهُ عشرون ذراعاً، وغُمِّي بِخُشُب ضِعاف، وألقى عليه التّراب. ثُمَّ ارتحل في جُندِه ومضى غيرَ بعيد. قبلَغَ فيروز رحلةُ أخشنُواز بجندِهِ مِن مُعسكره، فلم يشكٍّ أنَّ ذلك هزيمة منهم وأنَّه قد انكشف وهرب. فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في طَلَبِ أُخشنواز وأصحابه وأغَذَّوا السَّيرَ. وكان مَسلَكُهم على ذلك الخندق. فلما بلغوه اقتحموه على عمايةٍ، فتردّى فيها فيروزُ وعامة جُندِه، وهلكوا من آخرهم. وعطف أُخشُنواز إلى عسكر فيروز واحتوى على كُلِّ شيءٍ فيه، وأَسَرَ مُوبَذان موبذ، وصارت فيروزدخت بنتُ فيروز في مَن صار في يده من نساء فيروز.
ثُمَّ قام بالمُلكِ بعد فيروز بن يزدجرد ابنه :
وكان حَسَنَ السّيرةِ، حريصاً على العِمارة. وبلغَ مِن حُسنِ نَظَره أَنَّه كان لا يبلُغُه أنَّ بيتاً خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية الّتي فيها ذلك البيت، على تركه إنعاشهم وسدَّ فاقتهم، حتّى لا يُضطَرُّوا إلى الجلاء عن أوطانهم.
وكانَ صارَ إلى خاقان يستنصرُهُ على أخيه بلاش ويذكر أنه أحقُ بالمُلكِ منه. فبقي هناك أربع سنين، ثُمَّ جَهَّزه خاقان. فلما عاد وبلغ نيسابور بلغه موتُ أخيه بلاش. وكان في وقتِ اجتيازه تزوّج ابنة رجل من الأساورة متنكراً، وواقعها، فحملت بأنوشروان. ولما عاد في هذا الوقت الّذي ذكرناه، سَأَلَ عن الجارية، فأُتِيَ بها وبابيه أنوشروان. فتبرك به وبها. ولما بلغ حدود فارِسَ والأهوازِ بَنى مدينة أرجان، وبني حُلوان، وبني قبادْخُرَّه، وعدةَ مُدنِ أُخَرَ.
فكان من آرائه الجيّدة وعزائمه النافذة، قبضُه على خاله «سوخرا». وكان سببُ ذلك أنّ فيروز لمّا جرى عليه ما جرى من الهياطلة كان سوخرا يخلفه على مدينةِ المُلكِ بالمدائن. فجمع جموعاً كثيرةٌ من الفرس، وقصد أخشُنواز مَلِكَ الهياطلةِ وحاربه وانتقمَ منه وتحكّم عليه. وكان وقع في يده دفاتر الديوان الّذي صحب فيروز. فتقاضى بجميع ما كان في خزائنه وخزائن قُواده وأهله، وطلب الوجوة من الأسارى الّذين بقوا في يَدِ أُخشُنواز. ولم يزل يحارب أخشُنواز ويكيده ويبلغ منه ما يتحكم به عليه، حتّى استنقذ من يده عامَّةَ الفُرس، وأكثر ما احتوى عليه من خزائن فيروز.
فكان له أثرٌ حسنٌ عند الفرس وعند ابني فيروز، أعني : بلاش وقباذ. فَعظَّموه ورفعوا منزلته إلى حيثُ ليس بينه وبين المَلِكِ إلا مرتبةٌ واحدةٌ. فتولّى سياسة الأمر بحُنكة وتجربة، واستوى على الأمر، ومال إليه النّاس واستخفّوا بقباذ، وتهاونوا به. فلم يحتمل قباد ذلك، وكتب إلى سابور الرّازي - الّذي يُقال للبيت الّذي هو منه مهران، وكان اصبهبذ البلاد - في القدوم عليه في من قِبَلَهُ من الجُند، فقدِمَ بهم سابور، فواضعَه قتال خاله سوخرا، وأمره فيه بأمره على لطف وكتمان شديدٍ خَفَيٍّ. فغدا سابور على قباذ، فوجد عنده سوخرا جالساً. فمشى نحو قباذ مجاوزاً له، وتغفّل سوخرا. فلم يأبه سوخرا لإرب سابور، حتّى ألقى وَهَقاً كان معه في عُنقه، ثُمَّ اجتذبه، فأخرجه، وأوثقه واستودعه السِّجن. فحينئذٍ ضربت الفرسُ المثل بأن قالوا : «نَقَصت ريحُ سوخرا، وهَبَّت
ريح مهران». ثم قتل قباد سوخرا. فكان هذا رأياً تَمَّ على سكون، ولم يضطرب فيه أمرٌ.
وكان ممّا أساء فيه التدبير والرأي حتّى اجتمعت كلمةُ مُوبَدَان مُوبَد وجماعة الفرس على حبسه وإزالة مُلكه عنه، أَنَّه اتَّبع رجلاً يُقالُ له «مَزدَك»، مع أصحاب له يُقال لهم: «العدلية».
قالوا : إنَّ اللّه جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالتآسي، ولكن النّاس تظالموا.
وزعموا: أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء ويَرُدُّون مِن المُكثِرِينَ على المُقلِّين ؛ وأَنَّه مَن كان عنده فَضل فى المالِ والقوتِ، أو النِّساءِ والأمتعة، فليس هو أولى به من غيره.
فافترص السَّفِلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه حتّى قَويَ أمرهُم. فكانوا يدخلون على الرّجل في داره، فيغلبونه على ماله ونسائه، فلا يستطيعون الامتناع منهم. وقَوّاهُم قبولُ المَلِكِ رأيهم، ودخوله معهم. فلم يلبثوا إلّا قليلاً حتّى صار الرّجل لا يعرفُ أباه، ولا الأبُ ولَدَه، ولا يملك أحد شيئاً ممّا يَتَسعُ به، وصيَّروا قباد في مكانٍ لا يَصِلُ إليه غيرُهم فيه. فأجمَعَتِ الفرس - حين رأوا فسادَ المُلكِ - على تمليكِ أخيه جاماسف بن فيروز.
وقد حكي أيضاً : أن المزدكية هم الّذين أجلسوا جاماسف ليكون الملكُ من قبلهم لا مِئَةَ لغيرهم عليهم، إلّا أنّ الحكاية الأولى أشبهُ بالحقِّ.
ثُمَّ إِن اختاً لِقُباذ أنت الحبس الّذي كان فيه قباذ. فحاولت الدّخول إليه، فمنعها الموكَّل الّذي كانَ ثِقةً عليه، وطمع أن يفضحها بذلك السَّبب وألقى طَمَعَه فيها. فأخبرتهُ أنَّها غيرُ مخالفة له في شيءٍ ممّا يهواه منها. فأذن لها حتّى دخلت السجِّن وأقامت عند قباذ يوماً. ثُمَّ أمرت فَلُفَّ قباذُ في بِساط، وحُمِلَ على عاتق غُلام قويٍّ ضابط كان معه في الحبس. فلمّا مرَّ الغلامُ بوالي الحبس، سأله عما يحمِلُهُ. فأفحم، فاضطرب. فَلَحِقَتهُ أختُ قُباذَ فأخبرته أنَّه فِراسُ كانت افترشتهُ في عِراكِها، وأنَّها إنَّما خَرَجت لِتَتَطهَّرَ وتنصرف. فصدَّقها ولم يَمَسَّ البساط، ولم يَدنُ منه استقذاراً له على مذهبهم، وخلّى عن الغُلام الحامل لقباد. فمضى به، وخرجت في أَثَرِه، وهرَبَ قباذُ فَلَحِق بأرضِ الهياطلة، ليستمدَّ مَلِكَها فيحاربَ مَن يُخالِفُه.
فَيُقال : إِنه نزل في مسيره ب«أَبرَشهر» على رجل من عظمائها. فتزوّج ابنة له معصراً، وإنّها أمُّ كسرى أنو شروان وإِنَّ نِكَاحَه لأِّم أنو شروان في سفره هذا. ثُمَّ إِنْ قباذ
رجع من سفره هذا بابنه أنوشروان وغلب أخاه جاماسف بعد أن ملك ستّ سِنينَ. غزا الرُّوم وافتتح آمِدَ وبنى مُدناً منها : أرجانُ وغيرُها، وملكَ ابنه كسرى أنوشروان وأعطاه خاتمه. وهلك قباذ وكان ملكه بسني مُلك أخيه ثلاثاً وأربعين سنة.
وكان سبب هلاكه سوء رأيه، وفساد عقيدته، وضعفُ مُلكه. وذلك أنّه لمّا التَقَى الحارث بن عمرو بن حجر الكنديّ والنُّعمان بن المنذر بن امرئ القيس قتله، وأفلت المُنذِرُ بن النُّعمان الأكبر، ومَلكَ الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك النُّعمان.
فبعث قباذُ بن فيروز مَلِكُ فارِسَ إلى الحارث بن عمرو الكنديّ أنّه: «قد كان بيننا وبين المَلِك الّذي كان قَبلَكَ عهد وإنّي أحبُّ لِقاءَك». وكان قباذ زنديقاً يُظهرُ الخير، ويكره سفك الدِّماء، ويُداري أعداءه في ما يكره من سفكِ الدّماء، وكَثُرتِ الأهواء في زمانه واستضعفه النّاسُ.
فخرج إليه الحارثُ بنُ عمرو في عَدَدٍ وعُدَّةِ، حتّى التقيا بقنطرة الفيوم. فأمر قباذُ بطَبق مِن تَمرٍ. فنزعَ نَواه، وأمر بطبق آخَرَ، فَجُعِلَ فيهِ تَمرٌ بِنَواهُ ثُمَّ وُضِعا بين أيديهما، وجُعِل الّذي فيه النَّوى بين يَدَيِ الحارث بن عمرو، والذي لا نَوى فيه بين يَدَيِ المَلِكِ قُباذَ. فكان الحارث يأكُلُ النَّمرَ ويُلقي النّوى، والملك يأكلُ السَّمرَ ولا يَحتاجُ إلى إلقاء النَّوى.
فقال للحارث : «ما لك لا تأكل كما أكل؟»
فقال الحارث : «إنّما يأكُل النّوى إبلُنا وغَنَمُنا».
وعلم أن قباذ يهزأ به. ثم افترقا على الصُّلح وعلى أن لا يتجاوزَ الحارثُ وأصحابُه الفراتَ. إلّا أنَّ الحارث استضعفَهُ وطمع فيه. فأمر أصحابه أن يعبروا الفرات ويُغيروا على قُرى السَّوادِ. فأتى قباذ الصّريحُ وهو بالمدائن، فقال: «هذا من تحت كنف ملكهم».
ثُمَّ أرسل إلى الحارث بن عمرو : أن لصوصاً من العرب قد أغاروا على السَّواد وأنهّ يحبُّ لقاءه.
فلقيه فقال قباذ كالعاتب :
فَطَمعَ الحارثُ في لين كلامه فقال :
فقال له قباذ : «فما الّذي تُريد؟».
قال : «أريد أن تُطعِمَني من السواد ما أتَّخِذُ به سلاحاً».
فأمَرَ له بما يلي جانب الغرب من أسفل الفرات وهي ستَّةُ طَساسيج.
فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن:
فجمع تُبَّعُ الجنود، وسار حتّى نَزَلَ الحيرةَ، وقَرُبَ من الفُراتِ، فآذاه البَقُ، فأمر الحارث بن عمرو أن يَشقَّ له نهراً إلى النجف ففعل، وهو نهر الحيرة، فنزل عليه، ووجه ابن أخيه شمراً ذا الجناح إلى قباذ. فقاتله، فَهَزَمَه شمرٌ، حتّى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله.
ثُمَّ إِن تُبَّعاً أمضى شمراً ذا الجناح إلى خُراسان، ووجَّه ابنه حَسّان إلى السُّعْدِ وقال:
وكان كلُّ واحدٍ منهما في جيش عظيم يُقالُ : إنَّهما كانا ستَّمائة ألف وأربعين ألفاً. وبعث ابن أخيه الآخر واسمهُ: «يَعفُرُ» إِلى الرّوم. فأما يَعفُر فإنّه سار حتّى أتى قسطنطينية. فأعطوه الطاعة والإتاوة. ثُمَّ مضى إلى روميَّةً فحاصرها. ثُمَّ أصابهم جوع، ووقع فيهم طاعون فَرقُوا. وعلم الرّوم بذلك، فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وأمّا شمر ذو الجناح فإنّه سار حتّى انتهى إلى سمرقند، فحصرها، فلم يظفر منها بشيء. فلمّا رأى ذلك، أطاف بالحَرَس حتّى أخذ رجلاً من أهلها، فاستمال بقلبه، ثُمَّ سأله عن المدينة ومَلِكِها.
فقال: «أمّا مَلِكُها فأحمقُ النّاس ليس له همُ ألاّ الشَّربُ والأكلُ والجِماعُ، ولكن له بنتُ هي الّتي تقضي أمرَ النّاس».
فمنّاه ووَعَدَهُ حتّى طابت نفسه. ثُمَّ بعث معه هديَّةً إِليها وقال :
فلمّا انتهت رسالتُه إليها قالت: «قد أجبتُهُ. فَليبعث بالمالِ».
فأرسَلَ إليها بأربعةِ آلافٍ تابوت، وفي كُل تابوتِ رجلان. وكان لسمرقند أربعةُ أبواب، على كُلِّ باب منها أربعة آلاف رجل. وجعل شمرٌ العلامة بينه وبينهم أن يَضَرِبَ لهم بالجُلجُلَ. وتقدَّم في ذلك إلى رُسُله الّذين وجه معهم. فلمّا صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل. فخرجوا، فأخذوا بالأبواب ونَهَدَ شمر في النّاس فدخل المدينة، وقتلَ أهلها وحوى ما فيها.
ثُمَّ صار إلى الصّين. فلقي زحوفَ التُركِ فهزمهم وانتهى إلى الصّين. فوجد حسان بن تُبع قد كان سبقه إليها ثلاث سنين. فأقاما بها - في بعض الرّوايات - حتّى ماتا، وكان مُقامهما إحدى وعشرين سنة. وفي بعض الروايات - وهو المُجمعُ عليه - : أنَّ شمراً وحَسّاناً انصرفا في الطَّريق الّتي كانا أخذا فيه حتّى قَدِما على تُبع بما حازا من الأموال بالصّين وصنوف الجوهر والطّيب والسَّبي، ثمّ انصرفوا جميعاً إلى بلادهم. وذلك أنّه كانت هِمّة ملوك العرب الغزو والغنيمةَ ولم يطمعوا في الملك الثابت. وكان أحدهم إذا ملأ يده من الغنائم وأرضى جُندَهُ وظَفروا بما في نفوسهم، انكفَأُوا إلى بلادهم. وكانت وفاة تُبع باليمن ولم يخرج أحدٌ من مُلوكِ اليمن بعده غازياً إلى شيء من البلاد. وكان مُلكُه مائَةً وإحدى وعشرين سنةً.
وأمّا في الرواية الأخرى : فإنّه أقام تُبعٌ وَوَاطَأَ ابن أخيه شمراً وابنه حساناً أن يملكا الصّين، ويَحمِلا إليه الغنائم، ونَصَبَ بينه وبينهم المنارَ. فكان إذا حَدَثَ حَدَثٌ أوقدوا النّار، فأتى الخبرُ في ليلةٍ. وكان جعل آيةَ ما بينه وبينهم أنه: «إن أنا أوقدتُ نارين مِن عندي فهو هلاك يَعفَرَ، وإن أوقدتُ ثلاثاً فهو هلاكُ تُبع. وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسّانٍ، وإن كانت نارَينِ فَهُوَ هلاكُهُما». فمكثوا بذلك. ثُمَّ إِنْه أَوقَدَ نارين فكان هلاك يَعفُرَ، ثُمَّ أوقد ثلاثاً فكان هلاك تُبعِ.
وقد ذكر بعض الرُّواة: أنَّ الّذي سار إلى المشرقِ من التَّبابعةِ، تُبع الآخرُ وهو : تُبعٌ تبان أسعد أبو بكر بن مليكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار وهو أبو حسّان.
فاستقبل الأمرِ بِجِدٍّ وسِياسة وحزم. وكان جَيْدَ الرَّأي كثير النظر، صائب التَّدبير، طويل الفكر ثُمَ الاستشارة. فجدَّدَ سيرة أردشير، ونَظَرَ في عَهدِه، وأخذ نفسه به، وأدَّب به رعيَّتَهُ وبِطانَتَهُ، وبحث عن سياسات الأمم، واستصلح لنفسه منها ما رَضِيَهُ، ونظر في تدابير أسلافه المُستحسنة فاقتدى بها.
وكان أوّل ما بَدأَ بِه أن أبطَلَ مِلَّةَ زرداشت الثاني الّذي كان من أهل فسّاء، وكان
مِمَّن دعا إليها مزدك بن فامارد، وكان ممّا أَمَنَ به النّاس - لما زيَّنه لهم وحثَّهم عليه - النّاسي في أموالهم وأهاليهم. وذكر أنَّ ذلك من البِرِّ الّذي يرضاه اللّه ويُثيبُ عليه أحسنَ الثَّواب، وأنَّه لو لم يكن الّذي أَمَرَهُم به من الدّين، لكان مكرمةً في الفعال ورِضى في التّفاوض. فحضَ السَّفلة بذلك على الأشراف واختلط أجناس اللُّوْماء بعناصر الكُرَماء. وسهَّل سبيلَ الظَّلمةِ إِلى الظُّلم، والعُهَّارِ إلى قضاء نهمتهم وإلى الوصول إلى الكرائم.
فشمل النّاس بَلاء عظيم.
فلمّا أبطل المَلكُ أنوشروانُ ملَّةَ هذين، وقتل عليه بشراً كثيراً، وسفك من الدِّماءِ ما لا يُحصى كثرةً مِمَّن لا ينتهي، وقتل قوماً من المانوية وثَبَّتَ ملّة المجوسية القديمة ؛ كتب في ذلك كتباً بليغة إلى أصحاب الولايات والإصهبذين، وقَوَّى المُلك بعدَ ضَعفه بإدامة النظر، وهَجَر الملاذ وترك اللّهوَ إلّا في أوقات حتّى نَظْمَ أمورَه وقَوّى جنوده بالأسلحة والكُراع، وعَمْر البلاد، وحفظ الأموال، وفَرَّقَ منها ما لا يَسعُ حِفظُهُ من الأرزاق والصّلاتِ الموضوعة مواضعها، وسدَّ الثَّغور، وردّ كثيراً من الأطراف الّتي غَلَبَ عليها الأمَمُ بعِلل وأسباب شتّى، منها : السُندُ والرُّخجُ، وزابلستان، وطُخارستان، ودَروستان وغيرها. وقتل أمةً يقال لها: البافرز، واستبقى منهم من فَرَّقَهم واستعبدهم واستعان بهم في حروبه. وأُسرت له أمَّةٌ يقال لهم: صول، وقُدِمَ بهم عليه، فقتلهم واستبقى ثمانين رجلاً من كُماتهم، وعَمِلَ أعمالاً عظيمة منها : بنيانُه الحصونَ والآطامَ والمَعاقِلَ لأهل بلادِه، يكون حرزاً لهم يلجأون إليها من عدوّ إن دَهَمَهم.
فكانَ مِن ثَمَرَةِ هَذِهِ الأعمال : أنَّ خاقان - واسمهُ سنحوا - كان في ذلك الوقت أَمنعَ التُركِ وأشجَعَهم. وهو الّذي قاتل «وَرزَ» مَلِكَ الهياطلة، غير هائب كثرة الهياطلة ومنعتهم، وبأسهم. فقتل وَرزَ وعامَّة جُندِه، وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلّا ما كان كسرى غلب عليه منها. وأقبَلَ في جُموعِه مع أمَم استمالهم، وهم : أبجَرُ، وبَنجر، وبَلَنجرُ. وبلغت عِدَّةُ الجميعِ مائة ألفٍ وعشرة آلافِ مُقاتل أنجادٍ.
فأرسل إلى كسرى يتوعَّدهُ ويطلب منه أموالاً، وأنَّه إن لم يُعجِّل بالبعثة إليه ما سأله، وطى بلاده وناجزه. فلم يحفل كسرى به ولم يُجِبهُ إلى ما سأل، لتحصينه نواحِيَهُ لا سِيَّما ناحية صول الّتي أقبلَ منها خاقان، ولِمَنَاعَةَ السُّبُلِ والفِجاج، ولمعرفتِه بمقدرته على ضبط ثغر إرمينية. فأقدم خاقانُ على ناحية صُول من نواحي جرجان، فرأى من الحُصُون والرِّجالِ الّذين أعدَّهم كسرى ما لا حيلة له فيه فانصرف خائباً.
فإنه ضرب أعناق رؤسائهم، وقسم أموالهم في أهل الحاجة، وقَتَل جماعة كثيرة مِمَّن كان دخل على النّاس في أموالهم وأهاليهم مِمَّن عُرِفَ، وردَّ الأموال إلى أربابها، وأمر بكُلِّ مولودِ اختلِفَ فيه، أن يُلحق بمن هو في سيما ذلك منهم إذا لم يُعرف أبوه، وأن يُعطى نصيباً من مال الزجل الّذي يُسند إليه، إن قبله الرّجل، وبكُل امرأةٍ غُلِبَت على نفسها أن يُؤخَذَ الغالب لها حتّى يغرم لها مهرها ويُرضِي أهلها، ثُمَّ تُخيَّرَ المرأة بين الإقامة عليه وبين تزويج غيره، إلّا أن يكون لها زَوج أوّلُ فَتُردّ إليه. وأمر بِكُلِّ مَن كان أضرَّ بِرَجُلٍ في ماله أو ركب أحداً بمظلمةٍ أن يُؤخَذَ منه الحق ثُمَّ يُعاقَبَ الظَّالِمُ بعد ذلك بِقَدرِ جُرمِه. وأمر بعيالِ ذوي الأحساب الّذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم الأكفاء، وجَعَل جهازهم من بيت المال، وأنكح بنيهم من بيوتات الأشراف وأغناهم، وأمرهم بملازمة بابه ليُستعان بهم في أعماله. وخَيَّر نساء والده أن يَقُمن. مع نسائه فيواسين ويُصيَّرن في الإجراء أمثالهنَّ، أو تُبتغى لَهنَّ أكفاؤهن من البعولة. وأمر بكري الأنهار وحَفَرِ القُني وإسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم. وأمر بإعادة كُلِّ جسرٍ أو قنطرة خُرّبت أن تُرَدَّ إِلى أحسن ما كانت عليه. وأمر بتسهيل سُبُلِ النّاس، وبنى في الطُّرُقِ القُصور والحصونَ، وتخيَّر الحُكَّامَ والعُمالَ، وتقدَّمَ إِلى مَن وَلَّى منهم أبلغ التَّقدم، وتقدَّم بكُتُبِ سِيَرٍ أردشير ووصإيّاه فاقتدى بها وحَمَلَ النّاس عَليها.
فلمّا انتظمت له هذه الأمور واستوسق مُلكُه ووثق بِجُندِه وقُوَّتِه، سار نحو أنطاكية فافتتحها وأمر أن تُصَوَّرَ له المدينةُ على ذرعها وطُرُقِها وعِدَّةِ منازلها، وأن يُبنى على صورتها له مدينة إلى جانب المدائن، فَبُنيت المدينة المعروفة بالرُّوميّة. ثُمّ حَمَلَ أهلَ أنطاكية حتّى أسكنهم إيّاها. فلما دخلوا بابَ المدينة مضى أهلُ كُلِّ بيتٍ منهم إلى ما يُشبهُ منازلَهم الّتي كانوا فيها بأنطاكية. ثُمَّ قصد لمدينة هِرَقلَ فافتتحها، ثُمّ الإسكندريّة، وأذعنَ له قيصرُ وحَمَلَ إليه الفِديةَ.
ثُمَّ انصرف من الرّوم وأخذ نحو الخَزَرِ، فأدرك فيهم تبلَهُ، وما كانوا وتروه به في رعيَّتِه، ثُمَّ نحو عَدَن فَسَكر هناك ناحية من البحر بين جبلين بالصخور وعُمدِ الحديد. ثُمَّ سار إلى الهياطلةِ مطالباً لهم بدم فيروز، بعد أن صاهَرَ خاقان واستعان به. فأتاهم، فقتل مَلِكُهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانةَ ثُمَّ انصرف إلى المدائن وبعث قوماً إلى الحبشة في جُندِ من الدَّيلم. فقتلوا مسروقاً الحبشي باليمن. وأقام مظفّراً منصوراً يهابه جميعُ أمرائهم، ويحضرُ بابَه وفودُ التُّركِ والصّينِ. والخزرِ ونظرائهم. وكان مُكرِماً للعلماء. وقد كان غزا بُرجانَ. ثُمَّ رجع فبنى
الباب والأبواب. وفي زمانه وُلِدَ عبد اللّه أبو النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -. والنبيّ أيضاً - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وملك ثماني وأربعين سنةً. أمّا عبد اللّه بن عبد المطّلب فإنّه وُلِد لأربع وعشرين سنةً من مُلكه. وبعث إلى المنذر بن النُّعمان - وأمه ماء السَّماء امرأةٌ مِن اليمن - فملَّكه الحيرة وما كان يليه آلُ الحارث بن عمرو، ورَدَّ الأمر إلى نصابه.
ومن أحسن ما دَبَّره أنوشروان في استغزارِ الأموال وتثميرها أنَّه بعد فراغه من الثغور وملوك الأطراف، وتوظيفه الوظائف على أقاصي الملوك من التّرك والخزر والهند وغَيْرِهم، وبَيعِه مُدُنَ الشَّامِ ومِصرَ والرُّومِ على مَلِكِ الرُّوم بأموال عظيمة، وإلزامه جزيةً يحملُها في كُلِّ سنةٍ على ألا يغزُو بلاَدَه؛ نَظَر في الخراج وأبواب المال الّتي كان يستأديها الملوك قبله من بلاده. فإذا رسومُ النّاس كانت جاريَّة على الثَّلثِ من الارتفاع خراجاً، ومن بعض الكُوَرِ الرُّبع، ومن بعضها الخمس، ومن بعضها السُّدس، على حسَبِ شربها، وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئاً معلوماً.
وكان الملك قباذُ بن فيروز تقدَّم - في آخر مُلكِه - بِمَسح الأرض سهلها وجَبَلِها، لِيَصحَّ الخَراجُ عليها، فَمُسحت غَيرَ أنَّ قباذ هَلَكَ قَبلَ أن يستحكم له أمر تلك المساحة. فلمّا ملك أنوشروان أمر باستتمامِها وإحصاء النَّخل والزّيتون وغير ذلك، والجَماجِم. ثُمَّ أَمَرَ الكُتّابَ فأخرجوا جُمَلَ ذلك غير مفصلة، وأذِنَ للناسِ إذناً عاما، وأمر كاتِبَ خَراجه أن يقرأ عليهم الجُمَلَ المستخرجة من أصنافِ الغلاتِ وعدّدِ النَّخل والزَّيتون والجماجم. فقرأ ذلك عليهم.
ثم قال لهم كسرى:
«إِنَّا رأينا أن نضع على ما أُحصي من جُربان هذه المساحة ومن النّخل والزَّيتون والجماجم وضَائع، ونأمر بإنجامِها في السَّنةِ في ثلاثة أنجم ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثَغرِ من الثغور، أو طَرفٍ من الأطرافِ، فتقٌ أو شيءٌ نَكرَهُه واحتجنا إلى تداركه أو حَسمِه بِبَذلنا فيه مالاً ؛ كانتِ الأموالُ عِندَنا مُعَدَّةً موجودةً، ولم نُرِد استئناف اجتبائها على تلك الحال. فما تَرَونَ في ما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟».
فلم يُشِر عليه أحدٌ منهم بمشورة ولم يَنبَس بكلمةٍ. فكرَّرَ كسرى هذا القولَ عليهم ثلاث مرّاتٍ.
فقامَ رجلٌ من عُرضِهم وقال لكسرى :
فقال له كسرى : «يا ذا الكُلفة المشؤوم من أي طبقات النّاس أنت؟».
قال: «أنَا رَجُلٌ مِنَ الكُتّاب».
فقال :کسری: «اضربوه بالدُّويِّ حتّى يموتَ».
فضربوه بها الكُتَّاب خاصَّةً تَبَرِّياً منه إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتّى قَتَلُوهُ.
وقال النّاس :
وإن كسرى اختار رجالاً من أهلِ الرّأي والنصيحة. فأمرهم بالنَّظَرِ في أصنافِ ما ارتفع إليه من المساحة وعددِ النّخلِ والزَّيتون ورؤوس الجزية، وَوَضع الوَضائع على ذلك بقدر ما يَرَونَ أنَّ فيه صَلاحَ الرَّعيَّةِ ورفاغة معايشهم، ورَفَع ذلك إِليه.
فتكلَّم كُلُّ امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك وفي قدر الوضائع، وأداروا الأمر بينَهم، فاجتمعت كلمتهُم على وضع الخراج على ما يعصم النّاس والبهائم وهو: الحنطةُ والشَّعيرُ، والأرز، والكَرمُ، والرّطابُ، والنَّخلُ، والزيتون. وكان الّذي وضعوا على كلِّ جريب أرضٍ من مزارع الحنطة والشَّعير درهماً، وعلى كُلِّ جريب كرم ثمانية دراهم، وعلى كُلِّ جريب أرضِ رطاب سبعةَ دراهم، وعلى كُلِّ أربع نخلاتٍ فارسيّة درهماً، وعلى كُلِّ ستٍّ نخلاتِ دَقَلٍ مثل ذلك، وعلى كُلِّ سِتَّةِ أصول زيتون مثل ذلك. ولم يَضَعُوا إِلا على كُلِّ نخل في حديقةٍ، أو مجتمع غير شاذ، وتركوا ما سوى ذلك من الغَلاتِ السَّبْعِ.
فَقَوِيَ النّاس في معايشهم، وألزموا النّاس الجزيَةَ ما خلا أهل البيوتات، والعظماء، والمقاتلة، والهرابذةَ، والكُتابَ، ومَن كان فى خدمة الملك. وصيّروها على طبقات اثني عشر درهماً، وثمانية، وسِتَّةً، وأربعةً، على قدر إكثارِ الرَّجل وإقلالهک. ولم يُلزموا الجزية من كان أتى له من السِّنين دون العشرين، أو فوقَ الخمسين. ورفعوا هذه الوَضائع إلى كسرى. فَرَضِيَها، وأمر بإمضائها، والاجتباء عليها في ثلاثة أنجم كُلَّ سَنَةٍ، وسماها «أبراسيار» - وتأويله : الأمرُ المتراضى به - وهي الوضائع الّتي أقتدى عُمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه بها حين افتتح بلادَ الفُرس، وأمر باجتباء النّاس من أهل الذّمَّةِ عليها. إلّا أنَّه وَضعَ على كُلِّ جريب غامرٍ على قدر احتماله مثل الّذي وَضَعَ على الأرض المزروعة، وزاد على كُلِّ جريب أرض - مزارع حنطة أو شعير - قفيزاً من حنطة إلى القفيزين، ورزق منه الجندَ. ولم يخالف بالعراقِ خاصة وضائع كسرى على جُربانِ الأرض وعلى النخل والزَّيتون والجَماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه في معايش النّاس.
وقرأتُ فيما كتبه أنوشروان من سيرة نفسه قال :
«كُنتُ يوماً جالساً بالأسكرة، وأنا سائر إلى همذان لنُصيف هناك وقد أُعدّ طعامٌ للرّسُل الّذين بالباب من قِبَل خاقان والهياطلة، والصّين وقيصر وبغبور، إذ دخل رجلٌ من الأساورةِ مُخترطاً سيفه حتّى وصل إلى السِّترِ. فقطع السِّترَ في ثلاثةِ أماكن، وأراد الدُّخول حيثُ نحنُ، والوثوبَ علينا. فأشار عليَّ بعضُ خَدَمي أن أخرجَ إِليهِ بسيفي. فعلمتُ أنّه إن كان إنّما هو رجل واحد، فسوف يُحال بيننا وبَينَه، وإن كانوا جماعةً فإنّ سيفي لا يُغني شيئاً، فلم أخف ولم أتحرّك من مكاني. فأَخَذَهُ بعضُ الحرس، فإذا هو رجلٌ رازيٌّ من حَشَمِنا وخاصَّتِنا فلم يشكُوا أَنَّ مَن هو على رأيه كثيرٌ، فسألوني ألا أجلس ولا أحضر الشُّربَ في جَماعةٍ حتّى أستبين الأمر. فلم أجِبهُم إِلى ذلك لئلا يرى الرُّسُلُ منّي جُبناً، فخرجتُ لِشُربي، فلما فرغنا هدّدتُ الرّازي بقطع اليمين والعُقوبات، وسألت أن يَصدُقَني عن الّذي حمله على ذلك، وأنَّه إن صدقني لم تنله عقوبة بعد ذلك. فذكر أنَّ قوماً وَضَعوا مِن قِبَل أنفسهم كُتُباً وكلاماً، وذكروا أنَّه من عند اللّه، أشاروا عليه بذلك وأخبرُوهُ أنَّ قتله - إِنَّ قَتَلَني - يُدخِلُه الجنَّةَ. فلمّا فَحَصتُ عن ذلك وجدتُه حقًّا، فأمرتُ بتخليةِ الرّازي وبِرَدُ ما أُخِذَ منه من المال، وتقدَّمتُ بضرب رِقابِ أُولئك الّذين انتحلوا الدّين، وأشاروا به عليه حتّى لم أدع منهم أحداً».
وقال أنوشروان :
إنّي لمّا أحضَرتُ القومَ الّذين اختلفوا في الدّين وجمعتهم للنَّظَرِ فيما يقولونه، بلغ من جُرأتِهم وخُبثهم وقُوَّةِ شياطينهم أن لم يُبالوا بالقتل والموتِ في إظهار دينهم الخبيث، حتّى أنّي سألتُ أفضَلَهم رجلاً، على رؤوس النّاس، عن استحلاله قتلي فقال:
«فلم آمر بقتله حتّى إذا حَضَرَ وقتُ الغَداءِ، أمرتُ أن يُحتَبَسَ للغَداءِ، وأرسلتُ إليه بظرف من الطعام وأمرتُ الرّسولَ أن يُبلِّغَهُ عَنّي : أنَّ بقائي أنفَعُ له ممّا ذكَرَ. فأجابَ رسولي : أن ذلكَ حَقٌّ، ولكن سألني الملكُ أن أصدُقَهُ ذاتَ نفسي ولا أكتمهُ شيئاً ممّا أدين به، وإنّما أدينُ بما أخذتُه من مُؤَدِّبي».
وقال أنوشروان :
«لَمَّا غَدَرَ بي قيصرُ وغَزَوتُهُ فَذَلَّ وطَلَبَ الصَّلحَ وأنفَذَ إِلَيَّ بمالٍ وأقرَّ بالخَراج والفِديةِ، تَصَدَّقتُ على مساكين الروم وضُعَفَاءِ مُزارعيها ممّا بَعَثَ إِليَّ قيصر بعشرة آلاف دينار وذلك في ما وَطِئتُه من أرض الروم دون غيرها.
وقال :
«لمّا هَمَمتُ بتصفح أمرِ الرَّعيَّة بنفسي، ورفع البلاء والظلم عنهم، وما ينوبهم من ثقل الخراج - فإِنَّ فيه مع الأجر تزيين المملكة، وغناهم، وقدرة الوالي على ما يجب أن يَستخرج منهم، إن هو احتاج إلى ذلك، وقد كان في آبائنا مَن يَرى أنَّ وضعَ الخراج عنهم للسَّنَةِ والسَّنتين والتَّخفيف أحياناً، ممّا يقوّيهم على عِمارة أرَضِيهم - فجمعت العُمّال ومن يؤدّي الخراج، فرأيتُ مِن تخليطهم ما لم أرَ له حيلة إِلّا التَّعديل والمُقاطَعَةَ على بلدة بلدة ٍ وكورةٍ كورةٍ، ورُستاقٍ رستاقٍ، وقريةٍ قريةٍ، ورجُل رَجُل، واستعملتُ عليهم أهلَ النّقةِ والأمانةِ في نفسي، وجعلتُ في كُلِّ بلدٍ مع كُلِّ عامل أمناء يحفظون عليه، ووليت قاضي كُلِّ كورةِ النَّظَرَ في أهل كورته، وأمرتُ أهلَ الخراج أن يرفعوا ما يحتاجون إلى رفعه إلينا إلى القاضي الّذي ولَّيتُهُ أمرَ كُوَرِهم، حتّى لا يَقَدِرَ العاملُ أن يزيد شيئاً، وأن يؤدُّوا الخراج بمشهد من القاضي، وأن يُعطِي به البراءة، وأن يَرفَعَ خراج من هلك منهم، ولا يُراد الخراجُ مِمَّن لم يُدرِك من الأحداث، وأن يرفع القاضي وكاتب الكورة وأمينُ أهلِ البلدِ والعامِلُ، محاسبتهم إلى ديواننا، وفرَّقتُ الكتب بذلك».
وقال :
«رَفعَ إِلينا مُوبَذان مُوبذ : أنَّ قوماً سمّاهم من ذوي الشَّرف - بعضُهم بالباب كان شاهداً وبعضُهم ببلادِ أُخَرَ - دينُهم مخالف لِمَا وَرِثنا عن نَبينا وعلمائنا، وأنّهم يتكلَّمونَ بدينهم سِرًّا ويدعُون إِليه النّاس، وأنَّ ذلك مَفْسَدَةٌ للمُلكِ، حيث لا تقومُ الرَّعيَّةُ على هوى واحدٍ : فيُحرِّمون جميعُهم ما يُحَرِّم المَلِكُ ويستحلُّون ما يستحِلُّ المَلِك في دينه، فإنّ ذلك إذا اجتمع للملك، قوي جنده لأجل الموافَقَةِ بينهم وبين الملك، فاستُظهِرَ على قِتالِ الأعداء. فأحضرتُ أولئك المختلفين في الأهواءِ ثُمَّ أمرتُ أن يُخاصموا حتّى يَقفُوا على الحقِّ ويُقرِّرُوا به، وأمرت أن يُقصَوا عن مدينتي وعن بلادي ومملكتي، وبتتبع كُلِّ من هُوَ عَلَى هَواهُم، فيُفعَل به ذلك».
وقال :
«إِنّ التُرك الّذين في ناحية الشّمال كتبوا إلينا بما قد أصابهم مِنَ الحاجة، وأنَّهم لا يجدون بُدًّا - إن لم نُعطهم شيئاً - من أن يَغْزُونا، وسألوا خِصالاً، أحدها: أن نتَّخِذَهُم في جُندِنا ونجرِيَ عليهم ما يعيشون به، وأن نُعطيهم من أرضِ الكَنج وبَلَنجَرَ وتلك الناحية، ما يتعيَّشون منه. فرأيت أن أسير في ذلك الطَّريق إلى باب صول، وأحببتُ أن تَعرِفَ الملوكُ من قِبلنا هناك نَشاطنا للأسفار وقُوَّتَنا عليها متى هَمَمنا، وأن يَرُوا ما رأوا من هيبة المُلوكِ، وكثرة الجنودِ وتمام العُدَّةِ، وكمال السِّلاح ما يقوونَ به على أعدائهم ويعرفون به قُوَّةَ من خَلَفهم إِن هُم احتاجوا إليه، وأحببنا - بمسيرنا - أن يُجرى لهم على أيدينا الجوائز والحُملانُ، والقُربُ من المجلس واللُّطف في الكلام، ليزيدهم ذلك مودّة لنا، ورغبةً فينا، وحرصاً على قتال أعدائنا. وأحببتُ أيضاً التَّعَهْدَ لحصونهم، وأن أسألَ َأهلَ الخراج عن أمرهم في مسيرنا، فَسِرتُ في طريق همذان وأذربيجان. فلمّا بلغتُ بابَ الصُّولِ ومدينة فيروز حُسرُه، رمَمتُ تلك المدائن العتيقة والحدود، وأمرتُ ببناءِ حُصونِ أُخَر»
«فلمّا بلغ خاقان الخزرِ نُزولُنا هناك، تخوّف أن نَعْزُوَهُ. فكتب : أنّه لم يزل - منذ ملكت - يُحِبُّ مُوادَعتي، وأنه يرى الدُّخول في طاعتي سعادةً، ورأى بعضُ قُوّادِه لمَّا شاهَدَ حالَه تَرْكَهُ، فأتانا في ألفين من أصحابه فقبلناه، وأنزلناه مع أساورتنا في تلك الناحية، وأجريتُ عليه وعلى أصحابه الرّزق، وأمرتُ لهم بحصن هناك، وأمرتُ بِمُصلى لأهل ديننا، وجعلتُ فيه مُوبذاً وقوماً نُساكاً، وأمرتهم أن يعلموا من دَخَلَ في طاعَتِنا من التُّركِ، ما في طاعة الولاة من المنفعة العاجلة في الدنيا، والثَّوابِ العاجل في الأخرى، وأن يَحُثُوهم على المودة والصّحَّةِ والعَدلِ والنَّصيحة ومجاهدة العدوِّ، وأن يُعلِّموا أحداثهم رأينا ومذهبنا. وأقمتُ لهم في تلك التّخوم الأسواق وأصلحتُ طُرُقَهم، وقومتُ السِّكَك، ونظرنا فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرِّجال، فإذا بحيثُ لَو كَانَ في وسط فارِسَ، لَكَانَ مَنزِلُنا بها فاضلاً». قال :
«ولمّا أتى لِمُلَكِنا ثَمان وعشرون سنةً جَدَّدتُ النَّظرَ في أمر المملكةِ والعَدل على الرّعيّة، والنَّظَر في أمرهم وإحصاء مظالمهم وإنصافهم، وأمرتُ موبد كُلِّ ثَغرِ ومدينةٍ وبَلَدٍ وجندٍ بإنهاء ذلك إليَّ، وأمرتُ بعرض الجُندِ مَن كان منهم بالباب، بمشهد مِنّي ومن غاب في الثّغور والأطراف، بمشهد القائد وباذوسبان والقاضي وأمينٍ مِن قِبَلِنا،
وأمرتُ بجمع أهلِ كُوَرِ الخراج في كُلِّ ناحية من مملكتي إلى مصرها، مع القائد وقاضي البَلَدِ والكاتب والأمين، وسرَّحتُ من قِبَلي من عرفتُ صحَّتَه وأمانته ونُسكه عِلمَهُ، ومن جرَّبتُ ذلك منه إلى كُل مصرٍ ومدينةٍ، حيث أولئك الغلمان والعُمّال وأهل الأرض، ليجمعوا بينهم وبين أهل أرضيهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يُرفع الأمرُ كلٌّه على حقّه وصدقه : فَما نُفّذ فيه لهم أمرٌ - لو صحَّ فيه القضاءُ ورضي به أهلُه - فَرَغَوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه إِلَيَّ. وبلغ اهتمامي بتفقد ذلك ما لولا الّذي أدارى من الأعداءِ والثُّغور، لباشرتُ أَمرَ الخراج والرَّعيَّةِ بنفسي قريةً قريةً، حتّى أتعهَّدها وأُكلّم رجلاً رجلاً من أهل مملكتي، غير أنّي تخوّفتُ أن يضيع بذلك السَّببِ أمرٌ هو أعظم منه، والأمر الّذي لا يُغني فيه غنائي ولا يقدر على إحكامِه غَيري، ولا يكفينيه كافٍ، الّذي في الشُّخوص إلى قَريَةٍ قَريَةٍ، من المؤونة على الرَّعيَّةِ من جندِنا، ومن لا نَجِدُ بُدًّا من إشخاصه معنا. وكرهنا أيضاً إشخاصهم إلينا مع تخوّفنا أن يَشغَلَ أهلَ الخراج عن عمارة أرضيهم، أو يكون فيهم من يدخلُ عليه في ذلك مؤونة في تكلف السَّير إلى بابنا، وقد ضيعَ قُراهُ وأنهارَهُ وما لا يَجدُ بُدًّا من تعهُّده في السَّنَةِ كُلّها في أوقات العمارة. ففعلنا ذلك بهم، ووكَّلنا موبذان موبذَ وكتبنا به الكُتُب وسرّحنا مَن وثقنا به ورَجونا أن يَجري مجرانا وشخصنا وقلدناه ذلك».
قال :
«ولَمّا آمَنَ اللّه جميع أهل مملكتنا من الأعداء. فلم يبقَ منهم إلّا نحوٌ من ألفي رجُلٍ من الديلم الّذين عسر افتتاح حصنهم لصعوبة الجبال عليها ؛ لم نَجدِ شيئاً لمملكتنا أنفَعَ من أن نفحص عن الرَّعيَّةِ وأولئك الأمناء الّذين وصَّيناهم بإنصاف أهل الخراج، وكان بلغنا أنَّ أولئك الأُمَناء لم يُبالغوا على قدر رأينا في ذلك، فأمرتُ بالكُتب إلى قاضي كورة كورة : أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولي أمرهم، فيسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه، ويبالغ فيه، ويكتب حالَ رجل رجل منهم، ويختم عليه بخاتَمِه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة، ويبعث به إليَّ، ويُسرِّحَ مِمَّن يجتمعُ رأي أهل الكورةِ عَليه بالرّضا نَفَراً، وإن أحبُّوا أن يكون في من يَسْخَصُ، بعضُ سَفَلَتِهم أيضاً؛ فَعِلَ ذلك».
«فلمّا حضروا جلست للنّاسِ وأذنتُ بمشهد من عُظماء أرضنا ومُلوكهم، وقُضاتهم وأحرارهم وأشرافهم ونظرتُ في تلك الكُتُب والمظالم. فأية مظلمةٍ كانت من العُمالِ ومن وكلائنا، أو من وكلاء وكلائنا ونسائنا وأهل بيتنا خططنا عنهم بغيرِ بيِّنةٍ، لعلمنا بِضَعفِ أهلِ الخراج عنهم وظُلم أهلِ القُوَّةِ من السلطان لهم (كذا)، وأيَةً مظلمةٍ
كانت لبعضهم من بعض ووضحت لنا، أمرتُ بإنصافهم قبل البراح، وما أشكل، أو وجب الفحصُ عنه، بشهود البلد وقاضيها، سَرَّحتُ معه أميناً من الكتاب وأميناً من فقهاء ديننا، وأميناً ممن وثقنا به من خَدَمِنا وحاشيتنا، فأحكمتُ ذلك إحكاماً وثيقاً، ولم يجعل اللّهُ لذوي قرابتنا وخدمنا وحاشيتنا منزلةً عندنا دونَ الحقِّ والعدل، فإنَّ من شأنِ قرابة المَلِكِ وحاشيته أن يستطيلوا بعِزَّةٍ وقوَّةٍ. فإذا أهمل السُّلطانُ أمرهم هلك من حاوروهُ إلّا أن تكون فيهم متأدّبٌ بأدب مَلِكِه، محافظٌ على دينه، شفيقٌ على رعيَّته، وأولئك قليلٌ. فدعانا الّذي اطَّلعنا عليه من ظلم أولئك إلى أن لا نطلب البيِّنَة عليهم في ما ادُّعِيَ قِبَلَهم، ولم نُرِد ظُلم أحدٍ أيضاً مِمَّن كان عزيزاً بنا، ومنيعاً بمكانه ومنزلته عندنا، فإنّ الحق واسع للضُّعفاء والأقوياء، والفقراء والأغنياء، ولكنا لما أشكلتِ الأمورُ في ذلك علينا، كان الحَملُ على خواصنا وخَدَمِنا، أحبَّ إلينا من أن نحمل على ضعفاءِ النّاس ومساكينهم وأهل الفاقة والحاجة منهم. وعَلِمنا أنَّ أولئكَ الضُّعفاءَ لا يقدرون على ظلم من حولنا وعلمنا مع ذلك أنَّ الّذين أعدينا عليهم من خاصَّتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا إلى ما لا يرجع إليه أولئك الضُّعفاء. ولعمري، إِنَّ أحبَّ خواصنا إلينا، وأبَرَّ خَدَمِنا في أنفُسِنا، الّذين يحفظون سيرتنا في الرّعيَّة، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة، ويُنصفونهم، فإنَّه قد ظَلَمَنا من ظَلَمهم، وجار علينا من جار عليهم، وأراد تعطيل ذِمَّتِنا الّتي هي حرزهم وملجأُهم».
قال :
«ثُمَّ كتب إلينا على رأس سبع وثلاثين سنةً من مُلكنا أربعة أصناف من التُّركِ من ناحية الخزر، ولكلِّ صنفٍ منهم مَلِكٌ، يذكرون ما دَخَلَ عليهم من الحاجة، وما لهم من الحظِّ في عبودتِنا، وسألوا أن نأذَنَ لهم في القدوم بأصحابهم لخدمتنا والعمل بما نأمرهم به، ولا نحقد عليهم ما سلف منهم قَبلَ مُلكِناً، وأن تُنزِلَهم منزلةً سائرِ عبيدِنا، فإنّا سَنَرى في كُلِّ ما نأمرهم به من قِتالِ وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا».
«فرأيتُ في قبولي إيّاهم عدَّةَ مَنافِعَ، منها : جَلْدُهم وبأسهم، ومنها : أنّي تخوَّفتُ أن تحملهم الحاجةُ على إتيان قيصر أو بعض الملوك فقووا بهم علينا. وقد كان في ما سلف يستأجر قيصرُ منهم لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرةِ، فكان لهم في ذلك القتال بعضُ الشَّوكة بسبب أولئك الأتراك، ولأنَّ التَّركَ ليس عندهم لذَّه الحياة، فهو الّذي يُجَرِّيهم مع شقاءِ معيشتهم على الموت».
فكتبتُ إِليهم : أنا نقبَلُ من دَخَلَ في طاعتِنا ولا نبخل على أحدٍ بما عندنا. وكتبتُ إلى مرزبانِ البابِ آمُرُه أن يُدخِلَهم أوّلاً فأَوَّلاً.
«فَكَتَب إلى أنه : قد أتاه منهم خمسون ألفاً بنسائهم وأولادهم وعيالاتهم، وأتاه من رؤسائهم ثلاثة آلاف بأهل بيتهم ونسائهم وأولادهم وعيالاتهم».
«ولمّا بلغني ذلك أحببتُ أن أُقَرِّبَهم إليّ، ليعرفوا إحساني إليهم في ما أكرمهم به، وأُعطيهم ولِيَطمئنوا إلى قُوّادِنا حتّى إذا أردنا تسريحهم مع بعض قُوّادنا، كان كُلُّ واحدٍ بصاحبه واثقاً فَشَخَصتُ إلى أذربيجان. فلما نزلتُ أذربيجان أذِنتُ لهم في القدوم، وأتاني عِندَ ذلك طرائفُ من هدايا قيصر، وأتاني رسولُ خاقان الأكبر ورسولُ صاحب خوارزم، ورسول ملك الهند والدّاور، وكابلشاه، وصاحب سرنديب، وصاحب كَلَه، وكثيرٌ من الرّسل، وتسعة وعشرون ملكاً في يوم واحد، وانتهيتُ إلى أُولئك الأتراك الثّلاثة والخمسين الألف، فأمرتُ أن يُصفّفوا هناك، وركبتُ لذلك، فكان يومئذٍ من أصحابي، ومن قَدِمَ عليَّ، ومن دخل في طاعتي وعُبودتي، مَن لم يَسعهم مَرَجٌ كان طوله نحو عشرة فراسخ فحمدت اللّه كثيراً، وأمرت أن يَصنَّفَ أُولئك الأتراك في أهل بيوتاتهم على سبع مراتب ورأَّستُ عليهم منهم، وأقطعتهم، وكسوتُ أصحابهم، وأجريتُ عليهم الأرزاق، وأمرتُ لهم بالمياه والأرضين، وأسكنتُ بعضهم مع قائد لي بِبُرجانَ، وبعضهم مع قائدٍ لي باللآن وبعضهم بأذربيجان، وقسمتُهم في كُل ما احتجنا إليهم من الثُّغور، وضَمَمْتُهُم إلى المرزبان. فلم أزل أرى من مناصحتهم واجتهادهم في ما نُوَجْهُهُم له ما يَسُرُّنا في جميع المدائن والثغور وغيرها.
قال :
«وكتب إليّ خاقان الأكبر يعتذرُ إِليَّ من بعض غَدَراتِه، ويسألُ المراجَعَة والتَّجاوز، وذكر في كتابه ورسالته : أنّ الّذي حمله على عداوتي وغَزو أرضي مَن لم ينظر له، وناشدني اللّه أن أتجاوز عنه، ويُوفِّقَ لي بما أطمئنُّ إليه، وذكر أن قيصر قد أرسل إليه، وزعم أنه يستأذنني في قبول رُسُلِه، وأنَّه لا يعمل في قبولِ رُسُلِ أحدٍ إِلاّ بما أمرتُه، ولا يجاوزُ أمري، ولا يَرغَبُ في الأموال ولا في المودات لأحد إلّا برضاي. وكان دسيسٌ لي في التُّرك كاتبني بِنَدَم خاقان ونَدَم أصحابه على غدره وعداوته إيّاي».
«فأجبته: إنّي لعمري لا أبالي أبطبيعة نفسك وغريزتك غَدَرتَ بنا، أم أطعتَ غيرَكَ في غدرك بنا، وما ذنبك في طاعة من أطعت في ذلك إلا كذنبك في ما فعلته برأي نَفسك، وأنَّك قد استحققت أشدَّ العقوبة. - وكتبتُ : - أنّي لا أظنُّ شيئاً ممّا وجب بيني وبينكم إلا وقد كنتُ صَنَعتُهُ، ولا أظنُّ شيئاً من الوثيقة بقي لكم إلا وقد وثَّقتَ لَنَا بِه قبل اليوم ثم غَدَرتُم، فكيف نطمئنُّ إِليك ونثقُ بقولك، ولسنا نأمنُكَ على مثل ما فعلتَ من الغَدرِ ونقض العهدِ والكذب في اليمين ؟ وذكرتَ أنَّ رُسُلَ قيصر عندك، ووقفنا على
استيذانك إيانا فيهم، وإنّي لستُ أنهاك عن مودة أحد. وكرهتُ أن يرى أنّي أتخوّفُ مصادقَتَهُ وأهابُ ذلك منه، وأحببت أن أعلِمهُ أنّي لا أبالي بشيء ممّا يجري بينهما».
«ثُمَّ سرّحتُ لِمَرمَّة المدائن والحصون الّتي بخراسان وجمعِ الأطعمة والأعلاف إليها ما يحتاج إليه الجند، وأمرتُهم أن يكونوا على استعدادٍ وحَذَرٍ، ولا يكون من غفلتهم ما كان في المرّة الأولى وهم على حال الصُّلح».
قال :
«وكان شكري للّه تعالى لما وهب لي وأعطاني متَّصلاً بِنِعَمِهِ الأُولِ الّتي وَهَبَهَا لي في أوّلِ خلقه إيَّاي، فإنّما الشكر والنِّعَمُ عِدلانِ ككفْتَي الميزان، أيُّهما رَجَحَ بصاحبِه احتاج الأخفُ إلى أن يُزَادَ فيه حتّى يعادِلَ صاحبَهُ. فإذا كانت النِّعمُ كثيرةً والشُكرُ قليلاً، انقطع الحِملُ وهَلَكَ ظَهرُ الحامل، وإذا كان ذلك مستوياً استَمَرَّ الحَامِلُ. فكثيرُ النّعم يحتاج صاحبُها إلى كثير الشُّكر، وكثير الشُّكر يجلب كثير النِّعَم. ولمّا وجدتُ الشُّكر بعضه بالقول، وبعضه بالعمل ؛ نظرتُ في أحبِّ الأعمال إليه، فوجدتُه الشَّيء الّذي به أقام السَّماواتِ والأرض، وأرسى به الجبال، وأجرى به الأنهار، وبَرَأَ به البَريَّةَ، وذلك الحقُّ والعدلُ فلزمتُه، ورأيتُ ثمرَةَ الحقِّ والعَدلِ عِمارة البلدان الّتي بها معاشُ النّاس والدّوابِّ والطّير وسكّان الأرض».
«ولمّا نظرتُ في ذلك، وجدتُ المقاتلة أُجراء لأهل العمارة، ووجدتُ أيضاً أهلَ العمارة أُجراء للمقاتلة. وأمّا المقاتلة فإنّهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسُكّانِ البُلدان لمدافعتهم عنهم، ومجاهدتهم من ورائهم. فحقُ على أهل العمارة أن يوفّوهم أجورهم. فإنّ عمارتهم تَتِمُّ بهم، وإن أبطأوا عليهم بذلك أوهَنُوهم، فَقَوِيَ عدوُّهم. فرأيت من الحَقِّ على أهل الخراج ألّا يكون لهُم من عمارتهم إلّا ما أقام معايشهم وعَمْرُوا به بُلدانهم. ورأيتُ أن لا أجتاحهم واستفرغ ذاتَ أيديهم للخزائن والمقاتلة، فإنّي إذا فعلت ذلك ظَلَمتُ المقاتلة مع ظلم أهل الخراج، وذلك أنَّه إِذا فَسَدَ العَامِرُ فَسَدَ المعمورُ، وذاك أهل الأرض والأرضُ، فإنّه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يُعيشُهم ويَعمرُون به بلادهم، هَلكتِ المقاتلة الّذين قوَّتُهم بعمارة الأرض وأهل العمارة. فلا عمارة للأرض إلّا بفضل ما في يَدِ أهل الخراج فمِنَ الإحسان إلى المقاتلة، والإكرام لهم أن أرفُقَ بأهل الخراج وأعمُرَ بِلادَهم وأدَعَ لهم فضلاً في معايشهم. فأهل الأرض وذوو الخراج أيدي المقاتلة والجند، وقُوَّتُهم، والمقاتلة أيضاً أيدي أهل الخراج وقُوَّتُهُم».
«ولقد فكَّرتُ وميَّزتُ ذلك جهدي وطاقتي، فما رأيتُ أن أُفضّلَ هؤلاء على
أولئك ولا أُولئك على هؤلاء، إذ وجدتُهما كاليدين المتعاونتين، وكالرِّجلين المترافدتين. ولعمري ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضرَّ بالمقاتلة، ولا كفَّ الظَّلم عن المقاتلة من تعدّى على أهل الخراج، ولولا سفهاءُ الأساورة لأبقوا على الخراج والبلاد إبقاء الرَّجُلِ ضَيعته الّتي منها معيشتُه وحياتُه وقُوَّتُهُ. ولولا جُهّال أهل الخراج لَكَفُّوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثاراً للمقاتلة على أنفسهم».
قال :
«ولمّا فرغنا من إصلاح العامّة والخاصّة بهذين الرُّكنين من أهل الخراج والمقاتلة، وكان ذلك ثمرة العدلِ والحَقِّ الّذي به دَبَّر اللّه العظيم خلائقه، وشكرتُ اللّه على نِعَمِه في أداء حقِّه على مواهبه، وأحكمنا أمور المقاتلة وأهل الخراج يبسط العدل؛ أقبلنا بعد ذلك على السِّير والسُّنَنِ. ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم نفعاً لنا والأكبر فالأكبر عائدةُ على جُندِنا ورعيَّتِنَا. ونظرنا في سِيَر آبائنا من لدن بشتاسف، إلى مُلكِ قباذَ أقرب آبائنا مِنّا، ثم لم نترك صلاحاً في شيء إلّا أخذناه ولا فساداً إلا أعرضنا عنه، ولم يَدعُنا إلى قبول ما لا خير فيه من السُّنَنِ حُبُّ الآباء، ولكنا آثرنا حُبّ اللّه وشكره وطاعته».
«ولمّا فرغنا من النَّظَر في سِيَر آبائنا، وبدأنا بهم وكانوا أحق بذلك، فلم نَدَع حقّاً إلّا أكثرناه، ووَجَدنا الحقَّ أقربَ القرابة؛ نَظَرنا في سِيّر أهل الرّوم والهند، فاصطفينا محمودَها، وجعلنا عِيّار ذلك عقولنا، وميّزناه بأحلامنا، فأخذنا من جميع ذلك ما زَيَّن سلطاننا، وجعلناه سُنَّةً وعادةً، ولم تُنازعنا أنفُسُنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا، وأعلمناهُم ذلك وأخبرناهم به، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم مِن السِّير ونَهيناهُم عنه، وتقدّمنا إليهم فيه، غير أنا لم نكره أحداً على غير دينه وملّتِه ولم نَحسُدُهُم ما قِبَلَنا، ولا مع ذلك أنفنا من تعلُّم ما عِندَهُم، فإنَّ الإقرار بمعرفة الحقّ والعلم، والاتباع له، من أعظم ما تزيَّنت به الملوك، ومن أعظم المضرّة على الملوك الأنفَةُ من التعلُّمِ، والحميّةُ من طلب العلم، ولا يكون عالماً من لا يتعلَّمُ».
ولمّا استقصيتُ ما عند هاتين الأمتين من حكمة التَّدبير والسِّياسة، وصلتْ بين مكارم أسلافي، وما أحدثته برأيي، وأخذتُ به نفسي، وقبلتُه عن الملوك الّذين لم يكونوا منّا وَثَبَتُّ على الأمر الّذي نلتُ به الظَّفَر والخير. ورفضتُ سائر الأمم، لأّني لم أجد عندهم رأياً ولا عقولاً، ولا أحلاماً، ووجدتهم أصحابَ بَغي وحسدٍ وكَلَبٍ وحِرْصِ وشُحَّ وسوء تدبير وجهالةٍ ولؤمِ عهدٍ وقلَّة مكافأة. وهذه أمورٌ لا تصلح عليها ولايةُ، ولا تَتِمُّ بها نعمة».
وقرأتُ مع هذه السّيرة في آخر هذا الكتاب الّذي كتبه أنوشروان في سيرة نفسه، أنّ أنوشروان لمّا فرغ من أمور المملكة وهذَّبها، جمع إليه الأساورة مع القُوَّاد والعظماء والمرازبة والنُّساك والمَوابِذةِ وأماثل النّاس معهم، فخطبهم فقال :
«أيّها النّاس ! أحضروني فهمكم، وأرعوني أسماعكم وناصِحوني أنفُسَكم، فإنّي لم أزل واضعاً سيفي على عُنُقي - مُنذُ وَلِيتُ عليكم - غَرَضاً للسُّيوف والأسنة، كُلُّ ذلك للمدافعة عنكم والإبقاء عليكم، وإصلاح بلادكم مرّةً بأقصى المشرقِ. وتارةً في آخر المغرب، وأخرى في ناحية الجنوب، ومثلها في جانب الشمال. ونقلتُ الّذين اتّهمتُهم إلى غير بلادهم، ووضعتُ الوضائع في بلدان التُّرك، وأقمتُ بيوت النّيران بقسطنطينية، ولم أزل أصعد جبلاً شامخاً وأنزل عنه، وأطأُ حُزُونَه بعد سهوله، وأصبر على المخمصة والمخافة، وأكابد البردَ والحرّ، وأركب هول البحرِ وخَطَرَ المفازة، إرادة هذا الأمر الّذي قد أتمَّهُ اللّه لكم من الإثخانِ في الأعداء، والتّمكين في البلاد، والسِّعة في المعاش ودركِ العِزَّ، وبلاغ ما نِلتُم. فقد أصبحتم بحمد اللّه ونعمته على الشَّرَفِ الأعلى، من النّعمةِ والفَضل الأكبر من الكرامة والأمن، وقد هزم اللّه أعداءكم وقَتَلَهُم، فهم بين مقتولٍ هالكٍ، وحيٍّ مطيع لكم سامع.
«وقد بقي لكم عَدُوٌّ عددهم قليلٌ، وبأسُهم شديدٌ، وشوكتُهم عظيمةٌ، وهؤلاء الّذين بقوا أخوَفُ عندي عليكم، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم، من الّذين غَلَبْتُمُوهُم من أعدائكم أصحاب السُّيوفِ والرِّماح والخُيول. فإن أنتم - أيّها النّاس - غلبتُم عدوّكم هذا الثاني غَلَبَتَكُم لِعدوّكم الّذين قاتلتُم وحاصرتُم، فقد تَمَّ الظَّفَرُ والنَّصرُ، وتَمَّت فيكم القوَّةُ وتَمَّ لكم العِزَّ، وتمَّت عليكم النِّعمةُ، وتَمَّ لكم الفَضلُ، وتمَّ لكم الاجتماع والألفَةُ والنَّصيحةُ والسَّلامةُ. وإن كنتُم قصَّرتُم ووهنتُم، وظفرَ هذا العدو بكم، فإنَّ الظَّفَر الّذي كان منكم على عَدوِّكُم بالمغرب والمشرقِ وفي الجنوب والشّمال، لم يكن ظفراً منكم، فاطْلُبُوا أن تقتلوا من هذا العدو الباقِي مِثلَ الّذي قتلتُم مِن ذلك العَدُوِّ الماضي، وَليَكُنْ جدكم في هذا واجتهادكم واحتشادُكم أكبر وأجلَّ وأحزمَ وأعزَمَ وأصحَّ وأسدَّ. فإنَّ أحقَّ الأعداءِ بالاستعداد له أعظمُهم مكيدة وأشدُّهم شوكةً، وليس الّذي كنتم تخافون من عدوكم الّذي قاتلتُم، بقريب من هؤلاء الّذين آمُرُكُم بقتالهم الآنَ، فاطلبوه، وَصِلُوا ظَفَراً بظَفَرِ، ونصراً بنصر، وقُوَّةُ بقُوَّةٍ، وتأييداً بتأييد، وحزماً وعزماً بحزم وعزم، وجهاداً بجهاد. فإنَّ بذلك اجتماع صلاحكم، وتمام النِّعمة عليكم، والزّيادة في الكرامة من اللّه لكم، والفوز برضوانِه في الآخرةِ».
«ثم اعلموا أنَّ عَدُوَّكم من التُّرك والرُّوم والهندِ وسائرُ الأُمم، لم يكونوا لِيَبلغوا
منكم - إن ظهروا عليكم وغلبوكم - مثل الّذي يبلغ هذا العدوُّ منكم، إن غلبكم وظهر عليكم. فإنّ بأس هذا العدوّ أشد وكيده أكبرُ، وأمرُهُ أخوَفُ مِن ذلك العدوِّ».
«يا أيّها النّاس إنّي قد نَصِبتُ لكم كما رأيتُم، ولقيتُ ما قد علمتم بالسِّيف والرُّمح والمفاوز والبحارِ والسُّهولة والجبال أقارعُ عدوّا عدوّا، وأكالب جنداً جنداً، وأكابدُ مَلِكاً مَلِكاً، لم أتضَرَّع إليكم هذا التَّضَرُّعَ في قتالِ أُولئك الجنودِ والملوكِ، ولم أسألكم هذه المسألة في طلب الجد والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد، وإنّما فعلتُ هذا اليومَ لِعِظَم خَطَرِهِ، وشِدَّةِ شوكته ومخافة صولته بكم، وإن أنا - أيّها النّاس - لم أغلب هذا العدوّ وأنفه عنكم، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء، ونفيتُ عنكم أضعفها. فأعينوني على نفي هذا العدوَّ المخوفِ عليكم، القريب الدّارِ منكم. فأُنشِدُكم اللّه - أيّها النّاس - لمّا أعنتموني عليه حتّى أنفيه عنكم وأخرجه من بين أظهركم فيتمَّ بلائي عندكم، وبلاءُ اللّه فيكم عندي، وتتمَّ النّعمةُ عليَّ وعليكم، والكرامةُ من اللّه لي ولكم، ويتمَّ هذا العز والنَّصرُ وهذا الشَّرفُ والتّمكينُ، وهذا الثروةُ والمنزلةُ».
«يا أيّها النّاس! إنّي تفكّرتُ بعد فراغي من كتابي هذا وما وصفتُ من نعمة اللّه علينا في الأمر الّذي لمّا غلب «دارا» الملوك والأمم، وقهرها واستولى على بلادها، ثم لما لم يُحكم أمر هذا العدو ؛ هلك [بِسَبَبِه] وهلكت جنوده، بعد السَّلامةِ والظَّفَرِ والنَّصرِ والغَلَبَةِ. وذلك أنه لم يرضَ بالأمرِ الّذي تمَّ له به المُلكُ، واشتدَّ به له السُّلطان وقوي به على الأعداء، وتمَّت عليه بهِ النّعمة، وفاضت عليه من وجوه الدُّنيا كلِّها الكرامة، حتّى احتيلَ له بوجوه النَّميمة: البغي، فدعا البغي، والحَسَدِ، فتقوّى به وتمكّن. ودعا الحَسَدَ بعضُ أهل الفقر لأهل الغنى وأهل الخمول لأهل الشّرف. ثمَّ أتاهم الإسكندرُ على ذلك من تفرُّق الأهواء، واختلافِ الأمور، وظهور البغضاء، وقُوَّةِ العداوة فيما بينهم، والفساد منهم. ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحبُ حَرَسِهِ وأمينُهُ عَلَى دَمِه، لِلَّذِي شَمَلَ قلوب العامّة من الشَّرُ والضَّغينة، وثَبَتَ فيها مِنَ العَداوةِ والفُرقة، فكفى الإسكندر مؤنَة نَفسِه. وقد اتَّعظتُ بذلك اليوم فَذَكَرتُهُ».
«يا أيّها النّاس! فلا أسمعَنَّ في هذه النعمة تفرُّقاً ولا بغياً ولا حَسَداً ظاهراً ولا وشايَةً ولا سعاية، فإنَّ اللّه قد طَهَّر من ذلك أخلاقنا ومُلكنا وأكرمَ عنه ولايتنا. وما نِلتُ ما نلته - بنعمة ربنا وحمده - بشيءٍ مِن هذه الأمورِ الخبيثة الّتي نَفَتها العُلماءُ، وعَافَتها الحُكمَاءُ، ولكنّي نِلتُ هذِهِ الرُّتَبَ بالصَّحَّةِ والسَّلامة، والحُبِّ للرعِيَّة، والوفاء والعدل والاستقامة والتُؤدَةِ. وإنما تَرَكنا أن نأخُذَ عن هذه الأُمَمِ الّتي سمَّيناها أعني : مِنَ التُركِ والبَربَر والزَّنج والجبال وغيرهم مثل ما أخذنا عن الهند والرّوم، لظهور هذه الأخلاقِ فيهم وغَلَبَتِها عليهم. ولم تصلح أمَّةُ قطُّ ولا مَلِكُهَا عَلَى ظهور هذه الأخلاقِ فيها. وإِنَّ
أوَّل ما أَنَا نافٍ وتاركٌ مِن هذه الأمور، هذه الأخلاق الّتي هي أعدى أعداءكم».
«يا أيّها النّاس ! إِنَّ فيما بَسطَ اللّه علينا بالسَّلامَةِ والعافية والاستصلاح، غِنّى لَنا عما نطلب بهذه الأخلاقِ المُردِيَةِ المشؤومة. فاكفُوني في ذلك أنفُسَكم فإِنَّ قَهر هذه الأعداء أحبُّ إليَّ وخيرُ لَكُم مِن قهر أعدائكم من التُّركِ والرُّوم. فأمَّا أَنَا - يا أيّها النّاس - فقد طبتُ نفساً بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم لا حاجة لي بما فيها، ولا بالذي علي منها، فطيبوا أنفُساً بالذي طبتُ به نفساً منكم».
«يا أيّها النّاس! إني قد أحببتُ أن أنفي عنكم عدوّكم الباطِنَ والظَّاهِرَ، فأمَّا الظَّاهِرِ منهما، فإنا بحمد اللّه ونعمته، قد نفيناه وأعانَنَا اللّه عليه وخَضَد لنا شوكته، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسَيتُم وأجهدتم. فافعلُوا في هذا العَدُوِّ كما فعلتم في ذلك العدوّ، واعملوا فيه كالّذي عملتم في ذلك، واحفظوا عنّي ما أوصيكم به، فإنّي شفيقُ عليكم ناصحُ لكم».
«أيّها النّاس! من أحيى هذه الأمور فينا، فقد أفسد بلأَه عندنا بقتاله مَن كان يقاتلنا من أعدائنا، فإنّ هذه أكثر مضرّةً وأشدُّ وأعظم بليّةً وأضرُّ تَبِعَةً. واعلموا أن خيركم - يا أيّها النّاس! مَن جَمعَ إلى بلائهِ السّالِفِ عندنا، المعونة لنا على نفسه في هذا الغابر. واعلموا أنَّ مَن غَلَبَهُ هذا غَلَبَ عليه ذاك، ومن غَلَبَ هذا فقد قَهَرَ ذاك. وذلك أنَّ بالسَّلامة، والأُلفة، والمَودَّةِ، والاجتماع، والتَّناصح منكم يكونُ العِزُّ والقُدرةُ والسلطانُ، ومع التّحاسُدِ، والبغي والنَّميمة والتَّشتُّت، يكون ذهابُ العزّ وانقطاعُ القُوَّةِ، وهلاكُ الدُّنيا والآخرة. فعليكم بما أمرناكم به، واحذروا ما نهيناكم عنه، ولا قُوَّةَ إلّا باللّه. عليكم بِمُواساة أهل الفاقة وضيافة السائلة. وأكرموا جِوَارَ من جاوَرَكم، وأَحَسِنُوا صُحبَةً مَن دَخَلَ من الأمم فيكم، فإنَّهم في ذِمَّتِي، لا تَجَبّهوهم، ولا تظلموهم، ولا تَسلَّطوا عليهم، ولا تُحرجُوهم، فإنّ الإحراج يدعو إلى المَعصِيَةِ، ولكن اصبِرُوا لهم على بعض الأذى، واحفظوا أمانتكم وعهدكم واحفظوا ما عهدتُ إليكم من هذه الأخلاق، فإنا لم نَرَ سلطاناً قط ولا أُمَّةً هلكوا إلّا بترك هذه الأخلاق، ولا صَلَحُوا إلا مَعَها. وباللّه ثِقَتُنَا في الأمور كُلِّها».
ثُمَّ هلك أنوشروان بعد ثمان وأربعين سنة من مُلكه، وملك ابنه :
وكانت أمُّه بنت خاقان الأكبر، وكان كثير الأدبِ، حَسَنَ النِّيَّةِ، في الإحسان إلى الضُّعفاء والمساكين، إلّا أنّه كان يحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضُوه فعلم بذلك منهم، فكان في نفسه منهم مثل ما في أنفسهم منه.
وكان من سيرته المرتضاة: أنّه تحرّى الخير والعدل على الرّعيَّة، وتشدَّدَ على العُظَماء المستطيلين على الضُّعفاء، وبلغ من عدله أنّه كان يسير إلى ال«ماه» ليُصيف هناك، فأمر فنودي في مسيره ذلك في مواضع الحروث أن يُتحامى، ولا يسير فيها الرّاكب لئلّاً يُضِرُّوا بأحدٍ ووكَّلَ بتعهُّد ما يجري في عسكره، ومعاقبة من تعدّى أمره، وتغريمِه عِوَضاً لصاحب الحرث.
وكان ابنه كسرى في عسكره، فَعَار مركب من مراكبه، ووَقعَ في مَحَرَثةٍ من المَحارِثِ الّتي كانت على طريقه، فَرَتَعَ فيها، وأفسد منها. فأُخِذَ ذلك المركبُ، وَرُفِعَ إلى الرَّجُلِ الّذي وكَّله هرمزُ بمعاقبةِ من أَفسَدَ هو أو دابَّته شيئاً من المحارِث وتغريمه، ولم يقدِر الرَّجُلُ على إنفاذ أمرِ هُرمُز في كسرى ابنه ولا أحدٌ مِن حَشَمِهِ. فَرَفَعَ ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هَرمُزَ، فأمرَهُ أن يَجدَع أُذنيه، ويُبَشِّرَ ذَنَبَهُ، ويُغَرِّمَ كِسْرَى. فخرجَ الرَّجلُ لإنفاذ الأمر. فَدَسَّ له كسرى رهطاً من العُظماء ليسألوه التَّغبيبَ في أمرِه، فلقُوهُ وكلَّموهُ في ذلك، فلم يُجب إليه، فسألوه أن يؤخِّرَ ما أمر به هرمزُ في المركب حتّى يُكلِّموه. فأمَر بالكفّ عنه، فَفُعِلَ. فلقي أُولئك الرَّهْطُ هرمزَ، وأعلموه أنَّ بذلكَ [المركب] الّذي عار، زعارَةً، وأنَّه أُخِذَ لِلوقت. وسألوه أن يأمُرَ بالكفَّ عن جدعه وتبتيره لما فيه من سوء الطَّيَرَةِ. فلم يُجبهم إلى ما سألوه وأمر بالمركب، فَجُدِعَ أُذُناه وبُيّرَ ذَنْبُهُ وغُرِّمَ كسرى كما يُغَرَّمُ غيره في هذا الحَدِّ، ثُمَّ ارتحل.
وأيضاً : ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان مَمَرُّهُ على بساتينَ وكُروم. فاظَّلع بعض أساورته في كرم، فرأى فيه حصرماً فأصابَ منها عناقيد، ودَفَعَها إلى غلامه وقال :
فهذه كانت سيرة هُرمزَ في العدلِ والضَّبطِ والهَيبة، وكان مظفّراً منصوراً لا يَمُدُّ يَدَهُ إلى شيء إلّا وأتاهُ، وكان مع ذلك أديباً، أريباً داهياً، إلّا عرّقاً قد نزعه أخواله من التُركِ. فكان لذلك مُقصِياً للأشرافِ وأهل البيوتات والعلماء.
قيل : إنه قَتَل ثَلاثَةَ عَشَرَ أَلفَ رَجُلٍ وستَّمائة رجل. ولم يكن [له رأي] إلّا في
[تألّفِ] السَّفِلَةِ واستصلاحِهِم. وحَبَسَ خَلقاً من العظماء، وحَطَّ مَراتِب خلقٍ، وقَصَّر بالأساوِرَةِ، [ففسدت] عليه نِيَاتُ جُندِه من الكُبَراءِ، [واتَّصلَ] ذلك بما جَناهُ على بهرام شُوبين ممّا سَنَحكيه. فكان ذلك سبب هلاكه.
خرج على هرمز خوارج منها : «شابة ملكُ التُّركِ الأعظم في ثلاثمائة ألف مقاتل. وصار إلى باذغيس، وذلك بعد إحدى عشر سنة من مُلكه، وخرج عليه مَلِكُ الرّوم في ثمانين ألف مقاتل قاصداً له، وخرج عليه مَلكُ الخزر حتّى صار إلى باب الأبواب، وخرج عليهِ من العرب خلقٌ نزلوا في شاطئ الفراتِ وشنّوا الغارة على أهل السَّوادِ واجتَرَأَ عليه أعداؤه، وغَزَوا بِلادَه».
فأمّا شابة مَلِكُ التُركِ فإنّه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء الفُرس، يُؤْذِنُهُم بإقباله ويقول :
فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، فشاور فيه، فأُجمعَ له على قصدِ مَلكِ التُّركِ وصَرفِ العناية إليه. فوجّه إليه رجلاً من أهل الرّي يقال له : بهرام بن بهرام جُشنَس ويُعرف ب«جوبين». فاختار بهرامُ من الجُند اثني عشر ألف رجُل على عَينَيهِ من الكهول دون الشَّبابِ، وكانت عدَّةُ من يشتمل عليه الدّيوان سبعينَ أَلفَ مُقاتِل.
فمضی بهرام بجدٍّ وإغذاذٍ، حتّى حاز هراةَ وباذغيسَ، ولم يشعرُ شابة ببهرام حتّى نزل بالقرب منه معسكراً. فجرت بينهما حروب ورسائلُ إلى أن قَتَلَ بهرام شابَةَ برميةٍ رماها إيّاه، فاستباح عسكره، وأقام موضِعَه، فوافاهُ بَرموذةُ بنُ شابةً، وكان يُعدَلُ بأبيه، فحارَبَه، فهزمه، وحَصرُه في بعض الحصونِ، ثُمَّ ألحَّ عليه حتّى استسلم له فوجَّهه أسيراً إلى هُرمُز، وغَنِمَ كنوزاً عظيمةً.
فيقال : إنه حَمَلَ إلى هرمز من الأموال والجواهر والأواني وسائر الأمتعة ممّا غَيْمَهُ وقر مائتين وخمسين ألف بعير في مُدَّة تلك الأيّام. فشكره هرمز على ذلك، إلّا أنّه أراد منه أن يتقدَّمَ بِمَن معهُ إلى بلادِ التُرك، وكاتَبَهُ في ذلك، فلم يَرَ بهرام ذلك صواباً. ثُمَّ خاف بهرام سطوةَ هُرمزَ. وحُكِي له : أنَّ الملك يستقلُّ ما حمله إليه من الغنائم في جَنَبِ ما وصل إليه وأنّه يقول في مجالسه : «بهرام قد تَرَفَّه، واستطابَ الدَّعَة». وبلغ ذلك الجُندَ، فخافوا مثل خوفِه.
فيقال : إنَّ بهرام جمع ذات يوم وجوه عسكره فأجلسهم على مراتبهم، ثُمَّ خَرَجَ عليهم في زِيّ النِّساءِ، وبيده مِعْزَلُ وقُطنُ، حتّى جلس في موضعه، وحُمِلَ لِكُلُّ واحدٍ من أولئك القومَ مِغزل وقُطنٌ، فَوُضع بين أيديهم، فامتعضوا من ذلك وأنكروه. فقال بهرام :
«إنّ كِتابَ الملكِ وَرَدَ عَلَيَّ بذلك، ولا بُدَّ من امتثال أمره إن كنتم طائعين».
فأَظهَرُوا أَنفَةٌ وَحَمِيَّةً، وخَلَعُوا هرمز، وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للمُلكِ مِنهُ، وساعَدَهُم على ذلك خَلَقٌ كثيرٌ مِمَّن كان بحضرةِ هُرمزَ.
وأنفذ هرمز جيشاً كثيفاً مع آذينجشنس لمحاربة بهرام، وأشفق أبرويز من الحديث وخافَ سطوة بهرامَ، فَهَرَب إلى أذربيجان. فاجتمع إليه هناك عِدّةُ من المرازبة والإصفهبذين، فأعطوه بيعتهم. ولم يُظهر أبرويز شيئاً، وأقام بمكانه إلى أن بَلَغَهُ قتل آذینجشنَسَ الموجَّه لمحاربة بهرام جوبين، وانفضاضُ الجمع الّذي معه، واضطرابُ أمر أبيه هُرمزَ.
وكَتَبَت إليه أختُ أذينخشنس - وكانت تربهُ - تُخبره بضعفِ أبيهِ هُرمزُ، وأعلمته أنّ العظماء والوجوة قد أجمعوا على خَلعِه، وأعلمته أنَّ جوبين - إن سَبَقَهُ إلى المدائن - احتوى على المُلكِ. ولم تَلبَثِ العُظماء بذلك أن وَثَبَت على هرمز وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز. فَخَلَعُوهُ وسملوا عَينَيهِ وتَركوه تحرُّجاً مِن قَتلِه. فلما بلغ ذلك أبرويز، بادر بمن معه إلى المدائن وسبق إليها بهرام جوبين، وتتوّج وجَمعَ إليه الوجوه والأشراف، وجَلَسَ لهم على سريره، ومَنْاهُم ووعدهم وقال :
فلمّا كان اليومُ الثّاني، أتى أباه، فَسَجَدَ له وقال: عمرك اللّه أيّها المَلِكُ، إنَّك تعلم أنّي بَريءٌ ممّا آتاه إليك المنافقون، وإنّما هَرَبتُ خوفاً منك».
فصدَّقَهُ هرمز وقال له :
فتواضع له أبرويز وقال :
إِنَّ أبرويز خَرجَ إلى النَّهروان، لمَّا وَرَدَها بهرام، وواقفه وجَعَلَ النَّهرَ بينَهُ وبينَهُ، ودار بينَهُما كلامٌ كثيرٌ، كلُّ ذلك يدور على استصلاح بهرام، فلا يَرُدُّ عليه بهرامُ إلّا ما يسوؤُه، حتّى يَئِسَ مِنهُ وأجمع على حربه. ولهما أخبارٌ كثيرةً وأحاديثُ طويلة آخرها : أنّ أبرويز ضعف عنه بعد أن قتل بيده ثلاثة نفر من الأتراكِ كانوا وثقوا بهرامَ مِن أبرويز، وضمن لهم عليه مالاً عظيماً، وكان هؤلاء الثلاثةِ مِن أشدّ الأتراك وأعظمهم أجساماً وشجاعة. ثُمَّ رأى أبرويز من أصحابه فتوراً وحرَّضَ أصحابه فتبيَّنَ منهم فشلاً فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى مَلِكِ الرُّوم فأحرزَ نِساءَهُ، وشَخَصَ فِي عِدّةٍ يسيرة فيهم : بُندُويَه، وبسطام، وكُردي أخو بهرام، لأنّ كُردي هذا كان ماقتاً لأخيه، مُعادِياً له، شديد الطَّاعة والنَّصيحة لأبرويز. فلمّا خرجوا، من المدائن خاف القوم من بهرام وأشفقوا أن يَردَّ هُرمزَ إلى المُلكِ، ويكاتِبَ مَلِكَ الرّومِ عَن هُرمزَ في ردّهم، فَيَتلفُوا. فأعلموا أبرويز ذلك واستأذنوا في إتلافِ هرمز فلم يُحِر جواباً. فانصرف بندويةُ وبسطام وطائفة معهما إلى هرمزَ حتّى أتلفُوه خنقاً، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كسرى وقالوا :
فحثُوا دَوابَّهم، وصاروا إلى الفراتِ فقطعوهُ، وأخذوا طريق المفازة، بدلالة رجل يُقال له خُرشِيذان، وصاروا إلى بعض الدّيارات في أطرافِ العمارة. فلمّا أوطِنوا الرّاحَةَ، لحقتهم خَيلُ بهرام. فلمَّا نَذِروا بهم، أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له :
فقال کسری : «ما عندي حيلة».
فقال بُندُويَه : «فإنّي سأحتالُ لك بأن أبذل نفسي دونك».
قال : «وكيف ذلك؟».
قال : «تدفع إليَّ بِزَّتك وزينتكَ لأعلُو الدَّير وتنجو أنتَ ومَن مَعَكَ مِن وراءِ الدَّيرِ، فإنّ القومَ إذا وصلوا إليَّ ورأوا هيئَتَك عَليَّ، اشتغلوا عَن غَيري وطاولتهم حتّى تفوتهم».
ففعلوا ذلك وبادَرُوهم حتّى تواروا بالجَبَل. ثُمَّ وافاهم خيلُ بهرام وعليهم قائد له يقال له: بهرام بن سياوش. فاطّلع عليهم بُندُويَه من فوق الدِّيرِ وعليه بِزَّةُ أبرويز،
وَأَوهَمَهُ أَنَّه هو، وسَأَلَه أن يُنظِرَهُ إلى غَدٍ لِيَصِيرَ في يَدِهِ سِلماً، ويَصِيرَ بِه إلى بَهرام جوبين. فأمسك عنه وحَفِظ الدِّيرَ بالحَرَسِ ليلَتَهُ.
فلمّا أصبح اطّلع عليه في بزتِه وحليته وقال :
ولم يزل يُدافع حتّى مضى عامَّةُ النَّهارِ. وأمعن أبرويزُ وعلم أنه قد فاتهم. فَفَتَحَ البابَ حينئذٍ، وأعلم بهرام بأمره. فانصرف به إلى جوبين فحبسه في يَدِ بهرام بن سیاوش.
فأما بَهرام جوبين فإنَّه دخل المدائن، وجلس على سرير المُلكِ، وجَمعَ العُظَماء، فَخَطَبَهُم وذمَّ أبرويز، ودار بينهم كلام. فكان كُلُّهم منصرفاً عنه إلا أن بهرامَ تَتوَّجَ وانقاد له النّاس خوفاً.
ثُمَّ إِنَّ بهرام بنَ سياوش واطَأَ بُندويه على الفتك بجوبين وظهر جوبين على ذلك فقتله، وأفلت بُندُويَه ولحق أذربيجان. وسار أبرويز حتّى أتى أنطاكية، وكاتب مَلِكَ الرُّوم عنها وراسَلَهُ بجماعةٍ مِمَّن كان معه، وَسَأَلَهُ نُصرته، فأجابه إلى ذلك وانساقت الأمور بالمقادير، إلى أن زوَّجه ابنَتَهُ مَريَمَ وحملها إليه، وبعث إليه ب«تياذوس» أخيه ومعه ستّون ألف مقاتل، عليهم رَجلٌ يقال له : سرجس يتولّى تدبير أمرهم، ورجل آخر يقال له : «الكمّي» - كان يُعدَلُ بألف رجل - معظَّم في الرُّوم، وسأله تَركَ الإتاوة الّتي كان آباؤه يسألونَها مُلوكَ الرُّوم، إذا هو مُلِّك. فاغتبط بهم أبرويزُ، وأراحَهُم خمسة أيّام، ثُمَّ عَرَضَهُم وعَرَّف عليهم العُرفاء، وفي القوم تياذوسُ، وسرجسُ، والكميُّ الّذي وصفناه، وسار بهم حتّى نَزَلَ من أذربيجان في صحراء تُدعى الدَّنَقِّ، فوافاهُ هناك بندويه ورجلٌ من إصبهبذي الناحية - ويقال له : موسيل - في أربعين ألف مقاتل وانفضَّ إليه النّاسُ بالخيل من إصبهان وخراسان وفارس، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدَّنقِ. فشخص نحوه من المدائنِ، فَجَرَتْ بينهما حربٌ شديدةٌ قُتِلَ فيها الكَمِيُّ الروميَّ بضربة ضَرَبَهُ بِها بعضُ الفُرس على رأسه، فَقَدَّ رأسَهُ ويَدَهُ، وعار فَرَسُه بنصفِ بَدَنِه الباقي إلى معركة أبرويز ومعسكره، فاستضحك أبرويز، وعظم ذلك على الرُّومِ حتّى كثر الكلامُ فيه، وعُوتِبَ أبرويزُ، وقيل له :
«إني واللّه ما ضحكتُ لِمَا تَكرِهُونَ. ولقد شَقَّ عَلَيَّ أن فقدتُ مِثلَه أكثَرَ ممّا شقّ عليكم، ولكني رأيتُكُم تستصغرون شأن بهرام جوبين، وتُنكرون هَرَبي منه، فذكرتُ ذلك من قولكم الآن، وعلمتُ أنَّكم بِرُؤيتكم هذه الضَّرَبَةَ وأثرها على هذا الكَمِيَّ
تَعذرونَنِي وتَعلمون يقيناً أَنَّ هَرَبِي إِنَّمَا كَانَ من أمثال هؤلاء القوم الّذين هذا مبلغ نكايَتهُم في الأبطال».
ويُقال: إنّ أبرويز حارب بهرام منفرداً عن العسكر بأربعة عَشَرَ رجلاً منهم كُردِي أخو بهرام، وبندويه وبسطامُ حرباً شديدةً وَصَلَ فيها بعضُهم إلى بعض والمجوس تحكي حكايات عظيمة لا فائدة في ذكرها مع امتناعها، وجُملتُها : أنَّ أبرويز استظهر استظهاراً أيس معه بهرام جوبين، وعلم أنّه لا حيلة له فيه، فانحاز عنه نحو خراسان، ثُمَّ صار إلى التُركِ، وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فَرَّقَ في الجنودِ من الرُّوم أموالاً عظيمةً وصَرَفَهم إلى ملكِ الرُّوم.
وَلَبِثَ بهرامُ في التُركِ مُكرَّماً عندَ المَلِكِ، حتّى احتال عليه أبرويز بتوجيه رجل يقالُ له هُرمُز : إلى التّرك بجوهر نفيس وغيره، حتّى احتال لخاتون امرأةِ المَلِكِ، ولاطَفَها بذلك الجوهر وغيره مِن الهَدَايَا حتّى دَسَّت لبهرامَ مَن قَتَلَهُ. فَاعْتَمَّ خاقان لِمَوتِهِ، وأرسل إلى أختِه كُردِيَّةً وامرأته يُعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسأل أن يتزوجها وطَلَّقَ امرأته خاتون بهذا السَّبَبِ، فأجابته كردية جواباً لَيِّناً، وضمَّت من كان مع أخيها من المقاتلة إليها، وخرجت بهم من بِلادِ التُّركِ إلى حدودِ مملكة فارِسَ فأتبعهما مَلِكُ التَّرك أخاهُ بُطراً في اثني عشر ألف فارس.
فيُقال : إِنَّ كُردية قاتَلَت، وقتلت بُطراً بِيَدِها ومَضَت لِوَجهِها، حتّى تلَّقتها خيولُ الفُرس من الحدودِ، وكتبت إلى أخيها كُردى، فأَخَذَ لها أماناً من أبرويز. فلما قَدِمت عليه اغتبط بها، وتزوَّج بها أبرويز.
لم يَزَلَ أبرويزُ يُلاطفُ مَلِكَ الرُّوم. الّذي كان نَصَرَهُ، ويُهادِيه، إلى أن وَثَبَتِ الرُّومُ عليهِ في شَيْءٍ أنكروهُ مِنهُ، فَقَتَلُوهُ، وملَّكُوا غيرَهُ. فبلغ ذلك أبرويز، فَامْتَعَضَ، وأخذتهُ الحفيظةُ، فآوى ابنَ المَلِكَ المقتولِ اللاجى إليه، وتَوجَّهُ، ومَلّكَهُ على الرّوم، وَوَجَّهَ معَهُ جُنوداً كثيفةً مع شهربراز، فَدَوَّخَ بهم البِلادَ، ومَلَكَ صاحبُ كِسرى بيت المقدس، وأخذ خشبة الصَّليب، وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرينَ سَنَةً مِن مُلْكِه. ثُمَّ احتوى على مصر، والإسكندريّة، وبلادِ نوبة، وبعثَ مَفاتيح مدينة الإسكندريّة إلى كسرى في سَنَةِ ثمان وعشرين من مُلكه. وقصد قسطنطينية، فأناخ على ضَفَّةِ الخليج القريب منها، وخيَّم هناك. فَأَمَرَ كِسرى فخرَّبَ بلادَ الرُّوم، غضباً ممّا انتهكوا من ملكهم وانتقاماً له، ولم يخضع لابنِ مَلِكِهم المقتول أَحَدٌ، ولا مَنَحُوا الطَّاعَة، غير أنَّهم
قتلوا المَلِكَ الّذي مَلَّكُوهُ بعد أبيه المسمّى فُوقاً لما ظَهَرَ من فُجوره وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلاً يقال له : هرقل. فلمّا رأى هِرقل عظيم ما فيه بلادُ الرُّومُ مِن تخريب جنودِ فارِسَ إيّاها، وقتلهم مقاتِلَتَهُم، وسَبيهِم ذراريَّهم واستباحتِهم أموالهم ؛ تَضرَّعَ إلى اللّه، وأكثَرَ الدُّعاء والابتهال.
فيقال : إنّه رأى في منامه رجلاً ضَخمَ الجُنَّة رفيع المجلس، عليه [بزَّةُ، قائماً في ناحية عنه]، فدخل عليهما داخلُ، فألقى ذلك الرَّجلَ عَن مجلسِهِ وقال لهرقل :
فلم يقصُصِ رُؤياه تلك في يقظته على أحدٍ حتّى توالت عليه أمثالُه. فرأى في بعض لياليه : كَأَنَّ رجلاً دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة، فألقاها في عُنُقِ صاحبه، أعني صاحِبَ المجلس الرّفيع عليه، ثم دفعه إليه وقال له :
فلمّا تتابعت هذه الأحلام، قصَّها على عظماء الرّوم وذوي العلم منهم، فأشارواعليه أن يَعْزُوَهُ. فاستعدَّ هِرَقلُ، واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ عن الطَّريق الّذي فيه شهريار صاحبُ كسرى، وسار حتّى وغل في بلاد إرمينية، ونزل نصيبين سنة، وقد كان صاحب ذلك الثَّغر مِن قِبل كسرى، قد استُدعي لموجدة كانت من كسرى عليه. وأما شهربراز فقد كانت كُتُب كسرى تَرِدُ عليه في الجثوم على الموضع الّذي هُوَ به [وتَركِ البَراح منه]. ثم بَلغ كسرى تساقط هِرَقلَ في جنوده إلى نصيبين. فوجَّه لمحاربةِ هِرَقل رجلاً من قُوّادِهِ يُقالُ لَهُ: راهزاذ في اثني عَشَرَ أَلفَ رجل من الأنجادِ، وأمرَهُ أن يُقيمُ بنِينوى - وهي الّتي تُدعى الآنَ الموصل - على شاطئ دجلةً، ويَمنعَ الرّومَ أن يَجُوزوها.
وكان كسرى بلغه خبرُ هِرَقلَ، وأنَّه مُغِذُّ، وهو يومئذٍ مُقيمٌ بدسكرةِ المَلِكِ، فنفذ راهزاذُ لأمرِ كسرى، وعَسكَر حيثُ أمرَهُ. فقطع هِرَقلُ دِجلة في موضع آخر، إلى النَّاحية الّتي كان فيها جُندُ فارس. فأذكى راهزاذُ العيون عليه، فانصرفوا إليه، فأخبروه أنَّه سبعين ألفَ مُقاتل، فأيقن راهزاد ومن معهُ مِنَ الجُندِ، أَنَّهم عاجزون عن مناهَضَتِه. فكتب إلى كسرى غيرَ مَرَّةٍ، دَهمَ هِرَقلَ إيّاه بِمَن لا طاقة لهُ ولِمَن معه بهم، لكثرتهم وحُسنِ عُدَّتِهم. كُلُّ ذلك يُجيبُهُ كِسرى بأنَّهُ إِن عَجَزَ عَنِ الرومِ فلن يَعجَزَ عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعتِه.
فلمّا تَتابعت على راهزاد جوابات كسرى بذلك عَبّى جُندَه وناهض الرّومَ بِهم. فقتلت الرّومُ راهزاذ وَسِتَّةَ آلافِ رجل، وانهزمت بقيَّتُهُم وهَربُوا على وجوههم. وبلغ كِسرى قتلُ الرُّومِ راهزادَ وما نالَ هِرَقلُ مِنَ الظَّفرِ، فَهَدَّهُ ذلك، وانحاز مِن دسكرةِ المَلِكِ
إلى المدائن، وتحصَّن بها لعجزه كان عن محاربة هِرَقلَ، وسار هِرَقلُ حتّى كان قريباً من المدائن. فلمَّا تساقط إلى كسرى خَبَرُهُ واستعدَّ لِقِتَالِه انصرف إلى أرض الرُّوم. وكتب كِسرى إلى قُوَّاد الجندِ الّذين انهزموا، يأمرهم أن يَدُلُّوه على كُلِّ رجل منهم ومِن أصحابه، مِمَّن فَشِلَ في تلك الحَرب ولم يُرابط مركزه فيها ؛ فأمر بأن يُعاقب بحسب ما استوجَبَ. فأحوَجَهُم بهذا الكتابِ إلى الخِلافِ عليه وطَلَبِ الحِيَل لِنجَاةِ أنفُسِهم منه. وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويَصِفُ له ما نال هِرَقلُ منه ومن بلاده.
وقد حُكِي : أنَّ كسرى عرف امرأةٌ في فارِسَ لا تَلِدُ إلّا الملوك الأبطال، فدعاها وقال :
فوصفت أولادها فقالت :
فاستعمل شهر بَرازَ. فَسار إلى الرُّوم، فظهر عليهم وهزمهم وخَرَّبَ مدائنهم. فلمّا ظهرت فارسُ على الرّومِ، جلس فرّخان يشرب، فقال لأصحابه :
فبلغت،کسری، وكَتَبَ إلى شهر براز :
فكتب إليه :
فكتب إليه :
فراجعه، فغضب كسرى ولم يُجبه. وبعث بريداً إلى أهل فارس:
ثُمَّ دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال :
فلمّا قرأ شهربَرازُ الكتاب قال :
ونزل عن السرير، وجَلَسَ فرّخان ودَفَعَ الصَّحيفَةَ إليه، فقال:
فقدّمه ليضرب عُنُقَه، فقال :
قال : «افعل !».
فدعا بِسَفَطٍ وأعطاهُ ثَلاثَ صَحائف، وقال :
فَرَدَّ المُلكَ على أخيه.
فكتب شهر براز إلى قيصر ملك الروم :
فأقبل قيصرُ في خمسمائةِ رُوميٍّ، وجعل يَضعُ العُيُونَ بين يَدَيهِ فِي الطَّرِيقِ، وخافَ أن يكون قد مَكَرَ به حتّى أتاه عيونه أنَّه : ليس معه إلا خمسون رجلاً. ثُمَّ بُسِطَ لَهُمَا، والتقيا في قُبَّةِ ديباج ضُرِبَت لهما، واجتمعا ومع كُلِّ واحدٍ منهما سِكين ودَعَوا ترجماناً بينهما فقال شهر براز :
قال : «قد أصَبْتُما وَوُفِّقتُما».
ثمَّ أشار أحدهما إلى صاحبه : أنّ السِّرَّ إنَّما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا.
قال صاحِبُه : «أجل !».
فقاما جميعاً إلى الترجمان بسكينهما، فقتلاه واتفقا على قِتالِ كسرى.
وكان سبب ذلك قتل النُّعمان بن المنذر اللَّخمي، قَتَلَهُ كِسرى لأسبابٍ نَذكُرُ
جُمَلَها إن شاءَ اللّه : كان عديُّ بن زيد العِباديّ وابنه زيد بن عَدِيٍّ سَبَبَ ولايةِ النُّعمان وسَبَبَ هلاكه جميعاً.
وذلك أَنَّ عَديّاً وأخويه - وهما : عمّارُ، وعمرو، ويُعرَفُ عَمَارُ بِ«أُبَيِّ»، وعمرو بِ«سُمَي» - كانوا في خدمة الأكاسرة، وَلَهُم مِن جهتهم قطائعُ. وكان قابوس الأكبرُ عَمُّ النُّعمان وإخوتِه، بَعَثَ إلى كسرى أبرويز بعديّ بن زيدٍ وأَخَوَيهِ، لِيَكُونُوا فِي كُتابِه يُترجمون له.
فلمّا ماتَ المُنذِرُ بن المنذر تَرَكَ مِن أولاده اثني عَشَرَ رجلاً، وهُمُ الأشاهب، سُمُّوا بذلك لجمالهم، وفيهم يقولُ الأعشى:
فَبَنُو المُنذِرِ الأَشاهِبُ بالحي***رَةِ يَمْشُونَ عُدوةً كالسُّيُوفِ
فجعل المنذرُ ابْنَهُ النُّعمان في حجرٍ عَدِي، وجَعَلَ ابنَهُ الأسودَ في حجرٍ رجلٍ يقال له : عَدِيُّ بنُ أُوسِ بنِ مَرينا. وبنو مرينا قومُ لهم شَرَفٌ وهم من لخمٍ، وبنو المنذِرِ الباقون، وهم عَشرَةٌ، مستقلِّونَ بأنفسهم.
وكان المنذرُ جَعَلَ على أمرِه كُلِّه إياسَ بنَ قبيصة الطائي، فكان في مكانه أشهراً يُدبِّرُ أمر العربِ كُله. وطَلَبَ كسرى مَن يُمَلْكُهُ على العرب، فدعا عديَّ بن زيد فقال له :
فقال: «بقيَّتُهم من وُلدِ هذا الميِّتِ - يعني المنذر بن المنذر - وهم رجالٌ نُجباء».
فكتب إليهم فقَدِموا عَليهِ، فأنزلَهم على عديِّ بن زيد، فكان عَدِيٌّ يُفَضّلُ إخوةَ النُّعمان عليه في النُّزُلِ، ويُريهم أنَّه لا يَرجوه، ويخلو بهم رجلاً رجلاً، ويقول لهم:
وقال للنُّعمان :
وكان عديٌّ بنُ أوسِ بنِ مَرِينا داهيةً أريباً، فكان يُوَصّي الأسود بن المنذر ويقول لهُ :
فلم يلتفت الأسودُ إلى قوله. فلمّا أمَرَ كِسرى عَدِيّ بنَ زيدٍ أن يُدخِلَهم عليه، جَعَلَ يُدخلهم رجلاً رجلاً فيُكلِّمه. فكان الملك كسرى يرى رجالاً قَلْ ما رأى مثلهم.
فإذا سألهم :
قالوا: «نكفيك العربَ إلا النُّعمان».
فلمّا دخل النُّعمان عليه رأى رجلاً دَميماً قصيراً أحمرَ، فَكَلَّمَه، وقال :
قال: «نعم».
قال : «وكيف تصنع بإخوتك؟».
قال: «أيّها الملك، إن عَجَزتُ عنهم، فَأَنا عن غيرهم أعجَزُ».
فمَلّكَهُ، وكَسَاهُ، والبَسَهُ تاجاً قيمتُهُ سِتَّونَ ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب، فلمّا خرج وهو مَلِكٌ على العرب، قال عَدِيُّ بنُ أُوسِ بنِ مَرِينا للأسودِ:
ثمَّ إِنَّ عديَّ بنَ زِيدٍ صَنَعَ طعاماً في بيعةٍ، وأرسل إلى ابن مرينا أن: ائتِني معَ مَن أحببت، فإنَّ لي حاجةً. فأتاه في ناسٍ، فتغدَّوا في البيعة غَداءَهم المُعَدَّ، وَشَرِبوا. فقال عَدِيُّ بنُ زِيدٍ لِعَدي بنِ أَوسِ :
فقام عديُّ بنُ زيدٍ إلى البيعةِ، فَحَلَفَ ألّا يهجوَهُ، ولا يبغيَهُ غائلَةٌ أبداً، ولا يَزوي عنه خيراً، فلما فرغ عَدِيٌّ بن زيدٍ، قام ابنُ مَرينا فحلف على مِثلِ يَمينِه أَلا يَهْجُوهُ أبداً، ويبغيه الغوائل ما بَقِيَ.
وخرج النُّعمان حتّى نَزَلَ منزله بالحيرة، وافترق العديّانِ على وحشة كما ذكرتُ.
فقال عَدِيُّ بنُ مَرينا للأسود :
قال : «فما تريدُ؟».
قال: «أريدُ أنْ لا تأتيكَ فائدةُ من مائِكَ وأرضِك إلا عرضتها عَلَيَّ».
فَفَعَل. وكان ابنُ مرينا كثير المالِ واسعَ الضّيعَةِ. لم يَمُرَّ به يومُ إِلّا بَعَثَ فيه إلى النُّعمان هديَّةً أو تُحفةً. فلمّا توالى ذلك وكَثُرَ عند النُّعمان هدايا ابن مرينا صار من أكرم النّاس عَليهِ، وكانَ لا يقضي في مُلْكِهِ شيئاً إلا بأمر ابن مرينا، وكانَ إِذا ذُكِرَ عَدِيُّ بنُ زيدٍ عِندَهُ أحسنَ ابنُ مرينا الثَّناءَ عليه، وذكر فضله وقال :
فلمّا رأى من يُطيفُ بالنُّعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فَجَعَلَ يقول لمن يثق به من أصحابه :
ولم يزالوا بهذا وأشباهه، حتّى أَضْغَنُوهُ عليه. ثُمَّ إنّهم كتبوا كتاباً عن عَدِيٍّ إلى قَهرمان كان له، ودشوا له حتّى أُخِذَ الكتابُ، وأُتِيَ به النُّعمان، فَقَرَأَهُ وأَعْضبَهُ.
فأرسَلَ إلى عدي بن زيد : «عَزَمْتُ عَلَيكَ إِلا زُرتَني، فإنّي قد اشتقتُ إليك»، وهو عند كسرى.
فاستأذَنَ كِسرى، فأذِنَ لَهُ. فلمّا أتاه، لم ينظر إليه، حتّى حُبِسَ في محبس لا يدخلُ عليهِ فيهِ أحدٌ. فَجَعَلَ عدي بن زيد يقول الشّعر، ويُبلغُهُ النُّعمان، وكان أوَّل ما قاله في السجن :
ليت شِعري عَنِ الهُمامِ وَيَأْتِي***كَ بِخُبْرِ الأَنباءِ عَطفُ السُّؤَالِ
وقال أشعاراً كثيرةً، وكان كُلَّما قال عديُّ من الشَّعرِ شيئاً بلغ النُّعمان وسَمِعَه، فَنَدِم على حَبسه إيّاه، وعَلِمَ أنَّه كِيدَ فيه. فكان يرسِلُ إليه، ويَعِدُهُ ويُمَنِّيه، ويَفرَقُ أَن يُرْسِلَهُ فيبغِيَهُ الغوائلَ. فلمّا طال سِجْنُ عَدِيّ وأعياهُ التَّضَرُّعُ إلى النُّعمان بالأشعارِ الّتي يستَعطِفُه فيها مَرَّةً ويُخبِرُه فيها بِمَا كيدَ به مَرَّةً، ومَرَّة يُذكره بالموتِ، ويُخبِرُهُ بِهلاكِ مَن هَلَكَ قَبلَهُ، كتب إلى أخيه أبي وهو معَ كسرى :
أَبْلُغْ أُبَيَّا عَلَى نَايِه***فَهَل يَنفَعُ المَرءَ ما قَد عَلِم
بأَنَّ أخَاكَ شَقيقَ الفؤا***دِكُنتَ به واثقاً ما سَلِم
لَدَى مَلِكِ مُوثَقٌ في الحدي***د إمّا بحقٍّ وإمّا ظُلِم
فلا أعرفنك كذاتِ الغُلا***م ما لَم تَجِد عارِماً تَعترم
فأرضَكَ أرضَكَ إن تأتِنا***تَنَم نومة ليس فيها حُلم
فكتب إليه أخوه :
إن يَكُنْ حَانَكَ الزَّمانُ فَلاعًا جزُ***قَومٍ وَلا أَلف ضعيفُ
ويَمينُ الإله لو أن جَاوا***ءَ طَحُوناً تضيء فيها السُّيوفُ
ذاتَ رِزّ مُجتابةٌ غَمَرَةَ المَو***ت صحيحٌ سِربالُها مَكفُوفُ
كنتُ في حَميها لَجِئتُك أسعى***فاعلَمَن لو سَمِعتُ إذ تَسْتَضيفُ
إن تَفتني واللّه أَلفَ جَزوعاً***لا يُعَفِّيكَ ما يصوتُ الخريف
فلعمري لئن جَزعتُ عليه***لَجَزُوعٌ على الصَّدِيقِ أسوفُ
وَلَعَمْرِي لَئِن مَلَكتُ عَزائي***لقليلُ شَرواك في ما أطوفُ
ويقال : إنَّ عَديَّا لما كاتب أُبَيَّا، قام أُبَيُّ، فدخَلَ على كسرى، فكلَّمه، فكتب له وبعث مَعَهُ رجلاً، وأذِنَ له في المسير لاستنقاذ أخيه. فكتب خليفة النُّعمان المُقيم بباب الملكِ إليه أنَّه : قد كُتِبَ إليك في أمر عدي. فأتاه أعداء عَدِيٍّ من غسّان، فأشاروا على النُّعمان بقتل عديّ.
وقالوا: «افرغ منه السّاعَةَ».
فأبى عليهم، وجاءَ الرَّجل، وكان تقدَّم أخو عدي إليه فَرَشاهُ، وأَمَرهُ أن يبدأ بِعَديّ. فدخَلَ عليه وهو محبوس وكان قال له :
فلمَّا دَخَلَ الرَّسُولُ على عَدِي قال له :
قال : «عندي الّذي تُحِبُّ».
وَوَعَدَهُ، وسألَهُ ألّا يخرج من عنده، وقال:
فقال الرَّسول : «لا أستطيع إلا أن آتِيَ النُّعمان بالكتاب فأوصِلَهُ بنفسي إليه».
فانطلق مُخبرٌ، فأَتى النُّعمان، فقال :
فبعث إليه النُّعمان بأعدائهِ، فَغَمُّوهُ حتّى مَاتَ، ثُمَّ دَفَنُوهُ.
ودخل الرّسول على النُّعمان بالكتابِ.
فقال: «نعم وكرامةً وسمعاً وطاعةً».
وبعث إلى الرّسولِ بأربعة آلافِ مِثقال ذهباً، وجاريةٍ، وقال له :
فلمّا أصبح رَكبَ، فَدَخَلَ السِّجن، فقال له الحرس :
فرجع الرَّسول إلى النُّعمان فقال :
فقال النُّعمان : «يَبعثُكَ الملكُ إليَّ فتدخُلُ إليهِ قَبلي ! كذبت ولكنّكَ أردتَ الرَّشوَةَ والخبث».
وتهدَّدَه. ثُمَّ إنّه استدعاه بعد ذلك، وزادَهُ جائزةً وكسوةً، وأكرَمَهُ واستوثق منه أن لا يُخبر الملك، إلا أنَّه قد مات قبل أن يقدمَ عَليهِ. فَرَجعَ الرَّسُولُ إلى كسرى، فقال :
ونَدِمَ النُّعمان على قتل عديّ ندامة شديدة، واجترأ أعداء عدي على النُّعمان، وهابهم النُّعمان هيبة شديدةً، فخرج النُّعمان في بعض صيده ذاتَ يوم فلقي ابناً لعديّ يُقالُ له : زيد. فلمّا رآه عَرَفَ شَبَهَهُ، فقال :
فقال: «أنا زيدُ بنُ عديٍّ بن زيد».
فكلَّمه، فإذا غلام ظريفُ، فَفَرِحَ به فرحاً شديداً، وقَرَّبَهُ، واعتذر إليه من أمرِ أبيه، ثُمَّ جَهَّزَهُ وكَتَبَ إلى كِسْرَى :
«إنَّ عديّاً كان مِمَّن أُعِينَ به المَلِكُ فى نُصحِه ولُبِّه، فأصابه ما لا بُدَّ منه وانقضت مُدَّتُه وانقطعَ أَجَلُه، ولم يُصب به أحدٌ أشدَّ من مصيبتي، وأمّا المَلِكُ فلم يَكُن ليفقِدَ رجلاً مِن عبيده إلّا جعل اللّه له منه خلفاً لما عظم اللّه من مُلكه وشأنه، وقد أدرك له ابنُ ليس دونه وقد سَرَّحتُه إِلى المَلِكِ. فإن رأى أن يجعله مكانَ أبيه ويُصرفَ عَمَّهُ إلى عمل آخَرَ فَعَلَ».
فكان هو الّذي يلي ما يكتب به إلى أرض العرب وخاصّةِ المَلِكِ، وكانت له من العَرَبِ وظيفةُ في كُلِّ سنةٍ من الأفراس المهارة، ومن الكمأَةِ الرّطبة واليابسة، والأَقِطِ، والأدُم، وسائرِ تجارات العرب. وكذلك كان عديُّ بن زيدٍ له هذه الرُّسومُ.
فلمّا وقع عند الملك هذا الموقع سألَ كسرى عن النُّعمان، فأحسنَ الثَّنَاءَ عَلَيهِ، فمكث سنواتٍ بمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى وكان يُكْثِرُ الدخول إليه.
فلمّا كان في بعض دخلاته على كسرى جَرى حديثُ النِّساءِ، وطَلَبَ المَلِكُ امرأة لها صفاتٌ ونعوتٌ مكتوبةٌ عند المُلوكِ. وكان من رسم الملوك أن يُطلَبَ لهم جاريةٌ تجمع تلك النّعوت في ممالكهم، فكُتبت تلك الصِّفةُ. فدخل زيد على كسرى فكلَّمه في ما دَخَلَ فيه، ثم قال :
قال : «فتكتب فيهنَّ».
فقال: «أيّها المَلِك، إنَّ شرَّ شيءٍ في العربِ، وفي النُّعمان أنَّهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العَجَم. فأنا أكره أن يُغَيْبَهُنَّ، وإن قدمتُ أنا عليه على معرفتي، لم يقدِر على تغييبهنَّ، فابعثني وابعث فابعثني وابعث معي رجلاً يَفقَهُ العربيّة».
فبعث معه رجلاً جَلداً حصيفاً، فخرج به زيدٌ، فَجَعَلَ يُكرم ذلك الرَّجلَ ويُلطِفُه حتّى بلغ الحيرة. فلما دَخَلَ عليه، أَعظَمَ المَلِكَ وقال :
فقال: «وما هؤلاءِ النِّسوة؟».
فقال: «هذه صِفَتُهنَّ قد جئنا بها».
وكانت الصِّفَةَ أنّ المنذِرَ الأكبر أهدى إلى أنوشروان جاريةً كان أصابها لمّا أغار على الحارث الأكبر الغسّانيِّ ابن أبي شَمِرٍ، فكتب إلى أنوشروان يَصِفُهَا لَهُ :
«هي معتدلةُ الخَلق، نَقيَّةُ اللَّونِ والثَّغر، بيضاءُ، قَمراء، وطفاءُ، دَعجاءُ، حوراءُ، عيناءُ، قَنواءُ، شَمَّاءُ، زجاءُ، برجاءُ، أسيلةُ الخَدّ [شَهِيَّةِ المُقَبَّل] جثلةُ الشَّعرِ، عظيمةُ الهامة، بعيدةُ مَهوَى القُرطِ، عَيطاءُ، عريضةِ الصَّدرِ، كَاعِبُ الثَّدي، ضَخمة مُشاشَةِ المَنكِبِ والعَضُدِ، حسنةُ المعصم، لطيفةُ الكَفِّ، سَبطةُ البَنانِ، لطيفةُ طَيِّ البطن، خميصةُ الخَصرِ، غَرثَى الوِشَاح، رَاَدحُ القُبُلِ، رابيةُ الكَفَلِ، مُفْعَمةُ السَاقِ، لفّاء الفَخِذينِ، رَيّا الرَّوادِفِ، ضَحْمَةُ المَأكَّمَتين، عَظيمةُ الرُّكبة، مُشَبَعَةُ الخلخال، لطيفة
الكَعبِ والقَدَمِ، قَطوفُ المَشي، مكسَالُ الضُّحَى، بَضَةُ المُتَجَرَّدِ، شَموعٌ لِلسَّيّدِ، ليست بخنساء ولا سَفعاء ذليلةُ الأَنف،َ عزيزة النَّفس، لم تُغذَ في بؤس، حَيِيَّةٌ، وزَينَةٌ، حَليمةٌ، ركينةٌ، كريمةُ الخال، تقتصِرُ بِنَسَبِ أبيها دونَ فَصيلَتِها، وبفصيلتها دونَ جماعِ قبيلتها، قد أَحكَمَتها التجاربُ في الأدب، فرأيّها رأيُ أهل الشَّرفِ، وعَمَلُها عَمَل أهل الحَاجَةِ، صنّاعُ الكَفَّينِ، قطيعة اللّسانِ، رَهْوَةُ الصَّوتِ، تَزينُ البَيتَ وتشينُ العدوَّ، إن أَرَدتَها اشتهتْ، وإن تَرَكتها انتهتْ، تحملِقُ عيناها، وتَحمَرُ وجنتاها، وتُذبذبُ شفتاها وَتُبَادِرُكَ الوَثِبَةَ».
فقبلها أنوشروان، وأمر بإثبات هذه الصِّفة في ديوانه، فلم يزالوا يتوارثونها، حتّى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز.
فقرأ عليه زيدُ هذه الصِّفَة، فشقّ عليه، فقال لزيدٍ ولِلرَّسُولِ :
فقال الرَّسول لِزَيدِ : «ما العِين؟».
فقال: «البَقَرُ»
فقال زيدٌ للنّعمان «إنّما أراد كرامتك، ولو عَلِمَ أنَّه يَشقُ عليك لم يكتب به إليك».
فأنزلهما يومين، ثم كَتَبَ إلى كسرى: «إنّ الّذي طلب المَلِكُ ليس عندي».
وقال لزيد: «اعذرني عنده».
فلمّا رجعا إلى كسرى قال زيدُ للرَّسولِ الّذي جاء معه :
فلمّا دخلاً على كسرى قال زيد : «هذا كتابه». فقرأه عليه.
فقال :کسری: «فأين ما كنتَ خبرتني به؟».
فقال : «قد كنتُ أخبرتُك بضَنّهم بنسائهم على غيرهم، وإن ذلك من شقائهم : اختيارهم الجوع والعُرَى على الشَّبع والرِّياشِ، واختيارهم السُّموم والرّياح على طيب أرضِك هذه، حتّى إنَّهم ليسمُونَها السِّجنَ، فَسَل هذا الرّسول معي عن الّذي قال، فإنّي أكرَهُ أن أحكِي لِلمَلِك قَولَهُ أو أرُدَّ عليه ألفاظَهُ».
فقال للرَّسول : «ما قال؟»
قال: «إنّه قال - أيّها المَلِك - : أما في بقر السَّواد ما يكفيه حتّى يطلب ما عندنا؟».
فَعُرِفَ الغَضَبُ في وَجهِهِ، وَوَقع في قلبه منه ما وَقَعَ، ولكنه قال :
وشاع هذا الكلامُ، فَبَلَغَ النُّعمان وسكت كسرى على ذلك أشهراً، وجَعَلَ النُّعمان يستعِدُّ ويتوقَّع حتّى أتاهُ كِتابَهُ أن :
فانطلق حين أتاه كتابُه، فَحَمَلَ سِلاحَهُ وما قَوِيَ عليه، ثُمَّ لَحِقَ بِجَبَلَي طَيِّىء، وكانت عِندَهُ فرعةُ بنتُ سعدِ بن حارثَةَ بن لأم وقد ولَدَت له رجلاً وكانت عنده أيضاً زينب بنتُ أوس بن حارِثَةَ. فأراد النُّعمان طيّئاً على أن يُدخلوه ويَمْنَعُوهُ، فأبوا ذلك وقالوا :
فأقبل ليس أحد من النّاس يَقبَلُهُ حتّى نزلَ بذي قار، في بني شيبانَ سِرّاً، فلَقِيَ هاني بن قبيصة بن هانئ بنِ مسعود، وكان سيّداً منيعاً، وكان كسرى قد أطعم قَيسَ بنَ مسعود الأبلَّةَ فَكَرةَ النُّعمان لذلك أن يدفعَ إلَيهِ أهلَهُ، وعَلِمَ أنَّ هانئاً مانِعُهُ ممّا يمنعُ مِنه نفسَهُ، فأودَعَهُ سِلاحَهُ، وتوجّه بنفسِهِ إلى كسرى فلَقِيَ زيد بن عدي على قنطرة ساباط.
فقال : «أُنجُ نُعَيمُ!».
فقال: «أنتَ يا زيدُ فعلتَ هذا، أما واللّه لئن انفلَتُ لأفعَلَنَّ بك ولأصنَعَنَّ».
فقال له زيدٌ : «امض نُعَيمُ ! فقد - واللّه - وَضَعتُ لَكَ عنده أخيةً لا يقلعُها المُهْر الأرنُ».
فلمّا بلغ كسرى أنّه بالبابِ بعثَ إليه، فقيَّدَهُ وأنفذه إلى خانقين، فلم يَزَل في السِّجن حتّى وَقَعَ الطّاعونُ، فمات فيه، والنّاسُ يظنُّونَ أنَّهُ مَاتَ بساباط، لبيتٍ قاله الأعشى. والصَّحيح ما قُلناه.
وأمر كسرى إياسَ بنَ قبيصةَ الطّائي أن يضمَّ ما كان النُّعمان ينظر فيه، ويجمع مالهويبعث به إليه فبعث إياس إلى هانئ أن :
وكان ثمانمائة درع. فأبى هانئ أن يُسلَّمَ خُفارتَهُ.
فلمّا مَنَعَها هانئ غَضَبَ كسرى وأظهَرَ أنه يستأصِلُ بكر بن وائل وعنده يومئذٍ النُّعمان بنُ زُرعةَ التَّغلبي - وهو يُحِبُّ هلاك بكر بن وائل - فقال لكسرى :
قال: «نعم».
قال: «أمهلها حتّى تَقِيظَ، فإنَّهم يجتمعون إلى مَالِهِم يُقال له : ذو قار، فيتساقطون عليه تَساقُطَ الفَراشِ في النار، فتأخذهم كشف شئت، وأنا أكفيكَهُم».
فَتُرجِمَ له، فأقَرَّهُم، حتّى إذا قاظُوا جاءَت بكر بن وائل، فنزلت، جنو ذي قار، وهو على ليلةٍ من ذي قارٍ. فأرسل إليهم كسرى النُّعمان بن زُرعةَ أن: اختاروا واحداً من ثلاث خصال فنزل النُّعمان على هانئ وقال :
فتآمروا، فولَّوا أمورَهُم حنظلة بن ثعلبةَ بن سيّارِ العَجَلي، وكانوا يتيمنون به، فقال :
فبعث المَلِكُ كسرى إلى إياس، وإلى الهامُرزِ التُستَري، وكان مَسلَحُهُ بالقُطقُطانيّة وإلى جلابزين وكان مَسلَحُهُ ببارق. وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجَدَّين - وكان كِسْرى استعمَلَهُ على طَفِّ سَفوان - أن يُوافوا إياساً، فإذا اجتمعوا، فإياسُ على النّاس. وجاءت الفرسُ ومَعَها الجنودُ والفيولُ عليها الأساورة، وقد بعث النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -.
فقال - (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
فَحُفِظَ ذلك اليَومُ، فإذا هُوَ يومُ الوقعة.
لَمَّا دَنت جُيوشُ الفُرس بِمَن معهم انسَلَّ قيس بن مسعود ليلاً، فأتى هانئاً فقال : أعطِ قومَكَ سِلاحَ النُّعمان فَيَقووا، فإن هلكوا كان تَبعاً لنفوسهم وكنتَ قد أخذتَ بالحَزم، وإن ظفروا ردُّوه عليك».
ففعل، وقسم الدُّروع والسِّلاح في ذَوي القوى والجَلَدِ مِن قَومِهِ، فلما دَنا الجمعُ مِن بكر بن وائل، قال لهم هاني :
فتسارع النّاس إلى ذلك، فوثب خنظلة بن ثعلبة بن سيّار. فقال :
فَرَدَّ النّاس، وقَطَعَ َوضُنَ الهَوادِج، لَئِلاً تستطيع بكرٌ أَن تَسوقَ نِساءَهَا إِن هَرَبُوا، فَسُمِّيَ : «مُقطَّعَ الوُضُنِ».
فضَرَبَ حنظلة على نفسه قُبَّةٌ ببطحاء ذي قار، وآلى : لا يَفِرٌ حتّى تَفِرَّ القُبَّةُ. فمضى من مضى من النّاس، ورجَعَ أكثرهم، واستقرى ماءٌ لِنِصفِ شهرِ. فَأَتتهم العَجَمُ، فقاتلتهم بالحِنو، فجزِعَتِ العَجَمُ مِنَ العطش، ولم تقم لمحاصَرَتِهِم فهربت إلى الجبابات فتبعتهمُ بكرُ وعِجل أوائل بكر، فتقدَّمت عجلٌ، وأبلت يومئذٍ بلاء حسناً، واضطمَّتَ عليهم جنود العجم، فقال النّاس : هَلَكَت عجلٌ. ثم حملت بكرُ، فوجدت عِجلاً ثابتةً تُقاتل وامرأة تقول :
إن يظفَروا يُجوِّزوا فينا الغُرَل***أيّها فداءً لَكُم بَني عِجِل
وتقول أيضاً:
إن تَهزموا نُعانِقُ***ونَفرش النَّمارق
أو تَهرَبُوا نُفارق*** فراق غیر وامق
فقاتلوهم بالجبايات يوماً، فعطش العجم، فمالوا إلى بطحاءِ ذي قارِ.
فأرسلت إياد إلى بكرِ سِرّاً وكانوا مع إياس عوناً على بكرِ :
قالوا: «بل تُقيمون، فإذا التقى القومُ انهَزَمتُم بهم».
فصبَّحتهم بكر بن وائل والظُّعُنُ واقفةٌ يذمُرن الرّجالَ على القتل. فقال : يزيدُ بنُ حمار السّكوني وكان حليفاً لبني شيبان :
ففعلوا، فكمنُوا في مكانٍ مِن ذي قارِ يسمّى إلى اليوم «الخب ءَ». فاجتلدُوا على ميمنة إياس بن قبيصة وفيها الهامُرزُ، وعلى ميسرته وفيها الجلابزينُ، وعلى ميمنةِ هانئ بن قبيصة رئيس بكرِ يَزيدُ بنُ مُسْهِر الشّيباني، وعلى ميسرته خنظَلَةُ بن ثعلبة بن سيّار العجلي وحنظلةُ يرتجزُ ويقول :
قد شاع أشياعُكُمُ فَجِدُّوا***ما علَّتى وأنا شيخٌ جلد
والقوسُ فيها وَتَرٌ عَرُدٌّ***مِثلَ ذِراع البكر أو أَشَدُّ
ثُمَّ صَيَّروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة. فمال إلى ماريةَ ابنته وهي أُمُّ عشرة نفر،
فَقَطَعَ وَضينَها، فوقعت على الأرضِ، وقَطعَ وُضُنَ النِّساءِ، فَوَقَعَنَ على الأرضِ. ونادت بنتُ القرين الشَّيبانية حين وقعتِ النّساء إلى الأرض.
وَيهاً بني شيبان صَفًّا بَعدَ صَفّ***إن تُهزَمُوا يُصَبِّغُوا فينا القُلَف
فَقَطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم، لتخفّ أيديهم بالضرب، فجالَدُوهم، ونادى الهامُرزُ لما رأى جدَّ القومِ وثباتهم للحرب وصَبرَهم للموت :
فقال بُردُ بن حارثة اليشكري: «ما يقول؟».
قال : «يدعو إلى البراز ويقول : رَجُل ورَجُل».
فقال: «وأبيكم لقد أنصف».
وبرز لهُ برد، فلم يَلْبَتُ بُرد أن تمكّن من الهامُرزِ فَقَتَلَهُ، ونادى حنظلة بن ثعلبة :
فحملت ميسرة بكر - وعليها حنظلة - على ميمنة الجيش، وقد قُتِلَ الهامُرزُ رئيسهُم، قَتَلَهُ بُرد، وحملت ميمنه بكر - وعليها يزيدُ بنُ مُسهر - على ميسرة الجيش، وعليهم الجلابزينُ، وخرج الكمينُ من خَبءٍ ذي قارِ من ورائهم [وعليهم] يزيد بن حمار، فشدّوا على قلب الجيش، وفيهم إياسُ بنُ قبيصةَ وَوَلَّت إيادُ منهزمةً كما وعدتهم. وانهزمت الفُرسُ واتّبعوهم يسعون، لم ينظروا إلى سَلَبٍ ولا إلى شيء حتّى تعارفوا «بأدم» - موضع قريب من ذي قار - فَوُجِدَ ثلاثون فارساً من عجل ومن سائر بكر ستّون فارساً وقتلُوا جلابزينَ، قَتَلَهُ حنظلة بن ثعلبة، وذلَّتِ الفرسُ بعد ذلك، وذَلَّ أَمرُهم.
كان أبرويز وجَّه رجلاً من جلَّةِ أصحابه في جيش جرّار إلى بلاد الرّوم فنكا فيهم، وبلغ منهم، وفتح الشّامات وبلغ الدّربَ في آثارهم فَعَظُمَ أمره وخافَهُ أبرويز. فكاتبه بكتابين أمرُه في أحدهما أن يستخلف على جيشه مَن يَثِقُ به ويُقبل إليه، ويأمرُه في الآخر أن يُقيم بموضعه، فإنَّه لمّا تدبَّر أمره وأجالَ الرَّأي، لم يجد من يَسِدُّ مسدَّه، ولم يأمن الخَلَلَ، إن غابَ عن موضعه وأرسلَ بالكتابين رسولاً من ثقاته وقال له :
فخرج رسولُ كسرى حتّى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشّام، فأوصل الكتابَ
إليه، فلما قرأه قال :
فدعا الأصحاب وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه. فلمّا كانَ بعد ثلاثة أيّام، أوصل الكتابَ الثّاني بالمُقام، وأوهَمَهُ أنَّ رسولاً وَرَدَ.به فلما قرأه قال: «هذا تخليط». ولم يقع منه مَوقِعاً، وَدَسَّ إلى مَلِكِ الرّوم من ناظره في إيقاع صُلح بينهما، على أن يُخلِّيَ الطَّريقَ لِمَلِكُ الرّوم، حتّى يَدخَلَ بِلادَ العراق على غِرَّةٍ من كسرى، وعلى أنّ لملك الرّوم ما تغلَّب عليه مِن دونِ العراق وللفارسيِّ ما وراء ذلك إلى بلادِ فارس.
فأجابه مَلِكُ الرُّوم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواهَ الطُّرُقِ، فلم يعلم كسرى حتّى وردَ خبرُ مَلِكِ الرّوم من ناحية قرقيسياء، وكسرى غيرُ مُعدِّ، وجنده متفرّقون في أعماله. فوثب من سريره مع قراءة الخبر، وقال:
وجعل ينكتُ في الأرضِ مَلِيّاً. ثُمَّ دعا بِرَقٌ، وكتب فيه كتاباً صغيراً بخطٍّ دقيقٍ إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه :
«قد علمت ما كنتُ أمرتُك بهِ مِن مواصلة صاحب الرّوم، وإطماعه في نفسِك وتخليةِ الطَّريقِ له حتّى إذا تولَّجَ في بلادنا أخذتُه مِن أمامه وأخذته أنتَ ومَن نَدَبناهُ لذلك من خلفه، فيكون ذلك بوارَه، وقد تَمَّ في هذا الوقتِ ما دبَّرناه وميعادك في الإيقاعيوم كذا !».
ثُمَّ دعا راهباً كان في دَيرِ بجانب مدينته وقال له :
قال: «أفضل جار».
قال : «قد بَدَت لنا إليك حاجةُ».
قال الرّاهبُ : الملك أجَلُّ مِن أن يكون له حاجةُ إلى مثلي، ولكن عندي بذلُ نفسي في الّذي يأمر به الملكُ».
قال كسرى : «تحملُ لي كتاباً إلى فلانٍ صاحبي؟»
قال: «نعم».
قال :کسری: «فإنّك تجتاز بأصحابك النّصارى، فأخفه».
قال: «نعم».
فلمّا وَلّى عنه الراهب قال له كسرى :
قال : «لا».
قال : فلا تحمله حتّى تعلم ما فيه».
فلمّا قرأهُ أدخلَهُ في جَيبه ثُمَّ مَضى.
فلمّا صار في عسكر الرُّوم ونَظَرَ إلى الصلبان والقسِّيسين وصجيجهم بالتقديس والصَّلواتِ احترق قلبُه لهم وأشفق ممّا خاف أن يَقَعَ بهم. وقال في نفسه :
فصاح : «أنا لم يُحملني كسرى رسالةً ولا معي كِتابٌ».
فأخذوه ووجدوا الكتاب معه.
وقد كان كسرى وجَّه رسولاً قبل ذلك اختصر الطريق حتّى مَرَّ بعسكرِ الرُّومِ وكَأَنَّه رسولُ إلى كسرى من صاحبه الّذي طابَقَ مَلِكَ الرُّوم ومعه كتابُ فيه :
«إنَّ المَلِكَ كان قد أمرني بمقاربة ملك الروم وأن أختدِعَهُ وأخلي له الطريق، فيأخذه الملك من أمامه، وأخُذَه أنا من خلفه وقد فعلتُ ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه».
فأخذ ملك الرُّومِ الرَّسُولَ وقرأ الكتاب وقال :
ووافاه أبرويز في من أمكنه من جُندِه، فوجد مَلِكَ الرُّوم قد ولى هارباً، فاتَّبَعَهُ يقتلُ ويَأسِر مَن أدرك، وبلغ صاحبَ كسرى هزيمةُ الرُّوم، فأحبَّ أن يُجَلِّي نفسَه ويستُرَ ذنبه لما فاته ما دبَّر، فخرج خلفَ الرُّوم الهاربين، فلم يسلم منهم إلّا القليلُ.
كان سبب هلاك أبرويز وقتلِه تَجبُّرُه، واحتقاره العظماء، وعُتُوهُ. وذاك أنَّه استخفٌ بما لا يستخفُّ به الملكُ الحازمُ. وكان قد جَمعَ من المالِ ما لم يجمعُه أحدٌ من الملوك، وبلغت خيله قسطنطينيَّة وإفريقيَةَ، وكانت لَهُ اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألفُ فيل إلّا فيلٌ واحدٌ، وخمسون ألفَ دابَّةٍ، ومِنَ الجواهر، والآلات والأواني ما يليقُ بذلك. وأمر أن يُحصَى ما اجتبي من خراج بلاده وسائر أبواب المالِ سنةَ ثماني عشرةَ من مُلكِه. فَرُفِعَ إليه : أنَّ الّذي اجتُبيَ في تلك السَّنةِ مِن الخراج وسائر الأبواب ستُّمائة ألف ألفِ [600،000،000] درهم. وأمر فَحُوِّلَ إلى
بيت مال بُني بمدينةِ طيسبونَ مِن ضرب فيروز بن يزدجرد وقباد بن فيروز اثنتا عشرة ألفَ [ 12,000] بدرة في أنواع من الجواهر والكسي وغير ذلك. فَعَتَا واستهان بالنّاس والأحرار.
وبلغ من جُرأته أنَّه أَمَرَ رجلاً كان على حرس بابه الخاصّة يقال له : زاذا نُفَرُّوحَ، أن يُقتل كُلَّ مَقيَّد في سجنِ مِن سجونه. فَأُحصوا، فَبَلَغوا ستَّة وثلاثين ألفاً. فلم يُقدِم زاذا نفرُّوخ على قتلهم، وتقدَّم بالتَّوقُفِ عَمَّا أَمَرَ به كسرى وَأَعَدَّ عِلَلاً له في ما أَمَرَ به فيهم.
فكان هذا أحد ما كسب به كسرى عداوة أهل مملكته.
والثاني : احتقارُه إيّاهم واستخفافه بعظمائهم.
والثالث : أنه سلَّطَ عِلجاً يقال له : «الفرّخان زاذ» عليهم، حتّى استخرج بقايا الخراج بعُنفٍ وعذاب، وكان ضَمِنَ من ذلك مالاً عظيماً، فسلطه على النّاس.
والرّابع : إجماعُهُ على قتل الفَلّ الّذين انصرفوا إليه من قِبل هِرَقلَ.
فمضى قومٌ مِنَ العظماء إلى عقر بابل وفيه شيرى بن أبرويز مع إخوته بها، وقد وُكِّل بهم مؤدبون وأساورةٌ يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخلوا مدينة بَهرسير ليلاً. فخلَّى عَمَّن كان في سُجونها وأخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفَلُ الّذين كانوا علموا بأمر كسرى بقتلهم. فنادوا : «قُباذ شاهنشاه»، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهَرَبَ الحَرَسُ من قصرِ أبرويز، وانحازَ کسری بنفسه إلى باغ له قريب من قصرِه يُدعى : «باغَ الهِندُوان» فارّاً. فأخِذَ وحُبِسَ خارجاً عن دارِ المملكة في دارِ رجُلٍ يقال له : مارِسفند. إلى أن قُتِلَ، بعد حديثٍ طويلٍ ومراسلاتٍ بينه وبين شيرى بمواطأة العظماء، وبعد تقريع كثير وتوبيخ على ما كان منه في أشياءَ عدَّدُوها عليه. فأجاب عَنِ الكُلِّ بجواباتٍ مُقنعةٍ صحيحة لم نذكرها لخروجها عَمّا بَنينا عليهِ غَرَضَ هذا الكتاب.
وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة. ولِمُضِيِّ اثنين وثلاثين سنةً وخمسةً عَشَرَ يوماً من مُلكه، هاجر النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - من مكَّةَ إلى المدينة.
وخلَّف في بيت المال يومَ قُتِلَ من الوَرِقِ أربعمائة ألفِ [400,000] بدرة، سوى الكنوز والذَّخائرِ والجواهر وآلاتِ المُلكِ، وفي تلك الكنوز «كنز باذ آورد».
ثُمَّ ملك شيرويةُ بنُ أبرويز.
قَتَلَ شيرويةُ أباه، وقَتَلَ سبعة عشر أخاً له ذوي آداب وشجاعة، بمشورة وزرائه، فابتُلي بالأسقام، وانتقض عليه بَدَنُهُ، فلم يلتذَّ بشيءٍ مِن لَذَاتِ الدُّنيا،
وجزع بعد قتل إخوته جَزَعاً شديداً، وكان يبكي إلى أن رمى بالتّاج عَن رأسِه، وعاش ما عاش مهموماً حزيناً مُدنِفاً. وكان الطّاعون فشا في أيّامه، فأهلك أكثر الفُرس، وكان مُلكُه ثمانية أشهر.
وكان طفلاً وقيل : إنَّه كان ابن سبع سنين، لأنه لم يوجد غيره من أهل بيتِ المملكة، وحَضَنَهُ رجلٌ يقال له : مِهاذَر جُشنَس، فأحسنَ سياسةَ المُلكِ فبلغَ مِن إحكامه ذلك أنَّه : لم يُحَسَّ بحداثةِ أردشير سوى أنه غلط في أمرٍ شهربراز المقيم بثغرِ الرُّومِ.
كان شهر براز في جندِ ضمَّهم إليه كسرى وكان كسرى وشيرويةُ لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يُهِمُّهما ويستشيرانه. فلمّا لم يشاوِره عظماء الفُرس في تمليكِ أردشير، ولم يكاتبه أيضاً مهاذر جشنس، تعنّت الفُرسَ، وتبغى عليهم، وبسط يده، وجعله سبباً للطمع المُلكِ، واستطال، واحتقر أردشير لحداثة سنّه، ودعا النّاس إلى التّشاور في المُلكِ، ثُمَّ أقبل بجندِه وقد عمد مهاذر جشنَس، فحصَّن سور مدينة طيسبونَ وأبوابها، وحوّل أردشير ومَن بَقِيَ مِن نسل الملوكِ ونسائهم، وما كانَ في بيتِ مالِ أردشير مِن مالٍ، وخزائن وكراعٍ، إلى مدينة طيسبونَ.
فلمّا ورد شهر براز أناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها، ونصب المجانيق عليها، فلم يصل إليها، فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلاً يقال له : نيُو خُسرو، ورجلاً، ورجلاً كان أصبهبد نيمروزكان، حتّى فتحا له باب المدينة، فدخلها، وأخذ جماعةً من الرّؤساء فقتلهم، واستصفى أموالهم، وقتل أردشير بن شيروية. وكان مُلكُه سنةً وستَّة أشهر.
ولم يكن من أهل بيت المملكة ودعا نفسَه مَلِكاً، ولمّا جَلسَ على ضَرَبَ سرير الملك عليه بطنه، وبلغ من شدَّة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بالطَّستِ، فَوُضِعَ أمام ذلك السَّرير، ومُدَّ في وجهه ما سَتَرَه، فَتَبَرَّزَ فِي الطَّسِتِ!
ثمَّ امتعض رجل يقال له «يُسفَرُّوخ وأخوين له مِن قَتل شهربراز أردشير بن شِرُويَةً، وغَلَبَتِهِ على المُلكِ، فتحالفوا على قتله، وكان من السُّنَّةِ، إذا ركب المَلِكُ أن يَقِفَ له حَرَسُه سماطين عليهم الدُّروعُ، والبيضُ، والتّرسةُ والسُّيوف، وبأيديهم الرماحُ، فإذا حاذاهُمُ المَلِكُ وضعَ كُلُّ رجل منهم تُرسَهُ على قربوسِ سَرجِه، ثُمَّ وضع جبهته عليه كهيئة السُّجود. وإنّ شهربراز ركبَ بعد أن مَلَكَ بأيّام، فوقف له يُسفرُّوخ،
ثُمَّ طعنه أخواه، فسقطَ عَن دابَّتِه، فشدّوا في رِجلِه حَبلاً وجَرُوهُ إقبالاً وإدباراً ساعةً، وساعَدَهُم قومٌ مِن العُظماء وقتلوا عِدَّةً عاوَنُوا في الفتكِ بأردشير، وملكوا بُوران بنتَ كسرى، وكان جميعُ ما مَلَكَ شهربراز أربعين يوماً.
فأحسنتِ السّيرة، وبَسَطَتِ العدل، وأمرت برَمّ القناطر والجسور وإعادة العِماراتِ، وَوَضَعَتِ بقايا الخراج، وكتبت إلى النّاس عامة كُتُباً تُعلِمُهم ما هي عليه مِنَ الإحسانِ، وأَنَّها ترجو أن يُرِيَهُمُ اللّه مِن الرّفاهةِ والاستقامة بمكانها، ومِنَ العدلِ وحفظ الثغورِ ما يعلمون به أنّه ليس ببطش الرّجالِ تُدوّخ البلاد، ولا يبأسهم تُستباح العساكرُ، ولا بمكائدهم يُنال الظُّفَرُ، وتُطفأُ النَّوائرُ، ولكن ذلك كُلَّه باللّه عَزَّ وجلَّ، وحسنِ النِّيَّةِ، واستقامة التّدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطّاعة، وَرَدَّتْ خشبةَ الصَّليب على مَلكِ الرُّوم. وكان مُلكُها سنةً وأربعة أشهر.
وكان مُلكُه أقلّ مِن شَهرٍ، ولم يظهر له أَثَرٌ تستفاد منه تجربةٌ.
كانت آزرمي دُخت من أجمل نساء دَهرِها، وكان عظيم فارسَ يومئذٍ «فَرُّخ هُرمُز»إصهبذ خُراسان، وأرسل إليها : يسألها أن تزوّجه نفسها، فأرسلت إليه :
ففعل [فرّخ هرمز]، وركب إليها في تلك اللّيلة، وتقدَّمت آزرمي دخت إلى صاحب حَرَسِها أن يترصَّدَه في الليلة الّتي تواعدا الالتقاء فيها، حتّى يَقتُلَهُ. فنفذ صاحبُ حَرسِها لأمرِها، وأَمَرَ بِه فَجُرَّ برِجلِه. وطُرح في رَحبَةِ دارِ المملكة. فلمّا أصبحَ النّاسُ ورأوه، علموا أنَّه لم يُقتل إلا لِعَظيمة، فأمرت بِجُيَّتِهِ فَغُيِّبَت.
وكانَ رستُم بنُ فَرُّخ هرمز هذا عظيمَ البأس قويّاً في نفسه وهو رُستم صاحب القادسيَّة الّذي تَولّى قِتال العربِ مِن قَبلَ يزدجرد في ما بعد، وسنحكي خَبَرَهُ هناك. فلما بَلغهُ ما صُنع بأبيه، أقبل في جندِ عظيم، حتّى نزلوا المدائنَ، وسَمَلَ عَينَي آزرمي دخت، وقتلها، وكان مُلكُها ستَّة أشهر. واختلف فيمن مَلَكَ بعد آزرمي دخت، فقيل: أُتِيَ برجل من عَقِبِ أردشير بنِ بابك، كان ينزل الأهوار يقال له :
فلَبِس التّاج وقُتِلَ بعد أيّام. ويقالُ : بل كان رجلاً يسكن ميسان يقال له :
فملّكوهُ كُرهاً، كان ضَخمَ الرَّأْسِ. فلمَّا تُوِّجَ قال :
فتطيَّر العظماء من افتتاح كلامه بالضّيقِ وقَتَلُوهُ. ثم أتي برجل من أولاد كسرى كانَ لَجَأَ إِلى مَوضعِ مِن المغرب قريب من نصيبين يُقال له : «حِصنُ الحجارة»، حين قُتِلَ شيروية بن كسرى يقال له :
فانقاد له النّاس طوعاً زَمَناً يسيراً، ثُمَّ استعصوا عليه وخالفوه وكان مُلكُه سِتَّةَ أشهر وكان أهلُ إصطخَر ظَفروا بيزدجردَ بن شهريار بن أبرويز بإصطخرَ، قَد هَرَبَ إليها حين قَتَلَ شيرويةُ إخوته، فلمّا بلغ عظماء إصطخر أنَّ من بالمدائن خالفوا فرّخ زاد خسرو، أتوا بيزدجرد بيت نارِ يُدعى: «بيت نار أردشير»، فَتَوَّجُوهُ هناك وملَّكوه وكان حَدَثاً. ثُمَّ أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا «خره ذاد خسرو» بحيلٍ احتالوها له وساغ الملك ليزدجرد.
فَمَلَكَ يزدجرد. غير أنَّ مُلكَهُ كانَ عند مُلكِ آبائه كالخيال وكالحُلُم، وكانت العظماء والوزراء يُدبِّرون مُلكَه لحداثة سنِّه، وكان أشدّهم نَباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخَوَلِ. وضعُفَ أمرُ مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤهُ مِن كُلِّ وجوه، وتطرّفوا بلاده، وأخربوا منها، وغَزَتِ العربُ بِلادَه بعد أن مَضى مِن مُلكه ثلاث أو أربع سنين، وكان عُمره كُلُّه إلى أن قُتِلَ بِمَرو عِشرين سنةً.
وله أحاديث وسِيَرٌ، سنذكرها بعدَ فَراغِنا من الأحوالِ الّتي تَمَّت من جهة الرّأي والتدبير في أيّام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والخُلفاء من بعده إلى أن يتصل بذكر يزدجرد، وما كان منه.
فممّا جرى في غَزواتِ رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - من التدابير البشرية والحيل الإنسانية ما كان منه - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في غزوة الخندق. وذلك أن النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - لمّا أجلى اليهود من بني النَّضير عن ديارهم اجتمع رؤساؤهم، وفيهم سلامُ بن أبي الحقيق وحُيَيٍّ بنُ أخطب وغيرهما، فقدموا مكّةَ ودَعوهم إلى حرب رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وحزبوا الأحزاب الّتي ذكرها اللّه تعالى، وطمعوا في استيصال النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فنشطت قريشٌ لذلك، وتذكَّروا أحقادهم ببدرٍ، فخرجوا وقائدُهم أبو سفيان بن حرب. وخرجت غطفانُ وقائدهم عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ، وبنو فزارة وغيرهم من الأحزاب.
فأشار سلمان على رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - لمّا رآه يَهُمُ بالمُقام بالمدينةِ، ويُدبِّر أن يتركهم حتّى يَرِدُوا، ثمَّ يحاربهم على المدينة وفي طُرقها؛ أن يُخَندِقَ فَفُعِلَ ذلك، ووردت قُريش بعددها وعُدَّتها، ووردت الأحزاب، وكثر النّاس والأعداءُ على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان قد وادع بني قريظة وهم أصحابُ حُصون بالمدينة، وصاحبُ عَقدِهم وعَهدِهم كعب بن أسد القُرظيّ.
فاحتالَ حُييُّ بن أخطب لكعب بن أسدٍ حتّى وصل إلى حِصنه، فأغلق كعبُ دونَه باب الحصن، وقال:
قال: «افتح الباب أكلِّمك».
فقال: «ما أَنَا بِفاعل».
فقال: «واللّه إن أغلقت دونى البابَ إلّا على جَشيشتك أن آكل معك منها».
فأحفظَ الرَّجل حتّى فتح له. فقال :
فتأبّى كعبٌ، ولم يزل به، يفتِلُه في الذّروة والغارب حتّى أعطاه عهداً من اللّه وميثاقاً أن يكون معه. ونَقضَ كعب ما بينه وبين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وبَرِئ ممّا كان عليه له.
فلمّا صح عند رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ذلك، ضاق ذرعاً وخَشِيَ أن يفتّ ذلك في أعضاد المسلمين فعظُم البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوُّهم من فوقهم ومِن أسفَلَ منهم حتّى ظنَّ المؤمنون كلَّ ظنّ ونجم النّفاقُ مِن المؤمنين، وكثر الخوضُ، وأقام اللّه رسولُ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وأصحابُه في ما وصف من الخوف والشِّدَّة، لتظاهرِ الأعداءِ عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتّى أتاه نعيمُ بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة الغطفاني مسلماً، فقال:
فقال رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - :
فخرج نُعيم بن مسعودٍ حتّى أتى بني قريظةٍ وكان نديماً لهم، فقال:
قالوا: «صدقت، لستَ عندنا بمتّهم».
فقال لهم :
قالوا: «لقد أشرت علينا برأي ونُصح».
ثُمَّ خرج حتّى أتى قريشاً. فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه :
قالوا : «نفعل».
قال: «أعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمّدٍ وقد أرسلوا إليه أن قد ندِمنا على ما صنعنا فهل يُرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتين : من قريش وغطفان، رجالاً من أشرافهم وكُبرائهم ونعطيكم فتُضرب أعناقهم، ثمَّ نكونَ معك على مَن بَقِيَ منهم. فإن بعثت إليك يهود يلتمسون منكم رُهُنا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً.
فوقع ذلك من القوم.
وخرج حتّى أتى غطفان. فقال :
قالوا: «صدقت». قال: فاكتموا علي. قالوا: «نفعلُ».
ثمَّ قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذَّرهم مثل ما حذَّرهم.
فكان مِنَ الاتّفاق الجيّدِ أن أرسل بعد ذلك أبو سفيان ورؤوسُ غطفان إلى بني قريظةَ عكرمةَ بن أبي جهل في نَفَرٍ مِن قُريش وغطفان. فقال لهم :
فأرسلوا إليه :
فلمّا رجعتِ الرُّسُلُ بالذِي قالت بنو قريظة، قالت قريشٌ وغطفانُ :
فأرسلوا إلى بني قريظة :
فقالت بنو قريظة حين أدّت إليهم الرُّسُل :
وجدوا فرصةً انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلَّوا بينكم وبين الرّجل.
فأرسلوا إلى القوم :
وتخاذل القوم واتَّهم بعضهم بعضاً، وذلك في زَمَنِ شاتٍ وليال باردةٍ كثيرة الرِّياح تَطرحُ أبنيتهم، وتكفأُ قدورهم. وضاق ذرعُ القوم وبلغ رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - اختلاف القوم وما هم فيه من الجَهدِ. فدعا حُذيفة بن اليمان. فبعثه إليهم لينظُرَ ما فعل القومُ ليلاً. فذهب حذيفة بن اليمان. حتّى دخل في القوم. قال حذيفة: فذهبت فرأيتُ من الرِّياح أمراً هائلاً لا يُقِرُّ لهم ناراً ولا بناءاً.
فقام أبو سفيان بن حرب، فقال:
قال : فبادرتُ وأخذتُ بيد الرَّجل الّذي إلى جانبي، فقلتُ: «مَن أنت؟» قال: «أنا فلان بن فلان».
ثم قال أبو سفيان :
ثم قام إلى جَمَلِه، وقام النّاس معه. وسمعت غطفانُ بما فعلت قريشُ، فانصرفوا إلى بلادهم، وتفرَّق ذلك الجمعُ من غير قتالٍ، إلّا ما كان مِن عدَّةِ يسيرة اتَّفقوا على الهجوم على الخندقِ، يُحكى أنّ فيهم عَمرو بن عبدِ وَدِّ، فقُتلوا. أما عمرو فقتله عليّ بُن أبي طالبٍ مبارزةٍ لمّا اقتحم عليه الخندق. وانتقض ذلك الجمع والتدبير كُلُّه.
ومن ذلك أنّه لمّا افتتح رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - مكَّةَ، وأقام خمسةً عَشَرَ يوماً، جاءت هوازنُ وثقيفُ لمحاربته، فنزلوا بحُنين. وذاك أنَّهم كانوا قبل ذلك قد جمعوا له حين سَمِعُوا بمخرجه من المدينة وظنُّوا أنّه يُريدهم. فلمّا قصد مكة أقبلوا عامدين إليه، ومعهم الأموال والنِّساءُ والصِّبيان، ورئيس هوازن يومئذٍ مالك بن عوف. وأقبلت معهم ثقيف، ونَصر، وجُشَم. ولم يشهد معهم من هوازن كعبٌ ولا كلابٌ. وفي جُشَم
دريدُ بنُ الصِّمَّة وهو شيخ كبيرٌ، لا شيء فيه إلا أنهم يتيمنون برأيه ومعرفته بالحرب ودربَتِه بها.
فلمّا نزل بأوطاسٍ، اجتمعَ النّاس إلى رئيسهم مالك بن عوف وفيهم دريدُ بنُ الصِّمَّة يُقادُ به وهو في شجار له. فقال :
قالوا : «بأوطاسٍ».
قال: «نعم، مجالُ الخيل، لا حَزنٌ ضَرِسٌ، ولا سَهِلْ دَهِسٌ. ما لي أسمعُ رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، ويُعارَ الشّاءِ، وبُكاءَ الصَّغير؟».
فقالوا له : «ساق مالكُ بنُ عوفٍ مع النّاس أبناءَهم، ونساءهم، وأموالهم».
فقال: «أين مالكٌ؟».
فدُعِيَ له، فقال:
قال : «سُقتُ مع النّاس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم».
قال : ولِمَ؟».
قال : «أردتُ أن أجعلَ خلفَ كل رجل أهلَه ووَلَده وماله، ليُقاتِل عنهم».
قال : فأَنقَض به. ثم قال :
قالوا: «لم يشهدها منهم أحدٌ».
قال : غابَ الجِدّ والحَدُّ؛ لو كان يومَ علاء ورفعةٍ لم تَغِب عنه كعبٌ ولا كِلابٌ؛ فمن شهدها منكم؟».
قالوا: «عمرو بن عامر، وعوفُ بنُ عامر».
قال: «ذانك الجَذَعان من بني عامر لا ينفعانِ ولا يَضُرّانِ. يا مالكُ إِنَّك لن تصنعَ بتقديم البيضة، بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى متمنع بِلادِهم وعُليا قومهم، ثمَّ ألقَ هؤلاء الصَّباءَ على مُتونِ الخيل، فإن كانت لك، لَحِقَ بك مَن وَرَاءَك، وإن كانت عليك قد أحرزت أهلَك ومالَكَ».
قال : واللّه لا أفعل ذلك، إنّك قد كبرتَ وكبر علمُك، واللّه لتطيعُنِّي يا معشرَ هَوازن، أو لأتَّكِنَنَّ على سَيفي هذا حتّى يخرج من ظهري.
وَكَرِهَ أن يكون فيها لدُريدٍ ذِكرُ ورأيٌ.
فقال دريد: «هذا يوم لم أشهده ولم یَفُتني».
ياليتني فيهاجَذَع***أخُبُّ فيها وأَضع
أَقودُ وَطفاءَ الزَّمع***كأنَّها شاةٌ صَدَع
ثم قال مالك للناس:
وكان دُريدٌ رئيس قومِه بني جُشَم وسيِّدَهم وأوسطهم مع شجاعته ودُربته وتجاربه، ولكنّ السِّنَّ أدركته حتّى فَنِيَ.
فلمّا استقبل خيلُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وكان يومئذٍ اثني عشر ألفاً، منهم عشرة آلافٍ فتحوا مكَّةَ، وألفانِ ممَّن أسلم وانضاف إليهم بوادي حُنين - انحدروا في وادٍ من أودية تهامةَ أجوف، إنما ينحدرون فيه انحداراً، وذلك في عَمايَةٍ مِنَ الصّبح، وكان القومُ قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا في شعابه وأحنائه وَمضايقِه وتهيَّأوا وأعدّوا. فما راعَ خيل رسولِ اللّه - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وهم منحطّون إلّا الكتائبُ، قد شدَّت عليهم، فانشَمروا لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وانحاز رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ذات اليمين وصاح :
-، «أيّها النّاس أين؟ هَلُمُوا إليَّ، أنا رسولُ اللّه، أنا محمد بن عبدِ اللّه».
وبَقِي مع النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - نَفَرٌ من أهل بيته فيهم علي بن أبي طالب، والعبّاسُ، وابنه الفَضلُ، وجماعة من المهاجرين.
فقال رسولُ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - للعباس :
فأجابوهُ مِن كلِّ ناحيةٍ وحَمَلوا على النّاس فكانت إيّاها. وقتل علي بنُ أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) - صاحبَ الرّايَةِ، وقُتل خيلُ مالكِ بن عَوفٍ كلَّ مَقتَلةٍ، وغَنِم المسلمون تلك الأموال، وسَبَوا النِّساء والأولاد، وقُتِلَ دُريدٌ. وكان عدَّةُ السَّبي يومئذٍ من هوازن ستَّةَ آلاف من النِّساءِ والأولاد. فلمّا قدمت وفودُ هوازن على النبيّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - مسلمين، أعتَقَ لهم أبناءهم ونساءهم كلَّهم، في حديث طويلٍ.
ومن ذلك : أنّه لمّا ظهر الأسود العنسيّ الكذاب متنبِّئاً باليمن وحَضرموت
وصَنعاء، حاربُه شهرُ بنُ بادام، وكان رسولُ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - استخلفه بعد أبيه بادام على الأبناء وعلى بعض أعمال أبيه. فهزمه الأسودُ، وفرَّق الأبناء عنه، وظفر به بعد، فقتلهُ وغلب على صنعاء، وهربَ عُمّالُ رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وجعل أمرُ الأسود الكذّاب يعلُو ويستطير استطارةَ الحريق. وكانَ جَعَلَ عمرَو بنَ مَعدي كرب خليفته في مذحج بعدَ أن ارتدَّ عمروٌ، وجَعَلَ أمْرَ جُندِه إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الدَّيلمي ودادَوَيه، وكان شهر قد تزوّج بنتَ عمٌ فيروز، وكانت جميلةً، فلمّا قُتِل شهرٌ تزوّج بها الأسود.
فأنفذ رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - إلى فيروز، وإلى جُشنس وغيره من الأبناء يأمرهم بالقيام على دينهم، وأن ينهضوا في الحرب والعمل في الأسود، إما غيلةً وإمّا مُصادَمةً. فألقى كتاب رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - إلى أصحابه، تَغَيَّرَ الأسودِ لقيس بن عبد يغوث.
فقال أصحاب رسول اللّه - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - :
فاجتمعوا لذلك ثمَّ دَعَوهُ وأَبَثُّوهُ أمرهم، وأبلغوهُ عن النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وكأنّما وَقَعوا عليه من السَّماءِ، لأنّه كانَ في غَمّ وضيق بأمرِه، فأجابهم إلى ما أحبُّوا.
ثمَّ إنّ عامر بن شهرِ بنِ بادام اعترض في قوم منهم ذو مرّان، وذو الكلاع، وذو ظليم. فكاتبوا أصحابَ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وبذلوا لهم النَّصرَ، وكانَ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - قد كاتبهم، فكان أصحابُ النبيّ في سِرِّ قد اتَّفقوا عليه، فأجابوا القومَ بالتوقُّف. وذاك أنّ الأمر كان استتب للأسودِ واستفحل، فهابوهُ هيبةً شديدةً.
ثمَّ إنّه دخلَ جُشنَسُ الدّيلميّ على آزاد - وهي امرأة الأسودِ الّتي خَلفَ عليها شهر بن بادام - فقال :
فقالت : «وعلى أي أمره؟».
قال جُسْنَسُ :
فقلت : «إخراجه».
فقالت: «أو قتلُه ؟».
قلت : «أو قتلُهُ».
قالت: «نعم واللّه ما خلق اللّه شخصاً أبغض إليَّ مِنهُ، ما ينتهي عن حرمةٍ
للّه. فإذا عزمتُم فأعلموني أُخبركم بمأتى هذا الأمر».
قال جشنس:
فأَخْرُجُ فإذا فيروز وداذويه ينتظراني، وإذا قيس قد دعاه الأسود. فدخل إليه في عشرةِ مِن مَذحج وهمدان.
فقال له الأسودُ : «يا قيس ! ألم أفعل بك، ألم أصنع؟».
يعتدُّ عليه بنعمتِه.
فقال: «بلی».
قال : فإنَّه يقولُ - يعني الشيطان الّذي معه - :
حتى ظنَّ أَنه قاتِلُه. فقال :
فَرَقَّ له، وأخرجه.
قال :
فخرج قيسٌ علينا وطوانا، غير أنّه قال :
ثم خرج الأسودُ علينا، فَقُمنا مثولاً بين يديهِ بالباب، فقال:
فقال فيروز :
ثمَّ ذَبح الأسودُ مئةً من بين بقرة وبعيرٍ غير محبّسة ولا معقَّلة بحربته، وقال لفيروز :
قال فيروز :
ففعلتُ هذا ولحقته قبل أن يصل إلى داره، فإذا رجل يسعى إليه بي، فأستمع له وهو يقول :
ثمَّ التَفتَ فإذا هو بفيروز، فقال:
قال: «قد قسمتُها كما أمرتني».
قال: «أحسنت».
وضرب دابَّته ودخل فرجع فيروزُ إلى أصحابه، فأخبرهم بالخَبَرِ.
قال جُشنَس :
فأرسلنا إلى قيسٍ فجاءنا. فاجتمع مَلَؤُهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لِتُشير علينا برأيها. فأتيتُ المرأةَ وقلتُ :
قالت: «هو متحرِّزٌ محترسٌ، وليس مِنَ القصر شيءٌ إلّا والحرسُ مُحيطونَ بِه غير هذا البيت، فإنَّ ظَهرَهُ إلى مكان كذا وكذا مِنَ الطَّريقِ، فإذا أمسيتُم فانقُبوا عليه، فإنّكم من دونِ الحرس، وليسَ دونَ قتله شيءٌ».
وقالت : «إنّكم ستجدون فيه سلاحاً وسراجاً وهو علامةٌ لكم».
فخرجت من عندها وتلقاني الأسودُ خارجاً من بعض منازله، فقال:
ووجَأَ رأسي حتّى سقطتُ، وكان شديداً، وصاحتِ المرأة - فأدهشته عنِّي، ولولا ذلك لقتلني - وقالت :
فقال : اسكتي لا أبَّا لك! فقد وهبتُه لكِ»
فتحاملتُ وأتيتُ أصحابي فقلتُ :
وأخبرتهم الخبر. فإنّا على ذلك خيارى إذ جاءني رسولُها يقولُ:
فقلنا لفيروز : «إيتها وتَثبَّت، فأما أنا فلا سبيل لي إلى الدخول بعد النَّهِي».
ففعل. وكان فيروزُ أفطَنَ مِنّا. فلما أخبرتُه الخبر قال :
فدخلا فاقتلعا البطانَةَ، ثمَّ أغلقاه وجلسا عندها كالزائر. فدخل عليها فاستخفّته غيرةً وأخبرته برضاع وقرابةٍ، مِثلُها محرّم. فصاح به وأخرجه وجاء بالخبر. فلمّا أمسينا عمِلنا في أمرنا وقد كنا واطأنا أشياءَنا، ولكن عجَّلنا عَن مراسلتهم. فَنَقَبنا البيتَ مِن خارج، ثمَّ دَخلناهُ، وفيه سِراج تحتَ جَفنةٍ، واتَّقينا بفيروز لأنَّه كان أنجدَنا وأشدَّنا، فقُلنا :
فدخل ونحن بينُه وبين الحرس الّذين معه في مقصورته. فلما دنا من باب البيتِ سمع غطيطاً شديداً، فإذا المرأة جالسة. فلمّا قام على الباب فتح عينيه فقال أيضاً:
فخشي أن يرجع لأخذ السلاح وإعلامنا فنهلك وتهلك المرأةُ فعاجلهُ - وكان مِثلَ الجَملِ - فأخذ برأسه فدقَّ عُنَقَهُ ووضعَ رُكبتهُ في ظَهره فدقّه، ثم قام ليخرج فأخذَتْ بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله، وقالت :
قال: «لا بأس، أخبرُ أصحابي وأعود معهم».
فأتانا وقُمنا معه فأردنا حزّ رأسه. فتحرّك واضطرب فلم نضبطه، فقلتُ :
«اجلسوا على صدره».
فجلس الاثنان على صدره وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بَربَرَةً، فألجمته بميلاة، وأُمرُ الشفرة على حَلقه، فخار كَأَشدُ خُوارٍ مِن ثَورِ سَمِعتُه قط.
فابتدر الحرسُ الباب وهم حَولَ المقصورة :
فقالتِ المرأة : النبيّ يوحى إليه اهدأوا.
فخمد ثم سهرنا ليلتنا ونحن نأتمر : كيف نُخبر أشياعنا ليس غيرنا ثلاثتنا : أنا وفيروز وقيس. فأجمعنا على النداء بشَعارِنا الّذي بيننا وبين أشياعنا، ثم ننادي الأذان. فلمّا طلع الفجرُ فعلنا ذلك فتجمع الحرس فناديتُهم :
وألقينا إليهم برأسه، وخلصت صنعاءُ والجَنَدُ، وأعز اللّه الإسلام، وتنافسنا الإمارة، وتراجع أصحاب رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - إلى أعمالهم فاصطلحوا على معاذٍ، فكان يصلّي بنا. وكتبنا إلى رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - بالخبر، وذلك في حياته فقدمت رُسُلنا وقد مات النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - صبيحةَ اللّيلة الّتي فتكنا فيها بالأسود فأجابنا أبو بكر رضي اللّه عنه.
كانَ عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفّان يكتبان الوحيَ، فإن غابا كتبهُ أبيُّ بنُ كعب وزيد بن ثابت، فإن لم يشهد هؤلاء كتبهُ سائرُ الكُتاب، وهم: عُمر بن الخطّاب، وطلحة، وخالد بن سعيد، ويزيدُ بنُ أبي سفيان والعلاء الحضرمي، وأبو سلمة بن عبدِ الأشهل، وعبد اللّه بن أبي سرحٍ، وحُوَيطِبُ بنُ عبدِ العُزَّى، وأبو سفيان بن حربٍ، ومعاويةُ، وعُثمان وأبانُ : ابنا سعيد، وحاطبُ بنُ عمروِ، وجُهَيمُ بنُ الصَّلتِ.
وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاويةُ بنُ أبي سفيان يكتبانِ بينَ يديهِ في حوائجه. وكانَ المغيرة بنُ شعبةَ والحُصينُ بنُ نُميرِ يكتبانِ بينَ النّاس ويَنوبانِ عن خالد و معاويةَ، إذا غابا. وكان عبد اللّه بن الأرقم ربما كتب إلى الملوك عن النبيّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكان زيد بن ثابتٍ مع ما يكتبه من الوحي، يكتب إلى الملوك، وكان يُحسن بالفارسيّة وبالرّومية وبالحبشيّة. وكان حنظلة بنُ الرَّبيع خليفةَ كلِّ كاتب من كتاب النبيّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - غاب عن عمله فغلب عليه اسم الكاتب من بينهم. وكان النبيّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - يَضعُ عنده خاتمه، وقال له :
فكان لا يأتي على مال ولا حاجةٍ ثلاثة أيّام إلا ذكره به، فلا يبيت - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وعنده منه شيءٌ.
فأمَّا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ، فإنّه ارتدَّ بعد كتابته للنبي - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكان يتكلّم، فَسمِعه رجلٌ من الأنصار، فحلف باللّه : لئن أمكنَهُ اللّه مِنهُ لَيضرِبَنَّهُ بالسيف. فلما كان يومُ فتح مكَّة، جاء به عثمان - وكان بينهما رِضاع - فقال :
فأعرض عنه، والأنصاريُّ حاضِرٌ بيدِه السَّيفُ. فأعادَ عليه عثمان القول. فأعرض عنه. فلمّا أعاد الثالثة مدّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - يَدَهُ، فبايَعَهُ وقال للأنصاري :
فقال: «فهلّا أو مضت إلى؟».
فقال: «إنّه لا ينبغي للنَّبيِّ أن يُومِضَ».
وذلك أنه لما مات النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - ارتدت العربُ واضطرمتِ الأرضُ واشتغل النّاس بالمرتدّين وتروخي عن مسيلمةَ وطُليحةَ. فاستغلظ أمرهما وارتدّت من كل قبيلةٍ عامَّةٌ وخاصَّةٌ إلا قُريشاً وثَقيفاً. فتشدّد أبو بكر وكان فيه لينٌ، إلّا أنّه حَرُمَ وحَصفَ وخالفَ النّاس، وكانوا أشاروا عليه بالمقاومة. وذلك أنَّ أسامة بن زيدٍ كان غائباً بالجيش الّذي جهزه رسولُ اللّه - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - معه إلى حيث. معه إلى حيث قتل فيه أبوه زيدٌ، وكان أهلُ المدينة في قلّةٍ، وكان طليحةُ قد قَوِيَ ِبأسَدٍ وغَطفان وطيء. فبعثوا وفوداً إلى أبي بكرٍ - رضي اللّه عنه - من كلِّ قبيلة، ونزلوا على وجوه النّاس على أن يُقيموا الصَّلاةَ ولا يؤتُوا الزَّكَاةَ. فَجرَّدَ أبو بكر العزيمة وقال :
فرجعوا فأخبروا عشائرهم بقِلَّةٍ من أهل المدينة وأطعمُوهُم فيها.
فكانَ من حَصافَةِ أبي بكر أن جَعلَ على أنقاب المدينة بعد خروج الوفدِ عَليًّا والزُّبير وطلحةً ونَفَراً مَعَهم. وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم :
فما لبثوا إلّا ثلاثاً حتّى طَرَقُوا المدينة غارَّةً مع الليل وخلّفوا رِدءاً لهم بذي حُسّى، فواقوا الأنقابَ وعليها المقاتلةُ ودونهم أقوامٌ يدرجون. فنهنهوهم وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر. فخرج أبو بكر في أهل المسجد على النّواضح إليهم فانهزموا واتّبعهم المسلمون على إبلهم حتّى بلغوا ذا حُسّى. فخرج عليهم الرِّدءُ بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الجبالَ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل فَتَدَهدَة كلُّ نَحي في طِوَلِه فنفرت الإبلُ إبلُ المسلمين وهم عليها، ولا تنفرُ من شيء نفارها من الأنحاء. فعاجت بهم ما يملكونها حتّى دخلت بهم المدينة، إلا أنَّه لم يُصرَع مسلمٌ ولم يُصَب، وظَنَّ القومُ بالمسلمين الوهن فبعثُوا إلى النّاس بالخبر فقدموا عليهم أعماراً.
وبات أبو بكر ليلته يتهيَّاً، فعبّى النّاس، ثم خرج في تعبئته من أعجاز ليلته يمشي، فما طلع الفجر إلّا وهم مع العدوّ في صعيدٍ واحدٍ. فما سمعوا لأحدٍ من المسلمين همساً ولا حسًّا حتّى وضعوا فيهم السُّيوف. فما ذرَّ قَرْنُ الشَّمس حتّى ولُّوهم الأدبارَ وغَلِبُوهم على عامَةِ ظَهرِهم، وقُتل رئيسُهم حِبالُ وكان صاحبَ طُليحةَ، واتبعهم أبو بكر - فكان أوّلَ فتح - فلمّا بَلغَ ذا القصَّة وَضعَ بها النُّعمان بن مُقَرْنٍ في عدَدٍ، وَرَجعَ إلى المدينةِ، فذلَّ المُشركون وعزَّ المسلمون بوقعة أبي بكر - رضي اللّه عنه - فوثب بنو ذُبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كلَّ قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم. فحلف أبو بكر ليقتلَنَّ في كل قبيلةٍ قَتَلَةَ مَن قُتِلُوا وَلَيَزيدنَ وَلَيَفعَلَنَّ ولَيصنعَنَّ.
فوفى بذلك، فازداد المسلمون ثباتاً على دينهم وتفرّق أمرُ المشركين، وطرقَت المدينةَ صدقاتُ صفوان والزبرقان وعديٍّ. فاستَبشَرَ لذلك أبو بكر والمسلمون، وذلك لستين يوماً من خروج أُسامةَ.
ثم قدم أسامة واستخلفَهُ أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: «أريحُوا واستريحوا».
ثم خرج بنفسه مع الّذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون :
فقال: «لا وَاللّه حتّى أَواسِيَكم بِنَفسي».
فخرج في تعبئته إلى ذي القصّة والنُّعمان وأصحابه على ما كانوا عليه، حتّى نزل على أهلِ الرَّبذه بالأبرقِ. فاقتتلوا، فَهُزِم القومُ وأخِذَ الحُطَيئَةُ أسيراً، وطارت عبسٌ وبنو بكر. فأقام أبو بكر على الأبرقِ أيّاماً وقد غَلَبَ بني ذُبيان على البلاد، وقال:
فلمّا غُلِبَ أهلُ الرِّدَّةِ وَدَخَلوا فيما خرجوا منه، جاءت بنو ثعلبةَ ومَن كان ينازلهم. فَمُنِعُوا منها فأتوه في المدينة فقالوا :
فقال : «كذبتم ليست لكم ببلاد»و
ثمّ حَمِيَ بلادَ الرَّبذة كلَّها لصدقاتِ المُسلمين وجاءت الصَّدقاتُ الكثيرةُ. فلمّا أراحَ أسامة وجنوده ظهورهم وجَمُّوا، عَقَدَ أبو بكر أحد عشر لواءً وقطع عليها البعوث : عَقَدَ لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نُويرةَ
بالبِطاحِ إن قامَ لَهُ ؛ وَعَقَدَ لعكرمة بن أبي جهل وأَمَرَهُ بمسيلمة؛ وَعَقَدَ للمهاجر بن أبي أمَيَّةَ وأَمَرَهُ بجُنودِ الأسود العَنسي ومَعُونَةِ الأَبْناءِ على قيسِ بنِ المكشوحِ وَمَن أَعانَهُ مِنَ اليَمنِ عَلَيهِم، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت ؛ وَعَقد لخالد بن سعيد بن العاص وكان قَدِمَ من اليَمنِ، وتَرَكَ عمله ؛ ولعمرو بن العاص إلى جُماع قضاعة ووديعة والحارث؛ ولحذيفة بن محصن، وأَمَرَهُ بأهلِ دَبا ؛ ولعرفجةَ بنِ هرثمة، وأَمَرَهُ بمَهرَة؛ ولشرحبيلِ بن حسنةٍ على قضاعة ؛ ولطُرَيفَة بن حاجز، وأَمَرَهُ ببني سُلَيم وهوازن؛ ولسويدِ بنِ مُقرّن وأَمَرَهُ بِتِهامة اليمن ؛ وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين.
ففصل الأمر من ذي القصّة وقد كتب لهم عهدهم، فلحق بكل أمير جنده. وكَتَبَ إلى جميع المُرتدَّةِ كتباً بليغةً بالإعذار والإنذار والتَّرغيب والتَّرهيب، ونَفَذَتِ الرُّسُلُ أمامَ الجنودِ بالكتب ونفذ خالد إلى طليحةً، فهزمَه وفَضْ خَيلَه.
وكان طُليحةُ ارتَدَّ في حَياةِ رسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وادَّعى النبوَّةَ. فوجه النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ضرار بن الأزور عاملاً على بني أَسَدٍ وأَمرهم بالقيام في ذلك على كلِّ مَن ارتدَّ فأشجَوا طليحةً وأخافوه ونقص أمره، حتّى لم يبق إلّا أخُذه سلماً. سوى أنَّه كانَ ضُرِبَ ضَربةً بالجُراز، فَنَبا عنه. فشاعت في النّاس وأتَى المسلمين - وهم على ذلك - موتُ نبيهم. وقال ناسٌ :
فَقَوِيَ أمرُهُ ونقص أمر المسلمين لذلك، حتّى إنَّهم قالوا عرفنا ذلك في أنفسنا يَومَ وَرَدَ علينا الخبر بوفاة رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -.
وقامَ عُيينةُ بن حصن بنصره، وقام في غطفان فقال:
وقد مات رسولُ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وبقي طليحه، فطابقوه على رأيه. فلما قَوِيَ أمرُ طليحة واستفحل، هَرَبَ ضرارٌ وأصحابُ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وطارُوا كُلَّ مَطارِ.
قال ضرارُ بنُ الأَزوَر : فما رأيتُ أحداً - لَيسَ رسُولَ اللّه - أَملاً لِحَرب شعواء من أبي بكرٍ، لَجَعلنا نُخبِرهُ ولكأَنَّما نُخبرُهُ بما لَهُ، لا عليه».
وَمِمَّا ظَهَرَ مِن عُمَرَ - رَضِيَ اللّه عَنهُ - في هذا الوقتِ صرامة وخصافَة : أنَّ عمرو بن العاص كانَ بِعُمان. فلما مات رسولُ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - أقبل حتّى انتهى إلى
البحرين، وسار في بني تميم وفي بني عامر، حتّى قَدِمَ المدينة، فأطافت به قريشٌ وسأَلُوهُ. فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دَبا إلى حيث انتهيت إليكم. وأخبرهم من اضطراب الإسلام وقوة الأعداء ما كسرهم. فتفرَّقُوا وتحلقوا حَلَقاً. وأقبل عُمرُ بن الخطّاب يُريد التَّسليم على عمرو. فمرّ بحلقة وهم في شيءٍ ممّا سَمِعُوا مِن عمرو، وفي تلك الحلقة عثمانِ وعليِّ وطلحةُ والزُّبير وعبدُ الرحمان بن عوفٍ وسعدٌ. فلمّا دَنا عمرُ منهم سكتوا.
فقال عمرُ : «فيم أنتم؟».
فلم يُخبروه، فقال: «ما أعلمني بالذي خلوتُم له».
فغَضِبَ طلحة وقال : يا ابن الخطّاب أتخبرنا بالغيب؟»
فقال: «لا يعلم الغيب إلا اللّه، ولكن أَظُنُّ أنَّكم قلتم : ما أخوفنا على قريش، من العَرَبِ وأخلقهم ألا يُقِرُّوا بهذا الأمر».
قالوا: «صدقت».
قال : «فلا تخافوا هذه المنزلة. أنا واللّه منكم عَلَى العَرب أخوفُ مِنِّي عَلَيكُم مِنَ العَرَبِ، واللّه لو تدخُلونَ معاشر قريش جُحراً لدَخلَته العَرَبُ فِي آثَارِكم. فاتَّقُوا اللّه فيهم».
ثم مَضى عُمَرُ إلى أبي بكر واجتمع مع عمرو.
فأمّا طليحةُ، فإنَّه لما هُزم أصحابُه، هَرَب حتّى نزل على كَعبٍ على النَّقع. فأسلم، ولم يَزَل مُقيماً في كَلب حتّى مات أبو بكر. وإنّما أَسلم هنالك حتّى بلغهُ أَنَّ أسداً وغطفان وعامراً قد أسلموا. فلما مات أبو بكر، أتى عُمَرَ للبيعةِ، فقال له عُمَر :
فقال يا أمير المؤمنين، ما تنقم علي من رجلين أكرمَهُما اللّه بِيدي وَلَم يُهِنِّي بأيديهما.
فبايعه عُمرُ. ثمَّ قال له خُريم:
قال: «نَفخةٌ أو نفخَتانِ بالكير».
ثُمَّ رجع إلى دار قومه، وأقام بها حتّى خرج إلى العراقِ.
وَلَمّا أعطى أهل بُزاخة من أسد وغطفان وطيِّئ بأيديهم على الإسلام، لم يقبل
خالدٌ من أحدٍ منهم ولا من هوازن وسُلَيم إلّا على أن يأتوا بالّذين حرقوا ومثّلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردّتِهم. فأتَوهُ بهم، فقتل منهم إلّا قُرَّة بن هبيرة ونفراً معه أوثَقَهم، ومثَّل بالّذين مثَّلوا بالمسلمين وأحرقهم بالنِّيران، ورضخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجِبالِ ونَكَّسَهُم في الآبار، وخرق بعضهم بالنِّبالِ، وكتب بخبرهم وما صنعَ، إلى أبي بكر.
فكتب إليه أبو بكر :
«ليزدك اللّه ما أنعم به عليك خيراً، فاتَّقِ اللّه، ولا تظفَرنَّ بأحدٍ قتل المسلمين إلّا قتلتَه ونَكلتَ به غيره، وإن كُنتَ أحييتَ مِمّن حاد اللّه وضادَّهُ فاقتُلهُ».
فأقام خالدٌ شَهراً على بزاخة يصعُدُ ويُصَوِّبُ ويرجع في طلب القوم، فمنهم من يُحرِقُ، ومنهم من يرضخُه، ومنهم من يرمي به من الجبل.
وقدم الفُجاءة بن إياس بن عبدِ ياليل على أبي بكر، فقال:
فأعطاه سلاحاً، وأَمَرَهُ أمرَهُ فحالفَه، وخَرجَ ونَزلَ الجواء، وبعث نجبة بن أبي الميثاء، وأمرَهُ بالمسلمين، فشنّها غارة على كل مسلم في سُليم وهوازن، وبَلغَ ذلك أبا بكر، فأرسل إليه من حاربه بالجواء حرباً شديداً، فقُتِل نجبةُ، وهَربَ الفُجَاءَةُ، فَلَحِقَهُ من أَسَرَه وبَعَثَ به إلى أبي بكر، فأُوقِدَ له في مُصلَّى المدينةِ حَطَبٌ كثيرٌ، ثُمَّ رُمِيَ به في النار مقموطاً.
وَمِن وُجُوهِ المَكائِدِ في الحَربِ أنَّ خالداً لما مضى نحو اليَمَامَةِ قاصداً مُسيلمة، فضرب بها عسكره، خرج أهل اليمامة معَ المُسَيلمةِ. ثمَّ التقى النّاسُ، ولم تلقهم حربٌ قَطُّ مِثلُها من حرب العرب فاقتتلَ النّاس قِتالاً شديداً حتّى انهزم المسلمون، وخاضوا إلى فُسطاط خالدٍ، فَزالَ خالد عنه، وأسلم امرأته أم تميم فَرَعْبَلُوا الفُسطاط بالسيوف.
ثمَّ إنّ المسلمين تداعوا وتبرَّأُوا إلى اللّه مِمَّن انهزم، وجالَدُوا حتّى قُتِلَ زيد بن الخطّاب وعدَّةٌ من خيار النّاس، وخَلَصُوا إلى مُحَكّم اليمامة، وكان سيّداً فيهم، فقاتل قتالاً شديداً حتّى قُتِل، وزحف المسلمون، واشتدّ القتال. فكانت يومئذٍ سجالاً إنّما يكونُ مَرَّةً على المسلمين، ومرَّةً على الكافرين. واستحرَّ القتالُ في المهاجرين والأنصار، وثَبَتَ مسيلمةُ، ودارت رحاهم عليه.
فعرف خالدُ بن الوليدِ أنها لا تركُد إلا بقتل مسيلمة، ولم تحفل بنو حنيفَة بقتلِ مَن قُتِلَ منهم. فبرزَ خالدٌ حتّى إذا كان أمامَ الصَّفِّ دَعا إلى البراز، وانتمى وقال :
«أنا ابن الوليد العود، أنا ابنُ عامرِ وزيدٍ».
فَجَعَلَ لا يبرز له أحدٌ إلا حطَّمه وقَتَلَهُ. ودارت عليه رحى المسلمين فطحنت.
ثمَّ دنا خالدٌ من مُسيلمة، فدعاه منادياً بأعلى صوته ليطلب غِرَّتَه، وذلك لما علم أنّ الحرب لا تزولُ إلاّ بِزوالهِ، فأجابه مُسيلمةُ. فعرَضَ عليه أشياء ممّا يشتهي مُسيلمةُ، ثم قال له :
فكان إذا همَّ بجوابه، أعرض عنه مستشيراً شيطانَهُ، فكان شيطانُه ينهاه أن يَقبَلَ، فأعرض بوجهه مرّةً من ذلك فركِبَهُ خالدٌ فأرهَقَهُ، فأدبَرَ، وزالوا، فذَمَرَ خالد النّاس، وقال :
«دُونَكم لا تُقيلوهم».
فاقتحموا حديقةَ المَوتِ، فاقتحم النّاس عليهم، فقَتلُوا منهم عشرة آلاف، وقُتِلَ مُسيلمةُ. قتلَهُ وحشيّ بِحَربته، وأَعانَه رجُلٌ من الأنصارِ.
وكان خالدٌ ظَفِرَ قبلَ هذه الوقعة بمُجَاعَةَ مع نَفَرٍ معه كانوا خرَجُوا فِي سَرِيَّةٍ لَهُم، وكان ظَنَّ أَنَّهُم استقبلوه. فلما سألهم صَدَقوه. ولو عرفوا خَبَرَه لقالوا: إنما استقبلناك، فسلموا. فعرضهم على السَّيف، فقتلهم عَن آخرهم إلّا مُجاعة، فإنَّه استحياه طمعاً في الانتفاع به. فلمّا فُرغ من قتل مسيلمةَ وأخبر به أُخرِجَ مُجَاعة يرسُف في الحديدِ ليدُلَّه على مسيلمة، فجعل يكشف له القتلى حتّى مر بمُحكّم اليمامة، وكان وسيماً حَسَناً.
فلما رآه خالدٌ قال :
قال : «لا، هذا واللّه خيرٌ منه وأكرمُ، هذا محكّم اليمامة».
ثم مضى خالدٌ يكشف له القتلى. فإذا رُويجل أصفر أخَينِس، فقال مُجَاعةُ :
فقال خالدٌ المُجَاعةَ : «هذا فعل بكم ما فَعَل».
قال : «قد كان ذلك يا خالدُ، وإنه واللّه ما جاءَكَ إِلّا سَرَعانُ الخيل، وإنّ الحصونَ لَمَملُوءَة رجالاً، فهلُمَّ أصالحك على قومي».
يقول ذلك لرجلٍ قد نهكتهُ الحربُ، وأصيب معه من أشراف النّاس مَن أصيبَ،
فقد رقّ، وأحبّ الدَّعةَ والصُّلح.
فقال : «هلُمَّ أصالحك. فصالَحَهُ على الصفراء والبيضاء والحَلقة ونِصفِ السّبي».
ثمَّ قال : «فآتِي القومَ فأعرِضُ عليهم ما قد صنعتُ».
قال : «انطلق إليهم».
فذهب وقال للنساء - وليس في الحصون إلّا النِّساء والصِّبيان ومن ليس به طرق من الشّيوخ :
ثمّ كرَّ نحو خالد وقال :
قال خالدُ : «قد فعلتُ». فسرّحه وقال :
«أنتم بالخيار ثلاثاً، واللّه لئن لم تُتِموا ولم تقبلوا، لأَنهَدنَّ إليكم، ثمَّ لا أقبلُ منكم خصلةَ أبداً إلّا القتل».
فكان خالدٌ إذا نظر إلى الحصونِ رآها مملوءة الحيطان بالسّلام والسّواد، فيراها رجالاً وإنّما هي النِّساءُ.
فلمّا رجع مجّاعة إليهم قال : «فأَمَّا الآن فاقبَلُوا».
ورجع إلى خالد وقال: «بعد شرّ ما قبلوا اكتب كتابك».
فكتب:
«هذا ما قاضى عليه خالدُ بنُ الوليدِ مُجَّاعَةَ بنَ مَرارة وفلاناً وفلاناً، قاضاهم على الصَّفراء، والبيضاءِ، وربع السَّبي، والحلقة، والكُراع، وحائط من كلِّ قريةٍ ومزرعةٍ، على أن تُسلموا، ثمَّ أنتم آمِنون بأمان اللّه ولكم ذِمَّةُ خالد بن الوليد، وذمَّة أبي بكرٍ خليفة رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وذِمَمُ المُسلمين على الوفاء».
فلمّا فرغ خالد بن الوليد من هذه الوقعة والصلح، فُتحت الحصونُ، فإذا ليس فيها إلّا النساءُ والصّبيانُ ! فقال خالدٌ لمجّاعة :
«ويحك، خدعتني !».
قال : «قومي، ولم أستطع إلّا ما صنعتُ».
ولمّا فرغ خالدٌ من هذه الوقعة أمَره أبو بكر بالمسير إلى العراق، وكان ما كانَ من أمرِه مع الفرس، ولم أجد في تلك الحروب والوقعات مع عِظَمِها وشدَّتِها موضعَ حيلةٍ، ولا موقع تدبير تُستفادُ منه تجربةٌ إلّا اليَسير ممّا سنذكره، وباقيه كلُّه جهادٌ من القوم
ونصرٌ مِنَ اللّه واجتهاد من المسلمين، وخذلانٌ للفُرسِ، وانصرامٌ لِمُدَتِهم، وانقضاءٌ لملكهم. وكانَ شَرطنا في أوّلِ الكتاب ألّا تُثبت من الأخبار إلّا ما فيه تدبيرٌ نافع للمستقبل، أو حيلةٌ تمّت في حرب أو غيرها، ليكونَ مُعتَبَراً وأدباً لِمَن يَستأنفُ مِنَ الأمر مثلَه، فلذلك تركنا إثبات هذه الوقائع، وعلى أنا سنذكُرُ الجُمَلِ الّتي فيها أدنى تنبيه على موضع فائدة، ولأجل ذلك، تركنا ذكر أكثَرِ مغازي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ووقعاته، لأنّها كلها توفيقُ اللّه ونَصرُهُ وخذلان أعدائه ولا تجربة في هذا، ولا تُستفاد منه منه حيلة، ولا تدبيرٌ بَشري.
وذلك أنّ خالداً افتتح السّوادَ الّذي بينه وبين دجلة، وحازَ غربي دجلة كلها بوقائع كثيرة وحروب عظيمةٍ، وشغل الفرسُ عن أمر المُلك. فإن أردشير بن شيرى مات وقد كانَ هَلكَ العُظماء وأهلُ بيت كسرى بما أفناهم شيرى وبغزواتِ خالدٍ للعظماء، وتفرّغ أبو بكر للشّام، وكانَ أمَرَ خالداً ألا يقتحم على الفُرس، لأنَّ مسالحَ لهم كانت مِن وراءِ المسلمين. فَخَشِيَ أن يُؤتَوا من ورائهم، وقد كان المسلمون أشرفوا على الهلاكِ بالشّام لكثرة جُنودِ الرُّوم. فكتب أبو بكرٍ إلى خالد يأمرُهُ أن يستخلف على جُنده، ويسير في عدد وافر إلى إخوانه المسلمين بالشّام.
ولمّا اهتمَّ بأمر الشام كتب إلى عمرو بن العاص، وإلى الوليد بن عُقبة، وكانا على عمل من الصَّدقاتِ. أما عمرو فكان على صدقاتِ هُذَيم وعُذرةَ ومَن لفٌ لِفّها. وأما الوليد فكانَ على النّصف من صدقاتِ قُضاعة. فكتب أبو بكرٍ إليهما يُرَغِّبُهُما في الجهاد ويُخَيِّرُهُما بين أعمالهما وما ندبَهُما إليه فكتبا بإيثار الجهاد، فكتب أبو بكر بأن يَندُبا مَن يليهما، ويستخلفا على أعمالهما، ثمَّ نَدَبَ أبو بكر من كان اجتمع إليه، وقوّى بهم عمراً، وأمره على فلسطين وأمره بطريق سمّاها له. وولّى الوليد الأردن، وأمدَّه ببعض من كان اجتمع إليه. ودَعا يزيدَ بن أبي سفيان فأمره على جُندِ عظيم هُم جُمهورُ مَن انتدب له، وفي جُندِه سُهيل بن عمرو، وأشباهه. واستعمل أبا عُبيدة وأمَّره على حمص مع جُند.
وكان قد قدّم خالدٌ سعيد بن العاص، وأمره أن يأتي تَيماء، ويُقيم بها، فلا تتجاوزها، وينتدِبَ إليه من حوله ويتقوّى به حتّى تأتيه الجنود. وسمّي ليزيد بن أبي سفيان دِمشق، ولشرحبيل بن حسنة الأردن. فتوافى الجندُ أطرافَ الشّام مع الأمراء الأربعة، وهم سبعةٌ وعشرون ألفاً. وأمَّر أبو بكر معاوية وشرحبيل على ثلاثة آلافٍ، وكان عِكرمةُ بن أبي جهل ردءاً لهم في ستّةِ آلاف. وكان في ثغر الرّوم أبو عُبيدة،
فشَجِيَ بالرّوم وكثروا عليه فكتب إلى أبي بكر يستمد، وأمدهم بخالد بن الوليد من العراق في عشرة آلافٍ فكانوا ستة وأربعين ألفاً، وكان قتالهم على تساند : كل جندٍ وأميرهم، لا يجمعُهم أميرٌ واحدٌ حتّى قدم عليهم خالدُ بنُ الوليد مِنَ العراق.
فلمّا قدم خالدٌ، وجدَ الرّومَ في جمع عظيم وقد استمدوا المستعربةَ ونصارى العربِ ومَسالَحَ الفُرِسِ، فكانُوا في مائتي ألفِ مُقاتل على حنقٍ شديدٍ، وهم يُقاتلون بنشاطٍ واجتماع. ورأى المسلمين متساندين، يُقاتل كلّ قوم مع أميرهم.
فقال لهم : «هل لكم يا معشر الرؤساء في أمرٍ يُعزّ اللّه به الدِّينَ، ولا يدخلكُم منه نقيصة ٌولا مكروهٌ؟».
قالوا: «وما ذلك؟».
قال :
قالوا: «هاتِ ما الرَّأي؟».
قال :
فأمَّروه وهم يرونَ أنَّها كخرجاتهم قبل قُدوم خالدٍ وأن الأمر طويلٌ والإمارة تصل إلى كلِّ واحدٍ منهم.
فخرجت الرّوم في تعبئة لا يكون أحسن منها، ولم يَرَ المسلمون مثلها قطُّ. و خرج خالدٌ في تعبئةٍ لم تُعبِّ مثلها العربُ. وذلك أنّه لمّا رأى كثرة عددِ الرّوم، قال:
فقال رجلٌ لخالدٍ : «ما أقل المسلمين وأكثرَ الرّوم!».
فقال خالد: «ما أكثرَ المسلمين وأقلَّ الرّوم، إنما تكثرُ الجنودُ بالنَّصرِ، وتَقِلُّ بالخذلانِ لا بعددِ الرّجالِ واللّه، لودِدتُ أنّ الأشقر بَراءٌ مِن تَوَجِّيه وأنّهم أُضعفوا في العَددِ».
وكان فرسُه قد حَفِيَ في مسيره.
ثمَّ أنشبَ القتال والتحم النّاس وتَطاردَ الفُرْسانُ فإنّهم على ذلك، إذ قدِمَ البَريدُ من المدينة. فأخذته الجنود، وسألوه الخبر. فلم يُخبرهم إلّا بسلامةٍ، وأخبرهم عن أمدادٍ، وإنما جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عُبيدة، فأبلغوه خالداً، فأخبره الخبر وأسره إليه، وأخبره بما قال للجُندِ، فقال: «أحسنتَ، فقف».
وأخذ الكتاب، فجعله في كنانته وخاف - إن أظهر ذلك - أن ينتشرَ أمرُ الجند. وجد خالد في القتالِ، وصلّى النّاس الأولى والعصر إيماءاً، وتضعضعَ الرّوم، ونهد خالدٌ بالقلب، حتّى كان بين خيلهم ورجلهم.
وكان موضعهم الّذي اختاروه للقتال واسعَ المطَّرِد وضيق المهرب. فلمّا وجدت خيلُهم مهرباً ذهبوا وتركوا رَجلَهم في مصافِّهم، وخرجت خيلهم تشتدّ بهم في الصّحراء. ولمّا رأى المُسلمونَ خيلَ الرّوم توجّهت للّهرب أفرجوا لها ولم يُحرجوها. فذهبت متفرّقةً في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرَّجل، ففضُوهم. فكأنما هُدِمَ بِهم حائط، فاقتحموا في خندقهم فاقتحم عليهم فعمدوا إلى الواقوصة حتّى هوى فيها المقترنون وغيرهم، فمن صبر من المقترنين للقتالِ هَوى به من جشِعَت نفسه، فيهوى الواحدُ بالعشرة لا يُطيقونه كلّما هَوى اثنان كانت البقيَّةُ أضعف فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف إنسان منهم ثمانون ألف مقترن وأربعون ألفَ مُطلَق سوى مَن قُتل في المعركة من الخيل والرَّجل، وتجلّل أخو ملك الروم وأشراف من أشرافهم بَرانِسَهم وقالوا :
فأصيبوا في تزمُّلهم.
وقد كان عكرمة بن أبي جهل في بعض جولاتِ الرّوم نَزَل عن فرسه وقال :
ثم نادى :
فبایعه ضِرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه النّاس والفرسان، فقاتلوا قُدّامَ فسطاط خالدٍ، حتّى أثبتوا جميعاً جراحاً، وقُتلوا إلّا مَن بَرأ ومنهم ضِرارٌ.
وقاتل النّساء يومئذٍ وجُرحت جُويرية بنت أبي سفيان، وكانت مع زوجها، بعد قتالٍ شديدٍ، وكان الأشتر مِمَّن شهد هذا اليومَ - وهو اليَرمُوك - فأبلى بلاءاً حسناً.
ولمّا فرغ خالدٌ من حرب القوم نعى إلى النّاس أبا بكر وقال :
وانتهت الهزيمةُ إلى هرقل وهو دون حمص، وبلغه قتل أخيه مع الصَّناديد وعامة الخيلِ والرَّجل، فارتحل وصار الأمرُ لأبي عبيدة.
ومن عجيب ما ركبه خالد بن الوليد في سفرته هذه الّتي خرج فيها من العراق المعاونة أبي عبيدة على الرُّوم، أنه : لمّا هَزمتِ الرُّوم خالد بن سعيد بن العاص، وقتلوا ابنه وقتلوا الجيش الّذي معه واجتمعت الرُّوم باليرموك، قالوا :
فبلغ ذلك أبا بكر، فقال:
فكتب إليه أن: «سرِ حتّى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنّهم قد شَجُوا بالرُّوم، وإنّه لم يُشج الجموع من النّاس بعون اللّه شجاك، ولم ينزع الشَّجا من النّاس نزعك، فلتَهنَئك - أبا سليمان - النّيّة والحظوة، فأتمم - تمَّم اللّه لَكَ - ولا يدخُلنَّكَ عجب فتخسرَ وتُخذَلَ، وإياك أن تُدِلَّ بعمل فإنَّ اللّه له المَن وهو وليُّ الجَزاء. فاستخلف المثنّى بن الحارثة بالعراق، فإذا فتح اللّه على المسلمين الشّامَ فارجع إلى عملك بالعراق».
فقال خالدٌ : «كيف لي بطريقٍ أخرج فيه من وراء جموعِ النّاس».
فجمع الأدلاء وأهل الخبرة، فكُلُّهم قالوا :
ونهوه أن يُغَرِّرَ بالمسلمين. فعزم عليه، ولم يُجِبهُ أحدٌ إلّا رافع بن عُميرة على تهيُّبٍ شديدٍ. فقام فيهم وقال :
فأجابه نفرٌ، وقالوا لخالد : «أنت رجلٌ مَصنوعٌ لك، فشأنك».
فطابَقوه ونَوَوا، واحتسبوا.
فقال لهم رافع : «ترَوُوا لِلشَّفَةِ لِخمس».
فظَمَّاً كلُّ قائدٍ من الإبل الشَّرفِ الجِلالِ ما يكتفي به، ثمَّ سقوها العَلَّ بعدَ النَّهَلِ، ثمَّ صَرُّوا آذان الإبل وكعموها وخلَّوا أدبارها.
ثمَّ رَكبوا من قراقر مفوِّزين إلى سوى وهي إلى جانبها الآخر ممّا يلي الشّام. فلمّا ساروا يوماً افتظُوا لكلِّ من الخيل كُروشَ عَشر من تلك الإبل فمزجُوا ما في كُروشها بما كان من الألبان. ثمَّ سقوا الخيلَ وشرِبوا للشَّفَةِ جُرَعاً، فعلوا ذلك أربعة أيّامٍ. فلمّا نزلوا بسوى وخشِيَ أن يفضحهم حَرُّ الشَّمس نادى خالدٌ رافعاً :
قال: «خيرٌ، أدركتم الري وأنتم على الماء». وكان يشجِّعهم وهو متحيِّرٌ به رَمَدٌ. ثمَّ قال: «أيّها النّاس، انظُروا عُلَيمين كأَنَّهما ثَديان».
فأتوا عليهما وقالوا: «عَلَمان».
فقام عليهما فقال : «اضربوا يمنة ويسرةً لِعَوسَجةٍ كقعدَةِ الرَّجل».
فقالوا : «لا نَرى شيئاً».
فقال: «إنّا للّه هلكتم وهلكت معكم انظروا».
فنظروا فوجدوا جذمها، فقالوا : «جذم، ولا نرى شجرةً». فقال :
«احتفروا حيث شئتم».
فاستثاروا أوشالاً وأحساء رواء. فقال رافعٌ:
«أيّها الأمير، ما وردتُ هذا الماء منذ ثلاثين سنةً، وما وردتُه إلاّ مرَّةً وأنا غلامٌ مع أبي».
فانحاز خالدٌ من سُوى على مُضَيَّح بهراء، وإنهم لغارُون وناسٌ منهم يشربون خمراً لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنِّيهم يقول:
ألا عَلِّلاني قَبلَ جَيش أبي بكر***لَعلَّ مَنايانا قَريبٌ وَما نَدري
أظُنُّّ خُيول المسلمين وخالداً***سيطرقُكم قَبلَ الصَّباح مِنَ البِشرِ
فهل لَكُمُ في السِّير قَبلَ قِتالِهم***وقَبلَ خُروج المُعصِراتِ مِنَ الخِدرِ
فيزعمون أَنَّ مُغنِّيهم قتل، وسال دمه في الجَفْنَةِ عند الغارة. وقال شاعرُ المسلمين :
للّه عَينا رافع أنّى اهتدى***فَوَّزَ مِن قُراقِر إلى سُوى
خمساً إذا ما سارة الجيش بكى***ما سارها قبلك إنسيُّ أرى
فلمّا انتهى خالدٌ إلى سوى أغار على أهله وقد خلَّف ثغور الرُّوم وجنودها ممّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، ثمَّ صمد لهم الطريق حتّى صار إلى دمشق، ثمَّ مَرَج الصُّفر. فلقي غسّان وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم وعيالاتهم وبعث بالأخماس إلى أبي بكر، ثم خرج حتّى نزل مياه بُصرى، فكانت أول مدينةٍ فتحها خالدٌ من الشام بمن معه من جُنود العراق فخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة في عشرة آلاف.
ولمّا تراءى العسكران بعثَ القيقلار أخو ملكِ الرُّوم - وهو صاحب الجيش - رجلاً عربيَّا من قُضاعةً وقال له :
فدخل في النّاس رجلٌ عربيٌّ لا يُنكر، فأقام فيهم، ثمَّ أتاه.
فقال: «مَه، ما وراءَك؟».
قالَ: «هُم رهبانٌ باللَّيل فرسان بالنَّهار، لو سرق ابنُ مَلِكهم قطعوا يدَه، ولو زنى رجمُوه إقامةً للحدِّ».
فقال القيقلارُ : «لئن كنتَ صادقاً لبطنُ الأرضِ خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها».
فأما المثنّى بن حارثة، فكان من حديثه بعد خالد بن الوليد : أنّ الفُرسَ اجتمعوا علی شهر براز بن أردشير بن شهريار بن أبرويز وجدوه بميسان، فوجه إلى المثنّى جُنداً عظيماً عليهم هُرمُزُ المعروف بجاذُوية في عشرة آلافٍ، ومعه فيل، فكتبتِ المَسالحُ بإقباله فخرج المثنّى من الحيرة، وضم إليه المسالح.
وكتب شهر براز إلى المثنّى :
والخنازير، وَلَستُ أقابلك إلّا بهم».
فأجابه المثنّى :
«من المثنّى إلى شهر براز، إنما أنت أحدُ الرَّجلين : إما باغ، فذلك شرُّ لك وخيرٌ لنا، وإمّا كاذبٌ، فأعظم الكاذبين فضيحةً وعُقوبةً عند اللّه والنّاس المُلوكُ، وأما الّذي يَدُلُّنا عليه الرَّأي، فإنّكم إنّما اضطررتم إليه، فالحمدُ للّه الّذي ردّ كيدَكُم إلى رُعاة الدَّجاج والخنازير».
فلمّا وقف الفُرسُ على كتابه جزعوا وقالوا :
وقالوا لَهُ : جرَّأتَ علينا عدونا بما كتبت إليه، فإذا كاتبتَ أحداً فاستَشر.
ثمَّ التقوا ببابل، فاقتتلوا بعُدوَةِ الصَّراة الدنيا قتالاً شديداً.
ثمّ إنّ المثنّى وناساً مِنَ المسلمين اعتَوَرُوا الفيل وكان يفرِّقُ بين الصُّفوف والكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه، وهزموا أهلَ فارس واتَّبعهم المسلمون يقتلونهم حتّى جازُوا بهم مسالحهم، وطلبُوا الفَلَّ حتّى بلغوا المدائن. ومات شهر برازُ مُنهزَمَ هرمز جاذوية، واختلف أهلُ فارِسَ بعده وأبطأ خبرُ أبي بكر على المسلمين لِمَرَضِه.
فخرج المثنّى نحو أبي بكر ليُخبرهُ خبر المسلمين ويستأذنَه في الاستعانة بمن ظهرت توبته من أهل الرُدَّةِ - وكانَ أمَرَ أبو بكر ألّا يُستعان بهم - ولِيُخبره أنّه لم يُخلّف أحداً أنشط لقتال فارس ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة واستخلف على عسكره بشير بن الخصاصيّة فوجد أبا بكر - رضي اللّه عنه - مريضاً مرضه الّذي مات فيه، فأخبره الخبرَ.
فدعا أبو بكر عُمرَ - وكان قد عقَدَ لَهُ - فقال :
ومات أبو بكر رضي اللّه عنه مع الليلِ ونَدبَ عُمرُ النّاس مع المثنّى. وقال عمر:
أصحابه، وتَرَكَ ذِكرَهُ».
وتشاغل أهلُ فارِسَ فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السَّوادِ فيما بين خلافة أبي بكر إلى قيام عُمر، ورُجوع المثنّى مع أبي عُبيد إلى العراق، وكان جُمهورُ جُندِ العراق، بالحيرةِ بالسِّيبِ والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دجلةَ، ودجلةُ حجازٌ بين العرب والعجم.
كتب لأبي بكرِ رَضِيَ اللّه عنهُ : عثمانُ بنُ عُفّان، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ اللّه بنُ الأرقم، وحنظلةُ بن الرَّبيع.
فلمّا استُخلِفَ عُمرُ كان أوّل ما تكلم به عزل خالد بن الوليد. وكتب إلى أبي عُبيدة بتأميره عليه، وقال له :
فلمّا ذكر ذلك أبو عبيدة لخالدٍ قال :
ففعل أبو عبيدةَ. فَدَخَلَ خالد على أختِه فاطمةَ بنتِ الوليد، وكانت عند الحارث بن هشام فذكر لها الحديث، فقالت :
فقبل رأسها وقال :
وتمَّ على أمره وأبى أن يُكذِبَ نفسَه.
فقام بلالٌ مولى أبي بكر، فقال:
قال: «أمِرتُ أن أنزعَ عمامته وأقاسِمهُ مالَهُ».
ففَعلَ، وقاسمهُ مالَهُ حتّى بقيت نَعلاه. فقال أبو عبيدة :
فقال خالدٌ: «أجل، وما أنا بالذي أعصي أميرَ المؤمنين. فاصنع ما بَدا لَكَ».
فأخذَ نَعلاً وأحذاه نعلاً.
ثمَّ قدم خالد المدينة على عُمرَ فكان كلّما مرَّ بخالد، قال:
فيقول : «واللّه ما عندي مالٌ لهم».
فلمّا أكثر عليه عُمرُ قال له خالدٌ :
قال عمرُ : «قد أخذتُ ذلك منك».
قال : «هُوَ لك».
قال : «أخذتُه».
ولم يكن لخالد مالٌ إلا عُدة ورقيقٌ. فحُسِبَ ذلك، فبلغت ثمانين ألف درهمٍ، فناصفه عمرُ على ذلك وأعطاه أربعين ألف درهم وأخَذَ ماله.
فقيل : «يا أمير المؤمنين لَو رَدَدتَ على خالدٍ ماله».
فقال: «إنّما أنا تاجرٌ للمسلمين. واللّه لا أرده عليه أبداً».
فكان عمرُ يَرى أنه قد اشتفى مِن خالد حينَ صَنعَ به ذلك.
وكان خالد قبل أن ينقضي حربُ الرُّوم، على مقدمة خيل أبي عُبيدة، وهو الّذي فتحَ دِمَشق بيت المملكة. وكان من حديثه أن عُمرَ كاتب المسلمين عندما هزموا الرُّومَ باليرموك : أن يقصدوا لدِمشق، فإنّها مَقَرُّ عِزَّ الرُّوم، وأن يشغَلُوا أهلَ فِحل وفلسطين، وأهل حمصٍ بخيلٍ تكون بإزائهم. فإن فتَحَها اللّه قبلَ دِمَشق فذاك ؛ وإن تأخَّرَ فتحُها حتّى تفتح دمشق، فلينصرف أبو عبيدة وخالدٌ إلى حمصٍ، وعمرو إلى فلسطين. وكان أبو عبيدة بعثَ ذا الكلاع ليكون بين دمشق وحمص رِدْءاً. فَفَعَل أبو عُبيدة كما أمرَهُ، وقدم خالداً - وهِرَقلُ يومئذٍ بحمص - فحاصر أهل دمشق حصاراً شديداً نحواً من سبعين ليلة، وقاتلوهم بالمجانيق وهم معتصمون بالمدينة يرجُون الغياثَ مِن هِرقل. وجاءت خُيولُ هِرَقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجَتها خُيولُ ذي الكلاع وشغَلَتها عن النّاس.
فلمّا أيقنَ أهلُ دمشق أنّ الأمداد لا تصل إليهم فشلوا وطمع فيهم المسلمون، وكانوا يَرَونَ أنَّها كالغارات قبل ذلك إذا هَجَم البردُ قَفَلَ النّاس، فسقط النّحمُ والقوم مُقيمون. فعند ذلك انقطع رجاؤهم ونَدِموا على دخول دِمَشق.
وكان من الاتّفاقِ الجيِّد للمسلمين : أن وُلِدَ للبطريق الّذي على أهل دمشق مولودٌ. فصنع طعاماً، فأكل القوم وشربوا وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعُر بذلك أحدٌ مِنَ المسلمين إلّا ما كانَ مِن خالدٍ، فإنَّه كان لا ينام ولا يُنيمُ، ولا يخفى عليه شيء مِن
أمورهم، عُيونُه ذاكيةً، وجواسيسه مُفرَّقةٌ، وهو مَعنِيُّ بما يليه. وكان كل جانب من المدينة إلى قوم. وكان قد اتَّخَذَ خالد حِبالاً كهيئة السَّلاليم وأوهاقاً. فلما أمسى ذلك اليَوم وعَرفَ خُبرَ القوم نهد هو ومَن مَعه مِن جُندِه الّذين قدِمَ بهم، وتقدَّمَهُم والقعقاع بنُ عَمرو ومَدْعَورُ بنُ عَدِي وأمثاله من أصحابه في أوّل نومةٍ وقالوا :
فلما انتهى إلى الباب الّذي يليه هو وأصحابه المتقدِّمونَ، رَمَوا بالحِبالِ الشُّرَفَ وعلى ظهورِهم القِربُ الّتي قطعوا بها خَندقَهُم. فلما نَبَتَ لَهُم وَهَقانِ تسلَّق فيهما القعقاعُ ومَذعورٌ. ثمَّ لم يَدَعا أحبولة إلا أثبتاها والأوهاق بالشرف، وكان المكان الّذي اقتَحَمُوا منه أحصَنَ مكانٍ بدِمَشق، أكثَرَهُ ماءاً وأشدَّه مدخلاً. ولم يبقَ مِمَّن خَرَج مع خالد تلك الليلةَ أحد إلّا رَقى أو دَنا من الباب، حتّى إذا استَوَوا عَلى السُّور حَدَرَ عَامَّةَ أصحابه وانحَدَرَ معهم، وخلَّف مَن يَحمي ذلك المكانَ لِمَن يَرتَقِي، وأمرَهُم بالتكبير.
فكبَّر الّذين عَلَى السُّور، فَنَهَدَ المسلمون إلى الباب ومال إلى الحَبالِ بَشَرٌ كثيرٌ فَوَثَبُوا فيها وانتهى خالدٌ إلى أوّل مَن يَليهِ، فأنامهم، وانحدر إلى الباب، فقَتَلَ البَوّابين، وثارَ أهل المدينة، وفزع سائر النّاس، فأخَذُوا مَواقِفَهم ولا يَدرُونَ مَا الشَّأنُ، وتشاغل كُلُّ ناحيةٍ بما يليهم، وقطع خالدُ بن الوليدِ ومَن معه أغلاق الباب بالسُّيوف، وفَتَحُوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل حتّى ما بَقِيَ ممّا يلي باب خالدٍ مقاتل إلّا أُنيم.
ولمّا شدَّ خالد على من يليه وبَلغَ منهم ما أرادَ عَنوةً، وأَرَزَ مَن أفلت إلى أهلِ الأبواب الّتي تلي غيرَه، دَعوا المسلمين إلى الصُّلح. فأجابُوهُم وقَبِلوا منهم ولا يدرون بما كان من خالدٍ. ففتحوا لهم الأبواب وقالوا :
فدَخَلَ أهلُ كُلّ بابٍ، بِصُلح من يليهم، ودخل خالدٌ بما يليهِ عَنوةً. فالتقى خالدٌ والقُوّادُ في وَسَطِها، هذا استعراضاً وانتهاباً، وهذا صلحاً وتسكيناً. فأجرَوا ناحية خالدٍ مُجرَى الصّلح.
ولمّا فرغ المسلمون من فتح دمشق، ساروا إلى فحل وبيسان، ولاقوا حرباً شديداً، وافتَتَحُوها بعد شدائد وبأس كثير
فأمّا خبرُ فارِسَ، فإِنْ عُمَرَ نَدبَ النّاس معَ المثنّى بن حارثة، وقد ذكرنا فيما تقدم قُدومَ المثنّى على أبي بكرٍ وَوَصاةَ أبي بكرٍ عُمَرَ بِه. فلم ينتدب أحد معَ المثنّى. وذاك أنّ هذا الوجه أعني فارِسَ كانت أكرة الوَجُوهِ إلى النّاس، لِشَدَّةِ بأسِ الفُرسِ وَعِظَمِ
شوكتهم، وقهرهم الأمم.
فكانَ المثنّى يُحَرِّضُ النّاس ويقول :
«أيّها النّاس، إنا قد غلبناهُم على نِصفِ السَّوادِ، وقد ضَرِيَ مَن قِبلنا، واجترأنا عليهم، ولنا من بعد ما ينتظره المسلم من الكافر».
وقام عُمَرُ في النّاس، وخَطبَهُم، وحضّهُم وأذكَرَهُم وَعدَ اللّه في كتابه أن يورثهم الأرضَ، وقوله عزّ وجلّ: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّين كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» [التوبة : 33] أين «عباد اللّه الصالحون؟».
فكانَ أوَّلَ مَن انتدب أبو عُبيد بن مسعود الثقفي، وقال: «أنا لَها». ثمَّ سَليط بنُ قيس.
فلمّا اجتمع ذلك البَعثُ قيل لِعُمَرَ :
قال: «لا واللّه لا أفعلُ إنّما رفعكم اللّه بسَبقِكُم إلى الجهادِ، وسُرعتِكم إلى العدو. فإذا جَبُنتُم وكَرِهْتُمُ اللقاء، وانا قلتُم إلى الأرض، فأولى بالرئاسةِ مِنكُم مَن سبقَ إلى الدفع، وأجابَ إلى الدُّعاءِ. لا واللّه لا أؤمرُ عليهم إلا أوّلهم انتداباً».
ثُمَّ دَعا دَعا أبا عُبيد وقال له :
وقال لأبي عبيدٍ :
-«إنَّه لم يمنعني أن أؤمرَ سَليطاً إلا سُرعتُه إلى الحرب، وفي التَّسرُّعِ إلى الحَربِ ضياع إلا عَن بَيانِ».
فقدِمَ أبو عُبيدٍ ومعه المثنّى بنُ حارثة، وقد استخرجَ الفُرسُ يزدجرد. وكانت بوران عدلاً في ما بينهم، لمّا افتتنت الفُرسُ وقُتل الفَرُّخزاد بنُ البندوان. وكان سیاوخشُ قَدِم، فقتل آزَر می دُختَ. وذلك في غيبة المثنّى. وكان شُغلُ الفُرسُ طُولَ غيبته في ما بينهم. وكانت بُورانُ دَعَت رُستَمَ، وشكت إليه تضعضعَ فارس، ودعته إلى القيام بأمرِهم، وتوّجَتهُ.
فقال رُستَمُ : «أَنَا عَبْدٌ سامعٌ مُطيع».
فوَلَّته أمر فارِسَ وحَربَها وأمرت فارِسَ أن يسمعوا لهُ ويُطيعُوا. فقتَل رُستَمُ سياوَخشَ ودانت له الفُرسُ، وذلك بعد قدوم أبي عبيدٍ.
ثمَّ إِنْ عُمَرَ لَمّا فَصَل المثنّى وأبا عُبيدٍ استعجَلَهُما، وقال لهما :
ثمَّ ندب أهلَ الرِّدَّةِ، وأذِنَ لهُم في الغَزو، ورمى بهم العِراق والشام.
فقدِمَ المثنّى قبلَ أبي عُبيد بنصفِ شَهرِ، ونزلَ خَفَانَ لئلا يُؤْتِي مِن خَلْفِهِ بِشَيْءٍ یكرهُه. وكتب رُستَمُ إلى دَهاقين السَّوادِ: أن يثوروا بالمسلمين. ودَسٌ في كُلِّ رُستاقٍ رَجُلاً ليثور بأهله. وبلغ ذلك المثنّى وعَجِل جابان، وكان اجتمع إليه بشرُ كثير، بالنَّمارقِ، ولحق أبو عبيد، فأجمَّ النّاس، ثمَّ تعبّى : فجعل المثنّى على الخيل، وعبّى الميمنة والميسرةَ. فنزلوا على جابانَ بالنَّمارقِ. فقاتلهم قتالاً شديداً، ثمَّ انهزم جابان، فأُسِرَ. فكان آمَنَهُ مَن أسَرَهُ، فخلَّى عنه أبو عبيد. فأخبروه أنَّه مَلِكٌ. فأشاروا بقتله. فأبى أبو عبيد، وقال:
قالوا : «إنَّه مَلِكُ».
قال : «وإن كان لا أغدِرُ».
فتَرَكَهُ، وقَسَم الغنائم، وكان فيها مالٌ وعِطر كثيرٌ، وبَعَثَ بالأخماسِ إِلى عُمَرَ.
وثار نَرسِي بِكَسْكَر، وكان رُستَمُ أمره بذلك. ونَرسي هذا ابن خالة كِسرى، وكانت كسكرُ قطيعة له، وكان النرسيان لهُ يَحميه لا يأكله ولا يشربه ولا يغرسه غير آلِ كِسرى إلّا من أكرموه بشيء منه.
فلما انهزمت الفُرسُ يومَ النمارق اجتمعت الفالة إلى نرسي، وهو في عسكره، ونادى أبو عُبيد بالرَّحيل، وقال للمُجرَّدة :
ومضى أبو عبيدٍ حين ارتحل من النَّمارقِ حتّى ينزِلَ على نَرسي بكسكر - ونرسي يومئذٍ بأسفَل كسكر، والمثنّى معه في تعبئتِهِ الّتي قاتل فيها جابان ؛ ونَرسي على مُجَنَّبَتَيهِ ابنا خالِه وهما: ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه ابنا بسطام ؛ وأهل بارُوسما ونَهر جوبَر والزَّوابي معه معه إلى جُندِه.
وكان قد أتى الخبرُ بوران ورُستَمَ بهزيمةِ جابان. فبعثوا الجالنوس، وبلغ ذلك نَرسي ومَن مَعَهُ فَرَجَوا أن يلحق قبل الوقعة، وعاجلهم أبو عُبيد، فالتقوا أسفل من كسكر في مكان يُدعى السَّقاطية، فاقتتلوا في صحاري مُلس قتالاً شديداً.
ثمَّ انهزم نَرسي، وقُتِلَ أصحابه، وغُلبَ على عسكره وأرضه، وجَمعَ أبو عُبيد الغنائم. وهناك رأى المسلمون من الأطعمة ما لم يَرَوا مثلَهُ، وأُخِذت خزائنُ نَرسي. فلم يكونوا بشيء أفرحَ منهم بالترسيان لأنَّه كانَ حِمى، فاقتسموه، وجَعَلوا يُطعمونه الفلاحين، وبَعَثوا بخُمسه إلى عُمَرَ، وكتبوا إليه :
«إِنَّ اللّه أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يَحمُونَها، وأحببنا أن تَروها، وتشكُروا إنعام اللّه وإفضاله».
وأقام أبو عبيد، وسرَّحَ المثنّى إلى باروسما وعاصماً إلى نهر جوبَر. فأخرَبُوا، وسَبَوا، وهرب ذلك الجندُ إلى الجالنوس. وسار أبو عُبَيد واستقبله الجالنوس، فنهد إليه أبو عُبيدٍ في المسلمين على تعبئته. فهزمهم المسلمون وهرب الجالنوسُ، وأقام أبو عُبيد قد غلب على تلك البلاد.
ولمّا رجع الجالنوس إلى رُستم ومن أفلت معه قال رستم:
قال: «بهمن جادویه»
وهو ذو الحاجب. فوجهه ومعه فِيلَةٌ، وردَّ معه الجالنوس، وقال لَهُ :
فأقبلَ بهمنُ جاذَوَيه ومعَه «دِرَفش كابيان» وكانت مِن جُلُودِ النَّمرِ، عَرضَ ثَمانِي أذرُعٍ وطول اثني عَشرَ ذِراعاً. وأقبل أبو عبيد ونزل المروحة موضع البرج والعاقول.
فبعث إليه بَهمَن جادويه : إمّا أن تعبروا إلينا ونَدَعكم والعُبور، وإما أن تَدَعُونا نعبر إليكم».
فقال النّاس : «لا تعبر يا با عُبَيد ينهاك عَنِ العُبور، قل لهم : فليعبروا!».
وكان مِن أشد النّاس عليه في ذلك سَليطٌ.
فلجَّ أبو عبيد، وقال: «لا يكونون أجرأ على الموتِ مِنّا، بل نعبر إليهم».
فعبروا إليهم في منزلٍ ضَيْقِ المُطَّردِ فاقتتلوا يوماً، حتّى إذا كان آخر النَّهارِ، واستبطأ رجلٌ من ثقيف الفتح، ألَّفَ بين النّاس، فتصافحُوا بالسُّيوفِ في أهل فارِسَ، وأصيب منهم ستَّة آلافٍ في المعركة ولم يبقَ إلّا الهزيمة. فحَمَل أبو عبيد على الفيل،
وضرَبَهُ، فخبط الفيلُ أبا عبيد، وقام عليه وجال المسلمون جولة، ثمَّ تَمُّوا عليها ورَكبهم أهلُ فارِسَ.
فكان من خطأ الرَّأي والعجلة فيه أن بادر رجلٌ من ثقيف الجسر فقطعَهُ. فانتهى النّاس إليه والسيوف تأخذهم من خلفهم، فتهافتوا في الفُراتِ. فأصابوا يومئذٍ مِن المسلمين أربعة آلافٍ بين غريق أو قتيل، وحَمَى النّاس المثنّى وعاصم ومذعورٌ، وقد كان سليطٌ - كما قدّمنا الخَبَرَ عنهُ - يناشد أبا عبيد مع وُجوه النّاس، ويقولون :
عبيدٍ، وخبطه وقامَ عليه. وتتابع سبعة من ثقيف كلُّهم يأخُذُ اللواء فيقاتل حتّى يموت. ثمَّ أخذ اللواء.
فقال سليطٌ : «أنا واللّه أجرأ منك نفساً، وقد أشرنا عليك بالرأي، فستعلم».
وكانت امرأةُ أبي عُبيد رأت رؤيا وهو في المروحة : أنَّ رجلاً نزل من السَّماءِ بإناءِ فيه شراب، فشرِبَ أبو عبيد وابنه وجماعة من أهل بيته.
فأخبرت أبا عبيد فقال :
وعَهِدَ أبو عبيد إلى النّاس، فقال:
إلى أن أمَّر الّذين شربوا من الإناء على الولاء.
ثمَّ نهدَ بالنّاس وعَبَرَ، وعضلت الأرضُ بأهلها، والتَحَمتِ الحربُ. فلمّا نظرت الخيولُ إلى الفِيّلة عليها النّخلُ، والخيل عليها التّجافيفُ والفُرسانِ عليهم الشُّعُرُ ؛ رأت شيئاً مُنكَراً لم تَرَ مثله. فجَعَل المسلمون إذا حَمَلُوا لم تُقدِم خيلُهم، وإذا حمَلُوا على المسلمين بالفِيَلَةِ والجَلاجل فرَّقت بين كراديسهم لا تقومُ لها الخيل إلّا على نفارِ. وخَرقَهم الفُرسُ بالنُّشّاب وعَضَّ المسلمين الألمُ، وترجّل أبو عُبيدٍ، وترجَّل معه النّاس، فصافحُوهم بالسُّيوفِ، فصارت الفيلةُ إذا حملت دفعتهم.
فنادى أبو عبيد :
وواثب هو الفيل الأبيضَ، فتعلَّق ببطانه فقطَّعه، ووقع الّذين عليه وفعل القومُ مثل ذلك : فما تركوا فيلاً إلا حَطوا رَحلَهُ وقتلوا أصحابه. وأهوى الفيل لأبي عُبيد، فنَفَحَ مشفره بالسِّيفِ، فاتَّقاهُ الفيلُ بيدِه ووقع، فخَبَطهُ الفيل. وأخذ اللواء، الّذي كان أمره بعده. فقاتل الفيل حتّى تنحى عنه، فأجترَّهُ إلى المسلمين، وأحرزُوا شِلوه ثمَّ تَجَرثَمَ الفيلُ واتقاه بيده، دأبَ أبي عبيد خبطه وقام عليه. وتتابع سبعة من ثقيف كلُّهم يأخُذُ اللِّواء فيقاتل حتّى يموت. ثمَّ أخذ اللِّواءَ المثنّى وهَربَ عنه النّاس. فلمّا رأى عبد اللّه بنُ مَرثَدٍ الثَّقفي ما يصنعُ النّاس، بادرهُم الجسر، فقَطَعَهُ. فلمّا توافاهُ النّاس تهافتوا في الفُراتِ، فغرِقَ مَن لم يصبر، وقُتِلَ مَن صَبَرَ. وهذا الخبر تصديق لدريد حيث قال : «إنّ المنهزِمَ لا يردُّه شيء». ونادى :
وعقد لهم الجسر وقال :
وأُتِيَ بعبدِ اللّه بن مَرثَدٍ، وكان يمنعُ النّاس مِن العُبورِ. فَضَرَبَه المثنّى وقال :
قال : «ليُقاتِلوا».
فلمّا ضُمَّتِ السِّفنُ، وعَبَرَ النّاس كان آخِر مَن قُتِلَ عند الجسرِ سليط بنُ قيس. وعبر المثنّى، وحَمي جانبَهُ، واضطرب عسكرُهُ، وارفضَّ عنه أهلُ المدينةِ، حتّى لَحِقوا بالمدينة، وتركها بعضُهُم فنزلوا البوادي، وبقي المثنّى في قلَّةٍ. ورامَهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم لاعتراض الفراتِ، وقطع الجسرِ.
وهلك يومئذٍ من المسلمين أربعة آلاف من بين قتيلٍ وغريقٍ، وهرب ألفان، وبقي مع المثنّى ثلاثةُ آلافٍ، فكأنّ الجميع كانوا تسعة آلافٍ وجُرح المثنّى جراحة شديدة، وأثبِتَ فيه حَلَقٌ مِن دِرعِه هتكهُنَّ الرُّمحُ.
ولمّا بلغ عُمرَ ما صنعَهُ أهل المدينة، وأخبر عمّن سار في البلاد استحياءاً من الهزيمة اشتدَّ عليه، ورحمهم، وقال:
«اللّهمَّ إِنْ كُلَّ مُسلم في حِلّ مِنِّي، أَنَا فئةٌ لكُلِّ مُسلم، يرحم اللّه أبا عبيد، لَو انحاز إليَّ لكنتُ فئةً لَهُ».
فبينا ذو الحاجب يرومُ أن يعبر إلى المسلمين أتاه الخبرُ باضطراب الفُرس. فرجع بعد أن أرفض عنه جندُهُ، وأتاهُ الخبرُ أنَّ النّاس في المدائن ثاروا بِرُستَم، ونَقضُوا ما بينهم وبينه وصاروا فرقتين : الفَهلوج على رُستَم وأهل فارِسَ على الفيرزان.
ثمَّ إنَّ جابان ومردانشاه خَرَجا حتّى أخذا بالطَّريق وهم يَروَنَ أَنَّهم سيرفضُّون ولا يشعُرون بما جاء ذا الحاجب من فُرقةِ أهل فارِسَ.
وبلغ المثنّى فعلة جابان ومردانشاه. فاستخلف على النّاس عَاصِم بن عمرو، وخرج في جريدةِ خَيلٍ يُريدهما وظنا أنَّه هاربٌ، فأخذهما أسيرَينِ، وخَرجَ أَهلُ أُلَيس على أصحابهما، فأتوه بهم أسرى، وعقد المثنّى لهم بها ذمّة وقدَّمهما وضرب أعناقهما وأعناق الأسرى، ثم رجع إلى عسكره. وكان جرير بن عبد اللّه البجلي يسألُ قديماً في بجيلة أن تلتقط من القبائل وكان النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وَعَدَهُ ذلك، فلما ولى عُمرُ دعاه بالبيِّنة، فأقامها. فكتب له إلى عُمّاله في العرب كلّها مِمَّن كان فيه أحدٌ يُنسب إلى بجيلة في الجاهليةِ، وثبت عليه في الإسلام بغير ذلك، فأخرجوه إلى جرير. فلمّا أعطِيَ جَرِيرٌ حاجته في استخراج بجيلة من النّاس وجمعهم، أخرجوا إلى المثنّى مدداً لَهُ. وكتب عُمرُ يستنفر النّاس مِن أهلِ الرّدّةِ وغيرهم، فلم يرد عليه أحدٌ إلّا رمى به المثنّى.
وبعث المثنّى بعد الحِسرِ في من يليه من المُمِدِّين، فتوافُوا إليه في جمع عظيم. وبلغ رُستم والفيرزان ذلك، وأتتهم العيون به، وبما ينتظرون من الأمداد، فاجتمعا على أن يبعثا بمهران الهمذاني حتّى يريا من رأيهما ويجتمع أمرُهُما. فخرج مهران في الخُيول، وأمره بالحِيرة. وبلغ المثنّى الخبرُ وهو مُعسكر بين القادسيَّة وخَفَّان في الّذين أمدوه من العرب. فاستبطن فرات بادقلى وأرسل إلى جريرٍ وعِصمةً، وإلى كل قائد أظلَّه أنّه :
وسلك المثنّى وسط السَّوادِ، وسلك جريرٌ على الجوفِ ومَن كان معه، انتهوا إلى المثنّى وهو على البُويب، ومهرانُ من وراء الفرات بإزائه، وكان عُمرُ عَهِدَ إليهم ألّا يعبروا بحراً ولا جسراً إلا بعدَ ظَفَرٍ. فاجتمعوا بالبويب، واجتمع العسكرُ على شاطئ البُويبِ الشرقيِّ. وكان البويبُ مَغيضاً للفراتِ أيّام المُدُودِ أزمان فارس يصبُّ في الجوف.
وقدِمَ على عُمرَ غُزاة بني كنانة والأزد، فأمر على بني كنانة غالب بن عبدِ اللّه،
وعلى الأزدِ عرفَجَةَ بن هرثمة، وأمرهم بالعراقِ فقدموا على المثنّى، وقدِمَ عليه هلال بنُ عُلفة فيما اجتمع إليه من الرِّياب. فأمره عُمرُ وسَرَّحَهُ، فَقَدِم على المثنّى، وكذلك فَعل بغُزاةِ كُلِّ قبيلة من جُشم وخثعم وبني حنظلة وبني ضبَّة وغيرهم. فاجتمعوا عند المثنّى.
واجتمع رُستَم والفَيرُزان معاً، واستأذنا بوران - وكذلك كانا يعملان إذا أرادا استأذنا شيئاً من حجّابها - فكلَّماها به فأخبراها بعددِ الجيش وكثرته الّذين يُنفذون مع مهران، وكانت فارِسُ لا تُكثر البعوث.
فقالت بوران: «ما بالُ فارِس لا يخرجون إلى العربِ كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟».
قالا: «إنّ الهيبة كانت قبل اليوم مع عدونا وإنّها اليوم فينا».
فعرفت رأيهم واستصوبته.
ولمّا نزل مهران فى جُندِه وراءَ الفُراتِ - والفراتُ بينهما - قال :
فقال المسلمون: «اعبرُوا إلينا».
فعبروا، وأقبلوا إلى المسلمين في صفوف ثلاثة مع كلِّ صفٍّ فيل، ورَجُلُهم أمام فيلهم، وجاؤوا ولَهم زَجَلٌ. فقال المثنّى للمسلمين :
قالوا: «أجل».
قال : «فالزموا الصَّمت وائتَمِروا هَمساً».
فدئوا من المسلمين وجاؤوهم من قِبَلِ نهرٍ بني سُلَيم اليوم. فلمّا دَنَوا زحفُوا، وركب المثنّى فرسَهُ الشَّموس، وكان لا يركبه إلّا إذا قاتَلَ ودُعِيَ الشَّموس للين عَريكتِه وطهارته. فوقف على الرايات يحُضُّهم ويذكر أحسن ما فيهم ويقولُ :
فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنّى بالقولِ والفعلِ، وخلط النّاسُ في المكروهِ والمحبوب، فلم يستطع أحدٌ منهم أن يعيب له قولاً ولا عَمَلاً.
ثُمَّ قال :
فلمّا كبروا أوّلَ تكبيرة أعجلهم فارسٌ، فعاجَلُوهم وخالَطُوهم مع أوّل تكبيرة. وركدتِ الحربُ مليّا. فرأى المثنّى خللاً في بعض صُفوفه، فأرسل إليهم :
فقالوا: «نعم». واعتدلوا.
وكانوا يَرَونَهُ قبل ذلك وهو يمُدُّ بلحيته لما يرى منهم! فلما أعتبوه رأوه يضحك فرحاً.
فلمّا طالَ القِتالُ، نظر المثنّى إلى نفرِ مِن التعلبيِّينَ نَصارى وفيهم جُلابُ خَيلٍ قدِموا مع أنس بن هليل. فقال:
وقال لابن مِردَى الفهر مثل ذلك. فأجابوه إليه. فحمل المثنّى على مهران حتّى أزالَه، فدخل في ميمنته. ثمَّ خالطوهم واجتمع القَلبانِ، وثارَ الغُبارُ والمُجَنَّباتُ تقتتِلُ، لا يفرغون لِنَصرِ أمرائهم، ولا يستطيعون ذلك، لا المشركون ولا المسلمون. وقَتَل غلاٌم تغلبيُّ نصرانيُّ مهران. ووقف المثنّى عند ارتفاع الغبار حتّى أسفره وقد فني قلبُ المشركين. فأما المجنّبات فهي بحالها، فجعل المثنّى يَدعو لهم، ويُرسِلُ إليهم من يذمرهم ويقولُ :
حتى هموهُم. فسابَقَهم المثنّى إلى الجسر، فسبقهم وأخذ الأعاجم يفترقون بشاطئ الفُراتِ مُصعِدين ومصوّبين، واعتورتهم خُيولُ المسلمين فجعلهم جُثاءاً.
فما كانت بين العرب والعجم وقعةٌ كانت أبقى رِمَّةً منها، كانوا يَحْرُزُونَها مائةَ ألفٍ، وما عفى عليها إلا ادِّفانُ البيوت.
فيحكي أهلُ تلك الناحيةِ : أنّهم كانوا يأتون البويب، فيَرَونَ في ما بين موضع السَّكون اليومَ وبني سُليم عظاماً بيضاً تُلُولاً تلوح من هامهم وأوصالهم، يُعتبرُ بها. وسُمِّي يومُ البويبِ يومَ الأعشارِ : أحصَى مائة رجُلِ َقتَلَ كلُّ واحدٍ منهم عشرةً يومئذٍ.
ونَدِم المثنّى على أخذه الجسر، وقال :
وكان المثنّى أصابَ نُزلَ مهران غنماً، وبقراً، ودقيقاً، فبعثُوا إلى عيالاتِ النّاس،
وكانوا خلَّفُوهنَّ بالقوادِسِ مع عمرو بن عبد المسيح بن بقيلةَ. فلمّا رُفعوا للنِّساءِ فرأين الخَيلَ، تَصايَحنَ وحَسِبنَها غارةً. فقُمن دون الصِّبيانِ بالحجارة والعُمُدِ. فقال عمرو :
وعقد المثنّى الجسر، وسرَّح في طلب المنهزمين أصحابَ الجسرِ، فأصابوا غنائم كثيرةً وتَبَعوهُم. وكتب القُوّادُ والرُّؤساء منهم إلى المثنّى :
فأذن لهم. فأغاروا حتّى بلغوا ساباط، وتحصَّنَ منهم أهلُ ساباط، واستمكنُوا من الغارة على من بينهم وبين دجلة، ومَخَرُوها لا يخافون كيداً، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم، واعتصموا بساباط.
ثمَّ إنّ المثنّى بلغَهُ خَبرُ قريةٍ يأتيها تُجار مدائن كسرى والسَّوادِ، ويجتمعون بها كلّ سنة مرّةً ومعهم فيها من الأموال كبيتِ المالِ وتلك أيّام سوقهم. فاستدعى المثنّى مَن وثِقَ به مِن أهل الحيرة فاستشارَهُ.
فقال له :
قال : «وكم بينها و بین مدائن کسری؟».
قال: «بعض يومٍ أو عامة يومٍ».
قال : «فكيف لي بها ؟».
قالوا: «نُشير عليكَ أن تأخُذَ طريق البَرِّ حتّى تَنتَهِيَ إلى الخَنافِسِ، فإنّ أهل الأنبار يضربون إليها ويُخبرونك فيأمَنُون، وتأخُذُ دَهاقين الأنبار بالأدلاءِ، وَتَسيرُ سَوادَ لَيلَتِكَ حتى تأتيهم صُبحاً، فَتُصَبِّحُهُم غارةً».
ففعل المثنّى ذلك، فلما انتهى إلى الأنبار، تحصَّن منه صاحبها وهو لا يَدري مَن هُوَ، وذلك ليلاً. فلمّا عرفه نزلَ إليه، فأطعمه المثنّى واستكتمه وسألَهُ الأدِلاً إلى بغداد حتّى يعبر منها إلى المدائن.
قال: «أنا أجيءُ معك».
قال: «لا أريدك معي، ابعث معي مَن هُوَ أَدَلُّ مِنك».
فزوَّدَهُم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلّاءَ، فساروا.
فلمّا كانوا بالنصف، قال المثنّى :
قال: «خمسة فراسخ».
فندب مِن أصحابهِ جماعةً للحرسِ، وبعثَ طلائع فحبَسُوا النّاس لئلا يسبق الخبرُ وقال :
ثمَّ سَرى آخر الليل فصبَّحَهُم في أسواقهم، فوضع فيهم السَّيف، فأخذوا ما شاؤوا.
وقال المثنّى :
ثمَّ انكَفَاً راجعاً حتّى نزل بِنَهرِ السَّيلَحين بالأنبار، فسمع همساً في ما بين النّاس :
«ما أسرَعَ القومَ في طَلبنا».
فخطبهم وقال :
«أيّها النّاس، احمدوا اللّه وتناجوا بالبِرِّ والتَّقوى، ولا تَناجَوا بالإثم والعدوان، انظُروا في الأمُورِ وقَدْروها، ثمَّ تكلَّمُوا ما بَلغَ النَّذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال الرُّعبُ بينهم وبينَ طلبكم إِنَّ لِلغارات روعات تنتشر عليها يوماً إلى الليل. ولو طلبكم المحاميرُ مِن رأي العين ما أدركوكُم وأنتم على العِرابِ، حتّى تنتَهُوا إلى عَسكرِكُم وجَماعتِكم؛ ولو أدرَكُوكُم لقاتَلتُهُم ورجوت النصر والأَجرَ. فتِقُوا بِاللّه، وأحسنوا به الظَّنَّ، فقد نَصَرَكُمُ اللّه عليهم في مواطِنَ كثيرةِ وهُم أعَدُّ منكم، وسأخبركم عنّي أن أبا بكر أوصانا أن نُقَللَ العُرجةَ ونُسرعَ الكَرَّةَ في الغارات».
ثمَّ أقبل بهم ومعهم الأدلاء حتّى انتهى بهم إلى الأنبار.
ثمَّ إنّ المثنّى أغار على حيٍّ مِن تَغلب على دجلة، وعلى قوم كانوا بتكريت، وأصابوا ما شاؤوا من النعم.
فقال أهلُ فارِسَ لِرُستَم والفيرزان :
شامِتٌ ونَشْفِيَنَّ نفوسَنَا مِنكُما».
فاجتمع رُستم والفيرزان عند بوران وقالا لها :
فأرسلوا في طَلبِهِنَّ، فلم تَبقَ امرأةٌ إلا أتوا بها، فأخذوهُنَّ بِالرِّجالِ، ووَضَعُوا عليهنَّ العَذابَ يَستدِلُّونَ على ذَكرِ من أبناء كسرى. فلم يُوجد عندهُنَّ أحدٌ.
فقالت إحداهن :
فأرسلوا إليها، فأخذوها به وكانت قد أنزلَتهُ في أيّام شيرى حين جمعَهُنّ في القَصرِ الأبيض، وقَتَلَ الذكور إلى أخواله وكانت واعَدَتهم، ثمَّ دلَّته إليهم في زبيلٍ. فلمّا أخذت أمُّهُ به به، دلَّتهم عليه، فأرسلُوا، فجاؤوا به، فملَّكُوه وهو ابن إحدى وعشرين سَنةً، واجتمعوا عليه واطمأنّت فارس، واستَوسَقُوا وتبارَى الرُؤساء في طاعتِه ومَعُونتِه. فسمَّى الجُنودَ لكُلِّ مَسلحة كانت لكسرى أو موضع شَعْرِ. فسمّى جُندَ الحيرةِ وجُندَ الأنبار والأبلة والمسالح، وأظهروا الجد والنصيحة.
وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم المثنّى والمسلمين، فكتبوا إلى عُمر بما ينتظرون منهم. فلم يصل الكتاب إلى عُمرَ، حتّى كَفَرَ أهلُ السَّوادِ كُلُّهم : مَن كانَ لهُ عَهدٌ ومَن لم يكن لهُ عَهد.
فكتب عُمرُ إليهم :
فَنزلَ المثنّى بذي قارِ، ونَزلَ النّاس بالحَلِّ وبشراف إلى غُضيٍّ - وغُضَيِّ جَبَلُ البَصرة فكان في أمواءِ العرب من أوّلها إلى آخرِها مَسالحُ ينظرُ بعضُهم إلى بعض ويُعينُ بعضُهم بعضاً إن كانَ كَون. وذلك في ذي العقدة من سنة ثلاثَ عَشَرَةَ للّهجرة.
وكتب عُمرُ إِلى عُمّالِ العَرب على الكُوَرِ والقبائل أن :
فمَضَتِ الرُسُلُ، ووافاهُ هذا الضَّربُ مِن القبائل، وأخبروهُ عمَّن وراءهم بالحثّ والجدّ.
وخَرجَ عُمرُ في أوّلِ يوم مِن المحرَّم سنة أربعَ عَشَرة حتّى نزل ما يُدعى صراراً، فعَسكرَ بهِ ولا يدري النّاس ما يُريد. وكان عثمان أجرأ عليه، فقال له :
فنادی : «الصَّلاة جامعة».
فاجتمع إليه النّاس فأخبرهم الخبر، ثمَّ نَظرَ ما يَقُولُ النّاس.
فقال العامّة : «سِر وسر بنا معك !».
فَدَخلَ معَهُم في رأيهم، وكَرِه أَن يَدَعَهُ حتّى يُخرجهم منه في رفق، فقال:
ثمَّ جَمعَ أهلَ الرَّأيِ ووُجوهَ أصحابِ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فقال :
فأجمعَ مَلأُهُم أن يُقيم، ويبعثَ رجلاً مِن أصحابِ رسُولِ اللّه، ويرميه بالجُنودِ. فنادى عُمرُ : الصَّلاةُ جامِعَة».
فاجتمع إليه النّاس. فأرسل إلى عَليّ، وكان استخلفَهُ عَلَى المدينة، فأتاه، وإلى طلحة، وكان على مقدِّمته، فرجع إليه، وإلى الزُّبير وعبدِ الرّحمن بن عوف، وكانا في المُجَنَّبَتينِ.
ثم قام فيهم، فقال:
فكان طلحةُ مِمَّن تابعَ وعبد الرحمان مِمَّن نَهاه وقال :
قال عبد الرّحمن : فما فَدَيتُ أحداً بأبي وأمّي بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غيره، وقلتُ :
خَشِيتُ على المسلمين».
قال عُمرُ :
قال عبدُ الرَّحمان: «وجدته».
وكان وَرَدَ كتابُ سعد بن أبي وقاص وهم في تلك الحال جواباً عن كتابِ عُمرَ :
ووافق كتابُه مشورتَهم.
وقال عبدُ الرّحمن: «وجدتَه لك».
قال : «مَن؟».
قال : «الأسدُ عادياً، سعد بن مالِكِ».
فأرسل إليه، فقدِمَ، فأمره على حَربِ العِراقِ، وأوصاه، وقال:
فسار سعدٌ، ومات المثنّى من انتقاض جراحته قبل أن يصِلَ إليه سَعدٌ. وذاك أنَّ جُرحَهُ كان يَنتقِضُ ويَبرأُ حتّى مات. وقَدِمَ سعدٌ، فأغار في ما يليه، ولم يزل كذلك، إلى أن ألحَّ يَزدَجِردُ على رُستَم، وقال:
فخرج رُستَم في العُدَّةِ والعَديدِ والخُيولِ والفُيولِ، وراسَلَهُ سَعدٌ بالمغيرة بن شُعبةً وغيرِه مِن دُهاةِ العَربِ وأصحابه من ذوي الهيئاتِ والآراء، فجرت بينهم مخاطبات، لا تجربةً فيها ولا فائدة في المُستأنف، فتركنا ذِكرَها.
إلى أن صافَّهُم رُستمُ وعَبرَ إليهم. وكان في القلب الّذي فيه رُستمُ ثَمانيةَ عشرَ فيلاً عليها الصَّناديق والرِّجالُ، وفي المُجَنَّبتَين ثمانيةٌ وسبعةٌ عليها الصّناديقُ والرّجالُ، وأقامَ الجالِنوسُ بينَهُ وبينَ مَيمَنتِه، والفيرزان بينَهُ وبين مَيسَرتِه، وبقيت القنطرة بين خيلين من خُيول المسلمين والمشركين.
وكان يزدجردُ وَضعَ بينه وبين رُستَم رِجالاً: فأوَّلُهُم على باب إيوانه والآخرُ على دعوة منه، بحيث يسمعُهُ، والآخرُ كذلك إلى أن انتَظَمَ بينَهُ وبينَ رُستَم بالرِّجالِ. فلمّا نَزَل رُستُم بِساباط قال الرَّجُلُ الّذي بِساباط : «نَزَلَ!». وقال الّذي يليه، ثمَّ الّذي يليه، حتّى يقولهُ مَن يَلي الإيوان ويسمعَهُ يَزدجردُ. فكان كلَّما ارتحل، أو نَزَلَ، أو حَدَثَ أمرٌ، جَرَى الأمرُ فيه على ما شرحتُه، وتَرَكَ البُرُدَ. وكان ذلك شأنه إلى أن انقضى الحربُ.
وكان يسعد حُبونُ وخراجاتٌ يومئذٍ لا يستطيع أن يركب. فإنما هو على وجهه، في صدره وسادة وهو مُكِبٌّ عليها، مُشرِفٌ على النّاس مِنَ القَصرِ، يَرمِي بالرّقاعِ فيها أمرُهُ ونَهيهُ إلى خالد بن عرفطة، وكان الصَّفُّ إلى جانب القصر. فشعب قوم من وجوه النّاس على سَعدٍ، ولم يَرضَوا بما صنَعَ خالد. فهمَّ بهم سَعدٌ وشَتَمهُم. ثمَّ خَطبَهم، واعتذر إليهم، فَرَضُوا وأمرَ الرُّؤساء حتّى خطَبُوا في من يلونهم، ففَعَلُوا، وتَحاضُوا وتواصوا.
فأمّا الفُرسُ فإنّهم تعاهَدُوا، وتواصوا واقترنوا بالسَّلاسِلِ. فكان المقترنون ثلاثين ألفاً، وجُملتُهم مائة وعشرون ألفاً، وثلاثون فيلاً عليها المُقاتِلةُ، وفِيَلَةٌ عليها المُلوك وُقوفٌ لا تقاتِلُ.
وأمر سعدٌ فقُرِئَ سورةُ الجهاد. وقال سعدٌ :
فلمّا فَرَغَ القُرّاءُ، كَبَّر سَعدٌ وكبر النّاس، ثمَّ ثَنّى فتهيَّاً النّاس، ثم ثَلَّثَ فَبَرزَ أهلُ النَّجداتِ فأنشَبُوا القِتال.
وخَرجَ أمثالُهم من أهل فارِسَ، فاعتوروا الضَّربَ والطَّعنَ. وخرج هُرمُز إلى غالبِ بنِ عبدِ عبدِ اللّه - وكان هُرمُز مِن مُلوك الباب متوَّجاً - فأسرَهُ غالب أسراً، وجاءَ بِه إلى سَعدٍ، فأدخِلَ، وانصرف إلى المطارَدة. فبينا النّاسُ ينتظرون التكبيرةَ الرّابعةَ قام صاحب رجالة بني نَهدِ، فقال :
فَبعثَ إِليه سَعدٌ خالد بن عَرفَطَةَ :
ولمّا تطاردتِ الفُرسان خرجَ رجلٌ يُنادي:
فانتدب لَهُ عمرو بن معدي كرب فرماه الفارسي بنُشّابة، فما أخطأتِ سِئَةَ قوسِه - وكان متنكِّبها - فحمَلَ عليهِ عَمرو، فاعتنقه، ثم أخذ مِنطَقتَهُ فاحتملَهُ فوضعَهُ بين يديه. ثمَّ جَاءَ بِه حتّى إذا دَنا مِنّا كَسَرَ عُنقَهُ، ثمَّ وضع سيفَهُ على حَلقه فَذَبَحَهُ، ثمَّ ألقاه.
ثمَّ قال: «أنا هكذا، فاصنَعُوا بهم، إنّما الفارسيُّ إذا فقد قوسَهُ يئس !».
فقلنا : «يا باثورِ مَن يَستطيع أن يصنعَ كَما تَصنع ؟».
وخرج إلى طُليحة عظيمٌ مِنهُم، فبارَزَه، فما لبَّتَهُ طُليحةُ أن قتله. وقامَ الأشعثُ بنُ قيسٍ، فقال:
وكذلك كانوا، لأنَّهم حَبَسُوا الفِيلَةَ بالضرب والطَّعن.
فوَثَبَ إليه عدَّةٌ، وقالوا :
فَنَهدَ ونَهَدُوا فأزالوا من بإزائهم. ولمّا رأى فارِسُ ما تلقى الفيلةُ مِن كتيبة أسَدٍ، رموهم بحَدِّهم كُلِّه، وبَدَرُوا الشَّدَّةَ على المسلمين عليهم ذو الحاجب والجالنوسُ والمسلمون ينتظرون التكبيرةَ الرّابعةَ من سَعدٍ. فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم الفِيَلَةُ قد ثَبَتوا لهم. وكبَّرَ سَعدٌ الرّابعة، فرّحفَ إليهم المسلمون ورحى الحرب تدورُ على أسد، وحملتِ الفُيولُ على الميمنة والميسرة على الخيول، فكانت الخيولُ تحجم عنها وتَحيدُ.
فأرسل سعد إلى عاصم بن عُمرَ، فقال :
قالوا: «بلى واللّه».
ثم نادى في رجالٍ مِن قومِه رُماةِ، وآخرين أهلِ ثَقافةٍ، فقال لهم :
وقال: «يا معشرَ أهلِ الثّقافةِ استدبروا الفيلة، فقطّعوا وُضنها».
وخَرجَ يحميهم والرّحى تدورُ على أسد وقد حالتِ الميمنة والميسَرَةُ غير بعيد وأقدم أصحابُ عاصم بن عَمرو على الفِيَلةِ، فأخذوا بأذنابها وأذناب توابيتها، فقطعوا وُضُنَها وارتفعت عن ظهورها. فما بقي لهم يومئذٍ فيل إِلا عُرِّيَ َوقُتِلَ أصحابها، ونُفْسَ عَن أسد، فَردُّوا عنهم فارِسَ إلى مواقفهم، ولم يَزالُوا يَقتتِلُون حتّى غربتِ الشَّمسُ، ثمَّ حتّى ذهبت هدأة من الليل. ثمَّ رجع هؤلاءِ ورجع هؤلاء، وأصيب في أسد تلكَ العَشِيَّةَ خَمسُمائةٍ، وكانوا ردءاً لِلنّاس. وكان عاصِمٌ عادِيةَ النّاس وحاميتهم. فهذا يَومُها الأوَّلُ وهو يَومُ أَرماث.
ولمّا أصبح القَومُ على تَعبئةِ مِن غدٍ وَقَفُوا. ووكَّل سَعدٌ رجالاً بنقل الشهداء إلى العُذيب، وإسلام الرَّثيثِ إلى النِّساءِ، يَقُمنَ عليهم، والنّاسُ ينتظرون بالجملةِ نَقلَ الرَّئيث. فلمّا استقلت الإبلُ، وتوجَّهت بهم نحو العُذيب، طلعت بَوادِي الخَيلِ من الشّام، الّذين صرفهم عُمَرُ بعدَ دِمَشق إلى العِراقِ. وكان أبو عُبيدة، لمّا قَدِمَ عليه كتاب عُمَرَ: أن يصرِفَ أهل العراقِ أصحاب خالد بن الوليدِ ولم يذكر خالداً؛ ضنّ بخالد، واحتبسَهُ عِنده وسرَّحَ الجيش - وهم ستَّةُ آلاف وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو. فعجَّلَهُ أمامَهُ، فانجذب القعقاع وطوى وتَعجَّلَ، فتقدَّم على النّاس يَومَ أغواثِ، وقد عَهِدَ إلى أصحابه وهم ألفٌ، أن يتقطَّعُوا أعشاراً: فكلَّما بلغ عشرةٌ مَدَى البَصَرِ، سَرَّحُوا في آثارِهِم عَشرة. فتقدّم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى النّاس، فسلَّمَ عليهم، وبشرهم بالجُنودِ، وقال:
فنادى: «مَن يُبارز؟».
فسكن النّاس، وتذاكروا قول أبي بكرٍ فيه : «لا يُهزم جيش فيه مثل هذا».
فَخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاعُ :
قال: «أنا بهمنُ جادويه».
فنادى: «يا لَثاراتِ أبي عبيد وسليط وأصحاب الجِسر».
ثمَّ اجتلدا، فقتله القعقاع.
وجَعلت خيلُ القعقاعِ تَرِدُ قِطَعاً إلى اللّيلِ وينشطُ النّاس، فكأن لم يكُن بالأمسِ مصيبةٌ، وكأنَّها استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبيّ وللحاقِ القِطع، وانكسرتِ الفُرسُ لذلك.
ونادى القعقاعُ أيضاً : «مَن يُنازِلُ؟».
فخرج إليه رجلان أحدهما الفيرزان والآخر البندوان. فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان فبادر القعقاعُ الفيرزانَ فضربَهُ، فإذا رأسه مطروح ؛ وبادر ابن ظبيان البندوان فضربَهُ، فإذا رأسهُ كذلك، وتورَّدهم فرسان المسلمين، وجَعَل القعقاع يقول :
فتواصى النّاس واجتلدوا بها حتّى المساء. فلم يَرَ أهلُ فارِسَ في هذا اليوم شيئاً مِمّا يُعجِبُهُم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يُقاتلوا في هذا اليوم على فيل. توابيتها تكسَّرت بالأمس، فاستأنفُوا علاجها حين أصبحوا، فلم تَرتفع حتّى كان من الغَدِ. وفي هذا اليوم حَمَل بنو عمّ القعقاع عَشرةَ عَشرةَ مِن الرَّجَالَةِ على إبل ألبَسُوها، فهي مُجلَّلَةٌ مُبَرقَعَةٌ، وأطافت بهم خيولهم فَحَموهم، وأمرَهُم أَن يَحملوها على خيلهم بينَ الصَّفّينِ يتشبهون بالفِيَلَةِ، فَفَعلُوا بهم يومَ أغواث كما فعلت فارِسُ يَومَ أرماث. فجعلت الإبلُ لا تصمد لقليلٍ ولا كثير إلّا نفرت خيلُهم، وركبتهم سيوف المسلمين. فلما رأوا ذلك استَنُّوا بهم فلَقِيَ أهل فارِسَ مِن الإبل يومَ الأغواث أعظم ممّا لقي المسلمون مِن الفِيَلَةِ يَومَ أرماثٍ.
وجَعَل رجلٌ من بني تميم يتعرَّضُ للشَّهادةِ، فابطأت عليه حتّى تعرَّضَ لِرُستم يُريدُه، فأصيب دونَهُ.
وخرج رجلٌ من فارِسَ يُنادي: «مَن يُبارز؟».
فبرزَ لَهُ علباءُ، فأسجَدَهُ ونَفَحَهُ الفارسي فأمعاه، فلم يستطع القيام، فعالجها، فلم يتأتَّ لهُ حتّى مرَّ به رجلٌمن المسلمين، فقال:
فَأَدخَلَهُ له، فأخذ بصفاقيهِ، ثمَّ زحف نحو صفٌ فارِسَ ما يَلتفتُ على المسلمين، فأدركهُ الموتُ على رأس ثلاثين ذراعاً مِن مَصرعِه إلى صف فارس، وقال:
أرجُو بها من رَبِّنا ثواباً***قَد كُنتُ مِمَّن أحسَنَ الضّرابا
وخَرجَ رجلٌ مِن أهل فارِسَ يُنادي: «مَن يبارز؟».
فَبرزَ له الأعرفُ بنُ الأعلم العقيلي، فقتله، ثمَّ بَرزَ لهُ آخرُ من فَارِسَ، فقتله، ثمَّ بَرزَ آخرُ، فقتله، فأحاطت به فَوارس منهم، فصرعُوهُ، ونَدَرَ سلاحه عنه، فأخذوه، فجعل يغبِّر في وجوههم بالتُّراب حتّى رجع إلى أصحابه وقال :
و إن تأخُذُوا بَزِّي، فإنّي مجرَّبٌ***خروجٌ مِنَ الغَمَّاءِ، مُحتَضِرُ النَّصرِ
وإنِّي لَحامِ مِن وراء عشيرتي***رَكُوب لآثارِ الهَوى مُحفِلُ الأمر
وَحَمَل القعقاعُ يومئذٍ ثلاثين حملة، كُلَّما طلعت قطعَةٌ من الخَيلِ حَمَلَ حَملة
فيُصيبُ فيها. فقتلَ في يَوم أغواث ثلاثين فارساً، وكان آخرهُم بُزُرجمهر الهمداني، وقال القعقاع فيه :
حَبَوتُه جيّاشة بالنّفس***هَدارَةً مِثلَ شُعاع الشَّمسِ
في يَومِ أغواث قليل الفُرس***أنخُسُ بالقَومِ أَشدَّ النَّخسِ
حتّى تَفيظُ مَعشري ونَفسي
واقتتل النّاس صَتيتاً حتّى انتصف اللَّيلُ. فكانت ليلة أرماثٍ تُدعَى «الهَدأَةَ»، وليلةُ أغواث تُدعَى «السَّوادَ». ولم يُزَلِ المسلمون يرون الظَّفَرَ يومَ أغواثٍ في القادسيَّة، وقتلوا عامَّة أعلامهم، وجالت فيهم خيلُ القَلبِ، وثَبَتَ رَجلُهُم، فلولا أَنَّ خَيْلَهُم كَرَّت، لأُخِذَ رُستَم أخذاً. وانتمى المسلمون لدى أمسوا. فلمَّا أمسى سعَدٌ وسَمعَ ذلك نام، وقال لِبَعضٍ مَن عندَهُ :
فلما اشتدَّ القِتالُ بالسَّوادِ، سَأَلَ أبو مِحجَنِ سَلمى بنت خصفة، وكان محبوساً مُقيَّداً في القصر. فقال :
قالت : «وما ذاك؟».
قال: «تُخَلِّينَ عَنِّي وتُعِيرينَني البلقاء. فللّه عليَّ، إن سلَّمني اللّه أرجع إليكِ حتّى أضَعَ رِجلَيَّ في قيدي»!
فقالت : «وما أَنَا وذاك؟».
فجَعَلَ يَرْسُفُ في قيده وقال :
كفى حَزَنا أن تَردِيَ الخَيلُ بِالقَنا***وأُنرَك مَشدُوداً عَلَيَّ وثاقيا
إذا قُمتُ عَنَانِي الحَديدُ وغُلِّقَت***مَصاريعُ مِن دُونِي تُصِمُّ المُنادِيا
قالت سلمى : «إِنِّي استخرَتُ اللّه، ورَضيتُ بعهدِكَ».
فأطلقته وقالت :
فرجعت.
فاقتادَها رويداً، وأخرجها من باب القصرِ، فركبها ثمَّ دَبَّ عليها حتّى إذا كان بحِيال الميمنة. ثمَّ حَمَلَ على الميسرة ميسرةِ الفُرس، يلعبُ بِرُمحِه وسلاحه بین الصَّفِّين - وقد حُكي أنّ الفَرَسَ كانت عرياً، وحُكِي أنها كانت بِسَرجها - ثم رجع مِن خَلفِ صفِّ المسلمين إلى الميسرة، فكبَّر، وحَمَلَ على ميمنةِ القَوم، يلعب بينَ الصَّفِّين برُمحه وسلاحه. ثمَّ رَجَعَ مِن خَلفِ المسلمين إلى القلبِ، فبدر أمامَ النّاس، فَحَمَلَ على القومِ يلعبُ بين الصَّفّينِ بِرمحه وسلاحِه. فكان يقصِفُ النّاس ليلتئذ قصفاً منكراً، وتعجَّب النّاس منه وهم لا يعرِفُونَه ولم يَروهُ بالنَّهارِ.
فقال بعضُ النّاس : «هذا من أوائل أصحاب هاشم، أو هاشم نَفْسُهُ».
وانتَبَه سعدُ وهو منكببُ مُشرِفٌ مِن فوق القَصرِ، فقال :
وقال بعضُ النّاس : «إن كان الخضِرُ يَشْهَدُ الحُروبَ فهذا الخضِرُ».
وقال بَعضُهم : «لولا أنَّ الملائكة لا تُباشِرُ القِتالَ، لَقُلنا : مَلَكٌ بينَنا !».
فلمّا انتصف الليلُ حاجَزَ َأهلُ فارِسَ وتَراجعَ المُسلمون، وأقبل أبو مِحْجَن حتّى دَخَلَ القَصر من حيثُ خرج مِنهُ، ووَضعَ عن نَفسه وعن دابتِه، وأعادَ رِجليهِ في قيده، وقال في أبيات :
لقد عَلِمَت ثقيف غير فَخرٍ***بأَنا نحنُ أكرمُهُم سُيُوفا
وأكثرهم دروعاً سابغاتٍ***وأصبَرُهُم إِذا كَرِهُوا الوُقُوفا
وأنا وفدُهُم في كُلِّ يَوم***فإِن عَمِمُوا فَسَل بِهِمُ عَريفا
وليلة قادس لم يَشعُرُواً***ولم أشعر بمَخرَجيَ الزُّخُوفا
فإن أُحبَس فَذلِكُمُ بَلائي***وإن أترَك أذيقُهُمُ الحُتُوفا
وإِنَّما حُبِسَ في أبياتٍ قالَها وَهِيَ :
إذا مِتُ، فادفِنِّي إلى أصل كَرمَةٍ***... ... ... ...
فلمّا أصبحت سلمى أنت سَعداً، وكانت مُغاضِبةٌ لَهُ، وصالَحَته وأخبرتهُ خَبَرَها مع أبي مِحْجَنٍ. فدعا به، وأطلقهُ، وقال:
قال: «لا جَرَمَ واللّه، لا أجيب لساني إلى صفة قبيحٍ أبداً».
أصبحَ النّاس اليومَ الثّالث على مَواقِفِهم وبينَهم كالرّجلةِ الحمراء ميلٌ في عَرضِ الصَّفّينِ، وقد قُتِلَ مِن المسلمين ألفان، ومن المشركين عشرة آلافٍ، وكانَ أهْلُ الدّين
يجمعونَ القتلى يحملونهم إلى المقابر ويبلِّغون الرَّثِيثَ إلى النِّساء والصِّبيان، والنِّساء والصِّبيانُ يحفرون القُبُورَ في اليومين : يَوم أغواثٍ ويوم أرماثٍ. وباتَ القعقاع ليلته كلَّها يُسرِّبُ أصحابه إلى المكان الّذي فارقهم بالأمس. ثمَّ قَال لَهُم:
ففعَلُوا ولا يشعُرُ بذلك أحدٌ.
فأصبحَ النّاس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهُم : فأما قتلى المشركين فقد أُضيعُوا، لأنَّهم لا يَعرِضون لأمواتهم، وكان ذلك ممّا صَنعَ اللّه للمسلمين مكيدة ليشدّ بها أعضادهم.
فلمّا ذَرَّ قرنُ الشَّمس والقعقاعُ يُلاحظ الخيلِ طَلَعت نواصيها. فكبَّر، وكبَّر النّاس وقالوا : «جاءَ المَدَدُ» وقد كانَ عَاصِمُ بنُ عمرو أَمرَ أن يُصنعَ مِثلُها. فجاؤوا مِن قِبَلِ خفّان. فما جاءَ آخر أصحاب القعقاع حتّى انتهى لهم هاشم في سبعمائةِ، فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يَومَيهِ، فعبّى أصحابَهُ سَبعينَ سَبعينَ.
فلمّا نَجز أصحابُ القعقاع خرج هاشمٌ في سَبعينَ مَعَهُ فيهم قيس بن هبيرة، حتّى خالَطَ القَلبَ كَبَّرُوا، وقد أَخَذَ المسلمينَ الفَرَحُ، فكبروا جميعاً وقد أصلح المشركون توابيتَ الفِيَلَةِ معها الرَّجّالةُ يحمونَها أن تُقطعَ وُضُنُها ومع الرَّجّالةِ فُرسانُ يَحمونَهُم، إذا رأوا كتيبةً دَلَفُوا إليها بفيل واتباعِهِ لينفروا به الخَيلَ. فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأنَّ الفيل إذا كان وحدَهُ ليس معه أحدٌ، كانَ أوحش وأهوَلَ، وإذا طاف به النّاس كان أنَسَ. فكان القتالُ كذلك. وكان يوم عِماس من أوله إلى آخره شديداً، العجم والعرب فيه سَواءٌ، ولا يكون بينهم لفظةٌ إلّا تعاوَرَها الرّجالُ حتّى تبلغ يزدجرد، فكان يبعث إليهم بأهلِ النجداتِ مِمَّن بقِيَ عِندَهُ فيقوون بهم، وتجيتُهُمُ الأمداد على البُرُدِ. فلولا الّذي صنَعَ القعقاعُ في اليومين، ومجيءُ هاشم بعقبه كَسَرَ ذلك المسلمين، وما كان عامّةُ جُنَنِ المسلمين إلّا براذعَ الرِّحال قد أعرضوا فيها الجريد، ومن لم تكن لَهُ وقاية لرأسه، عَصَّبَ رأسَهُ بالأنساع وأبلى يومئذٍ قَيس بن هبيرة بنِ مَكشوحٍ.
وقال عمرو بن معدي كرب :
فَحَمَلَ، فما انثَنى حتّى ضَربَ فيهم، وسَتَرَهُ الغُبارُ. فقال أصحابُهُ :
فحمَلُوا، فأفرج المشركون عنهُ بعدَما صَرَعُوهُ وطَعَنُوه وإِنَّ سيفَهُ لَفِي يَدِهِ يُضاربُهم به، وقد طُعِنَ فرسُهُ. فلمّا انفرج عنه أهلُ فارِسَ أخذ برجل فَرَس عليه فارسي، فحرّكهُ الفارسي، فاضطربَ الفَرَسُ، فالتفت إلى عَمرو، فَهَمَّ به فغشيه المسلمونَ. فنزل عنه، وحاضر إلى الفُرس، وقال عَمرو لأصحابه :
فأمكَنُوهُ منه فركبه.
ومِن الاتفاق الّذي جرى في يومٍ عِماسٍ ويُحذَرُ أن يَقعَ مثلُه : أنّ رجلاً من الفُرسِ خَرجَ بينَ الصَّفِّين فهَدَرَ وشَقشَقَ ودَعا إلى البراز.
قال : فبرز رجلٌ مِنَّا يُقالُ لَهُ: شبَر بنُ علقمة، وكان قصيراً دميماً، وقال:
فلم يُجِبهُ ولم يَخرُج إليه أحدٌ.
فقال: «أما واللّه لولا أن يَزدرُوني لخرجتُ إليه».
فلما رأى أنّ المسلمين لا يَمْنَعُونَهُ أخذ سيفَهُ وحَجفَتَهُ، وتقدَّم. فلمّا رَآهُ الفارسي نَزَلَ إليه، فاحتملَهُ، وجَلَسَ على صدره وأخذ سيفَهُ ليذبَحَهُ وقد كان شدَّ مِقوَدَ فَرَسِه بِمِنطَقَتِهِ. فلمّا سَلَّ السَّيْفَ حاصَ الفَرَسُ حَيصَةً، فجذبَهُ المِقوَدُ، فَقَلَبَهُ عنه. فأقبل عليه وهو يُسحَبُ، فافترشَهُ. وجَعلَ أصحابه يصيحون به، فقال:
فذبَحَهُ وسَلَبَهُ، ثم أتى به سَعداً، فقال:
فَوافاه، فحمد سعد اللّه، وأثنى عليه، ثم قال :
فباعَهُ باثني عَشَرَ ألفاً.
ولمّا عادتِ الفِيلَةُ لِفعلِها يَومَ أرماثٍ تُفَرِّقُ بَينَ الكتائب، راسَلَ قوماً مِمَّن أسلموا مِن الفُرس، فدخَلُوا عليه، فسألَهُم عَنِ الفِيَلَةِ: «هَل لَهَا مَقاتِلُ؟».
قالوا: «نَعم ! المَشافِرُ والعُيُون. لا يُنتفع بها بعدها».
فأرسَلَ إلى القعقاع وعاصم ابني مذعور : «اكفياني الأبيض». وذاك أنَّ الفِيَلَةَ كانت تألفُهُ، وكان بإزائهما ؛ وأَرسَلَ إلى حَمَالِ والرِّبيل : «اكفياني الأجرَبَ» وكان بإزائهما.
فأما القعقاعُ وعاصِمٌ فإنَّهما أخذا رُمحينِ أصَمَّين لَيِّنَينِ، ثمَّ دَبا في خَيلٍ ورَجلٍ، وقالا :
فَنَظَر الفيلُ يَمنَةً ويَسرَةً وهُما يُريدان أن يتخبَّطَ. فحمَلَ القعقاعُ وعاصِمُ - والفيل متشاغِل بِمَن حَولَه - فوضعًا رُمحَيهِما في عَينَي الفيل الأبيضِ، فَقَبعَ، ونَفَضَ رأسَهُ، فَطَرَحَ ساسَتَهُ، ودَلَّى مِشفَرَهُ، فبادرَهُ القَعقاعُ، فنفحَهُ بالسَّيفِ، فرمى به، وأقعى الفيل، فقتلُوا مَن كان عليه.
وأمّا حَمَّالُ والرَّبِّيلُ فإنَّهما قالا :
قالوا: «أن يُشَدَّا على هذا الفيل».
قال : فنَزَّقا فَرَسَيهِما حتّى إذا قاما على السَّنابك ضرباهُما على الفيل الّذي بإزائهم. فطَعَن أحدُهُما عينَهُ فوطِئ الفيلُ مَن خَلفَهُ، ويَضربُ الآخرُ مِشفَرهُ فيضربه سائس الفيل ضَربة شانِئَةً في وجهه بالطبرزين، فأفلت بها هو والرّبيلُ، فبقي الفيل متلدداً بين الصَّفِّينِ كلّما أتى صَفَّ المسلمين وَخَزُوهُ، وإذا أتى صَفَّ المشركين نَخَسُوهُ، وصاحَ الفيلانِ صياحاً عظيماً. ثمَّ ولَّى الأجربُ الّذي عُوِّرَ، فوثب في العَتيقِ فاتبعته الفِيَلَةُ فَخَرَقَت صفَّ الأعاجم، وعَبَرتِ العَتيق في إثره، فبيَّتتِ المدائن في توابيتها، وهَلَكَ مَن فيها، وخلص المسلمون بأهل فارِسَ، َومالَ الظُّلُّ، فتزاحفُوا، واجتلدوا بالسُّيوف حتّى أمسوا. فلمّا طعَنُوا في الليلِ اشتدَّ القتال وصَبَرَ الفريقان، ولم يسمع إلّا الغَماغِمُ مِن هؤلاءِ وهؤلاءِ، فسُمِّيت «ليلةَ الهرير» لم يكن بعدها قتالُ بليل بالقادسيَّة.
ثمَّ إِنَّ سَعداً وجَّهَ طُليحة وعمرو بن معدي كرب إلى مخاضةٍ كانت أسفَلَ مِنْهم، وخَشِيَ أَن يُؤْتى المسلمونَ مِنها بعبورِ الفُرسِ، وَوَصَّاهُمَا أَن يقفا هناك، فإن أحسّا بكيد أنذَرا المسلمين. فانتهيا إلى هناك، فلم يجد أحداً. فأما طليحةُ فرأى أن يَعبُرَ، وأمّا عَمرو فقال : «ما أمرنا بذلك». فَعَبَر طُليحةُ حتّى إذا صار وَراءَ صَفٌ المشركين كبَّرَ ثلاث تكبيراتٍ، فدهش القومُ، وكفُّوا عَنِ الحَرب لينظروا ما هو، وطلبوه فلم يَدرُوا أينَ سلك ! وسفَلَ حتّى غاصَ، وأقبل إلى العسكر فأتى سعداً خَبَرُهُ، فاشتدَّ ذلك على الفرس، وفرح المسلمون. وقال طُليحةُ لِلفُرس :
ثمَّ إنّهم عادوا، وجدَّدوا تعبئةً، وأخذوا في أمرٍ لم يكونوا عليه في الأيّام الثَّلاثةِ والمسلمون على تعبيتهم. فطارَدَهُم فُرسانُ العرب، فإذا القومُ لا يَشدُّون، ولا يُريدون إلّا الزَّحف فقدَّمُوا صفًا له أذنانِ، واتَّبَعُوا آخَرَ وآخَرَ حتّى تمَّ صفوفهم ثلاثةَ عشرَ صِفًا في القَلبِ والمجنَّبتَينِ. فرماهم فُرسانُ العَسكرِ فلم يعطفهم ذلك. ثمَّ لَحِقت بالفرسان الكتائب، فحمل القعقاع على ناحيته الّتي رُمِي بِها مُزدَلِفاً. فقاموا على ساق والنّاس على راياتهم، بغير إذنِ سَعدٍ.
فقال سَعدُ : «اللّهمَّ اغفرها لَهُ وانصُره، واتميماه سائر اللّيلة».
ثم قال: إنّ الرّأي ما رَآهُ القعقاعُ. فإذا كبرتُ ثلاثاً فاحملوا».
فلما كبَّروا واحدةً حملت أسد فقال : اللّهمَّ اغفِرها لهم وانصرهم. وا أسداه سائر اللَّيلة».
ثمَّ حمل النّاس وعَصَوا سَعداً. فقام قيس بن المكشوحِ فِي مَن يَليهِ - وَلَم يَشْهَد شيئاً من لياليها إلّا تلك الليلَةَ، لأنَّهُ كان آخرَ مَن وَرَدَ مع هاشم - فقال :
قال القومُ : «إذا زحَفُوا وطاردهم عدوُّهُم على الخيل لا رجال معهم عَفَروا بهم، ولَم يُطيقوا أن يُقدِمُوا عَليهم. تَيَسَّروا للحملة، وانتظروا التَّكبير، وإنَّ نُشَابَ الأعاجم لَتَجوزُ صفَّ المسلمين».
فتكلَّم الرُّؤساءُ. فقال دُرَيدُ بنُ كعب النَّخَعي - وكان مَعهُ لِواءُ النَّجْعِ - :
وتكلَّم الأشعتُ بنُ قيس، فقال :
وتَرجّل وتكلَّم طُليحةُ فقال مِثلَ ذلك، وتكلّم غالِبٌ وحَمالُ وأهل النّجداتِ، فقالوا قريباً مِن ذلك، وفعلُوا فِعلَهُم. وقامت حَربهم على ساقٍ، حتّى الصبَّاح. فتِلكَ ليله الهرير.
وحكى أنسُ بنُ الحُليس، قال: شهدت ليلةَ الهَرير، فكان صليل الحَديدِ فيها كصَوتِ القُيُونِ ليلتهم حتّى الصَّباح، أفرِغَ عَليهم الصَّبرُ إفراغاً، وباتَ سَعدُ بلَيلَةٍ لم يَبت
بمثلها، ورأى العَربُ والعَجَمُ أمراً لَم يَرَوا مِثلَهُ قَطُّ، وانقطعت الأصواتُ عن رُستَم وسَعدٍ. فبعث سَعدُ نجّاراً - وهو غلام - إلى الصَّفٌ لم يَجدِ رَسُولاً، فقال :
فرجع، فقال: «ما رأيتَ يا بُني؟».
قال: «رأيتُ قوماً يلعبون ويَجِدُّون».
فأوَّلُ شيءٍ سمعهُ سعدٌ لَيلَتَئذٍ ممّا يُستدَلُّ به على الفَتحِ في نصف اللَّيل الأخير، صَوتُ القعقاع بن عمرو، وهو يقول:
نَحنُ قَتَلنا معشراً وَزائدا***أربَعةً وخَمْسَةٌ وواحِدا
تَحسِبُ فَوقَ اللُّبدِ الأَساوِدَا***حتّى إذا ماتُوا دَعَوتُ شاهدا
اللّه رَبِّي واحتَرَدتُ جاهِدا
وأصبَحُوا لَيْلَةَ القادسيَّة - وهي لَيلةُ الهَرير سُمِّيت بليلة القادسيَّة مِن بَين تلك اللَّيالي والأيّام - والنّاس حَسرى لم يُغمضوا ليلتهم كلَّها. فسار القعقاع في النّاس، فقال:
فاجتمع إليه جماعةٌ مِن الرُّؤساء، فصمدوا لِرُستَم حتّى خالَطُوا الّذين دُونَهُ. ولمّا رأت ذلكَ القَبائلُ قام فيها رِجالٌ، فقام قيسُ بن عبدِ يَغُوثَ المكشُوح، والأشعثُ بنُ قيسٍ، وعمرُو بن مَعدي كربٍ، وأشباهُهُم، فَحَضُّوا النّاس وحَرَّضُوا.
فكان أوّل مَن زال حين قام قائمُ الظَّهيرةِ الهُرمُزان والبندُوان، فتأخرا وثَبَتا حيثُ انتهيا. وانفرج القلبُ، ورَكَدَ عَليهِم النقع، وهبّت ريحٌ عاصِفٌ، فقلعت طَيّارةَ رُستَم عَن سَريرِهِ، فَهَوَت في العتيق وهي دَبُورٌ، ومالَ الغُبار عليهم. وانتهى القعقاع وأصحابه إلى السَّرير، فعبَرُوا به، وقد قامَ رُستَم حين طارت الرِّيحُ بالطيارة إلى بغالٍ قَدِمَت عليه بمالٍ يومئذٍ فهي واقفةٌ. فاستظلَّ في ظِلٍّ بَغلِ وحِمله. فقصدَهُ هِلالُ بنُ عُلَّفة، ووَلّى عنه رُستَم، فاتَّبَعَهُ هلال، فرماهُ رُستَم، فَشَكَّ قدمَهُ في الركاب، وقال بالفارسيّة :
فحَمَلَ عليه هلالُ، فضَربهُ ضَربة نفحت مسكاً. ومضى رُستم نحو العتيق، فرمی بنفسه فيه، واقتحمه هلالٌ عَليهِ، فتناوَلَهُ وقد عامَ وهلال قائمٌ. فأخذَ رِجلَهُ، ثمَّ خَرجَ به، وضرب جبينَهُ بالسَّيف حتّى قتله، ثم جاء به حتّى رمى به بين يَدَي رَحلَه وأرجُلِ البغال، وأخذ سلبَهُ، ثُمَّ صَعدَ السَّرِيرَ، ونادى :
فأطافوا به، وكبَّرُوا وما يُحسُّونَ السَّرِيرَ، ولا يَرَونَهُ، وانهزم المشركون.
وقام الجالنوسُ على الرَّدم ونادى أهلَ فارِسَ إلى العُبور، وأسفرَ الغُبارُ. فأما المقترنون فإنَّهُم جَشِعُوا. فتَهافتوا في العتيق، فوخزَهُم المسلمون برماحهم، فما أفلت منهم مُخبرٌ وهُم ثلاثون ألفاً.
وأخذ ضِرارُ بن الخطّاب دِرَفشَ الكابيان، فعَوِّض منها ثلاثين ألفاً 30،000 وكانت قيمتها ألفي ألفٍ ومائتي ألفٍ 2،200،000. وجُمعت الأسلابُ والأموال، فجمع مِنها شَيْءٌ لم يُجمع قبله ولا بعده.
وأرسلَ سَعدٌ إلى هلالٍ، فدُعِي، فقال:
قال : «رَمَيْتُ به تَحتَ أبغُل كانت هنالك».
قال : «اذهب، وجئ به».
فأمضى له سلبَهُ. وبَعَثَ زهرة بنَ الحُويَّة يتبع الجالنوس ومَن لَحِقَ به، وأمر القعقاع بمن سَفل، وشرحبيلَ بِمَن عَلا. وأمرَ بِدَفن الشّهداء. فخرجَ زُهرة بن الحُوَيَّة في آثارهم. فلما انتهى إلى الرَّدمِ وَجَدَه مبثوقاً، لِيَمْنَعُوهم مِن الطَّلبَ. فقال زُهرة :
«يا بُكيرُ - وكان معه - أقدِم فَرسَكَ»! وكان بُكيرٌ يقاتِلُ على الإناث، وقال:
«ثِبِي أطلال»!
فتجمَّعت ووثبت. وأوثَبَ زُهرةُ فَرسَهُ - وكان على حِصانٍ - فاتّبعه وتتابع على ذلك ثلاثمائة فارِس. ونادى زُهرةُ حين كاعَتِ الخيلُ :
ففعلَ النّاس ذلكَ ومَضى زُهرةُ، فَلَحِق الفُرسَ، وقد نَزلُوا الخرّارةَ وطعِمُوا، وهم يتعجَّبُون من رَميهِم وأنَّهُ لم يَعمَل في العَربِ. وكان الجالنوسُ قد رُفع له كُرَةٌ، فهو يَرميها ويَشُكُها بالنَّشَابِ. فشدَّ زُهرةُ على الجالنوسِ، فقتله، وانهزمتِ الفُرسِ.
وقد قيل : إن الجالنوس كان راكباً يحمي الفُرسَ حين لحقهُم زُهرةُ، فشاولَهُ، واختلفا ضَربَتين سَبَقَهُ زُهرةُ، فَقَتلهُ.
وأمَّا القعقاعُ وشُرحبيل فإنَّهما خرجا في طَلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم في كلِّ قرية وأجمةٍ وشاطئ نَهر ورجعُوا. فتَوافَوا عند صَلاة الظهر، وهنَّا النّاس بعضُهم بعضاً، وأثنى سَعدٌ على كلِّ حيّ، وذَكرَ خيراً.
وتدرّعَ زُهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعةً وسبعين ألفاً. فلمّا رجع إلى
سَعدٍ نَزعَ سَلبَهُ وقال :
فكتَبَ عُمرُ إِلى سَعدٍ :
وقد حُكِيَ أنّ عامَّةَ مَن شَهِدَ القادسيَّة فُضْلُوا عِند العَطاءِ بخمسمائة. وأما أهلُ الأيّام، فإنّهم فُضِّلُوا على أهل القادسيَّة، فإنّهم فُرِض لَهُم على ثَلاثَةِ آلافٍ. فقيل لِعُمَرَ :
فقال : «كيف أفضِّلُهم وهم شَجَى العَدُوِّ، فهلاً فَعلَ المهاجرون بالأنصارِ إذ قاتلُوا بفنائهم مثل هذا».
فحُكيَ عن رَجلٍ مِن عبس قال :
أصابَ َأهلَ فارِس يومئذٍ بعدما انهزمُوا ما لم يُصِبِ النّاس قبلَهم. لقد كان الرَّجُلُ من المسلمين يَدعُو الفارِسَ منهم وعليه السّلاحُ التّامُ، فيأتيه حتّى يقوم بين يَدَيهِ فيضرِبَ عُنقَهُ ويأخذَ سَلاحَهُ، ورُبّما قَتلَهُ بِسلاحه، ورُبّما أمَرَ الرَّجلين أحدهما بصاحبه، وكذلك في العِدَّةِ. وكان مِمَّن هَرَبَ : الهُرمُزانُ، وقارِنُ، وأهودُ. وكانَ مِمَّن استقتَلَ : شهريار بن كنارا وابن الهربذ، والفَرُّخان وخُسروشنوم. وباع هلال بن عُلّفة سَلبَ رُستم - وكان تَخفَّفَ لما وقع في الماء - بسبعين ألفاً، وكانت قيمة قلنسوته مائة ألفٍ 100،000 لَو ظُفِرَ بِها. وجاءَ نَفرٌ مِن العباد حتّى دخلوا على سَعدٍ، فقالوا :
وكان الضّربُ قد شوّهَهُ، فضحِكَ.
وأمّا جُندُ الشّام فإِنَّ حِمصَ افتتحت وتوجّة علقمة إلى غَزَّة، وتَوجَّهَ معاوية إلى قيسارِيَّةً، وصمد عَمرو بنُ العاص إلى الأرطبون بأجنادين، وكان الأرطبون أدهَى الرُّومِ، أبعدها غوراً، وأذكاها فعلاً، وكان على الرُّوم، وقد وضعَ بالرّملةَ جُنداً عظيماً، وكتبَ عَمرو إلى عُمرَ بالخبر فقال عُمرُ : «قد رمينا أرطبون الرُّوم بأرطبون العَربِ، فانظروا عمّا تنفرج».
وجعل عمرو ينفُذُ إلى الأَرطَبُون رُسُلاً فلا يَشفُونَه. ولا يقدرون مِن أرطَبون على
سقطةٍ. فعزم على أن يتولاه بنفسه، فدخل عليه كأنّه رسولٌ. فأبلغهُ ما يُريدُ، وسَمعَ كلامَهُ، وتأمَّلَ حُصُونَه حتّى عرف ما أراد.
وقال أرطبون في نفسه :
ثمَّ دَعا حَرَسيًّا، فساره بقتله، وقال :
وفطَنَ له عَمروٌ فقال :
فقال: «نعم».
ودَعا رجُلاً، فسارَّهُ وقال :
فرجع الرَّجلُ. وقال لعمرو :
فخَرجَ عمروٌ ورأى ألّا يَعودَ لمثلها، وعَلِمَ الرُّومِي أَنَّهُ قد خَدَعَهُ. فقال :
فبلغت عُمَرَ فقال :
ثمَّ إنّ سعد بن أبي وقَّاص قَدَّم زُهرة إلى.بهرسير فمضى زُهرةُ مِن كُوئى في المقدَّماتِ حتّى نزل بهرسير، فتلقّاه شيرزادُ بساباط بالصُّلح وتأدية الجزي. فأمضاه إلى سَعدٍ، فأقبلَ مَعهُ وتبعته المجنّباتُ. وخَرجَ هاشمٌ وخَرجَ سَعدٌ في إثرِه وقد فَلَّ زهرة كتيبة كسرى بوران حول المُظلم، وانتهى هاشمٌ إلى مُظلم ساباط، ووقف لسعدٍ حتّى لَحِقَ به، وكانت به کتائب كِسرى تُدعى: «الأسود»، يحلفون باللّه كلَّ يوم:
فتنادوا ورئيسُهم المُقرَّطُ. وقالَ المُقَرَّطُ :
وذلك لمِا انتهى إليه. فنزل إليه هاشمٌ فَقَتلَهُ. فقبَّل سعدُ رَأسَ هاشم، وقبَّلَ هاشمٌ قَدَمَ سَعدٍ. وقَدِمَ سَعدٌ إِلى بَهُرسير، فنزل إلى المُظلم وقرأ : «أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ» [إبراهيم : 44] ثم ارتَحلَ فنزل بَهُرَسير. وجَعلَ المسلمون كلما قامت طائفة على بهرسير، وقفوا، ثمَّ كبّروا كذلك، حتّى انجرَّ آخرُ مَن مع سَعدٍ، فكان مُقامه على بَهُرسير شَهرَين وعَبَرُوا في الثَّالث، وذلك أنَّهم أقامُوا شهرين يَرمونَهُم بالمَجانيق، ويَدُبُون إليهم بالدَّبّابات، ويقاتلونَهُم بِكُلِّ عُدَّةٍ. وكان سعد استصنعَ شيرزاد عشرين منجنيقاً، فشغلوهم بها. وكانت العربُ مُطيفةٌ ببهُرَسِير والعَجَمُ متحصنة فيها. ورُبّما خرج الأعاجِمُ يَمشُون على المُسَنَّياتِ المُشرفة على دجلة في العُدَّةِ والعَديدِ لقتالِ المسلمين فلا يقومون لهم. فكان آخر ما خَرجُوا في رَجّالةٍ، وناشِبةٍ تَجَرَّدُوا لِلحرب، وتبايَعُوا على الصَّبرِ، فقاتلهم المسلمون ولم يُلبِّثوهُم، فكذبوا وتولُّوا.
هكذا وجدتُ في التاريخ وهو سَهوٌ، لأنّ زُهرة بنَ الحُويَّة عاش بعد هذا، وشَهِدَ مواقف كثيرةً، وسَيَرِدُ جميعُهُ عَلى الأثر. ولعلّ هذا زُهرةُ بنُ خالِدٍ، فليُنظَر في ذلك.
كان في ذلك اليوم على زُهرة بن الحوية درع مَفصُومةٌ، فقيل له :
فقال: «ولم»؟
قال: «نَخَافُ عليك مِنهُ».
قال: «إنّي لَكريمٌ على اللّه، إِن تَرَكَ سَهِمُ فارِس الجندَ كُلَّهم، ثمَّ أتاني مِن هذا الفصم حتّى يثبت فيَّ».
فكان أوّلَ رَجُلٍ مِن المسلمين يومئذٍ أصيبَ هُوَ بِنُشَابَةِ ثَبَتَت فيه مِن ذلك الفَصمِ.
فقال بعضُهم : «انزَعُوها عنه».
فقال: «دَعُوني، فإنّ نفسي معي ما دامَت في لعلّي أصيبُ مِنهُم بطعنةٍ، أو ضربةٍ، أو خطوةٍ».
فمضى نحو العَدوِّ، فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر، فقتله، وأحيط به فقُتِلَ، وانكشَفُوا. وتَنادى أهلُ بَهُرَسير، فعَبَرُوا. فلمّا رَآهُم سَعدٌ والمسلمون يعبرون، زحفُوا إلى السُّورِ والمجانيق تأخُذهُ. فناداهم رَجُلٌ :
فآمَنُوه، فقال :
فتسوّروا، ودخَلُوا بَهُرَسير وفتحوا أبوابها، وتحوّل العَسكَرُ إليها، وحاوَلُوا العُبور، فوجدوهم قد ضَمُّوا السُّفُنَ إليهم في ما بين البطائح وتكريت.
ولمّا دخل المسلمون بَهُرَسير لاحَ لَهُم الأبيضُ. فقال ضرار بن الخطّاب :
واللّه لتتابَعُوا بالتكبير حتّى أصبحوا. وخَبرهم ذلك الرَّجُلُ الّذي نادى بالأمانِ : أنّكم حَصَرْتُمُ القَومَ حتّى أكلُوا الكِلاب والسَّنانير.
ولمّا نزل سعدُ بَهُرَسير - وهي المدينةُ الّتي كان فيها منزلُ كِسرى - طلب السُّفُنَ ليعبر بالنّاس إلى المدينةِ القُصوى، فلم يَقدِر على شيءٍ، وأقامَ أيّاماً يُصَعُدُ ويُصَوِّبُ. فأتاه أعلاجُ يَدُلُّونَه على مَخاضَةٍ تُخاصُ إلى صُلب الوادي، فأبى وأبقى على المسلمين وفَجِتَهُم المَدُّ، فرأوا أمراً هائلاً في سَنةٍ جَودُ صَيفها متتابع.
فجَمعَ سَعدٌ النّاس وخَطبَهم وقال بَعدَ حَمدِ اللّه :
فقالوا جميعاً :
فندبَ سَعدٌ النّاس إلى العُبور، فقال :
فانتدب له عاصِمُ بنُ عمرو وجماعة من ذوي البأس. ثمَّ انتدب بعدهم ستّمائة من أهلِ النّجداتِ فاستعمل عليهم عاصماً، فَسار فيهم حتّى وقف على شاطئ دجلة، وقال:
فانتدب له ستُّون، فجعلَ نِصفهم على خُيُولٍ إناث، ونصفَهم على ذكورة. ثُمَّ
اقتحموا دجلة واقتحم بقيَّةُ الستمائة على أثرهم فكان أوّل من فصل من الستمائة، رَجلٌ يُعرف بأصمُ التّيم وشُرحبيل وعدَّةُ مَن معه.
فلمّا رآهُم الفُرس وما صنَعُوا، أعدُّوا للخيل الّتي عبرت مثلها فاقتحموا دجلة فأعامُوها إليهم. فقال عاصِمٌ وقد لَقُوهُ في السَّرَعَانِ وقد دَنا من الفُرضة :
فالتقوا، وتوخّى المسلمون عُيونهم. فوَلُّوا بأجمعهم والمسلمون يُشمّصون بهم خيلَهم ما يملكُ رِجالُها منعَ شيء منها، فلحقوهم في الجُدِّ، فقتلُوا عامَّتهم، ونَجا مَن نجا منهم عُوراناً، وتزلزلت الخَيلُ، وتلاحق السِّتمائة بأوائلهم السِّتِّين غيرَ متَعتِعين، وأذِنَ سَعدٌ لِلنَّاسِ في الاقتحام وأمرهُم بالاقتران، فتلاحق عُظمُ الجُندِ، فَرَكِبوا من دجلة اللُّجْةَ وإنّها لَتَرمي بالزبد وهي مسودَّةٌ، وإنَّ النّاس لَيَتَحدَّثُون في عومهم، وقد اقترنوا ما يكترثون، كما يتحدَّثون في مسيرهم على الأرض. ففَجِئُوا أهلَ فارِسَ بما لم يكن في حسابهم، فأعجَلُوهُم عَن جُمهورٍ أموالهم.
وكان يزدجرد قد قدَّمَ عِياله وما خف من ذخائره معهم حين نزل المسلمون بَهُرَسير إلى حلوان، وبلغ ذلك سعداً. جاءَه بالخبر بعضُ الأعلاج وقال :
فكان ذلك ممّا هيّج سعداً وحَمَلَهُ على ما فَعَل. فكان قرين سَعدٍ الّذي يُسايِرُهُ في الماءِ سلمان الفارسيّ، وكان سفيرهم، والمترجِمَ لَهُم وعَنهُم.
وحُكِيَ : أَنَّ الخَيلَ عَبَر بأجمعِهِ، وقد اسودت منه دِجلةُ حتّى ما يُرى الماء، فسَلِمُوا بأجمعِهم، ما فقدُوا رَجُلاً واحداً، ولا أداةً غيرَ أنَّ رجلاً كانت له علاقةٌ في قدح رَثَّةٌ، فانقطعت، وذهبَ القَدَحُ في الماء، والتقطه رجلٌ مِن الماءِ كانَ أسفَلَ، تناوَلَهُ برمجه وجاءَ به إلى العسكر يعرفُهُ، فأخذَهُ صاحِبُهُ.
وزال رجلٌ من بارقِ يومئذٍ يُدعى غَرقَدَةَ عَن ظهر فرس لَهُ شَقراء، فنظر إليها المسلمون عُرياً تنفضُ أعرافها والغَريقُ طافٍ، فثنَى القعقاع بن عمرو عِنانَ فرِسِه إليه، فأخذ بيدِه، وجَرَّهُ حتّى عَبَرَ، وكان البارِقيُّ مِن أشدّ النّاس، فقال : أَعجَزتِ الأَخَواتُ أن يَلِدنَ مِثلَك يا قعقاعُ؟» وكان للقعقاع فيهم خُؤُولَةٌ.
وما زالت حماة فارِسَ يُقاتلونَ على الفِراضِ حتّى أتاهُم آتِ فقال :
وبادر يزدجردُ إلى حُلوان، وخلَّف مهران الرّازي والنخيرجان - وكان على بيت
المال بالنَّهروان - وخرجت الفرسُ بِما قدرت عليه من حر المتاع وخَفيفه وبالنِّساءِ والذَّراري، وتركوا في الخَزائن مِن الثّياب، والأمتعة، والآنية، والفُضول، والألطاف، والعطر، ما لا يُدرى: ما قيمتُه. وخلفوا ما كانوا أعدُّوا للحصار من الأطعمة، والأشربة، وأصنافِ المأكول والحيوان من البقر، والغَنَم.
فدخل المسلمون المدائن، وأخذوا في سِكَكِها لا يَلقَون فيها أحداً ولا يُحسُّونَه إِلّا مَن كان في القصر الأبيضَ. فأحيط بهم ودَعَوهُم. وكانوا قد اتَّعظُوا بأهل بَهُرَسير. وذلك أنَّ المسلمين لما نزلوا عليهم أجَّلُوهُم ثلاثاً، ودَعَوهم إلى ثلاث خصال: إمّا الإسلام، وإمّا الجزيَةُ، وإمّا الحَربُ. فلما لم يُجيبوا في اليوم الثَّالِث أَبادُوهُم. ولمّا دَعَوا أهلَ القصرِ الأبيض إلى مِثلَ ذلك اختاروا الجزية. وكان المخاطِبُ لهم سلمان الفارسي.
وملك المسلمون الغنائم، واحتوى سَعدٌ على بيوت المال، فوجَدَ فيها ثلاثة آلاف أَلْفِ أَلفٍ.3000,000,000. فنزل سَعدٌ القصر الأبيض، واتَّخذ الإيوانَ مُصلَّى. وقدَّم جيشاً إلى النَّهروان، عليهم زُهرة، وتراجع إلى المدائن أهلها على الأمانِ والرّضا بالجِزيةِ.
وَوَجَدُوا بالمدائن قباباً تُركيَّةً مملوءة سلالاً مختمة بالرصاص، قالوا: فما حَسِبناها إلّا طعاماً مِن حَلواء، فإذا هِيَ آنيهُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ! وقسمت بعدُ في النّاس.
قال حَبيبٌ : لقد رأيتُ رجلاً يطوفُ ويقولُ :
ولقد أتينا على كافور كثير. فما حسبناه إلّا ملحاً، فجعلنا نعجن بِهِ الدَّقيق حتّى وجدنا مَرارتَهُ في الخبز !
ولمّا انتهى زُهرة في المقدمة إلى النّهروان وَجَدَهُم قد ازدَحَمُوا، فوقع بغلٌ في الماءِ كَلِبُوا عليه. فقال زُهرةُ :
«إنِّي أُقسم باللّه إنَّ لهذا البغل لشأناً ما كَلِبَ عَليه القومُ، ولا صَبَروا لِلسُّيوفِ بهذا الموقفِ الضَّنكِ إلّا لأمرٍ».
وإذا الّذي عَليه خَرزاتُ كِسرى وَوَشائِحُهُ، وعَليها مِن الجَواهِرِ ما لا تُعرفُ قيمته، وكانَ يَجلِسُ فيها يَومَ المُباهاة.
فترجَّلَ زُهرةُ يومئذٍ حتّى أزاحَهُم عَن البَغل، فاحتملَهُ هُوَ وأصحابه، وجاؤوا بما عليه إلى صاحب الأقباض، لا يَدرُون ما عليه حتّى فُتح هناك.
وحَكَى هبيرةُ بنُ الأَشعَثِ عن جدِّه قال :
كنتُ مِمَّن خَرجَ فِي الطَّلبِ، فإذا بِبَغلَين فذادَ راكباهُما عَنهُما بالنقاب، ونَظَرتُ، وإذا لم يبقَ مَعَهما غير تُشَابَينِ. فالحَحتُ بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه:
فحمَى كُلُّ واحدٍ منهما صاحبَهُ حتّى رَمَيا بهما. ثُمَّ إنّي حَملتُ عَليهما، فقَتلتُهُما، وجِئتُ بِالبَغلَينِ ما أدري ما عَليهِما، حتّى أتيتُ بهما صاحِبَ الأَقباض وإذا هو يَكتُبُ ما يأتي به النّاس وما يَجمعُ من الخزائن والدور، فقال:
فأطَلتُ الوُقُوفَ بعدما حَصَلتُ عنهما، فإذا سَفَطَانِ على أحَدِ البَعْلينِ فيهِما تاجُ كِسرى مُفَسَّخاً، وكان لا يَحمِلُهُ إلا أُسطُوانَتانِ، وفيهما الجَوهَرُ، وإذا على الآخرِ سَفَطَانِ فيهما ثياب كسرى منسوجة بالذَّهبِ المنظوم بالجوهَرِ.
وخرج القعقاعُ بن عَمرو يومئذٍ في الطَّلب، فلحق بفارسيِّ يحمي النّاس، فاقتتلا فَقَتَلَهُ، وإذا مع المقتُولِ جَنيبَةٌ عَليها عَيبَتان وغِلافان، وفي أحدِ الغِلافين خمسةُ أسياف، وفي الآخر ستّةُ أسيافٍ، وإذا في إحدى العَيبَتَينِ أدراعٌ : درعُ كسرى، ومَغافِره، وساقاه، وساعدُه، ودرعُ هِرَقل، وفي الآخرِ دِرعٌ سِياوَخشَ، ودِرعُ خاقانَ، ودِرعُ داهِرَ، ودرعُ بهرام شُوبينَ، ودِرعُ النُّعمان، وكان الفُرسُ استلبوها من أربابها أيّام خالفوا كسرى.
وحكى عاصم بن الحارث قال :
خرجتُ في الطَّلب. فأخذتُ طريقاً مسلوكاً، وإذا حِمارٌ. فلمّا رآني صاحبُه حَثّهُ، فلحق بآخَرَ أَمامَهُ، فمالاً، وحثّا حِمارَيهما، فانتَهَيًا إلى جدولٍ قد كُسِرَ جِسرُهُ، فَثَبَتا حتّى أتيتُهما، ثمَّ تفرَّقا ورماني أحدُهُما، فألظَظتُ حتّى قتلته، وأفلت الآخَرُ، ورجعت إلى الحِمارين، فأتيتُ بهما صاحب الأقباض. فنظرنا، فإذا على أحدهما سَفَطانِ، في أحدهما فَرَسٌ مِن ذَهَبٍ مُسرج بِسِرج مِن فِضَّةٍ، على ثفَرِهِ ولَبَبِهِ الياقوت والزُّمُرُّدُ منظوماً على الفِضَّةِ، ولجامُه كذلك، وفارِسٌ مِنْ فِضَّةٍ مكلل بالجَوهَرِ ؛ وإذا في الآخر ناقَةٌ مِن فِضَّةٍ عَليها شليلٌ مِن ذَهَبٍ، وبطانٌ مِن ذَهَبٍ، ولها شناقٌ أو زمامٌ مِن ذَهَبٍ، وكُلُّ ذلك منظوم بالجوهر ؛ وإذا عليها رجلٌ مِن ذَهَبٍ مكلل بالياقوت كان كسرى يَضَعُهُما إلى أُسطُوانتي التاج.
و حَكَى غَيْرَهُ : أَنّ رَجُلاً أقبلَ بِحَقِّ مَعَهُ فَدفَعَهُ إلى صاحب الأقباض، فقال هو والّذين معه :
ثمَّ سألُوهُ عَن نَفْسِه، فأبى أن يُخبِرَهُم، وقال:
وقال سعدٌ :
وقال جابرُ بنُ عبد اللّه :
ولمّا قُدِمَ على عُمر بن الخطّاب بتاج كسرى وبِزَّتِه، وزبرجه، ومنطقته، وسلاحه، قال:
فقال علي صلوات اللّه عليه :
ولمّا قسم سَعدٌ الفَي أصابَ الفارِسَ اثنا عشر ألف درهم، وكلُّهم كانَ فارِساً يَومَ المدائن، وليس فيهم راجلٌ، وكانت الجنائبُ كثيرةً. ولما نزل سعدٌ المدائن بعث إلى العيالات، فأنزلَهم الدُّورَ وفيها المرافِقُ، فأقاموا بالمدائن حتّى فرغُوا من جَلولاء، وحلوان، وتكريت، والموصل، ثمّ تحوَّلُوا إلى الكوفة».
ولمّا قسّم سعدٌ الفيء أخذ يسألُ بعد القسم وإخراج الخُمسِ القِطفَ، فلم تعدل قیمته، فقال للمسلمين :
فقالوا : «نعم، هاءِ اللّه إذاً».
فبُعثَ. وكان سِتّين ذراعاً في سِتّين ذراعاً، بساطاً واحداً مقدار جريب، فيه : طُرُقٌ كالصُّورِ، وفُصوصُ كالأنهار، وخلال ذلك كالدّير، وفي حافاته كالأرضِ المزروعةِ المُبقِلةِ بالنّبات، وعليه ما كانوا يُعِدُّونَهُ فى الشِّتاءِ، إذا ذهبت الرّياحين، وكانوا إذا أرادوا الشّرب شربوا عليه، وكأنّهم في رياضٍ، لأنّ الأرضَ - أرضَ البساطِ - مُذهَبٌ، ووَشيهُ فُصوصٌ، وعليه قضبانُ الذَّهب، عليها أنوارٌ مِنَ الذَّهَب والفِضَّةِ، وأوراقٌ كذلك من حَريرٍ قد أجرِيَ فيه ماء الذهب وكانت العربُ تُسمّيه القطف.
فلمّا قُدِم به على عُمرَ جَمعَ النّاس وخطبَهُم واستشارهم في البساطِ، وأخبرهم خَبَرهُ. فاختلف عليه النّاسُ، فمِن مُشيرٍ بقَبضِه وآخَرَ مُفَوِّضٍ إليه، وآخَرَ مُرقّقٍ.
فقام عليُّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال :
فقال: «صَدَقَتَني ونَصَحتَني».
فقطعَهُ وقَسمَهُ. وأصابَ عَليًّا قِطعةٌ مِنْهُ باعَها بعشرينَ ألفاً، وما هي بأجود تلك القطع.
ولما عُرِضَ على عُمَرَ - رضي اللّه عنه عنه - حُلِيُّ كِسرى وزِيُّهُ في المُباهاة - وكانَت لَهُ عِدَّةُ أزياءٍ لِكُلِّ حالةٍ زِيُّ - قال :
وكانَ أجْسَمَ عَربيّ يومئذٍ بالمدينة، فألبِسَ تاجُ كسرى على عمودين من خشب وصُبّ عليه أوشِحَتُهُ وقلائدُهُ وثيابه، وأجلسَ لِلنَّاسِ. فنظر إليه عُمر والنّاس، فرأوا أمراً عظيماً من أمرِ الدُّنيا وفِتنَتِها. ثمَّ أُقيمَ عن ذلك، وألبِسَ زِيَّه الآخر، فنظروا إليه، ثمَّ كذلك في غير نوعٍ حتّى أتى عليها كُلها، ثمَّ البَسَهُ سلاحه، وقلَّدَه سَيفَهُ، فنظروا إليه في ذلك.
فقال عُمرُ :
قال: «أحمق بامرِي مِن المسلمين غَرَّتهُ الدُّنيا هَل يَبْلُغَنَّ مَغرورٌ مِنها إِلّا دُونَ هذا؟ وما خَيرُ امرِئ مُسلِم سَبقَهُ كِسرى فيما يَضُرُّهُ ولا ينفَعُهُ. إنّ كسرى لم يَزِد على أن تشاغَلَ بِما أُوتِيَ عَن آخِرتِه، فَجَمعَ لِزَوج امرأتِهِ، أو زَوج ابنته، أو امرأةِ ابنه، ولم يقدِّم لنفسه، فقدَّم امْرُؤٌ لنفسه، ووَضعَ الفُضُولَ مواضِعَها تحصل له، وإلّا حصلت للثلاثة بَعدَهُ، وأحمَقُ مَن جَمعَ لهم أو لِعَدُوِّ جارفٍ».
ثمَّ إِنَّ سَعداً أتاه الخبرُ بأن مهران قد عسكر بجلولاء وخندق عليه، وأنَّ أهلَ المَوصِل قد عَسكَرُوا بتكريت. وكتب إلى عُمرَ بذلك. فكتب إليه عُمرُ :
وكان الفُرسُ لما انتهوا بعد الحرب من المدائن إلى جَلُولاً، رأوا الطَّريق يفترق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبالِ وفارِسَ. فتذامروا، وقال بعضُهم لبعضٍ :
فاحتفَروا الخَندَقَ واجتمعُوا فيه، على مِهران، ونَفَذَ يَزدجردُ إِلى حُلوان، ورماهُم بالرِّجالِ، وخلَّفَ فيهم الأموال. فأقامُوا في خندقهم وقد أحاطوا به الحَسكَ مِن الخَشَبِ إِلا طُرُقَهم.
فلمّا قَدِم هاشِمُ أحاط بهم، وطاوَلَهُم أهل فارِسَ، وكانوا لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. وزاحفَهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفاً كُلَّ ذلك يُنصَرُ المسلمون، ويُغلَبُ المشركون، حتّى غلبوهُم على حَسَكِ الخَشَب، فاتخِذُوا حَسَكَ الحديدِ، وتركوا للمجالِ وَجهاً. فخرَجُوا على المسلمين منه، واقتتلوا قتالاً شديداً لم يَقتَتِلُوا مثلَهُ ولا ليلة الهرير، إلّا أنَّه كان أكمش وأعجل، ولم يَرَ المسلمون ولا المشركون مِثلَهُ في موطِن قَطُّ حتّى أنفدُوا النَّبلَ، وقصفُوا الرّماحَ، وصارُوا إلى السُّيوفِ والطَّبرزينات، فكانوا بذلك إلى بين الصَّلاتَين، وصلَّى النّاس إيماءاً.
ثمَّ خَنست كتيبةٌ للمُشركين وجاءت أخرى، فَوقَفَت مكانها، ثمَّ كذلك، فكسر المسلمين ما رَأوا.
فقال القعقاع بن عمرو :
فقالوا : وكيف لا يَهُولُنا ونَحنُ مُكِلّونَ وهم مُريحون».
فقال القعقاعُ: «اصبِرُوا إلى ساعةٍ، فإنّي حاملٌ عليهم، فاحتملوا معي ولا يُكَذِّبَنَّ أحدٌ حتّى يَحكمُ اللّه بيننا».
ثمَّ حَمَلَ، وَحَمَلَ مَعَهُ النّاس، وانتهى بالقعقاعِ وجهُهُ الّذي زاحف فيه إلى بابِ
خندقهم، فأخذَهُ. وأَمرَ مُنادياً فنادى :
وإنّما أمر بذلك لِيُقوّي المسلمين به، ولئلّا يتحاجزُوا فَحَمَلَ المُسلمون ولا يشكُون إلّا أنّ هاشماً في الخَندَقِ. فلم يقم لحملتهم شيءٌ، حتّى انتهوا إلى بابِ الخَندقِ فإذا هم بالقعقاع قد أخذ بِه، والمشركون يمنةً ويسرة على المجالِ الّذي بحيال خَندقِهم. فهَلَكُوا فيما أَعَدُّوا للمسلمين مِن الحَسَكِ، وعُقِرت دَوابهم وعادُوا رَجَّالةً، ويتَّبِعُهم المسلمون. فلم يُفلت إلّا مَن لا يُعدُّ، وقُتِلَ منهم يومئذٍ مائة ألفٍ أو يَزيدون، فجلَّلت القتلى المَجالَ وما بين يديهِ وما خَلفَهُ، فَسُمِّيت : «جَلُولاء الوقيعة».
واقتسمَ النّاس في جَلُولاء مثل ما اقتسموا في المدائن. ويُقال: إنَّهم اقتسمُوا على ثلاثين ألفَ ألفٍ 30,000,000 وكان الخُمس منه ستّة آلافِ ألفٍ 6,000,000. واقتسم السَّبايا، فاتَّخِذَنَ، ووَلَدنَ في المسلمين.
ولما بلغتِ الهزيمةُ يَزدجرد، سارَ مِن حُلوان نحو الجبل، وقدم القعقاعُ حُلوان. وكوتِبَ عُمرُ بِفتح جَلولاء ونزول القعقاع حُلوانَ، واستأذنوه في اتّباعهم، فقال:
وبُعثَ بالأخماس مع جماعةٍ فيهم زياد بن أبي سفيان، وكان هو الّذي يكتب للنّاس ويدوِّنهم. فلمَّا قدموا على عمر، كلَّم زياد عُمر فيما جاءَ لَهُ مِن الاستيذان في التقدُّم، ووصفَ لَهُ الحال.
فقال عُمرُ : «هل تستطيعُ أن تقومَ في النّاس بمثل الّذي كلَّمتَني به»؟
فقال: «وَاللّه ما على الأرض شَخصٌ أَهيَبُ في صَدرِي مِنكَ، فكيف لا يقوى على هذا من غيرك» !
فقام في النّاس بما أصابُوا، وبما صنَعُوا، وبجميع ما يستأذنون فيه مِن الانسياحِ في البِلادِ.
فقال عُمرُ : «هذا الخَطيبُ المِصقعُ».
وقال : «إِنَّ جُندَنا بالفَعالِ أطلقوا ألسنتنا بالمَقالِ».
ثمّ إِنْ عُمَرَ لمَّا نَظَرَ إِلى الأخماس المحمولة من جلولاء قال:
فبات عبدُ الرّحمن بنُ عوفٍ، وعبد اللّه بن الأرقم يحرسانه في سقف المسجد. فلمّا أصبحَ جاء في النّاس، فكُشِف عنه الأنطاعُ. فلمّا نظر إلى ياقوته، وزبَرجَدِهِ، وجَوهَرِه، بكى.
فقال له عبد الرّحمن :
فقالَ عُمرُ : «ما ذاكَ يُبكيني. واللّه، ما أعطى اللّه هذا قوماً إلّا تحاسَدُوا، وتباغضُوا. ولا تَحاسَدُوا إِلا وَقعَ بأسهم بينهم».
ولمّا فَرضَ عُمرُ العَطاءَ، قال قائل :
فقال: «كلمة ألقاها الشَّيطان على فِيكَ، وَقانِي اللّه شَرَّها، وهِيَ فِتنةٌ لِمَن بَعدي. بَل أعِدُّ لَهم ما أعدَّ اللّه ورسوله : طاعةَ اللّه ورسولِهِ، فهُما عُدَّتُنا الّتي بها أفضَينا إلى ما تَرَون».
وفي سنة سَبعَ عَشرةَ، أدرَبَ خالد بن الوليد وعياضُ وكان خالد على قنّسرين من تحت يَدِ أبي عُبيدة، فأصابوا أموالاً عظيمةً. فانتجع خالداً رجالٌ. وكان الأشعثُ بنُ قيس فيمن انتجع خالداً بقِنَّسرين، فأجازَهُ بعَشرةِ آلافٍ، وكان عُمرُ لا يخفى عليه شيءٌ في عمله، فكتب إليه بخُروج مِن خرج في تلك الغزاة مِن الشّام، وبجائزة مَن أُجِيزَ.
فدعا البريد وكتب معه إلى أبي عُبيدة : أن يُقيم خالِداً ويعقِلَهُ بعمامته، وينزع عنه قلنسُوَتَهُ حتّى يُعلمكم مِن أينَ أجاز الأشعث أمِن ماله، أم من إصابة، فإن زعم أنّها مِن إصابة أصابَها، فقد أقرَّ بخيانة، وإن زعم أنّها من ماله فقد أسرفَ، فاعزله على كُلِّ حال واضمُم إليك عمَلَهُ.
فكتب أبو عبيدة إلى خالدٍ، فقدِم عليه. ثمَّ جمع النّاس وجلس لهم على المنبر، فقام البريد، فقال:
فلم يُجِبهُ حتّى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقُولُ شيئاً.
فقال بلال بعد أن قام إليه :
وتناول عمامته فنقضهما، لا يمنَعُهُ سمعاً وطاعةً. ووضع قلنسُوَتَهُ، ثمَّ أَقامَهُ،
فعقَلَهُ بعمامته وقال :
قال : «لا. بَل مِن مالي».
فأطلقهُ، وأعادَ قلنسُوَته، ثمَّ عَمَّمَهُ بيده وقال :
وأقام خالِدٌ متحيِّراً لا يَدرِي : أمَعزولٌ أم غيرُ معزول. وجعل أبو عبيدةَ يُكرمُهُ ويزيدُهُ تفخيماً ولا يُخبِرُهُ. فلمّا طالَ على عُمرَ أن يقدَمَ خالدٌ، ظنَّ الّذي كانَ.
فكتب إليه بالإقبال.
فأتى خالدُ أبا عبيدة، فقال:
«رحمك اللّه ما أردتَ إلى ما صنعت؟ كتَمتَنِي أمراً كُنتُ أحبُّ أن أعرِفَهُ قبل اليوم. فقال أبو عُبيدةَ : «إنّي واللّه ما كُنتُ لأرُوعَكَ : ما وجدتُ بُدا، وقد علمتُ أنّ ذلك يَروعُكَ». فرجع خالِدٌ إلى قِنسرينَ فَخَطبَ أهلَ عَمَلِه، وودْعَهُم، وتَحمَّل، ثمَّ خرج نحو المدينة حتّى قَدِم على عُمرَ، فشكاه، وقال :
«لقد شكوتك إلى المسلمين وباللّه إِنَّكَ في أمري غيرُ مُجمِل يا عُمرُ».
فقال له عُمرُ :
قال: «من الأنفال والسُّهمانِ».
ثمَّ أخذ منه عشرين ألف درهم، فأدخلَها بَيتَ المال. ثم قال :
وكَتَبَ عُمرُ في الأمصار :
وحجٌ عُمرُ في هذه السنة، وبَنى المسجدَ الحرامَ، ووسَّعَ فيه، وأقام بمَكَّةَ عشرين ليلةً، وهَدَم على أقوام أبوا أن يَبيعُوا، ووضعَ أثمانَ دُورِهم في بَيتِ المالِ حتّى أخذُوها.
وكان عَلاءُ بن الحَضرَمي بالبحرين والياً من قبل أبي بكرٍ ثُمَّ مِن قِبَلِ عُمر وكان
يُباري سعداً، فطال العَلاءُ على سعدٍ في الرّدّةِ بالفضل فلمّا ظَفِرَ سَعدٌ بالقادسيَّة، وأزاحَ الأكاسِرَةَ، وأخذَ حُدودَ ما يلي السَّوادَ وغيرها، واستعلى، وجاءَ بأعظم ممّا كانَ العَلاءُ جاءَ به ؛ أحبَّ العَلاءُ أن يصنع شيئاً في الأعاجم، ورَجا أن يُدالَ كما قد أُدِيلَ.
ولم ينظُر العَلاءُ في ما بين فضل الطَّاعَةِ والمعصيةِ بجدّ. وكان عُمرُ لمَّا وَلاهُ نَهاهُ عَنِ البَحرِ، فلم يُفكّر في الطَّاعَةِ والمعصية وعواقبهما، وطمع في فارِسَ من جهته، فندب أهل البحرين إلى فارِسَ، فتسَرَّعوا إلى ذلك، وفرَّقَهُم أجناداً على أحدها الجارودُ بن المُعَلّى، وعلى الآخر السَوارُ بنُ هَمّام، وعلى الآخرِ خُلَيدُ بنُ المُنذِرِ بنِ ساوى، وخليدٌ على جَمَاعَةِ النّاس، فحمَلَهم في البحر إلى فارِسَ بغير إذنِ عُمَرَ. فعبرت تلك الجُنُودُ مِن البحرين إلى فارِسَ، فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهلُ فارِسَ وعلى أهلِ فارِسَ الهِربَذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سُفُنِهِم.
فقام خُليدٌ في النّاس فقال :
فأجابوه إلى ذلك وصلوا الظهر، ثمَّ ناهدوهم في موضع يُقال له: طاؤوس. فقُتِلَ جماعةٌ من المسلمين فيهم السّوارُ والمنذر بنُ الجارود. وتزجَّلَ خُليدُ بنُ المنذر وارتجز :
يا لتميم جَمْعُوا النزول***قد كاد جَيشُ عُمَرٍ يَزُولُ
وكُلُّكُم يَعلَمُ ما أقولُ
فنَزَلُوا، فقاتلوا القَومَ، فقُتِلَ أهل فارِسَ مقتَلَةَ لم يُقتَلُوا مِثلَها، وهُزِمَ الباقونَ. ثمَّ خرجوا يُريدون البصرة، فغرقت سقنُهم ولم يَجِدُوا إلى الرُّجوع سبيلاً. فوجَدُوا سُهرَك قد أخذ على المسلمين بالطُّرُقِ، فَعَسكَروا وامتنَعُوا في نشُوبِهم ذلك وبلغ عُمَرَ ما صَنَعَ العَلاءُ مِن بعثه ذلك الجيش في البحر، فألقي في رُوعِه نحوٌ من الّذي كان فاشتد غضبه على العَلاء، وكتب إليه بعزله، وتَوعَّدَهُ، وأمَرهُ بأثقل الأشياء عليه، وقال له :
فخَرجَ بِمَن مَعهُ نحو سَعدٍ.
وكَتبَ عُمرُ إلى عتبة بن غزوان :
وعَصاني، وأظُنُّه لم يُرد اللّه بذلك، فخشيتُ عليهم ألّا يُنصروا، وأن يُغلَبُوا، وينشَبُوا. فاندبُ إليهم النّاس واضمُمهُم إليكَ من قَبل أن يُجتاحوا».
فندبَ عُتبةُ النّاس إليهم وأخبرهم بكتاب عُمر. فانتدب عاصِمُ بن عَمرو وعرفجةُ وجَماعةٌ يَجرُون مَجراهم كالأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وصعصعة بن مُعاويةَ، فخرجوا في اثنَي عَشَرَ ألفاً على البِغَالِ يَجنُبون الخَيلَ وعليهم أبو سَبرةَ بن أبي رهم. فسار أبو سَبرة بالنّاس، وساحَلَ لا يَلقاه أحدٌ ولا تعرض له حتّى التقى مع خُليد، بحيثُ أخِذَ عليهم الطَّريق غِبَّ وَقعةِ القوم بطاؤوس، وإنّما كان ولي قتالهم أهل إصطخر والشَّذَاذُ مِن غيرهم، وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا بالطَّرُقِ على المسلمين وأنشَبُوهم، واستصرخوا أهلَ فارِسَ كُلُّهم، فضربوا إليهم مِن كُلِّ وجه وكورة.
فالتقوا هُم وأبو سَبرةَ بعد طاؤوس وقد توافت إلى المسلمين أمدادُهم، وإلى المشركين أمدادُهم، وعلى المشركين سُهرَكُ. فاقتتلوا، ففتح اللّهُ على المسلمين، وقَتَلَ المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا، وهي الغزاةُ الّتي شرفت فيها نابتة البصرةِ وكانوا أفضلَ نوابتِ الأمصارِ، ثم انكَفَأُوا بما أصابوا. وكتب إليهم عُتبةُ بالحث وقِلَّةِ العُرجةِ، فانضمُّوا إليه بالبَصرة، وقبل ذلك ما فتح عُتبةُ الأهواز، وقاتل فيها الهُرمُزان حتّى ظَفِرَ به بِتُستَر بَعدَ وقعات أسِرَ في آخرها الهُرمُزانُ وأعطى بِيَدِه على الرّضا بحكم عُمرَ. وقتلَ الهُرمُزانُ بيدِه البَراءَ بن مالِكِ ومَجَزأةَ بن ثورٍ.
ووَفَدَ أبو سَبرة وفداً فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيسٍ. فأرسلَ الهُرمُزانَ معَهُم فقدموا مع أبي مُوسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة.
فلمّا دخَلُوها هَيَّأْوا الهرمزان في هيأتِه، والبَسُوهُ كِسوتَهُ مِن الدِّيباج الّذي فيه الذهبُ، ووضَعُوا على رأسه تاجاً يُدعى : ال-«آذينَ» مُكَلَّلاً بالياقوت، وعليه حليتُهُ كَي ما يَراهُ عُمرُ والمسلمون. ثمَّ خرجُوا به عَلى النّاس يُريدون عُمرَ في منزله، فلم يَجِدُوهُ. فسألوا عنه، فقيل لهم : «جَلَسَ في المَسجدِ». ولم يَروهُ. فلمّا انصرَفوا، مَرُّوا بغلمان مِن أهل المدينة يلعبون.
فقالوا لهم :
وكان عُمرُ جَلَسَ لوفد الكوفة في بُرُنسٍ. فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعُوا عنه وأخلوهُ، نَزعَ بُرُنسَهُ، ثُمَّ تَوسَّدَهُ فنام.
فانطلقوا ومعهم النظّارةُ، حتّى إذا رَأَوهُ جَلَسُوا دُونَه، وليس في المسجدِ نائمٌ ولا يقظانُ غيره، والدّرّة في يَدِه مُعلّقها.
فقال الهُرمُزانُ : «أينَ عُمَرُ»؟
قالوا: «ها هو ذا»!
وجعلَ الوفد يُشيرون إلى النّاس : أن اسكُتُوا عَنهُ. وأصغى الهُرمُزانُ إلى الوفد، فقال :
قالوا: «ليس له حاجبٌ ولا حارسٌ ولا كاتبٌ ولا ديوانٌ».
قال: «فينبغي أن يكونَ نَبيَّا».
فقالوا: «لا، ولكنَّهُ يَعملُ عَملَ الأنبياء».
وكثُرَ النّاس وكلامهم، فاستيقظ عُمرُ بالجَلَبَةِ، فاستوى جالساً. ثمَّ نَظَرَ إلى الهُرمُزانِ، فقال: «الهُرمُزانُ»؟
فقالوا: «نعم»!
فتأمَّلَهُ، وتأمَّل ما عليه، ثم قال :
فقال الوفدُ : «هذا مَلِكَ الأهواز، فكَلِّمهُ!»
قال: «لا، حتّى لا يبقى عليه مِن حِليتِهِ شَيءٌ».
فَرُمِيَ عنهُ بِكُلِّ شيءٍ إلّا ما يَستُرُهُ، فَالبَسُوهُ ثوباً صفيقاً.
فقال عُمرُ : «هي يا هرمزان كيف رأيتَ وبَالَ الغَدرِ وعاقِبَةَ أمرِ اللّه»؟
فقال: «يا عُمرُ! إنا وإياكم في الجاهلية كان اللّه خَلّى بيننا وبينَكُم، فَغَلَبناكم، إذ لم يكن معَنا وَلا معَكُم؛ فلما صارَ معَكُم غَلَبَتُمُونا».
فقال عُمرُ : «إِنّما غَلَبْتُمُونا في الجاهلية باجتماعكم وتَفَرُّقِنا».
ثمَّ قال عُمرُ : «ما عُذرُك وما حُجَّتُكَ في انتقاضِك مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ»؟
فقال: «أخافُ أن تقتلني قبل أن أخبرك».
قال: «لا تخف ذلك».
واستسقى ماء، فأُتِيَ بِهِ في قَدَح. فقال :
فأتِيَ به في إناءٍ يَرضاه. فجعلت يَدُهُ ترعَدُ ؛ وقال :
فقال له عُمرُ : «لا تَخَفْ فلا بأسَ عليكَ حتّى تشرَبَهُ».
فَأَلقاه. فقال عُمرُ :
فقال : «لا حاجَةً لي في الماء، إنّما أردتُ أن أستأمِنَ بِه»!
فقال لَهُ عُمرُ : «إِنِّي قاتِلكَ».
قال: «قد آمَنتَني».
فقال: «كَذِبتَ».
فقال أَنَسٌ : «صَدَقَ يا أميرَ المُؤمنين»!
فقال: «وَيحكَ! أَنَا أُومِنُ قاتِلَ مَجزأةَ والبَراء؟ لَتَأْتِيَنِّي بِمَخرج ما قُلتَ»!
قال: «قُلتَ له: لا بأسَ عليك حتّى تُخبرني. وقُلتَ : لا بأسَ عليك حتّى تشربَهُ».
وقال جِلَّةُ الصَّحابة مِمَّن حَوَلَهُ مِثلَ ذلك.
فأقبل على الهُرمُزانِ وقالَ: «تَكلَّم بِحُجَّتِكَ».
قال: «كلامَ حيٍّ أم كلامَ مَيِّتِ؟»
قال : «بل كلام حَيٍّ».
قال: «قد آمنتَني ثالثة».
قال عُمرُ : «خدعتني ! لا واللّه، لا أومِنُك إلا أن تُسلِمَ».
فقيل لَهُ: «أسلم! وإلا قُتِلتَ».
فَأَسلَمَ، فَفَرضَ لَهُ على ألفين، وأنزَلَهُ المدينةَ.
وكان المغيرة بن شُعبةَ يُترجم بينَهُما إلى أن حَضَرَ التَّرْجُمَانُ.
فقال عُمرُ للمُغيرةِ: «سَلهُ : من أَيَّةِ أَرضِ أنتَ»؟
فقال المغيرة: «أزكُذام أرضيه»؟
فقال: «مِهرجانيُّ».
وكان المُغيرةُ يَفقَهُ شيئاً من الفارسيّة.
فقال له عمر : «ما أراك حاذقاً بها ما أحسَنَها منكم أحدٌ إلاّ خَبَّ، وما خَبَّ إلّا دَقَّ. إيَّاكُم وإيّاها، فإنَّها تَنقُصُ الاعراب».
وأقبل زيدٌ بعد ذلك، فَجَعلَ يُترجِمُ.بينَهُما.
وقال عُمرُ للوفد: «لَعلَّ المسلمينَ يُفضونَ إلى أهلِ الذِّمَّةِ بِأَذَى، أو بِأمورٍ لَها ما ينتَقِضُونَ بِكُم».
فقالوا : «ما نَعلم إلا حُسنَ مَلَكة».
قال : «فكيف هذا»؟
فلم يجد عِندَ أحدٍ ما يَشفيه ويُبصِرُ به ممّا يَقُولون، إلّا ما كان من الأحنف فإنَّهُ قال :
فقال عُمرُ : «صدقتني واللّه، وشرحتَ لِي الأمرَ عَن حَقِّه».
فكان هذا سَببَ إذنِه لَهُم في الانسياح.
ومضى يزدَجِردُ بمشورَةِ الموبَذ إلى إصطخر فينزِلُها، لأنّها دار المملكة ويوجِّهُ الجُنود. فلمّا بلغ أصبهان أقامَ أيّاماً وقدم سياهُ لينتخِبَ مِن كُلِّ بَلدَةٍ مَرَّ بِها مَن أَحبَّ. فمضى سياه واتَّبَعَهُ يَزدجردُ حتّى نزلوا بإصطخر، ووَجّه سياه إلى السُّوسِ. ولم يَزل كذلك حتّى قَدِمَ عمار بن ياسر وأبو موسى يومئذٍ بِتُستَرَ.
فدَعا سِياهُ الرُّؤساء الّذين كانوا خرجُوا معه من إصبهان، وقال :
قالوا : «رأينا رأيُكَ».
قال: «فَليَكفِني كُلُّ رَجُلٍ مِنكُم حَشَمَهُ والمنقطعين إليه، فإنّي أرى أن نَدخُلَ في دينِهم».
ووجْهُوا شيرُويَه في عَشرة من الأساورةِ إلى أبي موسى يأخذُ لَهم شروطاً على أن يَدخُلوا في الإسلام.
فقَدِم شيرُويَه على أبي موسى فقال :
فقال أبو موسى: «لَكُم ما لَنا، وعَليكم ما عَلَينا».
قالوا: «لا نَرضى».
وكتب أبو موسى إلى عُمر بذلك. فقال: «أعطهم ما سألُوكَ».
فكتب لهم أبو مُوسى فأسلمُوا، وشَهِدُوا معه حصارَ تُستَرَ. فلم يكن أبو مُوسى يَرى مِنهم جدا ولا نكايةً.
فقال لسياة : «يا أعوَرُ، ما أنتَ وأصحابُكَ كما كُنَّا نَرى قبلَ اليَوم»!
قال: «لسنا مِثلَكُم في هذا الدِّينِ، ولا بصائرنا كَبَصائركُم، ولَيسَ لَنا فيكم حَرَمٌ نُحامي عنهُنَّ، ولم تُلحِقونا بأشرف العَطاءِ، ولَنا سِلاحٌ وكُراعٌ وأنتُم حُسّرٌ».
فكتب أبو موسى في ذلك إلى عُمرَ. فكتب إليه عُمرُ أن :
فأمِا سياهُ فمشى إلى حصنٍ. ويُقال : إنّه تَستَر في زيِّ العجم، حتّى رَمى بنفسِه إلى جنبِ الحِصن ونضح ثيابه بِالدَّم. فأصبح أهلُ الحِصن، فرأوا رَجُلاً في زيّهم صَريعاً، فَظَنُّوهُ مِنهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليُدخِلوهُ، فثارَ وقَاتَلهم حتّى خلَّوا عن باب الحِصن وهرَبُوا. ففتح الحِصنَ وحدَهُ ودَخَلهُ المسلمون. وأمّا خُسرو فمشى إلى حِصن آخَرَ حاصروهُ، فأشرف عَليه رَجلٌ رَئيسٌ منهم، فكلَّمَهُ، ثُمَّ رَماهُ خُسرو بِنُشَّابة فقَتَلَهُ.
وأما جُنديسابور فإنَّ أبا سَبرةَ لَمّا فرغَ مِن السُّوسِ خرج في جُندِه حتّى نَزَلَ عَليها، وحاصَرَهُم أيّاماً يُغادونَهُ ويُراوحونَهُ القِتال. فَرُمي إليهم بأمانٍ مِن عَسكر المسلمينَ وفُتح بابها فلم يفجأ المسلمين إلّا أبوابها تفتح. ثُمَّ خرج خرج السِّرحُ وخرجَتِ الأسواق وانبثَّ أهلُها.
فأرسل المسلمون أن: «ما لَكُم»؟
قالوا : «رَميتُم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا لكم بالجزي على أن تمنعونا».
فقالوا : «ما فَعَلنا».
فقالوا : ما كَذِبنا».
فتَساءَلَ المسلمون فيما بينهم، فإذا عبدٌ يُدعى مُكيفاً كان أصله منها هو الّذي كتب لَهُم.
فقالوا: «إنَّما هو عبدٌ».
فقالوا: «نحن لا نَعرفُ حُرَّكم مِن عَبدِكُم، قد جاءَنا أمانٌ، فنحنُ عَليهِ، قد قَبلناهُ ولم نُبدِّل. فإن شِئْتُم فَاغدِرُوا».
فأمسكُوا عنهم وكَتبُوا بذلك إلى عُمرَ. فكتب إليهم :
لم تكونوا أوفياء، حتّى تَفُوا على الشَّكُ، أَجِيزُوهُم وفُوا لَهُم».
ولمّا خرج يزدجردُ مِن الجَبَلِ، وَصارَ إلى مَرو، وكاتبَ الجُيُوسَ بالأطرافِ،
فكتب إلى أهلِ الجِبالِ مِمَّن بَينَ البابِ والسِّندِ وخُراسانَ وحُلوانَ، فتحرَّكُوا وتَكاتَبُوا وركبَ بَعضُهم إلى بعض، فأجمَعُوا أن يُوافُوا نَهاوند، ثمَّ يُبرمُوا فيها أمورَهُم، فتوافى إليها مَن بَينَ حُلوانَ وخُراسانَ ومَن بَينَ البابِ وحُلوانَ، ومَن بَينَ سَجِستان إلى حُلوان. فاجتمعت حَلبة فارِس والفهلوج وأهلُ الجِبالِ وهم مائة وخمسون ألفاً.
ثمَّ تآمر الرُّؤساءُ عِند الفَيرُزان وكان عليهم، فقالوا :
فتعاهَدُوا وتَواثَقُوا. وكتبوا بينهم على ذلك كتاباً، وتمالأوا عليه.
وبَلغَ الخبرُ سَعداً، وخرج عُمرُ لِيُشافِهَهُ بذلك، ولأنَّ قَوماً مِن جُنده شغبوا عليه، وسَعَوا به إلى عُمرَ، فاستخلف عبدَ اللّه بن عَبدِ اللّه بنِ عتبان. فكتب عبد اللّه بن عبد اللّه إلى عُمر أنّه :
«قد تجمّعتِ الفُرسُ مائةً وخمسين ألفاً مُقاتلةً مُستميتين، فإن جاؤُونا قبل أن تبدرَهُم الشَّدّة ازدادوا جُرأةً وقُوَّةً، وإن نحنُ عاجلناهُم كان ذلك لَنا عليهم».
وكان الرَّسولُ بذلك قريب بن ظَفَرِ. ولمّا قَدِم الرَّسُولُ بالكتاب على عُمرَ وبالخَبرِ قرأَهُ، وسَمعَ مِنْهُ، وقال:
قال: «قريب».
قال : «ابنُ مَن؟».
قال : «ابنُ ظَفَرِ».
فتفأَّل بذلك وقال :
ونُودِيَ في النّاس : «الصَّلاة جامعة».
فاجتمع النّاس ووافاه سَعدٌ فقال :
وقامَ عُمرُ على المنبرِ خطيباً، فأخبر النّاس الخَبَر، واستشارَهُم، وقال:
فقام طلحة بن عُبَيدِ اللّه فقال :
كلام طَويل يُشبِهُ هذا ثَمَّ جلس.
فعاد عُمرُ فقال :
فقام عثمانُ بن عفّان، فَتَشَهدَ، وقال:
فقام عليُّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال :
فقال عُمرُ :
فقالوا : «أنتَ أعلمُ يا - أمير المؤمنين - بِجُندِك وأهل عراقِكَ، فقد وفدوا عَليكَ، ورأيتهم وكلَّمتهم».
وكان النُّعمان بنُ مُقرّن على كَسكَر، ولّاهُ سَعد الخراج بها. فكتب إلى عُمرَ :
فلمّا كان هذا اليوم الّذي خَطَبَ فيه عُمرُ، وجرى ما جرى ممّا كتبته، قال عُمرُ :
فقيل : «مَن، يا أمير المؤمنين؟».
فقال: «النُّعمان بنُ مُقرن».
قالوا: «هو لها».
فكتب إِليهِ عُمرُ أن: «ائتِ نَهاوند، فأنتَ عَلَى النّاس بِها».
فلمّا التقوا كانَ أوّلَ قتيل وسنحكي خَبرَهُ في مَوضِعِه.
ورَدَّ عُمرُ قريب بنَ ظَفَرِ، وردَّ مَعَهُ السائب بن الأقرع وكان السّائبُ يومئذٍ مندوباً للأمانة وقسمةِ الفَيء، لأنّه كان كاتباً حاسباً، كما كان محمدُ بنُ مسلمةَ مندُوباً لتتبع العُمّالِ والطُّوافِ عليهم.
وقال عُمرُ للأقرع :
فقدما الكوفة بكتابِ عُمرَ بالاستحثاث. وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الرَّوادِفُ، ليُبلُوا في الدِّين، وليُدركُوا حَظًّا.
كان عُمرُ بن الخطّاب استدعى الهُرمُزانَ حين آمَنَهُ، فقال :
قال: «نعم. إنّ الفُرسَ اليوم رأسُ وجَناحانِ».
قال : فأين الرّأسُ».
قال: «بنهاوند مع بندار، ومعه أساورةُ كِسرى وأهلُ أصبهان».
قال : «فأين الجَنَاحَانِ؟».
فذكر مكاناً. قال الهرمزان :
فقال عُمرُ : «كَذِبتَ يا عَدوّ اللّه بَل أعمَدُ إِلى الرَّأْسِ، فأقطعه، فإذا قَطَعَهُ اللّه لم يقبض عليه الجناحان».
فكتب إلى أبي موسى أن : سر بأهل البَصرةِ، وإلى حُذَيفةً أن : سِر بأهل الكوفة. وبَعَثَ بعثاً من المدينةِ فيهم ابنُهُ عَبدُ اللّه بْنُ عُمَرَ، وفيهم المهاجرون والأنصار، وقال:
فخرج حديفَةُ بنُ اليَمانِ بالنّاس ومَعه نعيم بن مُقَرِّن حتّى قَدِمُوا على النُّعمان بِالطَّزَرِ وجَعَلُوا بِمَرج القلعة خيلاً عَليها النُّسيرُ، وقد كَتَبَ عُمرُ إِلى سَلمى بن القَينِ وحرمَلةً وزِرُ بنِ كُليب وقُوّادِ المسلمين الّذين كانوا بينَ فارِسَ والأهواز أن :
وبَعَثَ مجاشعَ بنَ مسعودٍ السُّلَمي إلى الأهواز، وقال له : انصُل منها على ماه. فلمّا صارَ بُعْضًى شجر ناحية مرج القلعة أمره النُّعمان أن يُقيمَ بِمَكانِه ونَصَلَ سُلميٌّ وحرملة وزِرُّ، فكانوا في تُخوم أصبهان وفارِسَ، فقطَعُوا بذلك عن أهل نهاوند الأمداد من فارِسَ.
وورد على النُّعمان، وهو بِطَزَر، كتابُ عُمَر :
فَبعثَ من الطَّزرِ طُليحةَ، وعمراً وعَمرو بن أبي سلمى لِيُؤَاتُوه بالخبر. فأما عَمْرُو وعمرُو فإِنَّهما رَجَعا من الطَّريقِ آخرَ اللَّيلِ.
فقال طليحةُ : «ما الّذي يُرجعُكُما؟».
قالا : «سرنا يوماً وليلة ولم نَرَ شيئاً، وخفنا أن يُؤخذ علينا بالطَّريقِ».
ولم يحفل بهما. ومضى طليحةُ حتّى انتهى إلى نهاوند، وبينها وبينَ الطَّرْرِ بِضعةٌ وعشرون فرسخاً.
فقالَ النّاس : «ارتدّ الثَّانية».
فلمّا عَلِمَ طليحةُ عِلمَ القَومِ، رَجعَ حتّى إذا انتهى إلى الجُمهور كبَّر النّاس.
وقالَ: «ما شأَنُ القَوم؟».
فأخبروه بالّذي خافُوا عَليهِ.
فقال: «واللّه لو لم يكن دين إلّا العربيَّة فقط، ما كُنتُ لأُجزِرَ هذه العرب العاربةَ لِهذِه العَجمِ الطَّماطِمةِ».
فأتى النُّعمان، فدخل إليه وأخبرَهُ أن ليس بينه وبين نهاوند شَيْءٌ يَكرهه.
فنادى النُّعمان بالرَّحيل وعبّاهُم، وجَعَلَ على المُجرَّدَةِ القعقاع بن عمرو، وكذلك جَعلَ على ميمنته وميسرته ومقدَّمتِه أهل النّجداتِ.
فلمّا اجتمعوا بنهاوندَ أرسلَ إليهم الفُرسُ :أن أرسِلُوا رَجلاً نُكلّمه. فأرسلوا المغيرةَ بن شُعبةَ.
فلمّا رَجَعَ سألوه عما جرى.
فقال : وجدتُ العِلج قد استشار أصحابَهُ.
فاجتمع رأيُهم على أفضل ما يكون من الشّارةِ والعُدَّةِ. فتهيَّأُوا بها. فلمّا أَتَيناهُم كادت تلك الحرابُ والنّيازِكُ يلتمعُ منها البصرُ، وإذا هم على رأسه مثل الشَّياطين، وإذا هو على سريرٍ من ذَهَبٍ، على رأسه التَّاجُ.
قال : فَمَضيتُ كما أَنَا ونَكَّستُ رَأسي. فدُفِعتُ، ونُهيتُ.
فقلتُ : «الرُّسُلُ لا يُفعَلُ بِهِم هذا !».
فقالوا: «إنّما أنت كَلب».
فقلتُ: «معاذ اللّه، لأَنا في قومي أشرفُ من في قومه».
فانتَهَرُوني وقالوا :
فأجلَسُوني، ثُمَّ قال - وتُرجِمَ لي قوله - :
قال : فَحَمدتُ اللّه وأثنيتُ عليه، ثُمَّ قُلتُ :
فقال: «واللّه لقد صدقكم الأعورُ ما في نفسه».
فَقُمتُ وقد أرعَبتُ العِلجَ. فأرسل إلينا العِلجُ.
فقال النُّعمانُ : «اعْبُرُوا».
وكانوا قد انتهوا إلى الإسبيذهان وهم وقوف دُونَ وادي خُرد على تعبيتهم، وأمرُهُم إِلى الفيرُزان وقد جُعِلَ بهمن جاذويه مكانَ ذي الحاجب، فهو على مُجنّبَتِه، وقد توافى إليه كُلُّ مَن غابَ عَنِ القادسيَّة والأيّام من أهل الثغور، وأمرائها، وأعلامهم. وأنشبَ النُّعمان بعد ما حَطَّ الأَثَقالَ وضُرِب الفُسَطَاطُ لِلقَتالِ، فاقتتَلُوا يومَ الأربعاء ويَومَ الخميس وهم كأَنَّهم جبال الحديد، وقد تواثَقُوا أَلّا يَفِرُّوا من العرب وألقوا حَسَكَ الحديدِ خلفَهم وقالوا : مَن فَرَّ مِنَا عَقَرَهُ حَسَكُ الحَدِيدِ.
فقال المُغيرةُ حين رأى كثرتهم: «لَم أَرَ كاليوم فَشَلاً، إِنْ عدونا يُتركُونَ يتأهبونَ لا يُعجَلُونَ، أَم واللّه لو أنَّ الأمرَ إِليَّ لأعجلتُهم».
وكان النُّعمان رجلاً ليناً، فقال:
يرحمكم اللّه».
فأَمِنا وبكينا. ثُمَّ أقدم بعد الصَّلاةِ للقتال.
قال : ولما كان يومَ الجمعةِ انجحروا في خنادقهم، وذلك لما رأوا صبرنا أنا لا نَبَرَحُ العَرصة فصبَرُوا معنا. ثمَّ إِنَّهُم لم يَصِيرُوا فَحَصَرَهُم المسلمونَ، فأقاموا عليهم ما شاءَ اللّه والفُرسُ بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. فاشتدَّ ذلك على المسلمين حدًّا، وخافوا أن يَطول أمرُهُم.
حتى إذا كان ذات يوم في جمعةٍ مِنَ الجُمعِ، تجمَّعَ أهلُ الرَّأْيِ مِنَ المسلمين، فتكلَّمُوا، وأتوا النُّعمان وقالوا :
وهو يُرَوِّي فيما رَبَّوا فيه. فقال :
وبعث إلى مَن بقي من أهلِ النّجداتِ والرَّأي في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلم النُّعمان فقال :
فتكلَّم عَمرُو بنُ أبي سلمى وكان أسنَّ القوم، فقال:
فَرَدُّوا جميعاً عليه رأيه، وقالوا :
وتكلّم عمرُو بنُ معدي كرب، فقال:
فَرَدُّوا جميعاً عليه رأيه، وقالُوا :
وتكلَّمَ طُليحةُ فقال :
فأمر النُّعمان بن عمرو، وكان على المجردِّة بذلك، ففعل، وأنشبَ القِتال بعد احتجاز من العجم، وأنغضَهم، فلما خرجُوا نكصَ، ثمَّ نكصَ، واغتنمها العَجمُ. فَفَعلُوا كما ظَنَّ طُليحة، وقالوا: هي هي فخرجُوا، فلم يبقَ أحدٌ إِلا مَن يَقُومُ لهم على الأبواب، وجعَلُوا يَركبونَهم حتّى أرز القعقاعُ إِلى النّاس وانقطع القَومُ عن حِصنهم بعض الانقطاع والنُّعمان بنُ مُقرّن والمسلمون على تَعبئتهم. وفي يَومِ جُمعةٍ وفي صَدرِ النّهار، وقد عَهْدَ النُّعمان عَهدَه وقال : إن أُصِبتُ فَفُلانُ، فإن أُصيبَ فَفلانٌ. وأمرهم أن يَلزَموا الأرض ولا يقاتلوا حتّى يأذن لهم. ففَعلُوا واستَتَرُوا بالجحفِ من الرّمي، وجَعلَ المشركون يرمونَهم حتّى أفشَوا فيهم الجراحات وشكا بعضُ النّاس ذلك إِلى بَعض ثُمّ قالوا لِلنّعمانِ :
فقال لهم النُّعمان : «رُويداً رويداً».
قالوا ذلك مراراً، فأجابهم بمثل ذلك
فقال المُغيرةُ: «لَو إِلَيَّ هذا الأمر، علمتُ ما أصنعُ».
فقال : «رُويداً، تَرى أمرَكَ وقد كُنتَ تَلِى الأمر فتُحسِنُ، فلا يخذلنا اللّه ولا إيّاك، ونحنُ نَرجُو في المَكثِ مِثلَ ما تَرجُو فِي الحَقِّ».
وانتظر النُّعمان أحبّ الأوقاتِ كان إِلى رَسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -.
فلمّا كانَ قريباً مِن تِلكَ السّاعةِ وهِيَ الزَّوالُ، سار فَوقَفَ على الرايات، ومدَحَهم، وحضَّهم. ثُمَّ عادَ إِلى موقفه، وكبر الأولى والثَّانية والثَّالِثَةَ والنّاس على غايَةِ السَّمْعِ والطَّاعَةِ. وحمَلَ النُّعمان والنّاس معه، فالتقوا بالسُّيوف، فاقتتَلُوا قِتالاً شديداً لَم يَسمعَ السّامعون بوقعةٍ قطُّ كانت أشدَّ منها، لا يومَ القادسيَّة لا غيرها ممّا تقدَّمَ، قتَلُوا فيها من الفُرس فيما بينَ الزَّوالِ والإعتام ما طبَّق أرض المعركة وما يزلق فيه النّاسُ والدَّوابُ، وزلَق بالنُّعمان فرسُه، وصُرِعَ، فأصيب. وتناوَلَ الرّايَةَ َأخُوهُ نُعِيمُ بنُ مُقرِّنٍ، وَسَجَّى النُّعمان بِثوبٍ، وأتى حُذيفةَ بالرّاية، وكانَ عَهِدَ إِليه بَعدَه، فأقام اللّواءَ. وقال المغيرةُ :
فلمّا أظلمَ اللَّيلُ انكشف المشركون، وتركُوا قصدَهُم، وأخذوا نحو اللّهبِ الّذي كانُوا نزلُوا دونَه بإسبيذَهانَ. فَوقَعُوا فيه، وجَعلَ لا يَهوِي فيه أحد إلّا قال: «واي خُرد»، فسُمِّيَ بذلك «وايه خُرد» إلى اليَوم. فمات فيه منهم نحو مائة ألف، وقتل في المعركةِ أعدادُهُم، ولم يُفلت إلّا الشريدُ. وَنَجا الفيرُزان من الَّصرعى في المعركةِ، فهرَبَ نحو همذان في ذلك الشَّرِيدِ، فَاتَّبَعَهُ نُعيم بن مقرِّنِ، وقدَّم القعقاع قُدَّامَهُ، فأدركَهُ حين انتهى إلى ثِنية همذان، وكانت الثِّنيةُ مَشحونةً مِن بِغالٍ وحميرٍ موقّرةٍ عَسَلاً، فَحبسَتهُ الدَّوابُّ عَلى أَجَلِه. فلمّا غَشِيَهُ القَعقاعُ وهو لا يَجِدُ طريقاً فتوقّل في الجبل، توقلَ القَعقاعُ في أثره حتّى أخذَهُ، ومضَى الفُلالُ حتّى انتهوا إلى مدينة همدان والخَيلُ في آثارِهم، فدخلوها. وسُمّيتِ الثَّنيةُ : ثنيةَ العَسَل، وقالَ المُسلمونَ :
واستاقُوا العَسلَ وما خالَطَهُ مِن سائر الأحمال.
ودخل المسلمون بعد هَزيمةِ الفُرس نهاوند، واحتووا على ما فيها، وجَمَعُوا الأسلابَ إلى صاحب الأقباض السّائب بن الأقرع. فبينا هم كذلك، أقبلَ الهِربذُ صاحبُ بيت النّارِ على أتانٍ، فأبلغَ حُذَيفة؟
فقال: «أتومنني على أن أخبرك بما أعلَمُ؟».
قال: «نعم!».
فقال: «إنّ النّخيرجان وضَعَ عندي ذخيرةَ كِسرى، وأنا مُخرِجها لَكَ على أَماني وأمانِ مَن شِئتُ».
فأعطاه ذلك، وأخرج له الأخيرةَ سَفطَينِ عَظيمين ليس فيهما إلّا اليواقيتُ واللُّؤلُؤ. فلمّا فرغ السّائبُ من قسمةِ الأموالِ اجتمع رأيُ المسلمين على دفعها إلى عُمرَ.
قال السائب : فأصابَ سَهم الفارس ستَّة آلافٍ، والرّاجل ألفاِن. فلما فرغتُ قَدِمتُ على عُمرَ ومعي السَّفَطَانِ، فقال :
-«ما وراءَكَ يا سائبُ !».
فقلت : «خيرٌ يا أميرَ المؤمنين، فتح اللّه عليك - فأعظم الفتح - واستُشهِدَ النُّعمان بن مُقرِّنٍ».
فقال عُمرُ : «إِنَّا للّه وإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ».
ثُم بكى فَنَشَجَ حتّى إِنِّي لأنظُرُ إِلى فُروع مَنكِبَيْهِ مِن فَوقَ كَتِدِهِ.
قالَ : فلما رأيتُ ما لَقِيَ قلتُ :
فقال: «المستضعفون من المؤمنين، لكنّ الّذي أكرمَهُم بالشَّهادَةِ يَعرِفُ وُجُوهَهُم، وأنسابهم، وما يصنعُون بِمَعرفةِ ابنِ أمٌ عُمَرَ».
ثُمَّ قامَ لِيدخُلَ، فقلتُ :
أخبرتُه الخبر عن السَّفَطَين، فقال:
قال : فأدخلتُهما بيت المال، وخرجتُ سَرِيعاً إلى الكوفة، وبات تلك اللَّيلةَ الّتي خرجتُ فيها. فلما أصبحَ بَعَثَ في أثري رَسُولاً، فواللّه ما أدركني حتّى دخلتُ الكوفة فأنَحْتُ بَعيري، وأناخَ بَعيرَهُ على عُرقوبي بعيري، وقال:
قال : قلتُ : «ويلك ! ولماذا ؟»
قال: «لا أدري واللّه».
فركبتُ معَهُ حتّى قَدِمتُ عليه. فلما رآني قال :
قال : قلت :
قال : «ويحك! واللّه إِن هُوَ إلّا نمتُ في تلك اللَّيلة الّتي خرجت فيها، فباتت مَلائكَةُ اللّه تسحبني إِلى ذَينِكَ السَّفَطين يَشتعِلانِ ناراً، يقولون: لنكوينَّك بهما ؛ فأقولُ : إِنِّي سأقسِمُهما بين المسلمين، فخُذهُما عَنِّي لا أباً لك، فالحَق بِهِمَا، فَبِعهُما في أعطِيَةِ المسلمين وأرزاقهم».
قال : فخرجتُ بهما حتّى وضعتهما في مسجد الكوفة وغَشِيَنِي التَّجارُ فابتاعَهُما مِنِّي عَمرُو بنُ حُريثٍ المخزومي بألفي ألف درهم، ثُمَّ خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعَها بأربعةِ آلافِ ألفِ درهم فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بَعدُ.
وقَسَمَ حذيفةُ لأهلِ المسالح جميعاً في نَهاوند، مِثلَ الّذي قَسَمَ لأهل المعركة،
لأنهم كانوا ردءاً للمسلمين لئلا يُؤتوا مِن وجه من الوُجُوهِ، وكانَ خَلَّفَ قوماً على قلاعٍ يُحاصِرونَ مَن فيها لئلّا ينزلوا فَيُؤتَى المسلمون من قِبَلِهِم، فَقَسَمَ لَهُم أيضاً.
وسُمِّي يومُ نَهاوندَ فَتح الفتوح، ولم تكُن لِلفُرس بعد قائمةٌ.
ومن عجيب ما مرَّ لهم في حصارِ نَهاوند أنَّ رجلاً يُقالُ لَهُ : جَعفرُ بنُ راشِدٍ، قال لِطُليحة :
«لقد أخذتنا خَلَةٌ، فهل بَقِيَ من أَعاجيبك شيءٌ تَنفعنا به؟».
فقال: «كما أنتُم، حتّى أنظرَ» فَأَخذَ كساءاً، فتقنَّعَ بِه غير كثير، ثُمّ قال :
فدخلوا البُستانَ، فَوجَدُوا الغَنم مُسمنَةً.
ثُمَّ جاء دينارٌ إِلى حُذَيفةً فصالحَهُ عَن ماه، فنُسِبَ إِليه ماهٌ. فكانَ يُوافي الكوفةَ كُلَّ سَنةٍ. فَقدِمَ الكوفة في إمارة مُعاويةَ، فقام في النّاس جميعاً، فقال:
ثُمَّ إِنْ نُعيمَ بنَ مُقرِّنٍ فَتحَ همذان، وسارَ إِلى الرَّيِّ، وكانَ بالرّي يومئذٍ سياوخش مَلِكاً عليها وهو سياوخشُ بنُ مهرانَ بن بهرام شوبين. فاستمدَّ أهل دنباوند، وطبرستان، وقُومِس، وجُرجان، وقال : «قد عَلمتُم أنَّ هؤلاء إن حَلُّوا بالرَّيِّ إنّه لا مُقامَ لكم». فاحتشدُوا لَهُ فناهَدَة سياوخشُ، فالتقوا في سفح جبلِ الرَّيِّ إِلى جنب مدينتِها، فاقتتَلُوا به. وكان الزَّينبيُّ مستوحشاً من سياوخش، فكاتب نُعيم بن مقرّن، وصالحَهُ وعاونَهُ، وكان الزينبي قال لنُعيم :
فبعث معه خيلاً من اللّيل عَليها ابنُ أخيه المنذرُ بن عَمرو. فأدخَلَهم الزَّينبيُّ المدينةَ ولا يشعُرُ القَومُ، وبيَّتهم نُعيمٌ بياتاً، فشغلَهُم عن مدينتهِم، فاقتتَلُوا، وصَبرُوا حتّى سمِعُوا التّكبير من ورائهم. إِنّهم انهزموا فقُتِلوا مَقتَلةً عَظيمةً، فأفاءَ اللّه على المسلمين بالرَّيِّ نَحواً من فيءِ المدائن، وصالحه الزّينبيُّ على أهل الرَّيِّ ومَرزَبَهُ عليهم.
وكتب نُعيمٌ بالفتح وبعثَ بالأخماسِ إِلى عُمرَ.
وكان يُكيرُ بنُ عَبدِ اللّه قد توجَّه إلى أذربيجان، فأمدَّه نُعيم بعدَ فَتحِ الرَّيِّ بسماك بن خَرَشَةَ الأنصاري. فأمّا المصمغان - وهو مردانشاهُ صاحبُ دنباوندَ والخزرِ والأرز والسَّرو - فإنَّه راسل نُعيماً في الصُّلح على شيءٍ يفتدي مِنه به، من غير أن يسألَهُ النَّصر والمنعَه. فقبِلَ مِنه، وكتب على غير نصرٍ ولا معونةٍ على أحدٍ، فجرى ذلك لَهُم.
وقدمَ سُويد بن مقرِّن أخاهُ بأمرٍ عُمرَ إِلى قُومِس، فلم يَقُم له أحد، وأخذها سلماً، وكتب لَهُم أماناً، وقَبِلَ جِزَيْتَهم.
ثُمَّ كَاتِبَ ملكَ جُرجان رُزبان صول. ثُمَّ صارَ إليها، فبادره بالصّلح، وتلقّاه، فدخَلَ معه جُرجانَ، وعَسكر بها، وجُبِي إِليه الخَراجُ، وسَمّى لَهُ فروجها، فَسدَّها بِتُركِ دِهَستان. فرفع الجزي عمَّن أقام بمنعَتها، وأخذ الخراجَ من باقي أهلِها، وكتب بينهم كتاباً بالأمانِ وقبول الجزيَةِ ما نَصَحُوا وفروا المسلمين، وعلى أنّ من سَبَّ مُسلِماً بلغ جهده، ومَن ضَربه حَلَّ دَمُه. وراسَلَهُ الإصبهبذُ في الصُّلح أن يَتَوَادَعا ويجعَلَ له شيئاً على غير نَصر ولا معونةٍ على أحدٍ. فكتبَ لَهُ بذلك كتاباً على ألّا يُؤْوُوا للمسلمين بغية، ولا يسلُّوا لهم إلى عدوّ، ولا يُدخل عليه إلّا بإذنه وكذلك سبيلُهم.
وكان بكير سار حين بُعثَ إلى أذربيجان حتّى إذا طلع بجبال خرشدان طلعَ عليهم اسفندياذُ بن الفرخزاد مَهُزوماً من واج رود. فكان أوّل قتاله لَقَيهُ بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزمَهُ، وأخذ بكيرُ اسفندياذ أسيراً.
فقال له اسفندياذ : «الصُّلحُ على أذربيجان أحب إليك أم الحرب؟».
قال : «بل الصُّلح».
قال: «فأمسكني عندك فإنَّ أهل أذربيجان إن لم أُصالح عليهم أو أجيء لم يُقيمُوا، وجَلوا إلى الجبال الّتي حولها من القبح والروم. ومَن كان على التحصُّنِ تحصَّنَ إلى يومٍ ما».
فأمسكه عندَه، فأقامَ وَهُوَ فِي يَدِه، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حِصن. وقدِمَ عليه سِماكُ بنُ خَرشَة، وقد صار اسفندياذ في إساره. وفتح عتبة بن فرقد من جهته ما يليه، فقال بُكيرٌ لِسِماكِ بنِ خَرَشَة كالمُمازح :
وكاتب عُمرَ في ذلك. فكتب إليه في الإذنِ على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عَمَلِه. فاستخلف عُتبةَ على أن يتقدّم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عَمَلِه. فاستخلف عُتبةَ على ما افتتح ومضى قدماً، وقدم اسفندياذ إلى عُتبةً، وأقَرَّ عتبةُ سماك بن خَرَشةَ، وليس بأبي دُجانة، على عَمِل بكير الّذي كان افتَتَحَ.
وجَمعَ عُمرُ أذربيجانَ كُلَّها لِعتبة، وقد كان بهرام بنُ الفرّخان أخذ بطريقِ عُتبة بنِ فرقد، وأقام له في عَسكره حتّى قدِمَ عليه عُتبةُ، فهزمَهُ عتبةُ وهرب بهرام.
فلمّا بلغ خبر هزيمة اسفندياذ وهو في الإسار عند بكير قال :
فبعث بالأخماس. وكان يُكيرٌ سبق عُتبةَ بِفتح ما وَليَ، وتمَّ الصُّلحُ بعدما هزم عُتبةُ بهرام. فكتب عُتبةُ بَينَهُ وبينَ أهل أذربيجان كتاباً - حيثُ جُمع له عَملُ بكير إلى عمله - بالأمانِ وشُروطِ الجزيةِ وقِرَى المسلمين وغير ذلك.
وأَنفذَ عُمرَ سُراقَةَ بن عَمرو - وكان يُكنّى ذا النّونِ - إلى الباب وجعل على مُقدّمته عبد الرّحمن بن ربيعة وسُمِّيَ لإحدى مُجنَّبتيهِ حذيفة بن أسد، وسُمِّيَ لِلأخرى بُكَيرُ بنُ عُبيد اللّه الليثي، وهو الّذي كان بإزاء الباب قبل قدوم سُراقَةَ عليه. فلمَّا قَدِمَ سُرَاقَةُ قَدَّم بكيراً في أدانِي البابِ، فدخل بكيرٌ بِلادَ البَابِ والملكُ يومئذٍ شهربراز، الّذي أفسد بني إسرائيل وأعرى الشامَ مِنهُم.
فكاتب عبدُ الرّحمن شهر براز، واستأمَنَهُ على أن يأتيه. ففعل، فأتاهُ، فقال لَهُ :
فقال عبد الرّحمن : «فوقى أمير قد أظلَّكَ، فَسِر إليهِ فَجَوِّزهُ».
فسار إلى سُراقة، فلقيهُ بمِثلِ ذلك.
فقال سُراقةُ : «قد قَبِلتُ ذلك مِمَّن كان معكَ على هذا ما دامَ عليه، ولا بُدَّ مِن
الجزى مِمَّن يُقيمُ ولا يَنهَضُ».
فقبِلَ ذلك، وكتب سُراقة إلى عُمر بن الخطّاب بذلك، فأجازَهُ، وحَسَّنَهُ، وصارت سُنَّةً فيمن يُحاربُ العَدوَّ مِن المُشركين وفيمَن لم يكن عِندَه الجزى أن يُستَنفَروا، ثمَّ يُوضَعَ عنهم جزى تِلكَ السَّنَةِ.
وَوَجَّهَ سُراقةُ بعد ذلكَ بُكيرَ بنَ عَبدِ اللّه، وحَبيبَ بنَ مَسلَمَة، وحُذيفةَ بنَ أسدٍ، وسلمانَ بنَ ربيعة إلى الجبالِ المُطيفةِ بأرمينيّة، ووجّه بكيراً إلى مُوقان، وحبيباً إلى تفليسَ وحُذيفَةً إلى جبال اللآن، وسلمانَ إلى الوجهِ الآخَرِ، وكتب سراقةُ بالفَتحِ وبمَن وجَّهَ مِن هؤلاءِ النَّفرِ. فأتى عُمر بن الخطّاب أمر لم يَكُنْ يَرى أَنَّه يَستمِرُّ بتلك السُّرعةِ بغير مؤونةٍ. فلمّا استوسق الأمرُ بتلك النّاحية واستحلوا عدل الإسلام مات سُراقةُ واستخلَفَ عبد الرّحمن بن ربيعة.
فأقرَّ عُمرُ عبدَ الرّحمن على فرج الباب، وأمره بغزو التُركِ. فخرج عبدُ الرّحمن بالنّاس حتّى قطعَ البابَ.
فقال له شهر براز: «ما تُريدُ أن [تصنع]؟».
قال: «أريدُ بلنجر».
قال : إِنَّا لَنَرضى منهم أن يَدَعُونا من دون الباب». قال: «لكنا لا نرضى منهم بذلك حتّى نأتِيَهُم في ديارهم. واللّه إِنْ معَنا لأقواماً لو
يأذن لنا أميرُنا في الإمعانِ لَبَلَعْتُ بهم الرُّوم».
قال: «وما هم؟»
قال: قومٌ صَحِبُوا رَسولَ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ودخلوا في هذا الأمر بنيَّة، كانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية، فازداد حياؤُهُم وتكرَّمُهُم، فلا يزالُ هذا الأمرُ دائماً لَهُم، ولا يزال النّصرُ معَهُم حتّى يُغَيّرهُم أمرٌ، أو يُلفَتُوا عَن حالِهِم بِمَن يُغَيِّرُهم».
فغزا بَلنجر - غزاه في زمن عُمرَ - لم تتم فيها امرأةٌ ولا يَتِمَ فيها صَبيٍّ. وبلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجرَ، ثمَّ غزا فسلم أيضاً، وغزا [غزوات] في زَمَنِ عثمان وأصيب عبدُ الرّحمن حين تبدَّلَ أهل الكوفة في إمارة عثمان، لما استعمل مَن كان ارتدَّ واستعان بهم، فساد من طلب الدُّنيا، وعضّلوا بعثمان حتّى كان يتمثلُ :
وكنتُ وَعَمراً كَالمُسمِّنِ كَلبَهُ***فخدَّشَهُ أنيابه وَأَظافِرُهُ
وكَانَ عبدُ الرّحمن بن ربيعةَ لما غزا الترك، قالوا «ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعهم الملائكةُ يمنعُهُم مِن المَوتِ». فتحصَّنُوا مِنه، وهرَبُوا. فرجع بالغُنم.
فلمّا كان بعد ذلكَ غزا تِلكَ الغزواتِ الأَخَرَ على تِلكَ العادة، حتّى إذا كانَ في
زمَنِ عثمانَ بعد السنين السِّتُ مِنهُ، غزا غزوةً. وكان من الترك طائفةٌ في الغياض مختفین فرمى رَجلٌ منهم مُسلِماً على غِرَّةٍ، فقتله وهرب عنه أصحابه، فتجاسروا بعد ذلك وتنادَوا.
فأمّا عبدُ الرّحمن فقُتِلَ، واشتدَّ القِتالُ وأخَذَ الرّايَةَ سلمانُ بنُ ربيعة، وخرج بالنّاس على جيلان إلى جُرجان واجترأ التُرك بعدها، ولم يمنعهم ذلك مِن اتخاذِ جَسَدِ عبد الرّحمن، فهم يستسقُون به حتّى الآن.
ولمّا انتهى يَزدَجِردُ في مَسيرِهِ بعد جلولاء إلى الرَّيّ كان عليها أبان جاذويه، فوثَبَ عليه فأخذه، فقال:
قال : ولكنك تركتَ مُلكَكَ وصارَ في يَدِ غيرك وأريد أن أكتتب على ما كانَ لي مِن شيء، وما أردتُ من غير ذلك».
وأخذ خاتم يزدجرد وكتَبَ الصِّكاكَ على الأدم، وسَجَّلَ السِّجِلّاتِ بِكلّ ما أَعجَبَهُ، ثمَّ ختم عليها، وردّ الخاتَمَ ثمَّ أتى بعد سعداً فرد عليه كُلّ شيء في كتابه. واستوحش يزدجردُ مِن أبانَ وكَرِهَهُ. فخرج هارباً إلى أصبهان ومعه النار، وأراد كرمان.
ثمَّ عزم على خراسان ليستمد الترك والصّين وهو قريبٌ مِنهُم. فأتى مرو، فنزلها، وبَنى لِلنّارِ بيتاً، واطمأنَّ في نَفْسِه.
وخرج عبدُ اللّه بن عامر من البصرة في هذهِ السَّنة، بن عامر من البصرة في هذهِ السَّنة، وهي سنة إحدى وثلاثين، غازياً إلى خراسان، ففتح نَيسابُورَ وطُوسَ ونسا حتّى بلغ سَرخس، وعلى مُقدَّمتِهِ الأحنف بن قيس، فلقيه الهياطلَةُ، وهُم أهلُ هراةَ، فهزمهم الأحنف، فبعثَهُ ابنُ عامر إلى طخارستان. فلمّا دَنا الأحنفُ مِن مَرو الشّاهجان خَرجَ منها يَزدَجِردُ نَحوَ مَروِ الرُّوذِ، فنزلها، ونزل الأحنف مَروَ الشَّاهجان، وكتب يَزدَجِردُ إلى خاقانِ مِن مَروِ الرُّوذِ يَستَمِدُّهُ، وكتب إلى مَلِكِ الصُّعْدِ يَستَمِدُّهُ. فخرج رسوله إليهما، وكتب إلى مَلِكِ الصِّين يستعينه.
وخرج الأحنف من مَروِ الشّاهجان، واستخلف عليه بعد ما لَحِقَتهُ الأمدادُ مِن أهل الكوفة قاصداً مَروَ الرُّوذِ. فلما بلغ مَسيرُهُ يَزدَجِردَ خرج إلى بلخ. ونَزلَ الأحنف مرو الرُّوذِ، وقَدِمَ أهل الكوفة، فساروا إلى بلخ، واتَّبَعَهُم الأحنف، فالتقى أهل الكوفةِ ويَزدَجِردُ بِبلخ، فهُزم يَزدَجِردُ، وتوجَّهَ في أهل فارِسَ إلى النّهر، فَعَبَر، ولحق الأحنفُ بأهل الكوفة وقد فتَحُوا بلخ، وعادَ الأحنف إلى مَروِ الرُّوذ.
وكَتبَ عُمرُ إلى الأحنف:
«أمّا بَعدُ، فلا تَجُوزوا النَّهرَ، واقتصروا على ما دُونَهُ».
وبلغ رسُولاً يَزدَجِردَ خاقان وعارك، فلم يَستَتِبَّ لهم إنجادُهُ، حتّى عَبر إليهم النّهر مهزوماً. فأنجَدَهُ خاقان، فأقبلَ في التُركُ، وحشر أهلَ فرغانة والصَّغدِ، حتّى خرج بهم راجعاً إلى خراسان فعَبَرَ إلى بلخ وعبر معَه خاقان، فأرزَ أهل الكوفة إلى مَروِ الرُّوذِ، إلى الأحنف.
فاستشار الأحنفُ المسلمين. فاختلفُوا فَبين قائل يقولُ: «نرجع إلى أبرشهر»؛ وقائلٍ يقولُ: «تقيمُ ونستمد». وقائل يقولُ: «تُناجِزُهم».
و خرج المشركون مِن بَلخ حتّى نزلوا على الأحنفِ مَروَ الرّوْذِ. وكان الأحنف حين بَلغَهُ عُبورُ خاقانَ نَهر بلخ غازياً له، خرج من عَسكره ليلاً يتسمَّعُ : هل يَسْمَعُ برأي ينتفع به؟ فلمَّا خرج مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُنَقِّيَانِ عَلَفاً، إما تِبْناً، وإمّا شعيراً، وأحدُهما يَقُولُ لِصاحبه:
فقال له صاحبه: «أخطأتَ الرَّأيَ، إن لَقِيَ العَدُوّ مُصحِراً في بلادهم لقي جمعاً كثيراً بعَدَدٍ قليلٍ، فإن جالُوا جَولة اصطَلَمونا. ولكنَّ الرَّأي للأمير أن يُسنِدَنا إلى هذا الجبل، ليكونَ النَّهرُ بيننا وبين عدونا خندقاً، وكانَ الجَبلُ في ظُهُورِنا، نأمَن أن نُؤْتَى مِن خَلفِناً، وكان قتالُنَا مِن وجه واحد [و] رجونا أن ينصُرَنا اللّه».
فرجع، واجتزاً بها. وذلك في ليلةٍ مُظلِمةٍ. فلما أصبحَ جمع النّاس، ثم قال :
فَفَعَلُوا، وقد أعدُّوا ما يُصلِحُهُم في عشرةِ آلافٍ مِن أهلِ البَصرة، وأهلُ الكوفة نحوٌ مِنهم. وأَقبلتِ التُركُ ومَن اجتلبت من الصُّغدِ وغيرهم حتّى نزلوا بِهِم. فكانوا يُغادونَهُم ويُراوِحُونَهم ويَتَنَحَّونَ عنهم باللّيل ما شاءَ اللّه.
وطلبَ الأحنفُ عِلمَ مكانِهم باللّيل. فخرجَ ليلةً بعد ما عَلِمَ عِلمهم طليعةً لأصحابِه حتّى كان قريباً من عَسكرِ خاقان، فوقف. فلمّا كان في وجهِ الصُّبح خرج فارِسُ التُركِ بطوقِه، وضَرَبَ بِطَبلِهِ، ووقف مِنَ العسكر موقفاً يَقِفُهُ مِثلُهُ. فحمل عليه الأحنفُ، فاختلفا طَعنتين سَبَقَهُ الأحنفُ، فقتله. قال الأحنفُ : فارتَجزتُ :
إِنْ عَليّ الرَّئيس حَقّاً حَقّاً***أن يَحْضِبَ الصَّعدةَ أو تندَقا
ثمَّ وقف موقف التركي، وأخذ طوقه، وخرج آخَرُ مِن الترك، فَفَعَلَ فِعل صاحبه، فحمَلَ عليه الأحنفُ، فقَتَلَهُ. ثم وقف موقف التركي الثاني. قال الأحنف : فارتجزتُ :
إنّ الرَّئيسَ يَرتَبي ويَطلع***ويَمنعُ الحِلاء إمّا أربَعُوا
وأخذ طوق التّرِكي، ثم خرج ثالثُ، فَفَعَلَ فِعلَ الرَّجلينِ، ووقف دونَ الثاني منهُمَا، فَحَملَ عليه الأحنفُ، فقَتَلَهُ، قال : وارتجزتُ :
جَرْيَ الشَّموسِ ناجزاً بِناجِزِ***مُحتفلٍ في جَرْيِهِ مُشارِزِ
ثمَّ انصرف إلى عَسكرهِ ولا يعلم بذلك أحدٌ. وكان من شيمةِ التُّركِ أنَّهم لا يخرجون حتّى يخرج ثلاثةُ مِن كُبرائهم وفُرسانهم يضربون بالطبول. ثم يخرجون بعد خروج الثّالث. فخرجتِ التَّركِ لَيلَتَئذ بعد الثالث على فُرسانهم مُقَتَّلينَ، فَتَشَاءَمُوا،
وتَشاءَمَ خاقانُ وتطير وقال :
فكان وُجُوهُهم راجعين، وارتفع النَّهار للمسلمينَ ولا يرون شيئاً. وأتاهم الخبَرُ بانصراف خاقانَ إلى بَلخ، وقد كان يزدَجِردُ تَرَكَ خاقانَ بِمَروِ الروذ، وخرج إلى مَروِ الشاهجان فتحصَّن منه حارثة بنُ النُّعمان خليفة الأحنفِ، فَحَصَرَهُم واستخرج خزائنَهُ من موضعها وخاقان ببلخ ينتظِرُهُ مُقيمٌ له.
فقال المسلمون: «نحنُ نَتَّبع خاقان».
فقال: «بل أقيموا مكانكم».
ولما جمع يَزدَجِردُ ما كان في يَدَيهِ ممّا وضع بِمَروَ وأُعجِلَ عنه، وأراد أن يَستقِلَّ منها، حاول أمراً عظيماً من خزائن أهل فارس وكان أراد اللحاق بخاقان.
فقال أهلُ فارِسَ : «ما تُريدُ أَن تصنع ؟».
قال : أريد اللِّحاق بخاقان فأكون معه أو بالصّين».
فقالوا له : «مَهلاً، فإنَّ هذا رأيُ سُوءٍ إِنَّكَ إنّما تأتي قوماً في مملكتهم وتَدَعُ أرضَكَ وقومَكَ، ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم، فإنَّهم أوفياء وأهل دين، وهم يَلُونَ بِلادَنا، وإنّ عَدُوّاً يلينا في بلادنا أحبُّ إلينا مِن عَدُوٌّ يلينا في بِلادِه، ولا دين لهم، فلا نَدري ما وفاؤُهُم».
فأبى عليه، فأبوا عليه. قالوا :
فأبى. فقالوا : «فإنّا لا نَدَعُكَ».
فاعتزلُوا وتركوهُ في حاشيته. ثمَّ اقتتلُوا، فهزموه، وأخذوا الخزائنَ واستولَوا عَليها، ونَكَبُوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضَهم المسلمونَ والمشركونَ بِمَرو، فقاتَلُوهُ، وأصابُوه في آخرِ القوم، وأعجَلُوه عَنِ الأثقال ومضى حتّى قطعَ النَّهِرَ إلى فَرغانة والترك، فلم يَزَل مقيماً زمانَ عُمَرَ كُلَّهُ يُكَاتِبُهم ويُكاتِبونَه إِلى زَمانِ عُثمان.
فأقبل أهل فارس إلى الأحنف فصالحُوهُ، وعاقَدُوهُ، ودفَعُوا الخزائن والأموالَ، وتراجَعُوا إلى بلدانِهِم وأموالِهم، على أفضل ما كانوا في زمانِ الأكاسرةِ، فكانوا كأنّهم في مُلكِهم. إلّا أن المسلمين أوفى لهم وأعدلُ عليهم.
وأصاب الفارِسُ يومَ يَزدَجِرد كسهم الفارِسِ يومَ القادسيَّة.
ولمّا سَمِعَ خاقان ما لَقِيَ يَزدَجِرد وخروج المسلمين مع الأحنفِ مِن مَروِ الرّوذ نحوَه تَركَ بَلخَ وعَبَرَ النّهر، وأقبل الأحنف حتّى نزل بلخ، وأنزلَ أهل الكوفة في كُورِهَا الأربع، ثمَّ رَجَعَ إِلى مَروِ الرُّوذِ، فنزَلَ بِها، وكَتَبَ بفتح خاقانَ ويَزدجرد إلى عُمرَ، وبَعثَ إليه بالأَحْمَاسِ، وَوَفَدَ الوُفود إليه.
ولما عبر خاقانُ النّهر، وعَبرَ معه معه حاشِيَةُ آلِ كِسرى مع يزدجردَ لَقُوا رسُولَ يَزدَجِردَ الَّذِي كان نفذ إلى ملك الصين، فسألُوهُ عَمّا وراءَهُ.
فقال : لمّا قَدِمتُ عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما تَرونَ. - وأراهُم هَديَتُه وجوابَهُ عن كتاب يزدجرد إليه - قال لي :
فقلتُ: «سَلني عَمّا أحببت أخبركَ».
قال : «أيوفونَ بالعَهدِ؟».
قلت: «نعم».
قال: «وما يقُولُونَ لَكُم قبل أن يُقَاتِلُوكُم؟».
قلت: «يَدعونَنا إلى واحدةٍ مِن ثلاثٍ: إمّا دينهم فإن أجبناهُم أجرونا مجراهُم، أو الجِزيةِ والمنعَةِ، أو المُنَابَذَةِ».
قال : «فكيف طاعتُهم أمرَاءَهُم ؟».
قلتُ: «أطوعُ قَومِ لِمُرشِدِهِم».
قال : «فما يُحرِّمونَ وما يُحِلُّونَ؟».
فأخبرته.
قال: «أفيُحِلُّونَ ما حُرِّمَ عَليهِم، أو يُحَرِّمُونَ ما حُلِّلَ لَهُم؟».
قُلتُ : «لا».
قال: «فإنَّ هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتّى يُبدِّلُوا».
ثمَّ قال: «أخبرني عن لباسهم» فأخبرتُه : «وعَن مَطإيّاهم» فقلت :
فقال: «نِعمتِ الحُصونُ هذه».
ووَصَفتُ لَهُ الإِبلَ وبُروكَها وانبعاثَها بِحِملها.
فقال: «هذه صِفةُ دَوابٌ طِوالِ الأعناقِ».
وكتب معه إلى يزدجرد :
وأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة معهم عهد بخاقان، ثمَّ جرَى ما جرى مِن قِبَلِ عُمرَ، رَضِيَ اللّه عنه.
كان يكتب لعُمرَ زيدُ بنُ ثابتٍ، وعبد اللّه بنُ الأرقم، وعبد اللّه بنُ خلفٍ الخُزاعي أبو طلحة الطّلحات على ديوانِ البَصرة، وأبو جُبيرة بن الضَّحَاك الأنصاري على ديوان الكوفة. فأما زيد بن ثابت فإنَّه كان كاتِبَ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فكان يخلُو به عُمرُ.
فقال له يوماً : «إنّي استصحبتُكَ لِكتب أسراري الّذي رأيتُ رَسُولَ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - يفعَلُه بك. فأخبرني عن كُتُبِه كيف كانت إلى الملوك وغيرِهم».
فقال زيدُ: «اعفني يا أمير المؤمنين».
فقال لَهُ : «ممّا ذاك؟».
قال زيد : «إنَّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال لي: يا زَيدُ إِنِّي انتَخَبْتُكَ، فاحفظ أسراري، واكتُم ما استحفظتُكَ. فَضَمِنتُ له ذلك».
فأَمْسَكَ عمرُ عن مُعاوَدته، لكن كان يُملي عليه ويَستعينُ برأيه. وكان زيد ذا رأي ونفاذٍ.
وكان عُمرُ يقول لِكُتَّابِهِ ويكتب إلى عُمَّالِه : «إنّ القُوَّةَ عَلَى العَمَلِ أن لا تُؤخِّرُوا عَمَلَ اليوم لِغَد، فإنَّكم إذا فعلتُم ذلك تَداكَّتِ الأعمالُ عليكم، فلا تَدرُون بأيّها تَبدَأونَ، وأيّها تُؤَخِّرُونَ».
وكان عُمرُ أولَ مَن َدوَّنَ الدَّواوين من العرب، وكان سبب ذلك أن أبا هريرة قَدِمَ عليه من البحرين ومعه مالُ، فلقي عُمرَ. فقال له عُمرُ :
قال: «خمسمائة ألف درهم».
فقال عُمرُ: «أتدري ما تقول؟».
قال: «نعم، مائة ألفٍ، ومائة ألفٍ، ومائة ألف، ومائة ألفٍ، ومائة ألفٍ».
فصعِدَ المنبر، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عليه، ثم قال :
فقام رجلٌ فقال : «يا أمير المؤمنين هؤلاء الأعاجِمُ يَصْبِطُونَ هذا بالدّيوان».
قال : «فَدَوْنُوا الدَّواوينَ».
وكانَ عمرُ بَعثَ بَعثاً بعد أن آمَنَ الفَيرُزان وحضَرَهُ فقال :
وأشار عليه بالديوانِ وفسره له، فوضع عُمرُ الدِّيوان.
وكان أبو موسى الأشعري كتب إلى عُمرَ رضي اللّه عنه :
«إنّ المالَ كثُرَ وكثُرَ مَن يأخذَهُ، فلسنا نحصيه إلا بالأعاجم، فاكتب إلينا برأيك».
فكتب إليه عُمرُ : لا تُعدهُم في شَيءٍ سَلَبَهُم اللّه إيّاه، أنزِلُوهُم حيثُ أنزلَهُم اللّه وتعلَّموا».
فاستكتب أبو موسى زياداً، وكتب عُمرُ إلى أبي موسى يستقدِمُه. فاستخلف زيادُ
عمران بن حصين وقَدِمَ عليه. فقال عمرُ :
ثمَّ دعا بزيادٍ وقال : «اكتب إلى خَليفَتِكَ بِما يَحبُ أن يعمل به».
فكتب إليه كتاباً ودفَعَه إلى عُمَرَ، فنظر فيه، ثمَّ قاد: «أعِد»، فكتب غيره، ثمّ قال: «أعِد»، فكتب الثالث.
فقال عُمرُ بعد ذلك :
كان عُمرُ يُملي على كاتب بين يديه وزيادٌ حاضِرٌ. فكتب الكاتب غير ما قالَ عُمرُ.
فقال له زياد : «يا أمير المؤمنين، إنّه يكتب غير ما قُلتَ له».
فقال عُمرُ : «أَنَّى علمتَ هذا».
فقال: «رأيتُ رَجعَ فيكَ وخَطَّهُ؛ فرأيتُ ما أجارَت كفُهُ غير ما رجعت به شَفَتَيكَ».
فاستحسنَهُ عُمرُ.
ثم قالَ لَهُ يوماً : «يا زيادُ، هل أنت حاملٌ كتابي إلى أبي موسى في عَزلِكَ عن كِتابَتِهِ ؟».
قال: «نَعَم، يا أمير المؤمنين. ولكن أعَن عَجزٍ أم خيانةٍ؟».
قال : «لا عن واحدٍ منهما، ولكنّي أكره أن أحمل فضلَ عَقلِك على الرَّعِيَّةِ».
وكان عُمرُ أوّلَ مَن كتب التّاريخ من الهجرة لأن أبا مُوسى كَتَبَ إِليه أنّه : «تأتينا منك كُتب ليس فيها تاريخٌ». - وكانت العربُ تؤرّخُ بعام الفيل. فَجَمعَ عُمرُ النّاس للمشورة.
فأشار بَعضُهم : أن يؤرخ بِمَبعثِ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) -.
وقال بعضُهم : «بمهاجرته». فأَرْخَ به وكان ذلك في سَنَةٍ سبع عشرة، أو ثماني عشر من الهجرة.
ثم قالوا : «بأيِّ الشُّهور نَبدأ؟».
فقال بَعضُهم: «بشهر رمضان».
فقال عُمرُ : «بَل بالمُحرَّم، فهو منصرف النّاس مِن حَجْهِم، وهو شهر حرام».
فأجمعُوا على المحرَّمِ.
ودخل كاتب لعمرو بن العاص على عُمرِ فحاوَرَهُ فأحسنَ الكلام، فقال عُمرُ :
فقال : بلى.
فقال عُمرُ : «لا يَلبتُ القَلمُ، أو يُبلغ بصاحبه».
وكان عُمرُ إذا استعمل عاملاً كتب له عهداً، وأشهدَ عَليهِ رَهطاً مِن المهاجرين والأنصار واشتَرَطَ عَليهِ ألا يركب برذوناً، ولا يأكُل ما لا يقدِرُ عليه أوساطُ رَعِيَّتِه، ولا يلبس دقيقاً، ولا يتّخِذَ باباً دون حاجاتِ النّاس.
وهُوَ أوّلُ مَن خُوطِبَ ب«أمير المؤمنين» وذاك أنّ أبا بكر خُوطِبَ ب«خليفة رسُولِ اللّه» - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فلمّا خلف عُمرُ خوطِبَ ب«خليفة خليفة رسولِ اللّه».
قال عمر : أمرٌ يَطُولُ إذا جاءَ خليفةٌ آخَرُ قلتُم: «خَليفَة خَليفَة خليفة رسولِ اللّه»، بل أنتم «المؤمنون» وأنا «أميرُكم».
وهو أوّلُ مَن جمعَ النّاس على إمام [يُصلّي بهم التراويح] في شهرِ رمضان، وكتب به إلى البُلدان وأمرَهُم بذلك، وزاد في مصابيح المساجِدِ.
وهو أوّلُ من حَمَلَ الدِّرَّة وضَرَبَ بِها.
فمن ذلك ما رَوَيناهُ أنّ عُمر بن الخطّاب - رَضِيَ اللّه عنه - أُتِيَ بمالٍ، فجعل يقسِمُه بين النّاس، فازدحَموا عليه. فأقبل سعد بن أبي وقّاصٍ يزاحِمُ النّاس حتّى خلص إليه، فعلاه عُمرُ بالدِّرَّةِ، وقال :
ورَأَتِ الشّفاءُ بِنتُ عَبدِ اللّه قوماً يقصِدون في المشيِ، ويتكلّمون رويداً.
فقالت: ما هذا؟».
قالوا: «نُسَاكُ».
فقالت: «كان واللّه عُمرُ إذا تكلَّم أسمعَ، وإذا مشى أسرع، وإذا ضَرَبَ أوجَعَ. هو وَاللّه النّاسكُ حقاً».
وذكر قومٌ رجلاً بين يدي عُمرَ، ووصفوهُ وقالوا:
قال : «أَجدَرُ له أن يَقعَ فيه».
واستعمل عُمرُ عُتبةَ بن أبي سفيان على كنانة، فقَدِمَ عليه بِمالٍ. فقال عُمرُ :
قال: «هذا مال خرجتُ به معي فتجرتُ فيه».
قال: «وما لك تُخرجُ المالَ مَعَك في هذا الوجه، فصَيْرَهُ في بيتِ المالِ».
فلمَّا وَلِيَ عثمانُ قال لأبي سفيان :
فقال أبو سفيان : إنّكَ إن خالفتَ صاحبَك الّذي تقدمك ساءَ رأي النّاس فيك إيَّاكَ أن تردَّ على مَن قَبلَكَ فَيَرُدَّ عَليكَ مَن يَجِيءُ بعدَك.
وكان عُمرُ يُكثر الخلوة بقوم مِن الفُرس يقرأون عليه سياساتِ المُلوكِ وسِيَّما ملوكِ العَجم الفُضلاءِ، وسِيَّما أنوشروان ؛ فإنّه كانَ مُعْجباً بها، كثير الاقتداء بها. وكان أنوشروان مقتدِياً بسيرة أردشِيرَ آخِذَاً نفسَهُ بها، وبعهدِه الّذي كتبناه فيما مضى، مطالباً به غيرَهُ. وكان أردشيرُ مُتَّبِعاً لِبَهمَنَ وكورس، مُقتدياً بهما. فهؤلاء جِلَّةُ مُلوكِ الفُرس وفُضلاؤهُم الّذين ينبغي أن يُقتدى بأفعالهم وسِيَرِهم وتُتعَلَّمَ سِياساتهم ويُتَشبَّهَ بهم.
ورَوَيْنا عَن عُمران بن سَوادةَ أنَّه قال : دخلتُ على عُمرَ، فذكرتُ أشياءَ ممّا عابَهُ بِها النّاس فأصغَى إليَّ : وضع رأسَ دِرْتِه في ذَقَنِه، ووضع أسفَلَها على فَخِذِهِ يَستمع إلى ما أقول إلى أن قُلتُ :
فَشَرَعَ الدِّرَّةَ، ثمَّ مَسَحَها حتّى أتى على آخرها، ثم قال :
«أم واللّه إلى لأرتعُ فأُشبِعُ، وأسقى فأُروي، وأنهُز العروض وأؤدِّبُ (أؤرب ؟) قَدري، وأزجرُ اللقوف، وأسُوقُ خَطري، وأَضُمُّ الهَيُوبَ، َوأَلحَقُ العطوف، وأكثرُ الزجر، وأُقِلُّ الضَّربَ، وأَشْهَرُ العَصا، وأدفعُ بِاليَدِ».
فبلغ ذلك معاوية بعد، فقال: «كانَ واللّه عالِماً بِرَعِيَّتِه».
لمّا قُتِلَ عُمرُ بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - قيلَ لَهُ حِينَ طُعِنَ :
فأبى أن يُسمِّيَ رَجُلاً بِعِينِهِ وقال :
وقال لأبي طَلحَة الأنصاري: «إنّ اللّه تعالى طالَ ما أعز الإسلام بكم، فاختر خمسينَ رجُلاً مِن الأنصار، فاستحِثَّ هؤلاءِ الرَّهْطِ حتّى يختارُوا رجُلاً».
وقال لِصُهَيبِ : «صَلِّ بالنّاس ثلاثة أيّام، وأدخل عليّاً، وعثمانَ، والزُّبير، وسعداً، وعبدَ الرّحمن بنِ عوفٍ وطَلحة - إن قَدِمَ - وأحضِر عبدَ اللّه بنِ عُمرَ، ولا شَيْء له مِن الأمر، وقُم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسةٌ ورَضُوا منهم واحداً وأبى اثنان فاضرب رُؤوسَهُما ؛ وإِن رَضِيَ ثلاثةٌ رجُلاً واحداً وثلاثة منهم رجُلاً مِنهم فحَكْمُوا عبد اللّه بن عُمرَ، فأَيَّ الفَريقين حَكَمَ فليختارُوا رجُلاً مِنهم، فإن لَم يَرضوا بحكم عَبدِ اللّه بن عُمَر، فكونُوا مَعَ الّذين فيهم عبدُ الرَّحمان بن عوف، واقتُلُوا الباقينَ إِن رَغِبُوا عَمّا اجتمع عليه النّاس».
فخرجوا من عِندِه، فقال لعليِّ قومٌ كانوا معَهُ مِن قريشٍ : «ما تَرى؟».
فقال عَليٌّ : إن أطيعَ فيكُم قَومُكم، لَم تُؤَمِّرُوا أَبَداً».
وتَلقّاه العبّاسُ فقال لَهُ عَليّ : «عُدِلَت عَنّا».
قال : «وما علمُكَ؟».
قال : قَرْنَ عثمان وقال : كونُوا مع الأكثرِ، فإن رَضِيَ رجُلانِ رجُلاً، ورجلان رجلاً فكُونُوا مع الّذين فيهم عبدُ الرّحمن بن عوف. فسعد لا يخالِفُ ابن عمه عبد الرّحمن وعبدُ الرّحمن صهرُ عُثمانَ لا يختلفونَ : فَيُولّيها عثمان أو يُوَلّيها عثمانُ عبدَ الرّحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفَعاني، بَله أَنِّي لا أرجو إلا أحدَهُما».
فقال العَبَّاسُ : «لَم أدفَعكَ في شَيْءٍ إِلّا رَجَعتَ إِليَّ مُستَأخراً لِما أكره، أشرتُ عَليكَ عِند وفاةٍ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن تسألهُ فيمَن هذا الأمر، فأبيتَ، ثُمَّ أَشَرتُ عَليكَ بعد وفاته أن تعاجِلَ الأمر، فأبيتَ ثُمَّ َأشَرتُ عَليكَ حينَ سَمَاك عُمرُ في الشَّورى ألا تدخُلَ معَهُم، فأبيتَ. احفظ عَنِّي واحدةً : كُلَّما عَرَضَ عليك القومُ، فقُل : لا، إلا أن يُولُّوك، واحذر هؤلاء الرَّهطَ، فإنَّهم لا يَبْرَحُونَ يَدْفَعُونَنَا عَن الأمر حتّى يَقُومَ به غيرُنا، وأيمُ اللّه، لا تَنالُه إلا بشَرٌ لا يَنفَعُ معه خيرٌ».
فأجابَهُ عَليَّ بِما سُمعَ بعضُه ولم يُسمع بعضُهُ، وتمثل بأبياتٍ والتفت، فَرَأى أبا طلحة، فكرة مكانه. فقال أبو طَلحَة :
وكان خلع عبدُ الرّحمن نَفسَهُ، ورَضُوا أن يكونَ هُوَ الّذي يختار للمسلمين، وقد كانَ جاءَ عَمرُو بن العاص والمغيرةُ بن شعبةَ والقوم في البيت يتشاوَرُونَ، فجلسا بالبابِ فحصبَهُما سعد وأقامَهُما.
ولمّا كان اليومُ الرّابع صَعدَ عبدُ الرّحمن المنبر في الموضع الّذي كان يجلسُ فيه رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ثم قال :
«أيّها النّاس، إنّي قد سألتكم سِرًّا وجهراً عَن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحدِ الرَّجُلين : إمّا عليّ وإمّا عثمانَ. فقُم إليَّ يا عليُّ !».
فوقف تحتَ المِنبرِ، وأخذ عبد الرّحمن بيده، فقال:
قال: «اللّهمَّ لا، ولكن على جهدي وطاقتي».
قال :
فأرسلَ يَدَهُ، ثمّ نادى: «قُم يا عثمانُ !».
فَأخذ بِيدِه وهو في موقِفِ عَليّ الّذي كان فيه، فقال:
قال: «اللّهم نعم».
فرفع رأسَهُ إلى سقفِ المسجدِ وَيدُه في يَدِ عُثمانَ، ثم قال :
فازدحَمَ النّاس يبايعونَ عثمان، وكان عبدُ الرّحمن قعد مقعَدَ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - من المنبر، وأقعد عثمان على الدَّرجةِ الثَّانية.
قال :
وجَعلَ النّاس يبايعونه، وتلكاً على فقال : عبدُ الرّحمن: «وَمَن نكَثَ، فإنّما يَنكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَن أوفى بِما عَاهَدَ اللّه عَلَيْهِ فَسَنُؤتِيهِ أجراً عَظيماً».
فرجع عليُّ يَشقُ النّاس حتّى بايع عثمان وهو يقولُ :
كان سببُ قولِ عليّ : «خدعةٌ». أنَّ عَمرو بن العاص كان لَقِيَ عليا في ليالي الشُّورى فَقال :
ثُمَّ أتى عثمان، فقال له :
فلذلك قال عليُّ: «خدعةٌ».
وقد قيل : إنّ عَليًّا قال ذلك لأجل ما ذكرناه مِن اقترانِ عثمان وعبدِ الرّحمن.
قال : ثم انصرف عثمان إلى بيتِ فاطمةِ بنتِ قيس، والنّاس معه، فقام المغيرةُ بن شعبة خطيباً، فقال:
فقال عبد الرّحمن :
وكانَ أوّل ما كتبه عثمانُ إلى أمراء الأجنادِ في الفُروج :
أمّا بعد، فإنّكم حُماةُ المسلمين، وذادَتُهم، وقد وضعَ عنكم عُمرُ ما لم يغب عنا، بل كانَ عَن مَلأ مِنَا، فلا يبلُغنّي عَن أحدٍ منكم تغييرٌ ولا تبديلٌ، فيغير اللّه ما بكم، ويستبدل بكم غيركم».
وكتب إلى عُمّالِ الخراج كتاباً يُحضُهُم فيه عَلى العَدلِ، وكتاباً إلى العامّة يأمُرُهُم فيه بالطَّاعَةِ والاقتداء وترك الابتداع.
إن يَزدجرد لما وقع إلى أرضِ فارِسَ بَقِيَ سِنينَ. ثُمَّ أتى كرمان، فأقامَ بِها مِثلَ ذلك. فطلب إليه دهقان كرمان شيئاً، فلم يُجِبهُ إليه، فطَرَدَهُ عَن بِلادِه. ثمّ أجمع أن ينزل خراسان، فأتى سَجستان، فأقام بها. ثم سار إلى مَرو، ومعه الرُّهُن مِن أولادِ الدهاقينَ، ومعَهُ من رؤسائهم فَرُّخزاد.
فلمّا قدم مرو، واستغاث منها بالملوكِ، وكتب إليهم يَستمدُّهم مثل صاحبِ الصِّينِ، ومَلِك فَرغانةً، ومَلِك كابل، وملك الخَزر، كان الدّهقانُ بِمَرو ماهويه، وكان له ابنٌ يُسمّى نزارٌ، فوكَّل ماهويه ابنه نزار بمدينة مرو، وتقدّم إليه وإلى أهل المدينة ألا يفتحوا البابَ ليزدجرد وقال لهم :
فلمّا أتاهم فعلوا ذلك.
وانصرف فرُّخزاد فجثا بين يدي يَزدجرد وقال :
قال : «فما الرَّأْيُ؟».
قال: «أن تلحق ببلاد التُّرك، فتُقيم بها، حتّى يتبيَّنَ لنا أمرُ العرب. فإنّهم لا يَدَعُون بلدةً إلّا دخلوها».
قال: «لستُ أفعلُ ولكن أرجعُ عودي على بَدئي».
فعصاه ولم يقبل رأيَهُ. فسار يزدجرد، وأتى نزار دهقان مرو، وأجمع على صَرفِ الدَّهقنَةِ عن ابنِه نَزار إلى سنجان ابن أخيه.
فبلغ ذلك ماهويه وهو أبو نزار وعمل في هلاكِ يزدجرد، وكتب إلى نيزك طرخان يُخبره أن يزدجرد وقع إليه مفلولاً، ودَعاهُ إلى القدوم عليه، ليكون أيديهما معاً في أخذه والاستيثاق منه، فيقتلوه، ويُصالحوا عليه العرب، وجعل له في كُلِّ يَوم ألفَ درهمٍ،
وسأله أن يكتب إلى يَزدجرد مُماكِراً لهُ لِيُنَحْيَ عامَّةَ جُنده، ويحصل في طائفة من خواصه، فيكون أضعفَ لِرُكنه وأَهونَ لِشَوكته، وقال :
فكتب نيزكُ بذلك إلى يزدجرد، فلمّا وردّ عليه كِتابه بعثَ إلى عظماء مَرو، فاستشارهُم.
فقال له سنجان : «لَستُ أرى أن تُنَحْيَ عنك أصحابك ولا فرُّخزاد لِشَيءٍ».
وقال نزار : «بل أرى أن تبايعَهُ يعني نيزك وتُجيبه إلى ما سأل».
فقبل رأيه، وفرَّق عنه جُنودَه، وأمر فرُّخزاد أن يأتي لأجمة سَرخس. فصاح فرُّخزاد، وشقّ جَيبَهُ وتناول عموداً بين يديه يُريد ضربَ نَزار به، وقال:
هذا، ولم يبرح فرُّخزاد حتّى كتبَ لَهُ يزدجرد كتاباً بخط يده، نُسخته :
«هذا كتابٌ لفرّخزاد إنّكَ قد أسلمت يزدجردَ وأهله وولده وحاشيته وما معه، إلى ماهویه دهقان مرو، واشهد عليه بذلك».
فأَقبَلَ نيزك إلى موضع مِن مَرو يقال له حلبندان. فلما أجمع يزدجرد على لقائه والمسيرِ إليه أشار عليه أبو نزار ألّا يَلقاه في السِّلاح فيرتاب به وينفر عنه ولكن يَلقاه بالملاهي والمزامير. ففعل، وسار إليه كذلك، وتقاعس عنه أبو نزار، وكردَسَ نيزكُ أصحابه كراديس.
فلمّا تدانيا استقبله نيزكُ ماشياً ويزدجردُ على فرسِ له. فأمرَ لِنيزك بجنيبَةٍ من جنائبه، فركبها، فتوسَّطَ عسكرَه، فتواقفا. فقال له نيزك في ما يقول: «زَوِّجني إحدى بناتِك لأَناصِحَكَ وأقاتلَ مَعكَ عدوّكَ».
فقال له يزدجرد : «عَليَّ تَجتَرِئُ يا كلب!».
فعلاه نيزك بِمِخفَقَتِه. وصاحَ يزدجرد :
وركض منهزماً، ووَضعَ أصحابُ نيزك سيوفَهم فيهم، فأكثَرُوا القتلى.
وانتهى يزدجرد في هزيمته إلى مكان من أرضِ مَرو، فنزل عن فرسه، ودخلَ بيتَ
طَحّانٍ مكث فيه ثلاثة أيّام.
فقال له الطَّحّان: أيّها الشَّقيُّ أخرج فاطعَم شيئاً فإنك جائع منذ ثلاثٍ».
قال: «لستُ َأصِلُ إلى ذلك إِلا بِزَمزَمةٍ».
كان رجلٌ مِن زَمازِمَةِ مَرو قريباً منه، فأتاهُ الطَّحَانُ، وسأله أن يُرْمزِمَ عليه ليأكُلَ. ففعل ذلك. فلمّا انصرف إلى مرو سَمعَ أبا نزار يذكر يزدجردَ ويطلبُه، فأتاه فسأله وأصحابه عن حليته. فوصفُوه. فأخبرهم أنّه رَآهُ في بيت طحان وهو رجلٌ جَعدٌ مقرونٌ حَسَنُ الثَّنايا مُقرَّطٌ مُسوَّرٌ.
فوجَّه إليه رجلاً من الأساورة، وأمره أن يخنقَهُ بوَتَرِ ويَطرحَهُ في نهر مرو. فلقوا الطَّحان، فضربُوه لِيُدلَّ عليه، فلم يفعل وجَحَدَهم أن يعرف أين يتوجَّه. فلما أرادوا الانصراف عنه، قال رجلٌ منهم :
فنظر إلى طَرفِ ثوب من ديباج في الماء، فاجتذبَهُ إليه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألّا يقتلَه ولا يدلَّ عليه ؛ ويجعل لَهُ خاتمه وسِوارَه ومنطقته.
فقال: «أعطني أربعةَ دراهم وأُخلّي عنك».
قال : «ويحك ! خاتمي لك وثمنه لا يُحصى!».
فأبى عليه.
قال يزدجرد: «قد كنتُ أُخبرتُ أني سأحتاجُ إلى أربعة دراهم، وأضطَرُّ إلى أن يكون أكلي أكلَ الهِرِّ، فقد عانيتُه».
ثمَّ انتزع أحدَ قُرطَيه وأعطاهُ الطَّحَانَ مكافأةً لكتمانه عليه، ودنا منه كأنَّه يُكلِّمه بِشيءٍ، فأنذر الرَّجلُ أصحابه، وأتَوه، فطلب إليهم يزدجردُ ألّا يقتلوهُ، وخوَّفهم ما عليهم في دينهم من ذاك. وقال :
فأخذوا ما كان عليه من الحُليِّ، فجعلوه في جراب، وختموا عليه، ثمّ خنقُوهِ بِوَتَرِ، وطرحوه في نهر مَرو، فجرى به الماءُ حتّى انتهى إلى فوهة الدُّريق، فتعلّق بعُودٍ، فأُخِذَ مِن هناك. ثمَّ تفقَّد أبو نزار أحدَ قُرطَيهِ، فأخذ الّذي دلّ عليه، فضربه حتّى أتى على نفسه، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئذٍ، فأغرم الخليفةُ الدّهقان قيمةَ القُرطِ المفقودِ.
وقد حكي في رواية أخرى أنّ نزار وسنجان كانا متباغضَين متحاسدَين، وخصَّ
به نزارَ فحسده سنجانُ، فظهر ذلك لنزار، فجعَل يُوغِرُ صدرَ يزدجرد ويسعى في قتله، ولم يزل يُغري يزدجرد بسنجان حتّى عزم على قتله، وأفشى ما كان عليه عزم من ذلك إلى امرأة من نسائه كان نزارُ واطأها. فأرسلت إلى نزار تُبشِّر بإجماع يزدجرد على قتل سنجان، وفَشا الحديثُ وبلغ سنجان. فجمع جُموعاً وتوجّه نحو القصر الّذي فيه یزدجرد، وبلغ ذلك نزار فنكص عن سنجان لكثرة جَمعِه، وأرعب ذلك یزدجرد. فخرج ذاهباً على وجهه راجلاً ينجو بنفسه، فمشي نحواً من فرسخين حتّى وقع إلى رَحى من ماء، فدخل بيتَ الرَّحى، فجلس فيه كالاً لَغِباً، فرآه صاحبُ الرَّحى ذا هيئة، وطُرَّةٍ، وبِزَّةٍ كريمةٍ. ففرش له وأتاهُ بطعام. فطعِم ومكث عنده يوماً وليلة. فسألَهُ صاحب الرَّحى أن يأمُرَ لَهُ بشيء، فبذل له مِنطقتَه، وكانت مكلَّلةً بجوهر. فأبى صاحب الرّحى أن يقبلها وقال :
«إنما يُرضيني من هذه المنطقة أربعةُ دراهم آكُلُ بها وأشربُ».
فأخبرَهُ أَلّا وَرِقَ معه، فتملَّقَهُ صاحبُ الرَّحى حتّى إذا أغفى قام إليه بفأس، فضرب بها هامته فقتله، وأخذ ما كان عليه من ثياب وحُلِي، وألقى جيفته في النَّهر وبقَر بطنَه، فأدخل فيه من أصول طَرفاءً كانت نابتة على النهر ليحبس جُثَّتَه في الموضع الّذي ألقاها فيه، فلا ينتقِلَ فيُعرف ويُطلب وما أخِذَ مِن سَلَبِه، وهرب على وجهه.
وبلغ قتلُ يزدجردَ رجلاً من أهلِ الأهواز كان مطراناً على مَرو يُقالُ له: إيليا، فجمع مَن كان قبله من النصارى، وقال:
فقال النصارى: «أمرُنا لأمرِك تَبع».
فأمر المطران، فبُني له في جوف بُستانه بمرو ناووسٌ، ومضى بنفسِه ومعه نصاری مرو حتّى استخرج جُثّةَ يَزدجرد، وكفّنها في تابوتٍ، وحمله ومن كان معه من النّصارى على عواتقهم حتّى أتوا به النّاوُوسَ، ووارَوهُ فيه، وردَمُوا بابَه.
وقيل : بل حمله إلى إصطخر فوُضع في النّاوُوسِ هناك. وذلك في سنة إحدى وثلاثين للّهجرة.
وكان مُلكُ يزدجرد عشرين سنةً منها أربع سنينَ في دَعَةٍ وستَّ عشرة سنةً في تَعبٍ
من مُحاربة العرب إيّاه، ومحنتِه بهم، وغِلظتِهم عليه. وكان آخِرَ مَلِكِ مَلَكَ مِن آل أردشيرَ بنَ بابك، وصفا المُلكُ بعده للعرب.
وقد كُنا ذكرنا ما يجب ذكره من خلافة - عثمان - رضي اللّه عنه - وما تم منه على الوجه الّذي اقتصصناهُ.
ثم جرى بعد ذلك ممّا تُستفاد منه تجربةً أنَّ قوماً من المسلمين أنكروا منه أشياء، فكانوا يتذاكرونَها بينهم، وذلك بالعراق خاصَّةً وبالمدينة دون غيرهما. ثمّ انتشر منهم طائفة في سائر الأعمالِ يَنعون على عثمان أموراً ويُشنّعون عليه فسيَّر عثمان منهم نفراً إلى الشّام ليُذِلَّهم بمعاوية، وجرى لهم معه معه خطبٌ طويل. ثمّ تكاتَبُوا بعد ذلك، وجميعُ ذلك شبيه بالسِّرّ. إلى أن شربَ الوليد بن عُقبة، وهو وال على الكوفة خمراً وشَهد عليه به مَن لم يمكن ردُّ شهادته، فاستقدمه عثمان المدينة وجَلدَهُ الحدَّ، وردَّ مكانَه سعيد بن العاص، فوردَ سعيدٌ، وأمر بغسلِ المنبر من مقامِه، فكلَّمه في ذلك قومٌ من قريشٍ، فأبى عليهم، وغَسَلَ الموضعَ ودارى النّاس، فلم يتم له ما أراد، وشغَّب عليه النّاس.
ثمَّ أجمعَ رأيُ النّاس على أن يبعثوا إلى عثمان رجلاً يُكلمه ويُخبره بأحداثه. فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس التّيمي، وكان يُعَدُّ من النُّساك. فأتاه فدخل عليه فقال:
فقال عثمان : «انظروا إلى هذا، فإنّ النّاس يزعمون أنه قارى، ثم يجيء فيكلمني في المُحقّرات ويزعم أنّها عظائم، فواللّه ما يدري أين اللّه».
قال عامرٌ: «أنا لا أدري أين اللّه؟».
قال: «نعم، واللّه لا تدري أين اللّه».
قال عامرٌ : «بلى واللّه إني لأدري أنّ اللّه لك لبالمرصاد».
فأرسل عثمان إلى معاويةَ بن أبي سفيان، وإلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سَرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص وأمثالهم، فجمعهم يُشاورهم ويُخبرُهُم بما بلغ منه. فلمّا اجتمعوا عنده قال :
فقال عبد اللّه بن عامرِ :
ثم أقبل على سعيد بن العاص فقال : «ما رأيك؟».
قال : «يا أمير المؤمنين إن كنتَ تُريد رأينا فاحسم عنا الداء، واقطع ما تخاف من الأصل، واعمل برأيي».
قال : «وما هُوَ؟».
قال: «إنّ لكلِّ قوم قادةً متى تهلك تفرَّقوا ولا يجتمع لهم أمر».
فقال عثمان : «إنّ هذا الرَّأيُ لولا ما فيه».
ثم أقبل على معاوية، فقال: «ما رأيُكَ؟».
قال: «رأيي يا أمير المؤمنين أن تردَّ عُمّالك على الكفاية لما قِبَلَهم، وأنا ضامنٌ لما قبلي».
ثمَّ أقبل على عبد اللّه بن سعد، فقال: «ما رأيُكَ؟».
قال: «يا أمير المؤمنين، النّاس أهلُ طمعٍ، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم».
ثم أقبلَ على عمرو بن العاص، فقال: «ما رأيُك؟».
قال : «أرى أنك قد ركبت النّاس بما يكرهونَ فاعتزم أن تعتزل، فإنك قد ولَّيتَ النّاس بني أميّة وحملتهم على أرقابِهم، فاعتزل، فإن أبيتَ فامض قُدماً».
فقالَ له عثمان: «مالَكَ، قَمِلَ فَروك مُذ عزلتكَ، أهذا الجِدُّ منكَ؟».
فسكت عنه عَمرو حتّى إذا تفرَّقَ القومُ قال عمرو :
فردّ عثمان عُمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على مَن قِبَلَهُم، وأمرهم بتجمير النّاس في البعوث وعزم على تحريم أعطياتهم ليُطيعُوهُ ويحتاجوا إليه. ورُدَّ سعيدُ بن العاص أميراً على الكوفة.
فخرج أهل الكوفة عليهم السِّلاح يقدُمهم مالك بن الحارث الأشتر، فتلقَّوهُ
ورَدُّوهُ وقالوا :
فرجع سعيد وقال للناس :
ومضى سعيدٌ حتّى قدِمَ على عثمان فأخبره الخبر.
فقال عثمان : «ما يريدون أخَلَعُوا يداً عن الطّاعة ؟».
قال: «أظهروا أنَّهم يُريدون البدل».
قال : «فمَن يُريدون؟».
قال: «أبا موسى».
قال: «أثبتنا أبا موسى عليهم. واللّه لا نجعل لأحدٍ منهم عذراً، ولا نترك لهم حُجَّةً، ولنصيرن كما أمرنا حتّى يبلغ اللّه ما يُريد».
وكان يزيد بن قيس لما استغوى النّاس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر قبيحٌ لعثمان. فأقبل إليه القعقاعُ بن عمرو حتّى أخذه.
فقال: «ما تريدُ يا قعقاعُ، ألك علينا في أن نستعفيَ سبيلٌ».
قال : «وهل إلّا ذاك؟» قال: «لا».
وإنّما قال ذلك لما لم يتم له جميع ما يُريد - فقال له القعقاع :
فلمّا كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - بعضهم إلى بعض أن: «اقدَمُوا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد». وكثر النّاس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نِيلَ مِن أحدٍ وأصحاب رسولِ اللّه يَرَون ويسمعون، ليس منهم أحدٌ يذبُّ ولا ينهى.
فاجتمع النّاسُ فكلَّموا عليَّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). فدخل علي على عثمان فقال :
و صحبت رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ونلتَ صِهِرَهُ، وما ابنُ أَبي قحافة بأولى بعمل الحقِّ منك، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك وأنتَ أقرب إلى رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - رَحِماً. فاللّه اللّه في نفسك. فإنّك واللّه ما تُبَصَّرُ مِن عَمّى ولا تُعلَّم مِن جهل، وإنّ الطّريقَ لواضحٌ بَيِّن، وإن أعلام الدّين لقائمة. تعلم يا عثمانُ أنّ أفضل عبادِ اللّه عند اللّه إمامٌ عادل هُدِيَ وهَدى، واستقام وأقامَ سنةً معلومة، وأمات بدعة معلومة. فواللّه إنّ كُلاً لَبَيْنٌ، وإنَّ السُّنَنَ لَقائمة لَها أعلام وإنّ البدعة لقائمة لها أعلامٌ. وإنّي أُحذرك اللّه وسطوته ونقَماتِه، وأحذِّرك أن تكون إمام هذه الأمة الّذي سمعنا به، فإنّه كان يُقال: يُقتلُ في هذه الأمة إمامُ يُفتح به عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس عليهم أمورهم، ويتركهُم شِيَعاً لا يُبصرون الحقِّ لِعُلُو الباطل، يموجون فيها موجاً».
قال عثمانُ: «قد واللّه علمتُ أنَّك تقول الّذي قالوه أما واللّه لو كنتَ بمكاني ما عنفتُك ولا أسلمتُكَ، ولا عبتُ عليك، وإنّي ما جئتُ منكراً إن وصلتُ رَحِماً، وسدّدتُ خُلَّةٌ، وأويتُ ضائعاً، ووَلَّيتُ شبيهاً بمن كان يُولّي عُمرُ. أَنشدك اللّه يا عليُّ، هل تعلمُ أنَّ مُغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال : «نعم».
قال : «فتعلم أن عُمرَ وَلاهُ».
قال: «نعم».
قال : «فلِمَ تلومني أن وَلَّيتُ عبد اللّه بن عامر في رَحِمهِ وقَرابته؟».
قال على: سأخبرك. إنّ عُمرَ كان كلّ من ولى فإنّما يَطَأُ على صِماخِه، إن بلغه حرفٌ خلَعَه، ثمّ بلغ أقصى الغاية، وأنت لا تفعل ضعُفتَ ورققتَ على أقربائك.
قال عثمان : «هم أقرباؤك أيضاً».
قال عليُّ : «أجل. لعمري إِنَّ رَحِمَهِم مِنّي لَقَريبةٌ، ولكنّ الفضل في غيرهم».
قال: «هل تعلم أنَّ عُمرَ ولّى معاوية خلافته كلها، فقد ولّيتُه».
قال عليُّ : «أُنشدُكَ اللّه هل تعلم أن معاوية كان أخوفَ مِن عُمَرَ، من يرفاً غلامٍ عُمر، منه؟».
قال: «نعم».
قال عليُّ : فإنّ معاويةَ يَقطعُ الأمر دونَك، وأنت تعلمُ ؛ فيقول للناس : هذا أمر عثمان، فيبلغك، فلا تُغيّر على معاوية».
ثم خرج عليُّ مِن عندِه وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فقال :
أما بعدُ، فإنّ لكلِّ شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النِّعمة. عيّابون طعّانون يرونكم ما تُحبُّون ويُسرُّون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون أمثال
النَّعام يتبعون أوّل ناعق أحب مواردها إليها البعيدُ، لا يشربون إلّا تبرُّضاً ولا يردون إلّا عكراً، لا يقوم لهم رائدٌ، قد أعيتهم الأمورُ، وتعذّرت عليهم المكاسب، ألا ! واللّه عِبتم عليَّ بما أقررتُم لابن الخطّاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده وقمعكم بلسانِه فَدِنتم له على ما أحببتُم أو كرهتُم، ولنتُ لكم، ووطَّأتُ لكم كَتِفي، وكففتُ يدي ولِساني، فاجترأتُم عليَّ. أما واللّه لأنا أعزُّ نفراً، وأقرب ناصراً، وأكثر عدداً وأقمَنُ. إن قلتُ هَلُمَّ أُتِي إلي، ولقد أعددتُ لكم أقرانكم، وأفضلتُ عليكم فضولاً، وكشرتُ لكم عن نابي، وأخرجتم خُلُقاً لم أكن أحسنه، ومنطقاً لم أنطق به. فكفُّوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فقد كفَفْتُ عنكم من لو كان هو الّذي يكلمكم لرضيتُم منه بدون منطقي هذا إلا ما تفقدون من حقكم. واللّه ما قصَّرتُ في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي ومَن لم تكونوا تختلفون عليه. فَضَلَ فَضلُ مِن مالٍ. فمالي لا أصنع في الفضل ما أريد، فَلِمَ كنتُ إماماً؟
فقام مروانُ بن الحكم فتكلَّم، فقال عثمان :
فسكت مروان ونزل عثمانُ.
وكان سبب ذلك أنّ عبد اللّه بن سَباً كان يهوديًا من أهل صنعاء، وأمّه سوداء. فأسلم أيّام عثمان، ثمَّ تنقل في بلدان المسلمين يحاول بدعةً فبدأ بالحجاز، ثمّ بالبصرة، ثم بالكوفة، ثمّ بالشّام. فلم يجتمع له أمرٌ على ما يُريدُ، فمضى نحوَ مِصرَ.
فلما أتاها، قال لأهلها في ما يقول :
ثم قال : «ما مِن نبي إلا ولَهُ وصيُّ، وعليُّ وصيُّ محمدٍ».
ثم قال : مَن أظلمُ ممَّن لم يُجز وصيَّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ووثب على حقّ ليس له، وتناول أَمر الأمّة؟».
ثم قال : «هذا عثمان قد غصب عليا وغيّر وبدل وكانَ وكانَ، فانهضُوا في الأمر، وأظهروا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، واطعنوا على أمرائكم تَجِدوا مقالاً، وادعُوا إلى هذا الأمر».
وبثَّ دُعاةً في الأمصار وكاتب من استفسده في الأمصار وكاتبوه. ودعوا في السِّرِّ إلى ما عليه رأيُهم، وأظهروا الأمر بالمعروف وتكاتب أهل الأمصار، حتّى أوسعُوا الأرضَ إذاعة وتناولوا المدينة.
فدخل قومٌ على عثمان، فقالوا :
قال: «لا، ما جاءني إلا السَّلامة».
قالوا: «فإنّا قد أتانا كيتَ وكيتَ».
قال: «فأشيروا عليّ».
قالوا : «نُشيرُ عليك أن تبعث رجالاً ممَّن تَثِقُ بهم إلى الأمصار حتّى يرجعوا إليك بأخبارهم».
فدعا جماعةً من وجوه الصَّحابة فيهم عمّارُ بنُ ياسر، فأرسل أحدهم إلى الكوفة، وأرسلَ آخَرَ إلى البصرة، وأرسلَ عماراً إلى مصر، وأرسل ابنَ عُمرَ إلى الشّام، وفرَّق الباقين في البلاد. فرجعوا جميعاً قبل عمار فقالوا :
فاستبطأ النّاس عماراً، فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد اللّه بن أبي سرح يُخبرُهم : أنّ عمّاراً قد استماله قومٌ بمصر، وقد انقطعوا إليه، منهم: عبد اللّه بن السَّوداء، وسودانُ بن حمران، وفلان وفلان.
فكتب عثمان إلى أهل الأمصار:
فقدِمَ عليه عبد اللّه بن عامر، ومعاويةُ، وعبدُ اللّه بنُ سعدٍ، وأدخل في المشورة سعداً وعمراً. فقال :
فقالوا: «لا واللّه ما صدقوا ولا بَرُّوا، ولا يجلُّ الأخذ بها، والانتهاء إليها».
قال: «فأشيروا عليّ».
قالوا: «هذا أمرٌ يُصنع في السِّرُ، ثمَّ يُلقى إلى غير ذي المعرفة، فيُخبرُ به، فيتحدَّثُ به النّاس في مجالسهم».
قال: فما دواء ذلك؟».
قالوا : «طَلبُ هؤلاء القوم، ثمّ قَتلُ الّذين يخرج هذا من عِندِهم».
وقال معاويةُ : «ولَّيتني، فولّيتُ قوماً لا يأتيك عنهم إلّا الخير».
قال : «فما الرَّأيُ؟».
قال: «حُسنُ الأدب».
قال: «فما ترى يا عمرُو ؟».
قال :«أرى أنَّكَ قد لنت لهم، وأرخَيتَ عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عُمرُ، فأرى أن تصنع كما كان يصنعُ عُمرُ».
فتكلَّم عثمان بكلام ليِّنِ ونَفّر، فشخص معاويةُ وعبدُ اللّه بن سعدٍ، ورجع ابن عامرِ وسعيدٌ معه، وردَّ سأثر الأمراء إلى أعمالهم.
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودَّعه :
فقال: «أنا أبيعُ جوار رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وإن كان فيه قطع خيط عنقي؟».
قال: «فابعث إليكَ جُنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينةِ لنائبة إن نابَت».
قال: «أَنَا أُقثّر على جيرانِ رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - الأرزاق بجُندِ يُساكنُهم وأضَيِّق على دار الهجرةِ والنُّصرة».
قال : «واللّه يا أمير المؤمنين لتقاتَلنَّ، ولتُغزَيَنَّ».
قال : «حسبي اللّه ونعم الوكيل».
فقال معاويةُ : يا أيسارَ الجزور، وأينَ أيسارُ الجزور!».
ثم خرج.
ثمَّ إِنَّ السَّبائية كاتبوا أهل الأمصار أن يتوافوا المدينة لينظروا في ما يُريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في النّاس، ولتحقَّقَ عليه فتوافَوا المدينة، وأرسل عثمان رجلين فقال :
فأتياهُم ودَاخَلاهُم حتّى أمِنوهُما، فأخبروهما بما يُريدون، فقالا :
قالوا: «ثَلاثَةُ نفرٍ».
قالا: فهل إلّا قالوا: لا».
قالوا: «فكيف تُريدون أن تصنعوا ؟».
قالوا: «نُريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب النّاس، ثم نرجع إليهم فنقول : إنّا قرَّرناه بها. فلم يخرج منها ولم يتب، ثمَّ نخرج بعد ذلك كأنَّا حُجّاج حتّى نقدم فنحيط به فنختلعه فإن أبي قتلناه فكانت إيّاها».
فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال :
ثمّ خطب عثمان، فجمع أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، وخبرهم بما جاء به الرَّجلان واعتذر ممّا تجني النّاس عليه، واستشارهم فأشار قوم بقتلهم، ولان عثمان، فأبى أولئك إلا قتلهم، وأبى إلّا تركهم.
فرجعوا إلى بلادهم وفي نياتهم أن يغزوهُ مع الحُجّاج كالحُجاجُ. فتكاتبوا وقالوا : موعدُهم في ضواحي المدينة في شوّال. فلمّا كان الوقتُ اجتمعوا، فنزلوا قربَ المدينة - وذلك سنة خمسٍ وثلاثين - وعدتُهم ألفا رجل ينقصون قليلاً أو يزيدون، من أهل البصرة والكوفة. وخرج أهل مصر ومعهم ابنُ السَّوداء، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، وفي أهل الكوفة زيد بن صوحان والأشتر النخعي، وفي أهل البصرة حكيمُ بنُ جبلة وبشر بن شريح وأميرُهم حرقوص بن زهير ثم تلاحق بهم النّاس.
فأمّا أهل مصرَ فإنَّهم كانوا يشتهون عليًّا، وأما أهل البصرة فإنَّهم كانوا يشتهون طلحة، وأمّا أهل الكوفة فإنّهم كانوا يشتهون الزُّبير. وكان خروجهم جميعاً، وقلوبهم شَتّى في مَن يختارون ولا تشكُ فرقة إلّا أن الفُلج معها، حتّى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة، فنزلوا ذا خُشب، وناس من أهل الكوفة، فنزلوا الأعوض، وجاءَهم ناسٌ مِن أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المَروة، وقالوا :
أشدُّ وإِنَّ أمرنا هذا لباطِلٌ، وإن لم يستحِلُّوا قتالنا، ووَجَدنا الّذي بلغنا باطلاً لنرجعنّ إليكم بالخبر».
قالوا: «فاذهبوا»!
فدخل رجلان فلقيا أزواج النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وطلحة والزُّبير، وعليًّا، وقالوا:
واستأذناهُم للناس بالدخول، فكُلُّهم أبي ونَهى.
فاجتمع قومٌ من أهل مصر، فأتوا عليا ونفرّ من أهل البصرةِ، فأتوا طلحةَ ونفرٌ من أهل الكوفة فأتوا الزُّبير.
فأما المصريُّون فإنّهم لما أتوا عَليًّا وجدوه في عسكر عند أحجار الزيت، فسلّم المصريّون على عَليّ وعَرَّضوا فصاح بهم، وطردَهُم، وقال:
فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتَى البصريُّونَ طلحةَ وهو في جماعةٍ أخرى إلى حيثُ هُوَ، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان. فسلَّم المصريون عليه وعرَّضُوا له، فصاح بهم وطردهم، وقال قريباً ممّا قال عليُّ.
وأتى الكوفيُّونَ الزُّبير وهو في جماعة وقد سرّح ابنه عبد اللّه إلى عثمان، فسلّموا عليه، وعرَّضُوا له، فصاح بهم وقال مثل ما قال صاحباه.
فانصرف القوم إلى عساكرهم وهي على ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة، ثم يكُّروا راجعين فافترق أهل المدينة وكرُّوا راجعين. فلم يفجأ أهل المدينة إلّا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم. وأحاطوا بعثمان وقالوا : «مَن كفَّ يَدَهُ فهو آمنٌ». وصلّى عثمان بالنّاس أيّاماً، ولزم النّاس بُيوتَهم، ولم يمنعوا أحداً من الكلام. فأتاهم النّاسُ فكلموهم وفيهم عليُّ. فقال :
قالوا : «أخذنا مع بريدٍ كتاباً بقتلنا». وأتاهم طلحةُ، فقالوا له مثل ذلك. وأتاهم الزُّبير فقالوا له مثل ذلك. وأجمعوا على أن يعتزل عثمان، وهو في ذلك يصلّي بهم، وهم يُصلُّون خلفه، ويغشى عثمان من شاء وهم في عينه أدقُّ من التّراب.
وكتب إلى أهلِ الأمصار يستمدهم ويشكو ما يلقى بكتابٍ بليغ. فأتاهم الكتاب،
وخرجوا على الصَّعب والذَّلولِ. فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفِهري، وبعث عبدُ اللّه بن سعدٍ معاويةَ بن حُديج السّكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاعُ بن عمرو.
وكان بالكوفة جماعةً يُحضّضُون على إغاثة أهل المدينة مثل حنظلة بن الرّبيع وأشباهه من أصحاب النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فكانوا يطوفون على مجالسها ويقولون :
وقام بالبصرة عمران بن الحُصين وأنسُ بن مالك في أمثالهما من أصحاب النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يقولون مثل ذلك؛ ؛ وقام بالشّام عُبادةُ بن الصامت وأبو الدَّرداء في أمثالهما من أصحاب النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - يقولون مثل ذلك ؛ وقام بمصر خارجة في أشباه له.
ولمّا جاءت الجمعةُ الّتي على أثر نزول المصرين مسجد الرَّسولِ خرج عثمان، فصلّى بالنّاس، ثم قام على المنبر، فقال:
فقام محمد بن مسلمة فقال: «أنا أشهد بذلك».
فأخذه حكيم بن جَبَلة، فأقعده.
فقام زيد بن ثابت، فقال: «أبغني الكتاب»
فثار إليه محمد بن أبي بكرٍ فَنَتَرهُ وأقعدَهُ وقال : «اقطع»!
وقام النّاس بأجمعهم ثائرين بأهل المدينةِ، فحصبوهم، حتّى أخرجوهم من المسجد، وحصَبوا عثمان حتّى صُرع عن المنبر مغشيَّا عليه، فاحتمل وأُدخِلَ داره.
وكان المصريون لا يطمعون في مساعدة أحدٍ من أهل المدينة إلا في ثلاثة فإنَّهم كانوا يراسلونهم : محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفرٍ، وعمّار بن ياسر.
وسار ناسٌ مستقتلين منهم سعدُ بنُ مالك والحسنُ بن عليّ، وأبو هريرة، وزید بن ثابتٍ، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا؛ فانصرفوا.
وأقبل عليُّ وطلحةُ والزُّبير حتّى دخلوا على عثمان يعودونه من صَرعته، ثمّ رجعوا إلى منازلهم. وكان النّاس قبل ذلك وافقوه على أشياء وجد فيها اعتذاراً وعلى أشياء لم يجد فيها مقالاً، فقال:
«أستغفر اللّه وأتوب إليه».
وأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألّا يشقُّوا عصاً، ولا يفارقوا جماعةً ما قام لهم بِشرطهم.
ثم قالوا : نُريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنّما هذا المال لِمَن قاتل عليه، ولهؤلاء الشُّيوخ من أصحاب محمد».
فرَضُوا، وأقبلوا معه حتّى خَطبَ عثمان، وقال:
ألا مَن كان له زَرعٌ فليلحَق بزرعه، ومَن كان له ضَرعٌ فَليحلب، ألا ! إنه لا مالَ لكم عندنا، إنَّما هذا المالُ لِمَن قاتل عليه، ولهؤلاء الشُّيوخ من أصحاب محمّدٍ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) -».
فغضب النّاس وقالوا :
ورجع وفد المصريين راضين، فبيناهم في الطَّريق إذا هم براكب يتعرَّضُ، فمرَّةً يَرونَه، ومرَّةً يغيب عنهم، فقالوا : «إِنَّ لهذا الرَّجل لَشأناً».
فأخذوهُ، وقرَّرُوهُ، فقال: «أنا رسولُ أمير المؤمنين إلى عامله بمصر».
ففتّشوهُ فإذا هم بكتاب على لسان عثمان، عليه خاتَمُهُ، إلى عامله بمصر، قد جُعل في إداوَةٍ يابسةٍ يأمر بأن يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجُلَهم، أو يصلبهم.
فأقبلوا حتّى قدموا المدينة، فأتوا عليا، فقالوا :
قال : «واللّه لا أقومُ معكم» !
قالوا: «فَلِمَ كتبت إلينا»؟
قال : واللّه ما كتبتُ إليكم كتاباً قطُّ».
فنظر بعضُهم إلى بعض، ثمّ قال بعضُهم لبعض:
فخرج عليُّ من المدينة إلى قريةٍ، وانطلق القومُ حتّى دخلوا على عثمان، فقالوا :
فقال عثمان : «إنّما هُما ثنتان: إمّا أن تُقيموا عليَّ رَجُلين من المسلمين، أو يميني باللّه، الّذي لا إله إلا هو ما كَتَبتُ، ولا أملَلتُ، ولا عَلِمتُ. وقد علمتُم أنَّ الكتاب يُكتَبُ على لسانِ الرَّجل، ويُنقشُ الخاتَمُ على الخاتم.
فقالوا: «لئن كنتَ كاذباً في يمينك فقد أحلّ اللّه دَمَكَ، ولئن كنتَ صادقاً لقد
ضعفت عن الأمرِ، حينَ لا تضبط من أمرك هذا المقدار».
وقد حاصروهُ، وقد ذكر النّاس في هذه الروايات أشياء شنعةً لم نذكرها.
وقد كان عثمان لما أحسَّ بانصراف المصريِّين إليه من الطّريقِ أتى عَليًّا في منزله فقال :
فقال علي : «على ما أردهُم»؟
قال: «عليّ أن أصير إلى ما أشرت به عليَّ، ورأيته لي، ولستُ أخرجُ من يديك».
فقال عليٌّ: «إنّي قد كنتُ كلمتُك مرَّةً بعد مرَّة، وكلُّ ذلك تخرج فتتكلم وتقولُ وتقولُ، وذلك كلّه فعلُ مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص وعبد اللّه بن عامر، ومعاوية، تُطيعهم وتعصيني».
قال: وأمر النّاس المهاجرين والأنصار، فركبوا معه وأرسل عثمانُ إِلى عَمّار بن ياسر، فكلَّمهُ أن يركب مع عَليّ، فأبى. ومضى عليُّ في المهاجرين والأنصار، وهم ثلاثون رجلاً. فكلَّمهم عليُّ ومحمد بن مسلمة حتّى رجعوا.
نفسه،
فلمّا رجع عليُّ إلى عثمان وأعلمه أنَّهم رجعوا، وكلَّمه على كلاماً كان في وخرج إلى بيته مكث عثمان ذلك اليوم حتّى إذا كان الغد جاءَهُ مروان بن الحكم،
فقال لَهُ :
فأبى عثمان، ولم يزل به مروان حتّى خرج، فجلس على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال :
فقال له عمرو بن العاص :
فناداه عثمان: «وإنّك هناك يا ابن النابغة قَمِلت جُبَّتك منذ عزلتُكَ عن العمل».
فنودِيَ من ناحية أخرى : أظهرِ التّوبةَ يا عثمان يكفّ النّاسُ عنك».
ونودي من ناحيةٍ أخرى بمثل ذلك.
فرفع عثمان يَدَهُ واستقبل القبلة فقال :
«اللّهم إني أوّل تائب إليك».
ورجع إلى منزله.
ثمَّ إنّ عليًّا جاءَه، فقال له :
فخرج عثمان، فخطب الخطبة المشهورة الّتي يقول فيها :
فرّق له النّاسُ وبكى من بكى منهم، وعَلَتِ الأصواتُ بالنَّشيج.
فقال له سعيدُ بن زيدٍ :
فلمّا نزل عثمان وجد في منزله مروان، وسعداً، ونفراً من بني أميّة لم يشهدوا الخطبة.
قال مروان: «يا أمير المؤمنين، أتكلم، أم أصمتُ»؟
فقال بعض أهلِه : «لا، بل اصمت فأنتم واللّه قاتلوه، إنّه قال مقالةً مشهورةً لا ينبغي أن ينزع عنها».
فأقبل عليها مروان بكلام قبيح إلى أن سكُّتها عثمانُ ثمّ قال مروان: «أتكلّم، أم أصمتُ»؟
قال: «بل تكلَّم».
فقال مروانُ : بأبي وأمّي، لَوَدَدتُ أن مقالتَكَ هذه كانت وأنت ممتنع منيعٌ، وكنتُ أوّل من رضي بها، وأعان عليها، ولكنّك قلت حين بلغ الحزام الطُّبيَين، وحين أعطى
الحُطَّةَ الغليظة الذليل، واللّه لإقامةُ على خطيئَةٍ تستغفر منها، أجملُ من توبةٍ تُجبَرُ عليها، وقد اجتمع بالباب مثل الجبال من النّاس».
فقال عثمان : «فاخرج إليهم، فكلِّمهم، فإنّي أستحي أن أكلِّمَهم».
فخرج مروانُ إلى الباب والنّاس يركبُ بعضهم بعضاً، فقال:
فرجع النّاس إلى عليّ يشكون إليه. فجاءَ علي مغضباً حتّى دخل على عثمان، فقال :
فلمّا خرج عليُّ دخل إليه بعضُ أهله فقال :
قال: «فما أصنع؟»
قال : «تتّقي اللّه وحده وتُطيعُه يُرشدكَ، فإنّ مَروان ليس له عند النّاس قدرٌ، ولا هيبةٌ، ولا محبَّةٌ، وأراهُ سيقتلكَ، فأرسل إلى عليّ واستصلحهُ، فإنَّه يعطف عليك ولا يُعصى، وقولهُ قبولٌ».
فأرسل عثمانُ إلى عليِّ، فأبى أن يأتيه وقال :
ومكث عثمانُ لا يخرج ثلاثة أيّام حياءاً من النّاس. ثم ذهب عثمان بنفسِه حتّى أتى عليًّا في منزله ليلاً، وجعل يقولُ :
فقال له علي: «أبعد ما تكلمت به على منبر رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وأعطيت من نفسِكَ، وبكيت حتّى اخضَلَّت لحيتُكَ بالدَّمع، وأبكيت النّاسَ، ودخلتَ منزلَكَ. وخرج مروان إلى النّاس يَشتمُهم على بابك، ويتلقّاهم بما يكرهونَهُ»؟
وانصرف من عند عليّ، ولم يزل عليُّ متنكّباً عنه، لا يفعل ما كان يفعل، إلّا أّنه لمّا مُنعَ الماءَ وحُصِرَ امتعضَ لَهُ وغضِبَ غضباً شديداً، وكلَّمَ طلحة وغيرَهُ حتّى دخلتِ الرّوايا إلى عثمانَ.
ولمّا رأى عثمان ما نزل به وما قد انبعث عليه من النّاس كَتَبَ إلى معاوية، وهو بالشّام، يسأله أن يبعثَ له مُقاتِلةَ الشّام على كُلِّ صَعب وذَلولٍ. فلما جاءَ معاويةَ كتابُه تربَّص، وكرة إظهار مخالفة أصحاب النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فلمّا أبطأ نصرهُ على عثمان كتب إلى أهل الشام يستنفِرُهُم، ويُعظِّم حقَّه، ويذكرُ أمرَ الخلفاء، وما أمر اللّه به من طاعتهم ويقول :
فقام قومٌ يُحضّضون على نصره وانتدب خلقٌ كثيرٌ.
وكتب عثمان إلى عبد اللّه بن عامر بالبصرة : أن اندبُ إليَّ أهلَ البصرة؛ وكتب إلى أهل البصرةِ نسخةَ كتابه إلى الشّام. فقامت الخُطباءُ من أهلِ البصرةِ بحضرةِ عبد اللّه بن عامر يحضّون على نصر عثمان، وعلى المسير إليه، فيهم مُجاشعُ بن مسعودٍ، وهو يومئذٍ سيِّدُ قيس في البصرة. فتسارع النّاسُ، وكان أشار مروانُ على عثمانَ بمقاربة مَن حولَه من أهل مصر وغيرهم حتّى يقوى، وقال له :
فراسَلَ عليَّا وقال :
فراسله علىُّ بأنَّ :
فقال عثمان : «أعطِهم اليوم ما يُحبُّون، فواللّه لأَفِينَّ».
فخرج عليُّ إلى النّاس، فقال:
«أيّها النّاس! إنّكم إنّما طلبتُم الحق وقد أُعطِيتُمُوهُ. إنَّ عثمان يزعم أنه مُنصِفُكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه».
قال النّاس :
فقال علي: «ذلكم لكم».
وأخبر عثمانَ الخبر، فقال عثمان : اضرب بيني وبينهم أجلاً تكون لي فيه مهلةٌ، فإنّي لا أقدرُ على ردّ ما كَرِهُوا في يوم واحد».
فقال علي: «ما حضر بالمدينة فلا أجَلَ فيه، وما غاب، فأجَلُهُ وصول أمرك».
قال: «نعم، ولكن أجلني في ما في المدينة ثلاثة أيّامٍ».
فقال عليُّ: «نعم».
فخرج عليُّ، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً على الأجل، شَرَطَ فيه أن يَرُدَّ كلَّ مظلمةٍ، ويعزِلَ كلّ عامل كرِهَهُ المسلمون، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحدٍ من أحد من خلقه من عهد أو ميثاقٍ، وأشهد ناساً مِن وجوه المهاجرين والأنصار. فكفَّ المسلمون عنه، ورَجوا أن يَفِيَ لهم بما أعطاهم.
فجعل يتأهَّب للقتال، ويستعدُّ بالسِّلاح، وكان اتخذ جُنداً عظيماً من رقيق الخُمس. فلمّا انقضت الأيّام الثّلاثة، وهو على حاله، لم يُغَيّر شيئاً ممّا كرِهُوهُ، ولا عزل عاملاً ثار به النّاسُ وهجموا. فدخلوا يومئذٍ وما سلَّموا عليه بالخلافة، وقالوا:
فقال مَن حضره «عليكم السّلامُ».
فتكلَّم النّاس، وذكروا ما صنع عبد اللّه بن سعد بمصر من استيثاره بغنائم المسلمين، وتَحامُلِه عليهم وعلى أهل الذّمَّةِ، فإذا قيل له في ذلك، قال:
ثم ذكروا ما أحدثه بالمدينة وأطالوا وقالوا :
فحمد اللّه عثمانُ وأثنى عليه وقال : «واللّه ما كتبتُ ولا أمرتُ ولا شُوورتُ».
قالوا: «فمن كتبَهُ»؟
قال : «لا أدري».
قالوا: «فيُجترأُ عليك ويُبعث بغلامك، وجمل من صدقات المسلمين، ويُنقَشُ خاتَمُكَ، ويُكتبُ إلى عاملك في إعلام المسلمين بهذه العظائم وأنت لا تعلم! ليس مثلك مَن يَلي الخلافةَ، اخلع نفسَكَ من هذا الأمر كما خلعك اللّه منه».
فأبى وقال: «لا أنزع قميصاً ألبسنيهِ اللّه، ولكنّي أتوبُ مِن كل ما تكرهون».
قالوا : قد فعلت ذلك وكذبت، وقد وقعت عليك التهمة مع ما بَلونا منك في مراتٍ كثيرة من الجورِ في الحكم والأثرة في القسم، والعقوبة لمن أمر بالمعروف، وإظهارك التوبةَ مرَّةً بعد مرَّةٍ، ثم رجوعكِ إلى كلّ مُنكَرِ. ولقد كنا رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتّى نخلعَك ونستبدلَ بك من نرضاهُ، ومَن لم نجرب عليه ما جرَّبناهُ عليك، فاردد خلافتنا».
فأجابهم عثمان بجوابه الأوّل، فآذنوه بالحرب، وشدَّدوا عليه الحصار، فصعِدَ بعضُ عَبيدِ عثمان إلى سطح داره، فدلّى منه حجراً، فقتل رجلاً يُقال له : دينار.
فأرسلوا إلى عثمان أن :
فقال عثمان : «واللّه ما أعرفُ قاتِلَه».
فباتُوا تلك الليلةَ. فلمّا أصبحُوا، وهو يومُ الجمعة، أحضروا ناراً ونفطاً، ودخلوا من ناحية الحرم، فأضرموا جوانب الدّار، فاحترقت.
فقال عثمان لأصحابه :
فأبى مروان وقال : «واللّه لا وَصَلُّوا إليكَ وفِي رُوحٌ».
وخرج إلى النّاس بسيفه وعليه درعٌ. فناوَشوهُ القتال. ثمَّ خرج إليه غلامٌ شابٌ طُوالٌ، فضربهُ مَروان على ساقه، وضرب الغلامُ مروانَ على رقبته، فسقط لا ينبض منه عِرقٌ، وقُتِلَ المغيرة بن الأخنس، وجُرح عبد اللّه بن الزُّبير، وانهزم من في الدّار، وخرجوا هُرّاباً في طرق المدينة، وخُلِصَ إلى عثمان، فقُتِلَ قبل أن يلحقه الغَوتُ مِن الأمصار.
كتب له مروان بن الحكم وكتب له عبد الملك بن مروان على ديوان المدينة، وأبو جُبيرة على ديوان الكوفةِ، وعبد اللّه بن الأرقم على بيت المالِ، وكتب أهيبُ
مولاه، وكتب له حمران مولاه، فأنكر عليه شيئاً، فنفاه إلى البصرةَ، فلم يزل بها حتّى قتل عثمان.
وكان سبب نفيه إيّاه أنَّ عثمان اشتكى شكاةً، فقال له :
فانطلق حُمران إلى عبد الرّحمن بن عوفٍ فقال له :
فقال : لك البُشرى، فماذا؟
فأخبرهُ الخبر. فصار عبد الرّحمن إلى عثمان، فأخبرهُ بما قال حُمران، فقَلِقَ عُثمان، وخاف أن يَشيعَ، فنفاه لذلك.
كان عليُّ بخيبر، فلمّا قدم أرسل إليه عثمان. فذهب إليه، فكلمه عثمان، وأذكره بحقِّه من الإسلام والقرابة والصِّهر، وما لَهُ في عُنقه من العهد. ثمّ قال له :
يعني طلحة، وقد كان اجتمع إلى طلحة قومٌ وطمع فيها.
فتكلَّم عليٌّ. فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال :
ثم خرج فدخل المسجد، فرأى أسامة جالساً، فدعاه، واعتمد عليه، وخرج يمشي إلى طلحة. فلمّا دخل عليه، وجد داره ممتلئةً بالرِّجال، فقام عليه وقال :
فقال : يا أبا حَسَنٍ، أبعد ما مسَّ الحزام الطُّبيين»؟
فسكت عليُّ وانصرف حتّى أتى بيت المال، فقال:
فلم يقدر على المفاتيح، وتأخر عنه صاحبُ المفاتيح، فقال:
«اکسروه».
فكُسِرَ باب بيت المال، وقال :
وجعل يُعطي النّاس فبلغ الّذين في دارِ طلحة ما صنع علي، فجعلوا يتسللون إليه، حتّى تُرك طلحةُ وحدَه، وبلغ الخبر عثمان، فَسُرَّ به ثمَّ أقبل طلحة عامداً إلى دار عثمان. فقال بعض الصَّحابةِ :
واللّه لأنظرنّ ما يقول هذا»
قال :
فتبعته فاستأذن على عثمان. فلما دخل عليه، قال :
فقال عثمان :
لمّا قُتل عثمان اجتمع عامة المهاجرين والأنصار على عليّ، فأتوه فتأبى عليهم، وقال :
فارتدّ النّاس عنه وأتوا طلحة والزُّبير فتكلَّما في قتل عثمان بما ظنّوه توعداً. فقالوا لِطلحة والزُّبير.
ثمّ انصرفوا عنهما وقال بعضهم لبعضٍ :
فعادُوا إلى عليٍّ وخاطبوه. فأخذ الأشتر بيد علي، فقبضها عليٌّ.
فقال الأشتر : «ما لَكَ تَتَعسِّرُ، وأنت ترى ما في النّاسُ؟».
فقال عليٌّ : «أبعد ثلاثة؟».
فقال له الأشتر : أما واللّهِ لئن تركتَها لَتَعصِرنَّ عَينَيكَ عليها حيناً». فبايعوه.
وفي ما رواه صاحب التاريخ، قال :
اجتمع أهلُ الأمصار وقالوا :
فغشي النّاسُ عليًّا وقالوا :
فقال عليُّ : «دَعُوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وُجوه. لا تقوم له القُلوب، ولا تثبت عليه «العُقول.
فقالوا: «ننشدك باللّه. ألا ترى ما نرى؟ ألا ترى الفتنة؟ أما تخافُ اللّه؟».
قال : «اعلمُوا أَنّي - إن أجبتكُم - ركبتُ بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم، ألا، إِنِّي أسمعكم، وأطوَعُكم لمن ولَّيتُموه».
فافترقوا على ذلك، واتَّعدُوا لِغد، وتشاور النّاس في ما بينهم، وقالوا :
فبعث المصريُّون بصريًّا إلى الزُّبير وقالوا : «احذر لا تُحابه» - وكان رسولهم حكيم بن جبلة في نفرٍ - فجاؤوا يحدونَه بالسيف. وبعثوا إلى طلحة كوفيًّا وقالوا : «احذر لا تُحابه». وبَعثُوا بنفر، فجاؤوا يحدونه بالسّيف. وبعثوا الأشتر إلى علي، وأهلُ الكوفة وأهلُ البصرة شامتون بصاحبيهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد صار أهلُ الكوفة والبصرةِ كالأتباع، وهم جشعون.
فلمّا أصبحوا يومَ الجمعة حضر النّاس المسجد وجاءَ علي حتّى صعد المنبر، فقال :
قالوا: «نحن على ما افترقنا عليه بالأمسِ».
وقام الأشتر، فقدَّم طلحة، وقال له :
فقال: «أمهلني أنظر».
فجرَّد سيفه وقال: «لَتُبايِعَنَّ، أو لأَضَعَنَّهُ بين عينيك».
فقال طلحة : «وأين المذهب عن أبي حسنٍ».
فصعد المنبر، فبايعه. فنظر رجلٌ من بعيٍد يقتاف، فقال:
وكان طلحةُ وقى رسولَ اللّه بيده حين رأى سَهماً أقبل نحو وجهه، فأصابَ السَّهم يَدَهُ، وشُلَّت يَدُه.
ثُمَّ قدّم الزُّبير، فبايع، وفي الزُّبير خلافٌ، ثم تتابع النّاس بالبيعة لا يكرهها أحدٌ، وذلك يومَ الجمعةِ لخمسٍ بقين من ذي الحجّة سنة خمسٍ وثلاثين.
وخطب عليُّ - رضي اللّه عنه - خطبته المشهورة ؛ واجتمع إلى عليٍّ عدَّةٌ من الصَّحابة فيهم طلحة والزُّبير، فقالوا :
الرّجل، وأحلوا بأنفسهم».
فقال لهم : «يا إخوتاه، إِنِّي لستُ أجهلُ ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكُهم. ها هُم هؤلاءِ، وقد ثارت معهم عبيدُكم، وثابَت إليهم أعرابُكم، وهم خِلالَكم، يسومونكم ما شاؤوا، فهل ترونَ موضعاً لقدرة على شيء ممّا تُريدون؟».
قالوا: «لا».
قال: «فإني واللّه لا أرى إلّا رأياً ترونَه، إلّا أن يَشاءَ اللّه. إنّ النّاس من هذا الأمرِ - إِن حُرِّك - على أمورٍ: فرقةٌ تَرى ما تَرَون، وفرقةٌ لا تَرى ما تَرونَ، وفرقةٌ لا تَرى لا هذا ولا هذا، حتّى يهدأ النّاسُ وتقعَ القلوبُ مواقعها، وتُؤخذ الحقوقُ. فاهدَأُوا عنّي، وانظروا ماذا يأتيكم، ثمّ عُودوا».
ثمّ إنّ بني أميّة تهاربت وخرجت عن المدينة فاشتدَّ علي - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - على قريشٍ وحال بينهم وبين الخروج على حالها تلك.
ثم خرج عليُّ في اليوم الثاني فقال :
يا أيّها النّاس، أخرجوا عنكم الأعراب»، وقال:
فأبتِ السَّبائية، وأطاعَهم الأعراب. ودخل علي بيته، ودخل عليه عدة من
أصحاب رسولِ اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فيهم طلحة والزُّبير.
فقال لهم عليُّ : «دونكم تأركم، فاقتُلُوهُ».
فقالوا : «قد عَسَوا عن ذلك».
فقال لهم: «هم واللّه بعد اليوم أعسى». وتَمثَّل :
وَلَو أَنَّ قَومِي طاوَعَتني سَراتُهم***أمرتُهُمُ أمراً يُديخُ الأَعادِيا
وقال طلحةُ : «تَدَعُني، فآتي البصرة، فلا يفجؤوك إلا وأنا في خيلٍ».
وقال الزُّبير : «آتِي الكوفةَ، فلا يفجؤوك إلا وأنا في خيلٍ».
فقال : «حتى أنظُرَ».
وسمع المغيرة بذلك المجلس.
فجاء المغيرة حتّى دخل على عليِّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فقال :
بقيَّة النّاس وأنا لك ناصحٌ واعلم أنّ الرّأي اليوم تحوز به ما في غد، وأن الضياع اليوم يضيع به ما في غد أقرر معاوية على عَمَلِه، وأقرر ابن عامر على عمله، واردد عُمّال عثمان عامَكَ هذا واكتب بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايَعُوا لك واطمأن الأمرُ عزلتَ من أحببت، وأقررتَ مَن أحببت.
فقال علي: «واللّه، لو كان ساعة من نهارٍ لاجتهدت فيها رأيي، ولا ولَّيتُ أمثال هؤلاء ولا مِثلُهم يُولّى، وما كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلَّينَ عَضُداً».
فقال المغيرةُ: «فإذ قد أبيت فاترك معاوية، فإنَّ له جرأة، وأهل الشام يُطيعونَه، ولك حُجَّةٌ في إثباتِه، كان عُمر بن الخطّاب قد ولاه الشّامَ كُلَّها».
فقال عليُّ: «لا واللّه لا أستعمله يومين».
فقام المغيرة وانصرف ثُمَّ عاد إليه بعد ذلك، فقال:
وخرج المغيرة، وتلقاه ابن عباس خارجاً. فدخل إلى عليِّ، فقال:
قال : «إنَّه جاءني بعد مقتل عثمان بثلاثة أيّام وقال : أخلني. ففعلتُ : فقال : كيتَ.وكيتَ فأجبتُه بكيتَ وكيتَ. فانصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنه يرى أنّي مُخطِئٌ. ثُمّ عاد إليّ الآن، فقال: كيت وكيتَ».
فقال ابن عباس: «أما في المرة الأولى فقد نصحكَ، وأمّا في المرَّة الأخرى فقد غشَّكَ».
قال له : «وكيف نَصَحَني؟».
قال ابن عبّاس : «لأنَّك تعلم أن معاوية وأصحابه أهلُ دُنيا فمتى تُثبتهم لا يُبالون من ولي هذا الأمر ومتى تعزلهم يقولوا : أخذ الأمر بغير شُورى وهو قَتلَ صاحبنا ؛ وحمَّلك ما قدر عليه من الذَّنب، فتنتقض عليك الشّامُ. ولا آمَنُ طلحة والزُّبير أن يكرًا عليك».
فقال علي: «أما ما ذكرت من إقرارهم، فواللّه ما أشُكُ أَنَّ ذلك خيرٌ في عاجل الدُّنيا لإصلاحها، وأما الّذي يلزمني من الحقِّ، والمعرفة بعُمّال عثمان، فواللّه لا أُولِّي
منهم أحداً أبداً، فإن أقبلوا فذلك خيرٌ، وإن أدبروا بذلتُ لهم السَّيف».
قال ابنُ عبّاس: «فأطعني، وادخُل دارَك، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك. فإنَّ العرب تجول جولةٌ وتضطرب، ولا تَجدُ غيرك. فإنّكَ واللّه لو نهضت مع هؤلاء القومِ لَيُحمِّلنَّكَ النّاس غداً دَمَ عثمان».
فأبى عليٌّ وقال لابن عبّاس :
فقال ابنُ عبّاس: «ما هذا واللّه.برأي معاوية رجل من بني أميّة، وهو ابن عمّ عثمان وعامله على الشّام، ولستُ آمَنُ أن يضربَ عُنقي بعثمان، أو أدنى ما هو صانعٌ أن يحبسني فيتحكَّمَ عليَّ».
قال عليّ : «ولِمَ تظُنُّ ذلك؟».
قال : لقرابة ما بيني وبينَكَ، ولأنّ كلَّ ما عليك فهو عليَّ؛ ولكن اكتب إلى معاوية، فَمَنِّهِ، وعِدْهُ.
فقال عليّ : «إنَّ هذا ما لا يكون أبداً». وتمثل
فما مِيتَةً، إن مِنها غَيرَ عاجِزٍ***بعارٍ، إِذا ما عَالَتِ النَّفْسَ غُولُها
فقال ابنُ عبّاس: أنتَ - يا أمير المؤمنين - رجل شجاع، ولست بأَرِبٍ في الحرب. أما سمعت رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - يقول : الحرب خدعةٌ؟»
قال : «بَلی».
قال ابن عَبّاس : «أنا واللّه، لَئن أطعتَني لأَصَدُرَنَّ بهم بعد ورد ولأتركنَّهم ينظرونَ في دُبر الأمور، ولا يعرفون ما كان وجهها في غير نُقصانٍ عليك ولا إثمٍ لك».
فقال عليُّ : «يا ابنَ عبّاس، لستُ مِن هُنَيَاتِكَ وهُنيّاتِ مُعاوية في شيء، تُشيرُ عليَّ وأرى، فإذا عصيتُكَ فأطِعني».
فقال ابن عبّاسٍ : «أفعل، إنّ أيسر مالَكَ عِندي السَّمعُ والطاعةُ».
وفرّق عليُّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - عُمّاله في سنة ستٍّ وثلاثين. فبعث عثمان بن حُنيفٍ على البصرة، وعُمارة بن شهاب على الكوفة، وعُبيد اللّه بن عبّاسٍ على اليمن، وقيسَ بن سعدٍ على مِصرَ، وسهلَ بن حُنيفٍ على الشّام.
فأمّا سهلٌ، فإنَّه خرج حتّى إذا كانَ بتبوك لَقِيتهُ خيلٌ.
فقالوا : «من أنت؟».
قال: «أميرٌ على الشّام».
فردُّوهُ، ولم يَدَعُوهُ يتجاوزها.
وأما قيسُ بن سعدٍ فإنَّه لما انتهى إلى أيلةَ لَقِيتهُ خيلٌ».
فقالوا : «مَن أنتَ؟».
فقال: «من فالَّةِ عثمان، أطلبُ مَن آوِي إليه، وأنتصِرُ به».
قالوا : «فمَن أنتَ؟».
قال : «قيسُ بن سعدٍ».
قالوا: «امض».
فدخل مِصرَ فاقترنَ النّاس : فبعضهم دخل في الجماعة وكانوا معه، وفِرقةٌ اعتزلت وقالت :
وأمّا عثمان بن حُنيف، فإنّه سار، ولم يردَّهُ أحدٌ عن دخول البصرة، ولم يُوجَد لابنِ عامرٍ في ذلك رأيٌ ولا تدبيرٌ، وافترق النّاسُ بالبصرة كما افترقوا بِمصرَ.
وأمّا عُمارة، فلما صار بزبالة، لَقِيَهُ طُليحةُ بن خويلد، وكان خرج يطلب بدم عثمان. وقال له :
فرجع وهو يقولُ: «أحرز الخطر ما تماسك الشَّرُّ خير من شرٍّ منه» - فصار مثلاً.
وعلقه عمّار بن ياسر إلى أن قُتِلَ.
وانطلق عُبيد اللّه بن عبّاس إلى اليمن. فجمع يعلى بن أمية كل مال كان جَباه، وخرج وسار على حاميته إلى مكّة، فقدمها بالمال.
فدعا عليُّ طلحةَ والزُّبير فقال :
فقالا له : «ائذن لنا نخرج من المدينة».
فقال: «سأُمسِكُ الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بُدا فَآخِرِ الدّاءِ الكَيُّ».
وكتب إلى أبي موسى، وهو بالكوفة، وإلى مُعاوية، وهو بالشّام. فأما أبو موسى
فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة، وبَيَّنَ الكارِة منهم لما كان والرّاضي بما كان، حتّى كان عَليُّ على الواضحة من أمر أهل الكوفة.
وأمّا معاوية فلم يكتب بشيءٍ، ولم يُجب الرَّسولَ، وجعل يُردِّدُهُ. وكان كلَّما تنجزه تمثلُ بشعر لا يحصل منه على بيِّنةٍ، حتّى أحكم أمرَ نفسه، وواطأ من أراد. وأتى على الرَّسولِ ثلاثة أشهر. ثمّ دعا بأحدِ ثِقَاتِه ووضاهُ، ودفع طوماراً مختوماً إليه، عنوانه: «من معاوية إلى عليٌّ».
وقال : «إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطُّومار ليقرأ النّاسُ العنوانَ».
ثمّ أوصاه بأشياء يفعلها، ويقولها، وسرَّح رسول عليٍّ معه.
فلمّا دخلا المدينة رفع رسولُ معاوية الطومارَ، فتفرّق النّاس إلى مَنازلهم وقد علموا أنّ معاوية مُمتنعٌ ومضى الرَّسولُ حتّى دخل على عليٍّ، فدفع إليه الطُّومار، ففضَّ خاتمه، فلم تجد في جوفه كتاباً.
فقال للرَّسول : «ما وراءَك؟».
قال : «آمِنُ أَنَا؟».
قال: «نعم، لَعَمري إِنَّ الرُّسُلَ لآمِنةً».
قال : «ورائي أنّي تركتُ قوماً لا يَرضَون إلّا بالقَوَدِ»
قال : «مِمَّن؟».
قال: «من خيط رقبتك، ولقد تركت ستّين شيخاً يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوبٌ لهم، قد ألبَسُوه منبر دمشق».
فقال: «مِنّي يطلبون دَمَ عثمان ألستُ موتوراً كَتِرةِ عُثمان؟ اللّهمَّ إِنِّي أبرأُ إِليكَ من دَم عثمان، نَجا واللّه قَتله عثمان إلا أن يشاء اللّه، فإنّه إذا أراد أمراً أمضاه، اخرُج».
قال : «وأنَا آمِنٌ؟».
قال: «وأنتَ آمِنٌ».
فخرج وصاحبُ السَّبائية واقفٌ. فقالوا :
فنادی: «یا آلَ مُضَرَ يا آل قيس الخيل والنَّبلَ احلفُ باللّه ليردَّنَّها عليكم أربعةُ آلافِ خَصِيٍّ، فانظروا كَم الفُحولةُ والرُّكَابُ».
فتَغاوَوا عليه، ومنعتهُ مُضرُ، وجعلوا يقولون له :
فيقول: «واللّه، لا أُسكت، فلقد أتاهم ما يوعدون».
فيقولون له : «اسكت».
فيقولُ: «لقد حلّ بهم ما يحذرون انتهت واللّهِ أعمارهم، ذهبت واللّهِ ريحُهم». ولم يزل بذلك حتّى تبيَّنَ الذُّلُّ فيهم، وتمَّ لمعاوية تدبيرِه هذا.
واستأذنَ طلحةُ والزُّبير في العُمرة، فأذن عليٌّ لهما، فلحقا بمكة، وأحبّ أهلُ المدينة أن يعلموا ما رأي عليٍّ في مُعاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيَهُ في قِتالِ أهلِ القبلة، أيُقدم عليه، أم يجزع منه. وكان بَلَغَهم أنّ الحسن ابنه دخل عليه، وحذّره، ودعاه إلى القعودِ وترك النّاس فَدَسُّوا زياد بن حنظلة التّميمي، وكان منقطعاً إلى عليِّ، فدخل عليه وجلس إليه ساعةً. ثمَّ قال له على :
قال: «لأي شيء؟».
قال : «لِغَزو الشّام».
قال زياد : الأناةُ والرّفقُ أمثلُ، وقال :
ومَن لا يُصانع في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ***يُضَرَّس بأنياب ويُوطًا بِمَنسم
فتمثل عليُّ وكأنه لا يُريدُهُ :
متى تجمع القلبَ الذَّكِيَّ وصارِماً***وأنفاً حَمِياً تَجتَنِبكَ المظالِمُ
فخرج زيادٌ على النّاس وهم ينتظرونه، فقالوا :
قال: «السيف يا قوم».
فعرفوا رأيَ عليّ.
ودعا عليٌّ محمد ابنَ الحنفيّة، فدفع إليه اللَّواءَ، ووَلّى عبيدَ اللّه بن عبّاس ميمنتَهُ، وعُمر بن أبي سلمة ميسرته، وجعلَ على مقدمته عُمرَ بن الجرّاح ابن أخي أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح، ولم يُوَلِّ أحداً ممّن خرج على عثمان.
واستخلف على المدينة قُثَمَ بنَ العبّاس، وكتب إلى أبي موسى، وإلى قيس بن سَعدٍ، وإلى عثمان بن حُنيفٍ أن يندبوا النّاس إلى الشّام، وأقبل يتجهز، وخطب النّاس، فدعاهم إلى النُّهوضِ، وحصّهم على قتال أهلِ الفُرقة.
فبينا هو على ذلك، إذ أتاه من مكّة عن عائشةَ أَمّ المؤمنين وطلحة والزُّبير شيءٌآخر بخلاف ما هو فيه. ثم أتاه عنهم أنهم يُريدون البصرة للإصلاح. فقال:
فتعبّاً للخروج نحوهم، وخطبَ ونَدبَ النّاسَ، فتثاقَلُوا.
ولما رأى زيادُ بنُ حنظلة تَناقُلَ النّاس على علىٍّ انتدب وقال :
ولمّا هرب بنو أميّة لحقوا بمكّةَ، فاجتمعُوا إلى عائشةَ، وكانوا ينتظرونَ أَن يَليَ الأمر طلحة، لأنّ هَوى عائشة كان معه، وكانت من قبلُ تُشنّعُ على عثمان، وتَحُضُّ عليه، وتخرج راكبةً بغلَةَ رسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - ومعها قميصه وتقول :
«هذا قميص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ما بَلي وقد بلي دينُه، اقتُلوا نعثَلاً، قتل اللّه نعثلاً. فلما صار الأمرُ إلى عليٍّ كَرِهته وعادت إلى مكّة بعد أن كانت متوجهة إلى المدينة، ونادت :
«ألا، إنّ الخليفة قُتلِ مظلوماً، فاطلبوا بدمِ عُثمان».
فأوّلُ من استجاب لها عبد اللّه بن عامر، ثُمَّ قام سعيدُ بنُ العاص والوليدُ بنُ عُقبة وسائر بني أميّة. وكان قدمَ عبد اللّه بن عامر قريباً، ويعلى بن أميّة من اليمن، واجتمع رأيهم بعدَ نظرٍ طويلٍ، وخطابٍ كثير على البصرة، وقالوا :
وكان مع يعلى ستّمائة بعيرٍ، وستّمائة ألف درهم، فأنفقها في ذلك الوجه، وشتَمُوا عبد اللّه بن عامر، وقالوا :
فتكلّم بما لم يَرضَوه في جوابهم. وسأل النّاس غير عائشة من أزواج النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فأرادت حفصةُ الخروج، فأتاه عبد اللّه بن عُمر بن الخطّاب، فطلب إليها أن تقعد، فقعدت. وبعثت أمُّ الفضل بنتُ الحارث بن عبد المطَّلب رجلاً من جُهَينة، واستأجرته على أن يطوي ويأتي عليًّا بكتابها، فقدم من جهتها بالخبر على عليٍّ.
فأمّا المغيرة بنُ شُعبة وسعيدُ بن العاص، فإنّهما خرجا من مكَّةَ مرحلة مع القَومِ، ثمَّ تَشاوروا. فقال المُغيرة :
فاعتزلا وعادا إلى مكة ومعهما غيرُهما.
ويقال : إنّ سعيد بنَ العاصِ أتى طلحة والزُّبير فقال :
قالا : «لأحدِنا، أيّنا رَضيَهُ المسلمون».
قال: «لا، بل اجعلوه لولد عثمان، فإنّكم خرجتم تطلبون بدمه».
قالا : لا واللّه ما نَدَعُ مشايخ المهاجرين والأنصار ونجعل الخلافة في أبنائهم.
فقال: «ما أراني أسعى إلا في إخراجها من ولد عبد منافٍ».
فرجعَ مع مَن رجعَ، واستمرَّ بالقوم المسير. فلما نزلوا ذاتَ عِرقٍ أذّن مَروانُ، ثمَّ جاء حتّى وقف عليهما، فقال :
فقال ابنُ الزُّبير: «على أبي».
وقال ابنُ طلحة : «على أبي».
وتنازعا فأرسلت عائشة إلى مروان :
فكان يُصلّي بهم عبد اللّه بن الزُّبير حتّى قدِمُوا البصرة. فكانوا يقولون :
وإنّ عليّا تجهَّز في من خفَّ معه، يُبادرُهم ليعترض عليهم دون البصرة، وخرج معه تسعمائة رجل في التعبئة الّتي كان تَعبّأ بها إلى الشام حتّى انتهى إلى الرَّبذة، وبلغه ممرهم وقد فاتُوهُ. فَأَقامَ هُناك يأْتَمِرُ.
فممّا اتفق في ذلك الوجه أنَّ صاحب الجمل - الّذي يقال له : «عسكر» وخبرُه مشهورٌ حكى أنّه : لمّا اشترُي منه الجمل بحكمه وركبتهُ عائشةُ سألوهُ عن الطَّريقِ، وهَل هُو خَبِرٌ؟
قال فقلتُ: «أنا أهدى مِنَ القَطا».
فأعطوني دنانير، وتقدَّمتُهم، وكانوا يسألُونَني عن كُلِّ ماء، حتّى نزلوا الحَوءَب، فكان الحديث المشهور فبينا نحنُ كذلك إذا بابن الزُّبير يركضُ ويُنادي :
وشَتَمُوني ورحَلُوا، وانصرفتُ. فما سرتُ إلا قليلاً حتّى لقيتُ عليَّ بن أبي طالب ومعه رَكبٌ، فقال :
فأتيتُه.
فقال: «أين لقيتَ الظَّعينةَ؟».
فقلتُ : مكان كذا، وقد بعثهم جَمَلي وأعطَوني ناقتها وهي هذه تحتي، وأعطوني كيتَ وكيتَ».
قالَ : «وقد رَكِبَتَهُ؟».
قلتُ: «نعم. وسرتُ معهم إلى الحوءب وكان من أمرهم كذا وكذا، وارتحلوا وأقبلتُ».
قال عليُّ : «فهَل لك دَلالةٌ بذي قار؟».
قلتُ: «نعم».
قال : «سِر مَعَنا».
فسرنا حتّى نزلنا بذي قارٍ. فأَمرَ عليُّ بِجُو القين، فضمَّ أحدهما إلى صاحبه، ثمَّ
جيءَ بِرَحل، فوُضعَ عليه، ثمّ صَعِد عليه، وخطب النّاس وأعلمهم الخبرَ ثمّ استشارهم، فقام الحسن، فبكى، وقال:
فقال له عليُّ : «إِنَّكَ لا تزالُ تَحِنُّ حنين الجارية، وما الّذي أشرتَ به عَلَيَّ فَعَصَيْتُكَ؟ تكلّم به ليسمَعَهُ النّاس».
قال: «كنتُ قُلتُ لك يومَ أحيط بعُثمان أن تخرجَ من المدينةِ فلا تَشهِدَ قَتلَهُ فأبيتَ وقلتُ لَكَ يومَ قُتِلَ : لا تُبايع حتّى يأتيك وفودُ العرب وبيعةُ أهل الأمصارِ؛ فأبيتَ. ثمَّ قلتُ لك حينَ فَعلَ الرَّجلان ما فعلا :أن تجلس في بيتِكَ حتّى يصطلحَ النّاس، فإن كان فساد كان على يَدَي غيرك فعصيتني في ذلك كله».
فقال: «أي بُنَيَّ ! أما قولُك لو خرجت من المدينةِ، فواللّه لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولك: انتظره حتّى يأتيك الوفود وأهل الأمصار، فإنَّ الأمر أمرُ أهل المدينة، وعقدهم جائز على المسلمين، وكرهنا أن نُضيعَ هذا الأمر فتكونَ فِتنةٌ. وأمّا قولك حين خرج طلحة والزُّبير أن اجلس في بيتك، فإنّ ذلك كان وهناً على أهل الإسلام لو فعلته. وواللّه ما زلتُ مقهوراً منذ ولدتُ منقوصاً لا أصِلُ إلى حَقّي ولا إلى شيءٍ ممّا ينبغي لي. وأما قولُك : اجلس في بَيْتِكَ فكيف لي بما لزمني ؟ أتريد أن أكونَ كالضبع الّتي يُحاط بها ويُقال: دابِ دابِ أمّ عامر ليست ههنا حتّى يحل عرقوباها. إذا لم أنظر في ما لزمني ويعنيني فمَن ينظر فيه، فكُفَّ عليك يا بُنَيّ. إنّ النبيّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - قبضَ وما أرى أحقَّ بهذا الأمرِ منّي، فبايع النّاس أبا بكر، فبايعتُ كما بايَعُوا. ثم هلك أبو بكر وما أرى أحقَّ بهذا الأمر منّي، فبايع النّاس عُمرَ، فبايعتُ كما بايعُوا. ثم هلك عُمرُ وما أرى أحق بهذا الأمرِ منّي، فجعلني سهماً من ستة أسهم. ثمَّ عُدل عني إلى عثمان، فبايعت كما بايع النّاس. ثم سار النّاس إلى عثمان، فقتلوهُ، وأتوني طائعين غير مكرهين، فبايعوني. فأنا مقاتل بِمَن اتَّبَعَني مَن خالَفَني حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين».
ولمّا قربت عائشة ومن معها من البصرة قدَّمت عبد اللّه بن عامرٍ وقالت :
وكتبت إلى رجال البصرة كالأحنف بن قيس وضبرة بن شيمان ووجوه النّاس، وأقامت بالحفير تنتظر الجوابَ.
ولمّا بلغ الخبرُ البصرة دعا عثمان بن حنيف عِمران بنَ الحُصين، وكانَ رجلَ
عامةٍ، وأبا الأسود الدئلي وكان رجلَ خاصّةٍ وقال :
فانتهيا إليها والنّاسُ بالحفيرِ، واستأذنا فأُذن لهما، فسلّما وقالا :
فقالت: «واللّه ما مثلي يَسيرُ بالأمر المكتوم، ولا يمئي لبنيه الخبر، إنّ الغوغاء، ونُزِّاعَ القبائل غَزَوا حرمَ رسول اللّه، ونالوا من قتل الإمام، ما استحقوا به لعنةَ اللّه، وفعلوا وفعلوا. فخرجتُ في المسلمين إلى هذا المصر لأعلمَهم ما فيه النّاس وراءنا، وما ينبغي لهم بأن يأتُوهُ من الإصلاح، وقرأت: لا خير في كثيرٍ من نَجواهُم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقةٍ، أو إصلاح بين النّاس، فهذا شأننا نأمُرُكم بالمعروف ونَخُضُّكم عليه، وننهاكُم عن منكر، ونحتكم على تغييره».
فخرجا من عندها، وأتيا طلحةَ، فقالا ما قالا لعايشة وسألاه: ما الّذي أقدمه؟
قال : الطَّلبُ بِدم عثمان».
قالا : «ألم تُبايع عليّاً».
قال : «بلى واللُّجُ في عُنقي وما أستقيل علّياً، إن هو لم يَحُل بيننا وبين قتلة عثمان».
ثم أتيا الزُّبير، فقالا: «ما أقدمَكَ؟».
قال: «الطَّلب بدم عثمان».
قالا : ألم تبايع عليّاً؟».
قال: «بلى، واللجُّ في عُنقي، وما أستقيل عليّاً إن لم يُحام على قتلة عثمان».
ومضى الرَّجلان، حتّى دَخَلا على عثمان بن حنيف. فبدر أبو الأسود عمراَن وأنشد :
يا ابنَ حُنيفٍ قد أُتيتَ فانفر***وطاعنِ القومَ وجالِد واصبر
وابرُز لهم مستلئماً وشَمّر
فقال عثمانُ بنُ حُنيف: «إنّا للّه وَإِنَّا إليه راجعون. دارت رحى الإسلام وربِّ الكعبة. فانظر أي زيفان تَزيفُ».
فقال عمران : «إي واللّه، لتعركتكم عركاً طويلاً».
قال : «فأشِر عَليَّ يا عمران».
قال: «إنّي قاعِدُ، فاقعُد».
قال : «بل أمنعهم حتّى يأتي أمير المؤمنين».
فانصرف عمرانُ، وقام عثمان في أمره ونادى في النّاس، وأمرهم بالتّهيُّؤ. فلبسوا السّلاح واجتمعوا في المسجد الجامع، وأقبل عثمانُ بن حنيف على الكيد.
فمِمّا كادَ بِه لينظر ما رأى النّاس : أن دسَّ رجلاً إلى النّاس كوفياً قيسياً يقال له : قيس بن العقدية، فقام وقال:
فقال الأسودُ بن سريع : «أَو زعموا أنا قَتَلَةُ عُثمانَ. إنّما فزِعُوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا».
فتكلّم القيسيُّ فحصبَه النّاس. فعرف عثمانُ أنّ لَهُم بالبصرة ناصراً مِمَّن معَهُ. فكسره ذلك.
وأقبلت عائشةُ في من معها حتّى انتهوا إلى المِربَدِ، فدخلوا مِن أعلاه، وَوَقَفُوا حتّى خرج عثمانُ في مَن معه، وخرج إليها من أراد أن يكون معها. واجتمعَ النّاس بالمِربَدِ، وجعلوا يتوتبون، واغتصَّ المكانُ بالنّاس.
فتكلَّم طلحةُ وهو في مَيمنة المربد، وعثمان في ميسرته، فأنصتُوا، فذكر فضلَ عثمان، والبلد، وما استحلّوا منه، وعظم ما أتي إليه، ودعا إلى الطَّلب بدمِه، وقال في آخر کلامه :
فقال مَن في ميمنةِ المِربَدِ : «صَدَقا وبَرَا».
وقال مَن في الميسرة «فجرا وغَدَرا. قد بايعا، ثمّ جاءا يقُولانِ ما يقُولانِ».
وتحاصبَ النّاس، وتكلَّمُوا. فتكلمت عايشة. وكانت جهيرةَ الصَّوتِ؛ فحضّت على الطَّلب بدمِ عثمان، والأخذِ بالكتاب الّذي يُدعَونَ إليه. وأقبل جاريةُ بن قدامةَ السَّعديّ، فقال:
لكِ سِترُ مِن اللّه وحرمه : فهتكتِ سِترَكِ، وأبحتِ حُرمَتكِ. إنّ مَن رأى قِتَالَكِ فهو يَرى قتلك. فإن كُنتِ خرجتِ طائعةً فارجعي إلى بيتك، وإن خرجت كارهة فاستعيني بالنّاس».
وخرج رئيسُ كُلّ طائفة، فتكلّم فقال بعضهم :
قالا : «لا».
قال : «ما أنا منكما».
واعتَزَلَ.
وأَقبَلَ حكيمُ بنُ جَبَلَةَ فأَنشبَ القتال فاقتتلوا إلى الليل، وقُتِلَ خَلقٌ. ثمّ إنّهم تَوادَعُوا على أن يكتبوا إلى المدينة ويستعلموا النّاس : هل بايعا مُكرَهَين؟ فإن بايعا مُكرَهَين خرج عثمانُ بنُ حُنيف، وإن كانا بايعا طائعين خرج طلحة والزُّبير.
فجرى خَطبٌ طويلٌ بالمدينةُ لما ورد الرسولُ من البصرة، ليس لذكرِهِ وَجهُ في ما نحن بسبيله.
وكان النّاس كتبوا بينهم كتاباً شُرِطَ فيه ألّا يُضارَّ أحدٌ بأحدٍ في سوقٍ ولا طريق إلى أن تعودَ الرُّسُلُ. إلا أن محمد بن طلحةَ قام يوماً في المسجد مقام عثمان بن حُنيفٍ، فتعرّض له عثمان، وجاءَ بعضُ الحرس، فنحّاهُ، وظنّ أنّه جاء في شرّ.
ووصل كتابُ عثمان بن حُنيفٍ إلى عليّ بما كان من النّاس. فكتب عَليٍّ - رضي اللّه عنه - يُعجزه ويقول :
فقدِم الكتابُ على عثمان، واتفق أن تأخّر ابن حُنيفٍ عن الصَّلاةِ، فقدَّما عبد الرّحمن بن عتّابِ، فشهرَ الزُّطُّ السّلاحَ ومنعُوهُ. ثمَّ اقتتلوا في المسجد، وصبرَ الرّجالة لهم، فقتلوهم عن آخرهم وهم أربعون رجلاً. وأدخلُوا الرّجال على عثمان؛ فما وصل إليه إلا بعد أن لحقه مكروه عظيمٌ.
وأرسلوا إلى عائشة يستشيرونها في أمره. فأمرت بقتله، فناشدها قوم فيه، وأَذكَرُوها بصحبتِهِ رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فأشار مجاشعُ بنُ مسعود بضربهِ فضربُوه أسواطاً،
ونَتفُوا شَعر لحيته ورأسه حتّى حاجِبَيهِ وعَينَيه، وأشفار عَينَيه. ثمَّ حَبَسُوهُ. فغضب لهُ قوم وثار حكيمُ بن جَبلةً، وأصبح بيت المال والحرس في يَدَي طلحة والزُّبير.
وقال حكيم بن جبلة : «لستُ أخاف اللّه إن لم أنصر عثمان بن حنيف».
فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل فأتى ابن الزُّبير في مدينة الرّزق. فقال :
قال: «أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تُحِلُّوا عثمان، فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتُم بينكم حتّى يقدم عليُّ. وأيم اللّه لو أجِدُ أعواناً لألحقتكم بمن قتلتُم. فقد أحلّ اللّه لَنا دِماءَكُم بمن قتلتُم مِن إخواننا. أما تخافون اللّه، بم تستحلون سفك الدِّماء؟».
قال: «بِدَم عثمان».
قال: «فالّذين قتلتموهم قَتَلَةُ عثمان ! أما تخافون اللّه ومقتَهُ وعُقوبتَهُ؟».
فقال ابن الزُّبير : «لا نرزقكم من هذا الطَّعام، ولا نُخَلي سبيل عثمان بن حنيف حتّى نخلع عليّاً».
قال حكيم : «اللّهم إنّك حَكَمٌ عَدلٌ».
ثم قال لأصحابه : «إنِّي لستُ في شكٍّ مِن قتالِ هؤلاءِ القوم».
فاقتتلوا قتالاً شديداً. وضرب رجلٌ ساقَ حكيم، فقطعها. فأخذ حكيم ساقَهُ ورماه بها، فأصابَ عُنقَهُ، فَصَرَعَهُ. ثمَّ حبًا إليه فقتلَهُ واتكى عليه، فانتهى إليه رجلٌ وقال له : «مَن قتلك؟» قال: «وسادتي». وقُتل سبعون رجلاً من عبد القيس. وقال حكيمُ حين قُطعت رجلُه :
يا فخذِ لَن تُراعي***إِنَّ مَعي ذراعي
]أحمي بها كُراعي]
فاحتمل الرَّجلُ حكيماً وضمَّهُ في ستين من أصحابه. فتكلّم يومئذٍ وإِنَّهُ لَقائم على رجلٍ - وإنَّ السُّيوف لتأخذهُم - لا يُتعتعُ :
«إنا خلفنا هذين، وقد بايعا عليا، وأعطيَاهُ الطَّاعةَ، ثم أقبلا مُخالفين يطلبان بدمٍ عثمان وهما كاذبان ؛ وإنّما أراغا المال والإمرَةَ».
وأخذتُه السُّيوف، فأنيم، وأنيم أصحابه، وأفلت حرقوصُ بن زهير وحده.
ونادى مُنادي عايشة :
فَجِيءَ بهم كما يُجَاءُ بالكلاب، فقُتِلُوا. فما أفلتَ منهم غير حرقوص فخشَّنُوا صدور بني سعدٍ، وإنّهم لعثمانيةُ، حتّى انفردُوا وغضب عبد القيس لِمَن قُتل منهم بعد الوقعةِ، ثمّ أمرا للنّاس بأعطياتهم، وفضّلا أهلَ السّمع.
فخرجت عبد القيس وكثيرٌ من بكرِ بنِ وائلٍ. فبادرُوا إلى بيت المال، وركبهم النّاس، وخرجوا حتّى نزلوا على طريق عليّ، وأقام طلحةُ والزُّبير بالبصرةِ ليس معهما مخالفٌ.
وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا، وقَصَّوا القصَّة وأطالوا، وذكروا أنَّهم أقامُوا حد اللّه، وأنّهم قد أعذَروا، وقَضَوا ما عليهم فنناشِدُكم اللّه في أنفسكم إلّا نهضتُم بمثل ما نهضنا به وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثل ذلك. وإلى أهل اليمامة بمثِلهِ. وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة كتاباً بليغاً طويلاً تحضُّهم على إقامة كتابِ اللّه، وتذكر لهم ما صنعوا بالبصرة وكتبت إلى رجال بأسمائهم وقالت :
«ثَبِّطُوا النّاس عن نصرة هؤلاء القوم، والزَمُوا بيوتكم».
ولمّا قتلوا حكيماً وأصحابه همُوا بقتل عثمان بن حنيف فقال لهم عثمان :
وكتبت عايشة بنتُ أبي بكر إلى زيد بن صوحان :
«مِن عائشةَ أمِّ المؤمنين وحبيبةِ الرّسولِ إلى ابنِه الخالصِ زيدِ بن صُوحان.
أما بعدُ، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم وانصرنا على أمرنا فإن لم تفعل فخذِّلِ النّاس عن عليِّ بنِ أبي طالب».
فكتب إليها زيدُ بن صُوحان :
«إلى عايشةَ بنتِ أبي بكر. أما بعد فأنا ابنك الخالِصُ إن اعتزلت من هذا الأمر، ورجعت إلى بيتك، وإلا فأنا أوّلُ مَن نابذكِ».
وقال: «رحم اللّه عايشةَ. أُمرت أن تلزم بيتها، وأمرنا أن نُقاتل، فتركت ما أُمرت به، وأمرتنا به، وصنعت ما أُمرنا به ونهتنا عنه».
وكان علي - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - حين انتهى إلى الرَّبذةِ، أقام، وأرسل إلى أهل الكوفة، وكاتبهم، واستدعى من المدينة ما أحبَّ مِن سلاحٍ وغيره. وقدِم عثمانُ بن حُنيفٍ الرَّبذة على عَليٍّ منتوف شعرِ الوَجهِ كلِّه، وقال:
قال: «أصبت خيراً وأجراً، اللّهم احلل ما عقدا، ولا تُبرم ما أحكما، وأرهما المساءة في ما عَمِلا».
فأمّا أهل الكوفة، فلمّا انتهى إليهم رسولُ على استشارُوا أبا موسى. فقال لهم :
وجَعَلَ يُثبِّطُ النّاس. إلى أن أنفذ علي - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - ابن عباس والأشترَ، فلم يُغنيا، وكان بعث بهاشم بن عتبة إلى أبي موسى يستنفرُ النّاس. فكتب إليه هاشم:
فبعث عليٌّ الحسن وعمّاراً، وكتب إلى أبي موسى:
فقدم الحسنُ بنُ عليٍّ وعمّار بن ياسر. فلطف الحسن وقال :
فقام زید بن صوحان فقال :
فقام القعقاعُ بنُ عمرو، فقال:
ثم تكلَّم سيحانُ، وقال مثلَ قولِ القعقاع، وتكلَّم عديّ بنُ حاتم في قومه لمَّا بلغه كلامُ الحسن وجواب النّاسِ وقال :
وتكلَّم هندُ بن عمرو، وحجرُ بن عديِّ والأشتر، وقالوا مثل ذلك، وقال الحسن:
فنفر معه تسعة آلافِ رجل، ورُوِيَ أيضاً أنهم كانوا اثني عشر ألفاً، وأُخرج أبو موسى من القصر، وشدَّد عليه الأشتر.
فلمَّا وردوا على عليّ ذا قارٍ، تلقاهم عليّ، فرحب بهم وأثنى عليهم. ثم دعا القعقاع بن عَمرٍو، فأرسلهُ إلى أهلِ البصرةِ، وقال:
ووصّاه بما أراد.
ثم قال له :
«كيف أنتَ صانعٌ في ما جاءَك منهم ممّا ليس عندك وَصاةٌ منّي؟».
قال: «نلقاهم بالَّذي أمرت به فإذا جاءَنا منهما أمرٌ ليس عندنا منك فيه وصاةٌ اجتهدنا الرَّأي، وكلَّمناهُم على قدر ما نسمع منهم ونَرى أنَّه ينبغي».
قال : «أنتَ لها».
فخرج القعقاعَ حتّى قَدِمَ البصرة. فبدأ بعائشة. فسلَّم عليها، ثم قال :
قالت : «أي بُنَيّ ! الإصلاح بين النّاس».
ثمَّ قال : «فابعثي إلى طلحة والزُّبير حتّى تسمعي كلامي وكلامهما».
فبعثت إليهما، فجاءا فقال: سألتُ أمّ المؤمنين ما أشخَصَها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت :
[فقلتُ] : «فما تقولان أنتما : متابعان، أم مخالفان؟».
قالا : «متابعان».
قال: «فأخبراني ما وجه هذا الصَّلاحِ ؟ فواللّه لئن عرفناه لَنُصلِحَنَّ، وإن أنكرناه لا نُصلِحُ».
قالا : «قَتَلَةُ عثمان. فإنّ هذا إن تُرك كان تركاً للقرآن وإن عُمل به كان إحياءاً للقرآن».
قال: «قد قتلتم بالبصرة من زعمتم أنهم قَتَلَهُ عثمان، وأنتم كنتم قبل قتلهم أقربَ إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتُم ستّمائة إّلا رجلاً فغضب لهم ستّة آلافٍ، فاعتزَلُوكم، وخرجوا من بين أظهركم وطلبتُم ذلك الواحد الّذي أفلت - يعني حرقوص بن زهير - فمنعه ستّة آلاف وهم على رجل فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولُون، وإن قاتلتُمُوهم والّذين اعتزلوا فأُديلوا عليكم، فالذي حذرتُم وقويتُم به هذا الأمر أعظمُ ممّا أراكم تكرهُونَ؛ وإن أنتم أحميتُم مُضَرَ وربيعَةَ مِن أهلِ هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير».
قال : أقول : إنّ هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن احتلجوا فإن أنتم تابعتمونا فعلامة خير، وتباشير رحمة، ودركٌ بثأر هذا الرَّجل، وعافيةٌ لهذه الأمة. وإن أبيتُم إلا مكاثَرَة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شرِّ، وذهاب هذا النّارِ، وفناء هذه الأمة فآثروا العافية تُرزقوها، وكونوا مفاتيحَ خير كما كنتم تكونون، ولا تتعرَّضُوا لِلبَلاءِ ولا نتعرض له فيصر عكم ويصرعنا إنّ هذا الأمر الّذي أنتم فيه أمر ليس يُقدَّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرَّجُلِ الرَّجُلَ، ولا النَّفَرِ الرَّجُلَ، ولا القبيلةِ الرَّجُلَ.
فقالوا: «إذاً أحسنتَ وأصبت المقالة. فارجع، فإن قَدِم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر».
فرجع إلى عليِّ، فأخبره الخبرَ، فأعجبَهُ ذلك، وأشرفَ القومُ على الصلحِ كَرِهَهُ مَن كَرِهَهُ، ورَضِيَهُ مَن رَضِيَهُ. وأقبلت وفود البصرة نحو عليٍّ حين نزلَ بذي قار. فجاءَ وفد تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أيّ حال نهضوا [إليهم] ولِيُعلموهم أنّ الّذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر قتالهم على بالهم.
فلمّا لَقُوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهلِ البصرةِ، وقالوا لهم مِثلَ مقالتهم، فأدخلوهم إلى عليّ، فأخبروه بخبرهم. فسأل عليٌّ جريرَ بنَ شَرِسٍ عَن طلحة والزُّبير، وعن نِيَاتِهما، فأخبره بدقيق أمرهما وجَليله، وحتى تمثَّل له [ طلحة]:
ألا أبلغ بَني بكر رسولاً***فليس إلى بَني كعب رَسُول
سيرجعُ ظُلمكم مِنكُم عليكم***طويلُ السّاعِدَينِ لَهُ فُضُول
فتمثل علىٌّ عِندَها :
ألَم تَعلَم أَبا سَمعان أنَّا***نَرُدُّ الشَّيخَ مِثَلكَ ذَا الصُّدَاعِ
ونُذهِلُ عقلَهُ بالحرَبِ حتّى***يَقُومَ، فيستجيب بغيرِ داعِ
فدافعَ عن خُزاعةً جمعُ بكرِ***وما بِكَ يا سُراقةُ من دفاع
وتحدّث النّاس بهذه الأبيات وتداولُوها، لأنّ طلحةَ كان يُديمُ إنشادَ البَيتينِ الأوَّلين.
ورجع القعقاعُ من عند أمِّ المؤمنين وطلحة والزُّبير بمثلِ رأيهم. فجمع عليٌّ النّاس، ثمَّ قام على الغرائر، فخطبَ، وذكر الجاهليَّة وشقاءَها والإسلام والسَّعادة، وإنعام اللّه على الأُمَّةِ بالجماعةِ، وحصّ النّاس على الألفة ثم قال :
فاجتمع نفر منهم : علباءُ بنُ الهَيثم وعَدِيُّ بنُ حاتم، وشريح بن أوفى، والأشترُ، وغيرُهم مِن طبقتهم مِمَّن سارَ إلى عثمان، أو رَضِيَ بسَيرٍ مَن سارَ، وجاءَهم ابنُ السَّوداء، وخالدُ بنُ مُلجَم، ومعهم المصريون، فتشاوروا.
فقال القومُ : «هذا واللّه عليٌّ، وهو أعلمُ وأَبصَرُ بكتاب اللّه مِمَّن يطلب قَتلَة عثمان، وأقربُهم إلى العمل بذلك، وهو يقولُ ما يقولُ، ولم ينفِر إليه إلاّ هُم، والقليلُ من غيرهم. فكيف به إذا شام القوم وشامُّوهُ، ورَأَوا قِلَّتنا في كثرتهم. أنتم واللّه تُرادُونَ، وما أنتم بأنجى من شيء».
فقال الأشتر :
فقال عبدُ اللّه بنُ السَّوداء :
وقال علباء بن الهيثم :
فقالَ ابنُ السوداء :
فقال عَدي بن حاتم :
فقال ابن السَّوداء : «أحسنتَ».
وقال سالمٌ بنُ ثَعلبةَ :
فقال ابن السَّوداء: «قد قال قولاً».
وقال شريحُ بنُ أوفى :
وتكلَّم عبد اللّه بن السَّوداء فقال :
وأصبح عليّ على ظَهرِ. فمضى ومضى النّاسُ حتّى انتهى إلى عبد القيس فنزلَ بهم والنّاسُ يتلاحقون به وقد قطعَهُم. ولمّا بلغ أهل البصرة نزولُ عليّ حيثُ نزلَ اجتمعوا إلى طلحة والزُّبير، وأشاروا عليهما أن يبعثا خَيلاً فتُبيِّتَ عليّاً قبل أن يجتمع النّاس إليه.
فنهى الزُّبير وقال :
فقام ضَبرةُ بنُ شيمان إلى طلحةَ فقال :
فقال :
فأمّا أصحابُ عليّ فتحرّكوا. وقام عليٌّ فقال :
يبين وأقبل كعبُ بنُ سُورٍ، فقال :
فقالوا :
وقام إلى عليٍّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - جماعةٌ من أهلِ الكوفة يسألونَه عن إقدامهم على القومِ، وسألُوهُ : ما الّذي يَرى.
فقالَ عَليُّ : «الإصلاح وإطفاءُ النّائرة، لعلّ اللّه يَجمعُ شمل هذه الأمة بنا، ويَضعُ حَربَهم. فقد أجابوني».
قالوا: «فإن لم يُجيبُوا؟».
قال: «تَرَكناهُم ما تَرَكُونا».
قالوا: «فإن لم يَترُكُونا؟»
قال: «دفعناهُم عَن أَنفُسِنا».
وقام إليه أبو سلامةَ الدَّلاني فقال :
قال: «نعم».
قال : فترى لك حُجَّةً بتأخيرك ذلك؟».
قال: «نعم. إن الشيء إذا كان لا يُدرَكُ، فالحُكمُ فيه أحوطه وأعمُّه نفعاً».
فقال: «ما حالنا وحالهم إن ابتلينا غداً؟».
قال: «إني لأرجو ألا يُقتل أحدٌ مِنا ومنهم تَقيُّ قلبه للّه بما يصنعُ إِلا دَخَلَ الجنَّةَ».
وقام عليٌّ فخطب وقال :
ثمَّ ارتحل على تعبئةٍ، حتّى إذا أطلَّ على القوم بعثَ إليهم.
فأقاموا ثلاثة أيّامٍ لم يكن بينَهم قتال.
قال :
فَكُنَّا نُرسِلُ إليهم ونَدعُوهم. وبعث عليّ تلك العَشِيَّةَ عبدَ اللّه بنَ عبّاسٍ إلى طلحة والزُّبير. وبعثاهُما مِن العَشي محمَّدَ بنَ طلحة إلى عليٍّ وأن يكلم كلّ واحدٍ صاحبَهُ.
فأرسل عليٌّ إلى رؤساءِ أصحابه ما خلا أولئك الّذين ساروا إلى عثمان، وأرسلَ طلحةُ والزُّبيرُ إلى رؤساء أصحابهما وباتُوا على الصُّلح بليلةٍ لم يبيتُوا بمثلها سُروراً بالعافيةِ ممّا أشرفوا عليه، وبات الّذين أثارُوا أمرَ عثمان بَشَرٌ ليلةٍ باتُوها قَطُّ، قد أشرفوا على الهَلكة، وجعلوا يتشاورُون ليلتهم كلَّها حتّى اجتمعوا على إمضاء ما كانُوا هَمُّوا بِهِ من إنشاء الحرب في السِّرِّ، واستَسَرُّوا بِه خوفاً مِن أن يُفطَنَ لهم. فغَدَوا مع الغَلَسِ وما يُشعِرُ بهم. فانسَلُوا انسلالاً وعليهم ظُلمةٌ. فخرج مُضَريَّهُم إِلى مُضَريِّهم، ورَبَعيهم إلى رَبَعِيَّهم، ويَمانيُّهم إلى يمانيِّهم. فوضعُوا فيهم السِّلاح، فتنادى أهلُ البَصرةِ، وثار قومٍ في وجوه أصحابهم الّذين نهنَهوهُم.
وخرج طلحةُ والزُّبير، ووجوهُ النّاس من مُضر، وبعثا إلى الميمنَةِ والميسرة فَعبَّوهما، وقالا :
قالوا : طَرَقَنا أهل الكوفة ليلاً.
فقالا : «قد علمنا أنّ عليًّا غير مُنتَهٍ حتّى يسفك الدِّماء ويستحلَّ الحُرمَةَ، وأنّه لَن يُطاوعنا».
ورجعا بأهل البصرة [وقصف أهل البصرة أولئك] حتّى رَدُّوهم إلى عسكرهم. فسمع عليّ وأهلُ الكوفة الصَّوتَ. وقد كان ابن السّوداء، والأشتر، وأصحابُهما قد وضَعُوا رجلاً قريباً مِن عليّ، ووَصَّوهُ بما يُريدون. وقالوا :
فلمّا قال علي: «ما هذا؟» قال ذلك الرَّجلُ:
وقال عليٌّ لصاحب مَيمنتهِ : «إيتِ الميمنة». وقال لصاحب ميسرته: «إيتِ الميسرةَ».
وقال: «فلقد علمتُ أنّ طلحة والزُّبير غيرُ مُنتهيين حتّى يسفكا الدَّمَ ويستحلاً الحُرمةَ، وأنهما لَن يُطاوعانا».
والسبائيةُ لا تفتُرُ [إنشاباً].
فنادى عليٌّ: (يا أيّها النّاس كُفُوا، فلا شَيء !».
وكان يُحبُّ أن يُبدأ لتكون الحجةُ على القومِ.
وخرج الأحنف بن قيسٍ وبنو سعدٍ مشمّرين قد بعثوا حرقوصَ بن زهيرِ إلى عليٍّ، فقال:
فقال: «ما مثلي يُخافُ هذا منه. فهل أنتَ مُعْنِ عَنِّي قومَكَ؟».
قال : «نعم. واختَر مِنّي واحداً من اثنين : إمّا أن آتيكَ، فأكون معك بنفسي، وإمّا أن أكفَّ عنك عشرة آلاف سيفٍ».
قال : «بل اكُفف عَنِّي عشرة آلافِ سيفٍ».
فرجعَ، ودعا قومَهُ إلى القُعود والكفّ، ففعلُوا.
ثُمَّ إنّ الزُّبير خرج على فرس له، عليه سِلاحٌ، فقيل لعلي :
قال: «أما إنّه أحرى الرّجلين إن ذُكْرَ باللّه أن يَذكُرَ».
وخرج طلحةُ، فخرج إليهما عليُّ، ودَنا منهما حتّى اختلفت أعناقُ دوابِّهما فقال عليٌّ :
قال طَلحة: «ألَّبتَ على عثمان».
قال عليٌّ: «يَوْمَيذٍ يُوَفِّهِمُ اللّه دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)» [النور: 25] يا طلحهُ، تطلبُ بدمِ عثمان، فلعنَ اللّه أشدَّنا كان عليه يا زُبيرُ ! أتذكر يومَ مَررتَ معَ رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - في بني غنم، فنظر إليَّ وضَحِكَ وضَحِكتُ إليه، فقلت: لا يَدَعُ ابنُ أبي طالبٍ زَهوَه ؛ فقال لك رسول اللّه : مه! إِنَّهُ ليس كذلك، وَلتُقَاتِلَنَّهُ وأنتَ لَهُ ظَالِمٌ؟
فقال: «اللّهم نعم، ولو ذكرتُ ما سرتُ مَسيري هذا واللّه لا أقاتِلُك أبداً».
فانصرف عليٌّ، وحكى ذلك لأصحابه. ورجع الزُّبير إلى عائشة فقال لها :
قالت: «ما تُريدُ أن تصنع ؟».
قال : «أُريدُ أن أدَعَهم وأذهبَ».
قال له ابنه عبدُ اللّه : «جمعت هذين الغارّين حتّى إذا جرَّد بعضُهم لبعض أردتَ أن تَتركهم وتذهب. أحسست راياتِ ابن أبي طالب وعلمتَ أنَّها فتية أنجادٌ».
فغضبَ الزُّبيرُ حتّى أرعِدَ، ثمّ قال :
قال : كَفِّر عن يَمينِكَ.
فدعا غلاماً له يُقال له : مَسحولٌ فأعتَقَه. فقال عبد اللّه بن سليمان التّيميُّ :
لم أَرَ كاليَومِ أخا إخوان***أعجب من مُكفِّرِ الأَيْمَانِ
بالعِتقِ في مَعصِية الرَّحِمانِ
وإنّما حكينا هذه الحكاية، لأنَّ فيها تجربةً تُستفاد، وإن ذهب ذلك على قوم، فإنّا نُنَبِّه عليه، وذلك أنَّ المُحنقَ رُبّما سُكِّنَ بالكلام الصَّحيح، والساكنَ رُبَّما أُحنِق بالنُّورِ من الكلام، وذلك بحسب تأتي من يُريدُ ذلك، وإتيانِه مِن وجهه.
ما يُحفَظُ مِن كلام الأَحنَفِ في الاعتزال وحَضُ النّاس عَليهِ
إنّه لما رجع مِن عندِ عليَّ لَقِيَهُ هِلالُ بنُ وَكِيعٍ، وهو سَيِّدُ رَهْطِه، فقال:
قال: «مكاتفةُ أمِّ المؤمنين. أفَتَدَعُنا؟ وتعتزِلُ عَنا؟ وأَنتَ سَيِّدُنا».
قالَ: «إنّما أكونُ سَيْدَكم غداً إذا قُتِلتَ وبَقيتُ».
فقالَ هِلالٌ : «سبحانَ اللّه َتقولُ هذا وأنتَ شيخُنا؟».
فقالَ: «أَنَا الشَّيخ المَعصِيُّ وأنتَ الشّابُ المُطَاعُ».
ولمّا ابتدأ القِتالُ قال علىُّ لأصحابه :
فقال فتىً شابُّ : «أَنَا».
فطافَ على أصحابه يَعرِضُ ذلك عليهم، فلم يقبله إلا ذاك الفتى.
فقال له عليٌّ :
فحمل القومُ على الفتى وبيده المُصحفُ، فقُطعت يَداهُ، فأخذَهُ بأسنانه حتّى قُتلَ. فقال علىٌّ لأصحابه :
فقاتَلُوهُم، فالتحمتِ الحربُ، واشتدّ القتالُ إلى العصر. ثمّ انهزَمَ أصحابُ الجمل وعائشةُ يومئذٍ في هَوْدَجِها على الجملِ الّذي يُقال له : «عَسكَر». وانهزم الزُّبير نحو وادي السباع وتشاغلَ النّاسُ عنه، واتَّبَعَهُ قومٌ. واتَّبَعَهُ قومٌ. فلمّا رأى الفُرسان تتبعُهُ، كرَّ عليهم. فلمّا عرفُوه رجعُوا عنه، وتركوهُ. وكان عليٌّ وصَّاهُم ألّا يَتَبعُوا مُديراً، ولا يُجهِزُوا على جريحٍ.
وأصابَ طلحةَ سَهِمْ، فَشَكَ رُكَبَتَهُ بِصفحة الفرس، فامتلأ مُوزَجُهُ دَماً وضَعُف. فانتهى إليه القعقاعُ في نَفَرِ وهو يقول :
فقال له :
فقال : «يا غلام أدخلني وأبغني مكاناً».
فأُدخِلَ ومعه غلامٌ ورجلان واقتتلَ النّاس بعدَه، وأقبل النّاس في هزيمتهم. فلمّا انتهوا إلى الجمل عادوا قلباً كما كانوا حيثُ التَّقوا؛ وعادُوا في أمرٍ جديدٍ، ووقفتِ الميمنَةُ والميسرةُ.
وقالت عائشةُ لكعب بن سورٍ وهو آخذٌ حطامَ الجملِ :
ودفعت إليهم مُصحفاً. فاستقبلهم بالمُصحفِ وكانت السّبائيَّةُ أَمامَ النّاس يَخافون أن يَجري الصلحُ. فاستقبلَهم كعبٌ بالمصحفِ، وعليُّ يَزَعُهم، ويأبون إلا إقداماً، فرشَقُوا كعباً رَشقاً واحداً فقتلُوهُ، ورَمَوا الهَودَجَ. فجعلت عائشةُ تُنادِي :
فيأتون إلّا إقداماً.
فكان أوّل ما أحدثته عائشة حين رأت النّاس يأبون إلّا قتالها أن قالت :
«أيّها النّاس العَنُوا قتلة عثمان وأشياعهم».
وأقبلت تدعو، وضجّ أهلُ البصرة بالدُّعاءِ. وسمع علي الدُّعاءِ، فقال:
قالوا: «عائشة تدعُو ويدعون معها على قَتَلَةِ عُثمان».
فأقبل عليُّ يدعُو ويقول :
وذمرت عائشةُ النّاسَ لما رأت أنّ النّاس لا يُريدون غيرها ولا يكفون. فازدلفت مُضَرُ البصرة، فقصفت مُضَرَ الكوفة حتّى زوحم عليٌّ. فكانت الحرب صبيحة هذا اليوم مع طلحة والزُّبير، فلما انهزم الزُّبير، وأصيب طلحة، وذلك بعد الظهر، صارت الحرب مع عائشة.
قال محمد ابن الحنفيّة: دفع أبي إلي اللواء، وقال:
«احمل !».
فحملت حتّى لم أرَ موضعاً لحملةٍ وقد كان زوحِم عليٌّ.
فنخس عليُّ قفا محمّدٍ، وقال: «تقدم!».
وقال : فلم أجد متقدَّماً إلا على سنانٍ فقلت :
فَتَنَاوَلَ الرُّمحَ مِن يَدي مُتناوِلٌ لا أدري من هو، فنظرتُ، فإذا أبي بين يَدَيَّ. واقتتلت المجنَّبتان حين تزاحَفَتا قتالاً يُشبهُ ما فيه القلبان وارتجز الفُرسان، وكثُرَ القَتلى وتنادى الكُماةُ في عسكر عليّ وعسكرِ عائشة، لمّا رأوا الصَّبر الشديدَ :
فجعلوا يتوخَّون الأطرافَ: الأيدي والأرجُلَ، فما رأيتُ وقعةً قطُّ قبلَها ولا بعدَها، ولا سُمع بها أكثرَ يَداً مقطوعةً ورجلاً مقطوعةً منها، لا يُدرى صاحبها. فكان الرَّجلُ من هؤلاءِ وهؤلاءِ إذا أُصيبَ بشَيءٍ مِن أطرافه استقتل إلى أن يُقتل.
ونادت عائشةُ من هودَجها بصوتٍ عالٍ فيه كسرةٌ.
وأحدقوا بِجَمَلها حتّى أسرع فيهم القتل ورقُوا. وكانت عائشة تقول :
«ما زال رأسُ الجمل معتدلاً حتّى قتلت بنو ضبَّة حَولي».
وضُربُوا ضَرباً ليس بالتّقدير، حتّى إذا كثر القتلى وظهر في العسكر التّطريفُ كره بعضُهم بعضاً، وارتدّتِ المُجَنَّبتانِ، فصارتا في القلب. ثمّ تلاقوا جميعاً بقلبيهم. فأخذ ابن يثربي برأسِ الجَمل، وارتجز وادّعى قتلَ علباء بن الهيثمِ، وزيد بن صوحان، وهند بن عمروٍ، فقال:
أَنَا لِمَن يُنكِرُني ابنُ يَثْرِبي***قاتِلُ عِلباءَ وهندِ الجَمَلِ
وزیدِ صوحانٍ عَلَى ِدينِ عليٍّ
فناداه عمارٌ: «لقد لُذت بِحريزٍ وما إليكَ من سبيلٍ، فإن كُنتَ صادقاً فاخرج من هذه الكتيبة إليَّ».
فترك الزّمامَ وبَرزَ حتّى كان بين صفّ عائشةَ وصفّ عليّ، وأقبل إليه عَمّارُ، وهو يومئذٍ ابنُ تسعين سنةً وقد شَدَّ وسطَهُ بحبلٍ، وعليه فَروٌ. فضربَهُ ابنُ يثربي فَنَحا لَهُ
دَرَقَته، فنشب السيفُ فيها، وأسف عمّارٌ لرجليه، فضربَهُ فقطعهما، فوقع على استِه، وحماه أصحابُه فارتُثَّ بعد، فأُتِيَ به عليُّ بن أبي طالبٍ. فقال :
فقال : «بعد ثلاثة تضرب وجوههم بسيفك؟».
وأمَرَ بِه، فضُربت عُنْقُهُ.
وتتابع النّاسُ على زمامِ الجَمَلِ حتّى قُتِلَ أربعون رجلاً يرتجزون ويأخذون الخِطامَ فيقتلُون
فحدّث عبد اللّه بن الزُّبير قال :
أمسيتُ يومَ الجمل وبي سبعٌ وثلاثون جراحةً من طعنةٍ وضربةٍ، وما رأيتُ مثل يوم الجمل قطُّ، ما ينهزم منا أحد وما يأخذ بخطام الجمل أحدٌ إِلا قُتِلَ. فأخذتُ بالخِطام، فقالت عائشة :
قلت : ابن الزُّبير.
قالت: «واثُكل أسماء»
ومرَّ بي الأشتر فعرفتُه، وعانقتُه، وسقطنا جميعاً، وناديتُ :
فجاءَ ناسٌ مِنًا، فقاتَلُوا عنا حتّى تحاجزنا، وضاع مني الخِطامُ. فسمعتُ عليًّا وهو يُنادي :
فضربه رجلٌ، فسقط، فما سمعتُ قطُّ أشدَّ مِن عَجيج الجَمل.
وفي رواية أبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ عن علقمة أنه قال :
قلتُ للأشتر : «قد كنتَ كارهاً لقتل عثمان، فما أخرجك بالبصرة؟».
قال: «إنَّ هؤلاء بايِعُوهُ، ثمّ نكثوا، وكان ابن الزُّبير هو الّذي هزّ عائشةَ على الخُروج فكُنتُ أدعُو اللّه أَن يُلقِّينيهِ، فلقيني كفَّةً لكفّةٍ. فما رضيتُ لِشدَّة ساعدي أن قُمتُ في الرِّكاب، فضربتُه ضربةً على رأسه فصرعتُهُ».
قُلتُ: «فهو القائل : اقتلوني ومالكاً؟».
قال: «لا. ما تركتُه وفي نفسي مِنهُ شَيءٌ. ذاك عبدُ الرّحمن بن عَتّابِ بنِ أسيدٍ، لَقِيَني، فاختلفنا ضربتين، فصر عني وصرعتُه، فجعل يقولُ : نحنُ مُصطرِعُون، اقتلوني
ومالكاً، والنّاس لا يعلمون مَن مالكٌ، فلو يعلمون لَقَتَلُوني».
ثُمَّ قال أبو بكر بن عَيّاش: «هذا كأَنَّك شاهده».
وتحدَّث عوفُ بن أبي رجاء قال : رأيتُ رجلاً قد اصطلمت أُذُنه فقلت :
قال : أحدِّثُكَ : بَينا أَنَا أمشي بين القتلى يومَ الجمل، فإذا رجلٌ يفحصُ برجله، وهو يقول :
لقد أوردتنا حَومةَ المَوتِ أُمُّنا***ولم تنصرف إلّا ونحنُ رِواءُ
قال : قلت: «يا عبد اللّه قل : لا إله إلّا اللّه».
قال : «ادنُ مِنّي، وَلَقِّني، فإنّ في أذُني وقراً».
قال : فَدَنَوتُ مِنه، فقال لي :
قُلتُ: «رجلٌ مِن أهل الكوفة».
قال :
فوثَبَ عَليَّ، واصطلم أُذُني كما ترى وقال :
وتمامُ أبياتِ عُميرِ بنِ الأهلب :
أطعنا بني تيم بنِ مُرَّةَ شَقِوَةً***وهَل تيم إلا أَعْبُدُ وإماء
لقد كان عَن نَصَر ابنِ ضِبَّةَ أُمَّهُ***وشيعتها مندوحةٌ وغَناء
ورُوي عن الصَّعبِ بن عطيَّة قال : كان مِنا رجلٌ يُدعى الحارثَ، قال يومئذٍ :
فنادوا: «لا ندري إلّا أنّا إلى قضاء، وما يكفُّون».
وقال القعقاع بعد ذلك : ما رأيتُ شيئاً أشبه بشيءٍ من قتال القلب يوم الجمل بقتالِ صفّين. لقد رأيتُنا تُدافعهم بأسِنّتِنا، ونتّكى على ازجَّتِنا، وهم مثل ذلك، حتّى لو أنَّ الرّجال مَشَت عليها لاستقلت بهم.
وقال عبدُ اللّه بن سنان الكاهلي : لمّا كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتّى فنيت، وتَطاعَنّا بالرِّماح حتّى تشبّكت في صُدورنا وصُدورهم حتّى لو سُيّرت عليها الخيل لسارت. ثم قال عليُّ :
قال الشيخ : فما دخلتُ دار الوليد بالبصرة وسمعت صوت القصارين يضربون إلّا ذكرتُ ذلك اليوم، وما شبَّهتُ هودج عائشة إلّا بالقُنفذ.
ثم أمر عليٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحمل الهودج من بين القتلى. وقد كان القعقاعُ وزُفَرُ بن الحارث أنزلاهُ عن ظهر البعير فوضعاهُ إلى جنب البعير. فأقبل محمَّد بن أبي بكر ومعه عمّارُ حتّى احتملاه، وأدخلَ محمدٌ يَدَهُ.
فقالت: «مَن أنتَ، ويلك؟».
قال: «أنا أخوك محمد».
قالت: «بل مُذمَّمٌ !».
قال : «يا أخيَّة ! هل أصابك شَيءٌ؟».
قالت: «ما أنت من ذاك؟».
قال : فمَن إذاً الضُلّالُ؟».
قالت: «بل الهُداةُ».
وانتهى إليها عليُّ فقال : «كيف أنتِ أمِّه؟».
قالت : «بخيرٍ».
قال : يغفر اللّه لَكِ».
قالت : «وَلَكَ».
وأما الزُّبير فإنّه تبعه ابنُ جُرموز فقتلَهُ. وأمّا الأحنفُ فقصد عليا ومعه ابنُ جرموزٍ.
فقال عليٌّ للأحنفِ: «تربَّصت».
فقال: «ما كنتُ أراني إلا قد أحسنتُ، وبأمرك كان يا أمير المؤمنين، فارفُق، فإِنَّ طريقَكَ الّذي سلكت بعيدٌ، وأنتَ غداً أحوج منك أمسِ، فاعرف إحساني، واستصف مَوَدَّتي، ولا تَقُولَنَّ مِثلَ هذا. فإنّي لم أزل لك ناصحاً».
وحُملت عائشةُ إلى دارِ عبد اللّه بن خلف الخُزاعي. وكان عبد اللّه هذا قُتِلَ يومَ الجمعةِ مع عائشة، وقُتل عثمان أخُوهُ مع عليّ. وأما الجرحى فإنَّهم انسلُّوا في جوف اللَّيلِ، ودخلوا البصرةَ مَن كان يُطيق الانبعاث.
وسألت عائشةُ عن عدّةِ ممَّن كانوا معها وممَّن كانوا عليها. فكُلَّما نُعِي واحدٌ منهم قالت: «رحمه اللّه». فأما عليُّ فصلّى على قتلى هؤلاء، وجمع الأسلابَ إلى المسجد بالبصرة، ونادى : «مَن عَرَفَ شيئاً فليأخُذه إلّا سلاحاً كان في الخزائنِ عليها سِمَةُ السُّلطان».
وصلَّى عليٌّ في المسجد، ثم دخل البصرةَ، فأتاهُ النّاس. ثُمَّ راحَ إلى عائشة على بغلته، وهي في دار عبد اللّه بن خلفٍ، وهي أعظم دار بالبصرة. فوجَدُوا النِّسَاءَ يَبكينَ على عبد اللّه وعثمان ابنَي خلفٍ، وصفيَّةُ بنتُ الحارثِ مختمرةٌ تبكي، فلمّا رأتُه قالت :
فلم يَرُدَّ عليها شيئاً، ولم يزل على حاله، حتّى دخل على عائشة فسلَّمَ عليها، وقَعَدَ عِندَها. ثُمَّ قال : «جَبَهَتنا صَفيّةُ. أما إني لم أرَها منذ كانت جاريةً حتّى اليوم».
فلمّا خرج عليٌّ أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام. فكفَّ بغلَتَهُ ثم قال :
«الهَمَمْتُ - وأشار إلى بابٍ من أبواب الدّارِ - أن افتحَ هذا الباب وأقتُلَ مَن فيه، ثُمَّ هذا، وأقتل من فيه».
وكان ناسُّ من الجرحى لجَأُوا إلى عائشة فأخبر عليٌّ بمكانهم فتغافل عنهم. فسكتت صفيّةُ، وخرج عليّ.
فقال له رجلٌ مِنَ الأرْدِ: «ما تُفلتنا هذه المرأة».
فغضب وقال : «مَه ! لا تَهتِكُنَّ ستراً، ولا تَدخُلُنَّ داراً، ولا تُهيجنَّ امرأةً بِأذّى وإن شَتمنَ أعراضَكم، وسفّهنّ أمراءكم وصُلَحاءَكم، فإنّهنَّ ضِعافٌ. ولقد كُنّا نُؤْمَرُ بالكفّ عنهنَّ وهُنَّ مُشركاتٌ وإِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَافِيُّ المَرأةَ ويتناوَلُها بالضَّرب، فيُعَيَّرُ به عَقِبُهُ من بعده. فلا يبلُغَنِّي عَن أحدٍ عَرضُ لامرأةٍ، فأُنكُلِ بِه شِرَارَ النّاس».
ومَضى عليُّ، فَلَحِقَ به رجُلٌ فقال : يا أمير المؤمنين، قام رجلان مِمَّن لقيتُ على الباب فتناوَلا مَن هو أمضُ لك شتيمةً مِن صَفيّة.
قال : ويحكَ، لعلَّها عائشةُ!».
قال: «نعم».
فبعث القعقاعَ بن عَمروٍ إلى الباب. فأقبل بمن كان عليه. فأحالُوا على رَجُلين.
فقال: «أضرب أعناقهما».
ثمَّ قال : «بَل أُنهكهما عُقوبةً».
ثُمَّ قال : «لا، بل أُضرِبهما مائةً وأُخرِجهما من ثيابهما»
ثُمَّ بايع أهلُ البصرة حتّى الجرحى والمستأمنة. فلمّا فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فإذا فيه ستّمائة ألفٍ. فقسمها على مَن شهد معه. فأصاب كلّ رجلٍ منهم خمسمائة.
فقال لهم : «لَكُم إن أظفَركُم اللّه بالشّام، مثلُها إلى أعطياتكم».
فخاض في ذلك السَّبائية وطعنوا على عليٍّ مِن وَرَاءُ وَراءُ.
وكان من سيرة علي ألا يقتل مُدبراً، ولا يُذفِّف على جريح ولا يكشفَ سِتراً، ولا يأخذ مالاً.
فقال قومٌ يومئذٍ :
فقال علي : «القومُ أمثالُكم. من صفح عنّا فهو مِنّا ونحن منه ؛ ومَن لجَّ حتّى يُصاب فقِتالُه مِني على الصَّدرِ والنَّحرِ، وإنَّ لكم في خُمسِه لَغِنّى».
فيومئذٍ تكلَّمت الخوارجُ.
وكتب كتابَ البشارةِ إلى عامله بالمدينة. وكان زيادُ بن أبي سفيان ممَّن اعتزلَ. فلما انجلتِ الحرب، ذكَرَهُ عليُّ، واستبطأهُ. فقال ابن أخيه عبد الرّحمن بن أبي بكرة، وكان ورد مستأمنا :
فقال: «امش أمامي، فاهدني إليه».
ففعلَ. فلمّا دخل عليه قال : «تقاعدتَ وتربَّصتَ».
فاعتذر زيادٌ. فقبِلَ عُذرَه، واستشارَهُ في من يولِّيه البصرة، وأرادَهُ عليها.
فقال: يا أمير المؤمنين، رجلٌ من أهلِ بيتكَ يسكُنُ إليه النّاس، فإنّه أجدر أن يطمئنُّوا إليه، وسأكفيه وأشيرُ عليه».
فافترقا على ابن عبّاس ووَلّى زياداً الخراج وبيتَ المالِ.
وأعجلتِ السبائيّة عليًّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه. فارتحل على آثارِهم ليقطع عنهم أمراً إن كانُوا أرادُوهُ. وقد كان له مُقامٌ لَولاهُم.
وكان عدّةُ القتلى يومَ الجمل عشرة آلافٍ من الفريقين.
وتحدث النّاس :
إنَّ أهلَ المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغربَ الشَّمسُ، وفيه كان القتال، وذلك مِن نسرِ مرَّ بماء حول المدينة معه شَيءٌ متعلِّقٌ، فتأمَّلهُ النّاس، فوقع، فإذا كف فيها خاتم نقشه : «عبد الرّحمن بن عتّاب». ثم جعلَ مَن بين مكة والمدينة ممَّن
قرب من البصرةِ أو بَعُدَ، قد عَلِمُوا بالوقعة ممّا تنقُلُ إليهم النُّسور من الأيدي والأقدام.
وجهَّز علىٌّ عائشةَ لغُرَّةِ رجب سنة ستٍّ وثلاثين بكُلِّ شيءٍ ينبغي لها، وأخرجَ معها كلَّ من نَجا مِمَّن خرج معها إلّا مَن أحبّ المُقامَ. واختارِ مِن نِساءِ البصرةِ المعروفاتِ أربعين امرأة، وأمَرَ أَخاها محمَّداً بالخروجِ معها، وخرج في تشييعها أميالاً، وسرَّح بَنيه معها يوماً.
وكان عليٌّ بن أبي طالب ولّى قيس بنَ سعد بن عُبادةَ مِصرَ لمّا قُتل عثمان، فسار إليها، وبايع أهلها لعليٍّ بن أبي طالب، ودارى النّاس. فاستجاب له أهلُ مصر إلّا أهل قريةٍ يقال لها : «خَرِنبا»، فإنَّ أهلَها أعظموا قتلَ عثمان، وكانوا نحو عشرةِ آلاف رجلٍ من الوجوه الفرسانِ فكَرِةَ قيسٌ أن يُهَيِّجَهُم فراسَلَهم قيسٌ وراسلُوه يقولون :
فأمسك عنهم. وأرسل إليهم عُمّالَهُ، فجباهم، ثُمَّ توثَّبَ عليه قومٌ بمصرَ، فداراهُم. وكان قيس ذا حزم ورأي فجبى الخراج لا يُنازعه أحدٌ.
وخرج أمير المؤمنين إلى أهلِ الجمل وهو على مِصرَ، ورجع إلى أرضِ الكوفة من البصرةِ وهو بمكانه. فكان أثقل خلق اللّه على معاويةِ لقربه من الشّام مخافة أن يُقبل إليه عليٌّ في أهل العراق ويُقبل إليه قيسٌ في أهل مِصرَ فيقعَ معاويةُ بينهما.
فكتب إليه معاوية وعليٌّ بن أبي طالب بالكوفةِ يومئذٍ، يُعظِّم عليه قتل عثمان، ويذكر لهُ أنَّ صاحبَه أغرى به النّاسَ، وحملهم على قتلِه، ويحمل قيساً على مُتابعته، ويضمن له سلطانَ العراقين إذا ظهر، ما بقي، ويشترط له سلطان الحجاز يولّيه مَن شاءَ مِن أهلِه، ويقول له بعد ذلك :
فأجابه قيسٌ بالاعتذار من قتل عثمان، وأنَّه لم يشهدهُ ولا صاحبُه أمير المؤمنين، ولا رَضيَهُ، واستمهله ممّا عرض عليه من متابعته، وقال:
فلمّا نظر في كتابه معاويةُ وقرأهُ لم يَرَهُ إلّا مباعداً، ولم يأمَن أن يكونَ مُكائداً. فكتب كتاباً آخر يقول له :
فلمّا قرأ قيسٌ كتابه ورأى أنّه لا يقبلُ منه المدافعة، أظهر له ذات نفسه وكتب إليه :
فلما أتى معاوية كتابُ قيسِ بن سعدٍ هذا. يَنسَ منه، وثقُلَ عليه مكانُه، وأخذ في طريق الحيلةِ عليه، والمكيدة له.
فأخذ معاويةُ يكيدُ قيساً من قبل عليّ، فيُظهر مرّةً كتاباً يفتعله من قيس إليه بأنه : منكرٌ لِقتلِ عثمان، تائبٌ إلى اللّه منه، وأنَّ هَواهُ ومَيلَهُ معهُ، في أشياء تُشبِهُ هذا الكلام ؛ ومرَّةً يُظهرُ رسولاً يزعم: أنَّه مِن قِبَلِه ويُلَقِّنُه ما يُقوّي به قلوبَ شيعته من أهل الشّام ؛ ومرَّةً يَقولُ لِثقاتِه : لا تَسُبُّوا قيس بن سعدٍ، فإنَّه لنا شيعةٌ تأتينا نصيحتُه سِرًّا، ألا تَرَونَ ما يفعل بإخوانكم من أهل حزبنا يُجرى عليهم أرزاقهم. ويُؤمِن سربهم ويُحسن إلى كل راكبٍ قَدِم عليه منكم؟
فسمع جواسيس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعُيُونُه ذلك، فكتبوا إليه به. ولم يزل معاويةُ بأمثال هذا المكائد حتّى انهم عليٌّ قيساً وجمع ثقاته، وقال لهم ما كتب إليه من أمر قيس، فقالوا :
فقال عليٌّ : «إنّي واللّه ما أصدّقُ هذا على قيسٍ».
فقال عبد اللّه بن جعفر: «اعزله يا أميرَ المؤمنين فواللّه لئن كان هذا حقًا لا يعتزل لك». فبينا هُم كذلك إذ جاء كتابٌ من قيس بن سعدٍ يُخبره :
فقال عبد اللّه بن جعفر : «يا أمير المؤمنين، ما أَخوفَنَي أن يكون هذا ممالأة منه لهم. فمُره بقتالهم».
فكتب إليه علي :
فلما أتى قيسَ بن سعدٍ الكتاب، لم يَتَمَالك أن كَتَبَ :
فلمّا أتى عليًّا كتابُ قيس قرأهُ على أصحابه. فقال عبد اللّه بن جعفر :
فكتب عليٌّ عهد محمَّد بن أبي بكرٍ على مصر. فلمّا قدم محمَّدٌ مصر، خرجَ قيسٌ، فلحق بالمدينة. فأخافه مروان والأسودُ بن البَختَري حتّى إذا خافَ أن يُقتَلَ، ركبَ راحلتَهُ وطَمَر إلى عليّ. وبلغ ذلك معاوية، فكتب إلى مَروان والأسود يتغيَّظُ عليهما ويقول :
لما قدم قيسٌ على عليٍّ وباثّهُ، ثمَّ جَاءَهُم قتل محمّد بن أبي بكرٍ، عَرفَ أنَّ قيس بن سعدٍ كان يُداري أموراً عِظاماً من المكاره، وأنّ من كان يحمله على عزلِ قيس لم يكن ينصحُ له. فأطاع علي قيسَ بن سعدٍ بعد ذلك في الأمر كلِّه.
وكان أهلُ الشّام قدِمَ عليهم النُّعمان بن بشيرٍ بقميص عُثمان الّذي قُتِلَ فيه مخضّباً بدمه، وبأصابع زوجته «نائلة»، مقطوعة البراجم : إصبعان منها مع شيء من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولِهما، ونصف الإبهام. فكان معاويةُ يضعُ القميص على المنبر، ويُعلّق منه الأصابع، ويُشنّع به، ويكاتبُ الأجنادَ. فئاب إِليه النّاس وبَكَوا سنةً والقميصُ بتلك الحالِ. وآلى رجالٌ من أهل الشّام ألّا يأْتُوا النِّساء، ولا يَمسَّهم الماء لِلغسلِ إلّا من الاحتلام، ولا يناموا على الفَرشِ، حتّى يقتُلُوا قَتَلَةَ عثمانَ، ومَن عرض دونَهم بِشيءٍ، أو تفنى أرواحُهم.
وبلغ عليًّا خبرُ معاوية وما يصنعهُ، فبعث إليه بِرُسُلٍ، وخرج من الكوفة، فعسكَر بالنُّخَيلة، وقدِمَ عليه عبد اللّه بنُ عبّاسٍ بِمَن نَهضَ معه من البصرة، وتهيَّأ منها إلى صِفّين، واستشار النّاسَ. فأشار عليه قومٌ أن يبعث الجنودَ ويُقيم، وأشار آخرون بالمسيرِ، فأبى إلّا المباشرة فجهَّز النّاس.
وبلغ الخبرُ معاويةَ، فدعا عمرو بن العاص واستشاره.
فقال : إذا بلغك أنّه يَسيُر فَسِر بنفسِكَ ولا تَغِب عنه برأيك ومكيدتك».
قال معاويةُ : «فجهز النّاس».
فخرج عمرو إلى النّاس، وحصّهم وضعَّف عليّاً وأصحابه وقال :
وبعث عليٌّ بن أبي طالب زيادَ بنَ النَّضر طليعةً في ثمانية آلاف وبعث معه شريحَ ابنَ هانِئٍ، ووَجَّهَ مِن المدائن مَعقِلَ بَن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذَ على المَوصِل حتّى يوافيهُ، وسار بنفسه حتّى انتهى إلى الرَّقَّة، وقال لأهلها :
-«اجسِروا لي جسراً حتّى أعبر من هذا المكان إلى الشّام».
فأبوا. وكانُوا ضمُّوا إليهم السّفن. فنهض عليّ من عندهم ليعبُرَ مِن جسرٍ منَبج، وخلّف عليهم الأشتر، ورحل ليمضي بالنّاس ويَعبُرَ بهم.
فنادى الأشتر : «يا أهل هذا الحِصن، إلى إِنِّي أقسمُ باللّه لئن مَضى أمير المؤمنين ولم تَجسِرُوا لَهُ عندَ مَدينتكم جسراً حتّى يَعبُرَ، لأجرِّدَنَّ فيكم السِّيفَ، ثُمَّ لأقتُلَنَّ الرِّجالَ، وأَخربنَّ الدِّيارَ، ولأنهَبنَّ الأموال».
فلقِيَ بعضُهم بعضاً، فقالوا: «هو الأشترُ، ويفي بما حلفَ عليه، ويأتي بما هو شَرٌّ منه».
فنادَوهُ: «نعم، إنا ناصِبون لكم جسراً، فأقبلُوا».
فجاءَ عليٌّ، فنصبوا له الجِسرَ، فعبَرَ عليّ بالأثقالِ والرِّجالِ. ثمَّ أمر عليٌّ الأشترَ، فوقفَ في ثلاثةِ آلافِ فارسٍ حتّى لم يبقَ مِن النّاس أحدٌ إِلّا عبرَ، ثُمَّ عبر آخِرَ النّاس رجلاً.
فأمّا زيادُ بن النَّضر وشريحُ بن هانِىء، فسارا أمام عليٍّ - كما ذكرنا - من
الكوفة، آخِذَين على شاطئ الفراتِ مِن قبل البَرِّ ممّا يلي الكوفة، حتّى بلغا عاناتٍ، فبلغهما أخذُ عليّ عَلى طريق الجزيرة، وإنَّ معاويةَ قد أقبلَ مِن دمشق في جنودِ أهلِ الشّامِ، فقالا :
فذهبُوا لِيَعبرُوا مِن عاناتٍ، فمنعهم أهلُ عاناتٍ، وحبسوا عنهم السُّفُنَ. فأقبلُوا راجعين حتّى عَبرُوا مِن هِيت، ثُمَّ لَحِقُوا عليًّا، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
فتَقدَّم إليه زيادٌ وشُريحٌ، وأخبراهُ بِما رَأَيا. فقال : «سُدّدتُما».
ثمَّ مَضى، فلمّا الفرات قدَّمَهُما أمامه. وأرسل معاويةُ أبا الأعور السُّلَمي في عبر جندٍ عظيم من أهل الشام فأرسلا إلى عليٍّ:
وكان عليّ أمرهما ألّا يَبدَءا بقتال حتّى يدعُوا إلى الحقِّ، ويكونَ مبدأ القتال من غيرهما فأرسل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأشتر، فقال :
وكتب إلى زيادٍ وشُريحٍ بالسمع له والطّاعة. فخرج الأشتر، والتقى مع القوم، وكفَّ عن القتالِ إلى أن حمل أبو الأعور، فثبتُوا لهُ. ثم انصرف أهلُ الشّامِ في تلك اللَّيلة لمّا أدركهم المساءُ، وأقبل مِن الغَدِ، وجاء الأشترُ من المكان الّذي كان فيه، ولم يَزل يزحَفُ حتّى وقف في المكان الّذي كان فيه بالأمس أبو الأعور.
فقال الأشتر لِسنانِ بن مالك : «انطلق إلى أبي الأعور، فادعُهُ إلى المبارزة».
فقال : «إلى مبارزتي، أو إلى مبارزتك؟»
فقال الأشتر : «لو أمرتُكَ بمبارزتِه فعلت؟».
قال: «نعم، واللّه لو أمرتَني أن أعترض صفّهم بسيفي، ما رَجعتُ حتّى أضرب فيهم بسيفي».
فقال له الأشتر : «يا بن أخي، أطال اللّه بقاءك، قد - واللّه - ازدَدتُ فيك رغبةً. لا، ما أمرتُكَ بمبارزته، وإنَّما أمرتُكَ أن تدعُوهُ إلى مبارزتي. إِنَّه لا يَبرُز إِلا لِذَوي الأسنان والكفاءَةِ والشَّرفِ، وأنت - ولربّك الحمدُ - من أهل الشَّرفِ والكفاءَةِ، غير أنَّك في حَدَثِ السِّنِّ. وليس بمبارزٍ الأحداث، ولكن ادعُهُ إلى مبارزتي».
فأتاه ونادى: «آمنوني، فإني رسولٌ».
فأومِنَ حتّى جاءَ إِلى أبي الأعورِ.
قال : فدنوتُ مِنه وقُلتُ «إنّ الأشتر يَدعوكَ إلى المبارزة».
قال : فسكت عنّي طويلاً ثمَّ قال : «إن خفّةَ الأشتر، وسُوء رأيه حمله على إجلاء عُمّال عثمان بن عفّان من العراق، ومن خفّة الأشتر أن سار إلى ابن عفّان في داره حتّى قتلَهُ في مَن قتلَهُ، فأصبح مُتبعاً بدمه ألّا، لا حاجة لي في مبارزته».
قال : قلتُ له : «إنك قد تكلّمتَ، فاسمع مِنّي أُجِبكَ».
قال: «لا حاجة لي في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عنّي».
وصاح بي أصحابُه، فانصرفتُ عنه، ولو سمع إليَّ لأجبته بحجّةِ صاحبي. فرجعتُ إلى الأشتر، فأخبرتُه أنه قد أبى المبارزة. فقال :
وأقمنا متحاجزين يومنا ونتحارس ليلتنا. فلمّا أصبحنا نظرنا فإذا القومُ قد انصرفوا مِن تحتِ ليلتهم، ويُصَبِّحنا عليّ غُدوةً، فقدَّم الأشتر في مَن كان معه في تلك المقدمة. وجاء عليٌّ في أثره حتّى لَحِقَ بالأشتر وانتهى إلى معاوية.
قال : فلمّا انتهينا إلى معاويةَ وجدناه قد عَسكرَ في موضع سَهل أفيحَ، قد اختارهُ قبل قُدومنا، إلى جانبِ شريعةِ الفُراتِ، ليس في ذلك الصُّقع كُلِّهِ شريعة ٌغيرها، وجَعلَها في حَيِّزِه، وبعث عليها بالأعور يمنعُها ويَحميها.
قال : فارتَفَعنا على الفُراتِ رجاءَ أن نَجدَ شريعةً غيرها نستغني بها عن شَريعتهم، فلم نجدها.
قال : فأتينا عَليًّا، فأخبرناه بعطش النّاس، وقال له الأشتر :
فكره ذلك عليٌّ وقال : «ليس كل النّاس يقوى على المَسيرِ».
ونزل بهم، فقال عليّ : «قاتلوهُم على الماء».
وبعث إلى معاويةَ برسولٍ يقول :
فقال مُعاوية لأصحابه : «ما تَرونَ؟».
فأما أكثر النّاس قال : «ولا نُعمي عين نمنعهم الماء كما منعوهُ عُثمان؛ فإن رَجعُوا كان ذلك فَلا لَهم».
فقال عَمروٌ : خَلِّ بينهم وبينَ الماءِ، فإِنَّ القَومَ لَن يَعطَشوا وأنت ريَّان ولكن بغير الماء، فانظُر في ما بينك وبينهم».
فارتفع الصِّياحُ مِن كلِّ جانبِ :
وكان الرّسول صعصعة بن صوحان فقال صعصعة :
فتواثَبُوا إليه يشتمونه ويتهدَّدونَهُ.
فقال معاويةُ : «كُفُّوا عن الرَّجل فإنّه رسول».
قال صعصعةُ : «فخرجتُ مِن عنده ومِن رأيه مَنعُ الماء. فما انتهيتُ إلى علي حتّى رأيتُ الخيلَ تُسرَّبُ إلى أبي الأعور ليكُفَّنا عَن الماء. فأبرزنا علىٌّ إليهم وقال :
فارتمينا، ثُمَّ اطْعَنَّا، ثمَّ تَجالَدنا بالسُّيوف، إلى أن انهزمُوا، وصار الماء في أيدينا.
قال: فقلنا : لا واللّه، لا نُسقيهُمُوهُ بعد أن غلبنا عليه بالسَّيف».
فأرسل إلينا عليّ أن: «خُذُوا مِن الماء حاجتكم وارجِعوا إلى عَسكرِكُم، وخَلُوا عنهم، فإِنَّ اللّه قد نصركم عليهم يبغيهم وظُلمهم».
ثُمَّ أقبل عليٌّ يأمرُ ذا الشّرف من النّاس، فيخرج ومعه جماعةٌ، ويُخرجُ معاويةُ إليه مثلَهُ، فيقتتلان في خيلهما، ثُمَّ ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجميع أهل العراقِ أهلَ الشَّامِ لِما يتخَوَّفُونَ أن يكون في ذلك من الاستيصال والهلاكِ، إلى أن
تقضي شهرُ ذي الحجة.
فلمّا دخل المحرَّمُ توادعَ عليٌّ ومعاويةُ إلى انقضائه طمعاً في الصُّلح، وتردَّدت الرُّسُلُ، وطالَ الكلامُ بينهما، فما استقام بينهما الصُّلحُ. وانقضى المحرَّم فأمر عليٌّ مرثد بن الحارث الجُشميَّ، فنادى أهل الشام عند غروبِ الشَّمسِ :
ففزع أهل الشام إلى أمرائهم، وخرج معاويةُ وعَمرو في النّاس يُكتبانِ الكتائب، ويُعَيِّئانِ النّاس، وأوقدوا النيران وباتَ عليَّ ليلتهُ كُلَّها يُعبُ النّاس، ويُكتبُ الكتائب، ويدورُ في النّاس، ويحرِّضُهم.
وكان في ما يُوصِّيهم :
كانَ هذا كلامه في يوم الجمل، وصفّين، ويَومِ النّهروان، وكان يُحرّض فيقول :
ولمَّا أصبح عليٌّ في ميمنتِه وميسرتِه، ومعاويةُ في مثل ذلك، وبايع رجالٌ من أهل الشّام على الموتِ ؛ فعقلوا أنفسَهم بالعمائم. فكان المُعقَّلُون خمسة صُفوفٍ، وكانوا يخرجون ويصفّون أحد عشر صفاً، ويخرج أهلُ العراق أحد عشر صفاً.
فخرجوا أول يومٍ مِن صَفَر، واقتتلوا، وعلى من خرج يَومئذٍ من الكوفة الأشترُ، وعلى أهل الشّامِ حبيبُ بن مَسلمة، وذلك يومَ الأربعاءِ، فاقتتلُوا عامَّةَ نهارِهم. ثمَّ
تراجعوا وقد انتصف بعضُهم من بعض. فلما كان اليوم الثاني، خرج هاشمُ بن المرقال. وخرج إليه أبو الأعور السُّلَمي في خيلهما ورجالهما، فاقتتلُوا عامَّة نَهارِهم، وصبر بعضُهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمّارُ بنُ ياسرٍ. وخرج إليه عمرُو بنُ العاص في خيلهما ورجلهما فاقتتلُوا كأشدّ ما يكون القتال، وكان مع عَمارِ زياد بن النضر على الخيل، فأمره عمار أن يحمل، فحمل في خيلهِ وصبر له النّاس، وشدّ عمار في الرّجال، فأزال ابنَ العاصِ عن موقفه، ثم انصرف كلُّ واحد عن صاحبه وتراجع النّاس.
وخرج اليومَ الرّابع محمدُ بنُ عليّ، وهو ابن الحنفيّة، فخرج إليه عبيد اللّه بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال.
فأرسلَ عُبيد اللّه إلى ابن الحنفيّة، أن: «خرج إليَّ !».
فقال: «نعم!».
وخرج يمشي. وبَصُرَ بِهِ عليُّ، فقال : «من هذان المتبارزان؟».
فقيل له : «ابنك وعبيدُ اللّه بن عُمر».
فحرَّكَ دابَّتَهُ، ثمّ نادى محمّداً، فوقَف لهُ.
فقال: «أَمسِك دابتي!.
فأمسكها.
ثمّ مَشى إِليه علي وقال : «أَبرُزُ [لك]، فهلُمَّ إِليَّ !».
فقال: «ليست لي في مبارزتكَ حاجةُ».
قال: «بَلى، هلُمَّ!».
قال : «لا».
فرجع ابن عُمَر، وأخذ محمد ابن الحنفيّة يُعاتب أباه في منعِه، ثُمَّ خُروجه بنفسه، إِلى مَن ليس [كفؤاً له] هو ولا أبوه. فجرى بينهما كلام مذكور. ثم تحاجز النّاسُ.
فلمّا كان اليومُ الخامس خرج عبد اللّه بن العَبَاس، وخرج إليه الوليدُ بن عُقبة، فاقتتلُوا قتالاً شديداً، ودنا ابن العبّاس من الوليد بن عُقبة والوليدُ يشتم بني عبدِ المطلب. فأرسل إليه ابن عبّاسٍ أن : ابرزُ لي ! فأبى وقاتلَ ابن عبّاسٍ قتالاً شديداً، وغَشِيَ النّاس بنفسه.
وخرج اليومَ السّادسَ قيسُ بنُ سعدٍ الانصاري. فخرج إليه ابن ذي الكُلاع الحِميري، فاقتتلا قِتالاً شديداً، ثمّ انصرفا، وذلك بعد قتلٍ كثيرٍ في الفريقين.
وخرج الأشتر في اليوم السّابع. وعاد إليه حبيب بن مَسلمة، وذلك يومَ الثلاثاء،
فاقتتلا كأشدّ ما يكون من قتالٍ، ثم انصرفا، عند الظهرِ وكُلِ غيرُ غالب.
ثمّ إِنَّ عليًّا قال: «حتّى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟».
فقام في النّاس عَشيةَ الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر، فخطبهم فقال : - «الحمد للّه الّذي لا يُبرمُ ما نقض، ولا يُنقضُ ما أبرَمَ، ولو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعتِ الأمَّةُ في شيءٍ مِن أمره ولا جَحَدَ المفضولُ ذا الفضل فَضلَهُ، وقد ساقتنا وهؤلاء القومَ الأقدارُ، فلفت بيننا في هذا المكان، فلو شاء عجَّلَ النِّعمة، وكان منه التَّغييرُ حتّى يُكذَّبَ الظالِمُ ويُعلم الحقُّ أين مَصيرُهُ، ولكنَّه جَعَلَ الدُّنيا دار الأعمال، وجَعلَ الآخِرَةَ هي دارَ القرارِ، ليجزِيَ الّذين أساؤوا بِمَا عَمِلُوا، ويَجزي الّذين أَحسنوا بالحُسنى. ألا، إنّكم لاقُو القوم غداً، فاطلبُوا وجهَ اللّه بأعمالكم، وأطيلُوا اللّيلةَ القيام، وأكثروا تلاوةَ القرآن، وسَلُوا اللّه الصّبرَ والنّصرَ، والقَوهُم بالجدِّ والحزم، وكُونوا صادقين».
فوثب النّاس إِلى سُيوفهم ورِماحهم ونبالهم يُصلحونها. ومرَّ بِهم كعبُ بنُ جُعَيل التَّغلبي وهو يقولُ :
أصْبَحَتِ الأُمُّهُ في أَمرِ عَجَب***والمُلكُ مَجموعٌ غداً لَمِنَ غَلَبَ
فقُلتُ قولاً صادِقاً غَيْرَ كَذِب***إِنَّ غلاً يهلِكُ أعلامُ العَرَب
ولمّا كان من اللّيلِ، خرج عليٌّ يُعبّى النّاس ليلَتَهُ كلَّها حتّى إِذا أصبحَ زحف النّاس، وخرج إليه معاويةٌ في أهل الشام. فجعل عليّ يقول: «مَن هذه القبيلةُ»، و «مَن هذهِ الكتيبةُ؟» فَتَنسَبُ له، حتّى إذا عَرَفَهُم ورأى مراكزهم، قالَ لِلأَرْدِ: «اكفوني الأَزد». وقال لِخَثعم : اكفُونِي خَشَعَم». وأمر كلَّ قبيلةٍ أن تكفيهُ أختها، وإذا لم يَجدِ لقبيلةٍ منهم أُختها سَمّى لها قبيلة أخرى. ثمّ تَناهضَ النّاسُ يومَ الأربعاء، فاقتتلُوا نَهارَهُم كُلَّهُ، وانصرفوا عِندَ المَساءِ وكُلٌّ غيرُ غالب.
حتى إذا كان يوم الخميس، وهو التّاسعُ، صلّى عليٍّ بِغَلَس، فيقال : إِنه لم يُغلِّس أشدَّ مِن تغليسِه يومئذٍ. ثمَّ خرج بالنّاس. وكان عليٌّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - يبدأ القومَ بالمَسير إليهم. فإذا رأوهُ وقد زحف استقبلُوهُ بوجوههم.
فلمّا صلّى عليّ، دَعا دعاءاً كثيراً، وقال في آخر دعائه:
«اللّهم إن أظهرتَنا عَلى عَدُوّنا فجَنّبنا البَغي، وسدّدنا لِلحَقِّ، وإن أظهرتهم علينا فارزُقني الشَّهادة، واعصم بقيَّةً أصحابي من الفتنةِ».
ثمَّ خرج وعلى ميمنته عبدُ اللّه بنُ بُدَيل، وعلى ميسرته عبدُ اللّه بنُ العبّاسِ وقُرَّاءُ أهل العِراقِ ومعثلاثةِ نَفَرٍ : مع عَمّار بن ياسر ومع قيس بن سعد، ومع عبد اللّه بن
بُديلٍ، والنّاس على راياتِهم وعليٌّ في القلب في أهلِ المدينةِ بين أهل الكوفة وأهلِ البَصرةِ وأكثرُ مَن مَعه من أهل المدينةِ، الأنصارُ. ثمّ زحف إليهم بالجمعِ.
ورفع مُعاويةُ قُبَّةً عظيمة وقد ألقى عليها الكرابيس، وبايعهُ عُظمُ أهل الشّام على الموت، وبعثَ إلى خيل أهل دِمَشق، فأحاطت بِقُبَّتِهِ، وزحف عبدُ اللّه بنُ بُدَيَل في الميمنةِ نحو حَبيبٍ بن مَسلَمة، فلم يَزَل يَحُوزُهُ ويكشف خيلَهُ مِن الميسرة حتّى اضطَرَّهم إلى قُبَّةِ معاويةَ عند الظُّهرِ، وحضَّ عبدُ اللّهِ بنُ بُديلٍ أصحابه، وحرَّضهم، وذكَّرَهُم باللّه، وأثنى عليه وعَضَّ مِن معاويةَ وسَبَّهُ، وقاتل قتالاً شديداً، وحض على أصحابه.
فقال :
وخطب يزيدُ بنُ قيس الأرحبي، فقال بعدَ حمدِ اللّه.
وقاتَلَهُم عبدُ اللّه بنُ بُدَيل في الميمنة حتّى انتهى إلى قُبّةِ معاوية. ثمَّ إِنَّ الّذين
تبايَعُوا على الموتِ، أقبلوا إلى مُعاويةَ، فأمرهم أن يصمدوا لابنِ بُديلٍ. وبعث حبيبَ بن مسلمةَ في ميسرته، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنةِ النّاس، فهزَمهم، و انكشف أهلُ العِراقِ مِن قِبَلِ الميمنة حتّى لم يبقَ منهم إلّا ابن بُديلٍ في مائتين إلى الثلاثمائة من القُرّاء قد أسند بَعضُهم على بعض ظهرَهُ، وانجفلَ النّاس. فأَمر عليٌّ سهلَ بن حُنيف ؛ فاستقدمَ في مَن كان معه مِن أهل المدينةِ، فاستقبلَتهُم جموعُ لأهلِ الشّام عظيمةٌ، فاحتملتهم حتّى ألحقتهم بالميمنة إلى موقفِ عليٍّ في القلب، فمرّ عليَّ ومعه بَنوه نحو الميسرة.
قال :
فواللّهِ إنّي لأرى النبلَ يَمُرُّ بين عاتقه ومنكبه، وما مِن بَنيه واحدٌ إِلّا يَقيهِ بِنفسِه، فيتقدّم فيحول بين أهلِ الشّام وبَينَهُ، فيأخذُ بيده إذا فعل ذلك فيُلقيه بين يديهِ أو مِن ورائه. فبصُر به أحمرُ مولى أبي سفيان أو عثمان، فعرفَهُ.
فقال عليُّ : «وربِّ الكعبة، قتلني اللّه إن لم أقتلكَ أو تقتلني».
فأقبل نحوَه، وخرج إليه كيسان مولى عليٍّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أميّة، وينتهزه عليٌّ، فتقع يَدُه في جَيبِ دِرعِه، فجبذهُ، ثم حمله على عاتقه. فكأنّي أنظرُ إلى رجليه تختلفان على عنقِ عليّ، ثمّ ضرب به الأرضَ، فكسر مِنكَبَهُ وعضدَهُ، وشَدَّ ابنا عليٍّ: الحسينُ ومحمّدٌ عليه، فضرَباهُ بأسيافهما، حتّى إذا قتلاه، أقبلا إلى أبيهما والحسن قائمٌ معه.
قال له : - «يا بُنَي ما منعَكَ أن تفعل كما يفعلُ أَخَواك؟».
فقال: «كَفَياني يا أمير المؤمنين!».
ثمَّ إن أهل الشّام دنَوا منه، فواللّه ما يزيدُهُ قربُهم منه سرعةً في مَشيِه.
فقالَ لهُ الحسنُ : «ما ضرَّكَ لو سَعيت حتّى تنتهي إلى هؤلاء الّذين قد صَبروا لعدوك من أصحابك؟».
فقال: «يا بُنَيّ، إنّ لأبيك يوماً لا يَعدُوهُ، ولا يُبطئ به السَّعي، ولا يعجَلُ به إليه المشي، وإن أباكَ لا يُبالي : وَقعَ على المَوتِ، أو وقع عليه الموتُ».
ولمّا أقبل علي نحو الميسرة، مرَّ به الأشترُ يركضُ نحوَ الفزعِ قبلَ الميمنةِ.
فقال له عليّ : «يا مالِ !».
قال: «لبيّك يا أمير المؤمنين !».
قال : «ائتِ هؤلاء، فقُل لَهُم : أين فِراركم مِن الموتِ الّذي لا تُعجزونه إلى الحياة التي لا تبقى لكُم؟».
فمضى، واستقبل النّاس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات الّتي أمره عليٌّ بها.
ثمّ قال: «إليَّ، أيّها النّاس إِليَّ ! أنا مالك بن الحارث.».
ثمّ ظَنَّ أَنَّه بالأشتر أعرفُ في النّاس، فقال: «أنا الأشتر، إليَّ، إليَّ !».
فأقبلت طائفةٌ إليه وذهبت عنه طائفةٌ، فقال :
فأقبلت مذحجٌ، فقال :
قالوا: «خُذ بنا حيثُ أحببتَ».
فصمد نحو عُظمِهم ممّا يلي الميمنة وأخذ يزحفُ إليهم وَيُردُّهُم، ويستقبلُهُ شبابٌ من همدان، وكانت همدانُ يومئذٍ ثمانمائة مقاتل فانهزموا آخر النّاس، وكانوا صَبَرُوا في الميمنةِ، حتّى أصيب منهم مائةٌ وثمانون رجلاً، وقُتل منهم أحدَ عشرَ رئيساً يتتابعون على الرّايةِ. فَمَرُّوا بالأشترِ وهم يقُولون :
فقال لهم الأشتر : «إلَيَّ، أنا أُحالفكم وأُعاقدكم على أن لا نرجع أبداً حتّى نظفرَ أو نَهلِكَ».
فأتوه، فوقفُوا معه وزحف الأشتر، وثابَ إليه النّاس، وأخذ لا يصمد لكتيبة إلاّ
كشفَها، وبيده صفيحةٌ يمانيةٌ إذا طَأطَأَها خِلتَ فيها ماءاً مُنصَبّا، وإذا رفعها كاد يغشى البَصَرَ شُعاعُها، وجعلَ يضرب بسيفه ويقول :
«الغمراتِ ثُمَّ ينجلينا».
فبصُرَ به الحارثُ بن جَهمان والأشترُ مُقنَّعٌ في الحديدِ، فلم يعرفه فدَنا منه وقال :
فعرفهُ الأشتر فقال : «يا بن جَهمان، إنَّ مثلَكَ لا يتخلَّفُ عَن مثل مَوطِني هذا الذي أنا فيه».
فعرفهُ ابن جَهمان لما تكلَّم، وكانَ مِن أعظم الرّجالِ وأطولهم، فقال له :
ورآه منقذٌ وجميرٌ ابنا قيس الناعِطيان.
فقال منقذٌ لحمير : «ما في العرب مثل هذا إن كان قتالهُ عن نيّة».
فقال له حمير : «وهل النِّيَّةُ إلا ما تَراهُ يَصنعُ».
قال : «إني أخافُ أن يكونَ يُحاوِلُ مُلكاً».
وحملَ الأشتر في بعض حملاته، فكشف أهل الشّام حتّى الحقَهُم بِصفوف مُعاويةَ، وذلك بينَ صَلاةِ العَصرِ والغرب وانتهى إلى عبد اللّه بن بُديل، وهو في عُصبة مِن القُرّاءِ بين المائتين إلى الثّلاثمائةِ، وقد لَصِقوا بالأرض كأنّهم جُنّى، فكشف عنهم أهل الشام، فأبصَرُوا إخوانهم قد دَنوا منهم.
فقالوا: «ما فعل أمير المؤمنين؟».
قالوا: «حَيٌّ صالح يُقاتِلُ في الميسرة، ويقاتل النّاس أمامَهُ».
فقالوا : «والحمد للّه، قد كُنّا ظَنَنا أن قد هَلَكَ وهَلَكتُم».
وقال عبدُ اللّه بنُ بُديلٍ لأصحابه :
«استقدموا بنا، رحمكم اللّه!».
فأرسل إليه الأشتر أن :
«لا تفعل اثبت للنّاسِ، وقاتِل، فإنّه خَيْرٌ لَهُم، وأبقى لك ولأصحابك».
فعَصاهُ ومَضى كما هُوَ نحوَ مُعاوية، وحولَهُ كأمثال جبال الحديد، وفي يَدِه سیفان، وقد خرج. فهو أمام أصحابه. فأخذ كلّما دَنا منه رَجُلٌ قتلَهُ، حتّى قَتلَ تِسعةً، ودنا من معاوية، فنهض إليه النّاس مِن كُلِّ جانب، وأُحيطَ بِه حتّى قُتِلَ نَاسٌ مِن أصحابه، ورجعت طائفة قد خرجُوا مُنهزمينَ.
فبعث الأشترُ ابن جهمان فحمل على أهلِ الشّام الّذين يتبعون مَن كان نَجا مِن أصحاب ابن بديل، حتّى نَفْسُوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر. فقال لهم :
وكان معاويةُ لمّا رَأى عبد اللّه بنَ بُدَيلٍ يضرب قدماً، قال:
فلمّا قُتل أرسَلَ إليه لينظُرَ : مَن هو ؟ فلم يعرفهُ أحدٌ. فأقبل إليه حتّى وقف عليه، فقال :
أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عَضَّها***وإن شمّرت يوماً لهُ الحربُ شَمَّرا
ثمّ إنّ الأشتر حمل حملة أزال أهل الشام عن موقفهم، حتّى ألحقهم بالصُّفوف الخمسة المُعقَّلة بالعمائم حول مُعاوية، ثمّ شدّ عليهم شَدَّةً أخرى، فصرع الصُّفوفَ الأربعة المُعقِّلين، حتّى انتهوا إلى الخامسِ حولَ معاوية. فدعا معاويةُ بفرسه، فركبَهُ.
وكان يقول :
أبت لي عفَّتي وأبى بَلائي***وأخذِي الحَمد بالثَّمنِ الرَّبيح
وإجشامي عَلَى المَكروهِ نَفسي***وإقدامي عَلَى البطَلِ المُشيح
وقولي كُلّما جَشَت وجاشَت***مَكانَكِ، تُحمدى، أو تستريحي
فمَنعني من الفِرار».
وإنَّ عليًّا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها، وكشفت مَن بإزائها، أقبل حتّى انتهى إليهم، فقال:
وأَزلتُموهم عن مصافِّهم كما أزالوكم، تَحُسّونهم بالسيوف، يركب أُولاهم ُأخراهم، كالإبل المطرودةِ الهيمِ. فالآن، فاصبروا نزلت عليكم السَّكينة وثبَّتكم اللّه باليقين وإنَّ الفارَّ لا يزيد في عمره ولا يُرضي ربَّه، فموتُ المرءِ مُحقَّا قبلَ موجدة اللّه، والذُّلِّ اللأزم، والعارِ الباقي، واغتصاب الفَيْء من يده، وفساد العيش، خيرٌ من الرِّضا بالتّأنيس لهذه الخصال والإقرار عليها».
فصبر القوم، وقتل الفُرسان من الجانبين. فقُتل ذو الكلاع وعُبيد اللّه بن عمر، وتنادت ربيعةُ - حيث انتهى إليها عليُّ - بينَها : أن
وقال لهم شقيق بن ثور :
فقاتل القوم قتالاً شديداً حين جاءَهم علي، لم يكونوا قاتلوا مثلها. ففي ذلك قال عليٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
لِمَن رايةٌ سَوداءُ يَخفِقُ ظِلُّها***إذا قيل : قَدِّمُها حُضَينُ، تَقدَّما
يُقدِّمُها في الموتِ حتّى يردَّها***حِياضَ المَنايا تَقطُرُ الموت والدَّما
أذقنا ابنَ هِندِ ضَرْبَنا وطعانَنا***بِأَرماحنا حتّى تولى وأحجما
جَزَى اللّه قَوماً قاتلوا في لقائهم***لَدَى الموتِ، قَوماً ما أعفَّ وأَكرما
قال : وسمعتُ عماراً يقول : «واللّه إنِّي لأرى قوماً يضربونكم ضرباً يرتابُ منه المبطلون، وأيم اللّه لو ضربونا حتّى يبلِّغونا سعفات هَجَر، لعلمنا أَنَّا على الحقِّ، وأنّهم على الباطل».
ثم حمل حتّى وصل إلى عمرو بن العاص، فقال له :
«لقد قاتلتُ هذه الراية ثلاثاً مع رسول اللّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - وهذه الرابعة، ما هي بأبر ولا أتقى».
قال :
ورَأَيت عماراً جاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية علي، فقال:
فحَمَلا، ولم يرجعا.
ولمّا قُتِلَ عَمّارُ، قال علي لربيعة وهمدان:
«أنتم درعي ورُمحي».
فانتدب له نحوٌ من اثني عشر ألفاً وتقدّمهم عليّ على بَغلتِه، فحمل وحَمَلُوا معه حملةً رجل واحدٍ، فلم يبقَ لأهل الشام صَفُّ إلّا انتقضَ، وقتلوا كُلَّ من انتهى إليه، حتّى بلغوا مُعاويةَ.
ثم نادى على مُعاوية :
فقال له عمرو :
فقال معاويةُ :
فقال عمروٌ :
قال معاويةُ :
ومرَّ عليّ بكتيبةٍ فَرَءَاهم لا يزولون فحرّض عليهم وقال :
فثابت إليه عصابةٌ. فدعا ابنه محمَّداً، فقال:
ففعل، وأعدَّ عليَّ مِثلَهم. فلما دَنا منهم محمَّدٌ، فأشرعَ الرِّماحَ في صُدورهم، أَمرَ علي
الّذين أَعدَّهم، فشدُّوا عليهم، فنهض محمَّدٌ بمن معهم في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم. ثمَّ اقتتلوا بعد المغرب قتالاً شديداً. فما صَلَّى أكثر النّاس إلا إيماءاً.
وقتل عبد اللّه بن كعب المراديّ. فمرَّ به الأسودُ بن قيس المُراديّ، فقال :
فقال :
وعرفه، وكان بآخر رمقٍ.
فقال :
ثم نزل إليه وقال :
فقال :
ثمَّ لم يلبث أن ماتَ.
فأقبل الأسود إلى علي، فأخبره، فقال:
واقتتل النّاس تلك الليلة كلَّها حتّى الصَّباح - وهي ليلةُ الهرير - حتّى تقصَّفت الرِّماحُ، ونفد النَّبلُ، وصار النّاسُ إلى السُّيوف وأخذ عليٌّ يسير في ما بين الميمنة والميسرة، ويَأمرُ كلَّ كتيبة من القُرّاءِ أَن تُقدم على الّتي تليها، ولم يزل يفعل ذلك ويقوم بهم، حتّى إذا أصبح كانت المعركة كلُّها خلف ظهره، والأشترُ في ميمنة النّاس، وابن عبّاسٍ في الميسرة، وعليٌّ في القلب والنّاس يقتتلون من كُل جانبٍ، وذلك يوم الجمعة.
وكان عليٌّ يُراسل الأشتر ويرفده، وكان الأشتر تولّى القتال عشيَّةَ الخميس وليلةَ
الجمعة كلَّها ويوم الجمعة إلى ارتفاع النّهار، وقد كَلَّ النّاس، وأخذ يقول لأصحابه :
وزحف بهم نحو أهل الشّام. فإذا فعلوا قال :
فإذا فعلوا، سألهم مثل ذلك، حتّى مَلَّ النّاس الإقدام. فلمّا رأى الأشتر ذلك، قال :
ثم دعا بِفرسِه، وترك رايَتَهُ مع حيان بن هَوذَة، وخرج يسير في الكتائب ويقولُ:
فلا يزال رجلٌ من النّاس قد خرج إليه وحيّانُ بنُ هوذة واقف بالرّاية، فلما اجتمع إليه ناسٌ كثيرٌ، أقبل حتّى رجع إلى المكان الّذي كان فيه من الميمنة. ثم قال لأصحابه :
ثم نزل فضرب وجه دابَّتِه وقال لصاحب رايته :
ثمَّ شدَّ على القوم شِدَّةً، وشَدَّ معه أَصحابه. فضرب أهل الشام حتّى انتهى إلى عسكرهم. ثمَّ قاتلوهُ عند العسكر قتالاً شديداً، فقُتل صاحب رايته، ولاح له الظَّفرُ بما اضطرب من صفوف معاوية. ونظر عليٌّ، فرأى الظفر من قبله،، فأَخذ يُمدّه بالرّجال.
فالتفت معاوية إلى عَمرو بنِ العاص، فقال
فقال عمرو :
قال :
قال :
قال :
قال :
فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا :
فلمّا رأى النّاس المصاحف، وسمعوا هذا الكلام، رقّت قلوبهم، وقد كان مسهم النَّصَبُ والمَلالُ. فقالوا :
فلمَّا رأى عليُّ الفُتور في أصحابه بعد الجد، صاحَ بهم:
فقالوا :
فقال لهم علي :
فقال له مسعَر بن فدكى، وزيدُ بن حسن الطّائي، ثمَّ السِّنيسيّ في عصابة معهما من القُرّاءِ الّذين صاروا خوارج بعد ذلك :
نفعل بك ما فعلنا بابن عفّان. واللّه لتفعلنَّها، أو لَنَفعلنها بك».
قال :
قالوا له :
فأمسك عليٌّ. فنزل قومٌ فأحدقوا به
فبعث إلى الأشتر يزيد بن هانئ السَّبيعي: أنَ ائتني. فذهب، فأبلغه.
فقال :
قال :
فرجع يزيد بن هانئ إلى عليّ، فأخبرهُ. فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرَّهج، وعَلتِ الأصواتُ من قبل الأشتر.
فقال له القوم :
فقال عليٌّ:
قالوا :
«فابعث إليه بعزيمتك فَليأتِكَ، وإلا - واللّه - اعتزلناك».
قال :
فأَتاهُ، فقال له ذلك.
فقال الأشتر :
قال :
ابن العاهرة. أَلا تَرى أَنَّ الفتح قد وقع؟ ألا ترى إلى ما صنع اللّه لَنا؟ أَينبغي أَن أَدعَ هؤُلاءِ وأَنصرف عنهم؟»
قال يزيدُ بنُ هانئٍ.
فقال :
قال :
فأقبل معي الأشتر حتّى انتهى إليهم، فقال:
قالوا :
قال :
«إذا ندخل معك في خطيئتك».
«فحدِّثوني عنكم، وقد قُتِلَ أَمائِلكُم، وبقي أراذِلُكم، متى كنتم مُحقِّين؟ أحِينَ كنتم تُقاتلون وخياركم يُقتلون؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن أنتم مُحقَّون؟ فقتلاكم الّذين لا تُنكرون فضلهم وكانوا خيراً منكم في النار إذاً !».
قالوا:
فقال :
برائين بعدها عِزًا أَبداً. فابعدوا كما بعد القومُ الظالمون».
فسَبُوهُ، وسبَّهُم، وضربوا وجه دابَّته بسياطهم، وأقبل يضربُ وُجوهَ دَوابُهم بسوطه، وصاح بهم علي، فكَفُّوا.
وتنادى النّاس :
فجاء الأشعثُ بن قيس إلى عليٍّ وقال :
قال :
فأتاه وقال :
قال: «لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر اللّه فيها تبعثون منكم رجلاً ترضَون به، و نبعث منّا رجلاً نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لا يَعدُوانِه، ثم نتبع جميعاً ما اتّفقا عليه».
فقال له الأشعتُ :
ثم انصرف إلى عليٍّ بما قال معاويةُ.
فقال النّاس :
قال أَهلُ الشّام.
وقال الأشعث وأُولئك القوم الّذين صاروا خوارجَ بعدُ :
قال عليٌّ:
فإنكم قد عصيتموني في أَوَّل الأمر، فلا تعصوني الآن. إنّي لا أرى أن أُولْيَ أَبا موسی.
قال الأشعثُ وزيد بن حصن الطائي ومسعر بن فدكى :
قال عليٌّ:
قالوا :
قال عليٌّ :
فقال الأشعثُ :
قال عليّ :
قال :
قال :
قالوا:
«نعم».
قال :
فبعثوا إليه وقد اعتزل القِتالَ وهو يُعرِّضُ. وأقبل الأشتر حتّى جاءَ إلى عليٍّ فقال له :
وجاء الأحنف بن قيس، فقال:
فأَبى النّاس إِلّا أَبا موسى.
فقال الأحنف :
ثمَّ كتبوا: «هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين».
فقال عمروٌ :
فقال الأحنفُ :
فأبى عليُّ مَليًّا من النَّهار.
ثمَّ إِنْ أَشعث بن قيس قال :
فمُحي، فقال علي:
فقال عمروٌ بن العاص :
فقال له علىٌّ :
أُمَّا دفعت بِكَ؟».
فقام وقال :
فقال عليٌّ:
«وإنِّي لأرجو أَن يُطهِّر اللّه مجلسي منك ومن أشباهكَ».
فقال الأحنف :
قال الحسن البصري :
وكان - واللّه - كما قال وقلَّ ما وُزن رأيه برأي رجل إلّا رجح به.
وكُتب الكتابُ، وشهد فيه نفرٌ من أصحاب عليٍّ ونفرٌ من أصحاب معاوية.
ودَعيَ له الأشترُ، فقال:
فقال له الأشعث بن قيس:
فقال :
قال عُمارة :
فنظرتُ إلى ذلك الرَّجل، وكأَنَّما قُصعَ على أَنفِه الحُمَمُ - يعني الأشعث.
ثم خرج الأشعث بالكتاب يقرأه على النّاس ويعرضه عليهم، حتّى مرَّ بِه عُروة بن أُذَيَّهِ - وهو أخو بلالٍ - فقرأه عليهم.
فقال عُروة :
وشدَّ بسيفه، فضرب عَجُزَ دابَّتِه ضَربةً خفيفةً، واندفعتِ الدَّابَّة. فصاح به أصحابُه : أن املِكُ يَدَيكَ. فرجع، وغضب للأشعث أصحابُه وقومُه. فمشى إليه الأحنفُ بن قيسٍ، ومسعود بن فدكى، وخلقٌ من بني تميمٍ، فتنصَّلوا إليه واعتذرُوا. فقبل، وصفح.
وكان أسر معاوية في اسارى كثيرين، رجلاً من أَوْدٍ، يُقال له: عمرو بن أَوْسٍ، قاتل مع عليٍّ، فهمَّ بقتل الجميع.
فقال له عمروُ بن أوسٍ :
وقامت بنو أَوْدٍ، فقالوا :
فقال :
فقال له :
قال :
قال :
«نعم».
قال :
قال :
قال :
قال مُعاوية :
ثم قال للأوْديّين :
وتمَّت لمعاويةَ، وخُوطب : «خال المؤمنين».
وكان عمرُو بن العاص أسر أيضاً أسارى كثيرة، فراسله مُعاويةُ :
فما شعر النّاس إلّا بأسرائهم قد خُلّي سبيلُهم.
فأما عليٌّ بن أبي طالبٍ فإنّه قال لأصحابه :
كان الحكمان - وهما أبو مُوسى وعمرُو بن العاص، اتّفقا على أن يجتمعا بأذرح ويحضرَ وجوهُ أَصحاب عليٍّ، ووجوهُ أَصحاب مُعاوية، ويحضر عليٌّ ومُعاوية في أربعمائة، ومدَّة الأجل إلى أن يفصلا الحكم، ويرفعا ما رفع القرآنُ، وأن يختارا لأمَّة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - في ثمانية أشهرِ، أوّلُها النّصف من صفر، وآخرها انقضاء شهر رمضان.
فلمّا اجتمع الحكمان، وافاهم المغيرة بن شعبة في مَن حَضرَ، وعبد اللّه بن عُمر، وعبدُ اللّه بن الزُّبير، في رجالٍ كثير ووافى معاوية في العدَّة المذكورة، وأبى عليٌّ أن يُوافي.
فقال المغيرة بن شُعبة لرجال من ذَوي الرَّأْي من قريش :
قالوا
«لا نَرى أحداً يعلم ذلك».
قال :
فدخل على عمرو بن العاص، وبدأ فقال :
قال :
فانصرف المغيرةُ، ولم يَسأَلْهُ عن غير ذلك. حتّى دخل على أبي موسى، فقال له مثلَ ما قال لِعمرِو.
فقال أبو موسى:
فانصرف المغيرةُ، ولم يَسأَله عن غير ذلك. فلقى الّذين قال لهم ما قال، من ذوي الرَّأي من قُريشٍ، فقال:
فلمّا اجتمع الحَكمان وتكلَّما قال عمرو بن العاص :
قال أبو موسى :
قال عمرٌو :
قال :
قال :
فكتبها أبو موسى
قال عمرو :
قال أبو موسى:
وكان ابن عمر في مَن اعتزله.
فقال عمرٌو :
وفي رواية أخرى: أن عمراً قال لأبي موسى:
قال :
قال :
فقال :
قال :
فقال له أبو موسى:
«أمّا ما ذكرت من شرفه وبيته فإنَّ هذا الأمر ليس بالشرف يُولاهُ أَهلُه، ولو كان
بالشَّرف، كان لآل أبرهة بنِ الصَّباح إنَّما هو لأهل الدّين والفضل».
قال :
فاجتمعا على ذلك، وخرجا إلى النّاس، وقالا :
فقال أَبو موسى لِعمرو :
فقال عمرٌو :
فقدَّمهُ، فقال أبو موسى:
فقام عمرٌو، فقال:
فلم يبرحا حتّى استبًّا.
لمّا انصرف عليٌّ بن أبي طالبٍ من صفّين كثر خوضُ النّاس، وخالفه القومُ الّذين صاروا خوارج، وكانوا طولَ طريقهم يتدافعون ويتضاربون بالسِّياط. فلمّا صاروا إلى النُّخيلة ورَأَوا سور الكوفة لقيه عبد اللّه بن وديعة الأنصاري، ودَنا منه وسلَّم عليه، وسايَرَهُ، فقال له :
قال :
فقال له :
فقال :
فقال عليٌّ :
ثمَّ مضى غير بعيد فمرَّ بالشَّباميين، فسمع رجّةً شديدة وبكاءاً كثيراً، فوقف، فخرج إليه حربُ بن شُرحبيل الشّبامي، فقال له عليُّ :
فقال:
فقال :
فأقبل يمشي معه وعليُّ راكبٌ فوقف وقال له :
ثمَّ مضى. حتّى مرَّ بالنَّاعطيِّين، فسمع رجلاً منهم يُقال له عبد الرّحمن بن مزيد، يقول لآخر :
فلمّا نظروا إلى عليٍّ أبلسُوا، فقال:
ثم أقبل على أصحابه، فقال:
ثمَّ أَنشد :
أَخُوكَ الّذي إن أجرضَتْكَ مُلِمَّةٌ***من الدَّهرِ، لم يَبْرَحْ لِبَنّك واجما
وليس أخوكَ بِالَّذِي إِن تشعبتْ***عَليكَ أمورٌ ظَلَّ يَلْحاكَ دائما
ثم مضى، فلم يزل يذكر اللّه، حتّى دخل القصر.
ثمَّ إنَّ القوم الّذين كانوا معه يتشاتمون طول طريقهم، ويضطربون بالسياط، ويقول بعضُهم لبعض :
ويقول قومٌ :
لم يدخلوا معه الكوفة حتّى أتوا حرورى، فنزل بها منهم اثنا عشرَ ألفاً.
فنادى مناديهم :
ولما دخل عليٌّ الكوفة، وفارقتهُ الخوارج، وثبت إليه شيعتُه وقالوا :
فقالت بقيّة الخوارج :
فقال لهم زياد بن النَّضر :
«واللّه يا قوم، ما بسطَ عليٌّ يدَهُ فبايعناهُ قطُّ، إلّا على كتاب اللّه وسُنَّة نبيِّه، ولكنَّكم لما خالفتُموهُ جَاءَتْهُ شيعتُهُ، فقالوا: نحنُ أولياء من واليت، وأَعداءُ مَن عاديت. ونحن كذلك، وهو هادٍ ومَن خالفه ضالّ».
أَتَى عليَّ بن أبي طالب رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطَّائي، وحُرقوصُ بن زُهير السَّعدي، فدخلا عليه، فقالا له :
فقال علي :
-«لا حكم إلا للّه»
فقال حُرقوص :
فقال عليٌّ :
«قد أَردتُكم على ذلك فعَصيتُموني. وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشُروطاً، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال اللّه تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّه إِذَا عَهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بعد تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّه عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ» [النحل : 91].
فقال له حُرقُوص :
فقال عليٌّ :
فقال له زُرعةُ :
فقال عليٌّ :
قال :
فخرجا من عنده عنده يُحكّمان.
صياحٌ أَثناءَ خُطبته
ثُمَّ إِنَّ عليّاً خطبَ ذَاتَ يوم.فإنَّه لفي خُطبته، إذ صاح صائحٌ من جانب المسجد :
فقال عليٌّ :
فوَثَبَ يزيد بن عاصم المُحاربي، فقال :
فقال عليٌّ :
«لا نَمنعُكم مَساجدَ اللّه أن يُذكر فيها اسمُهُ».
«ولا نَمنَعُكم الفَيْء، ما دامت أيديكم فيه مع أيدينا».
«ولا نقاتِلُكم حتّى تَبدَأُونا».
ثمَّ رجع إلى مكانه الّذي كان فيه من خطبته.
وخرج الرَّجلان يُحكّمان، واجتمع معهم قومٌ. فبعث عليٌّ عبد اللّه بن العبّاس، وقال له :
فخرج ابن عبّاس إليهم، فأقبلوا يُكلِّمونه فلم يصبر حتّى راجعهم، فقال:
محمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟».
فقالت الخوارج :
قال ابن عبَّاس :
فقالوا له: «أو تجعل الحكم في الصَّيد والحَدث يكون بين المرأة وزوجها، كالحُكم في دِماء المسلمين؟».
وقالت الخوارج :
ثم خرج عليٌّ حتّى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عبّاسٍ، فقال:
ثمَّ تكلَّم، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
ثمَّ قال :
قالوا :
قال عليٌّ:
قالوا :
«حكومتكم يوم صفين».
قال :
فقالوا له :
فقال :
قالوا :
قال :
فدخل القومُ من عند آخرهم.
ثمَّ اجتمعوا بالكوفة، وتذاكروا أمَرَهم، وكاتبوا إخوانهم بالبصرة، وتَواعَدوا ليوم يخرجون فيه إلى المدائن، ومنها إلى النّهر. ففعلُوا ذلك، واستعرضوا النّاس وقتلوا عبد اللّه بن خبَّاب بن الأرت، وبلغ ذلك عليّاً، فسار إليهم. ثمَّ لما اجتمعوا كلَّمهم واستعطفَهم. فأبوا إلا قتاله وجَرتْ بينهم مخاطباتٌ تركتُ ذكرها.
ثمَّ تنادوا أَن :
فصاحوا :
فعبّي عليٌّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أصحابه، ورفع راية أمانٍ مع أبي أيُّوب الأنصاري، فناداهم أبو أيُّوب فقال :
فقال فروة بن نوفل الأشجعي :
فانصرف في خمسمائة فارس. وخرج إلى عليّ منهم نحو ذلك. وكانوا أربعة آلافٍ، ورئيسُهم عبد اللّه بن وهب الرَّاسبي.
وكان عليّ قدَّم الخيل دون الرّجال، وصفّ النّاس وراء الخيل صفِّين، وصفَّ المُرامية أمامَ الصَّفُ الأَوَّل، وقال لأصحابه :
فأقبل الخوارج وهم يتنادون :
وشَدُّوا، فلم تثبت خيلُ عليّ لشدَّتهم، وافترقت الخيلُ فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة وأقبلوا نحو الرّجال، فاستقبلت المُرامية وجوهَهم بالنَّبل، وعطفت عليهم الخيلُ من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرّجال بالرِّماح والسُّيوف، فما لبَّثوهُم أن أناموهم عن آخرهم.
قال حكيم بن سعد :
ما هو إلا أن لقينا أهلَ النَّهر، فما لبَّثناهم، كأنَّما قيل لهم : موتوا فماتوا.
ولم يُقتل من أصحاب علي إلا سبعةُ، واستخرج ذو الثَّدَيَّة، على الحكاية المعروفة، وخبرُهُ مشهورٌ. وانصرف علىٌّ إلى مُعَسكره بالنخيلة من ظاهر الكوفة، وأمر النّاس أَن يسيروا على تعبئتهم إلى الشّام.
وقد كان عليّ همَّ بالخروج إلى الشّام قبلُ. فلمّا عظمت الشّوكة من الخوارج.
وأخذوا في الاستعراض، وقتلوا الصالحين، قال النّاس :
ولمّا انصرف إلى معسكره بالنُّخيلةِ، أَمرهم أن يُوطِنُوا أَنفسهم على الجهاد، وأن يسيروا إلى عدوِّهم. فتسلَّلُوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالاً قليلاً من وجوه النّاس، وتُرك المعسكرُ.
فلمّا رأى ذلك عليّ، دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير، وذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين.
ثمَّ جرت بين عليّ وأصحابه خطوبٌ ومخاطباتٌ يستنهضُهم ويَأْبَونَ، ويخطبُ فيهم ويستمدّهم، ويستدعي نصرهم، ويستبطئُهم فيتثاقلون، وخُطَبُه مشهورةً معروفةٌ.
إلى أن طمع معاوية في العراق، وبَثَّ دُعاته سِراً وجهراً إلى البصرة يطلب دمَ عثمان، وسرَّبَ خيله في أَطراف علي - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فأنفذ النُّعمان بن بشيرٍ في أَلْفَيْ رجل إلى عين التّمر، وبها مالك بن كعب في أَلفِ رجلٍ، من قبل عليّ. فلمّا سمع القوم به، تسلَّلُوا إلى الكوفة حتّى بقي مالك في مائة رجُل، وكتب إلى عليّ يُخبِرُهُ، واستمدَّهُ.
فخطب عليّ، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا. فواقعهم مالك في من تبعه، وأمر أصحابه أن يجعلوا حيطان المدينة في ظهورهم ويُقاتِلُوا. وكتب إلى محنف بن سليم أن يُمدَّه وهو قريب منه وقاتلهم ابن كعب في العصابة الّتي معه أشدَّ قتال يكون.
ووَجَّه محنفٌ ابنه إليه عبدَ الرّحمن في خمسين رجلاً. فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسروا جُفون سيوفهم واستقتلوا. فلما رآهم أهلُ الشّام، وذلك عند المساءِ ظنُّوا أَنَّ لهم مدداً، فانهزموا، واتَّبعهم مالك، فقَتلَ منهم ثلاثة نفر، ومَضَوا على وجوههم.فأَما غيرُه من سرايا معاوية، فإنَّهم كانوا يظفرون ويقتلون ويغنمون وينصرفون.
وأَمَّا مَن حصل من قبلُ بالبصرة لأجل التّضريب بينَ النّاس، فإنَّه بلغ ما أراد، ووقعت الفتنة والعصبيَّة، فطمع أهلُ، فارس، وكرمان، في عُمَّالِ عليّ، فغلب أَهلُ كُلِّ ناحية على ما يليهم، فأخرجوا عُمّالَهم.
فاستشار عليّ أصحابه في مَن يضبط به فارس وكرمان. فقال ابن عباسٍ :
قال : «من هو ؟».
قال: «زياد».
قال : «هُوَ لها».
فتوجَّه ابنُ عباس إلى عمله بالبصرة. وكان زيادٌ يخلُفُه بها. فضمَّ إليه أربعة آلاف رجلٍ، وولاهُ فارس، فدوّخها حتّى استقاموا.
حدَّثَ قوم من أهل فارس قالوا :
فقال النّاسُ :
«ما رأينا سيرةً أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سِيرةِ هذا العربيّ، في اللَّينِ، والمُداراة، والعلم بما يأتي».
ثمَّ كثرت غاراتُ مُعاوية على أطراف عليّ، ووجّه بسر بن أرطاة إلى الحجاز. فدخل المدينة ومكّةَ، وهرب عُمَّال عليّ، وقتل شيعةَ عليٍّ. ومضى نحوَ اليمن، وكان على اليمن عبيدُ اللّه بن العباس، فهرب إلى الكوفة، واستخلف عبدَ اللّه بن عبد المُدان، فأَتَاهُ بُسرٌ، فقتله، ولَحِقَ ثَقَلَ عبدِ اللّه وفيه ابنانِ له صغيران، فقتلهما، وبلغ ذلك عليّاً، فوجَّة جاريةَ بن قدامة فى ألفين ووهَبَ بنَ مسعودٍ في ألفَين.
فسار جاريةُ حتّى أتى نجرانَ، وقتل خَلقاً من شيعة عثمان، وهرب بُسرٌ منه، وتبعَهُ حتّى دخل مكَّة والمدينةَ، وأرجف النّاسَ بموت عليٍّ. فأخذ النّاس ببيعة الحسنِ بنِ عليٍّ، فَأَبَوا، ثمَّ خَافُوهُ، فبايِعُوهُ، فَأَقَامَ مُدَّة، ثم انصرف إلى الكوفة.
ثم جرت مكاتبات كثيرةٌ بين عليٌّ - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وبين معاوية، استقرَّ آخرها على وضع الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراقُ، ولمعاويةَ الشَّامُ، لا يدخل أحدُهما على
صاحبه في عمله بجيش، ولا غارةٍ ولا غَزوة، وأَن يَضعَا السَّيفَ، ولا يُريقا دِماءَ المسلمين، فتراضيا على ذلك.
واجتمع بعد ذلك نفرٌ ممَّن يرى رأي الخوارج، فتذاكروا أصحاب النهر، وترحموا عليهم، وعابُوا ولاتهم، وقالوا :
فتحالف عبد الرّحمن بن مُلجم، والبُرَك بن عبد اللّه، وعَمْرُو بنُ بكرِ التَّميميُّ أَن يأتي كلُّ واحدٍ منهم واحداً من واحداً من الأئمَّة الثَّلاثة يعنون عليّاً، ومعاويةَ وعمَرو بنَ العاص، فيغتالونهم.
فأمُا ابن مُلجم فقال :
وكان من أهل مصر.
وقال البُرَكُ بن عبد اللّه :
وقال عَمْرُو بنُ بكرٍ :
«أنا أكفيكم عمرو بن العاص».
فتعاهدوا، وتواثقوا، وأخذوا أَسيافَهم وسموها واتَّعدُوا لِسبع عشرة من شهر رمضان، أَن يَثِبَ كلُّ واحدٍ منهم على صاحبه الّذي توجَّه له.
فأَمَّا ابنُ مُلجم، فإنّه دخل الكوفة، ورأى امرأة يقال لها: قطام، وكان علي قتل أَباها وأَخاها يومَ النَّهر، وكانت فائقة الجمال، فالتبستُ بعقله، ونَسِيَ حاجتَهُ الّتي جاءَ لها، فخطَبَها، فقالت :
فقال :
قالت :
«ثلاثة آلافٍ، وعبدٌ، وقينةٌ، وقتل علي!».
قال :
قالت :
فطلبتْ له رجلاً من قومها، والتمس عبدُ الرّحمن آخَرَ، فصاروا ثلاثةً، وأخذوا أسيافَهم في اللَّيلة الّتي واعَدَ عبدُ الرّحمن بن ملجمٍ أصحابَهُ، وجلسوا مُقلبي السُّدَّة الّتي يخرج منها علي لِلصَّلاة.
فلمّا خرج ضربه ابن مُلجم، وأقرَنَهُ وهرب، وتصايحَ النّاسُ، فأُخِذَ ابنُ مُلجَم، وحُمل إلى عليٍّ.
فلمّا رَآهُ، قال
قال :
قال :
قال :
فقال عليٌّ:
ثمَّ مات عليٌّ بن أبي طالب - (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وذلك في شهر رمضان سنة أربعين.
وأحضر الحسن بن عليٍّ بن أبي طالب - (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - ابنَ مُلجَم فلمّا دخل عليه، قال :
اللّه عهداً عند الحطيم، أن أقتلَ معاويةَ وعلياً، أو أموتَ دونَهما، فإن شِئتَ خَلَّيتَ بيني وبينَه، ولك اللّه عليَّ إن لم أقْتُلْهُ، أو قتلتُه ثمَّ بقيتُ، أن آتِيَكَ حتّى يَدي في يَدِك».
فقال له الحسن :
ثمَّ قدَّمُه، فضربَ عُنقَهُ، ثُمَّ أخذهُ النّاس، فأدرجوهُ في بَواري، ثمَّ أحرقوه بالنّارِ.
وأَمَّا البُرَك، فإنَّه قعد لمعاوية، فلما خرج للصَّلاةِ، ضربه بالسيف، فوقع في أَلْيَتِه، فأُخِذَ فقال :
قال :
«نعم».
قال :
وحدَّثهُ الحديثَ.
قال :
قال :
فأمر به معاويةُ، فضُربت عُنْقُهُ.
وأَمَّا عمرُو بنُ بكر فجلس لعمرو بن العاص، وكان اشتكى بطنه، فأَمرَ خارجةَ بن أبي حبيبة، وكان على شُرَطه، لِيُصَلّي بالنّاس، فخرج، وشدَّ عليه ابن بكرِ، وهو يرى أنَّه عَمْرُو، فضربه فقتله، فأخذهُ النّاس، فانطلقوا به إلى عمرو، وسلَّموا عليه بالإمرة، فقال:
قالوا:
قال :
قالوا :
«خارجة».
قال :
«واللّه يا فاسق، ما ظننته غيرك».
قال عمرُو :
وقدَّمَهُ عمرو، وقتله.
ولما انتهى إلى عائشة قتل علي، قالت:
فأَلقَتْ عَصاها واستَقَرَّتْ بها النَّوى***كما قَرَّ عَيْناً بِالإيابِ المُسافِرُ
وقالت :
«مَن قتلَهُ؟».
قيل :
قالت :
فإنْ يَكُ نائياً، فَلَقَدْ نَعَاهُ***نُعاةٌ ليس في فيها التُّرابُ
كتب له سعيد بن نَمران الهمداني، وكان يكتب له عبد اللّه بن جعفر أيضاً، وعبيدُ اللّه بن أبي رافع.
وحُكِيَ عن عُبيد اللّه أنَّه قال: كتبت بين يدي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فقال :
وكُنّا ذكرنا أَنَّهُ استكتب زياداً على خراج البصرة وديوانها لما استخلف ابن عباس عليها.
ولزياد سياسات يصلح أن تُذكرَ في هذا الكتاب، فإنَّا إِنَّما نذكرُ كُتّابَ الخلفاءِ لأَجلِ ما عَزَمْنَا على ذكر سياستهم، ولم يمض إلى هذا الوقتِ أَحدٌ منهم عُرفت له سياسة غير زياد، ونحن نذكر ذلك في آخر أيّام معاوية، إن شاء اللّه.
وبُويعَ الحسن بالخلافة في سنة أربعين، وأَوَّل مَن بايعه قيسُ بن سَعدٍ، وكان قيسٌ على مقدَّمة أهل العراق، ويقال : إنّهم كانوا أربعين ألفاً، بايعوا عليًّا على الموتِ.
ولمّا قُتل عليّ، واستخلف أَهلُ العراق الحسنَ، كان الحسنُ لا يُريدُ القِتال، ولكنَّه يُريدُ أَن يأخذ لنفسه ما استطاع من مُعاوية، ثمَّ يَدخُلَ في الجماعة. وعرف الحسنُ أَنّ قيس بن سعدٍ لا يُوافقُهُ على رأيه، فتَزعَهُ، وأَمْرَ عُبيد اللّه بن عبّاس، وعلم عُبيد اللّه بالذي يُريدُ الحسنُ أن يأخذ لنفسه. فكتب إلى مُعاوية يَسألُهُ الأَمانَ ويشترط لنفسه على الأموالِ الّتي أَصابَ، فشرط له ذلك معاويةُ.
يُقال : إِنَّ مُعاوية دسَّ إلى عسكر الحسن بن عليٌّ، حين نزل المدائنَ، وعلى مقدَّمته قيسُ بن سعدٍ في اثني عشرَ أَلفاً، وذلك قبلَ أَن يَنزَعَهُ، وكان مُعاويةُ أَقبل من الشّام، فنزلَ مَسكِنَ، فدسّ مُعاوية من نادى في عسكر الحسن :.
فنفروا بسرادق الحسن، حتّى نازعُوهُ بِساطاً كان تَحتَهُ، وجَرحُوهُ، فخرج الحسن حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن.
وكتب حينئذٍ الحسن بن عليّ إلى مُعاوية يطلب الأمان، فقال الحسنُ للحسين وعبد اللّه بن جعفر:
فقال له الحسين :
فقال الحسن :
واشترط الحسن على معاوية :
على أن يجعل له ما في بيت ماله.
وخراج دار ابْجرد.
وعلى أَن لا يُشتمَ علي ّوهو يَسمعُ.
وكان الّذي في بيت المال بالكوفة خمسة آلاف ألف 5000،000
كان معاويةُ أرسل قبلَ أَن تَرِدَ عليه صحيفةُ الحسن بالشَّرطِ، بصحيفة بيضاء مختُومٍ على أسفلها، وكتب إليه أن :
«اشترط في هذه الصَّحيفةُ الّتي خَتمتُ أَسفلها ما شِئتَ، فهو لك».
ولمَّا أَتتِ الحسنَ هذه الصحيفة، اشترط فيها أضعافَ الشُروطِ الّتي كان سَأَلَها قبلَ ذلك، وأمسكها عندُ، وأمسك معاويةُ صحيفةَ الحسن الّتي كان كتبها. فلمّا التقى معاويةُ والحسنُ، سَأَلَهُ الحسنُ أَن يُعطِيَهُ الشَّروط الّتي في السِّجِلُ الّذي ختمهُ مُعاويةُ في أسفله، فأبى مُعاويةُ أَن يُعطِيهُ، وقال :
فاختلفا وتنازعا، ولم يُنفّذ للحسن من تلكَ الشروطُ شيئاً.
ثمَّ إِنَّ النّاس اجتمعوا إلى قيس بن سعدٍ، وتعاقدوا على قتال معاوية. فلمّا فرغ معاوية من عُبيد اللّه والحَسن، خلص إلى مُكايَدةٍ رجلٍ هو أهمُّ إليه، وأبلغ مكيدةً، ومعه أَربعون أَلفاً. فراسَلهُ يُذكِّرُهُ باللّه، ويقول له :
وأبى قيسٌ أَن يَلينَ لهُ حتّى : مث إليه مُعاوية بسجل ختم في : أسفله، وقال :
واشترط قيس له ولشيعة عليّ الأَمانَ على ما أَصابُوا من الدّماءِ، والأَموال، ولم يَسأَل معاويةَ في سجله ذلك مالاً، فأَعطاهُ معاويةُ ذلك.
وكان قيسٌ يُعدُّ في الدُّهاةِ، وكانوا خمسةً، يومئذٍ وهم: مُعاوية، وعمرو بنُ العاص، والمغيرةُ بن شُعبة، وقيسُ بن سعدٍ، وعبدُ اللّهِ بن بُديلٍ. وكان قيسٌ
وعبدُ اللّه بن بُدَيلٍ مع عليّ، والمغيرةُ بن شعبة معتزلاً بالطّائف، حتّى حُكم الحَكَمان.
ولمّا تمَّ الصُّلح بين الحسن ومعاوية، قام الحسنُ في النّاس خطيباً بالكوفة، فقال:
وَبَرأَ الحسنُ مِن جراحته، فتحوّل إلى المدينة، وحال أَهلُ البَصرةِ بَينَهُ وبينَ خراج دارابجرد وقالوا
ولمّا دخل المدينة، تلقَّاه ناسٌ، فصاحوا :
تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني
وأوله : تجارب العصر الأموي : أيّام معاوية بن أبي سفيان
مقدمة التحقيق...3
مقدمة في علم التاريخ...11
ترجمة أبي علي مسكويه...19
نُسْخَةُ وَصِيَّةٍ أَبي عَلِي مَسْكَوَيْهِ...23
عصر مسكويه وبيئته...27
دولة بني بويه...29
مؤلفات مسكويه...43
مصادر مسكويه في كتابة التاريخ...50
ترجمة أبي شجاع ظهير الدّين الروذراوري...54
ترجمة هلال بن المحسن الصابي...55
مقدِّمةُ المُصنِّف...59
الفيشداذيَّةُ ومن عاصَرَهُم...61
أُوشْهَنج...61
طَهُومَرْت...61
جمَّ شِيد...61
بيوراسب وما جرى بينه وبين كابي الأصبهاني...62
ثُم ملك أفريدون...64
منوشهر...65
خُطبةُ مَنُوشهر...65
منوشهر والرّايش بن قيس...67
ظهور موسى في أيّام منوشهر...68
زَوُّ بنُ طَهماسب...68
الكَبِيَّةُ ومَن عاصَرَهُم...70
كَيقُباذُ بنُ زَوِّ...70
كَيقابُوسُ وما جرى على ابنه سیاوخش...70
ثُمَّ مَلَك كيخسرو بن سياوخشَ بنِ كيقابوسَ...73
لهراسب وما كان من أمر بُختَنَصَّر...75
كيرُش...76
اخشوارسُ...77
کیرُش...77
وملك كي بشتاسِفُ بنُ كَي لُهراسِفُ...78
ظُهورُ زَردشت...78
ياسر أنعم...80
أردشير بهمن...80
خُماي دارا الأصغر...81
مِمّا يُحكى عَن الإسكندر وحِيَله...82
الإسكندر ودارا...82
ذِكرُ حيلةٍ للإسكندر...83
حيلة أخرى له...84
الإسكندر وأرسطو طالس...84
الإسكندرُ ومَلِكُ الصِّين...85
البطالسة...87
الأشغانيَّة ومَن عاصَرَهُم...88
ثُمَّ ملك جُوذَرزُ بنُ أشكان...88
ذكرُ سَبَبٍ طَمع العرب في أَطرافِ الفُرسِ...89
عمرو بن ظرِب...91
الزّبّاءُ...91
قصيرُ بنُ سَعدٍ...91
ذكر حيلة لقصير على الزّبَاءِ تمَّت له عليها...93
عمرُو بنُ عَدي...95
طَسْمٌ وجَديسٌ...95
الساسانية ومن عاصرهم...97
أردشيرُ بنُ بابك...97
عَهْدُ أردشير...97
ثُمَّ انتهى المُلك إلى سابور بن أردشير...107
توالي سِتَّة مُلُوكِ...108
سابور الملقب بذي الأكتافِ...109
ذِكرُ حيلةٍ لِقُسطنطينَ...110
ثُمَّ ملك من الرُّوم لليانوس...111
عاقبة سَرَفِ سابُور في القتل...111
تخلُّصه بحسن الاتّفاق...111
سوء تحفُّظ لُليانوس...112
أردشير بن هُرمز...113
سابور بن سابور ذي الأكتاف...113
بهرام بنُ سابور ذي الأكتاف...113
يزدجرد المعروف بالأثيم ابنُ بهرام بن سابور ذِي الأكتافِ...113
بهرام جُور...114
کسری...115
بهرام يتناولُ التاج والزّينة من بين أسدين مُشبلين...117
حيلةُ بَهرام جُور على خاقان...118
يزدجردُ بنُ بَهرام جُور...120
حُسنُ سِياسَةٍ مِن فيروز...120
حِيلَةٌ تمَّت لِمَلِكِ الهَياطلةِ على فيروز...121
عاقبةُ غدره...122
بلاشُ بنُ فيروز بنِ يزدجردَ بنِ بهرام جور...123
ثم ملك قباذ بن فيروز أخو بلاش...123
من آرائه الجيِّدة...123
سوء تدبير قباذ عند ظهور مزدك وزوال مُلكه...124
ذِكرُ حيلةٍ تَمَّت لأُختِ قباذ حتّى أخرجته من الحَبسِ...124
سببُ هَلاكِ قباذ...125
ذكر ما تمَّ لِتُبَّع وابن أخيه شمر وابنه حسانٍ بَعدَ احتوائهم على مملكة الفرس...126
وقام بالمُلكِ بعد قُباذ ابنه كسرى أنوشروان...127
من ثمرة أعماله...128
فأما تدبيره للمزدكيَّةِ ورده المظالم وما دبَّر في أمر النّساء المغلوبات على أنفسهنَّ وتدابيره الأخرى...129
فتوحُ أنوشروان...129
تدابير أنوشروان لاستغزارِ الأموال وتثميرها...130
ذكرُ قِطعةٍ من سيرة أنوشروان وسياساته كتبتها على ما حكاه أنوشروان نفسه في كتاب عَمِلَهُ في سيرته وما ساس به مملكتَهُ...132
رجلٌ اخترطَ السَّيف وأرادَ الوُثوبَ علينا...132
استحلال قتلي...132
تصدّقتُ على مساكين الرُّوم...1333
تخفيف الخراج لعمارة الأراضي...133
ما رَفعَ إِلَينا مُوبَدَان مُوبَذْ...133
ما سألته التّركُ ومَسيرُنا إلى باب صُول...134
تجديد النظر في أمر المملكة...134
جلوسنا مع أهل الكور للفحص عن الرّعيّة وأمناء الخراج...135
ما كتبه إلينا أربعةُ أصناف من تُركِ الخَزَر...136
خاقان الأكبر يعتذرُ إِليَّ ويسأل التّجاوز...137
المقاتِلةُ وأهلُ العمارة سَواءٌ...138
أقبلنا بعد ذلك على السِّير والسُّنَن...139
خُطبة أنوشروان...140
هُرمُزُ بن أنوشروان...142
من سيرته المرتضاة...143
ذِكرُ سوءِ اختيارِه جُندَهُ وبَهرام جوبينَ حتّى هَلَكَ...144
ذكرُ الحيلةِ الّتي تَمَّت لأبَرويز حتّى أفلتَ مِن بهرام بعدَ ظَفَرِه بِه ورجُوعِه بعد ذلك وقَتلِه إيّاه ببلادِ التُّركِ واستيلائه على المُلكِ...146
ذِكرُ سوءِ سِيَاسَةِ اتَّفق على أبرويز في جُندِه حتّى ظَهَرَ الرُّومُ عليه...148
فَمِمَّا اتَّفَقَ فِي أيّام كسرى مِن الحَوادِثِ الّتي تُستفاد منها...151
تجربةُ ما كان مِنَ يَوم ذي قارٍ وحرب العرب والفُرس....151
قتلُ النُّعمان بن المُنذِرِ وأسبابه...152
حيلةٌ لِعَدِيّ بن أوس على عَدي بن زيدٍ...153
كسرى يكتب في إرسالِ عَدي وعَديُّ يُقتَلُ...155
زَيدُ بنُ عَدي يَخلَفُ أباه عند كسرى...156
فُرصةٌ انتهزها زيدٌ...175
صفة جارية أهداها المنذر الأكبر إلى أنوشروان...157
كسرى يَدعُو النُّعمان وهو يَحملُ السَّلاحَ...159
إياس وما أَدَّى إلى يوم ذي قارٍ...159
رأي جيدٌ رَآهُ قيسُ بنُ مَسْعُودٍ لِهانئ ...160
ذكر حيلة لأبرويز على مَلِكِ الرُّومِ...162
هَلاكِ أبرويز وقتله...164
ذكر سبب ذكر عاقبة شِيرُويَة بن أبرويز...165
ثم مَلكَ أردشيرُ بنُ شِيرويةَ...166
ذكر غَلَطه في ذلك واستهانته بأمره حتّى كان سبب هلاكه...166
ثُمَّ مَلكَ شَهر بَرازُ...166
ومَلَكَت بورانُ بنتُ كسرى أبرويزَ...167
ثُمَّ مَلَكَ بعدها رجل يقال له : جُشْنَسبَندَهُ...167
ثُمَّ ملكت آزرمي دُخت ابنه كسرى أبرويز...167
کسری بن مِهرجُشنس...168
فیروز...168
فَرُّخ باذخُسرو...168
مُلكُ يَزدجردَ بن شهريار بن أبرويز...168
عصر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والخُلفاء الراشدين...169
ممَّا جَرى في غزوات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من تدابيره البشرية في غزوة الخندق...169
اتّفاق جَيِّدٌ...171
ومن ذلك ما كان يومَ حُنين وفيه ذكرٌ لدُرَيد بن الصمة وبعض آرائه...172
ومن ذلك ما كان بعد ظهور الأسود العنسي الكذّاب...174
أسماءُ كُتاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)...179
مِما حَدَثَ في خلافة أبي بكرٍ...180
وَمِن صَرامَةِ الرَّأي وحَصافَتِه ما كانَ مِن أبي بكر رضي اللّه عنه...180
عَقدُ أحد عشرَ لِوَاءٌ لِمحاربة أهل الرِّدَّةِ...181
صرامة عُمر وحصافته في هذا الوقت...182
إسلام طليحة بعد ارتدادِه وادعائه النبوَّةَ...183
مكيدة للفجاءَةِ تمَّت عليه...184
قتلُ مُسَيلمةَ في حَديقةِ المَوتِ ومكيدة لمُجَاعَةَ على خالدٍ...184
ومن الآراء السَّديدة ما كان من خالدٍ بالشّام يومَ اليرمُوك...187
من عجيب ما رَكَبَهُ خالدٌ...190
المثنّى بن الحارثة والفُرس...192
أسماءُ كُتَابِ أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللّه عَنهُ...194
ممّا حدث في خلافة عُمر...195
عُمر يُقاسم خالداً مالَهُ...195
من حديث خالدٍ وفتح دمشق...196
اتفاق جيدٌ لِلمُسلِمينَ...196
عُمرُ وانتداب أبي عبيد للخروج إلى فارس...197
قدوم أبي عُبيد مع المثنّى بعد استخراج الفرس يزدجرد وتتويج بوران رُستم...198
السَّقاطِيّة بِكَسْكَر...199
خَطَأٌ في الرَّأي...201
رؤيا رأتها امرأة أبي عبيد...201
يَوم البويبِ...203
القادسيَّة وأيّامها...207
تدبیرٌ دبره يزدجرد للإسراع في تسلّم أنباء الحرب يَومَ أرماثٍ...211
يَومُ أغوابٍ...213
قصَّة أبي محجَنٍ مع سلمى وسعدٍ...215
يَومُ عِمَاسِ...216
اتِّفاقُ جَرى يَومَ عِمَاسٍ ويُحذَرُ أَن يَقعَ مثله...218
ما جرى في يوم أَرماثٍ...218
دِرَفشُ الكابيان وغيره من الأسلاب...222
ذِكرُ خَديعَةِ عَمرو لأَرطَبُون...223
سعد بن أبي وقاص يُقدِّم زُهرةَ إلى بهرسير...224
ذكرُ استهانة في الحرب عادت بِهَلَكَة...225
بهرسير وأبيضُ كسرى...226
مبادرة يزدجرد إلى حلوان...227
دخول المدائن...228
تاجُ كسرى وأدراعهُ...229
عمرُ وتاج كسرى...230
بِساط يُساوي جَريباً...230
وَقعَةُ جَلُولاء...232
استيذان عُمر في الانسياح...233
ما عامَلَ بهِ عُمرُ خالد بن الوليد...235
علاء بن الحضرمي وعاقبة عصيانه...235
إرسال الهرمزان إلى المدينة...237
ذِكرُ خَديعةٍ للّهرمُزانِ وحِيلَةٍ لَهُ حتّى آمَنَهُ عُمرُ...238
عُمرُ واللغة الفارسيّة...239
ذِكر رَأيِ صَحيح للأحنفِ بنِ قَيْسٍ...240
یزدجرد يمضي إلى إصطخر وسياه يشترط للإسلام...240
سیاه يرى الدخول في الإسلام...241
ذِكرُ مَكيدَةٍ في فتح حِصنٍ...242
ذِكرُ حيلَةِ قَوم في الحِصار خَرَجُوا بِها مِن حِصارِهِم وسِياسةِ لِعُمَرَ...242
يوم نهاوند : فتح الفتوح...242
ذِكرُ آراء صح منها واحِدٌ...243
ابتداء وقعة نهاوند...245
ذِكرُ خَديعَةٍ للّهرمُزانِ ما تَمَّت لَهُ على عُمُر وما جرى بعد ذلك...246
ذكرُ آراء صح أحَدُها على طَريقِ المَكيدَةِ...249
دخول نَهاوَند...251
فتح الرَّيِّ...253
فتح قُومِس...254
فتح جُرجان و طبرستان...254
فتح أذربيجان...254
فتح الباب والفتوح الّتي كانت بعده...255
ما جرى بين يزدجرد وآبان جاذويه في الرَّيِّ...257
غزو خراسان وهزيمة يزدجرد في بلخ...257
ذِكرُ رأي صحيح في وقتِ شدَّةٍ...258
حوارٌ بين خاقان ورسول یزدجرد...260
ذِكرُ كُتاب عُمَرَ وجُمَلٍ مِن سِياسَتِه...261
خلافَةُ عُثَمان بن عفَّان...266
ذِكرُ ما يَجِبُ ذِكرُهُ مِن حَديثِ الشُّورى ومَا يَليقُ مِنْهُ بِهذا الكِتابِ...266
ذِكرُ هَذِهِ الخُدعَةِ...268
مقتلُ يَزدجردَ وَما تَمَّ عَليهِ مِنَ الاتفاقاتِ الطَّرِيفَةِ...269
يزدجرد والطَّحان...270
رواية أخرى في ذلك...271
ما جرى في خلافة عثمان ممّا تُستفاد منه تجربةٌ...273
أهل الكوفة يردّون سعيد بن العاص...274
كثر النّاس على عثمان وكلَّمُوا عليًّا فيه...275
ثم دخلت سنةُ خمس وثلاثين...277
فيها كان ظهورُ السَّبائية وخروجُ أهل مصر إلى المدينة لقتل عثمان...277
راكب له شَأنٌ...283
يَومُ الدّار...288
أسماءُ كُتاب عُثمان...289
سَبَبُ سُقوط هذا الكاتبِ مِن عَينِ عثمان...290
ذكر تَدبيرٍ تَمَّ لِعُثمانَ بِمُعاوَنَةِ عَليٍّ رضي اللّه عنه وَرَأيهِ لَمّا حُصر عثمان الحصار الأول...290
خلافة الإمام عليٍّ...292
ذكرُ بَيعَةِ عَلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)...292
ذِكرُ رأي جيد للمُغيرة...294
رأي لابن عبّاس وما أشار به على عليٍّ...295
علي يفرّق عُمَّاله على الأمصار...296
علي يُدبِّرُ لِقتال أهلِ الفُرقةِ بالشّام...299
ابتداءُ وقعَةِ الجَمَل...300
طلحة والزُّبير يريدانِ البصرة للإصلاح!...3000
عائشة تريد طلحة...300
من استجاب لعائشة ومن اعتزل...3000
موقف آخر لسعيد بن العاص...301
سُؤال وتنازع حول الإمرة...301
اتّفاقٌ في ذلك الوجه...302
علي يستشير النّاس والحسنُ يَذكرُ له ما كان قد أشار به عليه قبلُ...302
عثمانُ بنُ حُنيفِ يَبعثُ رَسولَين إلى عائشة وطلحة والزُّبير...303
كيدٌ كادَ به عُثمانِ بنُ حُنيفٍ...305
انتهاءُ عائشة ومن معها إلى المربد...305
قتالٌ وتوادُعٌ...306
ما جرَى على عثمان بن حُنيفٍ...306
قتال شديدٌ ضرب فيه رجل ساق حكيمٍ...307
ماذا يجري في الكوفة؟...309
عليّ يُرْسِلُ القعقاع إلى أَهلِ البَصرة...310
ذِكرُ السَّببِ في نَقضِ ما أشرفَ عَليهِ القومُ من الاصطلاح...312
ذكرُ آراء هؤلاء، وما تقرَّرَ عَلي الرَّأْيُ في ما اجتمعوا عَليه، ودَبُّوا لَهُ من الحيلة في نقض الصُّلح...312
ذكرُ فتوى لِعَلِيٍّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تِلكَ الحالِ...314
عليٌّ يخطب سائلاً كفَّ الألسن والأيدي...315
ما جرى بينَ علي وطلحة والزُّبير من حديث...317
ما يُحفَظُ مِن كلام الأحنَفِ في الاعتزالِ وحَضّ النّاس عَليهِ...318
أوّلُ ما أحدثته عائشةُ...319
سيرة عليّ في من قاتل يوم الجمل...325
السَّبائية ترتحل بغير إذن علي تجهيز على عائشةَ...325
ما جَرى بينَ مُعاويةً وقيسٍ...326
ذكرُ مَكِيدةِ مُعاويةَ لِقيس وما تمَّ لَهُ عليه...327
ابتداءُ وقعة صِفّين قميصُ عُثمان وأصابعُ نائلة...328
خروج علي بن أبي طالب إلى صفّين...329
القتال على الماء...331
من وصايا علي لأصحابه يَومَ صفّين...333
اقتتلوا ولِكُلِّ فِئَةٍ أَحد عشر صفاً...333
خطبةٌ في حَضٌ على حَربٍ ووَصايا فيها...336
خطبةُ يَزِيدَ بنِ قيس الأرحبيّ...336
ابن بديل ينتهي إلى قبة معاوية...336
كلام بين علي والحسن أثناء القتال...337
مالِكُ يحُضُ المنهزمين على الصّمود...337
ابن بديل يعصي مالكاً ويُقتل...339
مقتل عمَّار بن ياسر...341
علي يُبارز مُعاوية...342
ما دبّره علي لإزالة كتيبةٍ...342
العالي مَن جعل المعركة خلفَ ظَهره...343
الظَّفر يلوح للأشتر ومعاوية يلتمس حيلةً...343
ذِكرُ مكيدة عمرو بن العاص...344
القُرَّاءُ يُهدِّدُون عليا ويطالبون ترك القتال...345
مالكٌ يضع القتالَ ويُقبل، بعد أن رأى النَّصرَ...347
قبولُ النّاس التَّحكيم، واستعلام معاوية...348
عليّ لا يَرضى بأبي مُوسى والنّاس يأبون إلّا إيّاه...348
ذكرُ رَأي للأحنف...350
مالكٌ يَأبى أن يُخطّ اسمه في صحيفة التَّحكيم...351
ذكرُ خديعةٍ أجازها معاوية على نفسه...352
ما قاله علي بن أبي طالب لأصحابه...353
ذكر حيلة للمغيرة بن شعبة ليعلم : أيجتمع الحكمان، أم يفترقان...353
ذكر الخديعة الّتي خدع بها عمروٌ أبا موسى...355
روايةٌ أُخرى في ذلك....355
ذكر من خالف علي بن أبي طالبٍ في رأيه، وأشار بالحرب عليه، وما كان من جوابه واعتذاره...356
بُكاءُ النِّساءِ على القتلى وما قالهُ عليٌّ لابن شُرحبيل...357
مُرورُهُ بالنّاعطيين، وما قاله فيهم...357
تَشاتُمُ القوم واضطرابهم بالسِّياط...358
مُفارقة الخوارج عليّاً نزولهم بحرورى وعدم دخولهم الكوفة مع عليٍّ...358
ما دار بين شيعة علي والخوارج عند دخوله الكوفة...358
ذكرُ احتجاج الخوارج معَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...359
صياح أثناءَ خُطبته...360
ذكر ما جرى بينهم من الجدال ورُجوعهم مع عليٍّ وهذه الدّفعة الأولى من خروجهم...360
ابتداءُ يوم النَّهر...362
عليٌّ يعبى ويرفع رايةَ أَمانٍ...363
استبدال الشَّام بالنَّهر...363
اتّفاقٌ جيّدٌ وقع لمالكٍ حتّى هزم النُّعمان ومن معه...364
ذِكرُ سياسة زيادٍ لهذا الوجه...365
دخول بُسرِ بن أَرطأة المدينة ومكَّةَ وهروب عمّال عليٍّ...365
العراق لعليّ، والشّام لِمُعاويةَ...365
تَحالُفُ الخوارج لقتل عليٍّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص...366
ما جرى بين ابن ملجم وقطام في الكوفة وتعاونهما على قتل عليٍّ...366
قتل ابن ملجمٍ وحرقُه...367
ما كان من أَمر بُرَك ومعاوية...368
ما كان من أمر عمرو بن بكر وعمرو بن العاص...368
ما قالته عائشة في قتل عليٍّ...369
أسماءُ كُتّاب عليٍّ بن أبي طالب صَلواتُ اللّه عليه...369
بيعة الحسن بن عليٍّ...370
نزع قيسٍ وتأمير عبيد اللّه بن عبَّاسٍ...370
ذكر مَكيدة لِمُعاوية...370
كتابٌ كتبه الحسن إلى معاوية في الصُّلح...370
ذكرُ حيلةٍ واتّفاقٍ طريفٍ في هذا الشَّرط...371
معاويةُ يُكايدُ قيس بن سعدٍ...371
الدُّهاة الخمسة...371
ما قاله الحسن بن عليٍّ في خُطبتِهِ بعدَ الصُّلح وقبل أن يغادر الكوفة إلى المدينة...372