السیدة نرجس علیها السلام فی الکتب والمصنفات جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

السَّیِّدَة نَرْجِسْ علیها السلام

فِي الكُتُبِ وَالمُصَنَّفَاتِ

الجُزْء الثَانِي

إعْدَادَ وَتَنْظِيمْ

السَيِّدُ مُحَمَّد السَيِّد حُسَّيْنْ الحَكِيْم

إِشْرَاف وَتَقْدِيْم

مَرْکَزُ الْدَرَاسَاتِ الْتَخَصُّصِيَة فِي الإِمَامْ المَهْدِي

محرر الرقمي: محمد علي صادقي قوام آبادي

اشارة

مَرْکَزُ الْدَرَاسَاتِ الْتَخَصُّصِيَة فِي الإِمَامْ المَهْدِي

اسم الكتاب: السیدة نرجس علیها السلام في الکتب و المصنفات/ ج2

إعداد وتنظيم: السيد محمد السيد حسين الحكيم

اشراف وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام

رقم الإصدار : 298

الطبعة : الأولى 1445ه-

عدد النسخ: ...طبعة محدودة

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز العراق - النجف الأشرف

هاتف 07809744474

07816787226

www.m-mahdi.com

info@m-mahdi.com

سَیِّدة الإمَاءِ علیها السلام قراءة جديدة في هويّتها وسيرتها-الشيخ أحمد سلمان

اشارة

سَیِّدة الإمَاءِ علیها السلام

قراءة جديدة في هويّتها وسيرتها

الشيخ أحمد سلمان

قِسْمِ الشُّؤُون الدينيَّة

شُعْبَةُ البُحُوثِ وَالدِّرَاسَات

قِسْمِ الشُّؤُون الدينيَّة

شُعْبَةُ البُحُوثِ وَالدِّرَاسَات

مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLIrda

LCرقم تصنيف: BP80.N37 S25 2021

المؤلف الشخصي: سلمان، احمد - مؤلف.

العنوان : سيدة الإماء عليها السلام : قراءة جديدة في هويتها وسيرتها/

بيان المسؤولية : تأليف احمد سلمان.

بيانات الطبع : الطبعة الأولى.

بيانات النشر : كربلاء، العراق : العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الدينية، شعبة البحوث والدراسات، 1442/2021 للهجرة.

الوصف المادي : 98 صفحة ؛ 24 سم.

سلسلة النشر: (العتبة الحسينية المقدسة؛ 851).

سلسلة النشر : (قسم الشؤون الدينية، شعبة البحوث والدراسات؛ 102).

تبصرة ببليوجرافية : يتضمن هوامش، لائحة المصادر (الصفحات 95-89).

موضوع شخصي : السيدة نرجس، نرجس بنت يشوعا (عليها السلام) - نقد وتفسير.

موضوع شخصي : الحسن العسكري، الحسن بن علي بن محمد (عليه السلام) الامام الحادي عشر، 260-232 للهجرة - زوجات.

مصطلح موضوعي : الحديث (الشيعة الامامية).

اسم هيئة اضافي : العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق)، قسم الشؤون الدينية، شعبة البحوث والدراسات. جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة التصميم والإخراج الفني: علي جبار

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، وبعد:

لاشك أنّ البحث في أمّهات المعصومين علیهم السلام من البحوث المهمّة المرتبطة ارتباطا وثيقا بسيرة أهل البيت علیهم السلام، فكما وجّه الأعداء أقلامهم المأجورة لتشويه سيرة الأئمّة الطاهرين علیهم السلام، فكذلك الأمر بالنسبة لأمّهاتهم اللواتي نال سيرتهنّ الشيء الكثير من التحريف والتبديل والتلاعب.

ولعلّ السيدة نرجس علیها السلام أمّ إمامنا المهدي علیه السلام من اللواتي يحيط غموض كبير بسيرتها، حيث أنّه اختلف في كلّ ما يتعلّق بشأنها حتّى في حقيقة اسمها، ممّا جعل بعض المخالفين يلحقونها بعداد الشخصيّات المختلقة، بل تجاوز بعضهم حدود الأدب ليصمها بما ينزّه المؤمن لسانه عن ذكره نتيجة بعض الأمور التي نقلت في ما وصلنا من سيرتها.

ومن هنا فإنّ هذا الكتيّب هو محاولة منّي لجمع شتات ما نقلته كتب الحديث والتاريخ والسير عن هذه السيدة الطاهرة علیها السلام وفكّ الغموض الذي أحاط بشخصيّتها بحيث يخرج القارىء بصورة واضحة عن حياتها علیها السلام والأهمّ من هذا دورها في المشروع المهدويّ لاسيما في الغيبة الصغرى لصاحب الزمان علیه السلام.

أحمد سلمان

1 جمادة الأوّل 1442ه-

تسميتها علیها السلام

اشارة

إذا رجعنا إلى كتب التاريخ والسير والتراجم نجد خلافا كبيرا بينهم في تحديد اسم أم سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، حيث أطلقت عليها كلّ هذه الأسماء:

نرجس.

سوسن.

ريحانة.

صقيل.

مليكة.

خمط.

حكيمة.

مريم.

وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف إشكالا على أصل القضيّة المهدويّة حيث ذكر أحد المخالفين هذا الاختلاف تحت باب أسماه "تناقضات في حياة مهدي الشيعة المنتظر "(1)قال فيه: من هي أم


1) أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق 68.

المهدي؟ هل هي جارية اسمها نرجس أم جارية اسمها صقيل أم جارية اسمها مليكة أم جارية اسمها خمط أم جارية اسمها حكيمة أم جارية اسمها ريحانة أم سوسن أم هي حرّة اسمها مريم (1)؟

وقال آخر تعليقا على هذا الاختلاف: وكيف يكون موجودا معروفا وهذا الاختلاف في أمّه؟... فتأمّل ركاكة هذا الجواب ومدى التكلّف فيه لعلّه يسعف للخروج من كثير من التناقضات التي تحيط بهذه الشخصيّة (2).

ومن هنا فإنّه لابد لنا من وقفة لبيان حقيقة الأمر:

هل هذه التسميات ثابتة؟

أوّل نقطة نحتاج الوقوف عندها هو مناقشة ثبوت هذه التسميات، إذ لابدّ من ملاحظة صحّة ثبوتها التاريخي لها حيث أنّ بعض هذه التسميات لا أصل لها البتّة!

فمثلا دعوى أنّ من أسمائها "خمط" انفرد به ابن خلّكان في كتابه وفيات الأعيان حيث قال: كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولمّا توفي أبوه وقد سبق ذكره كان


1) أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق 68.

2) متى يشرق نورك أيّها المنتظر 34.

عمره خمس سنين، واسم أمه خمط وقيل نرجس، والشيعة يقولون إنّه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين وعمره يومئذ تسع سنين (1).

وهذا الرجل لا يؤمن على ما ينقله عن العترة الطاهرة وتاريخ الشيعة حيث ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ نصب الرجل وعداؤه لأهل البيت علیهم السلام، ويمكن إثبات هذا الأمر بقرينتين:

الأولى: سرّ تسميته بابن خلكان هو أن الرجل كان كثير الافتخار بأجداده، فيُكثر من قوله: «كان أبي، كان جدي، كان أجدادي»، فكان يقال له: «خَلِّ كان، وتكلم عن نفسك»، إلى أن أصبحت لقباً له.

وقد نقل ذلك ابن العماد الحنبلي في شذراته عن أحد مشايخه: ومن إفاداته أن لفظ ابن خلّكان ضبط على صورة الفعلين خلّ أمر من التخلية وكان الناقصة قال وسببه أنه كان يكثر قول كان والدي كذا كان جدي كذا كان فلان كذا فقيل له خل كان فغلبت عليه (2).

ولما رجعنا إلى تاريخ الرجل وجدناه برمكيّ النسب، ومن له اطلاع على التاريخ يعلم يقيناً أن البرامكة كانوا أشد الناس عداوة


1) وفيات الأعيان 176/4 .

2) شذرات الذهب 422/8 .

للعلويين، إذ كانوا اليد الضاربة للدولة العباسية في أوائل تأسيسها، و سبب اعتماد العباسيين عليهم هو فقدانهم للثقة بالعرب والعجم نظراً لتعاطفهم مع العلويين بسبب خيانة العباسيين للعهد الذي كان مبرم بينهم من إعطاء الخلافة للرضا من آل محمد في حال إسقاطهم لدولة بني أمية، وتفرّدهم بالحكم دونهم، فكانوا بمثابة السيف الحاد المسلط على أعداء العباسيين وخصوصاً العلويين.

وعليه فهناك عداء تاريخي متجذّر بين البرامكة وبين العلويين، ولا نشكّ أنّ كلام ابن خلكان ناشیء عن هذا.

أن ابن خلكان كان من عشّاق يزيد بن معاوية وشعره، إذ أنّه ذكر في ترجمة المرزباني: وهو أوّل من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، واعتنى به، وهو صغير الحجم، يدخل في مقدار ثلاث كراريس ، وقد جمعه من بعده جماعة، وزادوا فيه أشياء كثيرة ليست له، وكنت حفظت جميع ديوان يزيد؛ لشدة غرامي به، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق، وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له، وتتبّعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات، ولولا خوف التطويل لبيَّنت ذلك، وشعر يزيد مع قلَّته في نهاية

الحسن (1).

وهنا لا بد لنا من طرح عدة تساؤلات:

ماسبب غرام ابن خلكان الشديد بشعر يزيد؟

إن كان حبّه لنفس مضامين الشعر، فهذه طامّة تنبىء عن سوء سريرة ابن خلكان، إذ أن شعر يزيد ليس شعراً في ذكر الله، ولا في الثناء على نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم بل كله فسق و فجور، وليس هناك أفضل من الذهبي في تلخيصه لسيرة يزيد بن معاوية بقوله: وكان ناصبيًّا، فظًّا، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر ، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره (2).

وإن كان حبّه لهذا الشعر من أجل حبّه ليزيد نفسه فيكفينا هذا مطعناً في هذا الرجل؛ إذ أنّ حبّ يزيد من أقوى الأدلّة على النصب وبغض أهل البيت علیهم السلام، وقد كفانا ابن كثير الدمشقي مؤونة إثبات هذه القضية بقوله: الناس في يزيد بن معاوية أقسام، فمنهم من يحبّه ويتولاه، وهم طائفة من أهل الشام، من النواصب (3).


1) وفايات الأعيان 354/4.

2) سير أعلام النبلاء 38/4.

3) البداية والنهاية 256/6.

ومن هنا لا نستبعد أنّ تعداد بعض المؤرّخين لأسمائها هو من باب تمييع القضيّة والتشكيك فيها وما ابن خلّكان إلّا مثال على ذلك.

وأيضا دعوى أنّ اسمها مريم فقد انفرد بهذه التسمية الشهيد الأوّل في دروسه (1)حيث نقل هذه التسمية بصيغة التمريض (قيل)، ولم أجد له سلفا سوى ما ذكره الحسين بن حمدان الخصيبي في كتاب الهداية الكبرى حيث قال: وأمّه صقيل، وقيل: نرجس، ويقال: سوسن، ويقال: مريم ابنة زيد أخت حسن، ومحمد بن زيد الحسيني الداعي بطبرستان وأنّ التشبيه وقع على الجواري أمهات الأولاد، والمشهور والصحيح: نرجس فهذا من دلائله علیه السلام (2).

بل لم أجد من ذكر أنّ للحسن ومحمد الداعيين بطبرستان أختا أصلا لكي يكون هناك زواج ودونك كتب الأنساب بين يديك فقلّبهما كيفما شئت لتعلم حقيقة الأمر، فمن أين نثبت وجود هذه الشخصيّة فضلا عن إثبات زواجها من الإمام العسكري علیه السلام!

علما أنّ هذا القول يخالف الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة التي سنستعرضها لاحقا من كون الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف هو ابن


1) الدروس 16/2.

2) الهداية الكبرى 328.

أمة وأنّها سيدة الإماء، ووجه المخالفة أنّ مريم بنت زيد علويّة حرّة لا جارية، فتكون المعارضة صريحة بين الطائفتين.

بل حتّى لو لم يكن هناك تعارض في البين ما قبلنا بهذا الخبر لكونها من متفرّدات الحسين بن حمدان الخصيبي زعيم النصيريّة في عصره والذي قال فيه النجاشي رحمه الله: الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلاني أبو عبد الله كان فاسد المذهب، له كتب، منها: كتاب الإخوان، كتاب المسائل، كتاب تاريخ الأئمّة، كتاب الرسالة تخليط (1).

كذلك تسميتها ب-"مليكة" فإنّها لم ترد إلّا في رواية نقلها الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين عرّفت فيها أم الإمام المهدي علیه السلام نفسها بقولها: "أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم" (2)، وثبوت هذه التسمية فرع صحّة هذا الخبر وعليه فسقوط الخبر يقتضي - عدم صحّة هذه التسمية.

فبهذا تعلم أنّ أغلب هذه الأسماء غير ثابتة وبهذا تضيق دائرة الاختلاف على فرض وجودها أصلا.


1) الفهرست 67.

2) كمال الدين 420.

هل أسماء أم ألقاب؟

هل هي أسماء أم ألقاب؟

يمكن أيضا التشكيك في تعدّد أسمائها من جهة أخرى وهو عدم كون ما ذكر أسماء، إذ يظهر أنّ الرواة والمؤرّخين قد خلطوا أو بين الأسماء والألقاب، فالاسم هو أوّل ما يطلق على الإنسان واللقب هو ما يطلق على الإنسان لإفادة رفعة أو ضعة كما قرّر ذلك أهل اللغة.

ولو نظرنا إلى ما قيل أنّه أسماء فإنّنا نجد احتماليّة كونها لقبا واردة جدّا، فسوسن وريحانة ونرجس هي أسماء لبعض الأزهار والنباتات التي تعرف إمّا بجمالها أو بطيب ريحها وهذا يتناسب مع كونها ألقابا لها لا أسماء، بل ورد صريحا ما يدلّ على أنّ بعضها ألقابا، حيث نقل الشيخ الصدوق رضي الله عنه رواية حول سرّ تلقيبها بصقيل، قال: ويقال: صقيل ويقال: سوسن إلا أنّه قيل: لسبب الحمل صقيل (1).

من هنا فإنّه لا مانع من هذا التعدّد إذا قلنا أنّ لها اسما واحدا وأكثر من لقب فالممنوع وجود أكثر من اسم لكن لا يوجد أيّ مانع من تعدّد ألقاب الشخص الواحد، بل من يقرأ كتب التراجم والسير يجد أن هذه سيرة قائمة بين الناس، وبالتالي فالاحتمال الراجح هو أنّ


1) كمال الدين 432.

لها اسما واحدا ومجموعة ألقاب عبّر عنها بالأسماء مسامحة.

عفّة البيت العلوي

عفّة البيت العلوي:

هناك أمر آخر لابدّ أن يؤخذ بعين الاعتبار وهو ما اشتهر به البيت العلوي من عفّة نسائه وشدّة غيرة رجاله على النساء، ومن هنا فلا يتوقّع من رجال هذا البيت الحديث عن نسائه بالتفصيل المملّ أمام عامّة الناس.

ومن هنا نجد اختلافا كبيرا في معرفة زوجات المعصومين علیهم السلام وبناتهم والخلط في أسمائهم وسيرهم كما هو المعروف من خلط المؤرخين بين زينب الكبرى وأم كلثوم بنات أمير المؤمنين علیه السلام، والاختلاف في الفواطم من بنات الإمام الحسين وعددهنّ وغيرها من الاختلاف الكبير في ضبطهنّ.

ومن ينظر إلى الأخبار الواردة في بيان اسم أم الإمام المهدي علیها السلام نجد أنّها وردت على لسان رجال من خارج البيت العلوي الذين نقطع أنّ تحديد اسم أم الإمام علیها السلام هو تخمين لا يقين وحدس لا حسّ.

بل يظهر صريحا ذلك من بعض ما روي في تسميتها من وقوع خلط بين أكثر من شخصيّة في بيت الإمام العسكري علیه السلام، فقد روى الصدوق رضي الله عنه قصّة عن أبي علي الخيزراني عن جارية له كان أهداها

لأبي محمد علیه السلام فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارّة من جعفر، فتزوّج بها، قال أبو علي: فحدثتني أنها حضرت ولادة السيد علیه السلام، وأنّ اسم أم السيد صقيل، وأن أبا محمد علیه السلام حدثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعوا الله عز وجل لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد علیه السلام وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أم محمد (1).

ولا شكّ أنّ الجارية المقصودة ليست أم الإمام المهدي علیها السلام بل هي امرأة أخرى لعلّها كانت في بيت الإمام العسكري علیه السلام والدليل على ذلك إجماع المؤرّخين على أنّ والدة المهدي علیه السلام قد توفيت بعد الإمام العسكري علیه السلام لا قبله كما سيأتينا ذلك تفصيلا.

ومن هنا فإنّ كلّ تسمية لأمّ الإمام المهدي علیه السلام لا تنتهي إلى أحد من داخل البيت العلوي تبقى محلّ تأمّل وإشكال.

التعمية المتعمّدة:

يبقى احتمال آخر وهو أنّ اختلاف أسمائها هي تعمية متعمّدة من قبل الإمام العسكري علیه السلام وبقيّة البيت العلوي علیهم السلام لحفظ الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف من كيد الأعداء، فكما أخفي حمله وكتم مولده بل حرّم


1) كمال الدين 431.

النطق باسمه الشريف في تلك الحقبة كما هو صريح النصوص الصحيحة، فما المانع أن تكون أمّه علیها السلام قد أخفيت وتعمّد البيت العلوي خلط الأوراق لكي يشتبه الأمر على عامّة الناس لكي لا تتخذ السلطة منها وسيلة ضغط على الإمام العسكري علیه السلام.

وقد رجّح السيد محمد الصدر رحمه الله هذا الجواب في موسوعته فقال: أنّها رضوان الله عليها عاشت تخطيطا خاصّا في تبديل اسمها بين الآونة والأخرى ودعائها بعدّة أسماء في وقت واحد وفي أوقات مختلفة، عاشت ذلك منذ أن دخلت هذه العائلة الكريمة لأنّها ستصبح أمّا للمهدي علیه السلام وسترى المطاردة والاضطهاد من قبل السلطات وستعيش في السجن مدّة من الزمن، إذن يجب القيام بهذا المخطّط تجاها إمعانا في الحذر وزيادة في التوقّي عليها وعلى ابنها ولأجل أن يختلط في ذهن السلطات أنّ صاحبة أيّ من هذه الأسماء هي المسجونة وأيّ منها هي الحامل وأيّ منها هي الوالدة وهكذا...، حيث يكون المفهوم لدى السلطات كون الأسماء لنساء كثيرات ويغفلون عن احتمال تعدّدها في شخص امرأة واحدة، وهذا الاحتمال الثالث هو بلا شكّ الاحتمال الراجح في أم المهدي علیه السلام (1).

ولعلّ هذا ما يرمي إليه المحدّث النوري رضي الله عنه و بعد نقله لخبر


1) موسوعة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف 244/1.

يثبت تعدّد أسمائها: ثم سأله الراوي عن أمّ صاحب الأمر علیه السلام، قال : أمّه مليكة التي يقال لها بعض الأيام سوسن، وفي بعضها ريحانة، وكان صقيل ونرجس أيضاً من أسمائها؛ ومن هذا الخبر يتبين وجه الاختلاف في اسمها سلام الله عليها فهي تسمّى بجميع هذه الأسماء الخمسة (1).

عجبا لكم!

العجب ممّن يشكل على الشيعة بهذا الإشكال ويعتبره تناقضا ومسقطا للعقيدة المهدويّة كيف يغفل عن كون هذا الإشكال واردا عندهم بما هو أشدّ وأعظم من الإشكال المتقدّم:

فأعظم رواة كتب أهل السنّة والجماعة هو أبو هريرة الذي روى بحسب نقل إحصائيّة ابن حزم الظاهري 5374 حديثا (2)، قد اختلف في اسمه اختلافا شنيعا حيث قال النووي: أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث هو أول من كنى بهذه الكنية قيل كان له هرة يلعب بها في صغره فكني بها واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولا أشهرها وأصحها انه عبد الرحمن بن صخر وبه قطع جماعات من أهل


1) النجم الثاقب 135/1.

2) جوامع السيرة 275.

هذا الفن (1).

وقال ابن عبد البر: اختلفوا في اسم أبي هريرة ، واسم أبيه اختلافا كثيرا، لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والإسلام، فقال خليفة : ويقال اسم أبي هريرة عبد الله بن عامر، ويقال برير بن عشرقة، ويقال سكين بن دومة، وقال أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول : اسم أبي هريرة عبد الله ابن عبد شمس، ويقال : عامر ، وقال : سمعت أحمد بن حنبل يقول: اسم أبي هريرة عبد الله بن عبد شمس، ويقال : عبد نهم بن عامر، ويقال: عبد غنم، ويقال سكين، وذكر محمد بن يحيى الذهلي، عن أحمد بن حنبل مثله سواء، وقال عباس، سمعت يحيى بن معين يقول: اسم أبي هريرة عبد شمس، وقال أبو نعيم: اسم أبي هريرة عبد شمس، وروى سفيان بن حصين عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، قال: اسم أبي هريرة عبد عمرو بن عبد غنم، وقال أبو حفص الفلاس: أصحّ شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد عمرو بن عبد غنم، وقال ابن الجارود: اسم أبي هريرة كردوس وروى الفضل بن موسى السّينانى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عبد شمس، من الأزد، من دوس، وذكر أبو حاتم الرازيّ، عن الأوسي، عن ابن لهيعة، قال: اسم


1) المجموع 266/1.

أبي هريرة كردوس بن عامر ، وذكر البخاري عن ابن أبي الأسود قال: اسم أبي هريرة عبد شمس، ويقال عبد نهم، أو عبد عمرو، قال أبو عمر: محال أن يكون اسمه في الإسلام عبد شمس، أو عبد عمرو، أو عبد غنم، أو عبد نهم، وهذا إن كان شيء منه فإنما كان في الجاهلية، وأما في الإسلام فاسمه عبد الله أو عبد الرحمن، والله أعلم، على أنّه اختلف في ذلك أيضا اختلافا كثيرا (1).

خاتمة:

إنّ ما تقدّم من أجوبة من شأنها قلع إشكال اختلاف الشيعة في اسم أم الإمام المهدي علیها السلام من جذوره ولا يبقي له عين ولا أثر، يبقى الكلام في ترجيح ما هو اسمها الصحيح الثابت لها وهو ما لا يمكن الجزم بأحدها لما تبيّن لك من الوجوه المتقدّمة، لكن يمكننا أن نرجّح كونه (نرجس) لكثرة دورانه في الروايات الواردة عنهم علیهم السلام.

ومن أهمّ النصوص التي يتمسّك بها ما نقله صاحب عيون المعجزات: وقرأت في كتاب الوصايا وغيره بأنّ جماعة من الشيوخ العلماء منهم عسلان الكلابي وموسى بن أحمد الفزاري وأحمد بن جعفر ومحمد بأسانيدهم أنّ حكيمة بنت أبي جعفر عمة أبي محمد علیها السلام


1) الاستيعاب 1786/4.

يوما وكنت ادعو الله له أن يرزقه ولدا، فدعوت له كما كنت ادعو فقال: يا عمّة أما أنّه يولد في هذه الليلة، وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين المولود الذي كنا نتوقعه فاجعلي افطارك عندنا وكانت ليلة الجمعة، قالت حكيمة: ممن يكون هذا المولود يا سيدي؟ فقال: علیه السلام: من نرجس (1).

وهذا الخبر يدلّ على أنّ اسمها الخاص الذي كانت تنادى به في داخل البيت العلوي هو (نرجس)، علما أنّ تعبير المصنّف ب-(وقرأت في كتاب الوصايا وغيره) يدلّ على أنّ هذا الخبر كان متداولا في كتب الأصحاب، ويكفينا الكتاب الذي ذكر اسمه وهو كتاب (الوصايا) للشلمغاني (2)المقتول سنة 322 ه- والذي كان أيام استقامته مقرّبا من سفراء صاحب العصر والزمان علیه السلام، وكفى بهذا شاهدا على ما رجّحناه. وترجيحنا لهذا الاسم لا يعني إلغاء باقي الأسماء لما تقدّم من احتمال كونها ألقابا لها أو أنّها أضيفت لها للتعمية عليها وحمايتها من جور السلطان كما سيأتيك مفصّلا ، ولا مانع من الجمع بين كلّ هذه الأجوبة إذ ليست من باب مانعة الجمع.


1) عيون المعجزات 128.

2) قال النجاشي في الفهرست 378: أبو جعفر المعروف بابن أبي العزاقر، كان متقدما في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة، حتى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان وقتله وصلبه.

قصّتها علیها السلام

اشارة

من أهمّ الأمور المرتبطة بأمّ الإمام المهدي علیها السلام هو كيفيّة وصولها لبيت العصمة، حيث يرتبط هذا البحث ببينا أصلها وحقيقة وهويتها كما يترتّب عليه إثبات أو نفي لكثير من الأمور الأخرى.

رواية قدومها من البلاد الروم:

إنّ أهمّ وثيقة في المقام هي الرواية التي نقلها الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين والتي تضمّنت القصّة المفصّلة لوالدة الإمام المهدي علیها السلام وكلّ ما يرتبط بحياتها:

قال الشيخ الصدوق رضي الله عنه: حدثنا محمد بن علي بن حاتم النوفلي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر القمى، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني،

وقفة سنديّة مع الخبر:

عند ملاحظة سند هذا الخبر نجد أنّ فيه بعض الأمور التي تقتضي الخدشة فيه وهي:

أوّلا : إنّ الراوي لهذه الحادثة هو (أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني) (1)، وبغضّ النظر في الوقت الحالي عن تقييمنا للرجل، إلّا أنّ الغريب فعلا هو أنّ الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381ه- قد نقل عنه الخبر بثلاثة وسائط : (محمد بن علي بن حاتم النوفلي قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال : حدثنا أحمد بن طاهر القمي:...) (2)وفي المقابل نجد أنّ الشيخ الطوسي المولود سنة 385ه- والمتوفى سنة 460ه- قد نقل عنه نفس الخبر لكن بواسطتين فقط: (أخبرني جماعة ، عن أبي المفضل الشيباني، ...) (3)!


1) مناقب آل أبي طالب 538/3.

2) كمال الدين 433.

3) كتاب الغيبة 208.

والذي يزيد الأمر غرابة هو ما نقله الطبري الصغير في دلائل الإمامة حيث قال: (حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الرهني الشيباني، قال: وردت كربلاء سنة ست وثمانين ومائتين) (1)، فاللقاء حصل سنة 286 ه-، والذي روى القصة عن صاحب اللقاء حدّث بها سنة 385 ه- أي بعد 100 سنة.

وهذه الهوّة الزمانيّة الكبيرة تؤكّد وجود وسائط ساقطة في السند الذي نقله الشيخ الطوسي والطبري الصغير رضوان الله عليهما، وبهذا يكون نقل الشيخ الصدوق رضي الله عنه أدقّ وأضبط.

وهنا تكمن المشكلة، وهي أنّنا نجهل هويّة هؤلاء الذين نقلوا هذه القصة عن (محمد بن بحر الشيباني)، وحتّى الذين ذكرهم الشيخ الصدوق في سنده (أحمد بن عيسى الوشاء، أحمد بن طاهر القمي) فإنّهما مهملان في كتب الرجال والتراجم ولا يوجد لهما أي ترجمة فضلا عن وجود توثيق لهما، فالطريق إلى صاحب القصّة إمّا ضعيف لوجود مجاهيل فيه أو مرسل لوجود وسائط ساقطة وغير معروفة لدينا.

ثانيا: إنّ مدار هذه القصّة على (بشر بن سليمان النخّاس)


1) دلائل الإمامة 489.

والذي عرّف نفسه في الرواية بأنّه من نسل أبي أيوب الأنصاري، وهذا الرجل لا يوجد له ذكر لا في كتب التاريخ ولا الرجال ولا التراجم البتّة.

بل حتّى راوي الخبر (محمد بن بحر الشيباني) لم يكن يعرفه أو سمع به من قبل، إنّما عرفه بعد أن عرّف بنفسه وصدّق كلامه، فلا طريق لنا لمعرفة هذا الرجل إلّا بتعريفه لنفسه في هذه الرواية!

والذي يزيد استغرابنا أنّه وصف نفسه بأوصاف عظيمة جدّا، حيث يقول عن نفسه: (يا ابن أخي لقد نال عمّك شرفا بما حمّله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلّا سلمان) فهل يكون أحد في أصحاب الأئمة علیهم السلام مثل سلمان المحمدي ولا يعرف عنه أحد شيئا؟!

بل نجد أنّه ذكر أمرا آخر عرّف به نفسه وهو أنّه من نسل أبي أيّوب الأنصاري حيث قال: (صدقت أنا بشر بن سليمان النخّاس من ولد أبي أيوب الأنصاري)، وقد نصّ المؤرّخون على أنّ أبا أيّوب الأنصاري لا عقب له، حيث قال ابن سعد في طبقاته: وكان لأبي أيوب من الولد عبد الرحمن وأمه أم حسن بنت زيد بن ثابت بن الضحاك

من بني مالك بن النجار وقد انقرض ولده فلا نعلم له عقبا (1).

فصحّة هذه القصّة متوقّفة على مدى معرفتنا وتصديقنا لهذا الشخص، هذا على فرض صدق من نقل القصة، وإلّا فمن المحتمل أنّه شخصيّة وهميّة لا وجود لها نسجها خيال القصّاص وأذاعوها بين الناس.

ثالثا: نأتي الآن إلى المصدر الرئيسي للقصّة، فلو استقرأنا الكتب الروائيّة فإنّنا نجد أنّ للقصّة طريقين:

طريق الشيخ الصدوق رضي الله عنه وهو: محمد بن علي بن حاتم النوفلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال: حدثنا أحمد بن طاهر القمي قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني:... (2).

طريق الشيخ الطوسي رضي الله عنه وهو: جماعة، عن أبي المفضل الشيباني، عن أبي الحسين محمد بن بحر بن سهل الشيباني الرهني... (3).

والظاهر أنّ كلا الطريقين هما لأحد كتب (محمد بن بحر


1) الطبقات الكبرى 484/3.

2) كمال الدين 417.

3) الغيبة 208.

الرهني)، يشهد على ذلك أنّ الشيخ الصدوق رضي الله عنه قد نقل عنه رواية في كمال الدين: حدثنا محمد بن علي حاتم النوفلي المعروف بالكرماني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال : حدثنا أحمد بن طاهر القمي قال: حدثنا محمد بن بحر بن سهل الشيباني قال: أخبرنا علي بن الحارث، عن سعيد ابن منصور الجواشني قال أخبرنا أحمد بن علي البديلي قال: أخبرنا أبي، عن سدير الصيرفي قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر... (1).

ونفس هذه الرواية نقلها الشيخ الطوسي بسنده الأوّل الذي ذكرناه: أخبرني جماعة، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن المطلب رحمه الله قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر بن سهل الشيباني الرهني قال: أخبرنا علي بن الحارث، عن سعد بن المنصور الجواشني قال: أخبرنا أحمد بن علي البديلي قال : أخبرني أبي، عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر... (2).

وعليه فلا بدّ من تحقيق حال هذا الرجل الذي يعتبر مدار هذه القصّة وقطب رحاها بل كان طرفا فيها، إذ أنّه هو الوحيد الذي التقى ب- (بشر النخّاس) وعرّفه ما جرى بينه وبين الإمامين العسكريين علیهما السلام


1) كمال الدين 352.

2) الغيبة 208.

والسيدة الطاهرة نرجس علیها السلام.

قال النجاشي رحمه الله في الفهرست: محمد بن بحر الرهني أبو الحسين الشيباني ساكن نرماشير من أرض كرمان، قال بعض أصحابنا: إنّه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدري من أين قيل ذلك؛ له كتب، منها: كتاب البدع، كتاب البقاع، كتاب التقوى، كتاب الاتباع وترك المراء في القران، كتاب البرهان، كتاب الأول والعشرة، كتاب المتعة، كتاب القلائد، فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا وبين المخالفين؛ قال لنا أبو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح: حدّثنا محمد بن بحر بسائر كتبه ورواياته (1).

وكلام الشيخ يثبت أنّ الرجل كان موضع التهمة بالغلو من بعض الأصحاب، ولعلّ تعبيره ببعض الأصحاب إشارة لابن الغضائري الذي قال في حقّه: ضعيف في مذهبه ارتفاع (2).

إلّا أنّ الشيخ رحمه الله دافع عنه بقوله (وحديثه قريب من السلامة ولا أدري من أين قيل ذلك؟)، وقد استظهر بعضهم من هذه العبارة توثيق النجاشي، لكن يمكن أن يجاب بأمور:


1) الفهرست 384.

2) خلاصة الأقوال 397.

أوّلا: إنّ دفاع النجاشي رحمه الله عن (الرهني) مبنيّ على الحدس لا الحسّ، فهذا التعبير (حديثه قريب من السلامة) يدلّ على أنّ رفض تهمته بالغلو مردّه إلى تقييم رواياته لا إلى مخالطة الرجل مباشرة أو النقل عن الذين عاشروه.

ثانيا: الظاهر أنّ كتب (الرهني) لم تكن متداولة في بغداد، ويشهد بذلك قول شيخ الطائفة رضي الله عنه: (وله نحو من خمسمائة مصنف ورسالة، وكتبه موجودة، أكثرها موجود بخراسان) (1)فهذا النقل يجعلنا نشكّ في فعليّة اطلاع النجاشي على تراث الرجل لكي يتسنّى له تبرئته ممّا نسب إليه.

ثالثا: عندنا شهادة حسيّة تبيّن لنا حقيقة هذا الرجل وهو ما ذكره الكشّي رحمه الله في رجاله: قال أبو عمر ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي: وحدّثني أبو الحسن محمد بن بحر الكرماني الرهني الترماشيري قال: وكان من الغلاة الحنقين (2).

وقال في مورد آخر: محمد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه مغيّر عن وجهه (3).


1) الفهرست 208.

2) اختیار معرفة الرجال 362/1.

3) اختیار معرفة الرجال 363/1.

وهذه الشهادة دليل مهمّ يثبت لنا أنّ الرجال من الغلاة، بل بتعبير الكشّي رحمه الله من الحنقين منهم، والأمر الآخر الأهم هو أنّ ظاهر كلامه ينبیء الرجل كان يستحلّ التلاعب بالروايات بالزيادة والنقيصة.

وعندنا نصّ آخر من شأنه أن يكون مؤيّدا يعرّفنا لما تقدّم من حال الرجل، وهو ما نقله ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن ابن شهر آشوب قدس الله روحه: كان لقنا حافظا يذاكر بثمانية آلاف حديث غير أنه كثّر حفظه وتتبّع الغرائب فعمر ومن طلب غرائب الحديث كذب (1).

وهذه الشهادة لها واقع محسوس يمكن درکه بسبر روايات الرجل وتقييمها، حيث أنّ جلّ ما وصل بين أيدينا من روايات (محمد بن بحر الرهني) في كتب الخاصّة هي محلّ إشكال واستغراب:

فمن رواياته ما نقله الكشّي رحمه الله: عن فضيل الرسان، قال : قيل لأبي عبد الله علیه السلام أنّ زرارة يدّعي أنّه أخذ عليك الاستطاعة؟ قال: لهم عقرا كيف أصنع بهم، وهذا المرادي بين يدي وقد أريته وهو أعمى بين السماء والأرض فشكّ وأضمر أنّي ساحر، فقلت: اللّٰهُمَّ لو لم


1) معجم الأدباء 31/18.

تكن جهنم إلّا اسكرجة لوسعها آل أعين بن سنسن، قيل: فحمران؟ قال حمران ليس منهم (1).

وهذه الرواية واضحة البطلان، ففيها الطعن الشديد على خيرة أصحاب الأئمة عليهم السلام ك- (أبي بصير المرادي) و (آل أعين) بل والشهادة عليهم أنّهم من أهل النار !!!

واقتبس الشيخ الصدوق رضوان الله عليه مقاطع طويلة من كتاب الرهني المسمى (من قول مفضلوا الأنبياء والرسل والأئمة والحجج صلوات الله عليهم أجمعين على الملائكة) ثم عقّب عليها بما يدلّ على توقّفه رحمه الله في روايات الرجل، قال في علل الشرائع: قال مصنف هذا الكتاب: إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب ، وليس قولي في إبليس انه كان من الملائكة ، بل كان من الجن إلّا أنه كان يعبد الله بين الملائكة، وهاروت و ماروت ملكان، وليس قولي فيهما قول أهل الحشو ، بل كانا عندي معصومين ومعنى هذه الآية: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ إنما هو، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وعلى ما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، وقد أخرجت في ذلك خبرا مسندا في)


1) اختیار معرفة الرجال 362/1.

كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1.)وكلامه رضي الله عنه صريح في أنّ الرجل من الحشوية، وأنّ ما يذكره مخالف للأخبار المسندة عن أهل البيت عليهم السلام.والرواية الأخرى التي نقلها عنه الصدوق رضي الله عنه في كتاب كمال الدين (2، هي رواية طويلة ذكرت لقاء سعد بن عبد الله الأشعري رضي الله عنه بالإمام العسكري عليه السلام وابنه الحجة عليه السلام، وقد أطبق المتقدّمون والمتأخّرون على ردّها، حتى قال النجاشي رحمه الله: ولقي مولانا أبا محمد عليه السلام، ورأيت بعض أصحابنا يضعّفون لقاءه لأبي محمد عليه السلام ويقولون هذه حكاية موضوعة عليه (3).)وعلّق السيد الخوئي قدس سره تدل على الرواية في معجمه بقوله: حكاية لقاء سعد أبا محمد عليه السلام، رواها الصدوق في كمال الدين الباب في ذكر من شاهد القائم - عجل الله تعالى فرجه الشريف - ورآه وكلمه، الحديث 22، عن محمد بن علي بن محمد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، قال : حدثنا أحمد بن طاهر القمي، قال : حدثنا محمد بن بحر بن سهل


1) علل الشرائع 20/1.

2) كمال الدين 454.

3) الفهرست 177.

الشيباني، قال:...؛ وهذه الرواية ضعيفة السند جدا فإن محمد بن بحر بن سهل الشيباني لم يوثق وهو متهم بالغلو، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل، على أنها قد اشتملت على أمرين لا يمكن تصديقهما (1.)ولا تسلم تقريبا من رواياته إلّا خبر ندبة الإمام الصادق عليه السلام لولده المهدي عليه السلام الذي رواه الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين (2وشيخ الطائفة الطوسي رضي الله عنه في الغيبة (3).)ومن هنا نعلم أنّ هذا الرجل كان متّهما بالغلوّ في أوساط الشيعة، وأنّه لم يكن ضبطا بل كان ينقل كلّ شيء ويتتبّع الغرائب كما تقدّم، والذي يظهر أنّ كتبه كانت متداولة بين الغلاة ولذلك فلا يبعد أنّهم تلاعبوا بها وحرّفوا فيها.وبهذا يتبيّن لك أنّ سند هذا الخبر معلول من أوّله لآخره، ونعم ما قاله السيد الخوئي قدس سره تعليقا على نفس هذا السند في رواية أخرى: وهذه الرواية ضعيفة السند جدا فإن محمد بن بحر بن سهل الشيباني


1) معجم رجال الحديث 82/9.

2) كمال الدين 352.

3) الغيبة 167.

لم يوثق وهو متهم بالغلو، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل (1.)#### وقفة مع متن الخبر:لا تنتهي الإشكالات على هذا الخبر في الجانب السنديّ فقط، بل تشمل متنه حيث نجد أنّه قد تضمّن أمورا من شأنه توهين الخبر والمنع من الركون إليه:الأمر الأوّل: أنّ نرجساً علیها السلام عرّفت نفسها في هذا الخبر بأنّها (مليكة بنت يوشع بن قيصر الروم أي أنّها حفيدة ملك الروم في ذلك الزمن وكان عمرها 13 سنة، ومن هنا فإنّه يمكننا بالربط بين هذه الخيوط تحديد شخصيّة جدّها إمبراطور الروم:)فبحسب الرواية فإنّ هذه الأحداث حصلت في حياة الإمام الهادي علیه السلام أي تقريبا قبل سنة 254ه-، فلو قمنا بتحويل هذا التاريخ الهجري إلى التاريخ الميلادي سيكون إطار الأحداث ما قبل سنة 868م، وبالرجوع إلى تاريخ الدولة البيزنطية وإلى أسماء أباطرتها، نجد أنّ الشخص المقصود هو: ميخائيل الثالث الذي حكم من 842م إلى 867م.وهذا الإمبراطور لا يمكن أن يكون هو المقصود إذ أنّ والده


1) معجم رجال الحديث 82/9.

المسمّى ثيوفيلوس توفّي في سنة 842م، وكان هو صغيرا لا يصلح للحكم، فتولّت أمّه أمور البلاد نيابة عنه، قال ابن كثير: وفيها - 227ه- - توفي ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكان مدة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا (1.)فمن كان في سنة 227ه- صغيرًا لا يمكنه الحكم، كيف يصبح جدّاً بعد أقلّ من 25 سنة، بل له حفيدة تبلغ من العمر 13 سنة؟والأمر الآخر هو ما ذُكر في الرواية من أنّه أراد تزويج حفيدته (مليكة من أحد أبناء إخوته (إنّ جدي قيصر- أراد أن يزوّجني من ابن أخيه)، والحال أنّ الملك توفيل أو ثيوفيلوس لم يكن له أبناء إلّا ميخائيل الذي كان صغيرا جدّا! ولو كان له أبناء أصغر منه، لرجعنا للإشكال الأوّل وهو إمكانية وجود أبناء في سنّ الزواج لهذا الأخ المزعوم؟)فلا يوجد إمبراطور للروم بهذه المواصفات المذكورة في هذه الرواية في تلك الفترة الزمنيّة.نعم، احتمل بعضهم (2أنّ المقصود ليس امبراطور الروم بل)


1) البداية والنهاية 326/10.

2) عادل الهادي الحسني في كتابه السيدة نرجس سليلة الامبراطوريّة البيزنطيّة.

وزيره والمدير الفعلي لشؤون الحكم وهو بارداس الذي لقّب بالفعل بقيصر كما ذكرت كتب التاريخ ذلك (1، إلّا أنّ هذا الاحتمال يسقط بملاحظة ما ورد في متن الرواية من تعريف نرجس علیها السلام بأنّها: (مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم) إذ التعبير بالملك يقطع المجال أمام صرف قيصر إلى برادس الذي لم يكن ملكا في يوم من الأيّام بل كان تحت الإمبراطور ميخائيل الثالث، بل يفتح المجال أمام احتمال آخر وهو أنّ واضع هذه الرواية لم يكن يميّز بين الملك والقيصر ومن هنا توهّم أنّ بارداس كان ملك للروم.)الأمر الثاني: لو تنزّلنا وقبلنا بوجود هذا الإمبراطور، فإنّه تبقى عندنا مشكلة أخرى: وهي أنّ الرواية تحدّثت عن حرب حصلت بين المسلمين والروم: (أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثم يتبعهم.)ولو رجعنا إلى كتب التاريخ فإنّنا لا نجد قتالا حصل بين الطرفين في تلك الحقبة، بل نقل التاريخ حصول صفقة فداء للأسرى بين المسلمين والروم في عصره، قال غريغريوس الملطي: في سنة إحدى وثلثين ومائتين كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم الرشيد، واجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من


1) قصّة الحضارة 163/14.

طرسوس ، وأمر الواثق خاقان خادم الرشيد أن يمتحن أسارى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأنّ الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم، فلمّا كان في يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الأسارى، وكان الأمر بين الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم أسيرا فيلتقيان في وسط الجسر، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبّروا وإذا وصل الرومي إلى الروم صاحوا: (كرياليسون حتّى فرغوا فكان عدّة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسا والنساء والصبيان ثمانمائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس (1).)وهذا يدلّ على أنّ عصر - ميخائيل الثالث كان عصر - سلام ومهادنة بين الطرفين، والحروب الطاحنة التي تشير إليها الرواية كانت في عهد والده ثيوفيلوس بن ميخائيل وتجدّد القتال في عهد من جاء بعد ميخائيل الثالث، أمّا في الفترة التي يفترض فيها حصول الحرب وهي الممتدّة من 250 إلى 254، فلم أجد نقلا تاريخيا يثبت حصول مثل قتال بين الروم والمسلمين، ولا أظنّ أنّ حربا مثل هذه يعرض المؤرّخون عن حكايتها إذ كلّ مقتضيات النقل موجودة.


1) تاريخ مختصر الدول 142.

وقد احتمل بعضهم (1أنّ الحرب المقصودة هي التي وقعت في سنة 249ه- بين المسلمين والروم والتي وثّق ابن كثير بعض أحداثها إذ يقول: ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين في يوم الجمعة للنصف من رجب التقى جمع من المسلمين وخلق من الروم بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، قتل من الفريقين خلق كثير، وقتل أمير المسلمين عمر بن عبيد الله بن الأقطع، وقتل معه ألفا رجل من المسلمين، وكذلك قتل علي بن يحيى الأرمني، وكان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام (2).)إلّا أنّ هناك ما يفسد هذا الاحتمال وهي تفاصيل هذه المعركة التي نقلها الطبري في تاريخ حيث قال: فمما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنا ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المصير إلى ناحية من بلاد الروم، فأذن له، فسار ومعه خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك في جمع من الروم عظيم بموضع، يقال له أرز من مرج الأسقف، فحاربه بمن معه محاربة شديدة، قتل فيها خلق كثير من الفريقين، ثم أحاطت به الروم وهم


1) الشيخ حسين المرهون في كتابه الأميرة المقدّسة

2) البداية والنهاية 6/11.

خمسون ألفا، فقتل عمر وألفا رجل من المسلمين، وذلك في يوم الجمعة للنصف من رجب (1.)والمهمّ في هذا النصّ هو أنّ الروم قد هزموا المسلمين بعد أن أحاطوا بهم من كلّ جانب بل وقتلوا قادتهم وعادة الحروب أن يسبي المنتصر المنهزم لا العكس، فكيف تسبى هذه المرأة الروميّة مع أنّ جيش بلادها هو المنتصر على جيوش المسلمين الذين أبيدوا كما يظهر من النصين!الأمر الثالث: ورد في الرواية أنّها روميّة وأنّ الذي اشتراها هو الإمام الهادي علیه السلام وأنّه اشتراها لابنه الإمام العسكري علیه السلام بل وبلّغها بأنّها ستكون أمّ الإمام المهدي علیه السلام، وكلّ هذه الجزئيات تخالف ما ورد من طوائف أخرى من الروايات المتعدّدة المخارج تخالف ما تقدّم مخالفة صريحة:- فعندنا طائفة من الروايات تدلّ على أنّها نوبيّة.- وطائفة أخرى تدلّ على أنّها ولدت في البيت العلوي.- وأخرى تدلّ على أنّها كان ملكا لحكيمة علیها السلام.- وأخرى تدلّ على أنّ حكيمة وهبتها للإمام العسكري علیه السلام.


1) تاريخ الطبري 261/9.

فهل من المنطق أن تردّ كلّ هذه الروايات على تعدّد مصادرها وكثرة طرقها واختلاف مخارجها لأجل رواية (الرهني التي فيها ما فيها من الضعف والوهن؟!)نكتفي بهذه الأمور الثلاثة وإن كانت هناك نقاط أخرى يمكن الخدشة فيها، لكن أعرضنا عنها لكي لا يطول المقام ويتحوّل كلّ الكتاب إلى مناقشة لهذه الرواية دون غيرها.#### الحكم النهائي على الرواية:بناء على ما تقدّم فإنّ رواية قدوم أمّ الإمام المهدي علیه السلام من بلاد الروم تعاني من عدّة مشاكل في السند والمتن تمنع من الاعتماد عليها والركون إليها، بل الذي أكاد أجزم به أنّ هذه القصّة هي من نسج خيال تيّار الغلو في ذلك الزمن، ومن يقرأ الأدبيات الفارسية كالقصص والأساطير التي نسجت حول شخصية (ملحمة شيرين وفرهاد يجد تقاربا كبيرا بين القصّتين ممّا يوحي بأنّ الواضع كان في بيئة فارسية، وهذا ما يتناسب مع ما نقلناه سابقا حول البيئة التي عاش فيها (الرهني) وانتشار كتبه بخراسان.)ومن يقرأ بعض فقرات الخبر لا يشكّ في ذلك (ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه فما أخذها القرار حتى أخرجت

كتاب مولاها علیه السلام من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدّها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها / جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبّك / هل خلوت ليلة من زيارته إياي، فإنّ هذه التعابير تتلاءم كثيرا مع القصص الغرامية المنتشرة في الأدب الفارسي (1).)والعجيب أنّه قد رويت قصّة مطابقة لها في كيفية وصول شاه زنان بنت يزدجرد للإمام الحسين علیه السلام نقلها العلامة المجلسي- رضي الله عنه في بحاره: ويروى أنّها ماتت في نفاسها به، وإنّما اختارت الحسين علیه السلام لأنّها رأت فاطمة علیها السلام وأسلمت قبل أن يأخذها عسكر المسلمين، ولها قصة وهي أنّها قالت: رأيت في النوم قبل ورود عسكر المسلمين كأنّ محمدا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دخل دارنا وقعد مع الحسين علیه السلام وخطبني له وزوّجني منه، فلما أصبحت كان ذلك يؤثر في قلبي وما كان لي خاطر غير هذا، فلما كان في الليلة الثانية رأيت فاطمة بنت محمد صلی الله علیه و آله و سلم قد أتتني وعرضت علي الإسلام فأسلمت ثم قالت: إنّ الغلبة تكون للمسلمين، وإنّك تصلين عن قريب إلى ابني الحسين سالمة لا يصيبك بسوء أحد قالت: وكان من الحال أني خرجت إلى المدينة ما مسّ يدي


1) لقد نقل في ترجمة الرهني ما يدلّ على اهتمامه بالأدب، فقد ذكر ابن حجر في لسان الميزان 89/5: (كان قويا في الأدب واللغة)؛ وهذا ما يتناسب مع النفس الأدبي للرواية والتي شحنت من أوّلها إلى آخرها بالسجع والعبارات الأدبيّة الراقية التي لا يمكن أن تصدر إلّا من أديب مفوّه وهذا ما يقوّي كون هذا الخبر من قصص هذا الأديب.

انسان (1!)#### دفع وهم:قد يعترض بأنّ الشيخ الصدوق رضي الله عنه قد نقلها في كتابه واعتمد عليها، فكيف يحكم عليها بأنّها من نسج الوضّاع أو الغلاة؟!والجواب:أوّلا : لا يوجد أيّ دليل على أنّ الشيخ الصدوق قد تحرّى الصحة في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة واعتمد على خصوص الأخبار المعتبرة، وما ذكره بعضهم من أنّ اسم الباب (ما روى في نرجس أم القائم عليهما السلام واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر -الملك) كاشف عن اعتماده على الخبر غير تام، لاحتمال كون التبويب من النساخ كما هو معلوم عند أهل هذا الفن.)ثانيا: تقدّم أن الشيخ الصدوق رضي الله عنه قد انتقد مرويات هذا الرجل وأنّه من الحشوية، حيث قال في علل الشرائع: قال مصنف هذا الكتاب: إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب ، وليس قولي في إبليس إنه كان من الملائكة ، بل كان من الجن إلا أنه كان


1) بحار الأنوار 11/46.

يعبد الله بين الملائكة، وهاروت وماروت ملكان، وليس قولي فيهما قول أهل الحشو، بل كانا عندي معصومين ومعنى هذه الآية: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان إنما هو، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وعلى ما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، وقد أخرجت في ذلك خبرا مسندا في كتاب عيون أخبار الرضا علیه السلام (1).)فكيف يمكن أن يعتمد عليه؟ثالثا: الأهمّ من كلّ ما تقدّم أنّ الشيخ الصدوق رضي الله عنه قد روى روايات متعارضة في حقّ السيدة الطاهرة علیها السلام، ولا يمكن أن يكون معتقدا بصحّتها بأجمعها.فرواية (الرهني تدلّ على أنّ الإمام العسكري علیه السلام كان يعرف بأمر نرجس علیها السلام منذ البداية واشتراها له أبوه الإمام الهادي علیه السلام لأجل هذا الأمر، وفي المقابل عندنا رواية أخرى بعدها بوريقات تذكر قصّة أخرى:)فقد روى الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين بسنده عن حكيمة علیها السلام: كانت لي جارية يقال لها: نرجس فزارني ابن أخي فأقبل يحدق النظر


1) علل الشرائع 20/1.

إليها، فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال لها: لا يا عمة ولكنّي أتعجب منها، فقلت: وما أعجبك منها؟ فقال علیه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي علیه السلام، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن علیه السلام، فسلّمت وجلست، فبدأني علیه السلام وقال: يا حكيمة، ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد، قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك على أن أستأذنك في ذلك، فقال لي: يا مباركة إنّ الله تبارك وتعالى أحب أن يشركك الأجر ويجعل لك في الخير نصيبا، قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمد علیه السلام (1.)والرواية صريحة في أنّ الجارية هي لحكيمة لا للإمام الهادي علیه السلام ويشهد بذلك قولها (كانت لي جارية يقال لها: نرجس والأصرح منه قولها (ووهبتها لأبي محمد علیه السلام)، وهذه تعارض رواية (محمد بن بحر الرهني) بل وتسقطها رأسا، فلو كان الصدوق رضي الله عنه معتقداً بصحّة الخبر الأوّل لما روى مثل هذا الخبر الذي يكذّبه، أو علّق بما يرفع التنافي بين الخبرين.)


1) كمال الدين 426.

### أصلها علیها السلام/أنّها علیها السلام روميّة:#### اشارةأصلها علیها السلاممن الأمور التي تحتاج منّا وقفة مطوّلة هو البحث عن أصل هذه السيدة الطاهرة علیها السلام، حيث اختلفت نسبتها إلى أربعة مناطق مختلفة وهي:روميّة.سنديّة.مغربيّة.نوبيّة.وسنناقش هذه النسب تباعا في هذا الفصل:أنّها علیها السلام روميّة:تبيّن لك من الفصل السابق سقوط الخبر الطويل في قصّة وصول السيدة الطاهرة علیها السلام إلى بيت العصمة والطهارة، وهذا ما يفتح الباب أمام سؤال آخر لا يقلّ أهمّية عن سابقه وهو: هل كانت أمّ الإمام علیه السلام روميّة بالفعل أم لا؟

بسقوط رواية ابن بحر المتقدّمة يسقط أشهر دليل على روميّتها، إلّا أنّه توجد بعض الأمور الأخرى التي استدلّ لها على كونها كذلك واعتبرت بمثابة الشواهد على صحّة الرواية المزبورة، وهي:ما روي عن الفضل بن شاذان رضي الله عنه في كتابه إثبات الرجعة: حدثنا محمد بن عبد الجبار، قال: قلت لسيدي الحسن بن علي: يا ابن رسول الله -جعلني الله فداك- أحبّ أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال علیه السلام: إنّ الإمام والحجة بعدي ابني، سميّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكنيه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه؛ قال: ممن هو يا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، إلا أنه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثم يظهر ويقتل الدجال، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فلا يحلّ لأحد أن يسمّيه باسمه أو يكنيه بكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه (1.)والرواية صريحة الدلالة في أنّ أم الإمام المهدي علیه السلام هي ابنة ابن قيصر ملك الروم فلا كلام فيها من هذه الجهة، وإنّما الكلام في البحث الصدوري لهذه الرواية حيث توجد عدّة أمور تمنعنا من الاعتماد عليها والركون إليها:


1) مجلّة تراثنا 212/15.

أوّلا: إنّ كتاب "إثبات الرجعة" للفضل بن شاذان النيشابوري لم يصل إلينا فيما وصلنا من كتب وإنّما وصلتنا بعض أحاديثه مفرّقة في بعض مصنّفات الأصحاب، وهذا الحديث قد نقله الحرّ العاملي رحمه الله في "إثبات الهداة" (1والميرلوحي الأصفهاني رحمه الله في "كفاية المهتدي" (2)والكلام كلّ الكلام في النسخة الواصلة إليهما من هذا الكتاب إذ يظهر للمتبّع الخبير عدم شهرة الكتاب قبل القرن الحادي عشر إذ لم ينقل تقريبا أحد عنه، أضف إلى هذا أنّ الحرّ العاملي رحمه الله قد صرّح بأنّ النسخة التي وصلت له كانت "وجادة"، قال: هذا ما وجدناه منقولا من رسالة إثبات الرجعة للفضل بن شاذان بخطّ بعض فضلاء المحدّثين (3).)وكذلك الميرلوحي الذي لا نعرف أيّ شيء عن نسخته الواصلة إليه سوى ما ذكره من حيازته لنسخة من كتاب "الغيبة" دون أن يذكر طريقة تحصيلها أو أيّ تفاصيل مفيدة في المقام، ومن هنا فإنّ أوّل مشكلة تواجهنا هي عدم الوثوق بصحّة النسخة التي نقل منها هذا الخبر.


1) إثبات الهداة 196/5.

2) مختصر كفاية المهتدي 108.

3) مخطوطة إثبات الرجعة الموجودة في المكتبة الرضويّة.

ثانيا: إنّ ممّا يضعف الوثوق بهذه النسخة هو عدم مطابقتها مع أحاديث الفضل بن شاذان رضي الله عنه الموجودة في الكتب الأخرى، وهذا ما يجعلنا أمام سؤال مشروع وهو: إذا كانت هذه النسخة هي للكتاب المعروف بين المتقدّمين فلماذا لا نجد هذه الروايات في كتبهم رغم كثرة نقلهم عن الفضل بن شاذان رضي الله عنه؟بل العجيب أنّ روايات هذه النسخة متقنة وأسانيدها في غاية الصحّة والاعتبار، فهل من المعقول أن يعرض عنها كبار محدّثي الطائفة وينقلون كتبا أقلّ علوّا في الإسناد وأدنى صحّة؟ثالثا: الأمر الأخير هو نفس هذه الرواية التي يستدلّ بها على قضيّة أمّ الإمام المهدي علیه السلام، فإنّها من رواية محمد بن عبد الجبار كما تبيّن لك، وقد قلّبت كتب الحديث والرجال والتراجم فلم أجد أيّ رواية للفضل عن "محمد بن عبد الجبّار"، وهذا ما يجعلنا نشكّ أكثر في صحّة النسخة الموجودة بين أيدينا!فإذن لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية للعلل المتقدّمة...ما روي من زيارة للسيدة الطاهرة نرجس علیها السلام والتي فيها: السلام على والدة الامام والمودعة أسرار الملك العلّا، والحاملة لأشرف الأنام، السلام عليك أيتها الصديقة المرضية، السلام عليك

يا شبيهة أم موسى وابنة حواري عيسى، السلام عليك أيتها التقيّة النقيّة، السلام عليك أيتها الرضيّة المرضيّة، السلام عليك أيتها المنعوتة في الإنجيل، المخطوبة من روح الله الأمين، ومن رغب في وصلتها محمد سيد المرسلين، و المستودعة أسرار رب العالمين، السلام عليك وعلى آبائك الحواريين، السلام عليك وعلى بعلك وولدك، السلام عليك وعلى روحك وبدنك الطاهر (1.)وقد كفانا المشهدي رحمه الله مؤونة إطالة المناقشة في هذه الزيارة حيث قال في مطلعها: زيارة أم القائم علیها السلام أملاها عليّ رجل من البحرين سمعته يزور بها (2وهذا نصّ في أنّ الزيارة ليست مأثورة عن أحد من المعصومين علیهم السلام بل هي من إنشاء رجل مجهول نسبه الشيخ المشهدي رحمه الله إلى بلاد البحرين، ولعلّه صاغ هذه الزيارة على الرواية المشهورة كما يحصل اليوم من نظم بعض الزيارات لبعض أبناء المعصومين علیهم السلام بناء على روايات وردت فيهم.)بهذا يتبيّن لك أنّه لا دليل على كون أمّ الإمام المهدي علیها السلام كانت روميّة، فكلّ ما تمسّكوا به لا يصل أن يستدل به على هذه الدعوى والتي أصبحت أشهر من نار على علم، وكما يقال: ربّ مشهور لا


1) المزار 660.

2) المزار 660.

أصل له.#### أنّها علیها السلام سنديّة:حاول بعضهم نسبة أم الإمام المهدي علیها السلام إلى بلاد السند، واستدلّ على ذلك بما رواه الحسين بن حمدان الخصيبي بأسانيده عن حكيمة بنت الجواد علیه السلام أنّها تدخل على أبي محمد علیه السلام فتدعو له أن يرزقه الله ولدا، وأنّها قالت: دخلت عليه فقلت له كما كنت أقول ودعوت له كما كنت أدعو فقال: يا عمة، أما الذي تدعين إلى الله أن يرزقنيه يولد في هذه الليلة - وكانت ليلة الجمعة لثمان ليال خلت من شهر شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين من الهجرة- فاجعلي إفطارك عندنا، فقالت: يا سيدي ما يكون هذا الولد العظيم؟ قال: إلى نرجس يا عمة، قالت: يا سيدي ما في جواريك أحبّ إلي منها، فقمت ودخلت عليها ففعلت كما كانت تفعله فخاطبتني بالسندية فخاطبتها بمثلها، وانكببت على يديها فقبلتها، فقالت: فديتك، فقلت لها: بل أنا فداءك وجميع العالمين، فأنكرت ذلك منّي، فقلت: تنكرين ما فعلت فان الله سيهب لك بهذه الليلة سيدا في الدنيا و الآخرة وهو فرج المؤمنين فاستحيت مني (1.)


1) الهداية الكبرى 355.

وموضع الشاهد فيها هو قولها (ففعلت كما كانت تفعله فخاطبتني بالسنديّة إذ يفهم من هذا المقطع أنّ لسانها علیها السلام هو لسان سندي، وهذا ما يقرّب كونها من بلاد السند.)ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور:الأوّل: نقل الشيخ الصدوق رضي الله عنه وشيخ الطائفة الطوسي رضي الله عنه هذه الرواية خالية من هذه العبارة التي هي موضع الشاهد، وبالتالي فإنّنا أمام زيادة في تفرّد بها (الخصيبي دون غيره، وقد تقرّر في محلّه أنّ الزيادة لا تقبل إلّا إذا كانت من ثقة ضبط ولم يكن لها معارض وكلّ هذا مفقود في المقام.)فالخصيبي قد طعن فيه كلّ من ترجم له بفساد مذهبه ووجود تخليط في كتبه (1، بل يكفي المتتبّع الخبير المقارنة بين رواياته وبين روايات الثقات الأثبات ليرى التفاوت الكبير.)الثاني: إنّ هذه الفقرة تحديدا خلت منها جلّ مخطوطات الكتاب كما نصّ على ذلك بعض محقّقيه (2، وبمراجعة بعض المخطوطات المتوفّرة بين أيدينا تبيّن أنّ كلمة (بالسنديّة) مصحّفة من كلمة (بالسيادة)، وهذا ما يدلّ عليه سياق الكلام بل ما تدلّ عليه)


1) النجاشي في الفهرست 67.

2) شوقي الحدّاد في تحقيقه على كتاب الهداية الكبرى للخصيبي.

رواية الشيخ الصدوق والطوسي والتي فيها: فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمة؟ قالت: فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة قالت: فخجلت واستحت (1.)فالمراد من (خاطبتني بالسيادة أنّها قالت للسيدة حكيمة علیها السلام "يا سيدتي" فأجابتها بمثلها أي قالت لها: "أنت سيدتي وسيدة أهلي" كما هو مبيّن في نصّ الحديث، بل يكفي أن ننظر لنفس خبر (الخصيبي) لنعلم أنّ السياق يدلّ على هذا المعنى.)الثالث: لو سلّمنا بوجود هذا اللفظ فإنّه لا ملازمة بين التكلّم بالسنديّة وبين كون الإنسان سنديّا إذ ربّما يكون قد تعلّم اللسان من هنا أو من هناك، ويكفيك أنّ الخبر قد أشار إلى تكلّم حكيمة بنت الجواد علیها السلام بالسنديّة، فهل يلتزم المستدلّ بأنّها سنديّة؟فلا يمكن التمسّك بهذه الرواية لا من جهة ثبوت اللفظ ولا من جهة دلالته، وعليه فلا دليل على أنّها علیها السلام سنديّة.


1) كمال الدين 424.

#### أنّها علیها السلام مغربيّة:ذكر بعض المعاصرين (1حفظهم الله وجود احتمال يقضي- بكون السيدة نرجس علیها السلام من بلاد المغرب، قال: الظاهر أن كلمة سوداء في نسخة النعماني زائدة حيث اتفقت الروايات على أن أم المهدي علیه السلام رومية أو مغربية، وليست سوداء (2).)وقد بحث في كتب الخاصّة عن رواية تشير إلى هذا المعنى فلم أظفر بشيء، ثم انتقلت إلى كتب العامّة فلم أجد فيها ما يدلّ على ما ذكره الشيخ حفظه الله (3، وغاية ما وقعت عليه هو وجود بعض الأخبار عندهم تفيد خروج الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف من بلاد المغرب.)وقد نقل هذا الرأي القرطبي صاحب التذكرة إذ يقول: تقدم من حديث أم سلمة وأبي هريرة أن المهدي يبايع بين الركن والمقام، وظاهر أنه لم يبايع وليس كذلك، فإنه روي من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة أنه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى يمشي النصر بين يديه أربعين ميلاً راياته بيض وصفر فيها رقوم فيها اسم


1) الشيخ علي الكوراني العاملي أدام الله فوائده.

2) معجم أحاديث الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف 239/3.

3) حاولت اواصل كثيرا مع الشيخ الكوراني حفظه الله إلّا أنّني لم أتمكّن من ذلك خصوصا بعد مرضه الأخير.

الله الأعظم مكتوب: فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له ماسنة من قبل المغرب (1.)ولو قبلنا هذه الأحاديث فإنّ خروجه علیه السلام من المغرب لا يعني أنّ أمّه مغربيّة.#### أنّها علیها السلام نوبيّة:بقي بحث كونها علیها السلام نوبيّة حيث يمكن إقامة الدليل على هذه النسبة بعدّة طوائف من الروايات، بعضها بمثابة الدليل التام الصريح على المدّعى، والبعض الآخر هي مؤيّدات للموضوع:أمّا الدليل فهو ما رواه الشيخ الكليني رضي الله عنه في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي... قال علي بن جعفر : فقمت فمصصت ريق أبي جعفر علیه السلام ثم قلت له : أشهد أنك إمامي عند الله، فبكى الرضا علیه السلام، ثم قال : يا عم ! ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيبة الفم، المنتجبة الرحم، ويلهم لعن الله الأعيبس وذريته، صاحب الفتنة، ويقتلهم سنين وشهورا وأياما يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا مصبرة، وهو الطريد الشريد الموتور


1) التذكرة 1206.

بأبيه وجده صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك، أي واد سلك؟! أفيكون هذا يا عمّ إلّا مني، فقلت: صدقت جعلت فداك (1.)وموضع الشاهد في الخبر هو قوله: "بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبيّة"، حيث أنّ الحديث هنا ليس حول الإمام الجواد علیه السلام بل حول الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف بقرينة قوله: "وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجدّه صاحب الغيبة"، وهذه الصفات خاصّة بخاتم الأوصياء ولا يمكن حملها على غيره.كذلك التعبير ب-"خيرة الإماء" فإنّه قد ورد في روايات أخرى في حقّ أمّ الإمام المهدي علیه السلام دون غيرها، فقد روي عن أمير المؤمنينعلیه السلام: بأبي ابن خير الإماء -يعني القائم علیه السلام من ولده علیه السلام- ، يسومهم خسفا، ويسقيهم بكأس مصبرة، ولا يعطيهم إلّا السيف هرجا (2.)ومن هنا فإنّ المولى المازندراني رحمه الله ذهب إلى أنّ الأمة النوبيّة هي أمّ الصاحب عجّل الله فرجه حيث قال تعليقا على الحديث: قوله (ابن خيرة الإماء المراد به صاحب الزمان علیه السلام لا محمّد بن علي الجواد لأن ضمير هو في قوله «وهو الطريد» راجع إلى الابن وهو بيان لحال الصاحب قطعا، قوله (ابن النوبية) النوبة بالضم بلاد واسعة للسودان)


1) الكافي 322/1.

2) الغيبة 234.

بجنب الصعيد ومنها بلاد الحبشة، والنوبة أيضاً جبل من السودان والنسبة إليها نوبي ونوبية (1.)وقد ذهب العلّامة المجلسي-رحمه الله إلى أنّ المقصود هو الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف إلّا أنّ نسبته للنوبية هي نسبة مجازيّة، فالأمة النوبيّة هي أمّ الإمام الجواد علیه السلام وبالتالي هي أم للإمام المهدي علیه السلام بالواسطة، قال: والمراد بابن خيرة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف والمراد بخيرة الإماء أم الجواد علیه السلام فإنّها أمّه بواسطة لأنّ أمّه بلا واسطة كانت بنت قيصر - ولم تكن نوبيّة (2.)وكلامه رضي الله عنه مخالف لظاهر النصّ فإنّ إسناد الشيء بالواسطة هو نحو من أنحاء المجاز الذي يفتقر إلى القرينة لرفع اليد عن الظاهر، فإن قيل أنّ العلامة المجلسي رضي الله عنه قد ذكر قرينته على ذلك وهو ما دلّ على أنّ أم الإمام المهدي علیها السلام روميّة، قلنا إنّ ما دلّ على كونها روميّة قد تمّت مناقشته بحيث لا يمكن اعتماده كقرينة للتصرّف في ظاهر النصّ.نعم، قد يشكل على هذا الاستدلال بأنّ موضع الشاهد في الرواية محلّ إشكال إذ إنّ الشيخ المفيد رضي الله عنه قد روى هذا الخبر في كتاب


1) شرح أصول الكافي 212/6.

2) مرآة العقول 381/3.

الإرشاد مع تفاوت في اللفظ يغيّر المعنى تمام حيث قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا عن زكريا بن يحيی بن النعمان قال: سمعت علي بن جعفر بن محمد يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال في حديثه: لقد نصر الله أبا الحسن الرضا علیه السلام لما بغى عليه إخوته وعمومته، وذكر حديثا طويلا حتى انتهى إلى قوله : فقمت وقبضت على يد أبي جعفر محمد بن علي الرضا علیه السلام وقلت له: أشهد أنك إمام عند الله، فبكى الرضا علیه السلام ثم قال: "يا عمّ، ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: بأبي ابن خيرة الإماء النوبيّة الطيّبة، يكون من ولده الطريد الشريد، الموتور بأبيه وجدّه، صاحب الغيبة، فيقال: مات أو هلك أي واد سلك؟" فقلت: صدقت جعلت فداك (1.)فهذا النقل يبيّن أنّ ابن النوبيّة هو الإمام الجواد علیه السلام أمّا الطريد الشريد صاحب الغيبة فهو ابنه المهدي علیه السلام وبالتالي يحسم النزاع في الرواية المتقدّمة فلا تصلح دليلا على المدّعى!والجواب هو أنّ هذا النقل لا يصلح لضرب الرواية المتقدّمة وذلك لأنّ الشيخ المفيد رضي الله عنه قد نصّ على أنّه نقل الرواية عن كتاب


1) الإرشاد 275/2.

الكافي للكليني رضي الله عنه كما يظهر ذلك من السند، وبمراجعة كلّ مخطوطات الكافي الواصلة إلينا فإنّنا لم نجد أيّ اختلاف بينها بل كلّها متطابقة على النقل المتقدّم للرواية، والذي يظهر أنّ السبب في اختلاف النقل هو أنّ الشيخ المفيد رضي الله عنه قد نقل الرواية بالمعنى لا باللفظ يشهد على ذلك قوله: وذكر حديثا طويلا حتى انتهى إلى قول... (1.)أمّا الطائفة المؤيّدة فمنها ما ورد من أنّ الإمام المهدي علیه السلام هو ابن (أمة سوداء، والروايات في هذا الباب كثيرة:)فمنها ما رواه النعماني رضي الله عنه في غيبته: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثنا محمد بن المفضل بن قيس بن رمانة الأشعري وسعدان بن إسحاق بن سعيد وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ومحمد بن الحسن القطواني، قالوا جميعا: حدثنا الحسن بن محبوب الزراد، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسي، قال: سمعت أبا جعفر الباقر علیه السلام يقول: إنّ صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف، ابن أمة سوداء، يصلح الله له أمره في ليلة (2.)والخبر يشير إلى حقيقة واحدة وهي أنّ أمّ صاحب الأمر علیه السلام


1) الإرشاد 275/2.

2) الغيبة 166.

ستكون أمة سوداء، وهذا الأمر هو بمثابة المعارض الصريح للرواية التي تشير بأنّها روميّة إذ لم نسمع أنّ في الروم سودا ، كما أنّها تعطينا تصوّرا مبدئيّا عن بلاد هذه المرأة العظيمة إذ كان مصدر العبيد السود في تلك الأزمان القارة الإفريقيّة وتحديدا بلاد الحبشة وبلاد النوبة أي مثلث السودان وأثيوبيا وإريتريا.والعجيب من بعض المعاصرين (1إنكاره لوجود لفظ سوداء في الرواية حيث قال: الظاهر أن كلمة سوداء في نسخة النعماني زائدة حيث اتفقت الروايات على أنّ أم المهدي علیها السلام روميّة أو مغربيّة، وليست سوداء (2).)وهذا الكلام يدفع بأمور:أوّلا: إنّ كلّ نسخ كتاب "الغيبة" للنعماني متطابقة على نقل الرواية بلفظ (أمة سوداء ولم نجد نسخة واحدة قد سقطت منها لفظة (سوداء)، وبالتالي فما ذكره صاحب الإشكال لا يعدو كونه تخمينا لا واقع له.)ثانيا: صرّح النعماني رضي الله عنه في نهاية الباب لما يدلّ على تسليمه بصحّة هذه الطائفة من الروايات التي تذكر بصراحة أنّها علیها السلام أمة


1) الشيخ علي الكوراني العاملي أدام الله فوائده.

2) معجم أحاديث الإمام المهدي 239/3.

سوداء حيث قال: فاعتبروا يا أولي الأبصار الناظرة بنور الهدى، والقلوب السليمة من العمى، المشرقة بالإيمان والضياء بهذا القول قول الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام في الغيبة، وما في القائم علیه السلام من سنن الأنبياء علیهم السلام من الاستتار والخوف، وأنّه ابن أمة سوداء يصلح الله له أمره في ليلة (1.)وهذا ما يؤكّد لنا صحّة لفظة (سوداء في هذه الرواية بما لا يدع مجالا للشكّ.)ثالثا: لقد وردت هذه الرواية في مصدر آخر وبسند آخر، فقد روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كماله، قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس رضي الله عنه قال: حدثنا أبو عمرو الكشي- قال: حدثنا محمد بن مسعود قال: حدثنا علي بن محمد القمي، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن هاشم، عن أبي أحمد الأزدي، عن ضريس الكناسي قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : إنّ صاحب هذا الأمر فيه سنّة من يوسف ابن أمة سوداء، يصلح الله عز وجل أمره في ليلة واحدة (2.)وهذا الخبر يقطع النزاع في هذه الطائفة من الروايات بحيث لا


1) الغيبة 168.

2) كمال الدين 329.

يبقى مجال للشكّ في أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف كان ابن أمة سوداء، وهذا ما يؤكّد صحّة الرواية المتقدّمة من أنّها علیها السلام امرأة من بلاد النوبة.ومن الأخبار المؤيّدة ما ورد من أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف كان أسمر اللون:فقد روى الشيخ الطوسي رضي الله عنه في غيبته بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام قال: المهدي رجل من ولد فاطمة وهو رجل آدم (1.)وروى السيد ابن طاووس رضي الله عنه بسنده عن الإمام الكاظم علیه السلام: ذلك المهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله قال بابي المنبدح البطن المقرون الحاجبين أحمش الساقين بعيد ما بين المنكبين أسمر اللون يعتاده مع سمرته صفرة من سهر الليل بابي من ليله يرعى النجوم ساجدا وراكعا بابي من لا يأخذه في الله لومة لائم مصباح الدجى بابي القائم بأمر الله (2.)بل ورد في وصف من رآه التأكيد على سمرة لونه، ففي خبر أبي الاديان: فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفنا فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما هم


1) الغيبة 187.

2) فلاح السائل 200.

بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال: تأخّر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر، وقد أربد وجهه واصفر (1.)وليس المقصود من السمرة في الأحاديث السحنة العربيّة المعهودة إذ إنّ هذه الصفة متعارفة بين العرب، بل يقصد بذلك سمرة خاصّة خصوصا مع التعبير عنه بأنّه آدم والأدمة هي شدّة السمرة كما هو معروف في كتب اللغة.وهذه الطائفة ليست دليلا مستقلّا كما قدّمنا بل هي مؤيّدة لما سبق إذ الأنسب بمن كانت أمّه نوبيّة أن يكون هذا لونه بخلاف من كانت أمّه روميّة فإنّ لون بشرته سيكون أقرب للبياض إن لم يكن كذلك بالفعل.ويمكن التأييد برواية يعقوب الضرّاب والتي تشعر بوجود خالة للإمام المهدي علیه السلام سمراء اللون، فقد روى الشيخ الطوسي رضي الله عنه في غيبته بسنده عن يعقوب بن يوسف الضرّاب الغساني - في منصرفه من إصفهان - قال: حججت في سنة إحدى وثمانين ومائتين وكنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا، فلما قدمنا مكة تقدم بعضهم فاكترى


1) كمال الدين 475.

لنا دارا في زقاق بين سوق الليل وهي دار خديجة علیها السلام تسمى دار الرضا علیه السلام، وفيها عجوز سمراء فسألتها - لما وقفت على أنها دار الرضا علیه السلام- ما تكونين من أصحاب هذه الدار؟ ولم سمیت دار الرضا؟ فقالت: أنا من مواليهم وهذه دار الرضا علي بن موسى علیه السلام أسكنيها الحسن بن علي علیهما السلام، فإنّي كنت من خدمه، فلما سمعت ذلك منها آنست بها وأسررت الأمر عن رفقائي المخالفين، فكنت إذا انصرفت من الطواف بالليل أنام معهم في رواق في الدار ونغلق الباب ونلقي خلف الباب حجرا كبيرا كنا ندير خلف الباب، فرأيت غير ليلة ضوء السراج في الرواق الذي كنا فيه شبيها بضوء المشعل، ورأيت الباب قد انفتح ولا أرى أحدا فتحه من أهل الدار، ورأيت رجلا ربعة أسمر إلى الصفرة ما هو قليل اللحم، في وجهه سجادة عليه قميصان وازار رقيق قد تقنع به وفي رجله نعل طاق فصعد إلى الغرفة في الدار حيث كانت العجوز تسكن،...، فلما رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي ووقعت في قلبي فتنة فتلطفت العجوز وأحببت أن أقف على خبر الرجل، فقلت لها : يا فلانة إني أحب أن أسألك وأفاوضك من غير حضور من معي فلا أقدر عليه، فأنا أحب إذا رأيتني في الدار وحدي أن تنزلي إلي لأسألك عن أمر، فقالت لي مسرعة: وأنا أريد أن أسرّ إليك شيئا فلم يتهيأ لي ذلك من أجل من معك، فقلت ما أردت أن تقولي؟ فقالت:

يقول لك- ولم تذكر أحدا - لا تخاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاحهم، فإنهم أعداؤك ودارهم، فقلت لها: من يقول؟ فقالت: أنا أقول، فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن أراجعها، فقلت أي أصحابي تعنين؟ فظننت أنها تعني رفقائي الذين كانوا حجاجا معي قالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك، وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدار عنت في الدين، فسعوا بي حتى هربت واستترت بذلك السبب فوقفت على أنها عنت أولئك، فقلت لها: ما تكونين أنت من الرضا؟ فقالت كنت خادمة للحسن بن علي علیهما السلام، فلما استيقنت ذلك قلت: لأسألنها عن الغائب علیه السلام، فقلت: بالله عليك رأيته بعينك، فقالت: يا أخي لم أره بعيني فإنّي خرجت وأختي حبلى وبشرني الحسن بن علي علیهما السلام بأني سوف أراه في آخر عمري، وقال لي: تكونين له كما كنت لي (1.)فقولها: (يا أخي لم أره بعيني فإنّي خرجت وأختي حبلى مشعر بأنّ هذه الأخت هي أمّ الإمام المهدي علیه السلام، إذ كيف تكون إمرأة أجنبيّة حبلى في بيت الإمام العسكري علیه السلام؟ وما علاقة حملها بسؤال يعقوب الضرّاب حول الغائب علیه السلام؟!)فبهذه الطوائف المختلفة من الروايات يمكن الإطمئنان بأنّ


1) الغيبة 273.

أم مولانا الإمام المهدي علیها السلام هي أمة سوداء من بلاد النوبة.#### النتيجة النهائيّة:إنّ مقتضى ما تقدّم من مناقشة للأدلّة المختلفة فإنّ المرجّح هو كون أمّ الإمام المهدي علیها السلام أمة من بلاد النوبة، بل ما تقدّم يعطينا دليل إضافيّ على عدم صحّة الرواية التي قدّمنا ذكرها والتي ثبت لك يقينا مخالفتها للأحاديث الكثيرة عن أهل بيت العصمة علیهم السلام.وبالتالي فيمكن أن نترقّى في ما ذكرناه في أوّل هذا الباب وندّعي قيام الدليل على عدم كون أمّ الإمام المهدي علیه السلام روميّة كما اشتهر وشاع بين الناس في هذه الأعصار، ومن هنا فإنّ سؤالا آخر سيفرضه علينا البحث وهو: كيف وصلت هذه النوبيّة الطاهرة علیها السلام إلى بيت أهل العصمة والطهارة علیهم السلام؟!

كيف وصلت علیها السلام إلى بيت العصمة؟الأمر الآخر الذي يترتّب عليه سقوط رواية (الرهني المتقدّمة هو كون أم الإمام المهدي علیها السلام قد وصلت إلى بيت العصمة بعد رحلة سبي طويلة جدّا، وبالتالي فإنّ الكلام الآن لابدّ أن ينصبّ حول جواب هذا السؤال الذي أضحى بمثابة فراغ في سيرته علیها السلام وهو: كيف وصلت هذه الطاهرة إلى البيت العلوي؟)هل كانت مملوكة للإمام الهادي علیه السلام:؟أهمّ نقطة يمكن أن ننطلق بها في بحث هذه الجزئيّة هو بحث من هو مالك أمّ الإمام المهدي علیه السلام بعد الفراغ من كونها أمة مملوكة كما نطقت بذلك الروايات الكثيرة، وقد نصّت رواية (الرهني التي تم الحديث عنها على أنّ الذي اشتراها هو الإمام الهادي علیه السلام، في حين أنّها تعارض طائفة أخرى من الروايات أخرى تنصّ صراحة على أنّها كانت ملكا لحكيمة بنت الإمام الجواد علیه السلام:)فقد نقل الشيخ الصدوق رضي الله عنه رواية طويلة عن حكيمة علیها السلام تجيب فيها عمّن سألها عن الحجّة علیه السلام: يا مولاتي هل كان للحسن علیه السلام ولد؟ فتبسمت ثم قالت: إذا لم يكن للحسن علیه السلام عقب فمن الحجة

من بعده وقد أخبرتك أنه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسين علیهما السلام، فقلت: يا سيدتي حدثيني بولادة مولاي وغيبته علیه السلام، قالت: نعم كانت لي جارية، يقال لها: نرجس فزارني ابن أخي فأقبل يحدق النظر إليها، فقلت له : يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال لها: لا يا عمة ولكني أتعجب منها، فقلت: وما أعجبك منها؟ فقال علیه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك علیه السلام، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن علیه السلام: فسلمت وجلست، فبدأني علیه السلام، وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد، قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك على أن أستأذنك في ذلك، فقال لي: يا مباركة إن الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك الأجر ويجعل لك في الخير نصيبا، قالت حكيمة : فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمد علیه السلام وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أياما، ثم مضى إلى والده علیه السلام ووجهت بها معه (1.)وروى الشيخ الطوسي من هذا الخبر مرسلا: وروي أنّ بعض أخوات أبي الحسن علیه السلام كانت لها جارية ربّتها تسمى نرجس فلما


1) كمال الدين 426.

كبرت دخل أبو محمد علیه السلام فنظر إليها فقالت له: أراك يا سيدي تنظر إليها؟ فقال : إني ما نظرت إليها إلا متعجبا، أما إن المولود الكريم على الله تعالى يكون منها ثم أمرها أن تستأذن أبا الحسن علیه السلام في دفعها إليه ففعلت فأمرها بذلك (1.)وقد يشكل على هذه الرواية بأمرين:- أولهما: ما تضمّنته من نظر الإمام العسكري علیه السلام لنرجس علیها السلام، إذ كيف يتصوّر صدور مثل هذا الأمر من الإمام علیه السلام؟ - ثانيهما: معارضة هذه الرواية لما ورد في الأخبار الأخرى الصحيحة من جهل حكيمة علیها السلام بهويّة أمّ القائم علیها السلام.ويمكن دفع الإشكالين بالتالي:أمّا الأوّل فيمكن دفعه بملاحظة أنّ نرجسا علیها السلام كانت أمة لا حرّة، ومن المعلوم أنّ الأمة يجوز أن ينظر إليها الإنسان بل أن يلمسها ويواقعها إذا كان بإذن مالكها، فكذلك الأمر هنا إذ يظهر من السياق رضا المالكة بذلك الأمر غاية ما في الأمر أنّه لم يصرّح به لفظا لكونه من الأمور البديهيّة إذ لا يمكن أن يصدر مثل هذا من فضلاء الناس فضلا عن شخصيّة بحجة الإمام العسكري علیه السلام.


1) الغيبة 244.

ونعم ما أجاب به السيد محمد الصدر رحمه الله إذ قال: ويأتي الجواب واضحاً بسيطاً وهو أنّه نظر إليها بإذن مالكتها، والمالك إذا أذن لشخص في النظر إلى مملوكته جاز للمأذون له النظر شرعاً في حدود إذن المالك، وهذا وإن لم يذكر في الرواية إلّا أنّه أخذ مفروض التحقّق في الرواية للتسالم الواضح في المجتمع المسلم على عدم جواز النظر إلى مملوكة الغير إلّا بإذنه، لذا كان من الواضح في ذهن الراوي أنّ السامع المسلم سوف يفهم تلقائيا وجود الإذن في النظر ومن هنا أهمله من سرده من لفظ الرواية (1.)أمّا الإشكال الثاني، فالجواب عليه موجود في نفس هذه الرواية إذ موضع الشاهد فيها هو سؤال حكيمة علیها السلام عن هويّة أم المهدي علیه السلام حيث لازم السؤال هو الجهل بها، إلّا أنّ سبب هذا الاستفسار هو عدم ظهور آثار الحمل عليها كما نصّت هي بنفسها على ذلك، فكان سؤالها من باب التأكّد ورفع التعجّب.فقد ورد فيها: فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لانصرف فقال علیه السلام: لا يا عمتا بيتي الليلة عندنا فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عز وجل الذي يحي الله عز وجل به الأرض بعد موتها ، فقلت: ممن يا سيدي


1) موسوعة الإمام المهدي 260/1.

ولست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها، قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهرا لبطن فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه علیه السلام فأخبرته بما فعلت، فتبسم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لان مثلها مثل أم موسى علیه السلام لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها ، لان فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى علیه السلام، وهذا نظير موسى (1.)نعم، يبقى الكلام في سند هذه الرواية واشتمالها على مجاهيل بحيث لا يمكن الركون إليها، إلّا أنّ هذا الأمر يمكن دفعه بملاحظة الأخبار الأخرى التي ستأتي ستأتيك تباعا:فقد روى صاحب دلائل الإمامة: وأخبرني أبو الحسين محمد بن هارون ، قال: حدثني أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام ، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن أبي نعيم، عن محمد بن القاسم العلوي، قال: دخلنا جماعة من العلوية على حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى علیهم السلام، فقالت: جئتم تسألونني عن ميلاد ولي الله؟ قلنا: بلى والله، قالت: كان عندي البارحة، وأخبرني بذلك، وإنّه كانت عندي صبية يقال لها نرجس وكنت أربيها


1) كمال الدين 427.

من بين الجواري، ولا يلي تربيتها غيري (1.)ونقل صاحب إثبات الوصيّة خبرا آخرا بأسانيد مختلفة يدلّ على نفس المضمون: وروى جماعة من الشيوخ العلماء: منهم علان الكلابي، وموسى بن محمد الغازي وأحمد بن جعفر بأسانيدهم، أنّ حكيمة بنت أبي جعفر علیه السلام عمّة أبي محمد علیه السلام كانت تدخل إلى أبي محمد علیه السلام فتدعو له أن يرزقه الله ولدا، وأنّها قالت: دخلت عليه يوما فدعوت له كما كنت أدعو، فقال لي: يا عمّة، أما أنّه يولد لي في هذه الليلة وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين المولود الذي كنا نتوقعه، فاجعلي افطارك عندنا، وكانت ليلة الجمعة، فقلت له: ممّن يكون هذا المولود يا سيدي، قال: من جاريتك نرجس (2.)وهذه الرواية صريحة جدّا في كونها جارية لحكيمة علیها السلام والأهمّ من هذا إشارة صاحب "إثبات الوصيّة" إلى استفاضة هذا الخبر ممّا يعني وجود روايات أخرى في المقام، وهذا ما يجعلنا نسلّما بما رواه الخصيبي في هدايته حيث لم يكتف بذكر استفاضة الخبر بل نقله مفصّلا مع ذكر أسانيده كاملة، قال: حدثني هارون بن مسلم بن


1) دلائل الإمامة 499.

2) إثبات الوصيّة 272.

سعدان البصري، ومحمد بن أحمد بن مطهر البغدادي، وأحمد بن إسحاق وسهل بن زياد الآدمي، وعبد الله بن جعفر الحميري، وأحمد بن أبي عبد الله البرقي، وصالح بن محمد الهمداني، وجعفر بن إبراهيم بن نوح، وداود بن عامر الأشعري القمي، وأحمد بن محمد الخصيبي، وإبراهيم بن الخصيب، ومحمد بن علي البشري، ومحمد بن عبد الله اليقطيني البغدادي، وأحمد بن محمد النيسابوري، وأحمد بن عبد الله بن مهران الأنباري ، وأحمد بن محمد الصيرفي، وعلي بن بلال، ومحمد بن أبي الصهباني، وإسحاق بن إسماعيل النيسابوري، وعلي بن عبيد الله الحسني، ومحمد بن إسماعيل الحسيني، وأبو الحسین محمد بن یحیی الفارسي، وأحمد بن سندول ، والعباس اللبان، وعلي بن صالح، وعبد الحميد بن محمد، ومحمد بن يحيى الخرقي، ومحمد بن علي بن عبيد الله الحسني، وابن عاصم الكوفي، وأحمد بن محمد الحجال، وعسكر مولى أبي جعفر التاسع، والزيان مولى الرضى، وحمزة مولى أبي جعفر التاسع، وعيسى بن مهدي الجوهري، والحسن بن إبراهيم، وأحمد بن إسماعيل، ومحمد بن ميمون الخراساني، ومحمد بن خلف، وأحمد بن حسان، وعلي بن أحمد الصائغ، والحسن بن مسعود الفراتي ، وأحمد بن حيان العجلي، والحسن بن مالك، وأحمد بن محمد بن أبي قرنة، وجعفر بن أحمد القصير البصري، وعلي بن الصابوني، وأبو

الحسن علي بن بشر، والحسن البلخي، وأحمد بن صالح ، والحسين بن عتاب، وعبد الله بن عبد الباري، وأحمد بن داود القمي، ومحمد بن عبد الله، وطالب بن حاتم بن طالب، والحسن بن محمد بن مسعود بن سعد، وأحمد بن ماران، وأبو بكر الصفار، ومحمد بن موسى القمي، وعتاب بن محمد الديلمي، وأحمد بن مالك القمي ، وأبو بكر الجواري، وعبد الله جميعا وشتى كانوا بأجمعهم مجاورين الإمامين عن سيدنا أبي الحسن وأبي محمد علیهما السلام... قال أبو محمد علیه السلام: إنّي أدخلت عماتي في داري فرأيت جارية من جواريهن قد زيّنت تسمّى نرجس فنظرت إليها نظرا أطلته، فقالت عمتي حكيمة: أراك يا سيدي تنظر إلى هذه الجارية نظرا شديدا، فقلت: يا عمّة ما نظري إليها إلّا أتعجب مما لله فيها من إرادته وخيرته، فقالت: يا سيدي أحسبك تريدها، قلت: بلى فأمرتها تستأذن لي أبي علي بن محمد علیهم السلام في تسليمها إلي ففعلت فأمرها علیه السلام بذلك، فجاءتني بها؛ قال الحسين بن حمدان حدثني من زاد في أسماء من حدثني من هؤلاء الرجال الذين أسميهم وهم غيلان الكلابي، وموسى بن محمد الرازي، وأحمد بن جعفر الطوسي عن حكيمة ابنة محمد بن علي الرضا علیهم السلام ... (1.)


1) الهداية الكبرى 353.

#### ولدت في بيتها:بالرجوع إلى أقدم المصادر الموجودة عندنا فإنّنا نجد أنفسنا أمام حقيقة أخرى واضحة وجليّة وهي أنّ أمّ الإمام المهدي علیها السلام قد ولدت في البيت العلوي وتحديدا في بيت حكيمة علیها السلام لا أنّها اشتريت من سوق النخاسة، يدلّ على ذلك:ما ذكره صاحب كتاب "إثبات الوصيّة": روى لنا الثقات من مشايخنا أنّ بعض أخوات أبي الحسن علي بن محمد علیه السلام كانت لها جارية ولدت في بيتها وربّتها تسمّى نرجس (1.)وقيمة هذا النقل تكمن في أمور:أوّلا: أنّ المسعودي توفي سنة 346 ه- أي بعد أقلّ من 100 سنة من مولد الصاحب عجل الله فرجه، وأدرك الغيبة الصغرى، بل كان يعيش ببغداد حيث تواجد السفراء قدس الله أرواحهم الطاهرة، وعليه فنقله سيكون أوثق وأدقّ من نقل مثل الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وغيرهم لتأخرهم الزماني وبعد بعضهم المكاني (2.)


1) إثبات الوصيّة 272.

2) المشهور نسبة الكتاب للمسعودي صاحب مروج الذهب إلّا أنّ بعض المحقّقين قد شكّك في صحّة هذه النسبة حيث ذهب إلى أنّه كتاب (الأوصياء) للشلمغاني، فبناء على الرأي المشهور القائل بنسبة الكتاب للمسعودي فقد تبيّن لك القيمة العلميّة للرواية، أمّا بناء على نسبة الكتاب للشلمغاني فإنّ القيمة العلميّة للرواية ستكون أكثر لكونه قد ألّف في زمن الغيبة الصغرى من شخص قريب من السفراء.

ثانيا: نقل هذه القضية بواسطة واحدة ولم يكتف بهذا أشار إلى استفاضة النقل، إذ أنّه عبّر ب-(مشايخنا أي أنّ أقلّهم ثلاثة أشخاص، ولاشكّ أنّ طبقة مشايخ المسعودي قد أدركوا هذه الحادثة وشهدوها.)ثالثا: الأهمّ ممّا تقدّم أنّه وثّق واسطته في النقل ولم يسكت عنهم، فهم وإن كانت أعيانهم مجهولة بالنسبة إلينا، إلّا أنّ حالهم معلوم بناء على توثيق المسعودي لهم.ما ذكره صاحب كتاب "عيون المعجزات" حيث نقل نفس الرواية مع تفاوت مفيد في المقام، قال في صفحة 127: قرأت في كتب كثيرة بروايات كثيرة صحيحة أنّه كان لحكيمة بنت أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام جارية ولدت في بيتها وربّتها، وكانت تسمّى نرجس، فلمّا كبرت دخل أبو محمد فنظر إليها، فقالت له عمّته حكيمة: أراك يا سيدي تنظر إليها، فقال علیه السلام: إنّي ما نظرت إليها متعجبا، أما أنّ المولود الكريم على الله يكون منها، ثم أمرها ان تستأذن أبا الحسن أباه علیه السلام في دفعها إليه فقلت: فأمرها بذلك (1.)وهذا النقل أضاف على ما تقدّم أمرين:


1) عيون المعجزات 127.

أوّلا: أنّ المحدّث حسين بن عبد الوهاب رحمه الله المعاصر للشريف المرتضى رضي الله عنه نصّ على صحّة الروايات التي نقلت هذا المضمون وهو ولادة نرجس علیها السلام في بيت حكيمة، وسواء قلنا أنّ مراده الصحّة بلحاظ وثاقة الرواة أو بلحاظة الوثوق في المروي، فإنّ هذا المقدار يكفي للإثبات التاريخي.ثانيا: أنّه نصّ على استفاضة الخبر في كتب الأصحاب حيث قال: (قرأت في كتب كثيرة، وهذا يدلّ على أنّ القضية كانت مشهورة وكانت مثبتتة في كتب الأصحاب التي وقعت بين يديه.)فبالجمع بين هاذين النقلين نصل إلى أنّ ولادة أمّ الإمام المهدي علیها السلام في بيت السيدة نرجس كانت أمرا مشهورا ومعروفا ومستفيضا بين الأصحاب في الغيبة الصغرى.#### قرائن أخرى:من الأمور التي يمكن الاستناد إليها لترجيح ما قلناه هو مناسبته لحال أمّ الإمام علیها السلام إذ إنّ تعطينا تصوّرا يليق بشأنها:- ولدت على الإسلام.- تربّت في بيت الوحي.- أدّبتها حكيمة بنت الجواد علیها السلام.

- لم يمسسها رجل ولم تنكشف على أحد من قبل.بخلاف رواية الرهني التي لو قبلنا بها فإنّنا سنقع أمام عدّة أمور قد لا تناسب شأن الإمامة:- ولدت على الشرك- تربّت في بلاط طاغية- تملّكها نخّاس- حديثة عهد بالإسلامفهل تتناسب هذه الأمور مع أم خاتم الأوصياء علیه السلام الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا؟#### واكتملت الصورة:تبيّن لك ممّا تقدّم أنّ أمّ الإمام المهدي علیها السلام هي جارية نوبيّة ولدت في بيت حكيمة بنت الإمام الجواد علیها السلام وتولّت هي تربيتها وتأديبها إلى أن وهبتها للإمام العسكري علیه السلام- بناء على طلب منه- في حياة أبيه الإمام الهادي علیه السلام، ولم يعلم أحد بحملها سوى في الليلة الأخيرة والتي بزغ فيها نور الله في أرضه.وبعد هذا العرض يكون قد اتضح لك أيضا سقوط رواية (الرهني التي ناقشناها في الفصول السابقة والتي تخالف كلّ هذه)

الروايات الصحيحة الصريحة بحيث يمكن أن نقطع بكونها من تأليف القصّاصين في ذلك الزمان.

### مقامها عند أهل البيت علیهم السلام/ما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم#### اشارةلا شكّ أنّ لأمهات المعصومين علیهم السلام مكانة ومقاما خاصّا عند الله جلّ جلاله، فقد اصطفاهنّ لحمل حججه على عباده وأمنائه في بلاده ومثل هذه الأمانة لا تكون إلّا لمن خلص وأخلص فاستخلصه الله واجتباه عن بقيّة خلقه.وفي هذا الفصل سنذكر كيف تحدّث أهل البيت علیهم السلام عن أمّ قائمهم علیه السلام:ما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم:روى ثقة الإسلام الكليني رضي الله عنه بسنده: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيبة الفم، المنتجبة الرحم، ويلهم لعن الله الأعيبس وذريته، صاحب الفتنة، ويقتلهم سنين وشهورا وأياما يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا مصبرة، وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك، أي واد

سلك؟! أفيكون هذا يا عمّ إلّا مني، فقلت: صدقت جعلت فداك (1.)#### ما ورد عن أمير المؤمنين علیه السلام:روى النعماني في غيبته بسنده عن الحارث الأعور الهمداني، قال أمير المؤمنين علیه السلام: بأبي ابن خير الإماء - يعني القائم علیه السلام من ولده- يسومهم خسفا، ويسقيهم بكأس مصبّرة، ولا يعطيهم إلا السيف هرجا، فعند ذلك تتمنى فجرة قريش لو أن لها مفاداة من الدنيا وما فيها ليغفر لها لا نكف عنهم حتى يرضى الله (2.)وفي خبر آخر نقله الجوهري مسندا عن ابن أبي جحيفة السوائي - من سواءة بن عامر - والحرث بن عبد الله الجارثي الهمداني، والحرث بن شرب كلّ حدّثنا أنّهم كانوا عند علي بن أبي طالب علیه السلام فكان إذا قبل ابنه الحسن علیه السلام يقول: مرحبا يا بن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وإذا أقبل الحسين يقول: بأبي أنت وأمي يا أبا ابن خير الإماء، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن وتقول هذا للحسين ؟ ومن ابن خيرة الإماء؟ فقال: ذلك الفقيد الطريد الشريد: محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي


1) الكافي 1 322.

2) الغيبة 234.

بن الحسين علیهم السلام هذا ووضع يده على رأس الحسين علیه السلام (1.)#### ما ورد عن الإمام الحسن علیه السلام/ ما ورد عن الإمام الباقر علیه السلامما ورد عن الإمام الحسن علیه السلام:روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه بسنده: لما صالح الحسن بن علي علیهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال علیه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت،...، أما علمتم أنه ما منا أحد إلّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلّا القائم الذي يصلي روح الله عیسی بن مريم علیه السلام خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير (2.)ما ورد عن الإمام الباقر علیه السلام:روى الشيخ الطوسي رضي الله عنه في غيبته: عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين علیه السلام


1) مقتضب الأثر 31.

2) كمال الدين 316.

فقال : أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال : أما اسمه فإن حبيبي شهد إلي أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله، قال: فأخبرني عن صفته؟ قال: هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء (1. وقد روي في خبر آخر عنه علیه السلام تأكيده أنّ المقصودة بهذا الحديث هي أمّ المهدي علیها السلام، حيث روى النعماني بسنده إلى عبد الرحيم القصير، قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: قول أمير المؤمنين علیه السلام: "بأبي ابن خيرة الإماء" أهي فاطمة علیها السلام؟ فقال : إن فاطمة علیها السلام خيرة الحرائر، ذاك المبدح بطنه، المشرب حمرة، رحم الله فلانا (2).)#### ما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام:روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه بسنده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ سنن الأنبياء علیهم السلام بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منّا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، قال أبو بصير: فقلت: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله عز وجل


1) الغيبة 470.

2) الغيبة 233.

فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم علیه السلام فيصلى خلفه وتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير الله عز وجل إلّا عبد الله فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون (1.)#### ما ورد عن الإمام الكاظم علیه السلام:روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه بسنده عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي قال: سألت سيدي موسى بن جعفر علیهما السلام عن قول الله عز وجل: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ، فقال علیه السلام: النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الامام الغائب، فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا، يسهل الله له كل عسير، ويذلل له كلّ صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرب له كل بعيد، ويبیر به کل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد، ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله عز وجل فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما (2).)


1) كمال الدين 346.

2) كمال الدين 368.

ونقل المحدّث النوري عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسی بن جعفر علیه السلام، فقلت: يا بن رسول الله، أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء الله ويملؤها عدلا كما ملئت جورا، هو الخامس من ولدي إلى أن قال: وهو الثاني عشر منّا يسهل الله تعالى له كل عسر، ويذلّل له كل صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرب عليه كل بعيد، ويبیر به کل جبار عنيد، ويهلك على يده كل شيطان مريد، ذلك ابن سيدة الإماء، الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته، حتى يظهره الله، فیملأ به الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما (1.)#### ما ورد عن الإمام الرضا علیه السلام:روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه بسنده: عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا علیهما السلام: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، فقيل له: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا فقيل له: يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال الرابع من ولدي


1) مستدرك الوسائل 282/12.

ابن سيدة الإماء، يطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم (1.)#### ما ورد عن حكيمة بنت الجواد علیها السلام:نختم بما ورد عن السيدة الطاهرة حكيمة علیها السلام التي نقلت لنا ما حدث في بيت الإمام العسكري علیه السلام، حيث صدرت منها أمور تبيّن لنا مكانة أم الإمام المهدي علیه السلام عند العترة الطاهرة:فقد ورد في رواية الصدوق رضي الله عنه التي سبق نقلها عنها علیها السلام: قالت: بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، قالت: فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر ، فقال: هو ما أقول لك ، قالت : فجئت ، فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمة؟ قالت: فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة قالت: فخجلت


1) كمال الدين 371.

واستحت (1.)وفي لفظ آخر قالت حكيمة : فمضى أبو الحسن علیه السلام وجلس أبو محمد علیه السلام مكان والده وكنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوما تخلع خفي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفك، فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي والله لا أدفع إليك خفي لتخلعيه ولا لتخدميني بل أنا أخدمك على بصري (2.)#### زبدة المقال:إنّ ملاحظة الروايات المتقدّمة تجعلنا نصل إلى هذه الاستنتاجات المهمّة التي يمكن تلخيصها في هذه النقاط :أوّلا: لم يرد في حقّ إمرأة من أهل البيت علیهم السلام مثل هذا الكمّ الهائل من الروايات المادحة إلّا سيدة نساء فاطمة الزهراء علیها السلام التي لا تدانيها أيّ إمرأة من النساء، فرغم جلالة قدر بقيّة نساء أهل بيت النبوّة إلّا أنّنا لم نجد فيهنّ مثل هذا العدد من الروايات، وهذه الكثرة بمثابة المنبّه الكمّي الذي يعطينا انطباعا حول اهتمام أهل بيت النبوّة بهذه المرأة الطاهرة علیها السلام.


1) كمال الدين 424.

2) كمال الدين 427.

ثانيا: إنّ الروايات المتقدّمة قد ركّزت على صفة واحدة وهي كونها خير الإماء أو سيدة الإماء على اختلاف التعابير، وتكرار هذا الوصف من أكثر من إمام مع اختلاف أزمانهم ظاهر في إطلاق الخيريّة بالنسبة إليها، فهي أفضل من كلّ أمة مطلقا، فكما أنّ الزهراء علیها السلام هي سيدة نساء العالمين، فنرجس علیها السلام هي سيّدة إماء العالمين بما يشمل كلّ الإماء حتى هاجر أمّ إسماعيل علیها السلام.ثالثا: إنّ الأوصاف التي ذكرها النبي المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم في حقّها تجعلنا نقف طويلا عند هذه الشخصيّة فهي:- الطيبة الفم- المنتجبة الرحم.وهاتان الصفتان تشيران إلى أهمّ مزيّة تميّز عن سائر النساء إذ ليس المقصود من طيب الفم هو كون المرأة "رشوفا" فهذه صفة تشترك فيها كثير من النساء بل الظاهر هو ما أشار إليه المولى المازندراني رضي الله عنه من كون المقصود هو: خلوصه من كلمة اللغو والشرك (1، وليس المقصود من انتجاب الرحم كونها ولودا بل الظاهر أنّ المراد هو انتجاب رحمها واختياره من الله لهذه المهمّة العظيمة.)


1) شرح أصول الكافي 212/6.

وبهذا يتبيّن لك لماذا عبّرت حكيمة علیها السلام عن نرجس علیها السلام بسيّدتي وسيّدة أهلي، إذ قد فهمت هذه الجليلة علیها السلام من الأحاديث التي سمعتها من المعصومين علیهم السلام عظمة هذه المرأة عند الله ورفعة مقامها بحيث فضّلت على كبار نساء أهل بيت العصمة علیهم السلام، ومن هنا نجد أنّ هذه العلويّة بنت الإمام وأخت الإمام وعمّة الإمام تنحني لتقبيل يد هذه الأمة الطاهرة التي رفع الله شأنها في الدنيا والآخرة، ولعلّ هناك كثيرا من الروايات الأخرى التي لم تصلنا والتي تبيّن عظمة شأنها علیها السلام.

### وفاتها علیها السلام/وفاتها في حياة الإمام العسكري علیه السلام#### اشارةبقي الكلام في أهمّ وأخطر بحث يمكن أن تطرّق له في هذا الكتاب وهو مصيرها علیها السلام بعد ولادتها لصاحب العصر والزمان علیه السلام، فعادة يغفل عن هذا الموضوع نتيجة تداخل الأحداث المهمّة المرتبطة بحياة الإمامين الهمامين علیهما السلام.والسؤال هو ما الذي جرى بعد ذلك:وفاتها في حياة الإمام العسكري علیه السلام:ذهب بعضهم إلى أنّ السيدة الطاهرة علیها السلام قد توفيت في حياة الإمام العسكري علیه السلام، وقد استند إلى رواية ذكرها الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين، قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثني أبو علي الخيزراني عن جارية له كان أهداها لأبي محمد علیه السلام فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارة من جعفر، فتزوج بها، قال أبو علي: فحدّثتني أنّها حضرت ولادة السيد علیه السلام، و أنّ اسم أمّ السيد صقيل، وأنّ أبا محمد علیه السلام حدّثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعوا الله عز وجل لها أن

يجعل منيّتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد علیه السلام و على قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أم محمد (1.)أقول: من الصعب جدّا البناء على هذه الرواية والاستناد عليها في مثل هذه القضيّة والسبب في ذلك أمور:الأوّل: جهالة (أبي على الخيزراني إذ لا ذكر لهذا الرجل في كتاب التراجم والفهارس والتاريخ فهو بالنسبة إلينا مجهول العين والحال، وليست له رواية في كتب الأصحاب سوى هذه الرواية التي هي محلّ الإشكال.)الثاني: جهالة هذه الجارية التي تحدّث عنها الخيزراني فقد زعمت أنّها حضرت الولادة وسمعت ما يدور بين الإمام العسكري علیه السلام وأمّ الإمام المهدي علیها السلام وحضورها عند غارة جعفر الكذّاب وتمكّنها من الفرار...، كلّ هذه الأمور تقتضي معروفيّتها عند الخواصّ بل حتى عند السلطة التي كانت قد جعلت رقابة خاصّة على كلّ نساء بيت الإمام علیه السلام كما سيأتينا مفصّلا.الثالث: لو تجاوزنا هذه الإشكالات فإنّنا نبقى أمام إشكاليّة أخرى أعمق وهو احتمال أنّ ترويج هذه القصّة كان الغرض منه


1) كمال الدين 431.

التغطية على أمّ الإمام المهدي علیها السلام وحمايتها من كيد الأعادي إذ ستأتيك الأخبار الكثيرة على أنّها كانت حيّة بعد شهادة الإمام العسكري علیه السلام وكانت لها مواجهة مع السلطة، ومثل هذا الخبر لا يصلح لمعارضة ما سيأتي من تسالم بين الطائفة حول حياتها وبالتالي فالأولى هو حمله على أنّ ما أخبر به الخيزراني هو للتغطية على السيدة الطاهرة نرجس علیها السلام.#### بقاؤها بعد وفاة الإمام العسكري علیه السلام:وهو أمر شبه متسالم بين الطائفة بل بين المؤرّخين إذ ذكروا أحداث ما بعد رحيل الإمام العسكري علیه السلام وما جرى عليها من مصائب علیها السلام وأرسلوها إرسال المسلّمات ويكفينا أن نذكر ما نقله النجاشي رحمه الله في ترجمة محمد بن علي بن حمزة العباسي حيث قال: محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام أبو عبد الله، ثقة، عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له رواية عن أبي الحسن وأبي محمد علیهما السلام، واتصال مكاتبة، وفي داره حصلت أم صاحب الأمر علیه السلام بعد وفاة الحسن علیه السلام (1.)وكلامه صريح في أنّها علیها السلام قد امتدّ عمرها بعد الإمام العسكري


1) الفهرست 248.

علیه السلام بل وحصلت أحداث استوجبت انتقالها لبيت هذا العلوي الثقة حماية لها.والأهمّ من كلام النجاشي رحمه الله هو ما نقله الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كمال الدين من حضورها علیها السلام وفاة الإمام العسكري علیه السلام وبقائها بعده، حيث قال: ووجدت مثبتا في بعض الكتب المصنّفة في التواريخ ولم أسمعه إلّا عن محمد بن الحسين بن عباد أنّه قال: مات أبو محمد الحسن بن علي علیهما السلام يوم جمعة مع صلاة الغداة، وكان في تلك الليلة قد كتب بيده كتبا كثيرة إلى المدينة، وذلك في شهر ربيع الأول لثمان خلون منه سنة ستين ومائتين من الهجرة، ولم يحضره في ذلك الوقت إلّا صقيل الجارية، وعقيد الخادم ومن علم الله عز وجل غيرهما، قال عقيد: فدعا بماء قد أغلي بالمصطكي فجئنا به إليه فقال: أبدأ بالصلاة هيئوني فجئنا به وبسطنا في حجره المنديل فأخذ من صقيل الماء فغسل به وجهه وذراعيه مرة مرة ومسح على رأسه وقدميه مسحا وصلّى صلاة الصبح على فراشه وأخذ القدح ليشرب فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد فأخذت صقيل القدح من يده، ومضى من ساعته صلوات الله عليه ودفن في داره بسرّ- من رأى إلى جانب أبيه صلوات الله عليهما فصار إلى كرامة الله جل جلاله وقد

کمل عمره تسعا وعشرين سنة (1.)وتكمن قيمة كلامه في جانبين:الجانب الأوّل نصّه على شهرة هذا النصّ في الكتب التاريخيّة المتقدّمة عليه أي في زمن الغيبة الصغرى كما هو معلوم، بالإضافة إلى سماعه الحادثة من محمد بن الحسين بن عباد.الجانب الثاني هو أنّ الشيخ الصدوق رضي الله عنه هو الناقل لخبر الخيزراني المتضمّن موتها علیها السلام في حياة الإمام العسكري علیه السلام وهذا يمنع من دعوى تبنّيه للخبر الأوّل فيسقط ما ادّعاه بعضهم من كونه مرجّحا لنظريّة موتها ودفنها علیها السلام مبكّراً.أضف إلى ما تقدّم الأحداث الكثيرة التي أثبتها المؤرّخون والتي ذكرت ما جرى عليها علیها السلام بعد رحيل الإمام العسكري علیه السلام والتي تنفي بالملازمة وفاتها المبكّرة.#### زبدة المقال:المشهور الذي لا مرية فيه هو بقاء السيدة نرجس علیها السلام حيّة بعد وفاة الإمام العسكري علیه السلام، ووجود رواية واحدة تخالف هذا المشهور التاريخي لا يضرّ به ولو كانت معتبرة، فكيف وحال الرواية المخالفة


1) كمال الدين 474.

كما تبيّن لك؟!

### جهادها علیها السلام/شهادة الإمام العسكري علیه السلام#### اشارةبعد أن ثبت بقاء أم مولانا الإمام المهدي علیها السلام بعد الإمام العسكري علیه السلام، نأتي إلى أهمّ جانب في حياة هذه الطاهرة علیها السلام وهو جهادها في الغيبة الصغرى وحفظها لإمام زمانها علیه السلام.ولبيان حقيقة ما جرى لابدّ أن نستعرض الأحداث من بدایتها:شهادة الإمام العسكري علیه السلام:أوّل حديث مهمّ هو شهادة الإمام العسكري علیه السلام بسمّ الغدر العبّاسي حيث أنّها علیها السلام كانت معه في لحظاته الأخيرة كما في رواية الشيخ الصدوق رضي الله عنه: مات أبو محمد الحسن بن علي علیهما السلام يوم جمعة مع صلاة الغداة، وكان في تلك الليلة قد كتب بيده كتبا كثيرة إلى المدينة، وذلك في شهر ربيع الأول لثمان خلون منه سنة ستين ومائتين من الهجرة، ولم يحضره في ذلك الوقت إلّا صقيل الجارية، وعقيد الخادم ومن علم الله عز وجل غيرهما، قال عقيد: فدعا بماء قد أغلي بالمصطكي فجئنا به إليه فقال: أبدء بالصلاة هيئوني فجئنا به وبسطنا

في حجره المنديل فأخذ من صقيل الماء فغسل به وجهه و ذراعيه مرة مرة ومسح على رأسه وقدميه مسحا وصلّى صلاة الصبح على فراشه وأخذ القدح ليشرب فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد فأخذت صقيل القدح من يده، ومضى من ساعته صلوات الله عليه ودفن في داره بسرّ من رأى إلى جانب أبيه صلوات الله عليهما فصار إلى كرامة الله جل جلاله وقد كمل عمره تسعا وعشرين سنة (1.)والمهمّ في هذه الرواية أنّها ذكرت عدم وجود غيرها علیها السلام بجوار مولانا الإمام العسكري علیه السلام سوى "عقيد الخادم" والإمام المهدي علیه السلام، وهذا ما يؤكّد شدّة قربها من الإمام العسكري علیها السلام، دون غيرها من النساء من أهل بيته، بل يوحي لأنّ الإمام علیه السلام بصدد إعدادها لمهمّة أخرى لا تقلّ أهميّة عن سابقاتها، يشهد على ذلك أنّ الإمام علیه السلام كان عالما بوفاته ولذلك أبعد أغلب أهل الدار حتى أمّه ولم يبق إلّا السيدة نرجس علیها السلام.فقد روی صاحب "إثبات الوصيّة" عن أحمد بن مصقلة قال: دخلت على أبي محمد علیه السلام فقال لي: يا أحمد ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ فقلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا علیه السلام لم يبق منّا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلّا قال


1) كمال الدين 474.

بالحق، قال علیه السلام: أما علمتم أنّ الأرض لا تخلوا من حجة الله، ثم أمر أبو محمد علیه السلام والدته بالحج في سنة تسع وخمسين ومائتين وعرفها ما يناله في سنة ستين، ثم سلّم الاسم الأعظم والمواريث والسلاح إلى القائم الصاحب علیه السلام، وخرجت أم أبي محمد علیه السلام إلى مكة، وقبض أبو محمد علیه السلام في شهر ربيع الآخر سنة ستين ومائتين ودفن بسر- من رأى إلى جانب أبيه أبي الحسن علیه السلام وكان من مولده إلى وقت مصيبته علیه السلام تسع وعشرون سنة (1.)#### خطة الانقلاب العبّاسية:لا يمكن فهم ما جرى في تلك الحقبة دون معرفة ما صنعه جعفر الكذّاب ببيت الإمام والعصمة، حيث يظهر أنّه كان على علاقة وطيدة بالبلاط العباسي في ذلك الزمن، وكان يمهّد بالتعاون معهم إلى السيطرة على مقاليد الإمامة وتسنّم الزعامة العامّة للشيعة في ذلك الزمن.وقد بدأ العمل على الانقلاب من حياة الإمام العسكري علیه السلام حيث أشارت بعض الكتب التاريخيّة إلى نشوء تيّار كامل موال لجعفر الكذّاب، وقد وثّق القاضي النعمان وجود هذا التيّار بقوله: فقال قوم


1) إثبات الوصيّة 217.

منهم بولاية جعفر بن علي، وأنكروا إمامة الحسن في حياته، وقالوا: قد امتحناه فلم نجد عنده علما، ولما أن مات ولم يدع ولدا احتجوا بعد ذلك، وقالوا: لا يكون الإمام إماما إلّا وله خلف وعقب (1.)وقد كانت اللحظة المناسبة للاستحواذ على الزعامة بادّعاء الإمامة هي وفاة الإمام العسكري علیه السلام إذ لم يكن له ولد ظاهر بحيث يتصدّى للإمامة من بعد وبالتالي فإنّ الغلبة ستكون للتيّار الذي قال بإمامة جعفر الكذّاب حيث أنّ عدم وجود العقب دليل على بطلان إمامة العسكري علیه السلام!ومن هنا كان الإعلان الرسمي لتصدّي جعفر الكذّاب للإمامة هو صلاته على أخيه الإمام العسكري علیه السلام، ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان حيث ظهر الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وأفسد هذا المشهد عندما تقدّم وصلّى على أبيه وكشف الأمر أمام الناس.فقد روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه عن أبي الأديان خبرا طويلا فيه: وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي علیه السلام فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله


1) شرح الأخبار 312/3.

يعزّونه ويهنّونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الامام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدّمت فعزّيت وهنّيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفّن أخوك فقم وصلّ علي، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمّان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفّنا، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال: تأخّر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر وقد أربدّ وجهه واصفر؛ فتقدّم الصبي وصلّى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه علیهما السلام ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي-: هذه بيّنتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه، فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي علیهما السلام فعرفوا موته فقالوا: فمن نعزّي؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي، فسلّموا عليه وعزّوه وهنّوه وقالوا: إن معنا كتبا ومالا، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منا أن نعلم

الغيب؟ قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجّه بك لأخذ ذلك هو الإمام (1.)#### المواجهة مع الكذّاب:سقطت الخطّة العبّاسية بظهور هذا الغلام للإمام العسكري علیه السلام والذي كان أمره مخفيّا على عامّة الناس، فما كان من جعفر الكذّاب إلّا أن بادر بإبلاغ وليّ نعمته المعتمد العبّاسي بهذا الأمر بل وحرّضه على التخلّص من الغلام، ومن هنا كانت الغارة الأولى على بيت الإمام العسكري علیه السلام.نقل الشيخ الصدوق رضي الله عنه: فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حبلا بها لتغطي حال الصبي فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله رب العالمين (2.)وفي نصّ آخر: قدمت أم أبي محمد علیه السلام من المدينة واسمها


1) كمال الدين 476.

2) كمال الدين 476.

"حديث" حين اتصل بها الخبر إلى سر من رأى فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع أخيه جعفر ومطالبته إياها بميراثه وسعايته بها إلى السلطان وكشفه ما أمر الله عز وجل بستره، فادعت عند ذلك صقيل أنّها حامل فحملت إلى دار المعتمد فجعل نساء المعتمد وخدمه، ونساء الموفق وخدمه، ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدن أمرها في كل وقت، ويراعون إلى أن دهمهم أمر الصفّار وموت عبيد الله بن يحيى بن خاقان بغتة ، وخروجهم من سر من رأى وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك فشغلهم ذلك عنها (1.)وهنا تظهر أوّل مهمّة حقيقيّة قامت بها هذه السيّدة الطاهرة علیها السلام فحين كبست بيت بني العباس بيتها واعتقلوها ادّعت أنّ في بطنها حمل، وذلك لأمرين:أوّلهما إخفاء أمر الغلام الذي يريد زبانية بني العباس الخلاص منه إذ من الصعب أن يصدّقوا رواية جعفر الكذّاب بوجود ولد للإمام العسكري علیه السلام مع كلّ الرقابة المشدّدة التي كانت قد ضربت على ذلك البيت.ثانيهما عدم ترك المجال لجعفر الكذاب ليتم له أمر الإمامة،


1) كمال الدين 474.

فمع عدم وجود ولد للإمام العسكري علیه السلام فإنّ الجميع سيقبل دعواه دون أيّ فحص أو تأمّل، أمّا مع وجود مدّع آخر فإنّ الأمر سيكون مختلفا إذ سيسعى الجميع للفحص وكشف حقيقة الأمر وهذا ما لا يصبّ في مصلحة جعفر الكذّاب فهو رجل قد تعوّد على الفسق والفجور وسينكشف أمره سريعا.وبحسب هذا النص فإنّ مدّة سجنها امتدّت إلى ما بعد وفاة عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذي توفي كما ذكر المؤرّخون سنة 263ه- وبالتالي تكون قد قضت 3 سنوات في سجن بني العبّاس!بل ورد ما يدلّ على استمرار الحبس لأكثر من هذه المدّة حيث نقل ابن حزم في فصله نصّا يفيد بأنّ السجن دام سبع سنوات، قال: ادعت الحمل بعد الحسن بن علي سيدها فوقف ميراثه لذلك سبع سنين ونازعهل في لك أخوه جعفر ابن علي وتعصب لها جماعة من أرباب الدولة وتعصب لجعفر آخرون ثم انفش ذلك الحمل وبطل أخذ الميراث جعفر أخوه وكان موت الحسن هذا سنة ستين ومائتين (1.)#### فترة التخفّي:يظهر أنّ خروج السيدة نرجس علیها السلام لم يكن بإرادة البلاط


1) الفصل في الملل والنحل 477.

العباسي، بل لعلّ الأمر كان هروبا من سجنهم كما يلوح من العبارات التي نقلها الشيخ الصدوق رضي الله عنه مثل (فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم / فشغلهم ذلك عنها خصوصا وأنّ ابن حزم أشار إلى وجود متعاونين معها من داخل البلاط العباسي إذ يقول: وتعصب لها جماعة من أرباب الدولة (1).)وقد أشارت نصوص الشيخ الصدوق رضي الله عنه إلى الظروف التي ساهمت في تمكّنها من الهرب حيث نقل مجموعة من الاحداث السيسيّة اجسيمة التي أثّرت على قوّة الدولة العباسية وسيطرتها على زمام الأمور والتي منها:- اشتداد ثورة الزنج- قيام ليث بن يعقوب الصفار- موت عبيد الله بن يحيى بن الخاقانومن هنا دخلت هذه السيدة الطاهرة علیها السلام في مرحلة التخفّي خوفا من الاعتقال ولهذا لم ترجع إلى بيت الإمام العسكري علیه السلام بل كان قدرها أن تجول في الأرض هربا من عيون العباسيين، وقد ورد ما يدلّ على حالها في هذه الفترة:


1) الفصل في الملل والنحل 477.

فقد روى الشيخ الكليني رضي الله عنه بسنده عن أحمد بن إسحاق قوله: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك- الاسم-، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم، ولكن عنه علیه السلام، فإنّ الأمر عند السلطان، أنّ أبا محمد مضى ولم يخلف ولدا وقسّم ميراثه وأخذه من لا حقّ له فيه، وهوذا عياله يجولون ليس أحد يجسر أن يتعرّف إليهم أو ينيلهم شيئا، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك (1.)فالذي يظهر أنّ جعفر الكذّاب قد تملّك كلّ ميراث أخيه الإمام العسكري علیه السلام بحيث لم يبق لأسرته الكريمة أيّ موضع يستقرّون فيه، وبالتالي فبعد خروج السيدة الطاهرة نرجس علیها السلام من سجنها لم ترجع لبيتها بل بدأت التنقل بين بيوت كبار الشيعة في العراق.البيت الأوّل الذي استقرّت فيه الطاهرة علیها السلام هو بيت محمد بن علي بن حمزة العبّاسي حيث ترجم له النجاشي رحمه الله في فهرسته وأشار إلى بقائها علیها السلام في بيته فقال: محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام أبو عبد الله، ثقة، عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له رواية عن أبي الحسن وأبي محمد علیهما السلام،


1) الكافي 330/1.

واتصال مكاتبة، وفي داره حصلت أم صاحب الأمر علیه السلام بعد وفاة الحسن علیه السلام (1.)وقد نقل المؤرّخون في ترجمته أنّه توفّي في سنة 287ه-، منهم المرزباني الذي ترجم له بقوله: شاعر راوية عالم يروي كثيراً من أخبار أهله وبني عمه ولقي جماعة من شيوخنا وحدّثونا عنه، وتوفي سنة سبع وثمانين ومائتين (2.)والظاهر أنّها علیها السلام قد خرجت من هذا البيت بعد وفاة صاحبه رضي الله عنه ولعلّه لعدم وجود من يقوم بكفالتها خصوصا وأنّها مطاردة من السلطات العبّاسية، والذي يثبت هذا هو أنّ ابن حزم قد نقل أنّها علیها السلام قد اعتقلت بعد نيف وعشرين سنة من موت سيدها أي بالضرورة قبل سنة 290 ه- بل قبل 289 ه- لكونها اعتقلت في أيام المعتضد والذي مات في هذا التاريخ، وكان اعتقالها في بيت الحسن بن جعفر النوبختي الكاتب العباسي المعروف (3.)فبالجمع بين هذه الأمور يمكن أن نستنتج أنّ السيدة نرجس علیها السلام قد خرجت من بيت محمد بن علي بن حمزة رضي الله عنه وانتقلت إلى


1) الفهرست 248.

2) معجم الشعراء 453.

3) الفصل في الملل والنحل 77/4.

بيت النوبختي وبقيت فيه قرابة السنة أو أكثر بقليل ثم اعتقلت منه وسجنت للمرّة الثانية.#### إلى السجن العباسي!كما تبيّن لك ممّا تقدّم فإنّ السيدة الطاهرة نرجس علیها السلام قد سجنت للمرّة الثانية، وقد نقل لنا ابن حزم نتفا من أحداث هذا السجن حيث قال في فصله:وزادت فتنة الروافض بصقيل هذه ودعواها إلى أن حبسها المعتضد بعد نيف وعشرين سنة من موت سيدها وقد عيّر بها أنّها في منزل الحسن بن جعفر النوبختي الكاتب فوجدت فيه وحملت إلى قصر- المعتضد فبقيت هنالك إلى أن ماتت في القصر في أيام المقتدر (1.)وهذا النص فيه عدّة نقاط جديرة بالوقوف عندها:الأوّل: أنّ السيدة الطاهرة علیها السلام قد استقرّ بها المقام ببيت الحسن بن جعفر النوبختي الذي كان كاتبا عند العبّاسيين ولا نستبعد أنّ هذا التدبير كان من جهة السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي رضي الله عنه الذي كان في تلك الأيام يعمل تحت إمرة السفير الثاني محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه، فقد كان من بني نوبخت وكان يعمل مرتديا


1) الفصل في الملل والنحل 77/4.

رداء التقيّة بحيث كانت محلّ ثقة عند الجميع.الثاني: يظهر أنّ معرفة العباسيين بمكان السيدة نرجس علیها السلام كان عن طريق وشاية حصلت في البلاط العباسي، يفهم ذلك من قوله (وقد عيّر بها أنّها في منزل الحسن بن جعفر النوبختي الكاتب فوجدت فيه، فتعبيره ب-"فوجدت فيه" كاشف عن جهلهم المسبق بوجودها هنا، ولم ينقل لنا التاريخ مصير النوبختي.)الثالث: الأمر المهمّ هنا هو نوع السجن الذي سجنت فيه هذه المرّة، إذ نقل لنا ابن حزم أنّها سجنت في قصر الخليفة لا في سجن عامّة الناس (فيه وحملت إلى قصر المعتضد فبقيت هنالك، وهذا يكشف عن خطورة القضيّة المهدويّة في نظر العباسيين في تلك الأيّام وحرصهم على إجهاض المشروع المهدوي.)الرابع: يمكن من خلال هذا النص أيضا تحديد مدّة سجنها، فقد تقدّم من النصوص السابقة أنّ بداية سجنها كان بين سنة 287 و 288ه-، وبقيت في هذا السجن إلى أن ماتت في أيّام المقتدر الذي تولّى الخلافة سنة 295ه-، فيكون الحدّ الأدنى للمدّة التي سجنتها 7 سنوات فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!

#### لماذا هذا السجن؟يبقى الكلام في صدر كلام ابن حزم وهو قوله (وزادت فتنة الرافضة بصقيل هذه ودعواها إذ يظهر أنّه كانت لها حركة في الأوساط الشيعيّة في تلك الفترة أي بعد أكثر من 20 سنة من شهادة الإمام العسكري علیه السلام، وهذا ما يجعلنا أمام سؤال محيّر فعلا وهو: ماذا كان دورها علیها السلام في هذه الفترة؟)وهنا عندنا ثلاثة احتمالات:أوّلها هو أنّ السيدة نرجس علیها السلام كانت قد هربت من سجن العبّاسيين في الأحداث التي تمّ ذكرها سابقا وبقيت على قائمة المطلوبين لدى السلطات، وقد جدّوا في طلبها في زمن في الخليفة المعتضد بسبب تشدّده في أمر أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم (1، ولعلّ تركيزهم على هذه السيدة الطاهرة هو من باب جعلها ورقة الضغط على الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف لكي يسهل اعتقاله.)ثانيها: أن تكون السيدة نرجس علیها السلام قد غابت عن الساحة العامّة طيلة هذه الفترة الطويلة، ورجعت إلى واجهة الأحداث نتيجة حصول أحداث قادحة مثل كثرة مدّعي السفارة في زمن محمد بن


1) أعيان الشيعة 37/5.

عثمان العمري رضي الله عنه بحيث كان في ظهورها وإظهارها التأييد له تقوية لجانبه ضدّ المدّعين وجمعا لكلمة شيعة أهل البيت علیهم السلام.ثالثها: هو أنّها لم تختف أصلا عن واجهة الأحداث بل كان لها نشاط سرّي تقوم بها خلف الكواليس إذ لا نمنع من كونها حلقة وصل بين الإمام علیه السلام وبين غيره من الناس حتّى ولو كان الحديث عن مثل العمري وابنه!نعم لا دليل عندنا على الاحتمال الأوّل والثاني ولكن هناك قرائن قد تكون مرجّحة للاحتمال الثالث، فبقراءة النصوص الموجودة بين أيدينا نجد أنّنا أمام شبكة نسائيّة سريّة ذات نشاط بالغ الأهميّة موازية للنشاط السفراء الأربعة:فمن هؤلاء حكيمة عمّة الإمام العسكري علیه السلام والتي كانت تقوم بتثبيت وجود خلف لابن أخيها علیه السلام ولذلك كان يقصدها كلّ شاكّ ومرتاب في الأمر، وقد تقدّم ذكر شيء من رواياتها وأخبارها فلا حاجة للتكرار.ومن هؤلاء أمّ أبي محمد علیهما السلام جدّة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف والتي نصّت الروايات صريحا على وجود دور لها في الغيبة الصغرى، فقد نقل الشيح الصدوق رضي الله عنه بسنده عن أحمد بن إبراهيم قال: دخلت على حكيمة

بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكري علیهم السلام في سنة اثنين وثمانين بالمدينة، فكلمتها من وراء الحجاب وسألتها عن دينها فسمّت لي من تأتم به، ثم قالت: فلان بن الحسن علیه السلام فسمّته، فقلت لها: جعلني الله فداك معاينة أو خبرا ؟ فقالت : خبرا عن أبي محمد علیه السلام كتب به إلى أمه، فقلت لها: فأين المولود ؟ فقالت: مستور، فقلت: فإلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدّة أم أبي محمد علیه السلام فقلت لها: أقتدي بمن وصيّته إلى المرأة؟ فقالت: اقتداء بالحسين بن علي بن أبي طالب علیهما السلام إنّ الحسين بن علي علیهما السلام أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب علیه السلام في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلي زينب بنت على تسترا على علي بن الحسين (1.)ومن هؤلاء العجوز التي يظهر أنّها كانت خالة الإمام المنتظر علیه السلام، فقد روى الشيخ رضي الله عنه في الغيبة بسنده عن يعقوب بن يوسف الضراب الغساني - في منصرفه من إصفهان - قال : حججت في سنة إحدى وثمانين ومائتين وكنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا، فلما قدمنا مكة تقدم بعضهم فاكترى لنا دارا في زقاق بين سوق الليل، وهي دار خديجة علیها السلام تسمى دار الرضا علیه السلام، وفيها عجوز سمراء فسألتها: لما وقفت على أنها دار الرضا علیها السلام ما تكونين من أصحاب


1) كمال الدين 501.

هذه الدار؟ ولم سميت دار الرضا؟ فقالت: أنا من مواليهم وهذه دار الرضا علي بن موسى علیهما السلام، أسكنيها الحسن بن علي علیهما السلام فإنّي كنت من خدمه؛ فلما سمعت ذلك منها آنست بها وأسررت الأمر عن رفقائي المخالفين، فكنت إذا انصرفت من الطواف بالليل أنام معهم في رواق في الدار، ونغلق الباب ونلقي خلف الباب حجرا كبيرا كنا ندير خلف الباب، فرأيت غير ليلة ضوء السراج في الرواق الذي كنا فيه شبيها بضوء المشعل، ورأيت الباب قد انفتح ولا أرى أحدا فتحه من أهل الدار، ورأيت رجلا ربعة أسمر إلى الصفرة ما هو قليل اللحم، في وجهه سجادة عليه قميصان وإزار رقيق قد تقنّع به وفي رجله نعل طاق فصعد إلى الغرفة في الدار حيث كانت العجوز تسكن، وكانت تقول لنا: إنّ في الغرفة ابنة لا تدع أحدا يصعد إليها، فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضيء في الرواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها، ثم أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه،...، فلما رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي ووقعت في قلبي فتنة فتلطفت العجوز وأحببت أن أقف على خبر الرجل، فقلت لها: يا فلانة إني أحب أن أسألك وأفاوضك من غير حضور من معي فلا أقدر عليه، فأنا أحب إذا رأيتني في الدار وحدي أن تنزلي إلي لأسألك عن أمر، فقالت لي مسرعة: وأنا أريد أن أسرّ إليك شيئا فلم يتهيأ لي

ذلك من أجل من معك، فقلت ما أردت أن تقولي؟ فقالت: يقول لك - ولم تذكر أحدا - لا تخاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاحهم، فإنهم أعداؤك ودارهم، فقلت لها: من يقول؟ فقالت: أنا أقول، فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن أراجعها، فقلت أي أصحابي تعنين؟ فظننت أنها تعني رفقائي الذين كانوا حجاجا معي قالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك، وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدار عنت في الدين، فسعوا بي حتى هربت واستترت بذلك السبب فوقفت على أنها عنت أولئك، فقلت لها ما تكونين أنت من الرضا؟ فقالت كنت خادمة للحسن بن علي علیه السلام، فلما استيقنت ذلك قلت: لأسألنّها عن الغائب علیه السلام، فقلت: بالله عليك رأيته بعينك، فقالت: يا أخي لم أره بعيني فإني خرجت وأختي حبلى وبشرني الحسن بن علي علیهما السلام بأني سوف أراه في آخر عمري، وقال لي : تكونين له كما كنت لي،...، وكنت أفتح الباب وأخرج على أثر الضوء وأنا أراه - أعني الضوء - ولا أرى أحد حتى يدخل المسجد، وأرى جماعة من الرجال من بلدان شتى يأتون باب هذه الدار، فبعضهم يدفعون إلى العجوز رقاعا معهم، ورأيت العجوز قد دفعت إليهم كذلك الرقاع فيكلمونها وتكلمهم ولا أفهم عنهم، ورأيت منهم في منصرفنا جماعة في طريقي إلى أن قدمت

بغداد (1.)والذي يظهر من مجموع النصوص أنّ العمري وابنه كانا معروفين بارتباطهما بالعترة الطاهرة خصوصا وأنّ جعفر الكذّاب قد باح بكلّ أسرار شبكة الوكلاء التي كانت تحت يد الإمام العسكري علیه السلام، فكان البدل هو إيجاد شبكة أخرى للوكلاء يمكن أن تكون حلقة وصل مع بقيّة القواعد الشعبيّة فكان دور النسوة وعلى رأسهم السيدة الطاهرة نرجس علیهما السلام، وأحتمل كثيرا أنّ الوشاية بها كانت من أحد الوكلاء المنقلبين على محمد بن عثمان العمري الذين كان محلّ ثقة عند الجميع ولكن للأسف الشديد لا توجد عندنا معطيات كافية.نعم قد يكون عندنا ما يؤيّد هذا التحليل وهو اختيار السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي حيث نقل الشيخ الطوسي رضي الله عنه أنّه لم يكن يعرف بأيّ خصوصيّة بين وكلاء الناحية المقدّسة:فقد روى رضي الله عنه بسنده عن جعفر بن أحمد بن متيل: كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس وأبو القاسم بن روح رضي الله عنه فيهم، وكلّهم كانوا أخص به من أبي القاسم بن روح حتّى أنّه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب


1) كمال الدين 273.

ينجزه على يد غيره لما لم يكن له تلك الخصوصية، فلما كان وقت مضي أبي جعفر رضي الله عنه وقع الاختيار عليه وكانت الوصية إليه (1.)وقال: قال مشايخنا: كنا لا نشك أنه إن كانت كائنة من أمر أبي جعفر لا يقوم مقامه إلّا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه لما رأينا من الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله، حتى بلغ أنّه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلّا ما أصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له، وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه، وكان أصحابنا لا يشكّون إن كانت حادثة لم تكن الوصيّة إلّا إليه من الخصوصية به، فلما كان عند ذلك ووقع الاختيار على أبي القاسم سلّموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر رضي الله عنه، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم رضي الله عنه وبين يديه كتصرّفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات رضي الله عنه، فكل من طعن على أبي القاسم فقد طعن على أبي جعفر، وطعن على الحجة صلوات الله عليه (2.)والسبب في اختيار الحسين بن روح في ظلّ ما قدّمناه من تحليل هو عدم اشتهار تشيّع الرجل بين أهل العراق لكونه كان بارعا في


1) الغيبة 369.

2) الغيبة 369.

الاتقاء:فقد نقل الشيخ الطوسي رضي الله عنه عن أبي عبد الله بن غالب حمو أبي الحسن بن أبي الطيب قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، ولعهدي به يوما في دار ابن يسار، وكان له محل عند السيد والمقتدر عظيم، وكانت العامة أيضا تعظّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفا؛ وعهدي به وقد تناظر اثنان، فزعم واحد أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ثم عمر ثم علي، وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم رضي الله عنه: الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصديق ثم بعده الفاروق ثم بعده عثمان ذو النورين ثم علي الوصي وأصحاب الحديث على ذلك وهو الصحيح عندنا، فبقي من حضر المجلس متعجّبا من هذا القول، وكان العامة الحضور يرفعونه على رؤسهم وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض (1.)ونقل عنه رضي الله عنه ما هو أعظم ممّا تقدّم: بلغ الشيخ أبا القاسم رضي الله عنه أن بوابا كان له على الباب الأول قد لعن معاوية وشتمه، فأمر بطرده وصرفه عن خدمته ، فبقي مدة طويلة يسأل في أمره فلا والله ما


1) الغيبة 384.

رده إلى خدمته، وأخذه بعض الأهل فشغله معه كل ذلك للتقية (1.)فغياب هذا الجهاز النسائي والذي على رأسه السيدة الطاهرة نرجس علیها السلام جعل الوضع يستوجب سفيرا له خصوصيّات أخرى أهمّها مقبوليّته عند جميع الأطراف وعدم كونه محلّ شكّ أو ريب عند القواعد الشعبيّة المختلفة.


1) الغيبة 386.

### نتائج البحثبعد هذه الجولة القصيرة في بحر التاريخ والسير يمكن تلخيص أهمّ النتائج التي وصلنا لها في رؤوس أقلام:أوّلا: إنّ اختلاف الروايات الواردة في تسمية أمّ الإمام المهدي علیه السلام لا يعتبر إشكالات في تحديد هويّة هذه المرأة، بل هو أمر يمكن أن يفسّر بعدّة وجوه تمّ ذكرها تفصيلا.ثانيا: لا صحّة للقصة المشهورة التي تنصّ على قدوم السيدة نرجس علیها السلام من بلاد الروم، وقد ذكرنا عدّة إشكالات على هذه الرواية سندا ومتنا وبالتالي فلا تبقى لها أيّ قيمة علميّة.ثالثا: إنّ الروايات الواردة عن العترة الطاهرة علیهم السلام تثبت أنّ السيدة نرجس علیها السلام كانت جارية نوبية ولدت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام وهي التي تولّت تربيتها وتأديبها لتكون قرينة للإمام العسكري علیه السلام أمّا لإمام العصر والزمان علیه السلام.رابعا: امتدّت حياة السيدة نرجس علیها السلام بعد الإمام العسكري علیه السلام وقد تعرّضت لصنوف من الاضطهاد العبّاسي حيث سجنت أكثر من مرّة بل ماتت في سجنها في قصر خلفاء بني العبّاس.خامسا: يظهر من بعض الإشارات الموجودة في النصوص

التاريخيّة أنّه كان لها دور كبير في هذه الفترة إلّا أنّ المعلومات المتوفّرة عندنا لا تكشف حقيقة الأمر لقلّة النصوص الواردة في هذا المجال.هذا ما وصلنا له بعد هذه الجولة ونسأل الله أن نكون قد أعطينا هذه الشخصيّة العظيمة جزءا من حقّها وأن يرزقنا في الدنيا زيارتها وفي الآخرة شفاعتها إنّه حميد مجيد.

## قراءة نقدية لكتاب سيدة الاماء- محمد الشيخ حسن آل بیریک### اشارةقراءة نقديةلكتاب سيدة الاماءمحمد الشيخ حسن آل بیریک

قراءة نقديةلكتاب سيدة الاماءالطبعة الأولى1445ه-محمد الشیخ حسن آل بیریک

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِوالصلاةُ والسلامُ عَلَى أشْرَفِ الأَنْبياءِ والمرْسَلين حَبيبِ إِله العَالمين أبي القاسِم محَمدٍ وأهل بَيْتِه الطيبين الطاهِرين، واللعْنُ الدائِمُ عَلى أعْدائِهِم أجمعين، أما بَعد:...### تمهيدمن الأمور التي اهتم بها المؤرخون والباحثون والمتكلمون هي شخصية مولاتنا نرجس أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف، فألّفت فيها تأليفات متعددة، حتى انتشر في الآونة الأخيرة كتاب بعنوان (سيدة الإماء، فيه يناقش الكاتب عدّة أمور حول والدة إمام العصر والزمان الحجة بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد تعرض فيه إلى عدة من المسائل المهمة من قبيل شبهة أهل الخلاف في تعدد أسمائها، ثم خصص الجزء الأكبر في الكتاب حول بيان أصل أم الإمام الحجة علیها السلام، ثم ختم الكتاب بالحديث عن بعض ما خُصت به من كلمات أهل البيت علیهم السلام وكذلك بعض ما واجهته من الأذى علیها السلام.)وقد تعرض الكاتب في الجزء الأكبر من كتابه إلى مناقشة الرواية المشهورة في أصل أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف من أنها علیها السلام قدمت من بلاد الروم، وقد بينت الرواية - وهي رواية طويلة - الأحداث التي تتعلق بها إلى أن وصلت إلى دار الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام و من ثم تكفلت السيدة حكيمة علیها السلام بشؤونها. وقد حكم الكاتب بأن هذه الرواية لا يمكن قبولها بل هي من المخترعات والمكذوبات، وَقدّم ملاحظات سندية ومتنية على هذه الرواية، ولأجل تلك الملاحظات رفض الرواية ومال إلى كون السيدة علیها السلام نوبية وقد وُلدت في دار السيدة حكيمة علیها السلام.

ولنا على هذا الكتاب عدّة ملاحظات لابد من تسليط الضوء عليها، وذلك لأمرين:الأوّل: إِنَّ البحثَ عن الشخصيات التاريخية ليس ترفاً فكرياً، بل يحملُ معنى عميقاً. فهناكَ مجموعة من الشخصيات التاريخية التي ترتبط بقضايا عقائدية أو فكرية، وهذه الارتباطات تلعب دوراً حيوياً في تشكيل وجدان الناس، فإن قضايا التاريخ تمثل وسيلة فعالة للتأثير على آراء الناس وتغيير تصوّراتهم تجاه مختلف القضايا.في الحقيقة يمكن أن يكون للشخصيات التاريخية تأثير كبير على العامة، سواءً كان التأثير إيجابياً أو سلبياً. فعندما يتم طرح قضية تاريخية تتعلق بشخصية معينة، يمكن للناس أن تتفاعل بشكل كبير مع هذه القضية، فإذا تم تشويه صورة تلك الشخصية في السجل التاريخي، فقد يتبع ذلك تقليل الاهتمام بها وتقديم تقييم سلبي عنها، والعكس بالعكس.فالاهتمام بالشخصيات التاريخية ليس مقتصراً على المجال الثقافي فقط، بل يمتد إلى الجوانب العقائدية والفكرية، وإن توثيق ودراسة حياة الشخصيات التاريخية يمكن أن يسهم في فهم أعمق للتطورات الاجتماعية والثقافية والدينية عبر العصور.باختصار، الشخصيات التاريخية لها تأثير كبير على العقائد والأفكار، والتفاعل مع قصصهم يمكن أن يكون طريقة ذات أثر لإحداث تغيير – إيجابي أو سلبي – في النفس والمجتمع.

الثاني: إِنَّ السيدةَ نرجس علیها السلام والدة إمام العصر والزمان الحجة بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف من الشخصيات المهمة التي كثر الحديث حولها قديماً وحديثاً، والحديث عنها وإن كان تاريخياً إلا أنه لابد وأن ينتهي إلى ما يتعلق بالإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف وما يرتبط بالإمامة من جهات متعددة.فهناك قضيةٌ لطالما حاولَ أهل الخلاف استغلالها حول أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف ألا وهي تعدد أسمائها علیها السلام، حيث أرادوا أن يجعلوا تعدد الأسماء من جهة، والأخبار المختلفة في أنها حرة أم أمة من جهة أخرى، من الكواشف عن عدم وجود هذه الشخصية من الأساس، ويلزم منه انتفاء الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية، و انتفاؤه يقضي ببطلان عقيدة الشيعة القائلة بلابدية وجود إمام في كل زمان، وقس على هذا جملة من القضايا التاريخية التي ترتبط بالسيدة نرجس علیها السلام، من قبيل منشئها وأصلها وغير ذلك مما يتعلق بتاريخها، والذي يمكن أن يكون له مساسٌ بالعقيدة المهدوية من جانبٍ من الجوانب.وقد ورد عن أهل البيت علیهم السلام في كلماتهم عن الغيبة ومحْنَتِها أنَّ الآخرين ينبزون المؤمنينَ، بل إن بعض الذين يدعون الإيمان هم أول من يُظهر الانحراف، ويشهد لذلك قول الإمام الصادق علیه السلام: «لَيَغِيبَنَّ عَنْكُمْ صَاحِبُ هَذَا الْأمْرِ ولَيَخْمُلَنَّ هَذَا حَتَّى يُقَالَ مَاتَ هَلَكَ فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ ولَتُكْفَؤُنَّ كَمَا تُكْفَأُ السَّفِينَةُ فِي أمْوَاجِ الْبَحْرِ لا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَهُ وكَتَبَ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ وأَيَّدَهُ بِرُوحِ مِنْه»، وقال علیه السلام: «إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أنْ يَقُومَ». قَالَ: قُلْتُ: ولِمَ؟قَالَ: «يَخَافُ» وأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلى بَطْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، وهُوَ الْمُنْتَظَرُ، وهُوَ الَّذِي

يُشَكُّ فِي وِلَادَتِهِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَاتَ أَبُوهُ بِلَا خَلَفٍ؛ ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَمْلٌ؛ ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ؛ وهُوَ الْمُنْتَظَرُ، غَيْرَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُحِبُّ أنْ يَمْتَحِنَ الشِّيعَةَ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَرْتَابُ الْمُبْطِلُونَ يَا زُرَارَةُ.قَالَ: قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذلِكَ الزَّمَانَ أَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ؟ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، إِذَا أَدْرَكْتَ ذلِكَ الزَّمَانَ، فَادْعُ بِهذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ؛ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ؛ فَإِنَّكَ إنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي) (1)

ص: 149 .

.

ولذا أقدم بين أيديكم هذه القراءة النقدية المتواضعة التي تناقش الكاتب فيما ذكره، وسأتعرض إلى ما يتعلق بالجزء الأكبر من الكتاب، وهو ما يتعلق بالرواية المشهورة والملاحظات التي سجلها والنتيجة التي وصل إليها، هذا وإن كان لدينا بعض الملاحظات على ما قدمه لمعالجة شبهة تعدد الأسماء وغير ذلك من المواطن، إلا أن الأهم هو ما يتعلق بهذه النقطة.وقد قسمتُ هذه القراءة إلى أقسام:- القسم الأول: مدخل .- القسم الثاني: مناقشة الملاحظات السندية.- القسم الثالث: مناقشة الملاحظات المتنية .


1) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2،

القسم الرابع: مناقشة حكم الكاتب النهائي على رواية الرهني.القسم الخامس: مناقشة النتيجة التي توصل لها الكاتب.القسم السادس: استفهامات.وأخيراً خاتمة.### تنبيهاتالتنبيه الأول: قد يجد القارئ بعض النقاط التي تكررت في طيات الكتاب؛ ولكن هذا لأن الكاتب قد كرر بعض المطالب في أكثر من موطن، فاستدعى ذلك التكرار بمقدار ما، وقد حاولت تجنب ذلك قدر المستطاع، إلا أنَّ المناقشة تفصيلية تقتضي الوقوف عند كل نقطة ناقشها الكاتب.التنبيه الثاني: لم أخصص قسماً لمناقشة منهجية الكاتب في التعامل مع النصوص، وما هي الآلية التي يتبعها في قبول بعض النصوص ورفض البعض الآخر، وإنما جعلتها منثورة في البين.التنبيه الثالث: سيلاحظ القارئ العزيز أن هناك بعض القضايا التي تُناقَش هي قضايا فرعية، ففي بعض الموارد قد لا تختلف النتيجة كثيراً عمّا ذهب إليه الكاتب، ولكن بما أن الكاتب قد اعتمد على مقدمات خاطئة رأيتُ أن أبين وَهن هذه المقدمات، وأن دعوى التحقيق والقراءة الجديدة هي دعوى جزافية مجانبة للمنهج العلمي.

وهذه السطور لم تكن لتُكتَب لولا جُهود بعض الإخوة وتشجيعهم، فإن لهم الدور الأكبر في هذا، ونظراً لكثرة من شارك في الكتاب من إبداء تعليق أو تصحيح أو إضافة وخوفي من ترك بعضها تركتُ ذكر الأسماء جميعاً ، فشكر الله لهم هذه الجهود وهي - إن شاء الله - تحت نظر المولى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، وها أنا أرفع يدي التوسل والضراعة لمولاي كهف اللاجئين ومرجع السائلين أمير المؤمنين علیه السلام الذي أنا بجواره، فإني أستجير به وأسأل المدد منه، ومن سيدي ومولاي صاحب العصر وناموس الدهر الحجة بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأن يتقبل مني ومن الإخوة هذا القليل، ليكون ذخراً ليوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.محمد الشيخ حسن آل مبيريكالنجف الأشرف9/ ربيع الأول/ 1445ه-

### القسم الأول: مدخل/عملية النقد للتاريخ طريقتين/ الأولی: نقد ذوقي#### اشارةالقسم الأول: مدخلإن عملية نقد الأخبار التاريخية من المسائل التي جُوبهت بنظرتين: نظرة القبول ونظرة الرفض. وكلا النظرتين لا يمكن قبولهما بإطلاقهما؛ وذلك لأن الأخبار التاريخية فيها المسلّم به الذي لا مجال للشك به كوجود النبي صلی الله علیه و آله و سلم، وأنه مدفون في المدينة ونحو ذلك، وفيها ما هو موضوعٌ مبثوث في صفحات التاريخ وهذا منه الكثير.فالنقد لا يطال كلّ الأخبار التاريخية بل بعضها، و عملية النقد للتاريخ تكون بأحد طريقين:(1 نقد ذوقي: وهو ما لا يعتمد على أُسس نقدية وضوابط علمية، بل يكون لمجرد استحسانات واستبعادات ذوقية شخصية، كأن يقول قائل بأن الصديقة الزهراء علیها السلام لم تتعرض لأي ظلم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وذلك لِما كان لها من مكانة في قلوب المسلمين، فلا يُتصور أن يتم الاعتداء عليها ولا يعترض أحد؟! فإنَّ هذا النقد مرتجل لا قيمة له، وأشباه هذا النموذج نماذج كثيرة في واقعة الطف وسيرة المعصومين وأمهاتهم علیهم السلام.)#### الثانیة: نقد علمي(2 نقد علمي: وهو المبني على الأسس والضوابط العلمية، وهذا النحو من النقد لنا فيه مسيس الحاجة لِما طال سيرة أهل البيت علیهم السلام من التحريف والتشويه)

المتعمد وبأساليب مختلفة كأن تُسلب عنهم كل فضيلة، وتنفي عنهم كل كمال، وقد يضعون الأحاديث لإضفاء صبغة شرعية على أعداء أهل البيت علیهم السلام، ويكفي لإثبات ذلك ما كتبه معاوية لعماله حيث قال: (فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله) (1)

ص: 45 .

.

إذن هناك كَمٌّ كبير من الأخبار إما المحرفة أو المسيئة لأهل البيت علیهم السلام وغير ذلك، وتمييز ذلك كلّه لا يمكن أن يكون إلا من خلال منهج علمي واضح مبني على أسس صحيحة وإلا صار الأمر فوضى، وكما يقول الشاعر:تحتشدُ الأقلام فيها كما ٭٭٭ يختلط الحابلُ بالنابلِفحينئذٍ لا بد من اتخاذ المنهج العلمي لنقد القضايا التاريخية، وأشير فيه إلى أمرين:


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 11،

#### الأمر الأول: ماهية المنهج العلمي للنقدالمنهج العلمي للنقد عبارة عن سبر الفكرة المنقودة، وعرضها على ضوابط العلم العامَّة والخاصَّة، وما يتعلَّق بالطبيعة العلمية للفكرة.فهنا عندنا شيئان:(1 ضوابط العلم العامَّة والخاصة: فهناك قواعد عامة تدخل في كل علم، وقد تعرضت إليها بعض العلوم كعلم المنطق، فإنه لا يخلو علم من قواعد المنطق، ولهذا يسمونه ب- (خادم العلوم). وهناك قواعد خاصَّة بكل علم، كقواعد الرياضيات فإنها خاصة بالرياضيات، وقواعد الفيزياء فإنها خاصة بالفيزياء، وقواعد النحو، وقواعد الأصول، وقواعد الفقه وهكذا.)(2 الطبيعة العلمية للفكرة: فكل فكرة لا تخرج عن طبيعة معينة، فقد تكون فكرة رياضية أو فيزيائية أو تاريخية أو نحوية أو فقهية أو غير ذلك.)وعليه فعند نقد فكرة ما لا بد من عرضها على القواعد العامَّة والخاصَّة، وما يتعلق بطبيعة الفكرة.#### الأمر الثاني: ما يحتاج إليه في النقد العلمي الصحيح(1 سعة الاطلاع والتتبع.)إن الناقد لابُد أن يكون ذا اطلاع واسع وكبير، فمن كان ذا اطلاع بسيط وتتبع بسيط لا يمكن أن يبت في نقد قضية من القضايا، فإن الذي لا يتتبع تتبعاً كافياً تبقى المسألة عنده في حيّز الضبابية فلا يمكن أن يصل من خلالها إلى خفايا الواقع،

فمثلا لا يصح من الناقد الذي يريد أن يبحث عن قضية تاريخية لها ارتباط بالتاريخ البيزنطي أن يقتصر على ما ذُكر في كتب التاريخ العربية، أو بما ذُكر في الويكيبيديا.فعدم التتبع والاستقراء الكافي لا يعطي المبرر لشخص غير متتبع أن يقوم برمي بعض الأحداث بالكذب، أو يقوم بنفي بعض الشخصيات أو نفي ذريتها، أو نفي تتلمذ لبعض الشخصيات على يد بعض الأئمة علیهم السلام، أو أن يقوم برمي بعض الأعلام بالاعتزال وبعض آخر بأنه شافعي وهكذا، وهو في كلِّ ذلك معتمد على نص وجده في كتاب واحد أو كتابين مكتفياً بهما، ولا دراية له بنصوص أخرى تنقض مدّعاه.وكذلك لابد من التتبع الكافي لأجل الاستبعاد أو التقريب لبعض القضايا، فإن التتبع كما أنه يساهم في كشف الواقع المجهول فهو أيضاً يساهم في تقريب بعض الأحداث التي يتمُّ استبعادها، أو استبعاد بعض الأحداث التي يتمُّ تقريبها وذلك من خلال الاطلاع على الأشباه والنظائر.(2 القدرة على تحليل الأحداث وتأليفها مع بعضها البعض.)لابُد أن تكون عند الناقد القابلية والقدرة على تحليل القضايا وربط بعضها ببعض، فمثلاً لما نأتي إلى قضية تاريخية فإن القضايا التاريخية لا يمكن أن تقتطعها من سياقها الزماني - كما سيتضح لك في بعض مناقشات هذا الكتاب - وإلا أدى ذلك لفهم خاطئ لها، فهنا لابد لكي تفهم بعض القضايا التاريخیة أن تحلل السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي والديني للحدث حتى تضمن الفهم الدقيق للأحداث، فالناقد يحتاج إلى الموهبة ويحتاج إلى الخبرة والممارسة الطويلة للعلم

الذي يُراد نقده.وبعد اتضاح ما تلوناه عليك أذكر - بعون الله تعالى - نموذجاً من النماذج التي يتضح فيها عدم توظيف الكاتب للمنهج العلمي، وخلو يده عن التتبع الكافي، والتحليل للأحداث، وهذا النموذج أجعله كمدخل للدخول في المناقشة الأساسية، وعليه فقس.#### أهلية الكاتب للتعامل مع القضايا التاريخية، ابن خلكان أنموذجاً##### اشارة تعرض الكاتب في كتابين من كتبه (1)

ص: 9 ، كتاب نهج البلاغة فوق الشبهات والتشكيكات، ص: 28.

لشخصية (ابن خلكان)، وذكر في كتابه (سيدة الإماء) أن ابن خلكان قد تفرد في ذكر اسم (خمط)، والذي ظهر للكاتب من ذكر ابن خلكان لهذا الاسم هو إرادة تمييع قضية الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف والتشكيك فيها، وقد ناقش الكاتب ثبوت هذا الاسم لها علیها السلام بمناقشتين:

- المناقشة الأولى: أن اسم (خمط من متفردات ابن خلكان.)- المناقشة الثانية: أن (ابن خلكان رجلٌ لا يؤتمن فيما ينقله عن العترة الطاهرة وتاريخ الشيعة لنصبه، وقد أقام قرينتين لإثبات نصبه.)وسنُركز الحديث على القرينتين اللتين أقامهما لإثبات نصبه، ولا يُفهم من هذا أننا ندافع هنا عن ابن خلكان.##### القرينة الأولى:سر تسميته بابن خلكان هو أن الرجل كان كثير الافتخار بأجداده، فيكثر من


1) كتاب سيدة الإماء،

قوله : (كان أبي، كان جدي، كان أجدادي، فكان يُقال له: (خلِّ كان، وتكلم عن نفسك) إلى أن أصبحت لقباً له، وقد نقل ذلك ابن عماد الحنبلي في شذراته.)ولما رجعنا إلى تاريخ الرجل وجدناه برمكي النسب، ومن له اطلاع على التاريخ يعلم يقيناً أن البرامكة كانوا أشد الناس عداوة للعلويين، إذ كانوا اليد الضاربة للدولة العباسية ..... فكانوا السيف الحاد المسلط على أعداء العباسيين وخصوصاً العلويين. وعليه فهناك عداء تاريخي متجذر بين البرامكة وبين العلويين، ولا نشك أن کلام ابن خلكان ناشئ عن هذا . (1)

ص: 9 .

» التعليق:قرينة الكاتب تعتمد على مقدمتين اثنتين:- المقدمة الأولى: أن ابن خلكان ممن يتفاخر بأجداده حتى سُمي ب- (ابن خلكان.)- المقدمة الثانية: هؤلاء الأجداد كانوا من أعداء أهل البيت علیهم السلام.- النتيجة: لو كان محباً لأهل البيت علیهم السلام ومبغضاً لأعدائهم لما تفاخر بأعداء أهل البيت علیهم السلام ولو كانوا أجداده.» المناقشة:وكلامنا مع الكاتب في المقدمة الأولى، فقد اعتمد في إثبات نصب ابن خلكان على أنه سُمي به لأنه كان يتفاخر بأجداده الذين هم أعداء العلويين، وهذا يبتني


1) سيدة الإماء،

على أمرين:- الأول: انحصار المراد من (خلكان في المعنى الذي ذكره.)- الثاني: أن المسمى بهذا الاسم هو صاحب الوفيات.وفي كلا الأمرين نظر:أما الأول: فقد ذكروا في سبب التسمية بهذا الاسم أقوالاً:القول الأول: أنها مركبة من كلمتين. أي أن كلمة (خلكان) نفسها مركبة من (خل) و (كان)، وهذا القول ذكره جملة ممن كتب حول هذا الاسم فقيل: (وجه تسمية جدّه خَلِّكان به بناء على ضبطه الأوّل أنّه افتخر يوما في مجلس كان له على بعض قرنائه بمفاخر آبائه الّذين هم آل البرامكة الوزراء المشهورون فقيل له في ذلك: خلّ كان. بمعنى: دع كان أبي كذا. وجدّي كذا، ونسبي كذا، وحدّثنا عمّا يكون في نفسك الآن) (1).

وهذا القول نفس ما يشير إليه الكاتب من سبب التسمية باختلاف في نسبة الكلمة لمن، وقد نُقل عن أحد الأدباء نفس هذا التفسير إلا أنه ذكر أن منشأ التسمية هو أن ابن خلكان حين سئل عن نسبه، (قال: خلّ كان، يعني اسأل عن الرجل ودعك من السؤال عن آبائه وأجداده (2).)


1) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، ج 1، ص: 320.

2) ذكره (محمود الأرناؤوط) في تحقيقه لشذرات أبي الفلاح ابن عماد الحنبلي، «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» (7/ 650) حاشية (2).

القول الثاني: أنها نسبة إلى قرية تُسمى (خَلْكان.)ذكر هذا القول جملة ممن تعرض لابن خلكان، ومن ضمن من نقل هذا المعنى المصدر الذي اعتمده الكاتب في ذكر سبب تسمية (خلكان بهذا الاسم ألا وهو أبو الفلاح ابن العماد الحنبلي في شذراته حيث قال: (قال ابن شهبة قال الإسنوي: خلّكان: قرية من عمل إربل) (1).) وقد نقل ذلك ابن المستوفي (ت 637 ه-) - وهو أسبق زماناً من صاحب وفيات الأعيان- في كتابه (تاريخ اربل)، وذلك في ترجمة (عمر بن خلكان (2)) فقال: (هو أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، من قرية معروفة بجده منسوبة إليه على طريق النسبة الكردية) (3)، وعلق سامي الصقار - محقق الكتاب- عليه بهذا: (ورد في «الفوائد البهية» (4)، أن عبد القادر العيدروس نقل في «النوع السافر في أخبار القرن العاشر» عن قطب الدين المكي أنه قال أن لفظ (خلكان) ضبط على صورة الفعلين «خل» أمر من خلى أي ترك، و «كان»، وأن سبب تسميته بذلك أنه كان كثيراً يقول: (كان والدي كذا، كان والدي كذا) فقيل «خل كان». ثم قال: (ورأيت من ضبطه بسكون اللام والباقي على حاله).

وفي «طبقات الشافعية» لابن شهبة (5أن (خلكان) قرية من عمل إربل،)


1) «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» (650/7).

2) يكون عمّا لصاحب وفيات الأعيان.

3) تاریخ اربل، ج 1 ص 283.

4) ص: 12 ، حاشية.

5) انظر طبقات الاسنوي 1/495 .

وعلق على ذلك المحقق الجبوري بقوله بأن القرية لا زالت موجودة في قضاء رانية التابعة للواء السليماني (وهو وهم من الاسنوي - على حد قول ابن شهبة - وإنما هو اسم لبعض أجداده . اه- . ويبدو أن الصحيح هو ما ذكره ابن المستوفي - وهو الاربلي العريق - من أن النسبة هي إلى قرية معروفة بجده منسوبة إليه على طريق النسبة الكردية. والظاهر أن أحد أجداده كان يُدعى (خل وهو اسم معروف، فنُسبت إليه القرية وصارت «خلكان».)هذا ووجد عشيرة كردية تسمى (خالكاني مؤلفة من 400 أسرة وهي نصف رحالة، قادمة بالأصل من منطقة راوندوز (وهي من أعمال إربل) وتسكن حالياً غربي بحيرة قوجحصار (هي دنيسر) وفقاً لما ذكر أمين زكي (تاريخ الكرد (1)) (2).)وذكر محمود الأرناؤوط في تحقيقه على شذرات ابن العماد الحنبلي فقال: (وعلّق محقّقه - أي محقق كتاب الإسنوي - الدكتور عبد الله الجبّوري بقوله: أقول: وما زالت هذه القرية التي يقترن باسمها اسم المؤرخ العظيم قاضي القضاة ابن خلّكان إلى الآن، وهي كذلك قرية، وتقع في (جناران - مرزا - رستم، التابعة إلى قضاء رانية، من محافظة السليمانية في شمال العراق. أفادنيه الأخوان الصديقان: العميد الأستاذ الفاضل عبد الرحمن التكريتي، والأستاذ صادق التكريتي قائم مقام قضاء بغداد. انتهى .)قلت: وسألت عن ذلك صديقي الأديب الدكتور خالد قوطرش الكرديّ- وهو ممن يتقن الكردية ويلم بالفارسية - فقال: يقال بأن «ابن خلكان» ينسب


1) ص 436 .

2) تاريخ إربل ج 2 ص 473 .

إلى قرية «خلكان» بفتح الخاء وسكون اللام وفتح الكاف، قرية تقع الآن في شمال العراق، وعليه فإن الصواب أن يقال «ابن خَلْكان» (1).)ومن خلال ما كُتب في بيان سبب تسمية (خلكان وجدتُ أن بعضهم أشار إلى أن (ابن خلكان) صاحب «وفيات الأعيان» هو الذي كان يُفاخر بنسبه وأجداده فقيل له ما قيل، وقد تَفرد بذلك قطب الدين الحنفي (2)صاحب «طبقات الحنفية» على ما نَقل عنه العيدروس في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر» فقال: (وَمن إفادات الشَّيْخ قطب الدّين أن لفظ (ابن خلكان) ضبط على صُورَة الْفِعْلَيْنِ، خل أمراً من (خلي) أي ترك فعل مَاض وَكَانَ النَّاقِصَة، وسبب تسميته بذلك أنه كان يكثر أن يقول كان والدي كذا، وكان جدي كذا فإنه من البرامكة، فقيل خل كان) (3).)وهذا وإن كان بدواً يظهر منه أنه يعني أن (ابن خلكان نفسه هو من کان يتفاخر إلا أن الذي يتأمل يجد أن هذا النقل لا يختلف عن التعليلات السابقة إلا في النسبة، والظاهر أن هذه النسبة التي ذُكرت خطأ إما من الناقل أو من المنقول عنه، فاسم (خلكان) أسبق من صاحب كتاب «وفيات الأعيان» فقد كان يذكره في كتبه ففي مقدمة كتابه «وفيات الأعيان» يقول: (يقول الفقير إلى رحمة الله تعالى شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، الشافعي..) (4)،)


1) شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/ 650) ، حاشية 2.

2) قطب الدّين محمد بن علاء الدّين أحمد بن محمد بن قاضي خان بن بهاء الدّين بن يعقوب بن حسن بن علي النّهرواني الهندي ثم المكّي الحنفي.

3) النور السافر عن أخبار القرن العاشر ، ص : 347.

4) «وفيات الأعيان» (1/1).

وكذا تجد في ضبط اسم أحد أعمامه ك- (عمر بن إبراهيم بن خلكان مثلاً، فتسمية (خلکان) ليست له، ولو كان هو المتفاخر بأجداده لكان الأنسب أن يكون اسمه هو (خلكان) لا أن يُعرف ب- (ابن خلكان).)وأما ما نقله صاحب كتاب «شذرات الذهب» فظاهره أنه نقل عن «النور السافر» ولكنه ختم قوله بشيء يؤيد ما ذكرناه للتو فقد قال: (فقيل له (خلّ كان فغلبت عليه) (1)، فالذي كان من حقه أن يغلب على اسمه هو (خلكان) لا (ابن خلكان) كما أسلفنا.)ولو تنزلنا وقلنا بأن المتفاخر بآبائه البرامكة هو صاحب الوفيات، فإن هذا لا يثبت المدعى، وهو نصبه لأهل البيت علیهم السلام؛ لأن النصب هو إظهار العداوة والبغض لهم علیهم السلام، ومجرد التفاخر بأجداده وإن كانوا أعداء للعلويين لا يثبت النصب، بل إن مجرد عدائهم للعلويين لا يثبت نصبهم أنفسهم فضلاً عنه هو، لأن النصب أخص منه.على أنه يمكن أن يقال بأن العداء منهم لخصوص من كان يخرج بالسيف، وليس لمطلق العلويين بما فيهم الأئمة علیهم السلام.» النتيجة:إن (خلكان ليس لفظاً خاصاً بصاحب كتاب «وفيات الأعيان» بل هو أسبق منه، وقد ورد في تعليل وروده قولان، وعلى كلا القولين تسقط القرينة الأولى التي ذكرها الكاتب، فلا يمكن الاستفادة منها في إثبات نصب الرجل ليُرتَّب على ذلك)


1) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج 10 ص 619 .

ما استفاده الكاتب من أن هذا الاسم من مخترعات ابن خلكان لأنه أراد بذلك تمييع قضية الإمام المهدي علیه السلام بسبب نصبه.##### القرينة الثانية:إن ابن خلكان كان من عشاق يزيد بن معاوية وشعره، إذ أنه ذكر في ترجمة المرزباني: وهو أوّل من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، واعتنى به، وهو صغير الحجم، يدخل في مقدار ثلاث كراريس، وقد جمعه من بعده جماعة، وزادوا فيه أشياء كثيرة ليست له، وكنت حفظت جميع ديوان يزيد، لشدة غرامي به، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق، وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له، وتتبعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات، ولولا خوف التطويل لبينت ذلك، وشعر يزيد مع قلته في نهاية الحُسْن.وهنا لابد لنا من طرح عدة تساؤلات: ما سبب غرام ابن خلكان الشديد بشعر یزید؟إن كان حبه لنفس مضامين الشعر، فهذه طامة تنبئ عن سوء سريرة ابن خلكان، إذ أن شعر يزيد ليس شعراً في ذكر الله، ولا في الثناء على نبيه صلی الله علیه و آله و سلم، بل كله فسق وفجور، وليس هناك أفضل من الذهبي في تلخيص لسيرة يزيد بن معاوية ....وإن كان حبه لهذا الشعر من أجل حبه ليزيد نفسه، فيكفينا هذا مطعناً في هذا الرجل، إذ أن حب يزيد من أقوى الأدلة على النصب وبغض أهل البيت علیهم السلام، وقد كفافنا ابن كثير الدمشقي مؤونة إثبات هذه القضية بقوله: (الناس في يزيد بن

معاوية أقسام ....) (1)

ص: 10 .

. انتهى.

» التعليق:قرينة الكاتب تعتمد على مقدمتين اثنتين:- المقدمة الأولى: أن ابن خلكان من عشاق يزيد بن معاوية.- المقدمة الثانية (مطوية: أن كل من كان يعشق يزيد فهو من النواصب.)- النتيجة: أن ابن خلكان من النواصب.» المناقشة:وكلامنا مع الكاتب في المقدمة الأولى، وقد استدل عليها بما ذكره في ترجمة المرزباني من أنه كان شديد الغرام بشعر يزيد، وأنه وصف شعره بأنه في نهاية الحسن، ثم ذكر احتمالين في شدة غرامه بشعر يزيد، الأول: لما في شعر يزيد من مضامين، والثاني: لعشقه ليزيد.وكلامه باطل من وجهين:الأول: أنه إنما يتم هذا الكلام لو كان غرامه بشعر يزيد من جهة حبه له، ولكنه غير متعين، لوجود احتمال آخر ذكره هذا الكاتب وهو حبه لمضامين شعر يزيد، فإنه وإن كانت مضامين شعر يزيد لا تذكر بالله عز وجل ولا تربط بأهل البيت علیهم السلام بل ولو كانت مليئة بالفسق والفحش والمجون فإن ذلك لن يكون كاشفاً إلا عن خبث سريرة، ولا ملازمة بين إثبات فساده وإثباته النصب لأهل البيت علیهم السلام.الثاني: أن المنقول من كلام ابن خلكان ظاهر في أنه مغرم بالشعر باعتبار أنه في


1) سيدة الإماء،

نهاية الحسْن (1، لا أنه بسبب كونه شعر يزيد، حتى يتوهم أن غرامه به لعشقه يزيد.)» النتيجة:لو كان الكلام في حفظه لشعر يزيد فقط لما كان دالاً على نصبه ولا على خبثه، ولكن الذي قاله عن نفسه من أنه شديد الغرام بشعره، وكان مولعاً به حتى حفظه، وتتبعه تتبعا عرف به صاحب كل أبيات فيه، وعرف صحيحه من المنسوب له ، كاشف عن خبث الرجل وانحرافه عن أهل البيت علیهم السلام، فلو كان يزيد الملعون قاتل أهله وعشيرته وسابي نسائهم وفاعلاً فيهم ما فعله في الحسين وأهله وأصحابه ونسائه فهل تراه يغرم بشعره هذا الغرام العجيب الغريب؟!فهذا الغرام وإن لم يكن دالاً على نصبه، لأن النصب يعتبر في تحققه أمور ليست متحققة بهذا الغرام ، إلا أن هذا الغرام كاشف عن خبث هذا الخبيث.ولكن هذا لا يعني أننا نوافق الكاتب في أن ذكره لاسم خمط كان بغرض تمييع قضية الإمام المهدي علیه السلام، وأن هذا ناشئ من نصبه المستفاد من القرينتين أعلاه، فإن هذا لا دليل عليه، وما ذكر لا يصلح أن يكون كذلك.بعد هذا يتضح للقارئ أن الكاتب لا يمارس حتى الضوابط العامة للبحث، فلا المنهج العلمي، ولا التتبع الكافي، ولا التحليل الجيد، وستجد هذا منثوراً في طيات الكتاب كما سترى قريباً.


1) وفيات الأعيان (354/4).

### القسم الثاني: مناقشةُ الملاحظات السندية#### اشارةهنالك عدّة أقوال تبينُ أصلَ أُمِّ الإمامِ علیها السلام من أنها رومية أو سندية أو مغربية أو نوبية أو غير ذلك، وقَد نَقل الكاتب الرواية المشهورة في وُصولها إلى بيت العصمة والطهارة علیهم السلام والتي نقلها جُملة من الأعلام -وسيأتي التفصيل - ثم سَجّل عليها عدّة ملاحظات، وهنا أُريد أن أقف مع تلك الملاحظات.#### النقطة الأولى: في ذكر المصادر التي ذكرت رواية قدومها من بلاد الروم.##### اشارةو في هذه النقطة أَذكرُ أمرين:##### الأمر الأول: في ذكر الأسناد من المصادر الثلاثة الأولى.1. كتاب كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق (ت 381ه-.)حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ:...2. كتاب دلائل الإمامة، الطبري الصغير (بعد 411 ه-.)حَدَّثَنَا أبُو الْمُفَضَّل مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ وثَمَانِينَ

وثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ الرُّهْنِيُّ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ:...3. كتاب الغيبة، الشيخ الطوسي (ت 460 ه-.)أخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلِ الشَّيْبَانِيِّ الرُّهْنِي قَالَ: قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ وَهُوَ مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أحَدُ مَوَالِي أَبِي الْحَسَنِ وأَبِي مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله و سلم وجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى: ...والعلماء جيلاً بعد جيل قد نقلوها في كتبهم مما يُشعر باهتمامهم بهذه الرواية، وإليك أسماء بعض من نقلها:الصورة![142](/storage/sources/28/library/books/42/507042/images/142.jpg "image title")

الصورة![143](/storage/sources/28/library/books/42/507042/images/143.jpg "image title")

الصورة![144](/storage/sources/28/library/books/42/507042/images/144.jpg "image title")وقد اعتبر الرواية أو مضمونها جملة من الأعلام ، بل وصححها آخرون، فمثلاً: الشيخ المفيد رحمه الله قد نقل زيارة لها (1)متضمنة لنفس معاني الرواية، وهذه الزيارة وإن كنّا لا نقطع أنها واردة عن المعصوم (2)

ومما يجدر الالتفات إليه أن هذه الزيارة كانت منتشرة عند الناس حتى أن الشيخ ابن المشهدي رحمه الله يقول: (زيارة أم القائم علیها السلام أملاها عليّ رجل من البحرين سمعته يزور بها) [المزار الكبير (لابن المشهدي)، ص: 660]، مما يُشعر بأن هناك أساساً لهذه الزيارة.

إلا أنها كاشفة لا أقل عن قبول الشيخ لمضامينها.

وقد نقل الزيارة أيضاً جمع من العلماء من بعده، ومنهم الشيخ ابن المشهدي رحمه الله (3)

ص: 660 ، بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج 99 ،

ص: 72 .

، والشهيد الأول رحمه الله (4)وغيرهم من العلماء.

وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله: (وكانت أم المهدي علیه السلام أم ولد، اسمها نرجس


1) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 99 ، ص: 72.

2) قال الشيخ التستري رحمه الله في قاموسه: (وهو المفهوم أيضا من المفيد حيث ذكر زيارة لها و فيها: «المخطوبة من روح الله الأمين ومن رغب في وصلتها سيّد المرسلين»، والظاهر أنّ الزيارة إنشاء منه أخذا من خبر النّخاس المتقدّم.) [ قاموس الرجال، ج 12، ص: 63]، إلا أنه إن كانت كذلك فمع هذا تبقى مؤيدة للمدعى من كون الشيخ المفيد رحمه الله يعتمد مضمون الرواية.

3) المزار الكبير (لابن المشهدي)،

4) المزار (للشهيد الأول)، ص: 211، بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 99، ص: 72.

وهي بنت ليشوعا بن قيصر ملك الروم من أولاد الحواريين من قبل الإمام، وكان اسمها عند أبيها مليكة، ولها قصة عجيبة لا يسعها هذا الكتاب) (1)

ص: 62 .

، وهذا واضح في اعتباره لها ولو في الجملة.

وقال الشيخ عباس القمي رحمه الله قبل نقله الخبر: (روی ابن بابويه والشيخ الطوسي بأسانيد معتبرة عن محمد بن بحر بن سهل الشيباني أنّه قال: قال بشر بن سليمان النخّاس... إلخ) (2)، فعبر عن الأسانيد بأنها أسانيد معتبرة.

وقال الشيخ لطف الله الصافي قدس سره معلقاً على الرواية: (ويظهر ممّا عنون به الباب -[أي الشيخ الصدوق] - أيضاً اعتماده واستدلاله على ما كان مشهوراً في عصره من اسم أمّه علیه السلام ونسبها بهذا الحديث،... و إلّا فلا ينبغي لمثله أن يعتمد على رواية غير موثّقة، لا يعرف رواتها بالوثاقة في مثل هذا الأمر المعتنى به عند الخاصّ والعامّ، فالمظنون بل المقطوع اطمئنانه بصحّة الرواية وصدق رواتها، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا محيص عن القول باطمئنانه بصدورها بواسطة بعض القرائن و الأمارات المعتبرة التي يجبر بها ضعف الراوي، و يقطع بها بصحّتها) (3)

وقد خصصت الثلاثة أعلاه بالذكر باعتبار أن من جاء بعدهم نقلها عنهم، والكاتب اعتمد على أولئك الثلاثة.


1) تاج المواليد للشيخ الطبرسي، واعتمدت هنا المخطوط، وهناك نسخة إلكترونية مجموعة، وفيها اختلاف يسير،

2) منتهى الآمال، ج 2، ص: 693.

3) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر علیه السلام، ج 3، ص: 333، وسيأتي كلامه قدس سره كاملاً.

##### الأمر الثاني: في ذكر نص الرواية مع الفروقات بين المصادر الثلاثة.هناك فروق متعددة للرواية في المصادر الثلاثة، وهذا الاختلاف هو اختلاف بسيط، وفي الغالب يرجع إلى النساخ.وسأقتصر على ذكر الأهم من الفروق، وأما الاختلاف في تقديم وتأخير أو في تذكير وتأنيث وغيرها من الفروق غير المخلة بين النصين وسأغض الطرف عنها وإلا استوجب ذلك التطويل بلا ثمرة.الأصل: رواية كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق رحمه الله.الهامش: د: رواية دلائل الإمامة للشيخ الطبري الصغير الإمامي رحمه الله،غ: رواية الغيبة للشيخ الطوسي رحمه الله.حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمِ اَلنَّوْفَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو اَلْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى اَلْوَشَّاءِ اَلْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرِ اَلْقُمِّيُّ قَالَ (1: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحُسَيْن مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ اَلشَّيْبَانِيُّ قَالَ: وَرَدْتُ كَرْبَلاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَ ثَمَانِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَالَ وَزُرْتُ قَبْرَ غَرِيبٍ رَسُولِ الله صلى الله عليه و آله و سلم ثُمَّ انْكَفَأتُ إِلَى مَدِينَةِ اَلسَّلَامِ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَقَابِرِ قُرَيْشٍ فِي وَقْتِ قَدْ تَضَرَّمَتِ اَلْهَوَاجِرُ وَتَوَقَّدَتِ اَلسَّمَائِمُ فَلَمَّا وَصَلْتُ مِنْهَا إِلَى مَشْهَدٍ اَلْكَاظِمِ علیه السلام واسْتَنْشَقْتُ نَسِيمَ تُرْبَتِهِ اَلْمَغْمُورَةِ مِنَ اَلرَّحْمَةِ اَلْمَحْفُوفَةِ بِحَدَائِقِ اَلْغُفْرَانِ أَكْبَبْتُ عَلَيْهَا


1) د: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ اَلْمُطَّلِبِ اَلشَّيْبَانِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ اَلرُّهْنِيُّ اَلشَّيْبَانِيُّ، قَالَ .)غ: أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي اَلْمُفَضَّلِ اَلشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلِ اَلشَّيْبَانِيِّ اَلرُّهْنِي قَالَ: قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلنَّخَاسُ وهُوَ مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ أَحَدُ مَوَالِي أَبِي اَلْحَسَنِ وأَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام وجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وهنا في رواية الشيخ اختصار إلى دخول بشر على الإمام الهادي علیه السلام بعد أن جاءه كافور الخادم.

بِعَبَرَاتٍ مُتَقَاطِرَةٍ وَ زَفَرَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ - وَ قَدْ حَجَبَ اَلدَّمْعُ طَرْفِي عَنِ اَلنَّظَرِ فَلَمَّا رَقَأَتِ اَلْعَبْرَةُ وانْقَطَعَ اَلنَّحِيبُ فَتَحْتُ بَصَرِي فَإِذَا أَنَا بِشَيْخِ قَدِ انْحَنَى صُلْبُهُ وَ تَقَوَّسَ مَنْكِبَاهُ وَ ثَفِنَتْ جَبْهَتُهُ وَرَاحَتَاهُ وَ هُوَ يَقُولُ لِآخَرَ مَعَهُ عِنْدَ اَلْقَبْرِ: يَا ابْنَ أَخِي لَقَدْ نَالَ عَمُّكَ شَرَفًا بِمَا حَمَّلَهُ اَلسَّيِّدَانِ مِنْ غَوَامِضِ اَلْغُيُوبِ وَشَرَائِفِ اَلْعُلُومِ اَلَّتِي لَمْ يَحْمِلْ (1مثْلَهَا إِلَّا سَلْمَانُ وَقَدْ أَشْرَفَ عَمُّكَ عَلَى اسْتِكْمَالِ اَلْمُدَّةِ وانْقِضَاءِ اَلْعُمُرِ وَلَيْسَ يَجِدُ فِي أَهْلِ اَلْوَلَايَةِ رَجُلاً يُفضِي إِلَيْهِ بِسِّرِه قُلْتُ يَا نَفْسُ لَا يَزَالُ اَلْعَنَاءُ وَاَلْمَشَقَّةُ يَنَالَانِ مِنْكِ بِإِتْعَابِيَ اَلْخُفَّ وَاَلْحَافِرَ فِي طَلَبِ اَلْعِلْمِ وَقَدْ قَرَعَ سَمْعِي مِنْ هَذَا اَلشَّيْخِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ جَسِيمِ وَأَثَرِ عَظِيمٍ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا اَلشَّيْخُ وَمَنِ اَلسَّيِّدَانِ؟ قَالَ: اَلنَّجْمَانِ اَلْمُغَيَّبَانِ فِي اَلثَّرَى بِسُرَّ مَنْ رَأَى فَقُلْتُ: إِنِّي أُقْسِمُ بِالْمُوَالَاةِ (2)وَشَرَفِ مَحَلِّ هَذَيْنِ اَلسَّيِّدَيْنِ مِنَ اَلْإِمَامَةِ وَاَلْورَاثَةِ إِنِّي خَاطِبٌ عِلْمَهُمَا وَطَالِبٌ آثَارَهُمَا وَ بَاذِلٌ مِنْ نَفْسِيَ اَلْأَيمَانَ اَلْمُؤَكَّدَةَ عَلَى حِفْظِ أَسْرَارِهِمَا. قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَقُولُ فَأَحْضِرْ مَا صَحِبَكَ مِنَ اَلْآثَار عَنْ نَقَلَةِ أَخْبَارِهِمْ.)فَلَمَّا فَتَّشَ (3اَلْكُتُبَ وَتَصَفَّحَ اَلرِّوَايَاتِ مِنْهَا قَالَ: صَدَقْتَ أَنَا بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلنَّخَّاسُ مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ أَحَدُ مَوَالِي أَبِي اَلْحَسَنِ وَ أَبِي مُحَمَّدٍ علیهما السلام وَجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى. قُلْتُ: فَأَكْرِمْ أَخَاكَ بِبَعْضٍ مَا شَاهَدْتَ مِنْ آثَارِهِمَا. قَالَ: كَانَ مَوْلَانَا أَبُو اَلْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَسْكَرِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَّهَنِي فِي أَمْرِ اَلرَّقِيقِ)


1) د: لَا يَحْتَمِلُ.

2) د: بِالْوَلَايَةِ.

3) د: نَشَرْتُ.

فَكُنْتُ لَا أبْتَاعُ وَ لَا أَبيعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَاجْتَنَبْتُ بِذَلِكَ مَوَارِدَ اَلشُّبُهَاتِ حَتَّى كَمَلَتْ مَعْرِفَتِي فِيهِ فَأَحْسَنْتُ اَلْفَرْقَ فِيمَا بَيْنَ اَلْحَلَالِ وَ اَلْحَرَامِ، فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِي بِسُرَّ مَنْ رَأَى وَقَدْ مَضَى هَوَى مِنَ اَللَّيْلِ إِذْ قَرَعَ اَلْبَابَ قَارِعٌ فَعَدَوْتُ مُسْرِعاً فَإِذَا أَنَا بِكَافُورٍ اَلْخَادِمِ رَسُولِ مَوْلَانَا أَبِي اَلْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ علیه السلام يَدْعُونِي إِلَيْهِ فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ اِبْنَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ وَأَخْتَهُ حَكِيمَةَ مِنْ وَرَاءِ اَلسِّتْرِ فَلَمَّا جَلَسْتُ قَالَ: يَا بشْرُ إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ اَلْأَنْصَارِ وَهَذِهِ اَلْوَلَايَةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ فَأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَ مُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَة تَسْبِقُ بِهَا شَأَوُ (1)اَلشِّيعَةِ (2)فِي اَلْمُوَالَاةِ بِهَا بِسِرِّ أُطْلِعُكَ عَلَيْهِ وَأُنْفِذُكَ فِي ابْتِيَاعِ أَمَةٍ (3)فَكَتَبَ كِتَاباً مُلْصَقاً (4)بِخَطٍّ رُومِيٍّ وَلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وَطَبَعَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ وَأَخْرَجَ شستقة (5)[شِقَّةً] صَفْرَاءَ فِيهَا مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ دِينَاراً فَقَالَ خُذْهَا وَتَوَجَّهْ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ واحْضُرْ مَعْبَرَ اَلْفُرَاتِ (6)

ص: 120 ، ولكن لعل المراد به هو (معظم الفرات) أو (معبر الصراة)، وقد ذكر اليعقوبي في كتابه البلدان ما نصه: (وهي على نهر يأخذ من الفرات يقال له: الصراة، وبين قصر ابن هبيرة -[بين القصر وبغداد 12 فرسخاً] - و بين معظم الفرات مقدار ميلين إلى جسر على معظم الفرات يقال له: جسر سورا.) [البلدان، ص: 145]، وقد ذَكر (معبر الصراة) ياقوت الحموي أيضاً في معجمه [ج399:3].

ضَحْوَةَ

1) سَوَابِقَ.

2) في بعض نسخ كمال الدين «سائر الشيعة»، والشأو مصدر. الأمد والغاية يقال فلان بعيد الشأو أي عالي الهمة.

3) وَأُنْفِذُكَ فِي تَتَبُّعِ أَمْرِهِ.

4) لَطِیفاً.

5) د: سَبِيكَةً . غ: شَقِيقَةً.

6) هكذا في المصادر، ونهر الفرات لا يمر ببغداد والذي يمر هو دجلة، وقد نبه على هذا السيد محمد كاظم القزويني في كتابه (الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف من المهد إلى الظهور)

كَذَا فَإِذَا وَصَلَتْ إلَى جَانِبِكَ زَوَارقُ اَلسَّبَايَا وَبَرْزَنُ (1اَلْجَوَارِي مِنْهَا فَسَتَحْدِقُ بِهِمْ طَوَائِفُ اَلْمُبْتَاعِينَ مِنْ وُكَلَاءِ قُوَّادِ بَنِي اَلْعَبَّاسِ وَشَرَاذِمُ مِنْ فِتْيَانِ اَلْعِرَاقِ (2)فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَأَشْرِفْ مِنَ اَلْبُعْدِ عَلَى اَلْمُسَمَّى عُمَرَ بْنَ يَزِيدَ اَلنَّخَّاسَ عَامَّةَ نَهَارِكَ إِلَى أَنْ يُبْرزَ لِلْمُبْتَاعِينَ جَارِيَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا لابِسَةً حَرِيرَتَيْنِ صَفِيقَتَيْنِ تَمْتَنِعُ مِنَ اَلسُّفُورِ (3)وَلَمْسِ اَلْمُعْتَرِضِ (4)وَ اَلاِنْقِيَادِ لِمَنْ يُحَاولُ لَمْسَهَا وَيَشْغَلُ نَظَرَهُ بِتَأَمُّلِ مَكَاشِفِهَا مِنْ وَرَاءِ اَلسِّتْرِ اَلرَّقِيقِ فَيَضْرِبُهَا اَلنَّخَّاسُ فَتَصْرَخُ صَرْخَةً رُومِيَّةً فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ وَا هَتْكَ سِتْرَاهْ فَيَقُولُ بَعْضُ اَلْمُبْتَاعِينَ عَلَيَّ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ زَادَنِي اَلْعَفَافُ فِيهَا رَغْبَةً فَتَقُولُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَوْ بَرَزْتَ فِي زِيِّ سُلَيْمَانَ وَ عَلَى مِثْلِ سَرِيرِ مُلْكِهِ مَا بَدَتْ لِي فِيكَ رَغْبَةٌ فَاشْفَقْ عَلَى مَالِكَ فَيَقُولُ اَلنَّخَّاسُ فَمَا اَلْحِيلَةُ وَ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعِكِ فَتَقُولُ اَلْجَارِيَةُ وَمَا اَلْعَجَلَةُ وَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِيَارِ مُبْتَاعِ يَسْكُنُ قَلْبِي إِلَيْهِ وَإِلَى أَمَانَتِهِ وَ دِيَانَتِهِ (5)فَعِنْدَ ذَلِكَ قُمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ اَلنَّخَّاسِ وَقُلْ لَهُ إِنَّ مَعِي كِتَاباً مُلْصَقاً (6)لِبَعْضِ اَلْأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةِ رُومِيَّةٍ وَخَطَّ رُومِيٍّ وَوَصَفَ فِيهِ كَرَمَهُ وَوَفَاءَهُ وَنُبْلَهُ وَسَخَاءَهُ فَنَاوِلْهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ.)


1) غ: فِيهَا سَتَجِدُ.

2) غ: اَلْعَرَبِ.

3) غ: اَلْعَرْضِ.

4) لَيْسَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ.

5) وَفَائِهِ.

6) لَطِيفاً.

قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلنَّخَّاسُ فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو اَلْحَسَنِ علیه السلام فِي أَمْرِ اَلْجَارِيَةِ فَلَمَّا نَظَرَتْ فِي اَلْكِتَابِ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً وَقَالَتْ لِعُمَرَ بْن يَزِيدَ اَلنَّخَّاسِ بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ هَذَا اَلْكِتَابِ، وَحَلَفَتْ بِالْمُحَرِّجَةِ اَلْمُغَلَّظَةِ (1إِنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا فَمَا زِلْتُ أُشَاحُّهُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى اسْتَقَرَّ اَلأَمْرُ فِيهِ (2)عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ أَصْحَبَنِيهِ مَوْلَايَ علیه السلام مِنَ اَلدَّنَانِيرِ فِي الشستقة [اَلشِّقَّةِ] اَلصَّفْرَاءِ فَاسْتَوْفَاهُ مِنِّي وَتَسَلَّمْتُ مِنْهُ اَلْجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً وانْصَرَفْتُ بِهَا إلَى حُجْرَتِيَ اَلَّتِي كُنْتُ آوِي إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ، فَمَا أَخَذَهَا اَلْقَرَارُ حَتَّى أَخْرَجَتْ كتَابَ مَوْلَاهَا علیه السلام مِنْ جَيْبهَا (3)وَهِيَ تَلْثِمُهُ (4)وَتَضَعُهُ عَلَى خَدِّهَا وَتُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وَتَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا، فَقُلْتُ تَعَجُّباً مِنْهَا: أَتَلْثِمِينَ كِتَاباً وَلَا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا اَلْعَاجِزُ اَلضَّعِيفُ اَلْمَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ اَلْأَنْبِيَاءِ أَعِرْنِي سَمْعَكَ وَفَرِّغْ لِي قَلْبَكَ أَنَا مُلَيْكَةُ بِنْتُ يَشُوعَا (5)بْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ اَلرُّومِ، وَأَمِّي مِنْ وُلْدِ اَلْحَوَارِيِّينَ تُنْسَبُ إِلَى وَصِيِّ اَلْمَسِيحِ شَمْعُونَ أُنَبِّئُكَ اَلْعَجَبَ اَلْعَجِيبَ، إِنَّ جَدِّي قَيْصَرَ أرَادَ أَنْ يُزَوِّجَنِي مِنِ ابْن أَخِيهِ وَأَنَا مِنْ بَنَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَجَمَعَ فِي قَصْرِهِ مِنْ نَسْلِ اَلْحَوَارِيِّينَ وَمِنَ اَلْقِسِّيسِينَ والرُّهْبَانِ ثَلَاثَمِائَة رَجُلٍ وَمِنْ ذَوِي اَلْأَخْطَارِ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ (6)وَجَمَعَ مِنْ أَمَرَاءِ اَلْأَجْنَادِ وَقُوَّادِ اَلْعَسَاكِرِ وَنُقَبَاءِ)


1) المحرجة: اليمين الذي يضيق المجال على الحالف ولا يبقى له مندوحة عن برّ قسمه. و المغلظة: المؤكدة.

2) اَلثَّمَنُ.

3) مَوْلَانَا أَبِي اَلْحَسَنِ مِنْ كُمِّهَا

4) أي تقبله.

5) في بعض النسخ «يوشعا».

6) مِنْهُمْ تِسْعَمِائَةِ.

اَلْجُيُوشِ وَمُلُوكِ اَلْعَشَائِرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَأَبْرَزَ مِنْ بَهْوِ مُلْكِهِ عَرْشاً مَسُوغاً (1مِنْ أَصْنَافِ اَلْجَوَاهِرِ إِلَى صَحْنِ اَلْقَصْرِ فَرَفَعَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ مِرْقَاةً، فَلَمَّا صَعِدَ ابْنُ أَخِيهِ وَأَحْدَقَتْ بِهِ اَلصُّلْبَانُ وَقَامَتِ اَلْأَسَاقِفَةُ عُكَّفاً (2)وَنُشِرَتْ أَسْفَارُ اَلْإِنْجِيلِ تَسَافَلَت اَلصُّلْبَانُ مِنَ اَلْأَعَالِي فَلَصِقَتْ بِالْأَرْضِ وَتَقَوَّضَتِ اَلْأَعْمِدَةُ (3)فَانْهَارَتْ إِلَى اَلْقَرَارِ وَخَرَّ اَلصَّاعِدُ مِنَ اَلْعَرْشِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ (4)فَتَغَيَّرَتْ أَلوَانُ اَلْأَسَاقِفَةِ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ فَقَالَ كَبِيرُهُمْ لِجَدِّي: أَيُّهَا اَلْمَلِكُ أَعْفِنَا مِنْ مُلَاقَاةِ هَذِهِ اَلنُّحُوسِ اَلدَّالَّةِ عَلَى زَوَالِ هَذَا اَلدِّينِ المَسِيحِيِّ والْمَذْهَبِ اَلْمَلَكَانِيِّ. فَتَطَيَّرَ جَدِّي مِنْ ذَلِكَ تَطَيُّراً شَدِيداً وَقَالَ لِلْأَسَاقِفَةِ أقِيمُوا هَذِهِ اَلْأَعْمِدَةَ وارْفَعُوا اَلصُّلْبَانَ وَأَحْضِرُوا أَخَا هَذَا اَلْمُدْبَرِ اَلْعَاثِرِ (5)اَلْمَنْكُوسِ جَدُّهُ لِأُزَوِّجَ مِنْهُ هَذِهِ اَلصَّبِيَّةَ فَيُدْفَعَ نُحُوسُهُ عَنْكُمْ بِسُعُودِهِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَدَثَ عَلَى اَلثَّانِي مَا حَدَثَ عَلَى اَلْأَوَّلِ وَتَفَرَّقَ اَلنَّاسُ وَقَامَ جَدِّي قَيْصَرُ مُغْتَمّاً وَدَخَلَ قَصْرَهُ (6)وَأُرْخِيَتِ اَلسُّتُورُ فَأُرِيتُ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ كَأَنَّ اَلْمَسِيحَ وَالشَّمْعُونَ (7)وَعِدَّةً مِنَ اَلْحَوَارِيِّینَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي قَصْرِ جَدِّي وَنَصَبُوا فِيهِ مِنْبَراً يُبَارِي اَلسَّمَاءَ عُلُوّاً وارْتِفَاعاً فِي اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي كَانَ جَدِّي نَصَبَ فِيهِ عَرْشَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله و سلم مَعَ فِتْيَةٍ (8)وَعِدَّةٍ مِنْ بَنِيهِ)


1) د: كُرْسِيّاً مُرَصَّعاً. غ: مَصْنُوعاً.

2) خَلْفَهُ.

3) غ: أَعْمِدَةُ اَلْعَرْشِ.

4) ليست في الدلائل.

5) في بعض النسخ «العابر»، وفي البحار نقلاً عن غيبة الشيخ «العاهر».

6) غ: فَدَخَلَ مَنْزِلَ اَلنِّسَاءِ.

7) شَمْعُونَ.

8) د: خَتَنِهِ.

فَيَقُومُ إِلَيْهِ اَلْمَسِيحُ فَيَعْتَنِقُهُ فَيَقُولُ: يَا رُوحَ الله إِنِّي جِئْتُكَ خَاطِباً مِنْ وَصِيِّكَ شَمْعُونَ فَتَاتَهُ مُلَيْكَةَ (1لابْنِي هَذَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ صَاحِبِ هَذَا اَلْکِتَابِ (2))فَنَظَرَ اَلْمَسِيحُ إِلَى شَمْعُونَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَتَاكَ اَلشَّرَفُ فَصِلْ رَحِمَكَ بِرَحِمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه و آله و سلم. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَصَعِدَ ذَلكَ اَلْمِنْبَرَ وَخَطَبَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه و آله و سلم وَزَوَّجَنِي (3وَشَهِدَ اَلْمَسِيحُ علیه السلام وَشَهِدَ بَنُو مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم وَاَلْحَوَارِیُّونَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي أشْفَقْتُ أَنْ أَقُصَّ هَذِهِ اَلرُّؤْيَا عَلَى أَبِي وَجَدِّي مَخَافَةَ اَلْقَتْلِ فَكُنْتُ أُسِرُّهَا فِي نَفْسِي وَلَا أُبْدِيهَا لَهُمْ وَضَرَبَ صَدْرِي بِمَحَبَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ حَتَّى اِمْتَنَعْتُ مِنَ اَلطَّعَامِ وَاَلشَّرَابِ وَضَعُفَتْ نَفْسِي وَدَقَّ شَخْصِي وَمَرِضْتُ مَرَضاً شَدِيداً فَمَا بَقِيَ مِنْ مَدَائِنِ اَلرُّومِ طَبِيبٌ إِلَّا أَحْضَرَهُ جَدِّي وَسَأَلَهُ عَنْ دَوَائِي، فَلَمَّا بَرَّحَ بِهِ اَلْيَأسُ قَالَ: يَا قُرَّةَ عَيْنِي فَهَلْ تَخْطُرُ بِبَالِكَ شَهْوَةٌ فَأُزَوِّدَكِهَا فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا؟ فَقُلْتُ: يَا جَدِّي أَرَى أَبْوَابَ اَلْفَرَجِ عَلَيَّ مُغْلَقَةً فَلَوْ كَشَفْتَ اَلْعَذَاب عَمَّنْ فِي سِجْنِكَ مِنْ أُسَارَى اَلْمُسْلِمِينَ وَفَكَكْتَ عَنْهُمُ اَلْأَغْلَالَ، وَتَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ وَمَنَنْتَهُمْ بِالْخَلَاصِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَهَبَ اَلْمَسِيحُ وَأُمُّهُ لِي عَافِيَةً وَشِفَاءً.)فَلَمَّا فَعَلَ ذلكَ جَدِّي تَجَلَّدْتُ فِي إِظْهَارِ اَلصِّحَّةِ فِي بَدَنِي وَتَنَاوَلْتُ يَسِيراً مِنَ اَلطَّعَامِ فَسُرِّ بِذَلِكَ جَدِّي وَأَقْبَلَ عَلَى إِكْرَامِ اَلْأَسَارَى [وَ] إِعْزَازِهِمْ فَرَأَيْتُ أَيْضاً بَعْدَ أَرْبَعِ لَيَالِ (4كَأَنَّ سَيِّدَةَ اَلنِّسَاءِ قَدْ زَارَتْنِي وَمَعَهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَأَلْفُ وَصِيفَةٍ مِنْ)


1) د: فُلَانَةَ.

2) إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اِبْنِ صَاحِبٍ هَذَا اَلْكِتَابِ

3) وزَوَّجَنِي مِنْ اِبْنِهِ.

4) أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.

وَصَائِفِ اَلْجِنَانِ فَتَقُولُ لِي مَرْيَمُ : هَذِهِ سَيِّدَةُ اَلنِّسَاءِ أُمُّ زَوْجِكِ أَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام فَأَتَعَلَّقُ بِهَا وَأَبْكِي وَأَشْكُو إِلَيْهَا اِمْتِنَاعَ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ زِيَارَتِي، فَقَالَتْ لِي سَيِّدَةُ اَلنِّسَاءِ علیها السلام: إِنَّ اِبْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ لَا يَزُورُكِ وَأَنْتِ مُشْرِكَةٌ بِاللهِ وَعَلَى مَذْهَبِ اَلنَّصَارَى، وَهَذِهِ أُخْتِي مَرْیَمُ تَبَرَّأَ إِلَى الله تَعَالَى مِنْ دِينِكِ فَإِنْ مِلْتِ إِلَى رِضَا الله عَزَّ وَجَلَّ وَرِضَا اَلْمَسِيحِ وَمَرْيَمَ عَنْكِ وَزِيَارَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكَ فَتَقُولِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً رَسُولُ الله.فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ بِهَذِهِ اَلْكَلِمَةِ ضَمَّتْنِي سَيِّدَةُ اَلنِّسَاءِ إِلَى صَدْرِهَا فَطَيَّبَتْ لِي نَفْسِي وَقَالَتِ اَلْآنَ تَوَقَّعِي زيَارَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ فَإِنِّي مُنْفِذتهُ إِلَيْكِ فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا أقولُ وَا شَوْقَاهْ إِلَى لِقَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا كَانَتِ اَللَّيْلَةُ اَلْقَابِلَةُ جَاءَنِي أَبُو مُحَمَّدِ (1علیه السلام فِي مَنَامِي فَرَأَيْتُهُ كَأَنِّي أَقُولُ لَهُ جَفَوْتَنِي (2)يَا حَبِيبِي بَعْدَ أَنْ شَغَلْتَ قَلْبِي بِجَوَامِعِ حُبِّكَ. قَالَ: مَا كَانَ تَأْخِيرِي عَنْكِ إِلَّا لِشِرْكِكِ وَإِذْ قَدْ أَسْلَمْتِ فَإِنِّي زَائِرُكِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ اللهُ شَمْلَنَا فِي اَلْعَيَانِ. فَمَا قَطَعَ عَنِّي زِيَارَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى هَذِهِ اَلْغَايَةِ.)قَالَ بشْرٌ : فَقُلْتُ لَهَا وَكَيْفَ وَقَعْتِ فِي اَلْأَسْرِ (3؟ فَقَالَتْ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْلَةً مِنَ اَللَّيَالِي أَنَّ جَدَّكِ سَيُسَرِّبُ (4)جُيُوشاً إِلَى قِتَالِ اَلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ يَتْبَعُهُمْ فَعَلَيْكِ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ (5)مُتَنَكِّرَةً فِي زِيِّ اَلْخَدَمِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ اَلْوَصَائِفِ مِنْ طَرِيقِ كَذَا. فَفَعَلْتُ)


1) رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدِ علیه السلام.

2) د: لِمَ جَفَوْتَنِي.

3) وكيف وقعت في الأسارى.

4) سَيُسَيِّرُ.

5) د: قِتَالِ اَلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا، فَعَلَيْكِ بِاللَّحَاقِ بِهِ.

فَوَقَعَتْ عَلَيْنَا طَلَائِعُ اَلْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا رَأَيْتَ وَمَا شَاهَدْتَ وَمَا شَعَرَ أَحَدٌ بِي بِأَنِّي اِبْنَةُ مَلِكِ اَلرُّومِ إِلَى هَذِهِ اَلْغَايَةِ سِوَاكَ وَذَلِكَ بِاِطِّلَاعِي إِيَّاكَ عَلَيْهِ وَقَدْ سَأَلَنِي اَلشَّيْخُ اَلَّذِي وَقَعْتُ إِلَيْهِ فِي سَهْمِ (1اَلْغَنِيمَةِ عَنِ اسْمِي فَأَنْكَرْتُهُ وَقُلْتُ نَرْجسُ، فَقَال: اسْمُ اَلْجَوَارِي)فَقُلْتُ: اَلْعَجَبُ أَنَّكِ رُومِيَّةٌ وَلِسَانُكِ عَرَبِّيٌّ. قَالَتْ: بَلَغَ مِنْ وُلُوعِ جَدِّي وَحَمْلِهِ (2إِيَّايَ عَلَى تَعَلُّمِ اَلْآدَابِ أَنْ أَوْعَزَ إِلَيَّ امْرَأَةَ تَرْجُمَانٍ لَهُ فِي اَلْاِخْتِلَافِ إِلَيَّ فَكَانَتْ تَقْصِدُنِي صَبَاحاً وَمَسَاءً وَتُفِيدُنِي اَلْعَرَبِيَّةَ حَتَّى اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا لِسَانِي واسْتَقَامَ .)قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا انْكَفَأْتُ بهَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأى دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ علیه السلام فَقَالَ لَهَا كَيْفَ أَرَاكِ اللهُ عِزَّ اَلْإِسْلَامِ وَذُلَّ اَلنَّصْرَانِيَّةِ وَشَرَفَ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم؟ قَالَتْ: كَيْفَ أَصِفُ لَكَ يَا ابْنَ رَسُول الله مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. قَالَ: فَإِنِّي أُرِيدُ (3أَنْ أُكْرِمَكِ فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَمْ بُشْرَى لَكِ فِيهَا شَرَفُ الأَبَدِ؟ قَالَتْ: بَلِ اَلْبُشْرَى (4). قَالَ علیه السلام: فَأَبْشِرِي بِوَلَدٍ يَمْلِكُ اَلدُّنْيَا شَرْقاً وَغَرْباً وَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً. قَالَتْ: مِمَّنْ؟ قَالَ علیه السلام: مِمَّنْ خَطَبَكِ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم لَهُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا بِالرُّومِيَّةِ. قَالَتْ: مِنَ اَلْمَسِيحِ وَوَصِيِّهِ قَالَ: فَمِمَّنْ زَوَّجَكِ اَلْمَسِيحُ وَوَصِيُّهُ؟ قَالَتْ: مِنِ (5)ابْنِكَ)


1) د: قِسْمِ.

2) د: حُبّهِ.

3) أُحِبُّ.

4) في بعض النسخ «قال: بل الشرف».

5) مِمَّنْ خَطَبَكِ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم لَيْلَةَ كَذَا مِنْ شَهْرٍ كَذَا. بِالرُّومِيَّةِ.

أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ قَالَتْ: وَهَلْ خَلَوْتُ لَيْلَةً مِنْ زِيَارَتِهِ إِيَّايَ مُنْذُ اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي أَسْلَمْتُ فِيهَا عَلَى یَدِ سَيِّدَةِ اَلنِّسَاءِ أَمِّهِ. فَقَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ علیه السلام: يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ علیه السلام لَهَا: هَا هِيَ. فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً، فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إلَى مَنْزِلِكِ (1)وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ اَلْقَائِمِ علیه السلام. (2)

#### النقطة الثانية: في بيان الملاحظات السندية والتعليق عليها.##### اشارةسَجّلَ الكاتب عدة ملاحظات سندية على الرواية، وسأذكرُ الملاحظةَ بحسب تسلسله مع التعليق عليها تباعاً:##### الملاحظة الأولى: الضعف والإرسال في أسناد الرواية.«إن الراوي لهذه الحادثة هو (أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني، وبغض النظر في الوقت الحالي عن تقييمنا للرجل، إلّا أنّ الغريب فعلا هو أنّ الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381ه- قد نقل عنه الخبر بثلاثة وسائط، وفي المقابل نجد أنّ الشيخ الطوسي المولود سنة 385ه- والمتوفى سنة 460ه- قد نقل عنه نفس الخبر لكن بواسطتين فقط، والذي يزيد الأمر غرابة هو ما نقله الطبري الصغير في دلائل الإمامة حيث قال: حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الرهني الشيباني، قال: وردت كربلاء سنة ست وثمانين ومائتين، فاللقاء حصل سنة 286ه- ، والذي روى)


1) د: خُذِيهَا إِلَيْكِ.

2) كمال الدين وتمام النعمة ج 2، ص: 423.

القصة عن صاحب اللقاء حدّث بها سنة 385 ه- أي بعد 100 سنة. وهذه الهوة الزمانية الكبيرة تؤكد وجود وسائط ساقطة في السند الذي نقله الشيخ الطوسي والطبري الصغير رضي الله عنهما، وبهذا يكون نقل الشيخ الصدوق له أدق وأضبط.وهنا تكمن المشكلة، وهي أننا نجهل هوية هؤلاء الذين نقلوا هذه القصة عن محمد بن بحر الشيباني، وحتى الذين ذكرهم الشيخ الصدوق في سنده (أحمد بن عيسى الوشاء، أحمد بن طاهر القمي فإنّهما مهملان في كتب الرجال والتراجم ولا يوجد لهما أي ترجمة فضلاً عن وجود توثيق لهما، فالطريق إلى صاحب القصة إما ضعيف لوجود مجاهيل فيه أو مرسل لوجود وسائط ساقطة وغير معروفة لدينا» (1).)- خلاصة الملاحظة: الخبر ضعيف إما لوجود مجاهيل أو للإرسال، فهذا القدح الأول في هذه الرواية.» التعليق: أولاً: إنَّ سند الحديث الذي ذكره الشيخ الصدوق (ت 381ه-) لا يمكن التسليم بضعفه لوجود مجاهيل، فالشيخ الصدوق رحمه الله قد حدّث عن (محمد بن بحر الشيباني) بوسائط ثلاث، أما النوفلي فهو أستاذ الشيخ الصدوق رحمه الله وقد ترضى عليه (2)والاثنان الآخران وإن كنّا لا نعلم - حالياً- عنهما الكثير، لكن كما أفاد الشيخ لطف الله الصافي قدس سره في هذا الشأن :(الظاهر معرفته بحالهما واعتماده عليهما، وذلك لأنّه لم يرو في هذا الباب الذي هو من الأبواب المهمّة من كتابه إلّا حديثاً واحداً، وهو ما رواه عن شيخه محمد بن علي بن حاتم النوفلي، عن أبي


1) ملخص ما ذكره تحت (أولا)، بتصرف.

2) معجم رجال الحديث، ج 18، ص: 26.

العباس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي، عن أحمد بن طاهر، بل يظهر من ذلك كمال وثاقتهما عنده، واعتماده على صدقهما وأمانتهما، ويظهر ممّا عنون به الباب أيضا اعتماده واستدلاله على ما كان مشهوراً في عصره من اسم أمّه علیه السلام ونسبها بهذا الحديث، فالرجلان كانا معلومي الحال عنده بالصدق والأمانة، وإلّا فلا ينبغي لمثله أن يعتمد على رواية غير موثّقة، لا يعرف رواتها بالوثاقة في مثل هذا الأمر المعتنى به عند الخاصّ والعامّ، فالمظنون بل المقطوع اطمئنانه بصحّة الرواية وصدق رواتها، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا محيص عن القول باطمئنانه بصدورها بواسطة بعض القرائن والأمارات المعتبرة التي يجبر بها ضعف الراوي، ويقطع بها بصحّتها، وإلّا فيسأل: ما فائدة عقد باب في كتاب مثل «كمال الدين» للاحتجاج برواية واحدة لا يحتجّ بها ولا يعتمد عليها مؤلّف الكتاب لجهله بأحوال رجالها؟ وما معنى عنوان الباب بمضمونها؟ وكيف يقبل صدور ذلك من الصدوق قدس سره؟ ألم يصنّف كتابه «كمال الدين» لرفع الحيرة والشبهة والاستدلال على وجود الحجة؟ فهل هذه الرواية إذا كان مؤلّف الكتاب لا يعتمد عليها تزيد الشبهة والحيرة أو ترفعها؟) (1).

ثانياً: كما تم التعرض إلى سند الشيخ الصدوق رحمه الله فلابد من التعرض إلى سند الشيخ الطبري الصغير والشيخ الطوسي رَحِمَهُمَا اٝللهُ فقد حدّثا عن (محمد بن بحر الشيباني) من خلال أبي المفضل الشيباني، وهذا الرجل يمكن أن يغمز فيه من جهة أنَّ ابن الغضائري يترك ما انفرد به (2)، والصحيح أنَّ لهذه العبارة احتمالين:


1) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر علیه السلام، ج 3، ص: 333.

2) رجال ابن الغضائري، ص: 98، وابن الغضائري على ما هو عليه من التشدد يأخذ بما لم ينفرد به.

- الاحتمال الأول: أن يكون مراده من الترك هو ترك الرواية عنه، فما انفرد به أبو المفضل الشيباني ترك روايته ابن الغضائري، وما لم ينفرد له لم يترك روايته، فلابد أن تكون الرواية التي نتحدث فيها رواية لم ينفرد أبو المفضل بها؛ والذي يثبت ذلك أن الشيخ الطوسي رحمه الله لما حَدَّثَ عن أبي المفضل الشيباني قال: (أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيِّ.. ، وهذه الجماعة قد ذكرها رحمه الله في جملة من الموارد وكان من ضمنها ابن الغضائري، فمثلاً:) في التهذيب: جملة من الروايات التي عن الكليني كانت تمر بطريقه، فقد قال الشيخ رحمه الله: (وأخبرنا به أيضا الحسين بن عبيد الله [ابن الغضائري] عن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي عبد الله أحمد ابن أبي رافع الصيمري، وأبي المفضل الشيباني، وغيرهم كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني) (1).

وفي الأمالي قال: (أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ [ابن الغضائري]، وَ أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ، وَأَبُو طَالِبِ بْنُ غرور [عَزْوَرٍ]، وَأَبُو الْحَسَنِ الصَّقَّالُ، وَأَبُو عَلِيِّ الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُشْنَاسِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِي) (2)وغير هذه الموارد.

وأكد المحقق الحلي رحمه الله هذا الأمر لما سُئل عن عدة الشيخ عندما يقول: (عدّة من أصحابنا عن أبي المفضّل، فأجاب رحمه الله: (الذي وصل إِليَّ في ذلك)


1) المشيخة (المدرجة في تهذيب الأحكام تحقيق الخرسان) ج 10، ص: 11-23.

2) الأمالي (للطوسي)، المجلس السادس عشر، ص: 445.

ووجدته بخطّ بعض الفضلاء أنّ الجماعة الذين هم طريق الشيخ رحمه الله تعالى إلى أبي المفضّل منهم أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله [ابن الغضائري]، وأبو علي محمد بن إسماعيل بن أشناس، وأبو طالب بن غرور، واسم أبي المفضّل محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيباني) (1)، وما دام ابن الغضائري هو أحد أفراد الجماعة، وقد التزم أن لا يروي ما انفرد به الشيباني، فهذا يؤكد أن هذه الرواية لیست مما انفرد به، وإلا لما رواها عنه، فيمكن حينها الوثوق بروايته.

- الاحتمال الثاني: أن مراده من الترك هو ترك العمل بروايته لا ترك أصل الرواية عنه، والنتيجة لن تختلف كثيراً عن الاحتمال السابق أيضاً إذ أن ابن الغضائري جعل الضابطة في العمل بروايته هو عدم التفرد، فإذا علمنا بأنه لم ينفرد بهذا الخبر - حيث أورده الشيخ عن جماعة وأحدهم ابن الغضائري، كما أنَّ الشيخ الصدوق أورد الرواية بطريق لا يمر بأبي المفضل الشيباني- فحينئذ لا وجه لتركه هنا. وأما ما ذكره الشيخ النجاشي في رجاله عندما قال بأن أبا المفضل كان ثبتاً ثم خلط، وقال: أنَّهُ رأى جُلَّ أصحابنا يغمزونه ويضعفونه، فلا يدل على اعتقاده بضعفه وعدم وثاقته مطلقاً، وإن قلتَ أنه توقف عن الرواية عنه، فنقول: أن النجاشي لقاه وسمع منه وإنما توقف عن الرواية عنه بالمباشرة ولم يتوقف عن الرواية عنه بالواسطة (2)، ولعل ما دعا الشيخ لترك الرواية عنه بالمباشرة هو تخليطه دون ما هو بالواسطة، إذ الرواية المباشرة تكون بعد التخليط، بينما ما


1) الرسائل التسع، ص: 191.

2) رجال النجاشي، ص: 396.

يرويه عنه بالواسطة هو ما قد حدّث به قبل تخليطه، ولذا ينبغي التفصيل في قبول رواياته في قبول بين ما كان منها قبل التخليط وما كان بعده ، ونقول أن هذه الرواية قد تحملها عن الرهني في بادئ أمره - وسيتضح ذلك من (ثالثاً- أي قبل تخليطه ، بل ويعضد هذا النقل عن الرهني لهذه الرواية هو ما نقله الشيخ الصدوق قدس سره بسند آخر لا يمر بأبي المفضل الشيباني.)هذا كلّه مع التسليم بثبوت تهمة التخليط فيه، وإلا فإن بعض الأعلام قد تنظر في ذلك كالسيد البروجردي قدس سره فقال في ترجمته: (وروى عنه جماعة من العامة والخاصة، وحكى أنه ناقش العامة في حديثٍ عن أحمد بن محمد بن عيسى بن العراد الكبير سماعاً عنه في سنة 310ه- ، فكذبوه وقالوا مات ابن العراد الكبير قبل ذلك، وأبطلوا رواياته. وقال النجاشي: رأيت جُل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه انتهى، فكأنه كان تضعيفه والغمز عليه سرى من العامة إليهم، أو اطلعوا على أمر آخر، وما ذكره العامة لا يوجب ضعفاً لاحتمال السهو في مثل هذه الخصوصيات والله العالم.) (1)

والشيخ عباس القمي رحمه الله لما جاء إلى رواية الرهني قال: (روى ابن بابويه والشيخ الطوسي بأسانيد معتبرة عن محمد بن بحر بن سهل ... إلخ وأحد رواة هذا السند المعتبر عند الشيخ عباس القمي هو أبو المفضل الشيباني (2).)


1) ترتيب أسانيد الكافي، ج 00 ، ص: 290.

2) وكلام الشيخ عباس القمي رحمه الله یجري فيما يتعلق بسند الشيخ الصدوق رحمه الله.

ثالثاً: إن سند الرواية الذي ذكره الطوسي والطبري رَحِمَهُمَا اٝللهُ لا يمكن التسليم بإرساله بناء على ما ذكرَ الكاتب، إذ الراوي لهذه الحادثة هو ( أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني) الذي عاش في فترة الغيبة الصغرى (1)، وقد ذُكر أنه توفي ما قبل سنة 330ه- (2)أو سنة 340ه- (3)

ص: 44 .

، فبالتالي أن ينقل الطبري الصغير عنه سنة 385ه- بواسطة واحدة - وهو أبو المفضل الشيباني - لهو أمر طبيعي، فأبو المفضل الشيباني كان يتحمّل الحديث في سنة 304ه- (4)

ص: 609 ، نعم ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أن أبا المفضل الشيباني قال: «وأول سماعي الصحيح سنة ست وثلاث مائة» وأيضا نقل أنه توفي سنة 387ه-. [تاريخ بغداد، ج 3، ص: 499].

وما بعدها في بغداد (5)، فعلى ما ذُكر من تاريخ وفاة (محمد بن بحر الشيباني) و تحمّل أبي المفضل الشيباني للرواية فإن اللقاء متيسر وبسهولة، بل هناك - مع التنازل عن بعض السنين- على أقل تقدير 20 سنة حتى يلتقي أبو المفضل بمحمد بن بحر ويُحدّث عنه (6)، فإن محمد بن بحر كان من المعمرين (7)، وقد ذُكر أن أبا المفضل كان يتنقل بشكل كبير لأخذ الحديث (8).

1) مجلة تراثنا، العدد 83-84، ص: 11، وقد ذَكرَ الشيخ رسول جعفريان فيها - من خلال بعض القرائن - أنه كان يعيش في فترة الغيبة الصغرى.

2) لسان الميزان ج 5 ص:89.

3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 5،

4) الأمالي (للطوسي)،

5) الأمالي (للطوسي)، ص: 459، 577 ، 590 .

6) هذا التقدير مبني على أننا لو قلنا بأن أبا المفضل الشيباني قد تحمّل الرواية في سنة (310ه-) بدلا من (304ه-) ، وأن محمد بن بحر الشيباني قد تُوفي في سنة (330ه-) بدلاً من (340ه- ) فإن المتحصل هو 20 سنة.

7) موسوعة طبقات الفقهاء، ج 4، ص 373 .

8) ذکر سفره لطلب العلم الشيخ النجاشي رحمه الله [رجال النجاشي، ص: 396] فنص أنه سافر عمره، وكذلك يمكن إدراك ذلك من خلال مروياته في أمالي الطوسي رحمه الله، فتارة أخذ الحديث في بغداد [ص 447، 458] وأخرى في قزوين [ص: 448] ، وثالثة في آمُلِ طَبَرِسْتَان [448]، ورابعة في دمشق [452]، وخامسة في [أُسْوَان]، وسادسة في السِّيرجَان [455]، وسابعة في بِبَرْدِيج [473]، وثامنة بالأنبار [474]، وتاسعة في مكة [478]، وعاشرة في سُرَّمَنْ رَأَى [480] ، والكوفة مسقط رأسه وغيرها من المناطق الكثير.

إذن دعوى وجود هوة زمانية لا نستطيع الجزم بها بحيث يتسنى للكاتب أن يدعي وجود وسائط ساقطة في سند الطبري الصغير فلا يصغى إليها، والكلام كذلك بالنسبة للشيخ الطوسي حيث بينه وبين أبي المفضل الشيباني واسطة، وهذه لا تمنع أن يحدث الطوسي المولود سنة 385ه- عن أبي المفضل الشيباني المتوفى سنة 387ه- (1)بواسطة واحدة كما لا يخفى.

رابعاً: إن تعدد الوسائط لا يعني بالضرورة عدم المعاصرة واختلاف الطبقة الكبير، كما أراد أن يشير الكاتب، بل قد يُحدَّثُ عن شخصٍ مُعاصرٍ للمُحدّثِ بواسطتين أو ثلاثِ وسائط، وسبَبُ ذلك ليس إلا عدم حدوث لقاء بينهما، إما لعَدم القدرة على الوصول له ، أو وجود عارضٍ يمنع من التواصل معه، أو التوقف من النقل عن بعض الشخصيات بالمباشرة لما حولها من الكلام، أو غير ذلك من الأسباب، وهذا في زماننا واضح، فإنه قد يحدَّثُ عن عالم أو مرجع بحديث لكن بوسائط، وهذه الوسائط ليست لعدم مُعاصرِة الوسائط بعضها مع بعض، بل لعدم حصول فرصة للمحدِّثِ على أن يأخذَ الحديث من المحدَّث عَنه مباشرة، وقد يُحدِّثُ عن شخصٍ بوسائط لعدم رغبة المتحدث أن ينقل عن المحَدَّثِ عنه بالمباشرة لغاية في نفسه، فالخلاصة ليس تعدد الوسائط يعني بالضرورة تعدد الطبقات فتنتفي المعاصرة، والعجيب من الكاتب إذ هو يناقض نفسه، فبعد أن ادعى وجود وسائط ساقطة وهوّة زمانية كبيرة نجده يقول فيما بعد بصفحات بعد أن تعرض


1) تاریخ بغداد، ج 3، ص: 499.

إلى السند من كتاب الشيخ الصدوق رحمه الله والشيخ الطوسي رحمه الله قال: (والظاهر أن كلا الطريقين هما لأحد كتب (محمد بن بحر الرهني)، يشهد على ذلك أن الشيخ الصدوق نقل رواية في كمال الدين:..... ونفس هذه الرواية نقلها الشيخ الطوسي بسنده الأول الذي ذكرناه: ....) (1).

فتارة يدّعي الكاتب لزوم وجود هوة زمانية باعتبار أن الوسائط ثلاث بين الشيخ الصدوق والرهني، وواسطة بين الطبري والرهني، وواسطتين بين الطوسي والرهني. وتارة يقول أنهما أخذا الحديث من أحد كتب الرهني، والرواة عن الرهني صدروا كلامهم عنه ب-(حدثنا) (2)، فتأمل !!

خامساً: لو سلمنا بأن الرواية ضعيفة السند لوجود مجاهيل أو للإرسال المزعومين فلا نسلم بضرورة سقوط الرواية عن الاعتبار، فإن جملة من الأعلام يذهبون إلى أن المدار في حجية الأخبار هو الوثوق بصدوره لا وثاقة المخبر، ومن هؤلاء الأعلام: الميرزا النوري رحمه الله حيث قال: (هذا خبرٌ [خَبرُ تعلم الاسم الأعظم] محفوف بقرائن الصدق فيكون حجةً، فإن الخبر المحفوف بالقرائن - وإن ضعف - يكون حجة بالاتفاق، بل أقوى من الصحيح الخالي عن القرائن) (3)

ص: 44 ، وقد أشار إلى أن هذا ما أفاده الكاظمي في التكملة وقد اعتمده في هذا المورد.

.

1) سيدة الإماء، ص: 35.

2) مصطلح (حدّثنا)، يُعد المرتبة الثانية من صيغ أداء الحديث إذا تحمّله الراوي بطريق السماع، وقد وقع الخلاف في جواز إطلاقها فيمن أخذ الرواية بالمناولة دون القراءة لإيهامه السماع والقراءة فذهب الأغلب لمنعها، وأجازها بعضهم بشرط الإجازة [راجع مثلاً: مقباس الهداية في علم الدراية، ج 3، ص: 69، ومعجم مصطلحات الرجال والدراية، ص:53].

3) خاتمة المستدرك ج 5 ،

ومنهم: السيد السيستاني دام ظله فقد أفاد في أكثر من مورد من أن الصحيح القدمائي الحجة، هو الخبر الموثوق به (1)، وقد اعتمده دام ظله فقال: (فالخبر الموثوق بصدوره ولو بلحاظ احتفافه بالقرائن، أو الموثوق بصحة مضمونه حجة) (2)

ص: 6 .

.

ومنهم: السيد الهاشمي قدس سره حيث قال: (هذا تمام الكلام في الأصول العملية، و به يتم الكلام في الدليل السادس من الأدلة التي ذكرها الشيخ لحجية خبر الواحد، واستنتج منها أن الخبر الموثوق به حجة، يعني ما هو صحيح عند القدماء، واحتمال الخلاف فيه ملغی، ونحن نقول به) (3)

ص: 198 .

.

بل إن جملة من الأعلام يرون أن الروايات ضعيفة السند إذا كان مشهور المتقدمين قد تلقاها بالقبول والعمل بها فإن تلك الشهرة جابرة للضعف، وفي قبال هذا إذا كانت هناك روايات صحيحة السند قد أعرض عنها مشهور المتقدمين مع قربهم من زمان الأئمة علیهم السلام فإن هذه الشهرة تكون موهنة للخبر الصحيح، ومن كلمات الأعلام - وهي كثيرة- في هذا الصدد:ما ذكره السيد البروجردي قدس سره حيث قال : (ما اشتهر بينهم خصوصاً بين المتأخرين منهم، بل استقر بينهم من أن الشهرة جابرة لضعف السند مطلقاً وإن كانوا لم يستندوا في ذلك إلى تلك الرواية فإنه يصير معناها حينئذ أن المشهور المطابق


1) مباحث الحجج، ص: 123.

2) مباحث الحجج،

3) أضواء على علمي الدراية والرجال،

للخبر لا ريب فيه، وهذا لا فرق فيه بين الاستناد وعدمه) (1).

ومنها: ما أكده السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره من أن مذهب المشهور هو التعويل على الشهرة: (فإن بنينا على ما بنى عليه المشهور من أن الرواية بلغت من الصحة ما بلغت إذا أعرض عنها المشهور سقطت عن الاعتبار، فلا مناص من الأخذ بالطائفة الأولى الدالة على .... وذلك لإعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية ولم ينسب العمل بها إلى أحد من أصحابنا، وحيث إن الإعراض يُوجِبُ سقوطَ الرواية عن الاعتبار، فتبقى الطائفة الأولى من غير معارض) (2).

ومنها: ما أفاده المحقق العراقي قدس سره حيث قال: (بناء على ما هو المعروف في زماننا هذا - المحرر في الأصول - من كون مدار الحجية على الخبر الموثوق الصدور، فتقل فائدة الرجال جداً لمكان حصول الوثوق بصدور الخبر باتكال المشهور عليه، وإن كان بحسب القواعد الرجالية في منتهى درجة الضعف، كما إن إعراضهم عنه يوجب وهناً فيه وإن كان جميع رجال إسناده عدولاً، لكشف إعراضهم عنه- مع كونه بين أظهرهم -عن وجود خلل فيه يوجب سلب الوثوق بصدوره ، ولذا اشتهر أن الخبر كلما ازداد صحةً واعتباراً ازداد بإعراض الأصحاب عنه ضعفاً و انكساراً) (3)

ص: 227 .

.

إذن الخبر قد يكون ضعيفاً سنداً ولكنه معتبر؛ لأن العمدة وفق هذا المسلك


1) تقريرات في أصول الفقه ص:298.

2) موسوعة السيد الخوئي قدس سره، ج 6، ص: 241، (كتاب الطهارة)، السيد الخوئي قدس سره وإن كان يذهب إلى أن الشهرة ليست جابرة ولا كاسرة، ولكن يؤكد أن مشهور العلماء هو التعويل على الشهرة.

3) نهاية الأفكار ج 4،

على الوثاقة بصدوره من خلال الشهرة أو احتفافه بالقرائن أو غير ذلك (1.)» الخلاصة:نخلص إلى أن هناك طريقين للرواية عن (محمد بن بحر الشيباني، الطريق الأول هو طريق الشيخ الصدوق رحمه الله، والطريق الثاني هو طريق الطبري والطوسي رَحِمَهُمَا اٝللهُ. وإن المعتبر في الخبر عند المشهور هو الوثوق بالصدور خصوصاً في القضايا التاريخية، وسيأتي مزيد إيضاح في ذلك، فتابع.)##### الملاحظة الثانية: مجهولية بشر، ولا عقب لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.###### اشارة«إن مدار هذه القصة على (بشر بن سليمان النخاس، والذي عرّف نفسه في الرواية بأنه من نسل أبي أيوب الأنصاري، وهذا الرجل لا يوجد له ذكر لا في كتب التاريخ ولا الرجال ولا التراجم البتة. بل حتى راوي الخبر (محمد بن بحر الشيباني) لم يكن يعرفه أو سمع به من قبل، إنما عرفه بعد أن عرّف بنفسه وصدق كلامه، فلا طريق لنا لمعرفة هذا الرجل إلا بتعريفه لنفسه في هذه الرواية! والذي يزيد استغرابنا أنه وصف نفسه بأوصاف عظيمة جداً، حيث يقول عن نفسه: (يا ابن أخي لقد نال عمك شرفاً بما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلّا سلمان)، فهل يكون أحد في أصحاب الأئمة عليهم السلام مثل سلمان المحمدي ولا يعرف عنه أحد شيئا ؟!)


1) ما ذُكر حول الخبر الضعيف أغلبه مستفاد من رسالة للشيخ علي الزواد - دامت بركاته- بعنوان (الخبر الضعيف)، ومن أراد الاستزادة فليراجعها.

بل نجد أنه ذكر أمراً آخر عرف به نفسه وهو أنه من نسل أبي أيوب الأنصاري حيث قال: (صدقت أنا بشر بن سليمان النخاس من ولد أبي أيوب الأنصاري، وقد نص المؤرخون على أن أبا أيوب الأنصاري لا عقب له، حيث قال ابن سعد في طبقاته: وكان لأبي أيوب من الولد عبد الرحمن وأمه أم حسن بنت زيد بن ثابت بن الضحاك من بني مالك بن النجار وقد انقرض ولده فلا نعلم له عقبا) .... إلخ».)» التعليق: أولاً: صحيح أن كثيراً ممن كتب في علم الرجال لم يذكر بشر بن سليمان النخاس، ولكن ذكره السيد محسن الأمين في كتابه (أعيان الشيعة) (1)

ص:573 .

، وذكره الرجالي المعروف العلامة المامقاني قدس سره في كتابه (تنقيح المقال) فقال فيه: (فالرجل حينئذ من الثقات. والعجب من إهمال الجماعة ذكره مع ما هو عليه من الرتبة) (2)، أما لماذا لم يذكره الكثير فلعله لعدم كونه من الرواة فهو لم يكن يحدث أحداً، وفي رواية الرهني نفسها بيان للسبب حيث قال: (قَدْ أَشْرَفَ عَمُّكَ عَلَى اسْتِكْمَالِ اَلْمُدَّةِ وانْقِضَاءِ اَلْعُمُرِ وَلَيْسَ يَجِدُ فِي أَهْلِ اَلْوَلَايَةِ رَجُلاً يُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهِ) فهو لم يجد - وهو في آخر عمره - من يُفضي إليه بروايات أهل البيت علیهم السلام.

وقد يَستشكلُ المستشكل على اعتماد المدح الذي وُصف به بشر في الرواية بأن هذا من تزكية المرءِ نَفسه، وفرع ثبوت الرواية نفسها التي وردت فيها التزكية، وقد علّق الشيخ محيي الدين المامقاني قدس سره قائلاً: (إن ثبت أن المُترجَم شرّفه الإمام


1) أعيان الشيعة، ج 1، ص:45، وفي ج3،

2) تنقيح المقال في علم الرجال (ط الحديثة)، ج 12، ص: 272.

علیه السلام بشراء والدة الحجة المنتظر علیه السلام فوثاقته مسلّمة) (1)، فنحن هنا أمام احتمالين: احتمال الكذب واحتمال الصدق. فإن كان صادقاً فقد ثبتت وثاقته، وإن كان الكذب فضعفه، ولكن مع كذبه ليس بالضرورة أن يحكم على كلّ الرواية بالكذب.

وبعبارة أخرى، ليس بالضرورة أن كل ما في الرواية من معلومات تكون هذه المعلومات كاذبة، فقد تكون في الرواية جزئيات صحيحة وجزئيات غير صحيحة، فعلى ذلك قد نجد روايات أخرى تعضد بعض هذه المعلومات فيصح لنا الأخذ بها أو ببعضها، كما في خبر ابن شاذان الآتي.ثانياً: قال الكاتب: (كيف لشخصية مثل شخصية سلمان المحمدي لا يعرف عنها أحدٌ شيئاً بما فيهم الراوي (محمد بن بحر الشيباني، فلم يكن يعرفه أو سمع به من قبل، إنما عَرفه بعد أن عرّف بنفسه وصدّق كلامه) (2)، ويرد على هذا :)1. من الممكن أن يكون كشخصية سلمان المحمدي لا يلزم أن يكون معروفاً لدى الجميع، وكذلك عندنا من الأنبياء مَنْ حتى أخوته لم يعرفوه وهم الذين عاشوا معه في الصغر كيوسف علیه السلام، ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (3)، ولم يعرفوه إلا بعد أن أخبرهم. 2. إنَّ الراوي لم يقل أني لم أسمع به من قبل، فهذه دعوى لا دليل عليها. نعم، رآه ولم يعرفه ولا غرابة، فهو كرؤية أخوة يوسف لأخيهم ولم يعرفوه، بل هذا كرؤية أي رجل سمعت بذكره ولم تر وجهه وخصوصاً في ذلك الزمان إذ لا


1) تنقيح المقال في علم الرجال (ط الحديثة)، ج 12، ص: 272، في نتيجة البحث.

2) سيد الإماء، ص 34.

3) [يوسف: 58].

صور ولا غيرها.

ولما عرّف بشر بنفسه لم يُنكر عليه الرهني، ولم ينكر أن لأبي أيوب عقباً، هذا مع الإشارة إلى أن الرهني له كتاب (نحل العرب) وفيه «يتحدث عن تشتت العرب في مختلف البلاد الإسلامية، ويذكر أيّها من الشيعة وأيها من السنة ..» (1).

ثالثاً: إن الكاتب بحث حول الرجل من جهة أنه من نسل أبي أيوب الأنصاري، فوصلَ إلى نتيجة أنَّ أبا أيوب الأنصاري لم يكن له عقب، مستنداً في ذلك إلى كلام ابن سعد في الطبقات، ولكن هنا أمرين لابُد من الالتفات إليهما:

الأمر الأول: أن ابن السعد في الطبقات لم يجزم بعدم وجود عقب لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بل عبّر بهذا التعبير: «وكان لأبي أيوب من الولد عبد الرحمن وأمه أم حسن بنت زيد بن ثابت بن الضحاك من بني مالك بن النجار، وقد انقرض ولده فلا نعلم له عقبا» (2)، فابن سعد كان تعبيره دقيقاً حيث قال: (لا نعلم له عقبا)، فهو على حد عِلمه لا يعرفُ له عقباً لا أن أبا أيوب ليس له عقب أو أن ولده عبد الرحمن لم يُعقب وبالتالي انقطع نسل أبي أيوب، وكأن حال ابن سعد يتمثل ب- (لو كان لبان)؛ لخصوصية صحابة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وتفاخر الذراري - عادة - بالانتساب لشخصية كانت لها مواقف مشرفة مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلا أنه لم يجزم بأن عقبه

انقرض ولم يبقَ منهم بقية.

ومن خلال التتبع في كتب التاريخ والحديث تبين أن أبا أيوب كان له عقب


1) معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب ج6 ص: 2435.

2) الطبقات الكبرى، ج 3، ص: 369.

منهم: (خالد (1)، عبد الله (2)، عبد الرحمن، مالك (3)، محمد (4)، عميرة (5)

ص: 468 .

، عفراء (6)) وعقبُه لهم عَقبٌ، فعبد الرحمن -مثلا- له ولد ذكره ابن حبان في كتابه (الثقات)، فقال ما نصه: «سعد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ الْمدنِي يَرْوِي عَن جدته أم أَبِيه بنت سعد بْن الرّبيع وَكَانَت تَحت زيد بْن ثَابت لَهَا صُحْبَة رَوَى عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق» (7)، وكذلك البقية لمن يراجع المصادر التي ذكرت في الهامش.

والمتأمل في أسلوب ابن سعد في الطبقات في نفيه للعقب يجده أنه في الغالب يجزم بعدم وجود عقب، ولم يرد تعبير مثل هذا التعبير - (فلا نعلم له عقباً) - في حق أحد غير أبي أيوب (8)، فمثلا يقول: «وقد انقرض وُلدَ أبي حُذَيْفة فلم يبق منهم أحد. وانقرض وُلدَ أبيه عُتْبة بْن ربيعة جميعاً إلّا وُلدَ المغيرة بْن عِمْرَانَ بْن عاصم بْن الْوَلِيد بْن عُتْبة بْن ربيعة فإنهم بِالشَّامِ» (9)، «عُبَيْد بْن زَيْد بْن عامر بْن العجلان


1) مسند أحمد ط الرسالة، ج 38 ص566، التاريخ الكبير للبخاري - ت الدباسي والنحال ج2 ص170، صحيح ابن خزيمة ج2 ص226 ، الثقات لابن حبان ج 4 ص 198.

2) المرض والكفارات لابن أبي الدنيا (ت281) ص 43، الثقات لابن حبان ج5 ص11.

3) تاریخ بغداد ت بشار، ج 14، ص: 416.

4) الثقات لابن حبان، ج 5، ص: 362.

5) تهذيب الكمال، ج 3،

6) فتوح الشام للواقدي، ج 2، ص 33.

7) الثقات لابن حبان ج 4 ص 296.

8) إن قيل: إن ابن سعد زاد في مورد أبي أيوب الأنصاري عبارة (فلا نعلم له عقباً) وفي الموارد التي ذكرناها استخدم عبارة (وقد انقرض) إلا أن مراده: (لا نعلم بعقبه لانقراضهم)، فأقول: هذا القول هو خلاف ظاهر كلامه، والقول به بحاجة إلى قرينة، والقرينة موجودة في هذه الموارد، أما في مورد أبي أيوب فهي مفقودة. والوجه : هو أنه قد صرّح بالانقراض في تلك الموارد دون مورد أبي أيوب.

9) الطبقات الكبرى ج 3 ص 62.

بْن عَمْرو بْن عامر بْن زريق شهِدَ بدْرًا وأحدًا وتُوُفِّي وليس له عقب. وقد انقرض أيضاً وُلدَ عَمْرو بْن عامر بْن زريق إلّا وُلدَ رافع بْن مالك فقد بقي منهم قوم كثير. وبقي من وُلد النُّعمان بْن عامر واحد أو اثنان. ستة عشر رجلاً»، فعدوله عن ما يقارن عليه تعبيره في هذه الموارد إلى تعبير آخر، وهو (فلا نعلم له عقباً) يكشف عن عدم جزمه بنفي ذرية أبي أيوب الأنصاري.

الأمر الثاني: إننا من خلال البحث والتتبع وجدنا مجموعة من الوثائق التي تؤكد أن نسل أبي أيوب باقٍ على مر السنوات وإلى يومنا هذا، وهنا أذكر وثائق ثلاث (1):

الوثيقة الأولى: كتاب الاستبصار في نسبة الصحابة من الأنصار

٭ الوثيقة الأولى: كتاب الاستبصار في نسبة الصحابة من الأنصار، لابن قدامة المقدسي (ت620ه-).

ذكر في ترجمة أبي أيوب الأنصاري عدة من أحواله، إلى أن قال آخر الترجمة: (وتوفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وله عقب) (2)، وذكر محقق الكتاب في الهامش أيضاً: (ومن عقبه شيخ الإسلام، أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن مصور، الأنصاري، الهروي الذي توفي 433 ه- ، وكان مشهوراً بالعلم، وله تصانيف كثيرة (3)) (4)، وقد ذَكر ترجمة أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، جلال الدين السيوطي، والحافظ الذهبي، ونصوا


1) ألفت النظر إلى أني انتخبت وثائق ثلاث في أزمنة مختلفة ومناطق مختلفة، والغرض هو تعدد المصادر وتأكيد وجود ذرية لا الحصر.

2) الاستبصار في نسب الصحابة الأنصار ص71.

3) الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 50:1. (من نفس المصدر).

4) الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار ص71.

جميعاً أنه من ذرية أبي أيوب الأنصاري (1).

الوثيقة الثانية: الرحلة العلية إلى منطقة توات

٭ الوثيقة الثانية: الرحلة العلية إلى منطقة توات، للشيخ محمد بلعالم (ت 1430ه-) (2).

ذَكَرَ في كتابه هذا تحت عنوان (لمحة نذكر فيها ما تحصلنا عليه من الشجرات النسبية لبعض القبائل المنتسبة للأصول النبوية والصحابية ممن تقدم ذكرهم في هذا البحث)، فجاء إلى شجرة الأنصار فقال: « 5 . شجرة الأنصار أولاد المنوفي ومن معهم هي كما يلي منقولة من خط السيد مولاي أحمد بن مولاي عبدالله البريشي: محمد الأمين بن محمد عبد الكريم الملقب بالمغيلي بن محمد عبدالله الملقب بالمنفوي.... بن سيدي عبيدة بن أبي وقاص بن سيدي أبي أيوب الأنصاري لطف الله به أمين» (3).

وهنا نجد أن اسم (أبي وقاص) يظهر منه أنه هو ابن أبي أيوب، نعم لا ندري هل هو (عبد الرحمن) أم غيره من أخوته.

الوثيقة الثالثة: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد

٭ الوثيقة الثالثة: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد، محمد آل عبد القادر الأنصاري الأحسائي (4).


1) جلال الدين السيوطي في طبقات الحفاظ ص: 440، تحت رقم (993)، والزركلي في أعلامه ج4 ص:122، الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ ج3 ص: 249.

2) الشيخ المذكور قام برحلة إلى منطقة توات في الجزائر من أجل البحث عن الأعلام والآثار والمخطوطات والعادات، وجمع ذلك كلّه في كتاب أسماه (الرحلة العلية إلى منطقة توات لذكر بعض الأعلام والآثار والمخطوطات والعادات وما يربط توات من الجهات).

3) الرحلة العلية إلى منطقة توات، ج 2، ص: 573، بتصرف، فقد حذفت شيئا من المشجرة للاختصار والإشارة للمورد فقط، ومن أرادها فليراجع المصدر.

4) هذا المُؤَلَّف كتب لأجل جمع التاريخ المرتبط بالأحساء خصوصاً، «ففي بعضها اعتمد على مصادر وعزا كل نقل فيه إلى المصدر الذي استقى منه، فذكر ما عليها البلاد من القديم وما عليها البلاد في عهدها الحاضر، وذكر بعض الأسر العريقة في القدم وحاول إرجاع أنسابها إلى القبائل المعروفة، وهذا في الواقع أمر شاق لانقطاع تدوين الأنساب، منذ عهود قديمة جداً» من مقدمة المحقق حمد الجاسر بتصرف.

ذكر فيه تحت عنوان (ذكر أعلام القرن الثاني عشر والثالث عشر من أهل الأحساء)، وأول ما صدر الباب صدره في ترجمة (الشيخ أحمد بن عبدالله عبد القادر)، فقال هو: (الشيخ أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالقادر بن محمد بن حمد بن علي، وهو الجد الخامس لمؤلف هذا التاريخ من ذرية أبي أيوب الأنصاري، الصحابي الجليل، وأبو أيوب اسمه خالد زيد بن كليب [بن] ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار ....) (1).

فهذه وثائق ثلاث وهناك غيرها، تؤكد كلها على أن أبا أيوب كانت له ذرية، وذريته متوزعة، بل وموجودة إلى يومنا هذا لا كما ادعى الكاتب معتمداً على كلام ابن سعد الذي لا يؤيد مطلبه بالبيان الذي بيناه.

رابعاً: أن الرواية نصت على أن (بشر) من ذرية أبي أيوب الأنصاري، ومفردة (ذرية) قد تشمل أولاده من الذكور وأولاده من الإناث كما في قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)) (2)فجعل نبي الله عيسى علیه السلام من ذرية نبي الله إبراهيم علیه السلام وهو لم يتصل به إلا من خلال الأم (3)، وأبو أيوب نفسه قد


1) تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد، ج 2، ص 47.

2) [الأنعام : 84 - 85]

3) كشف الغمة، ج 1، ص 53 نقلاً عن كمال الدين الشافعي في كتابه مطالب السؤول، وللزيادة راجع علم النسب ج 2 للشيخ محمد رضا المامقاني - دامت بركاته-.

ذُكر أن بعض أولاد بناته نُسبوا إليه، فمثلا: (أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس بن جابر الأنصاري المدني (1)) عرف ب-(أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري لكونه سبط أبي أيوب، أمه عمرة ابنة أبي أيوب) (2)، فلعل بشراً كان من ذُرية أبي أيوب من جهة الإناث.

الملاحظة الثالثة: محمد بن بحر، موصوف بالغلو وأنه من الحشوية.
اشارة

قال الكاتب: «وعليه لابد من تحقيق حال هذا الرجل - محمد بن بحر الرهني- الذي يعتبر مدار هذه القصة وقطب رحاها بل كان طرفاً فيها، إذا إنه هو الوحيد الذي التقى ب-(بشر النخاس)، وعرفه بما جرى بينه وبين الإمامين العسكريين علیهما السلام، والسيدة الطاهرة نرجس علیها السلام، فالحديث لا بد أن يمر من خلال هذا الرجل»، وما ذكره الكاتب عبارة عن عدة أمورٍ أوجزها، ثم أذكر التعليق عليها :

الأمر الأول: أن النجاشي دافع عن الرهني بكلام يثبت أن الرجل كان موضع تهمة، واستظهار النجاشي لا يفيد وثاقته بل الكاتب يشكك في فعلية اطلاع النجاشي على كتب الرهني بحيث يمكن للنجاشي تبرئَة الرهني مما نُسب إليه من الغلو، وذلك لأن النجاشي في بغداد وكتب الرهني متداولة في خراسان ، ويشهد لهذا قول الشيخ الطوسي رحمه الله: (وله نحو من خمسمائة مصنف ورسالة، وكتبه موجودة، أكثرها موجود بخراسان).

الأمر الثاني: كلام الشيخ الكشي فيه حيث قال: (قال أبو عمر ومحمد بن عمر بن

1) هذا الشخص جده لأمه (أبو أيوب الأنصاري) ولأبيه (جابر الأنصاري).

2) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، ج 1، ص: 208.

عبدالعزيز الكشي: وحدّثني أبو الحسن بن بحر الكرماني الرهني الترماشيري، قال: (وكان من الغلاة الحنقين) ، وفي مورد آخر (محمد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه مغير عن وجهه)، والكشي معاصر للرهني؛ فتكون شهادته حسية لا حدسية وقد قال عنه بأنه كان من الغلاة.

الأمر الثالث: إن شهادة الكشي لها واقع محسوس يمكن درکه بسبر روايات الرجل وتقييمها، فهي محل إشكال واستغراب، كروايته التي فيها قدح في زرارة. حتى أن الشيخ الصدوق رحمه الله «اقتبس مقاطع طويلة من كتاب الرهني المسمى ب-(من قول مفضلي الأنبياء والرسل والأئمة والحجج صلوات الله عليهم أجمعين على الملائكة)، ثم عَقب عليها بما يدل على توقفه رحمه الله في روايات الرجل، بل إن كلام الشيخ الصدوق رحمه الله صريح في أن الرجل من الحشوية وأن ما يذكره مخالف للأخبار المسندة عن أهل البيت علیهم السلام». وكذلك عندنا «الرواية الأخرى - أي التي عن محمد بن بحر الرهني - والتي نقلها الصدوق رحمه الله في كتابه كمال الدين هي رواية طويلة ذكرت لقاء سعد بن عبدالله الأشعري بالإمام العسكري علیه السلام وابنه الحجة علیه السلام، وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على ردها، حتى قال النجاشي رحمه الله: ولقي مولانا أبا محمد علیه السلام، ورأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد ويقولون هذه حكاية موضوعة عليه». وإن سند هذا الخبر معلول من أوله لآخره، ونِعم ما قاله السيد الخوئي قدس سره تعليقاً على نفس هذا السند في رواية أخرى: وهذه الرواية ضعيفة السند جداً، فإن محمد بن بحر بن سهل الشيباني لم يوثق وهو

متهم بالغلو، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل».

» التعليق:

أولاً: إن التشكيك في فعلية اطلاع الشيخ النجاشي من خلال كلام الشيخ الطوسي غير دقيق؛ لأن عبارة الشيخ الطوسي رحمه الله هكذا: (خمسمائة مصنف ورسالة وكتبه موجودة أكثرها ببلاد خراسان) (1)، وهذه العبارة غاية ما تفيد أنَّ أكثر كتب الرهني موجودة في خراسان، ولو كان لعبارة (أكثرها في خراسان) مفهوم فإن مفهومها أن غير الأكثر خارج خراسان، وغير الأكثر يصدق على وجود القليل والكثير خارج خراسان، ونحن هنا نتكلم عن ( 500 كتاب)، فلو فرضنا أن 400 في خراسان، ووصل منها 100 إلى بغداد، فإن هذا المقدار يصحح التبرئة.

ثم إنَّ من يرجع لكلام النجاشي في ترجمة الرهني (قال بعض أصحابنا: إنه كان في مذهبه ارتفاع. وحديثه قريب من السلامة ولا أدري من أين قيل ذلك. له كتب منها: كتاب البدع، كتاب البقاع، كتاب التقوى، كتاب الاتباع وترك المراء في القرآن، كتاب البرهان، كتاب الأول والعشرة، كتاب المتعة، كتاب القلائد فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا وبين المخالفين. قال لنا أبو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح: حدثنا محمد بن بحر بسائر كتبه ورواياته) (2)، لا يخفى عليه أن الشيخ النجاشي له معرفة بعناوين كتب الرهني، وله طريق إليها، بل واطلاع على بعضها.

بالإضافة إلى ذلك أن ما حكاه الشيخ النجاشي عن أستاذه أبي العباس يفيد في


1) فهرست الطوسي ص : 390.

2) رجال النجاشي ص: 384.

تقوية الرواية التي نناقش فيها، فإن لازم ما حكاه النجاشي أن أستاذه أبا العباس مطلع على رواية الرهني، ومع كونه من النقاد المتشددين (1)

ص: 154 .

في الحديث وقد أخذ الشيخ النجاشي عنه إلا أنه ومع هذا قال بأن حديثه قريب من السلامة.

ثانياً: ذَكَرَ الكاتِبُ أن الكشي أقرب عهداً بالرهني من النجاشي فيكون توصيفه أدق، ولكن هذا ليس تامّاً، فإن هناك بعض الشخصيات لا يتضح حالها في زمانها بل بعده لاجتماع تمام الأدلة والقرائن، وقرب العهد لا يعتبر من المرجحات لتقديم قول بعض الرجاليين على بعض كما أكد ذلك الأعلام، ومن هؤلاء السيد الخوئي قدس سره كما حكى عنه السيد السيستاني دام ظله في إحدى المناقشات إذ قال: (أنه أيده الله [أي السيد الخوئي قدس سره] لم يعتبر في سائر الموارد قرب العهد من المرجحات) (2)

ص: 15 .

، وأكد هذا المعنى السيد محمد رضا السيستاني - دامت بركاته - فقال: (إن قرب العهد من الراوي لا يعتبر من المرجحات لتقديم قول بعض الرجاليين على بعض، ولم يسبق منه قدس سره [أي السيد الخوئي قدس سره] أن التزم بمثل ذلك في الموارد الأخرى .) (3).

ثالثاً: إن المراد من الغلو هو الاعتقاد في الأئمة بالربوبية أو النبوة أو الاعتقاد بكفاية محبتهم عن أداء الفرائض واجتناب الكبائر. وإن حاول جماعة من المتأخرين أن يبين أن الغلو عند المتقدمين يختلف عن ما ذكرناه، كما نوه عليه السيد محمد رضا السيستاني - حفظه الله - فيما نصه: « يتداول في كلمات الرجاليين كالكشي والشيخ


1) خاتمة مستدرك الوسائل، ج 21،

2) مباحث رجالية،

3) قبسات من علم الرجال ج 2، ص: 193، وإن كان يظهر من كلامه - دام مؤيداً - أن السيد الخوئي قدس سره يرى قرب العهد من المرجحات في مورد التعليق ولكن السيد محمد رضا - حفظه الله - يريد التأكد وإن كان كذلك إلا أنه خلاف منهجه قدس سره.

والنجاشي وابن الغضائري توصيف العديد من الرواة بأنهم من الغلاة، وبنى غير واحد من المتأخرين على أن المراد بالغلو عندهم هو ما يعم الاعتقاد في الأئمة علیهم السلام بالمقامات العالية، واستشهدوا لذلك بما حكاه الصدوق عن شيخه ابن الوليد من أن أول درجة في الغلو هو نفي السهو عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم.

ولكن الصحيح - كما نبّه عليه المحقق التستري (طاب ثراه) - أن المقصود به هو الاعتقاد في الأئمة علیهم السلام بالربوبية أو النبوة أو الاعتقاد بكفاية محبتهم عن أداء الفرائض واجتناب الكبائر. ويشهد لهذا عدد من الروايات وجملة من كلمات الأصحاب..» (1). ثم قال بعد سرد الشواهد: فهذه النصوص والكلمات تشير بوضوح إلى أنه كان معنى الغلو عند المتقدمين هو الاعتقاد في الأئمة علیهم السلام بالربوبية ونحو ذلك أو الاعتقاد بكفاية معرفتهم علیهم السلام وعدم الحاجة إلى الإتيان بالصلاة والصيام ولا غيرهما من الفرائض، وأيضاً عدم الضير في ممارسة المحرمات حتى ما يمسّ العِرض والشرف!

وأما ما تقدم من أن ابن الوليد كان يعدّ نفي السهو عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أول درجة في الغلو، فهو لا يقتضي كون الغلو في كلمات الآخرين بالمعنى المتقدم.» (2)، فالغلو كما ذكرناه.

ويمكن دفعه من خلال أحاديث المحدث الخالية من التخليط والأباطيل كما أفاد ذلك أيضاً السيد محمد رضا السيستاني -حفظه الله - حيث قال: (ولذلك يُلاحظ أن النجاشي ذكر في ترجمة محمد بن بحر الرهني (قال بعض أصحابنا: إنه


1) قبسات من علم الرجال ج 1، ص 35، وذكره أيضاً في ج 3.

2) المصدر نفسه .

كان في مذهبه ارتفاع) ثم عقّب عليه بقوله (وحديثه قريب من السلامة)، وذكر ابن الغضائري في ترجمة أحمد بن الحسين بن سعيد (قال القميون كان غالياً) وعقّب عليه بقوله (وحديثه في ما رأيته سالم)، وقال في ترجمة الحسين بن شاذويه (زعم القميون أنه كان غالياً) وعقّب عليه بقوله (ورأيت له كتاباً في الصلاة سديداً) ونحو ما ذكر موارد أخرى وكلها تشهد بأنه كان من المفروغ عنه عندهم منافاة الغلو للوثاقة ولذلك إذا اتّهم أحدهم بالغلوّ ولكن وُجد أن ما رواه من الأحاديث خالٍ من التخليط والأباطيل عُدّ ذلك مؤشّراً إلى عدم صحة اتهامه بالغلوّ) (1).

وعلى ذلك فحين نأتي للكلام عن الرهني فإن تهمة الغلو لابُد من دفعها عنه، لأن الأعلام نظروا في كتبه المتعددة ولم يروا فيها ما يقتضي الغلو، بل هي خالية من التخليط والأباطيل، والأعلام مدحوها أو أخذوا منها، فمن ذلك:

1.

كتاب القلائد، يقول النجاشي: (فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا وبين المخالفين) (2)، وقال العلامة: «منها كتاب (القلائد) فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا وبين المخالفين. وجدت بخط السيد السعيد صفي الدين محمد بن معد: هذا الكتاب عندي وقع إليّ من خراسان، وهو كتاب جيد مفيد وفيه غرائب. ورأيت مجلداً فيه كتاب النكاح حسن بالغ في معناه، ورأيت أجزاء مقطعة وعليها خطه إجازة لبعض من قرأ الكتاب عليه يتضمن الفقه والخلاف والوفاق...) (3).

2.

مقدمات علم القرآن، وقد نقل منه السيد ابن طاووس في كتابه (سعد


1) قبسات من علم الرجال ج 3، ص: 45.

2) رجال النجاشي ص: 384.

3) إيضاح الاشتباه، ص: 290.

السعود) في عدة من الموارد، فقال: « فصل فيما نذكره من الجزء الأول من مقدمات علم القرآن تصنيف محمّد بن بحر الرهني في معنى اختلاف القرآن» (1)، وفي مورد آخر: «فصل فيما نذكره عن محمّد بن بحر الرهني من الجزء الثاني من مقدمات علم القرآن من التفاوت في المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الأمصار» (2)، وغير ذلك من المنقولات في هذا الكتاب، كحديث الثقلين وبيان للرهني حوله، وغير ذلك، وذكره العلامة الحلي أيضاً (3).

3. الفروق بين الأباطيل والحقوق (4): وقد ذكر الشيخ الصدوق في علله ما نصه: «قال محمد بن علي مصنف هذا الكتاب قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل والحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراشي في هذا المعنى والجواب عنه» (5).

بل بعض الكتب تكشف بعناوينها عن إماميته وعقيدته السليمة، ومن ذلك:

1 - إثبات الإمامة (6).


1) سعد السعود للنفوس منضود، ص: 20.

2) سعد السعود للنفوس منضود، ص: 279.

3) ذكر العلامة الحلي هذا الكتاب، وقد ورد هذا في إحدى نسخ (إيضاح الاشتباه) فقد ذكره المحقق (محمد حسون) تحت حاشية رقم: 3 (في ف 2: ووقع إلي من كتبه كتاب مقدمات القرآن وهو كتاب جيد)، وفي نسخة أخرى قُدمت كرسالة تحقيق ثامر كاظم عبد الخفاجي في المتن ص: 263.

4) علل الشرائع، ج 1، ص: 211، معالم العلماء، ص: 116.

5) علل الشرائع، ج 1، ص: 211، بحار الأنوار، ج 44

ص: 2 عن الصدوق.

6) معالم العلماء، ص: 96.

2. الرد على من أنكر الاثني عشر ومعجزاتهم (1).
3.

الفرق بين الآل والأمة (2).

4.

كتاب الحجة في إبطاء القائم علیه السلام (3)

ص: 96 .

.
5. كتاب الاتباع وترك المراء في القرآن (4).
6. المبسوط في الصلاة (5).
7. التكليف والتوظيف (6).
7. الطلاق (7).
9. المناسك (8).

وغير ذلك من الكتب التي تكفي عناوينها للاستدلال بها على إيمانه وعدم غلوه، وإن لم نطلع عليها (9)، وهذا مستخدم كثيراً عند أهل المعرفة، فيثبتون قِدم بعض المعتقدات بعناوين كتب لأصحاب الأئمة علیهم السلام مع أنه لم يصل إلينا شيء منها، ويدفعون سبق العامة في علم الأصول - مثلاً - بذلك، بل الكاتب نفسه


1) معالم العلماء،

ص: 96 .

2) فهرست الطوسي / باب الميم/ باب محمد/ 390، معالم العلماء، ص: 96.

3) معالم العلماء،

4) رجال النجاشي،

ص: 384 .

5) معالم العلماء،

ص: 96 .

6) معالم العلماء،

ص: 96 .

7) معالم العلماء،

ص: 96 .

8) معالم العلماء،

ص: 96 .

9) من أراد الزيادة حوله فليراجع مقالة تحت عنوان (تراث الشيعة الثقافي في التاريخ والجغرافيا) لكاتبها الشيخ رسول جعفریان، مجلة آفاق الحضارة الإسلامية، العدد 5، وكذلك مجلة (تراثنا) العدد 83-84، مقالة لنفس الكاتب بعنوان (شذرات من كتب مفقودة لمحمد بن بحر الرهني).

وظف ذلك في مناسبات مختلفة (1).

رابعاً: إن الكاتب لم يقبل ما صنعه النجاشي حينما قال: (قال بعض أصحابنا: إنه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة)، وهو يريد أن يطبق نفس ما صنعه بسبر روايات الرهني، فأراد أن يطعن فيه لإيراده لروايةٍ فيها طعن في زرارة، ولكنه ليس الوحيد الذي أورد رواية في قدح زرارة، كما أن إيرادها لا يعني عدم موثوقية قائليها، فإنها قد تصدر تقية، ولذلك يعلق بعض الفقهاء على هذه الروايات كالسيد الخوئي قدس سره بتعاليق متعددة (2)، وفي آخرها قال: «والجواب عن هذه الروايات: أنه لم يثبت صدور أكثرها من المعصوم علیه السلام، من جهة ضعف أسنادها. وأما ما ثبت صدوره، فلا بد من حمله على التقية وأنه - سلام الله عليه - إنما عاب زرارة لا لبيان أمر واقع، بل شفقة عليه واهتماماً بشأنه. وقد دلت على ذلك - مضافاً إلى ما عرفت من الروايات المستفيضة في مدح زرارة المطمأن بصدورها إجمالاً من المعصوم علیه السلام - صحيحة عبد الله بن زرارة المتقدمة في الروايات المادحة


1) وهناك موارد كثيرة وظف فيها الكاتب هذه النقطة، فمن باب المثال لا الحصر: محاضرة بعنوان (إمامة الجواد حقيقة لا معضلة) تعرض فيها إلى أن أصحاب الأئمة علیهم السلام كانوا على درجة عالية من المعرفة وأول من فتق العلوم الإسلامية وأشار لذلك من خلال عناوين كتب أصحاب الأئمة وقال هذه العبارة: «بل أنت لو تقرأ الكتب التي ذكرت مصنفات أصحاب الأئمة علیهم السلام مثل فهرست النجاشي والشيخ الطوسي تجد أن أصحاب الأئمة وصلت بهم الحالة العلمية والفكرية أن يردوا على فلاسفة اليونان، عندنا كتب رد على أرسطو وأفلاطون وأبيقور والمسائل الفلسفية كالرد على الدهرية، فواضح أن الطائفة متقدمة جداً من جهة فكرية» وللكاتب لقاء أيضاً في برنامج (بلمارة) حينما قيل له أن الشيعة يتعرضون لعائشة، وهذا عرض الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، فقال: نحن من جهة العرض ننزهها، وأستاذ هادي سألني، وأنا شخصياً عندي كتاب بعنوان (براءة نساء الأنبياء من الزنا)، فهذا أمر ليس بالغريب فتأمل!

2) راجع مثلاً: معجم رجال الحديث ج: 7، ص: 236، 244.

فإنها قد دلت بصراحة على أن الإمام علیه السلام إنما عاب زرارة دفاعاً منه علیه السلام عنه و حفظا له من أذى الأعداء، وقد قال علیه السلام: إنه أحب الناس إليه وأحب أصحاب أبيه إليه حياً وميتاً) (1).

إذن ليسَ كل من أورد رواية في قدح أحد الخلّص استوجب الطعن في نفسه، وإلا لزم ذلك الطعن في الشيخ الكشي والنجاشي والطوسي وغيرهم إذ أوردوا رواية في زرارة وقد علق عليها السيد الخوئي قدس سره قائلاً: (أقول: لا يكاد ينقضي تعجبي كيف يذكر الكشي والشيخ هذه الرواية التافهة الساقطة غير المناسبة لمقام زرارة وجلالته والمقطوع فسادها ولا سيما أن رواة الرواية بأجمعهم مجاهيل) (2)، ومع ذلك السيد الخوئي قدس سره يجُلُّ هؤلاء الكبار رحمهم الله.

خامساً: حريٌ بالقارئ الالتفات إلى عدّة أمور تتعلق بالرهني وبمقاله (3)المسمى ب- (من قول مفضلي الأنبياء والرسل والأئمة والحجج صلوات الله عليهم أجمعين على الملائكة) حتى يتضح له عدم صحة ما ذكره الكاتب من أن الشيخ الصدوق وصف الرهني بالحشوي:

الأمر الأول: إن الرهني - من خلال ما نقله الصدوق في كتابه (علل الشرائع) - نقل أقوال طرفين مع حججهم، وهما: الطرف الأول وهم القائلون بتفضيل


1) معجم رجال الحديث ج: 7، ص: 245.

2) معجم رجال الحديث ج: 7، ص: 238.

3) الكاتب ذكر أن كتاب الرهني اسمه (من قول مفضلي الأنبياء...) والظاهر أن هذه مناظرة منقولة من أحد كتب الرهني ولعله كتابه (الفروق بين الأباطيل و الحقوق) وهذا ما أفاده أحد الإخوة -زاد الله في توفيقه - ووافقه الشيخ رسول جعفريان في مقالة له بعنوان (شذرات من كتب مفقودة لمحمد بن بحر الرهني) [تراثنا 83 - 84، ص: 78] .

الأنبياء والرسل والأئمة والحجج على الملائكة، والطرف الثاني هم القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء والرسل والأئمة والحجج.

والطرف الأول على قسمين:

الأول: يعتقد بأن هاروت وماروت وإبليس من الملائكة، وهم عصاة.

الثاني: يعتقد بأن هاروت وماروت ملكان، ولم يعصيا، وإبليس من الجن لا من الملائكة.

والرهني من القائلين بتفضيل الأنبياء والرسل والأئمة والحجج على الملائكة، لكن من أي القسمين هو فليس بظاهر.

الأمر الثاني: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله لما كان من القائلين بتفضيل الأنبياء والرسل والحجج على الملائكة احتاج إلى أن يبين من أي قسم هو، فلم يعلق كثيراً على هذه المحاورة المنقولة إلا بما يتعلق بعدم تبنيه للقول بأن إبليس وهاروت وماروت ملائكة يعصون الله، فقال: (قال مصنف هذا الكتاب: إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب وليس قولي في إبليس أنه كان من الملائكة بل (كانَ مِنَ الْجِنِّ) (1)إلا أنه كان يعبد الله بين الملائكة، وهاروت وماروت ملكان وليس قولي فیهما قول أهل الحشو بل كانا عندي معصومين، ومعنى هذه الآية ﴿وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) (2)إنما هو ﴿وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) وعلى (ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ببابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ) (3)وقد أخرجت


1) [الكهف: 50].

2) [البقرة : 102].

3) [البقرة : 102].

في ذلك خبراً مسنداً في كتاب عيون أخبار الرضا علیه السلام)، وليس قوله (حكاية) يعني تضعيفاً، بل لدفع توهم قد يحصل لوضع الشيخ هذه المحاورة بين أبواب كانت في صدد ذكر العلل، فالمتأمل يجد الأبواب السابقة تحت عنوان (باب العلة التي ...) وهكذا التي بعدها، فلزم التنويه عن سبب إيراد هذه الحكاية في البين، لا ما ادعاه الكاتب من أن الشيخ الصدوق كلامه صريح في أن الرجل من الحشوية ولذا عبر بالحكاية!!

الأمر الثالث: أن الكاتب لَمْ يبين ما هو مراد الشيخ الصدوق رحمه الله من مفردة (حشو) فالحشوية، فإنه مصطلح استخدم عند المسلمين قديماً وحديثاً، ولم يكن يطلق ويُراد به معنى واحد، فأي المعاني يُريد الشيخ رحمه الله، فمثلاً تجد أن الشيخ المفيد رحمه الله قال: (فليس يجوز عندنا وعند الحشوية المجيزين عليه السهو أن يَكذب النبي صلی الله علیه و آله و سلم متعمداً ولا ساهيا) (1)

ص: 23 .

، ولا يخفى على أحد أن الشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد من الذاهبين إلى القول بسهو النبي صلی الله علیه و آله و سلم، بل وعدّوا أول درجات الغلو هو نفي السهو عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم فهل يعني هذا أن الشيخ المفيد رحمه الله يرى أن الشيخ الصدوق وشيخه رحمهما الله من الحشوية بحيث لا يوثق بهم؟! لا، فلهذه المفردة استعمالاتٍ مختلفة، "ومعرفة المراد من كلمة (الحشوية) تبتني على القرائن الحافة بالكلام في كل مقام" (2).

1) عدم سهو النبي صلی الله علیه و آله و سلم،

2) مقالة (الحشوية نشأة وتأريخاً) للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي، مجلة علوم الحديث العدد السابع ص: 11، ومن أراد الزيادة فليراجع هذه الأعداد من المجلة (العدد السابع، العدد العاشر، العدد الثاني عشر) فقد سطر فيها السيد الجلالي مقالات جليلة تتعلق بالحشوية.

الأمر الرابع: أن الشيخ الصدوق كان يترحم ويترضى على محمد بن بحر الرهني، فقد افتتح باباً في كتابه العلل بهذه العبارة (18 باب ما ذكره محمد بن بحر الشيباني المعروف بالرهني رحمه الله في كتابه من قول مفضلو الأنبياء والرسل والأئمة والحجج صلوات الله عليهم أجمعين على الملائكة)، فهنا الملاحظ أن الشيخ الصدوق ترحم عليه، وفي مورد آخر قد ترضى عليه فقال: «قال محمد بن علي مصنف هذا الكتاب قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل و الحقوق...» (1)، وللأعلام كلام حول ترضي وترحم الشيخ الصدوق على أحدٍ، فبعضهم استفاد أن كليهما لا يفيدان الوثاقة والمدح (2)

ص: 491 لمبحث (الترحم والترضي) ومناقشته للسيد الخوئي قدس سره.

، ومنهم من ذهب إلى أنهما يفيدان حُسن الرجل أو وثاقته، وهناك من ذهب إلى أن الترحم لا يفيد مدحاً ولكن الترضي يفيد ذلك، وهنا دعني أنقل لك مقالتين من مقالات الأعلام:
المقالة الأولى: مقالة الوحيد البهبهاني

٭ المقالة الأولى: مقالة الوحيد البهبهاني رحمه الله .

عد الوحيد البهبهاني الترحم والترضي من أمارات الحسن حيث قال: «ومنها - من أمارات الوثاقة والمدح - ذِكر الجليلِ شخصاً مترضياً أو مترحماً عليه، وغير خفي حسن ذلك الشخص، بل جلالته» (3).


1) علل الشرائع، ج1، ص: 211.

2) ولهذا ذهب سيدنا الخوئي قدس سره، راجع معجم رجال الحديث ج 1، ص: 94، (9- ترحم أحد الأعلام)، وكذا راجع تقرير الشيخ مسلم الداوري في كتابه أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق

3) مقدمة منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، ج 1، ص: 157، وجاء في الهامش: (قال الكاظمي في عدته 23: ومنها ترضي الأجلاء عنه وترحمهم عليه، وهذا كما ترى الكليني والصدوق والشيخ يترحمون على ناس ويترضون عنهم فتعلم أنهم عندهم بمكانة من الجلالة، بدليل أنهما ما زالوا يذكرون الثقات والأجلاء ساكتين، وربما كان الترحم والترضي بخصوصية أخرى كالمشيخة ونحوها، وكيف كان فما كان ليكون إلا عن ثقة يرجع إليه الأجلاء)

المقالة الثاني: مقالة السيد محمد رضا السيستاني – دامت برکاته -

٭ المقالة الثاني: مقالة السيد محمد رضا السيستاني – دامت برکاته - .

«يتداول الترحم- أي قول: رحمه الله - والترضي - أي قول: رضي الله عنه - في كلمات الماضين بالنسبة إلى المشايخ وغيرهم من الرواة وأمثالهم، وقد اختلف في إفادتهما للمدح وعدمه. أما الترحم فالصحيح وفاقاً للسيد الأستاذ قدس سره[أي السيد الخوئي] أنه لا يفيد المدح، فإن طلب الرحمة من الله تعالى للغير - وإن لم يكن من الصالحين - أمر متداول على ألسنة المتشرعة، ولا يكاد يستفاد منه - حتى مع الإكثار منه - إلا كون المترحم له موضع عطف وعناية المترحم.

قال المحقق التستري (طاب ثراه) - ونعم ما قال - قد يترحم الإنسان على من كان معه خلّة وصداقة أو كان له عليه حق وشفقة، أو كان ذا كمال ومعرفة وإن لم يكن ثقة في الديانة.

قال النجاشي في أحمد بن محمد الجوهري: (رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أروِ عنه شيئاً وتجنبته، وكان من أهل العلم والأدب القوي وطيب الشعر وحسن الخط، رحمه الله وسامحه). وأما الترضي فالصحيح أنه يدل على الجلالة التي هي فوق مستوى الوثاقة»

ثم ختم المبحث بعد بيان المستند بقوله: «والحاصل: أن الترضي ليس محض دعاء - كما قيل - بل يدل على التعظيم والتبجيل، فليتدبر» (1).

وهذا الذي ذهب إليه أغلب الرجاليين من أن الترحم أو الترضي يفيدان المدح


1) قبسات من علم الرجال، ج 1، ص: 31.

و خصوصا الترضي، وعلى فرض عدم دلالته على التوثيق صراحة، فلا أقل هو كاشف عن الحسن (1).

فالرهني على هذا إن لم يُصر إلى وثاقته فإنه قد يقال بحسنه لا أقل، وهذا ما ذكره الرجالي العلامة المامقاني في تنقيح المقال حيث قال: «كان ما سمعته من الشّيخ من كونه -[أي الرهني] - عالماً بالأخبار فقيهاً و ما سمعته من النجاشي من كون حديثه قريباً من السّلامة مدحاً مُدرجاً له في الحسان فالأظهر كون الرّجل من الحسان دون الضعفاء، والله العالم.

ولقد أجاد الحائري حيث قال ليت شعري إذا كان الرّجل بنفسه متكلما عالماً فقيهاً وحديثه قريباً من السّلامة، وكتبه جيّدة مفيدة حسنة فما معنى الغلوّ الّذى یرمی به وليس العجب من ابن الغضائري والكشي لأنّ كافة علمائنا رضوان الله عليهم من عدى الصّدوق رحمه الله وأضرابه عند أضرابهما غلاة لكن العجب ممّن يتبعهما في الطّعن والرمي بالغلوّ فما في الوجيزة من أنّه ضعيف هذا انتهى كلام الحائري.

وأقول ممّا يكذب نسبة الغلوّ إليه أنّ الصّدوق رحمه الله نقل في إكمال الدّين عن كتاب الرّجل في تفضيل الأنبياء والأئمّة صلوات الله عليهم على الملائكة فصلاً طويلاً ختامه أن محمداً صلی الله علیه و آله و سلم أفضل المخلوقات من الجن والإنس والملائكة، وفيه تصريح بأن محمداً صلی الله علیه و آله و سلم مخلوق من المخلوقات كغيره بنحو لا يشتبه على من طالعه وتصفّحه، وفيه شهادة على عدم غلوّه نحو ما يقوله الغلاة من القدم والحلول فلم


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق ص: 493.

يبقَ إلا بمعنى المبالغة في تفضيل الحجج على غيرهم وعلو رتبتهم، وذلك اليوم من ضروريات المذهب، فنسبة الغلوّ القادح في الراوي إلى الرّجل غلط بحسب الظّاهر والعلم عند الله تعالى» (1)

ص: 85 - 86.

سادساً: لن أعلق كثيراً على الرواية الأخرى التي علّق عليها بقوله (وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على ردها)، إلا على شيئين:

الشيء الأول: إن ادعاء إطباق المتقدمين والمتأخرين على ردها يكذبه كلام بعض الأعلام والأفذاذ في هذا، وإليك بعض الأقوال في هذا فتأمله:

القول الأول: العلامة المجلسي رحمه الله قال حول هذه الرواية: (أقول: قال النجاشي بعد توثيق سعد والحكم بجلالته لقي مولانا أبا محمد علیه السلام ورأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد علیه السلام ويقولون هذه حكاية موضوعة عليه. أقول: الصدوق أعرف بصدق الأخبار والوثوق عليها من ذلك البعض الذي لا يعرف حاله ورد الأخبار التي تشهد متونها بصحتها بمحض الظن والوهم مع إدراك سعد زمانه وإمكان ملاقاة سعد له علیه السلام إذ كان وفاته بعد وفاته علیه السلام بأربعين سنة تقريباً ليس إلا للإزراء بالأخبار وعدم الوثوق بالأخيار والتقصير في معرفة شأن الأئمة الأطهار، إذ وجدنا أن الأخبار المشتملة على المعجزات الغريبة إذا وصل إليهم فهم إما يقدحون فيها أو في راويها بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلا نقل مثل تلك الأخبار) (2)

1) تنقيح المقال في علم الرجال (رحلي)، ج 2 القسم الثاني،

2) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 52، ص: 89.

القول الثاني: الشيخ محمد إسماعيل المازندراني الحائري (1)ووافقه العلامة المامقاني على ذلك، وسأنقل كلام الشيخ المامقاني بطوله: (قد سمعت من النجاشي رحمه الله أنّه قال: رأيت بعض أصحابنا يضعّفون لقاءه- يعني لقاء سعد بن عبد الله هذا - لأبي محمّد علیه السلام، ويقولون: هذه حكاية موضوعة عليه، والله أعلم. وسمعت من العلّامة نقل ذلك عن النجاشي. وعلّق (2)الشهيد الثاني رحمه الله على قوله: حكاية موضوعة .. إلى آخر قوله: ذكرها الصدوق رحمه الله في إكمال الدين (3)، وأمارات الوضع عليها لائحة. انتهى.

و يعارضه ما ذكره المجلسي الأوّل - على ما نقله سبطه الوحيد رحمه الله (4)- وهو: أنّ الصدوق رحمه الله حكم بصحة الرواية، وكذا الشيخ رحمه الله، والخبر وإن كان من الآحاد، لكن لمّا تضمّن الحكم بالمغيّبات - و قد حصلت - نعلم أنّه من المعصوم .. إلى أن قال: علامة الوضع إن كان الإخبار بالمغيّبات، ففيه ما لا يخفى. وكيف، و فيه من الفوائد الجمّة ما يدلّ على صحته؟ . انتهى (5).


1) المعروف بالشيخ أبي علي الحائري صاحب منتهى المقال، أورده في ج 3، ص: 326-328.

2) تعليقة الشهيد الثاني على الخلاصة: 18 من نسختنا المخطوطة [وفي المطبوعة ضمن (رسائل الشهيد الثاني) 2/ 985 برقم (182)].

3) إكمال الدين 454/2 حديث 21. (من محقق تنقيح المقال)

4) في تعليقته المطبوعة على هامش منهج المقال : 158 من (الطبعة الحجرية) باختلاف يسير، ومثله في منتهى المقال 326/3 - 328 .. وغيره. (من محقق تنقيح المقال)

5) قال الشيخ الحائري في منتهى المقال 326/3: ما ذكره المقدس التقي قدس سره حق لا شبهة فيه ولا مرية تعتريه؛ فإن لكل حق حقيقة، و لكل صواب نورا، ومن أمعن النظر في هذا الخبر عرف صدوره من خزّان العلم، وأولي النهى والحلم .. ثم قال: قال غوّاص بحار الأنوار - ونعم ما قال، بعد ذكر تضعيف البعض لقاءه له علیه السلام- .. ثم نقل كلامه أعلى الله مقامه. (من محقق تنقيح المقال)

و قال ولده قدّس سرّهما في البحار (1)- بعد نقل الرواية، ونقل كلام النجاشي، ما لفظه -: «أقول: الصدوق رحمه الله أعرف بصدق الأخبار والوثوق عليها من ذلك البعض الذي لا يعرف حاله. وردّ لأخبار (2)التي تشهد متونها بصحتها [والطعن] (3)بمحض الظنّ والوهم- مع إدراك سعد زمانه علیه السلام وإمكان ملاقاته له علیه السلام أربعين سنة تقريبا (4)- ليس إلّا للإزراء بالأخبار، وعدم الوثوق بالأخيار، والتقصير في معرفة شأن الأئمّة الأطهار علیهم السلام؛ إذ وجدنا أنّ الأخبار المشتملة على المعجزات الغريبة إذا وصلت (5)إليهم، فهم إمّا يقدحون (6)فيها، أو في راويها، بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلّا نقل مثل تلك الأخبار. انتهى»

وأقول: إنّ تحقيق حال هذه الحكاية يحتاج إلى نقلها، وهي وإن كانت طويلة يخرج بنقلها الكتاب عن وضعه، إلّا أنّ لقاءه وعدم لقائه أمر مهمّ؛ لأنّه بناء على عدم لقائه يكون ما يروي عنه عن أبي محمّد علیه السلام كذباً أو مرسلاً، فيلزمنا نقل الحكاية، وتذييلها بما قيل فيها، وما ينبغي أن يقال.


1) بحار الأنوار 52 / 88 - 89 باختلاف يسير. (من محقق تنقيح المقال)

2) كذا في البحار، وفي هامش منتهى المقال عن البحار: لا يعلم حال ورود الأخبار .. و هو أولى (من محقق تنقيح المقال)

3) ما بين المعقوفين مزيد من منتهى المقال، ولم يرد في الأصل ولا في البحار المطبوع. (من محقق تنقيح المقال)

4) في بحار الأنوار - وباختلاف يسير في منتهى المقال-: و إمكان ملاقاة سعد له علیه السلام- إذ كان وفاته بعد وفاته علیه السلام بأربعين سنة تقريبا- .. و كأنّ هنا سقط. (من محقق تنقيح المقال)

5) في بحار الأنوار: وصل. (من محقق تنقيح المقال)

6) في منتهى المقال عن البحار: قلما يقدحون .. بدلا من: فهم إمّا يقدحون .. و هو أولى. (من محقق تنقيح المقال)

فنقول : قد روى الصدوق رحمه الله في إكمال الدين (1).... إلخ" حتى انتهى من نقل الرواية وعقب بعدها ب-: و أقول: انظر - يرحمك الله تعالى - إلى هذا الخبر الشريف، المتضمّن لفقرات تنادي بأعلى صوتها بصدورها من مصدر الإمامة، مثل الجواب المبهت للذي كفر في قضيّة إسلام الشيخين، الذي لا يهتدي إليه إلّا المطّلع على حقائق المطالب، ومثل الاستدلال لعدم ثبوت حق اختيار الإمام لغير الله سبحانه بالبرهان الملزم لكل كفار عنيد، وما أدري ما الذي أراده الشهيد الثاني رحمه الله من ظهور أمارات الوضع عليه، وكلّما أجهدت الفكر وكررت النظر فيه، طالباً أمارة تدلّ على وضعه، لم أجد إلّا ما ذكره ولد ولده في تعليقه على منهج أستاذه، والسيّد الداماد في رواشحه (2)، ومرجعه إلى أمرين:

الأوّل: تضمّنه أنّ العسكري علیه السلام كان يكتب، والحجة- عجل الله تعالى فرجه و جعلنا من كلّ مكروه فداه- كان يشغله عن الكتابة، ويقبض على أصابعه،

1) إكمال الدين 454/2 حديث 21، والسند ضعيف جداً؛ لأنّه يحتوي على الضعيف والمجهول والغالي، ولكن هذه الرواية بعينها رواها الطبري محمّد بن جرير بن رستم الإمامي الشيعي العظيم المنزلة في دلائل الإمامة: 274 [الطبعة الثانية، مطبعة الحيدرية النجف الأشرف] قال: .. و أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد الله البزاز، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الثعالبي - قراءة في يوم الجمعة مستهلّ رجب سنة سبعين وثلاثمائة- قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمّد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله بن خلف القمي، قال: كنت امر أ لهجا بجمع الكتب .. وعبد الباقي بن يزداد أكثر ابن طاوس في كتابه الإقبال الرواية عنه، والظاهر أنّه حسن، وعبد الله بن محمّد الثعالبي من رواة الإمامية والظاهر حسنه، وهو مع عبد الباقي أهمل ذكرهما علماء الرجال. فالرواية من جهة السند قويّة ظاهراً. (من محقق تنقيح المقال)

2) لم أجد تصريحا من السيد الداماد قدس سره في رواشحه، و لعلّه في غيره من كتبه رحمه الله نعم في الراشحة الحادي والعشرين من الرواشح: 129 - 131 نوع إشارة إلى ذلك، فتأمل. و ما هنا منقول من منتهى المقال. (من محقق تنقيح المقال)

وكان العسكري علیه السلام يلهيه بالرمانة من ذهب التي كانت بين يديه علیه السلام (1).

فإن أراد هذا، فهو عجيب إلى الغاية؛ ضرورة أنّ الأئمّة علیهم السلام لهم حالات في الصغر والكبر كحال سائر الصغار والكبار من البشر، يرتكبونها لأجل أن لا يخلو الجهّال فيهم، كما لا يخفى على الخبير البصير، ولذا ترى أنّهم مع هذه الارتكابات غلت فيهم فرقة، وما هذه القضيّة من الحجة إلّا نحو إبطاء الحسين علیه السلام [في الكلام] وتكرير النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم لأجله التكبير، ونحو بكائه في المهد، وهز جبرئيل المهد، وإنشاده في ذلك الأشعار التي عرفتها المخدرات في الأستار، ونحو لعبه مع الصبيان، وفراره من يدي النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، واتباع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم إيّاه من هاهنا إلى هاهنا، ونحو ركوبه على ظهر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وهو في السجود .. و غير ذلك ممّا لا يقبل الإنكار والجحود.

الثاني: ما تضمّنه من تفسير: (كهيعص) (2)، بأنّ الكاف: كربلاء .. إلى آخره (3). و هذا كسابقه عجيب أيضاً، ألم يعثر على الأخبار الناطقة بأنّ للقرآن ظهراً وبطنا، ولبطنه بطناً .. إلى سبعة أبطن، أو سبعين بطناً، سيما الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل: ألم، المر، ألمص، حم، حم عسق، ق، ن .. وغير ذلك؛ فإنّها لا ظاهر لها، فلا بدّ وأن يكون تفسيرها من البطون ..؟! ألم يعثر على التفاسير

1) كذا، و ما جاء في منتهى المقال عن المحقّق الشيخ محمّد هو: .. يلهيه بتوجيه رمّانة ذهب كانت بين يديه .. (من محقق تنقيح المقال).

2) سورة مريم (19): 1 . (من محقق تنقيح المقال)

3) لاحظ: دلائل الإمامة: 513 - 514 (طبعة مؤسسة البعثة)، و في تأويل الآيات 1/ 300. (من محقق تنقيح المقال)

الواردة عنهم علیهم السلام في جملة من الآيات مثل: ما ورد (1)في تفسير: حم عسق (2)، من أنّ حم (3)حتم، و«ع» عذاب، و «س» سنون كسني يوسف، و«ق» قذف وخسف يكون في آخر الزمان بالسفياني وأصحابه.

و ما ورد (4)في تفسير: (ألم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ) (5)من أنّهم بنو أمية.

و ما ورد (6)في تفسير: (طه) (7)من أنّه طهارة أهل البيت علیهم السلام من الرجس.

و ما ورد (8)في تفسير: ﴿وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ) (9)(النجم) : النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، و (الشجر): علي علیه السلام.

و ما ورد (10)في تفسير: (وَ الْفَجْرِ) (11)من أنّه القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، واللّيالي العشر: الأئمة علیهم السلام، أوّلهم: الحسن علیه السلام، وآخرهم: الحسن علیه السلام، (و الشفع): فاطمة علیها السلام و علي علیه السلام، (و الوتر): ابنه الحسين علیه السلام (12).


1) لاحظ: تأويل الآيات 542/2 حديث 3، و تفسير البرهان 4 / 115 حديث 3. (من محقق تنقيح المقال)

2) سورة الشورى (42): 1-2. (من محقق تنقيح المقال)

3) كذا والظاهر: حاء. (من محقق تنقيح المقال)

4) لاحظ: تأويل الآيات 1 / 434 ، وعنه في تفسير البرهان 3/ 257 حديث 1، و في بحار الأنوار 31/ 515 - 516 حدیث 13 و 14، وصفحة: 544 . (من محقق تنقيح المقال)

5) سورة الروم (30): 1 - 2. (من محقق تنقيح المقال)

6) لاحظ: تأويل الآيات 309/1 حديث 1. (من محقق تنقيح المقال)

7) سورة طه (20): 1 . (من محقق تنقيح المقال)

8) لاحظ: تأويل الآيات 632/1 حديث 5. (من محقق تنقيح المقال)

9) سورة الرحمن (55): 6 . (من محقق تنقيح المقال)

10) لاحظ: تأويل الآيات 792/2 باختلاف يسير في اللفظ. (من محقق تنقيح المقال)

11) سورة الفجر (89): 1. (من محقق تنقيح المقال)

12) في تأويل الآيات، و في هامش المنتهى: و الوتر: الله. (من محقق تنقيح المقال)

وما ورد (1)في تفسير: (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) (2)من أنّ الليل دولة تسري إلى دولة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

[وورد (3)في تفسير: (وَالشَّمْسِ) أنّ الشمس أمير المؤمنين علیه السلام وَضُحاها قيام القائم علیه السلام] (4)(وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها) (5)الحسنان، (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) (6)قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) (7)حبتر (8)ودولته، (وَ السَّماءِ وَ ما بَناها) (9)هو النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم.

وما ورد (10)في تفسير: ﴿إِنَّ َأوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ) (11)من أنّ العنكبوت: الحمير ... و أمثال ذلك من البطون الكثيرة؟! أيجوز في عقلك أن یکون كل ذلك موضوعاً؟! حاشا .. وكلا!

مضافا إلى أنّ (كهيعص) ليس محكماً نعرف تفسيره الظاهري حتى نحكم


1) لاحظ: تأويل الآيات 792/2. (من محقق تنقيح المقال)

2) سورة الفجر (89): 4. (من محقق تنقيح المقال)

3) لاحظ: تأويل الآيات 803/2. (من محقق تنقيح المقال)

4) ما بين المعقوفتين سقط من مطبوع التنقيح، وجاء في المصادر الناقلة للردّ والنقض. (من محقق تنقيح المقال)

5) سورة الشمس (91): 2 . (من محقق تنقيح المقال)

6) سورة الشمس (91): 3. (من محقق تنقيح المقال)

7) كذا، والظاهر: (يغشاها) بحكم السياق، وإن كان ماهنا جاء في سورة الليل (92): 1. (من محقق تنقيح المقال)

8) في الأصل الحجري: حبّة، و هو سهو و تصحيف. (من محقق تنقيح المقال)

9) سورة الشمس (91): 5 . (من محقق تنقيح المقال)

10) لاحظ: تأويل الآيات 430/1 حدیث 7، وفيه: الحميراء، بدل: الحمير، وهو الظاهر. (من محقق تنقيح المقال)

11) سورة العنكبوت (29): 41. (من محقق تنقيح المقال)

ببطلان ما يخالف ظاهره (1)، و لم يصل إلينا أيضا عنهم علیهم السلام في تفسيره ما يخالف هذا التفسير حتى نحكم بصحّة ذاك وبطلان هذا. نعم؛ في تفسير القمي (2)أنّ (كهيعص) أسماء الله مقطّعة .. أي الله (الكافي) (الهادي) (العالم) (الصادق) ذي الآيات العظام؛ لكن لم يتبيّن ترجيحه على هذا.

و بالجملة؛ فقول الشهيد الثاني رحمه الله: إنّ أمارات الوضع على الرواية لائحة ..!

من الغرائب، ولو أبدله بقوله: أمارات تدلّ على صحتها، لكان أولى) (3)انتهى كلام الشيخ المامقاني رحمه الله.

وبعد نقل كلام بعض الأعلام تجد أن ما ادعاه الكاتب ليس في محله من إطباق المتقدمين والمتأخرين على ردها كما اتضح لك (4).


1) على فرض جواز الحكم بذلك. (من محقق تنقيح المقال)

2) تفسير علي بن إبراهيم القمي رحمه الله 1/ 48. (من محقق تنقيح المقال)

3) تنقيح المقال في علم الرجال (ط الحديثة)، ج 30، ص: 363.

4) أشير إلى أن المحقق التستري رحمه الله قد ناقش العلامة المجلسي رحمه الله في قوله الذي تقدم مضعفاً إياه في كتابه [الأخبار الدخيلة، ج 1، ص: 96] بكلام طويل الذيل، وقد ناقَش المحققَ التستري الشيخُ لطف الله الصافي قدس سره في رسالة عبر عنها ب- (الرسالة التاسعة عشر النقود اللطيفة على الكتاب المسمى بالأخبار الدخيلة) وقال في مقدمتها: (وبعد فقد نشر من بعض الأعلام المؤلفين المعاصرين أدام الله أيامه وسدد خطاه كتاباً أسماه الأخبار الدخيلة، ذكر فيه الروايات التي فيها بزعمه خلل من تحريف أو وضع، وقد ساعدني التوفيق عندما كنت أجدد النظر في الأخبار الواردة في مولانا الإمام المهدى أرواح العالمين له الفدا، لمراجعة ما فيه حول بعض هذه الأحاديث الشريفة، فرأيت أنه قد عد من الموضوعات طائفة مما رواه شيخنا الصدوق قدس سره في كتابه القيم كمال الدين، وشيخنا الطوسي أعلى الله درجته في كتابه الغيبة وغيرهما، ووجدت أنه مع إصراره على إثبات وضعها اعتمد على أدلة ضعيفة وشواهد واهية) وللمزيد راجع الرسالة في مجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي [ج 2، ص: 138].

الشيء الثاني: أن ما نقله من كلام السيد الخوئي قدس سره يريد الكاتب به الطعن في (محمد بن بحر الرهني)، والحال أنه لا يختلف عما ذُكر سابقاً في حال الرهني، فالسيد قال في شأنه: (لم يُوثق وهو متهم بالغلو)، والسيد لم يُثبت تهمة الغلو فيه- كما صنع الكاتب- فغاية ما يُقال أن الرهني مجهول عند السيد قدس سره، وقد تقدم الكلام في هذا فراجع.

سابعاً: إن الرواية القُمية تتميز بعدة مميزات، منها التشدد العام، ويدلنا على ذلك ما ورد من الطعن على (أحمد بن محمد بن خالد البرقي) حتى أنه طُرد من قم، وأيضاً ما ورد في غيره من الطعن (1)، وكذلك استثناءات كتاب (نوادر الحكمة)، إذ: (تكلم القميون فيه بالرد، فأكثروا واستثنوا من كتاب نوادر الحكمة ما رواه) (2)، وتفصيل ذلك في محله.

وأيضاً أن الرواية القميّة لها ميزة مخصوصة عند السفراء رضي الله عنهم فقد أنفذ الحسين بن روح النوبختي رضي الله عنه (السفير الثالث) إلى القميين كتاب التأديب وقال لهم: (انْظُرُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَانْظُرُوا فِيهِ شَيْءٌ يُخَالِفُكُمْ. فَكَتَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ كُلَّهُ صَحِيحٌ وَمَا فِيهِ شَيْءٌ يُخَالِفُ إِلَّا قَوْلُهُ [فِي] الصَّاعِ فِي الْفِطْرَةِ نِصْفُ صَاعِ مِنْ طَعَامِ وَالطَّعَامُ عِنْدَنَا مِثْلُ الشَّعِيرِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ) (3)

وهناك رأي مهم يشير إليه بعض العلماء الأفذاذ كالشيخ الأنصاري قدس سره


1) راجع مثلاً: رجال الطوسي، ص: 346، رجال النجاشي، ص: 329، الرجال لابن الغضائري، ص: 93،86،52،40 .

2) رجال ابن الغضائري، ص: 95.

3) الغيبة (للطوسي)، ص: 390.

يتناسب مع ما نحن فيه، وهو أن الرواية وإن كان في سندها جماعة تُخرجها عن حد الاعتبار، إلا "أن اعتماد القميين عليها وروايتهم لها مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لا يثبتون في كتبهم رواية في راويها ضعف إلا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها جابر لضعفها في الجملة" (1)، والشيخ الصدوق قد نقلها، بل وعنون الباب بهذا العنوان (باب ما روي في نرجس أم القائم علیه السلام واسمها مليكة بن يشوعا بن قيصر الملك) مما يكشف عن اعتماده عليها (2).

ثامناً: الواضح من تعامل الكاتب مع الرواية على أنها كلام تاريخي كما في ملاحظاته المتنية – ستأتي- فهو يبني على أن هذا خبر تاريخي وهو كذلك، فإذا كان الأمر كذلك «فإنَّ محاكمة الحدث التاريخي بضعف سنده لهي على خلاف المنهج العلمي، إذ إنَّ أدوات التحقيق التاريخي تختلف عن أدوات التحقيق في القضايا الفقهية والعقدية، ففي الوقت الذي يتكئ فيه الفقيه على قوة السند - كما هو المنهج الذائع في العصر الأخير- لإثبات الحكم الشرعي، فإنَّ المؤرِّخ يعتمد لإثبات الحدث التاريخي منهج جمع القرائن، ولا يدور مدار السند صحةً وضعفاً.

وبالتالي فإذا جاءتنا رواية في أحد الكتب المعتبرة، ولم تتضمن محذوراً يمنع من قبول مضمونها، وكان المصدر من الكتب المتقدمة، ومؤلّفه من الأعلام المعروفين بالضبط والأمانة، فإنَّ كل هذه القرائن مما تكفي لاعتماد الرواية بحسب المنهج


1) المكاسب، ج 1، ص: 301.

2) وقد راجعت مجموعة من المخطوطات وكلها تثبت هذا العنوان، فاحتمال كون العنوان من النساخ بعيد لاتفاق هذا العدد من المخطوطات على ذلك، وسأرفق بعضها لاحقاً، وسيأتي كلام يتعلق باعتماد الشيخ الصدوق رحمه الله للرواية.

التاريخي ، والبحث السندي حينئذٍ لا وجه له» (1)، وللسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره بيانات مختلفة حول هذا، نقتبس منها اقتباسين:

الاقتباس الأول: (لا يفترض في التاريخ أن يعتمد على اليقينيات ولا على الحجج الشرعية، وإلا لم يبقَ تاريخ، بل أحسن ما يتوقَّع أن يعتمد على الوثوق والاطمئنان)، ثم يقول: (أما أنَّ التاريخ لا يعتمد على اليقينيات ولا الحجج الشرعية فهو من البديهيات، فإنَّ اليقينيات في التاريخ غالباً أصول الوقائع المتواترة إجمالاً، كهجرة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وحروبه المشهورة، وحادثة السقيفة، وحروب أمير المؤمنين علیه السلام ومقتله، ونهضة الحسين علیه السلام، ونحوها على إجمالها، والتفاصيل ليست إلا في روايات متناثرة لا يتقيّد المؤرخون في إثباتها بالتواتر الموجب لليقين، ولا بالسند الذي يبلغ مرتبة الحجية الشرعية، وتكمن الحقيقة في تلك الروايات المتناثرة المتنافرة إجمالاً من دون أن تتميّز بسند حجّة) (2)، فالاعتماد إذن في الأخبار التاريخية على الوثوق والاطمئنان بالخبر، لا اليقين والقطع.
الاقتباس الثاني: (فالأحاديث التي لم تشتمل على شرائط الحجية المصحّحة للفتوى في الأحكام الشرعية قد توجب الاطمئنان بلحاظ بعض القرائن، منها: تعدّد تلك الأخبار ودعم بعضها البعض، ومنها: ذكرها في كتب أهل التثبت والتمحيص ممن يحترمون أنفسهم وكتبهم، ومنها: ذكرها في كتب المخالفين

1) مقالة للسيد ضياء الخباز - دامت بركاته - بعنوان (إثارات وردود حول خبر الوصية)، بتصرف، وكذلك تعرض لمثله بتفصيل أكثر في كتابه ( وجها لوجه بين الأصالة والتجديد)، الطبعة الأولى، ص: 353.

2) رسالة أبوية ومسائل تهمُّ طلبة الحوزة والمبلّغين

ص: 85 - 86.

إذا كانت مخالفة لخطهم، إذ ليس من شأنهم أن يذكروا ما يخالف خطهم لولا وضوحه عندهم وفرضه عليهم بحقيقته، إلى غير ذلك من القرائن التي يدركها الباحث المنصف) (1)

إذن إذا كان الخبر التاريخي يدور مدار الوثوق والاطمئنان فإن تحصيله يكون من خلال ملاحظة بعض القرائن، ومن جملتها ما ذكره قدس سره وأضاف عليها في مورد آخر فقال: (لما كانت غالب روايات المقاتل مراسيل فالركون إليها إنَّما يكون بسبب سمو شخصية مؤلف المقتل في العلم والوثاقة وحسن الاختيار، كمقتل الشيخ الصدوق في أماليه، واللهوف لابن طاووس، ومثير الأحزان لابن نما، إلى غير ذلك) (2)، فسمو الناقل ومعروفيته بالعلم والوثاقة وحسن الاختيار كافية لاعتماد تلك المنقولات.


1) رسالة أبوية ومسائل تهمُّ طلبة الحوزة والمبلّغين، ص:41.

2) من وحي الطف: ص 77.

القسم الثالث: مناقشة الملاحظات المتنية

اشارة

الكاتب لم يكتفِ بما سجله في سند الرواية من ملاحظات فسجل ملاحظات متنية أيضاً، وهي في المقام أهم من الملاحظات السندية، وأشار إلى أن الخبر يتضمن أموراً من شأنها توهين الخبر بل وتمنع من الركون إليه.

وهنا سأقدم بمقدمات ثم سأسرد الملاحظات التي سَجلها الكاتب على المتن، ومن ثَمَّ سأقوم بالتعليق عليها.

النقطة الأولى: مقدمات بين يدي البحث.

المقدمة الأولى: ضرورة التتبع الجيد للتاريخ.

طريق معرفة التاريخ يختلف باختلاف الغاية له، فلو كانت الغاية هي المعرفة الإجمالية فإن تحقيقها يكفي بالاطلاع اليسير على بعض المصادر لتحصيلها، وأما لو كانت الغاية تفصيلية دقيقة فإن هذا لا يمكن سبره بمراجعة كتابين أو مراجعة الويكيبيديا فقط دون تفتيش أكثر في المصادر.

وتاريخ الدولة البيزنطية ليس بخارج عن هذا أيضاً، فلو أردنا معرفة إجمالية عن بعض حكام تلك الفترة لكفتنا مطالعة سريعة لبعض المصادر أو حتى الويكيبيديا، لكن هذا لن يعطيك الدقة والتفصيل، فالوقوف على تلك القراءة الإجمالية لا يُمكن أن يُكتفى بها للوصول إلى نتيجة للبت في بعض القضايا الحساسة، فالاختلاف

في التاريخ البيزنطي كبير، وخذ الأسماء والمقامات مثالاً لذلك، فقد كانت كثيرة ومختلفة، فمثلاً (الإمبراطور) كان الأقدمون من العرب يسمونه (الهَيْباط) (1)، وكذا تجد أن لفظة (روم) لها اختلاف عند العرب عنها عند الروم أنفسهم، فالروم عند العرب قبل الإسلام وبعده هم الرومان وخلفاؤهم البيزنطيون، والبيزنطيون عند أنفسهم روم؛ أي رومان (2)، وهذا التفريق -كما نص بعض المتخصصين- لم يدركه بعض المؤرخين المعروفين (3).

المقدمة الثانية: تحديد الحقبة المناسبة للبحث.

الحقبة التي نتحدثُ عنها وتتناسب مع الأحداث هي من سنة (842-868م) والتي توافق (228 - 254ه-) بحيث يكون فيها الإمام الهادي علیه السلام موجوداً، إذ أنَّ كاتب الكتاب كما تشير الرواية هو الإمام الهادي علیه السلام، وولادة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف كانت في سنة (255ه-) أو (256ه-).

وهنا عندما نتحدث عن إمبراطورية الروم فإن الإمبراطورية المعنِية والمناسبة هي الإمبراطورية البيزنطية لا بقية الإمبراطوريات التي لم يكن بعضها قد تأسس بعد أو لم تكن تدين بالنصرانية، وهو مخالف للمعطيات التي وردت في الرواية. بالتالي ففي هذه الحقبة الزمانية يكون لدينا إمبراطوران، أحدهما ميخائيل الثالث


1) القاموس المحيط، ج 2، ص: 594، مادة (هبط)، وهناك تحقيق حول أصلها، راجع (مجلة الرسالة، العدد 411، ص: 679، مقالة بعنوان (ألقاب الشرف والتعظيم عند العرب) لكاتبها (الأب أنستاس ماري الكرملي).

2) كتاب الروم ص: 9، أسد رستم.

3) راجع مثلاً: بيزنطة: مدينة الحضارة والنظم (دراسات وبحوث)، ص: 125، تأليف: أ. د طارق المنصور (أستاذ تاريخ العصور الوسطى).

الذي حكم من (842 - 867م) وبمقتله انتهت الأسرة العمورية في الدولة البيزنطية، ثم بدأت فترة المقدونية البيزنطية على يد باسل الأول (باسليوس) في (867م) وهو الإمبراطور الآخر في هذه الفترة إلى (886م) (1).

إذن كعنوان إمبراطور عام لدينا اثنان، وهما المناسبان أن تكون هذه الأحداث في زمانهما.

النقطة الثانية: في بيان الملاحظات المتنية والتعليق عليها.

الملاحظة الأولى: عدم وجود إمبراطور تتناسب معه الأوصاف

٭ الملاحظة الأولى: عدم وجود إمبراطور تتناسب معه الأوصاف.

قال الكاتب: «أن السيدة نرجس علیها السلام عرّفت نفسها في هذا الخبر (مليكة بنت يشوعا بن قيصر الروم) أي أنها حفيدة ملك الروم في ذلك الزمن وكان عمرها 13 سنة، ومن هنا فإنه بتتبع هذه الخيوط وجد أن الإمبراطور المعني في ذلك الزمان وهو (ميخائيل الثالث)، ولا يمكن أن يكون هو المعني فلا يمكن أن يكون له أحفاد حيث كان صغيراً وقت استلامه الحكم، ثم أن جدها – أي القيصر - أراد أن يزوجها من ابن أخيه، والحال أن ملك التوفيل أو ثيوفيلوس - والد ميخائيل الثالث- لم يكن له أبناء إلا ميخائيل الذي كان صغيراً، ولو كان له أولاد بقينا مع الإشكال السابق وهو عدم إمكانية وجود أحفاد له في هذه الفترة الوجيزة.

نعم احتمل بعضهم أن المقصود ليس إمبراطور الروم بل وزيره والمدير الفعلي لشؤون الحكم وهو بارداس الذي لُقب بالفعل بقيصر، إلا أن هذا الاحتمال يسقط بملاحظة ما ورد في متن الرواية من تعريف نرجس علیها السلام بأنها: (مليكة بنت يشوعا


1) الإمبراطورية البيزنطية والدولة الإسلامية ص: 201، الدكتور إبراهيم العدوي.

بن قيصر ملك الروم)، إذ التعبير بالملك يقطع المجال أمام صرف قيصر إلى بارداس الذي لم يكن ملكاً في يوم من الأيام بل كان تحت الإمبراطور ميخائيل الثالث، بل يفتح المجال أمام احتمال آخر، وهو أن واضع هذه الرواية لم يكن يميز بين الملك والقيصر ومن هنا توهم أن بارداس كان ملك الروم» (1).

» التعليق (2):

الكاتب ذكر ثلاثة احتمالات:

1.

أن قيصر ملك الروم هو ميخائيل الثالث، وهو بعيد، إذ أنه لصغر سنه لا يمكن أن يكون جدّاً، كما أنه لا إخوة له.

2.

أن قيصر ملك الروم هو بارداس، وهو بعيد؛ لأنه لم يكن ملكاً يوماً من الأيام، بل هو تحت الامبراطور ميخائيل الثالث.

3.

أن راوي الرواية لم يكن يميز بين الملك والقيصر فالرواية تكون ضعيفة بل موضوعة. (3)

ونحن لا نسلم بانحصار الاحتمالات في ما ذكره الكاتب بل يمكن احتمال رابع وخامس ، وهما كالآتي:

الاحتمال الأول: أن كلمة (قيصر ملك الروم) فيها إضافة بين (قيصر) و (ملك)، فيكون القيصر شخصاً، وهو بارداس، والملك شخصاً آخر وهو الامبراطور میخائيل الثالث، و على هذا لا مانع من أن يكون بارداس هو المعني، بل هو المتعين


1) سيدة الإماء، ص: 43، بتصرف.

2) سأكتفي فقط بذكر ما يكفي للمناقشة دون التفصيل.

3) هذا الاحتمال جعله الكاتب متفرعاً عن الثاني، ولكن آثرت أن جعله احتمالاً مستقلاً.

كما سيأتي.

الاحتمال الثاني: أن (قيصر) و (ملك الروم) واحدٌ وهو بارداس، ولكن (قيصر ملك الروم) مغاير عن الامبراطور، وهذا يحتاج إلى توضيح أمرين:

الأمر الأول: في بيان الفرق بين (القيصر) و (الإمبراطور).

من يقرأ في تاريخ الدولة البيزنطية والمعاجم البيزنطية يجد أن هناك فرقاً بين الإمبراطور والقيصر، وهذه مراتب مختلفة، بل وتتغير المهام والوظائف وتتفاوت بتغير الحيثيات، ولذا فإن جملة ممن تعرض لهذه الفترة من الباحثين والكُتاب خلط بين هذه الرتب فجاء إلى الفترة الزمانية المحددة أعلاه، فنظر إلى أن هذه الفترة أغلبها تتناسب مع فترة ميخائيل الثالث (228 - 254ه-)، والحال أن عمر مخيائيل الثالث لما قُتل لا يتجاوز عمر (30 سنة)، فكيف يكون جَدّاً بل وله حفيدة يبلغ عمرها (13 سنة)!! مما انتهى به أن يجعل هذا قرينة على وضع الرواية - كما صنع الكاتب هنا - والحال أن هذه المراتب مختلفة عندهم، بل أنك تجد عندهم حتى البطريق الخصي أعلى مرتبة من البطريق العادي، وكان للخصيان ثمانية ألقاب ولهم شاراتهم الخاصة (1)، وكذلك الأمر بالنسبة لمراتب المُلْك.

ففي عهد الإمبراطور قسطنطين الأول حمل أبناؤه لقب قياصرة، ولما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين، شرقي وغربي، صار عندنا الرومان في روما، والبيزنطيون في القسطنطينية، فمن ترأس القسم الغربي صار اسمه (قيصر)، ومن ترأس القسم الشرقي صار اسمه (إمبراطور) ، وقد مرت عدة تغيرات في استعمال


1) الحضارة البيزنطية ص: 62، الدكتورة فاطمة قدوري الشامي.

هذين اللقبين حتى صار لقب قيصر يُمكن أن يمنحه الإمبراطور لمن يخلفه تحت ظروف معينة (1).

من هنا يُمكن أن نقرب الصورة بهذا التقريب:

(الإمبراطور): هو أعلى الهرم، والمراد منه ملك الملوك (2)، وما يؤيد هذا المعنى ما كان من مراسلات بين ألفنس بن سانشس والمعتمد العباسي، حيث إن هناك مراسلة جرت بينهما، فكتب ألفنس كتاباً وصدره بهذا الخطاب: (من الأنبيطور (3)ذي الملتين الملك المفضل أذفنش بن شانجه إلى المعتمد بالله سدد الله آراءه وبصره مقاصد الرشاد. سلام عليك) فرد عليه المعتمد بكتاب و صدره بهذا: (من الملك المصور بفضل الله المعتمد على الله محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو بن عباد إلى أذفنش بن شانجه الذي لقب نفسه بملك الملوك وسماها بذي الملتين قطع الله بدعواه. سلام على من اتبع الهدى) (4)، فهو قد عرف نفسه بالإمبراطور فرد عليه بأنك تسمي نفسك بملك الملوك! إذن هذه المفردة يُراد بها ملك الملوك.

1) بيزنطة: مدينة الحضارة والنظم (دراسات وبحوث)، ص: 125، تأليف: أ. د طارق المنصور (أستاذ تاريخ العصور الوسطى).

2) تقويم البلدان لأبي الفداء ص 202.

3) هذا اللفظ هو نفسه (IMPERATOR) ، وقد جاء هذا اللفظ معرباً بصيغ شتی بین هنباط، وهيباط، والبرذور، والبراذور، وانبرطور، وانبرور، وانبيطور، وربما وُجد غيرها، وأما في هذا الزمان فقد يُضبط (امبراطور)، والأصح أن يُضبط (انبراطور) حيث يكره العرب مجاورة الميم للباء. (راجع مجلة المجمع العلمي العربي ج 7، تموز سنة 1921، مج 1، مقالة بعنوان (الألقاب الرومانية عند قدماء العرب).

4) مجاني الأدب في حدائق العرب (6/ 275)، رزق الله شیخو، وللمزيد راجع كتاب:

(The Imperial Administrative System in the ninth Century)

(قيصر): وهو لقب يطلق على خصوص من يكون مرشحاً لأن يصبح الامبراطور (1)، وذَكر بعضٌ آخر أن (قيصر) هو اللقب الأعلى لأبناء الإمبراطور، ولكن حدثت بعض الاستثناءات لبعض القياصرة، وفي الحقبة التي نحن بصدد الحديث عنها كان الاستثناء هو بارداس (Bardas) خالُ الإمبراطور ميخائيل الثالث (2)

وقد أورد صبح الأعشى أمراً لعله سبب الإيهام عند الكثيرين، فقال: (كان يُقال لكل ملك من ملوك الروم قيصر) [صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (452/5)، مجلة المجمع العلمي العربي الجزء 7، تموز سنة 1921، المجلد 1، مقالة بعنوان (الألقاب الرومانية عند قدماء العرب)]، وهذا يمكن أن يوافق ما بيناه أعلاه بأن يكون على مجموع الملوك شخص يُسمى بملك الملوك ألا وهو (الإمبراطور).

.

إذن يتضح من خلال هذا أن الإمبراطور البيزنطي لأغلب هذه الحقبة هو ميخائيل الثالث، وكثيرٌ من الكُتَّاب يتعجل نتيجة عدم التمييز بين هذه الرتب فيظن أن القيصر والإمبراطور شَخْصٌ واحِدٌ، وقد صرح بعض الباحثين أن كثيراً من المؤرخين لم يكونوا يستخدمون مفردة (قيصر ملك الروم) استعمالاً صحيحاً، بل لم يكن المؤرخون العرب متفقين على استخدامهم لهذه المفردة، فاليعقوبي وخليفة بن خياط وابن كثير وغيرهم يستخدمون لقب (قيصر ملك الروم) للإشارة إلى الإمبراطور البيزنطي، وكذلك استخدم الطهراني هذا اللقب للإشارة إلى الإمبراطور البيزنطي .... وأما ابن الأثير وابن الجوزي فيستخدمانه على وجهين، تارة للإشارة إلى قيصر روما وتارة أخرى إلى الإمبراطور البيزنطي.


1) الحضارة البيزنطية ص62، الدكتورة فاطمة قدوري الشامي، وللمزيد راجع كتاب

(The Imperial Administrative System in the ninth Century)

2) .(Oxford Dictionary of Byzantium, Page 363, word (Caesar)

وأخيراً ورد هذا اللقب عند المسعودي وحاجي خليفة ليشيرا به وبصورة صحيحة إلى قيصر الرومان (1).

وبعد بيان الفرق نقول: إن حصر الكاتب الاحتمالات في ثلاثة غير تامٍ، فبالتالي يسقط استبعاده لبارداس عن أن يكون جدّاً للسيدة نرجس علیها السلام .

وعلى الرغم من عدم بقاء الكلام الذي بنى عليه الكاتب استبعاده إلا أنني سأستعرض بعض الأمور التي تتعلق بشخصية القيصر في تلك الفترة وهو (بارداس)، وذاك للإشارة إلى بعض القرائن التي تبين أن هذه الشخصية قريبة جداً مما ذكر في وصف القيصر كما في الرواية الواردة.

الأمر الثاني: في استعراض موجز لسيرة القيصر بارداس Bardas.

حينما توفي ثيوفيل (842م) - والد ميخائيل الثالث - لم يكن ابنه ووريثه في الحكم ميخائيل الثالث قد تجاوز السادسة من عمره، فتولت أمه ثيودورا الوصاية عليه، وتألف مجلس لمساعدتها، ويتألف المجلس من أخوين لها و هما بارداس وبتروناس، وخالها سيرجوا نكبتياتس، ومن أقرب الناس إليها تيوكتستوس (2)، فهؤلاء جميعاً كانوا أصحاب سلطة. وكانت ثيودورا تدير ملف الحكم هذه الفترة لمدة أربعة عشرة سنة (842-856م) وقد عُرفت بالإمبراطورة، وفي هذه الفترة نشب خلاف داخل المجلس بين بارداس و تيوكتستوس، فقد قام الثاني بالتسلط على مقاليد الأمور وتوجيه سياسة الإمبراطورية بعد أن أبعد منافسه بارداس وأصبح


1) بيزنطة: مدينة الحضارة والنظم (دراسات وبحوث)، ص: 125، تأليف: أ. د طارق المنصور (أستاذ تاريخ العصور الوسطى).

2) (كتاب الدولة البيزنطية 323 - 1081م)، ص: 294، تأليف الدكتور السيد الباز العريني.

بذلك المستشار الوحيد للإمبراطورة، ووصل الحال بثيودورا أنها كانت تتحكم حتى في حياة الإمبراطور الشخصية (1)

وكذا راجع كتاب الدولة البيزنطية 323 - 1081م ص ، تأليف الدكتور السيد الباز العريني

، وأقرت عبادة الأيقونات التي كانت محاربة من قبل زوجها سابقاً.

ثمَّ بعد فترة من الزمن وبعد بلوغ ميخائيل الثالث سن الرشد (856م)، قام كبير الحجاب بإقناع الإمبراطور بإرجاع بارداس إلى القصر، وبالفعل أرجعه ووقف معه، وقام بإخراج والدة الإمبراطور، وأصبح هو المساعد للإمبراطور، وكان له دور فعال جداً في تلك الفترة، ونتيجة ما قام به صار يترقى في المناصب عاماً بعد عام، ثم في عام (862م) تم إعلانه قيصراً (2)، وقد كانت الحكومة في (856- 866م) تحت سيطرة بارداس ويظهر من خلال بعض المؤرخين أنه كان مؤهلاً لأن يحكم العرش، وقد كان له أولاد وأخ في السلطة، أما الأخ فهو بتروناس، وقد كان جنرالاً توفي في سنة (865م)، وأما الأولاد فأحدهما يُسمى (أغناطيوس) وقد كان ذا منصب، والآخر لم يذكر اسمه. وله ابنتان، الأولى (إيرينا) والأخرى لم يعرف اسمها (3)، وكان ابن بارداس من زوجته الأولى متزوجاً في سنة 857م، وسلم منصباً في 858م، وأما الآخر (أغناطيوس) قيل أنه كان مراهقاً في تلك الفترة. وقد


1) History-of-the-Byzantine-State, P.222, by George-Ostrogorsky

2) .A History of The Eastern Roman Empire, by Bury, page 155 and the pages after

3) .A History of The Eastern Roman Empire, by Bury, page 161

قُتل بارداس في سنة 866م على يد باسل الأول بمساعدة ميخائيل الثالث (1)

.(Oxford Dictionary of Byzantium, Page 255th, word (Bardas) -

.Prosopography of Byzantine (PBE), Bardas -

.

وينقل المؤرخون أن العشر سنوات من حكم بارداس كانت هي الأفضل في كل تاريخ الدولة البيزنطية (2)وقد أثنى المؤرخون في العصور الوسطى وكذلك المعاصرون على إنجازاته العظيمة، ومنها نهضة العلم والمعارف في زمنه إذ كان محباً للأدب والدراسات العلمية، وقد كان قبله ثيوفيلوس مهتماً بإرجاع التفوق الفكري للقسطنطينية على العالم الشرقي وصار يحث على تعلم اللغات، فقام بارداس بتتميم هذا المشروع بتأسيسه لمدرسة ماغنورا المشهورة، وقام بجمع العلماء وأصحاب العقول. وكانت أيضاً من بين إنجازاته أنه انتصر في سلسلة من الحملات العسكرية على الحدود الشرقية، وغير ذلك من الأعمال والمهارات والمواهب التي كان يملكها ولا ينكرها حتى أعداؤه. وعلى الرغم مما كان له من إنجازات إلا أنه كان له أعداء داخل البلاط ومنهم البطريرك . (3)

A Hisotry of The Eastern Roman Empire, by Bury , page 154.

.THE CAMBRIDGE MEDIEVAL HISTORY, page 43

.The History of the Byzantine Empire, page 324

وهناك غير هذه المصادر مقالة بعنوان:

(Caesar Bardas and the accusation of an illicit affair: a re-examination by Hadi TAGHAVI (Tehran) - Ehsan ROOHI (Tehran

وهي مقالة قيمة حول شخصية بارداس، وفيها الكثير من المصادر المهمة فراجع.


1) انظر على سبيل المثال:

2) .Byzantium: the imperial centuries, A.D. 1071-610, by Jenkins, Ro- milly James Heald, page 160

3) هناك الكثير من المصادر التي يمكن مراجعتها من قبيل:

إشارة: بعد هذا العرض الموجز جداً لسيرة بارداس نجد عدّة أمور تؤكد ما ورد في الرواية التي وردت حول السيدة نرجس علیها السلام، ومن جملة تلك الأمور:

1.

أن القيصر بارداس كان صاحب السلطة الأول في الدولة، وهذا يتناسب لأن يكون هو الآمر الناهي، وهو شخصية لها حضورها على الصعيد العسكري أيضاً، وهو الذي يحرك الجيش كيفما شاء، وهذا يشترك مع ما ورد في الرواية من أن (قيصر ملك الروم) كان قد أمر بما أمر وكان الجميع ينصاع له، ثم أن الرواية بينت أنه سيسير جيشاً، ومن موجز سيرته يظهر أن الكلمة كلمته وهو صاحب حملات عسكرية على العالم الشرقي.

2.

أن القيصر بارداس كان له اهتمام بالعلوم والمعرفة، فقد بنى المدارس والمعاهد وجلب العلماء من مختلف البلدان، وهذا يفسر معرفة السيدة نرجس علیها السلام للغة العربية وهو كما ذكر في الرواية: (قَالَ بِشْرٌ : فَقُلْتُ لَهَا: اَلْعَجَبُ أَنَّكِ رُومِيَّةٌ وَلِسَانُكِ عَرَبِّيٌّ! قَالَتْ: بَلَغَ مِنْ وُلُوعِ جَدِّي وحُبِّهِ إِيَّايَ عَلَى تَعَلُّمِ اَلْآدَابِ، أَنْ أَوْعَزَ إِلَي امْرَأَةٍ تَرْجُمَانٍ لَهُ، فِي اَلْاِخْتِلَافِ إِلَيَّ، فَكَانَتْ تَقْصُدُنِي صَبَاحاً وَمَسَاءً وَتُفِيدُنِي اَلْعَرَبِيَّةَ، حَتَّى اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا لِسَانِي، واسْتَقَامَ).

3.

أن القيصر بارداس له ولد وكان متزوجاً في 857م.

وغير ذلك من القرائن الكثيرة التي جَمعتها والتي يمكن أن تَجد ما يلتقي معها في التاريخ البزنطي وتتناسب مع ما ذُكر في هذه الرواية.

الملاحظة الثانية: عدم وجود حرب كما في الرواية، وكانت فترة سلام

٭ الملاحظة الثانية: عدم وجود حرب كما في الرواية، وكانت فترة سلام.

قال الكاتب: «أن الرواية تحدثت عن حرب حصلت بين المسلمين والروم (أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثم يتبعهم)، ولو رجعنا إلى كتب التاريخ فإننا لا نجد قتالاً حصل بين الطرفين في تلك الحقبة، بل نقل التاريخ حصول صفقة فداء للأسرى بين المسلمين والروم كان عدة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمئة وستين نفساً، والنساء والصبيان ثمانمئة، وأهل ذمة والمسلمين مئة نفس، وهذا في أيام الواثق، ويدل هذا على أن عصر ميخائيل الثالث كان عصر سلام ومهادنة، وتجدد القتال في عهد من جاء بعد ميخائيل، أما الفترة التي يفترض فيها حصول الحرب وهي الممتدة من 250 ه- إلى 254ه- ، فلم أجد نقلاً تاريخياً يثبت حصول مثل هذا القتال بين الروم والمسلمين، ولا أظن أن حرباً من قبيل هذه الحرب يعرض المؤرخون عن حكايتها إذ كل مقتضيات النقل موجودة».

وهذه الملاحظة مبنية على مقدمات ثلاث:

المقدمة الأولى: الرواية نصت على تسيير جيوش لقتال المسلمين.

المقدمة الثانية: عصر ميخائل الثالث كان عصر سلام.

المقدمة الثالثة: لم يجد نقلاً تاريخياً يثبت حصول حرب في تلك الحقبة، ومقتضيات النقل موجودة.

النتيجة: هي تعارض ما في الرواية مع النصوص التاريخية المدونة، فبالتالي تكون قرينة على وضع الرواية.

» التعليق:

إنَّ الكلام فعلاً في المقدمة الثانية والثالثة، فنحن لا نُسلم بهما البتة، وإليك بيان ذلك:

مناقشة المقدمة الثانية والثالثة:

لقد استدل الكاتب على أن عصر ميخائيل الثالث كان عصر سلام بمقدمتين:

المقدمة الأولى: حصول الفداء بين المسلمين والروم بعدد كبير في تلك الفترة.

المقدمة الثانية (المطوية): حصول الفداء وبهذا العدد الكبير يعني حصول سلام ومهادنة بين الطرفين.

النتيجة: أن تلك الفترة كانت فترة سلام ومهادنة بين الطرفين.

ولكن المقدمة الأولى هنا والنتيجة تبعاً لها لا يُمكن التسليم بها لأمرين:

الأمر الأول: أن المقدمة الأولى أعم من المدعى، فحصول فداء في فترة معينة قد تعني صلحاً ومهادنة في تلك الفترة، لكن لا يعني ذلك أن كل الفترة كانت فترة صلح ومهادنة، فهل طوال 25 سنة - فترة حكم ميخائيل الثالث- كانت صلحاً؟! مع أنَّ الحادثة التي ذكرها كانت بداية حكم ميخائيل الثالث باعتبار أن الواثق حكم في هذه المدة (842 - 847 م / 227 - 232ه-) ، وكلامنا في فترة متأخرة من حكم ميخائيل الثالث.

الأمر الثاني: إنَّ التاريخ قد سجل الكثير من الحروب التي وقَعت في عهد ميخائيل الثالث مما يعني أن فترة الصلح المدعاة لم تدم إلى آخر فترة ميخائيل (1)

أقول: لقد ادعى هنا بأنها الحرب الوحيدة، وسيأتي الجواب عن هذا .

،

1) للكاتب لقاء مسجل تحت عنوان: قراءة في كتاب (سيدة الإماء) وقد أُجري معه في البحرين في 2021م، غَيّر الكاتب من هذه المقدمة بشيء يسير دون أن يُشير، فلازم كلامه التنازل عن كون تلك الفترة فترة صلح، ولكن قام بادعاء دعوى ثانية من أن تلك الفترة ليس فيها إلا حربٌ واحدة، وإليك نص كلامه: (الإشكال الثاني: الرواية ذكرت أنه وقعت حربٌ بين المسلمين وبين الروم، وهذه الحرب انتصر فيها المسلمون وقاموا بسبي السيدة نرجس، والحروب لا تخفى في التاريخ، وإذا ترجع إلى هذه الفترة الزمانية لا تجد حرباً بهذه المواصفات. نعم، هناك معركة وحيدة حصلت لعله يُصطلح عليها (معركة عمورية) وهي في أكثر من زمن حصلت، وهذه ذكرها ابن كثير وغيره، وكان في هذه الحرب النصر للبيزنطيين، وهم الذين أحدثوا مقتلة في المسلمين وليس العكس، فكيف يكون هناك سبي والحال أن المسلمين هم الذين هزموا ؟!).

وإليك عشراً من هذه الحروب:

1. في سنة 242ه- - 856م:

وفيها خرجت الروم من ناحية سميساط بعد خروج عليّ بن يحيى الأرمنيّ من الصائفة، حتّى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور والجزريّة فانتهبوا، وأسروا نحواً من عشرة آلاف، وكان دخولهم من ناحية أرين (1)قرية قريباس (2)ثمّ رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله الأقطع، وقوم من المتطوّعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب المتوكّل إلى عليّ بن يحيى الأرمنيّ أن يسير إلى بلادهم شاتيا. (3)

2. في سنة 245ه- - 859م:

وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوا، وسبوا، وأسروا خلقاً كثيراً (4)، وغزا عليُّ بن يحيى الأرمنيُّ الصائفة، ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليها،


1) إبريق.

2) قرتناس.

3) تاريخ الطبري، ج 9، ص: 207، تاریخ ابن الأثير، ج 7، ص: 81.

4) في تاريخ الطبري (نحواً من خمسمائة)، وفي نسخ من الكامل (نحو من خمسين).

فبعث إليهم ملك الروم بطريقا يضمن لكلّ رجل منهم ألف دينار (1)على أن يسلّموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا البطريق إليهم، ثمّ أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوا، فسلّموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور (2)، فسيّره إلى المتوكّل فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم. (3)

3. في سنة 246ه- - 860م:

وفيها غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف رأس، وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، و غزا الفضل بن قارن بحراً في عشرين مركبا، فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغنم، وسبى. وغزا عليُّ بن يحيى الأرمنيُّ، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدوابّ، والرَّمك، والحمير نحوا من عشرة آلاف رأس.

وفيها كان الفداء على يد عليّ بن يحيى الأرمنيّ، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستّين نفسا (4)

ص: 93 .

.
4. في سنة 248ه- - 862م:

في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفا التركيّ إلى بلاد الروم، فأمر المنتصر بإحضار وصيف، فلمّا حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنّه أقبل يريد الثغر، وهذا أمر


1) سوى ما لهما من ملك وغيره.

2) ملكاجور، بلكاجور، ملکاخور.

3) تاريخ الطبري، ج 9، ص: 218، تاریخ ابن الأثير، ج 7، ص: 89.

4) تاریخ ابن الأثير، ج 7،

لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنه أن يهلك كلّ ما مرّ به من بلاد الإسلام، ويقتل ويسبي، فإمّا شخصت أنت، وإمّا شخصت أنا. ولمّا سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثَّغر أربع سنين يغزو في أوقات الغزو منها إلى أن يأتيه رأيه. وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، فافتتح حصن فرورية. (1)

5. في سنة 249ه- - 863م:

في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصناً، ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك في جمع عظيم من الروم بمرج الأسقفّ، فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير .

ثمّ أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفاً، وقتل عمر و ممّن معه ألفان من المسلمين في منتصف رجب، فلمّا قتل عمر بن عبيد الله خرج الروم إلى الثغور الجزريّة، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك عليَّ بن يحيى وهو قافل من أرمينية إلى ميّافارقين في جماعة من أهلها ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحو من أربع مائة رجل وذلك في شهر رمضان. (2)

وقد ولَّى المستعين علي بن يحيى الأرمني أرمينية في هذه السنة، وكان أمرها قد اضطرب، فصار إلى ميافارقين وأغارت الروم وتوسطت بلاد المسلمين فاجتمع


1) تاریخ ابن الأثير، ج 7، ص: 112، بنحو من التصرف، تاريخ الطبري، ج 9، ص: 259.

2) تاريخ الطبري، ج 9، ص: 261، تاريخ ابن الأثير، ج 7، ص: 121.

قوم من أهل ذلك البلد إلى علي بن يحيى فكلموه في لقاء الروم، ورفعوه فخرج معهم، فلقي عسكر الروم فقاتل قتالاً شديداً، فقُتل وأخذ الروم بدنه، وعدوه فتحاً عظيماً لما كان قد أشجاهم. (1)

6. في سنة 250ه- - 864م:

فيها وجه محمد بن طاهر من خراسان بفيلين من كابل، وغزا الصائفة فيها بلكاجور (2).

7. في سنة 251ه- - 865م:

وفيها كانت لبلكاجور غزوة فتح - فيما ذكر - فيها مطمورة أصاب فيها غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الأعلاج، وورد بذلك على المستعين كتاب تاريخه يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين ومائتين. (3)

8. في سنة 252ه- - 866م:

وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة، ثمّ إلى جبل النار، فأتاه رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان، فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، فتمّ الأمر، ثمّ غدروا، فأرسل خفاجة محمّداً في جيش (4)إليها، ففتحها وسبى أهلها. (5)


1) تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص: 496.

2) تاريخ الطبري، ج 9، ص: 277. بتصرف

3) تاريخ الطبري، ج 9، ص: 327.

4) محمد بن حسن.

5) تاريخ ابن الأثير، ج 7، ص: 107.

9. في سنة 253ه- - 867م:

وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة وقطانية، وخرّب بلادها، وأهلك زروعها (1)وعاد، وسارت سراياه إلى أرض صقلّيّة، فغنموا غنائم كثيرة. (2)

10. في سنة 254ه- - 868م:

وفي سنة أربع وخمسين ومائتين سار خفاجة في العشرين من ربيع الأوّل، وسيّر ابنه محمّدا على الحرّاقات، وسيّر سريّة إلى سرقوسة فغنموا، وأتاهم الخبر أنّ بطريقاً قد سار من القسطنطينيّة في جمع كثير، فوصل إلى صقلّيّة، فلقيه جمع من المسلمين فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، ورحل (3)خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعها، وغنم منها، وعاد (4)إلى بلرم، وسيّر ابنه محمّداً في البحر، مستهلّ رجب، إلى المدينة غيطة (5)، فحصرها، و بثّ العساكر في نواحيها، فغنم وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف إلى بلرم في شوّال. (6)

وهناك حروب قبل هذه السنوات وبعدها، مما يؤكد أن فترة السلام المدعاة غير


1) زرعها.

2) تاریخ ابن الأثير، ج 7، ص: 107.

3) ودخل.

4) وسار.

5) عنطة.

6) بتاريخ ابن الأثير، ج 7، ص: 107.

صحيحة، بل الحقبة التي نتحدث عنها كان القتال فيها مستمراً.

الأمر الثالث: إنَّ الكاتب ذكر حرباً رُجّح كونها المقصودة في الرواية، ولكنه منعها لأنَّ النصر فيها للبيزنطيين، ولكن تسليمه بوقوع الحرب -سواء انتصر فيها المسلمون أم خسروا- يدفع إشكاله السابق -بأنَّ الفترة فترة سلام.

ثم إنَّ الرواية لم تنص أصلاً على أنَّ النصر كان للمسلمين، وهذا هو نص الرواية: (فَقَالَتْ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْلَةً مِنَ اَللَّيَالِي أَنَّ جَدَّكِ سَيُسَرِّبُ جُيُوشاً إِلَى قِتَالِ اَلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ يَتْبَعُهُمْ فَعَلَيْكِ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ مُتَنَكِّرَةً فِي زِيِّ اَلْخَدَمِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ اَلْوَصَائِفِ مِنْ طَرِيقِ كَذَا فَفَعَلْتُ فَوَقَعَتْ عَلَيْنَا طَلَائِعُ اَلْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا رَأَيْتَ وَمَا شَاهَدْتَ وَمَا شَعَرَ أَحَدٌ بِي بِأَنِّي اِبْنَةُ مَلِكِ اَلرُّومِ)

ووقوع الأسر لا يلزم منه حرب كبرى، فقد يكون الأسر نتيجة مناوشات أو سرايا، وكذا لا يلزم منه الانتصار الكامل في الحرب، فقد يقع الأسر حتى في حرب لم يكن النصر حليف الطرف الخاسر، ونص الرواية لا يفيد أن الأسر كان بعد المعركة النهائية أو بعد انتهائها، غاية ما يفيد أنها علیها السلام لما خرجت مع الوصائف في طريق معين خرجت عليهم طلائع المسلمين.

ومن هنا يظهر أنَّ المقدمة الثانية والثالثة التي قامت عليهما هذه الملاحظة لم تتما فعليه تسقط هذه الملاحظة.

الملاحظة الثالثة: معارضة رواية الرهني بروايات أخرى

٭ الملاحظة الثالثة: معارضة رواية الرهني بروايات أخرى.

قال الكاتب: «ورد في الرواية أنها رومية وأن الذي اشتراها هو الإمام الهادي علیه السلام وأنه اشتراها لابنه الإمام العسكري علیه السلام بل وبلّغها بأنها ستكون أُم الإمام المهدي علیه السلام وكل هذه الجزئيات تخالف ما ورد من طوائف أخرى من الروايات المتعددة المخارج تخالف ما تقدم مخالفة صريحة:

٭ طائفة من الروايات تدل على أنها نوبية.

٭ طائفة أخرى تدل على أنها ولدت في البيت العلوي.

٭ وأخرى تدل على أنها كانت ملكاً الحكيمة علیها السلام.

وأخرى تدل على أن حكيمة وهبتها للإمام العسكري علیه السلام.

فهل من المنطق أن تردّ كل هذه الروايات على تعدد مصادرها واختلاف مخارجها لأجل رواية الرهني التي فيها ما فيها من الضعف والوهن؟!» (1)

فالدعوى تبتني على:

المقدمة الأولى: إنَّ طائفة من الروايات تخالف الجزئيات المذكورة في رواية الرهني.

المقدمة الثانية: إنه عند التعارض يصار إلى التساقط أو الترجيح.

المقدمة الثالثة: إنَّ رواية الرهني مليئة بالضعف والوهن، فلا تصلح للمعارضة.

النتيجة: تُقدم تلك الروايات على رواية الرهني ولا يمكن قبولها.


1) سيدة الإماء، ص: 48.

المناقشة
اشارة

» المناقشة:

والمناقشة فعلاً في المقدمتين الأولى والثالثة:

النقاش في المقدمة الثالثة/ النقاش في المقدمة الأولى

النقاش في المقدمة الثالثة:

وأبدأ النقاش بهذه المقدمة باعتبار أنَّ الكاتب قد فرغ وسلّم من كون رواية الرهني مليئة بالضعف والوهن وحينها لا تصلح إلى المعارضة، ولكن هذا الأمر مدفوع من خلال ما تقدم عَرضُه، فالملاحظات التي سجلها الكاتب قد تم نقاشها، وحينها لا يبقى للضعف والوهن المدعى وجه فنبقى نحن والمقدمة الأولى.

النقاش في المقدمة الأولى:

وقد ادعى الكاتب وجود طوائف من الروايات تتعارض مع رواية الرهني، ولكن الواقع أن بعض ما ادعاه لا ربط له بأصل المطلب هنا، أو معارض بروايات أخرى - غير رواية الرهني - وفي بعض آخر فإنَّ جهة التعارض محل تأمل وغير ذلك، وإليك بيان ذلك:

1. طائفة من الروايات تدل على أنها نوبية.

ادعى الكاتب وجود طائفة من الروايات التي تدل على أنها نوبية، بينما ليس عندنا ولا رواية تُصرح بأن أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف نوبية، ولم يذهب إلى هذا أيُّ من علمائنا الذي بحثوا سيرة أهل البيت علیهم السلام، وأما ما ذهب إليه الكاتب من خلال الرواية المروية عن علي بن جعفر رضي الله عنه مع الإمام الرضا علیه السلام فهي بعيدة عن المدعى وسيتضح ذلك عند مناقشة النتيجة التي أراد الخروج بها. ولو سُلِّمَ بها فإنها ستكون معارضة برواية الرهني، وكذلك بصحيحة ابن شاذان: (حدثنا محمّد بن عبد الجبار

قال: قلت لسيدي الحسن بن علي علیه السلام يا ابن رسول الله -جعلني الله فداك- أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك ؟ فقال علیه السلام: إن الإمام وحجة من بعدي ابني سميّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكنيّه الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه، قال: ممن هو یا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم ألا إنه سیولد و يغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر .... إلخ) (1)، وهذه الصحيحة تؤكد ما ورد في رواية الرهني.

2. طائفة أخرى تدل على أنها ولدت في البيت العلوي.

ومستند هذا قول نقله صاحب كتاب (إثبات الوصية): (روى لنا الثقات من مشايخنا أن بعض أخوات أبي الحسن علیه السلام علي بن محمد علیه السلام كانت لها جارية ولدت في بيتها وربّتها تسمّى نرجس فلما كبرت وعبلت دخل أبو محمّد علیه السلام فنظر إليها فأعجبته...) (2)، وكذلك ما ذكره صاحب كتاب (عيون المعجزات) حيث قال: (قرأت في كتب كثيرة بروايات كثيرة صحيحة، أنه كان لحكيمة بنت أبي جعفر محمد بن علي علیهم السلام جارية ولدت في بيتها وربتها، وكانت تسمى نرجس، فلما كبرت دخل أبو محمد فنظر إليها...إلخ) (3)، والظاهر أن الثاني اعتمد على الأول. وهذه الأقوال معارضة بروايات عديدة تؤكد أن أم الإمام علیها السلام كانت سبية:

منها : ما نقله النعماني في الغيبة عن أحمد بن محمد بن سعيد المعروف ب- (ابن


1) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص: 19، وكذلك من (مختصر إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان، المنشور في مجلة (تراثنا) ج 15، ص: 211، والرواية في مختصر (إثبات الرجعة) أتم، فهو عبارة عن الأصل.

2) إثبات الوصية، ص: 257.

3) عيون المعجزات، ص: 138.

عقدة) (1)قال: (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام فَقَالَ لِي: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: سُرُورٌ مِنْ عَمِّكَ زَيْدِ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ، وَهُوَ قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، فَقَالَ: كَذَبَ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ، إِنْ خَرَجَ قُتِلَ) (2)، فظاهر أن هناك ارتكازاً في الأذهان حتى عند الزيدية من أن إحدى الصفات في القائم بالأمر هي أنه ابن سبية، وزيد الشهيد كان ابن سبية لذلك كانوا يعتقدون بأن زيداً هو القائم، فيما نرى أنها لا تنطبق عليه كما هو واضح.

ومنها: ما نقله النعماني في الغيبة عن بسنده إلى ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي، هَلْ صَاحَبَكَ أحَدٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: أكُنْتُمْ تَتَكَلَّمُون؟ قُلْتُ: نَعَمْ، صَحِبَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُغِيرِيَّةِ (3). قَالَ: فَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قُلْتُ: كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ


1) ذكر سماحة السيد محمد مهدي الخرسان - طاب ثراه- في ترجمة ابن عقدة ما نصه: (ابن عقدة الزيدي الجارودي - وقد مات على جاروديته- وقد أثنى علماء الرجال عليه في كثرة حفظه للحديث، لكن النفس غير راضية عنه ما دام مات على جاروديته، أو من أتباع أبي الجارود الذي سماه الإمام الباقر ب- (سرحوب) اسم شیطان بالبحر، كما أن النفس غير واثقة بحديثه؛ لأنه بارع في التدليس بما يعجز عنه إبليس، وذلك لمّا دلّس في حديث حديث حبيب بن أبي ثابت، فرواه عن قصيبة المخنّث بأسلوب ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمته. ولي كراسة في حاله تكشف عن أزمة فهم في معرفته لدى مترجميه من الشيعة، وأزمة إيمان عند مترجميه من السُنة. وهو ذو حظ طويل عريض، لكنّه عندي في إيمانه مريض؛ لأنه مات على جاروديته) [نافذة على ربع قرن ج 3، ص: 34، الهامش (3)] ، فرواياته تحتاج إلى فحص وخصوصاً ما كان موافقاً لمعتقده.

2) الغيبة للنعماني، ص: 229.

3) المغيرية هم أصحاب المغيرة بن سعيد الكذاب الذي كان يكذب على أبي جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام، وكان يدعو إلى محمّد بن عبد الله بن الحسن في أول أمره. [علي أكبر الغفاري، المحقق لكتاب الغيبة]، وما في بعض النسخ من «المعتزلة» من تصحيف النسّاخ. (٭) كذا.

مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ هُوَ الْقَائِمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ اسْمُ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله و سلم وَاسْمَ أَبِيهِ اسْمُ أَبِ النَّبِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ فِي الْجَوَابِ إِنْ كُنْتَ تَأْخُذُ بِالْأَسْمَاءِ فَهُوَ ذَا فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ لِي إِنَّ هَذَا ابْنُ أَمَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَليٍّ، وَهَذَا ابْنُ مَهِيرَةٍ (1)يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ علیه السلام: فَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْتُ: مَا كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ يَعْنِي الْقَائِمَ علیه السلام (2)

أقول: ويبدو أن هذا وقع بسبب الإشكالية في النسخة التي كانت عند الشيخ المجلسي رحمه الله من كتاب الغيبة، فالرواية التي أورد عليها الشيخ المجلسي هذا التعليق كانت هذه: (الغيبة للنعماني بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللهِ الْخَثْعَمِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام أَوْ أَبُو عَبْدِ اللهِ علیه السلام الشَّكُّ مِنِ ابْنِ عِصَامِ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ بِالْقَائِمِ عَلَامَتَانِ شَامَةٌ فِي رَأْسِهِ وَدَاءُ الْحَزَازِ بِرَأْسِهِ وَشَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ تَحْتَ كَتِفَيْهِ وَرَقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةِ الْآس ابْنُ سِتَّةِ وَ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ) [بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج51، ص: 41]، والظاهر أن عبارة (ابْنُ سِتَّةِ وَ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ) هي عنوان القسم اللاحق الذي وردت فيه هذه الرواية وهذا واضح في بعض المخطوطات القديمة لكتاب الغيبة، حيث إن أقدم مخطوطة وقعت بين يدي هي في القرن السادس الهجري، والمثبت فيها كعنوان (ابن سبية وابن خيرة الإماء).

.

1) المهيرة: الحرة الغالية المهر وجمعها مهائر. والمراد بمحمّد بن عبد الله بن الحسن محمّد بن عبد الله المحض، راجع لأحواله مقاتل الطالبيين. . [علي أكبر الغفاري، المحقق لكتاب الغيبة].

2) النسخ في ضبط كلمة «ابن سبية» مختلفة ففي بعضها «ابن ستة» وفي بعضها «ابن سبية» وفي بعضها «ابن سته» والظاهر الصواب ما في المتن بقرينة ابن خيرة الإماء، والسبية: المرأة تسبي. وقال العلّامة المجلسيّ بعد ما ضبطها في البحار «ابن ستة»: لعل المعنى ابن ستة أعوام عند الإمامة، أو ابن ستة بحسب الأسماء فإن أسماء آبائه علیهم السلام محمّد وعلي وحسين وجعفر وموسى وحسن ولم يحصل ذلك في أحد من الأئمّة علیهم السلام قبله. مع أن بعض رواة تلك الاخبار من الواقفية ولا تقبل رواياتهم فيما يوافق مذهبهم، انتهى. .[علي أكبر الغفاري، المحقق لكتاب الغيبة].

وغير هذه الرواية من الروايات التي تؤكد أن الإمام علیه السلام ابن سبية، وكان ذلك هو المرتكز في الأذهان حتى قبل ولادته علیه السلام.

3. الطائفة الأخيرة تدل على أنها ملك للسيدة حكيمة علیها السلام وقد وهبتها الإمام العسكري علیه السلام.

وهذه الطائفة هي ما ورد في رواية أوردها الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه (كمال الدين)، وکان من ضمن الرواية هذا المقطع: (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي فَأَقْبَلَ يَحْدِقُ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي لَعَلَّكَ هَوِيتَهَا فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ ... قَالَتْ حَكِيمَةُ فَلَمْ ألبَثْ أَنْ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَزَيَّنْتُهَا وَوَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام وَجَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي مَنْزِلِي فَأَقَامَ عِنْدِي أَيَّاماً ثُمَّ مَضَى إِلَى وَالِدِهِ....) (1)، وهذه الرواية تعارضها مع رواية الرهني غير مستقر، ولا أقل يمكن أن نقول إن صحيحة ابن شاذان تؤكد أنها رومية ابنة قيصر ملك الروم، وأما كون حكيمة تملكتها أم لم تتملكها فذاك شيء آخر، وسيأتي منا معالجة هذه الإشكالية قريباً.


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 427.

القسم الرابع: حكم الكاتب النهائي على رواية الرهني/ الخلاصة

اشارة

إنَّ الكاتب قد حكم على رواية قدوم أم الإمام المهدي علیها السلام من بلاد الروم بأنها من نسج الخيال لما قدمه من مشاكل في السند والمتن تمنع من الاعتماد عليها والركون إليها، وأضاف هنا شيئاً لم يذكره سابقاً وهو أن هذه الرواية تتقارب كثيراً مع أسطورة نُسجت حول شخصية (شيرين و فرهاد)، وهذا يتناسب مع بيئة الرهني التي عاش فيها، وكذلك خلفيته الأدبية.

ثم أشار إلى أنها تتشابه كثيراً مع قصة مطابقة لها وهي قصة وصول شاه زنان بنت يزدجرد للإمام الحسين علیه السلام، والتي رواها العلامة المجلسي رحمه الله في بحاره.

الخلاصة:

1.

رواية الرهني تعاني من مشاكل سندية ومتنية، وهي أقرب لأن تكون من نسج الخيال.

2.

رواية الرهني تتقارب كثيراً مع أساطير ملحمة (شيرين و فرهاد).

3.

تتشابه كثيراً مع قصة وصول (شاه زنان بنت يزدجرد) للإمام الحسين علیه السلام التي نقلها العلامة المجلسي رحمه الله.

التعليق/ الأمر الأول: اندفاع المشاكل السندية والمتنية

» التعليق:

هنا عدة أمور:

الأمر الأول: اندفاع المشاكل السندية والمتنية.

دعوى أن الرواية تعاني من مشاكل سندية ومتنية قد تم دفعها في القسمين السابقين، فتقريبها لأن تكون من نسج الخيال مدفوع بما بُين سابقاً، بل لمن يتتبع القضية بشكل أكبر يتعجب من كون الرواية تتوافق مع التاريخ البيزنطي الداخلي المنقول بشكل كبير جداً، وهذه المناقشة منّا ليست مبنية على التوسع وإنما هي مقصورة فقط على ما أورده الكاتب من إشكاليات، وإلا فإنَّ ما يمكن أن يجده الباحث من توافق كبير جداً.

الأمر الثاني: التقارب مع أسطورة (شيرين وفرهاد).

اشارة

والتعليق على هذا الأمر سيكون ببيان عدة أشياء:

الشيء الأول: في عرض موجز لأسطورة (شيرين وفرهاد).

ليست هناك حاجة ماسة إلى عرض هذا الموجز لدفع هذا التوهم، ولكن مع ذلك سأسرد شيئاً من هذه الأسطورة فقط ليتحقق قارئ هذه السطور من هذه الدعوى.

في أواخر القرن السادس الميلادي كان هناك أحد ملوك الفرس - أي قبل الفتح الإسلامي - يُدعى (خسرو)، وكانت له زوجة تُدعى (شيرين)، ويتفق أغلب المؤرخين على أصل الحكاية، وقد تداول الرواة هذه الحكاية إلى أن نظمها الشاعر الفارسي فردوسي صاحب ملحمة الشهنامة (940 - 1020 م) وقد كتب فيها

أيضا الشاعر الآذري كنجوي ملحمة شعرية بعنوان (خسرو وشيرين)، وقد كتبها أيضا الشاعر الأوزبكي نوفوي في عام 1484 م، بعنوان (فرهاد وشيرين)، وكذلك ألف المستشرق علييف كتاباً بعنوان (خسرو وشيرين في آداب شعوب الشرق)، وفي العصر الحديث ألف الشاعر والمسرحي التركي ناظم حكمت مسرحية بعنوان (حكاية حب، أو فرهاد وشيرين)، وفي أذربيجان ألف الشاعر فورغوف مسرحية بعنوان (فرهاد و شيرين)، وغير هؤلاء أيضا ممن كتب حول هذه الأسطورة.

و استقى الشاهنامة معلوماتها من الكتب التاريخية التي عنيت بتاريخ الدولة الساسانية، وكذلك مما يتردد على ألسنة العامة والخاصة متصلاً بهذه القصة، وقد ألبسها الفردوسي ثوباً حماسياً يتفق والهدف الأسمى الذي ألف من أجله الشاهنامة.

أما نظامي الكنجوي (ت 608 ه- على الغالب) فقد عالج القصة بطريقة مختلفة وإن اعتمد على نفس المراجع التي اعتمد عليها الفردوسي، فقد أخضعها لخياله الخصب ولفكره الرومانتيكي ولقدرته على الإبداع والخلق القصصي، فجاءت قصته أكثر تفصيلاً وأوسع مجالاً من قصة الفردوسي، كما أضفى عليها حلة من العاطفة ليبعدها عن الجو الحماسي الذي يقلل من قيمتها كعلاقات إنسانية سامية.

وهذه القصة في منظومة نظامي تدور على ثلاثة أشخاص:

٭ خسرو - كسرى: وهو شخصية تاريخية حقيقية تولى عرش الدولة الساسانية فترة من الزمن.

٭ شيرين: فتاة أرمنية وولية العهد في إحدى الولايات الأرمنية، وهي شخصية حقيقية .

٭ فرهاد: مهندس بارع تولی شق قناة بنفسه بين هضاب الجبال التي تفصل بين مراعي الملك الإيراني والقصر الذي أقامت فيه شيرين من المراعي إلى القصر، وهذه شخصية خيالية ليس لها وجود في الحقيقة.

ملخص القصة كما جاءت في منظومة نظامي:

رأى خسرو أنه يحب فتاة جميلة تُدعى شيرين، وأنها تعيش في بلاد الأرمن والمتاخمة لحدود دياره، وبدأ حبها في قلبه دون أن يراها، ونفس الشعور تولد لدى شيرين، إذ أحبت خسرو دون أن تراه، وتمنى كلُّ حبيبٍ أن يلتقي بحبيبه، فتوجهت شيرين نحو المدائن - عاصمة الساسانيين - كما توجه خسرو نحو بردع - عاصمة الأرمن - وحدث أن التقى العاشقان في الطريق حول بحيرة، ولكنهما لم يتحادثا لأنهما لم يتعارفا، وإن شعر كل منهما بعاطفة قوية تجذبه صوب الطرف الآخر.

لما وصل كل منهما إلى وجهته لم يجد كل منهما الآخر، فانتظرت شيرين مَقدمَ خسرو، وأمرت ببناء قصر لها في منطقة كرمنشاهان لتقيم فيه حتى يعود حبيبها، ولكن خسرو كان على خلاف مع أبيه حيث اتهمه الوشاة بالعمل على عزل والده واغتصاب العرش. أخيراً أرسل خسرو لشيرين رسالة يدعوها إلى العودة إلى بلاد الأرمن حتى يتم لقاء العاشقين هناك فسارعت شيرين بالعودة.

بعد فترة من اللقاء لامت شيرين خسرو على تركه دیاره وحثته على العودة لاستعادة مكانته هناك مما أغضبه منها، وسافر إلى قيصر الروم الذي أحسن وفادته وزوجه من ابنته مريم، وأقسم خسرو ألا يتزوج سواها. وهنا اعترى العلاقة بين خسرو وشيرين نوع من الفتور والغيوم.

لم يمض وقت طويل حتى علم خسرو بنبأ وفاة أبيه فتوجه بمساعدة جيش قيصر الروم نحو بلاد فارس واستطاع أن يعتلي عرش الدولة الساسانية.

هنا فكرت شيرين في الذهاب إليه على الرغم من وجود زوجته المسيحية مريم، وسافرت فعلاً إلى كرمنشاهان واستقرت في قصرها، وبدأ كل من العاشق والعاشقة يحاولان الاتصال ولكن بنوع من التحفظ والكتمان وذلك لوجود زوجة خسرو كحائل يقف بين العاشِقَين.

ظل الحالُ كذلك إلى أن وقع أحد المهندسين البارعين ويُدعى فرهاد في حب شيرين، وكانَ يمر كل يوم من أمام قصرها لعله يحظى بنظرةٍ منها، ولتكتحل عيناه برؤية محياها الجميل، وكانت شيرين تفكر في ذلك الوقت في طريقة تنقل بها اللبن من المراعي إلى القصر عبر الجبال، فعرضَت الأمر على فرهاد، الذي استمع إليها وهو في غيبوبة العشق، فوافقها على ما اقترحته من ضرورة شق قناة بين الجبال.

علم خسرو بهذا الاتفاق ولم يعترض عليه، ظنا منه أن فرهاد لن يقوى على حفر هذه القناة، بل إن خسرو شجع فرهاد على حفرها واعتبر شق القناة هو المهر الذي يقدمه ليتزوج شيرين. بعد فترة من العمل الشاق اقترب فرهاد من الانتهاء من شق القناة، وهنا فكر خسرو في مكيدة يقضي بها على فرهاد، فأرسل إليه من يخبره بأن شيرين ماتت منذ فترة، وأنه لم يشأ أن يخبره قبل ذلك حتى لا يسيطر عليه الحزن، وهنا ألقى فرهاد بنفسه منتحراً من فوق الجبل، حيث إن الهدف الذي يسعى إلى وصاله قد ودع الدنيا، فعليه أن يموت فقد ينعم بوصالها في الحياة الآخرة.

وهكذا نجحت حيلة خسرو للتخلص من غريمه، وخلا له الجو مرة أخرى

لكي يحاول وصال عشقه مع شيرين وبخاصة أن زوجته مريم توفيت في هذا الوقت، فذهب يعرض على شيرين حبه، ولكنها بطبيعة الأنثى تمنعت وتدللت، مما أغضبه، وجعله يسارع بالزواج من فتاة إصفهانية اسمها شكر (أي السكر) مما أغضب شيرين مرة أخرى، وندمت على أنها صدته وتدللت عليه .

وبعد طول صد و هجران استطاع الحبيبان خسرو وشيرين أن يلتقيا وينعما بالوصال والزواج، وعاشا فترة من الهدوء والاستقرار العاطفي ولكن هذا الهدوء لم يستمر طويلاً ، إذ استطاع المغرضون تأليب ابن خسرو ضد أبيه فقتله، وطمع هذا الابن في الاقتران بزوجة أبيه شيرين، فوافقت على شرط أن يسمح لها حضور جنازة زوجها، وأن تنزل معه إلى القبر لتُلقي عليه النظرة الأخيرة قبل أن يوارى التراب، وتم لها ما أرادت، وهناك استلت سكيناً كانت تخفيها داخل ملابسها وطعنت نفسها وماتت بجواره، مُنهية بذلك قصة حُبٍ ما زالت تتردد بين الإيرانيين حتى اليوم (1)

ص: 240 وما بعدها.

.
الشيء الثاني: في التعليق حول تقارب الأسطورة مع الرواية من عدمه.

لقد ذكر الكاتب أن الرواية - أي رواية الرهني- تتقارب كثيراً مع أسطورة (شيرين وفرهاد)، وهذا يعني أنه يرمي إلى الأسطورة التي ذكرها نظامي الكنجوي، (ت 608ه- على الغالب) في القرن السادس الهجري لأنها هي الأسطورة التي خُلقت فيها شخصية (فرهاد) (2)من قبل نظامي، وهذه الأسطورة بهذا النحو


1) من روائع الأدب الفارسي،

2) نظامي الكنجوي، شاعر الفضيلة، عصره وبيئته وشعره، ط1 ، ص: 236، وإن كان قد عبر نظامي بهذا التعبير (خسرو وشيرين) لكن هي الأسطورة التي ذُكر فيها هذا الاسم.

جاءت بعد الرواية التي نتحدث عنها بما لا يقل عن قرنين من الزمان، فإن كان هناك انتحال لحادثة معينة فالأولى أن تكون هذه الأسطورة هي التي أخذت من رواية الرهني لا العكس. ثم لو أنه أراد الأسطورة بما هي أي (خسرو وشيرين)، فإن الأسبق في نظمها وإشاعتها وإلباسها ثوبا حماسياً حتى صارت أسطورة هو الفردوسي في (الشاهنامة) (1)، والفردوسي قد وُلد في (940 م - 329ه-)، أي أن الرواية قد حُدِّثَ بها قبل ولادة الفردوسي حتى، فإن كان هناك ثمة تقارب فاللاحق هو الذي يأخذ من السابق لا العكس.

مضافاً لما ذكرناه من أن الرواية أسبق من أسطورة (شيرين وفرهاد) فإننا لا نجد لا في الأسطورة - وخصوصاً ما صاغه النظامي (2)- ولا القصة الحقيقية خيوطَ تشابهٍ بين الرواية والأسطورة، وهو واضح للقارئ فلا نحتاج إلى مزيد بيان.

الخلاصة:

نجد أن دعوى التقارب الكبير بين رواية الرهني مع أسطورة (ملحمة شيرين و فرهاد) دعوى غير صحيحة، ولا نجد لذكرها وجهاً غير أن هذه الأسطورة تُعد أشهر أسطورة ملحمية في بلاد فارس والكاتب أراد أن يربط الرهني واهتمامه بالأدب وانتشار كتبه في خراسان بهذه الأسطورة بنحوٍ عجيبٍ غير علمي!!


1) من روائع الأدب الفارسي، ص 240.

2) باعتبار أن الدعوى هي التقارب مع أسطورة (شيرين وفرهاد) لا مع (خسرو وشيرين)، وأن هذه الأسطورة هي التي فيها إشارة إلى العاشقين، وأما ما صاغها الفردوسي مثلاً فإنها قائمة على الحماسة.

الشيء الثالث: الثنائية بين الأسطورة والتاريخ.
اشارة

إن تشابه التاريخ مع أسطورة ما لا يلزم منه كذب التاريخ. إذ من الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون هو عدم التفريق بين الأسطورة والخرافة، فيجعلون الأسطورة تساوي الخرافة وبالتالي تكون هذه القضية مكذوبة بتمامها. بينما الباحثون والكتاب في الميثولوجيا أكدوا على وجود فروق رئيسة بين الأسطورة والخرافة، وتناول ذلك كله هنا يخرج عن المقصد، لذلك سأعرض موجزاً وأحيل إلى مصادر لمن أراد الاستزادة (1).

الفرق بين الأسطورة والخرافة

٭ الفرق بين الأسطورة والخرافة (2).

إن مادة الأسطورة هي الحدث التاريخي، فهي تدور حول حدث تاريخي، سواء كان من صنع الإنسان أو الطبيعة أو غير ذلك، ولا يُسمى هذا الحدث حدثاً إلا إذا كان له تأثير حقيقي في مجرى الحياة البشرية، والأسطورة هي القصة الشعرية التاريخية المصفوفة زجلاً أو شعراً، وهي موضوعة في قالب ذي إيقاع شعري يتضمن الحدث المراد تأريخه، وتضاف إليه إضافات لم تذكر في التاريخ فتكون هذه الإضافات خيالية غير واقعية، ومنها ما كان غرضه التعليم أو الوعظ أو العلم أو تخليد الصالحين والأبطال وغير ذلك.


1) الكتب التي تناولت هذا كثيرة، وسأشير إلى بعضها: الميثلوجيا السورية، الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، الأسطورة والمعنى، قوة الأسطورة، الأساطير، من الوعي الأسطوري إلى بدايات التفكير الفلسفي النظري.

2) هذه النقطة قد يُعتذر للكاتب في أنه أساء استخدام مفردة (أسطورة)، وإنَّ كتب اللغة قد تساعد على هذا الاستعمال بنحو، ولكن لأن للكاتب محاضرة - بعنوان (العزاء الحسيني نظرة ميثلوجية)،- أفاد فيها أن الأسطورة يمكن استفادة التاريخ منها فذكرت هذه النقطة، وإن كان لا يُريد الأسطورة بما هي أسطورة فإن هذه النقطة ستكون إضافة للقارئ .

أما الخرافة فهي سرد من نسيج الخيال ولا علاقة لها بالواقع ولا بأي حدث واقعي، ولذلك قال بعضهم: «نستطيع أن نقول إن الحكاية الخرافية لا تعتمد الحدث أساساً لها، وإنما تعتمد البطل» والخرافة قد تنسج لغايات أخلاقية أو توجيهية كالحث على التزام وغير ذلك.

إذن الأسطورة تشترك مع الخرافة في جهة وتختلف معها في جهة، أما جهة الاشتراك فهي أن كليهما يحتوي على الإضافات والمحسنات والزيادات، فقد تصاغ كنص روائي أو تصاغ كشعر واستعمال المحسنات اللفظية لإيصال الرسالة والغاية من الأسطورة أو الخرافة، وتكون سهلة التداول والحفظ. وأما جهة الاختلاف والافتراق فإن الخرافة قائمة على خيال في خيال، وأما الأسطورة فإن المادة الأساسية لها التاريخ ثم تضاف إليها المحسنات والزيادات.

استفادة التاريخ من الأسطورة.

بعد أن اتضح أن الأسطورة ليست كلها كذباً بل هي قائمة على الحدث التاريخي مع زيادات، لذا فإن كثيراً من الباحثين عدّ الأسطورة مصدراً من مصادر التاريخ، ومن هنا قال بعضهم: «وعلى كل حال ستبقى الأسطورة أحد مصادر الاستدلال في البحث التاريخي وإن لم تكن هي التاريخ» (1)، وقال آخر: «هناك علاقة ثنائية بين الأسطورة والتاريخ تسمح ببعض الخيال في الوصف التاريخي، كما تسمح ببعض الواقعية في الوصف الأسطوري» ومن هنا شرع جملة من الباحثين في العالم الشرقي وفي العالم الغربي لتقعيد منهجية وبيان وسائل مختلفة لاستخلاص المادة التاريخية من الملاحم والأساطير، بل وطبقوها على بعض الأساطير ك- (ملحمة جلجامش)


1) الميثلوجيا السورية لوديع بشور، ص: 14.

(1)، وما نحن فيه أيضاً، وقد وردت أسطورة مشهورة تشابه أحداثها الأحداث التي وردت في رواية الرهني، وهي ملحمة تُعرف ب-(ديجينيس اكريتيس)، وسأعرضها كما عرضها من اختص في هذا المجال.

الملحمة اليونانية الأشهر (ديجينيس اكريتيس)

٭ الملحمة اليونانية الأشهر (ديجينيس اكريتيس).

ظهرت ملحمة بيزنطية فائقة الشهرة في القرن العاشر الميلادي، وقد حظيت باهتمام واسع من قبل الباحثين والدارسين، وهذه الملحمة كُتبت في القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي (2).

موجز مختصر جداً لهذه الملحمة:

في القرن التاسع الميلادي ولدت أميرة جميلة بيزنطية تُدعى (إيرين) أي السلام بالإغريقية، وقد تنبأ العرافون بأن أميراً عربياً سيخطفها بعد أن يترك دينه ليصير على دينها ليحظى بالزواج منها، فقد شغفته حباً. كلما تقدمت في العمر ازدادت


1) الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، محمد خليفة حسن ، ص: 27 ، 31، وقد طبق جملة من الوسائل لاستخلاص المادة التاريخية من ملحمة جلجامش. وهنا أمر لطيف أشير إليه، وهو أن كاتب كتاب (سيدة الإماء) نفسه له محاضرة تدور حول هذا الأمر بعنوان (العزاء الحسيني نظرة ميثلوجية)، وقد ناقش فيها دعوى خزعل الماجدي من أن أنبياء ما قبل الطوفان ليسوا إلا ملوكاً في بعض مناطق بلاد ما بين النهرين، وهم شخصيات تاريخية حقيقية ضُخمت وأحيطت بهالة من الأساطير الشعبية فجاء كتاب التوراة وحوّلهم إلى أنبياء مرتبطين بالسماء ... إلخ، وكذا ناقش شبهة تقول بأن العزاء الحسيني هو امتداد لبعض الأساطير السومرية، ومن أشهرها تراجيدية عُرفت ب-(الإله تموز)، وقد أشار لنفس المدعى أعلاه من أن الأسطورة يثبت بها تاريخ.

2) لم يحدد التاريخ بشكل واضح متى كُتبت هذه الأسطورة، ولكن لو أخذنا منتصف القرن العاشر الميلادي - حتى يكون بين القرن العاشر وقريبا من الحادي عشر - أي سنة (950م) ، فإن التاريخ يكون موافقاً ل- (338ه-) ، والأمر اللافت هو أن الرهني ذكر لقاءه بسليمان بن بشر النخاس في 286ه- .

جمالاً حتى صار القمر يخجل من جمالها، ولما بلغت سن الثانية عشرة أبصرت لوحة للحب متمثلة في صورة صبي يضرب بسهمه، وأخبرتها إحدى وصيفاتها بأن هذا الصبي كان قوياً، مسلحاً بسهامه وبالنار، وكان سيد العبيد، يحمل بين يديه الأوراق والحبر مسجلاً أسماء ضحاياه من العشاق، فضحكت الأميرة وقالت: أنا لست خائفة منه!!

نامت تلك الأميرة في تلك الليلة فتمثل لها الحب في منامها، وكان قد أرهقها وهي تتوسل الرحمة منه حتى جلست فزعة من نومها. في يوم من الأيام حينما كان أبوها مسافراً في مهمة أو منفياً، خرجت إيرين مع خادماتها ووصيفاتها إلى الريف للتنزه، ويا للصدف، حيث كان هناك ثمة أمير عربي اسمه موصور، كان أميراً لبلاد الشام (1)، فخطفها هي ووصيفاتها.

ثم يُذكر في القسم الثاني من الملحمة أن أمها كانت قد تأثرت تأثيراً شديداً لفقدها فقد كانت البنت الوحيدة بين خمسة أبناء، فصارت تلتاع من أسى الغياب والفراق.

ثم ذهب الإخوة استجابة لنداء الأم واستغاثتها للقاء الأمير العربي، وبذلوا قصارى جهدهم لإرجاعها إلى أمها المكلومة. لما رأى الأمير جهدهم وإصرارهم ولباقتهم في الكلام حيث كان يجيد لغة الروم، ثم بعد كلام ومبارزة وسجال طويل قال: إنني لم أهزم في حرب خضتها قط ولكني أنهزم الآن لجمال أختكم، وإني أطلب


1) وقيل أن اسمه منصور، وهذه الملحمة وصفت الأمير وصفاً دقيقاً يعطي صورة حقيقة عن هيئة الأمراء العرب الذين كانوا يعيشون شمال بلاد الشام عند البيزنطيين. [قطوف الفكر البيزنطي ص: 70].

الزواج منها حتى لو تطلب أن أترك ديني وأعتنق المسيحية. كل ذلك حتى يُصبح زوجاً شرعياً لها.

عقدوا السلام وعادوا للديار بسلام، فرحبت زوجة القائد بعودة أولادها بصحبة أختهم، وفرحت بذلك، ثم تزوج الأمير بالأميرة، إلى أن رزقا بطفل سمي بباسيل وكما سمي أيضا ب- (ديجينيس) لأنه وُلد من عرقين، فقد اتحد العرق العربي والرومي، وسُمي أكريتيس حتى يجلب السلام إلى الحدود.

علمت أم الأمير بما صنعه ولدها فبعثت له رسالة عتاب شديدة اللهجة، وقد تأثر الأمير لهذه الرسالة فأخبر حبيبته بذلك، فقررت الرحيل معه على مضض، وأخبرت إخوتها عن نية الأمير.

خاض الأمير ومن معه معركة ميئوس منها بعد أن شق لهم الطريق عبر القوات الرومانية التي حاصرتهم، وفي طريق عودته ظهر أسد مكشراً عن أنيابه وشاهراً لبراثنه فقام الأمير بقتله وأخذ أنيابه وبراثنه هدية للأمير الصغير باسيل. عند عودة الأمير التقى مرة أخرى بمعشوقته إيرين فأغمي عليهما من فرط الفرح.

خاتمة (1): كبر ديجينيس ونشر السلام على الحدود، فاستدعاه الإمبراطور وعينه رئيس الأساقفة ومنح امتيازات الملك وغير ذلك من المزايا.

إشارات:

الإشارة الأولى: إنَّ هذه الملحمة ظهرت بعد رواية بشر بن سليمان للرهني،


1) الملحمة طويلة جداً ولا يسع ذكرها كاملة هنا، فمن أراد فليراجع مثلاً: قطوف الفكر البيزنطي ص: 69.

وفي هذه الملحمة تشابه كبير مع الرواية، وهي تُعد أسطورة من الأساطير البيزنطية المشهورة التي ترتبط بتلك الحقبة، نعم تحتاج إلى دراسة شاملة ليتضح ما هو أسطورة وما هو تاريخي.

الإشارة الثانية: إنَّ الملحمة نفسها قد تعرضت إلى شخصية باسيل وقد كان الإمبراطور الفعلي في تلك الحقبة هو باسيل المقدوني الذي كان السبب في إبعاد جد ديجينيس وإخراجه عن الإمبراطورية.

الإشارة الثالثة: أن المؤرخ البلجيكي هنري جريجوار تحقق من المعركة التي عُنيت وقد خاضها الأمير بالجيش الرومي فقال: إن هذه تتناسب مع معركة عمر بن عبيد الله الأقطع أمير ملطية. وقد هزم فيها وقتل على يد القائد الروماني بتروناس (1).

الإشارة الرابعة: إنّ الرؤيا والمنام وكلام العرافين حول اختطاف الأميرة مشابه بنحوٍ ما لما ورد في رواية بشر بن سليمان للرهني.

الخلاصة: يمكننا القول أيضا إنَّ هذه الأسطورة تتضمن تاريخاً، وهناك ملامح واضحة ذُكرت في التاريخ وتتوافق مع رواية الرهني، بل إنَّ هذه الملحمة يمكن أن تدفع مقالة القائلين كيف لأميرة تختطف أو تُفقد ولا يكون لها ذِكرٌ ولا يعرفُ عنها أحد، فبتأمل بسيط يُقال إن الفترة التي نتحدث عنها صاحبت فترة انتهاء الدولة العمورية ونهوض المقدونية، ومن الطبيعي أن الدولة الأولى لا تشيع خبر فقدان الأميرة لكي لا يظفر بها أعداؤهم ويتخذوها ورقة ضغط ضدهم، وأما الدولة


1) قطوف الفكر البيزنطي ص: 79.

الثانية فلن تهتم لأميرة من الأسرة الحاكمة السابقة، نعم يبقى ما قد يتناقل داخلياً، فيمكن أن يُدعى أن قضيتها قد ظهرت بعد فترة من الزمن على شكل أسطورة قام كُتابها بإظهار البطولة والفضل للبيزنطيين على العرب، كما هي عادة هذا النوع من الملاحم.

الأمر الثالث: التقارب الكبير مع قصة وصول (شاه زنان بنت يزدجرد) للإمام الحسين علیه السلام.

اشارة

شاه زنان بنت يزدجرد هي زوجة سيد الشهداء الحسين علیه السلام ووالدة الإمام زين العابدين علیه السلام ولهذا أشار أبو الأسود الدؤلي في قوله:

وإِنَّ غُلاماً بَيْنَ كِسْرَى وهَاشِمٍ ٭٭٭ لَأَكْرَمُ مَنْ نِیطَتْ عَلَيْهِ التَّمَائِم (1)

وقد ذُكر في زمان وصولها وكيفية ذلك عدّة روايات وأقوال، وأشهر تلك الأقوال هو ما اعتمده الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي وابن الفتال النيشابوري - رَحِمَهُم اللهُ- وغيرهم (2)من أنها جيء بها في زمن أمير المؤمنين علیه السلام بعد واقعة الجمل لما وَلَّى حُرَيْثَ بْنَ جَابِرِ الْحَنَفِيَّ جَانِبَاً مِنَ الْمَشْرِقِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنْتَيْ يَزْدَجَرْدَ بْنِ شَهْريَارَ بْنِ كِسْرَى، فَنَحَلَ ابْنَهُ الْحُسَيْنَ علیه السلام شَاهْ زَنَانَ مِنْهُمَا فَأَوْلَدَهَا زَيْنَ الْعَابِدِينَ علیه السلام وَنَحَلَ الْأُخْرَى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ (3).


1) الكافي (ط - الإسلامية)، ج 1، ص: 467، بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج46، ص: 4، مناقب آل أبي طالب علیهم السلام (لابن شهر آشوب)، ج 4، ص: 167، لباب الأنساب والألقاب والأعقاب (لابن فندق البيهقي ت 565ه- تحت باب الحسين بن علي علیه السلام وغيرهم من المصادر، ولم يذكر البيت في ديوان أبي الأسود، الذي جمعه العلامة الشيخ محمّد حسن آل يس ولا في ديوانه الآخر الذي جمعه عبد الكريم الدجيلي، وإنما نسب إليه مفرداً في بعض كتب الأخبار كما في الكافي والبحار وغيرهما.

2) وقعة صفين لابن مزاحم المتوفى سنة 212ه- ، كتاب الأخبار الطوال لابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 267ه-.

3) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج 2، ص: 137، إعلام الورى بأعلام الهدى (ط - القديمة)، ص: 256، روضة الواعظين وبصيرة المتعظين (ط - القديمة)، ج 1، ص: 201.

رواية العلامة المجلسي في بحار الأنوار:

وأمّا الرواية التي يشير لها الكاتب فهي ما نقله العلامة المجلسي رحمه الله عن الخرائج، وهنا لا بُد أن ننقل الرواية:

رُويَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: لَمَّا قَدِمَتِ ابْنَةُ يَزْدَجَرْدَ بْن شَهْريَارَ آخِرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَخَاتَمِتِهِمْ عَلَى عُمَرَ وَأُدْخِلَتِ الْمَدِينَةَ اسْتَشْرَفَتْ لَهَا عَذَارَى الْمَدِينَةِ وَأَشْرَقَ الْمَجْلِسُ بِضَوْءِ وَجْهِهَا وَرَأَتْ عُمَرَ فَقَالَتْ: آهْ بِيرُوزْ بَادْ هُرْمُزَ . فَغَضِبَ عُمَرُ وَقَالَ: شَتَمَتْنِي هَذِهِ الْعِلْجَةُ، وَهَمَّ بِهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ علیه السلام: لَيْسَ لَكَ إِنْكَارٌ عَلَى مَا لَا تَعْلَمُهُ. فَأَمَرَ أَنْ يُنَادِيَ عَلَيْهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام- لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَإِنْ كُنَّ كَافِرَاتٍ وَلَكِنِ اعْرِضِ عَلَيْهَا أنْ تَخْتَارَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَتَزَوَّجَ مِنْهُ وَتَحْسُبَ صَدَاقَهَا عَلَيْهِ مِنْ عَطَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَقُومُ مَقَامَ الثَّمَنِ. فَقَالَ عُمَرُ: أفْعَلُ. وَعَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ تَخْتَارَ فَجَالَتْ فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى مَنْكِبِ الْحُسَيْنِ علیه السلام فَقَالَ: چه نام داری اى كنيزك؟ يَعْنِي مَا اسْمُكِ يَا صَبِيَّةُ قَالَتْ: جَهَانْشَاهُ. فَقَالَ: بَلْ شَهْرَ بَانُوَيْهِ. قَالَتْ: تِلْكَ أُخْتِي. قَالَ: راست گفتى. أَيْ صَدَقْتِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَقَالَ: احْتَفِظْ بِهَا وَأَحْسِنْ إِلَيْهَا فَسَتَلِدُ لَكَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ بَعْدَكَ وَهِيَ أُمُّ الْأَوْصِيَاءِ الذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ. فَوَلَدَتْ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ زَيْنَ الْعَابِدِينَ علیه السلام.

وَيُرْوَى أَنَّهَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا بِهِ وَإِنَّمَا اخْتَارَتِ الْحُسَيْنَ علیه السلام لِأنَّهَا رَأتْ فَاطِمَةَ علیها السلام وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُدَهَا عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهَا قِصَّةٌ وَهِيَ أَنَّهَا قَالَتْ رَأَيْتُ فِي النَّوْم قَبْلَ وُرُودِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم دَخَلَ دَارَنَا وَ قَعَدَ مَعَ الْحُسَيْنِ علیه السلام وَخَطَبَنِي لَهُ وَزَوَّجَنِي مِنْهُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ كَانَ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِي وَمَا كَانَ لِي خَاطِرٌ غَيْرُ هَذَا، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ رَأَيْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم قَدْ

أَتَتْنِي وَعَرَضَتْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ الْغَلَبَةَ تَكُونُ لِلْمُسلِمِينَ وَإِنَّكِ تَصِلِينَ عَنْ قَرِيبٍ إِلَى ابْنِي الْحُسَيْنِ سَالِمَةً لَا يُصِيبُكِ بِسُوءٍ أحَدٌ، قَالَتْ: وَكَانَ مِنَ الْحَالِ أَنِّي خَرَجْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ مَا مَسَّ يَدِي إِنْسَانٌ (1).

هذه هي الرواية التي عناها الكاتب فيما نقله العلامة المجلسي عن الخرائج، وهنا عدة أمور:

الأول: أن الشيخ المجلسي يظهر منه أنه لم يعتمد الرواية التي تنص على الإتيان بالسيدة شاه زنان في زمن عمر، بل علّق على هذه الجزئية بقوله: ثم إن هذا الخبر-[الذي يُفيد بأنها جيء بها في زمن عمر] يخالف الخبر السابق - [أي أنها جيء بها في زمن عثمان] وذاك أقرب إلى الصواب؛ إذ أَسرُ أولاد يزدجرد الظاهر أنه كان بعد قتله أو استئصاله وذلك كان في زمن عثمان، وإن أمكن أن يكون بعد فتح القادسية أو نهاوند أخذ بعض أولاده هناك لكنه بعيد، وأيضا لا ريب في أن تولد علي بن الحسين علیه السلام منها كان في أيام خلافة أمير المؤمنين علیه السلام ولم يولد منها غيره كما نُقل، وكون الزواج في زمن عمر وعدم تولد ولد منها إلا بعد أكثر من عشرين سنة بعيد، ولا يبعد أن يكون عمر في هذه الرواية تصحيف عثمان (2)، والله يعلم (3).

وأيده على هذا السيد المقرم رحمه الله فقال: و احتمال شيخنا المجلسي في البحار التصحيف في لفظ عمر عن عثمان قريب ومع ذلك فقد جزم بصحة ما في


1) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 46، ص: 10.

2) وجه التصحيف هو أن (عثمان) كانت تُكتب سابقاً دون ألف هكذا: (عثمن) وبدون نقاط، فتصبح قريبة من (عمر)، هكذا: (عمومی).

3) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 46، ص: 10.

(الإرشاد) لما قلناه من عدم الخلاف في سنة ولادة السجاد علیه السلام في ثمان وثلاثين للهجرة ومساعدة الاعتبار عليه (1).

الثاني: أن الجزئية التي تذكر رؤيا السيدة ليست من ضمن الرواية المنقولة عن جابر عن أبي جعفر الباقر علیه السلام بل هي كلام مستقل بهذا النحو:

الصورة

243

فهنا قد ذكر أولاً الرواية عن جابر عن أبي جعفر الباقر علیه السلام، ثم رواية أخرى مرسلة لم يُذكر فيها السند ولا عمن رويت، ثم قصة أيضاً مرسلة لم يُذكر مصدرها، فليست هي من أصل الرواية المروية عن الباقر علیه السلام، وهذا القول لا نعلم زمانه


1) حياة الإمام زين العابدين علیه السلام، ص: 48.

وقائله، فإذا كان صاحب الخرائج هو أول ذاكر (1)له فإنه بعد الشيخ الصدوق رحمه الله وبالتالي فلا يتجه الادعاء في المقام بأن قضية السيدة نرجس علیها السلام قد أُخذت من هذه الجزئية من الرواية.

الثالث: إن تكرر الحدث في موردين أو شخصين بصورة متشابهة مما لا مانع منه. ولا يلزم من ذلك التشابه صدق أحد الموردين وكذب الآخر، وهذا نجده في سيرة أهل البيت علیهم السلام فمثلاً رواية حرق دار الإمام الصادق علیه السلام في زمن المنصور الدوانيقي، وكذلك رواية حرق دار الإمام الرضا علیه السلام في زمن هارون الرشيد على يد عيسى الجلودي، والتأثر الذي كان من الإمامين علیهما السلام، فهل يعني هذا كذب الأولى أو الثانية؟!

وكذلك رواية ورود العباس علیه السلام للمشرعة وعدم شربه الماء، وصدور ذلك من بعض أصحاب الحسين علیه السلام بل ومن أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم كأبي ذر الغفاري رضي الله عنه فهل يعني كذب أحدهما بالضرورة؟! قطعاً لا، إذ الأحداث قد تتكرر، وكما قال القرآن الكريم (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (2)، وكما جاء في المأثور عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم: (تُؤْخَذُونَ كَمَا أُخِذَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ، ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، وَ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَ بَاعاً بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَداً مِنْ أُولَئِكَ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.) (3)

ص: 266 .

ولعل التشابه المدعى بسبب أن هذا هو حال السيدات من أمهات الأئمة علیهم السلام. ثم إن المطابقة المدعاة

1) تنبيه، في الصورة أعلاه يوجد هامش عند آخر القصة، أما (2): (أني خرجت إلى المدينة ما مس يدي إنسان) البحار، و(3): عنه البحار، وعالم العلوم ومستدرك الوسائل...إلخ، وهذا من المحقق.

2) [الانشقاق: 19].

3) الأمالي (للطوسي)، النص،

لا تتجاوز حتى عُشْرَ الرواية، فنقاط التشابه هي أن كلتيهما ابنتا ملك من الملوك، وأنهما رَأَتا السيدة الزهراء علیها السلام في المنام، وأن هناك حرباً ستكون بين المسلمين والطرف الآخر وهذا هو الطريق لوصولها إلى بيت الرسالة، وأن الإمام قد شغفها حُبّاً حتى صارت لا تطيق الانتظار حتى تلقاه، وأما بقية الأحداث فمختلفة تماماً، من قبيل محاولة تزويجها، وحفل الزفاف، والأحداث التي جرت في حفل الزفاف، وحادثة المرض، والأسرى بين المسلمين والروم، وقضية أسرها، والابتياع من سوق النخاسين بل أصل كيفية الوصول مختلفة، وغير ذلك من الحيثيات المختلفة، فدعوى التطابق هي دعوى جزافية.

وهمٌ في دفْع الوهم

اشارة

ذكر الكاتب أمراً أسماه بالوهم وأراد معالجته ودفعه، وحاصله أن الشيخ الصدوق رحمه الله قد نقل رواية الرهني في كتابه واعتمد عليها، فكيف يُحكم عليها بأنها من نسج الوضاع أو الغلاة؟! فأجاب عن هذا بأمور ثلاثة:

أولا: لا يوجد دليل على أن الشيخ الصدوق رحمه الله قد تحرى الصحة في كتابه (كمال الدين)، واعتمد على خصوص الأخبار المعتبرة، وما ذكره بعضهم من أن اسم الباب (ما روى في نرجس أم القائم علیها السلام واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الملك) كاشف عن اعتماده على الخبر غير تام، لاحتمال كون التبويب من النساخ.

ثانياً: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد انتقد مرويات الرجل وأنه من الحشوية كما مر سابقاً.

ثالثاً: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد روی روایات متعارضة في حق السيدة الطاهرة علیها السلام، فلا يمكن أن يكون معتقداً بصحتها بأجمعها، فرواية الرهني تدل على أن الإمام العسكري علیه السلام يعرف بأمر نرجس منذ البداية واشتراها له أبوه الإمام الهادي علیه السلام لأجل هذا الأمر، وفي مقابلها رواية تذكر أن حكيمة تقول (كانت لي جارية يقال لها نرجس ...)، فالرواية صريحة في أن الجارية لحكيمة لا للإمام الهادي علیه السلام، والأصرح أنها قالت: (ووهبتها لأبي محمد علیه السلام)، فهذه تعارض رواية الرهني وتُسقطها رأساً، فلو كان الصدوق معتقداً بصحة الخبر الأول لما روى مثل

هذا الخبر الذي يكذبه أو لعلّق بما يرفع التنافي بين الخبرين.

التعليق

» التعليق:

إنَّ هذا الجواب يحتوي على وهم لا أنه يدفع الوهم، وإليك بيان ذلك:

أولاً: من يُلاحظ كتاب الشيخ الصدوق رحمه الله لا يجد فيه أنه صرّح باعتماده على الأخبار المعتبرة (1)، ولكن لا بُد من الالتفات إلى غاية تأليف الكتاب التي لأجلها كتبه الشيخ رحمه الله، فقد صرح في مقدمة الكتاب بهذا: (إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا علیه السلام رجعت إلى نيسابور وأقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إليّ (2)من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ودخلت عليهم في أمر القائم علیه السلام الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة علیهم السلام، حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم طالما تمنيت لقاءه واشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي أدام الله توفيقه، وكان أبي يروي عن جده محمد بن أحمد بن علي بن الصلت قدس الله روحه ويصف علمه وعمله وزهده وفضله وعبادته، وكان أحمد بن محمد بن عيسى في فضله وجلالته يروي عن أبي طالب عبدالله بن الصلت القمي رضي الله عنه وبقي (3)حتى لقيه محمد بن الحسن


1) وأعني بالتصريح هو إخباره قدس سره بذلك بشكل واضح كما صنع في كتابه (من لا يحضره الفقيه).

2) الاختلاف بمعنى التردد، أي الذهاب والمجيء.

3) يعني عبد الله بن الصلت.

الصفار وروى عنه، فلما أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله تعالى ذكره على ما يسر لي من لقائه وأكرمني به من إخائه و حباني به من وده وصفائه، فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاماً في القائم علیه السلام قد حيره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولاً في إثبات كونه علیه السلام [حقاً] ورويت له أخباراً في غيبته عن النبي والأئمة علیهم السلام سكنت إليها نفسه وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والارتياب والشبهة، وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أصنف له في هذا المعنى كتابا فأجبته إلى ملتمسه ووعدته جمع ما أبتغي إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالري....) (1).

أي أن الهدف الرئيس للشيخ الصدوق رحمه الله لكتابة هذا الكتاب هو رفع الحيرة التي انتابت الشيعة حول ما يتعلق بالإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف، فهل من المناسب مع هذه الغاية والهدف أن يقوم الشيخ الصدوق رحمه الله بجمع الأخبار دون تأملٍ فيها؟! ألن يكون ذكر روايتين بينهما تعارض أدعى إلى تأكيد الشبهة في النفس، فهل يا ترى الشيخ الصدوق ينقض غرضه بنفسه ؟!! فالصحيح أنه في كتابه (كمال الدين) لم يكن بصدد جمع الروايات فقط، بل كان يتفحصها، وإليك هاهنا شاهداً على ذلك:

ذكر الشيخ الصدوق هذا الخبر وهو: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَدَانِيُّ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص: 2.

الْأزْدِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَيِّدِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً (1)فَقَالَ علیه السلام: النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ الْإِمَامُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنَةُ الْإمَامُ الْغَائِبُ. فَقُلْتُ لَهُ: وَيَكُونُ فِي الْأَئِمَّةِ مَنْ يَغِيبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ شَخْصُهُ وَلَا يَغِيبُ عَن قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَّا يُسَهِّلُ اللهُ لَهُ كُلَّ عَسِيرٍ وَيُذَلِّلُ لَهُ كُلَّ صَعْبٍ، وَيُظْهِرُ لَهُ كُنُوزَ الْأَرْضِ، وَيُقَرِّبُ لَهُ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيُبِيرُ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (2)، وَيُهْلِكُ عَلَى يَدِهِ كُلَّ شَيْطَاٍ مَرِيدٍ ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ تَسْمِيَتُهُ حَتَّی يُظْهِرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً .

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه لم أسمع هذا الحديث إلا من أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه بهمدان عند منصرفي من حج بيت الله الحرام، وكان رجلاً ثقة ديناً فاضلاً، رحمة الله عليه ورضوانه) (3)

فمع أن الرواية ليس فيها شيء ومع ذلك فقد عقب الشيخ الصدوق رحمه الله بهذا التعقيب، وهذا يكشف عن اهتمام الشيخ الصدوق بما ينقل، ولذا قال الشيخ يوسف البحراني رحمه الله عن منهجية الشيخ الصدوق رحمه الله: (ولا يخفى على العارف بطريقة الصدوق قدس سره في جملة كتبه ومصنفاته أنه لا يذكر من الأخبار إلا ما يعتمده ويحكم بصحته متناً وسنداً ويُفتي به، وإذا أورد خبراً بخلاف ذلك ذيّله بما يشعر بالطعن


1) (3) لقمان: 20.

2) أباره الله: أهلكه. وفي بعض النسخ «يتبر» والتبر: الكسر والإهلاك كالتتبير، وفي بعض النسخ «یفنی به».

3) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 368.

في سنده أو دلالته، ونبه على عدم قوله بمضمونه، وهذه طريقته المألوفة وسجيته المعروفة. وهذا المعنى وإن كان لم يُصرح به إلا في صدر كتابه (من لا يحضره الفقيه) إلا أن المتتبع لكلامه في كتبه والواقف على طريقته لا يخفى عليه صحة ما ذكرناه) (1)

ص: 53 .

.

وقد ذكر السيد السيستاني دام ظله: إنَّ الشيعة في زمن الغيبة كانوا في حيرة، والغيبة كانت مسماة بالحيرة عندهم، وعلماؤنا كانوا بصدد تصحيح الغيبة، وقد صنف جمع منهم كتاب الغيبة، إلا أن غرض كل واحد منهم يختلف عن الآخر، فكتاب إكمال الدين للصدوق ألّف في إثبات الغيبة في قبال الزيدية، فبما أن قم كانت قريبة على طبرستان، وفي طبرستان كان أئمة الزيدية، فكانوا يعترضون على الشيعة، فألف الصدوق هذا الكتاب لدفع اعتراضات الزيدية، وهذا واضح لمن راجع كتاب الإكمال من أوله إلى آخره... (2).

وإن قوله الشيخ الصدوق قدس سره: (وسألني أن أصنف له في هذا المعنى كتابا فأجبته إلى ملتمسه) بعد قوله: (وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة) ظاهر في اعتماده الآثار الصحيحة في تصنيفه، ولا أقل في إشعاره بذلك.

ثانياً: أن احتمال ذكر العنوان في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) هو من النساخ احتمال ممكن لا يُقال بمنعه واستحالته، ولكن لكي يكون هذا الاحتمال ذا قيمة فإنه يستدعي من الكاتب أن يذكر مخطوطة لم يرد فيها هذا التبويب ليكونَ أدعم لقوله، وأما باب الاحتمال والإمكان فهو مفتوح على مصراعيه. ولقد قمت بمراجعة


1) الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، ج 3،

2) تقريرات السيد السيستاني بقلم السيد محمد علي الرباني، كتاب: الاجتهاد والتقليد والاحتياط: ص 120-121 .

الصورة

251

(1) بين يدي أكثر من عشر مخطوطات وكلها اتفقت على هذا.

الصورة

252

الصورة

253

الصورة

254

فهل من المعقول أن نقرب احتمال أن يكون وضع اسم الباب من النساخ دون العثور حتى على نسخة واحدة تدعم هذا الاحتمال؟!! خصوصاً مع الالتفات إلى أن منهج الشيخ الصدوق - رحمه الله - في سائر كتبه على تبويب كتبه.

إن قيل: نعم إنَّ الشيخ الصدوق يبوب في سائر كتبه ولكن نفس ألفاظ الباب يحتمل أن تكون من النساخ فلا تدل على اعتماده عليها، ويدعم ذلك أنَّ الشيخ الصدوق قد أورد رواية بعدها تعارضها.

قلت: إنَّ باب الاحتمال باب واسع، وحتى يكون للاحتمال وجهٌ لابُد من إيراد ما يُقرّبه، وكيف للنساخ أن يتفقوا في ألفاظ عنوان الباب بهذا النحو ؟! ثم إننا نجد أن الشيخ الصدوق رحمه الله لَمْ يذكر في الباب الذي يتعلق بذكر روايات أم الإمام الحجة علیها السلام إلا هذه الرواية، فعن أي شيء يكشف هذا؟! وأما ما ادعي من وجود رواية تناقض هذه الرواية قد ذكرها الشيخ بعدها ببعض الأوراق فإنها لم تكن في نفس الباب أو لا، ولا نسلم بوجود التعارض المدعى بينهما كما سيأتي بيانه قريباً.

ثالثاً: إِنَّ ادعاء أن الشيخ الصدوق رحمه الله قد وصف الرهني بأنه من الحشوية ليس دقيقاً، بل وجدنا أن الشيخ الصدوق رحمه الله قد ترحمَ عليه بل وترضى، وقد أوضحنا كلَّ ذلك عند التعرض للملاحظات السندية سابقاً فلا نعيد.

رابعاً: أما ما يتعلق بإيراد الشيخ الصدوق رحمه الله لرواية تعارض رواية الرهني، فهنا عدة أمور:

الأول: أشرنا سابقاً إلى أن الشيخ الصدوق لم يُورد في الباب الحادي والأربعين المختص بأم الإمام الحجة علیها السلام إلا هذه الرواية وعنون الباب ب- (باب ما روي

في نرجس أم القائم علیها السلام واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الملك) كما بيناه، والرواية المدعاة أنها تُنافي الخبر هذا هي في الباب الثاني والأربعين المختص بذكر ما يتعلق بولادة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الثاني: إِنَّ دعوى التنافي والتعارض لتضمن الخبر الثاني مثل هذه العبائر عن لسان السيدة حكيمة علیها السلام: (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِس)، (وَوَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام) غير تامة، ودعوى: أنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله لو كانَ معتقداً بصحة الخبر الأول لما روى مثل هذا الخبر الذي يكذبه، أو لعلق بما يرفع التنافي بين الخبرين، لا تؤيد المدعى بل العكس، إذ لو كان الشيخ الصدوق يرى التعارض والتنافي بين الخبرين لعلق بما يرفع التنافي، ولما لم يعلق كشف ذلك عن أنه لا يرى التنافي بين الخبرين، ولذا لم يورد في باب أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف إلا تلك الرواية، كما أنه أخرج هذين الخبرين في بابين متواليين ولم يعلق عليهما ممّا ظاهره جمعهما وعدم التنافي بينها (1).

وأما وجه الجمع فإنه بالنظر إلى آخر الخبر الثاني نجد هذا التعبير: «يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ علیه السلام لَهَا هَا هِيَهْ فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ اَلْقَائِمِ علیها السلام» فالإمام علیه السلام أمرها أن تُخرجها إلى منزلها، والهدف من ذلك لتبقى معها فترة من الزمن، فتتكفل بأمورها وشؤونها، وبقاؤها مدة من الزمن عند السيدة حكيمة علیها السلام كافٍ لأن تُعرف بأنها جارية لدى السيدة حكيمة علیها السلام، ثم جرى الأمر كما في الخبر الثاني.


1) موسوعة التاریخ الإسلامي ج 8، ص: 428.

إن قلت: ورد في قول حكيمة (وَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام) وهذا كاشف عن أنَّ الجارية لها ولهذا وهبتها لأبي محمد العسكري علیه السلام.

قلتُ:

كجواب أول : لقد ورد عند أهل اللغة (أَوهَبَ لك الشيءَ: أَعدَّه) (1)وهذا مناسب للسياق في الرواية الثانية (فَلَمْ أَلْبَثْ أنْ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَزَيَّنْتُهَا وَوَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام وَجَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي مَنْزِلِي فَأَقَامَ عِنْدِي أيَّاماً...) فهي هيأت وزينت وأعدت، وكل ذلك في دارها علیه السلام، وبقاء السيدة نرجس علیها السلام ومعيشتها في دار السيدة حكيمة علیها السلام هو المناسب للتقية وخصوصاً في مثل ذلك الزمن وتلك الظروف المحيطة بالإمامين العسكريین علیهما السلام والطلب لإمام العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف، والإجمال كافٍ في المقام.

وكجواب ثانٍ: إن الكاتب جعل كلمة السيدة حكيمة علیها السلام (وَهَبْتُهَا) في أنها صريحة في الدلالة على الملكية، ولكن نقول أن عندنا في المقام احتمالين:

الاحتمال الأول: أن تكون الهبة منها علیها السلام بمقتضى ملكيتها المباشرة، فبالتالي يكون قولها للإمام العسكري علیه السلام (فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: اسْتَأَذِنِي فِي ذَلِكَ أَبِي علیه السلام، قَالَتْ فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَأَتَيْتُ مَنْزِلَ أَبِي الحَسَن علیه السلام فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْجتُ فَبَدَأَنِي علیه السلام وَ قَالَ يَا حَكِيمَةُ ابْعَثِي نَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّد) (2)

ص: 426 .

، فإن هذا المورد شبيه بالزواج، وإن مثل هذه الموارد فإن الأدب يقضي بالاستئذان من الأب وجعله في الصورة، ولعل هذا ما يُريده الكاتب.

1) لسان العرب، مادة (وهب).

2) كمال الدين و تمام النعمة، ج 2،

الاحتمال الثاني: أن تكون الهبة منها علیها السلام لا بمقتضى ملكيتها المباشرة، بل هبة وكيل عن موكله؛ ففي الرواية قالت حكيمة علیها السلام: (كَانَتْ لي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي...) إلى أن قالت: (فَأَرْسِلُهَا إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: اسْتَأْذِنِي فِي ذَلِكَ أَبِي علیه السلام، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَأَتَيْتُ مَنْزِلَ أَبِي الْحَسَن علیه السلام فَسَلَّمْتُ وَ جَلَسْجتُ فَبَدَأَنِي علیه السلام وَ قَالَ يَا حَكِيمَةُ ابْعَثِي نَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّد) (1)، حينها يكون استئذانها في هبة السيدة نرجس علیها السلام من الإمام الهادي علیه السلام وطلب الإمام العسكري علیه السلام منها ذلك لأن هذه الجارية ليست ملكاً لها بل هي ملك للإمام الهادي علیه السلام، وفي مثل هذه الموارد لابُد من الرجوع إلى الموكل.

فهنا عندنا احتمالان، ولا وجود لمرجح بينهما فتكون القضية مجملة بالنسبة لهذا التعبير.

بعد هذا كلّه اتضح لنا أن ما ادعي وروده من ملاحظات سندية أو متنية غير تام ومدفوع عن الرواية المشهورة التي اعتمدها علماء الطائفة على مر السنين.


1) كمال الدين و تمام النعمة، ج 2، ص: 426.

القسم الخامس: مناقشة الكاتب فيما تبناه من أصل أم الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف.

اشارة

لقد ذكر الكاتب - بعد أن قدم محاولته في تفنيد رواية الرهني- عدّة أقوال في بيان أصلها، أي أنه بعد الهدم أراد البناء، إذ إنه بعد أن هدم- حسب ما يتصور - الرأي المشهور عند الإمامية كان عليه أن يقدم البديل، فذكر أن أم الحجة - علیها السلام- قد نُسبت إلى أربعة مناطق: الرومية والسندية والمغربية (1)

وإن كان الكاتب لم يقبل هذا القول، ولكن لا ينقضي عجبي منه كيف له أن يسمي كلاماً يعتمد على نسخة مصحفة من كتاب (الهداية الكبرى) وبفهم غريب بالقول؟! ولذا من الحيف تسميته بالقول، حتی أن الكاتب لم يبين لنا هذا البعض الذي عناه، فإن لم يَكُن هناك قائِلٌ بهذا الرأي الواضح البطلان فما الغرض من ذكره أو افتراضه؟!

فهل يصح مثلاً أن أقول: قال بعضهم: أن أم الإمام من فارس، والدليل هو إنها خيرة الإماء، و"خيرة الله من العجم فارس" [بحار الأنوار، ج 46، ص: 4] فتكون خيرة الإماء فارسية، فلا إماء النوبة ولا الحجاز ولا غير ذلك، فقط فارس؟!

وقال الكاتب: (ذكر بعض المعاصرين حفظهم الله وجود احتمال يقضي بكون السيدة نرجس علیها السلام من بلاد المغرب، قال: الظاهر أن كلمة سوداء في نسخة النعماني زائدة حيث اتفقت الروايات على أن أم المهدي علیه السلام رومية أو مغربية، وليست سوداء) .

وهذا القول -كما صرح الكاتب- أنه للشيخ الكوراني، وهو ليس إلا اشتباه من الكاتب في فهم المراد، فإن الكلام كان حول مفردة (سوداء)، ومما يظهر من كتابات الشيخ وتسجيلاته المرئية التي تحدث فيها عن أم الإمام علیه السلام أنه ناظر إلى كونها رومية، ولو كان يُريد بالمغربية غير بلاد الغرب لا المغرب العربي لوجدته قد نوه ونبه، ولكن لأنه لم يكن في باله هذا الفهم ولا يتصور أن يفهمه أحد - وإن كان في عبارته تسامح - لم ينوه بشيء، وقد أفاد أحد الإخوة – وفقه الله – أنه سأله عن قصده منها، فقال الشيخ الكوراني: مراده منها هو الروم لا غير.

، والنوبية. أما الثلاثة

1) قال الكاتب: (حاول بعضهم نسبة أم الإمام المهدي علیها السلام إلى بلاد السند...) [سيدة الإماء، ص: 60]

الأولى فلم يقبل أَيًّا منها، ومال إلى كونها نوبية.

وفي هذا القسم لا يستحق القولان- مع التسامح في تسميتها بالقولين- (سندية ومغربية) أن يُركز عليهما بأكثر مما ذُكر في الحاشية، لذا سنقتصر على ما ذهب إليه من كونها نوبية وأنها وُلدت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام، وكذلك محاولته لاستبعاد كونها رومية حتى بالروايات المعضِدة غير رواية الرهني.

المحطة الأولى: في استعراض رأي الكاتب في البناء على أن أصلها نوبية

اشارة

المحطة الأولى: في استعراض رأي الكاتب في البناء على أن أصلها نوبية ومناقشته.

ادعى الكاتب وجود طائفة من الروايات تؤكد هذا المدعى، بعضها بمثابة الدليل الصريح على المدعى، والبعض الآخر مؤيد لهذا البعض الصريح.

الدليل الصريح:

ما رواه الشيخ الكليني في الكافي عن عَلِيِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ و عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ جَمِيعاً، عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ الْحَسَنَ بْنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: .... قَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقُمْتُ فَمَصَصْتُ رِيقَ أَبِي جَعْفَر علیه السلام، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إمَامِي عِنْدَ الله. فَبَكَى الرّضَا علیه السلام، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَمِّ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَبِي وهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم : بِأَبِي ابن خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، ابْن النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الْفَمِ، الْمُنْتَجَبَةِ الرَّحِمِ، ويْلَهُمْ لَعَنَ اللَّهُ الْأُعَيْبِسَ وذُرِّيَّتَهُ صَاحِبَ الْفِتْنَةِ، وَيَقْتُلُهُمْ سِنِينَ وشُهُوراً وأيَّاماً، يَسُومُهُمْ خَسْفاً، ويَسْقِيهِمْ

كَأساً مُصَبَّرَةً، وهُوَ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ، الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وجَدِّهِ، صَاحِبُ الْغَيْبَةِ، يُقَالُ: مَاتَ أوْ هَلَكَ، أيَّ وادٍ سَلَكَ، أَفَيَكُونُ هٰذَا يَا عَمِّ إِلَّا مِنِّي؟». فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ. (1)

٭ دعوى الكاتب، تتمثل في أمور ثلاثة

الأمر الأول: أن الحديث في هذه الرواية ليس عن الإمام الجواد علیه السلام بل حول الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، بقرينة قوله : (وهُوَ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ، الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وجَدِّهِ، صَاحِبُ الْغَيْبَةِ) فهذا وصف خاتم الأوصياء ولا يمكن حمله على غيره، وأن (خيرة الإماء) تعبير ورد في روايات أخرى في حق أم الإمام المهدي علیها السلام دون غيرها.

الأمر الثاني: إنَّ المولى المازندراني قد أيّد هذا فقال: (ابن خيرة الإماء) أي صاحب الزمان لا محمد بن علي الجواد علیه السلام؛ لأن الضمير في قوله (وهو الطريد) راجع إلى الابن وهو بيان الصاحب قطعاً. وأما كلام المجلسي من أن النسبة هي نسبة مجازية أي بالوساطة فهو خلاف الظاهر، وهو نحو من أنحاء المجاز ويفتقر إلى قرينة لرفع اليد عن الظاهر، وإن قيلَ أنَّ قرينة ذلك الروايات الدالة على أن أم الإمام رومية فإنه قد تمت مناقشتها بحيث لا يمكن اعتمادها.

الأمر الثالث: أن ما ورد في نسخة المفيد حيث قال: (أَخْبَرَنِي أبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أبِيهِ وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ جَمِيعاً عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ الحَسَنَ بْنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: لَقَدْ نَصَرَ الله أبَا الْحَسَنِ


1) الكافي (دار الحديث)، ج 2، ص: 104.

الرِّضَا علیه السلام لَمَّا بَغَى عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ وَعُمُومَتُهُ وَذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلاً حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ فَقُمْتُ وَقَبَضْتُ عَلَى يَدِ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا علیه السلام وَقُلْتُ لَهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامٌ عِنْدَ الله فَبَكَى الرِّضَا علیه السلام ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ أَلَمْ تَسْمَعْ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم بِأبِي ابن خِيَرَةِ الْإِمَاءِ النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ يَكُونُ مِنْ وُلْدِهِ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صَاحِبُ الْغَيْبَةِ، فَيُقَالُ مَاتَ أوْ هَلَكَ أيَّ وَادٍ سَلَكَ فَقُلْتُ صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاك) فهذا النقل وإن كان يبين أن ابن النوبية هو الإمام الجواد علیه السلام وأما الشريد فهو صاحب الغيبة الذي هو من ولد الجواد علیه السلام، لكن لا يصلح لضرب الرواية المتقدمة وذلك لأن الشيخ المفيد قد نصَّ على أنه نقل الرواية عن كتاب الكافي للكليني كما يظهر ذلك من السند، وبمراجعة كل مخطوطات الكافي الواصلة إلينا فإننا لم نجد أي اختلاف بينها، بل كلّها متطابقة على النقل المتقدم للرواية، والذي يظهر أن السبب في اختلاف النقل هو أن الشيخ المفيد قد نقل الرواية بالمعنى لا باللفظ، ويشهد على ذلك قوله: (وذكر حديثاً طويلاً حتى انتهى إلى قول ....) .

التعليق

» التعليق:

أولاً: سأنقل الرواية كاملة غير مقتصر على محل الشاهد، وإليك نصها: (عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أبِيهِ وعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ جَمِيعاً، عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ الْحَسَنَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: وَ الله، لَقَدْ نَصَرَ الله أبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: إِي والله، جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَقَدْ بَغى عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ: إِي والله، ونَحْنُ عُمُومَتُهُ بَغَيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، كَيْفَ صَنَعْتُمْ ، فَإِنِّي لَمْ أحْضُرْكُمْ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ

إخْوَتُهُ ونَحْنُ أَيْضاً: مَا كَانَ فِينَا إِمَامٌ قَطُّ حَائِلَ اللَّوْنِ، فَقَالَ لَهُمُ الرِّضَا علیه السلام: «هُوَ ابْنِي». قَالُوا: فَإِنَّ رَسُولَ الله صلی الله علیه و آله و سلم قَدْ قَضى بِالْقَافَةِ، فَبَيْنَنَا وبَيْنَكَ الْقَافَةُ، قَالَ: «ابْعَثُوا أنْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَأَمَّا أَنَا فَلَا، ولَا تُعْلِمُوهُمْ لِمَا دَعَوْتُمُوهُمْ، ولْتَكُونُوا فِي بُيُوتِكُمْ».

فَلَمَّا جَاؤُوا أَقْعَدُونَا فِي الْبُسْتَانِ، واصْطَفَّ عُمُومَتُهُ وإخْوَتُهُ وأَخَوَاتُهُ، وأَخَذُوا الرِّضَا علیه السلام وأَلْبَسُوهُ جُبَّةَ صُوفٍ وقَلَنْسُوَةً مِنْهَا، ووضَعُوا عَلى عُنُقِهِ مِسْحَاةً، وقَالُوا لَهُ: ادْخُلِ الْبُسْتَانَ كَأَنَّكَ تَعْمَلُ فِيهِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِأبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، فَقَالُوا: ألحِقُوا هذَا الْغُلَامَ بِأبِيهِ، فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُ هَاهُنَا أبٌ، ولكِنَّ هذَا عَمُّ أبِيهِ، وهذَا عَمُّ أبِيهِ، وهذَا عَمُّهُ، وَهذِهِ عَمَّتُهُ، وإِنْ يَكُنْ لَهُ هَاهُنَا أَبٌ، فَهُوَ صَاحِبُ البُسْتَانِ؛ فَإِنَّ قَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ وَاحِدَةٌ، فَلَمَّا رَجَعَ أبُو الْحَسَنِ علیه السلام، قَالُوا: هَذَا أَبُوهُ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقُمْتُ فَمَصَصْتُ رِيقَ أبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامِي عِنْدَ الله، فَبَكَى الرِّضَا علیه السلام، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَمِّ، ألمْ تَسْمَعْ أبي وهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم: بِأَبِي ابن خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، ابْن النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الْفَمِ، الْمُنْتَجَبَةِ الرَّحِمِ، ويْلَهُمْ لَعَنَ اللَّهُ الْأُعَيْبِسَ وذُرِّيَّتَهُ صَاحِبَ الْفِتْنَةِ، وَيَقْتُلُهُمْ سِنِينَ وشُهُوراً وأيَّاماً، يَسُومُهُمْ خَسْفاً، ويَسْقِيهِمْ كَأساً مُصَبَّرَةً، وهُوَ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ، الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وجَدِّهِ، صَاحِبُ الْغَيْبَةِ، يُقَالُ مَاتَ أوْ هَلَكَ، أيَّ وادٍ سَلَكَ، أَفَيَكُونُ هذَا يَا عَمِّ إِلَّا مِنِّي؟». فَقُلْتُ : صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ) (1)

ص: 104 .

.

ثانياً: واضح أن هذه الرواية تتحدث عن تبعات حادثة تتعلق بالإمام الرضا


1) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2،

علیه السلام والإمام الجواد علیه السلام وهي قضية إمامة الإمام الرضا علیه السلام وقد أثارها الواقفة بعد شهادة الإمام الكاظم علیه السلام، وهذه الشبهة استمرت فترة من الزمن وكان من أهم الأمور التي وُجهت لإمامنا الرضا علیه السلام أن من صفات الإمام أن لا يكون عقيماً وأنت لا عقب لك «فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأبِي الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام قَدْ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ وَلَيْسَ لَكَ وَلَدٌ، فَقَالَ: يَا عُقْبَةَ بْنِ جَعْفَرٍ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ لا يَمُوتُ حَتَّى يَرَى وَلَدَهُ مِنْ بَعْدِهِ» (1)، وغيرها الكثير من الروايات في هذا الصدد، ومن جملة الروايات هذه الرواية التي جعلها الكاتب الأساس في تحديد كون أمِّ الإمام نوبية والتي لا يخفى أن سياقها من أولها لآخرها عن إثبات انتساب الإمام الجواد علیه السلام للإمام الرضا علیه السلام و أن أمه نقية طاهرة صلوات الله وسلامه عليها، وأم الإمام الجواد علیه السلام كما هو معروف أنها كانت نوبية، ومن هنا لما قال علي بن جعفر رضي الله عنه كلمته: (فَقُمْتُ فَمَصَصْتُ رِيقَ أبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامِي عِنْدَ الله) حينها جاء العتاب من الإمام الرضا علیه السلام فقال له: (يَا عَمِّ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَبِي وهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم بِأَبِي ابن خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، ابن النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الْفَمِ، الْمُنْتَجَبَةِ الرَّحِمِ....) فإلى هنا لا يُمكن صَرفُ (النوبية) إلى غير السيدة سبيكة أُمِّ الإمام الجواد علیها السلام، إذ المقام يأبى غير هذا.

ثالثاً: أن كلام المولى المازندراني لم يكن في صدد تعيين النوبية بل في صدد تعيين (ابن)، وإليك نص كلامه: قوله (ابن خيرة الاماء) المراد به صاحب الزمان علیه السلام لا محمد بن علي الجواد لأن ضمير هو في قوله «وهو الطريد» راجع إلى الابن وهو


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص: 229.

بيان لحال الصاحب قطعا (1). فالابن بسبب هذه القرينة هو الإمام المهدي علیه السلام، أما (النوبية) فلم يتحدث عنها، ولعله يمكن الاستفادة من تصريحه بهذا (المراد به صاحب الزمان علیه السلام لا محمد بن علي الجواد) أن المعني بالأساس في هذه الرواية هو الإمام الجواد علیه السلام والنوبية هي أمه علیها السلام وهذا ما يستدعيه المقام، لكن وجود القرينة اللفظية التي تبين حال الصاحب تحتم عليه أن يصرف مفردة (ابن) إلى صاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأما النوبية فلا يحتاج إلى أن يتصرف فيها بشيء لأنه يمكن أن يكون ابناً ولو بالواسطة، وبهذا يكون قريباً إلى ما ذهب إليه المجلسي رحمه الله حیث قال: والمراد بابن خيرة الإماء المهدي علیه السلام، والمراد بخيرة الإماء أم الجواد علیه السلام فإنها أمه بواسطة لأن أُمه بلا واسطة كانت بنت قيصر ولم تكن نوبية، فضمير يقتلهم راجع إلى الابن (2). والروايات التي نصت أنها رومية كافية أيضاً للقرينية، ودعوى عدم الاعتماد نوقشت بمقدار فيما يتعلق برواية الرهني وسيأتي كذلك عند التعرض لصحيحة ابن شاذان.

رابعاً: أن المناسب للواقع ومقام النص في هذه الرواية أن يكون المعني بابن خيرة الإماء النوبية هو الإمام الجواد علیه السلام ويؤكد هذا ما أورده الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي رحمهما الله، فقد أوردا نفس الرواية عن الشيخ الكليني رحمه الله باختلاف يسير يدفع أي تكلف في المقام، وهي بهذه الصيغة: (لَقَدْ نَصَرَ الله أبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام لَمَّا بَغَى عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ وَعُمُومَتُهُ وَذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلاً حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: فَقُمْتُ وَقَبَضْتُ عَلَى يَدِ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا علیه السلام وَقُلْتُ لَهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامٌ عِنْدَ


1) شرح الكافي - الأصول والروضة (للمولى صالح المازندراني)، ج 6، ص: 196.

2) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج3، ص: 381.

الله. فَبَكَى الرِّضَا علیه السلام ثُمَّ قَالَ يَا عَمِّ أَلَمْ تَسْمَعْ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم بِأبِي ابن خِيَرَةِ الْإِمَاءِ النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ يَكُونُ مِنْ وُلْدِهِ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صَاحِبُ الْغَيْبَةِ فَيُقَالُ مَاتَ أوْ هَلَكَ أيَّ وَادٍ سَلَكَ فَقُلْتُ صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاك) (1)

وواضح من خلال هذا النص (ابن خيرة الإماء) هو الإمام الجواد علیه السلام و (خيرة الإماء النوبية) هي أمه علیها السلام، ثم ذَكر النبي صلی الله علیه و آله و سلم ماذا يكون من صلبه، فإن من صلبه الصاحب (يكون من وُلده الطريد الشريد...) أي أن هذا إمام وسلسلة الأئمة تمر من خلاله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا مستقيم مع اللسان والسياق بلا تكلف أبداً ، والشيخ المفيد كان قريباً من عصر الشيخ الكليني، بل نص السيد السيستاني دام ظله (على أن هناك قرائن قطعية تدل على أن نسخ الكافي التي وُجدت عند النعماني والصدوق والشيخ كانت أكمل وأصح من النسخ الموجودة بأيدينا، ويوجد في التهذيب روايات عديدة منقولة عن الكليني لا أثر لها في الكافي (2)

ص: 160 وغيرها. ولا يُقال إن السيد دام ظله لم يذكر الشيخ المفيد فلا يجري الكلام عليه هنا؛ لأن الشيخ الطوسي يروي الكافي عن الشيخ المفيد، ولعله لم يذكر المفيد لأنه ليس من أصحاب الكتب الروائية.

) (3)

وقد كُتب كتاب بعنوان (مستدرك الكافي) وفيه ذكرت بعض الروايات التي نقلت عن الكليني ولم تُذكر في الكافي أو ذكرت على شكل قول مرسل ولم يرد سندها، ومن هذا القبيل فيما يتناسب مع ما نحن فيه إنه في (بَابُ مَوْلِدِ الصَّاحِبِ علیه السلام) قد بدأه بقولِه (وُلِدَ علیه السلام لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْن) (4)


1) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج 2، ص: 276، إعلام الورى بأعلام الهدى (ط - القديمة)، ص: 345.

2) لاحظ ج: 6 ص: 3، 45، 115، 390، ج: 7 ص: 228، ج: 8

3) نقله السيد محمد رضا السيستاني -دام عزه- في القبسات، ج 2، ص: 158.

4) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2، ص: 645.

بينما الشيخ الصدوق رحمه الله قد نقل هذا القول عن الكليني مسنداً، فقال : (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامِ رحمه الله قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: وُلِدَ الصَّاحِبُ علیه السلام لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةً خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْن) (1).

خامساً: ذكر الكاتب أن الشيخ المفيد رحمه الله نقلها بالمعنى لا باللفظ، وإذا كان كذلك فهذا أدعى لقبول نقل الشيخ المفيد رحمه الله؛ لأن النقل بالمعنى هو عبارة عن نقل تمام ما أفاده الكلام بعبارة أخرى من دون زيادة ولا نقيصة في شيء من أجزاء الكلام ومدلوله (2)، وأكد بعض الأعلام أن المروي على تقدير كونه منقولاً باللفظ أو بما يرادفه أو ترجمته و لو بلغة أخرى يكون حجة مع وثاقة الناقل؛ لأن احتمال الاشتباه في الترجمة أو الإتيان بغير المرادف مدفوع بسيرة العقلاء الجارية على الاعتناء بأخبار الثقات حتى في مثل هذه الموارد، بخلاف ما إذا كان المنقول مضمون الكلام وحاصله، فإنه لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير، ولذا لو كان المخبر بالمضمون ثقة كمال الثقة لم يكن اعتبار قوله إلا من باب حجية الرأي، وإليك بعض كلمات الأعلام في ذلك:

فقد أفاد السيد الخوئي قدس سره بما نصه: (إنّ ناقل الرواية: تارةً ينقلها بألفاظها الصادرة عن المنقول عنه، واُخرى بترجمتها بلغة اُخرى غير لغة المروي عنه، وثالثة بمعناها كما هو المتعارف بين الرواة خصوصاً في الأحاديث الطوال التي يعسر حفظ ألفاظها عادة، ورابعة بمضمونها كما هو المرسوم بين الفقهاء في مرحلة الإفتاء.

أما غير القسم الأخير فلا شبهة في شمول أدلّة اعتبار الخبر له كما هو واضح.


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 430.

2) غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب، ج 1، ص: 31.

وأمّا القسم الأخير فلا تشمله تلك الأدلّة قطعاً، لانحصارها في الأخبار الحسّية ورأي الفقيه من الاُمور الحدسية، فلا يكون حجّة لغيره ولغير مقلّديه كما حقّق في علم الاُصول) (1).

وأفاد الشيخ التبريزي قدس سره ما نصه: (أن المروى على تقدير كونه منقولاً باللفظ أو بما يرادفه أو ترجمته و لو بلغة أخرى يكون النقل مع ثقة الناقل حجة، لأن احتمال الاشتباه في الترجمة أو الإتيان بغير المرادف مدفوع بسيرة العقلاء الجارية في الاعتناء بأخبار الثقات حتى في مثل هذه الموارد، بخلاف ما إذا كان المنقول مضمون الكلام و حاصله، فإنه لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير، و لذا لو كان المخبر بالمضمون ثقة كمال الثقة لم يكن اعتبار قوله الا من باب حجية الرأي) (2).

والمتأمل في كلام الشيخ المفيد رحمه الله يجده قد نقلها مختصراً، وليس الشيخ المفيد رَجُلاً عادياً، والمنصف لا يجد شيئاً في نقله ليس موجوداً في تلك الرواية إلا هذه الجزئية، بل وهي جُزْئية مُهمة يستقيم بها الفهم؛ ولذا فإنَّ جُملة من الأعلام قد اعتمدوا على "نسخة الإرشاد بدعوى أنها التي يستقيم بها فهم المراد دون حاجة إلى تأويل" (3)، وللمزيد من كلمات الأعلام راجع المصادر المثبتة في الهامش (4).

سادساً: لماذا نجد الكاتب قد غيّب المنهج السندي والتدقيق المتني في هذه


1) موسوعة السيد الخوئي قدس سره، 35، ص: 156.

2) إرشاد الطالب إلى تعليق المكاسب، ج 1، ص: 42.

3) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر علیه السلام، ج 2، ص: 118، بتصرف.

4) راجع كلام السيد القمي قدس سره في عمدة المطالب في التعليق على المكاسب، ج 1، ص: 83، وكلام الشيخ محمد حسن المامقاني في غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب، ج 1، ص: 31.

الرواية؟! فإننا إذا أردنا أن نلزمه بما ألزم به نفسه ونطبق موازينه هنا فإن هذه الرواية محل نقاش بين الفقهاء باعتبار اشتمالها على مسألة فقهية وهي (حكم القيافة)، فحين نأتي مثلاً إلى سيد الأساطين الخوئي قدس سره نجده قد علق على هذه الرواية بالتالي: (يرد على الرواية وجوه:

الأول: أنها ضعيفة السند.

الثاني: أنها مخالفة لضرورة المذهب، فإنها اشتملت على عرض أخوات الإمام وعماته على القافة، وهو حرام لا يصدر من الإمام علیه السلام. وتوهم أن ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهم فاسد، إذ لم تتوقف معرفة بنوة الجواد للرضا علیهما السلام على إحضار النساء.

الثالث: أن الجماعة الذين بغوا على الرضا علیه السلام لينفوا بنوة الجواد علیه السلام عنه لو كانوا معتقدين بإمامة الرضا علیه السلام لما احتاجوا إلى القافة بعد إخباره بالبنوة) (1).

فهنا إذا كان السيد الخوئي قدس سره يرى أن هذه الرواية مخالفة لضروريات المذهب، فَلِمَ غاب كلامه قدس سره عن الكاتب وغاب المنهج السندي والتدقيق المتني؟!

وكذلك السيد محمد صادق الروحاني قدس سره قال: (ولكن يرد على الخبر - مضافاً إلى ضعف سنده لزكريا - إن إخوة الرضا علیه السلام وعمومته إن لم يكونوا قائلين بإمامته علیه السلام فما فائدة الرجوع إلى القافة لإثبات بنوة الجواد علیه السلام وإن كانوا قائلين بإمامته لما احتاجوا إليهم بعد إخباره ببنوته) (2)

إذن إذا كانت هذه الرواية هي العمدة في القول بأن السيدة نرجس علیها السلام نوبية،


1) مصباح الفقاهة من المعاملات، ج 1، ص: 384.

2) منهاج الفقاهة، ج 2، ص: 108.

فهذا القول لا عبرة به، باعتبار أن هذه الرواية لا تدل عليه كما بُيّن، وبالتالي فإنَّ التعرض للروايات الأخرى التي جعلها الكاتب بمثابة المعضدة للدليل الصريح لا حاجة له كما لا يخفى على أهل العلم إلا أنني سأتعرض لها لإكمال النقاش.

الروايات المؤيدة التي ادعاها الكاتب/ الرواية الأولى
اشارة

الروايات المؤيدة التي ادعاها الكاتب:

أورد الكاتب عدّة روايات وقد جعلها بمثابة الروايات المؤيدة لكون السيدة نرجس علیها السلام نوبية، وسأتعرض إلى بعضها:

٭ الرواية الأولى:

ما رواه النعماني في غيبته: (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ ابْنُ عُقْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ قَيْسِ بْنِ رُمَّانَةَ الْأَشْعَرِيُّ وَسَعْدَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَوَانِيُّ قَالُوا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبِ الزَّرَّادُ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ يَزِيدَ الْكُنَاسِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ علیه السلام يَقُولُ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ (1)ابْنُ أَمَةٍ سَوْدَاءَ يُصْلِحُ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَة) (2)

ص: 163 ، 228 .

، فالخبر يُشير إلى أن أم الإمام ستكون أمة سوداء، وهذا الأمر هو بمثابة المعارض الصريح للرواية التي تُشير بأنها روميّة، فلم يُسمع بأن في الروم سوداً، وبالتالي فإنها تعطينا تصوراً عن بلاد السيدة نرجس علیها السلام.

» التعليق:

أولاً: إنَّ أهل البيت علیهم السلام هم أهل الفصاحة والبلاغة، وعليه فأن يرد تعبير (ابن أمة سوداء) في مثل هذا المورد مع قضية (يصلح الله عز وجل له أمره في ليلة واحدة) يدعو للتأمل في بلاغته لا سيما مع النظر إلى أمرين:


1) كذا و في نسخة (سنة من يوسف).

2) الغيبة للنعماني،

الأول: كثرة الروايات التي ورد فيها تشبيه الصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف بنبي الله يوسف علیه السلام وهي تركز على قضية الإصلاح في ليلة واحدة أو الظلم الذي نزل بيوسف أو الغيبة، ومنها ما أورده الشيخ الصدوق رحمه الله بسنده عن أبي عبدالله الحسين علیه السلام أنه قال: (فِي التَّاسِعِ مِنْ وُلْدِي سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ علیه السلام وَهُوَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ يُصْلِحُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.) (1).

وكذلك ما أورده علي ابن بابويه القمي (والد الشيخ الصدوق) رحمه الله بسنده عن أبي بصير قال: (سَمِعْتُ أبَا جَعْفَرٍ علیه السلام يَقُولُ: فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ أَرْبَعَةُ سُنَنٍ مِنْ أرْبَعَةِ أنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله و سلم، فَأَمَّا مِنْ مُوسَى: فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا مِنْ يُوسُفَ: فَالسِّجْنُ (2)، وَ أمَّا مِنْ عِيسَى: فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدِ صلی الله علیه و آله و سلم: فَالسَّيْفُ) (3)

ص: 326 وَ ص: 152) عَنْ أَبِيهِ (الْمُؤَلِّفِ) وَابْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْحِمْيَرِيِّ، مِثْلَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبِحَارِ (ج 51، ص: 216)، وَرَوَاهُ الطُّوسِيُّ فِي الْغَيْبَةِ (ص: 261) عَنْ مُحَمَّدِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ (أَبِيهِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ فِي إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ (ص: 257) بِاخْتِلَافِ كَبِيرٍ.

، وكما نرى فإنها خالية من تعبير (أمة سوداء) الذي لا يتضح ربطه بالصاحب والنبي يوسف علیهما السلام، إذ لم أقف على نقل يُفيد أن أم النبي يوسف علیه السلام كانت أمَة سوداء.
الثاني: أورد الشيخ الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة) رواية شبيهة لها، وقد خلت جملة من النسخ من هذه العبارة - التي هي محل الكلام- وهذا نص عبارته:

1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص: 317.

2) فِي غَيْبَةِ الطُّوسِيِّ: فالغيبة، وفِي بَعْضِ نُسَخِ الْإِكْمَالِ: فالحبس بَدَلَ: السِّجْنِ.

3) الإمامة والتبصرة من الحيرة، النص، ص: 94، ورَوَاهُ الْبِحَارُ (ج 51 ص 217) عَنْ هذا الكتاب، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرِ الْحِمْيَرِيٍّ، وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي الإكمال (ج 1،

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبْدُوس رضي الله عنه قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِ والْكَشِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أبِي أَحْمَدَ الْأَزْدِيِّ عَنْ ضُرَيْسِ الْکُنَاسِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ يُصْلِحُ الله عَزَّ وَجَلَّ أمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ) (1)، وهذه صورة من إحدى المخطوطات:

الصورة

273

وأكد هذا المعنى الشيخ لطف الله الصافي قدس سره معلقاً على هذه الرواية فقال: (هذه الجملة غير موجودة في نسخة كمال الدين المترجمة بالفارسية ونسخة طبع النجف سنة 1389 (2)، هذا مضافاً إلى أنّ شبهه من يوسف الغيبة والسجن، وعلى هذا لا يبعد احتمال الزيادة في الحديث، والله أعلم) (3).

وكذلك أكده السيد محمد صادق الروحاني في استفتاء قُدم له قدس سره، وهذا نصه وجوابه: (هل هنالك نصوص تفيد أنّ الإمام المهدي ابن أمَة، أي أنّه أسمر البشرة، وذلك ليكون فتنة تميّز الصادق عن الزائف؟

جواب:

باسمه جلت أسمائه، هنالك لدينا بعض الروايات التي تصف الإمام علیه السلام بأنّه


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص: 329.

2) ص 320، راجع: ج 1، ص: 445.

3) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر علیه السلام، ج 2، ص: 312.

ابن أمَة، وقد جاء في بعض النسخ وصف أمّه علیها السلام بالسوداء، ولكنّها زيادة لم ترد في النسخ الأُخرى الأكثر اعتماداً، ممّا يوجب وهنها وعدم اعتبارها ...) (1).

الرواية الثانية

٭ الرواية الثانية:

مجموعة من الروايات التي ورد فيها أن الإمام المهدي علیه السلام كان أسمر اللون، ومنها ما نقله الشيخ الطوسي رحمه الله بسنده عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَر علیه السلام قَالَ: (الْمَهْدِيُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ وَهُوَ رَجُلٌ آدَمُ) (2)، وما رواه السيد ابن طاووس بسنده عن الإمام الكاظم علیه السلام: (بِأبِي الْمُنْبَدِحُ [المنفدح] الْبَطِنِ، الْمَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ، أحْمَشُ السَّاقَيْنِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، أَسْمَرُ اللَّوْنِ يَعْتَادُهُ مَعَ سُمْرَتِهِ صُفْرَةٌ مِنْ سَهَرِ اللَّيْلِ، بِأَبِي مَنْ لَيْلَهُ يَرْعَى النُّجُومَ سَاجِداً وَرَاكِعاً، بِأبِي مَنْ لَا يَأْخُذُهُ فِي الله لَوْمَةُ لَائِمٍ، مِصْبَاحُ الدُّجَى، بِأبِي الْقَائِمُ بِأَمْرِ الله) (3)، وغيرها من الروايات التي تصب في هذا المعنى (4).

» التعليق:

أولاً: إنَّ هذه الروايات التي تشير إلى سمرة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف معارضة بروايات أخرى ومنها ما أورده الشيخ الصدوق رحمه الله بسنده (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ


1) استفتاء على موقع سماحة آية الله العظمى السيد صادق الروحاني بعنوان (هل هنالك نصوص تفيد أنّ الإمام المهدي ابن أمَة، أي أنّه أسمر البشرة؟) في قسم الأسئلة العقائدية.

2) الغيبة (للطوسي)/ كتاب الغيبة للحجة، ص: 187.

3) فلاح السائل ونجاح المسائل، ص: 200.

4) قال الكاتب في موضع آخر: (السمرة من المفاهيم المشككة التي تختلف من واحد لآخر، فربما تكون سمرة متاخمة للبياض، وهو ما يُسمى في هذه الأيام باللون الحنطي، أو تكون سمرة قريبة من السواد، وليس بأسمر كالأفارقة، بل هو حنطي اللون كغالب العرب في هذا العصر). [الشهب الأحمدية على مدعي المهدوية ص: 278].

الْبَاقِرِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ علیه السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَخْرُجُ رَجُلٌ من وُلدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَبْيَضُ اللَّوْنِ مُشْرَبٌ بالحُمْرَةِ مُبْدَحُ الْبَطْنِ عَريضُ الْفَخِذَيْنِ عَظِيمٌ مُشَاسُ الْمَنْكِبَيْنِ بِظَهْرِهِ شَامَتَانِ شَامَةٌ عَلَى لَوْنِ جِلْدِهِ وَشَامَةٌ عَلَى شِبْهِ شَامَةِ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله و سلم لَهُ اسْمَانِ اسْمٌ يَخْفَى وَاسْمٌ يَعْلُنُ، فَأَمَّا الَّذِي يَخْفَى فَأَحْمَدُ وَأَمَّا الَّذِي يَعْلُنُ فَمُحَمَّدٌ، إِذَا هَزَّ رَايَتَهُ أَضَاءَ لَهَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا صَارَ قَلْبُهُ أشَدَّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيد...) (1).

ثانياً: كما أشار الكاتب أن هذه الروايات - التي تشير إلى اللون- ليست دليلاً مستقلاً، فإنه سواء ثبت كون الإمام علیه السلام أسمرَ أم أبيضَ فإن ذلك لن يُقرب كون أمه رومية أو نوبية أو غير ذلك، بل حتى في شأن السيدة نرجس علیها السلام أيضاً فالكلام هو الكلام، نعم قد تُعطي احتمالاً أكبر ولكن المسألة لو نظرنا لها من ناحية بايولوجية فإنها خاضعة لقانون الوراثة، وعواملُ الوراثةِ لِأَنْ يكونَ الإمامُ أسمرَ موجودة، فقد سبق أن أم الإمام الجواد علیه السلام نوبية، ولأن يكون أبيضَ موجودة أيضاً.

وهناك مسائل تكررت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من هذا القبيل، فعَنْ أبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، قَالَ: «أتى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَسُولَ الله صلی الله علیه و آله و سلم، فَقَالَ: هذِهِ ابْنَةُ عَمِّي وَامْرَأَتِي، لا أعْلَمُ إِلَّا خَيْراً، وَقَدْ أتَتْنِي بِوَلَدٍ شَدِيدِ السَّوَادِ، مُنْتَشِرِ الْمَنْخِرَيْنِ، جَعْدٍ، قَطَطٍ، أفْطَسِ (2)

ص: 458 (فطس).

الْأنْفِ، لا أعْرِفُ شِبْهَهُ فِي أخْوَالِي، وَلَا فِي أَجْدَادِي. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: مَا

1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 653.

2) الفَطَس: انخفاض قصبة الأنف وانفراشها، والرجل أفطس. النهاية، ج 3،

تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا أَقْعَدْتُ مَقْعَدَهُ مِنِّي مُنْذُ مَلَكَنِي أحَداً غَيْرَهُ» قَالَ: «فَنَكَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم بِرَأسِهِ مَلِيّاً، ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: يَا هذَا، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أحَدٍ إِلَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عِرْقاً (1)، كُلُّهَا تَضْرِبُ فِي النَّسَبِ، فَإذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ، اضْطَرَبَتْ تِلْكَ الْعُرُوقُ تَسْألُ (2)الله الشَّبَهَ لَهَا، فَهذَا مِنْ تِلْكَ الْعُرُوقِ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْهَا أَجْدَادُكَ، وَلَا أجْدَادُ أجْدَادِكَ، خُذْ إِلَيْكَ ابْنَكَ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا رَسُولَ الله» (3)

ص: 296 .

.

أخيراً: إنَّ ما يُلفت النظر هنا هو غياب التدقيق السندي عند الكاتب أيضاً، بعد أن كان يطبقه في الأبواب السابقة، فالباء تجر حيث يريد ولا تجر حيث لا يريد.

الرواية الثالثة

٭ الرواية الثالثة:

رواية يعقوب الضراب والتي تُشعر بوجود خالة للإمام المهدي علیه السلام سمراء اللون، وهو ما نقله الشيخ الطوسي رحمه الله في غيبته بسنده عن يعقوب بن يوسف الضراب - وهي رواية طويلة أنقل منها المهم - قال: (حَجَجْتُ فِي سَنَةِ إِحْدَى


1) في مرآة العقول، ج 20، ص: 415: «العلّ المعنى أنّ الأسباب والدواعي التي أودعها الله في الإنسان ممّا يورث اختلاف الصور من الأمزجة والأغذية والأفعال الحسنة والقبيحة والأسباب الخارجة كثيرة، فعدم المشابهة لا يوجب نفي النسب، فلعلّ تلك الأسباب التي تهيّأت لتصوير هذا الشخص لم تتهيّأ لأحد من آبائه. ويحتمل أن يكون المراد بالعروق أسباب المشابهة بالآباء، فالمراد بالأجداد الذين اتّصل به خبرهم، كما ورد في أخبار أخرى أنّ الله يجمع صورة كلّ أب بينه و بين آدم، فيصوّره مشابهاً لواحد منهم. وعلى الأوّل يكون هذا الخبر محمولاً على الغالب».

2) في الوافي: «فسلّ».

3) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 11،

وثَمَانِين وَمِائَتَيْنِ وَكُنْتُ مَعَ قَوْمٍ مُخَالِفِينَ مِنْ أهْلِ بَلَدِنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ فَاكْتَرَى لَنَا دَاراً فِي زُقَاقٍ بَيْنَ سُوقِ اللَّيْلِ، وَهِيَ دَارُ خَدِيجَةَ علیها السلام تُسَمَّى دَارَ الرِّضَا علیه السلام وَفِيهَا عَجُوزٌ سَمْرَاءُ فَسَأَلْتُهَا لَمَّا وَقَفْتُ عَلَى أَنَّهَا دَارُ الرِّضَا علیه السلام مَا تَكُونِينَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الدَّارِ وَ لِمَ سُمِّيَتْ دَارَ الرِّضَا؟ فَقَالَتْ: أَنَا مِنْ مَوَالِيهِمْ وَهَذِهِ دَارُ الرِّضَا علیه السلام عَلِيِّ بْنِ مُوسَى علیه السلام أسكنيها [ أسْكَنَنِيهَا] (1)الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ علیه السلام فَإِنِّي كُنْتُ مِنْ خَدَمِهِ)

إلى أن قال: (فَقُلْتُ لَهَا مَا تَكُونِينَ أَنْتِ مِنَ الرِّضَا؟ فَقَالَتْ كُنْتُ خَادِمَةً لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ علیه السلام، فَلَمَّا اسْتَيْقَنْتُ ذَلِكَ قُلْتُ لَأَسْأَلَنَّهَا عَنِ الْغَائِب علیه السلام، فَقُلْتُ بِالله عَلَيْكِ رَأيْته بِعَيْنِكِ؟ فَقَالَتْ: يَا أَخِي لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأُخْتِي حُبْلَى وَبَشَّرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ علیه السلام بِأَنِّي سَوْفَ أَرَاهُ فِي آخِرِ عُمُرِي، وَقَالَ لِي تَكُونِينَ لَهُ كَمَا كُنْتِ لِي) (2).

فقولها: (فَقَالَتْ يَا أَخِي لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأُخْتِي حُبْلَى) مشعر بأن هذه الأخت هي أم الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف إذ كيف تكون امرأة أجنبية حبلى في بيت الإمام العسكري علیه السلام؟ وما علاقة حملها بسؤال يعقوب الضراب حول الغائب؟!

» التعليق:

وهذا المؤيد أغرب من سابقيه، وأذكر فيه أموراً:

الأول: إذا أردت أن أطبق نفس مبدأ المستشكل فإنها معارضة لا مؤيدة، إذ أنَّ


1) في البحار وبعض النسخ.

2) الغيبة (للطوسي)/ كتاب الغيبة للحجة، ص: 273.

الضراب قد نص على أن المرأة العجوز التي رآها سمراء وليست سوداء، بينما يلزم أن يكون السواد بالنسبة للكاتب هو السواد الفاقع ليناسب كونها نوبية.

الثاني: أن الأخوّة المذكورة في كلمتها (فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأُخْتِي حُبْلَى) كما يحتمل أن تكون أخوة نسبية حقيقية يمكن أن تكون مجازية، ويظهر من العبائر أن المرأة تستخدم هذه التعبيرات ولذا قالت للرجل (يَا أخِي لَمْ أرَهُ بِعَيْنِي) فهل نقول أنه أخوها أيضاً؟! ثم إن الأخوة تطلق لمجرد الاشتراك، ونقاط الاشتراك بينها وبين الجارية التي تتحدث عنها متعددة ولكن من أبرزها وأميزها أنهما كانتا - على فرض الصحة - في دار أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام.

الثالث: لا ملازمة بين كون الأخت سمراء وأن تكون أختها سمراء أيضاً، وأسباب ذلك كثيرة، كأن تكون هذه المرأة بنتاً لأم ولد مثلاً، وغير ذلك من الأسباب التي تقدم بعضها.

الرابع: أن حمل السيدة نرجس علیها السلام كان مخفياً عن كل أحد، حتى السيدة حكيمة علیها السلام على جلالة وعظم قدرها، لم تعلم به إلا في ليلة ولادته عجل الله تعالی فرجه الشریف كما مر في نصوص كثيرة سابقة، فلو كانت هي أم الإمام فكيف اطلعت هذه المرأة على حملها بينما من كان معها لم يطلع على أمرها؟!

إذن الروايات التي ادعي تأييدها لكون السيدة نرجس علیها السلام سمراء هناك ما هو معارض لها، ومع التنزل فإن عوامل الوراثة مؤثرة كما بُينَت في علم الأحياء، فنخلص إلى هنا إلى أنه لا يمكن الاطمئنان البتة بكون أم الإمام علیه السلام نوبية.

المحطة الثانية:رأي الكاتب في البناء على أنها وُلدت في بيت السيدة حكيمة

اشارة

المحطة الثانية: في استعراض رأي الكاتب في البناء على أنها وُلدت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام ومناقشته.

بعد أن انتهى الكاتب من البناء على كون السيدة نرجس علیها السلام نوبية فإن هنا تساؤلاً يطرح نفسه حول كيفية وصولها إلى بيت العصمة والطهارة، وفي مقام الجواب عن هذا السؤال انتهى الكاتب إلى أن السيدة نرجس علیها السلام كانت أمَة للسيدة حكيمة علیها السلام وقد وُلدت في دارها، وهذا معارض لرواية الرهني التي تنص على كون السيدة نرجس علیها السلام رومية وهي حفيدة قيصر الروم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وهنا سنقوم باستعراض ما بنى عليه الكاتب والتعليق عليها تباعاً. إنَّ الكاتب جعل الحديث حول السيدة نرجس علیها السلام في مرحلتين:

المرحلة الأولى: إثبات كون السيدة نرجس علیها السلام مِلكاً للسيدة حكيمة علیها السلام.
اشارة

وفي هذه المرحلة استعرض مجموعة من الروايات التي ورد فيها التعبير ب- (كانت لي جارية يُقال لها نرجس)، وهي:

الرواية الأولى

٭ الرواية الأولى:

ما أورده الشيخ الصدوق رحمه الله في رواية طويلة بسنده إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الطُّهَوِيِّ قَالَ: قَصَدْتُ حَكِيمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ علیه السلام بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام أَسْأَلُهَا عَنِ الْحُجَّةِ وَمَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحَيْرَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَقَالَتْ لِي اجْلِسْ فَجَلَسْتُ ثُمَّ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِي الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ نَاطِقَةٍ أوْ صَامِتَة.... هَلْ كَانَ لِلْحَسَنِ علیه السلام وَلَدٌ؟ فَتَبَسَّمَتْ ثُمَّ قَالَتْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَسَنِ علیه السلام عَقِبٌ فَمَنِ الْحُجَّةُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ لَا إِمَامَةَ لِأَخَوَيْنِ بَعْدَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ علیه السلام فَقُلْتُ

يَا سَيِّدَتِي حَدِّثِينِي بِوِلَادَةِ مَوْلَايَ وَغَيْبَتِهِ علیه السلام قَالَتْ: نَعَمْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أخِي فَأَقْبَلَ يَحْدِقُ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي لَعَلَّكَ هَوِيتَهَا فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ فَقَالَ لَهَا لَا يَا عَمَّةِ وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْهَا، فَقُلْتُ وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْهَا فَقَالَ علیه السلام سَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَدٌ كَريمٌ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يَمْلَأُ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً (1).

الرواية الثانية/ الرواية الثالثة

٭ الرواية الثانية:

ما أورده الشيخ الطوسي رحمه الله مرسلاً - ولعلها نفس رواية الشيخ الصدوق- فقال: (وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ أَخَوَاتِ أبِي الْحَسَنِ علیه السلام كَانَتْ لَهَا جَارِیَةٌ رَبَّتْهَا تُسَمَّى نَرْجِسَ فَلَمَّا كَبِرَتْ دَخَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ علیه السلام فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ أَرَاكَ يَا سَيّدِي تَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَالَ إِنِّي مَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا إِلَّا مُتَعَجِّباً، أمَا إِنَّ الْمَوْلُودَ الْكَرِيمَ عَلَى اللَّه تَعَالَى يَكُونُ مِنْهَا، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام فِي دَفْعِهَا إِلَيْهِ فَفَعَلَتْ فَأَمَرَهَا بِذَلِك) (2).

ولضعف السند في الروايتين السابقتين أورد روايات أخرى لدفع هذا الضعف.

٭ الرواية الثالثة:

رواية الطبري الصغير بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ، قَالَ: (دَخَلْنَا جَمَاعَةً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ عَلَى حَكِيمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْن عَلِيِّ بْنِ مُوسَى علیهم السلام، فَقَالَتْ: جِئْتُمْ تَسْأَلُونَنِي عَنْ مِيلَادِ وَلِيِّ الله؟ قُلْنَا: بَلَى و الله. قَالَتْ: كَانَ عِنْدِي الْبَارِحَةَ، وأخْبَرَنِي بِذَلِكَ، وَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدِي صَبِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا (نَرْجِسُ) وَكُنْتُ أُرَبِّيهَا مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِي، وَلَا يَلِي تَرْبِيَتَهَا


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 426.

2) الغيبة (للطوسي)/ كتاب الغيبة للحجة، ص: 244.

غَيْرِي ...) (1).

الرواية الرابعة/ التعليق

٭ الرواية الرابعة:

إثبات الوصية قال: وروى جماعة من الشيوخ العلماء؛ منهم علان الكلابي وموسى بن محمد الغازي وأحمد بن جعفر بن محمد بأسانيدهم أن حكيمة بنت أبي جعفر علیه السلام عمّة أبي محمّد علیه السلام كانت تدخل إلى أبي محمّد فتدعو له أن يرزقه الله ولداً وأنها قالت: دخلت عليه يوماً فدعوت له كما كنت أدعو. فقال لي: يا عمّة أما إنّه يولد في هذه الليلة- وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين - المولود الذي كنّا نتوقعه، فاجعلي إفطارك عندنا- وكانت ليلة الجمعة- فقلت له: ممّن يكون هذا المولود يا سيدي؟ فقال: من جاريتك نرجس. قالت: ولم يكن في الجواري أحبّ إليّ منها ولا أخف على قلبي وكنت إذا دخلت الدار تتلقاني وتُقبّل يدي وتنزع خفي بيدها... (2).

فهذه هي عمدة الأخبار التي اعتمدها الكاتب والتي وردت فيها هذه التعابير (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ) ، (كَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ رَبَّتْهَا تُسَمَّى نَرْجِسَ) ، (من جاريتك نرجس) ، فهذه كلها تُبين أن الجارية للسيدة حكيمة علیها السلام.

» التعليق:

أولاً: هنا مقدمة لا بُد من جعلها نصب العين حين قراءة حقبة الإمامين العسكريين علیهما السلام ألا وهي شدّة التقية في تلك الفترة، فإن تلك الفترة كانت صعبة


1) دلائل الإمامة (ط - الحديثة)، ص: 499.

2) إثبات الوصية، ص: 257.

جداً على الإمامين علیهما السلام وأهلهم ، فمثلاً في زمان الإمام الهادي علیه السلام بلغ التضييق على العلويين إلى حدٍّ قاسٍ جداً، فقد بلغ الحال في أيام المتوكل أن «القميص يكون بين جماعة من العلويّات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثمّ ينزعنه ويجلسن على مغازلهنّ عواري حواسر» (1)

ص: 577 .

، ووصل الأمر بأن يأمر الإمام علیه السلام أصحابه بعدم السلام والإشارة عليه في توقيع خرج عنه، فقال فيه: «ألَا لَا يُسَلِّمَنَّ عَلَيَّ أحَدٌ وَلَا يُشِيرُ إِلَىَّ بِيَدِهِ وَلَا يُومِىءُ أحَدُكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَأْمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (2)

ص: 439 .

، و عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَلْخِيِّ قَالَ: أَصْبَحْتُ يَوْماً فَجَلَسْتُ فِي شَارع الْغَنَمِ فَإِذَا بِأبِي مُحَمَّدٍ قَدْ أقْبَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ دَارَ الْعَامَّةِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي تَرَى إِنْ صِحْتُ أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا حُجَّهُ اللَّه عَلَيْكُمْ فَاعْرِفُوهُ يَقْتُلُونِّي، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي أَوْمَأ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ عَلَيَّ فِيهِ أنِ اسْكُت وَرَأَيْتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَقُولُ إِنَّمَا هُوَ الْكِتْمَانُ أوِ الْقَتْلُ فَاتَّقِ الله عَلَى نَفْسِكَ» (3)

ص: 422 .

وكان التواصل مع الإمام علیه السلام لصعوبته يتم عن طريق بعض أصحابه الذين امتهنوا بعض المهن حتى يسهل عليهم طرق باب دار الإمام علیه السلام كعثمان بن سعيد العمري رضي الله عنه المعروف ب- (السفير الأول)، فقد كان يعرف بالسّمان؛ ويقال له السّمان لأنه كان يتجر في السَّمْن تغطية على الأمر، وَكَانَ الشِّيعَةُ إِذَا حَمَلُوا إِلَى أبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ أنْفَذُوا إِلَى أَبِي عَمْرٍو فَيَجْعَلُهُ فِي جِرَابِ السَّمْنِ وَزِقَاقِهِ وَيَحْمِلُهُ إِلَى أبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام تَقِيَّةً وَخَوْفاً (4)، ويظهر أن الأعداء كانوا يطلبون الصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف، حتى ورد عن الإمام العسكري علیه السلام بعد أن وُلد صاحب


1) سفينة البحار، ج8،

2) الخرائج و الجرائح، ج 1،

3) كشف الغمة في معرفة الأئمة (ط - القديمة)، ج 2،

4) الغيبة (للطوسي)/ كتاب الغيبة للحجة، النص، ص: 354.

الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، فقال: (زَعَمَتِ الظَّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَنِي لِيَقْطَعُوا هَذَا النَّسْلَ كَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ الْقَادِر؟!) (1)، ولما قاموا بدس السم إلى الإمام علیه السلام صار العباسيون في اضطراب لأنهم لم يعرفوا الصاحب ولا أمه، وهل ولد أم لا، فبعث المعتمد خَمْسَة مِنْ خَدَمِه وكُلُّهُمْ مِنْ ثِقَاتِهِ وَخَاصَّتِهِ فِيهِمْ نِحْرِير (2)وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ دَارِ الْحَسَنِ وَتَعَرُّفِ خَبَرِهِ وَحَالِهِ، وَبَعَثَ إِلَى نَفَرٍ مِنَ الْمُتَطَبِّبِينَ فَأَمَرَهُمْ بِالاخْتِلَافِ إِلَيْهِ وَتَعَهُّدِهِ صَبَاحَ مَسَاء، وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي تبين مراقبة الإمام علیه السلام والتضييق عليه.

إذن الفترة التي نتحدث عنها هي فترة صعبة جداً، فلا يمكن الحديث عن أحوال الإمام العسكري علیه السلام من زواج وشراء جارية وغير ذلك بهذه السهولة، وكذلك أحوال الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وما يتعلق بأمه وبقية شؤونه فإن الخطر محدق بأهل البيت علیهم السلام وبمن يعلم من شيعتهم ببعض الخصوصيات، فالتقية قد بلغت مبلغاً عظيماً، وكان الأصحاب العلماء الأتقياء يُدركون ذلك كأبي سهل النوبختي الذي كان وجهاً من وجوه وكبار آل نوبخت، ومن المبرزين والعلماء الأفذاذ المتكلمين، وكان بعض الأصحاب لا يشكون في أن السفارة بعد محمد بن عثمان ستؤول إليه، ففوجئوا بأن السفارة صارت إلى الحسين بن روح، فَسُئل أبو سهل عن ذلك، «فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ صَارَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحِ


1) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 50، ص: 314.

2) وهذا من خواص خدم بني العباس، وقد سُلِّمَ أَبُو مُحَمَّدٍ علیه السلام إِلَيه، وَكَانَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ وَيُؤْذِيهِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ اتَّقِ الله فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنْ فِي مَنْزِلِكَ وَذَكَرَتْ لَهُ صَلَاحَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَقَالَتْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ. فَقَالَ: وَالله لَأَرْمِيَنَّهُ بَيْنَ السِّبَاعِ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ فَأُذِنَ لَهُ فَرَمَى بِهِ إِلَيْهَا وَلَم يَشُكُّوا فِي أَكْلِهَا لَهُ فَنَظَرُوا إِلَى الْمَوْضِعِ لِيَعْرِفُوا الْحَالَ فَوَجَدُوهُ علیه السلام قَائِماً يُصَلِّي وَهِيَ حَوْلَهُ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى دَارِه. [الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج 2، ص: 334].

دُونَكَ. فَقَالَ: هُمْ أعْلَمُ وَمَا اخْتَارُوهُ وَلَكِنْ أنَا رَجُلٌ ألقَى الْخُصُومَ وَ أُنَاظِرُهُمْ وَلَوْ عَلِمْتُ بِمَكانِهِ كَمَا عَلِمَ أبُو الْقَاسِمِ وَضَغَطَتْنِي الْحُجَّةُ عَلَى مَكَانِهِ لَعَلِّي كُنْتُ أدُلُّ عَلَى مَكَانِهِ وَأبُو الْقَاسِمِ فَلَوْ كَانَتِ الْحُجَّةُ تَحْتَ ذَيْلِهِ وَقُرِّضَ بِالْمَقَارِيضِ مَا كَشَفَ الذَّيْلَ عَنْهُ أوْ كَمَا قَالَ (1).

ثانياً: أن عبارة (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ) ، (كَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ رَبَّتْهَا تُسَمَّى نَرْجِسَ)، يمكن أن يحتمل فيها عدّة معانٍ ، منها: أن الجارية هي للسيدة حكيمة وملك لها، وهذا ما ذهب إليه الكاتب، ومنها: أن الجارية كانت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام وبقاؤها لفترة في دار السيدة حكيمة علیها السلام كاف لأن تقول ويُقال إن لديها جارية، وهذا الاحتمال يعضده ما أخبرت به السيدة حكيمة علیها السلام بعض العلويين حينما سألوها عن الصاحب فأجابت: (وَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدِي صَبِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا (نَرْجِسُ) وَكُنْتُ أُرَبِّيهَا مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِي، وَلَا يَلِي تَرْبِيَتَهَا غَيْرِي)، فإن هذه العندية أعم من التملك وعدم التملك، ولكن يرجح عدم التملك بمرجحين:

الأول: أنها لما قالت: (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ) تحدثت عن دفعها لأبي محمد العسكري علیه السلام ولكن ما كانت أن تفعل ذلك إلا بالإذن من الإمام الهادي علیه السلام فإذا كانت الجارية جاريتها فلماذا كانت لتحتاج الإذن؟! (قَالَتْ فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وأتَيْتُ مَنْزِلَ أبِي الْحَسَن علیه السلام فَسَلَّمْتُ وجَلَسْتُ فَبَدَأنِي علیه السلام وَقَالَ يَا حَكِيمَةُ ابْعَثِي نَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي عَلَى هَذَا قَصَدْتُكَ عَلَى أنْ أسْتَأذِنَكَ فِي ذَلِك) (2)ثم إن التكملة تُظهر أن الإمام علیه السلام على

1) الغيبة (للطوسي)/ كتاب الغيبة للحجة، ص:391، عنه البحار: 359/51.

2) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص: 427.

اطلاع تام بأمر هذه الجارية.

الثاني: ما ورد في آخر خبر الرهني (يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ علیه السلام لَهَا هَا هِيَهْ، فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً، فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ اَلْقَائِمِ علیهم السلام) فالإمام الهادي علیه السلام أمرها أن تُخرجها إلى منزلها، فتبقى معها فترة من الزمن، فتتكفل بأمورها وشؤونها من جهة، والأنسب للتقية من جهة ثانية، وبقاؤها مدة من الزمن عند السيدة حكيمة علیها السلام كافٍ لأن تُعرف بأنها جارية لدى السيدة حكيمة علیها السلام، ثم جرى الأمر كما في الخبر الثاني.

ثالثاً: أن عبارة (من جاريتك نرجس) لا تدل على أن الجارية كانت ملكاً للسيدة حكيمة علیها السلام إذ الإضافة تصح لأدنى ملابسة، فمما ظهر من عدة موارد أن السيدة حكيمة علیها السلام هي التي تولت شؤونها، منها (وَكُنْتُ أُرَبِّيهَا مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِي، وَلَا يَلِي تَرْبِيَتَهَا غَيْرِي) وفي خبر الرهني (يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ علیه السلام لَهَا هَا هِيَهْ، فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً، فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ اَلْقَائِمِ علیها السلام) وهذا يصحح هذه الإضافة، وكذلك يمكن تصور أن هذه الإضافة من باب تنزيل السيدة حكيمة علیها السلام منزلة المالك اعتزازاً بها وإكراماً لها، وهذا من قبيل كلام العرب للضيف (البيت بيتك) لإظهار مكانة الضيف عند المضيّف وأشباهها، وهذا مستعمل حتى في عرفنا اليوم، وما كان هذا التعبير إلا لخصوصية السيدة حكيمة علیها السلام وإظهار الاعتزاز بها، وأن لها مكانة خاصة وتشريفاً خاصاً، فأي

شرف هو ذلك الشرف بأن تتولى امرأة أمر أم الصاحب علیه السلام، وقد ورد عن الإمام الهادي علیه السلام ما يشير لهذا المعنى حيث قال لها: (يَا مُبَارَكَةُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَبَّ أنْ يُشْرِكَكِ فِي الْأجْرِ وَيَجْعَلَ لَكِ فِي الْخَيْرِ نَصِيباً) (1)

ص: 427 .

، وأي شرف كهذا الشرف؟!
المرحلة الثانية: إثبات أن السيدة نرجس وُلدت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام.
اشارة

تعرض الكاتب إلى نقلين اثنين استفاد منهما أن السيدة نرجس علیها السلام، وُلدت في دار السيدة حكيمة علیها السلام، وهما:

النقل الأول: ما أورده صاحب كتاب دلائل الإمامة (روى لنا الثقات من مشايخنا أن بعض أخوات أبي الحسن علیه السلام علي بن محمد علیه السلام كانت لها جارية ولدت في بيتها وربّتها تسمّى نرجس فلما كبرت وعبلت دخل أبو محمّد علیه السلام فنظر إليها فأعجبته ....) (2).

النقل الثاني: ما أورده حسين بن عبد الوهاب (صاحب كتاب عيون المعجزات)، قال: (قرأت في كتب كثيرة بروايات كثيرة صحيحة، أنه كان لحكيمة بنت أبي جعفر محمد بن علي علیها السلام جارية ولدت في بيتها وربتها، وكانت تسمى نرجس، فلما كبرت دخل أبو محمد فنظر إليها فقالت له عمته حكيمة: أراك يا سيدي تنظر إليها ....) (3).


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2،

2) إثبات الوصية، ص: 257.

3) عيون المعجزات، ص: 138.

التعليق

» التعليق:

أولاً: هذه الأقوال معارضة بروايات عديدة تؤكد أن أم الإمام علیها السلام سبية، وقد تقدم ذكرها ولكن أعيدها هنا:

منها: ما نقله النعماني في الغيبة عن أحمد بن محمد بن سعيد المعروف ب- (ابن عقدة) (1)قال: (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام فَقَالَ لِي مَا وَرَاءَكَ فَقُلْتُ سُرُورٌ مِنْ عَمِّكَ زَيْدِ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ وَهُوَ قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، فَقَالَ كَذَبَ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ إِنْ خَرَجَ قُتِلَ) (2)ويظهر منها أن هناك ارتكازاً في الأذهان حتى عند الزيدية من أن إحدى الصفات في القائم بالأمر هي أنه ابن سبية، وزيد الشهيد كان ابن سبية لذلك يعتقدون بأن زيداً هو القائم، فيما لا نرى أنها تنطبق عليه كما هو واضح.

منها: ما نقله النعماني في الغيبة بسنده إلى ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَازِمٍ


1) ذكر سماحة السيد محمد مهدي الخرسان - طاب ثراه- في ترجمة ابن عقدة ما نصه: (ابن عقدة الزيدي الجارودي - وقد مات على جاروديته- وقد أثنى علماء الرجال عليه في كثرة حفظه للحديث، لكن النفس غير راضية عنه ما دام مات على جاروديته، أو من أتباع أبي الجارود الذي سماه الإمام الباقر ب- (سرحوب) اسم شیطان بالبحر، كما أن النفس غير واثقة بحديثه؛ لأنه بارع في التدليس بما يعجز عنه إبليس، وذلك لمّا دلّس في حديث حديث حبيب بن أبي ثابت، فرواه عن قصيبة المخنّث بأسلوب ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمته. ولي كراسة في حاله تكشف عن أزمة فهم في معرفته لدى مترجميه من الشيعة، وأزمة إيمان عند مترجميه من السُنة. وهو ذو حظ طويل عريض، لكنّه عندي في إيمانه مريض؛ لأنه مات على جاروديته) [نافذة على ربع قرن ج 3، ص: 34، الهامش (3)] ، فرواياته تحتاج إلى فحص وخصوصاً ما كان موافقاً لمعتقده.

2) الغيبة للنعماني، ص: 229.

قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي هَلْ صَاحَبَكَ أحَدٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: أكُنْتُمْ تَتَكَلَّمُون؟ قُلْتُ: نَعَمْ صَحِبَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُغِيرِيَّةِ (1)قَالَ: فَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قُلْتُ: كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ هُوَ الْقَائِمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ اسْمُ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله و سلم وَاسْمَ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي النَّبِيِّ فَقُلْتُ لَهُ فِي الْجَوَابِ إِنْ كُنْتَ تَأْخُذُ بِالْأَسْمَاءِ فَهُوَ ذَا فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ لِي إِنَّ هَذَا ابْنُ أَمَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَليٍّ، وَهَذَا ابْنُ مَهِيرَةٍ (2)يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ علیه السلام: فَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْتُ مَا كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَوَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ يَعْنِي الْقَائِمَ علیه السلام (3).

وأسند أيضاً أنّه قيل للباقر علیه السلام - في قول أمير المؤمنين علیه السلام: بِأبِي ابن خِيَرَةِ الإِمَاءِ أهِيَ هِيَ فَاطِمَةُ علیها السلام فَقَالَ إِن فَاطِمَةَ علیها السلام خِيَرَةُ الْحَرَائِرِ) (4)، وواضح أن الإماء لسن من الحرائر، ومن هنا استفاد النعماني أنها سبية ولهذا أدرجها في هذا الباب تحت عنوان (كونه علیه السلام ابن سبية ابن خيرة الإماء).

وهنالك غير هذه الرواية من الروايات التي تؤكد أن الإمام علیه السلام ابن سبية، بل


1) المغيرية هم أصحاب المغيرة بن سعيد الكذاب الذي كان يكذب على أبي جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام، وكان يدعو إلى محمّد بن عبد الله بن الحسن في أول أمره. [علي أكبر الغفاري، المحقق لكتاب الغيبة]، وما في بعض النسخ من «المعتزلة» من تصحيف النسّاخ. (٭) كذا.

2) المهيرة: الحرة الغالية المهر، وجمعها مهائر. والمراد بمحمّد بن عبد الله بن الحسن محمّد بن عبد الله المحض، راجع لأحواله مقاتل الطالبيين. . [علي أكبر الغفاري، المحقق لكتاب الغيبة].

3) تقدم الكلام حول هذه الرواية سابقاً

4) الغيبة للنعماني، النص، ص: 228.

وهو المعلوم والمرتكز في الأذهان - من بيان أُولي العصمة- في صفات المهديّ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، و على الرغم من ذلك فإن الكاتب لم يتعرض إلى أيِّ من هذه الروايات والتي عقد لها النعماني في كتابه (الغيبة) فصلاً تحت عنوان (كونه علیه السلام ابن سبية ابن خيرة الإماء).

ثانياً: إنَّ تلك الروايات معارضة مع صحيحة الفضل بن شاذان حيث قال: (حدثنا محمّد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي علیه السلام يا ابن رسول الله - جعلني الله فداك- أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ فقال علیه السلام: إن الإمام وحجة الله من بعدي ابني سميّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكنيّه الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه، قال: ممن هو يا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قیصر ملك الروم ألا إنه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر .... إلخ) (1)

ص: 211 ، والرواية في مختصر (إثبات الرجعة) أتم، فهو عبارة عن الأصل.

فهي تنص على أن السيدة نرجس رومية، مما يعني أنها لم تولد في دار السيدة حكيمة علیها السلام.

ثالثاً: يبعد هذا النحو من الاطلاع على ولادة السيدة نرجس علیها السلام في بيت السيدة حكيمة علیها السلام، فإنَّ صاحب كتاب (إثبات الوصية) ينقل أن الثقات حدثوه بهذا الأمر، مما يعني أن الثقات عندهم اطلاع على هذا الأمر، والحال أن الظرف الزماني كان يقتضي التقية، فيبعد اطلاع بعض المشايخ في ذلك الوقت على بعض خصوصيات البيت العلوي في الوقت الذي كان بعض الأصحاب لا يعرفون


1) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص: 196، وكذلك من (مختصر إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان، المنشور في مجلة (تراثنا) ج 15،

الإمام علیه السلام، بل حتى بعض أفراد البيت العلوي كما شهد بذلك خبر مُحَمَّد بْن يَحْيى و غَيْرِهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ: أَنَّهُمْ حَضَرُوا - يَوْمَ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ - بَابَ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام يُعَزُّونَهُ، وقَدْ بُسِطَ لَهُ فِي صَحْنِ دَارِهِ والنَّاسُ جُلُوسٌ حَوْلَهُ - فَقَالُوا: قَدَّرْنَا أَنْ يَكُونَ حَوْلَهُ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ وبَنِي هَاشِمٍ وقُرَيْشٍ مِائَةٌ وخَمْسُونَ رَجُلاً سِوى مَوَالِيهِ وسَائِرِ النَّاسِ - إِذْ نَظَرَ (1)إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ علیه السلام قَدْ جَاءَ مَشْقُوقَ الْجَيْبِ حَتّى قَامَ عَنْ يَمِينِهِ، وَنَحْنُ لا نَعْرِفُهُ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ: هذَا الْحَسَنُ ابْنُهُ - وَقَدَّرْنَا لَهُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ عِشْرِينَ سَنَةً أَو أرْجَحَ - فَيَوْمَئِذٍ عَرَفْنَاهُ، وعَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ، وأَقَامَهُ مَقَامَهُ) (2)، فرغم أنَّ هؤلاء من العلويين إلا أنهم لم يكونوا يعرفون الإمام الحسن العسكري علیه السلام، وأما آخرون فلم يعرفوه إلا بعد شهادة الإمام الهادي علیه السلام كما في الرواية (3)، وولادة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف لم تكن ببعيدة زماناً عن شهادة جده الإمام الهادي علیه السلام.

رابعاً: أن نقل صاحب كتاب (إثبات الوصية) وكذا (عيون المعجزات) هو نقل بالمضمون، وهو لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير كما مر بيان الفرق بينه وبين النقل بالمعنى (4)، وللأسف لم يتعين عمّن نقلا، فلعله - وهو الظاهر - أنه نفس


1) في نسخة (نظروا).

2) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2، ص: 116، وهذه الحادثة تقريباً في سنة (252ه-).

3) ما أورده الكليني بسنده عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام: «صَاحِبُكُمْ بَعْدِيَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيَّ» قَالَ: وَلَمْ نَعْرِفْ أَبَا مُحَمَّدٍ قَبْلَ ذلِكَ، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. [الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2، ص: 113-114].

4) راجع المحطة الأولى من هذا القسم، وكذا يمكنك الرجوع إلى إرشاد الطالب إلى تعليق المكاسب، ج 1، ص 42، وموسوعة السيد الخوئي قدس سره، 35، ص: 156، وعمدة المطالب في التعليق على المكاسب للسيد القمي قدس سره، ج 1، ص: 83.

الخبر الذي أورده الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين بإسناده عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الطُّهَوِيِّ قَالَ: قَصَدْتُ حَكِيمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ علیه السلام بَعْدَ مُضِيِّ أبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام أسْأَلُهَا عَنِ الْحُجَّة .... قَالَتْ نَعَمْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي فَأَقْبَلَ يَحْدِقُ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي لَعَلَّكَ هَوِيتَهَا فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ فَقَالَ لَهَا لَا يَا عَمَّةِ وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْهَا فَقُلْتُ وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْهَا؟ فَقَالَ علیه السلام: سَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَدٌ كَريمٌ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يَمْلَأُ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً فَقُلْتُ فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي فَقَالَ اسْتَأْذِنِي فِي ذَلِكَ أَبِي علیه السلام. قَالَتْ فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَأَتَيْتُ مَنْزِلَ أَبِي الْحَسَن...) (1)

ص: 426 .

، وهذا الخبر قد خلا من عبارة (ولدت في بيتها)، فمع المعارضة لجملة من الروايات والاحتمال الكبير بأن هذا نقل المضمون لنفس خبر الصدوق رحمه الله، فحينها لا يمكن التعويل على هذه المفردة (2).

المحطة الثالثة: في مناقشة الكاتب في رد رواية الفضل بن شاذان.

اشارة

مرت الإشارة في أكثر من مورد لصحيحة الفضل بن شاذان (3)وأنها تعضد


1) كمال الدين وتمام النعمة، ج 2،

2) لا يُقال في حقنا (أنكم رجحتم سابقاً رواية الشيخ المفيد رحمه الله على الرواية المنقولة في الكافي نفسه، وهي صريحة بالنقل عن الكليني)، وذلك لأن نقل الشيخ المفيد أساساً بالعبارة المفقودة أكثر ضبطاً ولا يُحتاج به إلى تكلف التأويل، خلافاً لعبارة (ولدت في بيتها) التي هي عبارة عن نقل بالمضمون، وفي هذا المورد تغير معلومة تاريخية.

3) قال الشيخ النجاشي: (كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني، وقيل [عن] الرضا أيضا علیهما السلام وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلمين. وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن نصفه. وذكر الكنجي أنه صنف مائة وثمانين كتابا. [رجال النجاشي. الجزء: 1. الصفحة: 306]، والطائفة توثقه.

رواية الرهني وتؤكد عليها، وللتوضيح هناك روايتان للفضل بن شاذان لا رواية واحدة، إحداهما تؤكد أن السيدة نرجس علیها السلام رومية، والأخرى تؤكد على اسم من أسمائها والذي لم يرد إلا في رواية الرهني وهو اسم مليكة وهذه لم يتعرض لها الكاتب، أما الأولى فقد تعرّض لها راداً لها، وعليه فلا بُد حينئذ من التعرض لملاحظاته على الرواية ومناقشتها، ويتم ذلك بخطوات ثلاث:

الخطوة الأولى: استعراض روايتي الفضل بن شاذان رضي الله عنه.
الرواية الأولى

٭ الرواية الأولى:

(حدثنا محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام، قال: سمعت أبا محمد علیه السلام يقول: قد وُلد ولي الله وحجته على عباده وخليفتي من بعدي مختوناً ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر، وكان أول من غسله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقربين بماء الكوثر والسلسبيل، ثم غسلته عمتي حكيمة بنت محمد بن علي الرضا علیهم السلام. فسئل محمد بن علي بن حمزة عن أمه علیه السلام، قال أمه مليكة التي يقال لها في بعض الأيام: سوسن، وفي بعضها: ريحانة، وكان صقيل ونرجس أيضا من أسمائها) (1).

والراوي لهذه الرواية من العلويين من نسل أبي الفضل العباس علیه السلام وهو من الثقات، قال عنه النجاشي: (ثقة، عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له رواية عن


1) مختصر إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، المنشور في مجلة (تراثنا) ج 15، ص: 211، ونقل الشيخ الحر العاملي جزءاً منها في إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج5، ص: 197، النجم الثاقب (النسخة المعربة) ج 1، ص: 135، مختصر كفاية المهتدي، ص: 125، كشف الحق (الأربعون)، ص: 33.

أبي الحسن وأبي محمد علیهما السلام، واتصال مكاتبة، وفي داره حصلت أم صاحب الأمر علیه السلام بعد وفاة الحسن علیه السلام) (1)، وهذه الرواية تؤكد على أمر لم يرد إلا في رواية الرهني وهو أن اسمها (مليكة)، وعرفت بنرجس أيضاً، فتكون مُعضِدَة لها .

الرواية الثانية

٭ الرواية الثانية:

(حَدثنا محمّد بن عبد الجبار، قالَ: قُلتُ لسيدي الحسنِ بن علي علیه السلام يا ابنَ رسولِ الله - جَعلني اللهُ فداكَ - أُحِبّ أَن أعلمَ مَن الإمام وحُجة اللهِ عَلى عِباده مِنْ بَعدِك؟ قَالَ علیه السلام: إنّ الإمامَ والحُجّة بَعدي ابني، سميّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و كنيّه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه. قال: ممن هو يا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، ألا إنه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثم يظهر ويقتل الدجال، فيملأ الأرضَ قسطاً وعدلا كما مُلئت جوراً وظلماً، فلا يحلّ لأحد أن يسميه باسمه أو يكنّيه بكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه) (2).

فالرواية صريحة بأن السيدة نرجس علیها السلام هي ابنة ابن قيصر ملك الروم، ولا إشكالية عند الكاتب من هذه الجهة، سوى إشكاله الصدوري كما سيتبين قريباً.

والروايتان قد وردتا عن الفضل بن شاذان في أربعة مصادر (3):


1) رجال النجاشي، ص: 347.

2) مختصر إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، المنشور في مجلة (تراثنا) ج 15، ص: 211، ونقله المحدث الحر العاملي عن (إثبات الرجعة) في إثبات الهداة، ج 5، ص: 196، ونقله المحدث النوري عن (الغيبة) في مستدرك الوسائل 12: 280 / 3 ، وكذا ذكره في النجم الثاقب (النسخة المعربة ) ج 1، ص: 136، مختصر كفاية المهتدي، ص: 112، كشف الحق (الأربعون)، ص:20، 131.

3) قد أثبتنا الجزء والصفحة في حاشية كل رواية.

1.

كفاية المهتدي لمعرفة المهدي (فارسي) (1)، للسيد محمد مير لوحي رحمه الله (ت بعد 1083ه-).

2.

إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للشيخ الحر العاملي رحمه الله (ت 1104ه-).

3.

كشف الحق (فارسي) (2)، للسيد مير محمد صادق آبادي، رحمه الله (ت 1272ه-).

4 . النجم الثاقب (فارسي) (3)، الميرزا حسين النوري الطبرسي رحمه الله (ت 1320ه-).

الخطوة الثانية: بيان الأمور المانعة للكاتب من اعتماد رواية الفضل بن شاذان.
اشارة

ليست للكاتب إشكالية في الرواة الواقعين في سند الرواية، بل إشكاليته في أصل النسخة الواصلة إلينا من كتاب الفضل بن شاذان المعروف ب- (إثبات الرجعة)، وما ذكره يدور مدار عدم الوثوق بصحة هذه النسخة، فهنا أمور ثلاثة:

الأول: كتاب (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان لم يصل إلينا، والذي وصل لنا أحاديث مفرقة في كتب بعض الأصحاب، فهذا الحديث نقله الحر العاملي في إثبات الهداة، والمير لوحي الأصفهاني في كفاية المهتدي، ولا يمكن الوثوق بالنسخة الواصلة إليهما لعدم شهرته قبل القرن الحادي عشر، والشيخ الحر العاملي صرح بأن نسخته كانت وجادة، وأما المير لوحي فلا يُعرف شيء عن

1) قام السيد ياسين الموسوي بترجمة الكتاب للعربية، ولما وجد أن المؤلف - رحمه الله- ينجر قلمه للحديث عن بعض الأكابر كالعلامة المجلسي رحمه الله بما لا يتناسب والبحث العلمي، فارتأى أن يحذف تلك المقاطع على أن يعدل إلى تسميته ب- (مختصر كفاية المهتدي).

2) وكذلك يُعرف بكتاب (الأربعون)، وقد قام السيد ياسين الموسوي بترجمة الكتاب للعربية، وقد طُبع تحت عنوان (كشف الحق أو الأربعون حديثاً).

3) قام السيد ياسين الموسوي بترجمة الكتاب وإخراجه.

نسخته الواصلة سوى ما ذكره من حيازته لنسخة من كتاب (الغيبة)، دون بيان طرق تحصيلها.

الثاني: عدم مطابقة النسخة الواصلة إلينا من (إثبات الرجعة) مع أحاديث الفضل بن شاذان الموجودة في الكتب الأخرى، فإذا كانت هذه النسخة معروفة عند المتقدمين لماذا لا يحدثون في كتبهم عنها؟! على الرغم من أن روايات النسخة متقنة وأسانيدها في غاية الصحة والاعتبار.

الثالث: أننا لا نجد في الكتب الأخرى أي رواية للفضل بن شاذان عن محمد بن عبدالجبار - راوي الخبر الثاني أعلاه- فهذا يجعلك في شك وريبة في صحة النسخة الموجود بين أيدينا.

ولهذه الأمور الثلاثة لم يعتمد هذه الرواية.

التعليق

» التعليق:

أولاً: إذا كانت مُشكلة الكاتب أن كتاب (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان قد وصل بالوجادة، فلماذا نجدْه قد عوّل على كتابين كليهما قد وصلا بالوجادة؟! والحال أنَّ الميزان يجب أن يكون واحداً، فإن كتاب (إثبات الوصية) و (عيون المعجزات) قد وصلا بالوجادة، بل مع زيادة أن كلا الكتابين مختلف في مؤلفه، وإليك قول بعض الأعلام في ذلك:

كلام العلامة المجلسي رحمه الله في (عيون المعجزات): وقد ذكر ذلك في معرض الحديث عن كتب للسيد المرتضى علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي رحمه الله فقال: (وكتاب «عيون المعجزات» يُنسب إليه، ولم يَثبت عندي إلا أنه كِتابٌ لطيف، عندنا منه نسخة قديمة ولعلّه مِن مؤلفات بعض قدماء المحدثين، يروي

عن أبي علي محمد بن هشام وعن محمد بن علي بن إبراهيم) (1)، فهو وجادة ومختلف في مؤلفه.

سماحة الشيخ مسلم الداوري - دامت بركاته- في (إثبات الوصية): (والطريق إلى الكتاب غير معلوم، ولم يتعرض له النجاشي، أو الشيخ، ولم تحرز شهرة الكتاب) (2)، وقد شكك سماحة السيد موسى الزنجاني دام ظله في نسبة كتاب (إثبات الوصية) للمسعودي صاحب (مروج الذهب) (3).

فنحن الآن أمام كتابين اعتمد عليهما الكاتب وكلا الكتابين قد وصلا بالوجادة، وما أورده على (إثبات الرجعة) يَردُ عليهما، فإن أول ظهور لكتاب (إثبات الوصية) منسوباً للمسعودي كان في القرن الحادي عشر الهجري على يد العلامة المجلسي، ولكن الغريب أن العلامة المجلسي لم ينقل في موسوعته الضخمة عن هذا الكتاب إلا في مواضع يسيرة جداً لا تتجاوز عدد أصابع اليد (4)، على الرغم من أن الكتاب مشحون بالأخبار عن أهل البيت علیهم السلام (5).

إذن ما أشكل به الكاتب قد مارسه، فإنه قد اعتمد على كتاب (إثبات الوصية) مع أنَّ الوجادة التي جعلها الكاتب قدحاً في الاعتماد على كتاب (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان قد غضَّ الطرف عنها في كتابين وعوّل على قول تفردا به، فهل


1) بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج 1، ص: 11.

2) أصول علم الرجال، ص: 356.

3) من سير العلماء على لسان السيد موسى الزنجاني، ص: 13-15 .

4) انظر بحار الأنوار، ج 25، ص: 25، ب 1 ح 46، ج 28، ص: 307، ب 4 ح 50، ج 54، ص: 171، ب1 ح 118 .

5) انظر مجلة الخزانة، العدد 7، مقالة بعنوان (كتاب إثبات الوصية للمسعودي أو الشلمغاني ؟) .

يرفع يديه عن الكتابين الآن؟!

ثانياً: أن كون الكتاب واصلاً بالوجادة لا يمنع من الاعتماد عليه، فإن "كثيراً من النسخ الواصلة إلى المتأخرين من تأليفات المتقدمين كأكثر كتب الصدوق والمفيد والمرتضى والشيخ، فضلاً عن كتب من تقدمهم كالجعفريات، ومسائل علي بن جعفر، والمحاسن للبرقي وغيرها لم يصل إلى العلامة المجلسي وصاحب الوسائل و من تأخر عنهم بطريق السماع أو القراءة أو المناولة أو نحوها طبقة بعد طبقة إلى أن ينتهي إلى مؤلف الكتاب، بل وصل في الغالب بطريق الوجادة حيث كان يعثر على نسخة - أو أزيد - من كتاب فيتم الاعتماد عليها والنقل عنها وتداولها واستنساخها، وربما تصبح هي النسخة الأم لعشرات النسخ اللاحقة، ويخرج الكتاب عن كونه نادر الوجود إلى كتاب شائع النسخ متداوله (1).

وبالجملة: إن مجرد كون نسخة الكتاب قد وصلت إلى المتأخرين بطريق الوجادة، وكونها مصدّرة باسم شخص أو أشخاص غير موثقين لا يكون مانعاً من الاعتماد عليها، نعم لا بد من توفر قرائن و شواهد كافية تورث الوثوق بصحتها (2).

ثالثاً: لقد كفانا التعليق على هذه الملاحظات سماحة السيد محمد رضا السيستاني- دامت بركاته - فقال معلقاً على النسخة المتداولة من كتاب (الفضل بن شاذان)


1) ومما يشير إلى قلة نسخ غالب كتب المتقدمين قبل عصر العلامة المجلسي ما ذكره المحقق الأردبيلي قدس سره ضمن كلام له في مجمع الفائدة (ج: 5، ص: 9) قائلاً: إنه الآن مثلاً ما بقي من قريب من مائتي كتاب للشيخ المفيد.. إلا المقنعة في بعض البلاد، ومن ثلاثمائة تقريباً من كتب الصدوق .. إلا من لا يحضره الفقيه وثواب الأعمال في بعض البلاد وما ذكره في كتابه الأمالي والمجالس وكتاب الاعتقادات وهي موجودة أيضاً، انتهى.

2) قبسات من علم الرجال، ج 2، ص: 115، بتصرف.

بشكل عام، وعلى رواية (محمد بن عبد الجبار) بشكل خاص، ما هذا نصه:

(كتاب إثبات الرجعة من مؤلفات (الفضل بن شاذان) أحد أجلة أصحابنا الفقهاء والمتكلمين، كما نصّ على ذلك النجاشي والشيخ (قدس سرهما) (1).

وهذا الكتاب لم تصل نسخته إلى المحدث النوري رحمه الله، ولكن الملاحظ أنه أورد عمّا سمّاه بكتاب (الغيبة) للفضل بن شاذان عدّة روايات، منها ما رواه (2)بسنده عن محمد بن عبد الجبار أنه قال: قلت لسيدي الحسن بن علي علیهما السلام: يا ابن رسول الله - جعلت فداك - أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال: «إن الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و كنيّه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه..».

وهذه الرواية قد أخرج صدرها الحر العاملي رحمه الله (3)عن الفضل بن شاذان في كتاب إثبات الرجعة.

ومصدر المحدّث النوري رحمه الله هو كتاب (كفاية المهتدي) للسيد محمد مير لوحي السبزواري الذي كان من علماء أصفهان المعاصرين للعلامة المجلسي، وكان عنده العديد من الكتب المخطوطة، ومنها كتاب (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان وكتاب الجامع للبزنطي، ولكنه لم يسمح للعلامة المجلسي رحمه الله بالاطلاع عليها والنقل عنها في موسوعة البحار، وقد تلفت تلك المخطوطات - مع الأسف - ولم


1) رجال النجاشي ص: 307، فهرست كتب الشيعة وأصولهم ص: 361.

2) مستدرك وسائل الشيعة ج: 12 ص: 280-281.

3) إثبات الهداة ج: 5 ص: 196.

تصل إلى أيدي المتأخرين.

ولكن الملاحظ أنه أدرج في كتابه (كفاية المهتدي) -الذي هو بالفارسية -عدداً من روايات الفضل بن شاذان في (إثبات الرجعة)، وهذا الكتاب ترجم إلى العربية بعنوان (مختصر كفاية المهتدي) وهو يتضمن الرواية المذكورة، ولكن ورد في النسخة المطبوعة منه (محمد بن زيد الجبار) (1)، وهو تصحيف، والصحيح (محمد بن عبد الجبار) كما أورده المحدث النوري رحمه الله.

ومهما يكن، فإن ما سماه المحدّث النوري بكتاب (الغيبة) لابن شاذان هو كتاب (إثبات الرجعة) الذي حكى عنه السيد محمد مير لوحي السبزواري، ولم تكن نسخة هذا الكتاب عند المحدث النوري رحمه الله- كما تقدم - وإنما حكى عنه بواسطة كتاب (كفاية المهتدي) كما صرح بذلك في كتابه (النجم الثاقب) (2)

ص: 120 (النسخة المعربة).

.

وأما الحر العاملي فمصدره فيما حكاه عن (إثبات الرجعة) هو ما وصل إليه من مختصر هذا الكتاب، وتوجد نسخة منه في مكتبة السيد الحكيم قدس سره في النجف الأشرف، ولكن يظهر بمراجعتها أن ما ورد فيها ليس سوى ما ذكر في كتاب (كفاية المهتدي) عن الفضل بن شاذان في (إثبات الرجعة) فهو منتزع من الكتاب المذكور، ولم يطلع صاحبه على أصل كتاب ابن شاذان ليقوم باختصاره.

وقد تحصل مما تقدّم: أن مصدر الرواية المتقدّمة هو النسخة التي وصلت إلى السيد مير لوحي السبزواري مما سمّاه ب- (إثبات الرجعة) لابن شاذان، ولا تتوفر


1) مختصر كفاية المهتدي ص: 107.

2) النجم الثاقب (المقدمة) ج: 1

معلومات عن تلك النسخة تؤكد أنها بالفعل نسخة صحيحة من كتاب الفضل. ولكن الملاحظ أن أسانيد الروايات التي أوردها عنه في (كفاية المهتدي) تناسب أن تكون من مروياته، حيث إنها تبدأ بأسماء مشايخه، نعم تمّ الابتداء في بعضها بمن هو في طبقته - وهي الطبقة السابعة - وإن كان أقدم منه بعض الشيء كمحمد بن عبد الجبار المذكور - وهو محمد بن أبي الصهبان القمي، الثقة الجليل - ولكن هذا لا يضر، فإن نقل راوٍ عن آخر وهما من طبقة واحدة مما يقع أحياناً، ولا سيما بالنسبة إلى بعض القضايا التي تحظى بأهمية خاصة، كما في مورد الرواية المذكورة.

وفي ضوء ذلك وملاحظة سائر الشواهد والقرائن ربما يحصل الاطمئنان بكون ما وصل إلى السيد مير لوحي السبزواري كان بالفعل نسخة من كتاب (إثبات الرجعة) لابن شاذان، فتكون الرواية المذكورة معتبرة ويمكن الاعتماد عليها) (1)، انتهى كلامه دامت برکاته.

إذن يُمكن الاطمئنان بالنسخة الواصلة إلى السيد مير لوحي السبزواري، وبهذا تكون رواية الفضل بن شاذان عن محمد بن عبد الجبار معتبرة ويمكن الاعتماد عليها (2)، وهذه الرواية تؤكد أن السيدة نرجس علیها السلام ابنة ابن قيصر ملك الروم، وبهذا تؤكد وتعضد شيئاً مما ورد في رواية الرهني، والرواية الأخرى أيضاً حالها كحال هذه الرواية، فهي مما وصل للسيد مير لوحي السبزواري، وهي تذكر اسم (مليكة)، فتعضد رواية الرهني من هذه الجهة أيضاً.


1) قبسات من علم الرجال، ج 3، ص: 283.

2) النقطة الثالثة التي أثارها الكاتب وهي عدم وجود روايات أخرى للفضل بن شاذان عن محمد بن عبد الجبار قد ورد في كلام السيد محمد رضا السيستاني - دامت بركاته - المذكور أعلاه ما يكفي لدفعها، ومع هذا سيأتي ما يدفعها في قسم (الاستفهامات).

المحطة الرابعة: مناقشة القرائن الأخرى التي جعلها الكاتب مرجحة.

اشارة

من الأمور التي جعلها الكاتب مرجّحات لما ذكره من قول هو مناسبته لحال أم الإمام علیها السلام، إذ إنها تعطي- بحسب رأيه - صورة تليق بشأنها:

أنها ولدت على الإسلام.

تربت في بيت الوحي.

أدبتها حكيمة بنت الجواد.

لم يمسها رجل ولم تنكشف على أحد قبل.

بخلاف رواية الرهني، حيث يقول الكاتب أن قبولها يعني الوقوع أمام عدّة عقبات لا تناسب شأن الإمامة:

أنها ولدت على الشرك.

تربت في بلاط الطاغية.

تملكها نخاس.

حديثة عهد بالإسلام.

وهذه الأمور يراها الكاتب أنها لا تتناسب مع أم خاتم الأوصياء علیه السلام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.

التعليق

» التعليق:

ولي أن أعلق على هذه المحطة بثلاثة أشياء:

الأول: لا بُد من التفريق بين ثبوت كون أم الإمام علیها السلام رومية وبين رواية

الرهني وثبوتها، فهنا مغالطة يجب أن لا تُمرر، فقد ذكرنا أننا لو تنزلنا وقلنا بأن الرواية فيها كذب فإن هذا لا يعني أن الرواية بتمامها كاذبة في كل الجزئيات، وكون أم الإمام علیها السلام (رومية) ليس متوقفاً فقط على رواية الرهني، فنحن عندنا رواية الرهني وعندنا رواية الفضل بن شاذان أيضاً، ولذا قلنا إن إحدى روايتي ابن شاذان تدل على المطلوب وهي لها قيمتها واعتبارها، ومن جهةٍ أخرى فإن كلتيهما تُعضِدان رواية الرهني في بعض الجزئيات.

الثاني: أن وجود بعض العقبات بدواً لا يعني أن الرواية لا قيمة لها، وما جُعل عقبات لا يمكن قبوله خصوصاً مع النظر إلى لوازمه؛ فإن ما جعله عقبات يرد أيضاً على بقية أمهات الأئمة علیهم السلام، فبعضهن جواري وقد اشترين من سوق النخاسة، فلا أدري أنجعل هذا مطعناً في أمهات الأئمة علیهم السلام؟!! فماذا يَقول عن أم الإمام زين العابدين علیه السلام، والإمام الكاظم علیه السلام، والإمام الرضا علیه السلام والإمام الجواد علیه السلام وهكذا بقية الأئمة من بعده؟! فما يجيب به هناك يُجابُ به هنا، فنحن نَرى أن أمهات الأئمة وإن كانت الظروف لوصولهن لبيت الرسالة صعبة إلا أن كلمات أهل البيت علیهم السلام تؤكد أن أم المعصوم تعيش تحت الحراسة والرعاية الإلهية من البدء، بحيث يوكل الله تعالى أملاكاً تحرسها وتدرأ عنها شوائب الأقذار، فقد ورد عن إمامنا الصادق علیه السلام أنه قال: (حَمِيدَةُ مُصَفَّاةٌ مِنَ الْأَدْنَاسِ كَسَبِيكَةِ الذَّهَبِ، مَا زَالَتِ الْأَمْلَاكُ تَحْرُسُهَا حَتّى أُدِّيَتْ إِلَيَّ؛ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ لِي وَالْحُجَّةِ مِنْ بَعْدِي) (1)

ص: 542 .

، فهذا شأن أمهات الأئمة، والسبي ما هو إلا طريق لوصولها إلى بيت الرسالة والله يُوكل بها من يحفظها.

1) الكافي (ط - دار الحديث)، ج 2،

ونظيره حفظ نساء الحسين علیه السلام وأهل بيته من توابع السبي والتعرض إليهن، فإنه كما ورد في وداع سيد الشهداء الحسين علیه السلام الأخير، أنه قال: (استعدوا للبلاء واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الأعداء ويجعلُ عاقبة أمركم إلى خير..) (1)، فإن بلاء السبي أمر واقع (شاء الله أن يراهن سبايا)، والسباة الأجلاف كانوا لا يتورعون عن شيء فإن جلهم قد شارك في واقعة الحرة، وبحسب ما ذكره بعض المؤرخين أن 1000 امرأة بكر حملت بالزنا (2)- والعياذ بالله - سوى الثيبات، وسوى من لم يحملن من الأبكار، فكم المجموع الواقعي؟!

أما نساء الحسين علیه السلام فكان حالهنّ كما أخبر الحسين علیه السلام: (واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الأعداء ويجعلُ عاقبة أمركم إلى خير)، وكذلك الحال أيضاً بالنسبة لأمهات الأئمة علیهم السلام.


1) مقتل الحسين علیه السلام للسيد المقرم، ص: 290.

2) ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء: (وافتضَّ فيها ألف عذْراء) [تاريخ الخلفاء للسيوطي/ 209]، وذكر سبط بن الجوزي عن المدائني في كتاب (الحرة عن الزهري) ما نصه: وذكر المدايني عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج وغير المدايني يقول عشرة آلاف امرأة. [تذكرة الخواص لسبط بن الجوي/ 259 - 260 ولعل وجه الجمع بين الخبرين أنَّ العشرة آلاف هم المجموع من العذارى وغيرهن، ونقل هذا الخبر ابن كثير في البداية والنهاية ج 242/8، نقل ابن كثير في البداية والنهاية أن مسلم بن عقبة «دعا الناس للبيعة عن أنهم خول ليزيد ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء» ج 243/8، وفي الأخبار الطوال بايع على أنكم فيء الأمير المؤمنين، 265 ونقل الذهبي في تاريخ الإسلام ما يقرب من نص البداية والنهاية في أحداث 64 ه- / 29 ، تهذيب التهذيب ج 2/ 316 ، راجع أخبار مكّة لأبي الوليد الأزرقي ج 202/1 .]، وذكر الشيخ عباس القمي رحمه الله ما نصه: (روي أنهم ارتكبوا الزنى في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم!! ويروي المدائني أن ألف امرأة ممن لا أزواج لهن وضعن بعد وقعة الحرة أبناء زنى فأسمينهم (أولاد الحرّة)، وعلى قول آخر: عشرة آلاف امرأة، وفي (أخبار الدول) للقرماني أن ألف بنت باكر قد جرى اغتصابهن!!...) [منتهى الآمال، ج3، ص: 68].

الثالث: أن ما ذكره من ميّزات في القول الذي رجحه من قبيل:

إنها تربت في بيت الوحي بحيث أدبتها حكيمة علیها السلام: لا تخالفه رواية الرهني بل تؤكد عليه، وبضم الرواية الأخرى التي ذكرها الصدوق رحمه الله ازداد تأكيد المعنى، فإن في رواية الرهني أنَّ الإمام الهادي علیه السلام أوكل أمر السيدة نرجس علیها السلام إلى السيدة حكيمة علیها السلام «فَقَالَ لَهَا مَوْلانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ أخْرِجِيهَا إِلَى مَنْزِلِكِ وَ عَلِّمِيهَا الْفَرَائِضَ وَ السُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ الْقَائِمِ علیه السلام» حتى عُرفت بأنها جارية السيدة حكيمة علیها السلام، وأما ما ذكره من قبيل تربيها في بيت طاغية فإن ذلك لا يضرها، ولك في امرأة فرعون خير مثال على ذلك حتى صارت من النساء الكاملات، وجعلها الله مثلاً للذين آمنوا (1).

وأما أنها لم يمسها رجل ولم تنكشف على أحد: فإنَّ رواية الرهني ليس فيها دلالة على أنها كانت تنكشف على أحد، بل الرواية تؤكد على عفافها، فمن جهة اللباس كانت تلبس ثوباً هكذا وصفه: (لابِسَةً حَرِيرَتَيْنِ صَفِيقَتَيْنِ تَمْتَنِعُ مِنَ اَلسُّفُورِ وَلَمْسِ اَلْمُعْتَرِضِ)، والثوب الصفيق هو خلاف الرقيق، أي الغليظ، وقد ورد في خبر أمير المؤمنين علیه السلام المعروف ب- (حديث الأربعمئة)، قال: (عَلَيْكُمْ بِالصَّفِيقِ مِنَ الثِّيَابِ فَإِنَّ مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُه) (2)، وعلى هذا تسالمت كلمات الفقهاء (3)، بل


1) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [التحريم: 11].

2) وسائل الشيعة ج 4، ص: 389.

3) السيد الخوئي قدس سره قال: و الصفيق: الغليظ، قبال الصقيل أي الخفيف [موسوعة السيد الخوئي، ج 12، ص: 92]، الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر) قال: بل مقتضاه ثبوت البأس في غير الكثيف و الصفيق و إن لم يسم رقيقاً. [جواهر الكلام، ج8، ص: 236]، وغيرها من كلمات الأعلام.

يفهم من كلام بعضهم أن الصفيق لغلظته يحجب الروائح (1)، ولذا كان النخاس- لأنها كانت تتعفف - يَضْرِبُهَا فَتَصْرَخُ صَرْخَةً رُومِيَّةً فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ وَا هَتْكَ سِتْرَاهْ فَيَقُولُ بَعْضُ المُبْتَاعِينَ عَلَيَّ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ زَادَنِي الْعَفَافُ فِيهَا رَغْبَة".

إذن هذه الإشكالية التي ذكرها الكاتب من أن ما تبناه من قول لا يشتمل على عقبات بينما الأخرى تشتمل على عقبات فعليها يُرجح الأولى على الثانية غيرُ كافٍ، و نحن قد ذكرنا أن أصل نسبتها إلى الروم ليس متوقفاً على خبر الرهني، فإن كانت بعض الجزئيات لا تُقبل لا يعني عدم كونها رومية، وقضية الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف في الأساس مليئة بالعقبات من أولها لآخرها، ولا شك أن التعتيم الذي طال ولادة الإمام علیه السلام لم يكن منحصراً بولادته فقط بل انجر إلى أمه علیها السلام.


1) مدارك الأحكام ج 7، ص: 325، قال رحمه الله: (و لو فرش فوقه ثوب صفيق يمنع الرائحة و المباشرة جاز).

القسم السادس: استفهامات

اشارة

هناك بعض الاستفهامات - أو الإشكالات- التي قد تخطر في بعض الأذهان فيما يرتبط ببعض جهات البحث، وقد وجدنا من الأفضل التطرق إلى بعضها:

الاستفهام الأول:

لماذا الدفاع عن كون السيدة نرجس علیها السلام رومية؟ ألا يكون لها فضل إلا إذا انتسبت إلى السلاطين أو إلى نسب شريف، فتكون منتسبة من جهة إلى قيصر الروم، ومن جهة أخرى إلى المسيح علیه السلام فتكون بالتالي من عائلتين كريمتين؟

» الجواب:

إن كون السيدة نرجس علیها السلام الرومية أو غير ذلك ليس هو الذي يرفع المرء ويضعه بل ولن يمس جلالة مقامها وقدرها، والدين الإسلامي لا يرفع إنساناً أو يضعه لنسبه، فإن ميزان التفاضل بين الناس قائمٌ على التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ) (1)، وانتخابها لأن تكون أمّا لإمام الزمان كاشفٌ بالإن عن أنها لعلى قدرٍ عظیم، فَليست المسألة مسألة نسب.

وإنما المسألة مسألة بحث علمي، فإن أي بحثٍ يُريد أن يغير تاريخاً معيناً إذا كان غير مبنيٍ على مقدمات صحيحة ومنهجية واضحة فإنه يُناقش ويعلق عليه،


1) [الحجرات : 31]

وهذا - كما هو واضح- لا علاقة له بمسألة النسب الكريم وغيره، وتتأكد ضرورة البحث والرد لما أشرنا إليه في بدء البحث من أن مسألة السيدة نرجس علیها السلام في بعض جوانبها وإن كانت تاريخية، ويظهر منها الارتباط بالنسب، إلا أنَّ لها مساساً بمسألة عقائدية، وهي ما يرتبط بإمام الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومن أفضل سُبل بَذرِ التشكيك في قلوب المؤمنين هو التاريخ، فلا يُمكن أن يُترك الأمر الذي اشتهر عند الطائفة لقرون فقط لأجل بحثٍ صُبغ بأنه جاء بنتائج جديدة.

الاستفهام الثاني:

إذا كانت رواية الرهني معتبرة عند المتقدمين، فلماذا لم ينقلها المعاصرون لمحمد بن بحر الشيباني، كالشيخ الكليني والمسعودي والنعماني وغيرهم من الأصحاب؟ وكذلك الكلام بالنسبة لرواية الفضل بن شاذان؟

» الجواب:

إنَّ هذا الاستفهام مبتنٍ على مغالطة، وهي أن هؤلاء الأعلام رَحِمَهُم اللهُ قد رووا كل الروايات التي وقعت بين أيديهم، وهو غير صحيح كما سيأتي، ويمكن دفعه بالالتفات إلى أمرين:

الأول: إنَّ عدم نقل أمثال الشيخ الكليني والمسعودي والنعماني وأضرابهم من الأصحاب لا يمكن أن يُتخذ كدليل على ضعف السند أو عدم الاعتبار لهذه الرواية، نعم - على بعض المباني - لو أن أحدهم وصلته الرواية ومع ذلك أعرض عنها فإن ذلك قد يكون خادشاً في اعتبارها، وفي مثل موردنا لا يُمكن أن تُدعى مثل هذه الدعوى في جملة من الأعلام المعاصرين للرهني أو القريبين من عصره، إذ أنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد نقل الرواية بل وأفردها في الباب المختص بالحديث عن السيدة نرجس علیها السلام، وكذا الشيخ الطوسي رحمه الله، وغيرهما من الأعلام، وهكذا هو الكلام في رواية الفضل بن شاذان.

الثاني: إنَّ محمد بن بحر الرهني عاش في خراسان، وكانت أكثر كتبه فيها، وسكن أيضاً في كرمان، وعلى الرغم من معاصرته للكليني والمسعودي إلا أن الظاهر أنهما لم يلتقيا بالرهني، فالكليني مثلاً على الرغم من مجيئه للري ومكوثه في قم لفترة من

الزمن ثم مجيئه لبغداد إلا أننا لا نَجد للشيباني ذكراً في الكافي مثلاً، أما المسعودي فقَدْ نَشأ في بغداد وأقام بِها، وكان رحالةً في طلب العلم والاستكشاف، فجاب البلدان شرقها وغربها، فمن العراق إلى فارس إلى بلاد السند ومن ثم الهند، إلى عمان واليمن ثم إلى حلب ودمشق وغير ذلك الكثير من المناطق، حتى انتهى الأمر به إلى أن توفي في مصر سنة (345ه-) أو (346ه-)، فهو رجل كثير الترحال، وقد عاش مدة من عمره بين المخالفين حتى ظُنَّ أنه منهم، بل ذهب بعض المحققين إلى أن المسعودي كان عامياً متشيعاً، وبعض آخر من المحققين إلى أن هناك شخصيتين بهذا الاسم (1).

أما النعماني فقد كفانا الجواب في مقدمة كتابه (الغيبة)، حيث قال: (وقد جمعت في هذا الكتاب ما وفق الله جمعه من الأحاديث التي رواها الشيوخ عن أمير المؤمنين والأئمة الصادقين علیهم السلام في الغيبة وغيرها مما سبيله أن ينضاف إلى ما روي فيها بحسب ما حضر في الوقت إذ لم يحضرني جميع ما رويته في ذلك لبعده عني وأن حفظي لم يشمل عليه والذي رواه الناس من ذلك أكثر وأعظم مما رويته ويصغر ويقل عنه ما عندي) (2)، وكلامه صريح في أن هناك روايات كثيرة عنده لم يتعرض لها.

وأما الفضل بن شاذان فقد توفي سنة 260ه- ، وذُكر أنه صنف 180 مصنفاً، فليس بالضرورة أن يقف هؤلاء الأجلاء على هذه الرواية، بل ليس بين أيدينا ما


1) انظر مجلة الخزانة، العدد 7، مقالة بعنوان (كتاب إثبات الوصية للمسعودي أو الشلمغاني؟) ص 77.

2) الغيبة للنعماني، النص، ص: 29.

يقول بأن الأجلاء كالشيخ الكليني وغيره قد أخذوا ميثاقاً بإيراد كل ما يجدوه في الجوامع الأولية في جواميعهم التي بأيدينا؟!

وقد أكد السيد البروجردي قدس سره خريت هذه الصناعة مراراً وتكراراً على أن الأصحاب لم يستقصوا تمام الأخبار المأثورة عن الأئمة علیهم السلام، بل بعض الأخبار كان موجوداً في الجوامع الأولية، ولم يكن منقولاً في الجوامع الأربعة الثانوية، وذكر عدّة بيانات تؤكد هذا المعنى:

منها قوله: (فإن قلت: لو كان في المسألة نص فلم لم يودعوها في جوامعهم؟

قلت: قد أشرنا مراراً إلى أن بناء مثل الكليني والشيخ والصدوق قدس سرهم لم يكن على إيداع جميع ما وجدوه في الجوامع الأولية في جوامعهم التي بأيدينا، ولعل المتتبع في فقه الشيعة الإمامية يعثر على أكثر من خمسمائة مسألة أفتى فيها المشايخ طراً بفتوى يستكشف بسببها وجود النص فيها مع عدم كونه مذكورا في جوامعهم التي ألفوها لضبط الأحاديث.

ويشهد لذلك وجود أخبار كثيرة في جامع مع عدم ذكرها في جامع آخر. ولعل الوجه في ذلك أن بناءهم لم يكن على نقل جميع ما يجدونه في الجوامع الأولية، بل على نقل خصوص ما كان لهم طريق مسلسل إلى رواتها.

وبالجملة لا ينبغي لأحد أن يرتاب في أن الجوامع الأولية التي ألفها الطبقة السادسة من أصحابنا كانت مشتملة على أخبار كثيرة لم يودعها المشايخ الثلاثة في الجوامع الأربعة التي بأيدينا. ولا يخفى أن المحقق والعلامة قدس سرهما أيضا قد عثرا على هذه النكتة، ولذلك تراهما في نظائر هذه المسألة يعتمدان على فتوى

الأقدمين ويستكشفان بذلك وجود النص) (1)

ومنها قوله: (وربّما يتعجب من ذلك من لا يقف على الحال، و لكن ليس هناك موضع للتعجب بعد ما قلنا مكرراً: من أن الجوامع الأربعة الموجودة بأيدينا لم يستقصوا تمام الروايات الواردة عن المعصومين علیهم السلام، و الحال أن صاحب الجوامع الأولية في عصر الرضا علیه السلام المعروفة بالأصول الأربع مائة رواها، وأقوى شاهد على عدم استقصائهم هو أن من راجع هذه الأصول الأربعة يرى خلوّ الفقيه والكافي من روايات كثيرة جمعها في التهذيب، وكذا وصل كتاب نوادر محمد بن عیسی بید المحقق الحلّي، والحال أنّه لم يكن عند المشايخ المتقدمين على هذا المحقق) (2)


1) البدر الزاهر، ص: 293.

2) تبيان الصلاة، ج 2، ص: 128.

الاستفهام الثالث:

أن المشتهر عند الشيعة أن اسم أم الإمام علیها السلام هو (نرجس)، ولكن إذا كانت رواية الرهني معتمدة كان يجب أن ينتشر اسم (مليكة)، ويُلتزم به.

» الجواب:

أولاً: أن رواية الرهني نفسها ذكرت الاسمين، فهي اسمها (مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم)، وأيضاً: (وَقَدْ سَأَلَنِي الشَّيْخُ الَّذِي وَقَعْتُ إِلَيْهِ فِي سَهْمِ الْغَنِيمَةِ عَنِ اسْمِي فَأَنْكَرْتُهُ وَقُلْتُ نَرْجِس).

ثانياً: إنَّ رواية الفضل بن شاذان تؤكد أن الاسمين لها علیها السلام، قال: (حدثنا محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام، قال: سمعت أبا محمد علیه السلام يقول: قد وُلد ولي الله وحجته على عباده وخليفتي من بعدي مختونا ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر، وكان أول من غسله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقربين بماء الكوثر والسلسبيل، ثم غسلته عمتي حكيمة بنت محمد بن علي الرضا علیهم السلام. فسئل محمد بن علي بن حمزة عن أمه علیه السلام، قال: أمه مليكة التي يقال لها في بعض الأيام: سوسن، وفي بعضها: ريحانة، وكان صقيل ونرجس أيضاً من أسمائها) (1)

ص: 211 ، ونقل الشيخ الحر العاملي جزءاً منها في إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص: 197، النجم الثاقب (النسخة المعربة) ج 1، ص: 135، مختصر كفاية المهتدي، ص: 125، كشف الحق (الأربعون)، ص: 33.

.

1) مختصر إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، المنشور في مجلة (تراثنا) ج 15،

الاستفهام الرابع:

ذكر السيد الخوئي قدس سره أن الفضل بن شاذان روى عن الرضا علیه السلام بينما محمد بن عبد الجبار المعني هنا هو المعروف ب- ( محمد ابن أبي الصهبان) وهو من أصحاب العسكري علیه السلام فكيف يروي من كان من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام عمن هو من أصحاب الإمام العسكري علیه السلام وبينهما على أقل التقادير طبقتان، والطبقة تعادل سبعين سنة على الأقل، فلو قلنا بأن الفضل بن شاذان كان من المعمرين، وافترضنا أنه حدّث عن الرضا علیه السلام وعمره 18 سنة فإنه يلزم من ذلك أن يكون عمر الفضل بن شاذان يوم روى عن محمد بن عبد الجبار عن 159 سنة تقريباً، وهذا مستحيل، مما يعني أن في السند قلباً، وهذا خير شاهد للتشكيك في كون النسخة الواصلة للشيخ الحر العاملي والسيد مير اللوحي هي فعلاً نسخة من (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان.

» الجواب:

أولاً: إن النتيجة التي توصل لها المستفهم- استحالة رواية الفضل بن شاذان عن محمد بن عبد الجبار للعمر الكبير - نتيجةٌ غير صحيحة، فشهادة الإمام الرضا علیه السلام في سنة (203ه-) على ما هو مشهور، والإمام العسكري علیه السلام في سنة (260ه-)، فلو أن الفضل بن شاذان كان سنة ( 200ه-) عمره 30 سنة لا 18 سنة، فإلى شهادة الإمام العسكري علیه السلام يكون عمره 90 سنة، فأين هو المستحيل في الأمر حتى يُصار إلى القول بوجود القلب في السند؟! ثم إلى التشكيك في نسخة كتاب (إثبات الرجعة) الواصل للشيخ الحر العاملي والسيد مير اللوحي السبزواري رحمهما الله.

ثانياً: إن الطبقة عبارة عن جماعة من الرواة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ، وتستفاد معرفتها من تكرار النظر ومراجعة الأسانيد، والتأمل فيها حيث ترد الأسماء مفصلة ومجملة ، والذي يظهر لي أن الكلام في الاستفهام مبني على تقسيمات قديمة للرواة، والأساس في هذه التقسيمات هو التقدير دون الضبط والتحديد، وقد اعتمدت على المتوسط في المدة الزمنية التي يمكن أن يُحدث فيها الراوي فذهبوا إلى 70 سنة أو 75 سنة، وقد عمد السيد البروجردي قدس سره إلى استحداث منهجية جديدة لعدم صلاحية المنهجيات السابقة، فخلص فيها إلى ذكر أن مدة الطبقة تتراوح بين خمس وثلاثين إلى أربعين عاماً (1)، ومن هنا يظهر الاشتباه بتحديد الطبقة ب- (70 سنة) وبالتالي ضربها في (2)، فتكون (140 سنة) وعلى ضوئها عمره لما تلقى الحديث.

ثالثاً: إنَّ السيد الخوئي قدس سره وإن اختار أن الفضل بن شاذان من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام إلا أنه قال: (وظاهر النجاشي حيث خص والد الفضل بروايته عن الجواد علیه السلام، وعلى قول عن الرضا علیه السلام، عدم رواية الفضل عن الرضا علیه السلام، وهو أيضا ظاهر الشيخ حيث إنه لم يعد الفضل من أصحاب الرضا علیه السلام، ولا من أصحاب الجواد علیه السلام، ولكن الظاهر أن ما ذكره الصدوق هو الصحيح) (2)، ولسماحة السيد السيستاني دام ظله كلام طويل الذيل في هذا، أنقله بتمامه:

الملاحظة الأولى: أن الشيخ والنجاشي ذكرا هذه الرسالة - [أي رسالة العلل]- من مؤلفات الفضل ولم ينبها على أنها رواية عن الإمام علیه السلام- [أي الإمام

1) نهاية الدراية، ص: 341، طبقات الرواة - دراسة وتحليل، ص: 59.

2) معجم رجال الحديث ج 14، 1372، ص: 318.

الرضا علیه السلام]- مع أن من عادتها التنبيه على ذلك في نظائرها. والصدوق أيضاً عند نقله للرسالة ابتداء أسندها إلى الفضل ثم ذكر السند المزبور الذي يدل على أنها رواية.

الملاحظة الثانية: أن الفضل لم يكن من رواة الإمام الرضا علیه السلام بل لم يدرك محضره الشريف، ومقتضى ما نقله ابن قتيبة هنا أن الفضل أدرك محضر الإمام كثيراً وأنه سمع هذه الأمور منه المرة بعدة المرة، والشيء بعد الشيء، وهذا غير صحيح قطعاً. وذلك لأنه عُدّ في فهارس الرجال من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري علیهما السلام، ولو تم ما نقله ابن قتيبة لعدوه من أصحاب الرضا علیه السلام مع أنه لم يُعد من أصحاب الجواد علیه السلام أيضاً. بل ظاهر كلماتهم أن أباه شاذان كان من أصحاب الجواد علیه السلام، قالوا: وقيل أنه -أي شاذان - روى عن الرضا علیه السلام.

قال السيد الخوئي أيده الله: (وظاهر النجاشي حيث خص والد الفضل بروايته عن الجواد علیه السلام، وعلى قول عن الرضا علیه السلام، عدم رواية الفضل عن الرضا علیه السلام، وهو أيضا ظاهر الشيخ حيث إنه لم يعد الفضل من أصحاب الرضا علیه السلام، ولا من أصحاب الجواد علیه السلام، ولكن الظاهر أن ما ذكره الصدوق هو الصحيح وذلك لقرب عهده وطريقه إلى الفضل ويؤكد ذلك أن والد الفضل روى عن أبي الحسن الأول علیه السلام فلا بعد في رواية الفضل نفسه عن الرضا علیه السلام. فقد روى محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد الاشعري عن معلى بن محمد بن جمهور عن شاذان عن أبي الحسن موسى علیه السلام)

وهنا عدة نقاط يجب أن تلاحظ:

1.

أنه أيده الله لم يعتبر في سائر الموارد قرب العهد من المرجحات كما اعتبره منها في هذا المقام فنراه يدفع توثيق ابن قولويه (بناءً على توثيق من في أسانيد المزار) بتضعيف النجاشي والشيخ مع أنه أقرب عهداً وهو من معاصري الصدوق تقريباً. والصدوق ليس قريب العهد من الفضل في نفسه وإنما هو أقرب عهد من الشيخ والنجاشي.

2.

أنه اعتمد في الجواب على طريق الصدوق إلى الفضل، وهذا الطريق هو الذي يصفه بعد أسطر بالضعف وسيأتي بيان ضعفه.

3.

أنه أكد ما ذكر برواية شاذان عن موسى بن جعفر علیه السلام. ويرد ذلك:

أولاً: إن من الممكن أن يكون شاذان في أوائل شبابه قد رأى الامام الكاظم علیه السلام في أواخر عهده الشريف، ويكون الفضل قد ولد في أواخر حياة أبيه كما قد يؤيده شاهد سيأتي ذكره، وعليه فتكون المدة بين ملاقاة شاذان للكاظم علیه السلام وبين ولادة فضل فضلاً عن بلوغه ورشده عشرات السنين فلا يبعد عدم معاصرته للجواد علیه السلام أيضاً.

ثانياً: أن المذكور في الفهارس أن شاذان روى عن الجواد علیه السلام. وقيل: روى عن الرضا علیه السلام فكيف يصدق ما نقله عن الكاظم علیه السلام.

ثالثاً: أن سند الرواية التي استشهد بها ضعيف جداً كما ذكره المجلسي في (مرآة العقول)، فمعلی بن محمد مضطرب الحديث والمذهب كما قال النجاشي، ومحمد بن جمهور ضعيف في الحديث فاسد المذهب وقيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها كما قال النجاشي، وقال ابن الغضائري محمد بن الحسن بن جمهور أبو عبد الله

العمي غال فاسد الحديث لا يكتب حديثه، رأيت له شعراً يحلل فيه محرمات الله عز وجل) (1)، انتهى النقل عن السيد السيستاني دام ظله.

فرواية الفضل بن شاذان عن الرضا علیه السلام محل تأمل، والظاهر الخلط بينه وبين أبيه في الرواية عن الإمام الرضا علیه السلام.

رابعاً: مما ذكره السيد الخوئي قدس سره عمن روى الفضل بن شاذان ومحمد بن عبد الجبار فالظاهر أن محمد بن عبد الجبار مشارك للفضل في الطبقة، وبهذا صرح السيد البروجردي قدس سره من أنهما من الطبقة السابعة (2)

ص: 567 .

، فإننا نجد أن محمد بن عبد الجبار قد روى عمن روى عنه الفضل بن شاذان، وإليك نماذج كما ذكرها السيد قدس سره:

الفضل بن شاذان روى عن: الرضا علیه السلام، وعن أبي ثابت، وابن أبي عمير (ورواياته عنه تبلغ ثلاثمائة وأربعة وأربعين مورداً)، وحماد، وحماد بن عيسى (ورواياته عنه تبلغ مائة مورد)، وصفوان (ورواياته عنه تبلغ مائة وأحد عشر مورداً)، وصفوان بن يحيى (ورواياته عنه تبلغ مائة وتسعة وثمانين مورداً)، وعبد الله بن جبلة، وعبد الله بن الوليد العدني صاحب سفيان، ومحمد بن أبي عمير، ومحمد بن سنان، ومحمد بن يحيى، ويونس. (3)

ومحمد بن عبد الجبار روى عن: أبي محمد علیه السلام والعسكري علیه السلام، وعن أبي جميلة، وأبي عبد الله البرقي، وأبي القاسم، وأبي القاسم الكوفي، وأبي محمد الأنصاري،


1) مباحث رجالية ص: 14، وما بعدها.

2) من رسالة (طبقات المحدثين) للسيد البروجردي قدس سره، المدرجة ضمن كتاب الصلاة،

3) معجم رجال الحديث، ج 14، 1372، ص: 319.

وأبي محمد الدهلي، وأبي محمد الذهلي، وابن أبي عمير، وابن أبي نجران، وابن فضال (ورواياته عنه تبلغ ستين موردا)، وابن محبوب، وأحمد بن النضر، وإسحاق، وإسماعيل بن سهل، والحسن بن الحسين، والحسن بن الحسين اللؤلؤي، والحسن بن علي، والحسن بن علي بن فضال، وسيف بن عميرة، وصفوان (ورواياته عنه تبلغ تسعة وثلاثمائة مورد)، وصفوان بن يحيى (ورواياته عنه تبلغ ثلاثمائة وسبعة عشر مورداً)، والعباس، والعباس بن معروف، وعبد الرحمن بن أبي نجران، وعبد الرحمن بن حماد، وعبد الله بن جبلة، وعبد الله بن الصلت أبي طالب، وعبد الله بن محمد، وعبد الله الحجال، وعبيد الله الدهقان، وعلي بن إسحاق، وعلي بن حديد، وعلي بن مهزيار، وعلي بن النعمان، ومحمد بن أبي عمير، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، ومحمد بن حسان، و محمد بن خالد بن سالم، ومحمد بن سنان، ومحمد بن يحيى، ومنصور بن حازم، والنضر بن شعيب، والحجال) (1).

وقد روى الكشي بسنده عن سَهْل بْن بَحْر اَلْفَارِسِي، قَالَ: (سَمِعْتُ الْفَضْلَ بْنَ شَاذَانَ آخرَ عَهْدي بِهِ، يَقُولُ: أنَا خَلَفٌ لِمَنْ مَضَى، أَدْرَكْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أبِي عُمَيْرٍ وصَفْوَانَ بْنَ يَحْيَى وغَيْرَهُمَا، وَحَمَلْتُ عَنْهُمْ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً. وَمَضَى هِشَامُ بْنُ اَلْحَكَمِ رحمه الله وكَانَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رحمه الله خَلَفَهُ كَانَ يَرُدُّ عَلَى اَلْمُخَالِفِينَ. ثُمَّ مَضَى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ولَمْ يُخَلِّفْ خَلَفاً غَيْرَ اَلسَّكَّاكِ، فَرَدَّ عَلَى اَلْمُخَالِفِينَ حَتَّى مَضَى رَحِمَهُ اللهُ، وَأَنَا خَلَفٌ لَهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ رَحِمَهُمُ اللهُ) (2)

ص: 818 .

، وعقب السيد السيستاني دام ظله بما نصه: ولو كان الفضل قد أدرك الرضا علیه السلام لكان الأولى أن يمدح نفسه بإدراكه

1) معجم رجال الحدیث، ج 17، 1372، ص: 212.

2) اختيار معرفة الرجال، ج 2،

فإن وفاته علیه السلام قبل وفاة ابن أبي عمير وصفوان، فإدراكه له علیه السلام أهم من جهتين، وكان ينبغي أيضاً أن يقول وحملت عنهم منذ ستين بل خمس وستين سنة لأن هذا الكلام صدر عنه في أواخر أيامه كما هو ظاهر الخبر، ووفاته في سنة مائتين وستين ووفاة الامام علیه السلام في سنة 201 أو 202 أو 203 على اختلاف الأخبار، فلو كان قد أدركه لكان قد أدركه أيام رشده وكماله فيكون قد حمل العلم أكثر من ستين سنة.

ثم إنه يظهر من هذا الخبر أنه لم يدرك يونس بن عبد الرحمن المتوفى سنة 208ه- وقد كان أبوه من تلامذة يونس وهو أهم ممن افتخر بإدراكهم وأقدم منهم فلو كان قد أدركه لافتخر به لسبقه وعظمته والذي لم يدرك يونس فمن البعيد أنه أدرك الإمام الرضا علیه السلام (1)

ص: 16 .

.

1) مباحث رجالية،

الاستفهام الخامس:

إنَّ رواية الرهني قد تكون كذبة من الرهني أو مُصدّقاً لكذبة أخبر بها بشر بن سليمان النخاس، والأخير رجل لم يُعرف عنه شيء غير ما ذُكر في الرواية، وتوافق ما ورد في الرواية مع ما ورد في التاريخ البيزنطي قد يكون مرجعه لاطلاع هذا الشخص على بعض القضايا الخاصة في الروم، كأن يكون رومياً قريباً من البلاط، أو كان أسيراً في الروم لفترة من الزمن، أو غير ذلك من الاحتمالات، فقام بنسجها وحبكها بهذه الكيفية، فبالتالي لا يكون توافق ما ورد في الرواية مع التاريخ البيزنطي مؤيداً .

» الجواب:

أولا: تقدم ذِكر أن الرهني رُمي بالغلو على تأمل في هذا، فلا نعيد، ولكن لم يُرمَ بالكذب والوضع.

ثانياً: أن بشراً وإن لم يرد في حقه شيء فإن بعض ما ورد في الرواية يكشف عن نوع من التفقه أو صدق الامتثال للإمام علیه السلام، فمثلاً تعبيره: (قُمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ وَقُلْ لَهُ إِنَّ مَعِي كِتَاباً مُلْصَقاً لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وَخَطٍّ رُومِيٍّ وَوَصَفَ فيه كَرَمَهُ وَوَفَاءَهُ وَنُبْلَهُ وَسَخَاءَهُ فَنَاوِلْهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أخْلَاقَ صَاحِبِهِ فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ. قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ: فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام) فيؤيد ما ورد في صدر الرواية من أن الإمام قد فقهه في بعض بعض أبواب الفقه، فأن يقوم هذا الرجل بمثل هذا النسج فيكون مطلعاً على خصوصيات دار الإمام علیه السلام وذكر الأسماء، وكذا اطلاعه

على تاريخ الروم الداخلي والخارجي بذكر الأسماء والتفاصيل، وكذا ذكر أمور مختلفة تبين جانب تفقهٍ عنده، وكل ذلك يذكره بشكل يتقاطع مع معطيات تاريخية لهو أمرٌ يبعّد احتمال كذبه.

ثالثاً: لا يمكن تمرير الكذبة إن لم يكن هناك استعدادٌ لقبولها، فلو قلنا بأن الرواية كاذبة إلا أنها في الواقع تكشف عن وجود اعتقاد بكون أم الإمام علیها السلام رومية وأن اسمها مليكة، وتؤكد على هذا روايتا الفضل بن شاذان المعتبرتان، فلو كان هناك كذب حينها سيكون في بعض التفاصيل لا أصلَ كونها رومية، وابنة ابن قيصر ملك الروم.

الخاتمة

قد اتضح من خلال ما تقدم أن دعوى وجود روايات أخرى لأصل السيدة نرجس علیها السلام هي دعوى مجانبة للصواب، ويبقى ما اشتهر بين العلماء منذ القدم من أنها علیها السلام رومية هو القول الذي لا شائبة تشوبه، وأما القول بأنها نوبية فهو قول لا أساس له ولا يبتني حتى على رواية.

ولا ينبغي أن يكون هاجس الإتيان بالجديد معميّاً على الباحثين الطريق الصحيح في التعامل مع القضايا، عقائدية كانت أو تاريخية، وكما أسلفنا في عدّة مواطن فإنَّ هذا البحث وإن كان في ظاهره تاريخياً إلا أنه يرتبط بالجانب العقائدي شئنا أم أبينا.

وأما دعوى أن باب البحث العلمي مفتوح على مصراعيه، فهذه ليست كلية بحيث يؤول الأمر إلى إحداث إرباك في أوساط المؤمنين مُبَرَّراً كُلُ ذلك بأن هذا بحثٌ علمي والغاية لا تبرر الوسيلة!!

فإن البحث العلمي له أسسه وضوابطه ومنهجيته، ويجب أن لا يُستخف بالتراث الذي بين أيدينا، فقد بذل الأعلام أعمارهم وأنفسهم في سبيل حفظ تراث محمد وآله الطاهرين، وبذلوا جهوداً مضنية لتنقية التراث حتى يصل إلينا صافياً، ومنذ انتهاء زمان الحضور وابتداء زمن الغيبة قد أصبحت مسؤوليتهم أكبر، وصار لهم دورٌ كبيرٌ في حفظ الدين ودفع الشبهات عن المؤمنين، وقد شمروا عن سواعد الجد والاشتغال، فقاموا بجمع الروايات المتناثرة بما وسعهم، وقاموا أيضاً بتمحيص الروايات وغربلتها، حتى تجد أمثال الشيخ الكليني يبذل العمر

الطويل الجمع كتابه الكافي، والظاهر أن هذا العمر لم يكن فقط للجمع بل لأنه رحمه الله كان يبذل الجهد في تنقيتها بما وسعه نظره وجهده، وكان علماؤنا يبذلون الجهد لدفع الشبهات عن قلوب المؤمنين كالشيخ الصدوق رحمه الله، فإنك تجده قد صرح في كتابه (كمال الدين) أنه لم يصنفه إلا لطروء الشبهة على قلوب بعض المؤمنين فانبرى وصنف هذا الكتاب ليدفع به تلك الشبهات عنهم، فعلماء مدرسة أهل البيت علیهم السلام يرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، ويمنعونهم عن الخروج على ضعفاء الشيعة، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته، كما ورد عن الصادق علیه السلام.

وأخيراً لا يُفهم من كلامنا أننا نرفض أي عملية تصحيح للمسيرة العلمية، بل نحن مع هذه المسيرة لكن بشرط اتباع منهج صحيح وواضح.

أسأل الله أن تكون هذه الكتابة نافعة لإخوتي المؤمنين، ولا ندّعي العصمة فإن العصمة لأهلها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

من أحب إرسال ملاحظة أو نقد أو غير ذلك فيمكنه ذلك عبر البريد

mohammedalmubaireek@gmail.com

المراجع الإنجليزية

1.

AEastern Roman Empire. J. Bury

2.

Byzantium: the imperial centuries, A.D. 610-1071. Jenkins, Romilly James Heald

3.

Caesar Bardas and the accusation of an illicit affair. Hadi TAGHAVI Ehsan ROOHI

4.

History-of-the-Byzantine-State. George Ostrogorsky

5.

Oxford Dictionary of Byzantium. Oxford University

6.

THE CAMBRIDGE MEDIEVAL HISTORY

7.

The History of the Byzantine Empire

8.

The Imperial Administrative System in the ninth Century. J. Bury (1927). Published for the British Academy. London1911

مليكة الروم- حسن يوسف بن نخي

اشارة

مليكة الروم

قراءة أصيلة في هويتها وسيرتها

حسن يوسف بن نخي

٭ الكتاب: مليكة الروم قراءة أصيلة في هويتها وسيرتها

٭ تأليف: الشيخ حسن يوسف بن نخي

٭ مراجعة وتدقيق: الشيخ حسين زكي الصالح

٭ الغلاف: تاج ذهبي مهدى إلى ضريح السيدة نرجس علیها السلام في سامراء مرصع بالماس والياقوت والزبرجد والدر والزفير والزمرد، وفي ذؤابته فيروزة بيضاء نادرة منقوش عليها (يا قائم آل محمد).

وهو من عمل النقاش السيد حيدر أبو السيوف في الكاظمية المقدسة.

٭ ظهر الغلاف: الآثار الباقية من معالم الدولة الإسلامية في سامراء، ومعالم الروم في القسطنطينية وقت الحادثة.

الطبعة الأولى

ذى الحجة 1444ه-

الفصل الأول: اللوازم الفاسدة - ثمرات مهمة/ أهمية البحث

اشارة

الفصل الأول

اللوازم الفاسدة - ثمرات هامة

أهمية البحث

بعد التسالم على كون والدة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف تنتسب إلى قيصر الروم من جهة الأب، وتنتسب إلى وصي عيسى شمعون من جهة الأم فإن لهذا البحث ثمرات هامة، وللتشكيك به لوازم فاسدة؛ لذا فإننا في هذا الفصل سنسلط الضوء على أهمية البحث وفوائده، وفي الفصول التالية نناقش ما ورد من روايات وأخبار بهذا الخصوص.


اللوازم الفاسدة

من الملفت للنظر أن أطروحة إنكار انتساب السيدة نرجس علیها السلام إلى قيصر الروم تزامن معها أطروحة من المخالفين في التشكيك بأصل ولادة الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ بنفس الأدلة والمقدمات، ولكن الأهداف المعلنة والنتائج مختلفة.

بالضبط مثل نظرية انتحال الشعر الجاهلي، حيث قدم الأديب المصري طه حسين نظرية مشابهة لما قدمه المستشرق البريطاني مرجليوث بأن الشعر الجاهلي أكذوبة، وقد اختُلق في عصور متأخرة ونسب إلى الجاهلية. ومن لوازم هذا القول أن العرب لم يكونوا متفوقين أدبيّاً، فلا معنى لتحدي القرآن العرب أن يأتوا بسورة من مثله، وعليه يبطل القول بإعجاز القرآن!

بغض النظر عن كون هدف طه حسين علمياً صِرفاً أو غير ذلك، فإن طرحه البحث استدعى الرد السريع خصوصاً مع تزامنه مع طرح مرجليوث، فإن من لوازم البحثين التشكيك بإعجاز القرآن، وإن لم يصرح طه حسين بذلك.

الأمر مختلف تماما ما لو شكك أحد نقاد الأدب في الشعر الأندلسي زاعماً أنه كُتب في بغداد مثلا لا الأندلس، وافترض نظرية وهمية بهذا الخصوص، إذ لا لوازم عقائدية تترتب عليه ولا عدو يترصد موقفنا من الأدب الأندلسي فعلا! فلا ضرورة للتصدي السريع سوى البحث العلمي.

وبتعبير آخر إن طرح طه حسين وإن كان ظاهره بحثاً أدبيّاً لكن حين

ترتبت عليه جملة من اللوازم الفاسدة مما له مساس بالعقيدة تحتم ردّ دعواه وإبطال زعمه بالأدلة القاطعة منبهين على خطورة ما ادعاه، فحوكم البحث الأدبي بتشدد عقدي، لأن الخصم اليهودي أو النصراني يبحث عن ثغرة من هذا النوع ولا يبحث عن ثغرة في الأدب الأندلسي.

وما نحن فيه من التشكيك بهوية والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف من هذا القبيل؛ وقد التبس الأمر عند البعض فتوهم أمراً آخر في هويتها علیها السلام واستعجل ونشر ما توصل إليه من نتائج لا أظنها تعدت دائرة البحث في موسوعة ويكبيديا!

لابد من التنبه إلى ما يُثار في ساحة المخالفين اليوم من أن الشيعة وبعد أكثر من ألف سنة لا زالت شخصية إمامهم محاطة بالغموض ما يعني أنها محض خرافة، الشيعة لا يعرفون إن كانت أمّ إمامهم من السند أو المغرب أو الروم أو النوبة؟ ابتيعت من سوق النخاسة أو ولدت في دار السيدة حكيمة؟ اسمها نرجس أو مليكة أو خمط أو صقيل أو سوسن؟

وهكذا تتكرر الأسئلة، رغم أن الأجوبة واضحة، فهويتها علیها السلام معلومة وهي من نسل قيصر الروم وهذا ما ورد بالسند الصحيح، وغير ذلك لم يرد بسند صحيح ولا ضعيف أصلا! وأسماؤها متعددة كما هو شائع عند الإماء في ذلك العصر متعارف عند كثير من الناس إلى يومنا هذا.

خروج شخص من الوسط الشيعي يروّج لهذا الطرح لا يخدم إلا أعداء المذهب، وليس من الصحيح أن يقول القائل لا يهمنا أيّاً كانت هي؛ المهم أنها أم

إمامنا علیه السلام ولها مكانتها! نحن لا ننكر أن لها مكانتها بأي حال من الأحوال إذ اختارها الله وعاء لإمامنا المنتظر أرواحنا فداه، لكن ليس من الحكمة الاكتفاء بهذا القول مع وجود حملة تشكيك في أصل وجودها علیها السلام.

إن تشكيك الأعداء بأصل وجودها يعيدهم إلى دائرة اتهامنا بالأساطير والخرافة ثم إنكار ولادة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، فهل يكون كل ذلك برضا وقبول منا رغم مخالفته لما ثبت في رواياتنا؟ وهل يجوز لنا احترام الرأي الباطل المبني على تخرصات تضعف عقائد الناس، وأن نستخف بالحقائق والمسلمات؟! إنه هذيان علمي لا علاقة له بأدب الحوار أصلا!

ثم إن مما طرح من المخالفين أو من المحسوبين على المذهب -سواء بغرض الإساءة إلى السيدة نرجس علیها السلام، أو لمجرد المناقشة وتسقيط الرواية- أن اعتماد خبر مسير السيدة نرجس من الروم إلى بغداد ثم إلى سامراء يلزم منه عدة أمور فاسدة وهي: نشأتها في بلاط حاكم فاسد، وولادتها على غير الإسلام، ثم حداثة عهدها بالإسلام، وانتقالها في ملك النخاسين! وأن هذه الخصال لا تليق بشأن والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، فهذا مما يلزم الرد عليه لأن التسليم به أو غض النظر عنه أنكى وأشد!

أما قولهم: بأن حياتها في بيت طاغية وحاكم جائر انتقاص لحقها لا يليق بشأن أم المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ فما هو إلا محاولة لاستدرار عواطف العامة، فهذي آسيا بنت مزاحم ما ضرها أن عاشت في بيت فرعون، حتى كملت حين لم يكمل من النساء إلا قليل، ولا أظن قيصر الروم النصراني أشد كفراً من فرعون موسى

القائل أنا ربكم الأعلى! بل هو فضل وشرف أن يكمل الإنسان رغم شدة الظروف وحرجيتها فيختار الصواب ويعيش مؤمنا بين أعتى الخلق حتى صارت آسيا بنت مزاحم ضرة خديجة بنت خويلد في الجنة (1)، فياله من شرف!

فإن سلمنا بكون قولهم منقصة فهذا يلزم انتقاص والدة الإمام زين العابدين علیه السلام، ويلزم انتقاص صفية بنت حيي بن أخطب زوجة النبي صلى الله عليه و آله و سلم (2)، وهذا ما لا يقبله أحد لكنه لازم كلامهم على كل حال!

أما قولهم: أنها ولدت (3)على غير الإسلام وتأخرت في إسلامها؛ وما في هذا من النقص أن تتنبه فتاة بعمر الثالثة عشر من عمرها إلى بطلان النصرانية وتهتدي إلى الإسلام؟ أليس هذا عين الفضل والكمال؟ أم أن القائل لا يرى المسلم


1) دخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على خديجة وهي لما بها، فقال لها: بالرغم منا ما نرى بك يا خديجة، فإذا قدمت على ضرائرك فأقرئيهن السلام. فقالت: من هنّ يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم: مریم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون. قالت: بالرفاء يا رسول الله. من لا يحضره الفقيه 1/ 139

2) جاء في تفسير القمي: وَأَمَّا قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه و آله و سلم، وَذَلِكَ.. إلى أن قال: كَانَتَا تُؤْذِيَانِهَا وَتَشْتِمَانِهَا وَتَقُولَانِ لَهَا يَا بِنْتَ الْيَهُودِيَّةِ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهُ صلى الله عليه و آله و سلم، فَقَالَ لَهَا: أَلَا تُجِيبِنَّهُمَا؟ فَقَالَتْ: بِمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهُ؟ قَالَ: قُولِي: أَبِي هَارُونُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَعَمِّي مُوسَى كَلِيمُ اللهِ، وَزَوْجِي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَمَا تُنْكِرَانِ مِنِّي؟ فَقَالَتْ لَهُمَا، فَقَالَتَا: هَذَا عَلَّمَكِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ..) إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ).

3) والصحيح نشأت لا ولدت؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه.

إلا من ولد لأم مسلمة كما ترى اليهود أن اليهودي ليس إلا من ولد لأم يهودية ؟!

رأت الحق فاتبعته وخرجت إلى دار الإمامة لتلحق بإمامها، تركت الدنيا وقصورها لتعيش في إقامة جبرية بين سجن وتشريد، واعتقال واقتحام مسلِّمة في كل ما جرى لإمام زمانها علیه السلام ثم يعاب عليها ذلك؟!

لعمري ما في هذه الإنشائيات التي سردوها منقصة، سوى تغرير العوام باسم الثقافة، ولا نرى في حديثهم سوى جهالات واقتطاع كلام وخيانات علمية!

أما اعتراضهم على انتقالها في سوق النخاسة، فلعمري إن كانت هذه الأمور منقصة فإنها تسري على كل أبناء الجواري من الأنبياء والأئمة والصالحين والخلفاء وغيرهم ممن انتقلت أمهاتهم بأيدي النخاسين؟

هل يقولون ذلك في نبي الله إسماعيل علیه السلام لأن أمه جارية (1)انتقلت في أيدي أسيادها حتى صارت تحت إبراهيم علیه السلام؟ إن هذا القول راجع لنزعة جاهلية


1) هذا الأمر من أسباب تعالي اليهود عن دخول الإسلام في بداية البعثة! فإنهم يرون السيادة لأبناء سارة أما أبناء هاجر فلا يحق لهم أن يسودوا لأن أمهم جارية. من شواهد ذلك ما ورد في أخبار النبي صلی الله علیه و آله و سلم بداية هجرته إلى المدينة، حيث دعا اليهود إلى الإسلام فاستمهلوه وطلبوا الهدنة، فلما خلا يهود بني النضير بعضهم ببعض قال حُيي بن أخطب لأخويه جُدي وأبي ياسر ابني أخطب في شأن النبي صلی الله علیه و آله و سلم: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشّرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوّاً؛ لأن النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً. (راجع إعلام الورى للطبرسي 158/1)

بعيدة عن الإسلام الذي شرّف المؤمن بإيمانه لا بحسبه ولا بإنسانيته، إنما العقيدة والعمل! لا أدري كيف يتحدث هؤلاء باسم الدين لنبذ ما جاء به الإسلام من قيم وأخلاق!

ثم إن الابتلاءات سُنّة تسبق بلوغ المراتب العليا؛ هذا يوسف الصديق نبي حكم مصر وخضعت له الرقاب وما كان يقع ذلك دون أن يُلقى في غيابت الجب ثم يباع بثمن بخس (1)، ثم يبتلى بالسجن، وغير ذلك من محن مر بها حتى صار بعدها عزيز مصر، وذاك أبوه إبراهيم ما كان ليبلغ الإمامة حتى يُبتلى بكلمات، ومثل ذلك كثير مطرّد في سِيرِ الأولياء؛ فما الضير أن تُختبر ابنة القيصر بذلك، قبل أن يؤذن لها بأن تكون وعاءً لولي الله الأعظم؟ فتختار السبي بنفسها تقطع الفرات بزورق بعد أن غادرت قصور القسطنطينية بزي الخدم، حتى تبلغ بغداد لتباع في سوق النخاسة، كل ذلك يسبق الإذن لها بأن تكون أمّاً لإمامنا الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف، و لك أن تقول شاء الله أن يراها كذلك قبل أن تنال هذا الشرف!

لعمري لا أقرأ في قولهم غفلة عما أقول، غير أني أراه تعريضاً بأمهات الأئمة علیهم السلام! فوالدة الإمام زين العابدين علیه السلام سُبيت من بلاد فارس، ووالدة الإمام الكاظم علیه السلام سُبيت من بلاد البربر، ووالدة الإمام الرضا علیه السلام سُبيت من مدينة مرسية (2)وجاء بها نخاس مغربي إلى الحجاز، ووالدة إمامنا الجواد علیه السلام جارية نوبية


1) في الرواية كان الثمن البخس قيمة كلب الصيد! بحار الأنوار 300/12

2) مرسية مدينة معروفة في شرق الأندلس. واحتمل البعض أن مرسية تصحيف مريسية الموجودة في النوبة وهي مدينة والدة الإمام الجواد علیه السلام. وكون النخاس مغربي يرجح عدم التصحيف وأنها مرسية الأندلسية، والله العالم.

من صعيد مصر، ووالدة إمامنا الهادي علیه السلام جارية مغربية، ووالدة الإمام العسكري علیه السلام جارية أيضاً. وكل ما قيل في السيدة نرجس علیها السلام يرد في سائر أمهات الأئمة علیهم السلام، وهو مقصودهم لا غفر الله لهم.

وإنه لما بلغ بنا المقام إلى هنا فإنه من المناسب ذكر ما روي في الكافي من أن الإمام أبا جعفر الباقر علیه السلام لما اشترى السيدة حميدة المصفاة علیها السلام لولده الإمام جعفر الصادق علیه السلام قال لها: أخبريني أبكر أنتِ أم ثيب؟ قالت: بكر. قال علیه السلام: وكيف، ولا يقع في أيدي النخاسين شيء إلا أفسدوه؟! فأخبرته أنه كان يحرسها رجل (1)أبيض الرأس واللحية علیه السلام. (2)وورد عن الصادق علیه السلام في شأنها أيضاً: حميدة مصفاةٌ من الأدناس، كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أُدّيت إلي؛ كرامة من الله لي والحجة من بعدي. (3)

وكذلك روى الشيخ الصدوق رحمه الله عن علي بن ميثم (4)عن أمه: أن السيدة


1) يظهر من الرواية التالية أن الرجل كان من الملائكة.

2) راجع الكافي 476/1 ودلائل الإمامة 308

3) الكافي 477/1

4) علي بن ميثم: روى الصدوق بسنده عن عون بن محمد الكندي أنه لم ير أحدا قط أعرف بأمور الأئمة علیهم السلام وأخبارهم ومناكحهم من أبي الحسن علي بن ميثم.

نجمة والدة إمامنا الرضا علیه السلام كانت بكراً حين اشتُريت. (1)

وقريب منه ما قاله إمامنا الهادي علیه السلام في والدته السيدة سمانة: أمي عارفة بحقي، وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة بعين الله التي لا تنام، ولا تتخلف عن أمهات الصديقين والصالحين. (2)

وقريب منه ما قاله إمامنا الهادي علیه السلام في والدة الإمام العسكري علیه السلام السيدة سليل، قال علیه السلام: سليل مسلولة من الآفات والعاهات والأرجاس والأنجاس. (3)

وكل ذلك مؤيد بما جاء في الزيارة المباركة (4): السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةَ الْهُدَىٰ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ التَّقْوَىٰ... لَمْ تَزَالُوا بِعَيْنِ اللهِ يَنْسَخُكُمْ مِنْ أَصْلَابِ كُلِّ مُطَهَّرٍ، وَيَنْقُلُكُمْ مِنْ أَرْحَامِ الْمُطَهَّرَاتِ، لَمْ تُدَنِّسْكُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ.

وإنما جئت بهذه الروايات ردّاً على تعريضهم لا غفر الله لهم بأمهات الأئمة علیهم السلام فإنهن طاهرات لا يختلفن عن أمهات الصديقين مكلوءات محروسات بعين الله، وإن انتخاب الباري عزوجل لهذه النسوة من بين نساء الأرض شرف ما بعده


1) راجع عيون أخبار الرضا علیه السلام 26/2

2) دلائل الإمامة 410

3) إثبات الوصية 244

4) من زيارة أئمة البقيع علیهم السلام تهذيب الأحكام 79/6

شرف، لا يضره سبي واسترقاق، وهبة أو بيع في سوق نخاسة، فإن الله حارسهن من كل شيطان مارد.

هذا ما لزم التنويه به من لوازم فاسدة تعقب قبول هذه الأطروحات والتشكيكات في انتساب السيدة نرجس علیها السلام لقيصر الروم.

وأضيف على ذلك أن هذا التشكيك هو فصل من فصول حملة التشكيك بالموروث الأصيل، وهذا التشكيك يختلف عن المناقشات المتعارفة في الأوساط العلمية، بل هي حملة مؤداها الأخير العبث بهوية المذهب، فالمشروع لو نظرت إليه عن كثب وجدت نتائجه رد تراثنا الروائي، والتكذيب بتاريخنا، والاستخفاف بمقدساتنا، والتنكر لشعائرنا، وتقويض أسس منظومة التدين في الوسط الإيماني.

والسكوت يفتح باب التمادي، كالمؤدب يضرب الصبي ضرباً مبرحا ليكتب (ألف) على أنه إن فعل وكتبها توقف عن ضربه، والصبي يتحمل الضرب ولا يكتب! يُسأل الصبي عن ذلك: اكتب الألف و انج بنفسك من هذا الضرب المبرح! فيجيب: إن كتبت الألف، طالبني بالباء، إنه يريدها عن آخرها حتى الياء، وإن زعم أن مراده الألف وحسب! قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).


مهدي الأديان أو المخلص

من الخصال الثابتة في المخلص الذي تترقبه اليهود وتعتقد به النصارى أن يكون داودي النسب، كما أن الثابت في مهدي الإسلام أنه علیه السلام هاشمي النسب من ذرية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ومن ولد فاطمة صلی الله علیه و آله و سلم.

وقد روت العامة أيضاً أن المهدي الموعود لونه عربي جسمه إسرائيلي، وهذا منسجم مع كون والدته من نسل شمعون أي من بني إسرائيل، فإن فيه عرقاً من بني إسرائيل.

وهذه الخصال مجتمعة في مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالی فرجه الشریف، حسب ما ورد في قضية السيدة نرجس علیها السلام برواية الصدوق رحمه الله لأنه لأبيه العسكري علیه السلام من ولد فاطمة علیها السلام، ولأمه السيدة نرجس علیها السلام فإنه من نسل شمعون، أي من ذرية داود.

والمعلوم أن النسب يثبت عند اليهود والنصارى من جهة الأم كما يثبت من جهة الأب، بل عند اليهود الانتساب عن طريق الأم أولى، أما النصارى فلا حيلة لهم في تعيين نسب مخلصهم إلا عن طريق أمه السيدة مريم.

لا أظن أن اجتماع هذه الخصال في مهدينا عجل الله تعالی فرجه الشریف تحققت عن طريق الصدفة، بل إن الاعتقاد به يفك معضلة النصارى وما اعتقدوه في عيسى علیه السلام، لأن عيسى لم يكن داوديّاً، فنسبوه إلى داود عن طريق خطيب مريم العذراء يوسف النجار حسب عقيدتهم، فهو ابنه وفق السجلات الرسمية حسب قولهم لا ابنه واقعاً.

والواضح أن هذا الانتساب لا اعتبار له، فلا يصلح أن يكون عيسى ابن

مريم هو المخلص حسب معتقد النصارى، لأن أمه هارونية النسب لا داودية، وأشار إلى ذلك القرآن ليحاججهم بقوله: ﴿يَا أُختَ هَارُونَ)! (1)

وذكر الفيض الكاشاني رحمه الله في تفسير الصافي: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ) في المجمع عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّ هارون كان رجلاً صالحاً في بني اسرائيل ينسب إليه كلّ من عرف بالصلاح. وفي سعد السّعود لابن طاووس رحمه الله عنه مرفوعاً أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم بعثه إلى نجران فقالوا ألستم تقرؤون (يَا أَختَ هَارُونَ) وبينهما كذا وكذا؟ فذكر ذلك للنّبي. فقال صلى الله عليه و آله و سلم: ألا قلت إنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين منهم. والقمّي أنّ هارون كان رجلاً فاسقاً زانياً فشبّهوها به.

وهنا يأتي دور الباحث في الأديان أن يجمع ما قيل بشأن المهدي (أو المسيا أو المسيح أو الماشيح على اختلاف التسميات). وقد ذكر لي أحد الفضلاء (2)أنه عرض هذا الأمر على أحد النصارى فأخذ القول بمجامع قلبه، ورأى في ذلك باباً للتأمل لمراجعة عقيدته، ثم إنه استعان برسام أيقونات ليرسم له الفكرة (3).



1) قال العلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان: قوله تعالى ﴿يَا أُختَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ اٝمرَأَ سَوءِ وَمَا كَانَت أُمُّكِ بَغِيّاً) ذكر في المجمع أن في المراد من هارون أربعة أقوال أحدها أنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه كل صالح، وعلى هذا فالمراد بالأخوة الشباهة ومعنى (يَا أُختَ هَارُونَ) يا شبيهة هارون. والثاني أنه كان أخاها لأبيها لا من أُمها. والثالث أن المراد به هارون أخو موسى الكليم وعلى هذا فالمراد بالأخوة الانتساب كما يقال أخو تميم. والرابع أنه كان رجلاً معروفاً بالعهر والفساد، انتهى ملخّصاً. والبغي الزانية، ومعنى الآية ظاهر.

2) وهو سماحة السيد وليد البعاج، وقد عزم على كتابة بحث مفصل في هذا الموضوع.

3) وقد ألحقنا صورة الأيقونة في آخر الكتاب.

النقد التاريخي للأدب البيزنطي

في النقد الأدبي الحديث فضلا عن المدارس النقدية، فإن هناك نظريات ومناهج متعددة يتم من خلالها دراسة النصوص الأدبية: مناهج نفسية واجتماعية، وربما أنثروبولوجية وغيرها. والذي يهمنا المنهج التاريخي في نقد وتحليل النصوص الأدبية.

يقول أحد فلاسفة القرن العشرين: إنه لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه الرواية التاريخية؛ لسبب بسيط وهو أن كل رواية لا بد أن تكون تاريخية! وغاية ما هنالك أنها إذا كانت تدور عن القديم فهي تتصل بالتاريخ القديم، أما إذا كانت تدور في الوقت الراهن فإنها تتصل بالتاريخ المعاصر، وليس من حق الأدب أن لا يكون تاريخيّاً.

الناقد يحلل الفنون على اختلافها، شعراً كانت أو نثراً، لوحة فنية كانت أو هندسة معمارية، بل أي نوع من أنواع الفنون يمكن تحليلها وفق نظريات النقد الحديث.

والنقد التاريخي محل اهتمامنا يأخذ من حوادث التاريخ وسيلة لتفسير الأدب، ومن الأدب وسيلة لفهم التاريخ! لأن النص ثمرة الأديب، والأديب ثمرة لثقافته، وثقافته إفراز للبيئة التي يعيشها، وبيئته جزء من تاريخ مجتمعه.

هكذا يمكن أن تفهم لماذا كثر المجون في شعر العصر العباسي، واختلف الشعر الجاهلي عن الأندلسي، فهذا يبكي على الأطلال وذاك يصف الطبيعة، وهذا

خشن في مفرداته وهناك لا تجد أثراً للبداوة، عند التأمل تجد الفارق شاسعاً بين التاريخ الجاهلي والعباسي والأندلسي، حين تعرف الظروف والمعطيات وكيف عاش هؤلاء، ستعلم لماذا كتب كل منهم ما كتب.

هذه البداية الواضحة عند عامة الدارسين، أما ما يجدر أن يبحث فيه هنا بعد دراسة وتمعن واطلاع على الأدب الإغريقي والتاريخ البيزنطي (1)، والربط بينه وبين ما رواه الصدوق رحمه الله في كمال الدين، فهو ما يرتبط بالحقبة الزمنية محل البحث، أي القرن التاسع الميلادي وما يقرب منه.

من أشهر الملاحم اليونانية ملحمة (ديجينيس اكريتيس) وهي فائقة الشهرة، لا يسع المطلع على الثقافة البيزنطية أن لا يمر عليها، بل قيل أن ملحمة ذات صبغة تاريخية في العصور الوسطى لم تحظ بالدراسة كما حظيت هذه الملحمة! كتبت في القرن العاشر الميلادي، وإذا كانت العرب تضرب مثلا فتقول: أشهر من قفا نبكِ؛ فإن على البيزنطيين أن يضربوا مثلا: أشهر من ديجينيس اكريتيس!

تدور قصتها حول أميرة بيزنطية اسمها إيرين (وتعني: السلام بالإغريقية) عاشت في القصور وحولها الخدم والحشم، تنبأ العرافون أنها ستختطف من أمير عربي، ولما بلغت الثانية عشر من عمرها، بدأ قلبها يتعلق بشخص رأته في منامها وطلبت منه أن يرحمها لتصل إليه! فأخبرت بذلك إحدى وصائفها حين استيقظت.


1) الإغريقية (اليونانية) هي لغة بيزنطة الرسمية من بعد عصر هرقل.

وفي يوم ما حينما كان أبوها مسافراً خارج المدينة، خرجت مع خادماتها ووصيفاتها إلى الريف للتنزه، فاختطفها هناك الأمير العربي منصور، وتزوجها، وأنجبت له ديجينيس أكريتيس.

وسمي (ديجينيس) لأنه ولد من عرقين مختلفين: عربي ورمي، وسمي (أكريتيس) لأن مهمته جلب السلام بين المسلمين والروم.

وحين كبر ديجينيس (ابن الأمير العربي والأميرة الرومية) واستطاع نشر السلام على الحدود الإسلامية الرومية استدعاه الامبراطور وقلّده رتبة بطريق، ومنحه امتيازات الملك وغير ذلك من مزايا.

ثم إن ديجينيس هذا له اسم آخر في القصة وهو باسيل، وهو اسم الامبراطور الفعلي الذي كان يحكم بيزنطة في السنوات المقاربة لتأليف الملحمة، كما أنه كشخصية وردت في الملحمة فإنه الذي نفى جد ديجينيس وأخرجه عن الإمبراطورية!

والأسطورة طويلة جداً، فيها تفاصيل كثيرة لا يمكن فهمها دون دراسة شاملة، لكن عدة أمور واضحة تقوي احتمال ارتباط الأسطورة بالواقع، منها أنه أشير فيها إلى أحداث واقعية كمعركة عمر بن عبيد الله الأقطع على الحدود الرومية، وهي ضمن معارك وقعت في فترة غياب السيدة نرجس علیها السلام عن القسطنطينية فعلا، وكانت المعركة قريبة من حصن معروف على الثغور اسمه حصن منصور لا يبعد أن اختيار الاسم للأمير العربي مرتبط فعلا بمعاني النصرة وبموقع المعركة التاريخي.

كما يلاحظ أن الامبراطور باسيل المقدوني تاريخيّاً هو الذي قضى على وجود الجد المحتمل للسيدة نرجس علیها السلام وتضمُّنُ الأسطورة إشارة إلى هذا المعنى ليس محض صدفة.

كما أن رؤى السيدة نرجس علیها السلام ومناماتها الواردة في كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق رحمه الله ورد شبيهه في الأسطورة الإغريقية وأن هذه الأميرة كانت تحدث بها وصائفها!

كما أن تنبأ العرافين بأن يكون لهذه الفتاة مستقبل مع أمير عربي ينسجم مع ما رواه الصدوق رحمه الله من اهتمام جدها الخاص بها!

ويمكن التأمل في موقف هرقل عند سقوط الشام بأيدي المسلمين وخروجه من الشام إلى القسطنطينية، فإنه لما وصل إلى سميساط (1)التفت منها نحو بيت المقدس وقال: عليكِ السلام يا سوريّة سلاما لا اجتماع بعده، إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم (2)!

أي أن ربط الأسطورة بثقافة الروم وتنبؤات العرافين وما ورثوه من فكرة


1) في المصدر شمشاط، وهو من التسامح في التعريب، والصحيح ما أثبتناه لأن الرواية ذكرت طريق هرقل الذي يمر بسميساط لا شمشاط.

2) البداية والنهاية لابن كثير في أحداث سنة خمس عشرة، وراجع أحداث نفس السنة عند الطبري وابن الأثير.

المخلص والمولود الذي يولد في آخر الزمان، وبين ما ورد في التاريخ سيكون أوضح بعد الدراسة التاريخية الدقيقة لظروف النص وما روي عن منامات رآها القيصر في تلك الفترة كل ذلك يؤكد أن ثمة حالة وعناية خاصة كانت في بيزنطة تجاه قصة هذه الأميرة.

إننا هنا لا ننقد النص اليوناني وندرسه على نحو التفصيل! ولكننا نشير إلى ما يمكن للناقد الأدبي أن يدرسه دراسة دقيقة، فالأساطير خيالات تنشأ من الواقع وتعاد صياغتها أدبيّاً بما يراه الأديب مناسباً، وعلى الباحث أن يعيش النص وظروفه، الأسماء المستعارة ورمزيتها، ثم ينظر في الفكر المسيحي واعتقاده بالإلهامات والمنامات وقول العرافين، وإلى أي حد يبني معتقداته في ذلك، ثم يصرف وقته وجهده لمعرفة الحقائق، فإن كان كما نتصور أن له ربطاً بما فيه فبها، وإن لم يكن له ربط فإن الدليل عندنا تام بغير هذه الأدبيات.


الفصل الثاني: القول الثابت ابنة قيصر الروم/ الروايات الواردة

اشارة

الفصل الثاني

القول الثابت ابنة قيصر الروم - أسماؤها الرومية تؤكد أصلها - احتمالات لا اعتبار لها

الإمام الجواد ابن النوبية الطيبة - الظروف الحرجة والتقية

الروايات الواردة

إن الروايات الواردة في والدة إمامنا الحجة عجل الله فرجه الشريف تؤكد أنها علیها السلام من نسل قيصر الروم، وقد يُتوهم من بعض الروايات وكلمات العلماء خلاف ذلك؛ وسنأتي خلال هذا الفصل على بيان بطلان هذا التوهم، والرد على ما قيل ومناقشته علميّاً، ومن الله التوفيق.


القول الثابت ابنة قيصر الروم

هذا هو القول القول المعتمد عند علمائنا وقد جرت الطائفة على العمل به ووردت فيه روايات متعددة يمكن الاعتماد عليها:

٭ الأولى: الخبر المفصل الذي أورده الشيخ الصدوق في كمال الدين تحت عنوان: (باب ما روي في نرجس أم القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الملك)، ورواه أيضاً الطبري رحمه الله في دلائل الإمامة، والطوسي رحمه الله في الغيبة بسند مختلف، ورواه أيضاً الطرابلسي رحمه الله والطبرسي رحمه الله (حكى ذلك عنهم السيد مير لوحي رحمه الله في كفاية المهتدي).

٭ الثانية: ما رواه الثقة الفضل بن شاذان رحمه الله، عن الثقة محمد بن عبد الجبار رحمه الله ونص الرواية:

قال: قلت لسيّدي الحسن بن علي علیه السلام: يا ابن رسول الله! جعلني الله فداك، أحبّ أن أعلم من الإمام وحجّة الله على عباده من بعدك؟ قال علیه السلام: إنّ الإمام والحجّة الله من بعدي ابني، سميّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكنيّه، الّذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه. فقلت: ممّن یتولّد يا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن (1)قيصر ملك الروم؛ ألا إنّه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثمّ يظهر ...


1) بعض المصادر نقلت هكذا: (من ابنة قيصر ملك الروم). والثابت أنها حفيدة القيصر لا ابنته مباشرة؛ ولكن لا إشكال في العبارتين، المثبت في المتن يحمل على التعبير الحقيقي، وما ورد في النسخ الأخرى يحمل على أنها ابنة القيصر بالواسطة؛ وكلا الاستعمالين متعارفان وعلى نحو الحقيقة لا المجاز.

٭ الثالثة: ما رواه الثقة الفضل بن شاذان رحمه الله أيضاً عن الثقة محمّد بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد الله بن العبّاس بن أمير المؤمنين علیه السلام. ونص الرواية:

قال: سمعت أبا محمّد علیه السلام يقول: قد ولد ولي الله، وحجّته على عباده، وخليفتي من بعدي، مختونا ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر، وكان أوّل من غسله رضوان خازن الجنّة مع جمع من الملائكة المقرّبين بماء الكوثر والسلسبيل، ثمّ غسلته عمّتي حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا عليهما السلام.

فسئل محمّد بن عليّ بن حمزة رضي الله عنه عن أمّه علیه السلام، قال: أمّه مليكة، الّتي يقال لها بعض الأيام: سوسن، وفي بعضها: ريحانة، وكان صيقل ونرجس أيضا من أسمائها.


أما الرواية الأولى فتأتي مناقشتها والكلام فيها مفصلا في الفصلين الثالث والرابع من هذا الكتاب، أما الرواية الثانية والثالثة فصحيحتا السند، وهما مرويتان في كتاب إثبات الرجعة للفضل بن شاذان رحمه الله (المتوفى سنة 260ه-). ونُقلت عن كتاب الرجعة للفضل بن شاذان في أربعة مصادر مهمة، وهي:

(1) كفاية المهتدي لمعرفة المهدي، للسيد محمد مير لوحي رحمه الله المتوفى بعد سنة 1083ه-، وقد كانت بيده رحمه الله نسخة من كتاب الفضل بن شاذان ينقل عنها مباشرة وهي نسخة معتمدة.

(2) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للشيخ الحر العاملي رحمه الله المتوفى سنة 1104ه-، (نقل رواية محمد بن عبد الجبار)، وقد كانت بيد الحر العاملي رحمه الله نسخة مختصرة من كتاب الفضل بن شاذان، وهي موجودة بخط يده رحمه الله في مخطوطات مكتبة السيد الحكيم قدس سره في النجف الأشرف، ويبدو أن الحر اعتمد على نسخة المير لوحي.

(3) الأربعون، للسيد مير محمد صادق الخاتون آبادي رحمه الله المتوفى سنة 1272ه-، والظاهر أن نسخة كتاب الفضل بن شاذان وصلت إليه فنقل عنها مباشرة. (1)

وذكر السيد ياسين الموسوي في تحقيقه على كتاب كفاية المهتدي ص 11 أن المير لوحي والمير محمد صادق خاتوني ممن نقلوا مباشرة عن كتاب إثبات الرجعة للفضل بن شاذان.

(4) النجم الثاقب، للمحدث الميرزا حسين النوري الطبرسي رحمه الله المتوفى سنة 1263ه-، ولعله نقل ما رواه عن كتاب كفاية المهتدي للمير لوحي.

كما تعرض لهذا البحث سماحة السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله في القبسات (2)ورأى اعتبار رواية محمد بن عبد الجبار المصرح فيها بكون السيدة نرجس من نسل قيصر الروم وإمكان الاعتماد عليها، بعد تصحيح طريق الحر رحمه الله إلى كتاب الفضل بن شاذان رحمه الله.

وعليه تكون الروايتان الثانية والثالثة صحيحتا السند، ولا ينبغي الشك


1) كتابي كفاية المهتدي للمير لوحي والأربعون للمير محمد صادق خاتوني حققهما وترجمهما السيد ياسين الموسوي حفظه الله وطُبع في مركز الدراسات التخصصية للإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) قبسات من علم الرجال 283/3

في ذلك بعد تصحيح الطريق إلى كتاب الفضل بن شاذان رحمه الله. ولا أجد مزيد حاجة للتفصيل في هذه الجزئية ما يضطرنا للدخول في بحوث رجالية وإنما لابد من فهم دلالات هذه الروايات.

أما رواية محمد بن عبد الجبار فصريحة في كون والدة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف من نسل قيصر الروم، وهو كافٍ في إثبات المطلوب.

أما رواية محمد بن علي حفيد أبي الفضل العباس علیه السلام تذكر أن والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف هي مليكة، ومليكة اسم لم يُذكر إلا في الرواية المفصلة (أعني رواية بشر النخاس) التي نسبت السيدة نرجس علیها السلام إلى القيصر، وهذا شاهد ومؤكد على صحة رواية بشر النخاس التي فصّلت مجيء السيدة نرجس علیها السلام من الروم إلى سامراء، أي أن الخبر الذي ينص على أن اسم والدة الإمام (مليكة) يدل بالدلالة الالتزامية على كونها من نسل قيصر الروم، وافتراض الصدفة في تشابه الأسماء أو التواطئ على الكذب افتراض غير عقلائي؛ لذا فإن تطابق قولين بهذه الكيفية يورث اليقين.

ويستفاد من الروايات ومن السياق التاريخي ومن أحوال الرواة أن الفضل بن شاذان كان يعيش بعيداً عن الإمام العسكري علیه السلام إما لكونه وكيلا مكلفّاً بمهمة في نيشابور أو لأي مانع من وصوله إلى الإمام؛ لذلك لم يكن يرو مباشرة عنه ولا عن أبيه الهادي علیه السلام وهذا يُفهم من الظرف الحرج الذي مرت به الطائفة آنذاك ومن شدة التقية والاضطراب الأمني والملاحقات المتكررة.

إن حكام الجور منذ عهد إمامنا موسى بن جعفر علیه السلام استطاعوا بشتی السبل والوسائل أن يعزلوا الشيعة عن أئمتهم، فما كان متاحاً لأبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم وأبان بن تغلب وهشام بن سالم وسائر الأصحاب رضوان الله عليهم لم يعد متاحاً لمن بعدهم، فالإمام موسى بن جعفر علیه السلام أودع في السجن عدة سنوات، والإمام الرضا علیه السلام عزل عن شيعته في قصر المأمون، والإمام الجواد علیه السلام عزل عن شيعته في قصر المأمون فترة، وفترة في قصر المعتصم، أما الإمام الهادي والعسكري علیهما السلام فقد عزلا عن الشيعة أيضا بين الإقامة الجبرية والسجون؛ حتى أن بورق البوشنجاني رحمه الله خرج من بلده (هراة) قاصدا الحج فمر في طريقه على بغداد فالتقى بمحمد بن عيسى العبيدي رحمه الله فرآه مع جملة من الشيعة مغتمين محزونين، فسألهم عن السبب، فقالوا له: إن أبا محمد علیه السلام قد حبس، ولما عاد من الحج مر بالعبيدي أيضا وقد انجلى عنه الهم، فسأله عن ذلك فأخبره بأنه أفرج عن الإمام علیه السلام، ثم إن الراوي مر على سر من رأى وتمكن من لقاء الإمام هناك. (1)

إن هذا الاضطراب عند الشيعة في سائر البقاع وتطلعهم إلى أخبار الإمام وعدم تيسر الوصول إليه دائماً حالة عامة كانت عند أجلة أصحابنا رضوان الله عليهم، وسيرة الإمام العسكري علیه السلام واضحة في ذلك، فلا تجد في تفاصيل حياته اختلاطا مباشرا إلا مع خاصة أصحابه، أما البقية فكان يتواصل معهم بالمكاتبة أو عن طريق الوكلاء.


1) راجع معجم رجال الحديث 311/14

وهذا ما يبين الوجه في أن يروي الشيخ الطاعن في السن القديم في الولاء والصحبة لأهل هذا البيت علیهم السلام عمّن هو دونه في السن؛ إن الفضل بن شاذان لم یکن قريباً من الإمام العسكري علیه السلام بل كان في نيشابور يتطلع إلى أخبار ولادة الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف فيسأل عن ذلك من يتمكن حتى جمع الأخبار وكتب كتابه في الغيبة.

إن المؤكد أن الفضل بن شاذان أدرك الرضا علیه السلام وتوفي قبيل استشهاد الإمام العسكري علیه السلام لكن الأخبار لم تذكر لنا شيئا عن تواصله المباشر مع الإمامين العسكريين علیهما السلام لما تقدم من علل، فكان متوجِّهاً أن يتطلع إلى أكثر الأخبار خطراً وأهمية ممن هو قريب من الإمام علیه السلام کمحمّد بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد الله بن العبّاس بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، الذي ورد أن السيدة نرجس علیها السلام أقامت في داره بعد شهادة الإمام العسكري علیه السلام.

مضافاً إلى هذه الروايات، وما سيأتي من قرائن متفرقة في مطاوي البحث، فإن تسالم علمائنا على مر العصور على هذا المعنى يزيد في القلب يقينا، ويكفيك للاطمئنان ما ورد في زيارتها علیها السلام، التي ذكرها الشيخ المفيد (المتوفى 413ه-) (1)، وابن المشهدي (المتوفى 594ه-) (2)، والسيد ابن طاووس (المتوفى 664ه-) (3)


1) حكى ذلك عنه العلامة المجلسي في بحار الأنوار 72/102

2) مزار ابن المشهدي 660 وذكر ابن المشهدي أنه سمع الزيارة من أحد مؤمني البحرين. وافترض البعض أن الزيارة من وضع هذا المؤمن، أي أنه ألّف الزيارة فتبعه عليها الأعاظم! وهذا عجيب! فضلا عن ذلك فإن العلامة المجلسي نقلها عن الشيخ المفيد المتوفى قبل ابن المشهدي وهذا الزائر!

3) مصباح الزائر 413

والشهيد الأول (المتوفى 786ه-) (1)والعلامة المجلسي (المتوفى 1111ه-) (2)رَحِمَهُمُ اللهُ، وأوردها بعدهم المحدث الشيخ عباس القمي رحمه الله في مفاتيح الجنان قائلا: ثم تزور مليكة الدنيا والآخرة أم القائم علیه السلام. ومما جاء في زيارتها:

السلام على والدة الإمام والمودعة أسرار الملك العلام، والحاملة لأشرف الأنام، السلام عليك أيتها الصديقة المرضية، السلام عليك يا شبيهة أم موسى، وابنة حواري عيسى، السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك أيتها الرضية المرضية. السلام عليك أيتها المنعوتة في الإنجيل، المخطوبة من روح الله الأمين، ومن رغب في وصلتها محمد سيد المرسلين، والمستودعة أسرار رب العالمين، السلام عليك وعلى آبائك الحواريين، السلام عليك وعلى بعلك وولدك، السلام عليك وعلى روحك وبدنك الطاهر.

هذا شيء مما تعاهده أساطين الطائفة من المحدثين والأصوليين، وهو كافٍ وتام، وبإيراد المزيد من الأقوال يطول المقام. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ علیه السلام: عَلَيْكَ بِالتِّلَاد (3)وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثٍ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ وَلَا ذِمَّةً وَلَا مِيثَاقَ. (4)



1) مزار الشهيد الأول 211

2) زاد المعاد 539

3) التلاد: القديم

4) أصول الكافي: 639/2

أسماؤها الرومية تؤكّد أصلها

من القرائن اللطيفة المؤكدة على أنها علیها السلام من أصل رومي ما ذُكر من أسمائها المباركة؛ مليكة ونرجس.

أما مليكة فهو اسم سرياني، والسريانية لغة الطقوس العبادية عند النصارى، وقد ذكرت المعاجم السريانية هذا الاسم بصيغة ملكو (1)، ومعناه نفس المعنى العربي، فالسريانية والعربية لغتان من أسرة اللغات السامية التي تشمل العبرية والآرامية أيضا.

ويظهر أن هذا الاسم اسم ديني مرتبط بالمذهب الرائج في القسطنطينة آنذاك وهو المذهب الملكاني وهو من أهم مذاهب النصارى يومها، فالتسمية بمليكة في القسطنطينية أشبه بمن يسمي نفسه (إسلام) أو (مسلم) في بلادنا.

كما أنه من الطبيعي في ثقافة النصارى تعدد الأسماء، لكن يتميزون عن العرب باختيار اسم ديني فضلا عن الاسم الرسمي، لتقريب الفكرة، فإن بابا الفاتيكان اليوم يعرف باسم البابا فرنسيس، لكن هذا الاسم سمي به حين تقلد المنصب تأسيّاً بأحد القديسين، وإنما اسمه الأصلي خورخي.

وفي التاريخ البيزنطي شاعت هذه الظاهرة عند شخصيات كثيرة، على سبيل المثال فإن الإمبراطور قسطنطين الأول له بنت تعرف باسم قنسطنطينا، ولها


1) راجع النبراس في أسماء الناس الجوزيف أسمر ملكي ص 8، ص73، وجنان الأسماء السريانية لكبرئيل صومي ص 61 .

اسم آخر وهو القديسة كونستانزا، والإمبراطور فلافيوس زينون كان اسمه الأصلي تاراسيكوديسا، وتجد هذا الأمر مطردّاً في تاريخ النصارى.

لذلك ذكرت الرواية المفصلة التي رواها الشيخ الصدوق رحمه الله اسمين عن لسان السيدة نرجس علیها السلام، أحدهما (مليكة) والآخر (نرجس) (1)، واسم مليكة لم يكن شائعاً عند العرب، ويحتمل كونه - بما تقدم من بيان - اسماً دينيّاً للسيدة علیها السلام.

أما اسم نرجس فهو اسم يوناني، وهو نبات معروف طيب الرائحة، تكتب باليونانية: vápKIooos وتنطق: narkissos وانتقل إلى العربية من الفارسية، وتنطق بالفارسية: نَرگِس . (2)

وقد أسند المعجم هذه المعلومة إلى المصادر التالية: المعرّب من الكلام الأعجميّ للجواليقي ص 379- 380 ، والألفاظ الفارسيّة المعرّبة لأدّي شير ص 151 ، وشرح أسماء العقّار لمايرهوف ص 124-125؛ ومعجم الألفاظ الزراعيّة للشهابي ص 447 ، وغرائب اللغة العربيّة لليسوعي ص 271 ، والمفصّل في الألفاظ الفارسيّة المعرّبة للمنجّد ص 76، والمصطلح الأعجمي لابن مراد ج 2 ص 785، وأيضا:

.Vullers: LPL, vol. 2, p. 1304; Steingass: PED, p. 1895; Bailly: DGF, p. 1312; Laufer: Sino-Iranica, p. 427; Glûnz: E12, vol. 7, p. 964; Corriente: DAA, p. 525

وفي الرواية أنها علیها السلام اختارت اسم نرجس على البديهة حين أرادت إخفاء هويتها وانتسابها إلى أسرة القيصر، ويكون من المناسب لأصلها الرومي أن تختار


1) الظاهر في الرواية أنها اختارت هذا الاسم لتخفي هويتها باعتباره اسماً يليق بالجواري، أما اسمها الأول فيبدو أنه اسماً للطبقة النبيلة. ولا يبعد أن يكون لها أسماء أخرى عرفت بها في بيزنطة.

2) نقلا عن معجم الدوحة التاريخي، وهو معجم الكتروني يبحث في جذور الكلمات العربية وتطور معانيها تاريخيّاً، ساهم في إعداده عدد واسع من الدكاترة وأساتذة اللغة.

اسماً روميّاً تعرف به الجواري لتخفي هويتها.

ولا يمكن أن يكون اختيارها هذين الاسمين محض مصادفة من الراوي جعلته يبتكر اسماً سريانيّاً غير معروف في الأوساط العربية، واسم فتاة أصله يوناني، بما يكون مناسباً لثقافة أميرة بيزنطية!

ثم إن هذين الاسمين وردا في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله وفي رواية الفضل بن شاذان عن محمّد بن عليّ بن حمزة، هل يتصور أن تقع مصادفة من هذا النوع حيث لا مجال للقول بأن أحدهما أخذ اسم مليكة من الآخر.

وهل كان الفضل بن شاذان يعلم أن اسم مليكة ذو أصل سرياني جذره اللغوي مثل جذر مذهب حكام بيزنطة الملكانيين (Melkite) وعليه يكون من المناسب أن ينسب للسيدة علیها السلام اسما يليق بابنة القيصر، فيروي هذا الاسم عن محمد بن علي بن حمزة، ويروي كونها ابنة القيصر عن محمد بن عبد الجبار رَحِمَهُمُ اللهُ .

إن تعيين هذه الأسماء للسيدة علیها السلام قرينة قوية على صدق القول بأنها من نسل قيصر الروم، لأن المدلس إن أراد وضع اسم ديني لامرأة نصرانية فإنه سينتخب اسما مشهوراً مثل ماريا! أما اسم مليكة وتكراره في أكثر من رواية وانسجامه مع الأصل البيزنطي للسيدة علیها السلام فإنه لا يمكن أن يصدر من وضّاع يكون بهذه الدقة والمعرفة! ثم تقع المصادفة على وضاع آخر يضع نفس الاسم! الأول يرويه الشيخ الصدوق بسنده عن الرهني عن بشر النخاس، والثاني يرويه الفضل بن شاذان عن محمد بن علي بن حمزة! بربك أي مصادفة في الوضع

والتلفيق تقع في مثل هذه المعطيات!

وأعجب من ذلك اتفاق اسم نرجس مع ما رواه جابر الأنصاري (1)أنه رأى عند الصديقة الزهراء علیها السلام صحيفة بيضاء من در فيها أسماء الأئمة علیهم السلام وفيها: أبو القاسم محمد الحسن هو حجه الله القائم أمه جاريه اسمها نرجس.



1) عيون أخبار الرضا 47/2

احتمالات لا اعتبار لها

في الحقيقة لا يوجد خلاف معتد به بخصوص شخصية السيدة نرجس والدة مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالی فرجه الشریف و تحديد أصلها. غير أن البعض طرح احتمالات للمناقشة - وتكثير الاحتمالات في كثير من الأحيان أمر غير حسن لأنه يخلق حالة شكٍّ في النفوس، ويصوّر المسألة كأنها مسألة خلافية جدلية- وحين التدقيق في الاحتمالات نجدها مجرد افتراضات لا قائل بها، ولا يمكن قبول شيء منها حسب الموازين العلمية.

والاحتمالات المفترضة في المسألة هي:

٭ الأول: أن والدة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف من بلاد السند، ومستند هذا القول خبر وولادة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف المروي في الهداية الكبرى (1)وفيه تقول السيدة حكيمة أن السيدة نرجس خاطبتها بالسِّندية. وعليه فإنها صاحبة لسان سِندي فهي من بلاد السِّند.

والعجيب أن من ابتكر هذا الاحتمال أجاب عن نفسه بأن عبارة السندية غير موجودة في مخطوطات الهداية الكبرى أصلا والموجود فيها أنها خاطبتها بالسيادة، وهو المتناسب مع ما رواه الشيخ الطوسي والصدوق رَحِمَهُمُ الله بألفاظ أخرى.

ثم إننا نتساءل أن عبارة مجملة لا تحمل الدلالة على أن السيدة نرجس علیها السلام


1) الهداية الكبرى 355

من بلاد السِّند، وردت مصحفّة مطبوعة بالخطأ في كتاب محل جدل علمي بين الأعلام، معارضة بما ورد في الكتب المعتبرة، كيف يمكن أن تشكل احتمالا لما نحن فيه!

مجرد خطأ مطبعي واضح، وافتراضه احتمالا مدعاة للريبة!

٭ الثاني: أنها علیها السلام من المغرب، وهذا لم يقل به أحد أيضاً، غير أن سماحة الشيخ علي الكوراني حفظه الله ذكر ذلك في بعض كتبه (1)قائلا: (...حيث اتفقت الروايات على أن أم المهدي عليه السلام رومية أو مغربية).

كان من السهل التواصل مع سماحة الشيخ حفظه الله وسؤاله عن ذلك، فأخبرني أن مقصوده من كونها مغربية أنها من جهة الغرب لا من الشرق، وليس المقصود أنها من البربر أو بلاد المغرب المعروفة. وإن كان ثمة ملاحظة على العبارة فإنه على طريقة سبكها لا على محتواها، فإن الروم تطلق ويراد منها أحياناً عدة من بلاد الغرب كالدولة البيزنطية والدولة الرومانية، وما ذلك إلا لتسامح بعض الكتاب في تدوين الاسم خصوصا وأن الروم تغيرت عاصمتهم عبر القرون والسنوات، فالإشارة إلى الأعم من كونها علیها السلام من بيزنطة أو روما بالإشارة إلى غرب الأرض أمرٌ مناسب، لكنه غير دقيق، والشيخ جاء بهذا الوصف استطراداً في مقام نفي كونها علیها السلام أمة سوداء لا في مقام تحديد أصل السيدة علیها السلام من أي بلد على نحو الدقة.


1) معجم أحاديث الإمام المهدي علیه السلام 239/3

وخلاصة الأمر أن أحداً لم يقل بأن والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف من بلاد المغرب، فكونها مغربية لا يعد - علميّاً - من الاحتمالات لا القوية ولا الضعيفة!.

٭ الثالث: أنها علیها السلام من النوبة، ولم يرد في ذلك أية رواية ولم يقل به أحد من علمائنا الذين كتبوا في سيرة الأئمة علیهم السلام ومستند القائل بذلك ما روي في السيدة خيزران النوبية علیها السلام والدة الإمام الجواد علیه السلام! (1)

٭ الرابع: وهناك قول بأن أم الإمام هي مريم بنت زيد العلوية أخت الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، أشار إليه الخصيبي في الهداية الكبرى (2)وأشار إليه الشهيد الأول رحمه الله (3)أيضاً؛ لكنهما لم يقبلاه ولم يقولا به؛ أما الخصيبي فقد صرّح بأن الصحيح أنها نرجس، وأما الشهيد الأول فقد جاء بهذا القول على نحو التضعيف، وأورد زيارتها في مزاره (4)بما يؤكد كونها من نسل قيصر الروم المذكورة في رواية بشر النخاس.

وأول من أشار لهذا القول هو الخصيبي وعنه أخذه الشهيد الأول وغيره،


1) سنتناول الخبر بالتفصيل.

2) قال الخصيبي: وأمه: صقيل، وقيل: نرجس. ويقال: سوسن، ويقال: مریم ابنة زيد أخت حسن، ومحمد بن زيد الحسيني الداعي بطبرستان وان التشبيه وقع على الجواري أمهات الأولاد، والمشهور والصحيح: نرجس فهذا من دلائله (عليه السلام). الهداية الكبرى 328

3) قال الشهيد الأول رحمه الله في الدروس 16/2 : أمّه صقيل، وقيل: نرجس، وقيل: مريم بنت زيد العلويّة.

4) مزار الشهيد الأول 211

وكلهم ذكروه على نحو التضعيف، ولا يُعلم من أين جاء به الخصيبي وهو واضح البطلان مخالف للثابت من كونه عجل الله تعالی فرجه الشریف ابن أمة الموصوفة بسيدة الإماء، ولا يعرف وجه هذا القول، ولا يعرف قائله أصلا، ومستنده واضح الضعف (1).

هذا كل ما ذكر كاحتمال في المسألة، والواضح أن لا شيء منها يصلح لتشكيل قناعة عند القارئ المحترم، ويبقى القول بأنها من نسل قيصر الروم هو الثابت بما لا مزيد عليه؛ لصحة الرواية سنداً، وانسجامها تماما مع ما ذكر في التاريخ البيزنطي وسيأتي تفصيل ذلك.



1) لكن النافع في الأمر أن تعرضهم لمثل هذا القول يفتح باباً لمن يدرس سيرة الإمام العسكري علیه السلام لأن ما ورد عن حياته الخاصة علیه السلام قليل جداً وذلك بسبب ظرف التقية والإقامة الجبرية والضغط الشديد الذي عاشه، ما يجعل الباحث في سيرته علیه السلام يتساءل إن كان للإمام زوجات حرائر فضلا عن الإماء؟ فالقول هذا يفتح بابا للتأمل بجوانب أخرى من سيرة الأئمة علیهم السلام.

الإمام الجواد علیه السلام ابن النوبية الطيبة الفم

الإمام الجواد علیه السلام ابن النوبية الطيبة

السيدة خيزران النوبية رضوان الله عليها من صعيد مصر من قرية اسمها مريس، وهي نوبية مريسية، وتسمى سبيكة وريحانة ودرة، وسماها الرضا علیه السلام خيزران، وهي من أهل بيت مارية القبطية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (1).

وقد وردت في مدحها عدة روايات؛ منها ما ورد أن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام لم يدركها ولكنه أثنى عليها وأمر بإبلاغها سلامه (2)، وترتبط ببحثنا روايتان إحداهما عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم والأخرى عن الرضا علیه السلام يأتي الكلام عن الروايتين بعد بيان الظرف الذي عاشه إمامنا الرضا علیه السلام.

عاش مولانا ثامن الحجج الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام مرحلة عصيبة بسبب فتنة الواقفة لعنهم الله. وزعماء الواقفة مجموعة من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام انحرفوا عن الجادة بعد أن كان فيهم الثقاة ورواة الحديث والعلماء وبعضهم كان من وكلاء الإمام علیه السلام، وبعد استشهاد الإمام الكاظم علیه السلام أنكروا إمامة الرضا علیه السلام.

وظاهرة الوقف ليست الأولى في الوسط الشيعي فقد وقف بعضٌ على الباقر علیه السلام وبعضٌ على الصادق علیه السلام ونشأت فرق الباقرية والناووسية (3)غير أنها


1) ملخصّاً عما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله في مطلع الجزء 50 من البحار.

2) الكافي 1/ 315

3) الباقرية وقفوا على إمامنا الباقر علیه السلام وزعموا أنه القائم المهدي، أما الناووسية فهم أتباع: عجلان بن ناووس، وقفوا على إمامة الصادق علیه السلام وزعموا أنه القائم المهدي. ولا أثر لهاتين الفرقتين، ما يظهر أنها كانت شبهة طارئة وزالت. (راجع بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني ج 7 ص 49)

فرق سرعان ما اندثرت ولم تترك أثرها على الوسط الشيعي لأن شبهاتهم كانت ناشئة عن جهل، لكن الجديد في الأمر أن الذين وقفوا على موسى بن جعفر علیه السلام كانت شبهاتهم ناشئة عن مكر وشيطنة ولم تصدر من جهلاء لا حظ لهم في العلم؛ لذا فإن فتنتهم أربكت الوسط الشيعي عند الطبقة الأولى من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام فضلا عن غيرهم.

وإحدى شبهات الواقفة كانت مبنية على قواعد ثابتة عند الشيعة، وهي أن الإمامة بعد الحسن والحسين علیهما السلام لا تكون في أخوين وإنما تكون في الأبناء، والرضا علیه السلام شارف عمره على الخمسين ولم يرزق بولد، وهو كآبائه مهدد بالقتل في أي وقت، ومن ليس له ولد لن يكون إماماً؛ وعليه تبطل إمامة الرضا علیه السلام كما زعم أصحاب الوقف.

تجد هذه الشبهة في عدة موارد عند مطالعتك لكتب السيرة، تارة في معاجز الإمام الرضا علیه السلام وإنبائه عن الغيب، وأخرى في النص على الإمام الجواد علیه السلام، وثالثة ضمن الحديث عن أحوال الواقفة.

ومن جملة ما ورد في هذا الشأن ما عن الحسين بن يسار (1)قال: استأذنت


1) الحسين بن يسار (أو ابن بشار) اختلفوا في اسمه، قال الكشي إنه رجع عن القول بالوقف وقال بالحق، وتفصيل ما يتعلق بأحواله في معجم رجال الحديث 6/ 220

أنا والحسين بن قياما (1)على الرضا علیه السلام في صريا فأذن لنا، فقال: افرغوا من حاجتكم. فقال له الحسين: تخلو الارض من أن يكون فيها إمام؟ فقال علیه السلام: لا. قال: فيكون فيها اثنان؟ قال علیه السلام: لا؛ إلا وأحدهما صامت لا يتكلم. قال: فقد علمت أنك لست بإمام! قال علیه السلام: ومن أين علمت؟ قال: إنه ليس لك ولد؛ وإنما هي في العقب! قال: فقال علیه السلام له: فوالله لا تمضي الأيام والليالي حتى يولد لي ذكر من صلبي، يقوم مثل مقامي، يحق الحق ويمحق الباطل. (2)

وبقيت هذه الشبهة محل ابتلاء للمؤمنين يؤيد ذلك ما روي عن البزنطي (3)أنه قَالَ: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبِك؟ فأشتهي أن تسأله حتى أعلم. قال البزنطي: فدخلتُ على الرضا علیه السلام فأخبرته، قال: فقال لي: الإمامُ ابني، ثم قال: هل يتجرّأ أحدٌ أن يقول ابني وليس له ولد؟ (4)

وعن ابن بزيع (5)، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنه سئل أو قيل له أتكون الإمامة في عم أو خال؟ فقال: لا. فقال: في أخ؟ قال: لا. قال: ففي من؟ قال: في


1) الحسين بن قياما، واقفي كان من أعدى الخلق للرضا علیه السلام، راجع معجم رجال الحديث 69/7

2) بحار الأنوار 34/50 عن الكشي، ونحوه في الكافي في باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني علیه السلام.

3) أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي: كوفي ثقة لقي الرضا علیه السلام، و كان عظيم المنزلة عنده، راجع معجم رجال الحدیث 17/3

4) بحار الأنوار 22/50

5) محمد بن إسماعيل بن بزيع كان من صالحي هذه الطائفة، راجع معجم رجال الحديث 103/16

ولدي. وهو يومئذ لا ولد له. (1)

وعن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام: قد بلغْتَ ما بلغْتَ وليس لك ولد، فقال: يا عقبة إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى خلفه من بعده. (2)

وأيضا روي عن صفوان بن يحيى (3)رضوان الله عليه قال: قلت للرضا علیه السلام: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول يهب الله لي غلاما، فقد وهب الله لك، وأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك؛ فإن كان كون فإلى مَن؟ فأشار بيدِه إلى أبي جعفر علیه السلام وهو قائم بين يديه .. الخبر (4).

ويستفاد من عبارة صفوان (قد كنا نسألك) أن ثمة حالة عامة في الوسط الشيعي وهي السؤال عن الخلف بعد الرضا علیه السلام، وأن المؤمنين كانوا يترقبون خبر ولادة إمامنا أبي جعفر الثاني محمد الجواد علیه السلام.

لذا فإن ولادته سلام الله عليه كانت سببا في دفع شبهة خطيرة من شبهات الواقفة وتثبيت قلوب المؤمنين وهذه إحدى بركات الإمام الجواد علیه السلام، وهي إحدى المعاني المستفادة من الرواية الواردة عن الرضا في ولده الجواد علیه السلام:


1) بحار الأنوار 35/50

2) بحار الأنوار 35/50

3) صفوان بن يحيى كوفي ثقة ثقة كانت له منزلة شريفة عند الرضا علیه السلام وكان من أهل العبادة وقد سلم مذهبه من الوقف، وترجمته وفضله مذكور بالتفصيل، راجع معجم رجال الحديث 134/10

4) بحار الأنوار 21/50

هَذَا الْمَوْلُودُ الَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ. (1)

وكان في إمامنا الجواد سمرة شديدة باعتبار أن أمه من النوبة، حتى أن الإمام الرضا علیه السلام قال فيه: قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم، قدست أم ولدته، قد خلقت طاهرة مطهرة. (2)

والمعلوم أن النبي موسى على نبينا وآله وعليه السلام كان شديد السمرة (3)، فهذا وجه من وجوه الشبه، إلا أن هذه الهيئة لم تعهد في الأئمة علیهم السلام وهذا ما جرّأ الواقفة لعنهم الله (4)

ولا يبعد أن عوامل متعدد كانت سبباً في هذه الفتنة.

على التجاسر على والدة الإمام علیه السلام وهذا وجه من وجوه الشبه بين إمامنا الجواد علیه السلام وعيسى بن مريم علیه السلام، وقرينة ذلك براءة أمهاتهم من كل شك وتهمة وريبة، لذا يقول فيها الإمام الرضا علیه السلام قدست أم ولدته قد خلقت طاهرة مطهرة؛ لا يعتريها شك ولا ريب، كما أن مريم العذراء

1) فروع الكافي 361/6 ، ونحوه في أصول الكافي 321/1

2) بحار الأنوار 15/50 . والجدير بالتنبيه أن لهذا الخبر شروحات ووجوه متعددة للتشبيه، وما سيأتي في المتن أحدها، أما الوجوه الأخرى فخارج محل البحث لذلك لم نتعرض لها رغم أهميتها.

3) بحار الأنوار 13/ 30 عن تفسير القمي في حديث عن الصادق علیه السلام أن موسى كان شديد السمرة في ضمن خبر موسى وآية خروج يده بيضاء من غير سوء.

4) احتمل البعض أن الفتنة سبيها بعض الحساد من بني هاشم، فيما ترجح القرائن التاريخية أن الواقفة هم رأس هذه الفتنة، وفي ذيل الرواية: لعن الله الأعيبس وذريته صاحب الفتنة، وقال أكثر الشراح أن الأعيبس إشارة لبني العباس.

طاهرة من كل تهمة وكل ما قيل فيها.

وهذه إحدى المصائب التي مرت على إمامنا الرضا علیه السلام حتى اضطر الإمام علیه السلام على أن يقبل بعرض الإمام الجواد علیه السلام على القافة (1)

والقيافة قيافتان، قيافة الأثر، وقيافة البشر، وهي لا تكون عن دراسة وتعلم وإنما ملكات متوارثة في بعض الأقوام. أما قيافة الأثر فالقائف يتتبع الأثر فيعرف الماشي رجلا كان أو امرأة، شيخا كان أو شابّاً، بكراً كانت أو ثيبّاً، ويعرف من آثار خطواته بعض خصاله من كونه هارباً سارقا قاتلا غريباً مستوطناً أو غير ذلك، يقتفي الأثر حتى على الأرض الرملية بل الصلبة، وحتى مع محو الآثار، وهو عجيب غريب لكن كتب الأدب والتاريخ روت الكثير من أخبار القافة، حتى تواترت غرائبهم لكل مطلع على التاريخ، بل إن بعض الجهات الأمنية تعتمد على القافة إلى اليوم.

ومن قصص القافة ما جاء في المستطرف للأبشيهي أنه اختلف رجلان من القافة في أمر بعير وهما بين مكة ومنى فقال أحدهما: هو جمل، وقال الآخر: هي ناقة، وقصدا يتبعان الأثر حتى دخلا شعب بني عامر فإذا بعير واقف فقال أحدهما لصاحبه: أهو ذا؟ قال: نعم، فوجداه خنثي فأصابا جميعا.

، دفعا للريب والشك. وفى هذا السياق جاءت الرواية المفصلة في الكافي الشريف، ونص الرواية كما أوردها ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه:

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ وعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الْقَاسَانِيِّ جَمِيعاً، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ (2)

لذا فقد اعترض بعضٌ على الرواية الواردة في المتن بأنها لا تليق بشأنه رضوان الله عليه وأن مثل ذلك لا يصدر منه، لكن رغم ذلك فإن جلالة قدره لا تلزم عصمته وعدم وقوعه في الاشتباه.

يقول سماحة الشيخ باقر الأيرواني حفظه الله مجيباً عن هذا التساؤل (كما جاء في تقرير بحث الفقه 4 ذي الحجة 1437ه-): إنَّ المؤمن لابد وأن يلوذ بالله عزّ وجلّ، فلعلّ الإنسان يحوص حيصةً، فإنه قد يحصل في بعض اللحظات انحراف، فلعله طرأ ما طرأ ولكن الرجل غسلها بعد ذلك - مثل بعضٍ فإنه حاص حيصةً غسلها يوم صفّين على تقدير صحّة هذه الرواية - فكان الرجل يقدّم النعل إلى الإمام الجواد علیه السلام رغم أنه رجل شيبة والإمام الجواد علیه السلام كان شابّاً.

يُحَدِّثُ الْحَسَنَ بْنَ الحُسَيْنِ

1) القافة، جمع قائف وهي من القيافة.

2) علي العريضي رضوان الله عليه بن الإمام جعفر الصادق علیه السلام لاشك في جلالة قدره وحظوته عند الأئمة علیهم السلام وله قضية مشهورة في إقراره بفضل إمامنا الجواد علیه السلام بداية إمامته، وهي كما رواها ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الكافي: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ جَالِساً بِالْمَدِينَةِ وَكُنْتُ أَقَمْتُ عِندَهُ سَنَتَيْنِ أَكْتُبُ عَنْهُ مَا يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الرِّضَا علیه السلام الْمَسْجِدَ - مَسْجِدَ الرَّسُولِ صلی الله علیه و آله و سلم- فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بِلَا حِذَاءِ وَلَا رِدَاءِ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَعَظَّمَهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرِ علیه السلام: يَا عَمِّ اجْلِسْ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: يَا سَيِّدِي كَيْفَ أَجْلِسُ وَأَنْتَ قَائِمٌ. فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ إِلَى مَجْلِسِهِ جَعَلَ أَصْحَابُهُ يُوَبِّخُونَهُ وَيَقُولُونَ: أَنْتَ عَمُّ أَبِيهِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ بِهِ هَذَا الْفِعْلَ! فَقَالَ: اسْكُتُوا إِذَا كَانَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ - وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ - لَمْ يُؤَهِّلْ هَذِهِ الشَّيْبَةَ وَأَهْلَ هَذَا الْفَتَى وَوَضَعَهُ حَيْثُ وَضَعَهُ أُنْكِرُ فَضْلَهُ؟ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّا تَقُولُونَ بَلْ أَنَا لَهُ عَبْدٌ.

بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (1)، فَقَالَ: وَاللهِ، لَقَدْ نَصَرَ اللهُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: إِي واللهِ، جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَقَدْ بَغى عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ.

فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ : إِي واللهِ، ونَحْنُ عُمُومَتُهُ بَغَيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، كَيْفَ صَنَعْتُمْ ، فَإِنِّي لَمْ أحْضُرْكُمْ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ إخْوَتُهُ ونَحْنُ أَيْضاً:


1) الحسن بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علیه السلام ذكر الشيخ القمي في منتهى الآمال أنه رجل محدث نزيل مكة توفي في الروم. وأشار إلى دفنه في الروم أبو الحسن الهروي في الإشارات ص 51

مَا كَانَ فِينَا إِمَامٌ قَطُّ حَائِلَ اللَّوْنِ (1)

وذكر ابن شهر آشوب في المناقب أنه علیه السلام كان شديد الأدمة شك فيه المرتابون.

، فَقَالَ لَهُمُ الرِّضَا علیه السلام: هُوَ ابْنِي.

قَالُوا: فَإِنَّ رَسُولَ الله صلی الله علیه و آله و سلم قَدْ قَضى بِالْقَافَةِ (2)

وجاء في صحاح القوم أن النبي سُرَّ بقوله ودخل على عائشة وقد انفرجت أساريره فرحا بذلك. وهذا- على كونه من طريق المخالفين- لا يدل على أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قضى بالقافة، وإنما فرح بما يرفع الشك من قلوب الصحابة.

، فَبَيْنَنَا وبَيْنَكَ الْقَافَةُ، قَالَ: ابْعَثُوا أنْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَأَمَّا أَنَا فَلَا، ولَا تُعْلِمُوهُمْ لِمَا دَعَوْتُمُوهُمْ، ولْتَكُونُوا فِي بُيُوتِكُمْ.

فَلَمَّا جَاؤُوا أَقْعَدُونَا فِي الْبُسْتَانِ، واصْطَفَّ عُمُومَتُهُ وإخْوَتُهُ وأَخَوَاتُهُ (3)

فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: هذه قدم محمد والله إنّها لأخت القدم التي في المقام (يعني بذلك قدم إبراهيم في المقام) - وكان أبوبكر استقبل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فردّه معه- فقال أبو كرز: وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه، ثم قال: وههنا غير ابن أبي قحافة، فمازال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال: ما جازوا هذا المكان؛ إما أن يكونوا صعدوا إلى السماء، أو دخلوا تحت الأرض!

هذا ولو نظر غير القائف لما وجد أثراً من البداية ولا عرف شبهاً بين قدم رسول الله وقدم أبيه إبراهيم صلوات الله عليهم وعلى آلهم الطيبين.

هذا كله في قيافة الأثر، أما قيافة البشر فهي معرفة الأنساب وصحتها بتتبع الأقدام وآثارها، كما نسب أبو كرز الخزاعي النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى جده إبراهيم بآثار أقدامهم.

على هذا فلا ينبغي التوهم بأن وجوه أخوات الإمام صارت في معرض النظر إلى القافة.

يضاف إلى ذلك أن القائف لا يشترط فيه الذكورة، وقد حدّث التاريخ عن قائفات ورثن القيافة عن قومهن، ولا بأس بذكر هذه الحادثة التي ينقلها الأبشيهي: قال رجل: شردت لي إبل فجئت إلى خراش (من القافة) فسألته عنها، فأمر بنته أن تخط لي في الأرض، فخطّت، ثم قامت. فضحك خراش! ثم قال: أتدري قيامها لأي شيء؟ قلت: لا. قال: قد علمت أنك تجد إبلك وتتزوجها، فاستحيت ثم خرجت. فوجدتُ إبلي ثم تزوجتها.

والشاهد أن ابنة القائف خراش كانت قائفة أيضاً.

،

1) كل حائل متغير سمى به لأنه يحول من حال إلى حال والمقصود أن لونه ليس مثل لونك ولون آبائك الطاهرين لأن لونه علیه السلام كان أسمر. (شرح المازندراني)

2) لم يثبت أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قضى بالقافة، لكن ورد من طريق المخالفين سرور النبي بقول القائف مجزر المدلجي في أسامة بن زيد وأبيه، حين رآهما وهما نائمان وقد غطّيا وجهيهما وظهرت أقدامهما، وكان أسامة أسود شديد السواد ورث ذلك من أمه أم أيمن وكانت حبشية، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، وكان يُقدح في نسب أسامة لذلك، ولما رأى مجزر المدلجي (القائف) أقدامهما مع اختلاف ألوانها قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.

3) من المهم التنبه إلى أن القائف ينظر إلى الأقدام لينسب الولد إلى أبيه ولا ينظر إلى الوجوه، ومن اللطيف ما روي في أحداث الهجرة النبوية وخروج النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى مكة، حيث تتبع المشركون آثار أقدام النبي وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا : يا أبا كرز اليوم اليوم.

وأَخَذُوا الرِّضَا علیه السلام وأَلْبَسُوهُ جُبَّةَ صُوفٍ وقَلَنْسُوَةً مِنْهَا، ووضَعُوا عَلى عُنُقِهِ مِسْحَاةً، وقَالُوا لَهُ: ادْخُلِ الْبُسْتَانَ كَأَنَّكَ تَعْمَلُ فِيهِ.

ثُمَّ جَاؤُوا بِأبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، فَقَالُوا: ألحِقُوا هذَا الْغُلَامَ بِأبِيهِ. فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُ هَاهُنَا أبٌ، ولكِنَّ هذَا عَمُّ أبِيهِ، وهذَا عَمُّ أبِيهِ، وهذَا عَمُّهُ، وَهذِهِ عَمَّتُهُ، وإِنْ يَكُنْ لَهُ هَاهُنَا أَبٌ، فَهُوَ صَاحِبُ البُسْتَانِ؛ فَإِنَّ قَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ وَاحِدَةٌ.

فَلَمَّا رَجَعَ أبُو الْحَسَنِ علیه السلام، قَالُوا: هَذَا أَبُوهُ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقُمْتُ فَمَصَصْتُ رِيقَ أبِي جَعْفَرٍ علیه السلام، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامِي عِنْدَ الله، فَبَكَى الرِّضَا علیه السلام، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ، ألمْ تَسْمَعْ أبي وهُوَ

يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم: بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، ابْنُ النُّوبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الْفَمِ، الْمُنْتَجَبَةِ الرَّحِمِ، ويْلَهُمْ لَعَنَ اللَّهُ الْأُعَيْبِسَ وذُرِّيَّتَهُ صَاحِبَ الْفِتْنَةِ، وَيَقْتُلُهُمْ سِنِينَ وشُهُوراً وأيَّاماً، يَسُومُهُمْ خَسْفاً، ويَسْقِيهِمْ كَأساً مُصَبَّرَةً، وهُوَ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ، الْمَوْتُورُ بِأَبِيهِ وجَدِّهِ، صَاحِبُ الْغَيْبَةِ، يُقَالُ: مَاتَ أوْ هَلَكَ، أيَّ وادٍ سَلَكَ، أَفَيَكُونُ هذَا يَا عَمِّ إِلَّا مِنِّي؟ فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ. (1)تم الخبر

وهذا الخبر هو عمدة ما جيء به كدليل على أن والدة الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف نوبية لا رومية، والاستدلال به كما ترى من الوهن والضعف!

وقبل التعليق على الخبر لابد من الإشارة إلى أن الفقهاء بحثوا هذه الرواية في المكاسب المحرمة ضمن بحثهم في حكم القيافة، وبينما نقلها الشيخ الأعظم قدس سره للتيمن باعتبارها فضيلة لإمامنا الجواد علیه السلام، رأى السيد الخوئي قدس سره (2)ضعفها وعدم صلاحيتها للاستدلال، وهي رواية محل بحث وأخذ ورد في كتب الاستنباط الفقهي، وليس هذا محل كلامنا وإنما نتحدث وفق الموازين التاريخية.

ولكن على الرغم من ذلك فإن من حاكم روايات كون والدة الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف رومية فردّها وأنكرها محتجا بضعفها كان أولى - وفق موازينه- أن يرد هذه الرواية ولا يقبل منها شيئا، غير أنه هناك أخذ يُضعّف على الظن


1) أصول الكافي 322/1

2) مصباح الفقاهة 591/1

والتهمة، وهنا يقبل دون تدقيق في سند ومتن ودلالة، وهذا مما يزيد الأمر ريبة!

على كل حال فنقول في حديثنا حول سياق الرواية التاريخي، فإنها وردت في سياق تبرئة السيدة الطاهرة والدة الإمام الجواد علیه السلام وبعدما ثبت بحكم القافة براءتها واطمأنت قلوب الحاضرين عاتب الإمام الرضا علیه السلام عمه علي بن جعفر، وجاء بحديث نبوي يذكر فيه فضل السيدة الطاهرة خيزران النوبية ووصف النبي صلی الله علیه و آله و سلم لها بأنها خيرة الإماء النوبية الطيبة...

إلى هذه الفقرة كان الكلام واضحاً في أي سياق، فالنوبية الطيبة هنا هي السيدة خيزران والدة الإمام الجواد علیه السلام، أما ابن النوبية من هو؟ إما أن يكون الابن المباشر، أو حفيدها (الابن بالواسطة).

يظهر من السياق أن الكلام في حفيدها الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف وهو ما استظهره الشيخ المازندراني رحمه الله في شرح الكافي حيث قال: المراد به صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف لا محمد بن على الجواد علیه السلام لأن ضمير هو في قوله: (وهو الطريد) راجع إلى الابن وهو بيان لحال الصاحب قطعا (1).

كما أن العلامة المجلسي رحمه الله لم يتردد في كون النوبية هي والدة الإمام الجواد علیه السلام فهو واضح وإنما التردد في عود الضمير عليه أو على صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، حيث قال رحمه الله في مرآة العقول: والمراد بابن خيرة الإمام المهدي علیه السلام والمراد بخيرة الإماء أم الجواد علیه السلام، فإنها أمه بواسطة لأن أمه بلا واسطة كانت بنت قيصر ولم


1) شرح أصول الكافي للمازندراني 212/6

تكن نوبية، فضمير يقتلهم راجع إلى الابن، وقيل: المراد به الجواد علیه السلام وضمير يقتلهم راجع إلى الله تعالى أو مبهم يفسره قوله: وهو الطريد، والقتل في الرجعة، لتشفي قلوب الأئمة والمؤمنين. (1)

وقال الشيخ علي سبط الشهيد الثاني رَحِمَهُمُ اللهُ في تعليقه على الرواية: و (ابن خيرة الإماء النوبية) الجواد علیه السلام، وهو المناسب للواقع ومقام النص . (2)

فالمؤكد على كل حال أن خيرة الإماء النوبية في هذه الرواية هي السيدة خيزران علیها السلام والدة الإمام الجواد علیه السلام، ولا احتمال ثانٍ في البين أصلا، وإنما الكلام في المقصود من ابنها إن كان الابن المباشر أو الابن بالواسطة.

ويؤيد القول بأن المقصود هو الابن المباشر أي الإمام الجواد علیه السلام لا صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف أن الشيخ المفيد رحمه الله نقل الرواية بزيادة بسيطة؛ روى رحمه الله حين وصل إلى هذا الموضع: (بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة، يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بأبيه ..) (3)، والشيخ رضوان الله عليه روى الخبر عن أبي القاسم جعفر بن محمد رحمه الله عن الكليني رحمه الله، أي أن الشيخ المفيد رحمه الله لم ينقل الرواية من نسخة الكافي التي عندنا، بل نقلها رواية عن شيخه أبي القاسم ابن قولويه رحمه الله، فلعل العبارة موجودة في الرواية لكنها سقطت من نسخة الكافي


1) مرآة العقول 381/3

2) الدر المنثور 819/2

3) الإرشاد 276/2

المتداولة بيننا، ولم تسقط من نسخة الشيخ المفيد.

وعلى نسخة الشيخ المفيد رحمه الله اعتمد المرجع الراحل الشيخ لطف الله الصافي قدس سره حيث قال في تعليقه على الرواية: المراد بها أمّ الإمام محمّد بن عليّ الرضا علیه السلام كانت نوبيّة يقال لها سبيكة، وليس المراد بابن خيرة الإماء النوبيّة مولانا المهدي علیه السلام كما قاله صاحب الوافي (1)، فقال: (يعني به المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه، كأنّه انتسبه إلى جدّته أم أبي جعفر الثاني علیه السلام...) وإنّما ذهب إلى ذلك اعتماداً على نسخة الكافي، والظاهر أنّه سقط عنها قوله: (يكون من ولده الطريد الشريد). والاعتماد على نسخة الإرشاد التي يستقيم بها فهم المراد من دون حاجة الى التأويل. انتهى كلام الشيخ الصافي قدس سره . (2)

ولو قيل بأنها أضيفت كشرح من الشيخ المفيد، فلا ينبغي الاستهانة بشرحه قدس سره فإن له اعتباره العلمي، مضافاً إلى أن الشيخ الكليني رحمه الله أوردها في باب النص على إمامة الجواد علیه السلام وهذه كلها مؤكدات على فهم الأعلام للرواية، فمن أين جيء بهذا الفهم لا أدري؟! والأمر أوضح من أن يُسهب في بيانه، وأنت ترى وضوح المطلب عند علمائنا وتسالمهم على أن والدة إمامنا صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف


1) الوافي 380/2، وتمام كلام الفيض الكاشاني رحمه الله: (بأبي ابن خيرة الإماء: يعني به المهدي صاحب زماننا عجل الله تعالی فرجه الشریف كأنه انتسبه إلى جدته أم أبي جعفر الثاني علیه السلام لأن أمه بلا واسطة كانت بنت قيصر ولم تكن بنوبية). وإنما نقلنا تتمة كلام الفيض رحمه الله لتصريحه بانتساب صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى ابنة القيصر على نحو المسلمات.

2) منتخب الأثر 117/2

كانت من نسل قيصر الروم.

وإن لم يكن القول كما يقول علماؤنا فما الربط بين حادثة القافة وبين صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ إلا كون والدة الإمام الجواد علیه السلام من خيرة النساء منزهة عن كل ريبة كمريم العذراء وماريا القبطية.

ثم إنه بعد هذا البيان بات واضحا أن الاستدلال بهذه الرواية على كون والدة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف نوبية لا أصل له ولا يصدر من صاحب ذائقة سليمة في فهم النصوص، وعلى هذا فلا قيمة للقرائن التي جاءت مؤيدة لهذا المطلب فلا داعي للإسهاب في مناقشتها؛ لكننا نعلق بإيجاز على ما قيل، فقد جيء بقرينتين:

القرينة الأولى: ما ورد بكون الإمام سلام الله عليه أسمر البشرة، وهذا لا يُعتمد عليه لأنه معارض بكونه أبيض البشرة، ونقل جملة من الروايات في شمائله عجل الله تعالی فرجه الشریف المحدث النوري في كتابه النجم الثاقب بعنوان: (الباب الثالث: في شمة من أوصاف وشمائل الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وبعض خصائصه)، كما تعرض غيره من العلماء لشمائل إمامنا صاحب الأمر أرواحنا فداه.

فلابد من التأمل في الروايات وتوجيهها لفك هذا التعارض وفق القواعد العلمية، ثم إن ذلك لو ثبت فإنه لا يفيد في شيء من المدعى، فكون الإمام أسمر اللون أو أبيض فإنه لا يعني أن الأم المباشرة نوبية! بل هي صفات متوارثة يأخذها من الآباء والأمهات القريب والبعيد منهم، ثم إن السمرة لون لا يختص بالنوبة كي يلزم أن تكون الأم المباشرة نوبية!

القرينة الثانية: ما ورد في غيبة النعماني وكمال الدين (1)بأن الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ابن أمة سوداء، وهو على المناقشة في سنده، قد يناقش في متنه، فالخبر هو: عن أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ علیه السلام: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ شَبَةٌ مِنْ يُوسُفَ، ابْنُ أَمَةٍ سَوْدَاءَ، يُصْلِحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.

والمناقشة في المتن أن يوسف على نبينا وآله وعليه السلام لم يكن ابن أمة سوداء، بل قيل بأن ثُلثَ الحُسْنِ كان في أمه راحيل (2)فليس هذا وجه شبه بالنبي يوسف! إلا أن يقال أن الشبه من يوسف غير مذكور في الرواية بل هي خصلة جديدة وإخبار ثانٍ وثالث، لكن ذلك يثير ريبة في بلاغة النص وانسجام سياقه؛ لأن عبارة: (يصلح الله أمره في ليلة واحدة) وجه شبه بالنبي يوسف ورد في روايات أخرى. روى الشيخ الصدوق رحمه الله بسنده عن سيد الشهداء الْحُسَيْن بْن عَلِىٍّ علیهما السلام أنه قال: في التَّاسِع مِنْ وُلْدِي سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَهُوَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ يُصْلِحُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ (3).

وذلك أن النبي يوسف كان في السجن غائباً وبسبب رؤيا الملك وتعبيره لها تغيرت أموره حتى صار عزيز مصر، وكذلك موسى بن عمران خرج ليقتبس لأهله نارا فرجع إليهم وهو رسول نبي فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيه


1) غيبة النعماني 163 وكمال الدين 329/1

2) راجع تفسير الميزان 85/11

3) كمال الدين وتمام النعمة، عنه البحار 133/50

موسى في ليلة. وكذا يفعل الله تعالى بالقائم عجل الله تعالی فرجه الشریف يصلح الله أمره في ليلة كما أصلح الله أمر يوسف وموسى، ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور.

فإحدى وجوه الشبه الواضحة والمنصوص عليها في الروايات بين النبي يوسف وإمامنا المنتظر أرواحنا فداه أن الله تبارك وتعالى يصلح أمره في ليلة؛ لكن توسط عبارة (ابن أمة سوداء) في سياق الكلام مخل ببلاغة النص فلا هو وجه شبه يناسب الإمام ولا هو اعتراض نافع في المقام، ويبدو أنها مقحمة في وسط الرواية، خصوصا وأن بعض مخطوطات كمال الدين وتمام النعمة – بعد المراجعة والتثبت - خلت من هذه العبارة (1)، أما المطبوع اليوم فقد اختلفت النسخ منها ما خلت من هذه الزيادة، ومنها ما أثبتتها، والظاهر أن إثبات الزيادة وقع اعتمادا على ما ورد في غيبة النعماني.

أما غيبة النعماني فما يثير الريب في روايته - بعد ما تقدم من إرباك النص وعدم انسجامه مع سائر الروايات التي تذكر سنن الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف بالأنبياء - أن الراوي الذي نقل منه الشيخ النعماني الخبر هو ابن عقدة، وابن عقدة ثقة، لكنه زيدي منحرف فاسد العقيدة يرى أن صاحب الأمر هو زيد بن علي بن الحسين علیه السلام، وزيد أمه سندية، وإقحام هذه العبارة في وسط الرواية منسجم مع معتقد الزيدية،


1) ألحقنا آخر الكتاب صورة للنسخة الخطية من كتاب كمال الدين الموجودة في مكتبة السيد الحكيم قدس سره.

لذلك تجد الإمام الزيدي المنصور بالله عبد الله بن حمزة (1)احتج بهذا الخبر، وأن هذا الوصف لا ينطبق على الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ومن المعلوم أن علماءنا حين قسّموا الأسانيد المعتبرة إلى: صحيحة وموثقة وحسنة (2)، لم يكن ذلك عبثاً منهم؛ فإن فائدة هذا التقسيم تظهر في مثل هذه الموارد.

وإن التعارض بين ما ثبت من أن أم صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف رومية، وبين ما جاء هنا بأنه ابن أمة سوداء من وجوهه المحتملة: زيادة ابن عقدة هذه العبارة على النص الشريف، بقرينة أن ما ورد في بعض مخطوطات كمال الدين للشيخ الصدوق رحمه الله - المروية بطريق عبد الواحد بن محمد بن عبدوس لا ابن عقدة -خلت من هذه الزيادة النشاز في الرواية، وهذا ما يزيد الأمر ريبة واضطراباً!

هذا مضافاً إلى أن النعماني رحمه الله روى في الغيبة عن ابن عقدة بسنده عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام فَقَالَ لِي مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ سُرُورٌ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ، خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ، وَهُوَ قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ... (الخبر) (3). وموضع الشاهد أن هناك خصلة في زيد الشهيد أنه كان ابن


1) راجع العقد الثمين في أحكام الأئمة الهادين للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان 237 وأعجب من ذلك أن مدعي المهدوية اليوم تمسكوا بهذه العبارة لتثبت أن هناك مهديّاً آخر!

2) الصحيح: ما كان رجاله ثقاة إماميون، أما الموثق: ما كان رجاله ثقاة لكن فيهم من هو غير إمامي، أما الحديث الحسن: ما كان رجاله إماميون ولم يرد فيهم توثيق صريح.

3) غيبة النعماني 229

سبية، وهذه الخصلة مُبَشَّرٌ بها لقائم بالأمر (1)، يرى الزيدية انطباقها على زيد، فيما نرى أنها لا تنطبق عليه فهو ليس ابن خيرة الإماء وأن القائم بالأمر لا يجب أن يقتل ويستشهد بل يفتح الله على يديه.

إن ابن عقدة على وثاقته يبقى منحرف العقيدة غير مؤتمن على الدين يرى ابن الأمة المسبية السندية السوداء زيد بن علي علیه السلام أحق بالأمر، ولا ينبغي تصديقه في مواضع الريب.

وهذا نظير ما كان يصدر من بعض ثقاة الواقفة لعنهم الله؛ كزرعة بن محمد الحضرمي، الذي وصفه النجاشي بأنه ثقة (2)، لكن صدر منه الكذب في بعض موارد التهمة، من ذلك ما ورد عن الحسن بن قياما الصيرفي قال: سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام فقلت: جعلت فداك ما فعل أبوك؟ قال علیه السلام: مضى كما مضى آباؤه علیهم السلام. قلت: فكيف أصنع بحديث حدثني به زرعة بن محمد الحضرمي عن سماعة بن مهران أن أبا عبد الله علیه السلام قال: إن ابني هذا فيه شبه من خمسة أنبياء: يحسد کما حسد یوسف علیه السلام ويغيب كما غاب يونس علیه السلام وذكر ثلاثة أخر؟

قال علیه السلام: كذب زرعة، ليس هكذا حديث سماعة! إنما قال: صاحب هذا


1) (القائم بالأمر) عنوان مشير إلى الإمام المفترض الطاعة، وأيضاً يطلق كلقب خاص بإمامنا المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف والمراد هنا الوصف لا اللقب الخاص. والأمر نفسه في وصف (صاحب الأمر) فإنه يطلق تارة على جميع الأئمة علیهم السلام (كما تقدم في الرواية: إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى خلفه من بعده)، وتارة يكون مختصّاً بإمام زماننا عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) رجال النجاشي تحت رقم 466

الأمر - يعني القائم - فيه شبه من خمسة أنبياء، ولم يقل ابني. (1)

وخلاصة القول أن عبارة (ابن أمة سوداء) لا يمكن الجزم بأنها من كلام المعصوم، والقرائن تؤكد زيادتها على النص. قال المرجع الراحل الشيخ لطف الله الصافي قدس سره: هذه الجملة (ابن أمة سوداء) غير موجودة في نسخة كمال الدين المترجمة بالفارسية ونسخة طبع النجف سنة 1389 ه- ص 320، راجع: ج 1 ص 445، هذا مضافا إلى أنّ شبهه من يوسف الغيبة والسجن، وعلى هذا لا يبعد احتمال الزيادة في الحديث، والله أعلم. (2)

فإن أبيت إلا قبول خبر ابن عقدة المعارَض بما ثبت في أحوال والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف فعليك أن توجه العبارة بما لا يخالف الثابت الصريح في رواياتنا، كتوجيه العلامة المجلسي حيث قال رحمه الله: قوله علیه السلام: ابن أمة سوداء، يخالف كثيرا من الأخبار التي وردت في وصف أمه عليه السلام ظاهرا؛ إلا أن يحمل على الأم بالواسطة أو المربية. (3)

وعليه فلا وجه للقول بأن والدة الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف نوبية، فلا دليل يساعد عليه، ولا هو قول مذكور في كتب علمائنا الأعلام ليتبناه معاصر ويقويه!



1) رجال الكشي 477/1

2) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر 312/2

3) بحار الأنوار 219/51

الظروف الحرجة والتقية

أقام الإمام العسكري علیه السلام في داره بسامراء في تقية شديدة، حتى أن جماعة من الشيعة بل من بني هاشم ما كانوا عارفين بأن للإمام الهادي علیه السلام ولداً اسمه الحسن علیه السلام بل كانوا يظنون أن الإمامة بعد أبي الحسن الهادي علیه السلام في ولده السيد محمد المعروف بسبع الدجيل سلام الله عليه.

فقد روى الكليني رحمه الله أن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس حضروا دار الإمام الهادي علیه السلام يعزونه في وفاة ولده السيد محمد سب الدجيل وكان في الدار ما يقارب مئة وخمسين رجلا من بني هاشم سوى مواليه وسائر الناس، فدخل الإمام الحسن العسكري علیه السلام مشقوق الجيب، ولم يكن يعرفه الحاضرون في ذلك المجلس، وهذا في سنة (252ه-) أي قبل شهادة الإمام الهادي علیه السلام بسنتين، وعمر الإمام العسكري آنذاك ما يقارب العشرين سنة، وجماعة من بني هاشم لم يكونوا رأوا الحسن العسكري علیه السلام ولا سمعوا عنه، فضلا عن سائر الناس. (1)

أما عامة المؤمنين فمنهم من لم يكن يعرف الإمام حتى رآه يصلي على جنازة أبيه الهادي علیهما السلام كعبد الله بن محمد الأصفهاني الذي سأل أبا الحسن الهادي علیه السلام عن الخلف من بعده فلم يخبره ولكن أعطاه العلامة وهي أنه يصلي على جنازته، فكانت أول مرة يعرف ولداً للإمام بهذا الوصف حين رآه يصلي على


1) راجع الكافي 326/1

الجنازة. (1)

ومع هذا التكتيم الشديد تجد الكثير من الغموض في سيرته، فنحن نعلم أنه هاجر إلى سامراء لكننا لا نعلم إن كان صحب أباه في سفره (2)حين أشخصه المتوكل أم لحق به متأخّراً؟! فلا نعلم مدة مقامه في سامراء، ولا نعرف تفاصيل حياته لأن خاصة أصحابه ما كانوا في جواره بل كان علیه السلام معزولا عنهم، وذلك بسبب الضغط العباسي من جهة، ومن جهة لرغبة الإمام علیه السلام بتهيئة الشيعة للغيبة، فتغيرت سبل التواصل مع الشيعة حتى كثر الاعتماد على الوكلاء، كما أن صدقات الإمام ومبرّاته وخيراته توزع عن طريق الوكلاء لا كما كان يفعل الإمام زين العابدين علیه السلام يحمل الجراب على ظهره ويطوف على بيوت المدينة. حتى أن عقيقة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف ما وزعت بشكل مباشر بل وزعت على بيوت الشيعة عن طريق الوكلاء، كما أن توجيهات الإمام وأوامره للشيعة أكثرها كانت تصل بالمكاتبات.

ثم إننا لا نعرف على وجه الدقة من كان يعش معه في البيت من أهل بيته؟ ومن هم حلقات الوصل بين الإمام علیه السلام وبني عمومته؟ وكيف كانت تصل


1) راجع الكافي 326/1

2) ذكر السيد علي بن محمد العلوي في كتابه المجدي في أنساب الطالبين في أحوال السيد محمد سبع الدجيل: (... وكان خلفه أبو الحسن العسكري علیه السلام بالحجاز طفلا وقدم عليه مشتدا، فكان مع أخیه الامام أبي محمد علیه السلام لا يفارقه وكان أبو محمد يأنس به...) وهي غير واضحة إن كان السيد محمد سبع الدجيل يأنس بأخيه الحسن العسكري علیهما السلام في المدينة، أو حين قدم إلى سامراء.

رسائل الإمام علیه السلام وكتبه للشيعة في ظل هذه الرقابة الشديد؟ حتى أن أحمد بن إسحاق رحمه الله (1)دخل على الإمام علیه السلام فطلب منه أن يكتب له بخطه، كي يعرف خطه إذا ورد عليه، فأراه الإمام علیه السلام خطه، وقال له: يا أحمد إن الخط سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدقيق فلا تشكن (2).

فإذا عرفت الشدة والرقابة حول دار الإمام فاعلم أنه سجن عدة مرات: في سجن صالح بن وصيف، وسجن نحرير أو يحيى بن قتيبة، وكان السجن الأخير سجن علي بن جرين خرج منه قبيل شهادته بأيام. (3)

مضافاً إلى ذلك فإن العباسيين عرفوا بوضوح مهدي آل محمد صلوات الله عليهم وأنه الثاني عشر وهو من ولد الحسن العسكري علیه السلام، فلا هو محمد بن عبد الله المحض ولا غيره، وصار الخلاص منه ضروريّاً، ما زاد في الأمر تقية، وكما ورد: عن الصادق علیه السلام: كُلَّمَا تَقَارَبَ هَذَا الْأَمْرُ كَانَ أَشَدَّ لِلتَّقِيَّةِ (4)، فيلاحظ أن أعمار الأئمة علیهم السلام بعد الإمام الكاظم علیه السلام صارت أقصر لاستعجال الطغاة بقرار اغتيال الإمام المعصوم علیه السلام قبل أن يولد الخلف الحجة علیه السلام ما حداهم على كبس دار


1) أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله من ثقاة أصحاب الأئمة الجواد والهادي والعسكري علیهم السلام.

2) الكافي 513/1

3) تفاصيل هذه السجون متفرقة في الجزء 50 من بحار الأنوار باب مكارم أخلاقه، ونوادر أحواله، وما جرى بينه وبين خلفاء الجور وغيرهم، وأحوال أصحابه وأهل زمانه، صلوات الله عليه. ولا يسع المقام لتفصيل ذلك.

4) الكافي 220/2

الإمام العسكري علیه السلام فوراً بعد وفاته صلوات الله عليه وعلى آبائه.

أضف إلى تلك العوامل تزامن الظرف مع الصراع الإسلامي البيزنطي (1)والمناوشات العسكرية بينهما خصوصاً بعد معركة عمورية (223ه-/ 838م)، حيث كانت الدولة الإسلامية في صراع مستمر مع الدولة البيزنطية وكان بين المسلمين والروم رسل وتبادل أسرى وشدة ولين، ومفاوضات مستمرة طوال هذه الفترات.

كل ذلك وأكثر كان سبباً للتعتيم على خصوصيات حياة الإمام علیه السلام وزوجاته وما يدور في بيته حتى تتم الأمور كما أراد الله وفق الأسباب الطبيعية من ولادة الإمام إلى غيبته عجل الله فرجه الشريف.

وإلا ما هي العواقب لو صار معلوما عند عامة الناس أن ابنة القيصر تعيش في بيت الإمام العسكري علیه السلام؟ لا يوجد عاقل يسمح بإذاعة هذا السر الخطير، الذي قد يجعل دار الإمام تكبس فوراً وتعتقل السيدة لتكون ورقة مفاوضات أمنية مع الإمبراطورية البيزنطية، فالخصم لا يبالي بسجن الإمام علیه السلام كرارا ومرارا ولا يضع حرمة لأحد فكيف يمكن التصريح بهذا الأمر لعامة الناس؟

وهذا ما يبرر عدم ذياع الخبر وإبلاغه إلا لنزر يسير من أصحاب


1) يأتي في الفصل الثالث تحت عنوان (حرب المسلمين مع الروم) شيء من التفصيل حول الصراعات الإسلامية البيزنطية.

الإمام علیه السلام، فيكتمه بشر بن سليمان النخاس أكثر من ثلاثين سنة!

وهذا ما يجعلنا نفهم بعض كلمات السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد علیه السلام التي كانت حاضرة عند ولادة الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف وردت على نحو التقية لدفع الخطر عن الإمام المعصوم علیه السلام وأهله بيته.

منها هذه الرواية: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ، قَالَ: دَخَلْنَا جَمَاعَةً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ عَلَى حَكِيمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْن عَلِيِّ بْنِ مُوسَى علیهم السلام، فَقَالَتْ: جِئْتُمْ تَسْأَلُونَنِي عَنْ مِيلَادِ وَلِيِّ الله؟ قُلْنَا: بَلَى وَ اللهِ. قَالَتْ: كَانَ عِنْدِي الْبَارِحَةَ، وأخْبَرَنِي بِذَلِكَ. وَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدِي صَبِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ وَكُنْتُ أُرَبِّيهَا مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِي، وَلَا يَلِي تَرْبِيَتَهَا غَيْرِي، إِذْ دَخَلَ أَبُو مُحَمَّدِ علیه السلام عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَبَقِيَ يُلِحُّ النَّظَرَ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، هَلْ لَكَ فِيهَا مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ علیه السلام: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَوْصِيَاءِ لَسْنَا نَنْظُرُ نَظَرَ رِيبَةٍ، وَلَكِنَّا نَنْظُرُ تَعَجُّباً؛ أَنَّ الْمَوْلُودَ الْكَرِيمَ عَلَى الله يَكُونُ مِنْهَا.

قَالَتْ: قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، فَأَرُوحُ بِهَا إِلَيْكَ؟ قَالَ علیه السلام: اسْتَأْذِنِي أَبِي فِي ذَلِكِ. فَصِرْتُ إِلَى أَخِي علیه السلام، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ ضَاحِكاً، وَقَالَ: يَا حَكِيمَةُ، جِئْتِ تَسْتَأْذِنِينِي فِي أَمْرِ الصَّبِيَّةِ، ابْعَثِي بِهَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُشْرِكَكِ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

قالت: فَزَيَّنْتُهَا وَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى أَبي مُحَمَّدِ علیه السلام، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهَا تَقُومُ فَتُقَبِّلُ جَبْهَتِي فَأَقَبِّلُ رَأْسَهَا، وَتُقَبِّلُ يَدِي فَأَقَبِّلُ رِجْلَهَا، وَتَمَدُّ يَدَهَا إِلَى خُفِّي لِتَنْزِعَهُ فَأَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ، فَأَقَبِّلُ يَدَهَا إِجْلَالًا وَإِكْرَاماً لِلْمَحَلَّ الَّذِي أَحَلَّهُ اللهُ

تَعَالَى فِيهَا ... (1)والخبر طويل فيها تفصيل ولادة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف لكننا اقتطعنا منه موضع الشاهد.

والمهم في الرواية أن السيدة حكيمة علیها السلام لم تصرّح للراوي مع أنه علوي كيف صارت الجارية في بيتها، وإنما اكتفت بذكر اسمها وأنها كانت عندها وأنها تعهدت تربيتها.

وهذه الفقرة متناسبة مع ما ورد في الخبر المفصل المشهور الذي رواه بشر النخاس في كيفية وصول السيدة من قصر القيصر في الروم إلى دار الإمام العسكري علیه السلام حيث أمره الإمام الهادي علیه السلام بشرائها، فلما اشتراها وجاء بها إلى داره علیه السلام، قال أَبُو الْحَسَنِ الهادي علیه السلام: (يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ. قَالَ علیه السلام لَهَا: هَا هِيَهْ، فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً، فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ اَلْقَائِمِ) (2).

ففي الرواية الأولى تذكر السيدة حكيمة أن لها جارية تعهدت بتربيتها ثم بعثتها للإمام العسكري علیه السلام، والرواية الثانية تذكر أن الجارية التي جاءت من الروم واشتراها الإمام الهادي علیه السلام عن طريق بشر النخاس صارت عند السيدة


1) دلائل الإمامة 499 ، وشبهه في كمال الدين وتمام النعمة 426/2 ونحوه مختصراً في غيبة الشيخ الطوسي 244

2) تأتي الإشارة إلى الخبر مفصلا.

حكيمة علیها السلام لتعلمها الفرائض والأحكام وبعد ذلك تذهب إلى بيت الإمام العسكري علیه السلام.

والرواية لا تقول بأن السيدة نرجس علیها السلام كانت جارية السيدة حكيمة علیها السلام، بل كانت في دارها، ولو كانت جاريتها فما معنى أن تستأذن الإمام الهادي علیه السلام لتبعثها إلى الإمام العسكري علیه السلام؟ ثم إن إمامنا الهادي علیه السلام كما هو واضح من صريح الرواية كان عالماً مسبقاً بخبر الجارية في بيت السيدة حكيمة علیها السلام لأن السيدة حكيمة حين جاءت لتستأذن في أن تبعث الجارية للإمام العسكري علیه السلام ابتدأها الإمام الهادي علیه السلام قائلا: جِئْتِ تَسْتَأْذِنِينِي فِي أَمْرِ الصَّبِيَّةِ، ابْعَثِي بِهَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (1).

وهو واضح في أن الإمام الهادي علیه السلام كان على اطلاع تام بشؤون الجارية المقصودة وأن الأمر ليس غائبا عن ذهنه، ولم يكن عفويّاً وليد الساعة! كل ذلك واضح بصريح الرواية.

وهل لهذا تفسير غير أنها جاريته التي أمر السيدة حكيمة أن تتعهد بتربيتها وتعليمها الفرائض فإذا أتمت ذلك بعثتها إلى إمامنا العسكري علیه السلام، ثم إنها لما أتمت ذلك ودخلت على إمامنا الهادي علیه السلام عرف ما في نفسها وأمرها أن تبعث الجارية إليه.


1) في رواية الصدوق رحمه الله، أن الإمام الهادي علیه السلام ابتدأها قائلا: يَا حَكِيمَةُ ابْعَثِي نَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ.

واضح أنها ليست جارية مجهولة عندهم، بل هي المعهودة المعروفة التي اصطفيت من بين نساء الأرض لتكون أمّاً لإمامنا الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف، والتي كان بيت الإمام يترقب وصولها حتى يسّر الله لها ذلك.

لا يوجد تعارض بين الروايتين، بل بينهما أشد الانسجام، غير أن ظروف التقية تقتضي كتمان خبر وصولها من الروم إلى سامراء فجاءت رواية السيدة حكيمة علیها السلام دون تصريح بذلك، أما رواية بشر النخاس فهي تصرح بهذه التفاصيل، لكنها ما أذيعت إلا بعد ولادة الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف بأكثر من ثلاثين سنة.

وعليه فإن هذه الطائفة من الروايات التي تذكر أن السيدة حكيمة تكفلت برعاية برعاية السيدة نرجس علیها السلام وأنها هي التي أوصلتها إلى الإمام العسكري علیه السلام تصلح أن تكون مؤيداً لما ورد في خبر بشر النخاس.

إن الراوي -حتى وإن لم يكن ثقة- لا يستطيع أن يبتكر كل كذبة! هناك جزئيات ودقائق غائبة عن عامة الناس ويصعب الوصول إليها فكيف يتصور أن نخاساً يكذب ويأتي بتفصيل انتقال جارية من الإمام الهادي إلى أخته إلى ابنه علیهم السلام! هذا بعيد جدّاً، وإن الذي رواه الطبري في دلائل الإمامة والصدوق في كمال الدين والطوسي في الغيبة وغيرهم كلها مؤيدات لخبر بشر النخاس المفصِّل لقصة مجيء ابنة قيصر الروم، لأن علمه بتفصيل ما جرى داخل البيت شاهد على أنه بالفعل قد اختص بهذا الشرف.

لقد مرّت على الطائفة ظروف حرجة شديدة لا يمكن أن يفهم حقيقتها

من نشأ في مجتمعه رغِداً آمنا لم يخش ترويع طاغية وسجن وتشريد وقتل واعتقال بتهمة المحبة لآل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . فهذا سُجن لأنه رأى في المنام أنه يزور الرضا علیه السلام وذاك ضاع ثلاث من أولاده في السجون لأنه أقام مأتم سيد الشهداء علیه السلام ولا يعلم في أي مقبرة جماعية غيبّوا عن الأنظار! وأشد من ذلك وأقسى مرّ على الطائفة ... هذا ما يجعل الأئمة علیهم السلام يؤكدون على التقية وكتمان الأسرار بكثرة، حتى أفرد الكليني رحمه الله عدة أبواب لهذا الموضوع في أصول الكافي بعنوان: (باب التقية) و (باب الكتمان) و (باب الإذاعة)، و (باب في ترك دعاء الناس)، سوى ما أورده متفرقاً في الكافي، فضلا عما أورده المجلسي وغيره من المحدثين رَحِمَهُمُ اللهُ في هذا الموضوع حتى عدَّت التقية علامة من علامات التشيع.

منها ما ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام قَالَ: مَا قَتَلَنَا مَنْ أَذَاعَ حَدِيثَنَا قَتْلَ خَطَإٍ وَلَكِنْ قَتَلَنَا قَتْلَ عَمْدِ. (1)وعنه علیه السلام: رَحِمَ اللهُ عَبْداً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَى نَفْسِهِ حَدِّثُوهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ اسْتُرُوا عَنْهُمْ مَا يُنْكِرُونَ. (2)والأحاديث في ذلك كثيرة.

ثم لا يخفى عليك أن الأسرار في الأخبار ليست مطلقة، فالسر يكون سرّاً اليوم ولا يكون سرّاً غدا، من ذلك ما تقدم من أن خلافة أبي محمد العسكري علیه السلام لأبيه الهادي علیه السلام كانت سرّاً مكتوما فترة من الزمان، ولكنها لا يمكن أن يكون سرّاً إلى اليوم! والأمثلة في ذلك كثيرة، فلا ينبغي الإسهاب فيها لوضوح المطلب.


1) الكافي 2/ 370

2) الكافي 223/2

ومن ذلك تفهم العلة في كتمان بشر بن سليمان النخاس خبر السيدة نرجس علیها السلام حتى سنة (286ه-) أي بعد ولادة مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالی فرجه الشریف بأكثر من ثلاثين سنة، ولم يذعه إلا خشية ضياعه قبل وفاته رحمه الله. ثم إنه لا يظهر أن محمد بن بحر الرهني أذاع الحديث فور سماعه من بشر النخاس.

وهذا يعني أن نسب السيدة نرجس علیها السلام كان من الأسرار ولم يكن ذائعاً بين الأصحاب فضلا عن عامة الناس إلى فترة طويلة من الغيبة الصغرى، وهذا شأن كثير من الأسرار التي تغيب عن المؤمنين سنين متمادية، ثم يذيع خبرها متأخرّاً كموضع قبر أمير المؤمنين علیه السلام فإنه كان مخفيّاً (1)

عن عبد الله بن حازم قال: خرجنا يوما مع الرشيد من الكوفة نتصيد، فصرنا إلى ناحية الغربين والثوية، فرأينا ظباء فأرسلنا عليها الصقورة والكلاب، فحاولتها ساعة، ثم لجأت الظباء إلى أكمة فسقطت عليها، فسقطت الصقورة ناحية ورجعت الكلاب. فتعجب الرشيد من ذلك.

ثم إن الظباء هبطت من الأكمة فسقطت الصقورة والكلاب فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت عنها الكلاب والصقورة، ففعلت ذلك ثلاثاً!

فقال هارون: اركضوا فمن لقيتموه فأتوني به، فأتيناه بشيخ من بني أسد. فقال هارون: ما هذه الأكمة؟ قال: إن جعلت لي الأمان أخبرتك. قال: لك عهد الله وميثاقه ألا أهيجك ولا أوذيك.

قال: حدثني أبي عن أبيه أنهم كانوا يقولون هذه الأكمة قبر علي بن أبي طالب علیه السلام.

، فإن جل الأصحاب قبل ذلك لم يكونوا عارفين بموضع القبر الشريف.

وكل موضوع يكون من الأسرار أول الأمر لا يمكن أن نتوقع ذياعه بين


1) من القضايا المشهورة في ذلك، ما رواه السيد ابن طاووس رحمه الله في فرحة الغري 119:

المؤمنين على نحو السرعة، خصوصاً أنه يلزم السفر والتنقل بين البلدان لسماع الأخبار والتدقيق فيها ما يقتضي تطاولا في الأزمان.

وهذا يفسر أن المسعودي صاحب إثبات الوصية (1)

کما حاول البعض نسبة إثبات الوصية إلى الشلمغاني لعنه الله وأنه كتبه فترة استقامته، وهذا غريب لوجوه، نذكر منها: الأول أن صاحب إثبات الوصية قرر في نهاية كتابه تاريخ إتمام الكتاب، وهو يوافق ما بعد وفاة الشلمغاني بعشر سنين.

أما الوجه الثاني فإن الحر العاملي رحمه الله في إثبات الهداة نقل تارة عن كتاب الأوصياء للشلمغاني وتارة عن إثبات الوصية ما يعني أن نسخة من كتاب الشلمغاني كانت بين يديه، ونسخة من كتاب المسعودي كانت بين يديه، وأنه ميّز بين الكتابين ولم يكن الأمر ملتبساً عليه فكان ينقل من هذا ومن ذاك.

أما الوجه الثالث فإن الشيخ الطوسي رحمه الله روى في كتاب الغيبة عدة روايات عن كتاب الأوصياء للشلمغاني، ولكن بعضها غير موجود في إثبات الوصية للمسعودي.

وهناك وجوه أخر ليس المقام مقام تحقيق فيها، ولكن غاية ما يمكن ادعاؤه أن كتاب الأوصياء (المفقود) للشلمغاني فيه روايات مشتركة مع كتاب إثبات الوصية للمسعودي، وهذه الدعوى لا تفيدنا ولا تضرنا.

لم يكن يعرف هذا

1) صدرت مناقشات مفصلة في صحة نسبة إثبات الوصية للمسعودي رحمه الله، والمناقشة في عدة جوانب: إن كان المسعودي الشيعي صاحب إثبات الوصية هو نفسه المسعودي صاحب مروج الذهب لكنه يتقي هناك؟ أم هما شخصيتان مختلفتان؟ خلافاً لما عليه المشهور في كلمات المحققين والرجاليين ذهب بعض المعاصرين حفظهم الله إلى أنهما شخصيتان مختلفتان. والحقيقة أنه لا ثمرة بالنسبة لنا في هذا الخلاف، فإنه على ذلك يبقى صاحب إثبات الوصية ثقة، ويبقى التعامل مع مروج الذهب والتنبيه والأشراف وغيرها من مصنفات المسعودي على أنها إما صدرت تقية وإما لأحد علماء العامة، والنتيجة واحدة.

الخبر، لأن المسعودي فرغ من كتاب إثبات الوصية سنة (332ه-) (1)فإن المسعودي ولد في العراق، ونشأ في بغداد وأقام بها زمانا، وبمصر أكثر، ورحل في طلب العلم إلى أقصى البلاد فطاف فارس وكرمان سنة 309ه-، وفي السنة التالية قصد الهند ثم عطف إلى كنباية فصيمور فسرنديب ومن هناك ركب البحر إلى بلاد الصين وطاف البحر الهندي إلى مداغسكر وعاد إلى عمان، ورحل رحلة أخرى سنة 314ه- إلى ما وراء أذربيجان وجرجان ثم إلى الشام و فلسطين. وفي سنة 332ه- جاء إلى أنطاكية والثغور الشامية إلى دمشق واستقر أخيرا بمصر ونزل الفسطاط سنة 345ه-، وتوفي فيها (2)، ثم اعلم أن المسعودي عاش شطراً طويلا من عمره بين المخالفين حتى ظن البعض أنه منهم.

أما محمد بن بحر الرهني (راوي الخبر الذي سمع القضية مفصلة من بشر النخاس) فرغم أنه عاصر المسعودي إلا أنه عاش في خراسان، قال شيخ الطائفة رحمه الله في محمد بن بحر الرهني: (وله نحو من خمس مائة مصنف ورسالة، وكتبه موجودة أكثرها ببلاد خراسان، فمن كتبه كتاب الفرق بين الآل والأمة،


1) قال رحمه الله في خاتمة كتابه إثبات الوصية: وللصاحب علیه السلام منذ ولد الى هذا الوقت وهو شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ست وسبعون سنة وأحد عشر شهرا ونصف شهر. قام مع أبيه أبي محمّد علیه السلام أربع سنين وثمانية أشهر ومنها منفردا بالإمامة اثنتان وسبعون سنة وشهورا، وقد تركنا بياضا لمن يأتي بعدنا والسّلام.

2) راجع معجم الأدباء لياقوت الحموي 4/ 1705

وكتاب القلائد) (1)، وقال النجاشي رحمه الله: (أبو الحسين الشيباني ساكن نرماشير من أرض كرمان). (2)

فكيف للمسعودي أن يعرف الخبر ويسمعه من الرهني؟ أم كيف له أن يأخذه من كتب الفضل بن شاذان النيسابوري؟ وكل ذلك بعيد المنال عنه فكيف يأتي المقيم بأنطاكيا سنة 332ه- (3)بالأخبار من خراسان؟ وأخبارهم لما تذع بعد؟!

ولكن المسعودي بلغه الخبر الذي فيه أن السيدة نرجس نشأت في بيت السيدة حكيمة علیها السلام، وقد نقله في إثبات الوصية بالمضمون (4)

وذكر الميرزا التبريزي رحمه الله في إرشاد الطالب 42/1 في ما إذا كان المنقول مضمون الكلام وحاصله: فإنه لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير، ولذا لو كان المخبر بالمضمون ثقة كمال الثقة لم يكن اعتبار قوله إلا من باب حجية الرأي.

وذكر الشيخ محمد حسن المامقاني رحمه الله في غاية الآمال 31/1 أن نقل الكلام بالمعنى عبارة عن نقل تمام ما أفاده الكلام بعبارة أخرى دون زيادة ولا نقيصة في شيء من أجزاء الكلام ومدلوله، ثم ذكر أن المضمون هو الحاصل من المعنى ولب المطلب بعد إسقاط الخصوصيات التي اشتمل عليها.

لا بالنص، وذكر في أن

1) فهرست الشيخ الطوسي 132

2) رجال النجاشي 384

3) وهي سنة الفراغ من تأليف كتاب إثبات الوصية كما مر .

4) هناك فرق بين النقل بالمعنى والنقل بالمضمون: ذكر الشيخ الأعظم رحمه الله في المكاسب 33/1 في مناقشته للمرسلة التي رواها الشيخ الطوسي رحمه الله في حكم بيع كلب الماشية والحائط قصور الدلالة لأن المنقول مضمون الرواية لا معناها. وأشار السيد الخوئي رحمه الله أيضاً إلى نفس المطلب في مصباح الفقاهة 169/1 من عدم حجية نقل الرواية بالمضمون خلافاً للنقل بالمعنى.

السيدة نرجس ولدت في دار السيدة حكيمة، والنقل بالمضمون ليس بحجة.

قال المسعودي في إثبات الوصية: (روى لنا الثقات من مشايخنا أن بعض أخوات أبي الحسن علي بن محمد علیهما السلام كانت لها جارية ولدت في بيتها وربّتها تسمّى نرجس فلما كبرت وعبلت (1)دخل أبو محمّد علیه السلام فنظر إليها فأعجبته فقالت عمّته: أراك تنظر إليها؟ فقال صلّى الله عليه: إني ما نظرت إليها إلّا متعجبا! أما ان المولود الكريم على الله جل وعلا يكون منها. ثم أمرها أن تستأذن أبا الحسن في دفعها إليه، ففعلت، فأمرها بذلك.) (2)والاشتباه في هذا النقل واضح، فإنه يلزم من ولادتها في بيت السيدة حكيمة علیها السلام أن تكون والدة الإمام علیه السلام مولدة لا سبية (3)، وكونه ابن سبية أمر مسلّم (4).

وأنت ترى أن المسعودي نقل مضمون الخبر المتقدم الذي رواه الطبري في دلائل الإمامة أن السيدة حكيمة حدّثت محمد بن القاسم العلوي مع جماعة من العلوية: (وَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدِي صَبِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ وَكُنْتُ أُرَبِّيهَا مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِي،


1) عبلت: تمّ وكمل خَلْقها.

2) إثبات الوصية 257

3) الجارية المولدة يقصد منها التي تولد مملوكة لا حرة من أبوين مملوكين (قد يكون أحد الأبوين حرّاً لكن يكون الولد مملوكاً في بعض الفروض الفقهية كزنا الحر بالمملوكة فإن الولد مملوك، والتفصيل يذكر في محله). أما الجارية السبية فهي التي تكون حرّة في بلادها وتسترق بعد الأسر.

4) غيبة النعماني 228 باب في كونه ابن سبية

وَلَا يَلِي تَرْبِيَتَهَا غَيْرِي، إِذْ دَخَلَ أَبو مُحَمَّدِ علیه السلام) (1)، وهو شبيه الذي رواه الصدوق أن السيدة حكيمة علیها السلام حدثت محمد بن عبد الله الطهوي: (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي..) (2)وهو مثل الذي رواه الطوسي في الغيبة (3). فإنه لا يظهر أن المسعودي بلغه خبر مختلف عن هذه الأخبار غير أنه نقل الخبر بالمضمون كما ترى ولم ينقله بالنص، ولأن المسعودي لم يطلع على خبر الرهني عن بشر النخاس الذي اطلع عليه الصدوق والطوسي والطبري (صاحب دلائل الإمامة) فالتبس عليه الفهم، وتوهم أن تربية السيدة حكيمة للسيدة نرجس يعني أنها ولدت في بيتها. (4)

ولعمري هذا ما يؤكد الشدة في كتمان الحديث والتزام الرواة بحفظه، فإن الأخبار لم تبلغنا اليوم إلا بمشقة، وإنّ الذي هو بين أيدينا اليوم لم يكن بين يدي كثير من الشيعة، لا أقول المسعودي فحسب، بل خُلّص أصحاب الأئمة علیهم السلام ومن أدرك العسكري علیه السلام وبلغه خبر ولادة الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف قد يكون حرم هذا الخبر ولم


1) دلائل الإمامة 499

2) كمال الدين وتمام النعمة 2/ 426

3) في غيبة الشيخ الطوسي 244

4) وقد جاء في عيون المعجزات للشيخ حسين بن عبد الوهاب شبيه هذا الأمر إلا أننا أعرضنا عن مناقشته منعاً للإطالة، فإن المناقشة هنا ترد في اعتبار الكتاب والكاتب والمكتوب! ثم في دلالة النص وحجيته مع نقله بالمضمون ومعارضته للصحاح، وغير ذلك من مناقشة لا أظن أن في الإسهاب فيها ضرورة.

يبلغه هذا السر، وليس الأمر منحصراً بالمسعودي!

إن كون المسعودي أقرب لزمن النص يجعله أقرب لمعرفة الواقع من جهة، ومن جهة أخرى يكون أبعد عن الواقع! أما قربه فهو في الأخبار الذائعة المشهورة التي يعرفها الجميع، أما بُعده عن الواقع فهو في الأسرار المكتومة التي لم تظهر إلا في أزمنة متأخرة؛ الأمر أشبه بالأخبار العسكرية اليوم، فالأحداث العامة من انفجارات وقتل ونحو ذلك فإن المعاصر لها أقرب للواقع، وأما الأسرار الحربية فإن الأجيال اللاحقة التي تتمكن من الاطلاع على الوثائق قد يتسنى لها معرفتها، ونحن فيما نحن فيه من الأسرار التي لم تكن لتذاع في وقتها.

وخلاصة القول أن الأخبار التي ذكرت بأن السيدة حكيمة علیها السلام تكفلت بتربية السيدة نرجس علیها السلام وأنها نشأت في بيتها كلها مؤكدات تثبت صدق رواية بشر النخاس وقضية مجيء حفيدة القيصر إلى دار الإمام الهادي علیه السلام لتتزوج الإمام العسكري علیه السلام بعد أن تتكفل السيدة حكيمة علیها السلام بتعليمها الفرائض والسنن، ثم تنتظر إذن الإمام الهادي علیه السلام في أن تبعثها للإمام العسكري علیه السلام.


الفصل الثالث/ الرواية الشيعية والتاريخ البيزنطي

اشارة

الثقافة الإسلامية تغزو بيزنطة - أبو أيوب الأنصاري - شمعون الصفا - المذهب الملكاني

الأسرة الحاكمة في القرن التاسع - الألقاب والمناصب الرسمية - القيصر باراداس

الصراعات الداخلية والخارجية - المرأة في الحضارة البيزنطية - في الأدب البيزنطي - الزفاف المنحوس

الزلزال وخطبة الأسقف الأعظم - العفو عن أسارى المسلمين - حرب المسلمين والروم

الرواية الشيعية والتاريخ البيزنطي

لقد تقدمت المناقشات المثبتة بأن والدة مولانا الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف هي السيدة مليكة حفيدة قيصر الروم، والتي من أسمائها نرجس وسوسن وريحانة وصقيل. وقد ذكرنا جملة من القرائن منها صحة أسانيد الروايات الدالة على ذلك وخلوّها من الروايات المعارضة ونحو ذلك من أدلة بما يناسب المقام.

وفي هذا الفصل سنبحث عن دليل أشد اعتباراً من الأسانيد الصحاح، وهو انسجام المتن المروي في كتبنا مع ما ورد في التاريخ البيزنطي، بكيفية لا يمكن فيها اتهام راويي الخبر محمد بن بحر الرهني، أو بشر النخاس بالكذب، فإن ما احتواه الخبر من مداقة وتوافق مع مجريات الأحداث في بيزنطة لا تصدر من أي إنسان سكن خراسان أو بغداد وخطر في باله رسم حبكة خيالية بهذه الصورة!

لابد لراوي الخبر أن تكون له صلة مباشرة في القصور البيزنطية من الداخل، وصلة مباشرة في بيت الإمام العسكري علیه السلام، وإحاطة بجملة من الأحداث السياسية المتداخلة، ليكمل الحبكة! وغير ذلك فإن أي إنسان لن يتمكن من حبك كذبة بهذا الإتقان! لذا فإن متن الرواية يكفي للقول باعتبارها.

ولابد من التنبيه على أننا نتحدث عن ظروف القرن التاسع الميلادي والثالث الهجري، ولأن الأحداث تضبط تارة بالتاريخ الهجري وأخرى بالميلادي اقتضى التقديم بمقارنة بعض تواريخ أباطرة الدولة العمورية:

٭ أول أباطرة الدولة العمورية: ميخائيل الثاني، عاصر المأمون والمعتصم. وحكم بيزنطة (820 - 829 للميلاد)، ويوافق (205 - 214 للهجرة).

٭ الإمبراطور الثاني: ثيوفيلوس (1)بن ميخائيل، عاصر المعتصم العباسي. وحكم بيزنطة (829 - 842 للميلاد)، ويوافق (205 - 228 للهجرة). وتوفي في نفس سنة وفاة المعتصم العباسي.

٭ الإمبراطور الثالث: ميخائيل (2)الثالث بن ثيوفيلوس، عاصر الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز. تسنم المنصب (842 - 867للميلاد)، ويوافق (228 - 253 للهجرة). وكان عمره سنتين، لكنه لم يحكم أبداً.

٭ منذ بداية حكم ميخائيل الثالث تولت الوصاية على الإمبراطور أمه


1) ثيوفيلوس، وتعرب أيضاً توفلس، وتيفول.

2) ميخائيل، وتعرّب أيضاً ميشيل، ومايكل، ويعرف بميخائيل السكير.

ثيودورا (1)، وكانت وصية على العرش أربع عشرة سنة (أي لغاية: 856 للميلاد)، (ويوافق 242 للهجرة).

٭ في سنة (856 - 866 للميلاد)، ويوافق (242 - 252 للهجرة)، تولى شؤون الإمبراطورية القيصر باراداس، وكانت طوع أمره عشر سنين.

٭ ثم إن باسيل (2)المقدوني اغتال القيصر باراداس سنة 866م، وجلس مجلسه، ثم اغتال الإمبراطور سنة 867م وأصبح هو الإمبراطور.

٭ كانت نهاية الدولة العمورية (867 للميلاد) ويوافق (253 للهجرة) على يد باسيل المقدوني، وبداية الدولة المقدونية.

لابد للجمع بين الرواية الشيعية وما ورد في التاريخ البيزنطي من تقاطع المعلومات والربط بينها، وهذا ما سيجعل أبواب هذا الفصل تبدو للوهلة الأولى متباينة وتجد في البيان غرابة فلا تستوحش، فإننا ننقل تارة ما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله وأخرى عن المؤرخ البيزنطي جنسيوس، وتارة نتحدث عن المعتصم العباسي وأخرى عن الإمبراطور ثيوفيلوس، وتارة نأتي على ذكر سوق النخاسة في بغداد، وأخرى نأتي على ذكر كاتدرائية آياصوفيا في إسطنبول... ثم ستجد المطالب مترابطة أشد الترابط، وهو ما سيأتي ومن الله التوفيق.



1) ثيودورا، وعرّبها ابن خلدون: ندورة، وعرّبها الطبري: تذورة.

2) باسيل، وتعرّب أيضاً بازيل، وباسيليوس.

لقد جئنا بهذه الصورة من صور تاريخ الحضارات لأن رواية الشيخ الصدوق رحمه الله ذكرت أن السيدة نرجس علیها السلام كانت قد تعلمت العربية في بيزنطة قبل تنكرها بزي الخدم وخروجها من قصر جدها القيصر. وإن هذا المشهد التاريخي منسجم مع طبيعة الحضارة في القرن التاسع الميلادي، فإن العلوم الإسلامية قد بلغت ذروتها وكان لزاما على سائر الأمم أن تتعلم الحضارات المتقدمة أو الموازية، كما تفعل الأمم اليوم، فإن أبناء الملوك يتعلمون فيما يتعلمون (1)لغات الأمم المتقدمة.

ثم إن النصارى قد اطلعوا على القرآن ودرسوه وعلموا ما فيه وما احتواه من مناقشات لعقائد النصارى، ورغم أن يوحنا الدمشقي (749م - 132ه-) كان ترجم بعض آيات القرآن في عصر الدولة الأموية إلى اليونانية إلا أنها لا تعد ترجمة كاملة للقرآن وإنما مجرد مناقشات لبعض العقائد الإسلامية، أما أول ترجمة


1) وتعلم اللغات لا يلزم استخدامها في المحافل الرسمية، فإن البروتوكل أن يتحدث كل شخصية بلغته الرسمية التي تمثل بلده، ثم يقوم المترجم بالترجمة للطرفين. وعليه فإنك لو قرأت في التاريخ أن أحد الخلفاء أو القياصرة استعان بالمترجم فإنه لا يلزم جهله بلغة الطرف المقابل.

فعلية للقرآن فإنها ترجع إلى القرن التاسع الميلادي، وقد ترجم إلى اليونانية، وكان ذلك في فترة النهضة الثقافية وتأسيس الجامعات والمدارس في القسطنطينية، وهذه تعتبر أقدم ترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى لغة غير العربية، وهي التي كانت بين يدي نيقتاس البيزنطي (1)

كما أن هذا الموضوع بحث بعدة لغات ولكننا آلينا الاكتفاء بالاقتباس من المصادر العربية ما أمكن.

. ثم إن الأوضاع الداخلية عندهم حين اضطربت في صراع الأيقونات - في نفس الحقبة التاريخية التي نحن فيها- بثوا في أوساط المسلمين فتنة خلق القرآن؛ وذلك ما لم يكن بوسعهم لولا الدراسة الكاملة للقرآن والحضارة الإسلامية.

وأضف إلى ذلك فإنه وفي نهاية القرن السابع الميلادي مع الفتوحات الإسلامية بدأت اللغة العربية تحل محل السريانية في بعض بلاد النصارى، لاسيما عند النصارى الملكانيين (2)، كما نشطت حركة الترجمة اليونانية العربية فترجم يوحنا بن البطريق كتب أرسطو وبطليمس وأفلاطون، وغير ذلك من أنشطة ترجمة


1) هناك بحوث كثيرة تناقش ترجمة القرآن إلى اليونانية في القرن التاسع، واعتمدنا في هذه المعلومات على بحث أكاديمي كتب في جامعة عين شمس في القاهرة بعنوان: البيزنطيون وترجمة القرآن الكريم إلى اليونانية في القرن التاسع الميلادي، أ.د. طارق منصور.

2) الملكانية هو المذهب الرسمي لحكام الروم وجملة من النصارى في العالم. ولا أعني أن اللغة في بيزنطة صارت عربية، وإنما المقصود أن النصارى الملكانيين في الشام وأرمينيا وغيرهم حلت اللغة العربية محل السريانية عندهم، أما في بيزنطة فإن اليونانية كانت هي الغالبة بلا شك.

حيوية في ذلك العصر (1).

وحين يصل المؤرخون إلى ذكر ترجمة الأسقف الأعظم فوتيوس (2)يتحدثون عن أهم مؤلفاته الميريوبيبلون (أو: المكتبة) وهو مصنف يصف مائتين وتسعة وسبعين من الكتب اليونانية، مع تحليل لمضموناتها، واقتباس نصوص طويلة منها، ويناقشون إن كان لهذا المصنَّف صلة بعملية التبادل الثقافي بين الدولة الإسلامية والبيزنطية، سيما أنه تزامن تصنيف هذا الكتاب مع رحلته إلى بغداد في سفارة رسمية من بيزنطة إلى بغداد (3)، كما يحكي لنا التاريخ عن وفود إسلامية إلى القسطنطينية ضمن عملية التبادل الثقافي الإسلامي البيزنطي في تلك الحقبة (4).

أي أن النهضة العلمية في بغداد واكبها تبادل ثقافي واسع، وتأثر من الطرفين كلٌّ بالآخر، وكان من أدوات هذا التبادل أسرى الحروب، خصوصاً أن بعض أسرى الروم أسلموا في البلاد الإسلامية، كما تنصر بعض أسرى المسلمين،


1) موسوعة عالم الأديان ج 9 الكنيسة البيزنطية الأرثوكسية ص 100

2) وهو كبير الأساقفة وقت حادثة السيدة نرجس علیها السلام وزفافها الذي لم يتم في قصر القيصر.

3) راجع الموسوعة الفلسفية لعبد الرحمن بدوي ج 3 (الملحق) ص 212

4) ذكر ابن النديم في الفهرست ص 301: فإن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات وقد استظهر عليه المأمون فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما من مختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم: الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسلما صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فاخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل ...

فكانت هذه إحدى وجوه التبادل الثقافي بين الحضارتين (1).

والخلاصة أنه كان متعارفاً في ذلك العصر أن على المتعلم والمثقف في بلاد الروم دراسة العربية، كما على المثقف والمتعلم العربي أن يدرس الإغريقية وعلومها، فإن العرب كانوا رواد حضارة كبرى وما كان لهم أن يبنوا حضارتهم دون اطلاع على نتاج حضارات الأمم الأخرى.

وأما الروم فإنها ترى في العرب خصماً متمكنا قويّاً متقدماً علميّاً وعسكريّاً، يمتلك موقعاً جغرافيّاً حساساً يتوسط حضارات الشرق والغرب، ما جعله يجمع ما تشتت من موروثات ثقافية ويترجمها إلى العربية، وإن الكتب والمصنفات التي جمعها المنصور الدوانيقي في قصره حتى ضاق القصر دعا هارون إلى بناء بيت الحكمة كمكتبة ضخمة امتلأت خزائنها بالمصنفات العلمية في مختلف العلوم حتى شكلت رافداً علميّاً متفوقاً في ذلك العصر.

أي أن المتعلم أينما كان لم يكن بوسعه تجاوز الموروث العلمي العربي، فكان من الطبيعي انتشار العربية في المؤسسات العلمية البيزنطية، سيما مع النهضة العلمية التي شهدها عصر ميخائيل الثالث بإدارة خاله القيصر باراداس.

بناء على هذه المقدمات سيكون الوجه واضحاً في ما رواه بشر النخاس عن لسان السيدة نرجس علیها السلام أنها قالت: بلغ من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم


1) للتفصيل راجع: الحدود الإسلامية البيزنطية بين الاحتكاك الحربي والاتصال الحضاري، ج 3 في الاتصال الحضاري.

الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي، فكانت تقصدني صباحاً ومساءً، وتفيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام.


وذكروا أن لأبي أيوب من الولد: محمد، وعبد الله، ومالك، وخالد، وعبد الرحمن، وعميرة، وعمرة، وعفراء أبناء أبي أيوب الأنصاري (1). وذريته


1) أشار سماحة الشيخ علي الكوراني في مقال له بعنوان: (رسالة حول والدة الإمام المهدي صلوات الله عليه) إلى أسماء أولاد أبي أيوب رحمه الله بالمصادر، وإنما أغفلنا ذكر المصادر لسهولة البحث عنها في شبكات البحث فرجحنا الاختصار.

معروفة، قال ابن عبد البر : ولأبي أيوب عقب (1)ومن ذريته العلماء ورواة الحديث ذكرتهم كتب الرجال والتراجم، وماتزال ذريته موجودة إلى يومنا هذا (2).

وإنما جئنا بهذا التقديم لأن بعض المشككين كذّبوا الخبر لأن راويه المباشر هو: (بشر بن سليمان النخاس من ذرية أبي أيوب الأنصاري)، وقال من كذّب الخبر أن أبا أيوب لا ذرية له وهذا الراوي مجهول فكيف تقبل روايته؟! معتمداً في ذلك على قول ابن سعد في الطبقات بأن نسله انقرض حيث قال: وقد انقرض ولده فلا نعلم له عقبا. (3)

وكان جديراً أن يُنسب الخطأ لابن سعد صاحب الطبقات فإنه هو من لا يعلم عقب أبي أيوب رحمه الله وهذه كتب الحديث مليئة بأسماء ذريته من رواة الحديث، فإن قوله واضح البطلان لا وجه للاعتماد عليه!

ثم إنني لا أرى مصادفة في أن يُنتَخب رجل من ولد هذا الصحابي الجليل


1) الاستيعاب 4 / 1606

2) ومن ذريته: من رواة الحديث: بشير بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري، وأَيُّوب بْن خَالِد بْن أَبي أَيُّوب الأَنْصارِيّ، ومنهم أيضاً: القاسم بن عُمَر بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنُ أَبِي أيّوب الأنصاريّ (حدَّث ببغداد في سنة أربعٍ وعشرين ومائتين). ومن ذريته أيضاً من الأعلام: شيخ خراسان وأحد كبار الحنابلة في عصره أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (481ه-). ومنها أيضاً: قاضي الشافعية في المبرز من الأحساء المتوفى 1391 ه-، صاحب كتاب تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد، وقد أشار فيه إلى انتسابه إلى أيوب حين ترجم لجده الخامس في الكتاب.

3) الطبقات الكبرى 369/3

في هذه المهمة فإن الإمام الهادي علیه السلام حين اختاره بيّن العلة في انتخابه؛ قائلا: يَا بِشْرُ إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْصَارِ وَهَذِهِ الْوَلَايَةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، فَأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَمُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَةٍ تَسْبِقُ بِهَا شَأْوَ الشِّيعَةِ فِي المُوَالاةِ بِهَا؛ بِسِرِّ أَطَّلِعُكَ عَلَيْهِ وَأُنْفِذُكَ فِي ابْتِيَاعِ أُمَةٍ.. إلى آخر ما رواه الصدوق رحمه الله في كمال الدين.

والذي أراه أن وجود قبر أبي أيوب في القسطنطينية قريباً من قصور الأباطرة والقياصرة له دور في انتخاب رجل من وُلده يكون وسيطاً في هذا الشأن؛ لأن قبره (1)الذي كانت الروم تتعاهده وتستسقي به إذا أصابهم القحط هو النافذة الوحيدة من هذه البلاد للراغب إلى بلوغ بلاد الإسلام، أي أن فتاة تعيش وسط قصور بيزنطة تركت النصرانية سرّاً وهي راغبة بمغادرة بلادها لتلحق بالإمام من ذرية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لن يكون لها خيار لتخرج من أجواء النصارى في قلب بلادهم سوى هذا المزار، فلعل لهذا ربطا بأن يحظى أحد ولده بهذا الشرف (2).



1) يقع المرقد المبارك لأبي أيوب في مركز القسطنطينية قرب كاتدرائية آياصوفيا وسائر قصور البيزنطيين، وحين دفن كان مرقده على أسوار المدينة.

2) هذا مما استقربته، فلا تحمّل الكلام أكثر مما فيه من ذائقة واستحسان.

شمعون الصفا

القديس بطرس كما تسميه النصارى، ويسمى أيضاً سمعان وبيتر وكيفا، والمشهور عند المسلمين شمعون بن حمون، من ذرية نبي الله داود. وهو وصي نبي الله عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام (1).

روى الشيخ الصدوق رحمه الله عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ضمن حديث: فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ (أي عيسى بن مريم) أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْدِعَ نُورَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ وَعِلْمَ كِتَابِهِ شَمْعُونَ بْنَ حَمُّونَ الصَّفَا خَلِيفَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَلَمْ يَزَلْ شَمْعُونُ يَقُومُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَحْتَذِي بِجَمِيعِ مَقَالِ عِيسَى علیه السلام فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيُجَاهِدُ الْكُفَّارَ فَمَنْ أَطَاعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ كَانَ مُؤْمِناً وَمَنْ جَحَدَهُ وَعَصَاهُ كَانَ


1) قال الشيخ المفيد رحمه الله في مسار الشيعة في أحداث شهر ذي الحجة: وفى اليوم الثامن عشر سنة عشر من الهجرة عقد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لمولانا امير المؤمنين على بن أبي طالب علیه السلام العهد بالإمامة في رقاب الأمة كافة وذلك بغدير خم عند مرجعه من حجة الوداع حين جمع الناس فخطبهم ووعظهم ونعى إليهم نفسه صلی الله علیه و آله و سلم ثم قررهم على فرض طاعته حسب ما نطق به القرآن، وقال لهم على إثر ذلك: من كنت مولاه فعلى مولاه... إلى أن قال رحمه الله: وفى هذا اليوم بعينه بايع الناس أمير المؤمنين علیه السلام بعد عثمان ورجع الأمر إليه في الظاهر والباطن واتفقت الكافة إليه طوعا واختيارا، وفي هذا اليوم فلج موسى بن عمران على السحرة واخزى الله تعالى فرعون وجنوده من أهل الكفر والضلال، وفيه نجى الله تعالى إبرهيم علیه السلام من النار وجعلها عليه بردا وسلاما كما نطق به القرآن، وفيه نصب موسى علیه السلام يوشع بن نون وصيّه ونطق بفضله على رؤوس الأشهاد، وفيه أظهر عيسى بن مريم علیه السلام وصيه شمعون الصفا، وفيه أشهد سلیمان بن داود علیهما السلام ساير رعيته على استخلافه آصف بن برخيا ودل على فضله بالآيات والبينات وهو يوم عظيم كثير البركات.

كَافِراً... الخبر (1)

وذكر المسعودي رحمه الله في إثبات الوصية (2)أنه قام شمعون علیه السلام بأمر الله جل وعز وكان يفعل فعل المسيح يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ومعه الشيعة الصديقون فمن آمن به كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ومن شك فيه كان ضالّا، ووجّه شمعون علیه السلام بالحواريين الى البلدان يدعون الناس وكان المسيح علیه السلام وشمعون لا يبعثان إلى الروم بأحد إلّا قتل.

ثم إن النصاری اختلفوا بعد عيسى بن مريم في شمعون، وأكثرهم جحدوا حقه ولم يتبعوه، روى الشيخ الطبرسي رحمه الله في الاحتجاج عن أمير المؤمنين علیه السلام: .. وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ؛ فِرْقَةً إِحْدَى وَسَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ بِالْجَنَّةِ وَهِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ شَمْعُونَ الصَّفَا وَصِيَّ عِيسَى علیه السلام.. الخبر (3)

وكان شمعون أكبر من عيسى بعشر سنين، كان عيسى بن مريم لما رفع ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكان شمعون يومها ابن ثلاث وأربعين سنة. وبعد محاولة قتل عيسى علیه السلام ورفعه إلى السماء صار شمعون تحت مراقبة السلطة الدينية


1) كمال الدين 225/1

2) إثبات الوصية 84

3) الاحتجاج 263/1 وراجع بحار الأنوار 28 باب افتراق الأمة بعد النبي صلى الله عليه و آله

اليهودية، والرومانية من ورائها (1).

وقد استشهد رضوان الله عليه في الليلة التي استشهد فيها أمير المؤمنين علیه السلام، ومما ورد في ذلك أن هشام بن عبد الملك أشخص إمامنا الباقر علیه السلام إلى الشام فكان مما قال: يا أبا جعفر أشخصناك لنَسْألك عن مسألةٍ لم يصلح أنْ يسألك عنها غَيري، ولا أعلم في الأرض خَلْقاً ينبغي أنْ يعرف أو عرف هذه المسألة إن كان إلّا واحداً... إلى أن قال هشام: أخبرني عن اللَّيلة الّتي قُتِل فيها عليُّ بن أبي طالب بما استدلَّ به الغائب عن المصر الَّذي قُتل فيه على قتله؟ وما العَّلامة فيه للنّاس؟ فإن علمتَ ذلك وأجبتَ، فأخبرني هَلْ كان تلك العَلامة لغير عليٍّ في قَتلِه؟ (2)

وهي آية كونية يُستدل فيها على صدق دعوى صاحبها بأنه وصي، كما استدل القرآن على بطلان دعوى من لم تبك عليه السماء، قال تعالى فيما اقتص من خبر فرعون وقومه : (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ).

فقال له الإمام الباقر علیه السلام: يا أمير المؤمنين إنّه لمّا كان تلك اللّيلة الّتي قُتِلَ فيها أمير المؤمنين علیه السلام لم يرفع عن وجه الأرض حَجَرٌ إِلّا وُجِدَ تحته دَمٌ عَبيط حتّى

1) راجع شمعون الصفا للشيخ علي الكوراني العاملي حفظه الله 116

2) الملفت في الحديث أن سؤالا مثل هذا بمثل هذه المقدمة لا يصدر عن شخص خالي الذهن، بل يصدر عمن سمع نحو هذا الخبر وعرف وأراد الاطمئنان، وخشي أن يكتب سؤاله ويبعثه عن طريق رسول فيشيع حديثٌ بفضل أمير المؤمنين علیه السلام. ثم إن إقامة الخليفة بين أهل الشام الذي يقتضي حالهم أنهم توارثوا خبر الآيات الكونية بعد مقتل شمعون ورأوا بأعينهم نفس الآية يوم مقتل أمير المؤمنين علیه السلام كل ذلك يقتضي أن يبقى التساؤل دائراً في ذهنه للربط بين الأمرين.

طلع الفَجر، وكذلك كانت الليلة الَّتي قتل فيها هارون أخو موسى، وكذلك كانتِ اللَّيلة التي قتل فيها يوشع بن نون، وكذلك كانتِ الليلة التي رفع فيها عيسى بن مَريم إلى السّماء، وكذلك كانتِ اللَّيلة الَّتي قتل فيها شَمعون بن حمون الصّفا، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، وكذلك كانتِ اللَّيلة الَّتي قتل فيها الحسين بن عليٍّ .. الخبر (1)

وبعد بيان شيء من فضل شمعون الصفا لابد من الإشارة إلى ذريته المباركة فإننا إنما عقدنا هذا الباب لهذا الغرض حيث إن السيدة نرجس علیها السلام نسبت نفسها إلى شمعون الصفا من جهة الأم.

روى المسعودي رحمه الله في إثبات الوصية (2)ما ملخصه: أنه لما حضرت شمعون الوفاة أوحى الله إليه أن يستودع نور الله والحكمة وجميع مواريث الأنبياء يحيى بن زكريا ففعل وأوصى وسلّم إليه ومضى. وقام يحيى بن زكريا بأمر الله عز وجل، فلما أراد الله عز وجل أن يقبضه إليه أوحى إليه أن يجعل الإمامة في ولد شمعون فأحضر ولد شمعون والحواريين من أصحاب عيسى وأمرهم باتباع منذر بن شمعون والتصديق لما يأتي به. وقام منذر بن شمعون بأمر الله جل وعز واتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة وأوحى الله إليه أن يستودع نور الله وحكمته ابنه سلمه بن منذر فأحضره وأوصى إليه وسلّم إليه. وقام سلمة بن منذر بأمر الله


1) كامل الزيارات 78 والحديث طويل اقتطعنا منه موضع الشاهد.

2) راجع إثبات الوصية من الصفحة 40

جل وعز واتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة فأوحى الله إليه أن يستودع نور الله وحكمته ابنه برزة فأحضره وأوصى إليه. وقام برزة بن سلمة بأمر الله جل وعز واتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة، فأوحى الله إليه أن يستودع ويوصي إلى أبي بن برزة ويستودعه النور والحكمة ففعل. وقام أبي بن برزة بأمر الله جل وتقدّس وتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة فأوحى الله إليه أن يستودع نور الله وحكمته ابنه دوس فأحضره وسلّم إليه. وقام دوس بن أبي بأمر الله جل وعلا وتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة وأوحى الله إليه أن يستودع نور الله وحكمته أسيد فأحضره وأوصى إليه . وقام أسيد بن دوس بأمر الله جل وعزّ وتبعه المؤمنون إلى أن حضرته الوفاة فأوحى الله إليه أن يستودع نور الله وحكمته هوف فأحضره وأوصى إليه. وقام هوف بأمر الله جل وعز وتبعه المؤمنون فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يستودع ما في يديه ابنه يحيى بن هوف فأحضره وأوصى إليه وسلّم إليه. وقام يحيى بن هوف عليه وعلى من تقدّمه السلام من النبيّين والأوصياء والأئمة أجمعين بأمر الله جل جلاله الى أن حضرته الوفاة.

ويؤيد ما ذكره المسعودي في ذرية شمعون ما رواه الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق والشيخ أبو القاسم الخزاز رحمه الله عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال في ضمن حديث مفصل: .. وَأَوْصَى عِيسَى إِلَى شَمْعُونَ بْن حَمونَ الصَّفَا، وَأَوْصَى شَمْعُونُ إلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَأَوْصَى يَحْيَى إِلَى مُنْذِرِ، وَأَوْصَى مُنْذِرٌ إِلَى سُلَيْمَةَ، وَأَوْصَى

سُلَيْمَةُ إِلَى بُرْدَةَ .. الخبر (1)

ثم إن إغفال ذرية شمعون في تراث النصارى ليس أمراً عفويّاً فإنهم انحرفوا عن وصي عيسى واتبعوا بولس الذي نصّر النصارى، فكان جديراً أن تُغيّب ذرية شمعون، إلا أن ذريته باقية أدرك بعضهم أمير المؤمنين علیه السلام في منصرفه من صفين (2)، ومن هذه الذرية والدة إمامنا الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف التي تنتسب إلى شمعون من جهة الأم.

ورغم ذلك فقد أشارت الأناجيل أن شمعون كان متزوجاً وله ولد، جاء في إنجيل متى: وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى (3). أي أن شمعون (بطرس) كان متزوجاً وله حماة.

وجاء في رسائل بطرس: تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ المُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي (4). ولكن البعض أوّلها بأن مرقس مدين لبطرس في مسيحيته أو لعلاقة إنسانية وشخصية بينهما (5).

ومرقس هذا معروف بمرقس البشير صاحب الإنجيل الثاني من


1) أمالي الطوسي 442، أمالي الصدوق 488، ونحوه في كفاية الأثر 147 وفيه نص على أسماء الإثنى عشر

2) راجع کتاب سليم بن قيس الهلالي 252

3) إنجيل متى 14/8

4) رسائل بطرس الأولى 13/5

5) التفسير الحديث للكتاب المقدس ألان م. ستيبز، ترجمة نيكلس نسیم، ص 172

الأناجيل الأربعة في العهد الجديد، وكونه يلقب بالبشير يناسب أن يكون له أخ يلقب بالمنذر كما جاء في الرواية.

على كل حال فإن ما أورده النصارى في مسألة ذرية شمعون ليس حجة علينا وإنما هو حجة عليهم فالمسألة ليست مسلّمة عندهم، وإنكار بعضهم زواج بطرس (شمعون) وإنكار أن يكون له ولد لا يعنينا فإننا نتهمهم بأن ذلك راجع إلى أمرين، الأول سلوك عبادي مرتبط بالرهبانية وترك التزويج، والثاني وهو الأهم جحدهم الحق شمعون وذريته، لذلك يكون من الطبيعي تغييب هذه الذرية من الأوصياء.

ثم إنه لا يخفى أن جملة من النصارى يفترون على شمعون الصفا وينسبون له أنه أول من قال بأن عيسى هو ابن الله، وشمعون بريء من هذه الفرية والحق أن الذي نصّر النصارى هو بولس لعنه الله، ولكن يهمنا في هذا المقام التنويه بالموقع الخاص لشمعون الصفا في الوجدان المسيحي.

إن شمعون يلقب عند النصارى بالصخرة (الصفا، بيتر، بطرس، كلها مرادفات للصخرة) وذلك أن شمعون حين قال حسب زعمهم للمسيح: (أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ) (1)، قال له المسيح علیه السلام: (أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا) (2)، وذكروا في شأنه أنه هو المكلف


1) إنجيل متى 16/16

2) إنجيل متى 18/16

برعاية النصارى بعد المسيح حيث أوصاه قائلا: (ارْعَ خِرَافِي) و (ارْعَ غَنَمِي) (1)

وغير ذلك مما يدل على موقعه الخاص في الوجدان المسيحي وتعلق النصارى به - حسب الظاهر، وإلا فقد انقلبوا عليه وعلى الأوصياء من ذريته واتبعوا بولس-، تجد ذلك في الأيقونات والتماثيل التي تنصب تمجيداً له. ومن شواهد هذا الموقع في وجدان النصارى قضية ترتبط ببحثنا عن قرب.

وهي أن القيصر باراداس -وهو القيصر المعاصر لحادثة السيدة نرجس علیها السلام- كان على خلاف مع أسقف القسطنطينية أغناطيوس، فكان سبباً في عزله وتعيين فوتيوس بديلا عنه، صاحَب هذا الأمر جدل واسع في القسطنطينية، ومن ذلك رؤيا رآها باراداس، وحاصلها أنه رأى في المنام: أنه وبمعية الإمبراطور میخائیل قد دخلا كنيسة آياصوفيا، وشاهد شمعون جالسا على العرش وبجانبه يقف شخصان مميزان. وقد جثا أغناطيوس البكاّء على قدمي شمعون متضرعا إليه راجيا إياه غارقا في بكائه، فشاركه شمعون بالنحيب والعويل، وعندما انتهى أغناطيوس من نقل معاناته الشديدة وشكايته على القيصر بارداس، التفت شمعون إلى الشخص الواقف على يمينه ملوحا بالخنجر الصغير معلنا حكمه على الملأ: أمسكوا بارداس - مبغض الرب- خارجا في الفناء الأمامي وقطعوه إربا إربا. ثم أعلن شمعون أن الإمبراطور ميخائيل سيتلقى ذات المصير المأساوي


1) إنجيل يوحنا 21/ 15 و 21/ 16

لخاله القيصر (1).

لا شك أن القيصر باراداس رأى شمعون الصفا في منامه قبيل وفاته فإن كثيراً من مصادر التاريخ البيزنطي روت هذا الخبر، لكننا لا نعلم دقة ما نقل فيه من تفاصيل وإن كان بالفعل سبب غضب شمعون على باراداس هو شكاية أغناطيوس أو أن الأمر مختلف. لقد قتل القيصر بعد هذه الحادثة بفترة يسيرة ثم آلت الأمور إلى أعدائه، وقد كتب التاريخ أعداءه أتباع أغناطيوس.

مهما يكن من شك أو دقة في النقل فإن المهم أن نلتفت إلى أن النصراني إذا أراد أن يأتي بشخصية مهمة في المنام تشير إلى حادثة محورية في المجتمع فإن الشخصية المناسبة لذلك هو شمعون الصفا، فإن له موقعه الخاص في الوجدان المسيحي.

إن راوي الخبر مهما حاول الكذب والتلفيق فإن نخاسّاً يعيش في بغداد لا يتمكن من حبك حادثة منسجمة مع الذهنية المسيحية الخاصة التي لا يعرفها إلا نصراني يعيش في بيزنطة أو باحث متخصص في الفكر المسيحي. من أين عرف راوي خبر تزويج السيدة نرجس علیها السلام بالإمام العسكري علیه السلام هذه المكانة الخاصة لشمعون في الفكر المسيحي فتؤخذ بتوجيهاته وإرشاداته من عالم الرؤيا ثم تترك أثرها البالغ وترتب عليها سائر الآثار؟ ومن أين علم أن أميرة تعيش في قصر


1) هذا المنام من المنامات المشهورة جدّاً (راجع رسمة هذا المنام في قسم الملاحق)، ومن المصادر التي نقلت هذا المنام: 75-73 ,Niketas David, The Life of Patriarch Ignatius

يمكنها أن تتخلى عن قصرها وتختار السبي كالجواري في زي الخدم تقطع الفرات بزورق لتصل إلى سوق النخاسة ببغداد معتمدة على رؤيا رأتها وأن شخصاً وعدها في عالم الرؤيا أنه سيتزوجها؟ هذا الإيمان العجيب بالمنامات والتجليات والإلهامات في الفكر المسيحي لا يعرفه كل أحد!

منام للقيصر وآخر لحفيدته؛ وهناك أم المسيح توحي ترنيمة الميلاد (1)من على منبر آياصوفيا (2)، وقد اعتقد البيزنطيون أن العذراء تقيم معهم في القسطنطينية من خلال أيقوناتها وتحميهم من شرور الشياطين، وانتشرت قصص معجزاتها، منها قصة تشير بعطف العذراء وحرصها على شعب مدينتها، ومؤداها أن فتاة مسها الشيطان لسبع سنوات، ومن خلال أيقونة العذراء تجسدت لها العذراء في رؤيا وقالت لها: إنني موجودة في القسطنطينية وأستطيع أن أصطحبك إلى كنيستي المقدسة كى أطهرك وأشفيك، لكنني أخشى أن تصاب أمك بحزن شديد إذا استيقظت ووجدت سريرك فارغاً، لذا سأعالجك وأنتِ في فراشك (3).


1) حكاية ترنيمة الميلاد ترجع إلى القديس رومانوس المرنم في القرن الخامس الميلادي حيث يزعم أن مريم العذراء أوحت له هذه الترنيمة في المنام. وهي: اليوم العذراء تلد الفائق الجوهر، والأرض تقرّب المغارة لمن هو غير مقترب إليه، الملائكة مع الرعاة يمجدون، لأنه ولد من أجلنا صبي جديد الإله الذي قبل الدهور. وما يزال النصارى يرددونها في كنائسهم.

2) العالم البيزنطي ج م هسي، ترجمة د. رأفت عبد الحميد ص 298

3) المجتمع البيزنطي ص 166 تحت مقال بعنوان: الرفات والأيقونات في المعتقد الشعبي البيزنطي، للأستاذ مصطفى الشعيني

أما عمانوئيل عم ثيودورا كان لاأيقونيّاً متعصبّاً فمرض مرضاً شديداً طويلا بسبب سوء معتقده كاد يقضي عليه لولا صلوات الكنيسة حتى قام من مرضه فصار أيقونيّاً متحمساً، وكان اعتقاد الناس في القرن التاسع أن ما لاقوه من هزائم سابقة عقاب من الله بسبب تحطيم الأيقونات والصور (1).

وكانت الأحلام والرؤى هي التي توجه الأحداث وترشدها، فإن لاوون الخامس رأى في منامه أن ميخائيل العموري سيقتله، وامتنع يوحنا الثاني عن تتويج ابنه الأكبر بسبب أحد الأحلام، وحدث ذات مرة أن أم يوحنا کانتاکوزينوس كانت واقفة ذات ليلة في الشرفة بمنزلها الريفي تشهد طلوع القمر فحذرها شخص كالأشباح بأن ابنها في خطر (2).

إن سبك حادثة السيدة نرجس علیها السلام من الراوي بهذا التفصيل المتلائم مع الفكر المسيحي؛ تُخطب من شمعون الصفا فيزوجها، وتأمرها العذراء بدخول الإسلام في عالم الرؤيا، فتقبل كل ذلك، وتبذل كل ما تستطيع حتى تحقق ما رأته في منامها، كل ذلك أمارة على صدق المتن حتى مع فرض جهالة الراوي، فإن امتلاء الخبر بقرائن الصدق في كل سطر منه يدعو للوثوق بصحته، وتأتيك أمارات الصدق تباعاً بحوله تعالى.



1) الروم والمشرق العربي د. سيد أحمد الناصري ص 292، ص 294

2) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسیمان، ترجمة عبد العزيز توفیق جاويد ص 262

وهذا كله من خصائص الروم ودقائق معتقداتهم وما تبنته الملوك والأباطرة، والأساقفة من أتباعهم، وما لا يحيط بتفصيله عامة الناس لا في ذلك الزمن ولا هذا الزمن (1)، وما جئنا بهذا التفصيل إلا لأنه شاهد على صدق بشر بن سلیمان النخاس ودقة نقله، فمن أين عرف تمسك ملوك بيزنطة في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي بالملكانية، ورجوعهم عن انحرافات بعض من


1) حتى أن من كتب في الملل والنحل -رغم تخصصهم في ذلك- افتقرت كتاباتهم في كثير من الأحيان إلى الدقة.

سبقهم (1)تمسّكاً بقرارات المجامع المسكونية القديمة، فتكون حادثة تسافل الصلبان في قصر القيصر نذير شؤم بزوال الملكانية التي عادوا إلى التمسك بتفاصيلها توّاً؟!

فإن الراوي حين أورد خبر السيدة نرجس علیها السلام و ما جرى في قصر القيصر حين عزم جدها على تزويجها من ابن أخيه، ذكر تسافل الصلبان وتقوض الأعمدة، ثم قال فيما حكاه عن السيدة نرجس علیها السلام في وصف الحدث: فَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُ الْأَسَاقِفَةِ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ فَقَالَ كَبِيرُهُمْ لِجَدِّي أَيُّهَا الْمَلِكُ أَعْفِنَا مِنْ مُلَاقَاةِ هَذِهِ النُّحُوسِ الدَّالَّةِ عَلَى زَوَالِ هَذَا الدِّينِ الْمَسِيحِيّ وَالْمَذْهَبِ الملكاني.

وقد اكتفينا بالتفصيل فيما يرتبط بالمذهب الملكاني لغموض العبارة عند عامة الناس وتوهمهم أن ما ورد في الرواية محض وصف لتعظيم النصرانية، وإنما هي من الدقة بمكان، بما يتناسب مع أحوال ملوك بيزنطة ومعتقداتهم، وما لا يتصور صدورها من قصصي كذاب، أو نخاس كعامة نخاسي بغداد!

ثم إنهم يعتقدون في الصليب أشد الاعتقاد، به ثبات دينهم، و به نصرهم، وبه بقاؤهم، هو شعارهم في كل مكان، وإليه تشير صلواتهم. جاء في رسائل


1) يأتي في مطاوي البحث تمرد بعض ملوك بيزنطة على جملة من تشريعات المجامع المسكونية وما تحكم به الملكانية كزواج الأقارب، ومسألة عبادة الأيقونات المتفرعة على القول بأن المسيح ذو طبيعتين. بل قبل حرب الأيقونات انتصر هرقل لمذهب الطبيعة الواحدة (المذهب المونوفيزتي). راجع الدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 132

بولس: فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ (1). وما تسافلُ الصلبان والأعمدة في الحادثة وتعقيب كبير الأساقفة على ذلك إلا شاهد انسجام الأحداث مع معتقدات النصارى، سيما إذا عرفت أن كبير الأساقفة آنذاك (فوتيوس) يعد من فلاسفة عصره لا مجرد راهب، ومن المناسب لشأنه أن يصدر منه مثل هذا التعقيب.



1) رسائل بولس 18/1

الأسرة الحاكمة في القرن التاسع

الروم اصطلاح أطلقه العرب على أكثر من دولة وحضارة قامت على مر السنين، لكن المهم النظر إلى ما أطلقوه على عنوانين، الأول: إمبراطورية الرومان في روما أي في إيطاليا، وهم مسيحيو الغرب، وأحياناً يطلق عليهم في المصادر العربية: الفرنجة. أما العنوان الثاني: إمبراطورية الروم في بيزنطة أي في القسطنطينية، أي في إسطنبول من تركيا اليوم، وهم مسيحيو الشرق. ويطلق الكُتّاب على الإمبراطوريتين مصطلحي الروم والرومان، ولكن الغالب إطلاق الرومان على مسيحيي روما في الغرب، والروم على مسيحيي بيزنطة في الشرق (1). كما أن هاتين الإمبراطوريتين كانتا واحدة في الأصل، ثم انفصلتا.

في الحقبة الزمنية التي ندرسها كانت قوة النصارى آنذاك عند دولة الروم في بيزنطة، وكان وجود إمبراطورية الرومان أقل حظوة في التاريخ الإسلامي من الروم لضعف دولتهم، نعم تجد مثلا ذكراً لشارلمان إمبراطور الرومان الفرنجة أيام هارون الرشيد، وقد تجد ذكراً لأباطرة الرومان ضمن قراءة الأحداث في الأندلس، لكن ذلك مع قرينته، أما إذا خلا الكلام من القرينة فالأصل أن يراد دولة الروم في بيزنطة، بدءاً من هرقل الذي كاتبه النبي صلی الله علیه و آله و سلم ودعاه إلى الإسلام، إلى ميخائيل الثالث المعاصر للحقبة الزمنية التي نحن فيها، إلى قسطنطين الحادي


1) كنيسة الشرق تشمل الدولة البيزنطية بالدرجة الأولى، ثم أنطاكيا، وبيت المقدس، والإسكندرية، وكانت بيزنطة هي مركز القوة آنذاك.

عشر الذي سقطت معه الإمبراطورية.

أي أن ثقل النصارى ومركز قوتهم في تلك الفترة كان في الشرق، وهذا ما جعلنا نرجح أن يكون المقصود من عبارة (ابنة ابن قيصر الروم) أن يكون قيصر الروم هنا في بيزنطة لا في روما، هذا بعد الاستبعاد المبكر للاحتمالات الضعيفة في بلغاريا وروسيا لأنها احتمالات بعيدة تاريخيّاً (1)، فروسيا لم يكن فيها قيصر آنذاك، وبلغاريا كانت وثنية والرواية تشير إلى أن مذهب القيصر كان النصرانية.

وبعد هذه المقدمة لابد من معرفة شيء من تاريخ الأسرة الحاكمة في بيزنطة آنذاك لنعرف بالضبط نحن في أي ظرف زمني نتحدث، فنقول: بعد سقوط الأسرة الأيسورية (820م - 205ه-) استلمت الحكم الأسرة العمورية لغاية سنة (867م - 253ه-)، ثم آل الحكم إلى الأسرة المقدونية (2)

راجع الفن البيزنطي دراسة د. ثروة عكاشة ج 11 من موسوعة تاريخ الفن ص 11

ومن هنا لاحظ الفرق بين مثل الدولة العباسية التي تحكم الدولة الإسلامية أكثر من خمسة قرون كأسرة واحدة، وبين الدولة البيزنطية التي تداول عرش الإمبراطورية فيها ما يقارب العشرين أسرة!

.

وحَكَم بيزنطة هذه الفترة ثلاث أباطرة، وهم: ميخائيل الثاني، ثم ابنه


1) وقد ناقش هذا المطلب سماحة الشيخ نزيه محيي الدين حفظه الله بتفصيل مناسب في مقال منشور على موقع مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف ضمن قسم البحوث والمقالات المهدوية، برقم (698)، وعنوان المقال: (أُمِّ الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف الحقيقة ثابتة).

2) لم يكن نظام الحكم في إمبراطوريات الروم مبنيّاً على التوارث لأن العقيدة المسيحية ليس فيها ما يلزم بتوارث التاج .

ثيوفليوس، ثم ابنه ميخائيل الثالث، ولا يعنينا دراسة تاريخ بيزنطة كاملا، ولا كل ما يخص الأسرة العمورية، وإنما نسلط الضوء على الحقبة الزمنية محل البحث دون غيرها.

خلّف ثيوفليوس عند وفاته سنة 842م خمس بنات وولداً واحداً، كان هذا الولد هو الإمبراطور الوريث للعرش، غير أنه لم يكن بالغاً بل كان ابن سنتين (1)، فكانت أمه الإمبراطورة ثيودورا هي الوصية على العرش يعاونها على ذلك مجلس وصاية فيه السياسي ثيوكتيستوس وأخواها باراداس وبتروناس. ولما بلغ الإمبراطور سن الرشد حدثت تغيرات في مجلس الوصاية فاغتيل ثيوكتيستوس سنة 855م، وعزلت ثيودورا أم الإمبراطور عن السلطة وأودعت مع بناتها في الدير سنة 856م وبقيت فيه حتى ماتت (2)

(والمقصود من شمسها أنه جعلها خادمة للكنيسة ، واللغثيط المقصود هو ثيوكتيستوس، وسيأتي معنى اللغثيط).

وهو اشتباه من الطبري، فالوارد في التاريخ البيزنطي أن حكمها دام من سنة 842م إلى سنة 856م أو 857م، كما أن الطبري نفسه ذكر مبادرة ثيودورا في فداء الأسرى سنة (241ه- - 855م). فما أورده هنا من عزلها وقتل ثيوكتيستوس خطأ واضح.

، وصار باراداس الحاكم الفعلي في الإمبراطورية لمدة عشر سنين برضا وقبول من الإمبراطور الشاب، وبعد

1) في بعض المصادر العربية ذكرت أن عمره ست سنوات وهو اشتباه، والصحيح ما أثبتناه.

2) قال الطبري في أحداث سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (توافق 847م): وفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمه تذورة فشمسها وأدخلها الدير، وقتل اللغثيط لأنه اتهمها به، وكان ملكها ست سنين.

هذه السنوات تبدل رأي الإمبراطور في خاله ومال قلبه إلى باسيل المقدوني، ودبّر باسيل عملية اغتيال باراداس سنة 866م، ثم صار باسيل المقدوني هو الآمر الناهي، وظلّ الإمبراطور مشغولا بملذاته في الشرب والسكر ومتابعة سباق الخيول وغيرها من شؤون الدنيا التي عرف بها حتى لقب بميخائيل السكير (1).

الملاحظ في حقبة ميخائيل الثالث رغم طولها أن الإمبراطور لم يحكم الإمبراطورية قط! وإنما كان يدير الأمور غيره طوال فترة ملكه (2)، كما تعتبر هذه الحقبة الزمنية مرحلة حيوية في التاريخ البيزنطي صحبتها نهضة علمية داخلية، ونقلة ثقافية عقائدية في الفكر النصراني، وعودة المعارك البيزنطية الإسلامية بقوة، والبدء بحملات تنصير البلغار، حتى أنها كانت الطريق لدخول بيزنطة عصرها الذهبي، وكان القيصر باراداس رائد نهضة بيزنطة في تلك الحقبة (3)

وقد أدرجنا في ملاحق الكتاب بعض الرسومات المهمة لهذه المرحلة من التاريخ البيزنطي.

.

1) راجع تاريخ الإمبراطورية البيزنطية محمد مرسي الشيخ ص 176 ، والإمبراطورية البيزنطية وحضارتها د. محمود سعيد عمران ص 129، والدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 294، ومعجم التراجم البيزنطية أ.د. دونالد نيكول، ترجمة أزد. حسن حبشي ص 96 ، 194، 197، 153

2) راجع: Bury, Eastern Roman Empire, 154

3) العالم البيزنطي ج م هسی، ترجمة د. رأفت عبد الحميد ص 118

الألقاب والمناصب الرسمية

من الالتباسات الواضحة عند كثير من الباحثين خلطهم بين لقب (القيصر) و (الإمبراطور) وبناؤهم على أنهما لقب واحد، والحقيقة أنهما يشيران إلى أكثر من منصب، ولهما دلالتهما الخاصة، والوارد عندنا في قضية السيدة نرجس علیها السلام أنها من نسل القيصر لا من نسل الإمبراطور، ورَدُّ الرواية بناء على أن الإمبراطور لم يكن له أحفاد آنذاك ناشئ عن قصور في مطالعة التاريخ البيزنطي.

وقد عنت كثير من الكتب بتفصيل هذه الألقاب وذكر الفوارق بينها ودلالتها، ثم إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأماكن، فإننا يجب أن نعرف دلالات الألقاب في نفس الظرف الذي وردت فيه الرواية، كما لو تحدثنا اليوم عن دلالة المناصب الرسمية في الدول، مثل الملك والأمير ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة ورئيس البرلمان وغيرها، فإنها مناصب قد تجتمع في شخص واحد في بعض الدول فيكون الأمير هو نفسه رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة، وقد تفترق في دول أخرى فيشغل كل منصب شخص معين لوحده، كما أن نفس المسمى قد يكون له وظيفة تشريفية في بلد ما لا أهمية عملية لها في إدارة البلاد، وقد يكون نفسه المتصرف بكل شيء في بلد آخر، كمنصب الملك فإنه يختلف من بلد إلى آخر، بل قد تتفاوت الصلاحيات في نفس البلد من زمان إلى آخر، فلا يكون لرئيس الجمهورية الأثر السياسي المهم اليوم، وكان له كامل الهيمنة والسلطنة السياسية بالأمس في نفس البلد مثلا.

هي ظروف تتغير وتتفاوت بتغير الحيثيات، فلا يقاس ظرف اليوم بظرف الأمس ونحن نتحدث في غضون سنين محدودة عشناها وشهدناها فما بالك بإمبراطورية امتد حكمها قرونا طويلة؟ إنه من الطبيعي أن يكون الإمبراطور يوما لا دور له في إدارة البلد، وفي ظرف آخر يكون هو المتصرف في كل شيء، وفي ظرف ما يكون الإمبراطور هو القيصر نفسه، وفي آخر يكونان منصبين مختلفين.

وبعيداً عن الإطالة؛ من الشواهد اللطيفة على وجود فرق في هذه المناصب ما دونّه كليترولوجيون فيلويوس (1)في وصف مآدب الطعام الرسمية في البلاط الإمبراطوري أنه كانت هناك ست شخصيات رئيسة تشارك الامبراطور طعامه ويجلسون على ميمنته وميسرته على المائدة وهم على التوالي: بطريرك القسطنطينية، ثم القيصر، ثم النوبليسيموس (الأكثر نبلا)، ثم القربلاط، ثم البازيليوباتور (والد الإمبراطور) ! وأخيراً البطريقة الزوستى . (2)

هذا فضلا عن سائر المدعويين للمآدب، كما أن بعض المناصب التي تدعى إلى الموائد قد لا تكون موجودة في حقبات زمنية أخرى كوالد الإمبراطور، وإنما فيلويوس وثّق مرحلة عمله في البلاط فذكر الشخصيات الموجودة، وهذا


1) عاش في أواخر القرن التاسع الميلادي، وهو المشرف على الولائم الإمبراطورية (الأتريكلينس) في عهد ليو السادس، ومن هنا قام بتصنيف قائمة للمدعوين إلى هذه الولائم والمناسبات الإمبراطورية، لتكون دليلا للعاملين بالتشريفات الملكية في القصر، اعتمد فيها على ترتيب كافة موظفي الدولة حسب مناصبهم أو درجة أهميتهم وكذلك الألقاب الشرفية التي كانوا يحملونها.

2) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 67

التعداد للمناصب ليس مطرّداً في كل موائد أباطرة الروم، إلا أننا أشرنا إلى هذه الشخصيات لنوضح أن القيصر هو الشخصية الثانية من المدعوين للمأدبة، يسبقه رئيس السلطة الدينية الأسقف الأعظم (البطريك) . وهذا يؤكد أن القيصر ليس هو الإمبراطور كما يتسامح كتاب المعاجم في تدوين هذه المعلومة.

والحقيقة أن هذا الخطأ راجع إلى عدم المداقة في التعامل، فإن باحثاً غير مسلم لو قرأ التاريخ الإسلامي ووصف الخليفة بأنه رئيس سلطة القضاء في الدولة الإسلامية، لكان صادقاً لو أنه تحدث عن زمن خلافة أمير المؤمنين علیه السلام وسيكون مخطئا لو أنه تحدث عن زمن خلافة المعتصم العباسي!

والذي يظهر أن جذر هذا الالتباس في فهم معنى القيصر يعود إلى الخلط بين دلالة هذا اللقب عند الرومان في روما، وعند البيزنطينين في القسطنطينية، فإن الإمبراطور الروماني كان يحمل لقب القيصر زيادة على لقبه الإمبراطوري.

وبعد هذا التفريق فإنه لابد من التنويه على أن التسميات: قيصر وقربلاط ولغثيط (1)قد تكون لأشخاص متعددين وقد تجتمع في شخص واحد وذلك باختلاف العصور، فمثلا فإن القيصر باراداس حاز على لقب (kouropalates) قربلاط (2)، وهذا اللقب في حقبة ميخائيل الثالث كان يحمله القيصر نفسه فلا فرق، فيما حمل ثيوكتيستوس لقب لغثيط فقط.


1) وفي بعض المصادر يعرّب لوجثيت Logothetes

2) راجع: Bury, Eastern Roman Empire, 161

وقد تعرضت التواريخ إلى وصف مهام أبرز موظفي الدولة، فذكروا أن أهمهم على الإطلاق اللغثيط وهو بمثابة وزير الخارجية ومستشار الإمبراطور والمشرف على الخزانة الإمبراطورية، ورئيس دار الإنشاء الإمبراطورية، والمشرف على ميدان السباق، وفي بعض الأحيان كان يُعَيَّن قائداً للأسطول البيزنطي، وكان القربلاط يحمل رتبة قيصر (نائب الإمبراطور)، وعلى ذلك لبس تاجاً بدون صليب. (1)

والحقيقة أن أهم خصلة يجب توفرها في القيصر كونه مؤهلا لوراثة العرش الإمبراطوري تحت ظرف معين، فكان يمنح الأباطرة هذا اللقب لأبنائهم غالباً، وقد يمنح لغيرهم، كما منحه ثيوفليوس لزوج ابنته (2)ومنحه ميخائيل الثالث لخاله باراداس (3)، أي أن القيصر قد يكون مجرد ولي عهد، وقد يكون هو اللغثيط ووزير الخزانة والقائد العام للقوات المسلحة وغيرها من مناصب، كالقيصر باراداس الذي ذكر وا له كل هذه المهام.

هذا بالنسبة للقيصر أما الإمبراطور فهو رأس الهرم في الدولة، وهو الذي ينصّب سائر موظفي الدولة في مناصبهم، لكنه عمليّاً قد لا يمارس من


1) المجتمع البيزنطي ص 72 تحت مقال بعنوان: التركيب العرقي والطبقي للمجتمع البيزنطي، للأستاذ المساعد محمد زايد عبد الله

2) لكن زوج ابنته ترك المنصب لاحقاً وعاش في دير وقضى بقية حياته راهباً.

3) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 127

الصلاحيات إلا القليل كالتي ترتبط بالتشريفات وشؤون البلاط، وقد يمارس كل شيء بنفسه فيتجول في الأسواق يرعى شؤون الرعية، ويخرج إلى الحروب بنفسه ليشرف على المعارك، وهو على كل حال نائب المسيح (1)قد اختير من قبل الرب (2)، وهو ظل الله في الأرض (3)، وهو نصف إله ورب القصر (4)، أما الحاكم الحقيقي للقسطنطينية هو المسيح نفسه، لذلك نجد في صور المسيح وتماثيله ما يصوره ملكا متوجا يرتدي رداء الإمبراطور. وكان يوضع إلى جانب عرش الإمبراطور عرش آخر خال هو عرش الملك الحق وهو المسيح، وربما وضعت عليه أيقونة مقدسة أو إنجيلٌ مفتوح. (5)

ثم إن الإمبراطور قد يمنح هذا اللقب لبعض أفراد عائلته، كولي العهد ووريث العرش، وربما يمنحه لزوجته وغيرهم، وربما طبعت صورة الإمبراطور الصغير إلى جانب أبيه على العملة، فيكون الإمبراطور الأكبر هو الأتقراطور الحاكم الفرد المانع المعطي لكل فئات الشعب وهو رأس الهرم والسلطة والمحور الرئيس الذي تدور عليه شؤون البلاد. (6)


1) بيزنطة بين الفكر والدين والسياسة، د. رأفت عبد الحميد ص 50

2) بيزنطة في حرب، تأليف جون هالدون، ترجمة د. فتحي عبد العزيز 26

3) الفن البيزنطي دراسة د. ثروة عكاشة ج 11 من موسوعة تاريخ الفن ص 15

4) الفن البيزنطي دراسة د. ثروة عكاشة ج 11 من موسوعة تاريخ الفن ص 11

5) الفن البيزنطي دراسة د. ثروة عكاشة ج 11 من موسوعة تاريخ الفن ص 11

6) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 125

وقريب من وصف الإمبراطور وصف آخر شاع في الدولة البيزنطية، وهو البازيليوس، ومعناه الملك باليونانية، وهذا هو لقب الإمبراطور الحاكم فعلا، ولقب من سيعتلي سدة العرش من بعده يشتركان فيه. (1)

ومن أهم المناصب في بيزنطة أيضاً: البطريك (2)وهو الأسقف الأعظم الذي يتولى رئاسة الكنيسة، وفي الغالب يكون الشخصية الثانية في الإمبراطورية (3).

يقول المسعودي في وصف البطريك ووظيفته: وهو ملك الدين والقيم به، كما أن الملك صاحب السيف، فهو صاحب كرسي القسطنطينية إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا (4)وصاحب الكرسي هو شريك الملك ليس يساوى الملك في الخلق أحد إلا هو، ولا يُكفِّر (5)الملك إلا له، وإذا جلس الملك جلس على كرسي من ذهب وجلس البطريرك على كرسي من حديد فما كان من نفقات الحرب وجباية الخراج وإعطاء الجند فهو إلى الملك، وما كان من أموال الأحباس والوقوف لنفقات الكنائس والديرة والأساقفة والرهبان وما أشبه ذلك من أمر دينهم فهو


1) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 124

2) اختلفت المصادر العربية في كيفية تعريبه، منهم من عربّه البترك، والبطرك، والبطرق الأكبر، وبطريركس

3) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 132

4) أي إلى وقت تدوين كتاب التنبيه والأشراف.

5) التكفير: وضع اليد على الصدر والانحناء احتراماً وتعظيماً.

إلى البطريرك، وله في كل بند (1)عامل مثل عامل الملك، والبطريرك لا يأكل اللحم ولا يطأ النساء ولا يتقلد السيف ولا يركب الخيل وإذا أراد أن يركب ركب حمارا وحول رجليه على جانب مثل ركوب النساء. (2)

وهناك لقب آخر لابد من الإشارة إليه وهو البطريق، وهو لقب شرفي وليس وظيفة ويعني النبيل أو الشريف، وهو من الألقاب الإمبراطورية الرفيعة جداً، والتي يحمل صاحبها شارة عبارة ألواح صولجان محفورة من العاج، وهذا اللقب يمنح لكبار رجال الدولة غالباً، وقد يمنح لغيرهم (3)، وهو يعادل لقب أمير عند العرب (4)

والشاهد من النقل التفريق بين البطريق والبطريك، وأن البطريق يوازي لقب الأمير عند العرب.

.

1) البند أو الثيم هم جيش نظامي يقيم قرب مدن الثغور الإسلامية، والقائد العسكري الذي يتولى قيادة الثيم لقبه ستراتيجوس وهو عامل الملك الذي يتولى قيادة الجيش ورئاسة الحكومة المدنية في نفس الإقليم.

2) التنبيه والأشراف 147

3) بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ص 154

4) جاء في كتاب الأنس الجليل 255/1 لمؤلفه عبد الرحمن بن محمد المقدسي، قال: وَلما قدم عمر بن الْخطاب بِبَيْت المُقَدّس نزل على الْجَبَلِ الشَّرْقِي وَهُوَ طور زيتا وأتى رَسُول بطريقها إِلَيْهِ بالترحيب وَقَالَ أَنا سنعطي بحضورك مَا لم نَكُنْ نُعْطِيه لِأَحد دُونك وَسَأَلَهُ أَن يقبل مِنْهُ الصُّلْح والجزية وَأَن يُعْطِيهِ الْأمان على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وكنائسهم، فأنعم لَهُ عمر بذلك فَسَأَلَهُ الرَّسُول الْأمان لصَاحبه ليتول مصالحته ومكاتبته، فأنعم، وَخرج إِلَيْهِ بطريقها فِي جَمَاعَة فَصَالحهُمْ وَأشْهد على ذَلِك. والبطريق هُوَ الْأَمِير وَأما البطرك فَهُوَ الكاهن.

إلى هنا تنتهي حاجتنا في بيان معاني بعض الألقاب البيزنطية، وهناك مؤلفات صنفت في هذا الموضوع غير أننا نقلنا موضع الحاجة ومن أراد التفاصيل فليرجع إلى المصادر.

والذي يهمنا في المقام أن الذي ورد في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله أن السيدة نرجس علیها السلام كانت ابنة القيصر لا ابنة الإمبراطور، وقد تبين الفرق. ومن المهم أيضاً التنبه على أن القيصر أو ولي العهد أو الإمبراطور الصغير قد يوصف بالملك، وأن وصف الملك غير مختص برأس الهرم في بيزنطة، وسيأتي بيان ذلك، ويأتي استخدامهم وصف الملك للسيد المسيح والإمبراطور ولولي عهده، ولبطريك الكنيسة باعتباره ملك الدين، كما يوصف الزوج والزوجة بأنهما ملوك الأسرة، وغير ذلك من تعابير متعارفة في الموروث البيزنطي يعادلها في الوصف العربي (أمير) أو (شيخ) أو (إمام)، فإن العرب تصف القادة وأمراء القبائل وكبار رجالات الدولة ورجال الدين بأوصاف مثل هذه ولا تستخدم وصف الملك إلا لرأس السلطة في الأنظمة الملكية دون سائر أنظمة الحكم. ويأتي المزيد من البيان في تحقيق دقة الأوصاف الواردة في الرواية.


القيصر باراداس

باراداس هو القيصر المهيمن على إمبراطورية الروم في بيزنطية مدة عشر سنوات من (856 - 866 للميلاد)، ويوافق (242 - 252 للهجرة) وذلك إبان حكم ابن أخته الإمبراطور ميخائيل الثالث، وكان مجلس الوصاية على الإمبراطور الطفل يتكون من عدة شخصيات منها ثيودورا وأخواها باراداس وبتروناس، وهم من عائلة نبيلة ذات أصل أرمني (1)من بافلاجونيا (2)، كان أبوهم قائداً عسكريّاً (3)، إلا أن معرفة تفاصيل أنساب العائلات البيزنطية الكبرى من الأمور العسيرة، فإنه لم يكن من عادة البيزنطيين حفظ الأنساب (4)، خلافا لعادة العرب في الاهتمام بالأنساب لاسيما أنساب الأشراف.

وأشار التاريخ البيزنطي إلى أبناء باراداس، فأما أحدهم فكانت وظيفته مرتبطة بالتعليم في بيزنطة، وكان الثاني قائدا عسكريا في أووربا (5)، كما كان له أولاد آخرون من زوجتين طلق إحداهما. وذكر التاريخ أن أحد أولاد باراداس توفي وبقيت أرملته تعيش في بيت عمها القيصر باراداس والد زوجها (6).


1) الدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 294

2) إقليم يقع شمال الأناضول على ساحل البحر الأسود

3) الفن البيزنطي دراسة د. ثروة عكاشة ج 11 من موسوعة تاريخ الفن ص 15 ص 23

4) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسیمان، ترجمة عبد العزيز توفیق جاوید ص 231

5) راجع: Bury, Eastern Roman Empire, 161

6) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص292

فيما كان أخوه بتروناس القائد العسكري في الشرق في القسم الغربي من آسيا الصغرى وقام بعدة حملات ضد العرب (1)، وكان لبتروناس أولاد منهم مارينوس الذي منح منصباً إداريّاً في الدولة (2)

Charanis P., The Armenians in Byzantine Empire, Livraria Bertrand; 1st edition (January 1, 1963), p 24

.

ثم إنه لم يكن من المهم تاريخيّاً تدوين أسماء جميع أبناء الأباطرة والقياصرة، كما هو شأن العرب أيضاً إذ لا يفصلون في ذكر أسماء أبناء الخلفاء (3)فضلا عن الوزراء وعامة القادة، فالتاريخ عادة يذكر المبرزين منهم ممن تقلد منصباً مهما أو كان له موقف بارز في التاريخ دون سائر الأبناء.

أما بالنسبة لشخصية القيصر باراداس فإنه كان مهمشاً في بداية تولي الإمبراطور ميخائيل الثالث لمنصبه، حتى تمكن من التخلص من السياسي ثيوكتيستوس، ثم التخلص من الإمبراطورة ثيودورا (أخته، وزوجة الإمبراطور


1) معجم التراجم البيزنطية أ.د. دونالد نيكول، ترجمة أزد. حسن حبشي ص 194

2) راجع:

3) مثلا سليمان بن المنصور الدوانيقي لم أجد في سيرته تفصيلا سوى ما ورد في رواياتنا من أن الحمية أخذته حين رأى نعش الإمام موسى بن جعفر علیه السلام فأمر بتشييعه ودفنه، لذلك يتعسر مثلا الإجابة عن التساؤلات حول عقيدته وانتمائه وموقفه من خلافة بني أخيه، لاسيما أنه ورد في ذرية المنصور الدوانيقي من يتشيع لأهل البيت علیهم السلام مثل عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور. فما هو تفصيل حياة سليمان بن المنصور؟ فهذا التاريخ الإسلامي على ما فيه من تفصيل نجده شحيحاً في الإجابة عن هذا السؤال ونظائره، والسبب أنه لم يتقلد منصباً بارزا في الدولة فهمشه التاريخ.

السابق ثيوفيلوس، ووالدة الإمبراطور الحالي ميخائيل) وعزلها مع بناتها في دير، ثم إنه صار الآمر الناهي في الإمبراطورية، بتفويض من الإمبراطور الشاب ميخائيل الثالث، وحاز على منصب القيصر منذ ذلك الوقت (1)

وراجع: Bury, Eastern Roman Empire, 161 حيث ذكر تقلد باراداس رتبة قربلاط والتي تعطيه كل مهام القيصر، وذلك منذ عزلت ثيودورا عن إدارة البلاد.

.

وقد روى الطبري خبراً تاريخيّاً في أحداث سنة 246ه- (الموافق 860م) حول فداء أسرى المسلمين عن نصر بن الأزهر الشيعي وكان رسول المتوكل إلى ملك الروم في أمر الفداء، أنه قال: لما صرت إلى القسطنطينية حضرت دار ميخائيل الملك بسوادي وسيفي وخنجري وقلنسوتي فجرت بيني وبين خال الملك (بطرناس) المناظرة وهو القيم بشأن الملك... إلى أن قال: وانقطع الأمر بيني وبينهم في الفداء على أن يعطوا جميع من عندهم وأعطي جميع من عندي، وكانوا أكثر من ألف قليلا، وكان جميع الأسرى الذين في أيديهم أكثر من ألفين منهم عشرون امرأة معهن عشرة من الصبيان، فأجابوني إلى المحالفة فاستحلفت خاله، فحلف عن ميخائيل، فقلت: أيها الملك قد حلف لي خالك فهذه اليمين لازمة لك؟ فقال برأسه: نعم. ولم أسمعه يتكلم بكلمة منذ دخلت بلاد الروم إلى أن خرجت منها؛ إنما يقول الترجمان وهو يسمع فيقول برأسه نعم أو لا، وليس


1) معجم التراجم البيزنطية أ.د. دونالد نيكول، ترجمة أزد. حسن حبشي ص 153، ص 24، ص 96، وراجع أيضا: الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص 292

يتكلم ، وخاله المدبر أمره (1).

والشاهد في الرواية ما رآه رسول الخليفة من أن خال الإمبراطور هو المدبر لشؤون الدولة وليس للإمبراطور رأي، لكن الملفت أنه عبّر عن خاله ببطرناس ولم يسمه باراداس.

لا شك أننا نعاني خللا في التعريب وعدم دقة وتفاوت في نقل الأسماء، فهذه ثيودورا أم الإمبراطور يعرّبها ابن خلدون باسم ندوره! وفعلا قد أشار الباحثون (2)

كما تنبه لهذا الخلل في التعريب الباحثان الأكاديميان: إحسان روحي وهادي تقوي، ونقلا جملة من آراء الباحثين في التاريخ البيزنطي حول هذه الجزئية في مقالهم الأكاديمي:

An Ignored Arabic Account of a Byzantine Royal Woman

إلى أن بطرناس معرب باراداس، وليس المقصود منه بتروناس لأن مهام بتروناس لا ترتبط تاريخيّاً باستقبال السفراء وإنما هذا الدور يعنى به باراداس القيصر، كما أن العرب عارفون عن قرب بالقائد العسكري بتروناس الذي واجههم عسكريّاً عدة مرات وكان ينبغي ذكر وصفه عند اللقاء به، غير أن نصر بن الأزهر ذكر الوصف المناسب للقيصر في كونه المدير لشؤون الملك.

على أي حال فإنه من الواضح أن شؤون الدولة على إطلاقها كانت بيد باراداس، وأنه كان الحاكم الفعلي للإمبراطورية لا ميخائيل، لذلك فإنه من المناسب وصفه بملك الروم، كما وصف المؤرخون ثيودورا أخت باراداس بأنها


1) تاريخ الطبري 388/7

2) الروم والمشرق العربي د. سيد أحمد الناصري ص 292

ملكة الروم (1)

وقال الطبري في تاريخه في أحداث سنة سبع وعشرين ومائتين (الموافق 842م): وهلك هذه السنة توفيل (أي: ثيوفيلوس) ملك الروم وكان ملكه اثنتى عشرة سنة، وفيها ملكت بعده امرأته تدورة وابنها ميخائيل بن توفيل صبي.

ووصفها الطبري في مورد آخر في أحداث سنة إحدى وأربعين ومائتين (855م) بأنها ملكة الروم، وصاحبة الروم أيضاً وهو التعبير الذي يستخدمه المؤرخون العرب لوصف الحاكم العام للروم.

، والحقيقة أنها ليست ملكة وإنما كانت وصية على عرش الإمبراطور، ولما كانت متصرفة في كل شؤون الإمبراطورية صح نسبة هذا الوصف لها، فكذلك يصح نسبة هذا الوصف إلى القيصر باراداس، وقد تقدم أن البازيليوس (مرادف الملك) يطلق على الإمبراطور وعلى المخول بارتقاء سدة العرش بعد الإمبراطور، وهذه الصفة تنطبق على القيصر باراداس أيضاً.

أي أننا الآن نتحدث عن قيصر الروم الرسمي، والملك الفعلي للإمبراطورية برضا وإمضاء وتعيين الإمبراطور الشاب ميخائيل الثالث، والقيصر المذكور قاد الإمبراطورية إلى نهضة مهمة، كانت مفصلية في التاريخ البيزنطي كاملا.

وأهم ما يذكر في سيرته وما يميز مرحلته تاريخيّاً عن سائر مراحل الإمبراطورية هو اهتمامه البالغ في المؤسسات العلمية، لأن الإمبراطورية مرت في فترة ظلام في القرن السابع الميلادي وسيطرة الكنيسة على المؤسسات العلمية،


1) قال ابن خلدون في تاريخه 277/4: وكانت ندورة ملكة الروم قد حملت أسرى المسلمين على التنصر..

كان ذلك في فترة التشدد الديني وحرب تحطيم الأيقونات (1)، بل كانت جامعة أثينا مغلقة منذ القرن السادس الميلادي انتصاراً للكنيسة والتشدد الديني! (2)أما القرن السابع فكان أشد القرون عقماً في تاريخ الفكر البيزنطي (3)، أما القرن الثامن فلم يكن مختلفاً كثيراً، وأبرز علمائه يوحنا الدمشقي، ولكنه تفرغ للدفاع عن المسيحية (4)، والأمر استمر إلى بداية الأسرة العمورية، حتى ذكروا أن ميخائيل الثاني الإمبراطور نفسه لم يكن يحسن القراءة والكتابة (5)!

عمليّاً لم تبدأ النهضة الثقافية إلا في القرن التاسع الميلادي على يد القيصر باراداس وإليه يعود الفضل في إحياء جامعة القسطنطينية فإنه استدعى أعلم علماء زمانه وجمعهم في مدرسة الماغنوارا لتدريس اللغة والفلسفة والهندسة والفلك واشتد عطفه على الجامعة فتردد إليها واحتك بأساتذتها وحضهم على السير في سبيل العلم، ومضى في عمله غير مبال بتشدد الكنيسة وإنما نفخ في عاصمة روما روحا علمية مهدت السبيل لوثبة القرن العاشر (6)، بل نجده تدخل في تنظيم


1) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسيمان، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ص 272، وحضارة الإمبراطورية البيزنطية د. محمود سعید عمران ص 295

2) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص 165

3) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص 255

4) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص 303

5) الدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 273

6) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص301

الكنيسة وكانت له اليد الطولى في عزل البطريك أغناطيوس وتعيين فوتيوس بطريكا للقسطنطينية، وكان فوتيوس محبّاً للعلم صديقا للرياضي الشهير ليو (1).

وقد ضمت الجامعة أهم علماء العصر كفوتيوس وليو الرياضي (2)، وهما شخصیتان مهمتان علميّاً، أما فوتيوس فهو الذي كان قد ترأس سفارة إلى بغداد (3)، أما ليو (4)الرياضي فهو الذي سعى المأمون حثيثاً أن يأتي به إلى بغداد ولم يتمكن، وعرض مقابل ذلك الصلح الدائم مع القسطنطينية وألف قطعة ذهب، لكن الإمبراطور ثيوفيلوس كان قد رفض ذلك لأنه كان يرى أن ليو الرياضي سر لا ينبغي أن يطلع عليه المسلمون (5).

ولما آلت الأمور إلى باراداس سخّر كل إمكانيات الإمبراطورية لخدمة هؤلاء العلماء، وقد عمد إلى تدبير كل الاحتياجات المالية اللازمة لشؤون جامعة القسطنطينية (الماغنوارا) (6).

تعتبر هذه المرحلة هي مرحلة النهضة في الدولة البيزنطية، لاسيما في مجال التعليم، ويعتبر القيصر باراداس رائد هذه النهضة، الذي أجمعت المصادر على


1) معجم التراجم البيزنطية أ.د. دونالد نيكول، ترجمة أزد. حسن حبشي ص 24، ص 39

2) حضارة الإمبراطورية البيزنطية د. محمود سعید عمران ص 296

3) نفس المصدر، وأيضاً الموسوعة الفلسفية لعبد الرحمن بدوي ج 3 (الملحق) ص 212

4) بعض المصادر عرّبت اسمه إلى ليون، ولاوون.

5) الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، أسد رستم ص 307

6) العالم البيزنطي ج م هسي، ترجمة د. رأفت عبد الحميد ص 136

محبته للعلم.

بهذا التعريف الموجز لشخصية القيصر يتبين مدى انطباق المواصفات على جد السيدة نرجس علیها السلام، من أنه كان محبّاً للعلم في وقت لم يكن الاهتمام بالعلم حالة مطردة في سلوك القياصرة، وكان هو القيصر والقائد العام للقوات المسلحة في الإمبراطورية، وكان هو الحاكم الفعلي، أي أنه بالفعل كان القيصر وملك الروم كما وصفته الرواية.

ثم إن باراداس كان له أولاد متزوجون، وكان له أخ له أولاد في سن الزواج، ثم إن كون أحد أبناء باراداس قائداً عسكريّاً يقضي غالب وقته في الحروب يستلزم أن يتعلق الجد بأبناء ولده تعلقّاً خاصّاً ويتعهد بتربيتهم.

كل هذه المعطيات التاريخية منسجمة ومنطبقة مع الخبر الوارد في كمال الدين للشيخ الصدوق رحمه الله، وهي شاهد صدق يضاف إلى ما تقدم من شواهد.

ثم إن كبير الأساقفة الذي ينبغي أن يكون هو الشخصية الثانية في الإمبراطورية بدا أكثر تواضعاً أمام القيصر ما يوحي بأن القيصر كان فعلا هو الشخصية الأولى في الإمبراطورية، وما يؤكد أن للقيصر فضلا خاصّاً على هذا البطريك (كبير الأساقفة)، ولأن كبير الأساقفة آنذاك كان فوتيوس فإن التاريخ ينص على أن لتعيينه في هذا المنصب الفضل الكامل لباراداس.


بالتزامن مع هذه الأوضاع الداخلية هناك علاقات خارجية للإمبراطورية البيزنطية لابد من الإشارة إليها، ففي هذه المرحلة -مرحلة حكم ميخائيل الثالث - دخلت الإمبراطورية في صراع مع الروس استغلالا من الروس لصراعات البيزنطيين الداخلية والخارجية، كما دخلت بيزنطة في صراع مع البلغار انتهى بانتصار البيزنطيين وتنصير البلغار وهذا ما عزز موقف بطريك القسطنطينية فوتيوس وأكسبه مشروعية أكبر، كما كانت هناك صراعات مع المسلمين الأغالبة في جزيرة صقلية، وهناك حملات بيزنطية على جزيرة كريت اليونانية التي كانت تحت يد مسلمي الأندلس، وصراعات متكررة مع مسلمي

مصر في دمياط.

أما العلاقة مع الدولة العباسية فإنها عادت إلى الاضطراب بالفعل، وأعادت الدولة البيزنطية ترتيب صفوفها، واهتمت بتدعيم التحصينات في آسيا الصغرى، وتم إعادة بناء تحصينات أنقرة التي دمرها المعتصم العباسي من قبل وتم تقوية دفاعات نيقيه (1).

لقد وقعت في هذه الفترة عدة معارك مع المسلمين سواء في الثغور الإسلامية مع الدولة العباسية أو في جهة مصر أو في جزيرة كريت، وكانت فترة حيوية من الناحية العسكرية فتحت الباب لحروب العصر المقدوني مع المسلمين في القرن العاشر.

لقد دخلت الإمبراطورية في هذه الفترة في سياسة جديدة من جميع النواحي داخليّاً وخارجيّاً، جعلتها تعيد ترتيب الأوراق، كان أبرزها القرار العقائدي الخطير بالعودة إلى تقديس الصور وما صحبه من جدل عقائدي عام، وإن الفكر المسيحي يقدس الغيب والرموز والإشارات، كما أن فوتيوس منذ استلم منصب الأسقف الأعظم (البطريك) عادت الصراعات الداخلية جميعها إلى الازدهار من مسألة الطبيعة والطبيعتين إلى مسألة الأيقونات (2).

لذلك فإن تسافل الصلبان والأعمدة وسقوط العرش (في حفل زفاف


1) الإمبراطورية البيزنطية من 324 - 1025م د. وسام عبد العزيز فرج ص 258

2) موسوعة عالم الأديان ج 9 الكنيسة البيزنطية الأرثوكسية ص 106

حفيدة القيصر) أربكت الأسقف الأعظم (فوتيوس) وقتها، واستشعر أنها نحوس دالة على زوال هذا المذهب الملكاني، المذهب الذي يقدس الأيقونات.

مسألة الأيقونات في ظاهرها مجرد صور تعلق، ولكنها في الواقع تحمل بعداً فنيّاً وبعداً عقائديّاً ، أما البعد الفني فيتجلى أثناء مراسم الحفل الذي عقد في قصر القيصر بالإبداع الفني في تصميم العرش المسوغ من أصناف الجواهر؛ فبيئة تعظيم الأيقونات بيئة حاضنة لأصحاب الفنون.

أما الجانب العقائدي، فقد كان مذهب تحطيم الصور في أساسه مسألة تدخل تحت علم طبيعة المسيح وتصويرها؛ وهل يعد من الوثنية عبادة صورة له؟ وكان من اليسير إثبات أن لاهوت تحطيم الصور إما أن يكون لاهوتا مونوفيزيا يؤمن بوحدة طبيعة المسيح أو نسطوريا (1).

والحقيقة أن الانتصار للأيقونات انتصار لمجمع خلقيدونية المسكوني، أي أنه انتصار للملكانية، وكان تسافل الصلبان والرجة الحاصلة في القصر نذير شؤم ونحوس دالة على زوال المذهب الملكاني، فتوقف لذلك الأسقف الأعظم فوتيوس، لذلك صرّح بعبارة: أيها الملك اعفنا عن ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني.

ثم إن الترتيب الرسمي للمناصب في الإمبراطورية يقتضي أن يكون الأسقف ثاني رجل في الدولة بعد الإمبراطور، ولكن لما كان لباراداس كامل


1) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسيمان، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ص 134

الفضل في تعيين فوتيوس في منصبه، ولما كان باراداس الحاكم الفعلي للبلاد ظهر الأسقف الأعظم في سياق الحادثة أقل من القيصر وأكثر تأدبّاً في الحديث معه.

لقد كان للحوادث الكونية أثرٌ في تفسير الأحداث، وذلك يتجلى عند الأيقونيين أكثر من غيرهم، وهذه الهزة في قصر القيصر تشبه زلزلة أخرى وقعت في القسطنطينية في القرن الثامن في عهد الإمبراطور ليو، حين أراد تحطيم الأيقونات واعترض الناس عليه، وحدث وقتها زلزال، فخطب في الناس يعظهم بأن الزلزال غضب بسبب تقديس هذه الأيقونات التي يجب أن تزال (1)، والأيقونيون بطبيعة الحال أكثر اعتقاداً من اللا أيقونيين بعلاقة الحوادث الطبيعية بذنوب الناس، لذا فإن هذه الزلزلة في قصر القيصر كانت نذير شؤم تهدد بزوال المذهب من أصله.

ثم إن الخلاف المحتدم حول منصب الأسقف الأعظم يستدعي قلقا من استغلال هذه الحوادث للحرب على القيصر وأتباعه، وكل ذلك يورث حالة تشاؤم ورغبة في الاعفاء عن الاستمرار في حفل الزفاف.

هذا بالنسبة للصراعات الداخلية، أما بالنسبة للصراعات الخارجية فإن الحروب كانت مستمرة وكثيرة بين المسلمين، وإن حملة إعادة تقديس الأيقونات صحبها إعادة تنظيم للأسطول البحري، وإعادة ترتيب لصفوف الجيش البيزنطي، لذلك سجّل التاريخ عدة معارك على الثغور الإسلامية البيزنطية، ومن


1) الدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 204

ثم آلاف الأسرى والسبايا، فعمليات الفداء وتبادل الأسرى.

ومن الجهل توهم أن الصراعات الإسلامية البيزنطية منحصرة في معركة مؤتة واليرموك وعمورية! فإن العلاقة بين الدولتين كانت مضطربة في أكثر الأحيان، والثغور الإسلامية البيزنطية لا تهدأ إلا في فترات يسيرة.

كما أن معارك المسلمين والروم لا تنحصر بثغور الدولة العباسية، وإنما الحرب مع المسلمين قد تكون مع مسلمي الأندلس في جزيرة كريت، أو مع الأغالبة في جزيرة صقلية، أو مع المصريين في دمياط، والأرجح أنها تكون في ثغور بني العباس.

وأيّاً كان موضع المعركة، فإن المعارك حين تنتهي ينتج عنها أسر وسبايا، يتم نقلهم بين البلدان حتى يستقر الرأي على بيعهم في أسواق النخاسة، وليس بعيداً أن يسترق العبد في جزيرة صقلية ويباع في أسواق بغداد، أو ربما أسر في ثغور أرمينية وبيع في أسواق مصر، فإن منشأ الأسر لا يمنع إمكانية انتقال العبد وبيعه في مختلف أسواق النخاسة، هكذا كانت الحياة سابقاً.

نحن نرى بوضوح انسجام ظروف المرحلة التاريخية مع الأحداث الواردة في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله سواء نظرنا إلى أحداث التاريخ نظرة إجمالية من بُعد حول الصراعات الداخلية والخارجية، أو نظرنا إلى تفاصيل الأحداث عن قرب، فكلما خطونا خطوة في تنقيب الأحداث نجد تطابقا دقيقا بينها.


ونحن بعد اقتطاف هذه المعطيات من تاريخ الحضارة البيزنطية المفصل نجد أن كل ما ورد عن المرأة البيزنطية متطابق تماماً مع ما أورده بشر بن سليمان النخاس في وصف ابنة قيصر الروم! فإن السيدة نرجس علیها السلام في الرواية تمتنع من السفور وتجزع لأي محاولة نظر إليها، وإن جدها القيصر كان قد أوعز إلى امرأة أن تعلمها الآداب فكانت تختلف إليها .

وأشارت الرواية إلى أن سن السيدة علیها السلام وقت زفافها في بيزنطة كان آنذاك ثلاث عشرة سنة، وكان القيصر هو المتكفل بشؤون الزفاف كما هو المرسوم في بيزنطة، وكان هو صاحب الرأي تماما في الرواية، فهو الذي قرر تزويج ابنته وتكفل بالزواج، ثم عزم على تزويجها ثانية من عريس آخر، وهذا يناسب الأحكام والأعراف في بيزنطة.

كل ذلك متطابق بشكل دقيق مع معطيات التاريخ البيزنطي، ومن أين

لشخص يريد ابتكار حكاية بهذه التفاصيل أن يعلم كل ذلك؟ أين له أن يعرف أن فتيات الطبقة الحاكمة كن يجلسن في القصور ويتلقين التعليم الخصوصي؟ وكيف لعربي حجازي يعيش في بغداد أن يعرف أن أسر البنات هم من من كان يتكفل بمصاريف الزفاف؟

أليست كل هذه التفاصيل دليل صدق الرواية وأن اجتماعها بهذا الانسجام والانضباط لا يصدر من كاذب؟!


في الأدب البيزنطي

تعرضنا في الفصل الأول إلى أكثر الملاحم الأدبية البيزنطية شهرة، وهي ملحمة ديجينيس، وأشرنا إلى أهمية التعاطي معها بقواعد النقد التاريخي، لمعرفة ما إذا كان لها ربط بالفعل بما نحن فيه.

لكن من القضايا المهمة أيضاً في الأدب البيزنطي مما له صلة ببحثنا اهتمام البيزنطيين بأدب الرسالة، فذكروا أن أوفر فروع الأدب النثري البيزنطي هو كثرة الرسائل، ما يعكس تلهف البيزنطي عليها وعنايته بها، كما تظهر بأحسن الصور موهبتهم في التعبير العملي عن الذات (1)، فالقارئ للأدب البيزنطي يستطيع تقسيمه إلى قسمين، أدب الرسالة، والآداب الأخرى، ولسنا نُعنى هنا بسرد أشهر المراسلات، ولكن يهمنا فقط التنويه بأهمية أدب الرسالة عند البيزنطيين.

هي ثقافة مجتمع يجب أن تفهم كما هي، فكما أن الأدب العربي القديم ينقسم إلى شعر عمودي وآداب أخرى (الرسائل والخطب وسجع الكهان والمقامات وغيرها من فنون) ما لو اجتمعت بمختلف العصور ووضعت في كفة لرجحت كفة الشعر العمودي عليها مجتمعة، فإن ثقافة البيزنطيين وآدابهم تتميز بأدب الرسالة.

وعليه فإن شخصاً لو أراد استعطاف قلب العربي واستمالته فأفضل وسيلة خطاب كانت هي الشعر، في الاستجداء من الملوك وبث الحماسة في


1) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسيمان، ترجمة عبد العزيز توفیق جاوید ص 301

الحروب والرثاء والعتاب والنصح والموعظة، العربي يأنس بالشعر في كل شيء حتى تحولت المتون العلمية إلى منظومات شعرية!

أما في الأدب البيزنطي فإن النموذج الذي يقابل الشعر عند العرب هو الرسالة، تكتب لجميع الأغراض؛ فكانت رسائل البيزنطيين تشمل الأباطرة والبطارقة والأساقفة ورجال السياسة وعامة الناس؛ منها رسائل حكومية سياسية، ومنها دينية كنسية، ومنها رسائل تعزية، أو نصح وخواطر شخصية، ومنها أخوية ودية حميمية، تكتب كمطولات أو رسائل قصيرة، بحيث يظهر أدب الرسالة في أحسن الصور موهبة عند البيزنطي في التعبير العملي عن الذات، وكما ظهر إبداعهم الأدبي في الرسالة ظهر ضعفهم الأدبي في سائر فنون الأدب كالشعر فأكثر شعرهم فج ساذج (1).

ونحن نقرأ في الرواية أن الإمام الهادي علیه السلام (كتب كتاباً بخط رومي ولغة رومية)، ما يوحي بأن الراوي رأى اهتماماً من الإمام علیه السلام في كيفية كتابة الكتاب فکرر المعاني بألفاظ أخرى.

ثم إن السيدة علیها السلام لما قرأت الكتاب أظهرت اهتماماً بالغاً به؛ من بكائها وتقبيلها الكتاب ووضعه على عينيها؛ قد يبدو الأمر للوهلة الأولى طبيعيّاً، لكن عند التأمل تجد كيفية توجيه الخطاب من الإمام علیه السلام وكيفية استجابتها للرسالة أمراً ملفتا ينم عن إحاطة الإمام علیه السلام بثقافات الأمم، وينم عن طبيعة رومية في


1) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسيمان، ترجمة عبد العزيز توفیق جاوید ص 302

كيفية الاستجابة للرسالة.

هذه الصورة لم ترد في قضايا سائر أمهات الأئمة علیهم السلام؛ أما سيد الشهداء علیه السلام فلما أراد خطبة السيدة شهربانو علیها السلام فإنها اختارته في قصة مفصلة (1)

وكذلك وردت تفاصيل قصة شراء السيدة حميدة المصفاة علیها السلام والدة الإمام الكاظم علیه السلام ولم يرد فيها شيء من هذا القبيل، وقد ورد أيضاً خبر شراء السيدة نجمة علیها السلام والدة الإمام الرضا علیه السلام، وقد ورد شراء السيدة خيزران علیها السلام والدة الإمام الجواد علیه السلام وكل تلك الأخبار ليس فيها شيء من هذا القبيل، رغم وجود تفاصيل دقيقة في كثير من الروايات، من وجود ملك يحرس والدة الإمام الكاظم علیه السلام (2)، والنخاس الذي جاء بالسيدة نجمة والدة الإمام الرضا علیه السلام مر على امرأة من أهل الكتاب فأخبرته أن هذه الجارية تكون عند خير أهل الأرض وتلد منه غلاما ما يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله (3)، والإمام الكاظم علیه السلام يوصي ولده الرضا علیه السلام أن يبلغ والدة الإمام الجواد علیه السلام سلامه (4).


1) الكافي 467/1 وإن كانت أصل القضية ثابتة، إلا أن جانباً واحدا في الروايات فيه تعارض من جهة كون قدومها المدينة في خلافة الثاني أو الثالث، وتحقيق ذلك في محله.

2) الكافي 1/ 477 ودلائل الإمامة 308 وفيه أن النخاس حين باع الجارية واستلم صرة المال وفيها سبعون ديناراً، قال: لا إله إلا الله! رأيت البارحة في النوم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وقد ابتاع من هذه الجارية بهذه الصرة بعينها .

3) الكافي 487/1

4) الكافى 316/1

نحن نجد لكل قصة من قصص انتقال أمهات الأئمة علیهم السلام تفصيلها الخاص، وقصة ابنة قيصر الروم ليست حكاية متشابهة مثلا مع حكاية السيدة شهربانو كما توهم البعض، فالإمام علیه السلام العارف بكل لسان ولغة يتعامل في كل ظرف وفق الصواب وما تقتضيه المصلحة؛ قد يخاطب ابنة يزدجرد بالفارسية مباشرة (1)، فالفارسي يعتز بقوميته ولغته ويأنس كثيراً بمخاطبته بها، أما البيزنطي

فطبيعته مختلفة؛ كانت القومية والعنصرية فكرة غريبة في بيزنطة، كان مجتمعهم مسكونيّاً (يعني عالميّاً)، حتى امتزجت الدماء؛ الأرمن والرومان والعرب والإغريق، وحَكَم الإمبراطورية ملوكٌ من مختلف الأطياف، فكانت حضارة تضم العالم المتحضر بأكمله (2)، البيزنطي مختلف عن الفارسي، البيزنطي يأنس بالرسائل والمكاتبات. وهنا تجد وجهاً وجيهاً في مخاطبة الإمام علیه السلام ابنة القيصر في كتاب بالرومية محكم الخط واللغة.

جاء في عيون أخبار الرضا علیه السلام عن أبي الصلت قال: كان الرضا علیه السلام يكلم الناس بلغاتهم، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة.

فقلت له يوما: يا ابن رسول الله إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات


1) روى الطبري في دلائل الإمامة ص 196 أن أمير المؤمنين علیه السلام قال لوالدة الإمام زين العابدين علیه السلام يوم خطبتها: ما اسمك؟ فقالت: شاه زنان، فقال (بالفارسية): نه، شاه زنان نیست، مگر دختر محمد صلی الله علیه و آله و سلم وهي سيدة النساء، أنت شهربانويه، وأختك مرواريد بنت کسری. قالت: آریه.

2) الحضارة البيزنطية ستيفن رنسيمان، ترجمة عبد العزيز توفیق جاوید ص 213

على اختلافها!

فقال : يا أبا الصلت أنا حجة الله على خلقه وما كان الله ليتخذ حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم؛ أوما بلغك قول أمير المؤمنين علیه السلام: أوتينا فصل الخطاب؟! فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات (1).



1) عيون أخبار الرضا علیه السلام 251/1

الزفاف المنحوس

تُحدِّث السيدة نرجس علیها السلام في الرواية عن تفاصيل حفل الزفاف مع ابن أخي القيصر وكيف أن الحفل انتهى إلى كارثة ولم يتم، فتقول علیها السلام: (أنبئك العجبَ العجاب؛ إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه - وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة - فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهو ملكه عرشاً مسوغا من أصناف الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة. فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقام الأساقفة عكفّاً ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض وتقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار، وخرّ الصاعد من العرش مغشيّاً عليه؛ فتغيرت ألوان الأساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني، فتطيّر جدي من ذلك تطيّراً شديداً، وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده، لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده. فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول. وتفرّق الناس، وقام جدي قيصر مغتمّاً، ودخل قصره، وأرخيت الستور).

في هذه الفقرة صورة متكاملة لزفاف ملكي في قلب عاصمة بيزنطة،

شهده آلاف الحضور ولا يجرأ واحدٌ منهم على إذاعة خبره، لا في حياة القيصر ولا بعد وفاته، اللهم إلا تلميحاً وذلك- فضلا عن الخوف من سطوة القيصر - لأن فيها تضعيفاً للدين النصراني، ومثل هذه الحوادث وإن تسرّبت لمن عاصر هذه الحقبة إلا أن تدوينها وتوثيقها التاريخي أمر غير متيسر.

هذا والتفاصيل في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله كلها تشير إلى طقس نصراني أرثوذوكسي بيزنطي دقيق، يليق بزفاف ملكي استثنائي لحفيدة القيصر، من تقدم الزوج في مراسيم الزفاف إلى ارتقائه العرش في حالة ملكية، إلى قيام الأساقفة عكفا، فإنهم في تلك الحالة المقدسة يمضون في مراسمهم الخاصة يتلون

صلوات الإكليل المقدس، ويطوف بعضهم حول المذبح مع البخور في مراسيم لاهوتية متأملين حضور الرب في الحفل، ولا تخلو يد كل راهب من صليب يحمله، والصلبان تملأ المكان المقدس.

ثم إن المراقي الأربعين لبلوغ العرش ليست جزافاً فإنه – وكما تقدم- لكل شيء في الفكر المسيحي رمزيته، والأربعون للترقي تناسب الفكر المسيحي فإن المسيح صعد إلى الهيكل بعد أربعين يوماً من ولادته، وبعد تعميده صام أربعين يوماً، وحصلت قيامته بعد أربعين ساعة من دفنه، وصعد إلى السماء بعد عيد الفصح بأربعين يوماً.

والأربعون (1)- في الفكر المسيحي - هو رقم عشرة مكررا أربع مرات، أي أنه يشير إلى المشارق والمغارب والشمال والجنوب، أي أنه يشير إلى كل شيء والعالم اللامتناهي، كما يشير في نفس الوقت إلى الصليب، ورقم العشرة يشير إلى الكمال العددي ومن مضاعفاته تتكون جميع الأعداد الكبيرة كالمائة والألف وهكذا (2).

وهكذا يقال بأن المسيح في صومه الأربعين صام أربعين يوماً من أجل المسكونة كلها، وفي بقائه أربعين يوماً على الأرض بعد قيامته فإن ذلك لأجل حياة المسكونة كلها، ومرادنا أن القيصر حين نصب أربعين مرقاة لوصول ابن أخيه إلى


1) رمزية ومعاني الأربعين غير مختصة بالنصرانية، بل هي موجودة في كثير من الملل عامة وفي الأديان السماوية خاصة.

2) راجع: المسيح مشتهى الأجيال للأنبا بيشوري ص 761

عرش الزفاف أشار إلى علاقة زوجية دائمة لامتناهية ذات سلطان شامل لكل شيء.

كما أن استضافة ثلاثمائة من نسل الحواريين والرهبان والقساوسة ليس اعتباطاً، فلعل ذلك تيمنا بالرهبان الذين اشتركوا في مجمع نيقيه المسكوني الأول وأمضوا عقائد المسيحية الملكانية.

وهناك وجه آخر لمعرفة فلسفة أعداد ضيوف الحفل، ولابد من كتابة الأعداد الإغريقية (1)القديمة وما يقابلها بالعربي، ثم التعليق عليها:

الصورة

ومن بين كل هذه الرموز اختيرت أرقام محددة: ثلاثمائة من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان، وسبعمائة رجل من ذوي الأخطار، وأربعة


1) كانت اللغة الرسمية والرائجة في بيزنطة بعد هرقل الإغريقية (اليونانية)، أما في كنيسة الغرب في روما فكانت اللغة هي اللاتينية، والأعداد اللاتينية المعروفة تختلف عن أعداد بيزنطة في القرون الوسطى.

آلاف من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر (1).

والثلاثمائة بالإغريقية تكتب (T) وهي علامة الصليب، والسبعمائة تكتب (Ψ) وهي إما شمعدان يحمل ثلاثة شموع أو صليب يحمل ثلاثة شموع، وأما الشموع فهي تستخدم في مناسبات متعددة كالتناول والعماد والإكليل، وعند إيقاده تقال صلوات خاصة، ويستخدم في الكنائس شمع العسل إشارة إلى وجوب التحلي بالفضائل كالنحلة التي تجتهد في جمع العسل من زهور كثيرة وبساتين متعددة، والشمعدان يرمز إلى ملائكة القيامة، أما الصليب بثلاثة شموع فإنه الذي يستعمله الكاهن في صلاة افتوني ناي نان، يشير بحمله صليباً ذا ثلاثة شموع إلى أن الذي كان على الصليب هو نور العالم، وهو واحد من الثالوث المقدس؛ نور من نور (2)، والأربعة آلاف تكتب (Δ,) والمثلث رمز الثالوث المقدس، أي إله واحد في ثلاثة أقانيم.

لا يبدو أن اختيار أعداد حضور حفل الزفاف كان جزافاً، فكل شيء مقصود في الفكر المسيحي، ولا ينبغي أن تقرأ الرموز في التراث المسيحي كما نقرأها في تراثنا، الرمزية عندهم ترجع إلى فكر ومبدأ أن الفن والحس غرضه التسامي على المادة لبلوغ حالة روحانية، وعلى ذلك فإنك ترى الأيقونات البيزنطية ثنائية الأبعاد، ليس لكون فن الرسم متأخرّاً، وإنما انطلاقاً من مبدأ أن


1) لاحظ أن العرب تقول أمراء أو شيوخ العشائر، أما التعبير بملوك فهو تعبير بيزنطي.

2) اللآلئ النفيسة في شرح طقوس الكنيسة، القمص يوحنا سلامة ج 1 ص 107

بُعد الأيقونة الثالث هو عمق أو علو روحانية صاحب الأيقونة (1).

ولتأنس أكثر بهذا التعاطي مع الأعداد إليك شرح بعض النصوص الواردة في العهد القديم من الكتاب المقدس (2)، جاء فيه ضمن خبر حكاية قتال القاضي جدعون للمديانيين: فَقَالَ الرَّبُّ لجِدْعُونَ: بِالثَّلَاثِمِئَةِ الرَّجُل الَّذِينَ وَلَغُوا أُخَلِّصُكُمْ وَ أَدْفَعُ الْمِدْيَانِيِّينَ لِیَدِكَ، وَأَمَّا سَائِرُ الشَّعْبِ فَلْيَذْهَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَكَانِهِ.

جاء في تفسير الكتاب المقدس ما نصه: (ويرى القديس أغسطينوس أن رقم 300 يشير إلى الصليب، لأن حرف (T) الذي يحمل شكل الصليب يشير إلى رقم 300 في اليونانية. ويقدم لنا القديس أمبروسيوس ذات التفسير إذ يقول: اختار جدعون 300 رجلاً للمعركة لكي يظهر أن العالم كان يجب أن يتحرر من هجمات العدو الخطيرة بسر الصليب، لا خلال الجماهير الغفيرة، فإن حرف (T) في اليونانية يستخدم لرقم 300 ويحمل شكل الصليب) (3).

وقعة حادثة قتال جدعون للمديانيين قبل ميلاد المسيح مع ذلك فإن مفسري الإنجيل يرون اختيار الثلاثمائة رجل إشارة إلى الصليب، قد يكون غريباً على من يقرأ نصوص النصارى بذهنية عربية أن يجد ربطاً بين هذه الرموز والأعداد، غير أن العقل النصراني يختلف في تعاطيه للأمور، إنهم يرون الكنيسة


1) المسيح مشتهى الأجيال للأنبا بيشوري ص 759

2) العهد القديم، سفر القضاة، الإصحاح 7

3) تفسير سفر القضاة، الإصحاح 7 تفسير القمص تادرس يعقوب

ذات وجود مادي يقوم بأعمدة، تعبر عن الكنيسة المعنوية التي تمثل النصرانية ككل وأعمدتها الرسل وتلامذة بولس ونحو ذلك؛ لذلك فإن عدد الأعمدة في الكنائس لا يتوقف على قول المهندس المعماري، بل على الرؤية اللاهوتية للأسقف أو الكاهن الذي يقرر أن هذه الكنيسة يجب أن تتقوم بعدد معين من الأعمدة، وربما امتلأ المبنى أعمدة لا تحمل سقفا ولا ترفع شيئاً، ولكنما العمود يراد في نفسه!

إذا تمت قراءة الحدث بالذهنية البيزنطية، وتكاملت الصورة المقدسة في الفكر المسيحي؛ الصليب، الأعمدة، العرش، تلاوة الصلوات ونشر أسفار الإنجيل وعكوف الأساقفة، المراقي نحو العرش، التيمن بالأعداد والرموز، مباركة الرب وحضوره ساعة الإكليل المقدس... قبل أن يتم كل ذلك يتزلزل قصر القيصر وتتسافل الأعمدة والصلبان والعرش ويخر العريس مغشيّاً عليه! كانت آية كونية أربكت الأساقفة فتغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ورأوها نذیر زوال الدين من رأسه!

نحن أمام نص نصراني بيزنطي محكم لا يحسن سبكه وضبطه إلا مقيم في وسط القصر مراقب للحدث يعيشه لحظة بلحظة، فإن انسجام الأحداث وترابطها ودقة رموزها بمكان لا يحتمل الوضع والتلفيق.

هل يمكن لنخاس يقيم في بغداد أن يختلق حكاية من هذا النوع، يفترض حدثاً يتزلزل له القصر ثم تتساقط الأعمدة فيأمر القيصر بنصبها، فتنصب من ساعتها وتعود الأمور كما كانت؟ من أين سيخطر في الذهن العربي أن العمود

ينصب وسط القصر لا ليحمل شيئاً، فإذا سقط العمود لا ينهار القصر وإنما يعاود الأساقفة نصبه؟ ومن أين علم أن الأساقفة هم من يقيم الأعمدة لا الخدم والحشم؟!

كل هذه الأحداث تجعل كبير الأساقفة يفسر الموقف على أنه نحوس تلاحق الحفل وتؤذن بزوال المذهب الملكاني، بل النصرانية من رأس! ثم إن اهتزاز الصلبان ينذر بغزو وسبي (1)وهو ما لا يجرأ كبير الأساقفة على التصريح به أمام القيصر، لكن أخذته الرِّعدة وطلب الاستعفاء وإلغاء هذا الحفل.

ترى هل كان للأزمات الداخلية علاقة بتطير كبير الأساقفة؟ لقد تسنم الأسقف الأعظم (بطريك القسطنطينية) منصبه جرّاء خلاف شخصي بين القيصر والإمبراطور من طرف، وبين البطريك السابق من طرف آخر، ما أدى بالقيصر أن يعزل البطريك السابق (أغناطيوس) وينصب بطريكا جديدا (فوتيوس)، ما قاد إلى شقاق في الكنيسة البيزنطية، وكان أتباع أغناطيوس يظنون عزله سبباً لكل نحس يلاحق القسطنطينية.

ولعل سبب تطير الأسقف ما حل في عهد باراداس من الرجوع إلى عبادة الأيقونات، والانقلاب على الواقع البيزنطي، وما كان يراه اللاأيقونيون ضرباً من الوثنية، وقد سبق أن وقع زلزال في القسطنطينية إبان تحريم عبادة الأيقونات فنسب ذلك إلى ما كان يقع من الأيقونيين في بيزنطة وأن الغضب سيحل على


1) ستأتي الإشارة إلى كلام البطريك توماس في هذا الموضوع.

الشعب إن استمر في تقديسه للأيقونات. (1)

ولكنني لا أرى تطير كبير الأساقفة يرجع إلى هذين العاملين، فإن العودة إلى الأيقونية هي عودة إلى الملكانية التي أقرها مجمع نيقيه ومجمع خلقيدونية المسكوني، وكان كبير الأساقفة متطيّراً مما ينذر بزوال المذهب الملكاني، كما أن النحوس في الرواية راجعة إلى الزفاف ولا ترجع إلى كبير الأساقفة، ولو كانت النحوس راجعة إلى الخلاف على منصب الأسقف الأعظم لترك الأسقف منصبه بنفسه ولا علاقة للإعفاء من حفل الزفاف بذلك.

وإنما تطير كبير الأساقفة لنفس هذا الزفاف، وهذا ما بث في نفسه الخوف، فإن المعطيات توحي بأن القيصر كان مهتمّاً بحفيدته، يرجو لها مستقبلا خاصّاً، ويظن في ذريتها الملك والسلطان (2)

وقد تقدمت الإشارة لهذه الملحمة في الفصل الأول، تحت عنوان: النقد التاريخي للأدب البيزنطي.

، فأحب القيصر أن لا يخرج هذا الملك عن أسرته، فعمد إلى زواج الأقارب، وزواج الأقارب محرم في بيزنطة، لكن الملوك تجاهلوا هذا الحكم!

إن زواج الأقارب على قسمين، قسم منه يعد من ضمن السفاح المحرم


1) تقدم تفصيل هذه الظروف عند حديثنا عن الصراعات الداخلية في بيزنطة.

2) خصوصاً مع ربط أحداث الرواية بملحمة ديجينيس التي فيها أن هذه الفتاة تنبأ العرافون بمستقبلها. ولا يفتك أن كتّاب التاريخ البيزنطي ونقّاده في كل فصل من فصول التاريخ يأتون بشاهد من ملحمة ديجينيس الأسطورية لربطها بالواقع في بيزنطة، ولا يتعاملون معها كأسطورة أدبية فحسب، وإنما حادثة ذات بعد واقعي.

كالارتباط بالأخوات والعمات والخالات ونحوهم، ومنه ما يعد محرمّاً لكنه ليس من السفاح والزنا. والقرابات التي تحرم هي قرابة الدم (1)، وقرابة التبني (2)، وقرابة المصاهرة (3)، وقرابة المعمودية (4).

وكلامنا فعلا في قرابة الدم، فإن الحكم القائم آنذاك في بيزنطة مبني على حرمة التزاوج من ذوي الرحم إلى سبع درجات (5)

(والد الزوج = درجة 1)، (الجد = درجة 2)، (والد الزوجة = درجة 3)، وعليه فيكون بين أبناء العم ثلاث درجات، ويكون بين الأخ وأخته درجتان، وبين الأب وابنته درجة واحدة، وفي رواية السيدة نرجس علیها السلام يكون بينها وبين ابن أخي القيصر أربع درجات، كالآتي:

(والد العروس = درجة 1)، (جدها = درجة 2)، (والد جدها = درجة 3)، (والد العريس = درجة 4)، فإن الدرجات تحسب تصاعديّاً حتى تبلغ إلى الجد المشترك، ثم تحسب تنازليّاً حتى تصل إلى الطرف الآخر.

، ولكن مع ذلك فإن كثيراً من الأسر الملكية والعوائل النبيلة في بيزنطة كانت لا تبالي بهذا الحكم ولا تطبقه خشية

1) قرابة الدم: أي ذوي الرحم بالتعبير الإسلامي.

2) قرابة التبني: وهو أن يتبنى الشخص أطفالا إما لأنهم أيتام وإما لأسباب أخرى كحكم قضائي.

3) قرابة المصاهرة: فإن الزواج يعني اتحاد الزوج والزوجة، وعليه فأرحام الزوجة هم أرحام الزوج، وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وابنة عمها وغيرهم تربطهم نفس الصلة تماماً بالزوج بحكم المصاهرة، فهم أخوات الزوج وعماته وخالاته وبنات عمه وغير ذلك، ويترتب على ذلك من أحكام ما يترتب من أحكام على أقارب الزوج الحقيقين.

4) قرابة المعمودية أو القرابة الروحية، هي القرابة التي تكون بين الكاهن ومن يعمده، فتكون عائلة العراب التي عمدها الكاهن كلها عائلة واحدة!

5) طريقة حساب الدرجات بين أبناء العم المباشرين مثلا:

ضياع أموالها وجاهها إلى عوائل غريبة، وكان من الصعب على الكنيسة إجبار الأباطرة على تطبيق هذا الحكم. بل تمرد بعض أباطرة بيزنطة (الإمبراطور أركاديوس) في مطلع القرن الخامس الميلادي على ما أقرته المجامع الكنسية من تحريم زواج أبناء العم وأباحه، كما أن الإمبراطور (جيستيان الأول) بعد قرابة قرن من الزمن أقر هذا الحكم أيضاً واستمرت إباحة زواج أبناء العم إلى القرن السابع الميلادي في مجمع ترولو المسكوني حيث أعيد تحريمه . (1)

إن التمرد على ما تقره المجامع المسكونية تمرد على الملكانية، ونذير شؤم تكرر صدوره من أباطرة سابقين غير مبالين بهذا الحكم، منهم هرقل مثلا، الذي تزوج ابنة أخته فكانت نذير شؤوم على الإمبراطورية، وكان الناس يعتقدون أنها سبب لسخط الله على الروم، وكان رغم ذلك لا يبالي بقول الناس بل كان يصحبها في حروبه (2)، حتى انهزم على أيدي المسلمين في الشام.

وكان هرقل لا يبالي بنصائح بطريك القسطنطينية مصرّاً على معارضة توجيهات الكنيسة، وتوالت الانتكاسات في الإمبراطورية وسقطت مصر والشام من أيديهم بسبب الغضب الإلهي لزواج هرقل الذي أجبر الكنيسة على مباركته! (3)


1) لمزيد من التفصيل حول زواج الأقارب راجع دراسة بعنوان: موانع زواج الأقارب في الإمبراطورية البيزنطية، د. وفاء إبراهيم، منشورة في مجلة وقائع تاريخية.

2) الدولة البيزنطية د. السيد الباز العريني ص 137

3) في الدراسة المشار إليها حول زواج الأقارب في بيزنطة تفاصيل وأمثلة كثيرة حول هذا الموضوع، فمن أراد المزيد فليرجع إلى المصدر.

من هنا نعود إلى نص الرواية وكيف رأى كبير الأساقفة أن زواج ابنة القيصر من ابن أخيه نذير شؤم على الإمبراطورية وهو سلوك تكرر من ملوك بيزنطة مرارا في تعديهم على قوانين الكنيسة بحكم مناصبهم وقدرتهم ما يضطر الكنيسة إلى مباركة هذه الزيجات رغما عنها وهي غير راضية تراها نذير شؤم ونحس على النصرانية لأنها عصيان لقرارات المجامع المسكونية التي يفترض أنها تمثل الملكانية والنصرانية الحقة.

أما القيصر فقد حاول تغيير اتجاه كبير الأساقفة وأشار إلى أن النحوسة لیست في نفس الزواج وإنما النحوسة في شخص العريس غير المؤهل ليتزوج من حفيدة القيصر! فلما عاود الكرة تبين أن النحوس لا تعود إلى أحد أبناء أخي القيصر، فاغتم القيصر لذلك ودخل قصره.

وبعد كل هذا العجب العجاب فإنه لا ينبغي للسيدة الطاهرة علیها السلام أن تظن في نفسها أنها سبب للنحوس، فرأت تلك الليلة فيما يرى النائم المسيح ووصيه شمعون والحواريين في قصر جدها وقد نصب منبر يباري السماء علوّاً، وأقبل عند ذلك سيد الخلائق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ليخطبها إلى مولانا أبي محمد العسكري علیه السلام فهي مصطفاة لتكون زوجاً له علیه السلام، ولذلك اضطربت الأرض وتزلزل القصر ولم يتم شيء مما عزموا عليه، فإنها مذخورة لتكون والدة الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف.


الزلزال وخطبة الأسقف الأعظم

أشارت الحادثة المفصلة لزفاف السيدة نرجس علیها السلام في قصر القيصر الذي تحول إلى كارثة ولم يتم منه شيء إلى وقوع هزة في القصر، والحادثة فعلا لا تشير إلى زلزال كبير سبب هلعا ودماراً شاملا تهاوت له البيوت وخلّف آلاف القتلى ونحو ذلك، فإن كل ما ذكر أن الصلبان تسافلت على إثره وتقوضت الأعمدة وسقط العريس مغشيّاً عليه، فلم يتفرق الناس وإنما تطيروا لذلك، فأعيد تنظيم الحفل ورفع ما تسافل، فتكررت الهزة مرة أخرى، فتفرق الناس متطيرين من الحدث لا لأجل دمار شامل.

والحقيقة أن القسطنطينية منطقة زلازل، والزلازل بهذا المستوى متكررة عندهم اعتادوا عليها وإنما أكثر ما كان مربكا في الحفل تسافل الصلبان فإنه يدل على الكثير من الآلام والمخاطر ويعني اهتزاز الإيمان والردة في النصرانية، بل ينذر بوقوع غزو و سبي! (1)

.Theodore of Sykeon's Life, quoted in Robert G. Hoyland, G. Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam (Princeton: Darwin Press, 1997), p. 53

وهو ما جلب مخاوف كبير الأساقفة، تلك الساعة.

ومع ذلك فإنه وبالرجوع إلى المصادر وجدنا عدة زلازل وثقها التاريخ وقعت في القسطنطينية في فترة هيمنة القيصر باراداس عليها (2)، وأشارت المصادر


1) راجع كلام البطريك توماس في هذا الموضوع:

2) أي من سنة 856م إلى 866م (الموافق: 242ه- إلى 252ه-)

إلى تواريخ بعض الهزات كسنة 860 م، و 862م وغيرها، وبعض الزلازل ذكرت في نفس الحقبة دون تعيين تاريخها المحدد. (1)

Caesar Bardas and the Earthquake of Constantinople

والذي نرجحه أن الزلزال الذي وقع في قصر القيصر كان ضمن سلسلة زلازل سنة 859م (أي: 245ه-) (2)

وغيرها من مصادر لا يسعنا إحصاؤها. ومن المصادر الأجنبية:

Ambraseys N, Earthquakes In The Mediterranean And Middle East A Multidisciplinary Study Of Seismicity Up To 1900, Cambridge University Press, 1st edition (2009), p 243

وذلك لعدة قرائن تنسجم مع سياق الرواية، كالعفو عن مجموعة من أسارى المسلمين في وقت يعقب هذا الزلزال، فإن السيدة نرجس علیها السلام كانت طلبت من جدها القيصر عقيب الزلزال أن يخفف عن أسرى المسلمين ويمن عليهم بالخلاص، ومن القرائن أيضاً أن القيصر باراداس خرج لحرب المسلمين بعد هذا الزلزال (3)، ومن القرائن أيضاً أن الرواية ذكرت أن السيدة نرجس علیها السلام كانت وقت الزلزال من بنات ثلاث عشرة سنة، وكان عمر

1) راجع المقال العلمي للأستاذين هادي تقوي وإحسان روحي ففيه فوائد كثيرة:

2) تعرضت لهذه الزلازل جميع الكتب التي تعنى بتاريخ الزلازل والكوارث الطبيعية، منها مثلا: سجل الزلازل العربي أ.د. عبد الله الغنيم ص 86، حيث ذكر وقوع الزلازل في سنة 245ه- (859م) وذكر أن الزلازل فيها عمت الدنيا، وامتدت الزلزلة إلى خراسان من جهة الشرق وإلى مصر من جهة الغرب. ومثلا: أسرار عالم الزلازل والبراكين د. عامر علي غبره ص 72 تحت عنوان زلازل لا ينساها التاريخ.

3) ستأتي الإشارة إلى هذه القرائن بالتفصيل في الفصلين القادمين.

الإمام العسكري علیه السلام في تلك السنة أربع عشرة سنة (1)أو نحو ذلك، وهذه أعمار مناسبة للزواج لهما علیهما السلام فيكون زواجهما بعد الحادثة بفترة يسيرة أمرا معقولا.

وأما زلزال سنة 859م فهو واحد من أعظم الزلازل في تاريخ البشرية كان مركزه أنطاكيا وتبعد ما يقارب 900كم عن القسطنطينية وهو عبارة عن سلسلة زلازل عمت الدنيا شرقًا وغرباً، كان أشدها في أنطاكيا قتل فيها خلق كثير وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيف وتسعون برجاً، وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها وتقطع جبلها الأقرع (وهو جبل ضخم مطل على البحر الأبيض المتوسط) وسقط في وسط البحر، وهاج البحر ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدرى أين ذهب! (2)

لقد صرّح المؤرخون أن هذه الزلازل عمت الدنيا، كما أنه من الطبيعي جيولوجيا أن تصل هزاته الارتدادية إلى القسطنطينية لوقوعها في مناطق صدوع الأناضول (فالق الأناضول).

يجب أن يكون واضحاً أن الطبري وابن الأثير وغيرهم يصعب عليهم


1) اختلف في مولد الإمام العسكري علیه السلام إما سنة 231ه- أو 232ه-، ويوافق: 845م أو 846م، فيكون عمره الشريف سنة 859م مقارباً لعمر السيدة نرجس علیها السلام.

2) الكامل في التاريخ لابن الأثير 162/6، ونهاية الأرب للنويري 292/22، وتاريخ الإسلام للذهبي 14/18، وغيره من مصادر التاريخ الإسلامي.

توثيق هزة ارتدادية وقعت في عاصمة الروم، فالحوادث التي توثق خارج الدولة الإسلامية هي الحوادث العظمى في الغالب، كهلاك ملك وهزيمة في معركة كبرى، لذلك لابد من الرجوع إلى التواريخ البيزنطية للبحث عن حدث مشابه، لكنه أيضاً يندر توثيق هزة ارتدادية عادية، لذلك لابد من البحث عن القرائن.

ومما عثرنا عليه من قرائن ما ذكرته المصادر البيزنطيية عن وصول غبرة عظيمة على القسطنطينية بلون الدم سقطت من الجنة (1)

نعم لا يمكن التصريح بمجريات الحفل وما جرى فيه من تسافل الصلبان فإن هذا ما لا يدونه ويوثقه أي نصراني، فضلا عن أن كبير الأساقفة الذي أراد إبرام الزفاف يومها رجع إلى البطريكية في عهد باسيل وصار مرضيّاً عنه عند السلطة الجديدة المعادية لباراداس، وتوثيق الحدث يعد تسقيطاً لشخصه.

وهذا وجه وجيه لتعبير المؤرخ البيزنطي بأن الغبرة أقبلت من الجنة بنظر المؤرخين!

على أسطح البيوت في السنوات الأولى لسيطرة القيصر باراداس على الإمبراطورية (2)

Wahlgren, S. (2019). The Chronicle of the Logothete. Translated Texts for Byzantini. (pp. 183). Liverpool University Press

.

إن الكارثة التي حلت على سواحل البحر الأبيض المتوسط من تقطع الجبل الأقرع وانهيار جزء منه في البحر ما سبب ارتفاعا في الغبار والدخان قد


1) لا يخفى عليك أن الذين دونوا حوادث القرن التاسع الميلادي في بيزنطة وما جرى في زمن القيصر باراداس هم أعداء باراداس أنصار قاتله باسيل الذي استولى على الإمبراطورية من بعده، وسيكون مناسباً أن يصف غبرةً عظيمة كانت سببا لإرباك حفل زفاف حفيدة القيصر بأنها قادمة من الجنة رغم مظاهر البؤس الذي تحمله الغبرة!

2) راجع:

يكون هو نفس السبب في هبوب هذه الغبرة العظيمة التي يوثقها التاريخ، فإن الحدثين متشابهان وزلازل الأناضول ترتبط بزلازل البحر الأبيض المتوسط سيما مع هذه الكارثة العظمى التي حلت في البحر، كلها احتمالات تؤيد أن الرواية العربية والبيزنطية تتحدثان عن كارثة واحدة ترجع إلى زلزال واحد.

ومن المؤيدات القوية جدّاً التي تورث الاطمئنان بذلك ما ذكرته كتب الزلازل الأجنبية عن وقوع زلزال في القسطنطينية في السنة التالية لتولي فوتيوس منصبه (1)، ورغم أنه زلزال لم يخلّف أضرارا إلا أنه كان مصدر قلق عام دون ذكر سبب القلق! غير أن الأسقف الأعظم (فوتيوس) خرج في خطاب عجيب غريب بعد هذا الزلزال وصعد بنفسه المنبر وقال مستنهضا الناس: لم تهتز الأرض بسبب تكاثر الخطايا وإنما بسبب فائض المياه. (2)

Ambraseys N, Earthquakes In The Mediterranean And Middle East A Multidisciplinary Study Of Seismicity Up To 1900, Cambridge University Press, 1st edition (2009), p 244

كما أن موعظة فوتيوس هذه ذكرت في عدة مصادر، منها:

Cyril Mango, The Homilies of Photius, Patriarch of Constantinople: English Translation, Introduction and Commentary (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press), p. 5

وكانت موعظة فوتيوس في بداية تسنمه المنصب فترة سيطرة القيصر باراداس على الإمبراطورية.


1) تولى فوتيوس منصب الأسقف الأعظم (البطريك) سنة 858م . والمؤرخون لم يحددوا تاريخ هذا الزلزال بدقة، ولكن المذكور أنه في السنة التالية لتسنم فوتيوس منصبه، والقول بأنه في سنة 859م يناسب هزات ارتدادية لزلزال أنطاكيا.

2) راجع:

وهذا النص المهم في التاريخ البيزنطي يكشف عن عدة أمور يجدر التوقف عندها، أولها أن التاريخ هنا يوثق هزة من الناحية الجيولوجية تعتبر هزة عادية لم تخلف أضرارا عظيمة، وتوثيق ذلك أمر غير معهود في كتب الزلازل، لكن هذا التوثيق هنا يرجع إلى أن الهزة كانت مصدر قلق عام في العاصمة لم تذكر التواريخ سبيه!

ومما يمكن استلهامه من النص أن هناك هزات أرضية وقعت في بيزنطة صاحبها فيضان للمياه واضطراب في حركة البحر، وهذا متوافق مع تحطم الجبل الأقرع في البحر الأبيض المتوسط واختفاء بعض الأنهار كما ورد في المصادر العربية، أي أن هذه الرواية البيزنطية تورث مزيداً من الاطمئنان بأن الحادثة واحدة، وأن هزات ارتدادية واضطراباً في البحر وغبرة عظيمة أصابت القسطنطينية في نفس وقت زلزال أنطاكيا.

ومن المهم التأمل أيضاً في كلمة كبير الأساقفة فوتيوس، حيث أرجع سبب الزلازل المتوالية إلى أمر جيولوجي طبيعي، وهو خطاب غير متوقع من بطريك كان عليه أن يعظ الناس ويتهمهم بأن ذنوبهم هي سبب البلاء، ثم يدعوهم إلى الصلاة والتوبة! يظهر أن البطريك كان في موقف الدفاع عن نفسه أو عن القيصر ليدفع تهمة احتمل أن توجه ضدهما تلك الليلة!

وقد تقدم أن السلطات في بيزنطة كانت ترجع الزلازل إلى ذنوب الناس، كالزلزال الذي وقع مع حملة تحطيم الأيقونات حين اعترض الأيقونيون على

تحطيهما فاهتزت الأرض فاتهمتهم السلطات بأنهم سبب البلاء والغضب الإلهي. إنه من الغريب فعلا أن تخطب السلطة بعد زلزال يقع في العاصمة وتبرء الناس وترجعه لسبب جيولجي صرف، ويوثق خطاب البطريك في التاريخ البيزنطي ويدوّن ضمن مواعظه!

ثم إن هذا الخبر لا يشير إلى زلازل مدمرة، وإنما يشير إلى زلازل متكررة في ليلة واحدة، وبالضبط هذا ما أشارت إليه رواية الشيخ الصدوق رحمه الله عند تعرضه لخبر الزفاف، حيث تكررت الآية مرتين في حفل واحد.

وهذه قرائن تورث مزيداً من الاطمئنان برواية بشر بن سليمان النخاس، لمجيئها في سياق منضبط متوالي الأحداث، فإذا اجتمعت أورثت يقينا بوقوع الحادثة؛ نحن نتعامل مع الحادثة كتعامل رجال الأدلة الجنائية في الحوادث، يجمعون قرائن متفرقة صغيرة، قد لا تكفي كل قرينة إذا وجدت مستقلة للجزم بالنتائج، لكن مع اجتماع القرائن المتفرقة فإن العاقل لا يستطيع تخطئة النتائج!


العفو عن أسارى المسلمين

من الأخبار التاريخية الملفتة ما أورده الطبري (1)في أحداث سنة خمس وأربعين ومائتين، حيث ذكر: وبعث ملك الروم فيها بأسرى من المسلمين وبعث يسأل المفاداة بمن عنده وكان الذي قدم من قبل صاحب الروم رسولا إلى المتوكل شيخ يدعى أطروبيليس معه سبعة وسبعون رجلا من أسرى المسلمين أهداهم میخائیل بن توفيل ملك الروم إلى المتوكل وكان قدومه عليه الخمس بقين من صفر من هذه السنة (2)

راجع كتاب: التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية تأليف محمد مختار

.

وقبل التعليق على الرواية فإن عبارة الطبري (أهداهم ميخائيل بن توفيل) قد لا تكون دقيقة، فإن الطبري قد يكون دقيقاً في نقل الحدث من عاصمة الخلافة الإسلامية، في تحديد موعد وصول الأسرى وعددهم، أما دقته في تحديد صاحب الهدية إن كان ميخائيل الإمبراطور أو القيصر باراداس فهذا يمكن المناقشة فيه.

وكيف كان فإن المؤكد وصول هذا العدد من الأسرى ابتداءً من صاحب الروم إلى بلاد المسلمين دون مقابل، وهذا غريب ملفت للنظر مثير للاستغراب.

إن امبراطورية عظمى تعيش في نزاع وحروب مستمرة مع المسلمين بأي وجه تبادر في العفو عن هذا العدد من الأسارى؟ وأسرى الحروب على مر


1) تاريخ الطبري 213/9، وراجع العرب والروم تأليف فازيليف ترجمة محمد عبد الهادي ص 206

2) أي ما يوافق بداية الشهر السادس من سنة 859م

العصور ورقة مفاوضات يُتّجر بها لنيل المكتسبات وجلب المنافع.

لا أجد تفسيراً لهذه المبادرة إلا ربطها برواية الشيخ الصدوق رحمه الله، فإن السيدة نرجس علیها السلام تنقل مجريات الأحداث في قصور الحكم آنذاك وما جرى عقيب أحداث حفل الزفاف من ابن أخي القيصر الذي توقف ولم يتم، تقول علیها السلام:

(حتى امتنعت من الطعام والشراب، وضعفت نفسي ودق شخصي، ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي، فلما برّح به اليأس، قال: يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكِها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال، وتصدقت عليهم، ومننتهم بالخلاص، لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاءً، فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيراً من الطعام، فسر بذلك جدي وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم)

فإن الخبر يشير إلى أن جدها القيصر استجاب لطلبها في إعزاز أسارى المسلمين والمنِّ عليهم بالخلاص، وأن جدها فعل ذلك، والواضح أنه لم يمنن على جميعهم بالخلاص وإنما منّ على بعضهم وأكرم الباقين وأعزهم، وبعث يسأل الفداء ليفرج عن الباقين.

وما يؤكد الربط بين الأمرين أنه لم يكن من دأب سلاطين الروم في تلك الحقبة الزمنية الرفق بالمسلمين، بل كان شأنهم اضطهاد المسلمين وظلمهم، وإن صدر شيء من الرفق فإنه لاستمالتهم وتنصيرهم لا حبّاً فيهم. ويكفيك في بيان

حال المسلمين في سجون الروم ما وصفه أبو فراس الحمداني في قصائده الرومية، وكان مما قال:

أُقَلّبُ طَرْفَي بين خِلٍّ مُكَبَّلِ ٭٭٭ وبين صَفِیٍّ بالحديدِ مُصَفَّدِ

ودونك ما حدّث به التاريخ من أن الإمبراطورة ثيودورا والدة ميخائيل الثالث أجبرت عام 855م - 241ه- ما يقرب من ستة آلاف من الأسرى المسلمين على التحول إلى المسيحية. وإلى جانب التنصير تعرض العرب للتعذيب على يد البيزنطيين، فقد تعرض أهل مدينة زبطرة في منطقة الثغور الإسلامية للأسر على يد الإمبراطور ثيوفيلوس في عام 837م - 222ه-، فقام بسمل أعينهم وقطع آذانهم وجدع أنوفهم (1).

نعم لو تتبعت التاريخ لوجدت مشاهد شفقة ورحمة من حكام الروم تجاه أسرى المسلمين لكنها ترجع في منتهى المطاف إلى مصالح الروم، منها مثلا تلطف الإمبراطور ببعض الأسارى ودعوتهم على موائد الطعام في البلاط الإمبراطوري أيام أعياد النصارى كعيد الميلاد المجيد، ومنها دعوة بعض الأسارى للتفرج على سباقات الخيل للترفيه، وذلك يرجع إلى غايات وأهداف غير اللطف والشفقة بالمسلمين، منها إبراز قوة الإمبراطورية وعظمة القصور وفخامة الموائد -يقال إن إحدى تلك الموائد كانت لسليمان بن داود مرصعة بالدر والياقوت، والثانية لداود


1) المجتمع البيزنطي ص 64 تحت مقال بعنوان: التركيب العرقي والطبقي للمجتمع البيزنطي، للأستاذ المساعد محمد زايد عبد الله

مرصعة أيضاً، والثالثة مائدة قارون، والرابعة مائدة قسطنطين الملك- فمظهر المائدة وحجمها وفخامتها وعدد الضيوف وهندامهم كلها توحي بقوة النصرانية والإمبراطورية، كما أن إكرام الأسرى بهذه الكيفية في الإطعام المصحوب بأناشيد عيد الميلاد المجيد ورفع الصلبان حول الموائد ثم إعطاء أسرى المسلمين شيئا من المال يعد نوعا من التبشير بالنصرانية، وهو من أسمى أغراض النصارى (1).

والدليل على أن الشفقة والرحمة بالأسارى لم تكن غرض الحكام في امبراطورية الروم وإنما كان الغرض دعوتهم إلى التنصر ما ذكر في التواريخ من تنصير كثير من أسرى المسلمين وقد تقدمت الإشارة إلى موقف ثيودورا من الأسرى. وما ذكر من اضطرار أهالي المصيصة وطرسوس إلى التنصر، وإجبار الأسرى على القتال دفاعا عن العاصمة كما أنه يشترط على المسلم المقيم في بيزنطة - من غير الأسرى، كالتجار - إذا أراد الزواج من بيزنطية أن يتنصر، كما أن التنصر كان شرطاً في الإعفاء من الضرائب (2).

و مما يؤكد ذلك أيضاً ما ذكره البشاري حيث قال في وصف القسطنطينية: ولا يسكن دار البلاط من المسلمين الا وجيه في إجراء وتعاهد وتنزّه، وسائر الأسارى من عامّة المسلمين يستعبدون ويستعملون في الصنائع (3).


1) راجع بيزنطة مدينة الحضارة والنظم، تأليف أ.د. طارق المنصور ابتداءً ص 85

2) المجتمع البيزنطي ص 64

3) أحسن التقاسيم 148 لمحمد بن أحمد البشاري المقدسي المولود في القدس والمتوفى سنة 380ه-

وهناك غرض آخر من الشفقة على المسلمين وهو المقايضة مقابل مصالح أخرى، فإن للنصارى رعايا في بلاد المسلمين، ولابد من مراعاة ذلك ومسايسة دولة الخلافة، وإن المسلمين لما دفنوا أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه وخافوا أن ينبش قبره في القسطنطينية، هددوا إن وقع شيء من ذلك لما أبقوا كنيسة في بلاد المسلمين.

ومن الأمثلة أيضاً ما ذكروه في شأن مسجد القسطنطينية، وهو أنّ السجناء المسلمين في القسطنطينية المهمّين احتُجزوا في مساكن خاصّة، وخصّص هؤلاء المساجين جزءاً من هذه المساكن لغرض العبادة. وبعد فترةٍ من الزمن، تحوّل المصلّى إلى مسجدٍ بطبيعة الأمر، فكان التجّار والمسافرون والسجناء والمنفيّون يؤدون صلواتهم في هذا المصلى (1)

إلا أن الأصل في الحكاية أن مسلمة بن عبد الملك حين التقى بصاحب الروم طلب منه أن يخصص لأسارى المسلمين من الأشراف سجنا خاصّاً في العاصمة، وكان ذلك السجن مقر عبادتهم حتى عرف بمصلى المسلمين ثم صار مسجدهم، ويؤيد هذا الرأي ما ذكره الرحالة الجغرافي المسلم البشاري المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم، حيث قال: اعلم ان مسلمة بن عبد الملك لمّا غزا بلد الروم ودخل هذا المصر شرط على كلب الروم بناء دار بإزاء قصره في الميدان ينزلها الوجوه والأشراف إذا أسروا ليكونوا تحت كنفه وتعاهده فأجابه الى ذلك وبنى دار البلاط.

ويؤيد القول بأن المصلى حين بني لم يكن مسجداً وإنما داراً للإشراف ما ذكر من أن الحسن بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علیه السلام دفن فيه، أي أنه من الأشراف الذين أقاموا فيه وتوفوا هناك. والتفاوض مع ملك الروم بهذا المقدار أمر معقول، فإن تخصيص الأشراف والقادة من أسرى المسلمين بدار تليق بشأنهم إلى أن يتم حسم أمرهم من إمكان تبادل الأسرى معهم ونحو ذلك ينفع ملك الروم في أن يطالب بالمثل ليحظى أسراه في بلاد المسلمين بمعاملة تليق بشأنهم.

لمزيد من التفاصيل راجع: الآثار الإسلامية في القسطنطينية (مقال منشور في مجلة الدراسات العربية).

.

1) حاول بعض المؤرخين نسبة الفضل في بناء هذا المسجد إلى مسلمة بن عبد الملك بن مروان، والحقيقة أن هذا لا يكون إلا بتخيلاتهم! فإنه كيف لمن وصل القسطنطينية وهرب أن يأمر الإمبراطور النصراني ببناء مسجد؛ لذلك فإن مؤرخي الغرب لا يصدقون هذه الحكاية!

ومن الطبيعي أن الإمبراطورية تخشى على مصالح النصارى في مختلف أراضي المسلمين وترجو بقاء دور عبادتهم، فإن ذلك يدعو إلى إتاحة المجال بهذا المقدار للسماح للنصارى المقيمين في بلاد المسلمين بأداء طقوسهم العبادية، كما أن المصالح التجارية مع تجار المسلمين تقتضي مثل ذلك.

أي أن هذا النوع من التسامح مع المسلمين يرجع في حقيقته إلى رغبة ملك الروم بكسب مصلحة تعود عليه وعلى النصارى، ولا يرجع الأمر إلى غرض التسامح فإن المتتبع لأحوال أباطرة تلك الحقبة وما فيها من ظروف وعداء وحروب بين المسلمين يعلم أن التعامل مع الأسارى كان مبنيّاً على المصالح.

فالأمر من الوضوح بمكان أنه لا مورد للشفقة على المسلمين بين قوم متعصبين للنصرانية يعذبون المسلمين ويستعبدونهم وأن أي فعل يصدر منهم ويظهر منه الشفقة لا يكون إلا لمصلحة النصارى، إما بغرض تنصير المسلمين، أو مقايضة بمصالح أخرى.

بتعبير آخر فإن الأسرى يبقون في السجون معذبين، فإما أن يتم تنصيرهم أو استعبادهم وتكليفهم بالمهام الشاقة، وإذا بقي الأسير في السجن مصرّاً على

حاله فإنه يتحمل الأذى والتعذيب حتى يحين موعد الفداء - ومن المشهورات حكاية أبي فراس الحمداني ورومياته في السجون، حتى خرج في فداء شهر رجب من سنة 355 ه- (1)- ، كما أن استمرار بقاء الأسرى في البلدين دون إمكانية توطينهم واستعبادهم يشكل عبئا على الدولتين، ومن جانب آخر فإنه يضعف ثقة الشعوب بقدرة الحكام على استرجاع المفقودين من أبنائهم، وكل ذلك عوامل تشجع على عمليات تبادل الأسرى.

وعلى كل حال فإن هذا هو الأصل في منهج الدول في علاقاتها الدبلوماسية وتعاملها بين أسرى دول الضد لاسيما إذا كانت المضادة راجعة إلى سبب ديني وسياسي، فإن هذا هو السلوك المتوقع وأي مبادرة عفو غير مسبوقة بمقدمات ولا ملحوقة بطلب مقابل تكون مثارا للاستغراب، وإلا فإن العفو عن الأسرى عادة يكون بمبدأ تبادل الأسرى لا بمبدأ الهدية المجانية! (2)

فيبقى العفو عن عشرات الأسرى من ملك الروم دون مقابل مورد تساؤل لا تجد له جواباً إلا إذا ربطته بما أخبرت به السيدة نرجس علیها السلام.

وقد تكررت على مر العقود في العلاقة بين الدولة العباسية والدولة


1) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 175/14

2) كانت تسبق طلبات الفداء هدايا يستعرض فيها الحكام عظمة دولهم، بدءاً من كتابة الرسائل بماء الذهب إلى تقديم الأموال الطائلة كهدية، كما يستقبل السفراء أبهى وأعظم استقبال لاستعراض عظمة القصور وبنائها؛ أما الأسرى فهم ورقة المساومة دائماً لا يُتنازل عنهم إلا بمقابل، فإما أن يفتدى الأسير بأسير مثله من نفس جنسه وصفاته وعمره وقوة بدنه وسلامته من الأمراض، أو الفداء بالمال.

البيزنطية عمليات الفداء وتبادل الأسرى (1)، منها ما كان في سنة 189ه- ، و 192ه- في خلافة هارون الرشيد، ومنها ما كان في سنة 231ه- في خلافة الواثق، ومنها ما كان في سنة 241ه-، و 246ه- في خلافة المتوكل، ومنها ما كان في سنة 253ه- في خلافة المعتز، ووقع غيرها من عمليات فداء في هذه الحقبة لكنها كانت أقل شهرة وأقل عدداً.

وكان الفداء يقع على نهر اللامس (2)؛ لأنه يتميز بموقع جغرافي يفصل بين مدينة طرسوس التابعة للخلافة العباسية، وسلوقية التابعة للدولة البيزنطية، وكان المسلمون يصِلون إلى النهر برّاً، ويأتيه البيزنطيون عن طريق البحر، وكان النهر يشكل حاجزاً طبيعيّاً يمنع الاصطدام حال وقوع خلاف، كما يسهل النهر عملية التبادل فيجعلها عملية منضبطة بحيث لا يتيسر الهرب للأسرى قبل إتمام مجريات الفداء. (3)


1) وقد تعرض المسعودي في التنبيه والأشراف ص 160 مفصلا إلى أفدية المسلمين والروم، حيث :قال: فلنذكر الآن ما كان من الأفدية والهدن بين الروم والعرب في أيام ولد العباس إذ لم يكن في أيام بنی أمية فداء معروف مشهور فنذكره بل كان يفادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وغيرها من الثغور الجزرية، إذ كانت أموية والثغور الشامية عباسية. ثم إنه بدأ بتعداد الأفدية...

2) ونهر اللامس يقع غربي مدينة طرسوس، وكان يدعى زمن الروم بنهر ليموس Lemos، وسماه العرب نهر اللامس، واسمه اليوم نهر ليمونولو Limonolu

3) مدينة طرسوس ودورها في التاريخ العربي الإسلامي، سناء عبد الله الطائي، ص 22

وكان الفداء يستمر عدة أيام في هدنة متفق عليها مسبقاً، يشهده كبار القادة من الطرفين، وعامة الناس المترقبين للإفراج عن الأسارى، ويعقد على النهر جسرين، يقف المسلمون على جانبه الشرقي والروم على جانبه الغربي، يرسل المسلمون روميّاً على الجسر ويرسل الروم مسلماً على الجسر، فيصير كل منهما إلى قومهم حتى يكتمل الفداء (1)، وباقي الأسارى يفتدون بالمال (2).

على غير هذه العادة المطردة في الأفدية يأتي فداء سنة 246ه- بتنازل سخي من ملك الروم حيث يقدّم لخليفة المسلمين ضعف العدد، فيعفو المسلمون عن أكثر من ألف نصراني، وعفى النصارى عن أكثر من ألفي مسلم، وكانت الضابطة يومذاك أن يعفو المسلمون عن كل من عندهم ويعفو النصارى عن كل من عندهم.

وكانت مجريات هذا الفداء غريبة دوّنها الطبري بالتفصيل في تاريخه (3)، وحاصل مجريات الفداء أن صاحب الروم بعث إلى المتوكل العباسي يطلب الفداء بين الأسرى في سنة 245ه-، فبعث إليه المتوكل نصر بن الأزهر سفيراً ومعه هدايا ثمينة نحو ألف من نافجة مسك وثياب وحرير وزعفران وكثير طرائف - وهذا


1) تجارب الأمم وتعاقب الهمم لابن مسكويه 283/4

2) مثلا ذكر ابن الأثير في أحداث سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة في ذكر فدائها أنه فضل للروم على المسلمين مائتان وثلاثون أسيراً، فوفاهم سيف الدولة الحمداني بالمال.

3) تاريخ الطبري 219/9

رسم متعارف في السفارات من حمل التحف والهدايا لإبراز قوة الدولة - فلما وصل نصر بن الأزهر سفير المتوكل إلى القسطنطينية أراد دخول البلاط بسيفه و خنجره وقلنسوته وسواده (1)، فأبوا أن يدخلوه بهذه الصورة فأراد الانصراف من البلاط، فأرجعوه من الطريق وسمحوا له بالدخول!

ثم إن الامبراطور ميخائيل كان جالساً على سرير العرش وحوله البطارقة قيام، وقبل الإمبراطور هدايا المتوكل، ثم هيّأ لسفير المتوكل منزلا بقربه فنزل فيه نصر بن الأزهر السفير فترة المفاوضات.

وحسم أمر المفاوضات على أن يعطي النصارى جميع من عندهم وكانوا أكثر من ألفين، ويعطي المسلمون جميع من عندهم وكانوا أكثر من ألف، ووافق على هذه المفاوضات خال الإمبراطور وحلف يمينا على ذلك، هذا والإمبراطور ساكت لا يتكلم بشيء والأمور كلها بيد خاله.

يقول نصر بن الأزهر (سفير الخليفة المسلم) بعد أن حلف خال الإمبراطور: فقلت: أيها الملك قد حلف لي خالك، فهل هذه اليمين لازمة لك؟ فقال برأسه: نعم. ولم أسمعه يتكلم بكلمة منذ دخلت بلاد الروم إلى أن خرجت منها، إنما يقول الترجمان وهو يسمع، فيقول برأسه: نعم أو لا، وليس يتكلم؛ وخاله المدبر أمره.

ثم إن نصر بن الأزهر خرج من القسطنطينية بالأسرى بأحسن حال،


1) السواد شعار بني العباس.

وتوجهوا إلى موضع الفداء، فأطلق أسرى المسلمين دفعة واحدة، وأسرى النصارى دفعة واحدة، خلافاً لسائر الأفدية من إطلاق الأسرى واحداً بواحد. وكان الفداء قد وقع في شهر صفر وقيل جمادى الأولى من سنة 246ه-.

وتجلت في هذا الفداء صورة غريبة من تنازل صاحب الروم، وهي أن قوماً من أسرى المسلمين عنده كانوا تنصروا ، ولكن ملك الروم لم يقبل تنصرهم، وإنما أمرهم باتباع سفير المتوكل والتوجه إلى موضع الفداء، فإذا وصلوا هناك وتم الفداء وأرادوا الدخول في النصرانية قبل منهم التنصر! ولم يبق في بلاد الروم من أسرى المسلمين أحد إلا وأطلق في هذا الفداء.

وستتضح الصورة أكثر مع ترتيب الأحداث وربطها بالزلزال والغارة على سميساط، وهي كالآتي:

٭ وقع الزلزال مطلع سنة 245ه- (الموافق: شهر إبريل 859م)، ويتوقع أن موعد زفاف السيدة نرجس علیها السلام مع ابن أخي القيصر كان في ذلك الوقت. فمرضت علیها السلام وطلبت من جدها القيصر أن يخفف عن أسارى المسلمين ويمن عليهم بالخلاص.

٭ وصل سبع وسبعون أسيراً هدية من ملك الروم إلى خليفة المسلمين في سامراء في 25 من شهر صفر 245ه- (الموافق: مطلع شهر يونيو 859م)، وطلب ملك الروم بعدها الفداء والتخفيف عن أسرى المسلمين.

٭ خرج إمبراطور الروم مع القيصر إلى حامية سميساط للغارة على

المسلمين هناك في صيف سنة 245ه- - 859م ، وفي هذه الحادثة يحتمل أن السيدة نرجس علیها السلام فقدت من معسكر الروم، كما فر جيش الروم بقياداته إلى القسطنطينية. (1)

٭ وصل مبعوث المتوكل إلى القسطنطينية استجابة لطلب ملك الروم في إجراء الفداء، ثم اتفق على الفداء بعد مفاوضات تأخرت أربعة أشهر، وتم الفداء في سنة 246 ه- - 860 م. وكانت شؤون هذا الفداء كلها بيد خال الإمبراطور، وقد تنازل كثيراً أثناء الفداء، فرضي أن يفتدى كل أسرى المسلمين بكل أسرى النصارى، وحتى من تنصر من المسلمين فإنه يرجع إلى قومه في الفداء فإن أحب الرجوع إلى القسطنطينية فليرجع بعد إتمام الفداء، وكانت طريقة الفداء أن يطلق جميع أسرى المسلمين دفعة واحدة كما يطلق جميع أسرى النصارى دفعة واحدة.

تُرى من كان من النصارى في أسرى المسلمين يجعل خال الإمبراطور يقبل بكل هذا التنازل؟ لماذا يرضى بأن يسلم ضعف العدد للمسلمين؟ هل احتمل أن حفيدته المفقودة موجودة في أسرى المسلمين وخشي التصريح بهذا الأمر فقرر إرجاع جميع من يمكن إرجاعه من الأسرى لعله يجد بغيته؟

من المؤكد أن القيصر لا يستطيع التصريح بهذا الأمر علناً فهو سر ينبغي أن لا يذاع عسكريّاً حتى لا يكون ورقة مساومة، ثم إنه لا يعلم إن كانت سبيت إلى بغداد، أو بقيت في سميساط أو قتلت أو جرى غير ذلك عليها؟ المؤكد أنه


1) سيأتي تفصيل هذه المعركة.

فقدها من قصره (1).

في الحقيقة نحن أمام تطابق وانسجام بين خبر الشيخ الصدوق رحمه الله وسائر معطيات التاريخ، ولا يمكن لمنصف أن يقرأ الرواية ويطلع على التاريخ البيزنطي ثم يدعي وجود اضطراب في متن الرواية! هذا كلام لا يصدر من واع ومثقف!



1) مع ربط الأحداث بملحمة ديجينس التي تحدثنا عنها في الفصل الأول يرجح احتمال أن قصة اختفائها لم تكن مجهولة تماما بل لعل إحدى الجواري أذاعتها.

حرب المسلمين والروم

سجل التاريخ خلال هذه الفترة عدة معارك بين المسلمين والروم، ولتحديد التاريخ بشكل دقيق، فإن الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف قد ولد في سنة 255ه- - 869م، فلابد من متابعة المعارك بين المسلمين والروم خلال الفترة السابقة لولادة الإمام علیه السلام بعدة سنوات، والحقيقة أن هذه الفترة مليئة بالمعارك ولكننا نضع الاحتمالات القريبة، ونستبعد بقية الاحتمالات (1)

وقال السيد قدس سره في معرض حديثه عن هذا الموضوع: وقد يذهب بعض المعاندين إلى التشكيك في هذه الحوادث بنفي وقوع حرب بين المسلمين والمشركين في الأزمنة المعاصرة لولادة المهدي (سلام الله عليه). وما ذلك إلا لجهله بالتاريخ، مضافا إلى العناد والعداء للحق... أقول: فعلا من العجيب إنكار وقوع حرب في هذه الفترة، وكان الأولى البحث عن فترة سلم في هذه الحقبة الزمنية لشدة اضطرابها وكثرة حروبها!

.

1) من الاحتمالات التي استبعدناها مثلا ما احتمله المرحوم السيد هادي الميلاني في كتابه قادتنا كيف نعرفهم ج 7 ص 207 ، حيث احتمل أنها أسرت في معركة بين مسلمي الأندلس والافرنج سنة 251ه، ولكننا نستبعدها لما قدمناه من أن قيصر الروم المقصود هو الموجود في القسطنطينية لا في بلاد الافرنج.

والذي يغلب عليه الظن بل يطمأن بصحته أن أسر السيدة نرجس علیها السلام وقع بعد غارة الروم على حامية سميساط (1)

والحق أنهما مدينتان مختلفتان قريبتان من بعضهما ذكر الاصطخري في المسالك والممالك أن بينهما مسير يومين، وسميساط في حدود الشام وأرمينيا الصغرى، أما شمشاط فإنها تتبع أرمينيا، وذكر الحموي أن سميساط من أعمال الشام وشمشاط في طرف أرمينية.

ولابد للتمييز بينهما من الرجوع إلى القرائن، فإن بتروناس في حملته على شمشاط قارب الوصول إلى آمد، وهذه قرينة على أن غارته كانت من جهة ثغور أرمينية. وذكر الطبري موقفاً لهرقل عند خروجه من الشام وأنه مر على شمشاط، والصحيح أنها سميساط الشامية بقرينة بلوغه الرها ثم شمشاط، فالتي وقف عليها هرقل كانت سميساط.

لذا فإن المؤرخ والمحقق العربي قد لا يكون دقيقاً في ذلك ويكثر الخلط فلابد من التنبه إلى القرائن وعدم الاكتفاء بنقل عبارات كتب التاريخ.

راجع الخريطة الملحقة آخر الكتاب لتتعرف المواقع الجغرافية لهذه المناطق.

في سنة 245ه- - 859م لعدة قرائن، بعضها في نفس أحداث المعركة، وبعضها خارجة عنها متوافقة مع تسلسل الأحداث التاريخي.

وقبل الحديث عن المعركة ينبغي التعريف بحامية سميساط؛ أما الحامية


1) بسبب الاشتباه في التعريب فإنه يقع الخلط كثيراً بينها وبين شمشاط في كتب التاريخ، ومنه وقع الاختلاف في تعيين تاريخ استيلاء المسلمين عليها.

فهي مجموعة من القوات العسكرية أو الجيوش تتمركز في منطقة معينة لتكون المقر الرئيسي لها؛ باصطلاح اليوم: قاعدة عسكرية، ويتم تأسيس هذه الحامية لأغراض متعددة دفاعية وهجومية تختلف باختلاف اعتبارات المناطق وظروفها.

أما سميساط فإنها تقع في منطقة ثغور ولذلك فإنها تتبع إداريّاً -ضمن منظومة الدولة الإسلامية- إلى والي الثغور، فيكون هو حاكم المنطقة وأمير الحامية. والثغور أقرب المناطق الحدودية للعدو تتمركز فيها الجنود والمجاهدون والمتطوعون وليس مقامهم مقام استقرار ولكن من أجل الفتوحات وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية، ويتقاضون رواتبهم جراء هذه الوظيفة.

والمناطق العامرة التي تسبق الثغور تسمى العواصم، سميت بالعواصم لأنها تمد الثغور بالجنود عند الحاجة، فهي تمنع وتعصم سائر أراضي الدولة الإسلامية من أي غزو وتجبر أي ضعف في مواقع الثغور (1)أي أن العواصم التي تكون عامرة اليوم كانت بالأمس ثغراً عسكريّاً، والثغر العسكري يرجى أن يكون عاصمة في الغد ليعقبه ثغر، وهكذا تتوسع رقعة الدولة الإسلامية.

وللعواصم أمراء وولاة كسائر الولايات لكن لها اعتباراتها الاستراتيجية في تنظيم الدولة باعتبارها الأقرب إلى الحدود البيزنطية، أما الثغور جهة الدولة


1) ويطلق على العواصم (القصبات) أيضاً، ويعبر أحيانا عن مركز العواصم بقصبة العواصم فيقال قصبة العواصم الجزرية أنطاكيا، وكل عاصمة تنقسم إلى مدن، والمدن تنقسم إلى قرى ونواحٍ. ولا يخفى أن التسميات قد تختلف باختلاف الأزمنة لتغييرات تطرأ على النظام الإداري في الدولة.

البيزنطية فإنها تنقسم إلى ثغور شامية وجزرية (1)(نسبة إلى شبه الجزيرة العربية)، ولها أمراؤها وحكامها، ولكن الحكم هناك عسكري لا مدني خلافا للعواصم وسائر ولايات الدولة.

وتقع سميساط على الفرات الأعلى، وحولها جبال كثيرة، وفيها قلعة حصينة (2)

وهذه مناطق معروفة تكرر ذكر بعضها في التاريخ الإسلامي كأحداث صفين وصلح الإمام الحسن علیه السلام.

يقال أن بناءها قديم يرجع إلى زمن إبراهيم خليل الله علیه السلام بناها ملك ذلك العصر (3)، وهي ثغر إسلامي من ثغور الجزيرة يخضع لإمرة قائد ثغر ملطية (4)، وثغر ملطية هو الثغر الأقرب إلى الروم يومذاك، ومنه يتم تنظيم الغزوات

1) ومعيار كون الثغر تابعاً للجزيرة ليس قربه من مناطق الجزيرة العربية، بل قد يكون أقرب إلى الشام ولكن يقطنها مهاجرو الجزيرة، والبعض زاد على هذا التقسيم قسما ثالثاً بعنوان: الثغور البكرية لأنها تابعة لديار بكر بن وائل.

2) قال الإدريسي في نزهة المشتاق: ومدينة سميساط على الفرات ولها قلعة حصينة وهي في شرقي اللكام مطلة على الفرات ويحتف بها جبال كثيرة فيها الجوز والكروم وسائر الثمار الشتوية والصيفية مباحة لا مالك لها. وبين سميساط وملطية مدينة صغيرة تسمى حصن منصور وهي حسنة مشهورة ولها رساتيق وقرى، وبها خصب كثير وإصابة غلة وبينها وبين سميساط مرحلة وهي من الأميال أحد وعشرون ميلا ومن حصن منصور إلى ملطية ثلاثون ميلا ثم إلى زبطرة خمسة عشر ميلا. ومن منبج إلى ملطية خمسة أيام ومن منبج إلى سميساط يومان وقيل ثلاثة.

3) الثغور البرية الإسلامية على الحدود البيزنطية في القرون الوسطى د. علية عبد السميع ص 141

4) مالطية (malatya) مدينة تقع شرق الأناضول سيطر عليها المسلمون في القرن الهجري الثاني.

والصوائف والشواتي وسائر الحملات العسكرية الهجومية والدفاعية.

وتسمى سميساط اليوم مدينة سامسات (1)وهي تابعة في جغرافيا اليوم إلى تركيا، وكانت في فترة من الزمن تتبع أرمينية الصغرى (2)، ودخلت ضمن ثغور الدولة الإسلامية بعد معركة اليرموك مع التوسع الإسلامي جهة الشام.

غزت الروم هذا الثغر مرارا متعددة منذ الفتح الإسلامي لها، ومن تلك الغزوات ما وقع سنة 245ه- - 859م، حيث غارت الروم عليها وقتلوا من المسلمين وأسروا منهم خلقاً كثيراً (3).

وكان على قيادة جيش الروم يومذاك الإمبراطور ميخائيل الثالث والقيصر باراداس (4)، وكان هذا الظهور العسكري للإمبراطور هو أول ظهور له في ساحة المعارك وكان خروجه بإشراف القيصر باراداس (5)، أي أن القيصر هو من


1) سامسات، أو ساموساتا، أو Samsat أو باليونانية:

2) وكانت أرمينية قبل ذاك منطقة صراع الفرس والبيزنطيين، وكان جلهم نصارى يعاقبة على غير مذهب الملكانية، لذلك فإنهم كانوا خصوم البيزنطيين رغم نصرانيتهم.

3) عبارة ابن الأثير في أحداث سنة خمس وأربعين ومائتين: وفيها أغارت الروم على سميساط فقتلوا، وسبوا، وأسروا خلقاً كثيراً. أما عبارة الطبري في أحداث نفس السنة: وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوا وسبوا نحوا من خمسمائة.

4) بيزنطة والعالم الخارجي د. طارق منصور ج 1 البيزنطيون والمسلمون ص 142، والروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب أسد رستم ص 298، العرب والروم تأليف فازیلیف ترجمة د. محمد عبد الهادي شعيره ص 206

5) راجع: Bury, Eastern Roman Empire, 279

قاد الجيوش فعلا وهو من سيّرها أما الإمبراطور فكانت تجربته العسكرية الأولى وهو لايزال في ريعان شبابه، وقد أعدوا العدة بإحكام لهذا الهجوم وزودوا المدينة بكل التعزيزات اللازمة كي يضمنوا قاعدة قوية لإنجاح الحملة (1).

ورغم أن قوة الروم كانت لها الغلبة وكانت تحاصر حامية المسلمين ثلاثة أيام، إلا أنه وبسبب انشغال قيادات الدولة البيزنطية في قداس يوم الأحد استطاع المسلمون اقتحام معسكر الروم، وقد كان انتصاراً ساحقاً، استولوا فيه على خيمة الإمبراطور وكل متعلقاته، وأما الإمبراطور فإنه نجى بأعجوبة (2)

Genesios, On the Reigns of the Emperors: introduction, translation, and commentary (Canberra: Australian Association for Byzantine Studies, 1998 = Byzantina Australiensia vol. 11). 82

والنص الأصلي:

Under the leadership of Amer, the ruler of Melitene, the impious Ishmaelites raided the land of the Romans. The Emperor did not want to sit by idly, and pretended to possess a manly and active disposition. Hence he marched with his army to Samosata, an Ishmaelite city. He laid siege to it for three days, but on Sunday he arranged for a Christian service, desiring to partake of the bloodless communion. But at that very moment the Agarenoi suddenly threw open their gates, sallied forth, and easily routed the Emperor. Their success was so complete that they cap-tured his tent and all his supplies. The Emperor himself barely managed to survive.

والإسماعيليون وأبناء هاجر - في هذا النص- كناية عن المسلمين، فإنه من المتعارف في ذلك الزمان تسمية المسلمين بأتباع إسماعيل أو أبنائه كما يصفهم الكتاب المقدس، باعتبار أن الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، ونبينا الخاتم صلی الله علیه و آله و سلم كان من ذرية إسماعيل.

!

1) الثغور البرية الإسلامية على الحدود البيزنطية في القرون الوسطى د. علية عبد السميع ص 143

2) راجع:

وقيل أن عدداً كبيراً من جنود الروم أسروا في هذه الحملة على يد القائد الصقلبي قاريباس (1).

ويجدر التنبيه على قضية مهمة: أن تفاصيل الهزيمة التي لحقت بالإمبراطور لم يتعرض لها الطبري وغيره من مؤرخي العرب، ويظهر أنها لم تكن هزيمة تامة بالاصطلاح العسكري وإنها مجرد غارة مباغتة من جيش المسلمين كردة فعل حربية على معسكر الإمبراطور.

إن المعايير العسكرية في النصر والهزيمة نسبية، لا يوجد انتصار مطلق في الحرب أو هزيمة مطلقة، وإنما يكون انتصاراً تصحبه خسائر في الأرواح والأموال وغيرها؛ قد يخرج الجيش منتصراً وإن كان قد مني ببعض الهزائم أثناء القتال (2)، فإن الحرب كر وفر، وصولات وجولات، يقتل فيها الرجال وتستباح الأموال،


1) الثغور البرية الإسلامية على الحدود البيزنطية في القرون الوسطى د. علية عبد السميع ص 184

2) مثال ذلك غزوة أحد: حقق المسلمون أكثر أهدافهم الاستراتيجية من الدفاع عن شخص النبي صلی الله علیه و آله و سلم والدفاع عن بيضة الإسلام والدفاع عن المدينة المنورة وسكانها، كل ذلك تكلل بالنجاح حيث كان موقف المسلمين دفاعيّاً، بل طاردوا العدو إلى منطقة حمراء الأسد، إلا أن المسلمين لحقتهم خسائر فادحة في الأرواح واستشهد يومذاك سبعين مسلماً، فاشتهر أن المسلمين هزموا في المعركة، والحال أنها لم تكن هزيمة مطلقة، وكذلك المشركون فإنهم فروا من ساحة القتال وقتل من أبطالهم العدد الكبير، ولم يحققوا من أهدافهم العسكرية إلا الانتقام لقتلى بدر. هذا والمشهور على الألسن أن المسلمين انهزموا في المعركة، وواضح أن في التعبير تسامحاً عرفيّاً، وإلا فالطرفان منهزمان والطرفان منتصران، كل بنسبة. وهذا مطّرد في الحروب عامة.

ويغنم كل من الطرفين شيئا، قد يخرج المنهزم بالغنائم كما يفعل ذلك المنتصر.

إذا علمت ذلك فاعلم أنه وقع الجدل في أحداث هذه المعركة بالذات، ولماذا عرض الطبري جانب النصر للروم وعرض مؤرخو بيزنطة جانب الهزيمة (1)

والأرجح ما استقر به بيوري (Bury) أن نصر الروم كان بادئ المعركة ثم انقلبت الأمور للمسلمين.

، والواقع أن كلّاً من المؤرخين يروي الأحداث من الزاوية التي بلغته، ولعل المسلمين لم يكونوا عارفين بوجود القيصر والإمبراطور في المعسكر أصلا وظنوا أنهم اقتحموا مقر أحد القادة فلم يدونوا في تواريخهم القديمة هذه الجزئية، أما التواريخ البيزنطية فإنها كانت تعرف ذلك فدوّنته (2)

وكيف كان فإن ذلك لا يضر بأصل المطلب فإن رواية الشيخ الصدوق رحمه الله لا تنص على انتصار للروم أو للمسلمين، وإنها مجرد وقوع السيدة نرجس علیها السلام في الأسر، وهذا لا يتوقف على نصر وهزيمة.

.

وعلى كل حال فإن المرجحات التي جعلتنا نستقرب احتمال كون المعركة المقصودة في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله هذه المعركة، ما ورد عن لسان السيدة نرجس علیها السلام أن جدها القيصر سرّب جيوشاً لقتال المسلمين، وهذا مما امتازت به


1) احتمل بعض نقاد التاريخ البيزنطي أن ذلك يعود إلى عداء شخصي بين مؤرخي التاريخ البيزنطي في حقبة الدولة المقدونية والقيصر باراداس. ورغم أن العداء ثابت إلا أن افتراضه هنا بعيد جدّاً لأن نفس المؤرخين كانوا يذكرون انتصارات باراداس في سائر الحروب ولم يكن من دأبهم اختلاق هزائم وهمية وإلحاقها بالقيصر، فلماذا يكذبون هنا دون سائر المواضع من التاريخ؟

2) والمؤكد على كل حال أن هناك غارة إسلامية على معسكر الروم أثناء انشغالهم بقداس يوم الأحد، ولا يمكن الجزم إن كانت نهاية المعركة بانهزام الروم أو المسلمين.

هذه المعركة بأن القيصر قاد الجيوش وخرج معهم، أما بقية الحروب فهناك احتمال خروج القيصر معهم لكنه غير مؤكد.

ثم إنه جاء في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله أن كتائب المسلمين وقعت على معسكر القيصر فأسرت السيدة نرجس علیها السلام وقتها، وهذا أيضاً مما ورد في التواريخ البيزنطية من اقتحام المسلمين معسكر الروم أثناء انشغالهم بقداس يوم الأحد، والرواية البيزنطية لا تصرح بنصر تام للمسلمين وإنما هجوم مباغت لهم، يناسب عبارة الرواية من وقوع طلائع المسلمين عليهم.

هذه المرجحات التي في نفس المعركة، أما من خارجها فأولها توقيت المعركة وكونه في صيف سنة 859م أي بعد الزلزال الذي احتملنا وقوعه وقت الحادثة.

وأيضاً بعد العفو عن مجموعة من أسارى المسلمين المنسجم مع طلب السيدة نرجس علیها السلام من جدها المن على أسارى المسلمين والتخفيف عنهم، ثم طلب الفداء وتبادل الأسرى.

وتوقيت المعركة أيضاً قبل إتمام تبادل الأسرى العجيب الذي تنازل فيه صاحب الروم إلى أبعد الحدود وعفى عن ضعف عدد أسراه في بلاد المسلمين ليرجع كل الأسرى والمفقودين من الروم إلى بلادهم ما يشير إلى وجود أسرى يعنيهم أمره يرغب بإرجاعهم بأي ثمن.

كما أن موقع المعركة في سميساط يتناسب مع أسرها عن طريق الفرات؛

فإن مجرى الفرات كما ذكره القلقشندي: فأوّله من شماليّ مدينة أرزن الروم وشرقيها، وأرزن هذه آخر حدّ بلاد الروم من جهة الشرق؛ ثم يأخذ إلى قرب ملطية ثم إلى سميساط (1)، ثم يأخذ مشرّقا ويتجاوز قلعة الرّوم ويمرّ مع جانبها من شماليها وشرقيها؛ ثم يسير إلى البيرة، ويمرّ من جنوبيها، ثم يمرّ مشرّقا حتّى يتجاوز بالس وقلعة جعبر ويتجاوزها إلى الرّقّة؛ ثم يمرّ مشرّقا ويتجاوز الرّحبة من شمالها ويسير إلى عانة ثم إلى هيت، ثم يسير إلى الكوفة. فإذا جاوز نهر كوثي بستة فراسخ انقسم نصفين، ومرّ الجنوبيّ منهما إلى الكوفة ويجاوزها ويصبّ في البطائح. ويمرّ القسم الآخر وهو أعظمهما ويعرف بنهر سورا، ويمرّ بإزاء قصر ابن هبيرة، ويتجاوزه إلى مدينة بابل القديمة، ويتفرّع منه عدّة أنهر ويمرّ عموده إلى النيل ويسمّى من بعد النيل نهر الصّراة؛ ثم يتجاوز النيل ويصب في دجلة (2).

والصراة نهر متفرع من الفرات يدخل بغداد ويصب في دجلة، تمر فيه السفن حتى تبلغ قنطرة في آخره فلا تتجاوزها السفن، ويتم إنزال حمولتها هناك. (3)

وفي الرواية أن الإمام الهادي علیه السلام أمر بشر بن سليمان النخاس أن يتوجه إلى معبر الصراة في بغداد يترقب وصول زوارق السبايا. لذا فقد يكون موقع


1) في المصدر شمشاط، والصحيح ما أثبتناه.

2) صبح الأعشى 4/ 397، انظر خريطة موقع سميساط وخريطة أنهار بغداد في ملحق الكتاب.

3) المسالك والممالك للاصطخري 85

المعركة في سميساط قرينة على أنها هي المقصودة في الرواية.

هذه قرائن مما يورث الاطمئنان أن المعركة المقصودة هي هذه المعركة الواقعة سنة 245ه- - 859م، غير أننا لا نستطيع الجزم ببطلان سائر الاحتمالات (1)

على كل حال فإننا لا نرى مشكلة في هذا الاختلاف فإن باراداس كان القيصر الفعلي للإمبراطورية منذ نفي ثيودورا وهو المتصرف بشؤون الإمبراطورية، وقد تقدم أنه مُنح رتبة قربلاط منذ نفيت ثيودورا، وقد ثبت أنه كان في وقت المعركة بهذه الرتبة Bury, Eastern Roman Empire, 279) وتقدم في الفصل المتعلق بالألقاب والمناصب الرسمية أن القربلاط هو المؤدي مهام قيصر الروم آنذاك. وعلى كل حال فإنه في سنة 859م كان باراداس هو الآمر الناهي في الإمبراطورية، وهو الشاغل الفعلي لمنصب القيصر ، غاية ما يقال أنه عقد في سنة 862م حفل رسمي بهذا المنصب وهذا أمر متعارف أن تتأخر الاحتفالات بالمناصب لاعتبارات سياسية معينة.

.


1) مما جعل بعض الباحثين يرجح معركة أخرى غير هذه المعركة الاختلاف في تاريخ تنصيب باراداس كقيصر للروم ، هل كان ذلك بعد نفي ثيودورا سنة 856م أو في سنة 862م.

الفصل الرابع/ التعليق على رواية الشيخ الصدوق

اشارة

الفصل الرابع

اعتبار الرواية - متن الرواية

التعليق على رواية الشيخ الصدوق

بعد ما تقدم من بيان خلال الفصول السابقة فقد باتت الصورة واضحة من انسجام رواية الشيخ الصدوق رحمه الله مع التاريخ ، ولا وجه لتكذيب الرواية.

ولكن لتنظيم الكلام مرة أخرى فإننا ندرج نص الرواية هنا كاملا، ونعلق عليها بالهوامش بما ذكره التاريخ وما كان موافقاً لنص الرواية؛ ولكننا لن نشير إلى المصادر هنا، لأن ما نذكره قد تقدم شرحه في الفصول السابقة بالتفصيل، وما نريد بهذا الفصل إلا تنظيم المطالب مرة أخرى لتكون الصورة أكثر وضوحاً.

وقبل ذلك لابد من مناقشة موجزة لمصادر الرواية المفصلة ومدى اعتبارها سنداً ومتنا، أما إثبات أصل كونها من نسل قيصر الروم فقد ناقشناه في الفصل الثاني.


اعتبار الرواية

أهم المصادر الأولية التي بين أيدينا للرواية المفصلة بأسانيدها المتعددة في خبر وصول السيدة نرجس علیها السلام إلى دار الإمام العسكري، هي:

٭ الأول: في كمال الدين للشيخ الصدوق (المتوفى 381ه-)، عن محمد بن علي بن حاتم النوفلي، عن أبي العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، عن أحمد بن طاهر القمي، عن أبي الحسين محمد بن بحر الشيباني، عن بشر بن سليمان النخاس. (1)

٭ الثاني: في دلائل الإمامة للشيخ أبي جعفر الطبري (من علماء القرن الرابع (2))، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، عن أبي الحسين محمد بن بحر الرهني الشيباني عن بشر بن سليمان النخاس. (3)

٭ الثالث: في الغيبة للشيخ الطوسي (المتوفى 460 ه-)، عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني، عن أبي الحسين محمد بن بحر الشيباني الرهني، عن بشر بن سليمان النخاس. (4)


1) كمال الدين 417/2

2) الكنى والألقاب 243/1

3) دلائل الإمامة 489

4) غيبة الطوسي 208

٭ الرابع والخامس: ما رواه الشيخ الطبرسي (1)والشيخ الطرابلسي (2)

وقال السيد الخوئي قدس سره في معجم رجال الحديث 18/ 339: محمد بن هبة الله: قال الشيخ منتجب الدين في فهرسته: الشيخ أبو عبد الله محمد بن هبة الله الوراق الطرابلسي: فقيه، ثقة، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي كتبه وتصانيفه، وله تصانيف منها: كتاب الزهد، كتاب النيات، كتاب الفرج، أخبرنا بها الفقيه أحمد بن محمد بن أحمد القمي الشاهد العدل، عنه.

في هذه الحادثة، غير أن كتبهم التي نقلت منها الرواية مفقودة اليوم، وحكى ذلك عنهم السيد محمد مير لوحي (3)

وأما الشيخ الطرابلسي، فكتابه الفرج الكبير مفقود، وكان عند السيد مير لوحي نسخة منه.

وأما الشيخ الطبرسي رحمه الله فله عدة كتب في السيرة، بعضها مطبوع مثل (إعلام الورى)، وبعضها مخطوط مثل (تاج المواليد) وبعضها مفقود. ويرجح أن هذه الرواية مذكورة في بعض كتبه المفقودة اليوم. لكنه أشار في كتاب تاج المواليد إلى أن والدة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف هي نرجس بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأن من أسمائها مليكة، وأشار إلى أن لها قضية عجيبة. (راجع قسم الملاحق)

، ثم قال رحمه الله: وغيرهم كثير جدا من علماء الإمامية

1) أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي مفسر ومحدث وفقيه ومتكلم، صاحب تفسير مجمع البيان، وله كتاب إعلام الورى وجملة من الكتب المخطوطة، توفي سنة 548ه-

2) قال الآغا بزرك الطهراني رحمه الله في الذريعة 156/16: (كتاب الفرج الكبير في الغيبة) للشيخ أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن جعفر الوراق الطرابلسي، تلميذ شيخ الطائفة، ذكره الشيخ منتجب الدين، وهو كتاب كبير وكان عند المير لوحي الموسوي السبزواري، المعاصر للمولى محمد باقر المجلسي، على ما صرح به في خاتمة المستدرك والنجم الثاقب وغيرهما. والمير لوحي ينقل عنه في أربعينه الموسوم كفاية المهتدي في أحوال المهدي.

3) ويجدر التنبيه إلى أن السيد مير لوحي حكى ذلك بعد أن روى عن الفضل بن شاذان عن محمد بن عبد الجبار الرواية التي يصرّح فيها بأن والدة الإمام علیه السلام ابنة ابن قيصر الروم.

رضي الله عنهم جميعاً، في كتبهم بعبارات مختلفة ومعان متفقة. (1)

٭ مضافاً إلى هذه المصادر فقد أورد جملة من المحدثين هذه الرواية في كتبهم المعتبرة، منهم: الفتال النيشابوري، وابن شهر اشوب، والسيد هاشم البحراني، والحر العاملي، والعلامة المجلسي، وغيرهم رضوان الله عليهم . (2)

فهذه شواهد تؤيد اعتماد العلماء هذه القضية، لكن لما كان مرجع إيرادهم الرواية الطرق المتقدمة، فإننا نناقش الأسانيد التي أوردها الصدوق والطبري والطوسي، وما حكاه السيد مير لوحي عن الطبرسي والطرابلسي رَحِمَهُمُ اللهُ، ولابد في مناقشة الأسانيد من تقسيم الكلام إلى مرحلتين:

٭ الأولى: مناقشة رجال السند الذين سبقوا محمد بن بحر الرهني.

٭ الثانية: مناقشة حال محمد بن بحر الرهني، وبشر بن سليمان النخاس.

مع التنبيه إلى أننا لا نرغب باستيفاء المناقشة فلا نرى حال الكتاب يستدعي ذلك، وليس البناء في البحث التاريخي على المداقة في الأسانيد.



1) مختصر كفاية المهتدي 108

2) راجع: روضة الواعظين 252/1، والمناقب 440/4، وحلية الأبرار 141/5، وإثبات الهداة 363/3 ، وبحار الأنوار 6/51 ، والجزء الأول من (بحوث علمية في القضية المهدوية) الصادر عن العتبة الحسينية المقدسة، الفصل الثالث: تحقيق حول والدة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وأما كلامنا في المرحلة الأولى (مناقشة رجال السند قبل محمد بن بحر الرهني) فنقول معقبين على الروايات الثلاث:

٭ أما ما رواه الشيخ الصدوق، فإن المناقشة الآن في: (محمد بن علي بن حاتم النوفلي، وأبي العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، وأحمد بن طاهر القمي).

أما النوفلي فهو من مشايخ الصدوق روى عنه في عدة موارد وقد ترضى عليه (1)، وهذا يكفي في توثيقه، فضلا عما سيأتي، أما بقية رجال السند (أحمد بن عيسى الوشاء) و (أحمد بن طاهر القمي)، فالطريق إلى توثيقهم ما أفاده المرجع الراحل الشيخ لطف الله الصافي قدس سره ضمن مناقشته لأحوال بعض الرواة في كتابه منتخب الأثر.

قال رحمه الله: أما أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي أبو العباس، وشيخه أحمد ابن طاهر القمّي، فأسند إليهما الصدوق أيضا في (كمال الدين) في الجزء الثاني (باب 41 باب ما روي في نرجس أمّ القائم علیهما السلام واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الملك)، والظاهر معرفته بحالها واعتماده عليهما، وذلك لأنه لم يرو في هذا الباب الذي هو من الأبواب المهمّة من كتابه إلّا حديثا واحدا، وهو ما رواه عن شيخه محمد بن علي بن حاتم النوفلي، عن أبي العباس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي، عن أحمد ابن طاهر، بل يظهر من ذلك كمال وثاقتهما عنده، واعتماده


1) معجم رجال الحديث 26/18

على صدقهما وأمانتهما، ويظهر ممّا عنون به الباب أيضا اعتماده واستدلاله على ما كان مشهورا في عصره من اسم أمّه علیه السلام ونسبها بهذا الحديث، فالرجلان كانا معلومي الحال عنده بالصدق والأمانة، وإلّا فلا ينبغي لمثله أن يعتمد على رواية غير موثّقة، لا يعرف رواتها بالوثاقة في مثل هذا الأمر المعتنى به عند الخاصّ والعامّ، فالمظنون بل المقطوع اطمئنانه بصحّة الرواية وصدق رواتها، ولو تنزّلنا عن ذلك فلا محيص عن القول باطمئنانه بصدورها بواسطة بعض القرائن والأمارات المعتبرة التي يجبر بها ضعف الراوي، ويقطع بها بصحّتها، وإلّا فيسأل: ما فائدة عقد باب في كتاب مثل (كمال الدين) للاحتجاج برواية واحدة لا يحتجّ بها ولا يعتمد عليها مؤلّف الكتاب لجهله بأحوال رجالها؟ وما معنى عنوان الباب بمضمونها؟ وكيف يقبل صدور ذلك من الصدوق رحمه الله؟ ألم يصنّف كتابه (كمال الدين) لرفع الحيرة والشبهة والاستدلال على وجود الحجة؟ (1)فهل هذه الرواية إذا كان مؤلّف الكتاب لا يعتمد عليها تزيد الشبهة والحيرة أو ترفعها؟ (2)انتهى كلامه عطّر الله مرقده.

لقد صحح المرجع الراحل الشيخ الصافي قدس سره رجال السند معتمدًا على


1) ولا بأس بمراجعة مقدمة الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين وأنه صنّف الكتاب بأمر المولى صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف لرفع الشك والحيرة والارتياب في غيبته علیه السلام، وأنه يعتمد لرفع الارتياب على الآثار الصحيحة.

2) منتخب الأثر 333/3

كيفية إيراد الشيخ الصدوق رحمه الله للرواية، حيث استظهر كمال وثاقة رجال الخبر عند الشيخ الصدوق، ومن ثَمّ اكتفى بهذا على عدّهم رواة ثقاة يعتمد عليهم في تصحيح أسانيد روايات أخرى، فالرواية على مبنى الشيخ الصافي رحمه الله معتبرة الإسناد.

٭ أما طريق الطبري رحمه الله، فالكلام في راو واحد وهو أبو المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني.

أدرك الطبري رحمه الله محمد بن عبد الله الشيباني وروى عنه (1)، ومحمد بن عبد الله الشيباني يروي مباشرة عن محمد بن بحر الرهني الشيباني عن بشر النخاس.

وأبو المفضل محمد بن عبد الله الشيباني يصفه النجاشي بأنه كان ثبتا في أول أمره ثم خلط (2)، ووصفه الشيخ الطوسي بأنه كثير الرواية حسن الحفظ (3)، والحقيقة أن الذي يهمنا اعتبار روايته في أول أمره؛ لأنه روى عن الرهني، والرهني توفي قبل سنة 330ه- (4)، وكان الرهني من المعمرين، وأبو المفضل محمد بن عبد الله الشيباني كان قد تلقى الحديث سنة 304 ه- (5)، وتوفي سنة 385ه- (6)،


1) راجع الذريعة للآغا بزرك الطهراني 242/8

2) رجال النجاشي 396

3) الفهرست 216

4) ابن حجر في لسان الميزان 5/ 89 ، ولكن آغا بزرك في الذريعة 44/5 قال بأنه توفي سنة 340ه-

5) أمالي الطوسي 609

6) الذريعة لآغا بزرك الطهراني 242/8

وعلى ذلك فلن يتسنى لأبي المفضل الشيباني تحمل الحديث عن الرهني إلا في بادئ أمره؛ لأن الرهني توفي مبكرّاً بالنسبة إليه فلا يسعه تحمل الحديث عنه متأخرّاً، وتهمة التخليط - إن صحت - متأخرة عن وقت تحمله هذه الرواية.

قال شيخ الطائفة: وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون وغير هؤلاء، فما يختص الغلاة بروايته (1)، فإن كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو، عمل بما رووه في حال الاستقامة، وترك ما رووه في حال خطئهم، ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمد ابن أبي زينب في حال استقامته وتركوا ما رواه في حال تخليطه... فأما ما يرويه (الغلاة) في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كل حال. (2)

فإن أشد ما يقال في هذه السند أن أبا المفضل الشيباني خلط في آخر عمره، وهذا لا يضر في قبول روايته هنا، كما يتميز هذا السند بقصره واتصاله ما يزيده قوة واعتباراً، وقد توهم البعض أن فيها إرسالا أو سقطاً، وهو محض توهم منشؤه الغفلة عن كون الرهني معمراً.

٭ أما طريق الشيخ الطوسي رحمه الله، فإنه عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني.

والكلام في أبي المفضل الشيباني عين الكلام المتقدم في سند الطبري، لكن


1) فضلا عن ذلك فإن ما نحن فيه ليس من مختصات أبي المفضل الشيباني، فالأمر فيه أسهل.

2) عدة الأصول 151/1

الكلام هنا في لفظة (جماعة) في سند الشيخ رحمه الله، لذا نورد كامل عبارته السابقة كما وردت في الفهرست، قال رحمه الله: (محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، يكنى أبا المفضل، كثير الرواية، حسن الحفظ، غير أنه ضعفه جماعة من أصحابنا. له كتاب الولادات الطيبة الطاهرة، وله كتاب الفرائض، وله كتاب المزار، وغير ذلك، أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عنه جماعة من أصحابنا). وظاهر عبارة الشيخ اعتماده على أخبار أبي المفضل الشيباني رغم تضعيف جماعة من الأصحاب له، ثم إن الشيخ أجل وأعلى قدراً من أن يعتمد على جماعة من أصحابه وليس فيهم ثقة يقبل حديثه (1)!

هذا مضافاً إلى أن جماعة الشيخ الطوسي التي تروي عن أبي المفضل الشيباني أسماؤهم معلومة، منهم أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله المعروف بابن الغضائري (2)

كما صرح بأسمائهم الشيخ الطوسي رحمه الله في المجلس السادس عشر من الأمالي ص 445

، وفي هذا مزيد اعتبار للخبر، وبيان ذلك:

أن الشيخ ابن الغضائري رحمه الله قال في ترجمة أبي المفضل الشيباني: محمّد بن


1) وهذا مبنى جملة من العلماء كالميرزا جواد التبريزي قدس سره، راجع الفوائد الرجالية من موسوعته ص 173

2) قال المحقق الحلي رحمه الله في الفوائد التسع ص191: الذي وصل إلي في ذلك ووجدته بخطّ بعض الفضلاء أنّ الجماعة الذين هم طريق الشيخ رحمه الله تعالى إلى أبي المفضّل منهم أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله، وأبو علي محمد بن إسماعيل بن أشناس، وأبو طالب بن غرور، واسم أبي المفضّل محمد بن عبد الله بن المطّلب الشيباني.

عبد الله بن محمّد بن المطّلب، الشيباني، أبو المفضّل. وضّاع، كثير المناكير، رأيت كتبه، وفيها الأسانيد من دون المتون، والمتون من دون الأسانيد، وأرى ترك ما ينفرد به. (1)

وقد تقدم كلام النجاشي بأنه كان ثبتاً أول أمره ثم خلط، فيبدو أن التضعيف هنا من ابن الغضائري لِما كان في عاقبته من التخليط ، وكيف كان فالمهم أن ابن الغضائري رحمه الله صرّح بأنه يرى ترك ما تفرد به أبو المفضل الشيباني، وهذا يلزم أن ابن الغضائري لا يرى هذا الخبر من المناكير وأنه خبر خالٍ من التهمة.

هذا إذا كان مقصود الشيخ ابن الغضائري من عبارة (أرى ترك ما ينفرد به) أنه يترك رواية ما ينفرد به أبو المفضل الشيباني. ولعل هذا الاستظهار من عبارة ابن الغضائري هو ما أشار إليه المحقق التستري رحمه الله في قاموس الرجال، حيث قال: والتحقيق ما قاله النجاشي من حصول الخلط له أخيرا وثبته أوّلا وصحّة ما رواه مشايخ الشيخ والنجاشي عنه، وقد أكثر الأوّل في أماليه عنه (2).

أما إذا كان مقصود ابن الغضائري من ذلك أنه قد ينفرد بالرواية عنه ولكنه يرى ترك العمل بما ينفرد به أبو المفضل فإن النتيجة لن تختلف هنا؛ وذلك لأن ابن الغضائري روى عن أبي المفضل الشيباني عدة أخبار معتبرة، وروى عنه أيضاً كتاب الكافي وروى عنه الصحيفة السجادية، وغير ذلك ما يعني أن روايات


1) رجال ابن الغضائري 98

2) قاموس الرجال 390/9

أبي المفضل الشيباني ليست كلها مردودة فهذا ما لا يمكن افتراضه أصلا فضلا عن القول به! ولابد من وجود ما هو معتبر من مرويات أبي المفضل؛ وضابطة التعامل مع مرويات أبي المفضل ترك العمل بما ينفرد به، فإذا علمت أنه لم ينفرد بخبر مجيء السيدة نرجس علیها السلام من الروم إلى سامراء لأنه خبر موافق لما رواه الشيخ الصدوق بطريق آخر، فإنه لا وجه لترك ما رواه هنا.

٭ هذا فضلا عن هذه الطرق فقد حكى السيد مير لوحي في كفاية المهتدي طرقاً أخرى لنفس الخبر، حيث قال:

(وليعلم أنه بسبب طولانية حديث والدة صاحب الأمر علیه السلام الماجدة فإننا نقتصر في هذا المقام على ترجمته (1)رعاية للاختصار. روى الفضل بن شاذان وابن بابويه والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي والشيخ الطرابلسي وغيرهم كثير جدّاً من علماء الإمامية رضي الله عنهم جميعاً في كتبهم بعبارات مختلفة ومعان متفقة...) (2)

ونص عبارة المير لوحي بالفارسي من الكتاب الأصلي: كه حديث والده ماجده حضرت صاحب الامر علیه السلام چون طولی دارد به جهت اختصار در این مقام ترجمه آن اقتصار مینماید فضل بن شاذان وابن بابویه و شیخ طوسی و شیخ طبرسی و شیخ طرابلسی و بسیار کسی غیر ایشان از علمای امامیه رضوان الله عليهم اجمعین در کتابهای خود روایت کرده اند به عبارات مختلفه و معانی متّفقه...

.

1) لأن كتاب كفاية المهتدي مبني على إيراد الخير بالعربية ثم ترجمته للفارسية مع تعليقات السيد رحمه الله لكنه في هذا المورد اكتفى بالترجمة دون نقل النص العربي لطوله.

2) راجع مختصر كفاية المهتدي 108

والطرق التي أشار إليها المير لوحي ولم تصل إلينا، هي ما عن الشيخ الطرابلسي والشيخ الطبرسي.

فإذا اجتمعت هذه الأسانيد المذكورة والمحكية عن علمائنا وكلها تورد نفس التفاصيل، فإنه يلزم العلم بأن الرهني قد حدّث بهذا الخبر، ويمكن القول بأنه قد صح عن الرهني أنه حدّث بهذا الخبر، إذ من الممتنع تواطؤ هؤلاء الرواة على الكذب مورِدين نفس التفاصيل بنفس الكيفية.

والحاصل أنه لا ينبغي الشك بصحة الطريق إلى محمد بن بحر الرهني، وإنما الكلام فيه وفيمن بعده، وهو ما سيأتي بحوله تعالى.


وأما الكلام في المرحلة الثانية من مناقشة السند؛ أعني حال محمد بن بحر الرهني الشيباني، وحال بشر بن سليمان النخاس، فنقول:

٭ أما محمد بن بحر الرهني الشيباني:

فقد ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله في الفهرست قائلا: (محمد بن بحر الرهني من أهل سجستان، كان متكلما عالما بالأخبار فقيها إلا أنه متهم بالغلو، وله نحو من خمس مائة مصنف ورسالة، وكتبه موجودة أكثرها موجود بخراسان ببلاد خراسان، فمن كتبه كتاب الفرق بين الآل والأمة، وكتاب القلائد) (1).


1) فهرست الشيخ الطوسي 132

وقال النجاشي: (محمد بن بحر الرهني أبو الحسين الشيباني ساكن نرماشير من أرض كرمان. قال بعض أصحابنا: إنه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة. ولا أدري من أين قيل ذلك) (1).

وأنت ترى في كلامهم مدحا له ولفقهه وعلمه و لحديثه، غير أن ثمة تهمة في الغلو، لا يدرى ما منشؤها (2)

راجع مقال: (شذرات من كتب مفقودة لمحمد بن بحر الرهني الكرماني) للشيخ رسول جعفریان، منشور في مجلة تراثنا العددان 83 و 84 رجب وذي الحجة 1426ه-.

، ولا يمكن الاعتماد عليها لتضعيفه، إذا الغلو - على فرض ثبوته- لا يلزم ضعف رواياته، كما أن صريح النجاشي أن حديثه قريب من السلامة.

ثم إن ههانا وجهاً في تبرئته من الغلو، وهو ما ذكر في ترجمته من أن له كتباً في الفقه، مثل: كتاب الطلاق، وكتاب المبسوط في الصلاة، وكتاب المناسك (3)، وما حكاه العلامة رحمه الله في ترجمته، حيث قال: (له كتب منها كتاب القلائد فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا وبين المخالفين. وجدت بخط السيد السعيد صفي الدين محمد بن معد: هذا الكتاب عندي وقع إلي من خراسان، وهو كتاب جيد مفيد وفيه غرائب. ورأيت مجلدا فيه كتاب النكاح حسن بالغ في معناه، ورأيت أجزاء


1) رجال النجاشي تحت رقم 1044

2) يحتمل أن منشأ التهمة راجع إلى تفضيله الأئمة علیهم السلام على الملائكة، ومعلوم أن هذا القول لا يلزم منه التحرز عن رواياته، بل ليس من الغلو أصلا! وهذا مبرر وجيه ليتهمه العامة بالغلو.

3) معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين قديماً وحديثا لابن شهر آشوب 96

مقطعة وعليها خطه إجازة لبعض من قرأ الكتاب عليه يتضمن الفقه والخلاف والوفاق. وظاهر الحال أن المجلد الذي يتضمن النكاح يكون أحد كتب هذا الكتاب الذي الاجزاء المذكورة منه) (1).

وكان الغلاة يقولون بسقوط التكاليف، وترك الصلاة والصوم والحج (2)، كما ذُكر أيضاً أن الأصحاب كانوا يمتحنون الغلاة في أوقات الصلاة (3).

ومن ذلك ما روي أن محمد بن أورمة رحمه الله طعن عليه بالغلو، فدُس إليه من يفتك به ويقتله، فوجدوه يصلي أول الليل إلى آخره، فتوقفوا عنه! (4)

ولعل العامة هم الأصل في اتهام ابن أورمة بالغلو، حيث روى الإربلي في كشف الغمة عن ابن أورمة قال: خرجت إلى سرّ من رأى أيّام المتوكل فدخلت إلى سعيد الحاجب (لعنه الله) ودفع المتوكل أبا الحسن علیه السلام إليه ليقتله، فقال (سعيد الحاجب) لي: أتحب أن تنظر إلى إلهك؟ فقلت: سبحان الله إلهي لا تدركه الأبصار! فقال (لعنه الله): الذي تزعمون أنه إمامكم!... (الخبر)

فإن شدة ولاء الرجل واتباعه لأهل البيت علیهم السلام جعلت موظفي السلطة يتهمونه بتأليه الأئمة علیهم السلام!

إذ لا تجتمع الصلاة مع الغلو في شخص واحد.

والحاصل أن الغلو المهم في البحث عن وثاقة الراوي ليس اختلافنا في عقيدة ما مع الغالي، فإن كثيراً من المؤمنين قد يكون في عقيدتهم غلوّاً أو تقصيراً بما


1) إيضاح الاشتباه 290

2) راجع أمالي الطوسي 650

3) رجال الكشي 812/2

4) معجم رجال الحديث 124/16

لا يخرجهم عن الدين، وإحرازُ سلامة كل تفاصيل معتقدات الرواة أمر لا مدخلية له بتوثيق الراوي، ولم يقل به أحد! نعم يشير الرجاليون إلى بعض عقائد الراوي عادة كما يشيرون إلى صفاته الأخرى التي تعرّف شخصيته فإن ذلك نافع في دراسة مروياته.

روى الكليني رحمه الله (1)أن ابن أبي عمير رحمه الله كان يقول بأن الدنيا كلها للإمام علیه السلام على جهة الملك وأنه أولى بها من الذين في أيديهم، وكان هشام بن الحكم رحمه الله يقول بأن ما في أيدي الناس للناس إلا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم فذلك له، واختلفوا في ذلك وغضب ابن أبي عمير لذلك على هشام! وعلى هذا فإن ابن أبي عمير يرى هشاماً مقصّراً، ويرى هشام في مذهب ابن أبي عمير غلوّاً وارتفاعاً؛ فهل يلزم تضعيف أحدهما؟ المقطوع به أن اختلافهما رضي الله عنهما لا يُخل بوثاقتهما، وليس هذا هو الغلو المضعِّف للراوي، فإن ثبت أو لم يثبت فإنه لا يضر من جهة التوثيق والتضعيف (2).

والظاهر من كلمات المتقدمين أنهم لم يتفقوا في معنى الغلو (3).

قال العلامة المجلسي رحمه الله: اعلم أن الغلو في النبي صلی الله علیه و آله و سلم والأئمة علیهم السلام إنما


1) الكافي 410/1

2) نعم فإنه يفيد من جهة اعتبار رأي العلماء، وهذه مسألة رأي وحدس لا علاقة بها بالتوثيق والتضعيف.

3) للتفصيل راجع: الغلو في مصطلح الملل والنحل والرجال للشيخ محمد باقر ملکیان ص 313

يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء الله تعالى في المعبودية أو في الخلق والرزق أو أن الله تعالى حل فيهم أو اتحد بهم، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى أو بالقول في الأئمة: أنهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض، أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي. والقول بكل منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة وغيرها، وقد عرفت أن الأئمة علیهم السلام: تبرؤوا منهم وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم، وإن قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك فهي إما مأوّلة أو هي من مفتريات الغلاة. ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة علیهم السلام: وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم: من الغلو نفي السهو عنهم أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك، مع أنه قد ورد في أخبار كثيرة لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا، وورد أن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وورد: لو علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله وغير ذلك مما مر وسيأتي.

فلابد للمؤمن المتدين أن لا يبادر برد ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم إلا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين

أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة كما مر في باب التسليم وغيره. (1)

وقال الشيخ الأعظم رحمه الله: وأمّا الغلاة، فلا إشكال في كفرهم؛ بناءً على تفسيرهم بمن يعتقد ربوبيّة أمير المؤمنين علیه السلام أو أحد الأئمة علیهم السلام، لا ما اصطلح عليه بعضٌ: من تجاوز الحدّ الذي هم عليه صلوات الله عليهم. ومن هذا القبيل ما يطعن القميّون في الرجل كثيراً ويرمونه بالغلوّ، ولذا حكى الصدوق قدس سره عن شيخه ابن الوليد قدس سره أن أوّل درجةٍ في الغلوّ نفي السهو عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم. (2)

والحاصل أن للغلو عدة معانٍ لكن المهم في البحث معرفة الغالي إن كان يرى سقوط التكاليف (3)، فيترك الصلاة والصيام، فإنه حينئذٍ لا يتورع عن الكذب، فيخل ذلك بوثاقته.

وقد صرّح علماؤنا بفقاهة الرهني وعلمه بالأخبار، وبأن حديثه قريب من السلامة، كما ثبت أن له كتباً في الفقه والأحكام ما ينفي عنه الغلو المضعِف للوثاقة. فضلا عن كل ذلك فقد استظهر الشيخ النمازي حسنه وكماله وصحة عقيدته (4). ومن أدلة توثيقه ترحم الشيخ الصدوق عليه في علل الشرايع (5)،


1) بحار الأنوار 346/25

2) كتاب الطهارة للشيخ مرتضى الأنصاري 149/5

3) راجع قبسات من علم الرجال للسيد محمد رضا السيستاني حفظه الله، ج 3 ص 45

4) مستدركات علم الرجال 477/6

5) علل الشرايع 20/1 و عبارته رحمه الله: باب ما ذكره محمد بن بحر الشيباني المعروف بالرهني رحمه الله في كتابه من قول مفضلو الأنبياء و الرسل و الأئمة والحجج صلوات الله عليهم أجمعين على الملائكة.

وترضيه عليه (1)

ومقصودنا من نقل نص كلام الشيخ الصدوق رحمه الله أن كيفية ترضيه على الرهني ليست استطراداً في السند ولا بكيفية يحتمل أنها من إضافة النساخ، فإنها جاءت بكيفية واضح منها أن الشيخ الصدوق رحمه الله قصد الترضي عليه، وهذا أكد في بيان توثيقه للرهني.

كما أن العلامة المجلسي رحمه الله في البحار 2/44 حين نقل كلام الشيخ الصدوق رحمه الله نقل ترضيه عليه، ما يعني أن الترضي كان موجودا في نسخة العلامة المجلسي، ما يؤكد أنها ليست من إضافة النساخ.

، والترضي على الراوي من أمارات توثيقه (2)

وقال السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله في القبسات 31/1: وأما الترضي فالصحيح أنه يدل على الجلالة التي هي فوق مستوى الوثاقة. وقال أيضاً: ولكن مع تتبع كتب السابقين من العامة والخاصة يلاحظ عدم استعمال الترضي في كلماتهم إلا بحق العظماء والأجلاء عندهم، فهو قد تحول إلى لفظ تكريم وتعظيم على لسان المتشرعة وإن كان مدلوله اللغوي هو مجرد الدعاء، ونظيره لفظة (عليه السلام) التي لا تطلق عند العامة إلا في حق النبي الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم ولا تطلق عندنا إلا في حق المعصومين ومن يدانيهم في الرتبة كبعض الشهداء مثل العباس علیه السلام مع أنها بحسب معناها اللغوي لا تختص بهم.

والحاصل: أن الترضي ليس محض دعاء- كما قيل - بل يدل على التعظيم والتبجيل، فليتدبر.

ويبدو أن هذا كافٍ في قبول روايته في مثل ما نحن فيه على الأقل.

٭ أما بشر بن سليمان النخاس رحمه الله:

فقد قال الوحيد البهبهاني في التعليقة: (هو من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ،


1) وترضى عليه في علل الشرايع أيضاً 211/1، ونص عبارة الشيخ الصدوق رحمه الله: (قال محمد بن علي مصنف هذا الكتاب قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل والحقوق...)

2) قال الشيخ المامقاني رحمه الله في مقباس الهداية 23/2 في أسباب المدح وأماراته: ومنها ذكر الجليل شخصاً مترضياً أو مترحما عليه، فإنه يكشف عن حسن ذلك الشخص بل جلالته.

أحد موالي أبي الحسن وأبي محمّد علیهما السلام، هو الّذي أمره أبو الحسن علیه السلام بشراء أمّ القائم. وقال علیه السلام فيه: أنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مزكّيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها سائر الشيعة.) (1).

وقد نقل الشيخ المامقاني رحمه الله كلام الوحيد البهبهاني رحمه الله، ثم قال: (فالرجل حينئذ من الثقات، والعجب من إهمال الجماعة ذكره مع ما هو عليه من الرتبة) (2).

ثم إن دقة النقل في الخبر وما تقدم من قرائن تثبت انسجامه مع أخبار إمبراطورية الروم بما لا يتصور صدوره من كذاب ملفق للأخبار دليل على صدق الراوي ووثاقته، هذا مضافاً إلى تزكيته لنفسه فإنها -هنا - دليل جلالة قدره، خلافا للأصل الغالب في أن تزكية الراوي لنفسه لا اعتبار لها (3)، ففي مطاوي الخبر المفصل شواهد صحة التزكية، فإنه- فضلا عن دقة الخبر بكل حيثياته - قد ادعى أمراً مهمّاً، وهو قوله: (كان مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري علیه السلام فقهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا بإذنه فاجتنبت بذلك موارد الشبهات، حتى كملت معرفتي فيه، فأحسنتُ الفرق فيما بين الحلال والحرام).

ثم قال في سرده للخبر أن الإمام الهادي علیه السلام أمره أن يتوجه إلى عمر بن


1) راجع منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال للأسترابادي بتعليقة الوحيد البهبهاني رحمهم الله 50/3

2) تنقیح المقال 271/12

3) في هذه الكبرى خلاف بين الرجاليين.

يزيد النخاس في سوق نخاسة بغداد، يقول له: (إن معي كتابا ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك. قال بشر بن سليمان النخاس: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن علیه السلام في أمر الجارية، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديداً، وقال لعمر بن يزيد النخاس: بعني من صاحب هذا الكتاب...)

وموضع الشاهد من الخبر عبارتي: (فأنا وكيله في ابتياعها منك)، و(بعني من صاحب هذا الكتاب)، فإن المداقة في ألفاظ الوكالة شأن لنخبة المتفقهين في أحكام الحلال والحرام، وإن عامة المتشرعة - فضلا عن العوام- لا يدققون في مثل هذه الموارد على كون البيع بالأصالة أو الوكالة، وهذا الأسلوب لا يكون إلا من متفقه مدقق في الحلال والحرام، يتحرى الاحتياط ويتوخى موارد الشبهات.

فكان ما خرج من فلتات لسانه شاهداً على صدق مدعاه من فقاهة وامتثال لأوامر الإمام علیه السلام، لأن الراوي بطبيعة الحال حين ينقل حادثة بهذا الطول يقتصر على المواضع المهمة لا كل التفاصيل، وتدقيقه في هذا الموضع ملفت.

إنك إذا تأملت قضايا شراء جواري الأئمة علیهم السلام السابقة لهذه القضية، لا تجد فيها لفظة الوكالة، رغم أن الراوي يخرج وكيلا عن الإمام بأمره وبأمواله ليشتري جارية معينة للإمام علیه السلام، لكن الراوي يُغفِل هذه الجزئية.

قال الراوي في خبر شراء السيدة حميدة المصفاة علیها السلام حين بلوغه إلى النخاس: (فقلنا: بكم تبيعنا هذه المتماثلة؟ قال: بسبعين دينارا. قلنا: أحسِن. قال:

لا أنقص من سبعين دينارا. قلنا له: نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت ولا ندري ما فيها) (1). وأنت ترى هنا تعبير الراوي (تبيعنا) و (نشتريها)، ولم يشر الراوي إلى أن الشراء كان بالوكالة عن غيره، وتجد الراوي يقايض البائع على البيع بجهالة الثمن (2)، وهذا شائع في العرف راجع إلى عدم المداقة في المعاملات.

ولو أردنا تعداد الأمثلة لطال الكلام، ودونك السلوك العملي للمجتمع فإن هذه المداقة نادرة في المعاملات راجعة إلى تفقه وتوخٍّ للشبهات؛ وهنا تنبيه لطيف دقيق مناسب للمقام بأن لتأكيد الراوي على كونه وكيلا لوازم فقهية مهمة ذكرت في مطاوي بحوث الفقهاء (3)، وهي أنه هل يشترط في صحة البيع تعيين طرفي العقد (الموجِب والقابل)، وفي ذلك شِقّان؛ إما أن يكون لشخصها دخل في مراد الموجِب أو القابل أو لا يكون.

وذلك يختلف باختلاف العقود وظروفها، فإن ذلك مراد في عقود النكاح مثلا، كما يراد أيضاً إذا كان للبائع أو المشتري خصوصية لها مدخلية في المعاملة، كما نرى في أصحاب التجارات الخاصة فإنهم يتبايعون فيما بينهم بأقل مما يبيعون لغيرهم، وترى ذلك في ذوي الأرحام والعلق الاجتماعية فإنهم يبيعون للمقربين بأقل من غيرهم تقديراً للرحم أو أي علقة محترمة. فلو أن شخصاً أراد شراء


1) أصول الكافي 476/1

2) تنويه: لم تقع المعاملة في نهاية الأمر على جهالة الثمن، والبيع لم يقع إلا بعد معلومية الثمن.

3) راجع المكاسب للشيخ الأعظم 303/3 (بحث القصد من شروط المتعاقدين)

سلعة من ذي رحم فإنه قد يشتريها بنصف السعر إكراما للرحم، ولو جاءه غيره لباع بسعرها المتعارف، كما أن بعض التجار قد لا يبيع سلعة معينة- كخاتم أو مسبحة - إلا لمن يستحقها، فإذا جاء من لا يستحق لم يبع وإن كان في ذلك خسارة له، اعتزازاً بالسلعة، ونحوها من سلوكيات في التجارة أمثلتها لا تحصر كلها تعود إلى أن يكون لطرفي العقد مدخلية في البيع والشراء، وهنا يرد الكلام... أنه لو اشترى من له هذه الخصوصية لكن بالوكالة عن غيره، أي أن شخصاً اشترى من ابن عمه داراً بالوكالة عن غيره، فباعه ابن عمه بأدنى من الثمن المتعارف إكراما للرحم، ثم تبيّن لاحقا أن الرجل اشترى بالوكالة لا بالأصالة، فإن البيع هنا لا يخلو عن شبهة، لأن قصد البائع كان لذي الرحم لا لغيره.

هذا كله إذا لم يشهد الحال بوجود شرط ارتكازي: بأني أبيع بهذا الثمن لك لا لغيرك، فحينها تكون الشبهة أوضح في التشكيك بصحة البيع.

وفضلا عن شائبة الحرمة الوضعية واحتمال بطلان البيع فإن هذه المعاملة لا تخلو عن شائبة غش وحرمة تكليفية!

وبشر بن سليمان النخاس بصفته نخاساً يشتري من نخاس، فإن ثمن البيع قد يختلف عما لو اشترى بالنيابة عن رجل من الأشراف، فكان التنبيه على الشراء بالوكالة أوفق وأقرب للاحتياط، وهو تنبه والتفات دقيق لا يصدر إلا من محتاط متفقه في الأحكام لا من محتاطي العوام، وهو شاهد صدقه في مدعاه في مبدئ كلامه بأن الإمام علیه السلام فقهه في أمر الرقيق، وأنه كان يجتنب موارد الشبهات، وأنه قد أحسن الفرق فيما بين الحلال والحرام! وكل هذه الشواهد قرائن على وثاقِة

الرجل وصدقِه و اعتمادِ روايته رحمه الله.

ومن التزكيات الواردة بشأنه أيضاً ما ذكره محمد بن بحر الرهني حين رأى فيه سيماء العبادة حيث قال في وصفه أنه شيخ تقوّس منكباه، وثفنت جبهته وراحتاه. ووجود أثر العبادة وحسن الظاهر عليه أدعى لتصديقه فضلا عن اقترانها بأمارات الصدق في كلامه.

مضافاً إلى إن تهمة الكذب بدعواه التشيع بعيدة عنه، فلا مقتضي له في ظل ظروف العصر العباسي من مطاردة وملاحقة لأتباع أهل البيت علیهم السلام ما يورث الخوف في قلوبهم ويدعوهم إلى التخفي، فالحال يقتضي كتمان الانتماء إلى أهل البيت علیهم السلام وهو ما كان منه فعلا بادئ الأمر، ولم يبح بانتمائه إلا بعد وثوق واطمئنان، ثم حدّث بحديث مفصل يذكر فيها معلومات دقيقة في قصور الروم، وتفاصيل سريّة جرت داخل بيت الإمام علیه السلام، كلها مؤيدة ومعتضدة بروايات أخرى، وغيرها من المعلومات مما لا يمكن لكاذب أن يطلع عليها.


وحاصل الكلام وخلاصة البحث في سند الرواية أنه لا ينبغي الشك باعتبار الطريق إلى الرهني بعدة قرائن أهمها توافق الروايات وتطابقها- على اختلاف أسانيدها - ما يورث اليقين والعلم بأن الرهني حدّث بهذا الخبر.

وأما الرهني فيكفي في توثيقه ترضي الشيخ الصدوق عليه، وأما بشر النخاس فدليل وثاقته ما ثبت في مطاوي كلامه من صدق دعواه بفقاهته واجتنابه

موارد الشبهات بكيفية لا تصدر إلا من متفقه. مضافاً إلى ما أخبر به الرهني من ظهور سيماء الصالحين عليه، ومن إدعائه التمسك بأهل البيت علیهم السلام دون داع للكذب أو مصلحة تقتضي ذلك وإنما يعرّض نفسه للخطر بهذه الدعوة.

هذا فضلا عن بقية القرائن التي تثبت اعتبار سند الرواية ككلمات الرجاليين المتقدمة.

يضاف إلى ذلك كلام الشيخ الأعظم قدس سره في المكاسب في بحث الأرض المفتوحة عنوة بعد إيراده رواية عن خصال الشيخ الصدوق رحمه الله، قال قدس سره: وفي سند الرواية جماعة تخرجها عن حد الاعتبار إلا أن اعتماد القميين عليها وروايتهم لها مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لا يثبتون في كتبهم رواية في راويها ضعف إلا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها جابر لضعفها في الجملة. (1)

فضلا عن ذلك فإن اعتضاد الرواية بصحيحة محمد بن عبد الجبار بأن والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف من نسل قيصر الروم، وما حدّث به محمد بن علي بن حمزة من أن اسمها مليكة بما يوافق رواية الشيخ الصدوق، يخرجها عن كونها خبر آحاد إلى خبر مستفيض و مشهور (2).


1) المكاسب 301/1

2) قال الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي رحمه الله (والد الشيخ البهائي) في وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: قد يروى الحديث من طريقين حسنين أو موثقين أو ضعيفين أو بالتفريق، أو يروى بأكثر من طريقين كذلك فيكون مستفيضاً. وقال في مورد آخر من الكتاب: المشهور: وهو ما زاد روايه على ثلاثة، ويسمى (المستفيض) أيضاً، وقد يطلق على ما اشتهر العمل به بين الأصحاب.

والإنصاف -رغم ذلك- أن الكلام قابل للنقض والإبرام، وتصحيح الرواية على بعض المباني لا يلزم صحتها على جميع المباني، وما كان قرينة على اعتبار سندها عند الشيخ الصافي قدس سره ليس شرطاً أن يكون قرينة على ذلك عند غيره من الفقهاء. وتعبير الشيخ عباس القمي رحمه الله عن سندي الصدوق والطوسي في هذا الخبر بأنها أسانيد معتبرة (1)وإن أورث القناعة عند البعض إلا أن ثمة مساحة للمناقشة فلا يحق مصادرة اجتهاد الطرف الآخر في مناقشة السند.

ولكن المتتبع يرى رغم ذلك أن هذا الخبر بالقياس إلى نظائره في أخبار ولادات الأئمة علیهم السلام مثل خبر: (بأبي ابن النوبية الطيبة)، ونحوه في أخبار السيرة، من أكثر الأخبار اعتباراً، فإن ضعف سنده غير واضح والأقرب صحته.

ثم إن اللازم بعد وضوح إمكانية تصحيح السند أنه لا يجوز الاستخفاف بالرواية، فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرِ علیه السلام يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ أَصْحَابِي إِلَيَّ أَوْرَعُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ وَأَكْتَمُهُمْ (2)لِحَدِيثِنَا، وَإِنَّ أَسْوَأَهُمْ عِنْدِي حَالاً وَأَمْقَتَهُمْ لَلَّذِي إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَيُرْوَى عَنَّا فَلَمْ يَقْبَلْهُ اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَجَحَدَهُ وَكَفَّرَ مَنْ دَانَ بِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الْحَدِيثَ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ وَإِلَيْنَا أُسْنِدَ فَيَكُونُ بِذَلِكَ خَارِجاً عَنْ وَلَايَتِنَا (3).



1) منتهى الآمال 693/2

2) تحت عنوان (الظروف الحرجة والتقية) تقدم ما يتعلق بكتمان الأسرار وإذاعتها.

3) الكافي 223/2

هذا كله؛ وإن كان قبول الرواية التاريخية لا يعتمد على صحة الأسانيد (1)

ومن المناسب أيضاً نقل كلام السيد علي جمال أشرف الحسيني حفظه الله في كتابه (المولى الغريب مسلم بن عقيل 50/1):

لكل علم قوانين وضوابط وأدوات تدور حوله مسائله وجزئياته وتفاصيله، وله أصوله وأجواؤه ونفسياته وتأثيراته وتأثراته، ولا يصح توظيف قوانين علم وأدواته في علم آخر، إلا إذا كان ثمة اشتراك واتحاد في الموضوع. وهنا نريد الإشارة من بعيد إلى أن التاريخ وأسانيده وطرق إثبات الحدث أو الحقيقة التاريخية يختلف تماماً عن علم الدراية والفقه والأصول، فالشواخص والموازين الفاعلة في الفقه لإثبات الحكم الشرعي لا يصح تحكيمها في مجال التاريخ وإعمال نفس الضوابط والارتكاز إلى ذات الأصول الفنية المتشددة المعمول بها في الفقه بغية الوصول إلى الحكم الشرعي الإلزامي.

فإن لكل واحد من هذه العلوم طرق ووسائله للوصول إلى المعلومة المبتغاة فيه، بل ربما كانت الموازين تختلف في نفس العلم الواحد، إذ أن التشدد السندي المفروض في إثبات الحكم الشرعي الإلزامي بشقيه لا تكون فاعلة عند إثبات الحكم الترخيصي، حيث تتفعل روايات من بلغ، ويرتكن إلى قاعدة التسامح بأدلة السنن.

ومن هنا يعد التداخل الذي يحصل في تحكيم قواعد التشدد السندي في تمحيص الحدث أو المعلومة التاريخية خلطاً غير موفق ولا مستقيم وغير منتج، بل سيكون عقيماً.

ولو أردنا إعمال مقاسات التشدد السندي والتركيز على ميزان الجرح والتعديل في معالجات التاريخ لتبدد التاريخ ومحيت صفحاته ولما سمعنا بما جرى في كربلاء، إلا عمومات ونوادر ربما صمدت في حقل الدراسات السندية إذ أنها وردت بأسانيد صحيحة عن أهل البيت علیهم السلام.

إلى أن قال سماحته في تعليقه على الأخبار التاريخية إن وردت ضعيفة سنداً بمتن صحيح، قال حفظه الله: فلا قدرة للسند حينئذ على إسقاط المتن لتصحيحه وفق الموازين وموافقته لها، وغاية ما يفيد ضعف السند تشكيل ثغرة يمكن لمن أراد التشكيك أن يستند إليها، وربما كانت أكثر أخبار التاريخ من هذا القبيل، إذ أن الأسانيد لا تصمد أمام ضوابط التشدد السندي المعمول بها، وما أكثر الأحداث التي يرويها الأعداء والمجرمون الذين شاركوا في قتال المولى الغريب وسيد الشهداء علیه السلام فلو اقتصر الباحث على الأخبار الصحيحة سنداً لما بقي لنا من كربلاء وأخبارها إلا القليل، إن بقي!

إلى هنا تم موضع الشاهد من كلام سماحة السيد، وأضيف عليه بأنك لو تتبعت كتب التاريخ -سواء التاريخ الإسلامي أو عامة التاريخ الإنساني - لوجدت أن دأب مدوني التاريخ عدم التشدد السندي إلا في حالات، كما لو كان في الخبر تهمة وريبة فإن السند يكون وجهاً لدفعها من الحيثية التي تناسب دفعها، فلو كان الخبر في فضيلة الأمير المؤمنين علیه السلام كان من المناسب نقل السند عن ناصب معاند كشاهد على صدق الخبر رغم ضعف الراوي! ولو كان في الخبر لوازم فقهية لزم نقل الخبر برجاله الثقاة كخبر ورود الريان بن شبيب على الرضا علیه السلام أول يوم من المحرم فإن فيه فضل صيام اليوم الأول من شهر المحرم، واستحباب زيارة سيد الشهداء علیه السلام والبكاء عليه، وفيه إخبار بإمطار السماء دماً لقتل الحسين علیه السلام وعدد من استشهد معه من بني هاشم، وفيه إخبار بشيء من كيفية شهادته علیه السلام؛ وكلها إخبارات تاريخية ما كانت ضرورة لإيرادها بسند صحيح لولا اللوازم الفقهية في الخبر.


1) راجع رسالة أبوية ومسائل تهم طلبة الحوزة والمبلغين للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره ص 84

ووثاقة رجالها بالدرجة الأولى خلافا للأخبار الفقهية.

إن أدنى اشتباه في نقل الرواية الفقهية - حتى لو كان بزيادة حرف أو خطأ في ضبط وإعراب- قد يؤدي إلى تغيير المعنى ومنه الخطأ في الفتوى، ما يلزم بذلك مداقةً في رجال السند ومعرفة أحوالهم ومقدار ضبطهم وفقاهتهم، وهذا يختلف عن الخبر التاريخي فلا يستدعي هذه الدرجة من المداقة - ما لم يلزم منه استنباط حكم فقهي-، وعمل العرف على هذا في المجتمع، فإن الناس لا يدققون حرفيّاً في تلقي الحوادث والأخبار، بينما في تلقي الأحكام الشرعية (أو تفاصيل المراسيم

والقوانين المدنية) فإن الناس قد لا يقبلون نقل الثقاة - فضلا عن غيرهم - ما لم يحرزوا الضبط والدقة في نقل الفتوى وحيثيات الحكم الشرعي أو القانون المدني.

على ذلك فإنه يبنى على قبول الرواية التاريخية وفق عدة اعتبارات؛ منها ورودها في مصادر معتبرة وانسجامها مع بقية التاريخ عموماً، ما يؤدي إلى قبول الخبر إجمالا، ومع المحاكمة التدريجية للنص التاريخي يتبين مدى دقة تفاصيل الخبر، وإمكان قبول كل عباراته أو قبوله قبولا إجماليّاً، وهذا يختلف باختلاف النصوص وحيثياتها، فإنه يكثر في التاريخ قبول بعض جزئيات الرواية، وردّ جزئيات أخرى، بالضبط كالمتعارف في قبول الأخبار المنقولة في المجتمع مثل تفاصيل حادثة تفجير قبة العسكريين علیهما السلام؛ فإن السامع يقبل أولّاً العناوين الرئيسة والإجمالية (وقوع عملية تفجير أدت إلى انهيار القبة الشريفة)، ثم يتدرج في قبول التفاصيل الأخرى ( تعيين الجاني، وعدد الإصابات...).

على سبيل المثال ولتقريب الصورة في الأخبار التاريخية وإمكان قبول جزء من الخبر وردِّ بعضه - وفق الموازين - فإنه ذكر بعض المتعصبين أن يزيد لعنه الله لم یکن راضياً بقتل سيد الشهداء علیه السلام وأنه أكرم السبايا لما وردوا عليه، وإنما القتل كان باجتهاد من ابن زياد لعنه الله (1).

والحقيقة أن هذا الخبر ليس بكاذب تماماً، فإن ابن زياد بالفعل أمر بقتل الحسين علیه السلام ولكن بإذن من يزيد، وكذلك فإن يزيد بن معاوية أكرم السبايا لما


1) راجع منهاج السنة لابن تيمية 557/4

وردوا عليه بالفعل لكن ليس في بادئ الأمر، ولا لعدم رضاه بفعل ابن زياد، وإنما لأنه خاف الفتنة نهاية الأمر لكثرة المعترضين على فعله سواء داخل بيته من نسائه أو خارج بيته من الصحابة والوجهاء والأشراف وعامة الناس فإنه أظهر عدم رضاه بفعل ابن زیاد.

فإنك ترى أن الكاذب حين حاول تبرئة يزيد بن معاوية لم يأت بأخباره من العدم، بل جاء بأخبار صحيحة وحرّف فيها.

أي أن الخبر التاريخي -حتى المكذوب منه - يحمل في كثير من الأحيان جانباً صادقاً من التاريخ، وأن الأكاذيب لا تستحدث من العدم دائماً، وأن التعامل مع الخبر التاريخي يشمل مساحة رمادية لا بيضاء ولا سوداء، وإنما وسطية تحمل جانباً من الصدق وجانباً من الكذب.

هذا إذا كان راوي الخبر كاذباً أو غير ثقة أو متعصّباً معانداً، أما إذا كانت تهمة الكذب بعيدة عن راوي الخبر - حتى لو كان مجهولا- فإن احتمالية الصدق فيه تتزايد تدريجيّاً سيما إذا وثق بنقله الأكابر، فضلا عن انسجام ما رواه مع أحداث التاريخ، وانسجامه مع العقائد الصحيحة وغيرها من عناصر تدعو إلى تصديق الخبر.

ثم إن الخبر - حتى لو كان ضعيف السند- قد يحوي مضامين من الدقة والضبط ما لا يتصور فيه الكذب ويكون أدعى لقبول الخبر بنسبة أكبر.

هذا فضلا عما إذا وردت مؤيدات تاريخية للخبر بأسانيد صحاح تجعله

أكثر وثوقاً واعتبارا، ثم أضف إلى ذلك تلقي العلماء للخبر بالقبول وإيرادهم إياه في كتبهم اطمئنانا له.

كل ذلك (متن الرواية وورودها في المصادر المعتبرة وتلقي العلماء لها بالقبول، واعتبار سندها، ووجود المؤيدات لها في أخبارنا الصحاح والتاريخ الإنساني وتاريخ الحضارات عموما) مؤيدات وقرائن ستصب في النهاية إلى اعتماد رواية بشر النخاس بتفاصيلها التي رواها الشيخ الصدوق رحمه الله وكلها مؤكدات على صدق الراوي وضبطه، فإنه يصعب على الإنسان إذا لم يكن دقيقاً ضابطاً لأموره أن ينقل المعلومات بهذه التفاصيل والدقة.

هذا، وليس وراء عبادان قرية، ولا يردّ ما نقول منصف!


متن الرواية

قال أبو جعفرٍ محمدُ بن عليّ بنِ بابَوَيْه القُمّي المعروفُ بالشيخ الصدوق رحمه الله (1)في كمال الدين: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِم النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرِ الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: وَرَدْتُ كَرْبَلَاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمانِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: وَزُرْتُ قَبْرَ غَرِيبٍ رَسُولِ الله صلی الله علیه و آله و سلم، ثُمَّ انْكَفَأْتُ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ (2)مُتَوَجِّهاً إِلَى مَقَابِرِ قُرَيْشٍ (3)فِي وَقْتِ قَدْ تَضَرَّمَتِ الْهَوَاجِرُ (4)وَتَوَقَّدَتِ السَّمَائِمُ (5)، فَلَمَّا وَصَلْتُ مِنْهَا إِلَى مَشْهَدِ الْكَاظِمِ علیه السلام وَاسْتَنْشَقْتُ نَسِيمَ تُرْبَتِهِ الْمَغْمُورَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الْمَحْفُوفَةِ بِحَدَائِقِ الْغُفْرَانِ، أَكْبَيْتُ عَلَيْهَا بِعَبَرَاتٍ مُتَقَاطِرَةِ


1) الاعتماد على رواية الصدوق وسنشير إلى بعض موارد الاختلاف بينها وبين روايتي الطبري والطوسي رحمهم الله. وننوه على أنه تقدم ذكر المصادر في مطاوي الكتاب، فلا نكرر.

2) من أسماء بغداد.

3) دفن الإمام الكاظم علیه السلام في مقابر قريش، وكانت قبته منفصلة عن قبة الإمام الجواد علیهما السلام، وتؤدى صلاة الزيارة لهما علیهما السلام في قبة الإمام الجواد علیه السلام. ذكر الشيخ الصدوق رحمه الله في من لا يحضره الفقيه 602/2 بعد ذكرة زيارة الإمامين الكاظمين علیهما السلام: ثم صل في القبة التي فيها محمد بن علي علیه السلام أربع ركعات بتسليمتين عند رأسه؛ ركعتين لزيارة موسى علیه السلام، وركعتين لزيارة محمد بن علي علیهما السلام، ولا تصل عند رأس موسى علیه السلام فإنه يقابلك قبور قريش، ولا يجوز اتخاذها قبلة إن شاء الله.

4) الهواجر: جمع هاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر.

5) السمائم: جمع سَموم، وهي الريح الحارة.

وَزَفَرَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَقَدْ حَجَبَ الدَّمْعُ طَرْفِي عَنِ النَّظَرِ، فَلَمَّا رَقَأَتِ الْعَبْرَةُ وَانْقَطَعَ النَّحِيبُ، فَتَحْتُ بَصَرِي فَإِذَا أَنَا بِشَيْخِ قَدِ انْحَنَى صُلْبُهُ (1)وَتَقَوَّسَ مَنْكِبَاهُ (2)، وَثَفِنَتْ (3)جَبْهَتُهُ وَرَاحَتَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ لِآخَرَ مَعَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ: يَا ابْنَ أَخِي لَقَدْ نَالَ عَمُّكَ شَرَفاً بِمَا حَمَّلَهُ السَّيِّدَانِ مِنْ غَوَامِضِ الْغُيُوبِ وَشَرَائِفِ الْعُلُومِ الَّتِي لَمْ يَحْمِلْ مِثْلَهَا إِلَّا سَلْمَانُ (4)

لكن ما يجدر التنبيه إليه أن مقامات سلمان الكثيرة وفضله كان غائباً عن عامة أهل عصره، حتى بيع عبداً بادئ أمره، وكان بعض الصحابة ينظرون له نظر ازدراء لأعجميته، وغير ذلك من سلوكيات صدرت من الصحابة توحي بأن لا أحد منهم يعرف حقيقة مقام سلمان رضوان الله عليه، وما ذاع وعُرفت حقيقة مقامه إلا متأخرّاً بعد وفاته حين حدّث الأئمة علیهم السلام بذلك. لذلك فإن وجود نظائر لسلمان في سائر العصور ممن لا يعرف فضلهم ليس بمستحيل.

هذا والراوي على كل حال لم يدع أنه حمل مقاماً كمقام سلمان وفضلا كفضله، وإنما ادعى أنه حمل علماً لا يحمله إلا مثل سلمان، وهذا ليس ببعيد عن أصحاب الأئمة علیهم السلام أن يحملوا شيئا من العلوم الخاصة التي يكون شأن تحملها لائقاً بسلمان، ولعل مراد الراوي أقل من ذلك، وأن ما حمله من علوم عنوان مشير إلى الخبر الذي سيرويه لا أكثر.

، وَقَدْ أَشْرَفَ عَمُّكَ عَلَى اسْتِكْمَالِ الْمُدَّةِ وَانْقِضَاءِ الْعُمُرِ وَلَيْسَ يَجِدُ

1) الصُّلب: فقار الظهر.

2) المنكِب: مجتمع رأس العضد مع الكتف.

3) ثفِن: غلظ، والثفنات في الجبهة والراحتين وسائر مواضع السجود علامة لكثرة عبادة الإنسان، وكان إمامنا زين العابدين علیه السلام يعرف بذي الثفنات لكثرة عبادته.

4) الروايات الواردة فضل سلمان رضوان الله عليه كثيرة منها أنه علّم الاسم الأعظم، وأنه كان محدَّثا تحدثه الملائكة، ويحدثه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين علیه السلام بما لا يحدثان به غيره من مخزون علم الله ومكنونه. وقد صنف الميرزا النوري رحمه الله كتاباً بهذا الخصوص اسمه: نفس الرحمن في فضائل سلمان.

فِي أَهْل الْوَلَايَةِ رَجُلاً يُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهِ!

قُلْتُ: يَا نَفْسُ لَا يَزَالُ الْعَنَاءُ وَالْمَشَقَّةُ يَنَالَانِ مِنْكِ بإتْعَابيَ الْخُفَّ وَالْحَافِرَ (1)فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ قَرَعَ سَمْعِي مِنْ هَذَا الشَّيْخِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ جَسِيمٍ وَأَثَرِ عَظِيمٍ. فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، وَمَنِ السَّيِّدَانِ؟ قَالَ: النَّجْمَانِ الْمُغَيَّبَانِ فِي الثَّرَى بِسُرَّ مَنْ رَأَى (2).

فَقُلْتُ: إِنِّي أُقْسِمُ بِالْمُوَالاةِ وَشَرَفِ مَحَلِّ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ مِنَ الْإِمَامَةِ وَالْوِرَاثَةِ إِنِّي خَاطِبٌ عِلْمَهُمَا وَطَالِبٌ آثَارَهُمَا وَبَاذِلٌ مِنْ نَفْسِيَ الْأَيْمَانَ المُؤَكَّدَةَ عَلَى حِفْظِ أَسْرَارِهِمَا (3).

قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَقُولُ فَأَحْضِرْ مَا صَحِبَكَ مِنَ الْآثَارِ عَنْ نَقَلَةٍ أَخْبَارِهِمْ (4). فَلَمَّا فَتَّشَ الْكُتُبَ وَتَصَفَّحَ الرِّوَايَاتِ مِنْهَا. قَالَ: صَدَقْتَ (5)، أَنَا بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَاسُ مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (6)أَحَدُ مَوَالِي أَبِي الْحَسَنِ وأَبِي


1) إتعاب الخف والحافر كناية عن كثرة السفر، والخف للبعير والحافر للفرس. ومقصوده أنه يكثر السفر طلباً للعلم، وهذه بالفعل من الخصال التي تعرف من سيرة الراوي محمد بن بحر الرهني.

2) يعني الإمامين علي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري علیهما السلام.

3) وهذه قرينة على أن الراوي حين تحمّل الخبر لم يذعه بادئ الأمر، وهذا يفسر عدم اطلاع جملة من العلماء المعاصرين له على هذه الرواية فإنها كانت سرّا في وقتها بذل الرهني الأيمان وأقسم على حفظه.

4) أي أنه أراد أن يطلع على كتب الرهني ويعرف إن كان صادقاً من أنه يجمع أخبار أهل البيت علیهم السلام.

5) أي أنه حين اطلع على كتب الرهني علم صدق دعواه، وأنه مؤهل لتحمل هذا الخبر.

6) ذكر المؤرخون أن لأبي أيوب رحمه الله ذرية معروفة منهم من سكن بغداد، وذريته باقية إلى اليوم.

مُحَمَّدٍ علیهما السلام وَجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى.

قُلْتُ: فَأَكْرِمْ أَخَاكَ بِبَعْضٍ مَا شَاهَدْتَ مِنْ آثَارِهِمَا.

قَالَ: كَانَ مَوْلَانَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَسْكَرِيُّ علیه السلام فَقَّهَنِي فِي أَمْرِ الرَّقِيقِ (1)فَكُنْتُ لَا أَبْتَاعُ وَلَا أَبِيعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَاجْتَنَبْتُ بِذَلِكَ مَوَارِدَ الشُّبُهَاتِ، حَتَّى كَمَلَتْ مَعْرِفَتِي فِيهِ، فَأَحْسَنْتُ الْفَرْقَ فِيمَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (2).

فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِي بِسُرَّ مَنْ رَأَى وَقَدْ مَضَى هَوَى مِنَ اللَّيْلِ (3)إِذْ قَرَعَ الْبَابَ قَارِعٌ، فَعَدَوْتُ مُسْرِعاً فَإِذَا أَنَا بِكَافُورٍ الْخَادِمِ (4)رَسُولِ مَوْلَانَا أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ علیهم السلام يَدْعُونِي إِلَيْهِ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ اِبْنَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ وَأَخْتَهُ حَكِيمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ.

فَلَمَّا جَلَسْتُ، قَالَ علیه السلام: يَا بشْرُ إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْصَارِ وَهَذِهِ الْوَلَايَةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، فَأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَ مُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَة تَسْبِقُ بِهَا شَأَوَ الشِّيعَةِ (5)فِي الْمُوَالَاةِ بِهَا، بِسِرِّ أُطْلِعُكَ عَلَيْهِ وَأُنْفِذُكَ فِي ابْتِيَاعِ


1) يعني أحكام بيع العبيد والإماء.

2) وهذا ادعاء بتفقهه وتتلمذه عند إمامنا الهادي علیه السلام، وسيأتي ما يدل على صدق دعواه.

3) هوِيّ من الليل: قسم منه.

4) کافور خادم الإمام الهادي علیه السلام وعده الشيخ من ثقاة أصحابه.

5) الشأو: يعني الأمد والغاية. وفي بعض النسخ وردت العبارة: سائر الشيعة. وفي غيبة الطوسي: تسبق بها الشيعة. وفي دلائل الإمامة: تسبق بها سوابق الشيعة في الولاية.

أَمَةٍ (1). فَكَتَبَ كِتَاباً مُلَطّفَاً (2)

وهو من لطف الإمام وعلمه بآداب الروم أن خاطبها بهذه الكيفية فإن الرسالة من أكثر الطرق تأثيراً في قلوبهم.

بِخَطٍّ رُومِيٍّ وَلُغَةِ رُومِيَّةِ وَطَبَعَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ وَأَخْرَجَ شِقّة صَفْرَاءَ (3)فِيهَا مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ دِينَاراً.

فَقَالَ: خُذْهَا وَتَوَجَّهْ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ وَاحْضُرْ مَعْبَرَ الْصّرَاة (4)

والمعبر: الجسر الذي يعبر الناس عليه. والصراة: من أنهار بغداد متفرع من الفرات ويدخل بغداد ويصب في دجلة، وفيه جسر معروف تتوقف عنده السفن وتنزل حمولتها عنده ثم ترجع السفن من حيث أنت.

وقد تنبه المرحوم السيد كاظم القزويني في كتاب الإمام المهدي من المهد إلى الظهور إلى هذا الاشتباه الشائع بين النساخ.

ضَحْوَةَ كَذَا، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى جَانِبِكَ زَوَارِقُ السَّبَايَا وَبَرْزَنَ الْجَوَارِي مِنْهَا فَسَتَحْدِقُ بهمْ طَوَائِفُ الْمُبْتَاعِينَ مِنْ وُكَلَاءِ قُوَّادِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَشَرَاذِمُ مِنْ فِتْيَانِ الْعِرَاقِ، فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَأَشْرِفْ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الْمُسَمَّى عُمَرَ بْنَ يَزِيدَ النَّخَّاسَ عَامَّةَ نَهَارِكَ، إِلَى أَنْ يُبْرِزَ

1) ابتياع أمة: يعني شراء جارية. وفي دلائل الإمامة: وأنفذك في تتبع أمره.

2) في بعض النسخ: مطلقاً، وملصقاً. وفي نسخة الطوسي والطبري: كتاباً لطيفاً بخط رومي ولغة رومية.

3) كما في نسخة البحار، وفي أكثر النسخ: شستقة صفراء. أما الشيخ الطوسي فذكر: شُقيقة صفراء، مصغر شقة. وعلى أي حال فالمراد: الصرة التي يجعل فيها الدنانير.

4) في أكثر النسخ: معبر الفرات، وهو خطأ بلا شك فإن الفرات لا يمر في بغداد. والصحيح ما أثبتناه.

لِلْمُبْتَاعِينَ جَارِيَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا: (1)لابِسَةً حَرِيرَتَيْنِ صَفِيقَتَيْنِ (2)

(والصفيق من الرأي المحكم الصائب المتين، والصفيق من الناس الوقح غليظ الوجه)

تَمْتَنِعُ مِنَ السُّفُورِ (3)وَلَمْسِ الْمُعْتَرِضِ (4)وَ الاِنْقِيَادِ لِمَنْ يُحَاولُ لَمْسَهَا وَيَشْغَلُ نَظَرَهُ بِتَأَمُّلِ مَكَاشِفِهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ الرَّقِيقِ (5)، فَيَضْرِبُهَا النَّخَّاسُ فَتَصْرَخُ صَرْخَةً رُومِيَّةً، فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ وَا هَتْكَ سِتْرَاهْ (6).

فَيَقُولُ بَعْضُ الْمُبْتَاعِينَ عَلَيَّ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ زَادَنِي الْعَفَافُ فِيهَا رَغْبَةً، فَتَقُولُ بِالْعَرَبِيَّةِ: لَوْ بَرَزْتَ فِي زِيِّ سُلَيْمَانَ وَ عَلَى مِثْلِ سَرِيرِ مُلْكِهِ مَا بَدَتْ لِي فِيكَ رَغْبَةٌ فَاشْفَقْ عَلَى مَالِكَ! فَيَقُولُ اَلنَّخَّاسُ: فَمَا الْحِيلَةُ وَ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعِكِ؟ فَتَقُولُ الْجَارِيَةُ: وَمَا الْعَجَلَةُ؟ وَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِيَارِ مُبْتَاعِ يَسْكُنُ قَلْبِي إِلَيْهِ وَإِلَى أَمَانَتِهِ وَ دِيَانَتِهِ.


1) أي وصف ثيابها الذي يميزها عن سائر الجواري، فإن الناظر لعشرات الجواري أول ما يميز ألوان الثياب وأشكالها.

2) الصفيق من الثوب الغليظ الكثف المحكم نسجه، وضده ثوب سخيف: أي خفيف الغزل. وقد ذكر السيد العاملي في مدارك الأحكام (ج 3 ص 187) في شروط لباس المرأة المصلية اعتبار كون ثوبها صفيقاً يحول بين الناظر والبشرة.

3) وهي من العفة الشائعة آنذاك عند ملوك الروم ونبلائهم، خلافاً لسلوك الجواري من الابتذال في الحجاب.

4) في دلائل الإمامة: وليس يمكن التوصل والانقياد لمن يحاول لمسها .

5) أي أن هناك سترين، الأول صفيق غليظ، والثاني رقيق لا تمكن أحداً من النظر إليه.

6) فليس من المعتاد عند أميرات بيزنطة البروز بين الرجال.

فَعِنْدَ ذَلِكَ قُمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ مَعِي كِتَاباً مُلْصَقاً (1)لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةِ رُومِيَّةٍ وَخَطَّ رُومِيٍّ وَوَصَفَ فِيهِ كَرَمَهُ وَوَفَاءَهُ وَنُبْلَهُ وَسَخَاءَهُ فَنَاوِلْهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ (2)فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ.

قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ: فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام فِي أَمْرِ الْجَارِيَةِ فَلَمَّا نَظَرَتْ فِي الْكِتَابِ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً، وَقَالَتْ لِعُمَرَ بْن يَزِيدَ النَّخَّاسِ: بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْكِتَابِ (3)وَحَلَفَتْ بِالْمُحَرِّجَةِ الْمُغَلَّظَةِ (4)إِنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا. فَمَازِلْتُ أُشَاحُّهُ (5)فِي ثَمَنِهَا حَتَّى اسْتَقَرَّ الأَمْرُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ أَصْحَبَنِيهِ مَوْلَايَ علیه السلام مِنَ الدَّنَانِيرِ فِي الشِّقَّةِ الصَّفْرَاءِ (6)، فَاسْتَوْفَاهُ مِنِّي وَتَسَلَّمْتُ مِنْهُ الْجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً. وانْصَرَفْتُ بِهَا إلَى حُجْرَتِيَ


1) في دلائل الإمامة: كتاباً لطيفاً.

2) هذه الدقة في نقل لفظة الوكالة أمارة على صدق دعوى الراوي بفقاهته.

3) وهذا التأكيد على أن المعاملة وقعت على صاحب الكتاب لا على الوكيل أمارة على المداقة والاحتياط واجتناب موارد الشبهات في البيع والشراء، وهي موارد الاحتياط التي لا يفطن إليها عامة الناس.

4) المحرجة: أي القسم الذي يضيّق على الحالف، بحيث لا يبقى له مجال عن برّ قسمه. والمغلّظة: أي القسم المؤكّد.

5) أشاحه: أماكسه وأحاول تخفيض الثمن.

6) أي: مائتان وعشرون دينارا.

الَّتِي كُنْتُ آوِي إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ. (1)

فَمَا أَخَذَهَا الْقَرَارُ حَتَّى أَخْرَجَتْ كتَابَ مَوْلَاهَا علیه السلام مِنْ جَيْبهَا وَهِيَ تَلْثِمُهُ وَتَضَعُهُ عَلَى خَدِّهَا وَتُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وَتَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا. فَقُلْتُ تَعَجُّباً مِنْهَا: أَتَلْثِمِينَ كِتَاباً وَلَا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ؟!

قَالَتْ: أَيُّهَا الْعَاجِزُ الضَّعِيفُ الْمَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ! أَعِرْنِي سَمْعَكَ وَفَرِّغْ لِي قَلْبَكَ؛ أَنَا مُلَيْكَةُ (2)بِنْتُ يَشُوعَا بْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ (3)وَأَمِّي مِنْ وُلْدِ الْحَوَارِيِّينَ تُنْسَبُ إِلَى وَصِيِّ الْمَسِيحِ شَمْعُونَ (4)

وذكرت الروايات أن ذرية شمعون كانوا أوصياء، كما يحتمل أن النصارى تجاهلوا ذكر ذرية شمعون لانحرافهم عنه.

.

1) مما تقدم من مظاهر احتياط وورع عند الراوي يتأكد أن نزولها في منزله بكيفية يرتضيها أهل البيت علیهم السلام، فضلا عن ذلك فإن السيدة علیها السلام في واقع الحال حرة لا تقع عليها أحكام الإماء، لأن السبي الذي وقع عليها لم يكن شرعيّاً إذ أسرت وهي مسلمة، فلا يصح استرقاقها، وإنما وقع البيع والشراء ظاهريّاً، ولما بيّنت السيدة علیها السلام حقيقة إسلامها فإن حكمها شرعاً حكم الحرائر، وكل ما يأتي من كونها جارية فهو على سبيل المجاز لا الحقيقة.

2) مليكة اسم سرياني، يظهر أنه أحد أسماء السيدة علیها السلام فالمتعارف عند كثير من نبلاء بيزنطة تعدد الأسماء.

3) القيصر منصب يختلف عن الإمبراطور، وقيصر الروم آنذاك اسمه باراداس، وكان هو الملک والحاكم الفعلي للإمبراطورية، لأن الإمبراطور ميخائيل الثالث كان صغير السن غير مؤهل لإدارة البلاد.

4) في دلائل الإمامة: ونسبي متصل إلى وصي المسيح شمعون.

أُنَبِّئُكَ الْعَجَبَ الْعَجِيبَ إِنَّ جَدِّي قَيْصَرَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ (1)وَأَنَا مِنْ بَنَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً (2).

فَجَمَعَ فِي قَصْرِهِ مِنْ نَسْلِ الْحَوَارِيِّينَ وَمِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَمِنْ ذَوِي الْأَخْطَارِ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَجَمَعَ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَقُوَّادِ الْعَسَاكِرِ وَنُقَبَاءِ الْجُيُوشِ وَمُلُوكِ الْعَشَائِرِ (3)أَرْبَعَةَ آلَافٍ (4).

وَأَبْرَزَ مِنْ بَهْوِ (5)مُلْكِهِ عَرْشاً مَسُوعاً مِنْ أَصْنَافِ الْجَوَاهِرِ (6)إِلَى صَحْنِ الْقَصْرِ فَرَفَعَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ مِرْقَاةً (7).

فَلَمَّا صَعِدَ ابْنُ أَخِيهِ وَأَحْدَقَتْ بِهِ الصُّلْبَانُ وَقَامَتِ الْأَسَاقِفَةُ عُكَّفاً وَنُشِرَتْ


1) أخو القيصر اسمه بتروناس وهو قائد القوات المسلحة في الشرق، وكان له أولاد في سن الزواج.

2) وهو السن المتعارف للزواج في بيزنطة آنذاك.

3) عبارة (ملوك العشائر) تؤكد أن تفاصيل الرواية منقولة بلسان بيزنطي، فإن العربي يقول أمراء وشيوخ العشائر.

4) أعداد المدعوين للحفل ليست جزافاً وإنما تيمنا برمزيتها ودلالتها للصليب والثالوث والشموع وغيرها من معاني نصرانية دقيقة يهتم بيها البيزنطيون للتبرك.

5) البهو مكان استقبال الضيوف في القصور وسائر البيوت.

6) كانت تلك الحقبة الزمنية مرحلة نهضة علمية وفنية فأبدع البيزنطيون تلك الفترة في الزينة وتعظيم العروش وغيرها.

7) اختيار عدد المراقي الأربعين ليس جزافاً وإنما الأربعون يرمز إلى عدم التناهي، والعلاقات الزوجية عند النصارى لا تنفسخ. والمأمول من هذا الزواج أن ينتج عنه السلطان اللا متناهي للعالم.

أَسْفَارُ الْإِنْجِيلِ (1)تَسَافَلَتِ الصُّلْبَانُ (2)مِنَ الْأَعَالِي فَلَصِقَتْ بِالْأَرْضِ وَتَقَوَّضَتِ الْأَعْمِدَةُ (3)فَانْهَارَتْ إِلَى الْقَرَارِ (4)وَخَرَّ الصَّاعِدُ مِنَ الْعَرْشِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُ الْأَسَاقِفَةِ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ (5).

فَقَالَ كَبِيرُهُمْ (6)لِجَدِّي: أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْفِنَا مِنْ مُلَاقَاةِ هَذِهِ النُّحُوسِ (7)الدَّالَّةِ عَلَى زَوَالِ هَذَا الدِّينِ الْمَسِيحِيِّ وَالْمَذْهَبِ الْمِلكَانِيِ (8).

فَتَطَيَّرَ جَدِّى مِنْ ذَلِكَ تَطَیُّراً شَدِيداً، وَقَالَ لِلْأَسَاقِفَةِ: أَقِيمُوا هَذِهِ الْأَعْمِدَةَ


1) يمسك الأساقفة والرهبان الصلبان بأيديهم عند أداء الصلوات ويطوفون للتيمن بالصليب وهم يتلون أسفار الإنجيل في حفل الزفاف فإن الزواج هو الإكليل المقدس وهو أحد أسرار الكنيسة السبعة، وهي حالة يتوقعون فيها حضور الرب.

2) الصليب رمز النصارى وشعارهم يرجون فيه الظفر عند كل شيء.

3) الأعمدة تمثل الرقي نحو السماء.

4) هذه العلامات تدل في الفكر النصراني على انهيار الدين، كما أن اهتزاز الصلبان ينذر بوقوع كارثة ووقوع حرب وأسر وسبي!

5) الملفت أن الخوف عم الأساقفة والرهبان لا عامة الحضور، وذلك أن الحفل منضبط وفق موازين اليُمن والبركة!

6) كبير الأساقفة في ذلك الوقت هو القديس فوتيوس.

7) قد تعود النحوس بنظر الأسقف إلى تمرد القيصر على المجامع المسكونية وإصراره على إمضاء زواج الأقارب، فإنه مما صدر من أباطرة سابقين وكان سبباً للحوق الخسائر بالامبراطورية.

8) الملكاني هو المذهب الحاكم آنذاك في بيزنطة، وترجع أحكامه إلى المجامع المسكونية التي عقدها الأباطرة والملوك، فكان المذهب ينسب إلى ملوك بيزنطة. والملكانية لفظ سرياني نقل كما هو إلى العربية لقرب اللفظ والمعنى ونقل كما هو إلى الإنجليزية (melkite) دون تغيير اللفظ.

وَارْفَعُوا الصُّلْبَانَ (1)وَأَحْضِرُوا أَخَا هَذَا الْمُدْبَرِ الْعَاثِرِ الْمَنْكُوسِ جَدُّهُ (2)لِأُزَوِّجَ مِنْهُ هَذِهِ الصَّبِيَّةَ فَيُدْفَعَ نُحُوسُهُ عَنْكُمْ بِسُعُودِهِ (3).

فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَدَثَ عَلَى الثَّانِي مَا حَدَثَ عَلَى الْأَوَّلِ! (4)

وهو الزلزال الذي حدث في القسطنطينية ولم يخلف دماراً لكن أورث قلقاً عامّاً في العاصمة، ما دعا كبير الأساقفة فوتيوس إلى إلقاء موعظة بعد ذلك يصرّح فيها بأن الزلزال لم يكن بسبب الذنوب وإنما يرجع إلى سبب جيولوجي!

وَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَقَامَ جَدِّي قَيْصَرُ مُغْتَمّاً وَدَخَلَ قَصْرَهُ (5)، وَأُرْخِيَتِ السُّتُورُ.

فَأُرِيتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ (6)كَأَنَّ الْمَسِيحَ وَالشَّمْعُونَ وَعِدَّةً مِنَ الْحَوَارِيِّینَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي قَصْرِ جَدِّي، وَنَصَبُوا فِيهِ مِنْبَراً يُبَارِي السَّمَاءَ عُلُوّاً وارْتِفَاعاً فِي الْمَوْضِعِ


1) الأعمدة والصلبان وسائر ما يوضع للتبرك لا يرفعها وبينصبها المعماريون أو أي من العمال، إنما هو شأن الأساقفة وخدام الكنيسة.

2) الجِد هو الحظ والبخت، والمنكوس جده يقصد منه تعيس الحظ.

3) كأنه أراد توجيه الأنظار إلى أن سبب النحوس يرجع إلى ابن أخيه، لا إلى حفيدته، ولا إلى سبب ديني.

4) الهزات المتكررة في الحفل لعلها تناسب هزات ارتدادية للزلزلة التي وقعت سنة 859م في أنطاكيا، وما صحبها من فيضان في البحر الأبيض المتوسط، وما له من آثار بلغت القسطنطينة من فيضان المياه وهبوب ريح عظيمة.

5) في رواية الشيخ الطوسي: فدخل منزل النساء. وليس بينهما تعارض ولكن رواية الشيخ الطوسي تعين موضع دخوله في القصر إلى منزل النساء.

6) يعني في المنام، والبيزنطيون يعتقدون بالمنامات أشد الاعتقاد ويرتبون عليها الآثار المهمة.

الَّذِي كَانَ جَدِّي نَصَبَ فِيهِ عَرْشَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله و سلم مَعَ فِتْيَةٍ (1)وَعِدَّةٍ مِنْ بَنِيهِ، فَيَقُومُ إِلَيْهِ الْمَسِيحُ فَيَعْتَنِقُهُ (2).فَيَقُولُ (3): يَا رُوحَ الله إِنِّي جِئْتُكَ خَاطِباً مِنْ وَصِيِّكَ شَمْعُونَ فَتَاتَهُ مُلَيْكَةَ لابْنِي هَذَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ ابن (4)صَاحِبِ هَذَا الْکِتَابِ.

فَنَظَرَ الْمَسِيحُ إِلَى شَمْعُونَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَتَاكَ الشَّرَفُ؛ فَصِلْ رَحِمَكَ بِرَحِمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه و آله و سلم. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.

فَصَعِدَ ذَلكَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه و آله و سلم وَزَوَّجَنِي (5)وَشَهِدَ الْمَسِيحُ علیه السلام وَشَهِدَ بَنُو مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم وَالْحَوَارِیُّونَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي أشْفَقْتُ أَنْ أَقُصَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى أَبِي وَجَدِّي مَخَافَةَ الْقَتْلِ، فَكُنْتُ أُسِرُّهَا فِي نَفْسِي وَلَا أُبْدِيهَا لَهُمْ.

وَضَرَبَ صَدْرِي بِمَحَبَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ علیه السلام حَتَّى امْتَنَعْتُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَضَعُفَتْ نَفْسِي وَدَقَّ شَخْصِي وَمَرِضْتُ مَرَضاً شَدِيداً، فَمَا بَقِيَ مِنْ مَدَائِنِ الرُّومِ طَبِيبٌ إِلَّا أَحْضَرَهُ جَدِّي وَسَأَلَهُ عَنْ دَوَائِي.

فَلَمَّا بَرَّحَ بِهِ الْيَأسُ (6)، قَالَ: يَا قُرَّةَ عَيْنِي، فَهَلْ تَخْطُرُ بِبَالِكَ شَهْوَةٌ فَأُزَوِّدَكِهَا


1) في دلائل الإمامة: مع ختنه وعدة من أهل بيته، وهو أقرب إلى الصواب.

2) في غيبة الطوسي: فتقدم المسيح إليه فاعتنقه.

3) في غيبة الطوسي: فيقول له محمد صلى الله عليه و آله و سلم : يا روح الله ..

4) لفظة (ابن) سقطت من بعض النسخ.

5) في غيبة الطوسي: وزوجني من ابنه.

6) يعني أجهد اليأس وأتعبه.

في هَذِهِ الدُّنْيَا؟

فَقُلْتُ: يَا جَدِّي أَرَى أَبْوَابَ الْفَرَجِ عَلَيَّ مُغْلَقَةً فَلَوْ كَشَفْتَ الْعَذَابَ عَمَّنْ فِي سِجْنِكَ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَفَكَكْتَ عَنْهُمُ الْأَغْلَالَ وَتَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ وَمَنَنْتَهُمْ بِالْخَلَاصِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَهَبَ الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ (1)لِي عَافِيَةً وَشِفَاءً.

فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَدِّي (2)

وذلك بعد وقوع زلزال سنة 859م – 245ه- بفترة وجيزة.

تَجَلَّدْتُ فِي إِظْهَارِ الصِّحَّةِ فِي بَدَنِي وَتَنَاوَلْتُ يَسِيراً مِنَ الطَّعَامِ فَسرَّ بِذَلِكَ جَدِّي، وَأَقْبَلَ عَلَى إِكْرَامِ الْأَسَارَى إِعْزَازِهِمْ. فَرَأَيْتُ أَيْضاً بَعْدَ أَرْبَعِ لَيَالٍ (3)كَأَنَّ سَيِّدَةَ النِّسَاءِ قَدْ زَارَتْنِي وَمَعَهَا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ (4)وَأَلْفُ وَصِيفَةٍ مِنْ وَصَائِفِ الْجِنَانِ، فَتَقُولُ لِي مَرْيَمُ: هَذِهِ سَيِّدَةُ النِّسَاءِ أُمُّ زَوْجِكِ أَبِي مُحَمَّدِ علیه السلام، فَأَتَعَلَّقُ بِهَا وَأَبْكِي وَأَشْكُو إِلَيْهَا امْتِنَاعَ أَبِي مُحَمَّد علیه السلام مِنْ زِيَارَتِي.

فَقَالَتْ لي سَيِّدَةُ النِّسَاءِ علیها السلام: إِنَّ ابْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ لَا يَزُورُكِ وَأَنْتِ مُشْرِكَةٌ بالله


1) يرى البيزنطيون أن كل خير يلحق بهم فهو بعناية السيدة العذراء، ويصفونها بأنها والدة الإله.

2) ذكر المؤرخون أن ملك الروم بعث سبعا وسبعين أسيراً مسلماً إلى خليفة المسلمين وعفا عنهم دون مقدمات ولا سبب. وطلب من خليفة المسلمين تبادل بقية الأسرى.

3) في غيبة الطوسي ودلائل الإمامة: بعد أربع عشرة ليلة.

4) كان للبيزنطيين علاقة خاصة بمريم ابنة عمران، ويسمونها: والدة الإله، ويعتقدون أن النصر والخير يدركهم ببركاتها، فيحملون أيقوناتها في الحروب، ويتيمنون بحمل الاستغاثات بها، وهي حاضرة معهم في كل مكان.

وَعَلَى مَذْهَبِ النَّصَارَى (1)

على سبيل المثال: فإن كثيراً من المسلمين اليوم يعتبر موحدّاً على دين الإسلام، فإذا فتشت قلبه وجدته مشركاً مجسّماً، ورغم ذلك يترتب عليه عنوان المسلم الموحد، والكلام نفسه فيمن يعلن نصرانيته ظاهراً إذ ليس شرطاً أن يكون مذعنا بعقائدهم الباطلة.

، وَهَذِهِ أُخْتِي مَرْيَمُ تَبَرَّأَ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ دِينِكِ، فَإِنْ مِلْتِ إِلَى رِضَا الله عَزَّ وَجَلَّ وَرِضَا الْمَسِيحِ وَمَرْيَمَ عَنْكِ، وَزِيَارَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ، فَتَقُولِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّه.

فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ (2)ضَمَّتْنِي سَيِّدَةُ النِّسَاءِ إِلَى صَدْرِهَا فَطَیَّبَتْ لِي نَفْسِي، وَقَالَتِ: الْآنَ تَوَقَّعِي زِيَارَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ، فَإِنِّي مُنْفِذَتهُ إِلَيْكِ. فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا أَقُولُ وَا شَوْقَاهْ إِلَى لِقَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ.

فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ جَاءَنِي أَبُو مُحَمَّدِ علیه السلام فِي مَنَامِي فَرَأَيْتُهُ كَأَنِّي أَقُولُ لَهُ: جَفَوْتَنِي يَا حَبِيبِي بَعْدَ أَنْ شَغَلْتَ قَلْبِي بِجَوَامِعِ حُبِّكَ (3). قَالَ: مَا كَانَ تَأْخِيرِي


1) كونها على هذا الدين في الظاهر تترتب عليها أحكامه، لا يعني إيمانها التام بشركيات النصارى.

2) وهذا تصريح بأنها علیها السلام أسلمت قبل أسرها، والحكم المترتب على ذلك بطلان سبيها واسترقاقها.

3) من الخطأ محاكمة هذه العبائر وفق الثقافة العربية، ولابد من تقييم العبارات وفق الآداب البيزنطية وأدب التحاور عندهم، بل العرب أنفسهم يختلفون في ثقافاتهم في كيفية التخاطب بين الرجل والمرأة، فقد تصدر نظائر هذه العبارة حتى بين الأجانب في مجتمعات متدينة دون أخرى. وأدب الحوار يرجع إلى موروث ثقافي يتراكم على الإنسان فيبني ذائقته، بدءاً من الطبيعة الخضراء أو الصحراوية، أو ربما مدنية، إلى سائر عناصر بناء الثقافة من تركيب اجتماعي وظروف مادية واستقرار سياسي وغير ذلك، وهذه العناصر تبني الثقافة والذائقة، فما يكون متعارفاً طبيعيّاً في مجتمع يكون من غريباً في مجتمع آخر، ولا يمكن محاكمة نص أدبي بثقافة مجتمع آخر.

عَنْكِ إِلَّا لِشِرْكِكِ، وَإِذْ قَدْ أَسْلَمْتِ فَإِنِّي زَائِرُكِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، إِلَى أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ شَمْلَنَا فِي الْعَيَانِ. فَما قَطَعَ عَنِّي زِيَارَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ.

قَالَ بشْرٌ: فَقُلْتُ لَهَا وَكَيْفَ وَقَعْتِ فِي الْأَسْرِ؟

فَقَالَتْ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ علیه السلام لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي أَنَّ جَدَّكِ سَيُسَرِّبُ (1)جُيُوشاً إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا، ثُمَّ يَتْبَعُهُمْ (2)فَعَلَيْكِ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ مُتَنَكِّرَةً فِي زِيِّ الْخَدَمِ مَعَ عِدَّةِ مِنَ الْوَصَائِفِ مِنْ طَرِيقِ كَذَا، فَفَعَلْتُ. فَوَقَعَتْ عَلَيْنَا طَلَائِعُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا رَأَيْتَ وَمَا شَاهَدْتَ.

وَمَا شَعَرَ أَحَدٌ بِي بِأَنِّي ابْنَةُ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ سِوَاكَ وَذَلِكَ بإطلاعِي إِيَّاكَ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَأَلَنِي الشَّيْخُ الَّذِي وَقَعْتُ إِلَيْهِ فِي سَهْمِ الْغَنِيمَةِ عَنِ اسْمِي فَأَنْكَرْتُهُ، وَقُلْتُ: نَرْجِسُ (3)

وقد نطقته السيدة علیها السلام نطقاً عربيّاً. ومنه يتضح أن اختيار هذا الاسم البديل عن اسمها الأصلي يناسب ثقافتها اليونانية واطلاعها على الآداب وكيفية تعريب الكلمات اليونانية، فيكون هذا الاسم مناسباً للإجابة السريعة على السليقة.

. فَقَالَ: اسْمُ الْجَوَارِي!

1) أي سيرسل، وفي غيبة الطوسي ودلائل الإمامة: سيُسَيّر.

2) الظاهر أن المقصود هي المعركة التي وقعت في سميساط قرب الفرات في صيف 859م -245ه-، حيث سار القيصر ليقود جيوش بيزنطة، وصاحبه الإمبراطور الصغير ميخائيل الثالث، ليستكشف ويتعلم بإشراف القيصر في أول خروج عسكري للإمبراطور، ووقعت معركة انتصر فيها البيزنطيون بادئ الأمر، ثم انقلبت الأحداث أثناء مراسم قداس يوم الأحد وغار المسلمون على معسكر الروم وهرب القيصر ومن معه إلى القسطنطينية.

3) نرجس اسم يوناني بيزنطي معرّب، نطقه باليونانية: نرجسوس.

فَقُلْتُ: الْعَجَبُ أَنَّكِ رُومِيَّةٌ وَلِسَانُكِ عَرَبِيٌّ! قَالَتْ: بَلَغَ مِنْ وُلُوعٍ جَدِّي وَحَمْلِهِ إِيَّايَ عَلَى تَعَلُّمِ الْآدَابِ (1)أَنْ أَوْعَزَ إِلَيَّ امْرَأَةَ تَرْجُمَانِ (2)لَهُ فِي الاِخْتِلَافِ إِلَيَّ (3)، فَكَانَتْ تَقْصِدُنِي صَبَاحاً وَمَسَاءً (4)وَتُفِيدُنِي الْعَرَبِيَّةَ حَتَّى اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا لِسَانِي وَاسْتَقَامَ (5).

قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا انْكَفَأْتُ بِهَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى (6)، دَخَلْت عَلَى مَوْلَانَا أَبِي الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ علیه السلام. فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَرَاكِ اللهُ عِزَّ الْإِسْلَامِ وَذُلَّ النَّصْرَانِيَّةِ وَشَرَفَ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدِ صلی الله علیه و آله و سلم؟ قَالَتْ: كَيْفَ أَصِفُ لَكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه مَا أَنْتَ


1) كان باراداس قيصر الروم آنذاك مولعا بالعلوم والآداب، وسبباً لإعادة فتح جامعة القسطنطينية، وتوفير أرضية خصبة لعلماء الروم، فعاشت الإمبراطورية في عهده نهضة علمية، وكانت مرحلة هذا القيصر مرحلة انتقالية في التاريخ البيزنطي عقبت عصور ظلام وجهل وفتحت أبواب العصور الذهبية البيزنطية.

2) ترجمان يعني عارفة باللغات، وكان شائعاً الاستفادة من أسرى المسلمين للتبادل العلمي والثقافي والترجمة، كما كان العرب كذلك يستفيدون من أسرى الروم لنفس الغرض.

3) الاختلاف إلي: يعني الذهاب والعودة.

4) كانت بنات الملوك والطبقات النبيلة في بيزنطة تتلقى التعليم مبكرّاً ويأتي إليهن المعلمون في بيوتهن حفاظا على الستر والعفة.

5) كانت اللغة العربية من أهم لغات العلم والحضارة في ذلك العصر وكان لزاماً على كل مثقف تعلمها، وهذا شأن أبناء الملوك، وقد تأثر البيزنطيون بالعرب ولغتهم فتعلموها.

6) أي لما جاء بها إلى سامراء.

أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي! (1)

قَالَ علیه السلام: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَكْرِمَكِ؛ فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ: عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَمْ بُشْرَى لَكِ فِيهَا شَرَفُ الْأَبَدِ؟ قَالَتْ علیها السلام: بَل الْبُشْرَى.

قَالَ علیه السلام: فَأَبْشِرِي بِوَلَدِ يَمْلِكُ الدُّنْيَا شَرْقاً وَغَرْباً وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً (2).

قَالَتْ: مِمَّنْ؟ قَالَ علیه السلام: مِمَّنْ خَطَبَكِ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم لَهُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا مِنْ شَهْرٍ كَذَا مِنْ سَنَةٍ كَذَا بِالرُّومِيَّةِ! قَالَتْ: مِنَ الْمَسِيحِ وَوَصِيِّهِ! قَالَ علیه السلام: فَمِمَّنْ زَوَّجَكِ الْمَسِيحُ وَوَصِيُّهُ؟ قَالَتْ: مِنِ ابْنِكَ أَبِي مُحَمَّدِ علیه السلام.

قَالَ علیه السلام: فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ قَالَتْ: وَهَلْ خَلَوْتُ لَيْلَةً مِنْ زِيَارَتِهِ إِيَّايَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَسْلَمْتُ فِيهَا عَلَى يَدِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ أُمِّهِ؟

فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام: يَا كَافُورُ ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ علیه السلام لَهَا: هَا هِيَهْ (3). فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بهَا كَثِيراً.


1) وهذا مما يدل على فضلها ومقامها وأهليتها لهذا الاصطفاء، فإن العز والذل هنا عز معنوي، ولم يكن للذل الظاهري في السبي والعز المادي من سلطان الملوك ورفعة قصورهم مكان في نفسها، وإنما المهم هو العز الناتج عن سلامة العقيدة والطاعة لله واطمئنان القلب وسلامة النفس.

2) وهذه البشارة مما لم يرد ذكره في منامتها، وإنما الذي رأته في المنام خطبة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لها من جدها شمعون ومن النبي عيسى، وزواجها من الإمام العسكري علیه السلام.

3) يبدو وكأن الإمام الهادي علیه السلام كان قد حدّث أخته السيدة حكيمة علیه السلام بأن السيدة نرجس ستصل في هذا الوقت، فإن كلام الإمام لأخته يوحي بأنها كانت مسبوقة الذهن بقرب وصولها علیها السلام.

فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ الله أَخْرِجِيهَا إِلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ (1)فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ الْقَائِمِ علیه السلام (2)

نسأل الله أن يرزقنا عناية مولانا الخلف عجل الله تعالی فرجه الشریف وعناية آبائه الطاهرين علیهم السلام، ووالدته السيدة الطاهرة علیها السلام .

.


1) وقد ورد في روايات أخرى أن السيدة حكيمة هي التي علمت زوجة الإمام العسكري علیه السلام الفرائض والسنن قبل اقترانها بالإمام العسكري، ومعرفة الراوي بهذه الجزئية دليل على صدقه وعلى تطابق قوله مع قول السيدة حكيمة في موارد أخرى وردت في روايات متعددة.

2) تم الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق رحمه الله وهو من الانسجام والانضباط والتوافق مع الأخبار التاريخية المختلفة وما ورد في سائر رواياتنا من شأن مولاتنا والدة الخلف الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف من كونها ابنة قيصر الروم، وأن السيدة حكيمة هي التي علمتها الأحكام والفرائض، وما ثبت في التاريخ البيزنطي من أحداث متوافقة معها، ومن تماسك العبارات في الرواية ودقتها في وصف حال النصارى ومعتقدهم وغير ذلك بمستوى عال جدّاً لا يرد فيه احتمال تلفيق وتدليس، فهو محكم المتن إلى أبعد الحدود؛ راويه ينقل أخبار الروم وأخبار بيت الإمام الهادي علیه السلام بدقة كأنه يعيش في المكانين؛ هناك حيث أسرار الروم، وهنا حيث الإمام يلتزم التقية، وبين هذا وذاك فهو راو محيط بأسرارهم كما ادعى أول الأمر، فجزاه الله خيراً على ما أوصل لنا من خبر.

خاتمة القول/ کلمات موجزة في نهاية المطاف

اشارة

خاتمة القول

قرائن أخرى - حياة السيدة نرجس علیها السلام بعد الإمام العسكري

فضائلها ومناقبها - ختام المطاف

کلمات موجزة في نهاية المطاف

ولِمن سِوَى عَيْنيك يا ابنَ مَليكةٍ ٭٭٭ تُفنى النّفوسُ حرامُها وحلالُها

وجَميلةٌ لُقياكَ غيرَ مُسالمٍ ٭٭٭ والخيلُ يَعثرُ بالقنا تِصهالُها

هو مِن دمٍ أو مِن دمٍ قسطالُها ٭٭٭ ما عاد يُجدي في العِدى إمهالُها


قرائن أخرى

كان السعي في هذا البحث إلى إثبات رجوع السيدة نرجس علیها السلام إلى قيصر الروم، ولكننا لم نستوفِ البحث وإنما اكتفينا بهذا المقدار إذ وجدنا فيه الكفاية، وإلا فهناك قرائن أخرى من المناسب السعي في التحقق من نتائجها.

مثلا: ما ذكره الخصيبي في الهداية الكبرى بهذا النص: (وجعفر الكذاب هو جعفر بن علي بن محمد بن على بن موسى بن جعفر الصادق، وهو المعروف بزِقِّ خمرٍ، وهو الذي سعى بجارية أخيه الحسن بن علي إلى السلطان وقال له: إن أخي قد توفي ولم يكن له ولد، وإنما خلّف حملاً في بطن جاريته نرجس، وأخذت هي وورداس الكتابية جاريتا الحسن بن علي من داره في سوق العطش، وحبستا سنتين فلم يصحّ على نرجس ما ادعى عليها ولا غيرها فأطلقتا) (1).

وبغض النظر عن اعتبار الكتاب ورواياته، فإن اسم ورداس هو الأقرب إلى باراداس حسب طريقة القدماء في التعريب؛ لذلك فإن هذا الخبر- على ما فيه - يحمل ملاكا كملاك التواتر؛ إذ يمتنع عادة التواطئ على مثل هذه الكذبة.

ومن المهم التنبيه على أن جعفراً بن الإمام الهادي علیه السلام من البعيد جدّاً أن يعرف الجواري بعينهن، والتفريق بين نرجس وورداس قد يرجع إلى اشتباهه في الأسماء، فإن محض وجود هذا الاسم الغريب في بيت الإمام علیه السلام أمر ملفت.

كما تعرض بعض الباحثين إلى جانب مهم في هذه الرواية، وهو أن هذا


1) الهداية الكبرى 248

الاسم ليس عربيّاً وإنما هو اسم بيزنطي ذو جذور أرمنية، ثم ساق الشواهد على أن من عادة البيزنطيين تلقيب الشخص باسم جده إذا كان الجد- القريب أو البعيد - معروفاً وأنه من الطبيعي أن فتاة تلّقب باسم جدها لكونه من عليّة القوم. (1)

Hadi Taghavi, Ehsan Roohi & Navid Karimi (2019): An Ignored Arabic Account of a Byzantine Royal Woman, Al-Masãq, DOI: 10.1080/09503110.2019.1660847

وقد خطر بالبال أمر آخر وهو أن في الرواية تصحيفاً أو اشتباهاً في النسخ وأن المقصود نرجس ابنة ورداس الكتابية، وهذا ما دعاني إلى البحث في مخطوطات الهداية الكبرى، لكن تبين أن بعض المخطوطات خلت من هذا الخبر أصلا واحتوته مخطوطات أخرى، ولا أدري إن كان الخبر من إيراد الخصيبي أو ألحقه غيره بالكتاب، وهو في كل الأحوال شاهد ومؤيد مهم، ولابد من التحقيق في مصدر الخبر للوصول إلى نتائج أكثر اعتبار.



1) راجع:

حياة السيدة نرجس علیها السلام بعد الإمام العسكري علیه السلام

قال المرجع الراحل الشيخ لطف الله الصافي قدس سره في منتخب الأثر:

اعلم أنّه اختلفت الروايات في نهاية حال أمّ الإمام علیه السلام، ففي بعضها أنّها حصلت بعد وفاة الإمام أبي محمّد العسكري علیه السلام في دار محمّد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس بن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام (وصفوه بأنّه ثقة عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له كتاب)، وفي بعضها أنّها طلبت من الإمام أبي محمّد علیه السلام أن يدعو لها بالموت قبل وفاته علیه السلام فاستجيب دعاؤه، وفي بعضها أنّها كانت حاضرة عند وفاة الإمام علیه السلام (و هو هذا الخبر) (1)، وفي بعضها أنّها هاجرت إلى مكّة المكرّمة في حياة الإمام عليه السلام مع ابنه الحجّة علیهما السلام، بأمر الإمام أبي محمّد علیه السلام.

وكما ترى أكثر هذه الروايات قد دلّ على حياتها بعد الإمام علیه السلام، والظاهر الأرجح حياتها بعد وفاة الإمام أبي محمّد علیه السلام، والشاهد على ذلك وقوع قبرها خلف قبر الإمام أبي محمّد علیه السلام.

وعلى كلّ حال لا يضرّ مثل هذه الاختلافات ما نحن بصدده، فإنّ اعتمادنا في هذا الكتاب (2)على ما تواترت به الأحاديث أو استفاضت به في الأقلّ


1) كان الشيخ قدس سره في معرض تعليقه على خبر شهادة الإمام العسكري علیه السلام وفيه حضور الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف ووالدته السيدة الطاهرة نرجس علیها السلام.

2) أي كتاب منتخب الأثر.

دون أخبار الآحاد، فالأخبار يؤيّد بعضها بعضا فيما اتّفقت عليه. ولا يخفى عليك أنّ مثل هذه الاختلافات الفرعيّة قد وقعت في تواريخ السائرين من الأئمّة والأنبياء ورجالات التاريخ، وكيفيات وقوع الحوادث المهمّة المقطوع بأصلها عند الكلّ دون أن يصير ذلك سببا للشكّ في أصل وجود الأشخاص، وأحوالهم المعلومة، والحوادث التاريخيّة المشهورة.

هذا مضافا إلى أنّ الظروف والأحوال الّتي كان عصر الإمام أبي محمّد علیه السلام إلى بعد وفاته محفوفا بها ربّما تقتضي خفاء مثل هذه الامور الجزئيّة . (1)

انتهى كلامه نور الله ضريحه في جوار سيد الشهداء علیه السلام، وفي كلامه قدس سره التمام والكفاية.

وقد ورد في زيارته المباركة: اَلسَّلامُ عَلَيْكِ وَعَلى بَعْلِكِ وَوَلَدِكِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ وَعَلى رُوحِكِ وَبَدَنِكِ الطَّاهِرِ، اَشْهَدُ اَنَّكِ أَحْسَنْتِ الْكَفالَةَ، وأدَّيْتِ الأمانَةَ، وَاجْتَهَدْتِ في مَرْضاتِ اللهِ، وَصَبَرْتِ في ذاتِ الله، وَحَفِظْتِ سِرَّ اللهِ، وَحَمَلْتِ وَلِيَّ اللهِ، وَبالَغْتِ في حِفْظِ حُجَّةِ اللهِ ...

وهذه العبارات في الزيارة تؤيد بقاءها بعد شهادة الإمام العسكري علیه السلام وتحمّلها جملة من المصائب والمحن، سيما مع ما ورد من أن دار الإمام العسكري علیه السلام كبست بعد شهادته علیه السلام وقد غارت الخيل على الدار وانتهب ما


1) منتخب الأثر 406/2

فيها (1)، وما ذكره النجاشي في ترجمة محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام أن والدة صاحب الأمر علیه السلام حصلت في داره بعد وفاة الإمام الحسن العسكري علیه السلام (2)، وما ورد من أن المعتمد لعنه الله وجّه بخدمه فقبضوا عليها علیها السلام بعد شهادة الإمام العسكري علیه السلام وطالبوها بولدها أرواحنا فداه، فادعت حبلا بها لتغطي حال الصبي (3)، وأنه لعنه الله جعل نساءه ونساء أخيه الموفق العباسي ونساء القاضي أبي الشوارب ونساء خدمهم يتعاهدن أمرها ليستبين إن كان فيها أثر حمل (4).



1) كمال الدين 473/2

2) رجال النجاشي تحت رقم 938

3) كمال الدين 476/2

4) كمال الدين 474/2

فضائلها ومناقبها علیها السلام

وردت في فضلها روايات كثيرة متفرقة في الكتب، لعل الزيارة المباركة جمعت كثيراً من الأوصاف التي تدل على فضلها في نفسها وفي حسبها ونسبها، منها أنها من نسل الحواريين، وأنها شبيهة أم موسى، وأنها مستودعٌ للأسرار.

ووصفت في الزيارة بأنها تقية نقية وصديقة مرضية، وفي الزيارة إشارة إلى تضحيتها، من رغبتها في صلة أبناء رسول الله وما استلزمه ذلك من سبي وتحمل المتاعب حتى تصل إلى دار الإمام علیه السلام وتؤدي وظيفتها، إلى تضحيتها بعد وفاة الإمام علیه السلام في حفظ حجة الله عجل الله تعالی فرجه الشریف وما لزمه ذلك من ملاحقة وسجن.

وهذه المعاني واردة متفرقة في الروايات، كما أن من فضائلها ما ورد في خبر ولادتها من إجلال السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد علیه السلام وتعظيمها لها (1)، ومخاطبتها لها بالسيادة (2)، ووصفها إياها بأنها سيدة نساء هذا العالم (3)، وأن الإمام العسكري علیه السلام أمر السيدة حكيمة علیها السلام ساعة ولادة مولانا بقية الله عجل الله تعالی فرجه الشریف بعد أن صلى على آبائه الطاهرين أن تأخذه ليسلم على أمه (4).


1) دلائل الإمامة 500

2) كمال الدين 424/2

3) دلائل الإمامة 498

4) كمال الدين 424/2

ووُصفت سلام الله عليها في جملة من الروايات بأنها سيدة الإماء (1)وخيرة الإماء (2)وللتبرك ننقل رواية وردت عن مولانا أبي محمد الحسن بن علي المجتبى علیه السلام، وهي رواية واردة في سياق اعتراض بعض أصحابه على مصالحته لمعاوية، فيجيبهم الإمام الحسن علیه السلام ويذكر فضل صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف ويشير إلى والدته علیها السلام بأنها سيدة الإماء، والرواية هي:

عَنْ أَبي سَعِيدٍ عَقِيصَا (3)قَال: لما صالح الحسنُ علیه السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال علیه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملتُ؟ واللهِ الذي عملتُ خيرٌ لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحدُ سيدي شبابِ أهل الجنة بنص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم علي؟ قالوا: بلى!

قال علیه السلام: أما علمتم أن الخضر علیه السلام لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران علیه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً؟ أما علمتم أنه ما منا أحدٌ إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى ابن مريم علیه السلام


1) كمال الدين 345/2 و 369/2 و 372/2 و 345/2 وغيرها من المصادر

2) غيبة النعماني 329 وغيبة الطوسي 470

3) أبو سعيد التميمي واسمه دينار ولقبه عقيصا، صحب أمير المؤمنين علیه السلام ونصره في صفين وصحب الحسن والحسين علیهما السلام، وله موقف مشهور في أحداث صلح الحسن علیه السلام وقد أوردنا موضع الشاهد منه.

خلفه؟ فإن الله عزوجل لا يخفي ولادته ويُغيّب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج؛ ذلك التاسع من وُلد أخي الحسين علیه السلام، ابن سيدة الإماء، يطيل الله عُمرَه في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليُعلم أن الله على كل شيء قدير. (1)

والظاهر أن هذه الفضيلة ثابتة لها علیها السلام كما هي ثابتة لغيرها من أمهات الأئمة علیهم السلام، أي أنها خير الإماء بالإضافة إلى نساء زمانها. فقد ورد هذا المعنى في والدة الإمام الجواد علیه السلام (2)، ووالدة الإمام الكاظم علیه السلام (3)، وقريب منه ما روي في والدة الإمام زين العابدين علیه السلام (4). وبتعبير آخر فإن هذه الفضيلة متفرعة على كبرى كلية من أن أمهات الأئمة خير نساء زمانهن من النساء اللاتي يصح زواج الإمام المعصوم علیه السلام منهن.



1) كمال الدين 316/1

2) عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة. الكافي 323/1

3) عن الباقر علیه السلام: حميدة سيدة الإماء. دلائل الإمامة 308

4) المروي أن أمير المؤمنين علیه السلام غيّر اسمها من شاه زنان (ومعناه: سيدة النساء) يوم خطبتها لسيد الشهداء علیه السلام إلى شهربانو ( ومعناه: سيدة البلد). دلائل الإمامة ص 196

ختام المطاف

إنه قد ثبت بما لا مزيد عليه انتساب السيدة نرجس علیها السلام إلى قيصر الروم، وحيث كان الغرض من البحث استيفاء هذا المطلب فقد أوجزنا في بيان سائر المطالب ولم نفصل، وكان من المناسب التفصيل في بيان فضائلها وشرح عبارات زياراتها علیهما السلام وذكر شيء من كرامتها، وقد عاق عن ذلك القصور وضيق المقام، فنسأل الله التوفيق لكل خير.

ومما ينبغي التذكير به في نهاية المطاف ضرورة حفظ التراث وعدم الاستخفاف به فإنه مما بذل علماؤنا الجهد لحفظه وتنقيحه، فنقلوا الثابت واهتموا به، حتى أوصلوا لنا الموروث نقيّاً عذبا صافياً، ولسنا اليوم ندافع عن الرواية الرسمية لقضية أم الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف من زمن الصدوق إلى اليوم فحسب، بل نخوض الصراع في خرزة من مسبحة، إذا سقطت وانحلت المسبحة لم يبق شيء! ومن السذاجة التعامل مع تضعيف صغريات الموروث الشيعي على أنها آراء تاريخية فحسب، وإنما لازمها إبطال كبرى كلية في نقاء الموروث الشيعي ونقاء المذهب.

أي أن نتاج هذه المعركة - التي هذا البحث أحد فصولها- إما تشكيك المؤمنين بكل الموروث الديني وبناء حالة رائجة من الشك، أو تثبيت قلوب المؤمنين!

ليس الباب مفتوحاً على مصراعيه للنقد والمناقشة حتى يؤول الأمر إلى

إرباك الساحة الإيمانية عقائديّاً وإن كان بغطاء تاريخي! إنها ليست جزئية كسر ضلع الزهراء علیها السلام، وتحديد موطن السيدة نرجس علیها السلام، ووصول السبايا إلى كربلاء يوم الأربعين أو بعده؛ وإنما هي كليات جور الغاصبين وتثبيت أحقية الأمير علیه السلام، وأصل ثبوت ولادة الصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف بنسب معروف واضح لا يعتريه شك، وتمام مظلومية سيد الشهداء علیه السلام والتفجع على مصابه.

وليست القضية مناقشة علمية في معذّرية (1)التعبد بجميع الأديان، وعدم ثبوت حد الردة، وإنما المسألة دعوة إلى الإلحاد واللادينية، والقبول بالتحرر و الإباحية والشذوذ دون حساب ولا عقاب فإذا كان منكر وجود الله لا يستحق عقاباً في الدنيا فمن عساه يستحق إذن؟!

والمسألة أيضا ليست في رجحان قراءة دعاء الافتتاح في شهر رمضان المبارك، والمواظبة على أدعية شهر رجب، وإنما هي في محاربة البرنامج العبادي والسلوك المقرّب إلى الله بما أمر الشرع سواء استحباباً أو رجاء؛ ما يخلق حالة غلظة وبعد عن الله وعن التدين وإن كان باسم العلم.

ولیست هي مناقشة في عدم الحاجة إلى التقليد في زمن الغيبة ووجوب التفقه في الدين عيناً وإنما هي معركة حول اتصال علماء المذهب وعقائده من زمن المعصوم إلى اليوم أو انقطاع الطائفة قرونا متطاولة وضلالها طوال هذه الفترات؛ وهل الطائفة على معتقد واحد من زمن سلمان وأبي ذر ، وميثم التمار وأبي ثمامة


1) عبارة صاحب الشبهة: جواز التعبد بجميع الأديان!!!

الصائدي، وأبي بصير ومحمد بن مسلم، وابن أبي عمير وصفوان، وزكريا بن آدم ويونس بن عبد الرحمن، وأبي هاشم الجعفري وعثمان بن سعيد العمري، والشيخ الكليني والصدوق والمفيد والطوسي، والمحقق الحلي والعلّامة، والشهيدين، والشيخ الأعظم، والآخوند والميرزا النائيني والسيد اليزدي رَحِمَهُمُ اللهُ إلى مراجعنا اليوم؟ أهذا دينٌ واحدٌ، أم نحن كغيرنا الذين مر مذهبهم بمعتقدات وتغيرات فلا هم اليوم هم بعقيدتهم الأمس، ولا هم هنا بعقيدتهم هناك، ولا دينهم كدينهم؟! نحن مثلهم؟ أم ديننا ثابت على مر العصور وما فقهاؤنا إلا امتداد لرواة الحديث؟

هذه المعارك الحقيقية ولا يستخفنكم داعية وعي تفجر الجهل من جوانبه!

وما الوعي واليقظة إلا تثبيت قلوب المؤمنين ورد الضلالات والجهالات، قال علیه السلام: الرَّاوِيَةُ حَدِيثِنَا يَشُدُّ بِهِ قُلُوبَ شِيعَتِنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدِ. (1)



1) أصول الكافي 33/1

الملاحق/ الوثائق والمصادر

الملاحق

الصور والوثائق - مصادر الكتاب - فهرس المحتويات

الوثائق والمصادر والفهارس

أحلنا في أكثر من مورد أثناء البحث إلى الوثائق الملحقة، وسندرجها هنا ونشير إلى مصادرها، والوثائق عبارة عن: رسومات مقتبسة من مصادر مهمة في التاريخ البيزنطي، وصور أخرى تمت الإشارة إليها في مطاوي البحث، وبعض الخرائط المهمة، وبعض نسخ المخطوطات.

ثم سندرج قائمة المصادر التي اعتمدنا عليها، علماً أننا حاولنا قدر الإمكان الاكتفاء بالمصادر العربية فإن لم نجد المعلومة في مصدر عربي أشرنا إلى مصدر أجنبي.

ویليه فهرس المحتويات.


الصورة

557

نسخة من مخطوطة كمال الدين وتمام النعمة في مكتبة السيد الحكيم قدس سره في النجف الأشرف، وليس فيها عبارة (ابن أمة سوداء).

الصورة

558

نسخة من مخطوطة كتاب تاج الأئمة للشيخ الطبرسي رحمه الله ذكر فيها بأن والدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف هي السيدة نرجس علیها السلام ابنة القيصر وأن من أسمائها مليكة.

الفهرس

سيدة الإماء علیها السلام قراءة جديدة في هويتها وسيرتها - الشيخ أحمد سلمان ...3

مقدمة ... 5

تسميتها علیها السلام ... 7

هل هذه التسميات ثابتة؟ ... 8

هل أسماء أم ألقاب؟ ... 14

عفة البيت العلوي ... 15

التعمية المتعمّدة ... 16

عجباً لكم ... 18

خاتمة ... 20

قصتها علیها السلام ... 22

وقفة سندية مع الخبر ... 23

وقفة مع متن الخبر ... 34

الحكم النهائي على الرواية ... 40

دفع وهم ... 42

أصلها علیها السلام/ أنّها علیها السلام رومية ... 45

أنّها علیها السلام سنديّة ... 50

أنّها علیها السلام مغربية ... 53

أنّها علیها السلام نوبية ... 54

النتيجة النهائية ... 65

ولدت في بيتها ... 74

قرائن أخرى ... 76

واكتملت الصورة ... 77

مقامها عند أهل البيت علیهم السلام / ما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ... 79

ما ورد عن أمير المؤمنين علیه السلام ... 80

ما ورد عن الإمام الحسن علیه السلام / ما ورد عن الإمام الباقر علیه السلام ... 81

ما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام ... 82

ما ورد عن الإمام الكاظم علیه السلام ... 83

ما ورد عن الإمام الرضا علیه السلام ... 84

ما ورد عن حكيمة بنت الجواد علیها السلام ... 85

زبدة المقال ... 86

وفاتها / وفاتها في حياة الإمام العسكري علیه السلام ... 89

بقاؤها بعد وفاة الإمام العسكري علیه السلام ... 91

زبدة المقال ... 93

جهادها علیها السلام / شهادة الإمام العسكري علیه السلام ... 95

خطة الانقلاب العباسية ... 97

المواجهة مع الكذّاب ... 100

فترة التخفّي ... 102

إلى السجن العباسي! ... 106

لماذا هذا السجن؟ ... 108

نتائج البحث ... 117

قراءة نقدية لكتاب سيدة الإماء - محمد الشيخ حسن آل بيريك ... 119

تمهید ... 121

تنبيهات ... 125

القسم الأول: مدخل / عملية النقد للتاريخ طريقتين / الأولى: نقد ذوقي ... 127

الثانية: نقد علمي ... 127

الأمر الأول: ماهية المنهج العلمي للنقد ... 129

الأمر الثاني: ما يحتاج إليه في النقد العلمي الصحيح ... 129

أهلية الكاتب للتعامل مع القضايا التاريخية، ابن خلكان أنموذجاً ... 131

القرينة الأولى ... 131

القرينة الثانية ... 138

القسم الثاني: مناقشة الملاحظات السندية ... 141

النقطة الأولى في ذكر المصادر التي ذكرت رواية قدومها من بلاد الروم ... 141

الأمر الأول: في ذكر الأسناد من المصادر الثلاثة الأولى ... 141

الأمر الثاني: في ذكر نص الرواية مع الفروقات بين المصادر الثلاثة ... 146

النقطة الثانية: في بيان الملاحظات السندية والتعليق عليها ... 155

الملاحظة الأولى: الضعف والإرسال في أسناد الرواية ... 155

الملاحظة الثانية: مجهولية بشر، ولا عقب لأبي أيوب الأنصاري ... 166

الوثيقة الأولى: كتاب الاستبصار في نسبة الصحابة من الأنصار ... 171

الوثيقة الثانية: الرحلة العلية إلى منطقة توات ... 172

الوثيقة الثالثة: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد ... 172

الملاحظة الثالثة: محمد بن بحر، موصوف بالغلو وأنه من الحشوية ... 174

المقالة الأولى: مقالة الوحيد البهبهاني ... 186

المقالة الثانية: مقالة السيد محمد رضا السيستانی - دامت برکاته - ... 187

القسم الثالث: مناقشة الملاحظات المتنية ... 201

النقطة الأولى: مقدمات بين يدي البحث ... 201

المقدمة الأولى: ضرورة التتبع الجيد للتاريخ ... 201

المقدمة الثانية: تحديد الحقبة المناسبة للبحث ... 202

النقطة الثانية: في بيان الملاحظات المتنية والتعليق عليها ... 203

الملاحظة الأولى: عدم وجود إمبراطور تتناسب معه الأوصاف ... 203

الملاحظة الثانية: عدم وجود حرب كما في الرواية، وكانت فترة سلام ... 212

الملاحظة الثالثة: معارضة رواية الرهني بروايات أخرى ... 220

المناقشة ... 221

النقاش في المقدمة الثالثة / النقاش في المقدمة الأولى ... 221

القسم الرابع: حكم الكاتب النهائي على رواية الرهني / الخلاصة ... 226

التعليق / الأمر الأول: اندفاع المشاكل السندية والمتنية ... 227

الأمر الثاني: التقارب مع أسطورة (شيرين و فرهاد) ... 227

الشيء الأول: في عرض موجز لأسطورة (شيرين و فرهاد) ... 227

الشيء الثاني: في التعليق حول تقارب الأسطورة مع الرواية من عدمه ... 231

الشيء الثالث: الثنائية بين الأسطورة والتاريخ ... 233

الفرق بين الأسطورة والخرافة ... 233

استفادة التاريخ من الأسطورة ... 234

الملحمة اليونانية الأشهر (ديجينيس اكريتيس) ... 235

إشارات ... 237

الأمر الثالث: الشبه مع وصول (شاه زنان بنت يزدجرد) للإمام الحسين ... 240

رواية العلامة المجلسي في بحار الأنوار ... 241

وهمٌ في دفْع الوهم ... 246

التعليق ... 247

القسم الخامس: مناقشة الكاتب فيما تبناه من أصل أم الإمام الحجة ... 259

المحطة الأولى: في استعراض رأي الكاتب في البناء على أن أصلها نوبية ... 260

التعليق ... 262

الروايات المؤيدة التي ادعاها الكاتب / الرواية الأولى ... 271

الرواية الثانية: ... 274

الرواية الثالثة: ... 276

المحطة الثانية: رأي الكاتب في أنها وُلدت في بيت السيدة حكيمة ... 279

المرحلة الأولى: إثبات كون السيدة نرجس مِلكاً للسيدة حكيمة ... 279

الرواية الأولى ... 279

الرواية الثانية / الرواية الثالثة ... 280

الرواية الرابعة / التعليق ... 281

المرحلة الثانية: إثبات أن السيدة نرجس وُلدت في بيت السيدة حكيمة ... 286

التعليق ... 287

المحطة الثالثة: في مناقشة الكاتب في رد رواية الفضل بن شاذان ... 291

الخطوة الأولى: استعراض روايتي الفضل بن شاذان ... 292

الرواية الأولى / الرواية الثانية ... 293

الخطوة الثانية: بيان موانع الكاتب من اعتماد رواية الفضل بن شاذان ... 294

التعليق ... 295

المحطة الرابعة: مناقشة القرائن الأخرى التي جعلها الكاتب مرجحة ... 301

التعليق ... 301

القسم السادس: استفهامات ... 306

الاستفهام الأول ... 306

الاستفهام الثاني ... 308

الاستفهام الثالث ... 312

الاستفهام الرابع ... 313

الاستفهام الخامس ... 320

الخاتمة ... 322

المراجع الإنجليزية ... 324

مليكة الروم - حسن يوسف بن نخي ... 325

الفصل الأول: اللوازم الفاسدة - ثمرات مهمة / أهمية البحث ... 327

اللوازم الفاسدة ... 328

مهدي الأديان أو المخلص ... 337

النقد التاريخي للأدب البيزنطي ... 339

الفصل الثاني: القول الثابت ابنة قيصر الروم / الروايات الواردة ... 344

القول الثابت ابن قيصر الروم ... 345

أسماؤها الرومية تؤكّد أصلها ... 352

احتمالات لا اعتبار لها ... 356

الإمام الجواد ابن النوبية الطيبة الفم ... 360

الظروف الحرجة والتقية ... 379

الفصل الثالث / الرواية الشيعية والتاريخ البيزنطي ... 395

شمعون الصفا ... 406

الأسرة الحاكمة في القرن التاسع ... 420

الألقاب والمناصب الرسمية ... 424

القيصر باراداس ... 432

الصراعات الداخلية والخارجية ... 447

الزفاف المنحوس ... 452

الزلزال وخطبة الأسقف الأعظم ... 465

العفو عن أسارى المسلمين ... 472

حرب المسلمين والروم ... 485

الفصل الرابع / التعليق على رواية الشيخ الصدوق ... 496

اعتبار الرواية ... 497

متن الرواية ... 526

خاتمة القول / كلمات موجزة في نهاية المطاف ... 544

قرائن أخرى ... 545

حياة السيدة نرجس علیها السلام بعد الإمام العسكري علیه السلام ... 547

فضائلها ومناقبها علیها السلام ... 550

ختام المطاف ... 553

الملاحق/ الوثائق والمصادر ... 556

الفهرس ... 559