البحوث الهامة فی المکاسب المحرمة مرتضی انصاری جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خ‍رازی‌، سیدم‍ح‍س‍ن‌، ‏‫۱۳۱۵ ‏-‬

‏عنوان قراردادی : المکاسب.شرح

‏عنوان و نام پديدآور : ‏‫البحوث‌الهامه ف‍ی‌‌ال‍م‍ک‍اس‍ب‌‌ال‍م‍ح‍رم‍ه [ م‍رت‍ض‍ی‌ ان‍ص‍اری‌ ]‬‬‏‫/ ت‍ال‍ی‍ف‌ م‍ح‍س‍ن‌ ال‍خ‍رازی‌.‬

‏مشخصات نشر : ق‍م‌: موسسه در راه‌حق‏‫، ۱۴۲۳ ق‌.‬‏‫= ۱۳۸۱‭‬‬-‬‬

‏مشخصات ظاهری : ‏‫7ج.‬

‏شابک : ‏‫ج. ۶‭‬‬‬‬‏‫‬‬‬‬‬‬‬‬‬‭978-964-5515-01-5 :‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ؛ ‏‫ج. ۷‬‏‫‬‮‭978-600-5515-04-6 :

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ج.۴ (چاپ ؟: ۱۳).

‏يادداشت : ‏‫ج. ۷ (چاپ اول: ۱۳۹۰) (فیپا).‬

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌.

‏موضوع : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب -- نقدو تفسیر

‏موضوع : ‏‫معاملات (فقه)‬‬

کسب و کار حرام

‏شناسه افزوده : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب . شرح

‏شناسه افزوده : موسسه در راه حق

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۱۹۰/۱‏‫‭/‮ال‍ف‌‬۸م‌۷۰۲۱۴۳ ۱۳۸۱‬‬

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‬‬‬‭۲۹۷/۳۷۲

‏شماره کتابشناسی ملی : ‏‫‭م‌۸۱-۴۵۲۴۴‬

‏اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

•

العنوان... البحوث الهامّة في المكاسب المحرّمة ج 7

•

الموضوع... فقه

•

تأليف... آية الله السيّد محسن الخرّازي

•

باهتمام... السيّد علىّ رضا الجعفرى

•

نشر... مؤسسه در راه حق

•

الطبعة... الاُولى

•

المطبعة... ولى عصر (عج)

•

العدد... 1000

•

التاريخ... 1432

بسم الله الرحمن الرحيم

المسألة الأربعون «فى الفحشاء و إفشائها»

و لاريب فى أنه محرّم لإطلاق قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌) (1) و المراد من أن تشيع الفاحشة هو أن تنتشر و هو بإطلاقه يشمل إفشاء الفاحشة و لاينافى ذلك شموله لذكر عيب للمؤمن، كما يدلّ عليه صحيحة هشام عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: من قال فى مؤمن مارأته عيناه و سمعت أذناه كان من الذين قال اللّه عزّوجلّ فيهم: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ‌) .(2)

و يؤيّده خبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث المناهى، قال: من شهد شهادة زور على أحد من الناس علّق بلسانه مع المنافقين فى الدرك الأسفل من النار و من حبس عن أخيه المسلم شيئا من حقّه حرّم اللّه عليه بركة الرزق إلاّ أن يتوب، ألا و من سمع فاحشة فأفشاها فهو كالذى أتاها.(3)

**

(1) النور، 19.

(2) كنز الدقائق، ج 9، ص 265.

(3) الوسائل، الباب 9 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 325، ح 5.

بل يدلّ عليه موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، الحديث.(1)

و عليه فلايجوز انتشار تصاوير مبتذلة فى الأفلام أو المجلّات أو الكتب لصدق إفشاء الفاحشة عليه، كما أنّ النظر إليها مظانٌّ للفتنة و الوقوع فى الحرام و التلذّد المحرّم فيجب الاجتناب عنه.

ثم إنّ المأخوذ فى قبال إفشاء الفاحشة و إشاعتها لاإشكال فى حرمته و كونه سحتا فيكون أكله أكل المال بالباطل.

ثم إنّه لاإشكال فى حرمة إجارة الآلات و الأدوات التى انحصرت منافعها فى الحرام، أو اشترط الانتفاع بخصوص المحرّم منها، أو أوقع العقد مبنيا عليه و بطلت الإجارة فى تلك الموارد و كان التصرّف فى الأجرة و نفس الآلات و الأدوات محرّما على ما قرّر فى كتاب الإجارة.

و إذا كانت الأدوات و الآلات بيد الحكومة فإن أمكن لها منع المشترك عن استفادة المحرّم و لو بتعطيل انشعابه وجب، و إلاّ فإن كان المنع المذكور مستلزما للمفاسد الغالبة و لزم وجود الأدوات و الآلات المذكورة من طرف آخر، و إلاّ لاختلّت الأمور أمرت الحكومة المشتركين بعدم استفادة المحرّم و قيّد مورد الاستفادة بالأمور المحلّلة، و عليه فلايجوز للمشتركين مع قطع النظر عن حرمة استفادة المحرّم التصرّف فى غير المحلّل، بل يضمنون أجرة المثل للحكومة فى التصرّف فيها فى غير الأمور المحلّلة المشروطة.

ثم إنّ الظاهر من الآية الكريمة أنّ محبّة الإشاعة و الإذاعة تكون محرّمة و هو

**

(1) الكافى، ج 2، ص 356 باب التعيير، ح 2.

يؤكّد حرمة نفس الإشاعة و الإذاعة، كقوله تعالى: (وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌) (1)، فإنّ القرب نحو مال اليتيم إذا كان منهيا كان التصرّف فيه أولى بالحرمة. ثمّ إنّ المراد من المحبّة هى المحبّة الفاعلة لامجرّد المحبّة ما لم يظهرها بفعل.

لايقال: إنّ مفاد الآية الكريمة هو حرمة شيوع الفاحشة لاالإخبار و الإفشاء، لأنّا نقول: نعم ولكن بقرينة إدراج الغيبة فى الآية الكريمة فى صحيحة هشام يعلم أنّ المراد ليس خصوص شيوع الفاحشة، بل تشمل الآية الكريمة لموارد الإخبار و الإفشاء؛ هذا مضافا إلى صريح موثّقه سماعة فى أنّ إذاعة الفاحشة كعامل الفاحشة و من المعلوم أنّ الإذاعة هو الإخبار و الإفشاء و يؤيّد ذلك قوله صلى الله عليه وآله و سلم فى خبر الحسين بن زيد: ألا و من سمع فاحشة فأفشاها فهو كالذى أتاها، و اللّه العالم.

**

(1) الانعام، 152.

المسألة الحادية و الأربعون «فى الفتك»

اشارة

و يقع الكلام فى اُمور:

الأمر الأول: فى معنى الفتك

قال فى مصباح اللغة: فتكت به فتكا من بابى ضرب و قتل. و بعضهم يقول: فتكا - مثلث الفاء - بطشت به أو قتلته على غفلة و افتكت - بالألف - لغة، انتهى.

و مورد البحث فى المقام هو الفتك بمعنى القتل على غفلة الذى يسمى فى زماننا هذا ب‍ - «ترور» و من هذا الباب ما حكاه فى البحار عن ابن أبى الحديد أنّه قال: قال أبو الفرج: حدثنى محمد بن الحسين باسناده ذكره أنّ الأشعث بن قيس - لعنه اللّه - دخل على علىّ عليه السلام فكلّمه فأغلظ علىّ له فَعرّض الأشعث أنّه سيفتك به، فقال له على عليه السلام: أبالموت تخوفّنى أو تهددنى‌؟ فواللّه ما أبالى وقعت على الموت أو وقع الموت علىّ‌.(1)

و منه أيضا ما حكى عن الشيخ المفيد أنّه قال: يقول الشاعر فى أمر قطام و قتل أميرالمؤمنين عليه السلام:

**

(1) بحار الانوار، ج 42، ص 233.

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة *** كمهر قطام من فصيح و أعجمى(1)

ثلاثة آلاف و عبد و قينة(2) *** و ضرب علىّ بالحسام(3) المسمم(4)

و لامهر أغلى من علىّ و إن غلا *** و لافتك إلاّ دون فتك ابن ملجم(5)

ومنه أيضا ما فى البحار من أنّه كتب جماعة من رؤساء القبائل الى معاوية بالسمع و الطاعة له فى السرّ و استحشوه على المسير نحوهم و ضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام اليه عند دنوّهم من عسكره أو الفتك به، و بلغ الحسن عليه السلام و ورد عليه كتاب قيس ابن سعد و كان قد أنفذه مع عبيداللّه ابن العباس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية و يرده عن العراق و جعله أميرا على الجماعة و قال: إن أصبت فالأمير قيس بن سعد الى أن قال: فكتب اليه معاوية فى الهدنة و الصلح و أنفذ اليه بكتب اصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به و تسليمه إليه.(6) فتحصل أنّ الفتك المبحوث عنه هو القتل على غفلة و هو يساوى (ترور) فى لغة اليوم.

الأمر الثانى: فى أدلة حرمة الفتك

اشارة

و لاإشكال فى كون الفتك من مصاديق قتل النفس، فإذا كان قتل النفس المحترمة محرما فالفتك محرم بالأولوية لكونه وقع على أسوء كيفية و هى غفلة المقتول، وعليه يكفى فى حرمة الفتك الى أدلة حرمة قتل النفس المحترمة و لو كان المفتوك فاسقا و

**

(1) حكى عن المصدر من غنى و معدم ساقه اى ارسله.

(2) القينة: الامة المغنّية. و قيل الامة مغنية كانت او غير مغنية.

(3) الحسام: السيف القاطع.

(4) المسمم، من سممت تسميما اى جعل فيه السمّ‌.

(5) بحارالانوار، ج 42، ص 232.

(6) بحار الانوار، ج 44، ص 48-47.

فاجرا و كافرا ما لم يهدر دمه الشارع. هذا مضافا الى خصوص أدلة حرمة الفتك.

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام فى حديث... و قال: و من فتك بمؤمن يريد نفسه و ماله فدمه مباح للمؤمن فى تلك الحال.(1)

و من المعلوم أنّ إباحة دم الفاتك حال إرادة الفتك يدل على شدة حرمة الفتك و إلاّ لما صار دم الفاتك مباحا عند إرادة الفتك و لكنه يختص بفتك المؤمن. نعم لاينافى إطلاق ما دل على حرمة الفتك و قتل النفس المحترمة. ومنها: بناء العقلاء من تقبيح الفاتك و مذمته أزيد من تقبيح القاتل، لأنّه مقرون بالغدر و الخيانة و سلب إمكان الدفاع عن المقتول و لايختصّ ذلك بالمؤمن بل يعم كل نفس محترمة.

ومنها: النبوى المعروف من أنّه قال: إنّ الإيمان قيّد الفتك، اى فلا يفتك مؤمن، و أنّ الإيمان يمنع من الفتك الذى هو القتل بعد الأمان غدراً كما يمنع القيد من التصرف.(2)

و يؤيده المروى أنّه كان أحد مستندى مسلم بن عقيل عليه السلام فى امتناعه عن فتك ابن زياد حين جاء فى دار هانئ لعيادة شريك بن الأعور الهمدانى و المسلم فى خفاء فيها حيث قال شريك له: ما منعك من قتل ابن زياد. قال مسلم: خصلتان: أمّا أحدهما: فكراهية هانئ أن يقتل فى داره. و أمّا الأخرى: فحديث حدثنيه الناس عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ الإيمان قيّد الفتك، اى فلايفتك مؤمن. فقال له هانئ: أمّا و اللّه لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا.(3)

ولكن يخالفه ما فى مثير الاحزان للشيخ الجليل ابن نما الحلى - المتوفى سنة

**

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب حد المرتد، ح 1.

(2) رواه فى البحار، ج 44، ص 343 عن ابى الفرج فى مقاتل الطالبيين، ص 71 و عن ابى داود فى سننه، ج 2، ص 79.

(3) مقاتل الطالبيين، ص 71؛ بحار الانوار، ج 44، ص 343.

645 ه‍ -. ق - و هو إنّ شريك كان من محبّى أميرالمؤمنين عليه السلام و شيعته عظيم المنزلة جليل القدر فمرض، و سئل عبيداللّه (بن زياد) عنه فأخبر أنّه موعوك فأرسل ابن زياد اليه إنّى رايح اليك فى هذه الليلة لعيادتك. فقال شريك لمسلم بن عقيل: يابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم إنّ ابن زياد يريد عيادتى، فادخل بعض الخزائن فإذا جلس فاخرج و اضرب عنقه و إنّا أكفيك أمر من بالكوفة مع العافيه، و كان مسلم رحمه اللّه شجاعا مقداما جسورا ففعل ما أشار به شريك. فجاء عبيداللّه و سئل شريكا عن حاله و سبب مرضه و شريك عينه الى الخزانة واقمه و طال ذلك فجعل يقول (ما الإنتظار بسلمى لانحييها) يكرر ذلك، فأنكر عبيداللّه القول و التفت الى هانئ بن عروة و قال: ابن عمك يخلط فى علته و هانئ قد ارتعد و تغير وجهه، فقال هانئ إنّ شريكا يهجر منذ وقع فى المرض و يتكلم بما لايعلم. فثار عبيداللّه خارجا نحو قصر الإمارة مذعورا، فخرج مسلم و السيف فى كفّه و قال شريك: يا هذا ما منعك من الأمر، قال مسلم: لما هممت بالخروج تعلقت فىّ امراة، قالت: ناشرتك اللّه إن قتلت ابن زياد فى دارنا و بكت فى جهى (وجهى)، فرميت السيف و جلست. قال هانئ:

يا ويلها قتلتنى و قتلت نفسها *** و الذى فرت منه وقعت فيه(1)

فتأمل.

و كيف كان يؤيد النبوى أيضا بما روى فى المناقب عن ابى الصباح الكنانى قلت: لأبى عبداللّه عليه السلام إنّ لنا جارا من همدان يقال له: الجعد بن عبداللّه يسبّ أميرالمؤمنين عليه السلام أفتأذن لى أن أقتله‌؟ قال: إنّ الإسلام قيد الفتك، ولكن دعه فتكفى بغيرك. قال: فانصرفت الى الكوفة فصلّيت الفجر فى المسجد و إذا أنا بقائل يقول:

**

(1) مثيرالاحزان، ص 21-20.

وجد الجعد بن عبداللّه على فراشه مثل الزّق المنفوخ ميتا، فذهبوا يحملونه إذاً لحمه سقط من عظمه فجمعوه على نطمع (اى الجلد المدبوغ) و إذا تحته أسود، فدفنوه(1).

و هذه الرواية و إن كانت فيها مناقشة من ناحية تطبيقها على مورد السب مع أنّ الساب مهدور الدم فى الشرع كما سيجىء - إن شاء اللّه تعالى - إلاّ أنّ العبرة بعموم قوله عليه السلام إنّ الإسلام قيّد الفتك، و المورد محمول على صورة الخوف و نحوه مما لايجوز فيه القتل و لو فتكا.

و أيضا يؤيد النبوى بما رواه ابن أبى الحديد فى موضع: لما قبض رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم اشتغل على عليه السلام بغسله و دفنه و بويع ابوبكر خلا الزبير و ابوسفيان و جماعة من المهاجرين بعلّى عليه السلام و العباس لإجالة الرأى و تكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض و التهيج فقال العباس رضى الله عنه: قد سمعنا قولكم فلالقلةٍ نستعين بكم و لالظنة(2) نترك آرائكم فامهلونا نراجع الفكر، الى أن قال و اللّه لولا أنّ الإسلام قيد الفتك لتركركت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلىّ‌.(3)

و الوجه فى التأييد: إنّ النبوى كان عند العباس أمرا مسلما.

و يشهد له السيرة القطعية من الائمة الطاهرة فى مدة 250 سنة على عدم وقوع الفتك منهم بالنسبة الى مخالفيهم، و لايرغبون فى ذلك، و المسلمون فى أمان من هذه الناحية، و إن كانوا فاسقين و فاجرين، و ينقدح من ذلك كله حرمة الفتك بالنسبة الى من له الحرمة مطلقا عدا ما خرج. نعم سيأتى موارد جواز الفتك - إن شاء اللّه تعالى -.

**

(1) بحارالانوار، ج 47، ص 137.

(2) الظنة اى التهمة.

(3) بحارالانوار، ج 28، ص 328.

هنا فروع

الأوّل: الفتك حرام بالنسبة الى من له الحرمة بالاسلام

الأوّل: إنّ المحصل مما تقدم هو حرمة الفتك بالنسبة الى من له الحرمة بالإسلام و لو كان اعترافه به ظاهريا أو بالذمة أو بالأمان ما لم يهدر دمهم شرعا، و لعله لذلك لم يأذن الائمة عليهم السلام بقتل الخلفاء من بنى اُميه و بنى العباس لكونهم شهدوا بالإسلام و إن كانوا غير معتقدين و غير ناصحين فى دعويهم الخلافة، و يؤيد ذلك عدم نقل فتك بالنسبة الى الخلفاء من الائمة الطاهرين عليهم السلام أو إذنهم او ترغيبهم نحو ذلك، و هذا يؤكد النبوى المذكور و أنّه معمول به، نعم إذا وقع الحرب بين جند الإمام و جند مخالفيهم جاز قتلهم مطلقا سواء كان بنحو العلن أو بنحو الفتك. و يؤيد ذلك ما حكى عن البلاذرى من أنّ عمار بن أبى سلامة دالانى كان بصدد قتل عبيداللّه بن زياد عند حضوره فى جيشه ولكن لم يوفق لذلك.

الثانى: ارادة الفتك بالارادة المقارنة للقتل توجب اباحة دم الفاتك فى تلك الحال لكونه دفاعا حينئذ

الثانى: إنّ إرادة الفتك بالإرادة المقارنة للقتل توجب إباحة دم الفاتك فى تلك الحال لكونه دفاعا حينئذ و أمّا إذا أراد ذلك فى الآتى و قام بتهيئة مقدماته لم يكن مشمولا لجواز قتله، لأنّه قصاص قبل الجناية بل يجب على الحرس الحفاظة.

الثالث: ان المأخوذ بعنوان الاجرة فى مقابل الفتك حرام

الثالث: إنّ المأخوذ بعنوان الأجرة أو غيرها فى مقابل الفتك يكون محرما، لأنّ العمل الحرام مسلوب المالية و لافرق فى ذلك بين أن يكون المأخوذ فى مقابل العمل الكامل أو بعض مقدماته.

الرابع: حكم قصاص الفاتك

الرابع: إنّه إن ارتكب شخص فتكا فى مورد له الحرمة فعليه القصاص إن كان المفتوك مسلما و إلاّ فعليه الدية على تفصيل فى محله. و إن تكرر ذلك من احد لايبعد كونه محكوما بالافساد و يترتب عليه احكام المفسد فلايكون حينئذ امره بيد اولياء المقتول فقط، بل امره أيضا بيد الحاكم الاسلامى، فلو أخذ اولياء المفتوك الدية فللحاكم الاسلامى أن ياخذه و يجرى عليه احكام المفسد.

الأمر الثالث: فى موارد جواز الفتك

منها: الفتك بالكفار فى حال الحرب

منها: هو الفتك بالكفار الذين يكونون فى حال الحرب مع المسلمين و لم يمتنعوا عن الفتك و غيره فى تضعيف المسلمين، و عليه فالفتك بهم فى هذه الحالة هو المعاملة بالمثل و يشمله قوله تعالى: (فَمَنِ اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ‌) (1).

و هذا مضافا الى الشواهد التاريخية:

منها: رواية ابن اسحاق: ان رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم لما سمع اشعار «عصما» و هى حرّضت الناس على ضدّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم استدعى من اصحابه أن يقدم بعضهم فى هلاكتها بقوله: «ألا أخذ لى من ابنة مروان».(2)

فأقدم على ذلك عمير بن عدى بعد الاستجازة من النبى صلى الله عليه وآله و سلم عند رجوعه صلى الله عليه وآله و سلم من البدر و مدحه حسان بن ثابت فى ضمن اشعار و دعا له ان يرتوى بشربة باردة من اشربة الجنة.(3) ثم بعد قتل «عصما» أظهر عدة من بنى خطمة ايمانهم برسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم ممن خافوا من ذلك قبل قتل «عصما».

ومنها: إنّ كعب بن أشرف قد أذى رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم و ذهب بعد قصة البدر الى مكة و أنشد اشعارا فى مدح القتلى من القريش و حرّض القريش على الحرب مع المسلمين فاستجاز ابونائلة عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى قتله فأجازه و لما أراد الخروج من المدينة شيعه النبى صلى الله عليه وآله و سلم حتى البقيع و ذهب ابونائلة الى كعب و فتك به فإذا علم

**

(1) البقرة، 194.

(2) السيرة النبوية لابن هشام، ج 3، ص 637 على ما حكى.

(3) السيرة النبوية لابن هشام، ج 4، ص 637؛ امتاع الاسماع، ص 103 و المغازى، ج 1، ص 173 على ما حكى.

المسلمون بذلك رفعوا اصواتهم بالتكبير فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم عن مكانه و استقبله.(1)

ومنها: إنّ قوم الخزرج استجازوا من النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى قتل ابن ابى الحقيق اليهودى فأجاز ففتكوا به و مدحهم حسان فى ضمن اشعاره.(2)

ومنها: إنّ اليهود بعد قتل كعب جاؤوا عند النبى صلى الله عليه وآله و سلم و قالوا إنّ كعب قتل فتكا فذكر النبى صلى الله عليه وآله و سلم سوء أفعال كعب و أمرهم بأن يجدّدوا الميثاق معه (حتى يحفضوا) فجددوا الميثاق.(3)

ومنها: إنّه حكى ابن اسحاق أنّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم لما قال للمسلمين: اقتلوا ائمة اليهود أينما وجدتموهم، قتل محيصة بن مسعود تاجرا من اليهود.(4)

ومنها: إنّ ابن سعد لما سمع رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم أنّ سفيان بن خالد من قبيلة هذيل من طائفة لحيان أراد تجهيز القوى للحرب مع المسلمين أرسل عبداللّه بن انيس حتى يقتله، فذهب عبداللّه اليه و قال له: إنّى سمعت أنّك أردت الحرب مع محمد صلى الله عليه وآله و سلم و أنا أيضا معك و استقبل سفيان من ذلك و لما وجده عبداللّه منفردا قتله و رجع الى المدينة.(5)

ومنها: إنّ سلام بن ابى الحقيق من بنى النضير جمع عدة كثيرة من قبيلة غطفان

**

(1) المغازى، ج 1، ص 189-187؛ السيرة النبوية لابن هشام، ج 3، ص 57-55 و تاريخ المدينة، ج 2، ص 457 على ما حكى.

(2) السيرة النبوية لابن هشام، ج 3، ص 276.

(3) تاريخ المدينة، ج 2، ص 461؛ سبيل الهدى و الرشاد، ج 6، ص 46 و المصنف لعبد الرزاق، ج 5، ص 204 على ما حكى.

(4) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1، ص 58 على ما حكى.

(5) الطبقات الكبرى، ج 2، ص 51-50 على ما حكى.

للحرب مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فلما سمع رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم ذلك أرسل خمس نفرات تحت لواء عبداللّه بن عتيك الى خيبر لقتل سلام و عبداللّه علم لغة العبرانى و كان امه الرضاعى فى خيبر و لذا أمكن لهم النفوذ فى خيبر و قتلوا سلاما فى جوف داره ثم رجعوا الى المدينة فلما رآهم النبى صلى الله عليه وآله و سلم شكرلهم.

و أنشد حسان اشعاره و منه:(1)

للّه درّ عصابة لاقيتهم *** يابن الحقيق و انت يابن الاشراف(2)

ومنها: إنّ ابن الاثير قال فى الكامل: لما قتل عاصم و اصحابه، بعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم عمرو بن امية الضمرى الى مكة مع رجل من الانصار و أمرهما بقتل ابى سفيان، قال عمرو: فخرجت أنا و صاحبى و معى بعيرلى و برجل صاحبى علة فكنت أحمله على بعيرى حتى إذا جئنا ببطن أحج (يأحج) فعقلنا بعيرنا فى الشعب، و قلت لصاحبى: انطلق بنا الى ابى سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئا فالحق بالبعير فاركبه و الحق برسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم و أخبره الخبر و خلّ عنى. فدخلنا مكة و معى خنجر إن عانقنى انسان ضربته به، الى أن قال: فمررنا بمجلس لهم فعرفنى بعضهم فصرخ - بأعلى صوته -: هذا عمرو بن امية، فثار اهل مكة الينا و قالوا: ما جاء إلاّ لشرّ و كان فاتكا متشيطنا فى الجاهلية. فقلت لصاحبى: النجاء هذا الذى كنت أحذر، أمّا ابوسفيان فليس اليه سبيل، فانج بنفسك، فعدنا حتى صعدنا الجبل فدخلنا فى غار، فبينا نحن فيه ليلتنا ننتظر ان يسكن الطلب، قال: فواللّه إنّى لفيه اذ أقبل عثمان بن مالك التيمى بفرس له، فقام على باب الغار، فخرجت اليه فضربته بالخنجر، فصاح صيحة أسمع اهل

**

(1) السيرة النبوية لابن هشام، ج 3، ص 57 و 276 و 274 على ما حكى.

(2) ما ذكرته من السيرة كان بنقل كتاب سيرة رسول خدا صلى الله عليه وآله و سلم لمؤلفه الشيخ الجعفريان فى صفحات 497 و 499 و 500 و 501 و 532 و 547.

مكة، فاقبلوا اليه و رجعت الى مكانى فوجدوه و به رمق، فقالوا: من ضربك‌؟ فقال: عمرو بن امية ثم مات، و لم يقدر الا يخبرهم بمكانى. و شغلهم قتل صاحبهم عن طلبى. الى أن قال: و سرت حتى دخلت غار الضجنان (بضجنان) و معى قوسى و اسهمى، فبينا أنا فيه إذ دخل من بنى أعور طويل يسوق غنما له، فقال: من الرجل، فقلت: من بنى الدئل، فاضطجع معى و رفع عقيرته (صوت المغنى والباكى) يتغنى و يقول:

لست مسلما ما دمت حيا *** و لست ادين دين المسلمينا

ثم نام، فقتلته. ثم سرت، فإذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان امر رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فرميت احدهما بسهم فقتلته، و استاسرت الأخر، فقدمت على رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم وأخبرته الخبر، فضحك و دعا لى بخير.(1)

فيظهر مما تقدم أنّ الفتك بالكفار الفاتكين كان مورد تائيد النبى صلى الله عليه وآله و سلم مضافا الى أنّه المعاملة بالمثل لاغناء عنها بعد كون العدو فى حال الحرب و الاعتداء على المسلمين بمثل ذلك، و عليه فإطلاق قوله صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ الاسلام قيد الفتك، يقيد بامثال ما ذكر للاطمئنان بوقوعه كما لايخفى.

منها: الفتك بالسابين و الناصبين للعداوة مع الرسول و الأئمة عليهم السلام

اشارة

ومنها: الفتك بالسابّين و الناصبين للعداوة مع الرسول و الائمة الاطهار و فاطمة بنت النبى (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و الاخبار فى ذلك كثيرة.

أحدها: ما رواه فى الكافى بسند صحيح عن على بن جعفر قال: أخبرنى أخى موسى عليه السلام قال: كنت واقفا على رأس أبى حين أتاه رسول زياد ابن عبيداللّه الحارثى عامل المدينة، قال: يقول لك الأمير: انهض إلىّ فاعتل (عليه - يب) بعلة، فعاد اليه

**

(1) الكامل، ج 2، ص 117-116.

الرسول فقال له: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصور فهو أقرب لخطوتك، قال: فنهض ابى و اعتمد علىّ و دخل على الوالى و قد جمع فقهاء (اهل - يب) المدينة كلهم و بين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من اهل وادى القرى فذكر النبى صلى الله عليه وآله و سلم فنال منه، فقال له الوالى: يا اباعبداللّه انظر فى (هذا - يب) الكتاب، قال: حتى أنظر ما قالوا، (قال - يب) فالتفت اليهم، فقال: ما قلتم‌؟ قالوا: قلنا يؤدب و يضرب و يعزر و يحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلا من اصحاب النبى صلى الله عليه وآله و سلم (بمثل ما ذكر به النبى صلى الله عليه وآله و سلم - كا) ما كان الحكم فيه‌؟ قالوا: مثل هذا، قال: (سبحان اللّه فقال - كا) فليس بين النبى صلى الله عليه وآله و سلم و بين رجل من اصحابه فرق، قال: فقال الوالى: دع هولاء يا اباعبداللّه، لو أردنا هولاء لم نرسل اليك (قال - يب).

فقال ابوعبداللّه عليه السلام: أخبرنى أبى عليه السلام: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قال: (إنّ - كا) الناس فىّ أسوة سواء من سمع احدا يذكرنى فالواجب عليه أن يقتل من شتمنى و لايرفع الى السلطان و الواجب على السلطان إذا رفع أن يقتل من نال منى. (قال - يب) فقال زياد بن عبيداللّه: أخرجوا (هذا - يب) الرجل فاقتلوه بحكم أبى عبداللّه عليه السلام.(1)

ظاهره وجوب القتل على كل من تمكن منه و لايلزم رفعه الى السلطان.

وثانيها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: إنّ رجلا من هذيل كان يسبّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وآله و سلم فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الانصار، فقالا: نحن يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم، فانطلقا حتى أتيا عربةً (ناحية بقرب المدينة) فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه فلحقاه بين اهله و غنمه، فلم يسلّما عليه، فقال: من انتما؟ و ما اسمكما؟ فقالا له: انت فلان بن فلان، فقال: نعم، فنزلا فضربا عنقه.

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 24 من أبواب القذف، ح 2.

قال محمد بن مسلم: فقلت: لابى جعفر عليه السلام أرايت لو أنّ رجلا الان سبّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم أيقتل‌؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله(1). صدر الحديث يدل على أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم بعث للفتك، و ذيله يدل على أنّ حكم الساب هو القتل من دون استيذان من الحاكم إلاّ أنّه مشروط بعدم الخوف على نفس المؤمن.

لايقال: لعل قوله: فاقتله، اذن لذلك.

لأنّا نقول: إنّ الظاهر أنّه فى مقام بيان الحكم فى فرض فرضه السائل لا الاذن لمن استاذن منه.

وثالثها: صحيحة داود بن فرقد، قال: قلت: لابى عبداللّه عليه السلام ما تقول فى قتل الناصب‌؟ قال: حلال الدم، لكنى اتقى عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه فى ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل. قلت: فماترى فى ماله‌؟ قال: توّه ما قدرت عليه.(2) توّه اى أهلك و هو كناية على التصرف.

و المراد من النواصب هم الفرقة الملعونة التى تنصب العداوة و تظهر البغضاء لاهل البيت عليهم السلام كمعاوية و يزيد و من تبعهما، و لاشبهة فى كفرهم لانكارهم ضرورى الاسلام و هو حب أهل البيت عليهم السلام و هو مما صرح به الله سبحانه و تعالى فى القرآن و اصر عليه النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى مواطن كثيرة.

و كيف كان تدل هذه الصحيحة على اختصاص جواز الفتك بالناصبين بما إذا كان قادرا عليه و لايلزم منه مفسدة على الفاتك أو غيره من المؤمنين.

ورابعها: صحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لابى عبداللّه عليه السلام: ما تقول فى رجل

**

(1) جامع الاحاديث، الباب 24 من أبواب الفذف، ح 3.

(2) جامع الاحاديث، الباب 24 من أبواب القذف، ح 13.

سبّابة لعلى عليه السلام‌؟ قال: فقال لى: حلال الدم و اللّه لو لا أن تعمّ (يغمز - يب) به بريئا.

قال: فقلت: فما تقول فى رجل مؤذ لنا؟ قال: فقال: فيماذا؟ (قال - يب) فقلت: (مؤذينا - كا) فيك بذكرك. قال: فقال (لى - كا) له: فى على عليه السلام نصيب. فقلت (له - يب): إنّه ليقول: ذاك و يظهره. قال: لاتعرض له.(1)

و قدم اظهار الولاية لعلى عليه السلام على ما ذكره بالنسبة الى أبى عبداللّه عليه السلام.

و رواه فى علل الشرايع عن أبيه عن احمد بن ادريس عن احمد بن محمد عن على بن الحكم عن هشام بن سالم، قال: قلت لابى عبداللّه عليه السلام: ماترى فى رجل سبّاب لعلّى عليه السلام‌؟ قال: هو و اللّه حلال الدم لولا ان يعمّ به بريئا. قلت: اى شىء يعمّ به بريئا؟ قال: يقتل مؤمن بكافر.(2)

وخامسها: صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبداللّه عليه السلام انه سئل عمن شتم رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فقال: يقتله الأدنى فالادنى قبل أن يرفعه الى الامام.(3)

وسادسها: صحيحة محمد بن مرازم عن أبيه، قال: خرجنا مع أبى عبداللّه عليه السلام حيث خرج من عند أبى جعفر المنصور من الحيرة، فخرج ساعة أذن له و انتهى الى السالحين (موضع على اربع فراسخ من بغداد الى المغرب على ما حكى فى المغرب) فى اول الليل، فعرض له عاشر كان يكون فى السالحين فى اول الليل، فقال له: لا أدعك أن تجوز فالحّ عليه و طلب اليه فأبى اباء، و أنا و مصادف معه، فقال مصادف: جعلت فداك، إنّما هذا كلب قد آذاك و أخاف أن يردّك و ما أدرى ما يكون من امر أبى جعفر و أنا و مرازم، أتاذن لنا أن نضرب عنقه ثم نطرحه فى النهر؟ فقال: كفّ‌

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 24 من أبواب القذف، ح 9.

(2) المصدر، ح 10.

(3) الكافى، ج 7، ص 259.

(كيف - خ) يا مصادف! فلم يزل يطلب اليه حتى ذهب من الليل اكثره، فاذن له، فمضى. فقال: يا مرازم! هذا خير أم الذى قلتماه‌؟ قلت: هذا، جعلت فداك. فقال: إنّ الرجل يخرج من الذل الصغير فيدخله ذلك فى الذل الكبير(1).

ولعله محمول على أنّه من الناصبين أو السابين و لم يأذن الامام بالقتل لوجود الخوف عليهم و كيف كان فلاتصلح للاستدلال لإجمالها.

وسابعها: ما رواه فى عيون الاخبار بالإسناد المتقدم عن الرضا عليه السلام فى حديث محض الإسلام؛ و لايجوز قتل احد من الكفار و النصاب فى دار التقية الا قاتل اوساع (باغ - خ ل) فى فساد و ذلك إذا لم تخف على نفسك و على اصحابك(2).

و فى بعض النسخ قاتلا، و هو الاصح. و أمّا هذه النسخة فمحمولة على تقدير قتل، اى: إلاّ قتل قاتل او قتل ساع. و كيف كان يدل الخبر المذكور على عدم جواز قتل النصاب فى دار التقية، و معلوم إنّ الوجه فى المنع هو الدار التقية و الاّ فلامانع منه.

فتحصّل: أنّ الساب و الناصب مباح الدم و هما كالكفار الحربيين فى أنّهم يسعون فى هدم الإسلام و الاولياء، و يستحقون القتل و لايشترط جواز قتلهم بإذن خاص او عام من الامام عليه السلام او نائبه، بل جواز القتل حكم شرعى دائمى صادر عن الشارع. نعم، يكون ذلك الحكم مقيدا بعدم عروض الضرر على الفاتك او اصحابه، لحكومة ادلة نفى الضرر عليه.

هذا مضافا الى قوله عليه السلام: «إن لم تخف على نفسك، فاقتله» فى صحيحة محمد بن مسلم، او قوله عليه السلام: «إذا لم تخف على نفسك و على اصحابك» فى خبر عيون

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 24 من أبواب القذف، ح 16.

(2) جامع الأحاديث، الباب 8 من أبواب حد المحارب و المرتد، ح 11.

الاخبار، بدعوى: أنّ المستفاد منه هو اشتراط جواز الفتك و القتل بعدم عروض الخطر و الضرر على النفس و اصحابه.

أورد عليه فى جامع المدارك بأنّه: يمكن أن يقال: يمكن الخدشة فى ادلة نفى الضرر و حمل دليل نفى الضرر على عدم الجواز، نظير نفى الرفث و الفسوق فى الحج فى الاية الشريفة، فلايكون دليل نفى الضرر حاكما على ادلة الاحكام و ثانيا: نقول: إنّ الظاهر أنّه يلاحظ الاهمية مع فرض التقديم و الحكومة، ألا ترى أنّ الحج فى الاعصار السابقة كان ملازما لتحمل الضرر المالى و لم يقل احد بسقوط التكليف من جهة الضرر.

و أمّا الصحيحة المذكورة، فالشرط المذكور فيها عدم الخوف على النفس لاعدم الخوف على العرض و المال الخطير. نعم، صحيحة داود بن فرقد، قال: قلت لابى عبداللّه عليه السلام: ما تقول فى قتل الناصب‌؟ فقال: حلال الدم، ولكن اتقى عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا او تغرقه فى ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل، الحديث. يستفاد منها: أنّه مع عدم القدرة على النحو المذكور لايجب المبادرة، لكنّه يكون الحكم مربوطا بالناصب لاالسابّ‌.(1)

وفيه: أولاً: إنّ ارادة خصوص النهى من النفى من دون قيام قرينة عليه مع إمكان ارادة التعميم (تعميم النفى) بلحاظ مطلق الحكم - تكليفا كان او وضعيا - خلاف الظاهر من ذلك التركيب الذى هو جملة اسمية، هذا بخلاف مثل: "لاجلب فى الاسلام" او "لابنيان كنسية فى الاسلام" فإنّ نفى الحكم فيها بنحو المطلق - تكليفا كان او وضعيا - غير ممكن، لان المفروض فيهما كونهما محكومين بالحكم التكليفى

**

(1) جامع المدارك، ج 7، ص 112.

المتعلق بالفعل المصدرى و هو النهى عن الزام صاحب الماشية بسوق الماشية نحو الساعى للزكاة فى الأوّل، و النهى عن الإحداث فى الثانى. و من المعلوم أنّ عدم إمكان تعميم النفى يكون قرنية على ارادة خصوص النهى من النفى، كما أنّ ارادة غير الوضع فى مثل قوله: لاشفاء و لاحرج و نحوهما كذلك.

هذا مضافا الى أنّ مدخول «لا» طبيعة الضرر بمعناه الاسم المصدرى، لابمعناه المصدرى الذى هو فعل المكلف، فنفيه لايختص بخصوص فعل المكلف ليكون لازم نفيه حرمته، بل يعمه و الضرر الحاصل من امتثال احكامه تعالى.

وثانياً: إنّ حديث نفى الضرر لايشمل الاحكام التى تكون واردة مورد الضرر كالجهاد و الخمس و الزكاة و الحج، نعم لو كان الحج و نحوه موجبا للضرر الزائد عن الضرر المعمول لايبعد سقوطه بحديث نفى الضرر.

وثالثاً: إنّه لاخصوصية للناصب، و عليه فما ورد فى صحيحة داود بن فرقد يجرى فى الحكم فى الساب أيضا، هذا مضافا الى أنّ الموضوع فى صحيحة محمد بن مسلم هو الساب، على أنّ عموم «لاضرر» يكفى فى نفى الضرر من ناحية العرض و المال المعتد به الخطير.

و لقد أفاد و أجاد السيّد المحقّق الخوئى حيث قال: يجب قتل من سب النبى صلى الله عليه وآله و سلم على سامعه، ما لم يخف الضرر على نفسه او عرضه او ماله الخطير.(1)

ثم إنّ المستفاد من صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: ما تقول فى رجل سبابة لعلى صلوات اللّه عليه‌؟ قال: فقال: حلال الدم و اللّه، لو لا أن تعمّ به بريئا، الحديث، إنّ حكم سب على عليه السلام حكم سب النبى صلى الله عليه وآله و سلم، بل الامر كذلك فى

**

(1) مبانى تكملة المنهاج، ج 1، ص 264، مسألة 214.

الائمة عليهم السلام و سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، لأنّ كلهم يجرون مجرى واحداً و هذا من المسلمات المتصلة الى زمان المعصوم عليه السلام.

و لذا قال فى جامع المدارك: و كذا الكلام فيمن سب احد الائمة (صلوات اللّه عليهم) إجماعا انتهى.

و يؤيده خبر على بن حديد المروى عن رجال الكشى: سمعت من يسال أبا الحسن الأول عليه السلام فقال: إنّى سمعت محمد بن بشير يقول: إنّك لست موسى بن جعفر الذى هو امامنا و حجتنا بيننا و بين اللّه تعالى (و نال منك - ظ) فقال: لعنه اللّه (ثلاثا) و اذاقه اللّه حرّ الحديد قتله اللّه اخبث ما يكون من قتلة، فقلت: إذا سمعت ذلك منه، او ليس حلالا لى دمه مباحا كما ابيح دم الساب لرسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم و للامام عليه السلام‌؟ فقال: نعم، (حل و اللّه) حلّ و اللّه دمه و اباحه لك و لمن سمع ذلك منه. قلت: او ليس ذلك بساب لك‌؟ قال: هذا سابّ للّه و ساب لرسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم و ساب لآبائى عليه السلام و ساب لى و اى سبّ ليس يقصر عن هذا و لايفوقه هذا القول، الحديث.(1)

والمستفاد منه: أنّ سابّ الائمة عليهم السلام كساب اللّه و رسوله صلى الله عليه وآله و سلم، قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و أمّا إلحاق سب الائمة و فاطمة الزهراء بالنبى (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فلاخلاف بين الاصحاب، بل ادعى عليه الإجماع بقسميه، و ذلك لما علم من الخارج بالضرورة أنّ الائمة عليهم السلام والصديقة الطاهرة عليها السلام بمنزلة نفس النبى (صلوات اللّه عليه) و أنّ حكمهم حكمه و كلهم يجرون مجرى واحدا، و تؤكد ذلك عدة روايات.(2)

نعم، إن اظهر الساب الولاية لعلى عليه السلام ففى جواز قتله تامل، و ذاك لصحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: فما تقول فى رجل مؤذ لنا؟ قال: فقال: فى ماذا؟

**

(1) الوسائل، الباب 27 من أبواب حد القذف، ح 6.

(2) مبانى تكملة المنهاج، ج 1، ص 264.

قلت: مؤذينا فيك بذكرك. قال: فقال لى: له فى على نصيب‌؟ قلت: إنّه ليقول ذاك، و يظهره. قال: لاتعرض له.(1)

حيث امر بعدم التعرض عند وجود نصيب من الولاية له مع أنّه نال من الامام أبى عبداللّه الصادق عليه السلام.

أللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه قضية فى واقعة. و لعل التعرض له يوجب اثارة الفتنة. لايقال: فى قوله: (له فى علّى نصيب) احتمالان: احدهما: أن يكون فى مقام الاستفهام و المراد هو السؤال عنه أنّه يتولى عليا او لا؟ و يقول بامامته او لا؟ و ثانيهما: أن يكون استفهاما انكاريا، يعنى كيف يكون شاتمنا مواليا لعلى عليه السلام، و كيف كان فالرواية مجملة فلايصلح للاستدلال.

لانّا نقول: قوله: «لاتعرض» قرينة على أنّ الاستفهام ليس بانكارى، و إلاّ فلايساعده قوله عليه السلام: «لاتعرض له» كما لايخفى.

و كيف كان فالسب او النصب للعداوة لاهل البيت عليهم السلام يوجبان إباحة الدم، فيجوز حينئذ قتله، و لو بالفتك، كما صرح به فى صحيحة داود ابن فرقد، نعم، يشترط ذلك بعدم عروض خطر و ضرر على الفاتك او اصحابه او غيرهم من المؤمنين او عرضهم او اموالهم الخطيرة، و لاحاجة فى جواز القتل الى الاستيذان من الحاكم.

ثم إنّ قتل الساب و الناصب و إن لم يكن مقيدا بصورة الفتك ولكنه يتحقق به غالبا فى مقام العمل، كما لايخفى، و قد تقدم صحيحة داود بن فرقد التى تدل على جواز تخريب الحائط عليه او غرقه فى الماء عند القدرة، و من المعلوم أنّهما من موارد الفتك كما لايخفى.

**

(1) الكافى، ج 7، ص 269.

ومنها الارتداد و هنا روايات:

الرواية الاولى: هى ما رواه فى الفقيه بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام، قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، و قال: من اطلع على مؤمن فى منزله فعيناه مباحتان للمؤمن فى تلك الحال، و من دمر على مؤمن فى منزله بغير اذنه فدمه مباح للمؤمن فى تلك الحال، و من جحد نبيا مرسلا نبوته و كذبه فدمه مباح. قال: قلت: أرايت من جحد الامام منكم، ما حاله‌؟ فقال: من جحد اماما برئ من اللّه و برئ منه و من دين اللّه فهو كافر مرتد عن الاسلام لأنّ الامام من الله و دينه دين الله و من بر من دين الله فهو كافر و دمه مباح فى تلك الحال، إلاّ ان يرجع و يتوب الى اللّه عزوجل مما قال: و من فتك بمؤمن يريد ماله و نفسه فدمه مباح للمؤمن فى تلك الحال.(1)

هذه الرواية تدل على إباحة دم من جحد النبى المرسل و كذبه، و هكذا تدل على إباحة دم من جحد الامام عليه السلام لان دينه دين اللّه، و أمّا إنّ إباحة الدم لكل من سمع فلاصراحة فيها. نعم، لعلّ وحدة السياق تدل على كونه كذلك، فتامل. و كيف كان يختص ذلك بجحد النبوة و أمّا جحد الامام فهو محمول على ما إذا قطع بنصب الامام من ناحية اللّه و رسوله او محمول على من لم يقطع بالنصب. ولكن احتمل ذلك و كان مقصرا فى عدم التحقيق الذى يكون ممكنا له، و أمّا الجاهل القاصر فلايكون مرتدا بانكار ما لم يعلم و لم يمكن له التحقيق فيه، و على كل تقدير لم يعامل معهم معاملة الكفار ما لم يتركوا الشهادتين كما عليه السيرة.

الرواية الثانية: هى ما رواه فى الكافى بسند موثق عن عمار الساباطى: قال:

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 2 من أبواب حدّ المحارب و المرتد، ح 1.

سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام و جحد محمدا صلى الله عليه وآله و سلم نبوته و كذّبه فان دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد فلاتقربه و يقسم ماله على ورثته و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها و على الامام أن يقتله (ان أتى به - فقيه) و لايستتيبه.(1)

ظاهر هذه الرواية إنّ إباحة الدم لكل من سمع، و عليه يحمل قوله: «و على الامام أن يقتله» على صورة الإتيان به الى الامام، كما يشهد له نسخة الفقيه، لا أنّ ذلك مختص بالامام، كما هو ظاهر قوله: «و على الامام أن يقتله» على نسخة غير فقيه، و به يرفع اليد عن ظاهر قوله عليه السلام: «فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه» و لااقل من الإجمال فلايجوز بدون اذن الامام.

الرواية الثالثة: ما رواه فى الكافى بسند صحيح عن محمد بن مسلم: قال: سالت أباجعفر عليه السلام عن المرتد، فقال: من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل اللّه على محمد صلى الله عليه وآله و سلم بعد إسلامه فلاتوبة له، و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و يقسم ما ترك على ولده.(2)

هذه الرواية تدل على وجوب القتل، و أمّا جوازه او وجوبه لكل من سمع، فساكتة عنه.

الرواية الرابعة: هى ما رواه فى الكافى بسند صحيح عن على بن جعفر عن أخيه أبى الحسن عليه السلام: قال: سالته عن مسلم تنصّر؟ قال: يقتل و لايستتاب. قلت: فنصرانى أسلم ثم ارتد عن الإسلام‌؟ قال يستتاب، فان رجع، و إلاّ قتل.(3)

و هذه الرواية ساكتة بالنسبة الى جواز قتله لكل من سمع ذلك.

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 2 من أبواب حد المحارب و المرتد، ح 2.

(2) جامع الأحاديث، الباب 2 من أبواب حد المحارب و المرتد، ح 3.

(3) جامع الأحاديث، الباب 2 من أبواب حد المحارب و المرتد، ح 6.

الرواية الخامسة: هى ما رواه فى الكافى بسند صحيح عن عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه عليه السلام: قال: من شك فى اللّه و فى رسوله صلى الله عليه وآله و سلم فهو كافر.(1)

و لعلّه ظاهر فى حدوث الشك فى اللّه و فى رسوله بعد ما اعتقد بهما و الاّ فلايكون مرتبطا بالارتداد.

قال فى جامع المدارك: إنّ الشاك تارة لايظهر شكه و يظهر الإسلام و هو كافر واقعا و يعامل معه معاملة المسلم، و المنافقون كانوا كذلك، و كانوا محقونين من جهة الدم و مع إظهار الإسلام سابقا يكون مرتدا و مع عدم الإسلام كافر غير مرتد يعامل معه معاملة سائر الكفار.(2)

و قد عرفت أنّ الظاهر من قوله: «من شك فى اللّه، الخ» حدوث الشك بعد الإسلام فلايشمل الكافر غير المرتد ثم مع حدوث الشك سواء كان مسبوقا بالإسلام فطرة او ملة، يساوى المرتد فالمرتد سواء كان مليا او فطريا، فهو مشمول لهذه الرواية الدالة على كفره. ثم الفطرى محكوم بالقتل، و لافرق بين أن يتوب او لا، و الملى محكوم بالقتل إن استتيب و لم يتب.

فروع
أحدها: ان امر المرتد بيد الحاكم

أحدها: إنّ دلالة بعض الاخبار على جواز قتل المرتد لكل من سمع، محل اشكال. و القدر المتيقن منه هو أنّ امر المرتد بيد الحاكم الشرعى، و يؤيد ما ذكر ما حكاه فى الجواهر عن المسالك إنّ قتل المرتد بدون اذن الامام يوجب الاثم.(3)

و ثانيها: انه لاقود على قاتل المرتد

ثانيها: قال فى الجواهر: أمّا لو قتله (أى المرتد) مسلم فلاقود قطعا لعدم المكافأة و

**

(1) جامع الأحاديث، باب 7 من أبواب حد المحارب و المرتد، ح 1.

(2) جامع المدارك، ج 7، ص 113.

(3) الجواهر، ج 42، ص 166.

فى الدية تردد و الاقرب عند المصنف و الفاضل و غيرهما: أنّه لادية للاصل و عدم احترام نفسه و إن اثم غير الامام بقتله.

ولكن قد يناقش بأنّ ذلك يقتضى عدم القود فى الاول (اى قتل الذمى مرتدا) فان دعوى اختصاص عدم الاحترام بالنسبة الى المسلمين خاصة لادليل عليها، و من هذا احتمل وجوب الدية لانه محقون الدم بالنسبة الى غير الامام.(1)

و ثالثها: ان اجراء قتل المرتد بيد الحاكم الشرعى

ثالثها: إنّ إجراء القتل بيد الحاكم الشرعى، فان راى المصلحة فى إجرائه علنا فهو، و إن لم يَرَ ذلك فله إجراء القتل فتكا إن لم يترتب عليه ضرر عليه او علي المسلمين او على الإسلام.

و رابعها: حكم المأخوذ فى قبال الفتك

رابعها: إنّ المأخوذ فى قبال الفتك حلال ان كان مع الاستئذان من الحاكم الشرعى و إلاّ فهو حرام.

و خامسها: فى شرائط تحقق الارتداد

خامسها: إنّ الارتداد يتحقق بانكار المعلوم و المقطوع من الدين، سواء كان ضروريا او غيره، فاذا علم بذلك و أنكره اختيارا و عمدا كان مرتدا، و يلحق به الجاهل المقصر مع إمكان تعلم الدين و تقصيره فيه، لإطلاق الخطاب و شموله للعامد، و المفروض ان الجاهل المقصر عامد، نعم الجاهل القاصر لايحكم بارتداده إن أنكر المعلوم و المقطوع من الدين لجهالته و خروجه عن اطلاق الخطاب بالقرينة العقلية و الارتكازية.

و هكذا لو قال احد: إن كان هذا من الدين فأنا لا اقبله، لاعتقاده بأنّه ظلم و نحوه، و كان فى الواقع من الدين و لم يكن ظلما، فهو ليس بارتداد، فإنّه أنكر الظلم فى اعتقاده لاالدين. و إن اعتقد احد بكون شىء من الدين ولكن جادل، و قال: إنّه لم

**

(1) الجواهر، ج 42، ص 166.

يكن مما قاله اللّه او رسوله، أمكن أن يقال: إنّه لم يكن مرتدا، لانه لم ينكره، و إنّما افترى على اللّه و رسوله بأنّهما لم يقولا ذلك. نعم إن كان صائما بطل صومه، لانه كذب على اللّه و رسوله، ولكن لاوجه لارتداده بذلك كما لايخفى.

و سادسها: فى حكم الشك فى الارتداد

سادسها: إنّه إذا شك فى تحقق الارتداد و عدمه، فمقتضى الاستصحاب هو الحكم بكون المسلم باقيا على اسلامه و لا ارتداد.

و سابعها: فى حكم انكار الارتداد

سابعها: إنّه إن ادعى المرتد أنّه لم يقصد الإنكار، فلايبعد استماع دعواه، لان الحدود تدرء بالشبهات. هذا مضافا الى أنّه أعرف بنيته.

ومنها: ادعاء النبوة، قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: من ادعى النبوة وجب قتله من دون حاجة الى الاذن من الحاكم الشرعى من دون خلاف بين الفقهاء.

وتدل على ذلك معتبرة أبن أبى يعفور،(1) قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: إنّ بزيعا يزعم أنّه نبى، فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله، الحديث.(2) و معتبرة أبى بصير يحيى بن ابى القاسم(3) عن أبى جعفر عليه السلام فى حديث: قال النبى صلى الله عليه وآله و سلم: أيّها الناس! لابنى بعدى و لاسنة بعد سنتى فمن ادعى ذلك فدعواه و بدعته فى النار فاقتلوه و من تبعه فإنّه فى النار.(4)

قوله عليه السلام: «إن سمعته يقول ذلك فاقتله»، و قوله صلى الله عليه وآله و سلم: «أيّها الناس لابنى بعدى و لاسنة بعد سنتى فمن ادعى ذلك فدعواه و بدعته فى النار فاقتلوه، الحديث» يدلان

**

(1) روى فى الكافى عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن حماد بن عثمان عن ابن ابى يعفور.

(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب حد المرتد، ح 2.

(3) روى فى الفقيه باسناده عن على بن الحكم عن ابان الاحمر عن ابى بصير يحيى بن ابى القاسم.

(4) نفس المصدر، ح 3.

على جواز قتل من ادعى النبوة من دون احتياج الى الاستئذان، أللّهمّ إلاّ أن يقال: قتل من ادعى ذلك من الحدود و اقامتها من وظائف الامام عليه السلام، و الامر بالقتل لعله من باب إعمال الولاية لا من باب بيان حكم القتل من دون حاجة الى الاستئذان فتأمل.

ثم إنّ من تدين بما ادعى مدعى النبوة، كان مرتدا، إن كان تدينه به بعد كونه مسلما، و يترتب عليه احكام المرتد و إن شهد بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله و سلم، لان اللازم كما هو المحكى عن سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد قدس سره هو الشهادة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله و سلم فى حال الشهادة و المتدين بما ادعى مدعى النبوة لم يشهد على ذلك بل هو شهد على أنّ نبينا كان نبينا و النبى حال الشهادة هو المدعى للنبوة و هو ارتداد.

و مما ذكر يظهر حكم الفرق الضالة المضله كالبهائيين فإنّهم لايشهدون بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله و سلم فى حال الشهادة. هذا مضافا الى إنكارهم الخاتمية مع أنّها من الضروريات و إنكارها مع العلم او الجهل التقصيرى يوجب الكفر و الارتداد.

ثم عرفت أنّ امر قتلهم بيد الحاكم الشرعى، فإن لم يكن مانع فهو، و إلاّ فان أمكن الفتك فهو، و إلاّ فسقط التكليف مادام كان الامر كذلك.

تنبيه: فى عدم مشروعية فتك جماعة يكون فيهم من لايستحق لذلك

تنبيه: فى عدم مشروعية فتك جماعة يكون فيهم من لايستحق لذلك و غير خفى أنّ جواز الفتك فى الموارد الخاصة يختص بمستحقه فلايجوز فتك غيره ممن لايستحق ذلك و إن لم يكن مسلما، و لم أر موردا جوّز الشارع فتك احد بقتل من لايستحق، و عليه فلو قتل احد غير المستحق للفتك فإن كان مسلما فعليه القود و القصاص على ما قرر فى محله، و لا يرفع حكم القصاص و القود باستحقاق فتك من كان مصاحبا معه، نعم لو كانت جماعة مستحقين للفتك و القتل لكونهم من اهل الحرب او غير ذلك من وجوه الاستحقاق فكل واحد منهم مهدور الدم، و لايترتب على قتلهم مطلقا سواء كان بالانفراد او بالاجتماع قود و لاقصاص ولادية.

و بالجملة؛ فلامشروعية لفتك جماعة ممن لايستحقون له بعذر وجود من يستحق لذلك بينهم او بغيره من الاعذار، فلاتغفل.

نعم، إذا توقف قتل المرتد على قتل مسلم او غير مهدور الدم ممن لايجوز قتله دار الأمر بين المحذورين، بل قتل المسلم مشمول لقوله عليه السلام فى خبر هشام بن سالم، قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: ماترى فى رجل سبّاب لعلىّ عليه السلام قال: هو واللّه حلال الدم لولا أن يعمّ به بريّاً قلت: أىّ شى يعمّ بريئا؟ قال: يقتل مؤمن بكافر،(1) فتأمّل.

**

(1) جامع الأحاديث، الباب 24 من أبواب قذف، ح 10 (ج 30، ص 518، ح 11).

المسألة الثانية و الأربعون «فى الفتنة»

اشارة

يقع الكلام فى اُمور:

الأمر الأوّل: فى معانى الفتنة

الأمر الأول: فى معانى الفتنة، قال فى مصباح اللغة: فتن المال الناس من باب ضرب فتونا استمالهم و فتن فى دينه و افتتن أيضا بالبناء للمفعول مال عنه و الفتنة المحنة و الابتلاء و الجمع الفتن و أصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب و الفضّة إذا أحرقته بالنار ليبين الجيّد من الردئ.

قال فى تاج العروس: الفتنة إعجابك بالشىء، الضلال، الإثم، الكفر و منه قوله تعالى: (وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ‌) ، الفضيحة و منه قوله تعالى: (وَ مَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ فِتْنَتَهُ‌) أى فضيحته العذاب، إلى أن قال: قال الأزهرى و غيره: جماع معنى الفتنة الابتلاء و الامتحان و الاختبار و أصلها مأخوذ من الفتن و هو إذابة الذهب و الفضّة بالنار لتميّز الردئ من الجيّد ثم استعمل فى إدخال الإنسان النار و العذاب، إلى أن قال: و الفتنة الإضلال نحو قوله تعالى: (مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفٰاتِنِينَ‌) (1) أى بمضلّين إلّا من أضلّه اللّه تعالى، إلى أن قال: و الفتنة المال و الأولاد، إلى أن قال: و الفتنة اختلاف الناس فى الآراء، إلى

**

(1) الصافات، 162.

أن قال: قال الراغب: وجعلت الفتنة كالبلاء فى أنّهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدّة و رخاء و هما فى الشدّة أظهر معنى، انتهى موضع الحاجة، و موارد الاستعمال أزيد مما ذكره أهل اللغة كتقليب الأمور و الإخلال و إيجاد الحرب أو البدع.

و كيف كان فأكثر موارد الاستعمال أمكن إدراجها فى جامع الابتلاء و الامتحان و عليه فاللفظ بين هذه الموارد مشترك معنوى ولكن بعض اخر كالإضلال و إيجاد الاختلاف و إظهار البدع و الإخلال فى أمور المسلمين و تقليب الأمور و نحوها خارج عن الجامع المذكور بملاحظة صدورها عن الفاعل و إن أمكن إدراجه فيه بعناية مورد وقوعها، فإنّ هذه الأمور ابتلاء و امتحان لهم و عليه فيكون اللفظ بين المعنى الجامع بين هذه الموارد و بين تلك الموارد مشتركا لفظيا.

و كيف كان، فالمقصود بالبحث هنا هى الطائفة الأخيرة كالإخلال و الإضلال و إظهار البدع ونحوها مما يوجب صرف المؤمنين عن إيمانهم.

الأمر الثانى: فى حرمة الفتنة

الأمر الثانى: فى حرمة الفتنة بالمعنى الأخير و لاإشكال و لاخلاف فى حرمته، بل هى من المسلّمات بين المسلمين و يدلّ عليها من الآيات.

قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلاّٰ خَبٰالاً وَ لَأَوْضَعُوا خِلاٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اَلْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمّٰاعُونَ لَهُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ * لَقَدِ اِبْتَغَوُا اَلْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ اَلْأُمُورَ حَتّٰى جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ هُمْ كٰارِهُونَ * وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَ لاٰ تَفْتِنِّي أَلاٰ فِي اَلْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ‌) (1) حيث يدلّ على مذمّة المنافقين فى ابتغائهم الفتنة مع توعيدهم بالجهنّم بقوله تعالى: (وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ‌) .

**

(1) التوبة، 49-47.

وقوله عزّوجلّ‌: (هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ اِبْتِغٰاءَ اَلْفِتْنَةِ‌) (1) الآية فابتغاء الفتنة ناش من الزيغ و هو يوجب إزاغة الله بنصّ قوله تعالى: (وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ يٰا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ‌) (2) و قوله عزّوجلّ‌: (وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنٰا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنٰاكَ ضِعْفَ اَلْحَيٰاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمٰاتِ ثُمَّ لاٰ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنٰا نَصِيراً) (3) تدلّ هذه الآيات على أنّ الانحراف عن أحكام اللّه تعالى يوجب العذاب.

وقوله تبارك وتعالى: (وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ وَ لاٰ تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ * فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلّٰهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلاٰ عُدْوٰانَ إِلاّٰ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ‌) .(4)

و لايخفى عليك أنّ المراد من الفتنة فى قوله: (اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ‌) هو صرف المؤمنين عن إيمانهم و إضلالهم و أيضا عطف قوله تعالى: (وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلّٰهِ‌) فى الآية الكريمة على قوله عزّوجلّ‌: (حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ‌) يدلّ على أنّ المراد من الفتنة هى الأمور الداعية للناس إلى الخروج عن توحيداللّه و إطاعته و قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْمُرْجِفُونَ فِي اَلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاٰ يُجٰاوِرُونَكَ فِيهٰا إِلاّٰ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمٰا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً) (5) قال فى تفسير الشبّر لنغرينّك لنأمرنّك بقتالهم و إجلائهم و

**

(1) آل عمران، 7.

(2) الصف، 5.

(3) الاسراء، 75-73.

(4) البقرة، 193-191.

(5) الأحزاب، 61-60.

الإرجاف أى إشاعة الأكاذيب مصداق من مصاديق الفتنة، و غير ذلك من الآيات.

و يدلّ عليه من الأخبار ما رواه الكشّى فى كتاب الرجال عن الحسين بن الحسن بن بندار عن سعد بن عبداللّه عن محمد بن عيسى بن عبيد، إنّ أباالحسن عليه السلام أهدر مقتل فارس بن حاتم و ضمن لمن يقتله الجنة، فقتله جنيد و كان فارس فتّانا يفتن الناس و يدعوهم إلى البدعة، فخرج من أبى الحسن عليه السلام: هذا فارس يعمل من قبلى فتّانا داعيا إلى البدعة و دمه هدر لكلّ من قتله فمن هو الذى يريحنى منه و يقتله و أنا ضامن له على اللّه الجنة.(1) ولكنّ الرواية ضعيفة لعدم توثيق الحسين بن الحسن بن بندار ولكنّ حكى عن تعليقة الوحيد البهبهانى أنّه معتمد عليه.

وصحيحة زرارة قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الحلال و الحرام، فقال: حلال محمّد حلال أبدا إلى يوم القيامة و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لايكون غيره ولايجيئ غيره و قال: قال على عليه السلام: ما أحد ابتدع بدعة إلاّ ترك بها سنة.(2)

والبدعة مخالفة لصريح نصّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم و موجبة لترك ما ورد من النبى صلى الله عليه وآله و سلم من السنّة القطعيّة و هى من الموبقات، و معتبرة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: خطب أميرالمؤمنين عليه السلام الناس، فقال: يا أيها الناس! إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع و أحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللّه يتولّى فيها رجال رجالا، الحديث.(3)

و فى الطريق معلّى بن محمد و حيث إنّه من مشايخ الاجازة و أخبر بكتبه جماعة كما فى الست لايبعد الوثوق به، هذا مضافا إلى ما حكى عن تعليقة الوحيد البهبهانى من أنّه قال: قال جدّى: لم نطّلع على خبر يدلّ على اضطرابه. و كيف كان هذه الرواية

**

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب المحارب، ج 28، ص 320-319، ح 1 و 2.

(2) الكافى، ج 1، ص 58، ح 19.

(3) الكافى، ج 1، ص 54، ح 1.

تدلّ على أنّ البدعة ناشئة من الأهواء و مخالفة لكتاب اللّه تعالى و من المعلوم أنّ البدعة المذكورة من الفتن و هى من الموبقات.

وخبر أبى حمزة الثمالى عن على بن الحسين قال: خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر فى تجاه وجهى ثم قال: يا على بن الحسين! مالى أراك كئيباً حزينا، إلى أن قال (الرجل): ممّ حزنك‌؟ قلت: مما نتخوّف من فتنة بن الزبير و ما فيه الناس. قال: فضحك، ثم قال: يا على بن الحسين! هل رأيت أحدا دعى اللّه فلم يجبه‌؟ قلت: لا. قال: فهل رأيت أحدا توكّل على اللّه فلم يكفه‌؟ قلت: لا. قال: فهل رأيت أحدا سأل اللّه فلم يعطه‌؟ قلت: لا. ثم غاب عنى.(1) و من المعلوم أنّ مخالفة ابن زبير من الفتن الموبقة.

وخبر حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام فى وصية النبى صلى الله عليه وآله و سلم لعلى عليه السلام قال: يا على! كفر باللّه العظيم من هذه الاُمة عشرة، القتّات و الساحر و الديّوث و ناكح المرأة حراما فى دبرها و ناكح البهيمة و من نكح ذات محرم و الساعى فى الفتنة و بايع السلاح من أهل الحرب و مانع الزكاة و من وجد سعة و لم يحجّ‌، الحديث.(2) القتّات النمام، و دلالة الرواية على حرمة السعى فى الفتنة بالمعنى الذى يكون مورد البحث لاإشكال فيها ولكنّ الرواية ضعيفة من وجوه: أحدها أنّ طريق الصدوق إلى حمّاد بن عمر ليس بصحيح. وثانيها أنّ حمّاد بن عمر غير مذكور و هكذا أنس بن محمد.

وخبر محمد بن عمر بن على عن أبيه عن جدّه أنّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال له يا على! إنّ اللّه تعالى قد كتب على المؤمنين الجهاد فى الفتنة من بعدى كما كتب عليهم الجهاد مع

**

(1) الكافى، ج 2، ص 64-63.

(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب وجوب الحج، ج 11، ص 31، ح 3.

المشركين معى. فقلت: يا رسول اللّه! و ما الفتنة التى كتب علينا فيها الجهاد؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لاإله إلا اللّه و أنّى رسول اللّه و هم مخالفون لسنتى و طاعنون فى دينى. فقلت: فعلامَ نقاتلهم يا رسول اللّه! و هم يشهدون أن لاإله إلا اللّه و أنّك رسول اللّه‌؟ فقال: على إحداثهم فى دينهم و فراقهم لأمرى و استحلال دماء عترتى...، الحديث.(1) و الرواية ضعيفة

و خبر فرات بن إبراهيم فى تفسيره عن على بن محمد بن إسماعيل معنعنا عن زيد - فى حديث - أنّه لما نزل قوله تعالى (إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ‌) السورة، قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ اللّه قضى الجهاد على المؤمنين فى الفتنة بعدى، إلى أن قال: يجاهدون على الأحداث فى الدين إذا عملوا بالرأى فى الدين و لارأى فى الدين، إنّما الدين من الرب أمره و نهيه.(2) و الرواية ضعيفة.

و ما رواه فى معانى الأخبار عن أبيه عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن أبى عبداللّه عن أبيه عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: أخبرنى جبرئيل أنّ ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام و ما يجدها عاق و لاقاطع رحم و لاشيخ زان و لاجار إزاره خيلاء و لافتّان و لامنّان و لاجعظرى، قلت: و ما الجعظرى قال: الذى لايشبع من الدنيا.(3) و الفتان مبالغة فى الفتنة و الرواية ضعيفة لعدم توثيق عمرو بن شمر.

وما رواه فى نهج البلاغة و ناظر قلب اللبيب به يبصر أمده و يعرف غوره و نجده. داع دعا و راع رعى فاستجيبوا للداعى و اتبعوا الراعى. قد خاضوا بحار الفتن و

**

(1) الوسائل، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، ج 15، ص 82، ح 7.

(2) الوسائل، الباب 6 من أبواب صفات القاضى، ج 27، ص 61، ح 50.

(3) الوسائل، الباب 49 من أبواب جهاد النفس، ج 15، ص 347، ح 20.

أخذوا بالبدع دون السنن و أرز المؤمنون ونطق الضالّون المكذّبون. نحن الشعار و الأصحاب و الخزنة و الأبواب، و لاتؤتى البيوت إلاّ من أبوابها فمن أتاها من غير أبوابها سمّى سارقا.(1)

وصحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام: قول اللّه عزّوجلّ‌: (وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلّٰهِ‌) فقال: لم يجىء تأويل هذه الآية بعد، إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم خصّ لهم لحاجته و حاجة أصحابه فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم ولكن يقتلون حتى يوحّد اللّه و حتى لايكون شرك(2) و مما تدلّ على أنّ الفتنة محكومة بالإفناء بالمقاتلة.

و بالجملة فالمستفاد من الآيات و الروايات المذكورة أنّ ابتغاء الفتنة من الزيغ و من كان كذلك يكون مشمولا لقوله تعالى: (فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ‌) .(3) و أيضا يستفاد من قوله «وإن كادوا ليفتنونك» الآية، أنّ الانحراف عن أحكامه تعالى يوجب العذاب. هذا مضافا إلى إنّ جعل عدم وجود الفتنة غاية لوجوب القتال، يدلّ على مبغوضية الفتنة و شدّتها، بل صرّح بذلك بقوله تعالى: (وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ‌) و هو يدلّ على أنّ الفتنة و هى الإضلال و الإثم أشدّ من القتل، فإذا كان القتل من الكبائر فإيجاد الفتنة أولى بذلك. هذا مضافا إلى أنّ فتنة المؤمنين مطلقا مشمولة لقوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذٰابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذٰابُ اَلْحَرِيقِ‌) .(4) و مضافا إلى دلالة حرمة النميمة على حرمة الفتنة بالمعنى المذكور بالأولوية.

**

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب صفات القاضى، ج 27، ص 134، ح 30. نهج البلاغه، خطبة 154.

(2) الوسائل، الباب 49 من أبواب جهاد العدو، ج 15، ص 127، ح 2.

(3) الصف، 5.

(4) البروج، 10.

فتحصل أنّه لاإشكال فى حرمة الفتنة بالمعنى الأخير، فلاتغفل.

الأمر الثالث: فى حرمة المأخوذ فى قبالها

الأمر الثالث: إنّه إذاعرفت حرمة الفتنة، كان المأخوذ فى قبالها محرّما، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه. و لافرق فى ذلك بين كون المأخوذ من بعض المنافقين فى داخل البلد أو من الكفار الذين كانوا فى خارج البلد. و لافرق فى حرمة المأخوذ بين أن يكون عوضا عن الفتنة أو عوضا عن العمليات التى توجب تحقّق الفتنة فى الخارج.

والفتنة بالمعنى المذكور تتحقّق بأنواع مختلف، كإشاعة ما يوجب خوف المسلمين من العدوّ أو إضلالهم أو إذاعة الأكاذيب لتضعيف الحكومة أو الإضلال فى الأمور أو نشر البدع و غير ذلك مما يوجب سوق الناس نحو الاختلاف و الضعف فى القدرة و الاعتقادات و نحوهما.

الأمر الرابع: أنواع الفتنة

الأمر الرابع: إنّ الفتنة حيث اختلفت أنواعها فلايكون المواجهة معها سواء. فإذا كانت الفتنة هو الإضلال و الصدّ عن سبيل اللّه و المنع عن نشر الدين و الالتزام به، فاللازم هو منعهم و لو بالقتال. و إذا كانت هى الإشاعة لما يوجب الخوف، فاللازم هو المنع عن ذلك و لو بالقتال و الإجلاء و غير ذلك بما يراه الحاكم الإسلامى مصلحة فى المواجهة لذلك على ما قرّر فى محلّه.

الأمر الخامس: فى الفتنة الاقتصادية

الأمر الخامس: إنّ الفتنة الاقتصادية تكون محرمة، لأنّها توجب الإخلال فى النظام الإسلامى و يعامل مع من أخلّ بما هو قرّره القانون مع انفاذ الحاكم الشرعى الجامع للشرائط.

الأمر السادس: فى إيجاد الفتنة فى جماعة الكفار

الأمر السادس: إنّ إيجاد الفتنة فى جماعة الكفار المحاربين المعاندين للدولة الإسلامية جائز بل قد يكون واجبا.

قال فى الجواهر: قد تجوز و تستحبّ أو تجب لإيقاع الفتنة بين المشركين و تقوية المتقين على المبطلين.(1)

الأمر السابع: فى حرمة تجهيز أهل الفتنة

الأمر السابع: إنّ تجهيز أهل الفتنة بما يوجب تقويتهم، محرّم بالنصّ و الإجماع. قال اللّه تعالى: (وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) .(2) و يؤيّده خبرهند السرّاج، قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام: أصلحك اللّه، ما تقول إنّى كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم، فلما عرّفنى اللّه هذا الأمر ضقت بذلك و قلت: لاأحمل إلى أعداء اللّه. فقال لى: احمل إليهم إنّ اللّه يدفع بهم عدوّنا و عدوّكم يعنى الروم، بعهم فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل إلى عدوّنا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك.(3)

**

(1) الجواهر، ج 22، ص 73.

(2) المائدة، 2.

(3) الاستبصار، ج 3، القسم الاول، ص 58.

المسألة الثالثة و الأربعون «فى ايجاد الفساد»

اشارة

و لا إشكال فى حرمته كالإقدام بتوزيع الموادّ الافيونيّة بين الناس أو نشر الصور المبتذلة القبيحة لسوق الناس نحو الزنا أو اللَّواط و غيرهما من الفحشاء و المنكرات، أو كالقيام بالسِّلاح فى وجه الحكومة الإسلامية أو فى وجه الناس، أو كقتل الذمّى مكرّرا أو كقتل العبيد مكرّرا و غير ذلك من موارد الإفساد؛ و كفى فى حرمته ارتكاز العقلاء بقبح الفساد و استحقاق عامله للعذاب و النّكال حسبما يوجب الفساد.

و يشهد له قوله تعالى حكاية عن فرعون: (وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسىٰ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخٰافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسٰادَ) (1) لأنّ الظاهر منه أنّ إظهار الفساد فى الأرض ممّا يوجب عند كلّ عاقل جواز دفعه ولو بالقتل.

هذا مضافا إلى الآيات و الروايات:

منها: قوله عزّوجلّ‌: (إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ)

**

(1) غافر، 26.

(يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ‌) (1) الآية بناء على أنّ عطف قوله (وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً) عطف العامّ على الخاصّ‌، و الحكم المذكور فى الآية حكم المفسد.

ودعوى: أنّ هذا يتمّ لو اقتصر على عنوان السعى فى الأرض فسادا، و أمّا إذا لم يقتصر عليه بل ذكر أوّلاً عنوان المحاربة لله و رسوله، ثمّ عطف عليه السعى فى الفساد فى الأرض بواو العطف الدالّة على الجمع بين المعطوف و المعطوف عليه، كان مفاده أنّ علّة هذه المجازاة و سرّها اجتماع الأمرين: المحاربة لله و رسوله و السعى فى الأرض فسادا، فلا يكفى مجرّد الإفساد فى الأرض فى ترتّب العقوبة المذكورة.

مندفعة بما فى كلمات سديدة من أنّه: إنّما كان إلى ما ذكرت سبيل لو كان بين العنوانين تباين و لو جزئيا، و أمّا إذا كان العنوانان أعمّ و أخصّ مطلقا و كان العطف من باب عطف العامّ على الخاصّ‌، فلا محالة ليس المقام من باب الجمع بين أمرين، بل من باب ذكر ما هو السرّ الحقيقى الواضح العامّ بعد ذكره بمصداق منه خاص.

توضيحه: أنّ المخاطب بالآية المباركة و الملقى إليهم هذه الآية حيث كان العقلاء و عامّة الناس فذكر الصلة الأولى، أعنى: محاربة الله و رسوله، و إن كان كافيا فى بيان علّة المجازاة المذكورة، فإنّه أىّ عمل أشنع و أوجب للمجازاة المذكورة و العذاب من محاربة الله تعالى، إلّا أنّ عامّة الناس لايلتفتون إلى عظم هذا الذنب، فإذا عطف عليه السعى فى الأرض فساداً الّذى هو فى مرتكز العقلاء كاف لأنواع المجازاة المذكورة، أذعن الناس بأنّ عمل هؤلاء بلغ مبلغا يستحقّون به المجازاة المذكورة، و عليه فالإفساد فى الأرض تمام موضوع لترتّب أنواع الحدود المزبورة.(2)

**

(1) المائدة، 33.

(2) كلمات سديدة، ص 409-410.

ومنها: قوله عزّوجلّ‌: (وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ) .(1) و من المعلوم أنّه إذا لم يكن محبّاً للفساد أبغضه و هو يساوى الحرمة، نعم هو أيضا أخصّ من المدّعى.

ومنها: ما رواه فى العيون عن عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابورى العطار عن على بن محمد بن قتيبة النيسابورى عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فى كتابه إلى المأمون، فقد جاء فيه: فلا يحلّ (و لايجوز) قتل أحد من النصّاب و الكفّار فى دار التقيّة، إلّا قاتل أو ساع فى فساد، و ذلك إذا لم تخف على نفسك و (على) أصحابك.(2) و الرواية معتبرة، لان الاول و هو عبدالواحد من مشايخ الصدوق، و الثانى و هو على بن محمد بن قتيبة مورد اعتماد الكشّى و لايضرّه كثرة روايته عن الضعفاء. و كيف كان استدل بها بدعوى أنّ تجويز قتل الساعى فى الفساد و خصوصا فى دار التقيّة فيما إذا لم يكن خوف يشهد على كون الفساد من المحرّمات الأكيدة، إذ جعل العقوبة بالقتل لا يمكن بدون كون الفساد من الكبائر.

هذا مضافا إلى حديث «لا ضرر و لاضرار» لما قرّر فى محلّه من أنّه يدلّ على عدم جواز الإضرار بالنفس أو بالغير و الإفساد من المصاديق الواضحة للإضرار.

و يؤيّد حرمة الإفساد ما رواه فى المستدرك عن الأمير صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الدَّشتكى الشيرازى فى رسالة قبايح الخمر على ما نقله السيّد المعاصر فى روضات، قال: روى عن طريق أهل البيت عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أنّه قال: سيأتى زمان على اُمتى يأكلون شيئا اسمه البنج، أنا برىء منهم و هم بريئون منّى،

**

(1) البقرة، 205.

(2) العيون، ج 2، ص 124-121 طبع دار العلم.

و قال صلى الله عليه وآله و سلم: سلّموا على اليهود و النصارى و لاتسلّموا على آكل البنج، و قال صلى الله عليه وآله و سلم: من احتقر ذنب البنج فقد كفر، و قال: من أكل البنج فكأنّما هدم الكعبة سبعين مرّة، و كأنّما قتل سبعين ملكا مقرّبا، و كأنّما قتل سبعين نبيّاً مرسلا، الحديث.(1)

هذا بناء على النهى عن البنج من جهة إضراره و إفساده ولكن المحكىّ عن ابن سينا أنّه من المسكرات.(2) والمحكىّ عن العلّامة أنّه من المفسد للعقل و اتّفق علماء عصرنا و ما قبله على تحريمها؛ و كيف كان، فإن كان من المسكر فهو حرام، و إلّا فحرمته من جهة الإضرار.

و يؤيّد الحرمة أيضا ما رواه فى مسند أحمد بن حنبل عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم: أنّه قال: ألا إنّ كلّ مسكر حرام و كلّ مفتر و كلّ مخدّر حرام.(3)

فتحصّل أنّ كلّ ما يفسد الآحاد أو الاجتماع فهو محرّم.

ثم إنّنا لا نكون هنا فى مقام تعيين الحدّ للمفسد، إذ البحث عنه موكول إلى باب الحدود و يختلف حكمه حسب اختلاف مراتب الفساد، و إنّما نكون بصدد إثبات حرمة الإفساد، و لا إشكال فى ذلك كما تقدّم. فإذا عرفت حرمة الإفساد، بقى الكلام فى أنّ من أخذ شيئا فى مقابل الإفساد أخذ سُحتا و كان أكلاً للمال بالباطل، لأن العمل محرّم و العمل المحرّم لا ماليّة له شرعا و يؤيّده ما فى بعض الأحاديث من «أنّ الله إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه».:

و هنا مسائل:

الاُولى: فى عدم جواز بيع هروئين و نحوه

وهنا مسائل: الاُولى: أنّه لا يجوز بيع هروئين و نحوه ممّا يوجب الفساد، و لافرق

**

(1) المستدرك، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، ج 3، 145 الطبع القديم.

(2) القانون فى الطب، ج 3، ص 230.

(3) مسند، ج 6، ص 309.

فيه بين أن يكون المشترى معتادا و بين أن لايكون(1). و ذلك لإطلاق حرمة الإفساد و الضرر، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المعتاد الذى لايتمكّن من الترك يحتاج إليه فيجوز بيعه منه، ولكن حيث يكون ذلك منشأ للفساد بعذر الاعتياد فاللازم هو رجوع المعتادين المذكورين إلى الحكومة و تحريم البيع منهم من دون وساطة.

الثانية: فى عدم جواز تملك صاحب المواد

الثانية: أنّه لايملك صاحب الموادّ المذكورة ما يأخذه بعنوان الثمن، و التصرّف فيه حرام لنفسه و لغيره أيّاً من كان.(2) وذلك لفرض عدم المنفعة المحلّلة الشايعة لها فى نفسها أو بعد حكم الحاكم الشرعى بمصادرته و إتلافه فإنّه فى حكم مسلوب الماليّة.

الثالثة: فى مصرف المواد فى بعض الادوية

الثالثة: أنّه لو فرض للموادّ المذكورة منفعة شايعة كاستعمالها فى بعض الأدوية، فالأحوط هو الاجتناب عن المبادلة مع من يدّعى صرفها فى بعض الأدوية، إلّا إذا كان ذلك تحت نظر الحكومة الإسلامية و تجويزها.

الرابعة: فى حكم مصادرة المواد المذكورة

الرابعة: أنّ مصادرة الموادّ المذكورة أو جعل الجريمة عليها لا تجوز إلّا بأمر من له الولاية فى الحدود الذى عيّنه مصلحة للنّظام الإسلامى.

الخامسة: فى عدم جواز الاعتياد بالترياك

الخامسة: أنّه لا يجوز الاعتياد بالترياك، و يجب على المعتاد تركه لو لم يوجب الضرر.(3) هذا إذا لم يتزاحم الضرر المذكور بضرر الإبقاء، و إلّا فمع رجحان ضرر الإبقاء فلا يكون ذلك مانعا عن لزوم الترك. و أمّا عدم جواز الاعتياد بالترياك فهو للإفساد و الإضرار أيضا.

قال السيّد فى الوسيلة: إذا كان لايضرّ تناول شيئ مرّة أو مرّتين مثلاً ولكن يضرّ إدمانه و زيادة تكريره و التعوّد به يحرم تكريره المضرّ خاصّة. و من ذلك شرب

**

(1) اسئفتاءات إمام، ج 2، ص 35.

(2) راجع استفتاءات امام، ج 2، ص 35.

(3) استفتاءات امام، ج 2، ص 37.

الأفيون بابتلاعه أو شرب دخانه، فإنّه لا يضرّ مرّة أو مرّتين، لكن تكراره و المداومة عليه و التعوّد به، كما هو المتداول فى بعض البلاد خصوصا ببعض كيفيّاته المعروفة عند أهله مضرّ غايته و فيه فساد و أىّ فساد! بل هو بلاء و أىّ بلاء! داء عظيم و بلاء جسيم و خطر خطير و فساد كبير، أعاذ الله المسلمين منه.

فمن دام شربه لغرض من الأغراض فليلتفت إلى أن لا يكثّره و لا يكون إلى حدّ يتعوّد و يبتلى به و من تعوّد به يجب عليه الاجتهاد فى تركه و كفّ النفس و العلاج بما يزيل عنه هذا الاعتياد(1) و هذا فيما إذا لم يكن خوف تناوله مرّة موجبا للاعتياد، و إلّا فالأحوط هو الاجتناب مطلقا، إلّا فى حال الضرورة و الاضطرار، فستعمل بمقدار رفع الضرورة، بل لعلّه الأقوى لشمول حديث «لا ضرر» لخوفه أيضا، و إلّا لوقع فيه كثيرا ما.

السادسة: فى حكم المأخوذ فى قبال المواد المذكورة

السادسة: أنّه إذا جمع شخص من طريق بيع الموادّ المخدّرة كالهروئين أموالا، ثم تاب من ذلك، فاللازم هو أن يردّ ما جمعه إلى مالكيه إذا عرفهم، و إلّا يتصدّق به من جانبهم للفقراء غير السّادة بإذن حاكم شرعى جامع للشرائط، و الله هو الهادى.

السابعة: فى وجوب الممانعة عن بيعها و شرائها

السابعة: أنّه يجب الممانعة عن بيعها و شراءها و لو بالقتال مع من يوزّعها بين الشباب لكونهم من المفسدين، و يعمّهم قوله تعالى: (وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً) ، و قوله عليه السلام: أو ساع فى فساد فى معتبرة فضل بن شاذان، فتأمّل جيّداً.

**

(1) الوسيلة فى الأطعمة و الأشربة، القول فى غير الحيوان، ص 184.

المسألة الرابعة و الأربعون «فى القمار»

اشارة

ويقع الكلام فى مقامات:

المقام الاول: فى حرمته

اشارة

المقام الاول: فى حرمته، قال الشيخ الأعظم: القمار حرام إجماعا و يدلّ عليه الكتاب و السنة المتواترة.

قال فى مصباح الفقاهة: لا خلاف بين الفقهاء من الشيعة و السنّة فى حرمة اللعب بالآلات المعدّة للقمار مع المراهنة، إلى أن قال: بل على حرمة القمار ضرورة مذهب الإسلام. و تدلّ عليها الآيات المتظافرة و الروايات المتواترة من طرقنا و من طرق السنّة. و قد أشير إلى حكمة التحريم فى قوله تعالى: (إِنَّمٰا يُرِيدُ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةَ وَ اَلْبَغْضٰاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ عَنِ اَلصَّلاٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‌) ،(1) فإنّ أخذ مال الناس بغير تجارة و مشقّة موجب لإلقاء العداوة و البغضاء، و الاشتغال بلعب القمار يصدّ عن ذكر اللّه و عن امتثال الأحكام الإلهية.(2)

**

(1) المائدة، 91.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 368.

و كيف كان، يدلّ على الحرمة من الآيات قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌) ،(1) و الميسر هو القمار و هو يدلّ على حرمة الميسر كما يدلّ على حرمة الخمر، فإنّ قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ‌) أمر بالاجتناب و هو يدلّ على وجوب الاجتناب خصوصا مع ذكر أنّه رجس من عمل الشيطان و مضافا إلى إردافه مع الخمر و الأنصاب.

قال المحقّق الأردبيلى قدس سره: و فى الآية مبالغة زائدة من وجوه شتّى فى تحريم الخمر و الميسر من جهة المقارنة بالأصنام التى عبادتها كفر و الحصر بأنّه ليس إلّا الرجس، ثمّ كونه من عمل الشيطان، ثمّ الأمر بالاجتناب بعد ذلك كلّه، و التصدير ب‍ - «إنّما» و الإشعار بأنّ شاربها لايفلح، ثم التأكيد ببيان ضررها (بعد هذه الآية) بقوله: إنّما يريد الشيطان، الآية.(2) و قوله عزّوجلّ‌: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا) ،(3) قوله: (إِثْمٌ كَبِيرٌ) يدلّ على أنّ الميسر كالخمر فى كونه من الكبائر فإنّ المراد من الإثم هو الذنب.

و قوله تبارك و تعالى: (لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) (4) الآية، بعد تطبيقه على القمار بضميمة صحيحة زياد بن عيسى، قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قوله (قول اللّه خ ل) عزّوجلّ‌: (لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) ، فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله و ماله فنهاهم اللّه عزّوجلّ عن ذلك،(5) فالقمار منهىّ عنه و لايجوز التصرّف فى المأخوذ به.

**

(1) المائدة، 9.

(2) زبدة البيان، ص 70.

(3) البقرة، 219.

(4) البقره، 188.

(5) الوسائل، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 164، ح 1.

و قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ‌) ... (وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ‌) ،(1) فإنّه يدلّ على حرمة نوع من القمار و هو الاستقسام بالأزلام. قال فى زبدة البيان: وقال فى مجمع البيان: و روى علىّ بن إبراهيم فى تفسيره عن الصادقين عليهما السلام: أنّ الأزلام عشرة، إلى قوله: و كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء ثمّ يجتمعون عليه فيخرجون السهام و يدفعونها إلى الرجل و ثمن الجزور على من يخرج له التّى لاأنصباء لها و هو القمار فحرّمه الله عزّوجلّ‌،(2) و قوله عزّوجلّ‌: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌) (3) حيث دلّ على حرمة الأزلام.

وقال المحقّق الاردبيلى هناك فى تفسير الأزلام: أى و الأزلام بالاستقسام و هى الأقداح و السهام كانوا يستقسمون بها لحوم الجزور فى الجاهليّه و نهوا عنه و هو مشهور.(4) فقد استدلّ العلاّمة فى التذكرة بالكريمتين الأخيرتين على الحرمة، حيث قال: القمار حرام و تعلّمه و استعماله و التكسّب به، حتى لعب الصبيان بالجوز و الخاتم، قال اللّه تعالى: و أن تستقسموا بالأزلام، و قال تعالى: والأنصاب و الأزلام.(5) قال فى القاموس: الزلم بحركة قدح لاريش عليه و سهام كانوا يستقسمون بها فى الجاهلية وجمعه أزلام. قال فى تاج العروس: و الميسر لمجلس اللعب بالقداح و قد يسر ييسر يسرا إذا جاء بقدحه للقمار، أو هو الجزور التى كانوا يتقامرون عليها كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة و نحروه و قسموه ثمانية و عشرين قسما، إلى أن قال:

**

(1) المائده، 3.

(2) زبدة البيان، ص 787.

(3) المائدة، 90.

(4) زبدة البيان، ص 71-70.

(5) التذكرة، ج 1، ص 582.

فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوزُ من خرج لهم ذوات الأنصباء و غُرْمُ من خرج له الغُفْل، و إنّما سمّى الجزور ميسرا لأنّه يجزء أجزاء فكأنّه التجزئة، إلى أن قال: فجعل الجزور نفسه ميسرا أو الميسر النرد نقله الصاغانى الخ. و كيف كان، فيدلّ الكريمتان على حرمة القمار بالتقسيم بالأزلام.

ومن الروايات:

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: لاتصلح المقامرة و لا النُّهْبَة،(1) النهبة اسم نهب و هو الغارة و هذه الرواية تدلّ على الحرمة بناء على قوله «لاتصلح» يدلّ على الحرمة.

وموثّقه السكونى عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: كان ينهى عن الجوز يجىء به الصبيان من القمار أن يؤكل و قال: هو سحت.(2) و «كان ينهى» يدلّ على استمرار النهى و هو يفيد الحرمة.

وصحيحة عبدالحميد بن سعيد، قال: بعث أبوالحسن عليه السلام غلاما يشترى له بيضاً فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها فلمّا أتى به أكله، فقال له مولى له: إنّ فيه من القمار، قال فدعا بطشت فتقيّأه.(3) و فيه أنّه فعل لا يدلّ إلّا على المرجوحيّة فاستفادة الحرمة منها مشكلة.

وصحيحة الوشّاء عن أبى الحسن عليه السلام، قال: سمعته يقول: المَيسِر هو القمار،(4) ظاهرها أنّها فى مقام تفسير الميسر فى قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ)

**

(1) الكافى، ج 5، ص 123.

(2) الكافى، ج 5، ص 123.

(3) الكافى، ج 5، ص 123.

(4) الكافى، ج 5، ص 124.

(وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌) .(1) و خبر إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: الصبيان يلعبون بالجوز و البيض و يقامرون، فقال: لاتأكل منه فإنّه حرام.(2) ظاهره أنّ اللعب المقامرى حرام و يكون التصرّف فيما استفاد منه منهيا عنه.

وصحيحة معمّر بن خلّاد عن أبى الحسن عليه السلام، قال: النّرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر.(3) هذه الصحيحة فى مقام إفادة عمومية الميسر و أنّه لايختصّ بما كان متعارفا عند جماعة من العرب أو العجم، و أيضا تدلّ على أنّ النرد أو الشطرنج أو الأربعة عشر إذا قومر مع الرهان يكون من مصاديق آلات القمار و مشمولا لحكم القمار، و عليه فالقمار لايصدق إلّا بالرهان.

ومعتبرة أبى بصير عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الشطرنج و النّرد هما الميسر،(4) و هى فى مقام إفادة تعميم الميسر و تفسير الآية الكريمة. و معتبرة عمر بن يزيد عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: إنّ للّه فى كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار إلّا من أفطر على مسكر أو مُشاحن أو صاحب شاهَيْن، قال: قلت: و أىّ شيء صاحب شاهين‌؟ قال: الشطرنج.(5) قوله: أو مشاحن عطف على من أفطر و هو المبتدع الذى يعادى أهل الإسلام، و كيف كان إرداف صاحب شاهين مع الإفطار على مسكر أو المبتدع قرينة على كونه من الكبائر، هذا مضافا إلى أنّ المستفاد منه أنّ صاحب

**

(1) المائدة، 90.

(2) الكافى، ج 5، ص 124.

(3) الكافى، ج 6، ص 435.

(4) الكافى، ج 6، ص 435.

(5) الكافى، ج 6، ص 436.

شاهين لم يكن معتقا من النار و هو يدلّ على كون المصاحبة لشاهين من الذنب و الإثم الكبير و لايكون المصاحب المذكور من عتقاء النار.

و مرسلة ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن أبى عبداللّه عليه السلام فى قول اللّه تبارك و تعالى (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) ،(1) قال: الرجس من الأوثان هو الشطرنج و قول الزور الغناء.(2) تدلّ هذه المرسلة على أنّ الشطرنج من الرجس من الأوثان فيدلّ قوله: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ‌) على وجوب الاجتناب عن اللعب به.

و معتبرة الفضيل قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن هذه الأشياء التى يلعب بها الناس، النرد و الشطرنج حتى انتهيت إلى السُدَّر (السدّر لعبة يقامر بها عن النهاية) و لعلّه هو الذى يعبّر عنه فى اللغة الفارسية ب‍ - «دوز»، فقال: إذا ميّزاللّه بين الحق و الباطل فى أيّهما يكون‌؟ قلت: مع الباطل، قال: فما لك و للباطل‌؟(3) تدلّ هذه المعتبرة على أنّ مثل هذه الأمور إذا كانت من الباطل يعمّه ما يدلّ على النهى عن التصرّف فيه بقوله: و لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و مما ذكر يظهر عدم صحّة ما يقال لا ملازمة بين البطلان و الحرمة، هذا فيما إذا كان اللعب بالرهان، و أما إذا لم يكن كذلك فلا يكون الباطل موضوعا لقوله تعالى: (وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) ، إذ المفروض أنّه للرهان و لايكون أيضا مطلق الباطل محرّما.

صحيحة حمّاد بن عيسى قال: دخل رجل من البصريّين على أبى الحسن الأول عليه السلام، فقال له: جعلت فداك، إنّى أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج و لست ألعب بها

**

(1) الحج، 30.

(2) الكافى، ج 6، ص 436.

(3) الكافى، ج 6، ص 436.

ولكن أنظر، فقال: مالك و لمجلس لاينظر اللّه إلى أهله‌؟(1) تدلّ هذه الصحيحة على أنّ القوم المذكور متبعّدون عن الرحمة الإلهية و هذا مفاد اللعن فيكونون ملعونين و هو يساوق للحرمة لو لم يكن قرينة على الكراهة.

وموثّقه زرارة عن أبى عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الشطرنج و عن لعبة شبيب التى يقال لها لعبة الأمير و عن لعبة الثلاث،(2) فقال: أرأيتك إذا ميّزاللّه الحقّ و الباطل مع أيّهما تكون‌؟ قال: مع الباطل، قال: فلا خير فيه،(3) بدعوى أنّ قوله: «لاخير فيه» و إن لم يدلّ لوخلّى و نفسه على التحريم، لكن مقتضى إطلاق الشطرنج و غيره شمولها لللعب برهان و لاشبهة فى حرمته فيكون ذلك قرينة على أنّ الباطل كناية عن حرمة الارتكاب و جعله كناية عن معنى اعمّ بعيد جدّا، و لاشبهة فى أنّ ذكر المذكور فيها من قبيل المثال.(4)

وخبر أبى الربيع الشامى عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: سئل عن الشطرنج و النرد، فقال: لاتقربوهما، قلت: فالغناء؟ قال: لاخير فيه لاتقربه، الحديت.(5)

وموثّقه مسعدة بن زياد عن أبى عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الشطرنج، فقال: دعوا المجوسيّة لأهلها لعنها اللّه،(6) و حيث أنّ الأمر يدلّ على الوجوب يجب الاجتناب عن الشطرنج، هذا مضافا إلى اللّعن فإنّه لو لم يكن قرينة ظاهر فى الحرمة. وصحيحة على

**

(1) الكافى، ج 6، ص 437.

(2) و لعلّه هو الذى قد يعبّر عنه بالسُدّر و هو معرّب سه در.

(3) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 319، ح 5.

(4) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام، ج 2، ص 10.

(5) الوسائل، ج 17، ص 320، الباب 102، ح 10.

(6) الكافى، ج 6، ص 437.

بن رئاب قال: دخلت على أبى عبداللّه عليه السلام، فقلت: جعلت فداك، ما تقول فى الشطرنج‌؟ قال: المقلّب لها كالمقلّب لحم الخنزير، فقلت: ما على من قلّب لحم الخنزير؟ قال يغسل يده.(1) تدلّ هذه الرواية على أنّ التقلب فيه ممنوع كتقلّب لحم الخنزير و ينصرف التقلّب المنهىّ عنه فى هذه الرواية إلى التقلّب على الوجه المتعارف و هو اللعب به و منع الانصراف يبعدّه الاعتراف به فى تقلّب الخمر إلى شربه و تقلّب لحم الخنزير إلى أكله كما لايخفى.

وصحيحة سليمان الجعفرى عن أبى الحسن الرضا عليه السلام، قال: المطّلع فى الشطرنج كالمطّلع فى النار،(2) أى الإشراف على الشطرنج كالإشراف على النار فى الوقوع فى الهلكة. و موثّقه السكونى عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم عن اللعب بالشطرنج و النّرد.(3) و إطلاقه يشمل ما اذا لم يكن اللعب بالرهان. و خبر جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: لمّا أنزل اللّه على رسوله صلى الله عليه وآله و سلم: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌) ، قيل: يا رسول اللّه! ما الميسر؟ فقال: كلّ ما تقومر به حتّى الكعاب و الجوز، قيل: فما الأنصاب‌؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم، قيل: فما الأزلام‌؟ قال: قداحهم الّتى يستقسمون بها.(4)

وخبر تحف العقول: و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لايكون فيه و لا منه شىء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجر عليه و جميع

**

(1) الكافى، ج 6، ص 437.

(2) الكافى، ج 6، ص 437.

(3) الكافى، ج 6، ص 437.

(4) الوسائل، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 165، ح 4.

التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها.(1) و فيه كما فى جامع المدارك: أنّ شمولها لما نحن فيه مشكل لأن اللعب بدون الرهن يعدّ لغوا و شمول ما يجىء منه الفساد محضا غير ظاهر إلّا أن يقال: غلبة أحد اللّاعبين توجب عداوة المغلوب منهما و عدّ هذه فسادا منهيّا عنه لاتخلو عن إشكال.(2)

وخبر أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام فى قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌) (3) قال: أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب، إلى أن قال: و أمّا الميسر فالنّرد و الشطرنج و كلّ قمار ميسر، إلى أن قال: كلّ هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه محرّم و هو رجس من عمل الشيطان و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان،(4) بدعوى أنّ المراد من أنّ القمار ليس هنا المعنى المصدرى حتى يقال إنّه منصرف إلى اللعب مع الرهان، بل المراد هى الآلات بقرينة بيعه و شرائه. و قوله عليه السلام: و أمّا الميسر فهو النرد الخ، و فيه كما فى جامع المدارك: أنّ المستفاد منها هى حرمة بيع آلات القمار و لانفهم دلالتها على حرمة اللعب بدون الرهن.

وصحيحة البزنطى عن أبى بصير عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: بيع الشطرنج حرام و أكل ثمنه سحت و اتّخاذها كفر و اللعب بها شرك و السلام على اللاهى بها معصية و كبيرة موبقة و الخائض فيها يده كالخائض يده فى لحم الخنزير، لاصلاة له حتّى يغسل يده كما يغسلها مَن مسّ لحم الخنزير و الناظر إليها كالناظر فى فرج اُمّه و اللّاهى بها

**

(1) تحف العقول، ص 250 الطبع 1385 بعد الهجرة القمرية.

(2) راجع جامع المدارك، ج 3، ص 28.

(3) المائدة، 90.

(4) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 321، ح 12.

و الناظر إليها فى حال مايلهى بها و السلام على اللّاهى بها فى حالته تلك فى الإثم سواء، و من جلس على اللعب بها فقد تبوء مقعده من النار و كان عيشه ذلك حسرة عليه فى القيامة، و ايّاك و مجالسة اللّاهى و المغرور بلعبها، فإنّها من المجالس التى باء أهلها بسخط من اللّه يتوقّعونه فى كلّ ساعة فيعمّك معهم.(1)

المقام الثانى: فى تعريف القمار

فى تعريف القمار و الميسر، قال فى القاموس: و قامره مقامرة و قمارا فقمره كنصره و تقمّره: راهنه فغلبه و هو التقامر و المراهنة(2) و الرهان المخاطرة و المسابقة على الخيل، و نحوه فى تاج العروس.(3) ظاهرهما هو اعتبار قيد الرهان من دون فرق بين ثلاثى مزيد و غيره، و هو المحكىّ عن النهاية و مجمع البحرين. و راهنه على كذا أى خاطره بسبب اشتراط الرهان.

قال فى المصباح المنير: و قامرته قمارا من باب قاتل فقمرته قمرا من بابي قتل و ضرب غلبته فى القمار.(4) وعن صحاح اللغة: قمرت الرجل أقمره بالكسر قمراً إذا لاعبته فيه فغلبته و قامرته فقمرته أقمره بالضم قمرا إذا فاخرته عليه فغلبته و تقمّر فلان، أى غلب من يقامره(5) قال فى الجواهر: ظاهر الصحاح و المصباح المنير و كذلك التكملة و الذيل أنّه قد يطلق على اللعب بها مطلقا مع الرهن و دونه.(6) و أنت خبير بأنّ‌

**

(1) الوسائل، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 323، ح 4.

(2) القاموس المحيط، ج 1، ص 648 «قمر».

(3) ج 7، ص 413.

(4) مصباح المنير، ج 2، ص 515 «قمر».

(5) صحاح اللغه، ج 2، ص 799 «قمر».

(6) الجواهر، ج 23، ص 109.

استعمال القمار فى غير مورد الرهان لعلّه من باب المجاز لعلاقة المشابهة و المشاكلة و لاينافى ظاهر قاموس و غيره من اللغة فى اشتراط الرهان فيه.

و قد صرّح فى أقرب الموارد بأنّ القمار مصدر قامر و كلّ لعب يشترط فيه غالبا أن يأخذ الغالب شيئا من المغلوب سواء كان بالورق أو غيره. و أصل القمار أن يأخذ الواحد من صاحبه شيئاً فشيئا فى اللعب راهنه على كذا خاطره و على الخيل سابقه خيل الرهان التى يراهن على سباقها بمال أو غيره يستحقّه صاحب السابق منها. فالأظهر هو اعتبار الرهان فى صدق القمار لما عرفت من التصريح بذلك و عدم منافاة ما ذكره بعض اللغويين من موارد الاستعمالات التى يحتمل أن يكون من باب علاقة المشابهة و المشاكلة، هذا مضافا إلى أنّه لو قلنا بتعارض كلماتهم فى معنى القمار كان مقتضى القاعدة هو التساقط و الرجوع إلى العرف العام و هم يشترطون الرهان فى صدقه، و إن أبيت عن ذلك فاللازم حينئذ هو الأخذ بالقدر المتيقن و هو مورد اشتراط الرهان و الرجوع إلى البراءة فى غيره.

قال فى جامع المقاصد فى تفسير قول العلّامة فى القواعد: «القمار حرام» أى لعبه و هو اللعب (العمل) بالآلات المعدّة على اختلاف أنواعها من الشطرنج و النرد و غير ذلك. و أصل القمار الرهن على اللعب بشيء من هذه الأشياء و ربّما أطلق على اللعب بها مطلقا،(1) ظاهره هو اشتراط الرهان على اللّعب بالآلات المعدّة له و لاينافى ذلك إطلاق القمار أحياناً على اللعب بها مطلقا كما عرفت ذلك فى كلمات بعض اللغويين.

قال الشيخ الأعظم قدس سره: القمار بكسر القاف كما عن بعض أهل اللغة الرهن على اللعب بشيء من الآلات المعروفة و حكى عن جماعة أنّه قد يطلق على اللعب بهذه

**

(1) جامع المقاصد، ج 1، ص 204.

الأشياء مطلقا و لو من دون رهن و به صرّح فى جامع المقاصد، و عن بعض أنّ أصل المقامرة المغالبة.(1) و ظاهرعبارة الشيخ كعبارة جامع المقاصد فى اشتراط الرهان على اللعب بالآلات المعدّة له و عدم منافاة استعماله أحيانا فى اللعب بها من دون رهان.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إنّ المستفاد من كلمات أهل العرف و اللغة أنّ القمار و كذلك الميسر موضوع للعب بأىّ شىء مع الرهان و يعبّر عنه فى لغة الفارس بكلمة «برد و باخت»، و عليه فاللعب بالآلات بدون الرهن خارج عن المطلقات موضوعا و تخصّصا. نعم فى الجواهر عن ظاهرالصحاح و المصباح و التكملة و الذيل: أنّه قد يطلق على اللعب بها مطلقا مع الرهن و دونه، و الظاهر أنّه من باب المجاز لعلاقة المشابهة و المشاكلة و لاأقلّ من الشك فى صدق مفهموم القمار عليه. و من المعلوم أنّه مع الشك فى الصدق لايجوز التمسّك بالمطلقات.(2)

قال المحقّق النراقى أيضا: الظاهر أنّ القمار يكون فى كلّ لعب جعل للغالب أجر مطلقا أو إذا كان بما أعدّ لذلك عند اللاعبين، و قد وقع التصريح ببعض أنواعه فى الروايات المتقدّمة و الآتية، انتهى خلافا لظاهر المسالك، حيث قال: و القمار هو اللعب بالآلات المعدّة له كالنرد و الشطرنج و منه اللعب بالخاتم و الجوز و نحوهما،(3) إذ ظاهر عبارته هو عدم دخالة الرهان، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه فى مقام توسعة القمار من حيث الآلة، لاعدم اشتراط الرهان فى القمار، بل اكتفى فيه بما يفهمه العرف من القمار، و كيف كان فالقدر المتيقّن هو دخالة الرهان و يؤيّده الصحيح الوارد فى ذيل قوله تعالى: (لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) ، فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله و ماله

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 47.

(2) مصباح الفقاهة، ص 373-372.

(3) المسالك، ج 3، ص 129.

فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك، و من المعلوم أنّ الأهل و المال مورد المقامرة، و ما روى من أنّ الصبيان يلعبون بالجوز و البيض فقال عليه السلام: لا تأكل منه فإنّه حرام. كلّ هذه الأخبار و نظائرها مما يصلح لأن يكون تأييداً لما ذكر من اشتراط الرهان فيه.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: و لاينبغى الريب فى عدم صدقهما (القمار و الميسر) على اللعب بغير آلات القمار من دون رهان و إن يظهر من بعضهم إطلاقهما على مطلق المغالبة، لكنّه خلاف المتبادر و المرتكز فى الأذهان من القمار و خلاف كلمات اللغوييّن فيه و فى الميسر الذى هو أخصّ منه أو مساوق له على ما يأتى الإشارة إليه.

و الظاهر عدم صدقهما على اللعب بغير آلات القمار برهان أيضا لأنّ القمار عرفا ليس مطلق المغالبة برهان، فلايقال لمن جعل الرهان بإزاء الغلبة فى حسن الخطّ أو تجويد قراءة القرآن أو سرعة العدو أو الرمى و نحوها إنّه مقامر و لا لفعلها إنه قمار، و العرف أصدق شاهد عليه، و يؤيّد ما ذكرناه بل يشهد عليه ما ورد فى جواز السبق و الرماية مع شرط الجعل عليه مع إباء قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌) (1) عن التخصيص، و سيأتى أنّ الميسر هو مطلق القمار، و أمّا عدم صدق الميسر فكذلك بناء على أنّه القمار، إلى أن قال: و لايبعد عدم صدقهما على اللعب بالآلات بلارهن، كما تشهد به كلمات كثير من اللغويين كصاحب القاموس و المجمع و المنجد و منتهى الارب و محكى لسان العرب، فإنها طفحت بقيد الرهان، إلى أن قال: نعم، يظهر من بعض إطلاقه على مطلق المغالبة و هو غير ثابت و على فرض ثبوته أعمّ من الحقيقة و إن كان حقيقة فهو مخالف للعرف العام و هو مقدّم على غيره (تأمل). و أمّا عبارة الصحاح فلم يظهر منها المخالفة لما قلناه و كان ما حكى عن ابن

**

(1) المائدة، 90.

دريد مجملة و يظهر منه أنّه يطلق على المغالبة فى الفخر و هو على فرض صحّته يأتى فيه ما تقدّم آنفا، فالإنصاف أنّ إثبات صدقه على ما ذكر مشكل و لاأقلّ من الشك فيه، فلايمكن إثبات حرمة الثلاثة(1) بالمطلقات على فرض وجود الإطلاق، إلى أن قال: إلّا أن يقال: إنّ حكم اللعب بالآلات بلارهان يستفاد من قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ) الخ بناء على أنّ المراد بالميسر فيها هو آلات القمار لا القمار الخ.(2) و سيأتى تحقيق ذلك اى قوله: إلّا أن يقال الخ فى المقام الثالث إن شاءاللّه تعالى.

المقام الثالث: فى ان اللعب بآلات القمار قد يكون مع الرهان و قد يكون بدونه و هنا أربعة مسائل

اشارة

فى أنّ اللعب قد يكون بالآت القمار مع الرهان، و قد يكون بدونه و المغالبة بغيرآلات القمار، قد يكون مع العوض و قد يكون بدونه، فهنا أربعة مسائل. قال الشيخ الأعظم:

المسألة الأولى: فى اللعب بآلات القمار مع الرهان

المسألة الأولى: اللعب بآلات القمار مع الرهان و لا إشكال فى حرمته و حرمة العوض و الإجماع عليه محقّق و الأخبار به متواترة.

المسألة الثانية: اللعب بآلات القمار من دون رهان

المسألة الثانية: اللعب بآلات القمار من دون رهان و فى صدق القمار عليه نظر لما عرفت و مجرّد الاستعمال لايوجب إجراء أحكام المطلقات و لو مع البناء على أصالة الحقيقة فى الاستعمال لقوّة انصرافها إلى الغالب من وجود الرهان فى اللعب بها، و منه يظهر الخدشة فى الاستدلال على المطلب بإطلاق النهى عن اللعب بتلك الآلات بناء على انصرافه إلى المتعارف من ثبوت الرهان. نعم، قد يبعد دعوى الانصراف فى رواية أبى الربيع الشامى من الشطرنج و النرد، قال: لاتقربوهما، قلت: فالغناء؟ قال: لاخير فيه لاتقربه.

**

(1) و هى اللعب بغير آلات القمار برهان و بدونه و اللعب بالآلات بلارهان.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 5-3.

والأولى: الاستدلال على ذلك بما تقدّم فى رواية تحف العقول(1) من أنّ ما يجئ منه الفساد محضا لايجوز التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات. و فى تفسير القمى عن أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام فى قوله: «إنّما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» قال: أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب، إلى أن قال: و أمّا الميسر فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر، إلى أن قال: و كلّ هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشىء من هذا حرام محرّم. و ليس المراد بالقمار هنا المعنى المصدرى حتى يرد ما تقدّم من انصرافه إلى اللعب مع الرهن، بل المراد الآلات بقرينة بيعه و شرائه. و قوله: و أمّا الميسر فهو النرد الخ و يؤيّد الحكم ما عن مجالس المفيد الثانى قدس سره ولد شيخنا الطوسى بسنده عن أميرالمؤمنين عليه السلام فى تفسير الميسر فى أنّ كلّما ألهى عن ذكراللّه فهو الميسر. و رواية الفضيل قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الأشياء التى يلعب بها الناس النرد و الشطرنج حتّى انتهيت إلى السُدَّر، فقال: إذا ميّزاللّه بين الحقّ و الباطل فى أيّهما يكون‌؟ قلت: مع الباطل، قال: فمالك و الباطل‌؟(2) و فى موثّقه زرارة عن أبى عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الشطرنج و عن لعبة شبيب التى يقال لها لعبة الأمير و عن لعبة الثلاث، فقال: أرأيتك إذا مَيَّزَاللّه الحق من الباطل مع أيِّهما يكون‌؟ قلت: مع الباطل، قال: فلا خير فيه.(3) وفى رواية عبد الواحد بن المختار

**

(1) و فى تحف العقول: و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لايكون فيه و لامنه شىء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجر عليه و جميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها الخ، تحف العقول، ص 250 طبع نجف 1385 بعد الهجرة القمرية.

(2) الكافى، ج 6، ص 436.

(3) الكافى، ج 6، ص 436.

قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن اللعب بالشطرنج، قال: إنّ المؤمن لمشغول عن اللعب،(1) فإنّ مقتضى اناطة الحكم بالباطل و اللعب عدم اعتبار الرهن فى حرمة اللعب بهذه الأشياء و لايجرى دعوى الانصراف هنا.(2) و لايخفى عليك أنّ الاستدلال المذكور لايخلو عن المناقشات. أورد عليه أوّلاً بما فى مصباح الفقاهة من أنّ حديث تحف العقول ضعيف، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى ما ذكره مؤلفه فى اول كتابه من انه نقل الأخبار عن الثقات و هم عن السادات هو توثيق رواته حيث قال خطاباً لمعاشر شيعة المؤمنين و تلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع و الطاعة و الانتهاء إليه و العمل به ولكن يشكل ذلك باحتمال أن يكون المراد من الثقات خصوص المشايخ فلا تشمل الوسائط فتأمل.

وثانياً: بما فى مصباح الفقاهة من أنّه لاتدلّ إلّا على صدق الكبرى من حرمة التقلّب و التصرّف فى كلّ ما يجيء منه الفساد محضا، و أمّا إحراز الصغرى فلابدّ و أن يثبت من الخارج، و من الواضح أنّ كون الآلات المعدّة للقمار كذلك أوّل الكلام إذ لو كان اللعب بها بدون مراهنة جائزا لم تكن كذلك. فلا يمكن إثبات الحرمة به فإنّه دور ظاهر.(3)

وثالثاً: بما فى بلغة الطالب من أنّه يمكن دعوى انصراف التقلّب المنهىّ عنه فى رواية تحف العقول أيضا إلى ذلك يعنى التقلّب على الوجه المتعارف المشتمل على الرهان، و عليه فلا يشمل المقام الذى يكون اللعب فيه من دون رهان.

ورابعاً: بأنّ ما رواه عن أبى الجارود ضعيف أيضا، هذا مضافا إلى ما فى إرشاد

**

(1) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 321، ح 11.

(2) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأعظم، ص 48-47.

(3) مصباح الفقاهة، ص 369.

الطالب من أنّ الانتفاع بها ينصرف إلى فرده الشايع و هو اللعب مع العوض،(1) كما صرّح الشيخ بالانصراف فى اللعب، و من المعلوم أنّه لا فرق بين اللعب و الانتفاع، و أيضا لما أفاد فى جامع المدارك أنّ المستفاد منها حرمة بيع آلات القمار و لانفهم دلالتها على حرمة اللعب بدون الرهن.(2)

وخامساً: بما فى بلغة الطالب من أنّ الروايات الأربع المذكورات فى المتن فليس فيها دلالة على التحريم كما لايخفى. و سيجيء فى مسألة اللهو عدم الإلتزام بحرمة كلّ لهو و كلّ باطل. ثم بعد تسليم الدلالة على الحرمة فهى مخصّصة بقوله عليه السلام فى المحكى عن تفسير العيّاشي عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السلام قال سئلته عن الميسر، قال: الثقل من كل شىء و قال و الثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم و غيره،(3) بل و بما فى مصحّحة معمّر بن خلّاد: كلّما قومر عليه فهو ميسر، و رواية جابر كلّما يقامر به حتى الكعاب و الجوز الظاهرين فى تحديد الميسر باعتبار المقامرة الظاهر فى المغالبة مع المراهنة.(4)

و قد يستدلّ على حرمة اللعب بدون الرهان بالمطلقات الناهية عن اللعب بآلات القمار. و اُجيب عنه بأنّ المطلقات منصرفة إلى الفرد الغالب و هو اللعب بالآلات المذكورة مع الرهان كما أشار إليه الشيخ قدس سره.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: أوّلاً بأنّ اللعب بآلات القمار من غير رهن كثير فى نفسه لو لم يكن أكثر من اللعب بها مع المراهنة أو مساويا له فى الكثرة، و ثانيا بأنّ‌

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 215.

(2) جامع المدارك، ج 3، ص 28.

(3) الوسائل، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 167، ح 12.

(4) بلغة الطالب، ج 1، ص 139.

مجرّد غلبة الوجود فى الخارج لاتوجب الانصراف. نعم، إنّ دعوى الانصراف إنما تصحّ إذا كان لها منشأ صحيح كأن يكون الفرد النادر أو غير الغالب على نحو لايراه العرف فردا للعمومات و المطلقات، كانصراف الحيوان عن الإنسان فى نظر العرف مع أنّه من أكمل أفراده، و لذا قلنا بانصراف الروايات المانعة عن الصلاة فى غير المأكول عن الانسان. و الوجه فى ذلك أنّ العرف يرى الإنسان مبائنا للحيوان حتى أنّه لو خوطب أحد بالحيوان فإنّ العرف يعدّ ذلك من السباب.(1)

ويمكن الجواب عنه بما فى بلغة الطالب من تحديد القمار فى مثل قوله عليه السلام فى مصحّحة معمّر بن خلّاد: كلّما قومر عليه فهو ميسر، أو قوله عليه السلام فى رواية جابر: كلّما يقامر به حتى الكعاب و الجوز بما إذا كان شىء و قومر أو يقامر عليه و حيث أنهما فى مقام التحديد يقدم على إطلاق سائر الروايات (و يحمل الإطلاق على ما إذا كان اللعب بآلات القمار على شيء و هو الرهان). نعم، يمكن القول بحرمة اللعب بآلات القمار بلاعوض أيضا، لامن جهة صدق القمار، بل من جهة إطلاق النهى عنه فى الأخبار، منها معتبرة زيد الشحّام، قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ‌: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) ،(2) قال: الرجس من الأوثان هو الشطرنج و قول الزور الغناء،(3) و لذا قال فى إرشاد الطالب: الظاهر أنّ اللعب بآلات القمار بلا عوض حرام و استدلّ بالروايتين و زاد عليهما بالاستدلال بموثّقة السكونى عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم اللعب بالشطرنج و النرد(4) و قال أيضا:

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 372.

(2) الحج، 30.

(3) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 319-318. ح 1.

(4) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 320، ح 9.

و دعوى انصراف مثلهما إلى ما إذا كان فى اللعب عوض لايمكن المساعدة عليها حيث أنّ اللعب بهما من غير عوض ليس بأمر نادر لتكون ندرته منشأ له؛ نعم، لايمكن الاستدلال على حرمة هذا اللعب بما ورد فى حرمة القمار، لا من جهة الانصراف الذى ذكره المصنف فإنّه قابل للمنع، بل لعدم إحراز صدق القمار على اللعب بها من دون تعيين عوض للغالب.(1)

والحاصل أنّه إذا كان اللعب بالشطرنج و نحوه من آلات القمار مع الرهان فلا إشكال فى كون اللعب المذكور من مصاديق القمار و هو محرّم، كما يدلّ عليه صحيحة معمّر بن خلّاد عن أبى الحسن عليه السلام، قال: النَّرد و الشَّطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر،(2) و أمّا إذا لم يكن مع الرهان فلا يكون قمارا ولكنّه منهى عنه بإطلاق النهى فى الأخبار و لا مانع من أن يكون مورد النهى غير مختصّ بالقمار، فعليه فاللعب بالشطرنج فيما إذا كان آلة للقمار يحرم، أمّا من ناحية صدق القمار كما إذا كان مع المراهنة و أمّا من ناحية النهى عنه فى الأخبار إذا لم يكن مع المراهنة؛ نعم، لو خرج عن كونه آلة للقمار دخل حكمه فى القسم الثالث الآتى حكمه إن شاءاللّه تعالى.

لايقال: إنّ مقتضى كون قوله: و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر بعد ذكر النرد و الشطرنج و الأربعة عشر مع أنّه فى مقام تحديد الحرام أنّ النهى مختصّ بصورة المراهنة فيجوز اللعب بها من دون الرهان.

لأنّا نقول: إنّ التحديد من ناحية القمار لا من ناحية مطلق الحرام و عليه فلا ينافى وجود النهى من ناحية اُخرى، كما هو مقتضى إطلاق الأخبار المذكورة، أللّهمّ إلّا أن

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 214.

(2) الوسائل، الباب 104 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 323، ح 1.

يقال إنّ الإطلاق غير محرز بالنسبة إلى غير مورد القمار، فإنّه عليه السلام ليس فى مقام التفصيل عند تفسير الآية الكريمة؛ هذا مضافا إلى أنّ الإطلاقات المذكورة معارضة مع مثل موثّقة زرارة(1) الدالّة على أنّه لاخير فى الشطرنج وهى بإطلاقها يشمل ما إذا كان مع الرهان و بدونه فيعارض إطلاق النهى عنه فيحمل الأخبار الناهية على الكراهة فيما إذا لم يكن مع الرهان كما أنّه أخرج عن إطلاق لاخير فيه ما إذا كان مع الرهان بالأخبار الدالّة على الحرمة ولكن لايساعد الكراهة ما ورد فى صحيحة البزنطى، فالأحوط هو ترك اللعب بمثل الشطرنج و النرد مع عدم الرهان أيضا؛ هذا مضافا إلى ما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره من أنّ حكم اللعب بالآلات بلارهان يستفاد من قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ) الآية بناء على أنّ المراد بالميسر فيها هو آلات القمار لاالقمار بقرينة كون المراد بالثلاثة الأخر المذكورة الذوات و بقرينة حمل الرجس عليها و هو يناسب الذوات لا الأفعال، إلّا بتأول، سواء أريد به النجس المعهود كما ادّعى الإجماع عليه شيخ الطائفة فى محكىّ التهذيب فى مورد الآية و هو واضح؛ أم أريد الخبيث فإنّه أيضا يناسب الذوات و حمله على اللعب و الشرب لايخلو من ركاكة؛ و تشهد له جملة من الروايات كرواية جابر المتقدّمة(2) و رواية محمد بن عيسى قال: كتب إليه إبراهيم بن عنبسة، يعنى إلى على بن محمد عليهما السلام: إن رأى سيدى و مولاى أن يخبرنى عن قول اللّه عزّوجلّ‌: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ) الآية جعلت فداك، فكتب: كلّ ما قومر به فهو الميسر.

**

(1) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 319، ح 5.

(2) و فيه قيل: يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم! ما الميسر؟ فقال: كلّ ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز، إلى أن قال: قيل: فما الأزلام‌؟ قال: قداحهم التى يستمسون بها. (الوسائل، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 165، ح 4).

و فى عدّة روايات عدّ النرد و الشطرنج من الميسر و الحمل على اللعب بها خلاف الظاهر فحمل الرجس و عمل الشيطان فى الآية المتقدّمة على المذكورات باعتبار ذاتها، إذ كما يصحّ أن يقال إنّ الخمر رجس خبيث يصحّ أن يقال إنّ الشطرنج كذلك، كما تشعر به الأمر و لو ندباً بغسل يد المقلّب له، و كونها من عمل الشيطان باعتبار أنّها مصنوعة بيد الإنسان بإغرائه و وسوسته، فيصحّ أن يقال إنّ ذات الخمر و الآلات الحاصلة بإغرائه من عمله و لو بقرينة الروايات المتقدّمة. و تدلّ عليه رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام فإنّه بعد بيان معنى المذكورات قال: كلّ هذا بيعه و شرائه و الانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه محرّم و هو رجس من عمل الشيطان.

فإنّ الظاهر منها أنّ نفس المذكورات التى لايجوز بيعها رجس من عمل الشيطان، فعليه يكون الأمر بالاجتناب عن الآلات ذواتها مقتض لحرمة الانتفاع بها انتفاعا مقصودا متعارفا، و لاشبهة فى أنّ اللعب بها للتفريح و المغالبة من الانتفاعات المقصودة المتداولة سيما لدى الأمراء و خلفاء الجور و ليس الأمر بالاجتناب مخصوصا باللعب برهان، بل أعمّ منه سيّما مع كيفية تعبير الآية الكريمة بأنّه رجس من عمل الشيطان، إلى أن قال: و الإنصاف أنّ استفادة الحكم من الآية ليست بعيدة(1) و يمكن المناقشه فى بعض ما ذكر، منها أنّ الرجس بمعنى الخبيث قديحمل على الفعل كقوله تعالى: (وَ لُوطاً آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كٰانَتْ تَعْمَلُ اَلْخَبٰائِثَ‌) (2) أى تعمل الأعمال الخبيثة، و عليه فلا يكون الحمل المناسب منحصرا فى حمل الرجس على الذوات مع ما عرفت من إمكان حمله على الفعل أيضا و لافرق فى ذلك بين الثلاثة و

**

(1) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 9-5.

(2) الأنبياء، 74.

الميسر لإمكان إرادة الفعل المناسب فى جميع الموارد، و عليه و فلا قرينة على إرادة الذوات فى الآية الكريمة.

ومنها: أنّ رواية جابر ضعيفة لوقوع عمرو بن شمر فى طريقها، هذا مضافا إلى أنّ غاية ما يستفاد منها و من رواية محمد بن عيسى أنّ كلّ شىء به يحصل القمار فهو ميسر؛ و من المعلوم أنّ القمار هو المغالبة مع الرهان، و عليه فهما أجنبيّان عن المقام الذى ليس فيه رهان، فهاتان الروايتان لا تدلّان على أنّ آلات القمار كالنرد و الشطرنج بنفسها من مصاديق ميسر. و يشهد له صحيحة معمّر بن خلّاد لدلالتها على أنّ الميسر هو الذى قومر عليه و هو الرهان. نعم، إطلاق النواهى يمنع عن جواز اللعب بآلات القمار فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عن اللعب بها من دون الرهان.

ثمّ لايخفى عليك أنّ سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره قال: لاتدلّ هذه الروايات على حرمة اللعب بمطلق الآلات لاحتمال خصوصية فى النرد و الشطرنج، كما يظهر من التأكيدات الواردة فيهما سيّما الشطرنج، لكن يمكن الاستدلال على المطلوب بعموم المنزلة فى صحيحة معمّر بن خلّاد عن أبى الحسن عليه السلام، قال: النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر. و الظاهر أنّه بصدد نفى الخصوصية عن آلة خاصة كالنرد و الشطرنج و إلحاق ساير الآلات بهما.(1)

يمكن أن يقال: إنّ التنزيل راجع إلى الثلاثة المذكورة فلايشمل غيرها؛ هذا مضافا إلى أنّ قوله: و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر كما عرفت فى مقام تحديد مورد القمار و تخصيصه بما إذا كان مع الرهان، لافى مقام نفى الخصوصية عن آلة خاصّة كالنرد و الشطرنج و الحكم بحرمة كلّ آلة من آلات القمار و لو من دون الرهان، فتدبر جيّدا.

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 14-13.

و دعوى إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى الشطرنج و النرد و الأربعة عشر مع احتمال الخصوصية لها لاوجه لها، و عليه فلا دليل لحرمة غير المذكورات لاختصاص النواهى بها و ضعف الوجوه الأخرى المذكورة لحرمة اللعب بساير الآلات. نعم، لايترك الاحتياط بالاجتناب عن اللعب بمطلق الآلات المعدّة للقمار من دون رهان.

المسألة الثالثة: فى حكم المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار

المسألة الثالثة: المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل و على المصارعة و على الطيور و على الطفرة و نحو ذلك مما عدّوها فى باب السبق والرماية من أفراد غير مانصّ على جوازه.

قال الشيخ الأعظم قدس سره: والظاهر الإلحاق بالقمار فى الحرمة و الفساد، بل صريح بعض أنّه قمار و صرّح العلّامة الطباطبائى رحمه الله فى مصابيحه بعدم الخلاف فى الحرمة و الفساد و هو ظاهر كلّ من نفى الخلاف فى تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض و جعل محلّ الخلاف فيها بدون العوض، فإنّ ظاهر ذلك أنّ محلّ الخلاف هنا هو محلّ الوفاق هناك، و من المعلوم أنّه ليس هنا إلّا الحرمة التكليفية دون خصوص الفساد.

و يدلّ عليه أيضا قول الصادق عليه السلام: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قد أجرى الخيل و سابق و كان يقول: إنّ الملائكة تحضر الرهان فى الخفّ و الحافر و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار حرام.(1)

و فى رواية أبى العلاء بن سيّابة عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الريش و النصل، و المحكى عن تفسير العياشى عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السلام قال: سئلته عن الميسر، قال: الثقل من كلّ شيء، قال: و الثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم و غيرها. و فى مصحّحة

**

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب أحكام السبق و الرماية، ج 19، ص 253، ح 3.

معمّر بن خلّاد: كلّما قومر عليه فهو ميسر. و فى رواية جابر عن أبى جعفر عليه السلام قيل: يا رسول اللّه! ما الميسر؟ قال: كلّ ما يقامر به حتى الكعاب و الجوز، و الظاهر أنّ المقامرة بمعنى المغالبة على الرهن و مع هذه الروايات الظاهرة بل الصريحة فى التحريم المعتضدة بدعوى عدم الخلاف فى الحكم ممن تقدم، فقد استظهر بعض مشايخنا المعاصرين اختصاص الحرمة بما كان بالآلات المعدّة للقمار، و أمّا مطلق الرهان و المغالبة بغيرها فليس فيه إلّا فساد العاقلة و عدم تملّك الراهن فيحرم التصرّف فيه لأنّه أكل مال بالباطل و لامعصية من جهة العمل كما فى القمار، إلى أن قال الشيخ قدس سره: و كيف كان، فلا أظنّ الحكم بحرمة الفعل مضافا إلى الفساد محلّ اشكال، بل و لامحلّ خلاف كما يظهر من كتاب السبق و الرماية و كتاب الشهادات و تقدّم دعواه صريحا عن بعض الأعلام.(1)

ولايخفى عليك أنّ عبارة الشيخ تحتوى الاستدلال على حرمة اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار مع الرهان بوجوه:

منها دعوى الإجماع، و فيه أنّ الإجماع التعبّدى المتّصل إلى زمان المعصوم مع عدم تعرّض المسألة فى كثير من الكلمات و مع احتمال إرادتهم و لو بعضهم الحرمة الوضعية لا التكليفيّة غير ثابت. و منها دعوى صدق القمار عرفا، و توضيح ذلك كما فى إرشاد الطالب أنّ إسناد الآلات إلى القمار كإسناد سائر الآلات إلى سائر الأفعال كآلات القتل و الفتح و القرض إلى غير ذلك، و كما أنّه لم تؤخذ الآلات فى مفاهيم تلك الأفعال كذلك لم تؤخذ الآلة فى مفهوم القمار، و يؤيّد ذلك ملاحظة كلام اللغويّين.(2)

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 48.

(2) إرشاد الطالب، ج 1، ص 218.

و قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إنّ الظاهر من أهل العرف و اللغة أنّ القمار هو الرهن على اللعب بأىّ شىء كان، و تفسيره باللعب بالآلات المعدّة للقمار دور ظاهر. و يدلّ على ما ذكرناه ترادف كلمة القمار فى لغة الفرس لكلمة «برد و باخت» بأىّ نحو تحقّق، إلى أن قال: و إذا صدق عليه مفهوم القمار شملته المطلقات الدالّة على حرمة القمار و الميسر و الأزلام و حرمة ما أصيب به من الأموال. غاية الأمر أنّ الموارد المنصوصة فى باب السبق و الرماية قد خرجت عن هذه المطلقات.(1)

أورد عليه سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره بالجزم بعدم صدقه على التغالب فى الخطّ و القراءة و العدو و نحوها.(2) و يمكن أن يقال: إنّ عدم صدق القمار فى الموارد المذكورة لعلّه من جهة أنّ إعطاء بعض الأشياء فيها يكون من شخص ثالث لاطرفى المغالبة، هذا مضافا إلى أنّه بعنوان الجائزة لا بعنوان «برد و باخت». و أيضا أنّ مورد الجائزة هو أمر مستحسن عقلا و شرعا و ليس بلعب، و عليه فلا وجه للنقض بما ذكر لعدم المشابهة بينها و بين المقام، فلا تغفل. و منها الروايات الواردة فى السبق و الرماية و من جملتها صحيحة العلاء بن سيّابة، قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة من يلعب بالحَمام، قال: لابأس إذا كان لايعرف بفسق، قلت: فإنّ من قبلنا يقولون: قال عمر: هو شيطان، فقال: سبحان اللّه، أما علمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قال: إنّ الملائكة لتنفُر عند [عن] الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل فإنّها تحضره الملائكة و قد سابق رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم أسامة بن زيد و أجرى الخيل.(3) و رواه فى الوسائل فى كتاب السبق و الرماية بسند آخر عن العلاء بن سيّابة عن أبى عبداللّه عليه السلام

**

(1) مصباح الفقاهة، ص 375.

(2) المكاسب المحّرمة لسيّدنا الامام قدس سره، ج 2، ص 14.

(3) الوسائل، الباب 54 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 413، ح 3.

قال: سمعته يقول: لابأس بشهادة الذى يلعب بالحمام و لابأس بشهادة المراهن عليه، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قد أجرى الخيل و سابق و كان يقول: إنّ الملائكة تحضر الرهان فى الخفّ و الحافر و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار حرام. قال بعض فضلائنا: الحمام فى عرف أهل مكة و المدينة يطلق على الخيل، فلعلّه المراد من الحديث بدلالة استدلاله عليه السلام بحديث الخيل، فيحصل الشكّ فى تخصيص الحصر السابق بغير الحمام،(1) إلّا أنّها ضعيفة من جهة جهالة محمد بن موسى بخلاف الرواية السابقة، فإنّه و إن نقلها فى الفقيه(2) بقوله روى عن العلاء بن سيّابة و كان ظاهره أنّها مرسلة إلّا أنّ ملاحظة المشيخة تشهد على أنّ الرواية مسندة، حيث قال الصدوق فيها و ما كان فيه عن العلاء بن سيّابة: فقد رويته عن أبى رضى الله عنه عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن على الوشّاء عن أبان بن عثمان عن العلاء بن سيّابة، لايقال إنّ العلاء بن سيّابة لم يوثّق لأنّا نقول: يكفى فى وثاقته أنّه من مشايخ ابن أبى عمير و قد صرّح ابن أبى عمير بأنّه لايروى و لايرسل إلّا عن الثقة.

ودعوى أنّ قول الصدوق و روى عن العلاء بن سيّابة مشعر بكون الرواية مرسلة و الذى صرّح به فى المشيخة من الطريق هو بالنسبته إلى ما رواه الصدوق نفسه عن العلاء بن سيّابة مسندا لا بالنسبة إلى مرسلات الآخرين، مندفعة بأنّ ملاحظة المشيخة مع ترتيب الروايات المنقولة فى نفس الكتاب تشهد بأنّ مراده من كلّ ما رويته فى المشيخة أعمّ‌، فيشمل ما عبّر عنه بقوله و روى عن العلاء بن سيّابة أيضا، و عليه فهذه الصحيحة تدلّ على حرمة اللعب مع العوض فى غير موارد الاستثناء فإنّها هى مقتضى

**

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب أحكام السبق و الرماية، ج 19، ص 253، ح 3.

(2) كتاب الأحكام، الباب 18، ح 42.

لعن الملائكة صاحب الرهان و اللعن و إن استعمل أحيانا مع القرينة فى الكراهة، كما فى قوله: «لعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم آكل زاده وحده و النائم فى بيته وحده و الراكب فى الفلاة وحده» إلّا أنّ ظاهره هو إرادة الحرمة فيما إذا لم تكن قرينة.

ومنها: الروايات الدالّة على أنّ اللعب مع الرهان قمار كصحيحة معمّر بن خلّاد كلّما قومر عليه فهو ميسر،(1) بدعوى أنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ كلّ ما يقع عليه القمار (برد و باخت) فهو ميسر و هى بعمومها تشمل موارد جعل الرهان فى غير الآلات المعدّة للقمار. أورد عليه بأنّ مفادها حرمة العوض فى كلّ رهان لاحرمة نفس الرهان و اللعب تكليفا.(2) و يمكن الجواب عنه بأنّ إطلاق القمار على اللعب بغير الآلات المعدّة فى قوله عليه السلام كلّما قومر عليه فهو ميسر، يكفى شمول أدلّة حرمة القمار تكليفا، إلّا أنّ الاستدلال المذكور بما مرّ من صدق القمار لا استدلال بالرواية فافهم و نحوها صحيحة العيّاشى عن حَمْدِوَيْه عن محمد بن عيسى قال: كتب إبراهيم بن عنبسة يعنى إلى على بن محمد عليهما السلام اذ رأى سيّدى و مولاى أن يخبرنى عن قول اللّه عزّوجلّ‌: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ) الآية (فما الميسر ظ) جعلت فداك، فكتب: كلّ ما قومر به فهو الميسر و كلّ مسكر حرام(3) و فى الذيل أنّ فى المصدر (كتب إليه) و (إن رأى) و (فما المنفعة) ولعلّه مصحف (فما الميسر)، كما استظهره صاحب الوسائل و تقريبها كالتقريب فى السابقة و الإشكال فيه هو الإشكال.

**

(1) الوسائل، الباب 104 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 323، ح 1.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 18 و إرشاد الطالب، ج 1، ص 216.

(3) الوسائل، الباب 104 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 326، ح 11 و فى هامش الوسائل هكذا: فى تفسير العياشى، ج 1، ص 105. فيه: (كتب اليه) و فيه: (إن رأى) و فيه: (فما المنفعة) و لعلّه مصحّف (فما الميسر) كما استظهره المصنف.

وخبر إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: الصبيان يلعبون بالجوز و البيض و يقامرون، فقال: لاتأكل منه فإنّه حرام،(1) لدلالته على حرمة المقامرة بالجوز و البيض و حرمة الأكل بناء على رجوع قوله فإنّه حرام إلى اللعب المذكور، هذا مضافا إلى إطلاق القمار على اللعب المذكور فى السؤال ولكنّ الخبر ضعيف، هذا مضافا إلى احتمال رجوع الضمير إلى المأكول و يؤيّده عدم حرمة اللعب المذكور على الصبيان. و كيف كان، يكفى فى تحريم اللعب مع الرهان فى غير الآلات المعدّة للقمار صدق القمار عرفا و اللعن الوارد فى بعض الروايات و إطلاق القمار عليه فى بعض الأخبار و لو تنزيلا كخبر العلاء بن سيّابة و خبر إسحاق بن عمّار. و لقد أفاد و أجاد فى جامع المدارك، حيث قال: فبعد كون المراهنة بغير آلات القمار قمارا حقيقة أو تنزيلا لامجال للشكّ فى الحرمة التكليفية مضافة إلى الحرمة الوضعية(2). و مما ذكر يظهر ما فى الجواهر، حيث قال: بل لايحرم المراهنة فيما لم يعتدّ المقامرة به أيضا و إن حرم هو لأنّه أكل مال بالباطل دونه لما عرفت ممّا لا معارض له. ودعوى أنّه من اللعب و اللهو المشغول عنهما المؤمن يدفعه منع كونه من اللعب المحرّم، إذ لاعموم، بل و لا إطلاق على وجه يصلح لشمول ذلك و نحوه.(3)

و قد يستدلّ لما ذهب إليه صاحب الجواهر بصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: قضى أميرالمؤمنين عليه السلام فى رجل آكل و أصحابٌ له شاةً‌، فقال: إن أكلتموها فهى لكم و إن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا فقضى فيه أنّ ذلك باطل لاشيء

**

(1) الكافى، ج 5، ص 124.

(2) جامع المدارك، ج 3، ص 29.

(3) الجواهر، ج 22، ص 109.

فى المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه و ماكثر و منع عن أمة(1) فيه «عن الغرامة ظ». و رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يوسف بن عقيل نحوه.(2)

قال الميرزا الشيرازى: آكل هو فاعل من المؤاكلة بمعنى المغالبة فى الأكل لأنّ من المعانى المذكورة للمفاعلة المغالبة كما يقال ضاربنى فضربته يعنى غالبنى فى الضرب فغلبته فيه و «أصحاب له» بالرفع معطوف على المرفوع فى آكل و الغالب فى مثله العطف بعد التأكيد بالضمير المنفصل، نحو (اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ‌) (3) أو مطلق الفاصل.(4)

و كيف كان تقريب الاستدلال بالصحيحة بأن يقال إنّ ظاهرها من حيث عدم ردع الإمام عن فعل مثل هذا أنّه ليس بحرام إلّا أنّه لايترتّب عليه الأثر و هو ماذهب اليه صاحب الجواهر قدس سره.

أورد عليه الشيخ بقوله: لكنّ هذا وارد على تقدير القول بالبطلان وعدم التحريم لأنّ التصرّف فى هذا المال مع فساد المعاملة حرام أيضا فتأمل. أوضحه الميرزا الشيرازى قدس سره بقوله: يعنى أنّ التصرّف فى الشاة بالأكل مع فساد المعاملة عليه حرام، مع أنّ ظاهر الرواية حلّيّته من حيث تقريره و السكوت عن الحكم بحرمته كما أنّ سكوته عليه السلام عن حرمة أصل المعاملة يقتضى حلّيّة هذا.

ويمكن الجواب بأنّ السكوت ظاهر فى التقرير و الحلّيّة فى الموردين و الخروج عن هذا الظاهر فى الأوّل بالدليل الدالّ على عدم جواز التصرّف فى المقبوض بالعقد الفاسد لايقتضى رفع اليد عنه فيما هو محلّ النزاع من إباحة أصل المعاملة مضافا إلى

**

(1) أى الدين.

(2) الوسائل، الباب 5 من كتاب الجعالة، ح 1.

(3) البقرة، 35.

(4) التعليقة، ص 124.

إمكان منع التقرير بالنسبة إلى التصرّف إذ لم يذكر فى الرواية أنّ أصحاب الرجل تصرّفوا فى الشاة و أكلوا، بخلاف أصل المراهنة على الأكل، فإنّه مذكور فيها صريحا فتدبّر. و لعلّه قدس سره لما ذكرنا أو بعضه أمر بالتأمل،(1) وعليه فيصحّ الأخذ بالتقرير فى أصل المراهنة على الأكل و الحكم بجوازه كما ذهب اليه صاحب الجواهر. وفيه أنّ حمل مورد الرواية على المقبوض بالعقد الفاسد و عدم جواز التصرّف فيه لايساعد مع الحكم بعدم الضمان فى المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه و ما كثر، إذ المقبوض بالعقد الفاسد مضمون، فالأولى هو حمل مورد الرواية على الهبة الفاسدة حيث لم يجعل فى مقابل الشاة شيئا و مقتضاه هو عدم الضمان لقاعدة كلّ ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده، وعليه فيصحّ قوله عليه السلام لاشىء فى المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه و ماكثر.

قال فى جامع المدارك: و يمكن أن يقال: إنّ صاحب الشاة ما جعل فى مقابل الشاة شيئا فالشاة بمنزلة العين الموهوبة بالهبة الفاسدة. فبناء على القاعدة المشهورة عند الفقهاء رضوان اللّه عليهم «مالايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده» لاضمان و لاحرمة من جهة التصرّف، و لعلّه لذا أمر بالتأمّل؛(2) و عليه فلا مجال لإيراد الشيخ بأنّ الإشكال وارد على تقدير القول بالبطلان و عدم التحريم هذا، إلّا أنّ رفع اليد عن الأخبار السابقة بمثل هذا الخبر محلّ تأمّل و نظر،(3) فإنّ دلالة هذا الخبر على الجواز تكون بالتقرير المتقوّم بالسكوت فى مقام البيان و مع ورود النهى فى سائر الروايات لايتمّ التقرير إذ لا سكوت بحسب مجموع الأخبار كما لايخفى، و لعلّه لذلك قال فى جامع المدارك بعد تتميم دلالة هذا الخبر، لكنّه لامجال لدفع اليد عن الأخبار

**

(1) تعليقة على المكاسب، ص 124-123.

(2) جامع المدارك، ج 3، ص 29.

(3) كما فى إرشاد الطالب، ج 1، ص 219.

المذكورة بهذا الخبر،(1) هذا مضافا إلى إمكان دعوى أنّ الظاهر أنّ الرواية أجنبيّة عن المقام و إنّما هى مسوّقة لبيان حكم عقد المؤاكلة فى الطعام فإنّ مالك الشاة قد أباحها لأشخاص معيّنين بشرط متأخر و هو قوله: «إن أكلتموها فهى لكم» و اشترط عليهم الضمان إذا تخلّف الشرط المذكور و قال: «وإن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا» و قد حكم الإمام عليه السلام بفساد هذه المعاملة و عدم ترتّب الأثر عليها بقوله: «لاشىء فى المؤاكلة» و أنّها ليست من المعاملات التى أمضاها الشارع كما أمضى المزارعة و المضاربة و المساقاة و غيرها، و على هذا فمفاد الرواية ينحلّ إلى قضيّتين، إحديهما موجبة و هى إباحة الشاة بشرط متأخر إباحة مالكية، و الثانية سالبة و هى عدم تحقّق الإباحة المالكية مع تخلّف الشرط المذكور، و حكم القضية الأولى هو الجواز وضعا و تكليفا من غير غرامة على الآكلين، و حكم القضية الثانية هو عدم الجواز وضعا لاتكليفا، فتثبت عليه غرامة الأكل لكونه مشمولا لعمومات أدلّة الضمان، لا لأنّها معاملة خاصّة توجب الضمان بنفسها، إلى أن قال: و نظير هذه المعاملة كثير الوقوع بين أهل العرف، فيقول أحدهم لصاحبه: إن أكلت كذا مقدارا من الثمرة أو إن سكنت فى هذه الدارسنة واحدة فليس عليك شيء، و إلّا فعليك كذا و كذا.(2)

وفيه أنّ التوجيه المذكور لايساعد مع إطلاق الحكم بعدم الضمان فى الرواية، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ نفى الضمان اضافى و هو بالنسبة إلى القضية الموجبة و هى الإباحة بالشرط المتأخر فتأمّل. الإنحلال المذكور، و مضافا إلى إمكان القول كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره بأنّ صحيحة محمد بن قيس بصدد بيان قضاء أميرالمؤمنين عليه السلام فى الواقعة لامطلق ما وقع فيها، ولهذا لم يذكر كيفية الدعوى و المدّعى و المدّعى عليه، و

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 29.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 378-377.

لعلّ أميرالمؤمنين عليه السلام نهى عن العمل و لم يكن أبوجعفر عليه السلام بصدد نقله مع أنّ الواقعة كانت قضية خارجية لم تظهر حالها فلا معنى لاستفادة شيء من سكوته.(1) و كيف كان، فلا تكون الصحيحة المذكورة منافية لما مرّ من الأخبار الدالّة على حرمة اللعب مع المراهنة بغير الآلات المعدّة للقمار كصحيحة العلاء بن سيّابة، هذا مضافا إلى صدق القمار فيعمّه إطلاق أدلّة القمار.

المسألة الرابعة: فى المغالبة بغير عوض

المسألة الرابعة: المغالبة بغير عوض فى غير ما نصّ على جواز المسابقة فيه، قال الشيخ الأعظم قدس سره: و الأكثر على ما فى الرياض على التحريم، بل حكى فيها عن جماعة دعوى الإجماع و هو الظاهر من بعض العبارات المحكية عن التذكرة، فعن موضع منها أنّه لاتجوز المسابقة على المصارعة بعوض و لابغير عوض عند علمائنا أجمع لعموم النهى، إلّا فى الثلاثة الخفّ و الحافر و النصل و ظاهر استدلاله أنّ مستند الإجماع هو النهى و هو جار فى غير المصارعة أيضا. و عن موضع آخر لاتجوز المسابقة على رمى الحجارة باليد و المقلاع و المنجنيق سواء كان بعوض أو بغير عوض عند علمائنا، و فيه أيضا. لايجوز المسابقة على المراكب و السفن و الطيارات عند علمائنا و قال ايضا لايجوز المسابقة على مناطحة الغنم و مهارشة الديك بعوض و لابغير عوض. قال: و كذلك لايجوز المسابقة بما لاينتفع به فى الحرب و عدّ فيما مثل به اللعب بالخاتم و الصولَجان و رمى البنادق و الجلاهق و الوقوف على رجل واحد و معرفة ما فى اليد من الزوج و الفرد و ساير الملاعب و كذا اللبث فى الماء، قال: و جوّزه بعض الشافعية و ليس بجيّد، انتهى. ثمّ قال الشيخ الأعظم قدس سره: و ظاهر ذلك الميل إلى الجواز و استجوده فى الكفاية و تبعه بعض من تأخّر عنه للأصل و

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام قدس سره، ج 2، ص 22.

عدم ثبوت الإجماع و عدم النصّ عدا ما تقدّم من التذكرة من عموم النهى الخ.(1) وكيف كان، فقد استدلّ للحرمة بوجوه كلّها ضعيفة، منها الإجماع؛ و فيه أنّه غير ثابت و قد عرفت فى المسألة السابقة أنّ الشيخ الأعظم قال: و الظاهر إلحاق المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار بالقمار فى الحرمة و الفساد، إلى أن قال: و هو ظاهر كلّ من نفى الخلاف فى تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض وجعل محلّ الخلاف منها بدون العوض، و لايخفى ظهور قوله و جعل محلّ الخلاف فيها بدون العوض فى عدم الإجماع فى صورة المغالبة فيما عدا المنصوص من دون رهان.

ومنها: النصوص الناهية عن اللعب بغير الخفّ و الحافر و النصل و من جملتها موثّقة حفص عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: لاسبق إلّا فى خفّ أو حافر أو نصل يعنى النضال.(2) وخبر عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: سمعته يقول: لاسبق إلّا فى خفّ أو حافر أو نصل يعنى النضال.(3) و خبر العلاء بن سيّابة عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: سمعته يقول: لابأس بشهادة الذى يلعب بالحمام و لابأس بشهادة المراهن عليه، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قد أجرى الخيل و سابق و كان يقول: إنّ الملائكة تحضر الرهان فى الخفّ و الحافر و الريش و ماسوى ذلك فهو قمار حرام. قال بعض فضلائنا: الحمام فى عرف أهل مكّة و المدينة يطلق على الخيل، فلعلّه المراد من الحديث بدلالة استدلاله عليه السلام بحديث الخيل، فيحصل الشكّ فى تخصيص الحصر السابق بغير الحمام.(4)

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 49.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب أحكام السبق و الرماية، ج 19، ص 253-252، ح 1.

(3) الوسائل، المصدر، ج 19، ص 253، ح 2.

(4) الوسائل، الباب 3 من أبواب أحكام السبق و الرماية، ج 19، ص 253، ح 3.

و صحيحة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام. قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم لاسبق إلّا فى حافر أو نصل أو خفّ‌.(1)

أورد الشيخ على الاستدلال بالأخبار المذكورة بأنّ عموم النهى غير دالّ لأنّ السبق فى الرواية يحتمل التحريك بل فى المسالك أنّه المشهور فى الرواية، و عليه فلا يدلّ إلّا على تحريم المراهنة، بل هى غير ظاهرة فى التحريم أيضا لاحتمال إرادة فسادها، بل هو الأظهر لأنّ نفى العوض (لقوله لاسبق) ظاهر فى نفى استحقاقه و إرادة نفى جواز العقد عليه فى غاية البعد و على تقدير السكون فكما يحتمل نفى الجواز التكليفى فيحتمل نفى الصحّة لوروده مورد الغالب من اشتمال المسابقة على العوض.(2) قال فى جامع المدارك: و الظاهر أنّ مدركهم عموم النهى إلّا فى الثلاثة الخفّ و الحافر و النصل، و لفظ السبق فى الرواية يحتمل أن يكون محرّكا بفتح الباء و أن يكون بالسكون، فعلى الأوّل يرجع إلى عدم تملّك العوض و الحرمة الوضعية، و على الثانى يرجع إلى الحرمة التكليفية بالنسبة إلى نفس الفعل و مع الاحتمال لامجال للحكم بالحرمة، بل مع احتمال السكون يمكن دعوى الانصراف إلى صورة المسابقة مع العوض.(3) و لايخفى عليك أنّ دعوى الانصراف إلى صورة المسابقة مع العوض محلّ تأمّل و نظر لكثرة المسابقة من دون عوض أيضا و العمدة هو ما أشار إليه فى جامع المدارك من أنّ مع احتمال الأمرين من السبق بالفتح و السكون فالرواية مجملة و لامجال للاستدلال بها للحكم بحرمة المسابقة من دون عوض.

ومنها: دعوى صدق مفهوم القمار على مطلق المغالبة و لو بدون العوض، و عليه

**

(1) الوسائل، الباب 3 من ابواب احكام السبق و الرماية، ج 19، ص 253، ح 4.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 49.

(3) جامع المدارك، ج 3، ص 30.

فتشمله الإطلاقات الدالّة على حرمة القمار. و أجيب عنه بأنّ الرهان مأخوذ فى مفهوم القمار سواء كان اللعب بالآلات المعدّة له أم لا، و عليه فالمسابقة بغير المراهنة خارجة عن مفهوم القمار موضوعا و إطلاق القمار عليها أحيانا لايدلّ على الحقيقة فإنّه أعمّ من الحقيقة و المجاز و لاأقلّ من الشكّ فيؤخذ بالقدر المتيقّن و هو مع الرهان. ودعوى أنّ اللعب بالشطرنج من دون قيد المراهنة قد يسمّى قمارا فى إطلاق بعض الأخبار، مثل ماورد فى معتبرة أبى بصير عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الشطرنج و النرد هما الميسر،(1) مندفعة بأنّ الشطرنج و النرد من الآلات المعدّة للقمار بخلاف المقام، و مع احتمال الخصوصية فى الشطرنج و النرد فلا يمكن التعدّى عن مورد التعبّد إلى غيره. نعم، لو كان إطلاق القمار عليه من جهة الصدق العرفى لتمّ الاستدلال ولكنّه كماترى، و لو سلّمنا أنّ إطلاق القمار على المسابقة الخالية عن العوض على سبيل الحقيقة فإنّ السيرة القطعية قائمة على جوازها كالسباحة و المصارعة و المكاتبة و المشاعرة و غيرها، خصوصا إذا كان الفعل أمرا قُرْبيا كبناء المساجد و القناطر و المدارس، فإنّ فى ذلك فليتنافس المتنافسون؛(2) و مما ذكر يظهر ما فى كلام الشيخ الأعظم قدس سره، حيث قال: و قد يستدلّ للتحريم أيضا بأدلّة القمار بناء على أنّه مطلق المغالبة و لو بدون العوض، كما يدلّ عليه ما تقدّم من إطلاق الرواية بكون اللعب بالنرد و الشطرنج بدون العوض قمارا. و دعوى أنّه يشترط فى صدق القمار احدى الأمرين: إمّا كون المغالبة بالآلات المعدّة للقمار و إن لم يكن عوض، و إمّا المغالبة مع العوض و إن لم يكن بالآلات المعدّة للقمار على ما يشهد به إطلاقه فى رواية الرهان فى الخفّ و الحافر فى غاية البعد، بل الأظهر أنّه مطلق

**

(1) الكافى، ج 6، ص 435.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 381-380.

المغالبة و يشهد له أنّ إطلاق آلة القمار موقوف على عدم دخول الآلة فى مفهوم القمار كما فى ساير الآلات المضافة إلى الأعمال و الآلة غير مأخوذة فى المفهوم، و قد عرفت أنّ العوض أيضا غير مأخوذ فيه، فتأمّل.(1) و ذلك لأنّ كون القمار مطلق المغالبة و لو بدون العوض أوّل الكلام، بل العرف على خلافه. و إطلاق القمار على اللعب بالشطرنج و النرد و نحوهما من آلات القمار فى بعض الأخبار لايشهد على صحّة إطلاق القمار على مطلق المغالبة، بل يقتصر على مورده لأنّ ذلك تعبّد، و الغرض هو بيان حرمة اللعب بهما و لو من دون عوض و ليس ذلك من جهة صدق القمار عرفا على اللعب بهما من دون العوض و لاأقلّ من الشكّ فى كونه من باب التعبّد أو صدق القمار فلا يصلح للاستدلال، فإنّه إن كان الأوّل فلا مجال للتمسّك به للزوم الاقتصار على مورد التعبّد، و إن كان الثانى فهو يصلح للشاهد ولكن مع الترديد بين الأمرين لامجال للتمسّك به فى المقام.(2) و لافرق فى ذلك بين كون آلة القمار داخلة فى مفهوم القمارو بين عدمه، هذا مضافا إلى أنّ عدم دخالة الآلة فى مفهوم القمار لايستلزم عدم أخذ العوض فيه بل العوض مأخوذ فيه، و لعلّه لذلك أمر بالتأمّل. فتحصل أنّ القمار ليس هومطلق المغالبة بل القمار هى المغالبة مع الرهان، و عليه فلابأس باللعب بغير الثلاثة من دون الرهان.

ومنها: دعوى أنّه يمكن الاستدلال على التحريم بما تقدّم من أخبار حرمة الشطرنج و النرد معلّلة بكونها من الباطل و اللعب و أنّ كلّ ماألهى عن ذكراللّه فهو الميسر. و قوله عليه السلام فى بيان حكم اللعب بالأربعة عشر لاتستحبّ شيئا من اللعب غير الرهان و الرمى و المراد رهان الفرس. و لاشكّ فى صدق اللهو و اللعب فيما نحن فيه

**

(1) المكاسب للشيخ الأعظم قدس سره، ص 49.

(2) راجع إرشاد الطالب، ص 222.

ضرورة أنّ العوض لادخل له فى ذلك. و يؤيّده مادلّ على أنّ كلّ لهو المؤمن باطل خلا ثلاثة و عدّ منها إجراء الخيل و ملاعبة الرجل امرأته.

وفيه: أوّلاً أنّه قد يتعلّق بهذه الأفعال غرض صحيح مورد لتوجّه العقلاء به كحفظ الصحّة و تقوية البدن فى المصارعة؛(1) و ثانيا أنّه لادليل على حرمة مطلق اللهو فإنّ كثيرا من الأمور لهو و هو ليس بحرام كاللعب بالأحجار و الأشجار و السبحة و اللحية و أزار الثوب و نحوها.

تنبيهات:

التنبيه الاول: فى بطاقات اليانصيب (بخت آزمائى):

اشارة

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و من أوضح أفراد القمار فى هذا الزمان الحظّ و النصيب المعبّر عن ذلك فى الفارسية بلفظ (بليط بخت آزمائى) و إذا صدق عليه مفهوم القمار شملته المطلقات الدالّة على حرمة القمار و الميسر و الأزلام و حرمة ما أصيب به من الأموال، غاية الأمر أنّ الموارد المنصوصة فى باب السبق و الرماية قد خرجت عن هذه المطلقات.(2) و قد يقال: فيه نظر لأنّ اللعب من الأجزاء المقوّمة فى مفهوم القمار و لا لعب فى المورد المذكور و مجرّد شراء تلك الأوراق لايكون محرّما تكليفا لاعتبار اللعب فى صدق القمار قطعا أو احتمالا، و معه لا يمكن الجزم بانطباق عنوان القمار عليه.(3) و يمكن الجواب عنه بأنّ اللعب لايكون مأخوذا فى القمار لعدم اللعب فى الأزلام مع أنّه قمار؛ و لو سلّمنا عدم صدق القمار عليه فحرمة الأزلام مع عدم اللعب فيه يكفى لإثبات حرمة «بليط بخت آزمائى»، لكونهما من باب واحد و

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 30.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 375.

(3) إرشاد الطالب، ج 1، ص 224.

لاخصوصية للأزلام، هذا كلّه بالنسبة إلى الحكم التكليفى. و أمّا الحكم الوضعى فلا إشكال فى فساده و بطلانه بعد كونه كالأزلام.

قال فى إرشاد الطالب: و لاينبغى الريب فى بطلان بيع الأوراق المسمّاة بأوراق اليانصيب و شرائها حيث أنّ الأوراق لاتكون بنفسها أموالاً نظير الأوراق النقدية و الطوابع المالية و البريدية ليكون أخذها من شراء الشيء المحكوم عليه بالحلّيّة تكليفا و وضعا، بل يكون إعطاء المال و بذله باعتبار الرقم الموجود فى كلّ ورقة لاحتمال وقوع الجائزة على ذلك الرقم، و لذا لو تلفت الورقة بأن احترقت عند من يحتجزها و ثبت ذلك عند المؤسّسة فإنّها ربما تعطى الجائزة للشخص المزبور بوقوعها على ذلك الرقم. و الحاصل أنّ المبادلة واقعا بين المال و تلك الجائزة المحتمل وقوعها على الرقم، و الورقة سند لها و هذا لايكون بيعا صحيحا، فإنّ المعتبر فيه وجود المبيع و العلم به فيكون المقام نظير الشبكة المطروحة المحتمل وقوع الصيد فيها، فإنّه لايصحّ تملّك العوض بإزاء الصيد المحتمل، بل هذا أشبه بالقمار و يكون نظير القطعات من الخشب أو غيرها التى يكون فى كلّ منها رقم و يعيّن لبعض تلك الأرقام بعض الأموال و تطرح فى الكيس و يعطى إنسان درهما أو أكثر و يخرج منها قطعة بداعى وقوع المال على الرقم فيها. و الحاصل أنّ شراء الأوراق مندرج فى البيع الفاسد فلا تكون الجائزة به ملكا لمشترى الورقة و لوأخذها وجب المعاملة معها معاملة الأموال المجهول مالكها. نعم، مجرّد شراء تلك الأوراق لايكون محرّما تكليفا لاعتبار اللعب فى صدق القمار قطعا أو احتمالا، و معه لايمكن الجزم بانطباق عنوان القمار عليه.(1)

وفيه: أوّلاً: يمكن أن يقال: إنّ المعاملة لاتقع بين المال و تلك الجائزة المحتمل

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 224-223.

وقوعها على الرقم حتى يكون الورقة سنداً لها، بل تقع المعاملة بين المال و نفس الأرقام المذكورة فى الورقة باعتبار صيرورتها مالا من جهة بناء المؤسّسة على أن تعطى الجوائز طبقا بوقوع القرعة على تلك الأرقام. و ثانيا أنّ البيع بين المال و تلك الجائزة المحتمل وقوعها على الرقم و إن لم يكن صحيحا للغرر، ولكن يمكن القول بالصحّة باعتبار الصلح بناء على أنّ الصلح على ما لاعلم بوجوده بالفعل و لا فى الآتى صحيح ولكنّ شمول الصلح لمثل ذلك محلّ تأمّل و إشكال، فالأولى هو أن يقال فى وجه المنع: إنّه كالأزلام فى صدق القمار عليه أو فى حرمته فلا يجوز التصرّف فى المأخوذ فى مقابل الأوراق المذكورة فلا تغفل. ثم إنّه لو بدّل عنوان اليانصيب بعنوان الإعانة على إحدى المؤسّسات الخيرية و لم يكن ذلك مجرّد اللفظ بل له حقيقة، فلا إشكال فى إعانة تلك المؤسّسة الخيرية بدفع شىء لها و أخذ بطاقة لأخذ الجائزة، فدفع شىء إحسان لتلك المؤسّسة بداعى إعطاء الجوائز من نفس الإحسانات بإذن المحسنين و رضايتهم.

قال السيّد الإمام المجاهد قدس سره: إذا فرض قيام شركة بنشر بطاقات للإعانة حقيقة على المؤسّسات الخيرية و دفع كلّ من أخذ بطاقة مالا لذلك المشروع و دفع أو صرف الشركة ما أخذه فيها و تعطى من مالها مبلغا لمن أصابته القرعة هبة و مجّانا للتشويق فلاإشكال فى جواز الأمرين؛ و كذا لوأعطى الجائزة من المال المأخوذ من الطالبين برضامنهم.(1)

فروع:
1 - لافرق فى حرمة شراء الاوراق اليانصيب بين كون البايع مسلماً أو كافراً

1 - لافرق فى حرمة شراء الأوراق اليانصيب بين أن يكون بايعها مسلما أو كافرا

**

(1) تحرير الوسيلة، ج 2، ص 747-746.

لإطلاق أدلّة حرمة القمار و الأزلام و عدم حرمة مال الحربى لايوجب جواز القمار معه كما لايخفى؛ نعم، لوعصى و قامر الحربى جاز له تملّك المأخوذ منه بقصد الاستنقاذ إذا لم يعلم جريان يد مسلم عليه، فتدبّر جيّداً.

2 - لو شرى أحد الأوراق المذكورة و اصيبت القرعة به وجب دفعه الى مالكه و

2 - لو شرى أحد الأوراق المذكورة و أصيبت القرعة به و أخذ مبلغا وجب عليه دفعه إلى مالكه إن كان معلوما، و إلّا فيترتّب عليه حكم مجهول المالك من لزوم تصدّقه على الفقير غير السيّد عن جانب مالكه الواقعى مع رعاية الاحتياط بالاستيذان من الحاكم الشرعى، هذا إذا كان المأخوذ بعنوان القرعة من أموال الطالبين. و أمّا إذا كان من أموال الدولة فاللّازم ردّه إلى بيت المال إن كان المتصدّى حاكما شرعيا أو مأذونا من الحاكم الشرعى و إلّا فردّ إلى الحاكم الشرعى حتى يصرفه فى مصارف بيت المال.

3 - فى ضمان المأخوذ فى زمان الطاغوت

3 - لو أخذ أحد فى زمان الطاغوت مبلغا بعنوان الجايزة ل‍ - «بليط بخت آزمائى» و صرفه كان ضامنا له و وجب عليه أن يتصدّقه للفقراء من جانب مالكه إن لم يعلمه مع رعاية إعطاء قدرة شرائه على الأحوط، و هكذا وجب عليه أن يعطى عوض المأخوذ إلى مالكه إن كان معلوما مع رعاية إعطاء قدرة شرائه على الأحوط أو إلى الحاكم الشرعى إن كان من بيت المال مع رعاية إعطاء قدرة شرائه على الأحوط. و فى زماننا هذا يكفى تحويله إلى الدولة الإسلامية حتى يجعلوها فى محالّه إن كان المأخوذ من بيت المال.

4 - فى عدم تأثير صدور السند بعنوانه فى الملكية

4 - لوأخذ أحد دارا فى زمان الطاغوت بعنوان الجايزة ل‍ - «بليط بخت آزمائى» و صدر السند باسمه ثمّ باعه فى الجمهورية الإسلامية بمبلغ كان أخذ الدار محرّما و لم يملكها و لاتأثير لصدور السند بعنوانه فى الملكية و كان بيع الدار بيعا فضوليا، فإن كان الدار لشخص معلوم فله الدار و تنفيذ البيع و إن لم يكن كذلك فإن كانت الدار

للدولة فلها فى زماننا هذا تنفيذ البيع و عدمه و إن كانت الدار لشخص غير معلوم فهى مجهول المالك. و على كلّ تقدير ضمن آخذ الدار من أول يوم الأخذ إلى زمان تحويلها أجرة المثل لتلك الدار، و حيث صارت أجرة المثل فى ذمّته فالّلازم على الأحوط هو إعطاء اختلاف قدرة الشراء أيضا، فتدبّر جيّداً.

التنبيه الثانى: فى المسابقة بلارهان

اشارة

التنبيه الثانى: أنّه لو كانت المسابقة فيما عدا الموارد المنصوصة ككرة القدم بلا رهان فلا إشكال و لو عيّن الحكومات الشركات جوائز للفائزين فلا وجه للحرمة أيضا إلّا دعوى صدق القمار على مطلق المغالبة مع الرهان. و من المعلوم أنّ اشتراط الجوائز على غير اللّاعبين يوجب صدق هذا العنوان، أللّهمّ إلّا أن يقال إنّ عنوان القمار لاينطبق عليه حيث أنّ المعتبر فيه كون المال من المغلوب و لايعمّ ما إذا كان من شخص ثالث للفائز. قال فى إرشاد الطالب: صرّح بذلك بعض أهل اللغة و يظهر أيضا بمراجعة الاستعمالات العرفية و إن لم يكن هذا جزميا فلاأقلّ من احتماله و هذا يمنع عن الرجوع إلى إطلاق خطاب حرمة القمار أو المراهنة، و إذا جاز اللعب صحّ تملّك الجائزة أخذا بإطلاق دليل الهبة أو الجعالة او غيرهما.(1)

و الأولى بالجواز هو أن لايشترط اللّاعب شيئا لا على اللّاعب الآخر و لا على الشخص الثالث؛ و حينئذ إن لاعب بالنحو المذكور فلا حرمة فى اللعب و لا فى المأخوذ من غير اللاعب و إن علم أنّ الحكومة أو بعض المؤسّسات يعطونه لأنّ المغالبة مع عدم الاشتراط لايصدق عليه أنّها مع الرهان و إن علم باعطاء شيء لأنّ العلم المذكور يكون داعيا و ليس بشرط.

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 223.

هنا فروع كما لايخفى:
1 - فى موارد جواز أخذ الجائزة و عدمه

1 - لافرق فى جواز أخذ الجائزة كونها من مال الناظرين أو الحكومة أو بعض المؤسّسات و إنّما المعتبر أن لايكون من اللّاعب الآخر.

2 - يجوز أخذ مبلغ للورود فى محل المسابقة

2 - لاإشكال فى أخذ مبلغ للورود فى محلّ المغالبة لمشاهدة المسابقة إذا كان المحلّ للآخذين، كما لا إشكال أيضا فى اشتراط اللّاعبين مبلغا على صاحب المحلّ المذكور لإجراء المسابقة فى ذلك المحلّ‌.

3 - هل يجوز بغير اللاعبين استيجار اللاعبين

3 - هل يجوز لغير اللّاعبين استيجار اللاعبين للمغالبة أو لايجوز؟ أمكن القول بالثانى بدعوى صدق المغالبة مع الرهان و هو قمار و لكن عرفت اختصاص القمار بما إذا أخذ من المغلوب و هو اللاعب الآخر لاغيره، و عليه فالأظهر هو الأول. و مما ذكر يظهر صحّة الجعالة أيضا فلو جعل أحد شيئا فى مقابل مصارعة زيد مع عمرو فلاإشكال فيه، كما لاإشكال فى المأخوذ لأنّه أخذ من غير اللاعب الآخر و إن كان الأحوط هو الاجتناب.

4 - هل يجوز اشتراط شىء من اللاعب على اللاعب الآخر

4 - هل يجوز اشتراط شىء من اللاعب على اللاعب الآخر فى ضمن جماعته الموسوم فى اللغة الفارسية ب‍ - «تيم» أو لايجوز؟ و الأقرب هو الثانى لصدق المغالبة مع الرهان بالنسبة إلى اللاعب الآخر و إن كان سهمه الذى عليه أدائه قليلا. نعم، لواشترط شيئا على جماعته غير اللاعب فالأظهر هو عدم الحرمة لاختصاص القمار بما إذا اشترط اللاعب شيئا على المغلوب و هو اللاعب الآخر و إن كان الأحوط هو الاجتناب.

5 - فى حكم اشتراط بعض الأفراد على البعض لنفسه

5 - إذا اشترط بعض الأفراد المعلوم من جماعة اللاعبين على البعض المعلوم من الجماعة المتقابلة شيئا كان اللعب بالنسبة إليهما محرّما، بخلاف غيرهما. و إذا اشترط

بعض معلوم على بعض غير معلوم كواحد لابعينه فاللعب المذكور قمار بالنسبة إلى الشخص المعلوم، و أمّا بالنسبة إلى الجماعة المتقابلة فالأظهر أنّه قمار أيضا لاشتراط شىء على واحد لابعينه و هو كالنكرة يصدق على كلّ واحد من الجماعة المتقابلة على البدل.

6 - فى حكم اشتراط شىء على اللاعب الآخر لغيره

6 - ولافرق فى صدق القمار بين اشتراط شيء على اللاعب الآخر لنفسه أو لغيره، سواء كان شخصا أو عنوانا أو جهة من الجهات، كلّ ذلك لصدق المغالبة مع الرهان كما لايخفى.

7 - فى اشتراط الاطعام

7 - إذا اشترط اللاعب على طرفه أو اشترط جماعة اللاعبين على الجماعة المتقابلة من اللاعبين أن يطعم الفرد أو الجماعة فى ليلة أو نهار كذا فى صورة غلبة هذا الفرد على ذلك الفرد أو هذه الجماعة على تلك الجماعة فالأظهر أنّه رهان و يوجب صدق المغالبة مع الرهان و هو كما عرفت قمار و يترتّب عليه أحكامه من الحكم التكليفى و الوضعى.

8 - فى الرهان بين اللاعب و المرّبى

8 - إن كان الرهان بين اللاعب و بعض المربّيين فلا إشكال لأنّ اللعب بين اللاعب و لاعب آخر من دون رهان بينهما و الرهان هنا بينه و بين من لم يلاعب و شمول المغالبة مع الرهان لهذا المورد غير واضح و إن كان الأحوط هو الاجتناب.

9 - فى حكم عزل اللاعبين مبلغا لاعطاء الجوائز

9 - إن اجتمع جماعات مختلفة من اللاعبين على عزل مبلغ حتّى يتهيّئوا الجوائز لجماعة أو جماعات فائزة فهل ذلك يوجب الحرمة أو لا؟ يمكن أن يقال: إن كانت الجماعات من اللاعبين فهو حرام لصدق المغالبة مع الرهان، و إن لم يكونوا منهم فليس بحرام لعدم صدق مفهوم القمار إذ لم يشترط على اللاعبين شىء.

10 - فى كيفية تقسيط الجوائز

10 - كيفية تقسيط الجوائز بين اللاعبين بيد الفرد أو الجماعة الذين تعطون الجوائز إن لم يكن قرار، و إلّا فاللازم أن يراعوا القرار الذى بينهم كالإجاره أو الجعالة أو غير ذلك.

11 - فى سؤال عن السيّد المحقّق الخوئى قدس سره

11 - سئل السيّد المحقّق الخوئى قدس سره عمّا رأى سماحتكم فى الكسب عن طريق الكرة فى الجهات التالية علما بأنّها لاتتعارض مع أوقات الصلاة 1. التدريب و هو تعليم اللاعب على اللعب‌؟ 2. التحكيم بين اللاعبين، 3. إسعاف و علاج المصابين بالكرّة، 4. العمل كسائق باص لأحد الأندية لخدمة لاعبي الكرّة، و أجاب بأنّه: إذا لم تكن مبنية على الرهان و لامستلزمة لمحرّم شرعى فلا بأس بالتحكيم. و أمّا الأولى و الأخيرتان فهى خدمة لاإشكال فيها و لابأس بها و اللّه العالم.(1)

12 - فى حكم المأخوذ فيما إذا كانت المغالبة مع الرهان

12 - حكم المأخوذ فيما إذا كانت المغالبة مع الرهان حكم المأخوذ فى الأوراق اليانصيب و لانعيده.

التنبيه الثالث: فى حكم العوض فى القمار

اشارة

التنبيه الثالث: أنّ حكم العوض فى القمار كما صرّح به الشيخ الأعظم قدس سره حكم ساير المأخوذ بالمعاملات الفاسدة من حيث الفساد و حرمة التصرّف و وجوب ردّ العين على مالكه مع بقائها و وجوب ردّ المثل أو القيمة مع التلف أو الإتلاف، و عليه فما أكل يكون تالفا و معه يجب ردّ المثل أو القيمة لا العين. و أمّا ما ورد فى معتبرة عبد الحميد بن سعيد من أنّه بعث أبو الحسن عليه السلام غلاما يشترى له بيضا فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها فلمّا أتى به أكله، فقال له مولى له: إنّ فيه من القمار، قال: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه،(2) فلا ينافى ما ذكرناه من وجوب ردّ المثل أو القيمة عند التلف أو الإتلاف لأنّ القيء المذكور ليس للردّ، و لذلك قال الشيخ الأعظم قدس سره: و ماورد من قييء الإمام عليه السلام البيض الذى قامر به الغلام فلعلّه للحذر من أن يصير الحرام جزءا من بدنه لا للردّ على المالك؛ هذا مضافا إلى ما فى مصباح الفقاهة من أنّ‌

**

(1) صراط النجاة القسم الثانى، ص 288.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 165، ح 2.

الظاهر من الرواية أنّ البيض قد اشتراه الغلام للإمام عليه السلام ولكنّه قامر به فى الطريق فلاموضوع للضمان.(1)

وفيه: أنّ مقتضى قول المولى له إنّ فيه من القمار، أنّ بعض البيضات من القمار و يكون حراما. ثم هنا إشكال آخر ذكره الشيخ الأعظم قدس سره استطراداً، و هو أنّ ما كان تأثيره كذلك يشكل أكل المعصوم له جلا بناء على عدم إقدامه على المحرّمات الواقعية الغير المتبدّلة بالعلم لاجهلا و لاغفلة، لأنّ مادلّ على عدم جواز الغفلة عليه فى ترك الواجب و فعل الحرام دلّ على عدم جواز الجهل عليه فى ذلك، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مجرد التصرّف من المحرّمات العلمية و التأثير الواقعى الغير المتبدّل بالجهل إنّما هو فى بقائه و صيرورته بدلا عما يتحلّل من بدنه و الفرض اطّلاعه عليه فى أوائل وقت تصرّف المعدة و لم يستمرّ جهله. هذا كلّه تطبيق فعلهم على القواعد، و إلّا فلهم فى حركاتهم من أفعالهم و أقوالهم شؤونا لايعلمها غيرهم.(2) و لايخفى ما فيه لأنّ حرمة التصرّف فى مال الغير من المحرّمات الواقعية و جعل الحكم الظاهرى عند الجهل بالحكم الواقعى لاينافى وجود الحكم الواقعى.(3) نعم، إنّ الاعتراض على الرواية مبني على كون علم الأئمّة بالموضوعات حاضرا عندهم من غير توقّف على الإرادة مع أنّ جملة من الروايات دلّت على التوقّف المذكور، فلا يتوجّه الإشكال على الرواية لإمكان صدور الفعل عنهم جهلا قبل الإرادة.(4)

هذا مضافا إلى ما فى جامع المدارك من أنّه ألاترى ما فى الكتاب العزيز من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 378.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 48.

(3) إرشاد الطالب، ج 1، ص 221.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 379.

أعمال الخضر صاحب موسى على نبيّنا و آله و عليهما السلام فمن الممكن أن يكون البيض حلالا للمعصوم من جهة لانعلمها و قيئه من جهة رفع توهّم الناس فإنّه كثيرا ما يجتنب الإنسان عن الحلال لهذه الجهة.(1)

بقى شىء: فى حكم اللعب بما إذا لم يعتد المقامرة به بلارهان

بقى شىء و هو أنّ الظاهر من الجواهر أنّ اللعب بما إذا لم يعتدّ المقامرة به ليس بحرام و إن حرم الرهان فيه لأنّه أكل مال بالباطل دونه، إلى أن قال: بل لوأخذ الرهن الذى فرض لهذا القسم بعنوان الوفاء بالوعد الذى هو نذر لاكفّارة له و مع طيب النفس من الباذل لابعنوان أنّ المقامرة المزبورة أوجبته و ألزمته و إنّها كغيرها من العقود المشروعة أمكن القول بجوازه نعم، هو مشكل فى القسم الأوّل (و هو ما اعتيد المقامرة به) و إن فرض الحال فيه ايضا بناء على حرمة كلّ ما ترتّب على المحرّم و لوجزاء أو وعدا أو نحوهما.(2) و يمكن أن يقال: إنّ إطلاق صحيحة العلاء بن سيّابة(3) يدلّ على حرمة الصورة الأولى وهى اللعب بما إذا لم يعتدّ المقامرة به مع الرهان، و ذلك لأنّ اللعن لو لم يكن قرينة على الخلاف ظاهر فى الحرمة فيما إذا جعل الرهان و إن أخذ بعنوان الوفاء؛ هذا مضافا إلى إمكان صدق القمار عليه مع الرهان لأنّ القمار هو المغالبة مع الرهان.

التنبيه الرابع: فى معاملات تعرف ب‍ - «گلدكوئيست»

التنبيه الرابع: فى معاملات تعرف ب‍ - «گلدكوئيست» أو «پنتاگونا» أو «لارجت» أو «شركة گلدماين» أو غير ذلك من أشباهها مما يسمّى فى المجلس الإسلامى من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالمعاملات الهرمية.

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 30.

(2) الجواهر، ج 22، ص 110-109.

(3) إنّ الملائكة لتنفر عند عن الرهان و تلعن صاحبه ماخلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل الحديث، (الوسائل، الباب 54 من أبواب الشهادات).

قيل أسّست شركة «گلدكوئيست» سنة 1998 بعد الميلاد و ماهيّتها صهيونية و مقرّها فى التجارة العالمية الواقعة فى «هنگ كنگ» و استقبلها مائة و عشرون بلدا من البلاد. و كيفية عمل هذه الشركات و إن يتفاوت فى بعض الخصوصيات ولكنّها متّحدة فى أنّ المشترى للورقة يكون هو البايع فى الآتى و اللازم عليه أن يقنع نفرات من الأفراد للشركة فى هذه المعاملة و يغرّهم بوعدات مختلفة ذكرتها هذه الشركات.

وقبل البحث عن حلّيتها أو حرمتها وجب البحث عن حقيقتها و لو بذكر ماهية بعضها. و هى أن تصل ورقة من المؤسّسة العليا الخارجية إلى شخص من الأفراد الداخلية بتوسّط شخص آخر مذكور فى تلك الورقة فى المرتبة الخامسة و فى تلك الورقة ذكر أسماء خمسة أفراد و الورقة لخامسهم و يبيع الشخص الخامس المذكور فى الورقة تلك الورقة ب‍ - 30 دلار من الشخص الذى تصل الورقة إليه، فالمشترى المذكور يرسل 30 دلار أخرى لمن ذكر اسمه فى أوّل الورقة، ثم يأخذ السندين قبال 60 دلار و يرسلها مع 30 دلار أخرى إلى المؤسّسة الرئيسية العليا من طريق البريد الخاص و بعد إتمام ذلك و وصول الأسناد إلى المؤسسة العليا ترسل تلك المؤسسة أربعة ورقة للمشترى المذكور و تجعل اسم المشترى فى تلك الورقات نفرا خامسا بعد حذف النفر الأوّل من تلك الورقات بمجرّد وصول 30 دلار إليها، ثم المشترى المذكور يبيع الأربعة المذكورة كلّ واحدة منها ب‍ - 30 دلار و يأخذ 120 دلار مكان 90 دلار التى أتاها للشراء فربح بذلك إلى هذه الحالة 30 دلار؛ و حينئذ لوعمل نفرات أربع بمثل ما عمل المشترى المذكور يقع المشترى المذكور فى المنزلة الرابعة بين 16 ورقة و إذا عمل صاحبو 16 ورقة بمثل ذلك يقع المشترى فى المنزلة الثالثة بين 64 ورقة و إذا عمل صاحبو 64 ورقة يقع المشترى المذكور فى المنزلة الثانية بين 256 ورقة و إذا عمل صاحبو 256 ورقة بمثل ذلك يقع المشترى المذكور فى المنزلة

الأولى بين 1024 ورقة، ففى هذه الحالة أرسل إليه كلّ مشترى جديد للورقة التى يكون المشترى المذكور فيها نفرا أوّلا 30 دلار فيصل إليه بتلك المعاملة 30/720 دلار، ثم يخرج اسمه من تلك الورقة و تمّت المعاملة، و إذا عرفت ذلك فقد وقع البحث عن حلّية ذلك و حرمته. و لايخفى أنّه لامجال للقول بأنّ هذه المعاملة من القمار إذ لا مغالبة فيها و القمار من دون المغالبة كماترى. و قد يدّعى حلّية تلك المعاملة حيث أنّ الورقة المذكورة قابلة للبيع بالمبلغ المعلوم و هو 90 دلار بالترتيب المذكور من إعطاء 30 دلار إلى النفر الخامس و 30 دلار إلى النفر الأول و 30 دلار إلى المؤسّسة العليا مع اشتراط إعطاء كلّ مشترى 30 دلار له.

و استشكل عليه بعض الأجلة بأنّه ليس فى البين مبادلة مال بمال و لاإعطاء أو أخذ عوض عن عين أو خدمة و منفعة مالية، بل كلّ هذه الأعمال وسائل للوصول إلى أموال كثيرة للمؤسّسة العالمية و للشخص الذى يرتقى اسمه حتى يقع نفرا أوّلاً فى الأوراق، فالوصول إلى الأموال من أظهر مصاديق أكل المال بالباطل و يشمله قوله تعالى: (وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) و يكون أخذه حراما و إنفاقه إنفاق مال حرام، و الورقة التى تباع للوصول إلى هذه الأموال أيضا لامنفعة محلّلة لها فبيعها أيضا بيع ما لا ماليّة له فى الشريعة الإسلامية، فيكون بيعها باطلا و يكون ما يأخذه البايع قبالها غير مملوك له و أخذه و التصرّف فيه أكل للمال بالباطل.

ثم من الواضح أنّ إحداث مثل هذه المعاملة و إن أوجب الوصول إلى أموال كثيرة لتلك المؤسسة العالمية و لمن يقع اسمه فى الرتبة الأولى إذا انتهى الأمر إلى بيع جميع الأوراق الكثيرة أو كثير منها، إلّا أنّها توجب ورود خسارات مالية على غيرهما ممن لم يظفروا ببيع أوراقهم التى أرسلت إليهم أو ظفروا ببيع قليلة منها. و إذا كانت

المؤسسة العالمية فى بلدة أجنبية فتوجب تلك المعاملة خروج رأس مال بلدتنا الإسلامية مثلا إلى الخارج و توجب أيضا وقوع تباغض و نفار بين من يبيع و يشترى هذه الأوراق بعضهم بالنسبة لبعض، فإنّه فى الغالب لايوفّق جميعهم للارتقاء إلى الرتبة الأولى أصلا أو بالنسبة إلى كثير من الأوراق المذكورة، فيبغض من صار سببا لعدم وصوله إلى ذلك الهدف، و هكذا توجب هذه المعاملة عدم اشتغال الناس بتجارة أوضعة تفيد للبلدة المباركة الإسلامية و سقوط اقتصادها رأسا و حصول حاجتها إلى البلاد الأجنبية التى بصدد السيطرة على الناس و أخذ ما لهم من المال و الإمكانات العالمية و بصدد جعل الناس كالاُسارى فى أيديهم، بحيث ليس للناس ضعة و لازرع و لا أُىّ شيء إلى غير ذلك من المفاسد، فهذه المفاسد هى نتيجة نهائية لهذه المعاملة الفاسدة و إن لم يتنبّه الناس لفسادها و هجموا إليها بخيال أن يصلوا إلى تلك المنفعة الخيالية فهذه المفاسد المترتّبة أيضا توجب على الناس أن يحترزوا عن المعاملة المذكورة و يتركوها بالمرّة هذا.(1) حاصله أنّ اللازم فى البيع أن يكون المعوّض مالا و الورقة المذكورة لامالية لها، فلا يقع البيع المذكور صحيحا و مع عدم صحّة البيع فالتصرّف فى ذلك المال المأخوذ أكل المال بالباطل. يمكن أن يقال: إنّ الورقة التى يترتّب عليها الآثار المذكورة مما يرغب إليه الناس و عليه فمنع ماليتها محلّ إشكال و نظر، أو يقال: يمكن أن يكون ذلك بصورة الهبة لمن يكون الورقة بيده و للشخص الأول المذكور فى الورقة و للمؤسسة العالمية. و دعوى عدم قصد الجدّ فى ذلك محلّ منع لأنّ مع ترتّب تلك الفوائد الكثيرة يتمشى القصد سيّما إذا كانت الهبة معوّضة و

**

(1) كلمة حول ما يحصل فى اليد عن طريق صيرورة الإنسان عضوا فى معاملة بنيت على هذا الأساس، تأليف آية اللّه المؤمن مدّظله العالى و هذه الرسالة غير مطبوعة.

جعلت المؤسسة العالمية بإزاء الهبة اسم الواهب مذكوراً فى الورقة حتى يشمله ما يهبه اللاحقون للسابقين، و عليه فالإشكال عليه من ناحية عدم قصد الجدّ كما ترى.

نعم، الإشكال فيه من نواح أخرى وهى التى أشير إليها من المفاسد الأخلاقية و الاجتماعية و الاقتصادية و الإضرار و إيجاد الخسارة على المجتمع الإسلامى بسلب نشاطهم نحو التوليد و الزراعة و المعاملات الحقيقية، و من المعلوم أنّ تلك الأمور مما يوجب حرمة هذه المعاملة و أشباهها بأىّ نحو كان، و لو كان موردها ما له المالية الواقعية كالذهب و نحوه.

نعم، يجوز عكس ذلك لنا بالنسبة إلى دون الكفر و الإلحاد و المحاربة مما لا إحترام لأموالهم و نفوسهم لاستنقاذ أموالهم، فلا تغفل.

التنبيه الخامس: فى لعب «بيليارد»

التنبيه الخامس: فى لعب «بيليارد» و قد يطلق بيليارد على «اسثوكر» و «ناين بال» و «ايت بال» و كيف كان هو يشبه بلعب كرة القدم، بل بجو كأن أو يكون تركيبا منهما و لايجوز جعل الرهان فيه على اللاعبين و لو بجعل القرعة و أخذ الجوائز. نعم، الالتزام بشىء من شخص ثالث لا إشكال فيه على التفصيل السابق فى كرّة القدم.

هذا كلّه فيما إذا لم يكن من مصاديق القمار، و إلّا فيترتّب عليه أحكام القمار. و لاإشكال فى صدق القمار إذا اشترط كلّ لاعب على لاعب آخر شيئا و لو كان ذلك إعطاء أجرة المحلّ أو أدوات أو غيرهما كالإطعام أو شربة من الأشربة إذا صار مغلوبا فى اللعب، فإنّ القمار هو المغالبة مع الرهان و هذا المعنى يصدق حين إذا اشترط شيئا على المغلوب، وبالجملة لايجوز جعل شيء على المغلوب سواء كان قليلا أو كثيرا.

هذا مع الغمض عن المفاسد التى تترتّب أحيانا على الحضور فى تلك المحالّ أو الذهاب و الإياب إليها التى توجب الاجتناب عنها، و لو كان المعمول نوعا هو اشتراط

شىء على المغلوب فيه كان ذلك آلة للقمار و معه لايجوز اللعب به و لو من دون اشتراط شىء كما لايخفى.

التنبيه السادس: فى تغيير آلات القمار

اشارة

التنبيه السادس: فى تغيير آلات القمار، فإن كان التغيير فى بعض الخصوصيات بحيث لايخرجها عن كونها آلات قمار فلايرتفع عنها أحكام القمار، و إن كان التغيير فيها ماهويّاً بحيث لايطلق عليها آلة القمار فلاإشكال فى ارتفاع أحكام القمار عنها لأنّها تابعة لموضوعها و هو آلة القمار و المفروض أنّها غير باقية.

و إن لم يتغيّر صورتها و هيئتها ولكن لايلعب بها مع رهان فإن كان ذلك بحيث لايطلق عليها آلة القمار فهو كالتغيير الماهوى و لايترتّب عليها أحكام القمار و إن لم يكن كذلك فهى باقية على حكمها، و لو شكّ فى حصول التغيير الماهوى و عدمه فمقتضى الاستصحاب هو بقائها على ماعليها و يترتّب عليها أحكامها، ثم إنّ التغيير الذى يكون ماهويا أو ملحقا به لايلزم أن يكون عالميا، بل يكفى ذلك إذا تحقّق فى بلد اللاعب كالكيل و الموزون فى غير الحنطة و الشعير فإنّه يترتّب عليهما أحكامهما و لو لم يكونوا فى جميع البلاد كذلك، فلو كان شىء مكيلا فى بلدة قم و معدودا فى بلدة الطهران يختلف حكمهما بحسب اختلاف البلاد فتدبر جيدّا، و مما ذكر يظهر حكم الشطرنج و النرد فإنّه مع عدم التغيير الماهوى لايجوز اللعب بها و لو من دون رهان لإطلاق أدلّة حرمة الشطرنج، نحو معتبرة زيد الشحّام قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ‌: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) (1) قال: الرجس من الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء،(2) و غير ذلك من الأخبار نعم، لايشمل إطلاق الرواية ما

**

(1) الحج، 30.

(2) الوسائل، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 318، ح 1.

إذا خرجت الشطرنج و النرد و غيرهما من آلة القمار عن كونها آلة القمار بحيث يكون اللعب بها يدخل فى اللعب بغير آلات القمار؛ و حينئذ فإن كانت مع الرهان كان اللعب بها حراما و إلّا فلا دليل على حرمته. نعم، الأحوط الأولى هو الاجتناب عما لايكون آلة القمار فى بلد اللاعب دون ساير البلاد، بل لايترك هذا الاحتياط فى مثل الشطرنج و النرد لإمكان القول بشمول إطلاق الوارد فى خصوصهما لهما فى هذه الحالة.

بقى شىء:
1 - لو لعب الزوج مع زوجته أو أهله

1 - لو لعب الزوج مع زوجته أو أهله بما يكون آلة للقمار من دون رهان فالأظهر أنّه حرام لإطلاق الأخبار الناهية عن اللعب بآلة القمار.

2 - لو لعب البالغ مع غير البالغ

2 - لو لعب البالغ مع غير البالغ أو المجنون فالأظهر هو الحرمة بالنسبة إلى البالغ لصدق القمار لأنّه مغالبة مع الرهان.

3 - لو لعب المميز مع المميز

3 - لو لعب المميّز مع المميّز أمكن القول بأنّه لاحرمة تكليفية وإن لم يكن ذلك موجبا للنقل و الانتقال، و ذلك لأنّ الحكم التكليفى على البالغين و المميّز لاتكليف له، و أمّا الحكم الوضعى فهو مترتّب على القمار و هو صادق بفعلهما و هل يجب على الولى منعهما عن اللعب أو لايجب، و جهان أحدهما أنّهما لم يفعلا محرّما، و ثانيهما أنّ القمار من عمل الشيطان و اللازم على الولى هو منعهما عن المفاسد و الخطوات الإبليسية.

4 - هل يجوز ان يشترط امرا مرغوبا فى الرهان

4 - هل يجوز للاعب أن يشترط على المغلوب أمرا محسّنا كالإحسان للوالدين و نحوها أو لايجوز؟ أمكن القول بالجواز للانصراف أللّهمّ إلّا أن يقال بأنّ الانصراف لاوجه له مع إطلاق الرهان عليه

5 - فى عدم مالية آلات القمار

5 - إنّ الآلات الممحّضة للقمار لامالية لها و حكمها فى بيعها و كسرها حكم هيا كل العبادة و نحوها مما يمحض لعبادة الأوثان، فإنّ العمومات التى تدلّ على عدم

جواز معاملة ما يجيء منه الفساد محضا تشمل الآلات الممحّضة للقمار أيضا كما أنّ حكم الشارع بإبطال آلات القمار و آلات اللهو يستلزم إسقاط ماليتها و أخذ شيء فى قبالها يوجب أكل المال بالباطل، هذا مضافا إلى أنّها مشمولة للنبوى الشريف «إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»(1) و غير ذلك من الأخبار نعم، إذا كانت الآلات مشتركة بين القمار و غيرها فلها المالية و لايجوز كسرها بل يجوز بيعها و إن كان الأحوط هو الاجتناب و بقية الكلام فى المجلّد الأول من البحوث الهامّة ص 240 فراجع.

**

(1) عوالي اللئالى، ج 2، ص 110، ح 310.

المسألة الخامسة و الأربعون «فى القيادة»

و هى السعى بين الشخصين لجمعهما على الوطي المحرّم و هى بإطلاقها يشمل الجمع بين الرجال و النساء و بين الرجال و الرجال ولوصبيانا للواط و بين النساء والنساء للسحق. و أمّا حكمها فلا إشكال فى حرمتها بل الحرمة من الضروريّات، و يدلّ عليها مضافا إلى جريان ما سمعت من حرمة التسبيب نحو المحرّمات فى المقام بالأشدّية، و مضافا إلى شمول قوله تعالى لها: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌) (1) الدالّ على كون إشاعة الفحشاء من الكبائر للوعيد بالعذاب عليها، أللّهمّ إلّا أن يقال إنّ مورد الحرمة فى الآية الكريمة حسب شياع الفاحشة بين المؤمنين و مورد الكلام أعمّ من ذلك، فيشمل العبارة بين الكفّار و المخالفين(2) عدّة من الأخبار، منها معتبرة إبراهيم بن زياد الكرخى المرويّة فى معانى الأخبار عن الحسين بن إبراهيم المكتب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن إبراهيم بن زياد الكرخى قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: لعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم

**

(1) النور، 19.

(2) تعليقة الميرزا الشيرازى، ص 124.

الواصلة و المستوصلة، يعنى الزانية و القوّادة.(1) و قد أكثر الصدوق الرواية عن الحسين بن إبراهيم المكتب مترضّيا و هو يوجب الوثوق به كما أنّ رواية ابن أبى عمير فى هذه الرواية وصفوان فى غيرها عن إبراهيم بن زياد الكرخى يوجب الوثوق به و عليه فالرواية معتبرة، و لكن يمكن دعوى معارضتها مع معانى الأخبار بسنده عن على بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام، قال: لعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم النامصة و المتنمّصة و الواشرة و الموتشره و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة. قال الصدوق: قال على بن غراب:... و الواصلة التى تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها و المستوصلة التى يفعل ذلك بها، الحديث(2)؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الرواية ضعيفة فلاتصلح للمعارضة، هذا مضافا إلى أنّه كلام على بن غراب و لم يحرز أنّه كلام الإمام عليه السلام، ثم إنّ موضوع الرواية هو القيادة فى الزنا كما هو الظاهر. نعم تشمل القيادة للجمع بين النساء و النساء أيضا.

ومنها: مارواه فى الوسائل عن عقاب الأعمال بإسناد تقدّم فى عيادة المريض عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث قال: و من قاد بين امرأة و رجل حراما حرّم اللّه عليه الجنة و مأواه جهنّم و ساءت مصيرا و لم يزل فى سخط اللّه حتى يموت.(3) قوله صلى الله عليه وآله و سلم: «و من قاد» يشمل الرجل الذى جمع بينهما و المرأة كليهما و لكنّ الرواية ضعيفة من جهة اشتمالها على بعض الضعفاء.

ومنها: مارواه فى عيون الأخبار عن على بن عبداللّه الورّاق عن محمد بن أبى عبداللّه عن سهل بن زياد عن عبدالعظيم بن عبداللّه الحسنى عن محمد بن على الرضا

**

(1) الوسائل، الباب 27 من أبواب النكاح المحرّم، ج 20، ص 351، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 133، ح 7.

(3) الوسائل، الباب 27 من أبواب النكاح المحرّم، ج 20، ص 351، ح 2.

عن آبائه عن علىّ عليه السلام، قال: دخلت أنا و فاطمة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فوجدته يبكى بكاءاً شديدا، فقلت له: فداك أبى و اُمّى يا رسول اللّه! ما الذى أبكاك‌؟ فقال: يا على! ليلة اُسرى بى إلى السماء رأيت نساء من اُمّتى فى عذاب شديد فأنكرت شأنهنّ فبكيت لما رأيت من شدّة عذابهنّ ثم ذكر حالهنّ‌، إلى أن قال: فقالت فاطمة: حبيبى و قرّة عيني! أخبرنى ما كان عملهنّ؟ فقال: أمّا المعلَّقة بشعرها فإنّها كانت لاتغطّى شعرها من الرجال، و أمّا المعلَّقة بلسانها فإنّها كانت تؤذى زوجها، و أمّا المعلّقة بثديبها فإنّها كانت ترضع أولاد غير زوجها بغير إذنه، و أمّا المعلَّقة برجليها فإنّها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، و أمّا التى كانت تأكل لحم جسدها فإنّها كانت تزيّن بدنها للناس، إلى أن قال: و أمّا التى كانت تحرق وجهها و بدنها و هى تجرّ أمعاؤها فإنّها كانت قوّادة.(1) و السند معتبر لأنّ على بن عبداللّه الورّاق يروى عنه الصدوق مترجما كما فى تعليقة الوحيد البهبهانى؛ و لأنّ محمد بن أبى عبداللّه هو محمد بن جعفر الأسدى و هو على ما حكى عن التعليقة محمد بن جعفر بن محمد بن عون، «قال فى منتهى المقال: محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدى أبوالحسين الكوفى ساكن الرى يقال له محمد بن أبى عبداللّه كان ثقة صحيح الحديث إلّا أنّه روى عن الضعفاء، و عليه فالرواية معتبرة؛ و لايضرّ بذلك اشتمال الرواية على سهل بن زياد لأنّه ثقة عندى على الأقوى، لأنّه من مشايخ الكلينى و مشايخ الإجازة و نقله عن بعض الضعفاء لايكون شاهدا على عدم صلاحيته للاعتماد، كما أنّ نسبة الغلوّ إليه لايوجب عدم كونه موردا للاعتماد، و عليه فاستثناء ابن الوليد إيّاه معلّلاً بأنّه يروى

**

(1) الوسائل، الباب 117 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه، ج 20، ص 213، ح 7.

عن الضعفاء أو كان غاليا لايوجب ضعفه. ثمّ إنّ الرواية تدلّ على كون القيادة من الكبائر للوعيد بالعذاب كما لايخفى.

ومنها: مقطوعة عمّار الساباطي، قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: إنّ الناس يروون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم لعن الواصلة و الموصولة، قال: فقال: نعم، قلت: التى تمتشط و تجعل فى الشعر القرامل‌؟ قال: فقال لى: ليس بهذا بأس. قلت: فما الواصلة و الموصولة‌؟ قال: الفاجرة و القوّادة،(1) والرواية ضعيفة.

ومنها: رواية سعد الإسكاف المرويّة فى التهذيب بإسناده عن محمد بن الحسين عن عبدالرحمن بن أبى هاشم عن سالم بن مكرم عن سعد الإسكاف عن أبى جعفر عليه السلام، قال: سئل عن القرامل التى تصنعها النساء فى رؤوسهنّ يصلنه بشعورهنّ‌، فقال: لابأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها، قال: فقلت: بلغنا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم لعن الواصلة و الموصولة، فقال: ليس هناك، إنّما لعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم الواصلة و الموصولة، التى تزنى فى شبابها فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة.(2) قال فى منتهى المقال: و فى محكىّ التعليقة و الوجيزة و البلغة أنّ محمد بن أبى هاشم كثيرا ماينسب إلى جدّه، انتهى. وعليه فهو عبدالرحمن بن محمد بن أبى هاشم و هو ثقة ثقه و جليل من أصحابنا كما حكى عن الخلاصة و النجاشي. ثمّ إنّ سالم بن مكرم ثقة، و أمّا سعد الإسكاف فله كتاب كما فى الفهرست أخبرنا به جماعة و فى ين ابن طريف الحنظلى الإسكاف مولى بنى حميم الكوفى. و يقال سعد الخفاف روى عن الأصبغ بن نباتة و هو صحيح الحديث. و قال حمدويه: وكان ناووسيا وقف

**

(1) الوسائل، الباب 101 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه. ج 20، ص 188، ح 4.

(2) الوسائل، الباب 101 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه، ج 20، ص 188-187، ح 2.

على أبى عبداللّه عليه السلام. وقال غض: إنّه ضعيف، و قال النجاشى: يعرف و ينكر، انتهى. و لايبعد عدّها موثّقة لاحتمال أنّ منشأ تضعيف الغضائرى هو كونه من الناووسية.

ومنها: مارواه فى المستدرك عن جعفر بن أحمد القمى فى كتاب المانعات عن عطية عن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: لا يدخل الجنّة عاقٌّ و لامنّان و لاديّوث و لا كاهن، الحديث.(1) الديّوث القوّاد على أهله و الذى لايغارّ على أهله سريانية معرّبة و هو أخصّ من المدّعى.

ومنها: رواية عبداللّه بن سنان المرويّة فى الكافى عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن سليمان عن عبداللّه بن سنان، قال: قلت لأبى عبداللّه عليه السلام: أخبرنى عن القوّاد ماحدّه‌؟ قال: لاحدّ على القوّاد أليس إنّما يعطى الأجر على أن يقود، قلت: جعلت فداك، إنّما يجمع بين الذكر و الأنثى حراما. قال: ذاك المؤلّف بين الذكر و الأنثى حراما، فقلت: هو ذاك، قال: يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزانى خمسة وسبعين سوطا و ينفى من المصر الذى هو فيه.(2) والسند ضعيف لاحتمال أن يكون الراوى عن عبداللّه بن سنان هو محمد بن سليمان الديلمى و هو ضعيف. و كيف كان، فتحصل أنّ القيادة من الكبائر و لاريب فى حرمتها و الروايات المتقدّمة غالبا و إن اختصّت بالجمع بين الرجل و المرأة و لكن لاخصوصية له، بل يتعدّى إلى مطلق الجمع بين الشخصين على الوطى المحرّم، و لعلّه لذلك قال الشيخ الأعظم قدس سره: القيادة حرام و هى السعى بين الشخصين لجمعهما على الوطى المحرّم و هى من الكبائر؛(3) هذا مضافا إلى ما عرفت من أنّ مقتضى حرمة التسبيب عدم الفرق بين موارد القيادة كما لافرق فى

**

(1) المستدرك، الباب 23 من أبواب مايكتسب به، ج 13، ص 112-111، ح 7.

(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب حد السُّحق و القيادة، ج 28، ص 171، ح 1.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 49.

حرمة القيادة و الوساطة بين أن تكون بالمباشرة و بين أن تكون بأنواع الاتّصالات كالهاتف و غيره من المستحدثات.

ثمّ بعد ما عرفت من حرمتها تكليفا لاخفاء فى حرمتها وضعا، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه و يكون ثمنه أكلا للمال بالباطل و لاتفاوت فى ذلك بين أنواع المعاملات، سواء كانت هى الإجارة أو المصالحة أو الجعالة و نحوها، إذ كلّها باطلة لأنّ العمل و هو القيادة محرّم و لا ماليّة له تعبّدا، بل القوّاد مستحقّ للتعزير بما يراه الحاكم مصلحة لنظام البلاد و مناسبا لتأديبه. و أمّا ثبوت الحدّ الشرعى كما دلّت عليه رواية عبداللّه بن سنان فمحلّ إشكال لضعف الخبر، و بقيّة الكلام فى باب الحدود.

المسألة السادسة و الأربعون «فى القيافة»

اشارة

يقع الكلام فى جهات:

الجهة الأولى: فى تعريف القيافة

الجهة الأولى: فى تعريف القيافة: قال فى مصباح اللغة: قاف الرجل الأثر قوفا من باب قال تبعه و اقتافه كذلك فهو قائف و الجمع قافة مثل كافر و كفرة و مقتف. و قال فى تاج العروس: و القائف من يعرف الآثار الجمع قافة و قاف أثره يقوفه قوفا و قيافة تبعه كقفاه قفواً، كما فى الصحاح، إلى أن قال: و قال ابن الأثير: القائف الذى يتتبّع الآثار و يعرفها و يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه.

و قال الشيخ الأعظم قدس سره: والقائف كما عن الصحاح والقاموس و المصباح، هو الذى يعرف الآثار. وعن النهاية و مجمع البحرين زيادة انه يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه.

الجهة الثانية: فى حرمة القيافة

الجهة الثانية: أنّ القيافة حرام فى الجملة. قال الشيخ الأعظم نسبة فى الحدائق إلى الأصحاب و فى الكفاية: لا أعرف خلافا، و عن المنتهى الإجماع، إلى أن قال: و قيّد فى الدروس و جامع المقاصد كما فى التنقيح حرمتها بما إذا ترتّب عليها محرّم، و الظاهر أنّه مراد الكلّ‌، و إلّا فمجرّد حصول الاعتقاد العلمى أو الظنّي بنسب شخص لادليل على تحريمه.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و الظاهر أنّه لاشبهة فى جواز تحصيل العلم أو الظنّ بأنساب الأشخاص بعلم القيافة و بقول القافة و لم يرد فى الشريعة المقدّسة ما يدلّ على حرمة ذلك، و ما ورد فى حرمة إتيان العرّاف و القائف لامساس له بهذه الصورة، و إنّما المراد منه حرمة العمل بقول القافة و ترتيب الأثر عليه كما سيأتى و مع الشكّ فى الحرمة و الجواز فى هذه الصورة يرجع إلى الأصول العمليّة.

قال الميرزا الشيرازى قدس سره: وحينئذ يكفى فى حرمة القيافة مادلّ على حرمة الأثر المترتّب عليها، إذ الظاهر أن ليس مرادهم ثبوت حرمة أخرى على نفس القيافة حتى يحتاج إلى دليل آخر غير دليل حرمة نفس ترتيب الأثر و إن كان هو الظاهر ابتداء من قولهم بحرمة القيافة. ويمكن الاستدلال على حرمتها بنفسها بما تقدّم من نسبتها إلى الأصحاب فى الحدائق و عدم معرفة الخلاف فى الكفاية و إجماع المنتهى، حيث أنّ ظاهرها حرمة نفس القيافة لا باعتبار ما يترتّب عليها، لكن يشكل بما تقدّم من تفسير البعض لها بالإلحاق الظاهر فى ترتيب الأثر، فلعلّه هو المراد من القيافة فى العبائر الثلث المتقدّمة؛ نعم قد يحرم التعرّف و التبيّن و النظر فى علامات لحوق شخص بآخر من حيث كونه تجسّسا عن المعصية، لكنّ ذلك إنّما يتحقّق فى معلوم القرائن و لايطرد بالنسبة إلى مجهولها.(1)

فالحاصل أنّ المحرّم هو ترتيب الأثر لاتحصيل العلم أو الظن بالأنساب بعلم القيافة ولكن ذهب فى بلغة الطالب إلى أنّ الإخبار العلمى من القائف حرام لدخوله فى السحر و الكهانة مع أنّ الخبر الآتى يدلّ على حرمة مجرّد إخباره، هذا بالنسبة إلى القائل يعنى القائف. و أمّا غيره فلاإشكال فى حرمة أخذ الخبر منه و الذهاب إليه لأخذ

**

(1) تعليقة الميرزا الشيرازى، ص 124.

اعتقاداته لقوله: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله و سلم. وفى جعل الخبر بالشىء الغائب بين الثلاثة دلالة على حرمة إخباره بالنسبة إلى نفسه أيضا.(1)

وفيه: أنّ دخول إخبار القائف و لو بالعلمى فى السحر و الكهانة غير محرز و لادليل على حرمته و لو لم يرتّب عليه الأثر. و لعلّ قوله «يصدّقه» يكفى فى اختصاص حرمته بالتصديق العملى؛ و أمّا تخصيص حرمة أخذ الخبر و الذهاب إلى القائف بما إذا أراد أخذ اعتقاداته من القائف فلاوجه له بعد إطلاق المنع من هذه الجهة، فتدبّر.

الجهة الثالثة: فى الأخبار

منها ما رواه فى الخصال: حدّثنا أبى رضى الله عنه عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبداللّه عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبى عمير عن على بن أبى حمزة عن أبى بصير عن أبى عبداللّه عليه السلام، قال: من تكهّن او تُكهِنّ له فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله و سلم، قلت: فالقافة‌؟ قال: ما اُحبّ أن تأتيهم و قلّ ما يقولون شيئاً إلّا كان قريبا مما يقولون، وقال: القيافة فضلة من النبوّة ذهبت فى الناس.(2) الفضلة البقيّة. وفى ذيل الرواية: وفى بعض النسخ «و قيل ما تقولون» فيحتمل أن يكون لفظ «قيل» من كلام الإمام عليه السلام أو كلام الصدوق، و المعنى: أنتم تقولون أيضا قريبا مما يقولون، مثل أن تقولوا فلان يشبه أباه كما يقولون هذا أيضا،(3) ظاهره هو النهى عن الإتيان إلى القائف و الأخذ بقوله و ترتيب الأثر على قوله فلا دلالة له على حرمة تعلّم ذلك، لالترتّب الأثر، هذا مضافا إلى أنّ‌

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 142-141.

(2) الخصال، الباب الواحد، ص 20-19، ح 68.

(3) الخصال، ص 20.

عدم الحبّ لايدلّ على الحرمة، و أيضا الخبر ضعيف لاشتماله على علىّ بن أبى حمزة البطائينى، أللّهمّ إلّا أن يقال إنّ نقل ابن أبى عمير يصلح لأن يكون شاهدا على أنّ النقل منه فى حال استقامته.

ومنها: صحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لانأخذ بقول عرّاف و لاقائف و لا لصّ و لا أقبل شهادة فاسق إلّا على نفسه.(1) و قد عرفت معنى الأخذ و هو الأخذ لترتيب الأثر و النهى عنه يدلّ على عدم جواز اتّخاذه طريقا لإثبات النسب.

ومنها: خبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي (صلوات اللّه عليهم و سلامه) فى حديث المناهى، قال: ونهى عن إتيان العرّاف و قال: من أتاه و صدّقه فقد برىء مما أنزل اللّه على محمد صلى الله عليه وآله و سلم.(2) و قد تقدّم المراد من الإتيان، و لعلّ المراد من التصديق المعطوف على الإتيان هو التصديق العملى، و لعلّ النظر فى هذه الروايات إلى القائفين الذين يحكمون بالقرائن الظنّية؛ و من المعلوم أنّ اتباع الظنون منهى عنه بنصّ القرآن و لايصلح الظنّ المطلق لنفى النسب أو إلحاقه به و إلّا أوجب ذلك هدم النسب و أحكام الارث على التولّد الشرعى كما ورد الولد للفراش وللعاهر الحجر، فاللّازم هو الأخذ بالتولّد الشرعى و لايعتنى بالظنّ المطلق و إذا لم تقم أمارة شرعية على التولّد الشرعى فمقتضى الاستصحاب هو نفيه و لايرفع إليه عنه ما لم ترد أمارة معتبرة و ليست القيافة منها.

وفى قبالها ما رواه فى التهذيب عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن بعض أصحابه (أصحابنا) عن داود بن فرقد عن أبى عبداللّه عليه السلام،

**

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب آداب السفر، ج 11، ص 371-370، ح 2.

(2) الوسائل، الباب 14 من أبواب آداب السفر، ج 11، ص 371، ح 3.

قال: أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فقال، يا رسول اللّه! إنّى خرجت و امرأتى حائض فرجعت و هى حبلى، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: من تتّهم‌؟ قال: أتّهِم رجلين، قال: إيت بهما فجاء بهما، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم: إن يك ابن هذا فيخرج قططا كذا و كذا؛ فخرج كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم، فجعل معقلته على قوم أمّه و ميراثه لهم و لو أنّ إنسانا قال له يا ابن الزانية يجلّد الحدّ (لجلّد).(1) القطط شعر الزنجى الشديد الجعودة.

ويمكن أن يقال: أوّلاً إنّه ضعيف من جهة جهولية بعض أصحابه أو أصحابنا، وثانياً إنّه محمول على كون الشواهد موجبة للقطع أو الاطمينان، و ثالثاً إنّه معارض بما دلّ على ثبوت النسب بالأمارات الشرعية و لزوم حمل المشابهة على المشابهة بأحد من الأجداد، مثل ما رواه فى الجعفريّات بإسناده عن على عليه السلام قال: أقبل رجل من الأنصار إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم، فقال: يا رسول اللّه! هذه بنت عمّى و أنا فلان بن فلان حتى عدّ عشرة آباء و هى فلانة بنت فلان حتّى عدّ عشرة آباء ليس فى حسبي و لاحسبها حبشي و إنها وضعت هذا الحبشي، فأطرق رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: إنّ لك تسعة و تسعين عرقا و لها تسعة و تسعين عرقا فإذا اشتملت اضطربت العروق و سئل اللّه عزّوجلّ كلّ عرق منها أن يذهب الشبه إليه، قم فإنّه ولدك و لم يأتك إلّا من عرق منك أو عرق منها، قال: فقام الرجل و أخذ بيد امرأته و ازداد بها و بولدها عجبا.(2) وعليه فلا تصلح هذه الرواية للمعارضة مع ما ورد من النهى عن الرجوع إلى القافة.

وفى قبالها أيضا ما رواه فى الكافى عن على بن إبراهيم عن أبيه و على بن محمد

**

(1) جامع الأحاديث، ج 21، الباب 16 من أبواب أحكام الأولاد، ج 26، ص 423، ح 2.

(2) جامع الأحاديث، ج 21، الباب 19 من أبواب أحكام الأولاد، ج 26، ص 426، ح 2.

القاسانى جميعا عن زكريّا بن يحيى بن النعمان المصرى،(1) قال: سمعت على بن جعفر يحدّث الحسن بن الحسين بن على بن الحسين عليهما السلام، فقال: و اللّه لقد نصراللّه أباالحسن الرضا عليه السلام، فقال له الحسن: إى واللّه جعلت فداك لقد بغى عليه إخوته، فقال علىّ بن جعفر: إى و الله و نحن عمومته بغينا عليه، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فإنّى لم أحضركم‌؟ قال: قال له إخوته و نحن أيضا: ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون، فقال لهم الرضا عليه السلام: هو إبني، قالوا: فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قد قضى بالقافة فبيننا و بينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم فأمّا أنا فلا، و لاتعلّموهم لما دعوتموهم و لتكونوا فى بيوتكم، فلمّا جاؤوا أقعدونا فى البستان و اصطفّ عمومته و إخوته و أخواته و أخذوا الرضا عليه السلام و ألبسوه جبّة صوف و قلنسوة منها و وضعوا على عنقه مسحاة و قالوا له: ادخل البستان كأنّك تعمل فيه، ثمّ جاؤوا بأبى جعفر عليه السلام فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس له هيهنا أب ولكنّ هذا عمّ أبيه و هذا عمّ أبيه و هذا عمّه و هذه عمّته و إن يكن له هيهنا أب فهو صاحب البستان، فإنّ قدميه و قدميه واحدة، فلمّا رجع أبوالحسن عليه السلام قالوا: هذا أبوه، قال علىّ بن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبى جعفر عليه السلام ثمّ قلت له: أشهد أنّك إمامى عنداللّه، فبكى الرضا عليه السلام ثم قال: ياعمّ‌! ألم تسمع أبى و هو يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم بأبى ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيّبة الفم المنتجبة الرحم، ويلهم لعن اللّه الاُعيبس و ذرّيّته صاحب الفتنة و يقتلهم سنين و شهورا و أيّاما يسومهم خسفا و يسقيهم كأسا مصبّرة و هو الطريد الشريد الموتور بأبيه و جدّه صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك أىّ وادسلك‌؟ أفيكون هذا ياعمّ إلّا منّي، فقلت: صدقت جعلت فداك.(2)

**

(1) و فى نسخة الكافى الصيرفى ولكن فى النسخة المصحّحة المصرى.

(2) الكافى، ج 1، ص 322 باب الإشارة و النصّ على أبى جعفر الثانى عليه السلام، ح 14.

بيان قوله: «إى واللّه جعلت فداك» إى بكسر الهمزة من حروف التصديق و لايستعمل إلّا مع القسم. قوله «بغينا» أى ظلمنا، قوله: حائل اللون و المقصود كما أفاد الفاضل الشعرانى أنّ لونه ليس مثل لونك و لون آبائك الطاهرين، لأنّ لونه عليه السلام كان أسمر. قوله: «قالوا فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم قد قضى بالقافة فبيننا و بينك القافة» إشارة إلى مارووا فى ذلك. قال الفاضل الشعرانى: روى مسلم بإسناده عن عائشة أنّها قالت: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم دخل علىّ مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تر أنّ مجزّزا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة و اُسامة بن زيد فقال: إنّ بعض هذه الأقدام عن بعض‌؟ و عنها أيضا قالت: دخل علىّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم ذات يوم مسرورا فقال: يا عائشة! ألم تر أنّ مجزّزا المدلجى دخل علىّ فرأى اُسامة و زيدا و عليهما قطيفة قد غطّيا رؤوسهما و بدت أقدامهما فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض‌؟ و عنها أيضا قالت: دخل قائف و رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم شاهد و اُسامة بن زيد و زيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض، فسرّ بذلك النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم و أعجبه. قال عياض: المجزز بفتح الجيم و كسر الزاى الأول سمّى بذلك لأنّه إذا أخذ أسيرا جزّ ناصيته و قيل: حلق لحيته و كان من بني مدلج و كانت القافة فيهم و فى بنى أسد و هى جمع القائف الذى يعرف الآثار، إلى أن قال: و قال محيي الدين: قيل: إنّ اُسامة كان شديد السواد و كان أبوه زيد أبيض من القطن، فكانت الجاهليّة يطعن فى نسبه لذلك، فلمّا قال القائف ذلك و كانت العرب تصغى لقول القائف سرّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم لأنّه كاف لهم عن الطعن.

قوله: «قال ابعثوا أنتم إليه فأمّا أنا فلا» قال الفاضل الشعرانى: إنّما قال ذلك لعدم اعتقاده بقول القافة لابتناء قولهم على الظنّ و الاستنباط بالعلامات و المشابهات التى يتطرّق إليها الغلط ولكنّ الخصوم لمّا اعتقدوا به ألزمهم بما اعتقدوه، و قد أنكر التمسّك بقول القافة أبوحنيفة و أثبته الشافعى و المشهور عن المالك إثباته فى الإماء

دون الحرائر، و نقل عنه إثباته فى الحرائر أيضا، و احتجّ المثبت بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله و سلم من حديث زيد و اُسامة ابنه و بسروره و عدم إنكاره، واعترض عليه ابن الباقلانى بأنّه إنّما لم ينكره لأنّه وافق الحقّ الذى كان معلوماً له صلى الله عليه وآله و سلم و إنّما استسرّ لأنّ المنافقين كانوا يطعنون فى نسب اُسامة لسواده و بياض زيد و كان صلى الله عليه وآله و سلم يتأذّى عن قولهم، فلمّا قال القائف ذلك و هم كانوا يعتقدون حكمه استسرّ لإلزامهم أنّه إبنه و تبيّن كذبهم على ما يعتقدون من صحّة العمل بالقافة.

قوله: «فلمّا جاؤوا أقعدونا فى البستان» قال الفاضل الشعرانى: الظاهر أنّ هذا من كلام الرضا عليه السلام و أنّ «اقعدونا» على صيغة الأمر و أنّ الخطاب للعمومة و الإخوة و إنّما أمرهم به ليظهر للقافة أنّه عليه السلام من عبيدهم و خدمهم ليبعد احتمال إلحاق الولد به و يكمل الحجّة عليهم بعده.

قوله: «ابن خيرة الإماء» قال الفاضل الشعرانى: المراد به صاحب الزمان «عجلّ الله تعالى شريف» لا محمد بن علىّ الجواد لأنّ ضمير «هو» فى قوله: «و هو الطريد» راجع إلى الابن و هو بيان لحال الصاحب قطعا.

قوله: «لعن اللّه الأغيبس و ذرّيّته» قال الفاضل الشعرانى: و المراد به خليفة من خلفاء بنى عباس. قوله: «يقتلهم» قال الفاضل الشعرانى: ضمير المنصوب راجع إلى الأعيبس و ذرّيّته، و ضمير المرفوع المستكن راجع إلى اللّه تعالى لكونه معلوما أو إلى ابن خيرة الإماء لأنّ الصاحب عليه السلام يقتلهم بعد الرجعة جزاء بما كانوا يعملون.

وقوله: «ويسقيهم كأسامصبّرة» الكأس مؤنّثة و المصبّرة على وزن مكحّلة اسم آلة للصبر. و قوله: «وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه و جدّه» قال الفاضل الشعرانى: قال الجوهرى: الشريد الطريد و التكرير للتأكيد و الموتور من قتل حميمه و أفرد لأنّه قتل جدّه و أبوه عليهما السلام و قد بقى هو صغيرا طريدا شريدا موتورا سائرا فى الأرض خائفا

فزعا من الأعداء.(1) و كيف كان، فقد استدلّ بهذه الرواية على جواز الاعتماد على قول القائف لأنّهم نسبوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم أنّه قد قضى بالقافة و لم يردع عنه الإمام عليه السلام بل أجابهم بحكم القائف.

قال فى الجواهر: وسوس فى الحدائق فى أصل الحرمة لخبر زكريّا بن يحيى بن التيهان المصرى أو الصيرفى، إلى أن قال: باعتبار إجابة أبى الحسن عليه السلام إلى حكم القيافة و إقرارهم على ما حكوه من قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم بها، انتهى.(2)

وفيه: أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة باشتمالها على زكريا بن يحيى بن النعمان فإنّه مجهول.

وثانياً: أنّ المستفاد منه هو إنكار مانسبوه إلى النبى صلى الله عليه وآله و سلم كما صرّح به الشيخ قدس سره حيث قال: و قد افترى بعض العامّة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم فى أنّه قضى بقول القافة و قد أنكر ذلك عليهم فى الأخبار كما يشهد به ما عن زكريّا بن يحيى بن النعمان المصرى الخبر.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره بأنّا لم نجد فى الرواية ما يستشهد به لذلك، بل الظاهر منها أن الشيعة أيضا كانوا يعتقدون بقضاء رسول ظاللّه بقول القافة و أنّ الرضا عليه السلام لم ينكر عليهم ذلك. نعم، يرد على الرواية وجوه: الأول: أنّها ضعيفة السند، الثانى: أنّها مخالفة لضرورة المذهب فإنّها اشتملت على عرض أخوات الإمام و عمّاته على القافة و هو حرام لايصدر من الإمام عليه السلام و توهّم أنّ ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهّم فاسد، إذ لم تتوقّف معرفة بنوّة الجواد للرضا عليهما السلام على إحضار النساء. الثالث: أنّ الجماعة الذين بغوا على الرضا عليه السلام لينفوا بنوّة الجواد عليه السلام

**

(1) شرح الكافى، ج 6، ص 197-194.

(2) الجواهر، ج 22، ص 93-92.

عنه لو كانوا معتقدين بإمامة الرضا عليه السلام لما احتاجوا إلى القافة بعد إخباره بالبنوّة.(1)

وفيه أنّ الاستظهار من الرواية أنّ الشيعة أيضا كانوا يعتقدون بقضاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم و أنّ الرضا عليه السلام لم ينكر عليهم ذلك محلّ تأمّل و نظر. قال فى الجواهر: و فيه مع قصور الخبر عن معارضة ما عرفت من وجوه معارض باحتمال كون قوله عليه السلام: «ابعثوا أنتم إليهم» إلى آخره لعدم المشروعية، لا لدفع التهمة، بل لعلّ ذلك منه لعلمه بصدق القيافة هنا و استظهار بما اقترحوه لإثبات الحجّة به عليهم و إلّا فلا يتخيّل من له أدنى درية بشريعة رسول اللّه صلى الله عليه وآله و سلم عدم جواز الأخذ بها و العمل عليها على وجه تترتّب عليه المواريث و الأنكحة و نحوها وجودا و عدماً، بل مشروعية اللعان أوضح شيء على عدم اعتبار القيافة، بل لايخلو الالتفات إليها و لو مع عدم ترتّب شىء عليها من الكراهة الخ.(2)

فاتّضح من ذلك عدم صلاحيّة هذه الرواية أيضا للمعارضة مع ما دلّ على عدم جواز الرجوع إلى القائف و الأخذ منه و ترتيب الأثر، فتحصل أنّ الرجوع إلى القافة و الأخذ بقوله و ترتيب الأثر محرّم.

الجهة الرابعة: فى المأخوذ فى قبال عمل القيافة

الجهة الرابعة: أنّ المأخوذ فى قبال عمل القيافة يكون من السُّحت إذا رجع إليه للأخذ و ترتيب الأثر و إعطاء القائف ما يكون دخيلا فيه و عليه فلا يجوز التصرّف فى المأخوذ، بل هو أكل للمال بالباطل كما لايخفى.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 384.

(2) الجواهر، ج 22، ص 94-93.

المسألة السابعة و الأربعون «فى الكتمان»

اشارة

يقع الكلام فى جهات:

الجهة الاُولى: فى أقسام الكتمان

الجهة الاُولى: أنّ الكتمان على أقسام: منها كتمان ما أنزل الله تعالى، و منها كتمان الشهادة، و منها كتمان عيوب المبيع و نحوه، و منها كتمان ما فى الأرحام، و منها كتمان الأموال و منها كتمان الإعسار و المرض و المصيبة، و منها كتمان السرّ، و منها كتمان الإيمان، و منها كتمان أسرار الأئمة عليهم السلام و منها غير ذلك.

ويختلف أحكام هذه الأقسام باختلاف موضوعاتها و مواردها؛ أمّا كتمان ما أنزل الله تعالى فهو محرّم بنصّ القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ‌) (1). و كتمانه إمّا بإخفاء أو بإظهار توجيهات توجب كتمانه، و ذلك واضح فى مثل التوراة و الإنجيل. و قال عزّوجلّ‌: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولٰئِكَ مٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنّٰارَ) (2) الآية.

**

(1) البقرة، 159.

(2) البقرة، 174.

وأمّا كتمان الشهادة فهو أيضا محرّم بنصّ القرآن الكريم، قال الله عزّوجلّ‌: (وَ لاٰ تَكْتُمُوا اَلشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‌) (1). و المراد من كتمان الشهادة هو الاجتناب عن ذكر ما كان يشهده، و ظاهر الآية هو حرمة الكتمان و كونه آثما و لعلّ قوله: (وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‌) تهديد بما يكون جزاء له. هذا هو حكمه التكليفى.

و أمّا حكمه الوضعى، فقد قال فى الجواهر: الظاهر عدم الضمان بكتمان الشهادة و إن أثم، للأصل و غيره، لكن فى القواعد فى التضمين بترك الشهادة مع ضعف المباشرة إشكال، كما لو علما ببيع المورّث عينا من زيد فباع الوارث من عمرو و لم يعلم بذلك البيع و تعذّر الرجوع على المشترى، و لعلّه من تسبيبه للتلف بكتمانها على وجه يقوى على المباشر الجاهل بالحال، ولكن الأقوى ما عرفت.(2)

و أمّا كتمان العيوب فهو من مصاديق التدليس و الغشّ و الخيانة، و هو يتحقّق بالسكوت عن العيب مع العلم به، فضلا عن الإخبار بضدّه من السلامة و بوصف الحرّيّة و نحوها و اشتراط البكارة. قال فى الجواهر: لا إشكال فى تحقّق حكم التدليس بالسكوت عن العيب من العالم به.(3) و كتمان العيوب فى الموارد المذكورة محرّم و موجب لخيار الفسخ، بل موجب لجواز أخذ الأرش فى بعض الموارد على ما فصّل فى محلّه.

و أمّا كتمان ما فى الأرحام فهو حرام؛ قال الله عزّوجلّ‌: (وَ لاٰ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اَللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ‌) (4) الآية فلايجوز لها أن تكتم الحمل إذا طلّقت و هى حبلى و الزوج

**

(1) البقرة، 283.

(2) الجواهر، ج 41، ص 253.

(3) الجواهر، ج 30، ص 363.

(4) البقرة، 228.

لايعلم بالحمل، فلا يحلّ لها أن تكتم حملها و هو أحقّ فى ذلك الحمل.

وأمّا كتمان الأموال، فقد يكون ذلك من جهة البخل فهو مذموم؛ قال الله تبارك و تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ مَنْ كٰانَ مُخْتٰالاً فَخُوراً * اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً) ،(1) و قد يكون لحفاظة فهو مستحبّ لما رواه محمد بن يعقوب عن على بن محمد عن صالح بن أبى حمّاد عن محمد بن سنان عن أبى جعفر الأحول قال: قال لى أبوعبدالله عليه السلام: أىُّ شىء معاشك‌؟ قال: قلت: غلامان لى و جملان، قال: فقال: استتر بذلك من إخوانك، فإنّهم إن لم يضرّوك لم ينفعوك.(2)

و أمّا كتمان الإعسار و المرض و البليّة و المصيبة فهو مرغوب فيه. نعم، استحباب دعاء الإخوان لحلّ المشكلات مستحبّ‌. روى الكلينى فى الكافى عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن العباس بن عامر عن أبى عبدالرحمن المسعودى عن حفص بن عمر قال: شكوت إلى أبى عبدالله عليه السلام حالى و انتشار أمرى علىّ‌، فقال لى: إذا قدمت الكوفة فبع وسادة من بيتك بعشرة دراهم و ادع إخوانك و أعدّ لهم طعاما و سلهم يدعون الله لك. قال: ففعلت و ما أمكننى ذلك حتّى بعت وسادة و أعددت طعاما كما أمرنى و سألتهم يدعون الله لى، قال: فوالله ما مكثت إلّا قليلا حتّى أتانى غريم لى فدّق الباب علىّ و صالحنى عن مال كثير كنت أحسبه نحواً من عشرة آلاف، ثمّ أقبلت الأشياء علىّ‌.(3)

و روى فيه أيضا عن عدّة من أصحابنا عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابه قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: من مرض ثلاثة أيّام فكتمه و لم

**

(1) النساء، 37-36.

(2) الوسائل، الباب 47 من أبواب آداب التجارة، ج 17، ص 457-456، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 14 من أبواب مقدمات التجارة، ج 17، ص 52، ح 2.

يخبر به أحدا أبدل الله له لحماً خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه و بشرة خيرا من بشرته و شعرا خيرا من شعره، قال: قلت: جعلت فداك، و كيف يبدله‌؟ قال: يبدله لحما و دما و شعرا و بشرا لم يذنب فيها.(1)

و روى فى المحاسن عن محمد بن على عن عبدالرحمن بن محمد الأسدى عن حرث الغزال عن صدقة القتّات عن الحسن البصرى عن أبى جعفر عليه السلام قال: ألا أخبركم بخمس خصال هى من البرّ و البرّ يدعوا إلى الجنّة‌؟ قلت: بلى، قال: إخفاء المصيبة و كتمانها، الحديث.(2)

و أمّا كتمان السرّ فهو مندوب لما رواه فى الكافى بسند موثّق عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من عرض نفسه للتُّهمة فلا يلومنّ من أساء به الظنّ‌، و من كتم سرّه كانت الخيرة فى يده.(3)

و أمّا كتمان سرّ الأئمّة عليهم السلام، و حرمة إذاعته فهو مأمور به، لما عن بصائر الدرجات عن المعلّى بن خنيس قال: قال لى أبوعبدالله عليه السلام: يا معلّى! اكتم أمرنا و لاتذعه فإنّه من كتم أمرنا و لا يعذيعه أعزّه الله فى الدنيا و جعله نورا بين عينيه يقوده إلى الجنّة، يا معلّى! إنّ التقيّة دينى و دين آبائى و لا دين لمن لا تقيّة له، يا معلّى! إنّ الله يحبّ أن يعبد فى السرّ كما يحبّ أن يعبد فى العلانية و المذيع لأمرنا كالمجاحد له.(4)

و أمّا كتمان الإيمان فقد يكون مستحسنا بل قد يكون لازما؛ قال الله عزّوجلّ‌: (وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ‌)

**

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، ج 2، ص 406، ح 3.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، ج 2، ص 408، ح 10.

(3) الوسائل، الباب 19 من أبواب أحكام العشرة، ج 2، ص 36، ح 1.

(4) الوسائل، الباب 24 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 211-210، ح 24.

(كٰاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صٰادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ‌) .(1)

وفى صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبدالله عليه السلام قال: إنّ مثل أبى طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين.(2) و فى قرب الإسناد عن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمد عن أبى عبدالله عليه السلام: أنّ التقيّة ترس المؤمن، و لا إيمان لمن لاتقيّة له، فقلت له: جعلت فداك، قول الله تبارك و تعالى: (إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌) (3)، قال: و هل التقيّة إلّا هذا؟(4) و غير ذلك من موارد الكتمان.

الجهة الثانية: فى عدم جواز أخذ شىء فى قبال الكتمان

الجهة الثانية: أنّه إذا عرفت حرمة كتمان ما أنزل الله تعالى و كتمان الشهادة و كتمان العيوب و كتمان ما فى الأرحام، فاعلم أنّه لا يجوز أخذ شيىء فى قبال الكتمان فى هذه الموارد، لأنّ ثمن الحرام سحت فكلّ ما أخذ شيئا فى قبال كتمان ما أنزل الله من الكتب السماوية حرام محرّم؛ قال الله عزّوجلّ‌: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولٰئِكَ مٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنّٰارَ وَ لاٰ يُكَلِّمُهُمُ اَللّٰهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ لاٰ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌) .(5)

و قد أشار بقوله سبحانه و تعالى: (أُولٰئِكَ مٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنّٰارَ) (6) إلى حرمة الثمن، و عليه فمن صار أجيرا لإخفاء ما أنزل الله أو لكتمان الشهادة أو لكتمان العيوب و نحوها لايملك ما أخذه فى قبال عمله من الإخفاء و الكتمان.

**

(1) الغافر، 28.

(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 225، ح 1.

(3) النحل، 106.

(4) الوسائل، الباب 29 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 227، ح 6.

(5) البقرة، 174.

(6) البقرة، 174.

الجهة الثالثة: فى الكتمان الواجب

الجهة الثالثة: أنّ الإظهار فى مثل كتمان أسرار الأئمة عليهم السلام محرّم و الكتمان واجب، بل لايجوز إظهار سرّ كلّ مؤمن، كما صرّح بذلك فى صحيحة عبدالله بن سنان قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام‌؟ قال: نعم، قلت: يعنى سفليه‌؟ قال: ليس حيث تذهب، إنّما هى إذاعة سرّه.(1)

الجهة الرابعة: فى كون الكتمان من المعاصى الكبيرة

الجهة الرابعة: أنّ المعصية فى كتمان ما أنزل الله كبيرة لما عرفت من قوله (وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌) فى الآية الكريمة: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولٰئِكَ مٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنّٰارَ وَ لاٰ يُكَلِّمُهُمُ اَللّٰهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ لاٰ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌) .(2)

وهكذا فى كتمان الشهادة لقوله تعالى: (وَ لاٰ تَكْتُمُوا اَلشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‌) (3) بناء على أن قوله: (وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‌) توعيد بالجزاء الأخروى.

هذا مضافا إلى صحيحة جابر بن يزيد الجعفى عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر به دم امرئ مسلم أو ليزوى بها مال امرئ مسلم أتى يوم القيامة و لوجهه ظلمة مدّ البصر و فى وجهه كُدُوح تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، و من شهد شهادة حقٍّ ليحيى بها حقّ امرئ مسلم أتى يوم القيامة و لوجهه نور مدّ البصر تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، ثمّ قال أبوجعفر عليه السلام: ألا ترى أنّ الله عزّوجلّ يقول: (وَ أَقِيمُوا اَلشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ‌) .(4)

ومعتبرة عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: لاينقضى كلام شاهد الزور من

**

(1) الكافى، ج 2، ص 358، ح 2.

(2) البقرة، 174.

(3) البقرة، 283.

(4) الوسائل، الباب 2 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 312، ح 2.

بين يدى الحاكم حتى يتبوّء مقعده فى النار، و كذلك من كتم الشهادة(1) إذ المستفاد منها هو توعيد العذاب تنظيره الكتمان بشهادة الزور و قد دلّت المعتبرة على أنّ شاهد الزور يوجب أن يتبوّء مقعده فى النار.

الجهة الخامسة: فى وجوب حفظ اسرار الحكومة الاسلامية

الجهة الخامسة: أنّ حفظ أسرار الحكومة الاسلامية واجب و إظهارها للمخالفين و المعاندين و المنافقين و الكافرين محرّم بالأولوية، إذ من المعلوم أنّ إظهار سرّ بعض الآحاد إذا كان محرّما بنصّ صحيحة عبدالله بن سنان كان إظهار سرّ الحكومة الإسلامية محرّما بالأولوية، لكون ذلك موجبا للمفاسد العظيمة و تقوية للكفّار و المخالفين و كل ما أخذ فى قبال الإظهار المذكور بأىّ عنوان كان حرام محرّم و موجب للخذلان و العقاب.

**

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 325، ح 4.

المسألة الثامنة و الأربعون «فى الكذب»

و هنا أمور:

الأمر الأول: فى تعريف الكذب

اشارة

الأمر الأول: فى تعريف الكذب، و لايخفى عليك أنّ الكذب فى القضايا الخبريّة نقيض الصدق و هو واضح واحتمال الصدق و الكذب يجتمعان فى القضايا الخبريّة بمجرّد النظر إلى مفهومها، و أمّا إذا لوحظ محكيها فهى إمّا صدق أو كذب والصدق باعتبار تطابق الحاكى و هو ظاهر المفهوم مع المحكى و الكذب باعتبار عدم تطابقهما، ثمّ المحكى إمّا هو الخارج أو الذهن أو نفس الأمر و عالم الاعتبار، و هذا هو حاصل ما ذهب إليه المشهور.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: المعروف بين أهل اللغة و غيرهم أنّ الكذب نقيض الصدق، فصدق الكلام بالمطابقة و كذبه بعدم المطابقة، و إنّما الكلام فى بيان معنى المطابق (بالكسر) و إنّه عبارة عمّا يظهر من كلام المتكلّم أو عبارة عن مراده منه، و (فى) بيان المطابق (بالفتح) و إنّه عبارة عن الواقع و النسبة الخارجية أو عن اعتقاد المخبر أو عن كليهما.

ذهب المشهور إلى أنّ صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع و كذبه عدم مطابقته للواقع بدعوى أنّ هيئة الجملة الخبرية إنما وضعت لتحقّق النسبة فى الخارج، سواء كانت النسبة ثبوتيّة أو سلبيّة، كما أنّ ألفاظ أجزائها موضوعة للمعان التصوّرية من الموضوع و المحمول و متعلّقاتها، فمطابقة الخبر لتلك النسبة الخارجية الواقعية صدق و عدمها كذب. فإذا قيل: زيد قائم، فإنّ هذا القول يدلّ على تحقّق النسبة الخبرية فى الخارج، أعنى أتّصاف زيد بالقيام، فإن طابقها كان صادقا و إن خالفها كان كاذبا.

ثمّ أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره أوّلا: بأنّه قد لا تكون للنسبة خارجية أصلاً كقولنا: شريك البارى ممتنع، و اجتماع النقيضين محال، و الدور أو التسلسل باطل، و ما سوى الله ممكن، إذ لا وجود للامتناع و الإمكان و البطلان فى الخارج، إلّا أن يقال: إنّ المراد بالخارج ما هو أعمّ منه و من نفس الأمر.

إلى أن قال. وثانياً: بأنّ الالتزام المذكور لايتّفق مع تعريف القضية بأنّها تحتمل الصدق و الكذب.

وثالثاً: بأنّه لو كانت الجمل الخبرية بهيئاتها موضوعة للنسبة الخارجية لكانت دلالتها عليها قطعية، كما أنّ دلالة الألفاظ المفردة على معانيها التصوّرية قطعية، فإنّ الشكّ لايتطرّق إلى الدلالة بعد العلم بالموضوع له و إرادة اللّافظ، مع أنّه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الخبرية غير احتمال وقوع النسبة فى الخارج، و قد كان هذا الاحتمال حاصلا قبل سماعها، انتهى.(1)

و الإنصاف أنّ الإشكالات المذكورة ليست واردة على المشهور، أمّا الأوّل: فلما أفاده بنفسه من احتمال أن يكون المراد من الخارج ما هو أعم منه و من نفس الأمر.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 396-395.

و أمّا الثانى: فلأنّ المتكلّم فى غير الكلام الإنشائى يريد أوّلا إثبات المحمول لموضوعه و هو قطعىّ الدلالة لوضع الهيئة لذلك كوضع المفردات لمعانيها، و لاينافى قطعيّة ثبوت المحمول لموضوعه ما يقال مع تعريف القضية بأنّها تحتمل الصدق و الكذب، لأنّ التعريف المذكور بملاحظة حكاية مفهوم القضية عن الخارج و هو الأمر الثانى الذى يريده المتكلّم لا باعتبار ثبوته لموضوعه فى الكلام حتّى يتحقّق المنافاة.

و أما الثالث: فلما عرفت من أنّ قطعيّة الدلالة باعتبار إثبات المحمول لموضوعه فى الكلام، و لاينافى ذلك كون وقوع النسبة فى الخارج احتماليا بملاحظة مطابقة الحاكى مع المحكى فى الخارج و عدمها.

فتحصّل: أنّ المطابق بالكسر هو ما يظهر من الكلام، و المطابق بالفتح هو المحكى فى الخارج و احتمال الصدق و الكذب يجتمعان باعتبار مجرّد مفهوم القضية و حكايتها و يفترقان بملاحظة مطابقة الحكاية و الإخبار و عدمها، فإن طابق الحاكى مع المحكى فهو صدق، و إلّا فهو كذب قطعا.

ثمّ إنّ الحكاية و الإخبار من الأمور القصدية و من أركان الصدق و الكذب، إذ الجملة بدون قصد الحكاية ليست بخبر و إذا لم تكن خبرا لا تكون متّصفة بالصدق و الكذب كما لايخفى.

و أمّا ما عن النظام: من أنّ صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر و كذبه عدمها و إن كان الاعتقاد خطأ، و استدلّ له بآية المنافقين بدعوى أنّ الله سجّل عليهم بأنّهم لكاذبون فى قولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللّٰهِ‌) (1) لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمّدية و إن كان قولهم مطابقا للواقع.

**

(1) منافقون، 1.

ففيه كما فى مصباح الفقاهة: أن المنافقين لكاذبون فى شهادتهم للرسالة لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد؛ هذا مضافا إلى أنّه لو أخبر أحد عن قضية يعتقد بوقوعها فى الخارج و هى واقعة فيه، فإنّه على مسلك النظام خبر كاذب، مع أنّه صادق بالضرورة.(1)

و ممّا ذكر يظهر ما فى المحكى عن الجاحظ أيضاً: من أنّ صدق الخبر مطابقته للواقع و الاعتقاد معاً، و كذبه عدم مطابقته لهما معا، و غير ذلك لاصدق و لا كذب. و استدلّ على رأيه هذا بقوله تعالى: (أَفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ‌) (2) فإنّ الإخبار حال الجنّة غير الكذب، لأنّهم جعلوه قسيما للافتراء و غير الصدق لعدم مطابقته للواقع فى عقيدتهم.

و ذلك كما فى مصباح الفقاهة: انّا نرى بالعيان و نشاهد بالوجدان و بحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق و الكذب و عدم الواسطة بينهما، و أمّا الآية المذكورة فهى غريبة عن مقصود الجاحظ، لأنّ الظاهر منها أنّ المشركين نسبوا اخبار النبى إلى الافتراء الذى هو كذب خاص، أو إلى الإخبار حال الجنّة الذى لا أثر له عند العقلاء، انتهى.(3)

فتحصّل: أنّ اتّصاف الجملة بالصدق أو الكذب منوط بكونها خبرا، و من أركان الخبر قصد الحكاية، إذ مع عدم القصد لاتتّصف الجملة بأنّها خبر و مع عدم صدق الخبر لايتّصف بالصدق أو الكذب.

حقيقة التورية

و إذا عرفت أنّ الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع ظهر خروج التّورية عن حقيقة الكذب خروجا موضوعيا. وتوضيح ذلك: أنّ المتكلّم فى مواردها لايكون قاصداً

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 397-396.

(2) سباء، 8.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 397.

لحكاية أمر على خلاف الواقع (حتّى يكون كذبا)، بل يكون قصده إلى ما هو حاصل فى الواقع، إلّا أنّ السامع لاينتقل إليه من كلامه، بل ينتقل إلى ما هو ظاهر الكلام و يتخيّل أنّه بصدد حكاية حصول ذلك الظاهر.

ثمّ إنّ القول بأنّ الكلام بنفسه مع قطع النظر عن صدوره من متكلّم مريد دالّ على المعنى فلو نقشت بواسطة الحوادث الكونيه كلمة «السماء فوقنا» و «السماء تحتنا»، فلا يمكن أن يقال: إنّا لانفهم منهما شيئا أصلا، أو هما لايحكيان عن مدلولهما، أو يقال: إنّ المدلول منهما شىء واحد، أو إنّ مدلولهما ليس موافقا و لا مخالفا للواقع، فعليه تكون الجملة الأولى صادقة و الثانية كاذبة.

و توهّم أنّ ما يحكيان عنه ليس بنحو الدلالة بل بنحو الخطور لأنس الذهن خلاف الوجدان، و هو أصدق شاهد على عدم الفرق فى الدلالة بين الكلام الصادر من متكلّم شاعر و بين الصادر من غيره، فبطل القول بأنّ الألفاظ موضوعة للمعانى المرادة، أو الوضع عبارة عن التعهّد بإرادة المعنى من اللفظ، أو أنّ الدلالة عبارة عن إبراز ما فى الضمير و ما فيه حاك عن الواقع.

مضافا إلى أنّ الكلام الصادر من المتكلّم لا يحكى إلّا عن الواقع و نفس الأمر مستقيما من غير دلالة عن المعانى الذهنية و صورها و هو وجدانى جدّاً(1)، محلّ تأمّل و نظر، لما عرفت من أنّ مع عدم القصد للحكاية لاتتّصف الجملة بأنّها خبر و مع عدم اتّصافها بالخبر لا مجال لاتّصافها بالصدق و الكذب لكونهما من أقسام الخبر.

ودعوى الوجدان على عدم الفرق فى الدلالة بين الكلام الصادر من متكلّم شاعر و بين الصادر من غيره، لا يستلزم على تقدير التسليم و عدم توقّف الدلالة على الإرادة

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 30.

الاستعمالية عدم الفرق فى اتّصاف الجملة بالصدق و الكذب بين كون الكلام صادرا من متكلّم شاعر قاصد للحكاية و بين الصادر من غيره من دون قصد الحكاية.

ثمّ البحث عن كون الألفاظ موضوعة للمعانى المرادة، أو الوضع عبارة عن التعهّد بإرادة المعنى من اللفظ، أو أنّ الدلالة عبارة عن إبراز ما فى الضمير، أو كانت موضوعة لنفس المعانى كما هو الصحيح أجنبى عن كون الصدق و الكذب وصفين للخبر، و الخبر لايتحقّق بدون قصد الحكاية.

ثمّ إنّ الحكاية عن الواقع و نفس الأمر مستقيما من غير دلالة على المعانى الذهنية و صورها ممنوعة، لأنّ الحكاية متقوّمة بالألفاظ الدالّة على معانيها و لايمكن حكاية الألفاظ بدون دلالتها على معانيها، أللّهمّ إلّا أن يكون مراده قدس سره من غير معانيها هى الإرادة و التعهّد المذكورتين.

فى قيام الإشارة و نحوها مقام الألفاظ

ثمّ إنّه لاخصوصيّة للألفاظ فى صدق الكذب و الصدق، بل يقوم مقامها الإشارة و الكتابة. قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره الظاهر أنّ الكذب بالمعنى المصدرى عرفا عبارة عن الأخبار المخالف للواقع. و الأخبار لم ينحصر باللفظ و القول الخارج من الفم، بل يشمل الكتابة و الإشارة ونحوهما عرفا، كما يطلق على ما فى الصُّحُف و المجلّات و اليوميّات و فى مثل المجازات و المبالغات و الكنايات يكون المتكلّم مخبرا عن لازم كلامه لا عن مضمونه؛ فالقائل بأنّ زيدا كثير الرِّماد، أخبر عن سخائه، فلو لم يكن زيد سخيًّا و لم يكن فى كلامه تأوّل آخر يكون المخبر كاذبا و الخبر كذبا، و كذا فى النظائر.

و فى مثل جعل النصب دون الفراسخ إذا لم يكتب عليها أنّ هذا رأس الفرسخ، لم يكن مجرّد الوضع إخبارا و كذبا عرفا. و المؤذّن قبل الوقت لم يخبر بالوقت، و الماشى على غير زيّه لم يخبر بشيىء، و لا يقال: إنّه أخبرنى بكذا، و لوازم المخبر عنه

ليست بإخبار، بل الإخبار إنّما هو عن الملزوم و هى لوازم المخبر عنه. و ما ذكرناه هو الموافق لفهم العرف، فعليه ليس الإخبار أو الخبر عبارة عن القول أو اللفظ المحتمل للصدق و الكذب، بل أعمّ منه و مما قام مقامه، لكن لابنحو يشمل مطلق ما له حكاية.

إلى أن قال فأذان المؤذّن قبل الوقت ليس بكذب، لأنّ مقالته أى فصوله بما أنّها حاكية عن معانيها لاتحكى عن دخول الوقت لامطابقة و لا التزاما، بل إيقاع هذا العمل كاشف عن دخول الوقت للتعارف والعادة، ففرق بين الأعمال القائمة مقام الأقوال و غيرها ممّا هى كاشفة عن واقع لزوما.

و أمّا لوازم المخبر به فى المثال المتقدّم أى الإخبار بأنّ هذا يوم السبت، فلا يقال فيها: إنّه أخبر بأمور غير محصورة (بدعوى أنّ لازم كون اليوم سبتا أن يكون قبله جمعة و بعده أحدا و قبل قبله خميسا و بعد بعده الإثنين و هكذا)، لأنّه لم يخبر إلّا عن يوم السبت، و اللوازم المذكورة لوازم المخبر عنه الوحدانى.(1)

و لقد أفاد و أجاد: إلّا أنّ نفى الإخبار عن الملزوم فى الكنايات محلّ تأمّل و نظر، لأنّ الإخبار عن اللازم لا يمكن بدون الإخبار عن الملزوم. نعم، لو كان المقصود أنّ الغرض الأصلى هو الإخبار عن اللازم لا الملزوم، و لذا لا يضرّ بصدق اللوازم عدم وجود كثرة الرماد حقيقة صحّ ذلك.

ثمّ إنّ مفاد الأذان و إن لم يكن خبرا عن حلول الوقت، ولكن لقائل أن يقول: إنّ تركيب فصوله بالنحو المعلوم شرعا لإفادة إعلام الوقت، لا أنّ الوقت يعلم بالتعارف و العادة، خصوصا قوله: «حىَّ على الصلوة» أمر بالسبقة نحو الصلاة المفروضة الموقّتة، و هو لا يخلو عن إعلام و إخبار بحلول وقت الصلاة.

**

(1) المكاسب المحرّمة للامام قدس سره، ص 35-34.

الهزل:

ثم إنَّه قد يقال: إنّ مقتضى ما عرفت من أنّ الصدق و الكذب يتقوّمان بقصد الحكاية أنّ الهازل إذا كان قاصدا للحكاية و كان غرضه من الحكاية إضحاك الناس صدق عليه الكاذب، لأنّ كلامه كذب حقيقة، و الداعى لادخل له فى حرمته. و أمّا إذا كان تكلّمه بلا قصد الحكاية، بل من ترديد ألفاظ لها صور و معان فى الأذهان و كان غرضه من ترديدها إضحاكهم، فهذا غير داخل فى الكذب، و لايعمّه ما ورد فى كذب الهزل، حيث أنّه لا يكون إخبارا حتى يكون كذبا هزلا أو جدّا.(1)

ويمكن أن يقال، كما فى المكاسب المحرّمة للإمام قدس سره: أنّ الظاهر أنّ الأخبار المطلقة منصرفة عن الكذب فى مقام الهزل و إن فرض الإخبار بالواقع لهذا الغرض، لكن مع قيام قرينة حالية أو مقالية شاهدة على الهزل، كما لو كان المجلس من المجالس التى أعدّت له، بل لايبعد الانصراف عن أخبار غير مفيدة، كما لو أخبر بخلاف واقع واضح لا يؤثر فى المخاطب شيئا، كالإخبار ببرودة النار و حرارة الثَّلج.(2)

بقى شىء و هو أنّ الكذب عند نفسه مع عدم المخاطب هل يكون محرّما أو لا؟ والأظهر هو الثانى، لما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: من انصراف الأدلّة عن مثله، بل الظاهر انصرافها عن التكلّم به عند مخاطب لم يسمع الكلام لصممه، أو لم يفهم معناه لعدم تميّزه أو جهله به، فإنّ المتكلّم بالجملة الكاذبة عند المذكورين ليس بمخبر و إن صدر منه الكذب.(3)

ثمّ يظهر مما تقدم أنّ الكذب وصف للخبر، كما أنّ الصدق كذلك، و عليه يختصّ‌

**

(1) إرشاد الطالب، ص 232.

(2) المكاسب المحرّمة للإمام قدس سره، ص 50.

(3) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ص 39.

الصدق و الكذب بالجملة الخبرية و لا يعمّ الجمل الإنشائية.

حقيقة الوعد:

ثمّ لا يخفى أنّ الوعد خارج عن موضوع الكذب و الصدق، لأنّه ليس بإخبار فى نفسه، بل هو إنشاء كالنذر و العهد. نعم، لو أخبر عن التزامه أو عن الوفاء الخارجى فى وقت كذا كان خبرا و يحتمل فيه الصدق و الكذب، بل الإخبار عن التزامه أو عن الوفاء الخارجى من لوازم الوعد الإنشائى ما لم يقم قرينة على الخلاف.

و لذا قال الشيخ الأعظم قدس سره: الظاهر عدم كونه (أى الوعد مع إضمار عدم الوفاء) كذبا حقيقيا و أنّ إطلاق الكذب عليه فى الرواية لكونه فى حكمه من حيث الحرمة، أو لأنّ الوعد مستلزم للإخبار بوقوع الفعل، كما أنّ سائر الإنشاءات كذلك، و لذا ذكر بعض الأساطين أنّ الكذب و إن كان من صفات الخبر إلّا أنّ حكمه يجرى فى الإنشاء المنبىء عنه، كمدح المذموم و ذمّ الممدوح و تمنّى المكاره و ترجّى غير المتوقّع و إيجاب غير الموجب و ندب غير النادب و وعد غير العازم.

و كيف كان، فالظاهر عدم دخول خلف الوعد فى الكذب لعدم كونه من مقولة الكلام. نعم، هو كذب للوعد بمعنى جعله مخالفا للواقع، كما أنّ إنجاز الوعد صدق له بمعنى جعله مطابقا للواقع، فيقال: صادق الوعد و وعد غير مكذوب.(1)

فالمستفاد من كلام الشيخ قدس سره: أنّ الوعد من الإنشاءات لا من الإخبار، و عليه فما يظهر من مصباح الفقاهة من تعميم الوعد للإخبار عن العزم على فعل كذا أو الإخبار عن الوفاء محلّ تأمّل و نظر.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: أقول: لا بأس بتوضيح حقيقة الوعد و بيان حكم

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 50.

الخلف فيه. أمّا حقيقة الوعد فإنّه يتحقّق بأحد أمور ثلاثة: أوّلها: أن يخبر المتكلّم عن عزمه على الوفاء بشيئ، كأن يقول لواحد: إنّى عازم على أن أعطيك درهما، أو إنّى ملتزم بالمجيئ إلى ضيافتك، أو على إعظامك و إكرامك، و لاشبهة فى كون هذا من أفراد الخبر.

غاية الأمر أنّ المخبر به من الأفعال النفسانيّة، أعنى العزم على الفعل الخارجى. فإن كان عازما فهو صادق، و إلّا فهو كاذب و يكون خارجا عن المقام. أى الوعد المبحوث عنه لأنّه إنشائى لا إخبارى.

وثانيها: أن ينشئ المتكلّم ما التزمه بنفس الجملة التى تكلّم بها بأن يقول: لك علىّ كذا درهما أو دينارا أو ثوبا، و نظيره صيغ النذر و العهد. و لا ريب أنّ مثل هذه الجمل إنشائية محضة، فلا تتّصف بالصدق و لابالكذب بالمعنى المتعارف، بل الصدق و الكذب فى ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام و عدم الوفاء به (و هو خارج عن الوعد الإنشائى).

وثالثها: أن يخبر المتكلّم عن الوفاء بأمر مستقبل، كقوله: أجيئك غدا أو أعطيك درهما بعد ساعة أو أدعوك إلى ضيافتى بعد شهر. و هذه جمل خبريّة بالحمل الشايع، و لاشبهة فى اتّصاف هذا القسم من الوعد بالصدق و الكذب، فإنّها عبارة عن موافقة الخبر للواقع و عدم موافقته له، انتهى موضع الحاجة(1) و سيأتى بقية الكلام إن شاء الله تعالى فى حكم خلف الوعد.

الأمر الثانى: فى حرمة الكذب

الأمر الثانى: فى حرمة الكذب و كونه من الكبائر و لو لم يترتّب عليه المفاسد. قال الشيخ الأعظم: الكذب حرام بضرورة العقول و الأديان و يدلّ عليه الأدلّة الأربعة.(2)

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 390.

(2) المكاسب الشيخ، ص 49.

قال فى الجواهر أيضا: حرمة الكذب من الضروريات و يزداد إثما إذا كان على المؤمنين، ثمّ على أئمّتهم عليهما السلام، ثمّ على الله تعالى شأنه.(1)

قال فى مصباح الفقاهة: لاشبهة فى حرمة الكذب، فإنّه من قبائح الذنوب و فواحش العيوب، بل هو مفتاح الشرور و رأس الفجور و من أشدّ الجرائم و أكبر الكبائر. و حرمته من ضروريات مذهب الإسلام، بل جميع الأديان. و قد استدلّ عليها المصنّف بالأدلّة الأربعة: أمّا الكتاب و السنّة الواردة لدى الخاصّة و العامّة فى ذلك، فذكرهما مما لايحصى.

و أمّا الاجماع، فمن المحتمل القريب بل المقطوع به أنّه مستند إلى الكتاب و السنّة، فلا يكون هنا إجماع تعبّدى كما هو واضح.

و أمّا العقل، فإنّه لايحكم بحرمة الكذب بعنوانه الأولى مع قطع النظر عن ترتّب المفسدة و المضرّة عليه. و كيف يحكم العقل بقبح الإخبار بالأخبار الكاذبة التى لا تترتّب عليها مفسدة دنيوية أو أخروية.(2)

و لا يخفى عليك أنّ الإشكال على الاستدلال بالإجماع بأنّه ليس بإجماع تعبّدى لاستناد المجمعين إلى الكتاب و السنّة منظور فيه، لما قرّر فى الأصول من إمكان الاستدلال بالإجماعات المستندة إلى الأدلّة من الكتاب و السنّة، أيضا اذا كانت الإجماعات متّصلة بزمان المعصوم عليه السلام، لأنّها تكشف عن تقرير المعصوم عليه السلام، إذ لا يمكن أن اجتمع المجمعون على خطأ بمحضر المعصوم عليه السلام و لم يرشدهم.

و عليه فالاستدلال بالإجماع الكاشف عن تقرير المعصوم عليه السلام خال عن الإشكال.

**

(1) الجواهر، ج 22، ص 72.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 385.

و دعوى وجود هذا الإجماع فى مثل المقام ليست بمجازفة‌؟ نعم، لا ثمرة لذلك لو تمّ الاستدلال بالكتاب و السنّة على حرمة الكذب.

نعم، الاستدلال بالعقل بحيث يستلزم الحكم الشرعى من جهة أنّ كلّما حكم به العقل حكم به الشرع لا يخلو من إشكال، لدعوى أنّ حكم العقل بقبح الكذب ليس من ناحية عنوان الكذب بذاته و لو لم يترتّب عليه المفسدة و المضرّة، حتّى يكون كاشفا عن الحكم الشرعى به أيضا.

أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ العقل يدرك قبح الكذب و حزازته فى نفسه فيرى الكذب حتّى الذى لا يترتّب عليه مفسدة و مصلحة قبيحا له حزازة بلا شبهة.

والشاهد على كون الكذب قبيحا ذاتا أنّ الكذب فى المورد الذى يتوقّف إنجاء النبى صلى الله عليه وآله و سلم أو المؤمن على الكذب يرى العقل أنّه لو كان إنجائه متوقّفا على الصدق كان أحسن، فلا يسوّى بين الكذب و الصدق التقديرى فى هذا المورد، و هو يدلّ على أنّ العقل يدرك قبحه فعلا، فالكذب مع تجرّده عن كافّة المتعلّقات و النظر إلى ذاته بذاته له قبح ما عقلا لا ينفكّ عنه، و الجهات الخارجية لا تأثير لها فى رفعه و لهذا يتمنّى العاقل أن يكون الصدق مكان الكذب منجيا للنبى صلى الله عليه وآله و سلم، و ليس ذلك إلّا لعدم رفع حزازته و قبحه و إن لزم ارتكابه، و له نظائر تظهر بالتأمّل.(1)

و كيف كان، فقد استدلّ بالكتاب و السنة على حرمة الكذب.

أمّا الكتاب، فقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) (2)، و تقريب الاستدلال بالآية الكريمة كما فى إرشاد الطالب: أنّ ظهور الزور فى البطلان و اتّصاف

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 75.

(2) الحج، 30.

القول بالبطلان يكون باعتبار بطلان معناه و عدم تطابقه مع الخارج كما هو المراد بالكذب، و ظاهر الأمر بالاجتناب عن فعل حرمته كما فى الأمر بالاجتناب عن الخمر و الميسر و عبادة الأوثان إلى غير ذلك.(1)

لقد أفاد و أجاد قدس سره: ولكن لاينحصر بطلان القول بما إذا لم يطابق المعنى مع الخارج، و الشاهد عليه تفسير قول الزور فى موثّقة ابن أبى عمير بالغناء(2)، مع أنّه ليس بكذب.

فالأولى هو أن يقال: إنّ قول الزور هو قول الباطل و هذا بإطلاقه يشمل الكذب كما يشمل الغناء، فلاتغفل.

ثمّ إذا عرفت أنّ الكذب منهىٌّ عنه بإطلاق قوله عزّوجلّ‌: (وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) يدلّ صحيحة عبدالعظيم الحسنى عليه السلام على كون الكذب من الكبائر، لأنّ الإمام عليه السلام استشهد فيها لكون شرب الخمر من المعاصى الكبيرة بأنّ الله نهى عن الخمر كما نهى عن عبادة الأوثان، إذ مقتضى الاستدلال و الاستشهاد المذكور فيها أن يكون الكذب أيضا من الكبائر، لأنّ الله نهى عنه كما نهى عن عبادة الأوثان بقوله عزّوجلّ‌: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) .(3)

و تفصيل ذلك أنّ عمرو بن عبيد دخل على أبى عبدالله عليه السلام، فلمّا سلّم و جلس، تلاهذه الآية: (وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوٰاحِشَ‌) (4) ثمّ أمسك، فقال له أبوعبدالله عليه السلام: ما أسكتك‌؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّوجلّ‌، فقال: نعم يا عمرو! أكبر

**

(1) إرشاد الطالب، ص 228.

(2) الكافى، ج 6، ص 436، ح 7.

(3) راجع: إرشاد الطالب، ص 228؛ الحج، 30.

(4) الشورى، 37.

الكبائر الإشراك بالله، إلى أن قال: و شرب الخمر لأنّ الله عزّوجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان.(1)

و هذه ضابطة غير ما ورد من أنّ كلّ معصية أوعد النار عليها فهى كبيرة، فتدبّر جيّدا.

وقوله تعالى: (إِنَّمٰا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌) .(2) بدعوى أنّ جعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله كافرا بها يقتضى كون الكذب كبيرة، كما فى كلام الشيخ الأعظم قدس سره أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره تبعا السابقين بقوله: إنّ الآية و إن كانت ظاهرة الدلالة على كون الكذب المذكور فيها من الكبائر، ولكن الظاهر من ملاحظة الآية و ما قبلها أنّ المراد بالكاذبين فى الآية الشريفة هم الذين يفترون على الله و على رسوله فى آيات الله كاليهود و المشركين لزعمهم أنّ ما جاء به النبى كلّه من تلقاء نفسه و مفتريات شخصه، و قد ردّ الله كلامهم عليهم بقوله عزّ من قائل: (إِنَّمٰا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ‌) (3)، و على هذا فالكاذبون المذكورون فى الآية لم يؤمنوا بالله و برسوله و بالمعاد من الأول، لا أنّ الكذب أوجب خروجهم عن الإيمان لكى تدلّ الآية على مقصد المصنّف.(4)

وأجيب عنه: بأنّه لاوجه لدعوى اختصاص الآية بالافتراء فى أصول الدين، فإنّ مورد النزول لايكون مخصّصا أو مقيّدا لعموم الحكم أو إطلاق الآية؛ نعم، إنّ الافتراء أخصّ من الكذب.(5)

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، ج 15، ص 320-318، ح 2.

(2) النحل، 105.

(3) النحل، 105.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 387.

(5) إرشاد الطالب، ص 228.

ويمكن أن يقال: إنّ عدم تخصيص المورد لعموم الحكم صحيح ما لم يقم قرينة على الاختصاص. و السيّد المحقّق الخوئى استدلّ بسياق الآيات و اتّصالها على اختصاص الآية بالافتراء فى أصول الدين، و لعلّه كذلك. و يعتضد ذلك بما فى بلغة الطالب، حيث أورد على الاستدلال بالآية بأنّها بظاهرها تكفير للكاذب بجعله ممن لايؤمن بآيات الله تعالى.

فيعلم من ذلك أنّ المراد: أنّ من لايؤمن بآيات الله هم الكاذبون فى إنكارهم آيات الله. و يؤيّده سياق الآية، فإنّ قبلها قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ لاٰ يَهْدِيهِمُ اَللّٰهُ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ * إِنَّمٰا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌) (1)، فإنّ الظاهر فى الكلام قصر قلب بالنسبة إلى ما ادّعوا من كذب النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى الآيات السابقة على الآيتين و قوله (وَ إِذٰا بَدَّلْنٰا آيَةً مَكٰانَ آيَةٍ وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يُنَزِّلُ قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ‌) (2)، فالمراد و الله العالم أنّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم ليس بمفتر بل الكذّاب المفترى من لا يؤمن بآيات الله و يكذّب النبى صلى الله عليه وآله و سلم فيما يخبر عن الله تعالى، انتهى؛ و عليه فالآية الكريمة أجنبيّة عن المقام.

و إليه يؤوّل ما فى تعليقة الميرزا الشيرازى قدس سره أيضا: من أنّ الظاهر أنّ الكلام قصر قلب بالنسبة إلى ما ادّعوا من كذب النبى صلى الله عليه وآله و سلم فيما يدّعيه من كون ما يأتى من الآيات من قِبَل الله تعالى، فالمقصود أنّهم مفترون و كاذبون فى إنكارهم كون ما يأتى به النبى صلى الله عليه وآله و سلم من الآيات التى يأتى به روح القدس من عند ربّ الأرباب تعالى شأنه نازلاً من عنده و قولهم: إنّه انّما يعلّمه بشر لا النبى صلى الله عليه وآله و سلم فيما يدّعيه، فيكون القصر إضافيا لا حقيقيا إدعائيا. إلى أن قال: و لا يضرّ الفصل بين الإثنين بالآيات الثلاثة،

**

(1) النحل، 105-104.

(2) النحل، 101.

فإنّها من المرتبطات بالآية الأولى و توابعها، حيث ردّ الله تعالى عليهم فى دعواهم افتراء النبى صلى الله عليه وآله و سلم فيما يدّعيه من آيات الله تعالى، انتهى موضع الحاجة.(1)

و أمّا السنّة، فصحيحة عبدالله بن العباس المروى عن كتاب الغيبة للفضل بن شاذان قال: حدّثنا عبدالرحمن بن أبى نجران رضى الله عنه، قال: حدّثنا عاصم بن حميد، قال: حدّثنا أبوحمزة الثمالى عن سعيد بن جبير عن عبدالله بن العباس قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم حجّة الوداع، فأخذ بحلقة باب الكعبة و أقبل بوجهه علينا فقال: معاشر الناس! ألا أخبركم بأشراط الساعة‌؟ قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، إلى أن قال: و يكون الكذب عندهم ظرافة فلعنة الله على الكاذب و إن كان مازحا.(2) فى طريقها سعيد بن جبير و هو الذى قتله الحجّاج و له شأن كبير.

و نقل أبو المغيرة: حدّثنى الفضل عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم عن أبى عبدالله عليه السلام: أنّ سعيد بن جبير كان يأتمّ بعلىّ بن الحسين و كان علىّ بن الحسين عليهما السلام يثنى عليه و ما كان سبب قتل الحجّاج له إلّا هذا الأمر و كان مستقيما، انتهى. و أبو المغيرة ممن روى عنه حمّاد و فيه تأمّل، لعدم معلوميّة أبى المغيرة.

نعم، نقل الكشّى عن الفضل بن شاذان: أنّه لم يكن فى زمن السجّاد عليه السلام فى أوّل أمره إلّا خمسة فعدّه و سعيد بن المسيّب منهم؛ هذا مضافا إلى أنّه وثّقه فى محكىّ المناقب. و كيف كان، يكفى فى علوّ شأنه أنّه من المجاهدين فى طريق الولاية.

ثمّ إنّ الظاهر من اللعنة هى الحرمة و إن استعملت أحياناً فى بعض المكروهات، و لعلّ إثبات اللّعنة ملازم للعذاب، و عليه تدلّ الرواية على كون الكذب من الكبائر.

ومعتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام المرويّة فى عيون الأخبار بأسانيده فى

**

(1) تعليقة الميرزا الشيرازى على المكاسب، ص 127-128.

(2) المستدرك، الباب 49 من أبواب جهاد النفس، ج 11، ص 372، ح 11.

كتابه إلى المأمون قال: الإيمان هو أداء الأمانة و اجتناب جميع الكبائر و هو معرفة بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان، إلى أن قال: و اجتناب الكبائر و هى قتل النفس التّى حرّم الله تعالى و الزنا و السَّرقة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الفرار من الزَّحف و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الميتة و الدَّم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير الله به من غير ضرورة و أكل الربا بعد البيّنة و السُّحت و الميسر و هو القمار و البخس فى المكيال و الميزان و قذف المحصنات و الزنا و اللواط و اليأس من روح الله و الأمن من مكر الله و القنوط من رحمة الله و معونة الظالمين و الركون إليهم و اليمين الغَموس و حبس الحقوق من غير عسر و الكذب و الكبر و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاستخفاف بالحجّ و المحاربة لأولياء الله و الاشتغال بالملاهى و الإصرار على الذنوب.(1)

و استشكل فى سند الرواية بأنّ طرق الصدوق إلى الفضل بن شاذان فى عيون الأخبار ثلاثة، كما نصّ عليها فى خاتمة الوسائل.

الطريقة الأولى: هى عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابورى عن على بن محمد بن قتيبة النيسابورى عن الفضل بن شاذان النيسابورى.

الطريقة الثانية: هى الحاكم أبى محمد جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمّه محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان.

الطريقة الثالثة: هى حمزة بن محمد العلوى عن قنبر بن على بن شاذان عن أبيه عن الفضل بن شاذان.(2)

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، ج 15، ص 330-329، ح 33.

(2) الوسائل، ج 19، خاتمة الكتاب، ص 446.

و الطريق الأول مجهول لجهالة عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابورى و على بن قتيبة النيسابورى و الطريق الثانى مجهول لجهالة الحاكم أبى محمد جعفر بن نعيم و الطريق الثالث أيضا مجهول لجهالة حمزة بن محمد العلوى.

وأجيب عنه فى السند الأول بأنّ ترضية الصدوق كثيراما لعبد الواحد تدلّ على توثيقه، هذا مضافا إلى أنّ إكثار الرواية عنه دليل على أنّه من مشايخه. و يؤيّد ذلك ذكره الفاضل فى خاتمة قسم الثقات و قد عقدها لمن لم ينصّ على توثيقه على أنه فى طريق الرواية المتضمّنة لإيجاب ثلاث كفّارات على من أفطر على محرّم و قد وصفها علامة فى التحرير بالصحّة.

وقال فى محكىّ المسالك فى المسألة المذكورة: عبدالواحد بن عبدوس و إن لم يوثّق صريحاً لكنّه من مشايخ الصدوق المعتبر بين الذين أخذ عنهم الحديث.

وأيضا المحكى عن المقدّس التقى أنّه قال: ذكر الصدوق حديثا من طريقه فى العيون، ثم ذكر ذلك الخبر من طريق آخر، ثم ذكر أنّ حديث عبدالواحد عندى أصحّ‌، فهو توثيق له. و يظهر من كلام آخر له فيه أنّه كلّما ينقله فى كتبه سيّما فيه فهو صحيح فى آخر الجلد الأول من العيون و يذكر أنّه كلّما لم يصحّحه شيخه محمد بن الحسن فهو لايذكره فى مصنّفاته، انتهى. و استشكل عليه فى منتهى المقال: بأنّ قوله قدس سره هو توثيق فيه ما فيه، بل لا يظهر من قوله أصحّ مدح له مطلقا فتأمّل. و لعلّ ذلك من جهة أنّ الصدوق لا ينحصر مشايخه بالثقات و العدول، و الدعاء له لادلالة له على التوثيق.

ولقاتل أن يقول: إنّ إكثار الرواية عنه مع كثرة الترضية و كونه من مشايخ الصدوق يوجب حصول الاعتماد عليه و لم يصدر كثرة الترضية بالنسبة إلى غير الشيعة، كما لايخفى. و أمّا على بن محمد بن قتيبة فلاعتماد أبى عمر الكشّى عليه و كونه من

مشايخ الكشّى و قد أكثر النقل عنه؛ هذا مضافا إلى تصحيح العلّامة رحمه الله طريقين فى ترجمة يونس بن عبدالرحمن هو فيهما.

و ممّا ذكر يظهر ما فى المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام قدس سره، حيث قال: إنّ قول الصدوق (و هو حديث عبدالواحد عندى أصحّ‌) راجع إلى متن الرواية، فإنّها بطريقها الآخر مشتملة على بعض الزيادات المخالف للمذهب كمعصية الأنبياء و غير ذلك، مع أنّ تصحيح السند بهذا الاصطلاح لعلّه غير معهود عند الصدوق و أمثاله.

و تصحيح العلّامة لعلّه لقرائن دالّة على صحّة المتن، و لهذا حكى عن مختلفه تارة بأنّه: لايحضرنى حال عبدالواحد بن عبدوس، و أخرى: إن ثبت وثاقته صار الخبر صحيحا، و معه لايمكن الاعتماد على تصحيحه، و تكرّر نقل الصدوق و ترضيه لايفيدان شيئا يمكن الاتّكال عليه، انتهى.(1) و ذلك لما عرفت من كفاية كونه من مشايخه مع إكثار الرواية و ترضيته عنه فى حصول الوثوق به عرفا، هذا تمام الكلام فى الإشكال فى الرواية من جهة السند.

و هنا إشكال آخر من جهة الدلالة، و هو كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: أنّ الرواية بصدد بيان عدّ الكبائر لابيان حال كلّ كبيرة.

وبعبارة أخرى: أنها بصدد بيان العدّ لا المعدود حتى يؤخذ بإطلاقها، و هو نظير أن يقال: إنّ فى الشريعة واجبات: الصلوة و الصوم و الحجّ الخ، و فيها محرّمات: الربا و الكذب و السرقة الخ، حيث لا يمكن الأخذ بإطلاقه بالنسبة إلى كل واحد منها، فيدفع به الشكّ فى شرطيّة شيئ أو مانعيّته بالنسبة الى الصلوة و غيرها، أو بالنسبة إلى بعض المصاديق المشكوك فيه.

**

(1) المكاسب المحرّمة للإمام قدس سره، ج 2، ص 55.

أللّهمّ إلّا أن يقال: يكشف الإطلاق فيها من ذكر تقييدات فيهما كتقييد قتل النفس بالتى حرّم الله تعالى، و أكل مال اليتيم بقوله ظلما، و ما أهلّ لغير الله بغير ضرورة، و أكل الربوا ببعد البيّنة، و حبس الحقوق بغير عسر. فلولا كونها فى مقام البيان لاوجه لذكر القيود. فإن البيان على نحو العدّ، و الإهمال لايناسبه.

ويمكن أن يقال: إنّ ذكر تلك القيود انّما هو بتبع ورودها فى الكتاب الكريم، حيث قال: (وَ لاٰ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ‌) (1)، و قال: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلْيَتٰامىٰ ظُلْماً) (2) و قال: (إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ‌) إلى أن قال: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لاٰ عٰادٍ فَلاٰ إِثْمَ‌) .(3)

وقال بعد آية الربا: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ‌) (4) الخ، و قال فى حق الغريم: (وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ‌) (5)، و الشاهد عليه أنّ هذه القيود فى الموارد الخمسة وردت فى الرواية، فيكون ذكرها بتبع الكتاب لالكونه فى مقام البيان من جميع الجهات، إلّا أنّ يدّعى أنّ الإشارة إلى القيود المذكورة فى الكتاب أيضا دليل على كونه فى مقام البيان و فيه تأمل.

و الإنصاف أنّ الإتّكال عليها لإثبات كون الكذب فى الجملة كبيرة مشكل، فضلاً عن إثبات كونه كذلك بجميع مصاديقه.(6)

لقائل أن يقول: إنّ الإطلاق اللفظى و إن كان غير محرز فى أمثال هذه الرواية

**

(1) اسراء، 33.

(2) النساء، 11.

(3) البقرة، 173.

(4) البقرة، 275.

(5) البقرة، 280.

(6) المكاسب المحرمّة للإمام قدس سره، ج 2، ص 56-55.

ولكن يمكن الأخذ بالإطلاق المقامى، فإنّه بعد ملاحظة عدم ورود شيئ آخر فى الأدلّة الشرعية لتقييد الأمور المذكورة و من جملتها الكذب يستكشف أنها بإطلاقها موضوعة للأحكام، و هو المطلوب. هذا مضافاً إلى أنّ منع دلالتها على كون الكذب فى الجملة من الكبائر بعد تفسير الكبائر بأمور منها الكذب لا يخلو من غرابة.

و خبر الأعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام فى حديث شرايع الدين قال: و الكبائر محرّمة و هى: الشرك بالله و قتل النفس التى حرّم الله و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البيّنة و قذف المحصنات، و بعد ذلك الزنا و اللَّواط و السَّرقة و أكل الميتة و الدَّم و لحم الخنزير و ما أهلَّ لغير الله به من غير ضرورة و أكل السُّحت و البخس فى الميزان و المكيال و الميسر و شهادة الزور و اليأس من روح الله و الأمن من مكر الله و القنوط من رحمة الله و ترك معاونة المظلومين و الركون إلى الظالمين و اليمين الغَموس و حبس الحقوق من غير عسر و استعمال التكبّر و التجبّر و الكذب و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاستخفاف بالحجّ و المحاربة لأولياء الله و الملاهى الذى تصدّ عن ذكر الله، الحديث.(1)

والتقريب فيه كالتقريب المذكور فى الرواية المتقدّمة، أورد عليه بضعف السند لاشتمال سند الصدوق إليه على المجاهيل؛ هذا مضافا إلى ما أفاده الميرزا الشيرازى من معارضتها و هكذا الرواية السابقة لصحيحة عبدالعظيم بن عبدالله الحسنى، حيث لم يعدّ من الكبائر الكذب (مع أنه فى مقام بيان ذلك). و يمكن الجمع بأنّ المراد من الروايتين (أعنى خبر الأعمش و معتبرة الفضل بن شاذان) بيان ما يكون كبيرة فى الجملة و لو بالنسبة إلى بعض مصاديقه و من الصحيحة ما يكون كبيرة بجميع

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النَّفس، ج 15، ص 331، ح 36. الخصال، ج 2، ص 610-603.

مصاديقه، و حينئذٍ فلايبقى فى الروايتين دلالة على كون الكذب كبيرة، إلى أن قال: و يؤيّد ما ذكرنا أيضا عدّ خصوص اليمين و شهادة الزور فى تلك الرواية من الكبائر إذ مع كون مطلق الكذب من الكبائر لا وقع لعدّ خصوص هذين الفردين منه فى الكبائر.(1)

و أجاب عنه سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، حيث قال: و فيه مضافا إلى أنّ الجمع المذكور ليس جمعا عقلائيا رافعا للتعارض، و إلّا لصحّ الجمع بين قوله: أكرم العلماء و لاتكرم العلماء، بحمل الأول على القرشى و الثانى على غيره، فلاوجه و لا شاهد لحمل الكبائر فى مورد على قسم منها و فى مورد آخر على قسم آخر مع وحدة اللفظ و المقام إنّ ما ذكره غير تامّ لأنّ الصحيحة مشتملة على ما لايكون بجميع مصاديقه محرّمة فضلا عن كونه كبيرة كالربا، فإن كثيرا من مصاديقه جائز (تأمّل)، و غير مشتملة على ما يكون كبيرة بجميع مصاديقه كالقمار و اللواط و السرقة و التعرُّب بعد الهجرة و القنوط من رحمة الله و الاستخفاف بالحجّ و غيرها، فلايتمّ ما ذكره من الجمع مع أنّ الظاهر من سؤال عمرو إرادة معرفة الكبائر من كتاب الله فتصدّى أبوعبدالله عليه السلام لذكر ما تكون كذلك فى كتاب الله حتّى يوافق جوابه لمسئوله و ما لايكون كتاب الله دالّاً على كونها كذلك لامجال لذكرها لعدم إمكان معرفتها منه، و لعلّ ذكر ترك الصلاة و الفرائض لأهمّيّتها و إن لم يدلّ الكتاب على كونها كبيرة.

و الظاهر أنّ المراد بالفرائض غير مطلق الواجبات، بل من قبيل الحجّ و الزكاة و الصَّوم و نحوها من الأصول.

نعم، يبقى سؤال و هو: ما وجه عدم ذكر بعض الكبائر التى دلّ الكتاب على كونه كبيرة‌؟ كالميسر الذى فيه إثم كبيرٌ، و اللواط الذى سمّاه فاحشة و عذّب قوما به، و

**

(1) تعليقة الميرزا الشيرازى، ص 125-124.

النقص فى المكيال و الميزان؛ قال (الله): (وَ لاٰ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيٰالَ وَ اَلْمِيزٰانَ إِنِّي أَرٰاكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ عَذٰابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) (1)، و الافتراء على الله تعالى، إلى غير ذلك.

و يمكن أن يقال: إنّ عمرو بن عبيد اختنقه البكاء و لم يتمالك نفسه، فخرج صارخا من بكائه قبل أن يتمّ أبوعبدالله عليه السلام عدَّ الكبائر؛ و لعلَّ فيها إشعارا بذلك، حيث قال فيما قال: و قطيعة الرحم لأن الله عزّوجلّ يقول: (لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدّٰارِ) (2). قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه(3). و ليس فيه ما يدلّ على سكوت أبى عبدالله عليه السلام و إتمام كلامه، فلايمكن استفادة الحصر بالمذكورات فيها مع الاحتمال المذكور الذى لايبعد إشعار الرواية به.

وأمّا ما جعله مؤيداً لمرامه من عدّ خصوص اليمين و شهادة الزور فيها، ففيه مضافا إلى أنّ اليمين ليس من الإخبار بل إنشاء و حرمته بعنوانه غير حرمة الكذب، و إنّما يقال: الإيمان الكاذبة باعتبار متعلّقها، فلا وجه لجعله مؤيّدا إنّ اختصاص ذكره و ذكر شهادة الزور التى هى من كتمان الشهادة أيضا لأجل استفادة حكمهما من كتاب الله و قد أراد السائل معرفة الكبائر منه.

نعم، لو قلنا باستفادة كون مطلق الكذب كبيرة من الكتاب يتوجّه السؤال عن وجه اختصاصهما بالذكر. و يمكن أن يكون لأجل اختصاصهما به فى الكتاب. و أمّا عدم ذكر الكذب المطلق فيها كعدم ذكر كثير من الكبائر و قدمرّ ما يمكن أن يكون وجهاً له.(4)

و لقد أفاد و أجاد فتحصّل أنّه لا معارض لما يدلّ على حرمة الكذب و كونه

**

(1) هود، 84.

(2) الرعد، 25.

(3) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، ح 2.

(4) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 59-57.

معصية كبيرة، و قد عرفت دلالة معتبرة الفضل بن شاذان و خبر الأعمش على أنّ الكذب من المعاصى الكبيرة فى الجملة خصوصا مع ضميمة الإطلاق المقامى، فإنّ مقتضاه هو حرمة الكذب مطلقا، و يؤيّده ذكر المسوّغات كما سيأتى بيانها إن شاء الله تعالى، فإنّه يناسب كون الكذب محرّما مطلقا و يكون المسوّغات واردة موارد الاستثناء.

و موثّقة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: إنّ الله عزّوجلّ جعل للشرّ أقفالا و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شرّ من الشراب.(1) بدعوى أنّ مقتضى كون الكذب شرّاً من الشراب حرمته و كونه من الكبائر، و إلّا لم يكن شرّاً منه، و حيث أنّ الشراب معصية كبيرة يكون الكذب كذلك.

أورد عليه: بأنّ من المعلوم عدم أشدّيّة مطلق الكذب من الشراب. أترى أنّه لو دار الأمر بين الكذب و الشرب أيحتمل أحد تقديم الشرب على الكذب. و منه ظهر ضعف الاستدلال بما جعله مقابلا لسبعين زنية أهونها من زنى بأمّه، فإنّ من المعلوم عند المتشرّعة أنّ الكذب أهون من أىّ زنية فرضت، بل و من أىّ جماع محرّم نظير الجماع حال الحيض.

وكذا يمكن بذلك الاستشكال فى الاستدلال بما جعله من أكبر الكبائر فى رديف عقوق الوالدين و الشرك بالله تعالى، حيث أنّ من الواضح عند المتشرّعة بحيث يمكن دعوى إجماعهم عليه عدم بلوغ حرمة الكذب إلى هذه المرتبة، فيعلم من ذلك أنّ المراد ليس مطلق الكذب، بل بعض افراده المنضمّ إلى ما يوجب شدّته، و إنّما أطلق حرصا على الترهيب و المنع عن ارتكابه، فإنّه لكونه محلّاً للابتلاء الغالبى محتاج إلى

**

(1) الوسائل، الباب 138 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 244، ح 3.

زيادة تأكيد مؤثّر فى المنع و الاجتناب(1). و عليه فلايستفاد منه حرمة جميع أفراد الكذب فضلا عن كونه كبيرة كما لايخفى.

و يحتمل أن يكون معنى قوله: و الكذب شرّ من الشراب أنّ الكذب شرّ ناش من الشراب و تكون «من» نشوية، و عليه فالحديث يدلّ على كون الكذب شرّاً باعتبار كونه حاصلا من الشراب. ولكنّه بعيد عن المتفاهم العرفى لظهور «من» فى أمثال هذا التركيب فى التفضيل؛ هذا مضافا إلى أنّ الحاصل من الشراب ليس شرّاً منه، بل هو محكوم بحكمه.

و يحتمل أن يكون المراد من «أنّ الكذب شرّ من الشراب»، أو «أنّ الغيبة أشدّ من الزنا» و نحوهما بيان مفسدة الكذب أو الغيبة فى نفسهما لولا مزاحمة شيئ آخر، و إلّا فمع المزاحمة يختار الكذب على شرب الخمر أو الغيبة على الزنية لأشدّية شرب الخمر أو الزنية و أقلّية مفسدة الكذب بالارتكاز.

وفيه: إنّ لازم هذا أن يقال: إنّ الكذب فى نفسه يكون شرّاً ولكن بملاحظة الشراب لايكون كذلك، و هكذا الغيبة فى نفسها تكون أشدّ ولكن بملاحظة الزنا ليست كذلك. و هو خلاف ظاهر موثّقة محمد بن مسلم و نحوها، فإنّها تدلّ على شرّية الكذب عند مقايسته مع شرب الخمر، و هكذا يدلّ قوله: إنّ الغيبة أشدّ من الزنا على شرّية الغيبة عند مقايستها مع الزنا، و الاحتمال المذكور خلاف الظاهر و يفيد العكس.

ويحتمل أن يكون معنى «أنّ الكذب شرّ من الشراب» من جهة أنّ المفاسد المترتّبة على الكذب لا يقاس بالمفاسد المترتّبة على الخمر، لا بمعنى أنّ كلّ كذب كذلك، بل

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 143-142.

بمعنى ملاحظة الطبيعتين فى الجامعة البشرية فمقنّن القوانين لجميع عائلة البشر إذا نظر إلى الكذب و مفاسده بنحو الوجود السارى و إلى الخمر و مفاسدها كذلك يرى أنّ مفاسد الكذب أكثر و أعظم، لأنّ جميع الأديان الباطلة انما حدثت و انتشرت بالكذب، و الكذب الواحد قد ينتهى إلى خراب البلدان و قتل النفوس الزكيّة و انتهاك حرمات عظيمة.

أورد عليه سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره بعد ذكر هذا الاحتمال بقوله: لكن على هذا الاحتمال لايمكن إثبات حرمة الخمر بهذه الرواية، فضلا عن كونها كبيرة، فضلا عن إثبات حرمة الكذب أو كونه كبيرة فى الجملة، فضلا عن جميع مصاديقه؛ و ذلك لأنّ تلك المفاسد لو كانت مترتّبة على الخمر أو على الكذب و لو بنحو المسبّبيّة و المعلوليّة لما توجب حرمتهما لما قرّر فى محلّه من عدم حرمة مقدّمة الحرام و إن كانت علّة تامة، فضلا عما إذا لم تكن كذلك كما فى المقام، فإنّ الخمر ليست علّة تامة لما ذكر، بل تكون رافعة للموانع (أى القوّة العاقلة و الحياء و الشرف و الخوف من الله و عزّ النفس و عظمتها و طلب الكمال)، و كذا الكذب و إن كان بعض مصاديقه داعيا إلى إتيان المحرّم لكن لا يكون علّة تامة له.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ المقصود بالرواية أنّ الخمر صارت محرّمة لأجل تلك المفاسد، لالكون سبب المحرّم محرّما، بل كونها مفتاحاً لأقفال الشرور صار نكتة لجعل التحريم القانونى على جميع مصاديقها و للتوعيد عليها بالعذاب فصارت كبيرة، و لمّا كان الكذب شّراً منها تكون شرّيته نكتة لجعل الحرمة على جميع مصاديقه و لكونه كبيرة.

إلّا أن يناقش فيه بأنّ تلك المفاسد لو كانت علّة للحرمة و كونها كبيرة لكان لما ذكر وجه، لأنّ المعلول تبع لعلّته فى التحقّق و الشدّة و الضعف و الكمال و النقص، لكنّه احتمال فاسد لعدم دوران الحرمة مدارها، بل عدم دوران كون الخمر كبيرة مدارها كما لا يخفى.

وأمّا إذا كانت المفاسد نكتة الجعل فلابدّ فى إثبات مقداره و كيفيتّه من دليل، أمّا فى الخمر فيظهر من جملة من الروايات أنّ جميع مصاديقها كبيرة قليلها و كثيرها، و أنّ نكتة ذلك هى ما تترتّب عليها من المفاسد كصيرورة العبد بحال لايعرف ربّه و صيرورته مشركا و غيرذلك.

و لادليل على أنّ الكذب إذا كان ببعض مصاديقه شرّا من الشراب بالمعنى المتقدّم صار ذلك علّة لجعل الحكم على جميع مصاديقه على نحو القانونيّة، بل لعلّ شرّيته صارت موجبة لجعله على خصوص ما يترتّب عليه ذلك لا مطلقا، إلى أن قال: فلايستفاد حرمة جميع مصاديقه أو كونه كبيرة من الرواية على هذا الاحتمال.(1)

وفيه أولاً: أنّه يمكن القول بسببيّة الكذب للمفسدة بناء على المقدّمة الموصلة، و عليه تكون حرمة المقدّمة الموصلة حرمة شرعية؛ وثانياً: أنّ المفاسد المترتّبة على طبيعة الكذب إذا كانت نكتة الحكم فلا مانع من أن يحكم بحرمة جميع مصاديق الكذب لا بعض مصاديقه؛ وثالثاً: أنّ كون الكذب شرّاً من شرب الخمر مع أنّ الخمر بجميع مصاديقها محرّمة يكون ظاهرا فى أنّ الكذب يكون كالخمر فى ذلك.

ورابعاً: أنّ الظاهر من صحيحة عبدالله بن العبّاس، حيث قال صلى الله عليه وآله و سلم: فلعنة الله على الكاذب و إن كان مازحاً(2) و غيرها أنّ الكذب بجميع مصاديقه يكون محرّما و كبيرة. هذا كلّه بالنسبة إلى دلالة الحديث، و قد عرفت تماميّة دلالته على حرمة الكذب و كونها كبيرة.

و أما السند، فقد يقال: إنّه ضعيف من جهة عثمان بن عيسى لعدم توثيقه، ولكنّه محلّ نظر، لأنّ صفوان نقل عنه، هذا مضافا إلى عدّ جماعة إيّاه من أصحاب الإجماع.

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 62-59.

(2) المستدرك، الباب 49 من أبواب جهاد النفس، ج 11، ص 372، ح 11.

فيتحصّل مما تقدّم: أنّ الكذب مطلقا معصية كبيرة بالكتاب و الإجماع و الضرورة و الأخبار. نعم، يختلف درجات الكبيرة باختلاف موارد الكذب، و لعلّه لذلك كلّه كما أفاد الشيخ الأعظم قدس سره أطلق جماعة كالفاضلين و الشهيد الثانى فى ظاهر كلماتهم كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتّب على الخبر الكاذب مفسدة و أن لايترتّب عليه شيئ أصلاً.

ومما ذكر يظهر ما فى مصباح الفقاهة من أنّ الإطلاقات المتقدّمة لا تنهض لإثبات المطلوب، إمّا لضعف السند فيها أو لضعف الدلالة. و التحقيق أنّه لا دليل على جعل الكذب مطلقاً من الكبائر.(1)

و كيف كان، ففى قبال الأدلة المتقدّمة أخبار أخر يستدلّ بها على عدم كون الكذب على الإطلاق من الكبائر.

منها: معتبرة أبى خديجة عن أبى عبدالله عليه السلام قال: الكذب على الله و رسوله من الكبائر(2)، بدعوى أنّه ظاهر فى اختصاص الكبيرة بهذا الكذب الخاص لأنّه فى مقام التحديد فيقيّد به المطلقات الدالّة على كون الكذب بمطلقه من الكبائر.

وفيه كما أفاد سيّدنا الإمام قدس سره: أنّه لا دلالة له على عدم غيره من الكبائر، لأنّ نكتة اختصاصها بالذكر بعد أهميّة الموضوع لعلّها كثرة القالة على رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم. و توهّم أنّه فى مقام التحديد كما ترى(3). و قال الشيخ الأعظم قدس سره أيضا: يمكن حملها على كون هذا الكذب الخاص من الكبائر الشديدة العظيمة، و لعلّ هذا أولى من تقييد

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 387.

(2) الوسائل، الباب 139 من أبواب العشرة، ج 12، ص 248، ح 3.

(3) المكاسب المحرّمة للإمام قدس سره، ج 2، ص 74.

المطلقات المتقدّمة.(1) و لعلّ وجه الأولوية هو عدم دليل على كونه فى مقام التحديد.

ومنها: صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: الكذّاب هو الذى يكذب فى الشيئ‌؟ قال: لا، ما من أحد إلّا يكون ذاك منه ولكن المطبوع على الكذب.(2) و كيف كان، فهذه الرواية تدلّ بقوله: ما من أحد إلخ على أنّ كلّ أحد و إن كان مؤمنا يبتلى بالكذب، ولكن الكذّاب هو المطبوع و المجبون عليه، أو الذى صار الكذب ملكة له، فالكذب من اللمم الذى يصدر من كلّ أحد لا من الكبائر، فيخالف هذه الرواية ما دلّ على أنّ مطلق الكذب من الكبائر، أللّهمّ إلّا أن يقال كما فى إرشاد الطالب: لم يظهر منها كون مجرّد الكذب لمماً أو صغيرة حتى يوجب التقييد فى إطلاق ما دلّ على كونه من الكبائر.

بل ظاهرها: أنّ مجرّد الكذب أمر يبتلى به عامّة الناس، فلايجرى على الإنسان بمجرّده ما ذكر فى حقّ الكذّاب فى مثل قوله سبحانه: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ‌) (3)، حيث أنّ إعراض الله عن إنسان و اضلاله مجازاة لايترتّب على مجرّد الكذب، بل على من يكون مطبوعا عليه، بحيث لو أراد أن يخبر فيكذب و هذا لا ينافى كون الكذب مطلقا من الكبائر.(4)

ومنها: مرسلة سيف بن عميرة عمّن حدّثه عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان على بن الحسين عليهما السلام يقول لولده: اتّقوا الكذب الصغير منه و الكبير فى كلّ جدّ و هزل، فإنّ الرجل إذا كذب فى الصغير اجترأ على الكبير، أما علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال: ما

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 50.

(2) الوسائل، الباب 138 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 245، ح 9.

(3) غافر، 28.

(4) إرشاد الطالب، ص 230.

يزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله صدّيقا، و ما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه الله كذّابا.(1)

قال سيّدنا الامام المجاهد قدس سره: لا دلالة لها على المطلوب، بل و لا إشعار فيها به، لأنّ الاجتراء على المعصية الكبيرة بارتكاب الصغيرة طبيعىٌّ للنفس فأشار فى الرواية إليه. و التعليل صحيح موجّه بعد كون المحرّمات ذات مراتب؛ نعم، لولا كونها كذلك لكان لما ذكر وجه.(2)

و لايخفى عليك أنّ المقصود من الصغير و الكبير فى الرواية هو الصغير و الكبير من الأمور، لا أنّ ذنب الكذب ينقسم بالصغير و الكبير. و من المعلوم أنّ الاجتراء على الكذب فى الكبير من الأمور يحصل بارتكاب الكذب فى الصغير من الأمور، و هذا أمر واضح. و كيف كان، لايدلّ ذلك على عدم حرمة الكذب أو عدم كونه كبيرة حتّى يعارض ما سبق من الأدلّة الدالّة على حرمة الكذب و كونه كبيرة، هذا مضافا إلى ضعف الرواية سندا.

ومنها: صحيحة عبدالعظيم الحسنى عليه السلام المسوقه لبيان تعداد الكبائر الساكتة عن الكذب، فإنّ المستفاد منها أنّ الكذب بما هو كذب ليس من الكبائر ما لم ينضمّ إليه أمر آخر؛ و منها ما يترتّب على متعلّقه من المفاسد.(3)

و قد عرفت أنّ الصحيحة المذكورة لم يستقص جميع الكبائر كما يدلّ عليه عدم ذكر ترك الحجّ و عدم ذكر اللواط و غيرهما. و لعلّ الوجه فى عدم ذكر جميع الكبائر فيها بعد قول السائل: أحب ّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله هو خروج السائل و هو عمرو بن عبيد عن المجلس قبل تمام كلام الإمام عليه السلام و له صراخ من بكائه و هو

**

(1) الوسائل، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 250، ح 1.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ص 79-78.

(3) بلغة الطالب، ج 1، ص 144.

يقول: هلك من قال برأيه و نازعكم فى الفضل و العلم.

و من المعلوم أنّ المجلس الذى لم يتمّ لايدلّ على حصر الكبائر فى المذكور فيها، بل مع احتمال كون خروجه قبل تمامية المجلس لايدلّ على حصر الكبائر فضلا عن ظهور الرواية فى ذلك.

وينقدح مما تقدّم أنّ الكذب فى نفسه معصية كبيرة شرعا بإطلاق الأخبار المذكورة و لو لم يترتّب على متعلّقة المفاسد؛ هذا مضافا إلى إمكان تأييدها بأخبار كثيرة و لو لم تكن صحيحة.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: ثمّ إنّ الظاهر وجود الإطلاق و العموم فى أخبار كثيرة ربّما توجب كثرتها الاطمينان و الوثوق بصدور بعضها إجمالا، فلاينظر إلى ضعف أسانيدها، كرواية وصيّة النبى صلى الله عليه وآله و سلم لأبى ذرّ رضى الله عنه و فيها: و لا يخرجن ّ من فيك كذبة أبدا، قلت: يا رسول الله! فما توبة الرجل الذى يكذب متعمّدا؟ قال: الاستغفار و صلوات الخمس تغسل ذلك؛ إلى أن قال: و رواية عيسى بن حسّان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كلّ كذب مسؤول عنه إلّا كذبا فى الثلاثة. و نحوها رواية الطبرسى عنه عليه السلام و لعلّهما واحدة.

وعن جعفر بن أحمد القمّى عن أحمد بن الحسين بإسناده عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث: و الكذب كلّه إثم إلّا ما نفعت به مؤمنا إلخ.

و عن الطبرسى نحوه. و عن جامع الأخبار عن الصادق عليه السلام: الكذب مذموم، و فى دلالتها إشكال. و فى رواية أبى إسحاق الخراسانى قال: كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: إيّاكم و الكذب الخ. و فى رواية الحسن الصيقل عن أبى عبدالله عليه السلام: إنّ الله أحبّ‌، إلى أن قال: و أبغض الكذب فى غير الصلاح.

و فى رواية أنس المتقدّمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: المؤمن إذا كذب لعنه سبعون ألف

ملك الخ. و عن فقه الرضا: و إيّاكم و الكذب فإنّه لايصلح إلّا لأهله. و عن علىّ عليه السلام: الكذب أقبح علّة. و عنه عليه السلام: لاسوءة أسوء من الكذب. وعنه عليه السلام أوصانى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم حين زوّجنى فاطمة، فقال: إيّاك و الكذب فإنه يسوّد الوجه. و عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال: و اجتنبوا الكذب و إن رأيتم فيه النجاة، فإنّ فيه الهلكة. و عنه صلى الله عليه وآله و سلم: إيّاكم و الكذب فإنّه من الفجور و إنّهما فى النار.

و قد مرّ فى الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: و لعنة الله على الكاذب و إن كان مازحا، إلى غير ذلك. فلاينبغى الإشكال فى حرمته مطلقا إلّا ما استثنى.(1)

فتحصّل: أنّ الكذب عند الشرع معصية كبيرة و إن لم يترتّب عليه مفسدة و ذلك لإطلاق الأدلّة الشرعية.

الأمر الثالث: فى حرمة خلف الوعد

اشارة

الأمر الثالث: فى حرمة خلف الوعد، و قد عرفت فى الأمر الأول حقيقة الوعد و أنّه من باب الإنشاء نظير النذر و العهد فقولك. علىّ أن أفعل كذا كقولك: لله علىّ أن أفعل كذا. و من المعلوم أنّ الجمل الإنشائية لاتتّصف بالصدق و لا بالكذب بالمعنى المتعارف لأنهما من أقسام الخبر، و عليه فخلف الوعد ليس بحرام من جهة حرمة الكذب بمعناه المتعارف.

قال الشيخ الأعظم قدس سره فى ذيل قوله عليه السلام: «لايعدنَّ أحدكم صبيّه ثمّ لايفى به»: إنّ المراد به النهى عن الوعد مع إضمار عدم الوفاء و هو المراد ظاهرا بقوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌) (2)، بل الظاهر عدم كونه كذبا حقيقيا و أنّ إطلاق الكذب عليه فى الرواية لكونه فى حكمه من حيث الحرمة، أو لأنّ الوعد مستلزم للإخبار

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 80-79.

(2) الصف، 3.

بوقوع الفعل، كما أن سائر الإنشاءات كذلك. و لذا ذكر بعض الأساطين أنّ الكذب و إن كان من صفات الخبر إلّا أنّ حكمه يجرى فى الإنشاء المنبئ عنه كمدح المذموم.

إلى أن قال: و كيف كان، فالظاهر عدم دخول خلف الوعد فى الكذب لعدم كونه (خلف الوعد) من مقولة الكلام؛ نعم، هو كذب بمعنى جعله (أى الوعد) مخالفا للواقع، كما أنّ إنجاز الوعد صدق له بمعنى جعله مطابقا للواقع، فيقال: صادق الوعد و وعد غير مكذوب. و الكذب بهذا المعنى ليس محرّما على المشهور و إن كان غير واحد من الأخبار ظاهرا فى حرمته (أى خلف الوعد) و فى بعضها الاستشهاد بالآية المتقدّمة.(1)

والمستفاد من كلامه قدس سره أمور:
أحدها: المنهى هو الوعد مع اضمار عدم الوفاء

أحدها: أنّ المنهىَّ هو الوعد مع إضمار عدم الوفاء فى السنّة بقوله عليه السلام: لايعدنَّ أحدكم صبيّه ثمّ لايفى به. و فى الكتاب بقوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌) (2). والظاهر منهما هو حرمة القول بلا عزم على العمل لا وجوب العمل بالقول، فلايجوز الوعد لمن لايفى بوعده، لا أنّه بعد الوعد يجب الوفاء به.

وثانيها: ان حرمة الوعد ليست من جهة الكذب

وثانيها: أنّ حرمة الوعد مع إضمار عدم الوفاء ليست من جهة كون الوعد كذبا حقيقيّاً، لأنّ الوعد من مقولة الإنشاء و لامجال للصدق و الكذب فى نفس الإنشاء.

وثالثها: وجه حرمة الوعد

وثالثها: أنّ حرمة الوعد المذكور إمّا من ناحية إلحاق الوعد المذكور فى الكتاب و السنّة بالكذب حكما فيكون كالكذب فى الحرمة، أو من ناحية استلزام الوعد المذكور للكذب من جهة أنّ مقتضى الوعد المذكور هو الإخبار بأنّى أعزم على كذا أو أفعل كذا، فإذا ضمّ إليه إضمار عدم الوفاء كان الإخبار الذى يكون لازما للوعد كذبا.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 50.

(2) الصف، 3.

ورابعها: مقولة خلف الوعد

ورابعها: أنّ خلف الوعد أيضا ليس بكذب لعدم كون الخلف من مقولة الكلام، و الكذب و الصدق من أصناف الخبر و هو من الكلام. نعم، هو كذب بمعنى جعل الوعد مخالفا للواقع، كما أنّ إنجاز الوعد صدق بمعنى جعله مطابقاً للواقع. والكذب بهذا المعنى ليس بمحرّم على المشهور، و إن كان غير واحد من الأخبار ظاهرا فى حرمته (لقيام السيرة القطعيّة على خلافها، و سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى).

فتحصّل أنّ نفس الوعد إنشاء و خلفه ليس من مقولة الكلام، و المحرّم هو الإخبار الملازم بوجود العزم على كذا و كذا، أو الإخبار الملازم بوقوع كذا و كذا مع العزم على عدمه أو مع العلم بعدم وقوعه، و الإخبار على أىّ تقدير ليس بوعد، بل هو ملازم معه لأنّ الوعد إنشاء لا إخبار كما لايخفى.

و عليه فاللازم هو التفكيك بين نفس الوعد و ما يستلزمه من الإخبار فنفس الوعد ليس بمحرّم، بخلاف ما يستلزمه من الإخبار، فإنّه كذب فيما إذا عزم على العدم أو علم بعدم وقوعه. نعم، لو عزم على الفعل و اعتقد بوقوعه و وعد و أخبر بوقوعه، ثمّ انصرف لم يفعل محرّما و لايجب عليه جعل خبره صادقا بفعله فى المستقبل لعدم كونه مشمولا لدليل حرمة الكذب و لو اتّصف خبره السابق بالكذب بعد ترك الفعل.

قال فى إرشاد الطالب: و الدليل على ذلك أنّ ظاهر الدليل هو حرمة جعل الكذب و إيجاده بمفاد كان التامة لاجعل الخبر الصادر سابقا كاذبا.(1)

و مما ذكر يظهر ما فى مصباح الفقاهه، حيث جعل الأخبار المستلزمة من أقسام الوعد و قال: القسم الثالث: أنّه هو إخبار المتكلّم عن الوفاء بأمر مستقبل كقوله: أجيئك غدا أو أعطيك درهما بعد ساعة أو أدعوك إلى ضيافتى بعد شهر، و هذه

**

(1) إرشاد الطالب، ص 231.

جمل خبريّة بالحمل الشايع، ولكنّها مخبرة عن أمور مستقبلة كسائر الجمل الخبريّة الحاكية عن الحوادث الآتية. و لا شبهة فى اتّصاف هذا القسم من الوعد بالصدق و الكذب، فإنّها عبارة عن موافقة الخبر للواقع و عدم موافقته له من غير فرق بين أنواع الخبر، و هو واضح.(1)

مع وضوح أنّ الوعد من الإنشاءات و الأخبار المذكورة من لوازم الوعد و ليست بنفسها من الوعد، و إطلاق الوعد عليها باعتبار ملزومها مجاز كما لايخفى، و تلك الأخبار تكون كذبا و لو لم تكن مسبوقة بالوعد إذا كانت مخالفة للواقع، فلاتغفل.

و قد انقدح مما تقدّم أنّه لا دليل على حرمة خلف الوعد الإنشائى من ناحية الكذب لاختصاص الكذب بالخبر و خلف الوعد الإنشائى ليس من مقولة الكلام و الخبر، كما أنّ جعل الوعد مخالفا للواقع لادليل على حرمته؛ نعم، هنا روايات أخرى تدلّ على وجوب الوفاء بالوعد و حرمة مخالفته و هى كثيرة.

منها: صحيحة شعيب العقرقوفىّ عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليف إذا وعد.(2)

ومنها: صحيحة هشام بن سالم قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: عدة المؤمن اخاه نذر لاكفّارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ و لمقته تعرّض و ذلك قوله: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌) .(3) صدر الرواية يدلّ على وجوب الوفاء و حرمة الخلف لتنزيله منزلة النذر. و ذيله يدلّ على حرمة الوعد لمن لا يريد

**

(1) راجع مصباح الفقاهة، ج 1، ص 390.

(2) الوسائل، الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 165، ح 2.

(3) الصف، 3-2. الوسائل، الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 165، ح 3.

الوفاء بوعده، لأنّه بعد الوعد يجب عليه الوفاء، و عليه يحمل الخلف على ما إذا لم يرد الوفاء من أوّل الأمر أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ لقوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌) مصداقين: أحدهما: هو أن يعد و لم يعزم على الوفاء. و ثانيهما: هو أن يعد و عزم ولكن يخالف بعد ذلك، فالنهى فى الصورة الثانية عن عدم الوفاء، لانفس الوعد.

ومنها: ما عن نهج البلاغة فى عهد أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الأشتر: و إيّاك و المنّ على رعيّتك باحسانك أو التزيّد فيما كان من فعلك، و أن تعدهم فتتّبع موعودك بخلفك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و التزيّد يذهب بنور الحقّ‌، و الخلف يوجب المقت عند الله و عند الناس؛ قال الله سبحانه: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌) (1). و التقريب فيه كالتقريب المذكور فى صحيحة هشام بن سالم.

ومنها: الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه على بن الحسين عن أبيه عن على بن أبى طالب أنّه قال: ما اُبالى أخلفت موعدا أو زرت زائرا بغير حاجة. (و فى الحاشية هكذا كان الأصل، و الظاهر أنّه مصحّف أو رددت كما لايخفى)(2).

ومنها: ما عن نزهة الناظر عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أنّه قال: اكفلوا لى ستّاً أكفل لكم بالجنّة: إذا تحدّث أحدكم فلايكذب و إذا وعد فلايُخلف.(3) و لعلّه أنسب بالحكم الأخلاقى إذ تكفّل الجنّة لايلازم الوجوب، كما ورد: «من زار فاطمة بقم فله الجنّة»، و من المعلوم أن زيارة فاطمة عليها السلام بقم ليست بواجبة.

ومنها: معتبرة سماعة بن مهران عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال: من عامل الناس فلم

**

(1) المستدرك، الباب 92 من أبواب العشرة، ج 8، ص 459، 460، ح 6.

(2) المستدرك، الباب 92 من أبواب العشرة، ج 8، ص 459، ح 5.

(3) المستدرك، الباب 92 من أبواب العشرة، ج 8، ص 460، ح 9.

يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته و كملت مروّته و ظهر عدله و وجبت أخوّته.(1)

قال العلّامة المجلسى، يدلّ على أنّ من أخلف الوعد تجوز غيبته و معلومٌ أنّه ليس تجويز الغيبة هنا إلّا من جهة الفسق. فإن قيل: المترتّب على هذه الصفات أربعة أمور مفهومه أنّ مع عدم كلّ من تلك الخصال لاتجتمع تلك الأربعة، فلعلّ ذلك بانتفاء أمر آخر سوى حرمة الغيبة.

قلت: الظاهر من العطف استقلال كلّ فى الحكم، كما إذا قلت: جاء زيد و عمرو، كان بمنزلة قولك: جاء زيد و جاء عمرو، و كون الواو بمعنى «مع» نادر. ثمّ اعلم أنّه لابدّ من تقييد الخبر بما إذا لم يرتكب ساير الكبائر، بل المقصود فى الخبر إفادة المفهوم لاالمنطوق، فافهم.(2)

ومنها: خبر يزيد الصايغ، قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: رجل على هذا الأمر ان حدّث كذب و إن وعد أخلف و إن ائتمن خان، ما منزلته‌؟ قال: هى أدنى المنازل من الكفر و ليس بكافر،(3) بناءً على أنّ الظاهر من العطف استقلال كلّ شرط و جزاء فى السببيّة للجواب الذى أفاده الإمام عليه السلام، و إلّا فالمجموع سبب، لا كلّ واحد من الشرط و الجزاء، و معه لامجال لاستفادة حرمة خلف الوعد بوحدته لاحتمال دخالة مجموع الجمل الشرطية فى ذلك.

ومنها: خبر عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: ثلاثٌ‌

**

(1) الوسائل، الباب 152 من أبواب العشرة، ج 12، ص 279، ح 2.

(2) مرآة العقول، ج 11، ص 26-25.

(3) اصول الكافى، ج 2، ص 290، ح 5.

من كنّ فيه كان منافقا و إن صام و صلّى و زعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، و إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف. إنّ الله عزّوجلّ قال فى كتابه: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْخٰائِنِينَ‌) (1) و قال: (أَنَّ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَيْهِ إِنْ كٰانَ مِنَ اَلْكٰاذِبِينَ‌) (2)، و فى قوله عزّوجلّ‌: (وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتٰابِ إِسْمٰاعِيلَ إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ اَلْوَعْدِ وَ كٰانَ رَسُولاً نَبِيًّا) (3). و فى دلالته تأمّل، إذ تعريف إسماعيل (على نبينا و آله و عليه السلام) لايدلّ على وجوب الاتّصاف بهذا الوصف الممدوح؛ هذا مضافا إلى اختصاص قوله عزّوجلّ‌: (أَنَّ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَيْهِ إِنْ كٰانَ مِنَ اَلْكٰاذِبِينَ‌) باللعان، فلايعمّ غير هذا المورد.

هذا مضافا إلى الأدلّة الدالّة على وجوب الوفاء بالعهد و الشرط. قال العلّامة المجلسى قدس سره: و يستفاد من عموم كثير من الآيات أيضا ذلك (أى حرمة خلف الوعد)، نحو قوله سبحانه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلاً) (4). و يشمل بعمومه أو إطلاقه عهود الخلق أيضا، و العهد و الوعد متقاربان. و قوله: (وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا) (5)، انتهى.

وفيه: أنّ الأمر بالعهد مع عدم كون المراد عهدا خاصّاً يدلّ بإطلاقه على وجوب الوفاء بالوعد، و أما التعريف بمثل قوله (اَلْمُوفُونَ‌) الآية، فلا يدلّ على الوجوب و اللزوم.

قال العلّامة المجلسى: و روى الصدوق فى الخصال بإسناده عن عنبسة بن مصعب قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد فيه رخصة: برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين، و الوفاء بالعهد للبرّ و الفاجر، و أداء الأمانة للبرّ و الفاجر.

**

(1) الأنفال، 58.

(2) النور، 7.

(3) مريم، 54. اصول الكافى، ج 2، ص 291، ح 8.

(4) الإسراء، 34.

(5) البقرة، 177.

و يؤيّدها أيضا أخبار كثيرة، كما روى الكلينى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: إذا قال الرجل للرجل هلمّ أحسن بيعك يحرم عليه الربح.

و قد ورد فى أخبار صحيحة و غير صحيحة: المسلمون عند شروطهم إلّا ما خالف كتاب الله، و ليس فيها التقييد بكونها ضمن العقد.

و كذا ما روى الشيخ فى التهذيب بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبى جعفر عن أبيه عليهما السلام أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف به، فإنّ المسلمين عند شروطهم إلّا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما، انتهى.(1)

لايقال: إنّ الشرط ظاهر فى غير الوعد فالتمسّك بقوله صلى الله عليه وآله و سلم: «المؤمنون عند شروطهم» أجنبى عن المقام.

لأنّا نقول: إنّ الشرط بمعنى الالتزام، و الوعد أيضا هو الالتزام، فلاوجه لمنع شمول الشرط للوعد و عدم إطلاق الشرط على الوعد فى زماننا هذا لايضرّ مع صدقه فى السابق من الزمن.

إن قيل: إنّ مقتضى ما فى القاموس من أنّ الشرط إلزام الشيئ و التزامه فى البيع و نحوه عدم شمول الإلزام و الالتزام الابتدائى، قلنا: قال بعض الأكابر: إنّ البيع ليس قيداً لقوله إلزام الشيئ و التزامه، بل المراد منه بيان موارد الإلزام و الالتزام، و يؤيّده أنّه لم يذكر القيد المذكور فى ساير اللغات المعتبرة.

و لذا قال فى مصباح اللغة: من دون قيد شيئ آخر شرط الحاجم شرطا من بابى ضرب و قتل إلخ. و قد ورد: أنّ شرط الله قبل شرطكم، مع أنّ شرطه تعالى لم يكن

**

(1) مرآة العقول، ج 11، ص 27-26.

فى ضمن شيئ كالبيع و نحوه؛ نعم، لو قيل: شرط فيه كان الظاهر منه أنّ الالتزام كان فى ضمن شيئ آخر و ليس التزاما ابتدائيا.

ثمّ إنّ العهد بإطلاقه يشمل الوعد أيضا لأنّ الالتزام بشيئ للغير يصدق عليه العهد، فلاوجه لدعوى عدم شموله. و الظاهر تماميّة الأدلّة المذكورة لإثبات وجوب الوفاء بالوعد و حرمة خلفه وكيف كان، ففى قبال الأدلّة المتقدّمة الظاهرة فى وجوب الوفاء و حرمة خلفه تكون أدلّة أخرى تدلّ على عدم وجوب الوفاء و عدم حرمة خلفه.

قال العلّامة المجلسى قدس سره: و قد يستدلّ على أنّ محض المواعدة لايوجب الوفاء حتّى من الجانبين بأخبار العينة.(1)

منها: ما رواه الكلينى بإسناده عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: يجيئنى الرجل فيطلب العينة فأشترى له المتاع مرابحة، ثمّ أبيعه إيّاه، ثمّ اشتريه منه مكانى، قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع و إن شاء لم يبع و كنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت و إن شئت لم تشتر، فلابأس.

و بإسناده عن خالد بن الحجّاج قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: الرجل يجيئ فيقول: اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، قال: أليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لابأس به إنّما يحلّ الكلام و يحرّم الكلام.

و بإسناده أيضا عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: يجيئنى الرجل فيطلب منّى بيع الحرير و ليس عندى منه شيئ فيقاولنى عليه و أقاوله فى الربح والاجل حتّى نجتمع على شيئ، ثمّ أذهب فأشترى له الحرير فأدعوه إليه، فقال: أرأيت

**

(1) بيع العينة أن يأتى الرجل رجلا ليستقرضه، فلايرغب المقرض فى الإقراض طمعا فى الفضل الذى لاينال بالقرضة. فيقول: أبيعك هذا الثوب بإثنى عشر درهما إلى أجل و قيمته عشرة. فيستفيد درهمين بمقابلة الأجل. و يسمّى عينه، لأنّ المقرض أعرض من القرض إلى بيع العين.

إن وجد بيعا هو أحبّ إليه ممّا عندك أيستطيع أن ينصرف إليه و يدعك أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه و تدعه‌؟ قلت: نعم، قال: لابأس. و روى مثله بأسانيد كثيرة، انتهى.

و وجه الاستدلال بها أنّها تدلّ على أنّ المواعدة بينهما على البيع و الشراء و لو كانت حتميّة لايوجب لزوم الوفاء من الجانبين ما لم يكن وكالة فى البين، و لا يكاد أن يكون مطالبة العينة بيعا و شراء، و إلّا لزم أن يكون البيع من دون ملك، مع أنّ الملكيّة من المقوّمات للبيع، كما دلّ عليه قوله عليه السلام: لا بيع إلّا فى ملك، فإذا لم يكن بيعا وكالة أو إصالة فمطالبة العينة مواعدة و لاتوجب الوفاء و لو كانت حتميّة و هو المطلوب.

قال العلّامة المجلسى قدس سره: يحتمل أن يكون المعنى أنّها ليست مواعدة حتميّة، بل يقول: اشتر لنفسك إن شئت اشتريته منك و إلّا فلا، لكنّه بعيد، انتهى. و من المعلوم أنّ مع كون المواعدة غير الحتميّة بعيدة، انحصر الأمر فى المواعدة الحتميّة؛ و عليه فقوله: أليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ فى المواعدة الحتمية يدلّ على عدم لزوم الوفاء بالمواعدة الحتمية، و إلّا فلامجال للاستفهام المذكور بعد حتميّة المواعدة.

ثمّ زاد العلّامة المجلسى قدس سره فى الاستدلال لعدم لزوم الوفاء بالمواعدة بقوله: و أقول: يمكن أن يستدلّ بما ورد فى الأيمان و النذور من أنه مع عدم التلفّظ بالصيغة بشرائطها لايلزمه الوفاء بها، و ظاهره شمولها لما إذا وقعت المواعدة بينهما.(1)

وفيه: أنّ النظر فى باب الأيمان و النذور ليس إلى المواعدة، فلاوجه للتمسك بإطلاق كلامهم فى باب النذور و الإيمان و الحكم بعدم لزوم الوفاء بالمواعدة.

**

(1) مرآة العقول، ج 11، ص 27.

و كيف كان، فمقتضى الجمع بين هذه الأخبار بناء على تمامية مدلولها و بين الأخبار الدالّة على وجوب الوفاء هو حمل الأخبار الدالّة على وجوب الوفاء على الاستحباب المؤكّد أو الأخبار الدالّة على حرمة المخالفة على الكراهة. و إن أبيت عن جميع ذلك فالسيرة القطعية تكفى فى جواز خلف الوعد.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إنّ السيرة القطعية بين المتشرّعة قائمة على جواز خلف الوعد و على عدم معاملة من أخلف بوعده معاملة الفسّاق. و لم نعهد من أعاظم الأصحاب أن ينكروا على مخالفة الوعد كإنكارهم على مخالفة الواجب و ارتكاب الحرام، فهذه السيرة القطعيّة تكون قرينة على حمل الأخبار المذكورة على استحباب الوفاء بالعهد و كراهة مخالفته، إلى أن قال: و مع ذلك كلّه فرفع اليد عن ظهور الروايات و حملها على الاستحباب يحتاج إلى الجرأة، و الأوفق بالاحتياط هو الوفاء بالعهد.(1)

و قد تقدّم أنّ مقتضى الجمع بين الأدلة هو رفع اليد عن ظهور الروايات و حملها على الاستحباب، و معه لاحجّة على الحرمة أو وجوب الوفاء، فتدبّر جيّداً. و لعلّه لذا ذهب المشهور إلى عدم وجوب الوفاء بالوعد.

قال العلّامة المجلسى قدس سره: وظاهر أكثر أصحابنا استحباب الوفاء به إن لم يكن فى ضمن عقد لازم.(2)

و قال فى موضع آخر: ظاهر المحقّقين من أصحابنا و المخالفين أنّ الوعد من نوع الخبر و هو محتمل الصدق و الكذب و كذا الوعيد، مع أنّ ظاهر أكثر أصحابنا أنّ‌

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 393.

(2) مرآة العقول، ج 11، ص 25.

الوفاء بالوعد مستحبّ‌، كما قالوا فى كثير من الشروط: إذا لم يكن فى ضمن العقد اللازم هو وعد يستحبّ الوفاء به و لنذكر، إلى أن قال: و أقول: كلام كثير من أصحابنا جار هذا المجرى، و سلّموا كون الوعد أو الوعيد خبراً، فعلى هذا يشكل القول بجواز مخالفة الوعد من غير عذر و مصلحة.(1)

ظاهره أنّهم مع ذهابهم إلى أنّ الوعد من أنواع الخبر كيف قالوا باستحباب الوفاء و عدم حرمة خلف الوعدة، مع أنّ مقتضى كونه من الخبر هو القول بوجوب الوفاء و حرمة خلف الوعد، لأنّ عدم الوفاء يوجب الكذب، أللّهمّ إلّا أن يقال: إن جعل الخبر كذبا غير احداث الكذب، و الثانى ممنوع بخلاف الأوّل. و لذا قال العلّامة المجلسى قدس سره: و لو كان قبح خلف الوعد من جهة الكذب لزم إذا قال رجل: أركب غداً، مخبراً بذلك من غير أن يعد أحداً ثمّ بدا له و لم يركب أن يكون عاصيا، و لعلّه مما لم يقل به أحد، فالأولى جعلهما (الوعد و الوعيد) من قبيل الإنشاء لاالخبر، فلايوصفان بالصدق و الكذب، و إطلاقهما عليهما على التوسّع والمجاز.(2)

ولقد أفاد و أجاد قدس سره حيث قال: إنّ الوعد و الوعيد من قبيل الإنشاء لاالخبر، فلايوصفان بالصدق و الكذب، و لعلّ منشأ توصيفهما بالكذب و الصدق هو الإخبار الالتزامى الذى يكون مقارنا لإنشاء الوعد فيختلف أحكامهما مع اتّصاف الإخبار الالتزامى بالصدق و الكذب لايستلزم اتّصاف نفس الوعد بهما، إلّا من باب التوسعة و المجاز. هذا كلّه بالنسبة إلى الوعد.

و أمّا الوعيد فهو أيضا إنشاء لا إخبار، و يجرى فيه ما يجرى فى الوعد و لادليل

**

(1) مرآة العقول، ج 11، ص 37-31.

(2) مرآة العقول، ج 11، ص 37-31.

على وجوب الوفاء بالوعيد، بل قد يحرم فى بعض الموارد، كما إذا لم يكن من أوعد عليه مستحقّاً للوعيد. نعم، من استحقّ الوعيد كان العفو عنه حسنا غالبا، لأنّ العفو من الصفات الحسنة، فهل يكون العفو موجبا للكذب أو لا؟ و الظاهر هو الثانى خلافا للعلّامة المجلسى قدس سره، حيث قال: و أما الوعيد فتكون مخالفته من قبيل الكذب المجوّز للمصلحة، إذ لا خلاف فى أنّ خلف الوعيد ليس بحرام بل هو حسن، فيكون جوازه مشروطا بمصلحة مجوّزة للكذب.(1)

وفيه: أنّ الوعيد كالوعد إنشاء التزام، و حيث أنّه ليس بخبر فمخالفته ليست من قبيل الكذب حتى يحتاج جواز الكذب إلى المصلحة، بل المخالفة هى العفو و هو من الصفات الحسنة. و أمّا الإخبار الالتزامى فهو لم يصدر كذبا و لاملزم على جعله صدقا، كما لا دليل على حرمة خلفه كما مرّ فى الوعد. و الله العالم.

الأمر الرابع: فى حرمة الهزل

اشارة

الأمر الرابع: فى حرمة الهزل من الكذب، لاإشكال فى الحرمة لصدق الكذب عليه إذا قصد الحكاية فيعمّه عمومات حرمة الكذب. قال شيخنا الأعظم قدس سره: ظاهر خبر سيف بن عميرة عمّن حدّثه عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان على بن الحسين عليهما السلام يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير فى كلّ جدّ و هزل، فإنّ الرجل إذا كذب فى الصغير اجترأ على الكبير، الحديث.(2)

و خبر الحارث الأعور عن على عليه السلام قال: لايصلح من الكذب جدّ و لا هزل، و لا أن يعد أحدكم صبيّه ثمّ لايفى له، إنّ الكذب يهدى إلى الفجور والفجور يهدى إلى النار، و ما يزال أحدكم يكذب حتّى يقال: كذب و فجر، و ما يزال أحدكم يكذب حتّى

**

(1) مرآة العقول، ج 11، ص 37-31.

(2) الوسائل، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 250، ح 1.

لايبقى موضع إبرة صدق فيسمّى عندالله كذّابا.(1)

حرمة الكذب حتى فى الهزل

ثمّ قال: و يمكن أن يراد به الكذب فى مقام الهزل، و أمّا نفس الهزل و هو الكلام الفاقد للقصد إلى تحقّق مدلوله، فلايبعد أنّه غير محرّم مع نصب القرينة على إرادة الهزل، كما صرّح به بعض، و لعلّه لانصراف الكذب إلى الخبر المقصود و للسيرة. و يمكن حمل الخبرين على مطلق المرجوحية. و يحتمل غير بعيد حرمته لعموم ما تقدّم خصوصا الخبرين الأخيرين و النبوى فى وصية النبى صلى الله عليه وآله و سلم لأبى ذرٍّ: ويل للّذى يحدّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له، ويل له(2). لأنّ الأكاذيب المضحكة أكثرها من قبيل الهزل.

و عن الخصال بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: أنا زعيم بيت فى أعلى الجنة و بيت فى وسط الجنة و بيت فى رياض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقّاً و لمن ترك الكذب و إن كان هازلا و لمن حسن خلقه(3). وقال أميرالمؤمنين (فى معتبرة الأصبغ بن نباتة): لايجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجدّه(4).

والظاهر أنّ قوله: و يحتمل غير بعيد حرمته الخ راجع إلى ما إذا أراد به الكذب فى مقام الهزل، لا ما إذا أراد نفس الهزل، إذ الأول يمكن أن يكون مشمولا لعموم أدلّة حرمة الكذب بخلاف الثانى، فإنّه ليس بكذب مع عدم القصد و الحكاية كما لايخفى.

و لقد أفاد و أجاد السيّد المحقّق الخوئى قدس سره فى توضيح كلام الشيخ الأعظم قدس سره،

**

(1) الوسائل، الباب 140 من أحكام العشرة، ج 12، ص 251-250، ح 3.

(2) الوسائل، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 251، ح 2.

(3) الوسائل، الباب 135، من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ح 8 و 7.

(4) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 50.

حيث قال: إنّ الكذب المسوق للهزل على قسمين: فإنّه قد يكون الهازل بكذبه مخبرا عن الواقع ولكن بداع المزاح و الهزل من دون أن يكون إخباره مطابقا للواقع كأن يخبر أحدا بقدوم مسافر له أو حدوث حادث أو وصول حاجة ليغترّ المخاطب بقوله، فيترتّب عليه الأثر فيضحك منه الناس. و هذا لاشبهة فى كونه من الكذب، فإنّه عبارة عن الخبر غير الموافق للواقع، و اختلاف الدواعى لايخرجه عن واقعه و حقيقته. و إذن فيكون مشمولا لما دلّ على حرمة الكذب.

و قد يكون الكلام بنفسه مصداقا للهزل، بحيث يقصد المتكلّم إنشاء بعض المعانى بداعى الهزل المحض من غير أن يقصد الحكاية عن الواقع ليكون إخبارا و لايستند إلى داع آخر من دواعى الانشاء.

و مثاله أن ينشئ المتكلّم وصفا لأحد من حضّار مجلسه بداعى الهزل، كإطلاق البطل على الجبان، و الزكّى على الأبله، و العالم على الجاهل؛ و هذا لادليل على حرمته مع نصب القرينة عليه كما استقربه المصنّف.

و الوجه فى ذلك هو أنّ الصدق و الكذب إنّما يتّصف بهما الخبر الذى يحكى عن المخبر به، و قد عرفت أنّ الصادر عن الهازل فى المقام ليس إلّا الإنشاء المحض، فيخرج عن حدود الخبر موضوعا.(1)

فتحصّل أنّ الهزل على قسمين:

أحدهما: هو أن يقصد به الحكاية بداعى الهزل، و لا اشكال فى حرمته لكونه مشمولا لعمومات حرمة الكذب، و الأخبار المذكورة فى باب الهزل محمولة على هذا القسم بناء على تماميتها سندا و دلالة، و إلّا فيكفى العمومات.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 389.

وثانيهما: هو أن لايقصد به الحكاية، و من المعلوم أنّ الهزل فى هذا القسم ليس بخبر حتى يتّصف بالكذب حقيقة.

قال فى بلغة الطالب: إنّه مع عدم القصد لايتّصف بأنه خبر، فكيف يكون كذبا؟ و من أىّ جهة يحتاج إلى قرينة‌؟ و لو فرضنا حرمته فهو فى غير جهة الكذب بل بعنوان آخر، و عليه فلايحتاج إلى دعوى السيرة و الانصراف. و قوله (أى قول الشيخ فى المكاسب): و يحتمل غير بعيد حرمته لايمكن أن يريد منه هذا الذى فرض خلوّه عن القصد، فيجب حمله على ما إذا قصد من الكلام الإخبار، لكن لابداعى الإخبار بل بداعى الهزل، إذ هذا هو الذى يمكن دعوى شمول الإطلاق له(1).

فتحصّل: أن الكذب الهزلى الذى قصد به الإخبار بداعى الهزل يكون محرّما، و الدليل عليه هو عمومات حرمة الكذب، فلايضرّ ضعف سند الأخبار الخاصّة كالنبوى صلى الله عليه وآله و سلم و مرسلة سيف بن عميرة و خبر الحارث الأعور، أو ضعف دلالتها كخبر الخصال و معتبرة الأصبغ بن نباتة، فلاتغفل.

الأمر الخامس: فى حرمة المبالغة

الأمر الخامس: فى المبالغة فى الإدّعاء، قال الشيخ الأعظم قدس سره: لاينبغى الإشكال فى أنّ المبالغة فى الإدعاء و إن بلغت ما بلغت ليست من الكذب. و ربّما يدخل فيه إذا كانت فى غير محلّها، كما لو مدح إنسان قبيح المنظر و شبّه وجهه بالقمر، إلّا إذا بنى على كونه كذلك فى نظر المادح، فإنّ الأنظار تختلف فى التحسين و التقبيح كالذوائق فى المطعومات.(2)

قال الميرزا الشيرازى قدس سره فى ذيل قوله و ربّما يدخل فيه الخ: يعنى موضوعا إذا

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 145-144.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 50.

أريد بقوله: فلانٌ وجهه كالبدر الإخبار بحسن وجهه مع كمال قبح منظره، و حكماً أو التزاماً إذا أريد إنشاء مدحه على وجه المبالغة.(1)

أمّا ان المبالغة فى الادعاء ليست بكذب و لو بلغت ما بلغت، فلأنّها ليست إلّا إنشاء مدح أو ذمّ على نحو المبالغة و الكذب من أقسام الخبر و لاربط له بباب الإنشاء، و عليه فلا تدخل المبالغة فى الكذب موضوعا إذا لم يقصد بها الإخبار كإرادة الهزل التى عرفت أنها لاتدخل فى الكذب إذا لم يقصد به الحكاية، بل هو إنشاء و لاربط له بالخبر.

نعم، حيث أنّ إنشاء المدح أو الذمّ مستلزم للإخبار بمقدار من الحسن أو الذم حتى يقبل المبالغة فيه، فإذا كان هذا المقدار موجودا فإنشاء المدح أو الذمّ يكون صادقا باعتبار الإخبار المذكور، و إذا لم يكن له حسن أو ذم رأسا يكون الإنشاء المذكور كذبا باعتبار مدلوله الالتزامى لا باعتبار نفسه، فالمبالغة فى الإدعاء تخرج عن الكذب موضوعا و إن كانت ملحقة بالكذب فى الحرمة باعتبار لازمه فيما إذا كان كذبا، كما إذا لم يكن فيه مقدار من الحسن أو الذم حتى يقبل المبالغة.

قال سيّدنا الإمام المجاهد: و فى المبالغات و الكنايات و المجازات لم تستعمل الألفاظ فى المعانى التى يراد الإخبار بها جدّا و ليست من قبيل استعمال اللفظ فى غير ما وضع له حتى المجازات على ما هو التحقيق من أنها من قبيل الحقائق الإدعائية، لا كما ذكره السَّكاكى فى الاستعارة، بل باستعمال اللفظ فى معناه الموضوع له. و تطبيق المعنى على المراد الجدّى إدعاء.

ففى مثل: «زيد أسد»، استعمل لفظ الأسد فى معناه و ادّعى أن زيدا مصداق

**

(1) التعليقة، ص 128.

لماهيّة الأسد، فعليه لايكون قوله ذلك مع عدم شجاعة زيد كذبا. أمّا بالنسبة إلى المفاد الاستعمالى فلعدم تعلّق الارادة الجدية به و سيأتى اعتباره فى الصدق و الكذب لاالجدّ مقابل الهزل بل مقابل الاستعمال. و أمّا بالنسبة إلى المعنى المراد أى الإخبار بالشجاعة فلعدم التلفّظ به، و أوضح منها الحال فى الكنايات و المبالغات.(1)

ولايخفى عليك أنّ عدم كون الإخبار بالشجاعة ملفوظا به لايمنع عن صدق الكذب بالنسبة إليه لو لم يكن كذلك واقعا لأنّه كالملفوظ. نعم، لايوجب ذلك كون نفس إنشاء المدح كذبا كما عرفت. فتحصّل أنّه لاوجه لإدراج المبالغة المذكورة فى الكذب موضوعا، كما يظهر من الشيخ و الميرزا الشيرازى قدس سره. و إن كانت مثل الكذب فى كونه محرّما من جهة استلزامها للإخبار بوجود حسن أو ذمّ بمقدار حتى يقبل المبالغة، مع أنّه ليس كذلك.

الأمر السادس: فى حرمة التورية

الأمر السادس: فى حرمة التورية و عدمها، قال شيخنا الأعظم قدس سره: و أمّا التورية و هو أن يريد بلفظ معنى مطابقا للواقع و قصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك مما هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب أو المخاطب الخاص، كما لو قلت فى مقام إنكار ما قلته فى حقّ أحد: علم الله ما قلته، وأردت بكلمة ما الموصولة و فهم المخاطب النافية، و كما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم: ما هو هيهنا و أشار إلى موضع خال فى البيت، و كما لو قلت: اليوم ما أكلت الخبز، تعنى بذلك حالة النوم أو حالة الصلاة، إلى غير ذلك.

و بالجملة، فلا ينبغى الإشكال فى عدم كونها من الكذب. و الوجه فيه كما أفاد الشيخ الأعظم قدس سره: أنّ الخبر باعتبار معناه و هو المستعمل فيه كلامه ليس مخالفا

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 34-33.

للواقع؛ و إنّما فهم المخاطب من كلامه أمرا مخالفا للواقع لم يقصده المتكلم من اللفظ. نعم، لوترتّب عليها مفسدة حرمت من تلك الجهة لا من ناحية الكذب.

ذهب الميرزا القمى قدس سره فى محكىّ كلامه إلى أنّ المعتبر فى اتّصاف الخبر بالصدق و الكذب ما يفهم من ظاهر الكلام لا ما هو المراد منه، فلو قال: رأيت حمارا و أراد منه البليد من دون نصب قرينة فهو متّصف بالكذب و إن لم يكن المراد مخالفا للواقع.

أجاب عنه الشيخ الأعظم بقوله: بأنه إن أراد اتّصاف الخبر فى الواقع فقد تقدّم أنّه دائر مدار موافقة مراد المخبر و مخالفته للواقع، لأنه معنى الخبر و المقصود منه دون ظاهره الذى لم يقصد و إن أراد اتصافه عند الواصف (أى المخاطب)، فهو حق مع فرض جهله بإرادة خلاف الظاهر، لكنَّ توصيفه حينئذ باعتقاد أنّ هذا هو مراد المخبر و مقصوده فيرجع الأمر إلى إناطة الاتصاف بمراد المتكلم و إن كان الطريق إليه اعتقاد المخاطب.

ثمّ استدلّ الشيخ قدس سره بآيات و روايات لسلب الكذب عن التورية. منها: ما روى فى الاحتجاج من أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل فى قصة إبراهيم (على نبينا وآله و عليه السلام): (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) ، قال: ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم، قيل: و كيف ذلك‌؟ فقال: إنّما قال إبراهيم: إن كانوا ينطقون، أى إن نطقوا فكبيرهم فعل و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم فما نطقوا و ما كذب إبراهيم.

قال بعض الأكابر: قوله عزّوجلّ‌: (إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) ، يكون شرطا لصدور الفعل و هو الكسر و معناه أنّ المعبودات إن كانوا أهل تمييز و عقل و شعور أقدم بعضهم على كسر البعض، فصدر ذلك أى كسر الجميع من الكبير و كان الكسر فعله لكونه أقدر من غيره و إن لم يكونوا كذلك و ليس لهم عقل و شعور و تمييز لم يقدموا على ذلك و لم يصدر من كبيرهم ذلك أى الكسر، فالملازمة بين كونهم أهل تمييز و عقل و شعور

و صدور الكسر من كبيرهم موجودة و صحّت القضية الشرطية، و لعلّ قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‌) يكون مكان «كان فعله» لإمكان جوازه فى الأدبية.

و أمّا قوله: (فَسْئَلُوهُمْ‌) فهو أيضا مشروط بقوله: (إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) و لا يضرّ أن يكون (إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) شرطا للأمرين: أحدهما (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‌) وثانيهما: قوله (فَسْئَلُوهُمْ‌) ، بل القدر المتيقّن أن يكون شرطا لقوله: (فَسْئَلُوهُمْ‌) ، ولكن الرواية الواردة تدلّ على كونه شرطا أيضا لقوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‌) ، كما لايخفى.

لايقال: إنّ هذا الفعل الجزئى و هو الكسر الواقع من إبراهيم عليه السلام غير صادر عن الأصنام، سواء فرض كونهم ناطقين أو لا، فكيف يصحّ دعوى الملازمة بين قوله (إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) و بين قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‌) ، مع أنّ اللازم فى القضية الشرطية هو ثبوت الملازمة بين الشرط و الجزاء، لأنّا نقول: لامنافاة بين التنجيز و التعليق، فإنّ صدور الفعل و هو الكسر من إبراهيم عليه السلام تنجيز و صدور هذا الفعل من الأصنام معلّق على كونها من أهل القوة و القدرة، و الملازمة بين كونهم ناطقين و الكسر على تقدير كونهم من أهل القوة و القدرة ثابتة.

هذا مضافا إلى ما أجابه الميرزا الشيرازى من أنّ المقصود هو عدم النطق الذى هو كناية عن عدم القوة و القدرة على شيئ و هو مستلزم لعدم صدور الأفعال الاختيارية عنها، و لعلّه لذلك لم يكتف عليه السلام (فى الرواية) بذكر الشرطية الأولى الدالّة على الملازمة بين الفعلين، بل أضاف إلى ذلك قوله عليه السلام: و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا.(1)

ثمّ إن جعل الشرط فى القضية قيدا للحكاية لالاستناد الكسر إلى كبيرهم، بحيث

**

(1) تعليقة الميرزا الشيرازى على مكاسب الشيخ الأعظم قدس سره، ص 129-128.

يكون المعنى: إنّ حكايتى عن استناد الكسر إلى كبيرهم معلّقة على تكلم الأوثان خلاف الظاهر، لأنّ مفاد القضية الشرطية ترتّب مضمون الجزاء على مضمون الشرط لاحكاية وجود مضمون الجزاء على مضمون الشرط.

و قد يقال فى الجواب عن الإشكال: إنّ الظاهر أنّه على تقدير صحّة رواية الاحتجاج و صدورها عن المعصوم عليه السلام يراد من الشرطية الشرطية الاتفاقية لا الحقيقية، و يكون الغرض من تلك الاتفاقية مجرد نفى المقدم لانتفاء التالى، و لهذه القضية الشرطية نظائر فى العرف فلاحظها؛ مثلاً يقول أحد الفاسقين للآخر فى مقام تذكية نفسه: إنّى انسان خير لامورد فىّ للقدح، ويقول ذلك الآخر: إن كنت عادلا فأنا معصوم، فإنه ليس غرضه إثبات العصمة لنفسه حتى على تقدير كون المادح عادلا، بل غرضه نفى عدّالله بنفى عصمة نفسه.(1) و لايخفى عليك أنّ حمل الشرطية على الاتفاقية لاالحقيقية خلاف الظاهر.

و أجاب السيّد المحقّق الخوئى قدس سره عن الإشكال: بأنّ تقدير الآية (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ‌) ، فقد علّقت الدعوى على نطق كبيرهم، و لمّا استحال نطقه انتفت الدعوى فلاتكون كاذبة. و نظير ذلك قولك: فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء، و كقولك أيضا: لاأعتقد إلاهاً إن كان له شريك، و لا أعتقد خليفة للرسول صلى الله عليه وآله و سلم إن لم يكن منصوبا من الله، هذا فاغتنم.(2)

ونحوه ما أجاب به سيّدنا الامام المجاهد قدس سره: من أنّ كلام إبراهيم عليه السلام من قبيل التعليق على أمر محال لإثبات أنّ المعلّق عليه محال، لا لإثبات الملازمة. فالكلام

**

(1) إرشاد الطالب، ص 235-234.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 402-401.

سيق لنفى العمل (الفعل) لكونه معلّقا على محال لالتحقّقه بتحقّق المعلّق عليه، نظير قوله تعالى: (وَ لاٰ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيٰاطِ) (1)، فإنه ليس بصدد الإخبار بالملازمة بين دخول الجنة و ولوج الجمل فى سمّ الخياط، ضرورة عدم التلازم بينهما، بل بصدد استحالة دخولهم الجنّة بالتعليق على محال عادى. و بالجملة نظائر هذا الكلام كناية عن عدم التحقّق أو استحالته لاإخبار بالملازمة، كما هو واضح.(2)

و لايخفى عليك أنّ الرواية المذكورة حينئذ لا ارتباط لها بالتورية و لاتدلّ على نفى الكذب عن التورية، و إن صحّ الاستدلال بالآية بالتقريب المذكور من السيّد المحقّق الخوئى و سيّدنا الإمام المجاهد قدس سرهما على نفى الفعل لكونه معلّقا على أمر محال، فتأمّل.

و الأولى لنفى الكذب عن التورية هو الاستدلال بمعتبرة الحسن الصيقل، و فيها: (قٰالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ‌) ، فقال: والله ما فعلوا وما كذب، إلى أن قال: إنّ إبراهيم إنّما قال: (قٰالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‌) إرادة الإصلاح و دلالة على أنّهم لايفعلون، الحديث.(3) و الوجه فى أنّه ليس بكذب أنّه نحو استدلال و لايعدّ ذلك كذباً، فتأمّل.

ومنها: ما روى أنّه سئل عن قوله تعالى: (أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ‌) قال: إنّهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنّهم قالوا: نفقد صواع الملك و لم يقولوا: سرقتم صواع الملك. وعليه فقولهم (لَسٰارِقُونَ‌) مع إرادة سرقة يوسف من أبيه تورية و لم يذمّوا على ذلك، فتدلّ الآية على جواز التورية عند يوسف و أعوانه، ولكن لاتدلّ الآية الكريمة على سلب الكذب عن التورية.

**

(1) الأعراف، 40.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ص 50-49.

(3) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 253، ح 4.

نعم، يمكن الاستدلال لذلك ببعض الروايات، كمعتبرة الحسن الصيقل قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: إنّا قد روينا عن أبى جعفر عليه السلام فى قول يوسف «أيتها العير إنّكم لسارقون»، فقال: و الله ما سرقوا و ما كذب، إلى أن قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: و قال يوسف عليه السلام إرادة الإصلاح.(1) و ذلك لنفى الكذب بقوله ما كذب، مع أنّ المخاطبة مع الغير بأنّكم لسارقون تكون تورية.

ومنها: ما روى أيضا أنّه سئل عن قول الله عزّوجلّ حكاية عن إبراهيم: (إِنِّي سَقِيمٌ‌) ،(2) قال: ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب، إنّما عنى سقيماً فى دينه أى مرتاداً (أى طالباً و مراوداً لدينه من المراودة)، حيث أنّ المرتاد خلاف الظاهر، فإرادته تورية و مع ذلك نفى الكذب عن ذلك.

ومنها: ما فى مستطرفات السرائر من كتاب ابن بكير قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولى: ليس هو هيهنا، قال: لابأس ليس بكذب.(3) فإن سلب الكذب مبنى على أنّ المشار إليه بقوله «هيهنا» موضع خال من الدار إذ لاوجه له سوى ذلك، و عليه فالسائل سئل عن جواز التورية فأجاب بجوازها و نفى الكذب عنها.

ومنها: ما روى فى باب الحيل من كتاب الطلاق للمبسوط أنّ واحدا من الصحابة صحب واحداً آخر فاعترضهما فى الطريق أعداء المصحوب فأنكر الصاحب أنّه هو فاحلقوه فحلف لهم أنّه أخوه، فلمّا أتى النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال له: صدقت المسلم أخو

**

(1) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 253، ح 4.

(2) الصافّات، 89.

(3) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 254، ح 8.

المسلم، إلى غير ذلك مما يظهر منه سلب الكذب عن التورية،(1) لدلالة قوله صلى الله عليه وآله و سلم «صدقت» على أنّك لم تكذب بإرادة خلاف الظاهر من قوله «إنّه أخوه».

فتحصّل إلى حدّ الآن أنّ التورية ليست بكذب و معه لادليل على حرمته، ولكن ذهب سيّدنا الأستاذ المحقّق الداماد قدس سره إلى حرمتها، حيث قال: لافرق بين الكذب و التورية فى أنّ كلّ واحد منهما يوجب إلقاء المخاطب فى خلاف الواقع و سلب اطمينان الناس عن المتكلم.

و مجرّد إرادة المعنى التأويلى فى الثانى دون الأول لا يكون فارقا ما لم يؤثر فى الآثار و المفاسد المترتّبة على كّل منهما و بعبارة أخرى ما يترتّب على الكذب نوعا الذى صار حكمة لتحريمه على النحو الكلى مترتّب على التورية أيضا، و عليه فلايصحّ قول الشيخ فى المكاسب المحرّمة: إنّ التورية واجبة للفرار عن الكذب.(2)

و ذلك لأن التورية لاتكون فرارا من مفسدة الكذب بوجود المفسدة بعينها فيه.

ولقائل أن يقول: إنّ الفارق بين الكذب و التورية هو وجود الحكاية عما يكون الكلام ظاهرا فيه فى الكذب و عدمها فى التورية. هذا مضافا إلى عدم إحراز ترتّب مقدار المفاسد المترتّبة على الكذب على التورية، و مضافا إلى صريح صحيحة ابن بكير بالجواز و عدم كونها كذبا و لو كانت التورية حراما لما جوّزوها و لما قالوا بوجوبها عند الفرار عن الكذب، فلاتغفل.

و أمّا مسألة وجوب التورية للفرار عن الكذب و عدمه فسيأتى حكمها فى المسوّغات إن شاء الله تعالى.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 51.

(2) المحاضرات لسيّدنا الاُستاذ، ج 3، ص 354.

الأمر السابع: فى مسوّغات الكذب

الأمر السابع: فى مسوّغات الكذب

اشارة

و هى موارد:

أحدها: فى مقام دفع الضرورة كالضرر النفسى أو المالى من ظالم و متعدّ لنفسه أو لغيره من موارد الإكراه أو كالضرر النفسى أو المالى الناشى من الاضطرار من دون ظلم ظالم و متعدّ.

واستدلّ بالأدلّة الأربعة:

أمّا الكتاب، فقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ‌) (1) بدعوى أنّ الآية الشريفة تدلّ بالمطابقة على جواز التكلم بكلمة الكفر و الارتداد عن الإسلام عند الإكراه بشرط أن يكون المتكلم معتقدا بالله و مطمئنّاً بالإيمان، و عليه فإذا دلّت الآية الكريمة على جواز الكذب فى الإيمان عند الإكراه دلّت على جواز الكذب فى غير ذلك للمكره بطريق أولى، كما فى مصباح الفقاهة.

نعم، هو أخص من المدّعى لاختصاص الآية بصورة الإكراه، فلاتشمل سائر موارد الضرورة و الاضطرار.

و قوله تعالى: (لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً‌) (2). بدعوى أنّه يدلّ على عدم جواز اتخاذ الكافر وليا إلّا تقيّة.

و فيه أنه لاإرتباط للآية الكريمة بالكذب عند الضرورة؛ أللّهمّ إلّا أن يستفاد ذلك بالأولويه أو تنقيح المناط.

**

(1) النحل، 106.

(2) آل عمران، 28.

قال الميرزا الشيرازى قدس سره: لايخفى أنّ مدلول الآية غير منطبق على ما نحن بصدد الاستدلال عليه من تجويز الكذب للاضطرار إليه إلّا أن يستفاد منها بتنقيح المناط أو الأولوية لتجويز الكذب أيضا فى حال التقيّة.(1)

وأمّا السنّة فبأخبار متعدّدة:

منها: حديث الرفع، روى أحمد بن محمد بن عيسى فى نوادره عن إسماعيل الجعفى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الأمّة ستّ خصال: الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطرّوا إليه(2) و إلى غير ذلك من الأخبار المتعدّدة.

قال الشيخ الأعظم قدس سره: و قد اشتهر أنّ الضرورات تبيح المحظورات و الأخبار فى ذلك أكثر من أن تحصى و قد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدنى أو المالى عن نفسه أو أخيه، انتهى.(3)

و أمّا الإجماع، فقد قال الشيخ: و هو أظهر من أن يدّعى أو يحكى. أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ الإجماع و إن كان محقّقا ولكنّه ليس إجماعا تعبّديا كاشفا عن رأى المعصوم عليه السلام. فإنّ الظاهر أنّ المجمعين قد استندوا فى فتياهم بالجواز إلى الكتاب و السنّة، فلاوجه لجعله دليلاً مستقّلاً فى المسألة.(4)

وفيه: ما مرّ من أنّ الإجماع المستند إذا كان متصلاً إلى زمان المعصوم عليه السلام يكشف عن تقرير المعصوم و إن لم يتمّ استنادهم إلى الأدلّة، فلاتغفل؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ‌

**

(1) التعليقة، ص 129.

(2) الوسائل، الباب 16 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 237، ح 3.

(3) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 51.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 403.

ذلك صحيح فى المسائل الأصلية، و أمّا فى المسائل الفرعية فلايحرز اتصال الإجماع بزمان المعصوم عليه السلام.

و أمّا العقل فقد قال الشيخ رحمه الله: و العقل مستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين مع بقائه على قبحه، أو انتفاء قبحه لغلبة الآخر عليه على القولين فى كون القبح العقلى مطلقا، أو فى خصوص الكذب لأجل الذات أو بالوجوه و الاعتبارات.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ العقل و إن كان حاكما بجواز الكذب لدفع الضرورات فى الجملة كحفظ النفس المحترمة و نحوه، إلّا أنّه لايحكم بذلك فى جميع الموارد، فلو توقّف على الكذب حفظ مال يسير لايضرّ ذهابه بالمالك فإنّ العقل لايحكم بجواز الكذب حينئذ.(1)

ولقائل أن يقول: لامنافاة بين حكم العقل فى جلّ الموارد و عدمه فى بعض الموارد؛ هذا مضافا إلى إمكان أن يقال: إنّ الضرر الذى محلّ الكلام هو الذى يكون معتدّا به بحيث يحكم العقل أيضا به فيوافق العقل مع ساير الأدلّة.

ثمّ يقع الكلام فى أنّ الاضطرار و الضرورة إلى الكذب هل يعتبر فى تحقّقه عدم التمكّن من التورية أو لايعتبر؟ و قد يقال: إنّ الاضطرار إلى الجامع بين الكذب و التورية من قبيل الاضطرار إلى شرب أحد مايعين، أحدهما متنجّس و الآخر طاهر، فكما أنّ الاضطرار إلى أحد المايعين اضطرار إلى الجامع و يمكن إيجاده فى ضمن فرده الحلال فلايكون اضطراراً إلى الحرام، فكذلك فى المقام الاضطرار إلى الجامع بين الكذب و التورية لايكون اضطراراً إلى الحرام، فلايجوز الكذب مع إمكان التورية و دفع الإكراه أو الاضطرار بها، و لعلّه لذا حكى عن المشهور وجوب التورية لمن يقدر عليها.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 403.

و قال الشيخ الأعظم قدس سره بعد نقل عبائر الأصحاب فى مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة و غيرها: وجه ما ذكروه أنّ الكذب حرام و لم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة على التورية فيدخل تحت العمومات، مع أنّ قبح الكذب عقلى فلايسوّغ إلّا مع تحقّق عنوان حسن فى ضمنه يغلب حسنه على قبحه. و يتوقّف تحقّقه (أى جواز الكذب) على تحقّقه (أى تحقق عنوان حسن) و لايكون التوقف إلّا مع العجز عن التورية. و هذا الحكم جيّد إلّا أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الترخيص فى الحلف كاذبا لدفع الضرر البدنى أو المالى عن نفسه أو أخيه عدم اعتبار ذلك.

منها: (موثّقه) رواية السكونى عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علىّ عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: احلف بالله كاذبا و نجِّ أخاك من القتل).(1)

ومنها: صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعرى عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: سئلته عن رجل يخاف على ماله من السلطان، فيحلفه لينجو به منه، قال: لاجناح عليه و سئلته: هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله‌؟ قال: نعم.(2)

ومنها: ما فى الفقيه من أنّه قال: قال الصادق عليه السلام: اليمين على وجهين، إلى أن قال: فأما الذى يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا و لم تلزمه الكفّارة، فهو أن يحلف الرجل فى خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعدّ يتعدّى عليه من لصٍّ أو غيره، الحديث.(3)

ومنها: موثّقة زرارة بابن بكير إنّا نمرّ على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا و

**

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 225، ح 4.

(2) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 224، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 226، ح 9.

قد أدّينا زكوتها، فقال: يا زرارة! إذا خفت فاحلف لهم بما شاؤوا، قلت: جعلت فداك، بالطلاق و العتاق‌؟ قال: بما شاؤوا.(1)

ومنها: رواية سماعة عن أبى عبدالله عليه السلام: إذا حلف الرجل تقية لم يضرّه إذا هو أكره و اضطرّ إليه، و قال: ليس شيئ مما حرّم الله إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه.(2) و رواه فى نوادر أحمد بن عيسى أو حسين بن سعيد عن سماعة هكذا قال: قال عليه السلام: إذا حلف الرجل بالله تقيّة لم يضرّه، و بالطلاق و العتاق أيضا لايضرّه إذا هو أكره و اضطرّ إليه.(3) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة فى هذا الباب. و فيما يأتى من جواز الكذب فى الإصلاح التى يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية. فلايعتبر فى جواز الكذب فى مثل المقام العجز عن التورية.

و أمّا حكم العقل بقبح الكذب فى غير مقام توقّف المصلحة الراجحة عليه، فهو و إن كان مسلّما، إلّا أنّه يمكن القول بالعفو عنه شرعاً للأخبار المذكورة، كما عفى الكذب فى الإصلاح و عن السبّ و التبرّى مع الإكراه، مع أنّه قبيح عقلاً أيضاً، مع أنّ ايجاب التورية على القادر لايخلو عن التزام بالعسر (ما يعسر)، كما لايخفى.

فلو قيل بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب فيما نحن فيه و إن قدر على التَّورية كان حسنا إلّا أنّ الاحتياط فى خلافه، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد فى هذه المطلقات لأنّ النسبة بين هذه المطلقات و بين ما دلّ‌

**

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ح 228، ح 14.

(2) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 228، ح 18.

(3) نوادر أحمد بن عيسى، ص 75.

كالرواية الأخيرة و غيرها على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقا عموم من وجه فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب، فتأمّل.(1)

هذا مع إمكان منع الاستبعاد المذكور لأن مورد الأخبار عدم الالتفات إلى التورية فى مقام الضرورة إلى الكذب، إذ مع الالتفات فالغالب اختيارها إذ لا داعى إلى العدول عنها إلى الكذب.(2)

وهنا مواقع للكلام:

منها: أنّ الرواية الأخيرة إن كانت صحيحة دلّت بمنطوقها على تخصيص جواز الحلف الكاذب بمورد الاضطرار و كان مفهومها عدم جواز الكذب مع عدم الاضطرار أو الإكراه، سواء كان فى البين دفع ضرر أو لا؛ و عليه تقع المعارضة بين مفهومها و بين الروايات المجوّزة للكذب لدفع الضرر، و النسبة بينهما هى العموم من وجه. فإن الرواية الأخيرة ظاهرة فى اختصاص جواز الحلف كاذبا بصورة الاضطرار، فتدلّ بمفهومها على حرمة الحلف كاذبا فى غير موارد الاضطرار، سواء كان فى البين دفع ضرر أو لا.

و الروايات المجوّزة تدلّ على جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر مطلقا، سواء بلغ حدّ الاضطرار أم لا. فمورد الافتراق فى طرف الرواية الأخيرة هو ما إذا لم يكن

**

(1) و لعلّه إشارة إلى أنّ مع ضعف الرواية الأخيرة نسبة ما دلّ على جواز الحلف كاذبا مع أدلّة حرمة الكذب هى العموم و الخصوص فيقدّم ما يدلّ على جواز الحلف كاذبا مطلقا، سواء تمكّن من التورية أو لم يتمكّن على أدلّة حرمة الكذب. و لاإشكال إلّا من جهة عدم صدق الضرورة على صورة التمكّن من التورية، و إن صدق ذلك العنوان على صورة العجز عنها و صورة الإكراه و الاضطرار بناءً على عدم صدقهما إلّا عند العجز عن التورية.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 52-51.

الكذب لدفع الضرر، فإن الرواية الأخيرة تشمله بمفهومها و تدلّ على عدم الجواز و لاتشمله الروايات المطلقة الدالّة على جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر، كما لايخفى.

و مورد الافتراق فى الروايات المجوّزة للكذب هو ما إذا كان دفع الضرر منحصرا بالكذب كما فى فرض الغفلة عن التورية، فيشمله الروايات المجوزّة و لايشمله مفهوم الرواية الأخيرة لاضطراره بالانحصار. و مورد اجتماعهما ما إذا لم ينحصر دفع الضرر بالكذب كما فى فرض التمكّن من التورية، فإنّ مقتضى المفهوم عدم جوازه لعدم الاضطرار إليه و مقتضى إطلاق تلك الروايات جوازه فيتعارضان و يتساقطان ويرجع إلى عموم أدلّة حرمة الكذب.

وفيه أوّلاً: لسان الأخيرة لسان الحكومة و هى مقدّمة على المطلقات المجوّزة، و لو كانت النسبة هى العموم من وجه.

وثانياً: أنّ ما ذكر مبنىٌّ على صحّة الرواية الأخيرة.

و أمّا بناءً على عدمها كما هو الصحيح فليس فى المقام إلّا أدلّة حرمة الكذب و أخبار تدلّ على جواز الحلف كاذبا. و من المعلوم أنّ الثانية أخص فيقدّم على أدلّة حرمة الكذب، و لعلّ هذا هو وجه التأمّل فى كلام الشيخ قدس سره.

ومنها: أنّ حرمة الكذب ذاتية لاستقلال العقل بقبحه فليست قابلة للتخصيص، و أمّا ارتكابه فى موارد الضرورة فلأنّ العقل يستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين.

ويمكن الجواب عنه: بأنّه بعد تسليم استقلال العقل بقبح الكذب فى ذاته مع قطع النظر عن العناوين المترتّبة عليه كان حكمه كذلك معلّقا على عدم طرد العناوين الحسنة عليه، و إلّا فلايستقلّ العقل بقبحه و الترخيص الشرعى بالنسبة إلى الحكم العقلى لايتصوّر، إلّا إذا كان حكم العقل مقتضيا للقبح، فيجوز الترخيص الشرعى حينئذ كما قرّر فى جواز الترخيص الشرعى فى أطراف المعلوم بالإجمال و عدمه.

ومنها: أنّ الأخبار بصدد بيان حكم آخر، و هو جواز الحلف لاجواز الكذب بغير حلف. و توضيحه: أنّ الحلف عبارة عن جملة إنشائية تأتى بها لتأكيد الجملة الإخبارية أو الإنشائية فى بعض الأحيان. و هى غير الجملة الإخبارية المؤكدة بها و لاتتّصف بالصدق و الكذب و إطلاقهما أحيانا عليها إنّما هو بنحو من التأويل و التسامح، فيقال: اليمين الكاذبة أو الصادقة باعتبار متعلّقهما، و لمّا ورد فى الكتاب العزيز النهى عن جعل الله تعالى عرضة للأيمان فقال تعالى: (وَ لاٰ تَجْعَلُوا اَللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ‌) .(1) و ورد فى الروايات النهى عنها كاذبا أو صادقا.

يمكن أن يكون ذاك و ذلك منشأ للشبهة فى أنّ اليمين غير جائزة حتى لإنجاء المال و التخلّص من العشار و غيره، فسألوا عن حكم اليمين من حيث هى، فلاإطلاق فيها يشمل اليمين المقارنة للجملة الكاذبة لأنّ جواز نفس اليمين غير مربوط و لاملازم لجواز الكذب، بل لامعنى للإطلاق بالنسبة إلى المقارن و المتعلّق.

فإنّ معنى الإطلاق هو كون نفس طبيعة موضوع حكم من غير دخالة شيئ آخر فيه، فتكون الطبيعة فى أى مورد وجدت محكومة به و اليمين من حيث هى إنشاء لاكذب فيها. و إسراء حكم الكذب عليه من متعلّقه لامعنى له فتكون الروايات أجنبيّة عما نحن بصدده.

ويمكن الجواب عنه: بما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: من أنّ مقتضى القرائن الموجودة فى نفس الأخبار أنّ محطّ السؤال و الجواب فيها هو الحلف كاذبا. أمّا صحيحة إسماعيل بن سعد فإن السؤال عن حلف السلطان بالطلاق منشأه احتمال وقوعه مع عدم موافقة مقدمه للواقع، فإنّه مع صدقه لايحتمل وقوعه.

**

(1) البقرة، 224.

فقوله: إن كان هذا مال زيد فامرأتى طالق و إن كان إنشاءاً، لكنّ وقوع الطلاق عند العامة إنّما هو فيما إذا كان مال زيد و كان القائل فى مقام إنكاره، فعليه كان محطّ الحلف بالطلاق و العتاق فى مورد كان المسؤل بالحلف يحلف فى مقام إنكار ما كان واقعا أو إثبات ما لم يكن كذلك.

فيكون قوله: و عن رجل يخاف على ماله من السلطان إلخ مورد الحلف كذبا أيضاً إلى أن قال: لاأقول: فى مورد الحلف بهما حتى يقال إنّه إنشاء، بل أقول: إنّ مورد الحلف بهما هو الكذب لولا الإنشاء، فيستكشف منه أنّ مورد الأسئلة فى غيره هو الحلف كذبا، فقوله: فيستحلفونى أى يستحلفونى كذبا بالقرينة المذكورة.(1)

فتحصّل: أن مقتضى إطلاق أدلّة الترخيص فى الحلف كاذبا عدم اعتبار التورية فى جواز الكذب. قال فى بلغة الطالب: و الحاصل أنّه ليس عندنا إلّا أدلة حرمة الكذب و ما دلّ على جواز الحلف كاذبا، و الثانى أخصّ فيقدّم فأين ما يسقط به هذه المطلقات فيرجع إلى أدلّة حرمة الكذب و لعلّه إلى ذلك أشار بامره بالتأمّل.(2)

ثمّ إن المسوّغ الأول يشمل الإكراه و الاضطرار مع عدم القدرة على التورية، لأنهما حينئذ من مصاديق الضرورة و لافرق بين الإكراه و الاضطرار فى كونهما متقوّمين بالعجز عن التورية.

تبصرة: و هى أنّ الشيخ الأعظم اعترض على المشهور بقوله: إنّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب (فى الحلف و الخبر عند الاضطرار) بعدم القدرة على التورية أطلقوا القول بلغوية ما أكره عليه من العقود و الإيقاعات و الأقوال المحرّمة كالسبّ و

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 83.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 147.

التبرّى من دون تقييد بصورة عدم التمكّن من التورية، بل صرّح بعض هؤلاء كالشهيد فى الروضة و المسالك فى باب الطلاق بعدم اعتبار العجز عنها، بل فى كلام بعض ما يشعر بالاتفاق عليه.

مع أنه يمكن أن يقال: إنّ المكره على البيع إنّما أكره على التلفظ بالصيغة و أمّا إرادة المعنى فمما لاتقبل الإكراه، فإذا أراده مع القدرة على عدم إرادته (بالتورية) فقد اختاره، فالإكراه على البيع الواقعى يختصّ بغير القادر على التورية لعدم المعرفة بها أو عدم الالتفات إليها، كما أنّ الاضطرار إلى الكذب يختصّ بغير القادر عليها. هذا تمام كلامه فى الاعتراض على المشهور.

ومقتضى ما أفاده الشيخ هو عدم الفرق بين الاضطرار و الإكراه فى اختصاصهما بغير القادر على التورية أو غير الملتفت إليها، فكما أنّ الاضطرار إلى الكذب يختصّ بغير القادر على التورية، فكذلك الإكراه على المعاملات و المحرّمات يختصّ بغير القادر على التورية أو غير الملتفت إليها، و إلّا فلا إكراه بالنسبة إلى الواقع مع إمكان التفصّى بالتورية.

ثمّ دافع الشيخ عنهم بقوله: و يمكن الفرق بين المقامين بأنّ الإكراه إنّما يتعلّق بالبيع الحقيقى أو الطلاق الحقيقى. غاية الأمر قدرة المكره على التفصّى عنه بإيقاع الصورة من دون إرادة المعنى، لكنّه غير المكره عليه. و حيث أنّ الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصّى بهذا الوجه لم يعتبر ذلك فى حكم الإكراه. و هذا بخلاف الكذب، فإنه لم يسوّغ إلّا عند الاضطرار إليه و لااضطرار مع القدرة، (فالفرق بين الإكراه و الاضطرار كما عن المشهور صحيح).

نعم، لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار بأن كان المعتبر فى تحقّق موضوعه عرفا أو لغة العجز عن عن التفصّى كما ادّعاه بعض أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة

الاضطرار بأن كان عدم ترتّب الأثر على المكره عليه من حيث أنّه مضطرّ إليه لدفع الضرر المتوعَّد عليه به عن النفس و المال كان ينبغى فيه اعتبار العجز من التورية لعدم الاضطرار مع القدرة عليها، (فلاوجه حينئذ للفرق بينهما).

والحاصل أنّ المكره إذا قصد المعنى مع التمكّن من التورية صدق على ما أوقع أنّه مكره عليه، فيدخل فى عموم رفع ما أكرهوا عليه.

و أما المضطرّ فإذا كذب مع القدرة على التورية لم يصدق أنّه مضطرّ إليه، فلايدخل فى عموم رفع ما اضطرّوا إليه. هذا كلّه على مذاق المشهور من انحصار جواز الكذب بصورة الاضطرار إليه حتى من جهة العجز عن التورية.

و أمّا على ما استظهرنا من الأخبار كما اعترف به جماعة من جوازه (أى الكذب) مع الاضطرار إليه من غير جهة العجز عن التورية، فلا فرق بينه (الاضطرار) و بين الإكراه (فى عدم اعتبار العجز عن التورية)، كما أنّ الظاهر أنّ أدلّة نفى الإكراه راجعة إلى الاضطرار، لكن من غير جهة التورية، فالشارع رخّص فى ترك التورية فى كلّ كلام مضطرّ إليه أو دفع الضرر به هذا ولكن الأحوط التورية فى البابين.(1)

فلافرق بين الاضطرار و الإكراه فى عدم اعتبار العجز عن التورية و إن كان الأحوط مراعاة عدم التمكّن من التورية فى الإكراه و الاضطرار كليهما.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره أوّلاً: بأنّه لافارق بين الإكراه و الاضطرار (فى اعتبار عدم التمكّن من التورية أو غيرها من التفصّى)، لأنّ الإكراه فى اللغة حمل المكره على أمر و إجباره عليه من غير رضىً منه، و لاشبهة فى أنّ هذا المعنى لايتحقّق إذا أمكن التفصّى، كما هو الحال فى الاضطرار. (فما ذهب إليه الشيخ من

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 52.

الفرق بين الإكراه و الاضطرار توجيها لكلام المشهور محلّ منع، كما أنّ منع اعتبار عدم التمكّن فيهما بحسب مختاره كما ترى).

وثانيا: أنّا لو لم نعتبر فى مفهوم الإكراه أن لايتمكّن المكره من التفصّى (كما ذهب إليه الشيخ قدس سره فإنّ لازم ذلك جواز ارتكاب المحرّمات إذا أكره عليها و إن كان قادرا على التخلّص، كما إذا أكرهه أحد على شرب الخمر و كان متمكّنا من هراقتها على جيبه، و كما إذا أكرهه جائر على أخذ أموال الناس بالظلم و العدوان و كان متمكّنا من أن يدفع مال الظالم إليه و يوهمه أنّه إنّما يعطيه من مال غيره و لاشبهة فى حرمة الارتكاب فى أمثال هذه الصور.(1)

و الحاصل أنّه لافرق بحسب اللغة بين الإكراه و الاضطرار من جهة اعتبار عدم التمكّن من التفصّى. وعليه فالفرق بينهما لايكون إلّا من جهة الأخبار الخاصة كالأخبار الواردة فى جواز الكذب فى الحلف دفعا للضرر الناشى من المتعدّى و الظالم أو غيرهما، فإنّها تدلّ على الجواز ولو مع إمكان التفصّى بالتورية.

فالصحيح كما أفاد فى إرشاد الطالب: عدم الفرق بين الاضطرار و الإكراه فى عدم تحقّق عنوانهما مع إمكان التفصّى بالتورية أو بسائر المحلّلات بلافرق بين المعاملات و غيرها، و أنّه لايرتفع بمجرد الإكراه الرضا المعتبر فى المعاملات كما لايرتفع ذلك الرضا فى موارد الاضطرار.

و أنّ الوجه فى صحّة المعاملة مع الاضطرار إليها و الحكم ببطلانها مع الإكراه عليها هو أنّ الحكم بفسادها فى مورد الاضطرار خلاف الامتنان، فلايشملها حديث الرفع بخلاف مورد الإكراه، فإنّ الرفع فيه موافق له فيعمّها حديث الرفع و إذا أمره الجائر

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 409.

بالمعاملة و أمكن التفصّى عنها بالتورية أو بغيرها و معذلك أنشأ المعاملة بقصدها حكم بصحّتها أخذاً بإطلاق دليل نفوذها، و لايكون فى البين حكومة لحديث الرفع (للتمكّن من التفصّى و معه لايصدق الإكراه).

و هذا بخلاف الحلف أو الإخبار كذبا، فإنّه جايز فى مورد دفع الضرر حتى مع إمكان التورية أو إمكان التفصّى بغيرها، كما تقدّم من دلالة الروايات الخاصة على هذا الجواز.(1)

تذييل: ولايخفى أنّ الشيخ الأعظم قدس سره قال: ثمّ إنّ الضرر المسوّغ للكذب هو المسوّغ لساير المحرّمات؛ نعم يستحبّ تحمّل الضرر المالى الذى لايجحف، و عليه يحمل قول أميرالمؤمنين عليه السلام فى نهج البلاغة: علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك.(2)

وفيه: أنّ الرواية أعم فيقدم عليها الروايات الرخصة فى دفع ضرر بالكذب، لأنّها أخص مطلق بالإضافة إلى تلك الرواية؛ هذا مضافا إلى ما فى مصباح الفقاهة من أنّه: لا دليل على ثبوت هذا الاستحباب، فإنّ الضرر المالى إن بلغ إلى مرتبة يعدّ فى العرف ضررا جاز الكذب لدفعه، و إلّا فهو حرام لانصراف الأدلة المجوّزة عن ذلك، فلا دليل على وجود الواسطة بينهما لكى تكون مستحبّة.

و أمّا قوله عليه السلام فى نهج البلاغة فأجنبىٌّ عن الكذب الجائز الذى هو مورد كلامنا، بل هو راجع إلى الكذب المحرّم و إن يتّخذه الإنسان وسيلة لانتفاعه. و من الواضح جدّاً أنّ ترك ذلك من علائم الإيمان؛ إلى أن قال: و عليه فشأن الحديث شأن ما ورد

**

(1) إرشاد الطالب، ص 242-241.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 52.

من أنّه: لايزنى الزانى حين يزنى و هو مؤمن، و لايسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن.

نعم، يمكن الاستدلال على الاستحباب بناء على التسامح فى أدلة السنن بقوله عليه السلام: اجتنبوا الكذب و إن رأيتم فيه النجاة، فإنّ فيه الهلكة. ولكن مفاد الحديث أعم مما ذكره المصنّف،(1) فلاوجه لتخصيص الاستحباب بالضرر الذى لايجحف بل الأمر كذلك فى المجحف أيضاً.

و قد يستدلّ على استحباب تحمّل الضرر المالى بما ورد فى الحلف بالله صادقا من استحباب تحمّل الضرر و الإغماض عن الحلف و إذا كان تحمّله و ترك الحلف الصادق مستحبّاً يكون تحمّله و الإغماض عن الحلف الكاذب كذلك بالأولوية.

ولكن أورد عليه فى إرشاد الطالب بأنّ التعدّى إلى مطلق الأخبار كذبا مشكل، لما يظهر من بعض الروايات من كون ملاك الاستحباب إجلال الله سبحانه بترك الحلف باسمه صادقا أو كاذبا. و فى رواية السَّكونى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من أجلّ الله أن يحلف به أعطاه خيرا مما ذهب منه و نحوها غيرها.(2)

ثمّ يقع الكلام فى أنّ المجوّز فى الحلف الكذبى هو مطلق الضرر أو الضرر الخاص. قال فى إرشاد الطالب: لايخفى أنّ جواز الكذب لدفع الضرر مختصّ بما إذا كان الضرر من الظلم و التعدّى عليه، و لايجوز لمطلق دفعه كالضرر فى المعاملة. فإذا توقّف بيع ماله بلاخسارة على كذبه فى رأس المال فلايجوز الكذب، لأنّ جوازه إمّا لرفع الاضطرار أو الإكراه؛ و المفروض انتفاؤهما، حيث أنّ الاضطرار يتوقّف على

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 411.

(2) إرشاد الطالب، ص 243.

وجوب دفع الضرر المزبور و الضرر المالى يجوز تحمّله. و حديث «لاضرر» لوروده مورد الامتنان لايعمّ المقام، بل يختصّ بما إذا كان فى رفع التكليف الضررى امتنانا؛ و لا امتنان فى تجويز الكذب لمؤمن الموجب لإغراء المؤمن الآخر، بل لايجوز التورية فى مثل إخباره برأس المال باعتبار كونه غشّاً كما مرّ.(1)

و يعتضد اختصاص المجوّز بما إذا كان الضرر من الظلم و التعدّى عليه باختصاص الأدلة المجوّزة بذلك؛ هذا مضافا إلى التصريح بذلك فيما روى فى الفقيه، حيث قال: فهو أن يحلف الرجل فى خلاص امرءٍ مسلم أو خلاص ماله من متعدّ يتعدّى عليه من لصٍّ أو غيره،(2) و غير ذلك من الأخبار.

يمكن أن يقال: يكفى فى جواز الكذب أيضا اضطراره إليه من جهة نجاته عن الهلاكة أو معالجة النفس و نحوهما، لأنّ الاضطرار فى هذه الصورة ناش من وجوب دفع الضرر أى الهلكة أو دفع المرض أو النقص عن نفسه بناء على إطلاق حديث لاضرر.

و عليه فلاوجه لتخصيص الضرر المجوّز بما إذا كان الضرر من الظلم و التعدّى عليه، كما أنّ المسوّغ فى ساير المحرّمات لايختصّ بصورة الإكراه، بل يشمل ما إذا اضطرّ إليها و لو لم يكن الضرر الواجب الدفع من ناحية الظلم أو التعدّى. و بالجملة يشمل المسوّغ الأول الضرر الحاصل من الإكراه أو الاضطرار، و لاوجه لتخصيصه.

و لايخفى عليك أنّ المسوّغ الأول يحتوى المسوّغات من الكذب فى الحلف دفعا للضرر بواسطة الأخبار الخاصة، سواء تمكّن من التورية أو لم يتمكّن و الكذب

**

(1) إرشاد الطالب، ص 243.

(2) الوسائل، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ج 23، ص 226، ح 9.

الإكراهى مع العجز عن التورية و الكذب الاضطرارى مع العجز عن التورية.

تنبيه: و لايخفى عليك أنّ الشيخ الأعظم قدس سره قال: إنّ الأقوال الصادرة عن أئمتنا عليهم السلام فى مقام التقيّة فى بيان الأحكام، مثل قولهم: لابأس بالصلاة فى ثوب أصابه خمر، و نحو ذلك. و إن أمكن حمله على الكذب لمصلحة، بناء على ما استظهرنا جوازه من الأخبار، إلّا أنّ الأليق بشأنهم عليهم السلام هو الحمل على إرادة خلاف ظواهرها من دون نصب قرينة بأن يريد من جواز الصلاة فى الثوب المذكور جوازها عند تعذّر الغسل و الاضطرار إلى اللبس و قد صرّحوا بإرادة المحامل البعيدة فى بعض الموارد، مثل أنّه ذكر عليه السلام: أنّ النافلة فريضة ففزع المخاطب، ثمّ قال عليه السلام: إنّما أردت صلاة الوتر على النبى صلى الله عليه وآله و سلم.

ومن هنا يعلم أنّه إذا دار الأمر فى بعض المواضع بين الحمل على التقيّة و الحمل على الاستحباب، كما فى الأمر بالوضوء عقيب بعض ما قال العامة بكونه حدثا تعيّن الثانى لأنّ التقيّة تتأدّى بإرادة المجاز و إخفاء القرينة،(1) و لعلّ وجه التعيّن هو تنزيه الأئمة عليهم السلام عن نسبة الكذب إليهم، و إن كان الكذب جايزا لقبح الكذب فى نفسه.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: لله دَرُّ المصنّف، حيث أشار بكلامه هذا إلى قاعدة كلّية و ضابطة شريفة تتفرّع عنها فروع كثيرة، و من شأنها أن يبحث عنها فى علم الأصول من فصول أبحاث الأوامر.

وتحقيق الكلام: أنّ ما يدور أمره بين الحمل على التقيّة و بين الحمل على الاستحباب على ثلاثة اقسام:

الأوّل: أن يكون ظهوره فى بيان الحكم الوضعى المحض، كما إذا ورد عنهم أنّ‌

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 52.

الرعاف أو الحجامة مثلاً من النواقض للوضوء، فإنّه لاريب فى حمل هذا القسم على التقيّة بأن يكون المراد أنّها ناقضة حقيقة للوضوء، ولكن صدور هذا الحكم بداعى التقيّة لابداعى الإرادة الجدّية.

الثانى: أن يدلّ بظهوره على الحكم التكليفى المولوى المحض، كما إذا فرضنا أنّ قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة عند العامة و مستحبّة عندنا، و وردت رواية عن أئمتنا عليهم السلام ظاهرة فى الوجوب، فالأمر حينئذ يدور بين حمل هذه الرواية على الوجوب بداعى التقيّة و بين حملها على الاستحباب بداعى الجدّ.

غاية الأمر أنّ الإمام عليه السلام لم ينصب قرينة على مراده الجدّى، و على هذا فبناء على مسلك المصنّف من كون الأمر حقيقة فى الوجوب و مجازا فى غيره يدور الأمر بين حمله على التقيّة فى بيان الحكم و رفع اليد عن المراد الجدّى أعنى الاستحباب أو حمله على الوجوب الخاص أعنى الوجوب حال التقيّة و رفع اليد عن ظهور الأمر فى الوجوب المطلق بأن يكون المراد أنّ قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة حال التقيّة، أو حمله على الاستحباب و رفع اليد عن ظهور الكلام فى الوجوب من دون قرينة، و حيث لامرجّح لأحد الأمور الثلاثة بعينه فيكون الكلام مجملا.

و أمّا بناءً على ما حقّقناه فى محلّه من أنّ الأمر موضوع لواقع الطلب أعنى إظهار الاعتبار النفسانى على ذمّة المكلّف فما لم يثبت الترخيص من الخارج، فإنّ العقل يحكم بالوجوب، و إذا ثبت الترخيص فيه من القرائن الخارجية حمل على الاستحباب.

وعليه فلامانع من حمل الأمر بقراءة الدعاء عند رؤية الهلال على الاستحباب للقطع الخارجى بعدم وجوبها عند رؤية الهلال فيتعيّن الاستحباب، إذ ليس هنا احتمال آخر غيره كى يلزم الإجمال.

الثالث: أن يكون الكلام الصادر عن الإمام عليه السلام ظاهرا فى بيان الحكم التكليفى، إلّا

أنّه فى الواقع بيان للحكم الوضعى الصرف، كما إذا ورد الأمر بالوضوء عقيب المذى و الودى و مسّ الفرج و غيرها من الأمور التى يراها العامة أحداثا ناقضة للوضوء، فالأمر فى هذه الموارد إرشاد إلى ناقضية الأمور المذكورة، فيدور الأمر حينئذ بين حمله على ظاهره من الناقضيّة بداعى التقيّة لاالجدّ، و بين حمله على الاستحباب، فالظاهر هو الأول. فإنّ حمله على الثانى يستلزم مخالفة الظاهر من جهتين: الأولى حمل ما هو ظاهر فى الإرشاد إلى الناقضيّة على خلاف ظاهره من إرادة الحكم التكليفى. الثانية: حمل ما هو ظاهر فى الوجوب على الاستحباب.

و أمّا لو حملناه على التقيّة فلايلزم منه إلّا مخالفة الظاهر من جهة واحدة و هى حمل الكلام على غير ظاهره من المراد الجدّى.(1)

فتحصّل أنّ القاعدة المذكورة لامصداق لها، فإنّ الصورة الثانية مجملة، و الصورة الثالثة كان الأمر بالعكس، كما أنّ الصورة الأولى خارجة عنها.

يمكن أن يقال أوّلاً: إنّ القسم الأول خارج عن المقسم، إذ لايدور الأمر فيه بين الحمل على التقيّة و بين الحمل على الاستحباب ليتمحّض المورد فى الحكم الوضعى، فلاوجه لجعله من الأقسام.

وثانياً: أنّ القسم الثانى يدور أمره بين الحمل على الوجوب و التقيّة و بين الحمل على الاستحباب حتى على مبنى الشيخ قدس سره. و إجماله يرتفع بالقطع الخارجى بعدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فيتعيّن الاستحباب كما يصلح ذلك القطع لتعيّن الاستحباب على مبنى السيّد المحقّق الخوئى قدس سره، و كفى به مصداقا للقاعدة المذكورة.

وثالثاً: أنّ القطع الخارجى بعدم وجوب الوضوء عقيب الأمور التى يراها العامّة من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 414-413.

الأحداث يكفى لرفع اليد عن ظهور الأمر فى الإرشاد إلى الناقضية و لرفع اليد عن ظهور الأمر فى الوجوب، فيتعيّن الاستحباب.

ثمّ إنّ ما أفاده الشيخ من أنّ الأنسب بشأن الأئمة عليهم السلام فيما إذا دار الأمر بين الكذب تقيّة و الحمل على إرادة خلاف الظاهر من دون نصب قرينة هو الثانى لايخلو من قوّة فى الجملة، لأنّ الكذب و إن كان معفوّا شرعا إلّا أنّه لايخلو عن قبح فى ذاته فلايليق نسبته إلى الائمة عليهم السلام.

قال الميرزا الشيرازى قدس سره: بل اللايق بناء على ما مرّ منه قدس سره من أنّ الرخصة فى الكذب مع إمكان التورية إنّما هو عفو من الشارع مع ثبوت القبح العقلى فعلا فى موردها لوضوح عدم لياقة الإتيان بالقبح العقلى بهم عليهم السلام و إن فرض العفو عن حكمه شرعا.(1)

ثانيها: إرادة الإصلاح؛ قال الشيخ الأعظم: و قد استفاضت الأخبار بجواز الكذب عند إرادة الإصلاح، ففى صحيحة معاوية بن عمّار عن أبى عبدالله عليه السلام قال: المصلح ليس بكذّاب.(2)

و نحوها رواية معاوية بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن أبى عبدالله عليه السلام.(3) و فى رواية عيسى بن حسّان عن الصادق عليه السلام: كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلّا كذبا فى ثلاثة: رجل كائدٌ فى حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتمّ لهم.(4) وبمضمون هذه الرواية فى استثناء هذه الثلاثة روايات.

**

(1) التعليقة، ص 132-131.

(2) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 253، ح 3.

(3) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 255، ح 9.

(4) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 253، ح 5.

وفى مرسلة الواسطى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: الكلام ثلاثة: صدق و كذب و إصلاح بين الناس، قال: قيل له جعلت فداك، و ما الإصلاح بين الناس‌؟ قال: تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه، فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا و كذا خلاف ما سمعت منه.(1)

و عن الصدوق فى كتاب مصادقة الإخوان بسنده مرسلا عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: إنّ الرجل ليصدق على أخيه، فيصيبه عنت من صدقه، فيكون كذّابا عندالله. و إنّ الرجل ليكذب على أخيه يريد به نفعه فيكون عندالله صادقا.(2)

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار المذكورة عدم وجوب التورية و لم أر من اعتبر العجز عنها فى جواز الكذب فى هذا المقام، و تقييد الأخبار المذكورة بصورة العجز فى غاية البعد، و إن كان مراعاته مقتضى الاحتياط.(3) و لايخفى عليك أنّ الرواية الأخيرة يصحّ الاستدلال بها للمقام بالأولوية، فإنّ الكذب للنفع إذا كان جايزاً كان كذلك لدفع الضرر بالأولوية؛ هذا مضافا إلى إمكان إرادة الإصلاح من النفع ولكنّها مرسلة.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الأخبار المذكورة عدم الفرق بين التمكّن من التورية و عدمه، فهذه الأخبار تكون مخصّصة بالنسبة إلى أدلّة حرمة الكذب، كما أنّ أخبار جواز الكذب فى الحلف لدفع الضرورة تكون مخصّصة لأدلة حرمة الكذب، سواء تمكّن من التورية أو لا يتمكّن، فيجوز الكذب لإصلاح ذات البين و إن أمكن التورية.

و استدلّ السيّد المحقّق الخوئى قدس سره على جواز الكذب للإصلاح بقوله تعالى: (إِنَّمَا)

**

(1) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 254، ح 6.

(2) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 255، ح 10.

(3) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 52.

(اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ‌) ،(1) أى أصلحوا بين المؤمنين إذا تخاصموا و تقاتلوا، (وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ‌) فى ترك العدل و الإصلاح، (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‌) ، بدعوى أنّ إطلاق الآية يشمل الإصلاح بالكذب أيضا، و حينئذ فتكون الآية معارضة لعموم ما دلّ على حرمة الكذب بالعموم من وجه، و بعد تساقطهما فى مادّة الاجتماع، أعنى الكذب للإصلاح يرجع إلى البراءة، أو إلى عموم «المصلح ليس بكذّاب»، فإنّه ينفى الكذب عن المصلح على سبيل الحكومة.(2)

و لا يخفى عليك أنّ إطلاق الآية الكريمة لايشمل الإصلاح بالمعاصى و الكذب منها، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الكذب فى مقام الإصلاح بين المؤمنين لاقبح فيه عرفا، فيشمله الإطلاق، بخلاف سائر المعاصى، فإنّ القبح فيها يمنع عن شمول الإطلاق لها.

ثمّ إنّه قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: لافرق فى جواز الكذب للإصلاح بين أن يكون المصلح أحد المتخاصمين أو غيرهما. و يدلّ على تأكّد الحكم فى الأول بعض الأحاديث الواردة فى حرمة هجران المؤمن فوق ثلاثة أيام، كقوله عليه السلام فى رواية حمران: ما من مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث إلّا و برأت منهما فى الثالثة، قيل: هذا حال الظالم، فما بالُ المظلوم‌؟ فقال عليه السلام: مابالُ المظلوم لايصير إلى الظالم، فيقول: أنا الظالم حتّى يصلحا.(3)

و من الواضح جّداً أنّ قول المظلوم أنا الظالم كذب و قد ذمّه الإمام عليه السلام على تركه فيكون مستحبّاً مؤكّداً.(4)

ثالثها: هو جواز الكذب لمجرّد إرادة جلب النفع للإخوان، و هو الأعم من المسوغ

**

(1) الحجرات، 10.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 415.

(3) الوسائل، الباب 144 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 263، ح 10.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 415.

السابق؛ و كيف كان، يمكن الاستدلال له بما رواه الصدوق قدس سره مرسلا فى كتاب مصادقة الإخوان عن مولانا أبى الحسن الرضا «عليه و على آبائه الطاهرين و أولاده المعصومين أفضل الصلاة و الثناء»، قال: إنّ الرجل ليصدق على أخيه، فيصيبه عنت من صدقه فيكون كذّابا عندالله و إنّ الرجل ليكذب على أخيه يريد به نفعه فيكون عندالله صادقا.(1)

و بما رواه فى الاختصاص عن سعد بن عبدالله عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن صالح بن سهل الهمدانى قال: قال الصادق عليه السلام: أيّما مسلم سئل عن مسلم فصدق، فأدخل على ذلك المسلم مضرّة كتب من الكاذبين، و من سئل عن مسلم فكذب فأدخل على ذلك المسلم منفعة كتب عندالله من الصادقين.(2) و الخبر ضعيف لعدم توثيق صالح بن سهل الهمدانى؛ هذا مضافا إلى ما فى نسبة الاختصاص إلى المفيد.

و بخبر جعفر بن أحمد القمى فى كتاب الأعمال المانعة من الجنة عن أحمد بن الحسين بإسناده عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث: و الكذب كلّه إثم إلّا ما نفعت به مؤمنا أو دفعت به عن دين، الخبر.(3)

إذ ظاهرها كما أفاد الميرزا الشيرازى قدس سره: جواز الكذب لمجرّد إرادة النفع و إن لم يكن فى الإصلاح، فيكون هذا مجوّزاً ثالثا أو تعميما فى المجوّز الثانى، لكن لايحضرنى الآن فتوى بجواز ذلك مضافا إلى معارضتها بالأخبار المتقدّمة الحاصرة للكذب السائغ فى ثلاثة أحدها الكذب فى الإصلاح بالعموم المطلق فتخصّص بها (أى بالأخبار الحاصرة، فلايجوز فى غير موارد الحصر) و لو فرض كون النسبة عموما من

**

(1) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 255، ح 10.

(2) المستدرك، الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ج 9، ص 95، ح 5.

(3) المستدرك، الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ج 9، ص 95، ح 8.

وجه لشمول تلك الكذب للإصلاح بين نفسه و غيره فحوىً أو مناطا أو منطوقا، كما فى صحيحة معاوية بن عمّار: المصلح ليس بكذّاب، حيث لايبعد دعوى شمول إطلاقه اللفظى للكذب للإصلاح بين نفسه و بين غيره إن لم نقل بتقييدها (صحيحة معاوية) أيضا بتلك الأخبار (أى أخبار الحاصرة)، وكان المرجع بعد التساقط إطلاقات حرمة الكذب.(1)

فلايجوز الكذب لمجرد جلب النفع للإخوان بعد تقييد أخبار النفع بالأخبار الحاصرة، أو بعد تساقط كليهما و الرجوع إلى إطلاقات حرمة الكذب.

و أمّا دعوى أنّ التعارض المترائى بين مفهوم الحصر فى رواية عيسى بن حسّان و رواية الطبرسى عن أبى عبدالله عليه السلام و كذا مفهوم العدد فى مقام التحديد فى مرسلة الواسطى و رواية وصية النبى صلى الله عليه وآله و سلم و غيرهما و بين ساير الروايات يمكن دفعه بأنّ القرينة العقليّة قائمة بعدم إرادة الحصر الحقيقى من الاستثناء فى المقام ضرروة أنّ العقل حاكم بأنّ الكذب للفرار من مفسدة أعظم من مفسدته غير مسؤول عنه؛ مضافا إلى ما تقدّمت من الروايات المتقدّمة المجوّزة للكذب لإنجاء ماله أو نفسه أو مال غيره أو نفسه.

فلابدّ من التصرّف فى الحصر بنحو لايخاف ما تقدّم، فيصير مفادها بعد رفع التعارض جواز الكذب لكلّ مصلحة و نفع كائنا ما كان. و يمكن إرجاع الروايات الواردة فى جوازه لتخلّص النفس و المال إليها، فيكون الجواز فيها أيضا للمصلحة و النفع.

فهى مندفعة بما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره من: أنّ سند هذه الروايات عدى صحيحة معاوية بن عمّار (الدالّة على أنّ المصلح ليس بكذّاب)، و الروايات المتقدّمة

**

(1) التعليقة، ص 133؛ والظاهر أنّ كلمة «الواو» فى قوله: و كان المرجع الخ زائدة.

التى لها عنوان آخر ضعيفة. و استفاضتها و كثرتها و إن توجب الوثوق بصدور بعضها إجمالا لكن لابدّ معه من أخذ ما هو أخص مضمونا و هو الإصلاح بين الناس، فيقال بجوازه فيه المتطابق عليه الروايات دون غيره، مع أنّ الالتزام بجوازه فى مطلق الصلاح و النفع غير ممكن، بل لعلّه موجب لإخراج الأكثر البشيع، و أمّا الصحيحة فيمكن دعوى انصرافها إلى الإصلاح بين الناس كما تقدّم.(1)

هذا مضافا إلى عدم الفتوى به كما أشار إليه الميرزا الشيرازى قدس سره.

فتحصّل أنّه لادليل لجواز الكذب بمجرد جلب النفع للإخوان؛ نعم، الإشكال فى جواز الكذب للإصلاح بين الإخوان كما مرّ فى المسوّغ الثانى.

رابعها: عدة الرجل أهله و زوجته كذبا، و استدلّ له بخبر عيسى بن حسّان قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلّا كذبا فى ثلاثة: رجل كائدٌ فى حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا و هو لايريد أن يتمّ لهم.(2) و الخبر ضعيف لعدم توثيق عيسى بن حسّان. هذا مضافا إلى احتمال أنّ المراد هو الوعد الانشائى مع عدم إرادة الوفاء به لاالوعد الإخبارى، فتأمّل.

و بخبر حمّاد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام فى وصيّة النبى صلى الله عليه وآله و سلم لعلىٍّ عليه السلام قال: يا على! إنّ الله أحبّ الكذب فى الصلاح و أبغض الصدق فى الفساد، إلى أن قال: يا على! ثلاث يحسن فيهنَّ الكذب:

**

(1) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 92.

(2) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 253، ح 5.

المكيدة فى الحرب، و عدتك زوجتك، و الإصلاح بين الناس.(1) و الرواية ضعيفة لجهالة غير واحد ممن وقع فى السند، و أمّا الدلالة فهى كالخبر السابق.

و بخبر محمد بن سعيد عن المحاربى عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال: ثلاثة يحسن فيهنَّ الكذب: المكيدة فى الحرب، وعدتك زوجتك، و الإصلاح بين الناس، و ثلاثة يقبح فيهنَّ الصدق: النميمة و إخبارك الرجل عن أهله بما يكرهه، و تكذيبك الرجل عن الخبر، الحديث.(2) و السند ضعيف لجهالة أبى الحسين بن الحضرمى الواقع فى طريقه.

و بخبر الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه على بن الحسين عن أبيه عن على بن أبيطالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: لايصلح الكذب إلّا فى ثلاثة مواطن: كذب الرجل لامرأته، و كذب الرجل يمشى بين الرجلين ليصلح بينهما، و كذب الإمام عدوَّه فإنّما الحرب خدعة.(3)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و أمّا الأشعثيّات المعبّر عنها بالجعفريات أيضا فهى أيضا لم تثبت.

بيان ذلك: أنّ كتاب محمد بن محمد الأشعث الذى وثّقه النجاشى و قال: له كتاب الحج ذكر فيه ما روته العامة عن جعفر بن محمد عليهما السلام فى الحج و إن كان معتبرا إلّا أنّه لم يصل إلينا و لم يذكره الشيخ فى الفهرست و هو لاينطبق على ما هو موجود عندنا جزما، فإنّ الكتاب الموجود بأيدينا مشتمل على أكثر أبواب الفقه، و ذلك

**

(1) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 252، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 252، ح 2.

(3) المستدرك، الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ج 9، ص 94، ح 2.

الكتاب فى الحج خاصة و فى خصوص ما روته العامة عن جعفر بن محمد عليهما السلام.(1)

و بخبر الطبرسى فى المشكاة عن أبى عبدالله عليه السلام قال: كلُّ كذب مسؤول عنه يوما إلّا كذب فى ثلاثة: رجل كائدٌ فى حربه فهو موضوع عنه، و رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد الإصلاح ما بينهما، و رجل وعد أهله شيئا و لايريد ان يتمّ لهم يريد بذلك دفعها.(2)

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: ثمّ إنّ القول بجواز الكذب فى الوعد مع الأهل كما ورد فى الروايات مشكل لضعفها و إجمال المراد منها، فإنّ الظاهر من استثناء عدة الأهل من الكذب أنّ المراد بها الإخبار عن خلاف الواقع، و الظاهر من عنوان العدة أنّها إنشاء. فيمكن أن تجعل العدة قرينة على تصرّف فى الكذب فيراد به الأعم منه و مما هو شبيه به، كالوعد الذى لايراد إنجازه. و يمكن أن يجعل الكذب قرينة على أنّ المراد بالوعد الإخبار بالإعطاء مع عدم إرادة الإتيان به، و كيف كان، الأحوط لو لم يكن الأقوى عدم جوازه إلّا مع إكراه أو اضطرار كما قد يتّفق، و يمكن حمل الروايات على مورد الاضطرار (تأمّل).(3)

و دعوى ظهور الرواية فى الوعد الاخبارى لا الوعد الإنشائى بقرينة عدّ الوعد للأهل فى الرواية من أفراد الكذب،(4) مندفعة بما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره من أنّ العدة قرينة على التصرّف فى الكذب و إرادة الأعم منه و مما هو شبيه به، كالوعد الذى لايراد إنجازه و الشباهة تكفى فى عدّه فى أفراد الكذب، فتأمّل.

**

(1) مبانى تكملة المنهاج، ج 1، ص 226.

(2) المستدرك، الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ج 9، ص 94، ح 4.

(3) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 93-92.

(4) إرشاد الطالب، ص 245.

لايقال: إنّ جواز الخلف فى الوعد الإنشائى الابتدائى لايختصّ بالوعد للزوجة أو الأهل.(1)لأنا نقول: لعلّ الوجه فى ذكره هو شدّة الحاجة إليه، فالرواية فى مقام رفع المشكل بحيث لايبتلى المكلّف بالكذب، فمدلول الرواية هو ترك الوفاء بوعدة الإنشائى يعنى التعهّد للعيال أو الزوجة بالفعل. و هذا لايتّصف بالصدق أو الكذب ليكون حراماً. و لابأس بالتعهّد و ترك الوفاء به ما لم يكن التعهّد فى ضمن المعاملة، خصوصا إذا طرء مانع عنه.

ثمّ على تقدير جواز الكذب للأهل و الزوجة يخصّص ذلك بغير الولد لخبر الحارث الأعور عن على عليه السلام قال: لايصلح من الكذب جدّ و لاهزل و لا أن يعد أحدكم صبيّه ثمّ لايفى به، إنّ الكذب يهدى إلى الفجور و الفجور يهدى إلى النار و ما يزال أحدكم يكذب حتّى يقال: كذب و فجر، و ما يزال أحدكم يكذب حتّى لايبقى موضع إبرة صدق فيسمّى عندالله كذّابا.(2) ولكن هذا مبنىٌّ على كون خبر الحارث صحيحاً، و هو غير ثابت.

تتمة: فى عدم جواز الأخبار بدون العلم بالواقع

تتمة: و هى أنه لايجوز الإخبار بدون العلم بالواقع على صورة الجزم، سواء كان ظانّاً به أم بعدمه أم شاكّاً، و ذلك لكونه قبيحا عند العقلاء و لم يردع عنه؛ هذا مضافا إلى أنّه لو كان الاخبار خبرا عن الله تعالى لشمله قوله تعالى: (أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ‌) ،(3) و هو يدلّ على الحرمة و إن لم يعلم أنّه كذب و كان من الشبهات الموضوعية.

ثمّ يقع الكلام فى أنّه هل يكون إسناد شيئ مشكوك إلى الشارع مبطلاً للصوم أم

**

(1) إرشاد الطالب، ص 245.

(2) الوسائل، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 251-250، ح 3.

(3) الأعراف، 28.

لا؟ ربّما يقال: بعدم البطلان نظراً إلى الشكّ فى مخالفته للواقع الموجب للشكّ فى حصول الإفطار به، فيرجع إلى أصالة البراءة، بل لاحاجة إلى التمسك بالأصل للعلم بعدم المفطريّة واقعاً لأنه إن كان مطابقا للواقع فلا كذب أصلاً؛ و إن كان مخالفا فلا تعمّد إليه، فإنّ المفطر خصوص التعمّد إليه المنتفى فى المقام بعد فرض الشكّ فى المطابقة.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: بأنّ الظاهر هو البطلان لصدق العمد بعد تنجّز الاحتمال لأجل كونه من أطراف العلم الإجمالى الذى لامجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة، حيث أنّه يعلم إجمالاً بكذب أحد الأمرين، إمّا ذاك الخبر المفروض أو نقيضه، و أنّ أحد الإسنادين إلى الإمام عليه السلام مخالف للواقع جزما.

فمثلاً لو فرض أنّ الخبر المشكوك مطابقته للواقع هو أنَّ الصادق عليه السلام قال: إنّ الشيئ الفلانى حرام، فيعلم إجمالا بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع، إمّا هذا الخبر أو خلافه و هو أنّه قال الصادق عليه السلام: الشيئ الفلانى بعينه حلال، و إن أحدهما كذب قطعا. فبالعلم الإجمالى يتنجّز الواقع لامحالة و لامجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة.(1)

و يمكن دفع ذلك بأنّ العلم الإجمالى يمنع عن البراءة إذا لم يكن المعلوم بالإجمال بعيدا عن الأذهان العرفية، و إلّا فلايمنع عنها؛ هذا مضافا إلى ما اخترناه فى محلّه من أنّ أدلة البراءة تجرى فى أطراف المعلوم بالإجمال عدا فى الموارد التى ورد الأمر بالاحتياط فيها شرعا، و المورد المذكور ليس من تلك الموارد.

و أيضا لو كان العلم الإجمالى المذكور مانعا عن جريان البراءة لوجب الاحتياط فى جميع موارد الشبهات الموضوعية، لإمكان أن يقرب فيها العلم الإجمالى بمثل المذكور. و يقال: إنّ‌

**

(1) مستند العروة، ج 1، ص 141.

الشيئ الفلانى المشكوك كونه نجسا يرجع إلى أنّ الإمام قال: إنّ الشيئ الفلانى نجس لأنّه دم، أو قال: إنّ الشيئ الفلانى ليس بنجس لأنّه ماء، فيعلم إجمالا بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع، إمّا هذا الخبر أو خلافه؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الاحتياط المذكور هو من جهة عدم إسناد كلّ طرف إلى الشارع لا من ناحية الارتكاب، فلاتغفل.

خامسها: المكيدة فى الحرب بالكذب كما دلّ عليه بعض النصوص و اقتضته الضرورة احيانا و على فرض قيام الضرورة يكون الكذب لذلك مندرجا فى المسوغ الأول الذى يجوز الكذب فيه للضرورة او الإكراه او الاضطرار.

المسألة التاسعة و الأربعون «فى الكهانة»

اشارة

يقع الكلام فى جهات:

الجهة الاولى: فى المراد من الكهانة

فى المراد من الكهانة، فالمحكى عن النهاية: أنّ الكاهن من يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل الزمان. و قد كان فى العرب كهنة، فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ يلقى إليه الأخبار، و منهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات و أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من سأله أو فعله أو حاله و هذا يخصّونه باسم العرّاف.

قال شيخنا الأعظم بعد نقل المحكى عن النهاية و المحكى عن الأكثر فى تعريف الكاهن ما فى القواعد: من أنّه من كان له رأى من الجنّ يأتيه الأخبار. و عن التنقيح: أنّه المشهور و نسبه فى السرائر إلى القيل و رأى على فعيل من رآى، يقال: فلان رإىّ القوم أى صاحب رأيهم. قيل: و قد يكسر رائه اتباعا. و عن القاموس: رأىّ كغنىّ جنىّ يرى فيخبر. و عن النهاية: يقال للتابع من الجن رإىّ بوزن كمىّ‌، انتهى.

و قد حكى عن المغرب أنّ الكهانة فى العرب كان قبل المبعث (يروى) أنّ الشياطين كانت تسترق السمع فتلقيه إلى الكهنة.

والظاهر أنّ اللغويين اتفقوا فى أنّ الكاهن يخبر عن المغيبات بسبب ارتباطهم مع الجنّ أو الشياطين أو غير ذلك بالنسبة إلى الأمور المستقبلة، و اختلفوا بالنسبة إلى الأمور الماضية، فصريح النهاية: هو اختصاص الأخبار بالمستقبلة خلافا لصريح المحكى عن المصباح، حيث قال: الكاهن يخبر عن الماضى و المستقبل.

ثمّ إنّه قال فى أقرب الموارد: الكاهن عند النصارى و اليهود و عبدة الأوثان: الذى يقدم الذبائح و القرابين و ربّما كان مأخوذا فى الأصل من معنى القضاء بالغيب كما كانت تفعل كهنة الوثنيين و اليهود.

و فى التعريفات: الكاهن هو الذى يخبر عن الكوائن فى مستقبل الزمان و يدّعى معرفة الأسرار و مطالعة علم الغيب.

قال فى فرهنگ عميد: كاهن (بكسرها) غيب گو، انتهى. و لعلّ هذه التعريفات تدلّ على أنّ الكاهن يدّعى معرفة الأسرار و علم الغيب و يحكم به و يقرب بالذبائح و القرابين و كانوا مقيمين مقام الأصفياء من دون أن يكون لهم شأن ذلك.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: الكهانة على قسمين:

الأول: أن يخبر الكاهن عن الحوادث المستقبلة لاتصاله بالشياطين القاعدين مقاعد استراق السمع، فيطّلعون على أسرارها، ثمّ يرجعون إلى أولياءهم لكى يؤدّوها إليهم.

الثانى: أن يخبر الكاهن عن الكائنات الأرضية و الحوادث السفلية لاتصاله بطائفة من الجنّ و الشياطين التى تلقى إليه الأخبار الراجعة إلى الحوادث الأرضية فقط، لأنّ‌

الشياطين قد منعت عن الاطّلاع إلى السماء و أخبارها بعد بعثة النبى صلى الله عليه وآله و سلم.(1)

و يوضّح ذلك مرسلة الطبرسى فى الاحتجاج فى جملة الأسئلة التى سئل الزنديق عنها أباعبدالله عليه السلام، قال الزنديق: فمن أين أصل الكهانة‌؟ من أين يخبر الناس بما يحدث‌؟ قال عليه السلام: إنّ الكهانة كانت فى الجاهلية فى كلّ حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم، فيخبرهم عن أشياء تحدث و ذلك من وجوه شتّى: فراسة العين و ذكاء القلب و وسوسة النفس و فتنة الروح(2) مع قذف فى قلبه لأنّ ما يحدث فى الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان و يؤديّه إلى الكاهن و يخبره بما يحدث فى المنازل و الأطراف.

و أمّا أخبار السماء، فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع، إذ ذاك و هى لاتحجب و لاترجم بالنجوم، و إنّما منعت من استراق السمع لئلّا يقع فى الأرض سبب يشاكل الوحى من خبر السماء، و يلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن الله لإثبات الحجّة و نفى الشبهة و كان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث الله فى خلقه فيختطفها ثمّ يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن.

فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحقّ بالباطل فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به هو ما أدّاه إليه شيطانه لمّا سمعه و ما أخطأ فيه فهو من باطل مازاد فيه. فمنذمنعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة و اليوم أنّما تؤدّى الشياطين إلى كهّانها أخبارا للناس بما يتحدّثون به و ما يحدّثونه، و الشياطين تؤدّى إلى الشياطين ما يحدث فى البعد من الحوادث من سارق سرق و من قاتل قتل و من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 417.

(2) و فى بعض النسخ فطنة مكان فتنة.

غائب غاب و هم بمنزلة الناس أيضا صدوق و كذوب، الخبر.(1)

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ففى قوله «انقطعت الكهانة» دلالة على ما عن المغرب من أنّ الكهانة فى العرب كانت قبل البعث قبل منع الشياطين عن استراق السمع، إلى أن قال الشيخ قدس سره: فيكون المراد من الكهانة المنقطعة الكهانة الكاملة التى يكون الكاهن بها حاكما فى جميع ما يتحاكمون إليه من المشتبهات كما ذكر فى أول الرواية.(2)

و كيف كان، فلاتشمل الكهانة بالمعنى المذكور الأخبارات التى يخبر بها بعض المتّقين من جهة تهذيب أنفسهم لعدم دخالة الأجنّة و الشياطين فى ذلك؛ هذا مضافا إلى أنّ الكاهن أراد أن يجلس مجلس النبىّ أو الوصىّ فى حلّ الشبهات و الحكم فيما يحتكمون إليهم و المتّقون لايكونون فى هذا المقام، بل يصلون إلى مقامات نوّرهم الله بنوره و لم يخطئوا عن طريقة الأنبياء و الأولياء كسلمان و غيره ممن علّموا علم المنايا و أخبروا به أحيانا لجهة من الجهات، بل يمكن منع شمول الكهانة لمطلق تسخير الأجنّة لأخذ بعض الأمور المستورة كالسرقة إذا لم يكن ذلك مضرّاً.

و بالجملة، فمقتضى القاعدة أنّه إذا شكّ فى شمول الكهانة لمورد يؤخذ بالقدر المتيقّن من المفهوم و يجرى البراءة فى غيره، و الله العالم.

الجهة الثانية: فى روايات الباب:

منها: صحيحة أبى بصير المرويّة فى الخصال عن أبيه عن سعد بن عبدالله عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبى عمير عن على بن أبى حمزة عن أبى بصير عن أبى عبدالله عليه السلام قال: من تكهّن أو تُكُهِّنَ له فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله و سلم.(3) تكهّن له أى

**

(1) الاحتجاج، ج 2، ص 81.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 53.

(3) الوسائل، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 149، ح 2.

قال ما يشبه قول الكهنة، و الفرق بين تكهّن و تكهّن له أنّ الأول ليس لغيره.

لايقال: إنها ضعيفة لوقوع على بن أبى حمزة البطائنى فى طريقها، لأنا نقول: نقل ابن أبى عمير يشهد على أنّ الرواية مأخوذة منه فى حال استقامته. وهذه الرواية تدلّ على حرمة الكهانة، سواء كانت لنفسه أو لغيره. وذلك لأنّ التشبّه بالكاهن إذا كان حراما فنفس الكهانة أوضح حرمة.

ومنها: موثّقة السَّكونى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: السُّحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغى و الرشوة فى الحكم و أجر الكاهن.(1) و من المعلوم أنّ أجر الكاهن لايكون سحتا إلّا إذا كان عمل الكهانة محرّما.

وتضعيف الرواية من ناحية النوفلى الواقع فى طريقها غير مقبول بعد دعوى الشيخ: أنّ الأصحاب قبلوا أخبار السَّكونى مع أنّ رواياته لم تنقل إلّا بواسطة النوفلى.

ومنها: معتبرة نصر بن قابوس قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: المنجّم ملعون و الكاهن ملعون و الساحر ملعون و المغنّية ملعونة و من آواها ملعون و آكل كسبها ملعون.(2) بناء على ظهور اللَّعن فى الحرمة ما لم يقترن بما يصرفه عن ذلك.

و يشكل فى الرواية بالضعف من ناحية الحسن بن على الكوفى و إسحاق بن إبراهيم لعدم توثيقهما. و يمكن دفعه بأنّ الصدوق قال فى حقّ الحسن بن على الكوفى: إنّه معروف،(3) ثمّ إنّ إسحاق بن إبراهيم هو الحضينى بقرينة نقل الحسن بن على الكوفى عنه. و هو الذى جرت الخدمة للرضا عليه السلام على يده. و لذا قال الوحيد فى التعليقة: الأقرب قبول قوله لكونه وكيلا و هو يقتضى الوثاقة. و قال العلّامة فى محكى

**

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 93، ح 5.

(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 143، ح 7.

(3) عن لا يحضره الفقيه، ص 68.

كلامه: الأقرب قبول قوله و نصر بن قابوس ثقة، و عليه فلايبعد القول باعتبار الرواية.

ثمّ إنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ الأمور المذكورة فيها و إن اشتركت فى المحمول و هو الملعونية و المحرومية عن الرحمة ولكنّها مفترقة من ناحية الموضوع، إذ كلّ واحد منها يجعل موضوعا مستقّلاً و لايختلط بعضها مع البعض، كما تقدّم تعريف كلّ واحد فى محلّه.

ومنها: ما رواه محمد بن إدريس فى آخر السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: إنّ عندنا بالجزيرة رجلا ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيئ يُسرق أو شبهُ ذلك فنسأله‌؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب.(1) و الهيثم قريب الأمر له كتاب و روى عنه بعض الأجلّاء و صحّح العلّامة طريقا فيه الهيثم، ثمّ إنّ قوله «يصدّقه» يكشف عن كون الخبر جزميا.

قال شيخنا الأعظم قدس سره: و ظاهر هذه الصحيحة أنّ الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرّم مطلقا، سواء كان بالكهانة أو بغيرها، لأنّه عليه السلام جعل المخبر بالشيئ الغائب بين الساحر و الكاهن و الكذّاب و جعل الكلّ حراما.(2) و عليه فالإخبار بالغيب محرّم سواء كان بواسطة الأمور المذكورة أو بغيرها.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة أولاً: بانّ الرواية بقرينة السؤال ظاهرة فى الإخبار عن الأمور الماضية من السرقة و الضالّة و نحوها. و لاإشكال فى جواز الإخبار عن الأمور الماضية إذا كان المخبر جازما بوقوعها. إنّما الكلام فى الإخبار على سبيل

**

(1) الوسائل، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 150، ح 3.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 53.

الجزم عن الحوادث الآتية، فمورد الرواية أجنبى عن محلّ الكلام.(1)

وفيه: أنّ الجواب أعم و العبرة به. و ثانيا: بأنّه لادلالة فى الرواية على انحصار المخبر عن الأمور المغيبة بالكاهن و الساحر و الكذّاب، بل الظاهر منها أنّ الإخبار المحرّم منحصر بإخبار هذه الطوائف الثلاث.

فالإمام عليه السلام بيّن ضابطة حرمة الاخبار عن الغائبات. و نظيره ما إذا سئل أحد عن حرمة شرب العصير التمرى، فأجاب بأنّ‌: الحرام من المشروبات إنما هو الخمر و النبيذ و العصير العنبى إذا غلى، فإنّ هذا الجواب لايدلّ على حصر جميع المشروبات بالمحرّم وإنّما يدلّ على حصر المشروبات المحرّمة بالأمور المذكورة، و إذن فلا دلالة فى الرواية على حرمة مطلق الإخبار عن الأمور المستقبلة و لو من غير الكاهن و الساحر و الكذّاب.(2)

وفيه: أنّه نعم، ولكن يكفى دلالتها على حرمة إخبار الكاهن فى الأمور المستقبلة.

وثالثا: أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية أنّ تصديق المخبر فى إخباره حرام لأنه غير حجّة. و أمّا حرمة إخبار المخبر، فلاتدلّ الرواية على حرمته كما هو الحال فى إخبار الفاسق و غيره فيما لايكون قوله حجة.(3)

وفيه: أنّ وحدة السياق تشهد بأنّ الكهانة كالسحر و الكذب فى الحرمة؛ هذا مضافا إلى كفاية دلالة صحيحة أبى بصير على حرمة إخبار الكاهن بقوله «تكهّن».

ورابعا: بما فى إرشاد الطالب من أنّ الرواية ضعيفة لاصحيحة، فإنّ رواة كتاب

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 419.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 419.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 419.

الحسن بن محبوب لابن إدريس مجهولون لنا.(1) و فيه: أنّ كتاب الحسن بن محبوب من أشهر الكتب، فلايحتاج إلى السند.

وخامسا: بما فى تعليقة الميرزا الشيرازى قدس سره من أنّ الكهانة نظير ما مرّ فى القيافة من أنّه محرّم إذا ترتّب عليه أثر محرّم. و ليس فى الجمع بينه و بين الساحر و الكذّاب دلالة على حرمته الذاتية مثلهما بإحدى الدلالات الثلاث، كما هو ظاهر.(2)

و قد عرفت: أنّ وحدة السياق تكفى للدلالة على أنّ الكهانة كالسحر و الكذب فى الحرمة؛ هذا مضافا إلى صحيحة أبى بصير، فإنّها تدل على حرمة التكهّن لنفسه بقوله «من تكهّن» و لغيره بقوله «أو تكهّن له». و بالجملة، صحيحة الهيثم تدلّ على حرمة المشى نحو الكاهن. و لازم هذا هو حرمة التعليم و حرمة التعلّم و أخذ شيئ منه و إرجاع المرافعة إليه و حرمة إخباره أو حكمه بين المترافعين و كلّ ما يشاكله بأخذ الوحى.

ومنها: خبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام فى حديث المناهى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم نهى عن إتيان العرّاف و قال: من أتاه و صدّقه فقد برئ مما أنزل الله عزّوجلّ على محمد صلى الله عليه وآله و سلم. قال صاحب الوسائل: أقول: فسّر بعض أهل اللغة العرّاف بالكاهن و بعضهم بالمنجِّم.(3)

وفيه: أنّه ضعيف لجهالة شعيب بن واقد الذى يكون فى طريقه؛ هذا مضافا إلى أنّ العرّاف مردّد بين المنجّم و الكاهن، فلايصلح للاستدلال على حرمة إخبار الكاهن و

**

(1) إرشاد الطالب، ص 247.

(2) التعليقة، ص 134-133.

(3) الوسائل، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 149، ح 1.

إن وجب الاجتناب عنها للعلم الإجمالى. نعم، يستفاد منه أنّ ممنوعيّة اتيان العرّاف من جهة كونه فى مقابل ما أنزل الله عزّوجلّ‌. و من المعلوم أنّ هذا لايختصّ بمورده، بل كلّ مورد يكون كذلك يشمله قوله صلى الله عليه وآله و سلم: من أتاه و صدّقه فقد برئ مما أنزل الله عزّوجلّ على محمّد صلى الله عليه وآله و سلم.

قال الشيخ الأعظم: و تبيّن من ذلك أنّ الإخبار عن الغائبات بمجرّد السؤال عنها من غير نظر فى بعض ما صحّ اعتباره كبعض الجفر و الرَّمل محرّم، و لعلَّه لذا عدّ صاحب المفاتيح من المحرّمات المنصوصة الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم لغير نبىٍّ أو وصىٍّ‌، سواء كان بالتنجيم أو الكهانة أو القيافه أو غير ذلك، ولكنّه محلّ تأمّل و نظر، لعدم الدليل على حرمة كلّ إخبار عن الغائبات.

ومنها: خبر الخصال، قال: وقال عليه السلام: المنجّم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر فى النار.(1)

و الخبر ضعيف، ولكن يدلّ على اشتراك الكهانة مع الأمور المذكورة فى الحرمة و فى كونها موجبة للنار كما لايخفى.

الجهة الثالثة: فى صور المسألة و هى متعدّدة:

الأولى:

هى أن يخبر جزما عن الأمور المستقبلة بواسطة الأجنّة و الشياطين و تقديم الذبائح و القرابين إليهم و يحكم بين الناس بما أخذه منهم من الإخبار لمن يترافع إليه من الناس و يقوم بينهم مقام النبى أو الوصى عليهما الصلوات السلام.

و يخبر بالأخبار السماوية و نحوها مما يشاكل أخذ الوحى و الإخبار به. و لا

**

(1) الوسائل، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 143، ح 8.

إشكال فى حرمة الكهانة بهذا المعنى، بل هى القدر المتيقّن منها بحسب اللغة و الرواية، فلايجوز اتخاذها حرفة و شغلا و يحرم عليه إخباره بما سمع من الأجنة و الشياطين كما يحرم حكمه بين الناس بما سمع منهم.

و يكفى لإثبات حرمة الكهانة بالمعنى المذكور معتبرة نصر بن قاموس، حيث قال عليه السلام: و الكاهن ملعون، و صحيحة أبى بصير، حيث قال «من تكهّن»، فإنّه يدلّ على حرمة التشبّه بالكاهن فضلا عن الكهانة و غيرهما من الأخبار.

الثانية: فى حكم الترافع الى الكهنة و أخبارهم فى ذلك

الثانية: هى أن يأتى الناس الكاهن و يأخذون منه الأخبار و يترافعون إليه فى المنازعات و يصدّقونه و يترتّبون على إخباراته الآثار و يعملون به و يتعلّمون منه. و لا إشكال فى حرمة هذه الأمور بإطلاق صحيحة الهيثم: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب.(1) هذا مضافا إلى صحيحة أبى بصير، فإنّ إطلاق قوله «أو تكهّن له» يشمل المقام لأنّ من يأتيه يكون ممن تكهّن له كما لايخفى.

و إليه يؤوّل ما فى جامع المدارك، حيث قال: و فى غير السحر تحتاج حرمة التعلّم من دون قصد إلى العمل إلى الدليل إلّا أن يكون إجماع كما فى كلمات بعض الأكابر، و إلّا فمقدّمة الحرام ما لم توجب سلب القدرة عنه و لم يقصد بها الوصول إلى الحرام من جهتها لادليل على حرمتها.

نعم روى فى مستطرفات السرائر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: إنّ عندنا بالجزيرة رجلاً ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيئ يسرق أو شبه ذلك فنسئله‌؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من مشى إلى ساحر

**

(1) الوسائل، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 150، ح 3.

أو كاهن أو كذّاب فصدّقه فيما يقول، فقد كفر بما أنزل الله من كتاب، الخبر.

و لازم هذا حرمة التعليم و حرمة التعلّم لظهور الخبر فى أنّ الرجل المخبر كاهن و الكاهن كالساحر.(1)

الثالثة: تقييد أخبار الكهنة بأخبار الجن و الشياطين

الثالثة: هى أن يخبر المخبر عن الأمور الماضية من دون وساطة الأجنّة و الشياطين، و لادليل لحرمة هذه الصورة لعدم إحراز إطلاق الكهانة لمثل هذه الصورة، و إن كان مقتضى ما فى مصباح اللغة هو أنّه من الكهانة. وذلك للتقييد بكون الإخبار بواسطة الأجنّة و الشياطين مع التقرّب إليهم بمثل الذبايح و القرابين فى كلمات غيره من اللغويين.

هذا مضافا إلى شيوع الإخبار بذلك و عدم الرَّدع عنه بالخصوص. نعم، لايجوز التصديق العملى و ترتيب الأثر عليه إذا لم يحصل بإخباره العلم و الاطمئنان بالأمور.

لايقال: إنّ مقتضى إطلاق المنع عن الرجوع إلى الكاهن هو حرمة مطلق الرجوع إليه، لأنا نقول: لايحرز صدق الكاهن مع احتمال دخالة وساطة الأجنّة و الشياطين و التقريب إليهم بمثل الذبائح و القرابين.

الرابعة: ان يخبر عن الامور المستقبلة بشكل الوحى

الرابعة: هى أن يخبر المخبر عن الأمور المستقبلة من دون وساطة الأجنّة و الشياطين. و الكلام فى هذه الصورة كالكلام فى الصورة السابقة، فلادليل على حرمتها. ربّما يقال: إنّ الإخبار عن الغائبات و الكائنات فى مستقبل الزمان من الأمور يشاكل الوحى و من المقطوع به أنّه مبغوض للشارع.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ الممنوع فى الرواية هو الإخبار عن السماء بواسطة الشياطين، فإنّهم كانوا يقعدون مقاعد استراق السمع من السماء و يطلعون على

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 26.

مستقبل الأمور و يحملونها إلى الكهنة و يبثّونها فيهم و قد منعوا عن ذلك بالشهاب الثاقب لئلّا يقع فى الأرض ما يشاكل الوحى. و أمّا مجرد الإخبار عن الأمور الآتية بأىّ سبب كان فلايرتبط بالكهانة.(1)

ثمّ إنّ الظاهر من عبارة الشيخ الأعظم قدس سره هو اعتبار بعض أقسام الرمل و الجفر و غيرهما من موجبات الاطمئنان. و قد تعجّب منه بعض الأعلام من ناحية أنّه لم يقم دليل على اعتبارها فى الشريعة المقدّسة، غاية الأمر أنّهما يفيدان الظنَّ و هو لا يغنى من الحقّ شيئا.(2)

و لقائل أن يقول: إنّ إخبار الغيب من دون ارتباط بالأجنّة و الشياطين كان واقعا حتى من أصحاب الأئمة عليهم السلام و لم يكن ذلك عجيبا أو منكرا. و عليه فالنهى عن إخبار الغيب محمول على غير هذه الصورة التى وقعت الإخبار بإمداد الله تعالى و عنايته و إيحاء الملائكة و إلهاماتهم.

و مما ذكر يظهر ما فى جامع المدارك، حيث استشكل على إخراج العلم الحاصل من الجفر و غيره خصوصا مع ترك الاستفصال فى الخبر.(3)

و ذلك لأنّ الأخذ بالإطلاق و ترك الاستفصال فرع صدق الكهانة و مع عدم صدق ذلك كيف يستدلّ بالإطلاق و ترك الاستفصال.

الخامسة: فى اتخاذ الكهانة شغلا

الخامسة: أنّ اتخاذ الكهانة شغلا و حرفة حرام و لايجوز أخذ الأجرة عليها و يكفى لذلك موثّقة السَّكونى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: السُّحت ثمن الميتة و ثمن

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 420-419.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 420.

(3) جامع المدارك، ج 3، ص 26.

الكلب و ثمن الخمر و مهر البغى و الرشوة فى الحكم و أجر الكاهن.(1)

هذا مضافا إلى أنّ حرمة الشيئ تمنع عن جواز المعاملة عليه لأنّه بالحرمة يكون مسلوب المالية، فيكون أكل الثمن فى مقابله أكلاً للمال بالباطل، و يشمله قوله تعالى: (وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) .(2)

السادسة:

السادسة: أنّ الارتباط مع الأجنّة و الشياطين و الإخبار بالأمور الأرضية جزما سواء كانت من الماضية أو المستقبلة، هل يكون من الكهانة أو لا؟ يمكن القول بالأول لأنّ الإخبار جزمى و الارتباط مع الأجنّة و الشياطين محقّق، فإذا أخبروا جزما و صدّقهم بعض الناس كان كهانة.

و يمكن منع ذلك بأنّ الممنوع هو الكهانة بمعنى الإخبار عن أخبار السماء و التقرّب بالشياطين بالذبائح و القرابين، و هذا ليس بموجود فى هذه الصورة و مقتضاه هو عدم الحرمة و لاأقلّ من الشكّ‌، فيحكم بالبراءة لأنّ الشبهة مفهومية. نعم، إن كان الارتباط موجبا لوقوع الضرر بالنسبة إلى أجنّة مؤمنة أو غيرهم من المؤمنين، فلايجوز من هذه الناحية، و إلّا فلاوجه لحرمته، فتدبّر جيّداً.

**

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 93، ح 5.

(2) البقرة، 188.

المسألة الخمسون «فى اللعب»

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ظاهر بعض ترادفه مع اللهو، ولكن مقتضى تعاطفهما فى غير موضع من الكتاب العزيز تغايرهما، و لعلّهما من قبيل الفقير و المسكين إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا.

ولعلّ اللعب يشمل مثل حركات الأطفال الغير المنبعثة عن القوى الشهويّة و اللهو ما تلتذّ به النفس و ينبعث عن القوى الشهويّة. و قد ذكر غير واحد أنّ قوله سبحانه و تعالى: (أَنَّمَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ) (1) الآية، بيان ملاذ الدنيا على ترتيب تدرّجه فى العمر. و قد جعلوا لكلّ واحد منها ثمان سنين. و كيف كان، فلم أجد من أفتى بحرمة اللعب عدا الحلّى ما عرفت من كلامه،(2) و لعلّه يريد اللهو و إلّا فالأقوى الكراهة، انتهى.

و لايخفى عليك أنّ ظاهر قوله: و لعلّ اللعب يشمل مثل حركات الأطفال الغير

**

(1) الحديد، 20.

(2) حيث صرّح فى مسألة اللعب بالحمام بغير رهان بحرمته و قال: إنّ اللعب بجميع الأشياء قبيح.

المنبعثة عن القوى الشهويّة إلخ، أنّ اللعب أعمّ من اللّهو لاختصاص اللهو بالمنبعثة عن القوى الشهويّة، ولكن الأمر ليس كذلك لإطلاق اللهو أيضا على غير المنبعثة عن القوى الشهويّة كالسفر اللهوى للصيد، و عليه فالنسبة بين اللعب و اللهو هى العموم من وجه فلاعموم و لاخصوص و لاترادف.

و كيف كان، فاللعب فيما إذا لم يكن مصداقا لللَّهو لايكون حراما، و إن أمكن القول بالكراهة.

المسألة الحادية و الخمسون «فى اللغو»

قال الشيخ الأعظم قدس سره: فإن جعل اللغو مرادفا لللَّهو كما يظهر من بعض الأخبار كان فى حكمه و استدلّ على ذلك بالروايات:

منها: رواية محمد بن ابى عبّاد المتقدّمة عن أبى الحسن الرضا عليه السلام: أنّ السماع فى خير اللهو و الباطل، أما سمعت قول الله تعالى: (وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً) .(1)

ومنها: موثقة ابى ايوب الخرّاز قال: نزلنا بالمدينة فأتينا أباعبدالله عليه السلام فقال لنا: أين نزلتم‌؟ فقلنا: على فلان صاحب القيان، فقال: «كونوا كراما»، فوالله ما علمنا ما أراد به و ظننّا أنّه يقول تفضّلوا عليه، فعدنا إليه فقلنا: لاندرى ما أدرت بقولك «كونوا كراما» فقال: أما سمعتم الله عزّوجلّ يقول: (وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً) .(2) والمراد من صاحب القين صاحب الأمة المغنّية.

و الوجه فى الاستدلال بالروايتين هو تطبيق الآية الكريمة على مورد اللهو و هو

**

(1) الفرقان، 72.

(2) الوسائل، الباب 101 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 316، ح 2.

السماع و الغناء، ولكنّه لايخلو عن الإشكال، و هو كما أفاده السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: ان الروايات المذكورة ناظرة إلى اتحاد قسم خاص من اللغو مع قسم خاص من اللهو و هو القسم الحرّم، فلادلالة فيها على اتحاد مفهومهما مطلقا.

ثمّ قال الشيخ الأعظم قدس سره: و إن أريد به (أى اللغو) مطلق الحركات اللّاغية فالأقوى فيها الكراهة. ثمّ استدلّ بروايتين: أحدهما: رواية أبى خالد الكابلى عن سيّد الساجدين: تفسير الذنوب التى تهتك العصم بشرب الخمر و اللعب بالقمار و تعاطى ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس و مجالسة أهل الريب، الحديث.(1)

وثانيهما: وصيّة النبى صلى الله عليه وآله و سلم لأبى ذرٍّ رضى الله عنه: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة فى المجلس ليضحكهم بها فيهوى فى جهنّم ما بين السماء و الأرض.(2)

ولايخفى عليك أنّ الظاهر من عبارة الشيخ أنّ المقصود من ذكر الروايتين هو الاستدلال بهما للكراهة، مع أنّ المستفاد منهما هو الحرمة لتفسير الذنوب باللغو فى الرواية الأولى و لقوله «فيهوى فى جهنم» بناء على أنّ المراد من الكلمة التى يتكلّم بها فى المجلس هى الكلمة اللّاغية، و لعلّ المقصود من ذكرهما هو الاستدلال للحرمة، فيكون قوله «و إن أريد به (أى اللغو) مطلق الحركات اللاغية فالأقوى فيها الكراهة» جملة معترضة. و قوله «و فى رواية أبى خالد إلخ» مرتبط بما قبله من الاستدلال بالروايات على الحرمة.

و كيف ما كان فقد أورد الميرزا الشيرازى قدس سره على الرواية الأولى: بأنّ الظاهر أنّها ليست بصدد بيان الموضوع إطلاقاً و تقييداً حتى يستفاد الإطلاق من عدم ذكر قيد لها

**

(1) الوسائل، الباب 41 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 282، ح 8.

(2) الوسائل، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 251، ح 4.

فى اللفظ، فهو نظير ما دلّ على ثبوت الفضيلة الكذائية لصلاة الجماعة و نحوها من الطاعات، فإنّه لايستفاد من إطلاق الجماعة و عدم تقييدها بخصوصية فيها مشروعية الجماعة و استحبابها على الإطلاق بالنسبة إلى جميع أفراد الصلاة و أحوالها، و أولى بعدم جواز التمسّك بالإطلاق الرواية الثابتة فى الوصية، فإنّ سوقها مساق الإهمال كما هو ظاهر.(1)

هذا مضافا إلى أنّ غاية ما تدلّ عليه الروايتان على تقدير تمامية الاستدلال أنّ قسم خاص من اللغو هو القسم المحرّم و الذنب، و لاتدلّ على أنّ جميع أقسامه يكون كذلك. و بالجملة أنّ اللغو لايكون حراما ما لم يندرج فى أحد العناوين المحرّمة كالغناء و شرب الخمر و نحوهما، بل إدخال السرور من المستحبّات فى الجملة.

هذا مضافا إلى ضعف الروايتين من جهة جهالة رواته. فتحصّل أنّ اللعب و اللغو لادليل على حرمتهما على الإطلاق، إلّا إذا انطبق عليهما العناوين المحرّمة. و عليه فالأشياء المختصّة باللعب و اللغو لادليل على حرمة معاملتها ما لم تكن من آلات الملاهى، و إلّا فيحرم المعاملة عليها و أخذ الأجرة على الاشتغال بها، فلاتغفل.

**

(1) التعليقة، ص 136.

المسألة الثانية و الخمسون «فى اللَّهو»

اشارة

و استدلّ لحرمته بأمور:

منها: كلمات الأصحاب؛ قال الشيخ الأعظم قدس سره: اللَّهو حرام على ما يظهر من المبسوط و السرائر و المعتبر و القواعد و الذكرى و الجعفرية و غيرها، حيث علَّلوا لزوم الإتمام فى سفر الصيد بكونه محرّما من حيث اللَّهو.

قال فى المبسوط: الرابع: سفر المعصية وعدّ من أمثلتها من طلب الصيد لللَّهو و البطر. و قال فى المعتبر: قال علمائنا: اللّاهى بسفره كالمتنزّه بصيده بطراً لايترخّص لنا أنّ اللَّهو حرام، فالسفر له معصية. و قال فى القواعد: الخامس: من شروط القصر إباحة السفر فلايرخّص العاصى بسفره كتابع الجائر و المتصيّد لهواً، انتهى.

وقال فى المختلف فى كتاب المتاجر: حرّم الحلبى الرَّمى من قوس الجُلاهِق. قال: و هذا الإطلاق ليس بجيّد، بل ينبغى تقييده باللَّهو و البطر. و قد صرّح الحلّىُّ فى مسألة اللَّعب بالحمام بغير رهان بحرمته، و قال: إنّ اللعب بجميع الأشياء قبيح، و ردّه بمنع حرمة مطلق اللعب. و انتصر فى الرياض للحلّى بأنّ ما دلّ على قبح اللعب و ورد

بذمّه من الآيات و الروايات أظهر من أن يخفى، فإذا ثبت القبح و الذمّ ثبت النهى. ثمّ قال (صاحب الرياض): و لولا شذوذه بحيث كاد أن يكون مخالفا للإجماع لكان المصير إلى قوله ليس بذلك البعيد، انتهى.

ثمّ قال الشيخ الأعظم قدس سره: ولايبعد أن يكون القول بجواز خصوص هذا اللعب و شذوذ القول بحرمته مع دعوى كثرة الروايات بل الآيات على حرمة مطلق اللّهو لأجل النصّ على الجواز فيه فى قوله عليه السلام: لابأس بشهادة من يلعب بالحمام. و استدلّ فى الرياض أيضا تبعا للمهذَّب على حرمة المسابقة بغير النصوص على جوازه بغير عوض بما دلّ على تحريم اللهو و اللعب، قال: لكونها منه بلا تأمّل، انتهى.

و بالجملة يستفاد من كلماتهم رحمهم الله حرمة طلب الصيد و السفر لهواً و بطراً، و نسبه المحقّق إلى علماء الإمامية و حرمة الرَّمى من قوس الجُلاهق لهواً و بطراً و حرمة اللعب بالحمام بغير رهان عن بعض و حرمة اللعب بجميع الأشياء و حرمة المسابقة لهوا و لعبا، بل يدلّ بعض الكلمات على حرمة اللهو، كما عن المعتبر و على عموم حرمة اللعب كالحلّى و صاحب الرياض.

و كيف كان، فقد أورد عليه الميرزا الشيرازى قدس سره عند قول الشيخ، قال الشيخ الطوسى فى المبسوط: الرابع: سفر المعصية وعدّ من أمثلتها من طلب الصيد لللَّهو و البطر بقوله: لايخفى عدم دلالة عبارته على حرمة اللَّهو من حيث هو، فإنّ قوله قدس سره لللَّهو و البطر الظاهر أنّه متعلّق بطلب الصيد، فلادلالة فيه إلّا على حرمة طلب الصيد المقيّد بكونه على وجه اللهو.

و من الظاهر أنّه لايقتضى حرمة اللهو المفارق للسفر، كما لايقتضى حرمة السفر المفارق لللَّهو كما هو ظاهر. نعم، لو جعل قوله «لللَّهو» تعليلاً للحكم بكون السفر

للصيد معصية صحّ الاستفادة المزبورة، لكنَّه غير مراد جزما، إذ لا معنى لكون مطلق السفر معصية لللَّهويّة، و تعلّقه بكلّ من الأمرين على سبيل تنازع العاملين فى معمول واحد مما لاشاهد له و لادليل عليه فى العبارة.(1)

و لايخفى عليك أنّ المحكىَّ عن الشيخ الطوسى و إن لم يدلّ على حرمة اللَّهو بما هو اللَّهو ولكن يكفى المحكىُّ عن المعتبر، حيث قال: إنّ اللَّهو حرام. و مما ذكر يظهر ما فى بلغة الطالب، حيث أنكر دلالة كلمات هذه الجماعة على حرمة مطلق اللَّهو.

قال فى بلغة الطالب: لايخفى أنّ ما تطابقت عليه كلمة هذه الجماعة من الإتمام لكون السفر للتصيّد اللَّهوى أو أن طلب التصيّد للهو و البطر حرام و أمثالهما لاتدلّ على حرمة مطلق اللهو و لو لم يكن بالصيد. فإنّ قولهم «للهو» متعلّق بالطلب، فيفيد أنّ طلب الصيد للهو حرام، لا أنّ طلب الصيد حرام للهو، بل لامعنى محصّل للأخير إلّا بالتعسّف.

و لامانع من أن يقال: التصيّد الناشى من اللهو الذى لايتعلّق به غرض بأصل الصيد، بل قد يصيد و لايذبح و لايلتفت إلى ما صاده حرام، بل لابعد فى أن يدّعى أنّ التصيد لا لغرض عقلائى حرام، لأنَّ المقدار المرخَّص فيه فى تأذّى الحيوانات هو خصوص التعرّض لها للانتفاع بها، لا لمجرّد العبث و اللهو، فلاتدلّ هذه الكلمات على حرمة اللهو بوجه. و الحاصل أنّه فرق بين حرمة التصيّد اللهوى و حرمة اللهو، فإنّ الأول لايستلزم الثانى.(2)

و الأضعف من هذا الاستدلال هو الاستشهاد على حرمة اللهو مطلقا بإيجاب التمام

**

(1) التعليقة، ص 134.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 149-148.

على من يكون سفره للصيد تنزّهاً، و ذلك لأنّ هذا الوجه غير تامّ لعدم الملازمة بين وجوب التمام و حرمة السفر، فضلاً عن حرمة مطلق اللهو؛ و لذا صرّح فى جامع المدارك بأنّ السفر للصيد و إن كان لايوجب القصر لكن حرمته مشكلة.(1)

و الإنصاف أنّ الظاهر من كلمات بعض الأصحاب: أنّ اللَّهو حرام على وجه الإطلاق و لاكلام فيه، و إنّما الكلام فى الدليل عليه كما سيأتى إن شاء الله تعالى.

و قد تقدّم قول المحقّق فى المعتبر فى بيان حرمة السفر اللهوى و التصيّد اللهوى: «لنا ان اللهو حرام»، و قول الحلّى: «إنَّ اللعب بجميع الأشياء قبيح»، و أيَّده فى الرياض «بأنَّ ما دلّ على قبح اللعب و ورد بذمّه من الآيات و الروايات أظهر من أن يخفى، فإذا ثبت القبح و الذمّ ثبت النهى». و استدلال صاحب الرياض تبعا للمهذَّب لحرمة المسابقة التى لم يرد نصٌّ على جوازها لما دلّ على تحريم اللهو و اللعب قائلا بكونها منه بلاتأمّل، فإنّه ظاهر فى حرمة اللهو على الإطلاق.

فما ذهب إليه الشيخ من أنّ ظاهر الكلمات أنَّ اللهو حرام ليس بمجازفة، بل قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: أقول: لاخلاف بين المسلمين قاطبة فى حرمة اللهو فى الجملة، بل هى من ضروريات الإسلام. و إنّما الكلام فى حرمته على وجه الإطلاق، فظاهر جملة من الأصحاب بل صريح بعضهم و ظاهر بعض العامة أنَّ اللهو حرام مطلقا.(2)

وعليه فلامجال لإنكار دلالة بعض العبائر و كلمات الأصحاب على حرمة اللهو على وجه الإطلاق. هذا كلّه من جهة كلمات الأصحاب حول حرمة اللهو على الإطلاق.

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 18.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 420.

ومنها: الروايات، و لايخفى أنَّ الأخبار على طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات الدالة على الاتمام اذا كان السفر للصيد اللهوى

الطائفة الأولى: هى الروايات الدالّة على وجوب الإتمام على المسافر إذا كان سفره للصيد اللهوى بدعوى: أنّا لانعرف وجها لإتمام الصلاة هنا إلّا كون السفر معصية للصيد اللهوى.

أورد عليه: بأنّ هذا الاستدلال ضعيف إذ غاية ما يستفاد من هذه الأخبار أنّ السفر للصيد اللهوى لايوجب القصر، فلا دلالة فيها على كون السفر معصية، إذ لا ملازمة بين وجوب الإتمام فى السفر و بين كونه معصية، بل هو أعمّ من ذلك.(1)

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على ان اللهو من المعاصى الكبيرة

الطائفة الثانية: هى الروايات الدالّة على أنّ اللهو من الكبائر.

منها: حديث شرايع الدين عن الأعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام: أنّه عدّ الكبائر حتى قال: و الملاهى التى تصدّ عن ذكر الله عزّوجلّ مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار.(2) بدعوى: أنّ الملاهى جمع المَلهى مصدراً أو الملهى وصفاً لاالملهاة آلة، لأنّه يناسب التمثيل بالغناء.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة أولاً: بأنّ هذه الرواية ضعيفة السند.(3) و ثانياً: لادلالة فيها على حرمة اللهو المطلق، بل الظاهر منها أنّ الحرام هو اللهو الذى يصدّ عن ذكر الله كالغناء و ضرب الأوتار و نحوهما.

و ثالثاً: أنّ الظاهر من اللغة أنّ الملاهى اسم الآلات، فالأمر يدور بين رفع اليد عن ظهوره و حملها على الفعل و بين رفع اليد عن ظهور الغناء و حمله على الغناء فى آلة

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 421.

(2) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، ج 15، ص 331، ح 36.

(3) و ذلك لاشتماله على مجاهيل كأبى العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان و بكر بن عبدالله بن حبيب و تميم بن بهلول.

اللهو. و لاوجه لترجيح أحدهما على الآخر، فتكون الرواية مجملة. بل ربّما يرجّح رفع اليد عن ظهور الغناء، كما يدلّ عليه عطف ضرب الأوتار على الغناء.(1)

وعليه فلايدلّ حديث شرايع الدين على حرمة مطلق اللهو؛ هذا مضافا إلى ما فى بلغة الطالب: من أنه لم يبيّن فيها مرتبة الصدّ عن ذكر الله فيها، مجملة و الأخذ بالاطلاق شاذّ القائل؛ هذا مضافا إلى تمثيله بالغناء و ضرب الأوتار الناصّ فى عدم إرادة الإطلاق.(2)

ومنها: رواية العيون، حيث عدّ فيها من الكبائر الاشتغال بالملاهى.(3)

أورد عليه فى التعليقة بقوله: لكن ليس فيها التمثيل بالغناء و ضرب الأوتار فيحتمل الملاهى فيها الحمل على جمع الملهاة آلية، انتهى.(4) بل يمكن القول بأنّ ظاهر الملاهى بلا قرينة هو الجمع من اسم الآلة.

وعليه فلايدلّ رواية العيون على حرمة مطلق اللهو؛ هذا مضافا إلى تضعيف سند الرواية عن بعض، ولكنّه محلّ تأمّل و نظر، لأنّ السند هكذا: حدّثنا عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابورى رضى الله عنه بنيسابور فى شعبان سنة اثنين و خمسين و ثلثمأة، قال: حدّثنا على بن محمد بن قتيبة النيسابورى عن الفضل بن شاذان.

وهذا السند لايبعد اعتباره، فإنّ عبدالواحد من مشايخ الصدوق و فى محكىِّ خاتمة المستدرك أنّه من مشايخه المعروفين و قد اعتمد عليه كثيرا مترضّيا، و قد صحّح العلّامة فى التحرير حديثا هو فى سنده.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 422-421.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 149.

(3) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، ج 15، ص 330، ح 33.

(4) التعليقة، ص 134.

و أمّا على بن محمد بن قتيبة النيسابورى ففى محكىِّ رجال النَّجاشى ما لفظه: عليه اعتمد أبوعمرو الكشّى فى كتاب الرجال أبوالحسن صاحب الفضل ابن شاذان و رواية كتبه و هو كاف فى كونه موثَّقا؛ و عليه فالرواية صحيحة ولكن لاتدلّ إلّا على حرمة الاشتغال بآلات اللهو. و المراد من الاشتغال بها هو عبارة عن اللَّهو بها. و لاشبهة فى حرمة استعمال تلك الآلات، و إنّما الكلام فى حرمة مطلق اللَّهو.(1)

الطائفة الثالثة: الروايات الواردة فى حرمة القمار

الطائفة الثالثة: هى التى تقدّمت فى روايات القمار؛ منها: قوله عليه السلام: كلّ ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر،(2) بدعوى ظهورها بدواً فى حرمة اللَّهو مطلقا.

وفيه: أنَّ المعلوم جواز اللَّهو فى الجملة كاللَّعب بالسَّبحة أو اللّحية أو الحبل أو الأحجار و نحوها، فلايمكن العمل بإطلاق هذه الروايات على تقدير صحّتها. و لذا قال فى مصباح الفقاهة: لابدّ من حملها على قسم خاص من اللَّهو أعنى الغناء و نحوه كما هو الظاهر، أو حملها على وصول الاشتغال بالأمور اللّاغية إلى مرتبة يصدّ فاعله عن ذكر الله، فإنّه حينئذ يكون من المحرّمات الإلهية.(3)

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على بطلان اللهو

الطائفة الرابعة: هى التى تدلّ على بطلان اللهو، كمرفوعة عبدالله بن المغيرة رفعه قال صلى الله عليه وآله و سلم: كلُّ لهو المؤمن باطل إلّا فى ثلاث: فى تأديبه الفرس، و رميه عن قوسه، و ملاعبته امرأته، فإنّهن حق.(4)

**

(1) إرشاد الطالب، ص 249.

(2) رواه الحسن بن محمد الطوسى فى مجالسه عن أبيه عن ابن الصَّلت عن ابن عقدة عن على بن محمد بن على الحلبى عن جعفر بن محمد بن عيسى عن عبدالله بن على عن على بن موسى عن آبائه عن على عليه السلام. (الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 19، ص 251، ح 15).

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 422.

(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب أحكام السبق، ج 15، ص 251، ح 5.

وفيه: أنّ الحكم ببطلان مطلق اللهو لايستلزم الحكم بحرمته؛ هذا مضافا إلى ضعف السند.

الطائفة الخامسة: رواية تحف العقول

الطائفة الخامسة: هى رواية تحف العقول: و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لايكون منه و لافيه شيئ من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجر عليه،(1) بدعوى أنّ قوله «و ما يكون الخ» يشمل المقام.

و أورد عليه فى بلغة الطالب: بمنع دلالة هذه الرواية على حرمة اللهو على الإطلاق، حيث قال: لا دلالة عليها فى رواية تحف العقول من وجه، إذ قوله: «و ما يجئ منه و فيه الفساد محضا» غير شامل للهو، سواء أريد من الفساد المفاسد الظاهرة كالسموم القاتلة و الحيوانات المضرّة و الحركات الموذية، أو المفاسد الواقعيّة المستكشفة بالحرمة الشرعية. أمّا على الأوّل فواضح؛ و أمّا على الثانى فلعدم الكاشف إلّا على الوجه الدائر؛(2) هذا مضافا إلى ضعف السند.

الطائفة السادسة: الروايات الناهية عن آلات اللهو

الطائفة السادسة: هى التى نهت فيها عن آلات اللهو:

منها: ما رواه عن كتاب على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن اللعب بأربعة عشر و شبهها، قال: لايستحبّ شيئاً من اللعب غير الرهان و الرمى.(3) بناء على وحدة اللعب و اللهو، و فيه: أنّه لايستفاد منه حرمة غير الرهان و الرمى لعدم ملازمة عدم الاختيار مع الحرمة.

ومنها: ما رواه عن الخصال عن أبيه عن سعد عن أيّوب بن نوح عن الربيع بن

**

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 85، ح 1.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 149.

(3) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 315، ح 14.

محمد المسلى عن عبد الأعلى عن نوف عن أميرالمؤمنين عليه السلام فى حديث قال: يانوف! إيّاك أن تكون عشارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة و هى الطنبور أو صاحب كوبة و هو الطبل، فإنّ نبىَّ الله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء، فقال: أما إنّها الساعة التى لاتردّ فيها دعوة إلّا دعوة عريف أو دعوة شاعر او دعوة عاشر أو شرطى أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة.(1) بدعوى: أنّ التحذير عن هذه الأمور لكونها من المحرّمات.

و أمّا السند، فالربيع كما أفاد الوحيد البهبهانى رواية جماعة كتابه تشير إلى الاعتماد سيّما و أن يكونوا كابن الوليد و على بن الحسن و العباس بن عامر. قال فى منتهى المقال: و ظاهر الفهرست و النجاشى تشيّعه هذا. و أمّا نوف هو نوف بن فضالة صاحب علىٍّ عليه السلام، كذا حكى عن شرح النهج، و عن الوحيد البهبهانى: يظهر من الأخبار أنّه من خواصّ على عليه السلام.

ومنها: ما رواه عن عيون الأخبار عن محمد بن عمر البصرى عن محمد بن عبدالله الواعظ عن عبدالله بن أحمد بن عامر الطائى عن أبيه عن الرضا عليه السلام فى حديث الشامى: أنّه سأل أميرالمؤمنين عليه السلام عن معنى هدير الحمام الراعبية «الراعبية»، قال: تدعو على أهل المعازف و المزامير و العيدان.(2)

المعازف جمع مِعزَف الملاهى كالعود و الطنبور، المزامير جمع المزمار الآلة التى يزمّر فيها أى يغنّى فيها بالنفخ فى القصب.

ومنها: موثّقة السَّكونى عن أبى عبدالله عليه السلام: أنها كم عن الزفن و المزمار و عن

**

(1) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 315، ح 12.

(2) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 314، ح 10.

الكوبات و الكبرات.(1) زفن زفنا أى رقص و أصله الدفع الشديد و الضرب بالرِجل كما يفعل الراقص.

ومنها: معتبرة سماعة، و هى ما رواه عن الكافى عن سهل عن سليمان بن سماعة عن عبدالله بن القاسم عن سماعة قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لمّا مات آدم شمت به إبليس و قابيل، فاجتمعا فى الأرض، فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهى شماتة بآدم، فكلّ ما كان فى الأرض من هذا الضرب الذى يتلذّذ به الناس، فإنّما هو من ذلك.(2) شمت بعدوّه شماتة أى فرح ببليّته.

قال الشيخ الأعظم قدس سره: إنّ فيه اشارة إلى أنّ المناط هو مطلق التلهّى و التلذّذ. أورد عليه الميرزا الشيرازى قدس سره: بأنّه يمكن أن يقال: إنّه على تقدير التسليم، لادلالة فى الرواية على حرمة التلذّذ من حيث هو، بل غايته الدلالة على الحرمة من حيث وقوع الشماتة بل شماتة مثل آدم (على نبينا و آله و عليه السلام).(3)

وفيه: أنّ المستفاد من الذيل أنّ المعيار هو الضرب الذى يتلذّذ به الناس على الإطلاق، فإنّه ملحق بالصدر.

ومنها: موثّقة عبدالأعلى وهى ما رواه عن الكافى عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضّال عن يونس بن يعقوب عن عبدالأعلى قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الغناء و قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم رخّص فى أن يقال: جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيكم، فقال: كذبوا، إن الله عزّوجلّ يقول: (وَ مٰا خَلَقْنَا)

**

(1) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 314، ح 6.

(2) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 313، ح 5.

(3) التعليقة، ص 135.

(اَلسَّمٰاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ اَلْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ‌) (1) ثمّ قال: «ويل لفلان مما يصف»، رجل لم يحضر المجلس.(2)

و المراد من عبد الأعلى هو ابن أعين الذى يظهر من عبارة المفيد أنّه من فقهاء أصحاب الأئمة و خاصّتهم و الرؤساء و الأعلام؛ و الدليل على أنّه ابن أعين هو رواية يونس به يعقوب عنه.

وفيه: أنّ قوله تعالى: (لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) الآية، لاتدلّ على حرمة اللهو علينا، إذ مجرّد أنّه لايناسب ساحته عزّوجلّ كيف يدلّ على مبغوضيّة منّا؟ إذ ليس كلّما لايناسبه لايناسبنا، مع أنّ ظاهر آخر الآية كون اللهو بمعنى اللعب. و من المعلوم أنّه بهذا المعنى غير محرّم. و لاينافى ما ذكرنا قبول دلالة الرواية على حرمة قول «جئناكم جئناكم»، غاية الأمر يكون الاستدلال بالآية من قبيل ذكر المناسبات.(3)

ومنها: خبر على بن إبراهيم عن أبيه عن سليمان بن مسلم الخشاب عن عبدالله بن جريح المكّى عن عطاء بن أبى رياح عن عبدالله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث قال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصَّلوات، إلى أن قال: و يستحسنون الكوبة و المعازف، إلى أن قال: فأولئك يدعون فى ملكوت السماوات الأرجاس الأنجاس.(4)

ومنها: خبر محمد بن أبى عباد و كان مستهترا بالسماع و يشرب النبيذ، قال: سألت الرضا عليه السلام عن السماع، فقال: لأهل الحجاز (العراق خ ن) فيه رأى و هو فى

**

(1) الانبياء، 18-16.

(2) الوسائل، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 307، ح 15.

(3) بلغة الطالب، ج 1، ص 149.

(4) الوسائل، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، ح 27.

حيّز الباطل و اللهو، أما سمعت الله عزّوجلّ يقول: (وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً) (1)

و ربّما يستفاد من مجموع الأخبار و الأدلة حرمة اللهو على الإطلاق. و يؤيّده ما ذكره الشيخ الأعظم: من أنّ حرمة اللعب بآلات اللهو الظاهر أنّه من حيث اللهو، لا من حيث خصوص الآلة، إلى أن قال: و يؤيّده ما تقدّم من أنّ المشهور حرمة المسابقة على ما عدا المنصوص بغير عوض. فإنّ الظاهر أنّه لاوجه له عدا كونه لهوا، و إن لم يصرّحوا بذلك عدا القليل منهم. نعم، صرّح العلّامة فى التذكرة بحرمة المسابقة على جميع الملاعب كما تقدّم نقل كلامه فى مسألة القمار هذا.

و فيه كما فى بلغة الطالب: لو سلّمنا ذلك فلاتدلّ إلّا على حرمة مرتبة خاصّة منه الحاصلة من الآلات المزبورة، و أين ذلك من مطلق التلهّى.(2) و عليه فاستفادة حرمة التلهّى عن الإطلاق من الأدلّة لاتخلو عن تأمّل و نظر.

ثمّ إنّ الشيخ بعد ما استفاد حرمة مطلق التلهّى من الأدلّة و الكلمات، قال: ولكن يشكل الأمر فى معنى اللَّهو، فإنّه إن أريد به مطلق اللَّهو كما يظهر من الصّحاح و القاموس، فالظاهر أنّ القول بحرمته شاذٌّ مخالف للمشهور و السيرة، فإنَّ اللعب هى الحركة لالغرض عقلائى، و لاخلاف ظاهرا فى عدم حرمته على الإطلاق.

نعم، لو خصّ اللهو بما يكون عن بطر و فسّر بشدّة الفرح كان الأقوال تحريمه و يدخل فى ذلك الرقص و التصفيق و الضرب بالطشت بدل الدّف و كلّما يفيد فائدة آلات اللهو و لو جعل مطلق الحركات التى لايتعلّق بها غرض عقلائى مع انبعاثها عن القوى الشهوية ففى حرمته تردّد.(3)

**

(1) الوسائل، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 308، ح 19. الفرقان، 72.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 150.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 54.

وفيه: أنَّ الفرح الشديد على الإطلاق لايكون حراما أيضا، و لذا قال السيّد المحقّق الخوئى: إنّا لا نعرف وجها صحيحاً لما ذكره المصنّف من تقوية حرمة الفرح الشديد.(1)

و قال فى جامع المدارك أيضا: ويقع الإشكال فى هذا التفسير و حرمته عليه على الإطلاق، فإنّه عدّ السفر للصيد من اللهو مع عدم صدق التفسير المذكور عليه. و قد تلتذّ النفس بالنحو المذكور (أى شدة الفرح) من سماع صوت حسن ليس بغناء أو من مشاهدة بعض المناظر و لايلتزم بالحرمة.(2) و لاأقلّ من الشكّ‌، فلايجوز التمسّك بأدلة حرمة اللهو فى الموارد المشكوكة.

وقال الميرزا الشيرازى قدس سره: و أدلّة حرمة مطلق اللهو على تقدير تماميتها دلالة و سندا لاتقتضى المنع لإجمال اللهو فيها المانع عن التمسّك بها فى مورد الإجمال.(3) وعليه، فلادليل على حرمة مطلق اللهو.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ اللهو المناسب لمجالس الفسق و الفجور كاللعب بالمعازف و المزمار و الكوبات و الكَبَرات (أى الطبول) و الزَفن و الطنبور و نحوها حرام قطعا، لأنّها القدر المتيقّن من اللّهو و الملاهى المذكورين فى الأخبار و الكلمات.

و أمّا حرمة غير ذلك من موارد مطلق اللهو فمحلّ تأمّل، لايقال: إنّ مطلق الاشتغال بآلات الملاهى محرّم و لو لم يكن مناسبا لمجالس أهل الفسق و الفجور لما فى الأخبار من عدّ الاشتغال بها من الكبائر كما فى مصحّحة الفضل بن شاذان، لأنّا نقول: لا إطلاق للأخبار المذكورة لأنّها فى مقام بيان تعديد الكبائر لامقام بيان خصوصيات كلّ كبيرة.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 423.

(2) جامع المدارك، ج 3، ص 18.

(3) التعليقة، ص 136.

هذا مضافا إلى تقييد الملاهى فى بعضها بالتى تصدّ عن ذكر الله عزّوجلّ و إن كان لايخلو ذلك البعض عن ضعف السند؛ ومضافا إلى المنهى بمناسبة الحكم و الموضوع هو الاشتغال بالأدوات بنحو اللهو بالمعنى المذكور.

والحاصل: أنّه لادليل على حرمة اللهو على الإطلاق و لا على حرمة مطلق الاشتغال بآلات الملاهى، و لو لم يكن للتلذّد الشهوانى أو و لو لم يكن مناسبا لمجالس أهل الفسق و الفجور.

ولكن الإنصاف أنّ موثّقة السَّكونى تكفى للدلالة على النهى عن الزفن أى الرقص و المزمار و الكوبات و الكَبَرات و نحوها على الإطلاق، و هكذا تكفى معتبرة سماعة للدلالة على أنّ مطلق الضرب الذى يتلذّذ به الناس بالقوة الشهويّة ممنوع، حيث قال عليه السلام فيها: ما كان فى الأرض من هذا الضرب الذى يتلّذذ به الناس، فإنّما هو من ذلك أى من عمل الشيطان و الأخذ بالمعازف و الملاهى شماتة بآدم بعد رحلة آدم (على نبينا و آله و عليه السلام)، فالاشتغال بالأمور و الأدوات المذكورة و نحوها محرّم على الإطلاق و إن لم يقم دليل على حرمة اللهو على الإطلاق.

ودعوى: أنّ الاشتغال بالأمور المذكورة يحمل على ما إذا اشتغل بها بنحو يناسب مجالس أهل الفسق و الفجور، كما تقدّم فى الغناء أنّه محمول على ذلك، مندفعة: بأنّ ذلك صحيح لو لم يكن إطلاق، و أمّا مع وجود الإطلاق فى المقام كرواية السَّكونى فلاوجه لحمل الإطلاق على ذلك.

أللّهمّ إلّا أن يمنع الإطلاق أو يمنع كونه بنحو القضية الحقيقيّة، أو يقال: إنّ الممنوع هو الاشتغال بها لهوا و إلّا فلا. و كيف كان، يؤخذ فى الموارد المشكوكة بمقتضى الأصل الجارى فيه و الاحتياط طريق النجاة، و الله هو العالم.

ثم إنّ بيع الأدوات المختصّة باللهو الحرام و شرائها حرام، كما أنّ أخذ الأجرة فى قبال اللهو الحرام محرّم شرعا و يكون أكلاً للباطل.

ثمّ لايخفى عليك أنّه لافرق فى حرمة الاشتغال باللهو المحرّم بين كونه أصلاً فى إيجاد اللهو أو تبعا، و ذلك لإطلاق أدلّة حرمة الاشتغال بأدوات اللهو. نعم، لو لم يكن دخيلا فى إيجاد اللهو، فهل يكون الشركة فى المجلس المذكور محرّما أو لا؟ فإن كان النهى عن المحرّم متحقّقا بالخروج عن المجلس يجب ذلك، و هكذا يجب لو كان سببا للمعصية أو كانت الشركة ترويجا للحرام و نحوه، بل إن لم يترتّب عليه عنوان محرّم، فالأحوط هو الافتراق عن العصاة، كما لعلّه يدلّ عليه قوله عليه السلام فى صحيحة أبى حمزة: إيّاكم و صحبة العاصين.(1)

**

(1) الوسائل، الباب 38 من أبواب الأمر و النهى و ما يناسبهما، ج 16، ص 260، ح 3.

المسألة الثالثة و الخمسون «فى مدح من لايستحق المدح أو يستحق الذم»

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ذكره العلّامة فى المكاسب المحرّمة. و الوجه فيه واضح من جهة قبحه عقلاً. ويدلّ عليه من الشرع قوله تعالى: (وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ ثُمَّ لاٰ تُنْصَرُونَ‌) (1)

وعن النبى صلى الله عليه وآله و سلم فيما رواه الصدوق (بسند موثّق): و من عظّم صاحب دنيا و أحبّه لطمع دنياه سخط الله عليه و كان فى درجته مع قارون فى التابوت الأسفل من النار.(2)

و فى النبوى الآخر الوارد فى حديث المناهى: من مدح سلطانا جائراً و تخفّف و تضعضع له طمعا فيه كان قرينه فى النار.(3) و مقتضى هذه الأدلّة حرمة المدح طمعا فى الممدوح، و أمّا لدفع شرّه فهو واجب. و قد ورد فى عدّة أخبار: أنّ شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرّهم.(4)

**

(1) هود، 113.

(2) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 181، ح 14.

(3) الوسائل، الباب 43 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 183، ح 1.

(4) المكاسب المحرّمة، ص 54.

ولايخفى عليك أولاً: أنّ المدح المذكور ما لم يندرج فى عنوان محرّم ليس بعنوانه الأولى مورد حكم العقل بالقبح. نعم، لو انطبق عليه عنوان تقوية الظالم أو ترويج الباطل أو عنوان الكذب يترتّب عليه أحكام العناوين المذكورة مطلقا، سواء كانت عقلية أو شرعية.

وثانياً: أنّ الآية الكريمة تدلّ على حرمة الركون إلى الظالم و الميل و السكون إليه و ليس مجرّد المدح ركونا إليه، و لاأقلّ من الشكّ‌، فلامجال للاستدلال بالآية فى المقام.

وثالثاً: أنّ النبوى الأول فهو محمول عى النبوى الآخر الوارد فى حديث المناهى، فيدلّ على حرمة مدح السلطان الجائر، ولاكلام فيه إلّا أنّه أخصّ من المدّعى، و إنّما حملناه على النبوى الآخر لأنّ مدح أرباب الدنيا الغير الظالمين لأحد طمعا فى دنياهم برجاء أن يصيبه شيئ مما فى أيديهم لايكون محرّما، كما قال فى بلغة الطالب: لادليل على حرمته لو لم تكن السيرة الجارية تقريرا و عملا على جوازه.(1)

ورابعاً: أنّ حديث المناهى مضافا إلى ضعف سنده لإرساله يكون أخصّ من المدّعى، لأنه يدلّ على حرمة مدح السلطان الجائر طمعا فى ماله. و المدّعى هو حرمة مدح من لايستحقّ المدح أو مدح من يستحقّ الذمّ‌.

فتحصّل: أنّ المدح المزبور ما لم ينطبق عليه العناوين المحرّمة ليس بحرام و إن كان مرجوحا، بل لايبعد القول بكراهته بناء على التسامح فى أدلة السنن و التعدّى منها إلى المكروهات.

وفى خبر الحسين بن زيد عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 151.

رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث المناهى: أنّه نهى عن المدح و قال: احثوا فى وجوه المدّاحين التراب.(1) و عليه فلاوجه لجعل العنوان المذكور فى نفسه من المكاسب المحرّمة.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: لايخفى أنّ حرمة مدح من لايستحقّ المدح على وجه الإطلاق أو فيما انطبق عليه عنوان محرّم إنما هى فيما إذا لم يلتجيئ إلى المدح لدفع خوفٍ أو ضرر بدنى أو مالى أو عرضى، و إلّا فلاشبهة فى الجواز. و يدلّ عليه قولهم عليهم السلام فى عدّة روايات إنّ شرّ الناس عندالله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرّهم، و كذلك تدلّ عليه أخبار التقيّة، فإنها تدلّ على جوازها فى كلّ ضرورة و خوف.(2)

**

(1) الوسائل، الباب 43 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 183، ح 1.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 426.

المسألة الرابعة و الخمسون «فى معونة الظالمين»

اشارة

و هى على قسمين: أحدهما: معونتهم فى ظلمهم؛ قال الشيخ الأعظم: هى حرام بالأدلة الأربعة و هو من الكبائر، انتهى.

و لاإشكال فى حكم العقل بقبح الظلم و المعونة عليه و يستكشف منه حرمته شرعا بقاعدة الملازمة كما لايخفى، بل يدلّ قوله تعالى: (وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ) (1) على حرمة إعانتهم بالأولوية إن كان المراد من الركون هو الميل إليهم، أو بالمطابقة إن كان المراد من الركون المحرّم هو الشركة و الدخول معهم فى ظلمهم و إعانتهم.

و أمّا الروايات الدالّة على حرمة معونة الظالمين فهى مستفيضة، بل متواترة:

منها: صحيحة أبى حمزة عن على بن الحسين عليهما السلام فى حديث طويل قال: إيّاكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين و مجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم و تباعدوا من ساحتهم.(2) و المراد من أبى حمزة هو أبوحمزة الثمالى.

**

(1) هود، 113.

(2) الوسائل، الباب 38 من أبواب الأمر و النهى و ما يناسبهما، ج 16، ص 260، ح 3.

ومنها: موثّقة طلحة بن زيد عن أبى عبدالله عليه السلام: العامل بالظلم و المعين له و الراضى به شركاء ثلاثتهم.(1) والوجه فى التعبير عنها بالموثّقة من جهة كون طلحة بن زيد عاميا.

ومنها: صحيحة أبى بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أعمالهم‌؟ فقال لى: يا ابامحمد! لا ولامدّة قلم إن أحدهم (كم يب) لايصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله أو حتّى يصيبوا من دينه مثله؛ الوهم من ابن أبى عمير.(2) و القدر المتيقّن من أعمالهم هو معونتهم فى ظلمهم أو صيرورتهم أعواناً لهم.

ومنها: صحيحة ابن أبى يعفور قال: كنت عند أبى عبدالله عليه السلام، إلى أن قال: قال إنّ أعوان الظَّلمة يوم القيامة فى سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد.(3)

ومنها: موثّقة السَّكونى عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة و من لاق لهم دواتا أو ربط كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم‌؟ فاحشروهم معهم.(4)

ومنها: صحيحة عبدالله بن سنان قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: من أعان ظالما على مظلوم لم يزل الله عليه ساخطا حتّى ينزع عن معونته.(5) و إلى غير ذلك من الروايات الناهية عن معاونة الظالمين فى ظلمهم، أو عن دخول الإنسان فى زمرة أعوانهم.

**

(1) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 178، ح 2.

(2) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 5.

(3) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 6.

(4) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 181، ح 11.

(5) الوسائل، الباب 80 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 57، ح 5.

وثانيها: معونتهم فى غير المحرّمات من بناء المساجد و القنطرة و نحوهما. و لايخفى أنّ ظاهر بعض الأخبار حرمتها أيضا.

منها: صحيحة يونس بن يعقوب قال: قال لى أبوعبدالله عليه السلام: لاتعنهم على بناء مسجد.(1) و فيه: أنّه قد يقال: المنع عن إعانتهم على بناء المسجد لهم لعلّه من جهه أنّه نحو من تعظيم شوكتهم فيكون كمسجد الضرار الذى ذكره الله فى الكتاب و تبعد الرواية عما نحن بصدده، ولكنّه كما ترى يخالفه الإطلاق.

ومنها: ما رواه الكشّى بسند موثّق عن حمدويه عن محمد بن إسماعيل الرازى (و هو البرمكى الثقة على ما فى محكىّ التعليقة) عن الحسن بن على بن فضّال عن صفوان بن مهران الجمّال قال: دخلت على أبى الحسن الأول عليه السلام، فقال لى: يا صفوان! كلّ شيئ منك حسن جميل ماخلا شيئا واحدا، قلت: جعلت فداك أى شيئ‌؟ قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعنى هارون -، قلت: والله ما أكريته أشراً و لابطراً و لاللصيد و لاللهو، ولكنّى أكريته لهذا الطريق - يعنى طريق مكة - و لاأتولّاه بنفسى لكنّى أبعث معه غلمانى، فقال لى: يا صفوان: أيقع كراؤك عليهم‌؟ قلت: نعم، جعلت فداك، قال: فقال لى: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك‌؟ قلت: نعم، قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم و من كان منهم كان ورد النار.

قال صفوان: فذهبت فبعت جمالى عن آخرها فبلغ ذلك إلى هارون، فدعانى فقال لى: يا صفوان! بلغنى أنّك بعت جمالك‌؟ قلت: نعم، قال: و لِمَ؟ قلت: أنا شيخ كبير و إنّ الغلمان لايفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات، إنّى لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر عليهما السلام، قلت: ما لى و لموسى بن جعفر عليهما السلام‌؟ فقال:

**

(1) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 180، ح 8.

دع هذا عنك، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك.(1)

وفى مصباح الفقاهة: أنّ الرواية أدلّ على الجواز، فإنّ الإمام عليه السلام انما ردعه عن محبّة بقائهم، انتهى.

و أوضحه فى إرشاد الطالب، حيث قال: ولكن ظاهر هذه الرواية جواز المعاملة و إعانتهم على الفعل المباح، و ذلك فإنّه لو كانت معاملة الجائر حراما لم يكن وجه لقوله «أيقع كراؤك الخ»، بل كان المتعيّن أن يقول: إن الإكراء منهم حرام حتى فيما إذا لم يكن لللَّهو و البطر.

و عدوله عن ذلك إلى ما فى الرواية قرينة واضحة على أنّ وجه النهى عن المعاملة هو حبّ الشخص بقاءهم. و من الظاهر أنّ هذا النحو من الحبّ الذى هو فى الحقيقة حبٌّ لاستيفاد حقه لايكون محرّما، خصوصا فيما إذا علم أنه على تقدير ذهاب هذا الظالم يخلفه ظالم آخر مثله أو أخبث منه. و كيف كان، فالمستفاد من الرواية كون التجنّب عن الجائر أولى.(2) أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحرمة التكليفية لاتنافى السؤال المذكور «أيقع كراؤك الخ»، و معه لايدلّ على الجواز، فضلاً عن كونه أو دلّ فتأمَّل.

ومنها: صحيحة محمد بن عذافر عن أبيه قال: قال ابوعبدالله عليه السلام: يا عذافر! نبّئت أنّك تعامل أباأيوب و الربيع، فما حالك إذا نودى بك فى أعوان الظَّلمة‌؟ قال: فوجم أبى، فقال له أبو عبدالله عليه السلام لمّا رأى ما أصابه: أى عذافر! إنّى إنّما خوّفتك بما خوّفنى الله عزّوجلّ به، قال محمد: فقدم أبى فما زال مغموما مكروبا حتّى مات.(3)

**

(1) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 183-182، ح 17.

(2) إرشاد الطالب، ج 1، ص 253.

(3) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 178، ح 3.

ودعوى ضعفها من جهة وقوع سهل فى طريقها مندفعة: بأنّ الأمر فى السهل سهل، ثمّ إنّ قوله «فوجم أبى إلخ» ظاهر فى أنّ محمد بن عذافر كان حاضرا فى المجلس، ولكن يخالفه ما فى الذيل، قال محمد: فقدم أبى إلخ؛ و ما فى الصدر، قال قال إلخ، و كيف كان، إنّ قوله عليه السلام: «نبّئت أنك تعامل إلخ» يدلّ على أنّ عذافر كان يعامل مع الظَّلمة، بحيث يصدق أعوان الظلمة عليه، فلايكون مربوطاً بالمقام. هذا مضافا إلى جهالة عذافر و أبوأيوب و الربيع، كانا من عوامل منصور كما قيل.

ومنها: صحيحة ابن أبى يعفور قال: كنت عند أبى عبدالله عليه السلام إذ دخل (فدخل خ ل) عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك، (أصلحك الله خ ل) إنّه ربّما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة، فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنّاة يصلحها، فما تقول فى ذلك‌؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: ما أحبّ أنّى عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و إنّ لى ما بين لابتيها لا و لامدّة بقلم، إنّ أعوان الظَّلمة يوم القيامة فى سرادق من نار حتّى يحكم الله بين العباد.(1) و الوكاء ما يشدّ به رأس القربة ما بين لابتى هى المدينة و اللابتين تثنية اللابة و هى أرض ذات أحجار سود. و كان المراد بهما كما فى إرشاد الطالب الجبلان فى ناحيتى المدينة.

وفيه: أنّ قوله «ما أحبّ إلخ» ظاهر فى الكراهة، و لعلّ وجه الكراهة أنه قد ينتهى إلى العون للظالم. و المقصود من ذكر «أنّ أعوان الظَّلمة إلخ» هو ذلك لا أنّه من مصاديقه.

و دعوى ضعف السند من جهة جهالة بشير الواقع فى السند، مندفعة: بأنّ نقل ابن أبى عمير عنه يكفى فى التوثيق، و المفروض أنه نقل عن البشير فى نفس هذه الرواية.

**

(1) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 6.

وكيف كان، فهذه الروايات و إن كان بعضها ظاهرا فى حرمة معونتهم فى غير المحرّمات، ولكن تحمل على الكراهة جمعا بين الأخبار، لأنّ ظهور «ما أحبّ‌» فى الكراهة أقوى من ظهور النهى فى الحرمة.

قال الشيخ الأعظم: و الأقوى التحريم مع عدّ الشخص من الأعوان، فإن مجرد إعانتهم على بناء المسجد ليست محرّمة، إلّا أنه إذا عدّ الشخص معمارا للظالم أو بنّاءً له و لو فى خصوص المساجد، بحيث صار هذا العمل منصبا له فى باب السلطان كان محرّما.

إلى أن قال: و أمّا العمل له فى المباحات لأجرة أو تبرّعا من غير أن يعدّ معينا له فى ذلك فضلا من أن يعدّ من أعوانه، فالأولى عدم الحرمة للأصل و عدم الدليل عدا ظاهر بعض الأخبار، مثل رواية ابن أبى يعفور و رواية محمد بن عذافر و رواية صفوان؛ إلى أن قال: و غير ذلك مما ظاهره وجوب التجنّب عنهم. إلى أن قال: لكنّ الإنصاف أنّ شيئا مما ذكر لاينهض دليلا لتحريم العمل لهم على غير جهة المعونة.

أمّا الرواية الأولى (أى صحيحة ابن أبى يعفور)، فلأنّ التعبير فيها فى الجواب بقوله «ما أحبّ إلخ» ظاهر فى الكراهة، و أمّا قوله عليه السلام «إنّ أعوان الظَّلمة الخ» فهو من باب التنبيه على أنّ القرب إلى الظَّلمة و المخالطة معهم مرجوح، و إلّا فليس من يعمل لهم الأعمال المذكورة فى السؤال، خصوصا مرّة أو مرّتين، خصوصا مع الاضطرار معدوداً من أعوانهم. و كذلك يقال فى رواية عذافر مع احتمال أن يكون معاملة عذافر مع أبى أيوب و أبى الربيع على وجه يكون معدودا من أعوانهم و عمّالهم.

و أمّا رواية صفوان فالظاهر منها: أنّ نفس المعاملة معهم ليست محرّمة، بل من حيث محبّة بقائهم، و إن لم تكن معهم معاملة. و لايخفى على الفطن العارف بأساليب الكلام أنَّ قوله عليه السلام: من أحبّ بقائهم كان منهم، لايراد به «من أحبّهم» مثل محبّة

صفوان بقائهم حتى يخرج كرائه، بل هذا من باب المبالغة فى الاجتناب عن مخالطتهم حتى لايفضى ذلك إلى صيرورتهم من أعوانهم و إن يشرب القلب حبّهم، لأنّ القلوب مجبولة على حسب من أحسن إليها. و قد تبيّن مما ذكرنا أنّ المحرّم من العمل للظَّلمة قسمان: أحدهما الإعانة لهم على الظلم.

و الثانى: ما يعدّ معهم من أعوانهم و المنسوبين إليهم بأن يقال: هذا خيّاط السلطان و هذا معماره، و أمّا ما عدا ذلك فلادليل معتبر على تحريمه.(1)

تنبيه فى المراد من الظالم

و هو أنّ السيّد المحقّق الخوئى قدس سره قال: إنّ المراد من الظالم المبحوث عن حكم إعانته ليس هو مطلق العاصى الظالم لنفسه، بل المراد به هو الظالم للغير، كما هو ظاهر جملة من الروايات التى تقدّم بعضها، بل هو صريح جملة أخرى منها، و عليه فمورد الحرمة يختصّ بالثانى.(2)

ثمّ إنّ الظالم لايختصّ بالظالم العامىّ أو الظالم من الكفّار، بل يشمل مطلق الظالم، سواء كان كافرا أو عاميّا أو شيعيّا فيما إذا صدق عليه عنوان الظالم بقول مطلق.

و مجرّد كون مورد الأخبار هو الظالم العامّى لايوجب الاختصاص به، فإن العبرة بعموم الوارد لابخصوصية المورد.

ثمّ إنّ اللازم هو صدق عنوان الظالم عليه بقول مطلق من دون قيام قرينة عليه، فيختصّ بمن صدر عنه الظلم متواليا و يكون ذلك سجيّته و شأنه. و أمّا من صدر عنه أحيانا فلايحرم صيرورة أحد من أعوانه فيما إذا اجتنب عن المعاونة فى ظلمه

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 55-54.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 430-429.

و فى الختام لايذهب عليك أنّ حرمة صيرورة كونه من الأعوان إذا تزاحمت مع العناوين الملزمة كحفظ الدين و المؤمنين و النظام جاز ذلك، بل قد يجب أحيانا لقاعدة الأهمّ و المهمّ كما لايخفى.

و سيأتى إن شاء الله تعالى بقيّة الكلام فى مسألة التولّى عن الجائر.

المسألة الخامسة و الخمسون «فى النجش»

و هو بالنون المفتوحة و الجيم الساكنة أو المفتوحة كما عن تاج العروس أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن تمدحه، أو هو أن يريد الإنسان أن يبع بياعة (السَّلعة) فتساومه فيها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها، و الأكثر ذكروا المعنى الثانى.

و فى محكىّ الجوهرى: النَّجش أن تزايد فى المبيع ليقع غيرك و ليس من حاجتك. و عن المصباح: نجش الرجل إذا زاد فى سلعة أكثر من ثمنها و ليس قصده أن يشتريها، بل ليغرّ غيره فيوقعه فيه. قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و ظاهر الوجهين هو تحقّق النجش بهما، سواء كان ذلك عن مواطاة مع البايع أم لا.

والنَّجش حرام لأنه من مصاديق الغشّ إن وقعت المعاملة فى الخارج، و غشّ المؤمن حرام، كما يدلّ عليه الأخبار الكثيرة. و أمّا لو لم تقع المعاملة فى الخارج فحرمته تكون من باب التجرّى. و ربّما استدلّ على حرمة النجش بحديث نفى الضرر.

و ردّه فى مصباح الفقاهة: بأنّ المشترى إنّما أقدم على الضرر بإرادته و اختياره، و إن كان الدافع له على الإقدام هو الناجش.

هذا مضافا إلى أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّ الناجش إنّما يوقع المشترى فى

الضرر إذا كان الشراء بأزيد من القيمة السوقيّة. و أمّا إذا وقعت المعاملة على السلعة بأقّل من القيمة السوقية، أو بما يساويها، فإن النجش لايوجب إضراراً للمشترى، إلّا أن يمنع من صدق مفهوم النجش على ذلك.(1)

ولقائل أن يقول: إنّ مع غفلة المشترى عن قيمة المبيع يصدق الغرور و يوجب ضمانه بناءً على صحّة قاعدة الغرور، ولكنّه أخصّ من المدّعى لأنّ النجش لايختصّ بصورة الغفلة عن قيمة المبيع.

و ربّما استدلّ على الحرمة بأدلّة حرمة الكذب، فإنّ قول الناجش: بأنّى أشترى السلعة بأزيد مما عيّنه المشترى مع أنّه لايريد ذلك كذب.

هذا مضافا إلى صحيحة عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: الواشمة و المؤتشمة و الناجش و المنجوش معلونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله و سلم.(2) و حمل اللَّعنة فى الواشمة و المؤتشمة على الكراهة بقرينة الروايات الأخرى لايوجب ذلك بالنسبة إلى الناجش و المنجوش له لوحدة السياق، لإمكان بقائه على ظاهره بعد اختصاص القرينة بالواشمة و المؤشمة كما قرّر فى محلّه و هو باب الأوامر. هذا مع الغمض عن دلالة العقل على قبحه، لأنّه غشٌّ و تلبيس و كذب، كما أفاده الشيخ الأعظم قدس سره.

ثمّ لايخفى عليك أنّ حرمة ا لنَّجش إن كانت من ناحية الكذب فلايتوقّف حرمته على وقوع المعاملة فى الخارج أولاوقوعها، لأنّ الكذب محقّق بمجرّد إخباره عن إرادة الشراء بالأزيد مع عدم إرادته لذلك، بل الظاهر من صحيحة عبدالله بن سنان هو

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 431.

(2) الوسائل، الباب 137 من أبواب مقدّمات النكاح، ج 20، ص 239، ح 1.

ذلك أيضا، لأنّ لعنه صلى الله عليه وآله و سلم لم يعلَّق على شيئ. هذا بخلاف حرمة الغشّ و التعزير، فإنّها متوقّفة على وقوع المعاملة فى الخارج كما لايخفى.

و كيف كان، فحرمة النَّجش حتى فى صورة المواطاة لاتوجب بطلان المعاملة، لأنّ المنهىَّ عنوان النجش و هو غير عنوان المعاملة.

نعم، للمشترى خيار إن كانت المعاملة مشروطة بالارتكاز بالمساواة العادلة بحسب القيمة كما لايخفى.

ثمّ بعد ما عرفت من حرمة النجش لايجوز إجارة أشخاص لتحقّق النجش و تكون الاجارة باطلة، لأنّ عمل النجش مسلوب المالية شرعا و معه لايكون الإجارة صحيحة، فلاتغفل.

المسألة السادسة و الخمسون «فى النميمة»

قال الشيخ الأعظم قدس سره: و هى نقل قول الغير إلى المقول فيه، كأن يقول: تكلّم فلان فيك بكذا و كذا، قيل: هى من نمّ نَمّى الحديث من باب قتل و ضرب، أى سعى به لإيقاع فتنة أو وحشة، و هى من الكبائر. و الظاهر من كلام الشيخ هو صدق النميمة و لو لم يكن لإيقاع فتنة فإنّه عبّر عن المقيّد بقوله «قيل».

ويدلّ على الحرمة صحيحة عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: ألا أنبّئكم بشراركم‌؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء المعايب.(1)

و صحيحة على بن جعفر عن أبى الحسن موسى عليه السلام قال: حرمت الجنّة على ثلاثة: النمّام و مدمن الخمر و الديّوث و هو الفاجر.(2)

وصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: الجنّة محرّمة على القتّاتين المشّائين بالنميمة.(3) و غير ذلك من الأخبار الكثيرة المستفيضة.

**

(1) الوسائل، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 306، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 309، ح 9.

(3) الوسائل، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، ج 12، ص 306، ح 2.

و استدلّ الشيخ الأعظم قدس سره على حرمة النميمة بالآية الكريمة: (وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدّٰارِ) (1) و النمّام قاطع لما أمر الله بصلته و مفسد.(2)

أورد عليه: بأنّ الظاهر من الآية و لو بمناسبة الحكم و الموضوع هو توجّه الذمّ إلى الذين أمروا بالصلة و التوادد فأعرضوا عن ذلك. و من هنا قيل: إنّ معنى الآية أنهم أمروا بصلة النبى صلى الله عليه وآله و سلم و المؤمنين فقطعوهم. و قيل: أمروا بصلة الرحم و القرابة فقطعوها. و قيل: أمروا بالإيمان بجميع الأنبياء و الكتب ففرّقوا و قطعوا ذلك. و قيل: أمروا أن يصلوا القول بالعمل ففرّقوا بينهما.

و قيل: معنى الآية أنّهم أمروا بوصل كلّ من أمر الله بصلته من أوليائه و القطع و البراءة من أعدائه و هو الأقوى، لأنه أعم و يدخل فيه جميع المعانى. و على كلّ حال فالنمّام لم يؤمر بإلقاء الصلة و التوادد بين الناس لكى يحرم له قطع ذلك، فالآية غريبة عنه.(3)

يمكن أن يقال: إنّ النمّام من المسلمين، و مقتضاه أنّه كغيره مأمور بالصلة و التوادد بين المسلمين، ولكن يخالفه ظهور الأمر فى قوله (مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‌) فى الوجوب لوضوح عدم وجوب الصلة و التوادد (بين الناس)، فلادلالة للآية على حرمة النميمة فى غير مورد الصلة الواجبة،(4) وعليه فيكون أخصّ من المدّعى.

**

(1) الرعد، 25.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 55.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 433-432.

(4) كما أفاد فى إرشاد الطالب، ص 255.

و استدلّ له أيضا بقوله: (وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ‌) بدعوى أنّ النمّام يوجب الفساد و الفتنة.

أورد عليه فى إرشاد الطالب تبعا لما فى مصباح الفقاهة: بأنّ مجرّد النّميمة لاتكون فسادا فى الأرض، كما إذا وقع الخلاف بين المتحابّين من غير أن يترتّب على التفرقة بينهما فساد آخر، فإنّ هذا الإيقاع نميمة ولكن لايصدق عليه أنّه فساد فى الأرض.(1) و فيه: أنّ الأولى هو أن يقال: إنّ هذه الآية أخصّ من المدّعى، و إلّا فتشمل الآية النميمة التى توجب الفساد فى الأرض. و استدلّ له أيضا بقوله تعالى: (وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ‌) (2) بدعوى: أنّ النميمة تكون منشأً للفتنة و سببا لها فتكون محكومة بحكمها.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأن النميمة قد تجرّ إلى قتل النفوس المحترمة و هتك الأعراض و نهب الأموال، ولكنَّها ليست كذلك فى جميع الأحوال،(3) و عليه يكون أخصّ من المدّعى، بل المراد من الفتنة هو الشرك كما ذكره الطبرسى. و إنّما سمّى الشرك فتنة لأنه يؤدّى إلى الهلاك، كما أنّ الفتنة تؤدى إلى الهلاك،(4) و عليه فتكون الاستدلال بالآية أجنبيا عن المقام.

هذا مضافا إلى أنّ التعبير بأنّ الفتنة أكبر من القتل قرينة واضحة على أنّ المراد بها الفتنة الخاصّة، و هى إيقاع الخلاف و التشتّت فى صفوف المسلمين بداعى تضعيفهم فى مقابل الكفار،(5) فلايصلح الاستدلال المذكور لحرمة كل فتنة و مايساويها.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 255.

(2) البقرة، 217.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 433.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 433.

(5) إرشاد الطالب، ص 256.

و استدلّ له أيضا بقوله سبحانه و تعالى: (وَ لاٰ تُطِعْ كُلَّ حَلاّٰفٍ مَهِينٍ * هَمّٰازٍ مَشّٰاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كٰانَ ذٰا مٰالٍ وَ بَنِينَ‌) .(1)

وردّ ذلك: بأنّ مدلولها حرمة المبالغة فى النميمة و لاتدلّ على حرمة أصلها؛ هذا مضافا الى إمكان أن يقال: لادلالة لها على حرمتها أصلاً لامع المبالغة و لابدونها، بل هى واردة فى بيان حكم آخر و هو عدم جواز الاتباع و الطاعة للحلّاف الهمّاز المشّاء بنميم منّاع للخير.(2)

و كيف كان، ففى بعض ما ذكر كفاية لإثبات حرمة النميمة، ثمّ إنّ النسبة بين النميمة و الغيبة كما أفاد فى مصباح الفقاهة هى العموم من وجه و يشتدّ العقاب فى مورد الاجتماع.

و قد تزاحم حرمة النميمة عنوان آخر مهمٌّ فى نظر الشارع فتجرى فيها قواعد التزاحم المعروفة، فقد تصبح جائزة إذا كان المزاحم أهمَّ منها، و قد يكون واجبة اذا كانت أهميّته شديدة.(3)

ثمّ إنّ النميمة المحرّمة تختصّ بالنميمة بين المسلمين. و أمّا النميمة بين المشركين و الحربيين فلاحرمة لها. نعم، النميمة بين غير الحربيين لعلّها مشمولة لأدلّة الحرمة لإطلاقها، فتأمّل.

و أمّا أخذ الأجرة على النميمة، فهو حرام إذا كانت النميمة حراما؛ بخلاف ما إذا كانت جائزة أو واجبة، فإن أخذ الأجرة حينئذ على النميمة حلال و لاإشكال فيه كما لايخفى.

**

(1) القلم، 14-10.

(2) إرشاد الطالب، ص 256.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 433.

المسألة السابعة و الخمسون «فى النياحة بالباطل»

اشارة

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ذكر الشيخان و سلّار و الحلّى و المحقّق و من تأخّر عنه النوح بالباطل.

فى المكاسب المحرّمة: و الظاهر حرمته من حيث الباطل يعنى الكذب، و إلّا فهو فى نفسه ليس بمحرّم، و على هذا التفصيل دلّ غير واحد من الأخبار و ظاهر المبسوط و ابن حمزة التحريم مطلقا كبعض الأخبار، و كلاهما محمولان على المقيّد جمعا.

و فيها طوائف من الأخبار:

و التحقيق: أنّ الأخبار على طوائف:

الطائفة الأولى: ما يدلّ على المنع من النياحة مطلقا

الطائفة الأولى: ما يدلّ على المنع من النياحة مطلقا، سواء كانت بالباطل أم بالحق. منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم فى حديث المناهى: أنّه نهى عن الرّنة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها و نهى عن تصفيق الوجه.(1)

**

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 128، ح 11.

و هذه الرواية و إن أطلقت فى النهى عن النياحة و هو يفيد الحرمة مطلقا، ولكنّها ضعيفة لجهالة شعيب بن واقد.

ومنها: ما رواه فى الخصال بسند ضعيف عن عبدالله بن الحسين بن زيد بن على عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عن على عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: أربعة لاتزال فى أمّتى إلى يوم القيامة: الفخر بالأحساب،(1) و الطغن فى الأنساب، و الاستسقاء بالنجوم، و النياحة، و إنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من حرب (جرب فى بعض النسخ).(2)

دلالة الخبر على حرمة مطلق النياحة واضحة، ولكنّه ضعيف لجهالة بعض من وقع فى طريق الصدوق إلى عبدالله بن الحسين بن زيد بن على. و سيأتى الاستدلال بما ورد من أنّ الإمام كره النياحة، ولكن يرد عليه أنّه أعمّ من الحرمة.

والطائفة الثانية: ما يدلّ على الجواز:

منها: ما رواه الكلينى بسند صحيح عن يونس بن يعقوب عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال لى أبى: يا جعفر! أوقف لى من مالى كذا و كذا لنوادب تندبنى عشر سنين بمنى أيّام منى.(3)

هذا الخبر الصحيح يدلّ على جواز الندبة و أخذ الأجرة عليها، ولكن لايستفاد منه الإطلاق؛ نعم، يدلّ على الجواز فى الجملة. قال العلّامة المجلسى قدس سره: و الظاهر اختصاصه بهم عليهم السلام، لما فيه من تشييد حبّهم و بغض ظالميهم، و هما العمدة فى الإيمان.(4)

**

(1) الحسب ما تعدّه من مفاخر الآباء.

(2) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 129-128، ح 12.

(3) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 125، ح 1.

(4) مرآة العقول، ج 19، ص 76.

ومنها: ما رواه محمد بن يعقوب بسند صحيح عن أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: مات الوليد بن المغيرة،(1) فقالت أمّ سلمة للنبىّ صلى الله عليه وآله و سلم: المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم‌؟ فأذن لها فلبست ثيابها و تهيّأت و كانت من حسنها كأنّها جانّ‌، و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها.(2)

و عقدت بطرفيه خلخالها،(3) فندبت ابن عمّها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم، فقالت:

أنعى الوليد بن الوليد *** أبا الوليد فتى العشيرة

حامى الحقيقة ماجد(4) *** يسمّو إلى طلب الوتيرة

قد كان غيثا فى السنين *** و جعفراً غدِقاً و ميرة

فما عاب رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ذلك و لاقال شيئا.(5) الجعفر أى الماء. الغدق أى الكثير. الميرة أى الطعام يمتاره الإنسان بدعوى أنه لاخصوصيّة للمورد، فيدلّ على جواز النوحة.

قال العلّامة المجلسى قدس سره: قيّد المشهور بما إذا كانت بحقٍّ أى لاتصف الميّت بما

**

(1) قال الشعرانى فى حاشية الوافى: و الصحيح الوليد بن الوليد ابن المغيرة، فإنه الذى أسلم و هاجر إلى المدينة و كان ابن عمّ أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وآله و سلم: و أمّا الوليد بن المغيرة فكان عمّها و لم يؤمن. (الوافى، ج 17، ص 198).

(2) أى غطاه.

(3) أى عقدت طرف شعرها بخلخالها، يدلّ على طول شعرها، بحيث كان يصل إلى كعبى الرجلين. و لعلّ إرخاء الشَّعر كان شعار المصاب. (حاشية الوافى، ج 17، ص 198).

(4) نقله فى الوافى ماجداً مكان ماجد. قال فى الوافى: و يسمّوا أى يعلو و الوتيره كأنها من الوتر بمعنى الخباية التى يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبى تعنى أنه كان يغلب على إدراك دم قتيله و ما يجنى به على عشيرته. (الوافى، ج 17، ص 198).

(5) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 126-125، ح 2.

ليس فيه و بأن لاتسمع صوتها الأجانب.(1)

ومنها: صحيحة أبى بصير قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لابأس بأجر النائحة التى تنوح على الميّت.(2) هذا مطلق و يدلّ بإطلاقه على جواز النياحة و أخذ الأجرة عليها.

ومنها: خبر عذافر قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام و قد سئل عن كسب النائحة، فقال: تستحلّة بضرب إحدى يديها على الأخرى.(3)

قال العلّامة المجلسى قدس سره: قوله «تستحلّه» لعلّ المراد بها تعمل أعمالا شاقّة فيها تستحقّ الأجرة، أو هو إشارة إلى أنه لاينبغى أن تأخذ الأجرة على النياحة، بل على ما يضمّ إليها من الأعمال. و قيل: هو كناية عن عدم اشتراط الأجرة و لايخفى ما فيه.(4)

قال فى إرشاد الطالب: و ظاهرها عدم جواز أخذ الأجرة على نفس النياحة، بل تكون الأجرة بإزاء عملها أى ضرب إحدى يديها بالأخرى عند نياحتها.

ومنها: ما رواه فى الكافى عن على بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن إسماعيل جميعاً عن حنان بن سدير قال: كانت امرأة معنا فى الحىّ و لها جارية نائحة، فجاءت إلى أبى، فقالت: يا عمّ‌! أنت تعلم أنّ معيشتى من الله عزّوجلّ‌، ثمّ من هذه الجارية النائحة، و قد أحببت أن تسأل أباعبدالله عليه السلام عن ذلك، فإن كان حلالا و إلّا بعتها و أكلت من ثمنها حتى يأتى الله بالفرج، فقال لها أبى: و الله إنّى لأعظّم أباعبدالله عليه السلام أن أسأله عن هذه المسألة، قال: فلمّا قدمنا عليه أخبرته أنا

**

(1) مرآة العقول، ج 19، ص 76.

(2) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 127، ح 7.

(3) مرآة العقول، ج 19، ص 77.

(4) مرآة العقول، ج 19، ص 77.

بذلك، فقال أبوعبدالله عليه السلام أتشارط؟ قلت: و الله ما أدرى تشارط أم لا، فقال: قل لها: لاتشارط و تقبّل ما اُعطيت.(1)

و المرآة عن على بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن إسماعيل جميعا عن حنان بن سدير. و فى هذا السند تصحيف و الصحيح عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل جميعا عن حنان بن سدير.

و كيف ما كان، فقد قال العلّامة المجلسى: الحديث موثّق و يدل على كراهة الاشتراط، انتهى.(2)

و لعلّ وجه الحمل على الكراهة مع أنّ ظاهر النهى هو الحرمة، هو الجمع بين ما يدلّ على الجواز بالصراحة، كصحيحة أبى بصير و بين ظاهر النهى بحمل الظاهر على الصريح و يحكم بالكراهة عند الاشتراط.

ومنها: مرسلة الصدوق قال: قال عليه السلام: لابأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا،(3) ولكنّها مقيّدة بصورة الصدق. و مقتضى مفهومها هو تقييد المطلقات إلّا أنّ ضعفها بالإرسال يمنع عن ذلك.

ومنها: ما رواه العلّامة فى المنتهى: من أنّ ا لجمهور رووا عن فاطمة عليها السلام قالت: يا أبتاه! من ربّى ما أدناه، يا أبتاه! إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه! فأجاب ربّا دعاه. و عن على عليه السلام: أخذت قبضة من تراب قبر النبى صلى الله عليه وآله و سلم فوضعتها على عينيها، ثم قالت:

**

(1) مرآة العقول، ج 19، ص 77-76 و رواه فى الكافى، ج 5، ص 118-117.

(2) مرآة العقول، ج 19، ص 76.

(3) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 128، ح 9.

ماذا على من شمّ تربة أحمد *** أن لايشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت علىّ مصائب لوأنّها *** صبّت على الأيام صرن لياليا(1)

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على الكراهة:

منها: صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن النوح على الميّت، أيصلح‌؟ قال: يكره.(2)

ومنها: ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن عثمان بن عيسى (سعيد خ ل) عن سماعة قال: سألته عن كسب المغنّية و النائحة، فكرهه.(3) طريق الشيخ إلى عثمان بن عيسى صحيح و لم أجد طريقه إلى عثمان بن سعيد.

ومنها: خبر قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن عن جدّه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن النوح، فكرهه.(4)

ربّما يقال و كثيرا ما يراد بالكراهة فى الأخبار التحريم، و مقتضى ذلك هو إدراج هذه الأخبار فى الطائفة الأولى.

وفيه: أنّ الكراهة أعمّ من الحرمة و مع عدم إحراز الحرمة لاوجه لإدراج تلك الطائفة فى الطائفة الأولى.

و كيف كان، فمقتضى الجمع بين الروايات هو حمل ظاهر النهى و الكراهة لو سلّمنا ظهورها فى الحرمة على ما يدلّ بالصراحة على الجواز، كصحيح أبى حمزة و صحيحة أبى بصير. و بعد ذلك يقيّد إطلاق الجواز بما إذا لم تكن النياحة كذبا لوضوح أنه

**

(1) المنتهى، ج 1، ص 466 كتاب الصلاة فيما ورد بعد الدفن، الفرع الثانى.

(2) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 129، ح 13.

(3) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 128، ح 8.

(4) الوسائل، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 129، ح 14.

لايحتمل تجويز الكذب و أخذ الأجرة عليه، كما يؤيده مرسلة الصدوق: لابأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا.

و عليه فيجوز النياحة إلّا إذا كانت كذبا فلايجوز النياحة، كما لايجوز أخذ الأجرة عليها. و الأولى هو الاجتناب عن الاشتراط.

قال فى مصباح الفقاهة: إنّ قوله عليه السلام (فى مرسلة الصدوق): «لابأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا» و ما فى معناه (مما يدلّ على جواز كسب النائحة) يدلّ بالالتزام على جواز نفس النوح بالحقّ‌، فيقيّد به إطلاق الروايات المانعة. و بعد تقييدها تنقلب نسبتها إلى الروايات الدالّة بإطلاقها على الجواز، فتكون مخصّصة لها، فيكون النوح بالباطل حراما و النوح بالحقّ جائزا على الكراهة المحتملة.(1)

ويمكن أن يقال: أوّلاً: لم يصل إلينا أخبار صحاح فى المنع عن النياحة حتى يحكم بتقييدها؛ أللّهمّ إلّا أن يكتفى بالأخبار الدالّة على الكراهة، ولكن عرفت المناقشة فيها من جهة كون الكراهة أعمّ من الحرمة، أو إلّا أن يكتفى فى الأخبار المانعة بخبر حنّان بن سدير، فإنه يدلّ على النهى عن الاشتراط مطلقا، و سيأتى ما فيه إن شاء الله تعالى.

وثانياً: إنّ قوله عليه السلام: «لابأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا» مرسلة لاتصلح لتقييد مطلقات النهى حتى تنقلب النسبة و وثوق الصدوق بالصدور لايكفى لنا؛ نعم، يمكن أن يقال: إنّ الكذب خارج عنه تخصّصا من الأخبار المجوّزة إذ لايحتمل تجويز الكذب تكليفا و جواز أخذ الأجرة عليه وضعا.

وثالثاً: إنّ انقلاب النسبة مع بقاء الظهور الاستعمالى و عدم انثلامه بالمخصّص

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 435.

المنفصل لامجال له كما قرّر فى محلّه، فالأولى هو أن يقال: إنّ مقتضى الجمع بين المطلقات المانعة لو كانت بين الأخبار المجوّزة هو حمل المانعة على الكراهة لقوة ظهور المجوّزة كما لايخفى.

بقى شىء و هو أنّ حديث حنّان بن سدير بناء على كونه موثّقا كما هو الظاهر لايصلح لتقييد اللأخبار المجوّزة إذا لم يكن اشتراط. و ذلك لما ذكره السيّد المحقّق الخوئى قدس سره من أنّ النهى عن الاشتراط فى أمثال هذه الصنايع و الأمر بقبول ما يعطى صاحبها إنّما هو إرشاد إلى أنّ الاشتراط فيها لايناسب شؤون نوع الناس، و أنّ المبذول لهؤلاء لايقلّ عن أجرة المثل، و هذا لاينافى جواز ردّ المبذول إذا كان أقلّ من أجرة المثل، و على هذا فلادلالة فيها على التقييد.(1)

ثم إنّه لايذهب أنّ المحكىَّ عن المبسوط فى كتاب الجنائز حرمة النياحة على الأموات مدّعيا عليه الإجماع، و هكذا عن ابن حمزة فى كتاب الطهارة من الوسيلة، قال فى محكىّ الذكرى: إنّ الظاهر أنهّما أرادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرّم، كما قيّده فى النهاية، انتهى.

هذا مضافا إلى أنّ المحكىّ عن المنتهى هو أنّ النياحة بالباطل محرّمة إجماعاً أمّا بالحق فجائزة إجماعا، فدعوى الإجماع فى المبسوط و الوسيلة معارضة مع دعوى المنتهى كما لايخفى. و أمّا ما احتمل قريبا فى الحدائق من حمل الأخبار الدالّة على التحريم على التقيّة، حيث قال: أقول: من المحتمل قريبا حمل الأخبار الأخيرة على التقيّة، فإنّ القول بالتحريم قد نقله فى المعتبر عن كثير من أصحاب الحديث من

**

(1) مصباح الفقاهة، ص 436-435.

الجمهور و نقل جملة من رواياتهم المطابقة لما روى عندنا، و منه تفسير آية (وَ لاٰ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ‌) (1) بالنوح.

ففيه: أنّ الحمل على التقيّة فيما إذا لم يكن جمع دلالى بين الأخبار، و إلّا فلامجال له بعد إمكان الجمع العرفى بين الأخبار، إذ مع إمكان الجمع العرفى لاتعارض بين الأخبار، فلاموضوع للأخبار العلاجية. و قد تقدّم أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار المجوّزة و المانعة على تقدير ثبوتها هو الحمل على كراهة النياحة عدا النياحة على النبى و الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) و الشهداء كالحمزة عمّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم و من كان فى رتبة الشهداء أو أعلى منهم كالعلماء العاملين كما عليه السيرة المستمرّة.

ثم يختصّ الكراهة بالموارد التى ورد النهى عن النياحة و لم تكن مشتملة على الباطل أو الكذب أو محرّم آخر، و إلّا فمع اشتمالها على المحرّم، فلاإشكال فى حرمتها، كما يمكن أن ترتفع الكراهة ببعض الجهات المرجّحة، كما يشير إليه خبر خديجة بنت عمر بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام فى حديث طويل: أنّها قالت: سمعت عمّى محمد بن على عليهما السلام يقول: إنّما تحتاج المرأة فى المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، الحديث.(2)

**

(1) الممتحنة، 12.

(2) الوسائل، الباب 71 من أبواب الدفن، ج 3، ص 242، ح 1.

المسألة الثامنة و الخمسون «فى ولاية الجائر و تولّيه»

اشارة

و يقع الكلام فى أمور:

الأمر الأول: فى أقسام التولى و المقصود بالبحث هو التولى عن الجائر

الأمر الأول: أنّ التولّى إمّا عن العادل و إمّا عن الجائر و لاإشكال فى جواز التولّى عن قِبَل العادل؛ بل يكون ذلك راجحا لما فيه من المعاونة على البرّ و التقوى، و ربّما وجب ذلك كفاية إذا توقّف القضاء و النظام و السياسة الواجبة على قبول الولاية كفاية، و قد يجب ذلك عينا إذا لم يكن من له الأهليّة إلّا واحد أو إذا عيّنه الإمام، كما لا إشكال فى حرمة التولّى عن الجائر، و سيأتى تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

و كيف كان، فإذا تصدّى أحد من قبل العادل أو الجائر لأمور قوم صدق عليه التولّى من قبل العادل أو الجائر. و دعوى أنّ من تقلّد من قبل الولى أمر إمارة بلد أو ولاية ناحية أو أمر قضاوة أو وزارة ليس مستوليا على شؤون السلطنة، بل الاستيلاء انما هو من الولى و السلطان و عمّاله أياديه و ليسوا مستولين على شؤونها حتى الأمر الذى كانوا متولّين له بنصب من السلطان.

و لافرق فى ذلك بين كون النصب من قبل العادل أو من قبل الجائر، فإذا غصب

السلطان بلداً بوسيلة عمّاله فالغاصب هو السلطان لا غير، و أياديه لايعدّون سلطانا و مستولين، و إن كان تصرّفهم فيه محرّما بعنوان التصرّف فى مال الغير بغير إذنه، مندفعة بصدق التولّى من قبل من جعله واليا على أمور القوم، سواء كان الجاعل عادلاً أو جائراً. و ذلك لأنّ جعل الولاية غير الوكالة. و من المعلوم أنّ ولى القضاء و نحوه يحكم بنظره لا بالنيابة عمّن جعله والياً، و هو شاهد على ولايته و إن كانت الولاية طولية.

و لايمنع عن ذلك اختصاص السلطنة المطلقة الأصلية بنفس الجاعل و إن أبيت عن صدق الوالى بدون السلطنة المطلقة، فلامجال للتشكيك فى صدقه فيما إذا جعل السلطان فردا لخلافته بعد موته، فإنّ له السلطنة المطلقة، ولكن عرفت صدقه و لو بدون إعطاء السلطنة المطلقة، فلاتغفل.

ثم إنّ المقصود بالبحث فى المقام هو التولّى عن الجائر. ولا إشكال فى أنّ التصدّى من قبل الجائر حرام بلاخلاف، و تدلّ عليه مضافا إلى وضوح حرمة التعاون على الإثم و العدوان، كما قال الله سبحانه و تعالى: (وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) (1) الأخبار المستفيضة بل المتواترة.

منها: الروايات الدالّة على حرمة، الآحاد أعواناً لهم، مثل معتبرة ابن أبى يعفور قال: كنت عند أبى عبدالله عليه السلام إذ دخل (فدخل خ ل) عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك (أصلحك الله خ ل)، إنّه ربّما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة، فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنّاة(2) يصلحها، فما تقول فى ذلك‌؟

فقال أبوعبدالله عليه السلام: ما أحبّ أنّى عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و إن لى ما

**

(1) المائدة، 2.

(2) المسنّاة هى السدّ.

بين لابتيها لا و لامدّة بقلم إنّ أعوان الظَّلمة يوم القيامة فى سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد.(1) بدعوى دلالة قوله عليه السلام: «إنّ أعوان الظَّلمة يوم القيامة» الحديث على حرمة صيرورة الآحاد أعوانا للظَّلمة، و من المصاديق الواضحة له هو قبول التصدّى من قبلهم.

و مثل موثّقة السَّكونى عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظَّلمة و من لاق لهم دواتا أو ربط كيسا أو مدّ لهم مدّة قلم، فاحشروهم معهم.(2)

و مثل موثّقة السَّكونى أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: إيّاكم و أبواب السلطان و حواشيها، فإنّ أقربكم من أبواب السلطان و حواشيها أبعدكم من الله عزّوجلّ‌، و من آثر السلطان على الله أذهب الله عنه الورع و جعله حيرانا.(3)

و مثل موثّقة مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أباعبدالله عليه السلام عن قوم من الشيعة يدخلون فى أعمال السلطان يعملون لهم و يحبّون لهم و يوالونهم، قال: ليس هم من الشيعة ولكنّهم من أولئك، ثمّ قرأ أبوعبدالله عليه السلام هذه الآية: (لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ لِسٰانِ دٰاوُدَ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ‌) (4) إلى قوله: (وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ‌) .(5) قال: الخنازير على لسان داود و القردة على لسان عيسى، (كٰانُوا لاٰ يَتَنٰاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ‌) (6)

**

(1) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 6.

(2) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 181، ح 11.

(3) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 181، ح 13.

(4) المائدة، 78.

(5) المائدة، 81.

(6) المائدة، 80.

قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمور و يأتون النساء أيّام حيضهنّ‌، ثمّ احتجّ الله على المؤمنين الموالين للكفار، فقال: (تَرىٰ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مٰا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ‌) (1) إلى قوله: (وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ‌) (2) فنهى الله عزّوجلّ أن يوالى المؤمن الكافر إلّا عند التقيّة.(3)

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: و الظاهر من استثناء التقيّة أنّ المراد بالموالات ليس المحبّة و الوداد، بل التولّى للأمور و التصدّى لأعمالهم، أو الأعمّ منه و من الموالات ظاهرا بإظهار المحبّة و الوداد، سيّما مع أنّ الظاهر من صدرها أنّ نفى التشيّع عن الجماعة ليس لخصوص الموالات، بل الظاهر أنّ من عمل لهم و دخل فى أعمالهم ليس من الشيعة و يكون منهم. و معلوم أنّ هذا النفى و الإثبات بوجه من التأويل و ذلك لاشتراكهم حكما و دلالتها على الحرمة الذاتية واضحة.(4)

و مثل موثقة طلحة بن زيد عن أبى عبدالله عليه السلام: العامل بالظلم و المعين له و الراضى به شركاء ثلاثتهم.(5) و غير ذلك من الأخبار و هى ظاهرة فى أنّ التولّى عن الجائر حرام و معصية كبيرة.

الأمر الثانى: فى حرمة التولى عن الجائر

اشارة

الأمر الثانى: فى أنّ حرمة التولّى عن الجائر هل تكون نفسيّة مع قطع النظر عن ترتّب محرّم عليه، أو تكون حرمته من جهة ترتّب المحرّمات عليه‌؟ قال فى جامع المدارك: لايبعد ظهور الروايات فى الحرمة النفسيّة. و يؤيّد هذا أنّ مقدمة الحرام ما لم

**

(1) المائدة، 80.

(2) المائدة، 81.

(3) الوسائل، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 191-190، ح 10.

(4) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 112-111.

(5) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 178، ح 2.

توجب سلب الاختيار عن المكلّف كالأفعال التوليدية لاوجه لحرمتها.

و يمكن الفرق بين إتيان المقدمة بقصد التوصّل إلى الحرام و الإتيان لابهذا القصد، و لافائدة فى هذا البحث لأنّ الانفكاك يقرب أن يكون من المحالات عادة.(1) و كيف كان، ففى قبال الروايات المتقدّمة الدالّة على الحرمة النفسيّة أخبار أخرى يستدلّ بها لجواز التصدّى من قبل الجائر فى نفسه.

منها: صحيحة داود بن زربى قال: أخبرنى مولى لعلىّ بن الحسين عليهما السلام قال: كنت بالكوفة فقدم أبوعبدالله عليه السلام الحيرة فأتيته فقلت له: جعلت فداك، لو كلّمت داود بن على أو بعض هؤلاء، فأدخل فى بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل، قال: فانصرفت إلى منزلى، فتفكّرت فقلت: ما أحسبه منعنى إلّا مخافة أن أظلم أو أجور، و الله لآتينّه ولأعطينّه الطلاق و العتاق و الأيمان المغلّظة ألّا أجورنَّ على أحد و لاأظلمنّ لأعدلنّ‌.

قال: فأتيته، فقلت: جعلت فداك، إنّى فكّرت فى إبائك علىّ فظننت أنّك إنّما منعتنى و كرهت ذلك مخافة أن أظلم أو أجور و إنّ كلّ امرأة لى طالق و كلّ مملوك لى حرّ علىّ و علىّ إن ظلمت أحدا أو جرت عليه و إن لم أعدل، قال: كيف قلت‌؟ قال: فأعدت عليه الأيمان، فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك عن ذلك.(2)

بناء على أنّ المشار إليه هو العدل و ترك الظلم، و يحتمل أن يكون هو (أى المشار إليه) الترخّص فى الدخول. و يبعد الاحتمال الثانى ما ورد فى التجويز لتفريج كربة مؤمن أو فكّ أسره أو قضاء دينه.

فالرواية المذكورة تدلّ على جواز التولّى فى نفسه، وأنّ الحرمة من جهة استحالة

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 59-58.

(2) الكافى، ج 5، ص 108.

التفكيك من التصدّى من قبل الجائر و الظلم. فلو لا محذور الجور و الظلم لكان التصدّى من قبل الجائر جايزا، ولكن الاستدلال بهذه الرواية لإثبات جواز التصدّى من قبل الظالم فى نفسه لايخلو من تأمّل، لأنّ الرواية ضعيفة لجهالة مولى لعلىّ بن الحسين عليهما السلام إذ هو مجهول.

هذا مضافا إلى إمكان أن يقال: إنّه لادلالة فى الرواية على جواز الدخول فى ولايتهم بل و الإشعار، حتى بناء على رجوع لفظ ذلك إلى ترك الظلم و العدل، لأنّ المسائل كان من العامة، كما هو مقتضى حلفه بالطلاق و العتاق.

و عليه فلايمكن للإمام التصريح ببطلان حكومتهم و حرمة كون الشخص معينا. ولهذه الجهة عبرّ عن عدم الجواز بذلك التعبير، فلايمكن الاستدلال بها على أنّ التولّى جايز لولا محذور الجور على الناس و نحوه من سائر المحاذير.

أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ حمل الكلام على رعاية التقيّة خلاف الأصل. و الحلف بالطلاق و العتاق لاتكون قرينة على ذلك، كما يظهر لمن راجع الروايات الواردة فى ذلك الحلف، حيث يظهر منها أنّ بطلانه لم يكن فى ذلك الزمان ظاهراً كظهوره فى زماننا.(1) فالعمدة هو ضعف الرواية لجهالة الراوى وهو مولى لعلىّ بن الحسين عليهما السلام.

ومنها: صحيحة أبى بصير و قد استدلّ بها لإثبات جواز التصدّى فى نفسه و أنّ الحرمة من جهة الحرام الخارجى. قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن أعمالهم، فقال لى: يا أبامحمد! لا و لامدّة قلم، إن أحدكم لايصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله،(2) حيث أنّ ظاهرها أنّ محذور كون الشخص عاملاً للجائر ما يترتّب عليه من ارتكاب الحرام.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 259.

(2) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 5.

أجيب عنه: بأنه لادلالة لها على جواز التولّى فى نفسه، حيث أنّ إصابتهم من دينه كما يكون بارتكابه الحرام كذلك يكون بمجرّد كونه معدودا من أعوانهم. و الحاصل: أنه لادلالة لها على كون المراد من إصابتهم الدين ارتكاب الشخص الحرام الخارجى.(1)

ومنها: صحيحة الحلبى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئا، فيغنيه الله به فمات فى بعثهم، قال: هو بمنزلة الأجير إنه إنما يعطى الله العباد على نيّاتهم.(2)

بدعوى: أنّها تدلّ على جواز العمل لهم فى نفسه. و الجواب عنها: بأنّ هذه الصحيحة تدلّ على جواز العمل لهم مع الحاجة إلى المال لقوت نفسه و عياله، سواء كان ذلك بالدخول فى ولايتهم أو العمل لهم بدونه، فيحمل على الثانى بقرينة ما ورد فى حرمة كون الشخص فى ديوانهم مع أنّ فى جواز الدخول فى ديوانهم عند الضرورة التأمين المعاش كلام تأتى الإشارة إليه.(3) و الحمل على الثانى مقتضى الجمع بين الأخبار كما لايخفى.

فتحصّل: أنّ حرمة التصدّى من قبل الجائر حرمة نفسية و لاحاجة فى الحرمة إلى ترتّب الحرام عليه، لأنّ نفس تصدّيه من قبل الجائر يجعله من أعوانه و هو محرّم بنصّ الأخبار و الآيات كما لايخفى.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إنّ ظاهر جملة من الروايات كون الولاية من قبل الجائر بنفسها محرّمة، و هى أخذ المنصب منه و تسويد الاسم فى ديوانه و إن لم

**

(1) إرشاد الطالب، ص 260.

(2) الوسائل، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 202، ح 2.

(3) إرشاد الطالب، ص 260.

ينضمّ إليها القيام بمعصية عملية أخرى من الظلم و قتل النفوس المحترمة و إصابة أموال الناس و أعراضهم و غيرها من شؤون الولاية المحرّمة. فأىّ والٍ من ولاة الجور ارتكب شيئا من تلك العناوين المحرّمة يعاقب بعقابين: أحدهما من جهة الولاية المحرّمة. و ثانيهما من جهة ما ارتكبه من المعاصى الخارجية.

و عليه فالنسبة بين عنوان الولاية من قبل الجائر و بين تحقّق هذه الأعمال المحرّمة هى العموم من وجه. فقد يكون أحد والياً من قبل الجائر، ولكنّه لايعمل شيئا من الأعمال المحرّمة و إن كانت الولاية من الجائر لاتنفكّ عن المعصية غالبا. و قد يرتكب غير الوالى شيئا من هذه المظالم الراجعة إلى شؤون الولاة تزلّفاً إليهم و طلبا للمنزلة عندهم. و قد يجتمعان بأن يتصدّى الوالى نفسه لأخذ المال و قتل النفوس و ارتكاب المظالم.(1)

تنبيه: فى الأخبار

تنبيه: و هو أنّ الأخبار فى المسألة على طوائف:

منها: ما يدلّ على الحرمة الذاتية، و قد أشرنا إلى جملة منها.

ومنها: ما يستفاد منها أنّ الحرمة لأمر خارج، كصحيحة أبى بصير قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن أعمالهم، فقال: يا أبامحمد! لا ولامدّة قلم إن أحدكم لايصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله.(2) بناء على اختصاص الإصابة من دينهم بملازمة التولّى للمعصية نوعا. و أمّا مع عدم الاختصاص فهى تدلّ على الحرمة الذاتية أيضا.

ومنها: ما يدلّ على أنّ حرمتها من جهة التصرّف فى سلطان الأئمة عليهم السلام، كرواية أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: من أحللنا له شيئا أصابه من أعمال

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 437-436.

(2) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 5.

الظالمين فهو له حلال، و ما حرّمناه من ذلك فهوله حرام.(1)

ومنها: ما يدلّ على الحرمة بلاعنوان، كرواية يحيى بن إبراهيم قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: فلان يقرئك السَّلام و فلان و فلان، فقال: و عليهم السلام. قلت: يسئلونك الدعاء، قال: و ما لهم‌؟ قلت: حبسهم أبوجعفر. فقال: و ما لهم‌؟ و ما له فقلت: استعملهم فحبسهم، فقال: فما لهم‌؟ و ما له‌؟ ألم أنههم‌؟ ألم أنههم‌؟ ألم أنههم‌؟ هم النار هم النار هم النار، ثم قال: أللّهمّ اجدع عنهم سلطانهم. قال: فانصرفنا من مكّة فسألنا عنهم، فإذا قد أخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيّام.(2)

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: إنّ هذه الطوائف لامنافاة بينها. أمّا الأخيرة مع ما دلّت على الحرمة الذاتية فواضح. و أمّا ما دلّت على الحرمة لأجل التصرّف فى سلطانهم (أى الأئمة عليهم السلام)، فلعدم المنافاة بين حرمتها ذاتا و من حيث التصرّف المذكور، فإنّهما عنوانان مختلفان فى محطّ تعلّق الحكم و متحدان خارجا، فلكلٍّ حكم مستقل.

وقوله: «من أحللنا شيئا من أعمال الظالمين فهو حلال» لادلالة له على عدم الحرمة ذاتا للولاية و لا على تحليلهم ما حرّمه الله تعالى ذاتا أو جواز ذلك لهم، بل لما كان فى التحريم الذاتى استثناء، كما سيأتى إن شاء الله يكون فى مورد الاستثناء منه أيضا احتياج إلى تحليلهم، إلى أن قال: فتحصّل من جميع ذلك أنّ ما هو من قبيل المناصب و الولايات و أمثالهما تحرم بعنوانين: أحدهما بعنوان التصرّف العدوانى.

وثانيهما: بعنوانها الذاتى، و ما لايكون كذلك أى ليس من المناصب و شئون السلطنة و الحكومة تحرم فيما تحرم بجهة واحدة و هى الدخول فى أعمال السلطان،

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 198، ح 15.

(2) الوسائل، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 188، ح 3.

و قد تقدّم المراد منه. هذا إذا لم تنطبق عليه عناوين أخر كإعانة الظالم فى ظلمه و تقوية شوكة الظالمين و نحوهما.(1)

الأمر الثالث: فى موارد الاستثناء أحدها القيام بمصالح العباد

الأمر الثالث: فى موارد الاستثناء:

أحدها: القيام بمصالح العباد، و قد تقدّم فى الأمر الأول و الثانى بيان أدلّة حرمة نفس التصدّى من قبل الجائر، لأنّ نفس التصدّى من قبله يوجب صدق كونه من أعوان الظَّلمة و هو حرام بنفسه، و لو لم يصدر عنه ظلم و حرام آخر. ولكن هذا أمر قابل للتخصيص و من موارد التخصيص هو القيام بالعدل و مصالح العباد. و فى صحيحة زيد الشحّام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: من تولّى أمرا من أمور الناس فعدل و فتح بابه و رفع ستره و نظر فى أمور الناس كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة و يدخله الجنّة.(2) وثّق الشيخ الطوسى و الشيخ المفيد زيداً الشحّام و معه لاإشكال فى السند.

لايقال: إنّ هذه الصحيحة لاتتعرّض إلّا لجواز التصدّى بشرط العدالة لاالتولّى من قبل الجائر، لأنّا نقول كما فى إرشاد الطالب: إنّ من الظاهر أنّ تولّى الأمر فى زمانه عليه السلام كان من قبل الخلفاء و ولاتهم.(3) و عليه فتولّى الأمر من قبل الخلفاء يكون من موارد الرواية و إن استفيد منه ولاية العادل أيضا بشرط العدالة.

و دعوى حرمة التولّى حتى فى فرض القيام بمصالح العباد فيكون من باب التزاحم لاالتخصيص، مندفعة بما فى إرشاد الطالب من أنّه ينافى مثل صحيحة زيد الشحّام.(4)

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام قدس سره، ج 2، ص 115-114.

(2) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 193، ح 7.

(3) إرشاد الطالب، ص 261.

(4) إرشاد الطالب، ص 261.

ولعلّ وجه المنافاة أنّ وعد الجنّة يناسب الثواب لاعدم المؤاخذة و العقاب و الثواب لايكون على الحرام.

لايقال: إنّ عدم جواز التولّى مع الترغيب إلى إيصال النفع إلى المؤمنين من المتزاحمين فتجرى فيها قاعدة الأهمّ و المهمّ‌، فلامجال لاستثناء القيام بمصالح العباد لأنّا نقول كما فى إرشاد الطالب: إنّ إيصال النفع على إطلاقه لايكون واجبا لتقع المزاحمة بين وجوبه و حرمة التولّى، فلابدّ من الالتزام بأنّ نفع المؤمنين أو دفع الضرر عنهم عنوان يكون معه التولّى محكوما بالجواز، بل بالوجوب فى بعض الأحيان.(1) و عليه فليس بابه باب المتزاحمين، بل بابه باب التخصيص.

هذا مضافا إلى النصوص المتظافرة المتضمّنة للمعتبرة و الصحيحة الدالّة على تقييد المطلقات الدالّة على حرمة التولّى عن الجائر.

منها: رواية زياد بن أبى سلمة قال: دخلت على أبى الحسن موسى عليه السلام... فقال لى: يا زياد! لئن أسقط من حالق فأتقطّع قطعة قطعة أحبّ إلىّ من أن أتولّى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلّا لماذا؟ قلت: لا أدرى جعلت فداك، قال: إلّا لتفريج كربة عن مؤمن أو فكّ أسره أو قضاء دينه.(2)

ومنها: صحيحة على بن يقطين قال: قال لى أبوالحسن عليه السلام موسى بن جعفر عليهما السلام: إنّ لله تبارك و تعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه.(3)

وفيه: أنّ المعيّة أعم من التولّى، فيمكن إخراج التولّى بأدلّة حرمة كونه من

**

(1) إرشاد الطالب، ص 261.

(2) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 194، ح 9.

(3) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 192، ح 1.

الأعوان؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المعيّة غالبا بحسب الخارج منحصرة فى التولىّ‌، و عليه فتعارض هذه الصحيحة مع ما دلّ على حرمة التولّى و تقيّده.

ومنها: خبر على بن يقطين قال: قلت لأبى الحسن عليه السلام: ما تقول فى أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لابدّ فاعلا فاتّق أموال الشيعة، قال: فأخبرنى علىّ أنّه كان يجبيها من الشيعة علانية و يردّها عليهم فى السرّ.(1)

ولايخفى عليك أنّ قوله عليه السلام: «فأخبرنى على أنّه كان يجبيها الخ» يدلّ على اشتغال علىّ بن يقطين فى الدّولة و كان ذلك جايزاً.

ومنها: خبر أبى بصير عن أبى عبدالله عليه السلام قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولّى ولاية، فقال: كيف صنيعه إلى إخوانه‌؟ قال: قلت: ليس عنده خير، قال: أفّ‌، يدخلون فيما لاينبغى لهم ولايصنعون إلى إخوانهم خيرا.(2)

و المفهوم منه هو عدم التأفيف فيما إذا صنع إلى إخوانه من الشيعة خيرا.

ومنها: خبر يونس بن عمّار قال: وصفت لأبى عبدالله عليه السلام من يقول بهذا الأمر ممن يعمل عمل (مع يب) السلطان، فقال: إذا ولّوكم يدخلون عليكم المرفق و ينفعونكم فى حوائجكم‌؟ قال: قلت: منهم من يفعل (ذلك) ومنهم من لايفعل، قال: ومن لم يفعل ذلك فابرأوا منه برئ الله منه.(3)

والمستفاد منه أنّ البراءة ممن لم يفعل، لا ممن ينفع بحال الشيعة فى قضاء حوائجهم.

ومنها: خبر علىّ بن يقطين أنّه كتب إلى أبى الحسن موسى عليه السلام: إنّ قلبى يضيق مما أنا عليه من عمل السلطان - و كان وزيراً لهارون -، فإن أذنت جعلنى الله فداك

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 194-193، ح 8.

(2) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 195، ح 10.

(3) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 196، ح 12.

هربت منه. فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم و اتّق الله، أو كما قال.(1) و هو صريح فى جواز التولّى من قبل الجائر.

ومنها: خبر الحسن بن الحسين الأنبارى عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه أربع عشرة سنة أستأذنه فى عمل السلطان، فلمّا كان فى آخر كتاب كتبته إليه أذكر: أنّى أخاف على خيط عنقى، و أنّ السلطان يقول لى: إنّك رافضىٌّ و لسنا نشكّ فى أنّك تركت العمل للسلطان للرفض.

فكتب إلىّ أبوالحسن عليه السلام: فهمت كتابك (كتبك خ ل) و ما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنّك إذا ولّيت عملت فى عملك بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ثمّ تصير أعوانك و كتابك أهل ملّتك، و إذا صار إليك شيئ واسيتَ به فقراء المؤمنين حتى تكون واحداً منهم كان ذا بذا و إلّا فلا.(2) و الذى يفهم منه أنّ عند الخوف و العلم بإمكان العمل بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم جاز.

ومنها: صحيحة الحلبى قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن رجل مسلم و هو فى ديوان هؤلاء و هو يحبّ آل محمد صلى الله عليه وآله و سلم و يخرج مع هؤلاء فى بعثهم، فيقتل تحت رايتهم‌؟ قال: يبعثه الله على نيّته. قال: و سألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئا فيغنيه الله به فمات فى بعثهم، قال: هو بمنزلة الأجير إنه إنما يعطى الله العباد على نيّاتهم.(3) تدلّ هذه الصحيحة على أنّ كونه فى ديوان الظلمة لايضرّ إذا نوى بذلك خيرا، كما أنّ إعطاء الخدمات للإعاشة لابأس به.

**

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 198، ح 16.

(2) الوسائل، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 201، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 202-201، ح 2.

ومنها: ما رواه فى الكافى عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن عن أبيه عن عثمان بن عيسى عن مهران بن محمد بن أبى نصر عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من جبّار إلّا و معه مؤمن يدفع الله عزّوجلّ به عن المؤمنين، و هو أقلّهم حظّاً فى الآخرة، يعنى أقلّ المؤمنين حظّاً بصحبة الجبّار.(1)

ولايبعد كون الرواية معتبرة لما حكى عن تعليقة البهبهانى من أنّه روى ابن أبى عمير و صفوان عن مهران بن محمد. ثم إنّ هذه الرواية بإطلاقها تدلّ على عدم الفرق بين كون الداعى إلى دخوله فى ديوان ولاة الجور إيصال النفع إلى المؤمنين أو غير ذلك، ولكن تحمل على الثانى و عدم كون مجرّد نفع المؤمنين داعيا إلى التولّى. و ذلك كما فى إرشاد الطالب من جهة الجمع بين هذه الرواية و غيرها من الروايات.

منها: ما رواه النجاشى فى ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: إنّ الله تعالى بابواب الظَّلمة من نوّر الله له البرهان و مكّن له البلاد ليدفع بهم عن أوليائه و يصلح الله بهم (به) أمور المسلمين إليهم ملجأ المؤمنين من الضرّ و إليهم يفزع ذوى الحاجة من شيعتنا.

وبهم يؤمن الله روعة المؤمن (المؤمنين) فى دار الظَّلمة، أولئك المؤمنون حقّاً، أولئك أمناء الله فى أرضه، أولئك نوّر (الله) فى رعيّتهم يوم القيامة، و يزهر نورهم لأهل السموات كما يزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض اولئك من نورهم نور القيامة يضيىء منهم القيامة، خلقوا و الله للجنّة و خلقت الجنّة لهم فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كلّه. قال: قلت: بماذا جعلنى الله فداك‌؟ قال: يكون معهم فيسرنا

**

(1) الوسائل، الباب 44، من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 186، ح 4.

بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد.(1)

ولايخفى ظهور قوله عليه السلام: «فإن لله فى أبواب الظَّلمة الخ» فى المتولّين بولاية الظَّلمة، لا من تردّد إليه، لأنّ «فى أبواب الظَّلمة» يدلّ على استقرارهم فى أبوابهم.

فتحصّل: أنّ التولّى عن الجائر بقصد إصلاح أمر المؤمنين و قضاء حوائجهم و حفظهم أمر مرغوب و مطلوب بنصّ هذه الأخبار التى توجب تقييد المطلقات الدالّة على حرمة التولّى عن الجائر.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و العمدة من الأدلّة التى استدلّ بها على جواز التولّى بالقيام بمصالح العباد هى الأخبار المتظافرة الظاهرة فى جواز الولاية من الجائر للوصول إلى قضاء حوائج المؤمنين. و بعضها و إن كان ضعيف السند ولكن فى المعتبرة منها غنى وكفاية. و بهذه الأخبار نقيّد المطلقات الظاهرة فى حرمة الولاية من قبل الجائر على وجه الإطلاق.(2)

لايقال: إنّ ظاهر النبوى الذى رواه الصدوق فى حديث المناهى قال: من تولّى عرافة قوم أتى به يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله تعالى أطلقه الله، و إن كان ظالما يهوى به فى نار جهنّم و بئس المصير. هو حرمة الولاية من حيث هى و إباحتها مع الإحسان بالإخوان، فيكون نظير الكذب فى الإصلاح.

و عليه عدم جريان قبح التولّى عن الجائر ليس من باب تخصيص دليله بغير هذه الصورة، بل يكون من باب مزاحمة قبحها بحسن الإحسان بالإخوان. فللمكلّف ملاحظة كلّ منهما و العمل بمقتضى التزاحم نظير تزاحم الحقّين فى ساير الموارد. و

**

(1) رجال النجاشى، ص 233-232؛ إرشاد الطالب، ص 262-261.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 438.

عليه فيختلف حكم التولّى بحسب اختلاف الموارد، لأنّا نقول: إنّ هذا محلّ تأمّل و منع لأنّ النسبة بين الروايات المرخّصة مع أدلّة حرمة التولّى عن الجائر عموم و خصوص. و مقتضاه هو التخصّص. و عليه فمع المواساة بالإخوان لاقبح فى التولّى عن الجائر حتى يكون من باب التزاحم.

أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ قوله صلى الله عليه وآله و سلم: «أتى به يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه فإن قام فيهم بأمر الله تعالى أطلقه الله» يحكى عن حزازة التولّى عن الجائر، ولو للقيام بالمصالح. نعم، مع قطع النظر عن سنده يعارضه غيره من الروايات، نحو ما رواه النَّجاشى فى ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع فى خصوص موارد القيام بمصالح العباد.

و مقتضى ذلك هو عدم حزازة فى التولّى عن الجائر فيما إذا قام بمصالح العباد على الأظهر، و معه لامجال للتزاحم. و لعلّ المقصود من النبوى و نحوه هو ما إذا لم يكن قصد المتولّى الإحسان. فالأقوى هو استثناء التولّى لمصالح العباد عن أدلّة حرمة التولّى.

نعم، يمكن فرض التزاحم فيما إذا توقّف الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر الواجبان على التولّى عن الجائر، مع قطع النظر عن الروايات الدالّة على جواز التولّى لمصلحة العباد. فإنّ التولّى حينئذ يكون ممّا لايتمّ الواجب إلّا به. و من المعلوم أنّ ما لايتمّ الواجب إلّا به واجب بالوجوب المقدّمى و نفس التولّى محرّم. فقبح التولّى حينئذ يزاحم قبح ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. فللمكلّف ملاحظة كلّ منهما و العمل بمقتضى التزاحم و تقديم الأهمّ إن كان، و إلّا فالتخيير الواقعى.

لايقال: إنّ ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف يعارض ما دلّ على حرمة التولّى عن الجائر. و حيث أنّ النسبة عموم من وجه فيجمع ما بينهما بالتخيير المقتضى

للجواز دفعا لقيد المنع من الترك من أدلّة الوجوب و قيد المنع من الفعل من أدلّة الحرمة. فلامجال للقول بوجوب ما لايتمّ الواجب إلّا به حتى يكون من باب التزاحم، لأنّ الوجوب مرتفع بالمعارضة.

لأنا نقول: كما فى مصباح الفقاهة: إنّ ملاك التعارض بين الدليلين هو ورود النفى و الإثبات على مورد واحد، بحيث يقتضى كلٌّ منهما نفى الآخر عن موضوعه. و مثاله: أن يرد دليلان على موضوع واحد فيحكم أحدهما بوجوبه و الآخر بحرمته، و حيث أنّه لايعقل اجتماع الحكمين المتضادّين فى محلّ واحد فيقع بينهما التعارض و يرجع إلى قواعده. و من المقطوع به أنّ الملاك المذكور ليس بموجود فى المقام. و الوجه فيه أنّ موضوع الوجوب هوالأمر بالمعروف أو النهى عن المنكر، و موضوع الحرمة هو الولاية من قبل الجائر و كلٌّ من الموضوعين لامساس له بالآخر بحسب طبعه الأولى، فلاشيئ من أفراد أحد الموضوعين فرد للآخر.

نعم، المقام من قبيل توقّف الواجب على مقدّمة محرّمة، و عليه فيقع التزاحم بين الحرمة المتعلّقة بالمقدّمة و بين الوجوب المتعلّق بذى المقدّمة، نظير الدخول إلى الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق أو إنجاء الحريق و يرجع إلى قواعد باب التزاحم المقرّرة فى محلّه، انتهى.

و فيه كما أفاد و أجاد فى بلغة الطالب: أنّ أدلّة الأمر بالمعروف مشروطة بالقدرة عقلاً و شرعاً، فمع توقّفه على المحرّم لاوجوب له حتى يدخل فى مسألة التزاحم، إلّا أن يقال: إنّ الشكّ فى الاشتراط (بالقدرة الشرعية) يقتضى التمّسك بإطلاق أدلّة الأمر بالمعروف، فيكون من باب التزاحم.(1)

**

(1) راجع بلغة الطالب، ج 1، ص 155.

هذا كلّه بحسب ما تقتضيه القواعد عند تزاحم حرمة التولّى مع وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر مع قطع النظر عن الروايات المجوّزة للتولّى. و اللازم هو ملاحظة مجموع الروايات، إذ مع ملاحظة المجموع لاتعارض ولاتزاحم لوجوب الولاية بالوجوب المقدّمى مع جوازها فى نفسها.

قال فى مصباح الفقاهة: دلّت الآيات المتظافرة و الروايات المتواترة من الفريقين على وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و كذلك دلّت الروايات المستفيضة بل المتواترة على أنّه لابأس بالولاية من قبل الجائر إذا كانت لإصلاح أمور المؤمنين من الشيعة. و قد تقدّم بعضها، و بها قيّدنا ما دلّ على حرمة الولاية عن الجائر مطلقا. و من الواضح أنّ الأمور الجائزة إذا وقعت مقدّمة للواجب كانت واجبة شرعا، كما هو معروف بين الأصوليين، أو عقلاً كما هو المختار.

وعليه فلامانع من اتصاف الولاية الجائزة بالوجوب المقدّمى إذا توقّف عليها الواجب، كالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر على أنّه إذا جازت الولاية عن الجائر لإصلاح أمورالمؤمنين جازت أيضا للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، إمّا بالفحوى أو لأنّ ذلك من جملة إصلاح أمورهم.(1) فلاتعارض و لاتزاحم فى ما إذا توقّف الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر على التولّى من قِبَل الجائر لجواز التولّى فى هذه الصورة.

و عليه فيجتمع جواز التولّى مع وجوبه المقدّمى لوجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بحسب مجموع الروايات. و لايصل النوبة إلى التخيير بعد ما عرفت من جواز اجتماعهما.

هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من التعارض بالعموم من وجه ليس هو التخيير

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 442-441.

الواقعى، كما أفاد الشيخ الأنصارى قدس سره، حيث قال: إنّ الحكم فى التعارض بالعموم من وجه هو التوقف و الرجوع إلى الأصول لا التخيير كما قرّر فى محلّه، و مقتضاها إباحة الولاية للأصل و وجوب الأمر بالمعروف لاستقلال العقل به كما ثبت فى بابه.

ثمّ على تقدير الحكم بالتخيير فالتخيير الذى يصار إليه عند تعارض الوجوب و التحريم هو التخيير الظاهرى و هو الأخذ بأحدهما بالتزام الفعل أو الترك لاالتخيير الواقعى.

ثم أضاف إلى ذلك بقوله: إنّ المتعارضين بالعموم من وجه لايمكن إلغاء ظاهر كلّ منهما مطلقا، بل بالنسبة إلى مادّة الاجتماع، لوجوب إبقائهما على ظاهرهما فى مادّتى الافتراق، فيلزمك استعمال كلٍّ من الأمر و النهى فى أدلّة الأمر بالمعروف و النهى عن الولاية فى الإلزام و الإباحة.(1)

و لايخفى عليك ما فى الإضافة المذكورة، حيث أنّ لزوم استعمال كل من الأمر و النهى فى أدلة الأمر بالمعروف و النهى عن الولاية فى الإلزام و الإباحة محلّ تأمّل بل منع بعد ما قرّر فى محلّه من أنّ الوجوب و الحرمة لايكونان معتبرين فى المستعمل فيه، بل هما مستفادان من حكم العقلاء بالوجوب فيما إذا طلب الآمر شيئا و لم يرخّص فى تركه، و بالحرمة فيما إذا نهى عن شيئ و لم يرخّص فى فعله. و عليه فلايلزم استعمال كلّ من الأمر و النهى فى الإلزام و الإباحة كما لايخفى.

و كيف كان، فصحّ القول بأنّ من أقسام الولاية الغير المحرّمة ما يكون واجبة، و هى ما إذا توقف الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر الواجبان عليها، فإنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به واجب بحكم الشرع أو حكم العقل. و حيث كانت الولاية فى الفرض المذكور غير محرّمة فلاتعارض و لاتزاحم كما تقدّم.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 57.

تبصرة

اشارة

و قد حكى الشيخ قدس سره عن جماعة استحباب التولّى عن الجائر عند توقف الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر عليه. قال فى النهاية: و أمّا سلطان الجور فمتى علم الإنسان أو غلب على ظنّه أنّه متى تولّى الأمر من قبله أمكن التوصّل إلى إقامة الحدود و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و قسمة الأخماس و الصدقات فى أربابها وصلة الإخوان و لايكون معذلك مخلّاً بواجب و لافاعلا لقبيح، فإنّه يستحبّ له أن يتعرّض لتولّى الأمر من قبله.

ثمّ قال الشيخ الأعظم بعد الحكاية المذكورة: أورد عليه فى المسالك بعد أن اعترف أنّ مقتضى ذلك وجوبها (الولاية) و لعلّ وجه عدم الوجوب كونه بصورة النائب عن الظالم و عموم النهى عن الدخول معهم و تسويد الاسم فى ديوانهم. فإذا لم يبلغ حدّ المنع فلا أقلّ من عدم الوجوب.

و استشكل الشيخ عليه بأنّ الأمر بالمعروف واجب. فإذا لم يبلغ ما ذكره من كونه بصورة النائب إلى آخر ما ذكره حدّ المنع، فلا مانع من الوجوب المقدّمى للواجب.

و لقد أفاد و أجاد ولكن أضاف إليه شيئا آخر لايخلو عن التأمّل و النظر، حيث قال: و يمكن توجيه الاستحباب بأنّ نفس الولاية قبيح محرّم لأنها توجب إعلاء كلمة الباطل و تقوية شوكته، فإذا عارضها قبيح آخر و هو ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و ليس أحدهما أقّل قبحا من الآخر فللمكلّف فعلها تحصيلا لمصلحة الأمر بالمعروف، و تركها دفعا لمفسدة تسويد الاسم فى ديوانهم الموجب لإعلاء كلمتهم و قوّة شوكتهم.

نعم، يمكن الحكم باستحباب اختيار أحدهما لمصلحة لم يبلغ حدّ الإلزام حتى يجعل أحدهما أقّل قبحا ليصير واجبا. و الحاصل: أنّ جواز الفعل و الترك هنا ليس

من باب عدم جريان دليل قبح الولاية و تخصيص دليله بغير هذه الصورة بل من باب مزاحمة قبحها بقبح ترك الأمر بالمعروف. فللمكلّف ملاحظة كلّ منهما و العمل بمقتضاه نظير تزاحم الحقّين فى غير هذا المقام.(1)

ولايخفى عليك أنّ التوجيه الأخير لامورد له بعد الاستدلال بالروايات الدالّة على جواز التولّى من قبل الجائر لمصلحة المؤمنين، فإنّ التولّى عن قبل الجائر حينئذ جايز، و مع جوازه يصير واجبا بوجوب النهى عن المنكر و الأمر بالمعروف أو إقامة الحدود فلامورد للاستحباب.

أللّهمّ إلّا أن يكون المراد من الاستحباب أنّ التولّى عن الجائر فى هذه الصورة مستحبّ عينىٌّ فى نفسه، فلاينافى وجوبه باعتبار وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و لعلّ إليه يؤوّل كلام الشيخ فى نهاية المطاف، حيث قال: إنّ دليل استحباب الشيئ الذى قد يكون مقدّمة لواجب لايعارض أدلّة وجوب ذلك الواجب، فلاوجه لجعله شاهدا على الخروج عن مقتضاها، لأنّ دليل الاستحباب مسوق لبيان حكم الشيئ فى نفسه مع قطع النظر عن الملزمات العرضية، كصيرورته مقدّمة لواجب أو ماموراً به لمن يجب إطاعته أو منذور أو شبهه.

فالأحسن فى توجيه كلام من عبرّ بالجواز مع التمكّن من الأمر بالمعروف إرادة الجواز بالمعنى الأعم و من عبرّ بالاستحباب فظاهره إرادة الاستحباب العينى الذى لاينافى الوجوب الكفائى نظير قولهم يستحبّ تولّى القضاء لمن يثق من نفسه، مع أنّه واجب كفائى لأجل الأمر بالمعروف الواجب كفاية، أو يقال: إنّ مورد كلامهم ما إذا لم يكن هنا معروف متروك يجب فعلا الأمر به، أو منكر مفعول يجب النهى عنه كذلك

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 57-56.

بل يعلم بحسب العادة تحقّق مورد الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بعد ذلك.

ومن المعلوم أنّه لايجب تحصيل مقدّمتهما قبل تحقّق موردهما خصوصا مع عدم العلم بزمان تحقّقه. و كيف كان، فلاإشكال فى وجوب تحصيل الولاية إذا كان هناك معروف متروك أو منكر مركوب يجب فعلا الأمر بالأول و النهى عن الثانى.(1)

فتحصّل إلى حدّ الآن: أنّ التولّى عن الجائر لمصلحة العباد يكون جائزا جمعا بين الأخبار الدالة على حرمة التولّى و بين الأخبار المرخّصة فى صورة كون داعيه هو مصلحة العباد، لأنّ النسبة بينهما هى العموم و الخصوص المطلق و مقتضاه استثناء مصلحة العباد عن حرمة التولّى عن الجائر.

و مما ذكر يظهر حكم تقدّم وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر على أدلّة حرمة التولّى أيضا بمفهوم الأولوية، إذ التولّى إذا كان جايزاً بسبب مصلحة العباد فكذلك يكون جائزاً بمصلحة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بالأولوية. فالتولّى عن الجائر فيما إذا كان مقدّمة لأمر واجب، كالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر يكون جايزا فى نفسه و واجبا بحسب وجوب ذى المقدّمة و مع كونه جايزا فى نفسه فلاتعارض و لاتزاحم كما تقدّم بيانه تفصيلا.

بقى هنا شيئ و هو أنّ شيخنا الأستاذ قال: إنّ القدر المسلّم من هذا الحكم الذى لايستفاد أزيد منه من الأخبار أنّما هو هذا المعنى فى من يطلق عليه الظالم بقول مطلق و هو لايتحقّق إلّا بتمحّض أعماله الخارجية فى التى لها إضافة إلى غيره بالظلم و عدم صدور الإحسان منه مطلقا أو فى نادر يلحق بالمعدوم، كما لايتحقّق صدق اسم النجّار بقول مطلق على شخص إلّا بتمحّض شغله و كسبه فى النجّارة، فلو انضمّ إليها

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 57.

الخياطة لايقال: إنّه نجّار بقول مطلق، بل يقال: فى بعض وقته نجّار و فى بعضه خيّاط.

كذلك لو انقسم الأعمال الخارجية المتعدّية إلى الغير من شخص إلى الظلم و الإحسان فلايصحّ أن يقال: إنّه ظالم بقول مطلق، بل يقال: إنّه ظالم من جهة فلانية و محسن من جهة كذائية.

والمقصود من هذا الكلام: أنّ سلاطين الشيعة يمكن إخراجهم عن عنوان الظالم فى هذه الأخبار (لعدم إطلاق الظالم عليهم بقول مطلق). إلى أن قال: و أمّا غاصبيّة الخلفاء فى زمانهم فلأنّ هذه الأمور فى ذلك الزمان حقّهم (الأئمة عليهم السلام) و كان الخلفاء هم الصادّين عنهم عليهم السلام حقّهم.

و أمّا فى هذه الأعصار فهو عليه السلام قد رفع اليد عن هذه الأمور بدون دفع و صدّ من هذا السلطان الذى من الشيعة لجنابه عن حقه، بل متى ظهر يسلّمه إليه. إلى أن قال: هذا بخلاف الحال فى أمراء العامّة و خلفائهم، فإنّهم داخلون فى الإمارة و الخلافة بعنوان الغصب و كونهم مستحقّين له دون غيرهم.

فالواصل من ناحيتهم إلى من سواهم ليس إلّا محض الشرّ و الظلم و الفساد، فإنهم المانعون عن وصول الفيوضات و الخيرات من الإمام (صلوات الله عليه) إلى رعيّته و الملجئون له عليه السلام إلى رفع اليد أو الغيبة و الاستتار عن الأبصار. فهذه الخلفاء شرّ محض و ظَلَمة محضة، كما أشار عليه السلام إلى ذلك فى الأخبار المتقدّمة بقوله: هم النار هم النار هم النار.(1)

و لقائل أن يقول: لاوجه لمنع صدق الظالم بقول مطلق للسلطان الشيعى الذى لايبالى بالإثم غالبا، و دعوى اختصاص الصدق بمن لم يصدر عنه إحسان أصلاً كما

**

(1) راجع المكاسب المحرّمة لشيخنا الأستاذ الأراكى قدس سره، ص 96-93.

ترى، بل يكفى فى صدق الظالم عليه بقول مطلق غلبة صدور الظلم عنه و إن صدر منه إحسان أو إحقاق حقٍّ أحياناً. هذا مضافا إلى أنّ السلطان الشيعى المذكور أيضا غصب حقَّ نائب الامام عليه السلام و دفعه و صدّه و صدّ النائب كصدّ المنوب عنه فى تحقّق الغصب و صدق الظلم، فلاتغفل.

الثانى: مما يسوغ الولاية الاكراه

الثانى: مما يسوّغ الولاية الإكراه عليه بالتوعيد على تركها من الجائر بما يوجب ضررا بدنيا أو ماليا عليه أو على من يتعلّق به، بحيث يعدّ الإضرار به إضرارا به، و يكون تحمّل الضرر عليه شاقّاً على النفس كالأب و الولد و من جرى مجراهما.

قال شيخنا الأعظم قدس سره: و هذا ممّا لاإشكال فى تسويغه ارتكاب الولاية المحرّمة فى نفسها، و استدلّ له بعموم قوله تعالى: (إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً‌) ،(1) فإن هذا العموم يستثنى عن عموم (لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ‌.) (2)

هذا مضافا إلى النبوى صلى الله عليه وآله و سلم: رفع عن أمتى ما أكرهوا عليه، و قولهم عليهم السلام: التقيّة فى كلّ ضرورة، و ما من شيئ إلّا فقد أحلّه الله لمن اضطرّ إليه، إلى غير ذلك مما لايحصى كثرة من العمومات و ما يختصّ بالمقام.(3)

أورد عليه كما فى إرشاد الطالب: بأنه لم يستدلّ على حرمة كون الشخص من أعوان الظَّلمة و تسويد الاسم فى ديوانهم بالآية، مع تمسّكه بالاستثناء فيها على جوازه مع الإكراه، فإنّ لازم هذا تسليم دلالتها بصدرها على حرمة قبول الولاية من الجائر، ولكن لايخفى ما فيه.

**

(1) آل عمران، 28.

(2) آل عمران، 28.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 57.

فإنّ مدلول الآية عدم جواز اختيار المسلم الكافر وليّاً له، سواء كان ذلك الكافر ظالما أو عادلا بحسب دينه. فلايجوز للمسلم أن يجعل الكافر قيّماً لأطفاله الصغار لدلالة الآية بصدرها على ذلك. و الكلام فى مسألة عدم جواز كون الشخص من أعوان الظَّلمة عدم جواز قبول الولاية من قبلهم، سواء كان الظالم مسلما أو كافرا. و الحاصل: أنّه لايستفاد حرمة كون الشخص من أعوانهم من الآية المباركة ليدلّ الاستثناء فيها على ارتفاع حرمته عند الإكراه عليه.(1)

وفيه أوّلاً: أنه إن أريد من دون المؤمنين فى قوله عزّوجلّ‌: (لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً‌) الآية،(2) هم العادلون منهم. فالنهى عن اتخاذ غيرهم بعنوان الأولياء يعمّ الجائرين من المؤمنين، لأنهم أيضا ليسوا من المؤمنين العادلين.

فالآية تدلّ على ممنوعية اتخاذ غير المؤمنين العادلين للولاية، و ذكر الكافرين من باب ذكر أحد المصاديق، و إن أريد من المؤمنين مطلق المؤمنين. فالنهى يختصّ باتخاذ الكفار للولاية، إلّا أن يقال: إنّ النهى عن ذلك يكون بعنوان مصداق من الجائرين و لاخصوصيّة لكونهم من الكفار، فتأمّل.

وثانياً: أنّ بعد ما تقدّم من حرمة التولّى عن الجائر ذاتا بالعمومات، لاإشكال فى تعلّق الاستثناء بذلك أيضا إن كان مطلقا و لو كانت العمومات الدالّة على حرمة التولّى عن الجائر منفصلات، كما يؤيّده أو يشهد له عموم أدلّة التقيّة. و دعوى اختصاص الاستثناء بالمورد لايساعدها عموم أدلّة التقيّة.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 267.

(2) آل عمران، 28.

وثالثاً: أنّ التقيّة لو أوجبت جواز تولّى الكفار لكانت كذلك فى تولّى المسلمين الجائرين بطريق أولى. هذا مضافا إلى عموم النبوى صلى الله عليه وآله و سلم: رفع عن أمتى ما أكرهوا عليه، و عموم قوله عليه السلام: و ما من شيئ إلّا فقد أحلّه الله لمن اضطرّ إليه و قوله عليه السلام: إنمّا جعل التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة فتحصّل: أنّ التقيّة و الإكراه من مسوّغات تولّى الكفار و الظالمين.

وينبغى التنبيه على أمور:

التنبيه الأوّل: فى اباحة ما يلزمها الولاية من المحرمات

اشارة

التنبيه الأوّل: أنّه قال الشيخ الأعظم قدس سره: كما يباح بالإكراه نفس الولاية المحرّمة، كذلك يباح به ما يلزمها من المحرّمات الأخر و ما يتّفق فى خلالها مما يصدر الأمر به من السلطان الجائر ما عدا إراقة الدَّم إذا لم يكن التفصّى عنه، و لاإشكال فى ذلك.

و إنّما الإشكال فى أنّ ما يرجع إلى الإضرار بالغير من نهب الأموال و هتك الأعراض و غير ذلك من العظايم هل تباح كلّ ذلك بالإكراه و لو كان الضرر المتوعَّد به على ترك المكره عليه أقلّ بمراتب من الضرر المكره عليه، كما إذا خاف على عرضه من كلمة خشنة لايليق به فهل يباح بذلك أعراض الناس و أموالهم و لو بلغت ما بلغت كثرة و عظمة، أم لابدّ من ملاحظة الضررين و الترجيح بينهما؟ وجهان: من إطلاق أدلّة الإكراه و أنّ الضرورات تبيح المحظورات، ومن أنّ المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضرر، فلايجوز دفع الضرر بالإضرار بالغير، و لو كان ضرر الغير أدون، فضلاً عن أن يكون أعظم.

و إن شئت قلت: إنّ حديث رفع الإكراه و فع الاضطرار مسوق للامتنان على جنس الأمة و لاحسن فى الامتنان على بعضهم بترخيصه فى الإضرار بالبعض الآخر، فإذا توقّف دفع الضرر عن نفسه على الإضرار بالغير لم يجز و وجب تحمّل الضرر هذا، ولكن الأقوى هو الأول، لعموم دليل نفى الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار

بالغير ما لم يبلغ الدم و عموم نفى الحرج، فإنّ إلزام الغير(1) تحمّل الضرر و ترك ما أكره عليه حرج، و لقول أبى جعفر عليه السلام: إنّما جعل التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة.(2) حيث أنّه دلّ على أنّ حدّ التقيّة بلوغ الدم فتشرع لما عداه.

و أمّا ما ذكر من استفادة كون نفى الإكراه لدفع الضرر فهو مسلّم بمعنى دفع توجّه الضرر و حدوث مقتضية، لابمعنى دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضيه.

بيان ذلك: أنّه إذا توجّه الضرر إلى شخص بمعنى حصول مقتضيه، فدفعه عنه بالإضرار بغيره غير لازم بل غير جايز فى الجملة، فإذا توجّه ضرر على المكلّف بإجباره على مال و فرض أنّ نهب مال الغير دافع له فلايجوز للمجبور نهب مال غيره لدفع الجبر (الضرر) عن نفسه؛ و كذلك إذا أكره على نهب مال غيره فلايجب تحمّل الضرر بترك النهب لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير.

و توهّم أنّه كما يسوّغ النهب فى الثانى لكونه مكرها عليه فيرتفع حرمته، كذلك يسوّغ الأول لكونه مضطرّا إليه. ألا ترى أنّه لو توقّف دفع الضرر على محرّم آخر غير الإضرار بالغير، كالإفطار فى شهر رمضان أو ترك الصلاة أو غيرهما ساغ له ذلك المحرّم.

و بعبارة أخرى: الإضرار بالغير من المحرّمات كما يرتفع حرمته بالإكراه كذلك يرتفع بالاضطرار، لأنّ نسبة الرفع الى ما أكرهوا عليه و ما اضطرّوا اليه على حدّ سواء.

مدفوع بالفرق بين المثالين فى الصغرى بعد اشتراكهما فى الكبرى المتقدّمة، و هى أنّ الضرر المتوجّه إلى شخص لايجب دفعه بالإضرار بغيره بأنّ الضرر فى الأول

**

(1) أى المكره بالفتح.

(2) الوسائل، الباب 31 من أبواب الأمر بالمعروف، ج 16، ص 234، ح 1.

متوجّه إلى نفس الشخص فدفعه عن نفسه بالإضرار بالغير غير جائز. و عموم ما اضطرّوا إليه لايشمل الإضرار بالغير المضطرّ إليه، لأنه مسوق للامتنان على الأمة، فترخيص بعضهم فى الإضرار بالآخر لدفع الضرر عن نفسه و صرف الضرر إلى غيره مناف للامتنان، بل يشبه الترجيح بلا مرجحّ‌. فعموم ما اضطرّوا إليه فى حديث الرفع مختصّ بغير الإضرار بالغير من المحرّمات.

و أمّا الثانى: فالضرر فيه أولاً و بالذات متوجّه إلى الغير بحسب إلزام المكره بالكسر وإرادته الحتميّة و المكره بالفتح و إن كان مباشرا، إلّا أنه ضعيف لاينسب إليه توجيه الضرر إلى الغير حتى يقال إنّه أضرّ بالغير لئلّا يتضرّر نفسه.

نعم، لو تحمّل الضرر و لم يضرّ بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا، لكنّ الشارع لم يوجب هذا و الامتنان بهذا على بعض الأمة لاقبح فيه، كما أنّه لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب على الغير تحمّل الضرر و صرفه عنه إلى نفسه.

هذا كلّه مع أنّ أدلّة نفى الحرج كافية فى الفرق بين المقامين، فإنّه لاحرج فى أن لايرخّص الشارع فى دفع الضرر عن أحد بالإضرار بغيره، بخلاف ما لو ألزم الشارع الإضرار على نفسه لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير، فإنه حرج قطعا.(1)

وهنا مواقع للنظر:

منها: أنّ قوله رحمه الله: «إنّ إطلاق أدلّة الإكراه يقتضى نفى الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم إذا صار مكرهاً على ذلك، و لايجب عليه تحمّل الضرر بنفسه و دفع الضرر من غيره»، منظور فيه بما أفاده فى مصباح الفقاهة من أنّه:

**

(1) المكاسب، ص 58-57.

لو جازت التقيّة بنهب مال الغير و جلبه إلى الظالم لدفع الضرر عن نفسه لجاز للآخر ذلك أيضا، لشمول أدلة التقيّة لهما معاً، فيقع التعارض فى مضمونها.

وحينئذٍ فلايجوز الاستناد إليها (أى أخبار التقيّة) فى دفع الضرر عن أحد الطرفين بإيقاع النقص بالطرف الأخر، لأنّه ترجيح بلامرجّح. و عليه فنرفع اليد عن إطلاقها فى مورد الاجتماع، و يرجع إلى عموم حرمة التصرّف فى مال الغير و شؤونه.(1)

فلايرفع حرمة الإضرار بالغير بالإكراه عليه، و يشكل ما ذكر من التعارض بمنعه، إذ لاإكراه بالنسبة إلى الآخر بعد ما فرض من إكراه أحدهما على الإضرار بالغير، و مع اختصاص الإكراه بأحدهما كيف يكون الآخر مشمولا لأدلّة الإكراه و التقيّة حتى يدّعى التعارض‌؟ هذا مضافا إلى أنّ التعارض فيما إذا اجتمع النفى و الإثبات فى شىءٍ واحد، و شمول أدلّة التقيّة لهما معا لايوجب ذلك.

أللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التعارض من ناحية دلالة أدلّة الإكراه و التقيّة على نفى حرمة إضرار زيد مثلاً على عمرو بسبب إكراهه عليه، و شمول أدلّة الإكراه بالنسبة إلى عمرو أيضا من جهة إرادة الظالم الإضرار به يقتضى نفى حرمة إضراره على زيد و حرمة إضرار زيد عليه. فإضرار زيد على عمرو موضوع للحرمة و عدمها عليهما، فيقع التعارض، ولكنّه بعد غيرواضح إذ لاتعارض عند شمول أدلّة التقيّة لهما معا فيجوز لكلّ منهما إكراه الغير، فتأمّل.

ومنها: أنّه لا يقاس توجّه الضرر إلى الغير بحسب إرادة الجائر بتوجّه الضرر التكوينى إلى الغير فى عدم وجوب دفع الضرر عنه بتحمّل الضرر. و ذلك كما فى إرشاد الطالب لأنّ مع توجّه الضرر بإرادة المكره بالكسر إلى الغير يكون الإضرار

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 446.

بمباشرة المكره بالفتح و يضاف إليه الإضرار فلايجوز، بخلاف توجّه الضرر إلى الغير تكويناً. و دعوى ضعف نسبة الإضرار إلى المكره بالفتح ضعيفة، و إلّا لم يسند القتل أيضا إلى المباشر المكره.(1)

ومنها: أنّ حديث الرفع وارد فى الامتنان على جنس الأمة، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله و سلم: رفع عن أمتى تسعة الحديث، لأنّ الرفع للأمة لالبعض الآحاد.

و نفى حرمة الإضرار بالغير و إن كان امتنانا على المكره بالفتح، ولكنّه خلاف الامتنان على الآخر المتضرّر به، فلايجوز الاستدلال برفع الإكراه على جواز الإضرار بالغير فيما إذا أراد الظالم الإضرار بالغير و أكره شخصا عليه بتوعيده الإضرار عليه فى صورة المخالفة، و عليه فلايكون المكره بالفتح مأذونا فى إيراد الضرر على الغير.

و بعبارة أخرى: إرادة المكره عليه بالفتح تمنع عن استناد الإضرار إلى الظالم المكره بالكسر. و دعوى أنّ إرادة المكره بالكسر توجّهت إلى الإضرار بالغير أوّلاً ثم أراد تحصيله بوسيلة المكره (بالفتح) إرادة غيريّة مقدّميّة، فالمكره (بالفتح) لو تحمّل الضرر اللازم للتخلّف عن أمره فإنّما تحمّله لصرف الضرر عن غيره و هو حرجىٌّ نفاه الشارع منّة على العباد. و كون الفاعل شاعرا لايدفع ما هو مناط فى المقام.(2)

مندفعة بأنّ إرادة الظالم من دون وساطة إرادة المكره (بالفتح) لاتوجب إضراراً على الغير حتى يكون الضرر متوجّها بالطبع إلى الغير بل الإضرار مستند إلى المكره بالفتح. فترخيص الشارع المكره بالفتح فى الإضرار بالغير حرج على الغير و مناف للامتنان على جنس الأمة.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 268-267.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ص 147.

و دليل نفى الحرج كقوله عزّوجلّ‌: (يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ) .(1) كدليل نفى الضرر فى أنّه للامتنان على جنس الأمة. والقول بأنّ إلزام المكره عليه بالفتح تحمّل الضرر بنفسه لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير حرج أيضاً غير سديد، لأن ضرر المكره بالكسر متوجّه إلى المكره بالفتح، لا إلى الغير بعد ما عرفت من عدم إضرار بلا واسطة من المكره بالكسر إلى الغير. و على تقدير تسليم توجّه الضرر منه إلى الغير و كون تحمّله حرجاً على المكره بالفتح غايته هو تعارض الحرجين. فيلزم حينئذ بعد السقوط الرجوع إلى عموم أدلّة حرمة التصرّف فى مال الغير و شؤونه.

و مما ذكر يظهر ما فى كلام سيّدنا الإمام المجاهد من أنّ الامتنان من قبيل نكتة التشريع لاعلّة الحكم، نظير جعل العدّة لنكتة عدم تداخل المياه. و فى مثله يتبع إطلاق الدليل،(2) لما عرفت من أنّ استفادة الامتنان من ناحية الاستظهار اللفظى من الأدلّة. فإذا كان الامتنان مستفاداً من ظاهر قوله صلى الله عليه وآله و سلم: رفع عن أمتى التسعة، و من ظاهر قوله: (يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ) .(3) فلامجال لدعوى أنّ الامتنان نكتة الحكم كما لايخفى.

وعليه فلايشمل حديث الرفع الموارد التى يكون نفى الإكراه أو الحرج فيه خلاف الامتنان على الأمة. فما اشتهر من أنّ المأمور معذور لادليل له، بل إضرار الغير محرّم. و أدلّة نفى الإكراه أو الحرج لايرفع حرمة الإضرار، لمنافاته مع الامتنان على جنس الأمة كما تقدم، فتدبّر جيّدا.

هذا كلّه بناء على حكومة لاضرر و لاحرج بالنسبة إلى ساير الأحكام، و إلّا

**

(1) البقرة، 185.

(2) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 143.

(3) البقرة، 185.

فالأمر أوضح لوجوب الرجوع حينئذ إلى قاعدة التزاحم.

وقد ذهب فى جامع المدارك إلى منع حكومة دليل نفى الضرر و دليل نفى الحرج على أدلّة المحرّمات و أدلّة الواجبات، حيث قال: إنا لانسلّم حكومتهما على أدلّة المحرّمات و أدلّة الواجبات. ألا ترى أنّه لو أكره على فعل الزناء بالمحارم أو بامرأة ذات زوج، بحيث لو لم يفعل المكره بالفتح توجّه إليه ضرر مالىٌّ أو أكره على إعطاء شيئ من ماله بلاعوض إذا أراد الحجّ‌، هل يلتزم بجواز الفعل فى الصورة الأولى و الترك فى الصورة الثانية و يلتزم بسقوط الحجّ عن غالب الناس فى هذه الاعصار؟

و الظاهر أنّه من باب المزاحمة و لذا لايجوز أن يجعل نفسه فى معرض الإكراه كأن يمشى إلى محلّ يكره فى ذلك المحلّ على شرب الخمر مثلاً. إلى أن قال: فالأظهر فى المقام ملاحظة الضررين و تقديم الأقوى و مع التساوى التخيير.(1)

ولقائل أن يقول: لامجال للإشكال فى حكومة دليل نفى الحرج بالنسبة إلى أدلّة الواجبات، كما يشهد له الاكتفاء بمسح المرارة عن المسح بالبشرة مع قوله عليه السلام: يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله، و ليس ذلك إلّا لحكومة «لاحرج» على أدلّة الوضوء و المسح على البشرة كما لايخفى.

و هكذا لاإشكال فى سقوط القيام فى الصلاة عند كونه ضرريا و يكتفى بالجلوس، و ليس ذلك إلّا لحكومة «لاضرر». نعم، حكومة لاضرر و رفع الإكراه و نفى الحرج بالنسبة إلى المحرّمات محلّ تأمّل و نظر بخلاف نفى الاضطرار، فإنه حاكم بالنسبة إلى المحرّمات، بل شمول «لاضرر» لصورة إكراه من يريد الحجّ على إعطاء شيئ من ماله بلاعوض محلّ تأمّل، لإمكان دعوى انصرافه عن مثله، فتدبّر جيّداً.

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 64-63.

التنبيه الثانى: فى جواز الاضرار بالغير باكراه الجائر على ذلك و عدمه

اشارة

التنبيه الثانى: فى أنّ من جوّز الإضرار بالغير بإكراه الجائر عليه خصّص ذلك بما إذا صدق الإكراه قال: الشيخ الأعظم قدس سره: إنّ الإكراه يتحقّق بالتوعّد بالضرر على ترك المكره عليه ضررا متعلّقا بنفسه أو ماله أو عرضه أو باهله ممن يكون ضرره راجعا إلى تضرّره و تألّمه.

و أمّا إذا لم يترتّب على ترك المكره عليه إلّا الضرر على بعض المؤمنين ممن يعدّ أجنبيا من المكره بالفتح، فالظاهر أنّه لايعدّ ذلك إكراها عرفا، إذ لاخوف له يحمله على فعل ما أمر به. و بما ذكرنا من اختصاص الإكراه بصورة خوف لحوق الضرر بالمكره نفسه أو بمن يجرى مجراه، كالأب و الولد صرّح فى شرايع و تحرير و روضة و غيرها.

نعم، لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرّمة، بل غيرها من المحرّمات إلالهيّة التى أعظمها التبرّى من أئمة الدين لقيام الدليل على وجوب مراعاة المؤمنين و عدم تعريضهم لضرر، مثل ما فى الاحتجاج عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: و لَإن تبرّء منّا ساعة بلسانك و أنت مُوال لنا بجنانك لتقى على نفسك روحها الذى هو قوامها، و مالها الذى به نظامها، و جاهها الذى به تمسكها، و تصون من عرف بذلك من أوليائنا و إخوانك، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك و تنقطع به عن عملك فى الدين و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التى أمرتك بها، فإنك شائط بدمك و دم إخوانك معرض بنعمتك و نعمتهم للزوال، مذلّ لهم فى أيدى أعداء دين الله، و قد آمُرُك بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيّتى كان ضررك على إخوانك و نفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا، الحديث. لكن لايخفى أنّه لايباح بهذا النحو من التقيّة الإضرار بالغير لعدم شمول أدلّة الإكراه لهذا، لما عرفت من عدم تحقّقه (الإكراه) مع عدم لحوق ضرر بالمكرَه و لابمن يتعلّق به و عدم جريان أدلّة

نفى الحرج إذ لاحرج على المأمور لأنّ المفروض تساوى من أمر بالإضرار به و من يتضرّر بترك هذا الأمر من حيث النسبة إلى المأمور مثلا لو أمر الشخص بنهب مال مؤمن و لايترتّب على مخالفة المأمور به إلّا نهب مال مؤمن آخر فلاحرج.

حينئذ فى تحريم نهب مال الأوّل بل تسويغه لدفع النهب عن الثانى قبيح بملاحظة ما علم من الرواية المتقدّمة من الغرض فى التقيّة، خصوصا مع كون المال المنهوب للأوّل أعظم بمراتب، فإنّه يشبه بمن فرّ من المطر إلى الميزاب، بل اللازم فى هذا المقام عدم جواز الإضرار بمؤمن و لو لدفع الضرر الأعظم من غيره. نعم إلّا لدفع ضرر النفس فى وجه مع ضمان ذلك الضرر.

و بما ذكرنا ظهر أنّ إطلاق جماعة لتسويغ ما عدا الدم من المحرّمات بترتّب ضرر مخالفة المكره عليه على نفس المكره و على أهله أو على الأجانب من المؤمنين لايخلو من بحث إلّا أن يريدوا الخوف على خصوص نفس بعض المؤمنين، فلاإشكال فى تسويغه لما عدا الدم من المحرّمات، إذ لاتعادل نفس المؤمن شيئ، فتأمّل.(1)

وهنا ملاحظات:

منها: أنّ الإكراه عند المصنّف لايتحقّق إلّا بحمل الشخص على ما يكرهه بوعيد بترتّب ضرر عليه أو على عشيرته عند المخالفة، لأنّه يتأبّى عن وقوع الضرر المذكور. و أمّا إذا كان ضرر الترك و المخالفة متوجّها إلى بعض المؤمنين ممن يعدّ أجنبيا من المكره بالفتح، فالظاهر أنّه لايعدّ ذلك إكراهاً عرفا إذ لا خوف له و لاتأبى له يحمله على فعل ما أمر به. و عليه فلايأتى فيه ما ذهب إليه الشيخ الأعظم من جواز الإضرار بالغير عند الإكراه عليه لعدم تحقّق موضوعه و هو الإكراه.

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 58.

و بذلك يظهر ما فى مصباح الفقاهة، حيث قال: أقول: الكراهة فى اللغة هى ضدّ الحبّ‌، و الإكراه هو حمل الرجل على ما يكرهه. و هذا المعنى يتحقّق بحمل الشخص على كلّ ما يكرهه، بحيث يترتّب على تركه ضرر عليه أو على عشيرته أو على الأجانب من المؤمنين، و إذا انتفى التوعّد بما يكرهه انتفى الإكراه. و عليه فلانعرف وجها صحيحا لما ذكره المصنّف من تخصيص الإكراه ببعض ما ذكرناه،(1) إذ تقدّم أنّ ترتّب الضرر على الأجنبى ليس كترتّب الضرر على الأهل موجبا لصدق الإكراه أو الحرج. و معه لامجال للاستدلال بنفى الإكراه أو نفى الحرج لجواز الإضرار بالغير على مبنى الشيخ، بل هو محرّم.

وتفصيل ذلك: أنّ الكره ليس مساوقا لضد الحبّ‌، بل هو بمعنى الإباء، كما فى القاموس. وعليه فالإكراه هو حمل الرجل على ما يتأبّى عنه و التأبّى محقّق بالنسبة إلى ترتّب الضرر إلى الأهل أو النفس. و أمّا بالنسبة إلى غيرهما من الأجنبى لاتالى له بالنسبة إليه. و عليه فحمله عليه ليس بإكراه هذا مضافا إلى أنّ عند الشك فى شمول نفى الإكراه للمقام يكون مقتضى الأصل هو عدم جواز الإضرار بالغير لعدم إحراز صدق الإكراه فى هذا المورد.

ومنها: أنه لايذهب عليك أنّ مع الخوف من ترتّب الضرر و لو لم يكن على النفس، أو ولو لم يكن على أهله يجوز قبول الولاية لما تقدّم من الأخبار المجوّزة للتولّى عن الجائر لمصلحة العباد.

ومنها: أنّ المستفاد من كلام الشيخ أنّه يجوز ارتكاب المحرّمات التى لاتكون من قبيل الإضرار بالغير لدفع الضرر عن المؤمنين.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 448.

أورد عليه: بأنّه لادليل على تقييد إطلاقات المحرّمات لمجرّد دفع الضرر المالى مثلا بعن بعض المؤمنين. و كيف يمكن الالتزام بجواز شرب الخمر فى مجلس الجائر أو غيره أو اللواط معه و غير ذلك من الموبقات لدفع الضرر المالى بل العرضى عن زيد.

و أمّا التبرّى فهو نظير الكذب و الافتراء و الحلف كاذبا لدفع الضرر عن المؤمن جائز. و جوازه لايلازم جواز ارتكاب سائر المحرّمات، فلادلالة فى مثل خبر الاحتجاج على ذلك، حيث أنّ المذكور فيه هو التبرّى صورة مع التولّى قلباً ليس من أعظم المحرّمات حتى يؤخذ بالفحوى.(1) و فيه: أنّ استبعاد تقييد الإطلاقات لمجرّد دفع الضرر المالى لايلازم عدم تقييدها بغير الضرر المالى.

ومنها: أنّ المستفاد من كلام الشيخ أنّ الخوف على نفس المؤمنين عند ترك المحرّمات يوجب جواز الارتكاب، و لعلّ ذلك من جهة أدلّة التقيّة و إلّا فيكون من باب التزاحم بين المحرّمات و وجوب إحياء النفس المحترمة فتجرى فيه قواعده.

قال فى إرشاد الطالب: فإن لم يحرز أهميّة وجوب الإنقاذ بأن احتمل الأهميّة فى كلّ منهما كان إطلاق دليل حرمة تلك المقدّمة حاكما على ما دلّ على وجوب انقاذ النفس المحترمة، حيث أنّه بإطلاق دليل حرمتها يثبت عدم التمكّن من الإنقاذ و أمّا إذا أحرز الأهميّة أو احتمل الأهميّة له لاللمحرّم الآخر تعيّن الإنقاذ للعلم بسقوط الإطلاق عن خطاب حرمة المقدّمة.(2)

ولايخفى عليك أنّ حكومة إطلاق دليل حرمة المقدّمة على طول على وجوب

**

(1) إرشاد الطالب، ص 272.

(2) إرشاد الطالب، ص 274-273.

إنقاذ النفس المحترمة صحيحة فيما إذا كان ما دلّ على وجوب إنقاذ النفس المحترمة مشروطا بالقدرة الشرعية أيضا، بخلاف ما إذا كان مشروطا بالقدرة العقلية فقط، فإنّ مقتضى إطلاق وجوب الإنقاذ هو سقوط خطاب حرمة المقدّمة من باب أهميّة وجوب الإنقاذ، و هكذا الأمر فيما إذا لم يثبت اشتراط القدرة الشرعية، فإنّ إطلاق وجوب الإنقاذ يقدّم على حرمة المقدّمة.

وممّا ذكر يظهر حكم ما إذا أكره الظالم أحدا على ارتكاب شيئ من المحرّمات الإلهية، سواء كانت هى الولاية أم غيرها، من غير أن يترتّب عليه فى تركها ضرر أصلاً، ولكن الظالم أوعده على ترك ذلك العمل بإجبار غيره على معصية من حرمات الله. و مرجع ذلك فى الحقيقة إلى دوران الأمر بين إقدام المكره (بالفتح) على معصية لايتضرّر بتركها و بين إقدام شخص آخر.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و مثاله ما إذا أكرهه الجائر على شرب الخمر، و إلّا أكره غيره عليه. و الظاهر أنّه لاريب فى حرمة ارتكاب المعصية فى هذه الصورة، فإنّه لامجوّز للإقدام عليها من الأدلّة العقلية و النقلية، إلّا أن يترتّب على ارتكاب المعصية حفظ ما هو أهمّ منها، كصيانة النفس عن التلف و ما أشبه ذلك. و حينئذٍ يكون المقام من صغريات باب التزاحم، فتجرى فيه قواعده.(1)

والحاصل: أنّ الشيخ الأعظم قدس سره قال: و كيف كان، فهنا عنوانان: الإكراه و دفع الضرر المخوف عن نفسه و عن غيره من المؤمنين من دون إكراه. و الأوّل يباح به كلّ محرّم، و الثانى إن كان متعلّقا بالنفس جاز له كلّ محرّم حتى الإضرار المالى بالغير، لكنّ الأقوى أستقرار الضمان عليه إذا تحقّق سببه لعدم الإكراه المانع عن الضمان أو استقراره.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 450-449.

و أمّا الإضرار بالعرض بالزنا و نحوه ففيه تأمّل. و لايبعد ترجيح النفس عليه و إن كان متعلّقا بالمال فلايسوّغ معه الإضرار بالغير أصلاً حتى فى اليسير من المال. فإذا توقّف دفع السَّبُع عن فرسه بتعريض حمار غيره للافتراس لم يجز، و إن كان متعلّقا بالعرض ففى جواز الإضرار بالمال مع الضمان أو العرض الاخف من العرض المدفوع عنه تأمّل. و أمّا الإضرار بالنفس أو العرض الأعظم فلايجوز بلاإشكال.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: توضيح كلامه: أنّ الشارع المقدّس قد جعل الإكراه موضوعا لرفع كلّ محرّم عدا إتلاف النفوس المحترمة كما تقدّم، بخلاف دفع الضرر المخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين، فإنّه من صغريات باب التزاحم، ولكنّك قد عرفت أنّ دليل الإكراه لايسوّغ دفع الضرر عن النفس بالإضرار بغيره. و عليه فكلا العنوانين من صغريات باب التزاحم. و على كلّ حال فتجوز الولاية عن الجائر فى كلا المقامين لدفع الضرر عن نفسه و عن سائر المؤمنين.(2)

و قد تقدّم أنّ وجه عدم تسويغ دليل الإكراه دفع الضرر عن النفس بالإضرار بالغير و إنّه خلاف الامتنان المستفاد من أدلّة نفى الإكراه. و مقتضاه هو جعل هذا المورد من صغريات باب التزاحم. هذا بخلاف الإكراه بالنسبة إلى سائر المحرّمات، فإنّه كالاضطرار يوجب رفع الحرمة عدا مورد الإكراه على قتل النفس، فإنّه منهىٌّ عنه بحسب ما ورد فى أدلّة التقيّة و عدى الإضرار بالغير، لأنه خلاف الامتنان.

ودعوى أنّ أدلّة نفى الإكراه ليست بحاكمة، مندفعة بأنّ أدلّة نفى الإكراه كأدلّة نفى الاضطرار فى الحكومة بالنسبة إلى المحرّمات عدا الإضرار بالغير و قتل النفس. و مع

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 59-58.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 450.

حكومة نفى الإكراه و الاضطرار لامجال لجعل العنوانين من الإكراه و الخوف عن نفسه و عن غيره من المؤمنين من باب التزاحم.

نعم، إذا كان الإكراه بالنسبة إلى إضرار الغير لايشمله دليل نفى الإكراه، لأنه خلاف الامتنان. فيكون مورد الإضرار بالغير من باب التزاحم كما عرفت.

ثم إنّه إن توقّف حفظ نفسه أو غيره من المؤمنين على الإضرار المالى إلى الغير جاز ذلك بأدلّة الاضطرار، و هكذا جاز الإضرار بالعرض لو توقّف حفظ النفس عليه مع تأمّل. و أمّا إذا توقّف حفظ المال على الإضرار بالغير فلايجوز لخروج المورد المذكور عن عموم أدلّة الاضطرار، لأنه ينافى الامتنان.

و إذا كان حفظ العرض متوقّفا على الإضرار بالنفس أو العرض الأعظم فلايجوز و إذا توقّف حفظ العرض على الإضرار بالمال أو العرض الأخفّ فقد تأمّل فى جوازه الشيخ قدس سره. و بالجملة، كلّ مورد لايشمله نفى الإكراه و نفى الاضطرار يكون من باب التزاحم، بخلاف الموارد التى يشملانها، فالمأخوذ فيها هو، إطلاق الحاكم، فتدبّر جيّداً.

التنبيه الثالث: فى اعتبار عدم القدرة على التفصى من المكره عليه

التنبيه الثالث: قال الشيخ: قد ذكر بعض مشايخنا المعاصرين أنّه يظهر من الأصحاب أنّ فى اعتبار عدم القدرة على التفصّى من المكره عليه و عدمه أقوالا، ثالثها التفصيل بين الإكراه على نفس الولاية المحرّمة فلايعتبر و بين غيرها من المحرّمات فيعتبر فيه العجز عن التفصّى.

و الذى يظهر من ملاحظة كلماتهم فى باب الإكراه عدم الخلاف فى اعتبار العجز عن التفصّى إذا لم يكن حرجا و لم يتوقف على ضرر، كما إذا أكره على أخذ المال من مؤمن، فيظهر أنه أخذ المال و جعله فى بيت المال مع عدم أخذه واقعا، أو أخذه جهرا ثم ردّه إليه سرّا، كما كان يفعله ابن يقطين. و كما إذا أمره بحبس مؤمن فيدخله فى دار واسعة من دون قيد و يحسّن ضيافته و يظهر انّه حبسه و شدّد عليه.

و كذا لاخلاف فى أنّه لايعتبر العجز عن التفصّى إذا كان فيه ضرر كثير. و كأنّ منشأ زعم الخلاف ما ذكره فى المسالك فى شرح عبارة الشرايع مستظهرا منه خلاف ما اعتمد عليه. قال فى شرايع بعد الحكم بجواز الدخول فى الولاية دفعا للضرر اليسير مع الكراهة و الكثير بدونها: «إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول و العمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصّى منه إلّا فى الدماء المحرّمة (المحترمة)، فإنه لاتقيّة فيها، انتهى».

قال فى المسالك ما ملخّصه: إنّ المصنّف ذكر فى هذه المسألة شرطين: الإكراه و العجز عن التفصّى و هما متغايران و الثانى أخصّ‌. و الظاهر أنّ شروطهما مختلف، فالأول شرط لأصل قبول الولاية، و الثانى شرط للعمل بما يأمره.

ثم فرّع عليه أنّ الولاية إن أخذت مجرّدة عن الأمر بالمحرّم فلايشترط فى جوازه الإكراه. و أمّا العمل بما يأمره من المحرّمات فمشروط بالإكراه خاصّة و لايشترط فيه الإلجاء إليه، بحيث لايقدر على خلافه. و قد صرّح به الأصحاب فى كتبهم. فاشتراط العجز عن التفصّى غير واضح، إلّا أن يريد به أصل الإكراه، إلى أن قال: إنّ الإكراه مسوّغ لامتثال ما يؤمر به و إن قدر على المخالفة مع خوف الضرر، انتهى. (فلا يصحّ اشتراط الإكراه فى جواز الولاية و لااشتراط غير الإكراه فى العمل بما يأمره الوالى الجائر من العجز عن التفصّى).

قال الشيخ: أقول: لايخفى على المتأمّل أنّ المحقّق لم يعتبر شرطا زائدا على الإكراه إلّا أنّ الجائر إذا أمر الوالى بأعمال محرّمة فى ولايته كما هو الغالب و أمكن فى بعضها المخالفة واقعا. و دعوى الامتثال ظاهرا كما مثلنا لك سابقا قيد امتثال ما يؤمر به بصورة العجز عن التفصّى.

و كيف كان، فعبارة شرايع واقعة على طبق المتعارف من تولية الولاة و أمرهم فى

ولايتهم بأوامر كثيرة يمكنهم التفصّى فى بعضها. و ليس المراد بالتفصّى المخالفة مع تحمّل الضرر كما لايخفى.(1)

قال الميرزا الشيرازى قدس سره ذيل قوله «قيد امتثال ما يؤمر به بصورة العجز عن التفصّى»: فيكون ذكر القيد لتحقّق معنى الإكراه لظهور أنّ مجرّد أمر الجائر بشيئ لايقتضى تحقّق الإكراه مع إمكان التفصّى على الوجه الذى ذكره المصنّف.

إلى أن قال: إلّا أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق التفصّى المنفى إمكانه، بل عموم المستند إلى كونه من النكرة فى سياق النفى عدم إمكان التفصّى مطلقا حتى يتحمّل الضرر، فيكون أعمَّ من التفصّى المعتبر عدم إمكانه فى تحقّق موضوع الإكراه، فإنه خصوص التفصّى بما لايترتّب عليه ضرر. فيكون عدم إمكان التفصّى فى عبارة الشرايع أخصّ من عدم الإمكان المعتبر فى تحقّق موضوع الإكراه، فإنّ نقيض الأعم أخص.

فيكون مفاد العبارة حينئذٍ اعتبار خصوصيّة زائدة على تحقّق موضوع الإكراه فى جواز الايتمار بما يأمره الجائر. و هذا هو الذى أنكره فى المسالك قائلا بعدم اعتبار المنع عن التفصّى مع ترتّب ضرر عليه.(2)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: حاصل ما ذكره فى المسالك: أنّه يمكن أن يكون غرض المحقّق هو تعدّد الشرط و المشروط بأن تكون الولاية عن الجائر بنفسها مشروطة بالإكراه فقط و يكون العمل بما يأمره الجائر بانفراده مشروطا بعدم قدرة المأمور على التفصّى.

و يرد عليه: أنه لاوجه لاشتراط الولاية مطلقا بالإكراه، فإنّ جواز قبولها لايتوقّف

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 59.

(2) التعليقة على المكاسب، ص 141.

على الإكراه إذا انفردت عن العمل بما يأمره الجائر، و لذا قد تكون مباحة و قد تكون مستحبّة و قد تكون مكروهة و قد تكون واجبة. و أمّا العمل بما يأمر به الجائر فقد صرّح الأصحاب فى كتبهم أنّه مشروط بالإكراه خاصّة و لايشترط فيه الإلجاء إليه، بحيث لايقدر على خلافه.

إلى أن قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إنّا لانعرف وجها صحيحا للقول بالتفصيل (بين الولاية و بين العمل بما يأمره الجائر. فيقيّد الأول بالإكراه و الثانى بالإلجاء إليه و العجز عن التخلّص). فإنّ الظاهر من كلمات الفقهاء (رضوان الله تعالى عليهم) فى باب الإكراه أنه لاخلاف بينهم فى اعتبار العجز عن التفصّى فى ترتّب أحكام الإكراه.

أمّا إذا أمكن التفصّى فلاتترتّب تلك الأحكام إلّا إذا كان التفصّى حرجيا و لم يفرّقوا فى ذلك بين الولاية المحرّمة و بين العمل بما يأمره الجائر من الأعمال المحرّمة المترتّبة على الولاية و بين بقية المحرّمات. فإن أدلّة المحرّمات محكمة و لاتحتمل أن يجوّز أحد شرب الخمر بمجرّد الإكراه حتى مع القدرة على التخلّص.

و كذلك لاخلاف بين الفقهاء أيضا فى أنه لايعتبر فى باب الإكراه العجز عن التفصّى إذا كان فى التفصّى ضرر كثير على المكره، كما أنّهم لم يشترطوا فى ترتّب الأحكام أن يلجأ إلى المكره عليه، بحيث لايقدر على خلافه، كما صرّح به فى المسالك، فإن مرجع ذلك إلى العجز العقلى و لم يعتبره أحد فى الإكراه جزما.

نعم، قد يترتّب على المعصية التى أكره عليها مصلحة هى أهمّ منها، و لايعتبر فى هذه الصورة العجز عن التفصّى. و مثاله ما إذا أكره الجائر أحدا على معصية و كان المجبور متمكّنا من التخلّص منها بخروجه عن المكان الذى يعصى الله فيه، إلّا أنّ ارتكابه لتلك المعصية مع الظالم يتيح له الدخول فى أمر يترتّب عليه حفظ الإسلام أو

النفس المحترمة أو ما أشبه ذلك.(1)

فتحصّل إلى حدّ الآن: أنّه لايشترط جواز التولّى بولاية الجائر بالإكراه لإمكان كونه مباحا أو مندوبا أو واجبا أو مستحبّا مع قطع النظر عن الإكراه.

و لايجوز العمل بما يأمره الجائر عند إمكان التفصّى بإظهار الامتثال مع أنه لم يمتثل واقعا، لأنّ جواز العمل بما يأمره الجائر مشروط بالإكراه و هو لايتحقّق مع إمكان التفصّى بالنحو المذكور. فاللازم هو العجز عن التفصّى بالمعنى المذكور إلّا إذا تترتّب على المعصية التى أكره عليها مصلحة هى أهمّ‌، فحينئذٍ يكون التفصّى ممنوعا عقلا و شرعا.

ثمّ إنّ اعتبار العجز عن التفصّى بالنحو المذكور غير اعتبار العجز بنحو الإلجاء ضرورة عدم اشتراطه، بل هو خصوصية زائدة على ما يعتبر فى تحقّق الإكراه كما لايخفى. ثمّ إنّه لو قيل بجواز الدخول فى الولاية من الجائر للضرورة أى لتأمين المعيشة فهو مقيّد كما فى إرشاد الطالب بما إذا لم يكن الدخول فيها ملازما لارتكاب محرّم آخر بأن كان عاملا له فى عمل مباح، و إلّا فلاموجب لارتفاع حرمة ذلك العمل الآخر، فلاتغفل.

التنبيه الرابع: فى ان قبول الولاية رخصة لاعزيمة عند كون الضرر المالى لايضر بالحال

التنبيه الرابع: أنّ الشيخ قدس سره قال: إنّ قبول الولاية مع الضرر المالى الذى لايضرّ بالحال رخصة لاعزيمة. فيجوز تحمّل الضرر المذكور (بسبب عدم القبول)، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، بل ربّما يستحبّ تحمّل ذلك الضرر للفرار عن تقوية شوكتهم، انتهى.

ثمّ إنّه هل يشترط تحمّل الضرر بما إذا كان الضرر لايضرّ بالحال أو لايشترط؟

**

(1) مصباح الفقاهة، ص 452-451.

ظاهر الشيخ هو الأول و ظاهر مصباح الفقاهة هو الثانى، حيث قال: إذا أجبر الجائر أحدا على الولاية من قبله أو على عمل محرّم و كان المجبور متمكّنا من التخلّص و لو بتحمّل الضرر المالى و إن بلغ ما بلغ، جاز له ذلك. فإن أدلّة نفى الإكراه إنما هى مسوّقة لرفع الإلزام فقط عن مورد الإكراه و ليست ناظرة إلى بيان حكم المورد.

وعليه فلابدّ من تعيين حكمه من الرجوع إلى القواعد الآخر، فقد يكون المكره عليه من قبيل قتل النفس و ما يشبهه فيحرم الإقدام عليه، و قد يكون من قبيل الضرر المالى على نفسه فيجوز تحمّله، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم. و من هنا يعلم أنّ تقييد الضرر المالى بعدم إضراره بالحال لايخلو عن مسامحة. و بعبارة أخرى: أنّ أدلّة الإكراه لاتشمل المقام. و عليه فإن كان المورد كقتل النفوس و نحوه مما اهتمّ الشارع بحفظه فيحرم الإقدام عليه، بل يجب دفعه و إن كان من قبيل الضرر المالى فيجوز التحمّل به لدليل السلطنة.(1)

ولايخفى ما فيه: فإنّ قاعدة السلطنة ليست بمشرعة و يكفى قاعدة «لاضرر» للدلالة على حرمة الضرر سواء كان بالنفس أو بحالها أو بالغير على ما قرّر فى محلّه. فقبول الولاية حينئذ يكون عزيمة إلّا إذا كان قبول الولاية مستلزما لعنوان مرجوح يجوز تحمّل الضرر. و عليه فلايكون تقييد الضرر المالى بعدم إضراره بالحال خاليا عن المسامحة، بل الضرر المعتدّ به و لو لم يكن مضرّا بالحال موجب لجواز قبول الولاية على وجه العزيمة.

ودعوى أنّ قبول الولاية مع عدم المضرّ بالحال و كذا ارتكاب محرّم آخر مع كونه يسيراً يتعارف تحمّله مشكلٌ‌، فإنّ مثل هذا الضرر لايكون موجبا لارتفاع التكليف

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 452.

بقاعدة نفى الضرر أو حديث الرفع.(1)مندفعة بأنّ الضرر الذى لايضرّ بالحال ليس مساوقا للضرر غير المعتدّبه، بل هو مما يعتدّ به ولكن لايضرّ بالحال، فتأمّل.

التنبيه الخامس: فى عدم اباحة قتل المؤمن بالاكراه

اشارة

التنبيه الخامس: أنّ الشيخ الأعظم قدس سره قال: لايباح بالإكراه قتل المؤمن و لو توعّد على تركه بالقتل إجماعا على الظاهر المصرّح به فى بعض الكتب، و إن كان مقتضى عموم نفى الإكراه و الحرج الجواز، إلّا أنّه قد صحّ من الصادقين (صلوات الله عليهما) أنّه إنما شرعت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغت الدم فلاتقيّة. و مقتضى العموم أنه لافرق بين أفراد المؤمنين من حيث الصغر و الكبر و الذكورة و الأنوثة و العلم و الجهل و الحرّ و العبد و غير ذلك.(2)

و لايخفى عليك: أن قوله: «و إن كان مقتضى عموم نفى الإكراه و الحرج الجواز» يدلّ على جريان حديث رفع الإكراه و قاعدة نفى الحرج أو نفى الضرر فى مثل المقام مما يكون الوعيد على ترك المكره عليه هو القتل مع أنه كما ترى، لما عرفت من أنّ هذه القواعد قواعد امتنانية، و عليه فلاتشمل مثل المقام لأنّ تجويز الإضرار بالغير سواء كان مالا أو عرضا أو نفسا خلاف الامتنان على ذلك الغير، و مع عدم شمول هذه القواعد لمثل المقام يرجع فيه إلى عموم حرمة الإضرار بالغير مطلقا، مضافا إلى صريح الصحيحة الدالّة على أنّه انما شرعت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغت الدم فلاتقيّة.

قال فى بلغة الطالب: و أمّا التوعيد بالقتل على وجه يعلم بترتّبه على تقدير عدم الإتيان بما أكره عليه، فهل يجوز القتل أم لا؟ لا إشكال فى أنّه لايشرعه أدلّة التقيّة لما

**

(1) إرشاد الطالب، ص 276.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 59.

صحّ عن الصادقين أنّ تشريعهما فى غير القتل، لكن لايستفاد منه أزيد من أنّ التقيّة لايجوّز القتل، وأمّا أنّه لامجوّز له غيرها فممنوع.

إلى أن قال: و حينئذ فالقتل بنفسه و إن كان غير مشروع إلّا أنّه حيث لايزاحمه حكم ثابت بدليل آخر كالنهى عن الإلقاء فى التهلكة و وجوب التحفّظ على النفس و حينئذٍ فيدور الأمر بين أمرين: إلقاء النفس فى التهلكة و القتل أو قتل من أكرهه الجائر بقتله. و لادليل على ترجيح أحدهما إن لم يكن ترتّب أحدهما معلوما و الآخر مشكوكا بل أو مظنونا. إلى أن قال: لكنّ التحقيق أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز مباشرة القتل و وجوب التسليم له لأنّ فى مباشرة القتل ارتكاب للحرام بالمباشرة بخلاف التسليم له، فإنّ المحرّم يصدر من غيره. و معلوم أنّ عند الدوران يقدّم الثانى.

إلى أن قال: و دعوى أنّ فى اختيار الثانى أيضا ارتكاب للمحرّم و هو التعريض لقتل نفسه، مدفوعة بأنّ ذلك ليس إلقاء لها فى التهلكة، بل ترك لإيجاد ما يرفع القتل عن نفسه و لايصدق عليه الإلقاء فى التهلكة.(1)

هذا مضافا إلى أن الأدلّة الدالّة على نفى الإكراه و الضرر و الحرج واردة فى مقام الامتنان و من الواضح أنّ الإضرار بالغير مناف للامتنان فلايكون مشمولا لها، فتبقى الأدلّة الدالّة على حرمة قتل النفس المحترمة سليمة عن المزاحم.(2)

و مما ذكر يظهر حكم ما لو أكره الجائر أحدا إمّا على قتل نفسه و إمّا على قتل غيره، فتدبّر. فإنه لاترجيح لأحدهما على الآخر لو سلّمنا الدوران و عدم تمكّنه من التسليم له، و إلاّ فيقدّم التسليم مع عدم قتل نفسه و لاعدم قتل غيره.

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 159-158.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 454.

بقى فروع:
1 - فيما اذا اقتضت التقية أو الاكراه قتل ناصبى

1 - قال الشيخ الأعظم: و لو كان المؤمن مستحقّا للقتل لحدّ، ففى العموم وجهان: من إطلاق قولهم «لاتقيّة فى الدماء» و من أنّ المستفاد من قوله «ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلاتقيّة». أنّ المراد الدم المحقون دون المأمور بإهراقه، و ظاهر المشهور الأول.(1) نعم، إذا أذن الحاكم أو كان الحدّ نظير سبّ النبى صلى الله عليه وآله و سلم أو الأئمة عليهم السلام جاز لكلّ مكلّف القيام بذلك. و عليه فلو اقتضت التقيّة أو الإكراه قتل ناصبىٍّ فلامحذور فى الإقدام عليه لثبوت جوازه قبل التقيّة و الإكراه، فمعهما يكون أولى بالجواز ما لم يترتّب عليه الفتنة.

2 - فيما اذا كان شخص مستحق القتل قصاصا لايجوز لغير الولى قتله بالتقية او الاكراه

2 - قال الشيخ قدس سره: و أمّا المستحقّ للقتل قصاصاً فهو محقون الدم بالنسبة إلى غير ولىّ الدم.(2) فلايجوز لغير ولىّ الدم قتله، فيعمّه قولهم عليهم السلام: «لاتقيّة فى الدّماء».

3 - فى ان التقية انما شرعت لحقن دماء الشيعة

3 - قال الشيخ: و مما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف، لأنّ التقيّة إنّما شرعت لحقن دماء الشيعة، فحدّها بلوغ دمهم لادم غيرهم. إلى أن قال: و مما ذكرنا يعلم حكم دم الذمّى و شرعيّة التقيّة فى اهراقه.(3)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و عليه فحكم قتل المخالفين بالتقيّة أو بالإكراه حكم سائر المحرّمات التى ترتفع حرمتها بهما.(4)

يرد عليه بناء على ما تقدّم من عدم شمول دليل رفع الإكراه أو الضرر للموارد التى يكون الرفع فيها خلاف الامتنان على الأمة، بل يحكم فى الفرض بعدم الجواز لإطلاق

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 59.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 59.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 59.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 456.

ما ورد «حرمة مال مسلم كحرمة دمه»، و لايقاس المخالف بالناصب و الكافر ممن لاحرمة لدمه أصلاً أو ليس له احترام دم المسلم كالذمّى.(1)

4 - هل يجوز التقية فى قتل الفاسق

4 - قال فى المناهل: و هل يجوز التقيّة فى قتل الفاسق مطلقا فيقتل إذا أكره عليه أولا؟ كذلك كالمؤمن أو الأوّل: إذا كان الفاسق متجاهرا بالفسوق غير نافع بقائه فى الدين و الدنيا و كان المكره عليه مؤمنا عدلا ثقة عالما فاضلا مروّجا للشريعة نافعا للدنيا و الآخرة.

والثانى: إذا لم يكن كذلك احتمالات ولكن ثانيها مقتضى إطلاق النصوص و الفتاوى، ولكن الاحتمال الثالث فى غاية القّوة، إلّا أنّه لاينبغى ترك الاحتياط كما فيما تقدّم.(2)

ولايخفى ما فيه لما عرفت من أنّ قاعدة التقيّة و الإكراه و قاعدة لاضرر و لاحرج من القواعد الامتنانية، و معه لامجال للتمسّك بها لجواز القتل عند الإكراه أو التقيّة من دون فرق بين أن يكون الفاسق متجاهرا أو لا يكون، و بين أن يكون المكره ذا فضائل أو لايكون.

5 - هل الدم يشمل الجرح و قطع الاعضاء أو يختص بالقتل

5 - قال الشيخ الأعظم: بقى الكلام فى أنّ الدم يشمل الجرح و قطع الأعضاء أو يختصّ بالقتل‌؟ وجهان: من إطلاق الدم و هو المحكىّ عن الشيخ و من عمومات التقيّة و نفى الحرج و الإكراه و ظهور الدم المتّصف بالحقن فى الدم المبقى للروح و هو المحكىّ عن الروضة و المصابيح و الرياض، و لايخلو من قوة.(3)

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ الظاهر من قوله عليه السلام «إنّما جعلت التقيّة ليحقن

**

(1) راجع إرشاد الطالب، ص 278.

(2) المناهل، ص 318.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 59.

بها الدم» و إن كان هو الدم الذى كان علّة لبقاء الحياة، إلّا أنّه معذلك لايمكن الحكم بجواز جرح الغير أو قطع أعضائه للتقيّة، فإنّ دليل جواز التقيّة كدليل رفع المستكره عليه إنّما ورد فى مقام الامتنان فلايشمل ما إذا كان شموله منافيا له. و عليه فيجرى فى موردها ما ذكرناه فى مورد الإكراه.(1)

ومما ذكر يظهر ما فى المناهل، حيث قال: اختلف الأصحاب على القولين: الأول: أنّه يجوز التقيّة فى مثل الجرح و التنكيل كقطع الأعضاء و نحوه، و يجوز قطع يد مؤمن مثلاً للتقيّة. الثانى: أنّه لا يجوز التقيّة فيها كالقتل لتصريحهم بأنّه لاتقيّة فى الدماء و الجمع المعرّف باللام يفيد العموم.

و استدلّ للأول بوجوه: منها: الأصل، و منها: عموم قوله تعالى: (وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ‌) .(2)

ومنها: قوله صلى الله عليه وآله و سلم: و لاضرر و لاضرار، و منها: عموم ما دلّ على نفى الحرج فى الشريعة.

ومنها: لزوم الاقتصار فى الخروج عن العمومات المجوّزة لفعل المحرّمات بالتقيّة على المتيقّن المتبادر من الإطلاق و هو القتل، لأنّه الضرر الأكمل.

و أستدلّ للثانى بعموم خبرى محمد بن مسلم و أبى حمزة الثمالى المتقدّمين المصرّحين باستثناء الدم و الدماء (لما عرفت من أنّ الجمع باللام يفيد العموم). و قد يجاب عنهما: بأنّ المتبادر من حقن الدم الذى علّل به الاستثناء فيهما خصوص القتل فلايعمّان الجرح، و الأقرب هو القول الأول، انتهى.(3)

**

(1) مصباح الفقاهة، ص 456.

(2) البقرة، 195.

(3) المناهل، ص 319-318.

و ذلك لما عرفت من أنّ قاعدة لاضرر و قاعدة لاحرج و هكذا قاعدة التقيّة و الإكراه تكون من القواعد الامتنانية، فلاتشمل ما إذا كان شموله منافيا للامتنان، كالإضرار بالغير نفسا أو عرضا أو مالا. و عليه فيشكل الاستدلال للقول الأول بما ذكر من القواعد الامتنانية. و عليه فلامجال للأخذ بإطلاقها و جعل القدر المتيقّن من الدماء هو القتل و يحكم بجواز غيره.

و بالجملة فلاوجه لرفع اليد عن إطلاق حرمة دم المسلم و ماله و بعد هذا الإطلاق لامجال للتمسّك بالأصل ثم إنّ الإمتناع من قطع اليد و نحوها لايكون إلقاءاً فى التهلكة، بل هو ترك لإيجاد ما يرفع التهلكة و لايصدق عليه التهلكة، فالأقوى هو القول الثانى من أنّ التقيّة فى الأعضاء كالتقيّة فى القتل فى عدم التجويز، و الله هو العالم.

6 - هل يجب على من يقبل الولاية المحرمة ان يختار الاسهل فالاسهل

6 - هل يجب على من يقبل الولاية المحرّمة أو يفعل الحرام تقيّة أ ن يختار الأسهل فالأسهل و ارتكاب الأدنى فالأدنى أولا يجب‌؟

اختار الأوّل فى المناهل و قال: يجرى الأسهل فالأسهل و ارتكاب الأدنى دون الأعلى كمراتب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. و قد صرّح به فى مجمع الفائدة، و كذا صرّح به فى رياض محتجّاً عليه بلزوم الاقتصار فى فعل المحرّم على أقلّ ما يندفع به الضرورة الموجبة لفعله. و صرّح فى المنتهى بأنّه لايجوز أن يتعدّى الحقّ ما أمكن. و صرّح بأنّه ينفذ الحقّ ما استطاع و أشار إليه فى السرائر و هما جيّدان.(1)

7 - هل يجب قصد التولى من قبل الامام العادل ان ولّاه الظالم فى الظاهر

7 - إذا قبل الولاية عن الجائر حيث يجوز قبولها فهل يجب عليه أن يقصد التولّى من قِبَل الإمام العادل و إن ولّاه الظالم فى الظاهر أو لايجب‌؟ حكى فى المناهل عن

**

(1) المناهل، ص 319.

الإرشاد و الدروس و الكشف: الأول مستدّلاً فى الكشف بأنّ هذه القبيلة تولّى يوسف عليه السلام من قِبَل الملك و ما ذكروه أحوط و إن كان فى تعينّه نظر.(1)

و لعلّ وجه النظر هو إطلاق الأخبار المجوّزة و لا دلالة لقصة يوسف (على نبينا و آله و عليه السلام) على اعتبار القصد المذكور و عدمه، لأنّ يوسف كان مستحقّا للسلطنة و إنّما طلب منه (الجائر) ما هو حقّه، فلايكون واليا من قبل الجائر. و عليه فقصّة يوسف (على نبينا و آله و عليه السلام) أجنبيّة عن المقام. و يكفى الإطلاقات فى عدم اعتبار القصد المذكور.

8 - لايختص جواز التولى بالجائرين فى زمان الائمة عليهم السلام

8 - لايختصّ جواز التولّى عن الجائر بالجائرين فى ذلك الزمان، بل يعمّ الجائرين فى كلّ زمان. فإنّ الاختصاص بعيد لجريان مصلحة الدفع عن المؤمنين و إيصال النفع إليهم فى جميع الأعصار.

هذا مضافا إلى أنّه يقتضيه إطلاق صحيحة زيد الشحّام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل و فتح بابه و رفع ستره و نظر فى أمور الناس كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة و يدخله الجنّة.(2) بناء على أنّ موردها هو التولّى عن الجائر كما تقدم، لاالتصدىّ استقلالاً.

9 - تنصرف ادلة الاكراه عن بعض المحرمات التى من العظائم و المهمّات كمحو كتاب الله الكريم العياذ بالله

9 - قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: ينصرف أدلّة الإكراه عن بعض المحرّمات التى فى ارتكاز المتشرّعة من العظائم و المهمّات جدّا كمحو كتاب الله الكريم و العياذ بالله بجميع نسخه و تأويله بما يخالف الدين أو المذهب، بحيث يوجب ضلالة الناس و الردّ على الدين أو المذهب بنحو يوجب الإضلال و هدم الكعبة المعظّمة و محو آثارها و

**

(1) المناهل، ص 319.

(2) إرشاد الطالب، ص 265-260.

كذا قبر النبى صلى الله عليه وآله و سلم و الائمة عليهم السلام كذلك إلى غير ذلك. و إنّما شرّعت التقيّة لبقاء المذهب الحقّ و لولا ها لصارت تلك الأقلية المحقّة فى معرض الزوال و الاضمحلال و الهضم فى الأكثرية الباطلة و تجويزها لمحو المذهب و الدين خلاف غرض الشارع الأقدس، بل لعلّ بعض حقوق الناس كالأعراض الكثيرة المهمّة فى ارتكاز المتشرّعة كذلك. ففى تلك المقامات لابدّ من ملاحظة أقوى المقتضيين و أهمّ المناطين.

و تشهد لما ذكرناه موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبى عبدالله عليه السلام و فيها: تفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم على غير حكم الحقّ و فعله، فكلّ شيئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة مما لايؤدّى إلى الفساد فى الدين فإنّه جائز.(1) بل يشكل تحكيم الأدلّة فيما إذا كان المكره بالفتح من الشخصيات البارزة الدينيّة فى نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض القبائح موجبا لهتك حرمة المذهب و وهن عقائد أهله.(2)

ربّما يقال: إنّ الإكراه عنوان غير عنوان التقيّة، فلايجوز الاستدلال بما ورد فى التقيّة للإكراه و ترتيب آثارها عليه.

وأجيب عنه: بأنّ التقيّة أعمّ لغة، فإنها بمعنى التجنّب و التحذّر و المخافة فصدقت على التحرّز من كلّ مكروه و شرّ، فإذا أكرهه على أمرفأتى به تجنّبا من شرّه يصدق عرفا و لغة أنّه فعله تقيّة و اتقاءً‌، فلاوجه لتقييد عمومات التقيّة بخصوص ما ذكر (من أنّها عبارة عن الاحتراز و التجنّب عن شرّ قوم مخالف للمذهب بإتيان أعمال توافق مذهبهم من غير أن أكرهوه على إتيانها و أو عدوه على تركها) بمجرّد كون مورد بعض الأخبار ذلك مع إمكان حملها على التفسير بالمصداق كما هو شايع.

**

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 216، ح 6.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدس سره، ج 2، ص 148-147.

هذا مضافا إلى أنّ الظاهر من جملة من الروايات: أنّ الإكراه أيضا تقيّة، كرواية محمد بن مروان قال: قال لى أبوعبدالله عليه السلام: ما منع ميثم رحمه الله من التقيّة‌؟ فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت فى عمّار و أصحابه (إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌) .(1)

و فى رواية درست عن أبى عبدالله عليه السلام قال: ما بلغت تقيّة أحد تقيّة أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد و يشدّون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرّتين.(2) مع ما فى رواية عبدالله بن يحيى عن أبى عبدالله عليه السلام: أنّه ذكر أصحاب الكهف فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل له: ما كلّفهم قومهم‌؟ فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا لهم الشرك و أسرّوا الإيمان حتّى جاءهم الفرج.(3) فيظهر من ضمّ الروايتين أنّ الإكراه أيضاً من التقيّة.

و مضافا إلى روايات فيها صحاح قال: التقيّة فى كلّ ضرورة، أو التقيّة فى كلّ شيئ يضطرّ إليه ابن آدم. و لاشبهة فى أن المكره يكون ملجأ و مضطرّاً إلى إتيان ما أكره عليه عرفا و أيضا لو بنينا على مقابلة العنوانين بل مباينتهما لأمكن الإلحاق فى الأحكام بصحيحة بكر بن محمد عن أبى عبدالله عليه السلام فقال: إنّ التقيّة ترس المؤمن و لاإيمان لمن لاتقيّة له، فقلت له: جعلت فداك، قول الله تبارك و تعالى: (إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌) (4) قال: و هل التقيّة إلّا هذا.(5) فإنّها إن دلّت على أنّ الإكراه تقيّة حقيقة فهو، و إلّا بما أنّها دلّت على أنّ التقيّة ليست إلّا الإكراه على سبيل المبالغة، كقوله: هل

**

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 226، ح 3. النحل، 106.

(2) الوسائل، الباب 26 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 219، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 29 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 230، ح 14.

(4) النحل، 106.

(5) الوسائل، الباب 29 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 227، ح 6.

الأسد إلّا زيد تدلّ على الإلحاق الحكمى بلسان الهوهويّة. و بالجمله أنّها حاكمة على أخبار التقيّة التى منها صحيحة محمد بن مسلم و غيرها «إذا بلغت التقيّة الدم فلاتقيّة» بتنقيح موضوعها.(1)

خاتمة: فيما ينبغى للوالى العمل به فى نفسه و فى رعيته

خاتمة: قال الشيخ الأعظم قدس سره: خاتمة فيما ينبغى للوالى العمل به فى نفسه و فى رعيّته:

روى شيخنا الشهيد الثانى فى رسالته المسمّى (المسمّاة) بكشف الريبة عن أحكام الغيبة بإسناده عن شيخ الطائفة عن المفيد عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبدالله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه محمد بن عيسى الأشعرى عن عبدالله بن سليمان النوفلى قال: كنت عند أبى عبدالله عليه السلام فإذا بمولى لعبدالله النجاشى قد ورد عليه(2) و أوصل إليه كتابا ففضّه و قرأه، فإذا أوّل سطر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله(3) بقاء سيّدى و جعلنى من كلّ سوء فداه و لاأرانى فيه مكروها. فإنّه ولّى ذلك و القادر عليه.

اعلم سيّدى و مولاى، إنّى بُليتُ بولاية الأهواز، فإن رأى سيّدى و مولاى(4) أن يحدّ لى حدّا و يمثّل لى مثالا لأستدلّ به على ما يقرّبنى إلى الله عزّوجلّ و إلى رسوله و يلخّص لى فى كتابه ما يرى لى العمل به(5) و فيما أبذله (ابتذله)(6) و أين أضع زكوتى و

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام قدس سره، ج 2، ص 151-150.

(2) و فى المصدر: فسلّم.

(3) و فى المصدر: تعالى.

(4) ليس فى المصدر «و مولاى».

(5) و فى المصدر: للعمل به.

(6) و فيما تبدله و ابتدله، هكذا فى المصدر و فى جامع الأحاديث و فيما ابتذله / ج 17، ص 307.

فيمن أصرفها و بمن آنس و إلى من استريح و بمن أثق و آمن و ألجأ اليه فى سرّى، فعسى أن يخلَّصنى الله تعالى(1) بهدايتك و ولايتك.(2) فإنّك حجة الله على خلقه و أمينه فى بلاده لازالت نعمته عليك.(3)

قال عبدالله بن سليمان: فأجابه أبوعبدالله عليه السلام: بسم الله الرّحمن الرّحيم حاطك الله بصنعه(4) و لطف بك بمنّه و كلأك برعايته، فإنّه ولّى ذلك.

أمّا بعد، فقد جائنى(5) رسولك بكتابك فقرأته و فهمت جميع ما ذكرته و سألت عنه و ذكرت(6) أنّك بليت بولاية الأهواز و سرّنى ذلك و سائنى، و سأخبرك بما سائنى من ذلك و ما سرّنى إن شاء الله تعالى.

أمّا(7) سرورى بولايتك، فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفا من أولياء آل محمد صلى الله عليه وآله و سلم و يعزّ بك ذليلهم(8) و يكسو بك عاريهم و يقوى بك ضعيفهم و يطفى بك نار المخالفين عنهم.

و أمّا الذى سائنى من ذلك، فانّ أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بولىّ لنا فلاتشمّ رائحة حظيرة القدس، فإنى ملخّص(9) لك جميع ما سألت عنه، فإن أنت عملت به و لم

**

(1) لم يكن فى المصدر «الله تعالى».

(2) و فى نسخة: و دلالتك.

(3) و فى المصدر بعد قوله لازالت نعمته عليك «كذا بخطّه». (أى بخطّ النجاشى).

(4) و فى المصدر: حاملك الله بصنعه. و فى نسخة: صافحك الله بصنعه.

(5) و فى المصدر: فقد جاء إلىّ رسولك.

(6) و فى المصدر: و زعمت انك.

(7) و فى المصدر: فأمّا.

(8) و فى المصدر: ذليلا.

(9) و فى المصدر: مخلّص.

تجاوزه رجوت أن تسلم إن شاء الله تعالى.

أخبرنى يا عبدالله أبى عن آبائه عن على(1) عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أنّه قال: من استشاره أخوه المؤمن المسلم فلم يمحضّه النصحية سلب الله(2) لبّه عنه.

و اعلم أنّى سأشير عليك برأيى(3) إن أنت عملت به تخلّصتَ مما أنت تخافه(4).

و اعلم أنّ خلاصك و نجاتك فى(5) حقن الدماء و كفّ الأذى عن أولياء الله و الرفق بالرعية و التأنّى و حسن المعاشرة مع لين فى غير ضعف و شدّة فى غير عنف و مداراة صاحبك و من يرد عليك من رسله و ارفق(6) برعيّتك بأن توقفهم على ما وافق الحق و العدل إن شاء الله تعالى.

و إيّاك(7) و السعاة و أهل النمايم، فلايلزقنَّ بك منهم أحد(8) و لايراك الله يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لاعدلا فيسخط الله عليك و يهتيك سرّك و احذر مكرخوزى الأهواز،(9) فإنّ أبى أخبرنى عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:(10) إنّ‌

**

(1) و فى المصدر: على بن أبى طالب.

(2) و فى المصدر: سلبه الله لبّه.

(3) و فى المصدر: برأى.

(4) و فى المصدر: متخوفّه.

(5) و فى المصدر: من مكان فى.

(6) و فى المصدر: و ارتق فتق رعيتك.

(7) و فى المصدر: إياك من دون «واو».

(8) و فى المصدر: فلايلتزقنّ منهم بك أحد.

(9) و فى المصدر: خوز الأهواز.

(10) و فى المصدر: إنه قال.

الإيمان لايثبت فى قلب يهودىٍّ و لاخوزىٍّ أبدا(1).

و أمّا من تأنس به و تستريح به و تلجئ أمورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر(2) الأمين الموافق لك على دينك و ميّز أعوانك و جرّب الفريقين، فإن رأيت هنالك رشداً فشأنك. و إياه و إياك أن تعطى درهما أو تخلع ثوبا أو تحمل على دابّة فى غير ذات الله لشاعر أو مضحك أو مخرج(3) إلّا أعطيت مثله فى ذات الله. وليكن جوائزك و عطاياك و خلعك للقوّاد و الرسل و الأحفاد(4) و أصحاب الرسائل و أصحاب الشرط و الأخماس و ما أردت أن تصرف(5) فى وجوه البرّ والنجاح(6) و الصدقة و الفطرة و الحجّ و الشرب و الكسوة التى تصلّى فيها(7) و تصل بها والهديّة التى تهديا إلى الله (عزّوجلّ‌) و رسوله صلى الله عليه وآله و سلم من أطيب كسبك.

و انظر (اجهد)(8) يا عبدالله! أن لاتكنز ذهبا و لافضّة فتكون من أهل هذه الآية: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ‌) .(9)

**

(1) و لايخفى عليك أنّه كيف لايثبت الإيمان فى قلب يهودى مع أن كثيراً منهم أسلموا و كانوا من الصالحين. و لعلّه محمول على يهودى خاصّ أو يردّ علمه إلى أهله، و هكذا بالنسبة إلى من سكن الأهواز مع احتمال أن يكون المراد من خوزى قبيلة خاصة الذين انقرضوا دون كلّ من سكن الأهواز.

(2) و فى المصدر: الرجل المستبصر الأمين.

(3) و فى المصدر: أو ممتزح.

(4) و فى جامع الأحاديث، ج 17، ص 308: و الأجناد.

(5) و فى المصدر: أن تصرفه.

(6) و فى المصدر: و الفتوة و العتق.

(7) و فى المصدر: التى تصل فيها.

(8) و فى المصدر: يا عبدالله اجهد أن لاتكنز.

(9) التوبة، 34.

و لاتستصغرنّ من حلو أو فضل طعام تصرفه فى بطون خالية تسكّن بها(1) غضب الله ربّ العالمين.(2)

و اعلم أنّى سمعت أبى يحدّث عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم السلام: أنّ رسول الله(3) قال يوما () لأصحابه:(4) ما آمن بالله و اليوم الآخر من بات شبعانا(5) و جاره جائع، فقلنا: هلكنا يا رسول الله! فقال: من فضل طعامكم و من فضل تمركم و رزقكم و خلقكم و خرقكم تطفؤن بها غضب الربّ تعالى.(6)

و سأنبّئك بهوان الدنيا و هوان شرفها على من مضى من السلف و التابعين. فقد حدّثنى أبى محمد بن علىّ بن الحسين(7) قال: لمّا تجهّز الحسين إلى الكوفة أتاه ابن عباس فناشده الله و الرحم أن يكون هو المقتول بالطَّفّ‌، فقال: أنا أعرف بمصرعى(8) منك و ما وكدى من الدنيا إلّا فراقها.

ألا أخبرك يابن عباس بحديث أميرالمؤمنين عليه السلام و الدنيا؟ فقال له: بلى، لعمرى إنّى أحبّ‌(9) أن تحدّثنى بأمرها، فقال أبى: قال علىُّ بن الحسين: سمعت أباعبدالله

**

(1) و فى المصدر: يسكن بها.

(2) و فى المصدر: تبارك تعالى مكان ربّ العالمين.

(3) و فى المصدر: أنه سمع النبى (رسول الله) يقول.

(4) و فى المصدر: يقول لأصحابه يوما.

(5) و فى المصدر: شبعان.

(6) و فى المصدر: غضب الرب.

(7) و فى المصدر: فقد حدّثنى محمد بن على بن الحسين.

(8) و فى المصدر: فقال بمصرعى منك، و الظاهر أنه غلط.

(9) و فى المصدر: لأحبّ‌.

الحسين عليه السلام يقول: حدّثنى أميرالمؤمنين عليه السلام قال: إنّى بفدك(1) فى بعض حيطانها و قد صارت لفاطمة عليها السلام، فإذا أنا بامرأة قد قحمت(2) علىّ و فى يدى مسحاة و أنا أعمل بها فلمّا نظرت إليها طار قلبى ممّا تداخلنى من جمالها، فشبّهتها بثبينه(3) بنت عامر الجحمى و كانت من أجمل نساء قريش، فقالت: يابن أبى طالب! هل لك أن تتزوّج بى(4) فأغنيك عن(5) هذه المسحات و أدلّك على خزائن الأرض، فيكون لك(6) ما بقيت و لعقبك من بعدك، فقال لها: من أنتِ حتّى أخطبك من أهلك‌؟ قال: فقالت: أنا الدنيا، قال لها: فارجعى و اطلبى زوجا غيرى فلست من شأنى.(7)

فأقبلت على مسحاتى و أنشأت أقول:(8) لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة - و ما هى ان غرّت قرونا بنائل (بطائل).(9)

أتتنا على ذىّ العزيز بثينة *** و زينتها فى مثل تلك الشمائل

فقلت لها غرّى سواى فاثنى *** فقلت لها غرّى سواى فاثنى

و ما أنا و الدنيا فإنّ محمداً *** أحلّ صريعاً بين تلك الجنادل

**

(1) و فى المصدر: إنّى كنت بفدك.

(2) و فى المصدر: قد فحمت.

(3) و فى المصدر: بتبينة (بضم الباء الموحدة كجهينة).

(4) و فى المصدر: لى.

(5) و فى المصدر: من مكان عن.

(6) و فى المصدر: لك الملك.

(7) و ليس فى المصدر فلست من شأنى.

(8) و فى المصدر: و اقول.

(9) و فى المصدر: بتائل (بطائل)

و هيهات امنّى(1) بالكنوز و ودّها(2) *** و أموال قارون و ملك القبائل

أليس جميعا للفناء مصيرنا(3) *** و يطلب من خزّانها بالطوائل

فغرّى سواى إنّنى غير راغب *** بما فيك من عزّ وملك و نائل(4)

فقد قنعت نفسى بما قدرزقته *** فشأنك يا دنيا و أهل الغوائل

فإنّى أخاف الله يوم لقائه *** وأخشى عذابا دائما غير زائل

فخرج من الدنيا و ليس فى عنقه تبعة لأحد حتّى لقى الله محمودا غير ملوم و لامذموم، ثمّ اقتدت به الأئمّة عليهم السلام من بعده بما قد بلغكم لم يتلطّخوا بشيئ من بوائقها(5) و قد وجّهت إليك بمكارم الدنيا و الآخرة، و عن الصادق المصدّق رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم(6) فإن أنت عملت بما نصحت لك فى كتابى هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب و الخطايا كمثل أوزان الجبال و أمواج البحار رجوت الله أن يتجافى عنك جلّ و عزّ بقدرته.(7)

يا عبدالله! إيّاك أن تخيف مؤمنا فإنّ أبى حدّثنى عن أبيه عن جدّه علىّ بن أبى طالب عليهم السلام أنّه كان يقول: من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله(8) يوم لاظلّ إلّا

**

(1) و فى المصدر: وهينها اتتنى.

(2) و فى المصدر: و ردّها.

(3) و فى المصدر: مصيرها.

(4) و فى المصدر: من ملك و عزّ و نائل.

(5) و فى المصدر: عليهم السلام أجمعين و أحسن مثواهم.

(6) و فى المصدر: و عن الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم.

(7) و فى المصدر: أن يتجاوز عنك عزّوجلّ بقدرته.

(8) و فى المصدر: بها.

ظلّه و حشره(1) فى صورة الذرّ لحمه و جسده و جميع أعضائه حتّى يورده مورده.

و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال: من أغاث لهفاناً من المؤمنين أغاثه الله يوم لاظلّ إلّا ظلّه و آمنه من الفزع الأكبر و آمنه من سوء المنقلب، و من قضى(2) لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيرة إحديها(3) الجنّة، و من كسى أخاه المؤمن جُبّة عن عرى كساه الله من سندس الجنّة و استبرقها و حريرها، و لم يزل يخوض فى رضوان الله مادام على المكسو منه(4) سلك.

من أطعم(5) أخاه من جوع أطعمه الله من طيّبات الجنّة، و من سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم،(6) و من أخدم أخاه أخدمه الله من الولدان المخلّدين و أسكنه مع أوليائه الطاهرين، و من حمل أخاه المؤمن على راحلته(7) حمله الله على ناقة من نوق الجنّة و باهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، و من زوّج أخاه امرأة يأنس بها و تشدّ عضده و يستريح إليها زوّجه الله من الحور العين و آنسه بمن أحبّه من الصدّيقين من أهل بيت نبيّه و إخوانه و آنسهم به،(8) و من أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه

**

(1) و فى المصدر: و حشره الله.

(2) و فى المصدر: و من أقضى.

(3) و فى المصدر: من إحديها الجنة.

(4) و فى المصدر: المكسومنها.

(5) و فى المصدر: و من أطعم.

(6) ريّه.

(7) و فى المصدر: رحله.

(8) و فى المصدر: و آنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته و إخوانه و آنسهم به.

الله على إجازة الصراط عند زلّة الأقدام،(1) و من زار أخاه المؤمن فى منزله(2) لالحاجة منه إليه كتب من زوّار الله و كان حقيقا على الله أن يكرم زائره يا عبدالله!

و حدّثنى(3) أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام: أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول(4) لأصحابه يوما: معاشر الناس! إنّه ليس بمؤمن من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه فلاتتّبعوا عثرات المؤمنين، فإنّه من تتّبع عثرة مؤمن يتبع الله عثرته(5) يوم القيامة و فضّحه فى جوف بيته.

و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لايصدق فى مقالته و لاينتصف من عدوّه(6) و على أن لايشفى غيظه إلّا بفضيحة نفسه لأنّ المؤمن ملجم،(7) و ذلك لغاية قصيرة و راحة طويلة.

أخذ الله ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها(8) مؤمن مثله يقول بمقالة يبغيه(9) و يحسده، و شيطان يغويه و يمقته،(10) و سلطان يقفو أثره و يتبع عثراته، و كافر بالذى هو مؤمن به يرى سفك دمه دنيا و إباحة حريمه غنما فما بقاء المؤمن بعد هذا. يا

**

(1) و فى المصدر: عند زلزلة الاقدام.

(2) و فى المصدر: أخاه المؤمن إلى منزله.

(3) و فى المصدر: يا عبدالله حدّثنى.

(4) و فى المصدر: و هو يقول.

(5) و فى المصدر: فانه من اتبع ثمرة مؤمن اتبع الله عثراته.

(6) و فى المصدر: فى عدوّه.

(7) و فى المصدر: لأنّ كلّ مؤمن.

(8) و فى المصدر: عليه.

(9) و فى المصدر: فيبغيه.

(10) و فى المصدر: و يمعيه.

عبدالله! و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىّ عليهم السلام عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم قال: نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد! يقرئك السلام(1) و يقول: اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائى سمّيته مؤمنا فالمؤمن منّى و أنا منه من استهان بمؤمن فقد استقبلنى بالمحاربة يا عبدالله.

يا عبدالله! و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام عن النبى صلى الله عليه وآله و سلم أنه قال يوما: يا على! لاتناظر رجلا حتّى تنظر فى سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فإنّ الله عزّوجلّ لم يكن ليخذل وليّه،(2) و إن كانت سريرته رديّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به(3) أكثر ما عمل به من معاصى الله عجل ما قدرت عليه.

يا عبدالله و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىّ عليهم السلام عن النّبى صلى الله عليه وآله و سلم أنّه قال: أدنى الكفر أن يسمع الرجل من أخيه الكلمة فيحفظها(4) عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لاخلاق لهم يا عبدالله و حدّثنى أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام أنّه قال: من قال فى مؤمن ما رأت عيناه و سمعت أذناه ما يشينه و يهدم مروّته فهو من الذين قال الله عزوجل: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌) (5) يا عبدالله! وحدّثنى أبى عن آبائه عن علىٍّ عليهم السلام أنّه قال: من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروّته و شينه(6) أو ثقه الله(7) بخطيئة(8) يوم القيامة حتّى يأتى بالمخرج مما قال و لن يأتى

**

(1) و فى المصدر: إنّ الله يقرء عليك السلام.

(2) و فى المصدر: لم يكن ليحذوك لبّه.

(3) و فى المصدر: فلوجهدت أن يعمل به أكثر مما عمله.

(4) و فى المصدر: ليحفظها.

(5) النور، 19.

(6) و فى المصدر: وثلبه.

(7) و فى المصدر: أوقبه الله، و الظاهر أوبقه كما فى جامع الأحاديث، ج 17، ص 311.

(8) فى المصدر: أوقبه الله بخطية.

بالمخرج منه أبدا، و من أدخل على أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل على أهل بيت(1) نبيّه صلى الله عليه وآله و سلم سرورا، و من أدخل على أهل بيت نبيّه(2) سرورا فقد أدخل على رسول ظاللّه صلى الله عليه وآله و سلم سرورا، و من أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم سرورا فقد سرّ الله و من سرّ الله فحقيق على الله أن يدخله جنّته.

ثم إنّى أوصيك بتقوى الله و إيثار طاعته و الاعتصام بحبله، فإنّه من اعتصم بحبل الله فقد هدى إلى صراط مستقيم. فاتق الله و لاتؤثر أحداً على رضاه و هواه، فإنه وصيّة الله عزّوجلّ إلى خلقه لايقبل منهم غيرها و لايعظّم سواها. و اعلم أنّ الخلق(3) لم يوكّلوا بشيئ أعظم من تقوى الله،(4) فإنّه وصيّتنا أهل البيت فإن استطعت أن تنال(5) من الدنيا شيئا يسئل الله عنه(6) غداً فافعل. قال عبدالله بن سليمان: فلمّا وصل كتاب الصادق عليه السلام إلى النجاشى نظر فيه فقال: صدق و الله الذى لا إله إلّا هو مولاى فما عمل أحد بما فى هذا الكتاب إلّا نجى، قال: فلم يزل عبدالله يعمل به أيّام حياته.(7)

ولايخفى عليك أنّ النوفلى المعروف هو الحسين بن يزيد و ليس هو عبدالله بن سليمان والحسين بن يزيد موثّق، أمّا عبدالله بن سليمان فهو مجهول. نعم، لو كان المراد منه هو الصيرفى فهو ممن روى عنه الصفوان و ابن أبى عمير و هو يكفى فى وثاقته، ولكن الصيرفى غير مذكور بعنوان النوفلى.

**

(1) و فى المصدر: على أهل البيت سرورا.

(2) و فى المصدر: على أهل البيت.

(3) و فى المصدر: الخلائق.

(4) و فى المصدر: من التقوى.

(5) و فى المصدر: أن لاتنال.

(6) و فى المصدر: شيئا تسئل عنه.

(7) المكاسب للشيخ، ص 61-59.

و كيف ما كان، قال الشهيد الثانى فى كشف الريبة: الحديث العاشر رويناها بأسانيد متعدّدة، أحدها الإسناد المتقدّم فى الحديث السابع إلى الشيخ أبى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبدالله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه محمد بن عيسى الأشعرى عن عبدالله بن سليمان النوفلى، قال: كنت إلخ (كشف الريبة فى أحكام الغيبة الحديث العاشر). و فيه: أنّ الأسانيد لو انتهت إلى عبدالله بن سليمان النوفلى بقى الإشكال على حاله.

قال فى إرشاد الطالب: إنّ الرواية متضمّنة لقصّة علىٍّ عليه السلام و تجسم الدنيا له، فلابدّ من حمل ذلك على كونه بعد وفاة النبى صلى الله عليه وآله و سلم و قبل أخذ فدك من فاطمة عليها السلام، مع أنّ عبدالله بن سليمان النوفلى مجهول.(1)

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 280.

المسألة التاسعة و الخمسون «فى هجاء المؤمن»

اشارة

قال الشيخ الأعظم قدس سره: هجاء المؤمن حرام بالأدلة الأربعة، لأنّه همز و لمز و أكل اللحم و تعيير و إذاعة سرّ و كلّ ذلك كبيرة موبقة، فيدلّ عليه فحوى جميع ما تقدّم فى الغيبة بل البهتان أيضا بناء على تفسير الهجاء بخلاف المدح كما عن الصحاح، فيعمّ ما فيه من المعايب و ما ليس فيه كما عن القاموس و نهاية و المصباح، لكن مع تخصيصه فيها بالشعر، و أمّا تخصيصه بذكر ما فيه بالشعر كما هو ظاهر جامع المقاصد فلايخلو عن تأمّل.

ولافرق فى المؤمن بين الفاسق و غيره، و أمّا الخبر محّصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين، فالمراد به الخارجون عن الإيمان أو المتجاهرون بالفسق.

واحترز بالمؤمن عن المخالف، فإنّه يجوز هجوه لعدم احترامه، و كذا يجوز هجاء الفاسق المبدع لئلّا يؤخذ ببدعه (ببدعته)، لكن بشرط الاقتصار على المعايب الموجودة فيه، فلايجوز بهته بما ليس فيه لعموم حرمة الكذب، و ما تقدّم من الخبر فى الغيبة من قوله عليه السلام فى حق المبتدعة باهتوهم لكيلا يطعمو (يطمعوظ) فى أضلالكم

(الفساد فى الإسلام) محمول على اتهامهم و سوء الظنّ بهم بما يحرم اتهام المؤمن به بأن يقال: لعلّه زان أو سارق، و كذا إذا زاده ذكر ما ليس فيه من باب المبالغة و يحتمل إبقائه على ظاهره بتجويز الكذب عليهم لأجل المصلحة، فإنّ مصلحة تنفير الخلق عنهم أقوى من مفسدة الكذب.

و فى رواية أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم (من مخالفيهم) فقال: الكفّ عنهم أجمل، ثم قال لى: و الله يا أباحمزة! الناس كلّهم أولاد بغايا ماخلا شيعتنا، ثمّ قال: نحن أصحاب الخمس و قد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا، و فى صدرها دلالة على جواز الافتراء و هو القذف على كراهة، ثم أشار عليه السلام إلى أولوية قصد الصدق بإرادة الزنا من حيث استحقاق حقوق الأئمة عليهم السلام.(1)

والمستفاد من كلامه أمور:

أحدها: أنّ ظاهر تعليل حرمة الهجاء بكونه معنونا بالهمز و اللمز و الغيبة و الإهانة و إذاعة السرّ و التعيير أنّ الهجاء ليس بعنوانه محرّما، بل هو محرّم بعنوان كونه مصداقا من مصاديق هذه العناوين المحرّمة، ثمّ إنّ العناوين المذكورة مندمج فى بعضها.

قال فى إرشاد الطالب: و لاببعد اتحاد عنوان الهمز أو اللمز مع التعيير و اتحاد أكل لحمه مع إذاعة سرّه، و ربّما ينطبق عليه عنوان البهتان بناء على أنّ الهجاء ضدّ المدح، فيعمّ ذكر المعايب الموجودة فى الشخص و التى ليست فيه فيكون ذكرها بهتانا.

والحاصل: أنّه تختلف الموارد، ففى بعضها ينطبق على الهجاء بعض العناوين المشار إليها و فى بعضها الآخر ينطبق عليه بعضها الآخر، و لو كان ذكر شخص بعيب

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 61.

ظاهر للإهانة و الاستخفاف انطبق عليه عنوان العتيير لاعنوان الغيبة و هكذا.(1) فلايطلق عنوان الغيبة على مورد البهتان و لاالعكس لتباينهما كما لايطلق الغيبة على عيب ظاهر و يطلق عليه عنوان التعيير.

ثانيها كما فى مصباح الفقاهة: أنّ الهجو قد يكون بالجملة الإنشائية، و قد يكون بالجملة الخبرية. أمّا الأول: فلاشبهة فى حرمته لكونه من اللمز و الهمز و الإهانة و الهتك. و قد دلّت الروايات المتواترة على حرمة هتك المؤمن و إهانته و نطق القرآن الكريم بحرمة الهمز و اللمز. و أمّا الثانى: فإن كان الخبر مطابقا للواقع كهجو المؤمن بما فيه من المعايب كان حراما من جهة الغيبة و الهتك و الإهانة و التعيير و الهمز. و إن كان الخبر مخالفا للواقع كان حراما أيضا من نواحى شتّى، لكونه كذبا و بهتا و إهانة و ظلما و همزا و لمزا.(2)

ثالثها: أنّ أكثر اللغويين قيّدوا الهجاء بالهجو فى الأشعار، و مقتضاه هو عدم حرة الهجاء فى غيرها، و هو كما ترى، لأن على تقدير تسليم تقييده بالأشعار أمكن أن يقال: إنّ الهجاء فى غير الأشعار محكوم بحكم الهجاء فى الأشعار، لما عرفت من أنّ حرمة الهجاء من ناحية انطباق ساير العناوين المحرّمة عليه، و لافرق فيه بين كون الهجاء فى الأشعار أو غيرها لانطباق العناوين المحرّمة على الهجاء فى غير الأشعار أيضا، فلامجال لإنكار حرمته كما لايخفى.

و لعلّ مراد الشيخ من التأمّل فى كلام جامع المقاصد الذى ذهب إلى تخصيصه بالأشعار هو ذلك، فتدبّر جيّدا.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 280.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 457.

ودعوى أنّ حرمة الهجاء فى غير الأشعار لكونه من مصاديق العناوين المحرّمة لاكلام فيها. و إنّما الكلام فى صدق الهجاء عليه، مندفعة بصدق الهجاء على ما وقع فى الخطب، بل لعلّه صادق على مثل ما يكون رائجا فى زماننا هذا من كاريكاتور.

ورابعها: أنّه لافرق فى حرمة الهجاء بين أن يكون مورد الهجو عادلا أو فاسقا لإطلاق أدلّة حرمة العناوين المذكورة، بل يمكن أن يقال بحرمة هجو الفاسق المعلن بفسقه. قال فى مصباح الفقاهة: فقد تقدّم فى البحث عن مستثنيات الغيبة أنّ عمدة الدليل على جواز غيبة المتجاهر فى الفسق خروج ذلك عن دائرة الغيبة موضوعا، فإنّها أن تقول فى أخيك: ما ستره الله عليه، و ما ارتكبه الفاسق المتجاهر من المعايب و المعاصى ليس ممّا ستره الله عليه، ولكن لاقصور فى شمول ما دلّ على حرمة الهجو لانتقاص المتجاهر، و ذكره بما فيه من العيوب عدا ما دلّ على حرمته من حيث كونه غيبة.

نعم، يجوز هجو الفاسق المتجاهر فى الفسق إذا ترتّبت على هجوه مصلحة أهمّ من مصلحة احترامه، أو كان ممّن لايبالى بما قيل فيه، و بذلك يحمل ما ذكره المصنّف من الخبر «محّصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين».(1)

وممّا ذكر يظهر ما فى كلام الشيخ قدس سره من إطلاق جواز الهجاء بالنسبة إلى المتجاهرين بالفسق، و ذلك لأنّ مقتضى إطلاق أدلّة حرمة العناوين المذكورة هو حرمة ذلك الأمور حتّى بالنسبة إلى المتجاهرين ما لم يترتّب على هجوهم مصلحة أهمّ‌.

ثمّ إنّ قول السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: أو كان ممّن لايبالى بما قيل فيه، لايخلو عن تأمّل لإطلاق أدلّة حرمة العناوين المذكورة، و لايرفع اليد عن إطلاقها بمجرّد كون

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 457.

مورد الهجو ممّن لايبالى بما قيل فيه، و تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكرهه تعريف غالبى، هذا مضافا إلى تجويز الغيبة و الهجاء و لو مع رضاية الطرف إذلال المؤمن و لايرضى الشارع بذلك.

خامسها: ظاهر كلام الشيخ قدس سره هو الاحتراز بذكر المؤمن عن المخالف و استدلّ على جواز هجوه بعدم احترامه.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: و أمّا هجو المخالفين أو المبدعين فى الدين فلاشبهة فى جوازه لأنّ المراد بالمؤمن هو القائل بإمرة الأئمة الإثنى عشر عليهم السلام و كونهم مفترضى الطاعة. و من الواضح أنّ ما دلّ على حرمة الهجو مختصٌّ بالمؤمن من الشيعة، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعا.(2) و يمكن تقريب ما أفاده السيّد المحقّق الخوئى بأنّ الإيمان هو الالتزام بالعقائد الحقّة و العقائد الحقّة فى أول ظهور الإسلام هى الالتزام بوجود الله تعالى و المعاد و النبوّة ثمّ بعد بيان للولاية و العدل دخلتا فى العقائد الحقّة، فالمؤمن لايصدق إلّا على من التزم بالعقائد الحقّة بما لها من المصاديق، و عليه فآثار المؤمن و أحكامه لايشمل المخالف لإخلاله ببعض مصاديقه.

هذا مضافا إلى ما فى إرشاد الطالب: من أنّه احترز بالمؤمن عن المخالف، فإنّه قد تقدّم فى البحث عن حرمة الغيبة أنّ جواز اغتيابه باعتبار كونه ممن ألقى جلباب الحياء لتظاهره بالفسق بإنكاره قولاً و عملاً ما هو عماد الدين و أهمّ أركانه، يعنى ولاية أهل البيت عليها السلام، و لايبعد جواز هجوه أيضا فيما إذا كان قاصرا، فإنّه على ما تقدّم من الفاسق المبدع.(3)

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 61.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 457.

(3) إرشاد الطالب، ج 1، ص 281.

و قال فيما تقدّم: لاينبغى التأمّل و الريب فى جواز اغتياب المخالف و سائر فرق الشيعة فيما إذا كان خلافهم أو مخالفتهم الحقّ بنحو التقصير و لو بتركهم الفحص عن الحقّ‌، فإنّهم فى هذه الصورة من أظهر أفراد الفسّاق و المتجاهرين بفسقهم، إذ التجاهر بترك الولاية الحقّة لايقصر عن التجاهر بترك ساير الواجبات و ارتكاب المحرّمات الموجب لجواز الاغتياب على ما سيأتى.

كيف و أنّ الولاية من عماد الدين و أهمّ ما بنى عليه الإسلام على ما فى الروايات المعتبرة، بل لايبعد اندراج المخالفين و سائر الفرق فى أهل البدع و الريب مع تقصيرهم أو مطلقا، حيث ينسبون إلى الشريعة و الرسول الأكرم ما يبرأ منه الرسول، فيعمّهم، مثل صحيحة داود بن سرحان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدى فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم كيلا يطمعوا فى الفساد فى الإسلام، الحديث.(1)

ولايخفى عليك أولا: أنّه قد تقدّم فى مسألة حرمة سبّ المؤمنين و غيبتهم أنّ المخالف ليس بمؤمن بما أنزل الله فى الولاية، و معه يشكل صدق عنوان المؤمن عليه، فلايترتّب عليه ما يترتّب على عنوان المؤمن من الأحكام و الآثار، ولكن هذا و إن كان صحيحا بحسب الثبوت والواقع إلّا أنّ مقتضى بعض الأخبار أنّ غير المؤمنين من طوائف المسلمين محكوم تعبّدا بحسب الظاهر بأحكام المؤمنين و آثارهم من حرمة السبّ و الغيبة و الهجو و غيرذلك.

ويدلّ عليه معتبرة حمران بن أعين عن أبى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: الإيمان ما

**

(1) الوسائل، الباب 39 من أبواب الأمر و النهى، ج 16، ص 267، ح 1؛ إرشاد الطالب، ج 1، ص 189-188.

استقرّ فى القلب و أفضى به إلى الله عزّوجلّ و صدّقه العمل بالطاعة لله و التسليم لأمره، و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذى عليه جماعة الناس من الفرق كلّها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ‌، فخرجوا بذلك من الكفر و أضيفوا إلى الإيمان، و الإسلام لايشرك الإيمان و الإيمان يشرك الإسلام، إلى أن قال: قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم فى شيئ من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك‌؟ فقال: لا، هما يجريان فى ذلك مجرى واحد ولكن للمؤمن فضل على المسلم فى أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى الله عزّوجلّ‌.(1)

والمستفاد من الرواية هو اشتراكهما بحسب الظاهر فى الأحكام ما لم يدلّ دليل على الخلاف، و عليه فتجويز هجوهم و سبّهم و غيبتهم محلّ تأمل و إشكال. و يعتضد ذلك بالروايات الكثيرة الدالّة على جريان أحكام الإسلام بالشهادتين،(2) و بالروايات الكثيرة الدالّة على العشرة معهم بالمعروف.(3)

وقد حكى شيخنا الأستاذ الأراكى قدس سره عن أستاذه المحقّق الحائرى اليزدى: أنّ المتحصّل عدم الفرق فى المسلم بين المؤمن و غيره و يكون الشارع قد عامل معهم فى ظاهر الدنيا معاملة المؤمن فى المواريث و الأنكحة و الذبائح و طهارة البدن و حرمة الدم و المال و العرض و غير ذلك.(4)

و ثانيا: أنّ دعوى صدق المبدعين و المتجاهرين بالفسق على القاصرين منهم محلّ‌

**

(1) الكافى، ج 2، ص 26 باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لايشرك، ح 5.

(2) الكافى، ج 2، ص 24.

(3) الوسائل، الباب 26 من أبواب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ج 16، ص 220-219.

(4) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأستاذ قدس سره، ص 244.

تأمل و نظر. نعم، الظاهر صدق ذلك على المقصرّين المعاندين الجاعلين الذين عمدوا إلى إخفاء الفضائل و إظهار ما لاأصل له من المناقب للغاصبين حقوق الأئمّة الأطهار (عليهم الصلوات و السلام)، و يترتّب عليه آثار ذلك من جواز غيبتهم و بهتانهم، و عليه يحمل قوله عليه السلام: و باهتوهم كى لايطمعوا فى الإسلام جمعا بين الأدلّة.

و قدحكى شيخنا الأستاذ الأراكى عن شيخه الأستاذ الحائرى قدس سرهما: من أنّ الظاهر من صحيحة داود بن سرحان و غيرها نفس من كان محدثا و مخترعا للبدعة و لايعمّه و من تبعه و عمل ببدعته،(1) فلاتغفل.

و أمّا خبر أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم، فقال: الكفّ عنهم أجمل، ثمّ قال: يا أبا حمزة! و الله إنّ الناس كلّهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، ثم قال: نحن أصحاب الخمس و قد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا.(2)

وففيه: أنّه ضعيف لجهالة الحسن بن عبدالرحمن و للمذمّة على علىّ بن العباس الواقعين فى طريقه، هذا مضافا إلى ما فى أنوار الفقاهة من أنّه يشكل الموافقة على مضمونها، لأنّ الحكم بأنّهم أولاد بغايا بعد كون النكاح الموجود عند كل قوم ممضى عند الشرع، و لاأقلّ من كونهم أولاد شبهة، و إطلاق أولاد البغايا على ولد الشبهة غير صحيح مشكل جدّا، إلّا بضرب من التشبيه و المجاز و يعارضه ما جاء فى الرواية من أنّ لكلّ أمة نكاحا يحتجزون به عن الزنا، و غيره مما ورد فى الباب 71 و 72 من أبواب جهاد النفس.(3)

**

(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأستاذ قدس سره، ص 244.

(2) الوسائل، الباب 73 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 37، ح 3.

(3) أنوار الفقاهة، ص 517.

المسألة الستون «فى الهُجر»

قال الشيخ الأعظم قدس سره: الهُجر بالضمّ و هو الفحش من القول و ما استقبح التصريح به منه، ففى صحيحة أبى عبيدة: البذاء من الجفاء و الجفاء فى النار،(1) و فى النبوى: انّ من شرّ عباد الله من يكره مجالسته لفحشه،(2) و فى رواية: من علامات شرك الشيطان الذى لاشكّ (لايشكّ‌) فيه أن يكون فحّاشا لايبالى بما قال و لا ما قيل فيه،(3) إلى غير ذلك من الأخبار. هذا آخر ما تيسّر تحريره من المكاسب المحرّمة.(4)

قال فى إرشاد الطالب: و يظهر من المصنّف أنّ البذاء بفتح الباء مرادف للفحش، حيث استدلّ على حرمة الفحش بصحيحة أبى عبيدة عن أبى عبدالله عليه السلام، قال: البذاء

**

(1) الوسائل، الباب 72 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 35، ح 3، هذه الرواية صحيحة.

(2) الوسائل، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 33، ح 8، الحسين بن سعيد فى (كتاب الزهد) عن حمّاد بن عيسى عن شعيب العقرقوفى عن أبى بصير عن أبى عبدالله عليه السلام فى حديث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ من أشرّ عبادالله من تكره مجالسته لفحشة. هذه الرواية صحيحة.

(3) الوسائل، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 32، ح 1 هذه الرواية موثقة.

(4) المكاسب المحرّمة، ص 61.

من الجفاء و الجفاء فى النار. و يظهر من صاحب الوسائل رحمه الله أنّه غير الفحش، حيث جعل لحرمة الفحش بابا و لحرمة البذاء بابا آخر، و كان البذاء عنده عدم مبالاة الشخص بما يقول أو يقول فيه، و الفحش هو ذكر نفسه أو غيره ببعض الأفعال التى يقبح ذكرها كقوله ياديّوث و يازانى و نحوها.

و تؤيّد ذلك الروايات التى وصف الفحّاش فيها بكونه بذيا، و فى رواية سليم بن قيس: أنّ الله حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذىء قليل الحياء لايبالى ما قال و ما قيل له.(1)

و كيف كان، فلاإشكال فى حرمة الفحش و عدم مبالاة الشخص فى قوله، ولكن كونها بمرتبة ما فى رواية سليم و نحوها لم تثبت، و الله سبحانه هو العالم.(2)

و لايخفى عليك أنّه يكفى صحيحة أبى بصير لحرمة الفحش، و لو لم يكن من تكلّم بالفحش بمرتبة ما فى رواية سليم بن قيس من أنّه: لايبالى ما قال و ما قيل فيه، و ذلك لإطلاق قوله صلى الله عليه وآله و سلم: إنّ من أشرّ عبادالله من تكره مجالسته لفحشه.(3)

و البذاء كما فى موثّقة أبى بصير(4) مرتبة فوق مرتبة الفحش و هى محرّمة بالأولوية، مضافا إلى صحيحة أبى عبيدة عن أبى عبدالله عليه السلام: البذاء من الجفاء و الجفاء فى النار.(5)

ثم إنّ الفرق بين الفحش و السبّ (و هو ذكر ما فيه اقتضاء النقص) بالعموم و الخصوص، إذ الفحش يختصّ بما استقبح ذكره. نعم، لو قلنا بصحّة إطلاق الفحش على

**

(1) الوسائل، الباب 72 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 35، ح 2 و السند ضعيف.

(2) إرشاد الطالب، ج 8، ص 281.

(3) الوسائل، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 33، ح 8.

(4) الوسائل، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 35، ح 1.

(5) الوسائل، الباب 72، من أبواب جهاد النفس، ج 16، ص 35، ح 3.

ذكر ما استقبح ذكره و لو لم يكن مخاطب كانت النسبة بينهما هى العموم من وجه، لأنّ السبّ قد يطلق على أمر لايصدق عليه الفحش، إذ ليس هو ممّا يستقبح ذكره، و قد يطلق الفحش على ما لايصدق عليه السبّ‌، كما إذا ذكر ما يستقبح ذكره من دون مخاطب شاعر، كما إذا قال: ذلك لجماد من الجمادات، و قد يكون شيئ مجمع العنوانين.

و مما ذكر يظهر أنّ الفحش يصدق و لو لم يكن مخاطب شاعر، ولكن اقامة الدليل على حرمته مع عدم إطلاق صحيحة أبى بصير محلّ تأمّل و نظر.

النوع الخامس: (مما يحرم التكسب به) ما يجب على الإنسان فعله عيناً أو كفايةً تعبداً أو توصلاً على المشهور.

اشارة

يقع الكلام فى اُمور:

الأمر الأول: فى موضوع المسألة كعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات

الأمر الأول: فى موضوع المسألة، قال الشيخ الاعظم قدس سره: و اعلم أنّ موضوع هذه المسألة ما إذا كان الواجب على العامل منفعة تعود إلى من يبذل بإزائه المال، كما لو كان كفائيا و أراد سقوطه منه، فاستأجر غيره، أو كان عينيّا على العامل و رجع نفعه منه إلى باذل المال كالقضاء للمدّعى إذا وجب عينا.

و بعبارة أخرى مورد الكلام ما لو فرض مستحبّا لجاز الاستيجار عليه، لأن الكلام فى كون مجرد الوجوب على الشخص مانعا عن أخذ الاُجرة عليه، فمثل فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لايجوز أخذ الاُجرة عليه لالوجوبها، بل لعدم وصول عوض المال إلى باذله، فإنّ النافلة أيضا كذلك.(1)

قال فى بلغة الطالب: يعنى أنّ عنوان هذه المسألة فى كلمات الجماعة حيث يدّعون عليه الإجماع أو الشهرة هو أنّ وصف الوجوب بما هو مانع عن أخذ

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 62-61.

الاُجرة على فعل متعلقه لمن وجب عليه أم لا. و من المعلوم أنّ المسألة تحرّر هكذا إذا فرض عدم مانع من أخذ الاُجرة من سائر الجهات، كما أنّ الأمر كذلك فى كل مورد يتكلم فى مانعية فعل أو قول أو وصف عن شىء، فإنّ محلّ الكلام فى مثله أنّ الشىء الكذائى لو خلّى عن كل مانع من الموانع المعلومة هل يمنع عنه الأمر الفلانى أم لا؟ فموضوع الكلام فى البحث عن مانعية شىء دائما يكون عند خلو الممنوع عن غير المانع المبحوث عنه.

فإذا فرضنا وقوع الكلام فى أنّ صفة الوجوب مانع من أخذ الاُجرة أم لا، يجب أن يجعل الموضوع هو العمل الذى لا مانع من أخذ الاُجرة عليه من سائر الجهات، فلاينبغى لمن يدعى مانعية صفة الوجوب عن أخذ الاُجرة أن يستدل له بأنه لاينتفع به المستأجر، كما فى فعل صلاة الظهر أو العصر إذا لم ينتفع به المستأجر، لما عرفت من أنّ الواجب على الأجير الذى لاينتفع به المستأجر خارج عن محل الكلام.

والحاصل: أنّه لو كان عدم الانتفاع ببعض الواجبات دليلا على مانعية صفة الوجوب عن الاستيجار كان عدم الانتفاع ببعض المستحبات أيضا دليلا على مانعية صفة الاستحباب.(1)

قال فى إرشاد الطالب ايضا: و بعبارة أخرى الكلام فى المقام فيما إذا اجتمع الشرائط المعتبرة فى الاستيجار، و يقع البحث فى أنّ وجوب عمل على المكلف مانع عن جواز أخذ الاُجرة عليه من المنتفع بذلك العمل أم لا.(2)

و لايخفى عليك إمكان المناقشة فى المثال المذكور فى الكلمات و هى أنّ‌

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 160-161.

(2) إرشاد الطالب، ج 1، ص 282.

التمثيل للخارج عن محل الكلام باستيجار المكلف لمثل أداء الفريضة اليومية بأنّ المدار كما فى جامع المدارك وجود غرض يكون محلّ توجه العقلاء، و من الأغراض إطاعة المكلفين الأوامر الإلهية.(1) فإذا كانت الإطاعة من الأغراض فلا تكون خارجة عن محل الكلام.

ثم لا يذهب عليك ما فى مستند العروة من أنّ محل الكلام فى المقام ما إذا لم يثبت من الخارج بناء العمل على صدوره على صفة المجانية، و إلّا فلا كلام فى عدم جواز أخذ الاُجرة عليه كما لايبعد ذلك فى مثل تجهيز الميت و فى بعض الروايات أنّ هذا حق من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن اعتبره الشارع مجانا و القى ماليته.(2)

الأمر الثانى: فى أدلة عدم الجواز

اشارة

الأمر الثانى: فى الأدلة الدالة على عدم جواز الإجارة على الواجبات.

منها: أنّ أخذ الاُجرة ينافى الإخلاص المعتبر فى العبادة. و الوجه فى ذلك كما أفاد الشيخ الأعظم قدس سره أنّ الوجوب الناشى من الإجارة إنما يتعلق بالوفاء بعقد الإجارة، و مقتضى الإخلاص المعتبر فى ترتب الثواب على موافقة هذا الأمر و لو لم يعتبر فى سقوطه هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله. فهذا المعنى ينافى وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى إيّاه، و لذا لو لم يكن هذا العقد واجب الوفاء، كما فى الجعالة لم يمكن قصد الإخلاص مع قصد استحقاق العوض.

إلى أن قال: و هذا الاستدلال حسن فى بعض موارد المسألة، و هو الواجب التعبدى فى الجملة؛ إلّا أنّ مقتضاه جواز أخذ الاُجرة فى التوصليات و عدم جوازه فى المندوبات التعبدية، فليس مطردا و لامنعكساً.

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 37.

(2) مستند العروة، كتاب الإجارة، مسألة 13 من فصل إجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير.

ثم أورد عليه إشكال النقض بالعبادات المستأجرة، فأجاب عنه: بأنّ الإجارة إنما تقع على الفعل المأتى به تقربا إلى الله نيابة عن فلان. توضيحه: أنّ الشخص يجعل نفسه نائباً عن فلان فى العمل متقربا إلى الله فالمثوب عنه يتقرب إليه تعالى بعمل نائبه و تقربه و هذا الجعل فى نفسه مستحبا، لأنه إحسان إلى المنوب عنه و إيصال نفع إليه. و قد يستأجر الشخص عليه، فيصير واجبا بالإجارة وجوبا توصّليا لايعتبر فيه التقرب، فالأجير إنما يجعل نفسه لأجل استحقاق الاُجرة نائبا عن الغير فى إتيان العمل الفلانى تقربا إلى الله، فالأجرة فى مقابل النيابة فى العمل المتقرب به إلى الله التى مرجع نفعها إلى المنوب عنه.

و هذا بخلاف ما نحن فيه، لأن الاُجرة هنا فى مقابل العمل تقربا إلى الله، لأن العمل بهذا الوجه لايرجع نفعه إلّا إلى العامل، لأن المفروض أنّه يمتثل ما وجب على نفسه، بل فى مقابل نفس العمل، فهو يستحق نفس العمل. و المفروض أنّ الإخلاص إتيان العمل لخصوص أمر الله تعالى، و التقرب يقع للعامل دون الباذل و وقوعه للعامل يتوقف على أن لا يقصد بالعبادة سوى امتثال أمر الله تعالى.

إلى أن قال: فإن قلت: يمكن أن يكون غاية الفعل التقرب، و المقصود من إتيان هذا الفعل المتقرب به استحقاق الاُجرة (بنحو الداعى إلى الداعى) كما يؤتى بالفعل تقربا إلى الله و يقصد منه حصول المطالب الدنيوية، كأداء الدين و سعة الرزق و غيرهما من الحاجات الدنيوية. قلت: فرق بين الغرض الدنيوى المطلوب من الخالق الذى يتقرب إليه بالعامل و بين الغرض الحاصل من غيره و هو استحقاق الاُجرة، فإن طلب الحاجة من الله تعالى و سبحانه و لو كانت دنيوية محبوب عندالله، فلا يقدح فى العبادة، بل ربما تؤكدها.(1)

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 62.

أورد عليه أولاً كما فى جامع المدارك: بأنّ ما ذكر من الفرق فى مورد النقض محل إشكال لأنه على فرض تسليم أن الاُجرة فى مقابل النيابة لا فى مقابل العمل. نقول: النيابة مجردة عن العمل مقابلة للاُجرة أو فى صورة تعقب العمل. فعلى الأول يلزم استحقاق الاُجرة و لو لم يأت بالعمل (و هو كما ترى). و على الثانى لابدّ من الإتيان بالعمل وفاء لما يستحق المستأجر. فالفرق المذكور ما أفاد شيئا مضافا إلى عدم الفرق بين الاستيجار للعمل العبادى و الغير العبادى إلّا باعتبار قصد التقرب فى الأول دون الثانى، و فى كلتا الصورتين تقع الاُجرة فى مقابل العمل.(1)

و ثانياً كما فى إرشاد الطالب: بأن قضاء ما على ذمة الغير من العبادة كقضاء ما على ذمته من الدين، و كما أن أداء دينه لايتوقف على قصد النيابة عنه كذلك أداء ما على ذمته من العبادة.(2)

و ثالثاً كما فى جامع المدارك: و أما ما ذكر من الفرق بين طلب الحاجة من الله تعالى و بين طلبه من غيره، فهو لا يرفع الإشكال من جهة أن الإخلاص فى العبادات بأن يؤتى بها متقربا بها بداعى خصوص أوامرها. ألا ترى أنه لو اغتسل فى الماء لا من جهة الأمر بالغسل، بل من جهة التبريد اللازم عليه من جهة حفظ بدنه، بحيث لو لم يحصل يصير مريضاً، هل يكفى فى صحة الغسل‌؟ فكون طلب الحاجة محبوبا عندالله تعالى لا يؤكد و لا يوجب. الفرق مضافا إلى أنه لو تمّ لتمّ فيما لو كان متوجها إلى أنه محبوب هذا الطلب من الله، و كان يطلب من جهة المحبوبية لا من جهة إصلاح أمر دنياه، كما هو الغالب.(3)

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 38.

(2) إرشاد الطالب، ص 285.

(3) جامع المدارك، ج 3، ص 39-38.

أللّهمّ إلّا أن يقال: يكفى فى تحقق العبادة الحسن الفعلى و الفاعلى و الفعل فى المقام و هو العبادة له حسن فعلى و للفاعل لقصده المحبوبية أيضا له حسن فاعلى.

و الأولى أن يقال: إن النقض بالعبادات الاستيجارية غير وارد لأنها ليست واجبة على العامل. و الكلام فى الواجبات على العامل، فاللازم هو بيان دفع المنافاة بين إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى و من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره فى بيان جواز الإجارة على الواجبات: و لا ينبغى التأمل فى أن استحقاق الاُجرة أو جواز أخذها و كذا التصرف فيها كل ذلك من آثار الملكية المتحققة بنفس العقد من دون مدخلية لصدور العمل الخارجى فى ترتيب شىء من هذه الآثار، فإن عقد الإجارة بعد ما افترض وقوعه صحيحاً استحق كل من الطرفين ما ملكه للآخر من أجرة أو عمل وساغ له الأخذ لو أعطاه، كما جاز تصرفه فيه، فإنه من تصرف المالك فى ملكه و لايناط شىء من هذه الأحكام بتحقق العمل المستأجر عليه خارجاً. غاية الأمر أن للمستأجر الفسخ لو لم يتحقق.

إذاً فلا يكون الداعى على إيجاد العمل و الباعث على إتيانه استحقاق الاُجرة لثبوته فى مرتبة سابقة. و إنما الداعى و المحرك هو وجوب الوفاء بالعقد و تسليم ما يملكه الغير إلى مالكه و دفع مال الغير إلى صاحبه.

ونتيجة ذلك: أن العبادة الواقعة مورداً للإجارة تعرضها صفة الوجوب لو لم تكن واجبة فى نفسها، و إلّا فيتأكد وجوبها التعبدى بالوجوب التوصلى الناشىء من قبل الإجارة من غير أن يعارضها الوقوع فى حيّز الإجارة لو لم يكن معاضداً لها.

و بالجملة توهم التنافى نشأ من تخيّل أن الداعى على العمل هو أخذ المال و ليس كذلك، لجواز أخذه، بل و مطالبته (و لو من غير حق) من دون أن يعمل أصلا بأن يخبر كذبا أنّه قد فعل أو يعمل باطلا، حتى إذا كان بمرأى من المستأجر و مسمع بأن

يأتى بصورة الصوم أو الصلاة أو الحج من دون نيّة أو أن ينوى قضاءاً عن نفسه أو عن أبيه لعدم السبيل لاستعلام الضمير و ما ينويه الأجير فى باطن قلبه. فلولا تقاه و خوفه من الله و إذعانه بيومى الحساب و العقاب لم ير نفسه ملزما بالعمل و لكانت له المندوحة و المفر.

و عليه فالأمر الإجارى مؤكد للواجب العبادى، لا أنه مناف له نظير نذر العبادة أو الحلف عليها، حيث إن الوجوب التوصلى الناشىء من قبل النذر أو الحلف يؤكد وجوب العبادة لو كانت فى نفسها واجبة، و يحدث فيها صفة الوجوب لو كانت مستحبة من دون شائبة للمنافاة بينهما بوجه. نعم، لتوهم المنافاة مجال فيما إذا لوحظت الاُجرة على سبيل الجعالة لا الإجارة، نظراً إلى عدم تملك الجُعل قبل العمل و بذلك افترق عن الاُجرة التى هى تملك بنفس عقد الإجارة كما عرفت.

فمن ثمّ يمكن أن يقال (كما قيل): بأن الباعث على الإتيان بالعمل (فى الجعالة) إنما هو استحقاق الجُعل و اكتساب المال و هو مناف لكونه عبادة.

ولكنّه أيضا بمراحل عن الواقع فإن الضميمة الملحوظة مع قصد الأمر قد تكون داعية إلى ذات العمل فى عرض القصد المزبور كقصد التبريد فى الوضوء، بحيث ينبعث صبّ الماء عن داعى قربى و غيره على سبيل التشريك. و هنا يحكم بالبطلان لو لم تكن إرادة التبريد تبعية.

و قد تكون داعية على العمل لا بما هو، بل بوصف كونه عبادة فيأتى بذات العمل بداعٍ قربى من غير أن تشترك فى هذه المرحلة و فى عرض هذه الدعوة دعوة اُخرى، ولكن الداعى على إتيان العمل بهذا الداعى شىء آخر و غاية أخرى فى طول الغاية الأولى، حيث إن كل فاعل مختار لدى تصديه لأىّ عمل اختيارى حتى العبادى بوصفه العنوانى لابد و أن ينبعث عن غاية و محرك يدعوه نحو هذا العمل، أما اُخروية

كالخوف من الجحيم أو الطمع فى النعيم اللذين لاتنفك العبادة الصادرة عن الأشخاص العاديين لغاية اُخروية عن أحدهما، و لا يتيسر صدورها لأجل أنه تعالى أهل للعبادة، إلّا عن الأوحدى مثل مولانا أميرالمؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، أو دنيوية كسعة الرزق.

إلى أن قال: فإذا أتى بالعبادة بداعى النيل إلى شىء من هذه الغايات من عزّ اُخروى أو دنيوى فأتى بصلاة الليل بداعى الزيادة فى الرزق أو طول فى العمر، أفهل يحتمل بطلانها بزعم فقد الخلوص و ضمّ داع آخر غير قربى‌؟

و على الجملة فالذى يعتبر فى العبادة أن يوتى بذات العمل بداعى التقرب و أن لا يكون له فى هذه المرحلة داع آخر. و أما الإتيان به بوصف كونه عبادة لأجل غاية اُخرى فلا ضيرفيه أبداً، بل لا تخلو عنه أيّة عبادة من أىّ شخص عادى حسبما عرفت.

و عليه فالجعل المفروض فى المقام إن كان مقرراً بإزاء ذات الحركات و السكنات الصلاتية مثلاً فأتى العامل بها لهذه الغاية و لغاية التقرب بطلت العبادة وقتئذ لانتفاء الخلوص كما اُفيد.

و أما إذا كان بإزاء عنوان العبادة فأتى العامل بالعمل بداعى العبادة مراعياً لوصفه العنوانى (إذ لايستحق الجعل بدونه) و كان الداعى على إتيان العمل بهذا الداعى استحقاق الجعل و استلامه على سبيل الطولية لا العرضية، فلا مانع منه، إذ لا يكون منافيا للعبادية بوجه بعد أن كانت الدواعى من قبيل الداعى على الداعى لا الداعيين العرضيين.(1)

**

(1) مستند العروة، كتاب الإجارة، ص 381-378.

و لا يخفى عليك أولاً أن جعل استحقاق الاُجرة أو جواز أخذها أو التصرف فيها من آثار الملكية المتحققة بنفس العقد من دون مدخلية لصدور العمل الخارجى فى ترتب شىء من هذه الآثار. و تعليل ذلك بأن عقد الإجارة بعد ما افترض وقوعه صحيحا استحق كل من الطرفين ما ملكه للآخر من اُجرة أو عمل و ساغ له الأخذ لو أعطاه، كما جاز تصرفه فيه. فإنه من تصرف المالك فى ملكه و لا يناط شىء من هذه الأحكام بتحقق العمل المستأجر عليه خارجا.

منظور فيه فإن ترتب الاُمور المذكورة متفرع على صحة العقد و هى أول الكلام. أللّهمّ إلّا أن يقال إن الصحة متصورة بامكان ان يأتى الأجير بعد العقد العمل حتى يحل ما جعل بازائه شرعا و يكون عقد الاجازة حينئذ مقدمة لا داعيا. و هكذا وجوب الوفاء بالعقد و تسليم ما يملكه الغير إلى مالكه و دفع مال الغير إلى صاحبه متفرعة على صحة العقد و هى غير ثابت. أللّهمّ إلّا أن يتصور الصحة بالنحو المذكور.

وثانياً: إن جعل صورة الجعالة من قبيل الداعى إلى الداعى لايرفع منافاة الاُجرة لعبادية العبادة. و ذلك لأن الإتيان بالعمل من جهة دعوة الاُمور الدنيوية لا يكون مقربا إذ أمره سبحانه و تعالى بالعمل العبادى لايكون مورداً لاعتناء العامل، و إلّا تصدى لإتيانه. ألا ترى أنه إذا فرضنا أن بين زيد و عمرو عداوة، فقيل لزيد: إن أطعت أمر عمرو فلك كذا و كذا، فأطاع زيد أمر عمرو لا يحصل لزيد قرب إلى عمرو. لأن الإتيان بالعمل لأجل النيل إلى كذا و كذا، و إلّا فلا اعتناء لزيد بالنسبة إلى أمر عمرو. فكل أمر من الاُمور الدنيوية إذا كان داعيا نحو العمل و لو بنحو الطولية ينافى الإخلاص و القربة، أللّهمّ إلّا أن يأتى العامل العمل لله حتى يصير ما جعل فى الجعالة حلالاً له شرعاً بنحو يكون الجعالة من المقدمات لا الدواعى كما عرفت فى الإجارة.

و ممّا ذكر يظهر ما فى كلام سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: من أن القائل ببطلان العبادة إما يقول بعدم صدق الطاعة فى موارد الداعى إلى الداعى فيرده العقل و النقل. و إما أن يدعى مع صدقها عدم صدق العبادة فيرده أيضا العقل و النقل، فإن إطاعة أمر الله تعالى و امتثاله خالصاً بمعنى عدم التشريك فى إتيان العمل و عدم كونه لغير الله و لو بنحو جزء العلّة عبادة له تعالى.

و إما يقول باعتبار شىء زائد فى حصول التقرب و سقوط الأمر العبادى، فهو مع بطلانه خلاف الفرض و المبحوث عنه فى المورد.

و ممّا ذكرنا يظهر النظر فى كلام المحقّق التقى فى تعليقته: من التشبث بحكم العرف و العقلاء بأنهم لا يشكون فى أنه إذا جعل زيد اُجرة لعمرو فى إطاعة شخص فأطاعه طلبا للجعل لا يستحق من هذا الثالث مدحا و لا ثوابا. و كذا لو أمر المولى عبده بخدمة ثالث فأطاع العبد أو أمره امتثالا لأمر المولى انه لايعد مطيعا له و لا يستحق منه أجرا و مدحا، مع أن إطاعة هذا الثالث لحصول إطاعة المولى فإطاعته غاية لفعله و إطاعة المولى غاية لهذه الغاية، انتهى.

وفيه: بعد الغض عن مسامحته فى التعبير و جعل إطاعة المولى غاية لغاية، و قد مرّ معنى الداعى على الداعى و المقصود منه و يأتى الإشارة إليه أن الاعتراف بمأجورية العبد عند مولاه فى إطاعة الثالث و باستحقاقه للجعل على الجاعل فى المثال الأو ل ملازم للاعتراف بحصول الامتثال و الإطاعة للثالث ضرورة أن الجعل فى مقابل طاعته، و امتثال المولى لا يحصل إلّا بإطاعة الثالث. فلو توقف صدق الطاعة على كون جميع المبادى طولا و عرضا راجعا إلى المطاع لما يمكن صدق الطاعة فى المثالين، فلا يمكن استحقاق الأجر و الثواب من الجاعل و المولى.

فمع صدقها يسقط أمر الثالث بلا ريب و لو كان الامتثال و الإطاعة معتبرة فيه و

ليست الإطاعة فى الأوامر العقلائية مخالفة لها فى الأوامر الإلهية، فكما تحصل فى مورد المثالين تحصل فى أمره تعالى بلا افتراق من هذه الجهة بينهما، و كما يسقط أمر الثالث فى موردهما تسقط أوامر الله فى نظائر الموردين.

و استحقاق الأجر و الثواب و حصول القرب ليس شىء منها معتبرا فى وقوع العمل عبادة، و لهذا أنكر طائفة من المتكلمين و الفقهاء استحقاقهما فى إطاعة أوامر الله تعالى و لا يحصل العلم بالقرب الفعلى فى العبادات. إلى أن قال: ثمّ لو شككنا فى اعتبار الإخلاص فى العمل زائدا عن الإخلاص العرضى فمقتضى الإطلاق فيما تمت مقدماته و الإطلاق المقامى فى بعض الأحيان عدم اعتباره، و مع فقده فاصالة البراءة العقلية و مثل دليل الرفع تكون مرجعا.(1)

و ذلك لأن الإطاعة بالنسبة إلى السيّد و إن كانت محققة حيث أطاع عن الثالث بأمره، و أما الإطاعة بالنسبة إلى شخص الثالث غير محققة، إذ لا وقع عنده لأمره، و الإطاعة و الامتثال لا يناسبهما عدم الاعتداء و الاعتناء. أللّهمّ إلّا أن يقال: إن الاعتداء و الاعتناء و إن لم يكن قبل صدور الأمر عن السيّد ولكنّه حاصل بعد صدور الأمر عنه فتدبّر.

و الاولى كما أفاد بعض الأكابر: أن يقال إن الوجه فى صحة العبادة فى مثل الإجارة على الواجبات التعبدية أنها بمنزلة مقدمة من المقدمات لتحقق العبادة و لا تكون من دواعى العبادة، لأن المكلف بعد عروض الإجارة على الواجب و لزوم الوفاء بها أمكن له الامتثال و عدمه. فإذا اختار العمل قربة إلى الله كمن يكون ما أخذه حلالاً شرعا و حصل له التقرب. و الغرض من تقربه إلى الله سبحانه و تعالى هو أن يكون

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام، ج 2، ص 188-186.

المأخوذ بالإجارة حلالاً له فى حكم الشارع لا مجرد أخذ المال.

و من المعلوم أن المنافى لقصد القربة فى العمل هو الثانى دون الأول، و من شواهد تحقق قصد القربة أنّ العامل يأتى بالعمل فى غياب المستأجر و بعد أخذ الاُجرة خوفاً من الله.

و لعلّ المقدمية المذكورة فى الإجارة موجودة بنحو بالنسبة إلى الجعالة أيضا. فللعامل أن يأتى بعد إنشاء عقد الجعالة بالعبادة على ما لها من الشرائط و القربة، لأن يصير الجعل حلالاً له. لا يقال إن المقدمة الدينوية تمنع عن حصول القربة، لأنّا نقول: لا وجه لذلك، ألا ترى إنّ من جاء بلدة قم لأخذ الشهرية وجب عليه الصيام إن كانت بلدة قم وطناً له لشمول قوله إياه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‌) (1) الآية. و لا يمنع فيه أن غرضه من المسافرة إلى بلدة قم هو أخذ الشهرية. و الوجه فيه: أنّ المسافرة من المقدمات لا الدواعى.

فهكذا بالنسبة إلى الإجارة و الجعالة، فإنهما من المقدمات لا الدواعى. و التمكن المذكور من قصد القربة يوجب الحكم بصحة الإجارة و الجعالة، فتدبّر جيّدا.

ثم لا يخفى عليك: أنه ذهب شيخنا الاُستاذ الأراكى قدس سره إلى تصحيح الإجارة بجعل الاُجرة فى قبال بعض الخصوصيات الخارجة عن ذات العمل، لأن الأمر الإلهى يدعو نحو أصل العمل لا الخصوصيات. و فيه: أن الفرض المذكور خارج عن محل النزاع، و هو وقوع الاُجرة فى قبال أصل العمل. كما لا يخفى. فتحصّل: أنّ الأظهر هو صحة الإجارة على الواجبات التعبدية و إن كان الأحوط هو الاجتناب عنها.

لايقال: لامجال للإشكال عن جواز الإجارة على الواجبات مع تصريح الأخبار بجواز إجارة الأفراد لأداء الحج، و إليك بعضها:

**

(1) البقرة، 185.

موثقة عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: إنّ أميرالمؤمنين عليه السلام أمر شيخاً كبيرا لم يحجَّ قطّ و لم يطق الحج لكبره أن يجهّز رجلاً [أن] يحجَّ عنه.(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان على صلوات الله عليه يقول: لو أن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثمّ ليبعثه مكانه.(2)

لأنّا نقول: هذه الروايات أجنبية عن المقام، إذ الحج عن الغير ليس واجبا على من يحج عنه، و الكلام فى الإجارة على الواجبات التى تكون على الأجير.

ومنها: ما حكاه الشيخ الأعظم عن بعض الأساطين فى شرحه على قواعد: من أنّ التنافى بين صفة الوجوب و التملك ذاتى، لأن المملوك و المستحق لا يملك و لا يستحق ثانيا. ثمّ قال الشيخ: و توضيحه: أنّ الذى يقابل المال لابد أن يكون كنفس المال مما يملكه الموجر حتى يملّكه المستأجر فى مقابل تمليكه المال إيّاه، فإذا فرض العمل واجبا لله ليس للمكلف تركه، فيصير نظير العمل المملوك للغير. ألا ترى أنه إذا آجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز أن يوجر نفسه ثانيا من شخص آخر لذلك العمل. و ليس إلا لأن الفعل صار مستحقا للأول و مملوكا له، فلا معنى لتمليكه ثانيا للآخر مع فرض بقائه على ملك الأول.

و هذا المعنى موجود فيما أوجبه الله تعالى خصوصا فيما يرجع إلى حقوق الغير، حيث إن حاصل الإيجاب هنا جعل الغير مستحقا لذلك العمل من هذا العامل كأحكام

**

(1) الكافى، ج 4، ص 273، ح 3.

(2) الكافى، ج 4، ص 273، ح 4.

تجهيز الميت التى جعل الشارع الميت مستحقا لها على الحىّ‌، فلا يستحقها غيره ثانيا.

هذا ولكن الإنصاف أن هذا الوجه أيضا لا يخلو عن الخدشة لإمكان منع المنافات بين الوجوب الذى هو طلب الشارع الفعل و بين استحقاق المستأجر له و ليس استحقاق الشارع للفعل و تملكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمى و تملكه الذى ينافى تملك الغير و استحقاقه.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى فى توضيح ما ذكره الشيخ قدس سره: إن أراد المستدل من ملكيته سبحانه إلزامه بالعمل و استحقاق العقاب على مخالفته، فمنافاته مع التمليك من شخص آخر بحيث تكون له المطالبة أيضا بما أنه مالك اول الدعوى، بل لا ينبغى التأمل فى أن وجوب الشىء من حيث هو لا يمنع عن تعلق حق الغير به بحيث يستحق المطالبة أيضا.

إلى أن قال: و إن أراد به الملكية التكوينية أعنى إحاطته التامة لعامة الأشياء و أنه مالك لكل موجود، فمن البديهى عدم التنافى بين هذه الملكية و بين الملكية الاعتبارية المجعولة لشخص آخر، فإن المباحات أيضا و كل ما يفرض فى العالم من الممكنات فهى تحت قدرته و سلطنته و هو مالك الملوك، فلا فرق بين الواجبات و غيرها من هذه الجهة. و إن أراد به الملكية الاعتبارية فهى غير قابلة للذكر و واضحة الاندفاع.(2)

فدعوى المنافاة الذاتية بين صفة الوجوب و التملك كما ترى، ثمّ قال الشيخ قدس سره: إن هذا الدليل باعتراف المستدل يختص بالواجب العينى، و أما الكفائى فاستدل على عدم

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 62.

(2) مستند العروة، كتاب الإجارة، ص 375.

جواز أخذ الاُجرة عليه بأنّ الفعل متعين له. (و فى بعض النسخ فلأنه بفعله يتعين له، فالمراد حينئذ أن الكفائى بفعل من يختار فعله يصير متعينا عليه فيصير بمنزلة الواجب المعين فى عدم جواز تملك الغير له) فلا يدخل فى ملك آخر و بعدم نفع المستأجر فيما يملكه أو يستحقه غيره، لأنه بمنزلة قولك: استأجرتك لتملّك منفعتك المملوكة لك أو لغيرك.

وفيه: منع وقوع الفعل له بعد إجارة نفسه للعمل للغير، فإن آثار الفعل حينئذ ترجع إلى الغير، فإذا وجب إنقاذ غريق كفاية أو إزالة النجاسة عن المسجد فاستأجر واحد غيره فثواب الإنقاذ و الإزالة يقع للمستأجر دون الأجير المباشر لهما. نعم، يسقط الفعل عنه لقيام المستأجر به و لو بالاستنابة. و من هذا القبيل الاستيجار للجهاد مع وجوبه كفاية على الأجير و المستأجر، انتهى.

فالاستدلال الأول الذى يختص بالواجب العينى لا يشمل الكفائى و هو أخص من المدعى، كما أنّ الاستدلال الثانى الذى ذكر فى الكفائى فرعى كون الفعل للعامل بعد إجارة نفسه للعمل للغير و قد عرفت أن آثار الفعل ترجع إلى الغير و معه ليس الفعل للعامل كما لا يخفى.

ومنها: الإجماع الذى لم يصرح به إلّا المحقّق الثانى على عدم الجواز مستشكلا على فخر المحققين، حيث إنه نسب إلى الأصحاب التفصيل بين الواجب العينى و الكفائى على المحكى عنه.

قال الشيخ قدس سره: لكنّه موهون بوجود القول بخلافه من أعيان الأصحاب من القدماء و المتأخرين على ما يشهد به الحكاية و الوجدان. أما الحكاية فقد نقل المحقّق و العلامة و غيرهما القول بجواز أخذ الاُجرة على القضاء عن بعض. قال فى الشرايع: أما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف، و كذلك العلامة رحمه الله فى المختلف. و قد حكى

العلامة الطباطبائى فى مصابيحه عن فخرالدين و جماعة التفصيل بين العبادات و غيرها، و يكفى فى ذلك ملاحظة الأقوال التى ذكرها فى المسالك فى باب المتاجر.

و أما ما وجدناه فهو ان ظاهر المقنعة بل النهاية و محكى القاضى جواز الأجر على القضاء مطلقا و إن أوّل بعضٌ كلامَهم بإرادة الارتزاق. و قد اختار جماعة جواز أخذ الأجر عليه إذا لم يكن متعينا أو تعين و كان القاضى محتاجا.

و قد صرح فخر الدين فى الإيضاح بالتفصيل بين الكفائية التوصلية و غيرها، فجوز أخذ الاُجرة فى الأول. قال فى شرح عبارة والده فى القواعد فى الاستيجار على تعليم الفقه ما لفظه: الحق عندى ان كل واجب على شخص معين لا يجوز للمكلف أخذ الاُجرة عليه. و الذى وجب كفاية فإن كان ممّا لو أوقعه بغير نية لم يصح و لم يزل الوجوب، فلا يجوز أخذ الاُجرة عليه، لأنه عبادة محضة، و قال الله تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ‌) (1) حصر غرض الأمر فى انحصار غاية الفعل فى الإخلاص و ما يفعل بالعوض لا يكون كذلك و غير ذلك يجوز أخذ الاُجرة عليه إلا ما نصّ الشارع على تحريمه كالدفن، انتهى. نعم، ردّه فى محكى جامع المقاصد بمخالفة هذا التفصيل لنصّ الأصحاب.

أقول: لا يخفى أن الفخر أعرف بنصّ الأصحاب من المحقّق الثانى، و هذا والده قد صرح فى المختلف بجواز أخذ الاُجرة على القضاء إذا لم يتعين، و قبله المحقّق فى الشرايع غير أنه قيّد صورة عدم التعيين بالحاجة و لأجل ذلك اختار العلامة الطباطبائى فى مصابيحه ما اختاره فخر الدين من التفصيل.

و مع هذا فأين الوثوق على إجماع لم يصرح به إلّا المحقّق الثانى مع ما طعن عليه

**

(1) البينة، 5.

الشهيد الثانى على إجماعاته بالخصوص فى رسالته فى صلوة الجمعة.

فالذى ينساق إليه النظر أن مقتضى القاعدة فى كل عمل له منفعة محللة مقصودة جواز أخذ الاُجرة و الجعل عليه، و إن كان داخلاً فى العنوان الذى أوجبه الله على المكلف، ثمّ إن صلح ذلك الفعل المقابل بالاُجرة لامتثال الإيجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاُجرة و إن لم يصلح استحق الاُجرة و بقى الواجب فى ذمته لو بقى وقته و إلّا عوقب على تركه.(1)

ولا يخفى عليك: أن الإجماع على عدم الجواز مطلقا غير ثابت، و عليه فمع كون مقتضى القاعدة جواز أخذ الاُجرة فى مقابل عمل له منفعة محلله يحتاج المنع إلى إقامة الدليل عليه و لا وجه لعدم صلاحيته لوقوعه امتثالا من الأجير مع فرض كون متعلق الإجارة عين ما وجب عليه و من مصاديقه كما فى بلغة الطالب.(2)

فلا وجه لبقاء الواجب فى ذمته إذا أتى بالواجب و فرض كونه كفائيا حصل به الامتثال لسقوط الواجب بالإتيان للمستأجر، و مع سقوطه لا يبقى فى ذمة الأجير شىء بقى الوقت أو لم يبق.

ومنها: ما أفاده الشيخ قدس سره من أن مانعية مجرد الوجوب من صحة المعاوضة على الفعل لم يثبت على الإطلاق بل اللازم التفصيل، فإن كان العمل واجبا عينيا تعينيا لم يجز أخذ الاُجرة، لأن أخذ الاُجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله أكل للمال بالباطل، لأن عمله هذا لايكون محترما، لأن استيفائه منه لايتوقف على طيب نفسه، لأنه يقهر عليه مع عدم طيب نفسه.

**

(1) المكاسب المحرمة للشيخ، ص 63.

(2) ج 1، ص 177.

إلى أن قال: ثمّ لا فرق فيما ذكرنا بين التعبدى من الواجب و التوصلى، مضافاً فى التعبدى إلى ما تقدم من منافاة أخذ الاُجرة على العمل للإخلاص، كما نبّهنا عليه سابقا و تقدم عن الفخر رحمه الله و قرّره عليه بعض من تأخر عنه. و منه يظهر عدم جواز أخذ الاُجرة على المندوب إذا كان عبادة يعتبر فيها التقرب.

و أما الواجب التخييرى فإن كان توصليا فلا أجد مانعا عن جواز أخذ الاُجرة على أحد فرديه بالخصوص بعد فرض كونه مشتملا على نفع محلّل للمستأجر. و المفروض أنه محرّم لايقهر المكلف عليه، فجاز أخذ الاُجرة بإزائه. فإذا تعين دفن الميت على شخص و تردد الأمر بين حفر أحد الموضعين فاختار الولى أحدهما بالخصوص لصلابته أو لغرض آخر، فاستأجر ذلك لحفر ذلك الموضع بالخصوص لم يمنع من ذلك كون مطلق الحفر واجبا عليه مقدمة للدفن و إن كان تعبديا.

فإن قلنا بكفاية الإخلاص بالقدر المشترك، و إن كان إيجاد خصوص بعض الأفراد لداع غير الإخلاص فهو كالتوصلى. و إن قلنا بأنّ اتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية مانع عن التفكيك بينهما فى القصد كان حكمه كالتعينى.

و أما الكفائى فإن كان توصليا أمكن أخذ الاُجرة على إتيانه لأجل باذل الاُجرة فهو العامل فى الحقيقة. و إن كان تعبديا لم يجز الامتثال به و أخذ الاُجرة عليه.(1)

و قد أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: بأنّ ما ذكره المصنف من أنّ عمل الحرّ و إن كان مالا ولكن الإنسان إذا تكلف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه، لأن عامله مقهور على إيجاده، فيكون أخذ الاُجرة عليه أكلاً للمال بالباطل (محل إشكال).

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 63.

أوّلاً: بأنّ آية النهى عن أكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين. و ثانيا: بأن المقهورية على الفعل من قبل الشارع و كونه واجبا بأمره لا تنافى المقهورية عليه من جانب الإجارة أيضا، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين.

و هذا نظير شرط امتثال الواجب فى ضمن العقد، و تظهر الثمرة فيما إذا خالف الأجير عن أمر ربه و لم يمتثل الواجب و لم يمكن إجباره على الامتثال من ناحية الأمر بالمعروف، فإنه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال و لو بمراجعة المحاكم المختصة.(1)

هذا مضافا إلى ما مرّ مفصلا من عدم المنافاة بين جعل الاُجرة و العبادية إذا كانت الإجارة من مقدمات الإتيان بها، كما مرّ بيانه. و مما ذكر يظهر جواز أخذ الاُجرة فى الواجب التخييرى سواء كان توصليا أم تعبديا، و سواء قلنا باتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية أم لم نقل.

و هكذا الأمر بالنسبة إلى الواجب الكفائى سواء كان توصليا أم تعبديا، لما عرفت من عدم المنافاة بين المقهورية من قبل الشارع و بين المقهورية من جانب الإجارة، و عدم المنافاة بين جعل الاُجرة و عبادية الواجب إذا كانت الإجارة من المقدمات لا الداعى إلى الداعى.

ومنها: ما حكى عن المحقّق النائينى قدس سره من أنه لا ريب فى اعتبار القدرة فى متعلق الإجارة، و بما أنها متقومة بالطرفين أى له أن يفعل و أن لا يفعل، فكما أنّ التحريم الشرعى سالب لها من ناحية الفعل و من ثمّ لا تصح الإجارة على المحرمات، فكذلك

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 470-469.

الإيجاب الشرعى سالب لها من ناحية الترك، فلا تصح الإجارة على الواجبات أيضا بعين المناط، لما عرفت من تقوم القدرة و تعلقها بالطرفين. فلا الحرام مقدور شرعا الذى هو فى قوة الممنوع عقلا، و لا الواجب بملاك واحد، فإذا كان الأجير مسلوب القدرة فلا جرم كانت الإجارة باطلة.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره بقوله: و يندفع بأن القدرة المفسرة بتساوى الطرفين لم ينهض أىّ دليل على اعتبارها فى صحة الإجارة. و من ثمّ ساغ جعل الواجب شرطا فى ضمن العقد، مع أن القدرة معتبرة فى الشروط أيضا، و كذلك النذر و العهد و اليمين. فإنها تتعلق بالواجبات مع اعتبار القدرة فى متعلقاتها بلا إشكال، و لم يحتمل أحد بطلان النذر المتعلق بالواجب.

و إنما المعتبر فى صحة الإجارة القدرة بمعنى التمكن من التسليم خارجا عقلا و شرعا، فإذا لم يتمكن عقلا بطلت لعدم اعتبار الملكية العقلائية بالإضافة إلى غير المقدور، و كذلك شرعا فيما إذا كان حراما لعجزه عن التسليم حينئذ، بخلاف ما إذا كان واجبا لقدرته عندئذ على التسليم عقلا كما هو واضح، و كذا شرعا فإنه بأمره يؤكد التسليم و الإتيان خارجا لا أنه يمنع عنه. نعم، القدرة بالمعنى المتقدم يعنى تساوى الطرفين مفقودة، لكن لا دليل على اعتبارها بهذا المعنى حسبما عرفت.(1)

و لايخفى عليك: أنّ التمكن من التسليم و عدمه هو عين ما ذكره شيخه الاُستاذ من تقوّم القدرة بالفعل و عدمه. و هذه القدرة هى التى أنكرها المحقّق النائينى عند الإيجاب و التحريم لسلب الأول القدرة على الترك، و الثانى القدرة على الفعل. فالأولى أن يقال: إن القدرة التكوينية معتبرة فى المتعلق فى نفسه و هى حاصلة مع

**

(1) مستند العروة، كتاب الإجارة، ص 377-376.

الإيجاب و التحريم أيضا، لأنهما لايسلبان القدرة التكوينية كما هو واضح.

نعم، مع التحريم يخرج المتعلق عن المالية لعدم المنفعة المحللة له بسبب عروض التحريم بناءً على الملازمة بين التحريم و سلب المنفعة. فمع وجود القدرة التكوينية لا وجه للحكم ببطلان الإجارة لعدم الدليل عليه.

أورد سيّدنا الإمام المجاهد على المحقّق النائينى قدس سرهما بأنه إن أريد به أن التكليف يسلب الاختيار تكوينا فهو كما ترى و هو لا يريده جزما. فلابد و أن يكون المراد بسلب الاختيار أنه بعد الإيجاب و التحريم ليس مختارا من قبل الشارع فى إيجاد الفعل و تركه، أى لا يكون الفعل مباحاً عليه و مرخصا فيه.

ويراد بقوله: فإذا كان واجبا لايقدر على تركه أنه لا يجوز تركه، فهو كما ترى مصادرة واضحة. فإن المدعى أنه إذا أوجب الله تعالى عملا لا يجوز أخذ الأجر عليه و الدليل المذكور أنه إذا كان واجبا لا يجوز تركه و يجب إتيانه و ليس مرخصا فى فعله و تركه. فلا يجوز أخذ الأجر عليه، و هو عين المدعى و يطالب بالدليل على أنه إذا كان كذلك لِمَ لايجوز أخذ الأجر عليه و إن اُريد أنه إذا أوجب تكليفا سلبت القدرة الوضعية عنه، فهو أيضا مصادرة. و الإنصاف: أن هذا لا يرجع إلى محصل.(1)

وفيه: أن حاصل كلامه أنه استدل على بطلان الإجارة على الواجب بعدم ما اعتبر فى متعلق الإجارة من القدرة. فإن الإيجاب أو التحريم يسلب القدرة مع أنها معتبرة، و هذا أجنبى عن المصادرة.

نعم، تقدم أنه لادليل على اعتبار القدرة الشرعية، بل اللازم هو القدرة التكوينية و هى حاصلة مع الوجوب و التحريم. و الإشكال فى صورة التحريم ليس من قبل القدرة

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 193.

التكوينية؛ بل هو من قبل ملازمته مع سلب المنفعة غالبا، و الله هو العالم.

و لو سلّم اعتبار القدرة الشرعية بالإجماع فلا دليل على اشتراط كونه تحت اختيار الأجير فعلا و تركا، بل المتيقن منه كما فى مصباح الفقاهة إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر، و إن كان مدرك اعتبارها هو اقتضاء العقد لوجوب الوفاء بتسليم العمل، فليس هذا الوجوب منافيا، بل يتأكد كل منهما بالآخر.(1)

ومنها: ما حكى عن الشيخ الكبير أى كاشف الغطاء من أنّ من لوازم الإجارة أن يملك المستأجر العمل المستأجر عليه، بحيث يكون له الإبراء و الإقالة و التأجيل لدليل السلطنة و كل ذلك مناف لوجوب العمل المستأجر عليه.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: بأن للواجب المستأجر عليه ناحيتين: إحديهما: حيثية وجوبه من قبل الله تعالى بأمر مولوى تكليفى. و ثانيتهما: حيثية تعلق الأمر الإجارى به. و من المقطوع به أن عدم صحة الإقالة و الإبراء و التأجيل فى الواجب إنما هو من ناحيته الاُولى. و لا ينافى ذلك أن تجرى فيه تلك الاُمور من ناحية الثانية.(2)

و قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: إن كان المراد صيرورة العمل ملكا له بمعنى كونه مالكا للإبراء و الإلزام، فلاريب فى أنّ هذا المعنى حاصل له فله إبرائه و إبرامها و فسخها مع الخيار و لهما الإقاله إلى غير ذلك من أحكام مالكية العمل أو المنفعة. و بإبرائه أو فسخها يسقط حقه المعاملى و إن وجب من قبل الشارع و يجب عليه الأمر بالمعروف بشرائطه.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 470.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 471.

و إن كان المراد إمكان تحققه على نحو المعاقدة و المعاملة عليه، فلا ريب فى إمكان حصوله له بهذا المعنى. فان من له غرض عقلائى من نفع أو غيره فى وجود عمل صادر من الغير و استأجره على ايجاده فاوجده على طبق غرضه فقد حصل العمل له.(1)

ومنها: ما ذكره الشيخ الانصارى من قوله: ثمّ إنه قد يفهم من أدلّة وجوب الشىء كفاية كونه حقا لمخلوق يستحقه على المكلفين، فكل من أقدم عليه فقد أدّى حق ذلك المخلوق فلا يجوز له أخذ الاُجرة منه و لا من غيره ممن وجب عليه أيضا كفاية و لعل من هذا القبيل تجهيز الميت و إنقاذ الغريق، بل و معالجة الطبيب لدفع الهلاك.(2)

أورد عليه: بأن مجرد استحقاق الغير الفعل لا يقتضى المجانية حتى لا يجوز أخذ العوض على المعالجة و الإنقاذ و نحوهما، و إلّا لم يجز أخذ العوض لمن يطعم الناس فى المخمصة، بل يجب عليه بذله مجانا. و ذلك لأن البذل واجب تعيينى لايقبل أخذ العوض عليه و الطعام مورد حق للمضطرين، و لذا يجوز لهم بل يجب وضع اليد عليه فى صورة امتناع مالكه عن بذله.(3)

ومنها: ما حكى عن المحقّق النائينى قدس سره من أن الإجارة أو الجعالة الواقعة على الواجب العينى من المعاملات السفهيه فتكون باطلة من هذه الجهة. فإن من شرائط الإجارة أو الجعالة أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر و فى الواجب العينى ليس كذلك.

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 194-193.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 63.

(3) إرشاد الطالب، ص 293-292.

أورد عليه: بأنه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، فتكون العمومات محكمة، على أنه لاشبهة فى إمكان الانتفاع بالواجب المستأجر عليه. و إذن فتخرج المعاملة عن السفهية.(1)

و المتحصل من جميع ما قدمناه على ما فى مستند العروة عدم استقامة شىء من الوجوه التى استدل بها على عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجبات (من دون فرق بين الواجبات).

و على تقدير التنازل و تسليم دلالة شىء منها أو جميعها أو الإذعان بقيام الإجماع التعبدى فإنما يستقيم البطلان فيما إذا كان العمل المستأجر عليه واجبا تعيينيا على الأجير (و كان متعلق الإجارة نفس الواجب التعينى على سعته)، و عليه فلا مانع من صحة الإيجار المتعلق بأحد الفردين فيما إذا كان الواجب تخييريا لوضوح تغاير المتعلقين. فإن الواجب إنما هو الجامع بين الفردين و مورد الإجارة خصوص أحدهما المباح اختياره للمكلف، فلم يكن من أخذ الأجرة على الواجب و لاينسحب إليه شىء من وجوه المنع المتقدمة كما لايخفى.

كما لا مانع من صحته فيما إذا كان الواجب كفائيا، لأن موضوع الوجوب إنما هو طبيعى المكلف (كما أنّ متعلقه هو الطبيعى فى الواجب التخييرى) لا خصوص هذا الفرد. و من ثمّ يسقط التكليف بامتثال واحد و إن أثم الكل بترك الجميع، فالشخص بما هو شخص لا يجب عليه شىء، فلا مانع له من أخذ الاُجرة.

كما لا مانع من صحته أيضا فى الواجب العينى التعيينى فيما إذا كانت له أفراد طولية أو عرضية، و قد وقعت الإجارة على اختيار صنف خاص منها لما عرفت من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 472-471.

تعلق الوجوب بالجامع و كون المكلف مخيّرا فى التطبيق على أىّ منها شاء بالتخيير العقلى لا الشرعى. و المفروض تعلق الإجارة بحصة خاصة، فحصل التغاير بين المتعلقين و لم يجتمعا فى مورد واحد، فينحصر الإشكال بما إذا كان الواجب عينيا تعيينياً و كان متعلق الإجارة هو متعلق الوجوب على سعته أو بما إذا لم يكن له فرد إلّا ما تعلقت به الإجارة، و هذا نادر التحقق جدّا، بل هو نادر فى نادر.

فالصحيح أنه فى كل مورد علم من مذاق الشرع لزوم صدور العمل على صفة المجانية، كما عرفت فى الأذان. و لايبعد فى التجهيز، بل هو كذلك فى الإفتاء و القضاء، حيث إن الظاهر أنهما من شؤون تبليغ الرسالة، و قد قال الله تعالى: (قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) (1) الآية. فلا يجوز أخذ الاُجرة عليه، و إلّا ساغ عملا بعمومات صحة الإجارة السليمة عما يصلح للتخصيص حسبما عرفت.(2)

و لقد أفاد و أجاد، ولكن لقائل أن يقول: على تقدير التنازل بقى الإشكال لو كان متعلق الإجارة هو خصوص هذا الفرد فيما إذا كان الواجب تخييريا أو كفائيا أو خصوص هذا الصنف فيما إذا كان الواجب تعينياً لأن الجامع متحد مع هذه الخصوصيات، فيرجع الأمر إلى إجارة الواجب بالآخرة.

نعم، لو اُريد من ذلك أن الخصوصية مع قطع النظر عن الجامع متعلق الإجارة، فلا يكون الواجب متعلقا للإجارة، ولكنه خارج عن محل النزاع كما هو واضح. و هكذا لو اُريد منه أن موطن الجامع فى الذهن لا فى الخارج كان مورد الوجوب مغايرا مع مورد الإجارة، ولكن قرر فى الأصول ضعف هذا المبنى، لأن الجامع صادق على حصصه فى الخارج.

**

(1) الأنعام، 90.

(2) مستند العروة، كتاب الإجارة، ص 378-377.

هذا مضافا إلى أن سقوط التكليف عن الجميع بامتثال واحد منهم لا يكون دليلا على أن التكليف يكون كفائيا لإمكان كون التكليف عينيا و سقوطه من جهة عدم بقاء الموضوع مع إتيان الغير أياه، بل الدليل على كون التكليف كفائيا هو عدم لزوم صدور الفعل مكررا عن الآحاد و عدم مدخلية خصوصية فى المكلف بالإتيان، فالشخص بما هو شخص لا يجب عليه شىء، بل هو بما يكون فردا من المكلفين مورد للخطاب و الخطاب الكفائى متوجه إلى الجميع كالخطابات التعينية. و إنما الفرق هو عدم لزوم تكرار العمل و لذا أثم الكل بترك الجميع.

و بالجملة لاإشكال فى صحة الإجارة على الواجبات لما عرفت من ضعف الاستدلالات التى أقاموها على البطلان. نعم، الأحوط هو ترك ذلك خصوصا إذا كان الواجب عباديا. و أما مسألة الأذان فسيأتى حكمه إن شاء الله تعالى.

تبصرة: فى التفصّى عن اشكال مشهور من ان لازم القول بعدم جواز الاجرة على الواجبات هو عدم جواز اخذ الاجرة على الواجبات النظامية و هو كما ترى

تبصرة

ثم إنه لو قلنا بعدم جواز أخذ الاُجرة على الواجبات يرد عليه إشكال مشهور، و هو كما أفاده الشيخ أن الصناعات التى تتوقف النظام عليها يجب كفاية لوجوب إقامة النظام، بل قد يتعين على بعض المكلفين عند انحصار المكلف القادر فيه، مع أن جواز أخذ الاُجرة عليها مما لا كلام لهم فيه، و كذا يلزم أن يحرم على الطبيب أخذ الاُجرة على الطبابة لوجوبها عليه كفاية أو عينا كالفقاهة.

وقد تفصّى منه بوجوه: أحدها: الالتزام بخروج ذلك بالإجماع و السيرة القطعيتين. وثانيها: الالتزام بجواز أخذ الاُجرة على الواجبات إذا لم تكن تعبدية.

إلى أن قال: و فيه ما تقدم سابقا من أن الأقوى عدم جواز أخذ الاُجرة عليه، انتهى. و قد عرفت سابقاً أن التحقيق هو جواز أخذ الاُجرة عليه.

و كيف كان قال الشيخ:

وثالثها: ما عن المحقّق الثانى من اختصاص جواز الأخذ بصورة قيام من به الكفاية، فلا يكون حينئذ واجبا. و فيه أن ظاهر العمل و الفتوى جواز الأخذ و لو مع بقاء الوجوب الكفائى، بل مع وجوبه عينا للانحصار، انتهى. هذا مع أن الواجب الكفائى لايسقط بمجرد قيام من به الكفاية.

و كيف كان قال الشيخ:

ورابعها: ما فى مفتاح الكرامة من أن المنع مختص بالواجبات الكفائية المقصودة لذاتها كأحكام الموتى و تعليم الفقه دون ما يجب لغيره كالصنايع. و فيه أن هذا التخصيص إن كان لاختصاص معاقد إجماعاتهم أو عنوانات كلامهم فهو خلاف الموجود منها و إن كان الدليل يقتضى الفرق، فلابد من بيانه.

وخامسها: أن المنع عن أخذ الاُجرة على الصناعات الواجبة لإقامة النظام يوجب اختلال النظام لوقوع أكثر الناس فى المعصية بتركها أو ترك الشاق منها. و الالتزام بالأسهل فإنهم لايرغبون فى الصناعات الشاقة أو الدقيقة إلّا طمعا فى الاُجرة و زيادتها على ما يبذل لغيرها فتسويغ الاُجرة عليها لطف فى التكليف بإقامة النظام.

وفيه: أن المشاهد بالوجدان هو أن اختيار الناس للصنايع الشاقة و تحمّلها ناش عن الدواعى الاُخر غير زيادة الاُجرة مثل عدم قابلية لغير ما يختار أو عدم ميله إليه أو عدم كونه شاقا عليه لكونه ممن نشأ فى تحمل المشقة. ألا ترى أن أغلب الصنايع الشاقة من الكفائيات كالفلاحة و الحرث و الحصاد و شبه ذلك لا تزيد (اُجرتها) على الأعمال السهلة، انتهى.

حاصله: أن مع عدم انحصار وجه الإقدام على الصنايع الصعبة فى الطمع بالاُجرة لا يكون المنع عن أخذ الاُجرة عليها موجبا لاختلال النظام أو لوقوع أكثر الناس فى

المعصية بتركها. أللّهمّ إلّا أن يقال: الانصاف هو لزوم الاختلال مع المنع عنه لعدم إقدام الناس غالبا عليها. هذا مضافا إلى أن التجويز يوجب تقريب الناس نحو امتثال التكليف بإقامة النظام مع وضوح أهميتها على سائر التكاليف.

و كيف ما كان، قال الشيخ قدس سره: و سادسها: أن الوجوب فى هذه الاُمور مشروط بالعوض. إلى أن قال: فليس بواجب قبل حصول الشرط فتعلق الإجارة به قبله لا مانع منه. إلى أن قال: و فيه: أن وجوب الصناعات ليس مشروطا ببذل العوض لأنه لإقامة النظام التى هى من الواجبات المطلقة، فإن الطبابة و الفصد و الحجامة و غيرها مما يتوقف عليه بقاء الحيوة فى بعض الأوقات واجبة بذل له العوض أم لم يبذل.

وسابعها: أنّ وجوب الصناعات المذكورة لم يثبت من حيث ذاتها، و إنما ثبت من حيث الأمر بإقامة النظام و إقامة النظام غير متوقفة على العمل تبرعا، بل يحصل به و بالعمل بالاُجرة، فالذى يجب على الطبيب لأجل إحياء النفس و إقامة النظام هو بذل نفسه للعمل لابشرط التبرع به، بل له أن يتبرع له و له أن يطلب الاُجرة.

وحينئذ فإن بذل المريض الاُجرة وجب عليه العلاج و إن لم يبذل الاُجرة و المفروض ادّاء ترك العلاج إلى الهلاك أجبره الحاكم حسبة على بذل الاُجرة للطبيب و إن كان المريض مغمى عليه دفع عنه وليّه، و إلّا جاز للطبيب العمل بقصد الاُجرة فيستحق الاُجرة فى ماله و إن لم يكن له مال ففى ذمته، فيؤدى فى حياته أو بعد مماته من الزكاة أو غيرها.

و بالجملة فما كان من الواجبات الكفائية ثبت من دليله وجوب نفس ذلك العنوان، فلايجوز أخذ الاُجرة عليه بناء على المشهور. و أما ما أمر به من باب إقامة النظام فإقامة النظام يحصل ببذل النفس للعمل به فى الجملة. و أما العمل تبرعا فلا. و حينئذ فيجوز طلب الاُجرة من المعمول له إذا كان أهلا للطلب منه و قصدها إذا لم يكن ممن

يطلب منه كالغايب الذى يعمل فيما له عمل لدفع الهلاك عنه، و كالمريض المغمى عليه.

وفيه: أنه إذا فرض وجوب إحياء النفس و وجب العلاج لكونه مقدمة له فأخذ الاُجرة عليه غير جائز، فالتحقيق على ما ذكرنا سابقا أن الواجب إذا كان عينيّا تعينيا لم يجز أخذ الاُجرة عليه و لو كان من الصناعات، فلايجوز للطبيب أخذ الاُجرة على بيان الدواء أو تشخيص الداء. و أما أخذ الوصى الاُجرة على تولّى أموال الطفل الموصى عليه الشامل بإطلاقه لصورة تعين العمل عليه فهو من جهة الإجماع و النصوص المستفيضة على أن له أن يأخذ شيئا.

و إنما وقع الخلاف فى تعيينه، فذهب جماعة إلى أن له اُجرة المثل حملا للأخبار على ذلك، و لأنه إذا فرض احترام عمله بالنص و الإجماع فلابد من كون العوض أجرة المثل. و بالجملة فملاحظة النصوص و الفتاوى فى تلك المسألة يرشد إلى خروجها عما نحن فيه.

و أما باذل المال للمضطر فهو إنما يرجع بعوض المبذول لا باُجرة البذل، فلايرد نقضا فى المسألة. و أما رجوع الاُم المرضعة بعوض إرضاع اللباء مع وجوبه عليها بناء على توقف حيوة الولد عليه، فهو إما من قبيل بذل المال للمضطر و إما من قبيل رجوع الوصى باُجرة المثل من جهة عموم الآية (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ‌) (1) فافهم.

و إن كان كفائيا جاز الاستيجار عليه فيسقط الواجب بفعل المستأجر عليه عنه و عن غيره و إن لم يحصل الامتثال.

و من هذا الباب أخذ الطبيب الاُجرة على حضوره عند المريض إذا تعين عليه

**

(1) الطلاق، 6.

علاجه، فإن العلاج و إن كان معينا عليه إلّا أن الجمع بينه و بين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائى بينه و بين أولياء المريض فحضوره أداء للواجب الكفائى كإحضار الأولياء، إلّا أنه لابأس بأخذ الاُجرة عليه.

نعم، يستثنى من الواجب الكفائى ما علم من دليله صيرورة ذلك العمل حقا للغير يستحقه من المكلف، كما قد يدّعى أن الظاهر من أدلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا على الإحياء فى التجهيز، فكل من فعل شيئا منه فى الخارج فقد أدّى حق الميت، فلايجوز أخذ الاُجرة عليه. و كذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه و ما يحتاج إليه كصيغة النكاح و نحوها، لكنّ تعيين هذا يحتاج إلى لطف قريحة. هذا تمام الكلام فى أخذ الاُجرة على الواجب.(1)

و لايخفى عليك ما فيه لما عرفت من جواز أخذ الاُجرة على الواجبات العينية فضلا عن غيرها. نعم، لو ثبت نهى خاص عن شىء فلا يجوز، و إلّا فمقتضى العمومات هو جواز أخذ الاُجرة، بل يجوز للطبيب أخذ الاُجرة فى مقابل العلاج مع وجوب عينى و لا ملزم لأن يكون الاُجرة فى مقابل الحضور من المقدمات.

و أما دعوى أن المستفاد من أدلّة وجوب تجهيز الميت أنه حق للميت على المكلفين الأحياء، فهى مندفعة بأن استفادته مشكلة بل ممنوعة، كما أن دعوى الإجماع من جهة عدم نقل القول بالجواز عن أحد سوى المرتضى مندفعة بما فى المستمسك من أن عدم نقل القول بالجواز ليس إجماعا على عدمه(2). و الأحوط ترك أخذ الاُجرة على تجهيز الميت و إن كان مقتضى العمومات هو الجواز.

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 64-63.

(2) المستمسك، ج 4، ص 141.

نعم، لا يجوز أخذ الاُجرة للإفتاء و القضاء و تعليم الفقه و العقائد لكونها من شؤون الرسالة؛ و قد قال الله تعالى: (قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) الآية. و لابأس ان يأخذ شيئا فى قبال المراثى أو المدائح أو المقدمات كالحضور فى المجلس، لأنها لا تكون من شؤون الرسالة. و لا فرق بين الإجارة و غيرها من المعاملات فى عدم جوازها فى قبال ما يكون من شؤون الرسالة.

الأمر الثالث: فى ان الحرام لايجوز أخذ الاجرة عليه

الأمر الثالث: أن الحرام لا يجوز أخذ الاُجرة عليه لأنه أكل المال بالباطل. و أما المكروه فلا إشكال فى جواز أخذ الاُجرة عليه لأن الكراهة ليست بمانعة عن شمول الأدلة الدالة على نفوذ المعاملات. و منه يظهر عدم الإشكال فى جواز أخذ الاُجرة على المباح بطريق أولى.

الأمر الرابع: فى الاجرة على المستحب

الأمر الرابع: فى الاُجرة على المستحب، و الذى هو مورد الكلام فى جواز أخذ الاُجرة عليه و عدمه هو ما كان له نفع قابل لأن يرجع إلى المستأجر ليصح الإجارة من هذه الجهة، كما تقدم فى الأجرة على الواجب، و إلّا فهو خارج عن محل النزاع. ثمّ لا يخفى عليك انه اختلف فى جواز جعل الاُجرة على المستحب و عدمه.

قال الشيخ قدس سره: لا يجوز أخذ الاُجرة عليه بوصف كونه مستحباً على المكلف، لأن الموجود من هذا الفعل فى الخارج لا يتصف بالاستحباب إلّا مع الإخلاص الذى ينافيه إتيان الفعل لاستحقاق المستأجر إياه، كما تقدم فى الواجب. و حينئذ فإن كان حصول النفع المذكور منه متوقفا على نية القربة لم يجز أخذ الاُجرة عليه، كما إذا استأجر من يعيد صلاته ندبا ليقتدى به لأن المفروض بعد الإجارة عدم تحقق الإخلاص، و المفروض مع عدم تحقق الإخلاص عدم حصول نفع منه عايد إلى المستأجر، و ما يخرج بالإجارة عن قابلية انتفاع المستأجر لم يجز الاستيجار عليه.

و من هذا القبيل الاستيجار على العبادة لله تعالى إصالة لا نيابة و إهداء ثوابها إلى

المستأجر، فإن ثبوت الثواب للعامل موقوف على قصد الإخلاص المنفى مع الإجارة. و إن كان حصول النفع غير متوقف على الإخلاص جاز الاستيجار عليه كبناء المساجد و إعانة المحاويج، فإن من بنى لغيره مسجداً عاد إلى الغير نفع بناء المسجد و هو ثوابه، و إن لم يقصد البنّاء من عمله إلّا أخذ الاُجرة، و كذا من استأجر غيره لإعانة المحاويج و المشى فى حوائجهم فإن الماشى لايقصد إلّا الاُجرة إلّا أن نفع المشى عايد إلى المستأجر.(1)

و لا يخفى عليك أن مقتضى ما تقدم من جواز جعل الاُجرة على الواجبات مطلقا سواء كانت تعبدية أو توصلية هو جواز ذلك على المستحبات أيضا، و الإشكالات المتقدمة قابلة للجواب.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: فالمعروف بين الشيعة و السنة هو جواز أخذ الاُجرة على المستحب، بل هو مقتضى القاعدة الأولية، إذ لا نرى مانعا عن شمول العمومات الدالة على صحة المعاملات لذلك، فقد عرفت آنفا أنّ صفة العبادية و كذا صفة الوجوب لا تنافى الإجارة أو الجعالة و كذلك صفة الاستحباب، فإنها لا تنافيهما بطريق الأولوية.

إلى أن قال: فلو منع الشارع عن أخذ الاُجرة على عمل خاص و تعلق غرضه بكونه مجانيا فإنه خارج عن حريم البحث، و لايختص ذلك بالعبادات و لا بالواجبات و المستحبات.(2)

الأمر الخامس: فى جواز أخذ الاجرة على الاذان

الأمر الخامس: فى جواز أخذ الاُجرة على الأذان وعدمه؛ قال الشيخ الأعظم قدس سره:

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 64.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 479-476.

قد ظهر مما ذكرناه من عدم جواز الاستيجار على المستحب إذا كان من العبادات أنه لا يجوز أخذ الاُجرة على أذان المكلف لصلاة نفسه إذا كان مما يرجع نفع منه إلى الغير.

يصحّ لأجله الاستيجار كالإعلام بدخول الوقت أو الاجتزاء به فى الصلاة، و كذا أذان المكلف للإعلام عند الأكثر كما عن ذكرى، و على الأشبه كما فى الروضة و هو المشهور كما فى المختلف و مذهب الأصحاب إلّا من شذّ، كما عنه و عن جامع المقاصد. و بالإجماع، كما عن محكى الخلاف بناء على أنها عبادة يعتبر فيها وقوعها لله فلا يجوز أن يستحقها الغير.

و فى رواية زيد بن على عن آبائه عن علىّ أنه أتاه رجل، فقال له: و الله إنى اُحبك لله، فقال له: لكنّى أبغضك لله، قال: و لِمَ؟ قال: لأنك تبغى فى الأذان أجراً و تأخذ على تعليم القرآن أجراً.(1)

و فى رواية حمران الواردة فى فساد الدنيا و اضمحلال الدين، و فيها قوله عليه السلام: و رأيت الأذان بالاُجرة و الصلاة بالأجر.(2)

ويمكن أن يقال: إن مقتضى كونها عبادة عدم حصول الثواب إذا لم يتقرب بها

**

(1) الوسائل، الباب 30 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 157، ح 1.

للرواية هكذا محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الصفار عن عبدالله بن المنبّه عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن أبيه عن آبائه عن على عليه السلام أنه أتاه رجل، فقال: يا اميرالمؤمنين! و الله إنى اُحبّك لله، فقال له: لكنّى أبغضك لله، قال: و لِمَ؟ قال: لأنك تبغى فى الأذان و تأخذ على تعليم القرآن أجرا، و سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة. و رواه الصدوق مرسلا إلّا انه قال تبتغى فى الأذان و لم يزد على ذلك.

(2) الوسائل، الباب 41 من أبواب الأمر بالمعروف، ج 16، ص 275، ح 6.

لإفساد الإجارة مع فرض كون العمل مما ينتفع به و إن لم يتقرب به. نعم، لو قلنا بأن الإعلام بدخول الوقت المستحب كفاية لايتاتّى بالأذان الذى لا يتقرب به صح ما ذكر، لكن ليس كذلك.

و أما الرواية فضعيفة و من هنا استوجه الحكم بالكراهة فى كرى وك و مجمع البرهان و البحار بعد أن حكى عن علم الهدى قدس سره.

و لو اتضحت دلالة الروايات أمكن جبر سند الاُولى بالشهرة، مع أن رواية حمران حسنة على الظاهر بابن هاشم.(1)

و لا يخفى عليك: أن رواية زيد بن على عليه السلام موثقة، توضيح ذلك كما أفاده فى إرشاد الطالب: أن فى سندها عبدالله بن منبّه و الظاهر أنه اشتباه من النساخ. و الصحيح منبّه بن عبدالله؛ و قد ذكر النجاشى أن حديثه صحيح. و وجه الصحة كون الراوى عند محمّد بن الحسن الصفار الذى يروى عن المنبّه فى سائر الروايات، ولكن فى دلالتها على عدم الجواز تأمل.

فإن بغضه عليه السلام يمكن لاستمراره على الكراهة و يشهد لها ما فى ذيلها: و سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة، فإن التعليل يناسب الكراهة كما لايخفى. و عن السيّد المحقّق الخوئى: أن دلالتها على المنع بضميمة ما ورد من أنه عليه السلام لايبغض الحلال.

وفيه: أنه لم أظفر على رواية معتبرة يكون ظاهرها ذلك. نعم، ورد فى روايات الربا أنه عليه السلام كان لايكره الحلال، و ظاهرها خلاف المقطوع؛ فإنه عليه السلام كان يكره المكروهات الشرعية قطعا مع كونها محلّلة.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 66-65.

(و أما) حسنة حمران الواردة فى فساد الدنيا، و فيها قال: و رأيت الأذان بالأجر و الصلاة بالأجر، ففيها أنه لادلالة لها أيضا على المنع، بل و لادلالة على الكراهة، فإنها فى مقام بيان علامة فساد الأرض لا بيان موجبات فسادها. و يمكن كون الحلال المخصوص علامة لفسادها كقوله عليه السلام: «و رأيت المؤمن صامتا لايقبل قوله»، فإن صمت المؤمن مع عدم قبول قوله لايكون حراما، بل و لامكروها.

(و أما) روايتى محمّد بن مسلم و العلاء بن سيّابة(1) عن أبى جعفر عليه السلام قال: لاتصلّى خلف من يبغى على الأذان و الصلاة أجراً و لاتقبل شهادته، و لابأس بدلالتهما على المنع، فإن الحكم بفسق آخذ الأجر على الأذان أو الصلاة المراد بها الامامة(2) لا يكون إلّا مع حرمة الفعل أو بطلان المعاملة، إلّا أنّهما ضعيفتان سنداً و إن وصف السيّد اليزدى رحمه الله رواية محمّد بن مسلم بالصحيحة.

و الأظهر لا بأس بأخذ الاُجرة على الأذان و تعليم القرآن لعدم المنافاة بين أخذ الاُجرة على عمل و كونها عبادة، مع أن تعليم القرآن ليس من العبادة. و الروايات كما مرت ضعيفة سنداً ودلالة ولكن الأحوط الترك؛ و الله سبحانه هو العالم.(3)

لقد أفاد و أجاد إلّا أنّ الروايات ليست منحصرة فيما ذكر، بل هنا موثقة السكونى عن على عليه السلام قال: آخر ما فارقت عليه حبيب قلبى أن قال: يا على! إذا صلّيت فصلّ‌

**

(1) و رواية العلاء بن سيابة هكذا: عن أبى جعفر عليه السلام: لا يصلّى خلف من يبتغى على الأذان و الصلاة، الأجر و لاتقبل شهادته (الوسائل، الباب 32 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 378، ح 2). و رواية محمّد بن مسلم هكذا: محمّد بن على بن الحسين بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: لاتصلّ خلف من يبغى على الأذان و الصلاة بالناس أجرا و لاتقبل شهادته.

(2) كما يشعر به تعدى الصلاة بالناس فى صحيحة محمّد بن مسلم.

(3) إرشاد الطالب، ص 302-301.

صلاة أضعف من خلفك و لاتتخذنَّ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا(1)؛ و قد أرسله الصدوق جزما إلى الإمام.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إن هذه الرواية معتبرة السند، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا النوفلى، و هو وارد فى تفسير القمى و عدا السكونى و قد وثقه الشيخ فى العدة، كما أنها ظاهرة الدلالة لمكان النهى الظاهر فى عدم الجواز.

و دعوى أنّ الممنوع فيها هو الاتخاذ الظاهر فى كونه على سبيل الدوام و الاستمرار فلا يشمل الاستيجار أحيانا و بنحو الموجبة الجزئية. مدفوعة بالقطع بعدم الفرق فى مناط المنع، فإنه لو كان فإنما هو من أجل اعتبار المجانية فى هذه العبادة. و لايفرق فى هذه العلة بين الوحدة و الكثرة كما لايخفى.

أجل، قد يتوهم أن اقتران هذا النهى بالأمر بصلاة الأضعف المحمول على الاستحباب يستدعى بمقتضى اتحاد السياق الحمل على الكراهة.

و يندفع بعدم انطباق قرينية السياق - لو سلمت - على المقام و نحوه مما كان كل من الفقرتين جملة مستقلة برأسها، و إنما يتجه فى مثل قوله عليه السلام: اغتسل للجمعة و الجنابة، كما لايخفى.

إذاً فلا مانع من التفكيك بعد مساعدة الدليل، حيث ثبتت من الخارج إرادة الاستحباب من الأمر و لم تثبت إرادة الكراهة من النهى. فلامناص من الأخذ بظاهره من التحريم.(2)

و لقد أفاد و أجاد إلّا أنّ اختصاص توثيق النوفلى بنقل الرواية عنه فى تفسير

**

(1) الوسائل، الباب 38 من أبواب الأذان و الاقامة، ج 5، ص 447، ح 1.

(2) مستند العروة، ج 2، ص 416.

القمى محل تأمل و إشكال، مع ما فى هذا التفسير من اختلاط أصله مع ما نقله أبو الجارود، فاللازم أن يقال: إن أخذ الأصحاب بروايات السكونى مع أن جلّها منقولة عن النوفلى يدل على كونه موثقا عندهم، ثمّ إن مقتضى إطلاقها هو عدم الفرق بين الأذان الصلاتى و الأذان الإعلامى، و يؤيد موثقة السكونى بخبر الدعائم عن على عليه السلام أنه قال: من السحت أجر المؤذن.(1)

هذا مضافا إلى أن الأقوى هو صحة رواية محمّد بن مسلم، كما ذهب إليه السيّد اليزدى قدس سره. و ذلك لما عن تعليقة البهبهانى من أن الظاهر أنّ على بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبى عبدالله البرقى الواقع فى سند الصدوق إلى محمّد بن مسلم ثقة عنده لاعتماده عليه فى أكثر الروايات، و كثيرا ما يذكره مترضيا مترحما.

و قد تقدم تمامية دلالتها حيث إن الحكم بفسق أخذ الأجر على الأذان أو الصلاة المراد بها الإمامة لا يكون إلّا مع حرمة الفعل أو بطلان المعاملة.

فتحصّل ممّا تقدم أنّ الأقوى هو عدم جواز جعل الاُجرة و طلبها على الأذان و الصلاة أى الإمامة. و حيث لاخصوصية للإجارة يتعدى عنها إلى سائر المعاملات.

نعم، لادليل على عدم جواز قبول شىء يهدى إليه بعنوان الهدايا أو الارتزاق من بيت المال من دون المطالبة، و الله العالم.

ثم لايخفى عليك أنّ الشيخ الأعظم قال: يمكن أن يقال: إن مقتضى كونها (الأذان) عبادة عدم حصول الثواب إذا لم يتقرب بها لافساد الإجارة مع فرض كون العمل مما ينتفع به و إن لم يتقرب به.

وفيه: أنه صحيح فيما إذا لم يرد نهى عن إجارتها، و إلّا فالنهى يوجب فساد

**

(1) مستدرك الوسائل، الباب 30 من أبواب الأذان و الإقامة، ج 4، ص 51، ح 2.

الإجارة. و المفروض فى المقام هو ورود النهى عن الإجارة و نحوها كما عرفت، و لعلّ الشيخ قدس سره ذهب إلى ما قال بحسب القاعدة.

الأمر السادس: فى أخذ الاجرة على تعليم القرآن

الأمر السادس: فى تعليم القرآن الكريم، و الروايات مختلفة فيها. منها: ما يدلّ على الجواز، كرواية الفضل بن أبى قرّة، قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا (كذب - يه) أعداء الله، إنما أرادوا أن لايعلّموا أولادهم القرآن، لو أنّ المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان (كان خ ل) للمعلم مباحا.(1) و لايبعد عدّ الرواية من الحسنات لنقل جماعة كتابه عنه و عن صاحبه شريف بن سابق و هو يكفى للإشارة إلى كونه موثقا.

و كرواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح، قال: قلت له: إن لنا جارا يكتب و قد سألنى أن أسالك عن عمله، قال: مره إذا دُفع إليه الغلام أن يقول لأهله إنى إنما أعلّمه الكتاب و الحساب و أتجر عليه بتعليم القرآن حتى يطيب له كسبه.(2)

و كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: جاءت امرأة إلى النبى صلى الله عليه وآله و سلم فقالت: زوّجنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: من لهذه‌؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لى شىء، قال: لا، فأعادت، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثمّ أعادت، فقال رسول ظاللّه فى المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، قال: زوجتُكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إياه.(3)

و هذه الروايات تدل على جواز جعل الاُجرة على تعليم القرآن الكريم و يؤيدها ما يدلّ على جواز جعله صداقا فى عقد النكاح.

**

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 155، ح 2.

(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 155، ح 3.

(3) الوسائل، الباب 2، من أبواب المهور، ج 21، ص 242، ح 1.

ومنها: ما يدلّ على المنع كرواية قتيبة الأعشى قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: إنى أقرء القرآن فتهدى إلىّ الهدية فأقبلها؟ قال: لا، قلت: إنى لم اشارطه، قال: أرأيت لو لم تقرىء كان يهدى لك‌؟ قال: قلت: لا، قال: فلاتقبله(1). و الرواية ضعيفة، و لعلّها غير معمول بها و قابلة للحمل على شدة كراهة جعل الاُجرة جمعا بينه و بين سائر الأخبار. و كمرسلة الصدوق قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم عن اُجرة القارئ الذى لايقرأ إلّا على أجر مشروط.(2)

و كمعتبرة زيد بن على عن أبيه عن آبائه عن على عليهم السلام: أنه أتاه رجل فقال: يا أميرالمؤمنين! و الله إنى اُحبك لله، قال له: لكنّى أبغضك لله: قال: و لِمَ؟ قال: لأنك تبغى فى الأذان و تأخذ على تعليم القرآن أجرا. و قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة.(3)

و قد تقدم أنّ المستفاد من هذه الرواية بقرينة ذيلها هو الكراهة. و بالجملة يمكن حمل الروايات الناهية بقرينة ما فى بعضها و بقرينة الروايات المجوزة على الكراهة.

و مما ذكر يظهر الايراد على ما يدل على التفصيل، كرواية جراح المدائنى عن أبى عبدالله عليه السلام قال: المعلم لايعلّم بالأجر و يقبل الهدية إذا اُهدى إليه(4). فإنها و إن كانت من الحسنات ولكن ينافيها حسنة الفضل بن أبى قرّة، و حيث إنّ حسنة الفضل ناظرة إلى مثلها فلايؤخذ بها لتكذيب حسنة الفضل مثلها.

هذا مضافا إلى أن هذه الرواية أجنبية عن المقام و هو تعليم القرآن بالأجر. نعم،

**

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 155، ح 4.

(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 156، ح 7.

(3) الوسائل، الباب 30 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 157، ح 1.

(4) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 156، ح 5.

خبره الآخر مرتبط بالمقام عن الجراح المدائنى، قال: نهى أبوعبدالله عليه السلام عن أجر القارئ الذى لايقرء إلّا بأجر مشروط(1)، فيحمل النهى فيه على الكراهة.

فتحصّل: أن مقتضى الجمع بين الأخبار هو حمل النواهى الواردة فى تعليم القرآن على الكراهة.

الأمر السابع: فى جواز أخذ الاجرة على قراءة تعزية سيّدالشهداء عليه السلام

الأمر السابع: فى جواز أخذ الاُجرة على قراءة تعزية سيّدالشهداء و سائر الأئمة عليهم السلام. قال السيّد اليزدى قدس سره: لابأس بأخذ الاُجرة على قراءة تعزية سيّد الشهداء و سائر الأئمة صلوات الله عليهم، ولكن لو أخذها على مقدماتها من المشى إلى المكان الذى يقرأ فيه كان أولى.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره فى وجه جواز أخذ الاُجرة على قراءة التعزية: فإن القراءة عمل سائغ ذو غرض عقلائى، و قد تقدم أن مقتضى القاعدة جواز أخذ الاُجرة على كل أمر محلّل مورد لأغراض العقلاء و ان كان واجبا فضلاً عن المستحب. فإن تمكّن من قصد القربة يكون مأجوراً و مثاباً أيضا، و إلّا فليس له إلّا ما يأخذه من الأجر الدنيوى.

و الاختلاف فى كيفية القراءة و مقدارها و مؤدّاها لايستوجب اختلافا فى ماليتها بعد كونه أمرا متعارفا خارجا و منضبطا و لو فى الجملة. فلايكون الجهل بها جهلا بالعمل المستأجر عليه كما لايخفى، فلاحاجة إلى جعل الإجارة بإزاء كلى القراءة و ذكر المصاب.(2)

الأمر الثامن: فى أخذ الاجرة على الامامة

الأمر الثامن: فى حرمة أخذ الاُجرة على الإمامة قال الشيخ الأعظم قدس سره: و من هنا

**

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 156، ح 6.

(2) مستند العروة، كتاب الإجارة، ج 7، ص 454.

يظهر وجه ما ذكروه فى هذا المقام من حرمة أخذ الاُجرة على الإمامة مضافا إلى موافقتها للقاعدة المتقدمة من أن ما كان انتفاع الغير به موقوفا على تحققه على وجه الإخلاص فلايجوز الاستيجار عليه لأن شرط العمل المستأجر عليه قابلية إيقاعه لأجل استحقاق المستأجر له حتى يكون وفاء بالعقد و ما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك.(1)

و لايخفى عليك ما فى كلامه قدس سره لما عرفت من إمكان الإخلاص بنحو الداعى على الداعى أو بنحو صيرورة الإجارة مقدمة للتمكن من قصد الإخلاص على التقريب الذى مرّ فى الاُجرة على الواجبات.

نعم، لا إشكال فى التمسك ببعض الأخبار، كصحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة، قال: لايصلّى خلف من يبتغى على الأذان و الصلاة الأجر بالناس أجرا و لاتقبل شهادته(2)، لحرمة أخذ الاُجرة على الامامة، لظهور النهى المستفاد من قوله لاتصلى إلخ فى الحرمة.

هذا مضافا إلى أن وجه عدم قبول الشهادة ليس إلّا كون طلب الأجر موجبا للفسق كما لايخفى.

قال فى جامع المدارك: و أما الاُجرة على الصلاة جماعة فالظاهر عدم الخلاف فى حرمتها من غير فرق بين الواجب كما فى الجمعة و المندوب. و يدلّ عليه النص، ففى رواية حمران الواردة فى فساد الدنيا و اضمحلال الدين قوله عليه السلام على المحكى: «و رأيت الأذان بالاُجرة و الصلاة بالأجر». و هذه الرواية حسنة على الظاهر بابن هاشم.

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 66.

(2) الوسائل، الباب 32 من أبواب الشهادات، ج 27، ص 378، ح 2.

و قد يضاف إلى موافقة الحرمة للقاعدة من أن ما كان انتفاع الغير موقوفا على الإخلاص لايجوز الأجر عليه و سبق الكلام فيه(1). و لابأس بورود الايراد على رواية حمران و القاعدة بعد وضوح دلالة صحيحة محمّد بن مسلم.

نعم، لابأس بالإمامة قربة إلى الله من دون مطالبة شىء و أخذ ما يعطيه المأمومون قربة إلى الله. و لافرق فى عدم جواز مطالبة شىء بين الإجارة و غيرها من المعاملات.

الأمر التاسع: فى الاستيجار للنيابة فى العبادة

الأمر التاسع: فى الاستيجار للنيابة فى العبادة

عطفه الشيخ الأعظم قدس سره على الاستيجار على المستحب فيما إذا كان حصول النفع منه غير متوقف على الإخلاص كالاستيجار لبناء المسجد، و قال: و من هذا القبيل استيجار الشخص للنيابة عنه فى العبادات التى تقبل النيابة كالحج و الزيارة و نحوهما، فإن نيابة الشخص عن غيره فيما ذكر و إن كان مستحبا إلّا أن ترتّب الثواب للمنوب عنه و حصول هذا النفع له لايتوقف على قصد النايب الإخلاص فى نيابته، بل متى جعل نفسه بمنزلة الغير و عمل العمل بقصد التقرب الذى هو تقرب المنوب عنه بعد فرض النيابة انتفع المنوب عنه، سواء فعل النائب هذه النيابة بقصد الإخلاص فى امتثال أوامر النيابة عن المؤمن أم لم يلتفت إليها أصلا و لم يعلم بوجودها، فضلا عن أن يقصد امتثالها.

ألا ترى أن أكثر العوام الذين يعملون الخيرات لأمواتهم لايعلمون ثبوت الثواب لأنفسهم فى هذه النيابة، بل يتخيل النيابة (يتخيلون) مجرد إحسان إلى الميت لايعود نفع منه إلى نفسه. و التقرب الذى يقصده النائب بعد جعل نفسه نائبا هو تقرب المنوب عنه لاتقرب النائب، فيجوز أن ينوب لأجل مجرد استحقاق الاُجرة عن فلان بأن ينزل

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 42.

نفسه منزلته فى إتيان الفعل قربة إلى الله، ثمّ إذا عرض هذه النيابة الوجوب بسبب الإجارة فالأجير غير متقرب فى نيابته لأن الفرض عدم علمه أحيانا بكون النيابة راجحة شرعا يحصل بها التقرب، لكنه متقرب بعد جعل نفسه نايبا عن غيره، فهو متقرب بوصف كونه بدلا و نائبا عن الغير فالتقرب يحصل للغير.

فإن قلت: الموجود فى الخارج من الأجير ليس إلّا الصلاة عن الميت مثلا، و هذا متعلق الإجارة و النيابة، فإن لم يمكن الإخلاص فى متعلق الإجارة لم يترتب على تلك الصلاة نفع للميت، و إن أمكن الإخلاص لم يناف لأخذ الاُجرة كما ادعيت و ليست النيابة عن الميت فى الصلاة المتقرب بها إلى الله تعالى شيئا و نفس الصلاة شيئا آخر حتى يكون الأول متعلقا للإجارة و الثانى موردا للإخلاص.

قلت: القربة المانع اعتبارها من تعلق الإجارة هى المعتبرة فى نفس متعلق الإجارة و إن اتّحد خارجا مع ما لايعتبر فيه القربة مما لا يكون متعلقا للإجارة فالصلوة الموجودة فى الخارج على جهة النيابة فعل للنائب من حيث إنها نيابة عن الغير. و بهذا الاعتبار ينقسم فى حقه إلى المباح و الراجح و المرجوح و فعل للمنوب عنه بعد نيابة النائب يعنى تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه فى هذا الأفعال.

و بهذا الاعتبار يترتب عليه الآثار الدنيوية و الاُخروية لفعل المنوب عنه الذى لم يشترط فيه المباشرة، و الإجارة يتعلق به بالاعتبار الأول و التقرب بالاعتبار الثانى. فالموجود فى ضمن الصلاة الخارجية فعلان نيابة صادرة عن الأجير النائب، فيقال: ناب عن فلان و فعل، كأنه صادر عن المنوب عنه، فيمكن أن يقال على سبيل المجاز: صلّى فلان، و لايمكن أن يقال: ناب فلان، فكما جاز اختلاف هذين الفعلين فى الآثار فلاينافى اعتبار القربة فى الثانى جواز الاستيجار على الأول الذى لايعتبر فيه القربة.

و قد ظهر مما قررناه وجه ما اشتهر بين المتأخرين فتوى و عملا من جواز

الاستيجار على العبادات للميت. و إن الاستشكال فى ذلك بمنافاة ذلك لاعتبار التقرب فيها ممكن الدفع خصوصا بملاحظة ما ورد من الاستيجار للحج و دعوى خروجه بالنص فاسدة، لأن مرجعها إلى عدم اعتبار القربة فى الحج؛ و أضعف منها دعوى أنّ الاستيجار على المقدمات كما لايخفى، مع أن ظاهر ما ورد فى استيجار مولانا الصادق عليه السلام للحج عن ولده إسماعيل كون الإجارة على نفس الاعمال.(1)

و لايذهب عليك أوّلاً: أن قضاء ما على ذمة الغير من العبادة كقضاء ما على ذمته من الدين، فكما أن أداء الدين لايتوقف على قصد النيابة عنه كذلك أداء ما على ذمته من العبادة. و عليه فلامخلص عن الإشكال إلّا بداعى إلى الداعى أو بجعل عقد الإجارة من المقدمات التى يتمكن فيها من قصد الإخلاص كما مرّ بيانه تفصيلاً.

وحاصله كما فى إرشاد الطالب أنه لو كان سائر شرائط الإجارة حاصلة لما كان اشتراط قصد التقرب موجبا لبطلانها، حيث إن الأجير لو أتى بالعمل بداعى استحقاق الاُجرة شرعا لئلا يبقى الدين على عهدته و يبتلى يوم القيامة بحسابه كان هذا نفسه نحو تقرب إلى الله سبحانه، لا أنه ينافى التقرب فى ذلك العمل.

و على ذلك فلو استأجر من يصلح للإمامة لإعادة صلاته حتى اقتدى به صح الاستيجار و لاينافى قصد التقرب المعتبر فى أصل الصلاة و إعادتها(2). و لايخفى أن ما ذكره صحيح بحسب القاعدة، ولكن ورد النهى عن أجرة الإمامة بخصوصها، و تقدم البحث عنه فراجع.

وثانياً: كما أفاد السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: أنّ أخذ الاُجرة إما لتنزيل نفسه منزلة

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 65.

(2) إرشاد الطالب، ص 296.

الميت و نيابته عنه فى الإتيان بوظائفه، و إما للإتيان بالعمل فى الخارج. فعلى الأول يلزم استحقاق الاُجرة بمجرد النيابة القلبى سواء أتى بالعمل فى الخارج أم لا، و هو بديهى البطلان. و على الثانى فيعود المحذور و هو أخذ الاُجرة على الأمر العبادى، فإن الموجود فى الخارج ليس إلا نفس العبادة فيخل بالإخلاص فى الأمر العبادى.

و دعوى إمكان اعتبار قصد القربة فى فعل النائب لأجل اعتباره فى المنوب عنه مندفعة بأن الأوامر المتوجهة إلى شخص غريبة عن شخص آخر. و عليه فلا معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب، كما أنه لا معنى لاعتبار قصد التقرب فى الأمر المتوجه إلى النائب بلحاظ اعتباره فى الأمر المتوجه إلى المنوب عنه.

إلى أن قال: بل لا يعقل أن يقصد النائب تقرب المنوب عنه و يمتثل أمره أو يتقرب إلى الله بأمر المنوب عنه و يمتثله. و على ما ذكرناه فمورد الإجارة هو الواجبات أو العبادات المنوب فيها. و قد تقدم أن صفة الوجوب أو صفة العبادة لاتنافى الإجارة.(1)

فعلى ما ذكرناه فالاُجرة تقع فى الاستيجار للعبادة فى قبال أصل العبادة. و لامنافاة بين جعل الاُجرة عليها و كونها عبادة أو واجبة كما تقدم الوجه فيه مفصلا.

الأمر العاشر: فى الاستيجار لاطافة الصبى او مغمى عليه

الأمر العاشر: أنه لو استوجر لإطافة صبى أو مغمى عليه، فعلى القول بعدم جواز أخذ الاُجرة على الواجبات لايجوز احتسابه فى طواف نفسه لأن الحركة المخصوصة للغير فلا يجوز صرفها إلى نفسه. قال الشيخ بعد التصريح بذلك و حكايته عن صريح المختلف: بل كذلك لو استوجر لحمل غيره فى الطواف كما صرّح به جماعة تبعا للإسكافى، لأن المستأجر يستحق الحركة المخصوصة عليه، لكنّ ظاهر جماعة جواز

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 476-473.

الاحتساب فى هذه الصورة لأن استحقاق الحمل غير استحقاق الإطافة به، كما لو استوجر لحمل متاع.

و فى المسألة أقوال: قال فى الشرايع: و لو حمله حامل فى الطواف أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه.

و قال فى المسالك: هذا إذا كان الحامل متبرعا أو حاملا بجعالة أو كان مستأجراً للحمل فى طوافه. و أما لو استوجر للحمل مطلقا لم يحتسب للحامل، لأن الحركة المخصوصة قد صارت مستحقة عليه لغيره، فلايجوز صرفها إلى نفسه. و فى المسألة أقوال هذا أجودها، انتهى. إلى أن قال الشيخ الأعظم: و المسألة مورد نظر و إن كان ما تقدم من المسالك لايخلو من وجه.(1)

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إذا كان أجيراً لحمل غيره فى الطواف أو للإطافة به فالظاهر هو الجواز لجمّ غفير من الأصحاب. و الوجه فى ذلك أن ما يستحق به المستأجر على الأجير إنما هو الحمل فقط. و من الواضح أنه حاصل على كل حال، لأن شأن الأجير فى هذه الصورة شأن الدابة التى يركبها العاجز عن المشى للطواف، و عليه فلاتنافى بين كون شخص أجيراً لحمل غيره فى الطواف و بين أن يقصد الطواف لنفسه فى هذه الحالة.

و الّذى يدلّنا على ذلك أمران: الأوّل: أنّه إذا لم يتصف الحامل فى هذه الصورة بما اعتبر فى الطائف من الشرائط لم يضر بطواف المحمول إذا كان واجداً لشرائط الطواف. و من المقطوع به أنه لو كان مصب الإجارة هو الطواف عن الغير بعنوان النيابة لما حصل العمل المستأجر عليه فى الخارج.

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 65.

الثانى أنه قد ورد فى جملة من الأخبار جواز حمل الغير فى الطواف مع العجز عنه، فهى بإطلاقها تدلّ على ما ذكرناه، على أنه لو كان مورد هذه الأخبار غير الإجارة فإنها تدلّ أيضا على صحة ذلك، لأنها ظاهرة فى أنّ حمل غيره فى الطواف لاينافى قصد الحامل الطواف نفسه لكون كل منهما بعيداً عن الآخر.(1)

و يقرب منه ما فى إرشاد الطالب، حيث قال: الصحيح هو عدم الفرق بين الصور الثلاث، فيجوز أن ينوى فيها الطواف لنفسه. و ذلك لأن كون شخص أجيراً فى عمل لايقتضى إلّا تمليك ذلك العمل فقط للمستأجر لابمقدماته و مقارناته، و لذا يجوز إجارة نفسه لآخر فيهما.

و على ذلك فالحركة المخصوصة مقدمة لإطافة الغير أى جعل الغير طائفا، كما أنها مقدمة لحمل الآخر فى طواف ذلك الآخر، فيجوز صرفها لنفسه بقصده الطواف لنفسه. نعم، لو استوجر للحمل لا فى طوافه بأن يكون أجيراً. لحمل المستأجر بشرط أن يكون الحامل طائفا حال الحمل، و هذه صورة رابعة. فقصد الحامل فيها الطواف لنفسه مخالفة للشرط و باعتبارها يكون منهيا عنه فيفسد.

و يحتمل أن يكون هذا الاشتراط تقييداً لمتعلق الإجارة بأن يملك المستأجر الحمل عليه حال عدم طوافه لنفسه و بقصد كل من الحامل و المحمول الطواف ينتفى مورد الإجارة، فلايستحق على المستأجر شيئا. و ترك الحامل مورد الإجارة و إن كان محرما إلّا أن طوافه لنفسه لايكون منهيا عنه حتى يفسد. و وجه عدم النهى عنه عدم اقتضاء الأمر بالشىء النهى عن ضده الخاص، فلابدّ فى الحكم من ملاحظة أنّ العقد على الاشتراط أو على التقييد.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 478-477.

إلى أن قال: ثمّ إنه لو قيل بأن مقتضى الإجارة على عمل تمليكه بمقدماته فلابأس أيضا بقصد الطواف لنفسه فى الصور الثلاث المتقدمة باعتبار أن قصد الأجير الطواف لنفسه بحركته الاستقلالية فيها من قبيل الانتفاع بملك الغير لاالتصرف فيه. و الانتفاع بملك الغير ما لم يكن تعديا و تصرفا فيه غير ممنوع كالاستظلال بظلّ الغير أو الاستنارة بنوره وهكذا.(1)

يمكن أن يقال: إن الطواف لايخلو عن الحركة المخصوصة، فإذا كانت الحركة المخصوصة ملكا للمستأجر، لأن المفروض أن مقتضى الإجارة على عمل تمليكه بمقدماته فلايصح الطواف لنفسه لخلوه عن الحركة المقومة له. و تنظير المقام بصورة الانتفاع بملك الغير فى غير محله بعد لزوم دخالة الحركة المخصوصة فى الطواف، فتأمل جيّدا.

الأمر الحادى العشر: فى جواز أخذ الاجرة على الشهادة

الأمر الحادى العشر: فى أخذ الاُجرة على الشهادة. قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ إنّ من الواجبات التى يحرم أخذ الاُجرة عليها عند المشهور تحمل الشهادة بناء على وجوبه، كما هو أحد الأقوال فى المسألة، لقوله تعالى: (وَ لاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا) المفسر فى الصحيح بالدعاء للتحمل، و كذلك أداء الشهادة لوجوبه عينا أو كفاية و هو مع الوجوب العينى واضح.

وأما مع الوجوب الكفائى فلأن المستفاد من أدلة الشهادة كون التحمل و الأداء حقا للمشهود له على الشاهد، فالموجود فى الخارج من الشاهد حق للمشهود له لايقابل بعوض للزوم مقابلة حق الشخص بشىء من ماله فيرجع إلى أكل المال بالباطل.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 299-298.

ومنه يظهر أنه كما لايجوز أخذ الاُجرة من المشهود له، كذلك لايجوز من بعض من وجبت عليه كفاية إذا استأجره لفائدة إسقاطها عن نفسه.

ثم إنه لافرق فى حرمة الاُجرة بين توقف التحمل أو الأداء على قطع مسافة طويلة و عدمه. نعم، لو احتاج إلى بذل المال، فالظاهر عدم وجوبه و لو امكن إحضار الواقعة عند من يراد تحمله للشهادة فله أن يمتنع من الحضور و يطلب الإحضار.(1)

و لايذهب عليك ما تقدم من أنه لا مانع من أخذ الاُجرة على الواجبات العينية فضلاً عن التنجيزية و الكفائية ما لم يثبت منع و نهى عن ذلك بالخصوص.

قال السيّد المحقّق الخوئى: إنا لم نجد فى أدلة وجوب الشهادة ما يمنع عن ذلك، بل الظاهر من بعض الروايات الواردة فى قوله تعالى: (وَ لاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا) أن المنفى فى الآية هو أن يقول المدعو إلى الشهادة: لاأشهد على الواقعة، و واضح أن هذا لاينافى جواز أخذ الاُجرة على الشهادة.

إلى أن قال: ثمّ إنه لايستفاد من أدلة وجوب الشهادة إلّا كونها واجبة على نهج بقية الأحكام التكليفية الكفائية أو العينية من غير أن يستفاد منها كون التحمل أو الأداء حقا للمشهود له.(2)

لايقال: قوله تعالى: (وَ لاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا) يدل بإطلاقه على عدم جواز الإباء حتى مع عدم بذل الاُجرة، لأنّا نقول كما فى إرشاد الطالب: يمكن دعوى كون متعلق النهى الدعوة المتعارفة، و إذا كانت الدعوة المتعارفة إلى التحمل أو الشهادة بالأجر كانت الدعوة إليها كالدعوة إلى الخياطة أو البناء فى أن وجوب استجابتهما لايقتضى المجانية.

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 66.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 480.

و يشهد لذلك ملاحظة صدر الآية، فإن قوله سبحانه: (وَ لاٰ يَأْبَ كٰاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمٰا عَلَّمَهُ اَللّٰهُ‌) لايقتضى وجوب الكتابة على الكاتب مجانا. إلى أن قال: هذا و يمكن أن يقال بعدم تعارف أخذ الاُجرة على تحمل الشهادة أو أدائها و ليس لهما مالية، فيكون أخذها من أكل المال بالباطل.

نعم، لوتوقف التحمل أو الأداء على بذل المال لقطع المسافة و نحوه لم يجب البذل من كيسه. و الوجه فى ذلك أن مقتضى قاعدة نفى الضرر عدم وجوب التحمل أو الأداء فى الفرض حتى فيما إذا قال المشهود له: أصرف المال و علىّ تداركه، فإنّ مجرد التزامه بالعوض لايوجب انتفاء الضرر، حيث إنه ربما لايصل إليه العوض لعدم وفاء المشهود له بالتزامه.(1)

و لايخفى أن المالية المعتبرة فى المعاملات ليست منحصرة فى التى تبذل المال فى مقابلها غالبا، بل لو كان شىء مورد رغبة شخص كان مالا و لايكون البذل فى مقابله أكلا للباطل.

الأمر الثانى عشر: فى الارتزاق من بيت المال

الأمر الثانى عشر: فى الارتزاق من بيت المال؛ قال الشيخ الأعظم قدس سره: و بقى الكلام فى شىء و هو أن كثيرا من الأصحاب صرحوا فى كثير من الواجبات و المستحبات التى يحرم أخذ الاُجرة عليها بجواز ارتزاق مؤدّيها من بيت المال المعدّ لمصالح المسلمين.

و ليس المراد أخذ الاُجرة أو الجعل من بيت المال، لأنّ ما دلّ على تحريم العوض لافرق فيه بين كونه من بيت المال أو من غيره، بل حيث استفدنا من دليل الوجوب كونه حقا للغير يجب أدائه إليه عينا أو كفاية، فيكون أكل المال بإزائه أكلا له بالباطل

**

(1) إرشاد الطالب، ص 304-303.

كان إعطائه العوض من بيت المال أولى بالحرمة، لأنه تضييع له و إعطاء مال المسلمين بإزاء ما يستحقه المسلمون على العامل.

بل المراد أنه إذا قام المكلف بما يجب عليه كفاية أو عينا مما يرجع إلى مصالح المؤمنين (المسلمين) و حقوقهم كالقضاء و الإفتاء و الأذان و الإقامة و نحوها و رأى ولىّ المسلمين المصلحة فى تعيين شىء من بيت المال له فى اليوم أو الشهر أو السنة من جهة قيامه بذلك الأمر، لكونه فقيرا يمنعه القيام بالواجب المذكور عن تحصيل ضرورياته، فيعين له ما يرفع حاجته، و ان كان أزيد من أجرة المثل أو أقل منها.

و لافرق بين أن يكون تعيين الرزق له بعد القيام أو قبله حتى أنّه لو قيل له: اقض فى البلد و أنا أكفيك مؤونتك من بيت المال جاز و لم يكن جعالة.

و كيف كان، فمقتضى القاعدة عدم جواز الارتزاق إلّا مع الحاجة على وجه يمنعه القيام بتلك المصلحة عن اكتساب المؤونة. فالارتزاق. مع الاستغناء و لو بكسب لايمنعه القيام بتلك المصلحة غير جايز. و يظهر من إطلاق جماعة من باب القضاء خلاف ذلك، بل صرّح غير واحد بالجواز مع وجدان الكفاية.(1)

ولايخفى عليك: أن ما ذكره الشيخ الأعظم متفرع على مختاره من عدم جواز جعل الاُجرة على الواجبات و المستحبات؛ و أما بناء على ما تقدم من جواز جعل الاُجرة عليهما فيجوز لولى الأمر إعطاء الاُجرة عليهما من بيت المال إذا اقتضت المصلحة و لم يرد نهى عنه شرعا كالقضاء. و سيأتى إن شاء الله تعالى تفصيله.

هذا مضافا إلى أن أمر الارتزاق بيد ولى الأمر، فإذا رأى المصلحة تقتضى إعطاء الغنى من بيت المال جاز له ذلك، بخلاف ما إذا لم يرها. و عليه فتقييد الارتزاق بالفقر

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 66.

كما ترى؛ و أما ما يقال من أن مع غنى المكلف، فإن كان ذلك العمل واجبا عليه فلايجوز لولى المسلمين الإعطاء من بيت المال، فان عدالة القاضى تمنعه عن ترك القضاء الواجب عليه، فيكون إعطاؤه مع غناه من إتلاف بيت المال.

و هذا بخلاف البذل لمثل المؤذن و الإمام الراتب ممن يقوم بالمستحبات، فإنه يجوز فيما إذا كان تركه موجبا لترك الأذان و الإمامة و نحوهما و لايكون من إتلاف بيت المال بلاجهة، بل القاضى فيما إذا أراد الارتحال من البلد إلى الآخر للقضاء فى ذلك البلد و كانت الحاجة إليه فى البلد أشدّ، فإنه لابأس بالبذل له فإنه من صرف بيت المال فى سبيل صلاح المسلمين.(1)

ففيه: أنه إن كان الواجب كفائيا و اقتضى المصلحة إعطاء الغنى الحاذق لأن يتصدى الواجب بنفسه جاز ذلك و عدالة القاضى مع كون الواجب كفائيا لاتمنعه عن ترك القضاء الواجب عليه عند قيام آخر عليه، كما أن الإعطاء المذكور له لايكون إتلافا لبيت المال مع حذاقته.

الأمر الثالث عشر: فى الاجرة على القضاء

الأمر الثالث عشر: فى الاُجرة على القضاء، و لايذهب عليك أن مقتضى ما مرّ من كلام الشيخ قدس سره هو حرمة الاُجرة و نحوها مع تعين القضاء بناء على مختاره من حرمة أخذ الاُجرة على الواجبات العينية.

و قد تقدم أنّه لاإشكال فى أخذ الاُجرة على الواجبات مطلقا سواء كانت عينية أو تخييرية أو كفائية، ولكن اللازم فى المقام هو الحكم بحرمة أخذ الاُجرة و نحوها على القضاء للروايات الخاصة، منها: صحيحة عبدالله بن سنان، قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن

**

(1) إرشاد الطالب، ص 305-304.

قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت.(1)

ومنها: صحيحة عمّار بن مروان، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام:... و السحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، و منها أجور القضاة و أجور الفواجر، الحديث.(2)

نعم، يجوز للقاضى أن يرتزق من بيت المال، أللّهمّ إلّا أن يقال: ظاهر الصحيحة الأولى حرمة ذلك، و أيضا أجيب عنه بأن الظاهر من هذه الرواية كون القاضى منصوبا من قبل السلطان الجائر إذا ما يأخذه من السلطان العادل لايكون سحتا قطعا. و المنصوب من قبل ذاك غير قابل للقضاء، فما يأخذه سحت من جهت عدم الأهلية، لا من جهة القضاء مع الأهلية. و لو فرض كونه قابلاً للقضاء لم يكن رزقه من بيت المال أو من جائزة السلطان محرما قطعا، فيجب اخراجه عن العموم الدالّ على عدم الجواز.

أورد عليه فى جامع المدارك بقوله: و يمكن أن يقال: من أين حصل القطع بعدم الحرمة إن لم يكن فى البين إلّا ما ذكر من وجه الجواز، إذ حلية جوائز السلطان لاتوجب حلية ما يأخذه من جهة القضاء.

و دعوى دلالة ما كتبه أميرالمؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر من قوله على ما حكى (و افسح له) - أى للقاضى - بالبذل ما يزيح علّته تقلّ معه حاجته إلى الناس على جواز أخذ الرزق من بيت المال. و الظاهر عدم الفرق بين أن يأخذ من السلطان العادل أو من الجائر لما دلّ على حلية بيت المال لأهله و لو خرج من يد الجائر، مندفعة بأنّ ما ذكر من كتاب أميرالمؤمنين صلوات الله عليه لا يدل على حلّية ما يأخذ على القضاء، إذ فرق بين أن يقول السيّد لعبده: اعط المصلّين كذا، و بين أن يقول: اعطهم

**

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب آداب القاضى، ج 27، ص 221، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 95، ح 12.

على صلاتهم كذا، مضافا إلى أنه أخذ من العادل، فلاتعميم فالأولى أن يقال: ما دلّ عليه الصحيحة هو حرمة أخذ الرزق كاُجرة الأجير، و هذا غير إعطاء الرزق لابعنوان المقابلة للعمل و ان كان بلحاظه.(1)

فتحصّل: أن الارتزاق من بيت المال لا بعنوان المقابلة للعمل من دون إنشاء عقد الإجارة و نحوه جايز و لا إشكال فيه، و المأخوذ بهذا العنوان ليس بسحت، و الله هو العالم.

**

(1) جامع المدارك، ج 3، ص 43-42.

خاتمة: و هى تشمل على مسائل:

المسألة الاُولى: فى حرمة بيع المصحف.

و يقع الكلام فى جهات:
الجهة الاُولى: فى المراد من المصحف

الجهة الاُولى: فى المراد من المصحف، قال الشيخ: و المراد به كما صرّح فى الدروس خطّه.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأن الخطّ بما هو خطّ غير قابل للبيع لكونه عرضا محضا تابعا لمعروضه، فلايمكن انفكاكه عنه حتى يبحث فيه بأنه يقابل بالثمن أم لا. و على تقدير كونه من قبيل الجواهر كالخطوط المخطوطة بالحبر و نحوه، فإنه لايقبل النقل و الانتقال، فالمراد بالمصحف هى الأوراق المشتملة على الخطوط كبقية الكتب.

نعم، شأن الخطوط بالنسبة إلى الأوراق شأن الصور النوعية العرفية التى يلزم من انتفائها انتفاء المبيع راساً.

و أما حسن الخط وجودته فذلك من قبيل الأوصاف الكمالية، فتوجب زيادة فى الثمن، و لايلزم من انتفائها انتفاء المبيع لكى يترتب عليه بطلان البيع، بل يثبت الخيار للمشروط له، إلّا إذا كان الخطّ بمرتبة من الجودة صار مبائنا لسائر الخطوط فى نظر العرف كخط المير المعروف.

و حينئذ فتكون صفة الحسن أيضا من الصور النوعية العرفية و يلزم من انتفائها انتفاء المبيع فيحكم ببطلان البيع. إلى أن قال: و على الجملة متعلق البحث فى بيع المصحف إما الأوراق المجردة عن الخطوط، أو العكس، أو هما معا، و حيث لاسبيل إلى الأول و الثانى فيتعين الثالث.(1)

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 483.

و لقد أفاد و أجاد لأن المنهى عن البيع و الشراء هو المصحف و هو الكتاب، و الكتاب ليس نفس الخطوط، بل هو الأوراق المشتملة على الخطوط، فكما أن سائر الكتب إذا صارت منهيا عنها كان المراد منها هى الأوراق المشتملة، فكذلك المصحف.

نعم، لا يخلو كلامه عن بعض المناقشات، فان قوله: إن الخط عرض محض لايقبل البيع و الشراء محل تأمل و إشكال، فان الخطوط كثيراً ما كانت فى العهد السابق من قبيل الجواهر التى يمكن إزالتها، و معه لامجال لدعواه أن الخط عرض محض بخلاف زماننا هذا، فان الخطوط منطبعة فى الأوراق و لاجوهر لها غير الأراق.

وهكذا لايخلو قوله: و على تقدير كونه من قبيل الجواهر كالخطوط المخطوطة بالحبر و نحوه، فإنه لايقبل النقل و الانتقال عن الايراد، إذ لوأباح أو أجار شخص بعض أوراقه لخطاط فكتب المستأجر أو المباح له فيه ما كان يطلبه الناس صار مالكا لما كتب فيه و له أن يبيعه ويعاوضه.

و لاينافى ذلك كون أصل الورق للمبيح أو المؤجر و الخط للخطاط لتغاير الورق عن الخط و الخط عن الورق. و بالتبع لامانع من أن يكون مالكهما متغايرين. و إذا كانت الأوراق المشتملة على القرآن منهيا عنها بيعها و شرائها، فكذلك نفس الخطوط القرآنية الموجودة بوجود آخر غير وجود الورق بطريق أولى، لأنها نفس القرآن.

فتحصّل: أن المراد بالمصحف هو الأوراق المشتملة على الخطوط القرآنية، و الخطوط القرآنية و إن كانت محكومة بالحرمة بالأولوية ولكنّها ليست معنونة بعنوان المصحف كما لايخفى.

الجهة الثانية: فى الروايات و طوائفها:

الجهة الثانية: فى الروايات الواردة فى بيع المصحف و هى على طائفتين:

الطائفة الاولى: هى الأخبار المستفيضة التى استدل بها جماعة من القدماء و المتأخرين على حرمة بيع المصحف.

منها: خبر سماعة بن مهران قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: لاتبيعوا المصاحف، فان بيعها حرام، قلت: فما تقول فى شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف، و إياك أن تشترى منه الورق و فيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما و على من باعه حراما(1).

عبّر الشيخ الأعظم عنه بالموثقة، و ليس كذلك، لأن السند مشتمل على أبى عبدالله الزرارى و هو الجامورانى و هو ضعيف، لاستثناء ابن الوليد إياه عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، و فى استثنائه دلالة على ضعفه. و كيف كان يدلّ على حرمة بيع المصحف و هو الأوراق المشتملة على القرآن لظهور النهى فى الحرمة.

ومنها: موثقة سماعة المروية فى الكافى عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبى عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن بيع المصاحف و شرائها، فقال: لاتشتر كتاب الله عزّوجلّ‌، ولكن اشتر الحديد و الورق و الدفتين، و قل: أشترى منك هذا بكذا و كذا.(2)

و ظاهر النهى هو حرمة شراء كتاب الله، و حيث إن كتاب الله هو الورق المشتمل على الخطوط يكون المراد من قوله: ولكن اشتر الورق الخ، هو الورق غير المشتمل على كتاب الله تعالى.

ثم لايخفى عليك: أن الشيخ الأعظم عبّر عن هذه الموثقة بالمضمرة، ثمّ قال بعد نقلها: و رواه فى الكافى عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبى عبدالله عليه السلام. و الظاهر أن الشيخ الأعظم روى الرواية المضمرة عن التهذيب بإسناده عن الحسين بن

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 161، ح 11.

(2) الكافى، ج 5، ص 121.

سعيد عن عثمان بن عيسى قال: سألته عن بيع المصاحف و شرائها، فقال: لاتشتر كلام الله (كتاب الله) ولكن اشتر الحديد و الجلود و الدفتر و قل: أشترى هذا منك بكذا و كذا.(1)

هذا مضافا إلى أن فى ذيل الصفحة من الوسائل هكذا: و فى التهذيب عثمان بن عيسى عمن سمعه، و عليه فالرواية التى نقلها الشيخ عن التهذيب مضافا إلى كونها مضمرة مرسلة أيضا، إلّا أن الكافى أضبط، فالرواية التى نقلناها عن الكافى المصحّح مسندة موثقة، فلا وجه لرفع اليد عنها بما فى التهذيب من الإرسال و الإضمار.

ومنها: موثقة عبدالله بن سليمان المروية فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن عبدالله بن محمّد عن على بن الحكم عن أبان عن عبدالرحمن بن سليمان عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن المصاحف لن تشترى، فإذا اشتريت فقل: إنما أشترى منك الورق و ما فيه من الاُدم و حليته و ما فيه من عمل يدك بكذا و كذا.(2)

و الرواية المذكورة مطابقة للنسخة المصحّحة الموجودة عند السيّد المحقّق الزنجانى (مدظله)، ولكن فى النسخة المطبوعة فى دار الكتب الإسلامية عبدالرحمن ابن سليمان روى مكان عبدالله ابن سليمان. و من المعلوم أن عبدالله ابن سليمان موثق لنقل الصفوان منه، بخلاف عبدالرحمن ابن سليمان، فإنه لم يوثق.

و أما عبدالله بن محمد، فهو عبدالله بن محمّد ابن عيسى أخو أحمد بن محمّد بن عيسى الملقب ببنان و كلاهما ثقتان و روى الكلينى عنه، و لم يشنه ابن الوليد فهو إيماء إلى وثاقته. هذا مضافا إلى إكثار محمّد بن يحيى العطار الرواية عنه.

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 158، ح 3.

(2) الكافى، ج 5، ص 121.

روى صاحب الوسائل هذه الرواية عن الكافى بالسند المذكور عن عبدالرحمن بن سيابة، و نقلها الشيخ الانصارى عن الوسائل و عبّر عنها برواية عبدالله بن سيابة. و قد تقدم أن هذه الرواية مروية عن عبدالله بن سليمان بحسب النسخة المصحّحة بتصحيح السيّد المحقّق الزنجانى (مدظله العالى) و تكون صحيحة.

و كيف ما كان، فظاهر قوله عليه السلام: إن المصاحف لن يشترى إلخ، أنها لاتدخل فى ملك أحد على وجه العوضية عما بذله من الثمن، و انها كما أفاد الشيخ الأعظم أجلّ من ذلك. و يشير إليه تعبير الإمام فى بعض الأخبار بكتاب الله و كلام الله الدال على التعظيم.

ومنها: خبر الجراح المدائنى عن أبى عبدالله عليه السلام فى بيع المصاحف قال: لاتبع الكتاب و لاتشتره و بع الورق و الأديم و الحديد(1). و عليه فالحكم فى المسألة واضح بعد تلك الأخبار و استفاضتها و حكاية عمل جماعة بها منهم النهاية و التذكرة و الدروس و جامع المقاصد حتى مثل الحلّى الذى لم يعمل بأخبار الآحاد.

الطائفة الثانية: و هى الأخبار التى استدلّ بها للجواز:

منها: موثقة روح بن عبدالرحيم عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سألته عن شراء المصاحف و بيعها، فقال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر و كان ما بين المنبر و الحائط قدر ما تمرّ الشاة أو رجل منحرف، قال: فكان الرجل يأتى و يكتب من ذلك ثمّ إنهم اشتروا بعد [ذلك]، قلت: فما ترى فى ذلك‌؟ قال لى: أشترى أحب إلىّ من أن أبيعه، قلت: فما ترى أن أعطى على كتابته أجرا؟ قال: لابأس، ولكن هكذا كانوا يصنعون.(2)

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 159، ح 5.

(2) الكافى، ج 5، ص 121، ح 3.

و نحوها صحيحة أبى بصير قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن بيع المصاحف و شرائها، فقال: إنما كان يوضع عند القامة (حائط المسجد) و المنبر، قال: كان بين الحائط و المنبر قيد ممرّشاة و رجل و هو منحرف، فكان الرجل يأتى فيكتب السورة كذلك كانوا، ثم إنهم اشتروا بعد ذلك، فقلت: فما ترى فى ذلك‌؟ فقال: أشتريه أحب إلىّ من أن أبيعه.(1)

قال فى مرآة العقول: قوله عليه السلام: «أو رجل منحرف» أى كان المكان ضيقا، بحيث لايمكن للإنسان أن يمرّ بالعرض إلّا منحرفا، و كان القرآن موضوعا فى ذلك الموضع، و ظاهر الخبر الكراهة، كما هو المشهور.(2)

الجهة الثالثة: فى الجمع بين الطوائف

الجهة الثالثة: فى الجمع بين الطائفتين من الأخبار: يمكن الجمع بينهما بوجوه، منها: ما حكاه الشيخ فى المكاسب من حمل النواهى على الكراهة بقرينة موثقة روح بن عبدالرحيم و صحيحة أبى بصير، حيث إنهما تدلّان على جواز الشراء من جهة حكاية ذلك عن المسلمين بقوله عليه السلام: ثمّ إنهم اشتروا بعد ذلك، من جهة قوله: أشتريه أحب إلىّ من أن أبيعه، و من جهة نفى البأس عن الاستيجار لكتابته، كما فى أخبار اُخر غيرها، فيجوز تملك الكتابة بالاُجرة، فيجوز وقوع جزء من الثمن بازائها عند بيع المركب منها و من القرطاس و غيرهما.(3) فيحمل الأخبار المانعة على الكراهة جمعا بينها و بين ما يدلّ على الجواز.

ثمّ أورد عليه الشيخ الأعظم بقوله: لكنّ الإنصاف أن لا دلالة فيها على جواز اشتراء خط المصحف، و إنما تدلّ على أن تحصيل المصحف فى الصدر الأول كان

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 160، ح 8.

(2) مرآة العقول، ج 19، ص 84.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 66.

بمباشرة كتابته ثمّ قصرت الهمم، فلم يباشروها بأنفسهم و حصّلوا المصاحف بأموالهم شراء و استيجارا، و لادلالة فيه على كيفية الشراء و إن الشراء و المعوضة لابدّ أن لايقع إلّا على ما عدا الخط من القرطاس و غيره.

و فى بعض الروايات دلالة على أن الأولى مع عدم مباشرة الكتابة بنفسه أن يستكتب بلاشرط ثمّ يعطيه ما يرضيه، مثل ما رواه فى الوسائل عن الشيخ فى التهذيب بإسناده عن أحمد بن محمّد عن القاسم بن محمّد عن أبان عن عبدالرحمن بن أبى عبدالله عن أبى عبدالله عليه السلام قال: إن أمّ عبدالله بن الحارث أرادت أن تكتب مصحفا و اشترت ورقا من عندها و دعت رجلا فكتب لها على غير شرط فأعطته حين فرغ خمسين ديناراً و أنه لم تبع المصاحف إلّا حديثا(1)، انتهى. و السند صحيح. و كيف ما كان، فهو يؤيد أو يشهد على أن المصاحف لم تبع و لم تجعل مورد المعاملة سابقا، و إنما جعلت مورد البيع حديثاً. أما كيفية البيع كيف تكون‌؟ فلادلالة لها بالنسبة اليها.

ثم قال الشيخ فى ذيل رواية عنبسة الوراق: قال: سألت أباعبدالله عليه السلام فقلت: أنا رجل أبيع المصاحف فان نهيتنى لم أبعها، فقال: ألست تشترى ورقا و تكتب فيه‌؟ قلت: بلى و اُعالجها، قال: لابأس بها.(2)

و هى و إن كانت ظاهرة فى الجواز إلّا أن ظهورها من حيث السكوت عن كيفية البيع فى مقام الحاجة إلى البيان، فلاتعارض ما تقدم من الأخبار المتضمنة للبيان؛ و كيف كان، فالأظهر فى الأخبار ما تقدم من الأساطين المتقدم إليهم الإشارة(3) و ما تقدم منهم هو حرمة البيع و شراء المصاحف.

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 160، ح 10.

(2) الكافى، ج 5، ص 122.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 67-66.

وحاصل كلامه: أن الروايات المجوزة إما لا تكون متعرضة للجواز، أو تكون متعرضة بالظهور السكوتى، و على أىّ تقدير فلا تصلح للمعارضة؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إن ظاهر السؤال فى موثقة روح بن عبدالرحيم و صحيحة أبى بصير المذكورتين هو السؤال عن البيع و شراء المصاحف بنحو المعمول، فلو كان ذلك حراما لكان اللازم هو الإشارة إليه لوجود الحاجة إلى البيان، و حيث لم يقل الإمام عليه السلام إنه حرام، فيكون ذلك ظاهرا فى الجواز و مع ظهور الروايتين فى الجواز أمكن رفع اليد عن ظهور الأخبار المانعة فى الحرمة بحمل النهى على الكراهة.

ولكن يمكن أن يقال: إن ظهور الموثقة و الصحيحة المذكورتين كما أشار إليه الشيخ الأعظم فى ذيل رواية عنبسة ظهور سكوتى و هو لايقاوم الأخبار المتضمنة للبيان الدال على التفصيل بين خطوط المصاحف و بين الورق و الحديد و الأدم و ساير الضمائم.

هذا مضافا إلى أن الأمر يدور بين تقييد المادة و التصرف فى الهيئة، و لاإشكال فى كون التقييد مقدماً على التصرف فى هيئة النهى، مع إمكان أن يقال أيضا: إن الروايات البيانية فى هيئة النهى بمنزلة الحاكم بالنسبة إلى غيرها، فمقتضى الجمع بين الروايات هو التفصيل بين خطوط المصاحف و غيرها، فلامجال لحمل النهى على الكراهة.

ومنها: ما ذكره السيّد المحقّق الخوئى من التصرف فى الهيئة لا فى المادة، بدعوى أن النفى و الإثبات فى الروايات فى بيع المصاحف إنما وردا على مورد واحد، و عليه فلاترتفع المعارضة، حيث قال: و التحقيق أن تحمل الطائفة المانعة من الروايات على الكراهة بدعوى أن الغاية القصوى من النهى عن بيع المصحف إنما هو التأدب و الاحترام لكلام الله عزّوجلّ‌، فإنه أجلّ من أن يجعل موردا للبيع، كسائر الكتب و الامتعة، و أرفع من أن يقابل بثمن بخس دراهم معدودة، إذ الدنيا و ما فيها لاتساوى

عندالله جناح بعوضة، فكيف يمكن أن يقع جزء من ذلك ثمنا للقرآن الذى اشتمل على جميع ما فى العالم و يدور عليه مدار الإسلام.

و يدلّنا على ذلك قوله عليه السلام فى رواية (موثقة) روح بن عبدالرحيم: «أشترى أحب إلىّ من أن أبيعه»، و قوله عليه السلام فى صحيحة أبى بصير: «أشتريه أحب إلىّ من أن أبيعه»، فان كون الشراء أحب عند الإمام عليه السلام من البيع يدلّ على كراهة البيع و كونه منافيا لعظمة القرآن، و لو كان النهى تكليفيّا لم يفرق فيه بين البيع و الشراء.

و لو سلّمنا دلالة الروايات المانعة على الحرمة، ولكنّها ظاهرة فى الحرمة التكليفية، فلادلالة فيها على الحرمة الوضعية، أعنى فساد البيع و عدم نفوذه لعدم الملازمة بينهما. و قد تقدم ذلك مرارا. و يضاف إلى جميع ما ذكرناه أن الطائفة المانعة كلها ضعيفة السند، و غير منجبرة بشىء، فلايجوز الاستناد إليها.(1)

هذا مضافا إلى ما فى إرشاد الطالب من أنه لابد من رفع اليد عن الأخبار المانعة بحملها على الكراهة، فإنه قد ورد فى موثقة روح بن عبدالرحيم المتقدمة نفى البأس عن الكتابة بالأجر، و لو لم يكن لخطّ القرآن مالية و باعتبار عظمته لم تكن كتابته من الأعمال التى لها قيمة.

والحاصل: أنه لايحتمل الفرق بين الأجر على كتابة القرآن و بين بيعه. و جواز الأول كاشف عن جواز الثانى. هذا مع أن ظاهر السؤال فى مثل صحيحة أبى بصير بقوله: (فما ترى فى شرائها) هو السؤال عن جواز شراء المصاحف بالنحو المتعارف فى سائر الكتب، فيكون جوابه عليه السلام بالجواز راجعا إلى ذلك النحو؛ و هذا من الظهور الوضعى لا الإطلاقى، ليتوقف على تمامية مقدمامة. و ذلك فان دلالة اللفظ الموضوع

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 486-485.

للكتاب عليه بالوضع و إضافة البيع إليه ظاهرة بمقتضى وضع الإضافة فى تعلقه بعنوان ذلك الكتاب كما لايخفى.(1)

و لايذهب عليك أنه يمكن أن يقال: إن قوله عليه السلام فى موثقة روح بن عبدالرحيم: «أشترى أحب إلىّ من البيع» لاينافى ما ذهب إليه الشيخ الأعظم، لاحتمال أن يكون المراد أن شراء ما عدا الخط عندى أحب إلىّ من بيع ما عدا الخط. و وجهه ظاهر، لأن أخذ القرآن بإعطاء شىء فى مقابل ما عدا الخط لاينافى تعظيم القرآن، فإنه أخذه بصرف ماله.

هذا بخلاف ما اُعطى القرآن بازاء أخذ شىء من المال، و لو كان طرف المعاملة ما عدا الخط. و كيف ما كان، هذه الجملة لايدلّ على جواز الشراء و لو كان فى مقابل الخط من القرآن. و عليه فلاوجه لحمل النواهى على الكراهة بقرينة تلك الجملة.

ثمّ دعوى الظهور الوضعى بالنسبة إلى جواز شراء المصاحف بنحو المتعارف كما ترى، مع احتمال أن يكون المراد شراء ما عدا الخط، و إنما يصار إلى شراء الخط من جهة الإطلاق و عدم التقييد، فلاوجه لقوله فى إرشاد الطالب بأن هذا من الظهور الوضعى مع ما عرفت من دخالة الإطلاق و عدم التقييد.

ثم قوله: ثمّ إنهم اشتروا بعد ذلك مجمل، لاحتمال أن الشراء عندهم متعلق بغير الخط. و يصلح الأخبار المانعة لرفع الإجمال عنه لو لم نقل إنه مشعر بعدم الجواز لاستناد الشراء إلى إراداتهم لا إلى الشرع، و هو يشعر بالتعريض.

وأما قوله: قلت فما ترى إن أعطى على كتابته أجراً؟ قال: لابأس ولكن هكذا

**

(1) إرشاد الطالب، ص 307-306.

كانوا يصنعون، ففيه أنه لايلازم جواز الشراء و بيع الخط لعدم إحراز مساواة الإجارة المذكورة للبيع و شراء الخط.

ومنها: أن تجويز الشراء و البيع راجعان إلى غير خط القرآن بقرينة الروايات المبنية، فان تلك الروايات موجبة لرفع الإجمال فى الأخبار المجوزة و يحمل الجواز فيها على صورة بيع غير خط القرآن. و إذا دار الأمر بين التقييد أو التصرف فى الهيئة فالتقييد مقدم، كما قرر فى محله. و أما القول بأن الروايات المانعة كلها ضعيفة فقد تقدم أن بعضها موثق طبقا للنسخة المصحّحة. هذا مضافا إلى أن استفاضة الأخبار المانعة تكفى للحجية.

ومنها: ما فى محكى الجواهر من حمل الأخبار المجوزة على إرادة شراء الورق قبل أن يكتب بها على أن يكتبها، فيكون العقد فى الحقيقة متضمنا لمورد البيع و مورد الإجارة، بقرينة قوله عليه السلام: و ما عملته يدك بكذا، ضرورة عدم صلاحية العمل موردا للبيع، فلابد من تنزيله على الإجارة.

واُجيب عنه: بأن النفى و الإثبات فى الروايات الواردة فى بيع المصاحف إنما وردا على مورد واحد. و عليه فلاترتفع المعارضة بين الطائفتين بهذا الجمع، بل هو جمع تبرعى محض، و لاشاهد لهما من العقل و النقل. هذا مضافا إلى أنه لاوجه لجعل العقد الواحد متضمنا لموردى الإجارة و البيع معا تمسكا برواية عبدالرحمن بن سليمان، فإنه مضافا إلى كونها ضعيفة السند أنه لادلالة فيها على مقصود صاحب الجواهر، إذ الظاهر من عمل اليد فى قوله عليه السلام (فقل إنما أشترى منك الورق و ما فيه من الأدم و حليته و ما فيه من عمل يدك بكذا و كذا) هو الأثر الحاصل من العمل لا نفس العمل،

فإنه لاوجه لكون العمل بعد وقوعه متعلقا للإجارة(1).

وفيه أن هذه الرواية من عبدالله بن سليمان و هى موثقة. و سبب التضعيف هو توهم كون الراوى هو عبدالرحمن بن سليمان فى النسخ مع ان فى النسخة المصحّحة هو عبدالرحمن بن سليمان و هو ثقة. نعم، ما ذكره السيّد المحقّق الخوئى فى بيان المراد من قوله: و ما فيه من عمل يدك إلخ تام، و عليه فلاشاهد للجمع الذى ذهب إليه فى محكى الجواهر، بل و الأولى هو حمل المطلق على المقيد كما تقدم.

فتحصّل: أن ما ذكره الشيخ و أيّده الميرزا الشيرازى فى الجملة أقرب من ساير الوجوه، فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو الاجتناب عن البيع و شراء منقوش القرآن لااستقلالاً و لاضمنا.

الجهة الرابعة: فى ان مورد الحرمة أو الكراهة هو الاوراق المنقوشة التى تسمى مصحفا

الجهة الرابعة: فى المراد من حرمة البيع و الشراء بعد فرض أن الكاتب للمصحف فى الأوراق المملوكة مالك للأوراق و ما فيها من النقوش، فان النقوش إن لم تعدّ من الأعيان المملوكة عرفا، فهى من صفات المنقوش الذى يتفاوت قيمته بوجودها و عدمها، فلاحاجة إلى النهى عن بيع الخط، فإنه لايقع بازائه جزءاً من الثمن حتى يقع فى حيّز البيع.

و إن عدّت من الأعيان المملوكة عرفا، فان فرض بقائها على ملك البايع بعد بيع الورق و الجلد فيلزم شركته مع المشترى، و هو خلاف الاتفاق و ان انتقلت إلى المشترى، فان كان بجزء من العوض فهو البيع المنهى عنه لأن بيع المصحف المركب من الخط و غيره ليس إلّا جعل جزء من الثمن بإزاء الخط.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 485-484.

و إن إنتقلت إليه قهرا تبعا لغيره لالجزء من العوض نظير بعض ما يدخل فى المبيع فهو خلاف مقصود المتبايعين، مع أنّ هذا كالتزام كون المبيع هو الورق المقيد بوجود هذه النقوش فيه لاالورق و النقوش، فان النقوش غير مملوكة بحكم الشارع مجرد تكليف صعودى، إذ لا أظنّ أن يعطل أحكام الملك فلاتجرى على الخط المذكور إذا بنينا على أنه ملك عرفا قد نهى عن المعاوضة عليه، بل الظاهر أنه إذا لم يقصد بالشراء إلّا الجلد و الورق كان الخط باقيا على ملك البايع فيكون شريكا بالنسبة. فالظاهر أنه لاضامن عن التزام التكليف الصورى، أو يقال: إن الخط لايدخل فى الملك شرعا و إن دخل فيه عرفا، فتأمل.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إن النقوش فى المصاحف سواء كانت من الأعراض الصرفة أم من الجواهر و إن لم تكن مالاً و لامملوكة بنفسها، ولكنّها دخيلة فى مالية الأوراق، فان هذه النقوش فى نظر أهل العرف من الصور النوعية التى يدور عليها مدار التسمية، بحيث لو باع أحد مجموع ما بين الدفتين على أنّه مصحف فبان أوراقا خالية عن الخطوط أو كتابا آخر بطل البيع، لعدم وجود المبيع فى نظر العرف، فالمصحف و كتاب المفاتيح مثلا نوعان، و الجواهر و البحار متبائنان.

و قد ظهر من جميع ما ذكرناه أن مورد الحرمة أو الكراهة فى بيع المصحف هو الورق المنقوش الذى يسمّى مصحفا. و يؤيد ذلك ما فى رواية سماعة من قوله عليه السلام «و إياك أن تشترى الورق و فيه القرآن مكتوب».(2)

و عليه فما ذهب إليه الشيخ قدس سره من أن الخطوط و النقوش لو عدت من صفات

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 67.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 488.

المنقوش و المخطوط الذى يتفاوت قيمته بوجودها و عدمها، فلاحاجة إلى النهى عن بيع الخط، فإنه لايقع بازائه جزء من الثمن حتى يقع فى حيّز البيع كما ترى، فان المنهى هو بيع الورق المنقوش و المخطوط كما صرّح به فى رواية سماعة بن مهران: «و إيّاك أن تشترى منه الورق و فيه القرآن مكتوب». فالمنهى هو بيع الورق المذكور.

و لايلزم منه أن يكون البيع مركبا من المادة و الخطوط أو النقوش، فان النقوش و الخطوط من صفات المنقوش و المكتوب الذى يتفاوت قيمته بوجودها و عدمها، و الصفات لاتقابل بالأعواض، و إن كانت موجبة لمزيد قيمة الموصوف. و معذلك نهى عن بيع المنقوش بخطوط القرآن. و عليه فاللازم أن يكون المبيع هو نفس الورق الخالى عن النقوش أو الضمائم من دون ملاحظة الخطوط و النقوش، و إنما الخطوط و النقوش انتقلت بالتبع.

و أما دعوى أن الانتقال التبعى خلاف مقصود المتبايعين فهى كما ترى مع شيوع بيع الموصوفات بالصفات التى لاتقابل بالاعواض، فان القصد فى أمثالها تعلق بانتقال الموصوفات. و أما الصفات فهى تنتقل إلى المشترى بالتبع أو باشتراط مشترى الجلد و الغلاف و نحوهما من الضمائم.

على البايع فى ضمن العقد أن يملكه الأوراق التى كتب فيه القرآن مجاناً و بلاعوض، ولكن الاشتراط المذكور غير محرز. هذا مضافا إلى أن ذلك مبنى على تملك الأوصاف مع أن التملك متعلق بالموصوف لابالأوصاف.

و ممّا ذكر يظهر ما فى كلام الشيخ، حيث قال بعد العبارة المذكورة: و لأجل ما ذكرنا التجأ بعض إلى الحكم بالكراهة و أولوية الاقتصار فى المعاملة على ذكر الجلد و

الورق بترك إدخال الخط فيه احتراما، و قد تعارف إلى الآن تسمية ثمن القرآن هدية.(1)

و ذلك لأن بعد ما عرفت من أن انتقال الأوصاف يكون بالتبع لااضطرار إلى القول بالكراهة، كما قال فى بلغة الطالب: لاداعى إلى حمل الأخبار المانعة على الكراهة، بل يمكن حملها على الحرمة بأن يكون الممنوع جعل القرآن و المصحف و كلام الله عنوانا للمبيع، و وجوب التعبير عنه بغير هذه العناوين، مثل عمل اليد و هذا الموجود و ما بين الدفتين و أمثالها(2).

فاتضح مما ذكر أن المراد من حرمة البيع و الشراء فى المصاحف هو حرمة بيع الورق المنقوش بخطوط القرآن الذى يسمّى مصحفا، و لو لوحظت الخطوط من صفات المنقوش فلايجوز بيع المصحف و شرائه كبيع سائر الكتب و شرائه، بل اللازم هو بيع الضمائم و شرائها على الأحوط.

الجهة الخامسة: فى عدم جواز بيع المصحف من الكافر

الجهة الخامسة: فى عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه الذى يجوز بيعه من المسلم، حكى عن المشهور بين العلامة و من تأخّر عنه عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه المذكور. قال الشيخ الأعظم قدس سره: و لعلّه لفحوى ما دلّ على عدم تملك الكافر للمسلم، و ان الاسلام يعلو و لايعلى عليه، فان الشيخ (الطوسى) رحمه الله قد استدلّ به على عدم تملك الكافر للمسلم.

و من المعلوم أنّ ملك الكافر للمسلم و إن كان علوّاً على الإسلام، فملكه للمصحف أشدّ علوّاً عليه؛ و لذا لم يوجد هنا قول بتملكه و إجباره على البيع كما قيل به فى العبد المسلم. و حينئذ فلو كفر المسلم انتقل مصحفه إلى وارثه، و لو كان الوارث هو الإمام هذا.

**

(1) راجع: المكاسب المحرّمة، ص 67.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 218.

ولكن ذكر فى المبسوط فى باب الغنائم: أنّ ما يوجد فى دار الحرب من المصاحف و الكتب التى ليست بكتب الزندقة و الكفر داخل فى الغنيمة و يجوز بيعها. و ظاهر ذلك تملك الكفار للمصاحف، و إلّا لم يكن وجه لدخولها فى الغنيمة، بل كانت من مجهول المالك المسلم و إرادة غير القرآن من المصاحف بعيدة.(1)

و أجاب السيّد المحقّق الخوئى عن وجوه الحرمة بقوله: استدلّ المصنف بوجوه: الأوّل: فحوى ما دلّ على عدم تملك الكافر للمسلم، و فيه أولا: أنه لادليل على ذلك، بل ما دلّ على وجوب بيعه يدلّ بالالتزام على تملكه إيّاه، إذ لابيع إلّا فى ملك. و أيضا ذكر الفقهاء أنه لو اشترى الكافر أحد عموديه المسلم فإنه ينعتق عليه، مع أنه لاعتق إلّا فى ملك.

و ثانيا: لو سلّمنا ثبوت الحكم فى العبد المسلم فلانسلّم قياس المصحف عليه، فإنه مضافا إلى بطلان القياس فى نفسه أنّ فى تملك الكافر للمسلم ذلّا عليه، بخلاف تملكه للمصحف، فإنّه ربما يزيد فى احترامه، كما إذا جعله فى مكتبة نظيفة للاطلاع على آياته و براهينه، بل قد تترتب على ذلك هدايته إلى الإسلام.

الثانى: النبوى صلى الله عليه وآله و سلم المعروف: «الاسلام يعلو و لايعلى عليه»، بدعوى أنّ تملك الكافر للمصحف يوجب الاستعلاء على الاسلام فلايجوز.

وفيه أوّلاً: أنّ النبوى المذكور ضعيف السند. وثانياً: أنّه مجمل فلايجوز الاستدلال به على المطلوب، إذ يمكن أن يراد به أنّ الإسلام يغلب على بقية الأديان فى العالم. و يمكن أن يراد به أنّ الإسلام أشرف من سائر المذاهب. و يمكن أن يراد

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 67.

به علوّ حجته و سموّ برهانه، لأنّ حقيقة الإسلام مستندة إلى الحجج الواضحة و البراهين اللائحة، بحيث يفهمها كل عاقل مميز حتى الصبيان.

إلى أن قال: الثالث: أنّ بيع المصحف من الكافر يوجب هتكه، لعدم مبالاته بهتك حرمات الله. و فيه: أنّ بين هتك القرآن و بين بيعه من الكافر عموما من وجه، فقد لايوجب بيعه من الكافر هتكا له، كما إذا اشتراه و جعله فى مكتبة نظيفة و احترمه فوق ما يحترمه نوع المسلمين.

و قد يتحقق الهتك حيث لايتحقق بيعه من الكافر، كما إذا كان تحت يد مسلم لايبالى بهتك حرمات الله، فيجعله فى مكان لايناسبه و يعامله معاملة المجلات و القراطيس الباطلة، و قد يجتمعان، كما إذا اشتراه الكافر و نبذه وراء ظهره.

على أنّ الهتك إنما يترتب على تسليط الكافر على المصحف خارجا، لا على مجرد بيعه منه. و عليه فإذا وكّل مسلما فى بيعه و شرائه و التصرف فيه و الانتفاع به فإنه لايترتب عليه الهتك من ناحية تملك الكافر إيّاه.

الرابع: أنّ بيع المصحف من الكافر يستلزم تنجّسه، للعلم العادى بمسّ الكافر إياه بالرطوبة، فيكون حراما من هذه الجهة.

وفيه: أوّلاً: أنّ بيعه منه لايلازم تنجسه، فإنّ بينهما عموما من وجه، كما هو واضح.

وثانياً: أنّ ذلك من صغريات الإعانة على الإثم، و قد علمت فى البحث عن بيع العنب ممن يجعله خمرا أنه لا دليل على حرمتها إلّا فى موارد خاصة.

و يضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ المستفاد من الوجوه المذكورة هو حرمة البيع تكليفا. و قد تقدم مرارا أنّه لاملازمة بينها و بين الحرمة الوضعية.(1)

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 491-490.

و لقد أفاد و أجاد إلّا أنّ نفى الملازمة بين الحرمة التكليفية و الحرمة الوضعية فى المقام لايخلو عن تأمل، فانّ فى محكى الدروس أنّه لو باع المصحف على كافر بطل على الأصح، و قيل: يصح و تزال يده قهرا ببيعه على مسلم.(1)

هذا مضافا إلى أن الشيخ الأعظم حسّن عدم جواز النقل، حيث قال: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر، ذكره الشيخ و المحقّق فى الجهاد و العلامة فى كتبه و جمهور من تأخر عنه. و عن الإسكافى أنه قال: و لا أختار أن يرهن الكافر مصحفا و ما يجب على المسلم تعظيمه و لاصغيرا من الأطفال، انتهى. و استدلوا عليه بوجوب احترام المصحف و فحوى المنع من بيع العبد المسلم من الكافر. و ما ذكروه حسن، و إن كان وجهه لايخلو عن تأمل أو منع.(2)

و يظهر من محكى الخلاف عدم الخلاف فى عدم انعقاد الشراء و ملكية العبد المسلم للكافر، حيث قال: مسألة 315: إذا اشترى كافر عبداً مسلماً لاينعقد الشراء و لايملكه الكافر، و به قال الشافعى فى الإملاء.

و قال فى الأمّ‌: يصح الشراء و يملكه و يجبر على بيعه، و به قال أبوحنيفة و أصحابه. دليلنا: قوله تعالى: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (3) و هذا عامّ فى جميع الأحكام(4).

وعليه فقيام الإجماع على عدم انتقال العبد المسلم من الكافر واضح، فلو كان حكم المصحف حكم العبد المسلم بالأولوية كان مقتضاه هو عدم الانتقال من الكافر

**

(1) الينابيع الفقهية، ج 35، ص 404.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الاعظم، ص 160.

(3) النساء، 141.

(4) الينابيع الفقهية، ج 35، ص 128.

فى بيع القرآن، و الإجماع المذكور لو كان متصلا إلى زمان المعصوم كان الحكم المذكور مورد تقرير الإمام عليه السلام، و مقتضاه هو عدم جواز البيع و الشراء و عدم الانتقال فى العبد و فى القرآن فتدبّر.

ولكن المستفاد من المختلف هو الخلاف فى المسألة، حيث قال: لايجوز أن يشترى الكافر عبدا مسلما، فإن اشتراه كان باطلا، و قيل: يجوز و يجبر على بيعه من مسلم. و اختار الشيخ الأول، و هو الحق لنا قوله تعالى: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (1) ودخوله فى ملكه أعظم السبيل. احتجّ الآخرون بأنّ للكافرين أهلية التملك و العبد المسلم يصح تملكه و قد وجد العقد فيثبت صحة البيع، و السبيل ينتفى بإجباره على بيعه، كما لو أسلم الكافر تحت يد الكافر. و الجواب لايكتفى المقتضى مع وجود المانع و هو إثبات السبيل للكافر على المسلم.(2) و معه يشكل إحراز الإجماع المتصل على عدم الانتقال، فالاحوط هو الاجتناب عن بيع المصحف من الكافر بنحو يجوز بيعه من المسلم و إن كان وجهه لايخلو عن تأمل، و مقتضاه هو الجواز.

الجهة السادسة: فى حكم ابعاض المصحف

الجهة السادسة: فى حكم أبعاض المصحف، قال الشيخ الأعظم قدس سره: و الظاهر أنّ أبعاض المصحف فى حكم الكل إذا كانت مستقلة، و أما المتفرقة فى تضاعيف غير التفاسير من الكتب للاستشهاد بلفظه أو معناه فلايبعد عدم اللحوق لعدم تحقق الإهانة.(3)

و استدلّ لكون البعض فى حكم الكل بقوله عليه السلام فى رواية سماعة المتقدمة: و إياك أن تشترى الورق و فيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما و على من باعه حراما،

**

(1) المصدر السابق نفسه.

(2) المختلف، كتاب التجارة، ص 171.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 67.

مستدلاً بأن هذه الرواية ظاهرة فى شمول الحكم لأىّ ورق كتب فيه القرآن.(1)

يمكن أن يقال: إنّ الرواية المذكورة ضعيفة لاشتمال سندها على أبى عبدالله الزرارى و هو الجامورانى، و هو ضعيف لاستثناء ابن الوليد إيّاه عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، أللّهمّ إلّا أن يستدلّ بقوله عليه السلام فى موثقة سماعة: لاتشتر كتاب الله عزّوجلّ‌(2)، و بقوله عليه السلام فى موثقة عثمان بن عيسى: لاتشتر كلام الله (كتاب الله).(3) بناء على صدق كلام الله على الابعاض أيضا كما هو الظاهر.

هذا مضافا إلى وجود حكمة الحكم و هو الإهانة بتعيين ثمن بخس فى مقابل ثمين لامثل له، كما أشار إليه الشيخ الأعظم قدس سره فى كلامه بتعليله عدم لحوق المتفرقة فى تضاعيف غير التفاسير بقوله: لعدم تحقق الإهانة.

الجهة السابعة: فى حكم الكتب المشتملة على بعض الآيات ككتب الفقه

الجهة السابعة: فى حكم الكتب المشتملة على بعض الآيات ككتب الفقه و اللغة و النحو و الحديث، تمكن أن يقال: إذا قلنا بعدم جواز الأبعاض يسرى ذلك إلى الكتب المشتملة على بعض الآيات، قال السيّد المحقّق الخوئى: ولكن الذى يسهل الخطب أنّ السيرة القطعية قائمة على جواز بيع الكتب المزبورة و شرائها من غير نكير حتى من المتورّعين فى أفعالهم و معاملاتهم. بل لم نر و لم نسمع من متقضه أنه أفتى فيها بكراهة البيع فضلاً عن الفقيه، و إذن فلابأس بالالتزام بجواز بيع كل كتاب مشتمل على الآيات القرآنية.(4) و الأحوط فيه أن يقصد المتعاملان معاملة الكتب المذكورة غير

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 489.

(2) الكافى، ج 5، ص 121.

(3) الوسائل، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 158، ح 3.

(4) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 489.

الآيات القرآنية، و إن كان بيع مجموع الكتاب مع اشتماله عليها جايزا لقيام السيرة القطعية المذكورة.

الجهة الثامنة: فى عدم الملازمة بين الحكم التكليفى و والضحى

الجهة الثامنة: فى أنّ الحرمة التكليفية على تقديرها لايلازم الحرمة الوضعية. نعم، لو دلت النصوص على حرمة التصرف فى الثمن أو المثمن أو على بيان المانع كان ذلك دليلا على الحرمة الوضعية و لادليل لذلك.

قال فى مصباح الفقاهة: و لو سلمنا دلالة الروايات المانعة على الحرمة، ولكنّها ظاهرة فى الحرمة التكليفية، فلادلالة فيها على الحرمة الوضعية، أعنى فساد البيع و عدم نفوذه، لعدم الملازمة بينهما.(1)

و قد تقدم أنّ المستفاد من الخلاف و المختلف أن بيع العبد المسلم من الكافر لايصح و لايوجب النقل و الانتقال ولكن المسألة مورد الاختلاف و لادليل على عدم الانتقال و البطلان.

الجهة التاسعة: فى مبادلة المصحف بالمصحف

الجهة التاسعة: فى مبادلة المصحف بالمصحف، قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: ثمّ إنّه على القول بحرمة بيع المصحف أو بكراهته، فلايجرى ذلك فى مبادلة مصحف بمصحف آخر، [لا] لانصراف أدلة المنع عن هذه الصورة، كما ذكره السيّد رحمه الله، لإمكان منعه بإطلاق الأدلة، على أنه لامنشأ للانصراف المذكور، بل لما عرفت سابقا من أنّ المنع عن بيع القرآن إنما هو لعظمته و أنه يفوت عن الإنسان متاع ثمين بإزاء ثمن بخس، فإذا كانت المبادلة بين المصحفين لم يجر ذلك المحذور موضوعا.(2)

الجهة العاشرة: فى حكم مطلق النقل و الانتقال غير البيع و الشراء

الجهة العاشرة: فى أنّ القرآن قابل للنقل و الانتقال بغير البيع، للعمومات. و النهى

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 485.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 486.

عن البيع و الشراء لايستلزم النهى عن مطلق النقل و الانتقال، بل مقتضى العمومات هو جواز غير البيع و الشراء من الانتقالات.

قال فى مصباح الفقاهة: ثمّ إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته للروايات المتقدمة، فإنه لاإشعار فيها بأنّ القرآن لايملك، و أنّه لايقبل النقل و الانتقال مطلقا. و عليه فمقتضى القاعدة أنّه كسائر الأموال يجرى عليه حكمها من أنحاء النقل و الانتقال حتى الهبة المعوضة، لوقوع العوض فى مقابل الهبة دون المصحف، إلّا البيع فقط(1).

و يشكل ذلك بأن العوض و إن كان فى مقابل الهبة بالمعنى المصدرى، ولكن العرف يراه مقابلا للمصحف، فتأمّل. هذا مضافا إلى أنّ حكمة النهى عن البيع و الشراء تقتضى المنع عن مطلق المعاوضة، و لو لم يكن بيعا و شراء.

و عليه فإن أريد نقل المصحف، فلايقابله بشىء و لو كان بمثل الهبة. و إن أريد نقل الجلد و الأدم و نحوهما من الضمائم، فلامانع من بيعه و شرائه، فضلا عن الهبته المعوضة، و الله هو العالم.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 486.

المسألة الثانية: فى جوائز السلطان

اشارة

و عمّاله، بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو عوضا، و هى لايخلو عن أحوال، لأنّه أما أن لايعلم فى جملة أموال هذا الظالم مال محرّم يصلح لكون المأخوذ من ذلك المال، و إمّا أن يعلم. و على الثانى، فإمّا لايعلم أن ذلك المحرم أو شيئا منه هو داخل فى المأخوذ، و إمّا أن يعلم ذلك. و على الثانى فإمّا أن يعلم تفصيلا، و إمّا أن يعلم إجمالا.

فالصور أربع:

و صور المسألة:
الصورة الأولى: هى ما اذا لم يعلم بمال حرام فى جملة أموال الظالم

الصورة الاُولى: من صور جوائز السلطان هى ما إذا لم يعلم بمال حرام فى جملة أموال ظالم يصلح لكون المأخوذ من ذلك المال. قال الشيخ الأعظم قدس سره: لاإشكال فيها فى جواز الأخذ و حلّية التصرف، للأصل و الإجماع و الأخبار الآتية، لكن ربّما يوهم بعض الأخبار أنّه يشترط فى حلّ مال الجائر ثبوت مال حلال له، مثل ما عن الاحتجاج عن الحميرى أنّه كتب إلى صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مسئله عن الرجل من وكلاء الوقف «مستحل» لما فى يده لايرع عن أخذ ماله، ربّما نزلت فى قريته و هو فيها، أو أدخل منزله و قد حضر طعامه فيدعونى إليه، فإن لم آكل طعامه عادانى عليه، فهل يجوز لى أن آكل من طعامه و أتصدق بصدقة و كم مقدار الصدقة‌؟ و إن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعونى إلى أن أنال منها و أنا أعلم أنّ الوكيل لايتورع عن أخذ ما فى يده، فهل علىّ فيه شىء إن أنا نلت منها؟

الجواب: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غيرما فى يده فكل طعامه و اقبل برّه، و إلّا فلا.(1)

بناء على أن الشرط فى الحلّية هو وجود مال آخر، فإذا لم يعلم به لم يثبت الحلّ‌،

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 217، ح 15؛ الاحتجاج، ج 2، ص 306.

لكن هذه الصورة قليل التحقق.(1)

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره بأنّ الاستدلال بالإجماع مع احتمال قريب بأن يكون مستندهم هو قاعدة اليد، و الأخبار الخاصة الواردة فى المقام فلايكون إجماعا تعبديّا.

ثم إنّ المراد من الأصل الذى استدلّ به إن كان هو قاعدة اليد فهو متين، لأنّها من القواعد المسلّمة بين الفقهاء، فحال الجائر فى هذه الصورة حال بقية الناس، فإنّ الاحتمال المذكور موجود حتى فى أموال العدول من المسلمين، بل يمكن شمول قاعدة اليد للكفار أيضا. و إن كان المراد من الأصل غير قاعدة اليد، فلانعلم له وجها صحيحا.

وقد يقال: إنّ المراد به أصالة الصحة، فإنّ القاعدة تقتضى حمل فعل المسلم على الصحة. و المفروض أنّ الجائر من المسلمين، فيعامل معاملة بقية المسلمين.

ولكن يرد عليه: أنّه لم يقم دليل لفظى على اعتبار أصالة الصحة، لكى يتمسك بإطلاقه فى كل مورد يشك فيه، و دليلها إنما هو السيرة و هى من الأدلة اللبيّة، فيؤخذ بالمقدار المتيقن منها، و هو نفس العقود و الإيقاعات مع إحراز أهلية المتصرف للتصرف. و عليه فإذا شك فى أنّ العقد الفلانى تحقّق صحيحا أو فاسداً لخلل فى إيجابه أو قبوله، فإنه يحمل على الصحة.

و أمّا إذا شك فيه من جهة اُخرى، فلادليل على حمل فعل المسلم على الصحة. و من هنا لو أشار أحد إلى دار معيّنة و قال: بعتك هذه الدار بكذا، فإنّه لايمكن الحكم بصحة هذه المعاملة اعتماداً على أصالة الصحة إذا انتفت قاعدة اليد، أو إذا قطعنا النظر عنها. إلى أن قال: و قد يقال: إنّ المراد بالأصل هو أصالة الإباحة الثابتة بالأدلة العقلية و النقلية. و فيه: أنّ أصالة الإباحة إنما تجرى فى الأموال إذا لم تكن مسبوقة بيد

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 67.

اُخرى، كالمباحات الأصلية التى ملكها الجائر بالحيازة. و أما إذا كانت مسبوقة بيد اُخرى، فإن أصالة الإباحة محكومة بأصل آخر، و هو عدم انتقال الأموال المذكورة إلى الجائر من مالكها السابق.

فيحرم تناول تلك الأموال من الجائر، إذ ليس هنا أصل موضوعى يثبت مالكية لما فى يده إلّا قاعدة اليد. و المفروض أنها لاتجرى فى المقام. و قد احتمل المصنف أنه لايجوز أخذ الجوائز من الجائر إلا مع العلم باشتمال أمواله على مال حلال، لكى يحتمل أن يكون المال المأخوذ من المال الحلال، و قد استند فى ذلك إلى رواية الحميرى.

ويرد عليه أولاً: أن الرواية مرسلة، فلايجوز الاستناد إليها. وثانياً: أنها غريبة عن محل البحث، فإن مورد كلامنا هى الصورة الاُولى، و هى ما إذا لم يعلم باشتمال أموال الجائر على مال محرم، و مفروض الرواية عكس ذلك، فتكون راجعة إلى الصورة الآتية.(1)

ولقائل أن يقول أولاً: إنّ اليد أمارة عقلائية على الملكية، و هى غير محرزة فى مثل الجائر و السارق و نحوهما ممن لايبالى بارتكاب الحرام. و عليه فالأخذ بقاعدة اليد فى جوائز الجائر كما ترى. أللّهمّ إلّا أن يقال: إن عرف العقلاء و المتشرعة لم يجتنبوا عن المعاملة معهم مادام لم يعلموا بأنّ ما فى أيديهم من الأموال المغصوبة، و ليس ذلك إلّا لأمارية اليد.

هذا مضافا إلى ورود بعض الروايات فى جواز المعاملة مع اللصّ عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن شراء الشىء من الرجل الذى يعلم أنه يخون أو يسرق أو يظلم، قال: لابأس بالشراء منه ما لم يعلم أن المشترى خيانة أو ظلم أو سرقة، فإن علم فأنّ ذلك لايحل بيعه و لاشراؤه، الحديث.(2) و الرواية ضعيفة.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 494.

(2) جامع الأحاديث، ج 17، ص 433 الباب 1 من أبواب لا بيع إلّا عن ملك.

و عن الكافى بسند صحيح عن أبى بصير قال: سألت أحدهما عليهما السلام عن شراء الخيانة و السرقة، فقال: لا، إلّا أن يكون قد اختلط معه غيره، فأما السرقة بعينها فلا، الحديث.(1) و هو يدلّ على جواز المعاملة مع السارق إذا اختلط المسروق فى أمواله، و غير ذلك من الأخبار.

نعم، إذا علم أو حصل الاطمئنان بأنّ ما فى يده لايكون إلّا من الحرام سقطت اليد عن الأمارية. و أما ما يرى فى بعض المتهمين بالاختلاس من الزامهم بذكر موارد الاكتساب، فلعلّه لرفع الاتهام أو لحفظ بيت المال، و إلّا فأيديهم أمارة الملكية ما لم يثبت الخلاف.

وثانياً: أن مدرك أصالة الصحة هو بناء العقلاء و هى لاتختص بموارد ثبوت الأهلية، و إلّا لكان نوع المعاملات باطلا لاحتمال الاختلال فى الوكالة أو الوصاية أو رشده فى المعاملات. و عليه فلامانع من أن يراد بالأصل أصالة الصحة، كما لا مانع من أن يراد منه أصالة اليد.

وثالثاً: أن ظاهر الاحتجاج هو نقل الرواية من كتاب الحميرى، حيث قال: كتاب آخر لمحمد بن عبدالله الحميرى أيضا إليه عليه السلام إلخ، فلو كان الكتاب مشهورا أو يكون مسندا، كما قال بعض الأكابر إن الشيخ رواه مع كتب اخرى بالسند فى كتاب الغيبة لايكون الرواية مرسلة.

ثم لايخفى عليك أنه قال فى بلغة الطالب: لامجرى لأصالة الإباحة مع أصالة اليد أو أصالة صحة المعاملة بناء على جريانهما، لكونهما سببين بالنسبة إليها، و أما مع قطع النظر عن أصالة اليد و أصالة الصحة، فقد يتوهم جريانها، لأنّه شك فى الحلّ و

**

(1) جامع الأحاديث، ج 17، ص 432.

الحرمة من جهة الشبهة المصداقية، حيث إنه لو كان هو المالك حلّ‌، و لو لم يكن هو المالك يحرم، و كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال.

ولكن يتوجه عليه بأنّ أصالة عدم انتقاله إلى الجائر مقدم على أصالة الإباحة، و لازم عدم الانتقال شرعا عدم تأثير اذنه فى رفع الحرمة، و لو فرض مورد لايجرى أصالة عدم الانتقال فيه لعدم سابقة له كأن كان المعطى جارية يحتمل كونها وليدته، فالمرجع استصحاب الحرمة الثابتة قبل الإذن.

وإن قيل: إنّ الحرمة السابقة مرددة بين مقطوع الزوال بالإذن لو كان هو المالك، و مقطوع البقاء لو لم يكن، قلنا: إن هذا يمنع عن الاستصحاب الشخصى دون الكلى، و ليس من قبيل استصحاب الملك بعد الفسخ المردد بين الجائر و اللازم حتى يكون من الشك فى المقتضى، بناء على تنويع الملك، لأنّ ما نحن فيه من الشك فى الرافع على التقديرين.(1)

فتحصّل أنّ الأخذ من الجائر فى الصورة الأولى جايز لقاعدة أمارية اليد، أو لأصالة الصحة لو لم يترتب عليه عنوان محرم من المحرمات كتقوية الظالم، و إلّا فهو محرم تكليفا، كما لايخفى.

الصورة الثانية: هى ما اذا علم ثبوت الحرام فى الاموال التى كانت بيد الجائر
اشارة

الصورة الثانية: من صور جوائز السلطان وهى ما إذا علم ثبوت الحرام فى الأموال التى بيد الجائر و احتمل أن الجائزة المأخوذة من ذلك الحرام فصل الشيخ الأعظم بين ما إذا كانت الشبهة غير محصورة أو محصورة ملحقة بغير المحصورة، كصورة خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء، و بين ما إذا كانت الشبهة محصورة، بحيث تقتضى قاعدة الاحتياط لزوم الاجتناب عن جميع الأطراف.

وتفصيل ذلك: أنه قال: إن كانت الشبهة فيها غير محصورة، فحكمها كالصورة

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 221-220.

الاُولى، و كذا إذا كانت محصورة بين ما لايبتلى المكلف به و بين ما من شأنه الابتلاء به، كما إذا علم أن الواحد المردد بين هذه الجائزة و بين أم ولده المعدودة من خواص نسائه مغصوب.

و ذلك لما تقرر فى الشبهة المحصورة من اشتراط تنجّز تعلق التكليف فيها بالحرام الواقعى، بكون كلّ من المشتبهين بحيث يكون التكليف بالاجتناب عنه منجزاً لو فرض كونه هو المحرم الواقعى لامشروطاً بوقت الابتلاء المفروض انتفائه فى أحدهما فى المثال، فإنّ التكليف غير منجز بالحرام الواقعى على أى تقدير، لاحتمال كون المحرم فى المثال هى أم الولد و توضيح المطلب فى محلّه.(1)

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: بأن كون الشبهة محصورة أو غير محصورة، أو خروج بعض أطرافها عن محل الابتلاء ليس مناطا فى تنجيز العلم الإجمالى، لعدم الدليل عليه من العقل أو النقل، بل الحجر الأساسى فى تنجيزه أن يكون ارتكاب كل فرد من أطراف الشبهة مقدوراً للمكلف.

و عليه فإن كان جميع أطراف الشبهة هنا مقدورا للمكلف كان العلم الإجمالى منجزا للتكليف، و إلّا فلا، سواء كانت الشبهة محصورة أم غير محصورة، و سواء كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء أم لا، و على هذا فلاوجه لتفصيل المصنف.

و التحقيق أنه لامانع من التصرف فى هذه الصورة أيضا، سواء أخذ المال من الجائر مجانا أم مع العوض. و ذلك من جهة الاعتماد على قاعدة اليد، فمن المحتمل أن يكون الحرام منطبقا على ما بيد الجائر دون ما أعطاه للغير. و لافرق فيما ذكرناه بين ما كان المناط فى تنجيز العلم الإجمالى نفس العلم أو تعارض الاُصول.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ قدس سره، ص 67.

و الوجه فى ذلك أن جريان قاعدة اليد فى المال المأخوذ لامانع عنه، و أما المال الآخر الباقى تحت يد الجائر فهو غير مشمول للقاعدة، للعلم بحرمة التصرف فيه على كل من تقديرى كونه غصبا و عدمه(1).

وفيه: أن الخروج عن محل الابتلاء أو كون الشبهة غير محصورة لايجتمع مع القدرة العرفية و الخطاب مع عدم القدرة العرفية مستهجن، كما مع عدم القدرة العقلية فمناط التنجيز مع غير المحصورة أو الخروج عن محل الابتلاء ليس موجودا فلايفيد التفصيل المذكور، إلّا ما أفاده التفصيل الذى ذكره الشيخ قدس سره.(2)

ربّما يشكل إلحاق هذه الصورة بالصورة السابقة نظرا إلى أن المجوز للارتكاب فى الصورة السابقة لم يكن إلّا اليد و اليد هنا معارض لثبوت يد الجائر على جميع الأطراف، فيبقى جواز التصرف بلا مدرك بعد تعارض اليد فى الأطراف و تساقطها.

يمكن أن يقال: إذا علم وجود الحرام فى ساير أموال الجائر (مع قطع النظر عن المأخوذ) و احتمل كون المأخوذ أيضا حراما، فلابأس بإجراء قاعدة اليد فى المأخوذ كالصورة السابقة. و ذلك لأن العلم الإجمالى بين المأخوذ و غيره من أموال الجائر ينحل فى الفرض المذكور إلى العلم التفصيلى بوجود الحرام فى ساير الأموال من الجائر و احتمال الحرمة فى المأخوذ، فيؤخذ فيه بقاعدة اليد فى المأخوذ عن الجائر من دون معارض لأنّه فى حكم الشبهة البدوية.

نعم، إذا علم حرمة بعض أموال الجائر و تردد المعلوم بالإجمال بين الجائزة المأخوذة و ما عند الجائر، فلما ذكر من دعوى العلم الإجمالى بحرمة المأخوذ أو

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 495.

(2) راجع عمدة الاصول، ج 6، ص 108 التنبيه الرابع.

حرمة ما عند الجائر وجه، إلّا أن يقال: إن ما عند الجائر خارج عن محل ابتلاء أخذ الجائزة، بخلاف المأخوذ بعنوان الجائزة، فمع العلم بحرمة ما عند الجائر غصبا من الغير أو بدون إذن الجائر لامجال لخطاب النهى لأنه لغو، فبقى الخطاب بالنسبة إلى المأخوذ و هو الشبهة البدوية.

هذا كله بحسب القواعد و اما بحسب الأخبار فيكفى للدلالة على عدم وجوب الاحتياط عند خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء صحيحة أبى عبيدة عن أبى جعفر عليه السلام قال سألته عن الرجل منا يشترى من السلطان من ابل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذى يجب عليهم. قال: فقال: ما الابل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لابأس به حتى تعرف الحرام بعينه(1). و غير ذلك من الأخبار لوضوح أن مورد شبهة الراوى ليس ان السلطان لايحق له التصرف فى الصدقات لكونه جائرا غاصبا للولاية بل كان الجواز من هذه الناحية مفروغا عنه و إنما الشبهة من ناحية علمه بأنهم يأخذون من الناس ازيد مما وجب عليهم. و يحتمل أن يكون منطبقا على ما يشترى هو منهم فهو يعلم بوجود الحرام فيما بايديهم اجمالا الا أنه ليس مورد ابتلائه إلّا خصوص بعض أطراف هذا العلم و هو ما يريد شرائه منهم و حينئذ فتجويز شرائه و لاسيما بقوله لا بأس حتّى تعرف الحرام بعينه دليل على جريان أصالة الحلية فى الطرف الذى يكون محل الابتلاء و الله هو العالم.

فتحصّل: أن مع العلم بوجود الحرام فى أموال الجائر جاز أخذ شىء منه مجانا أو مع العوض سواء كانت الشبهة غير محصورة أو محصورة مرددة بين مورد الابتلاء و

**

(1) الوسائل، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

بين مورد عدم الابتلاء. نعم لو كانت الأطراف مورد الابتلاء فلايجوز الأخذ.

كراهة أخذ المال من الجائر

قال الشيخ الأعظم: قدس سره صرّح جماعة بكراهة الأخذ ثمّ نقل استدلالا تهم و قال: منها ما حكى عن المنتهى من الاستدلال له باحتمال الحرمة، انتهى. و لعلّ مقصود المستدل هو احتمال الحرمة الواقعية.

و كيف كان، ففيه كما عن العلامة الطباطبائى: أن الموجب للكراهة ليس مجرد الاحتمال، و إلّا لعمّت الكراهة أخذ المال من كل أحد.

ومنها: قوله عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لايريبك، و قوله عليه السلام: من ترك الشبهات نجى من المحرمات، و قوله: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام فى الهلكة، و غير ذلك من الأخبار الدالة على حسن الاحتياط.

وفيه: أنه إن كان المراد بالريب أو الشبهة التى جعلت موضوعا للحكم فى هذه الأخبار الريب فى الحكم الظاهرى، فهو ممنوع لارتفاعه بقاعدة اليد. و إن كان المراد به الريب فى الحكم الواقعى فالأموال كلها، إلّا ما شذّ و ندر مشتبهة من حيث الحكم الواقعى حتى الأموال المشتبهة فى أيدى عدول المؤمنين، لوجود احتمال الحرمة الواقعية فى جميع ذلك، فيكره التصرف فى جميع الأموال غير ما أخذ من المباحات الأصلية. و على هذا فطريق التخلص من الكراهة أن يعامل بها معاملة مجهول المالك.(1)

هذا مضافا إلى أن ظاهر أخبار الاحتياط هو الإرشاد إلى عدم الابتلاء بالمحرمات، كما يظهر من قوله: «فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات و من أخذ بالشبهات

**

(1) راجع مصباح الفقاهة، ج 1، ص 496.

ارتكب المحرمات و هلك من حيث لايعلم». وقوله: «و المعاصى حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».(1)

ومنها: أن أخذ المال من الجائرين يوجب محبتهم، فإن القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها و يترتب عليه من المفاسد ما لايخفى.

وفيه: أنه لاإشكال فى أن صحبة الظالمين و مجالستهم و موادّتهم منهيا عنها، ولكن يكون بين ذلك و بين أخذ جوائزهم عموما من وجه، إذ قد يكون أحد محبا للظلمة و أعوانهم من دون أن يأخذ شيئا منهم، و قد يأخذ أحد جوائزهم و أموالهم و هو لايحبهم.(2)

ومنها: ما حكى فى الصحيح من أن أحدهم لايصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله، الوهم من ابن أبى عمير.(3) قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: هذا فى ذيل صحيحة أبى بصير، و بمنزلة التعليل لحرمة الدخول فى أعمالهم. قال أبو بصير: سألت أباجعفر عليه السلام عن أعمالهم، فقال لى: يا أبامحمد! لا و لامدّة قلم، إن أحدهم (كم يب) لايصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله، الحديث.(4)

والظاهر أن المراد منه أنهم استعملوكم فى الحرام لامحالة، فلايمكن استفادة الكراهة من التعليل الوارد فى الدخول المحرم(5)؛ هذا مضافا إلى ما فى بلغة الطالب من أنه لايستفاد منه أزيد من الإرشاد إلى ما يترتب عليه من المفاسد.(6)

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 228.

(2) راجع مصباح الفقاهة، ص 497.

(3) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 179، ح 5.

(4) المصدر السابق.

(5) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 230.

(6) بلغة الطالب، ج 1، ص 224.

ومنها: ما رواه الصدوق عن على بن إبراهيم عن محمّد بن الحسن المدنى عن عبدالله بن الفضل عن أبيه فى حديث: أن الرشيد أمر باحضار موسى بن جعفر عليهما السلام يوما، فأكرمه و أتى بها بحقة الغالية ففتحها بيده، فغلفه بيده، ثمّ أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير، فقال موسى بن جعفر عليهما السلام: والله لولا أنى أرى من أزوّجه بها من عزّاب بنى أبى طالب لئلّا ينقطع نسله ما قبلتها أبداً(1)، مجهولة بمحمد بن الحسن المدنى و غيره.

قال فى مصباح الفقاهة: تدلّ على الكراهة ما لم تكن فى الأخذ مصلحة راجحة، ولكن يرد عليه: أنّ اشمئزاز الإمام عن قبول هدية الرشيد ليس من جهة كونها من أموال الظلمة، بل لاستلزامها المنّة، فإن من أشق الأحوال أن يغصب أحد حق غيره، ثمّ يهدى إليه هدية بعنوان التفضل و إظهار العظمة.

والوجه فيما ذكرناه: أن ما أعطاه الرشيد للإمام عليه السلام لايخلو إما أن يكون من أمواله الشخصية، أو من بيت المال، أو من مجهول المالك، أو من معروف المالك، فإن كان الأول، فلاشبهة فى جواز أخذه و هو واضح.

و كذلك إن كان من الثانى أو الثالث، فإنّ ولاية بيت المال و مجهول المالك للإمام عليه السلام، و إن كان من الرابع، فلإمام عليه السلام أن يأخذه و يوصله إلى مالكه، و له أن لايأخذه أصلا. أمّا إن يأخذه و يزوّج به عزّاب بنى أبى طالب فذلك غير جائز، أللّهمّ إلّا أن يقال: إنه من جهة كون الإمام عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولكن هذا بعيد عن مراد الإمام عليه السلام فى الرواية.(2)

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 216، ح 11.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 498-497.

فإذا انتفى الاحتمالات المذكورة انحصر الأمر فيما ذكر من أن الاشمئزاز يكون من ناحية استلزام قبول الأشياء من قبل السلطان للمنة عليه، هذا مضافا إلى ما فى إرشاد الطالب من ضعف الرواية سندا و دلالة، فإنها واردة فى مورد خاص، فلعلّ المال المفروض كان من المجهول مالكه، و مورد التصدق به عن مالكه، و لو لم يكن صرف ذلك المال فى تزويج عزّاب بنى أبى طالب بعنوان الصدقة عن مالكه لم يكن يأخذه الإمام عليه السلام، و مثل هذا لايرتبط بالمقام.(1)

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: و أما المروى عن موسى بن جعفر عليهما السلام: و الله لولا أنى أرى من أزوّجه من عزّاب إلخ. (فلا دلالة فيها على الكراهة الشرعية)، فلأن وجه عدم قبوله غير معلوم، و لعلّه للاحتراز عن المشتبه احتياطا، و معه لاتدل على الكراهة الشرعية.(2)

ومنها: صحيحة حريز، قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام: يقول اتقوا الله و صونوا دينكم بالورع و قوّوه بالتقية و الاستغناء بالله عزّوجلّ عن طلب الحوائج إلى صاحب السلطان، إنه من خضع لصاحب سلطان و لمن يخالفه على دينه طلبا لما فى يديه من دنياه أخمله الله عزّوجلّ و مقّته عليه و وكّله إليه، فإن هو غلب على شىء من دنياه فصار إليه منه شىء نزع الله جلّ اسمه البركة منه و لم يأجره على شىء منه ينفقه فى حج و لاعتق و لابرّ.(3)

قال سيّدنا الإمام المجاهد: إن الظاهر من صدرها استحباب الاستغناء عن طلب الحوائج من صاحب السلطان، بل لايبعد استفادة كراهة طلبها منه أيضا.

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 315.

(2) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 230.

(3) الوسائل، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به ج 17، ص 178، ح 4.

و الفقرة الثانية أى قوله: من خضع إلخ ظاهر فى شدة كراهة الخضوع له طلبا لما فى يديه و لو بنحو الجائزة المترتبة على جلب قلبه.

و الفقرة الثالثة أى قوله: فإن غلب على شىء إلخ إن كانت مربوطة بخصوص الخاضع لطلب الدنيا لادلالة فيها إلّا على عدم البركة و الخير فى المال الذى يصير إليه بتلك الوسيلة ولو بنحو الجائزة، فتدل على كراهة التصرف المأخوذ جائزة فى هذا دعاك الله إليه لم تطلبه منه.(1)

فإن الظاهر منها أنه مع عدم الطلب لاحزازة فى أخذه و لافى المأخوذ، لأنه من دعوة الله تعالى و عطيته؛ مضافا إلى أن الطلب مكروه لاحرام، و الظاهر منها رفع ما ثبت بالطلب، و هذه الرواية رافعة لإجمال رواية حريز المتقدمة لو كان فيها إجمال، فتحصّل من ذلك: أن فى المأخوذ مع الاستعطاء أو بالملق و الخضوع حزازة، و فى التصرف فيه كراهة، و بدون ذلك لادليل على كراهته الشرعية.(2)

و لايخفى عليك ما فى الاستدلال بما ورد فى أخذ الإمامين الحسن و الحسين عليهما السلام، و ذلك لأن ما أخذاه كان لهما و لاكراهة فى أخذ مالها من الجائر. و هكذا لايدل على نفى الكراهة، مثل قوله عليه السلام: لابأس بجوائز السلطان، لغلبة شبهة الحرمة. و أما رواية عمر أخى عذافر فهى ضعيفة. فتحصّل: أن لادليل على كراهة الأخذ، كما لادليل على عدم كراهته.

ما به ترتفع الكراهة

ثم على تقدير ثبوت الكراهة هل ترتفع بشىء أم لا؟ قال شيخنا الانصارى قدس سره:

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب منه، ج 17، ص 215، ح 8.

(2) المكاسب المحرّمة، ج 2، ص 232-231.

ذكروا ارتفاع الكراهة بأمور:

منها: إخبار المجيز بحليّته، بأن يقول: هذه الجائزة من تجارتى و زراعتى، أو نحو ذلك مما يحلّ للآخذ التصرف فيه. إلى أن قال: و يمكن أن يكون المستند ما دلّ على قبول قول ذى اليد، فيعمل بقوله كما لو قامت البينة على تملكه. إلى أن قال: بل الموجب له (لها، اى: الكراهة) كون الظالم مظنة الظلم و الغصب و غير متورع عن المحارم، نظير كراهة سؤر من لايتوقى النجاسة.

و هذا المعنى يرتفع بإخباره، إلّا إذا كان خبره كيده مظنة للكذب، لكونه ظالما غاصبا، فيكون خبره حينئذ كيده و تصرفه غير مفيد، إلّا للإباحة الظاهرية الغير المنافية للكراهة، فيختص الحكم برفع الكراهة بما إذا كان مأمونا فى خبره.(1)

يمكن أن يمنع كون مناط الكراهة هو معرضية الجائر لذلك، يعنى الغصب و التعدى، لاحتمال أن يكون المناط رفع أسباب المحبة و الارتباط بينه و بين الناس، أو عدم تحمل المؤمنين المنّة عنه، كما يرشد إليه ما ذكر من تعليل الكراهة بأن القلوب مجبولة على محبة من أحسن إليها.(2)

ولعلّ المقصود من قوله: لاحتمال أن يكون المناط رفع أسباب المحبة و الارتباط بينه و بين الناس إلخ، أن الحكم بالكراهة لرفع أسباب المحبّة و الارتباط بين الجائر و بين الناس، أو لعدم تحمل المؤمنين المنة عنه. و عليه فلايرتفع الكراهة بالإخبار المذكور و إن كان مأمونا فى خبره.

ثمّ إن الشيخ قال عقيب الأمر الأول: و منها إخراج الخمس منه، و قد علّل ذلك

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 68.

(2) راجع: بلغة الطالب، ج 1، ص 225-224.

بأن الخمس مطهِّر للمال المختلط يقينا بالحرام، فمحتمل الحرمة أولى بالتطهير به، فإنّ مقتضى الطهارة بالخمس صيرورة المال حلالا واقعيّا، فلايبقى حكم الشبهة، كما لايبقى فى المال المختلط يقينا بعد إخراج الخمس.

أورد عليه الشيخ الأعظم قدس سره بقوله: نعم، يمكن الخدشة فى أصل الاستدلال بأنّ الخمس إنما يطهّر المختلط بالحرام، حيث إن بعضه حرام و بعضه حلال، فكأنّ الشارع جعل الخمس بدل ما فيه من الحرام، فمعنى تطهيره تخليصه بإخراج الخمس مما فيه من الحرام، فكان المقدار الحلال طاهرا فى نفسه، إلّا أنّه قد تلوّث بسبب الاختلاط مع الحرام بحكم الحرام، و هو وجوب الاجتناب، فإخراج الخمس مطهّر له عن هذه القذارة العرضية.

و أمّا المال المحتمل لكونه بنفسه حراما و قذرا ذاتيا، فلامعنى لتطهيره بإخراج خمسه، بل المناسب لحكم الأصل حيث جعل الاختلاط قذارة عرضية كون الحرام قذر العين، و لازمه أنّ المال المحتمل الحرمة غير قابل للتطهير، فلابدّ من الاجتناب عنه، انتهى.

هذا مضافا إلى ما فى بلغة الطالب من أن هذا التنظير و الأولوية لو تم فإنما يتم فى المخلوط بمحتمل الحرمة لابالمحرم المعلوم، و ما يؤخذ من الجائر لاينحصر وجه حرمته بذلك، إذ كما قد يكون كذلك قد يكون مرددا بين ذلك و بين أن يكون تمامه حلالا أو حراما.(1)

ثم قال الشيخ: نعم، يمكن أن يستأنس أو يستدل على استحباب الخمس بعد فتوى النهاية التى هى كالرواية، ففيها كفاية فى الحكم بالاستحباب، و كذلك فتوى السرائر،

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 225.

مع عدم العمل فيها إلّا بالقطعيات بالموثقة(1) المسئول فيها عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل، قال عليه السلام: لا، إلّا أن لايقدر على شىء يأكل و لايشرب و لايقدر على حيلة، فإن فعل فصار فى يده شىء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت.(2) فإنّ موردها و إن كان ما يقع فى يده بإزاء العمل، إلّا أنّ الظاهر عدم الفرق بينه و بين ما يقع فى اليد على وجه الجائزة، انتهى.

واُجيب عنه: بأنه قد يحتمل حملها على إرادة إخراج خمس أرباح المكاسب، فإن ما يقع فى يده بإزاء عمله من مكاسبه و منعه أولاً من الدخول من جهة كون ذلك عملا للسلطان، وحينئذ فلاربط له بما نحن فيه، لوجوب هذا الخمس و عدم ثبوته إلّا فيما زاد عن مؤونة سنته. ولكن قال فى النهاية: و يمكن دفعه بإطلاق الأمر بالخمس من دون استثناء المؤونة لو لم يعارض لظهور الأمر فى الوجوب(3).

ثمّ قال الشيخ لتتميم الوجه الثانى: و يمكن أن يستدل له أيضا بما دلّ على وجوب الخمس فى الجائزة مطلقا، و هى عدة أخبار مذكورة فى محلها، و حيث إن المشهور غير قائلين بوجوب الخمس فى الجائزة حملوا تلك الأخبار على الاستحباب.(4) و فيه: أنّ استحباب الخمس فيها لايلازم رفع الكراهة.

هذا مضافا إلى أنّ الاستدلال بما يدل على وجوب الخمس فى الجائزة بعنوانها مطلقا مخدوش بما فى مصباح الفقاهة: من أنّا لم نجد فى الروايات ما يدلّ على

**

(1) رواه فى الوسائل عن التهذيب بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن على، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق، عن عمار، عن أبى عبدالله عليه السلام.

(2) الوسائل، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 202، ح 3.

(3) بلغة الطالب، ج 1، ص 228-226.

(4) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 68.

وجوب الخمس فى الجائزة بعنوانها حتى نحمله على الاستحباب. نعم، ذكرت الجائزة و الهدية فى بعض الأحاديث، ولكن لاعلى نحو الموضوعية، بل لكونها من أفراد الغنائم و الفوائد و من الارباح الحاصلة يوما فيوما.(1)

فتحصّل: أنه لادليل على ما يرتفع به الكراهة على تقدير تمامية أدلّتها، ثمّ إنّ الفروع المذكورة كما أشار إليه الشيخ الأعظم فى أواخر عبارته تكون بعد الفراغ عن إباحة أخذ الجائزة. و المتفق عليه من صورها صورة عدم العلم بالحرام فى ماله أصلاً، أو العلم بوجود الحرام مع كون الشبهة غير محصورة أو محصورة ملحقة بغير المحصورة (كصورة خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء).

و أما إن كانت الشبهة محصورة، بحيث تقتضى قاعدة الاحتياط لزوم الاجتناب عن الجميع لقابلية تنجّز التكليف بالحرام المعلوم بالإجمال، فالكلام فيها يقع تارة من حيث القواعد، و اُخرى من حيث الرواية الخاصة للمقام.

مقتضى القواعد

و أما من حيث القواعد، فقد حكى الشيخ عن ظاهر جماعة المصرح به فى المسالك و غيره الحلّ و عدم لحوق حكم الشبهة المحصورة هنا، ثمّ أورد الشيخ عليهم بقوله: أقول: ليس فى أخبار الباب ما يكون حاكما على قاعدة الاحتياط فى الشبهة المحصورة، بل هى مطلقة أقصاها كونها من قبيل قولهم عليهم السلام: كل شىء لك حلال، أو كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال. و قد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك.

فلابد حينئذ من حمل الأخبار على مورد لايقتضى القاعدة لزوم الاجتناب عنه

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 500-499.

كالشبهة الغير المحصورة أو المحصورة التى لم يكن كل من محتملاتها مورداً لابتلاء المكلف، أو على أنّ ما يتصرف فيه الجائر بالإعطاء يجوز أخذه حملا لتصرفه على الصحيح، أو لأنّ تردد الحرام بين ما ملكه الجائر و بين غيره من قبيل التردد بين ما ابتلى به المكلف و ما لم يبتل به، و هو ما لم يعرّضه الجائر لتمليكه، فلايحرم قبول ما ملّكه لدوران الحرام بينه و بين ما لم يعرضه لتمليكه.

فالتكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعى غير منجز عليه، فلو فرضنا موردا خارجا عن هذه الوجوه المذكورة، كما إذا أراد أخذ شىء من ماله مقاصّة، أو أذن له الجائر فى أخذ شىء من أمواله على سبيل التخيير، أو علم أن المجيز قد أجازه من المال المختلط فى اعتقاده بالحرام بناء على أن اليد لاتؤثر فى حلّ ما كلّف ظاهراً بالاجتناب عنه، كما لو علمنا أنّ الشخص أعارنا أحد الثوبين المشتبهين فى نظره، فإنه لايحكم بطهارته، فالحكم فى هذه الصور بجواز أخذ بعض ذلك مع العلم بالحرام فيه و طرح قاعدة الاحتياط فى الشبهة المحصورة فى غاية الإشكال و الضعف(1). و المستفاد منه أنّه فصّل بين موارد تنجيز العلم الإجمالى و عدمه، فمع التنجيز يجب الاحتياط، و مع عدمه لايجب.

والحاصل: أن الجائر قد يجيز التصرف فى شىء معين من أمواله أو يعطيه مجانا أو مع العوض، و قد يجيز التصرف فى جميع أمواله على نحو العموم الاستيعابى، و قد يجيز التصرف فى شىء منها على نحو العموم البدلى.

قال السيّد المحقّق الخوئى فى القسم الأول: فلاشبهة فى انحلال العلم الإجمالى فيه إلى شك بدوى و علم تفصيلى، لأنّ الآخذ يعلم تفصيلا بحرمة التصرف فى بقية أموال

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم عليه السلام، ص 68.

الجائر، إمّا لكونها مغصوبة، أو لأنّه لم يجز التصرف فيه.

و أما خصوص ما أخذه من الجائر فيجوز له التصرف فيه استنادا إلى يد الجائر التى هى أمارة الملكية، و لاتكون معارضة بيده فى الطرف الآخر، لما عرفت من حرمة التصرف فيه على كل تقدير، و مع الإغضاء عن الاستناد إلى قاعدة اليد، فلابد من التفصيل بين الأموال التى كانت مسبوقة بيد اُخرى، و بين الأموال التى أخذت من المباحات الأصلية، فإن أصالة عدم الانتقال فى الأول حاكمة على أصالة الحل.

وأما القسم الثانى: فلاريب فى تنجيز العلم الإجمالى فيه، لتعارض الاُصول و تساقطها فى أطرافه، و كون التكليف منجزا على كل تقدير، كما إذا كان للجائر عشرون دينارا، فأجاز لأحد أن يتصرف فى جميعها، و كان المجاز يعلم أن أحد هذه الدنانير حرام، فإنه يحرم التصرف فى جميعها.

وأما القسم الثالث: فقد يتوهم فيه انحلال العلم الإجمالى إلى شك بدوى و علم تفصيلى على التقريب المتقدم فى القسم الأول، و مثاله: إذا أعطى الجائر كيسه لشخص و قال له: خذ منه ديناراً، و كان الآخذ يعلم إجمالا باشتمال الكيس على دينار محرم، فإن اختياره ديناراً خاصاً إنما يعين متعلق إذن الجائر، فكأنّه من الأول إنما أذن فى التصرف فى ذلك الدينار المعين، فيجرى فى هذا القسم جميع ما ذكرناه فى القسم الأول.

ولكن التحقيق: انّه لافرق فى تنجيز العلم الإجمالى بين القسم الثانى و الثالث. و الوجه فى ذلك ما فصّلناه فى علم الاُصول، و مجمله: أنّ العلم الإجمالى بالتكليف الثابت بين الأطراف المعينة التى هى بأجمعها فى معرض الابتلاء يقتضى الاجتناب عن الجميع، و عليه فالترخيص فى ارتكاب ما يختاره المكلف ترخيص فى مخالفة الحكم المنجز من غير وجود مؤمّن فى البين، و أصالة عدم كون ما يختاره المجاز حراما

معارضة بأصالة عدم كون الباقى حراما، و إذن فيجب الاجتناب عن الجميع.(1)

و عليه يجب الاحتياط بالاجتناب عن الأطراف فى القسم الثانى و الثالث بل الأول على تقدير الإغضاء عن الاستناد إلى قاعدة اليد لحكومة أصالة عدم الانتقال على أصالة الحلّ‌. و لقائل أن يقول: لامجال لحكومة أصالة عدم الانتقال بالنسبة إلى أصالة الصحة، إذ اللازم منها هى لغوية أصالة الصحة.

فالتفصيل بين الاستناد إلى قاعدة اليد و بين الإغضاء عنه و جريان أصالة عدم الانتقال كما ترى، لإمكان جريان أصالة الصحة فى المأخوذ فيجوز التصرف فيه فالتفصيل الصحيح هو الذى أشار إليه الشيخ الأعظم بين صورة تنجيز العلم الإجمالى و عدمه، فالقسم الأول لايكون العلم الإجمالى فيه منجزا، فيكون التصرف فيما أخذه من الجائر جايزا بخلاف القسم الثانى و الثالث، لتنجيز العلم الإجمالى فيهما، و معه لاوجه لتجويز التصرف مطلقا.

هذا كله بناءاً على تنجيز العلم الإجمالى و مانعيته عن جريان البراءة فى الأطراف، كما ذهب إليه المعروف، ولكن يمكن أن يقال: إن الروايات الدالة على الترخيص و البراءة فى الشبهات حاكمة على قاعدة الاحتياط، فإن الموضوع فى قاعدة الاحتياط احتمال العقاب. و مع ثبوت الترخيص فى ارتكاب المشتبه لايكون احتمال عقاب أصلاً، حتى يلزم الاحتياط فيه. و عليه فلامجال للتقسيم المذكور، فإن مع الترخيص يجوز الارتكاب فى جميع الأقسام.

ودعوى: انّ الصحيح عدم جريان الروايات الدالة على الترخيص فى موارد العلم

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 501-500.

الإجمالى بالتكليف لاستقلال العقل بكفاية العلم الإجمالى فى وصول ذلك التكليف، و لايمكن الترخيص القطعى فى مخالفة التكليف الواصل، فتكون تلك الروايات مقيدة عقلاً.(1)مندفعة: بأن المقرر فى محله أن العلم الإجمالى يكون مقتضيا للتنجيز، لاعلة تامة له، كالعلم التفصيلى. و ذلك لأنه مشوب بالشك. و معه يجوز أن يمنع عن اقتضائه الروايات العامة الدالة على الترخيص و البراءة، فإنها بعمومها تشمل أطراف المعلوم بالإجمال أيضاً، إلّا أنّ الذى يسهل الخطب أنّ هنا روايات تدلّ على وجوب الاحتياط التام فى أطراف المعلوم بالإجمال.

و مقتضى الجمع بين هذه الروايات الواردة فى وجوب الاحتياط فى أطراف المعلوم بالإجمال، و بين عمومات الإباحة أو البراءة هو تخصيص عمومات الإباحة و البراءة لغير موارد العلم الإجمالى.

نعم، هذه الروايات تختص بالشبهة المحصورة الوجوبية أو التحريمية التى تكون مورد الابتلاء، فلايجوز التعدى عن موردها. و عليه فلايجب الاحتياط فى الشبهات غير المحصورة، أو التى لاتكون مورد الابتلاء، و بقية الكلام فى محله.

هذا كله مع قطع النظر عن الروايات الواردة فى المقام، و أما مع ملاحظتها، فقد قال الشيخ: فلنذكر النصوص الواردة فى هذا المقام، و نتكلم فى مقدار شمول كل واحد منها بعد ذكره، حتى يعلم عدم نهوضها للحكومة على القاعدة المذكورة. (من وجوب الاحتياط)...

الأخبار الخاصة لهذا المقام

فمن الأخبار التى استدلّ بها فى هذا المقام صحيحة أبى ولّاد، قال: قلت لأبى

**

(1) إرشاد الطالب، ص 317.

عبدالله عليه السلام: ما ترى فى رجل يلى أعمال السلطان ليس له مكسب إلّا من أعمالهم، و أنا أمرّ به فأنزل عليه فيضيفنى و يحسن إلىّ‌، و ربما أمر لى بالدراهم و الكسوة، و قد ضاق صدرى من ذلك‌؟ فقال عليه السلام لى: كل و خذ منه فلك المهنأ (الحظ) و عليه الوزر.(1)

ثم أورد عليه الشيخ بقوله: و الاستدلال به على المدعى لايخلو عن نظر، لأنّ الاستشهاد إن كان من حيث حكمه بحلّ مال المجيز للسائل، فلايخفى أنّ الظاهر من هذه الرواية و من غيرها من الروايات حرمة ما يأخذه عمّال السلطان بإزاء عملهم له. و أنّ العمل للسلطان من المكاسب المحرّمة.

فالحكم بالحلّ ليس إلّا من حيث احتمال كون ما يعطى من غير أعيان ما يأخذه من السلطان، بل ممّا اقترضه أو اشتراه فى الذمة، و إما من حيث إنّ ما يقع من العامل بيد السائل، لكونه من مال السلطان حلال لمن وجده، فيتمّ الاستشهاد.

لكن فيه مع أن الاحتمال الأول مسقط للاستدلال على حل المشتبه المحصور الذى تقتضى القاعدة لزوم الاحتياط فيه، لأن الاعتماد حينئذ على اليد كما لو فرض مثله فى غير الظلمة أنّ الحكم بالحلّ على هذا الاحتمال غير وجيه، إلّا على تقدير كون المال المذكور من الخراج و المقاسمة المباحين للشيعة، إذ لو كان من صلب مال السلطان أو غيره لم يتجه حلّه لغير المالك بغير رضاه، لأن المفروض حرمته على العامل لعدم احترام عمله.

و كيف كان، فالرواية أما من أدلة حلّ مال السلطان المحمول بحكم الغلبة على الخراج و المقاسمة و إمّا من أدلة حل المال المأخوذ من المسلم، لاحتمال كون المعطى مالكا له. و لااختصاص له بالسلطان أو عمّاله أو مطلق الظالم أو غيره. و أين

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 213، ح 1.

هذا من المطلب الذى هو حلّ ما فى يد الجائر مع العلم إجمالا بحرمة بعضه المقتضى مع حصر الشبهة للاجتناب عن جميعه.(1)

فالصحيحة المذكورة أجنبية عن المقام مع الاحتمالات المذكورة، كما يحتمل فيها احتمال آخر، و هو كما فى إرشاد الطالب: إنه عليه السلام أجاز تصرف السائل فيه بالتملك أو غيره صدقة عن مالكه، فيكون المال وزراً على العامل لجوره فى أخذه و مهنأً للآخذ كما لايخفى.(2) و لايخفى ما فى التوجيه الأخير من البعد و التكلف.

و أما ما وجهه به الشيخ قدس سره من أن الأمر فى المأخوذ يدور بين أن يكون الحكم بالحل فيه إما من جهة احتمال أن المأخوذ من مال الاقتراض أو الاشتراء بالذمة، فيعتمد على اليد فى الحكم بالحل فيه، و إما من جهة حمل المأخوذ على الخراج و المقاسمة المباحين للشيعة. و على كل تقدير تكون الصحيحة أجنبية عن المقام من الحل لمال الجائر مع العلم الإجمالى بوجود الحرام فيه و كون الشبهة محصورة.

ففيه كما أفاد فى بلغة الطالب أولاً: أن الرواية مطلقة و تشمل مورد العلم الإجمالى بوجود المال الحرام فى أموال العامل المحتمل أن يكون المأخوذ منها، فيكون من أطراف العلم الإجمالى المنجز.

و دعوى عدم الإطلاق لها مجازفة بينة، فيتم الاستشهاد بها على هذا التقدير، كما أن دعوى العلم بكون جميع ما عند العامل غير هذا المأخوذ معلوم الحرمة، فلايكون ليده على غير ما يعطيه للسائل حكم حتى تتعارض و يبطل حكمه بالنسبة إلى المأخوذ ممنوعة جدا. و قوله: ليس له مكسب غيره، لايقتضى ذلك غايته معرضية ما

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 69.

(2) إرشاد الطالب، ص 319.

عنده لأن يكون من الأموال المأخوذة من السلطان أو أبداله أو غيره من التعبديات.

وثانياً: أن حمل الرواية على مال الاقتراض أو الاشتراء بالذمة لايساعده ما من قوله عليه السلام فى ذيلها «كل و خذ منه فلك المهنأ (الحظ) و عليه الوزر»، إذ ليس على العامل وزر على هذا الاحتمال، بل إثبات إطلاق الوزر على العامل يعيّن احتمال أن يكون ما فى يد العامل الذى يعطيه للسائل من أموال السلطان لا من أمواله، كما لايخفى.

وثالثاً: أن تعليل كون الاحتمال الأول مسقطا للاستدلال على حلّ المشتبه المحصور الذى تقتضى القاعدة لزوم الاحتياط فيه بأن الاعتماد على اليد محل تأمل و إشكال، لأنّ الإطلاق شامل لما إذا اختلط أموال العامل محللها بمحرمها و كان ما أعطاه للسائل منها فتسقط يده.(1)

و فيه منع، لعدم سقوط اليد مع عدم جميع أطراف أموال العامل مورد الابتلاء للسائل كما لايخفى.

ورابعاً: كما فى بلغة الطالب أن حمل الرواية على الخراج و المقاسمة بالغلبة ممنوع بمنع الغلبة، لكثرة ما يأخذه من الزكوات و الغصب و الزيادات على المقدار المقرر فى عقد المزارعة. هذا مضافا إلى أن غلبة الوجود لاتوجب الانصراف، و على تقدير الانصراف لايوجب، لعلم السائل بكونه من الخراج و المقاسمة مع أن اللازم علمه بذلك، و إلّا لم يجز التصرف.(2)

فتحصّل تمامية دلالة الصحيحة على حلية ما وصل إلى يد السائل المذكور من أموال العامل و لو مع العلم الإجمالى بوجود المال الحرام فى أمواله. هذا مع الغمض

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 235.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 236.

عن أصالة اليد، فإنها جارية فى المأخوذ و لاتجرى فى غير المأخوذ فيما إذا كان خارجا عن مورد الابتلاء للسائل.

و يؤيد ذلك أيضا ما ورد فى جواز المعاملة مع السارق فى أمواله التى تكون مشتملة على الحرام و استبعاد شمول الرواية لمورد العلم الإجمالى، مندفع بما مرّ من إمكان تجويز الشارع أطراف الشبهة لشوب العلم الإجمالى بالشك. نعم، ينافيه ما ورد من الروايات الدالة على لزوم مراعاة الاحتياط فى أطراف المعلوم بالإجمال؛ أللّهمّ إلّا أن يقال: إن روايات المقام أخص، فيمكن تخصيصها بها فى المقام، فلاتغفل.

ثم قال الشيخ الأعظم قدس سره بعد ذكر صحيحة أبى ولّاد: و مما ذكرنا يظهر الكلام فى مصححة أبى المغرا: أمرّ بالعامل فيجيزنى بالدراهم، آخذها؟ قال: نعم، قلت: و أحجّ بها؟ قال: نعم.(1)

و رواية محمّد بن هشام: أمرّ بالعامل فيصلنى بالصلة، أقبلها؟ قال: نعم، قلت: و أحج منها؟ قال: نعم و حجّ منها. و (فى) رواية محمّد بن مسلم و زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: جوائز السلطان ليس بها بأس(2). إلى غير ذلك من الاطلاقات التى لاتشمل من صورة العلم الإجمالى بوجود (الحرام) إلّا الشبهة الغير المحصورة، و على تقدير شمولها لصورة العلم الإجمالى مع انحصار الشبهة فلايجدى، لأن الحلّ فيها مستند إلى تصرف الجائر بالإباحة و التمليك و هو محمول على الصحيح.

مع أنه لو اُغمض النظر عن هذا أو ردّ بشمول الأخبار لما إذا أجاز الجائر من المشتبهات فى نظره بالشبهة المحصورة و لايجرى هنا أصالة الصحة فى تصرفه.

يمكن استناد الحل فيه إلى ما ذكرنا سابقا من أن تردد الحرام بين ما أباحه الجائر

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 213، ح 2.

(2) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 214، ح 5.

أو ملّكه، و بين ما بقى تحت يده من الأموال التى لادخل فيها للشخص المجاز تردد بين ما يبتلى به المكلف من المشتبهين، و بين ما لم يبتل به. و لايجب الاجتناب حينئذ عن شىء منهما من غير فرق بين هذه المسألة و غيرها من موارد الاشتباه مع كون أحد المشتبهين مختصا بابتلاء المكلف به.

ثم لو فرض نصّ مطلق فى حلّ هذه الشبهة مع قطع النظر عن التصرف و عدم الابتلاء بكلا المشتبهين لم ينهض، للحكومة على قاعدة الاحتياط فى الشبهة المحصورة، كما لاينهض ما تقدم من قولهم: كل شىء حلال إلخ.

إلى أن قال: نعم، قد يخدش فى حمل تصرف الظالم على الصحيح من حيث إنه مُقدِمٌ على التصرف فيما فى يده من المال المشتمل على الحرام على وجه عدم المبالات بالتصرف فى الحرام، فهو كمن أقدم على ما فى يده من المال المشتبه المختلط عنده بالحرام، و لم يقل أحد بحمل تصرفه حينئذ على الصحيح.

لكنّ الظاهر أن هذه الخدشة غير مسموعة عند الأصحاب، فإنهم لايعتبرون فى الحمل على الصحيح احتمال تورع المتصرف عن التصرف الحرام لكونه حراما، بل يكتفون باحتمال صدور الصحيح منه ولو لدواع اُخر.

و أما عدم الحمل فيما إذا أقدم التصرف على الشبهة المحصورة الواقعة تحت يده، فلفساد تصرفه فى ظاهر الشرع، فلايحمل على الصحيح الواقعى فتأمل، فإن المقام لايخلو عن إشكال. و على أىّ تقدير فلم يثبت من النص و لاالفتوى مع اجتماع شرايط إعمال قاعدة الاحتياط فى الشبهة المحصورة عدم وجوب الاجتناب فى المقام و إلغاء تلك القاعدة.

و أوضح ما فى هذا الباب من عبادات الأصحاب ما فى السرائر، حيث قال: إذا كان يعلم أنّ فيه شيئا مغصوبا إلّا أنّه غير متميز العين، بل هو مخلوط فى غيره من

أمواله أو غلّاته التى يأخذها على جهة الخراج، فلابأس بشرائه منه و قبول صلته، لأنها صارت بمنزلة المستهلك لأنّه غير قادر على ردّها بعينهاف انتهى.

و قريب منها ظاهر عبارة نهاية بدون ذكر التعليل، و لاريب أنّ الحلّى لم يستند فى تجويز أخذ المال المردد إلى النص، بل إلى ما زعمه من القاعدة، و لايخفى عدم تماميتها إلّا أن يريد به الشبهة الغير المحصورة بقرينة الاستهلاك فتأمل.(1)

و لقد أفاد و أجاد الشيخ فى افادة أن أصالة الصحة جارية مع احتمال عدم تورع المتصرف، و إلّا لزم خروج كثير من الموارد عن مجرى أصالة الصحة، مع أن هذه الأصالة لتسهيل الأمر على الناس كما لايخفى.

و ممّا ذكر يظهر الجواب عن ما فى إرشاد الطالب: من أنه لامجرى لأصالة الصحة فى أمثال المقام من موارد الشك فى السلطنة على التصرف، فإن العمدة فى وجه اعتبارها هى السيرة التى لم يحرز جريانها فى موارد الشك فى سلطنة الفاعل. نعم، لابأس بالأخذ بقاعدة اليد بالإضافة إلى المأخوذ من مثل العامل المفروض، و لاتعارض باليد على سائر الأموال التى عنده، لأن أصالة الصحة فيها لاتكون ذات أثر بالإضافة إلى السائل.(2)

و ذلك لما عرفت من أنّ الأصحاب لم يعتبروا فى أصالة الصحة و الحمل على الصحيح احتمال التورع، بل اكتفوا باحتمال الصدور و لو لدواع اُخر، كما أن اعتبار قاعدة اليد أيضا كذلك هذا.

نعم، يمكن الإيراد على أصالة الصحة بأنها معارضة بها فى طرف آخر، و هكذا قاعدة اليد. أللّهمّ إلّا أن يقال: إن المعارضة بالإضافة إلى العامل لابإضافة إلى السائل،

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 69.

(2) إرشاد الطالب، ص 319.

لخروج طرف آخر عن مورد ابتلائه.

و كيف كان، يمكن أن يقال: إن الاستدلال بصحيحة أبى ولّاد و غيرها تام فى المقام. هذا مضافا إلى أنّ مقتضى القاعدة جواز التصرف فى بعض الأموال المختلطة بالحرام، إذا كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء.

و دعوى أنه لو فرض نص مطلق فى حلّ هذه الشبهة مع قطع النظر عن التصرف و عدم الابتلاء بكلا المشتبهين لم ينهض للحكومة على قاعدة الاحتياط فى الشبهة المحصورة، مندفعة بما مرّ من أنّ شوب العلم الإجمالى بالشك يوجب إمكان رفع اليد عن الحكم المعلوم، فلو رخّص الشارع فى ارتكاب بعض الأطراف أو جميعها كان مؤمّنا بالنسبة إلى الارتكاب، و معه يكون النصوص الواردة فى ترخيص أطراف المعلوم بالإجمال حاكمة بالنسبة إلى قاعدة الاحتياط، فإن الموضوع فيها احتمال العقاب و مع ثبوت الترخيص فى ارتكاب المشتبه لايكون احتمال العقاب أصلاً، حتى يلزم الاحتياط فيه.

نعم، قد عرفت أن مقتضى الروايات الخاصة الواردة فى أطراف العلم الإجمالى هو لزوم الاحتياط فى أطراف الشبهة المحصورة المبتلى بها، ولكن يمكن تخصيص تلك الأخبار الخاصة بالأخبار الخاصة الواردة فى جوائز السلطان الدالة على جواز التصرف فى الجوائز مع كونها من أطراف الشبهة المحصورة، فإنّها بالنسبة إليها أخص.

فتحصّل أنه يجوز أخذ الجوائز من السلطان الجائر و لو مع العلم باختلاط أمواله بالحرام بحسب القاعدة فيما إذا كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء، أو كانت الشبهة غير محصورة. هذا مضافا إلى تمامية النصوص الخاصة الواردة فى المقام.

الصورة الثالثة من صور جوائز السلطان هى أن يعلم تفصيلا حرمة ما يأخذه، و لاإشكال فى هذه الصورة فى حرمة الأخذ.

بيان حكم المأخوذ

و إنما الكلام فى حكمه إذا وقع فى يده، قال الشيخ: علمه بحرمته أما أن يكون قبل وقوعه فى يده، و إما أن يكون بعده، فإن كان قبله لم يجز أن يأخذه بغير نيّة الرد إلى صاحبه، سواء أخذه اختيارا أو تقية، لأنّ أخذه بغير هذه النية تصرف لم يعلم رضا صاحبه، و التقية تتأدّى بقصد الرد، فإن أخذه بغير هذه النية كان غاصبا ترتب عليه أحكامه، انتهى.(1)

فمع التمكن من قصد الرد لايجوز أن يأخذ بغير نية الرد، لعدم شمول أخبار التقية له، لعدم تحقق موضوعها مع وجود المندوحة حال الأخذ، و المفروض أنه متمكن من قصد الرد حال الأخذ.

و قد أوضح ذلك فى مصباح الفقاهة، حيث قال: إن عدم المندوحة و إن لم يعتبر فى التقية بالنسبة إلى أصل العمل، ولكن لاشبهة فى اعتباره حال العمل، مثلا إذا اقتضت التقية أن يكفر فى صلاته مع سعة الوقت و تمكن المكلف من الإتيان بها بغير تكفير فى بيت مظلم لايراه أحد لصحت صلاته، لإطلاق الروايات الدالة على مشروعية التقية، فإن موضوعها متحقق حين الإتيان بالعمل على وجه التقية.

و أما إذا كانت له مندوحة حال العمل، فتمكن من إيقاعه على غير وجه التقية، فلاشبهة فى فساد عمله إذا أوقعه على وجه التقية، فإذا تمكن المصلّى مثلاً من السجود على الأرض و على الفراش كليهما فلاريب فى وجوب السجود على الارض، و عدم كفاية السجود على الفراش. إلى أن قال: و الوجه فى ذلك أنه لايكون مشمولا

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 69.

لأخبار التقية، لعدم تحقق موضوعها إذا وجدت المندوحة حال العمل(1).

عدم الضمان مع نية الرد

إذا كان الأخذ بنية الرد، قال الشيخ: إنه كان محسنا و كان فى يده أمانة شرعية (و مقتضاه عدم الضمان).

ضمان الجاهل القابض
اشارة

و إن كان العلم به (أى بكونه حراما) بعد وقوعه فى يده، قال الشيخ الأعظم: كان كذلك أيضا (أى كان محسناً و كان فى يده أمانة شرعية) و يحتمل قويا الضمان هنا، لأنه أخذه بنية التملك لابنية الحفظ و الرد و مقتضى عموم على اليد الضمان و ظاهر المسالك عدم الضمان رأسا مع القبض جاهلا، قال: لأنه يد أمانة فيستصحب و حكى موافقته عن العلامة الطباطبائى رحمه الله فى مصابيحه.

لكنّ المعروف من المسالك و غيره فى مسألة ترتب الأيدى على مال الغير ضمان كل منهم، و لو مع الجهل؛ غاية الأمر رجوع الجاهل على العالم إذا لم يقدم على أخذه مضمونا. و لاإشكال عندهم ظاهرا فى أنه لو استمر جهل القابض المتهب إلى أن تلف فى يده كان للمالك الرجوع عليه. و لارافع يقينا لهذا المعنى مع حصول العلم بكونه مال الغير، فيستصحب الضمان لاعدمه.(2) ظاهره تقوية الضمان فى الجاهل.

قال فى مصباح الفقاهة: يمكن توجيه كلام الشهيد بأن الشارع قد رخّص فى أخذ الجائزة عند الجهل بكونها مغصوبة، فتكون يد الآخذ يد أمانة شرعية، فإذا شك فى ضمان العين بعد تلفها كان المرجع هو استصحاب يد الأمانة.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 506-505.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 69-70.

ولكن يرد عليه أن ترخيص الشارع فى ذلك ترخيص ظاهرى فى ظرف الجهل، لاترخيص واقعى. أما حكم الشارع بالضمان فهو حكم واقعى ثابت فى حالتى العلم و الجهل، و لامنافاة بين الحكمين على ما حققناه فى علم الأصول.

و عليه فوضع اليد على مال الغير بنية التملك يوجب الضمان. فإذا انكشف الواقع فإن كانت العين باقية فلابدّ من ردّها إلى مالكها، و إلّا فلابدّ من ردّ مثلها أو قيمتها إليه. و يدلّ على ما ذكرناه حكمهم بالضمان فى مسألة تعاقب الأيدى على المال المغصوب مع الجهل بالحال، و لم يقل أحد فيها بعدم الضمان حتى صاحب المسالك.(1)

ولايذهب عليك أنّ المحكى عن السيّد اليزدى قدس سره فى تعليقته على المقام: «أنه بعد علمه بالحال و قصده ردّ المال إلى مالكه يرتفع عنوان العدوان على اليد و ينطبق عليها عنوان الإحسان المنافى للضمان». و مقتضاه عدم الضمان لو كان التلف بعد العلم بالحال مع قصده ردّ المال لخروج اليد عن عنوان العارية و صيرورتها يدا مأذونة.

أورد عليه الفاضل الإيروانى و السيّد المحقّق الخوئى رضى الله عنه على ما حكى عنهما بأنّ طرؤ عنوان الأمانة الشرعية على اليد فيما بعد لايوجب ارتفاع الضمان، كما إذا تاب الغاصب و ندم عن عدوانه و أراد ردّ المال إلى مالكه فتلف فى طريق ردّه، قال المشهور: إن عليه الضمان.

و كذا فيما إذا وضع اليد على مال بقصد تملكه جهلا بالحال و أخذاً بالحكم الظاهرى، كما إذا اشترى متاعا ثمّ انكشف كونه غصبا و أراد إرجاعه إلى مالكه فتلف، فإنّ وضع يده على المال لكونه تصرفا فى مال الغير بلارضاه حرام واقعا و إرادة ردّه بعد كشف الحال لاتزيد على إرادة الرد فى الغاصب النادم، كما هو المقرر فى بحث

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 509.

تعاقب الأيدى على مال الغير.

و السرّ فى ذلك أنّ الأمانة الشرعية لاتقتضى الضمان، فلاينافى ثبوته بوجه آخر، و المراد من الوجه الآخر هو كون اليد حين حدوثها على المال موجبة للضمان، و هذا الضمان يبقى إلى ردّ المال إلى مالكه، كما هو ظاهر حديث على اليد. نعم، لو أخبر المالك بأن عنده ماله فإذن المالك فى الإمساك به يكون هذا رداً للمال إلى مالكه، أى تخلية بينه و بين المال فيرتفع الضمان.

أجاب عنه فى إرشاد الطالب: بأنّ الظاهر فرق بين المثالين و بين المقام و أنه لابدّ من الالتزام بارتفاع الضمان فى المقام دونهما، فإن وضع اليد فيهما على مال الغير حرام بحسب الواقع فعلاً أو ملاكا، كما هو المقرر فى مسألة التوسط فى الأرض المغصوبة و الندم بعده، فإنه بالندم و إرادة الخروج لايكون التوسط فيها بالخروج حلالا، بل هو حرام ملاكا و لو بحسب الواقع.

بخلاف المقام، فإن أخذ المال من الجائر بقصد الرد إلى مالكه باعتبار كونه إنقاذا لذلك المال حلال واقعا، فإن كان قصد الرد من الأول يكون المال فى يد الآخذ أمانة شرعية من الأول و لاضمان فيها، لقوله سبحانه: (مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌(1) . و إن كان قصد الرد بعد العلم بالحال كان الإمساك بذلك المال إلى ردّه إلى مالكه حلالا واقعا من حين القصد، كما تكون يده عليه أمانة شرعية و بما أن عموم على اليد مخصص فى موارد الأمانة المالكية أو الشرعية، سواء كان المال أمانة من الأول أو فى الأثناء، فلامجال للأخذ به، و لذا لا أظن أن يلتزم أحد بالضمان فيما إذا أعلن المالك بأنّ من كان ماله بيده فليمسك به إلى ردّه إليه.

**

(1) التوبة، 91.

و إذا كان هذا حال إذن المالك كان إذن الشارع واقعا كذلك، و قوله سبحانه: (مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌) ينفى الضمان، لا أنه لايثبته حتى لايكون منافيا لإثبات الضمان باليد حين حدوثها.

و مما ذكرنا ظهر الفرق بين المقام و بين ما وضع يده على مال الغير عدوانا ثمّ خرج من يده بعدوان شخص آخر و تلف فى يد ذلك الآخر، فإن للمالك الرجوع إلى كل منهما. و وجه الظهور أن اليد الحادثة توجب الضمان و خروج المال عن يده بعد ذلك لايمنع الضمان.

بخلاف المقام، حيث إن طرؤ الأمانة على اليد يقتضى عدم ضمانه، كما لايخفى أيضا الفرق بين المقام و بين فرض اشتراء المتاع ثمّ ظهور كونه غصبا فى مسألة تعاقب الأيدى، حيث إنه لم يفرض فيها كون أخذ ذلك المال من البايع الفضولى إنقاذا لذلك المال عن التلف، و لذا يكون أخذه أو إمساكه محرما واقعا و كانت الحلية ظاهرية، بخلاف المقام فإن إمساكه مع قصد الرد حلال واقعا كما مرّ.(1)

أللّهمّ إلّا أن يقال: إن ظاهر قوله تعالى: (مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌) معارض مع قوله عليه السلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» لظهوره فى بقاء الضمان إلى أن يقع الأداء. و مع التساقط يرجع إلى استصحاب الضمان بناء على جريانه فى الشبهات الحكمية كما هو الظاهر.

و فيه منع المعارضة لصيرورة اليد يدا مأذونة بمجرد علمه و قصده الرد فتدبّر، بخلاف يد المشترى الجاهل، فإنه بعد العلم لم يفرض له قصد الردّ. نعم، لو تلف المال

**

(1) إرشاد الطالب، ص 326-323.

قبل علمه بالحرمة و قصده الرد كان يده يد عادية و مقتضاها هو الضمان كما لايخفى.

بقى شىء، و هو أن مسألة تعاقب الأيادى مفروضة مع قصد الرد، و هى عين مسألتنا، فالإشكال باق كما ذهب إليه الشيخ و الفاضل الإيروانى و السيّد المحقّق الخوئى رضى الله عنه.

ثم إن هنا أحكاما تترتب على المأخوذ فى الصورة الثالثة لابأس بذكرها و هى متعددة:

الف) ردّ المأخوذ من الجائر إلى مالكه

قال الشيخ الأعظم قدس سره: و على أىِّ حال فيجب على المجاز ردّ الجائزة بعد العلم بغصبيتها إلى مالكها أو وليّه (المعلوم كما هو مفروض الكلام). و الظاهر أنّه لاخلاف فى كونه فوريا. نعم، يسقط بإعلام صاحبه به. و ظاهر أدلة وجوب أداء الأمانة وجوب الإقباض و عدم كفاية التخلية، إلّا أن يدعى أنّها فى مقام حرمة الحبس و وجوب التمكين لاتكليف الأمين بالإقباض.

و من هنا ذكر غير واحد كما عن التذكرة و المسالك و جامع المقاصد أنّ المراد بردّ الامانة رفع يده عنها و التخلية بينه و بينها، و على هذا فيشكل حملها إليه، لأنه تصرف لم يؤذن فيه إلا إذا كان الحمل مساويا لمكانه الموجود فيه أو أحفظ، فإن الظاهر جواز نقل الأمانة الشرعية من مكان إلى ما لايكون أدون من الأول فى الحفظ.(1)

أورد عليه فى بلغة الطالب بقوله: بأنّ الأمانية لاتقتضى إلّا جعلها فى مكان مأمون بحسب العادة، و أما جعلها فى محل لايكون أحفظ منه فهو أوّل الكلام، إلّا أن يفرق بين ما يجعل فيه أوّلاً، فلايجب إلّا أن يكون مأمونا فى العادة، و أما بعد جعله فى

**

(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأعظم قدس سره، ص 70.

ذلك المكان فلايجوز نقله إلّا إلى الأحفظ أو المساوى، لأنّ المرخّص فيه هو التصرف فى الأمانة على وجه يوافق مصلحة المالك و حفظ الوديعة. و أما التصرف لاعلى هذا الوجه فلم يثبت جوازه و النقل إلى مكان غير أحفظ مع التمكن من إبقائه فى محله لايوافق مصلحة المالك و لاحفظ الوديعة و لايكون فيه محسنا.

لكن عليه ينبغى أن لايجوز نقلها حتى إلى ما يساوى الأول فى الحفظ أيضا، إلّا أن يقال: يكفى كونه بعنوانه الجامع معروفا و عونا، أو يقال: يجوز له بعد الأمانة كل تصرف لم يكن تعديا أو تفريطا. و عليه يجوز النقل إلى غير المساوى أيضا بعد أن كان مأمونا، فضلاً عما كان مساويا.(1)

و لايخفى عليك أنّ التصرف الزائد على ما يقتضيه الأمانة ليس بجائز، سواء كان مساويا أم غير مساو، و سواء كان تعديا أو تفريقا أم لم يكن. نعم، لو كان النقل دخيلا فى حفظ الأمانة جاز بل لزم ذلك، لأنه يوافق مصلحة المالك و حفظ الوديعة.

و التحقيق أنّ حفظ الأمانات أمر عليه بناء العقلاء، فكل مورد يصدق عليه الحفظ كان جائزا و لو بالنقل من محل إلى محل آخر، و كان الحفظ فيه أدون من الحفظ فى المحل الأول، فضلاً عن كون المحل الثانى مساويا أو أحفظ، فإذا صدق عليه الحفظ لم يكن النقل إلى المحال المذكور تصرفا لم يؤذن فيه، و معه لافرق بين ما يجعل فيه أوّلا، و بين ما يجعل فيه ثانيا و نحوه، إذ الحفظ تصرف أذن فيه الشارع و الملاك.

نعم، لو احتمل عروض شىء لايصدق الحفظ وجب عليه النقل من محله إلى محل آخر، لأن مادة الحفظ المأمور به تقتضى الاجتناب عن الموارد التى فيها احتمال

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 246.

عروض شىء لايوافق الحفظ، فالمساواة غير معتبرة بعد صدق الحفظ، كما لايكفى المساواة مع احتمال عروض شىء لايوافق الحفظ.

ب) وجوب الفحص عن المالك

قال شيخنا الأعظم قدس سره: و لو جهل صاحبه وجب الفحص مع الإمكان لتوقف الأداء الواجب بمعنى التمكين و عدم الحبس على الفحص، مضافا إلى الأمر به فى الدين المجهول المالك.(1)

و لايخفى عليك وضوح لزوم ردّ المال إلى صاحبه لو كان معلوما، كما قال الله تبارك و تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا) (2)، و لايفرق فى ذلك بين أن يكون علم الآخذ بالحال قبل وقوع المال فى يده أو بعده و هذا لاكلام فيه، و إنما الكلام فيما إذا كان المالك مجهولا، فهل يجب الفحص عن مالكه أو لا؟ مقتضى القاعدة هو وجوب الفحص مع الإمكان لتوقف الأداء الواجب عليه.

و قد يقال بعدم وجوب الفحص عن مالكه و جواز التصدق به استنادا إلى إطلاق جملة من الروايات. منها: ما رواه الكافى عن على بن محمّد بن بندار عن إبراهيم بن إسحاق عن عبدالله بن حمّاد عن على بن أبى حمزة قال: كان لى صديق من كتّاب بنى اُميه، فقال لى: استأذن لى على أبى عبدالله عليه السلام فاستأذنت له (عليه)، فأذن له، فلمّا أن دخل سلّم و جلس، ثمّ قال: جعلت فداك، إنى كنت فى ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و اغمنت فى مطالبه، فقال أبوعبدالله عليه السلام: لولا أنّ بنى اُمية وجدوا لهم من يكتب و يجبى لهم الفىء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، و

**

(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأعظم، ص 70.

(2) النساء، 54.

لو تركهم الناس و ما فى أيديهم ما وجدوا شيئا إلّا ما وقع فى أيديهم.

قال: فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لى مخرج منه‌؟ قال: إن قلتُ لك تفعل‌؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت (اكتسبت) فى ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدّقت به، و أنا أضمن لك على الله عزوجل الجنة. فأطرق الفتى طويلاً، ثمّ قال له: لقد فعلت جعلت فداك.

قال ابن حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض إلّا خرج منه حتى ثيابه التى كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة و اشترينا له ثيابا و بعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلّا أشهر قلائل حتى مرض، الحديث.(1) اغمنت أى سترت.

أورد عليها بأن الخبر ضعيف بإبراهيم بن إسحاق و على بن أبى حمزة البطائنى. ولعلّ وجه عدم الأمر بالتعريف هو اليأس عن التعرف لوجود الفصل بين الاستيلاء على الأموال و زمان الاستبصار، فمن البعيد أن يكون التعريف مفيدا مع الفصل الطويل خصوصا إذا كان استبصاره بعد انقراض الدولة الاُموية و استيلاء العباسيين على عرش الخلافة.

ولكن لايخلو هذه المناقشات من الإشكال، لأن عدم الاستفصال يكفى فى إطلاق الرواية، فلا يضر بذلك الاحتمال المذكور، ثمّ إن تضعيف السند أيضا محل تأمل بعد نقل أحمد بن محمّد بن عيسى عن إبراهيم بن إسحاق و كونه من مشايخ الأصحاب، و لعلّ نقله عن البطائنى يكفى فى الوثوق به، لأنه حاك عن نقل ذلك عنه فى حال استقامته لو لم نقل بأن انحرافه لايستلزم عدم الوثوق به فتأمل.

**

(1) الوسائل، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 1200-199، ح 1.

ومنها: ما رواه فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن موسى بن عمر عن الحجال عن داود بن أبى يزيد عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال رجل: إنى قد أصبت مالا و إنى قد خفت فيه على نفسى، فلو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه‌؟ قال: فقال له أبوعبدالله عليه السلام: و الله إن لو أصبته كنت تدفعه إليه‌؟ قال: إى والله، قال: فأنا والله ما له صاحب غيرى، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، قال: فاذهب فاقسمه فى إخوانك و لك الأمن مما خفت منه، قال: فقسّمته بين إخوانى.(1)

قال فى جامع الرواة: و الصحيح داود بن أبى زيد، و كيف كان فالسند صحيح.

ومنها: ما رواه فى الكافى عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن أبى عبدالله عن على بن حديد عن على بن ميمون الصائغ قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به‌؟ قال: تصدّق به، فإما لك و إما لأهله، قلت: فإن فيه ذهبا و فضة و حديدا فبأىِّ شىء أبيعه‌؟ قال: قال: بعه بطعام، قلت: فإن كان لى قرابة محتاج أعطيه منه‌؟ قال: نعم.(2) و السند ضعيف لاشتماله على على بن حديد.

ومنها: خبر أبى على بن راشد قال: سألت أباالحسن عليه السلام قلت: جعلت فداك، اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتى بألفى درهم، فلمّا وفيت المال خبرت أنّ الأرض وقف، فقال: لايجوز شراء الوقف و لاتدخل الغلّة فى مالك و ادفعها إلى من وقفت عليه، قلت: لاأعرف لها ربّاً، قال: تصدّق بغلّتها.(3)

قيل: مهملة بمحمد بن جعفر الرزاز، ولكن فى منتهى المقال «هو أحد رواة الحديث

**

(1) الكافى، ج 5، ص 139-138، ح 7.

(2) جامع الأحاديث، الباب 2 من أبواب الصرف، ج 23، ص 218، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 17 من أبواب عقد البيع، ج 17، ص 364، ح 1.

و مشايخ الشيعة، إلى أن قال: و فى البلغة أنه من أجلاء الشيعة و مشايخ الكلينى»، هذا مضافا إلى المحكى عن النجاشى ما يشير إلى اعتماده عليه، و عليه فالرواية معتبرة.

و أما أبوعلى بن راشد فهو كان وكيلا مقام الحسين بن عبدربه، و لعلّه هو الحسن بن راشد الموثق.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبى عبدالله عليه السلام فى رجل ترك غلاماً له فى كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثمّ باعه‌؟ قال: لايصلح ثمنه. إلى أن قال عليه السلام: إن أفضل خصال هذه التى باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها.(1) و غير ذلك من الأخبار المطلقة الدالة على جواز التصدّق بمجهول المالك من دون قيد الفحص.

ويمكن أن يقال: إن إطلاق هذه الأحاديث يقيد بمعتبرة يونس بن عبدالرحمن قال: سئل أبوالحسن الرضا عليه السلام و أنا حاضر، إلى أن قال: فقال: رفيق كان لنا بمكة، فرحل منها إلى منزله و رحلنا إلى منزلنا، فلمّا أن صرنا فى الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأىّ شىء نصنع به‌؟ قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لانعرف بلده و لانعرف كيف نصنع‌؟ قال: إذا كان كذا فبعه و تصدّق بثمنه، قال: على مَن، جعلت فداك‌؟ قال: على أهل الولاية.(2)

بدعوى أن مقتضى مفهوم الشرطية فى قوله «إذا كان كذا» عدم جواز التصدق بالمال مع احتمال الظفر بمالكه و لو بالفحص(3).

**

(1) الوسائل، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 223، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب اللقطة، ج 25، ص 451-450، ح 2.

(3) إرشاد الطالب، ص 327.

والوجه فى التعبير عن الرواية بالمعتبرة هو اشتمالها على محمّد بن عيسى بن عبيد الذى وثّقه النجاشى و ضعّفه بعض آخر، و ليس وجه الضعف إلّا القدح فى مذهبه من الرمى بالغلو و نحوه، مع أنه لاينافى الوثاقة.

و صحيحة معاوية بن وهب عن أبى عبدالله عليه السلام فى رجل كان له على رجل حق ففقده و لايدرى أين يطلبه‌؟ و لايدرى أحىّ هو أم ميت‌؟ و لايعرف له وارث و لانسب و لابلد؟ قال: اطلبه، قال: إن ذلك قد طال فأصدّق به‌؟ قال: اطلبه.(1)

أللّهمّ إلّا أن يقال: إن مثلها وارد فى معلوم المالك الذى يتعذر الوصول إليه. و مورد بحثنا إنما هو مجهول المالك، ولكن يمكن دفع ذلك. بأن المستفاد من معتبرة يونس و صحيحة معاوية بن وهب و من غيرهما حكم المال المجهول مالكه بحيث يعم الجائزة المأخوذة من الجائر، و عليه فلابد من رفع اليد عن إطلاق الأدلة.

فتحصّل: أن إطلاق الأخبار المذكورة كرواية أبى حمزة و غيرها مقيد بالأخبار الدالة على وجوب الفحص، و مقتضاه هو وجوب الفحص، و مع عدم الظفر يجب التصدق به.

و ربما يستدل لوجوب الفحص بما ورد فى موارد خاصة:

أحدها: ما ورد فى إيداع اللص دراهم أو متاعا عند مسلم، كرواية حفص بن غياث المروية عن التهذيب بإسناده عن الصفار عن على بن محمّد القاسانى عن القاسم بن محمّد عن سليمان بن داود المنقرى عن حفص بن غياث، قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا، و اللصّ مسلم هل يردّ عليه‌؟ فقال: لايردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، و إلّا كان فى يده

**

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب الدين، ج 18، ص 362، ح 2.

بمنزلة اللقطة يصيبها. فيعرّفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، و إلّا تصدق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر و إن أختار الغرم غرم له و كان الأجر له.(1)

و استشكل فى مصباح الفقاهة على هذه الرواية أولاً: بضعف السند، قال فى معجم الرجال: قال النجاشى: على بن محمّد بن شيرة القاسانى أبوالحسن كان فقيها مكثرا من الحديث فاضلاً غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسى، و ذكر أنه سمع منه مذاهب منكرة، و ليس فى كتبه ما يدلّ على ذلك، له كتاب التأديب و هو كتاب الصلاة.

إلى أن قال فى معجم الرجال: أقول: لامنافاة بين أن يسمع أحمد بن محمّد بن عيسى منه مذاهب منكرة و أنّ لايكون فى كتبه ما يدل على ذلك. إذن فلاموجب لعدم الاعتداد بغمز أحمد بن محمّد بن عيسى عليه.

و لايبعد أن يكون غمز أحمد بن محمّد بن عيسى هو السبب فى تضعيف الشيخ إياه، حيث عدّه فى أصحاب الهادى عليه السلام و قال: على بن محمّد القاسانى ضعيف إصفهانى. إلى أن قال فى معجم الرجال: ثمّ إنّ على بن شيرة الذى عدّه الشيخ فى أصحاب الهادى عليه السلام و قال ثقة، مغاير لعلى بن محمّد بن شيرة، فإنه لو سلّم أنّ المسمى بشيرة رجل واحد، كما هو ليس ببعيد. فالمسمى بعلى الذى هوثقة ولده و من هو ضعيف حفيده و لم تقم على الاتحاد بوجه، ولكن العلامة جزم بالاتحاد، إلى أن قال فى معجم الرجال: أقول: ليس فى كلام النجاشى دلالة على الاتحاد، بل يدل على أن على بن محمّد القاسانى حفيد شيرة، فمن أين يستكشف أنّ على ابن شيرة متحد مع على بن محمّد بن شيرة، انتهى.

**

(1) الوسائل، الباب 18 من أبواب اللقطة، ج 25، ص 464-463، ح 1.

و عليه فلايحصل وثوق بالحفيد و هو على بن محمّد القاسانى إن كان التوثيق راجعا إلى الولد و هو محمّد بن شيرة، فتأمل.

و دعوى انجباره بعمل المشهور كما فى الجواهر، دعوى غير صحيحة، لما حققناه فى علم الاُصول من أنّ الشهرة الفتوائية لاتجبر ضعف الرواية. و فيه منع عدم الجبران لو ثبت العمل بها كما قرر فى محله.

و ثانياً: أنه وارد فى قضية خاصة، فلاوجه للتعدى منها إلى غيرها. و فيه: أنه لاخصوصية له فيمكن التعدى منه فتأمل.

وثانيها: ما دلّ على وجوب الفحص عن الأجير لإيصال حقه إليه، كصحيحة هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أباعبدالله عليه السلام و أنا عنده جالس، قال: إنه كان لأبى أجير كان يقوم فى رحاه و له عندنا دراهم و ليس له وارث‌؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: تدفع إلى المساكين، ثمّ قال: رأيك فيها، ثمّ أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبوعبدالله عليه السلام: تطلب وارثا فإن وجدت وارثا، و إلّا فهو كسبيل مالك، ثمّ قال: ما عسى أن يصنع بها، ثمّ قال: توصى بها فإن جاء طالبها، و إلّا فهى كسبيل مالك.(1)

يشكل ذلك بأنه معلوم المالك الذى يتعذر الوصول إليه، و مورد بحثنا إنما هو مجهول المالك.

وثالثها: الأخبار الواردة فى وجوب تعريف اللقطة حولا و التصدق بها بعده، ولكنه مختص باللقطة و لايعم غيرها.

و على الجملة لانعرف وجها للتعدى عن مورد الروايات إلى غيره. و دعوى اتحاد

**

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب الدين و القرض، ج 18، ص 362، ح 3.

الملاك بين مواردها و بين مجهول المالك، و هو عدم الوصول إلى المالك دعوى جزافية، إذ لاطريق لنا إلى كشف ذلك.(1)

فتحصّل أن مقتضى الجمع بين المطلقات الدالة على وجوب التصدق و بين ما يدلّ على وجوب الفحص هو تقييد المطلقات بوجوب الفحص، فيحمل الإطلاقات على صورة عدم الظفر على مالك المال بعد الفحص. هذا و قد يقال: إنّ الآية الكريمة: (إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا) (2) تقتضى وجوب الفحص عن المالك مقدمة للردّ الواجب، سواء كانت الأمانة مالكية كالوديعة و العارية و نحوهما، أم شرعية كاللقطة و مجهول المالك و مال السرقة و الخيانة و الغصب و المال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوبا، ولكنّه مقيد بالتمكن العقلى من الأداء و الفحص، لقبح التكليف بغير المقدور.

وعليه فلايجب الفحص مع عدم التمكن منه. و المطلقات المتقدمة ظاهرة فى وجوب التصدق بمجهول المالك على وجه الإطلاق حتى مع التمكن من الفحص. و إذن فالنسبة بينهما هى العموم من وجه، فإنّ الآية أعم من حيث المورد، لشمولها الأمانات المالكية و الشرعية و أخص من حيث وجوب الفحص لاختصاصها بصورة التمكن منه.

و المطلقات المتقدمة أعم من جهة الفحص لشمولها صورتى التمكن من الفحص و عدمه، و أخصّ من حيث المورد لاختصاصها بمجهول المالك، فتقع المعارضة بينهما فى مجهول المالك مع التمكن من الفحص. فمقتضى الآية هو وجوب الفحص عن

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 513.

(2) النساء، 58.

المالك مع التمكن منه، و مقتضى الروايات هو جواز التصدق به قبل الفحص عنه، سواء تمكن منه أم لا.

و قد حققنا فى مبحث التعادل و التراجيح من علم الاُصول أنه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه ترفع اليد عن الخبر و يؤخذ بعموم الكتاب أو بإطلاقه. و عليه فلابدّ من الأخذ بإطلاق الآية و الحكم بوجوب الفحص مع التمكن منه و رفع اليد عن المطلقات الظاهرة فى عدم وجوبه و مع الإغضاء عما ذكرنا، و الحكم بالتساقط يرجع إلى ما دلّ على حرمة التصرف فى مال الغير بدون إذنه.(1)

فاللازم هو وجوب الفحص أخذا بإطلاق الآية الكريمة بناء على أنه يؤخذ بإطلاق الآية فيما إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه.

أورد عليه فى إرشاد الطالب بانه لاتجتمع الآية و رواية أبى حمزة بحسب المورد أصلاًً، حتى يقال بتساقط إطلاقى وجوب أداء المال إلى مالكه و وجوب التصدق به، و لو مع احتمال التمكن من الرد إليه بالفحص، حيث إن المال - المحكوم عليه فى الرواية بوجوب التصدق به مع عدم عرفان مالكه - لايكون من قسم الأمانات لا المالكية و لاالشرعية، لتعمّه الآية. فالصحيح فى الجواب ما تقدم (من لزوم الفحص و رفع اليد عن إطلاق ما يدلّ على عدم لزوم الفحص و حمله على صورة عدم الظفر على مالك المال بعد الفحص).(2)

يمكن أن يقال: إنّ ترجيح موافق إطلاق الكتاب فيما إذا ورد المتعارضان بالعموم من الوجه على تقدير القول به لايستلزم تقديم إطلاق الكتاب على الخبر الذى ينافى إطلاق الكتاب.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 514-513.

(2) إرشاد الطالب، ص 328.

وعليه فما أفاده السيّد المحقّق الخوئى قدس سره من أنه يؤخذ بعموم الكتاب أو بإطلاقه و يحكم بوجوب الفحص مع التمكن منه منظور فيه، بل يحكم بسقوطهما فى مورد التعارض. و عليه فلاوجه للقول بوجوب الفحص مع التمكن منه من ناحية الآية الكريمة، هذا مع الغمض عن عدم شمول أخبار العلاجية للعموم من وجه، لظهورها فى المتباينين من الأخبار على ما قرر فى محله.

ثم إن نفى كون مورد الرواية من قسم الأمانات لاالمالكية و لاالشرعية فى إرشاد الطالب لايخلو من إشكال أيضا، لأن مال الغير بعد كون الآخذ مصمّما لردّه إلى مالكه يصير أمانة شرعية فتعمه الآية الكريمة و يعارضه الرواية الدالة على وجوب التصدق به مع عدم عرفان مالكه، فيتساقطان فى مورد الاجتماع و يرجع إلى عموم ما دلّ على حرمة التصرف فى مال الغير بدون إذنه، فلايجوز التصدق بدون الفحص، هذا لو لم نقل بترجيح إطلاق الآية أو عمومها كما هو الحق. ثمّ إنّ مقتضى الجمع بين الأدلة فى مجهول المالك هو وجوب الفحص، فمع اليأس يجب التصدق و لايجب التعريف فى الحول فلاتغفل.

ج) هل يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدعيه

ج) هل يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدعيه بعد الفحص و اليأس أو لايجوز؟

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ لو ادعاه مدع ففى سماع قول من يدعيه مطلقا لأنه لامعارض له، أو مع الوصف تنزيلا له منزلة اللقطة، أو يعتبر الثبوت شرعا للأصل وجوه.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: هل يجوز أو يجب إعطاء مجهول المالك لمن يدعيه بعد الفحص عن مالكه، واليأس من العلم به استنادا إلى ما دلّ على سماع قول المدعى إذا لم يعارضه أحد فى دعواه، أو لايجوز إعطاؤه إلّا مع التوصيف إلحاقا له باللقطة، أو يعتبر الثبوت الشرعى لبطلان الوجهين المتقدمين، فإنه بعد وضع اليد على مال لايجوز

دفعه إلّا إلى مالكه الواقعى أو إلى مالكه الشرعى، و الوجهان المذكوران لايفيدان ذلك.

أما الوجه الأوّل: فيردّه أنّ ترتيب الأثر على دعوى المدعى إذا كانت بلامعارض إنما هو فيما إذا لم تثبت يد على المال. أما إذا ثبتت على المال يَدٌ فلاتسمع دعوى أحد عليه، إلّا بالطرق الشرعية، ضرورة أنّ ذا اليد قد اشتغلت ذمته بالمال بمجرد وضع يده عليه، فلايخرج من عهدته إلّا بإيصاله إلى مالكه، أو صرفه فيما قرره الشارع. و على هذا جرت السيرة القطعية. على أنّه لادليل على هذه القاعدة إلّا رواية منصور بن حازم عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا و وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس‌؟ فقالوا كلّهم: لا، و قال واحد منهم: هو لى، فلمن هو؟ قال: للذى ادعاه.(1)

ولكنها غريبة عن المقام للعلم بوجود الحرام فيما بيد الجائر على أنّ الرواية واردة فى قضية شخصية فلايمكن التعدى منها إلى غيرها للجهل بخصوصياتها.

وأما الوجه الثانى: فيردّه أنّ التوصيف ليس له موضوعية لإعطاء اللقطة لمن يدّعيها، بل هو لحصول الاطمئنان بصدق المدعى فى دعواه.

و أما الاكتفاء بالتوصيف أو بالدعوى المجردة و إن لم تقارن بالتوصيف، فلادليل عليه. و حينئذ فلايترتب الأثر على توصيف المدعى إلّا بعد حصول الاطمينان بصدق دعواه. و أما حمل فعل المسلم على الصحة، فغاية ما يفيده أن لايعامل المدعى معاملة الكاذب، لا أن تترتب على دعواه آثار الواقع.

**

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، ج 27، ص 274-273، ح 1.

و أما الوجه الأخير فهو الموافق للتحقيق، لاشتغال ذمة ذى اليد بمجرد وضع يده على مال الغير، فلاتبرء ذمته إلّا بإيصاله إلى مالكه الواقعى أو الشرعى.(1)

نعم، إذا لم يكن الشخص واضعا يده على المال و ادعاه مدع، ففى رواية منصور بن حازم عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا و وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس، فقالوا كلهم: لا، و قال واحد منهم: هو لى، فلمن هو؟ قال: للذى ادعاه(2). و ظاهرها سماع دعوى الملكية، بل هو مقتضى السيرة العقلائية.

أورد عليه فى إرشاد الطالب بقوله: ولكنّها ضعيفة سندا، فإنّ محمّد بن الوليد الواقع فى سندها هو الخزاز المعتبر، أو الصيرفى الضعيف، كل محتمل إلّا أنها تصلح لتأييد ما ذكرنا.(3)

وفيه: أنّ الظاهر أنه هو الخزاز لكثرة نقله عن يونس بن يعقوب دون الصيرفى، و المفروض فى الرواية هو نقل محمّد بن الوليد عن يونس.

لايقال: إن السند الذى فى الكافى مرسل، حيث قال محمّد بن يعقوب عن على عن أبيه عن بعض أصحابه عن منصور بن حازم.

لأنّا نقول: لايضر ذلك بعد ما روى فى الوسائل عن الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن الوليد عن يونس عن منصور بن حازم، الحديث. و من المعلوم أن هذا السند ليس بمرسل.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 515-514.

(2) الوسائل، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، ج 27، ص 274-273، ح 1.

(3) إرشاد الطالب، ص 329.

ثم إن مورد الرواية أما صورة العلم بعدم مالكية غير العشرة، فنفى تسعة منهم يلازم مالكية المدعى، و يصح دعوى السيرة العقلائية عليه و لامجال لتخصيصها بالمورد كما لايخفى.

و أما صورة احتمال مالكية غير العشرة، فنفى التسعة المذكورة يلازم مالكية المدعى أو غيره، فإن دلت القرائن على ملكية المدعى أو غيره فهو، و إلّا فالأصل هو عدم مالكية كل واحد منهما، إلّا أنّ الملك حيث لايبقى بدون المالك فالمالك مردد بينهما. و يمكن أن يعين بالقرعة، ولكن الرواية حيث اكتفت بتقديم المدعى أجنبية عن هذه الصورة، أللّهمّ إلّا أن يقال: بإطلاق الرواية لهذا الفرض أيضا فيعطى المال للمدعى و إن احتمل كونه لغيره ممن عدى العشرة.

و إما صورة نفى العشرة ثمّ ادعى أحدهم مالكيته بعد نفيه، و لاإشكال فى هذه الصورة فى أنّ الاعتبار ينفى المالكية، لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جايز، فالمالكية حينئذ مردّدة بين العشرة إن لم يكن احتمال مالكية غيرهم، فاللازم حينئذ هو التصالح بينهم.

و كيف كان، فالرواية أجنبية عن المقام الذى علم فيه أنّ المأخوذ من الجائر معلوم الحرمة، إذ لا علم بالحرام فى البين فى جميع الصور المحتملة فى الرواية. و عليه فلايجوز إعطاء المجهول مالكه لمن يدعيه فيما إذا كان المأخوذ معلوم الحرمة، بل اللازم فى جواز الإعطاء هو ثبوت المالكية شرعا، كما لايجوز إعطاء ذلك عند توصيفه ما لم يوجب الاطمئنان، إذ لاموضوعية للتوصيف كما لايخفى.

د) مقدار الفحص عن المالك و كيفيته

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ إن المناط صدق اشتغال الرجل بالفحص نظير ما ذكروه فى تعريف اللقطة، إلى أن قال: ثمّ إن الفحص لايتقيد بالسنة على ما ذكره الأكثر هنا، بل حدّه اليأس، و هو مقتضى الأصل إلّا أن المشهور كما فى جامع المقاصد على أنّه

إذا أودع الغاصب مال الغصب لم يجز الردّ إليه، بل يجب ردّه إلى مالكه، فإن جهل عرّف سنة، ثمّ يتصدق به عنه مع الضمان.

و به رواية حفص بن غياث، لكنّ موردها فيمن أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللصّ مسلم، فهل يردّ عليه‌؟ قال: لايردّه، فإن أمكنه أن يردّه على صاحبه فعل، و إلّا كان فى يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها، و إلّا تصدّق بها، فإن جاء صاحبها بعد ذلك خيّر بين الغرم و الأجر، فإن اختار الأجر فالأجر له و إن أختار الغرم غرم له و كان الأجر له.(1)

و قد تقدم تعدى الأصحاب من اللصّ إلى مطلق الغاصب بل الظالم، و لم يتعدوا من الوديعة المجهول مالكها إلى مطلق ما يعطيه الغاصب، و لو بعنوان غير الوديعة، كما فيما نحن فيه.

نعم، ذكر فى السرائر فيما نحن فيه: أنه روى أنه بمنزلة اللقطة، ففهم التعدى من الرواية. و ذكر فى التحرير: أن إجراء حكم اللقطة فيما نحن فيه ليس ببعيد، كما أنه عكس فى النهاية و السرائر فألحقا الوديعة بمطلق مجهول المالك.

و الإنصاف أن الرواية يعمل بها فى الوديعة أو مطلق ما أخذ من الغاصب بعنوان الحسبة للمالك، لامطلق ما أخذ منه حتى لمصلحة الآخذ، فإن الأقوى فيه تحديد التعريف فيه باليأس للأصل بعد اختصاص المخرج عنه بما عدا ما نحن فيه.

مضافا إلى ما ورد من الأمر بالتصدق بمجهول المالك مع عدم معرفة المالك، كما فى الرواية الواردة فى بعض عمّال بنى اُمية لعنهم الله من الأمر بالصدقة بما لايعرف صاحبه مما وقع فى يده من أموال الناس بغير حق، انتهى(2).

**

(1) الوسائل، الباب 18 من أبواب اللقطة، ج 25، ص 464-463، ح 1.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 70.

و كيف كان، فلادليل على اعتبار تعريف السنة فى مطلق المجهول المالك، لأنّ روايات اللقطة مختصة بها، كما أنّ رواية حفص المستدل بها فى المقام ضعيفة بحسب السند.

و دعوى انجبار ضعفها بالشهرة غير محرزة، لاحتمال استنادهم فيه إلى إلغاء الخصوصية فى أخبار اللقطة. و عليه فالتفصيل بين الوديعة و غيرها كما يظهر من الشيخ لادليل له، بل يجب التعريف مطلقا حتى يحصل اليأس، و لو لم تمضه السنة. ثمّ إنه إذا احتاج الفحص عن المالك إلى بذل أجرة، فإن كان الاستيلاء عليه بغير سبب شرعى كالغصب فمؤونة الفحص على الغاصب لوجوب ردّ المغصوب إلى مالكه، و إن توقف ذلك على بذل الاُجرة، إذ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.

و إن كان الاستيلاء عليه بسبب شرعى، كأخذ المال من السارق أو الجائر للإيصال إلى مالكه، فالظاهر أن مؤونة الفحص على المالك، بمعنى أن الواجد يصرفها من كيسه عن المالك، فإذا وجده أخذها منه، و إلّا فمن المال الذى فى يده، لأن يده يد إحسان و ما على المحسنين من سبيل. هذا مضافا إلى كون الاُجرة على الواجد بسبب شرعى ضرر عليه(1).

ه‍ -) مصرف مجهول المالك

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ الحكم بالصدقة هو المشهور فيما نحن فيه، أعنى جوائز الظالم. و نسبه فى السرائر إلى رواية أصحابنا، فهى مرسلة مجبورة بالشهرة المحققة مؤيدة بأنّ التصدق أقرب طرق الإيصال.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 518-517.

و ما ذكره الحلى من إبقائها أمانة فى يده و الوصية به معرض للمال للتلف، مع أنه لايبعد دعوى شهادة حال المالك للقطع برضاه بانتفاعه بماله فى الآخرة على تقدير عدم انتفاعه به فى الدنيا، هذا.

و العمدة ما أرسله فى السرائر مؤيّدا بأخبار اللقطة و ما فى منزلتها أو ببعض الأخبار الواردة فى حكم ما فى يد بعض عمّال بنى اُميه الشامل بإطلاقها لما نحن فيه من جوائز بنى اُمية، حيث قال عليه السلام له: اخرج من جميع ما اكتسبت فى ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدقت.

و يؤيده أيضا الأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين من إجزاء النقدين، و ما ورد من الأمر بالتصدق بغلّة الوقف المجهول أربابه، و ما ورد من الأمر بالتصدق بما يبقى فى ذمة الشخص لأجير استأجره.

و مثله معتبرة يونس: فقلت: جعلت فداك، كنّا مرافقين لقوم بمكة فارتحلنا عنهم و حملنا ببعض متاعهم بغير علم و قد ذهب القوم و لانعرف أوطانهم و قد بقى المتاع عندنا، فما نصنع به‌؟ قال: تحملونه حتى تلحقوهم بالكوفة، قال يونس: قلت له: لست أعرفهم و لاندرى كيف نسئل عنهم، قال: فقال عليه السلام: بعه و اعط ثمنه أصحابك، قال: فقلت: جعلت فداك أهل الولاية‌؟ قال: فقال: نعم.(1) فالمستفاد من هذه الأدلة أن مصرفه هو التصدق، فلايجوز غير ذلك.

و قد يستظهر من بعض الروايات أن مجهول المالك مال الإمام عليه السلام، كرواية داود بن أبى يزيد عن أبى عبدالله عليه السلام قال: قال له رجل: إنى قد أصبت مالا وإنى قد خفت فيه على نفسى، و لو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه‌؟ قال: فقال له

**

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب اللقطة، ح 2.

أبوعبدالله عليه السلام: و الله ان لو أصبته كنت تدفعه إليه‌؟ قال: إى والله، قال: فأنا و الله ما له صاحب غيرى. قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره قال فحلف فقال: فاذهب فاقسمه فى إخوانك، ولك الأمن مما خفت، قال: فقسّمته بين إخوانى،(1) انتهى.

وفيه أوّلاً: أن هذه الرواية صحيحة، لأن موسى بن عمر و إن كان مشتركا بين الكوفى و البغدادى ولكن الكوفى مصرّح بكونه ثقة و البغدادى أيضا ثقة، حيث إنه ممن نقل عنه أحمد بن محمّد بن عيسى و لم يستثن، ففيه إيماء إلى وثاقته، و عليه فلاوجه للتعبير عنها بالرواية.

وثانياً: أن القضية كما أفاد فى مصباح الفقاهة قضية شخصية، لاحتمال أن يكون المال فى تلك الواقعة مفقودا من الإمام نفسه، فيكون حلفه عليه السلام فى محله لكون المال له واقعا. و أما أمره عليه السلام بتقسيم ذلك المال فلعلّه دفع للتهمة عن نفسه أو إحسان منه إلى الفقراء.

و يحتمل أن يكون حلفه على أن المال له لعلمه بموت مالكه و أنه لم يترك وارثا غير الإمام. و يحتمل أن يكون المال المذكور من صفو دار الحرب الذى هو خاص للإمام عليه السلام. و من الواضح كما فى مصباح الفقاهة لايبقى مجال للاستدلال بهذه الرواية على المقصود، و لايبعد دعوى كون الرواية ممّا يدل على أنّ ولاية المجهول مالكه للإمام عليه السلام. و يمكن الجمع بينه و بين ما يدلّ على أن ولاية المال المجهول مالكه للواجد بالتخيير.

فتحصّل أنه لاوجه لرفع اليد عن ظهور الأدلة فى وجوب التصدق به بعد اليأس عن إيصاله إلى مالكه. و قد يستدل لجواز تملك مجهول المالك بصحيحة على بن مهزيار

**

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب اللقطة، ج 25، ص 450، ح 1.

التى تبيّن موارد الخمس، حيث عدّ منها بقوله: «و مثل مال يؤخذ و لايعرف له صاحب».(1) فإنها صريحة فى جواز تملك مجهول المالك بعد إخراج الخمس، و إلّا فلامجال للأمر بالخمس، لأن الخمس فى الغنيمة و الفوائد و لايصدقان بدون التملك.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة بأن هذه الرواية واردة فى بيان موارد الخمس على نحو القضية الحقيقية، فيكون مفادها أنه كلما تحقق شىء من تلك الموارد وجب فيه الخمس، و عليه فلادلالة فيها على جواز تملك مجهول المالك لكى يتمسك بإطلاقها.

هذا مضافا إلى أنه لو سلّمنا كون الرواية فى مقام البيان من هذه الجهة أيضا، فلانسلّم كونها صريحة فى جواز تملك مجهول المالك بعد إخراج خمسه، و إنما هى مطلقة بالنسبة إليه، فتقيد بالروايات الدالة على لزوم التصدق بمجهول المالك.(2)

وفيه: أن الرواية تعارض ما دلّ على وجوب التصدق، و دعوى كونها مطلقة كما ترى. نعم، يرجح ما دلّ على وجوب التصدق من جهة الشهرة عليه، أللّهمّ إلّا أن يقال: إن صحيحة على بن مهزيار فى مقام بيان الفوائد و الغنائم، فتدلّ على أن الفقير إذا أخذ مجهول المالك بعنوان الصدقة أخذ الفائدة، فيجب عليه إعطاء خمسه إن زاد على مؤونته، و هو أجنبى عن المقام فإن البحث فى جواز تملك الواجد لا الفقير.

ثم إن ظاهر ما تقدم هو تعيين وجوب التصدق بالمجهول المالك، ولكن مقتضى صحيحة هشام بن سالم عدم وجوب ذلك، بل هو مخير بين التصدق و بين إبقائه.

روى فى الوسائل بسند صحيح عن هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعوز

**

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 519.

أباعبدالله عليه السلام و أنا عنده جالس قال: إنه كان لأبى أجير كان يقوم فى رحاه وله عندنا دراهم و ليس له وارث، فقال أبوعبدالله عليه السلام: تدفع إلى المساكين، ثمّ قال: رأيك فيها، ثمّ أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبوعبدالله عليه السلام: تطلب وارثا فإن وجدت وارثا، و إلّا فهو كسبيل مالك.

ثم قال: ما عسى أن يصنع بها، ثمّ قال: توصى بها، فإن جاء طالبها، و إلّا فهى كسبيل مالك(1). ظاهرها جواز إبقائه إلى أن يجىء له طالب، و لذا جمع السيّد اليزدى على ما حكى عنه بينه و بين ما تقدم بالوجوب التخييرى. و لعل إصرار السائل من جهة عدم ميله إلى الضمان الذى يتوجه إليه عند التصدق و عدم رضاية المالك إذا جاء.

واُجيب عنه: بأنّ هذه الصحيحة لاتصلح لرفع اليد عما دلّ على وجوب التصدق، و ذلك لعدم إحراز ظهورها فى غير موارد الدين، فلايبعد أن يكون المال المسئول عن حكمه فيها هو الكلى على الذمة، و الحكم فيه بالتصدق لايكون لزوميا، بل يجوز تركه و الوصية به، و لايكون على المكلف شىء مع عدم مجىء طالبه. غاية الأمر يتقيد ذلك بما بعد الفحص و الطلب و اليأس جمعا بينه و بين مثل صحيحة معاوية بن وهب الدالة على وجوب الطلب(2).

و فيه أنه صحيح لو كانت النسبة بينهما هى الأعم و الأخص إلّا أن النسبة بينهما هى التباين، لأن قوله: «له عندنا دراهم» يعم الدين و العين، كما أنّ بعض روايات التصدق كذلك و لايختص بالدين. و عليه فيتعارضان و يتساقطان إلّا أنّ الترجيح مع ما دلّ على تعيين وجوب التصدق لكونه مشهوراً.

هذا مضافا إلى ما أشار إليه فى إرشاد الطالب من أنّ هذه الرواية رواها الكلينى

**

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب الدين، ج 18، ص 362، ح 3.

(2) إرشاد الطالب، ص 335-334.

بطريق (صحيح) آخر، و ظاهرها اختصاص الواقعة بالدين، حيث قال فيه: إنّه كان عند أبى أجير يعمل عنده بالاُجرة ف‍ - فقدناه، و بقى من الأجر شىء، الحديث(1).

و عليه فيتقيد صحيحة هشام بما رواه فى الكافى بطريق آخر، و مع التقييد يكون نسبة صحيحة هشام مع ما دلّ على تعيين وجوب الصدقة هى الأعم و الأخص، لكنّ هذا مبنى على تقييد المثبتات. هذا مضافا إلى إمكان منع كون نسختين روايتين، بل هما رواية واحدة مع اختلاف النسخة، و القدر المتيقن منهما هو الديون، فلايرفع اليد عن إطلاق أخبار تعيين وجوب التصدق كما لايخفى.

لايقال: إن الأمر بطلب المالك فى صحيحة معاوية بن وهب قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن رجل كان له على رجل حق، ففقد و لايدرى أحىّ هو أم ميت‌؟ و لايعرف له وارث و لانسب و لابلد؟ قال: أطلبه، قال: إن ذلك قد طال فاُصدّق به‌؟ قال: اطلبه.(2) ينافى الأمر بالتصدق، لأنّا نقول: إن الطلب لامجال له إلّا إذا احتمل أن يعرف المالك لو فحص عنه، بخلاف التصدق، فإنه مأمور به عند الفحص و اليأس، و من المعلوم أن مع اليأس لامجال للفحص و الطلب، فلامنافاة بينهما.

و دعوى أن التصرف فى مال الغير حرام مطلقا، فيكون الأمر بالتصدق بمجهول المالك قد وقع بعد توهم الحظر، فلايدل ذلك الأمر على الوجوب. و عليه فلامانع من كون الواجد مخيرا بين التصدق به و بين حفظه لصاحبه و لو بالإيصاء به عند الموت.

مندفعة بما أفاد فى مصباح الفقاهة من أنّ الميزان فى ورود الأمر مورد توهم الحظر هو أن يتعلق الأمر بعنوان تعلق به النهى أو كان معرضا له، كالصيد الذى نهى عنه فى الإحرام و أمر به بعد الإحلال. و ما نحن فيه ليس كذلك، فإن النهى قد تعلق

**

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، ج 26، ص 296، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 22 من أبواب الدين، ج 18، ص 362، ح 2.

بالتصرف فى أموال الناس بدون إذنهم، و الأمر قد تعلق بالتصدق بمجهول المالك بعد الفحص و اليأس من الظفر بصاحبه، فلايرتبط أحد الأمرين بالآخر.(1)

ولقائل أن يقول: يكفى فى ذلك كون المأمور به مصداقا للمنهى عنه بالحمل الشايع الصناعى، و لايلزم أن يتعلق الأمر بعين عنوان للمنهى عنه بعد وحدة الملاك، و هو توهم الحظر فتدبّر.

نعم، يمكن أن يقال: إن الظاهر من السؤال عن حكمه فى الأخبار هو عدم توهم الحظر، لأن السائل يكون فى مقام أخذ واجبه من التصدق أو الإمساك و الإبقاء. و معلوم أن الأمر يدور حينئذ بين الواجبين، و السائل سئل عن تعين أحدهما و لامجال لتوهم الحظر فيما لابدّ منه من الفعل، فلاوجه للعدول عما ذهب إليه المشهور من وجوب تصدق المجهول المالك عند وجوده.

نعم، لو تلف و صار دينا كان الواجد مختارا بين أن يتصدق و بين الوصية به لمالكه لو جاء كما دلّت عليه صحيحه هشام بن سالم المتقدمة، فتدبّر جيّدا. فتحصّل أنه لاوجه لإنكار تعيين وجوب التصدق باحتمال ورود الأمر به فى مورد توهم الحظر.

و) حكم دفعه إلى الحاكم

قال شيخنا الأعظم: الأقرب دفعه إلى الحاكم الذى ولىّ الغائب، إلى أن قال: فمقتضى القاعدة لولا ما تقدم من النصّ (الدال على وجوب التصدق) هو لزوم الدفع إلى الحاكم.

ثم الحاكم يتبع شهادة حال المالك، فإن شهدت برضاه بالصدقة أو بالإمساك عمل عليهما، و إلّا يخيّر بينهما، لأن كلّا منهما تصرف لم يؤذن فيه من المالك ولابد من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 521.

أحدهما و لاضمان فيهما، و يحتمل قويا تعين الإمساك، لأن الشك فى جواز التصدق يوجب بطلانه لأصالة الفساد.

و أما بملاحظة ورود النص بالتصدق، فالظاهر عدم جواز الإمساك أمانة، لأنه تصرف لم يؤذن فيه من المالك و لاالشارع، و يبقى الدفع إلى الحاكم و التصدق. و قد يقال: إن مقتضى الجمع بينه (أى بين ما دلّ على وجوب التصدق) و بين دليل ولاية الحاكم هو التخيير بين الصدقة و الدفع إلى الحاكم، فلكل منهما الولاية.

و يشكل بظهور النص فى تعيين التصدق، نعم، يجوز الدفع إليه. من حيث ولايته على مستحقى الصدقة و كونه أعرف بمواقعها.

ويمكن أن يقال: إن أخبار التصدق واردة فى مقام إذن الإمام بالصدقة أو محمولة على بيان المصرف، فإنك إذا تأملت كثيرا من التصرفات الموقوفة على إذن الإمام عليه السلام وجدتها واردة فى النصوص على طريق الحكم العام، كإقامة البينة و الإحلاف و المقاصة.

و كيف كان، فالأحوط خصوصا بملاحظة ما دلّ على أن مجهول المالك مال الإمام عليه السلام مراجعة الحاكم بالدفع إليه أو استيذانه، و يتأكد ذلك فى الدين المجهول المالك إذ الكلى لايتشخص للغريم إلّا بقبض الحاكم الذى هو وليّه، و إن كان ظاهر الأخبار فيه ثبوت الولاية للمديون.(1)

و لايخفى أن المستفاد من معتبرة يونس بن عبدالرحمن هو جواز بيع المجهول المالك و إعطاء ثمنه للأصحاب. و ظاهره أن ذلك هو حكم المجهول المالك، لا أنّه مال الإمام عليه السلام و قوله: بعه و أعط ثمنه أصحابك، إذن مالكى، و لا أنّه ممّا تحت يده

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 71.

و قوله عليه السلام بعه إذن الولى بما أنه الولى و يشهد لذلك عدم الحاجة إلى تجديد الاستيذان عن إمام آخر بعد مضىّ زمان إمام سابق، فإنه يكشف عن كون الأمر من الإمام السابق من باب بيان الحكم لا من باب الإذن، و إلّا لزم الاستيذان المجدد بعد رحلة الإمام السابق عليه السلام، كما لايخفى.

هذا مضافا إلى أن ما استدلّ به على أنّ مجهول المالك مال الإمام محل تأمل و نظر، لأن الظاهر منه هو حكم مال خاص لاحكم مجهول المالك بعنوان عام.

و ممّا ذكر يظهر فى قول الشيخ قدس سره من أنه يمكن أن يقال: إن أخبار التصدق واردة فى مقام إذن الإمام بالصدقة.

و بالجملة فمع دلالة المعتبرة على التصدق بعنوان أنّه حكم المجهول المالك لاحاجة إلى الدفع إلى الحاكم و لا الاستيذان منه.

وقد يقال: يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم، من حيث إن مصرفه الفقراء و المساكين. و من الواضح أن الحاكم وليهم، أو من حيث إنه أعرف بموارده ممن وضع يده عليه.

و اُجيب عنه كما فى مصباح الفقاهة بأن الاحتمال الأول لادليل عليه خصوصا مع ما عرفت من دلالة الروايات هنا على ثبوت الولاية للواجد.

و أما الاحتمال الثانى، فإن كان المراد أنّ الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية فهو مسلّم، لأن ذلك وظيفة العالم، إلا أنّ ذلك لايدلّ على وجوب دفعه إليه، بل الواجب على العامى أن يسأل العالم عن حكم الواقعة و يعمل على طبق ما أفتى به.

و إن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فهو ممنوع، إذ قد يكون الواجد أعرف به لكثرة معاشرته للفقراء و اطلاعه على أحوالهم. ثمّ لايخفى أنه كما

لايجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم، فكذلك لايجب تحصيل الإجازة منه فى إيصاله إلى موارده، لإطلاق الروايات المتقدمة.

نعم، الأولى اختيار أحد الأمرين لوجود القائل بوجوبه، لكن لابد و أن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان أنه يوصله إلى موارده، و إلّا ضمنهم الواجد، انتهى.(1)

و المراد من أحد الأمرين هو الدفع إلى الحاكم أو الاستيذان منه، و الوجه فى أولويتهما كونهما مطابقين للاحتياط لوجود القائل بالوجوب. هذا مضافا إلى أنّ الفقهاء بناء على ثبوت الولاية العامة يقومون مقام الإمام المعصوم عليه السلام، فكما أنّ للواجدين أن يدفع المال المجهول مالكه للإمام المعصوم عليه السلام، فكذلك كان لهم الدفع إلى نوابهم العامة.

نعم، لايلزم الدفع إلى الحاكم بعنوان أنه يوصله إلى مورده، و إلّا لزم الضمان على الواجد، لأن الحاكم بناء على ثبوت الولاية العامة ولى الغائب و ليس ولايته من باب الحسبة، فمع دفع المال إلى الحاكم وصل المال إلى مالكه، فلا وجه للضمان، و لو لم يكن الدفع إليه بعنوان أنه يوصله إلى موارده، لأن قبض الحاكم كقبض صاحب المال.

و لعلّ إليه يؤول صحيحة أبى زيد بناء على أنها كانت فى مقام بيان حكم المجهول المالك بنحو الكلى، إذ لم يذكر فيها مسألة الضمان، و لعلّ وجهه هو وصول المال إلى مالكه بسبب دفعه إلى الإمام.

ز) حكم تعذر الإيصال إلى المالك المعلوم تفصيلا

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ إن حكم تعذر الإيصال إلى المالك المعلوم تفصيلا حكم جهالة المالك و تردده بين غير محصورين فى التصدق استقلالا أو بإذن الحاكم، كما

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 522.

صرّح به جماعة منهم المحقّق فى الشرايع و غيره.(1)

قال فى مصباح الفقاهة: و الوجه فيه واضح، لأن المستفاد من الروايات الواردة فى المجهول المالك أنّ المناط هو تعذر إيصال المال إلى مالكه.(2)

و لايخفى عليك أنّ الحكم بجواز التصدق استقلالاً للواجد مع وجود الحاكم الشرعى محل تأمل. و الأحوط هو الاستيذان من الحاكم، ثمّ لو كان أهل المتعذر محتاجا فالحكم بالتصدق و إهمال الأهل كما ترى، بل شاهد الحال يحكم برضاية المتعذر إيصال ماله إليه بإنفاق المال فى الأهل و لعلّ انفاقه فى الأهل يعدّ إيصال المال إليه.

ثم ينقدح ممّا تقدم حكم ما إذا كان الشىء الذى للغير موروثا بين كثير بحيث لايطلبه الوراث من ناحية قلّته، فإنه فى حكم التعذر.

ح) مستحق الصدقة المذكورة

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ إن مستحق هذه الصدقة هو الفقير، لأنه المتبادر من إطلاق الأمر بالتصدق.(3) فلايجوز إعطائه للأغنياء. قال فى مصباح الفقاهة: إن قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ اَلْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّٰهِ‌) (4) الآية قد بيّن مصرف الصدقات و لم يجعل الغنى من ذلك، فيكون خارجا عن حدود أخبار التصدق موضوعا.(5)

وفيه أولاً: أنّ الموضوع فى الآية الكريمة هى الزكاة، فلايشمل المقام. و ثانياً: أنّ‌

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 71.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 523.

(3) المكاسب المحرّمة، ص 71.

(4) التوبة، 60.

(5) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 523.

إطلاق بعض المصارف يشمل الغنى، كقوله: و فى سبيل الله و المؤلفة قلوبهم، فتخصيص الصدقة فى المقام بالفقير من جهة التبادر، كما صرّح به الشيخ الأعظم قدس سره أوضح. و انقدح ممّا ذكر ما فى محكى الجواهر من جواز التصدق بمجهول المالك على الفقراء و غيرهم عملاً بإطلاق الروايات المتقدمة.

و ذلك لما عرفت من تبادر الفقراء، و معه فلا إطلاق للروايات. ثمّ إن وجوب التصدق بمجهول المالك كما فى مصباح الفقاهة إنما هو مع عدم التمكن من تحصيل رضى المالك بصرف ماله فى مورد خاص، و إلّا فلاتصل النوبة إلى التصدق به.

و ممّا ذكر يظهر أنه لاوجه لقياس مال الإمام عليه السلام بمجهول المالك، لأنّا نقطع برضاء الإمام بإعطاء ماله لأهل العلم و الجهات التى توجب ترويج الدين. و مع ذلك لايمكن صرفه فيما نشك فى رضاه، انتهى.(1)

فلايجب حينئذ التصدق بمال الإمام عليه السلام، بل ربما لايجوز لو كان ذلك موجبا للإخلال بما رضى به الإمام عليه السلام، هذا بناء على الحسبة. و أما بناء على ثبوت الولاية للفقهاء فالأمر أوضح، لأن مال الإمام مال عنوان الإمامة لاشخص الإمام، و لذا لايرث ذلك المال غير الإمام البعدى. و عليه فالواجب على نائب الإمام المعصوم عليه السلام بالنيابة الخاصة أو العامة أن يصرفه فيما يراه مصلحة للدين و المسلمين، و لامجال لتوهم وجوب الصدقة كما لايخفى.

ط) و فى جواز إعطائها للهاشمى قولان

قال الشيخ الأعظم قدس سره: و فى جواز إعطائها للهاشمى قولان من أنها صدقة مندوبة

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 523.

على المالك، و إن وجب على من هى بيده إلّا أنه نائب كالوكيل و الوصى. و من أنها مال تعين صرفه بحكم الشارع لابأمر المالك حتى يكون مندوبة مع أنّ كونها من المالك غير معلوم، فلعلّها ممن تجب عليه.(1)

و لايخفى عليك أنّ ظاهر أخبار التصدق هو نيابة الواجد عن صاحب المال فى التصدق، حيث كان المالك مختارا بين الإمضاء و الرد، و عليه فلايكون التصدق فى نفسه واجبا، و إن وجب ذلك على الواجد. و عليه فلايشمل المقام أدلّة حرمة التصدق على الهاشمى، لعدم وجوب التصدق فى نفسه على مالكه. هذا مضافا إلى مفاد الأخبار حصر الحرام فى الزكاة المفروضة، مع أن ظاهر كلام الشيخ هو حرمة الصدقة الواجبة، سواء كانت زكاة أم غيرها. قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره أقول: لادليل على حرمة مطلق الصدقات على الهاشميين، و إنما تحرم عليهم الصدقة الخاصة، أعنى زكاة المال و البدن.

و لايبعد أن تحرم عليهم أيضا الصدقات التى تعطى لدفع البلاء و ردّ القضاء فإن فى ذلك مذلة و مهانة لاتناسب الذرية الطاهرة. و من هنا كانت زينب الكبرى عليها السلام تأخذ الطعام من أطفال أبى عبدالله عليه السلام و ترميه إلى أهل الكوفة و تقول: و يلكم يا أهل الكوفة! إن الصدقة علينا حرام.

و عليه فلابأس بالتصدق بمجهول المالك على الهاشميين، لكونه خارجا عن القسمين المذكورين. و يضاف إلى ما ذكرناه أنّ قوله فى رواية ابن أبى «يزيد» المتقدمة «قسّم بين إخوانك» يقتضى عدم الفرق بين الهاشمى و غيره. و أما الصدقة التى تحرم على بنى هاشم فهى الصدقة الخاصة اعنى بها الزكاة المفروضة.(2)

**

(1) المكاسب المحرّمة، ص 71.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 524-523.

و منشأ ذلك هو اختلاف الأخبار و إليك بعضها:

منها: معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمى قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الصدقة التى حرمت على بنى هاشم ما هى‌؟ فقال: هى الزكاة، قلت: فتحلّ صدقة بعضهم على بعض‌؟ قال: نعم.(1) أورد عليه بأنّ السند ضعيف لوجود الإرسال فى طريق الكلينى، و لوجود القاسم بن محمّد الجوهرى فى طريق الشيخ، و هو واقفى لم يوثق.(2)

و يمكن الجواب عنه كما أفاد بعض الأكابر بمنع الإرسال فى طريق الكلينى، لأنه رواه عن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن غير واحد عن أبان عن إسماعيل بن الفضل، و عنوان غير واحد يفيد كثرة الناقلين و هو يفيد الوثوق ولايكون إرسالا، و بأن الجوهرى موثق بكثرة نقل الأجلّاء عنه، كحسين بن سعيد و إبراهيم بن هاشم، و هو أول من نشر حديث الكوفيين بقم.

هذا مضافا إلى نقل ابن أبى عمير و صفوان عنه، ولكنّه لايخلو عن إشكال، لبعد نقلهما عنه و بعد نقلهما عن عبدالله بن سنان بواسطته و إن كانوا فى طبقة واحدة، فلعل «عن قاسم» مصحّف «و قاسم بن محمّد الجوهرى». و من المعلوم أن هذه العبارة الأخيرة لاتدلّ على نقلهما عن القاسم بن محمّد الجوهرى و لايفيد التوثيق. نعم، يكفى فى التوثيق نقل الأجلاء عنه كما عرفت.

ومنها: ما رواه محمّد بن يعقوب الكلينى عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن عبدالرحمن بن الحجاج عن جعفر بن إبراهيم الهاشمى عن أبى عبدالله عليه السلام: قال: قلت له: أتحلّ الصدقة لبنى هاشم‌؟ فقال: إنما تلك

**

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 275-274، ح 5.

(2) كتاب الزكاة، ج 3، ص 365.

الصدقة الواجبة على الناس لاتحلّ لنا، و فأما غير ذلك فليس به بأس.(1)

و فى السند تأمل، لأن جعفر بن إبراهيم الهاشمى لم يوثق. و دعوى اتحاده مع جعفر بن إبراهيم بن محمّد الذى وثقه العلامة و النجاشى مندفعة بأن الاتحاد غير ثابت، كما يشعر به قول جامع الرواة بأنه كأنه هو. و كيف كان، يكفى معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمى فى تخصيص الصدقة المحرمة بالزكاة، ولكنّها بإطلاقها تشمل المندوبة.

ومنها: ما رواه عبدالله بن جعفر فى قرب الإسناد عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر البزنطى عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الصدقة، تحلّ لبنى هاشم‌؟ فقال: «لا، ولكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم»، فقلت: جعلت فداك، إذا خرجت إلى مكة كيف تصنع بهذه المياه المتصلة بين مكة و المدينة و عامّتها صدقة‌؟

قال: «سمّ فيها شيئا»، قلت: عين ابن بزيع و غيره، قال: «و هذه لهم».(2)

ظاهر السؤال هو تعميم الصدقة و لو لم تكن زكاة. و عليه فالجواب يشمل الصدقة المندوبة و سهم سبيل الله أيضا إذا كانت الصدقة من غير بنى هاشم فهذه الرواية تدلّ بإطلاقها على حرمة الصدقة، سواء كانت مفروضة أم مندوبة، زكوة أو غيرها، إلّا إذا كان ذلك من قبل أنفسهم.

و يؤكد ذلك ما فى ذيل الرواية، حيث قال بعد السؤال عن أسامى العيون: «و هذه لهم» أى هذه من قبل أنفسهم من بنى هاشم بعضهم على بعض، و هو يشعر بأن غير ذلك يحرّم على بنى هاشم ولو كانت مندوبة.

**

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 272، ح 3.

(2) الوسائل، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 276، ح 8.

ومنها: خبر العرزمى عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السلام قال: «لاتحل الصدقة لبنى هاشم إلّا فى وجهين: إن كانوا عطاشا فأصابوا ماءاً فشربوا، و صدقة بعضهم على بعض».(1) و هو و إن كان ضعيفا ولكن يصلح لتأييد ما دلّ على حرمة مطلق الصدقة، لظهور الاستثناء فى حصر المستثنى فى أمرين.

و فى قبال المطلقات الدالة على حرمة مطلق الصدقة و مطلق الزكاة معتبرة زيد الشحام عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الصدقة التى حرمت عليهم، فقال: هى الزكاة المفروضة و لم يحرم علينا صدقة بعضنا على بعض.(2) لظهورها فى أنّ الصدقة المحرمة هى الزكاة المفروضة، فلايكون الزكاة المندوبة محرمة عليهم و لاالصدقة غير الزكاة، سواء كانت واجبة أم مندوبة. و هذه الرواية حاكمة على المطلقات الدالة على حرمة مطلق الصدقة.

فتحصّل أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو تخصيص الصدقة المحرمة بالزكاة المفروضة، و أما غيرها من الزكاة و الصدقة المندوبة و الواجبة فلادليل على حرمتها.

و أما ما روى عن سيّدتنا زينب الكبرى عليها السلام من أنها تأخذ الطعام من أطفال أبى عبدالله عليه السلام و ترميه إلى أهل الكوفة و تقول: ويلكم يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام، فهو محمول على أن الصدقة إذا اقترنت بالمذلة و المهانة لاتناسب ذرية النبى صلى الله عليه وآله و سلم. و المراد من الصدقة فى قولها: إن الصدقة علينا حرام، هو الصدقة المقرونة بالمذلة و المهانة. و فى الحقيقة ليست المحرمة نفس الصدقة المندوبة، بل هى الإهانة المقرونة بها.

**

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 275، ح 7.

(2) الوسائل، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 274، ح 4.

و ربما يتوهم إلحاق الزكاة المندوبة بالصدقة المقرونة بالمهانة و المذلّة، بدعوى أن الزكوات المندوبة أوساخ الناس، ولكنّه محل تأمل، لأن كون الزكوات المندوبة أوساخا أول الكلام، لقوة احتمال أن يكون المراد من هذه الجملات أن الصدقة أوساخ أيدى الناس فى صحيح الفضلاء، أو أنّ الصدقة لاتحل لى ولالكم فى صحيحة عيص، أو لاتحل الصدقة لولد العباس، و لالنظرائهم من بنى هاشم فى صحيحة عبدالله بن سنان أو غير ذلك(1)، هو خصوص الزكاة الواجبة لقوة انصرافها إليها.

هذا مضافا إلى وجود بعض القرائن فى بعض الروايات المذكورة، كصحيحة عيص بن القاسم عن أبى عبدالله عليه السلام قال: إنّ اُناساً من بنى هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم، فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشى و قالوا: لنا هذا السهم الذى جعل الله عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: يا بنى عبدالمطلب (هاشم)، إن الصدقة لاتحل لى ولالكم ولكنّى وعدت الشفاعة، إلى أن قال: أترونى مؤثرا عليكم غيركم.(2)

و ممّا ذكر إلى حدّ الآن يظهر أن الزكاة الواجبة محرمة على بنى هاشم، و عليه فما ورد فى قبال الروايات المتقدمة من قوله عليه السلام: اعطوا الزكاة من أرادها من بنى هاشم، فإنها تحلّ لهم، و إنما تحرم على النبى صلى الله عليه وآله و سلم و على الإمام الذى من بعده و على الأئمة عليهم السلام.(3) مردود لمعارضتها مع الأخبار المتقدمة و عدم العمل به.

هذا مضافا إلى أن طريق الصدوق إلى أبى خديجة ضعيف، لأنه مشتمل على محمّد بن على الكوفى، و الظاهر أنه أبوسمينة و هو ضعيف، ولكن طريق الكلينى معتبر،

**

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة ج 9، ص 269-268، ح 1 و 3.

(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 268، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 269، ح 5.

فالأقوى هو حرمة الزكاة الواجبة على بنى هاشم كما أن الأحوط الأولى هو الاجتناب عن الزكاة المندوبة، بل مطلق الصدقات واجبة كانت أو مندوبة.

بقى شىء، و هو أن بعد ما عرفت من عدم حرمة غير الزكاة المفروضة على الهاشميين يقع السؤال عن حرمة الصدقة المندوبة على النبى و آله صلوات الله عليهم أجمعين و عدمها.

و فى محكى الخلاف المسألة 26: لايحرم على النبى صلى الله عليه وآله و سلم الصدقة التى يتطوع بها و كذلك حكم آله، إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم.(1)

و فى محكى المعتبر: و هل تحرم المندوبة على النبى صلى الله عليه وآله و سلم‌؟ قال علماؤنا: لاتحرم و على ذلك أكثر أهل العلم. و للشافعى و أحمد قولان: أحدهما التحريم لما روى أنه صلى الله عليه وآله و سلم كان يقبل الهدية و لايقبل الصدقة و قال: إنى لأجد التمرة ساقطة فلا آكلها أخشى أن تكون صدقة و قوله صلى الله عليه وآله و سلم: لاتحل لنا الصدقة. لنا قوله عليه السلام: كل معروف صدقة و قد كان يستقرض المال و يهدى له و كل ذلك صدقة. و ربما فرق قوم بين ما يخرج على سبيل سدّ الخلّة و مساعدة الضعيف طلبا للأجر، و بينما جرت العادة بالتردد (التودد - ظ) كالقرض و الهدية.

و فى قبالها ما فى محكى التذكرة: أما (الصدقة) المندوبة فالأقوى عندى التحريم أيضا لعلو منصبه و زيادة شرفه و ترفعه، فلايليق بمنصبه قبول الصدقة، لأنها تسقط المحل من القلب، و لأن سلمان الفارسى أتى النبى صلى الله عليه وآله و سلم فحمل إليه شيئا فقال: ما هذا؟ فقال: صدقة، فردّه، ثمّ أتاه به من الغد فقال: هدية فقبله. و لعموم قوله عليه السلام: إنا

**

(1) الخلاف، ج 2، ص 353.

أهل بيت لاتحل لنا الصدقة، إلى أن قال: و الوجه عندى أنّ حكم الأئمة عليهم السلام حكمه فى ذلك.(1)

وفى محكى المسالك: الأصح تحريم الصدقة على النبى صلى الله عليه وآله و سلم مطلقا و كذا الأئمة عليهم السلام.(2)

و فى محكى الجواهر أنه قال فى الصدقة المندوبة: الأقوى هو الحرمة بالنسبة إلى بعض أفرادها كالزكاة المندوبة التى هى من الأوساخ أيضا، و بعض الصدقات الخسيسة كالتى توضع تحت رؤوس المرضى و نحوها مما لايليق بمنصب النبوة، و الإمام عليه السلام كالنبى صلى الله عليه وآله و سلم فى ذلك، و قولهم عليهم السلام: «لو حرمت علينا الصدقة» إلى آخره إنما يدل على إباحة مثل هذه الصدقات التى هى كالأوقاف العامة، و لاغضاضة عليهم فى التناول منها لامطلق الصدقات.(3)

ويمكن أن يقال: لاكلام فى الحرمة إذا كانت الصدقة المندوبة مشتملة على المهانة بالنسبة إلى الهاشميين فضلاً عن النبى و الأئمة الطاهرين عليهم صلوات الله، ولكن لايوجب ذلك حرمة مطلق الصدقة المندوبة كما لايخفى.

و دعوى منافاة مطلق الصدقة مع علو منصب النبى و آله صلوات الله عليهم ممنوعة إذا لم تشتمل على المهانة، لأنه إحسان مع نية القربة. و أما التمسك بما ورد عن سلمان فلعله مقرون بالمهانة. هذا مضافا إلى أنه فعل و هو لايدل على الحرمة لأن الترك أعم من الحرمة كما ان الفعل أعم من الوجوب.

**

(1) التذكرة، ج 1، ص 235.

(2) المسالك، ج 1، ص 61.

(3) الجواهر، ج 15، ص 415-414.

و أما التمسك بعموم قوله عليه السلام: إنا أهل بيت لاتحل لنا الصدقة، ففيه أن الخبر ضعيف، و ذلك لأن الفضل بن الحسن الطبرسى أخرج هذا الخبر مسنداً عن عيون الأخبار عن محمّد بن على الشاه المروزى عن محمّد بن عبدالله النيشابورى عن عبيدالله بن أحمد بن عامر الطائى عن أبيه عن الرضا عليه السلام و عن أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوزى عن إبراهيم بن هارون بن محمّد الخوزى عن جعفر بن محمّد بن زياد الفقيه عن أحمد بن عبدالله الهروى.(1) و جلّ الأفراد المذكورة فى الطريق مجاهيل.

و ممّا ذكر يظهر ما فى التمسك بما رواه العياشى (فى تفسيره) عن عيسى بن عبدالله العلوى عن أبيه عن جعفر بن محمّد عليها السلام قال: إن الله لا إله إلّا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال.(2) و ذلك لضعف سنده من جهة جهالة عيسى بن عبدالله العلوى و أبيه.

هذا مضافا إلى إمكان القول بانصراف الصدقة إلى الزكاة المفروضة خصوصا فيما تقابل فيه الصدقة مع الخمس، و على فرض تسليم الإطلاق يمكن التخصيص بصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبى عبدالله عليه السلام أنه قال: لو حرمت علينا الصدقة لم يحل لنا أن نخرج إلى مكة، لأن كل ماء بين مكة و المدينة فهو صدقة(3)، لوضوح دلالتها على جواز الصدقة المندوبة عليهم.

أللّهمّ إلّا أن يقال: إن أمثال هذه الصدقة صدقة على العنوان و الجهات لاالأشخاص، ولكن تطبيق الكلى المذكور فى الصدر الدال على عدم حرمة مطلق

**

(1) الوسائل، الباب 54 من أبواب الوضوء، ح 4.

(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 270، ح 7.

(3) الوسائل، الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 273، ح 1.

الصدقة لايوجب اختصاصها بالأوقاف العامة، فتدبّر جيّداً.

و ينقدح مما عرفت ما فى الجواهر، حيث خصّص الصدقة فى صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج بالأوقاف العامة، مع أن صدر الرواية مطلق، و تطبيقه على الذيل لايوجب تقييده به. ثمّ إن جعل الزكاة المندوبة مطلقا من الأوساخ لادليل له بعد ما تقدم من انصراف ما دلّ على أوساخ الزكاة إلى الزكاة الواجبة، فالأقوى هو عدم حرمة الصدقات المندوبة التى لاتقترن بالمهانة على النبى و آله عليهم الصلوات. و أما الصدقات الواجبة غير الزكاة فان قلنا بإطلاق الصدقة فى قوله: الصدقة لاتحل لى و لكم، فهى محرمة. و إن قلنا بأنها منصرفة إلى الزكاة الواجبة فلادليل على حرمتها.

لايقال: لافائدة فى البحث عن هذه المسألة، لعدم موضوع لها بعد فقد النبى و آله عليهم صلوات الله. هذا مضافا إلى أنهم عليهم السلام أعرف بحكم أخذ الصدقات، فلامجال لغيرهم للبحث عن وظائفهم، لأنّا نقول: يمكن منع عدم الموضوع بعد إمكان الوصية أو الوقف أو نذر الصدقات غير الزكاة الواجبة للنبى و آله صلوات الله عليهم، فإن النذر صحيح و ينفق فيما أحرز رضايتهم به، فلاتغفل.

ى) حكم الضمان لو ظهر المالك و لم يرض

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ثمّ إن فى الضمان لو ظهر المالك و لم يرض بالتصدق و عدمه مطلقا أو بشرط عدم ترتب يد الضمان، كما إذا أخذه من الغاصب حسبة لابقصد التملك وجوهاً: من أصالة براءة ذمة التصدق و أصالة لزوم الصدقة بمعنى عدم انقلابها عن الوجه الذى وقعت عليه و من عموم ضمان من أتلف، و لاينافيه إذن الشارع لاحتمال أنه أذن فى التصدق على هذا الوجه، كإذنه فى التصدق باللقطة المضمونة

بلاخلاف و بما استودع من الغاصب.(1) و ليس هنا أمر مطلق بالتصدق ساكت عن ذكر الضمان حتى يستظهر منه عدم الضمان مع السكوت عنه.

ولكن يضعف هذا الوجه بأن ظاهر دليل الإتلاف كونها علة تامّة للضمان و ليس كذلك ما نحن فيه و إيجابه للضمان مراعى بعدم إجازة المالك يحتاج إلى دليل آخر.

إلّا أن يقال: إنّه ضامن بمجرد التصدق و يرتفع بإجازته، فتأمل. هذا مع أن الظاهر من دليل الإتلاف اختصاصه بالإتلاف على المالك لاالإتلاف له و الإحسان إليه، و المفروض أن الصدقة إنما قلنا بها لكونها إحسانا و أقرب طرق الإيصال بعد اليأس عن وصوله إليه.

و أما احتمال كون التصدق مراعى كالفضولى فمفروض الانتفاء، إذ لم يقل أحد برجوع المالك على الفقير مع بقاء العين، و انتقال الثواب من شخص إلى غيره حكم شرعى.(2)

و كيف كان، فلامقتضى للضمان و ان كان مجرد الإذن فى الصدقة غير مقتض لعدمه، فلابد من الرجوع إلى الأصل، لكنّ الرجوع إلى أصالة البراءة إنما يصح فيما لم يسبق يد الضمان، و هو ما إذا أخذ المال من الغاصب حسبة. و أما إذا تملكه منه ثمّ علم بكونه مغصوبا فالأجود استصحاب الضمان فى هذه الصورة، لأنّ المتيقن هو ارتفاع الضمان بالتصرف الذى يرضى به المالك بعد الاطلاع، لامطلقا، فتبيّن أنّ التفصيل بين يد الضمان و غيرها أوفق بالقاعدة.

لكنّ الأوجه الضمان مطلقا اما تحكيما للاستصحاب، حيث يعارض البراءة و لو

**

(1) أى: و كإذنه فى التصدق بما استودع من الغاصب.

(2) و البحث فى الحكم الوضعى و انتقال العين.

بضميمة عدم القول بالفعل، و إما للمرسلة المتقدمة عن السرائر(1)، و إما لاستفادة ذلك من خبر الوديعة إن لم نتعد عن مورده إلى ما نحن فيه من جعله بحكم اللقطة، لكن يستفاد منه أنّ الصدقة بهذا الوجه حكم اليأس عن المالك.(2)

يمكن أن يقال كما فى مصباح الفقاهة: إن دليل الضمان هو أحد الأمور الثلاثة: أما قاعدة ضمان اليد، و أما قاعدة الإتلاف، و أما قيام دليل خاص عليه.

أمّا الاُولى فهى منتفية هنا قطعا، إذ المفروض أنّ اليد كانت يد أمانة و إحسان «وما على المحسنين من سبيل». و أما قاعدة الإتلاف فهى مردودة بوجوه عديدة، منها: أن الإتلاف إنما يقتضى الضمان إذا لم يكن التصرف لنفع المالك، و إلّا فلايوجب الضمان. هذا مضافا إلى أن التصدق بمجهول المالك لو كان موجبا للضمان ببدله لكان البدل أيضا مجهول المالك و مشمولاً لما دلّ على وجوب التصدق به، و هكذا فيلزم التسلسل، و من الضرورى أن ذلك مقطوع العدم.

و أما الدليل الخاص فلم نجد فى المقام ما يدلّ على الضمان إلّا رواية حفص المتقدمة الواردة فى إيداع اللص، فإنها ظاهرة فى أنّ التصدق بالوديعة التى هى بمنزلة اللقطة يوجب الضمان مع مطالبة المالك، إلّا أنها ضعيفة السند و واردة فى قضية شخصية، فلايمكن التعدى منها إلى غيرها.(3)

وفيه: أن الأخبار تقتضى عدم الضمان، لأنها فى مقام بيان كيفية التفصّى من أموال الغير و سكتت عن الضمان، و من جملتها معتبرة يونس و صحيحة محمّد بن

**

(1) حيث قال: روى أنه بمنزلة اللقطة و لعل هذه المرسلة هى رواية حفص.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 71.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 525.

مسلم و صحيحة معاوية و خبر أبى على بن راشد و خبر على بن أبى حمزة، فإن المستفاد منها هو عدم الضمان بالتصدق فى مجهول المالك و لو فيما إذا أخذ مال الغير بعنوان التملك، كصحيحة محمّد بن مسلم مع دلالتها على عدم الضمان، فالأولى هو التمسك بها لا بأصالة عدم الضمان، إذ لاموضوع للأصل بعد اقتضاء الدليل لعدم الضمان و مع عدم الدليل على الضمان فى المجهول المالك عند التصدق به، فإذا جاء مالكه ليس له عين ماله لو تصدقت و لاضمانها بعد ما عرفت من اقتضاء الأخبار لعدم الضمان و لايجرى فيه أحكام اللقطة.

و أما خبر الوديعة ففيه مضافا إلى ضعفه ما فى بلغة الطالب من أنه لاوجه لاستفادة أن الصدقة بهذا الوجه (أى الضمان) حكم اليأس عن المالك من هذا الخبر بعد البناء على عدم التعدى و عدم إطلاق فى التنزيل.(1)

و أما الاستدل لعدم الضمان بأن التصدق لو كان موجبا للضمان لزم التسلسل، ففيه: أن التصدق لايوجب الضمان فعلا، بل لو أتى المالك و لم يرض به كان موجبا للضمان، و إذا رضى المالك بضمان البدل فلاضمان بالنسبة إلى البدل، لأنه واصل إلى مالكه و رضى به. هذا مضافا إلى الحكم بالضمان من الاعتباريات، فالتسلسل باطل فى التكوينيات فلاتغفل.

والحاصل: أن مجهول المالك لزم أن يتصدق به عند اليأس عن إيصاله إلى مالكه، فإذا تصدق به فمقتضى إطلاق الأخبار كما عرفت عدم الضمان و لو جاء مالكه و أظهر عدم رضاه بالتصدق و ليس له استرداد عين ماله الذى تصدق به بعد اليأس، على

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 269.

ما عرفت فى كلام الشيخ الأعظم قدس سره من أنه لم يقل أحد برجوع المالك على الفقير مع بقاء العين، و الله هو العالم.

فروع
الفرع الأوّل: فى انه هل الضمان يثبت بمجرد التصدق و اجازة صاحب المال رافعة أو يثبت بالرد من حينه

الفرع الأوّل: أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره بعد ما عرفت من تقويته للضمان: ثمّ الضمان هل يثبت بمجرد التصدق و إجازته رافعة، أو يثبت بالردّ من حينه، أو من حين التصدق وجوه من دليل الإتلاف و الاستصحاب(1)، و من أصالة عدم الضمان قبل الرد(2)، و من ظاهر الرواية المتقدمة فى أنه بمنزلة اللقطة(3). و فيه وجه آخر، و هو قاعدة ضمان اليد، و اللازم منها هو ثبوت الضمان من حين الأخذ و هو مقدم على ضمان الإتلاف.

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره أقول: قد ظهر مما تقدم أن التصدق بمجهول المالك لايوجب الضمان، فإذا أغمضنا النظر عن ذلك و قلنا بالضمان أو ثبت ذلك بدليل خاص كما فى اللقطة، فهل يحكم بثبوته من حين الأخذ أو من حين

**

(1) أى: استصحاب الضمان فى صورة ما إذا تملكه منه ثمّ علم بكونه مغصوبا أو استصحاب سببية اليد للضمان بالإتلاف قبل انقلابها إلى الأمانة أو قبل اليأس عن المالك، فيكون من قبيل الاستصحاب التعليقى، يعنى كانت الصدقة قبل ذلك سببا للضمان من حينها و الأصل بقاء سببيتها لذلك. (بلغة الطالب، ج 1، ص 270).

(2) و المراد من استصحاب براءة ذمته من الضمان إلى صدور الرّد من المالك استصحاب البراءة العقلية نظير استصحاب الإباحة العقلية لعصير الزبيب المغلى المعلوم ثبوتها قبل الغليان، و استصحاب سببية الغليان للنجاسة المعلوم ثبوتها حال العنبية. (بلغة الطالب، ج 1، ص 270).

(3) المكاسب المحرّمة، ص 71.

التصدق أو من حين مطالبة المالك بماله و عدم رضاه بالتصدق‌؟ وجوه، و التحقيق أن يقال: إن الحكم بالضمان إن كان لقاعدة الضمان بالإتلاف فاللازم هو الحكم بثبوته من حين التصدق، إلّا أنك قد عرفت آنفا أنّ القاعدة لاتشمل المقام، و إن كان مدرك الضمان هو ما ورد فى اللقطة من أنّ المالك إذا جاء و طلب ماله فله الغرم أو الرضا بالأجر، فاللازم هو ثبوته من حين مطالبة المالك. و إن كان مدرك الضمان هو قاعدة ضمان اليد، فاللازم ثبوته من حين الأخذ إذا كانت اليد الموضوعة عليه يد ضمان.(1)

و لايخفى عليك أن مع الإغماض عن عدم الضمان و القول به لامجال لقوله: إلّا أنك قد عرفت إلخ، بل اللازم هو القول بالضمان بقاعدة الإتلاف من حين التصدق لو لم نقل بالضمان بقاعدة اليد، و إلّا فمقتضى قاعدة على اليد هو الحكم بالضمان بنفس الأخذ، و معه لامجال للترديد فى زمان الضمان من أنه يثبت بمجرد التصدق أو بالرد من حينه أو من حين التصدق، بل لامجال للاستدلال للضمان بقاعدة الإتلاف، لكونها مسبوقة بالضمان بقاعدة اليد.

و لامجال أيضا للاستدلال لعدم الضمان بأصالة عدم الضمان لعدم جريانها مع دلالة قاعدة اليد على الضمان. و دعوى أنّ قاعدة اليد لاتجرى فيما إذا كان المورد حسبة، مندفعة بأن قاعدة الإتلاف أيضا كذلك، و المفروض هو الإغماض عن الإشكالات الواردة على الضمان، فتدبّر جيّدا.

الفرع الثانى: فى قيام الوارث مقام المالك

الفرع الثانى: أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره: و لو مات المالك ففى قيام وارثه مقامه فى إجازة التصدق وردّه وجه قوى، لأن ذلك من قبيل الحقوق المتعلقة بالأموال، فيورث كغيره من الحقوق. و يحتمل العدم لفرض لزوم التصدق بالنسبة إلى العين، فلاحقّ لأحد فيه و المتيقن من الرجوع إلى القيمة هو المالك.(2)

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 527-526.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 71.

ولايخفى عليك قوة احتمال العدم بناء على عدم ثبوت الضمان فى التصدق بمجهول المالك و قد تقدم عدم الدليل على الضمان و تقوية الشيخ قيام الوارث مقام مورثه من جهة اختياره الضمان و كيفما كان قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: توضيح المقام: أنّ الكلام قد يقع فى موت المالك، و قد يقع فى موت المتصدق. و على الأول فقد يكون موت المالك بعد التصدق، و قد يكون قبل التصدق، فإذا كان التصدق بعد موت المالك فإذا جاء الوارث و لم يرض بالتصدق خيّره المتصدق بين الغرم و الأجر، لقوله عليه السلام فى رواية حفص المتقدمة فى البحث عن رد المأخوذ من الظالم إلى أهله: «فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم». و إن كان التصدق قبل موت المالك(1) فإنه لاشىء للورثة، إذ المالك لم يبق حياً بعد التصدق حتى يتخير بين الغرم و الأجر، و الورثة ليسوا بملّاك حتى يجرى فيهم هذا الحكم.

لايقال: إذا وجد المالك بعد التصدق كان مخيرا بين الغرم و الأجر، فيكون هذا حقا من حقوقه، فإذا مات انتقل إلى الورثة، لأن ما تركه الميت لوارثه. فإنه يقال: لادليل على أنّ كل حق يقبل النقل و الانتقال أو الإسقاط إلّا فى موارد خاصة، و مع الشك فى ذلك فالأصل عدمه.

و أما إذا مات المتصدق ثمّ وجد المالك، فالظاهر من قوله (خيّره بين الأجر و الغرم) أنه لاشىء للمالك حينئذ، إذ لاوجود للمتصدق حتى يخيّر المالك بين الأمرين. نعم، يمكن أن يقال بخروج الغرامة من تركته، لأن ضمان الصدقة من الحقوق المالية اللازمة عليه بفعله و لاغرامة فى ذلك(2).

**

(1) يعنى: لو مات المالك بعد التصدق بلافصل.

(2) أى لااشتغال ذمة المتصدق بالبدل حين التصدق، و إلّا كان ديناً ثابتا فى ذمته يخرج من أمواله مقدما على كل شىء كساير ديونه. (تعليقة الإيروانى، ص 64).

فقد ثبت نظيره فى الفقه كثيرا، كما إذا رمى أحد رجلا بحجر و مات الرامى قبل وصول الحجر، ثمّ أصاب الحجر الرجل فقتله فإن دية المقتول تؤخذ من تركة القاتل، لاستناد القتل إليه. بل قد يملك الميت من جهة إيجاده سبب الملك قبل موته، كما إذا نصب شبكة و وقع فيها السمك بعد موته فإنه يكون من تركته.(1)

وفيه أولاً: أنه لامجال للتفصيل المذكور فى موت المالك بعد تصديق كون إجازة التصدق من قبيل الحقوق المتعلقة بالمال و إطلاق قوله عليه السلام: فإن جاء طالبها إلخ، فإنه يشمل المالك و وارثه. فقول الشيخ بقيام الوارث مقام المورث من دون تفصيل مذكور صحيح.

وثانياً: أن التخيير بين الأجر و الغرم لايتقوم بحياة المتصدق، بل هو حق جعله الشارع للمالك و لادخالة لحياة المتصدق فيه. و عليه فلامجال لقوله رحمه الله، فالظاهر من قوله عليه السلام «خيّره بين الأجر و الغرم» أنه لاشىء للمالك حينئذ، إذ لاوجود للمتصدق حتى يخير المالك بين الأمرين، بل التخيير حكم واقعى للمالك، و لاموضوعية لتخيير المتصدق إياه كما لايخفى.

الفرع الثالث: فى عدم ضمان الحاكم لو دفع المال المذكور الى الحاكم

الفرع الثالث: أنه قال شيخنا الأعظم: هذا كلّه على تقدير مباشرة الواجد للتصدق و لو دفعه إلى الحاكم فتصدق به بعد اليأس، فالظاهر عدم الضمان، لبراءة ذمة الشخص بالدفع إلى ولىّ الغائب و تصرف الولى كتصرف المولّى عليه. و يحتمل الضمان، لأن الغرامة هنا ليس لأجل ضمان المال و عدم نفوذ التصرف الصادر من المتصدق حتى يفرق بين تصرف الولى و غيره، لثبوت الولاية للمتصدق فى هذا التصرف، لأن المفروض ثبوت الولاية له كالحاكم. و لذا لايسترد العين من الفقير إذا ردّ المالك،

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 527.

فالتصرف لازم و الغرامة حكم شرعى تعلق بالتصدق كائنا من كان، فإذا كان المكلف بالتصدق هو من وقع فى يده لكونه هو المأيوس و الحاكم وكيلا كان الغرم على الموكل، و إن كان المكلف هو الحاكم لوقوع المال فى يده قبل اليأس عن مالكه فهو المكلف بالفحص ثمّ التصدق كان الضمان عليه.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: ظاهر كلام المصنف أن دفع المال إلى الحاكم إن كان بعنوان كونه وكيل الغائب أو وليه، فلاضمان على الدافع، لأن دفعه إلى الولى أو الوكيل كدفعه إلى نفس الأصيل. و إن كان دفعه إليه بعنوان أنه كبقية الناس فلاتبرأ ذمته بذلك، انتهى.

وفيه: ما لايخفى، لأن التفصيل المذكور لاشاهد له فى عبارة الشيخ و لادليل على دخالة قصد العنوان فى عدم الضمان كما لايخفى.

ثم قال السيّد المحقّق الخوئى: و تحقيق الكلام هنا يكون فى جهتين: الاُولى: هل للحاكم ولاية على الغائب أم لا؟ الثانية: إذا ثبت للحاكم ولاية على الغائب فهل يعتبر قصد هذا العنوان فى دفع مال الغائب إليه أم لا؟.

أما الجهة الأولى: فهى ممنوعة صغرى و كبرى، أما الصغرى فلأنه لم يحرز كون المالك غائبا، بل يحتمل كونه حاضرا عند الواجد و إن لم يعرفه بعينه و يتفق كثيراً أن الملتقط يتفحص عن المالك و هو ينادى: يا صاحب المال، و يسمعه المالك و لايلتفت إلى كون اللقطة له.

و أما الكبرى فلعدم الدليل اللفظى على ولاية الحاكم على الغائب لكى يتمسك بإطلاقه، و إنما هى ثابتة بالحسبة، فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن و هو أخذ

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 71.

مال الغائب لحفظه و إيصاله إليه و لايجوز إتلافه و لو بالتصدق عنه.

و إن سلمنا ولاية الحاكم على الغائب مطلقا فإنما هى فيما لم يكن للغائب ولى خاص، و الظاهر من الروايات أن من وضع يده على اللقطة له الولاية على مالكها فى التصدق بها.

وأما الجهة الثانية: فإذا سلمنا ثبوت ولاية الحاكم على الغائب فإنه لادليل على دخل قصد الولاية فى دفع اللقطة إلى الحاكم، فإن اعتبار القصد فى ذلك كاعتبار قصد المالك فى دفع ماله إليه، و لانحتمل أن يلتزم بذلك أحد.

و يتضح ما ذكرنا بمراجعة الوجدان و بالنظر إلى سيرة العقلاء، فإنهم لايعتبرون القصد المذكور فى دفع أموال الموكلين و المولى عليهم إليهم أو إلى وكلائهم و أوليائهم. ثمّ إنه إذا جاز دفع اللقطة إلى الحاكم كان الحاكم مكلفا بجميع أحكامها من وجوب الفحص و غيره، و إذا ظهر مالكها بعد التصدق أعطى بدلها من بيت المال، فقد ثبت فى الشريعة أن ما أخطأت القضاة فهو من بيت المال، و ما نحن فيه من صغرياته.(1)

ولقائل أن يقول أولاً: إن الحاضر الذى لايلتفت إلى كون اللقطة له فى حكم الغايب، و لذا لم يقل أحد باشتراط وجوب حفظ اللقطة بما إذا لم يكن مالكها حاضرا بنحو الإطلاق، و عليه فلاوجه لمنع الصغرى.

وثانياً: أن أدلة النيابة العامة على ما قرر فى محلها تامّة، و على فرض عدم التمامية يمكن دعوى بناء العقلاء فى المقام على وجوب حفظ الحاكم لاموال الغائبين و لم يردع عنه الشارع و من الحفظ عند المليين التصدق مع اليأس عن مالكه و معرضية المال للتلف و عليه، فلاوجه لإنكار الكبرى خصوصا بالنسبة إلى عنوان

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 528-527.

الفقراء، فإن للحاكم عليهم ولاية بأن يأخذ ما يجب دفعه إليهم من الصدقات الواجبة و غيرها.

بل قد يقال: و يحتمل أن لايجوز لمن يكون المال بيده التصدق، بل يجب دفع المال إلى الحاكم أو الاستئذان منه، لأن التصدق وظيفة الحاكم. و منشأ ذلك أن المذكور فى الأخبار و هو وجوب التصدق بالمال هل هو من قبيل بيان وظيفة من يكون المال بيده، أو أن الأمر بالتصدق فيها باعتبار كون أمره عليه السلام توكيلا فى التصدق أو تكون الأخبار ناظرة إلى مصرف ذلك المال.

و يؤيد كونها لبيان المصرف أن جملة من الأفعال التى يكون القيام بها موقوفا على إذن الحاكم مذكورة فى الأخبار بطريق الحكم العام أى لم يذكر أنها مختصة بما إذا كان بإذن الحاكم، ككون إقامة البينة وظيفة المدعى و الحلف وظيفة المنكر و المقاصة من الممتنع للحق جائز و غير ذلك.

والحاصل: أنه لم يتم ظهور الأخبار فى بيان وظيفة من يكون المال بيده، بل يحتمل كون الوارد فيها توكيلا من الإمام عليه السلام أو بيانا لمصرف المال، و عليه فالأحوط الاقتصار على المتيقن بالرجوع إلى الحاكم الشرعى بالدفع إليه أو الاستئذان منه خصوصا بملاحظة رواية داود بن أبى يزيد الدالة على أن المجهول مالكه ملك الإمام المحمولة على أن المراد ولاية الإمام عليه. و يتأكد ذلك الاحتياط فيما كان المجهول مالكه من قبيل الكلى فى الذمة، فإنه لايتعين فى العين الخارجية إلّا بقبض المستحق أو وكيله أو وليه.

أللّهمّ إلّا أن يقال فى جواب هذا المقال كما فى إرشاد الطالب: أنه لو صحّ حمل الأخبار فى المقام على التوكيل أو بيان المصرف تجرى ذلك فى أخبار اللقطة أيضا مع أنه لا أظن أن يلتزم بذلك المصنف أو غيره، انتهى.

و يؤكد ذلك عدم تجديد الاستيذان عن الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق عليهما السلام، مع أن الإذن ينتفى بموت الإمام السابق، فعدم تجديد الاستيذان شاهد أن المراد من الأخبار ليس هو التوكيل، بل المقصود منها هو الولاية المجعولة للواجد كما هو الظاهر من الأخبار. و أما رواية داود بن أبى يزيد فقد يقال: إنها ضعيفة السند، و فيه منع، لتصريح جامع الرواة بأن الصحيح داود بن أبى زيد مكان داود بن أبى يزيد، فالسند حينئذ صحيح.

ثم إنه لامنافاة بين هذه الرواية و بين الأخبار الاُخرى الدالة على أن ولاية المال المجهول مالكه للواجد، لأن ولاية الواجد ناشئة عن ولاية الإمام و تكون فى طول ولايته عليه السلام، و هكذا لامنافاة بين الأخبار الدالة على أن ولاية المال المجهول مالكه للواجد، و بين ولاية الحاكم على تقدير تمامية أدلة النيابة العامة، أو على تقدير بناء العقلاء على وجوب حفظ مال الغائب على الحاكم بما يراه الغائب حفظا.

و عليه يختار الواجد بين أن يتصدق بنفسه و بين أن يعطيه الحاكم و هو يتصدق به. و لامجال أيضا بعد ثبوت الولاية للواجد، لما يقال من أنه يسقط التصدق عمن فى يده، لأنه متمكن من الرد إلى الولى، إذ الرد إليه بمنزلة الرد إلى المولى عليه.(1)

وذلك لأن المستفاد من الأخبار ثبوت الولاية أيضا للواجد بالنسبة إلى تصدقه. هذا مضافا إلى أن كثرة المطلقات الآمرة بالتصدق من دون تفصيل بين صورة وجود الحاكم و عدمه توجب قوة ظهورها فى جواز تصدق الواجد و ثبوت الولاية له أيضا، فتحصّل: أن الواجد مختار بين أن يتصدق و بين أن يعطيه الحاكم.

و لامورد أيضا لما يقال من أن مع ظهور الأخبار فى أن وظيفة من بيده المال

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 273.

التصدق به ليست للحاكم ولاية بالإضافة إلى ذلك المال، فإن ولاية الحاكم على الغائب مستفادة من الحسبة. و مع ولاية غيره على الإمساك بذلك المال و التحفظ به مادام الظفر محتمل الظفر بمالكه و بالتصدق بعده لامجال لإثبات الولاية له. و مجرد كونه أعرف لايصلح لإثبات الولاية، و إلّا لزم ولاية الأعرف على الفقراء و إن لم يكن حاكما(1)، و ذلك لما عرفت من تمامية أدلة النيابة.

هذا مضافا إلى بناء العقلاء، و عليه فمقتضى الجمع بين الروايات هو ما ذكرناه من التخيير، و إن كان الأحوط هو إعطائه للحاكم أو الاستيذان منه فلاتغفل.

الصورة الرابعة: و هى ما لو علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام فإما أن يكون الاشتباه موجبا لحصول الإشاعة، و إما أن لايكون. و على الأول فالقدر و المالك إما معلومان أو مجهولان أو مختلفان. و على الأول فلاإشكال، و على الثانى فالمعروف إخراج الخمس على تفصيل مذكور فى باب الخمس. و لو علم القدر فقد تقدم فى القسم الثالث(2). و لو علم المالك(3) وجب التخلص معه بالمصالحة. و على الثانى(4) فيتعين القرعة أو البيع و الاشتراك فى الثمن، و تفصيل ذلك كله فى كتاب الخمس.

واعلم: أن أخذها فى يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة، و باعتبار نفس المال إلى المحرم و المكروه و الواجب.

فالمحرم ما علم كونه مال الغير مع عدم رضاه بالأخذ، و المكروه المال المشتبه، و

**

(1) إرشاد الطالب، ص 337-338.

(2) أى الصورة الثالثة، فإن المفروض فيها هو العلم بالقدر تفصيلا و الجهل بالمالك.

(3) و جهل بالمقدار.

(4) و هو ما لايكون الاشتباه فيه موجبا لحصول الإشاعة.

الواجب ما يجب استنقاذه من يده من حقوق الناس، حتى أنه يجب على الحاكم الشرعى استنقاذ ما فى ذمته من حقوق السادة و الفقراء و لو بعنوان المقاصة، بل يجوز ذلك لآحاد الناس خصوصا نفس المستحقين مع تعذر استيذان الحاكم.

و كيف كان، فالظاهر أنه لاإشكال فى كون ما فى ذمته من قيم المتلفات غصبا من جملة ديونه، نظير ما استقر فى ذمته بقرض أو ثمن مبيع أو صداق أو غيرها. و مقتضى القاعدة كونها كذلك بعد موته فيقدم جميع ذلك على الإرث و الوصية، إلا أنه ذكر بعض الأساطين أن ما فى يده من المظالم تالفا لايلحقه حكم الديون فى التقدم على الوصايا و المواريث، لعدم انصراف الدين إليه، و إن كان عنه و بقاء عموم الوصية و الميراث على حاله و للسيرة المأخوذة يداً بيد من مبدأ الإسلام إلى يومنا هذا، فعلى هذا لو أوصى بها بعد التلف اُخرجت من الثلث.

وفيه: منع الانصراف، فإنا لانجد بعد مراجعة العرف فرقا بين ما أتلفه هذا الظالم عدوانا و بين ما أتلفه نسيانا، و لابين ما أتلفه هذا الظالم عدوانا و بين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة، مع أنه لاإشكال فى جريان أحكام الدين عليه فى حال حياته من جواز المقاصة من ماله كما هو المنصوص، و لعدم تعلق الخمس و الاستطاعة و غير ذلك.

فلو تمّ الانصراف لزم إهمال الأحكام المنوطة بالدين وجوداً و عدما من غير فرق بين حياته و موته و ما ادعاه من السيرة، فهو ناش من قلة مبالات الناس كما هو ديدنهم فى أكثر السير التى استمروا عليها. و لذا لايفرقون فى ذلك بين الظلمة و غيرهم ممن علموا باشتغال ذمته بحقوق الناس من جهة حق السادة و الفقراء أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاته، و لا فى إنفاذ وصايا الظلمة و توريث ورثتهم بين

اشتغال ذممهم بعوض المتلفات وأرش الجنايات، و بين اشتغالها بديونهم المستقرة عليهم، من معاملاتهم و صدقاتهم الواجب عليهم، و لا بين ما علم المظلوم فيه تفصيلا و بين ما لم يعلم، فإنك إذا تتبعت أحوال الظلمة وجدت ما استقر فى ذممهم من جهة المعاوضات و المداينات مطلقا، أو من جهة وجود أشخاص معلومين تفصيلا أو مشتبهين فى محصور كافية فى استغراق تركتهم المانع من التصرف فيها بالوصية أو الإرث. و بالجملة فالتمسك بالسيرة المذكورة أوهن من دعوى الانصراف السابقة، فالخروج بها عن القواعد المنصوصة المجمع عليها غير متوجه.(1)

و المستفاد من كلام الشيخ أمور: منها: أنه قال: و لو علم المالك و كان المقدار مجهولا وجب التخلص عن اشتغال الذمة بالمصالحة مع المالك.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنه لاوجه للرجوع إلى المصالحة مطلقا فيما إذا كان المالك معلوما و القدر مجهولاً، لأن المال المذكور قد يكون فى يد أحد و قد لايكون كذلك. و على الأول فالمقدار الذى يعلم صاحبه يرد إليه، و المقدار الذى لايعلم صاحبه فهو لذى إليد، لأنها أمارة الملكية. و على الثانى فما هو معلوم المالك أيضا يردّ إلى صاحبه، و فى المقدار المشتبه يرجع إلى القرعة. و يحتمل الحكم بالتنصيف للمصالحة القهرية و يستأنس حكم ذلك مما ورد فى الودعى، ولكن الظاهر أن الرواية غير نقية السند.(2)

و مراده مما ورد فى الودعى هى التى رواها محمّد بن على بن الحسين بإسناده عن السكونى عن الصادق عن أبيه عليهما السلام فى رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 72-71.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 529.

آخر دينارا فضاع دينار منها، قال: يعطى صاحب الدينارين دينارا و يقسم الآخر بينهما نصفين.(1)

و الوجه فى كون الرواية المذكورة غير نقية السند هو عدم توثيق اسناد الصدوق إلى السكونى، و يمكن أن يقال أولاً: أن أمارية اليد قد تختلّ بتعدد اليد، و ثانيا: أن سند الرواية لاينحصر فيما ذكر، بل روى صاحب الوسائل عن الشيخ بإسناده إلى محمّد بن أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن هاشم عن الحسين بن يزيد النوفلى عن إسماعيل بن أبى زياد السكونى عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام مثله، إلّا أنه قال: فقضى أن لصاحب الدينارين دينارا.(2) بناء على دلالته على تقسيم الآخر بينهما، كما أنها غير بعيدة لتخصيص الدينار الواحد بصاحب الدينارين. و معنى ذلك أن الدينار الآخر يقسم بينهما. هذا مضافا إلى أنه يؤيد ذلك بكونه موافقا للعدل و الانصاف، و عليه فلايبقى مورد للقرعة، فتأمل.

ومنها: أن ظاهر كلام الشيخ عدم جريان التقسيم المذكور فيما لايكون الاشتباه موجبا للشركة و الإشاعة، و لذا اكتفى فيه بالرجوع إلى القرعة.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأن الظاهر أن الأقسام المذكورة كلها جارية فى القسم الثانى أيضاً، و تقريبه أن المأخوذ من الجائر إذا كان مشتبها بالحرام مع عدم كونه موجبا للشركة، فإما أن يكون المالك و القدر كلاهما معلومين، فلابد من ردّ المال إلى صاحبه؛ و إما أن يكون القدر معلوما و المالك مجهولا، و قد تقدم حكمه فى الصورة الثالثه؛ و إما أن يكون القدر مجهولا و المالك معلوما فيرجع إلى القرعة أو

**

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب أحكام الصلح، ج 18، ص 452، ح 1.

(2) الوسائل، الباب 12 من أبواب أحكام الصلح، ج 18، ص 453-452، ح 1.

يباع و يشترك فى ثمنه؛ و إما أن يكون القدر و المالك مجهولين، فيجب فيه الخمس بإطلاق ما دلّ على وجوب الخمس فى المال المختلط بالحرام على القول به، و دعوى اختصاصه بصورة الإشاعة لاشاهد له.(1)

و لقد أفاد و أجاد ولكن يجىء فى المقام أيضا التفصيل الذى ذكره فى صورة الإشاعة فيما إذا علم بالمالك و جهل بالمقدار بين ما يكون فى يد أحد و بين ما لايكون كذلك، إذ على الأول فالمقدار الذى يعلم صاحبه يردّ إليه، و المقدار الذى لايعلم صاحبه فهو لذى اليد، لأنها أمارة الملكية. و على الثانى فما هو معلوم المالك أيضا يردّ إلى صاحبه و فى المقدار المشتبه يرجع إلى القرعة أو يباع و يشترك فى ثمنه بناء على ما ذهب إليه، ولكن يحتمل فيه التنصيف لموثقة السكونى بالتقريب المذكور آنفاً، و عليه فلامجال للقرعة فإن القرعة لكل أمر مشكل و مع دلالة الموثقة على التنصيف لايبقى موضوع للقرعة فتأمّل.

ومنها: أن ظاهر كلام الشيخ قدس سره أن أخذ المال من الجائر ينقسم بلحاظ نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة، و بلحاظ نفس المال إلى الأحكام الثلاثة المحرم و المكروه و الواجب، فالمحرم ما علم أنه مال الغير مع عدم رضاه بأخذه، و المكروه هو المال المشتبه، و الواجب هو ما يجب استنقاذه من يد الجائر من حقوق الناس و حقوق السادة و الفقراء، و لو كان ذلك بعنوان المقاصة.(2)

وفيه أوّلاً: أن الأحكام الخمسة تتعلق بالأخذ باعتبار العوارض لاباعتبار نفس الأخذ. قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره: إن الظاهر أن الأخذ بنفسه لايتصف بشىء من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 529.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 72.

الأحكام الخمسة حتى بالإباحة، بل شأنه شأن سائر الأفعال التى لاتتصف بها إلّا باعتبار العوارض و الطوارى، فإن الأخذ قد يتصف بالحرمة كأخذ مال الغير بدون إذنه، و قد يتصف بالوجوب كأخذ حقوق الناس من الجائر، و قد يتصف بالكراهة كأخذ المال المشتبه منه بناء على كراهته، كما ذهب إليه بعض الأصحاب. و قد تقدم ذلك فى البحث عن كراهة أخذ الجائزة من الجائر مع عدم اشتمال أمواله على الحرام.

و قد يتصف بالاستحباب، كأخذ المال منه مع عدم العلم بحرمته لزيارة المشاهد و التوسعة على العيال و نحو ذلك من الغايات المستحبة، و قد يتصف بالإباحة، كأخذ المال منه لغير الدواعى المذكورة.(1)

و ثانياً: أن تقسيم المال إلى الأحكام الثلاثة باعتبار نفس المال محل تأمل و إشكال، لأن الأحكام المذكورة لاتتعلق بالمال إلّا باعتبار الفعل المناسب له، و هو الأخذ لا نفس المال. و عليه فهو مندرج فى أقسام الأخذ فلاوجه لذكره عليحدة، لأن الأحكام التكليفية موضوعها هو الفعل فلايتعلق بغير الفعل.

و ثالثاً: أن وجه انقسام نفس المال إلى الثلاثة لايكون واضحا لتصور الأحكام الخمسة المذكورة فيه أيضاً.

ومنها: أن المستفاد من كلام الشيخ الأعظم قدس سره أنه لافرق فى الدين الثابت فى ذمة الجائر بين ثبوته بالاقتراض أو شراء شىء بذمته أو تلف ما وضع عليه يده من أموال الناس عدوانا أو إتلافا، فإن جميع ذلك دين يترتب عليه أحكامه.

ودعوى أن بدل متلفاته غصبا و إن كان من الديون حقيقة، ولكن لايجرى عليه بعد موت الجائر حكم الدين بأن يكون خارجا عن التركة قبل الوصايا و الميراث،

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 531.

لانصراف الدين عنه فى قوله عزّوجلّ‌: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ‌) (1). هذا مضافا إلى السيرة المستمرة على عدم المعاملة مع ذلك البدل معاملة الدين، و عليه فالوصية به كسائر وصاياه محسوبة من الثلث. مندفعة بما أفاده الشيخ قدس سره من أنه لافرق فى الدين الثابت بين ثبوته بالاقتراض أو شراء شىء بذمته أو تلف ما وضع عليه يده من أموال الناس عدوانا فى ترتب أحكامه عليه.

و يؤيّده أو يشهد له جريان أحكام الدين عليه فى حال الحيوة من جواز المقاصة من ماله كما يدلّ عليه، إطلاق موثقة داود بن رزين قال: قلت لأبى الحسن موسى عليه السلام: إنى اُخالط السلطان فتكون عندى الجارية فيأخذونها أو الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندى المال، فلى أن آخذه‌؟ قال: خذ مثل ذلك و لاتزد عليه.(2) فإن الحكم بجواز الأخذ من غير استفصال عن بقاء العين التى أخذها الجائر أو أتلفها يشهد على الشمول و عموم الحكم لهما فى حال حياته، و حيث لافرق فى الدين و أحكامه بين حال الحيوة و حال الممات يمكن الاستشهاد بتلك الموثقة على ترتب أحكام الدين عليه فى حال الممات أيضاً، و عليه فلافرق فى الدين بين أن يكون بالاقتراض أو بتلف ما فى يده عدواناً أو إتلافاً.

**

(1) النساء، 11.

(2) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 215-214، ح 7.

المسألة الثالثة: (من مسائل الخاتمة): فى أحكام ما يأخذه الجائر من الناس من الحقوق الشرعية

اشارة

المسألة الثالثة: (من مسائل الخاتمة): فى أحكام ما يأخذه الجائر من الناس من الحقوق الشرعية الثابتة فى أموال الناس أو فى ذممهم من الخراج و المقاسمة من الأراضى و من الزكاة من الأنعام و غيرها من الغلات.

قال فى مصباح الفقاهة: تلك الحقوق أربعة: الخمس و الزكاة و الخراج و المقاسمة، و لابأس بجعل الأخيرين قسماً واحدا، و إذن فهى ثلاثة: أما الخمس فقد أسقطه عمر بن الخطاب و تبعه قومه. إلى أن قال: و على ذلك فلاجدوى فى البحث عن الخمس، لعدم اعتقاد الجائر به لكى يأخذه من الناس حتى نبحث عن أحكامه، فيختص الكلام ببقية الحقوق، انتهى.

و كيف كان، فقد قال الشيخ الأعظم قدس سره: يجوز أن يقبض المأخوذ من السلطان المستحل لأخذ الخراج و المقاسمة من الأراضى باسمهما، و من الأنعام باسم الزكاة مجانا أو بالمعاوضة، و إن كان مقتضى القاعدة حرمته، لأنه غير مستحق لأخذه فتراضيه مع من عليه الحقوق المذكورة فى تعيين شىء من ماله لأجلها فاسد، كما إذا تراضى الظالم مع مستأجر دار الغير فى دفع شىء إليه عوض الاُجرة، هذا مع التراضى. و أما إذا قهره على أخذ شىء بهذه العنوانات ففساده أوضح، و كيف كان فما يأخذه الجائر باق على ملك المأخوذ منه، و معذلك يجوز قبضه عن الجائر بلاخلاف يعتد به بين الأصحاب. إلى أن قال: و يدلّ عليه قبل الإجماع مضافا إلى لزوم الحرج العظيم فى الاجتناب عن هذه الأموال بل اختلال النظام، و إلى الروايات المتقدمة لأخذ الجوائز من السلطان خصوصا الجوائز العظام التى لايحتمل عادة أن يكون من غير الخراج، و كان الإمام يأبى عن أخذها أحيانا معلّلاً بأنّ فيها حقوق الأمة روايات، منها: صحيحة الحذاء عن أبى جعفر عليه السلام قال: سئلته عن الرجل منّا يشترى من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذى يجب

عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لابأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى فى مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها، فما تقول فى شرائها منه‌؟ فقال: إن كان قد أخذها و عزلها فلابأس.

قيل له: فما ترى فى الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى فى شراء ذلك الطعام منه‌؟ فقال: إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلابأس بشرائه منه من غير كيل.(1)

دلّت هذه الرواية على أن شراء الصدقات من الأنعام و الغلّات من عمّال السلطان كان مفروغ الجواز عند السائل، و إنما سئل أولاً عن الجواز مع العلم الإجمالى بحصول الحرام فى أيدى العمّال، و ثانياً من جهة توهم الحرمة أو الكراهة فى شراء ما يخرج فى الصدقة، كما ذكر فى باب الزكاة، و ثالثاً من جهة كفاية الكيل الأول.

و بالجملة ففى هذه الرواية سؤالاً و جوابا إشعار بأن الجواز كان من الواضحات الغير المحتاجة إلى السؤال و إلّا لكان أصل الجواز أولى بالسؤال، حيث إن ما يأخذونه باسم الزكاة معلوم الحرمة تفصيلا، فلافرق بين أخذ الحق الذى يجب عليهم و أخذ أكثر منه. و يكفى قوله عليه السلام «حتى يعرف الحرام منه» فى الدلالة على مفروغية حلّ ما يأخذونه من الحق و أن الحرام هو الزايد و المراد بالحلال هو الحلال بالنسبة إلى ما ينتقل إليه و إن كان حراما بالنسبة إلى الجائر الأخذ له بمعنى معاقبته على أخذه و ضمانه و حرمة التصرف فى ثمنه.

و فى وصفه عليه السلام للمأخوذ بالحلّية دلالة على عدم اختصاص الرخصة بالشراء، بل يعم جميع أنواع الانتقال إلى الشخص، انتهى.(2)

**

(1) الوسائل، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 220-219، ح 5.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 72.

وفى كلامه مواقع للنظر: منها: أن الاستدلال بالإجماع مع احتمال كونه مدركيا فى المقام لايكشف عن شىء آخر غير الوجوه التى استدلّ بها، أللّهمّ إلّا أن يقال: إن الإجماع المتصل إلى زمان المعصوم و لو كان مدركيا يكشف عن تقرير المعصوم، و هو أمر غير الوجوه المذكورة و لايضر به ضعف ما استدلّ به المجمعون، لأن عدم ردع الإمام عليه السلام ما أجمعوا عليه يكون تقريرا لما أفتوا به كما لايخفى.

ومنها: أن الاستدلال بقاعدة لاحرج فى رفع الحرمة محل تأمل و نظر، لأن الحرمة لاترتفع بالحرج و لو كان شديدا ما لم يصل إلى حدّ الاضطرار، هذا بخلاف الواجبات فإنها ترتفع بالحرج و لو لم يكن شديدا، أللّهمّ إلّا أن يكون مقصوده من الحرج هو الاضطرار بقرينة قوله بل اختلال النظام و عليه فلاإشكال.

ومنها: المناقشة فى صغرى قاعدة لاحرج فى المقام كما فى إرشاد الطالب بأنه لم يظهر وجه لزوم الحرج الشديد فضلاً عن لزوم الاختلال، و ذلك فإن لزوم الاجتناب عن هذه الأموال على تقديره يوجب كونها كسائر الأموال المأخوذة من الرعية ظلما، و حيث إن الأخذ لاطريق له غالبا إلى إحراز الحرام أو تعيين مالكه يكون من المال المشتبه أو المجهول مالكه، فيمكن للمكلف التصرف فيها إذا كان موردا لصرفه و لو بالمعاملة مع مستحقيه.

نعم، عدم فراغ ذمة المكلف من الحق الواجب عليه زكاة أو اُجرة للأرض التى يعمل عليها و هى ملك المسلمين يوجب الحرج عليه، ولكن مجرد لزومه لايوجب الحكم بالبراءة و فراغ ذمته، لأن رفع الحرج امتنانى و لاامتنان فى التوسعة لمكلف بتفويت حق أو مال على الآخرين.

و تعيين ما يأخذه الجائر زكاة أو خراجا يوجب غالبا صرف الزكاة أو الخراج فى غير موردهما من فقراء الشيعة و مصالح المسلمين و على تقدير تسليم شمول رفع الحرج،

فمقتضاه عدم وجوب الزكاة أو الخراج عليه ثانيا، لا أن المأخوذ أوّلاً زكاة أو خراج.(1)

يمكن أن يقال: أولاً: لاقياس الزكوات المأخوذة و الخراج و المقاسمة بالأموال المأخوذة من الرعية ظلما فى غير محله بعد كثرة الزكوات و الخراج و المقاسمة و قلة الأموال المأخوذة من الرعية ظلما و لايلزم الحرج و الاختلال من الاجتناب عن الأموال المأخوذة ظلما، بخلاف الاجتناب عن الزكوات المأخوذة و الخراج و المقاسمة لكثرتها و استدامتها.

وثانياً: أن دعوى غلبة كون المال المأخوذ من الجائر مشتبهاً أو مجهولاً، فيجوز التصرف فيه و لايلزم الحرج ممنوعة لمعلومية الأراضى الخراجية و من تقبلها بالخراج و المقاسمة و وضوح حرمة أخذ شىء بعنوان الحقوق الشرعية. و فى هذه الموارد يكون الحرام معلوما لامشتبها، كما لايكون المالك مجهولا، و لايضر بذلك حصول العلم بأخذ الإضافة فى بعض الأحيان و جعل الغالب مشتبها أو مجهولاً مالكه، كما ترى، مع معلومية الأراضى الخراجية و المتقبلين و المقاسمين خصوصا عند الأخذ منهم.

وثالثاً: أن تطبيق ما ثبت فى محله من أن رفع الحرج حكم امتنانى و لا امتنان فى التوسعة لمكلف بتفويت حق أو مال على الآخرين على المقام لايخلو من إشكال، لاختصاص ذلك بالأشخاص لاعنوان المسلمين، بل اللازم فى مثله هو ملاحظة المصلحة، فإن كانت أهم فى طرف لزوم الاختلال فلاإشكال فى جواز تقديم لاحرج على ما اقتضته الأدلة، و لو كان مضرا بحال بيت المال.

ومنها: المناقشة فى الاستدلال بصحيحة الحذاء، و قد حكى عن المحقّق الأردبيلى قدس سره: أن الفقرة الاُولى (فى صحيحة الحذاء) لاتدلّ على حلّ شراء الزكاة

**

(1) إرشاد الطالب، ص 347.

بدعوى أن قوله: «لابأس به حتى يعرف الحرام منه» لايدلّ إلّا على جواز شراء ما كان حلالا بل مشتبها و عدم جواز شراء ما كان معروفا أنه حرام بعينه، و لاتدل على جواز شراء الزكاة بعينها صريحا. نعم، ظاهرها ذلك لكن لاينبغى الحمل عليه لمنافاته العقل و النقل.

و يمكن أن يكون سبب الإجمال منه (فيه) التقية و يؤيد عدم الحمل على الظاهر أنه غير مراد بالاتفاق، إذ ليس بحلال ما أخذه الجائر.

ويمكن الجواب عنه أولاً: بما أفاده الشيخ الأعظم قدس سره بقوله: و أنت خبير بأنه ليس فى العقل ما يقتضى قبح الحكم المذكور، و أىّ فارق بين هذا و بين ما أحلّوه لشيعتهم مما فيه حقوقهم، و لا فى النقل إلّا عمومات قابلة للتخصيص بمثل هذا الصحيح و غيره المشهور بين الأصحاب رواية و عملاً مع نقل الاتفاق عن جماعة.(1)

قال فى مصباح الفقاهة أيضا: إن جواز أخذ الصدقات من الجائر لاينافى حكم العقل و النقل، لأن أخذ الجائر هذه الحقوق من المسلمين و إن كان على وجه الظلم و العدوان، إلّا أن الشارع أجاز لغير الجائر أن يأخذها منه. و من هنا لم يتوهم أحد أن إذن الشارع فى التصرف فى الأراضى المتسعة و الأنهار الكبار و غيرهما ينافى حكم العقل و النقل.(2)

وثانياً: بأنّ دلالة سائر الفقرات صريحة كقوله: قيل له: فما ترى فى مصدق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فبيعناها، فما ترى فى شرائها منه‌؟ فقال: إن كان قد أخذها و عزلها فلابأس.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 73.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 536.

وكقوله: قيل له: فما ترى فى الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا و يأخذ حظه فيعزله بكيل، فما ترى فى شراء ذلك الطعام منه‌؟ فقال: إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل.

فلايضر عدم صراحة الفقرة الاُولى على تقدير تسليم ذلك، بل الانصاف أنّ الفقرة الاُولى أيضا صريحة فى المطلوب. قال فى مصباح الفقاهة: إن الرواية صريحة، فإن الضمير فى قوله عليه السلام «لابأس به» يرجع إلى شراء إبل الصدقة و غيرها، فلاوجه لإنكار الأردبيلى صراحة هذه الفقرة فى المقصود.(1)

وثالثاً: أنّ الحمل على التقية لامجال له بعد إمكان الجمع الدلالى بين الروايات. قال الشيخ الأعظم قدس سره: و أما الحمل على التقية فلايجوز بمجرد معارضة العمومات كما لايخفى.(2) فتحصّل تمامية الاستدلال بهذه الصحيحة. هذا مضافا إلى روايات اُخرى استدلّ بها فى المقام.

منها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: سئلته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم، قال: يشترى منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحداً.(3) (و الرواية موثقة بإسحاق بن عمار). وجه الدلالة أن الظاهر من الشراء من العامل شراء ما هو عامل فيه و هو الذى يأخذه من الحقوق من قبل السلطان.

نعم، لو بنى على المناقشة احتمل أن يريد السائل شراء أملاك العامل منه مع علمه بكونه ظالما غاصبا، فيكون سؤالاً عن معاملة الظلمة، لكنّه خلاف الإنصاف، و إن

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 536.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 73.

(3) الوسائل، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 221، ح 2.

ارتكبه صاحب الرسالة (أى رسالة القطيفى فى ردّ رسالة المحقّق الكركى)، انتهى.(1)

و لو سلم عدم بُعد السؤال عن شراء أملاك العامل ففيه: أن السؤال مطلق و عدم الاستفصال يكفى لدلالتها على الجواز مطلقا، سواء كان شراء ما هو عامل فيه أو شراء ماله، فينقلب نسبتها مع العمومات إلى العموم من وجه، فيسقط فى محل النزاع و يرجع إلى الأصل.(2) و المراد من العمومات هى التى تدل على حرمة أخذ مال الغير، سواء كان من الحقوق الشرعية من بيت المال أو أموال العامل.

ومنها: معتبرة أبى بكر الحضرمى قال: دخلت على أبى عبدالله عليه السلام و عنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبى السمال (السماك خ ل الشمال) أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطى الناس‌؟ ثمّ قال لى: لِمَ تركت عطاءك‌؟ قال: قلت: مخافة على دينى، قال: ما منع ابن أبى السمال (السماك الشمال خ ل) أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أنّ لك فى بيت المال نصيبا(3)؟ وجه اعتبارها مع عدم توثيق خاص لأبى بكر الحضرمى هو كونه موثقا بتوثيق عام كنقل أبى عمير عنه.

قال الشيخ الأعظم قدس سره: ظاهرها حل ما يعطى من بيت المال عطاءً أو اُجرة للعمل فيما يتعلق به، بل قال المحقّق الكركى: إن هذا الخبر نصّ فى الباب، لأنه صلى الله عليه وآله و سلم بيّن أن لاخوف على السائل فى دينه، لأنه لم يأخذ إلّا نصيبه من بيت المال. و قد ثبت فى الأصول تعدى الحكم بتعدى العلة المنصوصة، انتهى. و إن تعجب منه الأردبيلى و قال: أنا ما فهمت منه دلالة ما، و ذلك لأن غايتها ما ذكر و قد يكون من بيت المال (و قد

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 73.

(2) بلغة الطالب، ج 1، ص 87.

(3) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 214، ح 6.

يكون شىء من بيت المال) يجوز أخذه و إعطائه للمستحقين بأن يكون منذورا أو وصيّة لهم بأن يعطيهم ابن أبى سماك وغير ذلك، انتهى. و قد تبع فى ذلك صاحب الرسالة (القطيفى)، حيث قال: إن الدليل لاإشعار فيه بالخراج، أقول: الإنصاف أن الرواية ظاهرة فى حل ما فى بيت المال مما يأخذه الجائر.(1)

نعم، يرد عليه ما فى مصباح الفقاهة: من أن ظاهر هذا التعليل أن جواز الأخذ من جهة ثبوت الحق فى بيت المال، فيجوز له الأخذ بمقدار حقه، إلّا أنه لادلالة فيها على جواز أخذ الحقوق الثلاثة من الجائر مطلقا لكون الدليل أخص من المدعى.(2)

ولكن يمكن أن يقال كما فى إرشاد الطالب: إن ظهور بيت المال فيما كان متعارفا فى ذلك الزمان من الأموال المأخوذة خراجا أو مقاسمة أو زكوة أو جزية، و حملها على غير ذلك من النذور و الوصايا بلا قرينة بلاوجه.(3) و أيضا تقييد الأخذ بمقدار حقه كما ترى بعد عدم الاشتراك فى بيت المال كاشتراك الشركاء.

ومنها: الأخبار الواردة فى أحكام تقبل الخراج من السلطان على وجه يستفاد من بعضها كون أصل التقبل مسلّم الجواز عندهم. و من جملتها صحيحة الحلبى عن أبى عبدالله عليه السلام فى جملة حديث قال: لابأس أن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان.(4)

ومنها: صحيحة الحلبى: أنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث، قال: نعم، لابأس به، و قد قبّل رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم خيبر أعطاها اليهود حيث فتحت

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 73.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 538.

(3) إرشاد الطالب، ص 351.

(4) الوسائل، الباب 18 من أبواب أحكام المزارعة، ج 19، ص 60-59، ح 3.

عليه بالخبر(1). و الخبر هو النصف.(2)

ومنها: الصحيح عن إسماعيل بن الفضل عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتقبّل خراج الرجال و خبرية رؤوسهم و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصايد و السمك و الطير و هو لايدرى لعل هذا لايكون أبدا أو يكون يشتريه و فى أىّ زمان يشتريه و يتقبّل منه (به - خ ل)، فقال: إذا علمت أن من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبل منه.(3)

و نحوها الموثق المروى فى الكافى و التهذيب عن إسماعيل بن الفضل الهاشمى بأدنى تفاوت.(4)

و رواية الفيض بن المختار قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول فى الأرض أتقبلها من السلطان ثمّ أؤإجرها من أكرتى،(5) على أن ما أخرج الله تعالى منها من شىء كان لى من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان، قال: لابأس به، كذلك اُعاملُ اَكَرتى.(6) و فى طريقها أحمد بن الحسن الميثمى و هو واقفى و لم يوثق بالخصوص. نعم، نقل منه الأجلاء و من جملتهم أحمد بن محمّد بن أبى نصر البزنطى و هو يكفى للوثاقة، ولكن وقع فى السند أبى (ابن - يب) نجيح المسمعى و هو مجهول.

و كيف كان، فقد أورد فى مصباح الفقاهة على الاستدلال بالأخبار الواردة فى

**

(1) والخبر بفتح الخاء و كسرها و سكون الباء بمعنى المخابرة و هى المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض.

(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب أحكام المزارعة، ج 19، ص 42، ح 8.

(3) الفقيه، الباب 12 باب البيوع من كتاب التجارة، ح 58.

(4) الكافى، ج 5، ص 195، ح 12 من كتاب المعيشة باب بيع العدد و المجازفة و الشىء المبهم.

(5) بفتحات جمع الأكّار و هو الحرّاث.

(6) الوسائل، الباب 15 من أبواب أحكام المزارعة، ج 19، ص 53-52، ح 3.

أحكام تقبل الخراج من السلطان بقوله: إن التقبل قد يتعلق بالأرض، و قد يتعلق بالخراج. أما الأول فتشهد به جملة من الروايات، و لعلّ الوجه فى تجويز الشارع ذلك أن لاتبقى الأرض معطلة، و لاشبهة أن هذه الجهة لاترتبط بما نحن فيه.

و أما تقبل الخراج فتدل عليه جملة اُخرى من الروايات. و لاريب فى دلالة هذه الجملة على المطلوب، إذ لافارق بين شراء الحقوق المذكورة من الجائر أو أخذها منه مجانا و بين تقبلها، فإن الغرض هو مطلق الأخذ.(1)

واُجيب عنه: بأنه إذا فرض إجازة معاملة السلطان على تلك الأراضى، فيعتدى إلى معاملته على خراجها باعتبار عدم احتمال الفرق، مع أن الأراضى قد عطف عليها أهلها، كما فى صحيحة الحلبى، حيث قال فيها: لابأس أن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان،(2) و تقبل أهل أراضى الخراج هى المعاملة على جزية رؤوسهم أو ما يكون عليهم من الخراج.(3)

فتحصّل إلى حدّ الآن أنه يجوز أن يقبض من عمال السلاطين ما أخذوه من الحقوق الشرعية أى الزكاة و الخراج و المقاسمة بعنوان المعاملة أو بدونها، كما صرح بذلك الأخبار المختلفة الواردة فى جواز أخذ الجوائز، أو فى جواز تقبل الأرض و خراجها، أو فى جواز أخذ العطايا بمجرد وجود نصيب له من بيت المال أو فى غير ذلك.

وينبغى التنبيه على اُمور:
التنبيه الأوّل: فى ان الحكم مختص بما يأخذه السلطان

التنبيه الأوّل: أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره: إن ظاهر عبارات الأكثر بل الكل أن الحكم

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 539.

(2) الوسائل، الباب 18 من أبواب المزارعة، ج 19، ص 60-59، ح 3.

(3) إرشاد الطالب، ص 353-352.

مختص بما يأخذه السلطان، فقبل أخذه للخراج لايجوز المعاملة عليه بشراء ما فى ذمّة مستعمل الأرض أو الحوالة عليه و نحو ذلك. و به صرّح السيّد العميد فيما حكى عن شرحه على النافع، حيث قال: إنما يحل ذلك بعد قبض السلطان أو نائبه، و لذا قال المصنف يأخذه، انتهى.

ولكن صريح جماعة عدم الفرق بل صرح المحقّق الثانى بالإجماع على عدم الفرق بين القبض و عدمه، و فى الرياض صرّح بعدم الخلاف. و هذا هو الظاهر من الأخبار الواردة فى قبالة الأرض و جزية الرؤوس، حيث دلّت على أنه يحلّ ما فى ذمة مستعمل الأرض من الخراج لمن تقبل الأرض من السلطان.(1) إلى أن قال: و كيف كان فالأقوى ان المعاملة على الخراج جايزة و لو قبل قبضها و أما تعبير الأكثر بما يأخذه فالمراد به أما الأعم مما يبنى على أخذه و لو لم يأخذه فعلا و أما المأخوذ فعلا لكن الوجه فى تخصيص العلماء به جعله كالمستثنى من جوائز السلطان التى حكموا بوجوب ردّها على مالكها إذا علمت حراما بعينها فافهم و يؤيد الثانى(2) سياق كلام بعضهم حيث يذكرون هذه المسألة عقيب مسألل الجوائز خصوصا عبارة قواعد حيث صرح بتعميم الحكم بقوله و ان عرفت اربابه و يؤيد الاول(3) ان المحكى عن الشهيد فى حواشيه على القواعد انه علق على قول العلامة ان الذى يأخذه الجائر إلى آخر قوله و ان لم يقبضها الجائر انتهى.(4)

فتحصّل انه يجوز المعاملة على الخراج والمقاسمة أو الزكاة و لو كانت فى ذمة

**

(1) وجه الظهور أن تقبل الخراج من الجائر ليس إلّا شراؤه منه، و لايتقيد ذلك بالقبض و الأخذ.

(2) و هو قوة و أما الماضى فعلا.

(3) و هو قوله أما الأعم مما يبنى على أخذه و لو لم يأخذه فعلا.

(4) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم قدس سره، ص 73.

مستعمل الأرض فلافرق بين المأخوذ و غيره.

ودعوى ان مفهوم قوله عليه السلام فى رواية الحذاء المتقدمة «ان كان قد اخذها و عزلها فلابأس» يدلّ على حرمة الشراء قبل الأخذ و العزل و لااختصاص لذلك بالصدقات لعدم القول بالفصل بينها و بين الخراج و المقاسمة. مندفعة بما فى مصباح الفقاهة من ان الرواية المذكورة و ان كانت ظاهرة فى ذلك إلّا أنّه ظهور بدوى يزول بالتأمل فيها فانها بعيدة عما نحن فيه لان الظاهر من قول السائل فما ترى فى مصدق يجئنا فيأخذ منا صدقات اغنامنا فنقول بعناها الخ ان الجالى هو العامل من قبل الجائر اذ لم يتعارف تصدى الجائر لذلك بنفسه و على هذا فكلما أخذه العامل من حقوق المسلمين جاز شراره منه لقاعدة ليه المقتضية لحمل معاملاته على الصحة فإنه من المحتمل ان يكون العامل مأذونا فى البيع كما هو مأذون فى الجباية.

ولكن ذلك لايجرى فيما قبل الأخذ لان حمل فعل المسلم على الصحة فى المعاملات إنما هو فى الشرائط العائدة إلى العقد فقط و أما شرائط العوضين و اشباهها فلابد من احرازها بدليل آخر من قاعدة اليد و نحوها و هى منتفية فى هذه الصورة.

فاذا باع أحد شيئا و لم يحرز مالكية له أو كونه وكيلا مفوضا فى البيع فان الاثر لايترتب على بيعه و قد ظهر مما تقدم ان الرواية إنما وردت على طبق القواعد.

ويضاف إلى ذلك ما تقدم سابقا من ان الرواية ناظرة إلى عدم جواز الشراء قبل الأخذ لان الصدقات لاتتعين بامر الجائر بالعزل فإذا اشتراها قبل الأخذ فقد اشترى مال نفسه(1) و هو واضح البطلان(2) حاصله ان الرواية دالة على أحكام العامل و الجالى

**

(1) أى فقد اشترى السائل مال نفسه إذا اشترى نفس الصدقات قبل أخذ العامل و هو بديهى البطلان فان البيع تبديل المالين فى طرفى الاضافة و هو غير معقول فى شراء الإنسان مال نفسه.

(2) مصباح الفقاهة، ص 540.

لا السلطان الجائر و من المعلوم ان حمل فعل الجابى و العامل على الصحة موقوف على أخذ الصدقات و الاّ فمع عدم الأخذ فلامجال لاصالة الصحة فى شرائط العوضين و اشباهها هذا مضافا إلى أن الصدقات لاتتعينّ بامر الجائر بالعزل و معه يؤول شرائها قبل الأخذ إلى شراء مال نفسه و كيف كان فقد أورد عليه فى إرشاد الطالب بان هذا غير تام لان السلطان الجائر ليس له ولاية المعاملة عى الزكاة أو الخراج حتى يعتبر فى نفوذ معاملة عماله احراز وكالتهم عنه بقاعدة اليد أو غيرها و لايختص امضاء المعاملة تسهيلا للامر على الاخرين بمعاملة السلطان ليلزم احراز انتساب معاملة عماله إليه بل الموضوع للجواز فى الروايات معاملة السلطان و عماله(1) احرزت وكالتهم عنه فى معاملتهم أم لا و ان شئت قلت صحيحة الحذاء تشمل فى اعتبار القبض صورة العلم من الخارج بان العامل مفوض إليه امر الزكاة فى بيعها و نقل عينها و لايبعد ان يقال(2) فرض الأخذ فى الصحيحة باعتبار تعيين مقدار الزكاة و رفع الغرر عن بيعها و كذا دلالتها على أخذ الحنطة بالكيل و حضور المشترى عنده و لو لم تكن الرواية ظاهرة فى ذلك فتحمل عليه جمعا باعتبار عدم احتمال الفرق بين المعاملة على الخراج و المعاملة على الزكاة(3) وعليه فاعتبار الأخذ لجهات اخرى لالنفسه فلو احرزت الجهات الاخرى من طريق آخر فلايعتبر الأخذ اصلا ثمّ التفصيل بين الخراج و الجزية و بين الزكاة لايساعده اطلاق ادلة امضاء المعاملة مع السلطان و عماله تسهيلا للامر على الآخرين.

**

(1) كما يشهد له اطلاق بعض الروايات هذا مضافا إلى أن الشراء من السلطان نوعا لايكون إلّا بواسطة عماله.

(2) أى فلايبعد حينئذ ان يقال فرض الأخذ فى الصحيحة مع العلم بان العامل مفوض إليه لايكون إلّا باعتبار تعين مقدار الزكاة و رفع الغرر الخ كما لايخفى.

(3) إرشاد الطالب، ص 355.

قال سيّدنا الإمام المجاهد مقتضى القواعد اختصاص الحكم بما يأخذه السلطان فإنه المتيقن من نفوذه امره فيحتاج فى النفوذ على الذمم أو على المال المشاع قبل الاخذ إلى دليل و قد دلّ الدليل على نفوذه بالنسبة إلى تقبل الخراج و جزية الرووس بل لو فرض وجود دليل على جواز المعامة مع ما أخذ من الخراج و جزية الرؤوس يستفاد منه جوازها بالنسبة إلى الذمم أيضا لان جعل الخراج و الجزية بيد الوالى فإذا دلّ الدليل على جواز المعاملة على المأخوذ يكون و الا على صحة جعله و نفوذه على الذمم و لازمة العرفى جواز الحوالة على ما جعله و نفوذها.

و أما الزكاة و الخمس مما كان المجعول بجعل إلهى غير مربوط بالوالى، فلادليل على نفوذ أمره قبل أخذه، بل ظاهر الفقرة الثانية من صحيحة أبى عبيدة المتقدمة عدم نفوذه إلّا بعد الأخذ و العزل.

إلى أن قال: و كيف كان، عدم الجواز لايحتاج إلى دليل خاص، بل يكفى عدم الدليل على النفوذ و دعوى إلغاء الخصوصية عن الخراج و الجزية و إسراء الحكم إلى الزكاة و الخمس فى غير محلها لاحتمال الفرق بين المجعول اللإلهى و بين ما جعله الوالى. إلى أن قال: فالأقوى بحسب القواعد و الأخبار التفصيل بين المجعول الإلهى و ما جعله الوالى.(1)

ولقائل أن يقول: إن ما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدس سره من جواز المعاملة على غير المأخوذ مطلقا، سواء كان من الخراج و المقاسمة و الجزية، أو من الزكوات و الأخماس هو الأقوى، لعدم دخالة جعل الجائر فى ذلك، و لشمول إطلاق إمضاء معاملة السلطان لمثل الزكوات مما يكون مجعولا بجعل إلهى. فالتفصيل المذكور فى

**

(1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام، ج 2، ص 282-281.

كلام سيّدنا الإمام المجاهد محل تأمل و نظر.

ثمّ إن ما يظهر من مصباح الفقاهة من التفصيل فى أصالة الصحة بين الشرايط العائدة إلى العقد فقط و الشرائط المربوطة بالعوضين بناء على اعتبار الأخذ أيضا لايخلو عن إشكال، لأن أصالة الصحة جارية فى شرائط العوضين أيضا فيما إذا احتمل احتمالا عقلائيا مالكية أو وكالية. هذا مضافا إلى عدم اختصاص إمضاء المعاملة بمعاملة السلطان، ليلزم إحراز انتساب معاملة عمّاله إليه، بل الموضوع للجواز معاملة السلطان أو عمّاله تسهيلاً للأمر على الآخرين، بل المعاملة مع السلطان لاتكون غالياً إلّا بالمعاملة مع العمّال.

فالأقوى هو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدس سره من جواز المعاملة على الخراج و الجزية و الزكاة و لو قبل قبضها و أخذها.

و لعلّ المراد من صحيحة الحذاء الدالة على لزوم الأخذ و العزل هو تعيين الصدقات بالعزل و الأخذ حتى لايلزم شراء السائل مال نفسه أو لايلزم العزر فى البيع.

التنبيه الثانى: فى اختصاص حكم الخراج بمن ينتقل إليه
اشارة

التنبيه الثانى: أنّه قال الشيخ الأعظم قدس سره هل يختص حكم الخراج من حيث الخروج عن قاعدة كونه مالا مغصوبا محرما بمن ينتقل اليه فلااستحقاق للجائر فى أخذه اصلا فلم يمض الشارع من هذه المعاملة إلّا حلّ ذلك للمنتقل إليه. أو يكون الشارع قد امضى سلطنة الجائر عليه فيكون منعه عنه أو عن بدله المعوض عنه فى العقد معه حراما صريح الشهيدين و المحكى عن جماعة ذلك قال المحقّق الكركى فى رسالته مازلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم لاسيما شيخنا الأعظم الشيخ على بن هلال قدس سره أنه لايجوز لمن عليه الخراج سرقته و لاجحوده و لامنعه و لاشىء منه لأن ذلك حق واجب عليه انتهى إلى أن قال الشيخ الأعظم الأنصارى قدس سره و على هذا عوّل

بعض الأساطين فى شرحه على القواعد حيث قال و يقوى حرمة سرقة الحصة و خيانتها و الامتناع عن تسليمها و عن تسليم ثمنها بعد شرائها الى الجائر و ان حرمت عليه و دخل تسليمها فى الاعانة على الاثم فى البداية أو الغاية(1) لنصّ الأصحاب على ذلك(2) و دعوى الإجماع عليه انتهى.

أورد عليه الشيخ بقوله أقول ان اريد منع الحصة مطلقا فيتصرف فى الأرض من دون اجرة فله وجه لأنها ملك المسلمين فلابدّ لها من اجرة تصرف فى مصالحهم.

و ان اريد منعها من خصوص الجائر فلادليل على حرمته لأنّ اشتغال ذمة مستعمل الأرض بالاجرة لايوجب دفعها الى الجائر.

بل يمكن القول بأنّه لايجوز مع التمكن لأنّه غير مستحق فيسلّم الى العادل او نائبه الخاص أو العام و مع التعذر يتولى صرفه فى المصالح حسبة.

مع أن فى بعض الأخبار ظهورا فى جواز الامتناع، مثل صحيحة زرارة: اشترى ضُريس بن عبدالملك و اُخوه من هبيرة اُرزاً(3) بثلاثمأة ألف، قال: فقلت له: ويلك أو ويحك، انظر إلى خمس هذا المال فابعث به إليه و احتبس الباقى، فأبى علىّ‌، فأدّى المال و قدم هؤلاء، فذهب أمر بنى اُمية، قال: فقلت: ذلك لأبى عبدالله عليه السلام، فقال

**

(1) قال فى إرشاد الطالب فى توضيح ذلك و لعل مراده بقوله و دخل تسليمها الخ ان الأصل حرمة تسليم الحصة الى الجائر فان تسلميها إليه ان كان دخيلا فى تسلطه على رقاب المسلمين فالدفع إليه اعانة على الاثم بحسب الحدوث و ان لم يكن دخيلا فيه كما إذا كان تسلطه عليهم من قبل بفعل الاخرين يكون الدفع إليه اعانة على الاثم بحسب الغاية لأن الجائر يصرفها فى غير مواردها (ج 1، ص 356).

(2) و فى إرشاد الطالب تعليل للحكم فى قوله و يقوى حرمة سرقة الحصة.

(3) و فى لسان العرب هبيرة اسم والى مكة و هبير أرض منخفضة حولها مرتفع.

مبادرا للجواب: هوله هوله، فقلت له: إنه قد أدّاها، فعضّ على اصبعه.(1)

فإن أوضح محامل هذا الخبر أن يكون الاُرز من المقاسمة.

و أما حمله على كونه مال الناصب أعنى «هبيرة» أو بعض بنى اُمية فيكون دليلا على حلّ مال الناصب بعد إخراج خمسه كما استظهره فى الحدائق، فقد ضعّف فى محله بمنع هذا الحكم و مخالفته لاتفاق أصحابنا، كما تحقق فى باب الخمس، و إن ورد به غير واحد من الأخبار.

و أما الأمر بإخراج الخمس فى هذه الرواية فلعلّه من جهة اختلاط مال المقاسمة بغيره من وجوه الحرام، فيجب تخميسه، أو من جهة احتمال اختلاطه بالحرام فيستحب تخميسه، كما تقدم فى جوائز الظلمة.(2)

و لايخفى عليك أنه قال فى إرشاد الطالب: دلالتها باعتبار أن الثمن بعد فرض صحة المعاملة المفروضة يكون معنونا بعنوان المقاسمة، و تجويز الإمام عليه السلام الامتناع عن تسليمها إلى الجائر يكون قرينة على عدم ولايته على الخراج، فلايكون حاله كحال السلطان العادل، ولكن لم يعلم أن الاُرز المفروض كان من المقاسمة، فإنها واقعة خارجية لم تعلم خصوصياتها فلعله كان من مال الناصب و لم يظهر من أصحابنا التسالم على عدم إجراء حكم مال الكافر على أموال الناصب، بل الناصب على ظاهرهم محكوم بالكفر، فلاحرمة لنفسه و لا لماله، و إخراج الخمس من المال

**

(1) الوسائل، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 219-218، ح 2.

بدعوى أن عضّ الإمام عليه السلام أصبعه على ذلك من جهة أن أمر بنى اُمية كان فى شرف الانقضاء و كان أداء المال إليهم بغير إكراه منهم، بل كان ذلك باختيار ضريس، فيستفاد من ذلك أنه لايجوز دفع الخراج إلى الجائر مع الاختيار. (مصباح الفقاهة، ج 1، ص 542).

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، 74-73.

المأخوذ منه يكون بالإضافة إلى الزائد على مؤونة السنة.(1)

وفيه: أنه لاشاهد لحمل هبيرة على الناصب خصوصا مع تصريح الوافى بأن هبيرة من عمال بنى اُمية. و تأييد ذلك بما فى لسان العرب من أن هبيرة كان اسم بعض ولاة مكه. هذا مضافا إلى أن ظاهر الدليل هو وجوب الخمس بنفس الأخذ من دون تأخير، فلاوجه لجعل الخمس بالإضافة إلى الزائد على المؤونة.

و قد حمل الفاضل الشعرانى الرواية على ما إذا كان الاُرز الذى بيد هبيرة زكوة، لأن العامة يوجبون زكاة الاُرز، فيكون ذلك الاُرز مأخوذا ظلما فى غالب الظن و لم يعطوه بالرضا من حيث إنه مستحب، فيكون مجهول المالك.(2) و فيه: أنه لاشاهد له.

هذا مضافا إلى بعده عن إطلاق الأمر بالخمس، لأنه لو كان جميعه مأخوذا ظلما وجب إعطاء جميعه عن مالكيه للفقراء. فما ذكره الشيخ الأعظم قدس سره من أن يكون الاُرز مجتمعه عند هبيرة من المقاسمة أوضح، ولكن الحكم بالخمس مطلقا لايساعد ذلك، إلّا بالحمل على الاختلاط، و هو كما ترى.

ثم إن المراد من قوله عليه السلام «هوله هوله» هو إعطاء ما عليه له لمصلحة تقتضى ذلك، و قد يترائى منافاة ذلك مع ما حكى من مماكسة مولينا أميرالمؤمنين عليه السلام، ولكن أجاب عنه الفاضل الشعرانى بأن أميرالمؤمنين كان جميع الأموال فى تصرفه و كان قادرا على أن يصرف فى كل مصرف يريد و كان يرى مصلحة أهم من أن يعطى مالا عظيما لرجل واحد. بخلاف الصادق عليه السلام، فإن بيت المال كان بأيدى غيره و لم يكن هذا المال الذى تعهده ضريس و غيره مما يمكنه أن يصرفه فى مصالح المسلمين و لم يكن أهم عنده من إعطائه لهم، فإنهم من رؤساء الشيعة و مروجى العلم و الدين، و

**

(1) إرشاد الطالب، ج 1، ص 356-357.

(2) الوافى، ج 17، ص 296.

كان المال وسيلة لرغبة الناس فيما بأيديهم و أخذ المذهب عنهم.(1)

و كيف كان، فتحصّل إلى حد الآن: أن منع الحصة من خصوص الجائر مع التمكن و عدم كون ذلك مخالفا للتقية لايكون محرما. و قد يقال: إن المحرم إنما هو تصدى الجائر لمنصب السلطنة لا الأحكام المترتبة عليها، فإنها لاتحرم عليه بعد غصبه الخلافة و تقمصها.

و أجيب عنه فى مصباح الفقاهة: بأن هذا الاحتمال و إن كان ممكنا فى مقام الثبوت إلّا أنه لادليل عليه. و على هذا فالجائر مشغول الذمة بما يأخذه من حقوق المسلمين ما لم يخرج من عهدتها.(2)

ودعوى أن الأئمة عليهم السلام قد أذنوا لشيعتهم فى شراء الصدقة و الخراج و المقاسمة من الجائر و يكون تصرفه فى هذه الحقوق الثلاثة كتصرف الفضولى فى مال الغير إذا انضم إليه إذن المالك. و حينئذ يترتب عليه أمران: أحدهما: براءة ذمة الزارع بما دفع إلى الجائر من الحقوق المذكورة. و ثانيهما: براءة ذمة الجائر من الضمان و إن ترتب عليه الإثم من جهة العصيان و العدوان. و نظير ذلك ما إذا غصب الغاصب مال غيره فوهبه لآخر و أجازه المالك. مندفعة بما فى مصباح الفقاهة من أنه يرد عليه أن إذن الشارع فى أخذ الحقوق المذكورة من الجائر إنما هو لتسهيل الأمر على الشيعة لئلا يقعوا فى المضيقة و الشدة، فإنهم يأخذون الأموال المذكورة من الجائر و أنّ إذنه هذا و إن كان يدل بالالتزام على براءة ذمة الزارع، و إلّا لزم منه العسر و الحرج المرفوعين فى الشريعة، إلّا أنه لاإشعار فيه ببراءة ذمة الجائر فضلا عن الدلالة عليها.

و على هذا فتصدّيه لأخذ تلك الحقوق ظلم و عدوان، فتشمله قاعدة ضمان اليد و

**

(1) الوافى، ج 17، ص 296.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 534.

تلحقه جميع تبعات الغصب وضعا و تكليفا.

و أما تنظير المقام بهبة الغاصب المال المغصوب مع لحوق إجازة المالك فهو قياس مع الفارق، إذ المفروض أن الجائر لم يعط الحقوق المذكورة لأهلها حتى تبرء ذمته، بل أعطاها لغيرهم إما مجانا أو مع العوض. و على الأول فقد أتلف المال فيكون ضامنا له و إن جاز للآخذ التصرف فيه، و عليه فالعوض يكون للآخذ و ينتقل المال إلى ذمة الجائر. و على الثانى فالمعاملة و إن صحت على الفرض إلّا أن ما يأخذه الجائر بدلا عن الصدقة يكون صدقة و يضمنه الجائر لامحالة.

و نظير ذلك أن الأئمة قد أذنوا لشيعتهم فى أخذ ما تعلق به الخمس أو الزكاة ممن لايعطيهما أو لايعتقد بهما، مع أن ذلك يحرم على المعطى وضعا و تكليفا.(1)

فى كفاية إذن الجائر و عدمها

قال الشيخ الأعظم بعد نقل عبائر العلماء و توجيهها: و كيف كان، فقد تحقق مما ذكرناه أن غاية ما دلت عليه النصوص و الفتاوى كفاية إذن الجائر فى حل الخراج و كون تصرفه بالإعطاء و المعاوضة و الإسقاط و غير ذلك ناقداً، أمّا انحصاره بذلك فلم يدل عليه دليل و لا أمارة، بل نوقش فى كفاية تصرفه فى الحلّية و عدم توقفها على إذن الحاكم الشرعى مع التمكن، بناء على الأخبار الظاهرة فى الكفاية منصرفة إلى الغالب من عدم تيسّر استيذان الإمام عليه السلام أو نائبه أمكن ذلك.

إلّا أنّ المناقشة فى غير محلها، لأنّ المستفاد من الأخبار الإذن العام من الأئمة عليهم السلام، بحيث لايحتاج بعد ذلك إلى إذن خاص فى الموارد الخاصة منهم عليهم السلام و لا من نوّابهم، انتهى. و لايخفى ما فيه، لأن ما ذكر ينافى ما تقدم فى أول التنبيه الثانى

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 534-535.

من أنه لايجوز دفعها إلى الجائر مع التمكن، لأنه غير مستحق و هو موافق للأصل ما لم يثبت خلافه. و دعوى الإذن العام و لو مع التمكن محتاجة إلى الإثبات. و القدر المتيقن هو صورة عدم التمكن من الإذن من الإمام و نوابه كما لايخفى.

فى لزوم استيلاء الجائر

و كيف كان، فقال الشيخ: هذا كله مع استيلاء الجائر على تلك الأرض و التمكن من استئذانه. و أما مع عدم استيلائه على أرض خراجية لقصور يده عنها لعدم انقياد أهلها له ابتداء أو طغيانهم عليه بعد السلطنة عليهم، فالأقوى - خصوصا مع عدم الاستيلاء ابتداء - عدم جواز استيذانه و عدم مضىّ إذنه فيها، كما صرّح به بعض الأساطين، حيث قال - بعد بيان أن الحكم مع حضور الإمام عليه السلام مراجعته أو مراجعة الجائر مع التمكن -: و أما مع فقد سلطان الجور أو ضعفه عن التسلط أو عدم التمكن من مراجعته، فالواجب الرجوع إلى الحاكم الشرعى، إذ ولاية الجائر إنما تثبت على من دخل فى قسم رعيته حتى يكون فى سلطانه و يكون مشمولا لحفظه من الأعداء و حمايته.

فمن بَعُدَ عن سلطانهم أو كان على الحدّ فيما بينهم أو تقوى (يقوى) عليهم فخرج عن مأموريتهم، فلايجرى عليه حكمهم اقتصارا على المقطوع به من الأخبار و كلام الأصحاب فى قطع الحكم بالأصول و القواعد و تخصيص ما دلّ على المنع عن الركون إليهم و الانقياد لهم.(1)

تفصيل

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدس سره: و يمكن التفصيل بالنظر إلى الأدلة الخاصة بين

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الاعظم، ص 75.

الخراج و جزية الرؤوس مما يكون التعيين بجعل الوالى و بين الزكوات و الأخماس مما هو بجعل الله تعالى بأن يقال: إن اللازم العرفى من تنفيذ جعل الوالى ما ضرب على الأرض خراجا و على الرؤوس جزية لزوم أدائه، فإن السلاطين عدولا كانوا أو فساقا إنما جعلوا الخراج و الجزية على الناس بأن يؤدّوا إليهم لا إلى غيرهم، و كان صرفها فى مصارفها بيدهم من غير اختيار لأحد فيه، فإذا دلّ الدليل على نفوذ جعل الوالى الجائر كان لازمه العرفى أو مدلوله المطابقى هو وجوب الرد إليه و عدم جواز التخلف و الخيانة.

و هو نظير ما إذا ورد دليل على إنفاذ معاملة كان مفادها انتقال سلعة بثمن، فإن لازم ذلك صيرورة كل من السلعة و الثمن منتقلا إلى من انتقل إليه بحسب الجعل، و لازمه العرفى حرمة المنع و الخيانة و السرقة.

إلى أن قال: و تشعر بذلك أو تدلّ عليه صحيحة أبى بصير و محمّد بن مسلم جميعا عن أبى جعفر عليه السلام أنهما قالا له: هذه الأرض التى يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: كل أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك مما أخرج الله منها الذى قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، إنما عليك العشر فيما يحصل فى يدك بعد مقاسمته لك.(1)

فإن الظاهر من «أن عليه ما قاطعه عليه السلطان» أن يرد عليه، فإنه المتفاهم عرفا من نظائره لولا قرينة أو دليل على خلافه.

و أما الزكوات و نحوها فلادلالة، بل و لا إشعار فى أدلة نفوذ المعاملات على المأخوذ منها على وجوب أدائها إلى السلطان و هو واضح. مضافا إلى قيام الدليل

**

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، ج 7، ص 188، ح 1.

على وجوب منعها عنهم و هو صحيحة عيص بن القاسم عن أبى عبدالله عليه السلام فى الزكاة، قال: ما أخذوا(1) منكم بنواُمية فاحتسبوا به و لاتعطوهم شيئا ما استطعتم، فإن المال لايبقى على هذا أن يزكيه مرتين.(2)

و رواية أبى البخترى عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: أن عليا عليه السلام كان يقول: اعتد فى زكوتك بما أخذ العشّار و احفظها عنه ما استطعت.(3) فالتفصيل بينهما غير بعيد.(4)

ولقائل أن يقول: إن دعوى الملازمة فى الخراج والجزية بين جعلهما و بين لزوم أدائهما إلى الجائر كما ترى بعد معلومية حرمة تصرف الجائر فى الاُمور، و عدم دلالة دليل على أدائهما إلى الجائر، و لاأقل من الشك. فلايجب أدائهما إلى الجائر، كما لايجب أداء الزكوات و الأخماس إليه، بل لايجوز ذلك عند التمكن من الأداء إلى الإمام أو نوابه، كما صرح به الشيخ الأعظم فى ابتداء التنبيه الثانى.

هذا مضافا إلى صحيحة عيص بن القاسم، بناء على القاء الخصوصية. و عليه فالأقوى هو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدس سره، حيث قال: و إن اُريد منع الحصة من خصوص الجائر فلادليل على حرمته، لأن اشتغال ذمة مستعمل الأرض بالاُجرة لايوجب دفعها إليه، بل يمكن القول بأنه لايجوز مع التمكن، لأنه غير مستحق، فيسلم إلى العادل أو نائبه الخاص أو العام، و مع التعذر يتولى صرفه فى المصالح حسبة.(5) و عليه فلايجوز الأداء إلى الجائر عند التمكن من دون فرق فى ذلك بين الخراج و

**

(1) و فى المصادر: اخذ.

(2) الوسائل، الباب 20 من أبواب المستحقين الزكاة، ج 9، ص 252، ح 3.

(3) الوسائل، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، ج 9، ص 254، ح 8.

(4) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد، ج 2، ص 287-289.

(5) المكاسب المحرّمة لشيخنا الأعظم قدس سره، ص 74-73.

المقاسمة و الجزية و بين الزكوات و نحوها، و عليه فالتفصيل غير واضح.

التنبيه الثالث: فى حلية الخراج و المقاسمة المأخوذين من الأراضى التى يعتقد الجائر كونها خراجية

التنبيه الثالث: أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره: إن ظاهر الأخبار و إطلاق الأصحاب حلّ الخراج و المقاسمة المأخوذين من الأراضى التى يعتقد الجائر كونها خراجيه و إن كانت عندنا من الأنفال و هو الذى يقتضيه نفى الحرج.

نعم، مقتضى بعض أدلتهم و بعض كلماتهم هو الاختصاص(1)، فإن العلّامة قدس سره قد استدلّ فى كتبه على حلّ الخراج و المقاسمة بأن هذا مال لايملكه الزارع و لاصاحب الأرض، بل هو حق لله أخذه غير مستحقه فبرأت ذمته و جاز شراؤه.

و هذا الدليل و ان كان فيه ما لايخفى من الخلل(2)، إلّا أنّه كاشف عن اختصاص محل الكلام بما كان من الأراضى التى لها حق على الزارع و ليس الأنفال كذلك، لكونها مباحة للشيعة. نعم، لو قلنا بأن غيرهم يجب عليه اُجرة الأرض كما لايبعد أمكن تحليل ما يأخذه منهم الجائر بالدليل المذكور لو تمّ‌.

و مما يظهر منه الاختصاص ما تقدم من الشهيد و مشايخ المحقّق الثانى من حرمة جحود الخراج و المقاسمة معلّلين ذلك بأن ذلك حق عليه، فإن الأنفال لاحق و

**

(1) أى بغير الأنفال.

(2) والوجه فيه: أن الخراج اُجرة الأرض، فيثبت على الذمة. و ما يحصل بالزرع ملك فى المزارعة لمالك الأرض و الزارع معاً، و فى مورد الإجارة ملك للزارع. و أيضا أن الخراج حق للمسلمين، فإنه بدل منفعة الأرض التى يملكونها على أن دفع حق الله إلى غير مستحقه لايوجب فراغ الذمة. (إرشاد الطالب، ج 1، ص 361). لكن يمكن إن يريد أنه لايملكه الزارع لأنه أخرجه من ملكه و أعرض عنه و لايملكه مالك الأرض، لأنه لم يتعين حقه فيه و لم يستحقه السلطان، لأنه لم يأخذه بعنوان الحيازة، بل أخذه عوضا و لم يقع و برئت ذمة المستعمل إجماعا فجاز شراؤه استنقاذا. (بلغة الطالب، ج 1، ص 295).

لااُجرة فى التصرف فيها. و كذا ما تقدم من التنقيح(1)، حيث ذكر بعد دعوى الإجماع على الحكم أن تصرف الجائر فى الخراج و المقاسمة من قبيل تصرف الفضولى إذا أجاز المالك. و الإنصاف أن كلمات الأصحاب بعد التأمل فى أطرافها ظاهرة فى الاختصاص بأراضى المسلمين، خلافا لما استظهره المحقّق الكركى من كلمات الأصحاب و إطلاق الأخبار، مع أن الأخبار أكثرها لاعموم فيها و لاإطلاق.

نعم، بعض الأخبار الواردة فى المعاملة على الأراضى الخراجية التى جمعها صاحب الكفاية شاملة لمطلق الأرض المضروب عليها الخراج من السلطان.(2)

نعم، لو فرض أنه ضرب الخراج على ملك غير الإمام أو على ملك الإمام لابالإمامة أو على الأراضى التى أسلم أهلها عليها طوعا لم يدخل فى منصرف الأخبار قطعا.(3)

و لو أخذ الخراج من الأرض المجهولة المالك معتقدا لاستحقاقه إياه ففيه وجهان.(4)

ودعوى أن الأنفال كالجبال و بطون الأودية و نحوها و إن لم يكن من الأراضى الخراجية إلّا أن ما يأخذه الجائر من هذه الأراضى بعنوان الخراج لايبعد أن يكون محكوما بحكم الخراج المصطلح و مشمولا للروايات الدالة على جواز شراء الخراج

**

(1) و فى بلغة الطالب فى استفادة الاختصاص منه نظر، بل هو أطبق بالأنفال و لاينافيه إباحتها للشيعة، لأنه لاينافى إجازة الإجارة الصادرة من السلطان.

(2) قال فى إرشاد الطالب: لايبعد شمول مثل قوله عليه السلام لابأس بأن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان للأراضى التى تكون من الأنفال. (إرشاد الطالب، ص 361).

(3) لأن الموارد المذكورة من الأملاك الشخصية.

(4) من الإطلاق الشامل لمطلق الأرض و ممّا عرفت من شواهد الاختصاص (المكاسب المحرّمة لشيخنا الأعظم، ص 75).

من الجائر بعد ما كان أخذ الجائر إياه بعنوان الخراج و لو كان ذلك بجعل نفسه. مندفعة بأن هذا القسم خارج عن موضوع الأخبار المذكورة، فإنها مسوقة لبيان جواز المعاملة على الحقوق الثلاثة من التقبل و الشراء و نحوهما. و ليس فيها تعرض لموارد ثبوت الخراج و كيفيته و مقداره، بل لابد فى ذلك كله من التماس دليل آخر، و لادليل على إمضاء ما جعله الجائر خراجا، و إن لم يكن من الخراج فى الشريعة المقدسة.(1)

و عليه فلم يثبت الإطلاق و لو فى بعض الأخبار، و مقتضى القاعدة هو عدم تنفيذ معاملاته إذا لم تكن الأراضى مفتوحة عنوة و لو اعتقد الجائر كونها من المفتوحة عنوة، أو أخذ منها بعنوان الخراج لأنها من الأنفال.

التنبيه الرابع: فى اختصاص الحكم بالسلطان المدعى للرياسة العامة و عمّاله

التنبيه الرابع: ظاهر الأخبار و منصرف كلمات الأصحاب الاختصاص بالسلطان المدعى للرياسة العامة و عمّاله، فلايشمل من تسلط على قرية أو بلدة خروجا على سلطان الوقت، فيأخذ منهم حقوق المسلمين. نعم، ظاهر الدليل المتقدم من العلامة شموله له، لكنك عرفت أنه قاصر عن إفادة المدعى، كما ان ظاهره(2) عدم الفرق بين السلطان المخالف المعتقد لاستحقاق أخذ الخراج و المؤمن و الكافر، و إن اعترفا بعدم الاستحقاق، إلّا أن ظاهر الأخبار الاختصاص بالمخالف.

و المسألة مشكلة من اختصاص موارد الأخبار بالمخالف المعتقد لاستحقاق أخذه. و لاعموم فيها لغير المورد، فيقتصر فى مخالفة القاعدة عليه و من لزوم الحرج و دعوى الإطلاق فى بعض الأخبار المتقدمة، مثل قوله عليه السلام فى صحيحة الحلبى: لابأس

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 542.

(2) أى كما ان ظاهر الدليل المتقدم.

بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان، و قوله عليه السلام فى صحيحة محمّد بن مسلم: كل أرض دفعها إليك سلطان فعليك فيما أخرج الله منها الذى قاطعك عليه و غير ذلك.

و يمكن أن يردّ لزوم الحرج بلزومه على كل تقدير، لأن المفروض أن السلطان المؤمن خصوصا فى هذه الأزمنة يأخذ الخراج عن كل أرض و لو لم تكن خراجية و أنهم يأخذون كثيرا من وجوه الظلم المحرمة منضمّا إلى الخراج و ليس الخراج عندهم ممتازا عن سائر ما يأخذونه ظلما من العشور و ساير ما يظلمون به الناس كما لايخفى، على من لاحظ سيرة عمّالهم، فلابد أما من الحكم كله لدفع الحرج، و أما من الحكم بكون ما فى يد السلطان و عمّاله من الأموال المجهولة المالك.(1)

و أما الإطلاقات، فهى مضافا إلى إمكان دعوى انصرافها إلى الغالب، كما فى المسالك مسوقة لبيان حكم آخر، كجواز إدخال أهل الأرض الخراجية فى تقبل الأرض فى صحيحة الحلبى لرفع توهم حرمة ذلك كما يظهر من أخبار اُخر، و كجواز أخذ أكثر ما تقبل به الأرض من السلطان فى رواية الفيض بن المختار، و كغير ذلك من أحكام قبالة الأرض و استيجارها فيما عداها من الروايات.

والحاصل: أن الاستدلال بهذه الأخبار على عدم البأس بأخذ أموالهم مع اعترافهم بعدم الاستحقاق مشكل. إلى أن قال: و كيف كان، فالذى أتخيّل كلما أزداد النصف التأمل فى كلماتهم يزداد له هذا المعنى وضوحا فما أطنب به بعض فى دعوى عموم

**

(1) حاصله: أنه لايرتفع الحرج بتعميم السلطان و شموله للمؤمن بعد اشتمال أخذه على الحرام و لزوم الاجتناب عنه، إلا أن يقال بعدم لزوم الاجتناب أصلا و هو كما ترى، أو يقال بكون الأموال المأخوذة بتوسط السلطان المؤمن من الأموال المجهولة المالك، فيترتب عليها الأحكام على التفاصيل المتقدمة فى المجهولة المالك، مع أن المقام يختص بأحكام ما يأخذه الجائر من الناس من الحقوق الشرعية.

النص و كلمات الأصحاب مما لاينبغى أن يغتر به، و لأجل ما ذكرنا و غيره فسّر صاحب إيضاح النافع فى ظاهر كلامه المحكى الجائر فى عبارة النافع بمن تَقدَّم على أميرالمؤمنين و اقتضى أثر الثلاثة، فالقول بالاختصاص كما استظهره فى مسالك و جزم به فى إيضاح النافع و جعله الأصح فى الرياض لايخلو عن قوة.

فينبغى فى الأراضى التى بيد الجائر الموافق فى المعاملة على عينها أو على ما يؤخذ عليها مراجعة الحاكم الشرعى.

و لو فرض ظهور سلطان مخالف لايرى نفسه مستحقا لجباية تلك الوجوه، و إنما أخذ ما يأخذ نظير ما يأخذه على غير الأراضى الخراجية من الأملاك الخاصة، فهو أيضا غير داخل فى منصرف الأخبار و لا فى كلمات الأصحاب، فحكمه حكم السلطان الموافق. و أما السلطان الكافر فلم أجد فيه نصّا. و ينبغى لمن تمسك بإطلاق النص و الفتوى التزام دخوله فيهما، لكنّ الإنصاف انصرافهما إلى غيره، مضافا إلى ما تقدم فى السلطان الموافق من اعتبار كون الأخذ بشبهة الاستحقاق، و قد تمسك فى ذلك بعض بنفى السبيل للكافر على المؤمن فتأمل.(1)

قال السيّد المحقّق الخوئى قدس سره فى توضيح كلام الشيخ قدس سره: و الوجه فى ذلك أن الأخبار المذكورة لم ترد على سبيل القضايا الحقيقية، فليس مفادها أنّ كل متصد لمنصب الخلافة و السلطنة تترتب على دعواه الأحكام المزبورة، بل موردها القضايا الخارجية، أعنى السلاطين الذين يرون أنفسهم أولياء الاُمور للمسلمين، بحيث لايمكن التخلص من مكرهم، و يدّعون عليهم الولاية العامة فى الظاهر، و إن كانت عقيدتهم

**

(1) وجهه: أنه ليس فى جواز الأخذ منه بل و لافى إمضاء تصرفاته سبيلا له. (بلغة الطالب، ص 295؛ المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 76).

على خلاف دعواهم، كجملة من الخلفاء السابقين. إلى أن قال: و حينئذ فلابد من الاقتصار فى الأحكام المذكورة على المقدار المتيقن و هى القضايا الشخصية الخارجية، و لايجوز التعدى منها إلّا إلى ماشاكلها فى الخصوصيات.

و من هنا يظهر عدم شمول الأخبار المزبورة لسلاطين الشيعة الذين اتصفوا بأوصاف المخالفين فضلاً عن شمولها لمن تسلط على قرية أو بلدة خروجا على سلطان الوقت، و أخذ من أهلها أموالهم باسم الخراج و المقاسمة و الصدقة، فلاتبرء بذلك ذمم الزارعين و لايجوز شراؤها من هؤلاء الظالمين، لأن ذلك يدخل فيما أخذ على سبيل الظلم و العدوان.

و قد يقال بشمول الأحكام المتقدمة لكل من يدعى الرياسة و منصب الخلافة، و لو على قرية أو بلدة لقاعدة نفى العسر و الحرج.

ولكن يرد عليه: أنه قد يراد بذلك لزوم الحرج على الذين يأخذون الأموال المذكورة من هؤلاء الظلمة المدعين للخلافة، و هو واضح البطلان. و أىّ حرج فى ترك شراء ما فى يد السراق و الغصاب مع العلم بكونه غصبا و سرقة.

و قد يراد بذلك لزوم الحرج على الزارعين و أولياء الأراضى إذا وجب عليهم أداء تلك الحقوق ثانيا فيرتفع بدليل نفى الحرج، ولكنّه أيضا بيّن الخلل، فإن لازم ذلك أن الإنسان إذا أجبره سارق أو غاصب على إعطاء حقوق الله أو حقوق الناس أن تبرء ذمته بالدفع إليه لتلك القاعدة، و لم يلتزم بذلك فقيه و لامتفقه.(1)

ولقائل أن يقول: يمكن الاستدلال بإطلاق بعض الأخبار، كصحيحة الحلبى عن

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 544-543.

أبى عبدالله عليه السلام فى جملة حديث قال: لابأس أن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان.

و حملها على أنها كانت فى مقام بيان حكم الأهل غير سديد مع التصريح بالأرض.

هذا مضافا إلى وقوع الحديث المذكور فى ذيل الحديث يكون فى مقام بيان حكم قبالة الأرض أيضا، حيث قال الحلبى: قال أبوعبدالله عليه السلام فى القبالة: أن تأتى الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة، فإن كانت عامرة فيها علوج فلايحل له قبالتها إلّا أن يتقبل أرضها فيستأجرها من أهلها، و لايدخل العلوج فى شىء من القبالة، فانّ ذلك لايحل، إلى أن قال: و قال: لابأس أن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان، الحديث.(1) و عليه يمكن الأخذ بإطلاق السلطان فى تقبل الأرض و أهلها و لايكون قوله عليه السلام مسبوقا بالسؤال عن سلطان خاص حتى ينصرف إليه.

و كصحيحة إسماعيل بن الفضل عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتقبل خراج الرجال و جزية رؤوسهم و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصايد و السمك و الطير و هو لايدرى لعلّ هذا لايكون أبدا أو يكون يشتريه و فى أىّ زمان يشتريه و يتقبل منه (به - خ ل)، فقال: إذا علمت أن من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبل منه. أللّهمّ إلّا أن يقال: إنها فى مقام بيان حكم تقبل ما لم يعلم بوجوده، فتأمل.

و كصحيحة محمّد بن مسلم و أبى بصير أنهما قالا لأبى جعفر عليه السلام: هذه الأرض التى يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: كل أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج الله منها الذى قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج الله منها

**

(1) الوسائل، الباب 18 من أحكام المزارعة، ج 19، ص 60-59، ح 3.

العشر، إنما عليك العشر فيما يحصل فى يدك بعد مقاسمته لك.(1)

ودعوى الانصراف إلى الغالب كما عن المسالك، كما ترى، لأن الغلبة الخارجية لاتوجب الانصراف. و القول بأن المطلقات فى مقام بيان حكم آخر كجواز إدخال أهل الأرض الخراجية فى تقبل الأرض أو جواز أخذ الأكثر ممّا تقبل به الأرض من السلطان، غير سديد، لأنه لو كان كذلك اقتصر على السؤال عن تقبل الأهل و لاموجب لضميمة قبالة الأرض فى صحيحة الحلبى. هذا مضافا إلى كفاية إطلاق السلطان فى الحكم المذكور فى صحيحة محمّد بن مسلم.

و أما ما قاله السيّد المحقّق الخوئى من أن القضايا هى الخارجية لاالحقيقية، ففيه: أنه لايساعد جميع الروايات، منها صحيحة الحلبى: لابأس أن يتقبل الأرض و أهلها من السلطان، حيث هذه الفقرة ليست مسبوقة بالسؤال عن السلاطين الموجودة فى ذلك العصر. و إنما أفاد الإمام ذلك بنحو القضية الحقيقية كسائر الموارد. و صحيحة محمّد بن مسلم: كل أرض دفعها إليك السلطان فعليك ممّا أخرج الله منها الذى قاطعك عليه، فإن السلطان الواقع فى كلام الإمام مطلق. و يعتضد ذلك بأن حكم التقبل لايختص بزمان دون زمان، بل هو حكم جار فى جميع الأعصار.

ودعوى أن صحيحة محمّد بن مسلم ناظرة إلى عدم ثبوت الزكاة على الزارع فيما يأخذه السلطان منه بعنوان الخراج. و أما أنّ أخذه بذلك العنوان أو معاملته عليه بعد أخذه ممضاة أم لا، فلادلالة لها على ذلك أصلا. قال عليه السلام فيها. كل أرض دفعها إليك سلطان فما حرثته فيها فعليك مما أخرج الله منها الذى قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، إنما عليك العشر فيما يحصل فى يدك بعد مقاسمته

**

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، ج 9، ص 188، ح 1.

لك. مندفعة بأنه يكفى الإطلاق فيما كانت الرواية بصدد بيانه، فإنه لم يقيد السلطان بالمخالف بل أطلقه، و هو كاف فى الاستدلال به.

ثم إن الاجتناب عن عين الأموال المذكورة التى أخذها السلطان الموافق أو عوضها حرجى و إنكار ذلك غير سديد. و أيضا تنظير لزوم الحرج على الزارعين و أولياء الأراضى إذا وجب عليهم أداء الحقوق ثانيا بما أجبر الإنسان سارق أو غاصب فى غير محله، لأن السرقة قد تكون بخلاف الزارعة فى كل سنة، فإنها أمر يدوم، و الشارع شرع جواز أخذ الحقوق الشرعية عن السلطان المخالف تسهيلا للأمر على الشيعة. فكيف يضيق الأمر عليهم فى السلطان الموافق؛ هذا مضافا إلى إلغاء الخصوصية. و عليه فدعوى الإطلاق بالنسبة إلى الموافق و المخالف و معتقد الاستحقاق و غيره ليست بمجازفة ولكن لايترك الاحتياط.

التنبيه الخامس: فى عدم اعتبار أن يكون المأخوذ منه ممن يعتقد استحقاق الآخذ للأخذ

التنبيه الخامس: الظاهر أنه لايعتبر فى حلّ الخراج المأخوذ أن يكون المأخوذ منه ممن يعتقد استحقاق الآخذ للأخذ، فلافرق حينئذ بين المؤمن و المخالف و الكافر، لإطلاق بعض الأخبار المتقدمة(1) و اختصاص بعضها بالمؤمن كما فى روايتى الحذاء و إسحاق بن عمار(2) و بعض روايات قبالة الأراضى الخراجية.(3)

و لم يستبعد بعض اختصاص الحكم بالمأخوذ من معتقد استحقاق الآخذ مع

**

(1) كصحيحة الحلبى.

(2) و لعل وجه اختصاصها بالمؤمن هو إسناد الظلم إلى العامل، فإنه لايساعد مع الاعتقاد باستحقاق الأخذ للآخذ.

(3) و بعض ما ورد فى جواز احتساب الزكاة بما يأخذه السلطان و عماله، كما أفاد فى إرشاد الطالب (الوسائل، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة)، كصحيحة عيص بن القاسم عن أبى عبدالله عليه السلام فى الزكاة، قال: ما أخذوا منكم بنواُمية فاحتسبوا به و لاتعطوهم شيئا ما استطعتم، الحديث.

اعترافه بأن ظاهر الأصحاب التعميم، و كأنه أدخل هذه المسألة، يعنى مسألة حل الخراج و المقاسمة فى القاعدة المعروفة من إلزام الناس بما ألزموا به أنفسهم و وجوب المضى معهم فى أحكامهم على ما يشهد به تشبيه بعضهم ما نحن فيه باستيفاء الدين من الذمّى من ثمن ما باعه من الخمر و الخنزير.

و الأقوى أن المسألة أعم من ذلك. و إنما المضى فيما نحن فيه تصرف الجائر فى تلك الأراضى مطلقا.(1) على أن تخصيص الحكم بالمأخوذ من معتقد استحقاق الأخذ ينافى رواية الحذاء الواردة فى المؤمن الذى لايعتقد بخلافة الجائر و كونه سلطانا حقا، و إطلاق بعض الأخبار المتقدمة من جهة كون المأخوذ منه مؤمنا أو مخالفا أو كافرا كما أشار إليه الشيخ قدس سره.

فلا وجه لجعل المسألة من موارد فروع القاعدة المعروفة، بل هى كما أفاد شيخنا الأعظم أعم من ذلك.

فتحصّل قوة عدم اعتبار أن يكون المأخوذ منه ممن يعتقد استحقاق الآخذ للأخذ، فيشمل المؤمن و المخالف و الكافر.

التنبيه السادس: فى أنه ليس للخراج قدر معين

التنبيه السادس: فى أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره ليس للخراج قدر معين، بل المناط فيه ما تراضى فيه السلطان و مستعمل الأرض، لأن الخراج هى اُجرة الأرض، فينوط برضى المؤجر و المستأجر. نعم، لو استعمل أحد الأرض قبل تعيين الاُجرة تعين عليه اُجرة المثل و هى مضبوطة عند أهل الخبرة. و أما قبل العمل فهو تابع لما يقع التراضى عليه.

و نسب ما ذكرناه إلى ظاهر الأصحاب، و يدل عليه قول أبى الحسن عليه السلام فى

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 76.

مرسلة حماد بن عيسى و الأرض التى أخذت عنوة بخيل و ركاب فهى موقوفة متروكة فى يد من يعمّرها و يحييها على صلح ما يصالحهم الوالى على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان و على قدر ما يكون لهم صالحا (صلاحا) و لايضربهم (هم)، الحديث.(1)

و يستفاد منه إذا جعل عليهم من الخراج و المقاسمة ما يضرّبهم لم يجز ذلك، كالذى يؤخذ من بعض مزارعى بعض بلادنا، بحيث لايختار الزارع الزارعة من كثرة الخراج، فيجبرونه على الزراعة، و حينئذ ففى حرمة كلما يؤخذ أو المقدار الزايد على ما تضر الزيادة عليه وجهان.(2) و حكى عن بعض أنه يشترط أن لايزيد على ما كان يأخذه المتولى له الإمام العادل إلّا برضا.

و التحقيق: أن مستعمل الأرض بالزرع و الغرس إن كان مختارا فى استعمالها فمقاطعة الخراج و المقاسمة باختياره و اختيار الجائر، فإذا تراضيا على شىء فهو الحق، قليلا كان أو كثيرا، و إن كان لابدّ من استعمال الأرض، لأنها كانت مزرعة له مدة سنين، و يتضرر بالارتحال عن تلك القرية إلى غيرها، فالمناط ما ذكر فى المرسلة من عدم كون المضروب عليهم مضرا بأن لايبقى لهم بعد أداء الخراج ما يكون بإزاء ما أنفقوا على الزرع من المال و بذلوا له من أبدانهم الأعمال.(3)

و لعلّه لأن الضرر لايضر بصحة المعاملة مع الاختيار، لأنه أقدم عليه. و أما مع

**

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب الخمس، ح 4.

(2) من فساد الإجارة لعدم جعل ما يضربهم و مقتضاه فساد المعاملة و ثبوت اُجرة المثل فى ذمة العامل، و من أن النهى عن جعل الزيادة يجعل الزائد لغوا فتقع الإجارة على ما عدا الزيادة. قال فى بلغة الطالب بعد ذكر الوجهين: و الأقوى: الأول (بلغة الطالب، ج 1، ص 297)، و سيأتى تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى.

(3) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 76.

الاضطرار على الإقامة فى تلك الأرض فلاجعل بالنسبة إلى ما يضر بما لهم و مقتضاه هو بطلان المعاملة.

و أورد عليه فى إرشاد الطالب بأن الأظهر بطلان المعاملة فى الصورتين، فإن السلطان و عماله ليست لهم ولاية التصرف فى تلك الأراضى بما يكون فيه إضرار بالمسلمين، و لم يمض من تصرفاتهم فيها ما يكون موجبا لترك الناس الأراضى التى كانوا يستعملونها، و الالتجاء إلى مكاسب اُخرى بدلاً عن الزارعة، و توفير الغذاء للناس. و فى ذلك فساد للبلاد و فقر لأهلها.

و هذا نظير ما وكله الغير فى بيع ماله أو إجارته بعوض محدود فى ناحية كثرته، و كان التحديد لغرض عقلائى فباعه الوكيل أو آجره بأزيد من ذلك العوض، فإنه يكون البيع أو الإجارة باعتبار عدم وكالته فيهما باطلة. و أما احتمال بطلانها بالإضافة إلى المقدار الزائد فضعيف، فإن التبعيض فى المعاملة بحسب صحتها يختص بموارد انحلالها، كما إذا باع شيئين بصفقة واحدة أو آجر العين مدة، فإن انحلال البيع بالإضافة إلى كل منهما، و انحلال الإجارة بحسب أبعاض المدة صحيح. و أما انحلالهما بالإضافة إلى بعض الثمن أو بعض الاُجرة بأن تتم المعاملة و يقع تمام البيع بإزاء بعض الثمن أو تمام المدة بإزاء بعض الاُجرة. فهذا ليس من انحلال المعاملة.(1)

و لايخفى عليك أن مع الاختيار فى الاستعمال لاوجه للبطلان و إن كان بضرر المستعمل، لأنه ضرر أقدم عليه.

و دعوى أن السلطان و عماله ليست لهم ولاية التصرف، مندفعة بأن صورة الاضطرار لم يتعلق بها الإمضاء، بخلاف ما لم يبلغ الضرر إلى هذا الحد، فإنه أمر

**

(1) إرشاد الطالب، ص 366-365.

متعارف بين السلطان و عماله و بين مستعملى الأراضى. و يشمله إطلاق أدلة جواز الأخذ من السلطان، بل الظاهر من عبارة الشيخ قدس سره أن دليل البطلان فى صورة الاضطرار هى المرسلة، و إلّا فمع قطع النظر عنها كما يفضى ذلك إرسال الرواية لو تراضيا و لو من جهة الاضطرار، فلاوجه للبطلان لإطلاق أدلة تجويز أخذ الخراج من الجائر، أللّهمّ إلّا أن يقال: إن إطلاق أدلة تجويز أخذ الخراج حتى فى هذه الصورة غير محرز، و معه لايحكم بالصحة، فالتفصيل الذى أفاده الشيخ أقوى فتدبّر جيّدا.

التنبيه السابع: فى عدم اعتبار الاستحقاق فيمن يصل إليه الخراج

التنبيه السابع: ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لايشترط فيمن يصل إليه الخراج أو الزكوة من السلطان على وجه الهدية أو يقطعه الأرض الخراجية أقطاعا أن يكون مستحقا له. و نسبه الكركى فى رسالته إلى إطلاق الأخبار و الأصحاب، و لعله أراد إطلاق ما دلّ على حلّ جوائز السلطان و عمّاله مع كونها غالبا من بيت المال(1)، و إلّا فما استدلوا به لأصل المسألة إنما هى الأخبار الواردة فى جواز ابتياع الخراج و المقاسمة و الزكوة و الواردة فى تقبيل الأرض الخراجية من السلطان.

و لاريب فى عدم اشتراط كون المشترى و المتقبل مستحقا لشىء من بيت المال، و لم يرد خبر فى حلّ ما يهبه السلطان من الخراج حتى يتمسك بإطلاقه عدا أخبار جوائز السلطان، مع أن تلك الأخبار واردة أيضا فى أشخاص خاصة، فيحتمل كونهم ذوى حصص من بيت المال، فالحكم بنفوذ تصرف الجائر على الإطلاق فى الخراج من حيث البذل و التفريق، كنفوذ تصرفه على الإطلاق فيه بالقبض و الأخذ و المعاملة عليه مشكل.

و أما قوله عليه السلام فى رواية الحضرمى السابقة: «ما يمنع ابن أبى سماك أن يبعث

**

(1) و بيت المال يشمل الخراج و الزكاة.

إليك بعطائك‌؟ أما علم أن لك نصيبا من بيت المال»، فإنما يدل على أن كل من له نصيب فى بيت المال يجوز له الأخذ، لا أن كل من لانصيب له لايجوز أخذه. و كذا تعليل العلامة قدس سره فيما تقدم من دليله بأن الخراج حق لله أخذه غير مستحقه، فإن هذا لاينافى إمضاء الشارع لبذل الجائر إياه كيف شاء، كما أن للإمام عليه السلام أن يتصرف فى بيت المال كيف شاء. فالاستشهاد بالتعليل المذكور فى الرواية و المذكور فى كلام العلامة رحمه الله على اعتبار استحقاق الأخذ بشىء من بيت المال، كما فى الرسالة الخراجية محل نظر.

ثمّ أشكل من ذلك تحليل الزكاة المأخوذة منه لكل أحد، كما هو ظاهر إطلاقهم القول بحلّ أتهاب ما يؤخذ باسم الزكاة. و فى المسالك أنه يشترط أن يكون صرفه لها على وجهها المعتبر عندهم بحيث لايعدّ عندهم عاصيا، إذ يمتنع الأخذ منه عندهم أيضا. ثمّ قال: و يحتمل الجواز مطلقا نظراً إلى إطلاق النص و الفتوى، قال: و يجىء مثله فى المقاسمة و الخراج، فإن مصرفهما بيت المال و له أرباب مخصوصون عندهم أيضا، انتهى.(1)

يمكن أن يقال: إن دعوى ورود أخبار حل الجوائز فى أشخاص خاصة ممنوعة، فإن فيها ما يكون من قبيل سائر الإطلاقات، كما فى صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة(2) جميعا، قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس.(3) و كما فى نوادر أحمد بن

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 77-76.

(2) و لايضر بالصحة وقوع على بن السندى فى الطريق، لما فى منتهى المقال من أنه على بن إسماعيل بن عيسى وثقه نصر بن الصباح و هو ليس بغال. و الظاهر من الكشى ذهابه إلى هذا التوثيق و اعتماده عليه، و يروى محمّد بن أحمد بن يحيى عن على بن السندى فى غاية الكثرة و لم تستثن روايته، و الأجلة يكثرون من الرواية عنه إلى حدّ يؤمى إلى كونه من مشايخهم و هو كثير الرواية و مقبولها و سديدها.

(3) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 214، ح 5.

محمّد بن عيسى عن أبيه عن أبى جعفر عليه السلام قال: لابأس بجوائز السلطان.(1)

ودعوى أن هذه الأخبار لاشهادة لها على ما ذكره المحقّق الكركى، و ذلك لما ذكرنا سابقا من أن الجائزة بمقتضى قاعدة اليد محكومة بكونها ملك الجائر، و إن الجواز فى مثل الصحيحة حكم ظاهرى تكون غايته العلم بحرمتها، فلايعم ما إذا أحرز كونها مغصوبة من شخص يعرفه الآخذ أو أنها زكاة لاتحل لغير الفقير و هكذا، و كان المحقّق الكركى مع ذكره إطلاق بعض الأخبار و ظاهر الأصحاب فى عدم اعتبار الاستحقاق فى الآخذ اعتبر الاستحقاق فيه و رفع اليد عن إطلاق ذلك البعض.(2)مندفعة بأن هذه الأخبار كساير المطلقات ليست أحكاما ظاهرية مغياة بالعلم، بل إطلاقها يشمل صورة العلم أيضا، و حمل قوله: «جوائز العمال ليس بها بأس» على الحكم الظاهرى خلاف الظاهر.

و عليه فلاوجه لإنكار شمولها للزكاة التى لاتحل لغير الفقير، فمقتضى إطلاق تلك الأخبار عدم اعتبار الاستحقاق، كما يدل عليه ظاهر عبارة المحقّق الكركى. أللّهمّ إلّا أن يقال كما فى مصباح الفقاهة: إن تلك الأخبار غير متعرضة لحكم الحقوق الثلاثة نفيا و إثباتا.(3) ولكن هذا خلاف إطلاق تلك الأخبار، مع أن الغالب كون الجوائز من بيت المال الذى يحتوى الثلاثة و غيرها.

و أما الاستدلال برواية الحضرمى على عدم جواز الأخذ لمن لانصيب له من بيت المال فقد أورد عليه أولاً: بالجهالة، و فيه ما تقدم من كفاية التوثيق العام فى رفع

**

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 17، ص 218، ح 16.

(2) إرشاد الطالب، ص 368-367.

(3) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 545.

الجهالة، لأن نقل ابن أبى عمير يكفى فى ارتفاع الجهالة كما لايخفى.

و ثانيا كما أفاده الشيخ الأعظم قدس سره بأنها تدلّ على أن كل من له نصيب فى بيت المال يجوز له الأخذ، لا أن كل من لانصيب له لايجوز أخذه، بل هو خارج عن مدلولها. فتحصّل أن ما ذهب إليه المحقّق الكركى من جواز الصلة بالخراج أو الزكاة أو المقاسمة من بيت المال و لو مع عدم استحقاق من يصل إليه الصلة لايكون بعيدا. نعم، يكون بعض موارده كهبة المغصوب منصرفا عنه، و كيف كان فلايترك الاحتياط فيما إذا لم يكن الآخذ مستحقا مطلقا.

التنبيه الثامن: فى توقف كون الأراضى الخراجية على امور
اشارة

التنبيه الثامن: أن كون الأرض الخراجية بحيث يتعلق بما يؤخذ منها ما تقدم من أحكام الخراج و المقاسمة يتوقف على اُمور ثلاثة:

الأمر الأول: كونها مفتوحة عنوة
اشارة

الأمر الأول: كونها مفتوحة عنوة أو صلحا على أن يكون الأرض للمسلمين إذ ما عداهما من الأرضين لاخراج عليها.

نعم، لو قلنا بأن حكم ما يأخذه الجائر من الأنفال حكم ما يأخذه من أرض الخراج أمكن القول بدخول ما يثبت كونه من الأنفال فى حكم الأراضى الخراجية. و كيف كان، فقد قال الشيخ الأعظم قدس سره: يثبت الفتح عنوة بالشياع الموجب للعلم و بشهادة العدلين و بالشياع المفيد للظن المتأخم للعلم، بناء على كفايته فى كل ما يعسر إقامة البينة عليه، كالنسب و الوقف و الملك المطلق.

و أما ثبوتها بغير ذلك من الأمارات الظنية حتى قول من يوثق به من المورخين فمحل إشكال، لأن الأصل عدم الفتح عنوة و عدم تملك المسلمين (بمثل الصلح).

نعم، الأصل عدم تملك غيرهم أيضا، فإن فرض دخولها بذلك فى الأنفال و ألحقناها بأرض الخراج فى الحكم فهو، و إلّا فمقتضى القاعدة حرمة تناول ما يؤخذ

قهرا من زراعها. و أما الزراع فيجب عليهم مراجعة حاكم الشرع، فيعمل فيها معهم على طبق ما يقتضيه القواعد عنده من كونه مال الإمام عليه السلام أو مجهول المالك أو غير ذلك.(1)

و لقد أفاد و أجاد إلّا أنّ الأظهر هو حجية قول العدل الواحد بل الثقة بل الوثوق فى الموضوعات عدا ما خرج بالنصوص، و ذلك لبناء العقلاء عليه. فلامجال مع حجية الاُمور المذكورة، لأصالة عدم الفتح عنوة و عدم تملك المسلمين و نحوهما، لأن قول العدل الواحد أو الثقة أو الوثوق من الامارات و هى حاكمة على أصالة عدم الفتح عنوة.

ثم إنه لاوجه لتقييد حجية الشياع المفيد للاطمينان بما يعسر إقامة البينة عليه، كالنسب و الوقف و المطلق (الذى لايتعلق به حق للآخرين)، لو كان المراد من الظن المتأخم للعلم هو الاطمينان، إذ الاطمينان حجة من دون اختصاصه بموارد العسر.

ثم إنه قد يستدل لإثبات كون الأرض مفتوحة العنوة بالسيرة المستمرة على أخذ الخراج من الأرض و مقتضاه هو ثبوت كون الأرض مفتوحة العنوة أو صلحا على أن يكون للمسلمين، إذ ما عداهما من الأرضين لاخراج عليه. و فيه: أنه واضح البطلان لو أريد بالسيرة سيرة الجائرين، لأنهم لايلتزمون بالأحكام الشرعية، فلاتكشف سيرتهم عن شىء. نعم، لو كان خراجية الأرض مفروغا عنها بين الآخذ و المأخوذ منه الخراج أمكن أن يكشف ذلك عن كونها كذلك من الصدر الأول من غير نكير، إذ لو لم يكن كذلك لمنع منه و لو منع لشاع و لَبان.

وفيه: أن المنع فى مثل المقام من الأئمة المعصومين عليهم السلام لايساعد التقية، و إن

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 77.

أريد من المنع الاعتراض على الخراجية فى كتب التواريخ، ففيه: أن عدم التعرض أمكن أن يكون ذلك لأجل عدم اطلاعهم الذى لايدل على العدم. نعم، لو كان أهل التاريخ خبرة ذلك كان الظن الحاصل من قولهم حجة، و لايعتبر فى جواز الرجوع إليهم التعدد أو العدالة أو حصول الاطمينان، بل يكفى كونهم من الثقات.

أللّهمّ إلّا أن يقال: لم يحرز كون الحوادث فى أطراف الأرض و أكنافها من الاُمور التى يحتاج إدراكها إلى الاجتهاد، بل الظاهر أن نقل تلك الحوادث لايزيد على نقل سائر الاُمور مما يكون نقلتها مجرد رواة لها.(1)

و لو أريد بالسيرة سيرة الفقهاء فلاإشكال، ولكن الكلام فى إحراز الصغرى، لايقال: لعل الاستدلال بالسيرة على أخذ الخراج من أرض من جهة حمل تصرف المسلمين، و هو أخذهم الخراج على الصحيح، فيقال: يمكن إثبات كون الأراضى خراجية بحمل فعل الجائر على الصحة، لأنّا نقول: كما أفاده الشيخ الأعظم قدس سره إن أريد بفعل المسلم تصرف السلطان بأخذ الخراج، فلاريب أنّ أخذه حرام. و إن علم كون الأرض خراجية، فكونها كذلك لايصحح فعله.(2)

و أوضحه فى إرشاد الطالب بأن الصحة تكليفا فى فعله مقطوع العدم، حيث إنه لايجوز له التصرف فيها و لافى خراجها كانت للمسلمين أم لغيرهم، و إحراز ولايته بقاعدة اليد (كما عن بعض) غير صحيح، للعلم بأن يده عليها أو على خراجها عدوانية. غاية الأمر المعتدى عليه مردد بين كونه من سائر الناس أو كونهم المسلمين. إلى أن قال: مع أن المهم فى المقام هو الحمل على الصحة وضعا، و ذكرنا أنه للشك فى ولاية السلطان على المعاملة على الأرض أو خراجها لامجرى لأصالتها، انتهى. حاصله: أن

**

(1) إرشاد الطالب، ص 373.

(2) المكاسب المحرّمة، ص 77.

الشك فى الأهلية و لايجرى فيه اصالة الصحة فتأمل.(1)

قال الشيخ الأعظم قدس سره: و دعوى أن أخذه الخراج من أرض الخراج أقل فسادا من أخذه من غيرها، توهم، لأن مناط الحرمة فى المقامين واحد و هو أخذ مال الغير من غير استحقاق و اشتغال ذمة المأخوذ منه باُجرة الأرض الخراجية و عدمه فى غيرها(2) لايهوّن الفساد.

نعم، بينهما فرق من حيث الحكم المتعلق بفعل غير السلطان و هو من يقع فى يده شىء من الخراج بمعاوضة أو تبرع، فيحل فى الأرض الخراجية دون غيرها، مع أنه لادليل على وجوب حمل الفاسد على الأقل فساداً إذا لم يتعدد عنوان الفساد، كما لو دار الأمر بين الزنا مكرها للمرأة و بين الزنا برضائها، حيث إن الظلم محرم آخر غير الزنا، بخلاف ما نحن فيه،(3) مع أن أصالة الصحة لايثبت الموضوع و هو كون الأرض خراجية.

إلا أن يقال: إن المقصود ترتب آثار الأخذ الذى هو أقل فسادا و هو حلّ تناوله من الآخذ و إن لم يثبت كون الأرض خراجية بحيث يترتب عليه الآثار الاُخر مثل وجوب دفع اُجرة الأرض إلى الحاكم الشرع ليصرفه فى المصالح إذا فرض عدم السلطان الجائر، و مثل حرمة التصرف فيه من دون دفع اُجرة أصلا لا إلى الجائر و لا إلى حاكم الشرع.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 376.

(2) كما إذا كانت الأراضى أراضى الموات.

(3) إذ ليس فى المقام إلّا محرم واحد و هو تصرفه فى الأرض أو خراجها، سواء كانت الأرض للمسلمين أم ملكا لسائر الناس و ليس فى البين عنوانان محكومان بالحرمة و أحرز صدور أحدهما مكلف و شك فى صدور الآخر. (إرشاد الطالب، ص 376).

و إن اريد بفعل المسلم تصرف المسلمين فيما يتناولونه من الجائر من خراج هذه الأرض، ففيه: أنه لاعبرة بفعلهم إذا علمنا بأنهم لايعلمون حال هذه الأراضى، كما هو الغالب فى محل الكلام، إذ نعلم بفساد تصرفهم من جهة عدم إحراز الموضوع، و لو احتمل تقليدهم لمن يرى تلك الأرض خراجية لم ينفع،(1) و لو فرض احتمال علمهم بكونها خراجية كان اللازم من ذلك جواز التناول من أيديهم لا من يد السلطان.(2)

الأراضى المفتوحة عنوة

ثم إن الأراضى المفتوحة عنوة كما فى إرشاد الطالب هى التى استولى عليها المسلمون بالقهر و القتال المعبر عنها بالمفتوحة عنوة و هى ملك للمسلمين على المشهور، لا على أشخاصهم على نحو التوزيع، و لا لعنوانهم على نحو ملك الزكاة لعنوان الفقراء، بحيث يكون المأخوذ منها ملكا شخصيا للآخذ، بل تلك الأراضى تكون باقية على حالها حتى بعد أخذها و استعمالها و مقتضى تبعية المنفعة للعين دخول منافعها من الخراج و المقاسمة أو أجرة المثل فى بيت مال المسلمين المحكوم عليها بلزوم صرفها فى مصالحهم.

و يدلّ عليه صحيحة الحلبى قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن السواد ما منزلته‌؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل فى الاسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد، فقلت: الشراء من الدهاقين‌؟ قال: لايصلح إلا أن تشرى منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولى الأمر أن يأخذها أخذها، قلت: فإن أخذها منه‌؟ قال: يرد

**

(1) لما عرفت من أن نقل هذه الاُمور كنقل ساير الاُمور مما يكون نقلتها مجرد رواة لها، فلاخبرة. و لايجوز التقليد ممن لاخبرة له. هذا مضافا إلى أن التقليد فى الموضوعات لامجال له.

(2) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 77.

عليه رأس ماله و له ما أكل من غلتها بما عمل.(1)

و بمثلها يرفع اليد عن إطلاق ما يدل على أن الأراضى ملك للإمام عليه السلام، كصحيحة عبدالملك: يا أباسيار! الأرض كلّها لنا.(2)

هذا مضافا إلى أن المراد من اللإمام فى «الأرض كلها لنا» الأعم من ملك العين و ملك التصرف، بشهادة قوله عليه السلام: «فما أخرج الله منها فى شىء فهو لنا»، فإنه من الضرورى أن ما يخرج من الأرض من الثمار و الزرع يكون ملكا لزراعها و غراسها.(3)

و هكذا يرفع اليد عن عمومها (أى عموم صحيحة عبدالملك) بالتقييد الوارد فى روايات الأنفال و إن ملك الإمام هى الأراضى التى لم يجر عليها القتال، كموثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الأنفال، فقال: هى القرى التى قد خربت و انجلى أهلها فهى لله و للرسول، و ما كان للملوك فهو للإمام و ما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليه بخيل و لاركاب و كل أرض لارب لها و المعادن منها و من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال.(4)

و كصحيحة حفص بن البخترى قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لاركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم و كل أرض خربة و بطون الأودية، فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله و سلم و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء.(5)

الأمر الثانى: أن يكون الفتح بإذن الإمام

الأمر الثانى: أنه قال الشيخ الأعظم قدس سره. الثانى: أن يكون الفتح بإذن الإمام عليه السلام، و إلّا

**

(1) الوسائل، الباب 21 من أبواب عقد البيع، ج 17، ص 369، ح 5-4.

(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب الأنفال، ج 9، ص 548، ح 12.

(3) إرشاد الطالب، ص 370.

(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأنفال، ج 9، ص 532-523، ح 20.

(5) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأنفال، ج 9، ص 523، ح 1.

كان المفتوح مال الإمام عليه السلام بناء على المشهور، بل عن المجمع أنه كاد يكون إجماعا، و نسبه فى المبسوط إلى رواية أصحابنا، و هى مرسلة العباس الوراق، و فيها: إذا غزى قوم بغير إذن الإمام عليه السلام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام. قال فى المبسوط: و على هذه الرواية يكون جميع ما فتحت بعد النبى صلى الله عليه وآله و سلم إلّا ما فتحت فى زمان الوصى من مال الإمام عليه السلام، انتهى.

أقول: فيبتنى حِلّ المأخوذ منها خراجا على ما تقدم من حِلّ المأخوذ من الأنفال. و الظاهر أن أرض العراق مفتوحة بالإذن، كما يكشف عن ذلك ما دلّ‌(1) على أنها للمسلمين. و أما غيرها مما فتحت فى زمان خلافة الثانى و هى أغلب ما فتحت، فظاهر بعض الأخبار كون ذلك أيضا بإذن مولينا أميرالمؤمنين و أمره عليه السلام.

ففى الخصال فى أبواب السبعة فى باب أن الله تعالى يمتحن أوصياء الأنبياء فى حيوة الأنبياء فى سبعة مواطن، و بعد وفاتهم فى سبعة مواطن، عن أبيه و شيخه عن سعد بن عبدالله عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن جعفر بن محمّد النوفلى عن يعقوب الرايد، عن أبى عبدالله جعفر بن أحمد بن محمّد بن عيسى بن محمّد بن على بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب، عن يعقوب بن عبدالله الكوفى عن موسى بن عبيد عن عمرو بن أبى المقدام عن جابر الجعفى عن أبى جعفر عليه السلام: أنه أتى يهودى أميرالمؤمنين عليه السلام فى منصرفه عن وقعة نهروان فسئله عن تلك المواطن، و فيه قوله عليه السلام: و أما الرابعة، يعنى من المواطن الممتحن بها بعد النبى صلى الله عليه وآله و سلم فإن القائم بعد صاحبه، يعنى عمر بعد أبى بكر كان يشاورنى فى موارد الاُمور و مصادرها فيصدرها

**

(1) بسند صحيح.

عن أمرى و يناظرنى فى غوامضها فيمضيها عن رأيى لايعلمه أحد و لايعلمه أصحابى و لايناظرنى غيره، الخبر.(1)

و الظاهر أن عموم الاُمور إضافى بالنسبة إلى ما لايقدح فى رياسته مما يتعلق بالسياسة. و لايخفى أن الخروج إلى الكفار و دعائهم إلى الإسلام من أعظم تلك الاُمور، بل لاأعظم منه. و فى سند الرواية جماعة تخرجها عن حدّ الاعتبار، إلّا أنّ اعتماد القميين عليها و روايتهم لها مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لايثبتون فى كتبهم رواية فى راويها ضعف، إلّا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها جابر لضعفها فى الجملة، مضافا إلى ما اشتهر من حضور أبى محمّد الحسن عليه السلام فى بعض الغزوات.(2) و دخول بعض خواصّ أميرالمؤمنين عليه السلام من الصحابة كعمّار فى أمرهم(3) و فى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: سئلته عن سيرة الإمام عليه السلام فى الأرض التى فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم، فقال: إن أميرالمؤمنين عليه السلام قد سار فى أهل العراق سيرة، فهم إمام لساير الأرضين، الخبر.(4)

و ظاهرها أن ساير الأرضين المفتوحة بعد النبى صلى الله عليه وآله و سلم حكمها حكم أرض العراق، مضافا إلى أنه يمكن الاكتفاء عن إذن الإمام المنصوص فى مرسلة الوراق بالعلم بشاهد الحال برضا أميرالمؤمنين و ساير الأئمة بالفتوحات الإسلامية الموجبة لتأيد

**

(1) الخصال، ص 374، باب السبعة، ح 58.

(2) تاريخ الطبرى، ج 3، ص 323 و الكامل فى التاريخ لابن الأثير، ج 3، ص 109 (ج 15، ص 154-153، ح 2) إلا أنهما ذكرا حضور أبى محمّد الحسن بن على و الحسين بن على:.

(3) اُسد الغابة، ج 4، ص 46.

(4) الوسائل، الباب 69 من أبواب جهاد العدو، ج 15، ص 154-153، ح 2.

هذا الدين. و قد ورد أن الله يؤيّد هذا الدين بأقوام لاخلاق لهم منه، مع أنه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد على وجه الصحيح، و هو كونه بأمر الإمام، مع أنه يمكن أن يقال: إن عموم ما دلّ من الأخبار الكثيرة على تقيد الأرض المعدودة من الأنفال بكونها مما لايوجف عليه بخيل و لاركاب، و على أن ما أخذت بالسيف من الأرضين يصرفها (يصرف حاصلها) فى مصالح المسلمين معارض بالعموم من وجه لمرسلة الوراق.(1) فيرجع إلى عموم قوله تعالى: (وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ‌) الآية(2)، فيكون الباقى للمسلمين، إذ ليس لمن قابل (قاتل) شىء من الأرضين نصا و إجماعا.(3)

و استشكل عليه فى مصباح الفقاهة بقوله: و أما اعتبار إذن الإمام فى الفتح فتدل عليه رواية الوراق، ولكن يرد عليها أولاً: أن الرواية مرسلة لايصح الاعتماد عليها. و ثانياً: أن النسبة بينها و بين الروايات الدالة على أن الأرض الخراجية التى فتحت بالسيوف للمسلمين هى العموم من وجه، لأن المرسلة أعم من حيث شمولها للمنقولات، و تلك الروايات أعم لإطلاقها من ناحية إذن الإمام عليه السلام، فتقع المعارضة بينهما فى الأراضى التى أخذت بغير إذن الإمام، فيكون بمقتضى المرسلة ملكا للإمام عليه السلام، و بمقتضى تلك الروايات ملكا للمسلمين فيحكم بالتساقط و يرجع إلى

**

(1) وجه كون النسبة بينهما عموما من وجه: أن المرسلة أعم من حيث شمولها للمنقولات، و تلك الروايات أعم من ناحية إذن الإمام فتقع المعارضة بينهما فى الأرض التى أخذت عنوة بغير إذن الإمام، فيكون بمقتضى المرسلة من الأنفال، و بمقتضى تلك الروايات ملكا للمسلمين فيحكم بالتساقط.

(2) الأنفال، 41.

(3) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 78-77.

عموم قوله تعالى: (وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ‌) (1).

والحاصل: أنه لادليل على اعتبار الشرط الثانى فى كون الأراضى المفتوحة للمسلمين. و يضاف إلى ذلك خبر محمّد بن مسلم، فإن ظاهرها أن الأراضى المفتوحة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم حكمها حكم أرض العراق و أنها ملك للمسلمين.(2) إلا أن الإنصاف أن العمل بالمرسلة يكفى فى اعتبارها و ترجيحها على ما يعارضها.

هذا مضافا إلى إمكان دعوى حكومة المرسلة عليها، لأنها بصدد بيان اشتراط الإذن فى كون الغنيمة للمسلمين. هذا مضافا إلى أظهرية المرسلة(3). و أما الاستظهار من خبر محمّد بن مسلم ففيه منع، مع احتمال كون فتح أرض العراق مع الإذن. و كيف كان، فمقتضى المرسلة اعتبار الإذن فى الفتح، فلاوجه لنفى الاعتماد على المرسلة. هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الحكمية.

و أما الكلام بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية فقد قال فى مصباح الفقاهة: مقتضى الأصل هو عدم كون الفتح بإذن الإمام عليه السلام، ولايكون هذا مثبتا، فإن الفتح محرز بالوجدان و عدم كونه بإذن الإمام محرز بالأصل، فيترتب الأثر على الموضوع المركب. نعم، لو قلنا بأن الأثر أعنى كون المفتوح ملكا للمسلمين - يترتب على الفتح المستند إلى إذن الإمام عليه السلام كان الأصل مثبتا، و نتمسك مع ذلك بالعدم الأزلى و نقول: إن الأصل عدم الاستناد.

و قد ذكرت وجوه للخروج عن الأصل المذكور. الوجه الأول: أن الفتوحات الإسلامية كلها كانت بإذن الإمام عليه السلام مستدلا برواية الخصال.

**

(1) الأنفال، 41.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 548-547.

(3) بلغة الطالب، ج 1، ص 301.

و يرد عليه أولاً: أن الرواية ضعيفة السند. و ثانياً: أن عمر كان مستقلا فى رأيه و لم يشاور الإمام فى كثير من الاُمور المهمة، بل فى جميعها الراجعة إلى الدين. و ثالثا: أن هذا الوجه إنما يجرى فى الأراضى التى فتحت فى خلافة عمر و لايجرى فى غيرها.

الوجه الثانى: أن الأئمة عليهم السلام راضون بالفتوحات الواقعة فى زمان خلفاء الجور، لكونها موجبة لقوة الإسلام و عظمته.

وفيه: أنه ليس كل فتح مرضيا للأئمة عليهم السلام حتى ما كان من الفتوح موجبا لكسر الإسلام و ضعفه.

الوجه الثالث: ما ذكره المصنف من أنه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزات من فتح البلاد على وجه الصحيح و هو كونه بأمر الإمام.

وفيه أولاً: أن مورد حمل فعل المسلم على الصحة ما إذا كان الفعل ذا وجهين الصلاح و الفساد، و دار الأمر بين حمله على الصحيح أو الفاسد، فإنه يحمل على الأول للقاعدة المذكورة. و أما إذا كان كلا وجهى الفعل صحيحا كما فى المقام فلامورد لها أصلا، فان الغزوات الواقعة إن كانت بإذن الإمام عليه السلام فالغنائم للمسلمين، و إلّا فهى للإمام، و لاشبهة أنّ كلا الوجهين صحيح.(1)

و أما حضور أبى محمد عليه السلام فى بعض الغزوات لايكشف عن إذن الإمام و رضاه، فلعل حضوره كان لرعاية التقية، و عدم رضاه بذلك الحرب كان لأجل المحذور فى المحاربة فى ذلك الوقت، حيث إنه ربما لايكون فتح بلد فى وقت معين صلاحا لتوقفه على التضحية بأرواح المسلمين و أموالهم كثيرا، بخلاف تأخيره إلى وقت آخر.(2)

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 549-547.

(2) إرشاد الطالب، ص 379-378.

ولقائل أن يقول: لامجال للمناقشة فى عموم قوله عليه السلام فى رواية الخصال: «كان يشاورنى عمر فى موارد الاُمور و مصادرها»، و هكذا لامجال للمناقشة فى سند تلك الرواية بعد اعتماد القميين عليها، كما أفاده الشيخ الأنصارى قدس سره ولكن لم يحرز ذلك لاحتمال كون إخراج البرقى عن بلدة قم للغلو لا من جهة نقله عن الضعاف، كما أفاد بعض الأكابر فتدبر.

هذا مضافا إلى كفاية رضاية الأئمة المعصومين عليهم السلام بالفتوحات الحادثة بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم، و معه لايرد أن الوجه الأول هو أخص و لايجرى فى غير خلافة عمر، لكفاية رضايتهم بذلك و هى لاتختص بزمان الثانى.

ودعوى أن كفاية شاهد الحال توجب عدم بقاء موضوع لمرسلة الوراق، لأن الغزو المشتمل على الغنيمة يرضى به الإمام قطعا، فتكون الغنيمة للمسلمين، فأين الغنيمة الحاصلة بغير الإذن حتى يكون للإمام، مضافا إلى ظهور كون الغزو عن إذنه فى كونه عن رأيه و أمره و إرادته دون مجرد رضاه المقارن أو المتأخر لظهور الفتح.(1)مندفعة بأن المرسلة واردة فى الشبهة الحكمية، و هى ظاهرة فى أن الإذن طريق إلى اعتبار الرضاية و الاكتفاء بالرضاية حينئذ لاينافى المرسلة بل يوافقها، و المرسلة لاتختص بزمان خاص، فلو لم يكن لمنطوقها مصداق فى عصر لايستلزم ذلك أن يكون كذلك فى غير ذلك من الأعصار كما لايخفى.

و أما القول بأن الأئمة عليهم السلام لم يرضوا بجميع الفتوحات لاحتمال عدم رضايتهم بالحرب فى وقت خاص، ففيه: أنه لو كان كذلك لأشاروا إليه عند الأصحاب، و حيث لم يكن عُلِمَ برضايتهم. و كيف كان، فلو شك فى مورد فى وجود الشرائط و عدمه

**

(1) بلغة الطالب، ج 1، ص 301-300.

يرجع إلى الأصل، و مقتضاه هو كون الأرض من الأنفال و هى للإمام فتدبّر جيّدا.

الأمر الثالث: أن يثبت كون الأرض المفتوحة عنوة بإذن الإمام محياة حال الفتح
اشارة

الأمر الثالث: قال الشيخ الأعظم قدس سره: الثالث: أن يثبت كون الأرض المفتوحة عنوة بإذن الإمام محياة حال الفتح ليدخل فى الغنائم، و يخرج منها الخمس أولاً على المشهور و يبقى الباقى للمسلمين. فإن كانت حينئذٍ مواتا كانت للإمام كما هو المشهور بل المتفق عليه، على الظاهر المصرح به عن الكفاية و محكى تذكرة.

و يقتضيه إطلاق الإجماعات المحكية على أن الموات من الأنفال، لإطلاق الأخبار الدالة على أن الموات بقول مطلق له عليه السلام، و لايعارضها إطلاق الإجماعات و الأخبار الدالة على أن المفتوحة عنوة للمسلمين، لأن موارد الإجماعات هى الأرض المغنومة عن الكفار، كساير الغنائم التى يملكونها منهم و يجب فيها الخمس، و ليس الموات من أموالهم و إنما هى مال الإمام و لو فرض جريان أيديهم عليه كان بحكم المغصوب لايعد فى الغنيمة، و ظاهر الأخبار خصوص المحياة مع أن الظاهر عدم الخلاف.

نعم، لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقائها على ملك المسلمين، بل عن ظاهر الرياض استفادة عدم الخلاف فى ذلك من السرائر لاختصاص أدلة الموات بما إذا لم يجر عليه ملك مسلم دون ما عرف صاحبه.(1)

و تفصيل ما أشار إليه الشيخ قدس سره

فروع:
اشارة

بفروع:

الفرع الأول: فى حكم تخميس الأراضى المحياة المفتوحة عنوة

الفرع الأول: أن الشيخ الأعظم قدس سره نسب إلى المشهور تخميس الأراضى المحياة المفتوحة عنوة و الباقى للمسلمين أخذا بإطلاق الآية الكريمة (وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ‌) ، الآية.

أورد عليه السيّد المحقّق الخوئى فى مستند العروة كتاب الخمس بأنه: يمكن أن

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 78.

يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول، فإن الغنيمة هى الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم. و عليه فتختص بما يقسم بين المقاتلين و هى الغنائم المنقولة. و أما الأراضى المحكوم عليها بأنها ملك لعامة المسلمين فلاتعد غنيمة للغانم و المقاتل بما هو كذلك، و إن استفاد منها بما أنه فرد من آحاد المسلمين، فلاتختص به، و لامدخل لوصفه العنوانى فى الانتفاع بها لتتصف بكونها غنيمة له، فالإطلاق إذاً ساقط من أصله، و معه لادليل على وجوب الخمس فى غير المنقول.(1) فلادليل على التخميس فى الأراضى المفتوحة عنوة.

أللّهمّ إلّا أن يستدل بإطلاق خبر أبى بصير عن أبى جعفر عليه السلام قال: كل شىء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا الله و أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فإن لنا خمسه، و لايحل لأحد أن يشترى من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا.(2)

ويمكن أن يقال: إن الكلام فى هذا الحديث مع قطع النظر عما فى على بن أبى حمزة من الضعف فيما يجوز اشتراء الآحاد لا فى مثل أراضى الخراجية التى لاتكون كذلك، هذا مضافا إلى ما قيل من أن الاظهر عدم الخمس فى الأراضى المفتوحة، بل الأرض بتمامها للمسلمين، فإن الأرض المزبورة فرد من الغنيمة. و قد دلّ الدليل على أنها لجميع المسلمين أى بتمامها. و هذا الظهور باعتبار كونه ظهور الخاص و بيانا لحكم فرد من الغنيمة مقدم على إطلاق الآية(3) أو الرواية، فلاوجه لتخميس الأراضى الخراجية خلافا للمشهور.

**

(1) مستند العروة، كتاب الخمس، ص 12.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ج 9، ص 487، ح 5.

(3) إرشاد الطالب، ص 379.

الفرع الثانى: فى كون الأراضى المفتوحة عنوة و مواتا للإمام

الفرع الثانى: كما فى مكاسب الشيخ الأنصارى أنه لو كانت الأراضى المفتوحة عنوة مواتا كانت للإمام كما هو المشهور، بل المتفق عليه على الظاهر المصرح به عن الكفاية و محكى التذكرة، و يقتضيه إطلاق الإجماعات المحكية على أن الموات من الأنفال، لإطلاق الأخبار الدالة على أن الموات بقول مطلق له عليه السلام، و لايعارضها إطلاق الإجماعات و الأخبار الدالة على أن المفتوحة عنوة للمسلمين، لأن موارد الإجماعات هى الأراضى المغنومة (المفتوحة خ ل) عن الكفار، كساير الغنائم التى يملكونها منهم، و يجب فيها الخمس، و ليس الموات من أموالهم و إنما هى مال الإمام.(1)

نعم، لو كان الكفار تصرفوا فى الموات بالتحجير صاروا أولى بها. و لايبعد حينئذٍ أن يكون حكم الموات حكم المحياة فى ترتب أحكام الأراضى الخراجية عليها، لأنهم أولى بها، أللّهمّ إلّا أن يقال: إطلاق أدلة أولوية التحجير يقيد بخبر أبى خالد الكابلى عن أبى جعفر عليه السلام، قال: وجدنا فى كتاب على عليه السلام، إلى أن قال: و الأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضا من المسلمين، الحديث(2)، فلا أثر لإحياء غير المسلمين فتأمل، لضعف الخبر و كثرة المطلقات الدالة على أولوية مطلق المحيى.

الفرع الثالث: فى حكم عروض الموت للمحياة حال الفتح

الفرع الثالث: أنه لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقائها على ملك المسلمين، بل عن ظاهر الرياض استفادة عدم الخلاف فى ذلك من السرائر، لاختصاص أدلة الموات بما إذا لم يجر عليه ملك مسلم دون ما عرف صاحبه.(3) و مع عدم شمول أدلة الموات لمثل المقام يستصحب بقائها على ملك المسلمين. هذا مضافا إلى الأخبار الخاصة الآتية فى الفرع التالى.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 78.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، ج 25، ص 515-514، ح 2.

(3) المكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم، ص 78.

الفرع الرابع: فى حكم عروض الموت بعد الاحياء

الفرع الرابع: أنه لو كانت الأراضى المفتوحة مواتا ثمّ أحياها أحد المسلمين ثمّ تركها فصارت مواتا، فقد يقال: هى باقية فى ملك من أحياها و إن عرضها الموت بعد ذلك، لأن خروجها بالموت عن ملكه يحتاج إلى دليل، و مع الإغضاء عن ذلك يرجع إلى الاستصحاب.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة بأن الأحكام المجعولة على الموضوعات المقدرة إنما تكون فعلية بفعلية موضوعاتها، فإذا انتفى الموضوع سقط الحكم عن الفعلية كما ينعدم المعلول بانعدام علته. و من الواضح أن موضوع الملكية الفعلية حدوثا و بقاء فيما دل على أن من أحيى أرضا فهى له إنما هو الأرض مع قيد الحياة، فإذا زالت الحياة زالت الملكية أيضا، فلايشمل إطلاق ذلك لما بعد الموت أيضا.(1)

و فيه: أن ما ذكر صحيح فيما إذا قطع بموضوعية العنوان حدوثا و بقاءً‌، بخلاف المقام المحتمل فيه بقاء حكم الحياة و لو مع زوالها، كبقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره لكونه من الأحوط، فحينئذ يجرى فيه الاستصحاب.

و دعوى أن الاستصحاب محكوم بإطلاقات الدالة على أن كل أرض ميت فهى للإمام عليه السلام. إلى أن قال: على أن شمول بعض الروايات - الدالة على أن موات الأرض للإمام - للأراضى التى كانت محياة ثمّ ماتت بالعموم، و شمول الروايات - الدالة على أن من أحيى أرضا فهى له - لذلك بالإطلاق، فيتعارضان بالعموم من وجه، فيقدم ما كانت دلالته بالعموم على ما كانت دلالته بالإطلاق.(2) مندفعة بما تقدم من اختصاص أدلة كل أرض ميت للإمام بما إذا لم يجر عليه ملك مسلم دون ما عرف صاحبه من

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 550.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 550-549.

دون فرق بين شموله بالعموم و بين شموله بالإطلاق.

هذا مضافا إلى ما فى إرشاد الطالب من أن لازم ما ذكر الالتزام بخروج الأرض عن ملك محييها بمجرد خرابها، فإن شمول ما دلّ على أن من أحيى أرضا فهى له لما بعد الخراب بالإطلاق، فيقدم عليه العموم الدال على أن الخراب ملك للإمام، بل مقتضى هذا العموم دخول الأرض بالخراب فى ملكه عليه السلام، حتى فيما إذا كان ملك الغير بالإرث أو الشراء أو نحو ذلك، و لا أظن أن يلتزم طال بقائه بذلك.

إلى أن قال: و الأظهر ما ذكره المصنف (أى الشيخ الأعظم قدس سره) من عدم خروج الأرض بالخراب عن ملك المسلمين لاللاستصحاب ليقال إنه لاتصل النوبة إليه فى المقام، بل لتقييد الخربة فى موثقة إسحاق بن عمار الواردة فى مقام بيان الأنفال التى لم يوجف عليها بخيل أو ركاب أو بانجلاء أهلها.(1)

و لدلالة صحيحة سليمان بن خالد على عدم خروج الأرض الخراب عن ملك مالكها، قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الرجل يأتى الأرض الخربة فيستخرجها و يجرى أنهارها و يعمرها و يزرعها، ماذا عليه‌؟ قال: الصدقة، قلت: فإن كان يعرف صاحبها، قال: فليؤدّ إليه حقه،(2) حيث إنّ مقتضى ثبوت اُجرة المثل على معمر الأرض عدم خروجها عن ملكية مالكها و لايحتمل الفرق بين طرو الخراب على الأرض التى تكون ملكا لشخص، أو كونها ملكا لعنوان المسلمين.

نعم، ربما يظهر - خروجها إلى ملك عامرها و إن كان ملكا لآخر من قبل - من صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: أيما رجل أتى خربة بائرة

**

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأنفال، ج 9، ص 532-531، ح 20.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، ج 25، ص 415، ح 3.

فاستخرجها و كرى أنهارها فأخربها، ثمّ جاء بعد يطلبها «فإن الأرض لله و لمن عمرها»، لكنّ هذه مطلقة من جهة إعراض المالك الأول و عدمه، فيحمل على صورة الإعراض لظهور صحيحة سليمان بن خالد فى خصوص عدم الإعراض كما لايخفى.

ثم إنه لادلالة لصحيحة سليمان بن خالد على جواز استعمال الأرض و إحيائها، و لو بلا رضاء مالكها. و الوجه فى عدم دلالتها عدم ورودها فى بيان هذه الجهة، حيث إن السؤال فيها عن الحق الثابت على مستعملها.

والحاصل: أن مقتضى احترام مال المسلم عدم جواز التصرف فى أرضه بدون رضاه. و ما ورد - من سقوط احترام الملك فى مورد تعطيل المالك الأرض ثلاث سنين أو عشر سنين - لضعفه(1) لايصلح للاعتماد عليه.(2)

و لقد أفاد و أجاد إلا أن منع جريان الاستصحاب لاوجه له بعد اختصاص أدلة الموات بما لم يجر عليه ملك مسلم دون ما عرف صاحبه، فيجرى الاستصحاب مع موافقته مع النصوص الدالة على عدم خروج الأرض بالخراب عن ملك المسلمين أو ملك من أحياها، بناء على جريان الاستصحاب الموافق للأدلة، كما قرر فى محله. فتحصّل أن الأظهر هو بناء الأرض فى ملك من أحياها و إن عرضها الموت بعد ذلك و لا فرق فى ذلك بين أن يكون الأرض ملكا لشخص أو ملكا لعنوان المسلمين.

الفرع الخامس: فى حكم ما اذا شك فى الحياة حال الفتح

الفرع الخامس: أن الشيخ الأعظم قدس سره قال: و مع الشك فى الحيوة حال الفتح فالأصل العدم، و إن وجدناها الآن محياة، لأصالة عدمها حال الفتح، فيشكل الأمر(3) فى كثير من محياة أراضى البلاد المفتوحة عنوة. نعم، ما وجد منها فى يد مدع للملكية

**

(1) لاشتماله على أبى خالد الكابلى و هو ضعيف.

(2) إرشاد الطالب، ص 382-381.

(3) من ناحية الحكم بكونها من الأراضى الخراجية. و أما من ناحية كونها من الأنفال فلاإشكال، كما سيأتى بيانه.

حكم بها. أمّا إذا كانت بيد السلطان أو من أخذها منه فلايحكم لأجلها بكونها خراجية، لأن يد السلطان عادية على الأراضى الخراجية أيضا.

و ما لا يد لمدعى الملكية عليها كان مرددا بين المسلمين و مالك خاص مردد بين الإمام، لكونها تركة من لاوارث له و بين غيره، فيجب مراجعة حاكم الشرع فى أمرها و وظيفة الحاكم فى الاُجرة المأخوذة منها إما القرعة و إما صرفها فى مصرف مشترك بين الكل، كفقير يستحق الإنفاق من بيت المال لقيامه ببعض مصالح المسلمين.(1) ظاهر قوله «إما القرعة و إما صرفها» إلخ، هو الترديد فى وظيفة الحاكم.

قال فى بلغة الطالب: لعلّ منشأ الترديد هو الترديد فى كون هذا النحو من الاشتباه داخلا فى الاشتباه بين المحصور، يعنى المسلمين و الإمام، و كونه من المجهول المالك بناء على كون مجهول المالك للإمام عليه السلام فينحصر حينئذ بين الإمام و المسلمين. و كون الولاية على الثانى للإمام أيضا لايرفع الشبهة فى المصرف «أو من غير المحصور»، لتكثر أفراد الثالث،(2) أو من جهة أن الاحتياط لمّا كان ممكنا غير موقوف على ضرر و عسر لم يكن من المشتبه المرجوع فيه إلى القرعة،(3) ولكن مع جريان أصل عدم كون الأرض عامرة حال الفتح و أصل عدم كونها ملكا لشخص آخر لامجال للترديد أصلا.

و لقد أفاد و أجاد فى إرشاد الطالب، حيث قال: على تقدير عدم اليد، أو اعتراف ذى اليد بأنها ليست له، أو كونها بيد السلطان الجائر المعلوم عدم ولايته عليها يدور أمرها بين كونها ملك المسلمين، أو ملكا لشخص آخر، أو ملك الإمام لانقضاء

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 78.

(2) الثالث هو كونه من المجهول المالك.

(3) بلغة الطالب، ج 1، ص 304.

المالك الشخصى و ورثته، فالأصل عدم كونها عامرة حال فتحها، كما أن الأصل عدم كونها ملكا لشخص آخر. و نتيجة الأصلين كونها من الأنفال على ما تقدم. و ما ذكره الشيخ من لزوم الجمع بين رعاية حكم أرض الخراج و حكم المجهول مالكه أو القرعة فيها لايمكن المساعدة عليه. نعم، الأول احتياط مستحب.(1)

فتحصّل أن مع الشك فى الحيوة حال الفتح لامجال للحكم بأن الأرض خراجية و تكون للمسلمين، لأصالة عدم كونها عامرة حال فتحها، فإن كانت الأرض المذكورة تحت يدمدع للملكية حكم بكونها ملكا له، لأن اليد أمارة لذلك، و إن لم تكن تحت يدمدع للملكية فالأصل عدم كونها عامرة حال فتحها و عدم كونها ملكا لشخص آخر، و نتيجة الأصلين هو كونها من الأنفال و يترتب عليها أحكامها.

و مع جريان أصالة عدم كونها عامرة حال فتحها لايحكم بكونها ملكا للمسلمين، فيخرج كونها للمسلمين من أطراف الترديد، كما أن مع جريان أصالة عدم كونها ملكا لشخص آخر لايحكم بكونها ملكا لشخص آخر، و معه لامجال لاحتمال كونها للإمام لاحتمال انقضاء المالك الشخصى و ورثته، فيخرج من أطراف الترديد. فما لايدلمدع الملكية عليها يكون من الأنفال و لايلزم الجمع حينئذ بين رعاية حكم أرض الخراج و حكم المجهول مالكه أو القرعة، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم. و هكذا لايلزم جعل المقام داخلا فى الاشتباه بين المحصور أو غير المحصور أو مورد الاحتياط كما فى بلغة الطالب، لأن مع جريان أصالة عدم كونها عامرة و عدم كونها ملكا لشخص آخر يخرج عن موارد الترديد و يحكم عليه بأحكام الأنفال، كما أشار إليه فى إرشاد الطالب، و الله هو العالم.

**

(1) إرشاد الطالب، ص 383-382.

الفرع السادس: فى حكم العلم الاجمالى باشتمال الأراضى التى بيد بعض المسلمين محياة حال الفتح

الفرع السادس: أنه قال فى مصباح الفقاهة: إذا علم إجمالا باشتمال الأراضى التى بيد أحد المسلمين على أرض محياة حال الفتح بأن كانت لأحد أراضى متعددة فى نقاط العراق كالبصرة و الكوفة و كربلا، و علم إجمالا باشتمالها على أرض محياة حال الفتح، فإن ادعى من بيده الأراضى ملكية جميعها مع احتمال كونها له عومل معاملة المالك، إذ يحتمل أن المحياة حال الفتح ماتت بعد ذلك، ثمّ طرأت عليها الحياة ثانيا. و إن لم يدع ملكية كلها أو بعضها رجع فيها إلى حكام الشرع، إلا أنه لايوجد لهذه الصورة مصداق فى الخارج.(1)

و لقائل أن يقول: إن مقتضى ما تقدم فى الفرع الثالث من عدم خروج الأرض بالخراب عن ملك المسلمين هو الحكم بعدم خروجها عن ملكية مالكها، و مع عدم خروجها عن ملكية جميع المسلمين و العلم بوجودها فى الأراضى المتعددة يجب الرجوع إلى الحاكم الشرعى و رعاية الاحتياط، للعلم الإجمالى بوجود الخراجية فى الأراضى المتعددة مع تعارض الأصول فى أطراف العلم الإجمالى.

الفرع السابع: فى حكم الأرض المفتوحة عنوة و المحياة حال الفتح إذا كانت تحت يد بعض المسلمين

الفرع السابع: أنه قال فى مصباح الفقاهة: إذا أحرزنا كون أرض مفتوحة عنوة بإذن الإمام عليه السلام و كانت محياة حال الفتح، فإنه لايمكن الحكم أيضا بكونها أرض خراج و ملكا للمسلمين مع ثبوت اليد عليها، لأنا نحتمل خروجها عن ملكهم بالشراء و نحوه. و على هذا فلافائدة لتطويل البحث فى المقام، إذ لايترتب عليه أثر مهم.(2)

و فيه ما تقدم من عدم خروج الأرض الخراجية بالخربة عن ملك المسلمين، فضلا عن كونها عامرة. و النقل و الانتقال إنما يكون بالنسبة إلى الآثار لاعين الأرض، و عليه فلاوجه لدعوى عدم ترتب اثر مهم على البحث فى المقام.

**

(1) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 550.

(2) مصباح الفقاهة، ج 1، ص 550.

الفرع الثامن: فى ان ظاهر الأخبار تملك المسلمين لجميع أرض العراق

الفرع الثامن: أن الشيخ قدس سره قال: ثمّ اعلم أن ظاهر الأخبار تملك المسلمين لجميع أرض العراق المسمّى بأرض السواد من غير تقييد بالعامر، فينزّل على أن كلها كانت عامرة حال الفتح. و يؤيّده أنهم ضبطوا أرض الخراج كما فى المنتهى و غيره بعد المساحة بستة أو اثنين و ثلثين ألف ألف جريب، و حينئذ فالظاهر أن البلاد الإسلامية المبنية فى العراق هى و مايتبعها من القرى من المحياة حال الفتح التى تملكها المسلمون.

و ذكر العلامة فى كتبه تبعا لبعض ما عن المبسوط و الخلاف أن حدّ سواد العراق ما بين منقطع الجبال بحلوان(1) إلى طرف القادسية(2) المتصل بعذيب(3) من أرض العرب عرضا و من تخوم الموصل إلى ساحل البحر ببلاد عبّادان طولا. و زاد العلامة رحمه الله قوله من شرقى دجلة، فأما الغربى الذى يليه البصرة فإنما هو إسلامىّ‌، مثل شط عثمان بن أبى العاص و ما والاها كانت مماتا، فأحياها عثمان.

و يظهر من هذا التقييد أن ما عدا ذلك كانت محياة، كما يؤيده ما تقدم من تقدير الأرض المذكورة بعد المساحة بما ذكر من الجريب. فما قيل من أن البلاد المحدثة بالعراق مثل البغداد و الكوفة و الحلة و المشاهد المشرفة إسلامية بناها المسلمون و لم تفتح عنوة، و لم يثبت أن أرضها يملكها المسلمون بالاستغنام و التى فتحت عنوة و أخذت من الكفار قهرا قد انهدمت لايخلو عن نظر، لأن المفتوح عنوة لايختص بالأبنية حتى يقال: إنها انهدمت، فإذا كانت البلاد المذكورة و ما يتعلق بها من قراها غير مفتوحة عنوة. فأين أرض العراق المفتوحة عنوة المقدر بستة و ثلثين ألف ألف جريب‌؟

**

(1) و هى آخرحدود السواد مما يلى الجبال من بغداد.

(2) و هى قرية قرب الكوفة من جهة البرّ.

(3) يخرج من قادسية الكوفة إليه.

و أيضا من البعيد عادة أن يكون بلد المدائن على طرف العراق بحيث يكون الخارج منها مما يليه البلاد المذكورة مواتا غير معمورة وقت الفتح، و الله العالم.(1)

أورد عليه فى إرشاد الطالب بأن دعوى أن كل أرض من العراق كانت عامرة غير ثابتة، بل لايحتمل عادة، بل إطلاق أرض السواد باعتبار غلبة الحياة على أراضيها، و التأييدات المذكورة ضعيفة، بل لم يعلم وجه التأييد.(2)

و يمكن أن يقال: إن اللام فى السواد فى صحيحة الحلبى لعله إشارة إلى المعهود من محياة العراق حال الفتح و هى أطراف الدجلة و الشطوط و ما يتبعها و يؤيده ما فى مجمع البحرين من أن سميت بذلك لأن العراق فى اللغة شاطىء النهر و هى واقعة على شاطىء دجلة و الفرات و العراقان - الكوفة و البصرة - و منه خراج العراقين و عليه فلايبعد دعوى ان العراق المذكور كانت عامرة وقت الفتح فلاوجه لحمل اطلاق أرض السواد على الغبلة فالمعلوم من المحياة حال الفتح يترتب عليه أحكام الخراجية و المشكوك يترتب عليه ما تقدم من أحكام المشكوك، و الله هو العالم.

تم ما تم بالحمدلله اولاً و آخراً فى جمادى الاخرة من سنة 1431.

السيّدمحسن بن مهدى الخرّازى نزيل قم المقدسة زادها الله شرفا.

**

(1) المكاسب المحرّمة للشيخ، ص 78.

(2) إرشاد الطالب، ص 383.

منابع

1 - بلغة الطالب فى حاشية المكاسب، شيخ محمّدكاظم شيرازى، 1370.

2 - تذكرة الفقهاء، حسن بن يوسف بن على بن مطهّر حلّى رحمه الله، المكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

3 - جامع أحاديث الشيعة، شيخ اسماعيل معزى ملايرى، المطبعة مهر، قم، 1378 ش - 1420 ق.

4 - جامع المدارك، آية الله سيّداحمد خوانسارى، مؤسسه اسماعيليان، ايران، قم، 1364 ش - 1405 ق.

5 - الكامل فى التاريخ، على بن أبى الكرم المعروف بابن الأثير، بيروت، دارالكفر، 1399 ه‍ -.

6 - كتاب الوافى، محمّدمحسن فيض كاشانى رحمه الله، مكتبة الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام، اصفهان، 1371 ش - 1412 ق.

7 - مختلف الشيعة، حسن بن يوسف بن مطهّر حلّى رحمه الله، محرم الحرام 1323 ه‍ -. ق.

8 - مسالك الأفهام فى شرح شرايع الإسلام، زين الدين بن على العاملى الجبعى.

9 - المكاسب المحرمّة للشيخ الأعظم قدس سره

10 - مستند العروة كتاب الخمس

11 - مصباح الفقاهة السيّد المحقّق الخوئى قدس سره

12 - الوسائل الشيخ حرّ العاملى قدس سره

13 - لسان العرب

14 - المكاسب المحرمّة للسيّد الإمام المجاهد قدس سره

«الفهرس»

(1) * المسألة الأربعون «فى الفحشاء و إفشائها»... 7

(2) * المسألة الحادية و الأربعون «فى الفتك»... 11

(3) الأمر الأول: فى معنى الفتك... 11

(4) الأمر الثانى: فى أدلة حرمة الفتك... 12

(5) هنا فروع... 16

(6) الأوّل: الفتك حرام بالنسبة الى من له الحرمة بالاسلام... 16

(7) الثانى: ارادة الفتك بالارادة المقارنة للقتل توجب اباحة دم الفاتك فى تلك الحال لكونه دفاعا حينئذ... 16

(8) الثالث: ان المأخوذ بعنوان الاجرة فى مقابل الفتك حرام... 16

(9) الرابع: حكم قصاص الفاتك... 16

(10) الأمر الثالث: فى موارد جواز الفتك... 17

(11) منها: الفتك بالكفار فى حال الحرب... 17

(12) منها: الفتك بالسابين و الناصبين للعداوة مع الرسول و الأئمة عليهم السلام... 20

(13) و منها الارتداد و هنا روايات... 29

(14) فروع... 31

(15) أحدها: ان امر المرتد بيد الحاكم... 31

(16) و ثانيها: انه لاقود على قاتل المرتد... 31

(17) و ثالثها: ان اجراء قتل المرتد بيد الحاكم الشرعى... 32

(18) و رابعها: حكم المأخوذ فى قبال الفتك... 32

(19) و خامسها: فى شرائط تحقق الارتداد... 32

(20) و سادسها: فى حكم الشك فى الارتداد... 33

(21) و سابعها: فى حكم انكار الارتداد... 33

(22) تنبيه: فى عدم مشروعية فتك جماعة يكون فيهم من لايستحق لذلك... 34

(23) * المسألة الثانية و الأربعون «فى الفتنة»... 37

(24) الأمر الأوّل: فى معانى الفتنة... 37

(25) الأمر الثانى: فى حرمة الفتنة... 38

(26) الأمر الثالث: فى حرمة المأخوذ فى قبالها... 44

(27) الأمر الرابع: أنواع الفتنة... 44

(28) الأمر الخامس: فى الفتنة الاقتصادية... 44

(29) الأمر السادس: فى إيجاد الفتنة فى جماعة الكفار... 44

(30) الأمر السابع: فى حرمة تجهيز أهل الفتنة... 45

(31) * المسألة الثالثة و الأربعون: «فى ايجاد الفساد»... 47

(32) و هنا مسائل: الاُولى: فى عدم جواز بيع هروئين و نحوه... 50

(33) الثانية: فى عدم جواز تملك صاحب المواد... 51

(34) الثالثة: فى مصرف المواد فى بعض الادوية... 51

(35) الرابعة: فى حكم مصادرة المواد المذكورة... 51

(36) الخامسة: فى عدم جواز الاعتياد بالترياك... 51

(37) السادسة: فى حكم المأخوذ فى قبال المواد المذكورة... 52

(38) السابعة: فى وجوب الممانعة عن بيعها و شرائها... 52

(39) * المسألة الرابعة و الأربعون: «فى القمار»... 53

(40) المقام الاول: فى حرمته... 53

(41) المقام الثانى: فى تعريف القمار... 62

(42) المقام الثالث: فى ان اللعب بآلات القمار قد يكون مع الرهان و قد يكون بدونه و هنا أربعة مسائل... 66

(43) المسألة الأولى: فى اللعب بآلات القمار مع الرهان... 66

(44) المسألة الثانية: اللعب بآلات القمار من دون رهان... 66

(45) المسألة الثالثة: فى حكم المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار... 75

(46) المسألة الرابعة: فى المغالبة بغير عوض... 84

(47) تنبيهات:... 89

(48) التنبيه الاول: فى بطاقات اليانصيب (بخت آزمائى):... 89

(49) فروع:... 91

(50) 1 - لافرق فى حرمة شراء الاوراق اليانصيب بين كون البايع مسلماً أو كافراً... 91

(51) 2 - لو شرى أحد الأوراق المذكورة و اصيبت القرعة به وجب دفعه الى مالكه و... 92

(52) 3 - فى ضمان المأخوذ فى زمان الطاغوت... 92

(53) 4 - فى عدم تأثير صدور السند بعنوانه فى الملكية... 92

(54) التنبيه الثانى: فى المسابقة بلارهان... 93

(55) هنا فروع:... 94

(56) 1 - فى موارد جواز أخذ الجائزة و عدمه... 94

(57) 2 - يجوز أخذ مبلغ للورود فى محل المسابقة... 94

(58) 3 - هل يجوز بغير اللاعبين استيجار اللاعبين... 94

(59) 4 - هل يجوز اشتراط شىء من اللاعب على اللاعب الآخر... 94

(60) 5 - فى حكم اشتراط بعض الأفراد على البعض لنفسه... 94

(61) 6 - فى حكم اشتراط شىء على اللاعب الآخر لغيره... 95

(62) 7 - فى اشتراط الاطعام... 95

(63) 8 - فى الرهان بين اللاعب و المرّبى... 95

(64) 9 - فى حكم عزل اللاعبين مبلغا لاعطاء الجوائز... 95

(65) 10 - فى كيفية تقسيط الجوائز... 95

(66) 11 - فى سؤال عن السيّد المحقّق الخوئى قدس سره... 96

(67) 12 - فى حكم المأخوذ فيما إذا كانت المغالبة مع الرهان... 96

(68) التنبيه الثالث: فى حكم العوض فى القمار... 96

(69) بقى شىء: فى حكم اللعب بما إذا لم يعتد المقامرة به بلارهان... 98

(70) التنبيه الرابع: فى معاملات تعرف ب‍ - «گلدكوئيست»... 98

(71) التنبيه الخامس: فى لعب «بيليارد»... 102

(72) التنبيه السادس: فى تغيير آلات القمار... 103

(73) بقى شىء:... 104

(74) 1 - لو لعب الزوج مع زوجته أو أهله... 104

(75) 2 - لو لعب البالغ مع غير البالغ... 104

(76) 3 - لو لعب المميز مع المميز... 104

(77) 4 - هل يجوز ان يشترط امرا مرغوبا فى الرهان... 104

(78) 5 - فى عدم مالية آلات القمار... 104

(79) * المسألة الخامسة و الأربعون: «فى القيادة»... 107

(80) * المسألة السادسة و الأربعون: «فى القيافة»... 113

(81) الجهة الأولى: فى تعريف القيافة... 113

(82) الجهة الثانية: فى حرمة القيافة... 113

(83) الجهة الثالثة: فى الأخبار... 115

(84) الجهة الرابعة: فى المأخوذ فى قبال عمل القيافة... 122

(85) * المسألة السابعة و الأربعون: «فى الكتمان»... 123

(86) الجهة الاُولى: فى أقسام الكتمان... 123

(87) الجهة الثانية: فى عدم جواز أخذ شىء فى قبال الكتمان... 127

(88) الجهة الثالثة: فى الكتمان الواجب... 128

(89) الجهة الرابعة: فى كون الكتمان من المعاصى الكبيرة... 128

(90) الجهة الخامسة: فى وجوب حفظ اسرار الحكومة الاسلامية... 129

(91) * المسألة الثامنة و الأربعون: «فى الكذب»... 131

(92) و هنا امور:... 131

(93) الأمر الأول: فى تعريف الكذب... 131

(94) حقيقة التورية... 134

(95) فى قيام الإشارة و نحوها مقام الألفاظ... 136

(96) الهزل... 138

(97) حقيقة الوعد و محققاتها... 139

(98) الأمر الثانى: فى حرمة الكذب... 140

(99) الأمر الثالث: فى حرمة خلف الوعد... 162

(100) و المستفاد من كلامه أمور:... 163

(101) أحدها: المنهى هو الوعد مع اضمار عدم الوفاء... 163

(102) وثانيها: ان حرمة الوعد ليست من جهة الكذب... 163

(103) وثالثها: وجه حرمة الوعد... 163

(104) ورابعها: مقولة خلف الوعد... 164

(105) الأمر الرابع: فى حرمة الهزل... 174

(106) الأمر الخامس: فى حرمة المبالغة... 177

(107) الأمر السادس: فى حرمة التورية... 179

(108) الأمر السابع: فى مسوّغات الكذب... 186

(109) تتمة: فى عدم جواز الأخبار بدون العلم بالواقع... 212

(110) * المسألة التاسعة و الأربعون: «فى الكهانة»... 215

(111) الجهة الاولى: فى المراد من الكهانة... 215

(112) الجهة الثانية: فى روايات الباب:... 218

(113) الجهة الثالثة: فى صور المسألة و هى متعدّدة:... 223

(114) الأولى:... 223

(115) الثانية: فى حكم الترافع الى الكهنة و أخبارهم فى ذلك... 224

(116) الثالثة: تقييد أخبار الكهنة بأخبار الجن و الشياطين... 225

(117) الرابعة: ان يخبر عن الامور المستقبلة بشكل الوحى... 225

(118) الخامسة: فى اتخاذ الكهانة شغلا... 226

(119) السادسة:... 227

(120) * المسألة الخمسون: «فى اللعب»... 229

(121) * المسألة الحادية و الخمسون: «فى اللغو»... 231

(122) * المسألة الثانية و الخمسون: «فى اللّهو»... 235

(123) و استدلّ لحرمته بامور منها كلمات الاصحاب و منها الروايات و هى طوائف: الطائفة الأولى: الروايات الدالة على الاتمام اذا كان السفر للصيد اللهوى... 239

(124) الطائفة الثانية: الروايات الدالة على ان اللهو من المعاصى الكبيرة... 239

(125) الطائفة الثالثة: الروايات الواردة فى حرمة القمار... 241

(126) الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على بطلان اللهو... 241

(127) الطائفة الخامسة: رواية تحف العقول... 242

(128) الطائفة السادسة: الروايات الناهية عن آلات اللهو... 242

(129) * المسألة الثالثة و الخمسون: «فى مدح من لايستحق المدح أو يستحق الذم»... 251

(130) * المسألة الرابعة و الخمسون: «فى معونة الظالمين»... 255

(131) تنبيه فى المراد من الظالم... 261

(132) * المسألة الخامسة و الخمسون: «فى النجش»... 263

(133) * المسألة السادسة و الخمسون: «فى النميمة»... 267

(134) * المسألة السابعة و الخمسون: «فى النياحة بالباطل»... 271

(135) و فيها طوائف من الأخبار:... 271

(136) الطائفة الأولى: ما يدلّ على المنع من النياحة مطلقا... 271

(137) والطائفة الثانية: ما يدلّ على الجواز... 272

(138) الطائفة الثالثة: ما يدلّ على الكراهة... 276

(139) * المسألة الثامنة و الخمسون: «فى ولاية الجائر و تولّيه»... 281

(140) الأمر الأول: فى أقسام التولى و المقصود بالبحث هو التولى عن الجائر... 281

(141) الأمر الثانى: فى حرمة التولى عن الجائر... 284

(142) تنبيه: فى الأخبار... 288

(143) الأمر الثالث: فى موارد الاستثناء أحدها القيام بمصالح العباد... 290

(144) تبصرة: فى استحباب التولى عن الجائر عند توقف الامر بالمعروف و النهى عن المنكر عليه... 300

(145) الثانى: مما يسوغ الولاية الاكراه... 304

(146) وينبغى التنبيه على أمور:... 306

(147) التنبيه الأوّل: فى اباحة ما يلزمها الولاية من المحرمات... 306

(148) وهنا مواقع للنظر:... 308

(149) التنبيه الثانى: فى جواز الاضرار بالغير باكراه الجائر على ذلك و عدمه... 313

(150) و هنا ملاحظات:... 314

(151) التنبيه الثالث: فى اعتبار عدم القدرة على التفصى من المكره عليه... 319

(152) التنبيه الرابع: فى ان قبول الولاية رخصة لاعزيمة عند كون الضرر المالى لايضر بالحال... 323

(153) التنبيه الخامس: فى عدم اباحة قتل المؤمن بالاكراه... 325

(154) بقى فروع:... 327

(155) 1 - فيما اذا اقتضت التقية أو الاكراه قتل ناصبى... 327

(156) 2 - فيما اذا كان شخص مستحق القتل قصاصا لايجوز لغير الولى قتله بالتقية او الاكراه... 327

(157) 3 - فى ان التقية انما شرعت لحقن دماء الشيعة... 327

(158) 4 - هل يجوز التقية فى قتل الفاسق... 328

(159) 5 - هل الدم يشمل الجرح و قطع الاعضاء أو يختص بالقتل... 328

(160) 6 - هل يجب على من يقبل الولاية المحرمة ان يختار الاسهل فالاسهل... 330

(161) 7 - هل يجب قصد التولى من قبل الامام العادل ان ولّاه الظالم فى الظاهر... 330

(162) 8 - لايختص جواز التولى بالجائرين فى زمان الائمة عليهم السلام... 331

(163) 9 - تنصرف ادلة الاكراه عن بعض المحرمات التى من العظائم و المهمّات كمحو كتاب الله الكريم العياذ بالله... 331

(164) خاتمة: فيما ينبغى للوالى العمل به فى نفسه و فى رعيته... 334

(165) * المسألة التاسعة و الخمسون: «فى هجاء المؤمن»... 347

(166) * المسألة الستون: «فى الهُجر»... 355

(167) * النوع الخامس: (مما يحرم التكسب به) ما يجب على الإنسان فعله عيناً أو كفاية تعبداً أو توصلاً على المشهور... 359

(168) الأمر الأول: فى موضوع المسألة كعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات... 359

(169) الأمر الثانى: فى أدلة عدم الجواز... 361

(170) تبصرة: فى التفصّى عن اشكال مشهور من ان لازم القول بعدم جواز الاجرة على الواجبات هو عدم جواز اخذ الاجرة على الواجبات النظامية و هو كما ترى... 384

(171) الأمر الثالث: فى ان الحرام لايجوز أخذ الاجرة عليه... 389

(172) الأمر الرابع: فى الاجرة على المستحب... 389

(173) الأمر الخامس: فى جواز أخذ الاجرة على الاذان... 390

(174) الأمر السادس: فى أخذ الاجرة على تعليم القرآن... 396

(175) الأمر السابع: فى جواز أخذ الاجرة على قراءة تعزية سيّدالشهداء عليه السلام... 398

(176) الأمر الثامن: فى أخذ الاجرة على الامامة... 398

(177) الأمر التاسع: فى الاستيجار للنيابة فى العبادة... 400

(178) الأمر العاشر: فى الاستيجار لاطافة الصبى او مغمى عليه... 403

(179) الأمر الحادى العشر: فى جواز أخذ الاجرة على الشهادة... 406

(180) الأمر الثانى عشر: فى الارتزاق من بيت المال... 408

(181) الأمر الثالث عشر: فى الاجرة على القضاء... 410

(182) خاتمة: و هى تشمل على مسائل:... 413

(183) المسألة الاُولى: فى حرمة بيع المصحف... 413

(184) و يقع الكلام فى جهات:... 413

(185) الجهة الاُولى: فى المراد من المصحف... 413

(186) الجهة الثانية: فى الروايات و طوائفها:... 414

(187) الجهة الثالثة: فى الجمع بين الطوائف... 418

(188) الجهة الرابعة: فى ان مورد الحرمة أو الكراهة هو الاوراق المنقوشة التى تسمى مصحفا... 424

(189) الجهة الخامسة: فى عدم جواز بيع المصحف من الكافر... 427

(190) الجهة السادسة: فى حكم ابعاض المصحف... 431

(191) الجهة السابعة: فى حكم الكتب المشتملة على بعض الآيات ككتب الفقه... 432

(192) الجهة الثامنة: فى عدم الملازمة بين الحكم التكليفى و والضحى... 433

(193) الجهة التاسعة: فى مبادلة المصحف بالمصحف... 433

(194) الجهة العاشرة: فى حكم مطلق النقل و الانتقال غير البيع و الشراء... 433

(195) المسألة الثانية: فى جوائز السلطان و عماله... 435

(196) و صور المسألة:... 435

(197) الصورة الأولى: هى ما اذا لم يعلم بمال حرام فى جملة أموال الظالم... 435

(198) الصورة الثانية: هى ما اذا علم ثبوت الحرام فى الاموال التى كانت بيد الجائر... 439

(199) كراهة أخذ المال من الجائر... 443

(200) ما به ترتفع الكراهة... 447

(201) مقتضى القواعد... 451

(202) الأخبار الخاصة لهذا المقام... 455

(203) بيان حكم المأخوذ... 463

(204) عدم الضمان مع نية الرد... 464

(205) ضمان الجاهل القابض... 464

(206) الف) ردّ المأخوذ من الجائر إلى مالكه... 468

(207) ب) وجوب الفحص عن المالك... 470

(208) ج) هل يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدعيه... 479

(209) د) مقدار الفحص عن المالك و كيفيته... 482

(210) ه‍ -) مصرف مجهول المالك... 484

(211) و) حكم دفعه إلى الحاكم... 490

(212) ز) حكم تعذر الإيصال إلى المالك المعلوم تفصيلا... 493

(213) ح) مستحق الصدقة المذكورة... 494

(214) ط) و فى جواز إعطائها للهاشمى قولان... 495

(215) ى) حكم الضمان لو ظهر المالك و لم يرض... 504

(216) فروع... 508

(217) الفرع الأوّل: فى انه هل الضمان يثبت بمجرد التصدق و اجازة صاحب المال رافعة أو يثبت بالرد من حينه... 508

(218) الفرع الثانى: فى قيام الوارث مقام المالك... 509

(219) الفرع الثالث: فى عدم ضمان الحاكم لو دفع المال المذكور الى الحاكم... 511

(220) المسألة الثالثة: (من مسائل الخاتمة): فى أحكام ما يأخذه الجائر من الناس من الحقوق الشرعية... 523

(221) و ينبغى التنبيه على اُمور:... 532

(222) التنبيه الأوّل: فى ان الحكم مختص بما يأخذه السلطان... 532

(223) التنبيه الثانى: فى اختصاص حكم الخراج بمن ينتقل إليه... 537

(224) فى كفاية إذن الجائر و عدمها... 542

(225) فى لزوم استيلاء الجائر... 543

(226) تفصيل... 543

(227) التنبيه الثالث: فى حلية الخراج و المقاسمة المأخوذين من الأراضى التى يعتقد الجائر كونها خراجية... 546

(228) التنبيه الرابع: فى اختصاص الحكم بالسلطان المدعى للرياسة العامة و عمّاله... 548

(229) التنبيه الخامس: فى عدم اعتبار أن يكون المأخوذ منه ممن يعتقد استحقاق الآخذ للأخذ... 554

(230) التنبيه السادس: فى أنه ليس للخراج قدر معين... 555

(231) التنبيه السابع: فى عدم اعتبار الاستحقاق فيمن يصل إليه الخراج... 558

(232) التنبيه الثامن: فى توقف كون الأراضى الخراجية على امور... 561

(233) الأمر الأول: كونها مفتوحة عنوة... 561

(234) الأراضى المفتوحة عنوة... 565

(235) الأمر الثانى: أن يكون الفتح بإذن الإمام... 566

(236) الأمر الثالث: أن يثبت كون الأرض المفتوحة عنوة بإذن الإمام محياة حال الفتح... 573

(237) فروع:... 573

(238) الفرع الأول: فى حكم تخميس الأراضى المحياة المفتوحة عنوة... 573

(239) الفرع الثانى: فى كون الأراضى المفتوحة عنوة و مواتا للإمام... 575

(240) الفرع الثالث: فى حكم عروض الموت للمحياة حال الفتح... 575

(241) الفرع الرابع: فى حكم عروض الموت بعد الاحياء... 576

(242) الفرع الخامس: فى حكم ما اذا شك فى الحياة حال الفتح... 578

(243) الفرع السادس: فى حكم العلم الاجمالى باشتمال الأراضى التى بيد بعض المسلمين محياة حال الفتح... 581

(244) الفرع السابع: فى حكم الأرض المفتوحة عنوة و المحياة حال الفتح إذا كانت تحت يد بعض المسلمين... 581

(245) الفرع الثامن: فى ان ظاهر الأخبار تملك المسلمين لجميع أرض العراق 582

(246) منابع... 584