البحوث الهامة فی المکاسب المحرمة مرتضی انصاری جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خ‍رازی‌، سیدم‍ح‍س‍ن‌، ‏‫۱۳۱۵ ‏-‬

‏عنوان قراردادی : المکاسب.شرح

‏عنوان و نام پديدآور : ‏‫البحوث‌الهامه ف‍ی‌‌ال‍م‍ک‍اس‍ب‌‌ال‍م‍ح‍رم‍ه [ م‍رت‍ض‍ی‌ ان‍ص‍اری‌ ]‬‬‏‫/ ت‍ال‍ی‍ف‌ م‍ح‍س‍ن‌ ال‍خ‍رازی‌.‬

‏مشخصات نشر : ق‍م‌: موسسه در راه‌حق‏‫، ۱۴۲۳ ق‌.‬‏‫= ۱۳۸۱‭‬‬-‬‬

‏مشخصات ظاهری : ‏‫7ج.‬

‏شابک : ‏‫ج. ۶‭‬‬‬‬‏‫‬‬‬‬‬‬‬‬‬‭978-964-5515-01-5 :‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ؛ ‏‫ج. ۷‬‏‫‬‮‭978-600-5515-04-6 :

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ج.۴ (چاپ ؟: ۱۳).

‏يادداشت : ‏‫ج. ۷ (چاپ اول: ۱۳۹۰) (فیپا).‬

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌.

‏موضوع : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب -- نقدو تفسیر

‏موضوع : ‏‫معاملات (فقه)‬‬

کسب و کار حرام

‏شناسه افزوده : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب . شرح

‏شناسه افزوده : موسسه در راه حق

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۱۹۰/۱‏‫‭/‮ال‍ف‌‬۸م‌۷۰۲۱۴۳ ۱۳۸۱‬‬

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‬‬‬‭۲۹۷/۳۷۲

‏شماره کتابشناسی ملی : ‏‫‭م‌۸۱-۴۵۲۴۴‬

‏اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

•

العنوان البحوث الهامّة فى المكاسب المحرّمة ج 1

•

الموضوع فقه

•

تأليف آية الله السيّد محسن الخرّازى

•

باهتمام السيّد علىّ رضا الجعفرى

•

نشر مؤسسه در راه حق

•

التنضيد و الاخراج الفنى كومبيوتر المجتبى عليه السّلام

•

الطبعة الاولى

•

المطبعة كيميا

•

العدد 1000

•

التاريخ 1423 ق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذى جعل الفقه رحى النظام ومن عاش بدونه فقد ارتطم فى الحرام و الصلاة و السلام على رسول اللّه محمد بن عبد الله وعلى آله آل اللّه واللعنة على أعدائهم أعداء الله.

و بعد، فلايخفى على المطلعين بأدوار الفقه الاثنى عشرى من تكامل هذا العلم الى يومنا هذا فانّه كان لا يتجاوز ذكر الروايات والافتاء بمضامينها فى بداية الغيبة الصغرى الاّ أنّ اجتهاد العلماء و تكامل مبانيهم الاصولية أوجب العمق و السعة لهذا العلم الشريف فكتبت كتب قيّمة وصُنّفت موسوعات استدلالية وعلى أى حال فتحملوا شدائد ونجرّعوا غصصاً عظيمة ومصائب كثيرة لحفظ الشريعة السامية على مد التاريخ وصرفوا قسطاً وافراً من أعمارهم الغالية فى جمع وتنظيم الكتب فحفظوا لنا ثروة غالية لاتقدّر بثمن، وبتحملهم هذا قد فتحوا باب رابطة الامة الاسلامية و الدين واخذوا بيدهم داعين ايّاهم للخير و الصلاح.

و يؤكّد الاسلام كرامة الانسان و استخلافه عن اللّه تعالى فى الأرض ليقيم الموازين بالقسط وليعبد اللّه وحده لايشرك به شيئاً، والوحى الالهى تكريم للانسان لانه يهدف الى ما فيه الخير له.

وقوانين الاسلام تتفوق على جميع القوانين الوضعية و المواثيق غير الدينية الخاصة بحقوق الانسان بما لا مجال للمقارنة.

ثم لاشك أن عظمة الانسان و كرامته فى اتباعه لدينه وفى استيعابه لمقاصد

شريعته وانه كلما عَظُم حظه من العمل بما جاء به الفقه الجعفرى من فروعات متنوعة، زاد نصيبه من الشعور بالكرامة و القرب الى اللّه تعالى.

و لا يخفى ان تعالى الامة يكمن فى العمل بما جاء فى الفقه و الشريعة.

و قد ازدادت أهمية هذه المسائل بعد انتصار الثورة الاسلامية فى ايران حيث توفرت فرص أكبر لاقامة الاحكام الشرعية (و خرج الفقه الجامع من حيّز الوجود الكتبى الى صُقع الوجود العينى و التنفيذى) ومن مقدمات هذه الاقامة معرفة حقيقة هذه الاحكام، ومن جملة ما أوصى به الامام الخمينى قدس سره فى وصيته الالهية السياسية الخالدة، أوصى الحوزات العلمية فقال: «لتحرصوا على حفظ الفقه التقليدى الذى هو ارث السلف الصالح والانحراف عنه إضعاف لأركان التحقيق و التدقيق ولتضف التحقيقات الى التحقيقات».

لذللك عقد سيدنا الاستاذ العزم على دراسة هذه المباحث الهامة من الفقه الاسلامى باسلوب بديع.

هذا الكتاب هو حصيلة ما وصل الاستاذ اليه من نتائج علمية فى حلقات دراساته الفقهية حول المكاسب المحرّمة و التى دامت سنين ومن مزايا هذه المباحث أنّ المسألة نلاحظ من حيث الأقوال ولا شك أن أقوال القدماء تؤثر فى الاختيار والاستنباط فان الرواية تتقوى وتُضعّف بها لان اقبالهم واعراضهم مؤثران، بخلاف أقوال المتأخرين ومن صعيد آخر نظر المؤلف المحقق الى الاستدلالات حول المسألة و بحث حولها وبعد بيان الأقوال والاستدلالات أورد فروعات مفيدة.

و قد كنت أحثّه على تدوين مباحثه واخراجها على شكل كتاب مستقل بعد ما كان بعض مباحثه طبع فى مجلة فصلية تحت عنوان فقه أهل البيت عليه السّلام.

والمن المنتخب لهذه المباحث هو الكاسب المحرّمة للشيخ الأعظم الأنصارى.

ولاشك أن كتاب المكاسب الذى ألّفه المحقق العظبم و المدقق الخبير المحقق

العلامة المدقق الفهامة وحيد عصره واوانه وفريد دهره وزمانه الزاهد العابد المجاهد الشيخ مرتضى الأنصارى قدّس سرّه يعد من أفضل ما كتب فى فقه المعاملات فقد فاق من تقدّم و لم يلحق به من تأخر عنه و كفى به فخراً أنه يدور عليه رحى الدرس فى مرحلة السطح و الخارج و قد اهتم العلماء وكتبوا عليه حواشى كثيرة ومنها هذا الكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - فقد كشف سيدنا الاستاذ العالم الجليل، المحقق آية اللّه السيدمحسن الخرازى «دام ظله العالى» النقاب عن غوامظه وأبان معضلاته وزاد فيه فروعا و مسائل كثيرة من المسائل المستحدثه مما لم يكن مبتلا بها فى زمن الشيخ الأعظم الأنصارى فيجد القارئ الكريم فى هذا الكتاب تحقيقات انيقة وتأملات رشيقة مفرغة باسلوب واضح متين اعتمدت الحجة القوية وانتهجت السبيل القويم.

و ختاما نقدم خالص شكرنا و تقديرنا لكل من ساهم فى مقابلة و تحقيق و استخراج مصادر هذا الكتاب سيما حجج الاسلام و المسلمين، الإخوة الأعزاء: الشيخ على الكمالى العراقى، الشيخ خالد الغفورى، الشيخ ابراهيم پيراسته، الشيخ وسام الملخطاوى و الشيخ محمدعلى الكريمى و غيرهم من الذين ساعدونا فى إخراج هذا الكتاب سائلين اللّه لهم و لنا مزيد التوفيق فى خدمة تراث العترة الطاهرة عليه السّلام انه خير ناصر و معين.

والحمد لله أولاً و آخراً السيد على رضا الرضوى الجعفرى قم - الحوزة المقدسة عيد الغدير 1422 ه‍ -. ق (اسفند ماه 1380)

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد فإنّى أبغى بعون اللّه تعالى أن أكتب محاضراتى و بحوثى حول المكاسب المحرّمة من هذه اللحظة فى ليلة السابع عشر من ربيع المولود صلّى الله عليه و سلّم من سنة 1414 بعد الهجرة القمريّة وهى ليلة مباركة أتبرّك بها وأستعين فيها من اللّه تعالى للشروع فى هذه البحوث وأستمدّ من رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام حتّى اُصيب فيها واُتمها بنحو أحسن و أسلوب تحتوى المكاسب التى تكون مورد الابتلاء فى عصرنا هذا و أشرع فى ذلك بإذنه تعالى و هو خير المعين.

الكلام فى المراد من «المكاسب»:

اعلم أنّ «المكاسب» جمع «المكسب» و هو تارةً بمعنى المصدر الميمىّ باعتبار أنّه فعل من أفعال المكلّفين و المراد به هو «التكسّب» و تارةً بمعنى «ما يكتسب به» باعتبار أنّه مورد الكسب و التجارة.

ذهب جماعة(1)منهم المحقّق قدّس سرّه فى الشرائع إلى انقسام «المكاسب» إلى محرّم ومكروه ومباح(2)ولم يذكروا الواجب و المستحبّ‌. أورد عليهم الشيخ قدّس سرّه «بأنّه لا وجه لذلك مع إمكان التمثيل للمستحبّ بمثل الزراعة و الرعى ممّا ندب إليه الشرع وللواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذّر قيام الغير به فتأمّل»(3).

يمكن الجواب: بأنّ النظر فى التقسيم إن كان إلى نفس التكسّب من دون طروّ عنوان آخر فلامجال لتقسيمه إلى الواجب لعدم وجوب التكسّب بعنوانه الأوّلىّ و أمّا وجوبه بعنوان حاجة المجتمع إليه فهو عنوان آخر وخارج عن مفروض الكلام.

هذا مضافا إلى ما فى بلغة الطالب من إمكان دفع النقض بمثل الزراعة و الرعى بأنّهما و إن كانا مستحبّين إلّا أنّه لم يثبت استحباب التكسّب بهما(4).


1) النهاية: 363-370، السرائر 214:2.

2) شرائع الإسلام 9:2، ط: النجف.

3) المكاسب: 3، السطر 21.

4) بلغة الطالب 2:1.

وممّا ذكر يظهر ما فى المثال للمستحبّ أيضاً بما يقصد به التوسعة على الأهل فإنّ الاستحباب حينئذِ يكون بعنوان آخر.

واذا كان النظر الى «ما يكتسب به» فلا يصحّ التقسيم أصلا لا الى ثلاثة و لا إلى خمسة فإنّ الشىء بنفسه لايكون موضوعاً لأحد من الأحكام الخمسة بل هو باعتبار تعلّق فعل المكلّف يتّصف بجميع الأحكام الخمسة.

كما صرّح به فى الجواهر حيث قال: إنّ العين و المنفعة من حيث كونهما كذلك كما لا يرد عليهما الوجوب و الندب لايرد عليهما باقى الأحكام الخمسة لعدم الفرق بين الجميع فى عدم التعلّق بهما الّا بحسب فعل المكلّف(1).

ومع اعتبار الفعل المتعلّق به يصير حكمه حكم نفس الاكتساب كما لايخفى».

و إذا كان النظر إلى «التكسّب» ولو بالعناوين الثانويّة فالاقتصار على الثلاثه ليس بصحيح مع وجوب الصناعات الكفائيّة خصوصا ممّن ذكر بيع السلاح لأعداء الدين من الأقسام المحرّمة فإنّه ليس بحرام إلّا من جهة تقوية الكفّار وهى من العناوين الثانويّة.

وهكذا الاقتصار على الثلاثة ليس بصحيح مع استحباب التوسعة على الأهل فإنّ الكسب المفيد بالتوسعة مستحبّ بهذا العنوان كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ صحّة التقسيم إلى الثلاثة تكون فيما إذا كان النظر الى نفس التكسّب بعنوانه الأوّلىّ‌، و أمّا إذا كان النظر بنحو يكون أعمّ من العناوين الثانويّة فالصحيح هو تقسيمها إلى الخمسة كما عرفت.

ولعلّ جعل الموضوع عامّا بنحو يشمل المسائل المذكورة فى الكتاب أحسن من تضييق الموضوع وإدراج بعض المسائل من باب الاستطراد و إن كان لايساعده ظاهر


1) جواهر الكلام 7:22، السطر 11.

بعض العبارات.

وممّا ذكر يظهر ما فى المسالك حيث قال بعد تقسيم المصنّف (أى المحقّق فى متن الشرائع) المكاسب إلى الآقسام الثلاثة: «و ذكر جماعة انقسامها إلى الاحكام الخمسة بإضافة الوجوب و الندب وعدّوا من الواجب ما يضطرّ اليه لمؤونته ومؤونه عياله ومن المندوب ما يقصد به التوسعة عليهم بحيث يندفع الجاجة بغيره. و كلّ من التقسيمين حسن و إن كان ماهنا أحسن اذ لاخلل فى الثلاثة كما لاخلل فى الخمسة فانّ مورد القسمة فى الثلاثة «ما يكتسب به» و هو العين و المنفعة بل بسبب أمر عارض و هو فعل المكلّف ومورد الخمسة «الاكتساب» الذى هو فعل المكلّف ومن شأنه أن يقبل القسمة الى الخمسة فيما يمكن فيه تساوى الطرفين باعتبار اللواحق اللاحقة له»(1).

لما عرفت عن الجواهر من أنّه كما لايرد عليهما الوجوب و الندب لايرد عليهما باقى الأحكام الخمسة لعدم الفرف بين الجميع فى عدم التعلّق بهما إلّا بحسب فعل المكلّف و كيف كان يستفاد منه إمكان جعل الموضوع أعمّ فلاتغفل.

ولكن الظاهر أنّ الأصحاب كانوا فى صدد بيان المكاسب المحرّمة دون المكروهات و المباحات و إن ذكر وا بعضها من باب الاستطراد.

ثمّ إنّ المراد من الحرمة فى المقام كما يظهر من بعض العبارات «الحرمة الوضعيّة». قال فى محكى المسالك: واعلم أنّ غرض الفقيه بالذات من بحث العقود حكمها من حيث تصحّ و تفسد. و أمّا من حيث تجب أو تندب ليترتّب عليها الثواب فهو من وظائف العبادة أو من حيث تحرم فيترتّب عليها العقاب فهو بالعبادة أشبه من حيث وجوب تركها لكن لامحذور فى ذكر ذلك هنا استطرادا باعتبار اختلاف جهة


1) مسالك الإفهام ط: مؤسسة المعارف الإسلامية 118:3 و 119.

المكاسب فإنّها قد تكون عبادة من جهة ومعاملة من اُخرى»(1).

و فيه: أنّ مقتضى جعل كل من التقسيمين حسنا هو جعل الحرمة أعمّ من التكليفيّة لأنّ المعاملة لا تصير بالعناوبن الثانويّة باطلة بل تكون محرّمة فعلى فرض التقسيم باعتبار العناوين الثانويّة أيضاً فالحرمة أعمّ من التكليفيّة. هذا مضافا الى ما فى ارجاع الحرمة التكليفيّة إلى العبادة من التكلّف. وعليه فالحرمة المبحوث عنها فى المكاسب أعمّ من الحرمة التكليفيّة.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه خصّص حرمة الاكتساب بما اذا قصد ترتّب الأثر المحرّم حيث قال: «ومعنى حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتّب الأثر المحرّم و أمّا حرمة أكل المال فى مقابلها (أى حرمة النقل والانتقال والاكتساب) فهو متفرّع على فساد البيع لأنّه مال الغير وقع فى يده بلاسبب شرعىّ و إن قلنا بعدم التحريم. ثمّ علّل وجه الاختصاص بقوله: لأنّ ظاهر أدلّة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرّمة أمّا لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة إلّا من حيث التشريع. انتهى»(2).

و فيه: أوّلاً كما فى بلغة الطالب «أنّه غير مطّرد فى جملة من المكاسب المحرّمة كبيع السلاح من أعداء الدين حيث لا تختصّ حرمته على ما سيأتى بما إذا أراد البائع تقويتهم على المسلمين أو استعماله فى دفعهم عنهم وكذا بيع الصليب و الصنم وآلات القمار و اللهو بل وبيع العنب ممّن يعلم أنّه يعمله خمراً إذا انحصر العنب عنده أو علم عدم بيع الغير له من المشترى وهكذا. و بالجملة فتفسير حرمة الاكتساب بما إذا قصد به ترتيب الأثر المحرّم مع أنّه غير تمام فى نفسه لايلتزم به المصنّف فيما يأتى». انتهى(3).


1) جواهر الكلام 7:22، السطر 11.

2) المكاسب: 3، السطر 23-25.

3) بلغة الطالب 3:1.

و ثانياً: كما فى المكاسب المحرّمة لسيّدنا المجاهد الإمام الخمينى قدّس سرّه إنّ المحرّم على فرض ثبوته هو المعاملة العقلائيّة أى إنشاء السبب جذاً لغرض التسبيب إلى النقل والانتقال لا النقل والانتقال ولا هو بقصد ترتّب الأثر ولا تبديل المال أو المنفعة لأنّ الظاهر أنّ المعاملات هى الآسباب التى قد تنتهى الى المسبّبات و قد لاتنتهى اليها ولهذا صحّ تقسيمها إلى الصحيحة و الفاسدة بلا تأوّل فلو كانت عبارة عن النقل و التبديل لكان أمرها دائراً بين الوجود و العدم لا الصحّة و الفساد ولايعقل أن يكون المحرّم النقل و ما يتلوه لأنّهما غير ممكن التحقّق بعد وضوح بطلان تلك المعاملات نصّاً و فتوى.

و إرادة النقل العقلائىّ مع قطع النظر عن حكم الشرع ولولا عدم الإنفاذ لاترجع إلى محصّل لعدم الوجود للنقل اللولائىّ كما لا وجود للنقل الوهمىّ‌.

وما يمكن أن يتّصف بالحرمة هو المعاملة السبيّة أى الإنشاء الجدّىّ بقصد حصول المسبّبات لا بمعنى كون القصد جزء الموضوع بل بمعنى أنّ موضوع الحرمة الإنشاء الجدّىّ الملازم له. انتهى(1).

يمكن أن يقال: آنّ النقل العقلائىّ بمعناه المصدرىّ مساوق لإنشاء السبب جدّاً.

و لعلّ الشيخ أراد من النقل والانتقال معناه المصدرىّ كما يؤيّده تقييده بقصد ترتّب الأثر المحرّم لأنّ المقيّد هو السبب لا المسبّب كما لا يخفى.

فلا يكون أمر النقل والانتقال بالمعنى المذكور دائراً بين الوجود و العدم.

نعم لامجال لإرادة النقل بمعناه الاسم المصدرىّ لأنّ أمره يدور بين الوجود والعدم وممّا ذكر يظهر ما فى المحكىّ عن الميرزا النائينىّ قدّس سرّه حيث ذهب إلى أنّ متعلّق الحرمة هو البيع بالمعنى الإسم المصدرىّ و هو المنشأ بإنشاء البيع مثلاً أعنى المعاملة


1) المكاسب المحرّمة لسيدنا الامام قدّس سرّه 4:1 و 5.

المخصوصة المعبّر عنها بمبادلة مال بمال(1).

ثمّ انّ المستفاد لحدّ الآن أنّ الموضوع فى «المكاسب» سواء كان هو «الاكتساب أو «ما يكتسب به» يختصّ بما يتعلّق به التكسّب فلايشمل ما ليس له ارتباط بالتكسّب وعليه فمثل الغيبة أو النميمة أو الكذب خارج عن موضوع «المكاسب) لأنّها ليست باكتساب ولايكون ممّا اكتسب به كما لا يخفى و لذلك حكى عن المير زا النائينىّ قدّس سرّه أنّ الفقهاء ذكر وا فى باب المكاسب المحرّمة اموراً محرّمة لا ربط لها بباب المعاملات كالغيبة و النميمة و الكذب استطرادا فربّما يورد عليهم بأنّه إن كان الغرض هو البحث عمّا يتعلّق بالمكاسب المحرّمة فما وجه هذا الاستطراد و إن كان الغرض استقصاء المحرّمات فما وجه الاقتصار على ذكر بعضها فى طىّ المكاسب المحرّمة ولكنّ هذا البحث لفظىّ لا يعبأ به. انتهى(2).

و أمّا كلّ شىء يكون التكسّب به حرام بجهة من الجهات فهو مربوط بالباب، والعجب من المحقّق النائينى قدّس سرّه حيث أخرج بعض الجهات من موضوع البحث حيث قال على ما فى تقريرات الشيخ موسى قدّس سرّه: أنّ جهة الحرمة تارة راجعة إلى عدم كون «ما يكتسب به» مالاً عرفاً كالحشرات و اُخرى راجعة إلى اسقاط الشارع جهة ماليّته كالخمر و الخنزير و ثالثةً إلى حرمة نفس المعاملة لعدم صلاحيّة المال لوقوع المعاملة به على هذا الطريق الخاصّ كالزيادة فى المتجانسين ومحلّ بحثنا فى المكاسب المحرّمة راجع إلى حرمة التكسّب باعتبار تعلّق الكسب بالأعيان الخارجة فمثل


1) المكاسب و البيع (تقرير النائينى بقلم الآملى) 5:1-6. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ دوران الأمر بين الوجود و العدم بحسب النقل الشرعىّ بمعناه الإسم المصدرىّ و أمّا إذا اُريد منه النقل العرفىّ بمعناه الاسم المصدرىّ فهو موجود بحسب العرف وليس كالوهمىّ فإنّ ترتّب عليه الآثار الشرعيّة فهو محكوم بالصحّة الشرعيّة و إلّا فبالبطلان ولكنّ الشارع مع تخطئة العرف فى جعله شيئا سبباً لايرى للمسبّب وجوداً فلا تغفل.

2) المصدر السابق.

المعاملة الربوبيّة خارجة عن موضوع البحث. انتهى(1).

لعلّه من جهة توهّم أنّ المراد من «المكسب» هو ما يتعلّق به التجارة لا التكسّب و لكن عرفت سابقا أنّ المكسب بدون رجوعه إلى التكسّب لاحكم له لأنّه بنفسه لا يتعلّق به حكم من الأحكام ومع رجوعه لا وجه لعدم شموله لمثل الربا لأنّه تكسّب خاصّ و عليه فالربا داخل فى البحث.

ولعلّه لذلك أدرج اُستاذنا الاراكى (مدّ ظلّه) المعاملات الربوبيّة فى المكاسب المحرّمة تبعا لشيخه الاستاذ المحقّق الحائرىّ قدّس سرّه(2).

وكيف كان فقد بحثوا فى المكاسب المحرّمة عما يكتسب به وجعلوا المحرّم منه بجهة من الجهات أنواعا وأنا أتبع ماسلكه الشيخ الأعظم قدّس سرّه فى مكاسبه و اشير الى ما يقتضيه نظرى القاصر فى محلّه المناسب. إن شاء الله تعالى.


1) منية الطالب فى شرح المكاسب 17:1.

2) المكاسب المحرّمة لآية اللّه العظمى الأراكى: 19.

النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثنى:

اشارة

ويقع الكلام فى مقامات:

المقام الأوّل:

فى أنّ ظاهر كلام الشيخ تبعاً لمن تقدّم عليه هو أنّ من جهات الحرمة فى الأعيان النجسة هو عنوان النجاسة ولذا استدلّ على حرمة المعاوضة على بول غير مأكول اللحم مضافاً إلى عدم ظهور الخلاف بحرمته ونجاسته(1).

و ربّما يناقش فى ذلك بعدم الدليل على حرمة معاملة أكثر الأعيان النجسة الّا من جهة عدم ماليّتها فالمناسب هو إدارجها فى النوع الثالث: ما يحرم الاكتساب به ممّا لامنفعة فيه محللّة معتدّاً بها عند العقلاء(2).

ولكن فيه مضافاً إلى كفاية حرمة بعض الأعيان النجسة كالخمر و العذرة، يمكن القول مجرمة أكثر الأعيان النجسة من جهة نجاستها بعد إلغاء الخصوصيّة عن مثل العذرة مع كونها ممّا لها منفعة شائعة كما سيأتى تفصيله.


1) المكاسب: 3، السطر 26.

2) حاشية المحقّق الايروانى: 3، السطر 25.

و عليه فما سلكه الشيخ هنا احسن و أوفق و إن عدل عن ذلك فيما سيأتى من مسألة حرمة المعاوضة على الميته حيث قال: «إنّ المانع حرمة الانتفاع فى المنافع المقصودة لامجرّد النجاسة»(1)و سيأتى ان شاء الله تعالى انّ إطلاق بعض الأدلّة المانعة عن البيع مع وجود المنفعة الشائعة فيه كالعذرة ممّا يشهد على أن المانع هو النجاسه فتدبّر.


1) المكاسب: 5، السطر 15.

المقام الثانى: فى بيان حكم موارد الأعيان النجسة:

أحدها: أبوال مالايؤكل لحمه

اشارة

أستدلّ لحرمة بيعها بعدم الخلاف وحرمة شربها و نجاستها وعدم الانتفاع بها منفعة محلّلة مقصودة.

و فيه أوّلاً: كما فى ابتغاء الوسيلة «يمكن تنزيل معقد الإجماع على ما ليس له منفعة محلّلة معتدّة بها كما ينادى بذلك ما نقله العلاّمة الأنصارى فى مكاسبه عن الغنيه حيث اعتبر فى المبيع أن يكون ممّا ينتفع به منفعة محلّلة مقصودة(1).

ثمّ قال: واحترزنا بقولنا ذلك عمّا يحرم الانتفاع به و يدخل فى ذلك كلّ نجس.

انتهى.

و هو صريح فى أنّه ليس النجس عنوانا بنفسه لحرمة البيع بل هو من باب أنّه ليس له منفعة محلّلة مقصودة. هذا مع إمكان كون المدرك للإجماع غيره من الأدلّة(2).

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ دخول كلّ نجس فى معقد الإجماع على اعتبار كون المبيع ممّا ينتفع به منفعة؛ لاينافى وجود اجماع آخر على حرمة المعاملة فى كلّ نجس.

كما حكى عن التذكرة أنّه يشترط فى المعقود عليه الطهارة الأصليّة. فلو باع


1) كتاب المكاسب 5: السطر 19.

2) ابتغاء الوسيلة: 11.

نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ اجماعا(1).

وقال الشيخ قدّس سرّه فى نهايته: و جميع النجاسات محرّم التصرّف فيها و التكسّب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة و الأبوال و غيرهما إلّا أبوال الإبل خاصّة فانّه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة(2).

و قال فى محكىّ المراسم: «التصرّف فى الميتة و لحم الخنزير و شحمه و الدم والعذرة و الأبوال ببيع و غيره حرام الّا بيع بول الابل خاصّة»(3).

فانّ ظاهر تحريم هذه الأشياء مع كون بعضها ذا منفعة شائعة ليس الّا من جهة نجاستها كما لا يخفى.

بل صرّح الشهيد الثانى فى الروضة عند قول المصنّف فى عداد «ما لايجوز بيعه من النجاسات و الدم»، بقوله: وان فرض له نفع حكمىّ كالصبغ و أبوال و أرواث ما لايؤكل لحمه و إن فرض لهما نفع، فلاتغفل»(4).

وثانياً: كما فى مصباح الفقاهة إنّ حرمة الأكل و الشرب للنجس لا تستلزم حرمة البيع فانّ كثيرا من الأشياء يحرم أكلها ويجوز بيعها(5).

لا يقال: يمكن التمسّك بالنبوىّ صلّى الله عليه و سلّم: «ان الله اذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»(6). مع انجباره بعمل الأصحاب لاستدلال صاحب الغنية(7)والشيخ الطوسى وغيرهما


1) تذكره الفقهاء 25:10، ط: مؤسسة آل البيت عليه السّلام.

2) النهاية: 364.

3) المراسم العلويّة: 172.

4) الروضة البهيّة 209:3.

5) مصباح الفقاهة 33:1.

6) عوالى اللئالى 110:2، الحديث 310، سنن الدارقطنى 7:3، ح 20.

7) غنية النز وع: 213، المكاسب: 3، السطر 32-35.

بذلك(1).

لأنّا نقول: هو مختصّ بما اذا كان جميع انتفاعات الشىء محرّمة لعدم صدق كون العين الخارجىّ محرّما بقول مطلق إلّا إذا كان جميع منافعه المقصودة محرّمة ولم يثبت فى المقام حرمة جميع منافع أبوال ما لايؤكل لحمه كما لايخفى.

وثالثاً: كما يقال: إنّه لا دليل على أنّ النجاسة بما هى النجاسة توجب حرمة البيع.

أجيب عنه: بإمكان الاستدلال برواية تحف العقول حيث قال عليه السّلام فيها: «أو شىء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام محرّم لأنّ ذلك كلّه منهىّ عن أكله و شربه ولبسه وملكه وإمساكه و التقلّب فيه فجميع تقلّبه فى ذلك حرام»(2).

و فيه: أنّها ضعيفة سندا واستناد الأصحاب اليها غير ثابت. هذا مضافاً إلى ما فى مصباح الفقاهة من اشمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الأصحاب و من أهل السنّة كحرمة بيع جلود السباع والانتفاع بها و إمساكها و جميع التقلّب و التصرّف فيها مع أنّ الروايات المعتبرة إنّما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها.

إلى أنّ قال: مضافاً إلى أنّ ظاهرالرواية هو حرمة بيع الاُمور المذكورة تحريماً تكليفيا ويدلّ على ذلك من الرواية قوله عليه السّلام: «فهو حرام بيعه وشرائه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه»(3)، فإنّ الإمساك و التقلّب يشمل جميع أنواع التصرّف حتّى الخارجىّ منه ولا معنى لحرمته وضعاً. و الفقهاء قدّس سرّه لم يلتزموا فى أكثر المذكورات بذلك و إنّما ذهبوا إلى الحرمة الوضعيّة واستفادوا ذلك من النهى فى أبواب المعاملات نظير النهى عن البيع الغررىّ فإنّ معناه الإرشاد إلى بطلان ذلك البيع.


1) الخلاف 185:3، المسألة 310، السرائر 113:3.

2) تحف العقول: 333، ط: مؤسسة النشر الإسلامى.

3) المصدر السابق.

إنتهى(1).

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ عدم الافتاء ببعض فقراتها لايضرّ بصحّة سائر فقراتها لو ثبت استناد الأصحاب اليها. هذا مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ ماورد فى حرمة العذرة يكفى لإثبات الحرمة فى الأعيان النجسة و إن كان لها منفعة محلّلة وسيأتى (إن شاء اللّه تعالى) بيانه. و ممّا ذكر يظهر ما فى جامع المدارك حيث قال: «بل لو ثبتت الحرمة بالنصّ ويكون منهيّا عنه يمكن القول باختصاصه بما إذا لم يكن له منفعة شائعة لانصراف الدليل عمّا له منفعة شائعة» انتهى(2).

لما عرفت من أنّ العذرة مع أنّ لها منفعة كالتسميد وهى منفعة شائعة لا يجوز معاملتها.

فالأقوى كما ادّعى عليه الإجماع هو حرمة بيع الأبوال النجسة سواء كان لها منفعة معتدّة بها أم لا. نعم لابأس بأن يقابل بشىء من المال من جهة حقّ الاختصاص.


1) مصباح الفقاهة 8:1، ط: مؤسسة أنصاريان.

2) جامع المدارا 2:3.

فرع:

و هو أنّه هل يجوز بيع الأبوال الطاهرة أم لا؟ يمكن القول بجواز ذلك لو كانت لها منفعة شائعة مقصود للعقلاء و إن قلنا بحرمة شربها للاستخباث فضلا عمّا إذا قلنا بجواز شربها اختياراً كما حكى عن جماعة فانّ عمومات البيع يشملها.

نعم لو كانت المنفعة غير شائعة لايصحّ المعاملة حينئذِ و إن كان شربها جائزا لعدم الماليّة العرفيّة وانصراف الأدلّة عنها.

قال فى مصباح الفقاهة: لادليل على اعتبار الماليّة فى البيع و إنّما المناط صدق عنوان المعاوضة عليه و أمّا ما عن «مصباح اللغة)» من «أنّ البيع هو مبادلة مال بمال» فلايكون دليلا على ذلك لعدم حجّيّة قوله. انتهى(1).

ويمكن أن يقال: لاحاجة إلى قول اللغوىّ مع مانراه من صحّة سلب البيع عرفا عن مبادلة ما لا ماليّة له بما لا ماليّة له إلّا مجازا. بل الأمر كذلك ولو قلنابأنّ البيع هو المعاوضة فإنّ التمليك المذكور فى مقابل شىء بعنوان العوضيّة لايكون إلّا فيما اذا كان لكلّ واحد من الطرفين له قيمة ماليّة ورغبة عرفيّة إذ بدون ذلك لا داعى للتمليك و المعاوضة كما لا يخفى.


1) مصباح الفقاهة 34:1، ط: موسسة أنصاريان.

وعليه فإذا كان شىء من الأشياء خاليا عن المنافع الشائعة العقلائيّة لم يصحّ بيعه وشرائه بخلاف ما إذا كان له منفعة عقلائيّة، شائعة فالتداوى به فى بعض الأحيان مع أنّه ليس دواء لا تكفى فى صحّة المعاملة فانّ اللازم فى صحّتها هو أن يكون المنفعة شائعة بحيث تكون قابلة للتوجّه عند العقلاء ومع الندرة لا اعتداد بها عند العقلاء.

هذا بخلاف ما اذا كان الشىء هو الدواء فانّ التداوى به لبعض الأوجاع منفعه عقلائيّة معتدّة بها فلا يقاس غير الدواء بالدواء.

كلّ ذلك بحكم العرف لأنّ التداوى بغير الدواء محكوم بالعدم دون الدواء فلا تغفل.

وممّا ذكر يظهر عدم صدق البيع فيما إذا كان المبيع بنظر المتبايعين مالا دون سائر العقلاء فإنّ المعيار هو الماليّة العرفيّة.

أبوال الإبل:

ربّما استثنى بول الإبل ويقال بجواز بيعه ولو كانت المنفعة فيه نادرة، واستدلّ له بمارواه محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمدبن محمّد بن عيسى عن بكر بن صالح عن الجعفرى قال سمعت أبا الحسن موسى عليه السّلام يقول: أبوال الإبل خير من ألبانها و يجعل الله الشفاء فى ألبانها(1).

فإنّه يدلّ على جواز شربه للاستشفاء فى حال الاختيار فضلاً عن حال الضر ورة والاضطرار.

اُورد عليه فى مصباح الفقاهة أوّلاً: «بضعف السند (بسبب بكر بن صالح).

وثانياً: بأنّه لابدّ من تقييده بحال الضرورة بمفهوم موثقة عمّار المرويّة فى التهذيب


1) الوسائل 87:17، الباب 59 أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 3.

باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدّق بن صدقة وعن عمّار بن موسى عن أبى عبدالله عليه السّلام قال سئل عن بول البقر يشربه الرجل قال: ان كان محتاجا إليه يتداوى بشربه وكذلك أبوال الإبل و الغنم.

وعليه فيختصّ جواز شربه بالتداوى فى حال الضرورة.

وثالثا: (بأنّه لا إطلاق لها بالنسبة الى الحكم التكليفىّ‌) فإنّ رواية الجعفرى ليست بصدد بيان الجواز التكليفىّ بل هى مسوقة إلى بيان الوجهة الطبّيّة و أنّ أبوال الإبل ممّا يتداوى بها الناس ويدلّ على ذلك قوله عليه السّلام فى ذيل الرواية: ويجعل الله الشفاء فى ألبانها» انتهى(1).

وكيف كان فمع تجويز شربه فى حال الاضطرار و الحاجة ليس ذلك منفعة شائعة له و عليه يصير كغيره فى عدم جواز البيع ونحوه بل لو جاز شربه فى حال الاختيار لم يجز بيعه أيضاً لعدم كون شربه شائعاً فلا تعدّ منفعة عقلائيّة شائعة.

واستدلّ له ايضا بالإجماع المنقول على جواز البيع كما عن جامع المقاصد(2)ولو قلنا بعدم جواز شرب بول الإبل إلّا للضرورة.

اُورد عليه الشيخ الأعظم فى المكاسب «بأنّ الإنصاف أنّه لو قلنا بحرمة شربه اختياراً أشكل الحكم بالجواز إن لم يكن إجماعيّا كما يظهر من مخالفة العلاّمة فى النهاية وابن سعيد فى النزهة(3). قال فى النهاية: وكذلك البول، يعنى يحرم بيعه وان كان طاهرا للاستخباث كأبوال البقر و الإبل و إن انتفع به فى شربه للدواء لأنّه منفعة جزئيّة نادرة فلا يعتدّ بها(4). انتهى ما حكاه عن النهاية. ثمّ زاد عليه بقوله فى تعليل


1) مصباح الفقاهة 38:1.

2) جامع المقاصد 14:4.

3) نزهة الناظر: 78.

4) نهاية العلامة 463:2.

حرمة البيع: بل لأنّ المنفعة المحلّلة للاضطرار و إن كانت كليّة لا تسوّغ البيع.» انتهى(1).

و لا يخفى عليك أنّ المستفاد من قوله رحمه الله: «لو قلنا بحرمة شربه اختيارا أشكل الحكم بالجواز» أنّه لا إشكال فى جواز البع لو قلنا بجواز شربه اختيارا مع أنّ شرب بول الإبل ليس شائعا فى هذا الحال أيضا حتّى يكون ممّا له منفعه عقلائيّة شائعه وعليه فجواز البيع مشكل لاعتبار المنفعة الشائعة.

هذا مضافاً إلى أنّ مفاد قوله «إن لم يكن اجماعيّاً» أنّه لا اشكال فيما إذا ثبت الإجماع على جواز البيع مع أنّه من المحتمل أنّ مستندهم فى دعوى الاجماع هى الروايات المذكورة و قد عرفت أنّها لاتدلّ على جواز البيع ومحرّد جواز الشرب فى حال الضرورة أو الأعمّ لايوجب آن يكون بول الإبل ممّا له منفعة شائعة حتّى يصحّ البيع فيه.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ أصحابنا القدماء أجلّ شأنا من أن. يستفيدوا جواز البيع من هذه الروايات فاذا اتّفقوا على جواز البيع كشف ذلك عن وجود دليل آخر يدلّ على جواز بيع أبوال الإبل ويؤيّد ذلك أنّ الروايات تدلّ على جواز شرب بول البقر والغنم أيضاً. فلو كانت الروايات مستندة للحكم لم يذهبوا إلى جواز بيع خصوص بول الإبل كما لا يخفى.

فتحصّل أنّه لا دليل على استثناء بول الإبل عن سائر أبوال مايؤكل لحمه فحكمه حكمها فإن ترتّب عليه المنفعة العقلائيّة الشائعة الغير المختصّة بحال الاضطرار جاز بيعه وإلّا فلا وأيضا لو سلّمنا تمامية الأدلّة المذكورة فلاوجه لاختصاص جواز البيع بأبوال الإبل مع ذكر بول البقر و الغنم أيضاً فى موثقة عمّار بن موسى فلا تغفل.


1) المكاسب: 4، السطر 9-14.

ثانيها: العذرة النجسة

وفى الخلاف: «اجماع الفرقة على تحريم بيع السرجين النجس خلافا لأبى حنيفة»(1).

وفى المبسوط: إنّ سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الإنسان و خرء الكلاب لايجوز بيعها(2).

وفى التذكرة: لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منّا. الى ان قال: ولأنّه رجيع نجس فلم يصحّ بيعه كرجيع الآدمىّ‌»(3).

ظاهره مفروغيّة عدم جواز بيع رجيع الآدمىّ و إنّما ألحق غيره من العذرات النجسة به كما لا يخفى.

وفى نهاية الأحكام: «بيع العذرة و شرائها حرام اجماعا، لوجود المقتضى، و كذا البول و إن كان طاهرا لاستخباثه كأبوال البقر و الإبل وان انتفع به فى شربه للدواء لأنّه لمنفعة جزئيّة نادرة فلا يعتدّ بها إذ كلّ شىء يفرض من المحرّمات لايخلو عن منفعة كالخمر للإبقاء فى يده للتخليل، والعذرة للتسميد و الميتة لأكل جوارح الصيد ولايعتبر ها الشارع»(4).

ولعلّ الظاهر منه أنّ التسميد من المنافع النادرة و هو كما ترى.

وفى المنتهى: «الإجماع على عدم جواز بيع السرجين النجس»(5).


1) الخلاف 185:3.

2) المبسوط 167:2.

3) التذكرة 31:10، ط: مؤسسة آل البيت عليه السّلام.

4) نهاية الأحكام 463:2.

5) المنتهى 1008:1، ط: قديم.

وفى الغنيه: «منع بيع سرقين(1)ما لا يؤكل لحمه»(2).

واستدلّ بما رواه فى التهذيب بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن علىّ بن مسكين (سكن خ ل) عن عبداللّه بن وضّاح عن يعقوب بن شعيب عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: «ثمن العذرة من السحت»(3).

وفى مرسل الدعائم عن جعفر بن محمّد عن ابيه عن آباته عن علىّ عليه السّلام: انّ رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم نهى عن بيع العذرة، وقال: هى ميتة(4).

أورد عليهما بالحهالة كما فى سند التهذيب حيث كان علىّ بن مسكين أو سكن محهول وبالإرسال كما فى سند الدعائم.

ولكن أجاب عنه فى الجواهر «بأنّه غير قادح بعد الانجبار بما عرفت. مضافاً الى ما سمعته سابقاً من الأدلّه على تحريم التكسّب بالأعيان النجسة التى هذه منها، و إلى أنّ البيع مشروط بالملك و العذرات غير مملوكة باتّفاق علمائنا كما قيل، بل هى و الأبوال و الدماء ليست من المتموّلات عرفاً ولذا لم يضمنها من أتلقها» انتهى(5).

أورد عليه فى مصباح الفقاهة «بأنّ التحقيق أنّه لا يجوز العمل بروايات المنع بوجهين: الأوّل: عدم استيفائها شرائط الحجّيّة بنفسها، أمّا رواية ابن شعيب فلضعف سندها لا للإرسال كما زعمه صاحب الجواهر اغترارا بإرسال العلاّمة فى المنتهى بل لجهالة على بن مسكين أو سكن و كذا رواية دعائم الاسلام. وتوهّم انجبارهما بعمل


1) قال الفيومى: السرجين: الزبل، كلمه أعجمية و أصلها سركين بالكاف فعربت الى الجيم والقاف فيقال سرقين أيضاً. المصباح المنير.

2) غنية النزوع: 213.

3) تهذيب الأحكام 372:6. الاستبصار 56:3، 183، الوسائل 12: الباب 40 أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

4) دعائم الاسلام 2:18.

5) جواهر الكلام 17:22.

المشهور توهّم فاسد فانّه مضافاً الى فساد الكبرى أنّ الحكم غير مختصّ بالعذرة بل شامل لغيرها من النجاسات» انتهى(1).

وفيه:

أوّلاً: انّ معاقد بعض الإجماعات هى العذرة.

ثانياً: انّ العذرة كما عن بعض أهل اللغة لا تختصّ بعذرة الإنسان.

ثالثاً: لعلّ الأصحاب نعدّوا فى الحكم من عذرة الإنسان إلى مطلق السرجين النجس أو مطلق النجاسات بإلغاء الخصوصيّة. فالحكم بالتعميم لاينافى العمل با لر و ا ية.

رابعاً: انّا لانسلّم فساد الكبرى لأنّ عمل المشهور بالخبر مع العلم بالاستناد يكشف عن الوثوق بالصدور عادةً و هو حجّة عند العقلاء كما أنّ الوثوق بالرواة حجّة عندهم.

خامساً: إنّ ظاهر الجواهر أنّه جعل وجه الضعف فى رواية يعقوب بن شعيب هو الجهالة لا الإرسال فراجع(2).

نعم يمكن الإيراد على صاحب الجواهر بأنّه ليس فى المقام دليل عامّ يدلّ على تحريم التكسّب بعموم الأعيان النجسة كما مرّ فى الأبوال(3). مضافاً إلى أنّ الاتّفاق على عدم ملكيّة العذرات فيما إذا لم يكن لها منفعة معتدّة بها لايلازم عدم الملكيّة فيما إذا كانت لها منفعة معتدّة بها، هذا مع إمكان أن يقال: أنّ جهة حقّ الاختصاص تكفى لصحّة المقابلة بشىء من الأموال.


1) مصباح الفقاهة 49:1، ط: مؤسسة أنصاريان.

2) الجواهر 17:22، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

3) المصدر السابق.

فالعمدة هى هذه الرواية وهى منجبرة بالإجماع إلّا انّ فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «انّ سرجين معرّب «سرگين» لايطلق على عذرة الانسان والشاهد على أنّ المراد منه غيرها عطف العذرة على السرجين فى قوله فى محكى المبسوط: إنّ سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الإنسان وخرء الكلاب لايجوز بيعها.

و تشبيه رجيع غير الآدمىّ بالآدمىّ فى قول العلاّمة فى التذكرة: لأنّه رجيع نجس فلم يصحّ بيعه كرجيع الآدمىّ‌(1). إذالظاهر منهما أنّ المراد بالسرجين غير ما للآدمىّ‌.

فاتّضح بطلان نسبة حكاية الإجماع على عدم جواز بيع عذرة الإنسان إلى الشيخ و العلاّمة فى التذكرة.

هذا مضافاً إلى أنّ محط الإجماع فى التذكرة عدم جواز بيع ما حرّمت منافعه دون ما حلّت و قد تقدّم أنّ الانتفاع بالعذرات جائز قطعاً. ومضافا إلى أنّ دعوى الاجماع فى هذه المسألة التى تراكمت فيها الأخبار و الأدلّة مشكلة.

وكبف كان يشكل اثبات شهرة فى بيع عذرة الانسان للمنافع المحلّلة بحيث يرجّح بها الرواية الدالّة على عدم الجواز، أو تترك بها ما دلّت على الجواز. فلأشبه بالقواعد هو الجواز - ثمّ عدل عن الإشكالات المذكورة واختار ترجيح عدم الجواز - من حيث عدم العثور على استثناء أحد عذرة الإنسان من عدم جواز بيع الأعيان النجسة وظهور كلماتهم فى مطلق العذرات النجسة هذا مع احتمال أن يكون مرادهم بالسرجين النجس مطلق العذرات - كما يشهد لذلك عطف خرء الكلاب مع أنّه من السرجين فالعطف لايدلّ على المغايرة - بل لعلّهم أرسلوا الحكم فى عذرة الإنسان إرسال المسلّمات كما يدلّ عليه عبارة العلّامة حيث جعلها مفروغاً عنها (مع ما فيها من منفعة التسميد) ويدلّ عليه ما عن الشيخ فى الاستبصار فى مقام جمع الأخبار


1) التذكرة 31:10، المسألة 10، ط: مؤسسة آل البيت.

بحمل أخبار المنع على عذرة الإنسان فإنّه حاك عن مفروغيّة حرمة بيعها كما لا يخفى.

وغير ذلك من المرجّحات؛ هذا.

وعليه فالرواية الدالّة على ممنوعيّه بيع العذرة وهى رواية يعقوب بن شعيب(1)منجبرة بعمل الاصحاب وهى تدل على حرمة البيع وبطلانه.

هذا مضافاً إلى موثقة سماعة الدالّة على أنّ بيع العذرة وثمنها حرام بناءٌ على عدم معارضتها مع ذيلها الدالّ على عدم البأس بالعذرة لكون الذيل رواية اُخرى كما يشهد لذلك قرائن متعدّدة(2).

وكيف كان ففى قبال الروايات المذكورة ما رواه فى التهذيب يإسناده عن أحمد بن محمّد عن الحجال عن ثعلبة عن محمّد بن مضارب عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: لابأس ببيع العذرة(3).

والرواية موثقة؛ لأنّ صفوان روى عن محمّد بن مضارب و هو كاف فى وثاقته فإنّ صفوان لايروى الّا عن ثقة هذا مضافاً إلى أنّه روى عنه فى كامل الزيارات أيضا ثم احتمال أن يكون هو محمّد بن مصادف غير ثابت، و مع قبول الاحتمال فهو ممّن روى عنه فى كامل الزيارات فتأمّل. ووثّقه الوحيد البههانىّ‌، ولايضرّ تضعيف ابن الغضائرىّ لمحمّد بن مصادف، فإنّه مع تعارض توثيقه فى كتابه الآخر(4)لا وقع لتضعيفاته، مضافاً إلى ما فى معجم الرجال من أنّ الكتاب المنسوب الى ابن الغضائرىّ


1) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به الباب 40 ح 1.

2) المصدر السابق: 2.

3) المصدر السابق: 3.

4) راجع جامع الرواة 201:2؛ ولا. يخفى إنّ المنسوب لابن الغضائرى كتابان أحدهما كتاب الثقات و ثانيهما كتاب الضعاف، هذا مضافاً إلى أنّ له الفهرست ولكنّه مفقود على ما ذكره الشيخ الطوسى قدّس سرّه.

لم تثبت صحّته فلا اعتماد على ما نقل عنه توثيقا وتضعيفا(1).

وقال فى مصباح الفقاهة أيضاً: «و أمّا تخيّل ضعف رواية الجواز من ناحية السندففيه:

أوّلاً: أنّه محض اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف و توهّم أنّ الأوّل غبر موجود فى كتب الرجال فاسد فإنّه مضافاً إلى كونه مذكورا فيها ومنصوصا بحسنه، أنّه قد اتّفقت أصول الحديث على نقل رواية الجواز عنه، ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف.

ثانياً: أنّ اختصار الكلينىّ بنقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير إلى اعتبارها كما هى كذلك لكون رواتها بين ثقاة وحسان. انتهى(2)، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى عليك انه احتمل المحقّق السبزوارىّ حمل خبر المنع على الكراهة واستبعده الشيخ قدّس سرّه فى المكاسب(3)، ولعلّ وجهه هو ظهور كلمة «السحت» فى البطلان و الحرمة فلا. يساعد الصحّة مع الكراهة. ولذا قال فى الجواهر: إنّ لفظ السحت و الحرام - كالصريح - فى خلاف الكراهة(4).

اُورد عليه فى مصباح الفقاهة: أوّلاً: بأنّ لفظ «السحت» قد استعمل فى الكراهة فى عدّة من الروايات على أشياء ليست بحرام، بل هى مكروهة - كثمن جلود السباع وكسب الحجّام و أجرة المعلّمين الذين يشارطون فى تعليم القرآن وقبول الهديّة مع قضاء الحاجة - و قد نصّ فى اللغة بصحّة استعمال لفظ «السحت» فى المكروه أيضاً


1) معجم رجال الحديث 102:1، ط: النجف.

2) مصباح الفقاهة 51:1 و 52، ط: مؤسّسة أنصاريان.

3) المكاسب 4، السطر 20.

4) الجواهر 19:22، السطر 6 و 7، ط: دار احياء التراث العربى - بيروت.

• وفى نهاية ابن الأثير: «السحت» كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه(1).

وثانياً: لو سلّمنا أنّ حمل لفظ «السحت» على المكروه خلاف الظاهر، فلا بأس به اذا اقتضاه الجمع بين الدليلين. انتهى(2).

و فيه أوّلاً: أنّ استعمال «السحت» فى بعض الموارد و المقامات يكون لإفادة المبالغة فى الكراهة، ولايكون شاهداً على اشتراك «السحت» بين الحرام و المكروه من دون عناية وعلقة، ألا ترى أنّ مادّة الوجوب مع كونها ظاهرة فى اللزوم استعملت أحياناً فى المستحبّات الأكيدة لافادة تأكّدها ولايكون ذلك الاستعمال شاهدا على كونها مشتركة بين اللزوم والاستحباب، وليس ذلك إلّا لأنّ الاستعمال المذكور لإفادة المبالغة.

وثانياً: لو سلّمنا أنّه مشترك بين المكروه و الحرام لكن يحتاج إرادة كل واحد منهما إلى قرينة معيّنة وعليه يمكن أن يقال: إنّ إسناد «السحت» إلى الثمن يعيّن أنّ المراد منه هى الحرمة، إذ لا معنى لكراهة الثمن بخلاف حرمة الثمن.

ودعوى أنّ عناية تعلّق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلّق الحرمة به كما ترى.

وثالثاً: أنّ مع تسليم ظهور «السحت» فى الحرام لا مجال للجمع بينه وبين كلمة «لا بأس» بالحمل على الكراهة كما لو صرّح بحرمته.

نعم لو قيل إنّه لو كانت كلمة «لا تفعل» بدل كلمة «السحت «لكان الجمع بينهما بالحمل على الكراهة جمعاً عرفيّاً كما لا يخفى.

فاتّضح من ذلك: أنّ الروايتين المتقدّمتين متعارضتان، ولهذا استبعد الشيخ رحمه الله


1) نهاية ابن الأثير 345:2، ط: دار الفكر - بيروت - و كذا فى لسان العرب 251:3، ط: دار صادر - بيروت.

2) مصباح الفقاهة 47:1-49.

حمل السحت على الكراهة(1). و قد عرفت: أنّ وجه الاستبعاد هو أنّ كلمة «حرام» و «سحت» ظاهرتان فى الحرمة إن لم نقل - كما فى تعليقة الإيروانىّ قدس سره - إنّهما صريحتان فى الحرمة أو ممّا يقرب من الصراحة(2).

ثمّ لايذهب عليك أنّه جمع الشيخ الطوسىّ قدّس سرّه بينهما بحمل الأوّل على عذرة الإنسان و الثانى على عذرة البهائم(3).

واستوجهه الشيخ الأعظم الأنصارىّ قدّس سرّه بقوله: «ولعلّه لأنّ الأوّل نصّ فى عذرة الإنسان ظاهر فى غيرها بعكس الخبر الثانى فيطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر ويقرّب هذا الجمع موثّقة سماعة قال: «سئل رجل أبا عبدالله عليه السّلام و أنا حاضر، عن بيع العذرة، فقال: إنّى رجل أبيع العذرة فما تقول: قال عليه السّلام: حرام بيعها و ثمنها. وقال عليه السّلام:

لا بأس ببيع العذرة»(4)، فإنّ الجمع بين الحكمين فى كلام واحد لمخاطب واحد يدلّ على أنّ تعارض الأوّلين ليس إلّا من حيث الدلالة فلايرجع فيه إلى المرجّحات السندية أو الخارجيّة»(5).

يمكن أن يقال: إن اُريد بالجمع المذكور أنّه جمع عرفىّ لوجود القدر المتيقّن فى كلّ طرف و هو يوجب المنصوصيّة و الظهور فى كليهما فيحمل ظهور كلّ طرف على نصّ الآخر؛ ففيه: إنّ القدر المتيقّن الخارجى لايوجب فى اللفظ نصّاً أو ظهورا، وعليه فلايكون الجمع المذكور جمعاً دلاليّاً ولذلك قال الإيروانىّ‌: «إنّ حمل الروايتين على المتيقّن بالمعنى المذكور خارج عن صناعة الجمع الدلالى»(6).


1) المكاسب: 4، السطر 20.

2) حاشية الايروانى على المكاسب: 4، السطر 30، ط: قديم.

3) الخلاف 185:3، المسألة: 310، ط: مؤسّسة النشر الاسلامى.

4) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 40، ح 3.

5) المكا سب: 4، السطر 16.

6) حاشية الايروانى على المكاسب: 4، السطر 24 و 25، ط: قديم.

و إن أريد بالجمع المذكور أنّه جمع له شاهد روائى؛ ففيه: إنّ شاهد الجمع فيما إذا كانت الرواية واحدة و واضحة الدلالة ولم يلزم من خروج خرء ما يؤكل لحمه عن العذرة استهجان لإخراج الأكثر.

و أمّا مع احمال كون قوله عليه السّلام «لا بأس» رواية اُخرى غير متّصله مع قوله عليه السّلام «حرام بيعها وثمنها». فلا تكون الرواية شاهدة حينئذِ، بل يؤول الأمر إلى وجود معارض آخر فى قبال مايدلّ على حرمة بيعها و ثمنها، و عليه فلا تكون الرواية شاهدة، إلّا اذا ثبت كونهما رواية واحدة و هو غير محرز، بل ربّما ذكر وجوه لتأييد تعدّد الر وا ية:

منها: اقتران كلمة قال فيها بالواو فإنّ الواو لمطلق الجمع.

و منها: المظهر فيها موضع المضمر فإنّها لو كانت الرواية واحدة لكان للإمام عليه السّلام أن يقول: «لا بأس ببيعها» بدل قوله: لابأس ببيع العذرة.

ومنها: إنّها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة، اذن لزم أن يكرّر السائل سؤاله عن جواز بيع العذرة، إذ الراوى إمّا أن يكون بائعاً للقسم النجس أو غيره أو القسمين. وعلى كلّ تقدير لابدّ من جواب مناسب لحاله ولا نفهم المناسبة.

ولتلك الاُمور قال فى مصباح الفقاهة: ينكشف من تلك القرائن تعدّدها وانّ سماعة لمّا نقل رواية المنع ألحقها برواية الجواز تفهيما للمعارضة. انتهى(1).

و قال فى جامع المدارك: فلا يبعد أن يكون قوله المحكى: «لا بأس.. الخ» كلاماً آخر غير متّصل بالكلام الأوّل، فإنّ الواو لمطلق الجمع فالتعارض بين الروايتين باق بحاله. انتهى(2).


1) مصباح الفقاهة 50:1، ط: مؤسّسة أنصاريان.

2) جامع المدارك 4:3، ط: اسماعيليان.

ولا أقلّ من الشك، فاحتمال التعدّد يخرج الرواية عن كونها شاهدة على الجمع فلاتغفل.

هذا، مضافاً إلى أنّه مع ابهام الرواية وإجمالها ولو مع احراز الوحدة لاتصلح شاهدة على الجمع؛ إذ المفروض أنّ الرواية غير واضح الدلالة، وعلى فرض وحدة الرواية ووضوح الدلالة يشكل إخراج خرء مأكول اللحم عن العذرة، بناء على أنّها ظاهرة فى مطلق خرء الحيوان، لاستلزامه - كما فى المكاسب المحرّمه لسيّدنا المجاهد الإمام الخمينى قدّس سرّه(1)- إخراج ما هو أكثر تداولا، أى ما هو لجميع صنوف الحيوانات المحلّلة اللحم للزرع و الطبخ و الحمّامات وسائر احتياجات الناس، وبقاء عنوان واحد هو عذرة الإنسان فقط، لأنّ المعهود فى بيع العذرات النجسة ليس الّا عذرة الإنسان، ولا إشكال فى استهجان هذا التقييد، فبقى الخبران فى حكم المتعارضين، فتأمّل.

و أمّا بناء على اختصاص العذرة بفضلات الإنسان فالأخبار متعارضة أيضا لو كانت حجّة فى نفسها، كما هو المفروض؛ وممّا ذكر يظهر أنّ الأخبار على كلّ تقدير متعارضة.

وإلى بعض ما ذكر أشار فى جامع المدارك حيث قال: وعلى فرض التسليم أيضاً يشكل ما ذكر من جهة انّ المطلق كالعامّ بمنزله القانون لابدّ فيه من الغلبة، فمع تساوى أفراد أحد القانونين المختلفين لا غلبة فى البين، ومع أكثريّة أفراد أحدهما يخرج الآخر عن القانونيّة، فالتعارض باق بحاله، وعليه فاللازم هو ملاحظة أحكام المتعارضين»(2).

فالأقوى هو تعارض الأخبار وعدم شاهد للجمع، قال الشيخ الأعظم


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى 61:1.

2) جامع المدارك 4:3.

الأنصارىّ‌: رواية الجواز لايجوز الأخذ بها من وجوه(1). وظاهره هو اختيار حرمة بيع العذرة؛ ولعلّ ذلك من جهة عدم صحّة سند ما يدلّ على الجواز عنده، مضافاً الى إعراض الأصحاب عنه.

ولكن عرفت صحّة السند، فلا وجه لعدم الأخذ بما دل على الجواز من جهة عدم صحّة السند، و أمّا الإعراض فيمكن أن يقال: إنّه لم يحرز، مع احتمال أن يكون الأخذ بما دلّ على المنع من باب الاجتهادات و الترجيح.

وعليه فأطراف التعارض لاتسقط عن الحجّيّة الذاتيّة، ويمكن الأخذ بالتخيير الخبرى، فلاوجه لطرح ما دلّ على الجواز.

ولكنّ الإنصاف أنّ احمال الاجتهاد و الترجيح مخصوص بما إذ ا كان دلالة الخبرين غير واضحة، فيحتمل حينئذ أن يكون وجه ذهابهم إلى طرف من جهة استنباطهم لا إعراضهم من طرف آخر. و أمّا إذا كانت الدلالة واضحة كمقامنا هذا فإنّ الحرمة مع الجواز متنافيان، فلا مجال إلّا للإعراض، فبإعراضهم سقط الطرف الآخر عن الحجّيّة الذاتيّة. فالمعتبر هو أخبار المنع، فإنّ الشهرة حينئذٍ من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة، لا من مرجّحات الحجّة على الحجّة.

وممّا ذكر يظهر ما فى مصباح الفقاهة حيث زعم أنّ الشيخ قدّس سرّه رجّح الأخبار المانعة بالشهرة فاُورد عليه بقوله: إنّ ما يوجب ترجيح أحدى الروايتين على الأخرى عند المعارضة هى الشهرة فى الرواية دون الشهرة الفتوائيّة.

هذا مضافاً الى أنّ ابتناء الشهرة الفتوائيّة على رواية المنع ممنوع جدّاً؛ فإنّ تلك الشهرة غير مختصّة ببيع العذرة، بل هى جارية فى مطلق النجاسات، ولو سلّمنا


1) المكاسب: 4، السطر 22.

ابتنائها عليها لايوجب انجبار ضعف سند الرواية(1).

لما عرفت من أن الشهرة الفتوائيّة على أحد الأطراف من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة لا من المرجّحات.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: والظاهر انّ المراد من المجمع عليه بين الأصحاب والمشهور الواضح بينهم هو الشهرة الفتوائيّة لا الروائيّة، فإنّ معنى المجمع عليه بينهم والمشهور لديهم ليس إلّا هى، كما إنّ الموصوف بأنّه لاريب فيه هو الذى عليه الشهرة الفتوائيّة بحيث كان مقابله الشاذّ النادر، و أمّا نفس شهرة الرواية مجرّدة عن الفتوى فهى مورّثة للريب بل للاطمئنان أو اليقين بخلل فيها بخلاف ما إذا اشتهرت رواية بين الأصحاب بحسب الفتوى بحيث صار مقابله الشاذّ النادر فانّها تصير لأجله ممّا لاريب فيها. ومعلوم أنّ مراده من قوله: «انّ المجمع عليه لاريب فيه» ليس جعل التعبّد بذلك، بل تنبيه بأمر عقلائى ارتكازى بين العقلاء؛ فإنّ الإجماع والاشتهار بين بطانة كلّ رئيس يكشف عن رضاه به، فإحدى الروايتين اذا كانت بهذه الصفة يؤخذ بها وبالحكم المستند إليها ويترك الشاد المقابل لها، و قوله: «إنّما الاُمور ثلاثة... إلخ» كالتعليل لقوله: «يؤخذ بالمجمع عليه ويترك الشاذّ» فإنّ الاُمور مطلقاً لاتخلو من بيّن الرشد فيتّبع و المجمع عليه كذلك، و بيّن الغىّ فيجتنب و الشاذّ النادر كذلك، وأمر مشكل(2).

وعليه فتكون الشهرة الفتوائيّة فى المقام مميّزة الحجّة عن اللاحجّة، وليست بمرجّحة.

ثمّ إنّ مجرّد تعميم قولهم بالنسبة إلى النجاسات لا يكون شاهداً على عدم


1) مصباح الفقاهة 51:1.

2) التعادل و الترجيح، تأليف الإمام الخمينى قدس سره: 175.

الابتناء؛ لإمكان استنادهم الى روايات المنع، ولكن تعدّوا عن موردها الى جميع النجاسات؛ لعدم الخصوصيّة، هذا مضافاً إلى عدم الحاجة الى الشهرة بعد وجود موثقة سماعة بناء على تعدّدها وعدم وحدتها كما هو الظاهر.

فاتّضح ممّا ذكر أنّ ما ذهب إليه الشيخ من الأخذ بما دلّ على المنع أقوى، فلا يجوز بيع العذرة و إن كانت لها منفعة محلّلة كالتسميد.

ثمّ إنّه يقع الكلام فى أنّ المحرّم هل هو بيع مطلق العذرة أو عذرة الانسان‌؟ قال الشيخ قدّس سرّه: إن قلنا: إنّ لفظ العذرة ظاهر فى عذرة الإنسان كما حكى التصريح به عن بعض أهل اللغة(1)فثبوت الحكم فى غير ها بالأخبار العامّة المتقدّمة وبالإجماع المتقدّم على السرجين النجس.

واستشكل فى الكفاية(2)فى الحكم تبعا للمقدّس الأردبيلىّ‌(3)إن لم يثبت الإجماع، و هو حسن الّا أنّ الاجماع المنقول هو الجابر لضعف سند الأخبار العامّة السا بقة(4). انتهى.

ولعلّ وجه الجبر هو أنّ نقل الإجماع فى الخلاف بمنزلة خبر عدل واحد على العمل بمضمون الأخبار العامّة؛ فانّ المفروض هو عدم شمول العذرة لعذرة ما عدا الإنسان ممّا لايؤكل لحمه، فذهاب المجمعين الى حرمة بيع العذرة النجسة من غير الإنسان دليل على عملهم بالأخبار العامّة فيما إذا كان ناقل الإجماع فحص عن آرائهم ولم يحدس، ووجد آراءهم على العمل بمضمون الأخبار العامّة.

وفيه: أنّه لا حاجة إلى الأخبار العامّة السابقة وجبران ضعفها بالإجماع


1) نهاية ابن الأثير 199:3.

2) كفاية الإحكام: 84، سطر 37.

3) مجمع الفائدة و البرهان 40:8.

4) المكاسب: 4، سطر 22.

المنقول بعد إمكان إلغاء الخصوصيّه؛ اذ عذرة الإنسان لا خصوصيّة لها فى تحريم المعاملة عليها.

وعليه فكلّ عذرة نجسة يكون بيعها وثمنها حرام كعذرة الإنسان.

ولعلّ يؤيّد ذلك بعض معاقد الإجماعات كالسرجين النجس، فانّ العمل لو كان بالأخبار العامّة لزم أن يكون معقد الاجماع هو النجس لا السرجين النجس.

و أمّا ان قلنا بأنّ العذرة أعمّ من عذرة الإنسان فالأمر أوضح؛ لكفاية إطلاقها فى إثبات حرمة جميع العذرات النجسة. نعم يحتاج فى تعميم الحكم إلى جميع النجاسات عدا ما خرج إلى الغاء الخصوصيّة كما لا يخفى.

ثمّ انّ الظاهر أنّ حرمة العذرة مع وجود المنفعة الشائعة كالتسميد ليست من جهة عدم المنفعة المحلّلة المقصودة للعقلاء، بل من جهة نجاستها.

وعليه فيقوى القول بحرمة بيع النجس ولو كان له منفعة عقلائيّة بإطلاق الأخبار المانعة عن بيع العذرة.

اللّهمّ الّا أن يقال: انّ المستفاد من نهاية الاحكام أنّ التسميد من المنافع الجزئيّة النادرة. ولكنّه كما ترى؛ لأنّ التسميد بالعذرة من المنافع الشائعة فى الأعصار و الأمصار.

نعم، حيث كان الممنوع بيعها يمكن القول يجواز المصالحة على حق الاختصاص بها أو على رفع اليد عنها، أو باختصاص المنع بالبيع دون سائر المعاوضات، كما يدلّ عليه لفظ الثمن و البيع فى أخبار المنع فلا تغفل.

فرع:

و هو أنّه هل يجوز بيع الأرواث الطاهرة النى ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة ام لا يجوز؟ قال الشيخ الأعظم الأنصارى قدّس سرّه: الأقوى جوازه وحكى عن الخلاف(1)نفى الخلاف فيه وعن المرتضى الإجماع عليه(2)ولكن حكى عن المفيد(3)حرمة بيع العذرة و الأبوال كلّها إلّا بول الإبل. وظاهره هو تعميم العذرة و الأبوال للطاهرة منها بقرينة استثناء بول الإبل؛ فإنّه يؤيّد تعميم المستثنى منه. وحكى ذلك عن سلّار أيضاً(4).

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: لا أعرف مستندا لذلك إلّا دعوى أنّ تحريم الخبائث فى قوله تعالى: (وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ‌) (5)يشمل تحريم بيعها، وقوله عليه السّلام: «انّ اللّه اذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه(6)إلى أن قال: ويرد على الأوّل أنّ المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالى:

(يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبٰاتِ‌) الأكل لامطلق الانتفاع. وفى النبوى وغيره ما عرفت من أنّ


1) الخلاف 185:3، مسألة 310.

2) راجع منتهى المطلب 1008:2، سطر 35.

3) المقنعة: 587.

4) المراسم: 170.

5) الأعراف: 157.

6) سنن الدارقطنى 7:3، حديث 20، عوالى اللآلى 110:2، حديث 301.

الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشىء بحيث يدلّ على تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة، ومنفعة الروث ليست هى الأكل المحرّم، فهو كالطين المحرّم كما عرفت سابقا(1). انتهى.

ومقصوده من قوله: «ومنفعة الروث ليست هى الأكل المحرّم» أنّ له منافع أخرى ليست بمحرّمة، فلا يدخل فى النبوىّ المذكور؛ بناء على أنّه يدلّ على حرمه معاملة مايكون منافعه المقصودة الغالبة محرّمة.


1) المكاسب: 4، سطر 25.

ثالثها: الدم:

اشارة

قال الشيخ الأعظم قدس سره: يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف، بل عن النهايه وشرح الإرشاد لفخرالدين و التنقيح الإجماع عليه، ويدلّ عليه الأخبار السابقة(1).

اُورد عليه فى مصباح الفقاهة بأنّ الأخبار السابقة - مضافاً إلى ضعف سندها - أنّ المستفاد من رواية تحف العقول(2)هو تحريم مطلق منافع النجس، و هو ممّا لم يفتِ به أحد.

و أمّا الاجماع فهو لا يختصّ بالمقام، و إنّما هو الذى ادّعى قيامه على حرمه مطلق بيع النجس، و مدركه هى الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامّة وغير ها، والّا فليس هنا إجماع تعبّدى ليكشف عن رأى المعصوم(3).

يمكن أن يقال: - مضافاً الى إمكان العمل ببعض فقرات الأخبار السابقة، فلا يضرّ عدم الفتوى بتحريم مطلق منافع النجس - إنّ حرمة بيع العذرة مع أنّ لها منفعه التسميد تكفى كما عرفت بعد إلغاء الخصوصية لحرمة مطلق النجاسات، ويؤيّده الإجماع المحكى على حرمة مطلق بيع النجس، ومرفوعة الواسطى الدالّة على أنّ عليّاً عليه السّلام مرّ بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم


1) نفس المصدر: 30، نهاية الاحكام 463:2، التنقيح 5:2.

2) تحف العقول: 331.

3) مصباح الفقاهة 54:1.

والغدد وآذان الفؤاد و الطحال النخاع و الخصى و القضيب.. الحديث(1)بناء على أنّ المراد من الدم هو الدم المسفوح النجس؛ لأنه المتعارف بيعه، لا الدم الطاهر المتخلّف فى اللحوم؛ فإنّه من القلّة بمكان لايتعارف بيعه، وقوله: «نهاهم عن بيع الدم» منصرف عنه.

ولكنّ المرفوعة - مضافاً إلى ضعفها - ظاهرها كما أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه(2)ارادة حرمة البيع للأكل، فلا يدلّ على حرمة البيع للمنافع المحلّلة.

و كيف كان فبيع الدم كالعذرة حرام لنجاسته، لا لكونه خاليا عن المنفعة، فوجود المنفعة الشائعة له فى زماننا هذا لايوجب جواز بيعه؛ لأنّ الدليل على حرمته وحرمة العذرة واحد، و قد عرفت أنّ دليل العذرة يدلّ على حرمة بيعها لنجاستها، فلا تغفل.

ثمّ إنّ المحرّم هو البيع على نفس الدم، و أمّا المصالحة عليه أو على حقّ الاختصاص أو رفع اليد عنه فلا دليل على المنع عنه فيما اذا كان للدم منافع شائعة كما هو المفروض.

ثمّ إنّ المقصود من بيع الدم هو بيعه فى خارج البدن، و أمّا لو بيع مقدار معلوم من الدم بنحو الكلّىّ فى المعيّن قبل إخراجه من البدن فهل يصحّ البيع أم لا؟ يمكن أن يفصّل بين دماء الحيوانات الطاهرة ودماء الإنسان، والحكم بصحّته فى الاُولى؛ لكون الدماء قبل الاخراج من البدن طاهرة ومملوكة، فلا وجه لعدم الصحّة، بخلاف الثانيّة؛ فإنّ الدماء فيها و إن كانت طاهرة قبل إخراجها وكانت معيّنة المقدار، ولكنّها ليست مملوكة؛ لأنّ الانسان و إن كان مسلّطاً على نفسه، ولكنّه لم يكن


1) وسائل الشيعة 171:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 31 من أبواب الأطعمة المحرّمة، حديث 2.

2) المكاسب: 4، سطر 32.

مالكا لأعضائه وأجزائه. نعم، لو كان الإنسان مملوكا كالعبيد و الإماء فحكم الأولى جار فيها كما لايخفى.

الدماء الطاهرة:

هذا كلّه فى الدم النجس. و أمّا الدم الطاهر فإن فرض له منفعة محلّلة ففى جواز بيعه وجهان:

ذهب الشيخ الأعظم قدّس سرّه إلى الجواز؛ لأنها عين طاهرة. ينتفع بها منفعة محلّلة.

ولكن صرّح فى محكى التذكرة بعدم جوازه؛ لاستخباثه(1). وأجاب عنه الشيخ بأنّه لعلّه لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الأكل المحرّم(2).

و أمّا التمسّك بمرفوعة الواسطىّ ففيه: أنها - مضافاً إلى ضعفها - مختصّة بالدم المسفوح كما مرّ، وبالبيع للأكل لا لسائر المنافع المحلّلة.


1) التذكرة 464:1، السطر الأخير.

2) المكاسب: 4، سطر 32.

رابعها: المنىّ‌:

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: لا إشكال فى حرمة بيعه لنجاسته وعدم الانتفاع به إذا وقع فى خارج الرحم(1).

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ النجاسة قد ظهر ما فى ما نعيّتها عن البيع من المسائل المتقدّمة(2)، ولكن عرفت امكان الاستدلال لها بما ورد فى تحف العقول بناء على استناد الأصحاب إلى الفقرة الدالّة على مانعيّة النجاسة عن البيع.

لايقال: لم يحرز الاستناد، لعلّ الأصحاب استندوا إلى شىء آخر.

لأنّا نقول: لابأس بذلك؛ لأنّ الاتّفاق فى المسألة يكشف عن كون شىء آخر واضح الدلالة، فالاستناد سواء كان إلى رواية تحف العقول أو شىء آخر يكشف عن صدور نصّ فى ذلك، و هو كاف؛ إذ لايعتبر العلم التفصيلى بالصادر، لكفاية العلم الإجمالى بالصادر أيضاً، فلاتغفل.

هذا، مضافاً إلى ما مرّ مراراً من صحّة الاستدلال بما ورد فى مانعيّة نجاسة العذرة عن المعاملة عليها؛ بناء على إلغاء الخصوصيّة و التعدّى منها إلى كلّ نجاسة لعدم الفرق بين النجاسات من هذه الجهة.

ويؤيّده ما فى التذكرة من الإجماع على اشتراط الطهارة الأصليّة فى المعقود


1) الصدر السابق.

2) مصباح الفقاهة 58:1.

عليه حيث قال: يشترط فى المعقود عليه الطهارة الأصلبّة، فلو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ اجماعا(1). انتهى.

وما فى الخلاف حيث قال: فأمّا المنىّ فإنّه نجس عندنا، وما كان نجسا لايجوز بيعه ولا أكله بلا خلاف(2). انتهى فالأقوى هو حرمة بيع المنىّ لنجاسته ولو كان له منافع شائعة معتدّه عقلائيّه.

ثمّ إنّ المقصود من بيع المنىّ هو بيعه فى الخارج، و أمّا المنىّ فى الأصلاب أو الواقع فى الأرحام فقد يمنع أيضاً عن جوازه من جهة نجاسته.

أورد عليه: بأنّ النجاسة ممنوعة فيما إذا كان فى الباطن.

و ربّما يمنع عنه من جهة عدم انتفاع المشترى به لو وقع المنىّ المذكور فى الرحم ثمّ اشتراه؛ لأنّ الولد نماء الأمّ فى الحيوانات عرفاً وللأب فى الانسان شرعا.

اُورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّ الظاهر أنّ حكمهم بتبعيّته الأمّ متفرّع على عدم تملّك المنىّ‌، وإلّا لكان بمنزلة البذر المملوك بتبعيّة الزرع(3). انتهى.

وعليه فالبائع مالك لمنىّ حيوانه، ومع انتقاله فى الأمّ لا يصير نماء للأمّ‌، بل كان للبائع كالبذر، فالمشترى ينتفع به إذا اشتراه بعد وقوعه فى الرحم، فلا تغفل.

و أمّا المعاملة على ما فى الأصلاب لا تكون سفهيّة؛ لإمكان أن يمنع صاحب الفحل بعد الشراء من الطروقة، فالشراء ليس بسفهٍ‌.

و ربّما يمنع عن جواز بيع ماء الفحل فى الأصلاب بالجهالة، وعدم القدرة على التسليم كما عن الغنية(4).


1) التذكرة 464:1، سطر 4.

2) الخلاف 167:3، مسألة: 270.

3) المكاسب: 5، سطر 1.

4) الغنية 212:1.

و اجيب عنه كما فى مصباح الفقاهة: بأنّ اعتبار العلم بعوضى المعاملة و القدرة على التسليم من جهة الغرر، و هو مرتفع بالعلم بالطروقة والاجماع، وتسليم كلّ شىء بحسبه، و هو فى المنىّ وقوعه فى الرحم، و هو معلوم الحصول(1).

هذا بحسب القاعدة فى بيع ماء الفحل فى الأصلاب المعبر عنه بالمضامين تارة وبعسيب الفحل أخرى(2).

ولكن ورد فيه روايات:

منها: ما رواه فى المستدرك عن الجعفريات يإسناده عن جعفربن محمّد عن أبيه عن جدّه على بن الحسين عن أبيه عن على بن أبى طالب عليه السّلام قال: «من السحت ثمن الميتة وثمن اللقاح وكسب الحجّام و مهر البغى وثمن الشطرنج إلى أن قال: وعسب الفحل.. الحد يت»(3).

ومنها: مارواه فى المستدرك عن الدعائم من أنّه نهى النبى صلّى الله عليه و سلّم عن بيع الميتة والخنزير و الأصنام وعن عسب الفحل وعن ثمن الخمر وعن بيع العذرة وقال: هى ميتة(4).

وفى قبالهما موثّقة معاوية بن عمّار المرويّة عن محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا وعن على بن إبراهيم عن أبيه وعن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبى عمير عن معاوية بن عمّار عن أبى عبداللّه عليه السّلام فى حديث قال: قلت له أجر التيوس قال: «إن كانت العرب لتعاير به و لا بأس»(5).


1) مصباح الفقاهة 60:1.

2) الغنية 212:1، التحرير 160:1، سطر 14 و 13.

3) المستدرك 69:13، حديث 1.

4) نفس المصدر 71، سطر 5.

5) الوسائل 77:12، حديث 1. التيوس جمع التيس كالبيع، و هو الزكر من المعز و «إن» مخفّفة بقرينة «اللام» فى قوله: «لتعاير به». و أجر كصرد جمع الأجرة.

جمع فى مصباح الفقاهة بينهما بحمل الطائفة الأولى المانعة على الكراهة، و قال:

لايمنع عن ذلك إطلاق السحت على ثمن عسيب الفحل فى رواية الجعفريات؛ فإنّك قد عرفت فى بيع العذرة إطلاقه على الكراهة الاصطلاحيّة فى مواضع شتّى(1).

وفيه:

أوّلاً: أنّه لا يرتبط بالمقام، بل يدلّ على حكم اجرة الضراب، و هو مكروه كما نسبه فى التذكرة إلى الاماميّة خلافا لبعض العامّة.

و ثانياً: إنّا نمنع عدم ظهور السحت فى البطلان و الحرمة كما مرّ بيانه، و إنّما نرفع اليد عن ذلك الظهور من جهة اقتران كسب الحجام ونحوه ممّا لا يكون محرّما؛ فانّ الاقتران المذكور قرينة على استعمال السحت فى الكراهة. بل يمكن أن يقال: انّ السحت فى أمثال الروايات المذكورة مستعمل فى معناه، و إنّما يكون ادراج المكروه فى مصاديقه من باب المبالغة، ويشهد لذلك ذكر موارد لا إشكال فى حرمتها كثمن الشطرنج و النرد د، وعليه فمعتبرة الجعفريات تدلّ على الحرمة.

ولكن لايخفى أنّ ظهور عسب الفحل فى ماء الفحل ربّما يمنع؛ لما فى اللغة كتاج العروس: العسب ضراب الفحل وطرقه(2)فلا يختصّ بماء الفحل.

اللّهمّ الّا أن يقال: إنّه ظاهر فى ماء الفحل بقرينة ذكر «ثمن اللقاح» فى الرواية.

هذا كلّه بناء على صحّة رواية الجعفريات و كونها موثّقة كما صرّح بذلك فى تعليقة مصباح الفقاهة(3). ولكنّها محلّ إشكال من جهة إنّ الكتاب الموجود لم يثبت أنّه كتاب الأشعثيّات الذى ألّفه مؤلّفه الموثق؛ لاختلاف محتوى الموجود مع ما حكى


1) مصباح الفقاهة 61:1.

2) تاج العروس 380:1، سطر 30.

3) مصباح الفقاهة 61:1.

عن محتواه، وعدم ثبوت تواتر نسبة الموجود إلى المؤلّف.

قال فى تكملة المنهاج: و أمّا الأشعثيّات المعبّر عنها بالجعفريات أيضاً فهى لم يثبت من جهة أنّ صاحب الكتاب وان كان وتقه النجاشىّ‌(1)وكان كتابه معتبرا الّا أنّه لم يصل الينا، والكتاب لاينطبق على ما هو موجود عندنا، فالكتاب الموجود عندنا لايمكن الاعتماد عليه بوجه(2).

وعليه فلا رواية تدلّ على حرمة المعاملة على المياه النى فى الأصلاب أو الأرحام، فالحكم هو ما اقتضته القاعدة من عدم حرمة المعاملة.

ولكنّ المحكى عن العلّامة قدّس سرّه هو عدم جواز بيع المضامين، وهى فى ما فى أصلاب الفحول(3)ولابيع الملاقيح وهى على ما فى مكاسب الشيخ الأنصارىّ المياه المستقرّة فى الأرحام(4)أو ما فى بطون الأمّهات من الأجنّة على ما حكى عنه(5)، فتدبّر جيّدا.


1) رجال النجاشى: 1031:379.

2) مبانى تكملة المنهاج 226:6:1-227.

3) التحرير 160:1، سطر 14.

4) المكاسب: 5، سطر 2.

5) التحرير 160:1، سطر 13 و 14.

خامسها: الميتة

اشارة

ويقع الكلام فى المقامين:

الأوّل: فى جواز الانتفاع بالميتة
اشارة

ولا يخفى عليك أنّ مقتضى الأصل هو جواز الانتفاع بالميتة. ولكنّ المشهور ذهبوا إلى حرمة الانتفاع بها.

قال الشيخ فى النهاية: انّ بيع الميتة و الدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به والتصرف فيه و التكسّب به حرام محظور... إلى أن قال: و لا يجوز التصرّف فى شىء من جلود الميتة ولا التكسّب بها على حال(1).

وقال فى الوسيلة: سلخ الجلد من الميّت أو الحىّ لم يجز لبسه ولا تملّكه و إن دبغ ولا التصرّف فيه إلّا إذا اتّخذ دلواً يستسقى بها على كراهيّة لغير الوضوء و الشرب(2).

وقال سلّار فى المراسم: التصرّف فى الميتة ولحم الخترير وشحمه و الدم و العذرة والأبوال ببيع وغيره حرام إلّا بول الإبل خاصّة(3).

وقال فى الغنية: فأمّا جلد الميتة فلا يطهر بالدبّاغ، بدليل هذا الإجماع، وظاهر


1) النهاية: 364.

2) الوسيلة: 367.

3) المراسم: 170.

قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ‌) (1)والمراد الانتفاع بها بأكل و بيع أو غيرها من التصرّف، و إسم الميتة يتناول الجلد قبل الدبّاغ وبعده. ونحتجّ على المخالف بما روى من طرفهم من قوله صلّى الله عليه و سلّم قبل موته بشهر: «لا تنتفعوا من المتية بإهاب و لا عصب». و قول من قال: انّ الجلد لايسمّى إهابا بعد الدبّاغ خارج عن اللغة و الشرع، فلا. يعتدّ به(2).

و قال فى الانتصار: وممّا انفردت الإماميّه: انّ جلود الميتة من جميع الحيوان لا يطهر بالدبّاغ، الى أن قال: وخالف الشيعة جميع الفقهاء الّا أحمد بن حنبل، فقد حكى عنه إنّ الميتة لاتطهر بالدبّاغ. دليلنا: - بعد الاجماع المتردّد - قوله تعالى:

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ‌) (3)والتحريم يجب أن يتناول كلّ بعض من أبعاض الميتة حلّته الحياة ثمّ فارقته، والجلد بهذه الصفة بعد الدبّاغ وقبله، فيجب أن يحرم الانتفاع به بعد الدبّاغ؛ لأنّ إسم الميتة يتناوله.. إلخ(4).

والمحكى عن الحلّى أنّ الاجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها بكلّ حال الا أكلها للمضطرّ(5).

ونقل فى مفتاح الكرامة عن جماعة حرمة الانتفاع بالميته ومنهم العلّامة فى التذكرة و نهاية الاحكام و المنتهى و المختلف وولده فى شرح الإرشاد(6).

وفى قبالهم قول الصدوق فى المقنع: ولابأس أن تتوضّا من الماء إذا كان فى زق من جلدة ميته(7).


1) المائدة: 3.

2) الغنية 43:1.

3) المائدة: 3.

4) الانتصار: 206.

5) السرائر 574:3.

6) مفتاح الكرامة 19:4، سطر 12.

7) المقنع: 18.

والمحكى عن الشيخ حيث جوّز اتّخاذ الدلو من جلد الخنزير(1).

قال فى مفتاح الكرامة: و الأصوليّون ومنهم المصنّف أى العلّامة فى النهاية والتهذيب اختاروا تعلّق التحريم بالمنفعة الشائعة المتبادرة وهى الأكل. ووافقهم جماعة على ذلك كصاحب التنقيح و غيره كما ستعرف، وأيّده المقدّس الأردبيلى فى آياته بذكر الأكل قبله وبعده ولكن الشهرة تدفع ذلك كلّه؛ لأنّها حينئذ قرينة على ارادة خلاف المتبادر، ولامخالف فى عدم جواز الانتفاع بالميتة سوى الشيخ فى النهاية والمحقّق فى الشرائع و النافع وتلميذه كاشف الرموز و المصنّف فى الإرشاد فجوّزوا الاستقاء بجلودها لغير الصلاة و الشرب(2).

وكيف كان فممّا ذكر يظهر أنّ المشهور من القدماء ذهبوا الى حرمة الانتفاع، ولم يجوّزوا عدا بعضهم الانتفاع بالجلد فى موارد خاصّة كاتّخاذ الدلو أو الزق، فلا نغفل.

و أمّا نسبة الجواز إلى ابن البرّاج فهى فى غير محلّه مع ذهابه إلى لزوم الاحتياط(3).

ويؤيّد ما ذكرناه ما عن الحلّىّ من دعوى الإجماع على تحريم الميتة و التصرّف فيها لكلّ حال الّا أكلها للمضطرّ. وما عن المسالك من أنّ عدم جواز الانتفاع باليات الميتة و المبانة من الحىّ موضع وفاق(4).

ولا يخفى عليك - بعد ما ذكر من الكلمات - ما فى التشكيك أو إنكار الإجماع أو الشهرة أو ما فى دعوى أنّ تحصبل الإجماع اجتهادى، كما فى المستمسك حيث قال:


1) التهذيب 413:1.

2) مفتاح الكرامة 19:4، سطر 18.

3) المهذّب 443:2، و قد نسب الجواز إليه فى جواهر الكلام 401:36.

4) حكاه عن المسالك الامام الخمينى قدّس سرّه فى المكاسب المحرمة 81:1، ولكن فى صحّة النسبة منع، فلاحظ المسالك 60:12.

و أمّا الهجر فلم يثبت على نحو يقدح فى جواز العمل بها؛ لجواز أن. يكون لبنائهم على قاعدة عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة التى استفادوها من ظاهر بعض الآيات مثل قوله تعالى: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (1). وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ‌) (2)، و بعض الروايات مثل ما فى رواية تحف العقول من تعليل حرمة بيع وجوه النجس بحرمة الأكل و الشرب و الإمساك وجميع التقلّبات(3). لكن دلالتها على ذلك لاتخلو عن الإشكال كما أوضح ذلك شيخنا الأعظم فى مكاسبه(4)، فلم يثبت الهجر الموجب للخروج عن الحجّيّة(5).

لأنّ ذلك خلاف ظواهر كلماتهم و إن كان عطف الدم و العذرة يؤيّد كون المنع من جهة قاعدة عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة، ولكن كانت نسبة ما ورد فى الميتة إلى قاعدة عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة نسبة العموم و الخصوص، وكان مقتضى الصناعة الفقهية هو تخصيص القاعدة و القول بجواز الانتفاع مع الكراهة، فعدم ذهابهم اليه مع وضوح الجمع المذكور ممّا يشهد على أنّ اجماعهم ليس من جهة القاعدة المذكورة. وعليه فهجرهم يوجب الإعراض، فتدبّر جيّدا.

نعم، يظهر من بعض المتقدّمين كالشيخ جواز الاستقاء بجلد الخنزير لسقى الدوابّ و الأشجار ونحو هما(6)وعن بعض المتأخّرين كالعلّامة جواز الاستصباح بها(7).


1) المدّثّر: 5.

2) المائدة: 3.

3) تحف العقول: 331.

4) المكاسب: 5، سطر 15.

5) المستمسك 342:1.

6) التهذيب 413:1.

7) حكاه الشهيد عن العلّامة فى مجلس بحثه، فراجع مفتاح الكرامة 19:4، سطر 28.

ولكن لايضرّ فتوى بعض المتأخّرين كفتوى الشاذّ النادر فى الموارد الخاصّة بشهرة المتقدّمين على عدم الجواز.

و أمّا ما فى مكاسب الإمام قدّس سرّه من أنّ استفادة الاجماع من كلام القوم مشكل؛ فانّ الاجماع التقديرىّ ليس بشىء، هذا مع وضوح مسلك ابن ادريس(1)فى باب الاجماع(2).

ففيه ما لا يخفى بعد مراجعة كلمات أصحابنا القدماء و المتأخّرين؛ فإنّهم نصّوا على ذلك، ولا يكون الإجماع تقديريّا. هذا كلّه من جهة الأقوال فى المسألة.

ثمّ استدلّ على حرمة الانتفاع بالميتة بطائفة من الأخبار:

منها: ما رواه فى الوسائل عن التهذيب عن الحسن عن زرعة عن سماعة قال:

سألته عن جلود السباع. أينتفع بها؟ فقال: «إذا رميت و سمّيت فانتفع بجلده، و أمّا الميتة فلا»(3).

و قد وثّقها فى ذيل مصباح الفقاهة(4). والظاهر كما أنّ الشيخ نصّ عليه فى مشيخة التهذيب: إنّ المراد من الحسن هو حسن بن سعيد و الطريق اليه صحيح، كما إنّ باقى الرواة ثقاة(5)

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه بعد توثيق الرواية: انّ ظاهرها ولو بالغاء الخصوصيّة عرفاً حرمة الانتفاع بالميتة مطلقا، سواء كان الانتفاع فى الجامدات أو المايعات، لزم منه محذور أو لا، والحمل على انتفاع خاصّ (كجعل جلدها محلّا


1) السرائر 49:1 و 51.

2) المكاسب المحرّمة 83:1.

3) الوسائل 453:16، حديث 4.

4) مصباح الفقاهة 64:1.

5) راجع مشيخة التهذيب 66:10.

للدبس ونحوه) يحتاج إلى دليل(1).

ومنها: ما رواه فيه أيضاً عن الكافى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن عاصم بن حميد عن على بن أبى المغيرة، قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام: «الميتة ينتفع منها بشىء؟ فقال: لا. قلت: بلغنا إنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم مرّ بشاة ميتة. فقال: ما كان على أهل هذا الشاة اذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.

فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوج النبى صلّى الله عليه و سلّم و كانت شاة مهزولة لاينتفع بلحمها فتركوها حتّى ماتت. فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أى تذكّى»(2).

و قد صحّحها بعض.

ولكن أورد عليه سيّدنا الإمام قدّس سرّه: بأنّ فى سندها ضعفا بعلى بن أبى مغيرة للوثوق بأنّ توثيق العلّامة(3)تبع للنجاشى فى إبنه الحسن بن على بن أبى مغيرة، وظاهر كلام النجاشىّ توثيق ابنه(4)، فتعبير السيّد صاحب الرياض عنها بالصحيحة(5)غير وجيه ظاهرا(6).

و ذلك؛ لأنّ الرجل المذكور لم يوثّق لا بتوثيق خاصّ ولا بتوثيق عامّ عدا العلّامة وابن داود(7)فإنّهما وثّقاه. ولكن قال فى جامع الرواة كأنّهما أخذا توثيقه من كلام النجاشى عند ترجمة الحسن بن على بن أبى مغيرة، وعبارة النجاشى لاتفيد


1) المكاسب المحرمة 68:1.

2) الوسائل 452:16، حديث 1.

3) الخلاصة: 29/43.

4) رجال النجاشى: 106/49.

5) رياض المسائل 499:2، سطر 26.

6) المكاسب المحرّمه 68:1.

7) رجال ابن داود: 436/75.

التوثيق حيث قال: الحسن بن على بن أبى مغيرة الزببدى الكوفى ثقة هو و أبوه روى عن أبى جعفر وأبى عبد اللّه عليهما السلام، و هو يروى كتاب أبيه عنه، وله كتاب مفرد، أخبر نا القاضى أبوالحسين محّمد بن عثمان قال: حدّثنا جعفر بن محمّد الشريف الصالح قال:

حدّثنا عبيداللّه بن أحمد بن نَهْيِك قال: حدّثنا سعيد بن صالح عن الحسن بن على(1).

انتهى.

و منشأ الاشتباه هو إنّهما استفادا من هذا الكلام توثيق الأب والابن مع أنّه - كما فى معجم الرجال - يتوقّف على أن يكون «الواو)» فى جملة «وابوه» عاطفه، وأن يرجع الضمير فى كلمة «روى» الى الحسن. و هذا لايصحّ‌. فإنّه مضافاً الى عدم ملائمة ذلك لقوله: و هو يروى كتاب أبيه، إنّ الحسن لايمكن أن يروى عن الباقر عليه السّلام، والوجه فيه أنّ راوى كتاب الحسن هو عبيدالله بن نهيك إمّا بلا واسطة كما ذكره الشيخ(2)، أو بواسطة سعيد بن صالح كما ذكره النجاشى(3). و عبيد اللّه بن نهيك من مشايخ حميد بن زياد المتوفّى سنة (310)، ولايمكن روايته عن أصحاب الباقر عليه السّلام بلا واسطة ولا بواسطة واحدة. إذن فتعيّن أن يرجع الضمير إلى الأب، فتكون جملة «وأبوه روى» مستأنفة، فلا دلالة فيها على توثيق على بن أبى المغيرة(4). انتهى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ابن محبوب من أصحاب الاجماع فالخبر مصحّح بهذا الاعتبار، فلايكون تصحيح صاحب الرياض بلاوجه.

ومنها: مارواه فى الوسائل عن التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن فضّال عن يونس بن يعقوب عن أبى مريم قال: قلت لأبى عبد الله عليه السّلام: السخلة التى مرّ


1) جامع الرواة 552:2.

2) فهرست الشيخ الطوسى: 172/51.

3) رجال النجاشى: 106/49.

4) معجم رجال الحديث 7871/244:11.

بها رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم وهى ميتة فقال: ما ضرّ أهلها لو انتفعوا باهابها. قال: فقال أبو عبد الله عليه السّلام: «لم تكن ميتة يا أبامريم، ولكنّها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها، فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها»(1).

وطريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح وبقيّة الرواة ثقاة، والمراد من أبى مريم هو عبدالغفّار بن القاسم بن قيس، ثمّ إنّ السخلة هى ولد الشاة.

وفى مكاسب الإمام قدّس سرّه ليس لها إطلاق بالنسبة إلى جميع الانتفاعات، بل نقل قضيّة يظهر منها عدم جواز الانتفاع بها فى الجملة(2).

يمكن آن يقال إنّ قوله عليه السّلام: «لم تكن ميتة يا أبا مريم ولكنّها كانت مهزولة فذبحها أهلها... إلخ» فى جواب السائل عن جواز الانتفاع باهاب الميتة مع كون المرتكز عنده عدم جواز الانتفاع بالميتة ظاهر فى تصديق السائل بأنّ الانتفاع عن الميتة ولو بالإهاب محرّم، و هو كاف فى الدلالة على أنّ الميتة لاينتفع بها ولو باهابها، فتدبّر.

نعم، هذا الخبر ينافى خبر على بن أبى المغيرة، فإنّ القضيّة قضيّة واحدة، والظاهر من هذا الخبر أنّ السخلة التى مرّ بها رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم كانت مذكّاة، بخلاف مافى خبر على بن أبى المغيرة فإنّ صريحه أنّها ميتة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بمنع وحدة القضيّة كما فى الجواهر حيث قال: ولامنافاة بين الخبرين: لاحمال تعدّد السخلتين(3).

ومنها: ما رواه عن الكلينىّ عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن أحمد


1) وسائل الشيعة 185:24، كتاب الأطعمة و الأشربه، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 3.

2) المكاسب المحرمة 69:1.

3) جواهر الكلام 302:5.

بن محمّد بن أبى نصر عن الكاهلىّ قال: سأل رجل أبا عبداللّه عليه السّلام وأنا عنده عن قطع أليات الغنم فقال: «لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك. ثمّ قال: إنّ فى كتاب على عليه السّلام أنّ ماقطع منها ميّت لاينتفع به»(1).

و حيث إنّ الأمر فى سهل سهل، فالرواية موثقة.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق عدم الانتفاع بالأليات التى تكون منزّلة بمنزلة الميتة هو عدم الانتفاع بالميتة بالفحوى.

اللّهمّ الّا أن يقال: إنّ الرواية ليست بصدد بيان عدم الانتفاع بالجزء ابتداء بل بصدد التشبيه بالميتة فى الحكم الثابت لها، فلا إطلاق فيها. فمقدار عدم الانتفاع بالجزء كمقدار عدم الانتفاع بالميتة، و أمّا أىّ المقدار لاينتفع فى الميتة، فلايكون فى مقام بيانه.

هذا، مضافاً إلى ما فى المستمسك من أنّ الظاهر أنّ المقصود منها الارشاد إلى النجاسة كالأمر باراقة الماء أو المرق عند ملاقاة النجاسة، و ليس المقصود منه بيان حكمه من عدم الانتفاع مطلقا(2). انتهى.

ولكنّ الإنصاف أنّ السؤال عن قطعها أعمّ‌؛ لاحمال أن يكون مراد السائل جواز قطعه وصرفه واستعماله، فالإمام عليه السّلام لم يستفصل بل أجاب عن حكم القطع و حكم الصرف، وعليه فلا وجه لمنع الإطلاق.

و منها: ما رواه فى الوسائل عن الكافى عن على بن إبراهيم عن المختار بن محمّد بن المختار وعن محمّد بن الحسن عن عبد الله بن الحسن العلوىّ جميعاً عن الفتح بن يزيد الجرجانىّ عن أبى الحسن عليه السّلام قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التى يؤكل لحمها ذكيّاً، فكتب عليه السّلام: لاينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، وكلّ ما كان من السخال


1) وسائل الشيعة 71:24، كتاب الصيد و الذبائح، الياب 30 من أبواب الذبائح، حديث 1.

2) المستمسك 341:1.

الصوف ان جزّ و الشعر و الوبر و الإنفحة و القرن ولايتعدّى الى غير ها ان شاءالله»(1).

والانفحة بالكسر شىء يستخرج من بطن الجدى قبل أن يطعم غير اللبن، فيعصر فى صوفة مبتلة فى اللبن فيغلظ كالجبن، و هو المعروف عند العامّة بالمجبنة، وكيف كان فهى باطلاقها تدلّ على عدم جواز الانتفاع بالميتة عدى ما ذكر، ولا يتعدّى عن الموارد المذكورة إلى غيرها.

واستظهار وقوع السقط واحتمال أن يكون التقدير هو: إلّا الصوف. وكان قوله:

(و كلّ ما كان من السخال) عطفا على قوله (باهاب) أو احمال أن يكون قوله (وكلّ‌) مبتدأ محذوف الخبر و هو (ينتفع به) كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه(2)، لا يوجب اضطرابا فى الحديث بحيث لا يدلّ على عدم جواز الانتفاع بالميتة.

ولكنّ الرواية ضعيفة بمجهوليّة فتح بن يزيد ومختار بن محمّد بن المختار.

ومنها: ما رواه فى الوسائل عن قرب الإسناد عن عبداللّه بن جعفر عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال سألته عن لبس السمور و السنجاب و الفنك(3). فقال: «لا يلبس ولايصلّى فيه الّا أن يكون ذكيّا»(4).

ولكنّه ضعيف، هذا مضافاً إلى أنّ النهى فيه عن اللبس.

و منها: رواية على بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: سألته عن الماشية تكون لرجل فيموت بعضها، أ يصلح له بيع جلودها ودباغها و يلبسها؟ قال: «لا، وان لبسها


1) وسائل الشيعة 181:24، كتاب الأطعمة و الأشربة الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 1.

2) المكاسب المحرّمة 70:1.

3) السمور يشبه الثعلب، و الفنك هرّة الصحراء، وهى أصغر من الثعلب.

4) وسائل الشيعة 4: كتاب الصلاة، الباب 4، من أبواب لباس المصلّى، حديث 6.

فلايصلّى فيها»(1).

أورد عليه - مضافاً إلى ضعفها سندا - بضعف الدلالة من جهة عدم دلالة:

«لا يصلح» على الحرمة لو لم نقل بإشعاره أو دلالته على الكراهة سيّما مع قوله: «و إن لبسها»، فإنّ فرض اللبس فيما هو محرّم لا يخلو من بعد(2).

ومنها: ما رواه فى الوسائل عن الشيخ عن الحسين بن سعيد عن عمان بن عيسى عن سماعة قال سألته عن أكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت و الفرّاء فقال: «لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة»(3).

والطريق إلى عثمان بن عيسى صحيح، وعمان بن عيسى و إن كان متحرفا عن الحقّ وغير معترف بامامة مولانا على بن موسى الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء.

ولكن مع ذلك كما فى معجم الرجال كان ثقة بشهادة ابن قولويه لنقله عنه. والشيخ حيث قال: عملت الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقا به و متحرّجا عن الكذب.

وعدّ ابن شهر آشوب إيّاه من ثقات أبى إبراهيم المؤيّدة بدعوى بعضهم أنّه من أصحاب الإجماع(4).

ثمّ إنّ الكيمخت هو جلد الميتة المملوح. والفراء جمع الفرو و هو شىء كالجبّة يبطن من جلود بعض الحيوانات كالأرانب و الثعالب و السمور.

أورد عليه بأنّه لا إطلاق فى مفهومها؛ فإنّه بصدد بيان حكم المنطوق لا المفهوم، فلا يستفاد منها إلّا ثبوت البأس مع العلم فى الجملة. بل التحقيق: إنّ المفهوم قضيّة


1) وسائل الشيعة 186:24 و 185، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرّ مة، حديث 6.

2) المكاسب المحرّمة 71:1.

3) كتاب وسائل الشيعة، كتاب الاطعمة والاشربة المحرمة الباب 34 ح 5.

4) معجم رجال الحديث 7610/20:11.

مهملة حتّى فى مثل قوله: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شىء»(1). هذا اذا قلنا بإلغاء الخصوصيّة عن المنطوق، وإلّا فلايثبت الحكم فى المفهوم الّا بالنسبه إلى أكل الجبن و تقليد السيف، مع أنّ إثبات البأس أعمّ من الحرمة، مضافاً الى أنّ الظاهر انّ الحكم فى الجبن محمول على التقيّة لو كان الجواب عن السؤالين(2).

إلى غير ذلك من الأخبار.

وكيف كان فبعض هذه الروايات يكفى للدلالة على حرمة الانتفاع بالميتة مطلقا كموثّقة سماعة الاُولى و غيرها.

وفى قبالها: روايات أخرى تدلّ على جواز الانتفاع بها ولو فى موارد خاصّة:

منها: ما رواه فى الوسائل عن التهذيب بإسناده عن محمّد بن على بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبى عمير عن أبى زياد النهدى عن زرارة قال: سألت أباعبدالله عليه السّلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء. قال: «لا بأس»(3).

اُورد عليه بالضعف من جهة جهالة النهدى(4)ولكن يمكن الجواب عنه بكفاية نقل ابن أبى عمير؛ فإنّه من الثلاثة الذين لا يروون إلّا عن الثقة.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: والظاهر إنّ السؤال عن الانتفاع بجلده لا عن طهارة الماء و نجاسته بملاقاته، بل الظاهر أنّ مثل جلد الخترير يجعل دلواً لسقى الزراعات و الأشجار لا لشرب الآدمى، ويظهر منها بإلغاء الخصوصيّة جواز الانتفاع بجلده لو لم يؤدّ إلى محذور كتنجيس ملاقيه، وكذا جواز الانتفاع بجلود سائر


1) راجع وسائل الشيعة 158:1، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، حديث 1.

2) المكاسب المحرمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه 72:1.

3) الوسائل 129:1، ح 16.

4) راجع الجواهر 128:1.

الميتات(1).

ومنها: ما رواه فى الوسائل عن التهذيب باسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن أبى القاسم الصيقل و ولده قال: كتبوا الى الرجل:

جعلنا الله فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا نجارة غيرها، و نحن مضطرّون اليها، و إنّما علاجنا جلود الميتة و البغال و الحمير الأهلية لايجوز فى أعمالنا غير ها، فيحلّ لنا عملها و شراؤها و بيعها ومسّها بأيدينا و ثيابنا ونحن نصلّى فى ثيابنا ونحن محتاجون إلى جوابك فى هذه المسألة يا سيّدنا لضرورتنا؟ فكتب عليه السّلام: اجعل ثوبا للصلاة. وكتب إليه: جعلت فداك وقوائم السيوف التى تسمّى السفن نتّخذها من جلود السمك فهل يجوز لى العمل بها ولسنا نأكل لحومها؟ فكتب عليه السّلام: لابأس.

هكذا فى التهذيب(2)والوسائل(3)إلّا أنّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه نقل مكان: و إنّما علاجنا... إلخ و إنّما غلافها من جلود الميتة.. إلخ(4). واستظهره فى المستمسك(5).

ثمّ لايضر جهالة أبى القاسم الصيقل بصحّة الرواية كما فى مكاسب الإمام قدّس سرّه لأنّ الراوى للكتابة و الجواب هو محمّد بن عيسى بقرينة قوله: قال كتبوا، أى قال محمّد بن عيسى: كتب الصيقل و ولده. فهو مخبر، لا الصيقل وولده، والّا لزم أن قالوا:

كتبنا(6). انتهى ولكن يبعّد ذلك قوله عن أبى القاسم و ولده؛ فإنّ الظاهر منه إنّ الراوى للكتابة هو أبوالقاسم، وعليه فهو روى كتابة أهل صنفه إلى الإمام لا كتابة نفسه و ولده حتى


1) المكاسب المحرمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه 73:1.

2) التهذيب 1100/376:6.

3) وسائل الشيعة 173:17، كتاب التجارة، الباب 38، من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

4) المكاسب: 5، سطر 7.

5) المستمسك 339:1..

6) المكاسب المحرمة 74:1.

لزم أن قالا: كتبنا. هذا مضافاً إلى أنّ الراوى لكتابتهما لو كان محمّد بن عيسى لزم أن قال: كتبا. لاكتبوا. وعليه فجهالة أبى القاسم الصيقل تضرّ بصحّة الرواية، ولعلّه لذلك ذهب فى مصباح الفقاهة إلى ضعف الخبر(1).

و لا أقلّ من الاحمال، ومعه لا يثبت صحّة سند الرواية.

ثمّ إنّ محمّد بن عيسى بن عبيد ربّما يقال بأنّه ضعيف؛ لأنّ الشيخ قدّس سرّه ضعّفه و قال: استثناه أبو جعفر محمّد بن على بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة. و قال: لا أروى ما يختصّ برواياته(2).

ولكن أجاب عنه فى معجم الرجال بأنّ تضعيف الشيخ مبنى - كما صرّح به نفسه - على استثناء الصدوق وابن الولد إيّاه من جملة الرجال الذين روف عنهم صاحب نوادر الحكمة، والذى ظهر لنا من كلامهما أنهما لم يناقشا فى محمّد بن عيسى بن عبيد نفسه، و إنّما ناقشا فى رواياته عن خصوص يونس فيما يرويه عنه يإسناد منقطع - أى أنّ يونس يرويه مرسلا - أو فيما ينفرد برواية محمّد بن عيسى عن يونس، و أمّا فى غير ذلك فلم يظهر من ابن الوليد ولا من الصدوق ترك العمل بروايات محمّد بن عيسى بن عبيد.. إلى أن قال: و قد روى الصدوق عن محمّد بن عيسى عن غير يونس فى نفس الكتاب فى المشيخة فى نيف وثلاثين موضعاً غير ما ذكره فى طريقه إليه، و هذا أقوى شاهد على أنّ الاستثناء غير مبن على تضعيف محمّد بن عيسى بن عبيد نفسه، و إنّما هو لأمر يختصّ برواياته عن يونس. و هذا الوجه مبتى على اجتهاد ابن الوليد ورأيه، ووجهه عندنا غير ظاهر.. إلى أن قال: و قد روى ابن الوليد نفسه عن الصفّار عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن غير يونس كما تقدّم فى ترجمة إسماعيل بن جابر..


1) مصباح الفقاهة 71:1.

2) فهرست الشيخ الطوسى: 601/140.

الى ان قال: إلّا أنّ الشيخ قدّس سرّه قد غفل عن خصوصيّة كلام ابن الوليد وتخيّل أنّ ترك ابن الوليد رواية ما يرويه محمّد بن عيسى بن عبيد مبتن على ضعف محمّد بن عيسى، فحكم بضعفه تبعا له(1).

و عليه فلا معارض لتوثيق النجاشى إيّاه بقوله: جليل فى أصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف، ولمدح فضل بن شاذان إيّاه(2).

فالأقوى كونه موثّقاً؛ فإن كان راوى الكتابة هو فالرواية صحيحة، و أمّا مع احتمال أن يكون الراوى هو أبوالقاسم فلاتكون الرواية صحيحة؛ لجهالة الصيقل و ولده.

قال فى الحدائق ظاهر الخبر خلاف ما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة من عدم جواز بيع الميتة و أنّ ثمنها من السحت و أنّه لايجوز العمل بها. ويؤيّد هذين الخبرين أيضا ما ورد فى حسنة الحلبى وصحيحته من جواز بيع اللحم المختلط ذكيّه بميّته ممّن يستحل الميتة(3)، وسيأتى الكلام فى ذلك إن شاء الله، والمسألة من من الإشكال(4).

أورد عليه الشيخ الأعظم فى المكاسب بأنّ مورد السؤال عمل السيوف وبيعها و شراؤها، لا خصوص الغلاف مستقلّا، و لا فى ضمن السيف على أن يكون جزء من الثمن فى مقابل عين الجلد، فغاية ما يدلّ عليه جواز الانتفاع بحلد الميتة بجعله غمدا للسيف، و هو لاينافى عدم جواز معاوضته بالمال؛ ولذا جوّز جماعة منهم الفاضلان فى النافع(5)والإرشاد(6)- على ما حكى عنهما - الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلوة


1) معجم رجال الحديث 116:17 و 117.

2) رجال النجاشى: 896/333.

3) وسائل الشيعة 99:17، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 7، حديث 1 و 2.

4) الحدائق الناضر ة 73:18.

5) المختصر النافع: 254.

6) ارشاد الأذهان 113:2.

والشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه، مع أنّ الجواب لا ظهور فيه فى الجواز إلّا من حيث التقرير الغير الظاهر فى الرضا، خصوصاً فى المكاتبات المحتملة للتقبّة، هذا(1)اُورد عليه فى تعليقة الإيروانى بأنّ الرواية صريحة فى السؤال عن حكم الجلود بيعا و شراء و عملا، وضمائر التأنيث من صدر الرواية الى قوله: لا يجوز فى أعمالنا غيرها، وان كانت عائدة إلى السيوف، ولكن من بعد ذلك عائدة إلى الجلود، فلا محلّ للتشكيك فى الرواية من هذه الجهة. و أمّا قوله: مع أنّ الجواب لا ظهور فيه فى الجواز الّا من حيث التقرير، ففيه أنّ التقرير كاف(2). وفيه أنّه يمكن أن يقال: انّ عود الضمائر المذكورة إلى الجلود مع احمال رجوعها إلى السيوف غير ثابت، بل يؤيّد الرجوع الى السيوف إضافة العمل، مع أنّ فى الصدر صرّح بأنّا نعمل السيوف، فتأمّل. ولعلّه لذلك قال فى المستمسك لكن - مع احمال كون المبيع هو السيف، والغلاف تابع له بنحو الشرط - لاتصلح للخروج بها عن تلك النصوص التى لايبعد تواترها معنى ومجمع على العمل بها(3).

هذا، مضافاً إلى أنّ التقرير فى حال الاضطرار كما هو فرض الراوى لايدلّ على الجواز فى غير تلك الصورة، فلاينفع للدلالة على جواز الانتفاع فى حال الاختيار.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: والمظنون لولا المقطوع به أنّ قوله: «نعمل السيوف» مصحّف عن قوله: «نغمد السيوف» فإنّهما شبيهتان كتابة فى العربيّة، والشاهد عليه أوّلاً: رواية القاسم الصيقل - الظاهر أنّه ابن أبى القاسم - قال: «كتبت الى الرضا عليه السّلام: إنّى أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابى، فاُصلّى فيها. فكتب إلىّ‌: اتّخذ ثوباً لصلاتك. فكتبت إلى أبى جعفر الثانى: إنّى كنت كتبت إلى


1) المكاسب: 5، سطر 10.

2) حاشية المحقّق الايروانى 5:1، سطر 9.

3) مستمسك العروة الوثقى 340:1.

أبيك بكذا وكذا، فصعب ذلك علىّ‌، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكيّة.

فكتب عليه السّلام إلىّ‌: كلّ أعمال البرّ بالصبر يرحمك الله، فان كان ما تعمل وحشيّا ذكيّا فلا بأس»(1).

فإنّ الظاهر إنّ المكاتبة المشار إليها فى هذه الرواية هى المكاتبة المتقدّمة حيث كان ولد أبى القاسم من جملة المكاتبين. واحمال كون القاسم الصيقل غير ابن أبى القاسم الصيقل بعيد.

وثانياً: إنّ عمل السيوف بمعنى صنعتها (كما هو الظاهر من عملها) او بمعنى تصقيلها عمل مستقلّ كان فى تلك الأزمنة فى غاية الأهمّيّة، و هو غير عمل تغميدها الذى كان مبايناً لهما. ومن البعيد قيام شخص بعملهما معاً فى ذلك العصر، ويشهد له قوله ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرّون إليها، فأيّة معيشة و تجارة أعظم من صنعة السيوف فى تلك الأزمنة أزمنة الحروب السيفيّة عصر السيف‌؟! وأىّ احتياج لصانع السيف إلى عمل الجلود؟! فلا شهة فى أنّ أبا القاسم و ولده بحسب هذه الرواية كان عملهم أغماد السيف، و إنّما سألوا عن بيع الميتة وشراؤها وعملها و مسّها. وحملها على بيع السيوف لا بيع الجلود - كما صنع شيخنا الآنصارى - طرح للرواية الصحيحة الصريحة.. إلى أن قال: ليس المراد من الاضطرار هو الذى يحلّ المحظورات، بل المراد الاضطرار و الاحتياج فى التجارة، ولهذا ترك القاسم العمل بالميتة بمجرّد صعوبة اتّخاذ ثوب للصلاة، بل لا وجه للاضطرار المبيح للمحظور إلى عمل خصوص الميتة فى بلد المسلمين الشائع فيها الجلود الذكيّة فى عصر الرضا والجواد عليهما السلام مع حلّيّة ذبائح العامّة واعتبار سوقهم. وكون الصيقل الذى يشترى السيوف ويبيعها من السلطان مضطرّا إلى عمل الميتة، ولم يمكن له اشتراء الجلود


1) الوسائل 1050:2.

الذكيّة مقطوع الفساد(1).. إلى أن قال: و الانصاف أنّ الرواية ظاهرة الدلالة على جواز بيع جلد الميتة و شرائه و سائر الاستفادات منه، بل يظهر من ذيل الثانيّة أى قوله: «كلّ أعمال البرّ بالصبر» أنّ الأرجح ترك العمل بالميتة، فيكون شاهد جمع بينها وبين ما دلّت على أنّ الميتة لاينتفع بها أو جلد الميتة لاينتفع به، و هو الحمل على الكراهه فيما لامحذور فى الانتفاع بها، مع أنّها أخصّ مطلقاً من روايات المنع مطلقا(2).

و يمكن أن يقال: إنّ دعوى القطع بأنّ قوله: «نعمل السيوف» تصحيف «نغمد السيوف» مستدلّا باستظهار وحدة هذه المكاتبة مع مكاتبة اُخرى مذكورة فيها: «إنّى أعمل أغماد السيوف» كما ترى؛ إذ لايحصل القطع مع ضعف سند مكاتبة اُخرى.

و احتمال تعدّد المكاتبة كما يؤيّد التعدّد ما رواه محمّد بن عيسى عن أبى القاسم الصيقل، قال: «كتبت إليه إنّى رجل صيقل أشترى السيوف و أبيعها من السلطان، أجائز لى بيعها؟ فكتب: لابأس»(3).

فانّ الظاهر منه إنّ أبا القاسم كان بائعا للسيوف وصيقليا أيضاً، فننى بيع السيوف عن مثله لا وجه له كما لا موجب لحمل نعمل السيوف على التصحيف بعد احمال التعدّد.

هذا، مضافاً إلى أنّ قوله: «ليست لنا معيشة ولا نجارة غيرها ونحن مضطرّون اليها» ظاهر فى الضرورة والاضطرار إلى عمل السيوف. وحمل الاضطرار على الاضطرار فى التجارة لايساعد قوله: «ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها».

ودعوى استبعاد كون السائل مضطرّا مع فرض السائل ذلك لا وجه لها، فالرواية لاتدلّ على جواز الانتفاع بالميتة فى حال الاختيار، كما لا دلالة لها على


1) المكاسب المحرّمة 74:1-77.

2) المصدر السابق 77:1.

3) وسائل الشيعة 103:17، كتاب التجارة، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

جواز بيع الميتة؛ لاحتمال كون النسخة «نعمل السيوف»، فافهم.

هذا، مضافاً إلى ضعف الخبر من جهة السندكما عرفت.

ومنها: ما رواه فى الوسائل عن التهذيب عن الحسن بن على عن سماعة قال:

«سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخّص فيه، وقال: إن لم تمسّه فهو أفضل»(1)

حديث 108.

.

قال سيدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: وهى مع دلالتها على جواز الانتفاع بجلد الميتة يظهر منها أيضاً وجه الجمع المتقدّم، ومن تفسير الكيمخت فيها يظهر جواز التمسّك بما دلّ على جواز لبسه على جواز الانتفاع بجلد الميتة كصحيحة الريان بن الصلت قال:

«سألت الرضا عليه السّلام عن لبس الفراء و السمور.. إلى أن قال: والكيمخت.. إلى أن قال:

لا بأس بهذا كلّه إلّا الثعالب»(2).

نعم، هذا التفسير ينافى ما فى رواية على بن أبى حمزة حيث فسّر فيها الكيمخت بجلود دوابّ منه ما يكون ذكيّا ومنه ما يكون ميتة(3).(4). انتهى.

كما ينافى أيضاً ما فى موثّقة سماعة قال: «سألته عن أكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الفراء. فقال: لابأس ما لم تعلم أنّه ميتة»(5).

لظهورها فى كون المكيمخت على قسمين.

ومنها: مارواه عن محمّد بن يعقوب عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن الحسن بن على قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام فقلت: إنّ أهل الجبل تثقل عندهم


1) المصدر السابق 186:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 34، من أبواب الأطعمة المحرّ مه.

2) المصدر السابق 352:4، كتاب الصلاة، الباب 5، من أبواب لباس المصلّى، حديث 2.

3) المكاسب المحرّمة 77:1.

4) وسائل الشيعة 491:3، كتاب الطهارة، الباب 50، من أبواب النجاسات، حديث 4.

5) المصدر السابق 90:24، كتاب الصيد و الذبائح، الباب 40، من أبواب الذبائح، حديث 1.

أليات الغنم فيقطعونها؟ قال: هى حرام. قلت: فنصطبح بها. فقال: أما تعلم أنّه يصيب اليد و الثوب، و هو حرام(1).

ومن المعلوم أنّ تنجّس اليد و الثوب ليس بحرام، فهو يدلّ على كراهة الاستعمال أو الإرشاد إلى أولويّة الترك؛ لئلّا يبتلى بالنجاسة.

اللّهمّ الّا أن يقال: انّ ظهور الحرام لايرفع اليد عنه، وعليه لقوله: «أما تعلم..

إلخ» هو إرشاد إلى كون الاستصباح موجباً للنجاسة مضافاً إلى حرمته. ويؤيّد ذلك دعوى الإجماع على حرمة الانتفاع بالميتة و التصرّف فيها على كلّ حال (السرائر 3:

574).

هذا، مضافاً إلى ضعف الخبر من جهة معلّى بن محمّد؛ فإنّه لم يوثق.

ومنها: صحيحة البزنطى المرويّة عن آخر السرائر نقلا من جامع البزنطى صاحب الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء، قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهى أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع‌؟ «قال: نعم. يذيبها و يسرج بها، ولا يأكلها ولايبيعها»(2). لظهورها فى أنّ المحرّم هو الأكل و البيع، و أمّا الإسراج به فهو جائز.

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه فى مكاسبه: وبضميمة ما دلّت على أنّ الأليات ميتة ولو تنزيلاً يفهم أنّه لا حكم لها مستقلّاً غير ما للميتة، فتدلّ على جواز الانتفاع بالميتة فى ما سوى الأكل و البيع(3). انتهى.


1) المصدر السابق 178:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 32 من أبواب الأطعمة المحرّمة، حديث. 1.

2) وسائل الشيعة 98:17، كتاب التجارة، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

3) المكاسب المحرّمة 78:1.

ولكنّ الأصحاب لم يفتوا بها كما صرّح به فى الجواهر(1). هذا، مضافاً الى أنّ تجويز النازل منزلة الميتة؛ لايلازم تجويز الميتة؛ لأن أمر الميتة أعظم من النازل منز لتها، هذا بخلاف حرمة النازل فإنّها تستلزم الحرمة فى الميتة بطريق أولى.

ومنها: الروايات الدالّة على جواز اللبس، كرواية على بن أبى حمزة، قال:

سألت أباعبداللّه و أبا الحسن عليهما السلام عن لباس الفراء و الصلاة فيها؟ فقال: «لا تصلِّ فيها الّا ما كان منه ذكيّا...»(2).

فإنّ السكوت عن حرمة لبسها دليل على جوازه، و إنّما الممنوع الصلاة فيها، كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد(3)، ولكنّ تأمّل فيه، ووجهه ظاهر؛ لأنّ الرواية فى مقام حكم الصلاة لاغيره.

اللّهمّ الا أن يقال: إنّ السّؤال أعمّ من الصلاة، فترك ا الاستفصال و السكوت دليل الجواز، ولكنّ الظاهر إنّ السؤال عن خصوص الصلاة فى لباس الفراء؛ اذ لو كان اللأعمّ لزم أن يقال عن لباس الفراء و التلبّس بها و الصلاة فيها.

وكصحيحة الريان بن الصلت عن الرضا عليه السّلام المرويّة عن التهذيب عن محمّد بن زياد - يعنى ابن أبى عمير - عن الريان بن الصلت قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن لبس فراء و السمور و السنجاب و الحواصل وما أشبهها و المناطق و الكيمخت والمحشو بالقز و الخفاف من أصناف الجلود؟ فقال: «لا بأس بهذا كلّه إلّا بالثعالب»(4).

ولكن يمكن أن يقال: إنّ الكيمخت غير معلوم التذكيّة، ومعه لاظهور للرواية فى جواز لبس الميتة.


1) جواهر الكلام 16:22.

2) وسائل الشيعة 345:4، كتاب الصلاة، الباب 2 من أبواب لباس المصلّى، حديث 2.

3) المكاسب المحرّمة 79:1.

4) وسائل الشيعة 352:4، كتاب الصلاة، الباب 5 من أبواب لباس المصلّى، حديث 2.

و كرواية على بن أبى حمزة المرويه فى التهذيب بإسناده عن احمد بن محمّد عن أبيه عن عبداللّه بن المغيرة عن على بن أبى حمزة: «إنّ رجلا سأل أبا عبد الله عليه السّلام وأنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف و يصلّى فيه. قال: نعم. فقال الرجل: إنّ فيه الكيمخت.

قال: وما الكيمخت‌؟ قال: جلود دوابّ منه مايكون ذكيّا ومنه ما يكون ميتة. فقال:

ماعلمت أنّه ميتة فلاتصل فيه».(1)

ولا يخفى ما فيه من أنّه فى مقام حكم الصلاة، لا فى مقام لبسه فى غير حال الصلاة. هذا، مضافاً إلى أنّ المستفاد منه هو انّ الكيمخت لا اشكال فى لبسه ما لم يعلم أنّه من الميتة. ولذا قال فى الجواهر: اذ هو كالصريح فى كون المراد من الكيمخت غير معلوم التذكية(2).

ومن ذلك يظهر ما فى الاستدلال بصحيحة الريان بن الصلت؛ فإنّها لاتدلّ على جواز لبس الميتة، مع أنّ الكيمخت ربّما يؤخذ من غير الميتة، فتدبّر.

ثمّ أنّه ربّما أورد على هذه الرواية بالضعف من جهة على بن أبى حمزة، ولكن يمكن أن يقال: انّ الراوى عنه ان كان من الأجلاء فلا مانع من الاعتماد؛ لأنّ الأجلاء لم يرووا عنه بعد انحرافه، و عبد الله بن المغيرة البجلى من الآجلاء لقول النجاشىّ والعلّامة قدّس سرّه: إنّه ثقة ثقة لايعدل به أحد.

ولا يخفى عليك أنّ بعض هذه الروايات يدلّ على جواز الانتفاع كموثّقة النهدى وموثقة سماعة. و مقتضى الجمع العرفى هو الحمل على الكراهة أو تخصيص المانعة بغير موارد الجواز.

ولكنّ ذلك متفرّع على العمل بالأخبار المجوّزة حتّى تكون لها الحجّة الذاتيّة،


1) المصدر السابق 491:3، كتاب الطهارة، الباب 50 من أبواب النجاسات، حديث 4.

2) جواهر الكلام 304:5.

و قد عرفت أنّ المشهور أعرضوا عن الطائفة الدالّة على جواز الانتفاع بالميتة، و مع اعراض المشهور من القدماء عن الأخبار المجوّزة لا معارضة بين الحجّة و اللاحجّة، فالمتعيّن هو الأخذ بالأخبار المانعة.

قال فى الجواهر: أمّا لو كانت نجاسته ذاتيّة كالألية المقطوعة من ميت أوحىّ لم يجز نقله ولا انتقاله ولا استعماله حتّى بالاستصباح تحت السماء بلا خلاف معتدّ به أجده فيه؛ لإطلاق مادلّ على المنع فيما لايقبل التطهير و على الميتة و خصوص مادلّ عليه فى إسراج المقطوع من الحىّ فضلاً عن الميّت، فلم يبقَ للمعارض - وان صحّ سنده - أهليّة المعارضة، فما عن المجلسى من الجواز غريب؛ لما عرفت، ولكونه من الميتة التى لا يجوز الانتفاع بشىء منها ممّا تحلّه الحياة فضلاً عن التكسّب سواءكانت ميتة نجس العين أو طاهرها ذى النفس السائلة. نعم، لا بأس بما لا تحلّه الحياة من أجزائها، كما أنّه لا بأس بميتة غير ذى النفس السائلة(1).

وقال أيضاً فى كتاب الطهارة: فلا إشكال حينئذ فى حرمة استعماله فيما كانت الطهارة شرطاً فيه من الأكل و الشرب ونحوهما، بل قد يقال بحرمة الانتفاع به مطلقاً كما حكى عن جمهور الأصحاب التصريح به. نعم، عن التذكرة و المنتهى التردّد فيه بالنسبة لليابس، لكن فيهما أنّ المنع أقرب كما عن الشهيدين التصريح به، بل فى شرح المفاتيح للاُستاذ أنّه ليس محلّ خلاف و إن وقع فى الذخيرة نوع تردّد فيه، وليس بمكانه. انتهى.

ثمّ قال فى الجواهر: قلت: و هو كذلك؛ لإطلاق الأدلّة، إلّا أنّه لا يترتّب عليه فساد العبادة فيما لو اتّخذ منه مثلاً حوضاً يسع أزيد من كرّ مثلاً فتوضّأ منه كما صرّح به فى القواعد وكشف اللثام؛ إذ المحرّم عليه جعل الماء فيه لا افراغه عنه. نعم، لو قلنا


1) المصدر السابق 16:22 و 17.

بوجوب الإفراغ عليه و باقتضاء الأمر بالشىء للنهى عن الضدّ وكان الوضوء ضدّا اتّجه الحكم بالفساد حينئذ، كما قد يتّجه لو استعمله فى نفس العبادة فيما لو ارتمس فيه مثلا، بل الأحوط ترك الوضوء فيه أيضاً؛ لصدق استعمال جلد الميتة كما اختاره الأستاذ فى كشف الغطاء(1).

وقال فى كتاب الأطعمة و الأشربة: و كلّ ما اُبيّن من حىّ من أجزائه التى تحلّها الحياة فهو ميتة حقيقة أو حكماً يحرم أكله واستعماله، وكذا مايقطع من أليات الغنم فانّه لايؤكل و لا يجوز الاستصباح به، بخلاف الدهن النجس بوقوع النجاسة بلا خلاف أجده فى شىء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، والنصوص مستفيضة فيه(2).

ثمّ ذهب - بعد نقل عبارة المحقّق واستثنائه جواز الاسنقاء بجلود الميتة لما لايشترط فيه الطهارة و إن كان نجساً وأفضليّة ترك الاستقاء - إلى تعيّن ترك الاستقاء؛ مستدلّا باطلاق ما دلّ على حرمة الانتفاع بها بل بكلّ نجس العين إلّا ما استثنى بالسيرة وغيرها على وجه لايقاومه ما دلّ على جواز ذلك بحيث يقيّد به واستغرب ما عن الصدوق من أنّه لابأس بأن يجعل جلد الخنزير دلوا يستقى به الماء.

والله العالم(3).

فتحصّل من جميع ما تقدّم تحصيلاً وحكاية أنّ الأصحاب ذهبوا إلى حرمة الانتفاع، وأعرضوا عمّا دلّ على خلاف الأخبار المستفيضة الناهيّة، فلا وجه للحمل على الكراهة أو التخصيص بعد الإعراض.

لايقال: لعلّ ذهاب الأصحاب إلى المنع مستند إلى اجتهاداتهم لا إعراضهم.


1) نفس المصدر 305:5 و 304.

2) نفس المصدر 341:36.

3) نفس المصدر 402.

لأنّا نقول: لا مجال لذلك بعد كون الجمع بين النهى و الترخيص بالكراهة جمعا عرفيّا واضحا يعرفه كلّ أحد، وليس ذلك إلّا من جهة إعراضهم كما لا يخفى.

وممّا ذكر يظهر ما فى دعوى أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو الجمع الدلالى بحمل ما دلّ على عدم الجواز على الكراهة أو حمل ما دلّ على عدم الجواز بما إذا استعمل فيما إشتُرطت فيه التذكيّة؛ لما عرفت من أنّ الأخبار المجوّزة معرَض عنها، و مع الإعراض لاحجيّة لها حتّى يرفع اليد عن ظهور الأخبار المانعة بحملها على الكراهة أو بتقييدها بما إذا استعمل فيما اشتُرطت فيه التذكيّة.

هذا، مضافاً إلى أنّ مقتضى التقييد هو تقييد الأخبار المانعة باستعمال الجلود للسقى واستعمال الأليات فى الاستصباح.

و أمّا دعوى جزافية اختصاص موارد الطائفة المجوّزة بالجلود و الأليات؛ لعدم القول بالفصل فى اجزاء الميتة قطعا كما فى مصباح الفقاهة(1)فمندفعة بعدم الوقوع؛ لعدم القول بالفصل، مع ذهاب أصحابنا المتقدّمين الى حرمة الانتفاع مطلقاً(2).

كما أنّه لاوجه لحمل الأخبار المجوّزة على التقيّة، لزعم ذهاب العامّة الى جواز الانتفاع بها؛ لما مرّ من أنّ الحمل على التقيّة بعد الفراغ عن حجّيّة الطرفين، و أمّا مع الاعراض عن الأخبار المجوّزة فلاحجّيّة لها حتّى تحمل على التقيّة.

هذا، مضافاً إلى ما فى مصباح الفقاهة من تصريح بعض بذهاب أكثر العامّة إلى حرمة الانتفاع بالميتة حتى بجلودها قبل الدبغ(3).

و مضافا إلى ما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه من أنّ حمل أخبار الجواز على التقيّة فرع المعارضة، ومع الجمع العقلائى لامصير لذلك، و ممّا ذكر أيضاً ينقدح ما


1) مصباح الفقاهة 66:1.

2) السرائر 574/:3.

3) مصباح الفقاهة 66:1.

فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه من أنّ الإنصاف أن لا معارضة بين الروايات بل لما دلّت على الجواز نحو حكومة على غيرها(1).

فانّ ما يتصوّر له الحكومة معرض عنه، ومع الإعراض فلا حاكم ولاحكومة، فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الأخبار المانعة مطلقاً.

وممّا ذكر يظهر منشأ اشكال بعض الأعلام فى جواز استعمال الميتة كالمحقّق البروجردى على ما فى تعليقته على العروة(2)وكيف كان فاستعمال الميتة محرّم.

و أمّا ما فى جامع المدارك من الاستشكال فى استفادة حرمة جميع الانتفاعات مثل تسميد الأرض أو تغذية الكلب من الادلّه؛ لظهور الانصراف بالنسبة إلى ا الانتفاع المتعارف، فشمول الأدلّة بالنسبة إلى الانتفاع الغير المتعارف محلّ إشكال وان كان يتراءى من رواية تحف العقول المذكورة فى المكاسب(3). لكنّ الظاهر الانصراف فلا يخطر بالبال حرمة تعجين التراب بالخمر لسدّ الثقبة فى الدار أو دفن الميتة تحت الأشجار المثمرة. بل يشكل شمولها للانتفاع المتعارف فى الأعصار المتأحرة الغير المتعارف فى الأعصار السابقة كالانتفاع ببعض المسكرات فى عمل الجرّاحين لتخدير العضو أو لمنع خروج الدم فى التزريقات(4).

ففيه أنّ عدم شمول الأدلّة للمنافع الغير المتعارفة بدعوى الانصراف لا إشكال فيه، و أمّا دعوى الانصراف عن المنافع التى تصير متعارفة فى الأعصار المتأخّرة فهى محلّ منع بعد إطلاق الروايات المانعة كموثّقة سماعة(5)وغير ها(6)لكفايتها لإثبات


1) المكاسب المحرّمة 80:1.

2) تعليقة آية اللّه العظمى السيّد البروجردى على العروة: 7.

3) تحف العقول: 331، وسائل الشيعة 83:17، كتاب التجارة، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

4) جامع المدارك 160:5.

5) وسائل الشيعة 185:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة،.حديث 4.

6) كرواية الجرجانى المذكورة فى الوسائل 181:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّ مة، حديث 7.

حرمة المتعارفة من المنافع و حيث إنّ الموضوع بنحو القضيّة الحقيقيّة لاوجه لتخصيصه بالشائعة فى عصر الصدور، وعليه فجميع الانتفاعات مطلقاً سواء كانت شائعة حال صدور الروايات أو صارت كذلك بعد صدورها تكون محرّمة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: دائرة القضيّة الحقيقيّة تابعة لما انسبق إلى الذهن من أدلّة الحرمة، وحيث إنّ المنسبق منها هى المنافع المتعارفة فى تلك العصر فهى مأخوذة بنحو القضيّة الحقيقيّة. و أمّا غير ها فمحلّ تأمّل واشكال، ومقتضى الأصل هو الجواز، و هو كما ترى.

المقام الثانى: فى حرمة بيع الميتة:
اشارة

ولا يخفى عليك وضوح حرمته بعد كونها من الأعيان النجسة؛ لما مرّ من أنّ الأعيان النجسة لايجوز بيعها، ولما عرفت أيضاً من حرمة منافعها الشائعة؛ فإنّ الثمن حينئذ لايكون له مقابل، فيكون من أكل المال بالباطل. و أمّا الانتفاعات الغير الشائعة كتغذية الكلب فلا توجب الماليّة لها حتّى يمكن بذل الثمن فى مقابلها.

هذا كلّه، مضافاً إلى موثقة السكونى المرويّة عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكونى عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغى و الرشوة فى الحكم وأجر الكاهن»(1)وصحيحة البزنطى المرويّة عن آخر السرائر نقلا من جامع البزنطى صاحب الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهى أحياء، أيصلح له أن ينتفع بما قطع‌؟ قال: «نعم، يذيبها و يسرج بها، ولا يأكلها ولايبيعها»(2).

ونحوها رواية على بن جعفر عن أخيه المرويّة عن قرب الأسناد عن عبداللّه بن الحسن(3).

و لكنّها ضعيفة.


1) وسائل الشيعة 93:17، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

2) المصدر السابق 98:17، الباب 6، حديث 6.

3) نفس المصدر.

ومرسلة الصدوق قال: «قال عليه السّلام وثمن الميتة سحت»(1). وفيها ضعف للإرسال، فأفهم.

ورواية حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفربن محمّد عن آبائه عليهم السلام فى وصيّة النبى صلّى الله عليه و سلّم لعلى عليه السّلام: «يا على من السحت ثمن الميتة وثمن الكلب و ثمن الخمر ومهر الزانبة و الرشوة فى الحكم و أجر الكاهن»(2)و فيه: أنّ الرواية ضعيفة.

وخبر على بن جعفر المروى عن قرب الأسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودها ودباغها و لبسها؟ قال: لا ولو لبسها فلا يصلِّ‌ (3). ً فيها» و فيه - مضافا الى ضعف السند - انّ قوله: لا يدل على الحرمة.

وفى قبال هذه الروايات رواية محمّد بن عيسى عن أبى القاسم الصيقل و ولده:

«كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه تعالى فداك انّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة و لا تجارة غير ها ونحن مضطرّون إليها، و إنّما علاجنا (غلافها. ظ) جلود الميتة و البغال والحمير الأهليّة لايجوز فى أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها و مسّها بأيدينا و ثيابنا ونحن نصلّى فى ثيابنا ونحن محتاجون الى جوابك فى هذه المسألة يا سيّدنا لضرورتنا؟ فكتب عليه السّلام: اجعل ثوبا للصلاة...»(4).

وفى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه أنّه يظهر منها جواز الانتفاع بجلد الميتة وجواز بيعها لذلك، فيصحّ تخصيص الأدلّة المانعة بها، والظاهر أنّ العرف مساعد


1) نفس المصدر، 94 - الباب 5، حديث 9.

2) نفس المصدر، حديث 8.

3) نفس المصدر 96:17، حديث 17.

4) المصدر السابق 173:17، الباب 38، حديث 4.

لإلغاء الخصوصيّة و الجمع بينها وبين ما تقدّم بأنّ كلّ مورد يجوز الإنتفاع بها يجوز بيعها لذلك، و إنّما يحرم بيعها ويكون ثمنها سحتا إذا بيعت للأكل ونحوه ممّا لايجوز الانتفاع بها(1). انتهى.

و فيه: ماتقدّم من ضعف سندها؛ لعدم إحراز كون راوى الكتابة هو محمّد بن عيسى، مضافاً إلى منع دلالتها على جواز بيع الجلود، ولو سلّم فلا يدلّ على جواز الانتفاع فى غير حال الضرورة والاضطرار. هذا كلّه مع اعراض الأصحاب عمّا يدلّ على جواز الانتفاع و البيع(2)فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة وأجزائها التى تحلّها الحياة.

و أمّا مايظهر من الشيخ الأعظم قدّس سرّه من قوّة جواز بيع جلد الميتة لولا الإجماع اذا جوّزنا الانتفاع به فى الاستسقاء(3).

ففيه: ما عرفت من تحقّق الإجماع على حرمة الانتفاع والاعراض عمّا يدلّ على جواز الانتفاع، فلا دلل لرفع اليد عن المطلقات الدالّة على حرمة الانتفاع بالميتة. هذا، مضافاً إلى ما أشار اليه من قيام الإجماع على حرمة البيع، ومعه لامجال للجواز، فلا وجه لرفع اليد عن المطلقات الدالّة على أنّ ثمن الميتة سحت، على أنّ النجاسة كما مرّت مانعة عن صحّة البيع. وقول الشيخ قدّس سرّه هنا - خلافاً لما مرّ عنه سابقاً - من أنّ مجرّد النجاسة لاتصلح علّة لمنع البيع، محلّ منع بعد قيام الدليل على المنع من بيع العذرة، مع أنّ لها منفعة التسميد. والقول بأنّ التسميد منفعة نادرة كما ترف، نعم التسميد بالميتة نادرة، وعليه فإطلاق المنع عن العذرة يدل على أنّ المانع هو النجاسة؛ لاعدم المنفعة كما مرّ بيانه.


1) المكاسب المحرمة 84:1 و 85.

2) السرائر 574:3.

3) المكاسب: 5، سطر 13.

هنا فروع:

أحدها: إنّه هل يجوز المعاوضة على لبن اليهوديّة المرضعة؛ بأن يجعل تمام الأجرة أو بعضها فى مقابل اللبن أم لايجوز؟ فيه وجهان:

الأوّل: إنّه حيث جاز الانتفاع بلبنها يجوز المعاوضة عليه؛ فانّ النجاسة لاتمنع عن جواز المعاوضة عليه.

والثانى: إنّ البيع و المعاوضة عليه ممنوعة بعد كونه من الأعيان النجسة؛ لما مرّ من أنّ الأعيان النجسة كالعذرة فلايجوز المعاملة عليها و إن كانت لها منافع شائعة.

وممّا ذكر يظهر ما فى كلام شيخنا الأعظم من الحكم بجواز المعاوضة مستندا إلى جواز الانتفاع به(1).

نعم، لو قلنا بطهارة أهل الكتاب فلا مانع من صحّة البيع ولو صار اللبن متنجّساً بالملاقاة مع النجاسات.

ولا يجدى فى صحّة البيع مع نجاسة أهل الكتاب جعل المبيع هو اللبن فى ضرعها؛ فإنّه من أجزاء الكفّار، و هى نجسة و لو كانت فى الباطن.

ثانيها: إنّه هل يجوز المعاوضة على الآجزاء المبانة من الحىّ أو الميّت كالكليات والأعين وغير هما أم لايجوز؟ ولا يخفى عليك أن مقتضى ما مرّ من أنّ النجاسة مانعة عن صحّة البيع هو المنع عن بيعها. هذا، مضافاً إلى كونها ميتة، والميتة كما نصّ عليه فى الخبر لايجوز بيعها و ان قلنا بجواز الانتفاع بها من جهه انصراف أدلّة المنع عن الانتفاعات الحديثة أو من


1) المصدر السابق، 25.

جهة توقّف حفظ الحياة على الانتفاع بمثل بعضها أو من جهة توقّف المعالجه عليه، والضر ورات تبيح المحظورات.

اللّهمّ الّا أن يقال: انّ أدلّة حرمة بيع الميتة منصرفة عن ميتة الانسان.

ولكن يمكن أن يقال: إنّ دعوى الانصراف فى مثل صحيحة البزنطى غير مجازفة، ولكن فى مثل معتبرة السكوتى: «السحت ثمن الميتة» لا وجه لها مع كون الميتة مأخوذة بنحو القضيّة الحقيقيّة. هذا، مضافاً الى أنّ النجاسة من مقتضيّات حرمة البيع كما مر مراراً.

ثالثها: انّه هل يجوز بيع الميتة منضمّة إلى مذكّى أم لا يجوز؟

يقع الكلام فى مقامين:
المقام الأوّل: فى مقتضى القاعدة
اشارة

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: فإن كان المذكّى ممتازا صحّ البيع فيه وبطل فى الميتة، وان كان مشتبها بالميتة لم يجز بيعه أيضاً؛ لأنّه لاينتفع به منفعة محلّلة بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، فهو فى حكم الميتة من حيث الانتفاع، فأكل المال يإزائه أكل المال بالباطل، كما أنّ أكل كلّ من المشتبهين فى حكم أكل الميتة. ومن هنا يعلم أنّه لا فرق فى المشترى بين الكافر المستحلّ للميتة وغيره... الى أن قال: وجوّز بعضهم البيع بقصد بيع المذكّى، و فيه: أنّ القصد لاينفع بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكى لأجل الاشتباه. نعم، لو قلنا بعدم وجوب الاجتناب فى الشبهة المحصورة وجواز ارتكاب أحدهما جاز البيع بالقصد المذكور، لكن لاينبغى القول به فى المقام؛ لأنّ الأصل فى كلّ واحد من المشتبهين عدم التذكية، غاية الأمر العلم الاجمالىّ بتذكيّة أحدهما، و هو غير قادح فى العمل بالأصلين، و إنّما يصحّ القول بجواز ارتكاب أحدهما

فى المشتبهين إذا كان الأصل فى كلّ منهما الحلّ وعلم إجمالا بوجود الحرام فقد بقال هنا بجواز ارتكاب أحدهما اتّكالا على أصالة الحلّ و عدم جواز ارتكاب الآخر بعد ذلك حذرا عن ارتكاب الحرام الواقعى، و إن كان هذا الكلام مخدوشا فى هذا المقام أيضاً، لكنّ القول به ممكن هنا، بخلاف ما نحن فيه؛ لما ذكرنا، فافهم(1). انتهى موضع الحاجة.

إشكالات حول جريان أصالة الحلّيّة:

و ربّما يشكل جريان الأصل فى بعض الأطراف: بأنّ جريانه و إن لم يستلزم المخالفة القطعيّة، ولكنّه ترجيح بلا مرجّح.

و اُجيب عنه: يإمكان جريان الأصل فى كلّ واحد من الأطراف بشرط ترك غيره بمقدار المعلوم بالإجمال، نظير حلّيّة احدى الأختين مع حرمة الجمع، و وجه هذا الاشتراط حكم العقل، ونظيره ما يلتزم به القائلون بصحّة الترتب حيث انّ الأمر بالمهمّ بنحو الإطلاق لا يصحّ‌، لكنّه مع ترك الأهمّ لا مانع منه(2).

و استشكل فيه: بأنّ أدلّة الحلّيّة متكفّلة للحلّيّة الحيثيّة، فلا تعرّض فيها لصورة العلم الإجمالى.

و أجاب عنه فى جامع المدارك: بأنّ هذا منافٍ لبنائهم على طهارة ملاقى بعض أطراف الشبهة مع العلم الاجمالىّ بنجاسة بعض الأطراف، و مناف لما يؤخذ من سوق المسلمين مع العلم الإجمالىّ بورود الأموال المحرّمة فيها وعدم الخروج عن محلّ الابتلاء. مضافاً إلى أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء لايرفع عن محلّ الابتلاء وجوب


1) المصدر السابق، 27.

2) راجع جامع المدارك: 56/3.

الاحتياط بحسب حكم العقل، كما بيّن فى محلّه(1).

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الملاقى للشبهة المحصورة خارج عن أطراف المعلوم بالإجمال وداخل فى الشبهة البدويّة، وأصالة الطهارة و إن كانت حكماً حيثيّاً ولكنّها تشمل الشبهات البدويّة، و أيضا سوق المسلمين من الأمارات فعلى تقدير تسليم جريانه فى أطراف المعلوم بالاجمال لا يستلزم جريان أصالة الحلّيّة فيها.

إلّا أنّ يقال: إنّ الملاقى للشبهة المحصورة و إن كان خارجا عن أطراف المعلوم بالاجمال ولكنّ مع ذلك فالمقام ليس من الشبهة البدويّة الساذجة، فدعوى شمول أدلّة الحلّيّة لها ليست إلّا من جهة إطلاقها، فاذا ثبت الإطلاق لها فلِمَ لم يشمل بعض الأطراف‌؟! هذا، مضافاً الى أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «كلّ شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا»(2)هو شموله لأطراف المعلوم بالإجمال، فتأمّل.

ذهب المحقّق قدّس سرّه فى كتاب الأطعمة و الأشربة إلى حلّيّة الجميع حيث قال: ولو اختلط الحىّ (من السمك) فيهما (فى الشبكة أو الحظيرة) بالميت حلّ‌، والاجتناب أ حوط(3)، انتهى.

و هو كما ترى؛ لاستلزامه المخالفة القطعيّة.

اللّهمّ الّا أن يقال: إنّ محذور المخالفة القطعيّة مختصّ بما إذا علم الحكم الفعلىّ بنفسه، لابواسطة حجّة شرعيّة.

و توضيح ذلك كما فى مكاسب سيّدنا المجاهد الإمام قدّس سرّه هو بأن يقال: فرق واضح بين كون العلم الإجمالىّ متعلّقا بالحكم الفعلىّ و الإرادة الفعليّة الجازمة، وفى مثله لايمكن احمال الترخيص لأحد الطرفين فضلاً عنهما، بل مع العلم بالارادة الفعليّة


1) المصدر السابق 141:5.

2) وسائل الشيعة 87:17، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

3) المختصر النافع: 243.

للمولى لايمكن احمال صدور الترخيص منه فى الشبهة البدويّة أيضاً؛ لعدم إمكان احتمال وقوع التناقض فى ارادته، فالعلم الإجمالىّ كذلك علّة تامّة لوجوب الموافقة وحرمة المخالفة، ومع هذا العلم تطرح أدلّة الأصول حتّى فى الشبهات البدويّة. وبين كون العلم الإجمالىّ متعلّقا بحجّة شرعيّة لأجل إطلاق دليل أو عمومه لمورد المشتبه كما فى قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ) (1)فإنّ إطلاقه يقتضى حرمة الميتة واقعا سواء كان الموضوع معلوماً أو لا. وفى مثله يمكن احمال الترخيص فى ارتكاب جميع أطراف المعلوم بالاجمال فضلاً عن بعضه، فمع ورود الترخيص يستكشف عدم فعليّة إرادة المولى فى المورد المشتبه إمّا بتقيّد الاطلاق أو بأنحاء آخر من التصوّرات التى فى الأصول. وكيف كان، إذا كان العلم الإجمالىّ من قبيل الثانى كما فى نوع الموارد لايجوز ترك ظاهردليل معتمد دلّ على الترخيص فى بعض الأطراف أو حميعا؛ لعدم حكم للعقل فى مثله، وعدم كون الترخيص مخالفا للقواعد و العقول(2)ولذلك حكى عن الأردبيلى(3)الميل إلى جواز الانتفاع فى مطلق الشبهات، وتمسّك فى المقام بصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه عليه السّلام قال: «كلّ شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه». وصحيحة ضريس الكناسى عن أبى جعفر عليه السّلام(4)وهناك روايات اُخر(5)ربّما يأتى الكلام فيها مستقصى فى باب المال المختلط بالحرام إن شاء اللّه تعالى(6).


1) المائدة: 3.

2) المكاسب المحرّمة 91:1.

3) مجمع الفائدة و البرهان 148:11، 271 و 272.

4) وسائل الشيعة 235:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرّمة، حديث 1.

5) راجع الوسائل 87:17، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به.

6) الأطعمة و الأشربة 62:1 و 61.

و عليه فمقتضى القاعدة هو عدم جواز الترخيص فى الصورة الأولى ولو فى بعض الأطراف وجوازه فى كليهما فضلاً عن أحدهما فى الصورة الثانية. فلا وجه لتخصيص جواز الترخيص بالنسبة الى بعض الأطراف على كلا التقديرين كما يظهر من الشيخ(1)وجامع المدارك(2)وغيرهما.

ولكن يمكن أن يقال: انّ ذلك فرع احراز اطلاق ما دلّ على حلّيّه المشتبه، ولكنّه لم يحرز؛ لاحمال أن يكون حكما حيثيّا، فلا يشمل أطراف المعلوم بالاجمال، فتأمّل.

هذا، مضافاً إلى أنّ الأصول العمليّة تكون مغيّاة بالعلم كقولهم عليهم السلام «هم فى سعة حتّى يعلموا(3)، كلّ شىء هو لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه(4)» وغير ذلك، إذ يكون موضوعها مقيّدا بعدم العلم كقوله صلّى الله عليه و سلّم: «رفع مالا يعلمون»(5)والعلم أعمّ من العلم بالحجّة، فكما لا مجال للأصول مع العلم التفصيلى بالحجّة ولو مع احمال عدم المصادفة فكذلك مع العلم الإجمالىّ بالحجّة، وعليه فلا يجرى فى جميع الأطراف للمناقضة، فتأمّل.

هذا، مضافاً إلى قيام الدليل الخاصّ كما أفاد أستاذنا المحقّق الداماد قدّس سرّه واستشهد بصحيحة زرارة حيث قال زرارة فى السؤال عن مورد الاستصحاب: «قلت: فإنى لم أكن رأيت موضعه (أى موضع أصابة الدم لثوبى) وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته. قال عليه السّلام: تغسله وتعيد... إلى أن قال: قلت: فإنّى قد


1) فرائد الاُصول 410:2.

2) درر الفوائد 342-343.

3) وسائل الشيعه 493:3، كتاب الطهارة، الباب 50 من أبواب النجاسات، حديث 11.

4) المصدر السابق 89:17، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

5) المصدر السابق 369:15، كتاب الجهاد، الباب 56، من أبواب جهاد النفس، حديث 1.

علمت أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله‌؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التى ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك...» الحديث(1). اذ الأصل الاستصحابى لو كان جاريا فى جميع الأطراف وصار الحكم إنشائيّا لما كان للغسل والاعادة مورد. فأدلّة الأصول وان قلنا بكونها مطلقة وتشمل المحصورة و البدويّة من دون فرق بين بعض الأطراف‍ - وجميعها، غايتها هى أنّ المعلوم بالاجمال يصير يجريانها حكما إنشائيّا، كما يصير كذلك فيما إذا خالف الحكم الظاهرىّ المستفاد من الأدله والأمارات مع الحكم الواقعىّ إلّا أنّ مع ورود نصّ خاصّ فى 2 الاستصحاب فى الشبهة المحصورة لا مجال لجريانها فيما إذا استلزم المخالفة القطعيّة كما لا يخفى.

لا يقال: إنّ غاية الحلّ فى مثل قوله: «حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» معرفة الحرام بشخصه؛ لأنّ قوله: «بعينه» قيد للمعرفة كما هو الظاهر، و عليه فالمعلوم بالاجمال داخل فى المغيّى لا فى الغاية فيجوز الأخذ بالأصل حتّى يحصل العلم التفصيلىّ‌، فيتعارض مع ما يدلّ على عدم جريان الأصل مع المخالفة القطعيّة.

لأنّا نقول: كما أفاد الشيخ الأنصارى قدّس سرّه إنّ قوله: «بعينه» تأكيد للضمير جىء به للاهتمام فى اعتبار العلم كما يقال: رأيت زيدا نفسه (بعينه)؛ لدفع توهّم وقوع الاشتباه فى الرؤية و الّا فكلّ شىء علم حرمته فقد علم حرمة نفسه، فإذا علم نجاسه إناء زيد وطهارة إناء عمرو فاشتبه الإناءان، فإناء زيد شىء علم حرمته بعينه(2).

لايقال: سلّمنا ولكن قوله عليه السّلام: «فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» له ظهور فيما ذكر حيث إنّ قوله: «بعينه» قيد للمعرفة، فمؤدّاه اعتبار معرفة الحرام بشخصه، ولايتحقّق ذلك إلّا إذا أمكنت الإشارة الحسّية اليه.


1) تهذيب الأحكام 1335/421:1، الاستبصار 641/183:1.

2) فرائد الاصول 405:2.

لأنّا نقول: كما أفاد الشيخ قدّس سرّه انّ ابقاء الصحيحة على هذا الظهور يوجب المنافاة لما دلّ على حرمة ذلك العنوان المشتبه مثل قوله: «اجتنب عن الخمر»؛ لأنّ الإذن فى كلا المشتبهين ينافى المنع عن عنوان مردّد بينهما، ويوجب الحكم بعدم حرمة الخمر المعلوم اجمالا فى متن الواقع، و هو ممّا يشهد الاتّفاق و النصّ على خلافه حتّى نفس هذه الأخبار حيث إنّ مؤدّاها ثبوت الحرمة الواقعيّة للامر المشتبه(1).

إن قلت: مخالفة الحكم الظاهرىّ للحكم الواقعىّ لا توجب ارتفاع الواقعىّ كما فى الشبهة المجرّدة عن العلم الإجمالىّ‌... الى أنّ قال: فلا ضير فى التزام ذلك فى الخمر الواقعىّ المعلوم اجمالا.

قلت: الحكم الظاهرىّ لا يقدح مخالفته للحكم الواقعىّ فى نظر الحاكم مع جهل المحكوم بالمخالفة، لرجوع ذلك إلى معذوريّة المحكوم الجاهل كما فى أصالة البراءة وإلى بدليّة الحكم الظاهرىّ عن الواقع أو كونه طريقاً مجعولا إليه على الوجهين فى الطرق الظاهريّة المجعولة، أمّا مع علم المحكوم بالمخالفة فيقبح من الجاعل جعل كلا الحكمين؛ لأنّ العلم بالتحريم يقتضى وجوب الامتثال بالاجتناب عن ذلك المحرّم، فاذن الشارع فى فعله ينافى حكم العقل بوجوب الإطاعة(2).

هذا، مضافاً إلى أنّ لفظة «منه» ليس فى بعض النسخ كما قال سيّدنا الامام: لم نجدها(3).

ولو سلّم تماميّة دلالة هذه الرواية ووجود لفظة «منه» فهى غير معمول بها، هذا مضافاً إلى ما أفاده فى تهذيب الأصول من أنّ الترخيص فى أطراف العلم الإجمالىّ الذى ثبت الحكم فيه بالحجّة يعدّ عند ارتكاز العقلاء ترخيصا فى المعصية


1) المصدر السابق.

2) المصدر السابق.

3) تهذيب الأصول 253:2 و 254.

و تفويتا للغرض، و هذا الارتكاز و إن كان على خلاف الواقع؛ لما عرفت من أنّه ترخيص فى مخالفة الأمارة لا ترخيص فى المعصية، لكنّه تدقيق عقلى منّا، والعرف لا يقف عليه بفهمه الساذج، و هذا الارتكاز يوجب انصراف الأخبار عامّة عن العلم الاجمالىّ المنجّز؛ فإنّ ردع هذا الارتكاز يحتاج إلى نصوص وتنبيه حتّى يرتدع عنه(1).

وعليه فالقول بجريان أصالة الحلّيّة فى جميع الأطراف ساقط، و أنّ جريانها فى بعض الأطراف وان كان ممكنا الّا أنّه فرع ثبوت الاطلاق فتأمّل، وبقيّة الكلام فى محله.

واستشكل فى إطلاق المنع عن بيع المشتبه بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين: بأنّ المدرك فى حرمة بيع الميتة منفردة إن كان هو النصوص والاجماعات فلا شيهة فى أنّهما لا تشملان صورة الاختلاط؛ لأنّه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكّى حتّى مع تسليمها إلى المشترى، لكونه مقدّمة لإقباض المبيع، وعلى هذا فلاوجه لما ذهب إليه الشيخ من المنع على الاطلاق بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، نعم لايجوز أن ينتفع بهما فيما كان مشروطا بالطهارة و التذكيّة. و إن كان المدرك فى المنع هى حرمة الانتفاع بالميتة لكونها فى نظر الشارع مسلوبة المالية - نظير الخمر و الخنزير - وقلنا بتنجيز العلم الإجمالىّ فغاية مايترتّب عليه هو عدم جواز بيعهما من شخص واحد؛ للعلم الإجمالىّ بوجود ما لا يجوز الانتفاع به فيهما، فانّ العلم الإجمالىّ يوجب وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين. إذن فيجرى هنا ما جرى فى الميتة المعلومة تفصيلا من الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة. و أمّا بيعهما من شخصين فلا بأس فيه؛ لأنّ حرمة الانتفاع لم تثبت إلّا على الميتة المعلومة إمّا إجمالا أو تفصيلا


1) المصدر السابق: 257.

على سبيل منع الخلوّ، و اذا انتفى أحد العلمين انتفت حرمة الانتفاع. أيضا، فلم يبقَ الّا الاحمال، فيندفع بالأصل؛ فإنّ هذا نظير انعدام أحد المشتبهين أو خروجه عن محلّ الابتلاء الموجب لسقوط العلم الإجمالىّ عن التأثير(1).

وفيه:

أوّلاً: انّه لو كان المدرك لحرمة بيع الميتة هو النصوص فلا يجدى قصد المذكّى وتسليمها من باب المقدّمة؛ لوجوب الاجتناب عنهما، فلا فائدة محلّلة لهما فى الظاهر، ومع عدم الفائدة يصير الثمن بلا مقابل و تخصيص عدم جواز الانتفاع بالميتة فيما كان مشروطا بالطهارة و التذكيّة مع ما مرّ من حرمة جميع الانتفاعات لاوجه له.

هذا، مضافاً إلى لزوم الجهالة و الغرر فى بعض الأحيان كما لو كان أحدهما مهزولا و الآخر سمينا واختلفت قيمتهما إن لم يبيّن الواقع للمشترى، وإلى لزوم عدم مطابقة الايجاب للقبول ان لم يبيّن الواقع؛ فإنّه يبيع المذكّى بدرهم و المشترى يقبّلهما به، فلا مطاوعة بينهما كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد(2).

وثانياً: إنّه لو كان المدرك فى حرمة بيع الميتة هو كونها مسلوبة المالية نظير الخمر فلا يجوز بيعهما من شخصين؛ لأنّ شرط صحّة البيع هو كونه ذا فائدة، و هو غير محرز للبائع مع احتمال كونه ميتة. اللّهمّ إلّا أن يقال: بكفاية جواز الانتفاع للمشترى بعد فرض عدم علمه لا تفصيلا ولا إجمالا بكون ما اشتراه ميتة. ولكنّه لا يخلو عن الإشكال؛ لأنّ الميتة لاتصلح للعوضيّة، وبالبيع لهما يكون أحد العوضين فى مقابلها، ومع هذا العلم لا يجوز التصرّف فى كليهما.


1) مصباح الفقاهة 72:1.

2) المكاسب المحرّمة 93:1.

وممّا ذكريظهر ما فى كلام الفاضل الإيروانى قدّس سرّه من جواز أن يبيع كلّياً موصوفا بأوصاف خاصّة ثمّ يسلّم أطراف العلم الإجمالىّ ليحصل به تسليم المبيع ضمنا،(1)انتهى.

فإنّ الكلّى المذكور ليس كلّيّا مطلقاً بل هو كالكلّىّ فى المعيّن؛ إذ المفروض أن لايكون مصداقه الّا فى المختلط، و من المعلوم عدم تمكّنه من تسليم ذلك متعيّنا لفرض اشتباهه مع غيره، فالغرر و الجهالة باق بحاله و إن أمكن تسليمه ضمنا بتسليم الأطراف. هذا، مضافاً إلى فقدان الفائدة بعد عدم جواز الانتفاع منهما.

جريان الأصل الحاكم:

ثمّ لو سلّمنا جريان أصالة الحلّيّة فى الجميع أو بعض الأطراف بالتقريبات المذكورة لكنّه مادام لم يكن أصل موضوعىّ حاكم عليها، و أمّا معه فلا مجال له، والأصل الموضوعى الحاكم موجود فى المقام، و هو أصالة عدم التذكيّة الجارية فى الأطراف؛ إذ لايلزم منه مخالفة عمليّة، ومع جريانها لامجال لأصالة الحلّيّة؛ لأنّ الأصل الموضوعىّ حاكم بالنسبة إلى أصالة الحلّيّة و إن قلنا بأنّها أعمّ من التكليفيّة و الو ضعيّة.

أورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّ الميتة أمر وجودى؛ إذهى عبارة عمّا مات حتف أنفه أو ما فارقته الروح بغير ذكاة شرعيّة، فلا يثبت شىء منهما بأصالة عدم التذكيّة إلّا على القول بحجّيّة الأصل المثبت؛ لأنّ عدم التذكيّة أمر يغاير عنوان الميتة و يلازمه، و ليس متّحداً معه. و أمّا ما عن القاموس من أنّه ما لم يلحقه الذكاة(2)فلم


1) حاشية المحقّق الإيروانى 5:1، سطر 29.

2) القاموس المحيط 164:1، مادّة (م ات).

يثبت صحته(1).

و فيه كما فى رسائل الشيخ قدّس سرّه:

أوّلاً: أنّه يكفى فى الحكم بالحرمة عدم التذكيّة ولو بالأصل، ولايتوقّف على ثبوت الموت حتّى ينتفى بانتفائه ولو بحكم الأصل، والدليل عليه استثناء (ما ذكّيتم) من قوله: (و ما أكل السبع (2)فلم يبح الشارع الأ ما ذكّى وإناطة اباحة الأكل بما ذكر إسم اللّه عليه و غيره من الأمور الوجوديّة المعتبرة فى التذكيّة، فإذا انتفى بعضها ولو بحكم الأصل انتفت الإباحة.

وثانياً: إنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى؛ إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه، بل كل زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهى ميتة شرعا(3).

قال فى الكفاية: إنّ أصالة عدم التذكيّة تدرّجها فيما لم يذكّ‌، و هو حرام اجماعاً، كما إذا مات حتف أنفه، فلا حاجة الى إثبات أنّ الميتة تعمّ غير المذكّى شرعا؛ ضرورة كفاية كونه مثله حكما(4).

والحاصل: انّ أصالة عدم التذكية لها أثر شرعىّ‌، فلا حاجة إلى إثبات عنوان الميتة حتّى يكون مثبتا. فإذا كان لها أثر شرعىّ فهى تجرى ومع جريانها لا مجال لأصالة الحلّيّة؛ لأنّ أصالة عدم التذكيّة أصل موضوعىّ بالنسبة اليها، كما أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه فى المقام و غيره.

لايقال: إنّ المؤثّر فى الحلّيّة و الطهارة هو الذبح الخاصّ فى حال زهاق الروح،


1) مصباح الفقاهة 73:1.

2) المائدة: 3.

3) فرائد الاُصول 371:1 و 372.

4) كفاية الأُصول: 397.

ونقيضه عدم الذبح الخاصّ فى حال زهاق الروح، و هو مرفوع الحلّيّة و الطهارة لكن لا يقين إلّا بسبق نفس العدم لابعدمه فى حال زهاق الروح، واستصحابه إلى حال زهاق الروح لايثبت كون العدم فى حال زهاق الروح؛ إذ المتعبّد به ذات القيد لا بما هو قيد مع أنّه لا أثر إلّا للمتقيّد به، ومن المعلوم أنّ نقيض ما لوحظ فى محلّ خاصّ عدمه فى ذلك المحلّ‌؛ لأنّ وحدته من شرائط التناقض(1).

لأنّا نقول كما أفاد أستاذنا الأراكى مد ظلّه العالى: إنّ المراد من كونه فى حال زهاق الروح ليس هو الإتّصاف، بل مجرّد المقارنة كمقارنة حياة زيد مع موت مورّثه، فكما أنّ المقارنة المذكورة لاتمنع عن استصحاب بقاء زيد الى حال موت المورّث، كذلك المقارنة فى المقام لاتمنع عن استصحاب عدم الذبح الخاصّ إلى حال زهاق الروح. و قد مرّ أنّ ظاهر الآية الكريمة هو المقارنة لا الاتّصاف؛ لأنّ الآية الكريمة جعلت الزاهق الروح مفروض الثبوت ثمّ قالت: إن لم تدركه للتذكية فهو حرام و إن تدركه للتذكيّة فلا حرمة، وعدم الحرمة ملازم للحلّيّة، فالحلّيّة منوطة بزهاق الروح والتذكية، ولادليل على الاتّصاف، فمع استصحاب عدم التذكية إلى زمان زهاق الروح يتحقق موضوع الحرمة، وبقيّة الكلام فى محلّه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا ما فى جامع المدارك من أنّ الاستصحاب حيث إنّه من الأصول المحرزة لايجرى فى جميع الأطراف من جهة العلم الإجمالى و إن لم يلزم من جريانه فى جميع الأطراف مخالفة قطعيّة عمليّة، و هذا لايخلو عن الإشكال، وتمام الكلام فى الأصول(2).

ففيه - كما أشار إليه بقوله: و هذا لايخلو عن الإشكال -: منع كون مفاد


1) نهاية الدراية 146:4.

2) جامع المدارك 142:5.

الكبرى المجعولة فى الاستصحاب هو حرمة نقض اليقين السابق بالشكّ عملا و وجوب ترتيب آثار اليقين الطريقى فى ظرف الشكّ بحيث يعمل به على أنّه هو الواقع؛ إذ المتيقّن - كما فى تهذيب الاُصول - هو أنّه يعمل على طبق يقينه من غير توجّه الى أنّه هو الواقع توجّها إسميّا، يأتى بالواقع بالحمل الشائع بلا توجّه بأنّه معنون بهذا العنوان... إلى أن قال: و أمّا حديث جعل ا الاستصحاب لأجل التحفّظ على الواقع فإن كان المراد منه أنّه جعله بلحاظ حفظ الواقع كالاحتياط فى الشبهات البدويّة، فهو صحيح لكن لايوجب ذلك أن يكون التعبّد بالمتيقّن على أنّه الواقع كالاحتياط فإنّه أيضاً بلحاظ الواقع لا على أنّ المشتبه هو الواقع، وان كان المراد منه هو التعبّد على أنّه الواقع فهو ممّا لا شاهد له فى الأدلّة؛ لأنّ المراد من حرمة النقض بالشكّ إمّا اطالة عمر اليقين (على وجه ضعيف) أو حرمة النقض عملاً، أى ترتيب آثار اليقين أو المتيقن - على المختار - و أمّا كونه بصدد بيان وجوب البناء على أنّه الواقع فلا. ثمّ لو سلّم كونه أصلاً محرزا فما جعله مانعا من جريان الاستصحاب فى الأطراف من أنّ معنى الاستصحاب هو الأخذ بأحد طرفى الشك، و هو لا يجتمع مع العلم بانتقاض الحالة السابقة فى بعضها ليس بصحيح؛ لأنّ الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ قد فرغنا عنه(1). وبقيّة الكلام فى محلّه.

المقام الثانى: فيما يقتضيه النصوص:

ولا إشكال فى دلالتها على جواز الانتفاع بالمختلط ببيعه للمستحلّ‌، فنى صحيحة الحلبى المرويّة عن محمّد بن يعقوب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن حمّاد عن الحلبى عن أبى عبداللّه عليه السّلام: أنّه سئل عن رجل كان له غنم وبقر،


1) تهذيب الاصول 260:2-261.

فكان يدرك الذكىّ منها فيعزله ويعزل الميتة، ثمّ إنّ الميتة و الذكىّ اختلطا كيف يصنع به‌؟ قال: «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة ويأكل ثمنه، فانّه لا بأس به»(1).

وصحيحته الأخرى المرويّة عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن على بن الحكم عن أبى المغرا عن الحلبى قال سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول:

«إذا اختلط الذكىّ بالميّت باعه ممّن يستحلّ الميتة وأكل ثمنه»(2).

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: ظاهرهما عرفا عدم جواز أكلهما أو أكل احدهما وعدم جواز انتفاع آخر بهما إلّا ببيعهما للمستحلّ‌، و أنّ الطريق المنحصر فى الاستفادة هو ذلك. و بهما يخصّص كلّ ما دلّت على نجويز ارتكاب أطراف الشبهة لو سلّمت دلالتها(3)... إلى أن قال: فكأنّه قال إذا اشتبه الميتة و المذكّى يحلّ ثمن الميتة وليس بسحت فى هذه الصورة، فالأقوى جواز بيعهما بل تعيّنه، و عدم جواز بيع المذكّى الواقعى؛ لما عرفت من مخالفته للقواعد، واللازم الاقتصار على ظاهر الروايات فيبيعهما(4).

ولكنّ قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه - بعد الإشارة الى الخبرين -: و هو مشكل، مع أنّ المروى عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «أنّه يرمى بهما جميعا إلى الكلاب»(5)و(6).

و فيه: أنّ وجه الإشكال إن كان هو مجرّد مخالفتهما مع القواعد فلا مانع منه بعد ورود التعبّد، فيخصّص القاعدة بموردهما كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 187:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 36 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.

2) المصدر السابق، حديث 1.

3) المكاسب المحرّمة 92:1.

4) نفس المصدر 95.

5) مستدرك الوسائل 73:13، كتاب التجارة، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

6) المكاسب: 5، سطر 31.

ثمّ انّ ما روى عن الجعفريّات عن على عليه السّلام أنّه سئل عن شاة مسلوخة و اُخرى مذبوحة، عمّى على الراعى أو على صاحبها فلايدرى الذكيّة من الميتة‌؟ قال: يرمى بهما جميعا إلى الكلاب(1). لا. ينهض للمعارضة، مع عدم احراز وصول كتاب الحعفريّات الينا؛ لاختلاف الموجود مع ما يكون معنونا فى الفهارس. هذا، مضافاً الى أنّ المروى عن الجعفريّات كناية عن عدم الانتفاع بهما بالعموم فيقبل التخصيص بالخبرين المذكورين ولذلك قال الفاضل الايروانىّ قدّس سرّه: الرمى بها كناية عن عدم الانتفاع بها، فلا ينافى جواز بيعها اذا حصل من يشتريها مستحلّا لها(2).

لايقال: إنّ الضمير فى قوله: «باعه» أو «يبيعه» راجع إلى المذكّى، و عليه فالصحيحتان لا تدلّان إلّا على جواز بيع المذكّى بالمستحلّ‌.

لأنّا نقول: كما فى مكاسب سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: إنّ المتفاهم العرفى منها أنّ الضمير راجع إلى المختلط، و أنّ السؤال فى الثانية عن حال المال المختلط الخارجى، و قوله: «ما يصنع به» أى ما يصنع بهذا الموجود المختلط. وقوله: «يبيعه» أى يبيع ذلك المختلط، لا خصوص المذكّى. و الحمل على بيع خصوص المذكّى، وتسليم المجموع من باب المقدّمة بعيد عن الأذهان العرفيّة.

والشاهد على أنّ المراد بيع المجموع، قوله: «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة ويأكل ثمنه»، فانّ الظاهر منه أنّ الاستحلال موجب لجواز بيع الميتة وأكل ثمنها، وليس النظر إلى مقام التسليم. فقوله: «يأكل ثمنه» اشارة ظاهرة إلى مما هو مروى عن النبى صلّى الله عليه و سلّم والوصى عليه السّلام: «بأنّ ثمن الميتة سحت»، فكأنّه قال: إذا اشتبه الميتة و المذكّى يحلّ ثمن الميتة، وليس بسحت فى هذه الصورة(3).


1) المستدرك 73:13، باب 7 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

2) حاشية المحقّق الإيروانى 5:1، سطر 34.

3) المكاسب المحرّمة 95:1.

ولعلّ الشواهد المذكورة لاتخلو من كلام، إلّا أنّ ظاهر الرواية هو السؤال عن حال المختلط و الجواب راجع إليه. ولو كان الجواب راجعا الى خصوص الذكىّ لم يقنع السائل بذلك، بل سأل عن كيفيّة معاملته و تحويله مع الجهل بعينه، و حيث لم يسأل عن خصوصيّات ذلك فهم منه عرفاً أنّ الجواب راجع إلى المختلط و المجموع من حيث المجموع، لا الذكىّ مع الجهل بخصوصيّاته، ولزوم الجهالة على فرض علم المشترى بالوضع، أو لزوم عدم تطابق القبول مع الإيجاب مع عدم علم المشترى.

قال فى الجواهر: وبالجملة فالمتّجه العمل بالخبرين الجامعين لشرائط الحجّيّة، خصوصا بعد الشهرة المحكيّة فى مجمع البرهان على العمل بهما، وابن إدريس طرحهما على أصله(1).

وحملهما العلّامة على المحكى على جواز استنقاذ مال المستحلّ للميتة بذلك برضاه(2).

اُورد عليه الشيخ الأعظم قدّس سرّه بأنّ المستحلّ قد يكون ممّن لايجوز الاستنقاذ منه إلّا بالأسباب الشرعيّة كالذمّى(3).

وحملهما الشيخ الأعظم قدّس سرّه على صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التى لا تحلّها الحياة من الصوف و العظم و الشعر و نحوها، وتخصيص المشترى بالمستحلّ‌؛ لأنّ الداعى له على الاشتراء اللحم أيضاً، ولايوجب ذلك فساد البيع ما لم يقع العقد عليه(4).

و هو كما ترى؛ إذ لا شاهد له على ذلك الحمل الذى يكون خلاف ظاهر


1) جواهر الكلام 341:36.

2) مختلف الشيعة 337:8.

3) المكاسب: 6، سطر 2.

4) المصدر السابق: 3 و 2.

الخبرين؛ ولذلك قال سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: وأنت خبير بأن طرحهما خير من هذا الحمل المقطوع الخلاف، مع ورود بعض الاشكالات المتقدّمة عليه على فرض قصد ا البائع الاجزاء دون المشترى، كما هو ظاهر كلامه(1).

و أمّا ما عن الدروس من الميل إلى تعرّفه بالعرض على النار بالانبساط والانقباض(2)، كما روى فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر عن اسماعيل بن شعيب عن أبى عبد الله عليه السّلام: فى رجل دخل قرية فآصاب بها لحما لم يدر أذكىّ هو أم ميّت‌؟ فقال: «فاطرحه على النار، فكلّ ما انقبض فهو ذكىّ‌، وكل ما انبسط فهو ميّت»(3).

فقد أجاب عنه فى الجواهر بأنّه لاريب فى أولويّة العمل بالخبرين الماضيين من ذلك؛ ضرورة كونه علامة للمطروح الذى لايعلم كونه بأجمعه مذكّى أو ميتة، لا المختلط الذى هو مفروض المسألة. و دعوى عدم الفرق بينهما فى ذلك ممنوعة بعد حرمة القياس، على أنّه بعد تسليمه يقتضى جوازكلّ منهما عملاً بمجموع النصوص، واللّه العالم(4).

و فيه أنّ قوله: «فكلّ ما انقبض فهو ذكىّ‌، و كلّ ما انبسط فهو ميّت» قاعدة كلّيّة، والعبرة بعموم الوارد. وعليه فاستفادة الحكم فى الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالى لايحتاج إلى القياس أو إلغاء الخصوصيّة، فلولا شبهة عدم العمل به يمكن الأخذ به، فتدبّر.


1) المكاسب المحرّمة 96:1.

2) الدروس الشرعية 14:3.

3) وسائل الشيعة 188:24، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 37 من أبواب الأطعمة المحرّمة، حديث 1.

4) الجواهر 341:36.

ثمّ لايخفى عليك أنّ المحكى عن فروع الكافى هو إسماعيل بن عمر عن (1)مكا شعيب ن إسماعيل بن شعيب، ولكنّه لايضرّ بعد كون البزنطى فى الطريق مع التزامه بأنّه لا يروى إلّا عن الثقة(2).

بقى شىء و هو أنّ مجرى أصالة عدم التذكية هو الحيوان لا أجزاؤه، لأنّ التذكية و عدمها وصفان للحيوان لا لأجزائه فالمذكى هو الحيوان المذبوح بالشرائط الشرعيّة الخاصّة، و غير المذكّى هو الحيوان الزاهق روحه بغير الشرائط الشرعيّه.

و عليه فلو شكّ فى جزء المأخوذ من أحد الحيوانين - نعلم أنّ أحدهما المعيّن مذكّى و الآخر غير مذكّى - أنّه هل مأخوذ من هذا أو ذاك فلا شكّ فى كون الجزء خارجا عن مجرى أصالة عدم التذكية؛ فإنّ الجزء بما هو جزء لا مذكّى ولا غير مذكّى، لما عرفت من أنّ التذكية وعدمها وصفان للحيوان لا للأجزاء، فحينئذ تسقط أصالة عدم التذكية فى ناحية الجزء المشكوك، ويرجع فيه الى أصول حكميّة من أصالة الطهارة أو الحليّة لو قلنا بجريانها فى الأطراف، فيجوز بيعه وشراؤه و استعماله عدا الأكل لإناطته بالمذكى، و هو غير ثابت. و بقيّة الكلام فى محلّه.

رابعها: أنّه هل يجوز المعاوضة على الميتة من غير ذى النفس السائلة أم لا؟ والظاهر كما صرّح به الشيخ الأعظم(3)أنّه لا خلاف فى جواز المعاوضة عليها إذا كانت ممّا ينتفع بها أو ببعض أجزائها، كدهن السمك الميتة للإسراج والتدهين وغير هما؛ وذلك لوجود المقتضى و هو شيوع الانتفاع بها وعدم المانع؛ لأنّ أدلّة المنع عن الانتفاع بالميتة مختصّة بالميتة النجسة، لقصورها عن غير ها أو انصرافها إليها. وعليه فكلّ حيوان بحرى أو برّى ليس له نفس سائلة يجوز المعاوضة على ميتته كما يجوز الانتفاع به. نعم، لايجوز أكلها لاناطة جوازه بالمذكّى.


1) الكافى 1/261:6.

2) أى الشيخ الطوسى 154:1.

3) المكاسب: 6، سطر 9.

سادسا: الكلب:

اشارة

ولا إشكال فى حرمة بيع الكلب الهراش كما حكى دعوى الإجماع عليه عن جماعة(1).

ويدلّ عليه - مضافاً إلى كونها من الأعيان النجسة - ما تواتر من الأخبار على أنّ ثمن الكلب سحت. كموثقة السكونى عن أبى عبدالله عليه السّلام قال: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب.. الحديث»(2).

فإنّ القدر المتيقّن منها هو الهراش.

كما لا اشكال فى صحّة بيع كلب الصيد المعلَّم السلوقى؛ لأنّه القدر المتيقّن من الأخبار الدالّة على جواز بيع كلب الصيد.

و إنّما الكلام فى سائر أقسام الكلاب، فان كانت هى كلاب الصيد يدلّ على جواز بيعها أيضاً الأخبار المستفيضة:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم المرويّة عن الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عن محمّد بن مسلم و عبدالرحمن بن أبى عبداللّه عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: «ثمن الكلب الذى لايصيد سحت»(3)فانّه يدلّ بمفهومه على جواز بيع الكلب الذى يصيد و الّا لزم لغويّة قوله: «لا يصيد»، والأصل فى القيود هو


1) المصدر السابق، سطر 11.

2) وسائل الشيعة 93:17، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

3) المصدر السابق: 119، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

الاحترازيّة، فقيد «الذى لايصيد» يضيّق موضوع السحت، فيجوز بيع كلب الذى يصيد.

و منها: رواية أبى عبد الله العامرى قال سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن ثمن الكلب الذى لايصيد؟ فقال: «سحت، و أمّا الصيود فلابأس(1).

ومنها: خبر أبى بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن ثمن كلب الصيد؟ قال:

لا بأس بثمنه، و الآخر لايحلّ ثمنه»(2).

و منها: ما رواه فى الوسائل عن الشيخ - فى التهذيب - فى الصحيح عن أحمد عن ابن فضّال عن أبى جميلة عن ليث قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكلب الصيود يباع‌؟ قال: «نعم، و يؤكل ثمنه»(3).

وغير ذلك من الأخبار.

ربّما يدّعى انصراف تلك الأخبار إلى خصوص السلوقى، وعليه فلايدلّ إلّا على جواز كلب الصيد السلوقى، و هو بعيد؛ ولذا قال الشيخ قدّس سرّه: ودعوى انصراف هذه الأخبار كمعاقد الإجماعات المتقدّمة إلى السلوقى ضعيفة؛ لمنع الانصراف، لعدم الغلبة المعتدّ بها على فرض تسليم كون مجرّد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف، مع أنّه لايصحّ فى مثل قوله: «ثمن الكلب الذى لا يصيد» أو «ليس بكلب الصيد»؛ لأنّ مرجع التقييد إلى إرادة ما يصحّ عنه سلب صفة الاصطياد، فلامجال لدعوى الانصراف(4)انتهى.

وأوضح الأخير من كلامه الميرزا الشيرازى قدّس سرّه فى تعليقته بقوله: أمّا عدم


1) وسائل الشيعة 119:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

2) المصدر السابق، حديث 5.

3) التهذيب 343/80:9.

4) المكاسب: 7، سطر 11.

الصحّة فى العبارة الأولى فظاهر؛ لأنّ الظاهر منها الكلب الذى يصحّ سلب صفة الاصطياد منه، ومن المعلوم عدم صحّة سلب هذه الصفة عن الصيّاد غير السلوقى، فيكون خارجاً عن هذا العنوان وداخلاً فى مفهومه المحكوم بجواز بيعه(1).

وممّا ذكر يظهر أنّه لا مجال لدعوى أنّ قوله: «الذى لايصيد» اشارة الى أقسام ما عدا الكلب السلوقى. و قوله: «والصيود»، أو «كلب الصيد»، اشارة إلى السلوقى، بمعنى أنّ ذكر الموصول وصلته لمحض معرّفيّة موضوع الحكم من غير دخالة للوصف فيه، فيكون ذات السلوقى موضوعا لعدم الحرمة سواء كان صيودا أو لا، وغيره موضوعا للحرمة صيودا كان أو لا.

فإنّ التوصيف و التقييد كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد ظاهران فى الموضوعيّة أو الدخالة سيّما مثل قوله: «و أمّا الصيود»، فهذا الاحمال بعيد عن ظواهر الأخبار(2).

نعم، يمكن دعوى انصراف الأخبار الى المعلَّم للصيد؛ لكثرة استعمال لفظ الصيود أو كلب الصيد أو الذى يصيد أو يصطاد فى المعلَّم، كما أن لفظة (سگ شكارى) فى اللغة الفارسيّة منصرفة إلى المعلَّم، وعليه لقوله: «الذى لايصيد» ظاهر فيما عدا المعلَّم.

و أمّا ما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه من منع دعوى انصراف الصيود أو الذى يصيد إلى الكلب المعلَّم سلوقيّا كان أو لا، و انصراف الذى لايصيد أو لايصطاد إلى غير المعلَّم مستدلّا بأنّ الظاهر من الذى لايصيد أو لايصطاد سلب الوصف لاسلب القيد مع ثبوت أصل الوصف، فحينئذٍ يكون الصيود الذى فى مقابله هو ما


1) حاشية العلّامة الميرزا محمد تقى الشيرازى: 12، سطر 26.

2) المكاسب المحرّمة 101:1.

ثبت له الوصف... إلى أن قال: نعم لايبعد انصراف قوله: «كلب الصيد» الى المعلَّم، بل الى السلوقى منه(1).

ففيه:

أوّلاً: أنّ مع الانصراف المذكور أيضاً يكون المنفى هو الوصف لا القيد؛ لأنّ عنوان المنفى هو يصيد أو يصطاد، و هما ظاهران بالظهور الانصرافى فى المعلَّم، فنفيهما نفى الوصف المنصرف ويكون بمنزلة ننى كلب الصيد، فكما أنّ غير كلب الصيد ظاهر فى غير المعلَّم فكذلك الذى لا يصيد أو لايصطاد ظاهران فى غير المعلَّم.

وثانياً: دعوى انصراف قوله: «كلب الصيد» إلى السلوقى كما ترى بعد وجود كثرة وجود كلب الصيد من غير السلوقى. هذا، مضافاً إلى أنّ الغلبة الخارجيّه على تقدير التسليم لا توجب الانصراف ما لم تستلزم كثرة الاستعمال.

وعليه فدعوى اختصاص جواز بيع كلب الصيد بالمعلّم سواء كان سلوقيّا أو غير سلوقى غير مجازفة.

ثمّ إنّ الظاهر من المعلَّم للصيد هو فعليّة التعليم لذلك لا قابليّته للتعليم، وعليه فلايشمل كلب الصيد الجرو الذى يكون قابلا للتعليم.

وهل يكون التصييد الفعلى دخيلا فى صدق كلب الصيد؟ الظاهر عدمه؛ لصدق كلب الصيد على المعلَّم للصيد و إن لم يصد، فتدبّر جيّداً.

و إن كانت الكلاب غير كلاب الصيد مثل كلب الماشية و الحائط - و هو البستان - وكلب الزرع، فيقع الكلام فى الجهتين:


1) المصدر السابق.

الجهة الاُولى: فى كلمات الأصحاب:

ففى الجواهر(1): ولكنّ الأشبه باصول المذهب وقواعده جواز بيعها ككلب الصيد لا المنع وفاقا لأبى على واجارة المبسوط و الخلاف و المراسم و الوسيلة والسرائر و كشف الرمو ز و المختلف و التذكر ة و التحرير و الإرشاد و التبصر ة والايضاح و شرح الإرشاد و الدروس و اللمعة و حواشى الشهيد و المختصر و المهذّب البارع والتنقيح وايضاح النافع وجامع المقاصد وغاية المرام و المسالك و الروضة ومجمع البرهان وشرح الفقيه للمجلسى على ما حكى عن البعض، واقتصار أبى على و المراسم و المبسوط و الخلاف على اثنين منها غير قادح بعد الاجماع بقسميه على عدم الفرق بين الثلاثة، كما يشهد له نسبة القول اليهم فى الأربعه من غير واحد من الأصحاب، مع أنّ أبا على منهم قال فى بعض كلماته: لا خير فى الكلاب إلّا كلب الصيد و الحارس، فلا بأس حينئذ بدعوى الشهرة على الجواز، بل ربّما حكى عن ظاهر إجارة التذكرة الإجماع عليه، بل لعلّه كذلك؛ إذ لم يحكَ الخلاف فى ذلك الّا عن الشيخين فى المقنعة و النهاية و تجارة المبسوط و الخلاف و الغنية و القاضى ويحيى بن سعيد وبعض متأخّرى المتأحرين ممّن لايعتدّ بوفاقه وخلافه فخصّوا الجواز بكلب الصيد أو السلوقى منه. ويمكن إرادتهم منه المثال بذلك لكلّ ماينتفع به منفعة محلّلة، بل فى ديات الأوّل: وكذلك أى يضمن من أتلف على مسلم شيئا من سباع الطير وغيرها ممّا قد جعل للمسلمين الانتفاع به كالبازى و الصقر و الكلب السلوقى و كلب الحائط و كلب الماشية و الفهد وما أشبه ذلك كان عليه غرم قيمته حيّا يوم أتلفه إلّا الكلب خاصّة فإنّه قد وظّف فى قيمة السلوقى المعلّم للصيد أربعون درهماً، وفى قيمة كلب الحائط و الماشية عشرون درهما ونحو منه فى النهاية.


1) جواهر الكلام 137:22-139.

و ربّما أشعر قوله: «جعل للمسلمين.. إلى آخره» بجواز البيع الذى هو أحد أفراد الانتفاع. والمبسوط و الخلاف مع أنّهما صرّ حا بجواز البيع فى كتاب الاجارة - فإنّ فيهما يصحّ إجارة كلب الزرع و الماشية كما يصحّ بيعهما - ليس فى تجارتهما ما يقتضى الخلاف فى ذلك. قال فى الأوّل: الكلاب على ضربين: أحدهما لايجوز بيعه بحال، و الآخر يجوز ذلك فيه. فما يجوز بيعه ما كان معلَّما للصيد، وروى أنّ كلب الماشية و الحائط مثل ذلك(1)وما عدا ذلك فلا يجوز بيعه و لا الانتفاع به. وما يجوز بيعه يجوز إجارته؛ لأنّ أحدا لايفرّق بينهما. و يجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية وحفظ الزرع بلا خلاف، وكذلك يجوز اقتناؤها لحفظ البيوت... إلى آخره.

ولعلّه عاملٌ بالرواية المزبورة خصوصا مع ملاحظة كلامه فى الإجارة..

إلى أن قال: و أمّا الغنية فظاهرها إرادة المثال من كلب الصيد، قال فيها:

واشترطنا أى فى ضابط مايجوز بيعه أن يكون منتفعا به تحرّزا ممّا لا منفعه فيه كالحشرات وغيرها. وقيّدنا بكونها مباحة تحفّظا من المنافع المحرّمة، ويدخل فى ذلك كلّ نجس لا يمكن تطهيره إلّا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلَّم للصيد و الزيت النجس؛ ضرورة ظهورها فى ارادة جواز بيع كلّ ما ينتفع به منفعة محلّلة، ولا ريب فى حصولها فى الكلاب الثلاثة؛ إذ لا خلاف فى جواز اقتنائها والانتفاع بها لذلك(2).

تحقيق كلمات المتقدّمين و المتأخّرين:

وأجاب عنه الشيخ الأعظم عليه السّلام بما حاصله: أنّ دعوى الاتّفاق عن الشيخ فى كتاب الإجارة و العلّامة و الشهيد قدّس سرّه على عدم الفرق بين الكلاب الأربعة ضعيفة


1) وسائل الشيعة 120:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 9.

2) جواهر الكلام 139:22.

لوهنها بعد الإغماض عن معارضتها بظاهر عبارتى الخلاف و الغنية من الاجماع على عدم جواز غير المعلّم من الكلاب بوجدان الخلاف العظيم من أهل الرواية و الفتوى، كما أنّ شهرة الفتوى بين المتأحرين لانجبر الرواية المرسلة فى كلام الشيخ فى المبسوط، خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء، ومع كثرة العمومات الواردة فى مقام الحاجة، وخلوّ كتب الرواية المشهورة عنها حتّى أنّ الشيخ لم يذكرها فى جامعيه. هذا، مضافاً الى أنّ حمل كلمات القدماء على المثال ففى غاية البعد.

و أمّا كلام ابن زهرة فهو مختلّ على كلّ حال؛ لأنّه استثنى الكلب المعلّم عمّا يحرم الانتفاع به، مع أنّ الإجماع على جواز الانتفاع بالكافر، فحمل كلب الصيد على المثال لايصحّح كلامه، الّا أن يريد كونه مثالا ولو للكافر أيضا، كما أنّ استثناء الزيت من باب المثال لسائر الأدهان المتنجّسة.

ولكنّ الحاصل من شهرة الجواز بين المتأحرين بضميمة أمارات الملك فى هذه الكلاب يوجب الظنّ بالجواز حتّى فى غير هذه الكلاب مثل كلاب الدور و الخيام، فالمسألة لاتخلو عن اشكال و إن كان الأقوى بحسب الأدلّة و الأحوط فى العمل هو المنع، فافهم(1).

و لا يخفى قوّة ما ذهب إليه الشيخ قدس سره من أنّ دعوى الاتّفاق عن الشيخ فى كتاب الإجارة مو هونة بمعارضتها بظاهر عبارة الخلاف حيث قال فى تجارته: يجوز بيع كلاب الصيد، و يجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلَّمة، و لا يجوز بيع غير الكلب المعلّم على حال... إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة فإنّهم لا يختلفون فيه، ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى؛ (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌) (2). وقوله: (إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ


1) المكاسب: 7، سطر 33-8، سطر 7.

2) البقرة: 275.

تَرٰاضٍ‌) (1). و لم يفصّل. وروى جابر أنّ النبى صلّى الله عليه و سلّم نهى عن ثمن الكلب و السنّور إلّا كلب الصيد(2)، و هذا نصّ‌، و يجوز إجارة كلب الصيد. واختلف أصحاب الشافعى؛ فمنهم من قال: لا يجوز إجارته مطلقاً، و هو الصحيح عندهم. ومنهم من قال: يجوز اجارته، ذهب إليه أبوالعبّاس بن القاص فى التخصيص (التلخيص خ) دليلنا: أنّا قد دلّلنا على جواز بيعه، وكلّ من قال بجواز بيعه قال بجواز إجارته(3).

والعجب من صاحب الجواهر حيث قال: ليس فى تجارتهما (اى الخلاف والمبسوط) ما يقتضى خلاف الجواز(4)مع أنّ ظاهر الخلاف هو عدم الجواز.

ونسب صاحب الجواهر التصريح بالجواز إلى إجارة الخلاف(5)، مع أنّ النسخة فى الإجارة مختلفة، وبعضها يساعد ما ذكره فى التجارة من عدم الحواز حيث قال: يصحّ إجارة كلب الصيد للصيد وحفظ الماشية و الزرع... الى أن قال: دليلنا: انّ الأصل جوازه، والمنع بجتاج إلى دليل، ولأنّ بيع هذه الكلاب) للصيد خ (يجوز عندنا، وما يصحّ بيعه يصحّ إجارته بلا خلاف(6).

وظاهر المبسوط أيضاً هو عدم الجواز حيث قال: والكلاب على ضربين:

أحدهما لايجوز بيعه بحال. والآخر يجوز ذلك فيه. فما يجوز بيعه ما كان معلَّما للصيد، وروى أنّ كلب الماشية و الحائط كذلك، وماعدا ذلك كلّه فلا يجوز بيعه ولا الانتفاع به، و ما يجوز بيعه منها يجوز إجارته؛ لأنّ أحدا لايفرّق بينهما(7). إنتهى. و نقل رواية


1) النساء: 29.

2) سنن الدارقطنى 276/73:3 و 277، سنن البيهقى 6:6 و 7.

3) الخلاف 586:1، السألة 302، كتاب البيوع، ط: قديم.

4) جواهر الكلام 138:22.

5) المصدر السابق.

6) الخلاف 720:1، المسألة 34، كتاب الاجارة، ط: قديم.

7) راجع المبسوط 166:2.

مرسلة لايدلّ على العمل بها.

وعليه فلايدلّ قوله: «ومايجوز بيعه منها يجوز إجارته؛ لأنّ أحدا لا يفرّق بيهما» على أزيد من الكلب المعلَّم.

و أيضا قول صاحب الجواهر بعد نقل عبارة المقنعة -: و ربّما أشعر قوله «جعل للمسلمين الانتفاع به.. إلخ» - بجواز البيع الذى هو أحد أفراد الانتفاع(1)، لايساعده تصريحه فى كتاب تجارة المقنعة بعدم جواز بيع غير الكلب السلوقى، حيث قال: وثمن الكلب حرام الّا ما كان سلوقيّا للصيد، فإنّه لابأس ببيعه وأكل ثمنه(2).

ولو سلّم دعوى الاجماع على الجواز ففيها أنّها تنافى تصريح أهل الرواية والفتوى بخلافها. وفى وصيّة على بن بابويه لولده الصدوق (قدّس سرّهما): و ثمن الكلب الذى ليس بكلب صيد سحت(3).

و قد عرفت تصريح المفيد بحرمة بيع غير السلوقى.

وفى النهاية للشيخ الطوسى قدّس سرّه: والرشا فى الأحكام سحت، و كذلك ثمن الكلب الّا ما كان سلوقيّا للصيد، فإنّه لا بأس ببيعه و شرائه و أكل ثمنه و التكسّب به(4).

وفى الغنية: وقيّدنا بكونها مباحة تحفّظا من المنافع المحرّمة، ويدخل فى ذلك كلّ نجس لايمكن تطهيره إلّا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلَّم للصيد و الزيت النجس للاستصباح به تحت السماء. و هو اجماع الطائفة.

و يحتجّ على من قال من المخالفين بجواز بيع الكلاب مطلقاً و بيع سرقين ما لايؤكل لحمه وبيع الخمر بوكالة الذمّى على بيعها بما رووه من قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه إذا


1) جواهر الكلام 138:22.

2) المقنعة: 589.

3) المقنع: 362.

4) نهاية الشيخ الطوسى: 364.

حرّم شيئاً حرّم ثمنه»(1).

ويحتجّ على من منع من جواز بيع كلب الصيد و الزيت النجس للاستصباح بعموم الآيتين اللتين قدّمناهما («أحلّ الله البيع»(2). وقوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ‌» (3)، و بما رووه عن جابر من أنّه نهى صلّى الله عليه و سلّم عن ثمن الكلب الّا أن يكون للصيد(4).. إلخ(5).

و لا يخفى عليك أنّ ظاهر استدلاله بالرواية الأخيرة أن ذكر الكلب المعلّم للصيد ليس من باب المثال و إن اقتضى استدلاله الآخر جواز بيع كلّ ما ينتفع به، فلاتغفل.

وعن ابن البرّاج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب(6).

نعم، يظهر من بعض الحواز كالمراسم حيث عدّ من المحرّمات بيع الكلاب الّا السلوقى وكلب الماشية و الزرع(7).

والوسيلة أيضاً كذلك حيث قال: والبهيمة على ضربين: امّا يحلّ لحمها أو يحرم. فالأوّل: يحلّ بيعها إلّا إذا عرض أمر يمنع عن ذلك. والثانى: إمّا يمكن الانتفاع بها مثل جوارح الطير و السباع وكلب الصيد و الماشية و الزرع و الحراسة... إلى أن قال:

وجاز بيع جميع ذلك. و إمّا لايمكن الانتفاع بها و يحرم بيعه، و هو ماسوى ذلك(8).


1) سنن الدارقطنى 7:3، حديث 20، عوالى اللآلى 110:2، حديث 301.

2) البقرة: 275.

3) النساء: 29.

4) سنن الدارقطنى 276/73:3 و 277، سن البيهقى 6:6 و 7.

5) الغنية 213:1 و 214.

6) حكاه عنه العلّامة فى المختلف 43:5، و لم نجده فى كتابيه.

7) المراسم: 170.

8) الوسيلة الى نيل الفضيلة: 248.

و السرائر حيث قال: والرشا فى الأحكام سحت، وكذلك ثمن الكلب إلّا كلب الصيد سواء كان سلوقيّاً - منسوبا إلى سلوق قرية باليمن - أو لم يكن وكلب الزرع وكلب الماشية وكلب الحائط، فإنّه لابأس ببيع الأربعة كلاب وشرائها وأكل ثمنها.

و ما عداها محرّم محظور ثمنه و ثمن جلده سواء ذكّى أو لم يذك(1).

و الجامع للشرائع ليحيى بن سعيد حيث قال: ولايصحّ البيع فيما لا يملكه المسلم كالحرّ و الخمر و الخنزير و الكلب إلّا كلب صيد أو ماشية أو حائط أو زرع(2).

والمخنلف حيث قال (بعد نقل كلام ابن ادريس): وبه قال ابن حمزة و هو الأقرب عندى. لنا: الأصل الإباحة، و لأنّه لو جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقى الكلاب الأربعة. والأوّل ثابت اجماعا، فكذا الثانى. و بيان الشرطيّة: إنّ المقتضى للجواز هناك كون المبيع ممّا ينتفع به، وثبوت الحاجة إلى المعاوضة، و هذان المعنيان ثابتان فى صورة النزاع، فيثبت الحكم عملاً بالمقتضى السالم عن المعارض؛ إذ الأصل انتفاؤه، ولأنّ لها ديات منصوصة، فيجوز المعاوضة عليها، و لأنّه يجوز إجارتها فيجوز بيعها.

احتجّ الشيخ بما رواه الوليد العمارى(3)قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن ثمن الكلب الذى لايصيد؟ فقال: «سحت، و أمّا الصيود فلا بأس»(4). وعن السكونى فى الموثّق عن الصادق عليه السّلام: «السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب»(5)... الى أن قال: و لأنّها عين نجسة فيحرم بيعها كالعذرات.

والجواب عن الحديثين بمنع صحّة سندهما، وبالقول بالموجب؛ فإنّ لفظ الكلب


1) السرائر 202:2.

2) الجامع للشرائع: 248.

3) فى التهذيب: القاسم بن الوليد العامرى.

4) وسائل الشيعة 119:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 7.

5) نفس المصدر: 93، الباب 5، حديث 5.

ليس من ألفاظ العموم فيحمل على كلب الهراش، وبالفرق بين الاصل و الفرع فى الثانى، لعدم الانتفاع فى الأصل؛ مع أنّه قياس لايجوز العمل به(1).

وجامع المقاصد حيث قال: بعد نقل تجويز العلّامة فى القواعد لبيع الأربعة بقوله: والأقرب جواز بيع كلب الصيد و الماشية و الزرع و الحائط، الخلاف فيما عدا كلب الصيد صرّح به فى المنتهى و الأصحّ الجواز، ولعلّ مقصود العبارة ثبوت الخلاف فى المجموع من حيث هو هو، وفى حكمها كلب البيت اذا اتّخذ لحراسته كما صرّح به فى المنتهى، والحائط هو البستان(2).

والتذكرة حيث قال: إن سوّغنا بيع كلب الصيد صحّ بيع كلب الماشية و الزرع والحائط؛ لأنّ المقتضى و هو النفع حاصل هنا(3).

والمنتهى حيث قال: و قد أجمع علماؤنا على تحريم بيع ما عدا كلب الصيد والماشية و الزرع و الحائط من الكلاب، وعلى جواز بيع كلب الصيد، واختلفوا فى الثلاثة الباقية ثمّ قوّى ما اختاره ابن ادريس من الجواز، واستدلّ على إباحة الثلاثة بأنّ لها دية وقيمة لو اتلفت على ما يأتى إن شاء الله. والدية تستلزم التملّك المستلزم لجواز التصرّف، ولأنّ الشيخ فى المبسوط أجاز إجارتها وجواز الاجارة لازم لصحّة التملّك للبيع، و لأنّه يصحّ الانتفاع به ونقل اليد فيه و الوصيّة به فيصحّ بيعه كالحمار.

و احتجّ الشيخ رحمه الله على تحريم ما عدا الكلب السلوقى بقول الصادق عليه السّلام و قد سئل عن ثمن الكلب الذى لايصيد؟ فقال: «سحت».

واحتجّ الشافعى بما رواه أبومسعود الأنصارى: «أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم نهى عن


1) مختلف الشيعة 43:5 و 44.

2) جامع المقاصد 14:4.

3) التذكرة 464:1، سطر 14.

ثمن الكلب»(1). وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: «ثمن الكلب خبيث» و عن ابن عبّاس قال: «انّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم نهى عن ثمن الكلب» (وقال: ان جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفّه (ترابا، ولأنّه حيوان نجس العين فأشبه الخنزير.

والجواب: بحمل النهى على الكلب الذى ليس أحد الأربعة(2).

فتحصّل: أنّ الأقوال بين القدماء و المتأخّرين متعاكسة. ودعوى الإجماع لا مجال لها فى الجواز و لا فى الحرمة، بل لا مجال لدعوى شهرة المتقدّمين على الجواز فضلاً عن الإجماع؛ لما عرفت من الأقوال.

وممّا ذكر يظهر ما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه(3)حيث ذهب الى أنّ الجواز مشهور بين الأصحاب من لدن زمن شيخ الطائفة بل قبله الى الأعصار المتأخّرة، والمفتى بالخلاف قليل ربّما يقال منحصر بالمفيد وابن سعيد، وإلّا فالمفتى بالخلاف فى كتاب رجع عنه فى باب آخر أو كتاب آخر أو تردّد فيه، بل ظاهر التذكرة فى كتاب الإجارة أنّ جواز بيع الكلاب التى لها منفعة محلّلة مثل كلب الصيد والماشية و الزرع و الحائط إجماعى، ويمكن استظهار الإجماع عليه من عبارة الغنية المتقدّمة فى بعض المسائل الماضية، بل يمكن استظهاره من إجارة الخلاف، قال: يصحّ اجارة كلب الصيد للصيد وحفظ الماشية و الزرع... إلى أن قال: دليلنا: أنّ الأصل جوازه و المنع يحتاج إلى دليل، ولأنّ بيع هذه الكلاب يجوز عندنا، و ما يصحّ بيعه يصحّ اجارته بلاخلاف. فإنّ الظاهر من قوله: «هذه الكلاب» كلاب الصيد و الماشية و الزرع لا كلب الصيد فقط. وإلّا لقال: هذا الكلب..

إلى أن قال: ودعوى اشتهار عدم الجواز بين المتقدّمين فى غير محلّها؛ فإنّ مجرّد


1) نصب الراية 53:4، الاُم 11:3.

2) منتهى المطلب 1009:2، سطر 13، و انظر: المجموع فى شرح المهذب 229:9.

3) المكاسب المحرّمة 107:1-110.

ايراد المحدّثين كالكلينىّ وغيره تلك الأخبار فى كتبهم لايدلّ على أنّ فتواهم على المنع فى غير كلب الصيد سيّما مع ما تقدّم من الاستظهار عن مثل صحيحة ابن مسلم.

و تخيّل دعوى شيخ الطائفة الإجماع على عدم الجواز فى الكلاب غير الكلب المعلَّم، وهى تدلّ لا أقلّ على اشتهار الحكم فى تلك الأعصار وهم؛ فإنّه قال فى الخلاف: مسألة 302: يجوز بيع كلاب الصيد، و يجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلَّمة، ولايجوز بيع غير الكلب المعلّم على حال. وقال أبوحنيفة ومالك: يجوز بيع الكلاب مطلقاً إلّا أنّه مكروه.. إلى أن قال: وقال الشافعى: لايجوز بيع الكلاب معلّمة كانت أو غير معلّمة، ولايجب على قاتلها القيمة. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنّهم لا يختلفون فيه، ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌) . وقوله: (إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌) ولم يفصّل. وروى جابر: «أنّ النبى صلّى الله عليه و سلّم نهى عن ثمن الكلب والسنور إلّا كلب الصيد» و هذا نصّ‌. انتهى.

ثمّ قال: و هو كما ترى ادّعى الاجماع على جواز بيع الكلاب المعلّمة، و لهذا قال:

ويدلّ عليه أيضاً، أى مضافاً إلى الإجماع قوله تعالى، و تمسّك بدليل النفوذ. بل يمكن استظهار عدم إجماعيّة حكم سائر الكلاب من كلامه بأن يقال: لو كان الحكمان إجماعيّين لأشار إليهما، ولم يدَّع فى خصوص كلب الصيد. وتشهد بعدم إجماعيّته بل إجماعيّة خلافه عبارته المتقدّمة عن إجارة الخلاف، فيمكن دعوى اشتهار الجواز بين المتقدّمين و المتأخّرين، فسقطت الروايات الدالّة على عدم الجواز لو سلّمت دلالتها عن الحجّيّة رأساً(1).

لما عرفت من فتوى القدماء كعلى بن بابويه و المفيد و الصدوق و الشيخ و ابن


1) المصدر السابق.

زهرة وابن البرّاج و ابن سعيد فى نزهة الناظر(1)بعدم الجواز. فإنّه مع فتوى هؤلاء لا مجال لدعوى الاشتهار بين القدماء على الجواز فضلاً عن دعوى الإجماع، فدعوى الاجماع مو هونة بوجدان الخلاف عند هذه الجماعة من المتقدّمين.

بل ظاهر كلام الشيخ فى الخلاف هو دعوى الاجماع على عدم الجواز أيضاً؛ لأنّ مدّعاه مركّب من أمرين: أحدهما هو جواز بيع كلاب الصيد، وثانيهما عدم جواز بيع غير الكلب المعلَّم. و استدلّ بإجماع الفرقة.

ولا وجه لتخصيص ذلك بأحدهما. و استدلاله بأدلّة النفوذ للأمر الأوّل لا يدلّ على اختصاص الإجماع بالأوّل أيضا؛ لصحّة ازدياد الاستدلال للأوّل بأدلِّة النفوذ، كما استدلّ للثانى برواية جابر أيضاً.

و أيضا لا مجال للاستشهاد بعبارة اجارة الخلاف على إجماعيّة خلاف الحرمة مستدلّا بلفظة الجمع حيث قال: ولأنّ بيع هذه الكلاب يجوز عندنا وإلّا لقال هذا الكلب؛ لما مرّ من أنّ فى بعض النسخ إضافة «للصيد»، وعليه فالمقصود من الإشارة بقوله: هذه الكلاب هى كلاب الصيد؛ لأنّها هى التى بيعت للصيد لا غيرها.

هذا، مضافاً إلى تصريح الشيخ فى كتاب التجارة بعدم جواز بيع غير كلب الصيد، فكيف يصحّ منه دعوى الإجماع على الجواز.

ثمّ إنّ دعوى أنّ إيراد المحدّثين كالكلينى وغيره تلك الأخبار فى كتبهم لايدلّ على أنّ فتواهم على المنع فى غير كلب الصيد، كما ترى؛ لما قرّر فى محلّه من أنّ المتقدّمين من أهل الفتيا اكتفوا بمتن الأحاديث فى الفتوى كالهداية للصدوق و النهاية للشيخ قدس سرهما.

و كيف كان فدعوى إجماع القدماء على الحرمة لا مجال له مع وجود القول


1) نزهة الناظر: 76.

بالخلاف كالوسيلة و المراسم و السرائر، كما لامجال لدعوى اجماعهم على الجواز مع ما عرفت من ذهاب جماعة كثيرة إلى الحرمة.

نعم، لعلّ دعوى الاشتهار بين القدماء على الحرمة غير بعيدة. ويؤيّده ما فى نزهة الناظر من إسناد الخلاف الى بعض مع أنّه لو كان مشهورا لأسنده اليهم لا الى بعض، كسلّار حيث قال - فى عداد موارد عدم جواز البيع -: وبيع الكلاب الّا كلب الصيد خاصّة. وأجاز الشيخ الفقيه سلّار أيضاً بيع كلب الزرع و كلب الحائط.

والصحيح أنّه لايجوز بيع شىء من الكلاب إلّاكلب الصيد خاصّة(1).

ولو لم نسلّم الاشتهار بين القدماء على الحرمة فلا يكون اشتهار على الجواز حتّى يسقط به الأدلّة المانعة عن الاعتبار، فلاتغفل.

الجهة الثانية: فى أدلّة القولين:

يدلّ على المنع من بيع غير كلب الصيد صحيح محمّد بن مسلم عن أبى عبدالله عليه السّلام: «ثمن الكلب الذى لا يصيد سحت»(2).

و هو بإطلاقه يدلّ على عدم جواز بيع كلّ كلب ليس له ملكة الاصطياد الحاصلة بالتعليم، ومن المعلوم إنّ كلب الماشية و الزرع و الحائط و الدار وغير ذلك ليس لها ملكة الاصطياد و إن كان لها ملكة الحراسة أو ملكة الاكتشاف كبعض كلاب الشرطة.

والقول بأنّ مطلق الكلاب عدا الكلاب المهملة التى فى الأزقّة و الأسواق ممّا زالت عنه ملكة الاصطياد و التكالب داخل فى عنوان الكلب الذى يصطاد و الصيود.


1) نزهة الناظر: 76.

2) وسائل الشيعة 119:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

و لا يصحّ أن يقال أنّها لاتصطاد أو ليست بصيود و إن كانت للماشية و الحراسة و نحوهما، والكلب ما لم تكن له ملكة الاصطياد لا يتّخذ للماشية وحفظ الأغنام ونحوهما.. الى أن قال: فالميزان فى جواز البيع هو صدق الوصف عليها لا استعمالها فى الصيد أو اشتغالها به. والظاهر صدق العناوين على جمع الأنواع، فكلاب الأغنام والمواشى صيود تصيد الذئب و الغزال وغير هما، و لو فرض بعيدا سلب صفة الاصطياد عن بعض ما يتّخذ للحراسة يمكن الحكم بصحّة معاملته بعدم القول بالفصل بل وبالاستصحاب (تأمّل)(1).

غير واضح؛ لأنّ التكالب والافتراس أعمّ من الصيد، و من المعلوم أنّ الأعمّ لا يدل على الأخصّ‌، وكلب الصيد أو الذى يصيد ليسا بصادقين على هذه الكلاب.

نعم، لو كانت هذه الكلاب معلَّمة للصيد ثم اتخذت للحراسة و نحوها صدق عليها عنوان كلب الصيد أو الذى يصيد أيضاً مادام لم تزل ملكة الاصطياد عنها. و أمّا بدون كونها معلَّمة للصيد فهى مندرجة تحت عنوان «الذى لا يصيد» ويتر تّب عليها حكمه. وحيث كان الحكم دائرا مدار العنوان فى أمثال المقام كعنوان المسافر و الحاضر لا مجال للاستصحاب؛ إذ بعد سلب صفة الاصطياد يدخل فى عنوان غير كلاب الصيد، ويترتّب عليه حكمه.

و كيف كان فمقتضى إطلاق الصحيحة هو عدم جواز بيع غير كلاب الصيد.

هذا، مضافاً إلى كونها من الأعيان النجسة، و قد مرّ أنّ النجاسة مانعة عن جواز البيع؛ ولذا حكى فى المختلف عن الشيخ الاحتجاج بأنّ كلاب غير الصيد عين نجسة فيحرم بيعها كالعذرات(2). و هذا الاستدلال من الشيخ قدّس سرّه يؤيّد ما ذكرناه سابقاً


1) المكاسب المحرّمة لسيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه 103:1 و 104.

2) مختلف الشيعة 44:5.

من أنّ الانتفاع بالنجاسة لايوجب رفع الحرمة عن بيعها. وجه التأييد: أنّ الكلاب المذكورة لها منفعة عقلائيّة كالحراسة ونحوها، ومع ذلك ذهب الى حرمة معاوضتها من جهة نجاستها كالعذرات. فمنه يُعلم أنّ المانع هو النجاسة، لا الخلوّ عن المنفعة.

و أمّا ما فى المختلف فى الجواب عن هذا الاستدلال من قوله: «والجواب...

بالفرق بين الأصل و الفرع فى الثانى؛ لعدم الانتفاع فى الأصل، مع أنّه قياس لايجوز العمل به»(1).

ففيه: أنّ الانتفاع ثابت فى الفرع و الأصل كليهما؛ لأنّ نفع العذرات التسميد، ونفع الكلاب هى الحراسة ونحوها. ثمّ إنّه لا فرق بين النجاسات من جهة عدم جواز البيع، فإذا كانت العذرات مع وجود منفعة التسميد ممنوعة، فكذلك سائر النجاسات لإلغاء الخصوصيّة عرفاً، ومع إلغاء الخصوصيّة لا مجال لقوله: «إنّه قياس لا يجوز العمل به». ألا ترى أنّه إذا قيل: اغسل يدك من الدم علم منه بإلغاء الخصوصيّة وجوب الغسل من ملاقاة سائر النجاسات أيضا؛ لعدم خصوصيّة للدم، وهكذا فى المقام.

واستدلّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه بالأخبار الحاصرة كخبر أبى بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن ثمن كلب الصيد؟ قال: «لا بأس بثمنه، والآخر يحلّ ثمنه»(2).

و خبر العامرى قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثمن الكلب الذى لايصيد؟ فقال:

«سحت، و أمّا الصيود فلا بأس»(3).

وقال: و الأشهر بين القدماء - على ما قبل - المنع؛ ولعلّه استظهر ذلك من


1) المصدر السابق.

2) وسائل الشيعة 119:17 و 118، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

3) المصدر السابق، حديث 1.

الأخبار الحاصرة لما يجوز بيعه فى الصيود المشتهرة بين المحدّثين كالكلينى و الصدوقين و من تقدّمهم، بل و أهل الفتوى كالمفيد و القاضى وابن زهرة وابن سعيد و المحقّق بل ظاهر الخلاف و الغنية الإجماع عليه(1). انتهى.

و لا يخفى أنّ التمسّك بهما مع ضعف سندهما من جهة جبر ضعفهما بالشهرة الفتوائيّة و الروائيّة.

و فيه: أنّ جبر ضعفهما بها فيما اذا لم يكن للمشهور دليل آخر، و أمّا مع الدليل الآخر كالصحيحة المذكورة آنفا فلايكون الشهرة المذكورة - بناء على وجودها - جا بر ة، كما لا يخفى.

و أمّا الاستدلال بموثقة السكونى عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغىّ و الرشوة فى الحكم وأجر الكاهن»(2).

ففيه -: كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه - أنّها ليست بصدد بيان حكم كلّ عنوان حتّى يؤخذ باطلاقها، بل بصدد بيان عدّ ما هو سحت، نظير أن يقال: انّ فى الشرع محرّمات: الكذب و الغيبة و التهمة و الربا الى غير ذلك. أو فى الشرع واجبات:

الصلاة و الزكاة و الحجّ‌.. إلخ. أو قوله عليه السّلام: «بنى الإسلام على خمس: الصلاة و الزكاة و..

إلخ». فإنّه لايصحّ الأخذ بالاطلاق فيها فيقال: إنّ الكذب مطلقاً حرام، ولا بإطلاق وجوب الصلاة لرفع ما شكّ فى جزئيّته أو شرطيّته فيها، والمقام من هذا القبيل. فإنّ قوله: «من السحت كذا و كذا» فى مقام عدّ أقسام السحت إجمالا، لا بيان حكم الكلب و الميتة، فالأخذ بالإطلاق فى نحوه مشكل(3).

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ أمثال الرواية المذكورة وان لم تكن فى مقام بيان


1) المكاسب: 7، سطر 5.

2) وسائل الشيعة 93:17، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

3) المكاسب المحرّمة 98:1.

الخصوصيّات ولكن مع ذلك لايصحّ جعل طبيعة الشىء مصداقا للسحت الّا إذا كان نوع أفرادها مصداقا له، فليتأمّل.

وكيف كان ففى بعض ما ذكر غنى وكفاية لإثبات حرمة بيع كلاب غير الصيد.

واستدلّ للجواز بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ ثبوت الدية على قاتل كلاب غير الصى د ككلب الزرع والحائط و الماشية يدلّ على جواز المعاوضة عليها؛ و لذلك قال فى المنتهى: إنّ لها دية وقيمة لو اتلفت على مايأتى إن شاء الله تعالى، والدية تستلزم التملّك المستلزم لجواز التصرّف(1).

و فيه: - كما فى مكاسب شيخنا الأعظم قدّس سرّه -: إنّ الدية لو لم تدلّ على عدم التملّك وإلّا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت لم تدلّ على التملّك؛ لاحمال كون الدية من باب تعيين غرامة معيّنة لتفويت شىء ينتفع به، لا لإتلاف مال كما فى إتلاف الحرّ(2).

انتهى.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو سلّم التملّك فهو مقتض لصحّة البيع لو لم يمنع مانع، والمانع موجود فى المقام، و هو الدليل الشرعى القائم على عدم صحّة بيع الذى لايصيد، فهذه الكلاب تكون كاُمّ الولد التى تكون ملكا ولايجوز بيعها، وعليه فالتملّك لايستلزم جواز التصرّفات المعاملية.

الوجه الثانى: مايظهر من المختلف من دعوى الملازمه بين جواز الاجارة وجواز البيع حيث قال: و لأنّه يجوز إجارتها فيجوز بيعها(3).


1) منتهى المطالب 1009:2، سطر 21.

2) المكاسب: 7، سطر 32.

3) مختلف الشيعة 44:5.

و فيه: كما فى مصباح الفقاهة: أنّه لا ملازمة شرعيّة بين صحّة الإجارة وصحّة البيع؛ فإنّ اجارة الحرّ و أمّ الولد جائزة بالاتّفاق و لا يجوز بيعهما، كما لاملازمة ببن صحّة البيع وصحّة الإجارة؛ فانّ بيع الشعير و الحنطة وعصير الفواكه و سائر المأكولات و المشروبات جائز اتّفاقا، و لا تصحّ إجارتها؛ فإنّ من شرائط الإجارة أنّ العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، و الأمور المذكورة ليست كذلك(1).

الوجه الثالث: ما فى المختلف أيضاً من دعوى الملازمة بين جواز بيع كلب الصيد وجواز باقى الكلاب الأربعة حيث قال: والأوّل ثابت اجماعا فكذا الثانى، بيان الشرطيّة إنّ المقتضى للجواز هناك كون المبيع ممّا ينتفع به وثبوت الحاجة إلى المعاوضة، و هذان المعنيان ثابتان فى صورة النزاع، فيثبت الحكم عملاً بالمقتضى السالم عن المعارض؛ إذ الأصل انتفاؤه(2).

و فيه - مضافاً الى أنّه قياس كما فى مكاسب شيخنا الأعظم قدّس سرّه(3)، فتأمّل - أنّ الأصل لا مجال له بعد النصّ الشرعى على المنع من بيع الكلب الذى لا يصيد كما عرفت.

الوجه الرابع: مايظهر من الجواهر من إمكان تخصيص العموم و الإطلاق بمرسل المبسوط(4)المنجبر بما عرفت و المعتضد بما سمعت ممّا يقتضى الجواز بل و بما فى الصحيح: «لا خير فى الكلاب إلّا كلب الصيد أوكلاب ماشية»(5). و محكى العوالى فى


1) مصباح الفقاهة 98:1.

2) مختلف الشيعة 44:5.

3) المكاسب: 7، سطر 32.

4) وسائل الشيعة 120:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 9.

5) نفس المصدر 530:11، كتاب الحج، الباب 43 من أبواب أحكام الدواب، حديث 2.

خبر طويل: «فجاء الوحى باقتناء الكلاب التى ينتفع بها، فاستثنى كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث وأذن فى اتّخاذها»(1)باعتبار ظهورهما فى اتّحاد الجميع فى الأحكام ولا أقلّ من ذلك كلّه يحصل ضعف فى إرادتها من الإطلاق المزبور، فيبقى على مقتضى ما دلّ على الجواز(2).

و فيه: أنّ مرسل المبسوط لاينجبر بشهرة المتأخّرين، والمفروض عدم ثبوت شهرة المتقدّمين، وعلى فرض ثبوتها لم يحرز استنادهم إلى المرسلة مع وجود وجوه اخر فى المسألة.

ولذا قال شيخنا الأعظم قدّس سرّه: و أمّا شهرة الفتوى بين المتأخّرين فلا تجبر الرواية، خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء، ومع كثرة العمومات الواردة فى مقام الحاجة وخلوّ كتب الرواية المشهورة عنها حتّى انّ الشيخ لم يذكرها فى جامعيه(3). انتهى.

هذا، مضافاً إلى ما فى جامع المدارك من أنّه: ان كان المراد من كلب الحائط المعدّ لحراسة الزرع و البستان و الدار لا يبقى بعد التخصيص إلّا كلب الهراش. والعقلاء لايقدمون على بيعه، فحمل المنع فى الأخبار على المنع عن بيعه بالخصوص بعيد جدّاً، فمع حجّيّة المرسل المذكور وتماميّة الدلالة تقع المعارضة بينه وبين تلك الأخبار، والترجيح معها.

ومع حمل الحائط على خصوص البستان و الزرع لايبقى تحت العامّ إلّا كلب الهراش و المعدّ لحراسة الدور و الخيام، وكلب الهراش خارج؛ لعدم التوجّه إليه، وحمل تلك المانعة على خصوص ما ذكر لايخلو عن بعد. هذا، مضافاً إلى أنّ حمل الحائط على ما ذكر - أعنى خصوص الزرع و البستان - لا وجه له، فالأقوى المنع وان كان


1) مستدرك الوسائل 90:13، كتاب التجارة، الباب 12 من أبواب ما يكتسب به حديث 6.

2) جواهر الكلام 142:22.

3) المكاسب: 8، سطر 2.

لهذه الكلاب منفعة مقصودة للعقلاء محلّلة؛ لأنّ هذه الجهة مقتضيّة لصحّة البيع لو لم يمنع مانع(1).

ويمكن أن يقال: إنّ الحائط ظاهر فى البستان، و شموله لكلب الزرع و الدار غير محرز. نعم، ينضمّ كلب الزرع إلى الحائط من جهة عدم التفرقة بينهما فى الأحكام، و أمّا كلب الدار فلا دليل على الحاقه، وعليه فمع إخراج مفاد المرسلة عن عموم الكلب الذى لايصيد يبقى تحته كلب الهراش وكلب الدور وكلب التفتيش و الكلب الذى لاينفع به لكبر أو لصغر كالجراوى الصغار التى لم تصل إلى حدّ الانتفاع بها فى ذلك، وعليه فالباقى له أفراد كثيرة، فلايلزم من تخصيصه بها استهجان.

فالعمدة هو ما ذكر من عدم انجبار ضعف المرسله لعدم احراز الاستناد اليها.

وامّا قوله عليه السّلام فى الصحيح من أنّه: «لا خير فى الكلاب الّا كلب الصيد أو ماشية» فلايدلّ الّا على جواز الانتفاع. وهكذا القول فى محكى العوالى، فلاتغفل.

الوجه الخامس: ما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه من أنّ بناء المسلمين ظاهرا على بيع هذه الكلاب النافعة، والظاهر أنّ هذا البناء و العمل متّصل الى الأعصار المنقدّمة حتّى عصر النبى صلّى الله عليه و سلّم و قبله؛ لأنّها أموال عقلائيّة لها منافع عقلائيّة، سيّما فى محيط الحجاز محيط تربية الأغنام و الأجمال، وما كان كذلك لابدّ من مقابلته بالمال فى الأعصار و الأمصار الّا أن يمنع مانع منه.

مضافاً إلى ما قالوا من ترتيب آثار الملكيّة و الماليّة على تلك الكلاب من اجارتها و هبتها و وقفها و الوصيّة بها وجعلها مهرا للنكاح وعوضا للخلع وغرامة قيمتها و إن قدّرها الشارع، والتقدير لايدلّ على عدم الملكيّة و الماليّة؛ لأنّه يكون فى


1) جامع المدارك 6:3.

كلب الصيد أيضاً(1).

و فيه: انّ دعوى بناء المسلمين على جواز بيع الكلاب النافعة لا يساعدها المحكى عن الحنابلة و الشافعيّة و بعض فرق المالكيّة أنّهم ذهبوا الى أنّ بيع الكلاب مطلقاً لايصحّ حتّى كلب الصيد(2)، هذا مضافاً الى ما عرفت من ذهاب جماعة كثيرة من علمائنا إلى عدم جواز بيعها، بل ادّعى عليه الاجماع، على أنّ السيرة متّبعة ما لم يردع عنها الشارع، و يكفى فى المقام للردع عنها ما يدلّ على أنّ ثمن الكلب الذى لا يصيد سحت؛ فإنّه ردع ظاهر لو لم نقل بصراحته عمّا بنى العرف عليه من بيع الكلاب النافعة.

ثمّ لا يخفى أنّه لاتلازم بين الملكيّة و الماليّة و بين جواز البيع كما مرّ.

فالأقوى و الأوفق هو حرمة بيع الكلاب النافعة عدا كلب الصيد و إن جاز الانتفاع بها؛ للنصّ الدالّ على كون ثمن الكلب الذى لايصيد سحتا(3).


1) المكاسب المحرّمة 108:1.

2) الفقه على المذاهب الأربعة 231:2 و 232.

3) وسائل الشيعه 119:17، كتاب التجارة، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

بقى هنا فروع:

أحدها: إنّ عدم صحّة مبادلة الكلاب المذكورة هل يختصّ بالبيع أو يعمّ سائر المعا ملات‌؟ قال فى مصباح الفقاهة: المستفاد من أخبار الباب إنّما هو حرمة بيع كلب الماشية و كلب الحائط و كلب الزرع، و أمّا المعاملات الأخرى غير البيع فلا بأس فى إيقاعها عليها كإجارتها وهبتها و الصلح عليها؛ بناء على عدم جريان أحكام البيع عليه إذا كانت نتيجته المبادلة بين المالين، فإنّ المذكور فى تلك الأخبار هى حرمة ثمن غير الصيود من الكلاب، ولايطلق الثمن على ما يؤخذ بدلاً بغير عنوان البيع من المعا ملات(1).

ويؤيّده ما عن الصحاح حيث قال: الثمن ثمن المبيع(2). و ما فى المفردات للراغب حيث قال: الثمن إسم لما يأخذه البائع فى مقابلة البيع عينا كان أو سلعة(3)، ولكنّ الظاهر من القاموس هو خلافه حيث قال: و ثمن الشىء محرّكة ما استحقّ به ذلك الشىء(4). وهكذا المصباح المنير حيث قال: الثمن العوض(5). بل زاد فى


1) مصباح الفقاهة 102:1.

2) الصحاح 2089:5.

3) مفر دات الراغب: 82.

4) الفاموس المحيط 209:4.

5) المصباح المنير: 84.

المفردات: وكلّ ما يحصّل عوضا عن شىء فهو ثمنه(1). انتهى.

فاختصاص الثمن بثمن المبيع فى الاصطلاح لايدلّ على اختصاصه فى اللغه أيضاً، وعليه فلا وجه لتخصيص الثمن بالبيع، بل يشمل ما صولح عليه فى مقابل الكلب ولو لم يكن الصلح متّحداً مع البيع إلّا أنّه لايشمل الإجارة؛ لأنّ الأجرة لاتقع فى مقابل العين. و أمّا بذل المال لحقّ الاختصاص أو رفع اليد عن الكلب فلا اشكال فيه أصلاً؛ لأنّه لم يقع فى مقابل الكلب أصلا لا عينا ولامنفعة كما لا يخفى.

و ثانيها: إنّ الانتفاع بتلك الكلاب لايحرم، ولم ينقل عن أحد الاستشكال فى جواز ذلك. ودعوى بناء المسلمين على مثل ذلك ليست ببعيدة.

ثالثها: أنّ عنوان كلب الصيد كما هو ظاهر فى الكلب المعلّم للصيد كذلك عنوان الكلب الذى يصيد حيث انّ المستفاد منه أنّ ممّا يستمرّ منه الصيد، و هو ليس الّا الكلب المعلّم للصيد، و أمّا غير المعلّم ولو كان لحراسة الماشية أو الزرع أو الحائط أو الدار فليس ممّا يصحّ أن يستمرّ منه الصيد، ومجرّد كون التكالب خصلة له لا يوجب أن يكون كالمعلّم للصيد؛ إذ التكالب أعمّ من كونه معلَّماً للصيد.

فلا اختلاف بين لفظ الصيد وفعل يصيد فى المقام و إن سلّمنا الاختلاف بين بعض العناوين المشتقّة وفعلها كالجارى وجرى أو يجرى بالنسبه الى الماء؛ فانّ الماء الجارى لايصدق عرفاً إلّا على ما يكون جريانه عن منبع تحت أرض ونحوه ولايصدق على الماء الذى من كوز وجرّة و نحوهما مع صدق جرى الماء ويجرى منه بالنسبة إلى الماء الذى فى الكوز.

وعليه فكما أنّ عنوان كلب الصيد متّحد مع عنوان الكلب الذى يصيد كذلك يكون الأمر فى مقابلاتهما، وعليه فعنوان غير كلب الصيد يتّحد مع عنوان الكلب


1) مفر دات الراغب: 82.

الذى لايصيد من دون تقييده بوقت خاصّ‌؛ اذ المراد منهما هو الكلب الذى ليس له ملكة الصيد بالتعليم بحيث يستمرّ منه الصيد.

و ممّا ذكر يظهر أنّ عنوان كلب الصيد وعنوان الكلب الذى لا يصيد متقابلان بتقابل السلب و الإيجاب، كما أنّ عنوان صلب الصيد و الكلب الذى يصيد مترادفان، فدعوى أنّ النسبة بين عنوان «كلب الصيد» وبين عنوان «الكلب الذى لا يصيد» هى العموم من وجه لاتصحّ إلا بناء على بعض المعانى المرجوحة، فتدبّر جيّداً.

سابعها: الخنزير البرّى:

اشارة

و لا يخفى عليك أنّ مقتضى نجاسته هو عدم جواز التكسّب به.

قال فى المنتهى: الأعيان قسمان: طاهرة ونجسة. والنجسة قسمان: أحدهما: ما هو نجس فى نفسه وبالأصالة كالخمر و الأنبذة و الميتة و الخنزير و الدم و المنى وغير ذلك من النجاسات التى عددناها، والثانى: ما نجس بالمجاورة.. إلى أن قال: و القسم الأوّل من قسمى النجس يحرم بيعه. و قد احتجّ العلماء كافّة على تحريم بيع الميتة و الخمر والخنزير بالنصّ و الإجماع.. الى أن قال: ولا خلاف بين المسلمين فى ذلك(1).

ونحوه فى التذكرة حيث قال: الفصل الرابع: العوضان، ويشترط فيهما اُمور:

الأوّل: الطهارة. مسألة: يشترط فى المعقود عليه الطهارة الأصليّة، فلاتضرّ النجاسة العارضة مع قبول التطهير. ولو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ اجماعاً(2).

ظاهره هو أنّ المانع هو نجاستها الأصليّة. وظاهر التذكرة أنّ الطهارة من شرائط العوضين التى تكون المعاملة بدونها فاسدة.

هذا، مضافاً إلى النصوص. كما أفاد فى الجواهر فى وجه المنع عن بيع الأعيان


1) منتهى المطلب 1008:2، سطر 24.

2) التذكرة 464:1، سطر 4.

النجسة. حيث قال - بعد التمسّك بمحكى الإجماع عن التذكر و المنتهى و المبسوط و غيرهم -: مضافاً إلى ثبوته فى النصوص المعتبرة فى العذرة و الدم و الخمر و الخنزير والميتة و الكلب الذى لايصيد، و يتمّ بعدم القول بالفصل(1).

ولعلّ المراد من النصوص هو ما رواه فى الوسائل:

عن محمّد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران) عمير خ ل) عن بعض أصحابنا عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن نصرانى أسلم وعنده خمر و خنازير وعليه دين، هل يبيع خمره و خنازيره، ويقضى دينه‌؟ قال: «لا»(2).

و فيه - كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه - ضعف بالإرسال. ثمّ قال:

والظاهر أنّ المراد من بعض الأصحاب فيها هو محمّد بن مسكان عن معاويه بن سعيد، وهما ضعيفان(3)انتهى.

ولكن لا يخفى عليك أنّ الأسناد المذكورة فى الوسائل مختلطة. والأسناد على ما فى الكافى إمّا مسندة وهى على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن محمّد بن سنان عن معاوية بن سعد عن الرضا عليه السّلام وفى بعض نسخ هذه الرواية مكان ابن أبى نجران هو ابن أبى عمير(4)إلّا أنّ الرواية على النسختين مسندة، و إمّا مرسلة وهى هكذا: على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن الرضا عليه السّلام(5)وجعلهما فى الكافى روايتين؛ ولذا ذكر المسندة فى موضع و الأخرى فى موضع آخر.


1) جواهر الكلام 10:22 و 11.

2) وسائل الشيعة 226:17، كتاب التجارة، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1 و 2.

3) المكاسب المحرّمة 112:1 و 113.

4) الكافى 5/231:5.

5) المصدر السابق: 14/232.

وعليه فضعف الطريق الأوّل لايضرّ بصحّة الطريق الثانى بعد اشتهار أنّ مرسلات ابن أبى عمير كالمسندات؛ لأنّه لايروى ولايرسل الّا عن الثقة.

وما رواه فيه أيضاً عن محمّد بن يعقوب، عن على بن ابراهيم، عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس: «فى مجوسى باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمّى ثمّ أسلم قبل أن يحلّ المال. قال: له دراهمه. وقال أسلم رجل و له خمر أو خنازير ثمّ مات وهى فى ملكه وعليه دين. قال: يبيع ديانه أو ولىّ له غير مسلم خمره و خنازيره و يقضى دينه، وليس له أن يبيعه و هو حىّ ولايمسكه.

و فيه أيضاً عدم إحراز انتساب الحكم إلى المعصوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك فتوى يونس، ولكنّه بعيد كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد(1). ولايضرّ عدم العمل بالجزء الاوّل من الرواية، لكفاية قوله عليه السّلام: «ليس له أن يبيعه و هو حىّ و لا يمسكه» فى عدم جواز بيعه. نعم، سند الرواية ضعيف بإسماعيل بن مرار، ولكن يمكن الذبّ عنه بكونه من المشايخ؛ فتأمّل.

وما رواه عن عبداللّه بن جعفر فى قرب الأسناد عن عبد الله بن الحسن عن جدّه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرعليه السّلام قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيرا إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن. هل يحلّ له ثمنه بعد الإسلام‌؟ قال: «إنّما له الثمن، فلا بأس أن يأخذه»(2).

بتقريب كما فى مصباح الفقاهة أنّ مفهومه أنّ غير أخذ الثمن لايجوز له بعد الإسلام. وعليه فيستفاد من الر واية أمران: الأوّل: حر مة بيع الخنز ير بعد الإسلام و إلّا لكان الحصر فيها لغواً. والثانى: صحّة المعاملة عليه قبل الإسلام وإلّا لكان أخز ثمنه


1) المكاسب المحرمة 113:1.

2) وسائل الشيعة 234:17، كتاب التجارة، الباب 61 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

بعد الإسلام حراما و أكلا للمال بالباطل(1).

وفيه: أنّ الخبر ضعيف. هذا، مضافاً إلى إمكان منع المفهوم من مثله؛ إذ بعد تحقّق البيع لايمكن البيع ثانيا حتّى يكون الإمام عليه السّلام فى مقام بيان حكمه، و إنّما السؤال عن حكم الثمن فأجاب الإمام عليه السّلام بجواز أخذه مع التأكيد، و دفع احمال أن يكون الثمن لغيره باحمال بطلان البيع بقوله عليه السّلام: «إنّما له الثمن». و أمّا انّ بيع الخنزير فى حال الإسلام هل يجوز أم لايجوز فلاتعرّض له.

وما رواه فى المستدرك عن الجعفريّات بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه على بن الحسين عن أبيه عن على عليهم السلام «قال: من السحت ثمن الميتة... إلى أن قال:

و ثمن الخنزير وأجر القاضى.. الحديث»(2).

ولكنّه ضعيف؛ لعدم إحراز كون الجعفريّات الموجودة هى النى ألّفها مؤلّفها؛ لاختلاف محتواها مع ما فى الفهارس، وعدم تواتر النسخة الموجودة فى أيدينا كما لا يخفى.

و ما رواه فى المستدرك عن الدعائم: روينا عن أبى عبداللّه عن أبيه عن آبائه عليهم السلام: أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم نهى عن بيع الأحرار وعن بيع الميتة و الخترير و الأصنام .. الحديث»(3).

ولكنّه ضعيف.

و قد روى ذلك فى أخبار العامّة أيضاً، كالمحكى عن البخارى فى باب بيع الميتة.

قال «رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إنّ الله و رسوله حرّ م بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام(4).


1) مصباح الفقاهة 79:1.

2) مستدرك الوسائل 69:13، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

3) المصدر السابق: 71، حديث 5.

4) صحيح البخارى 289:3، كتاب البيوع، الباب 289، حديث 477.

و أمّا ما فى المنتهى(1)فى رواية السكونى عن أبى عبدالله عليه السّلام: قال: «السحت ثمن الميته و ثمن الكلب و ثمن الخنزير» فلم أجده الّا فى تفسير العياشى بناء على نسخة نقلها فى جامع الأحاديث من تفسير العياشى، ولكنّ المذكور فى نسخة الكافى «و ثمن الخمر» مكان «ثمن الخنزير»(2).

و كيف كان ففى بعض هذه الروايات كفاية لاثبات عدم جواز بيع الخنزير.

و فى قبالها روايات اُخرى:

منها: ما رواه فى جامع الأحاديث عن الكلينى عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن ابن أبى اذينة عن زرارة عن أبى عبداللّه عليه السّلام: فى الرجل يكون لى عليه الدراهم فيبيع بها خمراً وخنزيراً يقضى عنها. قال: «لا بأس. أو قال:

خذها»(3).

ومنها: ما رواه فيه عن الكلينى عن على بن ابراهيم عن أبيه عن حمّاد عن حريز عن محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السّلام فى رجل كانت له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنازير و هو ينظر (ه - يب) فقضاه. فقال: «لا بأس به. أمّا للمقتضى) للمقضى - يب (فحلال، و أمّا للبايع فحرام»(4).

و منها: ما رواه فيه عن الشيخ قدّس سرّه عن الحسين بن سعيد عن عبد اللّه بن بحر (يحيى خ ل) عن ابن مسكان عن أبى بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمراً وخنازير يأخذ ثمنه‌؟ قال: «لا بأس


1) منتهى المطالب 1008:2، سطر 29.

2) راجع جامع الأحاديث 6/169:17.

3) المصدر السابق: 1/164.

4) المصدر السابق: 5/165.

به»(1).

«و منها: ما رواه فيه عن الشيخ قدس سره عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن محمّد بن يحيى الخثعمى قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الرجل يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر و الخنازير فيقضينا؟ فقال: «لا بأس به، ليس عليك من ذلك شىء»(2).

و قد روى ابن ابى عمير عن القاسم بن محمّد الجوهرى و محمّد بن يحيى الخثعمى، فلابأس بهما.

ويمكن الجمع بينهما:

بحمل هذه الطائفة على كون المتبايعين ذمّيين؛ و ذلك لأ نسبة مرسلة ابن أبى عمير و معتبرة. يونس بالنسبة إلى هذه الأخبار هى العموم و الخصوص أو الإطلاق والتقييد، فإنّ مرسلة ابن أبى عمير و معتبرة يونس صريحتان فى عدم جواز البيع للمسلم، فيحمل اطلاق هذه الأخبار على ما اذا كان المتبايعان غير مسلمين كالذمّيين.

والطائفتان من الأخبار ليستا بمثبتتين، بل هما مثبتة و نافية حيث قال فى مرسلة: «لا» فى جواب السؤال عن البيع. وقال فى معتبرة يونس: «و ليس له أن يبيعه و هو حىّ‌». ولا إشكال فى أنّ مقتضى القاعدة فى المثبت و النافى هو حمل المطلق على المقيّد.

وممّا ذكر يظهر ما فى مصباح الفقاهة حيث قال: وجمع بينهما فى الوسائل بحمل المجوّزة على فرض كون البائع ذمّيّا، و استشهد عليه بموثّقة منصور، قال: قلت لأبى عبدالله عليه السّلام: لى على رجل ذمّى دراهم، فيبيع الخمر و الخنزير وانا حاضر، فيحلّ


1) المصدر السابق: 2.

2) المصدر السابق. 3.

لى أخذها؟ فقال: «إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك»(1)لدلالتها على جواز خصوص بيع الذمّى الخنزير فتكون مقيّدة لما يدلّ على جواز بيعه مطلقاً.

ثمّ استشكل فيه بقوله: وفيه أنّ حمل المطلق على المقيّد و إن كان من المسلّمات الّا أنّه فيما كان بينهما تناف وتعاند، نظير: اعتق رقبة. و لا تعتق رقبة كافرة. ولو لم يكن بينهما تناف كما فى المقام فلاوجه لذلك الحمل.

والصحيح أن يقال: إنّ الظاهر من خبر منصور و من قوله عليه السّلام فى رواية قرب الأسناد «إنّما له الثمن، فلابأس أن يأخذه(2)» ومن رواية عمّار بن موسى(3)هو جواز بيع الذمّى الخنزير قبل الإسلام، فيقيّد بها ما يدلّ على حرمة بيعه مطلقاً. اذن فتنقلب النسبة وتصير المانعة أخصّ من المجوّزة ومقيّدة لها، وعليه فلايجوز لغير الذمّى بيع الختر ير(4).

و ذلك لما عرفت من أنّ المعتبر من الأخبار المانعة كمرسلة ابن أبى عمير ومعتبرة يونس يدلّان على المنع من البيع للمسلم، و نسبتهما الى الأخبار المجوّزة هى نسبة العموم و الخصوص، فيقدمان عليها، ويحمل تلك الأخبار على ما إذا لم يكن البائع مسلماً.

هذا، مضافا إلى أنّه لم تثبت الأخبار المانعة المطلقة؛ لضعف سندها ومدلولها، فلا وجه لجعلها معارضة مع الأخبار المجوّزة المطلقة.

ثمّ بعد تسليم وجود الأخبار المطلقة المانعة لايذهب عليك أنّه لا دليل على


1) وسائل الشيعة 232:17، كتاب التجارة، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

2) المصدر السابق: 234، الباب 61 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

3) المصدر السابق: 376:25، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 34 من أبواب الأشربة المحر مة، حديث 3.

4) مصباح الفقاهة 81:1-80.

تقديم بعض الأخبار المجوّزة للذمّى الموافق للأخبار المطلقة الدالّة على الجواز؛ لتقييد الأخبار المانعة و تخصيصها به حتّى تنقلب النسبة، بل هو ترجيح من غير مرجّح بعد كون مادلّ على الجواز للذمّى مع ما دلّ على الجواز مطلقاً فى عرض واحد بالنسبة الى الأخبار المانعة، فالأخبار حينئذ تكون متعارضة لو أغمضنا عمّا ذكرنا. ولكنّ الترجيح مع المانعة لأخذ المشهور بها لو لم نقل بأنّ الأخبار المجوّزة معرض عنها، فلاحجّيّة لها أصلاً.

و ربّما يجمع بين الطائفتين من الأخبار بحمل الطائفة الثانية على بيان صحّة بيع الخنزير وضعاً و الطائفة الأولى على بيان حرمة البيع تكليفاً. ولكنّ الظاهر أنّه خلاف ما ذهب إليه الأصحاب من جعل الطهارة شرطاً من شرائط العوضين؛ فإنّ مقتضاه هو فساد المعاملة بدونها كما ادّعى العلّامة قدّس سرّه فى التذكرة اجماع الإماميّة عليه، فلو كان ظاهر الطائفة الثانية هو صحّة البيع فهى معرض عنها.

هذا، مضافاً إلى أنّ ذلك الحمل لايساعده سياق الأخبار؛ فإنّ بيع الخنزير معطوف على بيع الخمر فى الروايات وحكم عليهما بعدم البأس فى أخذ الثمن، مع أنّ بطلان البيع فى الخمر من الضروريّات الإسلاميّة؛ ولذا قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه فى مكاسبه: إنّ ما دلّت على صحّته وجواز أخذ ثمنه عوض الدين كصحيحة محمّد بن مسلم.. إلى أن قال: محمولة على كون المتبايعين ذمّيّين أو مطروحة سيّما مع اشتمالها على بيع الخمر مع أنّ بطلانه وحرمة ثمنها ضروريان(1).

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق المنع عن بيع الخمر و الخنزير للمسلم ولو لأداء الدين هو عدم جواز بيعهما ولو للانتفاعات المحلّلة كالتخليل فى الأوّل و تربية الدوابّ فى الثانى كما قيل: إنّ انس الخنزير بالخيل موجب لسمنها أو كمالها؛ وذلك لأنّ الأخبار فى مقام


1) المكاسب المحرّمة 110:1 و 111.

بيان الحكم و رفع الحاجة ومع ذلك أطلق المنع، فلو جاز بيعهما لبعض الانتفاعات المحلّلة لرخّص فيه الإمام عليه السّلام مع حاجة السائل إلى ثمنه لأداء الدين كما لايخفى.

هذا، مضافاً إلى أنّ كونهما من الأعيان النجسة كالعذرة مقتضيا لعدم جواز بيعهما، ومجرّد وجود المنافع المحلّلة لايوجب جواز بيعهما لذلك، كما لا يجوز بيع العذرة لمحرّد منفعة التسميد وبيع كلاب غير الصيد لمنفعة الحراسة ونحوها، و مع اطلاق الأدلّة لاوجه للأخذ بالقدر المتيقّن.

وممّا ذكر يظهر ما فى دعوى أنّ المتيقّن هو حرمة بيع الخنزير للانتفاع المحرّم دون المحلّل.

ثمّ إنّ الانتفاع من الخنزير كإدخاله فى الخيل لتسمينها أو كمالها لا دليل على حرمته، لأنّ الممنوع فى الأخبار هو البيع لا الانتفاع، ولا ملازمة بين حرمة البيع و حرمة الانتفاع.

ألا ترى إنّ بيع العذرة ممنوع مع أنّ التسميد بها جائز.

اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بذيل خبر يونس حيث قال عليه السّلام: و ليس له ان يبيعه و هو حىّ ولايمسكه(1). مضافاً إلى دعوى الإجماع على حرمة الانتفاع به كما عن المبسوط حيث قال: وان كان نجس العين مثل الكلب و الخنزير و الفارة و الخمر و الدم وما توالد منهم و جميع المسوخ وما توالد من ذلك أو من احدهما فلايجوز بيعه ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال إجماعا إلّا الكلب فإن فيه خلافا(2).

و يمكن الذبّ عنه بما فى مكاسب شيخنا الأعظم قدس سره من أنّ المراد من إمساكه امساكه للوجه المحرّم، ومع نقل الخلاف لا يبقى وثوق بنقل الإجماع(3). هذا، مضافاً


1) تقدم فى الصفحة: 94.

2) المبسوط 165:2-166.

3) المكاسب: 13، سطر 26 و 28.

إلى أنّ الاجماع معلوم المدرك أو محتمله، مع أنّ دلالة الآيات المستشهده بها غير تامّة؛ لأنّ آيات التحريم والاجتناب و الهجر كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ‌..)

الآية(1). أو قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌..) الآية(2). و قوله تعالى: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ..) الآية(3). ظاهرة فى الانتفاعات المقصودة فى كلّ نجس بحسبه، وهى فى مثل الميتة الأكل وفى الخمر الشرب وفى الميسر اللعب به وفى الأنصاب و الأزلام مايليق بحالهما، فلا تشمل مطلق الانتفاعات ولو لم تكن مقصو دة منها(4).

ولكن مع ذلك لايخلو عن تأمّل؛ لأنّ الظاهر من قوله: «ولايمسكه» هو التأسيس لا التأكيد بأن يحمل قوله «لا يمسكه» على أنّ المراد هو النهى عن امساكه للبيع. كما أنّ حمله على أنّ المراد منه هو النهى عن امساكه للأكل خلاف اطلاقه، فتدبّر، فالمسألة مشكلة و الاحتياط لايترك.

هذا كلّه بالنسبة إلى الانتفاع من الخنزير الحىّ بمثل ما ذكر من تسمين الخيل بادخاله فيها.

و لا يخفى عليك أنّ بعض الأخبار يدلّ على جواز الانتفاع بأجزائه كشعره وجلده؛ وإليك مايلى:

1 - ما رواه فى الوسائل عن الشيخ قدّس سرّه باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن أيّوب بن نوح عن صفوان عن سيف التمّار عن زرارة عن أبى جعفر عليه السّلام قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير. قال: «إذا


1) المائدة: 3.

2) المائدة: 90.

3) المدثر: 5.

4) المكاسب: 13، سطر 12.

فرغ فليغسل يده»(1).

و سيف التمّار هو سيف بن سلمان التمّار و هو موثق بالتوثيق الخاصّ‌(2)، مضافاً إلى التوثيق العامّ‌؛ إذ صفوان ممّن لايروى إلّا عن الثقة(3). الحمائل جمع الحميلة، وهى علاقة السيف.

2 - ما رواه فيه عن الشيخ قدّس سرّه بإسناده أيضاً عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عمران عن أيّوب عن صفوان عن بُرد الاسكاف قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن شعر الخترير يعمل به قال: «خذ منه فاغسله بالماء حتّى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثمّ اجعله فى فخّارة جديدة ليلة باردة، فإن جمد فلا تعمل به، وان لم يجمد فليس له دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كلّ صلاة. قلت: و وضوء. قال: لا، اغسل يدك كما تمسّ الكلب»(4).

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه روايات برد وسلمان الاسكاف ضعاف، والعجب أنّ المحقق الأردبيلى - مع كثرة مناقشته فى أسناد الروايات - بنى على عدم ضعفها، مع أنّ مجرّد نقل ابن أبى عمير كتابا لايدلّ على صحّته(5).

يمكن أن يقال: إنّ نقل صفوان عن برد الإسكاف يكفى فى وثاقته؛ لأنّه ممّن لا يروى إلّا عن الثقة و إن لم يكن نقله من كتاب دالاً على صحّته.

ثمّ إنّ المراد من أيّوب هو أيّوب بن نوح؛ لأنّ الراوى عنه هو عمران كما فى جامع الرواة(6)و هو ثقة. و عمران إن كان هو عمران بن محمّد أو عمران بن مسكان


1) وسائل الشيعة 227:17، كتاب التجارة، الباب 58 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

2) رجال النجاشى: 505/189.

3) عدّة الاُصول 154:1.

4) وسائل الشيعة 228:17، كتاب التجارة، الباب 58 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

5) المكاسب المحرّمة 114:1.

6) جامع الرواة 114:1.

فهما ثقتان إلّا أنّ طريق الشيخ إلى عمران بن محمّد صحيح دون عمران بن مسكان(1).

3 - ما رواه فيه عن محمّد بن على بن الحسين بإسناده عن حنّان بن سدير عن بر د الإسكاف. قال: قلت لأبى عبد الله عليه السّلام: إنّى رجل خرّاز، ولايستقيم عملنا إلّا بشعر الخنزير نخرز به، قال: «خذ منه وبره فاجعلها فى فخّارة ثمّ أو قد تحتها حتّى يذهب دسمها ثمّ اعمل به»(2).

والفخّارة واحدة الفخّار أى الخزف.

وطريق الصدوق إلى حنّان بن سدير متعدّد بعضه مشتمل على الموثّقين، وبعضه مشتمل على محمّد بن عيسى بن عبيد(3)و هو مختلف فيه. ضعّفه الشيخ ووثّقه النجاشىّ‌(4)وحمل بعض تضعيف الشيخ على تضعيف اعتقاده، فتأمّل. وبعضه مشتمل على عبدالصمد بن محمّد و هو غير موثّق. ولكنّ روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى.

و فيه ايماء إلى توثيقه؛ لأنّ ابن الوليد شيخ الصدوق روى عنه ما رواه ولم يستن(5).

وعلى ما ذكر من تعدّد الطرق واشمال بعضها على الضعف، فصحّة طريقه إلى حنّان بن سدير غير معلومة.

4 - ما رواه فيه عن محمّد بن على بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن المغيرة عن برد، قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك إنّا نعمل بشعر الخنزير فربّما نسى الرجل فصلّى وفى يده منه شىء. فقال: «لا ينبغى أن يصلّى وفى يده منه شىء. فقال:


1) الشيخ الطوسى: 526/119 و 528.

2) وسائل الشيعة 228:17، كتاب التجاره، الباب 58 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

3) مشيخة الفقيه: 14.

4) رجال النجاشى: 896/333.

5) مشيخة الفقيه: 75.

خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلاتعملوا به، و ما لم يكن له دسم فاعملوا به واغسلوا أيديكم منه»(1).

طريق الصدوق إلى عبد الله بن المغيرة حسن كما فى آخر جامع الرواة(2).

5 - وما رواه فيه عن الكلينىّ قدّس سرّه عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن زرارة عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس».

بتقريب أنّه لو لم يكن الانتفاع بشعر الخنزير جائزا لم يقرّره الإمام عليه السّلام و منع عنه، فحيث لم يمنع عنه دلّ على جواز الانتفاع به، و عليه فلا يضرّ كون الرواية فى مقام حكم التوضّؤ بالماء المذكور، فلاتغفل.

6 - مارواه فيه عن الكلينىّ قدّس سرّه عن أحمد بن محمّد عن ابن فضّال عن ابن بكير عن الحسين بن زرارة عن أبى عبداللّه عليه السّلام فى حديث قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به من البئر التى يشرب منها أو يتوضّأ منها، فقال: «لا بأس به»(3).

وروى صفوان عن الحسين بن زرارة(4)وعليه فالسند موثق.

7 - ما رواه عن الشيخ بإسناده محمّد بن على بن محبوب عن يعقوب بن. يزيد عن ابن أبى عمير عن أبى زياد النهدى عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء. قال: «لا بأس». و رواه الصدوق مرسلا(5).

ولا إشكال فى دلالة تلك الأخبار على جواز الانتفاع بأجزاء الخنزير،


1) وسائل الشيعة 228:17، كتاب التجارة، الباب 58 من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

2) جامع الرواة 537:2.

3) وسائل الشيعة 170:1 و 171، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 2 و 3.

4) راجع معجم رجال الحديث 131:9.

5) وسائل الشيعة 175:1، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 16.

و لا إجماع على عدم جواز الانتفاع الّا فى الأجزاء التى تحلّها الحياة كما مرّ فى البحث عن الانتفاع بالميتة و أجزائها. فالروايات المتقدّمة عدا الأخيرة قابلة للعمل؛ لعدم إعراض الأصحاب عنها، وعليه فالانتفاع بشعر الخنزير لا اشكال فيه.

و أمّا جواز بيعه فلا يستفاد من تلك الأخبار. لأنّها فى مقام بيان حكم الانتفاع وغسل اليد للصلاة، لا فى مقام بيان جواز المعاوضة. وعليه فمقتضى ما تقدّم من مانعيّه النجاسة للبيع هو عدم جواز بيعه.

والقول بأنّ الظاهر من رواية الاسكاف مضافاً إلى جواز العمل بشعر الخنزير جواز البيع أيضاً؛ ضرورة أنّ العامل للحمائل و كذا الخرّاز إنّما يعملان للتجارة، ومعلوم أنّ صنعتهما ذلك، فصحّة التجارة وجوازها مستفادة منها(1)، غير واضح بعد كون الروايات فى مقام حكم آخر، و احتمال وضوح حكم البيع عند السائلبن.

والتجارة لا تتوقّف على بيع الشعر استقلالا أو منضمّا لصحّة تجارة الحمائل أو غير ها استقلالا وجعل الشعر تبعاً خصوصا فيما إذا صار الشعر بالخرز تالفا فى الحمائل، ولعلّ السائلين علموا وظيفتهم فى البيع، ولم تكن الروايات فى مقام تفصيلات البيع حتّى يكون ترك الاستفصال دليلا على تقريره عليه السّلام؛ لجوازه فى جميع الصور.

اللّهمّ الّا أن يقال: نعم إنّ البيع التبعىّ له تصوّر فيما إذا كان شعر الخترير يحرز به فى المصنوعات، و أمّا شراء شعر الخنزير فلا تصوّر له الّا إذا كان استقلاليّا أو ضمنيّا، فسكوت الإمام عليه السّلام وتقريره يدلّ على جواز الشراء المعلوم وقوعه؛ إذ لا يمكن العمل إلّا بشعر الخنزير، و هو لايحصل فى يد العامل إلّا بالشراء غالبا، و هو لايكون إلّا استقلاليّا أو ضمنيّاً، فتأمّل.


1) راجع دراسات فى المكاسب المحرمة 34:1.

ثامنها: الخمر

و ما يلحق بها من كلّ مسكر مائع و الفقّاع:

قال الشيخ قدّس سرّه: يحرم التكسّب بالخمر وكلّ مسكر مائع و الفقّاع إجماعا نصّا و فتوىً‌(1).

ولايخفى عليك حرمة التكسّب بالخمر ومايلحق بها من كلّ مسكر مائع بناء على ما هو الأقوى من نجاستها كما قرّر فى محلّه؛ وذلك لأنّ النجاسة كما عرفت مانعه عن البيع، وهكذا الحكم فى الفقّاع بناء على عموم تنزيله منزلة الخمر كما يشهد له عموم معقد الإجماع، فتأمّل.

هذا، مضافاً إلى دلالة النصوص:

منها: مرسلة ابن أبى عمير المرويّة فى الكافى عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن نصرانى أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين، هل يبيع خمره وخنازيره ويقضى دينه‌؟ قال: «لا»(2). وهى تدلّ على عدم جواز بيع الخمر للمسلم.

و منها: موثّقة أحمد بن النضر الخزّاز المرويّة فى جامع الأحاديث عن الخصال قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن الحسن


1) المكاسب: 6، سطر 12.

2) وسائل الشيعة 226:17، كتاب التجارة، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

الصفّار عن أحمد بن أبى عبد الله البرقىّ عن أبيه عن أحمد بن النضر الخزّاز عن أبى جعفر عليه السّلام قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فى الخمر عشرة: غارسها و حارسها وبائعها و مشتريها و شاربها و الآكل ثمنها وعاصر ها و حاملها و المحمولة إليه وساقيها». وروى نحوها بطرق متعدّدة أخرى عن عقاب الأعمال و الكافى و الفقيه و المقنع وجامع الأخبار وفقه الرضا عليه السّلام(1).

والمراد من أحمد بن أبى عبداللّه البرقىّ هو أحمد بن بن خالد البرقىّ كما نصّ عليه فى جامع الرواة، وأحمد بن محمّد ومحمّد بن خالد البرقيّان ثقتان، وأحمد بن النضر الخزّاز أيضاً ثقة.

وكيف كان فلاكلام فى دلالتها على حرمة البيع و الشراء وعدم صحّتهما فى الخمر؛ لأنّهما مقتضى لعن البايع و المشترى ولعن آكل الثمن؛ فإنّ المقابلة بينهما تدلّ على أنّ نفس البيع و الشراء محرّمان كما أنّ التصرّف فى ثمنها محرّم آخر، ولازم حرمة التصرّف فى الثمن هو عدم صحّة المعاملة.

ولذلك قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه إنّ الظاهر من لعن البايع و المشترى فى مقابل آكل الثمن أنّهما بما لهما من العنوان ملعونان، فيظهر منه أنّ البيع والاشتراء محرّمان و إن لم يتر تّب عليهما أثرهما المطلوب شرعاً، أى النقل والانتقال(2).

ومنها الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ ثمن الخمر سحت كموثّقة السكونى المرويّة عن الكافى عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكونى عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغى و الرشوة فى الحكم وأجر الكاهن»(3).


1) جامع الأحاديث 159:17.

2) المكاسب المحرّمة 16:1 و 17.

3) وسائل الشيعة 93:17، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

و موثّقة عمّار بن مروان المرويّة عن الكافى: عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن عمّار بن مروان قال:

سألت أباجعفر عليه السّلام عن الغلول فقال: كلّ شىء غلّ من الإمام فهو سحت و أكل مال اليتيم و شبهه سحت. والسحت أنواع كثيرة، منها: أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البيّنة، فأمّا الرشا فى الحكم فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم جلّ اسمه و بر سو له صلّى الله عليه و سلّم»(1).

غَلَّ الشىء: أى أخذه فى خفية ودسّه فى متاعه. و أيضا غلّ‌: أى خان.

ثمّ لا يخفى أنّ جعل الثمن من السحت يدلّ على فساد المعاملة؛ لأنّ السحت امّا بمعنى البطلان فلا كلام فى دلالته على بطلان المعاملة، و أمّا بمعنى الحرام، و هو أيضاً يدلّ على بطلان المعاملة؛ لأنّ تحريم الثمن لايجتمع عرفاً مع الصحّة ولزوم الوفاء.

و أمّا ماورد فى صحيحة جميل من قوله: قلت لأبى عبد الله عليه السّلام: «يكون لى على الرجل دراهم فيعطينى بها خمراً، فقال: خذها ثمّ أفسدها. قال على: واجعلها خلا»(2).

فلايدلّ على جواز المعاوضة بين الدين و الخمر؛ لأنّ المراد كما أفاد الشيخ الآعظم قدّس سرّه: إمّا أخذ الخمر مجّانا ثمّ تخليلها، أو أخذها و تخليلها لصاحبها ثمّ أخذ الخلّ وفاء عن الدراهم(3).

لايقال: إنّ بعد التخليل لمالكها يحتاج أخذها بدل الدراهم إلى إذن جديد من مالكها.


1) المصدر السابق: 92، حديث 1.

2) المصدر السابق: 371:25، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، حديث 6.

3) المكاسب 6، سطر 13 و 12.

لأنّا نقول: كما فى المواهب إنّ القرينة الحاليّة شاهدة على وجود الإذن بالتملّك الجديد بدلا عن الدراهم.

هذا مضافاً إلى إمكان أن يكون المقصود من الافساد غير ما ذهب اليه الراوى و هو إراقة الخمر و إتلافها، كما يؤيّده الروايات الدالّة على إراقة الخمر(1). وعليه فلا منافاة بين هذه الرواية و الروايات الدالّة على منع المعاوضة عليها، ولو سلّم دلالتها على جواز المعاوضة بين الدراهم و الخمر فهى معرض عنها، فلاتصلح للمعارضة.

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار المذكورة كما عرفت هو حرمة معاملة الخمر و النبيذ المسكر وفسادها، و أمّا سائر أنواع المسكرات فهل يكون بحكمها أو لايكون‌؟ يمكن أن يقال: إنّ مقتضى تنزيلها منزلة الخمر هو ذلك. بل مفاد بعض الأخباركموثّقة الوشاء وصحيحة على بن يقطين هو الحكومة لا التنزيل حتّى يشكل فى عموميّته و يجاب عنه.

هذا، مضافاً إلى أنّ المسألة اجماعيّة و لا خلاف فيها(2)، و مضافاً إلى ورود أخبار خاصّة فى مورد بعضها كالفقّاع قال سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: الظاهر كون سائر أنواع المسكرات بحكمها؛ لاحمال صدقها عليها ولو ببعض المناسبات، ولعموم التنزيل فى روايات عديدة كرواية أبى الجارود، وفيها: «أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر»(3). ورواية عطاء بن يسار عن أبى جعفر عليه السّلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: كلّ مسكر حرام، وكلّ مسكر خمر»(4). وصحيحه على بن يقطين عن


1) وسائل الشيعة 280:25، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 1، حديث 5، والوسائل 12: 223 و 225، كتاب التجارة، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1 و 6.

2) المكاسب: 6، سطر 12.

3) وسائل الشيعة 280:25، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 5.

4) المصدر السابق: 326:25، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 5.

ابى الحسن الماضى عليه السّلام قال: «انّ الله عزّ وجلّ لم يحرّم الخمر لإسمها، ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو حرام»(1)الى غير ذلك.

فإنّ دلالتها على المطلوب لاتكاد تخفى؛ لإطلاق التنزيل، ولأنّ الحمل يقتضى الاتحاد وبعد عدم كونه تكوينا لابدّ من تصحيحه وتصحيح الدعوى كونهما واحدا من جميع الجهات فى التشريع. والحمل على بعض الآثار غير وجيه؛ لعدم وجاهة الحمل وصحّته مع اختلافهما فى جميع الآثار الّا فى حرمة الشرب مثلا، إلّا أن تكون سائر الآثار بحكم العدم، فيحتاج إلى دعوى أخرى، وهى خلاف الظاهر، بل الحمل مع موافقتهما فى جملة من الآثار يعدّ غير وجيه عرفاً.

و إن شئت قلت: إنّ مقتضى تحكيم تلك الروايات على الروايات المشتملة على لعن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم الخمر وبايعها.. إلخ(2)أنّ ما ثبت لها فى تلك الروايات ثبت لسائر المسكرات؛ فإنّ هذه الروايات منقّحة لموضوعها، ومعها لامجال للتشكيك فى الدلالة.

وخصوص ما ورد فى الفقّاع فى رواية سلمان بن جعفر قال: قلت لأبى الحسن الرضا عليه السّلام: ما تقول فى شرب الفقّاع فقال: «خمر مجهول يا سلمان، فلا تشربه، أما يا سلمان لو كان الحكم لى و الدار لى لجلدت شاربه ولقتلت بايعه»(3). ورواية الوشاء التى لايبعد أن تكون صحيحة المحكّيّة عن رسالة تحريم الفقّاع للشيخ الطوسىّ قدّس سرّه قال:

كتبت إليه - يعنى الرضا عليه السّلام - أسأله عن الفقّاع فكتب: «حرام و هو خمر، ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر. قال: وقال أبوالحسن عليه السّلام: لو إنّ الدار لى لقتلت بايعه


1) المصدر السابق: 342:25، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.

2) جامع الأحاديث 159:17.

3) وسائل الشيعة 225:17، كتاب التجارة، الباب 56 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

ولجلدت شاربه»(1).

ولايخفى أنّ فى ذيل موثّقة الوشّاء: وحدّه حدّ شارب الخمر، وهى خمرة استصغرها الناس. انتهى.

ومن المعلوم أنّ قوله: «هى خمرة استصغرها الناس» ظاهر فى الحكومة، وعليه فيترتّب على الفقّاع ما يتر تّب على الخمر من الحرمة التكليفيّة و الحرمة الوضعيّة. هذا مضافاً إلى أنّ قتل البايع ليس إلّا من جهة مبغوضيّة البيع، و هو أيضاً يدلّ على الفساد.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه يقع الكلام فى أنّ المسكر الجامد هل يكون كالمسكر المايع فى لحوقه بالخمر فى حرمة البيع أم الا؟ يمكن أن يقال: إنّ عموم صحيحة على بن يقطين يقتضى الأوّل. هذا مضافاً إلى قوله صلّى الله عليه و سلّم: «كلّ مسكر خمر» ولكنّه ضعيف.

ودعوى انصراف الصحيحة إلى غير الجامد كما ترى. والقول بضعف السند غير سديد فى مثل صحيحة على بن يقطين. كما أنّ دعوى أنّ مقتضى العمل بعموم التنزيل هو الحكم بنجاسة المسكر الجامد مع أنّه لم يفل به أحد مندفعة بأنّ عموم التنزيل يجمع مع التخصيص، فذهاب الطائفة إلى طهارة الجامد لايوجب إلّا رفع اليد عن عموم التنزيل فى مورد الطهارة، و أمّا فى غيرها فلاوجه لرفع اليد عن عموم التنزيل، وهكذا يكون الأمر بناء على حكومة الأدلّة؛ فإنّه لاينافى جعلها من مصاديق الخمر حكومة مع عدم الحكم بالنجاسة.

هذا، مضافاً إلى اشعار قوله: والنبيذ المسكر») فى موثّقة عمّار بن مروان. فلولا الإجماع لأمكن القول بإلحاقه بالخمر، فافهم.


1) المكاسب المحرمة لسيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه 17:1 و 18.

ثمّ إنّ مقتضى اطلاق أدلّة حرمة بيع الخمر هو عدم جواز بيعه للمنافع المحلّله كالتخليل ودعوى قصور الأخبار عن افادة الإطلاق كما ترى، مع أنّ مرسلة ابن أبى عمير ومعتبرة يونس(1)فى مقام بيان الحكم وكان السائل فى مقام السؤال عن طريق التخلّص عن الديون، فإن كان بيع الخمر للتخليل جائزا لرخّصه فى ذلك حتّى يؤدّى دينه، فإطلاق المنع يدلّ على عدم جواز بيع الخمر لمثل التخليل أيضاً.

ويؤيّد ذلك ما اشتمل على الآمر بإراقة الخمر كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبى عبدالله عليه السّلام فى رجل ترك غلاما له فى كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمراً ثمّ باعه قال: «لا يصلح ثمنه. ثمّ قال: انّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم راويتين من خمر فأمر بهما رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فاهريقتا، وقال: انّ الذى حرّم شربها حرّم ثمنها... الحديث»(2).

اهريق مجهول من إهراق باسكان الهاء، كأنّ الهمزة زيدت عوضا عن حركة الياء فى الأصل، ولهذا لايصير الفعل بهذه الزيادة خماسيّا. وعليه فأصل إهراق هراق وأصل هراق هريق على وزن دحرج و مضارعه يهريقه بفتح الهاء كيدحرج ومعنى هراق هو معنى أراق.

وخبر أبى بصير عن أبى عبداللّه عليه السّلام قال سألته عن ثمن الخمر. قال: «أهدى إلى رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم راوية خمر بعد ما حرّمت الخمر فأمر بها أن تباع، فلمّا أن مرّ بها الذى يبيعها ناداه رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم من خلفه: يا صاحب الراوية الذى حرّم شربها فقد حرّم ثمنها. فأمر بها فصبت فى الصعيد. فقال: ثمن الخمر ومهر البغى وثمن الكلب الذى


1) وسائل الشيعة 226:17 و 227، كتاب التجارة، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1 و 2.

2) المصدر السابق: 223، الباب 55.

لا يصطاد من السحت»(1).

قوله: فأمر بها أن تباع بصيغة المجهول بقرينة الذيل، وعليه فالأمر بالبيع من غير رسول الله صلّى الله عليه و سلّم.

و كيف كان فوجه التأييد هو اطلاق الأمر بالاراقة وعدم جواز البيع؛ فإنّه لا يساعد الّا اذا كان بيعها ممنوعا ولو للمنفعة المحلّلة، خصوصا مع تعليله بقوله: «انّ الذى حرّم شربها حرّم ثمنها».

و ممّا ذكر يظهر ما فى دعوى(2)أنّهما وردا فى قضيّة شخصيّة، ومن المحتمل عدم قابليّة ما أمر بصبّها للتخليل. هذا، مضافاً إلى أنّهما لا تدلّان على عدم ملكيّتها وماليّتها ولو مع إمكان التخليل و الأمن من الفساد لإمكان أن يكون الأمر بالصبّ لمصلحة قاهرة، كما أنّ الأمر كذلك فى أوّل تحريم الخمر، ولعلّ الأمر به أمر سلطانىّ لقلع الفساد، ولعلّه لم يكن قلعه ممكنا إلّا بذلك كما هو موافق للاعتبار، كالأمر بقلع عذق سمرة بن جندب(3)فلا دليل على اسقاط الشارع ماليّة جميع اقسام الخمر او ملكيّتها(4).

وذلك لأنّ الحمل على القضيّة الشخصيّة أو حملها على الأمر السلطانىّ لقلع الفساد لايساعده نقل الإمام الصادق عليه السّلام بعنوان الحكم الشرعىّ الكلّىّ فى مقام الجواب عن السائل؛ لأنّ الحملين المذكورين مخصوصان بالشخص أو العصر، فلايتجاوز عنهما. كما أنّ حمله على عدم قابليّته للتخليل لا يوافقه تعليله بقوله: «إنّ الذى حرّم شربها حرّم ثمنها».

هذا، مضافاً إلى بُعد دعوى جواز بيعها للتخليل فى نفسها مع التأكيدات


1) المصدر السابق: 225، من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

2) المكاسب المحرّمة 122:1.

3) وسائل الشيعة 427:25، كتاب إحياء الموات، الباب 12، حديث 1 و 3 و 4.

4) المكاسب المحرّمة 122:1.

الواردة فى النهى عن بيع الخمر و مقدّماتها ولواحقها، فافهم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ منفعة التخليل ليست بشائعة فى ذلك العصر، و هذه المنفعة كالمعدوم، فلا تكون موجبة للماليّة. وعليه فلو صارت تلك المنفعة شائعة بعد ورود الأخبار المذكورة يمكن دعوى انصراف المنع عن بيعها عن مثل بيعها للمنفعة المذكورة.

و لكنّ الظاهر خلافه و التخليل منفعة شائعة كما دلّ عليه صحيحة جميل المرويّة فى التهذيب عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن أبى عمير و على بن حديد عن جميل، قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام: «يكون لى على الرجل الدراهم فيعطينى بها خمرا، فقال:

خذها ثمّ أفسدها. قال على: واجعلها خلّا»(1).

وصحيحة زرارة عن أبى عبداللّه عليه السّلام قال سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلّا؟ قال: «لا بأس به)(2).

وموثّقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلّاً. قال: «لا بأس»(3).

و موثقة أبى بصير قال: سألت أباعبدالله عليه السّلام عن الخمر يجعل خلّاً. قال:

لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها»(4).

وغير ذلك من الأخبار الدالّة على شيوع تخليل الخمر(5).


1) وسائل الشيعة 371:25، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمه، حديث 6.

2) المصدر السابق: 370، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.

3) المصدر السابق: 371، من أبواب الأشربة المحرّمة، حديث 3.

4) المصدر السابق: 371، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 4.

5) المصدر السابق: 370.

والقول بأنّ المتشرّعة لايتوجّهون إلى العصير الخمرىّ بخلاف العصير العنبى بعد الغليان كما فى جامع المدارك(1)غير واضح. اللّهمّ إلّا أن يكون المقصود هو قلّة بيع الخمر لذلك لا الانتفاع بها للتخليل، فتأمّل.

وممّا ذكر يظهر أيضاً ما فى إطلاق مصباح الفقاهة(2)حيث قال: لا يبعد اختصاص الروايات بما كان المطلوب منه الشرب و الإسكار، و أمّا لو كان الغرض منه شىء اخر ولم يكن معدّا للإسكار عند العرف ولو كان من أعلى مراتب المسكرات كالمائع المتّخذ من الخشب أو غيره المسمّى بلفظ «الألكل») لأجل المصالح النوعيّة والأغراض العقلائيّة فلايحرم بيعه لانصراف أدلّة حرمة بيع الخمر عنه وضعا وتكليفاً كانصراف أدلّة عدم جواز الصلاة فيما لايؤكل لحمه عن الانسان(3)، لما عرفت من اطلاق الروايات، فإن كانت تلك المصالح النوعيّة موجودة فى عصر صدور الأخبار المذكورة فلاوجه لدعوى الانصراف، فإنّ إطلاق المنع عن بيعها يدلّ على عدم الاعتناء بتلك المنافع و إن حدثت فى العصور المتأخّرة، فلايبعد دعوى الانصراف فتأمّل. هذا مضافاً إلى أنّ المايع مثل «ألكل» المتّخذ من الخشب ونحوه يكون من السمومات و إن أمكن جعله من المسكرات بالعلاج، ولكن ما لم يعالج ليس من المسكرات بالفعل فلايترتّب عليها حكم المسكرات.

فتحصّل من جميع ما ذكر: أنّ بيع الخمر للتخليل لايجوز؛ لإطلاق المنع عن بيعها مع شيوع تخليل الخمر، كما أفاده كثرة السؤال عن تخليل الخمر، بل لايجوز بيعها للانتفاعات الجديدة لما مرّ من أنّ بيع النجاسات الذاتيّة ممنوع ولو كان لها فائدة محلّلة عقلائيّة - كبيع العذرة مع شيوع التسميد بها وبيع كلب غير الصيد مع شيوع الحراسة بها - نعم لابأس ببيع المايع مثل «ألكل» إذا لم يكن بالفعل من المسكرات و إن أمكن جعله بعلاج منها.


1) جامع المدارك 7:3.

2) مصباح الفقاهة 86:1.

3) المصدر السابق.

تاسعها: فى حرمة الأعيان المتنجّسة غير القابلة للطهارة و الفاقدة للمنافع المحلّلة.

اشارة

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: يحرم المعاوضة عليها مستدلا بالنبوىّ الشريف قال صلّى الله عليه و سلّم: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»(1)انتهى.

هذا مضافاً الى أنّه أكل المال بالباطل.

و أمّا إذا كانت الأعيان المتنجّسة ذات منفعة محلّلة، فمقتضى القاعدة هو جواز المعاوضة عليها لأنّها خارجة عن النبوىّ المذكور، فإنّ المراد من حرمة الشىء هى حرمة جميع منافع الشىء أو منافعه الظاهرة، ومن المعلوم أنّه لايشمل المتنجّس الذى يكون له منافع محلّلة.

و أمّا الاستدلال بما مرّ هنا من أنّ النجاسة مانعة عن صحّة البيع - كما دلّ عليه أدلّة حرمة بيع العذرة و أدلّة حرمة بيع غير كلب الصيد - فهو أيضاً لا يتمّ فى المقام؛ لأنّ المستفاد من الأدلّة المذكورة هو مانعية النجاسة الذاتيّة، فلاتشمل النجاسة العارضة و إن لم تكن قابلة للطهارة، ولذا لامجال للاستدلال بما فى رواية تحف العقول «أو شىء من وجوه النجس»(2)لأنّ الظاهر كما أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه من وجوه النجس العناوين النجسة لأنّ ظاهر الوجه هو العنوان.


1) المكاسب: 3، السطر: 26، 32.

2) تحف العقول: 333 (تفسير التجارات)، ط؛ مؤسّسه النشر الإسلامى.

تبصرة: و لا يخفى أنّ المسوخ على ما قرّر فى كتاب الطهارة طاهرة، كما يشهد له صحيحة الفضل بن أبى العبّاس عن أبى عبد الله عليه السّلام سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة والابل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه‌؟ فقال عليه السّلام: «لا بأس به، حتّى انتهيت إلى الكلب‌؟ فقال عليه السّلام: رجس نجس» الحديث(1)لظهوره فى طهارة ما عدى الكلب يخرج منه الخنزير ويبقى الباقى على الطهارة ولايعارضه إلا مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبى عبد اللّه عليه السّلام سألته هل بجلّ أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئاً من السباع حيّاً أو ميّتاً؟ قال عليه السّلام:

«لا يضرّه، ولكن يغسل يده»(2).

ومن المعلوم أنّ مرسلة يونس ضعيفة و لا تنهض للمعارضة، هذا مضافاً الى أنّ اطلاق الغسل فى السباع من دون تقييده بالرطوبة شاهد على أنّه حكم استحبابىّ‌.

فالأقوى هو طهارة المسوخ، وعليه فلامورد للبحث عن جواز بيعها و عدمه فى المقام، فإنّه مختصّ بالنجاسات، و أمّا ما ورد من النهى عن بيع بعض المسوخ كالقرد فليس هو من جهة النجاسة حتّى يصحّ البحث عنه فى المقام، هذا مضافاً الى ضعف الروايات المستدلّ بها على ذلك، وبقيّة الكلام فى محلّه.


1) الوسائل 163:1، أبواب الأسئار، الباب 1 ح 4.

2) المصدر السابق: 105:2، أبواب النجاسات، الباب 34، ح: 3.

المستثنيات

و قد عرفت أنّ النجاسات الذاتيّة لايجوز بيعها الّا أنّه استثنى مها بعض الأعيان منها:

أوّلاً: كلاب الصيد و قد مرّ الدليل على اختصاص الجواز فى بيعها دون سائر الكلاب فراجع.

ثانياً: بيع العبد الكافر، قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «يجوز بيع المملوك الكافر أصليّا كان أم مرتدّا ملّياً بلا خلاف ظاهر بل ادّعى عليه الاجماع وليس ببعيد كما يظهر للمتنبّع فى المواضع المناسبة لهذه المسألة - إلى أن قال - وكذا الفطرىّ على الأقوى بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه من هذه الجهة» انتهى(1).

ويدلّ على ذلك - مضافاً إلى قيام السيرة على البيع و الشراء فى السبايا و العبيد والإماء مطلقاً من دون فرق بين كونه مسلماً وغير مسلم - الأخبار الدالّة على جواز بيع السبايا مع ظهورها فى الكفّار كصحيحة معاوية بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «أُتى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بسبى من اليمن، فلمّا بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبى كانت اُمّها معهم، فلمّا قدموا على النبى صلّى الله عليه و سلّم سمع بكاؤها فقال:

ما هذا البكاء؟ فقالوا: يا رسول اللّه احتجنا نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فأتى بها


1) المكاسب: 6، السطر 20-22.

وقال: بيعوهما جميعاً أو أمسكوهما جميعاً»(1).

و خبر عبد الله بن الحسن الدينورى قال: قلت لأبى الحسن عليه السّلام جعلت فداك ما تقول فى النصرانيّة أشتريها وأبيعها من النصراتى‌؟ فقال: «إشتر وبع» الحديث(2).

وموثقة ابراهيم بن عبدالحميد المرويّة فى الكافى عن محمّد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن إبن أبى عمير عن ابراهيم بن عبدالحميد عن أبى الحسن عليه السّلام فى شراء الروميّات قال: اشترهنّ وبعهنّ‌»(3).

وموثّقة رفاعة النخّاس المرويّة فى الكافى عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعاً عن ابن محبوب عن رفاعة النخّاس قال: قلت لأبى الحسن عليه السّلام: إنّ الروم يغير ون على الصقالبة(4)

و قيل: جيل من الناس حمر الألوان كانوا بين بلغر و قسطنطينية.

فيسرقون أولادهم من الجوارى والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فَيخصُونَهم ثمّ يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجّار فما ترى فى شرائهم ونحن نعلم أنّهم قد سرقوا، و إنّما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم فقال عليه السّلام: «لا بأس بشرائهم إنّما أخرجوهم من الشرك الى دار الاسلام»(5)خصى يخصى كرمى يرمى، أى صيّره خصيّاً.

وخبر عبدالرحمن المروىّ فى الكافى عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن غير واحد عن أبان عن عبدالرحمن بن أبى عبداللّه قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رقيق أهل الذمّة أشترى منهم شيئا؟ فقال عليه السّلام: «اشتر إذا أقرّوا لهم


1) الكافى 218:5، كتاب المعيشة، ح: 1، ط: دار الكتب الإسلاميّه.

2) الوسائل 86:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 1.

3) الكافى 2:5، كتاب المعيشة، ح 6، ط: دار الكتب الإسلاميّة.

4) و فى المنجد: وهم قوم كانت تتاخم بلادهم بلاد الخزر ثم انتشروا منها إلى بلاد سواها من اُوربا، انتهى.

5) الكافى 210:5، كتاب المعيشة، ح: 9، ط: دار الكتب الإسلاميّة.

بالرّق»(1).

فهذه الأخبار تدلّ ولو يإطلاقها على جواز بيع المملوك الكافر.

وعليه فالمملوك الكافر ككلب الصيد مستثى من قاعدة حرمة بيع النجاسات الذاتيّة. هذا كلّه فى الكافر الأصلىّ‌، و أنّ المرتدّ الملّىّ من المملوك فهو أيضاً يجوز بيعه كما كان لايمنعه عن جواز بيعه إلّا النجاسة وهى وان كانت مانعة عن جواز البيع، ولكن حيث كان دليلها لبّيّاً لم يحرز شموله للمقام مع دلالة النصوص على جواز بيع الكافر الأصلىّ وقيام السيرة عليه.

وعليه فلا مانع من استصحاب حكمه السابق من جواز البيع، وممّا ذكر يظهر حكم المرتدّ الفطرىّ أيضاً.

قال الشيخ الأعظم عليه السّلام: «الظاهر أنّه لاخلاف فى جوازه و لم نجد من تأمّل فيه من جهة نجاسته عدى ما يظهر من بعض الأساطين فى شرحه على القواعد - إلى أن قال - و بالغ تلميذه فى مفتاح الكرامة فقال: أمّا المرتدّ عن فطرة فالقول بجواز بيعه ضعيف جدّا؛ لعدم قبول توبته فلايقبل التطهير، وحمل قول المجوّزين على أنّ مبناهم هو قبول توبة المرتدّ الفطرىّ و تبعه على ذلك شيخنا المعاصر» حيث قال فى الجواهر:

«أمّا المرتدّ عن فطرة فالمتّجه عدم جواز التكسّب به بناء على عدم قبول توبته ظاهرا أو باطناً»(2).

ولكن عرفت أنّ دليل مانعيّة النجاسة دليل لبّىّ‌، فلاعموم له حتّى بالنسبة الى المقام ومعه يرجع إلى الحالة السابقة، و هو ليس إلّا جواز البيع.

ثمّ لاوجه للاستشكال فى المرتدّ الفطرىّ من جهة وجوب إتلافه، وكونه فى


1) المصدر السابق: ح 10، ط دار الكتب الإسلاميّة.

2) المكاسب: 6، السطر 22-28 «أمّا المرتدّ عن فطرة فالمتّجه عدم جواز التكسّب به بناء على عدم قبول توبته ظاهراً أو باطناً» الجواهر 8:22 ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

معرض التلف؛ لجواز الانتفاع به ما لم يقتل كما قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «لا إشكال ولا خلاف فى كون المملوك المرتدّ عن فطرة ملكا و مالا لمالكه، ويجوز له الانتفاع به بالاستخدام ما لم يقتل - الى أن قال - قال فى الشرائع و يصحّ رهن المرتدّ و إن كان عن فطرة، واستشكل فى المسالك من جهة وجوب إتلافه وكونه فى معرض التلف، ثمّ اختار الجواز لبقاء ماليّته إلى زمان القتل»(1).

ولقد أفاد وأجاد فى مصباح الفقاهة حيث قال: «إنّ عدم سقوط القتل عنه لايخرجه عن حدود الماليّة، فإنّ الانتفاع به بالعتق بمكان من الامكان، ولذا لو قتله غير الحاكم بدون إذنه لضمنه، كيف فإنّه من هذه الجهة ليس إلّا كالمملوك المريض المشرف على الموت، فهل يتوهّم أحد سقوطه بذلك عن الماليّة بحيث لايوجب إتلافه الضمان، ومع الغمض عن جميع المذكورات، أنّ هذا الوجه إنّما يصلح للمانعيّة إذا حصل الجزم بالقتل لبسط يد الحاكم الشرعى عليه وعلى اجراء الحدود لا مطلقا، اذن فيكون الدليل أخصّ من المدّعى»(2).

الثالث فى العصير العنبىّ‌: اذا غلا ولم يذهب ثلثاه بناءً على نجاسته، قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبى إذا غلا ولم يذهب ثلثاه و إن كان نجسا؛ لعمومات البيع و التجارة الصادقة عليها، بناءً على أنّه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص؛ لأصالة بقاء ماليّته وعدم خروجه عنها بالنجاسة، غاية الأمر أنّه مال معيوب قابل لزوال عيبه، ولذا لو غصب عصيراً فأغلاه حتّى حرم ونجس لم يكن فى حكم التالف، بل وجب عليه ردّه، ووجب عليه غرامة الثلثين، و اجرة العمل فيه حتّى يذهب الثلثان، كما صرّح به فى التذكرة معلّلاً لغرامة الأجرة بأنّه ردّه معيبا، ويحتاج زوال العيب إلى خسارة، والعيب من فعله، فكانت الخسارة


1) المكا سب: 6، السطر: 28-31.

2) مصباح الفقاهة 92:1-93، ط: أنصاريان.

عليه - إلى أن قال - وبالجملة فالنجاسة فيه و حرمة الشرب عرضيّة تعرضاته فى حال متوسّط بين حالتى طهارته، فحكمه حكم النجس بالعرض القابل للتطهير» انتهى(1).

ولقد أفاد وأجاد - رحمه الله تعالى - لأنّ مع كونه مالا لاوجه للمنع لشمول العمومات الدالّة على نفوذ التجارة و البيع، لايقال: إنّه نجس فيشمله قوله عليه السّلام فى روايه تحف العقول: «أو شىء من وجوه النجس»(2)وقوله صلّى الله عليه و سلّم «إذا حرّم اللّه شيئا حرّم ثمنه» لأنّا نقول كما أفاد الشيخ قدّس سرّه نمنع الشمول: «لأنّ الظاهر منهما العنوانات النجسة والمحرّمة بقول مطلق، لاما تعرضانه فى حال دون حال، فيقال: يحرم فى حال كذا أو ينجس فى حال كذا» انتهى(3).

و بعبارة أُخرى: لم يتقيّد النجس بحال دون حال ولم يتقيّد حرمة الشىء بحال دون حال و مقتضى ذلك هو إرادة ما يكون نجساً أو محرّماً بقول مطلق، فلا يشمل العصير الذى يكون حراماً ونجساً فى حال دون حال، وممّا ذكر يظهر أنّ ما ذكرناه سابقاً من مانعيّة النجاسة لايشمل المقام؛ لأنّه مخصوص بالنجاسات الذاتيّة المستمرّة، و لا أقلّ من الشك، فيرجع إلى عمومات البيع و التجارة بعد فرض كونه مالاً و مملوكا، لأنّ مقتضى القاعدة فى الشكّ فى مفهوم المخصّص هو الأخذ بالمتيقّن و الرجوع فيما عداه إلى عموم العامّ كما لا يخفى. نعم ربّما يستدلّ فى المقام بالروايات الخاصّة على عدم الجو از:

منها: ما رواه الكافى بإسناده عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن حنّان، عن أبى كهمس قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السّلام عن العصير فقال:


1) المكاسب: 8، السطر: 7-14.

2) تحف العقول: 333 (تفسير التجارات)، ط: مؤسسة النشر الاسلامى.

3) المكاسب: 8، السطر: 15.

«لى كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله فى الدنان(1)، واُبيعه قبل أن يغلى قال عليه السّلام:

لا بأس به، و إن غلا فلايحلّ بيعه، ثمّ قال عليه السّلام: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا»(2).

بتقريب: أنّ هذه الرواية ظاهرة فى نفى الحلّيّة المطلقة تكليفيّة كانت أم وضعيّة بحدوث الغليان.

و فيه أوّلاً: إنّها ضعيفة السند بسبب مجهوليّة أبى كهمس.

و ثانياً: إنّها أجنبيّة عن المقام - كما فى مصباح الفقاهة - لظهورها فى غليان العصير بنفسه لا بالنار - الى أن قال - إنّ الطهارة و الحلّيّة فيه لا تحصلان الّا بصيرورته خلّا(3)ولعلّ وجه الظهور هو قوله: «وأجعله فى الدنان) إذ العصير جعل فى الدنان ليصير بنفسه مغليّاً، يمكن أن يقال إنّ مورد السؤال و إن كان مختصّا بغليان العصير بنفسه، لكنّ الجواب و هو قوله عليه السّلام: «وان غلا فلا يحلّ بيعه «مطلق، والعبرة بعموم الوارد لا بخصوص المورد، فافهم.

وثالثاً: كما فى مكاسب سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «أنّها متعرّضة لمسألة أخرى وهى بيع العصير ممّن يعلم أنْ يجعله خمراً، وهى غير ما نحن فيه - إلى أن قال -: فإنّ الظاهر من ذيلها أنّ السؤال كان عن بيع العصير ممن يعلم أنّه يجعله خمرا، فقال أبو عبد الله عليه السّلام (على ما فيها) هو ذا - أى عملك - نحو عملنا نحن أيضاً نفعل ذلك، ولعلّ


1) جمع الدَنّ بفتح الدال هو الراقود العظيم لا يقعد إلّا أن يحفر له، و الراقود دنّ كبير أو طويل الأسفل كهيئة الأردئة يُطلَى داخله بالقار و هو معرّب جمع رواقيد. راجع «أقرب الموارد» والقار شىء أسود يطلى به السفن و غيرها، و على ما فى مجمع البحرين «دنن: الدَنّ‌: واحد الدِنَان، و هى الحِبَاب، و فيه: «يقولون إنّ إبراهيم عليه السّلام خَتَن نفسه بقَدُوم على دَنّ‌» أى حُبّ (الكافى 35:6، ح 4).

2) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح: 6.

3) مصباح الفقاهة 105:1، ط: أنصاريان.

بيع العصير ممّن يجعله خمراً كان معهودا متعارفا فحمل عليه السؤال»(1).

ويمكن أن يقال: إنّ السؤال لايختصّ ببيع العصير ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا، بل يشمل بيع العصير المغلىّ أيضا وإلّا فالتفصيل بين الغليان و عدمه لامورد له، والجواب يعمّهما أيضاً، وعليه فحكم بيع العصير المغلّى مستفاد أيضاً من الرواية، والذيل شاهد على السؤال الآخر ولايكون شاهدا على الانحصار فلا تغفل.

ورابعاً: كما أفاد الشيخ الأعظم عليه السّلام «و أمّا الأدلّة الخاصّة فهى مسوقة للنهى عن بيعه بعد الغليان، نظير بيع الدبس و الخلّ من غير اعتبار اعلام المكلّف، وفى الحقيقة هذا النهى كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه، فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع إعلام المشترى نظير بيع الماء النجس»(2).

ولكنّه محلّ نظر؛ لعدم شاهد على هذا الحمل، والحمل المذكور حمل تبرّعىّ‌.

ومنها: ما رواه الكافى عن عدّة من أصحابنا عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن على بن أبى حمزة، عن أبى بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السّلام عن ثمن العصير قبل أن يغلى لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً؟ قال عليه السّلام: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً و هو حلال فلا بأس»(3).

بتقريب: أنّ منطوقها يدلّ على جواز بيع العصير قبل صيرورته خمراً و مفهومها يدلّ على عدم جواز البيع بعد حرمة العصير بالغليان.

و فيه: أوّلاً: إنّها ضعيفة السند من جهة علىّ بن أبى حمزة البطائنىّ‌، نعم لو نقل عنه بعض الأجلّة، يمكن أن يستظهر منه أنّ الرواية قد صدرت منه فى حال استقامته و لكنّ القاسم بن محمّد ليس من الأجلّة، و إن قلنا بوثاقة القاسم بن محمّد الجوهرى.


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى رحمه الله 85:1، ط: إسماعيليان.

2) المكاسب: 8، السطر: 19-21.

3) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح: 2.

و ثانياً: كما فى مكاسب سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه «إنّها قاصرة الدلالة لأنّ الشرطيّة لا مفهوم لها؛ لأنّها سيقت لبيان تحقّق الموضوع، فإنّ مفهوم إذا بعته كذا هو إذا لم تبعه، و أمّا مفهوم القيد فهو من مفهوم اللقب الذى لا يقال به ولو قيل به فى الشرط.

وعلى فرض المفهوم، فان قلنا بأنّ قوله عليه السّلام «إذا بعته قبل أن يكون خمراً» جملة مستقلّة ولها مفهوم مستقلّ‌، وقوله و هو حلال عطف على قوله قبل... إلخ، فيكون جملة أخرى مستقلّة، أى إذا بعته و هو حلال، وقوله عليه السّلام: «لا بأس» جزائهما، فتكون حالهما حال قوله عليه السّلام إذا خفى الأذان فقصّر و إذا خنى الجدران فقصّر، فإنّ العنوانين بينهما عموم من وجه لو لوحظ الاضطرار أيضاً.

فانّ قبل الخمريّة أعمّ من كونه حلالا - كما اذا لم يغل - أو حراماً - إذا غلى على النار بل بنفسه أيضاً على احمال - والحلال أعمّ من كونه قبل الخمريّة أو بعدها حال الاضطرار.

و عليه أنّ الكلام فيهما هو الكلام فيما إذا تعدّد الشرط، و اتّحد الجزاء من الاحمالات، و قد رجّحنا فى محلّه إجمال الدليل و الرجوع الى الأصول العمليّة.

و إن لم يلحظ حال الاضطرار يكون منطوق الثانية أخصّ من الاُولى، فيتقيّد به، فيقع إشكال فى المتن - متن الخبر -؛ لأنّ ذكر الجملة الأولى يقع بلا وجه، بل الموضوع الحلّيّة، فكان عليه أن يقول عليه السّلام: إذا كان حلالاً فلابأس.

و إن قلنا بعدم تعدّد المنطوق، بل الثانية قيد الأولى، والشرطيّة جملة واحدة مركّبة، فقد يقال بناءً على تحقّق مورد الاجماع والافتراق لهما، بأنّ المفهوم ثابت مع رفع كلّ قيد، فيدلّ على أنّ العصير إذا حرم ففيه بأس، سواء قلنا بنجاسته أم لا، وسواء صار خمراً أم لا، وسواء باعه ممّن يجعله خمراً أم لا، والمراد بالبأس هنا الحرمة جزما؛ لأنّ الثابت لحال كونه خمراً هو الحرمة ففى غير ها كذلك.

هذا غاية تقريب دلالتها على حرمة بيع العصير المغلىّ مطلقا.

• لعلّ منظوره قدّس سرّه هو قوله: وعلى فرض المفهوم... إلخ، فإن حاصله أنّ مع فرض الجملتين المستقلّتين يرجع إلى مقتضى الأصل فى المعاملات، و هو يفيد الفساد، وعلى فرض جملة واحدة متقيّدة بالقيود لها مفهوم واحد يدلّ باطلاقه على عدم جواز بيع العصير المغلىّ -.

ثمّ قال قدّس سرّه: و فيه مضافاً إلى أنها بصدد بيان المنطوق لا المفهوم، فلا إطلاق فيه، والمتيقّن منه ما إذا باعه ممّن يجعله خمراً أو يطبخه ويجعله بختجاً، فإنّ البختج على ما يظهر من الروايات مسكر يصطنعه الفسّاق، وأهل الأشربة المسكرة و هو على ما قيل ما يسمّى (مى پخته) أو (باده)، وكيف كان لا إطلاق فى المفهوم يثبت به المدّعى، بل من المحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السّلام ليطبخه أى يجعله بختجا؛ لبعد السؤال عن بيع العصير للشيرج سيّما من مثل أبى بصير أنّ فى المنطوق نفى البأس عن بيعه ليطبخه أو يجعله خمراً، فإنّه المتفاهم من جواب السائل، ولايثبت فى المفهوم إلّا نفى(1)البأس المطلق و هو صادق مع ثبوت البأس لأحد طرفى الترديد، وبعبارة اُخرى لايدلّ المفهوم إلّا على سلب التسوية بين طرفى الترديد لا ثبوت التسوية فى الحكم المخالف، مع أنّ ثبوت البأس أعمّ من الحرمة، وكون بعض موارده حراماً لايوجب كون البقية كذلك، فدعوى الجزم أو الظهور فى سائر الموارد فى غير محلّها.

هذا مضافاً إلى حكاية الرواية عن نسخة من التهذيب، وعن الوافى عنه، وعن الكافى (فهو حلال) بدل (و هو حلال) فتدلّ على جواز بيع العصير المغلىّ بالنار بل وبنفسه، فإنّ الظاهر عدم كونه خمراً بمجرّد الغليان و إن فرض كونه مسكراً، مع أنّه أيضاً غير معلوم، و مع الشكّ فى خمريّته ينسلك بالاستصحاب فى مو ضوع الحكم، بناءً


1) و الظاهر أنّ كلمة النفى ساقطة و الصحيح إلّا نفى نفى البأس المطلق، لأنّ نفى البأس فى المنطوق؛ ففى المفهوم ثبوت البأس، و هو لايحصل إلّا بنفى النفى.

على عدم دخالة عنوان القبليّة فى موضوعه حتّى يلزم المثبتيّة - كما هو المتفاهم من المفهوم عرفا -(1).

و فيه أوّلاً: انّ المناط فى الشرط المحقّق للموضوع هو انتفاء الموضوع بانتفاء المعلّق عليه كانتفاء الولد بانتفاء الرزق فى مثل قوله إن رزقت ولداً بخلاف مثل إن جائك زيد فأكرمه فإنّ زيداً محفوظ ولو مع انتفاء المجيىء وانتفاءكلّ ما يفرض بدلاً للمجيى(2). وعليه فالمقام ليس من باب الشرط المحقّق للموضوع لأنّ العصير محفوظ ولو مع انتفاء البيع.

و ثانياً: إنّ جعل «و هو حلال» معطوفاً على «قبل أن يكون خمراً»، وجملة شرطيّة مستقلّة أخرى، لايساعده أسلوب الكلام.

و ثالثاً: إنّ القول بالاجمال و الرجوع إلى الاُصول العمليّة فيما إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء محلّ منع؛ لقوّة القول بتقيدكلّ مفهوم بمنطوق آخر، فيفيد الشرطان كفاية كلّ واحد منهما.

ورابعاً. إنّ حمل الطبخ على البختج لاوجه له، مع كونه أعمّ‌، هذا مضافاً إلى أنّ حمل البختج على المسكر كما ترى لما سيأتى، من دلالة موثّقة معاوية بن عمّار من جواز شربه مع إخبار من فى يده بذهاب ثلثيه، مع أنّ المسكر لا يحلّ بذهاب ثلثيه.

وخامساً: إنّ الاستصحاب جار لو لم يدلّ بعض النصوص على أنّ العصير بالغليان يكون خمراً كما سيأتى دعوى ذلك فى بعض الأخبار فافهم.

و منها: ما رواه فى الكافى عن أحمد عن ابن أبى نجران عن محمّد بن الهيثم عن رجل عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتّى يغلى من ساعته أيشربه صاحبه‌؟ فقال: «إذا تغيّر عن حاله وغلا فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه، ويبقى


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى، قدّس سرّه 83:1-84، ط: إسماعيليان.

2) نهاية الدراية 76:2، ط: انتشارات مهدوى - اصفهان - قديم.

ثلثه»(1).

ومنها: مارواه فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن علىّ بن الحكم عن على ابن أبى حمزة عن ابى بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام و سئل عن الطِلا(2)، فقال: «إن طبخ حتّى يذهب منه اتنان و يبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير»(3).

و تقريب الاستدلال بهما: بأن يقال إنّ البيع من جملة الخير المنفى فلايجوز.

وفيه أوّلاً: إنّهما ضعيفتان بالإرسال فى الاُولى، و ضعف على ابن أبى حمزة البطائنى لعدم استقامته فى الرواية الثانية.

وثانياً: كما فى مصباح الفقاهة بالنسبة إلى الرواية الأولى: إنّها بعيدة عن حرمه البيع، لظهور السؤال فى حرمة الشرب فقط فلاتشمل البيع(4)انتهى. ولعلّ المراد من الثانية أيضاً هو ذلك، ولكن يمكن أن يقال: إنّ العبرة باطلاق الجواب لا بخصوص السؤال، هذا مضافاً إلى عدم ذكر الشرب فى الثانية فافهم.

ومنها: ما يدلّ على أنّ العصير المغلىّ خمر، فيترنّب عليه ما يترتّب على الخمر من النجاسة وحرمة البيع كموثّقة معاوية بن عمّار المرويّة فى التهذيب، قال: سألت أبا عبداللّه عليه السّلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ (يعنى به الشيعة) يأتينى البختج ويقول قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنّه يشربه على النصف‌؟ فقال: «خمر لا تشربه. قلت:

فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث ولايستحلّه على النصف،


1) الوسائل 17: أبواب الأشربة المحرّ مة، الباب 2، ح: 7.

2) الطِلاء بكسر الطاء ما طبخ من عصير العنب، عن النهاية لإبن الأثير 137:3، ط: دار الفكر - بيروت.

3) الوسائل 17: أبواب الأشربة المحرّ مة، الباب 2، ح: 7.

4) مصباح الفقاهة 105:1، ط: مؤسسة انصاريان.

يخبرنا أنّ عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقى ثلثه يشرب منه‌؟ قال: نعم»(1).

بتقريب: أنّ الرواية دلّت على أنّ العصبر العنبى بعد غليانه وقبل أن يذهب ثلثاه خمر تنزيليّة، فيترتّب عليه ما كان بترتّب على الخمر من أحكامه و آثاره التى منها نجاسته وحرمة بيعه وغير ذلك؛ لأنّ المراد من البختج (على ما فسّروه بمعنى پختك) هوالعصير العنبى المطبو هذا(2).

و فيه أوّلاً: انّ البختج لم يثبت أنّه بمعنى مطلق العصير المطبوخ و إن فسّره به حمع منهم المحدّث الكاشانى قدّس سرّه(3)بل الظاهر أنّه عصبر مطبوخ خاصّ و هو الذى يسمّى عندناب «الرُبّ‌» كما فى كلام المحقّق الهمدانى قدّس سرّه ومن المحتمل القوىّ أن يكون هذا القسم مسكراً قبل استكمال طبخه، وعليه فغاية ما تقتضيه هذه الموثّقة تنزيل خصوص هذا القسم من العصير منزلة الخمر بجامع اسكارهما.

ولكن يرد عليه كما فى التنقيح: «أنّ تفسير البختج بالقسم المسكر من العصير المطبوخ مخالف صريح لما حكم به عليه السّلام فى ذيل الموثّقة من طهارته، وجواز شربه، اذا كان الخبر ممّن يعتقد حرمة شربه على النصف، وكان عمله جاريا على الشرب بعد ذهاب الثلثين، والوجه فى المخالفة أنّ البختج لو كان هو القسم المسكر من العصير لم يكن وجه لحكمه عليه السّلام بطهارته وجواز شربه عند إخبار من يعتبر قوله بذهاب الثلثين؛ لأنّ ذهابهما و إن كان مطهّرا للعصير - لو قلنا بنجاسته - أو محلّلا له إلّا أنّه لايكون مطهّراً للمسكر أبداً؛ لأنّه محكوم بنجاسته وحرمة شربه، ذهب ثلثاه أم لم يذهبا، فمن هذا نستكشف أنّ البختج ليس بمعنى القسم المسكر من العصير، و إنّما معناه


1) التهذيب 122:9، فى الذبائح الأطعمة، ح: 261.

2) و على ما فى نهاية ابن الأثير 101:3، ط: دار الفكر - بيروت - البُختُج بضم الباء و سكون الخاء و ضمّ التاء أى العصير المطبوخ، و أصله بالفارسية (ميبُخْته) أى عصير مطبوخ، انتهى.

3) الوافى 654:20، ط: منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام العامّه - اصفهان.

مطلق العصير المطبوخ كما فسّره به جماعة»(1).

وثانياً: كما فى التنقيح: «أنّ تنزيل شىء منزلة شىء آخر قد يكون على وجه الإطلاق، ومن جميع الجهات و الآثار، ففى مثله يترتّب على المنزّل جميع ما كان يتر تّب على المترّل عليه من أحكامه وآثاره، كما إذا ورد: العصير خمر فلاتشربه أو قال:

لا تشرب العصير لأنّه خمر. لأنّ لفظة «فاء» ظاهرة فى التفريع، و تدلّ على أنّ حرمة الشرب من الأُمور المتفرّعة على تنزيل العصير منز لة الخمر مطلقاً، وكذلك الحال فى المثال الثانى؛ لأنّه كالتنصيص بأنّ النهى عن شربه مستند الى أنّه منزّل منزلة الخمر شرعاً - إلى أن قال: و قد يكون التنزيل بلحاظ بعض الجهات و الآثار ولايكون ثابتاً على وجه الاطلاق كما هو الحال فى المقام؛ لأنّ قوله عليه السّلام: «خمر لا تشربه» إنّما يدلّ على أنّ العصير منزّل منزلة الخمر من حيث حرمته فحسب، ولا دلالة له على تنزيله منز لة الخمر من جميع الجهات و الآثار؛ وذلك لعدم اشتماله على لفظة «فاء» الظاهرة فى التفريع حيث إنّ جملة: «لا تشربه» وقوله: «خمر» بمجموعهما صفة للعصير، أو من قبيل الخبر بعد الخبر، أو أنّها نهى، وعلى أىّ حال لا دلالة له على التفريع حتّى يحكم على العصير، بكلّ من النجاسة و الحرمة وغير هما من الآثار المتر تّبة على الخمر»(2).

وثالثاً: إنّ الرواية على مارواه الكلينى قدّس سرّه غير مشتملة على لفظة «خمر»، وعليه فرواية الشيخ معارضة برواية الكلينى يمكن أن يقال: إنّ أصالة عدم الزيادة مقدّمة على أصالة عدم النقيصة لبناء العقلاء على العمل بالزيادة، لأنّ أصالة عدم عروض الغفلة فى طرف الزيادة أقوى. اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ أضبطيّة الكلينى فى نقل الأحاديث مانعة عن تقديم رواية التهذيب وعليه فامّا نقدّم رواية الكلينى و أمّا نقول بالتعارض والرجوع إلى قاعدة الطهارة فى العصير قبل ذهاب ثلثيه، هذا مضافاً إلى أنّ صاحبى


1) التنقيح 105:2، ط: الآداب - النجف الأشرف.

2) المصدر السابق: 108-109.

الوافى و الوسائل نقلا الرواية عن التهذيب بدون لفظة الخمر، فلامحالة يكون ذلك كاشفا عن عدم كون التهذيب مشتملا على لفظة الخمر، وعليه فالتعارض يكون بين نسخ التهذيب، ويدور أمر النسخ بين الحجّة و اللاحجّة، ومع دورانها فيهما لاتصلح رواية الشيخ للمعارضة. اللّهمّ إلّا أن يقال أنّ كثرة النقل عن التهذيب مع لفظة الخمر تشهد بأنّ صاحبى الوافى و الوسائل اشتبها فى النقل، وعليه فالمعارضة بين رواية الشيخ ورواية الكلينى بحالها فلاتغفل(1).

فتحصّل من ذلك أنّه لا دليل على عدم جواز بيع العصير العنبى بعد الغليان، هذا كلّه بناءً على نجاسة العصير العنبى بالغليان، و أمّا إذا قلنا بأنّه لادليل على النجاسة أصلاً كما ذهب إليه السيّد فى العروة وبعض المحشّين فالأمر أوضح.

ربّما يستدلّ على النجاسة بالإجماع، و هو عجيب، مع أنّ المتقدّمين لم يصرّحوا بنجاسته إلّا قليل منهم، وكيف يصحّ دعوى اجماعهم على النجاسة.

والأهون منه هو الاستدلال على النجاسة بما استدلّ على نجاسة المسكر، إذ بالغليان لا يثبت الاسكار و أمّا الاستدلال بموثّقة معاوية بن عمّار، ففيه ما مرّ من أنّ الاستدلال متقوّم بوجود الخمر، و هو مع اختلاف النسخة غير ثابت، هذا مضافاً إلى عدم إثبات عموم التنزيل فيه فلادليل على النجاسة، ولا فرق فى ذلك بين كون العصير مغليّاً بنفسه أو بالنار.

وممّا ذكر يظهر أنّه لاوجه للتفصيل بين المغلىّ بنفسه و الحكم بنجاسته، وبين المغلىّ بالنار و الحكم بطهارته، ولذا قال المحقّق الهمدانى على المحكىّ من أنّ التفصيل فى نجاسة العصير بين غليانه بالنار وغليانه بغيرها، ممّا لم يعلم مستنده، وبقيّة الكلام فى محلّه.


1) المصدر السابق: 106-107.

و ممّا تقدّم ينقدح أنّه لادليل على كونه ملحقا بالخمر فى جميع الآثار والأحكام، فلاوجه لإلحاق المغلىّ بنفسه بالخمر فى حكم البيع، مع أنّه لادليل عليه، ولو فرض قيام دليل على إلحاقه بالخمر فى جميع الآثار وا الأحكام فلايجوز بيعه مطلقاً؛ لما مرّ من حرمة بيع الخمر ولو للتخليل.

الرابع: فى بيع الدهن المتنجّس: قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: يجوز المعاوضه على الدهن المتنجّس على المعروف من مذهب الأصحاب»(1).

و لا يخفى عليك أنّ جعل هذه المسألة من المستثنيات لبيع الأعيان النجسة، من باب الاستثناء المنقطع، بعد ما مرّ من أنّ النجاسة مانعة، و هى مفقودة فى الأدهان المتنجّسه، لعدم كونها نجسا ذاتا، و لا فرق فى ذلك بين أن نقول بجواز الانتفاع من المتنجّس أو بعدمه، أو بالمنع من بيع المتنجّس وان جاز الانتفاع به، أو بعدمه؛ لأنّ المتنجّس خارج موضوعا عن النجاسات الذاتيّة، فمع خروجه عنها يكون الاستثناء منقطعا كما هو واضح.

نعم لو عدلنا عمّا مرّ وقلنا بأنّ ملاك المنع عن النجاسات الذاتيّة هو فقدانها للمنافع المحلّلة، فمقتضى عموم الملاك هو تعميم المستثنى منه، و شموله للمتنجّسات التى ليس لها منافع محلّلة، وعليه فيكون استثناء الدهن المتنجّس بناءً على ممنوعيّة الانتفاع بالمتنجّس متصلا: «لأنّ الممتنع الشرعى كالممتنع العقلى كما أشار اليه الشيخ قدّس سرّه هنا بقوله؛ «وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة مبنى على المنع من الانتفاع بالمتنجّس»(2).

ولكن لاوجه للعدول كما عرفت سابقاً، و أمّا بناءً على القول بالمنع من بيع المتنجّس، وجواز الانتفاع به نفعا مقصوداً محلّلا، فليس الاستثناء متّصلا؛ لخروج


1) المكاسب: 8، السطر: 25.

2) المصدر السابق.

عنوان المتنجّس عن عنوان النجس تخصّصا، وممّا ذكر يظهر مافى كلام الشيخ قدّس سرّه حيث جعل الاستثناء متّصلا فى هذه الصورة أيضاً حيث قال: «وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة مبنىّ - الى أن قال - او على المنع من بيع المتنجّس وان جاز الانتفاع به نفعا مقصودا محلّلا»(1)فراجع.

و كيف كان فمقنضى القاعدة فى المسألة هو جواز بيع الأدهان المتنجّسة ونحوها، ممّا يجوز الانتفاع بها من دون حاجة الى الروايات، فإنّها مال، و لا مانع من شمول الأدلّة العامّة لها، وادّعى عليه الاجماع، و لذا قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «فلا اشكال فى جواز بيع الدهن المذكور وعن جماعة الإجماع عليه فى الجملة»(2)، هذا مضافاً إلى أنّ الأخبار به مستفيضة فمنها:

أوّلاً: موثّقة معاوية بن وهب المرويّة فى الكافى عن محمّد بن بجيى عن أحمد بن محمّد عن على بن الحكم عن معاوية بن وهب عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: قلت:

جُرذ(3)مات فى زيت أو سمن وعسل‌؟ فقال: «أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ وما حوله و الزيت يستصبح به»(4).

على بن الحكم موثق إذا كان الراوى عنه هو أحمد بن محمد، و هو و إن لم يدلّ على جواز البيع لكنّه متّحد مع مارواه فى التهذيب و هو متعرّض للبيع، هذا مضافاً الى أنّه مع جواز الاستصباح له منافع محلّلة، فشمله الإطلاقات فى قوله تعالى: «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌» (5)وقوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (6)وقوله تعالى: «أَحَلَّ اَللّٰهُ


1) المصدر السابق، السطر: 29-25-26.

2) المصدر السابق.

3) جُرَذ: اسم الذكر من الفأر، و الجميع الجرذان - كتاب العين للخليل -.

4) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح: 1.

5) النساء: 29.

6) المائدة: 1.

اَلْبَيْعُ‌» (1)وغير ها.

ثانياً: موثّقة معاوية بن وهب أيضاً المرويّة فى التهذيب بإسناده عن أحمد الميثمى عن معاوية بن وهب وغيره عن أبى عبداللّه عليه السّلام فى جرذمات فى زيت ما تقول فى بيع ذلك‌؟ فقال: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(2)هذا بناءً على كون الميثمى فى السند هو أحمد بن الحسن بن إسماعيل الثقة لتصريح النجاشى و الشيخ بصحّة حديثه، هذا مضافاً إلى نقل كامل الزيارات عنه فتأمّل. وكيف كان فإنّها تدلّ على جواز بيع الدهن المتنجّس.

ثالثاً: معتبرة اسماعيل بن عبدالخالق المرويّة فى قرب الأسناد عن محمّد بن خالد الطيالسىّ عن إسماعيل بن عبدالخالق عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: سأله سعيد الأعرج السمّان وأنا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به‌؟ قال: «أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له، فيبتاع للسراج، و أمّا الأكل فلا، و أمّا السمن فإن كان ذائباً فهو كذلك، و إن كان جامداً و الفأرة فى أعلاه فيؤخذ ما تحتها وما حولها، ثمّ لابأس به، والعسل كذلك إن كان جامداً»(3).

روى فى كامل الزيارات عن محمّد بن خالد الطيالسى فتأمّل، هذا مضافاً إلى أنّ المحكى عن الشيخ أنّه قال فى رجاله أنّ حميد روى عنه أصولاً كثيرة و إسماعيل بن عبدالخالق ثقة كما صرّح به النجاشى وابن طاوس وغيره. وعليه فالرواية معتبرة وتدلّ على جواز بيع الدهن المتنجّس.

رابعاً: صحيحة الحلى قال: سألت أبا عبداللّه عليه السّلام عن الفأرة و الدابّة تقع فى الطعام و الشراب فتموت فيه‌؟ فقال: «إن كان سمناً أو عسلاً أو زيتاً فإنّه ربّما يكون


1) البقرة: 275.

2) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح: 4.

3) المصدر السابق: 66-67، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح: 5.

بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله وكلّه، و إن كان الصيف فارفعه حتّى تسرج به، و إن كان ثرداً فاطرح الذى كان عليه ولاتترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه»(1).

ولعلّ الثرد هو التلطخ بالسمن الذى لايذوب.

عبّر الشيخ قدس سره عن صحيحة الحلبى بصحيحة سعيد الأعرج، والظاهر أنّه سهو القلم، وكيف كان فهى و إن لم تدلّ على جواز البيع ولكن تدلّ على جواز الانتفاع به، و مع جواز الانتفاع يكون مالاً فيجوز بيعه بمقتضى إطلاقات أدلّة التجارة و البيع.

خامساً: موثّقة أبى بصير المرويّة فى التهذيب بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن أبى بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفأرة تقع فى السمن أو فى الزيت فتموت فيه‌؟ فقال: إن كان جامداً فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقى، و إن كان ذائباً فأسرج به وأعلمهم إذا بعته»(2).

فالمراد من ابن رباط هو علىّ بن الحسن بن رباط و هو ثقة - كما صرّح به النجاشى فيشِ - والرواية تدلّ على جواز بيع الدهن المتنجّس، مضافاً إلى جواز الانتفاع به، و إلى غير ذلك من الأخبار، فهى إمّا تدلّ على جواز البيع صريحاً، أو تدلّ على جواز الانتفاع بالدهن المتنجّس، فمع تصريحها بجواز الانتفاع به تشمله إطلاقات أدلّة التجارة و البيع، وعليه فلا إشكال فى جواز بيع الأدهان المتنجّسة التى تكون لها منفعة محلّلة.

ولعلّ ذكر خصوص الاستصباح فى بعض الأخبار من باب المثال و التنبّه على القابليّة للانتفاع المحلّل كما فى جامع المدارك(3). فلا خصوصيّة فى الإسراج، وعليه


1) المصدر السابق: 16: أبواب الأطعمة المحرّ مة، الباب 43، ح: 3.

2) المصدر السابق: 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 3.

3) جامع المدارك 7:3، ط: مؤسسة إسماعيليان.

فبيع الأدهان المتنجّسة لصنعة الصابون، أو للطلىّ فى مقام المعالجة و نحوهما مانع منه.

و هنا تنبيهات:

التنبيه الأوّل: أنّ صحّة بيع الدهن المتنجّس كالسمن و الزيت هل تكون مشروطة باشتراط الاستصباح، أو المنفعة المحلّلة، أو يكفى قصد المتبايعين لذلك، أو لا يشترط أحدهما؟ ربما يستدلّ لاعتبار قصد الاستصباح بموثقة إسماعيل بن عبدالخالق: «إمّا الزيت فلاتبعه إلّا لمن تبين له فيبتاع للسراج و أمّا الأسل فلا... إلخ»(1)بدعوى ظهوره فى اشتراط الأمرين أحدهما هو الإعلام عند البيع و ثانيهما قصد الإسراج، وعليه فغير هذه الصورة يكون منهيّاً وظاهر النهى فى المعاملات هو الفساد.

أُورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّ الابتياع للسراج إنّما جعل غاية للإعلام بمعنى أنّ المسلم إذا أطلع على نجاسته فيشتريه للإسراج نظير قوله عليه السّلام: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستبح به»(2)انتهى.

مراده انّ الفاء فى قوله عليه السّلام: «فيبتاع للسراج» للغاية بمعنى اللام، وعليه فيكون الابتياع للسراج من توابع الاعلام و فوائده، ويكون المنهى هو عدم الاعلام لا الابتياع لغير الإسراج.

و تبعه فى مصباح الفقاهة وقال: «إنّ الاستصباح من فوائد التبيين ومتفرّعاته، و قد أخذ غاية لذلك لكى لايقع المشترى فى محذور النجاسة باستعماله الدهن


1) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 5.

2) المكاسب: 9، السطر: 24 و 25.

المتنجّس فيما هو مشروط بالطهارة كالأكل و نحوه»(1).

وهكذا تبعه سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه حيث قال: «إنّ المتفاهم منها عرفا أنّ المقصود بالاعلام عدم ابتلاء المشترى بالحرام، فيبتاع و يسرج به، لا أنّ الابتياع للإسراج من شرائطه أو قصده من الشرائط»(2).

و أجاب عن ذلك الميرزا الشيرازى قدّس سرّه بقوله: «أنَّ ظاهر اللفظ كون يبتاع» عطفا على تبيّن له فيفيد توقّف الصحّة على الأمرين، البيان، وقصد المشترى للإسراج؛ لأنّ ظاهر النهى الفساد، مع عدم تحقّق الأمرين، و لا ينافى ذلك كون قصد الإسراج أو نفسه غاية للتبيين، فإنّ الغاية من حيث ترتّبها على المغىّ‌، يصحّ عطفها عليها بالفاء، لكنّ ذلك لاينافى إفادة الفاء لما يفيده مطلق حروف العطف من مشاركة المتعاطفين فى الحكم المستفاد من الكلام، و هو فيما نحن فيه إرتباط صحّة البيع كما يقال «إذا أتيت زيدا فقضى حاجتك فافعل كذا» فإنّ كون قضاء الحاجة غاية للإتيان، لايمنع من ظهور الكلام بمقتضى العطف فى ترتّب قوله افعل كذا على مجموع الأمرين، وان اُريد أنّ الفاء ليست للعطف، بل لمجرّد بيان الغاية، نظير أن يقال «الّا أن تبيّن ليبتاع للإسراج» فلاريب أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر من لفظ الفاء على تقدير وقوع استعماله فى مثل ذلك، بل لا يحضرنى الآن استعماله فى هذا المعنى، مع أنّ ذلك أيضاً كافٍ فى إستفادة المرام، إذ الظاهر حينئذ أنّ الغرض و الغاية من الإعلام هو الابتياع لأجل الإسراج، فيكون هو المقصود و المناط فى الصحّة، واحمال كونه بمنزلة جواب شرط محذوف، يعنى إذا تبيّنت الحال للمسلم فيبتاعه للإسراج خلاف الظاهر قطعا...

إلخ»(3)انتهى.


1) مصباح الفقاهة 113:1، ط: أنصاريان.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى رحمه الله 90:1، ط: مؤسّسة اسماعيليان.

3) تعليقة الميرزا محمّد تقى الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 18 و 19، ط: قديم.

و عليه فظاهر موثّقة إسماعيل بن عبدالخالق هو اعتبار الأمرين فى صحّة بيع الأدهان المتنجّسة فتأمّل.

لايقال: أنّ الخبر ضعيف؛ لعدم توثيق إسماعيل بن عبدالخالق لأنّا نقول ليس كذلك لتصريح النجاشى قدّس سرّه بتوثيقه حيث قال: «إسماعيل بن عبدالخالق بن عبد ربّه بن أبى ميمونة بن يسار مولى بنى أسد، وجه من وجوه أصحابنا، و فقيه من فقهائنا، و هو من بيت الشيعة، عمومته شهاب، وعبدالرحيم، ووهب، وأبوه عبدالخالق، كلّهم ثقات» انتهى.

هذا مضافاً إلى اكثار بعض الأجلاّء الرواية عنه كحميد، ومضافاً الى ما فى رجال الكشّى قال: «حدّثنى أبو الحسن حمدويه بن نصير قال: سمعت بعض المشايخ يقول: وسألته عن وهب و شهاب وعبدالرحيم بن عبد ربّه و إسماعيل بن عبدالخالق بن عبد ربّه‌؟ قال: كلّهم أخيار فاضلون كوفيّون»(1)، وعليه فلامجال للتشكيك فى السند كما لايخفى. و أمّا عدم توثيق محمّد بن خالد الطيالسى، فلايضرّ بعد كثرة رواية بعض الأجلاء عنه، قال فى منتهى المقال: «روى عنه حميد أصولا كثيرةً‌»(2)وقال الوحيد البهبهانى: «رواية الأجلّة عنه دليل على الاعماد».

هذا مضافاً إلى نقل كامل الزيارات عنه(3)فتأمّل وعليه فالرواية معتبرة.

لا يقال: كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه يعارضها موثّقة أبى بصير: «أعلمهم إذا بعته»(4)لظهورها فى إعلام المشترى بعد وقوع البيع، والحمل على إرادة البيع خلاف الظاهر(5).


1) الكشى: 414، الرقم: 783.

2) منتهى المقال 40:6، الرقم: 2613.

3) كامل الزيارات: 325، ح 556، الباب 71.

4) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 3.

5) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 90:1، ط: إسماعيليان.

لأنّا نقول: إنّ الشائع عند ذكر شرائط البيع هو ارادة البيع من لفظه، ولذا أريد من قوله تعالى: (إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ‌) (1)الآية و إذا أردتم الصلاة.

وعليه فدعوى أنّ إرادة البيع خلاف الظاهر غير مسموعة.

لا يقال: يعارضها موثّقة معاوية بن وهب «تبيعه و تبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به فإنّ قوله عليه السّلام: «لمن اشتراه» ظاهر فى تحقّق الشراء، فالإعلام بعد تحقّق الشراء لا حال الشراء، فينافى معتبرة اسماعيل الدالّة على اشتراط الإعلام فى صحّة البيع(2).

لأنّا نقول أوّلاً: لا نسلّم ظهوره فى تحقّق الشراء فى أمثال المقام، بل المراد هو لمن يريد الشراء، فهو يساوى مع موثّقة أبى بصير على ما استظهرنا منها، فإطلاقهما من جهة عدم اعتبار قصد الإسراج مقيّد بمعتبرة إسماعيل بن عبدالخالق.

و ثانياً: إنّه لو سلّمنا ظهورها فى تحقّق الشراء، فهو معارض مع معتبرة اسماعيل ابن عبدالخالق، فمقتضى القاعدة هو الأخذ بما فيه ترجيح لو كان، أو التخيير لو لم يكن ترجيح.

هذا مضافاً إلى دعوى الإجماع عن الحلّى قدّس سرّه حيث قال: «يجوز بيعه بهذا الشرط عندنا»(3)وحمله على أنّ مراده ذكر مورد المتيقّن خلاف الظاهر، ومضافاً إلى دعوى الإجماع عن الخلاف حيث قال: «يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء... دليلنا إجماع الفرقة»(4)وحمله على أنّ التعليل راجع إلى الجواز أعنى قوله يجوز، ومعناه كما أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «أنّه يجوز لأجل تحقّق فائدة


1) المائدة: 6.

2) الوسائل 66:12 و 67، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 5.

3) السرائر 222:2، 122:3، ط: مؤسسة النشر الإسلامى.

4) لخلاف 187:3، جواز بيع الزيت النجس، المسألة 312، ط: النشر الإسلامى.

الاستصباح بيعه»(1)، لايخلو عن تكلّف، فالأحوط هو اعتبار الإعلام و قصد الإسراج فى صحّة بيع الأدهان المتنجّسة إن لم يكن الأقوى. و أمّا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدّس سرّه: من التفصيل بين ما اذا كان الاستصباح بالنسبة إلى الدهن من المنافع النادرة التى لاتلاحظ فى ماليّته كما فى دهن اللوز و البنفسج و شبههما، وبين ما اذا كان الاستصباح منفعة غالبة بحيث كان ماليّة الدهن باعتباره كالأدهان المعدّة للإسراج كالزيت و نحوه، فاعتبر قصد الاستصباح فى الأوّل دون الثانى، واستوجهه بأنّ مالية الشىء إنما هى باعتبار منافعها المحلّلة المقصودة منه، لا باعتبار مطلق الفوائد الغبر الملحوظة فى ماليّته، ولا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرّمه، فاذا فرض أن لا فائدة فى الشىء محلّلة ملحوظة فى ماليّته، فلا يجوز بيعه على الاطلاق؛ لأنّ الإطلاق ينصرف الى كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة منه، والمفروض حرمتها، فيكون أكلا للمال بالباطل، ولا على قصد الفائدة النادرة المحلّلة؛ لأنّ قصد الفائدة النادرة لايوجب كون الشىء مالاً، ثمّ إذا فرض ورود النصّ الخاصّ على جواز بيعه - كما فيما نحن فيه - فلابدّ من حمله على صورة قصد الفائدة النادرة؛ لأنّ أكل المال حينئذ ليس بالباطل بحكم الشارع بخلاف صورة عدم القصد، لأنّ المال فى هذه الصورة مبذول فى مقابل المطلق المنصرف إلى الفوائد المحرّمة فافهم(2)انتهى موضع الحاجة.

ففيه: أوّلاً: كما فى تعليقة الإيروانى قدّس سرّه: «الإسراج منفعة شايعة مقصودة فى كلّ دهن فلا محلّ للتفصيل بين الأدهان؛ و ذلك أنّه لايراد من الندره و الشيوع فى المقام ندرة الصرف فى الخارج وكثر ته حتّى يفصل بين الأدهان... بل المراد ندرة الحاجة اليه و شيوعها و الحاجة إلى الإسراج شائعة فى كلّ قابل للإسراج، و إنّما لا يسرج بكثير من


1) المكا سب: 9، السطر 6.

2) المصدر السابق: السطر: 7-12.

الأدهان؛ لأنّ سائر منافعها أهمّ‌»(1).

و تبعه فى مصباح الفقاهة وقال: وعلى الجملة انتفاء بعض المنافع الظاهرة المعروفة عن الأشياء - كذهاب رائحة الأدهان العطريّة - وعروض حرمة الأكل لما قصد منه أكله من الأدهان، لايوجب انتفاء ماليّتها بالكليّة، بل هى موجودة فيها باعتبار منافعها الأخر الظاهرة و إن كانت غير معروفة، و من هنا يتوجّه الحكم بالضمان إذا غصبها غاصب، أو أتلفها متلف؛ للسيرة القطعيّة العقلائيّة؛ ولدليل اليد، واذن، فلاوجه لجعل الاستصباح من المنافع النادرة للدهن، بل هو كغيره من المنافع الظاهرة، فإن اعتبر قصدها فى صحّة البيع اعتبر مطلقاً، و إن لم يعتبر ذلك لم يعتبر مطلقاً»(2).

هذا مضافاً إلى إمكان أن يقال: انّ بعد انتفاء بعض المنافع الشائعة يصير نادرة المصرف شائعة أيضاً، فلاتغفل.

وثانياً: كما فى المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «فإنّ قصد الانتفاع بالشىء سواء كان محرّماً أو محلّلاً، لا دخل له فى ماهيّة البيع، كما أنّ المنافع لاتقابل بالأثمان فيه، بل وجود المنفعة موجب لصيرورته مالاً، يبذل يإزائه المال، فإذا فرض وجود منفعة فيه موجب للرغبة و الماليّة فيه يقع البيع لأجلها صحيحاً، سواء قصدها أو قصد المنفعة المحرّمة» انتهى(3).

وعليه فمع ورود النصّ يعلم أنّ المنفعة النادرة عند الشارع منفعة موجبة للماليّة بوجودها الواقعىّ‌.

و ممّا ذكر يظهر أنّه مع عدم القصد لايندرج فى أكل المال بالباطل.


1) حاشية المكاسب للإيروانى قدّس سرّه 8:7، السطر 5-8، ط: قديم - رشديّه (طهران).

2) مصباح الفقاهة 112:1، ط: انصاريان.

3) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 88:1، ط: إسماعيليان.

فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة هو عدم لزوم القصد، سواء كان الاستصباح من المنافع الشائعة أو لم يكن، بعد ورود النصّ بجواز البيع.

نعم يجب القصد مطلقاً، من جهة دلالة معتبرة اسماعيل بن عبدالخالق بعدما عرفت من تقدّمها على الموثقتين الدالّتين باطلاقهما على عدم اعتبار القصد.

و عليه فاعتبار القصد مطلقا موافق للاحتياط، لو لم يكن الأقوى.

حكم قصد المنافع المحرّمة

ثمّ إنّه هل تشترط صحّة معاملة تلك الأدهان بعدم قصد المنافع المحرّمة أم لا؟ ذهب الشيخ الأعظم قدّس سرّه فى آخر كلامه الى اشتراطه حيث قال: «يمكن القول بالبطلان بمجرّد القصد، و إن لم يشترط فى متن العقد، و بالجملة فكلّ بيع قصد فيه منفعة محرّمة، بحيث قصد أكل الثمن أو بعضه بإزاء المنفعة المحرّمة كان باطلا، كما يؤمى الى ذلك ما ورد فى تحريم شراء الجارية المغنّية، و بيعها، وصرّح فى التذكرة بأنّ الجارية المغنّية اذا بيعت بأكثر ممّا يرغب فيها لولا الغناء، فالوجه التحريم» انتهى(1).

وفيه: أوّلاً: كما فى مصباح الفقاهة: «أنّ ماليّة الأشياء قائمة بمالها من المنافع، حسب رغبات العقلاء؛ إذ الرغبة فيها لاتكون إلّا لأجل منافعها، فالمنافع المترتّبة عليها من قبيل الجهات التعليليّة: بمعنى أنّ رغبة العقلاء فيها ليس الّا لأجل منافعها الموجودة فيها، و حينئذ فبذل المال إنّما هو بإزاء نفس العين فقط، وعلّة ذلك البذل هى المنافع، وعليه فلو قصد البائع المنفعة المحرّمة لم يلزم منه بطلان البيع»(2).

و قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «إنّ المنافع لاتقابل بالأثمان فيه، بل وجود المنفعة موجب لصيرورته مالاً، يبذل بإزائه المال، فإذا فرض وجود منفعة فيه موجب


1) المكاسب: 9، السطر 21-23.

2) مصباح الفقاه‍ - ة 112:1، ط: انصاريان.

للرغبة و الماليّة فيه، يقع البيع لأجلها صحيحا، سواء قصدها أو قصد المنفعة المحرّمة(1).

و ثانياً: انّ إدراج ما قصد فيه المنفعة المحرّمة فى قوله تعالى: (لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌) منظور فيه بعد ما عرفت: من أنّ الأثمان فى مقابل الأعيان لا فى مقابل المنافع.

هذا مضافاً الى إمكان منع صدق الباطل مع قصد المنفعة المحرّمة، كما قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «إن المراد من الباطل، والتجارة، وسائر العناوين، المأخوذة فى الكريمة هى العناوين العرفيّة، لا ما هو الباطل بحكم الشرع، أو نجارة صحيحة بحكمه، ولهذا ترى أنّ الفقهاء تمسّكوا بها لصحّة التجارة فى الموارد المشكوك فيها، من جهة احتمال اعتبار شرط أو مانع، ولو كان المراد بالآية ما ذكر لما صحّ للاستدلال بها فى شىء من الموارد، فالمراد بالباطل فى مقابل التجارة عن تراض نحو: السرقة و الخيانة والبخس(2)والقمار و الظلم، كما عن أبى جعفر عليه السّلام تفسيره ببعضها ومن التجارة هى التجارة العرفيّة، فعليه يصحّ الاستدلال بها لصحّة البيع ولو مع قصد المنفعة المحرّمة بعد ما كان للمبيع ماليّة عرفيّة بلحاظ المنفعة المحلّلة لعدم اسقاط الشارع ماليّته حتّى يقال: بتحكيم دليل الإسقاط على أدلّة حلّيّة البيع و التجارة و الوفاء بالعقود - إلى أن قال -: بل الانتفاع به من متفرّعات التجارة ومتأخّر عنها، فلو إشترى أحد سكّيناً بقصد قتل المؤمن، و باع البائع لذلك، لايوجب ذلك فساد المعاوضة، و صيرورة أخذ المال بإزائه أكلا له بالباطل، بل يصحّ بيعهما، ويحرم على المشترى الإقدام على القتل -


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 88:1، ط: إسماعيليان.

2) مصباح المنير: مادة: بَخسَه: (بخساً) من باب نفع نقصه أو عَابه... و (بخست) الكيل (بخسا) نقصته و ثمن (بخس) ناقص.

الى أن قال -: و أمّا روايات الباب(1)إلى أن قال -: ويمكن الاستشهاد لعدم جواز البيع مع قصد الانتفاع بالمحرّم برواية تحف العقول(2)ودعائم الاسلام(3)بل بالرضوىّ‌(4)والنبوى: «إنّ اللّه إذا حرّم...»(5)إلخ و قوله: «إنّ الذى حرّم شربه حرّم ثمنه»(6)وقوله: «إنّ اللّه إذا حرّم أكل شىء حرّم ثمنه»(7)المحمولة باجمعها على التحريم مع قصد الفساد، وبالروايات الواردة فى العصير الدالّة على أنّه إذا غلى لايجوز بيعه ممّن يجعله حراما(8)، و روايات حرمة بيع الخمر المحمولة على ما إذا كان البيع لأجل الفساد(9)، وبعض الروايات الواردة فى الجارية المغنّية(10)الى غير ذلك، وهى و إن لم تبلغ حدّ استفادة الحكم جزماً فى المقام، لضعف ما دلّت، وقصور غير الضعيف عن إثبات الحكم للمتنجّس، لكنّ الحكم بالصحّه جرأة، سيّما مع الظنّ بمخالفته لمذاق الشرع «تأمّل»، فلايترك الاحتياط فيه»(11).

هذا مضافاً الى ما عرفت من أنّ مقتضى بعض الأخبار: هو اعتبار قصد المنفعة المحلّلة، فمع قصد المنفعة المحرّمة أخلّ بقصد المنفعة المحلّلة، و هو موجب للفساد، اللّهمّ


1) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 1 و 3 و 5.

2) تحف العقول: 332 و 333، تفسير التجارات، ط: النشر الاسلامى.

3) دعائم الاسلام 18:2، 19، ح 23، ط: آل البيت عليهم السلام.

4) الفقيه (المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام و المشهور به (فقه الرضا): 250، باب التجارات و البيوع والمكاسب، ط: آل البيت عليهم السلام.

5) عوالى اللئالى 110:2، ح 310، ط: سيّد الشهداء عليه السّلام.

6) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 55، 1:6 إلّا أنّ فى متن الحديث جاء الضمير مؤنّثاً فى كلمة (شربه) و كلمة (ثمنه) فكان (شربها) و (ثمنها) على ما فى الوسائل، فراجع.

7) عوالى اللئالى 181:1، ح: 240، ط: سيّد الشهداء عليه السّلام جاء فى وسط الحديث بهذا السكل «و إنّ اللّه تعالى إذا حرّم على قوم أكل شىء حرّم عليهم ثمنه».

8) الوسائل 168:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59.

9) المصدر السابق: الباب 55.

10) المصدر السابق: الباب 16.

11) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 88:1-91، ط: إسماعيليان.

إلّا أن يقال: أنّ مفاد هذا الحديث مخالف للقاعدة، وهى أنّ المنافع لا تقابل بالأثمان، فان قصد المنفعة المحلّلة لايناسب حقيقة البيع وعليه فالأخذ بمعتبرة إسماعيل بن عبدالخالق مع مخالفتها للقاعدة مشكل، ولكن يمكن الذب عنه بأنّ إشتراط قصد المنفعة المحلّلة فى مورد الأدهان المتنجّسة شرط تعبّدى، ولا مانع من رفع اليد عن القاعده بالدليل التعبّدى، فلاتغفل.

حكم اشتراط الانتفاع بالمنافع المحرّمة

ثمّ انّه إذا اشترط الانتفاع بالمنافع المحرّمة فقد ذهب الشيخ الأعظم قدّس سرّه إلى فساد العقد معلّلا: بأنّ الشرط الفاسد يقسد العقد مضافاً الى استدلاله بقوله تعالى:

(لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌) الآية(1).

أُورد عليه فى مصباح الفقاهة: «بأنّ العقد لايفسد باشتراط الشرط الفاسد فيه، و قد اختاره المصنّف قدّس سرّه فى باب الشروط، والوجه فيه: أنّ الالتزام الشرطى أمر آخر وراء الالتزام العقدى، فلايستلزم فساده فساد العقد، وعليه فلاوجه للالتزام ببطلان العقد فى المقام باشتراط المنفعة المحرّمة فيه؛ لأنّه من صغريات الكبرى المذكورة(2).

و لا يخفى عليك إنّ هذا صحيح فيما إذا لم يكن الالتزام الشرطى مخلاّ بالعوضين، كاشتراط أداء الثمن عند مجيى الحجّاج مع عدم معلوميّته، فإنّه يوجب الجهالة، وفيما إذا لم يكن مخالفا لحقيقة العقد، كاشتراط عدم الملكيّة، ولعلّ لذلك قال سيّدنا الامام المجاهد - رضوان الله تعالى عليه - تفصيلا بقوله: «ان رجع الشرط الى الإلزام بالانتفاع بالمحرّم لا عدم الانتفاع بالمحلّل، وكان للعين انتفاع محلّل أيضاً يفسد


1) المكاسب: 9، السطر 19 و 20، و أمّا الآية المباركة فهى من سورة النساء: 29.

2) مصباح الفقاهة 112:1 و 113، ط: انصاريان.

الشرط، ففساد البيع مبنىّ على كون شرط الفاسد مفسدا؛ لأنّ المعاوضة وقعت على العينين، وشرط انتفاع خاصّ محرّم، خارج عن حقيقة المعاوضة، فالقائل بالصحّة يمكن أن يقول بالتحليل، وان رجع إلى ترك الانتفاع بالمحلّل، و حصر الانتفاع بالمحرّم، أو شرط ما يوجب عدم امكان الانتفاع بالمحلّل - كما لو شرط أكل الزيت النجس مثلا - فالوجه عدم الصحّة؛ لأنّ مثله يرجع إلى الشرط المخالف لمقتضى العقد، فإنّ الانتفاع بالمحرّم ممنوع شرعاً، والمالك شرط عدم الانتفاع بالمحلّل فرضاً، فكأنّه باع باسقاط جمع المنافع مطلقاً، وفى مثله لاتقع مبادلة مال بمال، فإنّ الماليّة فى الأشياء متقوّمة بالانتفاع، ومع سلبه مطلقاً لم تقع صحيحة، فتدبّر، و تأمّل»(1).

ويمكن أن يقال: إنّ شرط عدم الانتفاع بالمنافع المحلّلة مؤكّد لمقتضى العقد لا منافٍ له؛ إذ عدم الانتفاع ظاهر فى أنّ المشترى يلتزم بعدم الانتفاع عمّا له الانتفاع، فالعين لم تكن حين المعاملة مسلوبة المنفعة.

و عليه فلايوجب فساد الشرط فساد العقد، بل يمكن منع فساد الشرط بالنسبة إلى ترك الانتفاع بالمنافع المحلّلة.

نعم لو شرط عدم كون الانتفاع حقّا له كان ذلك مخالفا لحقيقة العقد، كاشتراط عدم الملكيّة، فانّه خلاف حقيقة البيع و النقل والانتقال.

وعليه فاشتراط الانتفاع بالمنافع المحرّمة، وعدم الانتفاع بالمنافع المحلّلة فى ضمن الالتزام البيعىّ بالنسبة إلى الأعيان الشخصيّة لا يفسد البيع بحسب القاعدة؛ لعدم كونه مخالفاً لحقيقة العقد - و تفصيل الكلام مذكور فى بحث الشروط المذكورة فى أواخر الخيارات(2).

نعم لو تمّت دلالة الروايات المستدلّ بها فى البحث السابق - لعدم صحّة البيع


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 90:1، ط: إسماعيليان.

2) المكاسب: 276، السطر: 34 فى الشوط الثانى.

مع قصد الانتفاع بالمحرّم - لدلّت فى المقام أيضاً، ولكن تماميّتها غير ثابتة، ولعلّ أشار إليه سيّدنا الامام قدّس سرّه بقوله فى آخر عبارته، فتدبّر، وتأمّل.

و أمّا الاستدلال بالآية الكريمة فقد مرّ الكلام فيه فيما إذا قصد المنافع المحرّمة و لا نعيد.

هذا كلّه، مع قطع النظر عمّا يعتبر فى صحّة بيع الأدهان المتنجّسة من قصد المنفعة المحلّلة، والّا فلا يصحّ البيع؛ لفقدان قصد المنفعه المحلّلة فيما اذا اشترط الانتفاع بالمنافع المحرّمة، وعدم الانتفاع بالمنافع المحلّلة، و الله العا لم.

وبقى شىء نقول: و هو أنّ بيع الأدهان المتنجّسة من الكفّار هل يكون مشروطا بقصد المنفعة المحلّلة أم لا؟ يمكن أن يقال: انّ ظاهر قوله عليه السّلام: «فيبتاع للسراج»(1)بعد اشتراط التبيّن، هو اختصاصه بمن له داع للترك عند إعلام النجاسة و هو ليس الأ المسلم، وعليه فظاهر دليل اشتراط قصد المنفعة المحلّلة منصرف عمّا إذا كان المشترى من الكفّار، فيجوز بيعها منهم بدون اشتراط قصد المنفعة المحلّلة - كما هو مقتضى القاعدة -.

و ممّا ذكر يظهر أيضاً أنّ وجوب الإعلام مختصّ بما اذا كان المشترى مسلماً؛ لأنّ الواجب هو الإعلام الذى يوجب لداعى الترك و هو ليس الّا فى المسلم، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ قوله عليه السّلام فى موثّقة أبى بصير: «و أعلمهم إذا بعته»(2)مطلق، ولكنّه مندفع: بإمكان تقيّده بمعتبرة إسماعيل بن عبدالخالق(3)فإنّ المستفاد منه هو اعتبار الإعلام الذى يكون داعياً للابتياع للسراج.

التنبيه الثانى: فى أنّ وجوب الإعلام نفسىّ أو شرطىّ؟ قال الشيخ


1) الوسائل 67:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 5 و 3.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

الأنصارى قدّس سرّه: «انّ ظاهر بعض الأخبار وجوب الإعلام، فهل يجب مطلقاً - ولو لم يكن المشترى بصدد استعماله فيما يكون مشروطاً بالطهارة - أم لا؟ وهل وجوبه نفسىّ أو شرطىّ - بمعنى اعتبار اشتراطه فى صحّة البيع -؟.

الذى ينبغى أن يقال: إنّه لا إشكال فى وجوب الاعلام، ان قلنا باعتبار اشتراط الاستصباح فى العقد، أو تواطئهما عليه من الخارج؛ لتوقّف القصد على العلم بالنجاسة، و أمّا إذا لم نقل باعتبار اشتراط الاستصباح فى العقد، فالظاهر وجوب الاعلام وجوباً نفسيّاً، قبل العقد، أو بعده، لبعض الأخبار المتقدّمة(1)، وفى قوله عليه السّلام:

«يبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(2)إشارة الى وجوب الإعلام؛ لئلّا يأكله، فانّ الغاية للإعلام ليس هو تحقّق الاستصباح، إذ لا ترتّب بينهما شرعا، ولا عقلا، ولا عادة، بل الفائدة حصر الانتفاع فيه - بمعنى عدم الانتفاع به فى غيره - ففيه اشارة الى وجوب إعلام الجاهل، بما يعطى إذا كان الانتفاع الغالب به محرّما، بحيث يعلم عادة وقوعه فى الحرام لولا الإعلام، فكأنّه قال: اعلمه لأن لايقع فى الحرام الواقعىّ بتركك الإعلام...

إلخ»(3).

و فيه ما عرفت من أنّ ظاهر الأخبار - كمعنبرة اسماعيل بن عبدالخالق(4)وموثّقة أبى بصير(5)وموثّقة معاوية بن وهب(6)بناءً على أنّ المراد من قوله عليه السّلام:

«لمن اشتراه» هو لمن يريد الشراء أى اعتبار الإعلام و التبيّن حال ارادة البيع، وظاهر اعتبار الإعلام عند إرادة البيع و الشراء هو اشتراطه فى صحّة البيع، فالأخبار متّفقة


1) المصدر السابق.

2) التهذيب 85:9، فى الذبائح و الأطعمة ح: 359، و فيه: تبيعه و تبيّنه.

3) المكاسب: 9، السطر: 25-31.

4) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 5 وح 3 - و - ح 1.

5) المصدر السابق: ح 3.

6) المصدر السابق: ح 1.

فى اعتبار الإعلام فى صحّة البيع، و إنّما الاختلاف بينها فى قصد المنفعة المحلّلة، أعنى الاستصباح، فإنّ مقتضى اطلاق الموثّقتين هو عدم الاعتبار، ومقتضى معتبرة إسماعيل ابن عبدالخالق هو اعتباره، والقاعدة تقتضى حمل المطلقين على المعتبرة، واعتبار قصد الاستصباح أيضاً كما مرّ.

و ممّا ذكر يظهر أنّ وجوب الاعلام ليس من باب كونه من مقدّمات وجود اعتبار قصد الاستصباح - كما أفاده الشيخ قدّس سرّه -، بل هو كالقصد، معتبر فى صحّة البيع وان توقّف القصد على الإعلام عليه أيضا، و كان الإعلام من مقدّمات وجوده.

و عليه فقوله عليه السّلام: «ليستصبح به» من فوائد الإعلام عند إرادة الشراء إذ به يتمكّن من قصد الاستصباح‌؟ فالإعلام و إن كان هو بنفسه شرطا للصحّة، ولكنّ مع ذلك يكون من مقدّمات وجود أمر آخر، يعتبر فى صحّة المعاملة و هو قصد الاستصباح.

و عليه فلا وجه لما فى مصباح الققاهة: من أنّ قوله عليه السّلام: «ليستصبح به»(1)لا يناسب إلّا الوجوب النفسىّ‌، كما لا يخفى. نعم بناءً على أنّ المراد من قوله عليه السّلام: «لمن اشتراه هو تحقّق الشراء، يكون معناه هو الأمر بالإعلام بعد الشراء، و هو لايساعد الّا إذا كان الإعلام واجباً نفسيّاً(2).

ولكنّ بعد التسليم يعارضه ظاهر موثّقة أبى بصير و معتبرة إسماعيل بن عبدالخالق، الدالتين على اعتبار الإعلام بعنوان الواجب الشرطىّ‌، و قد يجمع بينهما بالحمل على الترخيص فى مدلوليهما أو يقال: بتساقطهما، فيرجع الى التخيير العقلىّ بين الأمرين:

و فيه: أنّ الترخيص و التساقط لامجال لهما، غايته أنّ مقتضى الجمع فيه هو رفع


1) التهذيب 85:9، فى الذبائح و الأطعمة، ح 359.

2) مصباح الفقاهة 115:1، ط: انصاريان.

اليد عن تعيّن كلّ واحد منهما، و نتيجة ذلك عدم كون الاعلام واجبا شرطيّا، الأ أنّ قصد الاستصباح حيث كان متوقّفاً على الاعلام الذى هو من مقدّمات وجوده - كما أفاد الشيخ قدّس سرّه - فيجب الإعلام قبل البيع، من باب كونه من مقدّمات وجود شرط صحّة البيع، بناءً على اشتراط قصد الاستصباح فى صحّة البيع - كما مرّ تقويّة ذلك فى التنبيه الأوّل(1)-.

نعم لو شرط البائع على المشترى حصر الانتفاع فى الاستصباح، حصل شرط الصحّة، و هو قصد الاستصباح، فلايلزم عليه من هذه الجهة إعلام النجاسة، فلا تغفل.

ثمّ لو سلّم الوجوب النفسىّ‌، فحيث كان وجوبه لتحفّظ المشترى عن وقوعه فى الحرام، والابتلاء بالنجس لا لوجوبه فى نفسه، اذ لا مصلحة له فى نفسه فلا يجب الإعلام، كما أفاد سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: «فيما إذا علم عدم ابتلاء المشترى به من الشرب و الملاقاة و نحوهما، بل لايجب مع علمه بعدم تأثير الإعلام فيه، لكونه ممّن لا يبالى بالدين - إلى أن قال -: وبالجملة وجوبه للتوصّل إلى أمر آخر، ومع حصوله على أىّ حال أو عدم حصوله كذلك لايجب»(2).

قاعدة التغرير

ثمّ استدلّ الشيخ قدس سره على حرمة بيع الدهن النجس بدون الإعلام، بقاعدة «حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع»(3)لأنّ البيع المذكور يلقى المشترى فى الحرام الواقعىّ‌، و هو تغرير و تدلّ على حرمته أخبار متعدّدة.

منها: ما دلّ على أنّ من أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه، كصحيحة


1) المكاسب: 9، السطر 2.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 92:1، ط: إسماعيليان.

3) المكاسب: 9، السطر: 31.

أبى عبيدة قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: «من أفتى الناس بغير علم، و لا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة، و ملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه»(1).

بتقريب: «أنّ إثبات الوزر للمباشر من جهة فعل القبيح الواقعى، وحمله على المفتى من حيث التسبيب و التغرير، كما أفاده الشيخ الأعظم قدّس سرّه»(2).

أُورد عليه سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه بقوله: «بأنّه لا تدلّ على قاعدة الغرور؛ لاحمال أن يكون المراد بها الطعن على من أفتى بالقياس، والاستحسان، وعمل الناس بفتياه، مع علمهم بذلك، فيكون المقصود أنّ للعامل المرتكب للحرام وزرا، ونظير وزره على المفتى بغير علم، و لا هدى من اللّه تعالى، نظير قوله صلّى الله عليه و سلّم: ««من سنّ سنّة حسنة فله أجر من عمل بها، ومن سنّ سنّة سيّئة فله وزر من عمل بها(3)فإنّ المراد من تحميل وزره عليه بقرينة مقابلة، أنّ وزره عليه من غير نقصان عن وزره، وعليه فلا ربط لها بقاعدة التغرير - الى ان قال - على أنّ المراد بالوزر على هذا الاحتمال ليس وزر عمل الجاهل المعذور، ضرورة أنّه لا وزر له، بل يكون مثابا؛ لانقياده، بل ربّما يكون فعله طاعة، فلابدّ، أن يحمل على الوزر التقديرىّ - أى وزر العمل على فرض عدم معذوريّته - أو حمله على نحو الضمانات.

و أمّا فعل الحرام الواقعى فلا قبح له، ولا وزر على الفاعل المعذور فى ارتكابه»(4).


1) الوسائل 9:18، أبواب صفات القاضى، الباب 4، ح 1.

2) المكاسب: 9، السطر: 32.

3) البحار 204:74، باب من لا ينبغى مجالسته و مصادقته، ط: المكتبة الإسلاميّة - طهران -، حيث نقل قدّس سرّه عن النهاية لإبن الأثير 106:1، فى كلمة (بدع)، الّا أنّه توجد إضافة (كان له أجرها). عوالى اللئالى 285:1، الفصل العاشر، ح 136، إلّا أنّ الحديث مقتصر على السنّة الحسنه فراجع.

4) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه: 99 و 100، ط: إسماعيليان.

هذا مضافاً إلى ما أفاده الميرزا الشيرازى قدّس سرّه(1)و تبعه صاحب البلغه قدّس سرّه، من أنّه يعتبر فى التغرير اعماد المغرور فى العمل على قول الغارّ، كالمستفتى و المأموم بالنسبة الى المفتىّ و الإمام، فإنّه لو لم يكن حجّيّة فتوى الأوّل، و صلاة الثانى، لكان مقتضى الأصل و القاعدة ترك العمل بالفتوى والاقتداء، إلّا أنّه اعتمادا على قول المفتىّ وصلاة الامام، جاز له العمل والاقتداء، بمقتضى ما دلّ على تصديق الأوّل والاعماد على فعل الثانى.

هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ البائع مثلاً لم يخبر بطهارة المبيع حى يكوق اعتماد المشترى عليه، ولم يكن عمله يعنى بيعه وتسليط المشترى عليه مشروطا بالطهارة حسب الفرض حتّى يكون اعتماده على أصالة الصحّة فى بيعه، بل ولم يكن الاعلام عليه واجبا حتّى يعتمد فى طهارة المبيع على أصالة الصحّة فى ترك إعلامه.

حاصل اشكال الإمام قدّس سرّه هو أنّ الرواية واردة فى فرض علم المستفتى، و هو اجنبى عن قاعدة التغرير المتقوّمة بجهل المغرور.

هذا مضافاً الى أنّ حمل المستفتى على الجاهل، يوجب أن يكون المراد من الوزر غير الوزر الفعلىّ‌، و هو خلاف الظاهر.

و حاصل إشكال الميرزا الشيرازى قدّس سرّه: أنّه بعد فرض تسليم دلالة الخبر على قاعدة التغرير، و الكبرى المذكورة، لايكون المقام صغرى للقاعدة المذكورة، لاعتبار كون اعتماد المغرور على الغارّ فى قاعدة التغرير، وفى المقام لا اعتماد، كما لايخفى.

و يمكن أن يقال: انّ ما ذكره سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه من أنّ عمل الناس بفتياه مع علمهم بأنّ المفنى أفتى بالقياس والاستحسان بعيد، فإنّ المقلِّدين نوعا، لم يتوجّهوا إلى مدارك الفتيا وأدلّتها، بل هم جاهلون بها، و إنّما أخذوا بقول المفتىّ من باب رجوع


1) التعليقة على المكاسب للميرزا الشيرازى قدّس سرّه: 20، ط: قديم.

الجاهل إلى العا لم، وعليه فدعوى أنّ الرواية لا ربط لها بقاعدة التغرير، كما ترى.

و أمّا معذوريّة الجاهل، فلاتنافى مع كون فتوى المفتىّ بغير علم و لا هدى، موجبا لتفويت المصالح الواقعيّة - كما سيأتى إن شاء الله تعالى فإطلاق الوزر عليه يكون فعليّا باعتبار كونه مفوِّتا للمصالح وان كان اسناده الى الجاهل تقديريّا.

و أمّا ما ذكره الميرزا الشيرازى قدّس سرّه من الفرق بين المستفنى و المفنى و المشترى و البائع فى المقام(1).

ففيه: أنّه لا دليل على أنّ ملاك حرمة التغرير هو اعماد المغرور فى العمل على قول الغارّ، بل يمكن أن يكون الملاك هو كون الغاز سببا لوقوع الغير فى الحرام.

و بالجملة فكما أنّ فتوى المفتىّ سبب بالنسبة إلى وقوع المستفتى فى الحرام الواقعىّ‌، فكذلك بيع البائع بدون الإعلام سبب بالنسبة الى وقوع المشترى فى الحرام الواقعى، ألا ترى أنّ التغرير صادق على فعل من وضع خمراً مكان شىء آخر من الأشربة المحلّلة فى دار الغير، فأتاه صاحب الدار و شربه، مع أنّه لم يعتمد على قول الغير، ولو اعتبر الاعماد على الغير لزم أن لايصدق عنوان المغرور عليه، و هو كما . ترى.

ومنها: ما دلّ على ثبوت أوزار المأمومين وآثامهم على الإمام عن تقصير ناشئ من تقصير الإمام مثل قوله عليه السّلام فى صحيحة معاوية بن وهب فى جواب السؤال:

أيضمن الإمام صلاة الفريضة فإنّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن‌؟ فقال عليه السّلام: «لا يضمن أىّ شىء يضمن إلّا أن يصلّى بهم جنباً أو على غير طهر»(2).

اُورد عليها سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه بقوله: «فإنّها مع ضعفها، ومخالفتها لجملة اُخرى دالّة على عدم ضمان على الإمام - تأمّل - لاتدلّ‌، على أنّه لصرف التغرير فإنّ


1) المصدر السابق: 20 و 21، ط: قديم.

2) الوسائل 434:5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 36، ح 6.

إمام الجماعة - إلى أن قال - حاله حال من قدّم إلى غيره محرّما، فيكون لفعله نحو تسبيب أو نظيره زائداً على التغرير»(1).

و فيه أوّلاً: انّ الضعف مع صحّة الرواية ممنوع، اللّهمّ الّا أن يقال: إنّ طريق الشيخ قدّس سرّه إلى كتاب حمّاد بن عيسى المذكور فى المشيخة و الفهرست ضعيف، ولكنّ المحكىّ عن السيّد المحقّق البروجردى قدّس سرّه انّ الكتب التى هى مدارك الشيخ فى كتابيه و أخذ الأحاديث منها متواترة عنده لا تحتاج الى السند، و إنّما ذكر أسانيده إليها فى آخر الكتابين؛ إخراجاً للأحاديث عن صورة الإرسال.

وثانياً: إنّ التغرير لا يخلو نوعا ما عن نحو تسبيب، ولذا عطف الشيخ الأعظم قدّس سرّه التغرير على التسبيب عند تقريب صحيحة أبى عبيدة.

و أمّا حديث المعارضة فهو كما ذكر، ولكن يمكن حمل ما دلّ على الضمان على ما إذا صلّى بدون الطهارة عالماً وعامداً - وبقيّة الكلام فى محلّه -، ثمّ إنّ معنى ضمان الإمام هو أن يشغل ذمّته بما على المأمومين من التكاليف، بحيث يعاقب على تركها.

و منها: ما دلّ على كراهة إطعام الأطعمة وسقى الأشربة المحرّمة للبهيمة، فانّ فى كراهة ذلك فى الهائم إشعاراً بحرمته بالنسبة الى المكلّف مثل قوله عليه السّلام فى معتبرة غياث: أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام «كره أن تسقى الدوّاب الخمر»(2).

اُورد عليها فى مصباح الفقاهة: بأنّا اذا قلنا بالتعدّى عن مورد الروايات ثبتت الكراهة أو الكراهة المغلظة فى ذلك بالنسبة إلى المكلّف بالأولويّة القطعيّة، و أمّا الحرمة فلا(3).

وهنا روايات اُخرى يمكن الاستدلال بها:


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 100:1، ط: إسماعيليان.

2) الوسائل 246:17، أبواب الأشربة المحرّمه: كالباب 10، ح 4 و 5.

3) مصباح الفقاهة 117:1، ط: أنصاريان.

و منها ما دلّ على لزوم بيع العجين النجس، ممّن يستحل، كموثّقة حفص بن البخترى عن أبى عبدالله عليه السّلام: فى العجين من الماء النجس كيف يصنع به‌؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة»(1).

و روى ابن أبى عمير مرسلاً عن أبى عبد الله عليه السّلام قال: «يدفن ولايباع»(2).

ولعلّ اختصاص بيع العجين بمن يستحلّ الميتة من جهه عدم وجود منفعة محلّلة له، و إلّا فيجوز بيعه من المسلم بشرط الإعلام ويؤيّده قوله عليه السّلام فى المرسلة:

«يدفن ولايباع» فإنّ مع وجود المنفعة لا وجه للدفن كما لا يخفى. ثمّ إنّ مقتضى إطلاق السؤال و ترك الاستفسار، هو أنّ السؤال و الجواب أعمّ من الحكم التكليفى و الوضعى.

و منها: ما ورد فى الميتة المختلطة بالمذكّى فى الأمر ببيعه من المستحلّ دون المسلم كصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه عليه السّلام أنّه سئل عن رجل، كان له غنم وبقر، و كان يدرك الذكىّ منها فيعزله ويعزل الميتة، ثمّ إنّ الميتة و الذكىّ اختلطا، كيف يصنع به‌؟ قال: «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة ويأكُل ثمنه فإنّه لا بأس»(3).

و الضمير فى قوله: «كيف يصنع به» راجع الى المختلط، وهكذا الضمير فى قوله عليه السّلام: «يبيعه» كما هو الظاهر. ثمّ إنّ تخصيص البيع بمن يستحلّ‌، لكون الميتة لا ينتفع بها، ولاتباع ولو كان لها منفعة غير الأكل، لما سبق فى محلّه.

و منها: ماورد فى إراقة المرق كخبر زكريّا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر، قطرت فى قدر فيها لحم كثير و مرق كثير؟ قال: فقال:

«يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلاب» الحديث(4).


1) الوسائل 68:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 7 ح 3.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق: 286:17، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب 26، ح 1.

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على عدم جواز التغرير و التسبيب إلى ارتكاب المحرّم(1).

و لا يخفى عليك أنّ عدم بقائه على المبغوضيّة بالنسبة إلى الفاعل من جهة جهله، و ترخيص الشارع للجاهل لايمنع عن صدق التغرير، بملاحظة كون البائع موجباً لغروره فى ارتكاب المفاسد الواقعيّة، ومع الصدق المذكورة تشمله الروايات المذكور.

و عليه فهذه الأخبار تدلّ على ممنوعيّة البيع، فيما إذا كان المسلم جاهلا، وليس ذلك إلّا لكون البيع مع الجهل تغريراً، وهكذا تدلّ على ممنوعيّته فيما إذا كان المسلم عالما وقاصداً للانتفاع بها فى المحرّم، وليس ذلك إلّا لكونه تسبيبا للمحرّم.

و عليه فتخصيص البيع بمن يستحلّ يدلّ على عدم جواز الامرين أحدهما التغرير، وثانيهما التسبيب، وحمل الأخبار المذكورة على خصوص التسبيب لاوجه له بعد فرض الإطلاق لو لم نقل أنّه حمل المطلق على النادر.

هذا مضافاً إلى إمكان الاستدلال على وجوب اعلام البائع بأنّ النجاسة فى الأدهان المتنجّسة عيب خفىّ فيجب إظهارها، اُورد عليه الشيخ الأعظم قدّس سرّه بقوله:

«و فيه مع أنّ وجوب الإعلام على القول به ليس مختصّاً بالمعاوضات، بل يشمل مثل الإباحة و الهبة من المجّانيات، أنّ كون النجاسة عيبا ليس إلّا لكونه منكراً واقعيّا وقبيحاً، فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه، مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب، وإلّا لم يكن عيباً، فتأمّل»(2)انتهى.

و لعلّ وجه التأمّل هو ما ذكره الميرزا الشيرازى قدّس سرّه: من أنّ مجرّد النجاسة


1) المصدر السابق: 1056:2، أبواب النجاسات، الباب 38، ح 8، و كذا أحاديث اُخرى من هذا الباب.

2) المكاسب: 10، السطر: 16-18.

الواقعيّة التى هى قذارة حقيقيّة عيب عرفاً و شرعا، ولذا لا ينبغى الإشكال فى ثبوت خيار الردّ، والأرش للمشترى، مع تبيّن النجاسة حين العقد و إن لم يعلم بها البائع حين العقد وان لم. بعمل قبيحا فعلا، لعدم القبح على فعل ما يجهل، خصوصا إذا استند ارتكابه الى أصل شرعىّ‌، و أمّا عدم التأثير مع عدم الظهور لو قلنا به، فهو مشترك بين جميع العيوب، هذا مضافاً إلى ما يقال: من أنّ ثبوت الوجوب من الجهة التى ذكر ها المصنّف قدّس سرّه لاينافى ثبوته من الجهة التى ذكرها المستدلّ‌، وإلّا فأخبار الباب كافية فى إثبات الوجوب، ولايحتاج معها إلى شىء من الأمرين، مع أنّ الجهتين عنوانان للتحريم، فلو تمّتا ثبت التحريم من وجهين، فتتأكّد الحرمة باجماع عنوانين محرّمين، و ليس ذلك من باب تعدّد الأدلّة كما لايخفى»(1).

و أمّا ما ذكره الشيخ قدّس سرّه من عدم اختصاص الحكم - أعنى وجوب الإعلام على القول به - بباب المعاوضات، فأجاب الميرزا قدّس سرّه بقوله: «يمكن أن يقال: إنّه ان ثبت عدم فصل بين المسألتين ألحق غير المعاوضات بها؛ لعدم القول بالفصل، و إن لم يثبت فلامانع عن الفصل، انتهى(2).

اللّهمّ إلّا أن يقال كما فى مصباح الفقاهة: «أنّه لادليل على وجوب إظهار العيب الخفىّ فى المعاملات، و إنّما الحرام هو غشّ المؤمن فيها» كما سيأتى فى البحث عن حرمة الغشّ‌(3)، وعليه فالعيب الخفىّ إن استلزم الغشّ فى المعاملات وجب رفع الغشّ‌، وإلّا


1) تعليقة الميرزا الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 23، السطر: 1-7 و 22 السطر: 26 و 27 ط: قديم.

2) تعليقة الميرزا الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 23، السطر: 1-7 و 22، السطر: 26 و 27 ط: قديم.

3) الغِشّ إسم ك‍ - (غَشّهُ‌) لم ينصحه و زَيّن له غير المصلحة و لَبَن (مغشوش) مخلوط بالماء، غَشّهُ غشّاً من باب قتل. مصباح المنير: مادّة: غشّه. و فى مجمع البحرين: مادة: عشش: الى أن قال: من قولهم: غشّه: لم يَمحضهُ النُصح، و أظهر له خلاف ما أضمر.

فلا دليل على وجوبه، ومن المعلوم أنّ رفع الغش، هنا لاينحصر باظهار العيب الخفىّ‌، بل يحصل بالتبرّى عن العيوب، أو باشتراط صرفه فيما هو لم يكن مشروطا بالطهارة(1).

و لا يخفى انّ اشتراط صرفه فيما لم يكن مشروطا بالطهارة، هو اشتراط ما يقوم مقام الإعلام و قد مرّ أنّ معه لايجب الإعلام، وهكذا مع التبرّى، لامورد للغشّ‌، و عليه فالإشكال فيه أنّه أخصّ من المدّعى، فلاتغفل.

ثمّ إنّه لايخفى عليك أيضاً إمكان الاستدلال على حرمة التغرير بقوله عليه السّلام:

«تبيعه و تبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» بناءً على أنّ المراد من قوله عليه السّلام: «لمن اشتراه» من تحقّق منه الشراء لا من يريد الشراء، إذ الأمر بالإعلام حينئذ إرشاد إلى أنّه لابد وان يصرف فى الجهة المحلّلة؛ لئلا ينتفع به فى المنفعة المحرّمة، فإنّ للمتنجس فائدتين:

محلّلة ومحرّمة، فإذا لم يبيّن نجاسته للمشترى، فمن الجائز أن يصرفه فى الجهة المحرّمة - أعنى أكله - و هو تغرير من البائع إلى إصدار مبغوض الشارع من المشترى الجاهل بالحال، فالأمر يإعلام النجاسة يدلّ على حرمة التغرير نحو الحرام، فتدبّر.

ثمّ أيّد الشيخ قدّس سرّه تحريم التغربر: «بأنّ أكل الحرام و شربه من القبيح، ولو فى حقّ الجاهل، ولذا يكون الاحتياط فيه مطلوباً مع الشكّ‌، إذ لو كان للعلم دخل فى قبحه لم يحسن الاحتياط، وحينئذٍ فيكون إعطاء النجس للجاهل المذكور إغراء


1) مصباح الفقاهة 124:1، ط: انصاريان.

بالقبيح، و هو قبيح عقلاً»(1).

اُورد عليه الميرزا الشيرازى قدّس سرّه بقوله: «لعلّ المراد القبح العقلىّ بمعنى ذى المفسدة، و ذلك أيضاً إنّما يتمّ إذا لم يستند فى الترخيص الى أصل شرعىّ - كأصالة الطهارة - فإنّ الترخيص الشرعى كاشف عن تدارك المفسدة، والّا كان الترخيص إيقاعا فى القبيح، و هو قبيح - كما اعترف به المصنّف قدّس سرّه فى مسألة الترخيص فى الشبهات الموضوعيّة، وفى جواز نصب الطرق الغير العلميّة فى حال الانفتاح فى ردّ ابن قبة - إلى أن قال - قد يكتفى فى حسن الاحتياط برعاية المصالح الأوّليّة، إذ هى أولى بالمراعاة فى نظر العقل و إن كان مفسدة تركها، متداركة فعلاً بترخيص الشرع، قوله قدّس سرّه: لو كان للعلم دخل فى قبحه لم يحسن الاحتياط. قد يعارض ذلك بأنّه لو لم يكن للعلم مدخل فى القبح لوجب الاحتياط، إذ الاحتراز عن القبيح العقلى واجب عقلاً ولو كان محتملاً - كما فى أطراف الشبهة و التكليف الغير المعلوم مع إمكان الفحص، بل ومع تعذره إذا لم يعلم بتدارك مفاسده الذاتيّة بأصل ونحوه، كما اعترف به المصنّف قدّس سرّه فى بعض تحقيقاته -»(2)انتهى.

يمكن أن يقال: إنّ تدارك المفسدة بالترخيص الشرعى بالنسبة إلى الجاهل - كما هو الظاهر - لايمنع عن حرمة فعل من غرّه، من جهة إلقاء الغير فى المفاسد، أو من جهة تفويت المصالح عنه، ألا ترى أنّه لايجوز إعداد مقدّمات عَمْداً ليضطرّ الناس إلى شرب الخمر أو أكل الميتة، مع أنّ شربهم أو أكلهم بالنسبة إلى الخمر و الميتة فى حال الاضطرار جائز بالضر ورة، ويكون مفاسد الأكل و الشرب متداركة، وليس حرمة ذلك إلّا من جهة إلقاء الغير فى المفاسد، التى تكون مبغوضة عند الشارع مطلقاً، و إن كانت الاُصول الشرعيّة جارية فى حقّ الجاهل، فتلك المفاسد مبغوضة، سواء أتى بها


1) المكاسب: 9، السطر: الأخير و 10، السطر الأوّل.

2) تعليقة الميرزا الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 21، السطر 14-22، ط: قديم.

مباشرة، أو بالتغرير و التسبيب و إن كانت متداركة فى حقّ الجاهل.

ولذلك قال فى مصباح الفقاهة فى توضيح ما ذكره الشيخ قدّس سرّه: «إنّ الأحكام الواقعية - كما حقّق فى محلّه - ليست مقيّدة بعلم المكلّفين، وإلّا لزم التصويب المستحيل أو الباطل، فالأحكام الواقعيّة وملاكاتها شاملة لحالتى العلم و الجهل، ثمّ إنّ غرض الشارع من بعث المكلّفين نحوها، وتكليفهم بها، ليس إلّا امتثالها بالإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات، حتّى لايوجد ما هو مبغوض للشارع، ولايترك ما هو مطلوب.

ونتيجة المقدّمتين أنّ المكلّف الملتفت، كما يحرم عليه مخالفة التكاليف الالزاميّة من ارتكاب المحرّمات، وترك الواجبات، فكذلك يحرم عليه التسبيب إلى مخالفتها يإلقاء الجاهل فى الحرام الواقعىّ‌؛ لأنّ مناط الحرمة فى ذلك إنّما هو تفويت غرض المولى بإيجاد المفسدة، و ترك المصلحة الملزمتين، و هذا المناط موجود فى كلتا الصورتين، فالأدلّة الأوّليّة: كما تقتضى حرمة مخالفة التكاليف الإلزامية بالمباشرة، فكذلك تقتضى حرمة مخالفتها بالتسبيب - إلى أن قال -: وعليه فتغرير الجاهل بالأحكام الواقعيّة و إن لم يوجب مخالفة المغرور التكاليف الإلزاميّة، الّا أنّه يوجب تفويت غرض الشارع فهو حرام، ومثال ذلك فى العرف: أنّ المولى إذا نهى عبيده عن الدخول عليه فى وقت خاصّ عيّنه لفراغه، فإنّ نهيه هذا يشمل المباشرة و التسبيب، ولذلك لو سبّب أحد العبيد لدخول أحد على مولاه فى ذلك الوقت لصحّ عقابه، كما يصحّ عقابه لو دخل هو بنفسه؛ لاتّحاد الملاك فى كلتا الصورتين بحكم الضرورة و البديهة(1).

فتحصّل إلى حدّ الآن أنّ التغرير محرّم، و مقتضى حرمة الفتيا من غير علم، والامامة من دون تحصيل طهارة، و بيع الأشياء التى لا يجوز بيعها، أو الانتفاع بها فى


1) مصباح الفقاهة 118:1 و 119، ط: انصاريان.

مايشترط فيه الطهارة، هو حرمة تغرير الغير، بإعداد مقدّمات يبتلى الجاهل بارتكاب المفاسد الواقعيّة، أو يوجب تفويت المصالح الواقعيّة، فإذا كان الاعداد المذكور محرّما ففعل السبب لتغرير الجاهل أولى بالحرمة.

وعليه فالتغرير محرّم، سواء كان بالسبب أو اعداد المقدّمات، حيث إنّ ترك إعلام البائع لنجاسة الأدهان المتنجّسة من معدّات ابتلاء الغير، فيكون تغريرا و محرّما، فكما أنّ الإعلام واجب بناءً على تماميّة الأخبار الدالّة على وجوب الإعلام(1)، فكذلك تركه محرّم، من جهة كونه تغريراً، أو غشّاً، أو تفويتاً لغرض الشارع، أو غير ذلك، فإعلام النجاسة واجب تكليفاً، مع غضّ النظر عمّا يدلّ على وجوبه الشرطىّ‌.

هذا كلّه فيما إذا كان للبائع مدخليّة فى تفويت المصالح، أو إلقاء الغير فى المفاسد، و أمّا إذا كان البائع غير عالم بكون الأدهان متنجّسة، فلا اشكال فى عدم حرمة بيعه و عدم وجوب الإعلام عليه، وهل يجب على غير البائع الذى علم بنجاسة الأدهان المبيعه إعلام الغير بأنّها متنجّسة‌؟ فالحقّ هو عدم الوجوب؛ لأنّ الغير حينئذ لا مدخليّة له فى البيع - كما هو المفروض - فلا يصدق على سكوته تغرير، و ليس البيع والانتفاع بها مع الجهل بالنجاسة منكرا حتّى يجب الإعلام - من باب النهى عن المنكر -، ولذا استشكل الشيخ قدس سره على العلّامة قدّس سرّه حيث ذهب إلى: وجوب الإعلام فيما اذا رأى فى ثوب المصلّى نجاسة - من باب وجوب النهى عن المنكر - مستدلاً:(2)

بأنّ الظاهر من أدلّة النهى عن المنكر وجوب الردع عن المعصية، فلايدلّ على وجوب إعلام الجاهل بكون فعله معصية، نعم وجب ذلك - فى الموردين، أحدهما -: فيما إذا كان الجهل بالحكم، لكنّه من حيث وجوب تبليغ التكاليف؛ ليستمرّ التكليف الى آخر


1) الوسائل 66:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، ح 3 و 4 و 5. التهذيب 85:9، الذبائح و الأطعمة، ح 359.

2) المكاسب: 10، السطر: 2-3.

الأبد بتبليغ الشاهد الغائب، فالعالم فى الحقيقة مبلّغ عن الله؛ ليتمّ الحجّة على الجاهل، ويتحقّق فيه قابليّة الإطاعة و المعصية(1)- وثانيهما -: اذا علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك؛ لكونه فساداً قد أمر بدفعه كلّ من قدر عليه، كما لو اطّلع على عدم إباحة دم من يريد الجاهل قتله، أو عدم إباحة عرضه له، أو لزم من سكوته ضرر مالىّ قد أمرنا بدفعه عن كلّ أحد، فإنّه يجب الإعلام و الردع لو لم ير تدع بالإعلام، بل الواجب هو الردع ولو بدون الإعلام، ففى الحقيقة الإعلام بنفسه غير واجب. انتهى(2).

و كيف كان فالتغرير لايصدق بدون جهل الغير، ولايكون خاليا عن التسبيب بالمعنى الأعمّ أىّ الموجب لوجود البغوض فى الخارج، فالتغرير محرّم؛ للأخبار، و لما مرّ من تفويت غرض الشارع و المراد من الحرمة فى المقام هى الحرمة التكليفيّة ولاكلام فيها.

نعم لا يحرم التغرير فيما إذا كان وجوده وعدمه على حدّ سواء، كما اذا قدّم لمن أراد الصلاة ثوبا متنجّساً فلبسه وصلّى فيها و هو جاهل بنجاسته، حيث لايتر تّب على نجاسة الثوب و طهارته أثر إذا كان جاهلاً بالحال، والصلاة فى الثوب المتنجّس حينئذ لا تنقص عن الصلاة فى الثوب الطاهر، بل هما على حدٍّ سواء، ولذا لم يجب على صاحب الثوب الإعلام كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الظاهر من التنقيح: هو اختيار حرمة التسبيب وعدم وجوب الإعلام مستدلاً: بأنّ مع جهل المباشر وعدم صدور الفعل منه منكراً، لامجال لانطباق كبرى وجوب النهى عن المنكر، ومع علمه بالحكم الكلّى وجهله بالمورد، لامجال لوجوب تبليغ الأحكام وإرشاد الجاهلين، بل يمكن الحكم بحرمة الإعلام إذا كان مستلزماً لإلقاء الجاهل فى العسر و الحرج، أو كان موجباً لإيذائه، و أمّا حرمة التسبيب؛ فلأنّ


1) المصدر السابق: السطر: 14-16.

2) المصدر السابق: السطر: 11-13.

المستفاد من إطلاقات أدلّة المحرّمات الموجّهة الى المكلّفين حسب المتفاهم العرفى أنّ انتساب الأفعال المحرّمة إلى موجديها مبغوض مطلقاً - سواء كانت النسبة مباشريّة أو تسبيبّة - إلى آخر ما أفاد قدّس سرّه(1).

و فيه: إنّ ترك التسبيب يكون بأحد أمرين هو إمّا ترك الفعل - كالبيع فى مثل المقام - أو الاعلام، حتّى يتّقى الجاهل عن ارتكاب المفاسد، و حيث إنّهما بنيا على البيع، فانحصر أمر ترك التسبيب المحرّم فى الإعلام، وعليه فكيف لايكون الإعلام واجبا؟ أجيب عن ذلك: بأنّ المستفاد من اطلاق أدلّة المحرّمات هى مبغوضيّة انتساب العمل الى فاعله - بلا تفرقة فى ذلك بين الانتساب التسبيبى و المباشرى - و هذا ممّا لا يقتضى الحكم بوجوب الإعلام، لأنّ العمل إذا صدر من موجده، بالإرادة، والاختيار، من دون استناده إلى تسبيب العالم بحرمته، فلا انتساب له إلى العالم بوجه، ومن المعلوم أنّ المحرّم هو الانتساب دون مطلق الوجود، ومع انتفاء الانتساب لاموجب لوجوب ردع الفاعل المباشر عن عمله(2).

فهو واضح الدفع لما ذكر من أنّ ترك الإعلام مع الجهل و البيع موجب لوقوع الحاهل فى المبغوض، و هو تغرير فلاوجه لنفى الانتساب مطلقاً كما لا يخفى، و عليه فمع حرمة التغرير لامجال إلّا لوجوب الإعلام - كما أفاد شيخنا الأعظم قدّس سرّه.

قاعدة التسبيب
اشارة

ثمّ إنّ التسبيب بما هو تسبيب من دون اقترانه بالتغرير هل يكون محرّماً أو لا؟ يمكن الاستدلال للحرمة بقوله تعالى (وَ لاٰ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ


1) التنقيح 333:2، ط: الآداب النحف الأشرف.

2) المصدر السابق: 335.

عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‌...) إلخ(1).

إذ الظاهر من الآية هو النهى عن السبّ‌، لكونه موجبا لالقاء الكفّار فى سبّ الحقّ المتعال، تجاوزا، أو عنادا، قال شيخنا الأعظم قدّس سرّه: «الثالث: أن يكون شرطا لصدور الحرام، و هذا يكون على وجهين أحدهما: أن يكون من قبيل إيجاد الداعى على المعصية إمّا لحصول الرغبة فيها - كثر غيب الشخص على المعصية - و إمّا لحصول العناد من الشخص حتّى يقع فى المعصية - كسبّ آلهة الكفّار - الموجب لإلقائهم فى سبّ الحقّ عنادا، أو سبّ آباء الناس الموقع لهم فى سبّ بيه، والظاهر حرمة القسمين، و قد ورد فى ذلك عدّة من الأخبار، و ثانيهما: أن يكون بايجاد شرط آخر غير الداعى (كالمقدّمات الوجوديّة للحرام) كبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، انتهى(2).

و الحاصل من الآية: أنّ إيجاد داعى المعصية فى الغير محرّم، و أمّا إيجاد المقدّمات الوجوديّة للحرام من دون قصد للحرام - كبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً - فلا يستفاد من الآية حرمته، فلو استفدنا فى المباحث الآتية كراهة ذلك جمعا بين الآخبار، لايكون منافياً للآية الكريمة؛ لأنّه ليس بداعى المعصية كما لا يخفى.

يمكن أن يقال: إنّ التعدّى من الآية الكريمة إلى سائر المعاصى مشكل لأنّ سائر المعاصى لاتقاس بسب الحقّ المتعال.

نعم يصحّ الاستدلال بصحيحة عبدالرحمان ابن الحجّاج عن أبى الحسن موسى عليه السّلام فى رجلين يتسابّان قال: «البادى منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم(3).

و من المعلوم أنّ الحكم بالبادئ أظلم، و أنّ وزر صاحبه عليه ليس الّا من


1) الأنعام: 108.

2) المكاسب: 10، السطر: 6-9.

3) الوسائل 610:8، أبواب أحكام العشرة، الباب 158، ح 1.

جهه كونه سببا لإلقاء الغير فى السبّ و المعصية، والمراد من السبيّة فى المقام هو أنّه بسبب ابتدائه فى السبّ قد أوجد داعى المعصية فى نفس الغير، والمفروض ليس فى الرواية ولا فى الآية السابقة جهل و تغرير، و عليه فالرواية تدلّ على حرمة إيجاد دواعى المعصية فى نفوس الآخرين، أو إيجاد أسباب المعصية، و حيث إنّ معصية سبّ الغير لاخصوصيّة لها، يمكن التعدّى منها إلى غيرها من سائر المعاصى، فإيجاد رغبة المعصية أو العناد فى نفوس الناس من المحرّمات، فاذا كان إيجاد الدواعى محرّماً فإيجاد السبب أو علّة المعصية فى الناس محرّم بطريق أولى.

ويمكن الاستدلال أيضاً بإطلاق مصحّحة أبى الربيع الشامى قال فيه: «...

أقسم ربّى لا يشرب عبد لى خمرا - إلى أن قال -: ولا يسقيها عبد لى صبيّا صغيرا أو مملوكا الّا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة»(1)الحديث.

و فيه أنّه لايمكن التعدّى عن الخمر.

هذا مضافاً إلى امكان الاستشهاد على ذلك، بأنّ الأدلّة الأوّليّة، كما تقتضى حرمة مخالفة التكاليف الإلزاميّة بالمباشرة، فكذلك تقتضى مخالفتها بالتسبيب؛ لأنّ مناط الحرمة هو تفويت غرض المولى بإيجاد المفسدة، وترك المصلحة، الملزمتين و هو موجود فى كلتا الصورتين.

ومثال ذلك أنّه كما عرفت فى العرف أنّ المولى اذا نهى عبده عن الدخول عليه فى وقت خاصّ معيّن، لجهة خاصة، يكون النهى المذكور أعمّ من المباشرة و التسبيب، فيحرم عليه الدخول على مولاه، أو إدخال الغير عليه بالعلّة، أو التسبيب، أو بإيجاد داعى الدخول عليه فى الغير، ولذلك لو تخلّف العبد لاستحقّ المذمّة و العقوبة؛ لاتحاد الملاك فيهما و هو تفويت غرض المولى، عالماً وعامداً.


1) الكافى 1:6، كتاب الأسربة، الباب 15، ح 1.

وفيه تأمّل؛ لعدم ثبوت دلالة الأدلّة الأوّليّة على حرمة التسبيب.

نعم يمكن أن يقال: إنّ اطلاق الأدلّة الأوّليّة كاشف عن المفسدة الملزمة الواقعيّة، و هى ملازمة للمبغوضيّة الشرعيّة، فإيقاع الغير فيها كارتكابها قبيح.

و عليه فمطلق تحريك الغير نحو الحرام محرّم و قبيح لأنّه تسبيب نحو المبغوض الشرعى، كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه حيث قال: «إن كان فعله سببا للحرام الفعلى وحصول المعصية، فلا إشكال فى قبحه عقلاً و حرمته، لا لقوّة السبب، بل لأنّ مطلق تحريك الغير وأمره بالمنكر محرّم قبيح، فمن قدّم الحرام الى العالم به ليأكله، ارتكب محرّماً.

وممّا ذكر ينقدح ما فى التنقيح حيث قال: «التسبيب إلى أكل النجس أو شربه قد يكون مع علم المباشر، و إرادته، واختياره، والتسبيب حينئذٍ مما لا إشكال فى جوازه، إلّا من جهة كونه إعانة على الإثم و الحرام وفى حرمة الاعانة على الحرام وعدمها بحث طويل تعرّضنا له فى محلّه»(1).

لما عرفت من أنّ كلّ ما هو يكون علّة، أو سبباً، أو داعيا لفعل الحرام فهو حرام، لا من جهة قوّة السبب بالنسبة إلى المباشر حتّى يمنع صدقها مع علم المباشر وارادته واختياره، و لا من جهة خصوص الإعانة، بل لما عرفت من الكتاب و السنة من حرمة تحريك الغير نحو الإتيان بالمحرّم، ولاينافى ذلك صدق الاعانة أيضاً فيما إذا قصد إيقاع الحرام من الغير، فإنّ حرمته حينئذ تكون مضاعفة؛ لكونه معنونا بعنوانين محرّ مين، أحدهما: التسبيب، و الآخر: هو الإعانة.

لا يقال: إنّه لاتتصوّر العلّة فى التسبيب؛ لأنّ المراد من ذلك أن يكون فعله علّة تامّة لتحقّق الحرام من الغير، و هو لا يتصوّر مع حيلولة الارادة من الغير، مثلاً: أنّ


1) التنقيح 331:2، ط: الآداب - النجف الأشرف.

المكرِه - بالكسر - لادخالة له فى الإيجاد الّا تحصيل مورد ترجيح الفاعل المباشر، بين ارتكاب الفعل، و تحمّل ما أوعده المكرَه عليه، وبعد فهو باق على اختياره واصطفائه أحد طرفى الفعل، فالمكره - بالكسر - لايسلب اختيار المكره - بالفتح - ومع عدم سلب الاختيار كيف تتصوّر العلّة‌؟ لأنّا نقول بأنّه يمكن أن يقال: إنّ المحرّم - كما تقتضيه الأدلّة الأوّليّة - هو حرمة التسبيب نحو وجود المبغوضات الشرعيّة، و عليه فتتصوّر العلّة نحو وجودها بأن يصبّ الخمر فى فم من لم يتمكّن من الامتناع؛ لمرض؛ أو اغماء؛ أو غير ذلك؛ أو يدخل الغير على المولى - الذى نهى عن الدخول عليه، من دون إرادة الغير - أو سقى الخمر طفلا لايعقل، فلاريب أنّ العلّة فى شرب الخمر هو الصابّ‌، لا المريض غير المتمكّن من الامتناع، وكذا فى الدخول هو المدخل - بالكسر - لا الداخل، وهكذا فى شرب الطفل الذى لايعقل هو الساقى، فلاوجه لمنع تصوّر العلّة فى أقسام التسبيب.

نعم ثبوت العلّة التامّة بإكراه الغير على المحرّم كما فى مكاسب شيخنا الأعظم قدّس سرّه(1)محلّ إشكال، كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «من أنّه لايمكن تصوّر كون العلّة التامّة هو المكرِه - بالكسر -؛ لعدم دخالته فى الإيجاد إلّا تحصيل مورد ترجيح الفاعل المباشر» بين ارتكاب الفعل، و تحمّل ما أوعده المكرَه عليه، وبعد فهو باق على اختياره، واصطفائه أحد طرفى الفعل، فالمكره - بالكسر - لايسلب اختيار المكرَه - بالفتح - إلى أن قال -: ولهذا يحرم عليه مع الإكراه الإقدام على القتل، ويعاقب عليه و يقتل قصاصا»(2).

اللّهمّ إلّا أن يكون المقصود من الإكراه معناه اللغوى لا الاصطلاحىّ‌، ثمّ يظهر ممّا تقدّم الفرق بين التسبيب و التغرير، فإنّ الأوّل أعمّ من الثانى؛ لاشتراط الثانى بالاقتران بالجهل دون الأوّل.


1) المكاسب: 10، السطر: 3 فى بيان الأمور الأربعة - الأمر الأوّل -.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 93:1، ط إسماعيليان.

فروع المسألة:

1 - كما يحرم الأكل و الشرب للشىء النجس، كذا يحرم التسبيب لأكل الغير أو شربه، وذلك لما عرفت من حرمة التغرير و التسبيب، فإن كان الغير جاهلاً كان تغريراً و إن كان عالماً فهو تسبيب، وكلاهما محرّمان بالأخبار و الوجوه السابقة، والمراد من التسبيب فى العالم هو إيجاد الداعى فيه للارتكاب.

2 - يحرم التسبيب لاستعمال النجس فيما يشترط فيه الطهارة، فلو باع، أو أعار شيئا نجسا يجب إعلامه.

و ذلك لما عرفت من أنّ ترك الإعلام تغرير، و هو محرّم فيما إذا لم يكن استعمال النجس و عدمه سيّان - كالثوب المتنجّس - فإنّ الصلاة معه صحيحة بالنسبه للجاهل، كما هو فى الثوب الطاهر، وإلّا فالتغرير فيه لايكون محرّما، نعم فى مثل الماء الذى يتوضّأ، أو يغسل معه، يكون تغريراً ومحرّماً، إذ الوضوء، أو الغسل مع الماء النجس باطلان بناءً على عدم الإجزاء فتأمّل.

نعم إن كان المحرّم هو خصوص الفعل القائم بالفاعل لا الفعل ولو بتسبيب الغير، فمع جهل الفاعل لادليل على حرمة التغرير، ولكن عرفت: أنّ ظاهر اطلاق أدلّة المحرّمات هو الكشف عن المفسدة المبغوضة، ومعه فالتغرير تفويت لغرض الشارع و هو قبيح، ولا ينافيه معذورية الجاهل المباشر كما لا يخفى.

3 - لا يجوز سقى المسكرات للأطفال بل يجب ردعهم، وذلك واضح بعد ما علم من الشرع من مبغوضية التسبيب نحو وجود المبغوضات الشرعيّة، هذا مضافاً الى أنّ الولىّ يجب عليه تربية الأطفال.

و مضافاً إلى ما دلّت عليه الأخبار المتضافرة: منها: مارواه فى الكافى عن على

بن ابراهيم عن أبيه وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد وعن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب عن خالد بن جرير عن أبى الربيع الشامى قال: سئل أبو عبد الله عليه السّلام عن الخمر فقال: «قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إنّ الله عزّوجلّ بعثنى رحمة للعالمين، ولأمحق(1)المعازف(2)، والمزامير(3)و امور الجاهليّة(4)والأوثان، و قال: أقسم ربّى لا يشرب عبد لى خمراً فى الدنيا الّا سقيته مثل ما يشرب منها من الحميم(5)معذّباً أو مغفوراً له، ولا يسقيها عبد لى صبيّا صغيراً أو مملوكاً إلّا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذّبا أو مغفورا له»(6).

فالسند و إن كان ضعيفاً من جهة خالد بن جرير وأبى الربيع الشامىّ لعدم توثيقهما، ولكنّ ابن محبوب - الذى روى عن خالد - من أصحاب الإجماع، فالرواية مصحّحة.

ومنها مارواه فى الكافى عن على بن ابراهيم عن أبيه وعن محمّد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبى عمير عن حفص بن البخترى ودرست وهشام ابن سالم عن عجلان أبى صالح قال سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول: «يقول الله عزّوجلّ‌: من شرب مسكرا أو سقاه صبيّاً لايعقل، سقيته من ماء الحميم مغفورا له أو


1) المَحقُ‌: النقص و المحو و الإبطال، لسان العرب.

2) المَعَازفُ‌: هى آلات يُضربُ بها - على ما فى المصباح -: 407، مادّة (عَزَف).

3) المزامير: جمع مزمار: قصبة يزمّر بها و تسمّى السبّابة - على ما فى مجمع البحرين 780:2، مادّة (زَمَر).

4) هى الأمور التى ليس من طبع البشر أن يتقبّلها و يرتضيها، إلّا قد يكون من جانب الإكراه أو الانحطاط: الفكرىّ أو التخلّف العقلىَ و ما أشبه ذلك، فلو كانت ممّا يحسن الطبع عند العقلاء لأمضاها الشارع المقدّس و عمل بها النبىّ الأكرم صلّى الله عليه و سلّم، و لما ذمّها و أوعد بمحقها وزوالها.

5) الحميم: الماء الحارّ كما فى مصباح المنير: 153، مادّة (حمّام). و على ما فى مجمع البحرين فى مادة (حمم) إنّه: الماء الحارّ الشديد الحرارة يُسقى منه أهل النار، أو يصبّ على أبدانهم، و الحميمه مثله.

6) الوسائل 245:17 و 246، أبواب الأشربة المحرّمة مة، الباب 10، ح 1،.

معذّباً، ومن ترك المسكر ابتغاء مرضاتى أدخلته الجنّة، وسقيته من الرحيق المختوم، وفعلت به من الكرامة ما فعلت بأوليائى»(1).

والسند موثّق، ولكنّ هذه الأخبار لاتدلّ على أزيد من حرمة التسبيب.

و أمّا وجوب ردعهم عن ذلك فيما اذا فعل الصبيان بأنفسهم فيمكن القول به؛ لمبغوضيّتها بالمعنى الإسم المصدرى - كشرب الخمر وكلّ مسكر وقتل النفس و الزنا واللواط وغير ذلك - وألحق فى العروة - باب أحكام النجاسات - سائر النجاسات بالمسكرات ولو لم يكن مضرّة بحال الأطفال بقوله قدّس سرّه: «وكذا سائر الأعيان النجسة إذا كانت مضرّة لهم، بل مطلقاً»(2).

ولعلّه لما أشرنا إليه من مبغوضيّة المناهىّ بمعنى الإسم المصدرىّ‌، ولكنّه مشكل؛ لعدم إحراز مبغوضيّة بعض النجاسات كذلك.

4 - إذا لم يكن الإنسان سبباً فى استعمال المتنجّس، بأن رأى ما يأكله الغير، أو يشربه، أو ما يصلّى فى متنجّس، فلايجب إعلامه؛ وذلك لعدم صدق التغرير و التسبيب بالنسبة إلى العالم، و ممّا ذكر يظهر عدم وجوب الإعلام على الضيف - إذا رأى نجاسة فى طعام المضيف - بالنسبة إلى سائر الضيوف، ولكن لايجوز له أن يقدّم الطعام النجس إلى سائر الضيوف، أو يوجد الداعى فى أنفسهم للأكل منه.

5 - إذا كان جميع بيته أو فرشه نجساً، فورد عليه ضيف، فأذنه المالك فى الجلوس فى بيته، أو على فرشه، فباشره الضيف بالرطوبة المسرية، قال فى مصباح الهدى: «يكون إذنه مع عدم إعلامه بالنجاسة سبباً لتلك المباشرة، فيحرم عليه ترك الإعلام لمكان حرمة التسبيب»(3).


1) المصدر السابق: 246، ح 3.

2) العروة الوثقى: أحكام النجاسات، المسألة: 33.

3) مصباح الهدى فى شرح عروة الوثقى 60:2، ط: مصطفوى.

و لكنّه محل تأمّل؛ لأنّ السبب فى وقوع المباشرة بالرطوبة المسرية هو اعماد الضيف على ترخيص الشارع فى جواز المباشره، مع ما يحتمل نجاسته لاسكوت المضيّف. نعم فى مثل الجلود التى يكون مقتضى الأصل فيها هو النجاسة لولا إخبار ذى اليد بالتذكية و الطهارة، يكون السبب حينئذٍ فى وقوع المباشرة سكوت المضيف فافهم.

6 - إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا لا بمامهما، فأذن المالك فى جلوس الضيف، ففى وجوب إعلامه وعدمه، وجهان، كما فى مصباح الهدى: «من أنّ الإذن فى الجلوس فى البيت، أو على الفرش، ليس سبباً للجلوس على الموضع النجس؛ لإمكان جلوسه على الموضع الطاهر منه؛ لأنّ السبب لابدّ من أن يكون أمراً وجوديّاً، يترتّب عليه المسبّب، وليس بين الإذن وبين الجلوس على الموضع النجس ترتّب بعد إمكان الجلوس على غيره مع اذنه، و إن كان جلوسه على الموضع النجس أيضاً مستند إلى الاذن؛ لكونه إذنا على الجامع بين الموضع النجس و الطاهر، فصدور أحد فرديه من الضيف مستند إلى اذن المضيف بالجامع، ولو منع عن استناد الفرد إلى الاذن بالجلوس على الجامع عقلاً فلا إشكال فى استناده إليه عرفاً، و هو كاف فى صدق التسبيب، اذ المناط فى صدقه هو حكم العرف به، فما أفاده المصنّف قدّس سرّه من أنّ وجوب الإعلام فى هذه الصورة لا يخلو عن قوّة متين جدّاً»(1).

ولكنّ منع الأكثر قوّة ذلك، ولعلّه كذلك، لما عرفت من أنّ السبب فى وقوع المباشرة هو ترخيص الشارع، فلاسببيّة لإذن المالك.

7 - إذا أحضر الطعام النجس عند الضيف، فلا إشكال فى كونه تغريراً وتسبيباً، وحرمة ذلك ليس من باب كون السبب أقوى من المباشر - كما يظهر من مصباح


1) المصدر السابق.

الهدى(1)إذ الفعل فى المقام مستند إلى المباشر فيما إذا كان له إرادة واختيار ولو أنّه لم يأت به بعنوان النجس، ولذا لم يستند الأكل إلى المضيف كما لا يخفى، هذا بخلاف ما إذا ألقى شيئا عند الحيوان، أو النار، أو الطفل الذى لايعقل، فانّ الفعل مستند الى السبب، ويقال: أنّه أتلف الشىء الفلانى، بل لما عرفت من حرمة التغرير و التسبيب نحو المبغوضات الشرعيّة.

8 - إذا أحضر الطعام عند الضيف، ثمّ علم نجاسته، فهل سكوته تسبيب وتغرير أم لا؟ ذهب فى مصباح الهدى إلى أنّ الأقوى كونه أيضا من فروض التسبيب، باعتبار أنّ إحضار الطعام طلب منه للأكل و إن كان معذورا فيه قبل العلم، لكنّه لايعذر فيه بعده(2).

و يعضده الحكم بكون من أحضر الماء عند الغير، ثمّ علم بأنّه مسموم ولم يعلم بكونه مسموما قاتلا، وليس ذلك إلّا لصدق التسبيب عليه ولو بقاءاً.

9 - إذا باع المتنجّسات - كالأدهان المتنجّسة - ممّن يستحل ولم يكن لها فائدة إلّا الأكل ونحوه، ممّا يشترط فيه الطهارة، أمكن القول بالجواز؛ لعدم خصوصيّة للعجين المتنجّس الذى دلّت موثّقة حفص على جواز بيعه ممّن يستحلّ الميتة من دون إعلام، ثمّ إنّ المنصرف من المستحلّ للميتة هو الكفّار.

10 - إذا كانت نجاسة شىء مورد الاختلاف بين الفقهاء، فهل يجوز لمن قلّد مجتهدا يقول بالنجاسة أن يبيع المتنجّس ممّن قلّد مجتهداً لايقول بنجاسته أو لايجوز؟ فالظاهر هو الجواز من دون إعلام فيما إذا كان له منفعة محلّلة، فإنّه مال، و لا يوجب ذلك تغرير الغير، فمقتضى القاعدة هو الصحّة، و أمّا إذا لم. يكن له منفعة محلّلة فيشكل من ناحية عدم كونه مالاً عنده و إن لم يكن تغريراً، اللّهمّ إلّا أن يكتفى فى الماليّة بما إذا


1) المصدر السابق: 61.

2) المصدر السابق.

كان مالا بنظر المشترى ويؤيّده موثقة حفص فافهم.

11 - هل يجوز بيع المحرّمات غير النجاسات فيما اذا لم يكن لها فائدة محلّله - كالسرطان وغيره - ممّا يحرم أكله من الكفّار أو لا يجوز؟ ربّما يقال بالثانى؛ لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كالأصول، فكما لايجوز بيعها من المسلمين، فكذلك لايجوز بيعها من الكفّار وان لم يكن التسبيب صادقا فى مثل ذلك، إذ الأشياء المذكورة تكون مسلوب الماليّة، و عليه فالأثمان فيها تكون من مصاديق أكل المال بالباطل.

و لقائل ان يقول: مقتضى ما دل على جواز بيع المختلط بين المذكّى و الميتة هو جواز البيع، مع أنّ الواجب عليه أيضاً هو الاجتناب لحرمة أكلهما؛ لكونه من الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالىّ‌، فيعلم من تجويز بيع المختلط أنّ الماليّة عندهم تكفى فى جواز المعاملة، وهكذا يدلّ على ذلك جواز بيع العجين النجس ممّن يستحلّ‌.

وعليه فهذه الأدلّة هى كقوله عليه السّلام: «ألزموهم بما التز موا» الذى يدلّ على صحّة نكاحهم ولو أنّهم مكلّفون بالفروع كالأصول، فلامانع من أن نقول: إنّ ما استحلوه يكون بحكم هذه الأخبار، محكوما بالماليّة و إن كانوا مكلّفين بالفروع - كالمسلمين -، وعلى هذا يجوز بيع الأشياء المحرّمة منهم ما لم يترتّب عليه عنوان ثانوىّ أو فساد، والا فلايجوز فتأمل.

بقى شىء و هو أنّ مقتضى اطلاق أدلّة حرمة التغرير و التسبيب أنّ الحرمة لاتختصّ بباب البيع ولا المعاوضة، بل كلّ تغرير أو تسبيب نحو المبغوضات الشرعيّة، ولو كان بمثل الإباحة آو الإيهاب محرّم.

التنبيه الثالث: إنّ ظاهر الجواهر: أنّ المشهور نقلا و تحصيلا ذهبوا الى تقييد جواز الإسراج والاستصباح با الأدهان المتنجّسة بما إذا كان تحت السماء، قال فى الجواهر: «إنّ المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً التقييد لشهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل عن ابن ادريس نفى الخلاف عنه تارةً‌، ونسبته إلى الأصحاب

اُخرى، كالمحكىّ عن غاية المراد من النسبة إلى نصّهم بل عن كشف اللثام نسبته الى قطعهم(1).(2).

و تبعه الشيخ الأعظم قدّس سرّه حيث قال: «المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء، بل فى السرائر: إنّ الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف(3).(4).

قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «فثبوت الشهرة محلّ إشكال، بل منع لو لم نقل بثبوت الشهرة أو الإجماع على الجواز، كما ربّما يظهر من الشيخ قدّس سرّه فى الخلاف قال فى الأطعمة مسألة 19: «إذا ماتت الفأرة فى سمن، أو زيت، أو شيرج(5)أو بزر(6)، نجس كلّه، وجاز الاستصباح به، ولايجوز أكله ولا الانتفاع به لغير الاستصباح، وبه قال الشافعى. ثمّ نقل أقوال القوم، ثمّ قال: دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم(7)، ثمّ قال:

وروى أبو سعيد الخدرى: أنّ النبى صلّى الله عليه و سلّم سئل عن الفأرة تقع فى السمن و الزيت، فقال:

«استصبحوا به ولا تأكلوه(8)و هو إجماع الصحابة وروى ذلك عن علىّ عليه السّلام وابن عمر»(9).

ثمً قال قدّس سرّه: «مسألة 20: إذا جاز الاستصباح به، فإنّ دخانه يكون طاهراً،


1) كشف اللثام 269:2، السطر: 37، ط: قديم.

2) الجواهر 15:22، ط: إحياء التراث العربى - بيروت.

3) السرائر 122:3، ط: مؤسّسة النشر الإسلامى.

4) المكاسب: 10، السطر: 18 و 19.

5) الشّيرج: دُهن السمسِم. مجمع البحرين: مادّة شرج.

6) بزر: البَزْرُ: بزر البقل و غيره. ودُهن البزر. لسان العرب: مادّة بزر.

7) الكافى 261:6، الأطعمة، ح 1، 2. التهذيب 85:9، ح 87:358، ح 361، فى الذبائح و الأطعمة.

8) السنن الكبرى 354:9، كتاب الضحايا باب من أباح الاستصباح به، ط: دار صادر - بيروت.

9) الخلاف 91:6، 92، الأطعمة، المسألة 19 ط: النشر الاسلامى.

و لا يكون نجساً. ثمّ تمسك قدّس سرّه بالأصل وعدم الدليل على النجاسة»(1).

أقول: اطلاق المسألة الأولى يقتضى جواز الاستصباح تحت السقف، سيّما مع التمسّك بأخبار الطائفة، فإنّ الاخبار المشار إليها هى ما تقدّمت من المطلقات التى فى مقام البيان الدالة على الجواز مطلقاً، و سيّما مع تمسّكه فى مقابل من قال بعدم جواز الانتفاع برواية أبى سعيد المطلقة، وتؤكّد الإطلاق، بل كون نظره إلى الاستصباح تحت السقف؛ المسألة الأخرى النى ذكرها بعد الأولى، فإنّ جواز الاستصباح به مع طهارة الدخان لاربط بينهما إلّا من جهة أنّه إذا لم يجز بحكم الشارع الاستصباح تحت السقف، يدلّ ذلك على نجاسته لما قدّمنا ذكره من فهم أهل العرف و العقلاء، فيدلّ ذلك على أنّ عمدة نظر الشيخ إلى الاستصباح تحت السقف فى المسألة الاولى و قد ادّعى الإجماع على جوازه.

وعن المبسوط: الأدهان اذا ماتت فيها فأرة نجس (نجسة)، و يجوز عندنا وعند جماعة الاستصباح به فى السراج، ولايؤكل، ولاينتفع به فى غير الاستصباح، وفيه خلاف، وروى أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء دون السقف، و هذا يدلّ على أنّ دخانه نجس، غير أنّ عندى أنّ هذا مكروه، و أمّا دخانه ودخان كلّ نجس عندنا ليس بنجس، مّا ما قطع بنجاسته قال قوم: دخانه نجس، و هو الذى قدّمناه من ..

رواية أصحابنا، وقال آخرون و هو الأقوى: أنّه ليس بنجس، انتهى(2).

و هذه العبارة أيضاً شاهدة بأنّ مراده فى الخلاف من الاستصباح: أعمّ ممّا تحت السماء، والخلاف الذى أشار قدّس سرّه اليه يحتمل أن يكون من العامّة، ورواية الأصحاب تلك الرواية غير فتاويهم بها، ويحتمل أن يكون خلاف بين أصحابنا، لكنّه غير معتدّ به عنده، فأفتى بخلافه، مع وجود رواية الأصحاب، وكيف كان يظهر من الخلاف أنّ


1) المصدر السابق: 93، المسأله 20.

2) المبسوط: 283:6، كتاب الأطعمة.

الجواز مطلقاً إجماعى، ولو قيل بظهور عبارة المبسوط فى أنّ المسألة خلافيّة عند أصحابنا، فلا أقلّ من عدم الشهرة الجابرة أو المعتبرة فى عصر شيخ الطائفة قدّس سرّه وقبله.

ولهذا قال العلّامة قدّس سرّه فى محكىّ المختلف فى جواب ابن ادريس قدّس سرّه المدّعى بأنّ «ما ذهب أحد من أصحابنا إلى أنّ الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بلاخلاف بيتهم»(1).

«انّ هذا الردّ على شيخنا جهل و سخف، فانّ الشيخ قدّس سرّه أعرف بأقوال علمائنا (قدّس سرّهم) والمسائل الإجماعيّة و الخلافيّة (انتهى (»(2)، و هو كذلك فالشيخ قدّس سرّه ادّعى الإجماع على الجواز، أو أخبر بخلافيّة المسألة، فلايمكن تصديق الحلّى قدّس سرّه فيما ذكره(3).

وفيه: أوّلاً: أنّه ينافى استظهار الاجماع على جواز الاستصباح تحت السقف ما صرّح به من اختصاص الإجماع بالاستصباح تحت السماء حيث قال قدّس سرّه فى الخلاف أيضاً: «مسألة 312 يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه مطلقاً، وقال مالك و الشافعىّ‌: لايجوز بيعه بحال، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(4)وأيضاً قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) (5)وقوله: (إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌) (6)و هذا بيع و تجارة، و أيضا دلالة الآصل، والمنع يحتاج إلى دليل، وروى أبو علىّ بن أبى هريرة فى الافصاح أنّ النبى صلّى الله عليه و سلّم أذن فى الاستصباح


1) السرائر 122:3، ط: النشر الإسلامى.

2) المختلف 349:8، الصيد فصل الأطعمة و الأشربة، المسألة 47.

3) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 103:1-105، ط: إسماعيليان.

4) التهذيب 129:7، فى الغرر و المجازفة و شراء السرقة، ح 562 و 563.

5) البقرة: 275.

6) النساء: 29.

بالزيت(1)النجس، و هذا يدلّ على جواز بيعه للاستصباح، و أنّ لغيره لايجوز إذا قلنا بدليل الخطاب.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الاجماع المدّعى فى كلامه قدّس سرّه راجع إلى أصل الاستصباح، و ليس لقوله تحت السماء خصوصيّة، كما يؤيّده الاستدلال بالأمور الأخرى التى لاتدلّ على خصوصيّة تحت السماء.

و ثانياً: انّه يمكن منع رجوع الاجماع فى كلام الشيخ قدّس سرّه فى مسألة 19 الى جواز الاستصباح تحت السقف؛ لاحمال رجوعه الى أصل الاستصباح فى مقابل من يدّعى عدم جواز الانتفاع مطلقا.

وثالثاً: إنّ العلّامة قدّس سرّه مع اعتراضه على الحلّى قدّس سرّه فى المختلف اسند المنع إلى الأصحاب، وظاهره ينافى دعوى الإجماع على جواز الاستصباح تحت السقف، حيث قال: «اذا عرفت هذا، فنقول لا استبعاد فيما قاله شيخنا قدّس سرّه - فى المبسوط - من نجاسة دخان الدهن النجس؛ لبُعد استحالته كلّه، بل لابدّ وأن يتصاعد من أجزائه قبل احالة النار لها؛ بسبب السخونة المكتسبة من النار إلى أن تلقى الظلال، فيتأثّر بنجاسته، ولهذا منعوا من الاستصباح به تحت الظلال، فإنّ ثبوت هذا القيد مع طهارته ممّا لايجتمعان... إلخ»(2).

و رابعاً: انّ أصحاب الفتوى عادتهم أن يذكروا فتاواهم بذكر الروايات، وعليه فلا يصحّ قوله قدس سره روايتهم غير فتاويهم فافهم. وكيف كان فلايكون ما ذكره الامام قدّس سرّه منافيا لدعوى الشهرة من صاحب الجواهر و الشيخ قدّس سرّهما).


1) قرب الأسناد: 274، ما يحلّ ممّا يؤكل و يشرب و ينتفع به، ح 1090، ط: ال البيت عليهم السلام، الكافى 261:6، كتاب الأطعمة، ح 1 و 2، التهذيب 85:9 و 86، فى الذبائح و الأطعمة: ح 360 و 362.

2) المختلف 349:8، الصيد فصل الأطعمة و الأشربة، المسألة 47.

نعم يرد على دعوى الشهرة، إنّا لم نحرز استنادهم الى المرسلة الدالّة على لزوم الاستصباح تحت السماء، بعد كون المسألة معلّلة بوجوه اخرى، ولذا قال فى البلغه:

«إنه لم يثبت استناد المتّفقين إليها فى الفتوى، بل ظهور كلام بعضهم فى الاستناد الى غير ها، حيث علّلوا الحكم بنجاسة الدخان، و أنّه ينجّس السقف، ولذا فصّل بعضهم بين العلم بتصاعد شىء من أجزاء الدهن، وعدمه - إلى أن قال - مع احمال، أو ظنّ استناد من لم يعلّل الحكم بما عرفت إلى الآيات التى ستعرف بعدم دلالتها، و مع هذا الذى عرفت كيف يوثق بصدور المرسلة»(1).

ولو سلّمنا الشهرة، واستنادهم الى المرسلة، وانجبار ضعفها بالاستناد، لا تصلح المرسلة لرفع اليد عن الأخبار المتقدّمة، على كثرتها، وورودها فى مقام البيان، مع أنّها ساكتة عن هذا القيد، فيدور الأمر بين تقييد المطلقات المتقدّمة، أو حمل المرسلة على الاستحباب والارشا د.

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «ولاريب أنّ مخالفة الظاهر فى المرسلة، خصوصا بالحمل على الارشاد أولى، خصوصاً مع ابتناء التقييد، إمّا على ما ذكره الشيخ قدّس سرّه من دلالة الرواية على نجاسة الدخان المخالفة للمشهور، و إمّا على كون الحكم تعبّدا محضا، و هو فى غاية البعد، ولعلّه لذلك أفتى فى المبسوط بالكراهة(2)مع روايته المرسلة» انتهى(3).

و لا يخفى عليك أنّ دعوى كون النجاسة مخالفة لمّا ذهب إليه المشهور: من طهارة الدخان، محلّ نظر؛ لما عرفت من توجيه العلّامة لمنع الأصحاب بقولهم


1) بلغة الطالب 38:1.

2) المبسوط: 283:6، كتاب الأطعمة، ط: المكتبة المرتضويّة.

3) المكا سب: 10، السطر: 22 و 24-25-28.

بالنجا سة(1)، فتأمّل.

وكيف كان، فوجه الأولويّة هو: اباء الأخبار المذكورة فى أنفسها عن التقييد؛ لورودها فى مقام البيان، فالمرسلة مع تسليم انجبار ضعفها، لا تصلح لأن تكون دليلا لحرمة الاستصباح تحت السقف؛ للزوم حملها على الاستحباب أو الإرشاد.

ثمّ لايخفى عليك أنّ العلّامة قدّس سرّه قال: «الأولى الجواز مطلق؛ للأحاديث، ما لم يعلم أو يظنّ بقاء شىء من أعيان الدهن، فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال»(2).

اُورد عليه الشيخ قدّس سرّه بقوله: «ثمّ أنّ العلامة قدّس سرّه فى المختلف فصّل بين ما إذا علم بتصاعد شىء من أجزاء الدهن، وما إذا لم يعلم، فوافق المشهور فى الأوّل، و هو مبنى على ثبوت حرمة تنجيس السقف، ولم يدلّ عليه دليل، و إن كان ظاهر كلّ من حكم بكون الاستصباح تحت السماء تعبّدا، لا لنجاسة الدخان معلّلا بطهارة دخان النجس التسالم على حرمة التنجيس، والاّ لكان الأولى تعليل التعبّد به، لا بطهارة الدخان كما لايخفى» انتهى(3).

حاصله انّه وان كان ظاهر الأصحاب هو حرمة تنجيس السقف تعبّداً، ولكن لا دليل عليه هذا مضافاً إلى إمكان المناقشة فى الصغرى: بأنّ مجرّد تصاعد بعض الأجزاء الدخانيّة، لايستلزم تنجيس السقف، بناءً على حرمته؛ لأنّها قد لاتؤثّر فى السقف، إمّا لعلوّه، أو لقلّة الزمان، أو لخروجه من الأطراف.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ كلام العلّامة قدّس سرّه فى التفصيل، ليس فى نفس الدخان والبخار حتّى يقال: إنّ طهارة دخان النجس التى أفتى بها الفقهاء ليست لدليل تعبّدى، بل لقصور دليل نجاسة الدهن المتنجّس، مثلا عن شموله للدخان و البخار، وعدم دليل


1) المختلف 349:8، الصيد فصل الأطعمة و الأشربة، المسألة 47.

2) المصدر السابق.

3) المكاسب: 10، السطر: 22 و 24-25-28.

على نجاستهما، وعدم جريان استصحاب النجاسة؛ لاختلاف القضيّة المتيقّنة مع المشكوك فيها أو الشكّ فى وحدتهما، فمقتضى الأصل الطهارة، بل كلامه مختصّ بما إذا بقى شىء من أعيان الدهن المتنجّس، و يتصاعد، و قد عرفت ما فبه، كما لا يخفى.

فتحصّل لحدّ الآن: أنّ الاستصباح تحت السقف جانز على الأقوى، وظاهر المشهور مع كونه محتملا من جهة النجاسة - كما أفاد العلّامة قدّس سرّه فى المختلف - لا يمنع عن ذلك، فإنّه ممكن المنع، إمّا من جهة الصغرى، أو من جهة الحكم المولوىّ‌؛ لجواز حمله على الإرشاد. اللّهمّ إلّا أن يقال: يرجع قولهم بحرمة الاستصباح تحت السقف مع القول بالطهارة إلى التعبّد بالحرمة، ومع التعبّد بالحرمة يرتفع احمال استنادهم الى النجاسة فينحصر ذهابهم إلى الحرمة فى استنادهم إلى المرسلة، ولكنّه مع ذلك يمكن أن يكون استنادهم إلى الآيات الآتية، النى لاتدلّ على مرادهم، فالأقوى هو جواز الإستصباح تحت السقف، فلاتغفل.

التنبيه الرابع: فى جواز الانتفاع بالأدهان المتنجّسة فى غير الاستصباح - بأن يعمل صابوناً أو يطلى به الأجرب أو السفن أو غير ذلك - و لا يخفى عليك أنّ المسألة، كما أفاد شيخنا الأنصارى قدّس سرّه: مبتنية على أنّ الأصل فى المتنجّس هل هو جواز الانتفاع إلّا ما خرج بالدليل كا الأكل و الشرب والاستصباح تحت الظلّ بناءً على حرمته أو أنّ القاعدة فيه المنع عن التصرّف إلّا ما خرج بالدليل كالاستصباح تحت السماء وبيعه ليعمل صابوناً كماروى(1).

يمكن أن يقال: إنّ الأقوى وفاقاً لأكثر المتأخّرين، أنّ الأصل هو جواز الانتفاع إلّا ما خرج بالدليل.

و استدلّ له بأصالة الجواز، وقاعدة حلّ الانتفاع بما فى الأرض، ربما يقال: انّ


1) المكاسب 10، السطر: 28-30.

الاستدلال بقوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً) (1)لا يتمّ‌؛ لأنّ الآية الكريمه ناظرة الى بيان الغرض الأعلى من الخلقة، ولا نظر لها إلى الحكم التشريعىّ‌، نعم يكفى أصالة الحلّيّة و الجواز، ولا حاكم عليها سوى ما يتخيّل من بعض الآيات و الآخبار، ودعوى الجماعة المتقدّمة، الاجماع على المنع، والكلّ غير قابل لذلك.

أمّا الآيات: فمنها: قوله تعالى إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌ (2)فبدعوى أنّها دلّت بمقتضى التفريع على وجوب اجتناب كلّ رجس، فالآية: و إن كانت فى موارد خاصّة، و لكن تعمّ غير ها، بمقتضى التفريع المذكور، فانّ مفاد الآية حينئذ يكون هكذا: هذه الأشياء رجس من عمل الشيطان، فحيث أنّها رجس فاجتنبوه، ويعلم منه أنّ اللازم فى كلّ رجس هو لزوم الاجتناب. وفيه كما أفاد شيخنا الأعظم قدّس سرّه: «أنّ الظاهر من الرجس ما كان كذلك فى ذاته لا ما عرض له ذلك، فيختص بالعناوين النجسة وهى النجاسات العشر، مع أنّه لو عمّ المتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد، فانّ أكثر المتنجّسات لايجب الاجتناب»(3)منه.

يمكن أن يقال: كما فى مصباح الفقاهة: «إنّ الخارح عنوان واحد ينطبق على جميع أفراد المتنجّس انطباق الكلّى، على أفراده»(4)، وعليه فلايلزم المحذور المذكور، وزاد قدّس سرّه فى الجواب عن الاستدلال بالآية «مع أنّ وجوب الاجتناب ثابت، فيما كان رجسا من عمل الشيطان يعنى من مبتدعاته، فيختصّ وجوب الاجتناب المطلق بما


1) البقرة: 29.

2) المائدة: 90.

3) المكاسب: 11، السطر: 8.

4) مصباح الفقاهة 130:1، ط: انصاريان.

كان من عمل الشيطان - سواء كان نجسا كالخمر أو قذرا معنويّا مثل الميسر - و من المعلوم أنّ المايعات المتنجّسة - كالدهن و الطين و الصبغ و الدبس - إذا تنجّست ليست من أعمال الشيطان، و إن اُريد من عمل الشيطان عمل المكلّف المتحقّق فى الخارج باغوائه، ليكون المراد بالمذكورات استعمالها على النحو الخاصّ‌، فالمعنى أنّ الانتفاع بهذه المذكورات رجس من عمل الشيطان كما يقال فى سائر المعاصى أنّها من عمل الشيطان، فلا تدلّ أيضاً على وجوب الاجتناب عن استعمال المتنجّس، الّا اذا ثبت كون الاستعمال رجسا و هو أوّل الكلام.

• إلى أن قال -: ومن بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ بناءً على أنّ الرجز هو الرجس، وأضعف من الكلّ الاستدلال بآية تحريم الخبائث بناءً على أنّ كل متنجّس خبيث، والتحريم المطلق يفيد تحريم عموم الانتفاع، إذ لايخفى أنّ المراد هنا حرمة الآكل بقرينة مقابلته بحلّيّه الطيبات»(1).

هذا مضافاً إلى ما فى مصباح الفقاهة: من أنّ الخبائث هى الأعمال القبيحة(2)، فلاتشمل المتنجّسات، و فيه أنّ الخبائث بقرينة المقابلة مع الطيّبات هى الذوات لا الأفعال.

و أمّا الأخبار فمنها: ما تقدّم من رواية تحف العقول حيث علّل عليه السّلام فيها النهى عن بيع وجوه النجس: «بأنّ ذلك كلّه محرّم أكله وشربه و إمساكه وجميع التقلّب فيه، فجميع التقلّب فى ذلك حرام»(3).

و فيه - كما أفاد الشيخ قدّس سرّه -: «ما تقدّم من أنّ المراد بوجوه النجس عنواناته


1) المكاسب: 11، السطر: 10-16.

2) مصباح الفقاهة 130:1، ط: أنصاريان.

3) تحف العقول: 333، تفسير التجارات، ط: النشر الاسلامى.

العهودة؛ لأنّ الوجه هو العنوان، والدهن ليس عنوانا للنجاسة»، والملاقى للنجس وان كان عنوانا للنجاسة، لكنّه ليس وجها من وجوه النجاسة فى مقابلة غيره، ولذا لم يعدّوه عنوانا فى مقابل العناوين النجسة»(1).

ومنها ما دلّ على الأمر يإهراق المايعات الملاقية للنجاسة و القاء ما حول الجامد من الدهن وشبهه وطرحه(2)و قد تقذم بعضها فى مسالة الدهن وبعضها الآخر متفرقة مثل قوله عليه السّلام: «يهريق المرق»(3)ونحو ذلك.

وفيه كما أفاد الشيخ قدّس سرّه: إنّ طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها فى الأكل، فإنّ ما أمر عليه السّلام بطرحه من جامد الدهن، والزيت يجوز الاستصباح به اجماعاً، فالمراد اطراحه من ظرف الدهن وترك الباقى للأكل، و أمّا الإجماعات: ففى دلالتها على المدّعى نظر، يظهر من ملاحظتها(4). و قد ذكر الشيخ قدّس سرّه معاقدها، و حققها، و أوضح عدم تحقّقها على عدم الجواز - إلى أن قال -: والذى أظنّ وان كان الظن، لايغنى لغيرى شيئا، أنّ كلمات القدماء ترجع إلى ما ذكره المتأخّرون، و إنّ المراد بالانتفاع فى كلمات القدماء الانتفاعات الراجعة إلى الأكل و الشرب و إطعام الغير وبيعه على نحو بيع ما بجلّ أكله، انتهى(5).

هذا مضافاً إلى أنّه محتمل المدرك أضف إليه كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه:

امكان إلغاء الخصوصيّة من الاستصباح فى الروايات الواردة فى الأدهان


1) المكاسب: 11، السطر: 17 و 18.

2) التهذيب 85:9 و 86، فى الذبائح و الأطعمة، ح 360 و 361، التهذيب 129:7، فى الغرور والمجازفة و شراء السرقة. الكافى 271:6، كتاب الأطعمة ح 1 و 2.

3) الوسائل 1056:2، أبواب النجاسات، الباب 38، ح 8. الوسائل 286:17، أبواب الأشربة و الأطعمة، الباب 26، ح 101 إلّا إنّ كلمة (يهريق) لم توجد فى الحديثين الشريفين، ولا فى غيرهما، بل الثابت هى كلمة (يهر اق) فى كلا الحديثين.

4) المكاسب: 11، السطر: 20-22.

5) المصدر السابق: 12، السطر: 10 و 11.

المتنجّسة(1)لأنّ الاستصباح لا خصوصيّة فيه.

ثمّ مع جواز الانتفاع من الأدهان المتنجّسة فى غير الاستصباح، فالظاهر جواز بيعها لسائر الانتفاعات، ولكنّه مشروط بشرائط البيع للاستصباح من القصد للانتفاعات المحلّلة، و إعلام النجاسة على نحو ما مرّ فى الاستصباح لعدم خصوصيّه الاستصباح فى الشرائط المذكورة.

ثمّ انّ الأدهان المتنجّسة لا خصوصيّة لها، فيجوز بيع سائر المتنجّسات اذا كانت لها منافع محلّلة، مع الإعلام، وقصد المنافع المحلّلة على نحو ما مرّ فى بيع الأدهاق المتنجّسة للاستصباح، بناءً على عدم اختصاص الشرائط المذكورة بالأدهان المتنجّسة.

التنبيه الخامس: و قد مرّ سابقاً: أنّ بيع النجاسات الذاتيّة ممنوع ولو كانت لها الفوائد المحلّلة، و إنّما الكلام فى المقام، فى أنّ مقتضى الأصل فى النجاسات الذاتيّة، هل هو جواز الانتفاع كالمتنجّسات أم لا؟ ذهب الأكثر الى أنّ مقتضى الأصل هو حرمة الانتفاع بنجس العين، ويستدلّ عليه بوجوه منها: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ‌) (2). بتقريب أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، وعليه فجميع انتفاعاتهما ممنوع.

ومنها: قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌) (3)، بدعوى دلالته على وجوب اجتناب كلّ رجس، و هو نجس العين.

ومنها: قوله تعالى: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (4)بناءً على أنّ هجره لا يحصل إلّا


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 106:1، ط إسماعيليان.

2) المائدة: 3.

3) المائده: 90.

4) المدّثّر: 5.

بالاجتناب عنه مطلقاً.

واجاب شيخنا الأعظم قدّس سرّه عن الاستدلال بهذه الآيات بأنّ التأمّل يقضى بعدم جواز الاعماد فى مقابل اصالة الإباحة على شىء ممّا ذكر، أمّا الآيات: فلظهورها فى الانتفاعات المقصودة فى كلّ نجس بحسبه، وهى مثل الميتة الأكل، وفى الخمر الشرب، وفى الميسر اللعب به، وفى الأنصاب و الأزلام ما يليق بحالهما(1).

ومنها: تعليله عليه السّلام فى رواية تحف العقول: حرمة بيع وجوه النجس بحرمة الأكل و الشرب و الإمساك وجميع التقلّبات.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم قدّس سرّه: بأنّ المراد بالإمساك و التقلّب فيه ما يرجع الى الأكل و الشرب، وإلّا فسيجىء الاتّفاق على جواز امساك نجس العين لبعض الفوائد(2).

ومنها: أنّ كلّما يدل من الأخبار و الإجماع على عدم جواز بيع نجس العين، يدلّ على عدم جواز الانتفاع، بناءً على أنّ المنع من البيع لايكون إلّا مع حرمة الانتفاع به.

وأجاب عنه شيخنا الأعظم قدّس سرّه: بأنّ ما دلّ من الاجماع و الأخبار على حرمة بيع نجس العين، قد يدّعى اختصاصه بغيرما بجلّ الانتفاع المعتدّ به، أو يمنع استلزامه لحرمة الانتفاع، بناءً على أنّ نجاسة العين مانعة مستقلّة عن جواز البيع، من غير حاجة إلى إرجاعها إلى عدم المنفعة المحلّلة(3).

ومنها: توهّم الإجماع على عدم جواز الانتفاع، ولكنّه مردود؛ بظهور كلمات كثير منهم فى جواز الانتفاع فى الجملة، كما أسند الجواز فى المبسوط إلى غير خلاف بالنسبة إلى جواز الانتفاع بسرجين ما لايؤكل لحمه، وعذرة الإنسان، و خرؤ الكلاب


1) المكا سب: 12، السطر: 12 و 13.

2) المصدر السابق: 13، السطر: 13-14.

3) المصدر السابق: السطر: 16.

فى الزروع و الكروم و اصول الأشجار.

ثمّ لا يخفى انّ مقتضى ما مرّ: هو عدم جواز بيع النجاسات، بل سائر المعاملات - كالمصالحة -؛ لأنّ قوله عليه السّلام: «ثمن العذرة من السحت»(1)يدلّ على أنّ كلّ شىء مقابل للعذرة هو سحت، ودعوى ظهور الثمن فى البيع لا تساعدها اللغة - كما مرّ - و عليه فمن أراد أخذ شىء يمكن له المصالحة على حقّ الاختصاص، الناشئ عن كون أصل النجاسة له بملك - كما لو مات حيوان له أو بحيازة -؛ لأنّ المصالحة على حقّ الاختصاص لايعدّ ثمناً لنفس العين حتّى يكون سحتا بمقتضى الأخبار(2)و استشكل فيه شيخنا الأعظم قدّس سرّه لعلّه من جهة أنّ العوض لايصلح لأن يكون فى مقابل الحقّ‌، وعليه يرجع العوض إلى مقابل العين و هو سحت، ولكنّه كما ترى. ويمكن له أن يجعل العوض فى مقابل رفع اليد عن النجاسة.

و استحسنه الشيخ قدّس سرّه و قال: «لو بذل مالا على أن يرفع يده عنها ليحوزها الباذل، كان حسناً، كما يبذل الرجل المال على أن يرفع اليد عمّا فى تصرّفه من الأمكنة المشتركة، كمكانه من المسجد و المدرسة و السوق - إلى أن قال -: ثمّ إنّه. يشترط فى حقّ الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع، ولذا ذكروا أنّه لو علم كون حيازة الشخص للماء و الكلاء لمجرّد العبث لم يحصل له حقّ‌»(3).

ذهب الشيخ الأعظم قدّس سرّه إلى الاشتراط، لتوقّف حقّ الاختصاص فى مورد الحيازة على قصد الانتفاع، و مع عدم القصد لايحصل له حقّ‌. ويمكن أن يقال: إنّ كون الحيازة أمراً قصديّاً، لايلازم أن يقصد الحائز الانتفاع بالأعيان النجسة، والحقّ متوقّف على الحيازة، لا على قصد الانتفاع، والحيازة لقصد المصالحة على حقّ الاختصاص ليس بعبث، فلايقاس بما لو حاز عبثا، فتدبّر.


1) الوسائل 126:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، ح 1.

2) المصدر السابق: 61، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، ح 1.

3) المكا سب: 14، السطر: 23-26.

النوع الثانى ممّا يحرم التكسّب به:

اشارة

هو الذى ما يحرم لتحريم ما يقصد به، و هو على أقسام:

القسم الأوّل: ما لا تكون له منفعة مقصودة إلّا الحرام، وهى اُمور:

منها: هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم اللذين تختصّ منافعهما بالمحرّمات. ذهب فى الجواهر: إلى أنّه لاخلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه(1).

و تبعه شيخنا الأعظم قدّس سرّه فى المكاسب حيث قال: «بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر الإجماع عليه»(2).

وصرّح فى الرياض بأنّ الإجماع المستند فى المقام مستفيض حيث قال: «الثانى:

الآلات المحزمة... وهياكل العبادة المبتدعة كالصنم و الصليب... يإجماعنا المستفيض النقل فى كلام جماعة من أصحابنا، و هو الحجّة»(3). وفى مفتاح الكرامة: نفى الخلاف بين علمائنا فى حرمة عمل الأصنام وغيرها، المستلزم لتحريم الاكتساب بها(4).

والإجماع عن الغنية على تحريم أجر عملها. وعن الحدائق نفى الخلاف عن ذلك(5).


1) الجواهر 25:22، ط: دار احياء التراث العربى - بيروت.

2) المكاسب: 14، السطر: 31.

3) الرياض 49:8، ط: النشر الإسلامى.

4) مفتاح الكرامة 31:4، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

5) الحدائق 200:9، ط: النسر الإسلامى.

ثمّ قال بعد نقل ما فى الرياض: «و لم أجد نقله إلّا فيما عرفته بعد ملاحظة ما يزيد عن أربعين كتابا، والأمر سهل، إذ الإجماع معلوم»(1).

حاصله: أنّ الاجماع معلوم وان لم يثبت ما فى الرياض من استفاضة نقله، واستدلّ له بقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ‌) (2). بدعوى انّ إطلاق الاجتناب يدلّ على ممنوعيّة البيع، ولكن يمكن منعها؛ لأنّ الاجتناب عن كلّ شىء مناسب للفعل الشائع منه، والعبادة هى الفعل الشائع بالنسبة الى الأوثان، هذا مضافاً الى أنّ النهى ظاهر فى الحكم التكليفىّ‌، ولايدلّ على الفساد.

و استدلّ فى الجواهر بما رواه فى تحف العقول عن الصادق عليه السّلام: إنّما حرّم الله الصناعات التى هى حرام كلّها التى يجئ منها الفساد محضاً، نظير البرابط و المزامير والشطرنج وكلّ ملهو به، والصلبان و الأصنام وما أشبه ذلك - الى أن قال -: فحرام تعليمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه وجميع التقلّب فيه من جميع الحركات»(3).

و تبعه الشيخ الأنصارىّ قدّس سرّه، وزاد عليه فى التمسّك بفقرات اُخرى من رواية تحف العقول حيث قال: «ويدلّ عليه مواضع من رواية تحف العقول المتقدّمة فى قوله عليه السّلام: «وكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهىّ عنه» وقوله عليه السّلام: «أو شىء يكون فيه وجه من وجوه الفساد» وقوله عليه السّلام: «و كلّ منهىّ عنه ممّا يتقرّب به لغير اللّه» وقوله عليه السّلام: «إنّما حرّم الله الصناعة التى هى حرام كلّها.. 0»(4)إلخ.

و اكتفى فى جامع المدارك للاستدلال بما ذكره الشيخ قدّس سرّه(5).


1) مفتاح الكرامة 31:4، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

2) الحج: 30.

3) الجواهر 25:22، ط: إحياء التراث العربى - بيروت. تحف العقول: 335-336، تفسى ر الصناعات، ط: النشر الإسلامى، الوسائل 57:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 2، ح 1.

4) المكاسب: 14، السطر: 31 و 32.

5) جامع المدارك 7:3 و 8، ط: إسماعيليان.

واُورد على الاستدلال المذكور فى مصباح الفقاهة: بأنّ رواية تحف العقول ضعيفة السند، فلايمكن الاستناد إليها فى الأحكام الشرعيّة، هذا مضافاً إلى أنّ النهى فيها ظاهر فى الحرمة التكليفيّة، فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعيّة(1).

يمكن أن يقال: إن عدم الإفتاء ببعض فقرات رواية تحف العقول لايضرّ بجبر سائر فقراتها النى استند إليها الأصحاب - كما يظهر من الاجماع المعلوم فى المقام - فتأمل.

و أمّا حصر دلالة الرواية فى الحرمة التكليفيّة فلاوجه له، بعد كون الرواية فى مقام تفسير التجارات فى جميع البيوع، ووجوه الحلال و الحرام، و ذكر البيوع الفاسدة التى ليست بمحرّمة تكليفا - كبيع الدم أو لحم السباع -.

هذا مضافاً إلى تحريم الرواية أخذ الاُجرة على عمل ما يكون منه وفيه الفساد محضاً، و لا يكون منه ولا فيه شىء من وجوه الصلاح، مع أنّ ظاهر تحريم أخذ الاُجرة هو التحريم الوضعىّ‌، أو الأعمّ منه - كتحريم الربا - كما لايخفى، و مضافاً إلى كون الرواية فى مقام بيان معايش الحلال و الحرام، و المعايش من المسبّبات، فحرمة السبب يكشف عن فساد السبب.

و استدلّ له الشيخ الأعظم قدّس سرّه أيضاً: بأنّ أكل المال فى مقابل هذه الأشياء أكل له بالباطل، وبالنبوىّ المشهور: «إنّ اللّه اذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه»(2)بناءً على أنّ تحريم هذه الأمور، تحريم لمنافعها الغالبة، بل الدائمة، فإنّ الصليب من حيث أنّه خشب بهذه الهيئة لاينتفع به فى المحلّل و المحرّم، و لو فرض ذلك كان منفعة نادرة لايقدح فى تحريم العين بقول مطلق، الذى هو المناط فى تحريم الثمن(3).


1) مصباح الفقاهة 148:1، ط: أنصاريان.

2) عوالى اللئالى 110:2، ح 301، ط: سيّد الشهداء عليه السّلام.

3) المكاسب: 14، السطر: 34-35 و 15: السطر: 1.

اُورد عليه فى مصباح الفقاهة أوّلاً: بأنّ الاستدلال بآية:) لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل). ممنوع؛ لأنّ الآية الشريفة مسوقة لبيان الضابطة الكلّيّة فى الأسباب الصحيحة، والأسباب الفاسدة للمعاملات، و أنّ شرائط العوضين خارجة عن حدودها. وثانياً: بأنّ النبوىّ المشهور ضعيف السند(1).

يمكن أن يقال أوّلاً: إنّ المحكىّ عن الشيخ وصاحب الغنية وغيرهما (قدس سرّهم أجمعين) هو العمل بالنبوىّ‌، ومع العمل به لا مجال للإشكال السندىّ فيه.

و ثانياً: إنّ الآية و إن كانت فى مقام تنويع الأسباب الى الباطلة و الصحيحه، ولاتكون متعرّضة لشرائط العوضين، ولكن عدم جواز الأكل فى مقابل ما لا ماليّة له شرعاً من الواضحات و المسلّمات، فلا مانع من الاستدلال بعدم جواز الأكل بالباطل بهذا المعنى؛ لأنّ المقام هو كذلك، إذ مع حرمة المنافع الغالبة و الدائمة لاماليّة للشىء شرعا، و معه يبطل البيع؛ لعدم المقابلة بين الثمن و المال فى عرف المتشرّعة، فلاتشمله أدلّة تنفيذ المعاملات كما لا يخفى، ويشهد لذلك وجوب كسرها و عدم ضمانها، فانّه يكشف عن عدم ماليّتها عند الشارع، فلا يصحّ بيعها و شرائها لتقوّمهما بها، فخرجت بذلك عن شمول أدلّة تنفيذ البيع تحكيما، كما أفاده سيّدنا الإمام قدّس سرّه(2).

هذا مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ قوله تعالى: (بِالْبٰاطِلِ‌) بمعنى: بسبب الباطل، فهو يدلّ على أنّ علّة تعلّق الحرمة يأكل المال هو بطلان المعاملة ولو عرفاً، و هذه الحلّة تعمّم وتخصّص، و مقتضى عموميّته هو شموله لمثل المقام، فإنّه بعد ممنوعيّة المنافع باطل فى عرف المتشرّعة، و عليه فيصحّ الاستدلال بالآية أيضاً، فافهم.

و استدلّ له أيضاً بموثّقة إبن أذينة المرويّة فى الكافى عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن إبن أذينة قال: كتبت إلى أبى عبداللّه عليه السّلام أسأله عن رجل


1) مصباح الفقاهة 148:1 و 149.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 108:1، ط: إسماعيليان.

له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط(1)؟ فقال: «لا بأس به» وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلبانا؟ قال: «لا»(2).

بتقريب أنّ الصلبان شعار التنصّر، فإذا كان بيع الخشب لصنعة ما فيه شعار التنصّر كان حراماً، فحرمة بيع الأصنام - مستفادة بالفحوى. واستدلّ أيضاً بما رواه الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن أبان عن عيسى القمى عن عمرو بن جرير: (وفى بعض النسخ عن عمرو بن حريث)، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التوت أبيعه يصنع به الصليب و الصنم‌؟ قال: «لا»(3).

والنسخة ان كانت عمرو بن حريث فالرواية صحيحة، والّا فعمرو بن جرير مجهول.

اللّهمّ الّا أن يكتفى بنقل ابن محبوب حيث أنّه من أصحاب الإجماع فالرواية حينئذ تكون مصحّحة كما لا يخفى، وكيف كان فقد قرّب الاستدلال بهما فى مصباح الفقاهة: بأنّ بيع الخشب لذلك اذا كان حراماً، فبيع الصليب و الصنم أولى بالتحريم - ثمّ قال -: و هذا هو الوجه الوجيه، ويؤيّده قيام السيرة القطعيّة المتّصلة الى زمان المعصوم عليه السّلام على حرمة بيع هياكل العبادة(4).

بل يمكن دعوى استقلال العقل بقبح تنفيذ البيع كما قال سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه:

«لا ينبغى الإشكال فى حرمة بيعها وبطلانه فى الصور التى يترتّب عليها الحرام؛ لاستقلال العقل بقبح ما يترتّب عليه عبادة الأوثان و مبغوضيّته؛ بل قبح تنفيذ البيع


1) برابط: جمع (بربط): مَلْهاة تشبه العود، و هو فارسى معرّب. و أصله بَربت؛ لأنّ الضارب به يضعه على صدره و اسم المصدر: بَر. نهاية ابن الأثير: مادّه: بربط.

2) الوسائل 127:12، أبواب ما يكتسب به، ح 1. الكافى 226:5، كتاب المعيشة، الباب 102، ح 2.

3) المصدر السابق: 127.

4) مصباح الفقاهة 149:1، ط: أنصاريان.

و إيجاب الوفاء بالعقد المترتّب عليه عبادة غير الله تعالى، بل لو ادّعى أحد القطع بأنّ الشارع الأقدس الذى لايرضى ببيع الخمر و شرائها وعصر ها، ولعن بائعها و مشتريها، وحرّم ثمنها وجعله سحتا، لايرضى بذلك فى الصنم و لا يرضى ببيعه و شرائه و نحوهما. (فهو فى محلّه).

بل يستفاد من الأدلّة أنّ تحريم ثمن الخمر و سائر المسكرات. و تحريم بيعها و شرائها، للفساد المترتّب عليها، ومعلوم أنّ الفساد المتر تّب على الأوثان وبيعها وشرائها أمّ جميع المفاسد وليس وراء عبّادان قرية، بل يظهر من الروايات المنقولة عن رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم وأبى جعفر و أبى عبدالله عليهما السلام، مستفيضة: أنّ مدمن الخمر كعابد وثن(1). وانّ عبادته شرّ منه، يترتّب عليها فوق ما يترتّب عليه، فكيف يمكن ذلك التشديد فى الخمر لقلع الفساد دون الأوثان‌؟»(2).

ولعلّ المراد من قوله قدّس سرّه: «بل يستفاد من الأدلّة هو إضافة الحكم العقلىّ غير المستقلّ حيث استند فى الحكم بالأدلّة، كما أنّ المراد من قوله قدّس سرّه: «بل يظهر من الر وايات» هو الاستدلال بالظهور و الأولويّة.

وكيف كان فهياكل العبادات المبتدعة مثل الأصنام بجرم معاملتها ولاينفذ بيعها.

هذا كلّه فيما إذا لم تكن للهياكل المذكورة منافع محلّلة شائعة، و أمّا اذا كانت لها منافع اُخرى فحكمها كما يلى:


1) الوسائل 254:17، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب 13، ح 4، و غيره من هذا القبيل نفس المصدر، ح 5 و 6 و 7 و 9 و 10 و 13 و 14 و 16 و 17 و غيرها. مدمن الخمر: هو الذى يعاقر شربها ويلازمه و لا ينفكّ عنه، و هذا تغليظ فى أمرها و تحريمها. مادّة: دمن. النهاية.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 107:1، ط: إسماعليان.

فروع:

أحدها: أنّه لو لم يترتّب على هياكل العبادة شىء مبغوض، قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: «الأدلّة قاصرة عن إثبات الحكم للصورة التى يعلم بعدم ترتّب الحرام عليها، سيّما فى صورة انقراض الطائفة الخبيثة العابدة لها، وعدم احمال عابد لها ولو فى الاستقبال احتمالا عقلائيا ضرورة عدم شمول الأدلّة اللفظيّة، ولا معقد عدم الخلاف والاجماع لها، وانصرافها عنها»(1).

يمكن أن يقال: إنّ اطلاق صحيحة إبن أذينة ورواية عمرو يكنى لإفادة الحرمة؛ لعدم تقييدهما بما إذا كان للصليب أو الصنم منافع محرّمة، و عليه فلايكون ما يستفاد منه بالفحوى أيضاً مقيّدة بذلك، فبيع الهياكل للعبادة ممنوع - سواء كانت لها عبدة أم لا -؛ لاحمال كون نفس وجودها مبغوضاً عند الشارع.

هذا مضافاً إلى أنّ الأصنام لو لم يكن لها منافع محلّلة لاتعاوض بالأموال، فأخذ الأموال فى مقابلها أكل المال بالباطل بالتقريب الذى ذكرناه.

ثانيها: أنّه لو كانت للأصنام منفعة محلّلة شائعة أخرى - كالتزئين - غير منافعها المحرّمة، أمكن القول بصحّة المعاملة من دون توقّف على قصد المنفعة المحلّلة، لما مز سابقا: من أنّ قصد الانتفاع لادخل له فى ماهيّة البيع، اذ المنافع لا تقابل بالأثمان، بل وجود المنافع موجبة لصيرورة الأشياء مالاً، بحيث يبذل بإزائها المال، فإذا فرض وجود منفعة فيها تكون موجبة للرغبة و الماليّة، يصحّ بيعها - سواء قصد المنفعة المحلّلة أم لم يقصدها؛ - لأنّها من الأموال.


1) المصدر السابق.

و ممّا ذكر يظهر ما فى كلام شيخنا العلّامة الأنصارى قدّس سرّه حيث قال: «الأقوى جواز البيع بقصد تلك المنفعة المحلّلة كما اعترف به فى المسالك»(1)و أمّا الجواهر حيث قال فى آخر كلامه: «ولو فرض أنّ للشىء منفعتين مقصودتين احداهما محلّلة و الأخرى محرّمة، دار الحكم مدار القصد»(2).

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ إطلاق الأخبار يشمل تلك الصورة أيضاً و مقتضاه هو حرمة البيع مطلقاً؛ لاحتمال مبغوضيّة وجود الصنم ولو كان له منفعة اُخرى، فلايجوز بيعها ولو بقصد المنفعة المحلّلة ولعلّ إليه يرجع ما حكى عن كاشف الغطاء حيث قال:

انّ ظاهر الإجماع و الأخبار أنّه لافرق بين قصد الجهة المحلّلة وغير ها انتهى(3).

وثالثها: أنّه إذا بيع الصنم الذى هو مورد العبادة ممّن يخرجه عن تحت يد عابديه و يحفظه بعنوان الآثار العتيقة فى المحلّ المعدّ لها، فينقطع بذلك عن أيدى عبدته، فقد يقال: لا يبعد القول بأنّ الأدلّة غير شاملة لمثله.

و فيه أوّلاً: أنّ إطلاق الأدلّة يشمل هذه الصورة، كما انّ إطلاق أدلّة حرمة بيع الخمر يشمل ما إذا بيع الخمر للإراقة أو مقصد محلّل آخر.

و ثانياً: إنّ المنفعة النادرة لاتوجب الماليّة، و من المعلوم أنّ قصد فرد لحفظه بعنوان الآثار العتيقة منفعة نادرة فافهم.

رابعها: أنّه لو شكّ فى شمول الأدلّة وعدمه فى مورد بسبب عروض حال من الأحوال فهل يجوز الرجوع إلى الاستصحاب أم لايجوز؟ ربما يستشكل فى جريان استصحاب وجوب الكسر وحرمة البيع و نفى الماليّة وبطلان المعاملة وسحتيّة الثمن فيها من جهة الإشكال فى جريان الاستصحاب فى الأحكام المستكشفة عن حكم


1) المكاسب: 15، السطر: 2، المسالك 122:3، ط: مؤسسة المعارف الإسلاميّة.

2) الجواهر 26:22، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

3) المصدر السابق 25:22.

العقل، حيث أنّ العقل امّا حاكم بها أو بعدمها، فلا يشكّ فى شىء منها، فلا مورد للاستصحاب فيها.

يمكن أن يقال أوّلاً: أنّ مجرّد حكم العقل بشىء فى مورد لا يوجب حمل الأدلّة الاجتهاديّة على أنّها ارشاد الى ما حكم به العقل، لأنّ الأصل فيما ورد من الشارع المقذس هو أنّه من باب المولويّة لا الإرشاد، إلّا اذا كانت قرينة على أنّه من باب الإرشاد، والحكم المولوىّ مع ما يترتّب عليه من الترغيب و التأكيد لايكون لغواً، لا يقال: أنّ الأحكام الشرعيّة منقسمة الى الإمضائيّة و التأسيسيّة فلا ثالث لهما؛ لأنّا نقول: الإمضائيّة على قسمين: ارشاديّة وغير ارشاديّة، و عليه فلا مانع من التمسّك بالاستصحاب فيما اذا لم يحرز شمول الأدلّة الشرعيّة للمفروض.

وثانياً: كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: انّ تلك الأحكام سيّما وجوب الكسر وسلب الماليّة غير مستكشفة من حكم العقل محضا حتّى يأتى فيها ما ذكر، بل حكمه من مؤيّدات ثبوت أحكامها شرعاً، والأدلّة الشرعيّة نحو الإجماع و الأخبار المتفرّقة فى الأبواب: غير قاصرة عن إثباتها، ومعه يمكن ثبوت الأحكام بمناطات أعمّ ممّا أدركها العقل ومعه يجرى الاستصحاب(1).

خامسها: أنّه لو انقرضت عبدة بعض الأصنام التى كانت قبل عصر الإسلام، فربما يقال: إنّ بيع الصنم المذكور لايكون مشمولاً للأدلّة الدالّة على حرمة بيع الصنم، ومع عدم كونه مشمولاً للأدلّة لامجال للاستصحاب فيما كانت الأدلّة قاصرة عن شموله، فإنّ الاستصحاب فرع إحراز تعلّق الأحكام بالصنم، و شكّ فى بقائه، والمفروض أنّه لم يحرز تعلّق الحكم به حتّى يستصحب.

ولكن يرد عليه أوّلاً: منع عدم الشمول بعد صدق الصنم إذ هو كلّ ما عبد أو


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 109:1، ط: إسماعيليان.

يعبد ومن المعلوم أنّ الصنم يصدق على ما عبد به ولو انقرض عبدته. و ثانياً: إنّ بيعه لايكون جائزاً لو لم تكن له منفعة شائعة؛ لأنّ أخذ الثمن بإزائه يرجع الى أخذه فى مقابل ما ليس بمال.

وممّا ذكر يظهر أنّه لاوجه لإطلاق القول: بأنّ الأشبه بالقواعد عدم المنع عن البيع فى مثل الصورة المذكورة، سيّما مثل ما خرج من حفريّات باد أهلها، و انقرض عبدته، و لم يرج عودهم(1).

اللّهمّ الّا أن يقال: إنّ فى مثل (ما خرج من حفريّات باد أهلها و انقرض عبدته و لم يرج عودهم) يصحّ البيع؛ لوجود الماليّة بقدمة، فلايكون أخذ المال بإزائه أكل المال بالباطل، فافهم.

سادسها: إنّه لو فرض تغيير هياكل العبادة، بحيث لا يصدق عليها الأصنام، فحرمة بيع هياكل العبادة مرتفعة بارتفاع موضوعها، كما لا يخفى.


1) المصدر السابق: 9:1، 1 و 110.

جواز بيع مادّة الهياكل

و لا يخفى عليك أنّ الأكثر - على المحكىّ - ذهبوا إلى عدم جواز بيع الهياكل، من دون فرق بين قصد المادة و الهيئة، لكنّ المحكىّ عن التذكرة جواز بيع الهياكل إذا كان لمكسورها قيمة وباعها صحيحة لتكسّر(1)، وكان المشترى ممّن يوثق بديانته، و تبعه جماعة من متأحرى المتأحرين، كما فى الجواهر(2).

اُورد عليه فى الجواهر بما حاصله: أنّ المادّة و إن بقيت على الملك، ولكن لافرق فى حرمة التكسّب بالهياكل بين قصد المادّة و الصورة، وبين قصد المادّة خاصّة، ضرورة كونهما شيئا واحدا، ولذا لايقاس ببيع المتغايرين فى صفقة حتّى يصحّ فى البعض دون البعض ضرورة كونهما شيئا واحداً(3).

وإخراجه بعد ذلك عن الإسم بالكسر غير مجدٍ كما هو واضح بأدنى تأمّل.

وعليه، فلا يجوز بيعها باعتبار المادّة ولو اشترط الكسر وحصل الوثوق به.

و أجاب عن ذلك الشيخ قدّس سرّه: بمنع شمول الأدلّة لمثل هذا الفرد؛ لأنّ المتيقّن من الأدلّة المتقدّمة حرمة المعاوضة على هذه الاُمور، نظير المعاوضة على غيره من الأموال العرفيّة، و هو ملاحظة مطلق ما يتقوّم به ماليّة الشىء من المادّة و الهيئة


1) التذكرة 36:10، ط: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

2) الجواهر 26:22، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت.

3) المصدر السابق: 27:22.

والأوصاف (والمفروض فى المقام هو قصد المادّة دون الهيئة (.

ثمّ أضاف اليه بأنّ بيع المادّة فقط ربّما يقع، ولايكون غير متعارف حيث قال:

والحاصل أنّ الملحوظ فى البيع قد يكون مادّة الشىء، من غير مدخليّة الشكل، ألا ترى إنّه لو باعه وزنة نحاس، فظهر فيها آنية مكسورة، لم يكن له) لها) خيار العيب، لأنّ المبيع هى المادّة.

ثمّ أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه: أنّ صحّة بيع المادّة لا تحتاج إلى اشتراط الكسر والوثوق بوقوعه - كما يظهر من العلّامة قدّس سرّه و صاحب جامع المقاصد قدّس سرّه(1)، ولعلّ وجه ماذهبا إليه: أنّ دفع ما يقصد منه المعصية غالبا مع عدم الوثوق بالمدفوع إليه تقوية لوجه من وجوه المعاصى، فيكون باطلاً كما فى رواية تحف العقول(2).

لكنّ فيه مضافاً إلى التأمّل فى بطلان البيع لمجرّد الاعانة على الإثم (لأنّه نهى غيرىّ و هو لايوجب الفساد) أنّه يمكن الاستغناء عن هذا القيد بكسره قبل أن يقبضه إيّاه، فإنّ الهيئة غير محترمة فى هذه الأمور - كما صرّحوا به فى باب الغصب - بل قد يقال بوجوب إتلافها فوراً ولايبعد أن يثبت؛ لوجوب حسم مادّة الفساد(3).

و عليه فالبيع صحيح، و إذا كسره قبل القبض لا يلزم من البيع المذكور اعانة على الإثم.

و لا يخفى عليك أنّ المادّة و الهيئة بحسب قصد المتبايعين على تلاتة وجوه:

الأوّل: أن يكون كلاهما مقصودين، ولا اشكال فى حرمة المعاوضة على الصنم وبطلانها؛ لأنّ الصنم هو الموجود المتهيّىء بهيئة مخصوصة مركّبة من المادّة و الهيئة، والمفروض أنّهما مقصودتان، فتشمله الأدلّة الدالّة على حرمة المعاوضة على الأصنام


1) جامع المقاصد 16:4، ط: آل البيت عليهم السلام.

2) تحف العقول: 336، فى نهاية تفسير الصناعات، ط: النشر الإسلامى.

3) المكا سب: 15، السطر: 7-16.

والأوثان(1)بلا إشكال، ومقتضى الشمول هو الحرمة و البطلان.

الثانى: أن تكون الهيئة مع قطع النظر عن المادّة مقصودة لهما، ولا إشكال فى كون الهيئة بنفسها مع قطع النظر عن عروضها على المادّة لاتقع طرفاً للمعاوضة لدى العقلاء؛ إذ الأعراض و إن كانت قابلة للتصوّر الذهنىّ و الإشارة به الى وجودها الخارجى، ولكنّ العقلاء فى معاملاتهم لايعتبرون الهيئة من دون عروضها على الوجود، وعليه فالصنم الذى يباع ويشترى هو الهيئة المخصوصة العارضة على المادّة لا نفس الهيئة المخصوصة، فلامجال لكون الهيئة مع قطع النظر عن المادّة مورد البيع و الشراء.

الثالث: أنّ تكون المادّة مع قطع النظر عن الهيئة مقصودة لهما، ولا إشكال فى امكان أن تقع المادّة طرفاً للمعاوضة، كما يشهد له شيوع بيع وزنة نحاس وغيرها - كما عرفت - ولكنّ الإشكال فى أنّ عدم انفكاك مادّة الأصنام عن صورتها و هيئتها الصنميّة، أوجب صدق بيع الصنم على ما إذا بيعت مادّته، فتشمله الأدلّة الدالّة على حرمة المعاوضة على الأصنام، ودعوى انصرافها إلى ما إذا كانت الهيئة مقصودة أيضاً، غير واضح، بعد إحراز ممنوعيّة ائتقال الصنم و المعاملة عليه من الأدلّة، ألا ترى أنّ من باع الخمر بعنوان المائع و لم يقصد عنوان الخمريّة يصدق عليه بيع الخمر و إن لم يقصد عنوان الخمريّة وليس ذلك إلّا لاتّحاد الصورة مع المادّة فكذلك فى المقام، وعليه فلايجوز بيع الأصنام بقصد مادّتها ولو بشرط الكسر لأنّه قبل الكسر بيعت الأصنام.

والأوضح ما لو باع المادّة وشرط إبقاء الصورة، أو شرط عدم الكسر كلّ ذلك


1) الأوثان: جمع وثن، والفرق بين الوثن و الصنم: أنّ الوثن كلّ ماله جُثّة معمولة من جواهر الأرض أو الخشب أو الحجارة، كصورة الآدمىّ تعمل و تنصب فتُعبد، و الصنم: الصورة بلا جثّة، و منهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعْنييْن، و قد يطلق الوثن على غير الصورة. نهاية ابن الأثير: مادّة: وثن.

لصدق بيع الصنم.

و ممّا ذكر يظهر الكلام فيما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه حيث قال: ثمّ إنّ فى تلك الصور (أعنى قصد المادّة) يصحّ البيع ولو مع شرط إبقاء الصورة، فضلاً عن عدم الاشتراط أو اشتراط الكسر - كان المشترى موثوقا بديانته أم لا - بل مقتضى القاعدة صحّته ولو باعه من وثنى يبتاعه للعبادة وشرط على البائع عدم الكسر، بناءً على عدم كون الشرط الفاسد مفسدا؛ لأنّ ما وقعت عليه المعاملة هى المادّة، و لا مانع من بيعها؛ لكونها غير الصنم، وكون الشرط فاسدا و التسليم اعانة على الإثم لا يوجبان بطلان المعاملة(1).

و ذلك لما عرفت من صدق بيع الصنم لعدم انفكاك المادّة عن الصورة فى الصور المذكورة.

ثمّ لو سلّمنا جواز بيع المادّة، فهو فيما إذا كانت للمادّة قيمة معتدّ بها.

وإلّا فلا يمكن القول يجواز بيع المادّة فيما إذا لم تكن للمادّة قيمة، أو كانت لها قيمة بلحاظ الصورة، أو كانت لها قيمة لكن لايمكن محو الصورة عنها إلّا بإبطالها عن الماليّة، أو كانت لها قيمة لكن لايمكن إبطال الصورة رأساً، إلّا بالدفن، أو الغرق، ونحوهما، و ذلك - كما أفاد سيّدئا الإمام المجاهد قدّس سرّه أنّ فى الأولى: لاماليّة لها؛ إذ المادّة لم تكن لها قيمة، والهيئة محكومة بالإبطال شرعاً.

و فى الثانية: فلأنّ الماليّة الآتية من قبل الصورة ساقطة لدى الشارع الأقدس؛ إذ الحكم يإبطال الهيئة الموجب لإبطال ماليّة المادّة لا يجتمع مع اعتبار ماليّتها، فلاضمان على كسرها الموجب لإبطال ماليّتها و ماليّة مكسورها، ومنه يظهر الحال فى الثالثة:

فإنّ إيجاب الكسر بلا ضمان ملازم لإسقاط ماليّة المادّة، وفى الرابعة: يجب غرقها أو


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 113:1، ط: إسماعليان.

دفنها؛ حسماً لمادّة الفساد، فلاماليّة لها على جميع التقادير، فلايصحّ بيعها، و كذا لا يصحّ لو كانت لها قيمة مستهلكة فى قيمة الصورة لو باعها بالقيمة المساوية لقيمة الصورة؛ لأنّ البيع كذلك مع سقوط الصورة عن الماليّة، وفى محيط التشريع سفهىّ غير عقلائىّ‌، فلا تشمله ادلّة تنفيذ المعاملات، ولايمكن كشف رضى الشارع فيها، ومعه تقع باطلة(1).

و لا يخفى عليك أنّ فى الصورة الثالثة و الرابعة يمكن فرض أن يكون للمادّة قيمة معتدّ بها و الحكم بالإبطال لاينافى بقائها على المالية ما لم يتحقّق الإبطال كأن تكون المادّة مسكاً أو نحوه، فلو كان بين الحكم و تحقّق الإبطال زمان يمكن الاستفادة من المادّة، فالماليّة باقية و لا تسقط المادّة عن الماليّة بمجرّد الحكم فى الفرض المذكور.

ومما ذكر ينقدح ما فى كلام العلّامة قدّس سرّه بناءً على أنّ ظاهر كلامه هو وقوع البيع على الهياكل الصحيحة مشروطة بالكسر(2)لصدق بيع الصنم على بيعها، و إخراجه بعد ذلك عن الاسم بالكسر لايكون نافعاً كما أفاد فى الجواهر(3)لأنّ حال البيع يصدق عليه الصنم، و المفروض أنّه منهىّ‌.

ثمّ إن الشيخ قدس سره حمل كلام العلّامة على وقوع البع على المادّة بشرط الكسر(4)، ولكنّه خلاف ظاهر كلامه؛ لأنّ ظاهر كلامه كما أفاد سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه هو بيع الهياكل للعبادة لامادّة الهياكل، نعم ظاهر محكىّ كلام المحقّق الكركى هو ذلك حيث قال: لو باع رضاضها الباقى بعد كسرها قبل أن يكسرها، وكان المشترى موثوقاً بتقواه و أنّه يكسرها، أمكن القول بصحّة البيع، انتهى(5).


1) المصدر السابق: 112:1 و 113، ط: إسماعيليان.

2) التذكرة 36:10، ط: آل البيت عليهم السلام.

3) الجواهر 26:22، ط: دار إحياء التراث العربى.

4) المكاسب: 15، السطر: 11 و 12.

5) جامع المقاصد 16:4، ط: آل البيت عليهم السلام.

حيث فرض البيع فى رضاضها الباقى بعد كسرها، و هو ليس إلّا المادّة الخالية عن الصورة الصنميّة، وكيف كان، فقد عرفت حكم بيع المادّة، والملاك و المعيار هو صدق بيع الصنم وعدمه، فكلّ مورد صدق عليه ذلك العنوان يمكن التمسّك بإطلاق الدليل، ودعوى الانصراف لا شاهد لها.

قال فى جامع المدارك: والظاهر أنّ النظر فى التحريم إلى صورة البيع و التكسّب بالمذكورات بالهيئات الموجودة فيها، و أمّا لو كان النظر إلى خصوص المادّة من دون توجّه إلى الهيئة فلادليل على التحريم، نظير بيع الجارية المغنّية باعتبار أنّها مملوكة لا باعتبار كونها واجدة لوصف التغنى(1).

و فيه ما عرفت، من أنّ المعيار هو صدق العنوان لا القصد، ومع الصدق يكون منهيّاً عنه، ومقتضى النهى هو البطلان و الحرمة. هذا مضافاً إلى ما فى المقيس عليه - لما سيأتى - من ممنوعيّة بيع الجارية المغنّية؛ لأنّ مجرّد عدم لحاظ كون الثمن لصفتها لم يخرج المبيع عن كونها جارية مغنّية، فيصدق على بيعها بيع الجارية المغنّية، والمفروض هو كونها منهيّاً عنها.


1) جامع المدارك 8:3، ط: إسماعيليان، و مكتبة الصدوق قدّس سرّه.

فروع

أحدها: أنّ مقتضى اطلاق بعض الأدلّة كقوله صلّى الله عليه و سلّم إنّ الله إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»(1)هو عدم اختصاص الحرمة بخصوص البيع، بل كل معاملة ومعاوضة ممنوعه، بل لعلّ الهبة ونحوها ممّا ليست بمعاوضة، ممنوعة أيضا؛ بالوجه العقلىّ المذكور سابقاً أو بعض العمومات؛ لأنّ الأصنام ممّا يجىء منها الفساد المحض الذى لايرضى الش‍ - ‍ارع بوجوده، قال السيّد قدّس سرّه فى التعليقة: «لا فرق فى عدم الجواز بين البيع و غيره من أنحاء التمليكات - كالصلح و الهبة ونحوهما -، بل لايجوز صلح حقّ الاختصاص أيضاً، وكذا الشرط فى ضمن العقود وهكذا، والوجه واضح(2).

ثانيها: أنّه هل يصحّ بيع الصليب أو الصنم مع الجهل بفائدتهما أو لايصحّ؟ قال الميرزا الشيرازى قدّس سرّه: فالظاهر فساد البيع لما ذكر من إطلاق أدلّة الباب لصورتى العلم والجهل(3).

ويؤيّده أنّ غرض الشارع هو دفع مادّة الفساد وحسمها، والعلم و الجهل لايوجبان التفاوت فى ذلك الغرض.

ثالثها: إنّه اذا اشترى الصليب أو الصنم مع عدم العلم بعنوان الصنميّة أو الصليبيّة، يمكن إلحاقه بالفرع الثانى؛ لإطلاق أدلّة الباب و شمولها له أيضاً؛ ولأنّ الممنوع هو نقل ما يجىء منه الفساد المحض من دون تقييد بعلم البائع و المشترى، وهكذا النبوىّ الشريف يدلّ على أنّ الشىء إذا كانت منافعه محرّمة فالثمن الذى يقابله محرّم، سواءكان عنوانه مقصوداً أو لم يكن.


1) عوالى اللئالى 110:2، ح 310.

2) تعليقة السيّد الطباطبائى اليزدى قدّس سرّه على المكاسب: 5، السطر: 21 و 22، ط: قديم.

3) تعليقة الميرزا الشيرازى على المكاسب: 41، السطر: 18-20، ط: قديم.

بيع آلات القمار و آلات اللهو

ومنها: غير هياكل العبادة ممّا ليست له منفعة الّا منفعة محرّمة - كآلات القمار وآلات اللهو وغير ذلك - ممّا يجىء منه الفساد المحض، فيدخل فيه ما يقوى به الكفر وما يوهن به الحقّ‌. و لا يخفى عليك أنّ مقتضى ما عرفت هو عدم الفرق بين هياكل العبادة وبين غيرها ممّا ليست له منفعة إلّا منفعة محرّمة؛ لأنّ عمدة أدلّة حرمة بيع هياكل العبادة تدلّ على المقام أيضاً، فإنّ العمومات التى تدلّ على عدم جواز معامله ما يجىء منه الفساد محضاً تشمل تلك الآلات أيضاً، كما أنّ حكم الشارع بابطال آلات القمار وآلات اللهو يستلزم إسقاط ماليّتها، فأخذ شىء فى مقابلها يوجب أكل المال بالباطل بالمعنى الذى عرفت.

وأيضاً مع حرمة جميع منافع تلك الآلات يشملها النبوىّ الشريف: «إنّ الله إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»(1).

هذا مضافاً إلى دعوى عدم الخلاف و الإجماع، بل عرفت دعوى الإجماع المستفيض من صاحب الرياض قدّس سرّه(2).

هذا كلّه، مع ما يدلّ بالخصوص على حرمة بيع بعضها - كآلات القمار - مثل صحيحة معمّر بن خلّاد المرويّة فى الكافى: عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن


1) عوالى اللئالى 110:2، ح 310.

2) رياض المسائل 12:5، ط: دار الهادى.

معمّر بن خلّاد عن أبى الحسن عليه السّلام قال: «النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، وكلّ ما قومر عليه فهو ميسر»(1).

وموثّقة البزنطى فى آخر السرائر عن أبى عبداللّه عليه السّلام: «بيع الشطرنج حرام، و أكل ثمنه سحت، و إتّخاذها كفر و اللعب بها شرك، والسلام على اللاهى بها معصية و كبيرة موبقة» الحديث(2).

و مقتضى الجمع بينهما: هو وحدة غير الشطرنج معه فى الحرمة فإنّ صحيحة معمّر بن خلّاد تدلّ على أنّ النرد و غيره من الأربعة عشر، وكلّ ما قومر به و الشطرنج بمنزلة واحدة، و موثّقة البزنطى تدلّ على حرمة بيع الشطرنج، و كون أكل ثمنه سحتا، و مقتضى الجمع بينهما: هو حرمة كلّ ما قومر به وكون ثمنه سحتاً، هذا مضافاً إلى رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السّلام فى قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ‌) ، أمّا الخمر فكلّ مسكر - إلى أن قال -: و أمّا الميسر فالنرد و الشطرنج، وكلّ قمار ميسر - إلى أن قال -: كلّ هذا بيعه و شرائه والانتفاع بشىء من هذا، حرام من اللّه، محرّم.. إلخ»(3).

و مضافاً إلى رواية المناهى المرويّة فى الفقيه، قال: «... و نهى صلّى الله عليه و سلّم عن بيع النرد...»(4).


1) الكافى 435:6، كتاب الأشربة، باب النرد و الشطرنج ح 1، الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 104، ح 1.

2) السرائر 577:3، المستطرفات، ط: النشر الإسلامى. الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 103، ح 4.

3) تفسير القمّى 180:1 و 181، ط: منشورات العلّامة القمى، الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 102، ح 12.

4) من لايحضره الفقيه 4:4، السطر: 12، الباب 1، من مناهى النبى صلّى الله عليه و سلّم.

و أيضاً يدلّ بالخصوص على حرمة بيع آلات اللهو و الملاهى، مضافاً الى بعض فقرات تحف العقول(1)، مارواه فى المستدرك عن رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم أنّه قال: «- الى أن قال - إنّ آلات المزامير، شراؤها و بيعها وثمنها و التجارة بها حرام»(2).

و كيف كان، ففى ما ذكر غنى و كفاية لحرمة معاملة كل ما ليست له إلّا منفعة محرّمة، ولذا قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «ومنها آلات القمار بأنواعه بلا خلاف ظاهراً ويدلّ عليه جميع ما تقدم فى هياكل العبادة - إلى أن قال -: و منها آلات اللهو على اختلاف أصنافها بلا خلاف لجميع ما تقدّم فى المسألة السابقة»(3).

ثمّ إنّ الكلام فى بيع المادّة فى آلات القمار و آلات اللهو ونظائرهما، هو الكلام الذى تحدّثنا عنه فى بيع مادّة الهياكل فلانعيد.


1) تحف العقول: فى تفسير الإجارات: 334. قوله عليه السّلام: «... فأمّا وجوه الحرام... و المزامير و البرابط... أو شىء من وجوه الفساد... إلخ». و فى تفسير الصناعات: 335 قوله عليه السّلام: «... و ذلك إنّما حرّم انّ الصناعة.... نظير البرابط و المزامير و الشطرنج و كلّ ملهوّ به... فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجر عليه و جميع التقلّب به... إلخ» ط: النشر الإسلامى.

2) المستدرك 219:13، أبواب ما يكتسب به، الباب 79، ح 16.

3) المكاسب: 15، السطر: 19 و 22.

فروع

أحدها: أنّ حرمة بيع آلات القمار وآلات اللهو تدوم بدوام صدق الآلات عليهما، فاذا فرض خروجهما عن الآليّة و تغيّرت ماهيّتهما، فلا تبقى عليهما الحرمة؛ لأنّ الحكم تابع للموضوع، فإذا انتفى الموضوع فلاوجه لبقائه كما لا يخفى.

ثانيها: انّه لو شك فى خروج آلات القمار أو آلات اللهو عن كونهما لذلك، فمقتضى الأصل هو بقائهما على ما عليهما و يترتّب عليهما حكمهما.

ثالثها: إنّه لو كان بعض الأشياء فى بعض البلدان آلة للقمار أو آلة للملاهى دون البلدان الاُخرى فكلّ بلد له حكمه، كما فى المعدود و الموزون فى باب الربا.

رابعها: إنّه هل يجوز كسر الأوثان أو آلات القمار أو آلات الملاهى أم لا؟ والظاهر من كلمات الأعلام كالجواهر هى الجواز حيث قال: «يرفع الشارع احترامها و لم يدخلها فى الملك، و أوجب على المكلّفين إتلافها بلا ضمان، حتّى لو استلزم إتلاف المادّة، و يرتفع ضمانهما معاً، بل قيل بجواز إتلافهما معاً بلاضمان، من دون استلزام و إن كان لايخلو عن إشكال أو منع»(1).

و يشهد له أنّها ممّا يجىء منها الفساد محضاً ولايرضى الشارع بوجودها ويؤيّده ماروى فى إتلاف النبىّ صلّى الله عليه و سلّم و علىّ عليه السّلام أصنام مكّة، روى ابن مسعود أنّه دخل النبى صلّى الله عليه و سلّم مكّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطحنها بعود يده ويقول: «جاء الحقّ وما يبدىء الباطل»(2).

و روى أبو هريرة قال: قال لى جابر بن عبد الله دخلنا مع النبى صلّى الله عليه و سلّم مكّة وفى


1) الجواهر 27:22، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت -.

2) مصباح الفقاهة 149:1، الهامش 2، ط: أنصاريان، نقلا عن البيهقى 101:6.

البيت وحوله ثلاثمائة وستّون صما، فأمر بها رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فألقيت كلّها بوجوهها، وكان على البيت صنم طويل يقال له (هبل) فنظر النبى صلّى الله عليه و سلّم الى على عليه السّلام و قال له يا علىّ تركب علىَّ أو أركب عليك لألقى هبل عن ظهر الكعبة‌؟ قال علىّ‌: يا رسول الله بل تركبنى، فلمّا جلس على ظهرى لم استطع حمله لثقل الرسالة، قلت: يا رسول الله بل أركبك، فضحك و نزل وطأطأ لى ظهره واستويت عليه، فوالذى فلق الحبّة و برأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لمسكتها بيدىّ‌، فألقيت هبل عن ظهر الكعبه، فأنزل اللّه تعالى: وَ قُلْ جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ‌ (1).(2)

خامسها: إنّه لايجوز اقتناء آلات القمار وآلات اللهو بعد وجوب كسرهما، و أمّا اقتنائهما فى الأماكن المعدّة للآثار العتيقة مع الاطمئنان بعدم الاستفادة والاستعمال، أمكن القول بالجواز؛ لعدم إطلاق فى الباب بعد كون الر وايات ضعيفة، والإجماع دليلا لُبّيّا، فافهم.

و أمّا إذا حصل لآلات القمار أو آلات اللهو منافع محلّلة شائعة، فسيأتى حكمهما إن شاء اللّه تعالى.


1) بنى إسرائيل (الإسراء): 81.

2) البحار 76:38، الباب 60. الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام، ط: حديث. مصباح الفقاهة 149:1، الهامش: 2، ط: أنصاريان، إنّه نقل عن البحار مثله.

حكم أوانى الذهب و الفضّة

ثمّ إنّ أوانى الذهب و الفضّة التى يكون استعمالها فى الأكل و الشرب ونحوهما محرّما، ليس لها حكم هياكل العبادة وملحقاته اذا كانت لها منافع محلّلة اخرى - كالاقتناء للتزيين وغيره - فإنّ المفروض فى المقام هو ما ليس له منفعة إلّا المنفعة المحرمة.

نعم لو فلنا: بأنّ الاقتناء وغيره من المنافع محرّم أيضاً، يصير داخلا فى عنوان البحث، و يترتّب عليه ما مرّ من الأحكام، كما لا يخفى.

حكم الدراهم و الدنانير المغشوشة

و لا يخفى عليك أنّه إذا كانت الدراهم مغشوشة بحيث لا ينتفع بها الّا فى الحرام، فحكمها ما مرّ من عدم جواز المعاملة بها، ووجوب إتلافها حرفاً بحرف.

و أمّا إذا لم تكن كذلك، فإن كانت معلومة المصرف ورائجة فى البلد وبين الناس، فيجوز - كما فى الجواهر - إنفاقها بالشراء بها وغيره من أنواع التصرّفات مع جهالة أصل الغشّ أو قدره بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه فضلاً عن محكيه للسيرة القطعيّة بعد الأصل(1).

ويدلّ عليه خبر حريز المروىّ فى الكافى عن محمّد بن يحيى عمّن حدّثه عن جميل عن حريز بن عبداللّه قال: كنت عند أبى عبداللّه عليه السّلام فدخل عليه قوم من اهل سجستان(2)فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: «لا بأس إذا كان جوازا لمصر»(3).

و خبر الفضل أبى العبّاس المروىّ فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن البرقىّ عن الفضل أبى العبّاس قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الدراهم المحمول عليها فقال: «إذا أنفقت ما يجوز بين أهل البلد فلا بأس، و إن أنفقت ما لا يجوز بين أهل البلد فلا»(4).

و معتبرة أحمد بن أبى نصر المروىّ فى التهذيب بإسناده عنه عن رجل عن


1) الجواهر 16:24، بيع الصرف و أحكامه، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت -.

2) سَجستان: بالكسر و الفتح فى أوّله، مدينة بالمشرق، معرّب سيستان. منتهى الإرَب فى لغة العرب: مادّة: سجس.

3) الكافى: ج 5 ص 254، الباب 117 فى إنفاق الدراهم المحمول عليها، ح 3 و 46.

4) المصدر السابق: ص 253، الباب 117 فى إنفاق الدراهم المحمول عليها، ح 4.

محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السّلام قال: جاء رجل من سجستان فقال له انّ عندنا دراهم يقال لها الشاهيّة تحمل على الدراهم دانقين فقال: «لا بأس به إذا كانت تجوز»(1).

و حمل فى الجواهر على الأخبار المذكورة سائر الأخبار، كخبر حريز الآخر:

سألته عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: «لا بأس يإنفاقها».

بل وموثّقة عمر بن يزيد عن أبى عبداللّه عليه السّلام فى انفاق الدراهم المحمول عليها فقال: «إذا كان الغالب عليها الفضّة فلا بأس يإنفاقها» المبيّن بخبره الموثّق الآخر سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن انفاق الدراهم المحمول عليها؟ فقال: «إذا جازت الفضّة الثلثين فلابأس» على معنى أنّ الجائز بين الناس فى ذلك الوقت ما كانت كذلك(2).

وكانت كلمة (الثلثين) فى الخبر الأخير على ما فى نسخة الاسنبصار(3)، بينما فى نسخة التهذيب (المثلين).

و لا يخفى ما فيه حيث انّ مقتضى القاعدة فى الشرطين اللتين يخالف منطوق كلّ منهما مفهوم الأخرى، هو تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى، ولازم ذلك هو جواز الاكتفاء بأحد الأمرين، مع فرض كونهما عامّين من وجه، ولا وجه لجعل بعض طريقاً على الآخر، ولكن يشكل ذلك بعدم العمل بصرف الغلبة.

وعليه فالغلبة المذكورة أمارة كونها ممّا يجوز بين أهل البلد، هذا كلّه فيما إذا كان مقدار الغشّ متسامحا فيه مع كون المادّة منظوراً فيها، و الأوضح من ذلك ما إذا كانت الدراهم عدديّاً، ولا نظر فيها إلى المادّة أصلا، كما يدلّ عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال قلت لأبى عبداللّه عليه السّلام: أشترى الشىء بالدراهم فأعطى


1) التهذيب 108:7، ح 462 و 463 و 464.

2) الجواهر: 24 ص 17: فى بيع الصرف و أحكامه، ط: بيروت.

3) الاستبصار 96:3، فى إنفاق الد راهم المحمول عليها، الباب 63، ح 330.

الناقص الحبّة و الحبّتين قال: «لا، حتّى تبيّنه - ثمّ قال -: إلّا أن يكون نحو هذه الدراهم الأوضاحية(1)التى تكون عندنا عددا»(2)، وفى رواية الفقيه: أجاب عليه السّلام:

«لا الّا أن يكون مثل هذه الوضاحيّة يجوز كما يجوز عندنا عددا»(3).

و إن لم تكن الدراهم المغشوشة معلومة المصرف و كان غشّها مما لا يتسامح به؛ ففى الجواهر: لم يجز انفاقها إلّا بعد ابانة حالها بلاخلاف، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، فضلاً عن محكيه لما فيه من الغشّ المحرّم نصّا و إجماعا(4). و استندوا فيه الى الأخبار بعد حمل مطلقها على مقيّدها من الأخبار الدالّة على الجواز مع الإعلام، و إليك هذه الأخبار.

منها: ما رواه فى التهذيب بإسناده عن ابن أبى عمير عن على الصيرفىّ عن المفضّل بن عمر الجعفىّ قال: كنت عند أبى عبد اللّه عليه السّلام فالقى بين يديه دراهم، فألقى إلىّ درهما منها فقال: «أيش هذا؟» فقلت: ستّوق، فقال: «و ما الستّوق‌؟» فقلت: طبقتين فضّة وطبقة من نحاس وطبقة من فضّة فقال: «اكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا و لا إنفاقه»(5).

وطريق الشيخ قدّس سرّه إلى ابن أبى عمير هو أبو القاسم ابن قولوبه عن أبى القاسم جعفر بن محمّد العلوى الموسوى عن عبيد اللّه بن أحمد نهيك، وهم من الثقات؛ لأنّ ابن قولويه من الأجلّاء، و لتعبير الشيخ قدّس سرّه عن العلوى الموسوى فى مواضع كثيرة


1) الأوضاحية: نسبة إلى الوضح: و هو الدرهم الصحيح الزى لا ينقص عن الوزن شيئاً، و هو الرائج.

2) التهذيب 110:7، فى بيع الواحد بالإثنين و أكثر، ح 476.

3) من لا يحضره الفقيه 141:3، فى البيوع، ح 619. فإنّها تفرق عن رواية التهذيب فى كيفيّة طرح السؤال وجواب الإمام عليه السّلام، إلّا أنّ المؤدّى واحد.

4) الجواهر 17:24، فى بيع الصرف و أحكامه، ط: بيروت.

5) التهذيب: ج 7 ص 109.

بالشريف الصالح ولنقل حميد بن زياد كتباً كثيرة من الاُصول من عببد الله بن نهيك، هذا، مضافاً الى أنّ كثرة ما روى الشيخ قدّس سرّه عن هؤلاء، تدلّ على كونهم من المشايخ، و هو يكفى للاعماد.

ثمّ انّ نقل ابن أبى عمير يكفى فى وثاقة على الصيرفىّ‌؛ لأنّه لايروى الّا عن الثقة، هذا مضافاً الى أنّه من أصحاب الاجماع.

و أمّا المفضّل فالأخبار وان كانت فيه مختلفة، ولكنّ الترجيح مع الأخبار المادحة؛ لكونها أصحّ سندا بحيث قال فى معجم رجال الحديث: لايبعد دعوى العلم بصدورها فلا تنهض الأخبار الأخرى للمعارضة(1)، هذا مضافاً الى اختصاص بعضها بزمان انحرافه فلا إطلاى له.

وتضعيف الكشّى و النجاشى وابن الغضائرى، مضافاً إلى احمال كونه من جهة توهّم الغلوّ فيه، فلا تكون الشهادة فيه حجّة لانه مبنىّ على الحدس والاستنباط واللازم فى الشهادة أنّ تكون فى المحسوس أو ما يكون قريبا اليه، معارض مع توثيق المفيد و الحسن بن على بن شعبة، و مناف لجعل الشيخ إيّاه من الممدوحين وممّن اخنصّ بالائمة عليهم السلام، و هو أيضا على ما أفاده الوحيد البهبهانى قدّس سرّه: كثير الرواية وسديدها، بل الكتب المعتبرة مملوّة من أخباره، ورواياته متلقّاة مفتى بها، انتهى(2).

و يكفى فى جلالته - كما فى المعجم - تخصيص الإمام الصادق عليه السّلام إيّاه بكتابه المعروف بتوحيد المفضّل، فإنّه دليل على أنّه من خواصّ أصحابه ومورد عنايته.

ثمّ المراد من الستّوق بضم السين أو الفتح وتشديد التاء هو الدرهم المغشوش الملبّس بالفضّة.

و منها مارواه فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابنا عن سجّادة عن


1) معجم رجال الحديث 303:18، ح 12586، ط: مركز نشر آثار الشيعة.

2) تعليقات الوحيد البهبهانى قدّس سرّه على منهج المقال (رجال الأسترآبادى قدّس سرّه: 340، ط: قديم.

موسى بن بكر قال: كنّا عند أبى الحسن عليه السّلام فإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر إلى دينار فأخذه بيده، ثمّ قطعه بنصفين، ثمّ قال لى: «ألقه فى البالوعه حتّى لايباع شىء فيه غشّ‌»(1).

قال فى الوسائل رواه الصدوق يإسناده عن موسى بن بكر مثله(2)، ولكنى لم أجده فيه، وكيف كان فالرواية ضعيفة من جهة الإرسال و إن كان نقل ابن أبى عمير عن سجّادة، وصفوان عن موسى بن بكر كافياً فى وثاقتهما.

ومنها مارواه فى التهذيب يإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن محمّد بن عيسى عن جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى أبى الحسن عليه السّلام: ماتقول جعلت فداك فى الدراهم التى أعلم أنّها لا تجوز بين المسلمين إلّا بوضيعة(3)تصير إلىّ من بعضهم بغير وضيعة بجهلى به، و إنّما آخذه على أنّه جيّد، أيجوز لى أن اخذه وأخرجه من يدى على حدّ ما صار إلىّ من قبلهم‌؟ فكتب عليه السّلام: «لا يحلّ ذلك» وكتبت اليه: جعلت فداك هل يجوز إن وصلت إلىّ ردّه على صاحبه من غير معرفته به، أو ابداله منه و هو لايدرى أنّى ابدله منه أو أردّه عليه‌؟ فكتب: «لايجوز»(4).

وكيف كان فهذه الأخبار ظاهرة فى عدم جواز المعاملة أصلاً؛ ولذا أمر بالكسر و الإلقاء فى البالوعة، وعامل معها معاملة آلات الفساد و الملاهى.

ولكن يشكل ذلك بما فى الجواهر من أنّى لم أجد من أفتى به، بل الفتاوى و باقى


1) الكافى 160:5، كتاب المعيشة، باب الغشّ‌، ح 3.

2) الوسائل ج 12 ص 209، أبواب ما يكتسب به، الباب 86، ح 5.

3) الوضيعة: مفرد (وضائع) وهى الوظيفة التى تكون على الملك - و معنى آخر لها - الوضيعة: الخسارة. و قد وضع فى البيع يوضح وضيعة‌؟ يعنى الخسارة من رأس المال. نهاية ابن الأثير: مادة: وضع.

4) الوسائل: ج 12 ص 474، أبواب الصرف، الباب 10، ح 8.

النصوص على خلافه(1).

هذا مضافاً إلى ضعف خبر موسى بن بكر، على أنّ إطلاق الأخبار محمول على ما إذا لم يبيّن للمشترى، ومن يدفع إليه بشهادة صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج قال:

قلت لأبى عبد الله عليه السّلام أشترى الشىء بالدراهم فأعطى الناقص الحبّة و الحبّتين‌؟ قال:

«، حتى تبيّنه»(2).

و صحيحة على بن رئاب قال: لا أعلمه إلّا عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام: الرجل. بعمل الدراهم، يحمل عليها النحاس أو غيره ثمّ يبيعها؟ قال: «إذا بيّن ذلك فلابأس»(3).

ولكنّ فى نسخة الكافى قال: «إذا كان بين الناس ذلك فلابأس»(4).

و هذه النسخة تدلّ على أنّ المجوّز هو كونها رائجة بين الناس و لا تدلّ على أنّ المجوّز هو الإعلام و التبيين، وحيث إنّ نسخة الكافى أرجح من نسخة التهذيب، فلايصحّ الاستدلال بهذه الرواية على حمل الأخبار المطلقة على ما إذا لم يبيّن، نعم يكفى لذلك صحيحة عبدالرحمان بن الحجّاج، ويؤيّد ذلك اشتمال الأخبار المطلقة على ما يدلّ أنّ الموضوع فبها هو صورة الجهل كقوله عليه السّلام: «حتّى لايباع شىء فيه غشّ‌» إذ لا غشّ مع العلم، هذا مضافاً الى اشعار السؤال عن حقيقة الدرهم الذى القى إلى المفضّل إلى كونه واصلاً إليه من دون إعلام و تبيين، وتصريح السائل فى المكاتبة بأنّ الدرهم وصل إلىّ مع جهلى به.

فتحصل أنّ المستفاد من مجموع الأخبار هو عدم جواز بيع تلك الدراهم مع


1) الجواهر 18:24، فى بيع الصرف، ط: إحياء التراث العربى.

2) التهذيب: 7 ص 110، فى بيع الواحد بالإثنين و أكثر من ذلك ح 476.

3) المصدر السابق: ص 109، بيع الواحد بالإثنين و أكثر من ذلك ح 467.

4) الكافى: 5 ص 253، كتاب المعيشة، باب إنفاق الدراه‍ - م المحمول عليها، ح 2.

عدم الإعلام، وجواز ذلك مع الإعلام، ولذلك قال المحقّق قدّس سرّه فى المختصر النافع: لم يجز اخراجها إلّا بعد بيانها(1)أورد على الجمع المذكور فى جامع المدارك: بأنّ بعض الأخبار كخبر المفضّل ظاهر فى عدم جواز المعاملة أصلاً، ولذا أمر بكسره، ولو لا هذا لما أمر به، حيث إنّه بمنزلة التبذير - ككسر مال لا قيمة لمكسوره - الّا أق يفرق بين ما كان يصرف بين الناس مع وضيعة، وما لا يصرف بينهم أصلاً مع الالتفات إلى غشّه، وعلى هذا فيدور الأمر مدار واقعه، ولامدخليّة للعلم و الجهل، نعم مع الصرف مع الوضيعة لابدّ من البيان؛ لأنّه بدونه غشّ لايجوز(2).

حاصله أنّ خبر المفضّل و موسى بن بكر محمولان على ما اذا كان الغشّ على حدّ لايعامل الناس به مع التفاتهم إليه، ومن المعلوم آنّ الدرهم الذى يكون كذلك محكوم بالكسر، ولامورد لتجويز معاملته حتّى يقيّد بصورة العلم، بل هو محكوم بذلك - سواء علم بكونه مغشوشا أو لم يعلم -.

هذا بخلاف ما إذا كان الغشّ على حدّ يعامل الناس به مع التفاتهم إلى الوضيعة، فهو محكوم بعدم الجواز مع عدم الاعلام، وبالجواز مع الإعلام، فيصحّ تقييد المكاتبة بصحيحة عبدالرحمان بن الحجّاج و بالجملة أنّ الخبرين - أعنى خبر المفضّل و موسى بن بكر - آبيان عن التقييد، فيحملان على ما إذا كان الدرهم المغشوش على نحو لا يعامل به مع التفاتهم، فيصحّ الأمر بالكسر فى مثله من دون تقييد، و أمّا المكاتبة فهى قابلة للتقييد و لا مانع منه، فيجمع بينهما وبين الصحيحة بحمل المكاتبة على ما إذا لم يبين.

يمكن أن يقال بعدما عرفت من عدم فتوى الأصحاب بلزوم الكسر و الإلقاء فى البالوعة فقوله عليه السّلام: «لا يحلّ بيع هذا ولا انفاقه» فى معتبرة المفضّل وقوله عليه السّلام: «حتى


1) المختصر النافع: 213، كتاب التجارة - الفصل الخامس: فى الربا -، ط: مؤسّسه البعثة.

2) جامع المدارك 268:3، كتاب التجارة - الربا -، ط: إسماعيليان.

لا يباع شىء فيه غشّ‌» فى خبر موسى بن بكر، لايأبيان عن التقييد، هذا مضافاً إلى أنّ تفسير الستّوق بما فيه طبقات أو طبقتان من فضّة، لايساعد حمل الدراهم فيه على كون الغشّ على حدّ لايعامل بها أصلاً.

ثمّ إنّ مقتضى القاعدة هو صحّة المعاملة لو عصى ولم يعلم، وللمشترى خيار العيب، نعم إذا كان الغشّ على حدّ لايعامل به أصلاً، فالمعاملة باطلة إذا كانت الدراهم مورد المعاملة بأعيانهما، و إلّا فعلى البائع أن يبدّلها و يفى بما باعه، ووجه بطلان المعاملة فى الصورة المذكورة هو مباينة المغشوش مع الدراهم الرائجة، كما لا يحفى. و إن لم تكن المادّة مغشوشة، ولكنّ السكّة ليست سكّة السلطان المعهود، فالمعاملة أيضاً باطلة إن كانت المعاملة شخصية، لأنّ الدرهم منصرف الى المسكوك بسكّة السلطان المعهود، فغيرها مباين مع البيع، وليست بباطلة إن كانت المعاملة كلّيّة، بل لزم على البائع تبديل السكّة بسكّة السلطان المعهود، فلا مورد للخيار فى المقامبن، إذ فى الصورة الأولى باطلة ولاخيار وفى الصورة الثانية صحيحة ولاخيار.

ولو عوملت الدراهم أو الدنانير المغشوشة مع جهل البائع و المشترى، فلا اشكال فى عدم شمول الأخبار المذكورة لها؛ لأنّها ظاهرة فيما إذا كان البائع عالما، كما لا تشمله أدلّة حرمة الغشّ‌، إذ الغشّ‌(1)لا يصدق مع جهل الطرفين، فإن كانت مباينة بين التخلّف و المقصود فى المعاملة، فمقتضى القاعدة هو البطلان، وإلّا بأن لم تكن مباينة، ولم تكن ممّا تجوز فى البلد و لم تكن عدديّاً، فإن عدّت ناقصة فلمن صار إليه خيار العيب وإلّا فإن كان من موارد تخلّف الشرط فله خيار تخلّف الشرط.

تبصرة: قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: «ولو وقعت المعاوضة عليها جهلاً، فتبيّن الحال لمن صار إليه، فإن وقع عنوان المعاوضة على الدرهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك


1) الكافى 160:5، كتاب المعيشة، باب الغشّ‌، أحاديث متعدّده فى حرمة الغشّ‌.

بسكّة السلطان بطل البيع، و إن وقعت المعاوضة على شخصه من دون عنوان، فالظاهر صحّة البيع مع خيار العيب إن كانت المادّة مغشوشة، و إن كان مجرّد تفاوت السكّة فهو خيار التدليس فتأمّل(1).

و فيه: إنّ مع فرض وقوع المعاملة على العين الشخصى بعنوان المادّة دون الهيئة، ولم ينكشف الخلاف إلّا فى السكّة التى ليست ملحوضة فى المعاملة تصحّ المعاملة من دون خيار، وعليه فلامجال لخيار التدليس.

هذا مضافاً إلى أنّ التدليس فيما إذا غشّ فى إظهار وصف مفقود - كما صرّح به الشيخ قدّس سرّه نفسه فى حرمة الغشّ -، وفى المقام ليس إظهار لذلك وان كان سكوته له شباهة بالإظهار، و لعلّ اليه أشار بقوله: «فتأمّل».

ثمّ لايخفى عليك أنّه أبدى الشيخ الأعظم قدّس سرّه الفرق بين المقامين أعنى الدراهم المغشوشة وما مرّ من آلات القمار و آلات اللهو - بعدما صرّح بنفوذ المعاملة فى مادّة الدراهم المغشوشة، مع الخيار إذا لم تقع المعاملة على عنوان الدرهم المنصرف إلى المسكوك بسكّة السلطان، حيث قال: «و هذا بخلاف ما تقدّم من الآلات، فإنّ البيع الواقع عليها لايمكن تصحيحه بإمضائه من جهة المادّة فقط واسترداد ما قابل الهيئة من الثمن المدفوع، كما لو جمع بين الخلّ و الخمر؛ لأنّ كلّ جزء من الخلّ و الخمر مال، لابدّ أن يقابل فى المعاوضة بجزء من المال، ففساد المعاملة باعتباره يوجب فساد مقابله من المال لا غير، بخلاف المادّة و الهيئة، فإنّ الهيئة من قبيل القيد للمادّة جزء عقلىّ لا خارجىّ تقابل بمال على حدة، ففساد المعاملة باعتباره فساد لمعاملة المادّة حقيقة، و هذا الكلام مطّرد فى كلّ قيد فاسد بذل الثمن الخاصّ لداعى وجوده»(2).

و فيه كما فى مصباح الفقاهة إنّ التزامه بالانحلال و التقسيط فى الأجزاء


1) المكاسب: ص 15، السطر: 29-31.

2) المصدر السابق: السطر 31-35.

الخارجيّة إذا ظهر الخلاف، وعدم التزامه بهما فى آلات اللهو و القمار و سائر ما كان التعدّد فيه بالتحليل العقلىّ متين، ومن الوضوح بمكان، الّا أن الحال فى الدراهم أيضاً كذلك فاذا كان الاختلاف من جهة السكّة لايمكن التصحيح من جهة المادّة، والإبطال من جهة الهيئة، و أمّا الصورة الاُخرى التى يصحّ البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه، فلاجامع بينها وبين آلات القمار ليحتاج الى إبداء الفارق بينهما، ومن المحتمل أنّ هذه العبارة قد حرّرها النسّاخ فى غير موضعها اشتباها، و الله العا لم(1).

بل فى الصورة الاُخرى التى يصحّ البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه، أيضاً تكون بين المقام و الآلات اشتراك على مذهب الشيخ قدّس سرّه؛ لأنّه ذهب إلى صحّة بيع الآلات بقصد المادّة من غير مدخليّة الشكل، فالفرق(2)، بين المسألتين فى غير محلّه.

فالأظهر عدم الفرق بين المقامين، فان وقعت المعاملة على العنوان فلايمكن تصحيحها بالنسبة الى المادّة وإفسادها بالنسبة إلى هيئاتها ليسترجع ما قابلها من الثمن، كما إذا ضمّ ما يملك إلى ما لا يملك وباعهما صفقة واحدة لأنّ المعاملة - كما فى تعليقة المحقّق الإيروانى قدّس سرّه - معاملة واحدة و المتعلّق واحد، والكثرة تحليليّة عقليّة، فاذا بطلت فى جزء بطلت فى الجميع، ولم تقابل المادّة بجزء من الثمن و الهيئة بجزء آخر كى يستردّ بعض ما قابل الهيئة وتنفذ المعاملة فى بعض ما قابل المادّة، و لا فرق فى ذلك بين العناوين المتقدّمة - من هياكل العبادة و الآت القمار وآلات اللهو و الدراهم المغشوشة الممنوعة عن بيعها - فيما إذا لم يكن لها منفعة معتدّ بها، بل تكون من مظاهر الفساد، كما أنّه لو وقعت المعاملة على موادّ المذكورات باعتقاد أنّها تحت عناوين محلّلة، كان حكمها واحداً من دون تفاوت بينها أصلاً، فكما أنّ بيع مادّة الدراهم صحيح، فكذلك بيع مادّة الآلات باعتقاد أنّها تحت عناوين محلّلة صحيح، مع قطع


1) مصباح الفقاهة 160:1-161، ط: أنصاريان.

2) المكاسب 15: السطر: 19-26.

النظر عمّا قلنا سابقاً من صدق عناوين الهيئات عليها.

ولذا قال المحقّق الإيروانى قدّس سرّه: «إذا حسب الطبل صندوقا ثمّ ظهر الخلاف، فهناك صور أربع: فتارة: يشترى الصندوق الكلّىّ‌، و هذا لا إشكال فيه، فإنّه لم تقع المعاملة على الطبل، و إنّما دفع الطبل عوض الصندوق، فليستبدله المشترى، واخرى:

يشترى المادّة الخارجيّة وكان معتقدا أنّها صندوق، و هذا أيضاً لا اشكال فيه، فإنّ الاعتقاد المذكور من قبيل المقارنات الاتّفاقيّة التى لايؤتّر وجودها و عدمها فى المعاملة، ولايحدث أيضا خيارا للمشترى.

وثالثة: يشترى الحصّة من الكلّىّ - أعنى عنوان الصندوق الحاصل فى هذا الخارجىّ - فظهر أن لاصندوق، و هذه المعاملة باطلة، فإنّ المبيع لا وجود له، وما هو الموجود لم تقع عليه المعاملة، و رابعة: يشترى هذا المشار إليه على أنّه صندوق، فبان أنّه طبل، فى هذا يثبت خيار تخلّف الشرط كما فيما إذا اشترى العبد على أنّه كاتب، فبان أنّه غير كاتب... إلخ»(1).

ففى الصورتين لا فرق بين المقامين فإذا كان المبيع هو المعنون بعنوان خاصّ لا يصحّ بيعه بهذا العنوان فى الجميع من دون فرق بين العلم و الجهل و إن لم يكن كذلك بل المادّة مورد المعاملة فيمكن تصحيح المادّة فى الجميع من دون فرق بين المقام وغيره، ثمّ إنّ القيد الفاسد إن رجع إلى العنوان فله حكمه و الّا فإن رجع إلى الشرط الفاسد فلايلزم منه البطلان إلّا على القول بأنّ الشرط الفاسد مفسد كما أفاد السيّد فى التعليقة فراجع(2).


1) تعليقة المحقّق الإيروانى قدّس سرّه على المكاسب: 13، السطر: 36-40، ط: قديم.

2) المصدر السابق: 15، السطر: 2، ط: قديم.

القسم الثانى من النوع الثانى:

ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرّمة، مع أنّ الشىء مما كان له منفعة محرّمة ومحلّلة، والمحرّمة إمّا مقصودة أو غير مقصودة، والمقصودة إمّا مجرّدة عن غيرها أو غير مجرّدة، والمجرّدة امّا مشروطة أو غير مشروطة، والبحث فى تلك الفروع يأتى فى ضمن مسائل:

أحدها: أن يكون المبيع كلّيّا مقيّدا بنحو لاينطبق الّا على المحرّم - كبيع العنب الذى ينتهى إلى التخمير - فيكون المبيع كسائر الكلّيّات المقيّدة، بأن يقال: كما أنّ العنب الأحمر لا ينطبق إلّا على مصاديق خاصّة، فإذا تعلّق به البيع يكون المبيع حصّة من الكلّىّ لاتنطبق إلّا على مصاديقها، كذلك يصحّ تقييد الكلّىّ بأىّ قيد تراضى عليه المتعاقدان، فإذا باع العنب المنتهى إلى التخمير كان مصداق المبيع هو العنب المتعقّب به، لا العنب المطلق، فإذا تسلّمه المشترى و لم يستعمله فى التخمير، يكشف عن عدم كونه مصداقا للمبيع، لا بطلان البيع.

و فيه؛ كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: إنّ البيع المذكور باطل لعدم عقلائيّة الملك الحيثىّ‌، والفرق بين هذا القيد وقيد كون العنب أحمر أو أصفر، أنّ مصداق الأحمر بعد تسليمه يكون ملكا طلقا للمشترى، و أمّا العنب المنتهى الى التخمير فليس ملكا له إلّا من حيث التخمير دون سائر الحيثيّات، و لم يعهد لدى العقلاء هذا النحو من الملكيّة، وإلّا لجاز بيع الرداء الذى تحت السقف مثلاً، فلا يكون ملكه إلّا حصّة من الرداء، أو حيثيّة منه، فإذا خرج عن تحت السقف خرج عن ملكيّته، و أنت

خبير بأنّ هذا النحو من الملكيّة غير عقلائيّة ولا معهودة، فالعنب المنتهى الى التخمير لو صار ملكا لازمه عدم ملكيّة العنب بنحو الإطلاق، و بجميع الحيثيّات، بل حصّة أو حيثيّة خاصّة منه، فلا يكون بما أنّه مأكول أو غير ذلك مبيعا ولا ملكا للمشترى، و هو مخالف لاعتبار العقلاء، وكذا الحال فى التعليق و الشروط(1).

و ثانيها: أن يكون المبيع جزئيّاً خارجيّاً مع توصيفه بالوصف المتقدّم، فيكون المبيع الموجود المنتهى إلى التخمير، فلو لم ينته إليه يكشف عن عدم كونه مبيعاً، فيبطل البيع؛ لكون المبيع شخصيّا.

و فيه؛ أنّ المبيع هو الموجود الخارجى، و القيد عند العرف من قبيل الوصف المتخلّف، وتخلّف الوصف ليس بمبطل، بل يوجب الخيار لو كان شرطاً محلّلا، وإلّا فلا - كما فى المقام -.

نعم يرد عليه ما أورده سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه على الصورة الأولى: من عدم عقلائيّة الملك الحيثى(2).

لايقال: توصيف الموجود الخارجىّ بذلك لا يزيد عند العرف عن توصيف الجزئى الخارجىّ بشىء غير معقول، ومن المعلوم أنّ توصيف الجزئىّ الخارجىّ بشىء غير معقول لايوجب البطلان؛ إذ المبيع عند العرف ليس إلّا الموصوف لا المتحيّث بحيثيّة خاصّة.

لأنّا نقول: إنّ الوصف المذكور يخالف مقتضى العقد، فإنّه يقتضى كون الملك طلقاً و توصيف المبيع بالوصف المذكور يناقضه.


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 115:1-116، ط: إسماعيليان.

2) المصدر السابق.

وثالثها: أن يكون القيد على نحو الشرط المتأخّر، كأن يقول البائع بشرط أن ينتهى الى التخمير - سواءكان المبيع كلّيّا أو جزئيّا - بحيث يكشف عدم الانتهاء عن عدم كونه مصداقا للمبيع أو عدم كونه مبيعا.

أُورد عليه ما أورده سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه على الأولى و الثانية: من أنّ الظاهر بطلان البيع فى هذه الصورة؛ لعدم عقلائيّة الملك الحيثى، والفرق بين هذا القيد و قيد كون العنب أحمر أو أصفر، أنّ مصداق الأحمر بعد تسليمه يكون ملكا طلقا للمشترى، و أمّا العنب المنتهى إلى التخمير فليس ملكا له الّا من حيث التخمير دون سائر الحيثيّات، ولم يعهد لدى العقلاء هذا النحو من الملكيّة(1).

لا يقال: انّ ذلك صحيح فيما إذا كان المبيع كلّيّاً، و أمّا إذا كان جزئيّاً فهو يكون عند العرف بمنزلة اشتراط المبيع الخارجى بشىء غير معقول، فإنّ البيع يقع عندهم على المشروط.

و أمّا الشرط الذى ليس بمعقول فلا تشمله أدلّة نفوذ البيع، وحيث أنّ الشرط عند العرف بمترلة وصف المبيع، فلايوجب تخلّفه مباينة الموجود مع المشروط، حتّى يكون تخلّفه موجباً للبطلان؛ لأنّا نقول: إنّ الشرط المذكور مخالف لمقتضى العقد الذى يقتضى انتقال الملك طلقا، ومن المعلوم أنّ مع المناقضة لايقع العقد.

ورابعها: أن يبيع الشىء - كالعنب أو الخشب - واشترط على المشترى بأن لايتصرّف فيه إلّا فى المحرّم، قال فى الجواهر: لا خلاف أجدها فى الحرمة مع التصريح بالشرطيّة أو الاتّفاق عليها على وجه بنى العقد عليها، بل عن مجمع البرهان نسبته الى ظاهر الأصحاب(2)، بل عن المنتهى دعوى الإجماع عليه(3)، كما عن


1) المصدر السابق بنفس الصفحة.

2) مجمع الفائدة و البرهان 46:8-48، أقسام التجارة و أحكامها ط: النشر الإسلامى.

3) المنتهى 1010:2، السطر: 21-26، كتاب التجارة: النوع الثانى، ط: قديم.

الخلاف(1)والغنية(2)، الإجماع على عدم صحّة إجارة المسكن؛ ليحرز فيه الخمر، أو الدكّان؛ ليباع فيه(3).

و قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه فى الفرض المذكور: لا اشكال فى فساد بيع العنب على أن يعمل خمرا، والخشب على أن يعمل صنماً، أو آلة لهو أو قمار، واجارة المساكن؛ ليباع أو يحرز فيها الخمر، وكذا اجارة السفن و الحمولة لحملها، فضلاً عن حرمته ولا خلاف فيه، ويدلّ عليه مضافاً إلى كونها اعانة على الإثم، وإلى أنّ الإلزام والالتزام بصرف المبيع فى المنفعة المحرّمة الساقطة فى نظر الشارع أكل وإيكال للمال بالباطل خبر جابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال حرام أجرته»(4). فإنّه إمّا مقيّد بما إذا استأجره لذلك، أو يدلّ عليه بالفحوى - بناءً على ما سيجىء - من حرمة العقد، مع من يعلم أنّه يصرف المعقود عليه فى الحرام.

نعم فى مصحّحة ابن أذنية قال: سألت أبا عبداللّه عليه السّلام عن الرجل يؤاجر سفينته أو دابّته لمن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير؟ قال: «لا بأس»(5).

لكنّها محمولة على ما إذا اتّفق الحمل، من دون أن يؤخذ ركناً أو شرطا فى العقد، بناءاً على أنّ خبر جابر نصّ فيما نحن فيه وظاهر فى هذا، عكس الصحيحة، فيطرح ظاهر كلّ بنصّ الآخر، فتأمّل، مع أنّه لو سلّم التعارض كفى العمومات المتقدّمة(6).


1) الخلاف 508:3، كتاب الإجارة، المسألة: 37، ط: النشر الإسلامى.

2) الغنية: 285، فصل فى الإجارة، ط: مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام.

3) الحواهر 30:22، كتاب التجارة، فى بيع العنب لمن يجعله خمراً، ط: إحياء التراث العربى.

4) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 39، ح 1.

5) المصدر السابق: ح 2.

6) المكا سب: 16، السطر: 3-9.

و فيه أوّلاً: انّ حرمة الإعانة لا تدلّ على الفساد؛ لأنّ النهى عنها نهى بالعنوان الثانوىّ‌، و هو كنهى الوالد عن البيع، لايوجب الفساد.

و ثانياً: إنّ المنفعة خارجة عن مورد البيع و النقل و الانتقال؛ اذ العوض فى مقابل ذات الشىء؛ لأنّ البيع هو تمليك عين بعوض دون باب الإجارة، فإنّها تمليك منفعة بعوض، و عليه فالعوض لايكون ثمنا للمنافع المحرّمة، حتّى يدخل فى آكل المال بالباطل، بل يقع فى مقابل العين كما لايخفى.

و أمّا ما ذهب اليه سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: من انّ مثل هذا الشرط مخالف المقتضى العقد، فإنّ اعتبار الملكيّة موقوف على كون الشىء ذا منفعة ولو فى الجملة، يصحّ للمالك الانتفاع به، فلو فرض كون شىء مسلوب الانتفاع مطلقاً، لا يعتبره العقلاء مالا و لا ملكا، لا أقول: أنّ الملكيّة و المالة نفس الانتفاعات، بل أفول: أنّ مناط اعتبارهما لدى العقلاء صحّة الانتفاع فى الجملة، فمسلوب الانتفاع بقول مطلق ليس ملكا ولا مالا، كما أنّه لو سلب مطلق الانتفاعات عن شىء بالنسبة إلى شخص لايعتبره العقلاء ملكاً ولا مالا له فى بعض الأحيان.

فحينئذ نقول إذا شرط البائع على المشترى أن لاينتفع بالمبيع مطلقاً، فهو فى قوّة بيع شىء بشرط عدم صيرورته ملكاً للمشترى، فيكون مخالفاً لمقتضى العقد، و موجبا لبطلانه - سواء قلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد أم لا -؛ لأنّ الخلاف فى الشرط الفاسد إنّما هو فى الشروط التى لايضرّ اشتراطها بقوام المعاملة، و أمّا الشروط المنافية لماهيّتها و قوامها، فلاينبغى الكلام فى مفسديّتها؛ لرجوعها إلى التناقض فى الجعل و التنافى فى الإنشاء - والمقام من قبيل ذلك - فإنّ العنب مثلاً مسلوب المنفعة بحسب قانون الشرع من حيث التخمير، فإذا كحان مفاد الشرط تحريم الانتفاع بالمحلّل، يرجع إلى انتقال شىء مسلوب المنفعة مطلقاً، فلا تعتبر معه الملكيّة للمشترى، فيكون

الشرط فى قوّة البيع بشرط عدم الملكيّة وان لم يكن بعينه هو(1).

ففيه انّ شرط عدم انتفاع المشترى ممّا ملكه بالبيع لا يكون مخالفا لمقتضى العقد، بل هو مؤكّد له؛ إذ الشارط آراد أن يحدّد ما يحصل له بالبيع من حقّ الانتفاع بالشرط المذكور، وعليه فالعقد موجب لانتقال شىء ذا منفعة الى المشترى، والشرط المذكور لايوجب أن لايكون المنتقل إليه ذا منفعة، بل يوجب عليه أن لايستفيد من ذى المنفعة الذى انتقل إليه.

نعم لو شرط أن لايكون المنتقل إليه ذا منفعة، فهو مخالف لمقتضى العقد - كما ذكر - ولكنّ ذلك خلاف المفروض، و عليه فقياس المقام بما كان مسلوب المنفعة مطلقاً تكوينا ليس فى محلّه؛ إذ اشتراط عدم الانتفاع لايوجب أن يكون المبيع مسلوب المنفعة حال البيع، مع فرض وجود المنفعة المحلّلة له فى تلك الحال، وهكذا، لا. يكون المبيع المذكور كدرّة غرقت فى البحر، بحيث لايرجى عودها إلى الأبد فإنّ الدرّة حين البيع ليس لها منفعة، بخلاف المقام: فإنّ الشىء ذو منفعة، و إنّما اشترط على المشترى أن لا يستفيد ممّا ملكه و كان حال البيع ذا منفعة.

اللّهمّ الّا أن يقال: إنّ الشرط المذكور موجب لسقوط الشىء عن الماليّة. لأنّ الشروط توجب الزيادة و النقصان فى ماليّة الشىء، ألا ترى أنّه لو شرط على المشترى عدم الانتفاع بالفرو فى الشتاء، و عدم انتقاله إلى الغير، تحطّ من خمسين إلى خمس.

وعليه فالشرط المذكور يوجب أن يكون الثمن فى مقابل شىء لا ماليّه له، وبهذا الاعتبار يدخل فى عنوان أكل المال بالباطل.

ولكن يمكن الجواب عنه:


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه: 116:1-117، ط: إسماعيليّان.

أوّلاً: بأنّ هذا فيما اذا لم يكن الشرط المذكور فاسدا، و أمّا مع كونه فاسدا فلا وجه لرفع المالية.

ثانياً: لأنّ اشتراط عدم الانتفاع بالعين غير اشتراط عدم الانتقال، فمع الشرط المذكور لايوجب أن تكون العين ساقطة عن الماليّة رأسا؛ اذ له انتقالها بعوض وليس الانتقال هو الانتفاع، نعم لو شرط عدم الانتفاع بها فى المحلّلات، وعدم الانتقال صحّ ماذكر.

فاتضح من جميع ذلك كلّه أنّ الحرمة التكليفيّة من ناحبة حرمة الاعانة لاتوجب الفساد، كما أنّ اشتراط عدم الانتفاع بالعين إلّا فى المنفعة المحرّمة لايوجب بطلان المعاملة؛ لعدم كونه مخالفا لمقتضى العقد، نعم حيث كان هذا الشرط مخالفاً للكتاب و السنّة، كان ذلك الشرط باطلا و فاسدا، وفساد الشرط - كما مرّ فى محلّه - لايستلزم فساد العقد و لا يسرى اليه، و عليه فالعقد ليس باطلا، غايته هو أنّ قصد البائع حيث كان مقيّدا به، فالتخلّف عنه يوجب الخيار، كالتخلّف عن الشروط الصحيحة و أمّا التقسيط فلاوجه له بعد كون الشروط لاتقابل بالأثمان.

و أمّا التمسّك بخبر جابر ففيه - مع قطع النظر عمّا فى سنده، من جهة عدم توثيق على بن النعمان واختلاف النسخ بين (جابر و صابر (، اللّهمّ الّا أن يقال: أنّ نقل ابن مسكان يكفى فى الحكم بكون الرواية مصحّحة؛ لانه من أصحاب الإجماع -.

أنّ مورده هو الإجارة، فالحكم ببطلان الإجارة وحرمة الأجرة لايستلزم الحكم بذلك فى البيع، مع وجود الفرق بينهما، و هو أنّ الثمن فى الإجارة يقع فى مقابل المنافع دون البيع، فلاوجه للاستدلال بها كما لايخفى، هذا مضافاً إلى أنّ مفاده هو فساد المعاملة مع ترتّب الحرام فى المحلّ ولو لم يشترط ذلك، و هو كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: مخالفة للقواعد العقلائيّة و الشرعيّة المحكمة، ضرورة أنّ إجارة البيت إذا لم تكن للانتفاع المحرّم لم تكن اُجرته حراماً، ومجرّد بيع المستأجر فيه الخمر لايوجب

حرمة الأجرة، والّا لزم حرمة اجرة الدكاكين و البيوت التى يقع فيها عمل محرّم أو بيع حرام و هو كما ترى(1).

هذا مضافاً إلى ما فى الجمع بين خبر جابر وصحيحة ابن أذينة مع أنهما سيّان فى الظهور، والقدر المتيقّن لكلّ واحد منهما لايوجب أن يكون كلّ واحد بالنسبة إليه نصّا، وبالنسبة إلى غيره ظاهرا؛ لأنّه قدر متيقّن خارجىّ‌، و لا يرتبط بباب اللفظ، و عليه فيقع التعارض بين الخبرين، فيرجع فيه الى القواعد المقرّرة فى التعارض، ولا مجال معها للرجوع إلى العمومات إلّا إذا كانت مرجّحة لبعض الأطراف.

و ربما يستدلّ بعموم أدلّة النهى عن المنكر للمقام(2)، بدعوى أنّه اذا وجب النهى عن المنكر لرفعه فإنّ النهى عنه لدفعه أولى بالوجوب.

اُورد عليه فى مصباح الفقاهة: بأنّا لو استفدنا من الأدلّة وجوب النهى عن المنكر لدفعه، لأمكن الالتزام بوجوب النهى عنه؛ لرفعه بالفحوى، و أمّا العكس فلا، ولو أغمضنا عن ذلك فهو إنّما يتمّ إذا علم البائع بأنّ المشترى يصرف المبيع فى الحرام على حسب الاشتراط، وإلّا فلامقتضى للوجوب، على أنّ مقتضاه إنّما هو مجرّد التكليف، والنهى التكليفىّ‌، فى المعاملات لايقتضى الفساد(3).

يمكن أن يقال: إنّ المنكر لو كان ممّا لايرضى الشارع بوجوده، فهو يدلّ على مبغوضيّة اشتراط صرف المبيع فيه ولو لم يعلم بصرف المشترى إيّاه فى الحرام المذكور.

اللّهمّ إلّا أن يقال أنّ الشرط المذكور ليس علّة لإيجاد الحرام، و إنّما غايته هو ايجاد الدواعى، والتخلّف فيها غير عزيز، ومعه كيف توجب مبغوضيّة ذى المقدّمة


1) المصدر السابق: 122، ط: إسماعيليان.

2) الوسائل 393:12-520، كتاب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، الباب 1-41.

3) مصباح الفقاهة 1؛ 163، ط: أنصاريان.

مبغوضيّة المقدّمات التى ليست إلّا مقدّمات اعدادية، نعم لو علم عدم رضاية الشارع ولو بهذه المقدّمات أيضاً - كلعن غارس الكَرم(1)للتخمير(2)ونحوه - فلا كلام فى حرمته، ولكنّه لايدلّ على الفساد.

و قد يستدلّ أيضاً بالأخبار المسؤول فيها عن جواز بيع الخشب ممّن يتّخذه صلبانا أو صنما - المستدلّ بها فى المسألة الآتية - بدعوى أنّه لو قيل بحرمة بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يعمله صنما لظاهر هذه الأخبار(3)، صحّ الاستدلال بفحواها - على ما نحن فيه - بعد عدم اختصاص الحكم بالخشب.

ولكن أجاب الشيخ الأعظم قدّس سرّه عن ذلك: بأنّ ظاهر هذه الأخبار معارض بمثله أو بأصرح منه(4)فتحمل على الكراهة(5).

هذا مضافاً إلى احمال اختصاص الحكم بالخشب - كما سيأتى إن شاء الله تعالى -.

و يمكن الاستدلال فى المقام بما ورد فى الجارية المغنّية من أنّ‌: «ثمن الجارية المغنّية سحت»(6)و أنّه: «قد يكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلّا كثمن الكلب»(7)حيث إنّه دلّ على حرمة المعاوضة؛ إذا قصد منها الصفة المحرّمة، و هى التغنّى، فهو يدلّ على المقام بفحواها؛ لأنّ القصد إلى الصفة المحرّمة، إذا كان موجباً


1) الكرم: شجرة العنب، واحدتها كرمَة. لسان العرب: مادّه: كرم.

2) الوسائل 165:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، ح 4 و 5. حيث و رد اللعن فى الحديثين.

3) المصدر السابق: الباب 41، ح 1 و 2.

4) المكاسب: 16، السطر: 15-16.

5) المصدر السابق: 17، السطر: 2.

6) الوسائل 87:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 4. و لفظه: «إنّ ثمن الكب و المغنّية.

7) المصدر السابق: ح 6. مع اختلاف ضئيل فى العبارة - فلا بعتنى به -.

للحرمة وفساد المعاملة، فالاشتراط يكون موجبا لذلك بالآولويّة.

اللّهمّ الّا أن يقال: انّ المحرّم فى الجارية المغنّية هو نفسها ما دام يصدق عليها عنوان المغنّية، ولامدخليّة للقصد و الشرط فى ذلك حتّى يدلّ حرمة القصد على حرمه الاشتراط بالأولويّة، و عليه فالحكم بحرمة المغنّية بعنوانها مخصوص بها، و لا يتعدّى الى غيرها - وبقيّة الكلام فى المسألة الآتية إن شاء الله تعالى -.

هذا كلّه بحسب الأدلّة و القواعد، و قد عرفت أنّ غاية ما تدلّ عليه هى الحرمة التكليفيّة، و أمّا الحرمة الوضعيّة فلادليل لها، ولكنّ مع ذلك فالمخالفة مع الأصحاب الذين ذهبوا إلى الحرمة الوضعيّة مشكلة، فالأحوط هو الحكم ببطلان المعاملة تبعا للأصحاب، فتأمّل.

خامسها: أن يقصد المعاوضة على كلّ عين مشتمله على صفة يقصد منها الحرام، وهى على صور:

منها: أن تقصد المعاوضة بين العين الموصوفة مع لحاظ زيادة القيمة؛ لأجل الصفة المحرّمة، كما باع الجارية المغنّية المعدّة للتغنى، أو العبد الماهر فى القمار أو اللهو أو السرقة، وغير ذلك من المحرّمات، مع ملاحظة تغنّيها أو القمار وغيره فى زيادة قيمتها وقيمة العبد، والكلام فيها إمّا بحسب القاعدة و إمّا بحسب الأخبار الخاصّة:

أمّا الأوّل: فقد قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: فى هذه الصورة تحرم المعاوضة إذا لوحظ فيه هذه الصفة، و بذل بازائها شىء من الثمن لا ما كان على وجه الداعى، ويدلّ عليه أنّ بذل الشىء من الثمن بملاحظة الصفة المحرّمة أكل للمال بالباطل، و التفكيك بين القيد و المقيّد بصحّة العقد فى المقيّد، و بطلانه فى القيد بما قابله من الثمن غير معروف عرفاً؛ لأنّ القيد أمر معنوىّ لايوزع عليه شىء من المال و إن كان يبذل المال بملاحظة وجوده وغير واقع شرعاً، على ما اشتهر من أنّ الثمن لايوزع على الشروط فتعيّن

بطلان العقد رأسا(1).

وفيه: أنّ الأوصاف و المنافع خارجة عن مورد البيع، و عليه فحرمة الأوصاف أو المنافع لا تستلزم حرمة الموصوف الذى يكون طرفاً للثمن، ولذلك قال فى مصباح الفقاهة: فالقاعدة تقتضى صحّة المعاوضة (واستدلّ لها) بأنّ بعض الأعمال، كالخياطة ونحوها و إن صحّ أن تقع عليه المعاوضة، وأن يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال، إلّا أنّه إذا لوحظ وصفاً فى ضمن المعاوضة، فإنّه لايقابل بشىء من الثمن وان كان بذل المال بملاحظة وجودها، وعليه فحرمة الصفة لا تستلزم حرمة المعاوضة فى الموصوف، و إنّما هى كالشروط الفاسدة، لا توجب إلّا الخيار - الى أن قال -: لو سلّمنا أنّ الأوصاف تقابل بجزء من الثمن، فإنّ ذلك لايستلزم بطلان المعاملة؛ إذ الحرام إنّما هى الأفعال الخارجيّة من التغنى و القمار و الزنا دون القدرة عليها التى هى خارجة عن اختيار البشر، على أنّه قد ورد فى الآيات و الأحاديث: أنّ قدرة الإنسان على المحرّمات قد توجب كونه أعلى منزلة من الملائكة، فإنّ الإنسان يحتوى على القوّة القدسيّة التى تبعت إلى الطاعة، والقوّة الشهويّة التى تبعث الى المعصية، فإذا ترك مقتضى الثانية و انبعث بمقتضى الأولى، فقد حصل على أرقى مراتب العبوديّة(2).

و هو و إن أفاد وأجاد من جهة صحّة المعاملة لوقوع الأثمان فى مقابل الموصوف، لا الأوصاف و المنافع، ولكنّ القول بالخيار قياساً بالشروط الفاسدة التى توجب الخيار، كما ترى. فإنّ صفة التغتّى أو المهارة للقمار ونحوه موجودة ولاتخلّف فيها، فعلى فرض صحّة المعاملة لايتخلّف فيها شىء حتّى يوجب الخيار، نعم لايجوز للمشترى أن يستخدمها فى الأعمال المحرّمة شرعاً، هذا مضافاً إلى أنّ مع فرض صحّة مقابلة الأوصاف بالأثمان، فاللازم هو الحكم ببطلان المعاملة بالنسبة إليها؛ لأنّ تحريم


1) المكاسب: 16، السطر: 21-25، فى المسأله الثانية.

2) مصباح الفقاهة 167:1، ط: أنصاريان.

الأفعال الخارجيّة، كالتغنى و القمار و الزنا و مبغوضيّتها وسلب ماليّتها، بحيث لا يصحّ مقابلتها بالمال شرعاً يدلّ بالفحوى على سلب ماليته التى يوجب صفة فى المغنّيه.

و عليه فالثمن فى مقابلها مع كونها مسلوب الماليّة شرعاً أكل للمال بالباطل، على أنّ مسألة إنّ قدرة الإنسان على المحرّمات قد توجب كونه أعلى منزلة من الملائكة، أجنبيّة عن مقام المعاملة المتقوّمة بكون العوضين مالا عرفاً و شرعا.

هذا كلّه فيما إذا كانت للجارية قيمة بحيث تصحّ معاملتها بلحاظها، مع قطع النظر عن صفتها المحرّمة و أمّا اذا لم تكن لها قيمة كذلك، فقد حكم لسيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه ببطلان المعاملة معلّلا: بأنّ ذاتها لاقيمة لها فرضا، و صفتها ساقطة القيمة شرعا، ففى محيط الشرع لاتكون لها قيمة، ويكون أكل المال بهذا اللحاظ أكلا بالباطل؛ لتحكيم دليل إسقاط الماليّة عنها على الآية الكريمة(1)بوجه أشرنا اليه، وكذا لو كانت لها قيمة فى غاية القلّة - كدرهم - مع قطع النظر عن صفة التغنّى، فبيعت موصوفة بمئة دينار، يكون أخذ المال يإزائها بلحاظ وصفها أكلا له بالباطل، وتكون المعاملة فى محيط الشرع سفهيّة(2).

يمكن أن يقال: إنّ المعاملة فى جميع الصور المذكورة صحيحة، فيما اذا كان الوصف المحرّم موجباً لثبوت الماليّة فى العين، بحيث ليست الماليّة فى العين من باب «زيد أبوه قائم» بل هى مال حقيقة، و حيث كانت العين مالا بالفعل، فلايكون أكلا للباطل أو سفهيّاً و الشارع لم يسلب ماليّة الجارية، و إنّما حرّم التغتّى و القمار ونحوهما، وهل ترى أنّ معاملة الدور التى زادت قيمتها من جهة مجاورتها مع مركز. بفعل فيه بعض المحرّمات باطلة من جهة أنّ زيادة قيمتها من ناحية ازدياد رغبة الناس الى المركز المذكور، وهل يمكن القول ببطلان معاملة شىء، زادت رغبة الناس إليه بسبب


1) قوله تعالى (لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌... الخ) النساء: 29.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 123:1-124، ط: إسماعيليان.

كذب بايعه او غيره أو حرب الأعداء وغير ذلك‌؟ وهل تبطل معاملة الشىء المشروط بشرط حرام أو شرط فاسد مع ازدياد قيمته باعتبار الشروط المذكورة أم تصحّ مع الخيار و ليس ذلك إلّا لاعتبار ماليّة العين حقيقة بأىّ سبب كانت.

ومنها: أن تقصد المعاوضة على الموصوف بلا لحاظ قيمة؛ لأجل الصفة.

ومنها: أن تقصد المعاوضة على الموصوف مع ملاحظه الصفة من جهة أنّها صفة كمال، فتزاد لأجلها القيمة من غير نظر إلى عملها الخارجىّ‌.

ومنها: أن تقصد المعاوضة على الموصوف مع ملاحظة الصفة من جهة أنّها صفة كمال من دون ازدياد القيمة لأجلها.

و منها: أن تقصد المعاوضة على الموصوف مع ملاحظة الصفة من حيث إنّها كمال، قد يستفاد منها الحلال كالتغتىّ فى الأعراس سواء كانت المنفعة المحلّلة نادرة أو شائعة إلى غير ذلك.

و الظاهر أنّ حكمها. يظهر ممّا تقدّم بالأولويّه، فإنّ فى هذه الصور لم تكن المنافع المحرّمة ملحوظة فى ازدياد القيمة.

صرّح الشيخ الأعظم قدّس سرّه بصحّة الصورة الأولى و الأخيرة، حيث قال: لو لم يلاحظ الصفة أصلاً فى كمّيّة الثمن: فلا إشكال فى الصحّة، ولو لوحظ من حيث إنّه صفة كمال قد يصرف إلى المحلّل فيزيد لأجلها الثمن، فإن كانت المنفعة المحلّلة لتلك الصفة ممّا يعتدّ بها: فلا إشكال فى الجواز و إن كانت نادرة بالنسبة الى المنفعة المحرّمة، ففى إلحاقها بالعين فى عدم جواز بذل المال إلّا لما اشتمل على منفعة محلّلة غير نادرة بالنسبة إلى المحرّمة وعدمه؛ لأنّ المقابل بالمبذول هو الموصوف، ولاضير فى زيادة ثمنه بملاحظة منفعة نادرة وجهان: أقواهما: الثانى؛ اذ لايعدّ أكلاً للمال بالباطل، والنصّ بأنّ‌

ثمن المغنّية سحت مبنىّ على الغالب(1).

و ناقش سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه فى صحّة الصورة الثانية حيث قال: انّ زيادة الميمة ليست لأجل صفة الكمال بما هى كذلك، بل تفاوت القيم فى الأشياء بلحاظ الانتفاع بها، فصفة الكمال المنتفع بها توجب زيادة القيمة بمقدار مرغوبيّة الانتفاع، ولو فرض بذل بعض الأشخاص أحيانا مالاً بلحاظ نفس صفة الكمال: فهو لامحالة لأجل بعض أغراض اخر، لابواسطة ماليّة الصفة بذاتها من غير جهة انتفاع وابراز، فعليه أنّ بذل المال إن كان للصفة بلحاظ إبرازها المحلّل، و تتقدّر القيمة بلحاظها بتلك الحيثيّة، فلا إشكال فى صحّة المعاملة بحسب القواعد - كانت المنفعة نادره أم لا -؟ نعم لابدّ فى النادرة كونها ذات قيمة لدى العقلاء(2).

يمكن أن يقال: إنّ الصفة و إن لم توجب زيادة القيمة إلّا باعتبار الانتفاع بها، ولكنّ ذلك لايمنع من ازدياد القيمة من ناحية المشترى أو البائع بلحاظ نفس الصفة، فلاوجه للمناقشة فيه بعد إمكانه.

ثمّ قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: و إن زاد القيمة بمقدار الصفة بتمام الحيثيّات المحلّلة و المحرّمة ولوحظت للمحلّلة فقط جزافاً، يأتى فيه الإشكال المتقدّم: من احمال صدق أكل المال بالباطل عليه - سيّما إذا كانت المنفعة النادرة ممّا لاقيمة لها - فإنّ لحاظ القيمة لما لا قيمة لها لايجعلها ذات القيمة، كما أنّ لحاظ زيادتها لا يجعلها زائدة، فبذل المال بلحاظ ما لا ماليّة لها، والزيادة بلحاظ ما لا زيادة لها، بذل بلا حصول مقابله لُبّا، و هو نظير ما تقدّم من احتمال كونه من قبيل أكل المال بالباطل، هذا بحسب القواعد(3).


1) المكاسب: 16، السطر 26-29.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 124:1 و 125، ط: إسماعيليان.

3) المصدر السابق: 125.

يمكن أنّ يقال: ايئّ مقتضى ما ذكر ناه أنّ المعاملة تقع بين الثمن و العين و الانتفاع بها من الدواعى، والدواعى لاتكون مورد المعاملة حتّى يكون من مصاديق أكل المال بالباطل فيما اذا كانت الدواعى محرّمة، بل مورد المعاملة هى العين، وهى على الفرض محلّلة، وجعل القيمة لما لا قيمة له، أو ازدياد القيمة لما لازيادة له لايضرّ بعد وقوع القيمة او زيادتها فى مقابل الأعيان، لا الأوصاف، ولا المنافع، كما أنّ ازدياد قيمة المال باعتبار الدواعى الفاسدة لايدرج أخذ الثمن فى مقابل العين فى أكل المال بالباطل؛ لأنّه يقع فى مقابل العين المحلّلة؛ إذ المعيار فى المعاملات هى الانشائات لا الدواعى و لا اللبّ‌.

نعم لو لم تكن المنافع موجبة لازدياد ثمن العين، و إنّما جعل البائع من قبل نفسه الزيادة، بملاحظة تلك المنافع فى مقابل العين، كانت المعاملة سفهيّة، ولكنّ مع ذلك لم تبطل المعاملة، لأنّ المنهىّ معاملة السفيه لا المعاملة السفهيّة، هذا كلّه بحسب مقتضى القواعد، و أمّا بحسب الأخبار فهى تدلّ على فساد المعاملة:

منها: مارواه عبد الله بن جعفر فى قرب الإسناد عن محمّد بن الحسين عن ابراهيم بن أبى البلاد قال: قلت لأبى الحسن الأوّل عليه السّلام جعلت فداك انّ رجلا من مواليك عنده جوار مغنّيات، قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار و قد جعل لك ثلثها؟ فقال: «لا حاجة لى فيها إنّ ثمن الكلب و المغنّية سحت»(1).

و الطريق صحيح؛ إذ المراد من محمّد بن الحسين هو محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب الكوفىّ كما ذكره فى محكىّ تنقيح الأسانيد فى جملة من رواة عبداللّه بن جعفر الحميرىّ عنه، ثمّ أنّ التعليل عامّ و لا يختصّ بخصوص المورد.


1) الوسائل 87:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 4. قرب الإسناد: 305، ح 1195، ط: آل البيت عليهم السلام.

و منها: مارواه فى اكمال الدين(1)عن محمّد بن محمّد بن عصام الكلينى عن محمّد ابن يعقوب الكلينى عن إسحاق بن يعقوب فى التوقيعات التى وردت عليه من محمّد بن عمان العمرى بخطّ مولانا صاحب الزمان - (عجّ (ارواحنا فداه -: «أمّا ما سألت عنه - إلى أن قال عليه السّلام - وثمن المغنّية حرام).

و فى معجم رجال الحديث: «محمّد بن محمّد بن عصام الكلينى من مشايخ الصدوق قدّس سرّه ترضى عليه فى المشيخة فى طريقه الى محمّد بن يعقوب الكلينى»، وفى ترجمة اسحاق بن يعقوب: وروى محمد بن عمان العمرى ومحمّد بن يعقوب الكلينى عن اسحاق بن يعقوب، انتهى(2)، وحكى فى بهجة الآمال(3)كما عن منتهى المقال(4)أنّ المشايخ اعتنوا بما رواه اسحاق بن يعقوب، وروى عنه جماعة منهم.

و منها: مارواه فى الكافى عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن علىّ الوشّاء قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السّلام عن شراء المغنّية قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه، و ما ثمنها إلّا ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، و السحت فى النار(5).

ومنها: مارواه فى الكافى أيضاً عن عدّة من أصحابنا عن سهل، وعن علىّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن إبن فضّال عن سعيد بن محمّد الطاطرىّ عن أبيه عن أبى عبداللّه عليه السّلام قال: سأله رجل عن بيع الجوارى المغنّيات‌؟ فقال: «شراؤهنّ وبيعهنّ


1) إكمال الدين و إتمام النعمة: و يقال له كمال الدين و تمام النعمة - المطبوع حالياً -... للشيخ الصدوق قدّس سرّه... الخ، الذريعة 283:2، ح: إكمال الدين.

2) معجم رجال الحديث 75:3، 1195.

3) بهجة الآمال فى شرح زبدة المقال 242:2، الفصل 12.

4) منتهى المقال 33:2 و 34، ح 317.

5) الوسائل 88:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 6.

حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق»(1).

والظاهر أنّ الرواية موثقة لما صرّح به الشيخ قدّس سرّه فى محكىّ العدّة من أنّ الطائفة عملت بما رواه الطاطريّون فيما لم يكن عندهم خلافه(2).

ومنها: مارواه الكلينى عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابه عن محمّد بن إسماعيل عن ابراهيم بن أبى البلاد قال: أوصى اسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن تبيعهنّ و يحمل ثمنهنّ إلى أبى الحسن عليه السّلام قال ابراهيم: فبعت الجوارى بثلاثمائة ألف درهم، وحملت الثمن إلبه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له:

اسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات وحمل الثمن اليك و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم فقال: «لا حاجة لى فيه، انّ هذا سحت وتعليمهنّ كفر، والاسماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت)»(3).

ومنها: مارواه فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن معمّر بن خلّاد عن أبى الحسن الرضا عليه السّلام قال: خرجت وأنا اريد داود بن عيسى بن على، وكان ينزل بئر ميمون و على ثوبان غليظان، فلقيت إمرأة عجوزا و معها جاريتان، فقلت: «يا عجوز أتباع هاتان الجاريتان‌؟» فقالت: نعم ولكن لا يشتريهما مثلك قلت:

«و لمَ؟» قالت: لأنّ احداهما مغنّية و الأخرى زامرة(4).

بتقريب أنّ الإمام عليه السّلام قرّرها على عدم جواز الاشتراء، اللّهم إلّا أن يقال إنّه لا يدلّ على أزيد من المرجوحيّة و غير المناسب لشأن الإمام عليه السّلام، كما يشير إليه قولها:

لا يشتريهما مثلك. فاستفادة الحرمة منه مشكلة.


1) التهذيب 356:6، ح 1018، و فى نسخة الكافى 120:5، كتاب المعيشة، باب كسب المغنّية و شرائها، ح 5.

2) العدّة 15:1، الفصل 5، ط: ستاره - قم.

3) الوسائل 87:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 5.

4) نفس المصدر 226:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، ح 4.

ثمّ هنا روايات يتوهّم المعارضة بينها وبين الروايات المذكورة، منها: مارواه فى التهذيب بإسناده عن أحمد بن عن البرقى عن عبد الله بن الحسن الدينورى قال:

قلت لأبى الحسن عليه السّلام: جعلت فداك ما تقول فى النصرانة أشتريها وأبيعها من النصرانىّ؟ فقال: «اشتر وبع» قلت: فأنكح‌؟ فسكت عن ذلك قليلا، ثمّ نظر إلىّ وقال شبه الإخفاء: «هى لك حلال» قال: قلت: جعلت فداك فأشترى المغنّية أو الجارية تخسن أن تغنى أريد بها الرزق لاسوى ذلك‌؟ قال: «إشتر وبع»(1).

والظاهر أنّ المراد من قوله اُريد بها الرزق: أنّ المقصود من شرائها وبيعها هو الربح لا الاستفادة من غنائها، ثمّ إنّ الفرق بين قوله: المغنّية وبين قوله: أو الجارية أنّ الأولى: هى من تكون حرفته الغناء، والثانية: ليست كذلك و إن علمت فنّ الغناء وكيف كان، فهذه الرواية لا تصلح للمعارضة؛ لأنّه مضافاً إلى ضعفها سنداً، تكون الأخبار الدالة على أنّ ثمن الجارية كثمن الكلب و تعليمهنّ كفر و غير ذلك، أبيّة عن التقييد بهذه الر واية فى الصورة المذكورة، فلاتغفل.

و على هذا، فالظاهر من هذه الروايات: أنّ الثمن المؤدّى فى مقابل المغنّية التى تكون شغلها التغنّى محرّم وسحت، وحيث كان الدليل غير مقيّد، فلا فرق بين أن تلاحظ الصفة وعدمها، بل تشمل جميع الصور المذكورة ما دام الثمن يكون فى مقابل الجارية المغنّية.

ولذلك قال سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: إنّ الظاهر بحسب الأخبار هو الشمول للجارية المغنّية التى شغلها التغنى، وكانت معدّة لذلك، سواء كان الثمن المجعول فى مقابلها بلحاظ كونها مغنّية، ومنشأ لهذا الأثر كلاً أو بعضاً، أم جعل بلحاظ نفس ملكة التغنى مقطوع النظر عن العمل، أو مع النظر إلى الأثر المحلّل، كالقراءة بحسن


1) نفس المصدر 86:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، ح 1.

صوتها، أو التغتّى لزفّ الأعراس، أو بلحاظ ذاتها أو صفتها الأخرى، كالخياطة لصدق كون ثمنها ثمن المغنّية، فإنّها عبارة عن الذات الموصوفة بالصفة المعدّة لذلك، و الثمن يجعل فى مقابل الموجودة فى الخارج وهى الجارية المغنّية، ومجرّد عدم لحاظ كون الثمن لصفتها لم يخرجها عنها، ولايضرّ بصدق كون الثمن ثمن المغنّية - إلى أن قال - و هذا نظير بيع المسكر الخارجىّ‌، ويجعل الثمن بلحاظ كونه مادّة سيّالة بلحاظ مسكريّته، فإنّه من الواضح صدق كون الثمن بإزائه ثمن المسكر، ومجرّد اللحاظ لايوجب بطلان الصدق(1).

ثمّ إنّ لفظ السحت فى الرواية ظاهر فى البطلان، لا سيّما اذا استند السحت أو الحرمة إلى الثمن، فإنّ مقتضاه هو الفساد؛ إذ تحريم الثمن لايجتمع عرفاً مع الصحّة ولزوم الوفاء، واستعماله فى الكراهة فى بعض الأحيان لايضرّ بظهوره فى البطلان والحرمة، كما أنّ استعمال مادّة الوجوب أحياناً فى المستحبات المؤكّدة لايضرّ بظهورها فى اللزوم، و عليه فلامجال للقول بالحرمة التكليفية دون البطلان، كما لا يخفى.

وممّا ذكر يظهر ما فى تعليقة الإيروانىّ قدّس سرّه حيث ذهب: الى أنّ المراد من السحت هو الحرمة دون الفساد(2)وذلك لظهور لفظ السحت فى البطلان، كما أنّ اقترانه مع ثمن الكلب ممّا يشهد للبطلان، وهكذا ردّ الإمام من دون استفصال، والتعليل بأنّ ثمنه سحت فلاوجه لحمل الروايات على الوجوه البعيدة.


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 125:1 و 126، ط: إسماعيليان.

2) تعليقة الايروانى على المكاسب: 4، السطر: 30، ط: قديم.

فروع

1 - لو نسيت المغنّية حرفة الغناء فلامانع من بيعها؛ لأنّ مع النسيان لا يبقى موضوع الحرمة و البطلان؛ إذ المبيع حينئذٍ ليس هو الجارية المغنّية، كما لايخفى.

2 - لو عرضت لها عارضة لم تتمكّن معها من الغناء، فإن كان المبدء للمشتقّ هو الملكة العلميّة فالموضوع صادق عليها، و إن كان هو الحرفة و الصنعة فالموضوع غير باق؛ لعدم تمكّنها من الحرفة، والظاهر هو الثانى؛ لعدم صدق المغنّية عليها مع عدم تمكّنها من الحرفة.

3 - لو تابت المغنّية عن عملها و تركت الاشتغال به صرّح سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: بأنّ الظاهر صحّة بيعها و إن قلنا بصدق المشتقّ‌؛ لكون المبدأ هو الملكة العلميّة لا الصنعة و العمل؛ لانصراف الأخبار عن هذه الصورة.

بل يقوى احتمال عدم صدق المشتقّ‌؛ لاحمال أن يكون المبدء التغنى الذى من قبيل الحرفة، فيكون الصدق لاتّخاذه حرفة - كالمكارىّ و التاجر - فاذا تركت الحر فة وأعرضت عنها بطل الصدق(1).

ولايخفى عليك أنّ مع الشكّ فى الصدق: فالمرجع هو القواعد التى عرفت أنّ مقتضاها هو عدم الفساد، ولكنّ الظاهر أنّ المبدء فى أمثال المغنية هو الحرفة و الصنعة، فمع التوبة وترك الحرفة لايصدق عنوان المغنّية عليها، كما لايصدق عنوان المدّاح على من ترك المدح وأعرض عنه.

4 - لو كان غرض المتعاملين حفظها عن التغنىّ‌، وكان البائع غير قادر عليه فربما يقال: بجواز البيع بدعوى الانصراف، ولكنّ الانصراف بدوىّ‌، فإنّ الممنوع هو


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 126:1 و 127، ط: اسماعليان.

بيع المغنّية، و هو صادق و لو كان الداعى من بيعها غير التغنّى.

والأولى بالبطلان هو ما اذا كان غرض أحد المتعاملين دون الآخر هو ذلك.

5 - هل تحرم سائر المعاوضات كالصلح‌؟ أو تختصّ الحرمة بالبيع‌؟ يمكن القول: بعدم الاختصاص؛ لأنّ المنهىّ هو ثمن المغنّية، و هو لايختصّ بالبيع، كما يظهر من مصباح المنير حيث قال: الثمن: العوض(1)، وفى المفردات حيث قال: كلّ ما يحصل عوضا عن شىء فهو ثمنه(2)، وفى القاموس المحيط حيث قال: و ثمن الشىء محرّكة ما استحقّ به ذلك الشىء(3).

وممّا ذكر ينقدح ضعف ما فى مصباح الفقاهة فى مسألة بيع الكلاب: من أنّه لايطلق الثمن على ما يؤخذ بدلا بغير عنوان البيع من المعاملات(4)، لما عرفت من عدم الاختصاص، و مجرّد كون الاصطلاح قائما على أنّ الثمن هو عوض المبيع لايصلح لرفع اليد عن إطلاق كلام اللغويين، هذا مضافاً الى إحراز عدم الخصوصيّة، وإباء الأخبار عن الاختصاص مع تشديد الأمر فيها، فافهم.

6 - هل يجوز التعذى عن مورد الجارية المغنّية الى غيرها - كالعبد الماهر فى القمار - أم لا؟ و الظاهر: الثانى، بعدما عرفت من أنّ مقتضى القواعد هو صحّة المعاملة، فيقتصر فى حكمها على القدر المتيقّن، والمفروض أنّ الروايات واردة فى خصوص الجارية المغنّية، ومجرّد إشعار قوله عليه السّلام: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه» إلى أنّ الملاك هو الالهاء، لا يكفى فى التعدّى بعد احمال أن يكون الهاء الجارية مؤثراً فى المنع و البطلان، و بالجملة لا يرفع بمثل هذا الاشعار عن مقتضى القواعد.


1) مصباح المنير 84:1، مادّة: الثمن، ط: دار الهجرة - قم.

2) المفردات فى غر يب القرآن: 82، مادّة: ثمن ط: دار المعرفة - بيروت.

3) القاموس المحيط 209:4، مادّة: الئُمنُ‌، ط: دار الجيل - بيروت.

4) مصباح الفقاهة 102:1، تذييل، ط: أنصاريان.

اللّهمّ إلّا أن يقال بعدم الخصوصيّة، فتأمّل.

سادسها: فى بيع العنب ممّن يعمله خمراً

و هو على صورتين:

الصورة الاُولى: هى أن يبيعه ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله خمراً كبيع الخشب بقصد أن يعمله صنما أو صليبا.

قال فى الجواهر: بعد دعوى عدم الخلاف فى الحرمة مع التصريح بالشرطيّة أو الإتّفاق على وجه بنى العقد عليها - إلى أن قال - بل قد يظهر من الأصحاب كون الحكم كذلك، مع فرض القصد لذلك و إن لم يكن على جهة الشرطيّة، بل إنّما كان على جهة الغائيّة، بل قد يقال: بكون الحكم كذلك عندهم، مع فرض ذلك من البائع خاصّة، فضلاً عن اشتراطه وعن اتّفاق المشترى معه عليه(1).

و استدلّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه على حرمة البيع فى صورة القصد، فضلاً عن الشرط و الإتّفاق: بأنّ فيه إعانة على الإثم و العدوان(2).

اُورد عليه أوّلاً: بأنّ مفهوم الإعانة على الإثم و العدوان كمفهوم الإعانة على البرّ و التقوى، أمر واقعىّ لايتبدّل بالقصد، و لا يختلف بالوجوه والاعتبار(3).

و فيه: أنّ المقام من مصاديق الإعانة على الإثم على آىّ حال - سواء قلنا باعتبار القصد أو لم نقل - فإنّ فى الفرض يكون القصد موجودا، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقصود المورد أنّ الإعانة لا تتحقّق بمجرّد القصد و المعاملة، بل تتوقّف على إتيان العمل، و ربما لايأتى المشترى به، فليس مجرّد المعاملة بقصد ذلك إعانة، فالإعانه


1) الجواهر 30:22، كتاب التجارة، ط: إحياء التراث العربى.

2) المكا سب: 16، السطر 30.

3) مصباح الفقاهة 171:1، ط: أنصاريان.

أخصّ من المعاملة، فلا تكفى الإعانة للحكم بتحريم المعاملة فى جميع الموارد، فتأمّل.

و ثانياً: بعدم تماميّة الاستدلال بقوله تعالى: (وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىٰ وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) (1)فى المقام تارةً‌: بأنّ مؤدّاها الحكم التنزيهىّ‌، بقرينة مقابلته للأمر بالإعانة على البرّ و التقوى الذى ليس للإلزام قطعا واُخرى: بأنّ قضيّة باب التفاعل هو الاجماع على اتيان المنكر، كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال، لا إعانة الغير على إتيانه على أن يكون الغير مستقلا، و هذا معينا له باتيان بعض مقدّماته.

يمكن الجواب عنه، كما أفاد سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: أوّلا: بأنّه لو سلّمت فى سائر الموارد قرينية بعض الفقرات على الاُخر بما ذكر، لا يسلّم فى المقام؛ لأنّ تناسب الحكم و الموضوع، وحكم العقل شاهدان على أنّ النهى للتحريم، مضافاً إلى أنّ مقارنة الإثم و العدوان الذى هو الظلم، لم يبق مجالا لحمل النهى على التنزيه، ضرورة حرمة الإعانة على العدوان و الظلم - كما دلّت عليها الأخبار المستفيضة(2)وحمل العدوان على غير الظلم كما ترى.

و ثانياً: إنّ ظاهر مادّة العون عرفاً وبنصّ اللغويين: المساعدة على أمر، والمعبن هو الظهير و المساعد، و إنّما يصدق ذلك فيما إذا كان أحد أصيلا فى أمر وأعانه غيره عليه، فيكون معنى (لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) : لايكن بعضكم لبعض ظهيراً و مساعدا و معاونا فيهما، و معنى تعاضد المسلمين وتعاونهم: أنّ كلا منهم يكون عضدا ومعيناً لغيره، لا أنّهم مجتمعون على أمر، ففى القاموس تعاونوا واعتونوا: أعان بعضهم بعضا، ونحوه فى المنجد، وفى مجمع البيان فى ذيل الآية قال: أمر اللّه عباده بأن يعين بعضهم بعضاً على البرّ و التقوى - إلى أن قال -: ونهاهم أن يعين بعضهم بعضاً على


1) المائدة: 2.

2) الوسائل 12: أبواب ما يكتسب به، الباب 42.

الإثم إلخ(1).

و كون. التعا. فعل الإثنين لا و التعاون يوجب حروج مادّته عن معناها، فمعنى تعاون زيد وعمرو: أنّ كلا منهما معين للآخر وظهير له، فاذا هيّىء كل منهما مقدّمات عمل الآخر يصدق أنّهما تعاونا.

وبالجملة كون التفاعل بين الاثنين لايلازم كونهما شريكين فى إيجاد فعل شخصىّ‌، فالتعاون كالتكاذب و التراحم و التضامن ممّا هى فعل الإثنين من غير اشتراكهما فى فعل شخصىّ‌، ولو كان المراد من حرمة التعاون على الإثم هو الشركة فيه، يكون مقتضى الجمود على ظاهر الآية هو حرمة شركة جميع المكلّفين فى إتيان محرم و هو كما ترى.

فالظاهر من قوله تعالى: (وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) (2)عدم جواز اعانة بعضهم بعضا فى اثمه و عدوانه، و هو مقتضى ظاهر المادّة و الهيئة، ولو قلنا: بصدق التعاون و التعاضد على الاشتراك فى عمل، فلاشبهة فى عدم اختصاصه به(3).

و لقد أفاد و أجاد (رحمه اللّه تعالى) ولكن لا يخفى عليك أنّ مادّة التعاون كمادّة التضامن، لاتدلّ على لزوم وقوع المعاونتين أو الضمانين فى وقت واحد، وعلى شىء واحد، بل تشمل ما إذا انفصل بين المعاونتين أو الضمانين زمان طويل، وما إذا كان موردهما أمرين مختلفين، و عليه فهى بعمومها تدلّ على معاونة بعض لبعض آخر، كما تدلّ على اشتراكهما فى فعل واحد وفى زمان واحد.

و لا وجه لاختصاص المادّة بغير صورة شركتهما فى أمر واحد وفى وقت واحد، مع عموم المادّة كما عرفت.


1) مجمع البيان 257:3 و 258، المائدة: 2، ط: دار الفكر.

2) المائدة: 2.

3) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 131:1 و 132، ط: إسماعليان.

ثمّ إن المراد من قوله تناسب الحكم و الموضوع: هو أنّ الاعانة على الإثم و المعصية لا تناسب الحكم النزيهى، وسيأتى - إن شاء الله - تعالى كيفيّة حكم العقل فى مقدّمات المحرّمات فانتظر.

وثالثاً: بأنّه لادليل على حرمة الإعانة على الإثم ما لم يكن التسبيب و التسبّب فى البين(1).

و فيه: إنّ الإعانة أعمّ من التسبيب و التسبّب، فلاوجه لحصر موردها فيه؛ لصدقها ولو لم يصدق التسبيب و التسبّب، ألا ترى أنّ من فتح الباب لدخول الظالم فى الدار لم يكن سببا لدخوله؛ لأنّ فتح الباب رفع المانع، ولم يكن ذلك تحريكا للظالم نحو الظلم، ومع ذلك يصدق عليه أنّه أعانه فى ظلمه، و منه يعلم أنّ الإعانة أعمّ من التسبيب.

ورابعاً: بأنّا إذا سلّمنا حرمة البيع مع قصد الغاية المحرّمة لصدق الإعانة على الإثم عليه، فلابذ من الالتزام بحرمة البيع مع العلم بتر تّب الحرام أيضاً، لصدق الإعانة على الإثم عليه أيضاً، و إن قلنا بالجواز فى الثانى من جهة الأخبار المجوّزة فلابدّ من القول بالجواز فى الأوّل أيضا؛ لعدم اختصاص الجواز الذى دلّت عليه الأخبار بفرض عد القصد(2).

و فيه: منع عموم الملازمة بين صدقها مع القصد و صدقها بدونه؛ لجواز منع صدقها فى ما اذا علم ولم يقصد إلّا التجارة أو جهة اُخرى غير المنفعة المحرّمة، وسيأتى - ان شاء اللّه تعالى - تفصيل الكلام فيه.

كما أنّ دعوى عموم الأخبار أو اطلاقها لما إذا قصد المحرّم، كما ترى بعد عدم وجود الداعى للمسلم على قصد الحرام، فالأخبار منصرفة عن صورة


1) مصباح الفقاهة 171:1، ط: أنصاريان.

2) المصدر السابق.

القصد والاشتراط.

الصورة الثانية: هو أنّ بيع العنب أو الخشب ممّن. يعمله خمرا أو صما من دون قصد الى ذلك.

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: آمّا لو لم يقصد ذلك فالأكثر على عدم التحريم(1)، واستدلّ لذلك بالأخبار المستفيضة:

الأخبار المجوّزة

منها: ما رواه فى الكافى عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن عمر بن اُذينة قال: كتبت إلى أبى عبداللّه عليه السّلام أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب و التمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟ فقال: «إنّما باعه حلالاً فى الإبّان(2)الذى يحلّ شربه و أكله، فلابأس ببيعه»(3).

ومنها: خبر أبى كهمس أو كهمش المروىّ فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن حنّان عن أبى كهمس قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السّلام عن العصير فقال: لى كَرم وأنا أعصره كل سنة، وأجعله فى الدنان، وأبيعه قبل أن يغلى‌؟ قال: «لا بأس به، فإن غلى فلايحلّ بيعه، ثمّ قال: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً)»(4).

و أبو كهمس (بالسين) أو (الشين) هو هيثم بن عبد اللّه أو هيثم بن عبيد اللّه أو هيثم بن عبيد، و لم يرد فيه توثيق، نعم قال فى بهجة الآمال: عن (تعق) للصدوق


1) المكاسب 16، السطر 30.

2) الابّان: الحين.

3) الوسائل 69:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 5 و 170، الباب 59، ح 6.

4) المصدر السابق.

طريق إلى هيثم بن عبيد اللّه الشيبانى، ولذا حسّنه خالى. انتهى(1)فتأمّل. وكيف كان فقوله عليه السّلام: «هو ذا نحن... إلخ» مرتبط بقوله عليه السّلام: «لا بأس به» فى صورة بيع العصير قبل الغليان.

ومنها: خبر أبى بصير المروىّ فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن علىّ بن أبى حمزة عن أبى بصير قال:

سألت أبا عبدالله عليه السّلام عن ثمن العصير قبل أن يغلى لمن يبتاعه ليطبخه أو بحعله خمراً؟ قال: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً و هو حلال فلابأس»(2).

و هو ضعيف بعلى بن أبى حمزة البطائنى، والظاهر أنّ قوله: ليطبخه... إلخ. علّة للابتياع لا البيع، والّا فالخبر أجنبى عن المقام، فإنّ المفروض هنا هو عدم قصد البائع التخمير، ولعلّ المراد من قوله: ليطبخه هو أن يجعله بختجا و هو على ما يظهر من بعض الروايات(3)من الأشربة المسكرة، وقيل يسمّى ذلك المسكر فى الفارسيّة ب (مى پخته)(4)أو (باده) ويؤيّده أنّ أبا بصير أعظم شأنا من أن سئل عن جواز بيعه لمن. يبتاعه ليصنع الشيرج(5)لأنّ حكمه واضح لمثل أبى بصير، اللّهمّ الّا أن يقال لايبعد السؤال لمثله بنحو التر ديد بين الشيرج و الخمر، وكيف كان فدلالته على جواز بيع العصير لمن يجعله خمراً واضحة.

ومنها: موثّقة أبى المعزا المرويّة فى التهذيب عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبى المعزا قال: سأل يعقوب الأحمر أبا عبد اللّه عليه السّلام وأنا حاضر فقال: أصلحك اللّه


1) بهجة الآمال 461:7، فى الكنى و الألقاب، ترجمة (أبى كهمس (.

2) الوسائل 169:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 2؛ و مثله فى الكافى.

3) الكافى 420:6، الأشربة (باب الطلاء) ح 4 و 5 و 6.

4) البختج: العصير المطبوخ. وأصله بالفارسيّه (ميبخته). نها ية ابن الأثير (مادّة: بختج).

5) الشيرج: معرّب من (سيره) و هو دُهن السمسم، و ربّما قيل للدهن الأبيض وللعصير قبل أن يتغيّر. مصباح المنير (مادّة: الشرج).

إنّه كان لى آخ فهلك و ترك فى حجرى يتما، ولى أخ يلى ضيعة لنا و هو يبيع العصير ممّن يصنعه خمرا ويؤاجر الأرض بالطعام، فأمّا ما يصيبنى فقد تنزّهت فكيف أصنع بنصيب اليتيم‌؟ فقال: «أمّا إجارة الأرض بالطعام فلا تأخذ نصيب اليتيم منه إلّا أن يؤاجرها بالربع و الثلث و النصف، و أمّا بيع العصير ممّن يصنعه خمراً فليس به بأس خذ نصيب اليتيم منه»(1).

و منها: صحيحة رفاعة المرويّة فى التهذيب عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن رفاعة بن موسى قال: سئل أبو عبد الله عليه السّلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمره‌؟ فقال: «حلال، ألسنا نبيع تمرنا لمن يجعله شرابا خبيثا»(2).

و منها: صحيحة الحلبى المرويّة فى التهذيب عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن مسكان عن محمّد الحلبى قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراماً؟ فقال: «لا بأس به، تبيعه حلالا فيجعله حراماً فأبعده الله وأسحقه»(3).

ومنها: صحيحه الحلبى أيضاً المرويّة فى التهذيب عن الحسين بن سعيد عن ابن أبى عمير عن حمّاد عن الحلبى عن أبى عبد اللّه عليه السّلام أنّه سئل عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً؟ فقال: «بعه ممّن يطخبه أو يصنعه خلاّ أحبّ إلىّ ولا أرى بالأوّل بأسا»(4).

فإن اريد بقوله عليه السّلام: «بعه ممّن يطبخه») بيعه ممّن يصنع الشيرج، فلايدلّ على جواز بيع العصير ممّن يصنع خمرا لو قلنا بأنّ المراد من قوله عليه السّلام: «ولا أرى بالأوّل


1) الوسائل 170:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 7. التهذيب 196:7، ح 866، كتاب التجارات.

2) المصدر السابق: ح 8. التهذيب 136:7، ح 603، كتاب التجارات.

3) المصدر السابق: 169، ح 14.

4) المصدر السابق: 170، ابواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 4، التهذيب 137:7، التجارات، ح 605.

بأسا» بيعه ممّن يصنع الشيرج، فانّ مفاد الرواية حينئذ: هو جواز بيعه ممّن يصنع الشيرج، وممّن يصنع الخلّ‌، مع التصريح بكون الثانى أحبّ من الأوّل، و هذا الجواب مع السؤال عن بيع العصير ممّن يصنع خمراً ظاهر فى عدم جواز ما سئل عنه، ولكنّ الظاهر أن يكون المقصود من قوله عليه السّلام: «ولا أرى بالأوّل بأساً» هو أنّ ما سئل عنه لابأس به، فيرتبط حينئذ مع المقام، كما لا يخفى. و هكذا يرتبط مع المقام لو كان المقصود من قوله عليه السّلام: «ممّن يطبخه» هو من يطبخ ما يسمّى فى الفارسيّة ب «مى يخته»؛ لأنّ «مى پخته» من أنواع الأشربة المسكرة، فالرواية تدلّ حينئذ على الجو از.

و منها: موثّقة أحمد بن أبى نصر المرويّة فى الكافى عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن بيع العصير فيصير خمراً قبل أن يقبض الثمن‌؟ قال: فقال: «لو باع ثمرته ممّن يعلم أنّه يجعله حراماً لم يكن بذلك بأس، فأمّا إذا كان عصيرا فلايباع إلّا بالنقد»(1).

ومنها: معتبرة يزيد بن خليفة المرويّة فى الكافى عن أبى على الأشعرى عن محمّد بن عبدالجبار عن صفوان عن إبن مسكان عن يزيد بن خليفة قال: كره أبو عبد اللّه عليه السّلام بيع العصير بتأخير(2).

و المحكىّ عن الشيخ قدّس سرّه أنّ الوجه فى هذا الخبر أنّه إنّما كره بيعه بتأخير لأنّه لايؤمن أن يكون فى حال ما يقبض الثمن قد صار خمراً وان كان ذلك ليس


1) المصدر السابق: 169، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 1، الكافى 230:5، المعيشة، باب بيع العصير و الخمر، ح 1.

2) المصدر السابق: ح 3 و 170، ح 10.

بمحظور(1).

وممّا ذكر يظهر المراد من قوله عليه السّلام فى الموثّقة المتقدّمة: «فأمّا اذا كان عصيرا فلايباع الّا بالنقد» ونحو هذين الخبرين مارواه فى التهذيب عن حسن بن محمّد بن سماعة عن صفوان عن يزيد بن خليفة الحارثى عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: سأله رجل وانا حاضر فقال: إنّ لى الكرم‌؟ قال: «بعه عنبا» قال: فإنّه يشتر به من يجعله خمراً قال: «فبعه إذاً عصيراً» قال: إنّه يشتريه منّى عصيراً فيجعله خمراً فى قربتى قال: «بعته حلالا فجعله حراماً فأبعده الله - ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال -: «لا تذرن ثمنه عليه حتّى يصير خمراً، فتكون تأخذ ثمن الخمر».

وكيف كان فالروايات المتقدّمة تدلّ على جواز معاملة العنب أو العصير ونحوهما ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً.

الأخبار المانعة

وفى قبال هذه الروايات صحيحة عمر بن أذينة المرويّة فى الكافى عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن عمر بن اُذينة قال: كتبت إلى أبى عبد الله عليه السّلام أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذ منه برابط(2)؟ فقال: «لا بأس» وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلبانا؟ قال: «لا»(3).

و مصحّحة عمرو بن جرير المرويّة فى الكافى عن محمّد بن يحيى عن ابن محبوب عن آبان عن عيسى القمى عن عمرو بن جرير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن


1) الاستبصار 105:3، كتاب الجهاد، ح 372.

2) (برابط) جمع (بربط): ملهاة تشبه العود، و هو فارسىّ معرّب. نهاية ابن الأثير (مادّة: بربط).

3) الوسائل 127:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 41، ح 1.

التوت أبيعه يصنع به الصليب و الصنم‌؟ قال: «لا»(1).

و إنّما الرواية تكون مصحّحة؛ لأنّ فى السند حسن بن محبوب و هو من اصحاب الإجماع، و قد وقع فى طريقه عمرو بن جرير الذى لم يوثّق، هذا مضافاً إلى أنّ فى بعض النسخ عمرو(2)بن حريث و هو موثّق.

و مصحّحة (صابر أو جابر (المرويّة عن التهذيب باسناده عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن إسماعيل عن على بن النعمان عن ابن مسكان عن عبد المؤمن عن صابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: «حرام أجره»(3).

و إنّما تكون الرواية مصححّة - مع اختلاف النسخ فى (صابر و جابر) وعدم توثيق صابر -؛ لأنّ فى السند عبد الله بن مسكان و هو من أصحاب الإجماع، وكيف كان فالرواية تدلّ على المقام، بناءً على عدم الفصل بين الإجارة وغيرها، وكون المراد اجارة البيت ممّن يعلم أنّه يبيع فيه الخمر، ولكنّ فى عدم الفصل منع، هذا مضافاً إلى معارضتها مع صحيحة ابن أذينة قال: كتبت إلى أبى عبد الله عليه السّلام أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابّته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر أو الخنازير؟ قال: «لا بأس»(4).

و لا يمكن الجمع بين التصريح بالحرمة و الجواز، وعليه فيتعارضان، ونجرى فيهما قواعد التعارض، ولعل لذلك لم يذكر الشيخ قدّس سرّه هذين الخبرين فى عداد الأخبار المعارضة، و يمكن التمسّك بفحوى الأخبار المستفيضة الحاكية عن لعن الخمر و غارسها و بائعها ومشتريها... إلخ(5)لحرمة شراء العنب للتخمير، ولكن لايخفى أنّ غاية


1) المصدر السابق: ح 2.

2) التهذيب 134:7، التجارات، ح 59.

3) الوسائل 125:12-126، أبواب ما يكتسب به، الباب 39، ح 1.

4) المصدر السابق: 126، أبواب ما يكتسب به، الباب 39، ح 2.

5) المصدر السابق: 164 و 165، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، ح 3 و 4 و 5.

الاستدلال المذكور هو حرمة الشراء للتخمير لا ذات الشراء، و المفروض أنّ البائع لايقصد الّا ذات الشراء لايقال: إنّ حرمة الشراء بقصد التخمير يوجب الفساد، ومعه لايمكن صحّة البيع؛ لأنّا نقول: إنّ منشأ حرمة الشراء بقصد التخمير هو حرمة غرس الكَرْم للتخمير، وحيث انّ حرمة غرس الكَرم حرمة تكليفيّة، فما يستفاد منها بالآولويّة هو أيضاً حرمة تكليفيّة، فلا تدلّ على الفساد و سيأتى - إن شاء الله - بقيّة الكلام.

كيفيّة الجمع بين الأخبار

وكيف كان، فقد قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: و قد يجمع بين صحيحة عمر بن اذينة و مصحّحة عمرو بن جرير وبين الأخبار المجوّزة بحمل المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليباً أو صما أو تواطئهما عليه، و فيه أنّ هذا فى غاية البعد؛ اذ لا داعى للمسلم على اشتراط صناعة الخشب صما فى متن بيعه أو فى خارجه، ثمّ يجىء و يسأل الامام عليه السّلام عن جواز فعل هذا فى المستقبل وحرمته، وهل يحتمل آن يريد الراوى بقوله: «أبيع التوت ممّن يصنع الصنم و الصليب» أبيعه مشترطاً عليه و ملزما فى من العقد أو قبله، أن لايتصرّف فيه إلّا بجعله صنما؟! فالأولى حمل الأخبار المانعة على الكراهة؛ لشهادة غير واحد من الأخبار على الكراهة، كما أفتى به جماعة، ويشهد له رواية الحلبى: عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً؟ قال عليه السّلام: «بعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلاّ أحبّ إلىّ ولا أرى به بأساً»(1)وغيرها.

أو التزام الحرمة فى بيع الخشب ممّن يعمله صليباً أو صنما؛ لظاهر تلك الأخبار، والعمل فى مسألة بيع العنب و شبهها على الأخبار المجوّزة، و هذا الجمع قول فصل لو لم


1) المصدر السابق: 170، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 9، و فيه: «ولا أرى بالأوّل بأساً».

يكن قولا بالفصل(1).

الجمع المختار

ويمكن ترجيح الجمع الثانى بما فى صحيحة عمر بن أذينة من التصريح فى الفرق بين الجواز وعدمه (بين بيع الخشب ممّن يتّخذه برابط وبين بيعه ممّن يتّخذه صلباناً)؛ إذ لو لم يختصّ النهى بمورده لما كان للتفصيل وجه، ودعوى الغاء الخصوصيّة بين الصنم و الصليب وبين غيرهما من سائر المحرّمات، مع أنّ الصنم و الصليب من مظاهر الشرك و هو أعظم الذنوب، كما ترى، و عليه فلامعارض للأخبار المجوّزة لبيع العنب أو العصير ممّن. يعلم أنّه يصنعه خمراً، هذا مضافاً الى ما فى مصباح الفقاهة: من بعد صدور الفعل المكروه منهم عليهم السلام دفعة واحدة، فضلاً عن الدفعات - إلى أن قال - أنّ كون بيع العصير ممّن يجعله خلا أحبّ إلى الإمام عليه السّلام لايدلّ على كراهة بيعه ممّن يجعله خمراً، خصوصا مع تصريحه عليه السّلام فيها بالجواز بقوله: «ولا أرى بالأوّل بأسا»(2).

والعجب من الشيخ قدّس سرّه أنّه قال: لشهادة غير واحد من الأخبار على الكراهة(3)مع أنّه ليس كذلك نعم ورد فى معتبرة يزيد بن خليفة كره أبو عبد الله عليه السّلام بيع العصير بتأخير(4).

و لكنّه مخصوص بمورده، والمقصود منه كما أفاد الشيخ الطوسى قدّس سرّه أنّه لا يؤمن أن يكون العصير فى حال ما يقبض الثمن قد صار خمراً و إن كان ذلك ليس بمحظور،


1) المكاسب: 16، السطر 34 و 35 و 17، السطر: 1-4.

2) مصباح الفقاهة 174:1، ط: أنصاريان.

3) المكا سب: 17، السطر 2.

4) الوسائل 169:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 3.

انتهى(1)و عليه فلايدل على الكراهة من دون تأخير.

ذهب فى مصباح الفقاهة إلى الجمع المذكور حيث قال: وجب أن يقتصر بكلّ طائفة على موردها، و لا تصل النوبة إلى التعارض بينهما، و العمل بقواعده، و هذا هو الظاهر من الروايات، و تشهد له أيضاً رواية ابن أذينة المفصّلة بين الاصنام و البرابط، ويقرّ به أنّ شرب الخمر وصنعها، أو صنع البرابط وضربها و إن كانت من المعاصى الكبيرة و الجرائم الموبقة، إلّا أنّها ليست كالشرك باللّه العظيم؛ لأنّ اللّه لايغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك، وعليه فيمكن اختلاف مقدّمة الحرام من حيث الجواز وعدمه باختلاف ذى المقدّمة من حيث الشدّة و الضعف(2).

المناقشات الواردة حول الجمع المختار

ناقش سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه فيه حيث قال: التفصيل بين الصليب و الخمر بعيد، بعد كون الصليب ظاهرا هو ما يصنع شبيه ما صلب به المسيح (على نبيّنا وآله وعليه السلام) على زعمهم، و إنّما يكرمونه لذلك ولا يعبدونه كما يعبد الصنم كما زعم، قال فى كتاب المنجد الذى مصنّفه منهم: الصليب: العود المكرّم الذى صلب عليه السيّد المسيح عليه السّلام(3)، والظاهر منه أنّه عين ذلك العود، و هو بعيد، ولعلّ مراده ذكر الأصل والمنشأ، فما عن المغرب: هو شىء مثلّت كالتماثيل تعبده النصارى(4)كأنّه وهم، فحينئد فالحكم بجواز بيع العنب و الخشب ممّن يصنع الخمر و البرابط و عدم جواز بيع الخشب ممّن يعمل الصلبان لايخلو من بعد، فإنّ الظاهر أنّ الخمر أشدّ حرمة من


1) الاستبصار 105:3 و 106، باب بيع العصير، ح 372.

2) مصباح الفقاهة 175:1، ط: أنصاريان.

3) المنجد: 431، مادّة: صلب.

4) المغرب فى ترتيب المعرب: 155، مادّة: صلب.

تكريم عود يتخيّل كونه تكريما للسيّد المسيح (على نبيّنا وآله وعليه السلام (، بل لو كان حراماً لايبعد أن يكون لوجه التشريع أو لكونه شعار النصارى و إن يمكن ان يقال: صيرورته شعارا لهم أوجبت الاهتمام به و تحريم التسبيب اليه زائدا على غيره(1). أن يقال: لأنّ تلك المناقشة مندفعة بما أفاده فى ذيل كلامه؛ اذ ما يكون غيره(1) يمكن أن........

شعارا للدين الذى يتقدّم بالتثليت و الشرك لايساوى الخمر التى تكون من المعاصى الكبير ة، فلا تغفل.

و أورد المحقّق الإيروانىّ قدس سره على الجمع المذكور أيضاً بأنّه لعلّه خرق للاجماع، و منافٍ لما دلّ على اتّحاد مناط الحكم فى جميع موارده، وذهب إلى الجواز ترجيحاً لأخبار الجواز لقوّة سندها حيث قال: و أمّا التفصيل بين بيع الخشب ممّن يعمله صليبا أو صما وبين بيع العنب ممّن يعمله خمرا، باختيار المنع فى الأوّل و الجواز فى الثانى، فلو لم يكن خرقا للإجماع فإنّما يحسن لو لم يرد خبر يمنع عن الثاتى، و قد ورد و هو: رواية جابر المشار إليها وأيضاً إنّما يحسن لو لم يقم دليل على اتّحاد مناط الحكم فى جميع موارده، كما هو المستفاد من رواية أبى كهمش ورفاعة المشار إليهما، وفى رواية الحارثى: «بعته حلالا فيجعله حراماً فأبعده اللّه فالمتعيّن العمل بأخبار الجواز لقوّة سندها باشتمالها على الصحيح، ومع فرض التكافؤ فالأصل هو التخيير، فجاز الأخذ بأخبار الجواز، ولو فرض التساقط فالمرجع عمومات «حلّ البيع» و «التجارة عن تراضٍ‌»(2).

و لا يخفى عليك أنّ اتّحاد الموارد غير ثابت؛ إذ لادلالة لرواية أبى كهمش ورفاعة على ذلك، وهكذا لايدلّ قوله عليه السّلام فى رواية الحارثى و الحلبى(3)وغير هما:


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 148:1، ط إسماعيليان.

2) . تعليقة الايروانى قدّس سرّه على المكاسب: 15، السطر 26-30، ط: قديم.

3) الوسائل 169:17، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 4.

«بعته حلالا يجعله حراماً» على وحدة جميع الموارد فى مناط الحكم، و إنّما أشار به الى وجه موارد جواز البيع، فلا تعميم له، ولو سلّم فهو مخصّص بما صرّح فيه بعدم الجواز من مظاهر الشرك، وعليه فالقول بالتفصيل الذى يشهد له صحيحة ابن أذينة لا يخالف تلك الأخبار، كما أنّ خبر جابر أجنبى عن مورد البيع، مضافا الى أنّه معارض بصحيحة ابن اُذينة الأخرى الدالّة على جواز إجارة السفينة أو الدابّة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر أو الخترير، و أمّا الإجماع المركّب: فلو سلّمنا وجوده ورجوعه الى الإجماع البسيط، بأن يرجع قولهم بجواز الجميع أو حرمته إلى الإجماع على عدم التفصيل فى المورد، فهو محتمل المدرك، فلايصلح للمنع عن التفصيل المذكور، وعليه فالأقوى هو التفصيل بين الصليب و الصنم، فيحكم بحرمة بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يعمله صلباناً و أصناما وبين البرابط و الخمر ونحوهما، فيحكم بجواز بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يعمله برابط، و بجواز بيع العصير أو العنب ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً، ولاوجه للقول: بجواز بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يصنعه صلباناً و أصناما، بعد تصريح المنع فى صحيحة ابن اذينة، كما لاوجه لدعوى المعارضة بين الأخبار واجراء قواعد التعارض بعد تعدّد الموضوع.

و إمكان الجمع بينهما بالتفصيل المذكور مع شهادة صحيحة ابن اُذينة عليه كما عرفت.

ثمّ إنّ السيّد قدّس سرّه ذهب إلى توجيهين آخرين، أحدهما: إنّ المراد من الأخبار المجوّزة هو صورة العلم بكون المشترى من شأنه وشغله ذلك، لا أن يعلم أنّ هذا العنب بالخصوص يصير خمراً.

والمراد من الأخبار المانعة هو صورة العلم بصرف شخص المبيع فى المحرّم.

و ثانيهما: إنّ المراد من الأخبار المانعة هو صورة العلم بقصد المشترى حين الشراء صرفه فى المحرّم؛ اذ حينئذٍ يدخل تحت الصورة الأولى التى ذكر أنّه لاخلاف

ولا اشكال فيها؛ لما عرفت من عدم الفرق بين قصدهما معا أو أحدهما، وحمل الأخبار المجوّزه على صورة العلم بالتخمير مع عدم العلم بقصده ذلك حين الشراء فتدبّر(1).

وفيه: منع واضح؛ لعدم مساعدة الأخبار المجوّزة لذلك، فانّ الضمير فى قول السائل: أيبيع العنب و التمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً فى صحيحة عمر بن أذينة(2)، وفى قول الإمام عليه السّلام: «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً» فى خبر أبى كهمس(3)وغيره راجع إلى المبيع، وإرجاعه إلى جنس البيع خلاف الظاهر، كما أنّ حمل قوله: يعلم أنّه يجعله خمراً، أو قوله: نعلم أنّه يصنعه خمراً، على عدم العلم بقصد المشترى حين الشراء خلاف الظاهر.

فالجمعان المذكوران تبرّ عيّان، لا شاهد لهما، فمع تعدّد موضوع الأخبار لاوجه لرفع اليد عن ظهوراتها، والحمل على خلاف ظواهرها من دون شاهد، فالأقوى: هو التفصيل بين بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يشتريه للصنم و الصليب، فيحرم؛ للأخبار المانعة الخاصّة ولو لم يكن البائع قاصدا لذلك، و بين بيع العنب أو الخشب ممّن يعلم أنّه يشتريه للتخمير أو للبرابط أو غيرهما من المعاصى، فيجوز مع عدم قصد البائع لذلك.

وربما يستدلّ بوجوه أخر فى المقام منها: أنّ بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً اعانة على الإثم.


1) تعليقة السيد اليزدى قدّس سرّه على المكاسب، السطر الأخير، السطر 1-3.

2) الوسائل 169:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 59، ح 5 و 6.

3) المصدر السابق: ح 6، و غيره من الأخبار فى نفس الباب و المصدر.

حقيقة الإعانة و مفهومها

و اُورد على الاستدلال المذكور: بمنع صدق الاعانة، حيث لم يقع القصد إلى وقوع الفعل من المُعان مع أنّ حقيقة المعاونة - كما أفاد المحقّق الثانى قدّس سرّه و تبعه جماعة (قدّس سرّهم) من متأخّرى المتأخّرين على ما حكاه الشيخ قدّس سرّه(1): هى البيع لذلك، والمفروض فى المقام هو عدم القصد إلى وقوع الفعل من المعان.

و عليه فالاعانة التى هى فعل بعض مقدّمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقا مفقودة فى المقام، و لذلك استدلّ المحقّق النراقىّ قدّس سرّه فى العوائد بالتبادر عرفاً حيث قال: لو قيل أعان زيد عمرا فى الأمر الفلانىّ بجميع أدواته وآلاته يفهم منه أنّ مقصود زيد من جمع الأسباب و الآلات كان حصول ذلك الأمر(2).

كما استدلّ الشيخ الأعظم قدّس سرّه بصحّة السلب أيضاً حيث قال: لا شكّ فى أنّه اذا لم. يكن مقصود الفاعل (أى البائع) من الفعل وصول الغير الى مقصده ولا الى مقدّمة من مقدّماته، بل يترتّب عليه الوصول من دون قصد الفاعل فلايسمّى إعانة - كما فى تجارة التاجر بالنسبة إلى أخذ العشور ومسير الحاج بالنسبة إلى أخذ المال ظلما - (إلى أن قال) و انّما الإشكال فيما إذا قصد الفاعل بفعله وصول الغير الى مقدّمة مشتركة بين المعصية و غيرها مع العلم بصرف الغير إيّاها إلى المعصية، كما إذا باعه العنب فانّ مقصود البائع تملّك المشترى له وانتفاعه به، فهى اعانة له بالنسبة الى أصل تملّك العنب، ولذا لو فرض ورود النهى عن معاونة هذا المشترى الخاصّ فى جميع أموره، أو فى خصوص تملّك العنب حرم بيع العنب عليه مطلقاً؛ الصدق الإعانة على الحرام


1) المكاسب: 17، السطر 5-9.

2) عوائد الأيّام: 26، السطر الأخير مع 27، السطر 1 و 2.

بذلك)(1).

و فيه: أنّه لادليل على حرمة شرط الحرام حتّى يكون بيع العنب اعانة على الحرام: و هو تملّك العنب مع قصد التوصّل به إلى التخمير.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ النهى عن غرس العنب للتخمير يدلّ بالأولويّة على حرمة شراء العنب للتخمير؛ لكون الشراء أقرب إلى المقصود المحرّم من الغرس.

و لكن يمكن أن يقال: مضافاً إلى اختصاص ذلك بالشراء للتخمير ولايسرى إلى سائر شروط المحرّمات أنّ المحرّم فى الغرس مركّب من الغرس وقصد التخمير، فيدلّ بالأولويّة على حرمة الشراء المقصود به التخمير، فالمحرّم مركّب من الشراء و قصد التخمير، والبايع فيما إذا لم يقصد التخمير، وقصد نفس الشراء قصد جزء المحرّم، وحرمة المركّب و المقيّد لاتوجب حرمة الأجزاء و المقدّمات، و عليه فلا دلبل على حرمة نفس الشراء من دون قصد البائع للتخمير و أمّا ما قيل: من أنّ نفس الشراء محرّم من جهة التجرّى. ففيه مالايخفى: فإنّ التجرّى يحصل بالفعل المتلبّس بالقصد، فليس نفس الشراء تجرّيّاً، والقول: بأنّ الشراء مقدّمة لتحقّق التجرّى فيحرم الإعانة عليه مندفع بما أفاده الميرزا الشيرازىّ قدّس سرّه:

«من أنّ المفروض فى المقام عدم كفاية مجرّد المقدّمه فى التحريم ما لم يصدق عنوان التجرّى على المقدّمة، وإلّا لكان الشراء حراماً باعتبار كونه مقدّمة للتخمير، ولم يحتجّ إلى صدق عنوان التجرّى عليه، فمقدّميّة الشراء للتجرّى لا تنفع فى تحريمه إلّا مع صدق عنوان التجرّى عليه، بأن يأتى به بقصد التجرّى، وذلك مستلزم للتسلسل؛ اذ ننقل الكلام حينئذٍ إلى هذا الشراء بقصد التجرّى الذى هو مقدّمة للتجرّى، فيقال:

إنّ ذات الفعل فيه أيضا مقدّمة للفعل بقصد التجرّى، فيحتاج الى قصد ثالث، فيحصل


1) المكاسب: 17، السطر 27-32.

تجرّى ثالث، وننقل الكلام حينئذ الى كون ذات الفعل مقدّمة لفعله لقصد التجرّى، فيحتاج إلى قصد رابع، فيحصل تجرّى رابع، وننقل الكلام حينئذ إلى مقدّميّة ذات الفعل لهذا التجرّى الرابع، فيحتاج إلى قصد خامس، وهكذا إلى ما لا نهاية له» انتهى(1).

و لعلّه لذلك قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: وتوهّم أنّ الفعل مقدّمة له (أى التجرّى) فيحرم الإعانة مدفوع: بأنّه لم يوجد قصد إلى التجرّى حتّى يحرم، و إلّا لزم التسلسل فافهم(2).

اللّهم إلّا أن يقال: كما أفاد المحقّق الإيروانىّ قدّس سرّه: بأنّه إنّما يعتبر القصد فى المقدّمات الخارجية للحرام دون المقدّمات الداخليّة، فإذا حرم الفعل الخاصّ و الفعل بقصد التوصّل إلى الحرام حرم نفس الفعل ضمنا بعين حرمة الكلّ‌، لا بحرمة اُخرى مقدّميّة لتحتاج إلى قصد التوصّل به إلى التجرّى - أعنى الفعل بقصد التوصّل إلى الحرام - فيلزم من ذلك التسلسل فى القصود، ولولا هذا لم يكن الشراء الخارجىّ حراماً فى شىء من الأحوال، بل كان الحرام هو القصد، فلايكون البيع إعانة على الحرام، انتهى(3).

ولعلّ الشيخ قدّس سرّه أشار إليه بقوله: فافهم. وعليه فحرمة الشراء للتخمير المستفادة من حرمة الغرس للتخمير بالأولويّة تكفى فى حرمة الشراء ضمنا، ومع حرمته يكون البيع إعانة على المحرّم؛ لأنّ الشراء وتملّك المشترى مقصود للبائع، و مع تحقّق قصده اليه تصدق الإعانة على شرط الحرام و هو تملّك المشترى.

و لكنّ الإنصاف أنّ الحرمة الثابتة للجزء بما هو جزء ضمنيّة و ليست


1) تعليقة الميرزا الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 50، السطر: 16-22.

2) المكاسب: 18، السطر 8.

3) تعليقة الايروانى قدّس سرّه على المكاسب: 16، السطر: 24-27، ط: قديم.

باستقلاليّة، و مقتضى كون الحرمة ضمنيّه: أن الشراء بنفسه - مع قطع النظر عن قصد التخمير - ليس بمحرّم، والمفروض أنّ البائع لم يقصد إلّا نفس الشراء، فما قصده البائع ليس بمحرّم، وما يكون محرّما فليس مقصود البائع، و عليه فاستفادة حرمة ضمنيّة لشرط الحرام لاتكون مفيدة لإثبات صدق الإعانة على الحرام فتدبّر.

وممّا ذكر يظهر ما فى كلام سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه حيث قال: فالظاهر المتفاهم من المستفيضه الحاكيه عن: لعن الخمر و غارسها و حارسها وبايعها ومشتريها... إلخ(1)، أنّ اشتراء العنب للتخمير حرام، بل كلّ عمل يوصله اليه حرام لا لحرمة المقدّمة، فإنّ التحقيق عدم حرمتها ولا لمبغوضيّة تلك الأمور بعناوينها، بل الظاهر أنّ التحريم نفسىّ سياسىّ لغاية قلع مادّة الفساد، فإذا كان الاشتراء للتخمير حراماً - سواء وصل المشترى إلى مقصوده أم لا - تكون الاعانة عليه حراماً؛ لكونها إعانة على الإثم بلا اشكال؛ لأنّ قصد البائع وصول المشترى الى اشترائه الحرام، والفرض تحقّق الاشتراء أيضاً، فبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً حرام واعانة على الإثم(2).

و ذلك لما عرفت: من أنّ الشراء بنفسه - مع قطع النظر عن قصد التخمير - ليس بمحّرم، ولذا تكون الحرمة المستفادة حرمة ضمنيّة، و عليه فقصد نفس الشراء من دون قصد التخمير ليس قصدا للمحرّم حتّى تصدق الإعانة على الإثم، ويقرب إلى ما ذكر نا هو ما أشار اليه الميرزا محمّد تقى الشيرازىّ قدس سره حيث قال: مضافاً إلى أنّ البيع ليس إعانة على الشراء بقصد التجرّى، بل على ذات الشراء(3).

وربّما يقال بعدم لزوم القصد فى جميع من موارد الاعانة، و استشهد له: بأنّه لو


1) الوسائل 165:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، ح 4.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 144:1، ط: إسماعيليان.

3) تعليقة الميرزا الشيرازىّ قدّس سرّه على المكاسب: 50، السطر: 22 و 23، ط: قديم.

أراد الظالم ضرب أحد ظلماً ويطلب العصا، فأعطاه أحد. يصدق الإعانة، و بيع العنب ممّن يعمله خمرا نظير إعطاء العصا، حيث إنّ البائع قصد تملّك المشترى، وتملّكه مقدّمة مشتركة بين الحلال و الحرام، كما أنّ أخذ العصا مقدّمة مشتركة بين الحلال - و هو الاتّكاء - والحرام - و هو الضرب ظلماً - فلافرق يبنهما.

و يمكن الجواب عنه: بما أفاده فى جامع المدارك من وجود الفرق بين المقام ومورد اعطاء العصا: حيث إنّ البائع لايقصد إلّا تبديل عينه بالثمن، و يترتّب عليه تملّك المشترى و هو مقدّمة مشتركة، بخلاف معطى العصا فإنّه لاغرض له الّا قدرة الآخذ، نعم لو كان غرض البائع أوّلا تملّك المشترى أمكن صدق الإعانة(1).

و ممّا ذكر يظهر ما فى مصباح الفقاهة حيث قال: وعلى الجملة لا نعرف وجها صحيحا لاعتبار القصد بأىّ معنى كان فى صدق الإعانة، ومن هنا لا نظنّ أنّ أحدا ينكر تحقّق الإعانة يإعطاء السيف أو العصا لمن يريد الظلم أو القتل ولو كان المعطى غير ملتفت إلى ضمير مريد الظلم أو القتل، أو كان غافلا عنه، نعم لو نسب ذلك الى الفاعل المختار انصرف إلى صورة العلم والالتفات(2).

و استدلّ عليه: بصحّة استعمال كلمة الإعانة وما اقتطع منها فى فعل غير القاصد، بل وغير الشاعر بلا عناية وعلاقة تقتضى عدم اعتبار القصد و الإرادة فى صدقها لغة (بما ورد فى الروايات و الأدعية) كقوله عليه السّلام فى دعاء أبى حمزة الثمالى:

«و أعانَنى عليها شِقوتى»، وقوله تعالى: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ‌) ، وفى بعض الروايات أنّ المراد بالصبر: هو الصوم(3)وفى أحاديث الفريقين(4): من أكل الطين


1) جامع المدارك 12:3، ط: إسماعيليان.

2) مصباح الفقاهة 178:1، ط: أنصاريان.

3) تفسير القمى 46:1، البقرة (40-48) ط النجف.

4) الوسائل 393:16، كتاب الأطعمة و الأشربة، الباب 58.

فمات فقد أعان على نفسه. و من البديهىّ أنّ آكل الطين لم يقصد موته بذلك، بل يرى أنّ حياته فيه، وفى رواية أبى بصير: «فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد» و من المعلوم(1)أنّ المعين على ذلك بالورع والاجتهاد لايقصد الإعانة عليه فى جميع الأحيان، وكذلك ما فى بعض الأحاديث من قوله عليه السّلام: «من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة»(2)، و كذلك قوله صلّى الله عليه و سلّم: «من تبسّم على وجه مبدع فقد أعان على هدم الاسلام»(3)، وفى رواية أبى هاشم الجعفرىّ‌: «ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة»(4)، وفى الصحيفة الكاملة السجّاديّة فى دعائه عليه السّلام فى طلب الحوائج:

«واجعل ذلك عونا لى»(5)، وأيضاً يقال: الصوم عون للفقير، والثوب عون للإنسان، و سرت فى الماء وأعاننى الماء، و الريح على السير، وأعانتنى العصا على المشىّ‌، و كتبت باستعانة القلم، إلى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة الصحيحة، ودعوى كونها مجازات جزافيّة؛ لعدم القرينة عليها و نتيجة جميع ذلك أنّه لايعتبر فى تحقّق مفهوم الاعانة علم المعين بها، ولا اعتبار الداعى إلى تحقّقها؛ لبديهة صدق الإعانة على الإثم على اعطاء العصا لمن يريد ضرب اليتيم و إن لم يعلم بذلك، أو علم ولم يكن إعطاؤه بداعى وقوع الحرام كما لايخفى(6).

و ذلك لما عرفت من الفرق بين المقام ومعطى العصا، فإنّ البائع لا يريد الّا المبادلة و تملّك المشترى من لوازمها؛ لأنّ البيع تمليك عين بعوض، ومقتضى تحليله فى


1) المصدر السابق: 65:1، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 20، ح 11.

2) المصدر السابق: 90:9، أبواب قصاص النفس، الباب، ح 4.

3) المستدرك 322:12، أبواب الأمر و النهى، الباب 37، ح 12، فيه «من تبسّم فى وجه مبتدع... الخ».

4) امالى الصدوق قدّس سرّه: 497، المجلس 64، ح 11/682.

5) يتبعه «و سبباً لنجاح طلبتى... إلخ». الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين عليه السّلام، الدعاء: 13.

6) مصباح الفقاهة 176:1-178، ط: أنصاريان.

الدهن هو ملازمة التمليك مع تملّك المشترى، وليس التملّك لازما بيّنا، هذا بخلاف معطى العصا: فإنّه لايريد إلّا إقدار الظالم، ومن المعلوم أنّ قصد تمكّن الظالم واقداره يكفى فى كونه من مصاديق الإعانة ولو لم يقصد الظلم؛ و لذا فرّق المحقّق الأردبيلىّ قدّس سرّه بين بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا وبين اعطاء العصا فى صدق الإعانة على الثانى ولو لم يقصد دون الأوّل، واستجوده المحقّق النراقىّ قدّس سرّه فى العوائد(1)ونسبه الى المحقّق الثانى(2)قدّس سرّه وصاحب الكفاية قدّس سرّه(3)، ومال إليه شيخنا الأعظم قدّس سرّه كما يظهر من كلامه فراجع(4).

هذا مضافاً إلى ما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه: من أنّ الصدق على اعطاء العصا و السكّين على مريد الظلم و القتل حينهما: فلعلّه؛ لعدم التفكيك فى نظر العرف بين إعطائه فى هذا الحال وقصد توصّله إلى مقصده، ولهذا لو جهل بالواقعة لايعدّ من المعاون على الظلم، فلو أعطاه العصا لقتل حيّة و استعملها فى قتل إنسان لايكون معيناً على قتل الإنسان، وبالجملة أنّ الصدق العرفىّ فى المثال المتقدّم لعدم التفكيك عرفاً ولهذا لو اعتذر المعطى بعدم إعطائه للتوصّل إلى الظلم مع علمه بأنّه أراده لايقبل منه(5).

وإليه يؤول ما فى تعليقة الميرزا الشيرازىّ قدّس سرّه حيث قال: يمكن فى المقام دعوى ظهور حال المعير فى الفرض فى قصده إلى وقوع الانتفاع الذى قصده المستعير، فهو الموجب لصدق الإعانة، لا أنّه لايعتبر القصد فى صدق الإعانة) الى أن قال (فلو علم عدم قصده إلى وقوع العمل المستعار له، كما إذا كان إعطاؤه له لخوفه منه و إن لم يكن


1) عوائد الأيّام: 77 و 78، ط: مركز الأبحاث و الدراسات الاسلاميّة.

2) فى حاشية الإرشاد (مخطوط).

3) كفاية الأحكام: 85، السطر 15 و 16، ط: قديم.

4) المكاسب: 17، السطر 27-29.

5) المكاسب المحرمة للإمام الخمينى قدّس سرّه: 1 ص 142-143، ط: إسماعيليان.

الخوف بالغا حدّا يباح معه المحذورات، او استحياؤه منه، أو نحو ذلك من الدواعى الاُخر، فلم يعلم حكم العرف بصدق الإعانة(1).

و ممّا ذكر يظهر ما فى كلام الشيخ الأعظم قدّس سرّه تبعا للمحقّق الاردبيلىّ قدّس سرّه حيث قال: يمكن التفصيل فى شروط الحرام المعان عليه بين ما ينحصر فائدته ومنفعته عرفاً فى المشروط المحرّم، كحصول العصا فى يد الظالم المستعير لها من غيره لضرب أحد، فان ملكه للانتفاع به فى هذا الزمان ينحصر فائدته عرفاً فى الضرب، وكذا من استعار كأسا ليشرب الخمر فيه وبين ما لم يكن كذلك، كتمليك الخمار للعنب، فإنّ منفعه التمليك و فائدته غير منحصرة عرفاً فى الخمر حتّى عند الخمّار، فيعدّ الأوّل عرفاً إعانة على المشروط المحرّم بخلاف الثانى(2).

و ذلك؛ لأنّ مع انحصار الفائدة و عدم وجود داعٍ آخر لاوجه لمنع القصد، ففى مثل اعطاء العصا مع انحصار فائدته فى الضرب وعدم وجود داعِ آخر لا ينفك إعطاء العصا عن القصد، هذا بخلاف البيع لداعى المبادلة و التجارة، فإنّ مع العلم بأنّ الاشتراء للتخمير لايكون البيع المذكور بهذا الداعى ملازماً لقصد التخمير.

لايقال: انّ عنوان الإعانة على الاثم لايزيد على سائر الأفعال التى يعتبر فى صدقها أو تعلّق الحكم بها التعمّد، فكما اذا علم المكلّف فى نهار شهر رمضان أنّه لو ذهب الى المكان الفلانىّ يصبّ الماء فى حلقه، وأنّه لو ألقى نفسه من الشاهق لارتمس فى الماء: يكون أكله أو ارتماسه تعمّديّا و مفطرا للصوم، فكذلك يكنى العلم فى المقام لصدق الإعانة من دون حاجة إلى القصد.

لأنّا نقول: إنّ العلم بترتّب الفعل المفطّر على المقدّمة، وعدم تمكّنه من الممانعة من وقوعه لا ينفكّ عن القصد، ولذا يصدق التعمّد على الارتماس أو الأكل إذا أقدم


1) تعليقة الميرزا الشيرازى قدّس سرّه على المكاسب: 50) السطر الأخير) و 51) السطر 1-4) ط: قديم.

2) المكاسب: 18، السطر 15-18.

على الذهاب إلى المكان المذكور، أو ألقى نفسه من الشاهق، مع العلم بتر تّب الارتماس أو الأكل، وعليه فلاتدلّ الأمثلة المذكورة على كفاية العلم فى صدق الإعانة من دون القصد، فإنّ العلم بالترتّب فيها يكون ملازماً للقصد عرفاً، وممّا ذكر يظهر الجواب أيضاً عمّا يقال: من أنّ صحّة استناد القتل إلى من رمى السهم؛ لغرض واتفق اصابته للانسان من دون قصد، تشهد على عدم اعتبار القصد فى استناد الفعل، و عليه فلامانع من صدق الإعانة واستنادها ولو لم يكن قصد إلى وقوع المحرّم؛ و ذلك لأنّ استناد القتل إليه فى الفرض المذكور لايكون بالعمد، بل هو بالخطأ، ولذا يتر تّب عليه أحكام الخطأ.

نعم لو رمى السهم مع العلم بإصابته للإنسان يصدق التعمّد؛ لأنّه لاينفك عن القصد ويترتّب عليه أحكام العمد.

و أمّا الاستعمالات المذكورة فلعلّها من قبيل الاستعارة، كما أفاد سيّدنا الإمام قدّس سرّه حيث قال: و التشبّث ببعض الروايات و الآيات لنفى اعتباره (القصد) مع الاستعمال فيها من قبيل الاستعارة ونحوها، فى غير محلّه(1).

فإنّ اعداد بعض الأشياء بالنسبة إلى الآخر - كالاعانة - و هذه المشابهة توجب جواز استعارة لفظ الإعانة له ولو لم يعلم الفاعل بأنّ فعله يؤدىّ إلى ذلك الأمر كقوله عليه السّلام: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة و المقصود(2)فى مثله أنّ نتيجة تلك الكلمة نتيجة إعانة القاتل فى القتل، ومن المعلوم أنّه ليس من باب الحقيقة، مع فرض كونه غير ملتفت إلى آثار كلامه، هذا مضافاً إلى امكان استعمال الإعانة فى العون بمعناه الإسم المصدرى كإطلاق العون على بعض الأشياء بالنسبة الى البعض


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 142:1، ط: إسماعيليان.

2) الوسائل 615:12، أبواب ما يكتسب به، الباب 163، ح 2 و 4 و فيهما: «من أعان على مؤمن... إلخ» إلا أنّ كلمة (قتل) مأخوذة من حديث (ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: 326، ط: مكتبة الصدوق - طهران).

الآخر، كالعافية بالنسبة الى الطاعة، والثوب بالنسبة إلى الانسان، والصوم بالنسبة إلى الفقير، ونحوها، لا الاعانة بالمعنى المصدرىّ‌، مع أن الكلام فى الإعانة بالمعنى المصدرىّ‌؛ لأنّ موضوع الآية الكريمة(1)هو حرمة أحداث العون و المعاونة، لا حصول العون بين الأشياء، كما لايخفى.

فتحصّل: إنّ الأقرب - كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه - هو اعتبار القصد فى صدق الإعانة حقيقة: فإنّ الظاهر أنّ إعانة شخص على شىء عبارة عن مساعدته عليه، و كونه ظهيرا للفاعل، و هو إنّما يصدق إذا ساعده فى توصّله إلى ذلك الشىء، و هو يتوقّف على قصده لذلك، فمن أراد بناء مسجد فكلّ من أوجد مقدّمة لأجل توصّله إلى ذلك المقصد يقال: ساعده عليه و أعانه على بناء المسجد، و أمّا البائع للجصّ و الآجر و سائر ما يتوقّف عليه البناء إذا كان بيعهم لمقاصدهم وبدواعى أنفسهم: فليس واحد منهم معينا و مساعدا على البناء ولو علموا أنّ الشراء لبنائه، نعم لو اختار أحدهم من بين سائر المبتاعين البانى للمسجد لتوصّله إليه كان مساعدا بوجه دون ما إذا يفرق بينه وبين غيره؛ لعدم قصده إلّا الوصول بمقصده، فالبزّاز البائع لمقاصده ما يجعل سترا للكعبة ليس معينا على البرّ و التقوى، ولا البائع للعنب بمقصد نفسه ممّن يجعله خمراً معين على الإثم ومساعد له فيه، بل لو أوجد ما يتوقّف عليه مجّاناً لغرض آخر غير توصّله الى الموقوف لايصدق أنّه أعانه وساعده عليه(2).

اشتراط وقوع المعان عليه

ثمّ إنّه قد وقع الكلام: فى أنّ وقوع المعان عليه فى الخارج هل يشترط فى صدق الإعانة أم لا؟ ذهب المحقّق النراقىّ قدّس سرّه إلى اشتراطه حيث قال: فالظاهر اشتراطه، فلو فعل أحد عملاً قد يترتّب عليه أمر، ويكون له مدخليّة فى تحقّق ذلك


1) فى قوله تعالى: (وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌...) الخ المائدة: 2.

2) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 142:1 ط: إسماعيليان.

الأمر، ولم يتر تّب عليه ذلك الأمر فلايقال: إنّه أعانه على ذلك الأمر وان كان مقصوده منه إعانة شخص آخر فى تحقّق ذلك الأمر وحصوله، نعم لو قصد به الاعانة يصدق بأنّه إعانة على مقدّماته، أو فى السعى فيه (إلى أن قال) وعلى هذا: فلو غرس أحد كرماً بقصد عصر الخمر منه للخمّارين فهو عاصٍ فى هذا الغرس آثم مطلقاً، لما مرّ فى العائدة المتقدّمة(1)، فلو أثمر وحصل منه الخمر وشرب يكون معاونة على الاثم أيضاً، ويكون حراماً من هذه الجهة أيضاً، ولو لم يتّفق ذلك فيه حتّى قلع لايكون معاونة على إثم، و لكنّ يكون حراماً لأجل قصده(2). ولعلّ المقصود من قوله: «ولكنّ يكون حراماً؛ لأجل قصده» هو ما أفاده فى العائدة السابقة من حرمة مقدّمة الحرام إن كانت سبباً، وتمسّك بامور:

و منها: ماورد فى ذمّ فاعل بعض مقدّمات الحرام وإثبات الإثم له، كلعن غارس الخمر و حارسها وعاصر ها(3).

وكيف كان فقد أشار إليه الشيخ الأعظم قدّس سرّه حيث قال: و ربما زاد بعض المعاصرين(4)على اعتبار القصد: اعتبار وقوع المعان عليه فى تحقّق مفهوم الإعانة فى الخارج، وتخيّل أنّه لو فعل فعلاً بقصد تحقّق الإثم الفلانىّ من الغير فلم يتحقّق منه لم يحرم من جهة صدق الإعانة، بل من جهة قصدها، بناءً على ما حرّره من حرمة الاشتغال بمقدّمات الحرام بقصد تحقّقه، و أنّه لو تحقّق الفعل كان حراماً من جهة القصد إلى المحرّم، و من جهة الإعانة.

(ثمّ تأمّل فيه واُورد عليه) بأنّ حقيقة الإعانة على الشىء هو الفعل بقصد


1) عوائد الأيّام: 25، العائدة السادسة فى مقدّمة الحرام، ط: بصيرتى (قديم).

2) المصدر السابق: 27، السطر 19-26.

3) المصدر السابق: 26، السطر 15 و 16.

4) هو المحقّق النراقى قدس سره، اُنظر عوائد الأيّام: 26، ط: قديم.

حصول الشىء - سواء حصل أم لا - ومن اشتغل ببعض مقدّمات الحرام الصادر عن الغير بقصد التوصّل اليه فهو داخل فى الإعانة على الإثم، ولو تحقّق الحرام لم يتعدّد العقاب(1).

و فيه: أوّلاً: انّ صدق الإعانة فيما لم يتحقّق المعان عليه ليس حقيقيّا؛ لصحّة سلب الاعانة حينئذ بالنسبة الى المعان عليه وثانياً: إنّ مقصود المحقّق النراقىّ قدّس سرّه من تعدّد الحرمه فيما اذا كانت المقدّمات منهيّا عنها بالنهى الخاصّ‌، كغرس الكَرم للتخمير، فانّ مع تحقّق المعان عليه يتحقّق العنوانان المنهيّان: أحدهما الغرس للتخمير، و ثانيهما الإعانة على التخمير، وكلاهما مستقلاّن فى المبغوضيّة و الحرمة، ولابأس بالتعدّد فى خصوص مقدّمات التخمير للنصّ الخاصّ‌، و أمّا تعميم ذلك بالنسبة إلى مقدّمات جميع المحرّمات - كما يظهر من كلام المحقّق النراقىّ قدّس سرّه - فلا يخلو عن النظر و الإشكال، و كيف كان فقد أفاد وأجاد فى مصباح الفقاهة حيث قال: إنّ الذى يوافقه الاعتبار ويساعد عليه الاستعمال هو تقييد مفهوم الاعانة بحسب الوضع بوقوع المعان عليه فى الخارج، ومنع صدقها بدونه، ومن هنا لو أراد شخص قتل غيره بزعم أنّه مصون الدم و هيّأ له ثالث جميع مقدّمات القتل، ثمّ أعرض عنه مريد القتل، أو قتله ثمّ بان أنّه مهدور الدم، فانّه لايقال انّ الثالث أعان على الإثم بتهيئة مقدّمات القتل، كما لاتصدق الإعانة على التقوى اذا لم يتحقّق المعان عليه فى الخارج، كما إذا رأى شبحا يغرق فتوهّم أنّه شخص مؤمن فأنقذه إعانة منه له على التقوى، فبان أنّه خشبة.

و قد يمنع من اعتبار وقوع المعان عليه فى الخارج فى مفهوم الإعانة و صدقها، بدعوى أنّه لو أراد رجلان التهجّم على بيضة الإسلام، أو على قتل النفوس المحترمة، فهيّا لهما آخران جميع مقدّمات القتال، فمضى أحدهما وندم الآخر، فإنّه لا شبهة فى


1) المكاسب: 17، السطر: 9-12.

استحقاق كلّ من المهيّئين الذمّ و اللوم؛ من جهة الإعانة على الإثم و إن تحقّق الفعل المعان عليه فى أحدهما و لم يتحقّق فى الآخر، فلو كان ذلك شرطا فى صدق الإعانة لم يتوجّه الذمّ إلّا على الأوّل، و فيه: أنّ الصادر من النادم ليس إلّا التجرّى، و هو على تقدير الالتزام بقبحه واستحقاق العقاب عليه لايصدق عليه الإثم لتكون الإعانة عليه إعانة على الاثم، و أمّا إذا قلنا بعدم استحقاق العقاب عليه فإنّ الأمر أوضح(1).

وممّا ذكر يظهر الكلام فى دعوى الفرق بين كون الاثم بمعنى اسم المصدر وكونه بمعنى المصدر فى صدق الإعانة، فلو كان بمعنى إسمه يعتبر فى صدقها الوجود، بخلاف ما اذا كان بمعنى المصدر - والمقام من قبيل الثانى - حيث انّ المفهوم العرفىّ من الإعانة على الإثم هو إيجاد مقدّمة إيجاد الإثم و إن لم يوجد، فمن أعطى سلّماً لسارق بقصد توصّله إلى السرقة، فقد أعانه على إيجادها، فلو حيل بين السارق و سرقته شىء، و لم تقع منه يصدق أنّ المعطى للسلّم أعانه على إيجاد سرقته و إن عجز السارق عن العمل، فلو كان تحقّق السرقة دخيلا فى الصدق فلابدّ أن يقال: إنّ المعتبر فى صدق الإعانة ايجاد المقدّمة الموصلة، أو الالتزام بأنّ وجود السرقة من قبيل الشرط المتأحر؛ لصدق الإعانة و كلاهما خلاف المتفاهم العرفىّ منها، بل هما أمران عقليّان.

أو يقال: لايصدق عرفاً الإعانة على الإثم حتّى وجدت السرقة، فالفعل المأتىّ به ليوصل الغير إلى الحرام مراعى حين يوجد ذو المقدّمة وبعده يقال: إنّه أعانه عليه، و هو أيضاً خلاف الواقع، أو يقال: إن صدق الإعانة عليها فعلا باعتبار قيام الطريق العقلائىّ على وجود الإثم، وبعد التخلّف يكشف عن كونها تجرّيّا لا اعانة، و هو أيضاً غير صحيح؛ لأنّ الطريق العقلائىّ عليه لايتّفق إلّا أحياناً، ومع عدم القيام أيضاً يقال:

إنّه أعانه على إيجاده، فمن أعطى جصّاً لتعمير مسجد يقال: إنّه أعان على تعميره قبل


1) مصباح الفقاهة 178:1، ط: أنصاريان.

تحقّقه، بل مع عروض مانع عنه، ولهذا يصحّ أن يقال: إنّى أعنت فلانا على تعمير المسجد ولم يقع منه ذلك بلا شائبة تجوز(1).

و ذلك؛ لأنّ عنوان الإثم ظاهر فى المعصية - سواء كاق مصدرا أو اسم المصدر - كعنوان الضرب: فإنّه ظاهر فى اصطكاك شىء بشىء آخر بقوّة سواءكان مصدرا أو إسم المصدر، ومقدّمات الاصطكاك أو مقدّمات المعصية خارجة عن مفهوم الإثم و الضرب، وعليه فلا يصدق عنوان الإعانة على الإثم ما لم يتحقّق الإثم و إن أتى ببعض مقدّماته، فإنّ مع الإتيان ببعض مقدّماته لايصدق وجود المعصية ولا ايجادها، كما أنّ مع بعض مقدّمات الاصطكاك لايصدق وجود الضرب أو إيجاده.

وممّا ذكر يظهر إمكان المنافشة فى الأمثلة المذكورة: من أنّ من أعطى سلّماً لسارق بقصد توصّله إلى السرقة فقد أعانه على إيجادها، وهكذا من أعطى جصّاً لتعمير مسجد فقد أعان على تعميره قبل تحقّقه، بل مع عروض مانع عنه.

فإنّ فى الأوّل أعان السارق على إيجاد بعض مقدّمات السرقة، لا إيجاد السرقة، مع أنّ المفروض عدم تحقّق السرقة، وهكذا فى الثانى فقد أعان على بعض مقدّمات التعمير، لا نفس التعمير.

و بالجملة لا فرق بين الوجود و الإيجاد إلّا بحسب الاعتبار، فهما واحد فى الحقيقة، و إنّما الاختلاف بينهما ناشٍ‌: من انتساب ذلك الأمر الى نفس الشىء فيصدق الوجود، و إلى الفاعل فيصدق الإيجاد، وليس الوجود و الإيجاد منطبقين إلّا على نفس المعصية، ولايطلقان على مقدّماتها.

وعليه فإطلاق الإعانة على الإثم قبل وجود المعصية أو ايجادها بمجرّد بعض مقدّماتها إطلاق مجازىّ من باب الأول و المشارفة كإطلاق الزائر أو الحاجّ على من


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 141:1-142، ط: إسماعيليان.

ذهب الى المدينة المنوّرة أو مكّة المكرّمة مع أنّه فى الطريق، و الشاهد على أنّ هذا الاطلاق مجازىّ‌: أنّه ان حدث مانع عن وصولهم الى المدينة أو مكّة صحّ سلب الزائر آو الحاجّ عنهما، و ليس ذلك الّا من جهة أنّ اطلاق الزائر أو الحاجّ قبل حدوث المانع من باب المجاز لا الحقيقة، وعليه فإطلاق الإعانة على الإثم لايصير حقيقيّا الّا إذا وقع المعان عليه فى الخارج.

ثمّ إنّ السيّد المحقّق الخوئىّ قدّس سرّه ذهب الى توف صدق عنوان الإعانة على تحقّق المعين و المعان: بأن يكونا مفروضىّ الوجود - مع قطع النظر عن تحقّق الإعانة فى الخارج -؛ ليقع فعل المعين فى سلسلة مقدّمات فعل المعان، فيكون عنوان الاعانة بهذا الاعتبار من الأمور الاضافيّة، وعليه فإيجاد موضوع الاعانة كتوليد المعين - مثلا - خارج عن حدودها، وإلّا لحرم التناكح و التناسل؛ للعلم العادى: بأنّ فى نسل الانسان فى نظام الوجود من يرتكب المعاصى وتصدر منه القبائح(1).

و فيه أنّ عدم صدق الإعانة على التناكح و التناسل مع العلم العادىّ بوجود من ير تكب المعاصى بين الذرارى؛ لعدم القصد إلّا الى التناكح و التناسل، لا المعاصى وصدور القبائح، ولذا يصدق الإعانة عليها لو قصد ذلك، و توصل اليه بالتناكح والتناسل، وصدق الإعانة فى فرض القصد شاهد على عدم اعتبار وجود المعان؛ اذ لو اعتبر وجود المعان لزم أن لايصدق، مع أنّ صدق الإعانة على المعصية وصدور القبائح واضح فى الفرض المذكور.

وهكذا صدق الإعانة على البرّ و التقوى: فيما إذا تناكح وتناسل مع النساء العابدات القانتات بقصد وجود النسل الطاهر و الطيّب الذين يتّقون و يحسنون ممّا يشهد على عدم اعتبار وجود المعان.


1) مصباح الفقاهة 179:1، ط: أنصاريان.

و عليه فالمعيار هو القصد فى صدق الإعانة - سواء كانت على الاثم أو على البرّ - ولادخل لوجود المعان قبل تحقّق ما يصدق عليه عنوان الاعانة، بل لايشترط بقاء المعين. فلو أعطى شيئا للمسجد ومات، ثمّ بنى المسجد صدقت الإعانة، كما لايخفى، وكيف كان فاتّضح ممّا تقدّم حرمة الإعانة على الإثم فيما إذا تحقّق القصد؛ لتماميّة الأدلّة موضوعا وحكما، و مع تماميّة الأدلّه الدالّة على حرمة الإعانة لا مجال للتمسك بأصالة البرائة، والحكم بالجواز.

كما لاوجه لما يقال: من أنّه لو لم تجز الإعانة على الاثم لما جاز سقى الكافر؛ لكونه إعانة على الاثم، لتنجّس الماء بمباشرته إيّاه فيحر عليه شربه، لكنّ السقى جائز لقوله قدّس سرّه: «إنّ اللّه يحب إبراذ الكبد الحرّى»(1).

و ذلك لأنّ القصد متعلّق الى السقى لا شرب المتنجّس وان كان ذلك ملازما مع السقى مع أنّ الملازمة ليست بيّنة بالمعنى الأخصّ‌، كما لا يخفى.

و الأضعف ممّا ذكر هو الاستدلال لجواز الإعانة على الاثم؛ باستفاضة الروايات على جواز بيع العنب و التمر وعصيرهما ممّن يجعلهما خمراً، بدعوى كون بيع هذه الأشياء ممّن يجعلها خمراً اعانة على الاثم (كما فى مصباح الفقاهة)(2).

لما عرفت من اعتبار القصد فى صدق الإعانة على الإثم، ولا نسلّم صدقها فى بيع الأشياء المذكورة مع عدم القصد الى التخمير.

و ممّا تقدّم ينقدح: أنّه لاوجه لما عن الرياض بعد ذكر الأخبار السابقة الدالّة على الجواز: و هذه النصوص و إن كثرت واشتهرت و ظهرت دلالتها، بل ربما كان بعضها صريحاً، لكنّ فى مقابلتها للاُصول و النصوص المعتضدة بالعقول إشكال(3).


1) الوسائل 284:6، أبواب الصدقة، الباب 19، ح 2.

2) مصباح الفقاهة 183:1، ط: أنصاريان.

3) رياض المسائل 55:8، كتاب التجارة (المكاسب المحرّمة)، ط: النشر الاسلامى.

قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه: والظاهر أنّ مراده بالاُصول: قاعدة حرمة الاعانة على الإثم، ومن العقول: حكم العقل بوجوب التوصّل إلى دفع المنكر مهما أمكن، انتهى(1).

وذلك لما عرفت من عدم شمول قاعدة حرمة الإعانة على الإثم فيما اذا لم يكن البائع قاصدا للحرام، و إنّما قصد المبادلة، ولا أقلّ من الشكّ فلا تشمل المقام، فلامقابلة بين قاعدة حرمة الإعانة و الأخبار المجوّزة، نعم لو قلنا: بالشمول فلامجال لدعوى تخصيص القاعدة بالأخبار؛ لإباء القاعدة عن التخصيص لقبح الإعانة على الاثم والظلم، كما فى جامع المدارك حيث قال: والحاصل أنّه مع صدق الإعانة يشكل الأخذ بالأخبار المجوّزة للزوم تخصيص الآية الشريفة و الظاهر إبائها عن التخصيص(2).

و ممّا ذكر يظهر ما فى دعوى أنّ قوله تعالى: (وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌) (3)لامانع من تخصيصه، و أمّا حكم العقل بوجوب التوصّل إلى دفع المنكر، فسيأتى الكلام فيه - إن شاء اللّه تعالى -.

وجوب دفع المنكر

ربما يقال: إنّ دفع المنكر كرفعه واجب، و لا يتمّ الّا بترك البيع فيجب، و يشهد له ماورد من أنّه: «لو لا أنّ بنى أميّة وجدوا من يجبى لهم الصدقات ويشهد جماعتهم ما سلبوا حقّناً»(4)حيث دلّ على مذمّة الناس فى فعل ما لو تركوه لم يتحقّق المعصية من بنى آميّة، فدلّ على ثبوت الذمّ لكلّ ما لو ترك لم يتحقّق المعصية من الغير.


1) المكاسب: 17، السطر: 18 و 19.

2) جامع المدارك 12:3، التجارة، ط: إسماعيليان.

3) المائده: 2.

4) الوسائل 144:12، أبواب ما يكتسب، الباب 47، 16.

و فيه أوّلا: إنّ وجوب الأمر و النهى مشروط بالتأثير، فمع عدم احتمال التأثير لوجود البائعين الآخرين و بنائهم على البيع منه سقط وجوب الدفع، كوجوب الرفع عند عدم احتمال التأثير، وعليه فيجوز له البيع، هذا مضافاً إلى إمكان المنع عن التخمير أحيانا بعد البيع وتسليم المبيع.

ولعلّ إليه أشار فى الجواهر حيث قال: بعدم منافاة جواز البيع للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اللذين قد يسقط وجوبهما لفقد بعض الشرائط(1).

على أنّ مقدّميّة ترك البيع للدفع فيما اذا كان العنب مخصوصا بالبائع؛ لأنّه حينئذ لو لم يبعه لم تحصل المعصية، و أمّا فيما إذا لم يكن العنب منحصرا بما عنده و تحصل المعصية عن المشترى لامحالة ببيع الآخرين، فليس ترك بيعه من مقدّمات الدفع الواجب؛ لعدم حصول الارتداع بتركه للبيع فلايدلّ وجوب الدفع على وجوب ترك البيع مع عدم مقدّميّته - كما هو المفروض - وهكذا لو لم يعلم الانحصار لم يحرز أنّ ترك البيع من مقدّمات وجوب الدفع أم لا، ومع الشكّ فى ذلك لا يشمله الدليل الدالّ على وجوب الدفع لأنه من الشبهات الموضوعيّة.

ثمّ إنّ ظاهر القول المذكور: هو شموله لما إذا لم يكن المشترى حين الشراء عازما للتخمير، ولكنّ يعلم أنّه ستحدث له إرادة ذلك، مع أنّه لادليل إلا على ردع من همّ بالمعصية و أشرف عليها، فلاوجه لوجوبه قبل همّه؛ اذ التعجيز قبل الهمّ لا يجب.

لقد أفاد وأجاد شيخنا الأعظم قدّس سرّه حيث قال: إنّه وان دل بظاهره على حرمة بيع العنب - ولو ممّن يعلم أنّه سيجعله خمرا مع عدم قصد ذلك حين الشراء - إلّا أنّه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم أنّه سيهمّ بالمعصية، و إنّما الثابت من النقل و العقل - القاضى بوجوب اللطف - وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها، بحيث


1) الجواهر 33:22، التجارة (بيع العنب لمن يجعله خمراً)، بيروت.

لولا الردع لفعلها أو استمرّ عليها.

ثمّ إنّ الاستدلال المذكور إنّما يحسن مع علم البائع بأنّه لو لم يبعه لم تحصل المعصية. لأنّه حينئد قادر على الردع، أمّا لو لم يعلم ذلك، أو علم بأنّه تحصل منه المعصية بفعل الغير، فلايتحقّق الارتداع بترك البيع، كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر، وتوهّم أنّ البيع حرام على كلّ أحد، فلا يسوغ لهذا الشخص فعله معتذرا بأنّه لو تركه لفعله غيره مدفوع: بأنّ ذلك فيما كان محرّما على كل واحد على سبيل الاستقلال، فلايجوز لواحد منهم الاعتذار بأنّ هذا الفعل واقع لامحالة ولو من غيرى فلاينفع تركى له.

أمّا إذا وجب على جماعة شىء واحد - كحمل ثقيل مثلا - بحيث يراد منهم الاجتماع عليه، فاذا علم واحد من حال الباقى عدم القيام به و الاتّفاق معه فى ايجاد الفعل كان قيامه بنفسه بذلك الفعل لغوا، فلايجب - و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ عدم تحقّق المعصية من مشترى العنب موقوف على تحقّق ترك البيع من كلّ بائع، فترك المجموع للبيع سبب واحد لترك المعصية، كما أنّ بيع واحد منهم على البدل شرط لتحقّقها، فاذا علم واحد منهم عدم اجماع الباقى معه فى تحصيل السبب - و المفروض أنّ قيامه منفردا لغو - سقط وجوبه، و أمّا ما تقدّم من الخبر فى اتباع بنى اميّة، فالذمّ فيه إنّما هو على إعانتهم بالأمور المذكورة فى الرواية.

وسيأتى تحريم كون الرجل من أعوان الظلمة، حتّى فى المباحات التى لادخل لها برئاستهم، فضلاً عن جباية الصدقات، وحضور الجماعات، و شبههما، ممّا هو من أعظم المحرّمات(1).

و الحاصل: إنّ الواجب فى طرف النهى عن المنكر هو المنع عن تحقّق صرف


1) المكاسب: 18، السطر 24-34.

وجود المنكر، و هو ليس مقدورا للمكلّف إلّا باجماع الآخرين على ذلك؛ لأنّ صرف وجود المنكر لا يدفع بترك البائع للبيع مع بناء الآخرين على البيع و العلم بحصول المعصية ببيعهم.

و عليه فاذا لم يتمكّن من دفع صرف وجود المنكر فلا يكون مكلّفا بترك الببع؛ لعدم أثر على تركه؛ اذ الدفع كالرفع فى السقوط مع عدم التأثير، نعم بيعه شرط لتحقّق المعصية، ولكنّه ليس بمنهىّ‌، ولادليل على وجوب تركه.

لا يقال: انّ الواجب أعمّ من دفع صرف الوجود، بل يشمل دفع فرد يحصل بفعله، اذ لو لم بيع عنبه لم يجعل هذا الفرد خمراً، هذا مضافاً الى أنّ توجّه الذمّ اليهم فى الرواية؛ من جهة كونهم من أعوانهم لاينافى توجّه الذمّ اليهم؛ من جهة أنّه لولا فعلهم هذا لم يقدروا على سلب حقوقهم عليهم السلام، ولذا قال فى بلغة الطالب: قصر الذمّ فى جهة كونهم من أعوانهم خلاف الظاهر و إلّا كونهم من أعوانهم هر، لم يحتج لى لشرطيّة و التعليق المستفاد من «كلمة لو لا».

لأنّا نقول: - كما أفاد المحقّق الإيروانىّ عليه السّلام -: لادليل على وجوب دفع فرد يحصل بفعله، فغاية ما يستفاد من أدلّة النهى عن المنكر وجوب حفظ وعاء الخارج من المنكر - و هو غير مقدور بالفرض - فيسقط تكليفه، نعم مع القدر على الحفظ المذكور بأن يترك هو البيع، ويمنع سائر أرباب العنب من البيع، أو يشترى منهم أعنابهم كى لايبيعوه ممّن يعمله خمراً وجب عليه ذلك(1).

هذا مع إمكان أنّ يقال: - كما أفاد فى البلغة - أنّ الرواية مخصوصة بموردها و هو سلب حقّ الأئمة عليهم السلام، فلايجوز التعدّى منها الى ترتّب الذمّ على كلّ ما لولاه لم تتحقّق المعصية مع وضوح الفرق بين غصب منصب الامام وسائر المعاصى(2).


1) تعليقة الإيروانى انى قدّس سرّه على المكاسب: 17، السطر 8-10، ط قديم.

2) بلغة الطالب: 71/1.

ولكنّ الإنصاف أن الواجب الكفائىّ كالواجب العينىّ من جهة تعلّق الخطاب بآحاد المكلّفين، ولذا يكون جميعهم معاقبين لو تخلّفوا عن الاطاعة، و إنّما الفر بين الواجب الكفائىّ و العينىّ‌: يكون فى سقوط الخطاب بفعل بعض كتغسيل الميّت دون العينىّ‌، فإنّه لايسقط بفعل الآخرين، ولايقاس المقام بحمل الثقيل؛ إذ كلّ فرد فى المقام مكلّف بدفع طبيعة المنكر و حرمة نقضها، ولايكون مكلّفا بشرط الاجتماع حتّى يمكن قياسه بحمل التقيل، و عليه فلا يجوز للبائع أن يبيع عنبه ممّن يعلم أنّه سيجعله خمراً مع الاعتذار بأنّه لو يبعه باعه غيره.

فإنّ بيعه قبل بيع الآخرين مناف لحرمة نقض عدم طبيعة المنكر عليه أيضاً، نعم يسقط عنه وجوب الرفع أو دفع الآخرين إن لم يتمكّن من ردعهم.

قال سيّدنا الامام المجاهد قدّس سرّه: لو قلنا بوجوب دفع المنكر: فتارة يكون بوجوده السارى منكرا - كشرب الخمر وتخمير ها - و أخرى بصرف وجوده، وعلى الأوّل تارة يكون المشترى مريداً لتخمير كلّ عنب يشتريه، و اخرى لايريد إلّا تخمير مصداق واحد، لاينبغى الإشكال فى الحرمة على الأوّل من الأوّل؛ لأنّ دفع كلّ مصداق من المنكر واجب فرضا، والمفروض أنّ كلّ عنب يشترى الخمّار يجعله خمراً، فترك كلّ بيع دفع عن منكر مستقلا، فهو واجب.

و أمّا بناءً على أنّ المنكر صرف وجود التخمير مثلا، أو لا يخمّر المشترى إلّا مصداقا واحدا من المبيع، فهل يجوز بيعه إلّا فيما إذا تركه غيره، فلو علم بناء غيره على البيع يجوز له ذلك؛ لأنّ دفع المنكر غير مقدور عليه لفرض وجود بائع آخر، فهو كتقيل يجب على جمع رفعه، ولايمكن ذلك إلّا باجماع جميعهم، فلو علم بعضهم عدم إقدام بعض على الرفع لايجب عليه إعمال القوّة، فإنّه لغو؛ أو لايجوز؛ لأنّ دفع المنكر واجب مطلق على كلّ مكلّف، ولهذا يجب على كلّ منهم دفعه ولو بمنع الغير عن المخالفة ولو اجتمع الكلّ على بيع أعنابهم دفعة واحدة ممّن يعلم أنّه يجعلها خمرا:

يكون الكلّ عاصيا؛ لانتقاض الدفع الواجب بفعلهم، فلو اجتمع القوم عدا واحد منهم كان ما عداه عاصيا ولو فرض تحقّق البيع منه لو كان الغير تاركاً؛ وذلك لأنّ انتقاض الدفع الواجب غير جائز شرعاً أو قبيح عقلاً؛ لكونه مخالفة للأمر عقلاً و عرفا، ومجرّد بناء الغير على الانتقاض لايكون عذرا فالبائع الواحد و إن لا يقدر على الدفع لكنّه قادر على انتقاضه وعلى المخالفة، و هذا كاف فى تحقّق المعصية مع تحقّقه بفعله و انتقاض الدفع ببيعه، فلو أمر المولى عبيده بدفع السارق عن سرقة ماله، وكان متوقّفاً على بقاء الباب مسدودا: يجب على كلّ منهم دفعه بحفظ سدّ الباب، فلو علم بعضهم أنّ بعض العبيد يريد فتح الباب وتمكين السارق لايوجب ذلك البناء و العلم بفتحه على أىّ حال أن يكون معذورا فى فتح الباب وتمكين السارق، فلو فتحه كان الفاتح عاصيا لا الباتى على الفتح (إلى أن قال) و تنظير المقام بحمل الثقيل غير وجيه، فإنّ الواجب هناك هو الحمل، و هو أمر بسيط لايتحقّق الّا بالاجتماع، ومع العلم بعدم اجماعهم عليه لايجب على العالم أن يعمل القوّة الغير المؤثرة فاسه لغو، و أمّا فى المقام أنّ الواجب هو الدفع عن التخمير لأجل مبغوضيّة تحقّقه، وكلّ واحد منهم مستقلّ فى القدرة على نقضه، فمن نقضه فهو عاص لامن بنى على نقضه... إلخ(1).

و لقد أفاد وأجاد إلّا أنّ فرض الوجود السارى خارج عن المقام؛ لأنّ التكليف حينئذ عينىّ لا كفائىّ‌، و كيف كان، فبعد اللتيا و التى فالمسألة لا تخلو عن الاشكال؛ لإمكان أن يقال: انّ حرمة انتقاض الدفع الواجب آخذا بإطلاق الأدلّة، قابل للتخصيص بالأخبار الدالّة على جواز بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً؛ لأخصّيتها وأظهريّتها بالنسبة إلى إطلاق الأدلّة الناهية عن المنكر، و الحكم بالقبح عقلاً فى الفرض المذكور الذى يعلم بوقوع المنكر من ناحية الغير غير واضح.


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 37:1-139، ط: إسماعيليان.

هذا مضافاً الى ما فى تعليقة الايروانى قدّس سرّه: من أنّ المكلّف كما يتمكّن من دفع المنكر الحاصل بفعله، فكذلك يتمكّن من دفع المنكر الحاصل بأفعال غيره، و الأوّل يحصل بتركه للبيع، والثاتى يحصل بإقدامه على البيع، فإنّه إذا أقدم هو لم يشتر من غيره، فكان كلّ من البيع وترك البيع دفعا لفرد من المنكر، وعليه فلاوجه لتعيّن ترك البيع، بل جاز كلّ من البيع وترك البيع، فإنّ الحرام لامحالة حاصل(1).

• ولكنّه لايخلو عن المناقشة؛ لأنّ دفع الحرام لا يجوز بارتكاب الحرام، و عليه فالواجب على المكلّف منحصر فى دفع المنكر الحاصل بفعله.

وكيف كان فقد عرفت الجواز من جهة الأخبار الدالّة المخصّصة، ولا مانع من تخصيصها للأخبار الدالّة على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.

نعم اذا انحصر العنب عند البائع وجب ترك البيع؛ لوجوب الردع عن المعصيه عقلاً و نقلا إذ المفروض أنّ الردع متوقّف على ترك البيع، واطلاق الأخبار المجوّزة منصرف عن مثله؛ لأنّه ترخيص فى القبح العقلىّ‌، ولذلك قال الشيخ الاعظم قدّس سرّه:

و أمّا ترك هذا الفعل: فان كان سببا - يعنى علّة تامّة - لعدم المعصية من الغير، كما إذا انحصر العنب عنده، وجب؛ لوجوب الردع عن المعصية عقلاً و نقلا(2).

برهان اللطف و الحكمة

ربما يناقش فى دلالة العقل على وجوب الأمر و النهى حيث أورد على الشيخ قدّس سرّه بقوله ولاتصحّ دعوى استقلال العقل لوجوب النهى و ما ذكره المصنّف - أى الشيخ رحمه الله تعالى - من حكمه بلزوم اللطف لانفهمه، فإنّه. يكفى فى اتمام الحجّة


1) تعليقة الايروانى على المكاسب: 17، السطر: 6-8، ط: قديم.

2) المكاسب: 19، السطر الأوّل.

على العباد تبليغ الأحكام إليهم، وإعلامهم بما أوعد اللّه به الطغاة و العصاة(1).

و فيه ما لايخفى، اذ كيف لاتصحّ دعوى دلالة العقل على وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر؟ مع أنّ الحكمة كما تقتضى: لزوم ارسال الرسل و التكليف و الوعد و الوعيد و الإنذار و التبشير ونصب الآئمة عليهم السلام من ناحيه الله تعالى؛ لتتميم الغرض: و هو تقريب العباد نحو المصالح وتبعيدهم عن المفاسد.

كذلك تقتضى تلك الحكمة إيجاب الدفع علينا، أو تحكم تلك الحكمة علينا بالسعى فى ذهاب الفساد عند الإمكان؛ اذ الملاك و هو الحكمه المذكورة برهان عقلىّ عامّ ولا يختصّ بالله تعالى، بل يشمل كل حكيم، ولعلّ مقصود من تمسّك بقاعدة اللطف هو ما ذكرناه.

و عليه فإتمام الحجّة بعض ما تقتضيه الحكمة المذكورة و لا يغنى ذلك عن البعض الآخر، و لذا يحكم العقل من باب اللطف و الحكمة بلزوم وجود الإمام عليه السّلام فى كلّ عصر، وتصدّيه للحكومة والامارة مع حصول إتمام الحجّة بتبليغ الأحكام، و إعلامهم بما أوعد الله الطغاة و العصاة، هذا مضافاً الى ما أفاده سيّدنا الإمام المجاهد قدّس سرّه من استقلال العقل بلزوم المنع من تحقّق ما هو مبغوض للّه تعالى، و إلّا لأخلّ بالإطاعة وزىّ العبديّة، كما يشهد له ما نراه فى الموالى و العبيد حيث قال: والحقّ هو استقلال العقل بوجوب منع تحقّق معصية المولى و مبغوضيته، وقبح التوانى عنه سواء فى ذلك التوصّل إلى النهى أو الاُمور الأخر الممكنة، فكما تسالموا ظاهرا على وجوب المنع من تحقّق ماهو مبغوض الوجود فى الخارج، سواء صدر من مكلّف أم لا؛ لمناط مبغوضيّة وجوده، فكذلك يجب المنع من تحقّق ما هو مبغوض صدوره من مكلّف ويرى العبد صدوره منه، فإنّ المناط فى كليهما واحد، و هو تحقّق المبغوض، وان اختلفا: فى أنّ


1) إرشاد الطالب 100:1، ط: إسماعيليان.

الأوّل نفس وجوده مبغوض، والثانى صدوره من مكلّف مبغوض - إلى أن قال -: ثمّ إنّ العقل لايفرق بين الرفع و الدفع، بل لا معنى لوجوب الرفع فى نظر العقل، فانّ ما وقع لاينقلب عمّا هو عليه، فالواجب عقلاً هو المنع عن وقوع المبغوض سواءً‌ا شتغل به الفاعل، أو همّ بالاشتغال به، وعلم بكونه بصدده وكان فى معرض التحقّق، وما يدركه العقل قبحه هو هذا المقدار الذى ادّعاه شيخنا الأنصارىّ قدّس سرّه لا التعجيز بنحو مطلق، حتّى يشمل مثل ترك التجارة و الزراعة و النكاح إلى غير ذلك.

نعم الظاهر عدم الفرق بين إرادته الفعليّة وما علم بتجدّدها بعد البيع، سيّما إذا كان البيع سببا له(1).

لايقال: إنّ مقتضى الدليل العقلىّ هو وجوب الدفع حتّى عند عدم الانحصار، و معه كيف يؤخذ بالأخبار المجوّزة؛ لأنّا نقول: إنّ برهان الحكمة أو حكم العقل يدلّ على وجوب الدفع فيما إذا كان الدفع مؤثّرا فى ننى المبغوض وتبعيد الناس عن المفاسد، و أمّا مع عدم التأثير و العلم بوقوع المبغوض فلا يتّضح المنع العقلىّ عن البيع من دون قصد إلى الحرام ومقدّماته، و لا يقاس المقام بفتح الباب، لأنّ فتحه ليس إلّا لتمكين السارق و هو الإعانة، ولذا يحكم العقل بحرمته. وكيف كان فمع عدم وضوح المنع العقلىّ فلا مانع من الأخذ بالأخبار المجوّزة فيما إذا لم يقصد البائع إلّا المبادلة عند عدم انحصار مثل العنب عنده، ولايقاس أيضاً بما إذا علم أنّ جماعة بنوا على قتل زيد، فإنّه لايوجب جواز القتل؛ لأنّ القتل محرّم، هذا بحلاف بيع العنب، فإنّه ليس بحرام الّا اذا كان تركه علّة منحصرة لدفع المنكر و أمّا إذا لم يكن مؤثّرا فى ذلك فلايحكم العقل بترك البيع ولا أقلّ من الشكّ‌، فإنّ الدليل العقلىّ دليل لبّى فيقتصر فيه على القدر المتيقّن، ثمّ إنّ الدليل العقلىّ لايختصّ بالأمر و النهى اللفظيّين بل يعمّ الفعلين منهما


1) المكاسب المحرّمة للإمام الخمينى قدّس سرّه 136:1 و 137، ط: إسماعيليان.

لعموم الملاك المذكور.

و ممّا ذكر يظهر ضعف ما قيل من أنّ المنع الخارجىّ فى مقابل المنع الإنشائىّ و القولىّ‌، لا دليل على وجوبه عقلاً ولا نقلاً، إلّا أنّه ربما يقال: باستفادة وجوبه من فحوى دليل النهى عن المنكر، بدعوى كون ملاك وجوب النهى عنه سدّ طريق الفساد و المنع عن حصوله خارجا، وفيه: انّه لايمكننا استفادة وجوبه فيما إذا كان المنع المزبور ملازماً أو موقوفا على ارتكاب عمل، لايجوز ذلك العمل بمقتضى سائر الأدلّة الشرعيّة، كما إذا كان منع شخص عن الإفطار فى نهار شهر رمضان موقوفا على دخول بيته بدون اذنه و رضاه، أو موقوفا على ترك بعض الصناعات الواجبة ولو بنحو الكفاية، كما إذا كان المنع المزبور موقوفا على ترك بيع الطعام من جميع الناس او غير ذلك، بل يمكن أن يقال: بعدم وجوب المنع مطلقاً، حيث لم يظهر من أدلّة النهى عن المنكر أنّ تمام ملاك وجوبه دفع الفساد حتّى يمكن التعدّى، كما يقال: بأنّه لم يظهر من دليل اعتبار خبر العدل أنّ تمام ملاك اعتباره هو الظنّ الحاصل منه، حتّى يوجب ذلك الالتزام باعتبار سائر الظنون(1).

وذلك؛ لأنّ النصوص و الفتاوى الدالّة على أنّ الأمر و النهى يكونان بالقلب واللسان و اليد: صر مجة فى إرادة حمل الناس عليهما بذلك كلّه، ولذلك قال فى الجواهر:

أنّ المراد بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر الحمل على ذلك، بايجاد المعروف و التجنّب عن المنكر لامجرّد القول وان كان يقتضيه ظاهر لفظ الأمر و النهىّ‌، بل وبعض النصوص الواردة فى تفسير قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ‌ (2)المشتملة على الاكتفاء بالقول للأهل: إفعلوا كذا و أتركوا كذا - إلى أن قال - ولكن ما سمعته من النصوص و الفتاوى الدالّة على أنّهما يكونان بالقلب


1) إرشاد الطالب 100:1، ط: إسماعيليان.

2) التحريم: 6.

واللسان و اليد صريح فى إرادة حمل الناس عليهما بذلك كلّه، بل هو معنى قوله عليه السّلام) فى موثقة ابن أبى عمير عن يحيى الطويل عن أبى عبد الله عليه السّلام: «قال ما جعل الله بسط اللسان و كفّ اليد، ولكنّ جعلهما يبسطان معا و يكفّان معا»(1).

ومع دلالة النصوص وصراحنها لا حاجة الى الأخذ بالملاك، و إن صحّ ذلك أيضا؛ لحصول العلم به فى المقام، ولايقاس المقام باعتبار خبر العدل، كما لا يخفى.

هذا مضافاً إلى أنّ موارد التزاحم ليست محلّ الكلام، فلاوجه لقوله: لايمكننا استفادة وجوبه فيما إذا كان المنع المزبور ملازما أو موقوفا على ارتكاب عمل لا يجوز ذلك... إلخ - وبقيّة الكلام فى محلّه -(2).

تقبيح العقل

و استدلّ لتحريم بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً بحكم العقل: بقبح ذلك، فكما أنّ إتيان المنكر قبيح عقلاً، وكذا الأمر به و الإغراء نحوه قبيح، فكذلك تهيئة أسبابه و الإعانة على فاعله قبيح عقلاً، وموجب لاستحقاق العقوبة، ولهذا كانت القوانين العرفيّة متكفّلة لجعل الجزاء على معين الجرم وان لم يكن شريكا فى اصله، فلو أعان أحد السارق على سرقته، وهيّىء أسبابه، و ساعده فى مقدّماته: يكون مجرماً فى نظر العقل و العقلاء وفى القوانين الجزائيّة.

و قد ورد نظيره فى الشرع: فيما لو أمسك أحد شخصاً وقتله الآخر وكان ثالث نظر لهما، أنّ على القاتل القود، وعلى الممسك الحبس حتّى يموت، وعلى الناظر أو


1) الجواهر 381:21-382، ط: دار إحياء التراث العربى - بيروت -، و الخبر الذى أتى به الجواهر عن الوسائل 404:11، أبواب الأمر و النهى و ما يناسبهما، الباب 3، ح 2.

2) راجع كتاب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر (للمصنّف الاُستاذ «دامت بركاته»): 32 و 134، ط: النسر الإسلامى.

الربيئة تسميل عينيه.

و لا منافاة بين ذلك وبين ماحرّرناه فى الأصول من عدم حرمة مقدّمات الحرام مطلقا؛ لأنّ ما ذكرناه فى ذلك المقام هو انكار الملازمة بين حرمة الشىء و حرمة مقدّماته، و ما أثبتناه ههنا أدراك العقل بقبح العون على المعصية وا الإثم، لا لحرمة المقدّمة، بل لاستقلال العقل على قبح الإعانة على ذى مقدّمة الحرام و إن لم تكن مقدّماته حراماً، و هذا عنوان لايصدق على إتيان فاعل المقدّمات، ولهذا لايكون المجرم فى إتيان مقدّماته مجرما، بل يكون مجرما فى اتيان نفس الجرم، نعم لو أتى بالمقدّمات و لم يوفق باتيان الحرام كان متجرّيا. و بالجملة يرى العقل فرقا بين الآتى بالجرم بمقدّماته وبين المساعد له فى الجرم ولو بتهيئة أسبابه و مقدّماته، فلا يكون الأوّل مجرما فى إتيان المقذمات زائدا على إتيان الجرم.

و أمّا الثانى فيكون مجرما فى تهيئة المقدّمات، فيكون فى نظر العقل المساعد له كالشريك فى الجرم وان تفاوت فى القبح.

و الظاهر عدم الفرق فى القبح بين ما اذا كانت تهيئة المقدّمات بداعى توصّل الغير الى الجرم وغيره، فإذا علم بأنّ السارق يريد السرقة، ويريد ابتياع السلم لذلك، يكون تسليم السلّم اليه قبيحا وان لم يكن التسليم لذلك و إن كان الأوّل أقبح، كما لا فرق فى نظر العقل بين الارادة الفعليّة و العلم بتجدّدها، سيّما اذا كان التسليم موجبا لتجدّدها، كما لا فرق بين وجود بائع آخر وعدمه و إن تفاوتت الموارد فى القبح لكنّها مشتركة فى أصله.

ثم ان حكم العقل بالقبح فى تلك الموارد ثابت و لو لم يصدق على بعضها عنوان الاعانة على الاثم و التعاون و نحوهما فان العقل يدرك قبح تهيئة مقدمات المعصية و الجرم صدق عليها تلك العناوين ام لا (الى ان قال) ثم انه بعد ادراك العقل قبح ذلك اى الاعانة على الاثم و تهيئة اسباب المنكر و المعصية لا يمكن تخصيص حكمه و تجويز الاعانة عليها فى مورد كما لا يمكن تجويز المعصية(1).

يمكن ان يقال ان القدر المتيقن من موضوع حكم العقل هو الامران: احدهما هو ماذا اتى بشىء من المقدمات بقصد التوصل الى المحرم و اما إذا لم يكن بقصد المحرم فحكم العقل غير واضح و دعوى عدم الفرق فى القبح بين ما اذا كان تهيئة المقدمات بداعى توصل الغير الجرم وغيره كما ترى فالمسلم هو حكم العقل بقبح الاعانة على فاعل الحرام و من المعلوم ان الاعانة كما عرفت لا تصدق من دون قصد الى التوصل للحرام و ثانيهما ما اذا كان ترك البيع علة تامة لدفع المنكر دون ما اذا لم يكن كذلك و عليه فحكم العقل بقبح تسليم السلم لمن يريد السرقة اما من جهة عدم انفكاك التسليم عن القصد عرفا و الّا فلو سلمه من خوف أو حرج و لو لم يكونا بحد يبيح المحذورات أو من غفلة فلا يحكم العقل بقبحه أو يكون حكم العقل من جهة وحدة البايع و كون ترك البيع علة لدفع المنكر و اما اذا تعدد البايع وبنوا على البيع و ترك دفع المنكر فحكم العقل بقبح البيع لمن علم ببناء الغير ولم يقصد من البيع الّا المبادلة غير واضح ولا اقل من الشك و معه لاوجه لرفع اليد عن الاخبار المجوزة.

و للبحث صلة تأتى فى المجلد الثانى «إن شاء الله تعالى»


1) المكاسب المحرمة لسيدنا الامام المجاهد: ج 1 ص 131-129.

الفهرس

المقدمة: 5

مقدمة المؤلف: 9

الكلام فى المراد من «المكاسب»: 11

النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثتى! 18

المقام الاول: فى كون عنوان النجاسة من جهات الحرمة فى الأعيان النجسة 18

المقام الثانى: فى بيان حكم موارد الأعيان النجسة: 20

احدها: ابوال ما لايؤكل لحمه 20

أبوال الإبل: 25

ثانيها: العذرة النجسة 28

ثالثها: الدم: 44

الدماء الطاهرة: 46

را بعها: المنىّ‌: 47

خامسها: الميتة 52

المقام الثانى: فى حرمة بيع الميتة: 79

فروع 82

احدها: هل يجوز المعاوضة على لبن اليهودية المرضعة‌؟ 82

ثانيها: هل يجوز المعاوضة على الأجزاء المبانة‌؟ 82

ثالثها: انه هل يجوز بيع الميته منضمة الى مذكى ام لا؟ 83

المقام الأوّل: فى مقتضى القاعدة 83

اشكالات حول جريان اصالة الحلية 84

جريان الاصل الحاكم 92

المقام الثانى: فيما يقتضيه النصوص: 95

سادسها: الكلب: 101

فروع 125

سابعها: الخنزير البرّى: 128

ثامنها: الخمر و ما يلحق بها من كلّ مسكر مائع و الفقاع: 142

تاسعها: فى حرمة الأعيان المتنجّسة غير القابلة للطهارة و الفاقدة للمنافع المحللة. 152

المستثنيات 154

التنبيهات 172

حكم قصد المنافع المحرّمة 178

حكم اشتراط الانتفاع بالمنافع المحرمة 181

قاعدة النغرير 186

قاعدة التسبيب 199

فروع المسألة: 204

النوع الثانى ممّا يحرم التكسّب به: هو الذى ما يحرم لتحريم ما يقصد به 223

القسم الاول: ما لاتكون له منفعة مقصودة الا الحرام 223

هياكل العبادة 223

جواز بيع مادّة الهياكل 233

بيع الات القمار والات اللهو 240

حكم أوانى الذهب و الفضّة 243

حكم الدراهم و الدنانير المغشوشة 246

القسم الثانى: مايقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة 257

مسائل

احدها: ان يكون المبيع كليا مقيدا بنحو لا ينطبق الا على المحرم 257

ثانيها: ان يكون المبيع جزئيا خارجيا مع توصيفه بالوصف المتقدم 258

ثالثها: ان يكون القيد على نحو الشرط المتأخر 259

رابعها: ان يبيع الشىء و اشترط على المشترى بان لا يتصرف فيه الاّ فى الحرام 259

خامسها: ان يقصد المعاوضة على كل عين مشتملة على صفة يقصد منها الحرام 266

سادسها: بيع العنب ممن يعمله خمرا 278

الأخبار المجوّزة 282

الأخبار المانعة 286

كيفيّة الجمع بين الأخبار 288

الجمع المختار 289

المناقشات الواردة حول الجمع المختار 290

حقيقة الإعانة و مفهومها 294

اشتراط وقوع المعان عليه 303

وجوب دفع المنكر 310

برهان اللطف و الحكمة 316

تفبيح العقل 320