ghaemiyeh.com
سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-
عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).
الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.
خصائص المظهر :3ج.
ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1
حالة الإدراج:فیپا
لسان :العربية.
موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14
موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century
تصنيف الكونجرس:BP98
تصنيف ديوي:297/179
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تَفْسِيرُ سورة الفاتحة
تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة
تأليف
السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
المجلّد الثالث
صدر خادمی، سیدمحمدمهدی، 1341-
النور المبین فی تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمد مهدی صدر الخادمی.
قم : موسسه انصاریان للطباعه والنشر، 1441ق.= 1398.
مشخصات ظاهری :3ج.
عربی.
1 - تفاسیر شیعه - قرن 14Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century
BP98 297/179
شماره کتابشناسی ملی :5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تفسير سورة النساء المباركه
(المجلّد الثالث)
تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021
المطبعة: نگین
الكمية: 500 نسخة
عدد الصفحات: 512 ص.
حجم الغلاف: كبير
رقم الإيداع الدولي: 1-640-219-964-978
رقم الإيداع للدوره: 8-638-219-964-978
(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)
مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر جمهورية ايران الإسلاميّة
قم - شارع الشهداء - فرع 22 - ص. ب 187
هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647
البريد الالكتروني : Int_ansarian@yahoo.com
www.ansariyan.ir
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذه السورة المباركة نزلت في الوقت الذي كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بصدد تأسيس حكومة الإسلاميّة بل ومجتمعاً إنسانياً سليماً في المدينة، ومن هنا؛ فقد حوت هذه السورة الجليلة الكثير من القوانين المؤثّرة في تطهير المجتمع. ولأنّ اللّبنة الأولى في ذلك المجتمع الحديث بالإسلام كانت تتشكل من أفراد كانوا إلى وقت قريب من عبدة الأوثان وملوّثين بأقسام وأشكال الخبائث الجاهليّة، فكان من الأجدر تطهيرهم ممّا ترسّب في أرواحهم وأنفسهم، وإفساح المجال فيها أمام القوانين والمناهج والقناعات الخاصّة بتأسيس مجتمع حديث على أنقاض ماضيهم غير المحمود، ولهذا ترانا نطالع في هذه السورة بحوثاً عامة مختلفة، وهي عبارة عن:
الدعوة إلى الإيمان والعدالة وقطع العلاقة الحميمة مع الأعداء المعاندين.
استعراض مقاطع من مصير الماضين لمزيد التعرّف على مصير المجتمعات غير السليمة.
دعم المحتاجين للمساعدة، مثل الأيتام، وجملة التعاليم اللّازمة لحفظ وضمان حقوقهم.
تبيين قوانين الإرث تأسيساً على أسلوب طبيعي وعادل، في مقابل الصورة القبيحة والمخزية التي كانت سارية في حقبة الجاهليّة، حيث كان الضعفاء يسلبون حقوقهم بشتى الحجج.
القوانين الخاصّة بالزواج والأساليب الحافظة للعفّة العامة.
القوانين الكلّيّة لحفظ الأموال العامة.
حفظ وضبط وتنمية اللّبنة الاجتماعيّة الأولى، أي: الأسرة.
حقوق ووظائف الأفراد المتقابلة فيما بينهم.
كشف أعداء المجتمع المسلم وتحذير المسلمين منهم.
التعريف بالحكومة الإسلاميّة ولزوم طاعة قائدها.
تشجيع المسلمين على مواجهة الأعداء المكشوفين.
كشف الأعداء الذين يمارسون عداءهم بالسرّ.
أهميّة الهجرة وضرورتها لدى مواجهة المجتمع الفاسد غير القابل للإصلاح.
بحوث الميراث ولزوم تقسيم الثروات المتراكمة بين الورثة.
طبقاً للأحاديث الواردة عن نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؛ فإنّ من قرأ سورة النساء، كان له من الأجر. بمقدار كلّ مسلم ورث من غيره كما قرّرت هذه السورة والنفقة في سبيل اللّه تعالى وأجر من أعتق عبداً (1). ولكنّ الواضح وبلا شك، وفقاً الروايات، أنّ إعطاء ثواب القراءة لهذه السورة ليس لمجرّد قراءة آياتها؛ وإنّما يجب أن يفهم بأنّ القراءة لابدّ أن تكون مقدمة للفهم والوعي والإدراك، وهذا بدوره ينبغي أن يكون مقدّمة لتطبيق مفاهيمها على الصعيد الفرديّ والاجتماعيّ... والمسلّم في الأمر هو أن المسلمين لو استلهموا من معاني آيات هذه السورة المباركة لحياتهم، لحظوا بكلّ ذلك الأجر الأخروي، ناهيك عن النتائج والثمار الدنيوية العظيمة.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 3.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللّه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
لأن مضامين هذه السورة تتعرّض إلى بيان حاجات ومقتضيات البشريّة جمعاء في حياتها، فقد توجّهت الآية الأولى من السورة المباركة بالخطاب إلى جميع الناس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).
جاءت دعوة الناس إلى التقوى في مطلع هذه السورة وفي هذه الآية؛ باعتبار أنّ الناس في أصل الإنسانيّة وفي حقيقة البشريّة متحدون لا فرق بينهم إذا ما عرضوا على أساس رعاية التقوى؛ فهم سواء بين النساء والرجال والصغير والكبير والقوي والضعيف... وعلى هذا؛ ولكي يتجذّ رأصل المنهج السليم في بناء المجتمع الصالح؛ مثل أن تراعى الحقوق العامة؛ وأن تراعى العدالة في تقسيم المواريث، وأن يحفظ اليتامى، وأن تصان الحقوق العائلية وغير ذلك ضمن المحافظة على التقوى والتزام الورع من قبل جميع الناس، مع الإشارة إلى أنّه ما من مجتمع يفتقر إلى التقوى، فإنّه لن يحقق الأهداف السامية، ولو أنّ منهج التقوى اتّخذ مسلكاً ومقياساً؛ فإنّ المرأة والرجل والصغير والكبير لن يظلم بعضهم بعضاً، ولن يتلوّث مجتمع يراد له أن يهتدي إلى الحقّ بظلم... فالمجتمع الذي كانت الغاية من خلقته نيل الهدى والسعادة يلتزم الأحكام والقوانين المنقذة من الضياع... وهو المجتمع الذي أسّسه اللّه على قواعد
الهدى ليطوي مسيرته المستقيمة واليسيرة مرابطاً يحفظ نفسه دون الانحراف والدمار...
يمكن أن يقال: لماذا وجهت الآية الشريفة خطابها إلى عموم الناس ولم تخصّ به المؤمنين؟ ولماذا قيدت أمرها بالتقوى بكلمة (رَبَّكُم) ولم تقل : اتقوا اللّه؟ والجواب هو أنّ الآية أرادت القول بأنّ اللّه الربّ هو مصدر المدد لجميع الناس وليس للمؤمنين خاصة، وهذه الصفة بحدّ ذاتها إحدى آثار الربوبيّة؛ فهو سبحانه المدبّر والمكمّل بربوبيته...
في هذه الآية؛ وبالإشارة إلى إحدى الصفات الإلهيّة التي هي أصل الوحدة الاجتماعيّة لجميع البشر للتأكيد على أنّ اللّه الربّ هو الرقيب لجميع أعمال الإنسان، ويتضمّن هذا المنحى طرد جميع الميزات الوهمية التي جعلتها كلّ جماعة لنفسها من دون الآخرين؛ من قبيل الميزات القوميّة واللّغوية والجغرافيّة والقبليّة وأمثال ذلك، وهي التي أدّت إلى سطوة آلاف المشاكل والأزمات على المجتمعات البشريّة... والحال أنّ المجتمع الإسلامي يجب أن يتطهر منها؛ لأنّ الناس جميعاً يعودون إلى جذر واحد، لكونهم يرجعون إلى أب واحد وأمّ واحدة، وهم في خلقتهم يشتركون في مادة واحدة الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ.)5. قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ يوضّح الموقف الصريح والضمني والكنائي للقرآن المجيد لدى مواجهة العنصريّة القوميّة؛ لاسيّما وأن المجتمع المعاصر للنبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان مجتمعاً عنصريّاً قبليّاً بمعنى الكلمة... فكان الموقف القرآني هذا يعكس مدى أهميّة هذه المواجهة، وقد ورد مثل هذا التعبير القرآني في آيات أخرى؛ يشار إليها في محلّها.)6. (نَفسٍ في لغة العرب هي عين كلّ شيءٍ، فيقال مثلاً: جاءني فلان نفسه، فيقصد عينه لا غيره. ونفس الإنسان تعبير عن روحه وجسمه الدنيويين، أما الروح؛ فهي التي تبقى في الحياة البرزخيّة.)7. سؤال: ما المقصود من (نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وهل يراد بها الشخص الواحد ؟ أم النوع الواحد)
أي: (الجنس المذكر؟)يفهم من ظاهر السياق أنّ المراد من (نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ هو آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيما المراد من (زَوْجَهَا) حوّاء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهما والد ووالدة الأجيال البشريّة... ونحن ننتمي إليهما، فيفهم من السياق القرآني في هذه الآية ومثيلاتها أنّ جميع أفراد النوع الإنساني ينتهون إليهما... ولا ريب في أنّ ظاهر التعبير القرآني أريد به الشخص الواحد، وفي الحقيقة هو إشارة إلى الإنسان الأول الذي سمّاه القرآن بآدم أبي الإنسانيّة المعروفة... وإنّ مصطلح (بني آدم) الوارد في العديد من الآيات القرآنيّة يشاربه إلى هذا المعنى. أمّا احتمال أن المقصود من (النفس الواحدة) الوحدة النوعية، وأنها وزوجها. كما في هذه الآية الشريفة. مطلق الذكور والإناث في الجيل البشري، أي أنّ؛ كلّ البشر قد ولدوا من أب واحد وأمٍّ واحدة.. وبالنتيجة يكون معنى الآية أنّ كلّ فردٍ منكم هو نوع بشري من أب واحد وأمٍّ واحدة، أو بعبارة أخرى: أنّكم خلقتم من فردين بشرتين من دون أن يكون ثمّ فرق بينكم..
وهذا المعنى والاحتمال بعيد جداً عن ظاهر الآية، لأنّها تريد أن تبين بأنّ أفراد الإنسان من حيث الحقيقة والجنس لهم واقعيّة واحدة، ومع الكثرة المتوفّرة فيهم إلّا أنّهم متشعبون من جذ رواحد.. لاسيّما وأن قوله تعالى: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً يستفاد منه هذا المعنى بصراحة ووضوح، وعلى أساس هذا المعنى؛ فإنّه لا يكتمل احتمال أنّ المراد من (النفس الواحدة) وزوجها جميع الذكور والإناث.. بالإضافة إلى أنّ هذا المعنى والاحتمال لا يتفق والهدف الذي تريده سورة النساء المباركة..)8. كلمة لغةً (زوج بمعنى القرين، وعلى قول الراغب هو بمعنى الزوج والزوجة، أي أنّ الكلمة تطلق على كلّ واحد من القرين الذكر والأنثى، وكذلك على غير الحيوانات، مثل الحذاء؛ فالواحد زوج الآخر، وتطلق على كلّ شيء شبيه للآخر أو ضده، ولهذا؛ قال الراغب. اللغويّ العربيّ المعروف بأن استعمال كلمة (الزوجة) للمرأة غير مطلوب، أي أنّ المفردة)
الصحيحة للمرأة هي: الزوج وليس الزوجة (1.)9. ما المقصود من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا زوج آدم؟ للمفسّرين في معنى هذه العبارة أقوال متعدّدة؛ ونذكر هنا قولين منها:
القول الأول : فهم بعض المفسّرين من هذه العبارة أنّ حوّاء زوج آدم قد خلقت من بدنه، وتشير بعض الروايات (غير المعتبرة) إلى أنّ حوّاء قد خلقت من أحد أضلاع آدم فاعتبروها شاهداً على قولهم ودليلاً (الفصل الثاني من سفر التكوين من التوراة صرّحت بهذا المعنى).
القول الثاني: بالالتفات إلى سائر الآيات القرآنيّة يفهم ويستفاد أن مقصود الآية هو أن زوج آدم من نوع آدم وقد كانت إنساناً مثله، وكلّ أفراد البشر الذين يصعب إحصاؤهم ممن انتشروا على وجه البسيطة هم من ذريّة الإنسانين الأولين وكلّهم من منشأ واحد، وعليه؛ فإنّ (منهم) كلمة منشأوية، والجملة محظ بحثنا توحي بأنه كما يفيد قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (2)وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَاللّه جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) (3)حيث تؤكد بوضوح أن أزواجكم قد جعلت لكم من من أنفسكم، أي: من جنسكم ونوعكم وليس من أبدانكم، وعلى أساس المروي عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (تفسير العيّاشي) فقد كذّب القول بأن حواء مخلوقة من أضلاع آدم، بل هي مخلوقة من بقيّة الطين الذي خلق منه آدم (4)، مع أنّ هذا لا يستفاد من نفس الآية؛ كما أنّ ظاهرها لا يدلّ على ذلك..)10. كلمة (بَثّ بمعنى الفصل عبر النشر، وقد جاء نظير هذا الاستعمال القرآني في قوله)
تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاء مُنبَثَّا أي: تتفرّق الجبال كما تتفرّق الذرّات، ومن هنا يقال لبيان الأخبار ونشرها بثّاً، إذ الأخبار المجموعة تنشر وتنثر وتبثّ، كما يقال للشكوى من الهم والغم والانزعاج بثّاً، إذ الغمّ المتراكم المجموع والمتكرّس في القلب يبثّ لدى نشره وإيضاحه والتحدّث عنه.. ولهذا تستعمل كلمة البثّ ويراد بها الحزن نفسه، فيستعمل المصدر في اسم المفعول، لأنّ من شأن الهم أن يبثّ حسب طبع الإنسان.. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّه) وهو ينطبق على هذا المعنى، وأريد به: إنّما أنشر وافصح عن حزني وهمّي إلى اللّه تعالى ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً).)11. سؤال: كيف تمّت زيجات أولاد آدم؟من قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً يظهر احتمالان:)الاحتمال الأول: أنه سبحانه وتعالى قد خلق من آدم وحواء رجالاً ونساءً كثيرين، فكانت الأجيال منهما فقط، ولم يكن ثمّ مدخليّة لموجود ثالث.. ولازم هذا القول أن أبناء وبنات آدم وحواء قد تزوّجوا من بعضهم لأنهم إن كانوا تزوّجوا من آخرين؛ لم يبق معنى الكلمة (مِنْهُمَا ولا يصدق عليها. وفي هذا الموضوع وردت روايات عديدة، وهي ليست موضع تعجّب وذلك لأنّ هذه المسألة تشريعيّة، والمسألة التشريعيّة من خصائص اللّه وحده لاشريك له.. ولذا؛ فهو قاد رعلى أن يجعل عملاً ما حلالاً في يوم وحراماً في يوم آخر: ﴿وَاللّه يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) (1)(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للّه) (2)وَهُوَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَالَيْهِ تُرْجَعُونَ (3)وبناءً على استدلال بعض المأثور عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنّ تلك الزيجات في تلك الحقبة قد تمّت وفقاً للضرورات ومصالح التناسل، وكانت فعلاً مباحاً،)
ولم يكن حكم تحريم زواج الأخ من الأخت قد نزل بعد.. ومعلوم أن تحريم أمر ما منوط بتحريم اللّه تعالى له.. ثمّ ما المانع بأن توجب الضرورة والمصلحة أن يباح فعل من الأفعال في فترة ما ثم يحرّم في فترة أخرى.. إلّا أنّه بالبناء على نصوص حديثية أخرى قد ورد أنّ أولاد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يتزوجوا من بعضهم أبداً، وقد هاجمت هذه النصوص القائلين بحصول زواج أولاد آدم فيما بينهم.. (1)ولو كان من المفترض أن نعمل بما هو موافق لظاهر القرآن، لرجحنا أحاديث القسم الأوّل لموافقتها للآية أعلاه.)الاحتمال الثاني: أنّ أولاد آدم تزوجوا بالمتبقين من البشر الذين سبقوا وجودهم على الأرض وجود أبينا آدم وطبقاً للروايات؛ فإنّ آدم يمكن أن لا يكون هو الأول في الحياة على الأرض.. حيث تشير البحوث العلميّة إلى أنّ نوع الإنسان قد مضى على وجوده في الأرض ملايين السنين، في حين أنّ تاريخ خلقة آدم وحتى الآن لم تستغرق زمناً مديداً.. وعليه؛ يجب أن نقبل أن ثمّ بشراً آخرين قد سبقوا آدم في الأرض، وحينما نزل آدم إلى الأرض كانوا في حال انقراض.. وما المانع أن يتزوّج أولاد آدم بالمتبقين من الجيل السابق لآدم.. ولكن كما ذكرنا؛ فإنّ هذا الاحتمال لا يتفق. تماماً. مع ظاهر الآية أعلاه. (وهذا الكلام بحاجة إلى مزيد من البحث الذي يخرج عن طبيعة التفسير (2).)12. تكرار موضوع التقوى في آخر الآية تابع لأهميتها في ترسيخ البنية التحتية للمجتمع السالم ولهذا وردت الدعوة للناس بالتزام التقوى والورع في ذيل الآية، والفارق هنا هو في الجملة المضافة: ﴿وَاتَّقُوا اللّه الذي تعظمونه وحينما يطلب أحدكم من آخر شيئاً: فتذكرون اسمه سبحانه: ﴿الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ).)
13. ذكر كلمتي (وَاتَّقُوا... وَالأَرحَام بعد اللّه تعالى والعطف على اسم الجلالة يبين مسألة أهميّة الورع عن قطع الأرحام والأواصر.. وذكر هذه المسألة يعني:)أوّلاً: إشارة إلى الأهميّة الفائقة والاستثنائيّة التي حدّدها القرآن الكريم لموضوع صلة الأرحام، إلى الحد الذي ورد فيه ذكر الأرحام بعد ذكر اسم الجلالة المقدّس.ثانياً: إشارة إلى قضية ذكرت في مطلع الآية المجيدة، أنّ الناس جميعاً ينتمون. بالنسب. إلى أب واحد وأمٍّ واحدة، وفي الحقيقة؛ إنّ جميع الناس أقارب لبعضهم، وهذا الارتباط يوجب إيلاء جميع أفراد البشريّة. مهما تفرّعت انتماءاتهم القومية والقبلية. المحبّة كما هي الحالة لدى العلاقة بين الأقارب المقرّبين.14. كلمة (الأَرحَام جمع رحم، والرحم لغةً بمعنى موضع نشأة الجنين في بطن الأمّ، وهو العضو الباطني الذي خلقه اللّه في بطون النساء لتنمو فيه النطفة حتّى تتحوّل إلى طفل كامل.. وهذا هو المعنى الأصلي لكلمة (الرحم)، ولأن الأقارب قد خرجوا - في الأصل - من رحم واحد، فكلمة (الرحم) تستعمل وتعني القريب، والأرحام بمعنى أقارب الإنسان.)15. معنى التساؤل باللّه تعالى أنّ الناس. وبالقسم باللّه. يطلب بعضهم أشياء هم من بعضهم الآخر، فيقال لأحدهم مثلاً: باللّه عليك إلّا ما فعلت كذا. ولعلّ التساؤل باللّه كناية على أنه تعالى مقدّس ومعظم في نظرهم وكونهم يحبّونه، وذلك لأنّ الإنسان لا يقسم بجهة أوشيء إلّا إذا كان يجلّهما ويعظّمهما ويحبّهما: ﴿وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.)16. الرقيب لغةً تقال لمن يراقب من عل، وتستعمل هذه الكلمة بمعنى الحافظ والحارس، ذلك لأنّ الحراسة من لوازم المراقبة، ويمكن أن يكون ارتفاع موضع الرقيب له معنى مادّي. وهو المكان المرتفع. ويمكن أن يلحظ ذلك من الناحية المعنويّة أيضاً: ﴿إِنَّ اللّه كَانَ عَلَيْكُمْ رقيبا».استعمال فعل (كَانَ في عبارة (كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وهو فعل ماضي أريد به التأكيد)
واستمرار المراقبة الإلهيّة، وهو يبيّن أنّه تعالى يراقب جميع أفعال الناس ونواياهم، كما أنه جلّ جلاله حارس الناس وحافظهم من خطر الحوادث.
### الآية 2#### إشارة:وَءَاتُواْ الْيَتَامَی أَمْوَالَهُم وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)#### شأن نزول هذه الآيةروي أنّ رجلاً من قبيلة بني غطفان كان له أخ غني قد فارق الحياة، فصاريدير شؤون أولاده اليتامى ويتصرّف بأمواله.. وحينما بلغ أولاد أخيه رشدهم، امتنع عن تسليمهم أموالهم.. فسئل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن ذلك؛ فنزلت الآية أعلاه.. فتاب الرجل عن امتناعه حين سمع بالآية وأعاد إليهم أموالهم وقال: أعوذ باللّه من الحوب الكبير... (1))#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. من الطبيعي أن يتوفّى الآباء ويتركوا وراء هم أولاداً صغاراً، إلا أن المجتمعات غير الصالحة تشهد. لدى ذلك. مشاكل وأزمات. كما الحال الذي كان عليه عرب الجاهليّة.. فقد لوحظ أنّ عدد الأيتام كان كبيراً، وكان لابدّ للحكومة الإسلاميّة أن تحمي أفراد المسلمين بمن فيهم أو في مقدّمتهم الأيتام.2. بمطالعة الآيات القرآنيّة النازلة بخصوص اليتامى يعلم أن الإسلام قد أولاهم أهميّة استثنائيّة وفائقة وقد هدّدت الآيات والروايات الذين يخونون فى أموال اليتامى بأشد العقوبة والعذاب، ودعا الإسلام بأصرح النصوص و أكثرها قاطعيّة مسؤولي اليتامى إلى حفظ ورعاية
1) كشف الأسرار، ج 2، ص 407.
أموالهم، وسنتناول هذه المسألة في عدّة آيات في سورة النساء، وكذلك في الآية (152 من سورة الأنعام والآية (34) من سورة الإسراء..)3. قد ترك اللحن الشديد الذي اتّصفت به آیات القرآن ذات الصلة بأموال اليتامى تأثيراً في قلوب المسلمين، حتّى انتهى الأمر ببعضهم إلى الامتناع عن أن يصنع طعاماً مشتركاً بين أمواله وأموالهم الخاصّة، فراح يعزل طعامهم ويعزلهم عن نفسه في هذه المسألة؛ مع أنه تسبب للطرفين بالانزعاج وعدم الانبساط.. ولهذا ترى الآية (220 من سورة البقرة تشير إلى عدم المانع من المشاركة في هذا الصدد إذا كانت النية. منذ البداية. خيراً وصلاحاً، وأباحت خلط الأموال والطعام المشترك مع اليتامى..)4. أوردت الآية الشريفة أعلاه ثلاثة تعاليم فيما يرتبط بأموال اليتامى الأول:أن يعطى اليتامى أموالهم حين يبلغون رشدهم، وأن التصرف بأموالهم يجب أن يكون من منطلق الأمانة والرقابة والوكالة دون الملكيّة (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ.)الثاني: أن لا تعملوا على تدنيس أموالهم الطيبة بأموالكم غير الطيبة، وهذا الأمر في حقيقته لدحض الحيف والرغبة الشخصيّة. حيث يعمد الوصي على الأيتام. وبحجة استعمال أموالهم في مصلحتهم أو بمبرر إبقائها ثابتة لئلّا تضيع. في بعض الأحيان إلى تناول أموالهم وتبديلها بأمواله غير الطيبة وغير المرغوبة ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.)الثالث: لا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم بحيث ينتهي الأمرالى تملكها وحيازتها جميعاً.. أو: لا تخلطوا أموالهم الطيبة بأموالكم الخبيثة بحيث تضيع حقوقهم، و (إلى في هذه الجملة بمعنى: (مَع) ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) أَي أَنَّ التعدي على أموال اليتامى يستوجب ارتكاب ذنب عظيم؛ تأكيداً وإثباتاً لأهميّة وخطورة المسألة. 5. يقول الراغب الإصفهاني في (مفرداته): الحوبة لغةً بمعنى الحاجة التي تجر الإنسان إلى
الذنب العظيم.. (1)ومن هنا؛ كان تعدّي المشرفين على أموال اليتامى يتمّ في الغالب بداعي الحاجة.. وقد استعملت مفردة (الحوب) في الآية بدلاً من كلمة (الإثم) لتتم الإشارة إلى هذه الحقيقة.
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 261.
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا نُقْسِطُوا فِي اليَتَامى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
كان معروفاً قبل الإسلام أن كثيراً من الرجال في الجزيرة العربية وتحت طائلة كفالة الأيتام، يُسكنون اليتيمات في بيوتهم ثمّ يتزوّجونهن ليستولوا على أموالهنّ.. ولانّهم. كانوا يتصرّفرون في ء؛ فقد كانوا يعطونهنّ أقل المهور، وكانوا يطلّقوهن بعد ذلك لأدنى انزعاج يشعرون به كلّ شيء تجاههنّ، وفي الحقيقة لم يكونوا يعاملوهنّ كزوجات، فنزلت هذه الآية لمعالجة هذه الحالة المزرية وأمرت من يدير شؤون التيامى بمراعاة جانب العدالة بكافة أبعادها، فإن لم يتمكّنوا من إحرازجانب العدالة فليس لهم أن يتزوّجوا بهنّ، فلهم أن يختاروا زوجات أخرى دونهنّ... (1)
في هذه الآية وبعد الأمر الوارد في الآية السالفة ورد الأمر بحفظ أموال اليتامى؛ وذلك بالإشارة إلى حقّ آخر من حقوقهم حيث صرّحت الآية قائلة: إن لم تستطيعوا مراعاة جانب الحقّ والعدالة حين الزواج باليتيمات وخفتم أن تضيّعوا أموالهن، فعليكم أن تغضّوا الطرف عن الزواج بهن وأن تقصدوا نساءً غيرهنّ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا).
سؤال: لماذا كانت بداية هذه الآية عن اليتامى ونهايتها عن الزواج، والحال أنّ ظاهر
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 252.
الأمرين غير مرتبطين ؟
جواب هذا السؤال واضح، إذ بالالتفات إلى أنّ جهة الخطاب في الآية هم الأوصياء على شؤون اليتامى؛ وإلى أنّ الآية الماضية تضمنت جملة تعاليم تأمر بالمحافظة على أموالهم، وإلى أنّ الموضوع كان في صدرها وذيلها عن الزواج باليتيمات وضرورة مراعاة العدالة في أموالهن والتصرف معهن بمنتهى الدقة والأمانة والاحترام والمصلحة.. و في حال عدم الاطمئنان إلى إمكانية مراعاة ذلك؛ وجب عدم الزواج بهنّ والتوجه إلى نساء أخر.. فلعل من جملة الشواهد على التفسير أعلاه ما ورد في الآية (127) من سورة النساء التي صرّحت بلزوم مراعاة العدالة لدى الزواج باليتيمات؛ وهذا ما سنسلط مزيداً من الضوء عليه في ذيل هذه الآية وما ورد في ذلك من روايات في مختلف المصاد ريشير إلى تفاصيل ذلك..
(مَثْنَى) لغةً بمعنى اثنين اثنين (وَثُلَاثَ) يعني ثلاثاً ثلاثاً، و (رُبَاعَ) بمعنى أربعة أربعة..
لأن خطاب هذه الآية كان موجّهاً إلى جميع المسلمين، صار معنى الآية كالتالي: لكي تنأوا بأنفسكم عن إلحاق الظلم باليتيمات، فإنّ لكم الحقّ في الامتناع عن الزواج بهنّ، ثمّ الزواج من أخريات لا تسمح لكم الحالة الاجتماعيّة أو أهلوهن بأن تظلموهنّ.. ولكم أن تتزوّجوا اثنتين أو ثلاثاً أو أرباعاً منهنّ.
حرف الوا ويعني التخيير وليس الجمع، إذ ليس هذا هو مراد الآية؛ فتعمدوا إلى الزواج من اثنتين مع ثلاث وأربع ليكون المجموع تسعاً.. ولو كان هذا هو المقصود للزم أن يذكر العدد تسعة بصراحة وليس بالتفريق، مضافاً إلى أنّ هذه المسألة من الناحية الفقهيّة من ضروريات المسائل؛ حيث يحرم الزواج والجمع بين أكثر من أربع نساء في وقت واحد..
تعيين وذكر وجوب مراعاة العدالة بعد الإذن للرجال بالزواج الآخر في القرآن المجيد، يبيّن حقيقة النظرة القرآنيّة في السماح بتعدّد الزوجات المشروط برعاية العدالة التامّة.. وأمّا
مع عجز الرجل عن ذلك؛ فيلزمه الاكتفاء بواحدة ليتحاشى ممارسة الظلم ضدّ الأخرى أو الأخريات (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).
إعطائهنّ حقوقهن الحقّة.. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.)10. اختيار الزوجة أو الجارية للزواج يمنع من الظلم والانحراف عن العدالة بشكل كبير (ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا.)11. ما هو الهدف من العدالة التي أضحت من جملة شروط إباحة تعدد الزوجات؟وهل أنّ هذه العدالة متعلّقة بشؤون الحياة؛ من قبيل النوم المشترك ووسائل الرفاهية و الراحة ؟وهل المراد بالعدالة وجودها في القلب وعلى مستوى العواطف الإنسانيّة؟لا ريب في أنّ جميع ما يكلّف به الرجل من مراعاة العدالة متعلّق بالناحية العملية و الخارجيّة، أمّا رعاية العدالة على مستوى المحبّة القلبيّة؛ فهو خارج عن وسع الإنسان، إذ لا أحد قادر على ضبط محبّته التي هي خارجة عن وجوده، ولهذا لم تعد مراعاة النحو من العدالة أمراً واجباً، وقد قال سبحانه وتعالى في الآية (129 من سورة النساء: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) وعليه؛ فما دامت المحبة القلبية لا توجب ترجيح واحدة على أخرى من الزوجات من الناحية العملية؛ فهي غير ممنوعة..)12. يمكن للبعض أن يتصوّر بأنه بضم العبارة الأخيرة من هذه الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً إلى الآية (129) من هذه السورة القائلة: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) يمكن الاستنتاج والقول بأن تعدّد الزوجات في الإسلام ممنوع على الإطلاق، ذلك لأنّ الآية الأولى اشترط فيها العدالة لدى التعدّد، والآية الثانية عدّت التزام العدالة بين الزوجات أمراً محالا... إلّا أنّ هذا النوع من الاستنتاج من ضمّ الآيتين إلى بعضهما مسألة خاطئة لأنّه :)أوّلاً: كما وردت الإشارة إلى أنّ المراعاة المطلوبة في العدالة هي غيرتلك الخارجة عن قدرة الإنسان ووسعه القلبيّ، وهذه المراعاة ليست من شروط تعدّد الزوجات، وإنما المطلوب هوما
يرتبط بالعدالة العلميّة.ثانياً: قوله تعالى في آخر الآية (129 من سورة النساء: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: حيث تعجزون عن تقسيم المساواة في المحبة بين زوجاتكم، فلا تميلوا لواحدة من زوجاتكم كلّ الميل القلبي بحيث تتركون الأخرى وتجعلون منها معلقة.. وهذا بحدّ ذاته يعد دليلاً على أنّ المراد من قوله تعالى (لَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا) في عدم إمكان إظهار المحبّة والميل القلبي من ناحية الزوج الى زوجاته بشكل متساوي، وإنّ ذيل هذه الآية دليل على جوازتعدد الزوجات، وبالنتيجة؛ فإنّ الذين اجتزؤوا قسماً من هذه الآية مع قسم من الآية الأخرى، أو غفلوا عنه.. تورّطوا في هذه الشبهة فيما يتعلّق بمسألة تعدد الزوجات، وهو مثار تعجّب لكلّ مفسر، بالإضافة إلى أنّ وجهة النظر الفقهيّة وجملة المصادر الشيعية والسنية في مسألة تعدّد الزوجات لا تدع فرصة للجدل أو التنازل، باعتبار أنّ المسألة من ضروريات الفقه الإسلامي..)13. بالالتفات إلى أنّ الآية أعلاه أباحت تعدّد الزوجات ضمن شروط أساسيّة وحدود معينة.. وها هنا نواجه اعتراضات المعترضين الذين لم يتجرّدوا عن عواطفهم ولم يعمدوا إلى التحقيق العلمي والمنصف فرفعوا عقائرهم ضد القانون الإسلامي. و لاسيّما الغربيون منهم. و راحوا يتساءلون عن إباحة الإسلام تعدّد الزوجات وقولهم بأنّ القرآن قد فوّض للرجل أن يجعل لنفسه أجواء السلاطين الذين لا يكتفون بامرأة واحدة...14. سؤال: ترى ما هي فلسفة الإسلام في إباحته للرجال تعدّد الزوجات؟ الإجابة على هذا السؤال الهامّ بحاجة إلى مقدّمات:المقدّمة الأولى: لا شكّ في أنّه لدى قراءة مختلف الأجواء التي سبقت الإسلام، نصل إلى النتيجة القائلة بأنّ موضوع تعدّد الزوجات لم يكن من مقترحات الإسلام، إذ أن المجتمعات، بما فيها مجتمع الوثنيين قبل ظهور الإسلام كان لبعض أفراده عشر زوجات أو أكثر أو أقل،
والحال أنّ الإسلام لم يكن ليجيز تأسيس أجنحة نساء وسراري كما يتصوّر البسطاء ذلك، كما أنه لم يجز تعدّد الزوجات بلاقيد وشرط وحدود، بل إنّ دين اللّه تعالى أطّر الموضوع بأطر خاصة ضرورية ووضع له قيوداً مهمة وشروطاً جادّة..المقدّمة الثانية: أنّ قوانين الإسلام تحوم حول حمى الحاجات الواقعيّة للناس، فلم تتبع الشعارات والدعايات والعواطف.. و لقد نظر الإسلام إلى قضيّة تعدّد الزوجات من هذه الزاوية الحكيمة.المقدّمة الثالثة: لا ينكر أحد أنّ الرجال معرّضون لمخاطر الحوادث أكثر من النساء، من قبيل الحروب، حيث يسقطون ضحايا فيها دون النساء.المقدّمة الرابعة : لا شكّ أنّ عمر الحياة الجنسيّة للرجال أطول ممّا هو في النساء، إذ النساء يفتقدن استعدادهن وقابليتهن الجنسية في مرحلة سنيّة معيّنة تقريباً، والحال أنّ الرجال ليسوا كذلك.المقدّمة الخامسة : ثمّ موانع تعترض النساء على الصعيد الجنسي حين العادة الشهريّة وفترة الحمل، وهذا ما لا يبتلى به الرجال..المقدّمة السادسة: هناك العديد من النسوة من يفقدن أزواجهن لأسباب كثيرة، فلا يستطعن في الغالب أن يجذبن الرجال إليهن كزوجات أوليات ولو منعت مسألة تعدّد الزوجات؛ بقين بلا أزواج طيلة أعمارهن.والآن؛ وبالنظر لهذه الواقعيات في مثل هذه الحالات، حيث يلغى التوازن بين الرجل والمرأة بعلل مختلفة، ترانا مجبرين على اختيار واحدة من ثلاث طرق:الف: أن يقنع الرجل بزوجة واحدة، فتبقى النساء الأخريات بلا أزواج إلى آخر أعمارهن، فيقضى. في هذه الحالة. على جميع أحاسيسهنّ وميولهنّ الفطريّة والغريزيّة.. فإذا أردنا اختيار هذه الطريق؛ وجب علينا النهوض فى مواجهة ومقارعة الفطرة والغريزة والحاجة
الروحيّة والجسميّة للمرأة وتجاهل عواطفها ومشاعرها.. ولا ريب أنّ هذه المواجهة التي لا غالب فيها. وعلى فرض تحقيق هذه الخطوة والاختيار بصورة عمليّة. فإنّه لن يخفى على أحد نواحيها غير الإنسانيّة. وفي الحقيقة إن مسألة تعدّد الزوجات في مواقع الضرورة يجب أن لا ينظر إليها أولا تطالع من نافذة عين الزوجة الأولى، بل ينبغي أن تبحث من زاوية الزوجة الثانية.. والذين يرفعون عقائرهم ويتحدّثون عن مشاكل الزوجة الأولى في مسألة تعدّد الزوجات هم من ينظرون إلى المسألة ذات الأبعاد الثلاثة من زاوية واحدة فقط، ذلك لأن مسألة تعدّد الزوجات يجب أن تقرأ من زاوية الرجل ومن زاوية الزوجة الأولى وكذلك من زاوية ونظرة الزوجة الثانية، ثمّ يجب إصدار الحكم تبعاً لمصلحة المجموع..ب: أن يكون للرجل زوجة قانونية واحدة ولكن العلاقة الإباحية واللامشروعة مع نساء غير متزوّجات. بصورة المرأة المعشوقة. ولو جرى اختيار هذه الطريق وجب الاعتراف والإقرار بالفحشاء بشكل رسمي، إضافة إلى أنّ المرأة المعشوقة التي نالت حظّاً من رغبتها الجنسية لاضمان لمستقبلها ولا تبقى لها شخصيّة وكرامة إنسانيّة، بل إنّها ترمى بعد أن يقضي الرجل منها، وطره، وهذا من جملة أمور لا يجيزها أي عاقل..ج: القادرون على اتخاذ أكثر من زوجة ؛ ولا يتسبّب لهم ذلك. من الناحية الجسميّة و الماليّة والأخلاقيّة. بمشكلة ما وهم في الوقت نفسه قادرون على مراعاة العدالة بين زوجاتهم و أولادهم.. يتاح لهم أن يختاروا أكثر من زوجة.. ولا ريب في أنّ هذه الطريق الثالثة تلبّي المتطلّبات الفطرية والرغبات والميول الغريزيّة للنساء بشكل إيجابي، كما تجنّبهنّ العواقب السّيئة للفحشاء والحياة المضطربة وتخلّص المجتمع من السقوط في مستنقع الرذيلة والخطيئة..15. معلوم أنّ حلّيّة تعدّد الزوجات للرجال تعتبر في بعض الحالات ضرورة اجتماعيّة ومن جملة الأحكام المسلّمة في الإسلام. ولكنّ توفّر شروطها في العصر الحاضر يتفاوت بصورة
كبيرة عما كان عليه في العصور الماضية، ذلك لأنّ الحياة في الماضي كانت تسير بشكل بسيط وعادي، ولذا كانت مراعاة المساواة والعدالة بين الزوجات أمراً أكثر يسراً وتتأتى لغالب الأفراد.. ولكنّ العصر الحاضر يوجب على الذين يريدون الاستفادة من هذه الحلّيّة أن يولوا سلوكهم كلّ الدقّة والرقابة لضمان العدالة التامّة والشاملة، فإن ثبتت قدرتهم على ذلك؛ أقدموا على اختيار أكثر من زوجة.. ومن المؤكّد أن اختيار أكثر من زوجة ينبغي أن لا يتمّ بدافع الرغبة والهوى..16. لا شك في أن بعض مدّعي الإسلام يسيئون استغلال التشريع الإسلامي في تعدّد الزوجات دون مراعاة الروح الإسلاميّة في هذا القانون، فتراهم يتّخذون لأنفسهم أجنحة نساء و حريم ويعتدون على حقوق النساء والزوجات.. ولكن يبقى أنّ هذا العيب ليس من القانون في شيء، بل إنّ الممارسات الظالمة لهؤلاء لا يصح حسابها من جملة التعاليم الإسلاميّة.. ومن الطبيعي بمكان أن يظهر أفراد في كلّ مجتمع وملة يسيؤون الانتفاع من القانون..17. مع عدم إنكار ميول بعض الرجال إلى تعدّد الزوجات في كلّ عصر، ورغم أنّ تلكم الميول الصادرة عن الرغبة والهوى ليست بالظاهرة العامة، إلّا أنّه يحدث تارة أن تكون المرأة عاقراً وتكون رغبة الرجل في الذريّة شديدة، فيكون الميل إلى اتخاذ زوجة أخرى أمراً منطقياً.. وقد يحدث في تارة أخرى أن يضطر الرجل إلى زوجة أخرى بدافع ميله الجنسي الشديد أو عجز الزوجة الأولى عن إشباعه جنسيّاً، بل إنّه قد يقدم على إشباع غريزته الجنسية عبر طرق غير مشروعة.. وفي مثل هكذا حالات لا يمكن كذلك إنكار منطقيّة إرادة الرجل...18. سؤال: هل يمكن كما في الظروف والحالات المتقدّمة الذكر. تحليل ذلك للمرأة أو النساء، فيباح لها ولهن اتخاذ أكثر من زوج؟!يجب أن يقال لدى الإجابة:أولاً: (خلافاً لما هو معروف بين العوام إنّ الرغبة الجنسية لدى الرجال أشدّ ممّا في النساء،)
ولعلّ من جملة موارد الاضطراب والانزعاج المذكورة في الكتب العلميّة الخاصّة بالمسائل الجنسيّة؛ مسألة برودة المزاج على عكس ما يتمتع به الرجل بل إن الحركة الجنسية لدى الحيوانات الأخرى غالباً ما تصدر عن الذكر.ثانياً: أنّ تعدّد الزوجات لا تسبب بمشاكل اجتماعيّة وحقوقية، والحال أنّ المرأة إذا ما اتّخذت لنفسها أكثر من زوج، فإنّها ستنتهي إلى مشاكل كثيرة و كبيرة، و لعلّ أبسطها مجهوليّة نسب وليدها، حيث لا يعلم لأيّ الزوجين أو الأزواج يعود، ولاريب أن هكذا ولد لن يحظى برعاية أيّ من الآباء مع امكانيّة تحديد نسبه بواسطة الاختبارات الحديثة (DNA، وطبقاً لمذاهب بعض العلماء والمحقّقين، فإنّ الولد مجهول الأب قل أن يتمتع برعاية أبويه وحنان أمومة وبهذا سيعيش هكذا أطفال محرومين من العاطفة، كما أن واقعهم القانوني سيكون مبهماً، إضافة إلى أنّ استعمال موانع الحمل وانعقاد النطفة غير مضمونة على الدوام، ولا يمكن أن تكون دليلاً على عدم الإنجاب، فقد تعمد كثير من النساء إلى استعمال هذه الوسائل؛ فيخطئن في طريقة الاستعمال؛ فتنعقد النطفة، وعلى هذا؛ ليس ثمَّ امرأة تلجأ إلى تعدّد الأزواج بالاعتماد على ذلك، ولهذا؛ لا يمكن أن يكون تعدّد الأزواج أمراً منطقيّاً، وهذا ما يكون طبيعياً ومنطقيّاً وعمليّاً في تعدد الزوجات مع مراعاة الظروف والشروط..)
### الآية 4#### إشارة:وَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنيئاً مريئا (4)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. كلمة (نِحْلَةً تعني. فيما تعني - العطية والهدية المجانية التي لم تعط مقابل ثمن كما أنّ النحلة لغةً تعني الدين والقرض.)2. (صَدُقَاتهِنَّ جمع صداق بمعنى المهر.)3. وبتفسير كلمه نحلة الواردة في هذه الآية بمعنى الدين، فإنّه يلزم أن يقال بأنّ الآية وضمن الإشارة إلى أحد الحقوق المسلّم بها للنساء، تؤكد على أن مهور النساء يجب أن تسلّم لهن كما تسلّم الديون إلى أصحابها، مضافاً إلى عدم الانتقاص منها، فينظر إلى المهوركما ينظر إلى الديون.. وإذا ما فُسرت كلمة (نِحْلَةً بمعنى العطية ؟ صار المعنى: أن المهرعطية إلهية، وأنه تعالى قد خص المرأة بالمهر؛ للزيادة في حقوقها على الصعيد الاجتماعيّ؛ جبراً الضعفها الجسماني ؟ فكان لابدّ من أن يسدد لها بصورة تامة كاملة.)4. رغم أنه قد ورد في مطلع الآية وبصراحة الحكم بوجوب حفظ حقوق النساء، من قبيل إيتائهن مهورهن كاملة.. إلا أن ذيل الآية تضمّن القول بضرورة احترام مشاعر الطرفين لتوطيد العلاقة والروابط القلبية والعاطفية، فقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا أي: حلالاً طيباً.. لكي لا تتحكم القوانين الحادة والباردة بالمحيط الأسري، بل لابدّ من أن تأخذ العواطف والحب دورهما أيضاً بين الزوجين وأجواء الأسرة..)5. من المعلوم والواضح أن الرجال في عصر الجاهليّة لم يكونوا يكنّون احتراماً يذكر
للنساء، ومن هنا كان أولياء المرأة يعطون مهرها بشكل كامل، فكان الأولياء يعتقدون بأن مهر المرأة جزءٌ من أملاكهم دونها، ولعل البعض منهم كانوا يجعلون من مهرابنتهم أو أختهم مهراً لمن يتزوّجون بها.. أي أنهم يجعلون من أختهم التي يزوّجونها مهراً للمرأة التي يتزوجونها في مقابلها.. فكان هذا هو مهر المرأتين.. إلّا أن الإسلام أبطل هذا السلوك والمذهب الباطلين الظالمين.. وجعل المهرحقاً مسلماً به معلوماً وخاصاً للمرأة دون غيرها.. ولطالما أوصت آيات القرآن الرجال بمراعاة حقوق النساء.6. مع أن الإسلام لم يعين مقداراً للمهر، وأنّه قد أوكل ذلك إلى اتفاق طرفي عقد الزواج.. إلّا أنه من ناحية أخرى كما هو الوارد في نصوص العديد من الروايات. أكد وأصر على عدم المغالاة والمبالغة في مقدار المهر (1، مع أن هذا التأكيد لا يمثل حكماً إلزامياً بمقدا رما هو أمر مندوب..)7. سؤال حيث أن العلاقة الزوجيّة علاقة مبنية على أساس المنفعة المشتركة والمتبادلة، وأن الرجل والمرأة ينتفعان بصورة عادلة أو متساوية ضمن عقد الزواج.. ترى ما هو الدليل الذي يوجب على الرجل أن يدفع مبلغاً. قليلاً أو كثيراً. للمرأة الزوجة تحت مسمّى المهر؟ ثمّ ألا يعرّض هذا الموضوع المرأة إلى الضرر المعنوي، أو يصور المرأة بهيئة السلعة التي تباع و تشترى ؟لدى الإجابة على التساؤل أعلاه، ينبغي القول: صحيح أنّ الرجل والمرأة ينتفعان حين العلاقة الزوجيّة بشكل متعادل.. إلّا أن حذف المهر لا يضيف لشخصية المرأة شيئاً، بل ولعله يعرّض حالها إلى الخطر، إذ لا شك لدى انفصال المرأة عن الرجل أنّها ستحتمل نوع ومقدار خسارة وغبن، لأنّه:
1) راجع: وسائل الشيعة، ج 21، ص 249 إلى 253.
أولاً: بناءً على أساس الحقيقة والواقع الواضح وغير القابل للإنكار والمعلوم من الوضع البشري الاجتماعيّ. وحتى على مستوى المجتمعات الغربية حيث تتمتّع النساء بمستوى من الحرية يكاد يكون تامّاً. فإن الرجال وطبقاً لقابلياتهم البدنية التي تؤدي بهم إلى نوع و مستوى أكبر من النفوذ والسطوة والقيادة..ثانياً: أن الرجال لهم الحظوة الأكبر في اختيار الزوجة الأخرى - بعد طلاق الزوجة الأولى أو موتها - إلّا أن الزوجة المطلقة أو الأرملة، ولا سيما بعد مرور الأعوام المديدة على عمرها وافتقارها لرأس مالها المتمثل بالنضارة والشباب، فإن قابليتها في اختيار الزوج تتضاءل، ومن هنا؛ و بالالتفات إلى هذه الجهات الواضحة حيث تهبط إمكانات المرأة أكثر ممّا يمكن تهبط لدى الرجل.. وإذ ذاك يكون المهر بمثابة جبر لخسارة المرأة ووسيلة لضمان حياتها المستقبلية، مضافاً إلى أن قضية المهر غالباً ما تأخذ طابعاً رمزياً في مقابل ميول الرجل نحو الانفصال والطلاق.8. رغم أن المهر من وجهة القوانين الشرعيّة الإسلاميّة يعد عاملاً لتثبيت عقد الزواج والعلاقة الزوجيّة؛ فيبقى متعلقاً في ذمة الزوج، وللزوجة المطالبة الفورية والمباشرة به، ولكن حيث أنه يأخذ شكلاً كشكل الدين في ذمّة الرجل، وهكذا يعتبر توفيراً مالياً يضمن شيئاً من مستقبلها، ودعماً لحفظ حقوقها، ومانعاً دون انهيار عقد العلاقة الزوجيّة (ولا ريب في أن لهذا الموضوع استثناءات، إلّا أن ما أشرنا إليه يصدق على كثير من الموارد.)9. التفسير الخاطئ الذي أدلى به بعض الأفراد الجهلة للمهر، فوصفوه على أنه نوع ثمن للمرأة.. لا علاقة للقوانين الإسلاميّة به، إذ المهر لا وجه له أبداً بالقيمة والثمن والبضاعة في الشريعة الإسلاميّة، وإن أدلّ دليل على ذلك ما أوجبه الإسلام من صيغة إجراء عقد الزواج، حيث تصير فيه المرأة والرجل ركنين أساسيين في الزواج، حيث المهرإذ ذاك وتحديده شيء إضافي وكمالي، وهكذا لا تبطل صيغة عقد الزواج إذا لم يذكر المهر.. والحال أن عقود البيع
والشراء وكثيراً من العقود التجارية والمعاملات تواجه البطلان إذا لم تذكر فيها القيم والأثمان (ولكن الثابت في الأمر أنّ المهر إذا لم يذكر في صيغة العقد صار الزوج موظفاً. في حال المباشرة الجنسية. أن يعطي الزوجة مهر المثل للزوجة.)10. كلمة (هَنِيئَاً صفة مشبهة من مادة هناء، وهي تعني سهولة هضم الطعام، وكذلك تعني قبول الطبع، والكلمة تستعمل في الأطعمة وتناولها، فيقال مثلاً: هنيئاً مريئاً، وهنيئاً طيباً. أمّا كلمة (مَرِيئَاً) فتعني اليسر في هضم المشروبات.. فالشراب المرئ هو ذلك الشراب الذي يهضم بيسر من قبل الجهاز الهضمي ويتقبله طبع الإنسان. وعلى هذا؛ فالهنيء يستعمل في المطعومات والمشروبات.. أما المرئ؛ فيستعمل في المشروبات فحسب.. وهكذا إذا قال لك أحدهم هنيئاً مريئاً، فإن المعنى يكون: طاب وهنئ ما طعمته وشربته.)
### الآية 5#### إشارة:وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)#### النقاط المستفادة من هذه الآية2. يقول الراغب في (مفرداته : السفه على وزن تبه، وهو في اللغة نوع من قلة الوزن والخفة في البدن؛ بحيث لا يحفظ التعادل لدى المشي، ومن هنا؛ يقال للسرج غير المتزن و المتحرك دوماً: سفيهاً.. ثم لعدم التناسب هذا، تستعمل هذه المفردة في الأفراد عديمي الرشد الذهني، وتارة يشاربها إلى خفة عقولهم فيما يتعلّق بالبعدين المادي والمعنوي. (1))3. معلوم أن المقصود بالسفاهة في هذه الآية عدم الرشد الكافي بخصوص الأمور المالية وطريقة التصرف بالمال التي تكون في مصلحة الفرد، وتتجلّى هذه السفاهة بحيث يعجز الشخص عن إدارة شؤونه المالية وحفظ مصلحته لدى التعامل التجاري بحيث يتعرض للخديعه، والشاهد على هذا قوله تعالى في الآية الثانية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.)4. مع أن بحث هذه الآية متعلق بالأيتام، إلا أنه يحكي عن حكم كلي وعام في جميع الموارد، حيث لا ينبغي للانسان في أي مورد كان أن يجعل الأموال التي هي تحت رعايته، أو كانت حياته ومعيشته منوطة بها بشكل من الأشكال، تحت تصرف أفراد قليلي العقل وغير رشیدین، ولا يبقى. بهذا الصدد. ثَمَّ فرق بين الأموال العامة (أموال الدولة الإسلاميّة وغيرها، والشاهد على ذلك الروايات المنقولة في هذا المجال عن أئمة الهدى (2)، وفضلاً عن اتساع)
مفهوم الآية ؛ ولا سيما كلمة (السفيه.)5. مفردة (السفيه بمعنى خفّة العقل، ولعلّها تعني في اللغة مطلق الخفّة والفراغ في شيء أن يكون كذلك، ومن هذا الباب يقال للجام الرقيق والدقيق: زمام السفيه وللخرقة الخلقة والرقيقة الحياكة : ثوب سفيه، فالثوب السفيه هو الثوب الذي حيك قماشه حياكة رديئة.. ولكن الكلمة أكثر ما تستعمل؛ في ضعف العقل؛ وتختلف المعاني حسب اختلاف المقاصد والأغراض.. فمثلاً يقال للضعيف والقاصر والعاجز عن إدارة أمور دنياه: سفيهاً، كما يقال: سفيه، ويراد به المقصّر في مراعاة أمور آخرته ولو كان فطناً في إدارة أمور دنياه.. فهو غير مبال لأمور آخرته وقد يرتكب أعمال الفسق والفجور.. ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً).)6. تعريف الأشخاص السفهاء من جهة نظر الروايات :أ. نقرأ عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أن شخصاً يدعى إبراهيم بن عبدالحميد قال: سألت الإمام عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ)، فقال : شارب والخمرسفهاء ولاينبغي إيتاؤهم الأموال.. (1))ب. وورد في رواية أخرى النهي عن اختيار شارب الخمر لكي يكون أميناً على المال. (2)ج. أطلقت رواية أخرى عنوان السفيه على جميع الأفراد غير الجديرين بالاعتماد لجهة من الجهات، وقد ورد النهي عن إيداع الأموال (الشخصيّة والعامّة لديهم. قال يونس بن يعقوب: سألت الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير الآية: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ) فقال: «مَن لا تثق به» والسفيه هو من لم يكن محط اعتماد. (3)
يفهم من هذه الروايات أن لكلمة (السفيه) معنى واسعاً، وهو الذي ورد النهي عن إيداع الأموال العامة والخاصّة لديه.. علماً أنّ النهي قد ورد في بعض الموارد بعنوان التحريم، وفي بعضها الآخر بمعنى الكراهة فيما لولم يكن السفه شديداً.
السبب في تفسير السفه والسفيه بشارب الخمر أن الشخص المعاقر للخمريضيع ويفرّط بماله مضافاً إلى تفريطه بشخصيّته وكرامته، إذ أيّ سفه أشد من أن يفرّط المرء بماله وبعقله ويبيعهما ليشتري الجنون؟! فهو يكرّس قواه البدنية لهذا الغرض التافه ليتسبب بالمضار والخسائر الاجتماعيّة..الكثيرة.
رغم احتمال خطور السؤال التالي على أذهاننا.. وهو: إذا كانت الآية وردت بخصوص أموال اليتامى، فلماذا استعملت كلمة (أموالكم) ولم تقل أموالهم. اليتامى.؟ للإجابة على هذا السؤال ورد تفسيران :
التفسير الأول: يمكن أن يكون السبب في استعمال كلمة (أموالكم) إيضاح مسألة اجتماعيّة واقتصاديّة؛ حيث يعدّ الإسلام جميع أفراد المجتمع كتلة واحدة، بحيث لا يمكن عزل مصلحة فرد واحد عن مصالح بقيّة الأفراد، وكذلك هو الضرر الفرديّ الذي لا ينبغي تصوره في معزل عن الضرر الاجتماعيّ العام.. ولهذا السبب؛ استعمل ضمير المخاطب (أموالكم) بدلاً عن ضمير الغائب (أموالهم) فيكون المعنى أنّ هذه الأموال غير متعلقة. في الحقيقة. بالأيتام فحسب، بل إنّها متعلّقة بالجميع، وإن تعرّضت للضرر؛ فإنّكم ستتضررون بشكل غير مباشر، ممّا يوجب على الجميع تحصينها والعمل للمحافظة عليها.
التفسير الثاني: أن المقصود من كلمة (أموالكم) أموال الأوصياء لا أموال اليتامى، بمعنى: إِنْ رمتم مساعدة الأفراد اليتامى الذين لم يبلغوا رشدهم، فلعلكم تتأثرون بالعواطف و الأحاسيس غير المنضبطة فتؤتونهم أموالاً وتكلّفونهم بمهام خارجة عن طاقاتهم، وإن الأفضل من هذه الأعمال غير العاقلة أن يُكفوا نفقتهم في الملبس والمسكن والمأكل حتّى
يبلغوا رشدهم.
أن المنع والنهي القرآني عن إيتاء السفهاء الأموال العامة والخاصّة يؤكد درساً اجتماعيّاً عظيماً يقدمه القرآن لنا لكي لا نكلّف الأفراد القاصرين والعاجزين بما لا يطيقون، وحتّى لو تُصوّر وجود منفعة جزئية لهم، فإنّ من المتوقع تعرّضهم لأضرار كبيرة، ممّا يستدعي إدارة شؤونهم عبر تقديم المساعدة المجّانية.
الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً واضح أن التأكيد والمنع القرآني عن إيتاء الأموال العامة والخاصّة للسفهاء من الأفراد، يشير إلى الأهميّة التي يوليها الإسلام للمسائل المالية والاقتصاديّة، ذلك لأنّ الأمة الفقيرة عاجزة عن المقاومة والاستقامة ﴿الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً(.)12. مفهوم استعمال القرآن في هذه الآية كلمة (فيها في عبارة و ) وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) بدلاً من كلمة (منها) يبين أن معيشة الأيتام يجب أن تؤمن ضمن رؤوس أموالهم والأرباح التي تدرمنها، ذلك لأنه إذا كان قال: ارزقوهم من رؤوس أموالهم، صار مفهوم العبارة القرآنيّة: وجوب الأخذ من رؤوس أموالهم شيئاً فشيئاً.. والحال أنّهم – اليتامى- إذا بلغوا رشدهم وجدوا شطراً من أموالهم قد ضاع.. ولهذا؛ وجدنا في الأمر القرآني. الوصيّة للأوصياء على اليتامى أن يحرصوا كلّ الحرص على إحراز المنفعة والربح في أموالهم؛ حفظاً لأصول هذه الأموال على الأقل.)13. ما يفهم من ظاهر الآية الشريفة المنع والنهي عن التفريط في الإنفاق على السفهاء، إذ ورد المنع عن إيتائهم من الأموال ما يزيد على حاجتهم.. والمسألة الجديرة بالالتفات أن بحث الآية الشريفة فى إطار أموال اليتامى (حيث الأمر لأولياء أمور اليتامى وضرورة تحقيق الربح لهذه الأموال وهذا المعنى هو القرينة على أنّ المراد من السفهاء ليس عموم السفهاء؛ وإنّما هم السفهاء من اليتامى.)14. المراد من كلمة (أَموَالكُم في الحقيقة هي الأموال ذات الصلة بأولياء اليتامى، كما)
أن عبارة (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ بمثابة الشاهد على هذا المعنى.. ولو اضطررنا ونسبنا تكليف سائر أولياء السفهاء إلى الآية الشريفة، صار لابدّ لنا من القول إن المقصود من حكمة السفهاء؛ عامة السفهاء (اليتيم و غير اليتيم) ولكنّ الاحتمال الأول (إذ المقصود خاصة السفهاء الأيتام) احتمال راجح وواضح.)15. إذا كان مقصود الآية من السفهاء السفهاء اليتامى فالمراد من جملة (أَموَالكُم... هو أموال اليتامى خاصّة، وإنّ العلّة في نسبة أموال اليتامى إلى أولياء الأيتام. وهم مخاطب الآية الشريفة. وذلك بواسطة أن أحكام الإسلام لها بعد أساسي. وينبغي أن نعلم أن المالك الحقيقي هو اللّه سبحانه وتعالى، وأنه المتصرّف المطلق في أموال الدنيا، وقد جعلها تحت تصرّف البشر.. كما قال عزّوجلّ: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) وقد جعل المال وسيلة معاش وبقاء الحياة الإنسانيّة، ولم يجعلها حكراً على شخص بذاته لكي لا يطالها التغيير والتبديل أولا يقوم هذا الشخص المحدّد بإنفاقها على أحد ليعجز عن حجر ذلك الشخص ضمن دائرة القوانين الدينية.. ولكن من أجل مصالح معيّنة، أذن في أن تتاح هذه النعمة المجموع الناس وطبقاً لحالات محدّدة مثل الوراثة والحيازة والتجارة حيث شرعها اللّه واتاحها لأشخاص معيّنين مع اشتراط صفات محدّدة في المتصرّف؛ مثل العقل والبلوغ والإرادة وغير ذلك من الشروط من هذا القبيل، ولهذا؛ فقد أوجب على أفراد البشر حفظ هذا المال ونهاهم عن الإسراف فيه، وعليه؛ لا يصح أن يؤذن للسفهاء في الإسراف والتبذير، بل لا بد أن يدير العقلاء أموال السفهاء كما يديرون شؤون وأموال الصغار، وألزمهم اللّه تعالى أن يصلحوا في شؤونهم، وجعل أمر الإصلاح هذا فيما منفعة المال بالتجارة وأمثالها، وأن يستوفي ذو المال (السفهاء) حقوقهم من أرباح الأموال لئلا يلحق الضرر برأس المال..)16. يمكن أن يفهم من الآية الشريفة قضية ولاية الولي تجاه مختلف أمورالمحجورعليهم، حيث يعلم منها أن اللّه تعالى لا يرضى أن يكون ثم فرق بين أمور الفرد السفيه والمجنون
وأي محجور آخر وبين سائر أفراد الناس.. وإنما يتوجب على المجتمع المسلم أن يتولّى أمور المحجور عليهم.. فإن توفّرت طبقات الأولياء من قبيل الأب أو الجدّ للأب، لزم أن يتولّيا أمور المحجور عليه ويباشرا إدارة شؤونهما.. وما لم تتوفّر طبقة الأولياء وأفرادها، وجب على الحكومة الشرعيّة المسلمة أن تتولّى ذلك (وتعيّن فرداً من الأفراد وليّاً على المحجور عليه وما لم تتوفّر حكومة المسلمين الشرعيّة؛ وكان الحاكم الطاغوت هو المسيطر على شؤون المسلمين، لزم جمع المؤمنين أن يتولوا شؤون المحجور عليه.)17. عبارة: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ... نظير جملة: (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) وعلى هذا؛ يصير المراد من الرزق ؛ الطعام الذي يتناوله الإنسان واللباس الذي يرتديه ليحفظ بهما صحته وقوامه ويؤمن البرد أو الحر اللذين قد يصيبانه.. إلّا أن لفظة (الرزق والكسوة) في العرف القرآني هي ذات كلمة الكسوة والنفقة في استعمالنا اللّغوي.. أو مثل الكناية فتتوفّر من مجموع نفقة المعيشة والمخارج وعليه؛ فإنّ ما سوى الطعام واللباس يدخل جميع ما يحتاجه المرء؛ من قبيل المسكن والدواء تحت مسمّى الرزق، كما أن كلمة (الأكل) تتضمن معنيين، أحدهما؛ بحسب الأصل اللّغوي الذي يعني مضغ الطعام وابتلاعه. والآخر له بعد كنائي يتضمن مطلق التصرفات.. وهو المعنى الذي تناوله قوله سبحانه: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا).)18. جملة : (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا جملة أخلاقيّة، يتمخض عن الالتزام بها إصلاح أمر ولاية الأفراد السفهاء؛ وإن كان هؤلاء محجورين وممنوعين من التصرّف بأموالهم الخاصّة؛ إلّا أنّهم ليسوا حيوانات لا يميزون بين الخطاب الصالح وبين الخطاب الطالح، بل هم بشر؛ ولابد من معاملتهم معاملة إنسانيّة، ومخاطبتهم بالخطاب البشري، دون السوء من المعاملة و القول؛ كما لابدّ من معاشرتهم معاشرة إنسانيّة.. كما يمكن أن تكون الجملة. محطّ البحث بمعناها اللّغوي.... تشير إلى ضرورة عدم الاكتفاء بمجرد الخطاب والتكلّم؛ بل إنّها تتضمن)
إشارة وكناية تتضمن مطلق المعاشرة والتعامل.. فتقول: إن أولياء الأفراد السفهاء عليهم أن يعاملوهم معاملة إنسانيّة من جميع الحيثيات؛ في الخطاب والجلوس والقيام كما قلنا بخصوص الآية الجليلة: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً إنّها تعني مطلق التعامل والمعاشرة..)#### روايات في الموضوعروي في (تفسير العيّاشي عن يونس بن يعقوب قال: سألت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) وما المقصود بالسفهاء ومن يكونون؟ فقال: هم من لا تثق بهم ولا تعتمد عليهم. (1))و في نفس المصد رروي عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ عن معنى الآية: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ...) فقال: من يشرب الشراب فهو سفيه. (2))وفي المصد رأعلاه عن علي بن أبي حمزة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ) فقال: السفهاء هم الأيتام؛ فلا تؤتوهم أموالهم حتّى يرشدوا.. فقلت: فلماذا عدت الآية أموال اليتامى أموالنا، فقالت أموالكم ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هم من يرثون اليتامى... (3) وورد في (تفسير القمي) عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال في ذيل هذه الآية: حين يعلم المرء سفهاً في أهله أو ولده، يلزمه أن لا يسلّطه على شيءٍ من ماله، لأن اللّه سبحانه قد جعل المال وسيلة قوام الحياة.. ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : المراد من قوام الحياة المعاش إلى (آخر الحديث..) (4).
وَابتَلُوا الْيَتَامَى حتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْرَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّه حَسِيبًا (6)
القابلية على إدارة شأنه الاقتصادي والتجاري.. لزم أن يُعطى ماله بالتمام والكمال إذا ما نجح في الاختبار.. وإلّا وجب العمل على مواصلة تربيته وتعليمه وإعداده ليتسنّى في مستقبل أيامه أن يمسك بزمام حياته ومصيره في نهاية المطاف.4. يمكن أن تكون جملة (حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ إشارة إلى الحقيقة القائلة بأن لغاية و منتهی مراقبة وإشراف ولي أمر اليتيم حدّاً محدوداً، وهو زمان بلوغه مرحلة الزواج، إذ الغالب في أنّ من تكون له القدرة على النكاح؛ تتوفر فيه القدرة على تأسيس كيان الأسرة، ومثل هذا الفرد يكون عاجزاً عن تحقيق أهدافه وعليه؛ فإنّ بداية الحياة الزوجيّة تقترن ببداية الحياة الاقتصاديّة المستقلة.. وبعبارة أخرى؛ تصير أمواله إلى أيدي اليتامى حينما تكتمل قابليات أبدانهم، وتشتد حاجتهم إلى المال، مضافاً إلى بلوغهم الفكري وتتوفّر فيهم القدرة على حفظ المال.)5. يمكن أن يفهم من انضمام قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى إلى غاية ومنتهى فترة الابتلاء والامتحان حيث تبين أنها عند حدّ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ) أنّه وإن كان امتحانهم يجسّد تربية وتعليماً، إلّا أن هذه الغاية الزمانية (حتّى إِذَا بَلَغُوا) تشير إلى أن منتهى الامتحان قد رسمت لتعيين فهم ورشد اليتيم وليس لبيان حكم عدم استقلاله حتّى فترة الزواج، إذ من الممكن أن تتوفر في يتيم ما قدرة ذكاء ونبوغ تؤهله إلى إدارة شؤونه المالية وميراثه حتّى قبل فترة زواجه.. وهنا ليس ثم مانع من اعتباره قد بلغ الحدّ المحدود؛ فلا يصح حرمانه من استقلاله..)6. (ءَانَسْتُم مشتقة من الإيناس بمعنى المشاهدة والرؤية، كما أن هذه المادّة مشتقة من مادة الإنسان حيث أن أحد معانيها بؤبؤ العين (لأن الإنسان حين الرؤية لشيء يستعين ببؤبؤ عينه، ومن هنا قيل للمشاهدة إيناساً) وهذه الجملة إشارة إلى أن رشد اليتيم يجب أن يحرز)
تماماً.7. ينبغي لولي أمر اليتيم ومدير شؤونه أن يعلم أنّ مال اليتيم أمانة في يده.. ليترعرع اليتيم وينمو ثم لتتوفر فيه القابلية على استثمار ماله بشكل أفضل، أو يقوم هو – الولي - بالتصرف و الانتفاع لليتيم.. وعليه أن يحرص أن تتضاءل ثروة اليتيم بدلاً من أن تنمو أو تضيع وتتبعثر؛ فيتضرر اليتيم اقتصادياً (وَلَا تَأكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا.)8. لعلّ إدارة أموال اليتامى والإسراف عليها وحفظها بسبب اشتداد الحاجة إلى الوقت و المكان، والولي إذا وجد في نفسه الحرج المالي لدى إدارة شؤون اليتيم، كان له حق الاستفادة من مال اليتيم تحت مسمّى الأجرة.. فلو كان الأمر كذلك أبيح له ذلك مع مراعاة الورع والعفاف.. أما إذا كان الولي فقيراً، كان له الأخذ والاستيفاء من مال اليتيم مع رعاية العدل والانصاف بما يساوي ما يبذله من جهد. وقد ورد في هذا المجال روايات أوضحت ما تقدم، ومن جملتها ما روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«فذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة؛ فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم، فإن كان المال قليلاً فلا يأكل منه شيئاً» (1أي: إذا كان مال اليتيم قليلاً، فلا يأخذ منه الولي شيئاً؟لأنه لا يستحق العمل به أجرة، ولو أخذ منه شيء لتلاشى ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ).)9. آخر حكم جرى بيانه بخصوص إدارة الأيتام في هذه الآية هو أنه حينما يصار إلى تسليمهم أموالهم يلزم إشهاد شهيدين لدرء أي نزاع أو تهمة : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ.)10. الموضوع الأهم هو أن نعلم أنّ الحاكم الحقيقي هو اللّه سبحانه وتعالى.. وأن عمل
1) الكافي، ج 5، ص 130.
الإنسان سيصار إليه وهو الذي يحكم عليه ويزكّيه.. لأنّه سبحانه وحده المحاسب الواقعي لأعمال البشر.. ولو أنّ ذنباً أو خيانة صدرت عنا بعيدة عن عيون الآخرين؛ فإنّه تعالى سيحاسب عليها.. (وَكَفَى بِاللّه حَسِيبًا.)
### الآية 7#### إشارة:لِلرِّجَالِ نَصِيبُ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ممّا قَلَ مِنْهُ أَوْكَثُر نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)#### شأن نزول هذه الآيةكان مشهوراً في عصر الجاهليّة أن الرجال وحدهم هم الذين يرثون موتاهم، وكان العرب يذهبون - إذ ذاك - إلى أنّ العاجزين عن حمل السلاح والدفاع، وكذلك العاجزون عن الإغارة على الخصوم، ليس لهم الحقّ في الميراث.. ولهذا كانوا يحرمون النساء والأطفال من الإرث ويعمدون إلى تقسيمه فيما بين الرجال وإن كانوا من الأباعد عن الميت.. حتّى صادف أن أحد الأنصار وكان يدعى أوس بن ثابت مات وقد ترك وراءه بنات وبنين صغار، فجاء أولاد أعمامهم؛ ومنهم رجلان كانا يدعيان خالد وأرفطه وقسما أموال عمهما بينهما ولم يتركا شيئاً لزوجة المتوفّى ولا لأولاده..فشكت الزوجة أمرها إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.. ولم يكن حتّى ذلك الوقت قد نزل حكم شرعي بهذا الشأن.. وهنالك نزلت الآية أعلاه، فاستدعى صلوات اللّه عليه وآله الرجلين وأمرهما أن لا يتدخّلا في أمر ميراث عمهما أوس بن ثابت، وأن يدعاه إلى الطبقه الأولى من الورثة، وهم المتمثلون في الزوجة والأولاد لتتم عملية القسمة طبقاً لما يتنزّل من الآيات والأحكام السماوية فيما بعد. (1))
1) الدر المنثور، ج 2، ص 122.
#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. هذه الآية، وضمن المواجهة العلميّة وإبطالها عادات الجاهليّة وأحكامها في عدم رعاية حقوق النساء والأطفال في الميراث عمدت إلى بيان حق الإرث بين الرجال والنساء.2. إن حفظ حقوق المرأة كما هي حقوق الرجل من أهم النقاط التي اهتمت بالتساوي في ألفاظ هذه الآية الخاصّة بسهمان الإرث الموزّعة بين النساء والرجال من آبائهم وأمهاتهم (لِلرِّجَالِ نَصِيبُ... وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ....)3 عبارة (نَصِيبًا مَفْرُوضًا شرح للحكم الخاص بتعيين الإرث، وهي تزيل الشك والترديد)في إعطاء الرجال والنساء أسهمهم من الارث، وكونه واجب الأداء.
### الآية 8#### إشارة:وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. هذه الآية الكريمة تبيّن حكماً أخلاقياً واستحبابياً فيما يتعلّق بطبقات الأقارب من الدرجة الثانية أو الثالثة وكذلك بعض الأيتام والفقراء مع وجود الطبقات الأقرب.. فأولئك محرومون من الإرث مع وجود هؤلاء.. علماً أن هذه الآية نزلت بعد نزول قانون تقسيم الميراث، لأنها تقول: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ ولا ريب في أن تعيين مقدا رهذا الرزق والعطاء منوط بإرادة الورثة وبكميّة التركة.. وهكذا يُحال دون الحسد والحقد والبغضاء التي تؤدّي إلى تنافر ذوي القربى، مضافاً إلى توطيد صلة القربى..)2. رغم أن كلمة (الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وردت مطلقة؛ ولكن المقصود. ظاهراً هم ذوو القربى أيتاماً ومساكين..)3. احتمل بعض المفسّرين في هذه الآية احتمالين :الاحتمال الأول: أنّ المقصود من الأيتام والمساكين في هذه الآية كلّ يتيم ومسكين؛ سواء كانوا من أقارب الميت أو غيرهم.. إلا أن هذا الامتحان يبد وبعيداً، إذ يندرحضور غير الأقارب لدى تقسيم الميراث.الاحتمال الثاني: أنّ هذه الآية تبين حكماً وجوبياً لا استحبابياً.. ولكن هذا بعيد أيضاً، ذلك لأنه لو كان لهؤلاء حق واجب لجرى تعيين حدوده، والحال أنّه قد أنيط ذلك إلى الورثة الحقيقيين.4. فضلاً عن ناحية المساعدة الماديّة للمساكين واليتامى لزم الحديث عن الصلاح
والخير مع ملاحظة الخُلق الإسلامي بهدف إحراز المحبّة وحفظ الحرمات والاحترام الشخصي لهذا النوع من الأفراد؛ لاسيّما ذو و القرابة.. مضافاً إلى طرد احتمال الحسد والبغضاء والعداوة.. وعليه؛ فإنّ هذا الأمر دليل آخر على استحباب الحكم المذكور (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا.)5. يمكن أن يكون ورثة الميت أشدّ حاجة من غيرهم، أو أن يكون من بينهم من هو في حاجة أشد لكونه فقيراً أو يتيماً، وبالتالي يقدّم على غيره من الأيتام والمساكين الأقارب، وفي هذه الحالة؛ إن أريد عدم إعانة اليتيم والمسكين الحاضر في القسمة من الأقارب، لزم أن يبرّر عدم المساعدة بصورة لائقة محترمة لتجنّب إلحاق الضرر والإحراج (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا.)6. واضح. بملاحظة ما تقدّم من نقاط آنفة. وعدم التضادّ بين آيات الإرث هذه الآية؛ لا دليل في أيدينا على أن نقول بأن حكم الآية المذكورة قد نسخ بالآيات التي حددت أسهم الإرث..
### الآية 9#### إشارة:وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَتَّقُوا اللّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. الذين يخشون على مستقبل أولادهم، يجب أن يخشوا خيانة الأيتام، وأن يتصرّفوا تجاه أيتام الناس بما يجب أن يكون التصرف مع أيتامهم.2. الذين يسنّون - بأعمالهم السيئة والقبيحة - سنّة الظلم الاجتماعيّ (كأكل مال اليتامى و يشيعونه في المجتمع إنّما هم - في حقيقة الأمر - يتسببون في تعرّض أولادهم لهذا النوع من الأذى في المستقبل، وعليه؛ فإنّهم لا يظلمون أولاد الآخرين فحسب، بل ويمهدون للظلم بحق أولادهم؛ هم أيضاً..)3. حاجة الطفل اليتيم لا تنحصر في المأكل والملبس، وإنّما التجاوب مع عواطفه ومشاعره أمر أهمّ ممّا تقدم بكثير، وهي ذات تأثير عظيم في مستقبله، ذلك لأنّ الطفل اليتيم كما هو شأن غيره عبارة عن إنسان ولابد من تغذيته من وجهة النظر العاطفية، ولابد من انتفاعه بالحنان والمحبّة، كما هو الشأن في الطفل الطبيعي الذي يتمتع بحنان الأبوين ومحبّتهم.. بل لابدّ من رعايته النفسية كما تتم الرعاية البدنية.. وغير ذلك؛ وإلا سيتحول إلى كائن منكسر فاقد لقوّة الشخصيّة، وقاسي القلب خطير التصرّف.. ومن هنا؟ كان لزاماً على أولياء اليتامى أن يتوزعوا عن مخالفة الأحكام الإلهيّة الخاصّة باليتامى، كما أن عليهم أن يختاروا لمنطقهم مع اليتامى ألفاظاً تعبّر عن أنبل العواطف لتكون خير بلسم لجراحاتهم النفسية والقلبية : ﴿وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا.)
### الآية 10#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. كما قلنا في مقدمة تفسير هذه السورة، فإنّ آياتها قد نزلت بهدف بناء مجتمع سالم لغرض تأسيس حكومة إسلامية، ولهذا؛ فهي تعمد إلى إزالة رواسب العهد الجاهلي ومساوئ الحقبة السابقة للعهد النبوي التي كانت ما تزال عالقة متشبّثة في قلوب حديثي الإسلام لتتهيأ أرضية المجتمع السالم.. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا.)2. رغم أن السورة من بدايتها قد استعملت تعابير شديدة اللّهجة بخصوص السلوك السيئ في أموال اليتامى، إلّا أن هذه الآية هي الأصرح والأبلغ..3. نظير العقوبة التي ينتظرها المتجاوزون على مال اليتامى والتي ورد ذكرها في هذه الآية؛ لم يرد إلّا مرة واحدة في القرآن؛ حيث الآية الرابعة والسبعون بعد المئة، وذلك فيما يتعلّق بالذين يعمدون إلى إخفاء وتحريف الحقائق والآيات الإلهيّة بدافع إحراز المنافع والمصالح التافهة والحقيرة والقصيرة الأمد، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّه مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.)4. (سَيُصلَى فعل مأخوذ في الأصل من مادة (صَلَى) بمعنى الدخول في النار والاحتراق فيها. و (سَعِيرَاً) بمعنى النار الملتهبة.)5. من قوله عزّوجلّ: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا يستفاد ويعلم أن)
أعمالنا وفضلاً عن وجهها الظاهري، فنّ لها وجه حقيقي وواقعي رغم خفائه عن أنظارنا في هذا العالم، وإنّما سيتجلّى الوجه الواقعي للأعمال في عالم آخر، وهنالك ستتضح مسألة مسألة تجسّم الأعمال..6. مع أن ظاهر عمل هؤلاء الذين يأكلون مال اليتيم أنهم يتناولون لذيذ الطعام وألوانه، إلا أن حقيقة هذا الطعام نار محرقة، وهذا الواقع سيكشف بكل جلاء في يوم القيامة، هذا بالإضافة إلى أن الوجه الواقعي للعمل له ما يناسبه – تماماً - بطبيعته الظاهريّة.. وكما أن أكل مال اليتيم وغصبه حقوقه يحرق قلبه ويؤذي روحه، كذلك فإنّ حقيقة هذا العمل نار حارقة..7. إنّ الالتفات إلى حقائق الأعمال من جهة الذين يؤمنون بها بمثابة المانع الأفضل دون ارتكاب السيئ منها، وإذا ما رأينا رجال اللّه تعالى يتجنبون مجرّد التفكير في المعصية، فإنّما مردّهم إلى هذه المسألة.. إذ لا جرم أنهم يرون الوجه الحقيقي للأعمال فلا يتورطون في التفكير في الخوض في المعاصي؛ تبعاً لمدى إيمانهم وعلمهم وتربيتهم الأخلاقيّة الراقية.8. لا يسع مدعي الإيمان باللّه تقدست أسماؤه أن يأكلوا من مال اليتيم بغير حق.. إذ مَثَلُ من يفعل ذلك مثل من يتناول قطعاً من النار ويضعها في فمه ثم يبتلعها.. وكذلك هو مَثَلُ غير الناضجين وغير المؤمنين ممن لا يتجاوز نظرهم غير ظواهر الأمور؛ مثل طفل جاهل لا يعلم من أمره وممّا حوله شيئاً.. فلعله ينجذب إلى ظاهرة ضوئية وه ولا يعلم كونها ناراً حارقة؛ فيضع كفّه فيها.. غير أن الناضج الخبير كان قد خبر حرق النار مراراً؛ فتراه يمتنع امتناعاً مطلقاً عن التحرّش بلهيب النارأ و وضع كفّه فيها..9. هناك الكثير من الأحاديث والروايات الواردة في المنع من التجاوز على أموال اليتامى،
ولطالما صرّحت بأن أكل مال اليتامى يسري إلى أدنى درجات التجاوز.. (1وقد ورد عن أحد الصادقين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معرض الإجابة عن مقدار التجاوز ومسمّاه وما يلحق ذلك من العقوبة.. فقال: ولو بمقدار الدرهمين... (2))
### الآية 11#### إشارة:يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءَ فَوقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ممّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ، وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بهَا أَوْ دَيْنٍ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّه إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا (11 حَكِيمًا (11))#### شأن نزول الآيةروي عن جابر بن عبداللّه :قال مرضت ذات يوم فعادني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وكنت قد غبت عن وعيي، فطلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ماءً فجيء به، فتوضأ بشيء منه ونثر الباقي علي، فعدت إلى وعيي وقلت يا رسول اللّه ! ماذا سيحلّ بأموالي من بعدي ؟ فأطرق صلوات اللّه عليه وآله هنيئة حتى نزلت الآيات. أعلاه. وعينت سهام الميراث... (1))
1) مجمع البیان، ج 3، ص 23.
#### نقاط ست کمقدمة في بيان قانون الإرث1. يحكم العقل والمنطق والعدل - بناءً على أنّ كلّ إنسان مالك طبيعي لأتعابه - وكما أنّ الأب والأم وأقارب الإنسان ينقلون قسماً من خصائصهم الوراثية وصفاتهم الجسدية والروحية (طبقاً لقوانين الوراثة الطبيعيّة لأجيالهم اللاحقة وطبقاً للفطرة ترى جميع الناس يرغبون بنقل أموالهم وما يتركون بعد موتهم، وهي حاصل جهودهم وأتباعهم، إلى أقرب أقاربهم..)2. لأنّ موت الإنسان يوجب انفصاله عن أمواله، فإن الرأي الأعدل أن تنتقل تلكم الأموال إلى الذين يمتّون إليه بصلة القرابة، وذلك لأن استمرار الموتى تتجسّد في أقاربه..3. مع أن قانون الإرث أمر طبيعي وفطري، إلّا أنّ أثره عميق في توسعة الجهود الاقتصاديّة، ولهذا السبب؛ تجد الكثير من الناس ومع حيازتهم الطائل من الأموال؛ لا يكفون عن مساعيهم المالية والتجارية لغرض تأمين وضمان حياة أولادهم..4. لأن لقانون الإرث جذراً فطرياً في وجود الإنسان ترانا إذا ما راجعنا تواريخ الأمم الماضية، والتوراة والإنجيل وجدنا هذا القانون ماثلاً أمام نواظرنا.. فمثلاً؛ نرى في التوراة هذا القانون قد ورد بصراحة في سفر الأعداد؛ حيث جاء القول: قل لبني إسرائيل إذا مات أحدهم ولم يكن له ابن؛ فميراثه لابنته، وإن لم تكن له بنت؛ فميراثه لإخوانه، وإن لم يكن له إخوة؛ فليكن ميراثه لإخوة أبيه، وإن لم يكن لأبيه إخوة؛ فليكن ميراثه لأقرب أقاربه.. وهذا الأمر كان حكماً واجباً في بني اسرائیل حيث أمر اللّه نبيه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ بذلك بعد أن كانت قوانين الإرث فيهم تدور حول أقارب الرجل في نسبه دون ذكر للزوجة... وفي دين المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابدّ من سريان القانون الإرثي أعلاه، لاسيّما وأن الأناجيل المتوفّرة قد نقلت عن المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله بأنه لم يبعث ليغير شيئاً من أحكام التوراة، ولهذا لا نجد أثراً في كتب النصرانيّة ورسائلها الدينيّة بحثاً عن موضوع الإرث اللّهمّ إلّا بضع كلمات تشير إلى الإرث المعنوي والأخرويّ..)5. قانون الإرث في قبائل العرب - قبل الإسلام - كان ضمن ثلاث طرائق :
الف: النسب (والمقصود بالنسب عندهم مجرّد البنين والرجال بعد أن حرموا الأطفال والنساء من الإرث.)ب: التبنّي، أي أن يعمد الرجل إلى نسبة ولد إليه كان قد طرد من أسرته، وهنا يعطى هذا المتبنّى من ميراث الذي تبناه..ج: العهد والميثاق، كأن يتعاهد شخصان على الدفاع عن بعضهما في الحياة وأن يتوارثا بعد موت أحدهما..6. الإسلام وبطرده الخرافات والتمييز الظالم الذي كان ولا يزال بين المرأة والرجل من جهة، وبين الكبار والصغار من جهة أخرى في قانون الإرث يكون قد لخص أساس وقاعدة الإرث في ثلاثة أمور:الف: النسب ؛ بمفهومه وأفقه الواسع. أي كلّ صلة عن طريق الولادة بين شخصين في مختلف الأبعاد، وأشمل من أن يكون في الرجل والمرأة والكبير والصغير.ب: السبب أي؛ العلائق الناتجة عن طريق الزواج بين الأفراد.ج: الولاء: أي؛ العلائق الأخرى المتكوّنة من غير طريقي (السبب والنسب بين فردين، مثل:)* ولاء العتق :يعني: إذا أعتق الرجل عبده، ولم يكن لهذا العبد أقارب في النسب أو السبب، عاد ما ترك العبد المعتق إلى من حرّره (وهذا بحد ذاته نوع تشجيع وأجر لمن يعتق عبده ويحرّره.)* ولاء ضمان الجريرة:وهذا عهد وميثاق خاص يتمّ بين شخصين بإرادتهما واختيارهما، فيتعهد الطرفان بالدفاع المتبادل عن بعضهما في مختلف الحالات، وإن يتوارثا عند موت أحدهما (فيما لو انعدم أقارب السبب والنسب.)
* ولاء الإمامة :أي؛ إذا مات أحدهم ولم يكن له وارث نسبي وسببي وغير ذلك، كان ميراثه للإمام المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ، وبتعبير آخر: إلى بيت مال المسلمين (الشرعي).)ولمزيد من الاطلاع على شرائط وأحكام ميراث كلّ طبقة من الطبقات، راجع الكتب الفقهيّة المتخصصة بهذا الصدد.#### خصائص قانون الإرث الإسلامي1. طبقاً لنظام الإرث الإسلامي؛ فإن أحداً من ذوي المتوفّى ونظراً لطبيعة الطبقات، لا يحرم من الإرث، وما كان معروفاً بين عرب الجاهليّة أو بعض البلدان إذ ذاك؛ حيث تحرم النساء أو الأطفال بداعي العجز عن حمل السلاح والمشاركة في الحروب؛ ويعطى الإرث للأقارب وإن بعدوا.. فهو يمثل قاعدة لا يعترف بها الشرع الإسلامي، بل إنّ هذا الأخير قد أتاح لجميع الأفراد من أقارب المتوفّى أن يرثوا تبعاً لطبقاتهم المحدّدة في قانون الإرث.2. هذا القانون يلبّي الحاجات الفطرية الإنسانيّة المشروعة، ذلك لأنّ الناس يرغبون. دوماً. أن يروا حاصل أتعابهم بين من يعدونهم جزءاً من وجودهم، إذ يمثل هؤلاء استمراراً لحياة أولئك، ولذا نجد - طبقاً لهذا القانون - أن سهم الأولاد أكثر من غيره، كما أنّ أسهم الأب والأم وسائر الأقارب - كلّ بحسبه - جديرة بالملاحظة من حيث الأهميّة.3. هذا القانون يشجّع الأفراد الأكثر حرصاً على السعي والإنتاج وتحريك العجلة الاقتصاديّة، ذلك لأنّ الإنسان يندفع إلى مزيد من السعي والإنتاج حينما يرى حاصل أتعاب عمره قد صار إلى يد من هو متعلّق بهم مهما كان قد بلغ من العمر وفي ظلّ أي ظرف اجتماعيّ، حتّى أنه سيحرص على تجاوز ما قد يصادفه من عقبات وأزمات.4. لا ريب أن قانون الإرث الإسلامي يمنع تراكم الثروة وتكدّسها، لاسيّما وأن نظام الإرث في الإسلام يقسم الثروة بعد كلّ جيل بشكل عادل بين أفراد عديدين، وعبر هذا السبيل يساعد
على توزيع الثروة بصورة عادلة، وهذا التقسيم للثروة وضع بحيث يرضى به الجميع..5. لم ينظّم قانون الإرث في الإسلام على أساس طبيعة علاقة المتوفّى بالوارث، وإنما جرى الاهتمام بالحاجة الواقعيّة التي تعتري الورثة. فمثلاً إذا وجدنا إرث البنين ضعف إرث البنات - حسب الظاهر - أو أن إرث الأب. في بعض الموارد. أكثر من إرث الأم، فإنما المردّ في هذا لأنّ الرجال مثقلون بالمسؤوليات المالية الكبيرة طبقاً للشرع الإسلامي، وهم يتحملون نفقات النساء، ومن هنا؛ أضحت حاجاتهم المالية أكبر من حاجات النساء..#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. التأكيد القرآني على رعاية حقوق الأولاد في العبارة الأولى من الآية يحكي حقيقة أن حق الولد على أبيه ليس مجرد إظهار العواطف والأحاسيس، وإنّما هناك ما يتعدى ذلك من حيث الوصيّة بالعطاء المالي فيما بعد الموت للولد، ولهذا كان حرمان الأولاد من الإرث من الذنوب الكبيرة (يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلَادِكُمْ)2. حيث لا صلة قربى أقوى من قرابة الإبن والأب نجد القرآن المجيد قد حكم بتقديم وأولوية الأولاد على غيرهم من الطبقات في الإرث ﴿يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيَيْن.)3. الدقّة المستعملة في هذه الآية من حيث الترتيب وطبيعة إيضاحها تشير إلى حقيقة أن إرث البنات هو الأصل والقاعدة، فيما جعل إرث البنين بصورة الفرع وكونه تابعاً لذلك التعيين والتحديد.. وذلك لأنه. القرآن. يقول: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيَيْنِ وهذا نوع تأكيد على استحقاق البنات للأرث وكصراع ومواجهة للسنن والعادات الجاهليّة الحاكمة آنذاك، حيث كن يحرمن الإرث تماماً.. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ).)
#### أسئلة في موضوع الآية* السؤال الأوّل:أن يرد في هذه الآية الشريفة القول إن كن (فَوقَ اثْنَتَيْنِ فإنّه يعني: إن كانت البنات أكثر من اثنتين، فإن ثلثي المال والتركة يعودان إليهن وعلى هذا؛ فإنّ هذه الآية قد سكتت عن حكم الاثنتين، وإنّما الذي تحدّثت عنه هو حكم البنت الواحد والبنات المتعدّدات..)والجواب على هذا السؤال أو الوجهة في الحديث يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:القسم الأوّل: بملاحظة العبارة الأولى من الآية: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيَيْنِ تتضح الإجابة على هذا السؤال إجمالاً، إذ أن ورثة الميت إن كانوا ابناً واحداً وبنتاً واحدة فقط؛ لكان للبنت ثلث وللإبن ثلثان، وعلى هذا؛ يكون سهم البنتين طبقاً لهذه الآية مساوياً لسهم الابن حيث يكون ثلثين ولهذا السبب لم يردّ الحديث في المقطع التالي من الآية عن سهم البنتين، ولم ترد الإشارة فيه إلا لسهم البنات المتعددات لما يزيد على اثنتين، وهو الذي لا يتجاوز الثلثين ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) أي : إن كان أولاد الميت بنتين أو أكثر؛ فإن ثلثي التركة يعودان إليهنَّ (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) من مجموع المال ولا يتجاوز الثلثين.. القسم الثاني:
لنا أن نجيب على هذا التساؤل بإمعان النظر وبمراجعة آخر آية من سورة النساء، حيث جرت الإشارة إلى أن سهم الأخت الواحدة هو النصف (كما هو سهم البنت الواحدة) ثمّ تضيف الآية قائلة: فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثَّلُثَانِ ممّا تَرَكَ. (1)ومن هذا الحكم نفهم أنّ الأختين تأخذان الثلثين أيضاً.
1) سورة النساء / 176.
القسم الثالث:
يمكن أن نجيب أيضاً بأنّ هذا التعبير مستعمل في لغة العرب، حيث يقولون: فوق اثنتين ويريدون الاثنتين وما فوقهما.. ثمّ إن الحكم المذكور من وجهة النظر القانونية الإسلاميّة ومصادر الحديث الصحيح. وإن شابه نوع إبهام؛ فإنّه يزول بملاحظة السنة (مصادر الحديث).
كمقدّمة ؛ يجب أن نقول : وإن كان الظاهر من هذه الآية يشير إلى أن إرث الذكر ضعف إرث الأنثى، إلّا أن مزيد الدقة والملاحظة يوضّح ويؤكّد بأنّ إرث الأنثى ضعف إرث الذكر.. وذلك بسبب دعم وحماية الإسلام لحقوق ومكانة المرأة.
أمّا الإجابة على السؤال أعلاه؛ فينبغي أن نعرف بأن الغالب في الدنيا هو إلقاء مسؤوليات ووظائف على عاتق الرجال مع أن نصف ما يحصل عليه الرجل الواحد ينتهي إلى النفقة على المرأة بشكل عملي، في حين أنها خليّة من أيّة وظيفة ومسؤولية ماليّة.. فالرجل مسؤول عن توفير نفقة ومعاش زوجته بما يناسب العرف وما تحتاج إليه من مسكن وملبس ومأكل وأمثال ذلك، كما أنّ الرجل ملزم بتوفير حاجات الأولاد، فيما الزوجة. المرأة غير مكلفة بذلك لنفسها أو لصغارها على حدّ سواء.. وعلى هذا؛ يكون بمستطاع المرأة أن تدّخر كلّ سهمها من الإرث لنفسها، بينما الرجل مضطر إلى إنفاق سهمه على زوجته وأولاده.. وبالنتيجة سينفق الرجل نصف ما يحصل من المال - إرثاً أو غيره. - على زوجته ويبقي النصف الآخر لنفسه، فيما سيبقى سهم الأنثى لشأنها الخاص دون نقصان...
مثال لإيضاح المطلب:
لنفترض أن مجموع الثروة الموجودة في العالم تعادل (600) مليارد دينار، ثمّ يجري تقسيم هذه الثروة عن طريق الإرث بين النساء والرجال (البنات والبنون).. ثم لنحصي مجموع ما
يحصل عليه الرجال مع ما تحصل عليه نساء العالم عن طريق الإرث، لنجد أن هذا المبلغ سيكون عبارة عن (400) مليار سهم للرجال و (200) مليار هي سهم النساء.. ولكن حسب المتعارف.. تنتهي النساء إلى الزواج وتكون وظيفة الإنفاق عليهن على عاتق الرجال، ولهذا؛ يكون للنساء أن يدخرن حصتهنّ البالغة (200) مليار، وأن يشاركن الرجال في حصتهم البالغة (400) مليار عملياً، لأنّ حصّة الرجال ستُصرف في إطار حاجاتهنّ وحاجات باقي أفراد الأسرة، وعلى هذا سيتم صرف مبلغ (200) مليار من حصة الرجال عليهن، فإذا أضفنا حصصهنّ الأصليّة، صار لهنّ مبلغ (400) مليار، أي ما يعادل ثلثي ثروة العالم.. فيما الرجال لم يبقى لهم سوی (200) مليار.. أي نصف ما جمعته النساء.. أمّا التفاوت الظاهري الحاصل في مبدأ تقسيم الإرث؛ فعائد إلى ضعف قدرتهنّ على إنتاج الثروة. قياساً بقدرات الرجال.. وهذا نوع دعم وحماية منطقية وعادلة قد قننها الإسلام لتصبّ في مصلحة النساء.. فيصير سهم المرأة من الإرث ضعف سهم الرجل في حقيقة الأمر..
وبالعودة إلى المأثور من الروايات الخاصّة بهذا الشأن نعرف أنّ هذا السؤال طالما خطر على أذهان الناس الذين توجّهوا به للأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ).. ومن ذلك ما نجده في كتاب (عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)) حيث أجاب قائلاً عن سبب أن إرث النساء نصف إرث الرجال؛ إنّ المرأة حين تتزوج تأخذ شيئاً فيما الرجل يضطرّ إلى إعطاء شيء، فضلاً عما ينفقه على أهله.. بينما المرأة غير مسؤولة عن نفقة الأسرة.. (1)
جذر وأصل بحثي العول والتعصيب في كتاب الإرث الإسلامي فيما يتعلّق بسهمان الإرث
1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ج 2، ص 98.
كما ورد في الآيات القرآنيّة السالفة فيما لو قلت عن مجموع المال أو زادت، مثال ذلك:
إذا كان الورثة أختين من أب وأم وكانتا متزوجتين، فإنّ سهم الأختين ثلثا التركة.. ونصف المال الذي يشكل مجموعه (7/6) أي أكثر من مجموع المال بمعدل (1/6) هنا يرد البحث وهو: هل يخصم السدس من جميع أسهم الورثة بشكل عادل ؟ أم يخصم من أسهم ورثة محدّدين؟ المشهور بين فقاء المخالفين هو وجوب الخصم من أسهم الجميع، وهذا ما يسمّيه الفقهاء بالعول (ذلك لأنّ العول في اللغة يعني الزيادة والارتفاع).
وفي المثال أعلاه يقولون السدس الزائد يجب أن يخصم من الثنتين سهماهما، وكذلك في الحالات الأخرى.. وفي الحقيقة يكون ذو والأسهم بمثابة الدائنين الذين يعجز المدين عن السداد لجميعهم، فكأنّه مفلس وقد أعلن إفلاسه، ونحن نعلم أن مقدار النقص الحاصل يسدّ من جميع الدائنين.
إلّا أن الرأي السائد لدى فقهاء الشيعة يذهب إلى أن النقص يتوجه إلى أفراد خاصين، وفي المثال المذكور؛ يتوجه سدّ النقص إلى الأختين فقط.. فيقولون: كما ورد في الحديث، فإنّ اللّه تعالى الذي حسب لكل شيء حسابه بما في ذلك رمل الصحاري، فإنّه سبحانه قد رتّب أسهم الإرث بحيث يتبعها الكسر.. ولابد أنّه تعالى قد وضع لذلك قانوناً، وطبقاً لإعمال هذا القانون لا يبقى نقص يتصوّر.. والقانون هو أن الورثة قد ذكر لبعضهم - في القرآن - سهم ثابت من حيث المستوى الأدنى والمستوى الأعلى، مثل أسهم الزوج والزوجة والأب والأم.. ولكن هناك من الورثة من لم يعيّن لهم سهم محدد ثابت، مثل الأختين والبنتين.. ومن هذا نعرف أن النقص والكسر يطالهما على الدوام، مع عدم تحديد حدّه الأدنى أو الأعلى.. فهو إذن قابل للتغيّر والتذبذب ولذا - في المثال أعلاه - لا يطال الزوج نقص، وإنّما الذي يجب أن يحذف هوالسدس الإضافي من سهم الأختين.
وتارة يحدث العكس، إذ يكون مجموع الأسهم أقل من مجموع المال، ويبقى مقدار
إضافي.. مثال ذلك: إذا مات رجل وترك وراءه بنتاً وأمّاً فقط، ونحن نعلم أنّ سهم الأم في هذه الحالة هو (1/6) وسهم البنت هو (3/6) من المال، ومجموع السهمين هو (4/6)، فيكون الزائد (2/6).. قال مجتهد والمخالفين ينبغي أن يعطى المال الزائد إلى عصبة الرجل وهم الطبقة التالية، مثل إخوة المتوفّى، وهذا ما يطلق عليه هنا بالتعصب.. ولكن فقهاء الشيعة ذهبوا إلى لزوم تقسيم المبلغ الزائد إلى الاثنتين بنسبة (1) و (3) وذلك لأنّ وجود الطبقة السابقة يحول دون استحقاق الطبقة التالية.. هذا بالإضافة إلى إعطاء المقدار الزائد لرجال الطبقة التالية أشبه شيء بقوانين الحقبة الجاهليّة؛ حيث كانت النساء تحرم من الإرث بلا أيّ مبرّر (البحث أعلاه بحث علمي معقد أوردناه هنا على سبيل الإيجاز أما تفصيله فمتوفر في الكتب الفقهيّة).
وردت صيغة الجمع في لفظ الأخوة (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) نعلم أن أقل الجمع ثلاثة في حين أنّ جميع علماء المسلمين يذهبون إلى أنّ للأخوين أن يمنعا تنزّل إرث الأم..
الجواب: بالرجوع إلى الآيات القرآنيّة الأخرى يتضح عدم لزوم استعمال لفظ الجمع. دوماً. في الثلاثة أفراد وأكثر، إذ لعل الجمع يشمل الفرديّن أيضاً مثل قوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. (1))وطبقاً لتفسير المفسّرين؛ فإن هذه الآية متعلّقة بالنبيين داود وسليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد استعمل القرآن الكريم ضمير الجمع (هم) لهذين الرجلين النبيّين.. (2)ومن هنا يتضح أن لفظ الجمع يستعمل تارةً للمثنّى أيضاً..)
شاهد ؛ وهو اتّفاق المسلمين وورود الدليل من جهة الأئمة، ذلك لأنّ جميع علماء المسلمين شيعة وسنة (إلّا ابن عباس ذهبوا إلى كون الأخوين مشمولين بحكم الآية الشريفة. (1))1. أشير في هذه الآية لإرث الآباء والأمهات - الذين هم في الطبقة الأولى من الإرث وفي مصاف الأولاد - ضمن ثلاث حالاتالحالة الأولى: شخص متوفّى، وله ولد أو أولاد.. يكون. في هذه الحالة. لكل واحد من أبيه وأمّه السدس (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ممّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ.)الحالة الثانية: لا يكون ولد، وكان الوارث أباً وأمّاً فحسب.. صار سهم الأم ثلث مجموع المال (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُلْثُ وحيث لا نجد حديثاً وإشارة إلى سهم الأب، فذلك لأن سهمه معروف، وهو الثلثان، فضلاً عن أن يحدث أن يكون للميت زوجة، وفي هذه الحالة يقلّل سهم الزوجة من سهم من سهم الأب، وعليه؛ يكون سهم الأب في في الحالة الثانية متغيّراً متذبذباً.)الحالة الثالثة: أن يكون الوارث أباً وأماً فقط، ولا يكون للمتوفّى أولاد.. ولكن كان له إخوة من جهة الأب والأم أو من جهة الأب فقط.. في هذه الحالة يكون سهم الأم سدساً بدل الثلث، وفي الواقع؛ فإنّ الإخوة وإن لم يرثوا من أخاهم هنا إلّا أنهم يمنعون المقدار الزائد من إرث الأم وسهمها، وهكذا صار اسمهم: «الحاجبون» ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ.)وعلّة هذا الحكم بيّنة واضحة، ذلك لأن وجود الإخوة المتعدّدين يوجب ثقل كاهل حياة الأب، لأن هذا الأخير مسؤول عن إعالة هؤلاء حتّى يشبّوا، بل وهناك من التكاليف والنفقات التي يدفعها الأب لهم حتّى بعد بلوغهم، ومن هنا كان وجود الأخوة العلّة في تنزّل سهم الأم.. هذا حال الإخوة من الأب والأم، أو من الأب فقط، أما الإخوة من الأم فقط، فإن والد المتوفّى غير
1) نفس المصدر، ج 3، ص 25.
مسؤول عنهم؛ فلا يحجبون..2. بناءً على هذه الآية؛ إذا أوصى الميت وصيّة أو كانت عليه ديون، فالواجب العمل بالوصيّة أو بسداد الدين بدءاً (وكما ورد في كتاب الوصيّة حيث للمرء أن يوصي بما يستغرق ثلث ما يترك، والوصيّة ليست بصحيحة إذا زادت على الثلث إلّا أن يجيزها الورثة.. (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. 3. لا شكّ أنّ الإنسان عاجز عن تحديد خيره وصلاحه على الدوام وفي كلّ مكان، لهذا؛ حتّى إن ظنّ البعض بأنّ الآباء والأمهات يسدون حاجة ولدهم الميت؛ وأنّهم يجب أن يقدّموا على أولاد الميت في الإرث.. ولعلّ البعض الآخر يظنون غير ذلك، وعليه؛ لوكان قانون الإرث بيد الناس لعمّت الفوضى بمختلف أبعادها وأشكالها، لأنّ الإنسان عاجز عن تمييز خيره وصلاحه دائماً.. ولكنّ اللّه تعالى الذي يعلم الواقع بما هو واقع قد أرسى قانون الإرث على نظام ثابت يتضمّن خير البشر القائمة أساساً على المصالح الواقعيّة للناس، وإن تحديد هذه المصالح منوط ومختص باللّه تعالى: آبَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً.)4. العبارة الخاتمة في هذه الآية تقول: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللّه إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا هي تأكيد - في الحقيقة - على الآية السالفة.. درءاً لاحتمال تغيير الأحكام الإلهيّة والقوانين السماوية المتعلّقة بسهام الإرث على مرّ العصور والدهور..
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ ممّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ ممّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ ممّا تَرَكْمُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللّه وَاللّه عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
توفّي عبد الرحمن بن ثابت الأنصاري أخو حسان بن ثابت الشاعر المعروف في صدر الإسلام، وترك وراءه زوجته وأولاداً خمسة، فعمد إخوة عبد الرحمن إلى تقسيم ميراثه فيما بينهم وحرموا زوجته وأولاده، فأخبروا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشكوا أمرهم إليه، فنزلت الآية أعلاه وحدّدت
ميراث الأزواج بدقّة ووضوح. (1)
وكذلك روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال مرضت فعادني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكنت قد غبت عن الوعي، فطلب صلوات اللّه عليه وآله شيئاً من الماء، ولما جيئ له به توضّأ بمقدار منه ورشّني بالباقي، وحين أفقت قلت لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا رسول اللّه! ماذا سيكون مصير أموالي من بعدي؟ فسكت النبي هنيهة حتّى نزلت آية الإرث وحكت عن أسهمه.... (2)
الف: إذا ماتت المرأة؛ أخذ زوجها بعد أداء ما عليها من دين (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وتنفيذ ما كانت أوصت به. نصف التركة في حال لم يكن لها ولد، وإن هي خلفت وراءها ولد (وإن كان ولد من زوج آخر) لم ينل الزوج غير الربع من التركة فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ ممّا تَرَكْنَ.)ب: في حال وفاة الزوج، يكون سهم الزوجة - بعد أداء ديونه وتنفيذ وصيته - ربع التركة إن لم يخلّف ولداً وراءه، وإن كان له ولد صار سهمها الثمن من أصل المال كما قال سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ ممّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثَّمُنُ ممّا تَرَكْتُم.)ج: لو كان للرجل زوجات متعدّدة قسّم السهم المشار إليه بينهنّ بالتساوي، وهذا هو ظاهر الآية.د: تتنزّل أسهم الزوجات والأزواج إلى النصف إذا تركوا أولاداً، وذلك رعاية لحال الأولاد..ه-: العلة الواردة في الآية السابقة بخصوص مضاعفة سهم الابن على سهم البنت؛ هي ذاتها
في مضاعفة سهم الزوج على سهم الزوجة..2. ورد استعمال مصطلح (الكلالة مرّتين في القرآن المجيد:)الف: في هذه الآية. ب: في الآية الأخيرة من سورة النساء.3. (الكلالة في اللّغة من الكلال والكلل بمعنى التعب وذهاب القوّة والقدرة.. أمّا في الشرع فتطلق على الأخوات والإخوان الذين يرثون من المتوفّى.. ولعلّ هذا الإطلاق والتسمية عائدان إلى أن الأخوات والإخوان من جملة أفراد طبقة الإرث الثانية وهم لا يرثون إلا في حال انعدام الأب والأم وولد الميت.. والذي لا أب ولا أم ولا ولد له يعيش التعب وقلة القدرة والحيلة، ولذلك قيل له: كلالة (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةٌ).)4. بناءً على تعريف الراغب في (المفردات فإنّ الكلالة تطلق على من يرث المتوفّى الذي ليس له أب أو أم أو ولد.. وقد ورد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ الكلالة عنوان للشخص المتوفّى ولم يخلّف أباً ولا أماً ولا ولداً، ولا مانع من أن تطلق على الشخص المتوفّى أو أقاربه الذين يرثونه... (1))5. سؤال: لماذا استعمل القرآن مصطلح الكلالة بدلاً من مفردة الأخ والأخت؟يمكن أن تكون العلة في ذلك أن من لا أب ولا أم ولا ولد لهم يحافظون على أمواله، ستؤول أمواله الى أفراد يدلّون على ضعفه، وعلى هذا؛ وقبل انتفاع الآخرين من المال، تراهم يتقدمون لصرفها في مواقع الضرورة في إطار مساعدة المحتاجين وحفظ المصالح العامة..6. الحكم الذي جرى إيضاحه في هذه الآية، حيث إذا توفّي الرجل أو المرأة ويتركان أخاً أو أختاً، فإنّ كلاً منهما يرث سدس المال، وهذا الحكم سار إذا ترك المتوفّى أخاً واحدة أو أختاً واحدة، أما إذا كانا أكثر من واحد، ورثوا جميعاً ثلث المال ويقسم عليهم ﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ.)
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 719 و 720.
7. ليس للإنسان عن طريق الوصيّة أو الإقرار بدين في ذمته وهو ليس كذلك أن يحرم الورثة من حقوقهم، وإنّما هو مسؤول عن الإيصاء بديونه الحقيقيّة، أو أن يوصي بصرف ثلث تركته أو أقل في أمور هو يختارها، إذ أن شرط وجوب العمل بوصيّة الميت أودينه وإخراجهما من أصل التركة وقبل تقسيمها بين الورثة في وقت لا يكون القصد من الإيصاء إلحاق الضرر بالورثة، إذ بناءً على الأحاديث النبوية وروايات الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ أن الوصيّة بما يزيد على ثلث التركة إضرار بالورثة، وأنّ إنقاذ الوصيّة مشروط برضاهم.. (1)ونقرأ في الحديث: «إنّ الضرار في الوصيّة من الكبائر». (2))8. الهدف من منع الإسلام عن الإيصاء بما يزيد على الثلث من أمواله هو إتاحة الفرصة أمام الإنسان أن ينتفع من ماله حتّى بعد وفاته مع الأخذ بعين الاعتبار الفائدة المرجوّة للورثة، فإذا ما أوصى بأكثر من الحد المعين؛ وهو الثلث، كان سبباً في كراهة وحقد الورثة على الميت، وبالتالي إضعاف أواصر محبّة الورثة مع متوفّاهم..9. يمكن لفرد أن يظن لدى القراءة الظاهريّة للآية أنها قد حوت جميع أحكام ميراث الإخوة والأخوات؛ الأشقّاء وغير الأشقّاء؛ أو الأب لوحده أو الأم لوحدها.. إلّا أنّ إمعان النظر في مفاد وتفسير آخر آية من سورة النساء يبلغ بنا إلى القول بأن هدف هذه الآية إيضاح أحكام الإخوة والأخوات من أمٍّ فقط (أي: غير الأشقاء للميت أمّا أحكام ميراث سائر الأخوة والأخوات؛ فسيأتي لدى تفسير الآية الأخيرة من سورة النساء المباركة..)10. مفهوم الشركة يؤكد تساوي أسهم الشركاء في مال الشراكة، ولهذا كان للأخوة والأخوات لأم واحدة، وفي حال كانوا أكثر من واحد وأخذوا ثلث التركة؛ كان لهم أن يقسموه بالتساوي، ولا تفاوت هنا بين ذكرانهم وإناثهم (هُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ.)
11. واضح أن قانون الإرث قائم على أساس الطبقات، ولهذا فإنّما يكون للأخوة والأخوات أن يرثوا فيما لو لم يخلّف الميت أباً أو أمّاً أو ولداً.. كما هو مؤاد قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه (1)وهذه الأولوية تحكي تحديد طبقات الإرث وترجيح بعضها على بعض.)12. قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةٌ مِّنَ اللّه وَاللّه عَلِيمٌ حَلِيمٌ يؤكد ضرورة احترام الإرشادات والوصايا الإلهيّة، وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو العالم العليم بمصالح العباد ومنافعهم، كما هو العالم بنوايا الموصين.. وهو في الوقت نفسه حليم؛ بمعنى أنه لا يسارع في عقوبة من يعصيه..
1) سورة الأنفال / 75.
تِلْكَ حُدُودُ اللّه وَمَن يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهاَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)
الحدود جمع حدٍ، وهو لغة المانع أولاً، ثم أنّه يطلق على كلّ شيءٍ يفصل بين شيئين ويميّز بينهما، مثل حدود البيت والبستان والمدينة والبلاد حيث تفصل هذه الحدود ما يراد الفصل بينها وتمييزها عن غيرها.
في كلمة (تِلْكَ) إشارة إلى قوانين الإرث، وتبيّن أن هذه القوانين لها حدودها الإلهيّة، ويمنع الإفراط والتفريط بها، فلا يصح تجاوزها، ومن يتجاوزها مخطئ مذنب.
قوله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللّه) تكرّر في آيات الذكر الحكيم، وهو يشير إلى بيان مجموعة وسلسلة من الأحكام والمقررات الاجتماعيّة، مثل الآية (187) من سورة البقرة بعد الحديث عن ممنوعيّة المقاربة الجنسية في حال الاعتكاف وأحكام الصوم، وكذلك الآيات (229) و (230) من سورة البقرة، والآية (10) من سورة الطلاق بعد بيان قسم من أحكام الطلاق، وفي الآية (4) من سورة المجادلة بعد الإشارة إلى كفّارة الظهار.. وفي كلّ ذلك ثم أحكام وقوانين يحرم التعدي عليها، ولهذا؛ سمّيت حدوداً إلهيّة.
4- إن الآيات التي تحثّ على مراعاة (حُدُودُ اللّه) في القرآن المجيد مثل المنع عن المباشرة الجنسيّة في حال الاعتكاف أو أحكام الطلاق والصيام والظهار؛ تكشف عن اهتمام خاص في الشرع المقدس بالأمر بمراعاة وحفظ حدود التقوى والورع حين الصيام، وحفظ حرمة كرامة
الإنسان والاهتمام بأمر الفروج حين الطلاق والظهار.
وَمَن يَعْصِ اللّه وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)
لكل أمر وشرط نقطته المقابلة، كما أن إطاعة اللّه تعالى ورسوله صلوات اللّه عليه وآله احترام القوانين والحدود الإلهيّة ما يستلزم رضاه سبحانه ودخول الجنّة الأبديّة، وكما أن للمعصية والتمرّد على اللّه عزّوجلّ ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتعدي على القانون الإلهي وعدم احترام الحدود الربّانيّة ما يستلزم غضبه وعذابه تعالى والخلود في النار.. (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ).
لا شكّ أن مجرّد معصية اللّه عزّوجلّ (مهما كانت كبيرة) لا توجب الخلود والأبديّة فى جهنّم، وعلى هذا؛ فإنّ مخاطب هذه الآية هم العاصون بطغيانهم وتمرّدهم وعدائهم وإنكارهم الآيات الإلهيّة والضرورات الدينيّة؛ فيضعون أحكام اللّه تعالى تحت أقدامهم.. وفي الحقيقة؛ إنّهم لا إيمان لهم باللّه وبيوم القيامة.. وبالتالي؛ فإنّ من الطبيعي، ومع الأخذ الأخذ بنظر الاعتبار أنّ (حُدُودَهُ) صيغة جمع وتشمل جميع القوانين والأحكام الإلهيّة، فإن هذه النقطة غير بعيدة، ذلك لأنّ من يخترق ويتعدى جميع حدود اللّه هو في الغالب عديم الإيمان باللّه تعالى، ولولم یكن طاغياً جباراً متمرّداً لاحترم شيئاً من الحدود الربّانيّة..
بمزيد من الدقة والملاحظة في هذه الآية والآية السابقة لها نلتفت إلى نقطتين:
الأولى: السبب في الاختلاف والتفاوت الحاصل في الآية السابقة: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا والآية محطّ التفسير: (يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) وما ورد في
الآية السابقة من صيغة الجمع، وما ورد في الآية هذه من صيغة المفرد.. فكأنّ في ذلك الإشارة إلى أنّ لأهل الجنّة مجتمعهم.. وهذا الواقع الاجتماعيّ يعدّ نعمة بجد ذاته من نعم الجنة، في حين أن كلّ فرد من أفراد جهنم منشغل بنفسه غير مهتم بمصير وعذاب غيره حيث يعيش وحيداً؛ تماماً كما هي الأنانية الطاغية على العصاة الجبارين في دار الدنيا..
ثانياً: في هذه الآية؛ وفي عبارة: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا حيثية جسمانية تصوّر جهة من جهات العذاب الإلهي، وفي عبارة ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) أي : عذاب وإهانة، وفي ذلك إلى الجهة المعنويّة من العذاب..)
### الآية 15#### إشارة:وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حتّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلًا (25)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. مفردة (الْفَاحِشَةَ في اللغة تعني الفعل أو القول القبيح جدّاً، وهذه هي في العلة تسمية عملية الزنا والفعل المنافي للعفّة بالفاحشة. حيث يتجسّد فيها الخروج والانحراف عن القانون الإلهي بأشدّ حالاته.. (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ).)2. كلمة (الْفَاحِشَةَ من مادّة (ف. ح. ش) بمعنى الفعل القبيح والمعيب، ولكنّ الشائع هو استعمالها في الزنا، وفي القرآن المجيد جرى إطلاقها على اللوط والسحاق، وقد وردت هذه المفردة في المصحف الشريف (13) مرّة، وأريد بها فعل الزنا تارةً، وفعل اللواط أخرى، ومختلف الأفعال الخارجة عن المعروف عموماً. (1))3. هذه الآية - وفقاً لبيان وفهم أكثر المفسّرين - وبدليل قرينة قوله تعالى: ﴿ مِن نِسَائِكُمْ... إشارة إلى طبيعة العقوبة المقرّرة التي ينبغي إنزالها بالنسوة ذوات البعول اللّاتي يجترحن الفاحشة..)
1) كما أن كلمة الفحشاء (الْفَاحِشَةَ) أطلقت في القرآن المجيد على عموم العداوة و النصب لأهل البيت عليهم الصلاة وشيعتهم المخلصين أو على أعدائهم مباشرة (راجع: بصائر الدرجات، ج 1، ص 34 و 528)، كما أن كلمة المعروف أطلقها القرآن العظيم على أشخاص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و على ولايتهم و محبتهم، وذلك حيث قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فالصلاة كناية عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و ولايتهم، فيما الفحشاء والمنكر أشخاص ممن أسسوا لظلمهم و عداوتهم و قتالهم و للظلم و العداوة بحدّ ذاتها، كما يمكن أطلاقها على أشياع الظالمين. [المترجم].
4. عبارة (مِن نِسَائِكُمْ وردت بخصوص الزوجات عدّة مرّات في القرآن المجيد، وعليه؛ فإنّ العقوبة على هذا العمل المنافي للعفّة للنساء ذوات الأزواج - كما ورد في هذه الآية - هو الحبس المؤبّد...)5. من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلاً يستفاد إما لزوم استمرار الحبس – العقوبة - عليهن حتّى يدركهنّ الموت أو إلى ما تقدّم، فإنّه يفهم بأنّ هذه الحكم كان حكماً مؤقّتاً، لاسيّما وأنّه منذ البداية كان قد أعلن أن المستقبل - بعد تهيؤ الظروف - سينزل حكم جديد بخصوص هذا النوع من النساء..)6. حيث يفهم من ظاهر الآية ولحنها أن حكمها ليس حكماً دائماً وأنّه سينسخ فيما بعد، إذ قال سبحانه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلاً ولهذا؛ فقد أورد المفسّرون رواية مفادها أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال حين نزلت الآية الأولى من سورة النور، وكانت خاصة بحدّ وعقوبة الزنا: هذا هو السبيل الذي وعده اللّه سبحانه في الآية الخامسة عشرة من سورة النساء... (1))7. من الطبيعي بمكان أن يشمل الحكم والقانون الجديد جميع اللواتي يرتكبن فاحشة (زنا المحصنة ولهذا؛ وبعد إعلان الحكم الإسلاميّ الجديد فيما يتعلق بالنسوة ذوات الأزواج، فإنّ اللواتي شملهن الحبس الدائمي - قبل نزول الحكم الجديد - وكن لا يزلن على قيد الحياة؛ وجب إخراجهنّ من الحبس وتحريرهنّ، ولم يصح بعد ذلك تنفيذ العقوبة الجديدة بحقهن والعلة في عدم شمولهنّ بالحكم الجديد أنّ هذا الحكم لا يشمل من كنّ قد ارتكبن الفاحشة المقصودة قبل نزوله وإعلانه وهكذا صار السبيل الذي جرت الإشارة إليه في الآية والذي هو عبارة عن الحكم المستقبلي إذ ذاك.. صار طريقاً ووسيلة لنجاتهن.)8. رغم أنّ بعض المفسّرين احتملوا أن يكون المراد من جملة (أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلاً)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 34.
أنه سبحانه وتعالى وبواسطة الحكم المستقبلي - الذي هو الرجم بالحجارة للزانية المحصنة بالزواج - ولمن هم على شاكلتها؛ كالرجال المتزوّجين قد فتح نافذة مشرعة لحرّياتهنّ.. إلّا أنّه بإعمال الدقة فى مفاد الآية نصل إلى النتيجة أدناه: وهي أنّ هذا الاحتمال لا يتّفق وسياق ﴿لَهُنَّ سَبِيلاً، إذ لا يمكن أن يكون القتل والاعدام سبيلاً ونجاةً للإنسان.)9. بناءً على النصوص الحديثية المسلّم بصحتها؛ فإنّ قانون الإسلام وحكمه بخصوص مرتكبي (زنا المحصنة والمحصن هو الرجم، رغم عدم ورود الإشارة إلى ذلك في القرآن المجيد، ولهذا يمكن أن نتلقى ونعتبر هذا الحكم منوطاً بالحكومة والحاكم، حيث يكون هذا الأخير مخوّلاً في تبديله وتغييره تبعاً للظرف والزمان...)10. نظراً لما تقدّم؛ صار من الواضح أنّ الآية أعلاه لم تنسخ أبداً، ذلك لأن النسخ يتعلّق بأحكام قد نزلت مطلقةً منذ البداية؛ لا مؤقّتة ومحدودة، والحال أنّ هذه الآية ذكرت حكم الحبس الدائم على أنه حكم محدود ومؤقت.. ولو وجدنا بعضاً من الروايات الدالة أو المصرحة بأنّ الآية أعلاه قد نسخت بواسطة أحكام وردت بخصوص عقوبة الممارسة المنافية للعفّة (1، فإنّ المراد منها - تلكم الروايات - ليس النسخ الاصطلاحي، لأنّ النسخ في لسان الروايات لا يطلق على أي تقييد وتخصيص للحكم أبداً...)11. حبس المرأة الدائمي متوقف ومشروط بشهادة أربعة شهود؛ دون الاكتفاء على أصل حصول العمل القبيح.. فإن لم يشهدوا؛ على ما هو واقع رأوه لم يصد رالحكم، ولو حصل اليقين للحاكم بصدور المنكر من المرأة.. وهذا أحد وجوه المنّة الإلهيّة على المسلمين حيث جرى العفو ودرء تنفيذ الحكم لمجرد حصول الخلل في الشهادة أو تراجع أحد الشهود وأمثال ذلك.. إذ الحدود تُدرأ بالشبهات.. أدنى الشبهات... (فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ..)
1) وسائل الشيعة، ج 28، ص 67.
12. يمكن أن يتصدّى سؤال في البين، وهو: كيف فهم من الآية - أو مقطع منها - أن الحكم والعقوبة لهذه الجريرة هو الحبس الدائم ؟تنبغي الإجابة هنا بالقول : يفهم ذلك بقرينة قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ.)13. تحديد العقوبة بالحبس الدائم لمرتكبة جريمة زنا الإحصان حتّى الموت دليل واضح على أنّه تعالى أراد تيسير الأمر على المسلمين والتغافل عن العسر..ينبغي الالتفات إلى أنّ الأمر بحبس هكذا نسوة في بيوتهنّ هو حكم يصبّ في صالحهن من جهة، لأنهّ خير من الحبس في السجون العامة بمراتب، ولأن السجون العامة قد تؤثّر تأثيراً سلبياً عميقاً في نفوسهنّ، حتّى أنّ هذا الأخير قد يتحول إلى مدرسة سيئة تعلّم المساوئ الكبيرة للسجناء البسطاء، وذلك حيث يقرنون إلى عتاة المجرمين الذين ينقلون تجاربهم القاتلة للبسطاء لدى المعاشرة.14. أشكل الجبّائي، وهو أحد مفسّري المخالفين حيث ظنّ في موضوع الآية بأنّ الحكم الأولي للزنا لا ينسخ بالروايات، لأنّ النسخ عبارة عن أن تنسخ آيةٌ أيةً أخرى متقدّمة تتضمّن بظاهرها حكماً دائمياً.. إلّا أن المسألة محط البحث ليست كذلك.. لأن آية الحبس المؤبد ليس فيها ظهور دال على أبديّة هذا الحكم، بل إنّها تتضمن ظهوراً يشير إلى سرعان ما سيتبدل الحكم إلى حكم آخر، لأنه تعالى قال: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلاً وهذا التعبير يحوي الظهور في أن حكم الحبس المؤبّد للمرأة المحصنة الزانية سيتبدل عن قريب إلى حكم آخر.. فإذا عمد أحدهم إلى إطلاق مصطلح (النسخ) على هذا الحكم؛ فلا إشكال، ولكن لا يصح اعتباره نسخاً للآية برواية، لأنّ الآية بحدّ ذاتها تُشعر باقتراب رفع حكمها، وقد أراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في تلك الرواية بيان آفاق الآية محط البحث والتفسير..)
### الآية 16#### إشارة:وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَ وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللّه كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (16)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. هاتان الآيتان يتناسب محتواهما ومضمونهما.. وضمير المؤنّث (هَا في كلمة (يَأْتِيَانِهَا) يعود قطعاً إلى كلمة (فاحشة)، وهذا بحد ذاته يؤيد هذا المعنى، وهو أنّ الآيتين تتحدّثان عن حكم الزنا.)2- وضع المفسّرون عدداً من الاحتمالات حول هاتين الآيتين:الاحتمال الأول: أن الآيتين معاً تتناولان حكم الزنا، وأنّ الآية الأولى متممة للحكم الوارد في الآية الثانية.. فالآية الأولى تعرّضت في البدء إلى الحكم فحسب (الحكم الأولي وهو الحبس الدائم في البيت للنساء الزانيات والآية الثانية بينت حكم المرأة والرجل الزانيين، وهو عبارة عن إقامة الحدّ الشرعي للزنا.. وبالنتيجة؛ يعلم من مجموع الآيتين حكم الرجل الزاني والمرأة الزانية معاً، وهو تنفيذ الحدّ الشرعي عليهما.. لكنّ هذا الاحتمال مع الأخذ بعين الاعتبار ما ورد من الآية التالية (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) لا يتفق مع ذلك، حيث الآية - مورد البحث - صرحت بحبس المرأة الثابت اقترافها للزنا حبساً مؤبّداً، ولكن هذه الآية تصرّح بأنّ المرأة والرجل في حال توبتهما يتركان لحالهما.. وهنا نضطر إلى القول: المقصود من الإعراض عنهما هو الكفّ عن إقامة الحدّ الشرعي عليهما وليس عن الحبس حيث يجب أن يبقى كما هو..)الاحتمال الثاني: قال بعض المفسّرين بناءً على بعض الروايات - وسيأتي بيانها لاحقاً - الآية
الأولى متعلّقة بحكم زنا الثيب، والآية الثانية في مقام بيان حكم الفتاة البكر المرتكبة للزنا.. (1)والمقصود من الإيذاء في الآية هو حبس البنات الباكرات غير المتزوجات، ثمّ تحرير اللواتي في حال التوبة وإصلاح أنفسهنّ.. لكن ثمّ سؤالان وإشكالان يردان على هذا الاحتمال الثاني:السؤال الأول: لماذا ورد التصريح في الآية الأولى بخصوص المرأة الزانية؟ ولم تورد الآية الثانية أيّ أمارة يشاربها إلى أنّ المراد هو البنت الباكر؟السؤال الثاني: لماذا اختصت الآية الأولى بالمرأة الزانية، فيما الآية الثانية تناولت المرأة و الرجل معاً (وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ؟)الاحتمال الثالث: نُسب إلى أبي مسلم المفسّر الذي قال بأنّ الآية الأولى في مقام بيان حكم المساحقة بين المرأة والمرأة، فيما الآية الثانية بصدد بيان حكم اللّواط من الرجال، ولم تنسخ أيٌّ من الآيتين... (2)ولكن فساد هذا القول واضح.. أما الآية الأولى فبدليل جملة (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ... والجواب واضح في أن كلمة (الْفَاحِشَةَ) في اللغة بمعنى المسلك القبيح والسيئ حيث يستعمل في جريرة الزنا. وأمّا الآية الثانية؛ فبدليل أنّ الوارد في السنّة الثابتة بخصوص حدّ اللّواط، كما روي في الحديث الصحيح عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من جاء بعمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول، (3)وهذا حكم ابتدائي وغير منسوخ وغير باطل.. أو هو حكم ناسخ ومغير لحكم الآية، إذن؛ فقول أبي مسلم باطل على كلّ حال..)الاحتمال الرابع: مع الأخذ بعين الاعتبار؛ الظاهر الذي يخطر في الذهن من هاتين الآيتين
والقرائن التي تفهم منهما، وكذلك مع الأخذ بنظر الاعتبار الإشكالات على تفسيرات المفسّرين - واللّه أعلم - هو أن الآية الشريفة في معرض بيان حكم زنا النسوة ذوات البعول، بدليل ورود عنوان النساء – فحسب - في الآية الشريفة.3. يمكن ورود الإشكال القائل بأنّ الآية إذا كانت بصدد بيان حكم النساء المتزوجات، للزم أن يقال: من زوجاتكم؟ فلماذا ورد التعبير ب- (مِن نِسَائِكُمْ ؟)ينبغي لدى ردّ هذا الإشكال أن يقال: إنّ مفردة (نساء مفردة عامة تستعمل في معنى الزوجات أيضاً لا سيما إذا ما أضيفت هذه الكلمة إلى ضمير الرجال أطلقت و بهيئة (نِسَائِكُمْ)، ناهيك عمّا إذا لم تضف إليهم، مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ) حيث نعلم أن النساء هن الزوجات.. وكذلك قوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) حيث الواضح أنّ المراد هو الزوجات.. وعلى هذا؛ فإنّ الحكم الأولي والمؤقت لهكذا نساء هو حبسهن في البيوت حبساً أبديّاً، ثمّ إنّ هذا الحكم تبدل وتغيّر إلى الرجم..)أمّا الآية الثانية؛ فتتضمّن حكم الزنا بلا زواج من الزاني، وهو يعمّ زنا الرجل الأعزب والمرأة العزباء، وهذا الحكم عبارة عن تأديب وتعزير، سواء كان المراد من هذا التأديب والتعزير سجناً أو تأديباً تعزيرياً، أو توبيخاً باللسان أو غير ذلك، وهذه الآية. بناءً على هذا. قد نسخت بآية الجلد التي تصدّرت سورة النور المباركة، وأما الروايات التي تقول بأنّ الآية الشريفة تتضمن حكم الفتيات الباكرات غير المتزوّجات (1، فهي من طائفة الخبر الواحد، إضافة إلى أنها روايات مرسلة تفتقر إلى السند، ولهذا قد عدّها علماء الرجال، روایات ضعيفة لكونها مرسلة.. (2)
1) راجع: تفسير العيّاشي، ج 1، ص 227 و 228.
2) الخبر إما أن يكون واحداً أو متواتراً. أما الخبر الواحد المذي يكون راويه واحداً، أو كان عدد رواته و في كلّ واحدة من الطبقات - أقلّ من حد التواتر - و خبر الواحد لا يفيد علماً.. ولكنه حجة في حال تمتع بسند.. أما الخبر المتواتر؛ فهو ما كان عدد رواته في واحدة أو في جميع طبقاته إلى استحالة جعلهم للحديث عادةً، ممّا يفيد العلم بصدور الحديث و مضمونه عن المعصوم (عَلَيهِم السَّلَامُ)...)و الخبر المتواتر قسّم إلى متواتر لفظي و مضموني أو متواتر معنوي. أما الخبر المتواتر اللفظي؛ فهو الخبر الذي يكون جميع ناقليه قد أدّوه بلفظ واحد، و هذا ما يندر وجوده.. أمّا المتواتر المعنوي؛ ففيه قدر مشترك لمضمون عدّة أخبار تبيّن معنيً و مطلباً واحداً، وهو كثير التحقّق...
4. رغم عدم التصريح في هذه الآية بعنوان النساء غير المحصنات، إلّا أن تبعيّة هذه الآية للآية السابقة، والعقوبة التي ذكرت وعيّنت للزنا هنا وتفاوتها مع العقوبة الواردة في الآية السالفة وطبيعة التخفيف المذكور فيها يستفاد بأنّ هذا الحكم خاص بالجماعة المرتكبة للزنا، حيث لم يكن داخلاً في الآية السابقة، ومن حيث الإشارة لها في الآية السابقة بالقرينة واختصاصها بزنا المحصنة... نستنتج أن هذه الآية تبين حكم زنا غير المحصنة..5. من الواضح أنّ العقوبة المذكورة في هذه الآية هي عقوبة كلّيّة، وحيث الآية الثانية من سورة النور التي حدّدت عقوبة الزنا بمئة جلدة لكل واحد من طرفي الزنا.. يكون ذلك تفسيراً وتوضيحاً لهذه الآية، وبهذا الدليل يكون هذا الحكم غير منسوخ.6. إنّ حقيقة الأمر بالتوبة بمثابة طريق رجعة لهذه الشاكلة من المذنبين، حيث إذا تابوا وصلح أمرهم احتضنهم المجتمع المسلم ورحب بهم، ولن يكونوا في عداد المطرودين.7. لا يصح أبداً توجيه اللوم والتقريع للأفراد التائبين عن هذه الجريرة السابقة.. فلو أنّهم تابوا وأصلحوا قبل ثبوت الجرم عند حاكم الشرع وقبل إدلاء الشهود بشهاداتهم وقبل صدور الحكم الشرعي عليهم، إذ يسقط عنهم الحدّ الشرعي والحكم بمعاقبتهم، وهكذا يلزم المجتمع - بطريق أولى - أن يغضّ الطرف عنهم.. أو يعاملوا معاملة من أنزلت العقوبة بساحتهم ثم تابوا..8. شرط قبول التوبة يكمن في صلاح الفرد بعد فساده، وإنما التوبة الحقيقية هي تلك التي تبعث الإنسان إلى الصلاح، ولهذا؛ لا نستطيع اعتبار مجرد التوبة اللفظيّة بقول (استغفر اللّه توبة واقعيّة، كما أنّ التوبة المؤقتة الصادرة حين الحالة الانفعالية؛ لا تعد توبة صادقة وحقيقية.. (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا).)9. يمكن لأحدهم أن يسأل أو يستشكل قائلاً: لماذا شدّد الإسلام في القوانين الجزائية لزنا
المرأة المحصنة، فمثلاً في عقوبة التلوّث لمرة واحدة بزنا المحصن تبدأ بالحبس الدائم للزانية، وفيما بعد تستبدل بعقوبة الإعدام بالرجم، أولم يكن من الأفضل أن تعين عقوبات أكثر ملائمة لمثل هذه الذنوب ليتحقّق التعادل بين مستوى الجريمة وطبيعة العقاب؟!تنبغي الإجابة هنا بالقول: رغم أن ظاهر القوانين الإسلاميّة الجزائية هو الشدّة والحدّة، إلّا أنّ طريقة إثبات الخطيئة طريقة غير يسيرة لئلا تعمّ مظاهر العنف، وفي الحقيقة إنّ الإسلام أراد بالتهديد بالعقوبة حفظ هذا القانون الجزائي دون أن يشمل أفراداً كثيرين، إلّا أن ما يقابل ذلك، أنّ إثبات الجناية في الإسلام ليس بالأمر اليسير، وقد جعلت له شروط تقضي إلى عدم تحققها وإحرازها ما لم تقع الخطيئة بالعلن.. مثل رفع عدد الشهود إلى أربعة كما جاء في الآية أعلاه؛ بحيث يصير من الصعب جداً التعرف إلى مقترف الزنا ما لم يكن متجاهراً متهتّكاً.. كما وضع الإسلام شروطاً لصحة قبول الشهادة بحد ذاتها، من قبيل الرؤية المباشرة وعدم الاكتفاء بالقرائن، مضافاً إلى التطابق في الشهادة؛ وأمثال ذلك ممّا يعشر إثبات الجرم.. ومن البديهي أنّ هكذا أشخاص ممن تسهل الشهادة واتفاق عدد الشهود عليهم، وهم المتهتكون؛ يجب أن يعاقبوا بأشد أنواع ودرجات العقاب ليكونوا عبرةً للآخرين، ولتطهر ساحة المجتمع المسلم من أمثالهم.10. أسلوب الإسلام في تحديد العقوبة ورسم طريقة إثبات الجريرة أسلوب له أكبر الأثر وأعمقه في تطهير المجتمع من دنس الخطيئة، والحال أنّ الأفراد المستحقين للعقاب في الإسلام قليلون عادةً، ولهذا؛ ترانا نطلق على هذا الأسلوب الجزائي الإسلامي: السهل الممتنع.
### الآية 17#### إشارة:إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّه عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (17)#### النقاط المستفادة من هذه الآيةأ. ما هو الجهل ؟1. أولى الدين الإسلامي أهميّة قصوى للمعرفة والعلم والوعي، وجعلها في مكانة لا ينافسها فيها شيء، في سبيل تشييد صرح المجتمع القيمي، ولطالما حذّر الإنسان من خطر (الجهل وعدم تفعيل المعرفة..)2. الجهل في نظر الإسلام جذر جميع المساوئ وأفدح المصائب وأفتك الأمراض وأخطر الأعداء، فيما عدّ ديننا السماوي الشخص الجاهل أسوأ الكائنات الحيّة، بل عده ميتاً بين الأحياء، مضافاً إلى أن الجهل آفة تحول دون تفتح وانبعاث الإنسانيّة، باعتباره جذر جميع المفاسد الفرديّة والاجتماعيّة، إذ بوجود هذه الآفة تزول الحالة القيمية من مسرح المجتمع الإنساني..3. لمزيد من الفهم الصحيح للآيات والأحاديث فيما يتعلّق بمذمة الجهل والجاهل وعلائم ذلك وأحكامه وضرورة طرد الجهل والتخلص منه ينبغي أوّلاً أن نعرف ما هو الجهل؟ وثانياً هل أن مطلق الجهل مذموم من جانب الإسلام؟ أم أن المستهدف من الجهل ذو معنىً خاص ومعيّن؟ وثالثا في ال الثانية؛ ما هو هذا المعنى الخاص والمعين؟ ورابعاً ما هو الجهل الذي يمثل جذر جميع الشرور وخامساً أي الجهل هو الأشدّ مصيبة والأفدح ضرراً
والأكثر فقراً والأخطر عدوّاً؟! وسادساً من هو الجاهل الذي قصده القرآن المجيد بقوله: ﴿إِنَّ شَرَ الدَّوَابَّ وما ذهب إليه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديثه: «ميّت بين الأحياء» (1)؟)4- لتعريف مصطلح الجهل الوارد ذمّه في الدين الإسلامي يمكن تصور أربعة معاني:* كل أشكال الجهل:مع إمكانية التصوّر - بدءاً - أن جميع أنواع وأشكال الجهل مذمومة ومضرة، إلّا أنّه بالتأمّل يعلم أنّ الحقيقة ليست كلّ جهل مذموم ولا كلّ معرفة ممدوحة محمودة، بل على العكس، إذ يصادف أن تكون بعض المعرفة مضرّة، وأن يكون بعض الجهل محموداً ومفيداً، لهذا السبب؛ نجد الإسلام قد منع السعي للكشف بعض الأمور والأسرار، بل إنّ من الروايات والأحاديث ما منع وحرّم تعلم بعض العلوم.. (2)* الجهل بالمعارف والعلوم المفيدة:لا شكّ في أن الإسلام قد احترم جميع العلوم والمعارف التي يؤدّي تعلّمها والاطلاع عليها إلى خدمة الإنسانيّة ونهضتها، مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والنحو والصرف والمنطق والكلام وسائر الشعب العلميّة، كما أوجب الإسلام تعلّم هذه العلوم وأضرابها فيما لو كانت الحالة الاجتماعيّة بمسيس الحاجة لها ولم يكن عديد المتخصصين بها كافياً لسدّ تلكم الحاجة..ولكن لا يمكن قبول الرأي القائل بأنّ عدم تعلم هذه العلوم يمثل جذر كلّ المساوئ والشرور وأنّه أعظم المصائب وأضر النواقص وأخطر الأعداء وأشدّ الفقر.. أو أن من لا يعرف بعض هذه العلوم هو أسوأ الكائنات الحيّة على وجه الأرض، أو كونه ميتاً بين الأحياء..* الجهل بأكثر المعارف التي يحتاجها الانسان ضرورةً:
إنّ أكثر المعارف التي يحتاجها الإنسان وأشدّها ضرورةً، هي تلك العلوم والمعارف التي تدلّه على مبدئه ومقصده؛ وتبين له طريق الوصول إلى فلسفة خلقته؛ لأنّ الإنسان متكرّسة فيه الرغبة إلى معرفة كيف خلق ووجد ؛ وحقيقة الهدف الذي خلق من أجله ؟ وماذا عليه أن يفعل ليبلغ فلسفة خلقته ؟ وإلى أين يذهب أويُساربه؟إنّ المعارف التي توفّر الإجابة على هذه المسائل هي ذاتها التي تسمّى ميراث الأنبياء.. فهذه المعارف مبدأ كلّ أشكال الخير وهي المقدّمة لتفتّح العقل العلمي وهي جوهر العلم. أما الجهل بهذه المعارف؛ فيعرّض المجتمع إلى أفدح الخطوب والمصائب والشرور.. ولا ريب أن معرفة هذه العلوم غير منجية لوحدها، بل إنّها تكون مفيدة في حال تتمّ السيطرة على الجهل بمفهومه الرابع بواسطة العقل..* الطاقة المضادّة للعقل..للجهل - في النصوص الدينية الإسلاميّة - مفهوم يتفاوت والمعاني السالفة، فهو أمر وجودي وغير عدميّ، وهو الشعور المثير المقابل - المضاد - للعقل؛ العقل المخلوق من قبل اللّه المتعال وله آثاره وانعكاساته.. ولقد جرى التعبير عنه ب-(جنود الجهل في مقابل (جنود العقل) ولعلّ وجه تسمية هذه الطاقة بالجهل هو ذاته الوجه في تسميه الطاقة المقابلة له بالعقل.. ولهذه الطاقة أسماء أخرى، منها الوعاء الذي يضمّ ويحوي جميع وجوه الجمال الأخلاقيّة والاعتقادية والسلوكية، مثل: (الخير والعلم والمعرفة والحكمة والإيمان والعدالة والإنصاف والألفة والرحمة والمودّة والرأفة والبركة والقناعة والسخاء والأمانة، والشهامة والحياء والنزاهة والأمل والوفاء بالعهد والصدق والحلم والصبر والتواضع والغنى والنشاط والحيويّة...).)ومقابل ذلك تقف جميع القبائح الاعتقادية والأخلاقيّة والسلوكية مثل: (الشرّ والجهل والحمق والكفر والظلم والانعزال والقسوة وقطع الرحم والعداوة والبغض والغضب والحرص والمحق والبخل والخيانة والغباء واليأس والكذب والاضطراب والتكبّر والفقر والكسل
والهتك.. وهذا وأضرابه من جنود الجهل.. والإنسان حرٌّ مريد في انتخاب شاكلة من جنود هاتين الطاقتين.. فهو قادر على اتّباع طاقة العقل.. وله أن يقضي على طاقة الجهل أو النفس الأمارة والشهوة بإحياء طاقة العقل، كما له أن يبلغ أسمى المراتب الإنسانيّة ويكون خليفة اللّه في الأرض - بشكل من الأشكال - عبر تربية وتنمية جنود العقل.. وكذلك هو قادر - باتباع طاقة الجهل وبتربية جنوده - على أن يسقط إلى أسفل سافلين...)5. رغم أنّ الإسلام يواجه أكثر أنواع الجهل، لاسيّما المفهوم الثالث منه، إلا أن أخطر أشكاله هو المفهوم الرابع الذي يقصد به اختيار طريق طاقة الجهل التي تجرّ الإنسان إليها.. ذلك لأنّ الانسان إذا اختار طريق العقل الذي يرسمه له، فلاشك أنه سينال بذلك العلم والحكمة التي – بدورها - ستأخذ بيده إلى سائر جنود العقل وتهديه إلى مبدأ ومقصد الإنسانيّة وتدلّه على جميع المعارف المفيدة والبنّاءة، وتبلغ به إلى اكتشاف فلسفة خلقته بما يناسب مستوى استعداده وسعيه..ولكن! إذا اختار الإنسان طريقاً – بجهله - فإنّ جنود الجهل ستسد دونه طريق المعارف البنّاءة وسبيل الحقائق الإنسانيّة القيّمة وإمكانية بلوغ الهدف الإنساني الأعلى.. وفي هذه الحالة: ولو صار الإنسان أعظم العلماء على وجه الأرض، فإنّ علمه لن ينفعه في الاهتداء، بل إنّ داء الجهل سيحطمه ويذله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللّه عَلَى عِلْمٍ وعلى هذا الأساس، فإنّ المحور الأصلي لخطاب النصوص الإسلاميّة، وذلك لدى التحقيق في موضوع الجهل.. ستعنى بمفهومه الرابع ثمّ يليه معاني الجهل الأخرى حسب الترتيب من حيث الخطورة والأهميّة..)6. سؤال: ما هو سر التقابل بين (العقل و (الجهل) في النصوص الدينيّة الإسلاميّة ؟ ولماذا صير إلى هذه المقابلة والتضاد خلافاً للمتعارف في مقابلة الجهل للعلم؟ والحال أن القرآن المجيد والحديث الشريف طالما انتهجا مسلك المقابلة بين الجهل والعقل؟!)لدى الإجابة نقول: العلّة في أننا لدى مراجعة كتب الحديث نعي عدم مقابلة العلم
والجهل، بل ونجد التأكيد على مقابلة العقل والجهل، وذلك لأنّ الإسلام يعد الجهل، بمفهومه الرابع الذي هو أمر وجودي مقابل لوجود العقل، وأنه أشد خطراً من الجهل طبقاً للمفهومين الثاني والثالث اللذين هما أمران عدميان ويقابلان العلم..وبعبارة أخرى؛ يكون التقابل والتضاد بين العقل والجهل في النصوص الإسلاميّة أمارة في أن الإسلام يعدّ التقابل بين الجهل والعقل أخطر من مقابلة الجهل للعلم.. وما لم يتمّ اقتلاع هذا الجهل (الأخطر من جذوره، فإنّ اقتلاع الجهل المقابل للعلم؛ لن يحقّق الفائدة الأساسية والمنفعة الأصليّة للمجتمع المسلم.. وهذه النقطة - بحدّ ذاتها - تمثل غاية الدقة ومنعطفاً مهماً جداً..)7. سؤال: ما المراد من (الجهالة الوارد ذكرها في هذه الآية ؟ وهل هي الجهل وعدم الاطلاع على الذنب؟ أم هي عدم معرفة الآثار السيّئة السلبية الخاصّة بكل خطيئة ؟!)إنّ كلمة (الجهل ومشتقّاته رغم تضمّنها معانٍ عدّة إلّا أنّ المستفاد من القرائن التي توصي بأنّ المقصود والمراد من الآية هو طغيان الغرائز وسطوة الرغبات وتمرّدها على طاقة العقل والإيمان، وفي هذه الحالة؛ حيث لا يمكن القول بإزاحة العلم والمعرفة وإدراك الإنسان للخطيئة بشكل تام. إلا أنه يحمل الإنسان على الخضوع للغرائز الطاغية المتمردة إلى الحدّ الذي يسلبها القدرة على التأثير الإيجابي، وحينما يفقد العلم قدرته على التأثير الإيجابي المطلوب، نرى الجهل يكون هو المسيطر بشكل عملي..)8. بناءً على هذه الآية، فإنّ شرط قبول التوبة يكمن في أن الخطيئة قد اقترفت في حال الجهالة.. أمّا إذا لم ترتكب بهذه الهيئة لإرادته سبحانه وتعالى، فإنّ هذه الخطيئة تحكي عن كفر فاعلها، ولهذا لا تقبل التوبة عنها إلا حين العودة والكف عن العناد والإنكار والجحد..9. الحقيقة هي أنّ مفهوم هذه الآية الشريفة يبيّنه النصّ الكريم الوارد عن مولانا الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي إذ قال:)
«إلهي! لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيّتك جاحد ولا بأمرك مستخفّ ولا لعقوبتك متعرّض ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي...». (1)10. سؤال: ما المراد من كلمة (قَرِيبٍ الواردة في الآية؟)للمفسّرين لدى الإجابة على هذا السؤال آراء مختلفة، ونشير هنا إلى رأيين من تلكم الآراء:الرأي الأوّل: كثير منهم يذهبون إلى أنّ التوبة من قريب هي التوبة الحاصلة قبل ظهور علامات الموت.. والآية التالية القائلة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيّئات حتّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ... ممّا يحكي أن هذا الأخير كان متهاوناً بأمر الرب أو جاحداً له، ولكنّه أعلن توبته حين ما شهد جدّيّة وحتميّة وحقيقة الموت.. وعلى هذا؛ فالتعبير بكلمة (قَرِيبٍ) لعله أن عالم الدنيا مهما كان. يبقى قصيراً ونهايته قريبة..)الرأي الثاني: بعض آخر من المفسّرين عدّوا التوبة عن قريب، أنها القريبة – زمنياً - من فعل الذنب، أي أن المذنب سرعان ما يندم ويتوب عن ذنبه ويعود إلى ربّه، لأنّ التوبة الحقيقية النصوح والكاملة هي التي تؤدّي إلى محق آثار ورواسب الذنب عن روح الإنسان المذنب ونفسه بشكل كامل، فلا يبقى لهما أدنى أثر في قلبه بل وكل وجوده.. وهذا ما يمكن في حال كانت التوبة قريبةً من وقت وقوع الذنب وقبل تجذر الخطيئة في وجود فاعلها وظهورها بهيئة أخرى.. وفي غير هذه الصورة، تبقى آثار الذنب - في الغالب - كامنة في زوايا قلب المذنب وروحه.. إذن؛ فالتوبة التامة هي التي تحصل من المذنب بعيد اقترافه للذنب مباشرة، وكلمة (قَرِيبٍ لغةً وعرفاً أكثر تناسباً وهذا المعنى.)11. صحيح أنّ التوبة تقبل وإن طال بالذنب المدى، إلّا أنها لا تصبح توبة كاملة، ولعلّ عبارة (عَلَى اللّهِ التي تعني أنّ حقاً على اللّه أن يتوب عن قريب.. إشارة إلى هذا المعنى، لأنّ هذا)
1) مصباح المتهجد، ج 2، ص 589.
التعبير لم يرد في القرآن المجيد إلا في حين أنّ قبول الأشكال الأخرى من التوبة نوع تفضّل ورحمة إلهية، وليس حقّاً.12. بعد ذكر شروط التوبة ورد قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللّه عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّه عَلِيماً حَكِيماً فهو سبحانه عليم بأحوالهم وحقيقة توبتهم، ولا يصدر عنه سوى الحكمة التي تنتهي إلى قبول توبتهم الصادقة والمطلوبة..)
### الآية 18#### إشارة:وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيّئات حتّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الئاَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. واضح هو دليل عدم قبول توبة العصاة حين الموت لأن الحجب تتكشّف عن عين الإنسان وهو على حافّة الموت وحين الاحتضار، ثم تحصل له رؤية جديدة، فينظر بعينه جانباً من الحقائق المتعلّقة بالعالم الآخر ونتيجة أعماله التي مارسها طيلة أيام حياته الدنيا، وواضح في هذه الصورة، أن كلّ عاص ومذنب سيندم على أخطائه، إذ سيكون كمن يرى شعلة نار قريبة منه فيحاول الفرار منها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيّئات...)2. التوبة الجميلة ومحطّ القبول الإلهي هي التوبة التي تتكون على أساس الاختيار وانتخاب العقل والإيمان بجدوى العمل الصحيح ومديات الغيب الإلهي، دون الاضطرار أو بعد معاينة آثار العذاب الإلهي الأخروي.. ولهذا كان سبب ودليل عدم قبول توبة الطاغية فرعون. وطبقاً للنص القرآني المقدّس الذي ورد في الآيتين (90 و 91 من سورة يونس المباركة: (حتّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ولهذا لم تحظ توبته الكاذبة أو المتأخّرة جدّاً جدّاً بالقبول.. 3. بناءً على النصّ القرآني في هذه الآية وكذلك بعض الآيات القرآنيّة الأخرى (مثل الآية 12
من سورة السجدة) يستفاد أن توبة العصاة إنّما تكون إذا قدر لها أن تقبل من جهة اللّه تعالى فهي تكون في دار الدنيا وفي حال السلامة والاختيار، دون أن تقع في دار الآخرة حين مشاهدة العذاب.. حيث لا تكون ثم فائدة من ورائها.
معلوم أن عدم قبول توبة وندم المحتضرين المذنبين حين الموت، وكذلك المذنبين الذين تصدر منهم في مشاهد القيامة بعد معاينة العذاب الإلهي.. وجرّاء هذا الواقع يكون هذا النوع من التوبة عديم الفضيلة والكمال لأصحابها، لأنّ هذه التوبة شبيهة بتوبة وندم المجرمين حينما يرون حبال المشانق ماثلة أمام أعينهم، أو يتحسّسون بتكلم الحبال وقد التفّت على حناجرهم..
لا شكّ أن مفهوم هذه الآية وجملة الروايات الخاصّة بشأن التوبة ومدى قبولها تذهبان إلى أنّ التوبة تقبل إلى آخر نفس وأنّه لا منافاة بينهما، لأنّ المراد من تلكم الروايات اللحظات التي تسبق ظهور أمارات الموت القطعية على جسد الفرد العاصي، وبكلمة أخرى: لمّا تحصّل له الرؤية البرزخيّة.
سؤال: في هذه الآية. كما الآيات الأخرى. جرت الإشارة إلى حقيقة عدم قبول توبة أفراد غادروا الدنيا وهم على الكفر (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)، ولكن سؤالاً يتصد رهنا قائلاً: متى يتوب هؤلاء الكافرون المغادرون للدنيا حتّى يقال: لا تُقبل توبتهم ؟
أدرج المفسّرون - لدى الإجابة عن هذا السؤال - احتمالات عدّة:
الاحتمال الأوّل: احتمل بعض المفسّرين أن توبة هؤلاء لا ولن تقبل في عالم الآخر.
الاحتمال الثاني: احتمل آخرون أن يكون المراد من التوبة هنا ليس توبة العباد، بل قبول التوبة من جهة اللّه تعالى وعودته بالعفو والرحمة الإلهيّة.
الاحتمال الثالث: أنّ ظاهر الآية يقصد ويستهدف موضوعاً آخر يقول: الذين تابوا في حال سلامتهم وإيمانهم عن ذنوبهم ولكنّهم لم يغادروا الدنيا على حال الإيمان، فإنّ توبتهم السالفة
غير ذات بال و غير مؤثّرة، ذلك لأنّ أحد شروط قبول الأعمال الصالحة للإنسان هو الموت على الإيمان ثمّ مغادرة الدنيا.. والذين يموتون وهم على حال الكفر، فإنّ أعمالهم السالفة (حتّى الأعمال التي قاموا بها وهم مؤمنون) وطبقاً لصريح الآيات القرآنيّة، ستحبط وتمحق. وإنّ توبات هؤلاء عن الذنوب ولو صدرت في حال إيمانهم فإنّها ستتبخر فلا تقبل..
وعلى سبيل الإيجاز؛ فإن شرط قبول التوبة أمران: الأول: أن تقع قبل معاينة أمارات الموت، والثاني: أن يغاد رالفرد دنياه وهو في حال الإيمان..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)
روي في تفسير (مجمع البيان) عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ هذه الآية نزلت في الذين يتصرّفون مع زوجاتهم كمن لا أزواج لهن ولكنّهم يبقون معهن على أمل أن يقضين ليستولوا على أموالهن. (1)
ونقل عن ابن عبّاس أنها نزلت في الذين أمهروا نساء هم مهوراً كبيرة مع عدم رغبتهم في مواصلة الحياة الزوجيّة ولا يطّلقونهن لعظيم مهورهن فيضايقوهن لعلّهن يتنازلن عن مهورهن فيطلقونهنّ. (2)
ونقل جمع من المفسّرين شأناً آخر لنزول هذه الآية، وهو غير متّفق مع سياقها، بل هو يتناسب مع الآية (22) من هذه السورة، وسنعمد إلى ذكره في موضعه...
مقدّمة للإشارة إلى عادتين قبيحتين بخصوص ظلم النساء في الجاهليّة:
كما تقدّم في شأن نزول الآية؛ حيث تناول طبيعة السلوك الظالم تجاه المرأة، إذ كان الرجال يعمدون إلى الزوجات الغنيّات وغير الجميلات ثم يهملهونّ، فلا يطلقونهنّ ولا يعاملونهنّ كزوجات لهنّ أزواج.. رجاء موتهنّ ثم الاستيلاء على أموالهنّ.. فحرمت الآية أعلاه على المؤمنين أن يرثوا أزواجهم إكراها.. وبالتالي؛ فالآية قد أدانت ذلك السلوك المشين..
من عاداتهم القبيحة الأخرى؛ أنّهم كانوا يعمدون إلى الضغط على زوجاتهم بوسائل مختلفة ليتنازلن لأزواجهن عن مهورهنّ ثم يطلّقونهنّ.. وهذا السلوك المشين كان أكثر ما يبدو حين يكون مهر الزوجة كبيراً، فمنعت الآية الشريفة ذلك السلوك وأدانته بقولها: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ.)3. جرى الخطاب في هذه الآية للمؤمنين الصالحين - كما في العديد من الآيات الأخرى من سورة النساء - ودافع عن حقوق النساء وواجه الممارسات القبيحة بحقّهن في الحقبة الجاهليّة، وبالإشارة إلى جملة من العادات السّيئة الخاصّة بتلك الحقبة وحذّرت المسلمين من مخاطر التلوّث بها :الف: لا تحبسوا نساءكم وزوجاتكم من أجل أموالهن.ب: لا تضغطوا على نسائكم ليتنازلن لكم عن أموالهن.4. في هذه الآية جرى الاستثناء من الحكم أعلاه وأعطي الأزواج حقاً في الضغط على الزوجات اللّاتي يأتين بالخطيئة القبيحة؛ وحيث تعسر مواصلة الحياة الزوجيّة الطبيعيّة معهنّ، وحيث يضطر الرجل أن يتخذ زوجة جديدة بعد طلاق الزوجة العاصية ويقدم للجديدة مهراً، فله أن يضغط على الأولى لتعفيه من مهرها.. وهذا الاستثناء - في الحقيقة - نوع عقوبة وشبيه بتغريمها في مقابل ما ارتكبته من فحشاء ﴿إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ.)
5. سؤال: ترى هل أنّ المراد من (الفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ في الآية أعلاه العمل المنافي للعفّة، أم هو شامل لكل عمل قبيح؟)اختلف المفسّرون في تعريف كلمة الفاحشة (المبينة إلّا أنّ الرواية المنقولة عن مولاناالإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ، قد فندت اختلاف المفسّرين وصرّحت بأنّ كلمة (الفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) تشمل كل تمرّد ونشوز ومعصية شديدة من المرأة (1)، دون المعصية البسيطة، ذلك لأنّ مفهوم كلمة (الفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) يتضمن الأهميّة القصوى، وما يؤكّد ذلك ورود كلمة (مُبَيِّنَةٍ)..)6. احتمل بعض المفسّرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ عدّة احتمالات :)الاحتمال الأوّل: المعروف يعني كلّ شيء يحظى باعتراف العقل والنقل المعتبر- وهما العنصران الكاشفان - ويقبلانه.. ولطالما أصدر اللّه المتعال الأمر للرجال بمعاشرة زوجاتهم بالمعروف وبالسلوك الإنساني المعتدل، بعد نهيه تعالى عن إيذائهنّ وغمطهنّ حقوقهنّ.. ومعنى المعروف هو السلوك المناسب من حيث العاطفة والإحساس ومراعاة الحقوق الجسدية وضمان نفقات المعيشة.الاحتمال الثاني: بالرحمة والبشاشة..الاحتمال الثالث: قال عدّة مفسّرين: ينبغي العيش مع النساء طبقاً للعدل والإنصاف والإنسانيّة والنبل.الاحتمال الرابع: ينبغي السلوك الإنساني والطيب معهنّ، فتحترم حقوقهن الاجتماعيّة الموافقة لمنزلتهن بالمعروف.. وبالتالي فإن لكل فرد من الأفراد وظائف ومسؤوليّات تتناسب وطبيعة بدنه وروحه، ويجب أن تحترم هذه الطبيعة، ومن هنا؛ لا يصح معاملة النساء معاملة
1) نفس المصدر، ص 40.
ظالمة عنيفة تفوق طاقتهن الجسميّة والروحيّة وما يتعدى حدود مسؤوليّاتهن الزوجيّة.الاحتمال الخامس: أحد حقوق المرأة أن يسلك الرجل معها سلوكاً طيباً نبيلاً، وأن لا يحرمها حقوقها المعترف بها، فلا يصادرها حقوقها ظلماً ورغبة في الانتقام.. ولطالما اعتمد التشريع الإسلامي العرف العام - ما يتعارف عليه المؤمنون ويقرّونه - وهكذا فعل المقنن الإسلامي من الاتكاء على العرف المذكور، وقد أقر طبيعة المعاشرة الزوجيّة الطيّبة التي كان العرف قد أقرّها.الاحتمال السادس: يقول المرحوم الطباطبائي في تعريفه المعروف : هو ما يقال للفعل غير المجهول – الغريب - في المجتمع، فيكون معنى الآية كما التالي عاشروا النساء بما هو مرسوم ومعروف.. والمعاشرة المعروفة؛ المعاشرة في الحياة الاجتماعيّة وفي مجتمع يمثل كلّ فرد من أفراده لبنة، وهو متساو ومشترك مع سائر الأفراد في النظام الاجتماعيّ الإنساني.. ولهذا؛ إذا حدث أن جرت معاملة فرد من الأفراد – الطبيعيين - على النقيض ممّا تقدم، حيث ينتفع منه دون ضمان حقه ومصلحته.. يكون قد وقع الخلل والخطأ في المعاشرة بالمعروف.. مع أنه سبحانه وتعالى قد صرّح في القرآن المجيد بأنّ الناس - الرجل والمرأة - أغصان لجذر واحد والمجتمع بحاجة - لصياغة كيانه - إلى هكذا أفراد.. إذن؛ فالمرأة والرجل مع وجوه التفاوت بينهما، فإنّهما متساويان في التأثير. وهذا الحكم الذي يخلق شكل وجوهر المجتمع؛ المجتمع القائم على أساس طريقة الفطرة غير المنحرفة وينبع منها.. وهكذا يجب تطبيق وتحقيق المساواة في المعاشرة والمعيشة، بمعنى الحرّيّة الاجتماعيّة، فتتصرف المرأة كما الرجل ويفكّران بحريّة. إذ الإنسان إنّما يعد إنساناً إذا ما تمتع بالتفكير والإرادة، فهو حرّ في جلب المنفعة ودفع الضرر.. وإذا ما دخل هذا الإنسان في المجتمع لابدّ أن يتمتع بتلكم المميّزات
والاستقلال التام (1.)فلسفة القانون الإسلامي القاضي بوجوب حُسن معاشرة المرأة تعكس احترام الحرية وحقوق المرأة.. فاللّه العظيم في هذه الآية وبأمر عام؛ قد كلّف الرجل بحسن المعاشرة، وتبعاً لذلك؛ الذي هو في الحقيقة أساس وقاعدة صرح العائلة. قال تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا لأنكم لا علم لكم بالغيب، ولعل الخير كله متعلّق بزوجاتكم وإن كنتم تجدون فيهنّ كراهة.)8. الآية الشريفة تقول في واقعها أنتم أيها الرجال موظّفون بحسن معاشرة النساء والتخلّق بالأخلاق المتعارفة التي هي في الحقيقة سبب مواصلة الحياة الزوجيّة الكريمة والنبيلة... ناهيك عن عدم حقّكم في التعامل مع النساء بعسر وتعدٍّ وإكراه، وحملهنّ على التنازل عن مهورهن أو إعطائكم من أموالهن الخاصّة..9. التعبير بحسن المعاشرة الوارد في هذه الآية تحت مسمّى وظيفة الزوج ومسؤوليته باعتباره حق للمرأة.. إنّما هو عامل تكريس الحياة الزوجيّة وعلّة استمرارها، وهذا الأمر له بعد في معرفة النفس، ذلك لأنّ حسن السلوك قائم على المنطلق القائل: «الناس عبيد الإحسان» تنتج عنه المحبّة ويؤدّي إلى استسهال المصاعب والمشاكل حتّى تتحول الحياة الزوجيّة إلى حياة طيّبة متواصلة الروعة.. وهذا هو مؤدّى الخطاب الإلهي القائل: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.)10. إذا أمعنا النظر، وجدنا الرجل يضمن حاجاته الروحيّة، فضلاً عن ضمان حاجات زوجته الروحية أيضاً، حتّى أنّه ليبني – بذلك - صرح بيئته بالأمن والاطمئنان، ولا ريب أنه مكلّف بإشباع حاجة زوجته بهذا الصدد.
1) الميزان، ج 4، ص 255.
11. رغم أنّ قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يخاطب الرجال دون اختصاصه بالأزواج.. فإنّه يشمل الزوج مقابل المرأة والرجل مقابل المرأة. فإنّه يشمل طبيعة العلاقة بين الأخ وأخته؛ أو زمالة الرجل والمرأة في العمل..)12. سؤال: لماذا أرادت الآية من الرجال - فقط - معاشرة النساء بالمعروف مع أنّ الزواج علاقة ثنائية بين الزوجين؟!يمكن القول لدى الإجابة عن هذا السؤال: لدى الدقة والتأمل في سياقات الآيات القرآنيّةولدى الرجوع إلى النصوص التاريخيّة يتّضح قبح السلوك الظالم والمستبد من جهة عرب الجاهليّة تجاه النساء.. ولذا؛ فإنّ من الطبيعي والمنطقي إذا أريد تحكيم وتكريس الثقافة الصحيحة أن تكون البداية من واقع المرأة الرازحة تحت وطأة الظلم والجهل من (الرجال.. وهكذا وجدنا آيات قرآنية نظير: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) تستهدف دعم القيم وضمان الحقوق القانونية والأخلاقيّة للمرأة. فضلاً عن أن إدارة العائلة لما كانت بعهدة الرجل، اقتضت فسح المجال للرجل في اتخاذ القرارات الزوجيّة، لاسيّما أنّ العادة هي عدم معاشرة الأزواج لأزواجهن بالمعروف، فرأينا اللّه تعالى يأمرهم مراراً وتكراراً بحسن المعاشرة.. ولذا؛ كانت هذه الصراحة القرآنيّة في هذه الآية لا تعني أحادية هذا السلوك، بل إنّ الثقافة القرآنيّة قد حتّت الطرفين على اتخاذ حسن المعاشرة سلوكاً..)13. مع أن الخطاب القرآني –- هنا - بالمعاشرة بالمعروف يمتاز بالصراحة والشفافية، إلّا أنّ القدر المتيقن من هذا الخطاب عدم الدليل على أن يكون الأصل الأخلاقي فيما يذهب إليه القرآن بخصوص الأزواج أحادي الجانب. فالقرآن يعدّ فلسفة (خلقة الأنفس بلوغها الاطمئنان.. اطمئناناً تنتج عنه المودة والرحمة التي جعلها اللّه تعالى في أنفس الأزواج.. ومن هنا؛ فإنّ هكذا فلسفة تقتضي أن يتصرّف كلا الطرفين بمحبة ورحمة ومعروف، أما إذا كان السلوك الحسن أحاديّ الجانب فإنه لن يفضي - طبق هذه الآية ونظائرها إلى - اطمئنان)
الطرفين معاً..14. إحدى الميزات ووجوه التفاوت المهمة بين الإنسان والحيوان؛ أن الحيوان إذا ما شبع وأشبع في جسمه؛ فإنّه لا يشعر بنقص عاطفي وأخلاقي. أما الإنسان؛ فالأمر ليس كذلك، إذ له حاجة ونقص آخر، وهي الحاجة إلى المعاشرة العاطفية والأخلاقيّة.. فالناس في أفق هذه المعاشرة المطلوبة بحاجة إلى تلمّس الصفاء والوفاء والحلم والصميميّة.. فهم في بيئة الحياة الأسريّة بحاجة إلى المحبّة والعاطفة النبيلة..15. إنّ البنية التحتية للأسرة حسن المعاشرة، فلوتهيأت وتوفّرت ظروف الحياة وإمكاناتها دون توفّر حسن المعاشرة، فكأنما كان أساس الأسرة وقواعد البيت على سطح الماء وسرعان ما يتهدم بناء هذا البيت، إذ الأساس الحقّ هو حسن المعاشرة القائم على معرفة مقام ومنزلة وحقوق الطرف الآخر.. فالمرأة يجب أن تعلم طبيعة الحقوق الحقة للرجل، وكذلك على الرجل أن يدرك حقّ الإدراك حقوق ومقام ومنزلة المرأة.. وبذلك يؤدّي كلّ منهما حقوق الآخر..16. إنّ فلسفة هذه التعاليم؛ احترام الحرّيّة وحقوق المرأة، واللّه سبحانه وتعالى في هذه الآية ومن خلال أمرٍ عام، قد كلّف الرجل بحسن المعاشرة.. وتبعاً لهذا الأمر - الذي هو في الحقيقة قاعدة وأساس صرح الأسرة العظيم - قال: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وذلك لأن الرجل - كإنسان - لا يعي من عالم الغيب شيئاً، ولعل الخير في هذه المرأة بعينها. 17. قوله عزّوجلّ: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يتضمن صدور الأمر الإلهي بالمعاشرة الطيبة والسلوك الإنساني النبيل مع المرأة ثم تضيف الآية الكريمة: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي : حتّى وإن سخطتم ولم ترضوا عن زوجاتكم رضاً تاماً وأدى ذلك إلى كرهكم إيَّاهنّ، فلا تتعجلوا إنفصالكم عنهنّ أو أن تتصرّفوا معهن بالسوء، وإنما عليكم مداراتهنّ ما استطعتم، إذ لعلكم على خطأٍ من الرأي والموقف والقرار، والحال أن ما)
تكرهون قد يكون فيه الخير لكم والبركة عليكم.. وعلى هذا؛ فما لم تصل الأمور إلى ما لا تحمد عقباه عليكم بحسن معاشرة النساء وأن لا تعمدوا إلى تحكيم الظنّ فيما بينكم؛ وهو العادة السيئة التي تغلب في العلاقة الزوجيّة لدى تعرّضها للتهديد حيث الغالب فيه أيضاً أن ينتهي إلى الخطأ ثم الندم بعد أن يتّضح الحقّ وتتجلّى الحقيقة.18. من الممكن أن ينخفض معدل العطف والحب بين المرأة والرجل؛ لاسيّما لدى شيخوخة العلاقة الزوجيّة وبداعي بعض الأسباب.. ولكن أهميّة حفظ (نظام الأسرة من جهة، ووجود حقّ الطلاق الموكول للرجل من جهة أخرى، يتطلب أن يسلك الرجل تجاه زوجته سلوكاً نبيلاً ذكيّاً عاقلاً لتتجسّد بذلك قاعدة المداراة فى أمور المعيشة.. ومن هنا؛ صدرت الوصيّة في الروايات الشريفة للرجال أن يداروا النساء، كما روي عن مولانا أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ): «فدارها على كلّ حال، وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك» (1).)19. بناءً على الأمر الإلهي في القرآن؛ فإنّ الناس - الرجل منهم والمرأة وبلا استثناء - بمثابة أغصان وأجزاء شجرة واحدة، وإنّ المجتمع الإنساني بالقدر الذي يحتاج به لشريحة الرجال؛ كذلك بمسيس الحاجة للنساء، وكما قال تعالى في وصفه للرجال والنساء: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ولا منافاة بين هذا المعنى وهذا الحكم.. وأنّ كلّ واحدة من شريحتي المرأة والرجل لها خصوصياتها لنفسها.. فشريحة الرجال تتصف بالشدّة والقوة والبأس.. وشريحة النساء لها طبيعة الرقّة والعاطفة.. ولأنّ الطبيعة الإنسانيّة - بناءً على نوع الخلقة وعلى الأساس الاجتماعيّ للإنسان - بحاجة إلى إظهار وإعمال الشدّة والقوّة، وإلى إظهار وإعمال المودّة والرحمة والعاطفة، ولهذا؛ فإنّ كلا الشريحتين من حيث التأثير الوجودي متعادلتان، على الرغم من اختلافهما وتفاوتهما فى أفق الشؤون الطبيعيّة والاجتماعيّة. كذلك الأمر بالنسبة لشريحة)
1) من لا يحضره الفقیه، ج 4، ص 392.
الرجال مع جميع أوجه التفاوت والاختلاف في الشؤون الطبيعيّة والاجتماعيّة التي يمتازون بها، مثل التفاوت الحاصل في كون بعضهم أقوياء أو علماء أو أذكياء أو عظماء أو رؤساء أو مخدومين أو أشراف.. وفي كون بعضهم الآخر ضعيفاً جاهلاً غبّياً مرؤوساً وخادماً وحقيراً.. إذن؛ يجب أن يقال أنّ ذلك الحكم الصادر عن الذوق الاجتماعيّ السليم والبعيد عن الإفراط والتفريط؛ هو القائم على أساس الفطرة الإنسانيّة في مثل هكذا مجتمع، فلا يجد مناصاً من المعاشرة والمعايشة على أساس حكم القرآن، حيث ينظر إلى كلّ من النساء والرجال بمنظار واحد ومفعم بالاحترام وضرورة الإيمان بالوحدة، وإن تبادل الاحترام بين المرأة و الرجل أمر لا منافاة فيه مع وجود التفاوت والتفاضل بين الطبقات أو الأفراء،.. ذلك التفاضل النابع عن بعض الخصائص والمزايا والمصالح أو الحرمان منها.. فالرجال في الإسلام – مثلاً - لهم أن يكونوا قضاة أو حكّاماً ويذهبون إلى القتال والجهاد.. ويتوجب عليهم توفير النفقة للنساء.. و هناك أحكام خاصة بالرجال لا تشمل النساء.. أو أن يكون الأطفال غير مقبولي الإقرار حتّى يبلغوا كما ليس لهم إبرام العقود على سبيل الاستقلال، كما لا يكلّفون بتكاليف الإسلام.. وذلك كله تابع لأوجه التفاوت والخصوصيات التي ينتج عنها أحكام تتوجه إلى طبقات وأشخاص محدّدين.. وعلّة الاختصاص هذا هو الموقع الاجتماعيّ و الطبيعة الإنسانيّة ذات المدارج والصور، مع أنّ الجميع في الأصل مشتركون في الإنسانيّة و الانتماء للمجتمع، إذ الأصل والمعيار هو الوزن الإنساني والتمتع بقدرة التفكير والإرادة، و هي متوفّرة في الجميع.20. هذه الآية الشريفة أوصت الرجال فيما لو لم يرضوا بشكل تام عن نسائهم لسبب من الأسباب، بأن ينظروا إليهن بنظرة الكرامة.. وإن تضاءل فيهم معدل المحبة والعطف ولم تعد مواصلتهم للحياة الزوجيّة ممكنةً، فليتّخذوا من الصبر سلوكاً، دون أن يبادروا إلى الانفصال عنهنّ ما أوتوا من قابلية.. فلعلّهم في موقفهم من نسائهم على خطأ.. وأن ما يكرهونه
قد يكون فيه الخير والبركة والمنفعة من وجهة النظر الإلهيّة.. وهي الصحيحة والحقّة على الإطلاق...21. للحب والعلاقة بين الرجل والمرأة تجلّيات.. وبين أيدينا جملة من جواهر الكلام الصادر عن المعصومين سلام اللّه عليهم، وقد تضمن الأمر والوصيّة بحسن المعاشرة.. إذ ورد عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّ المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلالٍ؛ يتكلّفها وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة...». (1))المعاشرة بالمعروف لها مصاديق جمّة و تشمل الكثير من السجايا الأخلاقيّة و التطبيقات السلوكية، وهنا نشير إلى بعض من تلكم المصاديق :* حسن الخلق: وهو صفة محمودة، ولطالما أوصى بها الإسلام.. وله مكانة عظيمة ودور جسيم في العلاقات الأسريّة؛ و لاسيّما فيما بين الزوجين.. و في ذلك يقول مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ :)«لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجه؛ وهي الموافقة؛ ليجتلبها [ليجتلب بها] ومحبّتها وهواها حسن خلقه واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، و توسعته عليها». (2)احترام المرأة : الاحترام المتبادل والمتقابل في الحياة الزوجيّة المشتركة أصل أساسي أصيل... ومراعاة الحرمة الشخصيّة بين المرأة والرجل حُسن وينبغي لكلٍ منهما تقصي و تتبع الميزات الإيجابية لديهما، فيكرم كلّ منهما الآخر لأجلها، إذ الاحترام والتكريم حاجة طبيعيّة في كلّ فرد فإذا ما تحقق التكريم لكلّ فرد من أفراد الأسرة.. تصاعد معدل الثقة
بالنفس وتعاظمت الشخصيّة، وسعى كلّ منهم للمساهمة في نجاح الآخر.. وهنا يكون احترام وإكرام المرأة منزلة خاصة ومميّزة كما روي عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ : «مَن اتّخذ امرأة؛ فليكرمها» (1).)المحبّة وإعلانها: أصل المحبّة والعاطفة هو علاقة الزوجين وطبيعة موقفهما من بعضهما، وقد جعل اللّه المتعال في وجود كلّ منهما مودّة ورأفة تجاه بعضهما منذ بداية الحياة المشتركة.. وتلك المودّة تزداد وتتضاعف باستمرار الحياة الزوجيّة.. قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه ؛ نظر اللّه تعالى إليهما نظر الرحمة» (2).)وعن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : «كلّ من اشتدّ لنا حبّاً؛ اشتدّ للنساء حبّا» (3).)وهذه المحبّة تشمل الأم والزوجة والبنت والأخت و....ويعد (إظهار المحبّة في الثقافة الإسلاميّة الغنية من لوازم المحبّة، وقد أوصى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الرجل بإظهار محبّته القلبيّة للزوجة، أي أن ينطق بها بلسانه و يظهرها بعمله لتتكرّس هذه المحبة بين الزوج وزوجته.)وروي أن رجلاً سأل مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ عن حق المرأة على زوجها، فقال: «يشبع بطنها ويكسوجنّتها، وإن جهلت؛ غفر لها » (4).)المداراة: وهي الرفق والمراعاة في جميع الأمور المتعلقة بها والامتناع عن العناد والقسوة في التعامل. وقد ورد عن أمير المؤمنين القول بهذا الصدد: «... فدارها على كلّ حال وأحسِن لها فيصفو عيشك» (5.)
22. لدى مراجعة سيرة الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ يتضح جلياً أنهم كانوا يعاملون زوجاتهم بمنتهى حسن المعاشرة.. وثناء الأئمة المقدّسين على زوجاتهم دليل هذا المدّعى.. وكما كان الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله يوصي الناس بحسن المعاشرة، فقد كان هو السباق والقدوة الحسنة في ذلك، وهو القائل: «خيركم؛ خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي» (1).)وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في تعظيم الصديقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ): «ولقد كنتُ أنظر إليها؛ فتنكشف عنّي الهموم والأحزان». (2))
### الآية 20#### إشارة :وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20)#### شأن نزول الآيةكان معروفاً قبل الإسلام أنه إذا أريد تطليق الزوجة السابقة ثمّ الزواج من زوجة جديدة، اتهموا السابقة بما ينافي العفّة والشرف تهرّباً من إعطائها حقوقها، أو أن يضيقوا عليها لتعيد لهم ما كانت قد أخنته من صداق؛ فتحصل على طلاقها، ثمّ يقدّم هذا المهر والصداق – المستردّ - بالحرام للزوجة الجديدة. ولكنّ الآية أعلاه اختصت بالحيلولة دون الاستمرار على هذا السلوك المشين وأدانت هذه العادة الجاهليّة الظالمه للمرأة. (1)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. فسّرت كلمة (قِنطَار في (مفردات الراغب) بمعنى القنطرة والجسر والقنطار في لغة العرب يعني المال والثروة الكبيرة، إذ المال الكثير بمثابة الجسر الذي ينتفع منه في الحياة، ولذلك قيل له : قنطار.. (2))2 في هذه الآية كما الآيات الأخرى؛ صدر الأمر الإلهي لعامة المسلمين بحماية حقوق المرأة، حيث يمنع الرجل. لدى زواجه الجديد من التجاوز على مهر الزوجة الأولى... أو إذا
كان قد دفعه لها، فإنّه يمنع من استرداده، مهما كان مقدار ذلك المهر، وذلك لأنّ الفرض في هذه الحالة أن يكون الطلاق هنا يقصد به منفعة الزوج وليس انحراف الزوجة عن جادة العفّة، وعلى هذا؛ لا يبقى ثم دليل على مشروعية تضييع حق الزوجة الأولى ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زوجٍ....)3. ترى هل أنّ من الرجولة والشرف بمكان أن يتهم الزوج زوجته بما ينافي العفّة لمجرد طمعه في استرداد صداقها؟ لا ريب أنّ هذا السلوك لا يعبر إلا عن الظلم وتعمد الخطيئة، بل إنّ التوسل بوسيلة جبانة و خاطئة يجسد بدوره ذنباً مفضوحاً... ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً...)
### الآية 21#### إشارة:وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثاَقًا غَلِيظًا (21)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. لمزيد من إثارة عواطف الرجال الإنسانيّة تكرر في هذه الآية وبأسلوب الاستفهام الإنكاري.. القول للرجال: لطالما خلوتم بنسائكم حتّى صرتم كما الروح في بدنين ولطالما عاشرتم بعضكم، فكيف تتعاملون بعد كلّ تلك المقاربة كما يتعامل الأجانب عن بعضهم أو كالاعداء وتضيعون حقوق زوجاتكم؟ وفي الحقيقة؛ إن الظلم في هكذا موارد ومصاديق بحق شريك الحياة يسبب ألماً لذات الإنسان: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ.)2. أنتم الذين أخذتم من زوجاتكم العهد والميثاق الغليظ كيف تتجاهلون ذلك الميثاق وتقومون بنقضه ؟3. رغم أنّ هذه الآية قد وردت في طلاق الزوجة السابقة واختيار الزوجة الجديدة، إلّا أنها غير مختصة بذلك، وإنّما المراد هو أنّه لدى كلّ طلاق وانفصال يتمّ باقتراح الرجل مع عدم ميل الزوجة لذلك.. فعلى الرجل أن يدفع إليها كلّ المهر، وإذا كان قد دفعه إليها، فليس له الحقّ أن يسلبها إيَّاه، سواء كان الرجل قد قرر زواجاً آخر أم لا.. وعليه؛ فإن عبارة: ﴿إِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج... ناظرة - في الواقع - إلى الحالة الجاهليّة قبيل الإسلام، ولا مدخلية له في أصل الحكم ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقًا غَلِيظًا).)4. (اسْتِبْدَالَ بمعنى طلب التبديل وعلى هذا؛ يكون معنى الطلب والإرادة قد وقع في (اسْتِبْدَالَ) فإذا شاهدنا انضمام أمر ما إلى (أَرَدتُّمُ) فذلك للإشارة إلى حرمة التقدم و التوسّل بما ليس مشروعاً ونبيلاً لدى التصميم على تبديل الزوجة..)
### الآية 22#### إشارة:وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّن النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا (22)#### شأن نزول الآيةكان معروفاً في الجاهليّة أن الرجل إذا مات و خلف زوجة وأولاداً، فإذا كانت الزوجة غير أمهم، كان لهم أن يرثوها كما يرثون سائر أموال أبيهم.. وبهذا كان لهم أن يتزوّجوا بها أو أن يزوجوها بشخص آخر.. ثمّ جاء الإسلام، وحدث أن وقع لأحد المسلمين وكان يدعى أباقيس من الأنصار، إذ مات وترك وراءه زوجةً ليست أمّاً لأولاده، فقالت الزوجة لأحد أبناء زوجها الذي أراد الزواج بها: أعدّك إبناً لي ولا أرى زواجك بي مناسباً.. ولك أن تسأل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... فأخبر النبيّ بذلك، فنزلت هذه الآية الشريفة ونهت عن الزواج بزوجة الأب نهياً قاطعاً... (1))#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. ضمن منع هذه الآية نكاح زوجة الأب المتوفّى [أو المطلّق ] وقد كان متاحاً في الجاهليّة، رغم قبحه، حيث ليس ثم قانون في البين.. ولهذا فقد أمضيت الزيجات السابقة للقانون الإسلامي بهذا الصدد (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)2. كان من الطبيعي أن تمضى حالات الزواج بزوجات الآباء السابقة للقانون الإسلامي الضرورة حفظ نظام الأسرة وعدم التسبّب بمشكلات كان المجتمع في غنى عنها، وليس
1) مجمع البيان، ج 3، ص 43 و 44.
تأييداً لعملية الزواج بزوجة الأب كواقع حال.. و في هذه الآية وردت ثلاثة أسباب لتأكيد المخالفة القرآنيّة لمنع هذا النوع من الزواج:الأوّل : أنّ هذا الفعل فعل قبيح للغاية ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً.)الثاني: أنّ هذا الفعل يوجب الرفض والتنفّر في أذهان الناس وخواطرهم، أي: عدم قبول الطبيعة الإنسانيّة له ﴿وَمَقْتًا و لقد نقرأ في صفحات التاريخ الجاهلي أنّ الناس كانوا يبغضون هذا الزواج وإن كانوا يحلّونه. حتّى أنهم كانوا يطلقون على ثمرة هذا الزواج: المقيت.)الثالث: أنه يجسّد مسلكاً منحرفاً (وَسَاء سَبِيلاً)3. واضح أنّ علّة الحكم بحرمة وممنوعيّة الزواج بزوجة الأب بداعي المصالح وفلسفات مختلفة.. لأنه أوّلاً: الزواج بزوجة الأب كالزواج بالأم من جهة، لأنّ زوجة الأب لها حكم الأم الثانية.. ومن جهة أخرى؛ يعتبر انتهاكاً لحرمة الأب وعدم احترامه.وثانياً: أنّ إباحة هذا الزواج يزرع بذور النفاق بين أولاد الشخص، إذ من الممكن وقوع الاختلاف لدى – حيازة - زوجة الأب بين الأولاد.. وفي العادة يقع الحسد والبغضاء بين الزوجة الثانية والأولى، إذا ما كان الزواج بزوجة الأب في حياة الأب (بعد طلاقها من الأب وعلّة الحسد واضحة.. ولو وقع بعد موت الأب لأمكن نشوب الحسد أيضاً تجاه الأب الفقيد.. و العبارات الثلاث الواردة بخصوص تحريم هذا النوع من الزواج في الآية لا تبعد أن تكون إشارة إلى الفلسفات الثلاث...)
### الآية 23#### إشارة:وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُم وَرَبَائبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. حرّمت هذه الآية الشريفة بصراحة الزواج بالنساء المحارم و بذكرهن تكون مصاديق المحرميّة بناءً على ثلاثة أبعاد:الف: الولادة، و يعبّر عنها بالعلاقة النسبيّة، فتكون المحارم النسبية سبعة أشكال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَأَتْكُمْ وَبَنَاتُ الْأَحْ وَبَنَاتُ الأُخْتِ.)ب: عن طريق الزواج، ويعبّر عنها بالعلاقة السببية:ج عن طريق الرضاعة، ويعبّر عنها بالعلاقة الرضاعيّة (وقد ذكر مقدار وعدد الرضعات
المحرّمة وشروطها وكيفيتها ودقائقها في الكتب الفقهيّة، فيراجع. (1))2. ينبغي الالتفات والتأكد من أنّ المراد بالأم ليست الأم التي تولّد منها الولد بلا واسطة وإنّما الجدّة للأمّ والجدّة للأب هما أمان أيضاً، كما أنّ المراد من البنت ليست البنت المباشرة من الصلب، وإنّما بنت البنت وبنت الإبن هما بنتان أيضاً، وكذلك الشأن في المصاديق الخمسة الأخرى...3. من الجدير ذكره أنّ جميع الأشخاص يتنفّرون – بطبعهم - من الزواج بالمحارم، ولهذا؛ فإنّ جميع الأمم (باستثناء أفراد قلائل تمنع زواج المحارم، حتّى أن المجوس الذين يجيزونه في مصادرهم الأصليّة القديمة صاروا الى إنكاره في العصر الراهن.)4. مع أنّ البعض يسعى إلى نسبة هذا الموضوع إلى العادات والتقاليد القديمة، إلّا أنّنا نعلم بأنّ عمومية قانون ما بين أفراد البشر على مر العصور يحكي عن بعده الفطريّ والنفسي، ذلك لأنّ العادة والتقليد لا يمكن أن تأخذ لنفسها بعداً عامّاً ودائميّاً.ه. قد ثبت في العصر الحديث حقيقة أنّ زواج الأقارب له مخاطره العديدة.. أي أنّ الأمراض الوراثية والجينية تتكرّس وتتجلّى (وليس أن زواج الأقارب هو المتسبب بالمرض حتّى أن البعض، وفضلاً عن المحارم، يعدّون زواج الأقارب الأبعدين، مثل أولاد العمومة أمراً ليس بالمستحسن.. ويؤمنون بأنّ مخاطر الأمراض الوراثيّة تزداد احتمالاً.. ولكن هذه المسألة تتضاءل احتمالاتها كلما بعدت القرابة..)6. في الأغلب العام - نجد الجاذبية الجنسية بين المحارم تتضاءل إلى درجة كبيرة جدّاً، لأن أفراد المحارم في الغالب يشبون مع بعضهم وهم لبعضهم مجرّد موجودات عادية؛ مع وجود استثناءات نادرة جداً لا تمثل معياراً للحالة العامة والقانون العام.. ونعلم أنّ الجاذبية الجنسية
1) راجع مسالك الافهام، ج 7، ص 207 إلى 240.
هي شرط تكريس واستمرار العلاقة الزوجيّة، وعلى هذا؛ إذا حصل الزواج بين المحارم، فسيكون زواجاً تافهاً وسرعان ما ينتهي إلى الفشل..رغم أنّ القرآن المجيد في هذه الآية لم يشر إلّا مجموعتين؛ وهما الأخوات والأمهات الرضاعيّات، ولكن طبقاً للروايات المستفيضة المتوفّرة لم تحصر محارم الرضاعة بهاتيك الإناث، فحسب الحديث النبوي الشريف المعروف ورد أنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)....)8. إنّ فلسفة تحريم المحارم من الرضاعة هي أن نمو اللحم والعظام من لبن شخص معين تؤدي إلى الشبه فيما بينه وبين أولاد المرأة المرضع.. فمثلاً: إذا أرضعت المرأة صغيراً من لبنها بما ينمي بدنه بصورة مميّزة، فإنّ ذلك يكرّس الشبه بأولادها الذين أرضعتهم، وفي الحقيقة يكون كلّ منهم جزءاً من بدن تلك الأم المرضع، ولعل حالهم يكون كحال الأولاد والأخوة في النسب..9. عنونت هذه الآية المحرمية بسبب الزواج بعدة عناوين:الف: بمجرّد أن تتزوّج امرأة من رجل وتقرأ صيغة العقد بينهما؛ حرمت عليه أمّها وجدّتها و... حرمة أبدية (وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ)ب: بنات الزوجة اللّاتي يخضعن لإدارة الأزواج.. ومحرميتهنّ مشروطة - فضلاً عن العقد الشرعي - أن تكون المقاربة الجنسية قد وقعت (خلافاً لمحرمية أم الزوجة التي لم تقيّد بهذا القيد أي: أنّ مجرد قراءة صيغة العقد الشرعي لا يحرمهن على الزواج إذا طلقها أو توفيت قبل أن يباشرها جنسياً، (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ))ج: رغم أن ظاهر قيد (في حُجُورِكُم الوارد في الآية يشير الى أن بنت الزوجة من زوج آخر)
1) الكافي، ج 5، ص 446.
لو لم تترعرع تحت مظلة هذا الزوج؛ فإنّها لا تحرم عليه.. إلا أنه بقرينة الروايات والحكم المسلّم به؛ فإنّ هذا القيد لا يمكن أن تكون له موضوعيّة.. بل إنه يوجب حرمة أبدية على زوج الأم، لأنّ مثل هذه البنت التي أقدمت والدتها على زواج آخر؛ ليس لها من العمر الكثير، وفي الغالب ستعيش تحت مضلة زوج أمها، فيرعاها كما يرعى ابنته بالنظرة والنفقة والقُرب.. والآية تقول: هذه البنت كبنت الزوج الحقيقية.. فهل يتزوج المرء من ابنته ؟ واستعمال كلمة (ربائب التي هي جمع ربيبة؛ بمعنى الخاضعة لإدارة وتربية زوج الأم..)د: من جملة الذين تنالهم المحرمية بواسطة الزواج زوجات الأبناء: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ.)10. استعمال عبارة (مِنْ أَصْلَابِكُمْ في هذه الآية يبين سبب بطلان آخر لعادة جاهلية مقيتة أخرى كانت تسمّى ولد الأسرة، إذ في حقبة الجاهليّة كان متعارفاً أن يتخذ بعض الأولاد الغرباء كأولاد حقيقيين فتشملهم جميع الأولاد الحقيقيين من الأصلاب، ولذلك؛ كانوا لا يتزوجون زوجات الأبناء الذين يتم تبنيهم..)11. الإسلام لا يجيز الجمع في نكاح الأختين في وقت واحد.. فيما أباح الإسلام الزواج بهما في زمنين مختلفين وبعد الانفصال أو موت واحدة منهما ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ.)12 لمّا كان الجمع بين الاختين أمراً رائجاً في الجاهليّة، وقد عمد إلى ذلك العديد من الرجال، رأينا القرآن المجيد وبعد إعلانه الحكم بممنوعيّة هذا الجمع.. ودرءاً لظهور المشاكل الجديدة على الصعيد الأسري في العوائل حديثة الإسلام.. فلم يصدر الدين حكماً بالعقوبة لهم رغم لزوم اختيارهم واحدةً منهما (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ.)13. السر في منع الاسلام هكذا زيجات أنّ الأختين بحكم نسبتهما وعلاقتهما الطبيعيّة، تراهما متعلّقتين ببعضهما أشدّ التعلّق، ولكنهما إذا ما صارتا متنافستين في الزواج من رجل واحد فإنّهما ستعجزان عن حفظ الإيجابية في علاقتهما.. وسيتسبب واقعهما الجديد
بتناقض عاطفي خطير على حياتهما.. لاسيّما وأن الباعث للمودة بينهما سيزول بصراع مرير.14. احتمل بعض المفسّرين أن تكون جملة (إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ عائدة إلى جميع المحارم.. أي إذا كانوا قد تزوجوا قبل نزول هذه الآية بأحد المحارم المذكورين طبقاً للقوانين المتعارفة آنذاك، فإن الحكم بالتحريم لا يشملهم... وإن أولادهم أولاد شرعيون.. ولا ريب أنّ من الواجب انفصالهم الفوري عن بعضهم بعد نزول هذه الآية.. ولهذا؛ كانت خاتمة الآية حيث قولها: ﴿إِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) مناسبة للمعنى المشار إليه....
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّه عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)
4. إن حرمة وممنوعيّة الزواج من النساء المتزوّجات لا يختصّ بالمسلمات فقط، وإنّما يشمل جميع النساء المتزوّجات من كلّ مذهب وقومية ودين..5. من وجهة النظر الإسلاميّة، فإنّ النساء غير المسلمات وفي حال الحرب ضد جيش المسلمين ممن يقعن في أسر المسلمين، كما المرأة التي لم تكن مسلمة، ففي حالة اعتناقها الإسلام وانقطاع علاقتها بزوجها السابق (في حال بقائه على الكفر فإنّ علاقة هكذا نساء تقطع مع أزواجهن بمجرد أسرهن.. ويصبحن كنساء بلا أزواج، ولهذا؛ يكون وقوعهنّ في الأسر بمثابة طلاقهنّ من أزواجهن السابقين.. فيؤذن للمسلمين أن يتزوجوا منهنّ بعد انقضاء عدتهن، أو أن يعاملوهن معاملة الجواري (إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).)6. إنّ فلسفة الحكم بالزواج من هذا النوع من النساء تبيّن حقيقة أن هكذا نساء إما أن يعدن إلى بيئتهنّ الكافرة، أو أن يبقين كافرات ويعشن بين المسلمين، أو أن تقطع علاقتهن بأزواجهنّ السابقين ليتزوجن من جديد.. ولكن الصورة الأولى مخالفة للأصول التربوية الإسلاميّة، والصورة الثانية صورة ظالمة.. فلا يبقى سوى الصورة والحالة الثالثة.7. قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللّه عَلَيْكُمْ يؤيد ويؤكد أن الأحكام السالفة فيما يتعلّق بالمحارم وأمثالهم من الأمور التي قررها اللّه تعالى لكم وكتبها، وعليه؛ فهي لا تتغير ولا تتبدّل بمرور الزمان. 8. غير هذه المجموعات التي ذكرت في هذه الآية والآية سبقتها، فإنّ لكم أن تتزوّجوا بسائر النساء على شرط أن تكون زيجاتكم طبقاً للقوانين الإسلاميّة مع مراعاة العفّة والنزاهة والابتعاد عن الفساد والإفساد (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).
وأمثالها أسلوب الكناية، جعل هذه المفردة بمثابة الكناية عن المعاشرة غير الشرعيّة، وهنا؛ كانت كلمة (مُحْصِنِينَ﴾ إشارة إلى الرجال بمعنى العفيفين و (غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ يؤكّد ذلك.
11- هذا القسم من الآية؛ إشارة إلى مسألة الزواج المؤقت أو ما يسمّى بالمتعة ويقول: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وواجب..)12. المتعة لغةً من مادة (متع وهو بمعنى ذلك الشيء الذي ينتفع به، أو كان الانتفاع به قليلاً ومؤقّتاً. (1))13. المتعة في التعريف الفقهي والديني زواج يتم فيه النكاح بين رجل وامرأة مدة محدودة ومهر معيّن، ثم ينفصلان عن بعضهما عند انقضاء المدّة بلا طلاق، ولكن على المرأة أن تعتد عدّتها الشرعيّة الخاصّة (2.)14. أركان المتعة : للمتعة أركان يوجب عدم رعايتها بطلان عقدها:الف صيغة العقد.ب: تعيين المدّة: أحد الأركان الأساسية لنكاح المتعة ذكر المدة. وقد جاء في القانون المدني: النكاح الوقتي مؤقت يقع إلى مدة معينة معلومة، يعني: يجب تحديد مبدئه ومنتهاه، فينبغي أن يراعى ويلاحظ حين العقد.. أما إذا لم تذكر المدة ولم تحدد لنسيان أو عمد؛ تبدل
نكاح المتعة إلى نكاح دائم. (1)ج: تعيين المهر: ما يستفاد من الآية الشريفة أنّ أصل التشريع في الزواج المؤقت كان قبل نزول الآية أمراً مسلماً به، وقد جرت الوصيّة في هذه الآية على إعطاء المهر ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً.)15. الشيعة قائلون بجوازالمتعة طبقاً لحكم القرآن والسنة، ولإثبات مدّعاهم، ثُمّ دلائل نذكر بعضها على سبيل الإيجاز:وإنّ أكثر مصد الاستنباط المسائل الشرعيّة اعتباراً هو القرآن الكريم.. ودليل الشيعة على صحة وإباحة الزواج المؤقت هو القرآن والآية هي الوحيدة التي طرحت بحث المتعة في القرآن، وهي الرابعة والعشرين من سورة النساء، حيث تحدثت عن الزيجات الحلال ومنها الزواج الموقت وبينت حليتها وشرائطها، وذلك بعد بيان جملة من الأحكام، ومنها حكم تعدّد الزوجات في أوائل سورة النساء، وأشكال الزواج الحرام في الآيات السالفة..(فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً. وقد بين اللّه تعالى في هذه الآية الدلائل أدناه وحكمة وفلسفة تحليل الزواج المؤقّت :)الدليل الأوّل: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ في هذه الآية دلالة على الزواج المؤقت دون الدائم، لأنّ الزواج الدائم والزواج بالجارية مسائل تصرّح بها آيات أخرى، ولا حاجة لأن يكرّر المعنى نفسه بصيغة جديدة بعد قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم...). (2))الدليل الثاني: بين أيدينا روايات عديدة نقلت عن الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام تشير إلى أن الآية الشريفة تتحدّث عن الزواج المؤقت، (3ومن جملة ذلك ما أجاب به مولانا)
الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أبا حنيفة الذي سأله عن الزواج المؤقت.. وقد استشهد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بآية ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ..)(1).)الدليل الثالث: إذا لم نعتبر أنّ مصطلح (اسْتَمْتَعْتُم بمعنى الزواج المؤقت، ونظرنا إلى معناه اللغوي فحسب وعزوناه إلى الزواج الدائم، فإنّ معنى الآية سيكون التالي: إذا استمتعتم بالنساء فآتوهن أجورهنّ.. والحال أنّ الزواج الدائم لايشترط في إعطاء المهر عليه أن يتم الاستمتاع بالزوجة، بل إنّ نصف المهريكون واجب الدفع بمجرد قراءة صيغة العقد. (2))الدليل الرابع: أن كلمة (أُجُورَهُنَّ يبين معنى المتعة، ذلك لأن النكاح الدائم يُعبّر عن مهره بالصداق والمهر (وَأتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).)ولا ريب أن حكم المتعة إذا ما ورد في النص القرآني الصريح فإن مشروعيته تبقى ثابتة إلى الأبد.الدليل الخامس: أنّ كبار الصحابة والتابعين؛ مثل ابن عبّاس المفسّر المعروف وأبي بن كعب وجابر بن عبد اللّه الأنصاري وعمران بن حصين وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة، وفريق كبير من مفسّري المخالفين وجميع مفسري الشيعة قد فهموا من الآية مشروعية الزواج المؤقت.. حتّى أنّ الرازي الشافعي؛ هو الذي طالما أشكل على الشيعة، قد أقر - مع كلّ شهرته - بعد بحث تفصيلي في هذه الآية وقال: لا نخالف في أنّ الآية قد أحلّت زواج المتعة؛ إلا أننا نقول بأنّ الحكم المذكور قد جرى نسخه بعد مدّة!!الدليل السادس: أنّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ؛ وهم المطلعون كلّ الاطلاع على أسرار الوحي؛ فهم حاملو هذه الأسرار، وقد فسروا الآية بالزواج المؤقت، ونقلت عنهم روايات كثيرة)
بهذا الصدد.من جملة ذلك قول مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : «المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول اللّه». (1))وعن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ ردّاً على أبي بصير بخصوص المتعة: نزلت في القرآن؛ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)» (2).)وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أيضاً في معرض الإجابة سؤال تقدم به عبداللّه بن عمير الليثي في إطار المتعة فقال: «أحلّها اللّه في كتابه وعلى لسان نبيه؛ فهي حلال إلى يوم القيامة». (3))وسأل فتح بن يزيد مولانا الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ عن المتعة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): المتعة حلال لمن لم يغنه اللّه بالزواج الدائم أو من كانت زوجته غائبة. (4))16. إنّ فلسفة تشريع المتعة في الإسلام هي أنه سبحانه وتعالى قد خفّف على هذه الأمة لتصون نفسها عن الذنب ويحجم المسلمون فيها عن خطيئة الزنا.. وتشريع المتعة جاء كحل من حلول العسر في الزواج الدائم، فيتزوج المسلم المضطر زواجاً مؤقتاً ليحل أزمته الجنسية بدلاً من التعرّض للحرام مع أنه لا يكون مسؤولاً عن النفقة..17. الزواج المؤقّت في كثير من الحالات الخاصّة بأفراد معينين من حيث السن أو من حيث وفاة الزوجة وعدم القدرة على تكرار الزواج الدائم بوجود الأولاد، أو بسبب الدراسة المديدة، أو بسبب اجتماعيّ يحول دون عقد الزواج الدائم، أو بعلة عدم الإشباع الجنسي، لاسيّما وأنّ الغريزة الجنسية إحدى أقوى الغرائز الإنسانيّة غير القابلة للتجاهل والإنكار إلى
الحدّ الذي عدّها بعض علماء النفس الغريزة الإنسانيّة الأصيلة الوحيدة وأنّ جميع الغرائز الأخرى عائدة إليها.. وأنه ما لم يشبع الفرد هذه الغريزة بشكل صحيح؛ فإنّه لا يجد له مخرجاً غير ثلاث طرق:الطريقة الأولى: التشجيع على الفساد والإباحة الجنسية المرادفة للخطايا والذنوب والانحراف.الطريقة الثانية: الدعوة إلى ردم هذه الغريزة ومواجهتها (كما الرهبان والراهبات وما هذا إلّا مواجهة مع قانون الخلقة، وهو أمر ليس بالعاقل.)الطريقة الثالثة: إشباع الغرائز بالطريق الصحيح والمعقول والشرعي وضمن شرائطه الشرعيّة.18. نجيب على الإشكالات التي تورد على الزواج المؤقت بشكل مختصر:الإشكال الأول : يقولون تارةً ما الفرق بين الزواج المؤقت وبين الزنا.. فكل واحد منهما بمثابة بيع المرأة لنفسها مقابل مبلغ مالي، وإنّما الزواج هذا مجرد نقاب تخفى وراءه الفحشاء والقذارة الجنسيّة، وليس التفاوت بينهما إلا قراءة جملتين في صيغة العقد ؟!الجواب: هؤلاء الذين قالوا ما تقدّم لا يدركون مفهوم الزواج المؤقت، لأنّ هذا الأخير لا يتمّ بالنطق بجملتين فحسب، وإنّما له مقرّراته كما هو الزواج الدائم، أي أنّ المرأة في هذا الزواج. طيلة مدته. تكون تحت إدارة الزوج، وعليها التزام عدّتها عند انتهاء مدة الزواج، أي ما لا يقل عن خمسة وأربعين يوماً تمتنع فيها عن أي زواج آخر مع شخص آخر، ليتضح مصير جنينها إن حملت من زوجها الأول.. ولو أنها كانت تستخدم وسائل منع الحمل؛ فإنّها تبقى ملزمة بمراعاة العدّة.. وإذا ما حملت منه؛ الحقّ الوليد بأبيه كإلحاقه من الزواج الدائم، وتنطبق عليه جميع أحكام الولد المشروع والطبيعي.. فيما الفحشاء مجرّدة عن هذا الواقع والشروط والتبعات.. فهل يبقى ثم وجه للمقايسة بين الزواج المؤقت والزنا؟! وطبعاً ثم تفاوت بين
الزواجين المؤقت والدائم في مسألة الإرث والنفقة وبعض الأحكام الجانبية الأخرى، ولكنّ أوجه التفاوت هذه لا تضع الزواج المؤقت إلى جانب الفحشاء أبداً.. وعلى أي حال؛ فهوشكل من أشكال الزواج وخاضع لقوانين الزواج..الإشكال الثاني: أنّ هذا الزواج يحرّض بعض الأشخاص الشهوانيين على استغلال هذا القانون، فيمارسون الفحشاء تحت طائلة إباحة هذا الزواج، فيما يمنع المحترمين والنبلاء من الأشخاص دون من هذا الزواج، كما أنّ ذوات الكرامة تمتنع عن قبول فكرته أو ممارسته.. الجواب: ترى أي قانون في العالم لم يتعرّض للاستغلال وسوء الاستفادة؟ وهل أنّ هذه الإساءة يمكن أن تحول دون الانتفاع من قانون فطري وضرورة اجتماعيّة؟ أم أنّ علينا أن نمنع إساءة الاستفادة والاستغلال ؟ فلو أن جماعة أساؤوا التصرّف خلال زيارة بيت اللّه الحرام، وعمدوا مثلاً إلى نشر المخدرات وبيعها، فهل يمكننا منع جميع الناس من المشاركة وحضور الاجتماع الإلهي العظيم. الحج.؟ أم علينا أن نقمع المستغلين بسوء؟ وحيث نرى البعض - المحترم - في الفترة الراهنة يأبون استيعاب هذا القانون الإسلامي، فإنّ العيب لا يعود إلى القانون؟ وإنما هو عائد إلى العاملين به.. وبكلمة أصح المسيئون الاستفادة منه.. ولو أنّ العمل بهذا القانون تمّ في المجتمع المعاصر بشكل سليم وقننته الحكومة الإسلاميّة ضمن ضوابط ومقرّرات خاصة ونفّذته بصورة صحيحة؛ لتغيّرت النظرة إليه من جهة من يأيوبه، ولما كان عرضة لسوء الاستفادة والتصرف.الإشكال الثالث: أنّ الزواج المؤقت يتسبب في تكاثر الأولاد المحرومين من الآباء كما هم الأولاد غير الشرعيين في المجتمع.الجواب: ممّا ذكرنا تتضح الإجابة على هذا الإشكال، لأن الأولاد غير الشرعيين لا ينتمون إلى أب وأم من الناحية القانونيّة، في حين أن أولاد الزواج المؤقت لا يفرقون- بأي وجه من الوجوه - عن أولاد الزواج الدائم، بما في ذلك الميراث وسائر الحقوق الاجتماعيّة.. ولعلّ عدم الالتفات
إلى هذه الحقيقة هو الدافع لطرح هذا الإشكال..19. أدلّة المخالفين القرآنيّة على عدم جواز المتعة:يذهب غالب علماء المخالفين إلى أنّ الآية الشريفة متعلقة بالنكاح الدائم، وعلى فرض تعلقها بالنكاح المؤقت؛ فهي قد صارت بعد مدة من نزولها من الآيات المنسوخة.. وهناك من الآيات ما يوردونها دعماً لمدّعاهم.. (1نذكر بعضاً منها مقرونة بإجابة الشيعة وردّهم عليها:)الف: النسخ بآيات أحكام الزواج:يذهب فريق من علماء المخالفين إلى أنّ هذه الآية الشريفة قد نسخت بآيات سورة المعارج والمؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. (2))فتبعاً لحكم هذه الآيات؛ قد حرّمت المعاشرة الجنسية مع غير الزوجة والجارية، وحين يقع التعارض بين الحلية والحرمة، تقدّم الحرمة على الحلّيّة - بهذا الصدد - فالمراد من الاستمتاع الوارد في الآية الرابعة والعشرين من سورة النساء هو الدخول؛ لا المتعة التي تقول بها الشيعة.. وإن كان المراد هو المتعة والمتعة بحكم معاشرة المملوكة (الجارية والزوجة؛ فهو ممنوع أيضاً؛ لأنّ جميع لوازم الزوجيّة (الإرث العدّة، الطلاق، والنفقة) منتفية. (3))2. النسخ بآيات الإرث:يذهب بعض علماء المخالفين إلى أنّ آية المتعة قد نسخت بآية الإرث القائلة: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ ممّا تَرَكْنَ....)هذه الآية الشريفة تحدّد سهم الزوجة والزوج من الإرث، بمعنى أن التوارث هو شرط الزواج،
وأن الزوجة والزوج يجب أن يتوارثا.. هذا في حين أنّ المتعة مجردة عن التوارث.. والمسألة الثانية هي حصول الزوجيّة في إثبات نسب الأولاد، في حين أن إجماع العلماء لم يثبت النسبية في الأولاد. (1)3. النسخ بآيات الطلاق والعدّة:يعدّ المخالفون آيات الطلاق والعدّة ناسخة لمشروعيّة المتعة وآياتها، وأنّ المتعة حكم لا أساس له.. من ذلك قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.... (2))و: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.... (3))فالمخالفون وبالاستناد إلى هاتين الآيتين وغيرهما، وروايات مشابهة يستدلون بها على أنّ الطلاق والعدّة والإرث من لوازم الزوجيّة.. بمعنى أن في حال انتفاء الطلاق والعدّة والإرث؛ يكون النكاح منتفياً أيضاً، ولو أنهم قالوا بالعدة، فإنها في نكاح العدّة أقلّ من عدّة الطلاق.#### ردّ الشيعة على المخالفينأدلى علماء الشيعة بأجوبة وردود على دلائل المخالفين الخاوية والضعيفة التي بينونها، ونوردها هنا بإيجاز:أولاً: أساس دليل المخالفين جملة روايات من أشكال الخبر الواحد والحال أنّ الخبر الواحد لا يثبت نسخاً من جهة، ومن جهة أخرى أنّ هذه الأخبار تتعارض وروايات عديدة واردة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ تفيد إباحة المتعة وعدم نهي النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنها، وهي)
الروايات المتواترة. (1)ثانياً لجأ المخالفون بعد استدلالاتهم بأخبار الآحاد إلى الدلائل القرآنيّة، وهو أكر مردود بإعمال أدنى الدقة والتأمّل، نذكر هنا بعض الموارد:الف: أنّ القائلين بنسخ آية المتعة بآيات أحكام الزواج كأنّهم تصوّروا كون الزواج المؤقت لیس بزواج أصلاً.. والحال أن المقطوع به كون الزواج المؤقت أحد أقسام الزواج.. وأن المراد من التحريم في الآيات المذكورة هو إشباع الغريزة الجنسية من الطريق الخطأ وغير المشروع.ب: من جهة تاريخ النزول، نجد سورتي (المؤمنون والمعارج قد سبقتا سورة (النساء) لأنهما نزلتا في مكة، في حين أن سورة (النساء) قد نزلت في المدينة، وقد كانت المتعة معروفة بين المسلمين.. ولكن لازم مدعى هؤلاء أنّ المتعة قد منعت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة في حين أن مدعى المخالفين خلاف هذا القول، لأنّ مدّعاهم يفضي إلى أنّ المتعة قد نسخ حكمها في أواخر عمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو بعد استشهاده الأليم. وعلى هذا؛ تعجز الآيات المذكورة أن تكون ناسخة لآية وحكم المتعة، لأنّ الناسخ ينزل بعد المنسوخ ومن جهة صاحب الوحي والرسالة دون غيره، إذ الوحي قد سُدَّ بابه بعد الشهادة النبوية، كما أنّ آية الميراث الذي اقترن بحكم المتعة في سورة واحدة وسياق واحد، حيث يكون حكم المتعة مخصصاً لآية الإرث ونزوله متأخر عن نزول حكم الإرث (2).)ج: أنه لا دليل على أنّ التوارث. بصورة مطلقة. من اللوازم الثابتة للزوجية، إذ القوانين الإسلاميّة تتضمّن انتفاء التوارث بين الزوجين في حالات ما، مثل انتفاء إرث الزوجة الكافرة من الزوج المسلم، ومثل انتفاء إرث الزوج القاتل لزوجته.. وبالنتيجة؛ فإنّ التوارث لا يختصّ
بالنكاح الدائم. (1)د: أن آيات الطلاق لا علاقة لها بمسألة المتعة، لأنّ الطلاق فرع على بقاء آثار النكاح وبخصوص المتعة، فهي تنتهي بانتهاء المدّة المحدّدة أو بذلها والتنازل عنها. فلا يبقى نكاح ليتوجّب طلاق، ولأنّ النكاح الدائم غير مؤقت؛ تراه بحاجة إلى طلاق، ولكن المؤقت من النكاح لا حاجة لطلاق فيه.ه-: أن تشريع الطلاق لا يحصر إباحة الوطء (الدخول والمقاربة وشرعيّته في أنّ المقاربة شرط للطلاق، إذ المتعة والزواج من الجارية مسألة تختلف عن ذلك (فالمباشرة مباحة دون أن يكون طلاق في البين) وعليه؛ فمسألة الطلاق هي الايقاع الذي يحل عقدة الزواج الدائم واستمراره. (2))ز: أنّ عدّة المتعة أقل من عدّة الطلاق، والآية الشريفة ساكتة ولا تدل على ذلك، وكذلك هي لا تدلّ على تساوي العدّتين، فذلك لأنّ انتهاء المتعة لا يعدّ طلاقاً.. أمّا أنّ الشيعة قائلون بعدم العدة في المتعة، فهذه تهمة عظيمة للشيعة على أن هذه الآيات ليست بصدد بيان موارد الطلاق، فضلاً عن حديثها عن عدم الطلاق في نوع من الزواج ليكون ذلك دليلاً على نسخ ذلك الزواج. (3)س: من الأمور الدالّة على حلّيّة المتعة قول عمر بن الخطّاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه، وأنا أنهى عنهما ومعاقب عليهما... ولو كان ثمّ نسخ وارد من جهة الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله لاستشهد به عمر، ولكنه لم يجد ذلك ولم يستدلّ به، وعلى هذا؛ فالرواية مصرّحة بأنّ المتعة كانت مباحة في العصر النبوي، وما تحريمها إلا بدعة صدرت عن عمر...
مصاد رهذه الرواية عند المخالفين:نقل السرخسي في كتابيه هذه الرواية من جملة روايات عن عمر قائلاً: وقد صحّ عن عمر نهي الناس عن المتعة فقال: متعتان كانتا على عهد رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ (وَ آلِهِ) وأنا أنهى الناس عنهما ؛ متعتا النساء ومتعة الحجّ (1).)وقد نقلت هذه الرواية في المصاد رأدناه:(مسند احمد، ج 3، ص 325، رقم 14519 و (المغني، ج 7، ص 136) و (أحكام القرآن للجصاص، ج 1، ص 347) و(تفسير القرطبي، ج 2، ص (392) و (تذکرة الحفاظ، ج 1، ص (366) و (التفسير الكبير، ج 5، ص 130) و (بداية المجتهد، ج 1، ص 244) و(وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج 6، ص 150).)20. (إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا إشارة إلى أحكام هذه الآية، وهي أحكام تتضمن الخير والسعادة للبشر، لأنّه تعالى عليم بمصالح العباد وحكيم فيما يوجب عليهم أوينهاهم عنه....)
1) المبسوط للسرخسي، ج 4، ص 27 وأصول السرخسي، ج 2، ص 6.
### الآية 25#### إشارة:وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّه أَعْلَمُ بِإِيمَانِكم بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. هذه الآية وضمن بيانها شروط الزواج بالجواري، تلمّح إلى أن باستطاعة من لا قدرة له على الزواج بالنساء الحرات أن يتزوج بالجواري اللاتي تقل مهورهن ونفقاتهن في الغالب (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ....)2. المقصود من الزواج بالجواري ليس أن من يملك الجارية؛ عليه أن يتزوّجها، وإنّما - ضمن شروط خاصة ذكرت في كتب الفقه والأحكام - له أن يعاملها معاملة الزوجة، وبهذا؛ يكون المراد زواج الفرد غير المالك للجارية أن يتزوّجها، مضافاً إلى استعمال كلمة (المؤمنات حيث ينبغي أن تكون الجارية مؤمنة ليتاح الزواج بها، وعليه؛ فإنّ الزواج من الجارية الكتابيّة غير صحيح.)
3. وصف القرآن الجواري في هذه الآية بالفتيات وهي جمع فتاة، وهذا التعبير يوحي بالاحترام الخاص غالباً بين النساء، وفي الأغلب يستعمل بخصوص البنات الشابات..4. بناءً على الأمر القرآني؛ فإنّ تحديد إيمان الجواري راجع إلى إقرارهن ووصفهنّ أنفسهن.5. الإيمان الظاهري كافٍ في الزواج، إذ لسنا مكلّفين بكشف بواطن الناس، لاسيّما وأنه تعالى عليم بأسرار الناس وعقائدهم (وَاللّه أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ.)6. لمّا كان بعض الناس تأبى أنفسهم عن الزواج بالجواري.. نرى القرآن المجيد يشير إلى أنّ الزواج بالجواري ليس كما يأبى البعض ويكره، لأنّ جميع الناس قد خلقوا من أب واحد وأمّ واحدة، وأنّ الجميع بعضهم من بعض.. وهكذا لا ينبغي إيجاد التفاوت بين الزواج من حرّات أو جاريات مملوكات.. أمّا الناحية المعنويّة؛ فمردّها إلى تقوى الأفراد وورعهم، والكراهة في ذلك أمر مذموم إذ الأفراد يكمل بعضهم بعضاً (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ.)7. لابدّ أن يتمّ هذا الزواج بإذن المالك، وهو باطل بلا استئذان ورضا المالك.. مثل إذن الأب في زواج البنت.. أما السبب في استعمال كلمة ﴿أَهْلِهِنَّ بدلاً من (المالك)، فلعله للإشارة إلى المالك بضرورة معاملة الجواري كمعاملة الأهل، فلا يعتبرهن متاعاً مملوكاً، وإنّما عليه أن يعد نفسه مديراً راعياً يتعامل معهنّ معاملة إنسانيّة ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ).)8. عبارة (آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يبين أن تحدّد لهن مهورهنّ كما في النسوة الحرّات، وأن يسلّمن هذه المهور ويملّكنه.. هذا في حين أنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أن ثم محذوفاً للآية، وأنّ الأصل هو آتوا مالكهن أجورهن.. ولكن هذا المذهب والتفسير لا يوافق ظاهر الآية وإن كانت تؤيّده بعض الروايات.. (1))
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 349.
9. يعلم من ظاهر الآية أنّ للعبيد أن يملكوا الأموال التي اكتسبوها من طريق مشروع ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.)10. يجب تحديد مقدار المهربما يحكم به العرف وشأن المرأة، بالإضافة إلى أنه يستفاد من التعبير (بِالْمَعْرُوفِ التحرّز من الظلم أن يلحق بهنّ لدى تعيين المهر، وإنما الواجب أداء الحقّ بهنّ طبقاً للعرف والمعروف (بِالْمَعْرُوفِ).)11. شرط بقاء الزواج العفّة والابتعاد عن الفحشاء والعلاقات غير المشروعة ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ سواء فية العلن أو في السر (وَلَا مُتَخِذَاتِ أَخْدَانٍ).)12. كلمة (أَخْدَانٍ جمع (خدن) بمعنى الصديق، وتستعمل في العادة للذين يتخذون الصديق (العشيق) بصورة خفية لأمر غير مشروع، وهذه الكلمة استعملت في مقابل (مُسَافِحَاتٍ) بمعنى الذين يتجاهرون بالفحشاء والزنا.)13. يمكن أن يُسأل النهي عن الزنا بعبارة (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ألم يكن كافياً عن اتخاذ الرفيق بالخفاء ﴿أَخْدَانٍ) ؟)للإجابة ينبغي القول: حيث كان من أهل الجاهليّة من يعد الزنا العلني فقط أمراً مذموماً دون اتّخاذ الرفيق في الخفاء.. تتضح الحكمة القرآنيّة في تقسيم التصريح إلى قسمين.14. في هذه الآية وطبقاً لتناسب الأحكام الخاصّة بالزواج جرى وضع الأحكام الخاصّة بالمملوكات والدفاع عن حقوقهنّ.. مثل: عقوبة المرأة المملوكة إذا زنت وخرجت عن جادة العفّة.. هي نصف عقوبة المرأة الحرّة الزانية (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ.)15. سؤال: ما هو المقصود من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ ؟)احتمل المفسّرون احتمالين :الأول: أنّ العبارة بمعنى المرأة ذات الزوج (حسب الاصطلاح الفقهي المعروف وطبقاً للآية السابقة.)
الثاني: أنّها بمعنى المرأة المسلمة الجارية.ولكن من الواضح وبالنظر إلى تكرار كلمة (محصن مرتين في هذه العبارة؛ ولزوم أن تكونا ذات معنى واحدٍ، وحيث أن عقوبة المرأة المحصنة إذا زنت هي الرجم دون الجلد، فإنّ التفسير والاحتمال الأول القائل بأنّها هي المرأة ذات البعل غير مقبول، كما أن الاحتمال الثاني لا شاهد على ضرورة إسلام الجارية..)الثالث: بالالتفات إلى أنّ كلمة (الْمُحْصَنَاتِ في القرآن الكريم تستعمل و يراد بها - في الأغلب - المرأة العفيفة، كما أشارت إليه الآية أعلاه، بمعنى أنّ الجارية إذ تضطر إلى غير العفة بداعي ضغط مالكها، فإنّها تعفى من العقوبة، إلا أن الجارية التي لا تتعرّض للضغط المذكور وتستطيع الحفاظ على عفتها، لو أنّها ارتكبت عملاً منافياً للشرف، عوقبت كما المرأة الحرّة، إلّا أنّها تعاقب بنصف عقوبة المرأة الحرّة.)16. (الْعَنَتَ على وزن سنَد، في الأصل بمعنى تجدّد الكسر في العظم، أي: الكسر بعد الشفاء بسبب حادثة ما.. وبديهي أنّ هذا النوع من الكسر مؤلم للغاية، ولهذا تستعمل هذه الكلمة للمشاكل الحالكة والأفعال المضنية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ).)17. القرآن المجيد في عبارة ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يريد القول بأنّ الزواج بالجواري جعل للذين يتعرّضون لضغط الغريزة الجنسية وهم عاجزون عن الزواج بالحرّات، وعليه؛ يكون الزواج بالمملوكات لغير هؤلاء غير جائز 18. من الممكن أن تكون فلسفة حكم الزواج بالجواري؛ أنّهنّ لا يحظين - لاسيّما في تلك الأزمنة - بتربية مطلوبة، مع تعرّضهن لنقائص أخلاقيّة ونفسيّة وعاطفية.. فلا شك أن تكون ثمرة هذا الزواج ذرّيّة غير متعادلة تبعاً لعدم التعادل - في الغالب - الذي تعاني منه النساء المملوكات، ومن هنا كان للإسلام منهج دقيق في تحرير الإمام والعبيد بشكل تدريجي بعد الزواج لتحاشي الانتهاء للنتيجة المذكورة.. ولتتاح الفرصة لهم للزواج من بعضهم.
لبعض الجواري حالات استثنائية خاصة من الناحية الأخلاقيّة والتربوية، ولهذا كانت بعض أمّهات عظماء الإسلام جوار من هذا المنطلق.. ولكن يجب أن يلتفت أنّ ما هو ممنوع في غير الضرورة هو الزواج دون المعاشرة الجنسية.
الامتناع عن الزواج بالجواري بالقدر المستطاع، ومن الأهميّة بمكان الحرص على مراعاة العفّة، لما لذلك من نفع يعود على الرجل (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرَ لَكُمْ).
يغفر اللّه لكم ما مضى من أفعالكم لما كنتم تجهلون (وَاللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
يُرِيدُ اللّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِ يَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن يقال:
أوّلاً: الحقيقة هي أنّ هذه الآية والآيتين التاليتين تتضمن الردّ على هذا السؤال يُرِيدُ اللّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ... إلى منافعكم ويدرأ عنكم المضار والشرور..)ثانياً: لستم أيها المسلمون الوحيدين من نزل عليه التكليف بهذه السنن والمناهج، فشأنكم شأن الأقوام العفيفة في ذلك..ثالثاً: أنّ اللّه تعالى يريد تطهيركم بالتوبة بعد انحرافات كنتم تعرّضتم إليها، بشرط أن تعزموا على الرجوع ممّا كنتم عليه في الجاهليّة.2. أنّه تعالى عليم بأسرار أحكامه التي يصوغها بناءً على حكمته المتعالية ﴿وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ.)
### الآية 27#### إشارة:وَاللّه يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَميلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. ضمن تأكيدها المتجدّد، تشير هذه الآية الكريمة إلى أنه سبحانه وتعالى يريد - عبر هذه الأحكام - أن يعيد عليكم النعم والبركات التي كانت قد قطعت عليكم بداعي الممارسات الباطلة في تلبية الرغبات والشهوات.2. أنّ عبّاد الشهوات الغارقين في الخطايا والرذائل يريدون الانحراف التام بكم عن طريق السعادة والهدى، وأن يجعلوا منكم نسخاً أخرى مماثلة لهم في التورّط بأنواع الذنوب.3. ترى أيهما الأفضل؛ التقيّد القرين بالسعادة، أم التحلّل المزيج بالإباحية والتلوّث والانحطاط ؟!4. هذه الآيات في حقيقتها وعمقها تردّ على الأشخاص المعاصرين - كمن كانوا في السابق - ممّن يشكل على القوانين الدينية، و لاسيّما تلك المتعلقة بالمسائل الجنسية. وتؤكد لهم بأنّ الإباحية ليست أكثر من سراب، وما نتيجتها إلّا الانحراف والابتعاد عن السعادة والتكامل الإنساني والتعرّض لخطر السقوط والضياع.. ولذلك نماذج كثيرة رأيناها بأم أعيننا حيث تتلاشى المجتمعات والعوائل بفعل الجرائم الجنسية، وتتضاعف أعداد الأولاد غير الشرعيّين، وتتكرّس الأمراض الجنسية والروحيّة إلى حدود كبيرة وخطيرة للغاية..
### الآية 28#### إشارة:يُرِيدُ اللّه أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)#### النقاط المستفادة من الآية1. الإنسان كائن ضعيف في الأصل، ولابد من تزويده وتزوده بطرق ووسائل شرعية ليتمكن من مواجهة عواصف الغرائز المختلفة التي تهاجمه من كلّ حدب وصوب.. فإذا ما تمكن من هذه المواجهة المطلوبة؛ يكون قد حفظ نفسه من الانحراف والضياع: ﴿يُرِيدُ اللّه أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ....)2. أنّ الحكم السالف الخاص بإباحة الزواج من الجواري - وضمن شروط معينة وخاصّة - هو نوع تخفيف وتيسير..
### الآية 29#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ وَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تجارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية تمثل البنية التحتية للقوانين الإسلاميّة الخاصّة بقضايا المعاملات والتبادل المالي، ولذلك ترى الفقهاء يستدلّون بها في جميع أبواب المعاملات.2. هذه الآية تخاطب المؤمنين وتحرّم عليهم أكل أموال بعضهم بعضاً بالباطل، فلا يجوز لهم التصرّف بأموال غيرهم دون حيّ أو إذن صريح وعقلائي، وتسمّي جميع أشكال ذلك بالباطل؛ وله مفهوم واسع جداً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.)3. التعبير بالأكل هنا كناية عن كلّ أشكال التصرف، سواء كان بالأكل المتعارف أو الارتداء أو السكن وغير ذلك.. وهذا التعبير تعبير رائج منتشر في أكثر من لغة...4. طبقاً للعرف والناس فالباطل يقابل الحق، وهو يشمل كلّ شيء غير حق ومجرّد عن الهدف والأساس.. وعلى هذا؛ فإنّ كلّ شكل من أشكال التعدّي والغش والتعامل الربوي والمعاملات غير المعلومة الصفات والملامح، وكذلك بيع وشراء الأشياء غير ذات الفائدة المنطقية والعقلائية، وكذلك بيع وشراء أدوات الفساد والخطيئة... كلّ ذلك وأشباهه يخضع لهذا القانون العام.. وإذا ما وردت كلمة (الباطل في الروايات للإشارة إلى القمار والربا وأمثالهما (1)، فهي تشير إلى المصاديق الجليّة وليس الحصرها في ذلك.)
1) تفسير العيّاشي، ج 1، ص 236 وتفسير القمي، ج1، ص 136.
5. قد تطرقت آيات قرآنية أخرى وواجهت التصرّف الحرام بمال الغير.. فهي حين تذكر اليهود وممارساتهم الباطلة تقول: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ (1). وكذلك تقول: ﴿وَلَا تَأكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ). (2)بعنوان المقدّمة للنهي عن جر الآخرين إلى المحاكم والقضاة ليتسنى لكم أكل أموالهم بالباطل..)6. عبارة: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ بالإضافة إلى أنّ هذه الآية عبارة عن قانون كلّي، فالعبارة استثناء من هذا القانون العام، ولكنّها تمثل - في الاصطلاح - استثناء منقطعاً، أي أنّ ما ورد في هذه العبارة مشمول بقانون المنع من التصرّف بأموال الآخرين، وهي تقع تحت مسمى التذكير والتأكيد، لأنها تقول: التصرّف في أموال الآخرين ممنوع إلا أن يكون التصرّف عن طريق الرضا الباطني من كلا الطرفين.)7. أنّ جميع التبادل المالي وأنواع التجارة الرائجة بين الناس؛ إذا ما كانت برضا الطرفين، وكانت لها حيثية معقولة ومنطقيّة، فإنّها جائزة من وجهة النظر الإسلاميّة، اللّهمّ إلّا في موارد محدّدة تقتضيها المصلحة الدينية، أو جاء فيها النهي الصريح عنها: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ.)8. الجملة الختامية في الآية منعت الإنسان والناس عن قتل أنفسهم.. وبقرينة قوله تعالى: (إِنَّ اللّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا تتبيّن حرمة قتل النفس والانتحار، أي أنّه تعالى رحيم، وفضلاً عن عدم رضاه أن يقتلكم غيركم، فهو لا يرضى بقتل المرء نفسه وتدميرها.)9. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فشر في روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)بالانتحار...)
### الآية 30#### إشارة:وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرًا (30)#### النقاط المستفادة من الآية1. سؤال: ما هي العلاقة بین مسألة قتل النفس وبين التصرّف الباطل وغير المشروع فيأموال الناس؟الإجابة على هذا السؤال واضحة، لأنّ القرآن بذكره سببين قد أشار إلى نقطة اجتماعيّة مهمّة، وهي أن العلاقات المالية بين الناس إذا لم تكن على أساس صحيح؛ ولم تتقدم عجلة الاقتصاد بصورة سليمة، ووقع التصرّف الباطل في أموال الغير.. صار المجتمع إلى شكل من أشكال الانتحار.. مضافاً إلى تصاعد معدلات الانتحار الفرديّ، ولهذا الأخير آثار ضمنيّة في الانتحار الاجتماعيّ2- أنّ سلامة المجتمع رهينة بسلامة الاقتصاد.. ولهذا؛ كانت الوقائع والثورات الاجتماعيّة في العالم المعاصر شاهداً ناطقاً على هذه الحقيقة.. وحيث أنّ اللّه تعالى رحيم بعباده، فقد حذّرهم ونبههم إلى الخطر المحدق بهم، وأن يلتفتوا إلى أن لا تكون معاملاتهم المالية باطلة أو أن يكون اقتصادهم غير سليم، لأنّ ذلك ينتهي بالمجتمع إلى الدمار والسقوط ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا.)3. كلّ من يتمرّد على هذا الأمر الإلهي فيلوّث يديه بأموال الآخرين عبر التصرّف والأكل الحرام؛ أو يقدم على الانتحار، فإنّه لا يحترق بنار عالم الدنيا، وإنّما سيتعرّض لنار الغضب الجهنمي في الآخرة، وهذا أمريسير على اللّه تعالى ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرًا.)
### الآية 31#### إشارة:إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (31)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية تصرّح بوضوح: إذا اجتنبتم الذنوب الكبيرة التي نُهيتم عنها، فإنّه تعالى يمحو سيئاتكم ويعفوها وينزلكم منزلاً كريماً.2. من مفردات هذه الآية الكريمة يعلم أنّ الذنوب تقسم إلى قسمين بارزين؛ يطلق عليهما تارة: الذنوب الكبيرة والذنوب الصغيرة، وتارة: الذنوب الكبيرة والسيئة، وتارة: الكبائر واللّمم. كما ورد في الآية (32 من سورة النجم والآية (49) من سورة الكهف ذكرت الكبيرة في مقابل الصغيرة: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا).)3. إذا رجعنا إلى المعنى اللغوي للكبيرة، فهي كلّ ذنب يعدّه الإسلام كبيراً مهماً.. وأمارة أهمّيّته أن القرآن لم يكتفِ بالنهي عنه، وإنّما أتبعه بالتهديد بعذاب النار، مثل قتل النفس والزنا و أكل الربا ونظائر ذلك.. ولذا نقرأ في المأثور عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام «الكبائر التي أوجب اللّه عزّوجل عليها النار» (1أما الذنوب الكبيرة؛ فهي التي قرنها اللّه تعالى بالعقوبة الجهنمية؛ فتعبّر عنها مضامين نصوص الإمام الباقر والصادق والرضا صلوات اللّه عليهم.. (2)وعلى هذا؛ فإنّ تمييز الذنوب الكبيرة ومعرفتها يعد أمراً يسيراً بالنظر إلى الضابط والمعيار المذكور.. وإن أمعنا النظر، وجدنا من بعض الروايات أنّها تعدّ الكبائر سبعاً، وبعضها)
تحصيها بعشرين كبيرة، وأخرى تعدّها سبعين (1، ولا منافاة بين ذلك وبين المذكور أعلاه، ذلك لأنّ بعضاً من تلكم الروايات تشير إلى الذنوب الكبيرة في درجاتها الأولى، وبعضها في درجتها الثانية، وبعضها تشير إلى أنها كبيرة كلّها..)4. سؤال: ما هو الضابط في تعيين الكبيرة والصغيرة؟مع أنّ البعض يقول إنّ الذنوب الكبيرة والصغيرة من الأمور النسبية، أي: حين مقايسة هذين النوعين من الذنوب إلى بعضهما، تتبيّن أهميّة وخطر و فداحة أحدهما، وما كانت أهميته أقل؛ فهو الصغير.. وعلى هذا؛ فإنّ كلّ ذنب بالنسبة إلى الكبير صغير، وبدوره يكون كبيراً بالنسبة لما هو أصغر منه.. ولكن من الواضح أنّ هذا المعنى لا يتفق - بوجه من الوجوه - مع مفاد الآية أعلاه، لأنها ميزت بين النوعين من الذنوب وقابلت فيما بينهما، وعدت الورع عن أحدهما موجباً للعفو عن الآخر..5. يمكن أن يرد إشكال في البين:أنّ هذه الآية تشجّع الناس على الصغائر، فهي تقول: بترككم الكبائر لا يبقى ثمّ مانع من ارتكاب الصغائر!الجواب:من العبارة القرآنيّة المذكورة تتضح الإجابة، لأنّ القرآن يقول: ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ أَي أنّ الامتناع عن اجتراح الكبائر لا سيما لدى توفّر فرصها يخلق في الإنسان حالةً من التقوى والروحانية لها أن تظهر آثار الصغائر وفي الحقيقة فإنّ الآية أعلاه مثل الآية القائلة: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيّئات (2). و في الواقع هي إشارة إلى أحد الآثار الواقعى للأعمال الصالحة، وهذا شبيه - تماماً - بقولنا: إذا امتنع الإنسان عن ملامسة أو تناول المادّة السامة)
الخطيرة وتمتّع بمزاج سليم كان بمستطاعه إزالة الآثار غير المناسبة لبعض الأطعمة غير المناسبة، وذلك عبر سلامة مزاجه.. أو بعبارة أخرى: إنّ العفو عن الصغائر بمثابة الجائزة المعنويّة على ترك الكبائر.. وهذا بحدّ ذاته تشجيع على ترك الكبائر...6. الذنوب الصغيرة تكون كذلك حين لا تتكرّر، فضلاً عن ضرورة عدم اقترانها بالغرور والطغيان واللّا مسؤولية والإصرار عليها..7. سؤال: في أيّ موقع تتبدّل الصغيرة إلى كبيرة؟الصغائر - وطبقاً لما يفهم من القرآن والروايات - تتبدل الى كبائر في عدّة حالات وهي ست:الف: في حالة التكرار، كما ورد عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا صغيرة مع الإصرار». (1))ب: في حالة الاستهزاء والاستهانة بالصغيرة.. ونقرأ في (نهج البلاغة قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه». (2))ج: في حالة ارتكابها غروراً وطغياناً وتكبّراً وتمرداً متعمداً على أمره سبحانه وتعالى، وهذا يعلم من إجمال الآيات القرآنيّة كما في الآية (37 من سورة النازعات.)د: في حال صدورها عن أفراد ذوي مكانة اجتماعيّة مميّزة، فلا يكون الزلل منهم كزلل سائر الأفراد، كما نقرأ فحوى ذلك في القرآن بخصوص زوجات النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ...). (3)وكما روي من الحديث النبويّ الشريف: «من سنّ سنّةً سيّئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». (4))
ه-: أن ترتكب الصغيرة بطغيان وفخر.. قال صلوات اللّه عليه وآله: «من أذنب ذنباً وهو ضاحك؛ دخل النار وهو باك» (1.)و: أن ترتكب الصغيرة وصاحبها يظنّ أن اللّه جل ذكره عنه راض لأنه لم يعاقب من فوره على صغيرته، كما نقرأ ذلك في قوله تعالى عن بعض المغرورين المذنبين: (... وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللّه بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ.... (2))
### الآية 32#### إشارة:وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّه بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبَنَ وَسَئَلُوا اللّه مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّه كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)#### شأن نزول الآيةنقل المفسّر المعروف الطبرسي في (مجمع البيان أنّ أمّ سلمة أم المؤمنين قالت للنبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لم يذهب الرجال إلى الجهاد (القتال) دون النساء؟ ولم صار ميراثنا (النساء) نصف الرجال؟ فليتنا كنا رجالاً فنذهب معهم إلى الجهاد ونكون مثلهم في الميراث.. فنزلت الآية أعلاه وأجابت على أسئلة أمّ سلمة. (1))ونقرأ في تفسير (المنار أن جماعة من رجال المسلمين حين نزلت آية الميراث وجعلت سهم الرجال ضعف سهم النساء قالوا ليت أجرنا كان ضعف أجر النساء أيضاً. فقالت بعض النسوة : ليت عقوبتنا وجزاءنا كان نصف ما على الرجال من العقوبة كما هو سهمنا من الميراث، فنزلت هذه الآية وردّتهم. (2)وقد روي شأن النزول هذا في تفسير (في ظلال القرآن) و (روح المعاني) باختلاف بسيط.. (3))
#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. لا تطمحوا إلى هذا التفاوت أبداً، لأنّ كلّ تفاوت قرّره اللّه تعالى بين بعضكم له أسراره الخافية عليكم، سواء كان هذا التفاوت في التكوين من خلقة وصفة وروح، أو في التشريع من أحكام وواجبات وحقوق.. نظراً للموقع والمكانة، كما هو الحال في تفاوت الميراث.. وإنّ جميع أشكال التفاوت قد قرّرها سبحانه طبقاً للعدالة، ولو كانت المصلحة في غير هذا، لكان هو المقرّر، ولهذا؛ اعتبر تمنّي حصول التغيير نوع مخالفة لمشيئة اللّه عزّوجلّ، والحال أنه عين الحقّ والعدل (وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّه بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ.....)2. لا شكّ في أنّ هذه الآية إشارة إلى أوجه التفاوت الواقعيّة والطبيعيّة، دون التفاوت المصطنع بفعل الاستعمار والاستثمار الطبقي الذي لا يعبر عن إدارة اللّه تعالى ولا يعتبر تغييرها أمراً صحيحاً، بل هي أوجه تفاوت ظالمة غير منطقية. فمثلاً: ليس للنساء أن يتمنّين أنهن لو كنّ كما الرجال.. وليس للرجال أيضاً أن يتمنّوا مكانة النساء، ذلك لأنّ هذين الجنسين يشكّلان أساس النظام الاجتماعيّ والإنساني.. وفي الوقت ذاته أن يؤدي هذا التفاوت بأحد هذين الجنسين إلى التجاوز على حقوق الجنس الآخر ثم يواصل التمييز الاجتماعيّ الباطل ضدّه..3. أنّ لكلٍّ من الرجال والنساء منفعتهم من مساعيهم ومكانتهم، سواء كانت هذه المكانة طبيعية (مثل تفاوت الرجل والمرأة عن بعضهما في جنسيّتهما أو التفاوت الحاصل بسبب السعي والعمل وبذل الجهد (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبْنَ).)4. كلمة (اكتساب بمعنى التحصيل والحيازة، ولها مفهوم واسع يشمل السعي الإرادي، وما يحوزه المرء بواسطة هيكليته الطبيعيّة.)5. يمكن أن تبيّن عبارة (مِن فَضْلِهِ خطأ. تمنّي هذه الأوجه من التفاوت، وإنما ينبغي تمنّي ومسألة اللّه تعالى من فضله وكرمه ونعمه المختلفة وتوفيقه وثوابه؛ لتكونوا في نهاية)
المطاف من السعداء، سواء كنتم رجالاً أو نساء، ومن هذه القوميّة أو تلك.. وعلى أيّ حال؛ فالخير كلّ الخير والسعادة كلّ السعادة فيما تطلبون من ربكم، لا ما تتخيلون ﴿وَاسْأَلُوا اللّه مِن فَضْلِهِ.)6. واضح أن سؤال اللّه من فضله وكرمه لا يعني قعود الإنسان السائل عن توفير أسباب وعوامل الاستحقاق.. بل لابدّ من وضع هذه الأسباب بين حنايا السعي وبذل الجهد.7. اللّه تعالى عليم بكل شيء.. وهو يعلم ماذا ينبغي أن يجعل من أوجه التفاوت الطبيعيّة أو الحقوقية، وعلى هذا؛ فلا تمييز ولا ظلم في إرادة اللّه تعالى وفعله.. وهو عالم بأسرار وبواطن الناس، ويعلم أي الأفراد يتمنون في بواطنهم الأماني الخاطئة، وأيهم يفكرون بما هو إيجابي صحيح (إِنَّ اللّه كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.)8. سؤال: كثير من الأشخاص يسألون أنفسهم أو الآخرين عن السبب أو الأسباب في كون أحدهم أكبر قابلية من غيره، حيث يكون على قدر كبير من الجمال – مثلاً - فيما الآخر ليس كذلك.. أو كون أحدهم قوي الجسم، فيما الآخر ليس له تلك القوة والشدّة.. فلماذا هذا التفاوت الطبيعي؟ وهل أنّ هذا التفاوت يتناسب والعدالة الإلهيّة؟ للإجابة على ما تقدّم ينبغي الالتفات إلى بعض النقاط :الأولى: أن قسماً من التفاوت البدني والروحي في الناس معلول الاختلافات الطبقية والمظالم الاجتماعيّة، أو معلول التساهل الفرديّ الذي لا علاقة بينه وبين الخلقة الإلهيّة. مثال ذلك أن كثيراً من الأولاد الفقراء، وذلك بداعي طبيعة تغذيتهم وصحتهم، والحال أن نظراءهم الفقراء محرومون من ذلك.. كما أنّ من الأفراد من فقد قوته الجسدية أو موهبته بداعي التساهل والتكاسل ومن الطبيعي أنّ أوجه الاختلاف هي أوجه مصطنعة غير مبررة، ولو أنها أزيحت؛ لعمّت العدالة الاجتماعيّة.. علماً أنّ الإسلام لم يقر بأوجه التفاوت تلك ولم يتوان عن مواجهتها ورفضها..
الثانية: قسم آخر من التفاوت طبيعي ولازم لخلقة الإنسان.. بمعنى أن المجتمع - وإن كان متنعماً بالعدالة الاجتماعيّة التامة - فإنّ أفراده لن يكونوا متشابهين متساوين كما هي الأشياء المصنوعة في مصنع واحد.. بل إنّ طبيعة الحياة تستدعي جملة من أوجه التفاوت، وأنّ المواهب الإلهيّة والقابليات الجسدية والروحيّة للناس قد قسمت على الأفراد بأعدل ما يكون التقسيم.. فلا تجد فرداً يحوز كلّ المواهب ولا كمالاً تاماً.. فمنهم من تراه قوياً أو ذكيّاً أو جميلاً.أ. عاطفياً.. وإنّ المهم في كلّ ذلك أن يكتشف المجتمع قابليات أفراده ثم يعمد إلى تنميتها ضمن بيئة سليمة، ويسخرها للصالح العام.الثالثة: أنّ التفاوت فى البنية الروحيّة والجسميّة للمرأة والرجل في النواحي الطبيعيّة غير ظالمة ولا اجباريّة، وإنّما ذلك عائد إلى مقتضى الحكمة الربوبية، لأن العدالة لا تنفكّ عن الحكمة أبداً.. والعدالة هي وضع الشيء في موضعه المناسب.. والمجتمع بمثابة جسم الإنسان؛ بحاجة إلى أنسجة وعضلات وخلايا متنوّعة. فإذا كانت خلايا البدن كلّها من النوع الدقيق كخلايا العين والمخ. فذلك ما هو بعيد عن الحكمة ولا قابلية فيها على الاستمرار. كما لو كانت جميع خلايا الجسم من النوع غير الدقيق الذي تحتاجه العظام، فإنّها لن تؤدّي وظائفها المطلوبة.. وإنّما اللازم هو أن تتنوّع الخلايا لتؤدّي كلّ منها وظائف التفكير والرؤية والسماع والتكلّم... أو إذا حدث ذات يوم أن صار جميع أفراد المجتمع يفكرون على شاكلة واحدة، وكانت لهم مواهب متشابهة، فإنّ مجتمعهم سينهار.. فيما المجتمع السليم هو ذلك المجتمع المتعدّد المواهب والقابليات في أبدان أفراده ومعنوياتهم ومنطلقات تفكيرهم.. وهذا لا يعني أن يعيش بعض أفراده الحرمان أو يجري استغلال إمكانات بعضهم أو يحتقرون.. كما أنّ خلايا الجسم - على وجود التفاوت بينها - بحاجة إلى الغذاء والهواء وغير ذلك لتنتفع بها بالمقدار اللازم.9. من البديهيّ أن جميع أفراد البشر لو كانوا نساءً أو كانوا رجالاً، لا نقرضوا، ولزالت أشكال
مهمة من اللّذات المشروعة.. أمّا إذا استشكل البعض على العلة في خلقته فرداً ذكراً، وآخر أنثى، وعن طبيعة العدل في ذلك، فلا ريب أن إشكالهم هذا ليس منطقياً بمكان، لأنهم لم يمعنوا النظر في الحكمة من وراء ذلك...
### الآية 33#### إشارة:وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّه كَانَ عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث أنّ هذه الآية عادت إلى مسائل الإرث، تراها تؤكد تقسيمات السهام وأحكام الإرث التي وردت الإشارة إليها في الآيات السالفة.. فهي تتحدّث عن أنه تعالى قد جعل لكل فرد. رجلاً كان أو امرأة. ورثة يرثونه، وأنّه لابدّ من تقسيم ما ترك الوالد أو الوالدة أو الأقارب بين الورثة طبقاً للمنهج المرسوم (وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ...)2. الذين عاهدوا هؤلاء عهداً يجب أن يسلّموا نصيبهم من التركة... والتعبير بكلمة (عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ إشارة وكناية إلى أنّ التعاهد الذي يشبه عقد العقدة التي تنجز بالكفّ اليمني وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. 3. سؤال : من هم المتعاهد معهم والذين يجب أن ينالوا نصيبهم؟
الاحتمال الأوّل لبعض المفسّرين هم: المرأة والرجل اللذان يتعاهدان بعهد الزواج.. ولكنّ هذا الاحتمال بعيد، لأنّ وصف الزواج بعقد اليمين وأمثال ذلك قليل ما هو في القرآن، مضافاً إلى كون ذلك تكراراً للمطالب السالفة.
احتمال المفسّرين الثاني: أنّ المراد من العقد ما هو راجع إلى من هو طرف فيما يسمّى بضمان الجريرة الذي كان معمولاً به قبل الإسلام ثمّ أصلحه الإسلام وأقره لتضمنه نواح
إيجابيّة.. وتفصيله أن يتعاقد شخصان فيما بينهما على الأخوّة والتعاون والنصرة المتبادلة في مواجهة المشاكل.. وعلى أنّ أحدهما إن مات ورثه الآخر، فأقرّ الإسلام هذا التعاقد، مع تأكيده على أنّ التوارث بينهما إنّما يكون في حال عدم وجود طبقات الأقارب للميت.. فلو أن قريباً للميت لم يتوفّر ورثه المتعاقد معه بولاء ضمان الجريرة (لتفصيل القول في ذلك تراجع الكتب الفقهيّة).
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللّه بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانتَاتٌ حَافِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظ اللّه وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
يعمد بعض الأفراد الجهلة أو ربما المغرضون إلى رفع شعار يناهض إدارة الرجل للأسرة، متأثرين بأفكار غربيّة المنشأ بحجّة الدفاع عن حقوق المرأة.. وهم بالطبع لا ينادون بإدارة المرأة للعائلة، ولكنهم يقولون بأنّ العائلة لا تحتاج إلى رئيس.. وهم بذلك؛ إما كونهم جهلة في الحقيقة، أو لإرادتهم تخريب النظام الأسري المنسجم في البلاد المسلمة، ويريدون توريط المجتمع المسلم بالمصائب التي ابتليت بها المجتمعات الغربية.
نقول: لا شك - عقلاً - أنّ كلّ حياة اجتماعيّة؛ صغيرة كانت أو كبيرة؛ بحاجة إلى مسؤول وناظم لحفظ مسار تلك الحياة، وإلّا تعرضت للفوضى والانهيار والقرآن المجيد لم يتحدّث عن رئيس، وإنما صرح بكون الرجل قوام على المرأة، والقوّام هو الكثير القيمومة، وهو بمعنى الشخص المسؤول على نظم وانسجام شطر من تلك الحياة الاجتماعيّة.
فالقرآن يسمّي هذا الشخص قواماً، ورجل العائلة قوامها، فيقول: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى
النِّسَاء) أي أنه كثير القيام بشؤون إدارة الأسرة ورعاية شؤون زوجته - إنّ المدرسة بحاجة إلى مدير وناظم ليقوم بإدارة وتمشية أمورها - وصف الدرس بحاجة إلى معلم ومراقب ليؤدي وظيفة إدارته.. وكذلك المدينة بحاجة إلى قائم مقام ومدير بلدية ليرعيا شؤون المدينة.. والدولة بدورها بحاجة إلى قائد ورئيس ووزير ليديروا أمر الدولة والبلاد.. والأسرة عبارة عن مجتمع مهمّ للغاية وتمثل اللبنة الأساسيّة والأولى والفعالة للمجتمع الكبير.. لذا؛ فهي تنهار إن لم يكن فيها قوّام، وتصاب بالفوضى بدونه..
ولذا فإن اعتبر (القوام) مديراً، فلاستمراره في الإدارة واستعداده للخدمة والعمل فالمدير يعني من يقف على رؤوس غيره ليرعى شؤونهم.. ومن هنا؛ كان هذا المصطلح في الأصل دالاً على مسؤولية كبيرة لأحدهم لا أفضليته على الآخرين.
أما من الناحية النفسية؛ فينبغي التعامل مع مثل هكذا فرد حيث لا يرى نفسه خادماً.. فحينما يراد انتخاب خادم لصف الدرس؛ كأن ينظف لوحة الدرس، أو يأتي بالطباشير أو يحافظ على نظم الصف.. فلا يقال: من يريد أن يصير صفاً...؟ وإنما يقال: من يصير يريد أن مراقباً للصف والحال أنّ المراقب ليس في وسعه غير الخدمة.. أما إذا قيل: من يريد أن يكون خادم الصف؟... فإنّ أحداً من التلاميذ لا يرفع يده للترشّح. ولكن إذا قيل: من يريد أن يكون مراقباً للصف، رأيت الجميع يرفعون أيديهم لهذا المنصب.. وقوام الأسرة في الحقيقة خادمها، بمعنى أنه الذي يؤمن نفقات الأسرة ويحفظ أمنها ويحلّ منازعاتها و.. أمّا اللّه تعالى؛ فقد استعمل مفردة (قوّام) بدلاً من خادم الأسرة؛ لئلا يتنصل الرجل عن مسؤوليات البيت.
ولا شكّ في أنّ الأولاد لا يستطيعون أن يكونوا قوامي الأسرة، وهكذا يدور الأمر بين أن تكون القيمومة لشخصين؛ وهما الوالد والوالدة، وقد أوكل اللّه تعالى هذا الأمر إلى الرجل ليكون قواماً في تأمين وتوفير حاجات المرأة ومتطلبات أولاده.. وذلك لأنه الذي تتوفّر فيه المواصفات البدنيّة والنفسيّة اللّازمة للتكليف بهذه المسؤولية وتولّيها.. كما أنه سبحانه قد ألقى بمسؤولية
حضانة وتربية الأولاد على عاتق المرأة الزوجة لميزات تتوفّر فيها أكثر منها في الرجل الزوج، فهي أكثر تناسباً وهذه المسؤوليّة بشكل استثنائي ومميز.
لا ريب في أنّ المرأة والرجل هما اللذان يديران الأسرة، إلّا أنّ الحديث هو حينما لا يتوصل الطرفان إلى قرار مشترك، فمن ذا الذي تكون له الكلمة الأخيرة ؟ إذ الاختلاف بين المرأة والرجل حالة طبيعيّة، ولا بد من التوصل إلى خيار نهائي.. فإذا ادّعى مدّع أنّ كلمة قرار المرأة هو الذي يجب أن يسري؛ فما هي حجّته؟ وإذا قال قائل بأنّ خيار الرجل هو الذي يجب أن يفوق خيار المرأة؛ فما هو دليله أيضاً؟ إذا كان القرار لنا ونحن البشر ذو والفهم الناقص لحقائق التكوين.. فليعلم بأننا لن نصل إلى نتيجة واحدة، لأنّ جماعة يقبلون الرأي الأول، وجماعة يقبلون الرأي الثاني، وعليه؛ فإنّ النزاع لن يُحلّ.. وهكذا يجب إيكال القضاء والفصل في الحكم إلى اللّه سبحانه وتعالى، لأنه العالم بحقيقة تكوين وقابليّات كلّ من الرجل والمرأة وأعلم بهما من كلّ أحد.. وطبعاً أن كلاً من الزوج والزوجة هما مستشاران لبعضهما.. ولذا؛ فإنّ الحديث ليس عن تفضيل أحدهما عن الآخر كما تذهب المدّعيات الغربية، بمقدار ما ينبغي أن تتم فيه إدارة الأسرة...
في عالمنا المعاصر و أكثر من أي وقت مضى. وإذا ما أمرت هيئة (ولو كانت من شخصين) بأداء مهمة ما، فلابد أن يكون واحد من الشخصين رئيساً والآخر معاوناً أو عضواً والا تحكّمت فيهما الفوضى.. وإدارة الرجل في الأسرة من هذا القبيل.
أن تصريح القرآن بإدارة الرجل للعائلة بداعي أنّها تمثل وحدة اجتماعيّة صغيرة، وهي كما المجتمع الكبير المحتاج إلى قائد ومدير واحد، لأنّ قيادة وإدارة المرأة والرجل مشتركين
لا مفهوم لها.. وبالنتيجة؛ إما أن يكون الرجل أو المرأة مديراً للأسرة ويكون الآخر بمثابة المعاون الذي يخضع لتلك الإدارة.. والقرآن يصرّح هنا أن منصب الإدارة يجب أن يعطى للرجل.. دون أن يتمخّض ذلك عن استبداد الرجل وتعديه واجحافه بحق الأسرة، وإنّما اللازم أن تكون إدارته عامل تنظيم وتوجيه نظراً لمسؤوليات الرجل واستشارته.
ترجيح قدرة الرجل الفكريّة على الطاقة العاطفيّة والشعورية (حيث تغلب عاطفة المرأة على تفكيرها غالباً) للمرأة.. وتمتّع الرجل بالقوة الجسمانية الأكبر.. تؤهل الطرفين للدفاع عن حدود الأسرة.. أدّى الى أن يوكل اللّه تعالى إدارة الأسرة للرجل.. مضافاً إلى أنّ هذا الأخير قد تعهد للمرأة والأولاد بتوفير النفقة وسداد مهر المرأة وضمان المعيشة الكريمة للأسرة.. فكان له أن يقود أعضاء العائلة.. وقوله تعالى: بِمَا فَضَّلَ اللّه بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إشارة إلى الحقيقة المذكورة.
من الممكن أن تكون بعض النساء لأسباب ما أكثر أهليّة من أزواجهن.. ولكننا كنا قد ذكرنا مراراً أنّ القوانين لا تنظر إلى الحالات الفرديّة والاستثنائية، وإنّما هي ذات بعد كلّي ونوعي، ولا شكّ في أنّ النظرة النوعية والكلّيّة تنتهي إلى الإيمان بقابليات الرجل بما يفوق.المرأة.. رغم أنّ للنساء مسؤوليات لابدّ من القول بأهميتها..
من لوازم ضمان تحقيق المصلحة البشريّة وحركة عجلة الحياة أن يكون لكل موجود - بناء على طبيعة خلقته - خصوصيات منحصرة فيه.. ولهذا؛ وجدنا اللّه تعالى قد خلق الرجل بعاطفة أقلّ وقدرة تفكير وتعقّل أكبر، كما جعل في المرأة ما يناهض ذلك.. والشأن في ذلك شأن السيارة - مثلاً - حيث الوقود ضروري لانطلاقها.. والكوابح لازمة لتوقفها.. لأنّ السيارة بحاجة إلى الأمرين والوسيلتين معاً.. وليس من عاقل يرى في هذا ظلماً وإجحافاً.
لا ريب في أنّ إيكال مسؤولية الإدارة للرجل لا يعد دليلاً على أفضلية شخصيته الإنسانيّة ولا سبباً لتميزه على المرأة في هذا العالم.. إذ طبقاً للآية (33) من سورة (الحجرات) المباركة
فإنّ فضل الإنسان على غيره يكمن في تقواه.. كما أنّ الشخصيّة الإنسانيّة لمعاون لأحد الرؤساء قد تكون أرقى - من نواحي عديدة - من شخصية رئيسه.. ولكن الرئيس نفسه قد يكون أرقى قابلية إدارية من معاونه..
القسم الأوّل: الصالحات، وهنّ اللاتي يخضعن لنظام الأسرة؛ سواء لدى حضور الرجل أو غيابه، فلا يرتكبن خيانة ماليّة أو شرفيّة أو لدى حفظ شخصيّة الزوج وأسراره في غيابه.. وكذلك إزاء الحقوق التي جعلها اللّه تعالى لهم، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله العزيز: (بما حَفِظَ اللّه) حيث يؤدّين مسؤولياتهنّ بما وسعهنّ.. ومعلوم أن الرجال مكلفون أن يؤدوا بالغ احترامهم وعرفانهم بجميل هكذا نساءٍ.
القسم الثاني: هنّ اللاتي يتمرّدن على أداء وظائفهن.. والرجال إزاء هنّ لهم وظائفهم التي ينبغي أن يؤدّوها بشكل مرحلي، وأن يحذروا من أن يتجاوزوها.. والآية قد بينت وحددت تلكم الوظائف: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وهذه هي المرحلة الأولى في تعامل الرجال مع زوجاتهم غير المطيعات، وهي مرحلة الوعظ والتحذير.. فمن تضع قدمها خارج نطاق نظام وقانون العائلة لابدّ أن توعظ بالتي هي أحسن، وأن يبين لها سوء عاقبة التمرّد على سلامة الأسرة، وأن تذكّر بمسؤولياتها: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ).)8. في حال عدم انصياعهنّ للموعظة.. يبتعد عنهنّ في المضاجع للإشارة إلى عدم الاعتناء لهنّ وعدم الرضا عنهنّ لعلّ ردّة الفعل هذه تقع موقع التأثير في روحهن (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ.)9. في حال تجاوز التمرّد حدوده وزيد في اللجاجة وعصيان القانون الطبيعي، فلم تنفع الموعظة ولم يجد الهجر في المضجع، يعمد إلى وسيلة أقسى؛ وهي الضرب لحمل المرأة على أداء وظائفها.. ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ.)
10. سؤال : هل للرجل حقّ ضرب زوجته ؟!كما أنّ على الرجل مسؤوليات تجاه الزوجة، مثل: توفير السكن والمأكل والملبس وضمان الأمان والتعامل بغاية المودة والاحترام والمحبّة.. كذلك هي المرأة؛ عليها مسؤوليّات تجاه الزوج، مثل: التمكين الجنسي، وهو حاجة طبيعية غير قابلة للتجاهل.. أما إذا قصر أحد الطرفين في أداء مسؤولياته، فقد أعطى اللّه تعالى للطرف الآخر حق استيفاء حقوقه..فإن لم يؤدِ الرجل وظائفه، كان للمرأة - بمراجعة الحاكم الشرعي - أن تحمل زوجها على الانصياع في أداء وظائفه.أمّا إذا قصرت المرأة في حقوق زوجها، فليس للزوج أن يضمن حقوقه عبر المحاكم بهذه السهولة؛ لأن حقوق الرجل على المرأة ليست من نوع الأمور التي يمكن كشفها للآخرين.. ولهذا؛ فقد أعطى اللّه تعالى الإذن للرجل في إعمال القانون لضمان حقوقه:أما أولاً: فليس للرجل حق الضرب ابتداءً، وإنّما طبقاً للآية للرجل أن ينفصل عن مضجع زوجته، فيحاصرها عاطفياً - حسب التعبير - لينبهها إلى سوء معاملتها إيّاه.ثانياً: فإن لم تفلح خطوة الهجر والمحاصرة العاطفية كان له أن يضربها كتعبير عن انزعاجه منها..ولكن ما هي حدود الضرب هذا؟طبقاً للروايات؛ له أن يضربها بما لا يوجب دية.. وكما ورد في الكتب الفقهيّة: ينبغي أن يكون الضرب خفيفاً بعيداً عن أي عنف، فلا يؤدّي إلى الكسر أو الجرح أو حصول تغيير في لون موضع الضرب.. وقد ورد في بعض الروايات: أن يكون الضرب بمسواك.. (1ولذا؛ كان الإذن بالضرب لمجرد إبداء الرجل شديد انزعاجه دون قصد الإيذاء والانتقام.. فالضرب هذا أشبه ما)
1) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ص 245.
يكون بالملاطفة منه بالضرب..ثالثاً: يجب أن يلاحظ أنّ هذا الضرب يراد منه كسب مودّة المرأة دون إيذائها.. وواضح أن الإيذاء لا يؤدّي إلى محبّة بل هو عامل نفرة.. وعليه؛ يجب أن يكون الضرب بشكل محرّك للعاطفة والاحساس، فتعي الزوجة مستوى انزعاج الرجل وألمه، وأنّه لولم يكن يكن لها المودّة لضربها بشدّة ولتجاوز على كرامتها ولكنّه بالتزامه الحدود الشرعيّة تظاهر بالضرب.. فإذا ما تكرّس في المرأة هذا الوعي والشعور؛ تصاعد الأمل في تركها عادة النشوز..11. سؤال: لماذا صارحق الرجل الجنسي جدّيّاً إلى هذا الحد؟!المرأة مسؤولة تجاه زوجها عن وظيفة واجبة واحدة وهي سدّ حاجته الجنسيّة، وهي مسؤولية بسيطة قياساً بما على الرجل من مسؤوليات ولكنّه سبحانه وتعالى قد أولى مسؤوليتها هذه كلّ الجدّيّة.. فلماذا يا ترى؟!الف: الرجال ضعفاء من هذه الناحية إلى حدٍ كبير، فالمرأة بمقدورها قضاء فترة طويلة دون مقاربة جنسية، لأن إثارتها الجنسية تكون في الأغلب بطريق اللمس، فيما الرجل يثار بكلّ أشكال الإثارة، مثل النظر والرائحة والصوت واللمس و.... بل لعلّه يثار لمجرد فكرة أو أن ينقضي عليه قليل الوقت دونما معاشرة جنسية.. ولذلك كان الرجل ضعيفاً من هذه الناحية، وتهدّده المخاطر الفعلية أو ما هي بالقوة باستمرار.ب: برود العلاقة وقلّة المقاربة - لاسيّما من ناحية المرأة - تقلل من درجة المحبّة بين الطرفين، وبالنتيجة يتعرّض كيان الأسرة إلى الانهيار.. وقد أشارت الآية (21 من سورة (الروم) إلى العلاقة الجنسية وعدتها مودّة تثمر ذريّة كرحمة منه تعالى.)ج: نشوز المرأة يوجب ميل الرجل إلى نساء أخريات، وهذا الأمر - فضلاً عن عواقبه الأخلاقيّة والشرعيّة السيئة - فهي مؤثّرة في الرجل نفسه والنساء أنفسهن.. وتوجب دمار الأسرة أيضاً.. ولذا لم يكن نشوز المرأة بالأمر البسيط، وإنّما هو معول هدم في كيان الأسرة الواحدة، بل وأسر
عديدة.. ومن هنا؛ أعطى اللّه تعالى الرجل حقاً جزئيّاً فى إنذار المرأة وتأديبها، ليعرب عن انزعاجه من زوجته.. ولابد هنا من ملاحظة أمور:أوّلاً: الضرب الخفيف بعد الحصار العاطفي:ثانياً: لا ينبغي أن يكون هذا الضرب شديداً، بل أن يقصد به الإعراب عن الانزعاج، إذ لا طريق للرجل غير ذلك.. وهو إما أن يبكي.. وبكاؤه قبيح ويقلل من شأنه وهيبته.. وإما أن يصرخ، ولم يجزه الإسلام في ذلك.. فلا يبقى أمامه إلّا أن يعرب عن ألمه وانزعاجه كأن يعبس أو أن يضربها على بدنها بظهر أصبعيه بما لا يوجب احمراراً في بشرتها.. بل ليلفت انتباهها إلى انزعاجه..12. معلوم أنّ إحدى هذه المراحل إن أثرت وعادت الزوجة إلى أداء وظائفها، فلن يبقى للرجل حقاً بالتحجّج ليؤذيها: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً.)13. إذا قيل بأنّ مثل العصيان والنشوز هذا قد يصدر عن الرجل، فهل يشمل بالعقوبة التي تعرّضت لها المرأة؟للإجابة نقول: الرجال يعاقبون كما النساء في حال التنصل والتقصير في أداء مسؤولياتهم ووظائفهم، بما في ذلك العقوبة البدنية، والفارق أن معاقبة الرجل أمر خارج عن قابلية المرأة.. وجدنا الحاكم الشرعي مأذون في معاقبة الرجل - وبطرق مختلفة - مثل التعزير (العقوبة البدنيّة ليعود إلى وعيه وأدائه وظيفته التي يقصر فيها، وشاهد ذلك حكاية معروفة متداولة عن رجل متعنّت معاند في أداء مسؤولياته تجاه زوجته، حيث جابهه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ المجابهة، حتّى أنّه هدّده بسيفه ليسلّم للحق والقانون. (1))14. ختاماً: يتجدد إنذار الرجال في فحوى الآية القرآنيّة في أن لا يسيؤوا التصرف تجاه
1) راجع: الإختصاص، ص 157.
أسرهم، وأن يفكّروا في قدرة اللّه تعالى العلي العظيم الكبير (إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.)15. يعلم من مفهوم الآية الكريمة أنّ اللّه الذي كلّف شخصاً واحداً لإدارة شؤون الأسرة المكونة من عديد الأشخاص، ولم يكل أمرهم إلى أنفسهم... كيف يعقل أن يكل أمر الأسرة الكبرى المتمثلة في المجتمع المسلم؛ فلا ينصب له قائداً ووليّاً، أو أن يجعل ذلك لرأي الأفراد المتعدّدي الولاءات والمشارب والأذواق والمستويات و...؟
### الآية 35#### إشارة:وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللّه بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)#### النقاط المستفادة من الآية1. (شِقَاقَ مصدر على وزن فعال من الشق بمعنى الناحية والجانب.. وهو المنازعة والمحاربة (1)أمّا الآية؛ فعنت باستعماله الفاصلة بين المرأة وزوجها بسبب الكراهة والنفرة الحادثة بينهما.)2. قال بعض المفسّرين المراد من: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ استمرار النزاع بين الزوج والزوجة إلى حدّ الخوف، وفي الجملة دلالة على توقي الاختلاف والنزاع، أي إذا حصلت دلالة على وجود الكراهية بين الزوج والزوجة، وحصل الخوف من بلوغ هذه الكراهية والنزاع حدّ الشقاق والطلاق؛ فليقصد الحكم..)3. هل من الواجب أو المستحبّ تشكيل محكمة الأسرة؟عدّ بعض الفقهاء والمفسّرين الرجوع إلى الحكم أمراً مستحبّاً، إذ لعلّ أمر العائلة ينتهي إلى الصلاح دون الحاجة للرجوع إلى الحكم.. والحق ما عليه أكثر الفقهاء. فالأمر (فَابْعَثُواْ يدلّ على الوجوب، فضلاً عن أنّ الشقاق والكدرقد يوقعهما في الحرام والنفرة وتتهيأ بذلك الأرضيّة السيئة، وعليه يكون من اللازم المنع من استمرار الفتنة والاختلاف. (2))
4. تعيين الحكم؛ وظيفة من؟يذهب أغلب الفقهاء والمفسّرين إلى أن تعيين الحكم من مسؤولية الحاكم رغم استعمال ضمير الغائب. (1)وفضلاً عما تقدّم، فإنّ مسؤولية تنفيذ الأحكام وأوامر الشريعة بعهدة الحكومة. قال سعيد بن جبير: في حال عدم التوافق يتوجّه بالرأي إلى الحكومة لتعيّن حكماً. (2)و قال الشيخ الطوسي في ذيل هذه الآية: بعث الحكم لرفع الاختلاف الحاصل بين الزوجين بعهدة الحكومة، لأن أنّ ظاهر الآية الشريفة يوحي بالتحكيم.. والتحكيم يتوجّه في المسائل القضائيّة إلى القادة والقضاة بشكل مطلق حينما يرد حكم؛ وكان مطلقاً..وصرّحت الروايات في تفسير الآية: «هو السلطان الذي يترافعان إليه» (3المأمور بالتعيين هو الحاكم الذي يُترافع عنده وقال في (الدّر المنثور): إنّ من وظيفة الحاكم بعث الحكم، لأنّ الحكميّة من شأن الحكومة.)ويمكن الاستدلال على ذلك بسيرة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في إرسال الحكم لدى الاختلافات الحاصلة بين الأزواج.. روى عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة (متخالفان) و مع كلّ منهما مرافق إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأمر أمير المؤمنين أن يعين كلٌّ منهما حكماً من أسرتيهما وفوّضهما في اختيارهما. (4))ونقل ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب قال : لطالما اختار علي (عَلَيهِ السَّلَامُ لدى الاختلاف حكماً من أقارب الرجل وحكماً من جهة المرأة: فيقول حكم الرجل لحكم المرأة: يا فلان ممَّ)
تشكو؟ ثمّ إنّه يعدّ في ضميره. فيقول له حكم المرأة إذا نلت مبتغاك، فهلّا خشيت ربّك وأنفقت وألبست بالمعروف مع زوجتك؟ فإذا أخذ الإقرار منه، قال حكم المرأة يا فلان ما تشكو.من زوجك؟ فيعد ما يريد فيكرّر الحكم قول صاحبه. فإن قبل؛ جلسا ليحصيا.. (1وأضاف جمع من المفسّرين في حال عدم الحكومة، كان تعيين الحكم من وظيفة أفراد الناس، لاسيّما عقلاء القوم منهم، لتزول الاختلافات بالتحكيم، ولئلاتهمل مشاكل الناس ومصائبهم.)5. إنّ مسؤولية الدولة ليست مجرّد توفير الماء والخبز والأمن العام والدفاع عن الحدود الجغرافيّة، وإنما عليها تحقيق الأمن المعنوي والنفسي في الأسرة. فالدولة و(الحكومة بمثابة الأب والأم بالنسبة للأولاد وإنّ المحافظة على الأولاد من الأخطار التي تتهددهم من مسؤوليات الوالدين.. إنّ مشرفي الدولة الثقافيين مكلّفون بالسعي إلى تطوير الثقافة العامة ومواجهة الفقر والجهل والفساد وخلق الألفة والمحبّة في العوائل، وكذلك العمل على إزالة أسباب الأزمات بين النساء وأزواجهن.. وهذه الأمور والوظائف من جملة صلاحيات الدولة الدينيّة.. ويجب أن يكون المكلفون بكل ذلك عارفين بمسائل الدين وحريصين على واقع الأمة المسلمة، ليكونوا جديرين بريادة التربية الإيمانية والارتقاء بثقافة المودة والتآلف.)6. لقد كان مولى المتقين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ يحرص كلّ الحرص على استقرار العوائل، ولم يكن ليفوته أمر بهذا الصدد، وكانت له ردود فعله المناسبة إزاء المشاكل الداخلية لها؛ فيعمد إلى توقّيها أو حلّها.. فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يباد رفي أحيان كثيرة إلى التوجّه للبيوت والأسر المتنازعة فيعمد إلى توجيه النصح والموعظة لهم، بل إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يمارس صلاحياته كإمام وأمير وخليفة في حالات معينه ليحل المنازعات وليصلح بين الأزواج.)
1) تفسير الطبري، ج 5، ص 47.
و كان (عَلَيهِ السَّلَامُ يمشي ذات يوم في أزقة الكوفة، فبادرته امرأة تبدو عليها ملامح الاضطراب وقالت: إنّ زوجي يظلمني وقد أقسم على أن يبرحني ضرباً.. فلبث (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنيئة ثم قال: واللّه لابدّ من إعادة الحقّ إلى أهله وانطلق إلى بيت المرأة.. فخرج عليه رجل شاب بثياب معصفرة، وكان زوج المرأة، فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): اتَّقِ اللّه، لم أرعبت زوجتك؟ فلم يعرف الشاب المغرورإمامه فقال: ما شأنك وزوجتي ؟ واللّه لأحرقتها!! فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّما أمرك بالمعروف وعليك أن تتوب وإلا عاقبتك.. وهنالك تقاطر جمع من الناس وسلّموا على الإمام باسمه وصفته، فماكان من الرجل إلّا أن أسقط ما في يده وراح يعتذر للإمام ويسأله العفو ويقول: واللّه سأكون ثرى لتطأني امرأتي بقدميها.. فراح (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقرأ بسرور قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) ثم عاد (1)ونقل مثل هذا ابن شهر آشوب، فقال إنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد بيت امرأة في يوم حار جداً، وكانت قد فزت منه خوفاً ورعباً.. فأصلح خلافها مع زوجها الذي روّعها، ثمّ إنّه قال بعد ذلك يا أمة اللّه عودي إلى بيتك ولا تحملي زوجك على ما يفعل. (2))7. إنّ قاطبة المؤمنين مسؤولون إزاء مشاكل عوائل الآخرين من إخوانهم، وعليهم جميعاً أن يشعروا بتكليفهم بالمحافظة على هذا المركز المقدس. لأن إصلاح شأن المؤمن من المصاديق الواضحة للتعاون على البر والإحسان ومن موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.8. شرائط الحكام:الف: لا شكّ في أنّ الحكّام يجب أن يكونوا بالغين عاقلين وخبيرين ليحكموا بما هو حقّ وإصلاح.
ب: مضافاً إلى الخبرة، يجب أن يكون الحاكمان عدلين.ج: يجب أن يكون الحكمان مطلعين على أحوال وطبيعة حياة المرأة والرجل، وأن يكونا حلیمین صبورين لئلا يحيدا عن جادة الحقّ والحقيقة في القضاء كما يلزم أن يكونا عارفين بالأحكام الإسلاميّة المتعلقة بموضوع الخلاف.د: مهمة الحكمين القضاء (1، وهو كما الطبابة التي لابدّ فيها لمن يتصدى أن يعرف المفردات الفنيّة والعلميّة لتتحقق الغاية المطلوبة من التمريض والعلاج بعد ممارسة ذلك بإشفاق ورحمة كشرط أوّل وأساس.. وقد صرّح القرآن الكريم لدى الأمر بإرسال الحكم: ﴿إن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللّه بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).)9. قید (عليم و (خبير) تحذير للحكم أن يستخف بهذه المهمة، وأن يكون حافظاً للسر أميناً، وأن يحرص كلّ الحرص على إصلاح ذات البين واللّه عليم خبير بشؤون الجميع.)10 احتمل المفسّرون ثلاثة احتمالات لضمير التثنية في كلمة (بَيْنَهُمَا :)الاحتمال الأول: إذا كان مرجع الضمير عائداً إلى الحكمين، فالمفهوم يكون: إن قصد الحكمان إصلاحاً، فاللّه تعالى يجعل بينهما ألفة ويصلان إلى رأي ووفاق في القضاء دونما اختلاف بينهما. ولكن هذا الاحتمال بعيد بالنظر إلى ظاهر الآية يتّجه إلى الزوجين اللذين هما فاعل حكمة (يُرِيدَا وليس الحكمين..)الاحتمال الثاني: إذا عاد الضمير إلى المرأة والرجل بمعنى: إذا أراد الصلاح بينهما حقّاً، ولم يعمدا إلى التبرير، فإنّ اللّه تعالى يؤلّف بينهما ويرحمهما، لأنّ أساس الزواج قائم على الألفة والرحمة، ولا يزيح ظلال الكدر والوساوس الشيطانية التي أحاطت بالحالة الزوجيّة اللّه تعالى ولطفه ورحمته..
1) التبيان، ج 3، ص 192.
إمّا أن يكون الضمير الأوّل عائداً إلى الحكمين والضمير الثاني عائداً إلى الزوجين فيكون المعنى هو التالي:«إذا أحسن الحكمان نيتهما وابتعدا عن كلّ شائبة، فسيوفّقان إثر ذلك إلى إيجاد الألفة بينهما» وسيعود الاستقرار إلى جوّ العائلة.الاحتمال الثالث: قضاء الحكمين إنّما يكون قابلاً للتنفيذ حين يكون الاثنان متفقين في الرأي، وهذا ما يفيد به ظهور الآية الكريمة، وقد روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر؛ فليس حكمه بشيء حتّى يجتمعا». (1))11. هذه الآية بدأت ب-(إن مرتين، وكان موضوعها في المرّة الأولى لزوم انتخاب حكمين بصورة خاصّة.. فيما المرّة الثانية كان موضوعها بخصوص النيّة وقصد الزوجين وفيما أنّهما إذا أرادا المصالحة؛ أصلح اللّه بينهما رغم اختلافهما.)12. دائرة صلاحيات الحكمين :إلى أي مساحة هي دائرة صلاحيات الحكمين؟ وإن رأى الحكمان المصلحة في التفريق بين الزوجين المتخاصمين؛ فهل لهما أن يفرقا بينهما أم لا؟ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ صلاحيات الحكمين مطلقة ولهما أن يقضيا بما شاءا - ولكن أكثر الفقهاء فرّقا بين قاضي التحكيم وبين الوكيل - وقالوا: إنّ قاضي التحكيم ليس له إلّا أن يصلح بين الزوجين، فإذا ما قررا الفراق عليهما أن ينظرا في رأي الزوجين. وإن توفّر الوكيل؛ كان له أن يفرّق. (2)13. في إطار الإصلاح بين الزوجين يكون للحكمين كلّ الصلاحية ما لم تتعارض والشريعة، وأن يحملا الزوجين على قبول ما حكما به وإن لم يكن محطّ رضاهما. كتب
الشهيد الثاني في (المسالك:)إذا حدد الحكمان شرطاً للتوافق، وكان الشرط يسيراً ويعين الزوجين على حياة كريمة، كان شرطاً لازم التنفيذ، وإن لم يرضيا به كما لو اشترطت الزوجة أن تعيش في مدينة ما، أو أن يكون لها بيت خاصّ، أو أن لا يسكن أمه معها، أو أن يسلّمها ما في ذمّته من مهر نقداً، أو أن يبادر إلى أداء ما عليه من دين لها.. فإنّ ذلك يدخل تحت عنوان: «المؤمنون عند شروطهم». (1)ثانياً: أن يتاح لهم التحكيم.14. هل تجب إطاعة أوامر الحكمين؟ظهور الآية الكريمة في لزوم إرسال الحكمين يقتضي وجوب قبول رأي الحكمين، لأنه إن لم يكن ذلك ضرورياً، لكان اختيارهما لغواً وبعيداً عن الحكمة.. بالإضافة إلى أنّ اختيار كلمة (حكم بمعنى الحاكم يشير إلى لزوم التبعية لإرشاداتهما.. وذلك كما تقدم القول في وجوب العمل بشروطهما وقبول آرائهما.. ومن الطبيعى أن يكون لكلا الزوجين حق الاعتراض والاستفهام إذا ما توفّرت لهما أو لأحدهما الدلائل المعقولة والمنطقية. (2))15. هل يمكن للحكم أن يكون من غير أعضاء العائلة ؟ظاهر الآية يدلّ على أن يكون الحكم من أعضاء الأسرة.. فيما ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ هذا الأمر إرشادي لا مولوي، لأنّ فلسفة التشريع فيه الإصلاح بين الزوجين.. وعلى أي حال؛ فإنّه إن لم يتسّنَ اختيار حكم من الأسرة، لزم الاختيار من عقلاء القوم.16. محكمة الصلح العائلية التي أشير إليها في الآية أعلاه تعد إحدى روائع الإسلام، إذ لها ميزات كثيرة تفتقر إليها المحاكم العرفية والرسميّة، وها نحن نذكر ثمانٍ منها باختصار:الأولى: يتعرف الأشخاص الأقارب إلى جذر المشاكل.
الثانية: تصان أسرار العائلة في هذه المحكمة، فيما المحاكم العادية يضطر طرفا الدعوة. للدفاع عن نفسيهما. إلى كشف مختلف الأسرار.الثالثة: المحكمة العائلية لا تكلّف شيئاً، وهي بعيدة عن التشريفات والإطالة المعروفة في المحكم الرسمية.الرابعة: الأسرة مركز للشعور والعاطفة، ومسائل الأسرة لا يفصل فيها بالأمر والنهي والتعاليم الجافّة والمكتوبة. وفي الحقيقة كما أن المحاكم الجنائية لا يمكن العمل فيها بمعايير الحبّ والعواطف، فإنّ الجو الأسري لا يمكن الانقياد فيه إلى المقاييس القانونية الجامدة والمقررات الفاقدة للروح.. وهنا ينبغي - ما أمكن - حلّ المشاكل بالطرق العاطفية.. ولهذا ورد الأمر بضرورة أن يكون الحكمان ممن تصلهم بالزوجين صلة قرابة، ليتمكنا من إثارة أو استغلال عواطف الزوجين في مسار الإصلاح.. و من البديهي أنّ هذه الميزة تتوفّر في محكمة الأسرة دون سائر المحاكم، لأنّ الصلح والوفاق يجب أن يكونا الحاكم في الحياة الزوجيّة وهو يختلف عن الصلح والوفاق بين شريكين.. إن التوافق في الحياة الزوجيّة كما هو التعامل بين الآباء والأمهات مع أولادهم حيث يتمّ بالعفو والتضحية والتسامح.. وعلى حد تعبير الأستاذ المطهري: لا فائدة من الصلح العسكري (وعلى حدّ التعاليم القرآنيّة؛ يجب حل الاختلافات الزوجيّة بالحوار الداخلي بين الأقرباء لأنّ الجوّ العائلي مركز ومحور العواطف والمشاعر.. ومن الطبيعي أن تكون المقاييس في ذلك غير المقاييس المعمول بها في الأجواء الأخرى.)الخامس: قد أثبتت التجارب أنّ الزوجين اللذين يقصدان المحاكم الرسمية لن يكونا كما في السابق، لأنّ الواحد منهما قد يضطر إلى كشف الأسرار في إطار الدفاع عن نفسه أو جر الحقّ إليها.. وهذا ما يؤدي إلى جرح مساعر الطرف الآخر؛ ممّا تعسّرفيه عملية الصلح.. ولا ريب في أنّ المرأة أو الرجل إذا أفشيا أسرار الزواج في محضر الغرباء الأجانب؛ فإنّهما وإن عادا إلى بيتهما معاً، إلا أنهما لن يحظيا بنفس درجة المحبّة والثقة المتبادلة التي كانا يعيشانها
قبل المحكمة.. وإنّما الاضطرار هو ما يدفع بهما إلى العيش المشترك.. ولكن محكمة الأقارب لا تؤدّي إلى واقع مرير، ولن يكون السوء فيها كالذي في المحاكم الرسميFة.السادس: لما كان الحكمان القريبان شريكين في منفعة الصلح أو ضرره، فإنّهما أكثر حرصاً من الغرباء، فتراهما يبذلان كلّ جهديهما للإصلاح.. غير أنّ الحكّام الأجانب لا يبالون - في الغالب - بالصلح والإصلاح.السابع: أنّ تأثير خطاب ذوي الأرحام والأقارب - لاسيّما إذا كانوا ذوي شخصيات مميزة ومحترمة - أكبر بكثير من خطاب الغرباء.. وهذا ما لا حاجة فيه إلى الاستدلال..الثامن: كتب مؤلف تفسير (الكشّاف في ذيل هذه الآية:)«فلسفة اختيار الحكّام من بين أفراد عائلتي المرأة والرجل كخطوة أولى هي أنّ أقارب المرأة والرجل أكثر إطلاعاً على ضعف وقوة الزوجين، وأنّ رغبتهم في الإصلاح - بداعي القرابة - أشدّ من رغبة الغرباء.. وفضلاً عن ذلك، فإنّ ثم أسراراً يكتمها الزوجان ويفضلان - عادة - كشفها للأقارب دون الغرباء». (1)17. تشير التجارب إلى أنّه بموازاة اتساع أعداد المؤسسات القضائية، هناك تصاعد في معدّلات الطلاق والاضطراب وتعقيد فى أزمات العائلة.. فيما الوقاية من الاختلافات واختيار الحكّام الجديرين من بين أفراد الأسرة منهم الصلاحيات اللازمة.. يقلل من تبعات الاضطراب ويحول دون اتساع وتصاعد معدلات الطلاق؛ كما ينشر الصلح والاستقرار في بيئة الأسرة.. وهذا ليس مجرّد شعار أجوف.. والدال عليه سيرة المسلمين المديدة عبر التاريخ.. فالمسلمون كانوا يلجؤون – أحياناً - إلى محكمة الأقارب، ولطالما انتفعوا من ذلك كلّ النفع.. ولكنهم في الوقت الراهن، وبداعي الحياة المدنية انكمشت هذه الصورة، فأعقب ذلك نتائج
1) الكشاف، ج1، ص 508.
غير مناسبة بالمرّة..18. ضمن إعرابه عن قلقه العميق؛ لفت الشهيد مطهري الأنظار إلى اتّساع دائرة الطلاق في المجتمع المسلم، حاثاً على الرجوع إلى الأصل القرآني الداعي إلى حكمية الأسرة والاستشارة الذاتية، وعدّ إحياء العمل بها من عوامل الحدّ من معدلات الطلاق. وكتب نقلاً عن تفسير (المنار في أهميّة الحكمين:)من المؤسف أنّ المسلمين يتجاهلون مزايا التحكيم الأسري، فرغم أن الطلاق حالة متواصلة بداعي الاختلاف والشقاق في العوائل.. إلا أنهم لا يستثمرون أصل وقاعدة التحكيم، فيما العلماء منهمكون في الجدل حول وجوب أو استحباب التحكيم الأسري.. والحال؛ لا فرق بين كونه واجباً أو مستحباً إذا لم يتم العمل به.. (1)19. إذا بدت علائم الشقاق والافتراق بين الزوجين؛ فلا مناص من بحث العلل والأسباب التي أدت إلى الخلاف، وتوفير فرص ومقدمات الصلح والوفاق عبر اختيار حكم من أقارب الزوج وحكم آخر من أقارب الزوجة.. (وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا....)20. إذا تدخل الحكمان بحسن نية وحرص، وكان هدفهما الإصلاح بين الزوجين، فإنّ اللّه تعالى يعينهما ويؤلّف بينهما: ﴿إن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللّه بَيْنَهُمَا.)21. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا بمثابة التحذير للحكمين ليحسنوا نيتهما، لاسيّما وأنه سبحانه مطلع على نيتيهما وهدفيهما إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا.)
1) تفسير المنار، ج 5، ص 79.
### الآية 36#### إشارة:وَاعْبُدُوا اللّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)#### مقدمةالآية أعلاه تبين سلسلة من الحقوق الإسلاميّة بما في ذلك حق اللّه وحقوق العباد وآداب المعاشرة مع الناس.. ويفهم منها – عموماً - عشرة تعاليم :#### النقاط المستفادة من الآية1. أن تشرع الآية الكريمة بالدعوة إلى عبادة اللّه وعبوديته وترك الشرك وعبادة الأصنام، فلأن ذلك يمثل جذر التعاليم والمنهج الإسلامي. ولأنّ الدعوة إلى التوحيد وعبادة الواحد الأحد تطهّر الروح وتخلص النية وتقوّي الإرادة والعزم على إنجاز كلّ مشروع مفيد.. ويشير هذا البيان الوارد في الآية إلى جملة من الحقوق الإسلاميّة، وفي مقدمتها حق اللّه على الناس (وَاعْبُدُواْ اللّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...)2. حق الأب والأم من المسائل التي طالما اعتمدها القرآن المجيد، وأشار إليها في أربعة موارد، جاء فيها الأمر بعدم الشكر لغير اللّه الواحد الأحد، ثم - بلا فصل - ضرورة احترامهما.. وهكذا ورد واجب الشكر للوالدين في الآية إلى جانب الشكر في مقابل النعم الإلهيّة، مع أنّ
نعم اللّه تبارك وتعالى غير قابلة للإحصاء، ممّا يشير إلى عمق ووسعة حقوق الوالدين.. وقد تكرّر استعمال هذا السياق والأسلوب القرآني بحيث تتضح العلاقة بين الجانبين.. وهكذا هو الأمر.. إذ أن النعمة الكبرى التي أولاها اللّه للإنسان هي نعمة الوجود والحياة، وتليها نعمة الوالدين التي ترتبط بما سبقها من نعمة ارتباطاً وثيقاً، وذلك لأنّ الولد جزء من الأب والأم، وعليه؛ فإن عدم رعاية حقوق الوالدين قرين الشرك باللّه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا 3. رغم أن العواطف الإنسانيّة والمسائل الحقوقية كافية لوحدها للالتزام باحترام الأب والأم، إلّا أنّ الإسلام هنا وحتى في المسائل التي يستقلّ فيها العقل استقلالا تاماً وتكتشفه العاطفة بوضوح لم يسكت، وإنّما أصدر تعاليمه وأوامره تأكيداً لها..
يعلم من آيات القرآن وروايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أنه ليس عقوق الوالدين حرام وكونه من الكبائر فحسب، وإنّما الإحسان لهما وأداء حقهما أمر واجب وتركه محرّم.
يرد لفظ الإحسان تارة ب-(إلى) ويذكره في أخرى ب-(ب).. فالصورة الأولى تعني الإحسان لهما وإن كان بشكل غير مباشر.. فيما الصورة الثانية؛ فتعني المباشرة بذلك بلا واسطة.. وعلى هذا؛ فإنّ الآية الشريفة أعلاه تؤكّد على أن موضوع الإحسان بالوالدين ينبغي أن يحمل على محمل الجديّة التامة، وأن يتمّ بلا واسطة (1).
إشارة لبعض الروايات الخاصّة بحقوق الوالدين
الف: روي في الحديث النبوي الشريف:
«من آذى والديه فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى اللّه ملعون» (2).
ب: روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له؛ لم يقبل اللّه
منه صلاة. (1)
ج: قال رجل للنبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لم أدع سيئة إلا فعلتها، فهل لي من توبة؟! فقال صلوات اللّه عليه وآله : أحسن لأبيك ليكون إحسانك كفّارة لذنوبك. وحين غادر الرجل قال النبي: لو كانت أمه حيّةً لكان الإحسان لها أفضل. (2)
د: يا رسول اللّه لمن أحسن؟ فقال: لأمك. فقال: ثمّ لمن أحسن بعدها؟ فقال: لأمك. فقال ثالثاً: ثمّ لمن أحسن بعدها؟ فقال صلوات اللّه عليه وآله : لأمك. وفي المرة الرابعة أجاب النبي: لأبيك. (3)
ه-: وقال الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) راوياً عن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إياكم وعقوق الوالدين.. فإنّ ريح الجنّة توجد من مسيرة الف عام، وإنّ عاق الوالدين وقاطع الرحم والشيخ الزاني ومن يخط ثوبه الأرض تكبّراً لا يجدون ريح الجنّة.. إنّ الكبرياء خاصّة باللّه.. (4)
ذ: عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو كان شيء أقل من ال-(أفٍ) لنهى اللّه عنه (وهو أقل الإعراب عن الانزعاج) وهذا أقل ما فيه العقوق للوالدين، ومن العقوق نظرة الغضب، والمقت لهما (5)
ح: وفي الحديث النبوي الشريف: «نظر الولد إلى والديه؛ حبّاً لهما ؛ عبادة (6)».
الجواب : هو يشمل فترة حياتهما ومماتهما، وقد قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما يمنع الرجل
منكم أن يبّر والديه حيين وميّتين؟!». (1)
وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن العبد يحسن لأبويه في حياتهما، ثم إنّهما يموتان فلا يؤدي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما، فيكتب عاقاً لهما. وقد لا يكون محسناً لهما في حياتهما، فيموتان؛ فيؤدّي دينهما ويستغفر لهما، فيكتبه اللّه محسناً لهما. (2)
لا ريب في أنّ للإحسان للأبوين ولعقوقهما أثراً تكوينياً في حياة الإنسان في عالم الدنيا، كما روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله: «بروا آباءكم؛ يبركم أبناؤكم». (3)
إشارة إلى بعض الحكايات طبقاً للأحاديث بخصوص الإحسان للوالدين:
الف: عتبة الجنّة: جبهة الحور العين!
سأل رجل ذات يوم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً:
يا رسول اللّه قد أقسمت أن أقبل عتبة الجنّة وجبهة الحور العين، فما عليّ أن أفعل؟
فقال له: قبل قدم أمك وجبهة أبيك.
[أي أنك إن فعلت ذلك، بلغت أمنيتك في تقبيل جبهة الحور العين وعتبة الجنّة].
فقال الرجل: وإن كانا ميتين؛ فما أصنع؟
فقال صلوات اللّه عليه وآله : قبّل قبريهما. (4)
ب تعلّموا من الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ).
دخل النبي صلوات اللّه عليه وآله يوماً بيت الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وكانت مشغولة بصلاة مندوبة، وحينما سمعت صوت النبي قطعت صلاتها وبادرت إلى استقباله واحترامه والسلام
عليه. فوضع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كفّه الحنون على رأسها الشريف وقال: رحمك اللّه، كيف حالك؟.. (1)
ج: الشابّ العاقّ ودعاء المشلول
في باب فضيلة دعاء المشلول؛ روي أنه علمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاباً كان قد عق أباه.. وكان قد شلّت يده بدعاء أبيه عليه ولعنه إيّاه، وقد أصيب بذلك طيلة ثلاث سنين.. فكان يلجأ إلى المسجد الحرام بعد وفاة أبيه ويستغيث باللّه تعالى فرحمه أميرالمؤمنين وعلّمه هذا الدعاء، فراح يقرأه حتّى شفي ببركة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). (2)
د: عن الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله أنّه قال لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا علي! أنا وأنت أبوا هذه الأمّة، فمن تركنا وآذانا وخرج عن طاعتنا، فلعنة اللّه عليه... أنا وأنت سيّدا هذه الأمة، فمن فارقنا لعنة اللّه عليه... أنا وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن منعنا أجرنا لعنة اللّه عليه.. ثمّ قال: اللّهم أجب هذه اللعنة. (3)
مصطلح (ذِي الْقُرْبَى) لغةً بمعنى الأقارب الأقربون، وقد استعمل في القرآن كثيراً، من الآية (23) من سورة الشورى، وقد جعلت مودّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أجراً على الرسالة ذلك في النبويّة.
الأمر بالإحسان إلى جميع القربى من الأمور التي أكد عليها القرآن الكريم، فيتمثل تارة بصلة الرحم، وأخرى بالإحسان إليهم..
12- يريد الإسلام عبر الأمر بالإحسان لذي القربى يريد أن يوجد. فضلاً عن إيجاده الترابط بين جميع أفراد البشر. العلاقات الأكثر صميمية بين المجموعات الاجتماعيّة الأصغر تحت مسمّى القرابة، ليساعد بعضها بعضاً في مواجهة المشاكل والدفاع عن حقوق بعضهم بعضاً..
في كلّ مجتمع وبسبب الحوادث والوقائع هناك من يسقط كضحايا وقرابين ويخلّفون وراء هم الكثير من اليتامى ولا ريب أنّ الغفلة عنهم تعرّضهم للخطر، ناهيك عن تعريض المجتمع برمته للخطر..
لو بقي اليتامى بلا أولياء، أو لم ينالوا من المحبّة والحنان بالقدر الكافي، فسيتحوّلون إلى أفراد خطيرين أو جناة، وعليه فإنّ الإحسان لليتامى إحسان لهم وإحسان للمجتمع..
البحث هنا لا يتحدّد بتوفير المعيشة لهم، لأنّ حاجة الإنسان لا تقتصر في الماء والطعام.. وإنّما ابن آدم متعطش بطبعه إلى المحبّة والعاطفة النبيلة، إذ أنه مخلوق عاطفي يميل إلى تحسّس المحبّة وإظهارها للآخرين.. وهو ليس كخشبة أو حجر وجماد غريب عن الرأفة والحنان.. وإذا كان الكثير من الحيوانات تتأثر بالحب وتستجيب له، فالإنسان القائم تكوينه على أساس من العطف والمحبّة، وكيف يمكنه الابتعاد عن المحبّة والعيش من دونها؟.. حقاً إنّه لا يمكن لشيء سوى المحبّة والرأفة أن يملأ الفراغ الذي يخلّفه الأب والأم.
حبّ الأيتام لا يؤتي أكله وفائدته إلّا في حالة ملاحظة جميع الأبعاد الماديّة والعاطفية والمعنويّة، وإلا كان من الممكن ظهور نتائج معاكسة تنتهي إلى تعرّض وإصابة اليتيم بعقد روحيّة ونفسيّة..
17 بعض النصوص الروائية حول رعاية الأيتام:
أولاً: قال الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله : «من كفل يتيماً وكفل نفقته؛ كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين». وقرن بين أصبعيه المسبحة والوسطى (1).
ثانياً: عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من أراد أن يدخله اللّه عزّوجلّ في رحمته ويسكنه
1) قرب الإسناد النص، ص 94.
جنّته؛ فليحسن خُلقه.. وليرحم اليتيم». (1)
إنّ رأفة القلب واستجابة المطالب من الآثار الرائعة الأخرى لرعاية الأيتام.
الثالث: ورد في الحديث النبوي الشريف: «إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم». (2)
الرابع: قال النبي الأعظم صلوات اللّه عليه وآله: «والذي نفسي بيده؛ لا يلي مسلم يتيماً فيحسن ولايته ويضع يده على رأسه؛ إلا رفعه اللّه عزّوجل بكل شعرة درجة وكتب له بكل شعرة حسنة ومحا عنه بكل شعرة سيّئة ». (3)
الخامس: قال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم ترحماً؛ إلّا كتب اللّه له بكل شعرة مرت يده عليها حسنة». (4)
ولكن هذا التفسير، ونظراً إلى العبارة القرآنيّة السابقة من هذه الآية يبد وبعيداً..الاحتمال الثاني أو لعله الجار المذهبي والديني للإنسان. والمقصود هو الجار القريب مكانياً، ذلك أنّ الجار الأقرب له حقوق واحترام أكبر.. وكما احتمل السيد عبداللّه شبر في ذيل تفسير هذه الآية... يكون معنى الجيرة: الأقارب أو أصحاب العقيدة الواحدة.. و (وَالْجَارِ الْجُنُبِ الجار البعيد - من حيث الفاصلة المكانيّة - الأقارب البعيدون، أو من هو أبعد من حيث العقيدة. (1))الاحتمال الثالث: أنّ المراد هو الجار في المكان والموضع، لأنّ الجار الأقرب له حقّه واحترامه الأكبر، وهو الاحتمال الأنسب للواقع (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى.)20. الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و من أجل تنزيه العلاقة بين المؤمنين وخلق المعنويات والثقة المتبادلة ورفد الوحدة والألفة في المجتمع المسلم و تعريف حدود وآفاق الجيرة ورعاية حقوق الجار أكد صلوات اللّه عليه وآله أنّ الجيرة إلى أربعين بيتاً من الجهات الأربع لبيت الفرد المسلم.. من الأمام والخلف واليمين واليسار. (2))21. أهميّة رعاية حقوق الجار في روايات المعصومين:الف: قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بهذا الصدد: «مازال جبرئيل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنه سيورثه». (3))ب: وروي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه أمر عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسلمان وأباذ رأن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه فنادوا بها ثلاثا. (4))
وفي حديث آخر نقرأ عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جاره» (1).)ج: وقالت مولاتنا الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ لابنها الإمام الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا بني ! الجار ثمّ الدار». (2))د: وقال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصية له يخاطب أولاده: «اللّه اللّه في جيرانكم». (3))ه-: و في رواية عدّ الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ شيعته من يتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام. (4))و: وذكر مولانا الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ في (رسالة الحقوق واحداً وخمسين حقاً تلزم المسلمين رعايتها.. وقال في حق الجار أمّا حق الجار، حفظه في الخفاء وتبجيله في العلن، ونصرته إذا ظلم، وإن أنذرته؛ فانصحه، ولا تدعه في شدّته، واصفح عنه إذا أخطأ، واعف عن ذنبه وعاشره بالكرامة والتعظيم(5).. وقد خص (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجار في أحد أدعيته الشريفة الموسومة ب-(الصحيفة السجّادية). (6))ز: وعد مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ السلوك بالحسنى مع الجار من الأهميّة بعد الصلاة وإلى جانب صلاة الجماعة في المسجد. (7))ح: وروي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: حسن الجواريعمر الديار ويزيد في الأعمار». (8))22. طبقاً لتفاسير المفسّرين فإنّ المراد من جملة (وَالْجَارِ الْجُنُبِ هو البعد المكاني الذي يشمل الجار البعيد، وحسب جملة من الروايات؛ يعتبر الجارجاراً إلى أربعين بيتاً من)
الأطراف والجوانب الأربعة (1، فتكون أفراد مدينة صغيرة جيرةً كلّهم تقريباً (إذ لو افترضنا بيت كلّ إنسان وشعاعه أربعين منزلاً من كلّ جهة، فإنّ عملية حساب بسيطة بخصوص مساحة هكذا دائرة، توضح أن مجموع المنازل من أطرافها الأربعة حوالي خمسة آلاف منزل، ولا ريب أنّ المدن الصغيرة لا تستوعب أكثر من هذا العدد).)23. لكي يلفت القرآن الأنظار إلى وسعة مفهوم الجار، رأينا الآية أعلاه، وفضلاً عن ذكر الجار القريب، يصرّح بحق الجار البعيد، لأنّ كلمة الجار غالباً لها مفهوم محدود لا يتحمل غير الجار القريب، ولذا كان من اللازم إلفات النظر إلى رحاب مفهوم الجار من الزاوية القرآنيّة فكان لابدّ من التصريح وذكر الجار البعيد، رغم إمكانية أن يكون الجار من غير المسلمين، لأنّ حق الجوار في الاسلام غير منحصر بالجار المسلم، بل إنّه يشمل المسلم وغير المسلم (اللم إلّا الكافر الحربي.)24. من المؤسف أنّ عالم اليوم يجهل الناس فيه واقع وأخبار جيرانهم، وقد يجهل أحد اسم جاره ولو بعد عشرين عاماً من الجيرة.. و هنا؛ كان للثقافة الإسلاميّة بهذا الصدد بريقها الخاص والمميز، لاسيّما وأنها قد أولت المسائل العاطفية والتعاون الإنساني كلّ الاهتمام.. في حين أنّ الحياة المعاصرة تتضاءل وتتحلل فيها العواطف النبيلة يوماً بعد يوم، ليحلّ محلّها القسوة والتنافر.25. رغم أنّ ظاهر عبارة (وَالصَّاحِب بِالجَنبِ عبارة عن الإيصاء بالإحسان للأصدقاء والأصحاب.. إلّا أنّه يجب الالتفات إلى أن آراء المفسّرين تؤدّي إلى أن لهذا التعبير معانٍ أوسع وأشمل من الصديق والصاحب والرفيق.. وفي الواقع هو يعمّ كلّ إنسان له صحبة ومعاشرة مع الإنسان، سواء كان هذا الرفيق دائميّاً أو مؤقّتاً لفترة قصيرة (كما هو الشخص الذي يجالس أو)
1) نفس المصدر، ص 669.
يصاحب غيره أثناء السفر.. أو من عبّرت عنه بعض الروايات بالقول «رفيقك في السفر» أو من يأمل المنفعة «المنقطع إليك يرجو نفعك» (1إلّا أنّ الهدف والمراد ليس هؤلاء بشكل خاص، وإنّما استعمل المثالان للإيحاء بسعة المفهوم وشموله غيرهما أيضاً. وهكذا؛ تكون العبارة القرآنيّة قد أصدرت أمراً جامعاً وكلّيّاً لحسن المعاشرة إزاء كلّ من يرتبطون بالإنسان، فضلاً عن الأصدقاء الواقعيين والزملاء ورفاق السفر والتلاميذ والمستشارين والخدمة.. ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ).)26. مع أنّ بعض الروايات قد فسرت الصاحب بالجنب بالزوجة، وكما روى كاتب (المنار و (روح المعاني) والقرطبي في ذيل هذه الآية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكن لا يبعد أن يكون هذا المروي أحد المصاديق التي تقصدها الآية الشريفة... (2))27. الأمر بالإحسان ورعاية المسافرين الغرباء والمحتاج في الطريق ورد لدى استعمال العبارة الجميلة (ابنِ السَّبِيل حيث يلزمنا الاعتناء بهؤلاء الأفراد المسافرين في بلاد الغربة وإن كنا نجهل أسماءهم وأسماء عشائرهم.. فهم قد يكونون أفراداً أغنياء في بلدانهم ومدنهم، ولكن لما كانوا مسافرين واضطرتهم الحاجة، فلابد من دعمهم ورعايتهم ومساعدتهم.)28. عاشر وصايا هذه الآية؛ الوصيّة بالإحسان بالعبيد والإماء.. وهذه ليست الآية الوحيدة التي وردت فيها الوصيّة بهم، إذ ثَمّ آيات كثيرة أخرى تناولت هذا الأمر. مضافاً إلى أنّ الإسلام قد رسم منهجية دقيقة لتحرير العبيد بالتدريج... ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.)29. بدأت الآية بحق اللّه تعالى وانتهت بحق العبيد، وذلك لأنّ هذه الحقوق غير منفصلة عن بعضها.30. في ختام هذه الآية جرى الإعلان عن أنه جل جلاله لا يحب المتكبرين والمتفاخرين،
وأن كلّ من يتمرّد على أمر الخالق المتعال ؛ والممتنع عن حفظ حقوق الأقارب والوالدين واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والأصدقاء على اختلاف مشاربهم، لن يحظى بلطف اللّه فضلاً عن محبته سبحانه، ولا ريب أنه سيحرم الخير والسعادة.. ﴿إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا.)31. شاهد المعنى أعلاه رواية ترد في ذيل هذه الآية مفادها أن أحد أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : تلوت هذه الآية عند النبي، فأحصى المعايب والعواقب التي ذكرتها الآية إلى الحد الذي وجدتني أبكي.. فقال: لم تبكي؟ فقلت: أحبّ أن تكون ثيابي جميلة.. وأخشى أن أكون بذلك من المتكبّرين.. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا ؛ إنّك من أهل الجنّة وهذا [الملبس الجميل] ليس من التكبّر.. وإنّما هو أن يقف المرء بوجه الحق؛ فلا يخضع له، وأن يعد نفسه أعلى من الناس فيستحقرهم، ولا يؤدّي حقوقهم... (1))32. يفهم من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللّه لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا أن مصدر الشرك والتجاوز على حقوق الآخرين في الغالب هو التكبّر، وأنّ أداء الحقوق، و لاسيّما حقوق الضعفاء من العبيد واليتامى والفقراء والمساكين وأمثالهم بحاجة إلى روح التواضع والنضج.
1) الدر المنثور، ج 2، ص 162.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينَا (37)
البخل بمعنى الخشة وضيق النظرة والإمساك والحقارة، بل وكلّ ما من شأنه أن يدفع الإنسان إلى التعلّق والتشبث بالأمور الماديّة، حتّى ينتهي إلى اختزال جميع الخير والصلاح والمصالح في ولهذه الدنيا فحسب، فتراه لا يعطي ممّا أعطاه اللّه تعالى من النعم، ويمتنع عن مساعدة الآخرين ويحجم عن الانفاق في سبيل اللّه تبارك وتعالى.
البخيل من يسيء الظن باللّه بدءاً، ويذهب إلى أنّ ما أعطاه اللّه لن يعطيه في الغد، وهذا نوع سوء ظن بخالق الوجود.. هذا في الوقت الذي نقطع الأغصان الزائدة من الشجرة، تتوفر الفرصة لنموّ أغصان أخرى.. وكذلك هو الإنسان حين ينفق من ماله، فإنّ بركات أخرى يتفضّل بها اللّه تعالى عليه.
يقسّم الإنسان إلى ثلاث مجموعات:
الأولى: الأفراد السمحون والكرماء من الناحية الماديّة والمعنويّة والعلميّة ولا يمتنعون عن العطاء ممّا في أيديهم للآخرين.
الثانية: الممتنعون على كلّ حال عن إيصال الخير والمعونة للمحتاجين.
الثالثة: الأفراد المعتدلون الذين ينظرون إلى الظروف المناسبة للإنفاق أو ما يحملهم على الإمساك.
والثقافية.. فهناك من الأفراد من لا ينال خيرُهم غيرهم، مضافاً إلى منع الآخرين عن الكرم والجود والإحسان، وقد أشير إلى ذلك في كثير من الآيات القرآنيّة.
أنّ منطق الإسلام هو منطق الاعتدال، ولهذا أمر القرآن الكريم المسلمين بأن لا يقبضوا أيديهم قبضاً تاماً ولا يبسطوها كلّ البسط، ويرشدهم إلى ضرورة الالتفات والاهتمام بنفقات عوائلهم حين إكرامهم الآخرين، وأن لا يؤدّي بهم كرمهم إلى الضيق في المعيشة وذلك عبر التزام سبيل الاعتدال الذي أوصى به القرآن المجيد.
لا شك في أن البخلاء يساهمون في الإخلال في المجتمع، وذلك إن لم يحظ المحتاجون بالمساعدة اللازمة، تعرّض المجتمع لمزيد من الأضرار العامة الكبيرة. فالبخل يتجسّد - تارة - بضيق النظرة، بمعنى أن الفرد قد لا يكون محتاجاً، ولكنه يحدث نفسه بأنه لم ينل مساعدة من أحد، فهو معذور في عدم تقديم يد العون لغيره، مضافاً إلى أنّ الخشة قد تنتشر وتستولي على جميع الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
لدى العطاء ينبغي الالتفات بدءاً بالأسرة والأقربون ثمّ تُمد يد العون لغيرهم من المحتاجين.. وبإنفاق الانسان على الآخرين تتنزّل عليه بركات الخالق الجواد..
المتكبّرون والأنانيون هم الذين يحرمون أنفسهم من الإحسان للآخرين فحسب، بل ويدعون غيرهم إلى البخل (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)
البخلاء يحرصون على إخفاء ما وهبهم اللّه تعالى؛ حذراً من أن يستعين بهم غيرهم (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ).
لعلّ التعبير بعذاب الكافرين في ختام الآية أعلاه بداعي أن البخل يصدر عن الكفر في الغالب، لأن البخلاء - في الواقع - ليس لهم الإيمان اللازم بالمواهب الإلهيّة اللامتناهية ووعوده للمحسنين.. فيظنون أنّ مساعدة الآخرين تؤدّي بهم إلى البؤس والفقر والشقاء.. ومن هنا اختتم القرآن قوله في الآية: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا.)
### الآية 38#### إشارة:وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا#### النقاط المستفادة من الآية1. أشارت هذه الآية إلى صفة أخرى من صفات المتكبّرين حيث قالت: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ.)2. مفردة الإنفاق من (ن. ف. ق بمعنى القلّة والفناء والادّخار والإخفاء والتغطية، وكما قال الراغب؛ اللّغوي المشهور : الإنفاق قرن بإعطاء المال لأنّ المال ينفق ويزول خلاله. (1))3. طبقاً لرأي بعض اللّغويين؛ فإنّ الإنفاق يتفاوت مع العطاء من حيث أن الانفاق يؤدّي إلى انتقال مالكية الشيء، ولكنّ العطاء لا ينتهي إلى ذلك لزاماً، ولهذا كان إسناد الإنفاق إلى اللّه كان على سبيل المجاز، وذلك حيث قال تعالى: ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء بمعنى إيصال الرزق إلى العباد.4. جاء في القرآن الكريم والنصوص الدينية أنّ الإنفاق بمعنى إعطاء المال أوشيءٍ آخر في سبيل اللّه للفقراء والمصاديق الأخرى مورد الحاجة..5. ورد مصطلح (النفق ومشتقاته أكثر من (70) مرّة في القرآن وفي الغالب كان إيرادها بالمعنى الاصطلاحي بالإضافة إلى أنّ القرآن قد أشار إلى الإنفاق بمفردات وتعابير أخرى مثل: الصدقة أو الصدقات الزكاة ومشتقاتها والإعطاء والجهاد بالمال والقرض الحسن والرزق)
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 819.
والإطعام، كما أنّ الآيات ذات الصلة ذكرت جملة تكاليف مالية مثل إعطاء الزكاة أو الكفارات التي يمكن أن تكون من مصاديق الإنفاق (بالمعنى العام.. وهناك موارد أخرى كان المراد بالإنفاق فيها غير المعنى الاصطلاحي)6- الإنفاق في سبيل اللّه قابل للتقسيم من عدّة جهات:الف: تقسيم الانفاق من الناحية الماديّة أو المعنويّة:تارة يكون الإنفاق في الأمور الماديّة والمالية، وتارة يكون معنوياً.. والمصداق البارز للإنفاق في القرآن هو الإنفاق من الأموال، مثل: (جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وهناك من الآيات ما يتجاوز الحديث والأمر بها إنفاق المال، مثل: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ و (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) حيث يشمل الأمر الإنفاق من طاقة العقل والمعرفة، وتارة يرد الأمر بالإنفاق من (الخير) كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) إِذ فسّره بعضهم بالمال، وآخرون ذهبوا إلى ما هو أشمل من المال.. مثل ما ورد في كلمة (شيء) حيث قال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّه وكذلك ما ورد في قوله العزيز: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) حيث يشمل كلّ ما يقع تحت طائلة رغبة الإنسان ومحبّته ممّا هو قابل للإنفاق وجدير بسدّ حاجة المحتاج.)ب: تقسيم الإنفاق من حيث الحكم الشرعي:وهو يقسم – شرعياً - إلى إنفاق واجب ومستحب وحرام:الإنفاق الواجب :ويشمل مساحة واسعة من الواجبات المالية، مثل الزكاة والخمس والكفّارات المالية وأقسام الفدية والنفقات الواجبة. مثال ذلك؛ أنّ الزكاة من المصاديق البارزة في الإنفاق الواجب حيث ذكر المفسّرون في ذيل بعض الآيات المتعلقة بالزكاة والإنفاق، من ذلك ما ورد في الآية (3 من سورة البقرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) وآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّه فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.. ومن موارد الإنفاق الواجب أيضاً؛ إعطاء الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ اللّه خُمُسَهُ...) ومصداق آخر هو: النفقة الواجبة للزوجة والأولاد الملقاة على عاتق الزوج : ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وكذلك الكفّارات المالية، مثل كفّارة اليمين، كما أنّ الإنفاق يكون في بعض الأحيان واجباً لأسباب معيّنة بعد أن كان مستحبّاً، مثل: توفير نفقة الجهاد حيث تقول الآية (195) من سورة البقرة: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أوسدّ بعض الحاجات الضرورية الاجتماعيّة، مثل: وضع الجسور وبناء المدارس والمساجد.. وهناك موارد ومصاديق أخرى للإنفاق الواجب تطرّقت لها الآية (34) من سورة التوبة الشريفة.)الإنفاق المستحبّ:هناك مصاديق للإنفاق مستحبة؛ حيث ذكرتها بعض الآيات، منها: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّه قَرْضًا حَسَنًا وهناك آيات أخرى ذكرت الإنفاق بواجبه ومستحبّه.)الإنفاق الحرام :وله مصادیق قرآنيّة، كما ورد في الآيتين (3 و 270) من سورة البقرة، كما هو إنفاق المشركين في إطار المعصية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّه) أو الآية محط التفسير (النساء / 38). 7. الرياء لغةً عبارة عن التظاهر بالعمل الصالح دون تحقيق هدفه الأصلي، فهو استعراض يراد منه الظهور بالمظهر الحسن والصالح في أعين الناس (رِئَاء النَّاسِ).
الرياء في العبادة هو الإتيان بالعبادة لغير اللّه تعالى بقصد التمظهر والاستعراض أمام أعين الناس، ويقابل ذلك الإخلاص..
يتصوّر بطلان العبادة بالرياء بعدة أشكال :
الأوّل: أن تكون العبادة لمجرد التظاهر أمام الآخرين.
الثاني: أن تؤدّى العبادة بقصد الامتثال لأمر اللّه تعالى مضافاً إلى التظاهر بحيث يكون الامتثال والرياء دخيلين في العبادة ويحرّكان للعبادة معاً.
الثالث: أن يكون لكل من الرياء والامتثال للأمر بالعبادة جهتين مستقلّتين ولا ينضم أحدهما إلى الآخر رغم أنهما يجتمعان في العبادة.
الرابع: أن يكون الامتثال مستقلاً بحيث يكفي وحده في صدور العبادة ولكن للرياء دافعه بالتبع و بحيث لا يكون بمفرده محرّكاً لأداء العبادة.. والقول بعدم بطلان العبادة والعمل الصالح في الصورتين الأخيرتين منسوب للسيد المرتضى من المتقدمين.
ليس الهدف - في الريا - للمرائين بالإنفاق خدمة الناس وتحقيق رضا اللّه تعالى، ولهذا ترى المرائين في الإنفاق لا يهتمون بمدى استحقاق الجهة المقصودة، وإنما يحرصون على كيفية إنفاقهم لينتفعوا منه أكبر الانتفاع ويحققوا لأنفسهم المصلحة المقصودة والوجاهة إيمان لهم باللّه تعالى ولا اليوم الآخر.. ومن هنا؛ يتجرّد إنفاقهم عن الوجهة المرجوّة، ذلك لانهم * الروحية.. وإنما الدافع لهم في ذلك الشهرة وصناعة الشخصيّة الكاذبة.. وتتجلّى لدى ذلك أمارات التكبر والأنانية.
(قَرِين) يقال للرفيق والزميل.
لمّا كان منطق ومنهج المرائين المتظاهرين منطق ومنهج رفيقهم الشيطان، حيث هو الموسوس لهم بأنّ الإنفاق موجب للفقر (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) (1)وعلى هذا؛ فهم إما أن يحجموا عن الإنفاق ويبخلوا (كما أشير إلى ذلك في الآية السابقة) وإما أنهم إذا أنفقوا أنفقوا رياءً بما يحقق هدفهم البعيد عن الإخلاص للّه تعالى.. (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قرِينًا).
1) سورة البقرة / 268.
لرفيق السوء دور أساس وفعّال و مؤثر في تحديد ورسم مصير الإنسان؛ حتّى يضطرّه إلى السقوط في المهاوي.. (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا).
علاقة المتكبّرين بالشيطان والممارسات الشيطانية علامة مستمرة وغير مؤقّتة، لأنهم اختاروا الشيطان رفيقاً وقريناً وجليساً..
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّه وَكَانَ اللّه بِهِمْ عَلِيمًا (39)
تعرب هذه الآية عن الأسف على الذين جرت الإشارة إليهم في الآيتين السالفتين، وتقول: ماذا على هؤلاء لو عادوا عن ضياعهم وآمنوا باللّه ويوم القيامة وصاروا عبيداً للّه وحده واستثمروا المواهب الإلهيّة وأخلصوا نواياهم وطهّروا عقولهم ليكسبوا الخير والسعادة لأنفسهم في الدنيا والآخرة.. ولكنّهم آثروا الخسران والشقاء، فلا يعيدون النظر فيما اختاروا لأنفسهم من السوء (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ ممّا رَزَقَهُمُ اللّه...)
قوله تعالى: وَكَانَ اللّه بِهِم عَلِيمًا.... يشير إلى أنه سبحانه عليم بنياتهم وأعمالهم في كلّ حال، وسيعاقبهم طبقاً لعلمه بهم..)3. في الآية السالفة كان الحديث عن إنفاق الرياء، ولهذا؛ نُسب الإنفاق إلى الأموال وفي هذه الآية، نُسب الإنفاق إلى رزق اللّه تعالى، وهذا التفاوت في التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى ثلاث نقاط :الأولى: أنّ في إنفاق الرياء لا يلتفت إلى ما إذا كان المال حلالاً أو حراماً، أما في الإنفاق الإلهي؛ فيلتفت إلى كونه ممّا رزق اللّه.الثانية في إنفاق الرياء؛ يعد أصحاب المال متعلّقاً بهم، ولذلك؛ فهم لا يمتنعون عن التكبّر والمن.. فيما الإنفاق الإلهي، يعدّه أصحابه توفيقاً ربّانيّاً ويؤمنون بأنّ ما بين أيديهم من مال هو مال اللّه وقد جعلهم أمناء عليه، فلا يعرفون للتكبّر والمنّ معنى في هذا النطاق.
الثالثة: إنفاق الرياء منحصر في الغالب بالمال، إذ المراؤون مفتقرون إلى الوجهة المعنويّة.. أمّا الإنفاق الإلهي؛ فله أفق واسع ويعم مختلف الإمكانات الماديّة والمعنويّة والاجتماعيّة.
### الآية 40#### إشارة:إِنَّ اللّه لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)#### النقاط المستفادة من الآية1. الذرّة لغة بمعنى النملة المتناهية فى الصغر؛ فلا ترى إلا بشق الأنفس. وقال آخرون: إنّ الذرّة في اللغة الأجزاء الصغيرة جدّاً من الغبار المعلّق في الهواء، وتتبدّى إذا ما أشرق عليها الضوء من كوّة صغيرة بعد أن كانت خافية في الظلام. والتعريف الثالث للذرّة أنها تتطاير في الهواء إذا ما نفخ الإنسان على كفّه بعد أن كان متربها على وجه الأرض ماسحاً.2. في الوقت الراهن يقال لكل شيءٍ صغير جداً ذرّةً، ولهذا يقال للذرّة - وهي أصغر ما يكون من أجزاء الأجسام - ذرّة، وإذا كانت في الماضي تطلق على ذرات الغبار، لأنها كانت أصغر ما يمكن تصوّره – ولكن في الوقت الحاضر - حيث ثبت أن أصغر أجزاء جسم ما مركب المولوكول، وأن أصغر أجزاء الجسم البسيط هي الذرّة، وهي أصغر من المولوكول، وهذا الاسم اختير للذرة في الاصطلاح العلمي، وهو ليس لا يرى بالعين المجرّدة فحسب، وإنما تعجز أحدث المجاهر - مكروسكوب - عن رؤيتها.. ولكن وجودها قد تم إثباته بوسيلة صيغ علميّة وعن طريق التصوير الخاص الذي يتم بوسائل علميّة فائقة التقنيّة، وحيث أن المثقال بمعنى الوزن والثقل، جرى التعبير بمثقال ذرّة، بمعنى ثقل ووزن جسم متناهي الصغر..3. يشير اللّه تعالى في هذه الآية إلى أنه لا يظلم مخلوقاً ولو بمقدار مثقال ذرة.. بل إنه سبحانه يضاعف العمل الصالح ويثيب عليه بأعظم الأجر.4. الدليل على أنّ خالق الوجود والقادر على كلّ شيء لا يظلم، أن الظلم يصد رإما بداعي
الجهل وإما للحاجة والنقائص النفسيّة، ولكنّه تعالى يقبّح الظلم وعالم بالجور، كما أنه لا يحتاج لشيء فيظلم، وهو لا نقص في ذاته المقدّسة، مضافاً إلى أنّ الفعل القبيح والظالم يصدر عن الجاهل بالأحداث والوقائع والنتائج، أو يشعر بالنقص والحاجة، أو يشعر بضرورة وجدوى ممارسة الظلم، غير أنه تعالى غني مطلق وعليم مطلق ومنزّه عن كلّ العيوب والنقائص.5. عدم إمكان الظلم بالنسبة إلى اللّه تعالى لا يعني كونه عاجزاً عن فعل الظلم (كما تتصور الأشاعرة بل إنه سبحانه و بداعي كونه حكيماً عالماً عليماً؛ تراه يمتنع عن ممارسة أدنى الظلم، وقد وضع كلّ شيء في موضعه المناسب من عالم الوجود، ويعامل أفراد مخلوقاته – جميعاً - طبقاً لما يستحقون من الرحمة والعدل.)6. هذه الآية تقول للأفراد غير المؤمنين البخلاء المذكورين في الآيات السابقة: إنّ أشكال العقاب التي ستتعرّضون لها، إنّما هي ناتج أفعالكم. وأنّ ظلماً من اللّه تعالى لم يصد ربحقكم.. بل إنّكم لو يممتم جهة اللّه بدلاً من البخل والتكبّر والكفر، لنلتم الأجر المضاعف والعظيم.7. الضعف والمضاعف في لغة العرب بمعنى الشيء والأمر المعادل أو ما يفوق عليه مراراً، وعليه؛ فلا منافاة بين ما حكته هذه الآية وبين ما تقوله آيات أخر، بأن ثواب الإنفاق عشرة أضعاف أو سبعون ضعفاً أو أكثر من ذلك بما لا يحصيه إلّا اللّه تبارك وتعالى.. وعلى أي حال؛ فهو تصوير للألطاف الإلهيّة بالعباد، حيث لا يعاقبون إلا بمقدار ما اجترحوا من السيّئات ولكنّهم سيلقون من الثواب ما يفوق حدود التصور على ما فعلوا من الصالحات والحسنات!!!
### الآية 41#### إشارة:فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كلّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)#### النقاط المستفادة من الآية1. استئنافاً لبحث الآيات السالفة الخاصّة بعقاب المذنبين.. نجد هذه الآية تشير إلى مسألة الشهود في يوم القيامة.2. في يوم القيامة وفي ساحة الحشر والحساب، وفضلاً عن شهادة أعضاء جسم الإنسان عليه، وفضلاً عن شهادة الأرض التي عاش عليها وناهيك عن شهادة ملائكة اللّه على أعماله.. فإنّ كلّ نبي سيؤتى به ليشهد على أمته.. فيما النبي المصطفى صلوات اللّه عليه وآله وهو خاتم أنبياء اللّه وأعظمهم سيؤتى به ليشهد على أمته.. وإذ ذاك سيعجز السيئون من أمته عن إنكار الحقائق لدى شهادة النبي الأعظم، أو أن يتملّصوا من العقاب المحدّد لهم.3. يشبه بحث هذه الآية ما ورد في عدّة آيات أخرى، مثل الآية (134 من سورة البقرة، والآية (89) من سورة النحل والآية (78) من سورة الحج.)4. سؤال: كيف ستكون شهادة الأنبياء على أعمال أممهم؟ينبغي القول لدى الإجابة:كما ورد في تفسير (مجمع البيان: إذا كانت كلمة (هَؤُلَاءِ) إشارة للمسلمين (1)، فستتضح الإجابة على السؤال؛ ذلك لأنّ كلّ نبي مادام بين أفراد أمّته؛ فسيكون شاهداً ناظراً على)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 77.
أعمالهم، ثمّ إنّ أوصياءه وخلفاءه سيكونون شاهدين وناظرين.. ولذلك تقرأ فيما يتعلّق بالنبيّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّ اللّه تعالى سيسأله في يوم القيامة، فيجيبه مقرّاً متواضعاً: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(1). ولكن بعض المفسّرين احتملوا: أن تكون حكمة هَؤُلاء) إشارة إلى شهود الأمم السابقة فيكون المراد يا نبي الإسلام! سنجعلك شهيداً على جميع الشهداء والأنبياء.السالفين. وقد أشارت بعض الروايات لهذا المعنى.. (2)وعليه؛ سيكون مفهوم الآية أن كلّ نبي ناظر أحوال أمته في حياته ومماته عن طريق المشاهدة (المعايشة) الباطنية والروحانية.. وهكذا هي الروح الطاهرة المطهرة لنبي الإسلام صلوات اللّه عليه وآله ناظرة جميع أحوال الأمم الماضية وأمّته أيضاً.. ومن هذا السبيل يتسنّى لهم أن يشهدوا.. ولعلّ صلحاء الأمم والأفراد المميزين بأعلى درجات التقوى أن يشهدوا... فيكون مفهوم ما تقدم أنّ الروح الطاهرة المطهرة لنبيّنا الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت موجودة منذ بدء خلقة آدم.. وذلك لأنّ معنی الشهادة هو الوجود والعلم والاطلاع ولكنّ هذا التفسير لا يتفق –كثيراً - مع الآية التي تناولت إجابة النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، لأنها تقول : إنّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن شاهداً على جميع أفعال أمّته، بقدر ما كان شاهداً في نطاق حياته. ويمكن أن ننظر إلى الشهادة على أنها شهادة عملية، أي كونها مقياساً لأعمال فردٍ ما لأعمال الجميع.. وفي هذه الحالة سيخلو التفسير أعلاه من الإشكال، ذلك لأن كلّ نبي وبما يمتاز ويحمل من صفات مثالية يصلح أن يكون قدوة لأفراد أمته، فيتسنّى له تحديد الصالحين من السيئين من أمته.. وحيث أنّ نبينا الأعظم صلوات اللّه عليه وآله هو سيّد أنبياء ربّ العالمين؛ فقد صارت صفاته وميزاته وأعماله معيار القياس الشخصيات سائر الأنبياء.. والإشكال الوحيد الذي يخطر في الذهن هو: هل أنّ)
الشهادة أريد بها هذا المعنى أو لا؟ ولكن مع الالتفات إلى أن أعمال وسلوك وأفكار الأشخاص القدوة تشهد. عمليّاً على أنّ من الممكن لإنسان أن يطوي المقامات المعنويّة.. ومثل هذا المعنى ليس ببعيد...
### الآية 42#### إشارة:يَوْمَيذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا (42)#### النقاط المستفادة من الآية1. شبيه هذه العبارة ما نقرأه في الآية الأخيرة من سورة النبأ: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا.)2. التعبير بكلمة ﴿تُسَوَّى إشارة إلى مطلب آخر، وهو أنّ الكافرين وفضلاً عن أمنيتهم بأن يكونوا تراباً في القيامة، يرغبون رغبة عارمة في أن تنطبق عليهم قبورهم وتضيع في غياهب الأرض فيضمهم إليه عالم النسيان، وذلك لأنهم يعجزون عجزاً مطلقاً كتمان الواقعيات والحقائق (وَلَا يَكْتُمُونَ اللّه حَدِيثًا) حيث لا سبيل للإنكار و هم يواجهون بكلّ أولئك الشهود.)3 خطاب الآية: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّه حَدِيثًا لا يتنافى والآيات الأخرى القائلة بأنّ الكافرين في يوم القيامة سيحرصون على كتمان الحقائق والكذب في ساحة الحساب، لأنّ كذبهم سيكون في مرحلة تنسيق استشهاد الشهود، فإذا أحضر الشهود وتكلّمت الأيدي والأرجل والجلود لا يبقى ثم فرصة للكذب، فيضطرون إلى الإقرار بجميع الحقائق.. وقد صوّر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك المشهد بإشارته إلى أنه عزوجل سيختم على أفواه المجرمين؛ فيعجزون عن النطق.. وهنالك تتكلّم الأيدي وتشهد الأرجل وتقرّ الجلود بذنوب أصحابها، فلا)
يكتم إنسان حقيقة على مالكه العظيم. (1)4. احتمل بعض المفسّرين أن يكون المراد من: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّه حَدِيثًا أنهم يتمنّون لو أنّهم كانوا في الدنيا لم يكتموا حقيقة من الحقائق ولا سيّما فيما يرتبط بالنبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله وعليه؛ تكون الجملة المذكورة عطفاً على قوله سبحانه: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ)، ولكن هذا الاحتمال لا يتناسب وظاهر قوله سبحانه: ﴿لَا يَكْتُمُونَ) ولو كان هذا هو المراد للزم أن يقال : ولم يكتموا...)
1) نفس المصدر.
### الآية 43#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حتّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حتّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوا غَفُورًا (43)#### النقاط المستفادة من الآية1. واضح أن فلسفة تحريم الصلاة وبطلانها في حال السكر؛ أنّ الصلاة عبادة يتّصل فيها الإنسان بربّه ويناجيه؛ ولابد من أن يكون المصلي في أعلى درجات الانتباه والتركيز، فيما الأفراد السكارى بعيدون عن هذه الحالة..2. سؤال : أليس مفهوم هذه الآية أنّ حرمة تناول المسكر مقتصر على حالة أداء الصلاة، وأنّه – المفهوم - يشكّل دليلاً ضمنياً على جواز التناول في باقي الحالات؟!خلاصة الإجابة على السؤال أعلاه هي:أنّ الإسلام استعمل الطريقة المرحليّة والتدريجيّة في تكريس الكثير من أحكامه، مثل مسألة تحريم تناول الخمر؛ حيث أرجأ تكريسها وإبلاغها إلى عدّة مراحل.. إذ بدأ باعتبار
الخمر شراباً مضراً وفي مقابل القول: ﴿رِزْقًا حَسَنًا (1)ثمّ منع عن الصلاة في حال السكر (الآية أعلاه) ثمّ عمد القرآن إلى المقارنة بين منافع الخمر ومضاره وأشار إلى غلبة المضارّ (2)وفي المرحلة الأخيرة صدر النهي التام والقاطع والصريح (3)وسنعمد إلى تفصيل القول في هذه المسألة لدى تفسير الآية التسعين من سورة المائدة المباركة. 3. لا ريب في أنّ اقتلاع مفسدة اجتماعيّة وأخلاقيّة متجذرة في النفوس يجب أن يتمّ بأنجع أسلوب، وهو هنا أسلوب التدرج ثم إصدار الحكم النهائي.. وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ الآية أعلاه خلّيّة عن الدلالة على جواز شرب الخمر، وإنّما كان خطابها المنع من الاقتراب من الصلاة في حال أداء الصلاة، وقد سكتت عن غير الصلاة بانتظار صدور الحكم النهائي والقطعي.
حيث أن أوقات الصلوات الخمس لا تبتعد عن بعضها.. و في عصر نزول القرآن خصوصاً.. فإنّ أداء الصلوات بالتفات يلزم صرف النظر على تناول المسكر بين أوقاتها وضرورة إحراز الانتباه واليقظة، وعليه؛ يكون حكم الآية شبيهاً بالتحريم المتواصل..
رغم أن روايات عديدة وردت في كتب الشيعة والمخالفين تؤكد تفسير الآية بسكرة النوم، بما يعني عدم صحة البدء بالصلاة دون اليقظة الكاملة من النوم لكي يعلم ما يقال ويؤدّى فيها... ولكن يبد وأنّ هذا التفسير يفهم من قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وإن كان لا يدخل في معنى السكر.. وبعبارة أخرى: إنّ جملة: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا...) أن لا يصلّي المرء وهو نائم بعد سواء كان قد استولت عليه حالة السكر من الشراب أو لما يغاد رالنوم وعيه مضافاً إلى إمكانية فهم القول بأنّ من الأفضل أن لا يصلي المرء حتّى يعود إليه وعيه التام ليتمكن من)
الإقبال على حقيقة الصلاة، وقد ورد عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ النهي عن دخول الصلاة في حالة الكسل أو النعاس؛ لأنّ اللّه تعالى نهى المؤمنين عن ذلك... (1)، (2))6. التفسير الوارد في الروايات والأخبار لقوله تعالى: (وَلاَ جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ... أن المراد من كلمة (الصَّلاةَ) الواردة في الآية هو موضع أداء الصلاة والمسجد.. (3)أي: لا تدخلوا المسجد في حال كنتم على جنابة.. ثم ورد استثناء من يدخل المسجد عابراً، فقالت الآية: (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: للمجنب أن يمرّ من المسجد، رغم أن بطلان الصلاة قد أشير إليه بكلمة ﴿وَلاَ جُنُبًا). وهنا ثم استثناء في هذا الحكم حين القول: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيل) بمعنى: إذا كنتم مسافرين (حيث يفتقر المسافر للماء أحياناً، فيؤدّي صلاته تيمّماً، وسيأتي القول في ذلك في ذيل الآية..) وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ لازم التفسير أعلاه أن يكون لكلمة (الصَّلاةَ) في الآية معنيان.. واحد بمعنى ذات الصلاة، وآخر بمعنى محل وموضع الصلاة، لأنّ حكمين مختلفين قد أشير إليهما في الآية محطّ التفسير.. فالامتناع عن الصلاة في حال السكر - سكر النوم أو سكر الشراب - وكذلك امتناع الجنب عن دخول المسجد (ولاريب في صحة استعمال اللفظ الواحد الذي يحمل المعنيين أو أكثر، كما قلنا ذلك في الأصول، ولكن فهم معنى أحد المعنيين بما يخالف الظاهر أو في حال عدم وجود القرينة الداله أمر غير)
1) نفس المصدر.
2) و من الدواهي أنّ سيد قطب صاحب تفسير (في ظلال القرآن) وهو منظر الإرهاب الأول في العصر الحاضر؛ ذهب إلى أن الآية (لَا تَقرَبِوا الصَّلَاَة وَأَنتُم سُكَارَى) قد نزلت في اميرالمؤمنين و إمام المتقين عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وهو الرأي المذي يخالفه القرآن والسنة والعقل، مدّعياً - زوراً وبهتاناً وكفراً - أنّ الإمام و جماعة شربوا الخمر فصلّوا فلم يعلموا شيئاً ممّا قالوا، فنزلت هذه الآية... وذلك لعظيم النصب والعداء الجليّ الذي يكنّه هذا المفسّر (المزوّر) لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).. والأدهى من كلّ هذا الكفر والتحريف أنّ جماعة ممن يدعون الانتماء للتشيّع يبجّلون كتاب التفسير (في ظلال القرآن) و يعدّونه من أروع كتب الباب، والحال أنّه ينسب الموبقات لأهل البيت الا ويتجاهل عامداً كلّ فضائلهم و مقاماتهم الواردة في القرآن و يكيل أنواع المديح لأعدائهم وقائليهم بكل وقاحة. (المترجم).
3) دعائم الإسلام، ج 1، ص 149.
جائز.. ولكنّ الروايات الصريحة يمكن أن تكون خير قرينة للمعنى المراد.7. يفهم من بعض الروايات أن جماعة من المسلمين وصحابة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قد بنوا بيوتاً حول مسجد المدينة، وكانت أبواب تلك البيوت تفتح على المسجد، وقد أجيزوا بالمرور به دون التوقف.. (ثمّ إنّ جميع الأبواب ورد الأمر بإغلاقها فيما بعد، منعاً للمرور الاختياري، وتعظيماً وتطهيراً لبيت عليّ وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وتأكيد مقامهما وفضلهما على غيرهما من الناس أجمعين).... (1))8..... حكم التيمم للمعذورين وجميع المبرّرات الشرعيّة للتيمم؛ ورد في جملة (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر... وجمع بالصور أدناه:)الف: حيث يكون في استعمال الماء ضرر على البدنب: حيث لا تصل يد الإنسان للماء، وعليه أن يتيمم مثل الحالة التي تلي قضاء الحاجة أو بعد المعاشرة الجنسية حيث ينعدم الماء اللازم للوضوء أو الغسل.. فيعمد إلى التيمم بالتراب الطاهر: ﴿أَو جَاء أَحَدٌ مِنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لَاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.)9. الأمر بالتيمم نوع تيسير وتخفيف عليكم، لأنّ اللّه هو الغفور الرحيم..وهنا يلزم الالتفات إلى بعض النقاط :10. في الغالب قل أن يبتلى ساكن المدينة بشحة المياه، ولهذا شرعت جملة: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء بفاء التفريع وهي متعلقة بجملة : ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: من الممكن أن لا تجدوا ماءً وأنتم في حال السفر؛ فتحتاجون إلى التيمم.. أما الساكن في الحاضرة فقل أن يفقد الماء.. وعلى هذا الأساس؛ يكون من الواضح جدّاً بطلان قول بعض المفسّرين مثل صاحب (المنار) الذي)
1) راجع: بحار الأنوار، ج 30، ص 362 و 363.
ذهب فيه إلى صحة تيمّم المسافر بدلاً عن الوضوء وإن توفّر الماء لديه (1، لأنّ حرف فاء التفريع (فَلَمْ تَجِدُواْ) يبطل هذا القول، ولأنّ المفهوم هو أن السفر يؤثر أو يتسبب في انعدام الماء، وهنا يجب التيمّم، وليس السفر بحد ذاته يجيز التيمّم، والعجب أنّ المفسر المذكور قد هاجم علماء الإسلام بهذا الصدد، والحال أنه لا مورد ولا وجه لهجومه..)11- كلمة (أَو في جملة (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ) بمعنى (و) إذ مجرّد المرض أو السفر لا يبيحان التيمّم، بل في مثل هذه الحال إن توفّرت موجبات الوضوء أو الغسل وجب التيمّم.)12. رعاية الأدب في كلام القرآن وعفّته وبيانه في هذه الآية كما هي في الآيات الاخرى مشهودة.. ذلك لأنه إذا أراد التطرّق لمسألة قضاء الحاجة؛ اختار تعبيراً يوصل المعنى مع غير صراحته وعدم مناسبته، فقال: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِنكُم مِّن الْغَائِطِ... لأنّ كلمة الغائط ليست على ما يتبادر إلى الأذهان في الوقت الحاضر، وإنّما هو في اللغة منحدر من الأرض يتوارى الواقف فيها عن الأنظار.. وهكذا كان مسافر و البر يفعلون في سالف الأيام ليتحاشوا نظرات الآخرين، وعلى هذا؛ يكون معنى العبارة: إذا جاء أحدكم من مكان منحدر.. وهو - على أيّ حال - كناية عن قضاء الحاجة.. والملفت للانتباه استعملت كلمة (أَوْجَاء أَحَدٌ مِنكُم) بدلاً عن كلمة : جئتم لبيان العفّة في الحديث.. وكذلك حين التعبير عن المباشرة الجنسية ورد القول أو لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) لإبلاغ المعنى وكلمة (المس) كناية جميلة عن المعاشرة الجنسية...)13. سؤال: مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الكثير من الأتربة ملوّثة وناقلة للجراثيم، فما هي الفائدة من التيمم ضرباً بالأكفّ ومسحاً بالوجوه ؟!
1) راجع: تفسير المنار، ج 5، ص 119 إلى 122.
للإجابة على هذا النوع من الإشكال ينبغي الالتفات إلى أمرين:الف: الفائدة الأخلاقيّة.. فالتيمم أحد العبادات، وتنعكس فيه روح العبادة بمعناها الواقعي، لأنّ الإنسان يلمس التراب بكفّه ويضعها على جبهته التي هي أشرف موضع من بدنه؛ تلميحاً الى التواضع والخضوع.. بمعنى أنه ينوي منتهى التواضع والخضوع اللّه العظيم بحركتي أو فعلي التيمم.. وما ذاك إلّا مقدّمة للصلاة أو غيرها ممّا يستوجب التيمم.. وهذا ما ينمّي روح التواضع والتسليم والعبوديّة والشكر الواجب للربّ العظيم على عباده.ب: الفائدة الصحيّة : ثبت في الوقت الراهن أنّ التراب ولتضمّنه بكتيريا كثيرة قادرة على إزاحة أشكال اللوث والتعفّن الكائن في الغالب على سطح الأرض والأعماق الضئيلة..14. التراب أساساً له خاصية التعقيم والتجفيف ودوره في قتل الجراثيم دور كبير، ولهذا؛ فإنّ جثت الحيوانات أو بدن الإنسان إذا دفن بعد الموت، صارت إلى التحلّل والتفشخ البكتريا.. ولولا هذه الخاصية لتبدّلت الأرض إلى بؤرة للعفونة في مدة قصيرة، وعليه؛ فإنّ التراب الطاهر لا يتلوّث فحسب، بل إنّه يصير سبباً لإزالة اللوث، ويمكن له أن يكون بديلاً عن الماء إلى حدٍ ما، وإنّما الماء حلال لأنه يحل الجراثيم ويُذهب بها، ولكن التراب قاتل لها.. ومن الطبيعي أن يحرص على أن يكون التراب طاهراً نظيفاً وكما وصفه القرآن بالطيّب.15. التعبير بالصعيد من مادة الصعود أي ما هو فوق سطح الأرض، وهو المعرّض لأشعة الشمس والمفعم بالهواء والبكتيريا القاضية على الجراثيم.. وهذا التراب الطيب هو الذي يجعل ويحفظ للتيمم أثره ودوره المطلوب من دون إلحاقه ضرراً ببدن الإنسان (سنتطرّق إلى مزيد من الشرح لدى تفسير الآية (6 من سورة المائدة المباركة.))
### الآية 44#### إشارة:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44)#### النقاط المستفادة من الآية1. يخاطب اللّه تعالى نبيّه الكريم صلوات اللّه عليه وآله في هذه الآية بعبارة تحكي التعجّب إزاء الجماعة التي وفّقت إلى الانتفاع من كتاب السماء ولكنّها بدلاً عن أن تجعله سبباً لهدايتها وسعادتها، اشترت الضلالة وعزمت على إضلال المؤمنين.. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ...)2. من قوله تعالى: ﴿أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ... يُفهم أن ما كان بين يدي علماء اليهود ليس جميع التوراة، وإنّما قسم منها.. وهذا ما يتناسب والحقائق التاريخية المسلّم بها، حيث وقع التحريف - بمرور الزمان - في التوراة الأصل، أو أنها قد تلاشت واندثرت.)3. الاستنتاج الخاطئ أو سوء النية من جهة الإنسان يجعله يرى كتاب السماء المنزل من قبل اللّه تعالى باعتباره سبب ضلال لمن نزل عليهم ولغيرهم بدلاً من أن يتخذوا منه سبب هداية، كما سقط الخوارج في هذا المطلب حين تمردوا على أمر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ..)4. الذين لا يبطلون الحقيقة؛ وينظرون إلى جميع الأمور بعين العصبية والنفاق والسوداوية.. كما أنهم لا يتخلّصون من الضلال، فهم يجرّون الآخرين إلى الضياع: رغم أنهم يتعاملون بكتاب اللّه في الظاهر ويدّعون الخبرة والتجربة والعلم بالأمور الدينية.
### الآية 45#### إشارة:وَاللّه أَعْلَمُ بِأَعْدَابِكُمْ وَكَفَى بِاللّه وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّه نَصِيرًا (45)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذا العالم مرآة ذات وجهين، فالذين يتقمصون رداء الصديق قد يكونون أعدى الأعداء، واللّه هو العالم بحقيقتهم: ﴿وَاللّه أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ.)2. أعدى الأعداء هم الذين ينطقون تارةً بلسان الخير ولكنّهم يعمدون إلى لسان السوء فيستعملونه ليصدوا غيرهم عن سبيل اللّه والهداية والسعادة، وهم يتلوّنون في كلّ حين ليحققوا أغراضهم المقيتة.3. لا تخشوا - أيّها المؤمنون - عداوة أعدائكم.. فأنتم لستم بمفردكم.. ويكفيكم أنّ اللّه تعالى وليّكم وناصركم.. (وَكَفَى بِاللّه وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّه نَصِيرًا.)4. لو أنّكم - أيّها المؤمنون - تجاهلتم أقوال ومدعيات أعدائكم؛ لن يبقى مجال للقلق والخوف، ذلك أنّهم عاجزون عن فعل شيء مهم.
### الآية 46#### إشارة:مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِم وَطَعْنَاً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّه بِكُفْرِهِم فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)#### النقاط المستفادة من الآية1. تبعاً للآيات السابقة، تتناول هذه الآية صفات جمع من أعداء الإسلام وتشير إلى جانب من ممارساتهم.2. طبقاً لهذه الآية؛ فإنّ جماعة من اليهود كانوا يحرّفون الخطاب الإلهي، ومن الممكن أن يكون لهذا التحريف بعداً لفظياً أو معنوياً وعملياً.3. المراد من التحريف في هذه الآية؛ التحريف اللفظي والتغيير في العبارات، وذلك لأنها قالت تبعاً لهذه الجملة: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا بدلاً من أن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي أنّهم يقولون مستهزئين: منك الخطاب ومنّا تجاهله !! 4. بناءً على هذه الآية؛ فإنّ جملة وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعِ تبيّن قضيَّة أنّ اليهود في فترة ظهور الإسلام في المدينة، وفضلاً عن تحريف الحقائق وباستعمال الخطاب العدائي الممزوج بالجرأة وسوء الأدب والخيانة في إبلاغ الكتب السماوية التي كان العمل بها منهجاً للنجاة والانتصار على الظلمة من أمثال فرعون ولحفظ وصون المجموعة الجاهلة... راحوا يشهرون حربة الاستهزاء والأنانية والغرور والعناد.. وفضلاً عن كلّ ذلك؛ تراهم تارة يستعملون عبارات)
كان المسلمون يخاطبون بها النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على سبيل الاستجابة والاحترام، إلّا أنّ اليهود كانوا يبطنون النوايا الشيئة من وراء استعمالها.. مواصلةً لاستهزائهم..)5. كلمات من قبيل (رَاعِنَا بمعنى (أمهلنا) هي من جملة العبارات التي كان المسلمون المخلصون يوجهونها للنبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله على سبيل طلب الفرصة وإتاحة المجال لمزيد من الفهم والتدبر فيما يخاطبهم به.. إلّا أنّ مجموعة اليهود كانوا يكرّرون أمثال هذه الكلمة ومرادهم المعنى العبري لها المؤدّي إلى ظنّهم بأنّ نبي الاسلام كان عاجزاً عن السمع والتحاور، أو بمعناها العربي الآخر الذي يعني إنّك تستحمقنا وتراوغنا وتحملنا على الغفلة - والعياذ باللّه - وواضح هدفهم من كلّ ذلك، وهو محاولة طمس الحقائق النبوية وحرفها عن محورها الأصلي ومن ثمّ الطعن في نبوة النبي وصدق رسالته..)6. ﴿لَيَّا والّليّ على وزن حيّ، بمعنى طي الحبل وغيره، كما وردت بمعنى التغيير والتحريف.. ﴿لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا فِي الدِّينِ).)7. لو أنّ اليهود اختاروا المسير في طريق الحق؛ عوضاً عن كلّ ذلك العناد والعداوة وسوء الأدب، ولو كانوا يقولون: قد سمعنا كلام اللّه ودخلنا من باب طاعته فأمهلنا حتّى نستزيد فهماً للحقّ والحقائق لانتهوا إلى النفع، ولا نطبق كلامهم على العدل والمنطق والأدب التام: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ.)8. لو أنّ اليهود وبداعي كفرهم وتمردهم وطغيانهم قد ابتعدوا عن رحمة اللّه فماتت قلوبهم؛ فلا تحيى بالحق إلّا جماعة قليلة منهم كان أفرادها على استعداد لقبول الحقّ الاستماع إلى ندائه والإيمان به: ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّه بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلاً.)9. فهم بعض المفسّرين العبارة أعلاه بأنّها من جملة الإخبارات القرآنيّة بالغيب، فكما أخبر القرآن في هذه العبارة، فإنّ عدداً قليلاً من اليهود آمنوا بالإسلام وأبصروا نورالهدى، فيما الأغلب منهم آثروا العمى وحياكة المؤامرات وشن الحروب على الدين المحمدي..
### الآية 47#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولًا (47)#### النقاط المستفادة من الآية1. مواصلة لبحث الآيات السابقة التي تناولت أهل الكتاب، وردت الإشارة هنا إلى العلاقات المذكورة في كتبهم للنبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله والتي تطابقت وما تذكره آيات القرآن عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ. ولا ريب في أنّ كلّ هذه العلامات في كتبهم تحملهم مسؤولية الإيمان بالقرآن والرسول، ومالم يصدّقوا بها ولم يسلّموا بها، سيكونون عرضة للعقوبة الإلهيّة الشديدة:)العقوبة الأولى: أن تطمس وجوههم تماماً وتتلاشى أعضاؤهم التي يسمعون ويدركون بها.. ومن ذلك أنّ وجوههم تجعل في خلفية رؤوسهم...العقوبة الثانية: إبعادهم عن رحمة اللّه تعالى، كما أبعد أصحاب السبت ولعنوا أ(َوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)2. لعل المقصود بالعقوبة الأولى: تعطل العقل وقوة الإدراك والبصر والسمع.. فيسقطون في حضيض الحماقة والجهل المركّب.. فيخيّل لهم انحرافهم عن الحقّ هداية.. كما ورد ذلك في رواية عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ.. (1))
1) راجع: التبیان، ج 3، ص 215.
3. حينما أصرّ أهل الكتاب، وفي مقدمتهم اليهود على انحرافهم ومعاصيهم وعنادهم للحقّ حتّى صار مسلكهم المشين هذا إلى طبع في نفوسهم رغم كلّ الدلائل والشواهد الجلية على حقانية الإسلام.. مسخ اللّه عقولهم وأعمى عيونهم وأصمّ آذانهم.. فاضطروا إلى التراجع بدلاً من التقدم حتّى صاروا عناصر مخرّبة للحركة البشريّة والتاريخية.. وهذا الواقع المرير شبيه بما تناولته الآية السادسة من سورة البقرة..4. المراد من الطمس والمحو والإعادة إلى الوراء المذكور في هذه الآية هو المحو الفكري والمعنوي والحمل على الحالة الرجعية.5. سؤال :لماذا ورد هذان التهديدان بحرف (أَو وعطف أحدهما على الآخر؟ ولم يعطفا بحرف الواو؟ وهل السبب في ذلك هو التفاوت في معنييهما؟)الإجابة هي أنّ رأي المفسّرين لهذه الآية على مسارين:الف: يذهب بعض المفسّرين إلى أنّ التهديد الأوّل له بعد معنوي، فيما التهديد الثاني له بعد ظاهري وكون المسخ والتغيير جسمانياً، ومؤيّداً بقرينة إشارة الآية وتذكيرها بما حلّ بأصحاب السبت الذين طردوا من الرحمة الإلهيّة ومسخوا قردةً.ب: وقال آخرون أنّ هذا اللعن والطرد من الرحمة الإلهيّة له بعد معنوي، مع التفاوت في أنّ التهديد الأول إشارة إلى الانحراف والضياع، فيما التهديد الثاني أريد به الدمار والهلاك (لأنّ الهلاك أحد معاني ونتائج اللّعن وهكذا يكون أهل الكتاب. بعنادهم ومخالفتهم للحق. قد سقطوا في غياهب الضياع والدمار.)6. سؤال : ترى هل تحقق هذا التهديد أساساً؟!لا شكّ في أنّ التهديد الأوّل قد تحقق في كثير منهم، بينما التهديد الثاني قد طال بعضهم.. وقد هلك الكثير منهم في الحروب الإسلاميّة حتّى تلاشت جموعهم وقواهم.. وطبقاً
لشهادة التاريخ؛ فإنّهم بعد ذلك قد مزقوا كلّ ممزّق وتناثروا في بلدان شتى طيلة قرون من الزمن وفقدوا الكثير من أعداءهم، ولا زالت مجاميعهم تعيش على حافات الخطر..7. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللّه مَفْعُولاً في خاتمة الآية ثم دليل على تأكيد تحقق التهديدات، إذ لا مانع ولا قوة تمنع تفعيل الأمر الإلهي.. بل إنّ إرادته سبحانه عبارة عن فعل مباشر.. (1))
1) وقد أشارت الروايات المعصومية إلى أنّ تأويل هذه الآية يعود إلى جيش السفياني - المعاهد للغرب واليهود - حيث سيباد قرب المدينة عند ظهور الإمام الحجة سلام اللّه عليه.. إذ من أفراد هذا الجيش سيحمل خبر الخسف والإبادة إلى مقر قيادته وقد طمست وجوههم وردّت على أدبارهم - تأكيداً لصدق تلك الواقعة الرهيبة - (راجع: تفسير العيّاشي، ج 1، ص 244) فلعل المراد بذلك تهديد - ج1، اليهود وغيرهم بلزوم الإيمان بالإمام الحجّة سلام اللّه عليه الذي هو الخليفة الحقّ لنبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل تجلّي علامات الظهور، ومنها الخسف بأعداء الإمام.. لأنّ الإيمان بعد الظهور لن ينفع صاحبها الذي لم يكن قد آمن من قبل.. [المترجم].
### الآية 48#### إشارة:إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)#### النقاط المستفادة من الآيةمقدّمة: بناءً على المنقول من بعض المفسّرين وبعض الروايات الواردة في ذيل هذه الآية، هناك من الجناة؛ مثل وحشي قاتل الحمزة بن عبدالمطلب (عَلَيهِ السَّلَامُ، قد أسلموا بعد نزول هذه الآية.. (1))1. ليس من ذنب يقوى. بمفرده. على إزالة الإيمان، كما أنّ ما من عمل صالح يمكنه النجاة بالإنسان المشرك : ﴿إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء.)2. لأنّ اليهود والنصارى كانوا مشركين نوعاً ما، فقد حذرتهم هذه الآية من البقاء على عقائدهم الشركيّة؛ باعتبار الشرك ذنباً لا يغتفر، وأنّ من يتخذ مع اللّه شريكاً قد ارتكب الخطيئة الكبرى (وَمَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.)3. طبقاً للرواية التي نقلها الشيخ الصدوق في (التوحيد عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال فيها: «ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية» (2)نظراً لأنه سبحانه وتعالى يتلطف ويترحم بالموحّدين ويغفر لهم ذنوبهم دون المشركين الذين لا تعرف المغفرة طريقاً إلى ذنوبهم وخطاياهم.)4. هذه الآية تبيّن قاعدة تربوية لجميع المذنبين وضرورة عدم اليأس من رحمة اللّه، نظراً لأنّ اليأس من الرحمة الإلهيّة نوع كفر باللّه تعالى، كما تأمرهم بالتوقف عند النقطة التي وصلوا إليها في حياتهم، وأن لا يوغلوا في مزيد من الذنوب ليتسنى لهم العودة عن طريق الغي.. ولكنّ
اليائسين من الرحمة يدفعهم بأسهم إلى ارتكاب ذنوب فوق ذنوبهم، إلا أنّ الأمل بالمغفرة يعدّ وسيلة مؤثرة ورادعاً عن ارتكاب الذنب..5. من الممكن أن تخطر في أذهاننا فكرة بليدة مفادها أنّ هذه الآية تحرّض على ارتكاب الذنوب. لأنها تعد بالرحمة والعفو عن كلّ الذنوب إلا الشرك.. ولكن لا شكّ في أنّ المراد بالوعد بالمغفرة، ليس ذلك الوعد المجرّد عن القيود والشروط، وإنّما هو يشمل أفراداً يثبتون جدارتهم بنحو من الأنحاء، وكما أشرنا آنفاً، فإنّ مشيئة اللّه وإرادته التي ذكرت في هذه الآية وأمثالها من الآيات؛ وردت وهي تعني الحكمة الإلهيّة، لأن إرادته لا تنفك أبداً عن حكمته سبحانه، والمسلّم به هو أن حكمته لا تقتضي العفو عن غير الجديرين بالعفو، وعليه؛ فإنّ حيثية تربوية هذه الآية أسمى بما لا يتصوّر من الأفكار البليدة وسوء الفهم المتقدّم..6. هذه الآية تبين واقع المشمولين بالعفو الإلهي، أو من يمكن أن يشملوا به قياساً بغير الموفّقين والمرشّحين لنيل المغفرة والعفو، أي قبل أن يندموا على سوء ما فعلوا، أو بعد ندمهم وقبل جبرانهم أعمالهم السيئة قد فارقوا الحياة الدنيا، ولم يتعلّقوا بمسألة التوبة، لأنّ التوبة والعود عن الخطيئة يطهر من جميع الذنوب بما فيها الشرك..7. يفهم من آيات قرآنية كثيرة أن وسائل المغفرة وعفو الذنب كثيرة متعدّدة، ولعلها تختصر في أربعة مواضيع :الأوّل: التوبة والعودة إلى اللّه تعالى.الثاني: أن تقرن التوبة بالندم على الذنوب.الثالث: العزم على اجتناب الذنب في المستقبل.الرابع: جبر ما فات من سيئات بأعمال صالحات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيّئات. (1)
1) سورة هود / 114.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّه يُزَكّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)
ألف: إما المدح والثناء بواسطة عمل الفرد، وهو أمر ممدوح ومحط تأكيد، كما ورد في الآية الشريفة: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى.)ب: وإمّا بلسانه يمدح نفسه، وهذا المنحى مذموم عقلاً وممنوع وقبيح شرعاً (و لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ.
رغم وقوع هذه الآية بين الآيات المتعلقة بالكفّار، وتمس أهل الكتاب، وهي ظاهرة في أنّ هؤلاء كما هم أهل الكتاب أو بعضهم، وحيث أنهم لم يوصفوا أولم يدرجوا تحت مسمّى أهل الكتاب، ولم يقل القرآن بأنّ أهل الكتاب يزكّون أنفسهم، فلأن مصطلح (أهل الكتاب) بمعنى العارفين باللّه وآياته.. وواضح أن من يبلغ هذا المقام بعيد عن أمثال هذه الرذيلة.. وإذا رأينا علماء اليهود والنصارى قد تعرّضوا للعاقبة السوء، فذلك لأنهم أداروا ظهورهم. في الحقيقة. لربّهم وكتاب ربّهم وعلم ربّهم.
ينبغي القول بأنّ هذا الآية تذمّ اليهود كنايةً وتلميحاً، وهي - في الحقيقة - شاهد ودليل على المطالب التي بينتها الآيات السابقة.. وهي التي تحدّثت عن استكبار اليهود ورفضهم الخضوع والتسليم للحق وعدم إيمانهم بالآيات والدلائل والبراهين الإلهيّة، ومن ثمّ استحقاقهم للعنة الإلهيّة.. وفي القرآن المجيد ما يؤيد ثناء اليهود على أنفسهم حيث قالوا: نَحْنُ أَبْنَاء
اللّه وَأَحِبَّاؤُهُ أو قولهم: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَةً) أو ادعاؤهم الولاية لأنفسهم، وقول القرآن فيهم بهذا الصدد: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء للّه مِن دُونِ النَّاسِ) وهذا كله بمثابة الكناية عن ذمّهم وسخط اللّه تعالى عليهم، وكأن القرآن يريد إحصاء مساوئهم الناتجة عن ثنائهم ورضاهم عن أنفسهم..)4. حرف (بَلِ في قوله تعالى: ﴿بَل اللّه يُزَكّي مَن يَشَاء) يبيّن الردّ والإعراض عن المطلب السالف، وهذه العبارة توصل المعنى المؤدّي إلى لزوم الإعراض عن تزكية اليهود أنفسهم.. فهو يهدف إلى ردّ هذه التزكيّة اليهودية، مؤكّداً أن الثناء والحمد يجب أن يكون اللّه تعالى وحده - على سبيل الاستقلال - و أنّ الإنسان مهما تعاظم ونال درجات الفضل والكمال واكتسب أشكال الشرف والتسامي الروحي.. فإنّه لدى اتكاله على تلكم الفضائل والشرف، فإنّه يبتلى بالشعور بالاستقلال والاستغناء عن اللّه عزّوجلّ.. وهذا الشعور موا زلادّعاء الألوهية وشراكة ربّ العالمين فيما الإنسان المحتاج أبداً أين منه والاستقلال عن الحاجة المطلقة اللّه تعالى؟.. مع أنّ الإنسان وما يتعلق به وبروحه، وما يناله من خارج دائرته ويظن أنه مالك لها ومالك مايصله من خير.. إلّا أنّ حقيقتها تصدر عن اللّه المالك لها أصلاً، وما هي إلّا أمانة وهدية من الربّ إلى المربوب.. ولهذا تنفي أنواع إدعاءات الشراكة مع اللّه المالك الأصل، وعليه؛ ماذا يبقى للإنسان؟!)5. تزكية الإنسان لنفسه ناشئة من عُجبه وغروره؛ وهذا من أصول الرذائل.. إذ الحمد والثناء خاصٌّ باللّه سبحانه والغرور والرضا عن الذات هو الذي يدفع ابن آدم إلى مدح نفسه..6. الغرور والعجب من أصول وجذور الرذائل والمفاسد الأخلاقيّة، ولما كان الإنسان غير منقطع عن الآخرين، فإنّ هذه الرذيلة الفاسدة تدفعه بالتدريج إلى الإصابة بمشكلة ورذيلة أخرى؛ تدعى التكبّر، وهو بحكم الرضا عن النفس يريد بهذا أن يتمظهر بمظهر الفوقية على غيره، ويذهب إلى أنّ عباد اللّه مجرّد عبيد له.. وهنا يتجرّأ ويقدم على كلّ ظلم وجور وهتك
كلّ حرمة من المحارم الإلهيّة ويجيز لنفسه انتهاك الأعراض والاستيلاء على أموال وحقوق الآخرين.7. أزمة الغرور والعجب إمّا هي فرديّة، وذلك حيث يبتلى الفرد بهذا الداء النفسي، وهو العجب والتكبر.. ولكنّ الأزمة الكبرى أن يكون الغرور والتكبّرداءً اجتماعيّاً ويتحوّل إلى سلوك اجتماعيّ عام.. فإذا تجاوز هذا الداء حد الفرد؛ فإنّ المجتمع سيتعرّض للّهلاك وفساد الأرض.الحتمي.. وهذا ما حكاه اللّه تعالى عن اليهود الذين قالوا بغرورهم وتكبّرهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.)8. ليس الإنسان مهما كان. وبهدف مدح نفسه أن يذكر لنفسه فضيلة، سواء كان لدى ذلك صادقاً أوكاذباً، وذلك لأنّه غير مالك لتلك الفضيلة.. بل اللّه تبارك وتعالى هو الذي وهبه الفضيلة، وهو الذي يُنعم على من يشاء، وهو الذي بعطائه الفضل وبإفاضته بنعمه على من يريد يزكّيه عملياً أو أن يذكره بذلك لفظياً ويشرفّه بصفات الكمال.. كما في قوله عن آدم ونوح (عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا) (1)وعن إخلاص ونبوة إبراهيم وإدريس(عَلَيهِ السَّلَامُ): ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) (2)وعن علم يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ): ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) (3)وعن عبودية وإخلاص يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ): ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)(4)وقال سبحانه في موسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) وكونه مخلصاً نبياًّ: (إِنَّهُ كَانَ مُخْلصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (5)وفي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكرامته في الدنيا والآخرة وكونه من المقربين قال عز من قائل: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (6)وفي مدح سليمان)
وأيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(1)وعن مولانا خاتم النبيين صلوات اللّه عليه وآله وحبّه ومحبوبيّته:)(إِنَّ وَليِّيَ اللّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (2)وكذلك قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (3)وكذلك قال عن عدّة من الأنبياء وذكرهم في سورة (الأنبياء) و (الأنعام) و (الصّافات)..)9. التزكيّة والثناء شأن وحقّ خاصٌّ باللّه تعالى ولا شريك له في ذلك، لأنّ التزكيّة الصادرة عن غيره بمثابة الظلم (لأنّ توجيه الثناء لشيء لم يثن عليه اللّه، استقلال عن اللّه.. كما أنّ المبالغة في الثناء أو التقصير والقصور في هذا الثناء، تبعاً لعدم الوقوف على مقدار الاستحقاق للثناء يعد مخالفة للّه الذي إذا أثنى على شيءٍ؛ كان هو الحقّ والعدل دون إفراط أو تفريط.. لذلك ورد في آخر الآية: ﴿بَلِ اللّه يُزَكِّي مَن يَشَاء) بالاقتران إلى القول الشريف: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) تعليل وكامل..)10. واضح أنّ تزكية اللّه تعالى وردت في هذه الآية مطلقة وكلّيّة؛ تشمل التزكيّة العمليّة والتزكيّة القوليّة والكلاميّة. ولكنّها بحسب موردها منطبقة على التزكيّة القوليّة والكلاميّة.11. كلمة ﴿فَتِيلاً صفة مشبهة من مادة (فتل) والصفة المشبّهة تردد بمعنى اسم الفعل تارة، وأخرى ترد بمعنى اسم المفعول، وهنا وردت باسم المفعول، ومعنى (ف. ت. ل) لفّ، فالفتيل هو الملفوف. إلّا أنّ البعض قال : فتيل بمعنى الخيط الدقيق الموجود في شقّ نواة التمر. وقال آخرون : هو الخيط الرفيع الكائن في داخل نواة التمر.. وورد في بعض الروايات (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ الفتيل بمعنى ما في بطن النواة. وكلمة (نقير) بمعنى ما على ظهر النواة، وكلمة (قطمير))
بمعنى قشر النواة. (1)وقال آخرون: إنّ كلمة (فتيل بمعنى الفتيلة التي تتكون من فرك أصبعين أو فرك البدن...)12. قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً يبين أنه تعالى لا يظلم مخلوقه ولو بمقدار الشقّ الجزئي الكائن في نواة التمر.. وعلى أي حال؛ فإنّ التعبير كناية عن الصغر المتناهي بحيث لا يحسب له حساب ولكنّ اللّه يحسب لكل شيء حسابه ولو بهذا المقدار الضئيل..)13. من ظاهر عبارة (بَلِ اللّه يُزَكّي... يفهم أنّ اللّه تعالى هو الوحيد الذي يزكي من يشاء.. فيما الآخرون ليس لهم أن يزكّوا بداعي هذه الفضيلة، إلا أن تكون الفضيلة مستندة إلى إرادته سبحانه، وأن يزكوا بنفس المقدار، لا أكثر ولا أقل..)14. ليس لأي فرد صاحب فضيلة الحقّ في الغرور والعجب لتمتعه بتلك الفضيلة فيفرح بها و يزكّي نفسه لأجلها، إلا أن تكون تزكيته تستلزم تزكية اللّه، لأنّ التزكيّة مخصوصة به سبحانه..15. الفضائل من جهة اللّه تعالى هي – أوّلاً - تلك الكمالات التي يرضاها اللّه ويثني عليها، أمّا الأمور التي لا يقرّها دين اللّه ولا يعدّها فضيلة فهي ليست فضيلة.. وثانياً: لازم هذا القول ليس أنّ الناس يساوون بين العلم والجهل وبين الفضيلة والرذيلة بين والصالح والطالح، وبين الحقّ والباطل، أو أن لا يقرّوا الصاحب الفضيلة بفضله أولا يجلّون قدره ومنزلته.. ذلك لان تبجيل الفضيلة والرغبة فيها إحدى شعائر اللّه تعالى وهو القائل: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ وعلى هذا؛ فإنّ الفرد الجاهل مكلف بتكليف الشرع بالخضوع للعالم والإقرار بمكانته.. وهذا من اتباع الحق، مضافاً إلى أنّ القرآن المجيد قد أقر بالتفاوت بين العالم والجاهل وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ؟)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 91.
16. من المعلوم أن لزوم احترام الناس للعالم لا يعني أن يتكبّر هذا العالم على من يحترمه ويجلّه، فيفخر على من لا يعرف، أو على من يفوقهم ببضع كلمات، ثمّ يتوقع احترام الناس وقيامهم له.. وهذا التفاوت غير منحصر بمسألة العلم، وإنّما يشمل جميع الفضائل الحقيقية والإنسانيّة ليكون صاحب الفضيلة مكلّفاً كما هم الناس مكلّفين باحراز هذا التفاوت.17. لما كانت الفضيلة. من وجهة النظر الإسلاميّة - ما يعده اللّه تعالى فضيلة، كان الاعتماد على الذات في مقابل الاعتماد على اللّه والتشرف بعبوديته أمراً مردوداً مرفوضاً، ولهذا؛ فإنّ كلّ ما عده اللّه في قرآنه الكريم فضيلة هو الاعتماد عليه والتشرف والافتخار بعبادته... (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (1)وكذلك قال: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ اللّه جَمِيعاً) (2)وكذلك قال: ﴿أَنَّ الْعِزَّةَ للّه جَمِيعاً) (3).)أمّا أن اعتمد على نفسي في تحديد مصيري ويكون كلّ اعتمادي على نفسي، فهذا نوع شرك باللّه، ولم يعد الإسلام هذا المنحى فضيلة، بل عدّ الفضل والفضيلة أن يكون إيماني باللّه المتعال من العمق بحيث لا يبقى في قلبي مقدار ذرّة من القلق على مصيري.. هذا هو التوكّل على اللّه.. كما أنّ غنى الطبع في الإسلام فضيلة.. وإذا كان المقصود من تعريفنا للاعتماد على النفس هو أنّ الإنسان في مقام العبودية للّه تعالى يجب أن يكرّس غنى النفس والاستغناء عن الناس في عمق أعماقه، وأن يتمتع باستغناء النفس عن الآخرين بحيث لا يشعر إلا بحاجته إلى اللّه وافتقاره إلى نعمه، وأن لا يتصاغر في مقابل الخلق، وأن يتحمل عواقب استغنائه عن الناس.. إنّ هذا التعريف للاعتماد على النفس هو المراد باستغناء الطبع الذي أوصى به الإسلام وعده دين اللّه تعالى فضيلة...
### الآية 50#### إشارة:انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50)#### شأن نزول الآيةنقلت العديد من التفاسير في ذيل هذه الآية أنّ اليهود والنصارى ادعوا لأنفسهم ميزات وخصائص: كما ذكرت الآيات القرآنيّة ادعاءاتهم بكونهم أبناء اللّه وأنّ الجنّة خاصّة بهم وأنّ غيرهم لا نصيب لهم فيها (الآية 18 من سورة المائدة والآية 111 من سورة البقرة فنزلت هذه الآية وأبطلت أكاذيبهم. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. عدّ القرآن الأوهام العنصريّة افتراءً وكذباً على اللّه تعالى وعرّفه على أنه ذنب عظيم، فقال مندّداً أشدّ التنديد بذلك (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا.)2. قد تورّط اليهود والنصارى بهكذا أوهام ممّا جعل تسليمهم بالحقائق أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد.3 في العصر الراهن كانت العنصريّة النازيّة والصهيونيّة سبباً لاندلاع الحروب العالميّة والإقليميّة.4. من المؤسف أن أسلوب التفكير العنصري قد تكرّس في كثير من الأقوام والأمم والأفراد، ممّا يعد سبباً مباشراً للاضطرابات الاجتماعيّة والحروب الاستعماريّة.. والتاريخ يشير إلى أنّ بعض الأمم ونتيجة للإحساس والتفكير الباطل راحت تتصرّف بفوقية على الأمم الأخرى، حتّى أنها صارت تعطي لنفسها الحقّ باستعباد غيرها.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 91.
5. ينبغي للإنسان المتقي أن يرى - على الدوام - نفسه أقل من غيره، كما وصف مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ المتقين في خطبته الشهيرة حيث قال:)«لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكي أحد منهم خاف ممّا يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربّي أعلم بي من نفسي.. اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل ممّا يظنّون واغفر لي ما لا يعلمون...». (1)
1) نهج البلاغة، ص 304 و 305.
### الآية 51#### إشارة:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا (51)#### شأن نزول الآيةوردت في سبب نزول هذه الآية روايات عديدة ووجوه مختلفة، ولكنّها تبقى مشتركة في جهة واحدة.. فأصل القصّة هو أنّ بعض اليهود انتهوا في حكمهم على ما إذا كان شرك قريش أفضل أم دين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.. فانتهوا إلى أن شرك المشركين هو الأفضل... وجاء في (الدرّ المنثور) في ذيل هذه الآية أنّ البيهقي في (الدلائل) وابن عساكر في (تاريخه) رويا عن جابر الأنصاري أنه قال: حين بلغ شأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما بلغ خرج كعب بن أشرف من المدينة واتخذ في مكّة منزلاً وراح يقول للناس: لست على استعداد لمساعدة أحمد ضدّ محمد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولا أخوض معه حرباً.. فسئل عن أي دين أفضل: دين مكّة أم دين محمد وأصحابه ؟ فأجاب قائلاً: دينكم أفضل وأقدم، ولكن دين محمد حديث الظهور.. وهنا نزلت الآية أعلاه... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. مفردة (الْجِبْتِ استخدمت في هذه الآية القرآنيّة فقط، وهي مفردة جامدة لا مشتقّات لها، وقيل إنّها من لغة الأحباش بمعنى السحر أو الساحر أو الشيطان، ثمّ إنّها دخلت في لغة
1) الدر المنثور، ج 2، ص172.
العرب، ولذلك تستعمل بهذه المعاني أو بمعنى الصنم وكلّ معبود غير اللّه تعالى.. وقيل إنّها في الأصل (جبس) ثمّ بدل سينها تاءً فصارت جبتاً..
2۔ مفردة (الطاغوت) استعملت في القرآن ثمان مرات وكما ورد في تفسيرنا (ج 1 ذيل الآية 256 من سورة البقرة) فهي صيغة مبالغة من مادة الطغيان بمعنى التعدي والتجاوز عن الحدّ، وتقال لكل ما يوجب تجاوز الحدّ، وهو من جملة أشكال الجبت، ولهذا سمي الشيطان والصنم والحاكم الجبار والمتكبر وكلّ ما يعبد من دون اللّه سبحانه وكلّ طريق ينتهي لغير الحقّ طاغوتاً..
بخصوص المراد من هاتين الكلمتين الواردتين فى الآية: اختلف المفسّرون.. فقال بعضهم : هما اسمان لصنمين كان اليهود قد سجدوا لهما. في تفاصيل القصة أعلاه. وقال مفسّرون آخرون الجبت هنا بمعنى الصنم والطاغوت بمعنى عبّاد الأصنام أو حماة الصنم باعتبارهم ناطقين عن الأصنام حيث ينقلون للناس مقولات زوراً وكذباً وشعوذة. عن الأصنام وينسبونها إليها ليخدعوا الناس.. وهذا المعنى يناسب ما ورد في شأن وتفسير الآية، لأنّ اليهود سجدوا للأصنام، وسلّموا للوثنيين...
كلمة (الجبت) وكذلك كلمة (جبس) يعنيان كلّ شيء لا يتضمن خيراً، إلّا أنّ البعض قالوا: إنّهما بمعنى كلّ شيء يعبد من دون اللّه سبحانه وتعالى.
كلمة (الطاغوت) مصدر مثل كلمة (الطغيان) ولكنّها كثيراً ما ترد بمعنى الفاعل... إلّا أنّ هناك من قال : الطاغوت بمعنى كلّ معبود غير اللّه -جل جلاله - وهذا ما يؤيد الروايات الواردة في شأن نزول الآية، حيث طلب - كما قيل - مشركو مكّة من أهل الكتاب اليهود والنصارى) أن يحكموا بينهم وبين المؤمنين ليصرحوا بأفضلية أحدهما.. فحكموا بأن دين المشركين خير
من دين المؤمنين !! (1)
وهذه الآية تنبئ بوقوع حادثة، وفيها أنّ بعضاً من أهل الكتاب حكموا لصالح المشركين وقالوا: المشركون أهدى سبيلاً ومسلكاً من المؤمنين مع أنّ دين المؤمنين لم ينزل بغير التوحيد، ورغم أن القرآن قد صدّق كتب السماء السابقة، فيما المشركون ليس لهم غير الايمان بالجبت والطاغوت.. وهما اللّذان نسبهما اللّه تعالى إليهم، ثمّ لعنهم بهذه الخطيئة العظمى وقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّه...)6. عبرت الآية عن اليهود والنصارى بأهل الكتاب أنهم قد نالوا حظاً ونصيباً من الكتاب لتكون مذمّتهم وتقريبهم أنسب لأنّ إيمان علماء أهل الكتاب بالجبت والطاغوت يحمل فضيحة كبرى مع علمهم بكتاب اللّه عزّوجلّ وهي أعظم وأدهى من عبادة الطاغوت من قبل جاهل من جهال اليهود والنصارى بكتاب اللّه تعالى.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 92.
### الآية 52#### إشارة:أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّه وَمَن يَلْعَنِ اللّه فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)#### النقاط المستفادة من الآية1. القضاء بخلاف الحقّ يوجب الابتعاد عن الرحمة بعد التعرّض للّعن..2. من يتعرّض للطرد واللّعن الإلهي يحرم من العون والّلطف الإلهي.3.. لأنّ كلمة (لَن في قوله تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) تدلّ على النفي المؤبد، فهي تؤدّي إلى المعنى القائل بأن لا يتوقع هذا الفرد وأقرانه رحمةً ودعماً إلهيّاً في الدنيا وفي الآخرة...
أَمْ لَمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)
الأول: أنّه حرف منقطع عن البحث والجملة السابقين، وهو بمعنى (بل) وفي هذه الصورة يجب تفسير العبارة بهيئة سؤال واستفهام استنكاري بل لهم نصيب من الملك...
الثاني: أنّه حرف متصل وعائد إلى العبارة السابقة. وهو في هذه الآية بمعنى (لو) وقال هؤلاء المحتملون: تقدير الآية هو أهم أولى بالنبوّة أم لهم نصيب من الملك.. يعني: هل هؤلاء أحق بالنبوّة أولهم نصيب وحظ من الملك ؟ ولكن هذا الاحتمال خاطئ حسب بعض المفسّرين لأنّ حذف همزة الاستفهام إنّما يكون في حال الضرورة الشعرية، والشاعر يحذفها إذا أراد لوزن شعره أن يستقيم.. وليس في القرآن مثل هذه الضرورة مع أنّ رأي العلّامة الطباطبائي في (الميزان) مخالف لهم إذ قال إنّ ظاهر الآية اتصال حرف (أَمْ) وقد حذف متعلّقه، لأنّ الآية السابقة تنبئ وتفهم ما هو ذلك المتعلّق، وأن تقدير الكلام يكون بالشكل التالي: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ *... لهم كلّ ما حكموا به من حكم * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ؟) بمعنى: ألا ترى هؤلاء أهل الكتاب الذين لهم حظٌّ من الكتاب ويتصرفون بما يحلو لهم ويحكمون.. هل لهم الحقّ في أن يقضوا بكل رأي ارتأوه.. أم أنّ لهم منفعة من الملك الذي عندهم.. أم أنّ حسدهم لا يسمح لهم أن يروا اللّه يؤتي الناس من فضله؟ وعلى هذا؛ فإنّ متعلّقي الاستفهام وما بعدهما منظّمان مرتبان وسياقهما محفوظ... (1)
1) الميزان، ج 4، ص 375.
اليهود من حيث المكانة الاجتماعيّة ليس لهم تلك القيمة التي تؤهلهم للحكم والقضاء بين الأفراد أو أن يحكموا، كما أنّ الناس لم يحكموهم أبداً فيما بينهم ليتمكنوا من ممارسة ذلك: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ.)كلمة (نَقِيرًا صفة مشبهة.. وهنا وردت بمعنى اسم مفعول؛ أي: منقور ومنقار، والعبارة تحكي عما هو حقير وصغير، مثل الذي يأخذه الطير بمنقاره من الأرض.)4. لم يكن لليهود في وقت من الأوقات صلاحية الحكومة على الناس، سواء في بعدها المادي أو المعنوي لاستيلاء روح العنصريّة على ثقافتهم وسلوكهم، ولو أنهم ظفروا بفرصة الحكم على الغير. فإنّهم سيحجمون عن إعطاء أحدٍ حقه أبداً، بل وسيحرصون على احتكار كلّ الفرص والميزات والإمكانات لأنفسهم فحسب : ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا.
لا يلزم المسلمين أن يقلقوا أو ينزعجوا لحكم اليهود وقضائهم على أنفسهم، لأنّ القضاء المحترم هو القضاء المحايد.. والواضح للجميع أن عقد اليهود وعنصريتهم المقيتة توجب عليهم أن يروا الحقّ إلى جانبهم دوماً أو أنهم يعطونه لمن يضمن لهم مصلحتهم ومنفعتهم.
كلمة (الْمُلْكِ) في هذه الآية الشريفة تشمل السلطة على الأمور الماديّة والمعنويّة، وبالنتيجة يكون معناها: الملك والسلطة وقدرة التصرف في النبوّة والولاية والهداية، وكذلك تشمل المالكيّة على الناس والثروة، لأنّ ظاهر الآية (51) إشارة إلى ادعاء أهل الكتاب بأنهم يملكون صلاحية القضاء وسوق الحكم على المؤمنين وأنّهم لهم هذا الحق.. ومعلوم أن القاضي يجب أن يتصف بالفضائل المعنويّة، لأنّ عمليّة القضاء متجانسة مع الفضائل المعنويّة.. هذا في حين أن الآية تقول: فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا وهذا ما يدلّ على المالكيّة على الشؤون الماديّة أو كون هذه الأخيرة مشمولة بها، وعليه؛ يكون المراد من قوله تعالى: (أَم لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ) أعم من ملك المادّيّات والمعنويّات.. وبالنتيجة يكون معنى الآية نظير قولنا: هل لأهل الكتاب نصيب من الملك ؟ هذا الملك الذي آتاه اللّه تعالى لنبيّه بصورة)
نبوّة وولاية وهداية وأمثال ذلك؟ ولو أنّهم كان لهم مثل هذا الملك؛ فإنّهم لا يعطون الناس ولو جزءاً صغيراً منه لبخلهم وسوء طينتهم وباطنهم... وهكذا يكون مضمون الآية قريباً من مضمون قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ !!)
### الآية 54#### إشارة:أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنا الَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلكًا عَظِيمًا (54)#### النقاط المستفادة من الآية1. الحسد هو تمنّي زوال النعمة عن الآخرين، سواء صارت النعمة إلى الحاسد أولم تصر، وعليه؛ فإنّ فعل الحسود يتمحور حول دمار وتمني دمار الآخرين، وليس في أن تنتقل إلى الحاسد حتماً...2. وجهة خطاب الآية كما الآيات السابقة نحو اليهود وردّ حكمهم الباطل ضد المؤمنين ودينهم حيث قالوا إن دين المشركين أفضل من الدين المحمدي (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ.)3. إذا كنّا وظاهر مطلع الآية، فينبغي لنا أن نقول بأنّ المراد من كلمة (النَّاسَ هم المؤمنون، وأنّ المقصود بقوله سبحانه: ﴿مَا آتَاهُمُ اللّه من فَضْلِهِ) هو النبوة والكتاب والمعارف الدينية التي أعطاها اللّه تعالى بفضله وكرمه.. ولكن بالالتفات والدقّة في آخر الآية حيث قال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) يفهم منه أنّ (النَّاسَ) ليسوا عموم المؤمنين، وإنّما المراد هو شخص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي هو من آل إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لأنّ الآخرين إذا انتفعوا من هذا الفضل الإلهي؛ فمن طريق شخص النبي وبركاته السامية.. وكما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ...) حيث علم أن مقصود القرآن من آل إبراهيم هو رسول اللّه وأهل بيته المعصومين صلوات اللّه عليه وآله أجمعين.. هذا بالإضافة إلى أن جميع المسلمين الذين آمنوا ليسوا من آل إبراهيم وذريته الطاهرة.. ثمّ إنّ أهل الرسول لم يكونوا أولئك الأفراد العاديّين المميّزين بفضيلة على الآخرين حتّى تشملهم الآية، أو تكون)
ضرورة ليثنى عليهم باعتبارهم من أولاد إبراهيم.. وإن ذهب البعض إلى جر الآية القائلة ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا (1)لتكون قرينة في أن المؤمنين عموماً هم من آل إبراهيم.. ولكن هذه التسمية غير ممكنة لأنّ صرف الأولويّة والاقتراب من آل ابراهيم لا يجعل أحداً من آل إبراهيم.. وشهادة الآيات والروايات وتاريخ المسلمين تذهب إلى أنّ المؤمنين برسول اللّه لم يكونوا من آل إبراهيم (عَلَيهِم السَّلَامُ).. فالمراد إذن؛ من آل إبراهيم هم رسول اللّه صلوات اللّه عليه وآله والمعصومين من أهل بيته المنتمين إلى جدهم اسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)..)4. يمكن أن يطرح سؤال في المقام يقول: كيف يمكن للقرآن أن يطلق كلمة (النَّاسِ على شخص واحد؟)نقول لدى الإجابة: رغم أنّ كلمة الناس تعني جموع الأفراد، وأنه من غير الصحيح إطلاقها على شخص واحد (باستثناء شخص النبيّ مادام عديم القرينة هو المشهود.. أمّا ورود كلمة آل ابراهيم في آخر الآية قرينة تشير إلى أنّ المراد بالناس هو رسول اللّه وآله عليهم الصلاة والسلام، لأنّ قرينة المقابلة توحي بأننا إذا جعلنا لبني هاشم هذه المنزلة، فليس ذلك من العجب، إذ أن آل إبراهيم وبداعي جدارتهم لهم تلك المنزلة والمقام.. وثانياً: أنّ كلمة (الناس) في الحوار البسيط يمكن أن تطلق على شخص واحد على سبيل الكناية، وأنه لا عيب في ذلك.. كأن يقول الشخص لآخر كان يؤذيه مالك والآخرين أولا تؤذي الناس، وهو لم يؤذ غير شخص واحد.)5. في روايات جمة أوردها الشيعة والمخالفون تصرّح بأنّ المراد من (الناس هم أهل بيت الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2)، وقد روي عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذيل هذه الآية:)
إنّ اللّه سبحانه قد جعل في آل إبراهيم أنبياءً وأوصياء فكيف يقرون به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ؟!! (1))ونقرأ في رواية أخرى عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذيل هذه الآية أنه قال: «نحن المحسودون». (2))وروى في تفسير (الدر المنثور عن ابن المنذر، والطبراني عن ابن عبّاس في هذه الآية أنّ المراد من الناس في هذه الآية هم نحن دون غيرنا... (3))ثمّ إنّ القرآن يقول في بعد هذه الآية: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا وكذلك سيتعرّض الذين كفروا بالقرآن المُنزل من السماوات على النبي المصطفى)صلوات اللّه عليه وآله لذات المصير الجهنّمي..6. بالنظر إلى معنى (الناس و شرحه وإلى الروايات المذكورة، فإنّ الواضح والبين أنّ المراد من آل إبراهيم إمّا هو رسول اللّه وآل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين. وهم أحفاد من النبي إسماعيل عليه وعليهم السلام، أو مطلق آل إبراهيم؛ سواء كانوا أحفاد اسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أحفاد إسحق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والأمر يشمل رسول اللّه وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.. وقد صاروا عرضة مباشرة للحسد الحقيقي في أعلى صوره من قبل اليهود (4)، ولا يمكن أن يكون المراد من (آل إبراهيم بني إسرائيل باعتبارهم ذرية إبراهيم، لأنهم إن كانوا المقصودين بذلك.. فسد المعنى، مضافاً إلى أن اليهود كانوا يحسدون المؤمنين لأجل رسول اللّه صلوات اللّه عليه وآله، فلا معنى في الثناء على اليهود مع وجود كلّ هذا الحسد أو أن يقال فيهم أنهم قد أوتوا الكتاب)
والحكمة.7. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ يوضح النقطة المهمة أدناه: أنّ أهل الكتاب بحسدهم للنبي قد يأسوا ولم يبق بين أيديهم سوى أن تقطع نعمة النبوّة عن)آل إبراهيم، ولكن اللّه تبارك وتعالى أكد أن فضله هذا لن يقطع، وأنّ الحاسدين سيموتون غيظاً، لأنّ حسدهم هذا لن ينفعهم في شيء.8. لعلّ السبب في أنّ اللّه تعالى عدّ ملك إبراهيم في هذه الآية الشريفة ملكاً عظيماً، هو أنّ الدنيا هينة عليه تعالى، إلّا أن يكون مُلكها بيد صاحب فضائل معنوية ومناقب دينية، ولهذا؛ فإنّ هذا الملك العظيم يجب أن يتصوّر وأن يكون بمعنى أشمل من ملك دنيوي، فيضمّ الملك الدنيوي والسلطنة المعنويّة.. وما يؤيّد قولنا هذا أنه تعالى قد وصف فضائل آل إبراهيم (عَلَيهِم السَّلَامُ بأنّها كتاب وحكمة ؛ ولكنّه لم يعدّها من النبوة والولاية المطلقة.. وهكذا يكون هذا المنحى صحيحاً وقوياً جداً.)9. لماذا تستوحشون وتعجبون من إعطاء هكذا مقام ومنصب للنبي وآله عليهم الصلاة والسلام؛ فتحسدونهم في حين أنه تعالى قد أعطاكم وآل إبراهيم كتاباً سما وياً وحكمة ومعرفة وحكومة شاملة وواسعة (كما هي حكومة موسى وداود وسليمان (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولكن المؤسف أنكم أيّها الناس لم تكونوا نعم الخلف وفرّطتم بهذه الثروة المعنويّة والماديّة القيمة بسبب سيّئاتكم وقسوة قلوبكم (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا).)10. بالنظر إلى أنّ أحد مواضيع هذه الآية؛ هو الإشارة إلى صفة الحسد؛ كونه مصدر للكثير من الاضطرابات الاجتماعيّة ذات التأثير السلبي (المعنوي والمادي والفرديّ والاجتماعيّ الكبير، وكما قص القرآن الكريم واقعة القتل الأولى في الأرض بداعي الحسد.. وبهذا الصدد ورغم أضرار الحسد على مختلف الأصعدة الماديّة والمعنويّة، إلا أننا نتناول فهرساً عريضاً من آفات وأضرار الحسد :)
الضرر الأوّل:أنّ الحسود؛ وبدلاً من أن يستنفذ كلّ قابليّاته وطاقاته البدنية والفكريّة لإحرازه التقدّم وتحقيق الأهداف الاجتماعيّة الفذّة إلّا أنّه يصرفها في مسار الدمار لنعمة وجوده وسائر نعمه الأخرى.الضرر الثاني:أنّ الحسد دافع ومحرّض للكثير من الجرائم، ولو أننا بحثنا العوامل والعلل الأساسية للقتل والسرقة والاعتداء وأمثال ذلك لرأينا أن شطراً كبيراً منها راجع إلى الحسد، ومن هنا شُبّه الحسد بشرارة من نار تعرّض وجود الحاسد أو المجتمع الذي يعيش فيه إلى خطر ما حق...الضرر الثالث:يقول أحد العلماء: إن الحسد أحد أخطر الصفات، ولابد من اعتباره أخطر الأعداء علىالسعادة.. ولابد من مواجهته والحاق الهزيمة به. الضرر الرابعالمجتمعات التي تتشكل من أفراد حاسدين هي مجتمعات متأخرة، وذلك - كما قلنا- إنّ الحاسد يسعى دوماً إلى جز الآخرين إلى الوراء، وهذا ما يتناقض وروح التكامل والرقي تماماً. الضرر الخامس:فضلاً عن كلّ ذلك، فإن للحسد آثاراً سلبيه على جسم وسلامة الإنسان، والحاسد عادة ما يكون فرداً مضطرباً ضعيف الأعصاب مريضاً في الغالب، وقد أضحت هذه الحقيقة ثابتة في أنّ الأمراض الجسدية لها أسباب نفسيّة، وهناك بحوث طبية مفصلة تدرج تحت عنوان الأمراض النفسية - الجسديّة تختص بهذه الأمراض والحالات.الضرر السادس:من الناحية المعنويّة يعتبر الحسد علامة على نقص الشخصيّة والجهل وضيق التفكير
وضعف الإيمان ونقصه، لأن الحسود في واقعه يرى نفسه أعجز من أن يرتقي إلى مقام المحسود أو أعلى منه، ولذا؛ فهو يجهد في إسقاط المحسود، وفضلاً عن كلّ هذا، فالحاسد معترض بصورة عملية على حكمة اللّه المتفضل المنعم الأصلي ويشكل على تلقي النعم من قبل اللّه تعالى...11. جملة روايات عن الحسد:قال مولانا أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ: «صحة الجسد من قلة الحسد». (1))وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ في موضع آخر: «العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد». (2))بل ونقرأ في حديث أنّ الحسد قبل أن يلحق أذى بالمحسود، يلحق الضرر بصاحبه.. (3)وقال مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : «الحسد أصله من عمى القلب والجحود لفضل اللّه تعالى وهما جناحان للكفر، فالحسد يوقع ابن آدم في الحسرة للأبد، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً». (4))وروي عن مولانا أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في نهج البلاغة أنّه قال: «إنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» (5)وذلك لأنّ الشخص الحسود يسقط تدريجياً في مستنقع سوء الظن باللّه وحكمته وعدله، وسوء الظنّ هذا هو الذي يخرجه من جنّة الإيمان... (6))
1) نهج البلاغة، ص 513.
2) نفس المصدر، ص 508.
3) مصباح الشريعة، ص 104.
4) نفس المصدر.
5) نهج البلاغة، ص 118.
6) ويمكن القول إنّ ما يستوحى من الآية - فضلاً عما تقدم - أنّ اللّه تعالى يريد بيان شطر ممّا تعرّض ويتعرّض له أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ودينهم من ظلم سافر من جهة أعدائهم، الظلم الذي يعود أصله إلى رذيلة الحسد، الرذيلة التي أدت بأبينا آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإخراج من الجنّة بعد أن أنار الحسد حفيظة الشيطان الذي لم يرق له أن يكون آدم خليفة للّه في الأرض... وهكذا هم أعداء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فعلوا ويفعلون ما فعله الشيطان، فأرادوا ويريدون دفع أنوار اللّه في الوجود عن مراتبهم التي رتبهم اللّه فيها، تقليداً وتشبّهاً وتفاعلاً مع اليهود الذين حسدوا النبي المصطفى في عصره و ماتلاه [المترجم].
### الآية 55#### إشارة:فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)#### النقاط المستفادة من الآية1. كلمة (صَدَّ تعني الإرجاع والصرف والمنع فقط، وربّما تستعمل هذه الكلمة لتعبير عن الإعراض والإبعاد، وفي هذه الصورة يكون معناها التقابل والمواجهة أيضاً، وعلى هذا المعنى لا تبقى ثمّ حاجة إلى التبرير للطرف المقابل (المسلم) بل ويدفع إلى الصراع والمواجهة معه.)2. قُسم الناس في هذه الآية قسمين قسم آمن، وقسم جاحد، فإذا صار الجحد في مقابل الإيمان ومواجهته، فالجحد هو ليس لأنّ اليهود لم يؤمنوا فحسب، وإنما راحوا يجهدون في منع الناس وصدّهم عن أن يؤمنوا بالكتاب الذي أنزله اللّه تعالى.. ولا ريب أنّ اعتبار كلمة (صَدَّ بمعنى الإعراض، وفي هذه الحالة تكون المواجهة مباشرة، ولا حاجة إلى التبرير والبحث عن السبب في المواجهة (فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ).)3. عبارة (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا تكشف عن التهديد للذين يصدّون الناس عن الايمان ويثيرون الفتن بوجه الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله والمؤمنين.)
### الآية 56#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّه كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)#### النقاط المستفادة من الآية1. جاء في (تفسير القمّي في ذيل هذه الآية أنّ المراد بالآيات هنا أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين. (1))2. سؤال : يمكن أن يشكل البعض على القول بتبديل الجلود الناضجة بالنار، والحال أنّ الجلود الجديدة غير مذنبة كما هي الجلود الأصلية، وهذا ما يتنافى مع أصل العدالة..الجواب: ذات السؤال هذا طرحه ابن أبي العوجاء - الكافر الملحد - على مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ إذ قال : ما ذنب الغير، فأجابه الإمام إجابة مقتضبة قائلاً: «هي هي؛ وهي غيرها».. (2)أي أنّ الجلود الجديدة هي ذاتها الجلود السابقة؛ وهي غيرها في ذات الوقت.. وخلاصة الجواب هي أنّه حينما تكون للمادة عدّة صور، فإنّه يمكن القول بأنّ المادّة الموجودة حين تتصوّر بعدة حالات وصور.. وبدن الإنسان واحد مادام الإنسان هو نفس الإنسان مع كلّ التغييرات الطارئة عليه.. ولمّا كان ابن أبي العوجاء يعرف ما يتخلّل عبارة الإمام من شرّ ومعنىً قال: مثّل لي في ذلك مثلاً من أمر الدنيا.. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أرأيت لو أنّ رجلاً أخذ لبنةً فكسرها ثمّ)
ردّها في ملبنها؛ فهي هي؛ وهي غيرها» (1فهي جديدة قديمة في آن واحد (إذ المادّة الأولى محفوظة، ولكنّها تهيّأت بصورة جديدة).. وقد نقل هذا الحديث صاحب (الاحتجاج) عن حفص بن غياث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)، فيما رواه عليّ بن إبراهيم القمّي رضوان اللّه عليه في (تفسيره) مرسلاً.. (3)لهذا أمكن الفهم من هذا النصّ الشريف بأنّ الجلود الجديدة قد تشكّلت من ذات المادّة الجلدية القديمة.)3. الثواب والعقاب مرتبطان - في الحقيقة - بروح وقوّة إدراك الإنسان، وما الجسم إلّا وسيلة لسراية الثواب أو العقاب إلى روح الإنسان...
### الآية 57#### إشارة:وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا (57)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية وردت بعد آيتين تناولتا كفاية جهنّم عقاباً للكافرين، وهي تؤكد مدى الفرق والمنزلة بين فريقي المؤمنين والكافرين في الرحمة والعذاب الناتجين عن دين الفريقين وأعمالهما.. ليتضح للناس ويعلم أنّ هذين الفريقين كانا متضادين في الدين والعمل والسلوك في دار الدنيا، كذلك هما سيختلفان في دار الآخرة ومصيرهما الأبدي حيث سیعیيشان السعادة والشقاء.. في جنّات مظللة بأروع الظل أو يعانون حريق النيران والعياذ باللّه..2. واضح أنّ علّة عذاب فريق الكافرين هي أنّهم وفضلاً عن كفرهم بالآيات الإلهيّة، فهم كانوا يصدّون الآخرين عن الإيمان ويدفعونهم إلى الكفر، ولهذا أشار سبحانه إلى أنّهم بسبب سلوكهم المشين هذا سيدخلون جهنّم سراعاً، وهنالك ستبدّل جلودهم - كلّما نضجت -بجلود جديدة ليذوقوا العذاب بصورة متواصلة...ولكنّ اللّه تعالى في هذه الآية ولدى بيانه منزلة أهل الجنّة في الآخرة يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... سرعان ما يدخلون الجنة وفيها أنهار جارية من تحتها وهم فيها خالدون خلوداً أبديّاً لهم فيها أزواج مطهرة ينعمون معاً في الظلال الظليلة الدائمة.)كما يذكر في الأدب العربي من أنّ كلمة (سوف يراد بها التنبيه إلى المستقبل البعيد،)
وأنّ حرف (س يستعمل لمستقبل القريب، ومع علمنا بأنّ الآيتين عائدتان إلى عالم القيامة والآخرة.. وأنّ عقاب الطالحين وثواب الصالحين في ذلك العالم بالنسبة لنا سواء من حيث الفاصلة الزمنية، ولكن بمقايسة هاتين الآيتين يفهم أنّ رحمة اللّه قد سبقت غضبه، وأنّ رحمته أوسع من غضبه، لأنّ الآية الأولى (56) ذكرت الوعيد بالعقاب بكلمة (سوف) (سوف نصليهم) في حين أنّ هذه الآية (57) ذكرت الوعد بالثواب للمؤمنين العاملين الصالحات بحرف (س) ﴿سَنُدْخِلُهُمْ)...)4. واضح أن التفاوت في التعبير واستخدام حرفي (سوف و (س) في الآيتين (56. 57) من أجل الإشارة إلى سرعة وسبق ووسعة رحمة اللّه تبارك وتعالى.. وبطء إنزال العقاب والعذاب وإرسال المجرمين إلى جهنّم ومحدوديّة غضب الربّ المتعال.. وهذا نظير ما نقرأ من الدعاء القائل: يا من سبقت رحمته غضبه...)
### الآية 58#### إشارة:إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّه نِعمَّا يَعِظُكُم إِنَّ اللّه كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)#### شأن نزول الآيةجاء في تفسير (مجمع البيان وبعض التفاسير الأخرى أنّ هذه الآية الشريفة نزلت حين دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكّة منتصراً انتصاراً مطلقاً، فاستدعى عثمان بن طلحة وكان حامل مفاتيح الكعبة وأخذها منه ليطهر جوفها من الأصنام التي كانت فيها.. وبعد إنجاز هذه المهمّة طلب العبّاس عم النبي أن يعطيه هذه المفاتيح وأن تكون السدانة من نصيبه، وقد كانت سدانة الكعبة وحمل مفاتحها مقاماً شامخاً عند العرب، (وكأن العباس كان يرغب في استثمار ما للرسول من نفوذ اجتماعيّ وسياسي لصالحه)... ولكنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؛ وخلافاً لطلب العبّاس، أعاد المفاتيح إلى عثمان بن طلحة بعد تطهير الكعبة من لوث الأصنام وغلق بابها، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا...) (1).)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية تبين قانونين إسلاميين مهمين وحكماً عاماً: الحكم والأمر الأول: إعادة الأمانات إلى أصحابها (إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا....)الحكم والأمر الثاني: إذا قضيتم وحكمتم بين الناس فلابد من أن يكون على أساس
1) مجمع البيان، ج 3، ص 99 والدر المنثور، ج 2، ص 174 و 175.
العدل.. والقانون الثاني متعلّق بالآيات السابقة، لأنها كانت قد تناولت حكم اليهود لصالح المشركين وضدّ المؤمنين ولهذا خاطبت هذه الآية جميع الناس وأمرتهم أن يحكموا بالعدل بين المختلفين (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ.)2. واضح أنّ كلمة (الأمانة لها معنى واسعاً يشمل كلّ أشكال الثروة الماديّة والمعنويّة.)3. طبقاً لحكم الآية الصريح، فإنّ كلّ مسلم مكلف بأن لا يخون أي شكل من أشكال الأمانة - مادّية ومعنويّة (مثل مفاتح الكعبة التي كانت شأن نزول الآية أو أي شخص كان بلا استثناء. والجميع في ذلك متساوون، سواء كان صاحب الأمانة مسلماً أو غير مسلم، كما كان في شأن النزول حيث أدى النبي أمانة المفاتيح لحاملها المشرك..)4. قانون إرجاع الأمانة لأصحابها والقضاء العادل بين الناس؛ قانون كلّيّ عام يشمل جميع أنواع القضاء والحكومة، سواء ما كان منها عظيماً أو بسيطاً: ﴿إِنَّ اللّه كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا.)5. هذان القانونان الإسلاميان المهمّان (حفظ الأمانة والحكم بالعدل يضمن سلامة البنية التحتية للمجتمع الإنساني، ومن دونهما لن يستقر هذا المجتمع، سواء كان مجتمعاً مادياً أو إلهيّاً، بل إنّه لن يكون مجتمعاً إلهياً عالم يضمن تنفيذ هذين القانونين..)6. الأموال والثروات والمناصب والتراث الإنساني والتاريخي؛ كلّها أمانات إلهية قد أودعت عند أفراد المجتمع، والجميع موظفون بحفظ هذه الأمانات ثمّ تسليمها إلى أهلها، وأن لا يخونوها أبداً.7. في جميع الصراعات والاختلافات وأشكال التضاد منافع؛ وينبغي أن تحلّ وتفصل بأحكام عادلة لتحاشي التمييز والظلم والجور من أن يقع في المجتمع.8. معلوم أنّ الأمانة غير منحصرة في الأموال التي يودعها الناس عند بعضهم، ومن هنا يجب أن نقول بأنّ الأنبياء والأئمة المعصومين كانوا خير أمناء على الإطلاق حيث نقلوها وبلّغوها للناس.. كما أنّ على العلماء أن يصونوا أماناتهم؛ فلا يكتموا الحقائق.. ومن ذلك يعدّ
أولاد الإنسان أمانة إلهية في عنقه، ويفترض أن ينالوا ما يستحقون من تربية وتعليم.. بل إنّ وجود الإنسان نفسه وجميع الإمكانات والطاقات التي وهبها اللّه تعالى له؛ أمانة في عنقه ويفترض به أداؤها بالصورة الأحسن؛ فلا يقصر في سلامة بدنه وروحه وفي طاقة شبابه وفكره.. ولذا؛ حرّم الانتحارأ وإلحاق الضرر بنفسه بما يخالف الشرع..9. يمكن أن تكون العلّة في تقديم مسألة أداء الأمانة على مسألة الحكم بالعدل؛ أنّ صون الأمانة من أهمّ الأصول الأخلاقيّة لجميع الشرائح الاجتماعيّة التي ينبغي أن تحرص على الأمانة وأدائها.. أما إذا انحرف فرد أو أفراد عن هذا الأصل الأصيل.. جاء دور العدالة لتعرّف الفرد والأفراد على وظيفتهم الإنسانيّة في عدم الخيانة..10. إشارة إلى بعض الروايات والأحاديث الواردة في لزوم أداء الأمانة وتطبيق العدالة:ولطالما أكّدت النصوص الدينية هذه المسألة كما لم تؤكد على غيرها من المسائل، والنصوص أدناه من جملة ما يوضح هذه الحقيقة:الف: روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال:)«لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شيءٌ اعتاده، فلو ترکه استوحش، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته». (1)ب: ذات مرّة تبارى طفلان بحسن الخط، فجاء الامام الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ ليحكم بينهما، فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان ناظراً لمشهد المسابقة والتحكيم:)«يا بني ! أنظر كيف تحكم؛ فإنّ هذا حكم؛ واللّه سائلك عنه يوم القيامة». (2)ج: وفي رواية عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قوله : إنّما كان لعلي(عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان عند رسول)
اللہ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من المنزلة؛ لصدقه في الحديث وأدائه الأمانة.... (1))د: وعنه سلام اللّه عليه أنه قال لرفيق له: «إنّ ضارب عليّ بالسيف وقاتله؛ لو ائتمنني على سيف أو استشارني ثم قبلت ذلك منه؛ لأدّيت إليه الأمانة». (2)ه-: وفي حديث نبوي تناقلته الشيعة والمخالفون: «آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». (3)و: قال المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لوصيه المرتضى (عَلَيهِ السَّلَامُ):)«سوِّبين الخصمين؛ في لحظك ولفظك». (4، (5))
1) الكافي، ج 2، ص 104.
2) تهذيب الأحكام، ج6، ص 351.
3) قرب الإسناد، ص28.
4) مجمع البيان، ج 3، ص 99.
5) جدير ذكره أنّ الأمانة المرادة أداؤها في هذه الآية وفي عموم نصوص ثقافة القرآن والعترة؛ هي ولاية أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، حيث صيّرها اللّه فرضاً محتوماً على كلّ إنسان، وهي ذاتها الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها.. ولكنّ الإنسان أقرّ بها وتقبل تحمّلها، لكنه عاد و تخلّى عنها حين نقض عهده و تخلّى عن ميثاقه الذي أُخذ عليه في عالم الذرّ.. ثمّ إنّ الحديث والقول الذي يفترض بالإنسان أن يكون صادقاً فيه هو العقيدة.. فتكون سليمة مأخوذة عن أقرب الخلق إلى اللّه تعالى.. ومنشأ هذا من قوله تعالى في الثناء على المؤمنين المرضيّين عند بارئهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) والاستماع هو مقدّمة الاتّباع، والاتباع هو تدين؛ قولاً وفعلاً، وليس أحسن للقول - الديانة - من ولاية أهل البيت ا(عَلَيهِم السَّلَامُ)لالام الضامنة لسعادة الدارين [المترجم].
### الآية 59#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية وعدة آيات ستليها تعالج واحدة من أهم المسائل الدينية، وهي مسألة القيادة ومرجعيّة المسلمين في المسائل الدينية والاجتماعيّة وغيرها.2. لا شكّ أن جميع الطاعات التي يبديها الفرد المؤمن يجب أن تنتهي عند إطاعة الربّ المتعال، وأنّ كلّ قيادة ينبغي أن تصدر أو تتلقى شرعيتها من اللّه العظيم وطبقاً لأوامره وتعاليمه، لأنه هو الحاكم ومالك التكوين في عالم الوجود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه....)3. اللّه جلّ جلاله قد أصد رالأمر بإطاعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ باعتباره متصفاً بالعصمة، وهي إحدى فضائله وميزاته..، ولم يكن هذا الأمر الإلهي عبثاً أو لهواً باطلاً.. فالنبي خليفة اللّه بين الناس؛ وكلامه كلام اللّه، وقد أعطاه اللّه تبارك وتعالى هذا المنصب، وعليه؛ تكون الطاعة للّه من مقتضيات خالقيّته وحاكميّة ذاته المقدّسة.)4. بناءً على هذه الآية الشريفة، فإنّ أصل الإطاعة ذاتي في اللّه سبحانه (واجب الإطاعة بالذات ولزوم الطاعة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتم بوجود أمر الربّ المتعال (واجب الإطاعة للغير) فإطاعته من إطاعة اللّه، لأنّ طاعة النبي قد شرعت بأمره تعالى.)5. يمكن أن يكون تكرار مفردة و (أَطِيعُوا في الآية إشارة إلى التفاوت بين الطاعتين؛ طاعة اللّه وطاعة الرسول.. وفي المرحلة الثالثة ورد الأمر بطاعة الأمر الذين هم كيان بشريّ أيضاً)
يحفظون دين الناس ودنياهم..6. عما هو المراد من أولي الأمر، وضع مفسر والمخالفين ستّة احتمالات وتفاسير، وهي:الأول: ذهب جمع من مفسّري السنة إلى أنّ المراد من أولي الأمرهم الحكام والمتصدون للأمور؛ في كلّ زمان ومكان، وليس بينهم من يستثنى من ذلك.. وبالتالي يُكلّف المسلمون باتّباع أي حكومة وبأي شكل كانت، ولو حكومة المغول..ولا ريب أن هذا الاحتمال لا يتناسب ومفهوم الآية وروح التعاليم الإسلاميّة، ولا يمكن اتباع أي حكومة كانت من دون شرط وقيد؛ وجعلها في مصاف اللّه والرسول، وبناءً على هذا؛ فقد نفی كبار مفسّري المخالفين؛ ناهيك عن مفسّري الشيعة هذا الاحتمال.الثاني: بعض آخر من مفسري السنّه مثل مؤلف تفسير (المنار ومؤلّف تفسير (في ظلال القرآن) وآخرين ذهبوا إلى أن المراد بأولي الأمر، ممثلو عموم الطبقات، مثل الحكّام والعلماء وأصحاب المناصب في جميع شؤون الناس الحياتيّة (1)ولكن ليس على سبيل الإطلاق ومن دون قيد و شرط، وإنما إطاعتهم مشروطة بأن تكون موافقة لأحكام الاسلام وقراراته.)ولكنّ هذا الاحتمال والتفسير مردود أيضاً، لأنّ الآية الشريفة ذكرت الطاعة لأولي الأمر بشكل مطلق ولم تقيّدها بشرط لازم وواجب؛ في حين أنّ هذا الاحتمال مقيّد ومشروط بأن لا تكون الأحكام على خلاف المقررات الإسلاميّة.الثالث: أنّ المراد بأولي الأمر هم القادة المعنيون والمفكّرون، أي: العلماء والفقهاء العدول العارفون بمحتويات الكتاب والسنّة.وهذا الاحتمال أيضاً؛ لا يتناسب وإطلاق الآية، وذلك لأنّ إطاعة العلماء ذات شروط، منها: أن لا تكون أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة. وعليه؛ فهم إذا ما ارتكبوا خطأً ما (باعتبارهم غير
1) تفسير المنار، ج 5، ص 188 وفى ظلال القرآن، ج 2، ص 691.
معصومين ومعرّضين للخطأ باستمرار أو لأي سبب آخر حرفهم عن الحقّ والصواب، لم تلزم طاعتهم، في حين أنّ الآية عدت إطاعة أولي الأمر بشكل مطلق، كما هي إطاعة اللّه وإطاعة الرسول إطاعة لازمة، هذا فضلاً عن أنّ إطاعة العلماء والفقهاء في إطار الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنّة، وعليه لا تبقى ثمَّ طاعة غير طاعة اللّه ورسوله، فلا حاجة لذكر الطاعة لأولي الأمر.)الرابع: عدّ البعض المقصود من (أولي الأمر أنّهم ما يعرف بين المخالفين بالخلفاء الأربعة ولا يشمل غيرهم. ولكنّ الأعصار التي تلتهم خليّة عنهم.. وهذا التفسير والاحتمال الرابع أيضاً لا مصداق له فيما تلاهم من الزمن وحتّى الآن وإلى يوم القيامة، ناهيك عن أنه لا دليل على تخصيص اللفظ بأشخاص أربعة فقط.)الخامس: أنّ (أولي الأمر هم أصحاب النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)ولكنّ اختصاص اللّفظ بالصحابة أو قادة الجيش يلحقه الإشكال الوارد على رابع الاحتمالات أيضاً، كما أنه لا دليل عليه أبداً.السادس: أنّ المراد بهم هم قادة جيوش المسلمين..ومعلوم أنّ هذا الاحتمال باطل أيضاً، حيث لا دليل في البين على التخصيص..اتّفق جميع مفسّري الشيعة في هذا الإطار على أن المراد من (أولي الأمر هم الأئمة المعصومون (صلوات اللّه عليهم)، وهم الذين نصبهم الذين نصبهم اللّه تعالى وأوكل إليهم قيادة الناس والمسلمين على كافة الأصعدة وفي جميع شؤون الحياة.. ولا يشمل غيرهم، اللّهم إلا الذين يوكل إليهم هؤلاء الأئمة المعصومون منصباً أو دوراً في المجتمع المسلم، فتكون طاعتهم مشروطة بشرط لازم ومحدّد؛ وليس لكونهم أولي الأمر، بل باعتبارهم وكلاء عن أولي الأمر..)8. شايع وقبل جمع من مفسّري المخالفين. مثل محمد عبده العالم المصري المعروف. بعض كلمات المفسر المخالف الفخر الرازي الاحتمال الثاني (أنّ أولي الأمر هم وكلاء وممثلو
جميع الطبقات في المجتمع المسلم، مثل العلماء والحكّام وغيرهم مع فرض بعض الشروط، من جملتها أن يكون ولي الأمر مسلماً (كما يفهم من لفظ (منكم) في الآية) وأن لا يكون حكمه مخالفاً لكتاب أو سنة. وأن يحكم مختاراً لا مجبراً. وأن يحكم بما يوافق مصلحة المسلمين..)وأن تكون أحكامه من ضمن صلاحياته دون غيرها (وليس مثل العبادات التي هي قرارات ثابته ومعيّنة بنص الشرع وأن لا يحكم بما هو وارد فيه نص من الشرع، وفضلاً عن ذلك كلّه أن يكون حكم أولي الأمر ما هو متفق عليه.. وحيث أنهم - أصحاب النقطة الثامنة في البحث - يذهبون إلى أنّ مجموع الأمة أو مجموع وكلائها وممثليها لا يقعون في الخطأ.. وبعبارة أخرى: إن مجموع الأمة معصوم، وبالتالي فثمرة هذه القيود أنّ إطاعة هكذا حكم وبشكل مطلق كإطاعة النبي صلوات اللّه عليه وآله لازمة (ونتيجة هذا الخطاب: حجية الإجماع) ولكن أن يلتفت إلى أن ثمّ إشكالات ترد على هذا الاحتمال والتفسير:)أولاً: أنّه قَل أن يحصل الاتفاق في وعلى المسائل الاجتماعيّة، وعليه؛ سيستولي الاضطراب والفراغ بشكل دائم في أغلب شؤون المسلمين، ولو أنّهم اختاروا نظرية الأكثريّة، فإنّ هذا الإشكال يبقى حاكماً، لأنّ الأكثرية غير معصومة، وعليه تكون الإطاعة لا تلزم أحد بشكل مطلق..ثانياً: قد ثبت في علم الأصول أنّه لا دليل أبداً على معصومية المجموع باستثناء وجود الإمام المعصوم..ثالثاً: أحد الشروط التي ذكرها مؤيد و هذا التفسير: أن لا يكون حكم ولي الأمر مخالفاً للكتاب والسنة، وهنا لابدّ من تحديد الجهة التي تميز ما إذا كان الحكم الصادر موافقاً أو مخالفاً للكتاب والسنّة ؛ ولا ريب أنها ستتمثل في العلماء والفقهاء العارفين بالكتاب والسنة، ونتيجة هذا الحديث أن تكون الطاعة لأولي الأمر غير جائزة بلا إذن من العلماء والفقهاء، بل
إنّ طاعتهم ستكون أسمى من طاعة أولي الأمر، وهذا ما لا يتناسب ولا ينسجم وظاهر الآية الشريفة..رابعاً: صحيح أنهم قد عدّوا العلماء جزءاً من أولي الأمر، ولكن الحقيقة تطابق القول بأنّ العلماء هم المرجعيّة الأعلى من سائر وكلاء الشرائح والطبقات، وليست مرجعية مرادفة، ذلك لأنّ العلماء يجب أن تكون لهم الرقابة على الآخرين فيما إذا كانوا موافقين أو مخالفين للكتاب والسنة، وهكذا سيكون العلماء هم المرجعيّة العليا، وهذا ما لا ينسجم والتفسير المذكور، وعليه؛ يبقى هذا التفسير معرّضاً، بل ومتضمناً للإشكالات العديدة.9. التفسير الوحيد الذي يبقى محصناً دون الإشكالات السالفة الذكر، هو التفسير السا القائل بأنّ ﴿الأَمْرِ مِنكُمْ هم الأئمة المعصومون، لأنّ هذا التفسيريناسب إطلاق وجوب الطاعة الذي يفهم من الآية أعلاه، لأنّ مقام عصمة الإمام يحفظه من أي وقوع في الخطأ أو الذنب، وبهذا يكون حكمه وأمره كحكم وأمر النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ وهو واجب الطاعة دون قيد أو شرط، وحري به أن يكون في مرتبة طاعته حتّى من دون تكرار كلمة (أَطِيعُوا) ليتمّ العطف على إطاعة الرسول.. 10. حيث أنه سبحانه لم يقيّد الأمر بطاعة أولي الأمر بقيد، ولأن أولي الأمر إذ لم يكونوا
معصومين عن الخطأ، فإنّ الأمر بطاعتهم يجانب الصواب.. ومن هذه المقدّمة هذه المقدّمة نفهم أنّ أولي الأمر الذين أشير إليهم في هذه الآية لابدّ أن يكونوا معصومين ولهذا وجدنا بعض علماء المخالفين المشهورين يقرون بذلك، مثل الفخر الرازي الذي أقر بالحقيقة في مطلع بحثه الخاص بهذه الآية.. حيث يقول إنّ الذي أمر اللّه بطاعته بلا قيد لابدّ أن يكون معصوماً، لأنه إن لم يكن معصوماً عن الخطأ، فإنّه يبقى مأموراً بطاعته حين وقوعه في الخطأ، فيما اتّباعه أثناء خطئه يلزم الوقوع في الخطأ، وهذا نوع تضاد يقع في الأمر والحكم الإلهي، لأنه. من جهة. يعدّ العمل به ممنوعاً، ومن جهة أخرى يعد اتباع أولي الأمر أمراً لازماً، وهذا ما يوجب اجتماع الأمر
والنهي... رغم أنه في خاتمة كلامه قال بأنّ المعصوم إما أن يكون مجموع الأمة أو بعضاً من الأمة.. والاحتمال الثاني غير مقبول، للزوم أن نعرف ونحدّد هذا البعض ونصل إليه.. والأمر ليس كذلك، وحيث سقط هذا الاحتمال؛ يبقى الاحتمال الأول وهو أنّ المعصوم هو مجموع الأمة، وهذا يعتبر بحد ذاته دليلاً على أنّ إجماع واتّفاق الأمة حجّة مقبولة ويعدّ من جملة الأدلة.
من الأمة.. فاضطر إلى القول بأنّ أولي الأمر مجموع الأمة واتّفاقها (أو وكلاء شرائح المسلمين وطبقاتهم) في وقت لا يمكن فيه قبول هذا الاحتمال، لأنّ أولي الأمر يجب أن يكونوا قادة المجتمع المسلم؛ فتحلّ مشاكل المسلمين على أيديهم وتدار حكومتهم من قبلهم.. ونحن نعلم أن حكومة جمع من العموم أو وكلائهم بصورة اتفاق الآراء أمر غير ممكن، كما هو إحراز الاتفاق في آراء الجميع أو ممثليهم في مختلف المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والأخلاقيّة والاقتصاديّة التي يواجهها المسلمون أمر غير ممكن... وكذلك هو اتباع الأكثرية لا يعد اتباعاً لأولي الأمر.. وعليه؛ يكون لازم رأي الفخر الرازي ومن تبعه من العلماء المعاصرين؛ أن تعطل طاعة أولي الأمر، أو تكون في موضوع نادر واستثنائي.. ولهذا؛ نستنج ممّا تقدّم أنّ الآية الشريفة لا تثبت غير قيادة وإمامة الأئمة المعصومين الذين يشكلون عدداً محدّداً من الأمّة...
إذا كان المراد من (أُولِي الأَمْرِ) الأئمة المعصومين، فالتجانس غير وارد، نظراً لأنّ كلمة (أولي) صيغة جمع، بينما الإمام المعصوم واحد في كلّ فترة وزمن وليس أكثر..
للإجابة على هذا السؤال ينبغي القول: وإن كان الإمام المعصوم واحداً في كلّ زمان وليس أكثر، ولكن مجموع الأزمنة يتطلب مجموعة أئمة ونعلم أن لا تحدّد وظيفة الناس في زمن معين.
السؤال الثاني: لم يكن ثم وجود لأولي الأمر بهذا المعنى في زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكيف يطاع
أمرهم في هذه الحالة؟
الجواب على هذا السؤال يتضح ممّا تقدّم أعلاه.. إذ من المعلوم أن آيات القرآن غير منحصرة في زمن معين، ووظيفة المسلمين في جميع الأعصار تتجلى من ذلك، مضافاً إلى أن أولي الأمر كانوا يتجسّدون في العصر النبوي في شخص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو الذي كان يحمل على عاتقه مسؤوليتين من جهة اللّه تعالى، إحداهما : الرسالة الإلهيّة، وقد ذكر في هذه الآية :بعنوان: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... والأخرى مسؤولية قيادة وإمامة الأمة، وقد ذكر ذلك تحت مسمّى أُولِي الأَمْرِ وعلى هذا؛ يكون الإمام والقائد المعصوم في الزمن النبوي هو النبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله بذاته الذي كان. فضلاً عن منصب الرسالة وإبلاغ أحكام الاسلام. له منصب الإمام وولي الأمر أيضاً... ولعل عدم تكرار (أَطِيعُوا) بين ﴿الرَّسُولَ) وبين (أُولِي الأَمرِ) لا يخلو من الإشارة إلى هذا المعنى.. وبعبارة أخرى إن منصب الرسالة ومنصب ولاية الأمر منصبان مختلفان، ولكنهما جمعا في شخص النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولكنهما منفصلان في شخص الإمام الذي كان له منصب الإمامة دون منصب النبوة... «أنت مني - يا علي - بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي»... (1))
1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 96.
السؤال الثالث: إذا كان المقصود من (أُولِي الأَمرِ الأئمة المعصومين، فلماذا إذاً. ورد في ذيل الآية مسألة وقوع التنازع والاختلاف بين المسلمين، حيث قالت: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) فهنا. كما نلاحظ عدم ورود ذكر لأولي الأمر ليكونوا المرجع في حل الاختلاف، وإنما أكدت الآية - بظاهرها - أن المرجع في ذلك هو اللّه (الكتاب) والرسول (السنة النبوية) فقط؟)ينبغي القول في ردّ هذا الإشكال بما يلي:أوّلاً هذا الإشكال لا يرد على تفسير الشيعة فحسب، بل هو وارد على جميع التفاسير عند إعمال قليل من الملاحظة والدقة..ثانياً: لا شكّ أنّ المراد بالاختلاف والتنازع في العبارة القرآنيّة أعلاه؛ الاختلاف والتنازع في الأحكام دون المسائل المتعلقة بجزئيات الحكم وقيادة المسلمين، إذ في مسألة حكومة المسلمين وقيادتهم لابدّ من إطاعة (أُولِي الأَمرِ - كما جرى التصريح في المقطع الأول من الآية - وعليه؛ فإنّ المراد من ذلك الاختلاف؛ الاختلاف في الأحكام والقوانين الإسلاميّة العامة، إذ التقنين فعل إلهي ونبوي.. وواضح أنّ الإمام (كاشف) ومنفّذ للأحكام، فالإمام ليس مقنناً لقانون اللّه ولا هو ناسخ أو مبطل للقانون الإلهي، وإنّما هو حريص كلّ الحرص على تطبيق وإعمال أحكام اللّه وسنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. ولذا؛ ترانا نقرأ في أحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما مؤدّاه : لا تقبلوا ما ينسب إلينا ممّا يخالف كتاب اللّه وسنّة رسوله.. ومحال أن نقول ما يخالف كتاب اللّه وسنّة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. وعلى هذا؛ فإنّ المرجع الأعلى في حل اختلاف الناس في الأحكام وقوانين الإسلام هو اللّه والرسول الذي يوحى إليه، وإن كان المعصومون (عَلَيهِم السَّلَامُ) لم يبيّنون الأحكام؛ فذلك ممّا ليس من عندهم، بل هو من كتاب اللّه أو ممّا ورثوه عن إمامهم الأعلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. وهكذا يتضح السبب في عدم ذكر (أُولِي الأَمْرِ) في المقطع الثاني من الآية في إطار تحديد المرجع الأعلى في حلّ الاختلاف الواقع في الأحكام..)
13. وردت جملة أحاديث في المصادر الإسلاميّة تؤيّد وتكشف أنّ أئمة أهل البيت هم (أُولِي الأَمْرِ الحقيقيون، ومنها:)الحديث الأول : نقل فقيه السنّة أبوبكر بن مؤمن الشيرازي في كتابه (رسالة الاعتقاد طبقاً لنقل (مناقب الكاشي) عن ابن عبّاس أنّ الآية أعلاه قد نزلت في عليّ(عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك حين خلّفه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - في غزوة تبوك -على المدينة، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رسول اللّه! أتخلّفني على النساء والصغار في المدينة ؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى حين قال: أخلفني في قومي وأصلح.. فقال عزّوجلّ وأولي الأمر منكم». (1))الحديث الثاني: روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي وهو من العلماء المرموقين عند أهل السنة في كتابه (ينابيع المودّة عن كتاب (المناقب) عن سليم بن قيس الهلالي أنّ رجلاً جاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسأله قائلاً: ما أقل شيءٍ يكون معه الرجل في عداد الكافرين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما الشيء الذي يجعل أقله الإنسان في زمرة الضالين أن لا يعرف حجة اللّه وخليفته فلا يعرف ولايته ولا يرى لزوم طاعته.. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! صفه لي: فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أولئك الذين قرنهم إلى اسمه ونبيه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) فقال الرجل: نفسي لك الفداء! صفهم لي. فقال علي(عَلَيهِ السَّلَامُ): هم الذين طالما ذكرهم رسول اللّه في شتّى المواقع وفي خطبة الوداع حيث قال: «إنّي تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما؛ كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي». (2))الحديث الثالث: كتب الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه (ينابيع المودّة أنّ صاحب کتاب (المناقب) نقل عن (تفسير مجاهد) أنّ هذه الآية نزلت في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ). (3))
14. نقلت روايات كثيرة في المصادر الشيعيّة، مثل (الكافي للكليني و(تفسير العيّاشي) وكتب الشيخ الصدوق وغيرها؛ وكلها تشير وتؤكد أن (أُولِي الأَمْرِ) هم أهل البيت، حتّى أنّ بعضاً منها صرّح بأسمائهم فرداً فرداً... (1))
1) الكافي، ج 1، ص 276 و 286 و 287 وتفسير العيّاشي، ج 1، ص 249 إلى 254 و الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 531 و كمال الدین، ج 1، ص 222 و 253 و الخصال، ج 2، ص 479.
### الآية 60#### إشارة:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُم ضَلَالًا بَعِيدًا (60)#### شأن نزول الآيةوقع اختلاف بين أحد يهود المدينة ومنافق من المسلمين.. فقرّرا أن يجعلا حكماً بينهما.. ولما كان اليهوديّ يعلم بعدالة النبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله ويثق به قال: أرضى بقضاء نبيكم، ولكن المنافق اختار أحد شخصيّات اليهود ويدعى كعب بن أشرف حكماً؛ لعلمه بأنه قادر على حمله على أن يحكم لصالحه إذا أعطاه هدية (رشوة وهكذا عارض أن يكون النبيّ هو الحكم، فنزلت هذه الآية ووبخته أشدّ التوبيخ. وروى بعض المفسّرين شأناً آخر لنزول الآية رووه في ذيلها.. ممّا يشير إلى أنّ بعض حديثي الإسلام كانوا كما هي عادتهم في الجاهليّة يحكمون علماء اليهود وشخصيّاتهم. أو يرضون ببعض الكهنة حكّاماً.. فنزلت الآية ونهتهم عن ذلك نهياً قاطعاً.. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية مكملة للآية التي سبقتها، لأنّ الآية السابقة كانت دعت المؤمنين إلى إطاعة
1) مجمع البیان، ج 3، ص 102.
اللّه والرسول وأولي الأمر وإلى تحكيم الكتاب والسنّة، وهذه الآية نهت الناس عن إطاعة الطاغوت والتحاكم إليهم.2. مفردة (الطاغوت مأخوذة من مادة الطغيان وهي بجميع مشتقاتها ومرادفاتها تعني التمرّد وتجاوز الحدود والقيود، أو كلّ شيء يكون وسيلة للطغيان والتمرّد.)3. من يقضي ويحكم بالباطل طاغوت، لأنه يتجاوز حدود اللّه والحق والعدالة ولا يحكم بما يرضي اللّه تعالى. وقد روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قوله : «الطاغوت كلّ من يُتاحكم إليه ممّن يحكم بغير الحق»(1).)4. لا ريب في أنّ هذه الآية كما هي سائر الآيات القرآنيّة تبيّن حكماً كليّاً ودائماً يشمل جميع المسلمين في مختلف العصور، وتحدّرهم من أنّ التحاكم إلى حكّام الباطل من الطواغيت والظلمة لا يتناسب والإيمان باللّه وكتب الأنبياء.. بالإضافة إلى أنّ هذا العمل (التحاكم للطاغوت يخرج بالفرد عن مسار الحقّ ويرمي به إلى الضياع الرهيب.. ولا تخفى مفاسد تحكيم الطاغوت على صعيد صناعة الخلل والاضطراب الاجتماعيّ، وهو من أهم أسباب تخاذل المجتمع وتراجعه...)
1) نفس المصدر.
### الآية 61#### إشارة:وَإِذَا قِيلَ هُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)#### النقاط المستفادة من الآية1. هكذا مسلمون هم في ظاهرهم فحسب ليس أنّهم يتحاكمون إلى الطاغوت فحسب، بل إنّهم يمتنعون عن التوجه إلى حكم اللّه تعالى وتحكيم الرسول ويعرضون عن الدعوة النبوية ويصرون على طغيانهم..2. إنّ الرجوع إلى الطاغوت ذنب عظيم وليس مجرد خطأ عابر ولا يتلافى بتنبيه بسيط، بل إنّ عناد المتحكم للطاغوت وإصراره مؤشّر خطير على روح النفاق وضعف الإيمان لديه، وإلّا لاستجاب للدعوة النبوية؛ ولاعترف بخطئه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا. والصدّ. كما تقدم. هو الامتناع ومنع الآخرين عن الإقبال على مبدأ الحقّ وأهله...)
### الآية 62#### إشارة:فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّه إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانَا وَتَوْفِيقًا (62)#### النقاط المستفادة من الآية1. الحقيقة التي يجب أن تعرف هي أنّ هؤلاء الأفراد المنافقين حينما تحلّ بهم مصيبة كنتيجة لأعمالهم ويواجهون طريقاً مسدوداً، كانوا يأتون النبي(عَلَيهِ السَّلَامُ على سبيل الاجبار: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ...))2. هنالك يقسمون على أنّ غايتهم من اتخاذ الحكم وتحكيمه عند المختلفين معه؛ لم تكن سوى تحصيل الوفاق بين طرفي الدعوى والاختلاف: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّه إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا.)3. يمكن أن يكون مراد الآية من المصيبة اللاحقة بالمنافقين الفوضى والشقاء والمشاكل والأزمات التي تلحق بهم جراء التحاكم إلى الطاغوت، إذ لا شكّ أنّهم إذا حصلوا على منفعة - ظاهريّة - بتحكيمهم الحكم غير الصالح لأحد طرفي الدعوى.. ولكنه لا يمر بهم وقت طويل حتّى ينتشر فيهم وبينهم الفساد والظلم والفوضى والتحلّل الاجتماعيّ.. ولهذا، فإنّ أمثال أولئك الأفراد يحصدون ما زرعوا ويواجهون ما اقترفته أيديهم حتّى يندموا على ما فعلوا.. رغم أنّ بعض المفسّرين احتملوا أن يكون المراد من المصيبة؛ الفضيحة التي تلحق بالمنافقين بين الناس، أو المصيبة التي تلحق بهم بأمر اللّه تعالى (كالبلاء والهزيمة غير المتوقعة.)4. سؤال: ترى هل أنّ مقصود المنافقين من كلمة (الإحسان هو الإحسان لطرفي الدعوى، أم هو الاحسان للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟)
يمكن أن يكون مرادهم الأمرين معاً؛ فهم يضعون تبريرات مضحكة للتحاكم عند الغرباء، من ذلك أنهم قالوا بأن تحكيم الرسول لا يناسب شأنه صلوات اللّه عليه وآله، نظراً لتعالي أصوات المترافعين عند الحكم؛ وهذا ما لا يتناسب والشأن النبوي!! بالإضافة إلى أن القضاء غالبا ما ينتهي عند مصلحة أحد طرفي الدعوى، ممّا يسبّب كراهة القاضي واتخاذ موقف العداوة منه... وكأنهم بهذه التبريرات المخجلة المضحكة يريدون التنصل وتبرئة أنفسهم والقول بأنّهم يحسنون للنبي وطرفي الدعوى.. أو الادعاء بأنّهم بفعلهم هذا لم يريدوا التحاكم، وإنّما كان لمجرد الرغبة في الإصلاح بين الجانبين وإحراز التوافق وإنهاء النزاع !!!
### الآية 63#### إشارة:أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّه مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63)#### النقاط المستفادة من الآية1. ربّ العالمين عالم بأسرار المنافقين وبواطنهم، وخبير بأنّ مبرّراتهم كاذبة وغير واقعية وبعيدة عن الحقيقة (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّه مَا فِي قُلُوبِهِمْ.)2. مع صدور هذه الذنوب منهم، إلّا أنّ رحمة اللّه تعالى شملتهم، حتّى أنه سبحانه أمر رسوله الكريم بغض الطرف عن معاقبتهم ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولهذا؛ كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعاملهم بالمداراة لإظهارهم الإسلام ما أمكنه، لأنّه كان مأموراً بالتعامل مع الناس على حدّ ظواهرهم اللّهم إلَّا في حالات استثنائية تستوجب معاقبتهم.. وذلك لتحاشي الظنّ بأنّ الإعراض عنهم أو عقوبتهم نوع تصفية للحساب... 3. طبقاً لهذه الآية كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكلّفاً من قبل اللّه تعالى أن يعظ المنافقين بأبلغ وأشدّ العبارات وقعاً في نفوسهم وأن يحذرهم من سوء نتائج أفعالهم.. وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا.)
### الآية 64#### إشارة:وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّه وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّابًا رَحِيمًا (64)#### النقاط المستفادة من الآية1. في هذه الآية وضمن التأكيد على الممنوعيّة والتنديد الشديد بالرجوع إلى حكّام الجور والطغيان، جرى الحديث عن أنّ اللّه قد أرسل الأنبياء ليطيعهم الناس بإذن اللّه، وأن لا يخالفوهم قيد أنملة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّه.)2. العلّة في إطاعة الأنبياء هي كونهم مبعوثين من قبل اللّه تعالى، وكونهم زعماء الرسالة الإلهيّة، وعليه؛ فالناس مكلفون باتّباعهم من حيث بيانهم لأحكام اللّه وكذلك كيفية تطبيق تلكم الأحكام، ولا يكفي مجرّد ادعاء الإيمان..3. الهدف من بعثة الأنبياء إطاعة الناس جميعاً والانقياد لهم.. ولكن فيما لو أساء بعض الناس استغلال حرّيّتهم ولم يطيعوهم، فهذا البعض هو المقصر دون الأنبياء.. وهكذا تعتبر هذه الآية الشريفة دليلاً على ردّ المؤمنين بعقيدة الجبر، حيث يذهبون إلى أنّ من الناس من هم مجبرون على الإطاعة، وآخرون منهم محكومون بارتكاب المعاصي والخلاف!!4. من قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللّه يفهم أنّ جميع ما لدى الأنبياء هو من عند اللّه، وبعبارة أخرى أنّ وجوب إطاعتهم ليس لذاتهم، وإنّما لفرض إلهي.. 5. هذه الآية الشريفة تفتح الطريق للمذنبين ومن تحاكم للطاغوت لكي يتوبوا وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّابًا رَّحِيمًا.)
6. لا شكّ في أنه كما تعود الفائدة من إطاعة أمر اللّه والرسول على الإنسان نفسه، فإنّ ضرر التمرّد والعصيان الصادر عن مذنب ما أو متحاكم إلى طاغوت وظالم؛ يعودان على الإنسان أيضاً، لأنه بذلك قد دمر حياته الماديّة، مضافاً إلى أنه سيرى حياته في بعدها المعنوي قد رجعت القهقرى، وهكذا يصف القرآن الكريم في هذه الآية هكذا مسائل بكونها ظلماً يقترفه الفرد بحق نفسه : (إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ.)7. حيث أنّ هذه الآية قد صرّحت بجدوى وفائدة مجيء الإنسان المذنب إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وزيارته واتخاذه شفيعاً ووسيطا ووسيلة للاستغفار، وهذا المجيء والزيارة - كما وردا على هيئة الإطلاق في حياة الرسول أو بعد استشهاده - يوجبان قبول التوبة واستحقاق الرحمة الإلهيّة.. ولهذا كان للآية الشريفة أن تمثل إجابة شافية وردّاً صاعقاً على مفتريات القائلين بأنّ التوسل بالرسول أو من كان من الرسول وكان الرسول منه. وهم آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بمثابة الشرك باللّه.. إذ كيف يكون الدعاء والاستغفار والتشفع بالرسول وإعلان التوبة في ساحته شركاً فيما القرآن المجيد قد أمر المذنبين بذلك؟!!)8. الأمر المؤكّد؛ أنّ على المذنب المريد للتوبة أن يندم على ماضيه.. وأن يدفع بنفسه إلى السير في طريق التوبة عن الخطأ.. ولكي تقبل توبته؛ عليه الانتفاع من استغفا رالرسول الرحيم. وإلا فإنّ الزيارة وطلب الشفاعة بلا إحراز مقدماتها أمر غير ذي فائدة...9. بديهيٌّ أنّ شخص الرسول صلوات اللّه عليه وآله ليس غافراً للذنوب. وإنّما هو يطلب من اللّه التوبة على التائبين، وهذه الآية تردّ ردّاً قاطعاً على منكري هذا الشكل من التوسط والشفاعة.. كما أنّ الآية لا تقول: استغفر لهم يا رسول اللّه بل قالت: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ وهذا التعبير الصريح يشير إلى صلاحية الرسول في الاستفادة من مقامه ومنزلته عند اللّه تبارك)
وتعالى، فيستغفر للمذنبين والخطائين من أتباعه.... (1)10. بمراجعة الآيات وتدبّر عبائرها، ندرك أن آيات كثيرة تحكي أنّ للأنبياء أو الملائكة أو المؤمنين الصادقين أن يستغفروا للمذنبين، وأن لاستغفارهم تأثيراً عند اللّه تعالى، مثل الآية (19 من سورة محمد، والآية (5) من سورة المنافقون، والآية (14) من سورة التوبة بخصوص استغفار ابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبيه (عمّه)، وهذا بحد ذاته يجسّد أحد معاني شفاعة الأنبياء أو الملائكة أو المؤمنين الصادقين للمذنبين، ولكن كما ذكرنا أنّ مثل هذه الشفاعة بحاجة إلى توفّر مقدّمة وأرضيّة وجدارة واستعداد في المذنبين أنفسهم، كما نهت آيات أخرى عن الاستغفار للمشركين ومفهوم تلك الآيات عدم المنع من الاستغفار للمؤمنين، كما يستفاد من آيات أخرى أنّ الملائكة تستغفر للمؤمنين المخطئين عند اللّه تعالى (سورة غافر / 17) و (سورة الشورى / 5).)11. ممّا يبعث على التعجب أنّ بعض المفسّرين أرادوا حرف معنى الاستغفار النبويّ المذكور في هذه الآية الشريفة وربطه بالظلم والتعدي على الحقوق الشخصيّة للنبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله.. فقالوا: حيث عمد البعض إلى إلحاق الأذى والظلم بشخص النبي لزمهم أن يسترضوه ليصفح اللّه عنهم !ولكنّ الواضح في الأمر أنّ التحاكم لغير الرسول ليس ظلماً بحقه صلوات اللّه عليه وآله، بل هو مخالفة لمنصبه ومقامه الخاص، وبعبارة أخرى هو معارضة لأمره سبحانه وتعالى.. ولو افترض أنه ظلم بشخص الرسول؛ فإنّ القرآن لم يعوّل عليه كثيراً، بل إنّ اعتماده انصب على
1) فهو صلوات اللّه عليه وآله كاشف عن غفران اللّه لتائب من التائبين - في مقام آخر من مقاماته - إذ أنّ رضا اللّه من رضا الرسول الأكرم عنا عند اللّه، فهو إذن معيار مقدّس و مقياس زكي وكلمة اللّه المعبّرة والناطقة عنه سبحانه وتعالى باعتباره المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى بحال من الأحوال.. و ما قولنا هذا إلَّا بناءً على إيماننا بعصمته المطلقة في كلّ الأحوال بالضدّ لقول من جزأها بلا دليل و حطّ من مقامات النبوّة وكراماتها.... [المترجم].
القول بأنّ ما فعلوه مخالفة لأمر اللّه تعالى، مضافاً إلى أننا لو ظلمنا شخصاً، فإنّ إحرا زرضاه كافٍ ولا حاجة إلى الاستغفار عند اللّه.. ولو أننا أعرضنا عن كلّ هذه الإشكالات، وافترضنا هذا التفسير للآية أعلاه، فما هو قولنا عن الآيات الأخرى التي تتحدث عن استغفار الأنبياء والملائكة والمؤمنين للمذنبين؟ فهل لنا أن نقيّد الأمر بالحقوق الشخصيّة أيضاً؟!
### الآية 65#### إشارة:فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)#### شأن نزول الآيةوقع اختلاف وتنازع بين الزبير بن العوام، وكان من المهاجرين، مع أحد الأنصار بخصوص سقي نخيلهما التي كانت محاذية إلى بعضها، فجاءا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ليفصل بينهما.. ولمّا كان نخيل الزبير في الضفّة الأعلى من النهر ونخيل الانصاري في الجهة السفلى، فقد أمر النبي صلوات اللّه عليه وآله أن يسقي الزبير نخيله أولاً، ثمّ يليه الأنصاري في السقي (وهذا ما كان مطابقاً للتقليد المعمول به في البساتين المجاورة) ولكنّ الرجل الأنصاري المتظاهر بالاسلام انزعج من الحكم العادل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال : هل كان هذا الحكم لكون الزبير ابن عمتك؟ فانزعج النبي لقول الأنصاري أيما انزعاج حتّى تغير لون وجهه الشريف.. فنزلت الآية أعلاه وهي تحذر المسلمين من سوء الأدب هذا... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. رغم رواية شأن نزول خاص بالآية أعلاه، إلّا أنّه. وكما ذكرنا مراراً. فإنّ شؤون النزول الخاصّة لا تتنافى أبداً مع مفهوم الآية، وبهذا يمكن أن تكون الآية مكملة لبحوث الآيات السالفة.
1) التبيان، ج 3، ص 245 ومجمع البيان، ج 3، ص 106.
2. القَسَم في اللّغة العربيّة عبارة عن إقرار واعتراف يبرمه الفرد على عرضه وناموسه ويتّخذ من اللّه أو شيء عظيم في نظره شاهداً على ما يقول ويقر.. والقسم واليمين غير مختص بقوم أولغة خاصة، وهو على مر العصور بمثابة تقليد وعرف بين مختلف الأقوام والملل. وفي القرآن؛ ومن ضمن (104 آيات ورد القسم (118) مرّة، منها (95) قسماً باللّه تعالى..)3. هناك (23 قسماً ذكرها القرآن ونقلها عن آخرين وهم:)أولاً: موردان عن لسان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في إثبات وقوع يوم القيامة والمحاسبة على الأعمال وجزائها..)ثانياً: أربعة موارد للقسم عن إخوة النبي يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ.)ثالثاً: قسم واحد أورده السحرة لفرعون حيث أكدوا به على إيمانهم للنبي موسى(عَلَيهِ السَّلَامُ.)رابعاً: قسم واحد أولى به الشيطان في تأكيده إغواء بني آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ غير المخلصين.)خامساً: خمسة عشر قسماً عائداً إلى المشركين والمنافقين منكري القيامة. (1)4. التفاوت بين القسم باللّه وبين الأقسام والأيمان المتعارفة والدارجة بين الناس تفاوت مهم:أ. أن الهدف الأساس من أيمان الناس لإثبات مطلب ما، وهذا يتم حينما يحتاج المتكلّم لتوضيح وإثبات قصده وهدفه أن يصدقه المخاطب، وحين يحتمل المتكلم عدم تصديق المخاطب إيَّاه، تراه يلجأ إلى إبرام القسم ليحمله على تصديقه.. أما اللّه تعالى؛ فهو غني عن تصديق مخاطبه، وعبده، وإنّما العبد المخاطب بحاجة إلى الإيمان والقبول والعمل بالقوانين الإلهيّة، وفائدة كلّ ذلك تعود عليه؛ دون اللّه تعالى..ب: عادة ما يقسم الناس بالموجودات المقدّسة والعزيزة وبالغة الأهميّة عندها، أما اللّه
1) شناخت سوره های قرآن (فارسي)، هاشم زاده هریسي، ص 23 و 24.
تعالى؛ فيقسم في القرآن بموجودات لا يرى الناس في بعضها قدسيّة وعزّة..5. إنّ اللّه هو أصدق الصادقين. ولكن بداعي حكم وأهداف سامية؛ يستخدم القسم في خطابه.. ونشير هنا إلى ثمانية موارد في فلسفة وأسرار أيمان الربّ المتعال :الفلسفة الأولى: بيان عظمة مورد القسم : إذ دائماً ما يتم القسم بالأمور القيّمة والمهمّة جداً، وعليه؛ فإنّ أيمان القرآن الكريم دليل على عظمة وأهميّة الأمور التي يقسم بها (1مثل (يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) وهذا الأمر يفترض أن يكون المقسم به محط تأمل واهتمام القارئ للقرآن، لتتفتّح ذهنيّته على الحقائق الجديدة والعميقة وليتّخذ منها طريقاً قيماً يقر به إلى اللّه تعالى (2). الفلسفة الثانية: التأكيد إنّ اليمين تأكيد وبيان لدرجة الأهميّة، ودليل أيضاً على أمور مناسبة في أهميّتها لأهميّة اليمين، وأنّ اللّه قاطع بخصوص تلك الأمور (3)فاللّه سبحانه يقسم على حتمية معاقبة الكافرين ويقول: وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقِّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ (4)وذلك لورود الحديث في الآيات السابقة لهذه الآية عن حتميّة وقوع القيامة ومسألة حقانيّة القرآن والرسالة وحتميّة الثواب والعقاب.. فكان التأكيد هنا على هذه الحقائق القرآنيّة قريناً بالقسم، لأنّ عرف العرب كان قائماً عند إرادة تأكيد الوقائع والمسموعات من الأحداث باليمين، ولطالما دعا اللّه نبيّه إلى هذا الأسلوب.)الفلسفة الثالثة: التأثير في المخاطب : متى ما أوضح المتكلّم خطابه بصورة قاطعة، فإنّ ذلك ممّا يترك الأثر الكبير في قلب المستمع من الناحية الروحيّة والنفسية، ويقوّي المؤمنين
ويليّن المنكرين. (1)الفلسفة الرابعة: الاستدلال: بملاحظة بعض أيمان القرآن يمكن إدراك أنّ هذه الأيمان تمثل صوراً من الاستدلال، نظير أن يقول الكاتب المؤلف: قسماً بكتابي هذا؛ إنّي لكاتب مؤلّف: (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ولمّا كان القرآن أسمى المعاجز النبوية وخير دليل لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين.. تراه أصبح في هذه الآية مقسماً به، وهذا القسم في الحقيقة استدلال على النبوّة وصدقها.)الفلسفة الخامسة: تأكيد لإتمام الحجة: كان الهدف الإلهي من القسم في بعض الآيات؛ التأكيد لإتمام الحجّة على الأفراد، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أو قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ). (2) الفلسفة السادسة : إثبات المقسم عليه وإلفات النظر إلى واقعيّة وحقيقة مورد القسم، لاسيّما إذا كان موضع إنكار أو شكك أو توهم، مثل: الملائكة والقيامة والنفس ووجدان الإنسان (النفس الناطقة واللوّامة) وغير ذلك كما قال تعالى: وَالصَّافَاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ... (3))الفلسفة السابعة: إلفات نظر الناس إلى منافع وفوائد الأمور والأشياء التي تم القسم بها، مثل الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وحتى التين والزيتون..الفلسفة الثامنة : ردّ الخرافات والمعتقدات الجاهلة التي كان الناس القدماء، وحتّى الناس المعاصرون يؤمنون بها، كما كان عرب الجاهليّة يعدّون العمل في المساء شؤماً، الأمر
الذي كان يحمّلهم الكثير من الخسائر والأضرار الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة الكثيرة والكبيرة.. كذلك هم المعاصرون مثل أجيال كلّ عصر يشكون زمنهم ومرحلتهم ويعدون الإتيان بعمل الخير أمراً صعباً أو غير ممكن بينما اللّه تعالى يردّ هذه الخرافة حيث يقسم بالعصر (سورة العصر بمعنى فترة ما بعد الظهر أو بمعنى الحقبة الزمنية..)6- يقسم اللّه تعالى في هذه الآية بأنّ المؤمنين الحقيقيين هم المسلمون لقضاء النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حين وقوع الاختلاف والنزاع بينهم ولا يتحاكمون إلى الغرباء والطواغيت ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) فهم لا يتحاكمون إليه صلوات اللّه عليه فحسب ويحترمون قضاءه، بل إنّهم يسلمون لقضائه مطلق التسليم، سواء كان ما قضى في صالحهم أو ضررهم (ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).)7. رغم أنّ الانزعاج الباطني تجاه الأحكام التي تكون بضرر الإنسان غير اختياريّ، ولكنّه بالتربية القويمة وتنمية روح التسليم مقابل الحقّ والعدل وإجلال المقام السامي للنبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يزرع شعوراً في الإنسان بحيث لا يجد حرجاً وانزعاجاً من قضاء الرسول أو أوصيائه... وعلى أي حال؛ فالمسلمون الصادقون موظفون بتنمية روح التسليم في أنفسهم في مقابل الحق..)8. في الآية أعلاه وردت الإشارة إلى أمارات الإيمان الراسخ والواقعي في ثلاث مراحل:الأولى: التحاكم في جميع موارد النزاع؛ صغيرها وكبيرها إلى قضاء الرسول صلوات اللّه عليه وآله الذي هو قضاء اللّه تعالى، دون التحاكم إلى الطاغوت وحكام الباطل وعلماء السوء...الثانية: عدم الانزعاج أبداً من قضاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأوامره التي هي أوامر اللّه تعالى، وعدم إساءة الظن بقضائه وتعاليمه..)الثالثة: تنفيذ أحكامه بحذافيرها والتسليم له تمام التسليم.9. واضح أنّ قبول مدرسة وتعاليمها في الأمور التي تكون من مصلحة الفرد، لا يدلّ - حتماً
وحقاً - على الإيمان بهذه المدرسة.. وإنما يتأكد الإيمان حينما تكون بضرره في الظاهر، دون الواقع المطابق للحق والعدل، فإذا ما قبلها كان قبوله علامة الإيمان..10. نقرأ في حديث عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ رواه الكليني في (الكافي) الشريف في تفسير هذه الآية: لو أن جماعة من الناس عبدت اللّه وأدّت الصلاة والزكاة وصامت شهر رمضان وأقامت الحجّ، ولكنّها أساءت الظن بما قام به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو قالت: لولم يفعل النبيّ فعل كذا لكان خيراً.. ما كانت هذه الجماعة مؤمنة حقاً، ثمّ إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قرأ الآية محطّ التفسير وقال عليكم بالتسليم. (1))11- هذه الآية من دلائل عصمة النبيّ الأعظم صلوات اللّه عليه وآله، ذلك لأنّ الأمر بالتسليم المطلق، قولاً وعملاً إراء جميع أوامره وتعاليمه، بل حتّى التسليم القلبي إزاءه يعدّ أمارة واضحة على أنه صلوات اللّه عليه وآله لا يشوبه خطأ في أحكامه وأوامره وقضائه على سبيل السهو أو العمدة.12 نفت هذه الآية الشريفة كلّ اجتهاد في مقابل النصّ النبوي كما لا يصح إبداء الرأي في موارد الحكم الصريح الوارد عن اللّه تعالى أو عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا؛ فإن وجدنا في التواريخ حوادث قال فيها البعض نقيض ما هو ثابت عن اللّه أو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو أبدوا اجتهاداً ورأياً، كقول أحدهم: كان الرسول يقول كذا وأنا أقول كذا.. فلابد أن نقول بأن موقفه هذا مخالفة صريحة للآية أعلاه وتؤدّي إلى تكذيب اللّه والرسول...)
1) الكافي، ج 1، ص 390.
### الآية 66#### إشارة:وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا فَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)#### النقاط المستفادة من الآية1. الذين يستاؤون من القضاء العادل للرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله؛ عليهم أن يعلموا أنّ اللّه تعالى يمتحن جميع الناس في الدنيا بأمور مختلفة، وأحد هذه الأمور؛ امتحانهم في كيفية التسليم لأوامره ولرسله وأوصيائهم..2. هذه الآية وضمن الإشارة إلى بعض التكاليف الصعبة التي ألقيت على كاهل الأمم السابقة تريد القول بأنّ مشكلتهم الرئيسية كانت عدم تسليمهم لقضاء الرسول في قضيّة عادية دون أن توصف بالتكليف الشاق.. أمّا إن وُضعوا فيما وضعت فيه الأمم الماضية، مثل اليهود الذين أمروا بعد عبادتهم العجل. أن يكفّروا عن وثنيتهم هذه فيقتلوا أنفسهم، أو أن يخرجوا من ديارهم وأوطانهم، فكيف سيكون موقفهم تجاه مثل هذه التكاليف الشاقة.. فهم - مسلم و المدينة - لم يسلموا إزاء حكم في سقي بضع نخيلات فكيف سينجحون في امتحانات أصعب ؟ ولا ريب أنهم إذا ما وجهوا بأمر؛ مثل قتل النفس أو النزوح عن الأوطان، فإنّه لن يبقى منهم على إيمانهم وتسليمهم إلّا كهمل النعم: ﴿وَلَوْ أَنَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.)3. هذه الآية تبين شيئاً من مظلومية الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في تحمّل تيّار النفاق وتصرفات المنافقين وعدم تسليمهم للقضاء النبوي العادل وأذاهم وإساءاتهم.. لاسيّما وأن اليهود ورغم)
جميع الأعذار التي كانوا يتذرّعون بها حين يؤمرون بأمر أو يمتحنون بامتحان بعد عبادتهم العجل لإثبات مستوى تسليمهم اللّه تعالى وطاعتهم لرسوله موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ.. فكان موقفهم من الأمر الإلهي بقتل أنفسهم وبالنزوح من ديارهم.. وبعد جملة من الأعذار الواهية.. سلّموا لأمر اللّه.. ولكنّ بعضاً من المنافقين المرائين في ادعائهم الإسلام وصحبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كيف سيقبلون حكمه وقضاءه وسيمتثلون لأوامره ووصاياه في عظائم الأمور التي لا يرون في امتثالهم لها نفعاً يعود عليهم.. وهكذا اتهمه بعضهم - للتنصّل عن الامتثال - بالهجر والهذيان مع أنه صلوات اللّه عليه وآله أشرف الأنبياء وأعظم من خلق اللّه تعالى..)4. طبقاً لإيضاحات بعض المفسّرين؛ فإن مسألة التسليم للأمر بالقتل أو النزوح عن الأوطان متشابهتان من جهات.. ذلك لأنّ البدن بمثابة الوطن لروح الإنسان، كما أنّ الوطن بمثابة الجسم للإنسان، كذلك هو النزوح عن وطن الجسم.. هو أمر صعب وترك للوطن ومسقط الرأس.5. يمكن أن يكون السبب في أنّ الآية الشريفة تعبّر عن الأمر الإلهي بالموعظة والنصيحة، لغرض الإشارة إلى أنّ منفعة الامتثال لهذه الأحكام تعود على الناس أنفسهم دون الآمر (اللّه المتعال، ولهذا وجدنا القول المباشر أنّ ذلك من صالحكم ويرفد إيمانكم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا).)6. بمقدار ما يحظو الإنسان في طريق طاعة وامتثال أمر اللّه تعالى، يكون ثباته واستقامته أكثر، وفي الواقع؛ إنّ الامتثال للأمر الإلهي نوع رياضة روحية، ومواصلة هذا الامتثال بمثابة الرياضة البدنية اليومية المفيدة في دعم القوّة والقدرة والاستحكام، حتّى يصل الإنسان – بالتدريج - إلى حدٍ لا تستطيع قوة أن تتغلب على قوة إيمانه وثباته ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا.)
### الآية 67#### إشارة:وَإِذَا لَّأتَيْنَاهُم مِن لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)#### النقاط المستفادة من الآية1. نتيجة التسليم والطاعة للّه تعالى استحقاق الأجر العظيم من جهته عزّوجلّ ﴿وَإِذاً لَآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا.)2. يمكن أن يقال ما الفرق بين الأجر الكبير والعظيم والكريم المذكور في القرآن المجيد؟ إن صفات (الكبير و(العظيم) و(الكريم) يمكن أن تكون لها حيثية كميّة.. مثل مقايسة الكبير بالصغير، أي أنّ هناك أجراً أكبر من أجر. أما صفة (العظيم) و(الكريم) فلهما حيثية وكيفيّة، فالأجر العظيم له سموّ وعظمة قياساً بما هو أقل سموّاً من الأجر. و(الأجر الكريم) له حيثيّة كيفية أيضاً، وله كرامته وقيمته الذاتيّة.. فاللّه تبارك وتعالى يعطي الصالحين أجراً كريماً، أي أنه سبحانه كريم بذاته بحيث يعطي بلامنّة ولا يريد جزاءً على ما يعطي بحيث يحقّر عبده، بل يعامله بكرامة ذاته، وهذا ما يوحي بالكيفية دون الكمية.)3. يعد اللّه عباده بالنظر لحاجتهم مع ملاحظة الزمان والمكان.. والسبب في إعطائه وعوده أنّ من صفة الإنسان قيامه بعمل ما لدى رغبته به.. ممّا يعني أن وعد اللّه يخلق في الإنسان الباعث والرغبة في القيام بالصالحات.
### الآية 68#### إشارة:وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)#### النقاط المستفادة من الآية1. تشير هذه الآية إلى أربع نتائج للتسليم لأحكام اللّه وأوامره وقضاء رسوله صلوات اللّه عليه وآله.. (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.)2. واضح أنّ المراد بالهداية ليس مجرد الهداية إلى أصل الدين فحسب، بل إنّ ثَمّ ألطافاً جديدة تصل من جهة اللّه تعالى تحت مسمّى الهداية الثانوية والأجر لهكذا أفراد جديرين.. وهي كما أشارت إليه الآية (17 من سورة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى).)3. روي أنّه حين نزل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ قال أحد المؤمنين: واللّه! لو نزل علينا من اللّه مثل هذا الأمر الثقيل لامتثلنا، ولكن نحمد اللّه أنه عفانا من ذلك، فبلغ الرسول قول الرجل، فقال: «إنّ من أمتي لرجالاً؛ الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي». (1))
1) مجمع البيان، ج 3، ص 108 و 109.
### الآية 69#### إشارة:وَمَن يُطِعِ اللّه وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69)#### شأن نزول الآيةجاء صحابي يدعى ثوبان.. وكان عظيم الحبّ والتعلّق بالنبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وقد استولى عليه القلق، فسأله عن سبب قلقه فقال: حين ابتعد عنك يصيبني الضيق في نفسي.. وقد نظرت اليوم أنني لو رزقت الجنّة.. فلا ريب في أنني لن أكون في منزلتك ومقامك من الجنّة، ولن أراك فيها.. أما لو حشرت إلى النار فالأمر أدهى وأمرّ، وهكذا أحرم من جوارك في الحالتين، فكيف لا اضطرب لذلك؟ فنزلت الآية أعلاه وبشّرته وأمثاله بأن الصالحين من المؤمنين؛ المسلّمين للّه ورسوله سيكونون إلى جوار النبي والمصطفين الأخيار في الجنّة، ثمّ إنّه صلوات اللّه عليه وآله قال : واللّه ! لا يكمل إيمان امرئ حتّى يحبّني أكثر من حبّه لأبيه وأمه وذوي قرابته ويسلّم لقول.... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. ضمن الإشارة إلى شرف آخر للمطيعين لأوامر اللّه والرسول وكذلك إلى الميزات الأربع المذكورة في الآيات السابقة، فإنّ هذه الآية تبشّرهم سيكون في الجنّة مع الذين أنعم اللّه عليهم: (وَمَن يُطِعِ اللّه وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِم....)
1) نفس المصدر، ص 110.
2. كما مر في تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ في سورة الفاتحة المباركة، فإنّ إتمام النعمة على الصالحين المطيعين أن يحشروا مع الذين أنعم اللّه عليهم، وهم النبيّون والصدّيقون والصالحون، وهذا ما يستلزم أن يكون المشمولين بهذه النعمة و(المعيّة) سائرين ضمن الصراط المستقيم؛ بعيدين عن أي انحراف وتمرّد على إرادة اللّه والرسول..)3. هذه الآية الكريمة تبيّن طبيعة الذين أتمّ اللّه تعالى نعمته عليهم، وتشير إلى أربعة فرق وأركان هذا الموضوع:الفريق الأوّل: الأنبياء والرسل الذين أوكل اللّه إليهم مهمة هداية وقيادة الناس ودعوتهم إلى الصراط المستقيم ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ.)الفريق الثاني: الصدّيقون، وهم الصادقون في أقوالهم ويصدّقونها بأفعالهم، ويثبتون بذلك أنّهم ليسوا مدعين لإيمان فحسب، بل ومطيعون للأوامر الإلهيّة (وَالصِّدِيقِينَ.)الفريق الثالث: الشهداء والقتلى في سبيل اللّه.. أو الأفراد المميّزون في يوم القيامة ولهم مقام الشهادة على أعمال العباد (وَالشُّهَدَاء.)الفريق الرابع: الصالحون الذين لا ينفكون عن ممارسة الأعمال الصالحة والإيجابية المفيدة لهم ولغيرهم، وذلك باتباعهم الأنبياء والأوصياء (وَالصَّالِحِينَ.)4. بيان وذكر هذه الفرق الأربعة يمكن أن يكون للإشارة إلى ما يوصف بأنه خريطة لبناء المجتمع الإنساني النزيه والجدير بالحياة الطيّبة.. وقد بدأت الآية بذكر القادة الإلهيّين الذين يخوضون ساحة الصراع ضدّ الشيطان وجنوده، ثمّ يتبع الأنبياء الدعاة الصادقون في القول والعمل ليحققوا أهداف الأنبياء.. وبعد هذه المرحلة هناك مرحلة الذين يضحون بأنفسهم ويهدفون إزاحة الموانع الشيطانيّة والجاهليّة التي يضعها أعداء اللّه بحقدهم وحسدهم لتلويث المجتمع.. وبعد ذلك تكون مرحلة (الصالحين الذين يشكلون - أو هكذا ينبغي - بنية الكيان الإنساني الذي يريده اللّه تعالى.. وواضح أنّ الصالحين. وللإبقاء على شعلة الحقّ)
موقدة منيرة للأجيال اللاحقة مكلّفون بأداء الوظائف المذكورة أعلاه، وهي: القيادة والتبليغ والتضحية.. و(الصديق صيغة مبالغة وهو الذي امتلأ بالصدق والحق.)5. يفهم من كلمة ومصطلح (وَالصَّدِيقِينَ أن لا مقام أعلى من مقامهم بعد مقام النبوة.. فهل لا يصدقون في أقوالهم فحسب وإنّما الصدق كلّ الصدق قد تشبعت به أفعالهم وأمانتهم وإخلاصهم.. ذلك لأنّ الأمانة هي الصدق في العمل، كما أن الصدق ينبغي أن يكون في الأمانة.. كما أنّ الصدّيق لا يمكن أن تتغلغل إليه الصفات الرذيلة بعد الكفر، مثل الكذب والنفاق والخيانة قولاً وعملاً..)6. أكّدت الروايات المعصومة على أن الصديق (الأكبر هو أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.. (1)وهذا التأويل الحق. بعد تفسير (الصراط المستقيم) بعليّ وأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)... (2)مصداق واضح وسامي للآيات؛ بل هو المصداق الأول لذلك.. ولعلّ المعنى لا ينحصر بذلك.. وإنّما العظمة الخاصّة بأهل البيت تغطي كلّ عظمة ومقام.. مع أنّ بعض النصوص قد أشارت إلى أن (الصالحين) هم الأصحاب المخلصين لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).. وهذا ما يرد في (الصدّيقين) أيضاً.)7. من هذه الآية والآيات السالفة تفهم الحقيقة الواضحة المؤدّية إلى أن معاشرة الصالحين على قدر عظيم من الأهميّة التي تتجلّى في دار الآخرة لإكمال النعمة العظمى في الجنّة للمطيعين.. حيث سيكون لهم المقام الأسمى من كلّ مقام، وهو مقام مجاورة أهل البيت والأنبياء والشهداء والصالحين سلام اللّه عليهم أجمعين..معاشرة ومجاورة المطيعين للفرق الأربعة لا تعني تساويهم في المقام والمرتبة، بل إنّهم مع المجاورة والمعاشرة يكون لكل منهم درجته وسهمه الخاصين، كما إن افترضنا بستاناً فيه
الورود والأشجار والنباتات بأنواعها وأشكالها.. فهي وإن كانت تستوعب نوراً واحداً ومن شمس واحدة؛ إلّا أنّ لكلّ منها جمالها ومحبوبيتها وفائدتها وقيمتها الخاصّة بها..
### الآية 70#### إشارة:ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّه وَكَفَى بِاللّه عَلِيمًا (70)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث تبيّن هذه الآية المباركة أهميّة وعظمة ميزة (مجاورة العظماء فهي تؤكّد أنّ مصدر هذه الهبة هو اللّه تعالى وهو العليم والعارف بأحوال العباد ونياتهم وعقائدهم وجدارتهم واستحقاقهم ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّه وَكَفَى بِاللّه عَلِيمًا).)2. لأنّ شرف المجاورة مع الذين اصطفاهم الربّ الجليل أمر في غاية الأهميّة، نرى الآية الكريمة تستعمل كلمة (ذَلِكَ بدلاً من كلمة (هذا) في إشارة إلى عظمة الفضل الإلهي الذي لا ينال ببساطة؛ وإلى سمو المقام الرفيع الذي استحقه من استحقه بكرم من اللّه العليم.)
### الآية 71#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتِ أَو أنفِرُوا جَمِيعًا (71)#### النقاط المستفادة من الآية1. الحذر على وزن خضر بمعنى اليقظة والاستعداد والمراقبة إزاء الحظر المحتمل والجدّيّ، وتارة يستعمل الحذ رليكون وسيلة مساعدة لمواجهة الخطر.2- الثبات جمع ثبة على وزن هبة، ومعناها الباقة المتفرّقة المتناثرة، وفي الأصل مأخوذة من (الثبي بمعنى الجمع.)3. يخاطب القرآن المجيد في هذه الآية عامة المسلمين لحماية وجودهم واجتماعهم ومجتمعهم، ويأمرهم بذلك بأمرين:الأمر الأول: أيّها المؤمنون في جميع الأمصار والأعصا را خذوا حذركم وانتبهوا على الدوام؛ حفظاً لأمنكم ودفاعاً عن كيانكم وحدودكم، ولتكونوا مستعدين ماديّاً ومعنويّاً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ.)الأمر الثاني: لمواجهة عدوّكم اتخذوا أساليب واستعملوا خططاً مختلفة وادفعوا عدوكم ضمن فرق متعدّدة أو في تكتل واحد ﴿فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا أي: لتكن خططكم خططاً ترسمها الحاجة لدى الدفاع أو الهجوم، سواء في ثبات وفرق، أو في جيش وجماعة واحدة..)4. رغم أنّ بعض المفسّرين فهموا (الحذر في هذه الآية بكونه السلاح.. إلّا أننا نذهب إلى القول بتعدّد معانيه وأنّه غير مخصوص بالسلاح، هذا فضلاً عن أن الآية (102) من هذه السورة)
الجليلة دليل واضح على أنّ الحذريتفاوت عن السلاح، حيث قالت: ﴿أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ فلا مانع حين الضرورة أن يضع المقاتل سلاحه أرضاً ويقيم الصلاة، ولكن الحذر يعني الحراسة والاستعداد والمراقبة على الدوام.. 5. إنّ معنى الحذر له من الشمول بحيث يتضمّن كلّ وسيلة مادّيّة ومعنويّة، ومن جملة ذلك أنّ على المسلمين أن يكونوا على علم. في كلّ وقت. بموقع العد و ونوع سلاحه وأساليبه الحربية ومدى استعداده وعدد ونوع سلاحه (مضافاً إلى حرصهم الشديد على إخفاء كلّ ذلك ممّا لديهم عن العدوّ) لأنّ جميع هذه الأمور مؤثرة في الوقاية من خطر العد و وإحراز وتحقيق مفهوم الحذر، بالإضافة إلى أن الدفاع عن النفس يستلزم كلّ أشكال الاستعداد النفسي والمعنويّ، والاستفادة من التعبئة الاقتصاديّة والإنسانيّة والثقافيّة واستعمال أفضل وأمضى الأسلحة بالأساليب المتاحة.
ريب في أنّ المسلمين لو حكّموا هذه الآية لوحدها في حياتهم، لما تعرّضوا لخسارة وفشل أبداً.
كما تشير هذه الآية إلى عدم صحة الاكتفاء بأسلوب واحد وخطة واحدة في الحرب، وإنّما لابدّ من ملاحظة مقتضيات الزمان والمكان وطبيعة موقع العدو، فإذا استلزم حال العدوّ مواجهته بمجاميع متعدّدة؛ أو بكتلة واحدة كان على المؤمنين أن يراعوا الضرورة في ذلك.
واضح بيّن أنّ إصرار البعض على أن يواجه المسلمون أعداءهم بأسلوب واحد، دون تنويع للخطط والمواقف، أنهم لا يتّفقون وروح التعاليم الإسلاميّة، فضلاً عن كونهم مفتقرين للتجربة والمنطق السليم.
يمكن أن تشير هذه الآية إلى أن القضيّة المهمّة هي تحقيق الأهداف الواقعيّة المشروعة، سواء استدعت هذه الأهداف استخدام أسلوب واحد أو أساليب متعدّدة مختلفة.
يفهم من كلمة (جَمِيعًا) أن مواجهة العد و تستلزم مشاركة جميع المسلمين، ولا
خصوصيّة لجماعة معيّنة في هذا الحكم.
وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّه عَلَى إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72)
2- إشارة إلى خطر المنافقين في هذه الآية.. فبعد الدعوة إلى واجب الاستعداد في مقابل العدوّ الكافر، تبيّن الآية حقيقة أنّ المسلمين لا ينبغي لهم الاكتفاء بالاصطفاف ومواجهة الأعداء الخارجيّين، بل عليهم أن يعلموا أنّ النجاح في مقابل جبهة الكفر يستدعي من الحذر الأعداء المنافقين الداخليين..
### الآية 73#### إشارة:وَلَئنْ أَصَابَكُمْ فَضْلُ مِنَ اللّه لَيَقُولَنَّ كَأَن لَمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)#### النقاط المستفادة من الآية1. رغم عدم التطرّق للغنيمة في الآية الماضية، ولكنّ الواضح في الأمر أنّ الذي يعدّ عدم الجهاد والاستشهاد في سبيل اللّه نعمةً وأنّ القتل في هذا المضمار نوع مصيبة وبلاء.2. لهذا الفرد ومن هم على شاكلته من المنافقين ذوي الشخصيّة الإزدواجية، موجودون في كلّ مجتمع. ومع الأسف. فهم يتلوّنون مع كلّ انتصار أو هزيمة تلحق بالمؤمنين الحقيقيين، فلا يتحسسون آلامهم ولا يشتركون فيما يصيبهم، ولكنهم يتوقّعون أن يكون لهم سهمهم عند الانتصار...
### الآية 74#### إشارة:فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِل في سَبِيلِ اللّه فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبُ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً (74)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث أنّ هذه الآيات القرآنيّة نزلت في وقت كان الأعداء بمختلف مشاربهم يهدّدون الإسلام، فإنّ أهمّيّتها الفائقة - الآيات - في تربية الروح الجهادية في المسلمين أكثر فأكثر.2. الوحيدون القادرون على أن يكونوا مجاهدين بحق ويقين في سبيل اللّه ليستبدلوا هذه الدنيا الدنيئة بحياة سعيدة أبدية: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ.)3. حياة المادّة تتضح دناءتها من كلمة (الدنيا بمعنى التسافل والحقارة حيث لا أهميّة لها بالقياس إلى الحياة الأخروية الخالدة، وعليه؛ فإنّ الذين يظنون الأصالة والقيمة في الدنيا ويضعونها أعلى من الأهداف الإلهيّة المقدّسة والأغراض الإنسانيّة النبيلة؛ لن يكونوا في وقت من الأوقات مجاهدين ممتازين.)4. مصير المجاهدين العارفين بغدر هذه الدنيا، والذين عافوها صادقين في ميادين الجهاد ومواجهة الكفر وأعداء اللّه والإنسانيّة.. مصير واضح متوقّع، وذلك أنهم لا يخرجون عن حالتين: إما أن يقتلوا في سبيل اللّه، وإمّا أن يدحروا العدوّ الغاشم وينتصروا عليه، وفي كلتا الحالتين يكون لهم الأجر العظيم.. ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ولا ريب أنّ هكذا جنود لا يعرفون للّهزيمة معنىً، وهم منتصرون في جميع الأحوال..)
ومثل هذه المعنويّة الفذة تكفي بتوفير وسائل النصر على العدو، والتاريخ يشهد أن أحد عوامل النصر المباغت للمسلمين هو تفوقهم بمعنوياتهم العالية التي لا يعرف قاموسهم بها معنى للّهزيمة.. ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.)حتّى أنّ العلماء والمؤرّخين الذين نقبوا في طبيعة الإسلام والانتصارات الإسلاميّة الفذّة في العصر النبويّ أكدوا هذا المنطق وعدوه أحد العوامل المؤثرة في تقدم المسلمين وانتصاراتهم.وقد كتب أحد المؤرّخين العرب المعروفين في كتابه كان المسلمون وببركة دينهم الجديد والجزاء الأوفى الذي وعدهم اللّه إياه في الآخرة، كانوا لا يخشون الموت أبداً، ولا يعيرون للحياة الدنيا أهميّة، فكانوا يغضون الطرف عنها... جدير ذكره؛ أنّ الآية أعلاه - كما هي الآيات القرآنيّة الأخرى - قد عدت القتال في سبيل اللّه شأناً مقدساً، لتضمّنه المبادئ الفذة القائلة بنجاة عباد اللّه تعالى وتحكيم أصول الحقّ والعدالة والتقوى، دون أن يكون قتال المؤمنين من أجل التوسع والعنصريّة والتوحش واستثمار واستعمار الشعوب الأخرى...
### الآية 75#### إشارة:وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية وبإثارتها العواطف الإنسانيّة لدى المؤمنين وبدعوتهم للجهاد وتذكيرهم بمآسي المؤمنين المستضعفين في مكّة ودعائهم بالنجاة من ظلم قريش الظالمة، تقول لهم: لمَ لا تجاهدون في سبيل اللّه لإنقاذ الرجال والنساء والأطفال الأبرياء والمظلومين الرازحين تحت نير الظالمين؟.. وهل أنّ عواطفكم الإنسانيّة تسمح لكم بالصمت ومشاهدة كلّ تلك المظالم؟ ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ؟)2. حين المصائب والعسر؛ يكون اللجوء إلى اللّه تعالى أول وأفضل وسيلة للخلاص: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا.)العبارة الأخيرة: ﴿وَاجْعَل تَنَا من لَّدُنكَ نَصِيرًا تبيّن حقيقة أنّ اللّه المتعال قد استجاب دعوات المسلمين التابعين تحت مظلة الظلم والجور، ولكنه جعل تفعيل وتحقيق هذه الدعوة - كرسالة إنسانيّة نبيلة - على عاتق المؤمنين المجاهدين، وقال لهم: أنتم الأولياء والناصرون لدعم وإنقاذ أولئك المؤمنين المظلومين، وعليه؛ فلا تفرّطوا بهذه الفرصة العظيمة ببساطة..
الإسلام يرى أنّ البيئة المناسبة للعيش هي التي يمكن أن تمارس فيها حريّة العقيدة الصحيحة واتخاذ المواقف والقرارات طبقاً لها.. وإلّا فإنّ مكّة المكرّمة وهي الحرم الإلهي الآمن والأرض التي وردت فيها الروايات القائلة بأنّ «النائم في مكّة كالمتهجد في البلدان» (1)ولكن حيث لا تتوفّر فيها الفرصة لعبادة اللّه جلّ وعلا بحريّة لأهلها، بل حيث لا يجرؤ فيها الإنسان على إعلان إسلامه.. فإنّ هذه الأرض المقدّسة لا تكون قابلة بالعيش.. حتّى أن أهلها أضحوا يتمنون الخروج والنزوح عن بيئتها الظالمة وتحمّل آلام الهجرة وعسرها، لأنّ هذه البيئة أصبحت مركزاً لممارسات الظالمين.
واضح أنه وطبقاً لهذه الآية صار الجهاد في الإسلام ضامناً لتحقيق الأهداف الإلهيّة والإنسانيّة العليا، وهي الأهداف التي لا تنفك عن بعضها وتنتهي إلى حقيقة واحدة.. ولكنّها ليست لمصادرة أموال الآخرين أو لإحراز المناصب والثروات الطبيعيّة والمواد الخام للبلدان الأخرى، أو للاستيلاء على الأسواق وفتحها، أو فرض العقائد والسياسات، بل هي من أجل نشر الأصول والفضائل والإيمان والدفاع عن المظلومين من الرجال والنساء والأطفال المظلومين..
نقرأ في ذيل الآية أعلاه أنّ المسلمين التابعين تحت براثن الأعداء قد طلبوا الولي الناصر من جهة اللّه تعالى لينصرهم وينقذهم من سطوة الظالمين.. فكان طلبهم بدءاً وجود القائد والناصر والحريص على إنقاذهم ثم الأفراد والمجاميع الناصرة، وعليه؛ فإن وجود الناصر؛ وإن كان كثيراً متعدّداً، فإنّه لن يؤتي أكله ما لم يتوفّر القائد المؤمن الفذّ..
المؤمنون يطلبون من اللّه تعالى كلّ شيء، ولا يمدون أكفّهم لغيره، وحتى إن طلبوا الولي والناصر، فهم يطلبون منه وحده سبحانه وتعالى..
1) من لا يحضره الفقیه، ج 2، ص 228.
الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفًا (76)
2 روعة الجهاد فيما إذا كان فيه رضا اللّه تعالى ورضا اللّه يكون حينما يصطبغ الجهاد الإلهي وفي سبيل اللّه ؛ لا في سبيل الطاغوت.
يعلم بأنه قد هُزم من عد و ضعيف، ولا بد من كونه ضعيف النفس ليهزمه عدو ضعيف.6. لا شكّ أنّ دليل ضعف الشيطان وعجزه في مقابل أولياء اللّه، أنّ المؤمنين يخطون في مسار أهدافٍ وحقائق متطابقة وقانون الخلقة.. فهم – مثلاً - يسعون حثيثاً في طريق تحرير الإنسان وإزاحة مظاهر الظلم والجور.. بينما الذين يسيرون في إطار الاستعمار واستغلال البشر والشهوات العابرة إنّما هم حزب الشيطان، وليس لهذه المصاديق سوى التأثير المباشر وغير المباشر في تدمير المجتمع والسير فيما يناقض قانون الخلقة.. أما المؤمنون؛ فباعتمادهم على القوى المعنويّة لهم ثقتهم واطمئنانهم الذي يضمن فوزهم ويرفدهم بالقوة، دون غيرهم من حزب الشيطان الذين لا متكأ لهم يعتمدونه (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.)7. في هذه الآية وقع بيان العلاقة التامة بين الطاغوت والشيطان، وكيف أن الطاغوت يستمدّ من القوى الشيطانية المختلفة إلى الحد الذي قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. (1))8. ينبغي أن نعلم أن اعتبار الشيطان ضعيفاً لدى العلاقة بين اللّه وأوليائه، وليس بالقياس إلى أتباعه الضالين المستسلمين لوساوسه...
1) سورة الأعراف / 27.
### الآية 77#### إشارة:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوْةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَونَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقَنَالَ لَوْ لَا أَخَّزَنَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَن اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)#### شأن نزول الآيةنقل جمع من المفسّرين مثل الشيخ الطوسي مؤلّف تفسير (التبيان ومؤلّفي (تفسير القرطبي) و (المنار) عن ابن عباس أن جمعاً من المسلمين كانوا في مكّة يتعرضون لأنواع الأذى من المشركين، فجاؤوا الرسول الأعظم صلوات اللّه عليه وآله وقالوا كنّا قبل الإسلام أعزّاء مهابين، ولكنّ حالنا تبدّلت بعد الإسلام، فذهب منا احترامنا ولا نزال نؤذى من أعدائنا، فإن أذنت لنا في حربهم لنعيد عزّتنا، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينها : لم يؤذن لي بالحرب... ولكن حين وقعت الهجرة إلى المدينة وتهيأت دوافع الحرب ونزل الأمر من اللّه تعالى بالجهاد، راح بعض من الأفراد الذين كانوا متحمسين حتّى الأمس القريب يتنصلون من الجهاد، حيث لم تعد فيهم تلك الحماسة.. فنزلت الآية أعلاه وهي تشجع المسلمين على الجهاد من جهة، وتلوم قوماً منهم على انطفاء جذوة الصدق فى مقارعة العدوّ من جهة أخرى... (1))
1) التبيان، ج 3، ص 261 وتفسير القرطبي، ج 5، ص 281 وتفسير المنار، ج 5، ص 262.
#### النقاط المستفادة من الآية1. بناء الذات مقدم على بناء المجتمع: (كُفُواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.)3. صعوبة الجهاد بالمال والنفس؛ على خلاف الطبع الإنساني في كلّ حال، والخوف هو أحد الخصوصيّات الذاتية للناس، ولهذا؛ يمكن للإنسان المسلم وطبعاً لمشاعره؛ يميل إلى الجهاد في ظاهر الأمر، أما حين العمل وحيث لم يتكرّس الإيمان في أعماقه، تراه يتحجج ويعتذر عن خوض الجهاد ويتهرب من التكليف.4. سؤال: ترى ما العلة في ذكر الصلاة والزكاة من بين جميع التعاليم الإسلاميّة، والحال أنّ هذه التعاليم غير منحصرة بهذين الأمرين؟الإجابة على هذا السؤال هي أنّ الصلاة رمز للعلاقة مع اللّه تعالى، فيما الزكاة رمز للعلاقة مع خلق اللّه تعالى، وعلى هذا؛ يكون المراد من تكليف المسلمين بتحكيم العلاقة باللّه وبعباده، تهيئة جسم الإنسان وروحه ومجتمعه للجهاد وبناء الذات ولا ريب أن كلّ جهاد يخلو من الاستعداد الروحي والجسمي، ومن العلاقات الاجتماعيّة الرصينة؛ محكوم بالفشل والهزيمة سلفاً.. ولا ريب أنّ المسلم وتحت مظلة الصلاة والمناجاة مع اللّه تعالى يقوّي نفسه وروحه ويرتيها ويكرّس استعداده لأشكال التضحية والفداء، من خلال الزكاة يسد ما حدث للمجتمع من ثلمات ومن حيث إعداد الأفراد المجرّبين والأدوات الحربية تعد الزكاة من الدعامات الاقتصاديّة لأعدائهم، وسيكونون حين صدور أمر الجهاد على أتم الاستعداد لمقارعة الأعداء.5. نعلم أنّ قانون الزكاة قد فرض في المدينة، ولم يجب حين كان المسلمون في مكّة، وبهذا؛ كيف يمكن للآية أعلاه أن تكون إشارة لأوضاع المسلمين في مكّة ؟ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ.)لدى الإجابة على هذا السؤال يكتفى بقول المرحوم الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان: المراد من الزكاة في هذه الآية هو الزكاة المستحبّة حيث كان المسلمون في مكّة، أي أنّ القرآن)
كان يشجّع المسلمين (حتّى في مكّة على مساعدة الفقراء والعمل على تحسين أوضاع حديثي الإسلام.)6. هذه الآية تبيّن حقيقة مهمة في الرسالة المحمّديّة وهي أنّ مسلمي مكّة كان لهم منهجهم الذي يتفاوت مع منهجهم في المدينة.. ففترة الثلاثة عشر سنة في مكّة كانت فترة بناء الشخصيّة الإنسانيّة المسلمة، ولطالما سعى النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وبتعليماته المتواصلة في الليل والنهار إلى بناء أفراد - بعد هجرهم للأصنام وخرافات الجاهليّة - تتوفّر فيهم القدرة على الصمود بوجه حوادث الحياة، واستعدادهم للتضحية والفداء.. ولولا الفترة المكيّة؛ ما حقق المسلمون انتصاراتهم الباهرة والمستمرة في الفترة المدنية. (1))7. فترة ومرحلة مكّة بالنسبة للمسلمين كانت فترة ومرحلة تعليم وإعداد، ولهذا نرى أنّ حوالي تسعين سورة قرآنيّة من أصل مئة وأربع عشرة سورة قد نزلت في مكة، وكانت لغتها الغالبة لغة عقائدية، فيما الفترة المدنية كانت فترة تأسيس الحكومة الإسلاميّة وتشييد المجتمع السالم، ومن هنا لم يكن جهاد القتال واجباً في مكّة ولا الزكاة، لأنّ الجهاد من وظائف الحكومة الإسلاميّة، كما هو شأن تأسيس بيت المال.8. القرآن المجيد خاطب المرعوبين من لمعان سيوف الكافرين والخائفين من تأدية فريضة جهاد المعتدين على حرمة الاسلام والمعتذرين عن الفداء والتضحية.. خاطبهم بالقول : لعلّكم بترككم فريضة الجهاد تنعمون بالعيش أياماً معدودات.. ولكن عليكم أن تعلموا أن معيشتكم وحياتكم، بل وكلّ أيام الدنيا فانية زائلة ولا قيمة لها، إلا أن يؤمر فيها بمعروف وينهى عن منكر.. ولكنّ الحياة الأبديّة للمتقين هي الحياة القيمة، وهنالك ينال المتقي أجره
1) ولابدّ من الإشارة هنا إلى الدور الأكثر روعة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تحقيق تلكم الانتصارات، وهو الذي كان غنياً عن تلك الفترة المكيّة، خصوصاً وأن الكثير من المسلمين كانوا يتقمّصون دور النظارة تجاه المخاصمات المريرة التي يتعرّض لها الإسلام [المترجم].
كاملاً ولا يظلم شيئاً: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْر لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً.)
### الآية 78#### إشارة:أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكَكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْكُنتُمْ فِي بُرُوج مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كلّ مِّنْ عِندِ اللّه فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)#### النقاط المستفادة من الآية1. بالالتفات إلى الآيات السابقة واللاحقة يفهم أنّ هذه الآية والآية التي تليها متعلّقة بجمع من المنافقين الذين كانوا يعيشون بين المسلمين ويخشون المشاركة في ميادين القتال، وينزعجون لدى صدور الأمر بالجهاد.. فيما القرآن هنا يردّ على طبيعة تفكيرهم بإجابتين: الأولى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى.)والثانية: نقرأها في هذه الآية، وهي: ما هي الفائدة التي يجنيها المنافق من محاولته الفرار من الموت، في حين أنّ الموت يلاحقه أينما حل وارتحل إذ لابدّ أن يلاقيه الإنسان ولو كان في بروج مشيّدة.. وعليه؛ فإنّ من الأجدى أن يكون الموت المحتوم وغير القابل للاجتناب ضمن المسار الصحيح والبنّاء؛ مثل الجهاد في سبيل اللّه، وليس في طريق العبث والنفاق والازدواجية (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُّشَيَّدَةٍ.)3. قد عبّر اللّه تعالى في آيات عديدة، مثل الآية (99 من سورة الحجر والآية (48) من سورة المدثر؛ عبّر عن الموت باليقين ومعنى هذا أنّ أيّ إنسان يمكنه أن يجحد اللّه جل جلاله أو أن ينكر بعثة الأنبياء والأئمة عليهم أو ينكر أي شيء آخر، ما خلا الموت وحتميته وواقعيته، إذ أنّه يرى الموت ويلمسه في كلّ آن.)
4. تحدّر الآيات القرآنيّة - فيما يتعلّق بالموت - الأفراد المتشبّثين بالحياة الدنيا ويساوون بين الموت وبين الفناء والعدم المطلق ويحاولون التهرب من اسم الموت ومظاهره، تحذرهم من أنّ الموت يلاقيهم لا محالة وذات يوم بشكل مباشر كما هي الآية الثامنة من سورة الجمعة المباركة: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ.)5. جدير با الالتفات إلى أنّ كلمة (يُدْرِككُمُ بمعنى أن شخصاً يهرب من شيء يتبعه، والقرآن بهذه الكلمة يريد تذكير الناس بأن لا جدوى من محاولات الفرار من الموت، باعتباره من الأمور القطعية في عالم الوجود (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُّشَيَّدَةٍ))6. لعلّ القلاع والأبنية العتيدة والعظيمة يمكن أن تمنع أو تؤخّر بعض حالات الموت غير الطبيعيّة، ولكنّها - على سبيل القطع - لا تستطيع إزاحة الموت على الدوام، لأنّ الميتة غير الطبيعيّة تباغت الإنسان من الخارج، أما الموت الطبيعي والعادي؛ وخلافاً لتصوّر الإنسان لا يأتيه من جهة الخارج وإنّما ينبع من داخله، نظراً لأنّ أعضاء البدن الإنساني محدودة على كلّ حال؛ ولا بد أن تستنفذ طاقتها ذات لحظة، ولذا؛ فإنّ البروج العتيدة المشيدة لا أثر ولا دور لها في درء الموت عمّن استنفذ لحظات عمره المحدود.7. ترى هل أنّ عقل الإنسان ومنطقه يحكمان. بوجود واقعيّة الموت وعلى فرض إمكانية استمراره في الحياة بضعة أيام أكثر وبرفض التوجّه إلى ساحة الجهاد والقتال والقتل في سبيل اللّه تعالى باختيار ميتة الفراش والحرمان من ثواب المجاهدين في اللّه تبارك وتعالى؟!8. اليهود والمنافقون المعادون للإسلام، وبغرض إيذاء الرسول(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وبتصوير أنفسهم أصدقاء للدين لإبقاء بعض البسطاء في جهلهم وغفلتهم، وبهدف الفصل بين اللّه وبين الرسول، تراهم ينسبون النصر إلى اللّه تعالى، وينسبون الهزيمة إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإلى تدبيره: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ). 9. آیات عديدة مثل الآيتين (3) و 4) من سورة النجم تبيّن حقيقة وأصل أنّ ما تصدر عن
النبيّ من قول وفعل وتقرير إنّما هو من عند اللّه سبحانه. (1)
1) (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
### الآية 79#### إشارة:ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّه وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّه شَهِيدًا (79)#### النقاط المستفادة من الآية1. جميع النجاحات والانتصارات والحسنات التي تكون من نصيبك هي من قبل اللّه تعالى، أما السيّئات والهزائم والآلام؛ فمن نفسك أيها الإنسان.. وذلك لأنّ اللّه مصدر كلّ خير، بينما الإنسان - الظلوم الجهول - يتسبب بالانكسار لنفسه.2. الذين ينسبون الهزيمة والفشل الذي يصيبهم لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، عليهم أن يعلموا بأنّ اللّه هو الذي أرسله للناس واللّه هو الشاهد على هذا المطلب.. وشهادته كافية، فهل من الممكن أن يكون مبعوث الربّ سبباً في الهزيمة والفشل والسوء الذي يلحق بالناس ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّه شَهِيدًا).)3. بملاحظة هاتين الآيتين اللتين وردتا في القرآن متتاليتين ثم سؤال يطرح نفسه، وهو: كيف يمكن لهاتين الآيتين المتتاليتين أن تتضمّنا هذا الاختلاف؟ ولماذا نسبت الآية الماضية صدور جميع التوفيق والحسنات والسيّئات عن اللّه تعالى.. وفي هذه الآية نسب النجاح إلى اللّه والفشل إلى الناس؟بالقراءة الدقيقة في مضمون الآيتين نلاحظ نقاطاً عدّة، يمكن لكل واحدة منها أن تكون إجابة منفصلة على السؤال المتقدم..النقطة الأولى: لا ريب في أنّ كلّ عمل سيء له بعدان؛ إيجابي وسلبي... فالبعد السلبيّ هو الذي يضفي بالمظهر السيء عليه ويصور على هيئة خسارة نسبية.. مثل إنسان يقتل بريئاً بسلاح بارد، وهو بذلك يكون قد ارتكب فعلاً سيئاً مشيناً.. وبالتحقيق في أصل وجذر هذا
الفعل السيء سيلاحظ أنه يتضمّن أموراً إيجابية، مثل استعمال القوة الإنسانيّة والتفكير الإنساني والانتفاع من الفرصة المناسبة، والاستهداف الدقيق.. وهذا وغيره بمثابة وجوه المسألة الإيجابية، لأنها جميعاً إذا ما تمّت في موضعها المناسب أمكن لها أن تكون مفيدة نافعة ولها أن تساهم في حلّ كثير من المشكلات الكبيرة.. أما البعد السلبي في القضية؛ فهو أن جميع ذلك قد تمّ في غير موضعه المناسب.. فبدلاً من استخدام القوة والدقة في دفع خطر حيوان شرس أو في التخلّص من قاتل خطير. نراه قد استخدم في القضاء على إنسان بريء واغتياله.. وهذا البعد السلبي الأخير قد أضفى على فعل القتل صبغة وحقيقة سيئتين.. وإلا فإنّ قابلية التهديف وكذلك أصل القوّة أو مضيّ السلاح لها ولأقرانها وجوه استفادة عديدة.. ومن هنا؛ إذا كانت جميع الحسنات والسيّئات قد نسبت في الآية الأولى إلى اللّه تعالى، فذلك بداعي أن كلّ جذور وأصول القوة والقابلية، بما فيها القابليات التي يمكن استعمالها في البعد القبيح، هي من اللّه تعالى، كما أنه مصد رالبعد الإيجابي لكلّ قوّة وقابلية.. أما الآية الثانية التي نسبت السيّئات إلى الناس؛ فهي قد أشارت إلى هذا البعد السلبي وإساءة استخدام المواهب والقدرات التي جعلها اللّه ووضعها في الأشياء.. وهذا مثل أب يهب ولده مالاً ليبني لنفسه بيتاً، ولكن هذا الولد ينفق المال في المفاسد أو تأسيس مركز للفساد.. ولا شك في هذه الحالة أنّ أصل المال والعطاء عائدان إلى الأب، ولكنّ إساءة التصرّف مردودة على الولد..النقطة الثانية: يمكن أن تشير الآية إلى مسألة (الأمر بين أمرين التي تبحث في العادة في عقيدة الجبر أو التفويض وخلاصتها أنّ جميع الأحداث الواقعة في العالم، بما فيها أعمالنا وما يصدر عنا من حسنات أو سيئات.. مرتبطة باللّه تعالى من زاوية من الزوايا، لأنّه هو الذي وهبنا القدرة وحرّيّة الإرادة، وعليه؛ فإنّ ما نختاره ليس مخالفاً لإرادته سبحانه، ولكن أعمالنا في الوقت نفسه تنسب لنا وتصدر عنا، لأنّ العامل المصيري في العمل هو إرادتنا واختيارنا، ولهذا السبب نكون مسؤولين عن تصرفاتنا وأفعالنا، ونسبة أفعالنا الى اللّه - من حيثية أخرى - لا)
تسلب عنا مسؤوليتنا ولا توجب القول بعقيدة الجبر.النقطة الثالثة: القول بأنّ الحسنات والسيّئات من اللّه عزّوجل إشارة إلى فاعلية الربّ المقتدرتجاه كلّ شيء وفي كلّ أمر.. والقول بأنّ السيّئات منكم، إشارة إلى دورنا وفاعليّتنا وإلى مسألة إرادتنا واختيارنا.. وفي الحقيقة، إنّ مجموع الآيتين تثبت القول بأنّ الأمر بين أمرين..النقطة الرابعة : أنّ ثم تفسيراً آخر لهاتين الآيتين، وقد أشير إليه في روايات أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ، وهو: أنّ المراد بالسيّئات الجزاء على الأعمال والعقوبات على المعاصي.. ولا ريب في أنّ الجزاء والعقوبة من اللّه تعالى، ولكن لكونها نتيجة لأفعال العباد؛ تراها تنسب تارة إليهم وفي أخرى إلى اللّه عزّوجلّ، والنسبتان صحيحتان؛ كلّاً من حيثيتها، كالقول مثلاً: إن القاضي قطع يد السارق... أو إنّ السارق قطع، أو تسبب في قطع يد نفسه...)
### الآية 80#### إشارة:مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا (80)#### النقاط المستفادة من الآية1. طبقاً لهذه الآية كان من البديهي أن سنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وحي إلهي، لأن قوله وفعله من ناشئان الأمر الإلهي، وهو لا يخطو خطوة خلافاً لذلك، وعليه؛ كانت إطاعة اللّه من إطاعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا يمكن تصور الفصل بينهما ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه).)2. (الحفيظ صفة مشبهة، وتعني الحارس المراقب لشيءٍ على الدوام، وتعطي معنى الثبات والمداومة، وتتفاوت في المعنى مع الحافظ الذي هو اسم فاعل.)3. مسؤولية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مسؤولية قيادية وهادية وداعية إلى الحقّ ومواجهة الفساد بكلّ أشكاله وأقسامه. وإذا ما أصر الناس على المسير في جادة الباطل والانحراف، فإنّ النبي لا مسؤولية عليه في إطار انحرافهم ولا هو مكلّف باستعمال القوّة ضدّهم، ولهذا إذا عمد الإنسان إلى عصيان الرسول ثمّ أصابه الفشل والهزيمة، فهو المسؤول عن ذلك ﴿وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا).)4. لا شكّ في أنّ مفاد هذه الآية أحد أوضح دروس الآيات القرآنيّة الدالة على حجية السنة النبويّة والالتزام بما جاء فيها، وعليه؛ فإنّ أحداً لا يستطيع القول بأنه يقبل القرآن ويرفض المأثور النبويّ، لأنّ هذه الآية تصرّح بأنّ إطاعة الحديث النبوي إطاعة لأمر اللّه تعالى وإرادته..5. يجب الالتفات إلى أنه وطبقاً لحديث الثقلين المروي في مصادر المسلمين عامة، وحينما يضع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أحاديث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام إلى جانب القرآن يكون)
قد جعلهما الحجّة القاطعة على العباد؛ فلا يجوز تجاهل واحدٍ منهما.. ويفهم من خلال ضمّ هذه الآية إلى حديث الثقلين أنّ إطاعة تعاليم وأوامر ومناهي أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ إطاعة مباشرة للّه جلّ وعلا، ولا يقبل من أحد أن يدّعي قبوله للقرآن ورفضه أحاديث العترة النبوية المطهرة، لأنّ هذا الادّعاء مناقض لهذه الآية وشبيهاتها..)6. بناءً على عديد من الروايات الواردة في تفسير (البرهان في ذيل هذه الآية، نصل إلى الحقيقة الناصعة أدناه:)حيث أعطى اللّه - طبقاً لهذه الآية - حقّ الأمر والنهي لرسوله الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ثمّ أعطى النبي هذا الحقّ عليّاً وآل عليٍّ (عَلَيهِم السَّلَامُ) (و حصره فيهم)؛ فصار الناس إلى يوم القيامة ملزمين بطاعتهم طاعة مطلقة دائمة، لأنّ أمرهم ونهيهم ملزمان وصادران عن اللّه تعالى، ولا يمكن تصوّر الفصل بين إرادتهم وارادته سبحانه بل لا مناص من القول إنّ إرادتهم في كلّ شيء وفي كلّ حين هي تعبير وتجلٍّ تام لإرادته عزاسمه...)1- البرهان، ج 2، ص 133
### الآية 81#### إشارة:وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ منْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللّه يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عنهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه وَكَفَى بِاللّه وَكِيلًا (81)#### النقاط المستفادة من الآية1. كلمة (طَاعَةٌ في هذا السياق بمنزلة خبر لمبتدأ محذوف، وتقدير الكلام: (يقولون أمرنا طاعة) أي شأننا أن نطيع اللّه ونطيع الرسول.)2 كلمة (بَرَزُوا فعل ماضي ومصدرها (بروز) بمعنى الظهور والخروج. وكلمة (بَيَّتَ) فعل ماضي من التبييت ومادته بيتوتة بمعنى ضبط الأمر وتدبيره في الليل..)3. هذه الآية لا تدلّ على أنّ هؤلاء الأفراد المعنيين كانوا منافقين، ولكن بملاحظة العلاقة بينها وبين الآيات السابقة، يلزمنا القول بأنها بصدد توجيه اللوم للمسلمين ضعيفي الإيمان والنصح بنصائح تمنحهم البصيرة.. طبعاً إذا أرادوا التدبّر والتبصر.4. لا ينبغي التحمس لمجرد إظهار الوفاء والطاعة والإيمان، ذلك لأن المنافقين لسنين عديدة مجرّد (يقولون - مجرّد قول - طاعة.)5. يصرّ الأعداء على استثمار النقاط العمياء، فلا ينبغي الغفلة أبداً عن تصرّفاتهم ﴿بَيَّتَ أي: أضمر وتآمر وتحيّن الفرص..)6. القرآن المجيد لا ينتقد الجميع بالتساوي ﴿طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ فحسب.)7. سيحاسب اللّه جلّ وعلا المنافقين على مؤامراتهم وشيطنتهم (يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ.)8. لابدّ من التوكل على اللّه دون غيره لمواجهة وإفشال مؤامرات المنافقين السريّة، إذ التوكّل
عليه سبحانه عامل أوّل في إحراز النصر عليهم (تَوَكَّلْ عَلَى اللّه.)9. اللّه القدير حامي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وحامي المسلمين فهو الذي يفضح مؤامرات المنافقين ويميط اللّثام عن نواياهم الشرّيرة، ثم هو الناصر للمؤمنين بالمدد الغيبي (وَكَفَى بِاللّه وَكِيلاً).)
### الآية 82#### إشارة:أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)#### النقاط المستفادة من الآية1. التدبّر في الأصل من مادّة دُبر بمعنى النظر إلى الوراء وعاقبة الأمر، وعليه؛ فالتدبّر يعني التحقيق في النتائج والعواقب، والفرق بين التدبر والتفكّر أنّ هذا الأخير متعلّق بمراجعة العلل وخصوصيات موجود ما، أما التدبّر؛ فراجع إلى التحقيق ومطالعة العواقب والنتائج..2. هذه الآية تدعو الناس إلى التدبّر والتفكر، وتبين الأمور أدناه:الأوّل: أنّ التقليد في أصل الدين غير مقبول، والناس مكلّفون بالتحقيق في ضرورات الدين؛ مثل ادّعاء النبوة والرسالة المحمّديّة وحقانيّة القرآن، وأن لا يعمدوا إلى التقليد الأعمى. فالقرآن بصراحة بالغة يدعو الناس إلى التفكر والتدبّر، وهذا ما يخالف ما يتبادر إلى الأذهان البسيطة، فهو كتاب قابل للفهم والتحقيق، ولو لم يكن كذلك؛ ما كان ليأمر بالتدبّر..الثاني: هذه الآية تبيّن الحقيقة القائلة بإمكانية المراجعة الواعية والمنصفة في القرآن، فيُستلهم المفهوم والمحتوى ثم يُعمل به.. وبطبيعة الحال؛ إنّ الرأي القائل بعدم فهم القرآن أمر لا يتاح من دون حضور النبي وتفسيره رأي لا أساس له وذلك لأنّ القرآن قد دعا الناس إلى التفكّر والتدبّر في آياته..الثالث: أنّ النظم الموجود في آيات القرآن ومفاهيمها وطبيعة مصطلحاتها وكلماتها من البداية وحتى النهاية، وعدم وجود التضاد والتناقض والاختلاف أكبر وأوضح دليل على سماويّة القرآن، لأنه لو كان من غير اللّه ما أمكن التخلّص من حصول التناقض والتضاد
والخطأ.الرابع: والقرآن آية إلهيّة عظيمة تؤكّد أنّ التناقض في الأقوال ليس من شأن اللّه عزّ وجلّ المنزّه عن كلّ عجز واضطراب وضعف وعيب..3. أنواع التناقض في الخطاب؛ وهي ثلاثة مشاربأ. الاختلاف والتناقض في الخطاب والمعنى.ب. الاختلاف والتفاوت في المصطلحات والمفاهيم.ج. الاختلاف في التلاوة.وواضح أن لا وجود - من البداية إلى النهاية - للاختلاف في القرآن بالمفهوم الأول والثاني، ذلك لأنّ كلّ خطيب مفوّه قدير يحسب لخطابه فيضبطه ويحكمه ويسعى كلّ جهده للابتعاد عن العيوب والتناقض.. ناهيك عن الخالق القدير العليم المنزه المقدّس عن كلّ عيب ونقص وضعف وخطأ.أمّا الاختلاف في التلاوة والقراءة؛ مثل الاختلاف في وجوه القرآن أو أرقام الآيات والسور، أو الاختلاف في الأحكام والمقرّرات من حيث الناسخ والمنسوخ، فهي متوفّرة في الكتاب الشريف، وهذا لا يُعد عيباً ونقصاً، بل إنه كله حق وصواب وقائم على أساس الحكمة في كلّ حال..4. معلوم أنّنا حين نذهب إلى أنّ عدم التناقض في القرآن من دلائل الإعجاز القرآني، لابدّ أن نتيقّن بأنّ القرآن خطاب اللّه وأنّ الذي جاء به صادق أمين، إذ لعل منكراً للّه والقرآن والنبوّة يقول في ردّه القول بعدم وجود التناقض بين آيات القرآن ومفاهيمه: ما المانع في توفّر خطيب عبقري أن يضبط أقواله ضمن قوالب ومفاهيم راقية ودقيقة تصونه عن التناقض والتضاد..5. روحيّة الإنسان - كلّ إنسان - في تغيير متواصل، وهي تتبدّل بمرور الأيام والشهور والسنين قولاً وفكراً وخطاباً، ولهذا؛ لا تكون كلمات مؤلّف ما على منحى واحد، بل هي – كلماته - محكومة
بحصول التفاوت بدءاً وإنجازاً، لا سيما إذا كان هذا المؤلّف ورد في خضم الحوادث المهمة والخطيرة.. الحوادث التي أسست لثورة فكرية واجتماعيّة وعقائدية شاملة.. فهو - كبشر - مهما أراد ضبط كلماته وجعلها متسقة وعطف سابقها على لاحقها؛ يبقى عاجزاً عن إنجاز تحريره بالتمام والكمال لاسيّما إذا كان معروفاً عنه أنه لم يدرس في مدرسة ولم يتتلمذ على يد أستاذ، وكان يعيش في بيئة متأخرة جاهلة.. أمّا القرآن؛ فهو الكتاب الذي أنزل طيلة (23 سنة طبقاً للحاجات التربوية للناس وضمن ظروف وفترات متفاوتة.. وكان يتناول مختلف الموضوعات بدقائقها..)6 كما يقول الدكتور غوستاف لوبين القرآن كتاب المسلمين السماوي غير المنحصر بالتعاليم الدينية، وإنّما تتأصل فيه التعاليم السياسيّة والاجتماعيّة للمسلمين، وهكذا كتاب ليس كالكتب العادية المنحصر بحثها في مسألة اجتماعيّة أو سياسيّة أو فلسفيّة أو حقوقيّة أو تاريخيّة التي لا تخلو - في الأغلب - من التضادّ والتناقض والاضطراب في العبارات... وحين نلمس النظم والتناغم المطلق في آيات القرآن نعي جيّداً أنّ هذا الكتاب ليس وليد أفكار البشر، بل هو صادر عن اللّه تعالى، كما أوضحت الآية هذه الحقيقة الحقّة..
### الآية 83#### إشارة:وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَا تَبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا (83)#### النقاط المستفادة من الآية1. (يَسْتَنبِطُونَهُ لغةً من مادة (نبط) على وزن فقط، والاستنباط) يعني إخراج القول عن حالة الإبهام والبلوغ به إلى مرحلة التمييز والمعرفة، وأصله من (نبط) وهو أوّل الماء المستخرج من البئر.. ومن هنا؛ كان فهم كلّ حقيقة من دلائلها وشواهدها المختلفة واستخراجها من وثائقها المتوفّرة، سواء في المسائل الفقهيّة أو الفلسفية أو السياسيّة أو العلميّة (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ).)2. من له القدرة على الاستنباط الصحيح للمطالب؟المراد من (أُولِي الأَمْرِ هنا من لهم القدرة على التمييز والإحاطة الكافية بمختلف المسائل، ويتمكنون من تحديد الحقائق وعزلها عن الشائعات الكاذبة وتنوير الناس.. وهم بالدرجة الأولى النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وهم أوصياؤه الشرعيّون، ثم الفقهاء العدول المرضيّون عندهم..)3. الاستنباط غير محصور في المسائل الفقهيّة.. (أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ... يَسْتَنبِطُونَهُ.)
4. (أَوْلِي الأَمْرِ ينبغي أن يكونوا أهل الاستنباط ﴿أُوْلِي الأَمْرِ... يَسْتَنبِطُونَهُ).)5. بثّ الأخبار السرّية عادة ما يكون عن السذاجة أو الانتقام أو إلحاق الضرراً و العمالة أو الطمع المادّيّ أو التظاهر.. والإسلام بداعي جامعيته قد تناول هذه المسألة وعالجها، وفي هذه الآية؛ حدّر القرآن من إفشاء الأسرار العسكرية، وعد نقل أخبار الانتصار أو الهزيمة قبل عرضها على القادة عامل غرور أو هلع من العدو..6. يمكن أن يسأل بالقول: إنّ الآية تنزل في فترة كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يعيش بين المسلمين، ولكن أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا سيّما العديد من الأئمة منهم لم يكن لهم وجود، فكيف يطلق على أئمّة الشيعة عنوان أولي الأمر ؟)الردّ على هذا السؤال الإشكال أمر واضح ذلك لأنّ الآية غير مختصة بالزمن النبوي، وإنّما هي تعبّر عن قانون كلّي يجب أن يسري في جميع العصور.7. إنّ أضرار صناعة ونشر الشائعات من أكبر أنواع البلاء الذي يلحق بمختلف المجتمعات وتدمّر روح التفاهم والتعاون في أفرادها، وتوجب إندثار الثقة وتقعد الناس عن القيام بمسؤولياتهم.. وأحداث معركة أحد والصلح المفروض على الإمام المجتبى(عَلَيهِ السَّلَامُ، مقتل واستشهاد مولانا مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومقتل المختار الثقفي وأمثاله نماذج حية وناطقة في التاريخ، حيث حقق أعداء اللّه أهدافهم المشؤومة من خلال صناعة الشائعات المغرضة ونشرها بين المؤمنين.)8. رغم أنّ من المجتمعات القابعة تحت الضغط ترى فى الشائعات صناعةً ونشراً أحياناً نوع مواجهة أو انتقام، ولكنّ ذلك بالنسبة للمجتمعات السليمة، تعد صناعة الشاعة وبتّها أضراراً عظيمة، ولو أنّ هذه الشائعات لحقت بأفراد مميّزين ومفيدين، لأقعدتهم عن أداء أدوارهم الاجتماعيّة النافعة، بل ولعلّها تقضي على مكانتهم بالمرة، ويحرم المجتمع من نتاجاتهم المفيدة، ولهذا السبب حرص الإسلام على مواجهة الشائعات ووأدها في بدايتها
ومنع من الكذب والتزوير، والآية أعلاه نموذج لرأي الإسلام وموقفه من الشائعات.9. لولا فضل اللّه ورحمته بواسطة تعاليمه الفذة التي تشمل حال الأغلبية، لتعرّضت هذه الأغلبية إلى الحرمان من القيادة الحقة وسقطت ضحيّة للعواقب الأليمة للشائعات المغرضة، ولعجزت عن التخلّص من براثن هذه الشائعات وعواقبها الوخيمة.. والنبيّ وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام هم الفقهاء المرضيون عندهم من أهل البصائر.. وهم الجهة المؤهلة لإنقاذ المؤمنين من وساوس الشائعات وصانعيها.. ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً.)
### الآية 84#### إشارة:فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّه أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّه أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكيلا (84)#### شأن نزول الآيةجاء في تفسير (مجمع البيان و (القرطبي) و (روح المعاني) عن شأن نزول هذه الآية الشريفة أنّ أبا سفيان وجيش قريش عادوا من أحد بغرور انتصارهم؛ فاتفق مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يتواجها في موسم بدر الصغرى (حيث يقام سوق التجارة في شهر ذي القعدة في أرض بدر) مرّة أخرى، وحيث حان موعد المواجهة دعا النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المسلمين إلى الانطلاق للموضع المذكور، إلا أن غالبيتهم عصوه ولم يتحركوا إلى المواجهة لما كان عالقاً في أذهانهم من ذكرى مريرة لواقعة أحد.. فنزلت هذه الآية، وقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بدعوة المسلمين مرّة أخرى للانطلاق، فلم يستجب له سوى سبعين رجلاً وحضروا بدراً الصغرى، لكنّ أبا سفيان امتنع عن الحضور لما دخل قلبه من الرعب إزاء مواجهة النبي وأتباعه القلائل.. فعاد الرسول الأعظم ومن معه إلى المدينة.. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1- الرسول والمبعوث الإلهي حين الجهاد مع العد ومكلف بمواجهة العد وولو بمفرده إن لم يرافقه أحد، لأنّه المسؤول الوحيد عن وظيفته، وليس عليه من تكليف الناس سوى دعوتهم
1) مجمع البيان، ج 3، ص 128 وتفسير القرطبي، ج 5، ص 293 وروح المعاني، ج 3، ص 93.
وتشجيعهم لمواجهة أعداء اللّه (فَقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّه لَا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ.)2. أهمّ وظيفة للقائد الرباني هي أن يكون على قدر من الثبات والقاطعيّة بحيث إن لم يستجب لدعوته أحد من الناس لا يكف عن السعي إلى تحقيق هدفه المقدّس ورسالته السماوية، وهو لدى دعوته الآخرين لأداء تكاليفهم، عليه أن لا يربط بين تحقيق مهمّته بمدى استجابة الناس له، والقائد بطبيعة مقامه؛ يكون مستعداً كلّ الاستعداد لأداء مسؤولياته معتمداً مطلق الاعتماد على ربّه المتعال.. الربّ الذي هو مصدر جميع القدرات ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه لاَ تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ.)المبعوث الإلهي يجب أن لا يكفّ عن أداء وظيفته الإلهيّة وإن وجد نفسه وحيداً، وأن يعلّق أمله بالمدد الإلهي حتّى لدى الغربة والوحدة فيأمل نصره على الأعداء، ذلك لأنّ قدرته تفوق كلّ القدرات وعقوبته فوق العقوبات... ﴿عَسَى اللّه أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّه أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً.)4. حيث أنّ كلمة (عَسَى لغة بمعنى الرجاء مع الترديد، وكلمة (لعل) بمعنى الأمل والانتصار وتوقّع أمور لا يطمأن لوقوعها ويكفي احتمال حصولها، ولهذا؛ يمكن أن يطرح سؤال عن استعمال هكذا كلمات بين طوايا حديث الإنسان باعتباره أسلوباً طبيعياً، لأنّ الإنسان غير مطلع على جميع الأمور بالكامل، فضلاً عن قابليته المحدودة وعجزه عن فعل كلّ ما يريد ويتمنّى.. غير أنّ اللّه الخبير والمطلع على الماضي والحاضر والمستقبل وله القدرة على فعل ما يريد، فإنّ استعمال مثل هذه الكلمات الدالة على شيء من الجهل والعجز، كيف يمكن أن يتصوّر بالنسبة إليه سبحانه وتعالى..)لدى الإجابة على هذا السؤال؛ يجب أن يقال: رغم أن كثيراً من العلماء يذهبون إلى أنّ هكذا كلمات حين تستعمل في كلام اللّه تعالى، تفقد معناها الأصلي وتجد لنفسها معانٍ جديدة.. فكلمة (عَسَى مثلاً تعني الرجاء، وكلمة (لعلّ) تشير إلى الطلب، وكأن الصواب)
هو أنّ هاتين الكلمتين حينما تندرج ضمن كلام اللّه عزّوجل يكون لهما معناهما الأصلي ولا تستلزم الجهل وعدم القدرة، بل هما تستعملان عادةً لبلوغ الهدف وتكون الحاجة إلى مقدّمات عديدة ولازمة.. وحين تتحقق بعض أقسام هذه المقدّمات فحسب، فإنّه لا يمكن القول بقاطعيّة إنّ الهدف قد تحقق، وإنّما ينبغي البناء على هيئة الاحتمال، كقول القرآن المجيد: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. (1)ومعلوم أن بالاستماع وحده لا يمكن ضمان استحقاق الرحمة الإلهيّة، وإنّما يعدّ هذا إحدى المقدّمات، إذ ثم مقدمات أخرى لهذا الغرض مثل التدبر ودرك معاني الآيات، ثمّ تطبيق التعاليم القرآنيّة الواردة فيها... ولذا لا يمكن. في هكذا موارد. إصدار الحكم القاطع بحصول النتيجة لمجرّد إحراز مقدّمة واحدة.. واللّازم هو القول باحتمال التحقق..)5. استعمال كلمة عسى في الآية يبيّن أنّ اضمحلال قدرة الكافرين لا يكون بدعاء المؤمنين وتشجيعهم على القتال والجهاد وإنّما ينبغي ضمّ الجهاد إلى تطبيق المنهج وإيجاد المقدّمات الأخرى للجهاد حتّى يتحقق الهدف النهائي، وعليه؛ لا حاجة ولا إلزام لدى استعمال هذه الكلمة ونظائرها ضمن الخطاب الإلهي أن تصرف عن معناها الحقيقي..
1) سورة الأعراف / 204.
### الآية 85#### إشارة:مَن يَشْفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَع شَفَاعَةً سَيِّئَةَ يَكُن لَّهُ كِفَلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ مُّقِياتًا (85)#### النقاط المستفادة من الآية1. كلمة (شَفَاعَةً لغةً من مادة (شفع) على وزن نفع بمعنى الزوجين، وعليه؛ يطلق على ضمّ الشيئين إلى بعضهما شفاعةً.)2. تكون الشفاعة تارة قبل إنجاز المهمة والعمل، وهي إذ ذاك بمعنى الهداية وتعليم الطرف المقابل.. وتارة تكون بعد القيام بالعمل؛ وهي إذ ذاك بمعنى التخلّص من عواقب العمل، والاثنتان معاً مصداق لانضمام شيء إلى شيء.3. هذه الآية ورغم كونها تحمل مفهوماً كلّيّاً وتشمل كلّ دعوة لعمل الخير والشر، لأنها وردت في سياق آيات الجهاد.. فتكون الشفاعة الحسنة إشارة إلى تشجيع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلى الجهاد، فيما الشفاعة السيّئة إشارة إلى تشجيع المنافقين ودفعهم إلى عدم الجهاد، ولكل سهمه في عاقبة هذا العمل...)4. يمكن أن يكون التعبير بكلمة الشفاعة في هذه الآية خطاباً قيادياً، (قيادة إلى الصالحات أو الطالحات وإشارة إلى مسألة أنّ خطاب قادة الخير وقادة الشر يكون مؤثراً في نفوس الآخرين حيث لا يرون لأنفسهم أرجحيّة على غيرهم ويعدّونها مرادفة ومرافقة لهم، وهذه المسألة مؤثّرة إلى حدٍ كبير في تحقيق الأهداف الاجتماعيّة.. ونحن إذ نرى نماذج عديدة من الآيات القرآنيّة في سورة الشعراء والأعراف وهود والنمل والعنكبوت حين التعبير عن الأنبياء)
والمرسلين الذين بعثوا إلى هداية وقيادة الأمم، حيث ترد كلمة (أخوهم أو (أخاهم) فهي إشارة إلى هذه المسألة بالذات.)5. كلمة (نَصِيبٌ في اللغة تعني الفائدة الجمة من الأمور النافعة والرابحة.. وكلمة (كِفَلٌ) وسهم يصل إلى المشجّع على عمل السوء..)6. هذه الآية تبين منطقاً إسلامياً أصيلاً في المسائل الاجتماعيّة، وتصرّح أنّ الناس شركاء في مصائر أعمالهم على حدٍ سواء؛ وذلك من طريق الشفاعة والتشجيع والتعليم، وعلى هذا؛ فإنّ كلّ كلمة أو خطاب أو عمل أو حتّى السكوت والتقرير المؤدّي إلى تشجيع جماعة إلى عمل الخير؛ فإنّ للمشجّع لهم سهماً معلوماً من نتائج هذا العمل دون أن ينقص من سهم الفاعل شيء.. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ: «من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو دلّ على خير أو أشار به؛ فهو شريك، ومن أمر بسوء أو دلّ عليه أو أشار به؛ فهو شريك» (1أو قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيّئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». (2))7. من الطبيعي أنّ كلّ علاقة ومدخليّة وتشجيع على فعل الخير أو الشرّ له ثلاثة مراحل:الأولى: مرحلة الأمر، وهي مرحلة قويّة فاعلة.الثانية: مرحلة الدلالة، وهي مرحلة متوسطة.الثالثة: مرحلة الإشارة، وهي مرحلة ضعيفة.وهكذا؛ فإنّ كلّ مدخليّة ودفع إلى عمل صالح أو طالح يكون سبباً نسبياً ويكون له سهمه بالنسبة أيضاً.. وطبقاً لهذا المنطق والأصل الإسلامي، فإنّ المباشر لعمل السوء والخطيئة ليس هو الفاعل الوحيد، بل إنّ جميع الذين يسخّرون الوسائل الإسلاميّة ويهيئون الأرضية، وحتّى
التفوّه ولو بكلمة واحدة مشجعة ودافعة لمن يعمل السيّئات شركاء فيها ولهم سهمهم منها.. وكذلك الأمر بالنسبة لمن يدفعون إلى فعل الخيرات لهم سهمهم منها بمقدار ما عملوا وشجعوا ورغَبوا.8. يفهم من بعض الروايات الواردة في تفسير هذه الآية أن أحد معاني الشفاعة الحسنة والشفاعة السيّئة هو دعاء الخير ودعاء السوء بحق شخص آخر، وهو نوع شفاعة عند اللّه تعالى، وقد روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّه قال: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب؛ استجيب له؛ وقال له الملك فلك مثلاه.. فذلك النصيب». (1)والمقصود من كلمة (نَصِيبٌ) الوارد ذكرها فى هذه الآية وهذا التفسير لا يتنافى والتفسير السالف بل هو توسيع في معنى الشفاعة، أي أنّ كلّ مسلم يعين أخاه المسلم بأي شكل من أشكال الإعانة؛ وسواء بالدعوة والتشجيع إلى الخيرأ و بواسطة الدعاء عند اللّه تعالى يُعد شريكاً في الفعل والأجر.)9. هذه الآية تبيّن منهجاً إسلامياً مهمّاً من شأنه إحياء الروح الاجتماعيّة وعدم الجمود على المرحلة والحالة الفرديّة فى المسلمين وهذه الحقيقة تثبت أنّ الإنسان وباهتمامه بالآخرين والسعي في تحقيق منافعهم؛ لا يتراجع أبداً ولا تتعرض مصالحه الفرديّة للخطر، بل إنّه سيشترك في النتائج الإيجابية التي سيحظون بها.1. الآراء الواردة في مفهوم هذا المصطلح :أ. يرى البعض أنّ هذا المصطلح ورد بمفهوم الاقتدار.ب. ويرى آخرون أنه بمفهوم الشخص الذي يحسب لكلّ شيءٍ حسابه.ج. رآه جماعة بمفهوم الشاهد.د. وظنّه البعض بمعنى الحسيب والمحاسب.
1) تفسير الصافي، ج 1، ص 476.
ه-. ويقول الجبائي : مفردة و (مُّقِيتًا بمعنى المحاسب والمجازي، لأنّ اللّه تعالى سيجزى على كلّ عمل صالح وطالح.. ويمكن أن ترد جميع هذه المعاني في الآية لهذه المفردة، وعليه؛ تكون خلاصة معنى الآية في عبارتها الأخيرة : (وَكَانَ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ مُّقِيتًا). 11. أورد المفسّرون في تفسير عبارة وَكَانَ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ مُّقِيتًا أحد ثلاثة آراء :)الأوّل: يرى البعض أنّ المراد أنّه تعالى رقيب على كلّ شيء.الثاني وقال آخرون أنّه تعالى كافٍ في كلّ شيء.الثالث: وقال بعضهم: أنّه تعالى هو المجزي على كلّ عمل.
### الآية 86#### إشارة:وَإِذَا حُرِّيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّه كَانَ عَلَى كلّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)#### النقاط المستفادة من الآية1. التحيّة لغةً من مادة الحياة وبمعنى الدعاء للآخر بالحياة، سواء كان هذا الدعاء يرد بصورة (سلام عليك أو (حيّاك اللّه) أو أمثال ذلك، ولكنّ المعروف أن هذه الكلمة تعني كلّ شكل في إثبات المحبَّة التي يبديها الناس في كلامهم إزاء الآخرين، وأبرز وأوضح مصداق لذلك، مفردة (السلام).)2. يذهب بعض المفسّرين إلى أنّ علاقة هذه الآية بالآية السابقة تنتهي إلى أنّ المراد من التحيّة والسلام إعلان عن العيش المشترك والحياة السلمية والابتعاد عن الصراع والحرب وحيث تناولت الآية السالفة الأمر بمواجهة المشركين، فقد أمرت - بعد ذلك - بالاتجاه للسلام والصلح إذا ما طلبه الطرف المقابل وإبداء الاحترام له.3. هذه الآية توضح حكماً كلياً عاماً في مجال تحيات المودة التي يبديها مختلف الأفراد: (وَإِذَا حُیِيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَورُدُّوهَا. 4. يفهم من بعض الروايات وكذلك بعض التفاسير أنه فضلاً عن إظهار المحبّة اللّفظيّة، فإنّ إظهار السلام والمحبّة العمليّة يدخل في مفهوم التحيّة. كما روي في (مجمع البيان) عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «المراد بالتحيّة في الآية؛ السلام وغيره من البرّ» (1)وفي رواية أخرى وردت في كتاب (المناقب) مفادها أن جارية قدّمت لمولانا الإمام الحسن(عَلَيهِ السَّلَامُ) وردةً
1) مجمع البیان، ج 3، ص 131.
فقابلها الإمام بتحرير رقبتها، وحينما سئل عن ذلك قال: قد أدّبنا اللّه سبحانه حيث يقول: (وَإِذَا حُيِيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) ثم أضاف والتحية الأفضل هو العتق للجارية... (1)وهكذا تعدّ الآية حكماً كلّيّاً في ردّ كلّ شكل من أشكال إظهار المحبّة؛ اللّفظيّة منها والعمليّة.
الف: عمّقوا علاقاتكم وعواطفكم فيما بينكم فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ.)ب: ردّ إحسان الناس بالإحسان إليهم: ﴿فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا.)ج: لا ينبغي التأخير في التأخير في ردّ أفضال وهدايا الآخرين، وآية ذلك، حرف الباء في فعل: (فَحَيُّوا.)د: استحباب الردّ الأفضل : (بِأَحْسَنَ مِنْهَا.)ه-: لدى ردّ إحسان الآخرين؛ يجب البحث عن الإجابة الأحسن، وإلّا تكون الإجابة بالمثل: (بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا.
و: إذا ما اقترح العدوّ في الحرب صلحاً، فاستجيبوا له أو قابلوه بالمثل: حُيِيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَورُدُّوهَا).
ز: لا تبتئسوا أو تقلقوا للتحيّات التي لا تردّ، حيث لا يحسن الناس الإجابة، إذ اللّه تعالى هو المحاسب والمستجيب للعواطف النبيلة: إِنَّ اللّه كَانَ عَلَى كلّ شَيْءٍ حَسِيبًا.)6. جميع الملل إذا ما التقى أفرادها، تبادلوا التحيّة؛ إعلاناً للمحبّة، سواءً اللّفظيّة منها أو العلميّة في بعض الأحيان.. وكذلك الأمر بالنسبة للإسلام جعل شرع (السلام باعتباره أجلى وأسمى صور التحيّة، وفي هذه الآية كما تمت الإشارة إليه، فإنّ التحيّة وإن تضمّنت معان واسعة، إلّا أنّ (السلام) هو مصداقها الواضح، وعليه؛ وطبقاً لهذه الآية، صار المسلمون جميعاً)
1) مناقب آل أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ج 4، ص 18.
مكلّفين أن يردّوا السلام بشكل أرقى أو مماثل..7. أكدت الروايات الإسلاميّة أهميّة السلام؛ وهنا نشير إلى بعضها:الأولى في الحديث النبويّ: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» (1.)الثانية: روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إنّ اللّه عز وجل قال: البخيل من يبخل بالسلام» (2).)الثالثة: عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّ اللّه عزّوجل يحبّ إفشاء السلام». (3))الرابعة سئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن: أي الإسلام خير؟ فقال: «أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». (4))وورد في بعض الأحاديث تفاصيل آداب التحية، منها أن يسلّم الراكب على الراجل، (5ومن كان مركبه ثميناً يسلم على بسيط المركب.. وكأنّ هذا الأمر نوع مواجهة للتكبّر الناشئ عن الثروة والمقام المادّي المميز.. وهذا ما يقابل ما هو مشهود في هذه الأيام حيث يعد البعض السلام تكليف الأفراد الأدنى مرتبة، حيث يصنم الأشخاص المرموقون.. ولذا؛ ورد في بعض حالات الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه كان يبادر إلى تحيّة جميع الأشخاص؛ بمن فيهم الأطفال... (6)وبطبيعة الحال؛ فإنّ هذه التوجيهات لا تتنافى والتعاليم الواردة في بعض الروايات القائلة بضرورة تحيّة الصغار للكبار، لأنّ هذا نوع أدب وتواضع إنساني، ولا علاقة له بمسألة الاختلاف الطبقي والتفاوت المادّي.)
الخامسة :نقرأ في تفسير (مجمع البيان أن شخصاً قال للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): السلام عليك. فقال: «السلام عليك ورحمة اللّه» فقال آخر: السلام عليك ورحمة اللّه. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته» فقال رجل آخر: السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته. فقال النبيّ: «وعليك» وحين سئل عن اختصاره للسلام الأخير، قال صلوات اللّه عليه وآله: «يقول القرآن: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا) ولكنّك لم تبق شيئاً» !! (1)وقد ردّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تحية الرجل الأول والثاني بالنحو الأحسن، أما فيما يتعلّق بالرجل الثالث فقد ردّ بالمثل والاختصار وكان المعنى أنّ كلّ ما قال للنبيّ يستحقه أيضاً. 8. ورد الأمر في بعض الروايات أن لا نسلّم على الأفراد المرابين والفاسقين والمنحرفين وأمثالهم، (2)وهذا. بحدّ ذاته - مواجهة للفساد - اللّهم إلّا أن يكون السلام عليهم وسيلةً – مضمونة - لهدايتهم ودعوتهم إلى ترك الكفر والفسوق، كما ينبغي الالتفات إلى أنّ المراد بالتحية الأحسن هو السلام بعبارات أخرى مثل ورحمة اللّه، ومثل: ورحمة اللّه وبركاته.
اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُو لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّه حَدِيثًا (87)
استعمال جملة (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إشارة إلى أنّ القيامة ستجمع كلّ البشر في يوم واحد كما ورد في الآيات الأخيرة من سورة مريم التصريح بهذه الحقيقة، وهي أنّ جميع العباد الساكنين في الأرض وغيرها سيجمعون بعد أن يبعثوا في يوم واحد..
جملة (لا رَيْبَ فِيهِ) في أنّ يوم القيامة المشار إليه في هذه الآية وعدة آيات أخرى مماثلة توضيح للدلائل القطعية بحصول ذلك اليوم، كما هو قانون التكامل وحكمة وفلسفة الخلقة وقانون عدالة رب العالمين في حصول المعاد الأخروي.
لا شكّ أنّ كلّ وعد إلهي بخصوص يوم القيامة أو غيره قطعي التحقق، ذلك لأن الكذب إما أن يصدر عن جهل أو ضعف أو حاجة، فيما اللّه تعالى الأكثر إطلاعاً من كلّ أحد، والغنيّ عن كلّ أحد، والأصدق من كلّ أحد، بل إنّه لا مفهوم للكذب فيه سبحانه وتعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّه حَدِيثًا.)
### الآية 88#### إشارة:فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّه أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّه وَمَن يُضْلِلِ اللّه فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88)#### شأن نزول هذه الآيةطبقاً لنقل جمع من المفسّرين عن ابن عبّاس أنّ عدّة من أهل مكّة الذين أسلموا في الظاهر، كانوا في الواقع في صف المنافقين، ولهذا؛ لم يكونوا على استعداد للّهجرة إلى المدينة، فكانوا في واقعهم يوالون المشركين.. ولكنّهم أجبروا في نهاية المطاف على مغادرة مكّة وأن يقتربوا من المدينة للتجسّس على المسلمين، وقد أمنوا على أنفسهم إذ أنّ المسلمين كانوا يعدونهم منهم وأن دخولهم المدينة لن تصاحبه مشكلة ما.. أما المسلمون فقد اطلعوا على الأمر، ولكنّهم اختلفوا في الموقف تجاه هؤلاء القادمين فرأى بعضهم أن يطردوا لأنهم يهوون أعداء الإسلام، إلّا أن بعض المسلمين البسطاء خالفوا الرأي الأول وقالوا: كيف نقاتل فئة تشهد بالتوحيد والنبوّة ونهدر دماءهم، وليس لهم من ذنب سوى أنهم هاجروا؟ فنزلت الآية أعلاه ووجهت اللّوم إلى الجماعة الثانية على خطئهم.. ثم توجهت لهم بالإرشاد والهداية... (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية وضمن توبيخها الاختلاف والازدواجية في التفكير والموقف تجاه مواجهة النفاق والمنافقين، وهي تبين أن موقف الإسلام من مواجهة النفاق واضح وغير قابل للشكّ
1) التبيان، ج 3، ص281 و 282.
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ.)2. المنافقون المتظاهرون بالإسلام، قد كشفوا عن حقيقة نفاقهم برفضهم الهجرة؛ وبتعاملهم مع المشركين، وبعدم مشاركتهم في الجهاد مع المسلمين.. فلا ينبغي الشكّ في مصيرهم المشؤوم.. فهم من منافقي الدرجة الأولى، وسلوكهم شاهد على عدم إيمانهم.. فلماذا يُخدع البعض بإظهارهم التوحيد والإيمان ؟ فيعمدون إلى الشفاعة فيهم، مع أنّ الآيات السالفة قد صرّحت بالقول: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا وهكذا يجعلون أنفسهم في معرض المصير المشؤوم وشركاء فيه.)3. المنافقون وبسبب أعمالهم القبيحة والمخزية قد سلبهم اللّه التوفيق للّهدى وأعرض الكريم عنهم حتّى امتلؤوا ضلالاً، وصا رحالهم حال من يقف على رأسه بدلاً من قدميه بوجهه (وَاللّه أَنَّكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا.)4. لا ريب أنّ انحراف الإنسان عن جادّة الهدى والسعادة والخلاص معلول أعماله، ولو نسب هذا الفعل إلى اللّه تعالى، فلأنّ اللّه حكيم ويعاقب كلّ شخص طبقاً لجريرته، ويثيبه وفقاً لمدى جدارته ﴿وَاللّه أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا.)5. كيف تتوقّعون أن يشمل أفراداً ملوّثي التفكير ومملوءة قلوبهم بالنفاق ويحرصون كلّ الحرص على حماية ودعم أعداء اللّه سبحانه، وقد حرمهم اللّه بهذا من هدايته.. أن يشملوا بالتوفيق والوعي.. فهذا توقع غير منطقي ومناقض للسنّة الإلهيّة.. حيث أن نتيجة أفعال الانسان لا يمكن أن تفصل عنه.. ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّه وَمَن يُضْلِلِ اللّه فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً.)
### الآية 89#### إشارة:وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا تَتَّخِذُوأ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)#### النقاط المستفادة من الآية1. ظلمة المنافقين الباطنية التي حملت بعض بسطائكم على حمايتهم ودعمهم والشفاعة فيهم هي على قدر كبير من الخطورة بحيث أنهم كانوا يرغبون في الردّة بكم إلى الكفر؛ فضلاً عن كفرهم هم.. ولهذا فهم ليسوا كما الكفّار العاديين، لأنّ بسطاء الكفّار لا يهاجمون عقائد الآخرين ويغيرون عليها.. ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فهم لا يكلون عن سلوكهم المتواصل في تخريب إيمان المسلمين. 2. لا تختاروا أصدقاءكم من بين المنافقين الذين يأملون في تحييدكم عن دينكم، إلّا أن يكفّوا عن نفاقهم ورغبتهم في تخريب عقائد المسلمين ويخرجون عن مركز النفاق إلى مركز الإسلام من مكّة إلى المدينة ويهاجروا: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيل اللّهِ.)3. المنافقون بعدم هجرتهم؛ بصدد الإصرار على كفرهم ونفاقهم وتظاهرهم بالإسلام.. ولا ينفكّون عن إلحاق الضرر بحركة الإسلام وتقدّمه كيفما استطاعوا.. وواجب المسلمين أن يأسروهم أو يقتلوهم أينما وجدوهم ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ.)4- التأكيد المكرّر في هذه الآية على عدم اختيارالوليّ والصديق الحميم والناصر من زمرة
المنافقين والتشدّد تجاه هكذا منافقين، يبيّن حقيقة أن المجتمع الحي إذا أراد أن يحفظ نفسه ويصونها في طريق الثورة الإصلاحية، وأن يخلّص نفسه من براثن الأعداء والجواسيس الخطرين ليس له إلا هذا العلاج: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.)5. واضح أنّ الإسلام الذي يحمي غير المسلمين؛ مثل اليهود والنصارى، ولا يسمح بإيذائهم أبداً، فإنّ تشدّده تجاه المنافقين المتظاهرين بالإسلام ويأمر بأسرهم بل وبإعدامهم حين اللّزوم.. بداعي أنّ هكذا أفراد يستطيعون توجيه ضربات مؤلمة تحت غطاء الإسلام والمسلمين، بحيث يعجزكل عدو آخر عن توجيهها.6. سؤال: يمكن أن يقال: طبقاً لحكم التاريخ؛ فإنّ سيرة وسلوك النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ تجاه المنافقين كانت تختلف عن أمر هذه الآية، ولهذا فهو لم يصدر أمراً أبداً بقتلهم لئلّا يتهمه الناس بقتل أصحابه، أو أن يسيء البعض الاستفادة من قتلهم، أو أن يعمد بعض المسلمين إلى تصفية حساباتهم مع أشخاص آخرين تحت طائلة وتهمة النفاق..)الجواب: ينبغي الالتفات إلى أن السيرة النبويّة كانت تفضي إلى التعامل مع المنافقين وأمثالهم بظاهر الإسلام حيث لا يواجهون الدين وأهله بصراحة، أما الأفراد من قبيل منافقي مكّة المتعاضدين مع أعداء الإسلام فلم يكونوا مشمولين بهذا الحكم القرآني..
### الآية 90#### إشارة:إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُ أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَتِلُوكُمْ أَوْ يُقَتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)#### شأن نزول الآيةيعلم من مختلف الروايات الواردة في شأن نزول هذه الآية ومن تفاسير المفسّرين المختلفين، أنّ قبيلتين من قبائل العرب، وهما بنو ضمره وأشجع، كانت الأولى منهما متعاهدة مع المسلمين على عدم التعرّض أو مهاجمة.بعض.. فيما كانت متعاهدة من جهة أخرى مع قبيلة أشجع. وقد خشي بعض المسلمين قوة بني ضمرة ونقضهم عهدهم معهم.. ولذا؛ فقد اقترحوا على النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يباغتوا هذه القبيلة قبل أن تهاجمهم وتغد ربهم، إلا أنّه ردّهم بالقول: «كلّا! فإنّهم أبر العرب بالوالدين وأوصلهم للرحم وأوفاهم بالعهد» ثمّ إنّ المسلمين علموا بعد فترة أنّ طائفة أشجع وبقيادة مسعود بن رجيله، وكانت متكوّنة من سبع مئة رجل قد اقتربت من المدينة، فبعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليهم رسولاً ليطلع على غايتهم من سفرهم واقترابهم من المدينة.. فقالوا للرسول إنّهم جاؤوا لترك النزاع مع محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. وحين رأى النبي ذلك، أمر بإعطائهم وإهدائهم مقادير من التمر، ثم تواصل معهم، فأكدوا لهم عجزهم عن مناجزة أعداء المسلمين منفردين، لقلة عددهم وعدم ميلهم إلى حرب المسلمين؛ لتقارب سكنى الطرفين.. ولذا جاؤوا للتعاهد على ترك التعرّض للمسلمين.. فنزلت الآية أعلاه وأمرت)
المسلمين ببعض الأمور الخاصّة بهذه المسألة.. (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. تبعاً للأمر بالتشدّد تجاه المنافقين المتعاملين مع أعداء الإسلام العلنيين، ذكرت هذه الآية بأنّ مجموعتين استثنيتا من هذا الأمر والقانون :الأولى: المرتبطة بأحد المتعاهدين مع المسلمين فهي مستثناة من هذا الأمر تبعاً لاحترامهم معاهديهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُّونَ إِلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ.)الثانية: الذين لا يرون في أنفسهم القدرة والقابلية على مواجهتكم، ولا قدرة فيهم على التعاون معكم ومحاربة طائفتهم، وهذه المجموعة وإن لم تكن معذورة؛ وكان عليها الالتحاق بقافلة الحقّ بعد اتضاحه لها إلّا أنّ إعلانها الحياد، يجعل التعرّض لها خلافاً لأصول العدالة والمروءة (أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ.)2. عبارة (وَلَوْ شَاء اللّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ تبين قبح الغرور بالنسبة للمسلمين الذين حقّقوا الانتصارات الباهرة، فلا يصحّ لهم أن يجعلوا من هاتين المجموعتين أسيرة للقوّة العسكرية، إذ أن ما نال المسلمين من النجاح إنّما كان ببركة اللّه تعالى وعنايته ومدده الغيبي، ولو أراد سبحانه أن يسلّطهما على المسلمين ويدفعهما للحرب ضدّهم لفعل، ولهذا كان لزاماً على المسلمين أن يذكروا اللّه لدى كلّ نجاح وانتصار وأن لا يغتروا بقوتهم، وأن لا يعدوا الصفح عن الضعفاء خسارة..)3. على المسلمين أن يضغطوا على الكفّ التي تُمدّ لهم بالسلم والصلح.. واللّه تعالى لم يجزلهم التعرّض إلى من حادَ بنفسه عنهم أو اقترح عليهم الصلح (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً.)
1) تفسير القمي، ج1، ص 145.
4. يمكن أن يكون القرآن الكريم في هذه الآية وآيات أخرى قد عبّر عن مقترح الصلح بإلقاء السلام، وهذا إشارة إلى المعروف في طرفي النزاع وقبيل الصلح أن يعمدا إلى الانفصال عن بعضهما ليقترحوا الصلح ضمن ضوابط الحذر والاحتياط.. فيتراجعا في موقفهما ثمّ يرميا باقتراح الصلح على بعضهما...
### الآية 91#### إشارة:سَتَجِدُونَ وَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كلّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أَرْكسُوا فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواإليَكُم السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنَا مُّبِينًا (91)#### شأن نزول الآيةروي لهذه الآية شؤون نزول مختلفة، وأشهرها أن جمعاً من أهل مكّة جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأظهروا الإسلام عن نفاق وخديعة، حيث أنهم كانوا إذا وقفوا عند قريش سجدوا للأصنام، وكأنّهم بسلوكهم القبيح هذا يريد ون لأنفسهم الأمان من جهة المسلمين والقرشيين، لينتفعوا من الجانبين دون ضرر.. وحسب الاصطلاح كانوا يلعبون على الحبلين.. فنزلت الآية الشريفة وأمرت المسلمين بالتشدد تجاهم.. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. هناك جماعة منافقة مرائيّة، ولكي تحقق لنفسها حرّيّة التصرّف وتحفظ مصالحها لدى المسلمين والمشركين ولضمان مسلكها هذا تعمد إلى المؤامرة والخديعة، فتتعامل مع الطرفين وتتناغم معهما وعقائدهما في الظاهر (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَومَهُم.)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 136.
2. ظهور خيانة هذه الجماعة يكون في ساحة الفتنة وعبادة الأصنام، وهنالك يفتضح مسلكها وتتورط وتسقط إلى الهاوية (كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيهَا. 3. هذه الجماعة المرائية المنافقة المتظاهرة بالحياد هي على العكس من الفرقتين السابقتين لثلاثة أدلّة:
الأول : أنّها تجهد في الابتعاد عن التنازع مع المسلمين، ولكن إيقاع هؤلاء يوحي بنزاعها مع الدين الجديد...
الثاني: هي تقترح الصلح مع المسلمين في الوقت الذي يتنازع هؤلاء معهم.
الثالث: هي كانت تمتنع عن إلحاق الأذى بالمسلمين، ولكن هؤلاء لا يمتنعون عن ذلك!
### الآية 92#### إشارة:وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَدَقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قومِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّه وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (92)#### شأن نزول الآيةقام أحد الوثنيين المكتين ويدعى الحارث بن يزيد بمعيّة أبي جهل بتعذيب رجل يدعى عياش ابن أبي ربيعه بتهمة الإسلام، وبعد هجرة المسلمين إلى المدينة، هاجر عياش أيضاً وانضم إلى المسلمين.. وذات يوم التقى عياش الحارث الذي كان يعذبه، وذلك في إحدى المناطق المحاذية للمدينة، فاستغل عيّاش الفرصة وقتل الحارث ظناً منه أنه يقتل عدوّاً، ولم يكن يعلم بأنّ الحارث قد تاب وأسلم.. فذهب إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأخبره بما صنع، فنزلت الآية)
أعلاه وبيّنت حكم القتل الخطأ.. (1)#### النقاط المستفادة من الآيةمقدّمة: حيث الآيات الماضية قد أتاحت للمسلمين القضاء على المنافقين والأعداء الخطرين في داخل المدينة.. ولئلا تساء الاستفادة من هذه الحالة، فيصفّي البعض منهم حساباتهم وثاراتهم مع أعدائهم تحت مسمّى النفاق، أو أن يهرق دم بريء من الأبرياء بداعي اللامبالاة.. فقد وردت أحكام القتل الخطأ في هذه الآية والآيات التي بعدها.. ليتّضح الموقف الإسلامي الصارم من إراقة الدماء، ولتوجب على المسلمين مراعاة جميع الجهات في هذه المسألة المهمّة والخطيرة..1. أساساً: لا يسمح المؤمن لنفسه أن يلوّث يده بدم إنسان بريء، لأنّ جميع الأفراد متساوون في حرمة وحريم الإيمان وهم كأعضاء جسم واحد، فهل يمكن لعضو واحد أن يقضي على عضو آخر أو أن يؤذيه إلّا أن يكون خطأ.. ولهذا؛ فإنّ من يقترف جريمة القتل عامداً يكون جاهلاً بحقيقة الإسلام والايمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً.)2۔ جملة (إِلَّا خَطَأً لا تعني أنّ المسلمين مجازون بالقتل الخطأ، لأن الخطأ غير متوقع، والإنسان لا يلتفت إلى الخطأ حين يقوم به، والمراد أنّ المؤمنين لا يتلوّثون بهذه الجريمة إلّا خطأً..)3. بناءً على هذه الآية؛ فإنّ كفّارة قتل الخطأ قد تحدّدت في ثلاث مراحل:المرحلة الأولى: أن يقتل فرد بريء من المسلمين عن خطأ، وفي هذه الحالة؛ ينبغي للقائل أن يقوم بأمرين: أن يعتق رقبةً مسلمة، والآخر أن يسلّم ديته إلى ذويه، إلّا أن يعفوا عنه ويتنازلوا عن ديته ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَن يَصَّدَّقُوا....)
1) نفس المصدر، ص 138.
المرحلة الثانية: أن يكون المقتول مرتبطاً بطائفة لهم مع المسلمين خصومة وعداء، وفي هذه الصورة؛ تكون كفّارة القتل الخطأ تحرير رقبة ولا ضرورة في دفع الدية لجماعة يتقوّون بالمال ويشكلون خطراً على المسلمين.. إضافة إلى أنّ الإسلام قد قطع علاقة هذا الفرد بعائلته المعادية للإسلام، وعليه؛ لا مجال لجير الخسارة ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عدّة لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ.)المرحلة الثالثة: أن يكون أهل المقتول من الكفّار المعاهدين للمسلمين، وفي هذه الحالة، وحفظاً للعهد؛ ينبغي؛ فضلاً عن تحرير الرقبة المسلمة أن تعطى الدية لأهله.. ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً.)4. سؤال: ترى هل يكون المقتول - في المرحلة الثالثة - كما في المرحلة الأولى والثانية أن يكون مؤمناً؟ أم هو يشمل المؤمن والكافر الذمي؟الإجابة على هذا السؤال: أنّ المفسّرين اختلفوا فى ذلك، ولكنّ الظاهر من الآية والروايات الواردة في تفسيرها، يُعلم أنّ المقصود من أداء الدية هو كما في الصورتين السابقتين في مورد المقتول المؤمن.. (1)5. سؤال: هل يمكن في حال عدم وراثة الكافر من المسلم أن يعطى الكافردية قريبه المقتول المسلم ؟يفهم ذلك من ظاهر الآية، أي أن تعطى الدية المذكورة إلى الورثة وإن كانوا كفّاراً، وذلك للعهد الذي يربطهم بالمسلمين.. رغم ما ذهب إليه المفسّرون حيث قالوا: لأنّ الكافر لا يرث من المسلم أبداً، فينبغي أن تؤدّى الدية للورثة المسلمين فحسب.. وفي بعض الروايات وردت الإشارة إلى هذا الموضوع، ولكن ظاهر العبارة القرآنيّة : (مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أنّ ورثة)
1) راجع: تفسير العيّاشي، ج1، ص 263.
المقتول ليسوا جزءاً من المسلمين، ذلك لأنّ المسلمين ليس بينهم معاهدة خاصّة، ولهذا؛ يمكن أعطاء الورثة غير المسلمين أيضاً.6. لا شكّ في أن تغيير عتق الرقبة إلى صيام شهرين تابع للفقر المالي الذي لا يسع المصاب به أن يعتق رقبة، أو في حال عدم توفّر الرقبة لتعتق.. فالتغيير نوع تخفيف وتوبة رحمانية، رغم لزوم الالتفات إلى أن عتق الرقبة نوع عبادة أيضاً، وعليه؛ سيتوفّر الأثر المعنوي في روح العاتق للرقبة: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.)7. لجبر القتل الخطأ، أوضحت الآية ثلاثة سبل، وكلٌّ منها شرع لجبر نوع من الخسارة:الأوّل: تحرير الرقبة، وهو نوع جبران للخسارة الاجتماعيّة لقتل فرد مؤمن.الثاني: تسليم الدية هو نوع جبران خسارة اقتصاديّة ترد على عائلة القتيل وإلّا فقد ذكرنا أنّ الدية لا يمكن أن تساوي القيمة الواقعيّة لدم الإنسان، لأنّ دم البريء أسمى وأكبر من كلّ ثمن، بل هي نوع جبران للخسارة الاقتصاديّة.الثالث: صيام شهرين متتابعين بمثابة جبران الخسارة الأخلاقيّة والمعنويّة التي يجب أن يعوّضها قاتل الخطأ.8. جدير بالالتفات أنّ جميع ما ذكر من الكفّارة وغرامة قتل الخطأ في الآية لإحراز التوبة الإلهيّة، وأنّ اللّه تعالى مطّلع عليه بكل شيء، وأنّ كلّ أوامره قد نزلت طبقاً للحكمة (تَوْبَةً مِّنَ اللّه وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا.)9. واضح أنّ ذوي المقتول إن كانوا مسملين، فقد ذكرت فيهم عبارة (إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ولكنهم إن لم يكونوا مسلمين؛ فلم تذكر فيهم هذه العبارة، بداعي أنّ ذوي المقتول المسلمين وبالنظر إلى الأخوّة الإسلاميّة؛ فإنّ ثَمّ أرضيّة مهيّأة للّهبة والصدقة والتنازل عن الدية، لاسيّما إن كانوا أثرياء، أما في الحالة الثانية، حيث لا يكون ذوو المقتول من المسلمين؛ فلا أرضية في ذلك، فضلاً عن أن المسلمين لا ينبغي أن يرزحوا تحت منة غير المسلمين بما أمكن، وقد)
أشير في الحالة الأولى إلى تحرير الرقبة ثم إلى تقديم الدية، في حين أن الحالة الثالثة حيث لا يكونون مسلمين؛ فقد أشير إلى تقديم الدية أوّلاً، ولعلّ هذا التفاوت يشاربه إلى أن تأخير الدية يتسبب في ردّ فعل غير مناسب، أما بخصوص غير المسلمين فيجب تقديم الدية أولاً لإطفاء نائرة النزاع وعدم حمل الأعداء على نقض العهد..10. لم ترد الإشارة في هذه الآية إلى مقدار الدية، وقد أوكل ذلك إلى السنّة التي حكمت بكونها ألف مثقال من الذهب أو مئة بعير أو مئتي بقرة، وفي حال التوافق تكون الدية بقيمة هذه الحيوانات (وطبعاً، فإنّ تحديد الذهب أو بعض الحيوانات كدية مطابقة لتقليد إسلامي، حيث تكون معاييرها من الأمور الطبيعيّة دون الزائفة والعقدية للتغير بتغير الزمان.)11. يمكن أن يشكل ويقال بأن لا عقوبة على الخطأ وعدم التعمّد، فلماذا كرّس الإسلام كلّ هذه الأهميّة لهذا الموضوع، والحال أن مرتكب المقتل الخطأ لم يجترح ذنباً؟! واضح هو ردّ هذا الإشكال، لأنّ مسألة الدم ليست مسألة هينة، وقد أراد الإسلام بهذا الاهتمام وهذا الحكم أن يعمد الناس إلى إعمال منتهى الدقة والحرز لئلا تقترف أيديهم هذا الخطأ، لأنّ كثيراً من الأخطاء جديرة بالوقاية، فضلاً عن أنّ الناس لا يستطيعون تبرئة أنفسهم بمجرد ادعاء الخطأ في القتل.. والجملة الأخيرة من الآية ﴿تَوْبَةً مِّنَ اللّه... يمكن أن تكون إشارة إلى هذا الموضوع وإلى أنّ الأخطاء تقع بسبب عدم الدقّة في الغالب، ولهذا؛ لزم في المسائل المهمّة؛ مثل قتل النفس، أن تجبر بصورة تشمل التوبة الإلهيّة مرتكبيها، بالإضافة إلى أنّ مرتكب قتل الخطأ وإن كان غير مذنب إلّا أنّ ذوي المقتول يمكن أن يكونوا فقراء ومحتاجين إلى من يعولهم، ويمكن للدية أن تحلّ بعض مصائبهم، وفي مقدمتها؛ مصيبة الحاجة الماديّة..)
### الآية 93#### إشارة:وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)#### شأن نزول الآيةالمقيس بن صبابة الكناني؛ وكان من مسلمي المدينة؛ عثر على جثة أخيه القتيل هشام في محلّة بني النجار، فشكا أمره إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فبعثه مع قيس بن هلال الفهري إلى شيوخ بني النجار وأمرهم أن يسلّما هما قاتل هشام، وإن لم يكونوا يعرفونه، دفعوا لمقيس ديته، ولما كان بنو النجار يجهلون شخصية القاتل؛ دفعوا دية المقتول، فتسلّمها مقيس وانطلق مع قيس إلى المدينة راجعين، ولكن مقيساً أثارته تقاليد الجاهليّة القديمة فقال في نفسه: إنّ قبول الدية موجبة للذلّة والانكسار، فعمد إلى قتل رفيق سفره الذي كان من طائفة بني النجار انتقاماً لدم أخيه.. ثمّ إنّه لاذ بالفرار وتوجّه إلى مكّة وارتد عن ديته.. فما كان من النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلّا أن أهد ردمه في مقابل هذا الغدر وهذه الردّة عن الدين، وقد نزلت هذه الآية بهذا الخصوص حيث بينت العقوبة على قتل العمد... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث أنّ قتل الإنسان أحد أفظع الجرائم والذنوب، ولو لم تتم مواجهته وردعه، فإنّ أهم شروط المجتمع السالم ستتلاشى تماماً.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 141.
2. جعلت هذه الآية لمن يقتل مؤمناً متعمّداً أربعة أشكال من العقوبة الأخرويّة، فضلاً عن القصاص والعقاب الدنيوي:العقوبة الأولى: الخلود في النار: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا.)العقوبة الثانية الغضب الإلهي: ﴿وَغَضِبَ اللّه عَلَيْهِ.)العقوبة الثالثة: الطرد من الرحمة الإلهيّة: ﴿وَلَعَنَهُ.)العقوبة الرابعة: تحضير العذاب العظيم، وهو نوع عذاب أخروي فيه أعلى درجات الشدّة لقتل المؤمن عمداً، بحيث لم يرد له مثيل من العقوبات المذكورة في القرآن المجيد.أمّا العقوبة الدنيوية؛ فهي القصاص الذي تطرقت إليه الآية (179 من سورة البقرة ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).)3. ثم سؤال يطرح هنا بخصوص الخلود، أي العقوبة والعذاب الإلهي، وهذه العقوبة الخالدة خاصة بمن يخرج من الدنيا مجرّداً عن الإيمان، في حين أن قاتل العمد يمكن أن يكون ممكناً أو نادماً أو تائباً من ذنبه الكبيرتوبة نصوحاً بما أمكنه من التوبة.هناك ثلاثة احتمالات يمكن أن تكون جواباً للسؤال أعلاهالاحتمال الأول: أنّ المراد من القتل العمد هذا؛ أنّ الإنسان يقتل إنساناً آخر لإيمانه، أو يعدّ قتله مباحاً.. وواضح أن هذا القتل علامة الكفر، ويستلزم الخلود في العذاب.. وقد ورد عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ حديث بهذا المضمون. (1))الاحتمال الثاني: كذلك يحتمل لقتل المؤمن أن يخرج القاتل عن الدنيا بلا إيمان دون أن يوفق للتوبة، ولذلك تراه يعرّض للعذاب الخالد.الاحتمال الثالث: لعلّ المراد من الخلود في هذه الآية العذاب المديد جدّاً وليس الخالد
1) الكافي، ج 7، ص 275.
الأبديّ.4. هل لقتل العمد توبة ؟الواقع هو أنه لا ذنب أعظم من الكفر.. ونحن نعلم أنّ هذا الذنب يغفر بالتوبة وقبول الإسلام، فكيف يمكن قبول القول بعدم حصول التوبة الحقيقية عن القتل العمد؟!طبقاً لهذه الآية، وبناءً على بعض الروايات الواردة في ذيل هذه الآية، مثل: «لا توبة له» (1فقد صرّح بعض المفسّرين بأنّ قتل النفس المحترمة المؤمنة. أصلاً. غير قابل للتوبة، ولكنّ ما يعلم من التعاليم الإسلاميّة وروايات المعصومين ومن فلسفة التوبة التي هي بمثابة قاعدة للتربية والتحصّن من الذنب على صعيد المستقبل... يفهم أنه لا وجود لذنب غير قابل للتوبة، لاسيّما وأنه لا ذنب أكبر من الشرك، ونعلم أنّ هذا الذنب قابل للتوبة بعد قبول الإسلام؛ مع أنّ التوبة عن بعض الذنوب صعبة للغاية وشروطها ثقيلة جدّاً. يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) (2)وحيث أنّ هذه الآية بصدد غفران الذنوب بواسطة الشفاعة وأمثالها تشير إلى أنه لا شفاعة لمشرك في يوم القيامة.. ولهذا فإنّ ذنب الكفر يغفر بالعودة إلى الإسلام والتوحيد.. كما كان المسلمون في صدر الإسلام مشركين أصلاثم تابوا فغفر اللّه ذنوبهم.. وعليه؛ فإنّ الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر بلا توبة عنه.. أما في حال التوبة، فالغفران يشمل جميع الذنوب بما فيها الشرك كما في الآيتين (53، 54) من سورة الزمر حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ).)5. يمكن أن يشكل - كما قال بعض المفسّرين - بأنّ آيات مثل آيتي سورة الزمر المذكورتين، متعلّقة بغفران جميع الذنوب في ظلال التوبة الصادقة وبصورة عامة، إلَّا أن لكلّ عامّ خاصّ
وتخصيص، مثل الشرك وقتل النفس حيث يستثنيان من العموم.ورد هذا الإشكال في القول بأنّ الاستدلال بتخصيص عموم الآيات الخاصّة بقبول التوبة أمر غير صحيح، لأنّ لسان وبيان هذه الآيات في مقام المنّة على المذنبين، وبالتأكيدات المختلفة التي اقتربت بآيات الرحمة الإلهيّة والروايات المتعدّدة المتواترة غير قابلة للتخصيص، إضافة إلى أن بقاء المرتكب لقتل العمد في العذاب الأبدي حتّى بعد التوبة المؤكّدة وجبر الجريمة المنكرة بالصالحات من الأعمال ويأس التائب من الرحمة والمغفرة الإلهيّة؛ لايتناسب وروح تعليمات الأنبياء الواردة في إطار تربية البشر.. وبأي أمل يمكن أن يقضي الفرد المحكوم بالعذاب الإلهي باقي عمره.. يطيع اللّه ويكفّ عن السيّئات بما فيها قتل النفس المحرمة، مضافاً إلى أنّ هذا النوع من الفهم يعارض السيرة النبوية تجاه المذنبين الخطيرين، كما في حال الوحشي قاتل الحمزة بن عبد المطلب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، حيث صفح عنه.. ولا يمكن القول هنا أن قتل النفس في حال الشرك يتفاوت جزاؤه بالاستناد إلى قاعدة (الجَبّ) «الإسلام يجب عمّا قبله» حيث يغفر للقاتل المشرك عمداً بعد إسلامه.. دون الحال الأخرى (قتل النفس من قبل المسلم) حيث لا تغفر جريمته حتّى بالتوبة الحقيقية والجامع لكلّ الصفات...)6. لا يتصوّر أبداً أنّ قتل العمد فعل بسيط وقليل الأهميّة، حيث يتسنّى للقاتل أن يتوب بيسر وينجو من العقاب.. وإنّما التوبة الحقيقية من هذا الذنب العظيم أمر عسير وبحاجة إلى جبر غير يسير.. رغم أن طريق التوبة غير مسدود - على سبيل القطع - بوجه القاتل.وقد قسّم الفقهاء القتل في باب القصاص والديات وبالاستلهام من الآيات والروايات إلى ثلاثة أقسام: قتل العمد، قتل شبه العمد، القتل الخطأ..الف: قتل العمد الذي يكون بنيّة مسبقة وباستعمال وسيلة قتل معروفة (كأن يضرب رجل رجلاً بآلة قاتلة عرفاً.)
ب: شبه العمد، وهو القتل الذي لم تسبقه نيّة القتل، ولكنّ فعله ينجر إلى القتل، كما يضرب رجل رجلاً بيده عمداً لمجرد إيذائه دون قتله، فيجر الضرب إلى القتل.ج: قتل الخطأ: وهو أن يُقتل فرد من دون نيّة مسبقة ومن دون مباشرة في قتله، كأن يعمد (القاتل إلى صيد حيوان فيخطئ السهم ويصيب إنساناً فيقتله.. ولكلّ شكل من أشكال وأقسام القتل المذكورة أحكام مفصلة وردت في الكتب الفقهيّة..)
### الآية 94#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّه فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّه مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَ اللّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)#### شأن نزول الآيةوردت عدّة شؤون نزول لهذه الآية في الروايات والتفاسير، وهي تتشابه فيما بينها إلى حدٍ ما، منها: أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وبعد عودته من خيبر، بعث أسامة بن زيد مع عدّة من المسلمين إلى اليهود القاطنين في إحدى قرى فدك ليدعوهم إلى اعتناق الإسلام أو قبول شروط الذمّة.. فقام أحد اليهود ويدعى مرداس - بعد أن علم بقدوم أسامة ومن كان معه - بالاختباء مع أسرته عند جبل حاملاً معه أمواله، ثمّ إنّه أقبل على المسلمين وهو يتشهد بشهادة الإسلام.. فهاجمه أسامة وقتله، ظناً منه أنّ اليهودي قد عمد إلى التشهد بالشهادتين نفاقاً وخوفاً على نفسه وأمواله وغنم مواشيه. وحينما علم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالخبر تأثر كثيراً وقال لأسامة: قد قتلت مسلماً فانزعج أسامة وقال: قد أسلم هذا اليهودي خوفاً على نفسه وأمواله، فقال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ولكنك لم تعلم من باطنه شيئاً، فلعله صار مسلماً حقاً.. وفي هذه الأثناء نزلت هذه الآية وحذرت)
المسلمين من رفض إسلام أحد الأفراد طمعاً في المغنم.. وأكّدت عليهم قبول إسلام من يعلن إسلامه.. (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. حفظ أرواح الأبرياء ولزوم إجتناب سفك الدماء في جميع المعارك محطّ تأكيد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ووصيّه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلى هذا الأساس، أمر باستقبال من يظهر الإسلام برحابة صدر وباجتناب إساءة الظن تجاه إظهاره الإيمان...)2. واضح أن الهدف من القتال والجهاد ليس التوسع أو تحصيل الغنائم، وإنّما هو تحرير الناس من قيود عبادة العبيد والآلهة المزيفة والدينار والدرهم، وعليه؛ ليس من مسلم حقيقي يخطو إلى سوح الجهاد لتحقيق أهداف مادّيّة، ولذا كان عليه أن يستجيب لمقترح السلام وقبول إظهار الايمان من الطرف المقابل، رغم أنّ ذلك المقترح أوإظهار الإيمان يستلزم الحرمان من الغنائم الماديّة الكثيرة.3. لا ينبغي اتهام الناس واعتبارهم أعداء من أجل الحصول على نعم زائلة في هذه الدار الفانية، فيعمد إلى قتل من يظهر الاسلام واغتنام أموالهم، في حين أن الغنيمة العظيمة والأبدية هي عند اللّه تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّه مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ.)4. رغم أن دوافع حروبكم في الجاهليّة كانت الإغارة على الأعداء، فكنتم تنالون مبتاعكم المالي والمادي بإراقة الدماء البريئة.. أما اليوم؛ فقد تغيّر - أو هكذا ينبغي الواقعي كلّيّاً - فضلاً عن أنكم حين دخلتم الإسلام لم تفعلوا غير إظهار الإسلام، فلماذا تبخلون على غيركم بالقانون الذي انتفعتم أنتم منه من قبل (كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ.)5. الآن حيث ترفلون تحت مظلة الإسلام التي تفضّل اللّه بها عليكم وقد تخلّصتم من الكفر
1) تفسير القمي، ج1، ص 148 و 149.
والضلال والعداوة والإغارة عليكم أن تتبيّنوا ومن موافقكم تجاه الناس؛ شكراً على النعم الكثيرة التي بين أيديكم ﴿فَمَنَّ اللّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا.)6. لا يصحّ لكم أن تمنّوا على اللّه بإسلامكم، وإنّما اللّه هو الذي يمنّ عليكم أن بعث الأنبياء لكم فاهتديتم بهم..7. کلّ فرد مسلم عليه أن يعلم بأنّ اللّه تعالى عليكم بنواياكم؛ ناهيك عن علمه بأقوالكم وأفعالكم (إِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.)8. سؤال: يمكن بالالتفات إلى مضمون الآية ومفادها أن يقال: إنّ الإسلام بقبوله الادعاء الظاهري للناس بخصوص الانتماء للدين.. يعدّ الأرضية لزرع النفاق في البيئة الإسلاميّة، مما يؤدّي بالكثيرين إلى إساءة الاستفادة والتستر بالإسلام للقيام بمهام جاسوسيّة ضد الدين وأهله..الجواب:أولاً: ليس من قانون في الدنيا لا يمكن استغلاله.. وإنّ المهم في الأمر أن يكون القانون ناظراً لمصالح الناس بشكل عام.ثانياً : إذا كان متاحاً أن يرفض إعلان أحدهم إسلامه بحجة عدم الاطلاع والتأكد من حقيقة نواياه، فإنّ مفاسد كثيرة جداً وأضراراً كبيرة ستلحق بالمجتمع المسلم وسيجري القضاء على العواطف الإنسانيّة لدى ذلك... لأنّ كلّ فرد له عداء وخصومة مع أحدهم سيتجرأ على اتهامه بمجرّد التظاهر بالإسلام.. وهكذا ستسفك دماء بريئة غزيرة.ثالثاً: من الطبيعي أنه لدى الانتماء البدائي لأي دين؛ سيكون هناك الكثير من الأشخاص ممن يكون انتماؤهم بسيطاً ظاهرياً بصورة عامة.. ثمّ بمرور الوقت ومداومة الاتصال بذلك الدين؛ يتكرّس ذلك الانتماء ويتجذر.. وهذه الجماعات من الأفراد لايمكن طردهم بادي ذي بدء.
9. يمكن تقسيم الأصول الإنسانيّة والأخلاقيّة للحرب في الإسلام إلى ثلاث مراحل:أ. ما قبل الحرب. ب. وحين الحرب. ج. وما بعد الحرب.في المرحلة الأولى يكون الالتزام بالأصول أدناه واجباً على المسلمين:الأصل الأول : توعية الأعداء لفهم الحقيقة وطريق الهداية؛ وأن هدف الإسلام ليس محق الأعداء، وإنّما غايته إرشاد جميع الناس باتّجاه الهدى والفلاح.الأصل الثاني: قبول السلام؛ وفي الوقت الذي يحثّ فيه الإسلام أتباعه على إعداد العدة والاستعداد لمواجهة الأعداء، فإنّه كثيراً ما يوصي بقبول مقترح السلام الذي يتقدم به الأعداء.. (الأنفال (61)الأصل الثالث: الوفاء بالمعاهدات المبرمة مع الأعداء؛ فالإسلام يوصي المسلمين باحترام العهود والمواثيق التي تربطهم بأعدائهم، وأن لا ينقضوا العهد أبداً (التوبة / 4.)الأصل الرابع: أن لا تكون أهداف حروب المسلمين أهدافاً ماديّة، لأنّ الإسلام يرفض للحرب أن تكون الرغبة من الغنائم وتحقيق الأهداف الماديّة الزائلة، وهو يحثّ أتباعه على إيقاف الحرب بمجرد استسلام العدو، وإن أدّى وقف القتال إلى الحرمان من الغنائم مهما كانت كثيرة وقيمة. (النساء / 94.)في المرحلة الثانية: أي حين الحرب والالتحام بقوّات العدوّ، ينبغي للمسلمين الالتزام بما يلي من الأمور:الأمر الأوّل: عدم الاعتداء وتجاوز الحدود؛ فالإسلام يوصي أتباعه باحترام حدود وقوانين الحرب حين القتال.. (البقرة/190.)الأمر الثاني: المقابلة بالمثل وتأكيد الإسلام أن يعاقب المسلمون - إذا ما تم الاعتداء عليهم - بمثل ما عوقبوا به، دون تجاوز ذلك، مع حنّهم على الصفح والعفو، نظراً لأنّ العفو عند
المقدرة من أسمى سجايا الرجولة (النحل/ 126.)الأمر الثالث : إفساح المجال للأعداء للاستماع والاطلاع على رسالة الإسلام؛ فهو يوصي بإجارة المستجيرين من الأعداء بالمسلمين - ولو في حال القتال - (التوبة / 6.)وفي المرحلة الثالثة: وحين تضع الحرب أوزارها يوصي الإسلام الإحسان بأسرى الأعداء ودعوتهم إلى نور الإيمان ليكون ذلك بمثابة الأرضية لقبول الهدى، ثمّ تحريرهم بلا فدية يدفعونها..
### الآية 95#### إشارة:لَّا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أَوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللّه الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)#### النقاط المستفادة من الآية1. فيما يتعلّق بأهميّة وفضل الحرب والجهاد في الإسلام يكفي أن القرآن المجيد جعل أحد معايير الفضل والكرامة الجهاد في سبيل اللّه.2. الجهاد قانون عام في عالم الخليقة والكائنات الحيّة بما فيها النباتات ترفع الموانع عن طريقها لتصل إلى كمالها المطلوب بواسطة الجهاد.. مثال ذلك: أن جذور الشجرة تتحرك باستمرار لتحصيل غذائها، ولو أنّها لم تتحرك لفقدت حياتها، ولذلك؛ فهي في خضم تحركها في عمق الأرض تحاول تجاوز ما يصادفها، سواء كان الشيء الذي يقف في طريقها صلداً أو سهلاً.. ولعلّها تنحرف في مسارها إن هي عجزت عن ثقب ما يصادفها.. أما ما يتعلق بأجسامنا؛ فإنّ ثَمّ صراعاً مريراً يحصل فيها ولو كنا نياماً أو غافلين، حيث الصراع المتواصل ليل نها ربین کریات دمنا البيضاء والجراثيم التي تحاول غزو الجسم وإفشاء المرض فيه.. ولو أنّ جهاد الكريات البيضاء توقف ساعة فإنّ الجراثيم ستبسط سيطرتها وتهدد سلامة أجسامنا بالخطر الماحق... ومثل هذا الصراع والجهاد يقع بين المجتمعات الإنسانيّة وبين الدول والبلدان حيث يحاول أحدها غزو الآخر، ومنها ما يدافع ومنها ما يهاجم.. ومنها ما ينتصر
ومنها ما ينهزم ضمن عملية التدافع وإثبات الوجود ومواصلة الحياة..3. ورد اسم المجاهدين في الآية أعلاه ثلاث مرات.. إذ ذكرت المجاهدين بدءاً مع هدف الجهاد ووسيلته (الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِهِمْ... وفي المرة الثانية ذكر المجاهدون مع الجهاد فحسب.. ﴿الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) وفي المرة الثالثة ذكر عنوان المجاهدين فقط ﴿الْمُجَاهِدِينَ...) وهذا ما يعتبر أحد النقاط البارزة في البلاغة في الكلام؛ حيث يتعرف السامع إلى الموضوع شيئاً فشيئاً.. حيث تحذف القيود والعلائم، حتّى يكون التعرّف بمجرّد إشارة إلى الموضوع ليعلم كلّ شيء بخصوصه..)4. في مطلع الآية ذكرت أفضليّة المجاهدين على القاعدين بصورة المفرد ﴿دَرَجَةً حين أن الآية الأخرى ورد الوصف بكلمة و (دَرَجَاتٍ) ومعلوم أنّه لا منافاة بين الكلمتين، لأنّ الأولى قصد بها أصل أفضلية المجاهدين على غيرهم، ولكنّ الكلمة الثانية شرحت هذه الأفضليّة؛ ولذا؛ فقد قرنت بالمغفرة والرحمة.. وبعبارة أخرى؛ كان التفاوت بينهما تفاوت الإجمال والتفصيل.)5. وردت الإشارة في هذه الآية إلى مجموعة نقاط تتعلّق بالجهاد.. الفصل بين صف المجاهدين وصفوف القاعدين (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ... وَالْمُجَاهِدُونَ)* الوعد بالأجر الطيب للمجاهدين من جهة اللّه.* الأجر العظيم.* الدرجات والمقامات العالية.* المغفرة والرحمة.6. الجهاد عبارة عن قانون وكلّي في عالم الخليقة؛ للدفاع عن الدين والناموس والإنسانيّة.. فضلاً عن الإسلام، وقد جدنا سائر الأديان تقرّ الجهاد، وبغضّ النظر عن الأديان السماوية أيضاً،
فإنّ العقل يقر منطق الجهاد كذلك، إذ أنّ كلّ إنسان ومجتمع لها حقّ الدفاع عن كيانهما. وأكثر من ذلك، يمكن القول بأنّ هذا قانون كلّي وعام يشمل جميع الموجوات الحيّة؛ النباتات منها والحيوانات، حيث تدافع. بمقتضى غريزتها عن كيانها واستمرارها في الحياة.7. شرع الاسلام هذا القانون وقاعدته العامة للدفاع عن حدوده وعن المجتمع الإسلامي وأرواح المسلمين وأعراضهم وإنسانيّة الإنسان أيضاً.8. بيّن الإسلام أنواعاً وأقساماً للجهاد، وهي كالتالي:الف: الجهاد الدفاعي وفلسفته التشريعية تكمن في الدفاع عن الشريعة والملة والمال والعرض الخاص بالمسلمين.ب: الجهاد ضد أهل البغي وفلسفته حفظ النظام والجبهة الداخلية للبلاد.ج: الجهاد الابتدائي، وعلّته الدفاع عن الحقوق الفطرية للإنسان، بمعنى إيصال رسالة التوحيد إلى من لم تصلهم من قبل. وواضح أنّ الجهاد الابتدائي أيضاً لم يشرع احتلال أراضي الشعوب الأخرى أو السيطرة عليها، وإنما شرع من أجل تحرير البشر من قيود الوثنية والشرك والإلحاد، وحقيقته الدفاع عن حدود وحرمة الإنسانيّة وحقوق البشر الفطرية، أي: التوحيد وعبادة اللّه وحده لا شريك له...9. معلوم أنّ الجهاد الابتدائي يكون لازماً بعد دعوة الكافرين ومخالفي الدين الإسلامي إلى دين اللّه.. وما لم تلق الحجّة عليهم لن يكون ثَمّ إذن بالحرب.. وكذلك كانت سيرة النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.. وقد بين القرآن الكريم فلسفة الجهاد بقول اللّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). (1))10. إنّ أساس تشريع الجهاد في الاسلام هو الدفاع.. وقد يكون هذا الدفاع عن الدين تارةً، أو
1) سورة البقرة / 251.
عن المسلمين، أو لحفظ النظام الاجتماعيّ والسياسي الشرعي، أو لحفظ الحقوق الفطرية وإنسانيّة الإنسان.. وكذلك الردّ على الإشكال المعروف على الجهاد الابتدائي والقائل بأنّ الإسلام دين السيف ومخالف للحرّيات.. يتضح في أنّ دين الإسلام ليس كذلك، ويقرّ حرّية المعتقد، وإنّما الجهاد الابتدائي كان لإيصال رسالة التوحيد وهدم قواعد الكفر والوثنيّة؛ وليس لفتح البلدان أو فرض العقيدة.. وشاهد هذا المطلب عدّة أمور:11. طبقاً لشهادة التاريخ؛ فإنّ البلدان التي دخلها الإسلام لم يفرض على من يعتنق الاسلام (اليهود والنصارى دين السماء الجديد، بل إن هؤلاء كان ينعمون بحريّة المعتقد بشكل تام ولم يجبروا على إعتناق الإسلام أبداً، وقد بقيت أموالهم محفوظة، وأعراضهم مصانه في ظل الإسلام، بل إنّهم كانوا يمارسون طقوسهم الدينية وحتّى القومية بحرية تامّة.. كما كتب المفكر المسيحيّ الشهير غوستاف لوبون في كتابه (مدنيّة الإسلام والغرب) حيث جاء فيه: كان سلوك المسلمين تجاه الشعوب على قدر كبير من الحرّيّة بحيث كان زعماء الأديان يعقدون اجتماعاتهم ومجالسهم الدينيّة بحريّة مقبولة.)12. إنّ من فلسفة تشريع الجهاد في الإسلام الدفاع عن الإسلام بحد ذاته وما يتعلق به ويتفرّع عنه.. وما كان حكم الجهاد خاصاً بالدين الإسلامي.. فقد تسنّى للأنبياء الماضين إمكان الجهاد الابتدائي أيضاً، وقاموا به، لأنّ الدفاع من الحقوق الفطرية للبشر، وكانوا يعدّونه من وظائفهم.. أوليس النبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ حطّم الأصنام وواجه الوثنيين.. أو النبي موسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) في محاربته العمالقة؟! والقرآن المجيد يصرح بصورة عامة: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِي قَاتَلَ مَعَهُ رِبّیُونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُوا). (1))13. أسلوب ومنطق الإسلام في الحرب والجهاد:
1) سورة آل عمران/ 146.
طالما حثّ الإسلام المجاهدين في حالة الحرب على التزام جملة تعاليم :الف: أنّ هدف القتال ضدّ الأعداء هو التقرّب وامتثال أوامر اللّه تعالى وليس إراقة الدماء وإحراز المناصب والرئاسة وفتح البلدان وكسب المغانم (النساء / 94 والجهاد من وجهة النظر الإسلاميّة؛ إنّما يكون صحيحاً إذا اصطبغ بصبغة اللّه العظيم وكان في سبيله سبحانه ونشر تعاليم السماء.. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّه لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ) (1)وعبارة ﴿فِي سَبِيلِ اللّه) شاهد على المطلب المذكور..)ب: سعى الإسلام دوماً إلى أن لا يبدأ المسلمون قتالاً، فلا يجوز لجيش الإسلام أن يباد رإلى القتال قبل أن يقابله العد و ويقاتله.. قال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا تقاتلوهم حتّى يبدؤوكم، فإنّكم بحمد اللّه على حجّة، وترككم إياهم حجّة أخرى لكم». (2))ج: رعاية وحفظ الاعتدال والأخلاق الإسلاميّة في القتال:خلافاً للمدارس الأخرى؛ راح الإسلام يحثّ على رعاية قواعد الأخلاق في مناسبات عديدة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّه لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ. (3))ولهذا فإنّ الأفراد الذين يلقون أسلحتهم إلى الأرض العاجزين عن خوض الحرب، لا ينبغي الاعتداء عليهم، وكذلك لا يجوز الإتيان على الحدائق والنخيل والأشجار. كما لا يجوز استعمال السموم وإلقائها في الماء أو استعمال الأسلحة الكيميائية والجرثومية ضد الأعداء..قال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبراً ولا تصيبوا معوراً -)
عاجزاً - ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم». (1)14. جرت الإشارة في الروايات والأحاديث إلى موارد متعدّدة في فضيلة الجهاد وأهمّيته: قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «فمن ترك الجهاد؛ ألبسه ذلّاً وفقراً في معيشته، ومحقاً في دينه، إنّ اللّه أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها». (2))وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في موضع آخر: «اغزوا؛ تورثوا أبناءكم مجداً». (3))وروي عن إميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«... فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ؛ فتحه اللّه لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع اللّه الحصينة وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبةً عنه ألبسه اللّه ثوب الذلّ وشمله البلاء ودُيّث بالصغار والقماء». (4)15. واضح أنّ المراد من (الْقَاعِدُونَ هنا؛ الأفراد الذين لم يشتركوا في الجهاد مع كونهم مؤمنين بأصول الإسلام بداعي قلة همّتهم والحال أن الجهاد لم يكن واجباً عينياً، ولو كان ذلك لما خاطبهم القرآن بهذه العبارة اللينة ولم يعدهم بأجر في آخر الآية، وعليه؛ وإن كان وجوب الجهاد غير عينيّ؛ فإنّ أفضليّة المجاهدين على القاعدين غير قابلة للإنكار، والذين يمتنعون عن المشاركة في الجهاد - نفاقاً وعداءً - غير مشمولين بهذه القضية (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ).)16. لعبارة: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ مفهوم واسع ويشمل جميع العاجزين عن الجهاد لعلّة ما؛ كنقص عضوٍ أو مرض عضال أو ضعف كبير وأمثال ذلك، في الوقت الذي يرغبون بالاشتراك)
بالجهاد.. فهؤلاء مستثنون من الواجب الكفائي والعيني مع أنّهم يحرمون من أجر المشاركة في الجهاد كما ورد في الحديث النبويّ القائل:«لقد خلّفتم في المدينة أقواماً ما سرتُم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلّا كانوا معكم، وهم الذين صحّت نيّاتهم ونصحت جيوبهم وهوت أفئدتهم، وقد منعهم عن المسير ضرر أو غيره». (1)17. حيث أنّ أهميّة الجهاد في المنطق الإسلامي أمر فائق للغاية، فقد ذكرت هذه الآية أفضلية المجاهدين بصورة أكثر صراحة وأشدّ وضوحاً فقالت: ﴿فَضَّلَ اللّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً.)18. بديهي أنّ الأفراد المعذورين عن الجهاد لعلّة مرض أو عجز أو غير ذلك مع عدم وجوب الجهاد العيني عليهم ولكي لا يحرموا من الأجر على نواياهم السليمة وإيمانهم وأعمالهم الصالحة، فقد صد رالوعد للشريحتين (المجاهدون وغيرهم بالوعد الطيب، ولكن تبقى الشقة بعيدة بين وعدهما.. والواقع هو أن هدف القرآن ممّا ذكر من أحكام وتفاصيل أنّ سهم كلّ حالة صالحة تبقى محفوظة ولا تنسى، لاسيّما حين يكون الحديث عن القاعدين الراغبين في المشاركة في الجهاد. وهي الرغبة الطيبة، والسامية، ولكن عدم الوجوب العيني يمنع من تحقيق هذا الهدف السامي.. فهم لهم أجرهم بما بيتوا من النية الطيبة وبما منعهم من المانع (وَكُلاً وَعَدَ اللّه الْحُسْنَى....).)
1) الكشاف، ج1، ص 554.
### الآية 96#### إشارة:دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا (96)#### النقاط المستفادة من الآية1. الأجر العظيم الوارد ذكره في الآية السابقة؛ فشر في هذه الآية أنه درجات مهمة من قبل اللّه تعالى، وهي المغفرة والرحمة..2. يمكن أن يفهم من التعبير ب-(دَرَجَاتٍ أنّ جميع المجاهدين ليسوا في حدٍ ومستوىً واحد، إذ تختلف درجاتهم وفقاً لاختلاف درجة الإخلاص والتضحية وتحمّل الأذى، ذلك لأنّ المسلّم به أن جميع المجاهدين الذين يواجهون الأعداء؛ لا يجاهدون بكيفية أو كمية واحدة، وليس لهم الإخلاص بدرجة واحدة، وعليه؛ يعطى كلّ واحد منهم أجره المناسب..)3. إذا كان بين المجاهدين أفراد زلت أنفسهم حين أدائهم لتكليفهم، أو أصابهم الندم على فعالهم، فإنّ اللّه تعالى وعده أيضاً بالمغفرة والرحمة.. وقد قالت خاتمة الآية: ﴿وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا.)
### الآية 97#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّه وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)#### شأن نزول الآيةقبل اندلاع معركة بدر أعلن كبار قريش النفير العام في مكّة ليشترك رجالها جميعاً الحرب ضد المسلمين.. وهدّدوا المخالفين بمصادرة أموالهم وتخريب بيوتهم.. وتبعاً لهذا التهديد، فقد انطلق مع کفار قریش عدّة ممن كانوا أسلموا في الظاهر؛ خوفاً على أموالهم وبيوتهم، وممن لم يهاجروا مع المسلمين.. حتّى أنّهم اصطفوا في صفوف المشركين في المعركة.. ثمّ إنّ منهم من قتل.. فنزلت الآية أعلاه وأعلنت عن مصيرهم المشؤوم... (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. تتمّة للبحوث الخاصّة بموضوع الجهاد جرت الإشارة في هذه الآية إلى المصير المشؤوم الذي نال وينال الجماعة المدّعية للاسلام ولكنّها لم تلتزم بأوامر الإسلام وتعاليمه فيما يتعلّق بالهجرة حتّى سقطت إلى وادٍ سحيق خطير وقتل أفرادها وهم يحاربون إلى جانب المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ.)
1) تفسير الطبري، ج 5، ص 150.
2. المهاجرة من مادة (هجر بمعنى الترك والانفصال، والمهاجرة في الأصل بمعنى القطع والفصل عن الطرف الآخر، وقد يكون ذلك بالبدن. (1))3- مسألة الهجرة إحدى أهم المسائل التي كانت مطروحة في صدر الإسلام، وكان لها الدور الأكبر في انتصار الحكومة الإسلاميّة، وهي ذات أهميّة مميّزة في جميع العصور؛ حيث تمنع المؤمنين عن الاستسلام لضغوط الأعداء والظروف، كما تعتبر عاملاً مهماً في نشر وانتشار الإسلام في مختلف بقاع العالم (2.)4 أقسام الهجرة:الف: الهجرة المكانية والظاهريّة :الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّه وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ. (3))حديث النبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ إذ قال : (إِنِّي مُهَاجِرْ إِلَى رَبِّي...) (4)ناظر إلى هذا الشكل من الهجرة، حيث الابتعاد عن الوطن والتوجّه إلى أرض الغربة لئلا يمنع إبراهيم(عَلَيهِ السَّلَامُ) عن التوحيد.. (5))ب: الهجرة الباطنيّة والمعنويّةالهجرة من الظلام إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الذنب والمعصية إلى الخشوع والطاعة.. جملة مصاديق لهذا الشكل من الهجرة، وهي النداء الأصيل والشامل للأنبياء وكتب
السماء. (1ولعلنا نقرأ في الأحاديث أنّ المهاجرين الذين تهاجر أجسامهم دون أرواحهم ليسوا مهاجرين حقّاً وصدقاً.)ج: قال مولانا أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ:)«يقول الرجل : هاجرت؛ ولم يهاجر، إنّما المهاجرون الذين يهجرون السيّئات ولم يأتوا بها». (2)كذلك قوله تعالى:(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرُ (3))آثار الهجرة في سبيل اللّه تعالى:الف: إحراز الحريّة والاطمئنان :(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّه يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً. (4))فطبقاً لهذه الآية الشريفة، نرى الإسلام يصرّح بضرورة الهجرة للإنسان المؤمن ليتسنّى له تحقيق مسؤولياته بعد أن عسرت عليه حياته في وطنه. (5)ب: غفران الذنوب:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّه أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّه وَاللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ (6).)وبناءً على قاعدة هذه الآية؛ فإنّ المجاهدين يأملون رحمة اللّه، ولا ريب في أنّ المراد هم
المؤمنون المهاجرون المجاهدون في سبيل اللّه، وهم بالدرجة الأسمى من الرجاء والتوكّل والرحمة الخاصّة..ج: الانعتاق من بيئة الشرك(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. (1))أجر المهاجرين:(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّه مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. (2))بالالتفات إلى الآية؛ نعي أن ثُمّ أجرين للمهاجرين:الأجر الأوّل: الأجر الدنيويّ، وهو خير من الأجر الدنيوي؛ لو علم الناس (المهاجرون ماذا أعدّ لهم اللّه من نعم في الآخرة..)أجر الموت عند الهجرة:(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّه يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّه وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا. (3) فالهجرة إلى اللّه تعالى وإلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كناية عن الهجرة إلى أرض الإسلام.. الأرض التي يتسنّى للإنسان أن يتعرّف على كتاب اللّه وسنة رسوله ثمّ يعمل بهما.. فإن أدرك الموت مثل هذا الإنسان في هذه الهجرة وهذا الخروج يكون أجره مضموناً على اللّه الغفور الرحيم..
وقد وعد اللّه تبارك وتعالى - في آية أخرى - المهاجرين الذين يقتلون في سبيل اللّه فيما
بعد أو من يموتون ميتة طبيعية بالرزق الحسن.. (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّه رِزْقًا حَسَنًا﴾. (1)
والرزق الحسن هو نعم الجنان، لأنّ ما بعد الموت ليس إلا الآخرة التي يرزق فيها المرء الرزق الحسن.
عواقب ترك الهجرة:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ... فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا).
فالمراد من (الظلم) هنا، وبملاحظة سياق الآيات، هو الظلم بالنفس، وهذا النّوع من الظلم يحصل لدى استدبار دين اللّه وترك العمل بالشعائر الإلهيّة، وهذا يحصل أيضاً في اختيار العيش في أرض الكفر والكافرين، إذ لا يسع المرء في خضم هذه العيشة أن يتعلّم من معالم دينه..
لا شكّ في أنّ استضعاف هذا النوع من الأفراد لا يمثل حالة مطلقة، وإنّما هو استضعاف حملوه على عواتقهم بداعي الاستخفاف وعدم وعي مستوى الخطر المحدق بهم، وكانوا يستطيعون التخلّص منه بالهجرة.
استعمال كلمة (تَوَفَّاهُمُ) في الآية الشريفة بدلاً من كلمة (الموت) هو إشارة إلى مسألة أنّ الموت لا يعني العدم والفناء وإنّما هو نوع استيفاء من جانب الملائكة لروح الإنسان، أي أنّهم يأخذون ويستوفون الروح التي هي أهم قسم في الوجود الإنساني ثمّ ينقلونه إلى عالم آخر.. ومثل هذا الاستعمال أو التعبير كثيراً ما يتكرّر في القرآن الكريم وهو من أجلى الإشارات القرآنيّة إلى مسألة واقعية هي وجود الروح وبقائها بعد موت الجسد، وهو ردٌّ قاطع على القائلين بأنّ القرآن لم يشر إلى مسألة الروح..
1) سورة الحج / 58.
بمطالعة موارد متعدّدة في القرآن المجيد (12) مورداً بخصوص الوفاة والموت.. يعلم أن استيفاء الروح لا يتم من قبل ملك معيّن وإنّما ثمّ ملائكة مكلّفون بهذا الأمر ومأمورون بنقل الروح الإنسانيّة من هذا العالم إلى عالم آخر، ومن شواهد هذا الأمر الآية أعلاه؛ حيث ورد استيفاء الروح من قبل جماعة من الملائكة.. كما نقرأ في الآية الحادية والستين من سورة الأنعام قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا... وإذا ما رأينا في مواضع قرآنيةّ أخرى أنّ مسألة استيفاء الروح تتم بواسطة ملك الموت؛ فهو من باب كونه من أعظم الملائكة، وكونه المأمور بقبض الأرواح، وهو نفسه المسمّى في الأحاديث ب-(عزرائيل) وعليه؛ يتضح الردّ والجواب على من يتساءل عن كيفية قدرة الملك الواحد على قبض أرواح الكثير من أفراد الناس في لحظة واحدة؛ مثلاً.. وفضلاً عما تقدم، وعلى افتراض عدم وجود ملائكة متعدّدين في قبض الأرواح، فإنّ تجرّد عزرائيل الوجودي يوجب أن تكون دائرة عمله دائرة استثنائية في السعة والقدرة ذلك لأنّ وجوده المجرّد عن المادّة يجعل إحاطته واسعة للغاية بالنسبة إلى عالم..المادّة كما روي عن مولانا الإمام الصادق الا بخصوص ملك الموت إذ نقل سؤال النبيّ الأكرم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملك الموت وطبيعة إحاطته بعالم الدنيا، فقال (عزرائيل): «ما الدنيا كلّها عندي فيما سخّرها اللّه ومكنني عليها إلا كدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء». (1))9- واضح أنّ بعض الآيات القرآنيّة التي تنسب قبض الروح إلى اللّه تعالى؛ مثل: ﴿اللّه يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا (2)لا تتنافى مع الآيات السالفة، ذلك لأنّ الاستيفاء بوسائط؛ فينسب الفعل تارة إلى الوسائط، وتارة إلى مسبّب الأسباب والوسائط، والحالتان صحيحتان..
قد ورد في القرآن المجيد ذكر الكثير من وقائع الدنيا إلى الملائكة؛ فهم عمال اللّه وجنوده في عالم الوجود، ومعلوم أن للملك معنى واسعاً، بدءاً من الموجودات المجرّدة العاقلة
إلى الطاقات والقوى الطبيعيّة ؛ المعروفة منها وغير المعروفة..
### الآية 98#### إشارة:إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)#### النقاط المستفادة من الآية1. جرى الاستثناء في هذه الآية الشريفة للمستضعفين والعجزة الحقيقيين (دون المستضعفين المزيّفين حيث وصفتهم بالرجال والنساء والأطفال الذين لا يجدون حيلة ولا طريقاً إلى الخلاص من المحيط الملوّث؛ لأنهم معذورون حقاً، واللّه تعالى لا يكلّف نفساً إلَّا وسعها (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ... وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً))2. من هو المستضعف ؟بالتحقيق في الآيات القرآنيّة الكريمة والروايات الشريفة يعلم أنّ أفراداً ضعفاء جداً من الناحية الفكريّة أو البدنية أو الاقتصاديّة إلى الحد الذي يعجزون فيه عن التمييز بين الحقّ والباطل، مضافاً إلى عجزهم عن تحديد وظائفهم ومسؤولياتهم أو العمل بها تبعاً لعجزهم الجسمي أو المالي أو لكونهم رازحين في بيئة ضاغطة.. وبالتالي هم عاجزون عن الهجرة لكونهم مشمولين بعنوان الاستضعاف..3. إشارة إلى روايتين في تعريف المستضعف:* عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه». (1))* وعن الإمام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّه سئل عمّن هم المستضعفون، فقال: «الضعيف)
1) نهج البلاغة، ص 280.
من لم ترفع له حجّة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف؛ فليس بضعيف». (1)استنتاج:معلوم أنّ المستضعف في الروايتين أعلاه ؛ هو المستضعف الفكري، ولكن ما ورد في الآية محطّ التفسير والآية (75 من هذه السورة يكون المراد من المستضعف هو المستضعف العملي، أي: من يشخّص الحق، ولكنّ البيئة المضطربة لا تسمح له بالعمل وفق معرفته وتشخيصه..)
1) الكافي، ج 2، ص 406.
### الآية 99#### إشارة:فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّه أَن يَعْفُو عَنهُمْ وَكَانَ اللّه عَفُوّاً غَفُورًا (99)#### النقاط المستفادة من الآية1. سؤال: إذا كان هؤلاء الأفراد معذورين حقاً، فلم لم تقل الآية بعذرهم على سبيل العفو، واستعملت كلمة (عَسَى ؟)كما أوردنا في شرح الآية (84 من سورة النساء المباركة، فإنّ المراد من استعمال هكذا عبائريتضمن الإشارة إلى أنّ الحكم المذكور مشروط بشروط ينبغي إحرازها، بمعنى أنّ هكذا أفراد مشمولون بالعفو الإلهي فيما لو لم يقصروا في شيء من مقدّمات هذه المهمة – الهجرة - وفيما إذا كانوا على أهبة الاستعداد لدى توفّر أدنى وأبسط فرصة للّهجرة..)2. العفو لغةً بمعنى: (صرف النظر وهو صفة أخلاقيّة فذة، وطبقاً لقول أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّ «العفوتاج المكارم» (1)ناهيك عن أن كلّ سورة قرآنية تبدأ بقوله تعالى: ﴿بسم اللّه الرحمن الرحيم) كما أن كتاب البارئ سبحانه وتعالى كثيراً ما يستعمل الكلمات المترادفة مع العفو والصفح، مثل الغفور والحليم والرحمن والرحيم والكريم والتواب، وهي صفات سامية للذات الإلهيّة المقدّسة.)3. استعمال كلمة (غَفُورًا بعد كلمة (عَفُوّاً) تأكيد على شمول الرحمة الإلهيّة هؤلاء الأفراد المستضعفين..)
1) غرر الحكم، ص 36.
### الآية 100#### إشارة:وَمَن يُهَاجِرٌ فِي سَبِيلِ اللّه يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّه وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا (100)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية الشريفة وبتشجيعها المسلمين على الهجرة؛ تشير إلى أمرين بهذا الصدد:أوّلاً: إلى آثار وبركات الهجرة في حياة الإنسان في هذا العالم.. إذ ثُمّ تأكيد على أنّ من يهاجر إلى اللّه وفي سبيل اللّه يجد مناطق واسعة وآمنة يمكنه تطبيق الحقّ فيها ويرغم أنوف أعداء الدين عليها (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّه يَجِدُ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.)ثانياً: مع الإشارة إلى الناحية المعنويّة والأخروية تقول الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّه وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا.)2. المراغم من مادة رغام على وزن (كلام بمعنى التراب والإرغام بمعنى الإذلال وسحق الأنف بالتراب، والمراغم أيضاً صيغة اسم مفعول واسم مكان.. وقد وردت الكلمة هذه في القرآن بمعنى اسم المكان أي: هناك أماكن يمكن تطبيق الحقّ فيها.. ومن يخالف الحقّ عناداً وتكبّراً يدان ويرغم أنفه في التراب.)3. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّه يبين إنّ المهاجرين؛ سواء حقّقوا مقصدهم من الهجرة ونالوا حرّيّتهم في أداء مسؤوليّاتهم، أم عجزوا عن ذلك حتّى فقدوا حياتهم في طريق الهجرة؛ فإنّهم في حقيقة الأمر قد أحرزوا نجاحاً فذاً، ذلك لأن أجرهم قد حقَّ ووقع على اللّه تعالى.. وهذا العمري منتهى العظمة في روعة أجر المهاجرين..)
4. طبقاً لهذه الآية وآيات قرآنية كثيرة، فإنّ الإسلام يصرّح أمراً بأنّ الحياة المعنويّة والأهداف المقدّسة التي هي أسمى من حياة الإنسان الماديّة.. إذا ما تعرّضت للخطر، فإنّه لا يمكن الاعتذار والتحجج بأنّ مسقط الرأس – الوطن - جدير بأن يتحمل في سبيله أنواع وأشكال الذلّ والاحتقار والحرمان وسلب الحرّيّة والتفريط بالأهداف المقدّسة السامية... فإن حصل العجز عن أداء المسؤولية في بيئة ما؛ لزمت الهجرة والانتقال إلى بيئة وموضع تتوفّر فيه عوامل النمو والتطوّر المادي والمعنوي.. وذلك لأنّ الإسلام لا يتأظر بإطار معين وبيئة محدودة.. وإن التعلق الشديد بالبيئة التي ولد فيها الإنسان - مع ما تحمل من ضغط روحي وذكريات وسائر العلائق الأخرى - لا يمكن أن تكون مانعاً دون هجرة المسلمين.. ولهذا؛ رأينا أنّ العلائق قد جميع قطعت - في صدر الإسلام - حفظاً للدين وضماناً لنشره.. علماً أنّ الهجرة ليست فعلاً قد أتس له في زمن ومبدأ الإسلام وإنّما التأريخ البشري طالما تحدّث عن وقوع هجرات بشرية عتيدة قد وقعت في مراحل تاريخية كثيرة؛ تبعاً للتغيرات الجغرافية والبيئية والاقتصاديّة الكثيرة؛ حيث كان الناس يضطرون إلى ترك مساقط رؤوسهم والتأسيس لحياة جديدة في بقاع أخرى.5. أنّ الهجرة فعل غير مختص ببني البشر، بل إنّ جميع الموجودات الحيّة تجد في الهجرة خلاصاً وملاذاً لدى شعورها بأنّ ثَمّ ما يهدد استمرارها في الحياة، ولهذا؛ هناك من بين الكائنات الحيّة أنواع كثيرة معروفه بكونها مهاجرة، مثل الطيور التي تنتقل من موضع إلى آخر لإدامة حياتها، بل إنّ بعضاً منها تقطع المسافة ما بين القطبين الشمالي والجنوبي.. كما أنّ من الطيور من تقطع مسافة تقدر ب-(18 الف كيلومتر طيراناً... وهذا ما يشير إلى أن الهجرة أحد القوانين الأبدية في المعيشة والحياة..)6. لأنّ لكلّ ملّة مبدأ تاريخياً معيناً، كما النصارى الذين يبدؤون تاريخهم بولادة النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ.. وحيث أنّ في الإسلام حوادث تاريخية مهمة عديدة، مثل ولادة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والبعثة النبوية الشريفة وفتح مكّة وشهادة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ولكن لأن حادثة الهجرة)
من مكّة إلى المدينة كانت من أهم الوقائع التاريخيّة في الإسلام، وبمثابة صفحة جديدة في تاريخه؛ فقد اتخذها المسلمون - بعد انتشار الإسلام - وفي زمن الحاكم الثاني، وبعد جدل عريض طويل، رجح قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ باتخاذ تاريخ الهجرة مبدأ للتاريخ والتقويم الإسلامي. (1))7. لاريب في أنّ هجرة الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كانت القاعدة لجميع الوقائع السياسيّة والإعلاميّة والاجتماعيّة في الإسلام، لأنّ المسلمين ما داموا يطوون في مكّة مرحلة تربوية، كانوا. كما في الظاهر. ضعفاء من الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة، ولكنهم بعد الهجرة تأسست دولتهم الإسلاميّة مباشرة.. فحققوا خطوات عريضة من التقدّم.. ولو أنّ المسلمين لم يطيعوا الأمر النبوي في الهجرة لاحتمل تعرّضهم للفناء؛ ناهيك عن عدم تحقيقهم الانتشار اللّازم.)8. واضح أن الهجرة لم تمثل حكماً خاصاً بالعصر النبوي، بل هي تسري في كلّ حقبة تتحقق فيها الشروط والأرضية اللازمة.. فيكلّف المسلمون - إذ ذاك - بالهجرة عن أوطانهم؛ حفظاً لدينهم، ولطالما عد القرآن الكريم الهجرة أساساً لتحقيق الحرية والاستقرار؛ كما ورد ذلك بصريح هذه الآية المباركة وفي الآية (41 من سورة النحل أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّه مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً).)9. إنّ الهجرة - بنظر الإسلام - ليست الهجرة المكانيّة فحسب وإنّما الهجرة يجب أن تبدأ من الباطن والذات أولاً، وهي هجرة وابتعاد عن أشياء تتنافى وأصالة الإنسان وكرامته؛ ليتحقق الاستعداد للّهجرة المكانيّة.. فإن كان ثَمّ حاجة إلى الهجرة المكانيّة.. عُمد إليها تحت مظلة الهجرة الذاتية وضمن المهاجرين إلى اللّه تعالى..10. إنّ روح الهجرة – أساساً - هي الهروب من الظلمة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن
1) إقبال الأعمال، ج 2، ص 542.
العصيان والتمرّد إلى الطاعة والخشوع.. ولذا؛ ترانا نقرأ في الروايات أن من لم يهجر بروحه ليس بمهاجر وإن هاجر ببدنه وعلى عكسه الذي لم يكن بحاجة إلى الهجرة المكانية، ولكنّه هاجر بروحه وذاته، فذلك الذي يعد من زمرة المهاجرين..11. روايات في الهجرة:الف: قول الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ:)«مَن فرّ بدينه من أرض إلى أرض - وإن كان شبراً من الأرض - استوجب الجنّة، وكان رفيق محمد وإبراهيم (عَلَيهَا السَّلَامُ». (1))وذلك لأنّ هذين النبيين العظيمين هما قدوة المهاجرين عبر التاريخ.ب: قول أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ:)«..ويقول الرجل: هاجرت، ولم يهاجر، إنّما المهاجرون الذين يهجرون السيّئات ولم يأتوا بها» (2.)
### الآية 101#### إشارة:وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِينًا (101)#### النقاط المستفادة من الآية1. في هذه الآية جرى التعبير عن السفر بالضرب في الارض، ذلك أنّ المسافر حين السفر يضرب الأرض بقدمه ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ.)2. سؤال: في هذه الآية طرحت مسألة صلاة القصر واشترطت بالخوف من خطر العدو، والحال أنّ عديد الروايات الواردة من طرق الشيعة والمخالفين واستدلالات الفقهاء في بحوثهم؛ طرحت صلاة القصر كحكم عام؛ ولم يرد فيها التفاوت بين السفر المخوف والسفر الآمن؟للإجابة ينبغي القول: يمكن تقييد حكم القصر في الصلاة بمسألة الخوف من عدّة جهات :الف: أنّ هذا القيد ناظر إلى وضع المسلمين وحالتهم في صدر الإسلام، واعتباره حسب الاصطلاح قيداً غالباً، أي أنّ السفر آنذاك كان مقروناً بالخوف في تلك الحقبة، وكما قيل في علم الأصول فإنّ القيود الغالبة لا مفهوم لها كما نقرأ في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم حيث نواجه هذه المسألة أيضاً، لأنّ بنات الزوجة جزء من المحارم على الإطلاق، سواء ترعرعن عند إنسان كبير أم لا، ولكن حيث تكون النساء المطلقات ثم يتزوجن شابات ولهنّ أولاد صغار ويترعرون تحت مظلّة الزوج الثاني؛ فقد ذكر القيد (فِي حُجُورِكُم) في النص)
القرآني أعلاه.ب: ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ صلاة القصر قد شرعت في البداية حين الخوف (طبقاً للآية أعلاه ثمّ إنّ الحكم توسّع وعمّ جميع موارد السفر.)ج: يمكن أن يكون قيد الخوف له حيثية تأكيد، بمعنى أن صلاة القصر لازمة للمسافر في كلّ مكان.وبالنتيجة؛ لا شكّ في أنّه مع ملاحظة تفسير الآية في كثير من الروايات، لا تختص صلاة المسافر بحالة الخوف، وبهذا الدليل؛ كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يصلي قصراً في أسفاره؛ بما في ذلك سفره إلى الحج وأداء مناسكه (في منطقة منى) (1).)3. سؤال: كلمة (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ لا يشم منها الوجوب ؛ إذ لم تقل الآية: عليكم أن تقصروا صلواتكم.. فكيف إذن؛ صلح أن يقال بأنّ صلاة القصر واجب عيني وليس واجباً تخييريّاً؟)نقول لدى الإجابة: قد سئل الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ السؤال ذاته، فأشاروا إلى موضوعين في إجابتهم:)الموضوع الأول: التعبير بكلمة (لا جُنَاحَ استعمل في القرآن المجيد في بعض الموارد بمعنى وجوب الفعل مثل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (2)والحال أننا نعلم بأن السعي بين الصفا والمروة واجب في الحج وكذلك في العمرة، وقد كان الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمسلمون يأتون به، وبهذا المضمون وردت الرواية عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ). (3)وبعبارة أخرى ؟ إنّ التعبير بكلمة (لا جُنَاحَ) في هذه الآية وفي آية الحج تمّ لنفي توهّم التحريم، ذلك لأنّ الأصنام في صدر الإسلام كانت منصوبة على)
جبل الصفا والمروة، وقد ظنّ المسلمون أن السعي بين الصفا والمروة من تقاليد عبّاد الأصنام، والحال أنّ الأمر لم يكن كذلك.. ولهذا؛ فقد ورد التعبير بأن لا جناح؛ أي: لا مانع من أن تسعوا بين الصفا والمروة لدحض التوهّم، وكذلك في مورد المسافر.. قد يحصل التوهم من قبل البعض بأنّ قصر الصلاة في السفر نوع خطيئة، وهكذا جرى التعبير القرآني بكلمة (لا جُنَاحَ لنفي التوهم..)الموضوع الثاني: وردت الإشارة في بعض الروايات إلى أنّ قصر الصلاة في السفر نوع تخفيف إلهي، والأدب يوجب أن لا يردّ الإنسان ما أنعم عليه من التخفيف وأن لا يتخذ منه موقف المتجاهل، وقد روي من طرق المخالفين عن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال في صلاة القصر: «صدقة تصدق اللّه بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته» (1)ومثل هذا النص ورد في مصادر الشيعة حيث روى مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن الإفطار في السفر وصلاة القصر من هدايا اللّه، فمن لم يفطر في السفر ويقصر في الصلاة فقد ردّ هدية اللّه.... (2).)4. يمكن أن يتصوّر البعض أن هذه الآية وبدليل كلمة (إنْ خِفْتُمْ تبين حكم صلاة الخوف (الصلاة في ساحة الحرب وأمثالها) في حين أن الجملة (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) مفهوماً عاماً يشمل جميع أشكال السفر العادية أو ما كان منها للجهاد والحرب.. واستعمال كلمة (إِنْ خِفْتُمْ) في هذه الآية - كما تبين - نوع قيد غالب، لأنّ الخوف في السفر كان هو الحالة الغالبة في أسفار المسلمين آنذاك، ولهذا؛ فإنّ هذه الآية لا دلالة فيها على صلاة الخوف.. لأن :)أوّلاً: الخوف من هجمات العدوّ دائم في سوح القتال، ولا معنى أن يقال هناك (إن خِفْتُمْ أن يهجم عليكم العدوّ فاقصروا صلواتكم.)
ثانياً: أن حكم صلاة الخوف قد ورد مستقلاً في الآية التالية.ثالثاً: أن شروط وخصوصيات صلاة المسافر كما هي شروط وخصوصيات جميع أحكام الإسلام لم ترد مفصلة في القرآن الكريم، وإنّما الذي تكفّل بالإشارة إلى ذلك هي السنة، مثل إتمام الصلاة في السفر الذي يقل عن ثمانية فراسخ، لاسيّما أن السفر في تلك الفترة ولمسافة ثمانية فراسخ كان يستغرق يوماً كاملاً.. أو استثناء كثيري السفر ممن يعد السفر جزءاً أصيلاً من حياتهم حيث يكون السفر بالنسبة إليهم أمراً طبيعياً وليس استثنائياً.. أو الذين يسافرون سفر المعصية؛ حيث لا يشملون بهذا القانون؛ ذلك لأنّ هذا الحكم نوع تخفيف إلهي، والذين يطوون المسافات للمعصية ليسوا أهلاً لهذا التخفيف.. وكذلك المسافر الذي لا يبلغ حدّ الترخّص (الموقع الذي لا يسمع فيه صوت أذان المدينة أو لا ترى فيه جدرانها لا يشمل بصلاة القصر، لأنه لم يخرج عن حدود المدينة ولا يصدق عليه عنوان المسافر بعد.. وكذلك الأحكام الأخرى الواردة في الكتب الفقهيّة والأحايث المرتبطة التي ذكرها المحدّثون في كتبهم..)
### الآية 102#### إشارة:وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلَتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّه أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينا (102)#### شأن نزول الآيةحينما انطلق الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع جماعة من المسلمين باتجاه مكّة المكرّمة، ووصلوا إلى منطقة الحديبيّة.. فبلغ الخبر قريشاً، فجهزت خالداً بن الوليد بمعية مئتي مقاتل لمنع النبي وأصحابه من الاقتراب من مكّة، فاستقر خالد ومقاتلوه عند جبال مكة.. وفي الزوال؛ أذن بلال وأقام النبي والمسلمون صلاة الظهر.. وأثناء ذلك ارتأى خالد وقواته الذين شاهدوا صلاة النبي والمسلمين أن يباغتوهم ويقضوا عليهم حين أدائهم صلاة العصر، لعلمهم بحرص النبي والمسلمين على أدائها.. وأثناء ذلك نزلت الآية أعلاه وأمرت بأداء المسلمين صلاة)
الخوف لردع المشركين عن أن يهاجموهم.. (1وهذه المسألة بحد ذاتها من جملة الإعجاز القرآني الذي عطّل مؤامرة العد و.. حتّى قيل إن خالداً أظهر إسلامه حين شاهد هذه الواقعة !!! (2))#### النقاط المستفادة من الآية1. تتمّة للآيات المتعلّقة بالجهاد؛ تعلّم هذه الآية المسلمين كيفية صلاة الخوف أثناء الحرب.. والآية الشريفة تخاطب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قائلة : حينما تكون في صفوف المسلمين وقمت للصلاة فيهم، فينبغي أن ينقسم المسلمون إلى قسمين قسم يصلون معك حاملي أسلحتهم، فإذا سجدوا (وانتهت ركعتهم الأولى، فعليك أن تقف في مكانك ليتمّوا ركعتهم الثانية بسرعة ثمّ يعودوا إلى ساحة الحرب ليجابهوا العدوّ) ثمّ يتوجّه القسم الثاني منهم، ليحلّوا محلّ القسم الأوّل ويصلّوا خلفك، مضافاً إلى أنّ القسم الثاني عليهم أن لا يتركوا أسلحتهم أو يضعوها أرضاً (وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) 2. لم تتضمّن هذه الآية مزيداً من التفصيل في كيفية صلاة الخوف؛ وهذا هو أسلوب القرآن في تطرّقه إلى الكليات وإيكال أمر التفاصيل إلى السنة النبوية الشريفة.
المجاهدين أن يضعوا أسلحتهم إذا تأذوا من مطر أو مرض، ولكن من الضروري أن لا يغفلوا عن وسائل دفاعهم (مثل الدرع وغيره وإن كانوا يعانون مرضاً لردع أو صد هجوم الأعداء ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ.)5. واضح أنّ المراد من وجود الرسول الأعظم (عَلَيهِ السَّلَامُ بين صفوف المسلمين لأداء صلاة الخوف ليس محصوراً في وجود شخصه صلوات اللّه عليه وآله وإنّما هو إشارة إلى وجود الإمام في إقامة الصلاة جماعةً، ولذا؛ فقد أقام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلاة الخوف. (1)كما فعل ذلك جملة من قادة الجيوش المسلمة مثل حذيفة بن اليمان.. (2))6. يمكن أن يكون سبب حصول التفاوت في لحن الآية الشريفة تجاه القسمين، حيث أمرت القسم الأول بحمل أسلحتهم أثناء صلاة الخوف، وأمرت القسم الثاني بعدم الغفلة عن وسائل دفاعهم (مثل الدروع... هو أنّ إقامة القسم الأوّل صلاة الخوف يصاحبه عدم معرفة العدوّ وإطلاعه على واقع المسلمين ولذا كان احتمال هجوم العدوّ ضعيفاً، ولكن فيما يخص القسم الثاني؛ فإنّ احتمال الهجوم أكبر لالتفات العد و إلى إقامة المسلمين صلاة الخوف..)7. المراد من حفظ الأمتعة أنّه فضلاً عن حفظ النفس، وجوب حفظ وسائل الدفاع الأخرى ووسائل السفر والطعام والدواب والأنعام ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ.)8. نعلم أنّ صلاة الجماعة في الإسلام غير واجبة ولكنّها مستحبّة مؤكّدة، والآية أعلاه إحدى الدلائل الحيّة على هذه المنهجيّة الإسلاميّة حتّى في ساحة الحرب وأثناء القتال حيث يستفاد ذلك من تشريع صلاة الخوف، وهذا الأمر يشير إلى الأهميّة القصوى لأصل وأهميّة الجماعة، كما أنّ لها التأثير النفسي البالغ في معنويات المجاهدين من حيث
التنظيم والتنسيق لتحقيق الهدف، كما لها وقع كبير على نفوس الأعداء حيث يشاهدون اهتمام المسلمين بأداء تكاليفهم ومسؤولياتهم حتّى في سوح القتال.9. كيفية أداء صلاة الخوف تعلم من السنة النبوية الشريفة حيث تبدّل الصلوات ذات الركعات الأربع إلى ركعتين.. فيصلّي القسم الأوّل ركعة مع الإمام، ثمّ يتوقف الإمام بعد الانتهاء من الركعة الأولى؛ ويصلّي هذا القسم صلاته لوحده ويعود إلى ساحة القتال.. ثمّ يحلّ القسم الثاني محل القسم الأول ويصلّي مع الإمام ركعة ثم يتمّ هذا القسم ركعته الثانية فرادى (وهناك آراء أخرى في كيفية صلاة الخوف.. ولكن ما ذكرناه هو الأشهر بين الآراء. (1))
1) راجع: كنز العرفان، ج 1، ص 188 إلى 191.
### الآية 103#### إشارة:فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُوا اللّه قِيَاما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاَبًا مَّوْقُوتًا (103#### النقاط المستفادة من الآية1. بعد الأمر بأداء صلاة الخوف الوارد في الآية السالفة ولزوم إقامة الصلاة حتّى في حالالحرب.. أمرت هذه الآية بعدم الغفلة عن ذكر اللّه تعالى في جميع الغفلة عن ذكر اللّه تعالى في جميع الحالات؛ قياماً وقعوداً وعلى الجنوب؛ طلباً للمدد والعون منه سبحانه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللّه قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ.)2. يمكن أن يكون المراد من ذكر اللّه في الحالات البدنية المشار إليها؛ حالات وهي الاستراحة والفواصل التي تلي القتال، كما أنّ من الممكن أن يشاربها إلى مختلف حالات الحرب التي يتقلّب بينها الفرد المقاتل والفترات التي ينتقل فيها أو جلسته واستلقائه ضمن أساليب القتال كرمي السهام واتخاذ الكمين للأعداء.3 هذه الآية في الحقيقة إشارة إلى أمر ديني مهم، وهو ضرورة انضباط الفرد المؤمن، إذ أن أداء الصلاة أمر تنظيمي انضباطي تحيى به روح التوجه إلى اللّه تعالى، فيذكر عند فواصل الصلاة سواء في ميادين الحرب أو غيرها..4. العلة في أنّ الكثير من الروايات وبالاستناد إلى هذه الآية قد فسرت كيفيّة الصلاة بأنها عائدة إلى المرضى الذين لهم أن يصلوا من قيام فإن لم يستطيعوا صلوا من جلوس وإن لم
يستطيعوا؛ فعلى جنوبهم (1هي أنّ هذا التفسير نوع تعميم وتوسعة في معنى الآية، رغم أن هذه الآية غير مخصوصة بهذا المورد.)5. لا شك أن حكم صلاة الخوف حكم استثنائي، فإذا زال الخوف وجبت الصلاة بصورتها الاعتيادية (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.)6. الصلاة وظيفة ثابتة في ذمّة المؤمنين ويجب أداؤها في كلّ حال ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (2))7. كلمة (مَّوْقُوتًا مأخوذة من مادة الوقت، وهي تبيّن حرمة عدم أدائها حتّى في ميادين الحرب في أوقاتها المعيّنة، رغم أنّ عديد الروايات قد فسرت توقيت الصلاة بمعنى كونها واجباً ثابتاً، (3)وهو التفسير الذي يتناسب. طبعاً مع مفهوم الآية ويتحد مع معناها الأوّلي..)8. سؤال : يقول البعض بأنهم لا ينكرون فلسفة الصلاة وأهميّتها وآثارها التربويّة، ولكن ما معنى أن تؤدى في أوقات محدّدة؟ ألم يكن من الأفضل أن يترك الناس أحراراً ليؤدّوها حتّى ما شعروا في أنفسهم الاستعداد الروحي؟!الجوابتؤكّد التجربة أنّ المسائل التربويّة لا تؤتي أكلها ما لم تخضع للانضباط والشروط الخاصّة المحدّدة، كما أنها قد تذهب في غياهب النسيان وتتزلزل أركانها بشكل عام.. ومثل هذه المسائل لابدّ لها من أن تخضع لتوقيتات معينة وضوابط وانضباط دقيقين، لتحاشي قبول أي
1) وسائل الشيعة، ج 5، ص 487 و 488.
2) وهناك من الروايات ما فسّرت (الصلاة) بصورة أعمق من هذه الصلاة التي يؤدّيها الفرد المسلم في أوقات محدّدة.. إذ قالو المعصومون (عَلَيهِم السَّلَامُ) بأن المراد من الصلاة هنا هي ولاية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التي تنطوي جميع المعتقدات والأعمال الصالحة؛ بل وكلّ الدين تحت عنوانها و مفهومها وآثارها نظراً لأنّها المعيار الأول والأخير فى طبيعة علاقة الإنسان بربّه المتعال، ولأنّ قبول ما يصدر عنه رهين بها. [المترجم].
3) تفسير العيّاشي، ج1، ص 273.
عذر وتبرير في تركها؛ لاسيّما وأنّ أداء هذه العبادة قد ورد فيه الحالة الجمعية ذات العظمة والهيبة والتأثير في النفوس بما هو غير قابل للإنكار.. بل إنّ الصلاة جماعة تمثّل مدرسة مهيبةً في صناعة الإنسان...
### الآية 104#### إشارة:وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّه مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (104)#### شأن نزول الآيةنقل عن ابن عباس وبعض المفسّرين أنّه وبعد الحوادث الأليمة التي رافقت معركة أحد وقف النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عند جبل أحد وكان أبوسفيان في أسفله إذ راح يصرخ صراخ الفاتح قائلاً:يوم لنا ويوم لكم. فقال النبي الأعظم اللّه للمسلمين: أجيبوه من فوركم (وكأنّه يريد أن يثبت له صمود من معه ممن لم يفرّوا) فقال بعضهم لأبي سفيان: لسنا وأنتم سواء، وإنّما شهداؤنا في الجنّة وقتلاكم في النار.. فصرخ أبوسفيان متفاخراً بكفره: لنا العزّى ولا عزّى لكم.. فأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصحابه أن يردوا عليه ويقولوا: «اللّه مولانا ولا مولى لكم»... ولما رأى أبوسفيان نفسه عاجزاً عن مواجهة هذا الشعار المحمدي العظيم، تخلّى عن العزّى وتعلّق بهبل، فصرخ قائلاً لجنده: أعلُ هبل! فأمر النبيّ الأكرم بأن يردّوا هذا الشعار الجاهلي بشعار أقوى وأوعى وينادوا بالقول: «اللّه أعلى وأجلّ» ولمّا لم يجن أبوسفيان من شعاراته الجاهليّة نفعاً قال صارخاً: موعدنا بدر الصغرى... ثمّ إنّ المسلمين غادروا ساحة الحرب وهم يتحاملون على جراحاتهم وقد تألّموا لحوادث المعركة... وهنالك نزلت هذه الآية وحذّرتهم من التقاعس عن ملاحقة الأعداء وأن لا يغتمّوا لحوادث المعركة وما أصيبوا.. فانطلق المسلمون إلى ملاحقة المشركين أعدائهم.. وحينما بلغ المشركين خبر ملاحقة المسلمين لهم بادروا إلى)
الهروب والابتعاد عن المدينة ويمّموا شطر مكّة... (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. شأن النزول هذا يعلمنا أنّ على المسلمين أن لا يغفلوا عن أساليب وتحرّكات العدوّ العسكريّة وأن يعدّوا لمقابلة ومواجهة خططه وأساليبه النفسية أو الماديّة. خططاً وأساليب أقوى و أشمل، وأن يواجهوا منطق العدوّ بمنطق أمضى وأقوى، وأن يستخدموا الأسلحة الأعتى من أسلحة الأعداء، بل وأن تكون شعاراتهم أكثر وقعاً وقرعاً من شعارات أعدائهم.. و إلّا كانت الحوادث في مصلحة من يواجههم من المناوئين لهم.. وعلى هذا؛ فإنّ حقبةً مثل حقبتنا تفرض على المسلمين الصادقين أن لا يعمدوا إلى التأسف على مزعجات الحوادث و مؤلمات الوقائع التي تحيط به من كلّ جانب دون العمل الجاد في مواجهتها بالوعي واليقظة.. فعليهم. لمواجهة إعلام الأعداء الفاسد وكتبهم الضالة. أن يتسخدموا إعلاماً عبقرياً وكتب هداية وأن يستعملوا في ذلك أرقى وسائل الإعلام وأساليبه.. وفي مواجهة مؤسسات الفساد لابدّ من تشييد والمؤسسات النزيهة وتسخيرها لتوعية الجيل المسلم الشاب.. ولدى مواجهة الخطط والمشاريع الهدّامة للروح المسلمة، على المسلمين الحريصين على مستقبل دينهم وأجيالهم أن يؤسسوا أصناف المدارس التوعويّة الرصينة الجامعة وعلى كافة الأصعدة والمستويات.. حفاظاً على موجوديتهم ثمّ الانطلاق بها إلى رحاب العالم.2. في هذه الآية ورد الأمر بعدم اتخاذ الموقف الدفاعي تجاه الأعداء المستميتين وضرورة التحلّي بروح الهجوم والمباغتة، إذ من وجهة النظر النفسية يكون لهذا التحلّي أثر عظيم و استثنائي في تحطيم معنويات الأعداء، كما استخدم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ هذا الأسلوب الفذ بعد معركة أحد وما لحق بالمسلمين من هزيمة حيث اضطرّ الأعداء إلى الفرار والعودة إلى)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 160.
مساكنهم ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ ليفوّتوا على أعدائهم فرصة الانتصار المزعوم أو تقوية معنويّاتهم. 3. بالاستدلال الحيّ والواضح، أكّدت هذه الآية للمسلمين ضرورة المحافظة على معنوياتهم وروحهم الهجومية، فصوّرت الآية لهم واقع الأعداء الذين تعرضوا للأذى كما تعرّضوا هم، مع الفارق بأنّ المسلم يرجو ويأمل من اللّه ما لا يرجو الكافر ويأمل.. (إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّه مَا لَا يَرْجُونَ).
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّه وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)
رويت في شأن نزول الآيات أعلاه رواية مفصلة، خلاصتها أن عشيرة بني أبيرق كانت معروفة نوعاً ما، وكان فيها ثلاثة أخوة يدعون بشر وبشير ومبشر، فسرق بشير بيت أحد المسلمين ويدعى رفاعة، وكان ممّا سرق سيف ودرع ومقدار من الطعام وكان للمسروق ابن أخ يدعى قتادة، وهو من مجاهدي معركة بدر، فروى ذلك للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ثمّ إنّ الإخوة الثلاثة اتهموا أحد المسلمين ويدعى لبيد وكان يعيش معهم في بيتهم بالسرقة.. فانزعج لبيد لهذا الاتهام، فجرّد سيفه وجاء هم مغضباً وهو يقول: أتتهموني بالسرقة ؟ وأنتم أحق بالسرقة مني.. وإنّما أنتم من المنافقين الذين هجوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونسبتم أشعا رهجوكم إلى قريش.. فإما أن تثبتوا دعواكم باتهمامي أو أضربكم بسيفي هذا.. فراح الإخوة الثلاثة يحاولون مداراته.. وحيث أنهم سمعوا بأنّ الخبر قد اطلع عليه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبر قتادة.. وشاهدوا أحد خطباء عشيرتهم مع جماعة عند الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهم يحاولون تبرئة السارقين الحقيقيين وقد اتهموا قتادة بالسرقة، فما كان من النبي إلا أن عمل بالظاهر وقبل شهادة تلك الجماعة ووجه اللّوم إلى قتادة.
أمّا قتادة؛ فقد انزعج أيما انزعاج لهذه التهمة، وعاد إلى عمّه وأخبره الخبر بأسف بالغ، فواساه عمّه وقال: لا تقلق واللّه حسبنا.. فنزلت الآيات أعلاه وبرّأت قتادة المظلوم وتوجهت باللّوم والتقريع للخائنين الحقيقيّين.. (1)
1) نفس المصدر، ص 160 و 161.
كما روي شأن نزول آخر لهذه الآية، حيث قيل إنّها نزلت في رجل سرق درعا.. وحينما شعر السارق بالخطر رمى الدرع في بيت يهودي من يهود المدينة وطلب من قوم من المسلمين أن يشهدوا عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنزاهته، وأن يستدلّوا على براءته بوجود الدرع في بيت اليهودي.. ولما رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأمر كما يقول، مال إلى قول المسلمين، فنزلت الآية وأظهرت الحقيقة. (1)
في البدء ذكر اللّه تعالى رسوله بأنّ الهدف من إنزال الكتاب السماوي هو تفعيل أصول الحقّ والعدل بين الناس، وحذّر سبحانه من أن يكون القائد ظهيراً لخائن من الخائنين.. (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّه....).
هذه الآية الشريفة توصي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجميع القادة والقضاة أن يلتزموا جانب الحيطة والحذر المطلق، لئلّا ينجح الخائنون والمحتالون وشهود الزور في مصادرة حقوق الآخرين.
رغم أن ظاهر الخطاب موجه إلى النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولكن ليس من شكّ في أنّ هذا الحكم حكم كلّي موجّه إلى جميع القضاة والحكّام ومن هنا؛ كان مفهوم هذا الخطاب ونظائره، أنّ من غير الممكن صدور مثل هذا الموقف عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إذ الحكم المذكور ناظر إلى جميع الأفراد..
1) أحكام القرآن، الجصاص، ج 3، ص 264.
وَاسْتَغْفِرِ اللّه إِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (106)
الاحتمال الأول: أنّ الاستغفار عن ترك الأولى حيث التعجّل في القضاء فيما يتعلق بشأن نزول الآية، رغم أن مدى الاعتراف وشهادة الطرفين كافٍ للنبي في إصدار حكمه، ولكن - كما يدّعي أصحاب هذا الاحتمال كان - من الأفضل أن يُعمد إلى مزيد من التحقيق والدقّة.
الاحتمال الثاني: أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيما يتعلّق بشأن نزول الآية قد حكم طبقاً لقوانين القضاء الإسلامي، وحيث أنّ وثائق (الخائنين) من حيث الظاهر كانت أقوى، فقد أعطاهم الحقّ، وبعد تكشف الواقع وعودة الحقّ إلى صاحبه طلبت الآية أن يستغفر اللّه دون أن يترتب عليه ذنب - والعياذ باللّه - وإنّما بداعي تعرّض حق مسلم من المسلمين إلى المصادرة بسبب خيانة ومكر البعض (أي أن الاستغفاريكون من أجل الحكم الواقعي دون الظاهري).
الاحتمال الثالث: أن يكون الاستغفار هنا لطرفي الدعوى الذين لاثوا دعواهم وقضيتهم بشيء من الاختلاف والتضاد..
من الواقع شيئاً. ولا يكون الحقّ باطلاً ولا الباطل حقاً، ولهذا؛ ورد في الحديث النبوي الشريف:
«إنّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحوما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعةً من النار». (1)
1) نفس المصدر، ج1، ص313.
وَلا تُجادِل عَنِ الَّذِينَ يَختَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)
يمكن أن يرد إشكال في البين، وهو أننا نعلم - طبقاً لشأن نزول الآية الشريفة - بأنّ الخيانة كانت بحق الغير، فكيف تقول هذه الآية: الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ أي: يخونون أنفسهم؟!)لدى الإجابة على هذا الإشكال والسؤال يجد القول:إن عبارة: ﴿يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ يمكن أن تكون بياناً لمعنى لطيف لطالما ذكر به القرآن المجيد، وهو أنّ كلّ عمل يصدر عن الإنسان له آثاره وعواقبه الحسنة أو السيئة، سواء كانت في بعدها المادّي أو المعنوي، حيث تعود تلكم الآثار على نفس الإنسان قبل غيره، كما قال القرآن في موضع آخر: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ثمّ يمكن أن تكون إشارة إلى أن القرآن يؤيد كون أفراد البشر كأعضاء الجسد الواحد، فإن مس أحدهم ضر أصاب الآخرين فمن ظلم غيره يكون كمن ظلم نفسه وكمن صفع وجهه بيده..
لا ريب في أنّ الخيانة ذنب عظيم وظلم يرد من ثلاث شعب:
الشعبة الأولى : قد خان الخائن نفسه عبر ذنب الخيانة، فيحرم الرحمة الإلهيّة في الدنيا والآخرة..
الشعبة الثانية: أن تعود الخيانة على من تعرّض لها.
الشعبة الثالثة: الخيانة بحق المجتمع؛ لأنها تعود عليه وتضربه على كلّ حال.
### الآية 108#### إشارة:يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبيتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطَا (108)#### النقاط المستفادة من الآية1- هذا النموذج من الخونة يستحيون من أن تتكشف بواطن أفعالهم للناس دون اللّه تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّه....)2. اللّه عزّوجلّ الذي هو مع الناس دوماً، هو نفسه يراقب الخائنين الذي يرسمون خطط خياناتهم في جوف الليل ويقولون على اللّه ما لا يرضي من القول.. فهو سبحانه معهم في كلّ حال وله الإحاطة المطلقة التامة على أعمالهم وطرق تفكيرهم: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا.)
### الآية 109#### إشارة:هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّه عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَماَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)#### النقاط المستفادة من الآية1. في هذه الآية حيث الخطاب متوجّه إلى ذوي قربي الشخص السارق الذين انبروا للدفاع عنه.. تقول : يمكن أن تدافعوا عنه في هذه الدنيا، ولكن دفاعكم هذا لن يكون ذا قيمة وأثر.. لأنّ السارق نفسه سيقف بين يدي اللّه تعالى في يوم القيامة؛ ولن يكون. إذ ذاك. له ثم مدافع أو وكيل؛ يمكن أن ينقذاه من عدل اللّه عزاسمه أو من العقاب الذي ينتظره ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّه عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً.)2. الخائنون والمدافعون يجب أن يعلموا بأنّهم سيتعرّضون للعواقب السيئة لأفعالهم في الدنيا والآخرة..3. هذه إحدى أسرار بلاغة القرآن، حيث الآية استثمرت حادثة بسيطة صغيرة في ظاهرها، حيث كان محورها سرقة درع وشيء بسيط من طعام أو تعرّض فرد يهودي معادٍ للإسلام إلى تهمة باطلة.. إلّا أنّها – الآية - عالجت جميع الجوانب وذكرت وحذرت القائد والقاضي من أن يغفل فيتعرّض جانبه إلى ذنب لدى إصدار الحكم.. كما حذرت الذين ينبرون إلى الدفاع عمّن تربطهم رابطة العصبيّة والقلبية أو المصلحة وهو على هذه الحالة من الخيانة.. (1)
1) ولعلّ أبرز المصاديق لمفهوم ومنطوق هذه الآية متوجّه إلى الحكّام الظلمة من جهة، وإلى المتعصبين لهم، كعلماء السوء، حيث يبادر هؤلاء الأخيرون إلى الدفاع وتبرئة ساحة الظلمة - كالذين اغتصبوا الخلافة وصادروها من آل محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين - و تدبيج التبريرات لهم لإضلال الرأي العام و عبر الأجيال، وهم غافلون عما سيصيبهم في الحياة الدنيا من عقاب، وما سيلحق بهم و بمن دافعوا عنهم من أليم العذاب والفضيحة الكبرى في يوم القيامة؛ وذلك في خضمّ براءة بعضهم من بعض بين يدي اللّه تعالى. [المترجم].
### الآية 110#### إشارة:وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّه يَجدِ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا (110)#### النقاط المستفادة من الآية1. الفرد المذنب والمسيء والظالم لنفسه عليه أنّ يعي بأن باب التوبة مفتوح على مصراعيه ان هوندم حقاً عن ذنبه وطلب من ربّه الصفح وراح يستغفره جبراً لجريرته، وذلك رحمةً من اللّه وغفراناً.2. بالالتفات إلى عنواني السوء والظلم للنفس في هذه الآية، وبملاحظة قرينة المقابلة، وكذلك بالنظر إلى أن جذر كلمة (سُوءًا في اللغة : الذي يعني إلحاق الضرر بالآخر.. يعلم أن أي نوع من الذنب، فضلاً عن إلحاق الضرر بالآخر أو بالنفس.. قابل للعفو والجبر لدى التوبة الحقيقيّة الصادقة: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّه يَجِدِ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا).)3. يفهم من قوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا أنّ للتوبة أثراً عظيماً حقيقياً في عمق الروح الإنسانيّة.. لإزاحتها الأثر المؤلم والمزعج لارتكاب الذنب بعد الغفران الإلهي من جهة، ومن جهة أخرى؛ يتبدل الانزعاج والابتعاد عن اللّه إلى اطمئنان وقرب إلى اللّه ولطفه ورحمته بمقتضى رحيميته..)
### الآية 111#### إشارة:وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (111)#### النقاط المستفادة من الآية1. لكلّ عمل أثره الخاص، والذنب ليس مستثنى من هذه القاعدة.. وبطبيعة الحال؛ فإنّ اللّه تعالى لا ينقص من عظمته شيء بذنب المذنب، وعلى هذا الأخير أن يعي بأن كلّ ذنب يرتكبه إنّما يضر بنفسه، لأنّ أثر الذنب في الدنيا يهوي به إلى مستنقع التمرّد والعصيان، وفضلاً عن العذاب الأخروي فإنّه يبتعد عن اللّه والمعنويات.. ﴿وَمَن يَكْسِبُ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ.)2. الذنوب؛ وإن كانت متفاوتة في ظاهرها، ولعلّ بعضها يؤثّر في الآخرين، أو يلحق ضرره بالمذنب نفسه، ولكن بعد التحليل النهائي؛ فإنّه يعود على الإنسان نفسه، ويترك أثره البالغ في روح الإنسان ويظهر عليه بذاته..3. اللّه سبحانه وتعالى عالم بالعباد وذنوبهم.. وكذلك هو حكيم يجزي كلّا حسب استحقاقه (وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا.)
### الآية 112#### إشارة:وَمَن يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرَيَئَا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112)#### النقاط المستفادة من الآية1. سمّت هذه الآية الشريفة الذنب الذي يرتكبه صاحبه ثم يرمي به إلى ذمّة غيره خطيئة.2. للمفسّرين وأهل اللّغة عبارات متفاوتة في معنى الخطيئة والأثم، وخلاصة أقوالهم أنّ الخطيئة من الخطأ، وبمعنى الزلل والذنب الذي يبدر عن الإنسان بلا قصد لغةً، وقد تتبعها الكفّارة والغرامة وهي تشمل كلّ ذنب عمدي كان أو سهويّاً، ذلك لأنّ كلّ ذنب (العمدي والسهوي لا يتناسب وروح الإنسان السليم، وإن صد رمنه؛ فإنّما هو نوع زلل وخطئ لا يناسب في الحقيقة مقامه.. ولكنّ الإثم هو الذنب العمدي الاختياري، والإثم لغة بمعنى الأمر الذي يعيق الإنسان عن فعل ما، ومن هنا؛ كانت الذنوب تعيق ابن آدم عن الخيرات والصالحات ويقال لها آثام..)3. استعملت في هذه الآية بخصوص إثم التهمة عبارة لطيفة، وهي أنّ الذنب بمثابة السهم ونسبته إلى شخص آخر كما هو إطلاق سهم باتجاه هدف، ومن الطبيعي أن مفردة السهم إشارة إلى أنه كما يطلق السهم باتّجاه شخص آخر ويمكن أن يميته، فإن إطلاق التهمة ضدّ شخص لم يرتكب موضوعها، يمكن أن يهرق ماء وجهه الذي هو بمثابة دمه. وبديهي أن وزر هذا الفعل سيبقى على عاتقه أبداً، حيث تلحق به التهمة إلى آخر عمره.. وهذا إشارة إلى ثقل ودوام المسؤوليّة التي ستبقى على عاتقه.4. اتّهام البريء من أقبح الأفعال التي أدائها الإسلام أشدّ الإدانة، وقد جاءت الآية أعلاه
وجملة من الروايات الكريمة بخصوص هذا الموضوع وأوضحت رؤية الإسلام بهذا الصدد. وقد روي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ القول بأنّ : «البهتان على البريء أثقل من جبال راسيات» (1)والتهمة الباطلة لا تتناسب وروح الإيمان كما ورد عن صادق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ): «إذا اتّهم المؤمن أخاه؛ إنماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء» وفي الحقيقة؛ إنّ البهتان والاتهام أسوأ أنواع الكذب إذ أنه يشتمل على مفاسد الكذب الكبيرة؛ مضافاً إلى أضرار ومعايب الغيبة، وكذلك يعدّ أسوأ أنواع وصور الظلم والجور، وذلك ورد في الحديث النبوي الشريف: «من بهت مؤمناً أومؤمنة أوقال فيهما ما ليس فيه [فيهما] أقامه اللّه تعالى يوم القيامة على تلٍّ من نار حتى يخرج ممّا قاله». (2))5. حقّاً إن رواج فعل التهمة والبهتان الجبان في المحيط الاجتماعيّ سبب تلاشي النظام والعدالة الاجتماعيّة، وتلوّث الحقّ بالباطل، وتورّط البريء وتبرئة المذنب وغياب الثقة بين أفراد المجتمع.
### الآية 113#### إشارة:وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ, هَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّه عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)#### شأن نزول الآيةطبقاً لكلام بعض المفسّرين؛ فإنّ هذه الآية تشير إلى زاوية أخرى من حادثة بني أبيرق التي ورد ذكرها في الآيات القليلة الماضية تحت عنوان شأن النزول.. (1فالآية تقول: لولا الفضل الإلهي والرحمة الربّانيّة لَهم بعض المنافقين أن يحرفوك عن مسار الحقّ والعدل، ولكن اللطف الرحماني شملك وحفظك.. إذ أن هؤلاء المنافقين كانوا قد عزموا باتّهام فرد برئ ثُمّ توريط النبي الأكرم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والعمل على تدمير الشخصيّة الاجتماعيّة والمعنويّة للرسول العظيم صلوات اللّه عليه وآله؛ مضافاً إلى تفعيل نواياهم وأهدافهم السيئة القبيحة بخصوص أحد المسلمين الأبرياء.. ولكن اللّه تعالى الحافظ لنبيّه أبطل مؤامرتهم الدنيئة..)وذكر بعض آخر شأن نزول آخر للآية، وهو أن وفداً من بني ثقيف جاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقالوا له : نبايعك على شرطين: الأول: أن لا نحظم أصناماً بأيدينا. والثاني: أن تمهلنا مدة سنة نعبد)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 167.
فيها آلهتنا العزّى، فأمر اللّه سبحانه نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن لا يستجيب ولا يوافق على أيّ من شرطيهم... (1)فنزلت هذه الآية وأكّدت للنبي صلوات اللّه عليه وآله أنّ الألطاف الإلهيّة تحفظه من هذه الوساوس.. ثم قالت الآية الشريفة: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ).)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذه الآية الشريفة من نماذج الآيات التي تشير إلى مسألة مصونية وحصانة الرسول الأعظم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من الخطأ والاشتباه والسهو والذنب.. حيث تقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مُنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ).)2. يعلم من ظاهر هذه الآية؛ أنّ السبب والوسيلة التي تتحقق بها العصمة ويكون المعصوم بها معصوماً.. هو نوع من العلم.. العلم الذي لا يسمح لصاحبه بارتكاب المعصية والخطأ والزلل.. وبعبارة علمية أخرى هو ما يمنع من الضلال.. كما (وهو مسلّم في موضعه أنّ سائر الأخلاق الحميدة مثل الشجاعة والعفّة والسخاء لها صورتها العلميّة الراسخة في نفس صاحبها وتبعث إلى تجلّي آثارها وتمنع دون أن يتصف بما هو ضدّها، فلا تظهر فيه آثا رالجبن والتهوّر والشره والبخل والتبذير..)3. اللّه سبحانه وتعالى ولكي يتمكّن صلوات اللّه عليه وآله من أن يكون قدوة للأمة ومصداقاً للخير والصلاح، ومن أن يتجنّب العواقب الأليمة للخطأ والزلل التي تعلق بأذيال قائد عظيم، ولكي يحتج على الأمة فيما يتعلّق بمسألة الإطاعة للنبي الأكرم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وتكون بمأمن من معصيته، ولكي لا تتورّط في التضادّ والتناقض بين الطاعة والتمرّد.. فقد عمد اللّه تعالى إلى حفظ رسوله من الوقوع في الخطأ والزلل لتحقق الثقة المطلقة من جهة الأمة بنبيّها.. هذه الثقة التي تعتبر من أوليات شروط القيادة الإلهيّة...)
1) نفس المصدر.
4. إحدى دلائل العصمة الأساسيّة : أنه سبحانه وتعالى قد علّم رسوله الكريم صلوات اللّه عليه وآله علوماً ومعارف تضمن له تحاشي الذنب والخطأ، ذلك لأنّ العلم والمعرفة (في نهاية المطاف توجب العصمة.. فالطبيب - مثلاً - الذي وضع كميّة ملوّثة من الماء بأنواع الجراثيم كجراثيم الملاريا وأمثال ذلك من الأمراض والأوبئة الخطيرة القاتلة في قوارير و مجاهر المختبرات ثم طالعها وحللّها بدقة بالغة وتأكد من آثارها القاتلة تماماً، فإنّه من غير الممكن أن يشرب من هذا الماء، بمعنى أن هذا العلم زوّده بمصونيّة من الإقدام على التناول من الماء الملوّث.. في حين أنّ الجهل بواقع ذلك الماء يوجب ويتيح ارتكاب خطأ التناول منه.. كما أنّ الجهل مصد رالكثير من الأخطاء وهو بمثابة المقدّمة واللازم للوقوع في الخطأ.. وعليه؛ فإنّ من تعلم بتعليم اللّه وله الاطلاع المطلق على المسائل المختلفة.. لا يزل ولا يسهو ولا يخطئ ولا يضل ولا ينسى...)5. رغم أنّ اللّه تعالى قد علّم رسوله صلوات اللّه عليه وآله العلوم والمعارف وهو في آفاق ذلك. لا يذنب ولا يخطئ، إلّا أنّه في الوقت ذاته غير مجبر على العمل بعلمه، بل هو مختار في ذلك.. كشأن ذلك الطبيب الذي له أن يشرب من ماء مختبره الملوّث مع علمه بواقع ذا ذلك الماء..6. يمكن أن يستشكل ويقال: لماذا صار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لوحده مشمولاً بهذا الفضل الإلهيّ الكبير دون غيره من الناس ؟ لدى الجواب ينبغي أن يقال: هذه المشمولية بداعي المسؤولية القيادية النبوية الثقيلة التي ألقيت على عاتقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي غير ملقاة على عواتق الناس، لاسيّما وأنه سبحانه وتعالى يعطي من القوّة والطاقة بمقدار ما يحمل من المسؤولية والتكليف..)ws7. إنّ المراد من الإنزال والتعليم في قوله عز من قائل: ﴿وَأَنزَلَ اللّه عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ نوعان من العلم أحدهما العلم بوسيلة الوحي وبنزول جبرئيل)
الأمين. والثاني: ما كان بواسطة الإلقاء في القلب والإلهام الإلهيّ الخفيّ ومن دون نزول ملاك الوحي.. وهذان النوعان من تعليم رسول اللّه صلوات اللّه عليه وآله يؤيده الوارد في الروايات الخاصّة بعلم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.. (1)وعليه؛ فالمراد من عبارة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أَنه تعالى قد علمك نوعاً من العلم، ولولا هذا التعليم، لكانت الأسباب العادية المتاحة في تعلّم كلّ إنسان العلوم العادية غير كافية في تعلم ما يستلهم من اللّه سبحانه.. 8. أنّ موهبة العصمة النبوية موهبة إلهيّة.. ونحن نعرفها تحت مسمّى قوّة وطاقة العصمة وهي بحدّ ذاتها نوع من العلم والشعور المغاير لسائر أنواع العلوم. إذ أنّ هذه الأخيرة - كما ذكرنا - قد تغلب بسائر القوى الشعورية فتنظوي تحت طائلة الغفلة والنسيان مثلاً) ولكن هذا العلم غالب دوماً على سائر القوى وقاهرها وهي تكون تحت سلطانه.. ولذلك؛ كان صاحبه محفوظاً من جميع الضلالات والأخطاء.
1) راجع: بحار الأنوار، ج 17، ص 130 إلى 155.
آخرون إلى أن المقصود بالفضل الإلهي هو تأييد النبي، والمراد من رحمته هو نعمة اللّه تعالى عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.. فيما قال آخرون: إنّ فضل اللّه هو الرسالة والنبوّة وإنّ الرحمة هو مقام العصمة التي أعطيت له صلوات اللّه عليه وآله.)
### الآية 114#### إشارة:لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّه فَسَوْفَ نُوْلِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)#### النقاط المستفادة من الآية1. لا تعني النجوى مجرّد الهمس في الأذن، بل تتضمن أيضاً المجالس الخفيّة السريّة، ذلك لأن النجوى لغة مجترّة من مادة (نجوه على وزن دفعة بمعنى الأرض المرتفعة، ولأنّ الربوة المرتفعة منفصلة عمّا حولها من أطراف، وحيث أن الاجتماع السري والهمس في الأذن منفصلان عما يحيطان بهما، فقد قيل لها نجوى. ويذهب البعض أن جميع ذلك مشتق من مادة (نجاة بمعنى الانعتاق، لأنّ البقعة المرتفعة في مأمن من هجوم السبل والاجتماع السرّي أو الهمس بعيد عن اطّلاع الآخرين.)2۔ غالباً ما تكون المجالس السرّية للمقصودين بالآية بناءً على خطط ومؤامرات شيطانية وهي لا خير فيها: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ)3. لكي لا يتصوّر بأنّ كلّ نجوى أو همس مذمومة وممنوعة، وثمّ جملة موارد كمقدمة لبيان قانون كلّي، فيما ذكر استثناء في الآية و هي أنّ المجلس السرّي أو الهمس يتمخض عن توصية بصدقة ومساعدة للآخرين أو إصلاح بين الناس بشرط ألا تتضمن رياءً وتظاهراً، بل لابدّ أن يراد بها إحراز عفو اللّه ورضاه سبحانه: ﴿إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.)
4. يمكن أن تكون النجوى والهمس أحياناً لأجل الرياء وإن كان مقصودها خيراً.. ولكن إذا كان الهدف من الهمس. وضمن شروط استثنائية. حفظ كرامة الإنسان واكتساب رضا اللّه تعالى، فإنّه يثيب صاحب هذه النجوى أجراً عظيماً.5. عدّ القرآن المجيد النجوى والهمس ضمن عنوانها الأولي عملاً شيطانياً ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ.)6. النجوى من عمل الشيطان، لأنها تكون في الغالب للأعمال غير الصالحة، ولأن فعل الخير والمفيد ليس أمراً سرياً وخفيّاً بحيث يريد الناس الهمس به.7- إن تمّت النجوى في محضر من الناس أثارت سوء ظنونهم، بل ولعلها تتسبب بذلك وإن شهدها الأصدقاء والأحبّة، ولهذا؛ كان من الأفضل أن لا يعمد إليها إلا في حالات الضرورة القصوى، وهذه هي فلسفة الحكم المذكور في القرآن.8. تارة يستوجب حفظ كرامة الإنسان وماء وجهه استعمال النجوى، ومن جملة ذلك المساعدة الماليّة أو الأمر بالمعروف، ولو أنّ هذين الفعلين - كمثال - صارا علنيين وفي محضر من الناس لأعطيا مردوداً عكسياً ولأصر المأمور بالمعروف على عدم فعله.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى غاية الإصلاح بين الناس حيث يفترض في بعض الأحيان أن يكون على انفراد بين طرفي النزاع نتخذ النجوى الانفرادية صبغة إصلاحية حقّاً.. وهكذا تقتضي الضرورة أن تتمّ النجوى بخفاء.9. بملاحظة الموارد الثلاثة أعلاه يعلم أنّ جميع الموارد تندرج تحت عنوان الصدقة، لأنّ من يأمر بالمعروف يؤدّي زكاة العلم أو الذي يصلح ذات البين يؤدي زكاة مكانته الاجتماعيّة بين الناس كما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّ اللّه فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض)
عليكم زكاة ما ملكت أيديكم». (1)10. جاء في الحديث النبوي الشريف لأبي أيوب الأنصاري : «ألا أدلك على صدقة يحبّها اللّه ورسوله ؟... تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا». (2)
### الآية 115#### إشارة:وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)#### شأن نزول الآيةقلنا في شأن نزول الآيات السابقة إنّ بشير بن أبيرق ؛ وبعد السرقة من أحد المسلمين؛ اتّهم بها بريئاً وبرأ نفسه في محضر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ولكن بنزول الآيات السابقة افتضح أمره، وبدلاً من أن يتوب ويعود إلى رشده اتخذ طريق الكفر سبيلاً وخرج عن دائرة المسلمين بصورة رسمية، فنزلت هذه الآية، وضمن إشارتها لهذا الموضوع، فإنّها بينت حكماً كلّيّاً وإسلاميّاً. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. حينما يرتكب الإنسان معصية، فإنّه بعد المعرفة بمن وبما عصى يجد نفسه عند مفترق طريقين: إما العودة والتوبة وإما الإصرار والعناد الذي ينتهي إلى سوء العاقبة في القيامة (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا.)2. (يُشَاقِقِ من مادة شقاق بمعنى العصيان عن علم والمقرون بالعداوة والبغضاء، وعبارة (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) تؤكّد هذا المعنى، وفي الحقيقة إنّ مثل هؤلاء الأفراد لا يسعهم أن يكونوا أفضل من ذلك، وينتظرهم المصير المشؤوم في هذا العالم لأنهم يغرقون في)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 169.
هذا المستنقع البغيض يوماً بعد يوم، وتزداد زاوية انحرافهم عن جادة الحقّ انفراجاً.. وهذا مصير اختاروه هم لأنفسهم، وعمارة بنوها بأيديهم.. وعلى هذا؛ ليس من ظلم قد توجّه إليهم من غيرهم، وواقعهم صوّره قول العزيز الجليل: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وهو إشارة إلى سلبه التوفيق الروحي وعدم قدرته على تحديد ومعرفة الحقّ والانغماس في الضلالات. مضافاً إلى العاقبة الأليمة والسيئة في يوم القيامة وجملة: ﴿نُصْلِهِ جَهَنَّمَ) تنويه إلى ذلك المصير الأسود والجهنّمي.. وجملة (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) تبين أنه سبحانه وتعالى يكل مثل هذا الفرد إلى ما تولّى وما عبد باختياره..)3. بالالتفات إلى أن إجماع فتاوى العلماء على مسألة فقهيّة في غيبة إمام الزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف أحد الأدلّة الفقهيّة الأربعة في عصر الغيبة الأليم. وقد ذكروا في إثبات حجية الإجماع ضمن أصول الفقه دلائل مختلفة، أحدها الاستدلال بهذه الآية الشريفة، لأنها تقول: إنّ من يتخذ غير طريق المؤمنين؛ ينتظره مصير مشؤوم في الدنيا والآخرة، وعليه؛ فإنّه حين يختار المؤمنون طريقاً في مسألة ما، وجب اتباعهم.. ولكن الحقّ هو أن هذه الآية لا علاقة لها ابداً بمسألة حجّيّة الإجماع، لأنّ حجّيّة الإجماع مشروطة بأن يكون الإجماع كاشفاً عن قول المعصوم، أو أن يكون المعصوم بشخصه - ولو بشكل غير معروف - ضمن أصحاب الإجماع، ودليل حجيّة هكذا إجماع هي ذاتها حجّيّة السنة وقول المعصوم؛ دون الآية أعلاه؛ لأنّ العقوبات التي حددتها هذه الآية تشمل الذين يخالفون ويعصون رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن علم و عناد ويختارون طريقاً غير طريق المؤمنين، ولابد أن تكون المخالفة عن علم واطلاع، وهذا الموضوع لا علاقة له أبداً بمسألة حجّيّة الإجماع والإجماع ليس حجة لوحده..)4. في الحقيقة إنّ اتِّباع غير طريق المؤمنين ليس سوى مخالفة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ومعصيته، والاثنان معاً ينتهيان إلى مطلب واحد، ولذا قد روي عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين كان في الكوفة، جاء جماعة وطلبوا منه أن يعين لهم إمام جماعة)
ليصلي بهم صلاة التراويح بعد إفطار أيام شهر رمضان، وهي الصلاة التي ابتدعت في عهد عمر.. فامتنع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ ونهى عن هكذا صلاة وهكذا جماعة (إذ لا جماعة في نافلة) أما أفراد تلك الجماعة ومع أنهم سمعوا الحكم القاطع من إمامهم، إلَّا أنّهم عاندوا ولجوا وأثاروا الفوضى وراحوا يذرفون الدموع على ما سنّه الحاكم الثاني.. فجاء جماعة من شيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه وقالوا: قد رفض بعض ما أمرت به، فقال: دعوهم لشأنهم ليختاروا من يشاؤون إمام جماعة لهم ليصلوا صلاتهم غير المشروعة، ثمّ تلا الآية أعلاه... (1)وهذا النصّ الروائي يؤيّد ما ذكرناه في تفسير الآية.)
1) تفسير العيّاشي، ج1، ص 275.
### الآية 116#### إشارة:إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا (116)#### النقاط المستفادة من الآية1. تتمّة للبحوث ذات العلاقة بالمنافقين والمرتدين أي الذين يعودون إلى الكفر بعد قبولهم الإسلام، وبعد الآية (48 من سورة النساء وبتفاوت بسيط ورد في آخر الآية، وبإشارة مكرّرة إلى خطورة معصية الشرك، تصرح الآية : بأنّ الشرك ذنب لا يغتفر ولا يمكن تصور ذنب أعظم منه..)2. لا ريب في أنّ التكرار في المسائل التربوية يلزمه البلاغة، ذلك لأنّ القضايا الأساسيّة والمهمّة يجب أن تكرر ضمن فواصل مختلفة لترسخ في النفوس والأذهان، ولعل السبب في تكرار هذه الآية في هذه السورة مرتين هو إرادة اقتلاع آثار الشرك وعبادة الأوثان التي كانت متجذرة طيلة سنين مديدة في أعماق النفوس، ولتتجلّى فيه - بقبول الإسلام - الآثار المعنويّة والماديّة للتوحيد..3. الشرك حالة وشيء يعطل المركز الحسّاس للروح الآدمية، وينشر الظلمة فيه.. ولا يبقى ثُمّ أمل لنجاة الإنسان مع وجوده، أما إذا أحييت حقيقة التوحيد وعبادة الواحد الأحد، كانت هذه الحقيقة عيناً ومعيناً لأنواع وأشكال الفضائل والحركة والنشاط، وهنالك ينبثق الأمل في غفران سائر الذنوب ﴿إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء.)4 تكرّرت هذه الآية مرتين في هذه السورة، ولكن ذيلي الآيتين متفاوتان شيئاً ما، ونشير هنا إلى ثلاثة موارد في ذلك:
الف: يقول سبحانه في هذه الآية إن من يتخذ شريكاً مع اللّه سيتورط في تيه عظيم ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ولكن الآية السابقة تقول: من يتّخذ مع اللّه شريكاً يكذب ويفتري افتراء عظيماً، والحقيقة هي أنّ تلك الآية تشير إلى مفسدة الشرك الهائلة من حيث معرفة اللّه تعالى والحيثية الإلهيّة.. وهذه الآية تحدثت عن أضرار جسيمة يلحقها الشرك بالناس أنفسهم.)ب: في تلك الآية جرى بحث مسألة الناحية العلميّة، وفي هذه الآية بحثت الجوانب العملية ونتائجها الخارجية.. وواضح أنّ هذين الأمرين بمثابة اللازم والملزوم ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.)ج: أشارت تلك الآية إلى مفسدة الشرك العظيمة من الحيثية الإلهيّة ومعرفة اللّه، وهنا جرى التطرّق إلى الأضرار غير القابلة للجبر من ناحية الناس..
### الآية 117#### إشارة:إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إلَّا شَيْطَنًا مَّرِيدًا (117)#### النقاط المستفادة من الآية1. معبود المشركين في هذه الآية منحصر بشيئين: الإناث والشيطان المريد.2. الإناث؛ جمع أنثى من مادّة (أنث على وزن (أدب) بمعنى الموجود اللطيف والقابل للّي، ولذا حين يلين الحديد في النار؛ تقول العرب: أنث الحديد، وأن يقال لجنس المرأة أنثى ومؤنث وإناث بداعى لطافة جنسها ولينها..)3. ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ القرآن أشار إلى أصنام القبائل العربية المعروفة، حيث كانت كلّ واحدة منها قد اختارت صنماً وسمته باسم مؤنث، فاللات بمعنى الآلهة مؤنّث اللّه، والعزّى مؤنّث أعز، وكذلك هي منات وإساف ونائلة وأمثالها. ولكنّ مفسّرين كبار آخرين قالوا: إنّ المقصود بالإناث هنا ليس ما يعرف عن المؤنث، وإنما هو جذرها اللّغويّ، أي أنّهم كانوا يعبدون معبودات ضعیفات تصاغ بيد البشر كيف ما يريدون، وبالتالي فإنّ الأصنام كانت عبارة عن موجودات لا إرادة فيها ولا خيرة لها.. فلم تكن مصدراً للضرراً و النفع..3. كلمة (مَّرِيدًا من حيث الجذر اللغوي مأخوذة من مادة (مرد) على وزن (طرد) بمعنى تساقط ورق الشجر، ومن هنا؛ قيل للشاب اليافع الذي لم ينبت الشعر في وجهه: أمرد، وعليه؛ فالشيطان المريد يعني الذي سقطت عنه جميع صفات الفضيلة ولم يبق فيه شيء من صفات القوّة، أو مأخوذة من مادة (مرود) بمعنى الطغيان والتمرّد فيكون المراد من آلهتهم الشيطانية: الشيطان الطاغي المتمرّد.)
4. قد قسم القرآن معبود المشركين قسمين:* قسم لا تأثير فيه ولا خاصيّة (الأصنام.)* وقسم طاغ متمرّد، ولا ريب في أن من يعبد هكذا معبود لن يكون نصيبه في الدنيا والآخرة غير الضياع والضلال والخسران المبين.5. لقد أورد القرآن الكريم مفردة (الملائكة (88) مرّة، وأورد مفردة الشيطان (88) مرة أيضاً، منها (11) مرّة بمعنى إبليس، والبقية بالمعنى العام للشيطان والجنّ..)
### الآية 118#### إشارة:لَعَنَهُ اللّه وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (811)#### النقاط المستفادة من الآية1. في الحقيقة إنّ جذور كلّ الشقاء والتدمير الشيطاني هي الابتعاد عن رحمة اللّه تعالى الناتج عن الكبر والعصبية للذات..2 بديهي أنّ الموجود المجرّد عن كلّ خير بدافع الابتعاد عن الرحمة الإلهيّة غير قاد رعلى أن يكون مفيداً في حياة الآخرين.. كما أن الذات المعدومة لا يمكن لها أن توجد شيئاً.. فهو غير مفيد مضافاً إلى كونه خبيثاً مضراً...3. الشيطان يعلم جيداً أنه غير قادر على إضلال جميع عباد اللّه تعالى.. فهو المطرود من رحمة اللّه قادر على إضلال من هم على شاكلته من ضعيفي الإيمان والإرادة والمسلّمين والمتسلمين له ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا.)
### الآية 119#### إشارة:وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّه وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّه فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)#### النقاط المستفادة من الآية1. كلمة (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ مأخوذة من مادة (مَنَى) على وزن (مَنَعَ) بمعنى التقدير والحساب، ولكنّها ترد في كثير من الأحيان بمعنى الحساب والإحصاء الخيالي والآمال الوهمية.. وإذا قيل للنطفة (مني) فلأجل أن التقدير الأولي للموجودات الحيّة تبدأ منها..)2. قوله: ﴿لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ إشارة إلى إحدى الممارسات التي كانت رائجة في الجاهليّة، حيث يقصون جزءاً من آذان الأنعام أو يقطعوها جميعاً ثمّ يمنعون ركوبها ولا ينتفعون منها في شي. 3. قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّه إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قد فطر الناس على التوحيد وفضائل الأخلاق إلّا أن الوساوس الشيطانية وهوى النفس الأمارة بالسوء يحرفائهم عن الجادة الصحيحة حتّى يضلّانهم ويضيّعانهم، وشاهد هذا المطلب قوله تعالى في الآية (30) من سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيّمُ كما ورد عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ المقصود من التغيير هو)
تغيير فطرة التوحيد (1وطاعة أوامر اللّه تعالى، وهو ضرر لا يجبر حيث يعمل الشيطان على تدمير قواعد السعادة الإنسانيّة، بعد أن يقلب الحقائق والواقعيات إلى سلسلة أوهام ووساوس؛ فيبدل السعادة إلى شقاء.)4. المنهج الشيطاني لإضلال الناس:المنهج الأوّل: أن يأخذ من عباد اللّه نصيباً معيّناً (وَقَالَ لَأَتَخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا.)المنهج الثاني: إضلالهم (وَلأُضِلَّنَهُمْ.)المنهج الثالث : انشغالهم بالأماني البعيدة المتنوّعة : ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهم.)المنهج الرابع : دعوتهم إلى الخرافات، ومن ذلك أنه يأمرهم بقص أو قطع آذان الأنعام (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ. المنهج الخامس : دعوتهم إلى تغيير خلق اللّه تعالى.
واضح أنّ العلة في قوله تعالى في نهاية الآية وضمن بيان أصل كلّي: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِن دُونِ اللّه فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا أنّ الإنسان باتخاذه الشيطان وليّاً سيفرّط برحمة اللّه سبحانه، ومن يحرم الرحمة الإلهيّة يتضرّر في الدنيا والآخرة، وهذا من المهالك والمهاوي التي تجره إلى وادي جهنّم؛ تبعاً للشيطان.
يمكن أن يخطر السؤال أدناه في ذهن أحدهم حيث يقول: وهل نحن أتباع الشيطان وشيعته؟! بل هل يمكن للإنسان أن يتبع الشيطان؟ وإن صح حدوث ذلك فكيف يكون؟ أي: كيف يتسنّى للإنسان أن يتبع الشيطان؛ وما هي خصائص أتباع الشيطان؟ فيما الطاعة للشيطان تمرّد على أوامر اللّه سبحانه..
جاء في آيات سورة مريم عن قول إبراهيم مخاطباً أباه (عمه) بهذا الصدد: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ
1) الكافي، ج 2، ص 12 و 13.
الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا.)وقد أشير إلى هذا المطلب في الآية (21 من سورة النور، والآية (24) من سورة النمل، والآية (38) من سورة العنكبوت، والآية (20) من سورة سبأ، والآية (60) من سورة يس والآية (37) من سورة الزخرف، والآية (3) من سورة الحجّ، والآية (25) من سورة محمد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والآية (17) من سورة الحشر، والآية (14) من سورة البقرة، والآيات (17 و 61 و 65) من سورة الإسراء، والآيتين (50) و (51) من سورة الكهف. وقد وردت كلمة الشرك بصيغ مختلفة حوالي (168) مرّة في القرآن الكريم.)إن لمعنى الطاعة والعبودية آفاقاً واسعة، بما في ذلك الاستماع لحديث أحدهم (بمعنى توجّه الإنسان وتخصيص الوقت والصمت و.. بقصد العمل، يعدّ نوعاً من العبودية. وقد ورد في الحديث الشريف: «من استمع إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق ينطق عن اللّه فقد عبد اللّه وإن كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان». (1))وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ بخصوص إطاعة الشيطان:)«اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً، واتخذهم له أشراكاً، فباض وفرّخ في صدورهم، ودبّ ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه». (2)
### الآية 120#### إشارة:يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)#### النقاط المستفادة من الآية1. الغرور لغةً بمعنى ظهور أثر الشيء بوضوح، ولكن يقال في الغالب للظواهر الخادعة والبواطن غير المحمودة، ويقال أيضاً لكل شيء فضلاً عن المال والثروة والقدرة والسلطة التي تخدع الإنسان وتحيد به عن طريق الحقّ والصواب.2. الوعود الشيطانيّة الكاذبة تنشأ من الوعود النفسانية للإنسان المطرود من رحمة اللّه.. حيث تتعلق تلك الوعود بالآمال الدنيوية الواهية.3- ليس أمام الإنسان في هذه الدنيوية سوى طريقين؛ إما طريق البقاء الحقيقي في ظل العبادة والمعنويّة وعبودية اللّه تعالى.. وإما طريق العبودية للشيطان التي لاتطفح إلا بالخواء والفناء والمادّيّات..4. اللّهو فى مظاهر الدنيا والعيش بآمال خاوية وفانية وبغفلة عن اللّه تعالى ثمرة إطاعة الشيطان والبعد عن الرب المتعال.5. من البعيد جدّاً أنّ الإنسان إذا ما عبد الشيطان سيوفّق إلى النجاة بيسر، ولعل الإنسان المطيع للشيطان في هذه الدنيا أو إلى آخر عمره لن يعي ما جعله أساساً وعنواناً لحياته ليس إلّا خديعة وكذبة كبيرة، وحينما يلتفت إلى خطئه تراه ينادي: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ولكن اللّه عزاسمه يرفضه بالقول العظيم: ﴿كَلَّا... وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).... فيسمع المطيع للشيطان هذا القول فيمتلئ يأساً !!)
### الآية 121#### إشارة:أُوْلَئكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)#### النقاط المستفادة من الآية1. (مَحِيصًا من مادة (حيص) بمعنى العدول وغضّ النظر، وعليه؛ فالمحيص بمعنى وسيلة العدول..)2. يبعد جداً أن يجد المطيع للشيطان توفيقاً للنجاة، ولعله لن يعي أنّ هذا المطيع للشيطان في الدنيا وإلى آخر عمره أن ما كان يعده أساساً وقاعدة لحياته ليس مجرّد كذبة كبيرة وخدعة طويلة.. وهو مهما تمنّى في العودة وتصحيح المصير فإنّه لن يجد سوى نداء الرفض له من قبل اللّه تعالى.3. أن عبدة الشيطان يجب أن يعلموا بأنّ نتيجة عبوديّة الشيطان لن تكون النار والجحيم في دار الآخرة، وأنّه لن يكون لهم عنها ملاذ للفرار (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا.)
### الآية 122#### إشارة:وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّه حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّه قِيلًا (122)#### التفسيرقرأنا في الآيات السالفة أنّ من يتخذ الشيطان ولياً؛ يخسر خسراناً مبيناً، إذ يعده كذباً ويمنيه بالأماني الباطلة؛ وفي مقابل هذا، تشير هذه الآية إلى مصير الأفراد المؤمنين الذين يعملون الصالحات حيث الدخول والخلود في جنان اللّه العريضة التي تجري من تحتها الأنهار.. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ والجنات مفعمة بالنعيم المغاير للنعم الدنيوية من حيث الكم والكيف والخلود والأبد، إذ المؤمنون خالدون فيها أبداً. والوعد بالجنّة ليس كما هو وعد الشيطان الكاذب الخادع، وإنّما هو وعد الحقّ والحقيقة الصادر عن اللّه تعالى ﴿وَعْدَ اللّه حَقًّا).. وبديهي أن أحداً من الخلق لا يسعه أن يكون أصدق من الخالق؛ وعداً وخطاباً... (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّه قِيلاً)، لأنّ الخلف في الوعد أو القول؛ إما أن يكون بداعي العجزأ و الجهل أو الحاجة، واللّه سبحانه منزّه عن كلّ ذلك..)#### النقاط المستفادة من الآية1. الإيمان والعمل الصالح مرتبطان إلى بعضهما، وكما أن العمل الصالح يفقد قيمته إن تجرّد عن الإيمان، كذلك هو الإيمان يفقد مصداقيته وفائدته إذا لم يقترن بالعمل الصالح.. أما إذا اقترنا إلى بعضهما، كان ثمنهما الجنّة الخالدة.
2. الناس خلال حياتهم الدنيوية يواجهان نوعين من الوعد؛ الوعد الإلهي والوعد الشيطاني.. ومن الطبيعي أنّ من يعتمد الوعد الشيطاني؛ لا يرى سوى الضرر والخسران، لأنّ وعد الشيطان صادر عن الكذب والخواء.. أما الذي يعتمد الوعد الإلهي؛ فإنّ مصيره إلى الفلاح والموفّقيّة؛ لأنّ الوعد الإلهي ينبع عن الحقّ والحقيقة (وَعْدَ اللّه حَقًّا ولأن اللّه تعالى. صاحب الوعد - له مقاليد السماوات والأرض - وهو الصادق بل والأصدق في إطلاق الوعد ولا تزيده كثرة العطاء إلّا جوداً وكرماً..3. أنّ النعم الإلهيّة الأخروية ليست كما النعم الدنيوية الزائلة، بل المؤمنون سيتنعّمون في الجنان بالخلود الذي يتفضّل به اللّه عليهم. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.)4. من الطبيعي أنه لا يوجد أحد أصدق من اللّه في وعوده وخطابه (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّه قِيلاً.)
### الآية 123#### إشارة:لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)#### شأن نزول الآيةورد في تفسير (مجمع البيان وتفاسير أخرى أنّ المسلمين وأهل الكتاب كانوا يتفاخرون على بعضهم.. فكان أهل الكتاب يقولون أنّ أنبياء هم قد سبقوا نبيّ الإسلام، وأن كتابهم قد سبق القرآن.. فيما المسلمون كانوا يقولون بأن نبيهم هو خاتم الأنبياء؛ وأنّ كتابهم القرآن هو أكمل الكتب السماوية، وعليه؛ فإنّهم – المسلمون - يمتازون على غيرهم..)وطبقاً للرواية؛ فإنّ اليهود كانوا يقولون نحن الأمة المختارة، وأنّ النار - لو قدّرت لهم - لن تمسّهم إلّا أياماً معدودة (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَةً فيما المسلمون كانوا يقولون: نحن خير الأمم لأنّ اللّه يقول بحقهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) فنزلت الآية أعلاه لتبطل جميع هذه المدّعيات، لتجعل قيمة كلّ أمة وفرد تبعاً لما يعملان.. وليس لما يقولان ويدّعيان.. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. أن الفضيلة والأفضلية منوطتان بعمل الناس؛ دون أمانيهم ومدّعياتهم.2. في هذه الآية ورد التصريح وببيان بسيط وطبيعي أنّ المدعيات الخيالية القائمة على
1) مجمع البيان، ج 3، ص 175.
القواعد الكاذبة غير مفيدة بالمرة وأنها لن تغير من الحقيقة شيئاً أبداً، وأن أساس الحقّ قائم على الايمان والعمل الصالح.3. ورد حديث منقول في مصادر الشيعة وغيرهم ينتهي إلى أنه بعد نزول هذه الآية اضطرب بعض المسلمين أيما اضطراب حتّى أنهم بكوا لشدّة هلعهم؛ بأنّ الإنسان خطاء ولعلّ ذنوباً تصدر عنه، فإن كان لن يعفى عنه أو يغفر له، فإنّه سيتورّط في العذاب الإلهي الشديد على كلّ ما صد رعنه في الدنيا.. فتوجهوا إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قائلين: إنّ هذه الآية لن تذ رمنا شيئاً.. فقال لهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : والذي نفسي بيده إنّما الأمر كما نزلت به الآية، ولكنّني أبشرّكم بما يقربكم من اللّه ويدفعكم إلى صالح الأعمال... إن ما يحلّ بكم من المصائب والبلايا في الدنيا كفّارة لذنوبكم، حتّى الشوكة إذا دخلت أقدامكم.. (1))4 سؤال: لعل البعض يستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا على انتفاء مسألة الشفاعة عموماً... جواب: كما أشرنا سلفاً إلى أن معنى الشفاعة ليست أن يكون الشفعاء مثل أهل البيت صلوات اللّه عليهم والأنبياء والأولياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) واقعهم المستقل عن اللّه تعالى، بل إنّ شفاعتهم إنّما تكون بإذنه سبحانه فيمن يشفعون له، ومن الطبيعي أنّ عالم الشفاعة جزء من ولاية اللّه المطلقة ونصرته عزّ اسمه...
1) نفس المصدر، ص 176 والكشف و البیان، ج 3، ص 391.
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
المرأة من وجهة النظر الإسلاميّة عضو كامل ومستقل في المجتمع، ومن حيث الكمال الإنساني لا تفترق عن الرجل في شيء، إذ أن معيار السعادة والأفضلية في التقوى والعلم والعمل الصالح.
المرأة في المجتمع الإسلامي كما الرجل؛ لها أن تطلب العلم، وأن تكون صاحبة مال وثروة، وأن تتصرف في أموالها كيفما تشاء من الطريق المشروع.. وهي حرّة من حيث العلاقات والمعاشرة في الأمور الاجتماعيّة مع مقرونيّة ذلك بالعفّة والطهر.. وقد رأينا أنّ كثيراً من النساء في حقبة صدر الإسلام كن يشتركن حتّى في ميادين الحرب الى جانب الرجال المقاتلين المجاهدين، فكنّ يتصدّين لأمور التضميد والمداواة للجرحى الحربيين وغير ذلك من أمور التموين العسكري..
هناك جهات مشتركة - على وجه العموم - بين المرأة والرجل حيث لا يمكن نفيها، مثل استقلال الشخصيّة وحرية الفكر والإرادة وأصل المالكيّة والمساواة في مقابل القانون والدفاع عن الحقوق المشروعة... فلا يمكن حرمان فرد من الأفراد من حقوقه الإنسانيّة بداعي كونه أبيضاً أو أسوداً، رجلاً أو امرأة، عاملاً أو حاكماً، قروياً أو مدنياً..
ورد في آيات قرآنية عديدة الحديث عن حقوق المرأة؛ والتأكيد أن لها حقوق مشتركة مع
الرجل، وإنّ بعض هذه الحقوق حقوق فرديّة وبعضها اجتماعيّة. فالمرأة عضو أسرة ولها حقوق مشتركة إلى جانب الرجل كما لها حقوق خاصة مميزة، وهنا نشير إلى أهم هذه الحقوق المشتركة :
الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة.
حقّ الحياة.
حقّ الكرامة.
حقّ المساواة.
حقّ الحرية.
حقّ المالكيّة.
الحقّ السياسي – الاجتماعيّ -.
الحقّ المعنويّ.
حقوق الأسرة.
حقّ التعليم والتربية.
حقّ التزويج والزواج واختيار الزوج.
حقّ المعاشرة الصالحة.
حقّ الإرث.
الف :وب الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة
تفاوتاً بينهما أبداً ولا تسمح لأحد في أن يسلبها هذا الحقّ.
وقد حرّم اللّه تعالى في آيات عديدة قتل الإنسان سواء كان هذا الإنسان رجلاً أو امرأة. قال تعالى: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. (1))من جهة أخرى؛ قد حرّم القرآن وأد البنات وذمّها بأشد العبارات حيث قال: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ. (2)(وهناك آيات و روايات عديدة بهذا الصدد). وهذا التحريم والذم ورد باعتبار أنّ القرآن المجيد يعدّ خلقة المرأة والرجل خلقةً واحدة.. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاً كَثِيرًا وَنِسَاء). (3)كما أنّه أدان كلّ أشكال النظرة السلبية إلى المرأة وعدّها أمراً قبيحاً للغاية: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءٍ مَا بُشِّرَبِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ). (4)
حق الكرامة: أحد الحقوق الأساسية للناس؛ ومهم النساء؛ حق الكرامة، بمعنى الحيثية والاحترام والشرف، وهي على قسمين:
الكرامة الذاتيّة.
2 الكرامة القيميّة.
فيما يتعلّق بالكرامة الذاتية للإنسان ثَمّ آيات قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً. (5))
وعن الكرامة القيمية يقول القرآن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ. (1))ثُمّ إنّ القرآن المجيد لم يقر تفاوتاً بين المرأة والرجل، وجعل التقوى المعيار في الكرامة مضافاً إلى أن كتاب اللّه تعالى قد أقرّر جملة تعاليم إضافية لحفظ كرامة المرأة وحرم إهانتها وهتك حرمتها والتجاوز على كرامتها، ونشير هنا إلى نموذجين:الف: المنع من تهمتها بالفاحشة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (2).)ب: المنع من النظرة الحرام: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. (3) إنّ حرمة واحترام المرأة يقتضي أن لا تكون موضع نظرة السوء، ذلك لأنّ هذا العمل مقدمة للهتك والانتفاع السلبي منها، ويتبع ذلك جملة مفاسد اجتماعيّة من ضمنها الاضطراب الأمني حتّى بالنسبة إلى الأخت والأم...
بمعنى أن جميع الناس - رجالاً ونساءً - متساوون أمام القانون بلا أي تفاوت من حيث اللّغة والجنس والقوميّة والمذهب والعقيدة والحالة الاجتماعيّة.
والقرآن الكريم قد أقر هذه المساواة ونفى أي شكل من التفاخر الأسري والقومي والاجتماعيّ والوطني.. قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ. (4))
واضح أنّ هذه المساواة من حيث تنفيذ القانون أي نوع العلاقة والانتفاع من جميع مزايا المعيشة، مثل حق الملبس والمسكن و.. وليست المساواة في السهم والنصيب، وهذا عين العدالة، حيث العدالة تستوجب إعطاء كلّ شخص بما يستوجب حقّه، وكذلك الموقف منه..4. حقّ الحريّة :حقّ آخر من حقوق الإنسان الطبيعيّة؛ حق الحرية الذي هو الآخر لم يجعل فيه الإسلام تفاوتاً بين المرأة والرجل وواضح أنّ المراد من الحرّيّة في الإسلام ليس الحرّيّة المطلقة التي تبيح كلّ شيء، وأن الحرية الحقيقيّة هي الانعتاق من عبوديّة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والطاغوت..وإنّ في النظام الحقوقي هناك حرّيات لها أنواع وأقسام نشير هنا إلى بعضها:* حرية العقيدة : فلا حق لأحد أن يفرض رأيه وعقيدته على الآخرين لاسيّما وأنّه تعالى يقول: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ و لذا؛ أجاز الإسلام لأتباع الديانات الأخرى العيش بأمان وحرية إلى جانب المسلمين وفي البلاد المسلمة ما داموا لا يتعرضون لأموال المسلمين وأعراضهم بسوء.)حرّيّة التفكير: هناك مئات الآيات تدعو الناس إلى التفكر والتعقل، ومعلوم أن هذه الحرّية ثابتة محفوظة ما دامت لا تؤدّي إلى سقوط إنسانيّة الإنسان ومدافعة الممارسات المؤدّية إلى التطوّر والتكامل البشري.* حرّيّة البيان والتعبير: حرّيّة التعبير إحدى الحقوق الإنسانيّة الواضحة والمؤكّدة. ولكن يجب الالتفات إلى أنّ حرّية التعبير لا تعني السماح لكل شخص أن يتسبب بأذى الآخرين وإهانتهم، بل إنّ الإسلام قد رسم حدوداً عقلائية لهذا النوع من الحرية بما يضمن للناس أمنهم واحترامهم..قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
هَدَاهُمُ اللّه وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ. (1)وواضح أنّ اختيار واتباع أحسن القول يكون ممكناً ضمن أجواء حرّيّة التعبير والبيان.)5. حق التملّك والمالكيّة:قال عزّوجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ ممّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّه مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّه كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (2). وهذه الآية تشير إلى نقطتين أساسيتين فيما يرتبط بمالكيّة المرأة:)الأولى: الاستقلال في المالكيّة والتملك : فالنساء كما الرجال يملكن كسبهنّ وعملهن ونشاطهن بمعنى أنّ كلّ ما يحرزن من مال وثروة يعود إليهن ولا حق لأحد في التدخل بشأنها إلّا أن يأذن بذلك... ولازم هذا القول أنّ للنساء حق التصرف في أموالهنّ.الثانية: النشاط الاقتصادي: كذلك يفهم من الآية أعلاه أنّ للنساء حق النشاط والفعالية الاقتصاديّة والعمل.وبالنتيجة؛ يكون بمقتضى هذه الآية أنّ الاكتساب والنشاط الاقتصادي جائز للمرأة، مضافاً إلى حقها في الانتفاع بثمرة عملها ونشاطها..6. حق المشاركة في الفعّاليّات السياسيّة والاجتماعيّة:القرآن الكريم والنصوص الإسلاميّة والشواهد التاريخية تبيّن قضيّة أن للمرأة أن تشارك - مع مراعاة العفاف والحياء - في الفعاليات السياسيّة والاجتماعيّة، من جملة ذلك حقها في البيعة للقائد (3والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتماعيّ والحضور والمشاركة في الفعاليات الاجتماعيّة وإحياء الشعائر الدينية، مثل الدعاء أو المباهلة ومشاركة بعض)
النساء في حروب صدر الإسلام وخوض الصراع السياسي - العقائدي كما فعلت مولاتنا الصدّيقة الزهراء (عَلَيهِ السَّلَامُ باعتبارها قدوة النساء وسيّدتهن، وكذلك ما قامت به ابنتها الصديقة الصغرى السيدة زينب (عَلَيهِ السَّلَامُ)..)- في البدء نشير إلى آيات قرآنيّة شريفة تتناول المشاركة الاجتماعيّة للنساء:الف: آية البيعة:قال عزّ من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللّه شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللّه. (1))ب: آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:هذه الوظيفة الاجتماعيّة تعمّ جميع أهل الإيمان؛ المرأة والرجل؛ كما وصف اللّه المؤمنين العاملين بهذه الوظيفة حيث قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ. (2) ج: آية المباهلة:
انبرى مخالف و الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن جملتهم نصارى منطقة نجران إلى اختباره بسؤالهم عن النبيّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجاؤوا المدينة لهذا الغرض، وبعد استماعهم الإجابات النبوية الثاقبة القاطعة لم يرتدعوا عن الاستمرار في معارضتهم للإسلام.. فما كان إلا أن أمر سبحانه وتعالى نبيه صلوات اللّه عليه وآله أن إذا جادلك الذين أدليت لهم بحججك الثابتة فادعهم إلى المباهلة... أي: أدعهم إلى التضرّع بين يدي الربّ العزيز ليفتضح الكاذب
ويعاقب، وهنا كان حضور للسيدة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) الإلهي المميّز: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. (1)
الشواهد التاريخيّة:
غير القرآن وآياته الكريمة؛ هناك شواهد تاريخية تحكي مشاركة النساء في الساحات السياسيّة والاجتماعيّة نشير هنا إلى بعض النماذج :
الف: أنّ النساء المسلمات شاركن في معارك صدر الإسلام كما في معركة أحد وعملن في تضميد ومداواة الجرحى ومنهنّ (نسيبة الجراحة). (2)
ب: الحضور السياسي للسيدة الصديقة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) وموقفها من المخالفين لأهل البيت صلوات اللّه عليهم وخطابها - باعتبارها القدوة الفذّة للمؤمنين - الخاص بإحقاق الحقّ والدفاع عن الولاية في مسجد المدينة.. (3)شاهد على ما ذكرنا من حضور المرأة ومشاركتها في أهمّ المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والعقائديّة.
ج نموذج آخر.. الحركة الزينبية العظيمة في مشروع عاشوراء الإلهي والدفاع الفذّ لهذه السيدة العلوية- الفاطمية - الحسينية عن الدين والإمامة والمظلومية.. فمواقف وخطب واحتجاجات هذه المرأة الربّانيّة عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات اللّه عليهم في مقابل طغاة الأمويين ومشروعهم الشيطاني دليل واضح جداً على دور المرأة - أو ما ينبغي لها من دور - في المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والدينية.
شروط الحضور والمشاركة السياسيّة والاجتماعيّة للنساء:
النساء كما الرجال؛ لهن أن يشتركن في مختلف الفعاليات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ولكنّ هذه المشاركة منوطة بجملة قيود لئلا تستثمر المرأة استثماراً سلبياً يجرها إلى المفاسد الاجتماعيّة، وقد بيّن الإسلام مجموعة من الشروط التي تصب في صالحها وكذلك في الصالح العام، وهي عبارة عن:
الف: حفظ الحجاب، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ. (1)
ب: الامتناع عن الخضوع في القول: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. (2)أي أنّ على المرأة أن لا تتحدّث بطريقة تثير رغبة الرجال فيها..)ج: الامتناع عن النظر الحرام إلى الرجال : ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ. (3))د: الورع عن الظهور المثير وكلّ ما يجلب النظر المحرّم إليهنّ، مثل التبرج وإظهار الزينة والمشي المثير ولبس لباس الشهرة والشهوة واستعمال العطور لدى حضور غير المحارم...يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ. (4)كما لو مشت وقد تحلّت قدمها بالخلخال ليسمع الرجال صوته.. وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهليّة الْأُولَى) (5)منعاً للتمظهر بين الناس كما كانت نساء الجاهليّة تفعل..)
ه-: مراعاة العفاف والطهر: فالحضور في الساحة الاجتماعيّة مشروط بالعفّة.. والعفيف من يحفظ نفسه في مواجهة الوساوس الشيطانيّة وضغوط هوى النفس ويحرسها من الخطأ والانحراف. فإن وجد الفرد المؤمن نفسه مثاراً من جهة العوامل الموجبة للوساوس والإثارة؛ لزمه الحذر من أن ينحرف، والأخذ بزمام السيطرة وقياد نفسه؛ رعايةً للعفاف.. وعلى هذا الأساس وجدنا القرآن المجيد يوصي الذين يعجزون عن الزواج بلزوم جانب العفّة والشرف: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حتّى يُغْنِيَهُمْ اللّه مِن فَضْلِهِ. (1) 7. الحقوق المعنويّة :
ورد في التعاليم القرآنيّة أنّ المرأة تماثل الرجل في أن تتمتع بالروح الإنسانيّة الكاملة وحرّية الإرادة والاستقلال في العمل، وبعبارة أخرى للمرأة الحقّ التامّ في التطور والسمو والتعالي المعنوي الروحي. (2)
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وقال سبحانه في سورة النساء / 124:
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)
وقال عزّ اسمه في سورة الأحزاب / 35:
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللّه لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
وواضح أنه سبحانه وتعالى في الآيات المشار اليها في الهامش قد خاطب النساء كما هو خطابه المقدّس للرجال بالأجر المعنوي والسعادة الأخروية، وقد أقر لهنّ حقوقاً متساوية مع ما للرجال...
ج: الحقوق الأسريّة
أوّل حق من حقوق المرأة الأسرية؛ حق التعلّم والتعليم، وهذا الأمر والحق يشمل حياة المرأة في بيت أبيها أو لدى حياتها مع زوجها أو في حال سلطتها على نفسها كما لو فقدت زوجها بموته أو طلاقه..
قال اللّه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. (1))وبديهيٌّ أن حفظ النفس والأهل من نار جهنّم يكون ويتم تحت مظلّة التعلّم والتعليم والتربية الصحيحة وإفساح المجال لتحقّق ذلك.. وهذا من جملة حقوق أهل البيت على وليّ أمرهم..ويقول سبحانه في آية أخرى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (2))2. حقّ الزواج واختيار الزوج :للمرأة حقّ على أسرتها وعلى الحاكم أن يوفّرا لها أسباب وأرضية زواجها وأن يساعدانها في هذا المجال.. يقول القرآن الكريم : (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللّه مِن فَضْلِهِ. (3)ومن جهة أخرى؛ فإنّ حق الزواج واختيار الزوج عائد إليها؛ ولا يسع أحداً أن يجبرها على ما تكره، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (4).
قال تعالى بهذا الصدد: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. (1)وعلى الرجال أن يراعوا هذه الحقوق.)وفي الواقع؛ إنّ هذا القسم من الآية يشير إلى ضرورة الاحترام المتقابل بين الرجل والمرأة في جميع المجالات، وهذا الاحترام نوع من المعاشرة بالمعروف..ويقول تعالى في آية أخرى : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. (2)فالمعاشرة بالمعروف حق للنساء على الرجال ولا يصح لهم التخلّف عن أدائه..)4. حقّ الإرث :القرآن المجيد قائل بالإرث لكل من المرأة والرجل: (للرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ممّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. (3))وهذه الآية الشريفة ترسم خط البطلان على ما كان من تقاليد الجاهليّة، حيث كانت المرأة والطفل يحرمان من إرثهما، بل وأوجبت لهما إرثاً كما هو للرجال.جدير بالذكر أنّ المرأة كما الرجل تعتبر جزءاً كاملاً من المجتمع الإنساني، ولكن لازم الجزئية الكاملة أن يكون لها كلّ حق محرز للجزء الاجتماعيّ الآخر، وذلك تبعاً لاختلاف الأفراد من حيث الموقع والوزن الاجتماعيّين اللذين يوجبان التفاوت في الحقوق.. كما أنّ ذلك يوجب التطور والنمو الاجتماعيّ.. علماً أنّ حقوق الرجال كذلك تتفاوت حسب وزنهم الاجتماعيّ..
### الآية 125#### إشارة:وَمَنْ أَحْسَنُ دِينَا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّه وَهُوَ مُحْسِنُ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّه إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث تناولت الآيات السالفة الحديث عن تأثير الإيمان والعمل وأنّ الانتساب لمذهب ما غير مؤثر في واقع الإنسان ومصيره.. فإنّ هذه الآية دفعت احتمال الشبهة وأكدت أفضليّة وأرجحيّة الدين الإسلامي على جميع الأديان.2. رغم أنّ مضمون هذه الآية ورد بصورة استفهام، إلّا أنّ المراد منها هو أخذ الإقرار من المخاطب بها تجاه هذا الواقع..3. أحصت في هذه الآية الشريفة ثلاثة معايير لأفضليّة الدين.الف: التسليم المطلق اللّه تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّه.)ب: الإحسان: ﴿وَهُوَ مُحْسِنُ.)ج: اتباع ملة إبراهيم الحنيفية: ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.)4. الإحسان والعمل الصالح يشمل كلّ إحسان بالقلب واللسان والعمل (وفي هذه الآية بمعنى أنّ كلّ عمل يؤدّيه الإنسان في مسار العبودية للّه تعالى يجب أن يؤديه وكأنه ينظر إلى ربَّه المتعال، وإن لم ير اللّه ؛ فإنّ اللّه يراه وينظر إليه ويشاهده كما ورد في الحديث النبوي الشريف المنقول في (تفسير نور الثقلين) في ذيل هذه الآية حيث ورد الردّ على سؤال في معنى)
الإحسان: «أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». (1)5. حيث أنه سبحانه قد اتّخذ إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ خليلاً، فلا بد من السؤال عن معنى الخليل...)لعلّ (الخليل مشتقٌ من مادة الخلّة على وزن الحجّة بمعنى الرفيق.. أو لعله مأخوذ من مادّة الخلّة على وزن ضربة بمعنى الحاجة.. وقد وقع الاختلاف بين المفسّرين في أي المعنيين أقرب إلى المراد ومفهوم الآية.)فذهب جماعة إلى أنّ المعنى الثاني هو الأقرب إلى حقيقة الآية، ذلك لأنّ النبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يعي ويشعر جيّداً بأنهّ محتاج إلى اللّه تعالى في جميع الأشياء على الإطلاق.. ولكن حيث الآية أعلاه تقول: ﴿وَاتَّخَذَ اللّه إِبْرَاهِيمَ) فإنّه يفهم بأنّ المراد منها هو الخلّة والرفقة.. لأننا إذا قلنا بأنّ الرب العزيز قد اتخذ واصطفى إبراهيم خليلاً رفيقاً، كان ذلك أنسب بكثير، كما يبدو من قولنا بأنّ اللّه اتخذ إبراهيم المحتاج إليه، فضلاً عن أن حاجة المخلوقات إلى ربها غير لا تشبه حاجة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لربه كما هي الآية (15) من سورة فاطر القائلة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللّه) خلافاً لخلّة اللّه ورفقته التي لا يتساوى فيها المخلوقون تجاه ربّهم. 6. يمكن أن نقول: ما هي ميزات إبراهيم التي جعلت اللّه تعالى يرفعه إلى مقام الخلة.. وقد وردت روايات عديدة مختلفة بهذا الصدد، ويمكن أن تكون كلها مدعاة ودليلاً على هذا الاختيار، ومن جملة تلكم الروايات ما ورد عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتَّخذ اللّه إبراهيم خليلاً لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً قط غير اللّه...» (2)ونفهم من روايات أخرى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد حظي بهذا المقام الرفيع لكثرة سجوده وإطعامه الجياع وصلاته في جوف الليل، أو لأجل سعيه الحثيث في طريق طاعته ربّه المتعال.... (3)
وَللّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللّه بِكُلِّ شَى ومُحيطاً (126)
السماء، بمعنى الجوالمحيط بأطراف الأرض وسائر النجوم والكواكب والفضاء الرحب، وجذر كلمة (السماء) من السموّ بمعنى العلوّ.
وردت كلمة (السماء) في القرآن (120) مرّة بصيغة المفرد، و (190) مرة بصيغة الجمع، ووردت (100) مرّة لوحدها، فيما وردت (173) مقرونة إلى كلمة الأرض ثم مؤخّرة عنها (7) مرات، وقد أطلقت في الموارد أدناه:
حيث قال القرآن في الآية السابقة (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ اللّه وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا...) فقد ذكر في هذه الآية وبعد الإشارة إلى مالكية الربّ المطلقة وإحاطته بكلّ الأشياء، وكأنّه يريد القول إنّ اللّه المحيط بالسماوات والأرض وأنّ جميع الأشياء منه.. وهنالك يتبين من هو المسلّم اللّه ومن هو غير المسلم له..
حينما تكون السماء والأرض مسلّمتين اللّه، فما بال العبد الحقير الذي لا قدرة له في مقابلهما يمتنع عن التسليم، وهو الضعيف أمام ملك اللّه.. حتّى لو امتلك الدنيا طولاً وعرضاً وتربّع على عروش السلطة والغنى، إذ لا مناص له من التسليم اللّه؛ لعجزه عن الفرار من مملكة الربّ العزيز أو من الموت المقدّر من جهة اللّه تعالى أيضاً (وَاللّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمُ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)
الف: وردت الإشارة في هذه الآية الشريفة إلى (14) موضوعاً:
حقوق المرأة كانت مدار البحث والنقاش لدى مسلمي صدر الإسلام وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ).
الدفاع عن حقوق النساء والصغار واليتامى، ممّا يدلّ على تعرّضهم للظلم على مدى التاريخ.
الدفاع عن حقوق النساء حكم إلهي لا يقبل الإشكال قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ.)4. التشريع للأحكام يجري من جانب اللّه، فيما البيان مهمّة للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ﴿قُل اللّه يُفْتِيكُمْ).)5. التصريح بمحق السنن الجاهليّة بالفتاوى ﴿قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ.)6. اجتناب حرمان النساء من الإرث بداعي التقاليد الجاهليّة (لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ.)7. التأكيد على مالكية المرأة وحقها في الإرث (كُتِبَ لَهُنَّ.)
8. عدم الرغبة بالزواج من الفتيات اليتيمات مرادف لحرمانهن من الإرث، كما أنّ الرغبة في الزواج منهنّ لأخذ ما عندهنّ من إرث نوع ظلم لهنَّ (تَرْغَبُونَ بمعنى الميل وعدم الميل.)9. حفظ حقوق اليتامى مسؤولية الجميع (وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى.)10. النهوض بواقع اليتامى مهمة تقع على المجتمع الإسلامي ككل ﴿تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ.)11. التعامل العادل مع الأيتام كنموذج لفعل الخير (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ.)12. خدمة المحرومين والدفاع عنهم ﴿فَإِنَّ اللّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا.)13. الإيمان بالعلم الإلهي خير تشجيع على فعل الخير (كَانَ بِهِ عَلِيمًا.)14. علم اللّه بالوقائع قبل وقوعها (تَفْعَلُوا... كَانَ بِهِ عَلِيمًا.)ب: حقوق النساء قضية سامية يتصدّى اللّه لتشريعها دون أي شخص آخر (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.)ج: ينبغي الالتفات إلى أنّ جملة (يَسْتَفْتُونَكَ لغةً مشتقة من مادة الفتوى والفتيا؛ بمعنى الإجابة على المسائل الصعبة، وحيث أنّ الجذر الأصلي لهذه المفردة بمعنى الشاب اليافع؛ أن تكون بخصوص المسائل التي يجيب عنها الإنسان إجابات حديثة، ثمّ يتمّ اختيارها للإجابة على جميع المسائل.)
### الآية 128#### إشارة:وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129)#### شأن نزول الآيةورد في كثير من كتب التفسير والحديث في شأن نزول هذه الآية أن رافع بن خديج كان له زوجتان؛ إحداهما مسنّة والأخرى شابة يافعة، فطلق الأولى، ثم اقترح عليها قبل انقضاء عدتها أن يرجعها إن كانت راغبة في الرجوع وأن عليها أن تصبر إن قدم عليها زوجته الشابّة، وإن أحبّت صبر حتّى تنتهي أيام عدّتها لينفصلا.. فقبلت المرأة اقتراح زوجها رافع بن خديج وتصالحا، فنزلت هذه الآية وبينت حكم هذه الحالة.. (1)#### النقاط المستفادة من الآية1. (النشوز في اللّغة من مادّة النشز بمعنى الربوة، وإذا استعملت في المرأة والرجل؛ فهي بمعنى التمرّد والطغيان، وقد بينت الأحكام المرتبطة بنشوز المرأة في الآيات ذات الصلة. ولكن جرت الإشارة إلى مسألة نشوز الرجل هنا، والآية تقول: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا).)2. كلمة (لا جُنَاحَ تبين حقيقة تنازل أو بذل شيء من حقوقها برضاً منها وطيب خاطر؛)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 183.
ولا إكراه عليها في ذلك.. ولهذا؛ لم يكن عليها بأس فيما بذلت...3. تفهم مسألتان فقهيّتان بالنظر إلى شأن نزول هذه الآية:الأولى: أنّ أحكاماً؛ مثل تقسيم أيام الأسبوع بين الزوجين؛ لها حيثية حق لا حكم؛ ولذا؛ كان للمرأة أن تتنازل عن حقها كلياً أو جزئياً باختيارها.الثانية: لا يلزم لدى الصلح بين الزوجين أن يبذل أحدهما عوضاً أو أن يكون هذا العوض مالاً وإنّما يمكن لإسقاط حق من الحقوق أن يكون هو العوض.4. قوله تعالى (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مفعم بالمعنى، وذلك أنه وبالبناء على هذه الآية الشريفة التي وردت بخصوص الاختلافات الأسرية، ولكن من البديهي أنها تؤكد وتبين قانوناً كلّيّاً وعاماً يحكي عن أنّ القاعدة الدينية في جميع الأمور تبتدئ وتتم على أساس الصلح، وأن النزاع والفُرقة خلاف الطبع الإنساني السليم والحياة المستقرة، ولذا؛ لا ينبغي أن يحصل النزاع إلّا في موارد الضرورة والاستثناء.)5. هناك من الأفراد من يخرج عن نطاق العقل والدين؛ فيذهب إلى أن الأصل الأول في الحياة - كما هي الحياة الحيوانية السبعية - هو تنازع البقاء والصراع وخوض الحرب لإحراز التكامل والكمال.. ولعلّ هذا النوع من التفكير يشكّل مصدر كثير من الحروب وإراقة الدماء على مرّ العصور.. في حين أنّ ابن آدم و لحيازته العقل والذكاء يختلف عن الوحوش والسباع، وإنّما يكون تكامله تحت مظلة التفاهم والحوار والتعاون واحترام الطرف الآخر؛ دون التنازع بل إنّ أصل تنازع البقاء حتّى بين الحيوانات لا يمثل الأصل المقبول والدائم لإحراز التكامل..6. جرت الإشارة في هذه الآية إلى سبب ومصدر الكثير من الصراعات والحروب، إذ قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَ حيث أن كلّ فرد يحبّ ويفضل نفسه على غيره في الغالب ممّا يضطره إلى الصراع ومحاولة أخذ حقوقه بالتمام والكمال..)7. الحقيقة التي يجب أن نعيها جميعاً هي أن البخل والخشة تمثّل مصدر كثير من
الاختلافات مع أنّها إحدى الصفات الأخلاقيّة والنفسية الذميمة والمذمومة، وعلى هذا الأساس؛ كان لزاماً على الناس أن يسعوا حثيثاً في إصلاح أنفسهم، وأن يتّخذوا من الصفح شعاراً.. وفي هذه الحالة؛ لا يتم اقتلاع الخلافات الأسرية فحسب وإنّما ينتهي الأمر إلى القضاء على كثير من النزاعات الاجتماعيّة وغيرها.8. حيث أن من الممكن للرجال أن يسيئوا التصرف والانتفاع والاستغلال لحكم اللّه تعالى للنساء في ضرورة الصلح والصفح عن أزواجهم الناشزين.. فقد وردت الوصيّة في آخر الآية بالإحسان والورع، ثمّ التحذير من الغفلة عن ضبط النفس ومراقبة السلوك وعدم الانحراف عن جادّة الحقّ والعدل لاسيّما وأنّه تعالى عالم بكل ما يصدر عن الإنسان من تصرّفات: ﴿وإن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.)
### الآية 129#### إشارة:وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129)#### النقاط المستفادة من الآيةمقدّمةنُقل أنّ أبي العوجاء الدهري المعروف. واجه هشام بن الحكم، وهو أحد أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ وسأله قائلاً: أليس اللّه حكيماً؟)فقال هشام: أنّه حكيم، بل أحكم الحكماء.فسأله ابن أبي العوجاء عن الآيتين محط البحث بالقول : فلماذا أمر اللّه من جهة الرجال بالعدالة بين الزوجات، ومن جهة أخرى قال: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وأضاف ابن أبي العوجاء قائلاً: فأي حكيم هذا الذي يقول ويأمر بذلك؟!)قال هشام فلم يكن لي من جواب في ذلك الوقت، ثمّ إنّي قدمت المدينة وجئت مولاي أبا عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ. فقال لي: يا هشام لم لم تأتِ في وقت الحج والعمرة؟ فقلت: نفسي لك الفداء؛ قد جئتك لأمر مهمّ... إنّ ابن أبي العوجاء سألني مسألة وليس عندي جوابها.. فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وما هي ؟ فحدثته بالمسألة. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): المراد بالعدالة في الآية الثالثة من سورة النساء؛ العدالة في النفقة (وحفظ حقوق المرأة وطبيعة السلوك تجاهها) وأما المقصود)
بالعدالة في هذه الآية (129 من سورة النساء، فهو أمر محال؛ إذ العدالة في الميل القلبي.)وحين عاد هشام من سفره والتقى ابن أبي العوجاء، أجابه على ما سأل..فقال هذا الأخير متعجباً بامتناع : أقسم على أنّ هذا الجواب ليس من عندك ؟! (1)1. سؤال : بالنظر إلى الآيتين (3 و 129 من سورة النساء وحيث أنه سبحانه وتعالى يعلم بعجز الرجال عن تحقيق العدالة بين زوجاتهم، كيف أجاز الزواج من أكثر من زوجة، فما هي العلّة في أن دعاهم اللّه - بذلك- مع عدم العدل منهم ؟!)لدى الإجابة على هذا السؤال والشبهة نشير إلى الأمور أدناه بشيء من البحث والتحقيق: الأمر الأول: أنه سبحانه وتعالى قد أكّد ووضى في الآية الثالثة من هذه السورة بتحقيق العدالة بين الزوجات. وفي هذه الآية أشار وبين مفهوم العدالة أساساً، فقال: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فالأمر وإنّ بدا للوهلة الأولى أنّ ثَمّ تعارضاً بين مفهومي الآيتين، ذلك لأنّ الوصيّة وردت في الآية الأولى بتحقيق العدالة، وفي الآية الثانية؛ جرى الحديث عن نفي إمكانية تحقيق العدالة.. ولكن مع إعمال الدقة والملاحظة المطلوبة في الآية الثانية التي تبين مفهوم العدالة، يمكن فهم التفاوت المقصود ومدلول الآيتين بوضوح، لأنّ العدالة في الحقيقة بمعنى أنّ على الرجل أن يتخذ لنفسه وسلوكه طريق الاعتدال حيث لا إفراط ولا تفريط..)الأمر الثاني: في الآية الثالثة من سورة النساء، وحينما ورد التأكيد بتحقيق العدالة بين الزوجات، فإنّما هي الاتجاهات، فضلاً عن حقوق مثل: إعطاء نفقة العدالة في جميع المعيشة؛ من قبيل المأكل والمسكن والملبس والمعاشرة.... والحقوق الأخلاقيّة، مثل: حسن المعاشرة والسلوك تجاه الزوجات.. وعلى هذا؛ لنا أن نتصور نوعين من العدالة من قبل الرجال
1) الكافي، ج 5، ص 362.
المتزوجين بأكثر من زوجة طبقاً لهذه الآية، وهما: العدالة العملية والعدالة القلبية.. أما في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا... فقد نفى إمكانية تحقيق العدالة بمفهومها الشامل من قبل الرجال، وقال بأنّ الميل القلبي والمحبّة الباطنية تجاه الزوجات أمر معجز للرجال تجاههنّ.. لاسيّما وأنه سبحانه قال في منتهى الآية ﴿فَلَا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أَي: كمن لا زوج لها. الأمر الثالث: من عبارة (فَلَا تَمِيلُواْ كلّ الْمَيْلِ...) يتضح أن العدالة المشار إليها في صد الآية والتي تم التعبير عنها بأنها غير ممكنة للرجال هي العدالة بمفهوم (الميل القلبي) تجاه الزوجات، أما فيما يرتبط بالجوانب الأخرى، فإنّ مراعاة العدالة في الحقوق الشرعيّة جميع والأخلاقيّة؛ وطبقاً للآية الثالثة من سورة النساء، فعلى الرجال المقترنين بأكثر من زوجة؛ فهي
شرط مؤكد ولازم الإحراز والتحقيق..
النتيجة: ممّا ورد بيانه لدى تفسير الآيات بهذا الصدد؛ يتضح أنّ المراد بالعدالة في الآية الثالثة من سورة النساء هو الناحية العمليّة؛ وهو أمر ممكن لمن كان له أكثر من زوجة، وأنّ ما تمّ نفيه من العدالة في الآية (129) من سورة النساء؛ هو الناحية القلبية والميل النفسي لدى الرجل المتزوّج بأكثر من زوجة واحدة.. وعليه؛ لا يبقى ثم تعارض وتهافت بين مدلولي الآيتين..
قوله سبحانه (وإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ الوارد في الآية السالفة؛ وذكر فيه الأمر بالإحسان والتقوى؛ هو بمثابة تهديد للرجال ذوي الزوجات المتعدّدات، وأنّ عليهم أن يراقبوا سلوكهم تجاههنّ، لئلا ينحرفوا عن مسار ومسمّى العدالة.. وهنا قد يرد التوهّم بأنّ مراعاة العدالة حتّى في مورد المحبّة والعلاقة القلبية أمر غير متاح..
هذه الآية تجيب على السؤال المتقدّم وتقول بأنّ العدالة فية العلاقة القلبية والمحبّة أمر غير ممكن تجاه جميع الزوجات وإن سعى الرجل إلى إعمالها فيما بينهنَّ (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ
أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ).
يخالف العدالة بينهما. (1)9. معلوم أننا إن فسرنا كلمة العدالة في الآيتين بمعنيين: العدالة في النفقة والعدالة في الميل القلبي، فذلك لتوفّر القرينة الواضحة في الآيتين.. ففي ذيل الآية مورد البحث ورد بصراحة (فَلَا تَمِيلُواْ كلّ الْمَيْل فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وبهذا أبيح الزواج من أكثر من واحدة بشرط الامتناع عن إلحاق الظلم بإحداهنّ مع حصول الميل القلبي إلى واحدة منهنّ. وفي مطلع الآية الثالثة من ذات السورة أبيح تعدد الزواج بصراحة..)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 185.
### الآية 130#### إشارة:وَإِن يَنفَرَّقَا يُغْنِ اللّه كُلا مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللّه وَاسِعًا حَكِيمًا (130)#### النقاط المستفادة من الآية1. لطالما أكد الإسلام في وصايا كثيرة على توقّي الوقوع في الطلاق، ولعلّ إحدى النقاط ما وردت في مسألة النشوز بين المرأة والرجل، أما إذا بلغ الخلاف بين المرأة وزوجها إلى حدٍ لا يسعهما فيه حلّ هذا الخلاف، ولم يستطع الحكمان أن يحدّدا مصير الخلاف.. تبدّل جو الأسرة إلى جهنّم حيث لا يمكن تحمّل الحياة من قبل المرأة وزوجها. والإسلام وإن أدان الطلاق واعتبره أبغض الحلال عند اللّه تعالى فإنّه لا يرضى للمرأة وللرجل أن يهدرا حياتهما على سبيل الإجبارأ و يحوّلاها إلى عيشة في قفص تحت مسمّى الجو العائلي؛ حيث العداء والخلاف المتواصل.. وهنالك يصير الطلاق جائزاً..2. وردت في القرآن الكريم حوالي (21 آية عن الطلاق، وقد طفحت سياقات هذه الآيات بالدروس والإثارة، رغم أنها جرت مجرى المسائل الحقوقية وتبيّن أحكامها وقوانينها، وقد حوت جملة من الوصايا والنقاط الأخلاقيّة الظريفة.)3. لا شكّ في جواز أصل الطلاق في الإسلام؛ ولكن يجب الوقاية من وقوعه وإيقاعه إلى الحدّ المقدور.. أمّا إذا انطفأت شعلة المودّة والحبّ والتفاهم في الجو العائلي وبين المرأة وزوجها؛ فإنّه لا تبقى وسيلة غير الطلاق، لأنّ مواصلة الحياة في هذه الحالة أمر مؤلم للغاية، ولا ينتج عنه سوى مزيد من الاختلاف والتضادّ والسلوك غير المشروع والتصادم والمشاكل...4. إذا تسبّبت مواصلة الحياة الأسرية بما لا يطاق بحيث تصير الحياة فيها حياة مرّة مظلمة
ولم يمكن إصلاحها بوجه من الوجوه.. فإنّ الزوجين غير مجبرين على إدامة هكذا حياة، إذ لو بقيا يعيشان معاً لأصبحا سجينين إلى آخر عمرهما.. ولكن عليهما. والحال هذه. أن يتخذا قراراً شجاعاً وأن لا يهلعا من المستقبل.. ذلك لأنهما إذا انفصلا في ظل هكذا ظروف، فإنّ اللّه تعالى سيغنيهما من فضله ورحمته، ولعلهما يختاران لأنفسهما أزواجاً غير أزواجهم وعيشة خيراً من عيشتهما (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّه كُلاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّه وَاسِعًا حَكِيمًا.)
### الآية 131#### إشارة:وَللّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّه وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللّه غَنِيًّا حَميدًا (131)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث جرت الإشارة إلى أنّ الزوجين إن انفصلا على أساس الضرورة التي لا تبقي لها طريقاً غير الانفصال، فإنّه لا مانع من هذا الانفصال.. فلا يخافا المستقبل، إذ اللّه تعالى يغنيهما من فضله وكرمه.. ولهذا وجدنا الآية أعلاه تضيف القول بأنّ هذا الربّ الغني المطلق غير عاجز عن إغناء عباده ﴿وَاللّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.)2. ثُمّ للتأكيد على التقوى بهذا الصدد وفي كلّ أفق من آفاق الحياة تقول الآية إنّه تعالى قد وصى اليهود والنصارى ومن هم قبل المسلمين ممن لهم كتاب سماوي وكذلك المسلمين. بدورهم. أن يلتزموا جانب التقوى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّه.)3. التقوى اسم مصدر من جذر (وق ي وهي بمعنى الامتناع والتحصن والحذر الشديد والاستثنائي.)4. المراد من معنى التقوى؛ بلوغ الإنسان إلى صفة تمنع الإنسان من التمرّد على إرادة اللّه تعالى وارتكاب المعصية، وتدفعه إلى الطاعة والعبوديّة ويمكن تسمية المتصف بهذه الصفة بالمتقي، وبعبارة أخرى تكون التقوى: حفظ النفس عن المحرّمات والمكروهات..
5. جعل القرآن الكريم التقوى شرطاً لقبول الأعمال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ. (1) 6. التقوى حالة أمر اللّه تعالى بها جميع عباده:
(وَللّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّه وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللّه غَنِيًّا حَمِيدًا).
الف: التقوى العامة.
وهي بمعنى الحذر من العقاب؛ مثل عقاب جهنّم كما ورد في الآيات أدناه:
(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. (2)
ب: التقوى الخاصّة:
لما كان للتقوى درجات كما قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ وقد أوردت الآيات أدناه ما تطلق عليه بالتقوى الخاصّة، وهي تتفاوت عمّا ذكرناه:)(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَواْ وَأَحْسَنُوا وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (3)
ج: التقوى الأخصّ:
أعلى درجات التقوى التي أشار إليها القرآن الحكيم :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). (1)
(فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2).
وعلى هذا؛ فإنّ كلّ من يكتسب ويحرز درجة من درجات التقوى؛ عليه أن يضاعف جهده لينال درجة أعلى..
### الآية 132#### إشارة:وَللّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللّه وَكِيلًا (132)#### النقاط المستفادة من الآية1. في هذه الآية الكريمة وللمرّة الثالثة اعتمدت القول بأنّ كلّ ما في السماوات والأرض ملك اللّه عزاسمه وأنه هو الحافظ والماسك لهنّ.. (وَللّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللّه وَكِيلاً.)2. يمكن أن يطرح سؤال هنا، وهو: لماذا هذا التكرار ثلاثاً في هذه الفاصلة القصيرة، فهل هو مجرد تأكيد؟ أم يحمل إشارات خاصّة؟ينبغي القول لدى الإجابة: إنّ الدقة في مضمون الآيات يشير إلى أنْ ثُمّ مطلباً في كلّ مرّة يتكرّر فيها هذا المطلب. فمثلاً؛ إنّ العبارة الأولى جاءت لإعلام الزوجين أنهما إذا انفصلا عن بعضهما لضيق الحياة الزوجيّة، فإنّه تعالى سيغنيهما من فضله، ولإثبات هذا الوعد الإلهي یذکّر هما سبحانه بأنه المالك الغني المطلق لكلّ ما في السماوات والأرض.. وإنّ تكرار العبارة للمرة الثانية الوارد بعد التوصية بالتقوى، لئلا يتوهم بأنّ تنفيذ هذه الوصيّة والالتزام بها ينفع اللّه في شيء، أو أن مخالفتها يضرّه سبحانه في شيء.. وفي الحقيقة؛ إنّ هذا القول شبيه بما قاله مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في خطابه لهمام رضوان اللّه عليه:)«إنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم؛ غنيّاً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم؛ لأنّه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه». (1)وتكرار العبارة للمرة الثالثة كان بمثابة المقدّمة لما سيأتي من بحث في الآية (123 حيث)
1) نهج البلاغة، ص 303.
يتجدّد الحديث عن مالكيّة اللّه سبحانه لكل عالم الوجود.3. ورد الحديث عن عجائب خلقة السماء (173 مرّة في القرآن المجيد، وفي مقابل ذلك؛ ورد القول عن العلاقة بين السماء والأرض وخلقتهما وعجائبهما (7) مرّات، وذلك في سورة البقرة الآيات (255 و 284) وسورة النساء؛ الآيات (126 و 131 و 132 و 170) وفي سورة الأنبياء؛ الآية (30).)4. لعل السبب في كثرة الحديث عن خلقة السماء وعجائبها، في مقابل الآيات السبع الواردة في بحث العلاقة بين السماء والأرض، هو العجائب المكشوفة في السماء ومخلوقاتها؛ في مقابل الأرض وعجائبها، ولذلك كانت الغلبة العددية..5. كلّما تعاظمت قوّة وقدرة الوكيل كان فعله ودوره أكبر، ولهذا؛ فإنّ اللّه الذي خلق السماء والأرض أعظم وأقوى وأقد روكيل للإنسان على الإطلاق..6. يجب أن نعلم أن الإنسان الناجح هو الذي لا ينتفع من وكيله في التظلم والدفاع فحسب، وإنما ينبغي له أن يستفيد منه في جميع الأمور وأي وكيل أفضل من اللّه تعالى في الدفاع والاهتداء والاستلهام و...؟
### الآية 133#### إشارة:إن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِئَاخَرِينَ وَكَانَ اللّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (331)#### النقاط المستفادة من الآية1. لأنّ اللّه تعالى أوصى في الآيات السالفة جميع الناس بالتقوى، فكان عليهم تنفيذ هذا الأمر وهذه الوصيّة الإلهيّة.. أمّا إن امتنعوا عن ذلك واختاروا الكفر، فعليهم أن يعلموا ويتأكدوا من أنّه عزّوجل غني عنهم لأنه المالك المطلق والخالق لهم، وله التصرف كيف شاء في مملوكه الإنسان ومملكته في الوجود.. وله أن يستبدل الناس العصاة بخلق جديد من الناس يعبدونه لا يشركون به طرفة عين.. فهو القاد رعلى كلّ شيء..2. بملاحظة هذه الآية الشريفة يتكشف أنها ناظرة إلى استبدال غير المتقين بمتّقين، ويؤيد هذا المعنى ما رواه البيضاوي في (تفسيره وفي (التبيان) و(مجمع البيان) عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث نزلت هذه الآية؛ فوضع النبي كفّه على ظهر سلمان رضوان اللّه عليه وقال بأنهم قوم هذا يعني عجم الفرس... (1)في إشارة إلى ما سيقدمه الإيرانيون من خدمات للإسلام في مستقبل الأيام..)3. وبالتدبّر في هذه الرواية نفهم أنّ بعض المفسّرين حين احتملوا أن يكون معنى الآية أنّه تعالى إذا أراد؛ دمّركم واستبدلكم بقوم آخرين أو مخلوقات أخرى بدلاً عن الإنسان العاصي الكافر.. فإنّه احتمال غير رصين لبعد هذا المعنى عن سياق الآية...
1) تفسير البيضاوي، ج 2، ص 102، والتبيان، ج 3، ص 352 ومجمع البیان، ج 3، ص 187.
### الآية 134#### إشارة:مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّه ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللّه سَمِيعًا بَصِيرًا (134)#### النقاط المستفادة من الآية1. الخطاب في هذه الآية ورد في الذين يدعون الإيمان باللّه تعالى، ويشاركون بأنفسهم في ميادين الجهاد ويلتزمون بتعاليم الإسيلام ولكن دون أن يكون لهم هدف إلهي، وإنّما غايتهم من كلّ ذلك الحصول على نتائج مادّيّة ودنيوية كغنائم الحرب أو السمعة الطيبة أو المنصب على اختلاف مشاربه.. ومثل هؤلاء مخطؤون غاية الخطأ.. ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّه ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.)2. هذه الآية تدلي بمزيد الإيضاح وببيان جديد، خطأ تاركي التقوى والمتجاهلين الخشية من اللّه تعالى الوصيّة بالتقوى والورع.. فهي تقول : لا تتركوا التقوى والوصيّة الإلهيّة بها من أجل الأجر الدنيوي والربح المادي وعليكم أن تعوا بأن الأمر بذلك مشتبه؛ لأن الثواب الدنيوي والأخروي عند اللّه تبارك وتعالى؛ فلماذا تعمدون لتكونوا ضيّقي النظر قليلي الطموح فترغبون بالحقير القليل من الأجر وترغبون عن الآخرة وهي الأشرف والأكثر قيمة وسموا؟.. فلماذا لا تطلبون من اللّه الأجرين معاً.. أجر الآخرة والأولى..ولكن! بمزيد من الملاحظة في هذه الآية الشريفة نفهم التالي أنه وإن فسر بعض المفسّرين هذه الآية بما ذكرنا، إلّا أنّه يبدو - واللّه أعلم - أنّ المراد من ثواب الدنيا والآخرة؛ سعادة الدنيا والآخرة معاً، وأنّهما عند اللّه تعالى فحسب، ممّا يفرض على العبد أن يتقرب إليه سبحانه، فحتّى إن أراد ثواب الدنيا فقط؛ لزمه الطلب منه سبحانه وحده..
3. تتحدّث هذه الآية مرّة أخرى عن الحقيقة القائلة بأنّ الإسلام غير ناظر إلى الحيثية المعنويّة والأخروية فحسب، وإنما جعل لأتباعه سعادة مادّيّة وأخرى معنويّة.4. لأنّ السعادة الدنيوية والأخروية لا ينالها الإنسان في غير مسار التقوى، ولأنّ التقوى لا تحرز من غير طريق العمل بأحكام الدين؛ فإنّ سعادة البشر لا تتحقق إلا تحت مظلة الدين ورحابه.5. كيف يمكن تصوّر عدم وصول أحدهم إلى الثواب إلا عن طريق الفيض الإلهيّ؟حيث أنه سبحانه الوحيد السميع البصير والخبير بحاجات خلقه والبصير بأمورهم والسميع لدعائهم والعارف بنواياهم جميعاً، واطّلع على أعمال المتّصفين بصفات النفاق (وَكَانَ اللّه سَمِيعًا بَصِيرًا.)
### الآية 135#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّه وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللّه أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُواً أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (351)#### النقاط المستفادة من الآية1. ذكرت هذه الآية أصلاً أساسيّاً وقانوناً كلّيّاً فيما يتعلّق بإجراء العدالة في جميع الموارد، وأمرت المؤمنين الالتزام بالعدالة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ.)2. ينبغي الالتفات إلى أنّ القوّامين جمع قوّام، والكلمة صيغة مبالغة بمعنى كثير القيام. أي: يجب القيام بالعدل في كلّ حال وفي كلّ وقت حتّى يكون الالتزام بالعدل صفة دائمة في الإنسان المؤمن، ويكون الانحراف عن العدل مخالفاً لطبعه وروحه..3. استعمال كلمة القيام هنا يمكن أن يكون بسبب أنّ على الإنسان أن ينهض لإنجا زعمله ومتابعته، وعليه؛ فإنّ القيام بالعمل كناية عن عزمه الراسخ والجاد، وإن كان هذا الفعل لا يحتاج إلى القيام والنهوض بالجسم، كما هو عمل القاضي والقضاء. كما يمكن أن يكون التعبير هذا من حيث أن القيام عادة ما يكون فيه الشيء كموقف عمود ثابت في الأرض دون أي انحراف واعوجاج فيه.. وهكذا يكون تنفيذ العدل، حيث ينبغي أن يكون ثابتاً مستقيماً لا انحراف فيه.4. أحد مصاديق تحقيق العدل، يظهر في مسألة الإدلاء بالشهادة، إذ ينبغي الصدق فيها
وترك أيّ حسابات جانبية لتكون شهادة بالحق وإن أدّت إلى إلحاق الضرر بأقرب الناس إلى الشاهد أباً كان هذا الشاهد أو أمّاً أو غيرهما من ذوي القربى، ناهيك عن البعيد والأبعد: (شُهَدَاء اللّه وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ.)5. للأسف نلاحظ أنّ الإدلاء بالشهادة في جميع المجتمعات، و لاسيّما الجاهليّة منها، يكون في الغالب على أساس الحب والبغض وطبيعة العلاقة بين الشاهد والمشهود له أو عليه، حيث لا يعار للحق والعدالة أهميّة تذكر.. وقد روى ابن عبّاس أنّ حديثي الإسلام في المدينة كانوا إذا شهدوا على شيء؛ وضعوا في اعتباراتهم طبيعة العلاقة مع من يشهدون له أو عليه، أما إذا كانت شهادتهم تؤدّي إلى ضرر ما بقريب لهم؛ امتنعوا عن أن يشهدوا.. ولكن طبقاً لهذه الآية صار هذا الموقف الأخير غير متناسب وروح الإيمان ورسالته، إذ المؤمن الواقعي هو الذي يجرّد نفسه عن أي اعتبارات اجتماعيّة وغيرها لدى ادلائه بالشهادة، ولا يحسب للنفع أو الضرر بأقاربه حساباً.. بل ويتجاهل الحالة المصلحية بالمرّة..6. قوله تعالى: ﴿شُهَدَاء اللّه وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ يبيّن حقيقة أن للأقارب أن يدلوا بشهاداتهم وإن أدّت إلى الضرر مع حفظ أصول العدالة... 7. أحد عوامل الانحراف عن أصل العدالة أن يحسب الشاهد حساباً للأغنياء أو للعواطف الناشئة عن رؤية فقر الفقراء حيث تحول دون الشهادة بالحق، هذا في الوقت الذي يجب أن نعي فيه بأنّ الذي يشهد له أو عليه كان غنياً أو فقيراً، فإنّ اللّه تعالى أعلم بواقعه، دون أصحاب المال والثروة الذين قد يقومون بإيذاء الشاهد بالحق مع حفظ اللّه له، ولا الفقير سيبقى فقيراً جائعاً إذا ما أجري العدل بحقه (إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّه أَوْلَى بِهِمَا).
9. يعلم من قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ أن مصدر المظالم والجور عبادة النفس، ولو أن مجتمعاً خلا من عبادة الذات والهوى لانتفى منه الظلم والجور، ولهذا؛ ورد النصّ مرّة أخرى على ضرورة تحقيق العدالة معتمداً على عدم عبادة الهوى، قائلاً: إن منعتم من نيل الحق، أو حرفتم الحق، أو أعرضتم عن الحقّ بعد اتضاحه، فاعلموا أنه سبحانه عالم خبيراً بسلوككم الضال هذا (وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).)10. جملة ﴿وَإِن تَلْوُوا إشارة إلى تحريف الحقّ وتغييره.. بيد أن جملة أَوْ تُعْرِضُوا إشارة إلى الامتناع عن حكم الحقّ (وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا).)11. لعلّ العلة في استعمال كلمة (خَبِيرًا في منتهى الآية دون كلمة (عليم) هي أنّ كلمة الخبير تطلق عادة على المطلع على الجزئيات والتفاصيل لموضوع ما، والإشارة إلى أنه تعالى خبير بأدنى انحراف لكم ومنكم عن الحقّ والعدالة وهو الأعلم بالمبررات لذلك، أو لدى تحييد الحقّ إلى من ليس له الحق.. ينذر بأنه عزّوجلّ يعاقب عليه..)12. هذه الآية الشريفة بمثابة بيان كلّيّ واهتمام استثنائي من جانب الدين الإسلامي بمسألة العدالة الاجتماعيّة في جميع الآفاق، وقد وردت واستعملت أنواع التأكيدات في هذه الكلمات المقتضبة للإشارة إلى أنّ مدى الاهتمام الكبير من قبل الإسلام بهذه المسألة الإنسانيّة والاجتماعيّة العظيمة.. مع أسفنا البالغ للفاصلة والهوّة السحيقة التي تعزل هذا الأمر الديني الجليل عن سلوك المسلمين، وهذا من دلائل وأسرار تراجع المسلمين وتأخرهم عن الأمم الراقية...
### الآية 136#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللّه وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا (136)#### شأن نزول الآيةنقل ابن عباس أنّ هذه الآية الكريمة نزلت في جماعة من شخصيات أهل الكتاب مثل عبداللّه ابن سلام وأسد بن كعب وأخيه أسيد بن كعب وآخرين.. ذلك أنهم جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ منذ البداية وقالوا له: نحن نؤمن بك وبكتابك القرآن وبموسى والعزير (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) غير أننا نكفر بالكتب السماوية الأخرى وباقي الأنبياء، فنزلت هذه الآية الشريفة وأعلمتهم بضرورة الإيمان بجميع الكتب والرسل و... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. نظراً إلى شأن نزول الآية الشريفة، فإنّ وجهة خطابها إلى جمع من مؤمني أهل الكتاب الذين اكتفوا بعد قبولهم الإسلام بإظهار الإسلام مع بقائهم على دينهم السابق وعدم قبول الأنبياء والكتب السماوية السابقة.. فأمرهم القرآن بالإيمان بجميع الأنبياء والكتب السابقة،
1) مجمع البیان، ج 3، ص191 و 192.
ذلك أنّهم ينطلقون وينتهون إلى حقيقة واحدة بل ويطلبون حقيقة واحدة (مع كونهم متفاوتي الدرجات والفضل وكل منهم يحمل رسالة هي أكمل ممّا سبقها.)2. لا معنى لمسلم أن يقبل نبيّاً ويرفض آخر، اللّهم إلّا لو كانت حقيقة الأنبياء قابلة للتبعيض والتجزئة، أو أن يكون للتعصب القابلية على الحيلولة دون الواقعيات، ولذا؛ فقد رأينا الآية تقول: إنّ على المؤمنين أن يؤمنوا حقاً باللّه وبالرسول الأعظم وبالكتاب الذي أنزل معه وبالكتب التي سبقته..3. بغضّ النظر عن شأن النزول المذكور، فإنّ وجهة الخطاب لهذه الآية إلى المؤمنين كما يبدو.. المؤمنون الذين أسلموا في الظاهر دون أن ينفذ إيمانهم إلى أعماق أنفسهم.. هنا حيث توجّه الدعوة إليهم ليؤمنوا حق الإيمان.. كما يحتمل أن يكون خطاب الآية موجهاً إلى جميع المؤمنين الذين آمنوا إيماناً إجمالياً باللّه وبالرسول.. دون المعرفة بالجزئيات والتفاصيل العقائديّة الإسلاميّة.. وهنا يأمر القرآن المجيد المؤمنين بأن يكونوا مؤمنين واقعيين بجميع الأنبياء والرسالات السابقة والملائكة.4. إنّ مفهوم عدم إيمان أحد المسلمين بالأنبياء والكتب السماوية والملائكة هو إنكار للحكمة الإلهيّة، إذ كيف يمكن اللّه تعالى الحكيم أن يترك الأجيال السابقة بلا قائد ومرشد ليعيشوا الحيرة طيلة حياتهم ؟5. ترى هل أنّ المراد من الإيمان بالملائكة ملائكة الوحي فقط حيث أنه لا يمكن التفكيك بين الإيمان بهم وبين الأنبياء والكتب التي جاؤوا بها؟ أم أنّ المقصود هو الإيمان بجميع الملائكة ؟ينبغي القول لدى الإجابة: إنّ المراد هو الإيمان بالجميع، إذ كما أن قسماً منهم مأمورون بإنزال الوحي والتشريع، فإنّ جمعاً منهم مأمورون بتدبير عالم التكوين، وإنّ الايمان بهم أفق من آفاق الإيمان بالحكمة الإلهيّة المقدّسة.
6. في الحقيقة؛ إنّ الإيمان بأصول خمسة في هذه الآية أمر لازم وحتمي، بمعنى لزوم الإيمان بالمبدأ والمعاد كما هو الإيمان بكتب السماء والأنبياء والملائكة...7. التعبير ب-﴿ضَلاَلاً بَعِيدًا استعمال لطيف، بمعنى أنّ هكذا أشخاص قد انحرفوا بشكل ليس من السهل عليهم فيه العودة إلى جادة الهداية القويمة.)8. خاتمة الآية تبيّن مصير الغافلين عن هذا الواقع، فتقول: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا.)
### الآية 137#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُن اللّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُم سَبِيلاً (137)#### النقاط المستفادة من الآية1. هذا التقلّب المتواصل، وهذا التلوّن اليومي؛ إما أن يكون نابعاً عن الجهل وعدم التحقيق الكافي في مباني الإسلام وقواعده وإما نتيجة مؤامرة من قبل المنافقين والكفّار المتطرفين من أهل الكتاب لإحداث زلزال في إيمان المؤمنين الحقيقيين.. كما نقرأ في الآية (72 من سورة آل عمران المباركة حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَت طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). 2. (الارتداد) لغةً بمعنى الرجوع إلى الغير، وتارة يكون بمعنى الصيرورة والحدوث..
(الارتداد) في التعريف الإسلامي هو حالة اعتقادية جديدة، حيث ينكر المسلم أحد أركان الدين الثلاثة، أو ينفي أصلاً ضرورياً في الدين بحيث يستلزم إنكار الأصول الدينيّة الثلاثة.. وفي المفهوم القرآني؛ يتصوّر الارتداد بصور عديدة، مثل الارتداد عن الدين إلى الكفر والرجوع من الدين إلى الكفر، وكذلك الردّة إلى الدين السابق.
تكرّر المفهوم الاصطلاحي للارتداد بصور متعدّدة في القرآن المجيد، فتارة ورد الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، مثل قوله تعالى: إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. (1))وكذلك قوله سبحانه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّه قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ. (2) وأيضاً: أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. (3)
وفي بعض الآيات ورد الارتداد بمعنى الرجوع عن الدين إلى الكفر، وهو نفسه المفهوم الاصطلاحي حيث بين بصورة أخرى، من جملة ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. (4))5. بالنظر إلى أنّ كثيراً من آيات القرآن المجيد متعلّقة بالإيمان بالتوحيد والنبوة والمعاد، حيث تتّضح كيفية التعريف الاصطلاحي للارتداد في هذه الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كلّ آمَنَ بِاللّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. (5)وكذلك الآية القائلة: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا). (6)ويفهم من هاتين الآيتين والآيات المشابهة المتعلّقة بالإيمان بالتوحيد والنبوة والمعاد، وإن الكتب والرسل تندرج في أصل النبوّة وكذلك الملائكة بلحاظ كونهم وسائط في الوحي ونزول الكتب على الأنبياء... وهذا المدعى حظي بتأييد الكثير من الأحاديث، مثل قول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الإيمان أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر». (7)
العقل والاختيار وعلم المرتد بمدلول اللفظ وقصد هذا المدلول اللّفظي، ومن المذاهب الفقهيّة ما ردّ بعض هذه الشروط.
وقد صرّح بالشروط المحققة للارتداد عبر آيات الارتداد واستند عليها في ذلك. ومفهوم هذا الشرط أنه إن ارتد شخص بالإجبار والإكراه عن ضرورات الدين أو أركانه؛ فلا يعدّ مرتداً؛ بدليل قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّه مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ وَلَكِن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّه وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (1)
7- بيّن القرآن المجيد الآثار السيئة للارتداد، حيث نشير هنا إلى بعضها:
الف: الحبط وزوال ثواب الأعمال السالفة تبعاً للذنوب اللاحقة كما ورد في قوله سبحانه: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (2)
و كذلك أوّل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هذه الآية الشريفة و مفردة (الإيمان) الواردة فيها بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باعتباره الإيمان كله كما ثبت ذلك في قول النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في يوم الخندق: «برز الإيمان كله إلى الشرك كلّه» فصار من يجحد بولاية هذا الإيمان العظيم كافراً مرتداً خاسراً حابطاً ما تقدّم منه من أعمال صالحة... [المترجم].
وكما قال عزّوجلّ: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. (3)ب: أنّ الغضب والعذاب الإلهي يشمل حال المرتد كما جاء في قوله سبحانه: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّه. (4)
وبموجب هذه الآية العظيمة تم تقسيم المرتد إلى قسمين: المرتد باختياره ورغبته عن عقيدته ؛ وهو المتورّط بغضب اللّه جل جلاله؛ الذي عنته الآية القائلة: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ
وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. (1) ج: أنّ الشيطان يزيّن للمرتدين ارتدادهم وأعمالهم فيخدعهم كما قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾. (2)
د: أنه سبحانه وتعالى لا يهدي المرتدين، كما ورد في الآية القائلة: كَيْفَ يَهْدِي اللّه قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ (3)وهذا النص الشريف استفهام بحرف ﴿كَيْفَ) يفيد الاستبعاد والإنكار، أي أنّ هداية المرتدين الجاحدين أمر محال وغير ممكن. وإن وجود صفة الارتداد في الأفراد المرتدّين تسبّب عدم هداية اللّه تعالى لهم.. وهذا ما لا منافاة فيه مع أنهم إن تابوا عن ارتدادهم؛ هداهم اللّه ورحمهم..)ه-. على أساس الآية القرآنيّة، فإنّ لعنة اللّه والملائكة والناس أجميعين ستلحق بالمرتدين كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّه وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا. (4))ولفظة (أُوْلَئِكَ الواردة في أوّل الآية إشارة إلى من ورد ذكرهم في الآية (86) من سورة آل عمران حيث قالت: ﴿قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ...).)ولعنة اللّه تعالى تعني: أنّه سيطردهم ويبعدهم عن رحمته والسعادة التي أراد لعباده. ولعنة الملائكة والناس على هكذا أفراد بمعنى أنّ الملائكة والناس اللاعنين يطلبون من ربّهم أن يبعد المرتدّين عن رحمته..#### أنواع الردة
8. طبقاً لرأي أغلب فقهاء الشيعة؛ فإنّ المرتدّ على نوعين: مليّ وفطريٌّ.. علماً أن بعض علماء الشيعة؛ مثل الإسكافي وابن الجنيد وكذلك فقهاء المخالفين لم يقبلوا التقسيم أعلاه وذهبوا إلى أنّ جميع أنواع الارتداد سواء صدر عن المرأة أو الرجل إنّما هي على حدّ سواء.. وأنّ الآيات القرآنيّة الواردة بهذا الصدد يفهم منها الرأي الأول، حيث لم تجعل فرقاً بين ردّة الرجل والمرأة وبين المرتدّ الملّي والفطريّ. إلّا أنّ الروايات الشيعية أثبتت التفاوت بين المرتدّ الملّي والفطريّ (1، ولذا قد ذهب غالب الفقهاء إلى كون المرتد على نوعين؛ ملّي وفطريّ.)وفي تعريف المرتدّ الفطريّ ثَمّ آراء ثلاثة وتعاريف ثلاثة :أولاً: أن المرتد الفطري هو من انعقدت نطفته وكان والداه أو واحد منهما مسلماً، ثم خرج عن الإسلام حين بلوغه، سواء كان قد أظهر الإسلام عند البلوغ أولم يظهر..ثانياً: أنه يقال للمرتدّ فطريّاً إذا انعقدت نطفته وكان والده أو أحدهما مسلماً؛ وقد أظهر الإسلام عند بلوغه ثم خرج عن الإسلام.ثالثاً: أنّ المرتد الفطري هو من كان عند ولادته. أحد والديه أو كلاهما مسلماً؛ ثم أظهر الإسلام عند بلوغه؛ ثمّ عافه..وفي مقابل هذه التعاريف الثلاثة، هناك ثلاثة آراء أو ثلاثة تعاريف للمرتدّ المليّ..ومن وجهة النظر الفقهيّة الشيعيّة؛ فإنّ المرأة المرتدّة تقبل توبتها؛ سواء كانت مرتدّة فطرية أو ملّيّة. أما الرجل المرتد الملّى؛ فتوبته تقبل؛ دون المرتدّ الفطريّ.. مع أن كثيراً من فقهاء الشيعة؛ مثل ابن الجنيد والإسكافي وصاحب (المسالك وصاحب (العروة الوثقى) وصاحب (الجواهر) قائلون بقبول توبة المرتد الفطريّ. (2))وقال بعض فقهاء الشيعة؛ مثل صاحب (العروة الوثقى : الأقوى قبول توبة المرتد الفطري)
في جميع الحالات إلّا في وجوب القتل وخروج زوجته عن الزوجيّة وحبسها في عدّة الوفاة وانتقال ماله السابق (على الارتداد إلى الوارث.. فالتوبة في هذه الموارد لا يكون لها أثر، وعليه؛ فإنّه يطهر بعد توبته وعبادته صحيحة.)9. أنّ هذه الآية تخلو من أي دلالة على عدم قبول توبة هكذا أفراد، بل إنّ موضوع وخطاب الآية هو وفاتهم على حالتهم وشدّة كفرهم.. وهكذا أفراد وبمقتضى إيمانهم وعملهم غير جديرين بالمغفرة وبالهداية إلّا أن يعودوا إلى رشادهم ويجدّدوا النظر في مواقفهم..10. قال العلامة الطباطبائي: يجب أن نعلم بأنّ الإيمان لم يستقر في قلوب هكذا أفراد وأنّهم قد اتخذوا أمر اللّه هزواً؛ وأنه لا أمل في توبتهم.. وأنّ من كان كذلك فإنّ إيمانه غير جاد فلايقبل منه.. أمّا إن كان إيمانهم إيماناً جادّاً؛ فالمغفرة والهداية ستشملانه، لأنّ اللّه تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة للناس (1.)وذهب بعض العلماء إلى أنّ الآية تدلّ على أنّ اشتداد الكفر بعد الإيمان المسبوق بالكفر يبلغ بالإنسان إلى الحد الذي لا يهتدي فيه إلى الصراط القويم وهنالك لن يشمل بالرحمة الإلهيّة، مع إمكانية رحمته بعد توبته وإيمانه وقيامهبالعمل الصالح. ولكن بعد اشتداد كفره وتكرّره، فإنّما يكون الفرد مستهزئاً.. فلا يرحم ولا يغفر له..11. وردت في الفقه الإسلامي مجموعة عقوبات للمرتدّ من قبيل القتل والسجن المؤبد والحرمان من الإرث وتقسيم الأموال، وعدم قبول التوبة، والانفصال عن الزوج، وممنوعية الزواج وغير ذلك.. ومن بين هذه العقوبات المذكورة في كتب آيات الأحكام والتفاسير: عقوبة زوال الزوجيّة وممنوعيّة الزواج وعدم قبول توبة المرتدّ في حال اشتداد الكفر وتكرار الردّة... (2)
### الآية 138#### إشارة:بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)#### النقاط المستفادة من الآية1. البشارة لغةً بمعنى ما يظهر أثرها على ملامح الوجه؛ سواء كانت لفرح أو حزن، وإن كان في هذا الأخير تستعمل مجازاً.2. استعمال كلمة البشارة فى مورد العذاب الإلهى فى هذه الآية وآيات أخرى بمثابة التحذير واعتبار مواقف وآراء وأفعال المذنبين أموراً تافهة خاوية، وهذا ما يشبه الاستعمال الشائع بين عوّام الناس، حيث أنّ إحدهم إن فعل فعلاً سيّئاً وأُريد تهديده أو الاستهزاء به قيل: خذ جزاء ك!3. وردت في آيات القرآن صور التخويف والتبشير معاً وبشكل متتالي، فتارة تورد البشرى ثمّ الإنذار، وأخرى ترد البشرى بعد الإنذار مثل قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللّه النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (1)وقوله سبحانه: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (2).)4. التعبير بالبشرى للعذاب نوع طعن وملامة أيضاً، وإلا فهو في الحقيقة؛ التخويف دون البشرى.. وقول الآية ﴿بَشِّرِ بعذاب أليم هو تحكّم، بمعنى أنهم كانوا ضالين في الدنيا، ولكنهم في نهاية المطاف عاجزون عن التمرّد على أوامر اللّه تعالى، ولذلك؛ يقعون في العذاب، وعليه؛ فإنّ اللّه يريد للناس أن ينتبهوا ويحذروا أكثر من أي وقت مضى، وليس أن ينسبوا التناقض إليه سبحانه وتعالى، وأنه يقول ما لا ينبغي أي البشارة والعذاب !!!)
### الآية 139#### إشارة:الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للّه جَمِيعًا (139)#### مقدمةالمنطق القرآني قائل بأنّ العزّة الواقعيّة والمطلقة متعلّقة باللّه جل جلاله، وكذلك عائدة إلى من يقف في الصفّ الإلهي.. فبين الحقّ والباطل بين الجبهة الإلهيّة والجبهة الشيطانية؛ إنّما العزّة من شأن الذين يصطفون إلى جانب الربّ الجليل.. هذا هو منطق القرآن المجيد.. قال سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَللّه الْعِزَّةُ جَمِيعًا (1)وكذلك قال: وَاللّه الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ. (2)فالمنافقون لا يعلمون أين هي العزة وما هو مركز العزة الحقيقية. وفي سورة النساء نقرأ عن الذين يصلون أنفسهم بمراكز القدرة الشيطانية لينالوا شيئاً من القوة والعزة، قال تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للّه جَمِيعًا وفي سورة الشعراء المباركة نطالع تقريراً عن المصاعب التي واجهها الأنبياء العظام. مثل نوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب وموسى على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام حيث أبلغوا الأمم المتعاقبة رسالات اللّه تعالى.. وفي كلّ مقطع من مقاطع التقرير القرآني هذا؛ أراد اللّه تعالى تأكيد غلبة جبهة النبوّة على جبهة الكفر، قال عزاسمه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (3)بمعنى أنه مع كونهم كانوا الأكثرية وكانت القوة والمال)
والسلاح بأيديهم، إلا أن جبهة التوحيد هي التي انتصرت عليهم.. وفي هذا آية من آيات اللّه تعالى وهو العزيز الرحيم.. وبعد تكرار معنى هذا التقرير طيلة سورة الشعراء المباركة تراها تخاطب النبي الأكرم صلوات اللّه عليه وآله في خاتمتها بالقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (1)فهو أهل لأن يكون الضامن لانتصار الحقّ وأهله على الباطل وأهله (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (2)فهو الحاضر الناظر (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (3)إذن؛ المنطق القرآني يدعو إلى طلب العزّة من اللّه وحده لا شريك له..
2 العزّة على الدوام مستلّة من العلم والقدرة، والذين لا قدره ولا علم لهم عاجزون عن فعل شيء ليكون منشأ لعزتهم.
أقرب الناس إليهم واتبعوا رغباتهم ومنافعهم وكأنهم لم يعرفوهم من قبل، وهذا ما يشهد به التاريخ على مر العصور.
لكلّ إنسان هدفه في اختيار رفيقه وخليله.. ولعلّه يهدف من صداقة أحدهم أن يشاركه العمل وكسب الرزق، أو أن ينتفع من عزته بين الناس شيئاً.. والآن ينبغي أن نسأل الذين يستبدلون الرفقة مع المؤمنين بموالاة الكافرين؛ نسألهم عن غايتهم من عن غايتهم من ذلك... وهل أنهم يريدون من ذلك تحقيق العزة والكرامة حقاً من خلال موالاة الكافرين؟ ولكن هؤلاء الكافرين لا عزة ولا حيثية ولا كرامة ربانية لهم بما كفروا بربهم وأنكروا فضله وحقه عليهم، فهم عاجزون عن أن يعطوهم من العزة شيئاً.. وعليه؛ فما الغاية من موالاتهم، والحال أنّ العزّة كلها مخصوصة اللّه تعالى، ولأنّ العزّة تقوم على أساس العلم والقدرة، ومن كان قليل العلم والقدرة ليس له أن يكون منشأ للعزة.. وقد أوصى لقمان الحكيم لدى تربيته ابنه بالانقطاع عن الدنيا وسؤال غير اللّه تعالى وكان يقول: يا بني ! إن أردت العزّة كلّها فاقطع أملك عما في أيدي الناس، ودع عنك الطمع وما بلغ بالأنبياء ما ترى إلا بما قطعوا من الطمع.... (1)
حيث كانت العزّة خاصة باللّه تعالى فإنّ على طالبها أن يتخذ من الطاعة والعبودية للّه مسلكاً.. وفي مقابل هذا، فإنّ معصية اللّه توجب ذلّة الإنسان في الدنيا والآخرة.
لقد كان من خبر بني إسرائيل أنّهم مع كلّ ما أنعم اللّه به عليهم؛ جحدوا وعبدوا العجل، فأنزل اللّه عليه عقاباً عظيماً لما عصوه، وأذاقهم طعم الذل في هذه الدنيا، وهذا ما صرحت به الآية (61) من سورة البقرة.
1) قصص الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) الراوندي، ص 195.
ومن هنا؛ عدّ القرآن العزّة خاصة باللّه تعالى في ثلاث آيات متشابهة وهي تبيّن أنّ من يطلبها؛ عليه أن يطلبها من اللّه من ذلك قوله سبحانه: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَللّه الْعِزَّةُ جَمِيعًا، (1)فلا موجود عزیز بذاته، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ). (2))ونظرة أخرى من الأعلى إلى الأسفل. وفي رحابها تكون العزّة الإلهيّة شاملة لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ والمعصومين والأدنى منهم فالأدنى، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَاللّه الْعِزَّةُ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). (3)
كما أنّ أول مانع دون تحقق عزّة النفس يكمن في الطغيان والتمرّد على إرادة اللّه تعالى، إذ أنّ من يتصف بروح التمرّد لا يسعه الاتصاف بالعزّة، وحيث يرى مثل هذا الفرد نفسه غنياً عن ربّه المتعال، ولا يشعر بكونه عبداً، فإنّه غير جدير بحضور مدرسة الكرامة الإلهيّة.. وهذا أوّل مانع يجب التخلص منه ودفعه..
يقول القرآن المجيد بهذا الصدد: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (4)وهذا ما يوجب ذلّة الإنسان في الدنيا والآخرة..)2. تقوى اللّهالتقوى غطاء يحفظ الإنسان من التلوّث، لأنّ التقوى بمعنى الحفظ والحصانة من كلّ ضرر قد يصيب الإنسان، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «من أراد أن يكون أعز الناس؛ فليتّقِ
اللّه» (1والتقوى تؤدّي إلى المجد وترشد الإنسان إلى الطريق وتصنع منه كائناً عظيماً متحرّراً من قيوده. وروي عن مولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما نقل اللّه عز وجل عبدا من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلا أغناه من غير مال وأعزّه من غير عشيرة وآنسه من غير بشر». (2))3. المنطق الصالحضمن جعله العزّة أمراً خاصاً باللّه سبحانه والرسول والمؤمنين فإنّه يبين طريق الوصول إليها: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ اللّه جَمِيعًا (3).
1) كنز الفوائد، ج 1، ص 351.
2) الكافي، ج 2، ص 76.
3) لعلّ ملاحظة تبدو ضرورة في البين و هي أنّ كلمة (المؤمنين) هي صيغة جمع مذكر سالم محلّى بالألف واللام العهديتين، فلابد من القول بأنّهم جماعة محدّدة معرّفة لدى القائل و هو اللّه تعالى و الروايات و جملة ثقافة العترة الطاهرة طالما أكدت بأنّ المراد من المؤمنين في هذه الآية الكريمة هم المعصومون المطهرون بعد خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين، وممّا يعضد هذا المراد أن سياق الآية يتناول موضوع الولاية واتخاذ الولي و موضوع الإعراض عن الولي الحقيقي و التوجه إلى غير من أمر اللّه سبحانه بولايتهم و البراءة من أعدائهم، و من هنا؟ كانت العزّة الأصلية للّه الذي كلّ العزّة للرسول و لآل بيته المعصومين صلوات اللّه عليهم، و هي العزة التي تضمن الكرامة و الحقّ و السعادة في الدنيا والآخرة [المترجم].
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ وَآيَتِ اللّه يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُم إِذا مِثْلُهُم إِنَّ اللّه جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّم جَمِيعًا (140)
نقل عن ابن عباس في نزول هذه الآية أن جماعة من المنافقين كانوا يحضرون مجالس علماء اليهود، مجالس كان يستهزأ بها بالقرآن المجيد، فنزلت الآية أعلاه وبينت سوء عاقبة هذا السلوك.. (1)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 194.
واضحة تماماً، وهو بمثابة مواجهة عمليّة لها بعدها السلبي إزاء هكذا ممارسات ضالّة...
أنّ نتيجة الحضور والمشاركة فى هكذا مجالس ومواقف أن يكون مصير غير الملتزمين بهذا الأمر والحكم من المسلمين مصير الكافرين المستهزئين (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ).
أنّ المشاركة في هكذا مجالس ومواقف بمنزلة الكفر والاستهزاء بالقرآن، وإن كان المسلم المشارك ساكتاً متفرّجاً، لأنّ هذا النوع من السكوت والتفرّج بمثابة الرضا والإقرار الفعلي.. ولو أنّ النهي عن المنكر لم يكن ممكناً، فعلى الأقل؛ لابدّ من أن يعمد المؤمن إلى المواجهة السلبيّة إزاء الكفر والاستهزاء بالحق والابتعاد عن بيئة المعصية ومجلسها وموقفها..
الذين يشجعون العصاة بسكوتهم في هكذا مجالس ينالهم ذات العقاب الذي يستحقّه العصاة المستهزئون: إِنَّ اللّه جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)5. معايشة الكافرين تكون غير ممنوعة في حال لم يعمد إلى إهانة الآيات الإلهيّة، ولم يصدر عنهم خطر ما، لأن عبارة (يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ تبيح المعايشة..)6. مجاملة هكذا أفراد أمارة على روح النفاق في المجامل، لأنّ المسلم الواقعي يمتنع أبداً عن المشاركة في مجالس النفاق والاستهزاء بالآيات والأحكام الدينية وإهانتها أو أن يصدر عن المسلم موقف الاعتراض.. أو أن يغادر المستهزئين للإعلان عن عدم رضاه عن سلوكهم المشين على الأقل...
### الآية 141#### إشارة:الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِنَ اللّه قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبُ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحُوذ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)#### النقاط المستفادة من الآية1. كلمة (تربّص بمعنى الانتظار والملاحظة والدقّة، وتأتي بمعنى الحبس أيضاً..)2- هذه الآية والآيات التي تليها تفضح صفات ثقافية وأفكار المنافقين المضطربة..3. المنافقون هم الذين يطمحون دوماً إلى استغلال كلّ حادثة والانتفاء من ورائها، فتارة يكونون رفاق القافلة وتارة يصيرون رفاق اللّصوص وقطاع الطريق، ويقضون أعمارهم في هذه التناقضات واللعب على الحبال، بحيث إذا نال المسلمين نصراً؛ تظاهروا في الوقوف معهم ويقولون لهم : (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ألم نساعدكم.. ألم يكن موقفنا معكم مؤثراً في نصركم؟ وعليه يجب عليكم أن تشركونا في نجاحاتكم وغنائمكم الماديّة والمعنويّة الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللّه قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ أما إذا كان النصر حليف الكافرين، سارعوا إلى التقرّب منهم وأعلنوا تأييدهم لهم وقالوا: نحن الذين شجّعناكم على مواجهة المسلمين ولم نسلّم لهم، وعليه؛ فإنّنا شركاء في نصركم وهم لدى ذلك؛ يصرّون على كفرهم وتجسسهم لصالح الكافرين تمهيداً لنصر جديد للكافرين: وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ؟)
4. لكلّ نفاق عاقبة ونهاية ولابد أن يحلّ وتتكشف فيه الخفايا وتزاح الأقنعة من وجوه المنافقين الكالحة.. وهو يوم القيامة حيث يقضي اللّه فيه على رؤوس الأشهاد، علماً أنه سبحانه وتعالى لن يجعل للكافرين سلطة على المؤمنين: ﴿فَاللّه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.)5. هذه الآية سمّت نصر المسلمين فتحاً، بينما سمّت نصر المشركين نصيباً، وفي هذا إشارة إلى أنّه إنّ كان النصر حليف الكافرين ونصيبهم؛ فإنّه محدود ومؤقّت ومتزلزل، فيما الفتح والنصر النهائي سيكون إلى جانب المؤمنين.6. سؤال:هل الغاية من عبارة: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً عدم عدم النصر للكافرين على المؤمنين من حيث المنطق، أم أنه يشمل الناحية العسكرية وأمثالها؟)ينبغي القول لدى الإجابة:حيث أنّ كلمة (سبيل من قبيل أنّ النكرة في سياق النفي تدلّ على العموم، فيفهم من هذه الآية أنّ الكفّار لن يتفوّقوا على المؤمنين؛ لا من الناحية المنطقية، ولا من الحيثية العسكرية والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة وغير ذلك..)وحيث يمكن الاستشكال على هذه الإجابة؛ فيقال : ولماذا نشاهد انتصارات الكافرين على المسلمين في ميادين الحرب والمواجهات والنزاعات السياسيّة والاقتصاديّة وغيرها؟الإجابة على هذا السؤال والإشكال تكمن في القول:إذا كنا نشاهد انتصارات الكافرين على المسلمين في شتى الميادين، فذلك لأن كثيراً من المسلمين هم مسلمون في ظاهرهم؛ فضلاً عن أنهم غير مؤمنين في واقعهم، وقد غفلوا أو تغافلوا عن مقتضيات الإيمان ولم يعودوا يعرفون ولا يتحملون مسؤوليّاتهم الرسالية.. فلا خبر عن أخوّتهم ولا وحدتهم ولا جهادهم الحقيقي ولا علمهم وثقافتهم المطلوبة بهذا الصدد.7. استدلّ جماعة من الفقهاء - في شتى المسائل - بهذه الآية الشريفة للقول بعدم تسلّط
الكفار على المؤمنين من الزاوية الحقوقية والنظر إلى العموميّة في هذه الآية؛ فإنّ هذا الشمول ليس بعيداً عن الأذهان...
### الآية 142#### إشارة:إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّه وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّه إِلَّا قَلِيلاً (142)#### النقاط المستفادة من الآيةأوردت هذه الآية أربع صفات أخرى من صفات المنافقين في كلمات موجزة:1. حرف الواو في كلمة ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ واو حالية، ويفهم منها أن المنافقين يريدون خديعة اللّه سبحانه وتعالى، والحال أنه خادعهم. 2. لتحقيقهم الأهداف المشؤومة، تراه يدخلون من طريق المخادعة، بل ويريدون أن يخدعوا اللّه عزّوجلّ أيضاً، والحال أنهم راكسون وواقعون في الخديعة منذ لحظتهم الأولى، ذلك لأنهم يهدرون نعمة وجودهم لنيل ربح بسيط إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّه وَهُوَ خَادِعُهُمْ.
إنّهم بعيدون عن ربهم ولا يلتذون بمناجاته، ولهذا السبب إذا قاموا إلى الصلاة والعبادة، قاموا كسالى، أي: غارقون في الكسل (وإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى).
لأنهم لا يؤمنون باللّه ولا بوعوده العظيمة؛ تراهم يراؤون إذا عبدوا أو عملوا عملاً صالحاً، فلا يتقربّون بشيء إلى ربّهم المتعال يُرَآؤُونَ النَّاسَ.)5. هؤلاء إذا ذكروا اللّه، ذكروه بأفواههم دون قلوبهم وعقولهم وضمائرهم، بل ولا يذكرونه إلا قليلاً (وَلَا يَذْكُرُونَ اللّه إِلَّا قَلِيلاً.)
### الآية 143#### إشارة:مُذَبذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّه فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبيلا (143)#### النقاط المستفادة من الآية1. ينبغي الالتفات إلى أنّ كلمة (مذبذب اسم مفعول من مادة (ذبذب)، وفي اللغة بمعنى الصوت المخصوص الصادر عن حركة الشيء المعلّق، فإذا اصطدم بذبذبات الهواء شمع.. كما تقال للأجسام المتحرّكة والأشخاص التائهين والمتحيّرين المفتقرين للخطة والمنهج..)2. أشير في هذه الآية إلى صفة أخرى من صفات المنافقين باعتبارهم أشخاصاً متحيّرين لا هدف لهم وليس لديهم منهج ومسار محدّد، وهم لا إلى صف المؤمنين ولا إلى صف الكافرين ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء.)كلمة (مذبذب أحد ألطف الاستعمالات اللّفظية التي أوردها القرآن بخصوص المنافقين، وهي في الحقيقة إشارة ضمنيّة إلى هذا المطلب القائل بأنّ التعرّف إلى الفرد المنافق يتم بالالتفات إلى تذبذبه الممزوج بإيقاع مخصوص، كما تفهم هذه الحقيقة من خلال هذا التعبير؛ فكأنّ المنافق جسم معلّق فاقد للتوجه إلى ناحية ما بذاته، وإنما الدوافع والأهواء هي التي تذهب به إلى هذه الناحية أو تلك؛ فتستدير به إلى حيث تتجه..)4. المنافقون وبسبب نفاقهم وأعمالهم سقطوا إلى حيث لا يهديهم اللّه ولا يدافع عنهم، بل ويبقيهم على ضلالتهم، وإن من يضله اللّه لن يجد طريقاً للخلاص والنجاة: ﴿وَمَن يُضْلِل اللّه فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً.)
### الآية 144#### إشارة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للّه عَلَيْكُمْ سُلْطَنَا مُّبِينًا (144)#### النقاط المستفادة من الآية1. الولاء والبراءة من أهم الأصول الثابتة في الإسلام، بمعنى تولي اللّه تعالى وحبّه وإطاعته و تولّي الرسول وحبّه وإطاعته وتولّي المؤمنين [المعصومون] وحبّهم وإطاعتهم، وحبّ المؤمنين عموماً، والبراءة من الكفر والكافرين وممن هم على شاكلتهم.2. علاقة المحبّة بين المؤمنين يجب أن تكون إلى الحد الذي تستوجه علاقة أعضاء الجسد الواحد فيما بينها.. والولاء المنفي والسلبي في الإسلام هو عبارة عن أن المسلم المؤمن يجب أن يعتبر نفسه في مواجهة دائمة مع غير المسلم المؤمن وأنه ينازع جسماً غريباً عن الكيان المسلم المؤمن.. ومعنى هذا أن يتجرّد عن ولاء غير المؤمن.. ومن هنا؛ لا يصح أن تكون علاقة المؤمنين بغيرهم كما هي علاقة المؤمنين بالمؤمنين، بمعنى أن يكون المؤمن عضواً في الكيان غير المؤمن، أو أن تكون عضويته في الجسد الإيماني غير ذات أهميّة وتأثير في عملية الصراع والمواجهة.3. لا منافاة بين أن يحسن المسلم المؤمن إلى غير المسلم المؤمن، وهو في الوقت نفسه لا يواليه؛ أي لا يعدّه عضواً من كيانه أو جزءاً من هذا الكيان، أو أن يعامله معاملة الأجنبي الغريب عنه.. كما أنّه لا منافاة بين الولاء السلبي وبين أصل المحبّة الإنسانيّة والتراهم..4 ليكون الإنسان إنساناً؛ يلزمه أن يحبّ أقرانه من البشر حيث يهتم كلّ الاهتمام بمصير
وصلاح وسعادة جميع الناس. أما لو افترضنا أن فريقاً من الناس أصيبوا بمرض ما، وكان حبّ الإنسانيّة يوجب إنقاذهم.. وماداموا لم ينجوا فإنّ حبّ الإنسانيّة يقتضي الإحسان لهم، ولكنّ حبّ الإنسانيّة هذا لا يوجب أن يكون الاتصال بينهم (لا سيّما إن كان مرض هؤلاء مرضاً خطيراً معدياً وبين الأفراد السالمين المعافين، ومن هنا حيث أجاز الإسلام الإحسان إلى غير المسلم من جهة، ومن جهة أخرى لم يجز أن يوالي المسلم المؤمن غيره..)5. رغم أنّ القرآن المجيد منع المسلمين بشدّة عن أن يوالوا غيرهم، ولكن هذه الممنوعيّة لا تقتضي اعتبار العلاقات الإنسانيّة أمراً سيئاً في كلّ الأحوال أو كونها مخالفة للإحسان إلى غير المسلم لأنّ القرآن يصرّح في موضع آخر بالقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، (1)ولهذا؛ لم يقل الإسلام بأن تنحصر أعمال الإحسان بين المسلمين فحسب، وأن لا ينال خيركم غيركم وكيف يكون الإسلام كذلك فيما نبيه صلوات اللّه عليه وآله هو الرحمة المهداة للعالمين؟)6. المسلم يجب أن يعي دوماً أنه عضو في المجتمع المسلم وأنه جزء من كلّ، وجزء الكل وعضو البدن؛ شاء أم لم يشأ قد تضطره الظروف والأحوال إلى خلق علاقة مع جزء وعضو من جسم آخر، وعضو الجسم المسلم يجب أن تكون علاقته بعض والجسم غير المسلم ليس كما هي العلاقة مع أعضاء الجسم المسلم أو تعارضها على الأقل، بمعنى لزوم أن لا تؤدي علاقة المسلم بغير المسلم إلى الإضرار بالكيان المسلم وعليه فإنّه لا يمكن المساواة في العلاقة بين المسلمين المؤمنين وبين المسلمين المؤمنين مع غيرهم، أو أن تكون هذه العلاقة الأخيرة أمتن وأعمق من العلاقة الأولى...7. قبول ولاية ووصاية الكفار جريمة واضحة مخالفة للقانون، وهي نوع شرك باللّه العظيم،
1) سورة الممتحنة / 8.
وطبقاً لقانون العدالة الإلهيّة؛ فإنّها تستوجب العقاب الشديد، ولذلك؛ رأينا الآية أعلاه تتابع قائلة: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للّه عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا وهو الحجة البالغة في الإعراض عنكم وتعريضكم للعذاب الشديد؟..)
### الآية 145#### إشارة:إنَّ المُنفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)#### النقاط المستفادة من الآية1. (الدَّرْكِ هو أعمق نقطة بحرية، كما يعبّر بهذه الكلمة عن المطلب العميق الذي يُفهم.. والدرك هو السلم الذي ينظر لدرجاته من أعلى إلى أسفل، ويقال لدرجات السلّم درجة إذا أريد بها التوالي صعوداً، وكما أنّ للجنة درجات، فإن لجهنّم دركات.. ثمّ إنّ منزلة المنافقين في النار أسفل من موقع الكفار فيها (فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ) والنار مراتب (الدَّرْكِ الأَسْفَل)ِ ولا نجاة للمنافقين من النار (لَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ولا شفاعة للمنافقين في القيامة ﴿لَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا).)2. يفهم من هذه الآية أن النفاق - من وجهة النظر الإسلاميّة - أسوأ أنواع الكفر، وأن أبعد الناس عن اللّه تعالى هم المنافقون، ولهذا كانت منزلتهم أسوأ وأقبح موضع في النار.. وهكذا ينبغي أن يكون لأنّ الخطر القادم من المنافقين تجاه المجتمعات الإنسانيّة لا يقاس بخطر آخر: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا. 3. المنافقون - وباستغلال الحصانة التي يوفّرها لهم التظاهر بالإسلام - يهاجمون الأفراد المجرّدين عن وسائل الدفاع بحرّيّة وجبن فيطعنونهم بخنجر الغدر.. وعداؤهم هذا يظهرونه بمظهر الود والصداقة، وهم بذلك يتفاوتون عن صراحة عداء الكافرين للدين وأهله، فهم أسوأ درجة من هؤلاء المتجاهرين العداء... وفي الحقيقة؛ إنّ النفاق منهج الأفراد عديمي الشخصيّة والملوّثين الجبناء..
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّه وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للّه فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّه الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)
في هذه الآية الشريفة ولبيان أنّ الأفراد الملوّثين من المنافقين لهم إذا ما تابوا وأصلحوا أعمالهم وقلوبهم؛ أن يحظوا بلطف اللّه ورحمته بعد أن يتمسكوا بالدين والإيمان ويخلصوا اللّه سبحانه إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللّه وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للّه.
قوله سبحانه في آخر الآية... (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم باللّه وإخلاص دينهم اللّه.. إشارة إلى أنّ مقام المؤمنين الثابتين أعلى مقاماً ومنزلة من هؤلاء التائبين فهم الأصل وهؤلاء فرع، والفرع يستلهم نوره وصفاته من الأصل..
موضوع آخر يجب الالتفات إليه ؛ هو أن مصير المنافقين واضح حيث أسفل دركات النار، في حين أن المؤمنين لهم أجر عظيم حيث لا حد ولا إحصاء له؛ إذ هو متعلّق بلطف الربّ المتعال..
التوبة لغةً بمعنى الرجوع والعود عن الذنب.. وهو في الحقيقة وفي تعريف المتشرعة عبارة عن الرجوع عن الطبيعة [الحيوانيّة] إلى حيث روحانية النفس بعد أن لوثتها المعصية والتمرّد على الإرادة الربوبيّة.. فيرجع بذلك إلى نور الفطرة والروحانيّة التي كانت الظلمة قد حجبتها... وقد عرّفت التوبة في الكتاب المجيد على أنّها رجوع الإنسان المذنب، كما وردت بمعنى إعطاء التوفيق من جهة اللّه إلى عبده العاصي، كما ورد قبول التوبة من جهة اللّه تبارك
وتعالى.. وبالنتيجة يمكن القول: إن كلّ توبة تصدر عن الإنسان محفوفة بتوبتين إلهيتين :
الف: إعطاء التوفيق للعبد ليتوب ويعود إلى التواب الرحيم.
ب قبول توبة العباد.
مَا يَفْعَلُ اللّه بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللّه شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
شكر المنعم، وعلى أن مسألة الوجوب الفطري في الشكر على النعمة تمثل قسيماً للزوم معرفة اللّه تعالى.4. قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللّه شَاكِرًا عَلِيمًا يؤيّد ويؤكّد القول بأنّ اللّه تعالى عليم مطّلع - على الإطلاق - على أعمال العباد ونواياهم وعقائدهم، وكذلك هو شاكر لأعمالهم الصالحة ومجزٍ عليها..)
### الآية 148#### إشارة:لا يُحِبُّ اللّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِم وَكَانَ اللّه سَمِيعًا عَلِيمًا (148)#### النقاط المستفادة من الآية1. في هاتين الآيتين إشارة إلى قسم من التعاليم الأخلاقيّة في الإسلام، إذ يقول سبحانه: ﴿لا يُحِبُّ اللّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ.)2. كما أنّ الربّ المتعال ستّار العيوب؛ فهو لا يحبّ للناس هتك أستار بعضهم بعضاً ليذهب بعضهم بكرامة بعض : (لا يُحِبُّ اللّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ.)3. من الطبيعي أن يكون لكلّ إنسان نقاط ضعف خفيّة، فإنّ تقرر إظهار وإشهار نقاط الضعف هذه؛ فلا ريب في أنّ حالة سوء الظن ستتفشى في الوسط الاجتماعيّ بشكل عجيب وسيصعب التعامل فيما بينهم، وعليه؛ فإنّه توطيداً للعلاقات الاجتماعيّة ورعاية للجانب الإنساني؛ وجب الالتزام بقاعدة الستر إلّا إن تضمّن ذلك تحقيق هدف صحيح.4. ينبغي الالتفات إلى أنّ المراد من كلمة (السُّوءِ هو كلّ سوء وقبح، وأنّ المراد من كلمة (الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) إظهار لفظي، سواء كان ذلك على سبيل الشكوى أو الحكاية أو اللّعن أو الذم أو الغيبة.. ومن هنا؛ كانت هذه الآية من جملة الآيات التي يستدل بها على تحريم الغيبة، مع أن مفهومها غير منحصر بالغيبة وإنّما تشمل أنواع بذاءة القول وإساءة اللّفظ..)5. قوله تعالى : (إِلَّا مَن ظُلِمَ مبرّر شرعي للمظلومين في مواجهة ظلم الظالمين والدفاع عن أنفسهم، إذ لهم الحقّ في التشكّي أو أن يظهروا الذمّ والنقد والغيبة للظالم وممارساتهم، إلى الحد الذي ينالون حقهم ويدفعون الظلم اللاحق بهم..)
6. في الحقيقة؛ إنّ الهدف من هذا الاستثناء والسماح للمظلوم بالتعبير عن مظلوميته، هو الحيلولة دون تمادي الظالمين في ظلمهم.. ولا ريب أن هذا الحكم الأخلاقي محدود فيما يتعلق بظلم الظالم؛ دون بقيّة تفاصيل حياته الأخرى البعيدة عن الظلم والممارسات غير الأخلاقيّة..7. العبارة القرآنيّة : ﴿وَكَانَ اللّه سَمِيعًا عَلِيمًا تحذير للمظلومين لئلا يعمدوا إلى تجاوز الحدود فيستغلوا القانون الذي أباح لهم الشكوى والذم ويعمدوا إلى إشهار معايب الناس دون مبرّر شرعي تحت طائلة الظلم الذي لحق بهم (وَكَانَ اللّه سَمِيعًا عَلِيمًا).)8. بالالتفات إلى أهميّة حرمة الغيبة قد أصدر القرآن في هذه الآيات مجموعة أحكام مؤكّدة بهذا الصدد:أ: ﴿وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ. (1) ب: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ أُمَزَةٍ. (2))ج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. (3))د: لا يُحِبُّ اللّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ. (4))
### الآية 149#### إشارة:إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللّه كَانَ عَفُوا قَدِيرًا (149)#### النقاط المستفادة من الآيةترد الإشارة هنا إلى النقطة المقابلة لما سبق، وهو أنّ إظهار إيجابيات الأشخاص أو إخفاءها، لا مانع منه (خلافاً للسوء الذي يجب كتمانه إلّا في الموارد الاستثنائية وكذلك اتخاذ مسلك العفو؛ فهو أفضل خياراً، ذلك لأنّ هذا الفعل في حقيقته فعل الإلهي، إذ مع القدرة على كلّ شكل من أشكال الانتقام، إلا أنه سبحانه يعفو عن عباده الجديرين بالعفو..)(إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّه كَانَ عَفُوا قَدِيرًا)في الحقيقة؛ إنّ الآية الثانية تقع مقابل الآية الأولى من جهتين:الأولى: الجهر بالسوء إزاء المساوئ ثمّ العفو لمن صدر عنهم الظلم.. ولكن! أليس العفو عن الظالم يوجب تقويته ودعمه؟!وهنا يرد السؤال القائل: أليس العفو والصفح عن الظالم في حقيقته يوجب إقرار الظلم؟ أو ليس العفو مشجعاً للظالمين على ظلمهم؟ ثمّ أليس هذا الأمر نوع ردّ فعل سلبي وتحذيري للمظلومين؟جواب السؤال هو: أنّ العفو والصفح لا علاقة له بضرورة إحقاق الحقّ ومواجهة الظلم، وبهذا السبب ورد القول والأمر في التعاليم الإسلاميّة (من جهة: (لا تظلِمون ولا تُظلَمون) والقول: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً) وقوله تعالى بهذا الصدد: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّه) ومن جهة أخرى يرد الأمر بالعفو والصفح كما قال تعالى: وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى.)﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللّه لَكُمْ)رغم أنه من الممكن أن يرى بعض قليلي العلم تضادّاً بين هذين الحكمين بدءاً. ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار إلى أنّ ما ورد في المصادر الإسلاميّة يوضح أنّ للعفو والصفح مقاماً محدّداً، لئلا يساء استغلاله، فيما المواجهة مع الظالمين ورفض الظلم له مقام آخر وحديث مغاير..وإنّ العفو والصفح مختص في القدرة والنصر على الأعداء والحاق الهزيمة التامّة بهم، بمعنى أن لا يستشعر الخطر والتهديد الجديد من ناحيتهم، وإنّما العفو يكون بمثابة نوع إصلاح وتربية للأعداء، ودعوتهم إلى تغيير مواقفهم المعادية؛ كما حدث ذلك في التاريخ الإسلامي حيث يصادفنا هكذا أفراد، وشاهد هذا المدعى ما ورد في الحديث المعروف: «إذا قدرت على عدوّك ؛ فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه». (1)أمّا مع استمرار خطر الأعداء واحتمال عودتهم وإمكانية أن يدفعهم العفو إلى مزيد من الجسارة والاستعداد، أو أن يعدّ الصفح عنهم نوع استسلام ورضاً بالظلم، فإنّ الإسلام لا يجيز مثل هذا الصفح أبداً، ولم يعمد قادة الإسلام في هكذا موارد إلى اختيارجانب العفو والصفح أبداً...
1) نهج البلاغة، ص 470.
### الآية 150#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّه وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّه وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (15)في هذه الآيات جرى وصف حال جمع من الكافرين والمؤمنين ومصيرهم، وإن الآيات السالفة التي اختصّت بالمنافقين كانت أكملت هذا المطلب.وفي الحقيقة؛ إنّ هذه الجملة تشير إلى حال اليهود والنصارى، إذ اليهود لم يقبلوا عيسى الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ، والاثنان معاً لم يقبلوا خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والحال أنهم قد ثبتت لهم نبوّة هذين النبيين من الكتب السماوية وهذا التمييز في قول الحقائق الصادر عن الأهواء النفسية والتطرف الجاهل، وعن الحسد في أحيان أخرى وعن ضيق النظر.. وهو أمارة الكفر بالأنبياء وباللّه تعالى ذلك لأنّ الإيمان لا يكون طبقاً لرغبة الإنسان؛ فيرفض ما لا يتفق وهواه، وإنما الكفر نوع عبادة للّهوى، فيما الإيمان يمكن في قبول الحقائق؛ سواء طابقت ميوله أولهم تطابق.)ثمّ الآيات التالية؛ ستشير إلى المؤمنين باللّه والرسل ولا يفرّقون بينهم... وبموقفهم الإيجابي الناضج هذا يؤكّدون تسليمهم وإخلاصهم للحق ومواجهتهم للجهل والتطرف، وهنالك يؤتيهم اللّه أجرهم.. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أجُورَهُمْ (1).)
1) سورة النساء / 152.
### الآية 151#### إشارة:أُوْلَئكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (151)#### النقاط المستفادة من الآيةالذين كفروا باللّه وبأنبيائه وأرادوا ولا زالوا التفرقة بين اللّه تعالى والأنبياء وأعلنوا إيمانهم ببعض النبيين دون البعض الآخر، وظنوا أنهم بذلك يختطون لأنفسهم طريقاً خاصاً بهم.. هؤلاء هم الكافرون حقاً..(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّه وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّه وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا.. ولذلك؛ نجد القرآن في الآيات أعلاه يعدّ هؤلاء الأشخاص كافرين تمام الكفر؛ مع أنهم يدعون الإيمان باللّه وببعض الأنبياء، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّه وَرُسُلِهِ) ممّا يعني انعدام إيمانهم انعداماً كلّيّاً ولا قيمة له بالمرّة، لأنّه لا ينبع من معين البحث عن الواقع.. وفي خاتمة الآية؛ يهدّدهم القرآن بالقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا). وصف العذاب الإلهي هذا بالمهين؛ يمكن أن يكون من جهة رغبتهم في التفرقة بين أنبياء اللّه، وهذا العمري إهانة للأنبياء؛ فلا بدّ من تلقيهم العذاب المناسب..
إيضاح: تارة يكون العقاب أليماً (عَذَاب أَلِيم) مثل الجلد والأذى البدني، وتارة يكون مهيناً (عَذَابًا مُّهِينًا) مثل قذف القاذورات على بدن وملابس أحدهم أو أن يصرخ في وجهه. وقد يكون عظيماً (عَذَابٌ عَظِيمٌ) مثل المعاقبة في محضر الناس، وتارة يكون ذا أثر في عمق وجود الفرد المعذَّب ويبقى إلى مدة مديدة. وقد يكون (عَذَابٌ شَدِيدٌ) مثل الحبس لمدة
طويلة مع فرض الأعمال الشاقة، وأمثال ذلك..
ومعلوم إنّ وصف العذاب بأحد هذه الأوصاف للتناسب بينه وبين الذنب الذي يستوجب العذاب، ولذا؛ فقد ورد في الكثير من الآيات القرآنيّة أنّ عذاب الظالمين عذاب أليم، لأنّه يتناسب وألم الظلم الذي يوقعونه بحق عباد اللّه الأبرياء، ومن كانت جريرتهم جريرتهم الأهانة أو الذين تكون ذنوبهم شديدة الوقع لهم عقابهم المناسب لجريرتهم وذنبهم.. وعلى أي حال؛ فإنّ ذكر الأمثلة أعلاه كان بغرض تقريب الفكرة والمطلب إلى الأذهان، وإلا فإن عقوبات عالم الآخرة غير قابلة للقياس مع عقوبات عالمنا الدنيويّ..
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّه وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا (152)
ريب في أنّ الإيمان بالأنبياء والاعتراف بمقاماتهم لا يتنافى والقول بأفضلية بعضهم على بعض، ذلك لأنّ التفاوت بينهم كالتفاوت في طبيعة مهامهم، والمراد بذلك أن لا نفرّق بين الأنبياء بلحاظ الإيمان بهم.
جدير ذكره أن الآيات أعلاه قد عدّت القائل بالتفريق بين الأنبياء كافراً حقيقياً، ولكن الآيات ذاتها لم تعدّ المؤمنين بجميع الأنبياء مؤمنين حقيقيين، وإنما وصفتهم بكونهم مؤمنين فحسب.. ولعلّ هذا التفاوت ناتج عن أنّ المؤمنين الحقيقيين هم الصالحون النزيهون؛ مضافاً إلى إيمانهم بجميع الأنبياء أيضاً.. وشاهد هذا المدعى الآيات الواردة في مطلع سورة الأنفال حيث وصفت (الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) بأنّهم المؤمنون باللّه والقائمون بجملة أعمال صالحة، مثل التزامهم بالصلاة والزكاة والتوكل على اللّه ومن يمتازون بالنمو والرشاد الأخلاقي والاجتماعيّ وغير ذلك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ... أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. (1))وفي منتهى الآية مورد البحث والتفسير وقعت الإشارة إلى أنّ هذا الفريق من المؤمنين إن كانوا قد ارتكبوا موبقة العنصريّة والتفرقة وذنوباً أخرى، فإن كان إيمانهم إيماناً خالصاً وعادوا إلى ربّهم بإخلاص؛ فإنّ اللّه تبارك وتعالى سيعفو عنهم ويغفر ذنوبهم (وَكَانَ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا.)
1) سورة الأنفال / 2 - 4.
### الآية 153#### إشارة:يَسْئَلكَ أَهْلُ الْكِتَاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتَهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَا مُّبِينًا (153)#### شأن نزول الآيةجاء في تفسير (مجمع البيان و(أسباب نزول القرآن) في شأن نزول هذه الآية وما بعدها أنّ جماعة من اليهود جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقالوا: إن كنت نبيّاً من اللّه حقاً؛ فاعرض علينا كتابك السماوي دفعةً واحدة كما جاءنا موسى بالتوراة دفعة واحدة، فنزلت هذه الآيات وأجابتهم على مطلبهم... (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. لا شكّ في أنّ هؤلاء اليهود لم يكونوا ذوي نوايا حسنة، ذلك لأنّ الغاية من نزول الكتب السماويّة؛ الإرشاد والتربية والهداية وقد يحدث أن تتحقق الغاية المذكورة بإنزال الكتب السماويّة دفعة واحدة؛ وقد يكون ذلك بالتدريج.. وعلى هذا لزم هؤلاء اليهود أن يطلبوا من النبي الخاتم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الدليل والتعاليم السامية، لا أن يطالبوا أو يعينوا كيفية نزول الكتاب)
1) مجمع البيان، ج 3، ص 205 وأسباب نزول القرآن، ص 37.
السماوي (القرآن (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء) ناهيك عن أَنْ الرسول ليس هو الجهة المنزلة للكتاب، وإنما هو اللّه عزّ اسمه. 2 تبعاً لهذا الطلب المغرض من اليهود فقد بيّن اللّه تعالى عدم حسن نيتهم، وضمن مواساته لنبيّه الحبيب صلوات اللّه عليه وآله؛ استعرض القرآن المجيد شيئاً من تاريخ العناد وثقافة اليهود التبريريّة إزاء نبيهم الجليل موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّه جَهْرَةً.)3. الطلب العجيب وغير المنطقي لقوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ يفضح عقيدتهم الوثنية وتصوّرهم عزّوجلّ جسماً محدوداً.. ولا شكّ أنّ ذلك نابع من عنادهم ولجاجتهم، ممّا تسبب في نزول الصاعقة عليهم بظلمهم (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).
إحدى الممارسات القبيحة الأخرى لليهود وبعد معاينتهم لكلّ تلكم المعجزات والدلائل الواضحة والشهيرة من النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).. أنهم اختاروا لأنفسهم عبادة العجل أثناء غيبة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي لم تستغرق أكثر من أربعين يوماً، (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
اللّه الغفور الرحيم؛ ومع كلّ هذا الطغيان والعناد والتمرّد الإسرائيلي؛ عفا عنهم؛ لعلّهم يكفّون عن سلوكهم الجاهلي المشين فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ.)6. اللّه تعالى ينصر رسله وأنبياءه في الشدائد ليتغلّبوا على أعدائهم أعداء اللّه.. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا.
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوأ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)
بالنظر إلى قدرة اللّه الأزليّه اللامتناهية التي خلقت مليارات النجوم والمجرات وبمسافات فضائية دقيقة جداً، لا يستحيل عليها فعل وإيقاع الحادثة التي تحدث عنها القرآن الكريم في هذه الآية. بل لا يستحيل عقلاً ولا علماً ولا تثير عجباً إذا ما نسبت اللّه القادر على كلّ شيءٍ، و قد أورد كتاب اللّه المجيد عبارة (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) مراراً في آياته بخصوص بني إسرائيل و قوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه الآيات تشترك في إشارتها إلى واقعة تاريخية حدثت بسبب عصيان اليهود لتعاليم اللّه تعالى في حقبة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ حيث رفع اللّه الطور فوق رؤوسهم.. وعليه؛ فإنّ هذه الآية تحدّثت عن شيء من العظمة والقدرة الإلهيّة فيما يتعلّق بمعاقبة الكافرين المتمرّدين على إرادة اللّه وتعاليم الأنبياء..
نعم يمكن أن تكون واقعة العقاب هذه خارقة للعادة من النظر العادية والطبيعيّة، ولكن ينبغي القول إنّ هذه الحادثة شأنها شأن معاجز الأنبياء الأخرى (كإحياء الموتى من قبل النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو إخراج الناقة من داخل الجبل من قبل النبي صالح(عَلَيهِ السَّلَامُ) أو بحضوره و...) إذ هذه المعاجز ونظائرها تعد منجزات خارقة للعادة، ولكن إرادة اللّه وإذنه قد تجلّيا أمام أعين الناس..
أنّ الجبل قد انقلع من موضعه بإرادة اللّه تعالى حتّى صار كمظلة لهم.. وفيما يتعلّق بجزئيّات هذه الواقعة ثُمَّ احتمالات قيلت، وهي تؤدّي إلى تعرّض الجبل لزلزال شدید، فاهتز أيما اهتزاز وقد كان بنو إسرائيل أسفل منه فشاهدوه حتّى أظلّهم من فوقهم، وظنّوا أنّه متساقط عليهم، إلّا أنّ اللّطف الإلهي هدأ زلزلة الجبل حتّى عاد إلى موضعه الأول.. كما ورد الاحتمال الآخر الحاكي بأن قطعاً عظيمة من الجبل قد انفصلت عنه بفعل الزلزلة والصاعقة الشديدة حتّى مرّت فوق رؤوس بني إسرائيل فرأوها للحظات رأي العين وظنّوا أنّها ساقطة عليهم. (1)
يبد و من الوصف والتوجيه المذكور أنّه كان يهدف إقناع المخاطبين بأنّ هذه المعجزة الإلهيّة لم تكن بالأمر العجيب وأنها تتناسب وتتناغم والعقل البشري، ونحن نؤمن بأنّ كلّ موضوع غير محال عقليّاً؛ دون الحاجة إلى توجيه وتبرير في مجال القدرة والإرادة الإلهيّة.. وأنّه لدى وصف جزئيات وتفاصيل معجزة ما ينبغي الاستناد إلى المروي من الحقّ والعودة إلى الموازين العقلية المسلّم بها فحسب.
1) راجع: تفسیر المنار، ج1، ص 342 و 343 وتفسير الامثل، ج1، ص 294.
2) لعلّ المواثيق التي أخذها اللّه تعالى على بني إسرائيل كثيرة و متفاوتة في الفترات الزمنية.. و إنّ الروايات التفسيرية الواردة بهذا الشأن تؤكّد أنّ أهمّ تلكم المواثيق ما تضمّنت موالاة وتبجيل نبي آخر الزمان وأوصيائه المطهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين.. بل و لعلّ هذه النصوص الكثيرة من الآيات التي تناولت قصص بني إسرائيل في القرآن تعود إلى أهميّة هذا الموضوع و مصيريته بالنسبة لهم و أنهم أكثر الأمم التي خوطبت بهذه العقيدة الحقة، بدءاً من حقبة العذاب الفرعوني الذي كانوا يتعرضون له قبيل نبوّة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ما تلاها من مواجهة لفرعون و بعد نجاتهم بإغراقه، ثمّ عبورهم البحر و ابتلائهم بالتيه الشهير.. فكان ممّا عُرض عليهم من توبة بعد الكثير ممّا صدر عنهم من خطايا؛ أن أوجب اللّه عليهم أن يدخلوا باب حطة [لتحطّ عنهم ذنو بهم؛ كمشروع إلهي للتوبة عليهم] و يقولوا كلمة واحدة في إطار دعائهم و استغفارهم و هي كلمة (حطة) أي: حطّ يا ربّنا عنّا ذنوبنا.. وكانت الملائكة قد صوّرت تمثالين لوجهي نبي آخر الزمان و وصيه أميرالمؤمنين صلوات اللّه عليهما و آلهما.. إلَّا أن العنصريّة الإسرائيلية لم تسمح لهم باستيعاب الأمر و الوفاء بالميثاق الذي قطعوه مع ربّ العزّة في الإقرار للمصطفى والمرتضى عليها و آلهما السلام بالفضل و الولاية.. فاستدبروا الباب و راحوا يدخلون الباب المقدّس على أعقابهم استهزاءً وسخريّة بأمر إلههم ونبيّهم.. وهكذا كان موقفهم تجاه سائر المواثيق الإلهيّة؛ عناداً و كفراً [المترجم].
ترى هل أنّ اليهود - بسوابق أجدادهم المظلمة - صادقون فيما طلبوا منك يا رسول اللّه ؟ ولو كانوا كذلك ؛ فلماذا لم يعملوا ويؤمنوا بما جاءت به الكتب السماوية السابقة بخصوص علائم نبيّ آخر الزمان صلوات اللّه عليه وآله؟ ترى ما السبب الذي كان يقف وراء كلّ هذا التحريف والتجاهل والتغابي والإخفاء للحقائق المحمّديّة؟!
يمكن أن يُستشكل بالقول: ما العلاقة بین أفعال يهود بني إسرائيل السالفة باليهود المعاصرين للحقبة النبوية القرآنيّة ؟!
نقول: إنّ اليهود المعاصرين لصدر الإسلام لم يصدر عنهم اعتراض وإدانة وبراءة من أفعال أسلافهم، بل إنّهم طالما وافقوا عليها وتباهوا بها، ولهذا كانوا شركاء في عواقبها، لوقوفهم في صفّفٍ واحد مع أسلافهم...
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِئَايَتِ اللّه وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)
هذه الآية وما بعدها تتناول معاص أخرى لبني إسرائيل حيث التمرّد والعداء المتواصل لأنبياء اللّه تعالى.
أنّ نقض العهود والمواثيق من الذنوب التي تدمر الثقة الاجتماعيّة وتزيل العلاقات الطيّبة بين الناس.. كما أنّ الوفاء بالعهد والميثاق حق إنساني فضلاً عن كونه حقاً إسلامياً.
اليهود جماعة ناقضة للعهود وقاتلةٌ للأنبياء (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّه وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٌّ).
الوفاء بالعهد والميثاق الإلهي أمر لازم فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ )5. الآيات الإلهيّة هي (معاجز الأنبياء و... مورد إنكار اليهود ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّه).)6. اليهود لا تبرير ولا عذر لهم في قتل الأنبياء ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٌّ ومع أَنْ قتل الأنبياء لا مبرر ولا حقّ فيه، إلَّا أَّنه تعالى جعل قيد (بِغَيْرِ حَقَّ) وذكره ليكون المعنى إشارة إلى أنّ قتلة الأنبياء كانوا بصيرين بأنفسهم حيث قتلوا الأنبياء.)7. أنّ استقامة الأنبياء في إبلاغ رسالاتهم ثابتة حتّى قتلهم وشهادتهم في سبيل اللّه : (وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٌّ.)8. اليهود وبإظهار عجزهم عن إدراك خطاب الأنبياء؛ إنما يستهزئون بتعاليمهم ﴿وَقَوْلِهِمْ
قُلُوبُنَا غُلْفٌ.)9. (غُلْفٌ جمع أغلف، ويقال للشيء ذي الحجاب، ويبد وأن مراد اليهود ودعواهم في عبارة ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أنّ قلوبهم ذات حجاب، استهزاء بالأنبياء.)10. اليهود بادعائهم العلم الوفير أرادوا القول بأنهم في غنى عن تعاليم الأنبياء ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ والاستنتاج أعلاه قائم على أنّ (غُلْفٌ) جمع غلاف بمعنى الظرف.. فيكون مرادهم من العبارة أعلاه أنّ قلوبهم مفعمة بالعلم ولا حاجة بهم إلى تعاليم الأنبياء.)11. أن تكون تعاليم الأنبياء غير علميّة، هي عذريهودي واه لعدم تسليمهم ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ يعكس مراد اليهود من أن قلوبهم مليئة بالعلم... بمعنى أن تعاليم الأنبياء إن كان لها أساس ومبنى علمي، لوعاها اليهود ولوسعتها قلوبهم.. ولهذا فإنّهم أرادوا القول أنّهم لا يقبلون تعاليم الأنبياء لعدم علميّتها...)12. اليهود محظ لعنة اللّه تعالى وغضبه لنقضهم المواثيق وإنكار الآيات الإلهيّة وقتل الأنبياء ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ... وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء والاستنتاج أعلاه مبني على أساس (فَبِمَا نَقْضِهِم...) بقرينة الآيات المشابهة، ومتعلّق بفعل محذوف كما هو قوله تعالى: ﴿لَعَنّاهُم).)13. غرور اليهود العلميّ في مقابل دعوة الأنبياء، يستلزم تورّطهم في اللّعن الإلهيّ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ فكلمة (قَوْلِهِمْ) عطف على (نَقْضِهِم) وعليه؛ متعلّق بفعل محذوف (لَعَنّاهُم) أي: (بقَوْلِهِمْ... لَعَنّاهُم).)14. كفر اليهود أوجب أن يطبع اللّه تعالى على قلوبهم (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.)15. قلوب اليهود محاطة بحجاب يمنع من نفوذ تعاليم الأنبياء إليها ﴿بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.)16. قلوب اليهود فارغة - خلافاً لادعاءاتهم - من العلم والمعرفة وعاجزة عن إدراك تعاليم
النبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا) ومن هنا؛ يعلم أن مراد اليهود من جملة (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) هو ادعاء العلم الوفير..)17. عجز القلوب أو قدرتها على إدراك تعاليم الأنبياء بيد اللّه تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.)18. القلب من وسائل المعرفة ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفْ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.)19. العجز عن إدراك المعارف الدينية ناتج عن العناد والكفر، إذ الكافرون غير معذورين عند اللّه (بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ، كما أن المقصود من جملة ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ)، أنّ اليهود عاجزون حقّاً عن إدراك تعاليم نبي الإسلام والأنبياء الآخرين، وعلى أساس مدعاهم هذا يظنون معذوريّتهم، وجملة (بَلْ طَبَعَ اللّه) يوضح مسألة أن عجز اليهود عن وعي خطاب النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يمكن أن يكون عذراً عند اللّه تعالى لأنّ الكفر من جهتهم سبب ما آلوا إليه من عدم معذورية ولعن وعقاب..)20. اليهود قائلون بالجبر (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفْ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ويحتمل أن يكون مراد اليهود من (قُلُوبُنَا غُلْفَ) أنّهم ينسبون كفرهم إلى العوامل غير الاختياريّة. 21. العناد وعدم التصديق عامل انغلاق القلب دون المعارف الإلهيّة وعدم الانفعال والتأثر بأسباب الهداية قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.)23. القلوب المطبوع عليها والانغماس في العناد والتمرّد - كما هي حالة اليهود - منعتها دون قبول الإسلام (بَلْ طَبَعَ اللّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً.)24. الكثير من اليهود لن يؤمنوا بدين الإسلام أبداً (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً.)25. قليل من الناس بين اليهود من كان يقنعهم الحقّ في العصر النبوي: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً.)
### الآية 156#### إشارة:وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانا عَظِيمًا (156)#### النقاط المستفادة من الآية1. لقد أسرع اليهود في طريق الكفر إلى الحد الذي اتهموا فيه الطاهرة مريم أم نبيّ العظيم.. التي حملت بأمر اللّه بأن لها زوجاً.2. البهتان خطيئة في مصاف الكفر (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ... بُهْتَانًا.)3. في المجتمع الفاسد، تارة يرمى أطهر الناس بأقبح التهم وأفظع الأوصاف: ﴿قَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا.)4. ورد اتّهام السيدة مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ في الآية (27) من سورة مريم أيضاً.)5. نسبة الزنا إلى مريم في حقيقتها نسبة إلى النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ وعدم جدارته - والعياذ باللّه - بهداية وقيادة الناس، وهذه التهمة دليل كفرهم بهذا النبي الجليل..)6. يقال للتهمة بهتاناً حيث يبهت الطاهرون إذا ما رموا بالباطل..7. للبهتان العظيم عذاب عظيم، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (1) 8. قال رسول اللّه صلوات اللّه عليه وآله لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مثلك مثل عيسى فريق رموا أمّه بالفاحشة، وفريق اتخذوا منه ربّاً». (2)
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا إِتِّبَاعَ الظَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا (157)
حتّى أولئك الذين يتفاخرون ويتبجحون بقتل الأنبياء ويقولون: نحن الذين قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّه﴾ لم تكن معاصيهم لتنحصر بهذا القول والادعاء.
لعلّ وصفهم المسيح برسول اللّه كان من باب الاستهزاء والسخرية، والحال أن ادعاءهم هذا كان كذباً.
هؤلاء لم يقتلوا المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبداً ولم يصلبوه، وإنّما صلبوا شخصاً آخر كان يشبهه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ.)4. أولئك الذين اختلفوا في المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ، كانوا في شك ولم يؤمنوا بما يقولون، وقد اتبعوا الظنِّ (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ).)5. وضع المفسّرون جملة احتمالات حول ما اختلف عليه في المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ:)الاحتمال الأول: أنّ الاختلاف كان متعلّقاً بأصل منزلة و مقام عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ، حيث قال بعضهم: إنّه ابن اللّه، وقال آخرون كما قال اليهود بأنه لم يكن نبياً أصلاً.. والجميع على خطأ..)الاحتمال الثاني: يمكن أن يكون الاختلاف قد وقع في كيفيّة القتل، إذ ادّعى بعضهم قتله،
وآخرون نفوا القتل أساساً، ولم يكن أحد منهم على يقين في قوله ومدعاه.الاحتمال الثالث: مع أنّ مدّعي قتل المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ - بسبب عدم معرفتهم به شخصياً - كانوا في شكّ من مدّعاهم وفيما أنّهم قتلوه حقاً أو قتلوا شخصاً آخر بدلاً عنه، فقد أكد القرآن مآل عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ... وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).)6. من الموضوعات التي أدرجتها الآية الشريفة هي أنّ الذين اختلفوا في المسيح واختلافهم هذا لم يكن عن علم ويقين؛ بل ناشئ عن الظنّ، والمراد من هذا الاختلاف اختلاف بين النصارى أنفسهم بخصوص ماهيّة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ وكيفية صلبه - قال الملائكيون - وهم فرقة من فرق النصارى - إنّ المسيح حينما صلب كانت له حيثيّة ناسوتيّة؛ وهي المرتبطة بالجانب الإنساني منه، كما كانت له حيثية لاهوتية، وهي المرتبطة بالجانب الإلهيّ منه، فصلب وقتل (1)وفي مقابل هذه الفرقة؛ هناك فرقة النسطوريّين التي ذهبت إلى أن الحيثية الناسوتية من المسيح هي التي صلبت وقتلت (2)ولكنّ فرقة اليعقوبيين من النصارى ذهبت إلى أنّ عملية القتل والصلب شملت الحيثيتين (الناسوت واللّاهوت). (3))7. وقع اختلاف شديد بين النصارى في هذه المسألة وتحديد الحيثية التي طالها الصلب، حتّى كفّر وقتل بعضهم بعضاً حتّى عقد مؤتمر في عام (451 ميلادي في مدينة کالسدون في آسيا الصغرى، وبعد مداولات مطوّلة، تم إقرار جملة من الأصول والكليات فيما يتعلّق بماهية المسيح، وهذه الأصول والكليات أضحت القاعدة الأساسية للكنيسة الكاثوليكيّة.. والمؤمنون بهذه الكلّيّات عرفوا بعنوان (المنوفيزيتين). ومؤتمر كالسدون أعلنون الناسطرة مخطئين كافرين، ومع ذلك بقي هؤلاء باعتبارهم فرقة مستقلّة في الشام وتنفّذوا في)
بقاع أخرى. (1)8. من بين النصارى من يقول بعدم صلب المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ، وإنّما صلب شخص آخر بدلاً عنه)وهو أحد حوارييه، وقد وقع الإقرار في إنجيل (برنابا بذلك، وهذا الإنجيل يقبله الكثير من النصارى ويعملون به ويشير هذا الإنجيل الى أنّ اليهود ومعهم ممثل السلطة الرومانية قد صلبوا يهودا الأسخر بوطي بدلاً من عيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان بينهما شبه كبير، فاعتقلته السلطة الحاكمة وصلبته. (2))9. القرآن الكريم يقول في الآية أعلاه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبّهَ لَهُمْ... وَمَا قَتَلُوهُ يقينا ولكنّ الأناجيل الأبعة المشهورة حاليّاً ذكرت مسألة صلب المسيح(عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتله، وقد تناولت هذه الأناجيل في فصولها الأخيرة شرح هذه القضيّة، ومعتقد النصارى في العصور الأخيرة قائم على هذه الفكرة..)10. يؤكّد النصارى مسألة صلب المسيح كثيراً، وقد اتّخذوا من الصليب شعاراً ليتذكروا صلبه على الدوام، وعلى العموم؛ فإنّ خطابهم التبليغي والتبشيري قائم على هذا الأساس.. والحديث الوحيد الذي يرفعون عقائرهم به هو حديث فداء عيسى لذنوب أتباعه..فهم يؤمنون بأنّ الناس جميعاً مذنبون بالفطرة.. ويذهبون إلى أنّ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ الذي عصى اللّه تعالى حيث تناول من ثمر الشجرة التي نهي عن الاقتراب منها حتّى طرد من الجنّة.. وأنّ هذا الذنب قد تسرّب إلى ذريته العريضة الطويلة.. كما يذهبون إلى أنّ كلّ إنسان يولد من أمِّه مذنب؛ ولهذا تراهم يعمدونه ليطهر من ذنبه.. أنّهم قائلون بصلب عيسى وقتله ليتطهر الناس فداءً منه لهم..)11. النصارى الحاليون لا يقولون بنبوّته لغرض هداية وتربية وإرشاد الناس، وإنما يعدّونه
إلهاً، أو أحد الآلهة الثلاثة، وأنّ الغاية الأصليّة من مجيئه لهذا العالم هي الفداء وابتياع ذنوب البشر...12. مع التصريح القرآني بأنّ عيسى لم يقتل ولم يصلب، فإنّ مجالاً للشك والشبهة في أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يصلب، لأنّ القرآن - حسب معتقدنا نحن المسلمين - وحي إلهي ولا شك فيه ولا ريب وإنّ أجلى دلائل وقوع التحريف في الإنجيل هو هذا التناقض الواضح فيه، إذ يثبت لأيّ قارئ له بدقة وملاحظة.)13. لا يتردّد مسلم في القول ببطلان عقيدة مقتل المسيح لأنّ:أولاً: كون المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ نبي كسائر الأنبياء، فهو ليس اللّه ولا ابن اللّه وإنّما اللّه إله واحد ولا شبيه له ولا نظير ولا مثل وليس له زوجة وولد.)ثانياً: أنّ الفداء والتضحية للآخرين مطلب غير منطقي أصلاً، إذ كلّ امرئ بما كسب رهين، وأنّ سبيل الخلاص والنجاة منوط بالإيمان والعمل الصالح.ثالثاً: فكرة فداء المذنبين تشجّعهم على النساء والإفساد والوقاحة.. وإن رأينا القرآن قد أكد مسألة عدم صلب المسيح مع كونها تتضمن موضوعاً بسيطاً في ظاهر الأمر. فذلك درعاً لهذه العقيدة الخرافية، حيث يكذب أشدّ التكذيب مسألة شراء ذنوب العصاة، وليمنع النصارى عنها ليعلّق نجاة الناس على إيمانهم الحقّ وأعمالهم الصالحة، دون الاحتماء بالصليب.رابعاً: هناك قرائن تضعف مسألة صلب المسيح.. ونحن نعلم أن الأناجيل الأربعة المتوفّرة تستشهد على تحقق عملية الصلب، وكلّها قد دوّنت بعد عشرات السنين من رحيل المسيح وذلك بأقلام تلامذته، أو تلامذة تلامذته.. وهذا ما يقرّه مؤرّخ و النصارى قبل غيرهم!14. نعلم أن تلامذة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ حين هجم الأعداء عليه وعليهم قد فرّوا، وهذا ما تشير إليه الأناجيل، وعلى هذا؛ فإنّهم قد سمعوا بقضيّة الصلب من أفواه الناس فيما بعد، وكما سنشير)
لاحقاً، فإنّ الأوضاع قد أدّت إلى مزيد من الشبهة والاشتباه في أصل القضية، خصوصاً وأن شخصاً آخر هو الذي اقتيد للصلب..15. العامل الآخر المنتج للشبهة بشخص آخر وجعلها ممكنة: أنّ الذين كلّفوا بالقبض على النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ قد اتجهوا إلى بستان (جستماني) الواقع خارج المدينة، كانوا جنوداً روميين من الذين كانوا يعملون في أحد المخيمات، فكانوا لا يعرفون اليهود ولا يعرفون تقاليدهم ولغتهم، كما لم يكونوا يعرفون تلامذة عيسى ولا يميزون بينه وبينهم..)16. الأناجيل تقول : الهجوم على مكان المسيح قد تمّ ليلاً، وكم هو بسيط أن يعتقل في تلك الفوضى وذلك الظلام شخص بدلاً عن آخر (وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ....)17. يفهم ممّا كتب في الأناجيل جميعاً أنّ الشخص الذي اعتقل اختار الصمت في محضر بيلاطس (حاکم بيت المقدس الرومي وقل أن انبثقت كلمة عن شفتيه؛ أو كان دافع عن نفسه.. وبعيد جدّاً أن يكون النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي اعتقل؛ فيرى الخطر محدقاً به ولا يدافع عن نفسه مع كونه خطيباً مفوّهاً معروفاً بالشجاعة والشهامة العظيمة ﴿وَلَكِن شُبّه لَهُمْ...).)18. ألا يحتمل أن يكون قد جرى اعتقال يحتمل قويّاً أن يكون الذي تم اعتقاله هو يهودا الاسخريوطي الذي كان كثير الشبه بالمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ فخانه و تجسس عليه شخص آخر، فاستولى عليه اضطراب شديد جداً حتّى عجز عن النطق أو الدفاع عن نفسه.. لاسيّما وأننا نقرأ في الأناجيل أن يهودا الاسخريوطي لم يُر بعد هذه الواقعة، أو أنّه عمد إلى الانتحار كما تقول الأناجيل ﴿وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ...).)19. كما قلنا، فإنّ تلامذة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ قد فرّوا لما استشعروا الخطر طبقاً لشهادة الأناجيل، ولا ريب أن نصارى آخرين قد لاذوا بالفرار في ذلك اليوم وكان يراقبون الأوضاع عن بعد، وعليه؛ فإنّ الشخص البديل المعتقل كان محاصراً بالعسكريين الروميين، وقد خلا الموضع من أي)
صديق ونصير، وهكذا؛ لا يبقي مجالا للتعجب من وقوع الشبهة والاشتباه.20. نقرأ في الأناجيل أنّ الشخص الذي جرى صلبه قد شكا إلى اللّه أن تركه وحيداً حتّى يقتل من قبل الأعداء.. فلو كان المسيح قد جاء إلى هذه الدنيا ليصلب ويكون فداءًللمذنبين، ما كان ليقول ما قال بل كان ليشكر.. وهذا القول يوضح جيداً أنّ الشخص المصلوب كان رجلاً ضعيفاً جباناً عاجزاً، حيث لا يمكن أن يصدر عن عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ كلام مثله.. ومجموع ما تقدَّم بمثابة قرائن تبيّن مذهب القرآن بخصوص وقوع الشبهة في صلب المسيح وقتله..)
### الآية 158#### إشارة:بَل رَفَعَهُ اللّه إِلَيْهِ وَكَانَ اللّه عَزِيزًا حَكِيمًا (158)#### النقاط المستفادة من الآية1. المراد من الرفع في هذه الآية ليس رفع مقام ودرجة النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ، كما ورد في شأن بعض الأنبياء، بل بالنظر إلى سياق الآيات وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ... بَل رَّفَعَهُ اللّه إِلَيْهِ) وبملاحظة الروايات الكثيرة، يكون المراد هو أنه سبحانه قد رفع عيسى بروحه وبدنه إلى الأعلى؛ وأنّه لم يمت بل هو حي في العالم العلويّ.. (1))2. ورد في الروايات أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ سينزل إلى الأرض حين يظهر الإمام الحجة المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)؛ فيقتل الدجال، ثمّ سيموت كما يموت الناس. (2))3. معلوم أن قول القرآن الحكيم بأنّ اللّه تعالى قد رفع عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ إليه يراد منه - كما نصت الروايات المتواترة المستفيضة - رفع عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى السماء الرابعة، وهي الموضع المجهول بالنسبة لنا، إذ الأمر المسلّم عدم وجود مكان اللّه عز اسمه وأنه ليس في العالم العلوي فحسب، وعليه؛ فإنّ رفعه إلى اللّه جاء بمعنى رفعه إلى حيث الرحمة الخاصّة وحصوله على المقام العليّ في السماء الرابعة والبقاء على قيد الحياة؛ مع ملاحظة عدم اطلاعنا على تفاصيل حياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) هناك.)4. رغم أنّ النصارى والمسلمين - أتباع الأناجيل والقرآن - يؤمنون بمآل عيسى إلى العالم العلوي، إلا أن المسلمين يؤمنون بعدم صلبه وقتله وإنّما رفع إلى السماء حيّاً.. غير أنّ
النصارى يعتقدون بقتله، ثمّ عودته إلى الحياة ثم ارتفاعه..5. جدير ذكره أنّ في مدينة (سري نكره الهندية ثمّ قبر منسوب للمسيح وقد كتب عليه عبارة (مقبرة عيسى صاحب) والقاديانيون يذهبون إلى أنه قبر عيسى بن مريم، ويقولون بأنّه حين اقتيد للصلب تمكّن من الفرار من بين أيدي الجنود واليهود والمجئ إلى كشمير في الهند ثم رحل عن الدنيا في هذه المدينة ودفن. (1))6. يعتقد القاديانيون أنّ غلام أحمد القادياني هو المسيح الذي بعث حيّاً وقد ظهر ليجدّد الأحكام الإسلاميّة ويؤمن بالرسالة المحمدية.. ونحن نعلم بأن أحمد القادياني ليس سوى ألعوبة استعمارية بيد البريطانيين.. وهو وأمثاله كمحمد علي الباب والمهدي السوداني قد برزوا في حقبة استعماريّة واحدة لبث الفُرقة بين المسلمين، وأنّ الثلاثة معاً يشربون من عين خبيثة واحدة وهي المتجسّدة في الاستعمار البريطاني آنذاك. وعلى هذا؛ فإن المذهب القادياني العجيب القائل بخصوص قبر المسيح ليس سوى مقدمة لتصحيح ادّعاء غلام أحمد في تجسد المسيح في بدنه.. ولا قيمة لمزيد من البحث في تفاصيل بدعته وضلالته...
1) تفسير المنار، ج 6، ص 42.
### الآية 159#### إشارة:وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث وقع الاختلاف بين المفسّرين في ضمير (قَبْلَ مَوْتِهِ أن يعاد على أهل الكتاب أو على النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ورد احتمالان في تفسير هذه الآية:)الاحتمال الأول : على أساس أن يعاد ضمير (قَبْلَ مَوْتِهِ على أهل الكتاب؛ يكون تفسير الآية كالتالي: أن لا أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن هذا الواحد وقبل موته بالنبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك حيث يصل الإنسان من أهل الكتاب إلى حافة الاحتضار وتضعف صلته بعالم الدنيا وتقوى هذه الصلة بعالم ما بعد الموت، فتزاح الحجب من على عينيه وتتّضح وتتكشّف له الكثير من الحقائق ويطلع عليها.. وهنالك يشاهد المسيح بعين الحقيقة؛ فيسلّم له.. فيؤمن له من كان كافراً به، ويعود عن شبهته من كان متخذاً إياه إلهاً.. فيكون هذا الإيمان كإيمان فرعون الذي أحاط به العذاب والغرق، فآمن بربّ العالمين، وذلك حين شاهد مقدمات العذاب والدمار والموت؛ وهناك لم ينفعه إيمانه ذاك بشيء..)الاحتمال الثاني: إذا أعدنا الضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ على النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيكون المراد أنّ جميع أهل الكتاب سيؤمنون بهذا النبي قبل موته.. إذ اليهود - آنذاك - سيؤمنون بنبوته التي أنكروها من قبل، وكذلك النصارى سيتراجعون عن القول بإلوهيته.. وسيحدث ذلك - طبقاً للروايات المتواترة بين المسلمين - في حقبة الظهور المهدوي المقدّس، حيث ينزل عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) من السماء ويصلّي خلف الإمام ويراه اليهود والنصارى على حد سواء؛ فيؤمنون به)
وبالإمام.. (1وواضح أنّ المسيح وبحكم أنّ رسالته متعلّقة بالماضي، فيكون مكلّفاً في عصر الظهور المهدوي الشريف باتباع إمام الدين الإسلامي. وقد رجّح المرحوم العلّامة الطباطبائي أن يكون الضمير المشار إليه عائد على النبي عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو يوحي أنه لا يزال حياً يرزق عند اللّه تعالى، وأنّه سيعود إلى أهل الكتاب ليؤمنوا به. (2))2. سؤال: جاء في الآية (14 من سورة المائدة الشريفة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا ممّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...) فيما قالت الآية (159) من سورة النساء الكريمة: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) وهذا يعني قبول أهل الكتاب ديناً واحداً، وأنّ هذا الواقع سيتحقّق في زمن الظهور المهدوي حسب عقيدتنا، والحال أنّ بين الآيتين أعلاه اختلافاً دائماً واقعاً بين النصارى، فيما الآية محطّ البحث تشير إلى وحدتهم، فكيف يكون الجمع بينهما؟)الجواب: إن لاحظنا الآيات بدقة وأمعنا النظر في تفسيرها الصحيح، لوجدنا أن لا اختلاف بينهما أبداً.فآية سورة المائدة تناولت العقاب ونقض الميثاق من قبل النصارى وسوء عاقبة ذلك إلى يوم القيامة، حيث العداوة والبغضاء بينهم، وتلك عقوبتهم إنّما حصلت لهم بسبب أنه معوجود النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ وهو نبي رحمة كان يدعو قومه إلى السلام، ويشجعهم على الاهتمام بأمر آخرتهم والإعراض عن لذائذ الدنيا وزخارفها المغرية وينهاهم عن أن يكونوا وحوشاً كاسرة.. إلّا أن من كانوا يدعون اتباعه نسوا ما كان يذكرهم ويوعظهم.. فما كان من اللّه تعالى إلّا أن ألقى العداوة والبغضاء بينهم وقال فيهم: ﴿... فَنَسُوا حَظًّا ممّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وجعل هذه العداوة والبغضاء ملكة راسخة في الأمم النصرانية، ولا)
ريب في أنّ نار الآخرة ستكون مآلهم، حيث لا مفر لهم منها، فإن خرجوا من غمّ عادوا إلى غمّ مثله أو أسوأ منه، ثمّ يقال لهم: ذوقوا عذاب الحريق.. فهم قد اختلفوا بمجرد أن رفع عيسى إلى السماء، فتباغض الحواريون ودعاة الرسالة المسيحية.. ولقد اشتدّ الاختلاف بينهم بمرور الوقت وتعاقب الأجيال حتّى عمّ الاختلاف والتباغض جميع النصارى، فوقع القتال بينهم وتعاظمت الحروب والغارات، ممّا تسبّب في الضياع والتهجير والفساد، إلى أن قامت الحروب العالمية بينهم حروباً هدّدت واقع العالم ومصيره بالفناء والانقراض.. وكل ذلك؛ تجسيد للوعد الإلهي الوارد في الآية مورد التفسير.. وهو أيضاً. مصداق تبدل النعمة نقمةً وضياعاً أشدّ ودماراً أفظع.. وهذا ليس إلا عقوبة دنيوية..أمّا الآية (159 من سورة النساء فتبين مطلباً آخر تقدم ذكره..)وعلى هذا؛ فإن كلّاً من الآيتين تتناول مطلباً مستقلاً. فالآية الواردة في سورة المائدة تناولت عقوبة النصارى الذين نقضوا ميثاقهم مع اللّه ونبيّهم وجملة الخطايا التي ارتكبوها ممّا اقتضى تفشّي العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة.. وآية سورة النساء تشير إلى أن أهل الكتاب سيؤمنون بالنبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ في حقبة الظهور المهدوي الشريف، أو أنهم سيؤمنون به قبل موتهم.. وهم إلى يوم القيامة سيرزحون تحت طائلة العداوة والبغضاء..)وفي (تفسير علي بن إبراهيم نقل عن شهر بن حوشب أنّ الحجاج قال له ذات يوم: إن آية قرآنية قد أتعبته وحارفي معناها. قال شهر وأي آية هي يا أمير!؟ فقال الحجاج هي آية : (وإن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ...) وذلك أنني قد أقتل اليهودي أو النصراني ولا أجد فيه علامة على هذا الإيمان الذي نسبه القرآن له.. فقال شهر: المراد هو أنّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) سينزل قبل نهاية العالم؛ فلا يبقى يهودي وغيره إلا ويؤمن قبل موته بعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو الذي سيصلي خلف المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وحينما سمع الحجّاج هذا المطلب قال: ويلك من أين جئت بهذا التفسير؟ فقال شهر: سمعته من محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقال الحجّاج : واللّه جنت)
بها من عين صافية... (1)4. المراد من شهادة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ ضد هؤلاء في يوم القيامة هو أنه سيشهد بكونه قد بلّغ الرسالة وأنّه لم يدعهم إلى ربّ غير رب العالمين: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا))5. سؤال: ثُمّ سؤال يطرح نفسه هنا؛ وهو: طبقاً للآية (117 من سورة المائدة؛ فإنّ شهادة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ستحتصر في يوم القيامة في الفترة التي عاشها بين ظهراني أمته ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ) وأما ما بعد موتي (عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد سلبه اللّه القدرة على الشهادة فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ والحال أن الآية محط التفسير تقول إنّه في يوم القيامة سيشهد على جميع من كان في عصره أو لم يكونوا..)الجواب: بالتدقيق في مضمون هاتين الآيتين نفهم أنّ هذه الآية تقول: إنّ عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ سيشهد ضد جميع الذين اتخذوه إلها؛ سواء من عاش في عهده أو من عاشوا ضمن الأجيال التي تلته، وأنه لم يدعهم إلى عقيدة الشرك باللّه أما الآية (117) من سورة المائدة؛ فتتحدّث عن أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيشهد على تبليغه الرسالة بشكل صحيح وكافي إلى الوقت الذي كان بين الناس، فحلت بينهم وبين الانحراف، فلما توفاه اللّه تعالى ورفعه إليه اتخذوه إلهاً على سبيل الانحراف والشرك وأنّ اللّه هو خير شاهد عليهم..)
1) تفسير القمي، ج1، ص 158.
### الآية 160#### إشارة:فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَةٍ أُحِلَّتْ هَمْ وَبِصَدِهِمْ عَن سَبِيلِ اللّه كَثِيرًا (160)#### النقاط المستفادة من الآية1. إحدى السنن الإلهيّة المشروطة في الناس أنه تعالى يقرّر عذابهم الدنيوي طبقاً لأعمالهم السيّئة، وهذا العذاب يمكن أن يتصوّر بصور مختلفة.2. إنّ الانسان وفضلاً عن ارتباطه بالطبيعة وبأفراد الإنسان من نوعه، فإنّه مرتبط بخالق الوجود أيضاً، وإن سلوكه إزاء خالقه يكون موضع تقييم وتمحيص، ومتى ما لم يستوجب سلوكه رضا خالق الوجود وغضبه، فعليه أن يتوقع وينتظر العذاب.. ثمّ إنّ قسماً من هذا العذاب ينزل عليه في حياته الدنيوية، والقسم الأهم والأكبر يلقاه في حياته الأخرويّة والقسم الذي ينزل عليه في عالم الدنيا يمكن أن يظهر بأشكال متفاوتة.. فيكون لأحدهم بهيئة مرض عضال، ولآخر بشكل حادث اصطدم، ولغيره بصورة موت أو قتل ولده أو بخسارة تجارية، أو فشل بتحقيق الهدف.. كما قد يكون العذاب الجماعي بصورة سلب الأمان والراحة والاستقرار النفسي والاجتماعيّ، أو القحط والجفاف والزلزلة والسيل و...3. رغم أنّ ظاهر هذه الآية والآية (146 من سورة الأنعام المباركة؛ يبيّن أن للتحريم حيثية عامة وتشمل غير الظالمين (إذ في الآية - 160 - جرى التعبير ب-(لَهُمْ) خلافاً لمسألة العقوبة الأخروية الذي ورد فيه التعبيرب (لِلكَافِرِينَ مِنهُم) وعليه؛ فإنّ النسبة لأولئك الظالمين يكون التحريم ذا حيثية عقابية، أما بالنسبة للصالحين - وهم الأقليّة، فلها حيثية امتحانية وتربوية - ولكنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى التحريم الخاصّ بالظلمة، وقد أشير في بعض الروايات إلى
ذلك، كما نقل في (تفسير علي بن إبراهيم القمي) أنّ زعماء بني إسرائيل كانوا قد منعوا فقراء هم عن تناول لحم الطيور وشحوم الحيوانات فحرّمها اللّه تعالى عليهم جزاءً لهم على ظلمهم هذا. (1)
قال أميرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يهلك على التقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم... » (2).
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إذا فشا الزنا؛ ظهرت الزلازل» (3).
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكِلِهِمأَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
المراد من تحريم الطيبات هو نفسه الوارد في الآية (146) من سورة الأنعام المباركة حيث قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كلّ ذِي ظُفُرِ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وعليه؛ فإنّ التحريم المذكور تحريم تشريعي وقانوني؛ ولم يكن تحريماً تكوينيّاً، بمعنى أن هذا الهبات كانت قد صارت بأيديهم بشكل طبيعي، ولكنهم منعوا من تناولها شرعاً.. وقد وردت في سفر اللّاويين من التوراة الموجودة بين أيدينا، الفصل الحادي عشر الإشارة إلى قسم من المحرّمات المذكورة أعلاه، ولكن لم يرد فيها أنّ هذا المعنى وهذا التحريم له حيثية عقابيّة..
لا يمكن نزول العذاب الإلهي دون أن يسبقه نهي (قبح العقاب بلا بيان) إذ لو أريد معاقبة أحد بلا نهي مسبق، لكان أمراً قبيحاً، وهو بعيد عن المقام الإلوهي، وخلاف للعدل والحكمة (وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ).
حرمة الربا على اليهود تبيّن أنّ هذا العمل القبيح محطّ غضب الرب، وأنّ حرمة الربا غير مخصوصة بالإسلام، رغم أنّ الوارد من منعه في التوراة المحرفة خاص فيما بين اليهود فقط (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ).
واضح أن عبارة (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ توضّح حقيقة أن يهود بني إسرائيل كانوا يأكلون الربا رغم المنع الإلهي الديني.
حرف الباء في كلمة (بِالْبَاطِلِ) باء السببية، ومعناه أنّ اليهود كانوا يوفّرون أسباب الباطل وغير المشروعة ليغصبوا الأموال العامة والخاصّة بالمجتمع، والمراد من (أَمْوَالَ النَّاسِ) يمكن أن يشاربه إلى الثروات الاجتماعيّة مثل المعادن والغابات وغيرها، ويمكن أن تكون الأموال الشخصيّة للآخرين، والاستنتاج أعلاه جرى على أساس الاحتمال الثاني، جدير بالذكر أن كلمة (أَكْلِهِمْ) لا يقصد به تناول الطعام، وإنما هو نوع تصرّف..
بالنظر إلى جملة (أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ) وجملة (حرمنا عليهم الطيّبات) حيث وردت كلمة مِنْهُمْ في الأولى دون الثانية، يعلم أنّ التحريم قد شمل الكافر منهم والمؤمن، ولكن عذاب الآخرة سيحيق بالكافرين منهم فحسب (حرّمنا عليهم الطيّبات... وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).)7. معلوم أنّ حرف (من في (مِنْهُمْ... (أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ) جاء للتبعيض ويوحي بأن فريقاً من اليهود لم يكفروا، ولعلّهم كانوا يراعون حرمة الإيمان ويلتزمون بالأحكام الإلهيّة.. كما أنّ من الحرّي بمكان القول بأنّ المراد من الكافر هنا من يكفر عملياً، بمعنى عدم التزامه بالأحكام الإلهيّة.
توفّر المعيار في نوع الأشخاص يصحح جعل وشمول القانون لجميع الأفراد، وإن معيار تحریم الطيّبات على اليهود؛ هو الظلم والعناوين الأخرى المذكورة في هذه الآية والآية التي تليها، ولهذا؛ كان تخلّف وعصيان فريق من المجتمع يمكن أن يكون سبباً لتعرّض جميع أفراد المجتمع للعقوبة الدنيوية (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ... وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
الظلم والصدّ عن سبيل اللّه وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل.. كلّ ذلك يوجب توجّه الإنسان إلى الكفر، أو يوجب الكفر بعينه (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ... وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
الكفر يوجب تعرّض ابن آدم لعذاب القيامة الأليم، ولعذاب الآخرة أنواع ومراتب (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
استعمال صيغة الفعل الماضي في (أَعْتَدْنَا) يدلّ على وجود جهنم في الزمن الحاضر، لاسيّما وأن هذا الاستنتاج مجتر من أنّ عَذَابًا أَلِيمًا هو عذاب الآخرة.)12. الظلم والصدّ عن سبيل اللّه و أكل مال الناس بالباطل يوجب عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ... وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.)
### الآية 162#### إشارة:لكِن الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً (162)#### النقاط المستفادة من الآية1. حظي المؤمنون الطاهرون من اليهود بالثناء في هذه الآية ووعدوا بالأجر العظيم والثواب الجزيل.2. ينبغي أن نعلم بأنّ الإسلام لا يذمّ قوميّة لمجرد كونها قوميّة، وإنّما الذّمّ القرآني الوارد في اليهود وإدانته لهم؛ متوجّه في حقيقته إلى المنحرفين منهم، ولذا نجد هذه الآية قد استثنت المؤمنين الصالحين منهم، بل إنّها أثنت عليهم ووعدتهم بالأجر العظيم ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ... سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.)3. لا شكّ في أنّ جمعاً من كبار اليهود قد أسلموا بمجرّد ظهور الإسلام ومشاهدتهم لدلائل حقّانية الرسالة والرسول الخاتم صلوات اللّه عليه وآله، ولطالما دافعوا عنه بأموالهم وأرواحهم حتى حظوا باحترام وتقدير النبي والمسلمين.طبقاً لهذه الآية الشريفة؛ فإنّ الإيمان بالأديان الماضية والقرآن وبقيّة الكتب السماوية غير كاف، إذ لابدّ من اقتران الايمان باللّه والمعاد وإقامة الصلاة بإخراج الزكاة في سبيل اللّه تعالى.5. كما أنه سبحانه بشير، كذلك هو نذير، فكما يهدد الكافرين بعذابه الأليم، كذلك يبشّر المؤمنين بالأجر العظيم (أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا... أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.)
### الآية 163#### إشارة:إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَیُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (163)#### النقاط المستفادة من الآية1. للوحي معاني وآفاق مختلفة، وجامعها كلها الإلقاء السريع والخفيّ، وهذا المعنى مشترك في جميع مصاديق الوحي وأبعاده، سواء كان لدى إلقاء الأمر التكويني على الجمادات، أو إلقاء الأمر الغريزي على الحيوانات، أو بالتفهيم الفطري والقلبي على الناس العاديين، أو بتفهيم رسالة الشريعة على الأنبياء، سواء بالإشارة أو الخفي من الكتابة، وفي جميع هذه المصاديق والنماذج تكون خصوصيّة التفهيم والإلقاء الخفيّ. (1)2. آفاق الوحي المختلفة في القرآن:الأول: (وحي النبوة والرسالة حيث ورد في هذه الآية ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ).)الثاني: (وحي الإلهام حيث قال تعالى في الآية (68) من سورة النحل:)(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (2).)
1) علوم القرآن سعيدي روشن، ص 21 و 22.
2) و قد أوّل المعصوم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أي أخبر قارئ الآية بمعناها الأول و الأصل بأن النحل هنا أريد بهم الأئمة الاثنا عشر - و من هنا كانت من ألقاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمير النحل - فيما الجبال هم شيعة الأئمة.. (راجع: تفسير القمي، ج 1، ص387 ومناقب آل أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ج 2، ص 315) [المترجم].
الثالث: (وهي الإشارة كما ورد في الآية (11) من سورة مريم بخصوص زكريّا (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).)الرابع: (وحي التقدير قال سبحانه في الآية (12) من سورة فصلت: ﴿وَأَوْحَى فِي كلّ سَمَاء أَمْرَهَا).)الخامس: (وحي الأمر حيث نقرأ الآية (111) من سورة المائدة: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي).)السادس: (الوحي بمعنى البيان الخفيّ كما قال تعالى في الآية (112) من سورة الأنعام بخصوص الشياطين: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).)السابع: (وحي الخبر كما نقرأ عن جمع من الأنبياء في الآية (73) من سورة الأنبياء: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ). (1) 3. سؤال: كيفيّة تكلّم اللّه مع الأنبياء؟
ينبغي - لدى الإجابة على هذا السؤال - مراجعة القرآن، وطبقاً للآية (51) من سورة الشورى يمكن تحديد ثلاثة طرق للتكلّم المراد: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللّه إِلَّا وَحْيَا أَو مِن وَرَاء حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء.)الطريق الأوّل: (الوحي بصورة الإلقاء في القلب وحسب تعبير الروايات: (النفح في الذهن والنفس) وفي هذا النوع الوحي النازل على نبينا المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث كان. مراراً لا يسمع صوتاً ولا يرى ملكاً، وإنما كان يستلهم المطالب بروحه وقلبه مباشرة..)الطريق الثاني: (الوحي من وراء حجاب بحيث يسمع النبي صوتاً من دون أن يرى)
1) درسهايي از علوم قرآني حبيب اللّه طاهري، ج 1، ص 251.
المتكلّم... ويقصد بهذا النوع من الوحي أنّ اللّه تعالى يوجد صوتاً في مكان ما؛ فيسمع النبي هذا الصوت بحيث يمكن القول إنّ الموضع الذي يوجد فيه هذا الصوت نوعَ واسطة بين اللّه والنبي، ولنا - من هذا النوع من الوحي - أن نشير إلى كلام اللّه تعالى مع النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ، حيث تكلّم اللّه معه بصوت أوجده وخلقه، حتّى أنّ النبي موسى كان يسمع الصوت المخلوق من كلّ جهة، فقيل له: كليم اللّه.. ونظير هذا الوحي خطاب اللّه تعالى في المعراج إلى حبيبه المصطفى صلوات اللّه عليه وآله...)الطريق الثالث: (الوحي بإرسال رسول فيأتي الملك هابطاً بتعاليم اللّه وأوامره منه سبحانه إلى نبيه؛ فيلقيها عليها، وحسب الروايات: أنّ هذا الملك قد يأتي النبي بصورته الأصليّة أو متمثلاً بصورة خاصة، وقد لا يتمثل لنبي فلا يراه، ولكنّه يتلقى منه الرسالة...)4. فهم بعض المفسّرين من قوله عزّوجلّ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا... أنّ القرآن يريد الإعلان للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنّ دينك يحوي جميع الخصائص والميزات التي كانت للأديان السالفة، وأن ما كان لدى الأنبياء والصالحين هو لديك، وقد أشارت بعض الروايات عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى هذا المعنى (1)وإنّما قال المفسّرون ما قالوا بهذا الصدد استلهاما - في الحقيقة - من هكذا روايات..)5 إن قلنا - طبقاً لمنطوق القرآن - بأنّ الزبور من جملة الكتب السماوية قد أنزله اللّه تعالى على نبيه داود (عَلَيهِ السَّلَامُ، فلا منافاة مع القول بأنّ المعروف هو أن أولي العزم من الأنبياء هم أصحاب الكتب السماوية وكونهم مجدّدين للرسالات والأديان وهم خمسة أنبياء وليس أكثر، ذلك لأنه كما يفهم من الروايات فإنّ الكتب السماويّة النازلة على الأنبياء على شاكلتين:)الف: أنّ الكتب المتضمنة للأحكام التشريعيّة والمعلنة للديانة الجديدة هي خمسة
1) راجع: تفسير العيّاشي، ج 1، ص 285 والكافي، ج 2، ص 601.
كتب لا أكثر، وقد نزلت على أولي العزم الخمسة.ب: هناك كتب أخرى لم ترد فيها أحكام جديدة، وإنّما تشتمل على نصائح وإرشادات ومواعظ ووصايا وأدعيه، وكتاب الزبور من هذا الطراز، والآن يسمّى بمزامير داود الذي تضمنته التوراة أو ما يسمى بالعهد القديم مع أنّ شأنه شأن متن العهدين القديم والجديد الذي لم يسلم من يد التحريف والتغيير، ولكن يمكن القول بأنه قد حفظ ظاهره نوعاً ما.. وهو يشتمل على (150 فصلاً، ويسمّى كلّ فصل منها مزموراً، وهو على العموم جملة مواعظ وأدعية ومناجاة...)6. روى الصحابي الجليل أبوذر رضوان اللّه عليه أنه سأل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من عدد الأنبياء، فقال: (124) ألف نبي. فسأله عن عدد المرسلين بينهم، فقال: (313) رسولاً والبقيّة أنبياء قال أبوذر فسألته عن عدد الكتب السماوية المنزلة عليهم، فقال صلوات اللّه عليه وآله: (104) كتاب، عشرة منها نزلت على آدم، وخمسون منها على شيث وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم.. فيكون مجموعها (100) كتاب وصحيفة والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن المجيد. (1))7. الوحي تارة يكون بمعنى الإلهام، إلهام يستقر في قلوب الأفراد المؤمنين وإن لم يكونوا أنبياء أو أئمّة، مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى.... (2))8. (الأَسْبَاطِ جمع سبط، بمعنى طوائف بني إسرائيل، إلّا أنّ الاصطلاح هذا يعني هنا الأنبياء المبعوثين من هذه الطوائف..)
### الآية 164#### إشارة:وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّه مُوسَى تَكْلِيماً (164)#### النقاط المستفادة من الآية1. الهدف من هذه الآية الشريفة القول بأنّ اللّه تعالى قد عرف نبيه المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قبل نزول بالأنبياء السابقين، وحينما نزل عليه الوحي والرسالة في مكّة قد بيّن سيرهم بصورة موجزة، وحين الهجرة إلى المدينة نزّل آيات قرآنية تناولت بتفصيل تلكم السير الخاصّة بأولئك الأنبياء.)2. هذا النص القرآني يشير إلى أنّه سبحانه قد بعث كثيراً من الأنبياء والمرسلين ممّن لم ترد أسماؤهم وصفاتهم في القرآن وإنّما اقتصر كتاب اللّه الخاتم على ذكر فريق من أعاظم الأنبياء..3. قد ميّز اللّه تعالى نبيه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ أن خاطبه مباشرة وبلا واسطة ملاك الوحي..)وقال بعضهم: المراد أنّ اللّه تكلّم مع موسى بالطريقة والأسلوب الذي يناسب مستوى فهمه وعقله، وليس كما ذهب أهل الباطل ووصفوه.وروي أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حين تلا هذه الآية ؛ قال :المبطلون قد ذكر محمد أسماء عدّة من الأنبياء وتحدّث في وصفهم، ولكنّه لم يقل شيئاً عن موسى.. فنزلت هذه الآية، فقالوا: قد ذكر محمد موسى وميّزه على الآخرين، وذلك أنه سمّاه كليم اللّه.... (1))
1) مجمع البیان، ج 3، ص 218.
### الآية 165#### إشارة:رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّه حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّه عَزِيزًا حَكِيمًا (165)#### النقاط المستفادة من الآية1. الرسل المبشرون المنذرون أخبروا الناس بأنّ الجنّة والنعيم الإلهي الأبدي بالإيمان، أما الكافرون منهم فيساقون إلى جحيم النار والعذاب، لئلا يكون للناس. بعد البشرى والإنذار وبعد بعثة الأنبياء لهم عذروحجّة في مقابل ربّهم المتعال، فلا يقولون : إنّك يا ربّنا لم تبعث فينا رسولاً، ولو أنّك أرسلت إلينا من يخبرنا لامنا بك وأطعنا أوامرك ! بلى؛ لولا أنه تعالى قد بعث من بعث من الرسل والأنبياء لكانت حجّتهم، قائمة كما صورت آية آخرى هذا التدبير والاعتذار غير المقبول حيث يقول المبطلون في يوم القيامة :2۔ سؤال : يمكن أن تقول : إن شمل اللّه الكافرين بلطفه الخاص؛ هل كانوا يؤمنون؟يجب أن نقول هنا هذا التصوّر باطل ولا أساس له لأنّ خالق الوجود إن كان قد أمطرهم برحمته ولطفه الخاص؛ فإنّهم سيرفعون عقائرهم بتبرير جديد، ولقال كلّ منهم: يا ربّنا! لمَ لم تشملنا برحمتك ولطفك الخاص حتّى نؤمن بك ونطيعك ولجعلنا من تعاليمك منهجاً لحياتنا؟ ولهذا؛ وبهذا الإيضاح، يكون سبحانه وتعالى قد أتمّ حجّته ببعثه الأنبياء على عباده ليبصرهم بحقيقتهم، تلطفا منه بهم.. فأما إن لم يع الإنسان هذه الحقيقة، فإن الحجّة تبقى قائمة عليه أيضاً، ذلك لأنّ اللّه تعالى قد تفضّل على ابن آدم بنعمة العقل والفطرة الباحثة عن اللّه تعالى، كما غرس فيه جملة من الحجج الأخرى التي تنتهي بالإنسان إلى الهداية ومعرفة اللّه سبحانه.. وهذه الحقيقة واضحة المعنى والتفصيل في نصوص الآيات والروايات، وعليه؛
وطبقاً للوارد في الآيات والروايات فإنّ اللّه على الناس حجتين:ألف: الحجّة الظاهريّة، وتتمثل بالأنبياء.ب: الحجّة الباطنية، وتتمثل بالعقل.ولو أنّ إنساناً أراد تجاهل العقل ودوره في تحديد المصير، والاتكاء على بعثة الأنبياءباعتبارهم الحجّة الإلهيّة الوحيدة، فسيواجه إشكالين رئيسيين في طريقه:الإشكال الأول: أننا حينما نؤمن بأنّ دعوة النبي دعوة سماوية حقة، نستطيع حينها الإيمان بوسيلة العقل باللّه والتوحيد، أما إذا لم نعرف اللّه ولم نع عدالته وحكمته، فإننا لن يكون لنا طريق إلى معرفة رسالته ولا رسوله.الإشكال الثاني: إن اعتبرنا الأنبياء حجّة إلهية وحيدة، ولم نعترف بدور و تأثير للعقل، هنالك كيف نعي صدق النبي من عدم صدقه؟ وكيف سنقيّم مضمون الدعوة الساميّة؟ إنّه لا مناص لنا من الاستعانة بشاهد ودليل على صدق النبي، ولابد لنا من نبي ثالث يشهد على صدقه.. وإذ ذاك سنقع في الدور والتسلسل الأبدي.. وبهذا الإيضاح، يتبين لنا أن الذين يستدلون بهذه الآية الشريفة على أحاديّة الحجّة الإلهيّة وأنّها تتمثّل بالأنبياء فقط ويتجاهلون بذلك دور العقل ويسقطونه عن الحجّيّة، يكونون قد انحرفوا عن الجادة الحق..3. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللّه عَزِيزًا حَكِيمًا يشير ويبين حقيقة أنه سبحانه وتعالى قادرعلى معاقبة العصاة وعلى تدبير شؤون عالم الوجود، وعلى أن يبعث الرسالات السماوية ويبعث الأنبياء، مضافاً إلى أن حكمته تقتضي أن يحمل المرسل رسالته إلى الواقع العملي، وأنّ قدرته سبحانه تمهّد الطريق لتحقيق هذه المهمّة، ذلك لأنّ عدم تحقيق المنهج الصحيح إمّا أن يكون بسبب عدم الحكمة والمعرفة وإمّا بداعي انعدام القدرة على الإنجاز.. والحال أنّ الأمرين معاً محالان - باعتبارهما نقيصتين - على الذات الإلهيّة المقدّسة..)
### الآية 166#### إشارة:لَكِن اللّه يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَهُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّه شَهِيدًا (166)#### النقاط المستفادة من الآيةفي الآية الأخيرة يواسي اللّه نبيه ويدفعه إلى مزيد الاستقامة في أن لا يبالي بمن يكذِّبون نبوّته ورسالته ذلك لأنّ اللّه عزّوجل هو الشاهد على صدقه وحقانية رسالته ودعوته..(لَكِن اللّه يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ولا ريب أن اصطفاء النبيّ لمقام النبوة لم يكن عن عبث، وإنما الآيات قد نزلت عن علم بجدارة الرسول الأكرم صلوات اللّه عليه وآله لأداء المهمّة النبويّة العظمى..)(أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ هذه العبارة الكريمة يمكن أن تكون ناظرة إلى معنى آخر، وهو أنّ ما أنزل عليك هو من بحر العلم الإلهي اللامتناهي، وأنّ مضمونه ومحتواه دليل واضح على أنه يصدر عن علمه سبحانه.. وعلى هذا؛ فإنّ شاهد الصدق المحمّدي ثابت في نص هذه الآيات، ولا حاجة إلى دليل آخر.. إذ كيف يمكن لفرد لم يحضر درساً أن يأتي بكتاب يشتمل على أسمى التعاليم والعلوم والفلسفة والقوانين والقضايا الأخلاقيّة والمناهج الاجتماعيّة من دون الاتكاء على العلم الإلهي؟ وفي الخاتمة؛ تضيف الآية أعلاه أنه ليس اللّه تعالى وحده الذي يشهد على حقّانية النبيّ الأعظم صلوات اللّه عليه وآله، بل إنّ ملائكة اللّه تعالى يشهدون أيضاً مع أنّ شهادة الرب المتعال كافية. (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّه شَهِيدًا).
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللّه قَدْ ضَلُّوا ضَلَالا بَعِيدًا (167)
(الضال) كلمة تقال لمن خفي عليه مراده، وقد انحرف عن الطريق الذي يدلّه على مقصوده، و(الضلالة) تعني العدول عن الصراط المستقيم والميل عن الطريق الأصل، سواء كان هذا الميل قليلاً أو كثيراً، عمداً كان أو سهواً.
الهدى يقابل الضلال والهداية تعني تحديد الطريق الذي ينتهي بالمرء إلى هدفه المطلوب. ومن حوالي (236) سياق قرآني يتناول موضوع الهداية؛ يمكن استنتاج أنّ الهداية بمعنى (إيضاح طريق الحقّ والكمال والخير والصواب) إذ تارة ما يرد بخصوص الإنسان؛ نظير قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. (1))3. في هذه الآية وردت الإشارة إلى فريق آخر؛ قد اختار أسوأ أشكال الكفر، وهم الذين - فضلاً عن ضلالتهم - يسعون إلى إضلال الآخرين وهم الذين يستسيغون إلحاق الظلم بأنفسهم وبالآخرين؛ إذ لا هم يسيرون في صراط الهدى ولا يدعون الآخرين أن يسيروا فيه فيهتدوا، حتّى يسقطوا - كما سقطوا هم - في وديان الضلال، فظلموهم بمنعهم عن طريق الهدى، ومثل هؤلاء لن يشملوا بغفران اللّه تبارك وتعالى ولن يهديهم ربهم إلى طريق سوى طريق العذاب الجهنّمي.4. لماذا صار هذا الفريق الأبعد عن الهدى؟!لأنهم دعاة الضلال، ويبعد أن يكفّوا عن دعوتهم، فهم قد وضعوا أقدامهم في طريق الكفر
1) سورة العنكبوت / 69.
الممزوج بالعناد؛ وهو الطريق البعيد جداً عن جادّة الهدى.مصطلح الضلال يتضمّن نوع تحيّر وضياع، والمقصود هو انحرافهم عن الطريق الذي يدلّهم على غاية.6. إنّ أعمال وسلوك الإنسان ومواقفه لها دور كبير جداً في ضياعه وسقوطه وما يوجب ذلك عبارة عن:الأوّل: اتّباع الهوى فما لم يقوم المرء غرائزه، وعمد إلى إرضائها بما يتجاوز الحدود المعقولة والمنطقية؛ خرج عن الجادّة الوسطى حتّى يتورّط في الانحراف والسقوط. يقول القرآن: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللّه عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ... (1)والآية تحدد سبب إضلال العبد من جهة اللّه. كعقوبة دنيوية. معلول مسلّم به للرغبات النفسانية الباطلة..)الثاني: صديق السوء، فلو اختار الفرد هذا النوع من الصديق ولم تكن له القابليّة على هدايته وإرشاده، فإن هو استمر في رفقته، احتمل أن يتأثّر به سلباً، وقد وصف القرآن هذا النوع من العلاقة بقوله: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (2).)الثالث: التقليد الأعمى (الصمنيّة فالإنسان المطيع لزعماء مجتمعه يغفل عن مصالحه الأخروية، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا). (3))الرابع: تقليد الأجداد، فالاتباع الأعمى لهؤلاء، وكما كان في الماضي سبباً لضلال وضياع أجيال بكاملها، حيث عمدت أمم إلى تقبل معتقدات أسلافها بلا أي تحقيق وتدقيق في مدى صحتها وصلاحيتها؛ فوجدت نفسها في أودية من الضلال المبين.. بل إنّ من الناس
المتديّنين يعمدون إلى تقليد صالحيهم؛ فلا يتلمّسون التعاليم الواقعيّة للدين ولا يلتفتون لها، وهذا مذهب مدان من وجهة النظر القرآنيّة. بل إنّ القرآن قد نهى إطاعة الوالدين فيما لو اقتضت ضلال الولد ومعصيته، قال سبحانه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا. (1))الخامس: الشعور بالاستغناء، فلو أنّ الفرد استشعر غناه عن اللّه عزّوجلّ، وذهب إلى كونه قادراً على حل مشاكله وتوفير حاجاته بعيداً عن القدرة الربّانيّة، اضطره ذلك الشعور إلى الضلال والضياع، وانتهى به إلى الطغيان.. وقد عزا القرآن الضلال الإنساني - في بعد من أبعاده المهمة - إلى غفلة ابن آدم ونسيانه التعاليم الإلهيّة وذكر اللّه المتعال : ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حتّى نَسُوا الذِكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا. (2) السادس: من العوامل الأساسيّة لضلال الإنسان اتباعه الأعمى للأغلبية، وقد كان هذا العامل - طيلة التاريخ - موجباً لخفاء الحقّ وظهور وانتشار الباطل، لاسيّما وأنّ الطبيعي من الأمر أن تكون الأكثرية على غير الحقّ من كفر وفساد رأي وأخلاق وضلال، كما أشار القرآن الحكيم إلى هذه الحقيقة والقاعدة في آيات جمّة، مثل قوله: وأكثرهم لا يعلمون، أو: وأكثرهم لا يعقلون، أو قوله سبحانه: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّه إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (3).)السابع: عبادة الأصنام: رغم أنّ هذا النوع من العبادة الباطلة معلول الضلال والضياع؛ إلّا
أنه مؤثر جداً في تكريس الضلال وتجذيره: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ.... (1)ونلاحظ في هذا النص القرآني أنّ النبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد نسب الضلالة إلى الأصنام..)
1) سورة إبراهيم / 36.
### الآية 168#### إشارة:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168)#### النقاط المستفادة من الآية1. يشير اللّه تعالى في هذه الآية إلى أنّ أولئك قد كفروا وفعلوا كفرهم بممارسة الظلم، فظلموا الحقّ ولم يعوه، كما ظلموا أنفسهم حيث حرموها السعادة وسقطوا في وادي الضلال، كما ظلموا غيرهم حيث صدّوهم عن الصراط السوي.. ومثل هكذا أفراد لن ينالوا مغفرة الرب، ولن يهديهم اللّه طريقاً؛ اللّهم إلّا طريق جهنم.. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً.)2. المغفرة والهداية الإلهيتان مقترنتان ومتتابعتان، وما لم تكن ثمّ مغفرة فلا هداية : (يَكُن اللّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ...)3. هذا اللطف وهذه العناية الإلهيّة تشمل العبد ليسير في طريق الحقّ، وإلّا فإنّه يبقى أبداً رازحاً في متاهات الدنيا وظلماتها ما لم يكن ثَمّ نور هداية إلهية.. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً...)
### الآية 169#### إشارة:إلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرًا (169)#### النقاط المستفادة من الآية1. أولئك الذين كفروا وظلموا (ظلموا الحقّ إذ لم يتصرّفوا بما يجدر به، وظلموا أنفسهم حيث حرموها السعادة وسقطوا في وادي الضلال، كما ظلموا الآخرين حيث صدّوهم عن سبيل الحق أولئك لا يغفر اللّه تعالى لهم ولن يهديهم إلا لطريق النار الجهنمية..)2. الآيات الثلاث المذكورة سلفاً تؤكد من جهة أن عقوبة أولئك الكافرين وضلالهم وضياعهم البعيد غير القابل للخلاص، كما وتشير من جهة إلى أنّ (لَمْ يَكُنِ اللّه... كلّ ذلك لتوحي بأنّ الغفران لهم أمر مخالف للحكمة الإلهيّة، وما يخالف الحكمة لا يليق بمقام الإلهيّة، كما تعبّر الآيات من جهة ثالثة عن خلود هؤلاء الكفرة الظلمة في جهنم والتأكيد على ذلك بكلمة (أَبَدًا) من أجل سعيهم إلى إضلال غيرهم وصدّهم عن سبيل الحقّ فضلاً عن ضلالهم هم، وهذه مسؤوليّة عظمى..)3. هؤلاء الكفرة ظلموا الحقّ وأنفسهم، وعليهم أن يعرفوا بأنّ التهديد الإلهى بالضلال البعيد وبعدم المغفرة والتخليد في جهنّم تهديد جدّيّ في حال استمرار غيّهم وكفرهم وظلمهم.. وسيكون التهديد قطعيّاً فعليّاً في حال مواصلتهم للصد عن سبيل اللّه، وذلك لأنّ اللّه قادر مستطيل على فعل ذلك ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرًا.)
### الآية 170#### إشارة:يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَنَا مِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (170)#### النقاط المستفادة من الآية1. حيث الآيات السالفة تناولت مصير الأفراد غير المؤمنين، وجدنا هذه الآية الشريفة تدعو الناس إلى الإيمان بعبارات تثير فيهم الرغبة والتوجه إلى الانطلاق نحو هذا الهدف السامي.2. الظاهر من إضافة حرفي الألف واللام في كلمة (الرَّسُولُ هما ألف ولام العهد، للإشارة إلى النبي الذي كانوا ينتظرونه، إذ فضلاً عن اليهود والنصارى الذين كانوا يتوقعون ظهوره بين الحين والآخر في تلك البقاع المقدسة، فإنّ المشركين بدورهم كانوا على دراية ما بظهوره الشريف..)3. ورد في روايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أن كلمة (بِالْحَقِّ في الآية أريد به ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، فيكون الرسول صلوات اللّه عليه قد جاء للبشرية بهذه الولاية المقدسة المسماة بالحق، وما بعد الحقّ إلّا الضلال.. وقد ذكرت مراراً إنّ هذا التأويل جاء لبيان المصداق الواضح مع أنّه لا يعد دليلاً على حصر المعنى فيه...)4. هذا الرسول قد جاءكم من قبل الجهة التي ترعى شؤونكم وتربيتكم (مِن رَّبِّكُمْ.)5. قد بعث اللّه النبيين وأنزل الرسالات للناس لالحاجة منه إلى ذلك، وإنّما العلم والحكمة
1) الكافي، ج 1، ص 424.
الربّانيّة تقتضي ذلك، وها هي تعاليمه الشريفة وأحكامه الفذة إنّما تنفع الناس لتنظيم حياتهم الدنيوية وضمان سعادتهم الأخروية، فكان من الجدير بهم أن يؤمنوا ويلتزموا بها ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ.)6. اللّه عزّوجلّ هو مالك السماوات والأرض على الإطلاق ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.)7- الإشارة والتصريح بمالكية اللّه في هذه الآية لإعلام الناس بأنهم إن كفروا أو أسلموا فإنّهم لن يضرّوا اللّه شيئاً وهو خالق ومالك الناس والسماوات والأرض وما فيهنّ، فلا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة، لأن الإرادة والقرار في بقاء أو فناء كلّ شيء عائدان إليه سبحانه لا شريك له..8. لأنّ اللّه سبحانه عالم حكيم، فقد كانت التعاليم التي أنزلها لعباده صادرة عن علم وحكمة ومنافع تصب في صالحكم أيها الناس ﴿وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا.)
### الآية 171#### إشارة:يَا أَهْلَ الْكِتَب لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللّه إِلَّا الحقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ فَثَامِنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ، وَلَا تَقُولُوا نَلَتَهُ أنتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللّه إِلَاهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللّه وَكِيلًا (171)#### النقاط المستفادة من الآية1. (الغلوّ بمعنى التجاوز، والغلو في الدين بمعنى الخروج عن الحدود والمعارف الواردة في الكتب السماوية أو تلك التي علمها الأنبياء الإلهيين للناس (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ).)2. بملاحظة نصّ الآية التي منعت أهل الكتاب عن الغلو في دينهم؛ يلاحظ أن التلوث بالغلوّ وتجاوز حدود الدين من جهة اليهود والنصارى قد تحقّق فعلاً، وليس أنّ النهى هنا جاء لتحذيرهم من تحقيقه والوقوع فيه وضرورة توقيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.)ينبغي أن نعلم أنّ أتباع الديانات السماوية معرّضون لخطر الغلو والتطرف السلبي في الدين، فلابد لهم من الحذر من أن لا يضبطوا مشاعرهم وعواطفهم المذهبية، فيبتلون بالغلو في الدين (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)4. مسألة الغلو في الزعامات الدينية أحد أهم وأخطر منابع الانحراف الحاصل في الأديان
السماويّة، وذلك حيث أنّ الفرد متعلّق بذاته ؛ تراه يميل إلى قادته وزعمائه ويعظّمهم أكبر ممّا هو استحقاقهم ليضيف لنفسه عظمة وهيبة.. وقد يحدث أن يتصوّر بأنّ الغلو في الزعماء علامة على الإيمان بهم، بينما الحقيقة تشير إلى أنّ العلاقة بهؤلاء سبب التورّط المهلك في ذلك، ولا ريب أنّ الغلوّ يصاحبه عيب كبير يتمثل في تدمير الجذر الأصلي للدين والمذهب، وهذا يعني تخريبه لديانة التوحيد وعبادة الواحد الأحد، ومن هنا؛ أعرب الإسلام - في نصوص ومواقف لا تحصى - عن إدانته وموقفه الصارم إزاء الغلاة، حتّى أن المصاد والعقائديّة والفقهيّة عدّت الغلاة أسوأ أصناف الكفّار.5. الامتناع عن أشكال الخطاب الباطل بخصوص اللّه سبحانه وتعالى ولزوم اتخاذ الحقّ محوراً؛ ضرورة غير قابلة للاجتناب في إطار العقائد والكلام: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللّه إِلَّا الْحَقِّ.)6. عقيدة النصارى بالمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ عقيدة مغالية، لأنه ابن مريم، وهو رسول اللّه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ... إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ).)7. حيث يوصف الاسم به (ابن؛ فهو يدل على اسم هذا النبي، وبالنتيجة فإنّ (الْمَسِيحُ) لقبه ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ).)8. ذكر اسم مريم في هذه الآية دلالة على عظمة الصديقة مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ عند اللّه تعالى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ).)9. نسبة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذه الآية إلى أمه مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) دلالة على خلقته الاستثنائية المجرّدة عن الواسطة (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ).)10. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ تؤكّد أنّ إرادة اللّه المتعال حاكمة ومتسلطة على قوانين العالم التكوينية، رغم أن ظاهر القوانين التكوينية في خلقة الإنسان تقضي بانعقاد نطفة المرأة والرجل، ولكنّ اللّه تعالى إذا أراد؛ كان
للجنين أن يتكون في رحم المرأة بلا رجل..
وصغير؛ إلّا أنّ عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ له خصوصيّة في خلقته (فضلاً عن مقام النبوة) وعظمة في مقامه، حيث خلق بلا والد...)15. رغم أنّ البعض حاول إساءة استغلال حرف (من في قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ) وأنّ عیسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) جزء من اللّه، ويستشهدون بهذا الحرف، ولكننا نعرف أن (من) في هكذا موارد ليست للتبعيض، وإنّما هي حسب الاصطلاح. إنشائية لبيان المصدر، وعلى هذا الأساس ينبغي القول بأنّ عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) روح خُلق من جهة اللّه تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ). وهذا التعبير الوارد في خلقة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل وفي خلقة جميع البشر قد استعمل في القرآن الكريم أيضاً، وهذا للإشارة إلى عظمة هذه الروح التي خلقها اللّه تعالى وجعلها في وجود بني البشر عامة وفي المسيح والأنبياء خاصة.. وجملة: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ... وَرُوحٌ مِنْهُ) علاوةً على أنها ردُّ على عقيدة الغلوّ لدى النصارى بخصوص عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي إشارة إلى بطلان تهمة اليهود تجاه مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً: (.. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). 16. أنّ وصف اللّه تعالى نبيه عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكونه (مبارك) وعده كلمته وروحاً منه؛ من ذلك تتّضح عظمته وقدسيته عند اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ.)17. ذكر اسم أم عيسى إلى جانب اسمه في (16 مورداً قرآنياً يبيّن الحقيقة المؤدية إلى أنّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما هم سائر أفراد الإنسان كان في رحم أمه جنيناً حتّى ولد كما تولد الأجنّة الإنسانيّة، فرضع لبنها وترعرع في حضنها، بمعنى أن جميع الصفات البشريّة كانت متوفّرة فيه، فكيف يمكن لجنين حكم بقوانين الطبيعة ومتغيّرات عالم المادّة أن يكون إلها أزليّاً، لاسيّما وأنّ حرف (إِنَّمَا) الوارد في الآية هو بمثابة، ردّ على الوهم الحاصل، ويؤكد على أنّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لم يكن له أب، فلا يعني كونه ابناً للّه تعالى.. وإنّما الصحيح هو القول بكونه كان ابن مريم فحسب..)
18. هناك دلائل كثيرة جداً وردت في مبحث التوحيد لإثبات وحدانية الذات الإلهيّة المقدّسة، وهي تنفي كلّ أشكال الاثنينية والثلاثية عنه سبحانه، فاللّه عزاسمه وجود لا متناه من جميع الجهات أزلي أبدي غير محدود من حيث العلم والقدرة والقوة، ونعلم أنه عدم لا يتصور في اثنية وتعدّد... ذلك أننا لو افترضنا إلهين بلا نهاية، لكانا متناهيين محدودين، لأنّ وجود الإله الأول سيكون فاقداً للقدرة والقوة والوجود المتوفّر في الإله الثاني، وكذلك حال الإله الثاني الفاقد لوجود الأول وميزاته وخصائصه. وعلى هذا؛ يكون وجود الأول محدوداً وكذلك هو وجود الإله الثاني، وبعبارة أوضح: لو افترضنا إلهين بلا نهاية من جميع الجهات فلابد أن اللا متناهي الأوّل إذا ما بلغ حدود اللامتناهي الثاني؛ فإنه سيضمحلّ وينتهي، وكذلك هو اللا متناهي الثاني إذا وصل إلى حدود الإله اللامتناهي الأول؛ حيث سيتلاشى، وعلى هذا؛ كان الاثنان محدودين متناهيين والنتيجة هي أنّ ذات اللّه التي هي عبارة عن وجود لامتناهي؛ لا يمكن أن تكون متعدّدة...19. النصارى يؤمنون بالتثليث؛ فهم مغالون في الدين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ... وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ.)20. في الاستنتاج أعلاه، تكون كلمة (خَيْرًا خبراً لفعل محذوف (يكن) والجملة التقديرية تكون على النحو التالي: (انتهوا! إن تنتهوا يكن خيراً لكم) والمعنى يكون التالي: إنّ خير وسعادة النصارى متعلقان بالامتناع عن التثليث في الألوهية يَا أَهْلَ الْكِتَابِ... وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ.)21. كلمة (لَّكُمْ إشارة إلى أنّ الاتجاه إلى التوحيد وأنّ منفعة عبادة الواحد الأحد والامتناع عن الشرك تعود إلى ذات الإنسان؛ دون اللّه تعالى أو الأنبياء والرسل.. وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ.)22. الإيمان بوحدانية اللّه والإقرار به؛ إيمان وحديث حق بخصوص الربّ المتعال، أمّا
الاعتقاد بوجود ابن اللّه؛ حديث باطل بخصوصه وهتك لحرمته.. ﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّه إِلا الْحَقِّ. إِنَّمَا اللّه إِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.)23. قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات... دليل وبرهان على مالكية اللّه المطلقة على الوجود ودليل الجملة (سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): بمعنى عدم وجود ولد له، ومن جملة النبي المسيح؛ وهو العبد والمملوك له ؛ وهو المالك لجميع الوجود الذي لا حاجة به للولد (سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ)..)24. من بين الانحرافات التي تورّط بها النصارى؛ ليس هناك ما هو أسوأ من انحراف التثليث، لأنهم يقولون :بصراحة : اللّه ثلاثة أنحاء، كما يصرحون أيضاً بأنّ اللّه الواحد هو ثلاثة في الوقت نفسه، أي: مع كونهم يقولون بكون الإله واحداً فهو ثلاثة آلهة أيضاً، وهذا القول من الأقوال المشكلة التي ابتدعها النصارى وتسببت بأزمة عقائدية لكبار محققيهم...25. النصارى إن كانوا على استعداد لقبول وحدانية اللّه على سبيل المجاز، واعتبارهم الثليث حقيقةً، وإن كانوا على استعداد لقبول الواحدانية على سبيل الحقيقة وبأنّ التثليث مجاز؛ لكانت المسألة بسيطة، ولكنّ العجب هو أنهم يعدّون الوحدانية والتثليث حقيقيين وواقعيّين والذي نشهده مؤخّراً في بعض الكتابات الإعلامية والتبليغية مؤخراً من عدّد من الكتاب غير المطلعين، والقائلين بالتثليث المجازي؛ إنّما هي كتابات ريائية لا تتفق مع ما في المصادر النصرانية وعقائدهم الأصلية لكبار علمائهم ومحقّقيهم..26. التثليث؛ و لاسيّما (التثليث في الوحدة التثليث في عين الواحدانية مطلب غير معقول تماماً ومخالف بالمرة لبداهة العقل.. ونحن نعلم بعدم إمكانية تصور انفصال الدين عن العقل والعلم، إذ العلم الحقيقي يجب أن يتطابق ويتناسب مع المذهب الواقعي دوماً؛ ليسيرا معاً باستمرار.. والحديث عن لزوم التعبّد في الدين حديث غير صحيح.. وذلك إذا تعطل العقل لدى قبول أساسيات الدين؛ وتقدّمت مسألة التعبّد الجاهل والأعمى؛ فإنّه لن)
يبقى ثمّ فرق وتفاوت بين الأديان؛ وهناك لا يبقى دليل على لزوم أن يعبد الإنسان ربّه أو أن يعبد صنماً.. وما المبرّر للنصارى لأن يبشروا بدينهم أو أن يبلغوا لدين آخر؟! وعليه؛ فإنّ الميزات التي يضعونها للنصرانية ويصرّون على جرّ واجتذاب الناس إليها؛ هي بحد ذاتها دليل على أنّ الدين يجب أن يتطابق مع العقل والمنطق، وهو ما خالفوه تماماً بادعائهم في مسألةالتثليث الدالة على فصل العقل عن الدين27. أساساً؛ ما حاجة اللّه الأزلي الأبدي والمدبّر لشؤون ومصير جميع الموجودات منذ بدء الخليقة وإلى نهايتها.. ما حاجته إلى ولد ؟ فهل شأن الخالق كشأن المخلوق يريد ولياً للعهد يخلف بعد موته؟! وعلاوة على ذلك؛ فهو مالك ما في السماوات وما في الأرض، وكلّ شيءٍ مخلوق لخالقيته، والمسيح أحد مخلوقاته، فكيف يمكن القول باستثناء هذا المخلوق؟ وهل يصح أن يكون المملوك والمخلوق ابناً للمالك والخالق؟ ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ فاللّه عزّوجلّ ؛ ليس خالق الأشياء والمخلوقات ومالكها؛ بل هو حافظها ومدبّرها ورازقها ومديرها (وَكَفَى بِاللّه وَكِيلاً).)28. قد أوردت دلائل عديدة في بحث التوحيد لوحدانية الذات الإلهيّة، وهي تنفي فكرة ازدواجية الربّ المتعال وتثليثه وتعدّده.. فالإله له وجوده اللامتناهي، وهو الأزلي الأبدي وغير المحدود من حيث العلم والقدرة والقوة.. ونحن نعلم أنّ اللانهائي لا يتصوّر مع التعدّد و الازدواجية والتثليث.29. النصارى اعتقدوا بالتثليث فواجهوا مسألة غير عقلانيّة، ذلك أن معادلة الواحد المساوي للثلاثة لا يتقبّلها حتّى تلامذة الابتدائية، ولهذا تراهم يقولون إن هذه المسألة لا ينبغي أن تفهم بمقياس العقل دون القلب والتعبد، وأنّها لازمة القبول بهذا المقياس، ومن هنا؛ بدأت مسألة الانفصال بين الدين وبين منطق العقل؛ حتّى هوت النصرانية في وادٍ سحيق؛ اذ لا حيثية عقلية في الدين بمقدار حيثيتها التعبدية القلبية، وحيث يتجلى انفصال العلم عن
المذهب ويحصل هذا التضادّ غير المعقول، إذ العلم يقول بعدم التساوي بين الواحد والثلاثة إلّا أنّ النصرانية تصرّ على التساوي.. وهنا ينبغي الالتفات إلى بعض النقاط الخاصّة بهذه الديانة..30. كيف يمكن للذات الإلهيّة أن تظهر بقالب إنساني وتكون بحاجة إلى جسم و مكان وطعام ولباس وأمثال ذلك... فتحديد الإله الأزلي والأبدي في جسم إنسان ووضعه في رحم الأم؛ من أقبح وأسوأ التهم التي تلصق بالذات الإلهيّة المقدسة؛ وكذلك هي نسبة الولد إلى اللّه التي تستلزم عوارض جسمانية مختلفة؛ إذ هي نسبة غير منطقية وغير معقولة تماماً، وذلك لأنّ كلّ من لا يعيش في البيئة النصرانية؛ ولم يعتد هذه التعاليم الخاطئة والموهومة منذ طفولته؛ فإنّه يعجز عن تقبّلها؛ بل ويشمئز منها لمخالفتها إلهام الفطرة والعقل، وإن كان النصارى لايبالون لتعابير من أمثال اللّه الأب واللّه الابن؛ فذلك عائد إلى كونهم قد أنسولها منذ طفولتهم.31. كما كتب بعض المؤرّخين، فإنّ مسألة التثليث قد انتشرت بحدود القرن الميلادي الثالث بين النصارى، وهي المسألة التي طرأت عليهم بسبب الغلو واختلاط النصارى بأقوام أخرى - لاسيّما اليونانيين الوثنيين - واحتمل البعض أن يكون تثليث النصارى مستل من ثالوث الهنود حيث كانوا يعتقدون بثلاثية (الآلهة علماً أنّ أيّاً من الأناجيل لم تتطرق إلى هذه المسألة، ولهذا؛ وجدنا محققي النصرانيين يذهبون إلى أن مسألة التثليث خفية المنشأ، وقال المؤرّخ الأميركي: ولكنّ مسألة التثليث غير واضحة وخفية في العهدين القديم والجديد. (1)32. لوحظ مؤخّراً أن جمعاً من المبشرين النصرانيين - ولمخادعة بعض الجهال - يعمدون لدى الدعوة لعقيدة التثليث إلى التشبّث بأمثلة سفسطائيّة، كالقول في الوحدة في التثليث
1) القاموس المقدس، ص 345.
(الوحدة في عين التثليث وإمكانية تشبيهها بالشمس جرماً ونوراً وحرارة، باعتبار أنّ هذه الأشياء الثلاثة واحدة في الوقت نفسه.. أو تشبيه ذلك بموجود واحد يقف إزاء ثلاث مرايا فيكون ثلاثاً مع أنه واحد في الحقيقة، أو تشبيه ذلك بمثلث له ثلاث زوايا من الخارج، ولكننا إذا أوصلنا هذه الزوايا الثلاث بخط داخلي واحد ؛ وصلنا إلى نقطة واحدة..)33. يقول بعض النصارى أحياناً : إن قلنا بأنّ المسيح هو ابن اللّه، فمثلنا مثل من يقول بأن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ ثار اللّه وابن ثاره (دم اللّه وابن دم اللّه) أو كما يطلق على أميرالمؤمنين علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه (يد اللّه)...)ولكن ينبغي أن نجيب قائلين:أوّلاً: أنّ هذا المنحى خطأ كبير، حيث قال البعض بأنّ الثأر بمعنى الدم، إذ الثار في لغة العرب لم يأتِ بمعنى الدم وإنّما ورد واستعمل بمعنى دية القتيل وما يدفع بدل الدم المراق.. وعليه؛ فإنّ (ثار اللّه بمعنى يا من ديته متعلّقة باللّه، أو أنّ اللّه هو المطالب بدمه وببديل دمه المراق، ويعني أيضاً: إنك يا حسين! إنك لست من أسرة يعمد زعيمها إلى المطالبة بقيمة دمه إذ قتلت، لأنّ دمك لا يعادله شيء؛ وهو المستقر في بطنان العرش.. فأنت یا حسین متعلق بما هو أرقى من عالم الوجود وهو الذات الإلهيّة المقدّسة، وعليه؛ فقد كتب اللّه على نفسه أن يكون هو المطالب بدمك وحياتك..)ثانياً: إذا عبّر عن رجال اللّه بعبارة (يد اللّه وأمثالها، فهو من باب الكناية والمجاز، إذ اللّه ليس جسماً حتّى تكون له أعضاء من جملتها اليد.. ولكن هل ثَمّ نصراني قادر حين وصف المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ بكونه ابن اللّه على أن يعد ذلك من باب الكناية والمجاز.. لا ريب في عدم وجود هذا النصراني، ذلك لأنّ قواعد ومصادر النصرانية قد اتخذت من المسيح(عَلَيهِ السَّلَامُ) ابناً حقيقياً مباشراً اللّه عزّوجل.. والنصارى يقولون: هذه الصفة خاصة بالمسيح دون غيره، وما اليافطات الإعلامية التي عزت ذلك إلى المجاز إلّا خديعة تستهدف العوام.. لاحظوا العبارة أدناه التي)
دونها مؤلف كتاب (القاموس المقدّس في لفظة (اللّه) : ولفظ ابن اللّه أحد الألقاب لمنجينا وفادينا التي لا تطلق على شخص غيره؛ إلّا إذا علم من قرائن واضحة بأن المقصود من (ابن اللّه) ليس هو الابن الحقيقي اللّه !!!)
### الآية 172#### إشارة:لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للّه وَلَا الْمَلَائكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرُ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا#### شأن نزول الآيةروى جمع من المفسّرين في شأن نزول هذه الآية أنّ طائفة من نصاری نجران جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقالوا : لماذا تعيب على أبينا المسيح ؟ فقال لهم: وبم عبتُ عليه ؟! فقالوا: إنك تقول إنّه عبد اللّه ورسوله.. فنزلت هذه الآية وردّت مقولتهم.. (1))#### النقاط المستفادة من الآية1. كيف تذهبون إلى ألوهية عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ والحال أنه لا يستنكف من العبودية للّه تعالى، وكذلك هو شأن الملائكة المقربين (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للّه وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ).)2. من المسلّم به أن من يعبد لا يصح أن يكون معبوداً؟ وهل يصح أن يعبد نفسه؟ أو أن يكون عابداً ومعبوداً وإلها في نفس الوقت؟! وشاهد ذلك ما نقرأه في حديث عن مولانا الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ يدين فيه النصارى المنحرفين حيث ادعوا ألوهية المسيح، إذ قال الإمام لجاثليق النصارى متهكماً قد كان عيسى حسناً في كلّ شيءٍ إلا في أمر واحد، وهو أن عبادته لم تكن)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 225.
ذات شأن... فانتفض الجائليق وقال للإمام: قد أخطأت خطاً كبيراً.. بل كان من أعبد الناس، فبادره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ من :فوره ولكن من كان يعبد ؟ وهل كان يعبد غير اللّه ؟ فهو بإقرارك قد كان عابداً مخلوقاً اللّه تعالى، ولم يكن معبوداً ولا ربّاً، فأحرج الجائليق ولم يحرِ جواباً. (1))3. (الاستنكاف بمعنى الامتناع والانزجار عن شيء، وعليه؛ فإنّ لهذه المفردة معنى واسعاً، وباقترانها إلى كلمة (يَسْتَكْبِرُ) تتحدّد في المعنى والمراد، ذلك أنّ الامتناع عن عبادة اللّه تكون تارة بسبب الجهل والغباء، وتارة تكون بداعي التكبر والتمرّد، ومع أن السببين معصية، إلّا أنّ السبب الثاني أقبح وأسوأ بمراتب.)4. قد يكون سبب ذكر عدم استنكاف الملائكة عن العبودية للّه تعالى هو أن النصارى قائلون بثلاثية المعبود (الأب والابن وروح القدس، وبعبارة أخرى: الإله الأب والإله الابن و الواسطة بينهما وعلى هذا؛ فالمراد من هذه الآية نفي المعبود الآخر، أي: المسيح والملك روح القدس ليثبت توحيد اللّه، وقد يكون ذلك بسبب أن تكون الآية رادّة على شرك النصارى والإشارة إلى شرك عبدة الأصنام العرب الذين كانوا يعتبرون الملائكة بناتاً اللّه وجزءاً من الربّ!!)5. الذين يحجمون عن عبادة وعبوديّة اللّه ربّ العالمين تكبّراً واستنكافاً، سيحضرهم اللّه في يوم القيامة جميعاً وسيعاقب كلّاً منهم بما يناسبه ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرُ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا.)
1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ج1، ص 158.
### الآية 173#### إشارة:فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)#### النقاط المستفادة من الآية1. طبقاً للحديث القائل: «الدنيا مزرعة الآخرة» (1أي أنّ ما زرعه المرء سيحصد زرعه في الآخرة، وهكذا سيحظى عباد اللّه الصالحون بالمغفرة والرحمة، أما الذين عبدوا غير اللّه تكبّراً واستنكافاً سيجزون بأشد العذاب.)2. أينما كنا ومهما فعلنا لابدّ أن تكون نوايانا رضا اللّه تعالى وينبغي البحث عن رضوان اللّه بالعمل الصالح.3. العمل والصلاح يجب أن يقترنا معاً، إذ لا صلاح بلا عمل، ولطالما جمع القرآن المجيد العمل الصالح إلى الإيمان (سورة البقرة، الآيات 25 و 82 وسورة آل عمران، الآية 57 وسورة النساء الآية 57 رغم أنّ الايمان من العمل الصالح طبقاً لبعض الروايات المصرحة بأنّ (الإيمان هو العمل) (2)ولكن العمل جوانحي جسماني وكذلك قلبي وعقلي صادر عن إرادة تجعل الإنسان حاكماً على قلبه وروحه، إذ الإرادة إحياناً. وربما تكون دائماً. أصعب وأثقل من)
العمل بالجوارح والجسم.4. فالمسلم المؤمن يجب أن يكون عاملاً، وأن يكون عمله في إطار الصلاح والخير.. وإنّ القانون والمعيار في تحديد الصلاح من الفساد والخير من الشر في العمل في مدى استهدافه رضا اللّه تعالى من عدم ذلك. وبديهي أننا إذا وفقنا للعمل إرضاء اللّه تعالى نكون قبل ذلك قد وعينا حسن وجمال العمل ومطلوبيّته ثم القيام به.. إذن؛ في باطن اكتساب الرضا الإلهي ثمّ معرفة وإدراك وفطنة والتفات عام وتدبير إلهي يدفع المؤمن إلى العمل..5. المراد بالإيمان؛ هو الإيمان بجميع الأنبياء. أما المراد ب(عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ المؤمن ينبغي له القيام - ما أمكنه - بجميع الأعمال الصالحة، إذ من المعلوم أنّ كلّ فرد مؤمن يقوم بالأفعال المباحة كما تصدر عنه الأفعال المكروهة.. وإنّما المقصود هنا؛ هو أنّه يقوم بجميع الأفعال الواجبة ويمتنع عن الأفعال المحرّمة.. 6 أنّ المراد بقوله سبحانه: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أنّ اللّه حين يوفّي عباده الصالحين أجورهم في القيامة، فإنّما يكون ذلك من حيث رحمته وفضله وكرمه تبارك وتعالى، وليس ذلك حقاً عليه سبحانه أو كونه مديناً لأحد من عباده، ذلك لأنّ كلّ فرد تقتضي عبوديته أن يشكر ويطيع اللّه ويعبده.. ومن الطبيعي أنّ ذلك الأجر وفاء بالوعود التي قطعها اللّه تعالى على كلّ فعل صالح يصدر عن الإنسان، أو كونها وعود قرآنية ونبوية وإمامية...
قال اليهود وسائر المشركين الذين تمرّدوا بشركهم وبتكبّرهم على تعاليم الأنبياء ورسالات اللّه عزّوجلّ، ومن الطبيعي أن يكون هذا النوع من الأشخاص المشركين والمنحرفين الضالين عن الأوامر الربّانيّة عرضةً لعذاب اللّه الأليم..9. قول الآية الشريفة: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا الوارد في منتهى النص العظيم إشارة إلى أنّ أمثال النبي عيسى أو مريم أو روح القدس (عَلَيهِم السَّلَامُ) منزعجون للغاية من عقيدة التثليث الضالة.. وإلى أنّ الذين يظنّون - جهلاً وضلالاً - بأنّ عيسى أو مريم(عَلَيهِ السَّلَامُ) سيخلّصانهم سيلمسون ضلالة أوهامهم الفاسدة، وكذلك هو شأن المتوهمين من اليهود المنحرفين عن جادة التوحيد الأصيل؛ إذ تصوّرا بأنّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو سائر أنبياء بني إسرائيل سينقذونهم من العذاب.. كما هو اعتقاد المشركين القائلين بأن أصنامهم ستشفع لهم.. إذ هو اعتقاد شركي خاطئ ضالّ.. ذلك أنّه لا وليّ ولا نصير في القيامة إلّا اللّه تعالى ومن يأذن له اللّه وقال صواباً...)
### الآية 174#### إشارة:يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَنُ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174)#### النقاط المستفادة من الآيةمقدمةتتمّة للبحوث الخاصّة بانحرافات أهل الكتاب عن أصل التوحيد وقواعد تعليمات الأنبياء في الآيات السالفة، ها هي هذه الآية والآيات التي ستليها تتناول القول الفصل وسبيل النجاة..1. المخاطب بهذه الآية جميع أهل الأرض في جميع العصور، حيث قال الرسول الأعظم صلوات اللّه عليه وآله ناطقاً عن اللّه عز وجل لجميع بني البشر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ.)2. (البرهان في مذهب بعض محققي اللّغة مأخوذ من مادة (بره) على وزن (فرح) بمعنى: الأبيض، ومن هنا كانت الاستدلالات الواضحة تكشف عن وجه الحقّ بالنسبة للمستمع حيث تضفي عليه نورانيّة ووضوحاً وبياضاً.. تسمّى براهين..)3. للدليل والبرهان دور مؤثر في نمو وتربية بني آدم ونسبة البرهان إلى الربّ هنا توحي أنّ مجيء البرهان يحقق ربوبية اللّه على الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَّبِّكُمْ)4. طبقاً لما ذهب إليه بعض المفسّرين إضافة إلى وجود بعض القرائن، فإنّ المصداق البارز والمراد من (البرهان في هذه الآية هو نفس النبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باعتباره الحجّة والبرهان الواضح القاطع على حقانية رسالته، وبالنظر إلى الآية (170) والآيات السابقة؛ يمكن القول إنّ)
الأمر الذي قام عليه البرهان هو حقانية الرسالة المحمدية.. والمؤيّد لهذا الاستنتاج أعلاه قولمولانا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ بما يتعلق بالبرهان في الآية أعلاه، إذ قال: البرهان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والنور علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).. (1)وكذلك سمته آيات قرآنية أخرى (قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ).)5. فسّر (البرهان في أحاديث جمة رويت عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ونقلت في تفسير (علي بن ابراهيم وفرات الكوفي) و(العيّاشي) بأنّه شخص رسول اللّه صلوات اللّه عليه وآله، وأنّ النوره و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... (2)ولا منافاة بين هذا التفسير الحقّ وبين قول بعض المفسّرين بأن (النور) في الآية هو القرآن، لأنه يمكن أن يكون (النور) ذا معنى واسعٍ يشمل القرآن والإمام المعصوم وفي مقدمتهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم الحافظون للقرآن ومفسروه والمدافعون عنه..)6. اللّه تعالى المنزل للقرآن للناس جميعاً ومدبّر شؤونهم، إذ أن غايته السامية من بعثته الأنبياء وبعثة النبي المصطفى (عَلَيهِ السَّلَامُ تربية وتعليم جميع بني البشر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَّبِّكُمْ).)7. مخاطب القرآن جميع أفراد الإنسان، والقرآن كتاب مبين ويبين طريق الهداية لهم جميعاً (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا.)8. القرآن نور ساطع وبرهان قاطع على التوحيد ووحدانية اللّه في الاستنتاج أعلاه (بُرْهَانٌ أي القرآن ومتعلّقه بقرينة الآيات السالفة حيث التوحيد والوحدانية والآية التالية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه) تدلّ على هذا المعنى (قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا).
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّه وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)
2 مصطلح (العصمة) مأخوذ من مادة وجذر الاعتصام، وهي بمعنى أنّ الصيانة التي تتمّ بلطف اللّه وحكمته تقي صاحبها زلل السقوط في الخطأ فيقال لهكذا عبد معصوم...
أ: الأوّل؛ أن اللّه يعصم عبده من خداع المخادعين ويحفظه من الوساوس الباطنية والخارجيّة كما قال تعالى: ﴿وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي: يحفظك ويصونك ويحضنك من شرّ الأشرار والظلمة..
ب: والآخر؛ أن يطيع العبد مولاه بحيث لا يخطئ ويمتنع عن ذلك كله حتّى يحفظه المولى من الزلل والذنب والخطأ.
قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) إنّ أحد آثا رونتائج الاعتصام باللّه المتعال - في الواقع - قد ذكر في سورة آل عمران الآية (101) حيث قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّه فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
هذه العبارة تحدّد ثواب الذين يتبعون برهان اللّه والنور الذي نزل من عنده.. أي: المتمسّكين بالقرآن وأهل البيت ويتّبعونهم، إذ سرعان ما يجزيهم جزيل الجزاء، وفضلاً عن
ذلك؛ فهم يدخلون رحاب رحمته وفضله؛ ثمّ يهديهم إلى صراط مستقيم، وهذا كله وسواه من آثار الاعتصام باللّه تعالى الوارد ذكره سلفاً في الآية (101) من سورة آل عمران: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّه فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فتكون العصمة والتمسك هو الاهتداء إلى الصراط المستقيم..
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ممّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيين يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
كثير من المفسّرين نقلوا في شأن نزول هذه الآية عن جابر بن عبداللّه الأنصاري أنه مرض مرضاً شديداً، فعاده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتوضأ ثمّ رشّ عليه من ماء وضوئه.. وحيث كان جابر مشرفاً على الموت قال : وارثي أخواتي؛ فكيف يكون ميراثهنّ، فنزلت هذه الآية المسماة بآية الفرائض وحدّدت ميراثهنّ.. (1)(وقد نقلت هذه الرواية بتفاوت بسيط في تفسير التبيان ومجمع البيان وغيره). (2)
وجاء في تعريف آخر: إنّ الكلالة هم الأقارب المحيطون بالميت، دون المتصلين بالميت (الموروث) بلا واسطة ونعلم أنّ الأب والأمّ متّصلان بالميت كما الأولاد، وبما تقدّم؛ يتبيّن أنّ الأخوات والإخوة هم المحيطون بالإنسان دون الأولاد والأب والأمّ..
3- مسألة الإرث من المسائل الاجتماعيّة في الإسلام؛ وقد بحثت في مطلع هذه السورة، وها هي خاتمة السورة قد أعادت بحثها. والقرآن الحكيم بين تفاصيل أحكام الإرث، ذلك لأنّ الإرث بحدّ ذاته من العوامل التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة من جهة، كما يعدّ سبيلاً من سبل توزيع الثروة ومواجهة تكديسها من جهة ثانية، ومن الجهة الثالثة؛ يعد موضوع الإرث وأصله نوع احترام لحقوق الفرد (الميت) فهو الذي تحمّل المشاق في جمع الثروة الموروثة، وها هو الآن جدير بأن تقسم تركته بين ذويه (وارثيه) بعد أداء ديونه وتنفيذ وصيّته.
طبقات الإرث
الطبقة الأولى: الوالدان والأولاد.
الطبقة الثانية: الأخت والأخ والجدّ والجدّة.
الطبقة الثالثة: العمّ والعمة والخال والخالة.
ومن وجهة النظر القرآنيّة؛ فإن كان على قيد الحياة أحد من الطبقة الأولى (الوالدان والأولاد) فإنّ أفراد الطبقة الثانية (الأخوات والإخوة والأجداد) لا ينالون شيئاً من الإرث. ومع وجود أحد أفراد الطبقة الثانية؛ فإنّ الطبقة الثالثة بأفرادها (العمّة والخالة والخال والعمّ) لا يصلهم سهم
من الميراث.. (1)
بينهما.. أما إذا كان العدد أكثر من اثنتين أو كانوا مختلطين، أي: عدّة أخوة وأخوات؛ قسم المال طبقاً لقاعدة (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وهذا في حال لم يكن أحد أفراد الطبقة الأولى (الأب والأمّ والأولاد) قد توفّي.
الف: إن كان الميت رجلاً ولم يكن له ولد، وكان له أخ (شقيق أو من الأب فقط)، أخذ نصف المال.
ب: إن كان الميت امرأة ولم يكن لها ولد، وكان لها أخ (شقيق أو من الأب فقط) أخذ جميع المال.
ج: إن لم يكن للميت ولد وكان له أختان كان سهمهما ثلثي المال.
د: إن كان ورثة الميت أخواته وإخوانه أخذ كلّ من الإخوة ضعفي الأخت.
1) الميزان، ج 4، ص 227 واللمعة الدمشقية، ص223.
مع الشخص المتوفّى؛ يكون مقدار سهمهم بمقدار ومستوى صلتهم.. بمعنى أنّ الإخوة والأخوات من الأم يأخذون بمقدارسهم الأم؛ وهو الثلث والإخوة والأخوات من الأب، أو من الأب والأمّ يأخذون سهم الأب؛ وهو الثلثان.. ولأنّ الآية (12) التي تتحدث عن إرث الإخوة والأخوات تناولت الثلث، والآية مورد البحث تناولت الثلثين.. ومن هنا يتضح أنّ الآية السابقة تحدّثت عن فريق الإخوة والأخوات المتصلين بالميت عن طريق الأم، ولكن هذه الآية تحدّثت عن الإخوة والأخوات المتصلين بالمتوفّى عن طريق الأب أو الأب والأم معاً.. فضلاً عن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهي تثبت هذه الحقيقة.. (1)وعلى أي حال؛ إذا ما تعلّق ثلث أو ثلثا التركة بالأخ أو الأخت، فإن المتبقي منها يقسم - طبق القانون الإسلامي - بين سائر الورثة..
واضح أنّ هذه الآية تبيّن مقدا رإرث الأخوات والإخوة بشرط أن لا يكون للميت ولد؛ ولم تتناول الآية في متنها وجود أو عدم وجود أب وأمّ، ولكن بالنظر إلى مفاد الآيات الأولى من هذه السورة، فإنّ الأب والأم يقفان في مصافّ الأولاد، أي أنهما من أفراد طبقة الإرث الأولى، فيتضح أنّ المراد من هذه الآية هو حيث لا ولد في البين ولا أب ولا أم، هذا؛ وقد ورد هذا المقطع الشريف من قوله تعالى هنا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ) أي : مع وجود البنت للميت، فإن أخاه وأختاه لا يرثان شيئاً، لأنه تعالى قد اشترط إرثهما مع عدم الولد للميت.. والولد يشمل الابن والبنت..
القرآن الكريم وفي الآيات الأولى لهذه السورة المباركة بين قوانين إرث الأب والأم والولد، وبعد ذلك بيّن حكم إرث المرأة والزوج، وكذاك الأخوات من الأم.. وفي ختام السورة أشار إلى أحكام إرث الأخوات والإخوة من الأب والأمّ أو من الأب فقط. ويبد و أنّه قد اتّضح حكم الأخ
1) الكافي، ج 7، ص 103.
والأخت من الأب وأنهما يرثان حين لا يكون الأخ والأخت من الأم، فإذا توفّرا، لم يرث ذاك الأخ وتلك الأخت الذين يتصلان من الأب قط...
المسألة الأخرى هي قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه...) فهو يبيّن أنّ أقارب الميت لهم سبب في الإرث، وعليه؛ فإنّ كلّ من تربطه صلة قرابة هي أقرب للميت يكون أحقّ - في مقرّرات الإرث - ممّن هو أبعد.. وهذه المسائل وقع البحث فيها بين الفقهاء وخبراء الفقه، ولمزيد من الاطّلاع راجع المصادر الفقهيّة في ذلك.
المسألة المهمّة والضرورية هنا هي فيما تتعلّق بأخذ الأخت نصف ما يأخذ الأخ وأن الأختين تأخذان الثلثين، فهي ليست أن يكون ما تبقى من مال الميت بلاوارث، وإنّما يؤخذ النصف من باب سهمه والباقي يؤخذ من باب الردّ، وهذا الحكم جارٍ أيضاً في الأختين..
قوله تعالى: ﴿وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الواقع في ذيل الآية الأخيرة تبيّن أنّ اللّه تعالى عالم بجميع ما يحتاجه العباد من أمور معاشهم ومعادهم وما توجب حكمته..
بلطف من اللّه ورحمة جرى التوفيق للانتهاء من تفسير سورة النساء المباركة؛ وهي رابع سور القرآن المجيد؛ ونحن هنا على أبواب السورة الخامسة.
وقد طالعتنا هذه السورة بعشرات الدروس الاجتماعيّة والمسائل الصانعة والمربّية للإنسان وقد مررنا خلال ذلك بحدائق وجنان المواعظ السماوية وبساتين العطر المفعمة بأنواع وأقسام فاكهة المعرفة والبصيرة والهداية والانطلاق نحو الحقّ والإيمان وصناعة الذات والآخرين.. وهنا طالعتنا جملة مواضيع تضمنتها هذه السورة المباركة:
أصل التوحيد وعبادة الواحد الأحد.
مواجهة العنصريّة.
الوقاية والحذر.
صلة الأرحام.
بناء الذات.
أطر مساعدة المحرومين.
الوصيّة بالأيتام ومراعاة حقوق المحرومين.
الأثر الطبيعي لعاقبة السلوك.
قوانين الإرث.
التوبة وشروطها.
الدفاع عن حقوق وكرامة المرأة.
احترام قوانين تأسيس الأسرة وحرمة الزواج من المحارم.
الزواج الموقّت.
هدفيّة القوانين الإلهيّة.
الأمن الاقتصادي.
تحريم الانتحار.
أصل الإدارة في نظام الأسرة.
التعاون في هذا المجتمع الصغير
الاحترام المتبادل للحقوق.
سبيل مواجهة الأزمات أو الأسلوب الحكيم.
العدالة الإلهيّة
طهارة الجسم والروح.
مصيبة تحريف الحقائق.
عاقبة معاندي الحق.
أعظم الآيات بشارة.
آفة الحسد.
الأمانة وتحمّل مسؤوليتها.
العدالة في مختلف الاتجاهات.
البشارة للجديرين بها.
الاستعداد الدفاعي.
جهاد التحرير
منطق الخديعة.
مصدر الخير والانتصار.
الأصل الخالد للرسالة النبوية.
منع الشائعات.
الأدب الإنساني والإسلامي.
في إطارحق الحياة.
أفضليّة المجاهدين في سبيل اللّه.
الهجرة وأجرها العظيم.
الصلاة وذكر اللّه في جميع الأحوال.
المواجهة الشاملة للاعتداء.
المناجاة في ثلاثة موارد فقط.
خطيئة الشرك القاتلة.
أفضل المدينين
الصلح والسلام والتعايش
شروط تعدّد الزوجات.
انهضوا من أجل العدالة.
معين العزّة والعظمة
ممنوعيّة المشاركة في مجالس الرذيلة.
آفة الرياء والتظاهر.
معيار معرفة وتمييز المؤمنين المخلصين من غيرهم.
سبيل النجاة من آفات الكفر والنفاق والخطيئة.
مواجهة الظلم وطلب العدالة.
الإنصاف في رحاب الخطاب.
حقيقة المسيح؛ ذلك العبد المصطفى والنبيّ الكبير.
تقييم عقيدة التثليث.
مقام الملائكة الرفيع.
رحاب عظمة القرآن والرسول.
آفاق عظمة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعشرات المسائل اللطيفة والبنّاءة والدروس العقائديّة والفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأسرية والإنسانيّة الأخرى.
الآخرة: 500
إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ): 475، 587
ابن السبيل: 190
الإثم : 237، 247، 426، 432، 433
الآثمة : 294
الأجر: 316، 550، 585
الإحسان بالوالدين: 190
الإحسان: 475
الأذى: 85، 411
إرث الرجال : 48
إرث النساء: 48
الشهادة: 166
الإرث : 48، 52، 57، 71، 102، 166، 629
الأرض: 496
الأزواج: 266
الأسباط : 587
الاستغفار: 290، 424، 431
الاستهزاء : 524
اسحاق (عَلَيهِ السَّلَامُ):
الإسلام: 377
اسماعیل(عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
أصحاب السبت: 234
الإصلاح: 440،178
الإطاعة : 273، 306، 335،333
الإعتصام باللّه : 538
الإعتصام: 627
الإفتاء: 629
الإفتراء: 247
أكل المال بالباطل: 19، 44، 54، 152، 155، 582
الألم: 418
الأمانة: 268
الأماني: 459
الأمن: 340
الأنثى: 57، 448، 629
الإنذار: 594
الإنفاق : 168، 206، 211
اولي الأمر: 273
أهل الكتاب : 228، 231، 234، 247، 249، 377، 552، 554، 558، 562، 564، 571، 574، 592، 608
الإيمان : 211، 231، 263، 273، 506، 509، 518، 533، 538، 547، 550، 585، 621
أيوب(عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
البأس : 343
البخل: 203
البروج المشيدة: 327
البرهان : 624
البشارة: 594
البهتان: 433
التثليث: 608
التجارة: 152، 155
التحريف: 231
التحية 351
التربص: 526
التزكيّة : 240
التسليم: 294
التقوى: 11، 52، 485، 492
التوبة : 85، 91، 99، 147، 149، 290، 538
التيمم: 221
الثبات: 311
الجار: 190
الجبت : 249
الجلود : 264
الجمع بين الأختين: 122
الجنابة : 221
الجنة : 76، 266، 457، 461
الجهاد،318، 321 323، 343، 360، 382
الجهل: 91، 542
جهنم: 263، 264، 372، 391، 443، 456، 524، 604
الحب: 542
الحجة: 594
حدود اللّه : 76
الجذر: 311
حرمات النكاح: 122، 127
الحرية: 461
حسد ابراهيم 256
حسن المعاشرة : 102
الحسنة : 213، 327، 330
حقوق المرء: 461
الحَكَم: 178،
الحكم: 526
الحكمة : 435
الحكمية: 284، 421
الحياة الاخرة: 316
الحياة الدنيا: 316، 429
الخالق: 11
الخبیث: 19
الخدعة: 529
الخسران: 451
الخشية: 52 323
الخوف : 340، 428، 482
الخيانة : 421، 426، 428، 429، 433
الخير: 545
داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
الذرة: 213
الذرية 52
الذكر: 57 629
الدلالة : 599
الذنب: 431، 459
ذو القربى: 190
الراسخوان في العلم : 585
الربا: 582
الربائب: 122
الرجاء: 418
الرجال: 11، 161، 168
الرحمة: 390
الرزق: 36، 50
الرسالة : 290
الرضاعة: 122
الدنيا 500
الدية: 366
الدين: 71
رؤية اللّه : 552
الرياء : 206، 529
الريب: 355
زبور: 587
الزكاة : 323، 585
الزواج الموقت: 127
الزواج: 11، 115، 117، 482
الزوج : 11
الزوجة : 11
السبت 554
سبيل الطاغوت: 321
سبيل اللّه : 318، 321، 377، 382، 599
السبيل: 547
السفيه: 36
السكران: 221
السلاح: 411
السلطنة : 533
سلیمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
السماء : 496، 478
السوء: 545
السيئة: 157، 327، 330
الشرك : 190، 237، 240، 446
شفاعة: 347
الشقاق : 178، 443
الشكر: 540
الشهادة: 44، 80، 216، 314، 502، 574، 597
الشهداء: 306
الشهوة: 149
الشيطان : 206، 284، 321، 340، 448، 451، 454
الصاعقة : 552
الصالحين: 306
الصبر: 142
الصدقة: 440
الصديقين: 306
الصراط المستقيم: 305 627
الصلاة : 221، 323، 407، 411، 415، 529، 585
الصليب: 564
الضلال : 284، 435، 446، 451
الضلالة 228، 356، 531،506
الطاغوت : 249، 284،
الطلاق: 115، 117
الطور: 554
الطيب: 19
الطيبات: 579
الظلم: 213، 240، 318، 461، 542، 579، 603
الظن: 564
العبادة: 190، 619
العجل : 552
العدل: 22، 268، 485، 502
العذاب،78، 99، 203، 372، 411، 516، 540، 548، 582، 621
العزة: 518
العسرة: 168
العصيان: 78، 219، 231
العفو: 400
عیسی(عَلَيهِ السَّلَامُ): 564، 571، 574، 587، 608، 619
الغرور: 454
الغلف : 558
الغلو: 608
الغني: 44، 490، 502
الغنيمة: 377
الفتح: 526
الفتنة: 363، 407، 480
الفحشاء : 80، 85، 102، 119، 142
الفدية: 366
الفضيلة: 161، 435، 621
الفقير: 502،44
الفوز: 76، 315
قانون الإرث: 71،57
القتل : 152، 155، 301، 316، 358، 363، 372،366، 558، 564
القدرة: 498
القرآن: 337، 421
القسط : 22، 480، 502
القسم: 287
القصر: 407
القصص: 592
القعود : 382
القلب: 289
قول المعروف : 36
كبائر الاثم : 157،
الكبر: 619، 621
الكذب: 247، 287
الكرامة : 461
الكره : 102
الكسب : 432، 433
الكسل: 529
الكفارة : 157، 366
الكفر،99، 203، 219، 231، 264، 358، 407، 492، 506، 509، 518، 524، 526، 533، 547، 548، 558، 562، 582، 599، 603
الكلاله: 629
کلیم اللّه : 592
اللعن: 252
اللعنة: 231، 234، 372، 450
المال : 36، 44،
المتعة: 127
المجادلة: 426، 429
المحسنات: 127
الموعظة: 268
المحيط: 478
المذبذب : 531
المرافقة : 306
مرضاته اللّه : 440
مريم (عَلَيها السَّلَامُ): 562، 608
المستضعف: 318، 391، 398، 180
المسكر: 221
المسكين: 50، 190
المشاجرة : 294
المصيبة : 314
معركة البدر: 391
المعروف: 440
المغفرة : 237، 390، 400، 402، 431، 446، 509، 603
المقيت: 347
المملوك: 127، 190
المنة: 161،
الموت: 80، 99، 327، 391، 402، 574
موسی(عَلَيهِ السَّلَامُ): 552، 592
المهر: 32، 102، 115، 117، 127، 142
الميثاق : 117، 360، 554، 558
النار: 54، 78، 155، 263، 264، 536
الناس: 498
النبيين: 306
النجوى: 440
النحل: 32
النساء : 11، 32، 161، 168، 480، 485
النشوز: 168، 482
النصارى : 228، 234، 247، 249، 552، 564، 571، 574، 608
النصيب: 347، 450
النعمة : 314
النفاق : 284، 286، 287، 289، 314، 315، 335، 356، 363، 516، 524، 529، 531، 536
النقير: 253
النكاح : 19، 22، 32، 44، 119، 122، 127، 142
نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
النور: 624
الوالدين: 502
الوصيّة: 71
الوعد: 457
الولى: 358
هارون (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
الهجرة : 358، 402
الهداية : 147، 443، 509، 579، 603
اليتيم: 19، 22، 44، 50، 190، 480
يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
يوم القيامة : 355
یونس (عَلَيهِ السَّلَامُ): 587
اليهود : 228، 231، 234، 247، 249، 377، 552، 554، 558، 562، 564، 571، 574، 592، 608
تفسیر سورة النساء المباركة...5
المقدّمة...7
فضيلة تلاوة هذه السورة....8
الآية 1 ...9
النقاط المستفادة من هذه الآية...9
الآية 2 ...17
شأن نزول هذه الآية...17
النقاط المستفادة من هذه الآية...17
الآية 3 ...20
شأن نزول الآية...17
النقاط المستفادة من هذه الآية...17
الآية 4 ...29
النقاط المستفادة من هذه الآية...29
الآية 5 ...33
النقاط المستفادة من هذه الآية...333
روايات في الموضوع...39
الآية 6 ...40
نقاط جديرة بالاستفادة من الآية....40
الآية 7 ...44
شأن نزول هذه الآية...44
النقاط المستفادة من هذه الآية...45
الآية 8...46
النقاط المستفادة من هذه الآية...46
الآية 9 ...48
النقاط المستفادة من هذه الآية...48
الآية 10 ...49
النقاط المستفادة من هذه الآية...49
الآية 11 ...52
شأن نزول الآية...52
نقاط ست كمقدّمة في بيان قانون الإرث...53
خصائص قانون الإرث الإسلامي...55
النقاط المستفادة من هذه الآية...56
أسئلة في موضوع الآية...57
ما هو العول والتعصيب في الإرث؟....59
الآية 12 ...64
شأن نزول هذه الآية
النقاط المستفادة من هذه الآية...65
الآية 13 ...69
النقاط المستفادة من هذه الآية...69
الآية 14 ...71
النقاط المستفادة من هذه الآية...71
الآية 15...73
النقاط المستفادة من هذه الآية...73
الآية 16...77
النقاط المستفادة من هذه الآية...77
الآية 17 ...82
النقاط المستفادة من هذه الآية...82
الآية 18 ...89
النقاط المستفادة من هذه الآية...89
الآية 19 ...92
شأن نزول الآية...92
النقاط المستفادة من هذه الآية...93
الآية 20 ...104
شأن نزول الآية...104
النقاط المستفادة من هذه الآية...104
الآية 21 ...106
النقاط المستفادة من هذه الآية...106
الآية 22 ...107
شأن نزول الآية...107
النقاط المستفادة من هذه الآية...107
الآية 23 ...109
النقاط المستفادة من هذه الآية...109
الآية 24...114
النقاط المستفادة من هذه الآية...114
ردّ الشيعة على المخالفين...123
الآية 25 ...127
النقاط المستفادة من هذه الآية...127
الآية 26 ...132
النقاط المستفادة من هذه الآية...132
الآية 27 ...133
النقاط المستفادة من هذه الآية...133
الآية 28 ...134
النقاط المستفادة من الآية...134
الآية 29 ...135
النقاط المستفادة من الآية...135
الآية 30 ...137
النقاط المستفادة من الآية...137
الآية 31 ...138
النقاط المستفادة من الآية...138
الآية 32 ...142
شأن نزول الآية...142
النقاط المستفادة من هذه الآية...143
الآية 33 ...147
النقاط المستفادة من الآية...147
الآية 34 ...149
مقدمة: هل تحتاج الأسرة إلى رئيس ؟!...149
لم لا يتشارك الوالدان في إدارة الأسرة؟!...151
النقاط المستفادة من هذه الآية...151
الآية 35 ...158
النقاط المستفادة من الآية...158
الآية 36 ...168
مقدّمة...168
النقاط المستفادة من الآية...168
الآية 37 ...180
النقاط المستفادة من الآية...180
الآية 38 ...182
النقاط المستفادة من الآية...182
الآية 39 ...187
النقاط المستفادة من الآية...187
الآية 40 ...189
النقاط المستفادة من الآية...189
الآية 41...191
النقاط المستفادة من الآية...191
الآية 42 ...194
النقاط المستفادة من الآية...194
الآية 43...196
النقاط المستفادة من الآية...196
الآية 44 ...202
النقاط المستفادة من الآية...202
الآية 45 ...203
النقاط المستفادة من الآية...203
الآية 46...204
النقاط المستفادة من الآية...204
الآية 47...206
النقاط المستفادة من الآية...206
الآية 48...209
النقاط المستفادة من الآية...209
الآية 49...211
النقاط المستفادة من الآية...211
الآية 50 ...217
شأن نزول الآية...217
النقاط المستفادة من الآية...217
الآية 51...219
شأن نزول الآية...219
النقاط المستفادة من الآية...219
الآية 52 ...222
النقاط المستفادة من الآية...222
الآية 53...223
النقاط المستفادة من الآية...223
الآية 54 ...226
النقاط المستفادة من الآية...226
الآية 55 ...232
النقاط المستفادة من الآية...232
الآية 56...233
النقاط المستفادة من الآية...233
الآية 57...235
النقاط المستفادة من الآية...235
الآية 58...237
شأن نزول الآية...237
النقاط المستفادة من الآية...237
الآية 59 ...241
النقاط المستفادة من الآية...241
الآية 60 ...251
شأن نزول الآية...251
النقاط المستفادة من الآية...251
الآية 61 ...253
النقاط المستفادة من الآية...253
الآية 62 ...24
النقاط المستفادة من الآية...254
الآية 63...256
النقاط المستفادة من الآية...256
الآية 64 ...257
النقاط المستفادة من الآية...257
الآية 65 ...261
شأن نزول الآية ...261
النقاط المستفادة من الآية...261
الآية 66 ...267
النقاط المستفادة من الآية...267
الآية 67 ...269
النقاط المستفادة من الآية...269
الآية 68 ...270
النقاط المستفادة من الآية...270
الآية 69 ...271
شأن نزول الآية...271
النقاط المستفادة من الآية...271
الآية 70 ...275
النقاط المستفادة من الآية...275
الآية 71 ...276
النقاط المستفادة من الآية...276
الآية 72 ...279
النقاط المستفادة من الآية...279
الآية...280
النقاط المستفادة من الآية...280
الآية 74 ...281
النقاط المستفادة من الآية...281
الآية 75 ...283
النقاط المستفادة من الآية...283
الآية 76 ...285
النقاط المستفادة من الآية...285
الآية 77 ...287
شأن نزول الآية...287
النقاط المستفادة من الآية...288
الآية 78 ...291
النقاط المستفادة من الآية...291
الآية 79 ...294
النقاط المستفادة من الآية...294
الآية 80...297
النقاط المستفادة من الآية...297
الآية 81 ...299
النقاط المستفادة من الآية...299
الآية 82...301
النقاط المستفادة من الآية...301
الآية 83...304
النقاط المستفادة من الآية...304
الآية 84 ...307
شأن نزول الآية...307
النقاط المستفادة من الآية...307
الآية 85...310
النقاط المستفادة من الآية...310
الآية 86 ...314
النقاط المستفادة من الآية...314
الآية 87...318
النقاط المستفادة من الآية...318
الآية 88 ...319
شأن نزول هذه الآية...319
النقاط المستفادة من الآية...319
الآية 89...321
النقاط المستفادة من الآية...321
الآية 90 ...323
شأن نزول الآية...323
النقاط المستفادة من الآية...324
الآية 91...326
شأن نزول الآية...326
النقاط المستفادة من الآية...326
الآية 92 ...328
شأن نزول الآية....328
النقاط المستفادة من الآية...329
الآية 93...333
شأن نزول الآية...333
النقاط المستفادة من الآية...333
الآية 94 ...338
شأن نزول الآية ...338
النقاط المستفادة من الآية...339
الآية 95 ...343
النقاط المستفادة من الآية...343
الآية 96 ...350
النقاط المستفادة من الآية...350
الآية 97...352
شأن نزول الآية...351
النقاط المستفادة من الآية...351
الآية 98 ...358
النقاط المستفادة من الآية...358
الآية 99 ...360
النقاط المستفادة من الآية...360
الآية 100 ...361
النقاط المستفادة من الآية...361
الآية 101...365
النقاط المستفادة من الآية...365
الآية 102...369
شأن نزول الآية...369
النقاط المستفادة من الآية...370
الآية 103...373
النقاط المستفادة من الآية...373
الآية 104 ...376
شأن نزول الآية...376
النقاط المستفادة من الآية...377
الآية 105...379
شأن نزول الآية...379
النقاط المستفادة من الآية...380
الآية 106 ...381
النقاط المستفادة من الآية...381
الآية 107 ...383
النقاط المستفادة من الآية...383
الآية 108 ...385
النقاط المستفادة من الآية....385
الآية 109 ...386
النقاط المستفادة من الآية...386
الآية 110 ...387
النقاط المستفادة من الآية...387
الآية 111 ...388
النقاط المستفادة من الآية...388
الآية 112...389
النقاط المستفادة من الآية...389
الآية 113 ...391
شأن نزول الآية...391
النقاط المستفادة من الآية...392
الآية 114 ...396
النقاط المستفادة من الآية...396
الآية 115 ...399
شأن نزول الآية...399
النقاط المستفادة من الآية...399
الآية 116...402
النقاط المستفادة من الآية...402
الآية 117 ...404
النقاط المستفادة من الآية...404
الآية 118 ...406
النقاط المستفادة من الآية...406
الآية 119 ...407
النقاط المستفادة من الآية...407
الآية 120 ...410
النقاط المستفادة من الآية...410
الآية 121...411
النقاط المستفادة من الآية...411
الآية 122 ...412
التفسير....412
النقاط المستفادة من الآية...412
الآية 123...414
شأن نزول الآية...414
النقاط المستفادة من الآية...414
الآية 124 ...416
النقاط المستفادة من الآية...416
الآية 125 ...428
النقاط المستفادة من الآية...428
الآية 126...430
النقاط المستفادة من الآية...430
الآية 127 ...431
النقاط المستفادة من الآية...431
الآية 128...433
شأن نزول الآية...433
النقاط المستفادة من الآية...433
الآية 129...436
النقاط المستفادة من الآية...436
مقدّمة...436
الآية 130 ...441
النقاط المستفادة من الآية...441
الآية 131 ...443
النقاط المستفادة من الآية...443
الآية 132...446
النقاط المستفادة من الآية...446
الآية 133 ...448
النقاط المستفادة من الآية...448
الآية 134...449
النقاط المستفادة من من الآية...449
الآية 135...451
النقاط المستفادة من الآية...451
الآية 136...454
شأن نزول الآية...454
النقاط المستفادة من الآية...454
الآية 137 ...457
النقاط المستفادة من الآية...457
أنواع الردّة...460
الآية 138...463
النقاط المستفادة من الآية...463
الآية 139 ...464
مقدّمة...464
النقاط المستفادة من الآية...465
عوامل تحقّق عزّة النفس...467
الآية 140 ...469
شأن نزول الآية...469
النقاط المستفادة من الآية...469
الآية 141 ...471
النقاط المستفادة من الآية...471
الآية 142 ...474
النقاط المستفادة من الآية...474
الآية 143...475
النقاط المستفادة من الآية...475
الآية 144..476
النقاط المستفادة من الآية...476
الآية 145...479
النقاط المستفادة من الآية...479
الآية 146...481
النقاط المستفادة من الآية...481
الآية 147...483
النقاط المستفادة من الآية...483
الآية 148...485
النقاط المستفادة من الآية...485
الآية 149 ...487
النقاط المستفادة من الآية...487
الآية 150...489
الآية 151...490
النقاط المستفادة من الآية...490
الآية 152...492
النقاط المستفادة من الآية...492
الآية 153...493
شأن نزول الآية...493
النقاط المستفادة من الآية...493
الآية 154...495
النقاط المستفادة من الآية...495
الآية 155...498
النقاط المستفادة من الآية...498
الآية 156...501
النقاط المستفادة من الآية...501
الآية 157..502
النقاط المستفادة من الآية...502
الآية 158...508
النقاط المستفادة من الآية...508
الآية 159...510
النقاط المستفادة من الآية...510
الآية 160 ...514
النقاط المستفادة من الآية...514
الآية 161 ...516
النقاط المستفادة من الآية...516
الآية 162...519
النقاط المستفادة من الآية...519
الآية 163...520
النقاط المستفادة من الآية...520
الآية 164 ...524
النقاط المستفادة من الآية...524
الآية 165...525
النقاط المستفادة من الآية...525
الآية 166...527
النقاط المستفادة من الآية...527
الآية 167...528
النقاط المستفادة من الآية...528
الآية 168 ...532
النقاط المستفادة من الآية...532
الآية 169...533
النقاط المستفادة من الآية...533
الآية 170...534
النقاط المستفادة من الآية...534
الآية 171 ...536
النقاط المستفادة من الآية...536
الآية 172...546
شأن نزول الآية...546
النقاط المستفادة من الآية...546
الآية 173 ...548
النقاط المستفادة من الآية...548
الآية 174 ...551
النقاط المستفادة من الآية...551
مقدّمة...551
الآية 175...553
النقاط المستفادة من الآية...553
الآية 176 ...555
شأن نزول الآية...555
النقاط المستفادة من الآية...555
في رحاب سورة النساء المباركة ...560
فهرس الموضوعات...564
فهرس المحتويات...571