ghaemiyeh.com
سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-
عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).
الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.
خصائص المظهر :3ج.
ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1
حالة الإدراج:فیپا
لسان :العربية.
موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14
موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century
تصنيف الكونجرس:BP98
تصنيف ديوي:297/179
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تَفْسِيرُ سورة الفاتحة
تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة
تأليف
السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
المجلد الثاني
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
صدر خادمی سید محمد مهدی 1341-
النور المبين فى تفسير للقرآن الكريم تأليف السيد محمد مهدی صدر الخادمی.
قم: مؤسسه انصاريان للطباعة والنشر، 1441ق.1398
3 جلد.
ISBN: 978-964-219-637-1 (vol. 1)/978-964-219-639-5 (vol. 2)
978-964-219-640-1 (vol. 3)/978-964-219-638-8 (set)
Qur'an - Shiite hermeneutics - Y
عربی :
1 - تفاسیر شیعه - قرن 14
BP98 297/179
شماره کتابشناسی ملی: 5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تفسير سورة آل عمران المباركه
(المجلد الثاني)
تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021
المطبعة: نگین
الكمية: 500 نسخة
عدد الصفحات: 512 ص.
حجم الغلاف: كبير
رقم الإيداع الدولي: 5-639-219-964-978
رقم الإيداع للدوره : 8-638-219-964-978
(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان )
مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
جمهورية ايران الإسلامية
قم - شارع الشهداء - فرع 22 – ص . ب 187
هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647
البريد الالكترونى : Int ansarian@yahoo.com
www.ansariyan.ir
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة آل عمران نزلت في المدينة، ولها (200) آية آياتها ذات نظام وترتيب خاص. ولهذا السبب احتمل أن تكون قد نزلت دفعة واحدة، إذ الآيات من أوّلها إلى آخرها تتناغم فيما بينها ومطالبها جميعاً مترابطة ترابطاً عضويّاً، كما يحتمل إلى حدٍ كبير أنّ هذه السورة المباركة حين
نزلت كانت الدعوة النبوية قد تجدّرت واتسعت رقعتها؛ لاسيما وأن آيات السورة تتناول الحديث عن معركة أحد وواقعة المباهلة والملاعنة مع نصارى نجران، كما تذكر اليهود، وتحرّض على المشركين.. وكل هذا يؤيد هذا المعنى محط البحث وأنها نزلت والمسلمون منهمكون في الدفاع عن الدين؛ دفاعاً جيشوا فيه كل قواهم..
فهم؛ وبداعي الفتن التي كان اليهود والنصارى يثيرونها في صفوفهم.. كان لا بدّ لهم من مواجهتهم وإطفاء نائرتهم ؛ مما كان يضطرهم إلى صرف المزيد من قوتهم وجهدهم في النقاش والمجادلة والمجالدة معهم.. هذا والمسلمون كانوا يواجهون المشركين ويخوضون معهم الحروب، ويعيشون حالة الاستنفار الدائمة، بحيث لم يكونوا لينعموا بلحظة أمان واحدة؛ خصوصاً وأنّ الإسلام كان في حالة انتشار وقد عمّ صيته الأرجاء، مما استثار المشركين واليهود والنصارى فقاموا لإخماد نهضته..
وجرت تسمية هذه السورة بناءً على الآيات (33.35) التي تضمنت قصة ولادة السيّدة مريم عليها السلام ابنة عمران عليه السلام، ولذا صار المقصود من عنوان (آل عمران) السيّدة
مريم عليها السلام وابنها النبي عيسى عليه السلام.. كما أولت هذه السورة مسألة المدد الإلهي للمؤمنين وحياة الشهداء في سبيل الله أهمية خاصة..
وقد تم التطرق قسم من هذه السورة المباركة إلى سلسلة من الأحكام الإسلامية فيما يرتبط بلزوم وحدة الصف المسلم وبيت الله الحرام، وفريضة الحج، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولّي لأولياء الله والبراءة من أعداء الله، ومسألة الأمانة، والإنفاق في سبيل الله، وترك رذيلة الكذب ومقاومة الأعداء والصمود بوجههم والصبر على المشاكل، وموضوع الامتحانات الإلهيّة المختلفة الأشكال، وذكر الله تعالى على أي حال.. وفي كل ذلك إشارات رائعة مفعمة بالمعاني الفذّة.
ولاستكمال هذه البحوث؛ جرى الحديث عن جوانب من تاريخ الأنبياء، ومنهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام، وقصة مريم عليها السلام ومقام هذه المرأة العظيمة الجليلة، إضافة إلى مؤامرات اليهود والنصارى ضد موسى وعيسى عليهما السلام.. وقد عرضت هذه المطالب جميعاً بشكل هو غاية الاتساق، وكأنها . في هذه السورة . قد نزلت دفعة واحدة وكلّ ذلك يدعم هذا المعنى لاسيما وأنّ هذه السورة المباركة نزلت والمسلمون منهمكون في الدفاع عن حوزة الدين؛ دفاعاً كرسوا له كل طاقاتهم وقواهم...
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بعضاً من الحقائق والمعارف التي يهدي المؤمنين بها إليه، مضافاً إلى مواساتهم ليزيلوا عن قلوبهم شبهات ووساوس الشيطان وأهل الكتاب، وليتأكدوا أنّ الله تعالى لا يغفل أبداً عن تدبير شؤون ملكه ومالكيته، ولا يعجزه في ذلك مخلوقاته، لأنّ الدنيا دار بلاء وامتحان، ولأنّ اليوم يوم عمل والغد يوم حساب وجزاء.
قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): «من قرأ سورة آل عمران؛ أعطي بكل آية منها أماناً على جسر جهنّم»(1).
وعن إمامنا الصادق (عليه السلام) قال: «من قرأ البقرة وآل عمران؛ جاء يوم القيامة تظلّانه على رأسه مثل الغمامتين»(2).
يقول بعض المفسّرين: نزلت أكثر من (80) آية من آيات هذه السورة بخصوص مبعوثي نصارى نجران للتحقيق عن الإسلام إلى المدينة.
وكان عدد المبعوثين (60) شخصاً، منهم (14) رجلاً من شخصيات النصارى وكبارهم، يرأسهم ثلاثة رجال يعود الجميع إليهم في توجيههم وتنظيم شؤونهم، أحدهم يسمّى عاقباً ويقال له عبد المسيح أيضاً. كان يعد الرجل الأوّل فيهم ولم يكن النصارى ليخالفوه في رأي ونظر.. والرجل الثاني يسمّى سيّداً ويقال له أيهم، وكان مسؤولاً عن ترتيب أمور السفر ومحظ اعتماد النصارى ، أما الرجل الثالث؛ فكان يدعى أبا حارثة ، وكان عالماً وصاحب نفوذ في قومه وأهل دينه وقد شيّدت عدة كنائس باسمه، وكان يحفظ جميع كتب النصارى الدينية.
وقد جاءت هذه المجموعة المكوّنة من (60) شخصاً وهي ترتدي زي قبيلة بني كعب.. بأجمل وأبهى حلة حتى أن أحد الصحابة قال فيهم : لم أر مبعوثين بتلك الروعة من المظهر.. فدخلت مسجد النبي صلوات الله عليه وآله وقد صلّى بالناس صلاة العصر.. وحينما دخلت المسجد راح رجالها يصلّون صلواتهم ويقرعون الناقوس وقد اتجهوا إلى المشرق.. فقام بعض
الصحابة ليمنعوهم، لكنّ النبي صلوات الله عليه وآله حال دون ذلك وأجاز للنصارى أن يؤدوا صلواتهم كما يريدون..
وبعد الصلاة؛ تقدّم عاقب وسيّد من رسول الله صلى الله عليه وآله وبدءا يتحدّثان إليه..
فعرض عليهما الإسلام والتسليم الله سبحانه وتعالى..
فقالا: لقد أسلمنا قبلك وسبقناك بالتسليم الله !
فقال صلوات الله عليه وآله كيف يكون دينكم على حق مع أنّ أعمالكم تحكي عن أنّكم غیر مسلّمين الله ، ذلك أنكم تقولون بأنّ الله ولداً وأنّ عيسى ابن الله، وتعبدون الصليب، وتأكلون لحم الخنزير.. وهذه الأمور تخالف أمر الله تعالى؟
فقال عاقب وسيّد: إن لم يكن عيسى ابن الله؛ فمن أبوه إذن؟
فقال النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله : هل تقران بأن لكل ولد شبهاً بأبيه؟
فقالا: نعم.
فقال صلوات الله عليه وآله : أليس الله تعالى الإحاطة بكلّ شيء، وهو الحي القيوم، ورزق المخلوقات كلّها عليه ؟
فقالا: نعم؛ الأمر كذلك.
فقال الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله : فهل كان لعيسى عليه السلام هذه الأوصاف؟
فقال عاقب وسيّد: لا.
فقال صلوات الله عليه وآله: هل تعلمان أنّ الله سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا فيالسماء، وهو العالم بكل شيء؟
فقالا: نعم نعلم ذلك.
فقال صلى الله عليه وآله: فهل أنّ عيسى كان يعلم غير ما علّمه الله؟
فقالا لم يكن يعلم غير ما علّمه الله ..
فقال صلوات الله عليه وآله: فهل تعلمان أنّ ربّنا قد صوّره في رحم أمه كما أراد؟
فقالا: نعم؛ هو كذلك.
فقال صلى الله عليه وآله: أو ليست أمّ عيسى قد حملته كما تحمل الأمهات أجنّتهن في أرحامهنّ ثمّ جاءت به إلى الدنيا كما تجيء الأمهات بصغارهن. وتغذى عيسى عليه السلام كسائر الصغار؟
فقالا: نعم؛ هكذا كان.
فقال صلوات الله عليه وآله: فكيف يكون عيسى عليه السلام ابنا الله تعالى مع عدم الشبه فيه بأبيه؟
فبهت عاقب وسيد ومعهما بهت جميع النصارى.. وهنالك نزلت الثمانون آية وبضع؛ من بداية السورة الكريمة؛ إيضاحاً لمعالم الدين ومنهاجه القويم(1).
1) مجمع البيان، ج 2، ص 695 و 696
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
النقاط المستفادة من هذه الآية
2 طبقاً لنص القرآن؛ فإنّبِسْمِ اللَّهِ ليس مخصوصاً بالإسلام، بل إنّ الأنبياء الآخرين كانوا يتلفّظون بها..
بداية بِسْمِ اللَّهِ بحرف الباء ويعني الاستعانة بذات الله المقدسة، وهي تعني أن كل فعل لا يتم دون إرادة الله المتعال.
الم (1)
1.التوضيحات التي أوردناها بخصوص الحروف القرآنية المقطعة في سورة (البقرة) هي ذاتها فيما يرتبط بالحروف القرآنية المقطعة في سورة (آل عمران) ولا حاجة إلى تكرارها هنا. وما ينبغي ذكره هنا هو نظرية أحد المفكرين المصريين المعاصرين، ونظراً لأهميتها نجد من الجدير ذكرها مختصرة :
ألف: في القرآن (114) سورة ، منها (86) سورة مكيّة ، و (28) سورة مدنية، وفي مجموع السور القرآنية هناك (29) سورة استهلت بالحروف المقطعة.. هذا وإنّ العمليات الحسابية لجميع الحروف النورانية الأربعة عشر الواردة في ال-( 114) سورة قرآنية وتحديد نسبة كلّ واحدة منها والعمليات الحسابية المطوّلة الأخرى التي يجب إجراؤها بهذا الصدد أمر لا يمكن تصوّره دون
الاستعانة بجهاز الحاسوب.. ولهذا؛ فقد خضعت جميع الحروف المذكورة الواردة في جميع السور القرآنية وكذلك مجموع حروف كلّ سورة وبشكل منفصل إلى التحديد (وهذا العمل والمقدّمات الأخرى استغرق مدة عامين وبعد إجراء العمليات الحسابية التالية بواسطة الحاسوب ظهرت ولأوّل مرّة في التاريخ الإسلامي نتائج مثيرة، كشفت حقائق عجيبة للغاية وأكدت الإعجاز القرآني على المستوى الرياضي (فضلاً عن الجهات الأخرى).
ب والآن لاحظوا النتائج المذهلة التي ظهرت من خلال هذه العمليات الحسابية:
هذه الحروف هي نصف الأبجدية العربية التي تحتوي (28) حرفاً، أي أنها (14) حرفاً، وهي:
(ا، ح، ر، س، ص، ط ، ع ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، ه ، ي) وتسمّى تارة بالحروف النورانية.
ج :يوضح لنا العقل الالكتروني بعمليّاته الحسابية والإحصائية نسبة كل حرف من الحروف الأربعة عشر في كلّ سورة قرآنية قياساً بحروف تلك السورة..
فمثلاً: بعد الإحصاء نجد أنّ نسبة حرف (ق) وهو أحد الحروف النورانية الأربعة عشر المقطعة في سورة الفلق) تفوق كل حرف وهي (6/700) بالمئة) وهي بالدرجة الأولى في سور القرآن، وتليها سورة القيامة حيث يتكرّر الحرف المذكور (3/907) بالمئة) وبعدها سورة الشمس بنسبة (3/906 بالمئة) وكما لاحظنا؛ فإنّ نسبة التفاوت بين سورتي القيامة والشمس هي واحد بالألف، وعلى هذا نتحصل على هذه النسبة في جميع السور القرآنية(وليس بخصوص هذا الحرف فقط، بل بالنسبة لجميع الحروف النورانية) وهكذا تتضح نسبة مجموع حروف كلّ سورة لجميع هذه الحروف..
د: نسبة حرف (ق) في سورة (ق) أكبر من جميع السور القرآنية بلا استثناء، أي أنه وطيلة (23) سنة التي استغرقها نزول القرآن فإنّ حرف (ق) قد ورد بمعدل أقل في السور ال-(113) الأخرى، وهذا العمري أمر مثير حيث يمكن للمتحدث أن يراقب عدد كل حرف من حروف خطابه وطيلة (23) سنة مع أنه يتكلّم بكل عفوية ودون أي تكلف، وهذا فعل . لا ريب . خارج
عن نطاق البشر، وهو غير ممكن حتى بالنسبة لأكبر علماء الرياضيات دون استعانتهم بالعقول الكامبيوترية.. وهذا الواقع العجيب يشير إلى أنه ليس حكراً على السور والآيات، بل هو شامل حتى لحروف القرآن كونها قد وردت ضمن نظام رياضي وحسابي خاص. وأنّ الله تعالى وحده القادر على إجراء هكذا عمليات حسابية [ أو من يعطيه هذه القدرة الإعجازية الفائقة] مثلما هو الحرف صاد في سورة ( ص ) أي أنّ نسبته وعدده متناسب مع مجموع حروف السورة، إذ عدده في السورة يفوق أي سورة أخرى. وكذلك حرف (ن) إذ هو أكبر رقم نسبي في جميع السور القرآنية..
ه-: الاستثناء الوحيد في هذا المجال ورد في سورة (الحجر) الذي ورد حرف (ن) فيها أكثر من وروده في سورة (ن) ولكن المثير هو أن سورة الحجر إحدى السور التي استهلت ب-الر وسنلاحظ فيما بعد أنّ السور القرآنية التي شرعت ب- الر يجب أن تعد كسورة واحدة، فإذا قمنا بذلك، وجدنا النتيجة المطلوبة، وهي أنّ عدد حرف (ن) فيها كلّها أقل من سورة (ن)!! و لاحظوا الأحرف الأربعة المص الواردة في مطلع سورة (الأعراف)، إن جمعنا حرف الألف وحرف الميم وحرف الصاد المتكرّر في هذه السورة، وجدنا أن مجموع هذه الأحرف أكثر ممّا في كل سورة قرآنية، كذلك هي حروف
المر الواردة في سورة( الرعد)، وكذلك الحروف الخمسة (كهيعص) الواردة في مطلع سورة (مريم) فإن جمعناها معاً، وجدنا أنها أكثر من ورودها في كل سورة قرآنية.. وهنا نواجه شكلاً آخر من المسألة، وهو أنه ليس كل حرف كان له حسابه وحكمته في القرآن فحسب، بل إنّ جملة الحروف لها نفس الخاصية من حيث النظم والحكمة.. ز: إلى هنا كان البحث عن الحرف الواحد الوارد في مطالع بعض السور، أما الحروف المجتمعة الواردة في عدة سور قرآنية مثل( المر و الم) فلها خاصية أخرى، وهي أنه وطبقاً للحسابات الكامبيوتريّة، فإنّ مجموع هذه الحروف الثلاثة مثل (أ، ل ، م) إن حسبت في
مجموع السور التي ستكون أكثر من معدل وجودها في السور القرآنية الأخرى، وهنا تتجلّى مسألة أكثر إثارة، وهي أنّه ليس حروف كلّ سورة قرآنية تخضع لنظم وحكمة معينة فحسب، بل إنّ مجموع حروف السور المشابهة تخضع لذات النظم والحكمة بعينها.
ح: هذه العمليات الحسابية إنّما تكون صحيحة حيث لا نتلاعب بالخط الأصلي القديم للقرآن، مثل (إسحق وزكوة وصلوة) التي إن كُتبت هكذا إسحاق وزكاة وصلاة) فإنّ العملية الحسابية ستضطرب وتتلاشى.
ت :هذه التحقيقات تشير إلى أن القرآن لم ينقص ولم يزد شيئاً وإلا لما تمت المحاسبات بالشكل الصحيح.
ي: في كثير من السور القرآنية التي تبدأ بالحروف المقطعة تأتي الإشارة إلى حقانية وعظمة القرآن ومجده بعد الحروف مثل:الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لارَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وهذه بحد ذاتها تمثّل إشارة لطيفة إلى علاقة الحروف المقطعة بإعجاز القرآن..(1)
ولاشك أنّ تحقيقات وبحوث العالم المذكور وحيث لم تكن منذ البداية خالية من النقص، فإنّها بحاجة لجهود علماء آخرين يتصف عملهم بالصبر والاستقامة لتكتمل بالشكل المطلوب.. وعلى هذا؛ فإنّنا لا نضمن صحة أو سقم هذه العملية ما لم تتم مراجعتها المرّة بعد المرّة...
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 414 إلى 419
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)
ورد شرح وتفسير هذا النص القرآني المقدّس بشكل مفصل لدى تفسير الآية (255) من سورة البقرة.
المقصود منالقيوم أنه قائم بذاته غير محتاج إلى غيره، مع أن غيره محتاج إليه في جميع ما يفعل ويصدر عنه.
مخلوقات الله غير مستقلة في علمها وحياتها.. بينما الله تعالى هو الجهة الوحيدة التي تحتاجها جميع القوى والقدرات..
قدرة الله تعالى سبحانه نافذة في كلّ شيء، ولا يحدث شيء في عالم الوجود إلا وهو تعبير عن مشيئته وإرادته وإذنه.
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)
وفي الآية محط البحث وردت الباء على الحق بالحق باعتبارها باء المصاحبة كما في الاصطلاح.. أي: يا أيها النبي قد أنزل الله عليك القرآن مع دلائل وعلامات الواقع..
التوراة في الأصل مفردة عبرانية بمعنى الشريعة والقانون، ثمّ أُطلقت هذه الكلمة على الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه ورسوله موسی بن عمران عليه السلام.. كما تطلق هذه المفردة على مجموعة كتب العهد القديم، وتارة على الأسفار أيضاً.
مجموعة كتب اليهود المسماة بالعهد القديم، هي في الحقيقة مركبة من التوراة وعدة كتب أخرى. والتوراة مكوّنة من خمسة أقسام تحمل عناوين: سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين وسفر الأعداد وسفر التثنية.. وهذا القسم من كتب العهد القديم شرح لخلقة العالم والإنسان والمخلوقات الأخرى، وقسم عن حياة وسير الأنبياء الماضين وموسى بن عمران عليه السلام وبني إسرائيل وأحكام الشريعة.. والكتب الأخرى في حقيقتها عبارة عمّا كتبه مؤرّخو اليهود بعد موسى عليه السلام، وهي شروح لحياة الأنبياء وملوك الأقوام والأمم التي ظهرت بعد حقبة موسى عليه السلام.
ليس بين كتب اليهود كتاب سماوي، غير أسفار التوراة الخمسة، واليهود أنفسهم لايدعون ذلك ولا يعدونها كتباً جاءتهم من الله تعالى، بل إنّ زبور داود عليه السلام الذي يسمّى أيضاً بالمزامير إنّما هو شرح لمناجاة هذا النبي الجليل مع ربّه المتعال.
فيما يتعلّق بأسفار التوراة الخمسة؛ ثَمّ قرائن ودلائل واضحة تشير إلى أنها هي الأخرى لیست نصوصاً سماوية، بل هي كتب تاريخيّة دوّنت بعد رحيل النبي موسى بن عمران عليه السلام، وذلك لاحتوائها شرح قصة وفاة هذا النبي وكيفيّة دفنه وجملة حوادث وقعت بعد وفاته أيضاً.. لاسيما ما جاء من نصوص في السفر الخامس وهو سفر التثنية، إذ يثبت بوضوح أنّ هذا الكتاب قد حرّر بعد مدة طويلة جداً من وفاة النبي موسى عليه السلام، ناهيك عن أنّ هذه الأسفار وبقيّة كتب اليهود تتضمن نصوصها الكثير من الخرافات والأساطير والأكاذيب على أنبياء الله تعالى ورسله الكرام.. وكل ذلك يشير إلى تزوير التوراة وتحريفها، كما أنّ هناك شواهد تاريخيّة تؤكّد بأنّ التوراة الأصلية قد زالت ومحيت نصوصها الحقيقية.. فجاء بعض من يدّعي التدين بدين موسى بن عمران عليه السلام وكتب ما ادّعى أنّها التوراة.
6 . الإنجيل في الأصل كلمة يونانية تعني البشارة أو التعليمات الجديدة، وهو اسم للكتاب المنزل على النبي عيسى عليه السلام.. والملفت للنظر أنّ القرآن المجيد متى ما ذكره . هذا الكتاب . وأشار إليه، جاء باسمه المفرد غير المتعدّد، وأنّه قد نزل من الله تعالى، وبهذا تكون الأناجيل الكثيرة المتداولة في النصارى ، وحتى أكثرها شهرة، وهي الأناجيل الأربعة (لوقا، ،مرقص، متّى، يوحنا) ليست وحياً إلهيّاً، كما أنّ النصارى لا ينكرون هذه الحقيقة التاريخية القائلة بأنّ هذه الأناجيل المتداولة قد دوّنت من قبل تلامذة عيسى عليه السلام أو تلامذة تلامذته، بحيث كتب كلٌّ منهم إنجيله الخاص بعد عيسى بسنين مديدة.. وما يدعونه بصدد أنهم كتبوها بإلهام إلهي خاصّ أمر مفتقر إلى الدليل والإثبات!
تحت عنوان (العهد الجديد).
(العهد الجديد) يعادل ثلثاً من العهد القديم وهو يتضمن (27) كتاباً ورسالة تتناول مواضيع متفاوتة..
إنجيل متى هذا الإنجيل كتبه ( متى) أحد حواريّي النبي عيسى عليه السلام في سنة (38) ميلادية. ويذهب البعض إلى أنه كتبه بين سني (60.50) ميلادية.
إنجيل مرقص : طبقاً لتصريح كتاب (القاموس المقدّس صفحة (792) فإنّ مرقصاً هذا لم يكن من الحواريين الاثني عشر، ولكنّه كتب إنجيله تحت إشراف (بطرس) وقد قتل هذا الأخير في سنة (68) ميلادية.
إنجيل لوقا كان (لوقا) رفيق السفر ل- (بولس الرسول) وقد تنصر هذا الأخير بعد مدة من عيسى عليه السلام وكان قبل تنصره يهودياً متطرفاً جداً، توفّي حوالي سنة (70) ميلادية ، وطبقاً لمؤلّف كتاب (القاموس المقدّس) صفحة (772) فإنّ تأريخ كتابة هذا الإنجيل يعود إلى سنة (63) على سبيل الظنّ والتخمين.
إنجيل يوحنّا: (يوحنّا) أحد حواريّي وتلامذة النبي المسيح عليه السلام ورفيق سفر (بولس) وحسب الكتاب المذكور وبشهادة أغلب النقاد والمحققين؛ يعود تاريخ تأليف هذا الإنجيل إلى أواخر القرن الميلادي الأوّل.
من نصوص هذه الأناجيل التي تتناول قصة صلب المسيح (المدعاة) والحوادث التي تلت ذلك يثبت بوضوح أنّ جميع هذه الأناجيل قد حرّرت بعد سنين من عيسى عليه السلام، ولا يعد أي منها كتاباً سماويّاً.
ألف: أعمال الرسل ( أعمال الحواريين ومبلغي الصدر الأول).
ب: (14) رسالة من رسالات بولس إلى مختلف الأفراد والأقوام.
ج: رسالة يعقوب (الرسالة العشرون من جملة الرسائل السبع والعشرين الواردة في العهد
الجديد).
د: رسائل بطرس (الرسالة 21 و 22 من العهد الجديد).
ه-: رسائل يوحنا( الرسالة 23 و 24 و 25 من العهد الجديد).
و :رسالة يهودا (الرسالة 26 من العهد الجديد).
ز: مكاشفة يوحنّا (القسم الأخير من العهد الجديد).
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
لأنّ الفرقان لغةً يعني وسيلة تمييز ومعرفة الحق من الباطل، وعموماً؛ هو كلّ شيء يفرّق بين الحق والباطل لغرض معرفتهما، ولذا وجدنا القرآن الحكيم يسمّي يوم معركة بدر بيوم ،الفرقان لأنّ جيش المسلمين الصغير الفاقد والمفتقر للأسلحة والوسائل الحربية انتصر على جيش الكافرين الكبير بالنسبة لجيش المسلمين.. وكذلك سمّى القرآن الحكيم معاجز النبي موسى عليه السلام العشر فرقاناً أيضاً.
لأنّ القرآن المجيد يفصل الحق عن الباطل فقد سمّي فرقاناً، وقد أنزله الله تعالى لهداية الناس ومعرفة الحق من الباطل وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ .
بعد إتمام الحجّة ونزول الآيات من جانب الله تعالى وبعد شهادة الفطرة والعقل على صدق دعوة الأنبياء وحقانية خاتمهم صلّى الله عليه وآله، ليس ثَمّ نهاية غير الجزاء والمجازاة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ .
لئلا يتصوّر بأنّ ثَمّ شكاً في حقيقة تهديدات الله عزّ وجلّ؛ أضافت الآية المجيدة القول: وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتقام .
ألف: كلّ ما كان الحصول عليه صعباً ونيله غير يسير يسمّى عزيزاً..
ب :كلّ ما كان غير قابل للنفوذ؛ مشكلاً يدعى عزيزاً، ولذا؛ سمّيت الأرض الوعرة وصعبة العبور عزيزةً في لغة العرب.
ج: الأقوياء الأشداء من الأشخاص والذين تصعب الغلبة عليهم، أو كانت غير ممكنة؛ يسمّون أعزّاء.. وأينما أطلقت هذه الكلمة وكيفما استخدمت فى الله عزّ وجلّ حملت هذا المعنى، أي أنّ أحداً من مخلوقاته غير قادر على غلبته أو الفرار من حكومته، وأن الجميع مسلّمون له بالعجز المطلق.
ليعلم الكافرون . عبر هذه الآية . بأن تهديد الله تهديد جاد وحقيقي. يقول تعالى بأنه قادر عزيز، ولهذا ليس من أحد له القدرة على مقاومة تحقيق تهديده، فهو وإن كان رحيماً بعباده رؤوفاً، كذلك هو شديد العقاب منتقم ممن ليس جديراً بالرحمة..
رغم أنّ الانتقام يقصد به . لغةً . في الغالب ما يعمد إليه البعض بداعي عدم الصفح عن أخطاء وممارسات الآخرين كخطوة مضادّة بحيث لا يلحظون مصلحتهم ومنفعتهم في العفو وبالتالي فهي خطوة أو صفة غير حميدة، ذلك لأنّ الإنسان يجب أن يمارس فضيلة العفو في كثير من الموارد والأحيان ويقدّمها على الانتقام أو الردّ بالمثل.. ولكن الانتقام في أصل اللغة ليس بهذا المعنى، بل هو بمعنى معاقبة المذنب، ومعلوم أنّ معاقبة المذنب المتعمّد الجائر خطوة حميدة، بل وتحكيم للعدالة وتأصيل للحكمة.
العذاب الشديد ليس خاصّاً بالآخرة، فقد يكون اللهو والحرص على جمع المال والغفلة عن الله تعالى والبعد المعنوي في الحياة والانغماس في المادّيّات نوع عذاب، كما يشير القرآن الكريم في الآية (85) من سورة التوبة: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ.
كلمة العذاب في الاستعمال القرآني بمعنى العذاب الروحي المجرّد أو العذاب الروحي والجسدي معاً.. قال تعالى: معاً.. قال تعالى: وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فكان عذاب آل فرعون لبني إسرائيل امتحاناً من جهة الله، ومن جهة فرعون عذاباً بحد ذاته.. ولم تقل الآية أنّ ما كان يصدر من آل فرعون ضد بني إسرائيل عذاباً من الله ..
والله تعالى يعد حياة الذين نسوه . مهما كانت مرفّهة . حياةً ضيّقة تعيسة عسيرة: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ، وكذلك كلّما كان مضراً بالروح والبدن؛ يسميه الله عذاباً. كما أنّ المادتين يعدونه عذاباً.. مع اختلاف النظرتين.. فهو من جهة القرآن عذاب روحيّ. ومن جهة المادّيّين عذاب مادّي.. ولعلّ ما يعدّه المادّيّون مصداقاً للراحة والسعادة؛ يسميه القرآن عذاباً وأصلاً ومصدراً للشقاء والنقمة، كما في قضية العجب بالأولاد والأموال
والقوّة وغير ذلك مما أشارت إليه آية سورة التوبة المذكورة.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)
هذه الآية وبالإشارة إلى علم الله تعالى مكملة للآيات السابقة، إذ قرأنا فيما سبق أنّ الله هو الحيّ القيّوم وأنّ تدبير عالم الوجود بيده ، وبأمره، وأنه سيعاقب الكافرين المعاندين، ولا ريب أنّ هذا الفعل بحاجة إلى علم وقدرة غير قابلتين للتصوّر، ولهذا؛ تمت الإشارة في أوّل الآية محطّ البحث إلى علم الله، ثمّ في الآية الثانية ورد التنويه بقدرته عزّ وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ .
إنّه من غير الممكن أن يخفى شيء على الله تعالى باعتباره الحاضر الناظر في كل مكان ولأنه موجود في كل مكان وجوداً غير محدود فلا مكان يخلو منه، بل هو أقرب إلى المخلوق من نفسه، وعليه؛ فإنّه في الوقت الذي لا يحده مكان؛ يحيط بكلّ شيء، وإحاطته بكلّ شيء تعني علمه المطلق بكل الموجودات والأمور.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
وردت الإشارة في هذه الآية إلى جهة من جهات علم الله تعالى وقدرته، التي هي في الحقيقة إحدى إبداعات عالم الخلقة ومن المظاهر الجليّة البارزة من علم الله وقدرته اللامتناهية، وهي تصوير الإنسان في رحم الأم وتشكّل كيانه في ذلك الفضاء المظلم.. بشكل بديع وعجيب وغير منقطع.. إنّه عجيب حقاً، لاسيما بكل ذلك التنوّع من حيث الشكل والصورة والجنس وأنواع القابليات المتفاوتة والصفات والغرائز المختلفة: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ .
أن يكون الله هو الإله المعبود لا غيره، لأنّ ما يصدر عن إرادة وفعل ذاته المقدّسة غير جدير بأن يُعبد، وعليه؛ لماذا صارت بعض المخلوقات؛ مثل النبي عيسى المسيح عليه السلام محط عبادة بعض الناس، وكأنّ في هذا التعبير إشارة إلى شأن النزول الذي ذكر في أوّل السورة، حيث النصارى يقرّون بأنّه عليه السلام قد ترعرع في رحم أمه السيدة مريم عليها السلام، وعليه فهو مخلوق وليس خالقاً، فكيف يمكن أن يكون معبوداً؟
بالنظر إلى التطور العلمي الحاصل في طب الأجنّة، فلو تم تصوير مراحل حياة الجنين في الرحم، وعرض هذه الصور أمام عين الإنسان بالترتيب لتجسّدت له عظمة الخلقة والقدرة الربّانيّة ولتعرّف على آفاق أخرى جديدة بهذا الصدد.. لأنّ الجنين في البداية يتكوّن من خليّة واحدة لا شكل ولا أعضاء ولا جهاز خاصاً يرى فيها.. وبسرعة عجيبة يبدأ هذا الموجود بالتشكّل المتوالي في مخبأ الرحم.. وكأنّ أيادي ماهرة فنّانة هي التي تصوّره وترسم ملامحه ليلاً
ونهاراً.. وهذه الذرّة الصغيرة . بل المتناهية في الصغر. تتكوّن إنساناً في أقصر مدة، هذا بغض النظر عما سيكون في جوف هذا الإنسان من أجهزة دقيقة ومعقدة ومحيّرة..
وشيئاً فشيئاً وبفعل التغذية والتكامل وانطلاق الخلايا إلى الجهة الخارجية وتفريغ ال-(مرولا) وهي المسماة في علم الطبّ ب- (بلاستولا) لا يتأخر الأمر حتى تجد الخلايا موضعها، وبالنتيجة يقسم الجنين إلى ناحيتي الصدر والبطن. والعجيب هو أنّ الخلايا متشابهة حتى هذه المرحلة حيث لا اختلاف فيما بينها في ظاهر الأمر، ولكن بعد ذلك تبدأ مرحلة تصوّر الجنين ويبدأ تشكّل الأجزاء المتناسبة مع ما يتوقع أو ينتظر لها من أدوار مستقبلية. وهنالك تظهر الأنسجة والأجهزة المختلفة وتتكفّل كل مجموعة من الخلايا بصناعة أحد الأجهزة، مثل جهاز الأعصاب وحركة الدم والجهاز الهضمي وغير ذلك، وبالنتيجة يتصوّر الجنين بعد مراحل جرت في مخبأ الرحم بصورة إنسان متعادل الكيان..
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
نقل في كتاب (معاني (الأخبار) عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أن جماعة من اليهود يتقدمهم حيي بن أخطب وأخوه جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد حملوا معهم أوراقاً فيها شيء من علم الحروف وقالوا له: طبقاً لحساب الحروف الأبجدية؛ فإنّ حرف الألف يساوي الرقم واحد واللام يساوي ثلاثين والميم يساوي أربعين (الم) وعليه؛ فإنّك تكون قد أخبرت بأن مدة بقاء أمتك لن تكون أكثر من إحدى وسبعين سنة (!) ودفعاً لهذا الاستنتاج الباطل قال لهم النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله معترضاً: لم اكتفيتم بحساب الم والقرآن فيه حروف مقطعة أخرى مثل المص والر وغيرها، ولو كانت هذه الحروف إشارة إلى مدة بقاء أمتي، فلمَ لا تحسبوا جميع الحروف ( علماً أن مفهوم هذه الحروف أمر آخر) فنزلت هذه الآية الشريفة (1).
1) راجع: معاني الأخبار، ص 23 و 24
وجاء في تفسير (في ظلال القرآن)(1)
[المترجم]
شأن نزول آخر لهذه الآية، وهو ينسجم من حيث النتنيجة مع الشأن المتقدم، إذ روى فيه أن نصارى نجران قالوا للرسول صلى الله عليه و آله أ لست تقول عن المسيح : إنه كلمة الله و روحه ؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيتمعتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - و أنه ليس من البشر، إنما هو روح الله - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة، و تنفي عنه الشريك و الولد في كل صورة من الصور .. فنزلت فيهم هذه الآية تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة، وترك النصوص التجريدية القاطعة(2).
ذهب الراغب في (مفرداته) في تعريف كلمة (المحكم) إلى أنها تعني المنع (3)، وإلى أنّ العلم والمعرفة يقال لهما حكمة، لأنّهما يعوقان الإنسان ويمنعانه من الجهل والسوء.. كذلك تطلق هذه الكلمة على ما هو ثابت مستقر مستقيم، لأنّ ما يتصف بذلك يمنع من الانحراف والمحكم أيضاً هو القول الثابت الواضح القاطع لكلّ احتمال للخلاف عن نفسه.
تقسم آيات القرآن . في إحدى أشكال تقسيماتها . إلى مجموعتين: مجموعة من الآيات واضحة جليّة، فلا يمكن مواجهتها بالإنكار وسوء الفهم والتفسير أبداً، وهذه تسمى بالآيات
1) لمؤلّفه سيّد قطب المصري.. وهذا التفسير يعد أخطر ما كتب ضدّ عقيدة أهل البيت عليهم السلام لاسيما وأنه قد تناول الآيات القرآنية بما يدعى التفسير الحركي إذ كان محوره (كلمة حق يراد بها باطل) حيث اعتمد فكرة الحاكميّة لله وجاهلية الناس ثم تكفير جميع الناس والحكم بجواز، بل بوجوب قتلهم وانتهاك حرماتهم، وبالتالي؛ فإنّ مؤلّف هذا الكتاب قد أسس وشرع للإرهاب المعاصر. وما هذه الحركات الإرهابية التي تأسست منذ منتصف القرن الماضي إلّا تشعبات عن فكر ومنهج هذا الكتاب ومؤلّفه.
2) في ظلال القرآن، ج1، ص 369
3) مفردات ألفاظ القرآن، ص 248
المحكمات.. ومجموعة أخرى هي الآيات المتشابهات، وقد سمّيت بذلك لحاجتها إلى عمق التفكير وتفصيل القول باعتبارها تتناول مواضيع متشعبة؛ مثل الحديث عن العوالم البعيدة عن متناول الإنسان وعالم الغيب وعالم البعث والقيامة.. ونصوص هذه الآية توحي بتضمّنها أسراراً لا يمكن كشفها إلّا من قبل الجديرين بفك الرموز القرآنية والذين قد خوطبوا بالقرآن وهم ليسوا سوى النبي الأكرم وآل بيته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.
المقصود من الآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة الجلية التي لا تقبل النفي والنقض، مثل قوله تعالى قل هو الله أحد ) وقوله سبحانه: ليس كمثله شيءوقوله تعالى: الله خالق كل شيء والآية الشريفة: للذكر مثل حظ الأنثيين وآلاف الآيات التي تتناول العقيدة والمواعظ والأحكام والتواريخ.. فهي آيات محكمات..
الآيات (المحكمات) في القرآن تسمّى (أمّ الكتاب) باعتبارها مفسّرة ومرجعاً وتوضيحاً لآيات القرآن الأخرى، ذلك لأنّ مصطلح (أمّ ) تعني الأصل والأساس لكلّ شيء، وأمّ الأولاد قيل لها أُمّاً لأنها أصل الأسرة وراعية أولادها، وعلى هذا؛ فإنّ الآيات المحكمات هي العناوين العريضة وأصل الآيات الأخرى.
مفردة (المتشابه والمتشابهات) لغةً تعني الأقسام والتفاصيل المتشابهة المحتاجة إلى فصل وتوضيح ، ومن هنا؛ قيل للعبارات والكلمات ذات المعاني المعقدة والمبهمة والتي تتضمن أوجهاً شتى واحتمالات مختلفة: متشابهة، والمقصود القرآني من هذا العنوان هو أنّ الآيات التي تبدو للوهلة الأولى معقدة وتوضع لها احتمالات عدّة بادئ بدء؛ لابد من عرضها على الآيات المحكمة لتوضيحها وفهم مقاصدها الحقيقية..
لا ينفك المغرضين من الأفراد عن رفع عقائدهم بالآيات المتشابهة، ومن البديهي أنّهم يعمدون إلى إساءة الاستفادة من الآيات التي يمكن أن تفسّر بعدة تفاسير للوهلة الأولى؛ لا سيما إذا لم تعرض على الآيات المحكمات.. وإن أردنا تمثيل ذلك وأخذنا جملة من الآيات
المتشابهة العائدة إلى بعض صفات الله تعالى وطبيعة ومشاهد يوم القيامة، وجدنا هذه الحقيقة ماثلة أمامنا، مثل قوله تعالى:
يد الله فوق أيديهم . و:والله سميع عليم.
و:ونضع الموازين القسط ليوم القيامة.
ومعلوم أنّ الله ليس بجسم لتكون له يد (بمعنى هذا العضو البدني المعروف) وليس له أذن وليس عنده . أي لم يجعل له ميزاناً كما هي موازيننا في الدنيا ليمحص أعمال الناس بها.. وإنّما ذلك كله إشارة وكناية إلى جملة من المفاهيم الكلّيّة الخاصة بالقدرة والعلم وأساليب التمحيص والاختبار..
هو وصف لبعض الآيات..
عريضة ليصحح مسيره ويعثر على طريقه الفرعيّ الذي يبتغي(1).
فلسفة المتشابه
للإجابة على ذلك؛ لابد من القول بأن الحكمة من وراء جعل قسم من الآيات متشابهات هي التالي:
الف: الألفاظ والعبارات الجارية في أحاديث الناس؛ إنّما وجدت لسدّ الحاجات اليومية، ولهذا، ما إن نخرج عن دائرة الحياة البشريّة المادّيّة المحدودة ، كأن يكون الحديث عن الخالق اللا محدود بأي حساب من الحسابات.. سنرى بوضوح أن ألفاظ الناس لا تصلح لأن تكون قوالب للمعاني المطلوبة، وسنضطرّ حينها إلى استعمال كلمات مختلفة من نواحي عديدة يكون لها مردودها المطلوب.. ثمّ إنّ عجز الألفاظ . عموماً . هو في الغالب سبب مباشر للمتشابهات في الحوار والتعبير.. فآيات كريمة مثل: يد الله فوق أيديهم * أو: الرحمن على العرش استوى* أو: إلى ربّها ناظرة وسيأتي تفسيرها في محله من هذا القبيل ،وكذلك التعبير بالقول: السميع البصير حيث تتجلّى مقاصدها عند إرجاعها إلى الآيات
1) ومعلوم أنّ مقصود السيّد المؤلّف من كلّ ذلك هو ضرورة العودة إلى المرجع الأول في إعادة المتشابهات إلى المحكمات، بل وفهم المحكمات أولاً، وهم أهل البيت عليهم السلام الذين هم عدل ،القرآن باعتبارهم الثقل الوحيد المخوّل لتفهيم الناس مقاصد القرآن كما نص النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله على ذلك في خطبة الغدير العظيمة وجرت بيعة المسلمين على ذلك، إذ قيّدهم جميعاً وإلى يوم القيامة بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الوحيد الذي يفهم الناس بعد الرسول قرآن الله العظيم.. وهذه النقطة هي الركن العظيم الذي يضمن للناس عدم الضلال عن إرادة الله تعالى إلّا أنّ منهج غير أتباع أهل البيت عليهم السلام هو الاكتفاء بالقرآن لدى تفسيره انطلاقاً من القول (حسبنا كتاب الله عصياناً لرسوله ودفعاً لأوصياء الرسول الحقيقيين عن مراتبهم التي رتبهم الله تعالى فيها. لعلم هؤلاء المسبق بأنّ المعصوم هو القادر وذي الصلاحية والجدارة والمسؤولية في تفسير كلام الله تعالى وإرجاع ألفاظه المقدّسة إلى معانيها الحقيقية. [المترجم]
المحكمات؛ كل حسب موضوعه..
ب: أنّ كثيراً من الحقائق المتعلّقة بالعالم الآخر، أو عالم ما وراء الطبيعة الذي هو غير قريب من أذهاننا، ونحن إزاءه غير قادرين على إدراك عمقه بحكم تقيّدنا بقيود الزمان والمكان.. هذا الجهل والعجز والتقيّد ومحدوديّة أفكارنا واتساع آفاق هذه المعاني، يمثل سبباً آخر لوجود التشابه في قسم كبير من الآيات القرآنية الشريفة، مثل الآيات التي تتناول موضوع القيامة وغيرها، وهذا الواقع يشبه من يريد إيضاح تفاصيل الحياة الدنيا لجنين يعيش في بطن أُمّه.. فإن هو تكلّم معه؛ أُجبر على الإيجاز لعجز الجنين عن الفهم إلى حد الإطلاق، ناهيك عن العجز عن السماع والاستعداد للفهم، وإن لم يتكلّم يكون قد قصر..
ج: سرّ آخر من أسرار وجود المتشابه في القرآن، استهداف طبيعة وقابلية التفكير لدى البشر وإيجاد نهضة فكرية لديهم ، وهذا بالذات ما يطرح بخصوص المسائل الفكرية المعقدة مثلاً لتقوية وشحذ الذهن لدى المفكرين وحتّهم على مزيد من الدقة والملاحظة..
د: المسألة الأخرى لدى ذكر المتشابه في القرآن . ولعلّها الأهم من كل ما تقدّم . كما ورد في ثقافة أهل البيت عليهم السلام أنّ مرد وجود الآيات المتشابهات إيضاح مدى الحاجة إلى النبي الأعظم وأوصيائه الراسخين في العلم وليكون ذلك سبباً في رجوع الناس والأجيال المتعاقبة إليهم تبعاً للحاجة العلمية والعقائدية والتشريعية، ولتكون قيادة الأوصياء للناس مشروعاً عملياً ولينتفعوا بهم في المجالات الكثيرة الأخرى.. وهذا الواقع يشبه واقع الكثير من الكتب المدرسية التي أوكل شرح أقسام كثيرة منها إلى شخص المعلم والمدرس، لمزيد من الفهم لتوطيد العلاقة العلمية والأخلاقية المفترضة بين هذا المدرّس والتلاميذ.. ثمّ تبعاً لهذه الحاجة يتسنّى للتلاميذ كسب مزيد من العلم والمعلومات من الأستاذ.. وهكذا يتجلّى أنّ القرآن المجيد مصداق عظيم للوصية النبوية المعروفة.. وهي التي تجسّد خلاصة المهمة النبوية وتمثل الصورة الكاملة للإسلام
حيث قال صلوات الله عليه وآله: «إنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض»(1).
ه-: مسألة اختبار الأشخاص وتحديد مثيري الفتن وتمييزهم عن الفتن.. تعدّ حكمة أخرى ودافعاً آخر جرت الإشارة إليه في هذه الآية.
في معنى التأويل
الف: أن يرى الإنسان مناماً غير محدد النتيجة، فيرجع إلى أحدهم، أو لعله يرى مشهداً يفسّر به ذلك المنام ، كما جرى للنبي يوسف عليه السلام منامه الشهير الذي تحقق بتفاصيله فيما بعد فقال فيما قال:هذا تأويل رؤياي من قبل.
ب: متى ما تحدّث الإنسان وقد كرّس في كلمات وعبارات حديثة أسراراً ومفاهيم خاصة تمثل هدفه الأساس من الحديث، فإنّه يقال لها: (تأويل) أو العودة بالشيء.
ج: أو أنّ كلّ عمل أو حديث لم يتحقق الهدف الأساس منه؛ يسمى تأويلاً، فمثلاً: إذا قام امرؤ شيء ثمّ بيّن هدفه الأصلي من فعله في النهاية.. كان فعله هذا تأويلاً، كما هي قصة النبي موسى والخضر عليهما السلام الواردة في سورة (الكهف) والأفعال التي صدرت في تلك السفرة (مثل خرق السفينة ومقتل الغلام الصغير) حيث لم يكن القصد منهما محدداً أو واضحاً ولذلك؛ انزعج موسى عليه السلام أيما انزعاج، ولكنه حين اتضح له أن المقصود من خرق الخضر عليه السلام للسفينة يتمثل في ألا تصادر من قبل أحد سلاطين الجور حيث قال له الخضر عليه السلام في نهاية المطاف: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً .
1) بصائر الدرجات، ج1، ص 413
المقصود من قوله تعالى:وابتغاء تأويله أنّ في القرآن المجيد آيات لها أسرار ومعان عميقة، غير أنّ أفراداً ذوي أفكار منحرفة وأغراض فاسدة يعمدون إلى تأويلها لخداع الآخرين:« وابتغاء تأويله على خلاف الحق» كأولئك اليهود الذي عمدوا إلى الحروف المقطعة في القرآن وفتروها على أنّها إشارة إلى قصر مدة بقاء الدين الإسلامي، أو كالنصارى الذين برّروا بهذه الحروف المقطعة لألوهية النبي عيسى عليه السلام، وكلّ هذا تأويل بخلاف الحق ورجوع بالآية إلى غير هدفها وغايتها الصحيحة..
وردت عبارةالراسخون في العلم في القرآن الكريم في موضعين: أحدهما في سورة (آل عمران) والثاني في سورة (النساء) في الآية الثانية والستين بعد المئة.
المقصود من عبارة الراسخون في العلمهم الثابتون ذوو العلم العميق والثابتون و في المعرفة.. ولا ريب أن مفهوم هذه الكلمة مفهوم واسع يشمل جميع العلماء والمفكرين، إلّا أنّ منهم أفراداً ممتازين لهم خصوصيّتهم وهم يمثلون مصاديق فذة لهذا المفهوم..
14 طبقاً للروايات الكثيرة الواردة في كتاب (أصول الكافي) وسائر كتب الحديث، وقد أوردها كتاب (تفسير نور الثقلين) و(تفسير البرهان) في ذيل تفسير هذه الآية الشريفة، أنّ الراسخين في العلم هم النبي وآل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين وهم يعلمون علم اليقين بما أنزل من قرآن وتأويله حيث علّمهم الله تعالى كلّ شيء وتأويل كلّ آية ومفاهيمها..(1)
1) راجع نور الثقلين، ج1، ص 312 إلى 318 والبرهان، ج1، ص 44 إلى 46
يدرون تأويل الآيات المتشابهات ولكنّهم يعربون عن تسليمهم وقولهم بأن الآيات كلّها من عند الله تعالى.. ولكل من القائلين بهذا الصدد شواهد لإثبات وجهة نظرهم.. إلا أن القرائن المتوفّرة في الآية والروايات المشهورة تكشف عن أنّ الراسخين في العلم مطلعون على المتشابهات وتأويلها الراسخون في العلم عطفاً على الله تعالى:
أولاً: من البعيد جداً أن تكون ثَمَّ آيات قرآنية لا يعلم أسرارها إلّا الله تعالى.. أو ليست الآيات القرآنية قد أُنزلت لتربية الناس وهدايتهم وتعليمهم، فكيف يمكن أن نتصوّر وجود آيات لا يعلم تأويلها حتى الرسول الذي أُنزلت عليه الآيات.. إنّ هذا يشبه شخصاً يكتب كتاباً لا يعلم مفاهيم ما ورد فيها إلا هو؟!
ثانياً: كما يقول المرحوم الطبرسي في( مجمع البيان): لم يُرَ بين العلماء ومفسري القرآن الكريم من يمتنع عن تفسير آية من الآيات ويقول: هذه آية من الآيات التي لا يعلم معناها إلّا الله تعالى.. بل نراهم على الدوام يحثون السير في تفسير الآيات ويبذلون أقصى الجهد في أداء مسؤولياتهم.(1)
ثالثاً: إن كان المقصود منالراسخون في العلم أنهم مسلمون فيما لا يعلمون، فإنّ من الأنسب القول إنّ الراسخين في العلم هم مسلمون ضمن إيمانهم، ذلك لأنّ الرسوخ في العلم يناسب تأويل الآيات؛ لا الجهل بها مع التسليم.
رابعاً: أنّ الروايات المستفيضة الواردة في تفسير هذه الآية تؤيّد أنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويل الآيات، وعليه؛ يجب أن تعطف على كلمة (الله).(2)
الذين يفقهون ضرورة جعل الآيات المتشابهات إلى جانب الآيات المحكمات ثمّ الكشف عن أسرارها.. ولهذا نقل عن مولانا الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه؛ هدي إلى صراط مستقيم»(1).
1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 290
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
حيث أنّ من الممكن أن ينتهي الإنسان إلى الانزلاق في فهم الآيات المتشابهة وأسرارها المستودعة فيها، فيخرج خائباً في اختبارها، إلّا أنّ الراسخين في العلم والعلماء الولائيين حقاً، وفضلاً عما أنعم الله تعالى عليهم بنعمة العلم الرباني في فهم معاني هذه الآيات تراهم يلجؤون إليه سبحانه وتعالى ويسألونه التفضّل عليهم بالاستقامة على ما أنعم عليهم من الهداية، كما يطلبون إليه الرحمة باعتباره واهب العطايارَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .
كثير هم العلماء الذين يهلكهم غرورهم العلمي وتؤدّي بهم وساوس الشيطان وهوى النفس إلى الانحراف.. وهنا لابد لهم من اللجوء وتسليم أنفسهم لله تعالى وطلب الهداية منه.. بل إنّه ورد في بعض الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد أسلم نفسه المقدّسة المعصومة إلى الله تباركت أسماؤه منذ البداية ..... ولطالما دعاه بالقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»(1).
ولما كان الإيمان بالمعاد واليقين بالبعث والحساب أكثر شيء تأثيراً في ضبط الميول النفسيّة، فإنّ الراسخين في العلم دائمي التذكر لذلك الواقع واليوم العظيم، فتراهم يقولون على الدوامرَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
1) أمالي المرتضى، ج 1، ص 318
وهكذا يحيدون بأنفسهم عن هوى الذات والعواطف النفسيّة غير المنضبطة التي توجب الانحراف.. وإنّ مثل هؤلاء العلماء لهم أن يفهموا آيات الله تعالى بالشكل الذي يريده الله تعالى ورسوله وآل رسوله المعصومين؛ فيأمنون السقوط في الانحراف والتفسير بالرأي..
.. لا ينبغي الغرور بالعلم ولابد من استدامة طلب الهداية من الله تعالى رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا .
إنّ محور الهداية والانحراف هو قلب الإنسان وطبيعة تفكيره ربنا لا تزغ قلوبنا .. 5. مع أنّ الهداية أمر بالغ الأهميّة، إلّا أنّ الاستقامة والبقاء على هذه الهداية هو الأمر الأهم بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا .
الهبة الدائمة المجرّدة عن المنّة ؛ قضيّة خاصة بالله تبارك وتعالىإِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
الآية السالفة إشارة إلى إيمانهم التام بالمبدأ، وهذه الآية الثانية إشارة إلى إيمانهم الراسخ بالمعاد.
حيث أن عقيدة المعاد والإيمان بيوم البعث والحساب أكثر شيء تأثيراً في ضبط الميول والوساوس النفسيّة، فإنّ الراسخين في العلم دائمو التذكّر له، ولطالما يقولون:رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
إذا ما أراد الناس أن يصانوا عن الهوى والميول النفسية الشديدة التي توجب الانحراف؛ فلهم أن يعوا آيات الله تعالى كما هي..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)
(وَقُودُ) بمعنى مادة الاحتراق وفي جهنم مادتان للاحتراق: الحجارة والبشر وقودها الناس والحجارة نعم؛ إنّ الصفات والخصال والأفكار والأعمال تغيّر هوية الإنسان؛ حتى تبلغ به إلى أن يتبدل ويصير وقوداً لنار جهنّم، بل ويكون وسيلة الاحتراق.
لا تغتروا بأموالكم وأولادكم، ولا تتعلّقوا بغير الله عزّوجلّ، لأنّ غير الله مدان ولا يثمر شيئاً مفيداًلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ.
3 . كفر الإنسان يخرجه عن مدار الإنسانية ويهبط به إلى حيث الأشياء المادّيّة أُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ .
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
الدأب هو في الأصل الاستمرار في السير والحركة، وهو كل فعل وعادة وأسلوب وطريقة ومنهج مستمر..
هذه الآية تبيّن نموذجاً واضحاً عن أقوام كانوا يتمتعون بالثروة وكثرة الأشخاص، كما هو حال آل فرعون ومن سبقهم ممن كان على شاكلتهم حيث اغتروا بأموالهم وقوتهم وكثرة عددهم؛ فكذبوا بآيات الله تعالى . معاجز وتعاليم وأنبياء وأوصياء . ولكن أسباب الغرور المذكورة وغيرها لم تمنع إصابتهم بعذاب الله الذي نزل في ساحتهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ... شَدِيدُ الْعِقَابِ .
صحيح أنّ الله سبحانه أرحم الراحمين ولكنّه في الوقت نفسه شديد العقاب حيث يريد تربية أو مجازاة عبيده.. وعليه، فلا يصحّ أن يغتر ابن آدم برحمة الله الواسعة.
يستفاد من كلمة (دأب ) بطلان اتخاذ الإنسان طريقة ومنهج آل فرعون ومن هم على شاكلتهم نموذجاً يحتذى به باعتباره منهجاً خاطئاً يعبر عن حالات العناد ومقاومة الحقيقة وتكذيب الآيات الإلهية.. ولهذا؛ ورد التهديد بشديد العقاب.. ذلك لأنّ ارتكاب الذنوب ما لم يبلغ حدّ العادة والسنّة والطريقة والمنهج؛ فإنّ التوبة والرجوع عنه أمر يسير؛ وعقوبته قد تكون عقوبة بسيطة، ولكن الجرأة على الذنب إذا ما تكرّست في وجود الإنسان وجوهره، تعسّر عليه العودة عنها، وكانت العقوبة عليها شديدة.. ولذلك؛ فإنّ أنجع سبيل للكافرين والمذنبين العاقين هو العودة والتوبة الصادقة قبل فوات الأوان...
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)»
بعد معركة بدر وانتصار المسلمين على الكافرين قال جماعة من اليهود: إنّ ذلك النبي الأمّي - المنسوب لأم القرى وهي مكّة المكرّمة . الذي قرأنا وصفه واسمه في توراتنا؛ والذي لا يهزم في حرب هو هذا النبي الذي رأيناه قد انتصر في بدر فيما قال آخرون منهم: لا تعجلوا واصبروا حتى يخوض محمد . صلى الله عليه وآله - معركة أخرى، وهنالك لكم أن تقضوا رأيكم فيه. وحينما وقعت معركة أحد، ولحقت الهزيمة . حسب الظاهر بالمسلمين . قال هؤلاء اليهود: إنه والله ليس النبي الذي بشرت به التوراة... فلم يسلموا وزادوا في عنادهم ضدّ الإسلام والمسلمين، بل ونقضوا مواثيقهم التي كانوا أبرموها مع رسول الله صلوات الله عليه وآله الخاصة بعدم الاعتداء أو مساعدة أعدائهم على بعضهم قبل انقضاء أجلها، وقد انطلق ستون فارساً منهم يتقدمهم كعب الأشراف إلى مكة للاتحاد مع المشركين في مواجهة المسلمين، وما أن عادوا إلى المدينة حتى نزلت هذه الآية وألقمتهم حجراً...(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 706
إضافة إلى مساعي المشركين في رفد نفوذهم ودعم اتحادهم... فإنّه يستفاد من هذه الآية الجليلة أنّها آية معجزة في إخبارها الغيبي المتحدّي لمساعي ومؤامرات الكافرين من أهل الكتاب ومشركي مكة بأنّهم لا محالة سيغلبون، لا سيما وأنها قد أخبرت بذلك والمسلمون قد أُصيبوا في مقتل من حيث الناحية المعنوية بعد أحد..
إنّ تحقق الوعد الإلهي (ستغلبون) بمعنى سرعان ما ستلحق بهم الهزيمة.. فما يخصّ يهود المدينة( بنو قريظة وبنو النضير) فقد تلاشى جمعهم في معركة خيبر، وفيما يتعلّق بمشركي مكة؛ فهي قد فتحت وهنالك هزموا شر هزيمة، هذا فضلاً عما حلّ بهم في معركة الخندق السابقة لهذين الحدثين والتالية لواقعة أحد..
لاينبغي للمؤمنين أن يضطربوا مما قد يتعرضون له من هزيمة إذ كل حرب يرد عليها احتمال الهزيمة والنصر، إلّا أنّ ما هو مؤكد هو مصير الكافرين المنتهي إلى جهنم ستغلبون وتحشرون إلى جهنّم .
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
هذه الآية نزلت عن معركة بدر ، وكما قال المفسرون في معركة بدر ، فإن عدد المسلمين كان (313) رجلاً، منهم (77) من المهاجرين و (236) من الأنصار، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل راية المهاجرين، فيما كان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار، وكان لدى المسلمين (70) بعيراً وجوادان وست دروع وثمانية سيوف.. هذا بينما كان عدد المشركين يفوق الألف مقاتل مسلّح، وكان لديهم (100) من الخيل. وقد استشهد من المسلمين (22) رجلاً، منهم (14) من المهاجرين و (8) من الأنصار، فيما قتل من المشركين (70) وأسر منهم (70) آخرون. وقد رجع المسلمون بنصر مؤزّر إلى المدينة، وهذه صورة مختصرة عن قصة معركة بدر الكبرى..(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 708 و 709
كثيري العدة والعدد والأموال إلا أنهم هزموا هزيمة نكراء صارت لهم درساً وعبرة فيما بعد...
3 . لو كانت القوّة المادّيّة وعدد الأشخاص والإمكانات الكبيرة هي وحدها التي تؤدّي إلى النجاح لكان المشركون قد انتفعوا منها بما يضمن لهم النصر في بدر.. غير أن النتيجة كانت على عكس ما كانوا يشتهون.. ثمّ إنّ الآية الشريفة عادت لتقول إنّ المشركين وبفعل ضعفهم الروحي وخوائهم النفسي وغرورهم الكاذب راحوا يرون عدد المؤمنين الذين لم يكن عددهم يزيد على ثلث عدد الكافرين ضعفي عددهم يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ .
4 . أحد أسباب هزيمة المشركين في بدر وطبقاً لشهادة القرآن المجيد أنّ القدرة الإلهية للمؤمنين وهم ال- (313) رجلاً كانت في أعين الكفّار لأكثر من (600) رجل ليضاعف رعبهم وهلعهم يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ .
5 . لو جرى التأمل في هذا المدد الإلهيّ، وكيف صار المشركون يرون كلّ واحد من المسلمين خلال معركة بدر ،رجلين لوجب القول بأنّ من الطبيعي لدى بدء المعركة وحين تلقي الكفّار كل تلكم الضربات الماحقة من قبل المؤمنين . وفي مقدمتهم أمير المؤمنين عليه السلام . أن الرعب استولى عليهم فظنّوا بأنّ قوات مؤمنة أخرى التحقت بجيش المسلمين وأنّ هؤلاء بدؤوا يخوضون المعركة بضعفين لقوتهم الأولى، في حين أنّ المشهد الأوّل للمعركة كان على العكس من ذلك، إذ كان الكفار يرون المسلمين أقل من عددهم القليل أصلاً..
هؤلاء الحرب بغرور وغفلة، ثمّ بعد بدء القتال أراهم الله المسلمين ضعفين ليزيد من رعبهم واضطرابهم ويستولي عليهم الشعور المسبق بالهزيمة.. فيما قلّل الله عدد المشركين في عيون المسلمين ليضاعف قوتهم وشعورهم المعنوي.. وهذا هو الذي أشارت إليه الآية (44) من سورة الأنفال: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي : يا أيها المؤمنون لا تخافوا ولا تحزنوا وخوضوا الحرب بكل ثقة.. فيما المشركون سرحوا في تصوّراتهم يملؤهم الغرور واستصغار شأن المسلمين.. وهكذا لقي كلّ من الفريقين ثمرة تصوّراته..
8 . لا شكّ في أنّ إرادة الله تعالى في إمداد المؤمنين لم تكن عن غير حكمة وحساب . والعياذ بالله . ومن الطبيعي أن جيش المؤمنين كان بمسيس الحاجة إليها في ذلك الظرف العصيب.. ومن الطبيعي أيضاً أن يكون ثمّ أفراد بينهم جديرين بهذا المدد..
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 454 و 455 نقلا عن تفسير القرطبي
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
هذه الآية في حقيقتها - إكمال لما مرّ من بحث.. إذ الآيات السالفة تحدثت عن الذين يعتمدون أموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا واغتروا بهما وظنّوا أنّهم في غنى عن الله سبحانه.
مفردة (القناطير) جمع قنطار، وهو الشيء الرصين المحكم، وتقال كذلك للمال الكثير.. وإن شاهدنا جسراً أو شخصاً نبهاً يقال لهما قنطرة فلرصانة بناء الجسر أو متانة التفكير.. و (المقنطرة) اسم مفعول من هذه المادة بمعنى المضاعف والمكرر.. وذكر هاتين الكلمتين مترادفتين لأجل التأكيد..
وقد حدّد البعض مقداراً معيناً للقنطار وقالوا القنطار هو سبعون ألف دينار ذهب، وحده آخرون بمئة ألف وقال غيرهم هو اثنى عشر ألفاً.. ووصفه آخرون بكونه كيساً أو صرّة من المسكوكات الذهبية أو الفضّيّة.. ونقل أنّ القنطار هو مقدار من الذهب الذي يحويه جلد بقرة..(1)وهو في الحقيقة تعبير عن المال الكثير..
1) تفسير القمي، ج 2، ص 394
مفردة (المسومة) بمعنى المعلمة بعلامة، على سبيل الهيكل والمظهر الخارجي المميز، أو بسبيل تعليمها واستعدادها للامتطاء في سوح الحرب..
تمت الإشارة في هذه الآية إلى ستة أشياء من جملة ثروات وأمور الحياة المهمة، وهي عبارة عن؛ الزوجة والولد والمال النقدي وما يركب ممّا يستفاد منه في الثروة الحيوانية (الأنعام) و (الحرث) والزراعة.. وهي بمثابة أركان الحياة المادية للإنسان.
الحديث في هذه الآية عن الأشياء والأمور التي هي محط تعلق واهتمام الناس في الحياة، مثل النساء والأولاد والمال الوفير والذهب والفضّة ووسائل النقل المعاصرة أو الماضية مثل الخيل والدواب أو الأرض الزراعية.. كلّ ذلك مما يمتحن به الإنسان: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالْأَنعَامِ وَالحَرْثِ .
كثرة الأموال والممتلكات والنساء والبنين من جملة متاعنا الدنيوي (فلا يصح اعتبارها هدفاً ولابد من الإيمان بأنّ الحياة الطيبة الخالدة هي عنده تبارك وتعالىذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .
. لا شك في أنّ الإنسان في الحياة الدنيا يعجز عن مواصلة العيش من دون الوسائل الدنيويّة، بل إنّ طيّ الطريق المعنوي والسعادة أمر غير ممكن من دون هذه الأمور المذكورة، إلّا أنّ الاستفادة منها في خضم المسير شيء، والتعلّق الخارج عن الحد المعقول أو عبادتها واعتبارها الغاية شيء ومطلب آخر..
9 سؤال : من هو الذي يضفي الزينة على الأمور المادية عند الإنسان؟
الف: ذهب بعض المفسرين إلى أنّ الوساوس الشيطانية هي التي تزيّن تلكم الأمور الستة المذكورة وغيرها في عين الإنسان وقد استدلّ هؤلاء المفسرون على ما ذهبوا إليه بالآية (24) من
سورة (النمل) المباركة :وزيّن لهم الشيطان أعمالهم وأمثال هذه الآية.. ولكن لا يبدو هذا الاستدلال صحيحاً، ذلك لأنّ الحديث في هذه الآية عن الأعمال، فيما الآية مورد البحث لا تختص بذلك، وإنّما الحديث فيها عن الأموال والنساء والأولاد.
ب: ما يبدو صحيحاً من أنّ من زيّن هذه الأمور هو الله تعالى بطبيعة فعله وخالقيته لابن آدم، وهو سبحانه الذي كرّس حبّ الولد والمال والثروة في طبيعة الإنسان لتتم عملية الاختبار طي طريق التكامل كما ورد في الآية الكريمة: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي : لينتفعوا من هذه الزينة في مسار السعادة دون الفساد والدمار.
من المسائل المثيرة في هذه الآية أنّها ذكرت المرأة والزوجة باعتبارها الموضوع الأوّل ومصداق الزينة الدنيوية التي جعلت اختباراً للإنسان، وهذه الحقيقة هي التي يعبّر عنها علماء النفس المعاصرين بالقول بأنّ الغريزة الجنسية هي أقوى الغرائز الإنسانية، وهذا التأريخ البشري بمراحله يؤيد بأن كثيراً من الوقائع الاجتماعية والتاريخية ناشئة من هذه الغريزة...
لا ريب في أنّ هذه الآية أو غيرها من الآيات لا تعترض على العلاقة المعتدلة والموقف الرصين تجاه المرأة والأولاد والثروة، ذلك لأنّ الحركة نحو تحقيق الأهداف المعنوية السامية أمر غير ممكن من دون وسائل الحياة المادّيّة، هذا بالإضافة إلى أنّ قانون الشرع لا يتضادّ وقانون الخلقة، وإنّما الأمر المرفوض هو العلاقة غير المتوازنة، وبعبارة أخرى المرفوض والمحرّم هو عبادة وسائل ومظاهر الحياة المادّيّة..
قدمت المرأة من بين النعم المادية لعظيم دورها بالقياس إلى النعم الأخرى ولفادح خطرها في تكريس قناعات عبّاد الدنيا وآرائهم ودخولهم في عالم الجرائم المفجعة!!
ما المقصود من متاع الحياة الدنيا؟
المتاع هو ما ينتفع به الإنسان والحياة الدنيا هي المعيشة الواطئة المتدنية، وعليه؛ يكون معنى كلمة ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أن يتخذ من الأمور الستة المذكورة آنفاً هدفاً
نهائيّاً لحياته دون أن يعتبرها سلّماً لسموه إلى عالم الكمال، فهو إنما يرزح تحت وطأة الحياة الدنيا الدنيئة.
وفي الحقيقة؛ إنّ كلمةالْحَيَاةِ الدُّنْيَا إشارة إلى المسيرة التكاملية في الحياة.. وأنّ العيش في هذا العالم هو بداية مراحل تلك المسيرة ( في عالم الشهود والمادة)، ولذا؛ جرت الإشارة الإجماليّة في نهاية الآية إلى تلك الحياة السامية التي تنتظر الصالحين من البشر، حيث قال تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
المادّيّة، فإنّ هذه الآية الكريمة تشير ضمن عمليّة مقايسة - إلى المواهب الإلهيّة الفذة الخاصة
بعالم الآخرة بعد أن يطوي ابن آدم مراحله الصعودية وتكامله الإنسانيقُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ أي أفضل ممّا في متناول أيديكم في الحياة الدنيا؟
بدأت هذه الآية بجملةأَؤُنَبِّئُكُمْوهي جملة استفهامية يتوقع صدور الإجابة عليها من جهة الفطرة الحية والعقل والذكاء الإنساني ليكون نفوذها في المستمع والمتلقي أشدّ وأعمق..
جملة و َ أؤُنَبِّئُكُمْ مشتقة من مادة الإنباء، وهي تستعمل في الغالب لدى الأخبار المهمّة والجديرة بالالتفات..
تهدى النعم الأبدية في الجنان للذين اتقوا في الدنيا، ولهذه النعم صفات غير صفات النعم الدنيوية، وقد وردت الإشارة إلى نماذج من ميزات تلكم النعم دون نعم الدنيا:
الف: حدائق الجنّة وبساتينها متفاوتة مع حدائق الأرض وبساتينها حيث لا يقطع عنها الماء أبداً، وهي خلاف المواهب المادّيّة في عالمنا الدنيوي، وصفتها الخالدة الثابتة..
ب أزواج ذلك العالم مطهرات لا عيب فيهن أبداً كما هو المشهود في أزواج عالم الدنيا
الذي يستحيل تصوّر تجرّد نسائه عن العيوب البدنية والمعنوية..
ج: أرقى وأسمى النعم الأخروية على الإطلاق نعمة الرضوان الإلهي، وهي النعمة التي تفوق توقع المؤمنين بما لا يمكن مقارنتها بجميع نعم الجنّة..
6 .هنا ثم سؤال : هل أنّ في الجنّة لذات مادّيّة؟
مع أنّ البعض يذهب إلى أنّ اللذات المادّيّة منحصرة في عالم الدنيا، وأنّ الجنّة ليس فيها من هذه اللذائذ، وأنّ جميع عبائر القرآن الناطقة عن جنان الآخرة وأنواع الأطعمة والفواكه والمياه الجارية والأزواج المطهرة وغير ذلك؛ إنّما هي كنايات عن جملة مقامات ومواهب معنوية؛ وردت كما وردت في كتاب الله تعالى لإيضاح المعاني والغايات لعوام الناس.
ولكنّ الردّ على هذا المذهب الباطل يكون بالقول: حينما أقررنا بالمعاد الجسماني. طبقاً لصريح الآيات القرآنية الوفيرة . لا بدّ من الإيقان بوجود المواهب لأهل الجنة والعذاب لأهل النار بشكليه المادي والمعنوي (الجسماني والروحاني) بما يستحق كل فريق.. وقد وردت الإشارة في الآية إلى القسمين معاً.. بما يناسب المعاد الجسماني وما يناسب الروح ومصير الأرواح.
7 .بلا شكّ، إنّ المتأثرين بالمدارس الوضعيّة والالتقاطية والقائلين بمعنوية نعم ذلك العالم، قد أوّلوا ظواهر الآيات القرآنية ونسوا المعاد الجسماني وتداعياته نسيان منكر.
8 . لعلّ الهدف والمقصود من العبارة الأخيرة من الآية: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ إشارة إلى هذه الحقيقة القائلة بأنّه العالم البصير بجسم الإنسان وروحه وما سيحتاجان في عالم الآخرة، وأنه تبارك اسمه سيوفّر لابن آدم ما يحتاجه ركناه..
«الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)
تهتم هذه الآية بالحديث عن إحدى صفات العباد المتقين التي تمت الإشارة إليها في الآية السابقة حيث أحصت لهم ست صفات ممتازة مرموقة.
.1 أولئك المقبلون على ربّهم بقلوبهم وأرواحهم، فأضاء لهم قلوبهم، فراحوا يشعرون بالمسؤولية تجاه أعمالهم ويقولون:رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
حينما تهدأ أصوات عالم المادة وتغفو أعين الغافلين الجاهلين، هنالك تحيا القيم الأصيلة وتشرئب قلوب رجال الله فيسجدون في محضر عظمته ويطلبون إليه الغفران ويذوبون في أنوار جلال کبریائه فتهمس كل ذرّات وجودهم بالتوحيد والولاية..
كما يلملم الظلام أطرافه حين يطلع الفجر وينتشر الفيض الإلهي على وجه الوجود.. كذلك هم المؤمنون العاشقون يتممون همساتهم مع طلوع الصبح، فتزاح عن قلوبهم ستائر ظلمة الغفلة والذنب لتحلّ محلّها أنوار الرحمة والمغفرة والمعرفة الإلهية..
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
في هذه الآية جرى إيضاح خمس صفات عظيمة أخرى لعباد الله:
هؤلاء المميزون بالصبر والاستقامة والسير في طريق طاعة الله تعالى إذا ما وقعت المصاعب، وكذلك الصابرون عند الشدائد والمصائب الفردية والاجتماعية الصَّابِرِينَ.
هؤلاء الصادقون بالقول وبالفعل، والذين يعملون بما يؤمنون في بواطنهم وينأون بأنفسهم عن النفاق والكذب والتقلّب والخيانة :
وَالصَّادِقِينَ. 3. هؤلاء القانتون الخاشعون الثابتون على ذلك في مسار العبودية لله سبحانه: وَالْقَانِتِينَ.
والذين ينفقون في سبيل الله، ليس من أموالهم فحسب، بل من جميع مواهبهم المادية والمعنوية لمحتاجيها: وَالْمُنْفِقِينَ.
وهؤلاء المستغفرون بالأسحار وطالبو المغفرةوَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ .
نقرأ عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية أن من قال في ركعة الوتر (آخر ركعات صلاة الليل سبعين مرّة: «أستغفر الله ربّي وأتوب إليه» وواظب على ذلك سنةً، كتبه الله تعالى من وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ووجبت له الجنة والمغفرة من الله عز وجل.(1)
مفردة (سَحَر ) على وزن بَشَر تعني في الأصل الخفاء والغطاء، وحيث أخريات الليل بمثابة غطاء خاص على كلّ شيء، قيل لها وقت السحر. ومفردة (سَحَر) على وزن شعر من
1) من لا يحضره الفقيه، ج1، ص 489
هذه المادة، ذلك لأنّ الساهر يقوم بأعمال خافية أسرارها على غيره.. بل إنّ العرب تسمي المرأة أحياناً سَحَراً بداعي خفائها وراء جلدة الصدر..
حيث أنّ روح العبادة والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى إنّما تكون إذا قرنت بحضور القلب، فإنّ العبادة والاستغفار في تلكم الساعات الهادئة والشاعرية - أسمى من باقي ساعات اليوم، لا سيّما حين يعطل الإنسان أعماله ويتجرّد عن الاهتمامات والهموم المادية، وبعد أن استيقظ من نوم الليل وتهيّأ لمزيد التوجّه إلى ربّه المتعال.. وهذا المعنى يمكن أن يلمس بالتجربة بكلّ يسر.. ومعلوم أنّ الكثير من العلماء يعمدون إلى حلّ مشاكلهم ومعضلاتهم العلمية في هذه البرهة من الزمن، لأنّ مصباح الفكر وروح الإنسان يكونان أكثر استعداداً من أي برهة زمنية أخرى...
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
المقصود من شهادة الله على وحدانيته شهادة عمليّة فعليّة لاقولية كلامية، أي أنّه سبحانه بإبداعه عالم الخليقة حيث يحكم فيه حكومةواحدة والقوانين فيه قائمة بهيئة وطراز واحد وضمن نظام توحيدي ،واحد قد أكّد أنّ خالق الوجود ومعبوده ليس أكثر من واحد وأنّ كلّ شيء يستوحي ويستلهم من مصدر واحد، وعليه؛ فإنّ إيجاد هذا النظام الواحد شهادة الله على وحدانية ذاته.
شهادة الملائكة وأولي العلم على وحدانيّة الله . وطبقاً لهذه الآية الجليلة الفذة - شهادة قولية واعتراف منهم، ذلك أنّ كلّاً منهم قد أقرّ بكلّ وجوده وبلسانه بهذه الحقيقة.. ولا ريب أن شهادة الملائكة وأولي العلم لها بعد عملي، ذلك أنهم يعبدونه لا شريك له ولا يحنون رؤوسهم السواه..
يمكن أن يقال : ينبغي التفكيك بين شهادة الله لنفسه بالوحدانية بالهيئة العملية وبين شهادة الملائكة وأولي العلم الذين شهدوا وأقروا بالقول.. فنقول: إنّ التفكيك حاصل في أصل سياق الآية، حيث نسبت الشهادة إلى الله، وهو الخالق المتعال من جهة، وإلى المخلوق من جهة أخرى، وبالتالي؛ فإن فعل الله ينبغي أن ينظر إليه متفاوتاً عن فعل عبده.. وقد جرى هذا النوع من التفكيك في سياقات آيات غير
قليلة، مثل قوله تعالى: إنّ الله وملائكته يصلون على النبي(1)حيث الصلاة الإلهية شيء والصلاة الملائكيّة شيء آخر .. فالأولى . كما يفهم . تأكيد الرحمة والبركة من الله، فيما الثانية طلب ملائكي للرحمة والولاية لهذا النبي الأعظم وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
جملةقَائِمًا بِالْقِسْطِ في الاصطلاح الأدبي حال فاعل فعل (شهد) وهو الله تعالى، فيكون المقصود: إنّ الله شهد بوحدانيته في حال كونه قائماً بالقسط والعدل في عالم الوجود.. وحقيقة هذا النصّ المقدّس دليل على شهادته، ذلك لأنّ حقيقة العدالة؛ اختيار الطريق الوسط والمباشر؛ البعيد عن أي إفراط وتفريط وانحراف.. ونحن نعلم أنّ الطريق الوسط والمستقيم المباشر هو ليس أكثر من طريق واحد.. وذلك كما نقرأ في الآية (153) من سورة الأنعام المباركة :وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.
عرّف طريق الله تعالى في هذه الآية طريقاً واحداً، فيما الانحراف عن وحدانية الله يتشعب في طرق شتى، لأن الصراط المستقيم وصف مفرداً بينما طرق الانحراف وصفت جمعاً.. ونتيجة ذلك؛ أن العدالة مقرونة بالنظام الواحد، والنظام الواحد دليل وعلامة مبدأ الواحد، ممّا يعني أنّ العدالة بمعناها الواقعي في عالم الخلقة دليل على وحدانية خالق الخليقة..
في هذه الآية قرن (أولو العلم إلى الملائكة، وهذه ميزة لأولي العلم على من سواهم.. وكذلك يعلم من هذه الآية أن ميزة أولي العلم تأتت من حيث اطلاعهم . ضمن علمهم . وإقرارهم بوحدانية الله التي هي أعظم الحقائق..
واضح أنّ المقصود من( أولو العلم ) في هذه الآية هم العلماء.. وإن كان قد ورد في الروايات الخاصة بذيل هذه الآية أنّهم الأئمة الأطهار عليهم الصلاة،(2)وذلك باعتبارهم
المصداق الأوضح لهذا المعنى لكونهم الجهة الوحيدة المخولة في تفسير القرآن ولكونهم ترجمان وحي الله تعالى وأنّهم هم المكلّفون بتفهيم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.. وقد روى المرحوم الطبرسي في مجمع البيان في تفسير هذه الآية عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حيث قال: «ساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاماً».(1)
9 . حيث أن عبارة (لا إله إلّا هو) باعتبارها تعظيماً لله وإظهاراً لتوحيده، فقد تذيلت بصفتي العزة والحكمة، ذلك لأنّ القيام بالعدالة بحاجة إلى القدرة والحكمة، وأنّ الله تعالى هو الوحيد القادر على كلّ شيء والمطلع على كلّ شيء.. ولهذا؛ فهو الناشر للعدل في عالم الوجود.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
مفردة (الدين) في اللغة بمعنى الجزاء والأجر، وبمعنى الطاعة والاتباع والامتثال للأمر الوارد.. وفي الاصطلاح الديني هو مجموعة القواعد والقوانين والآداب التي يتمكّن . وهكذا ينبغي - الإنسان بها من الاقتراب إلى الله - بعد الإيمان بمن جاء بها نصاً وشرحاً . لينال سعادة ،الدارين، وليسير ضمن المسار الأخلاقي والتربوي الصحيح.
مفردة الإسلام تعني التسليم وعليه؛ فإنّ معنى عبارة : ( إنّ الدين عند الله الإسلام ) أنّ الدين الحقيقي عند الله هو التسليم لأوامره ونواهيه، وإلا فإنّ جميع الأديان الإلهية . من جهة . هي الإسلام.
مع أنّ الشرائع والرسل والأنبياء متفاوتون من حيث الكيف والمقدار والأشخاص، إلّا أنّهم . من حيث الحقائق . ليسوا إلّا مصاديق لذلك الأمر الواحد.. فالتفاوت في الشرائع إنّما هو من حيث الكمال والنقص ، وليس من حيث الذات أو التضاد، حيث لا تنافي ذاتياً وأساسياً بين الشرائع والأنبياء.. وإنّما المعنى الجامع لها ولهم هو التسليم لله تعالى والطاعة المطلقة له سبحانه وتعالى، ولكنّ هذه الطاعة تحكمها العصور المتفاوتة والألسن والظروف المختلفة..
6 . طالما رافقت الدلائل الواضحة ومعاجز الأنبياء الأديان السماوية، فلم تبق للباحثين عن الحقائق قضايا مبهمة.. مثال ذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؛ وفضلاً عن المعاجز الجليّة والدلائل الواضحة لرسالته، مثل القرآن المجيد، وأوصافه في الكتب السماوية السابقة، وهي وفيرة غير خفيّة إلا على اليهود والنصارى الذين لم يقبلوه، لا لأنهم يجهلونه، أي أنّ الاختلافات الدينية لم تكن بسبب جهل أهل الكتاب بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله.. وإنّما هو الرغبة في الظلم والإصرار على الانحراف عن الحق وتحكيم الآراء الشخصية.. وإلّا فإنّ الناس . وفي مقدّمتهم طبقة العلماء . لو أنهم عافوا الأحقاد وضيق النظرة والمصالح الشخصية وعرفوا مساحات حدودهم، فنظروا نظرة واقعية وحققوا في أحكام الله تعالى؛ لا تضح لهم طريق الهدى ولحُلّت الاختلافات بسرعة بالغة: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. 7. لا ريب في أنّ صول الأديان السماوية واحدة، مع أنه سبحانه وتعالى قد أنزل على الناس . ضمن تعاقب الأجيال وتكامل المجتمعات . أكمل رسالة وأرسل لهم أفضل رسول وخاتم الأنبياء بعد أن جعل رسالته خاتمة الرسالات.
وقد أوضح أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته القصيرة هذه الحقيقة لدى وصفه الإسلام فقال:
«لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل»(1):
فالإسلام هو التسليم للحق.
والتسليم لا يكون بلا يقين (لأن التسليم المجرّد عن اليقين تسليم أعمى غير واع).
واليقين هو تصديق أي أنّ العلم غير كاف ، بل لابد من اقترانه بتصديق قلبي).
والتصديق هو الإقرار( أي أنّ الإيمان لا يكفي أن يكون في مساحة القلب والروح، وإنّما المطلوب أو المفروض أن يقترن إلى الشهامة والإظهار والجهر أيضاً).
والإقرار هو أداء المسؤوليّة (أي أنّ الإقرار ليس مجرّد ما يجري على اللسان، بل هو عهد صادق بتقبل المسؤولية).
أداء المسؤولية هو العمل (العمل بأمر الله تعالى وتنفيذ المشروع الإلهي) لأنّ العهد والمسؤولية لا يمكن أن يكونا شيئاً سوى العمل والتنفيذ.
1) نهج البلاغة، ص 491
المقصود من آيات الله هنا جميع الآيات الإلهية والبراهين والكتب السماوية، بل ولعلّها تسري إلى الآيات التكوينية في عالم الوجود.. أما ما ذهب إليه بعض المفسرين من حصرها بالتوراة والإنجيل وأمثالهما؛ فهو مذهب ينقصه الدليل ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب .
حقيقة هذه الآية ردّ قاطع على القائلين بأنّ الدين هو السبب الكبير في الاختلافات الحاصلة بین الناس وأن الدين علّة إراقة الدماء عبر التاريخ.. لأنّ هؤلا المدعين خلطوا بين الدين وبين الأفكار المنحرفة والتطرّف الباطل الذي صوّره الانتفاعيون المصلحيون والجهال بالدين، ذلك لأننا إذا حققنا في التعاليم الدينية الصحيحة وجدناها كلّها تهدف شيئاً واحداً، وعرفنا أنها تريد للبشرية سعادة الدارين مع أنها قد تكاملت منعاً لحاجات الإنسان وتكامله.. ولنقل إنّ الأديان السماوية كما هي قطرات المطر النازلة من السماء، فترى طعمها متفاوتاً بتفاوت الأرض التي تسقط عليها.. فكان التفاوت في الأديان عائداً إلى تفاوت المجتمعات كما تتفاوت قطرات المطر بتفاوت البقاع الساقطة عليها....
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
من الطبيعي أن يبادر الناس إلى الدفاع عن آرائهم ومعتقداتهم، وأن يظنوا الحق إلى جانبهم، ولهذا؛ يعلم من هذه الآية بشكل ضمني لزوم الامتناع عن محاججة المعاندين الذين لا يسلّمون للمنطق الصحيح.
أنّ مسؤوليّة النبي إبلاغ رسالة الله حتى للمعاندين وتوعيتهم بالحق والدليل والبرهان. وما يبقى هو مدى اقتناع الناس أو عدم اقتناعهم.. إذ المطلوب من النبي أن يذكرهم ويجعل من نفسه قدوة حسنة لهم.
المبلّغ والداعي مأمور بأداء وظيفتهإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ.
القائد والمبلغ مسؤول عن أن ينظر إلى جاهل الناس ومثقفهم بعين واحدة قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ (1). 6. من هذه الآية يتضح أن الإنسان حر في اختيار طريقه، ولهذا لم يكن أُسلوب الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أسلوباً جبرياً، بل كان يجهد كلّ الجهد في إيضاح الحقائق للناس ثمّ إيكالهم إلى عقولهم ليختاروا المصير الذي يرتؤون..
كلمة (أميين) بمعنى الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، ولعل الهدف من إيراد هذه الكلمة هنا هم المشركون الذين يقابلهم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) حيث المشركون لا كتاب سماويّاً لديهم ليتعلموا منه القراءة على الأقل!
لا شكّ في أنّ الله تعالى قد أمر نبيّه في هذه الآية . وبلا جدال . أن يتوجه للناس بالسؤال عما إذا كانوا أسلموا كما هو قد سلّم الله تعالى، وأنّ المقصود بالتسليم ليس مجرد التسليم اللساني.. وإنّما هو التسليم الحقيقي والعملي للحق.. الذي إذا ما التزموه . مع أنّ الدعوة المحمّديّة دعوة كلّها حق ومنطق واستدلال واضح، فلاريب في أنهم سيؤمنون، فإن لم يؤمنوا، لم يسلّموا للحققُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ.
1) وهناك رأي آخر ينتهي إلى مخاطبة النبي صلوات الله عليه وآله اليهود والنصارى أهل الكتاب وأهل مكة المنتسبين إلى أم القرى الذين كانوا يلقبون ممن حولهم بالأمتين [المترجم].
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)
الف: الكفر بآيات الربّ العظيم.
ب: قتل الأنبياء عليهم السلام.
ج: قتل الذين يدافعون عن مناهج الأنبياء ويدعون الناس إلى التزام العدل والعدالة.
وكل واحد من هذه الذنوب يكفي في الاعتقاد بأنهم لم يسلّموا لأمر الحق وأنهم قد خنقوا صوت الحق ومن يمثل الحق: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
عدت الآية الآمرين بالعدل والداعين إلى الحق والمعروف في صف الأنبياء، فيما عدت الكفر بالله وقتل الأنبياء وقتل الداعين إلى الحق في مستوى واحد.. وهذا يعبّر عن منتهى اهتمام الإسلام بمسألة بسط العدالة في المجتمع البشري.
التعبير ب- (يكفرون ويقتلون) بصيغة المضارع دليل على الاستمرار وإشارة إلى أنّ الكفر
وقتل الأنبياء وقتل الآمرين بالعدل كأنه جزء ومقطع من سيرتهم ومنهج حياة هذا الفريق الضال وهم مستمرون في هذا الصدد، ولا ريب أنّ هذه السيرة أكثر شبهاً بسيرة اليهود التي لا تزال نلاحظها فيهم ضمن صور أخرى، ولكن هذا لا يمنع أن يكون للآية مفهوم عام..
ثم تتمة للآية والآية التالية، وردت الإشارة إلى ثلاثة أشكال من العقاب؛ وهي: العذاب الأليم
وحبط الأعمال وانعدام الناصر.
5- يعلم من قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أنّ الكفّار المعاصرين للنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله مشمولون بهذه الآية في الوقت الذي نعلم أنهم لم يقتلوا أحداً من الأنبياء، ولكن لما كان الرضا بأعمال فرد من الأفراد أو جماعة من الجماعات بمثابة المشاركة.. والآية عموماً
تدين رضا الكفّار واليهود على وجه الخصوص بأعمال وجرائم ومناهج أسلافهم، إذ يعد هذا الرضا مشاركة خطيرة لأعمالهم وللعقاب الذي سيناله الطرفان..
نقرأ في حديث عن أبي عبيدة الجراح أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أشدّ الناس عذاباً في يوم القيامة، فقال: مَن يقتل نبيّاً أو رجلاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. ثم تلا صلوات الله عليه وآله قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ثمّ أضاف قائلاً: يا أبا عبيدة! لقد قتل بنو إسرائل (43) نبياً في ساعة واحدة من صباح أحد الأيام.. فقام لهم (112) رجلاً من عبّاد بني إسرائيل وأمروا القاتلين بالمعروف ونهوهم عن المنكر.. فما كان من قاتلي الأنبياء إلّا أن قتلوهم في ذلك اليوم وهذا ما قاله الله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (1).
كما ورد في ذيل الآية (61) من سورة البقرة؛ فإنّ التاريخ اليهودي العجيب يشير إلى أنهم وبالإضافة إلى إنكارهم الآيات الإلهيّة كانوا يتبجحون بقتل الأنبياء ودعاة الحق ومن يقوم ويعارض جرائمهم العظيمة.. ولا ريب أنّ العقاب الثلاثي المذكور في هذه الآية والآية التي تليها
سيكون من نصيبهم وساءت مصيراً.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 720
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)
2 . كما تقدّم القول في ذيل الآية (61) من سورة البقرة؛ عن تاريخ اليهود المعقد والعجيب بأنهم كانوا يمتازون بكل الجرأة والجسارة في قتل الأنبياء والأوصياء ومنادي الحق، ناهيك عن إنكار الآيات الإلهيّة، ثمّ تراهم يعمدون إلى قتل وتصفية المجاهدين الذين يدافعون عن حرمة الأنبياء والأوصياء، ولا ريب في أنّ ذلك العقاب الثلاثي يسري إلى من يتابعهم ويرضى عن فعالهم مهما تقدّمت الدهور..
وعذابهم الدنيوي هو قتلهم وتشتتهم وزوال أموالهم ونهاية أرواحهم، وكذلك سيعذبون بأن الله تعالى سيلقي بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وقد ذكر الله ذلك كله في كتابه العزيز أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ .
الأولى: أنّ من قتل شخصاً لكونه أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، تحبط أعماله ولا يبقى له أجر عليها أبداً.
الثانية : أنّه لن ينال شفاعة في القيامة على الإطلاق..
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
روي في (مجمع البيان) عن ابن عبّاس أنّ رجلاً وامرأة يهوديين ارتكبا في عهد الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله جريرة الزنا، وكان كل منهما متزوّجاً.. وقد كان جزاؤهما في التوراة الرجم وحيث كانا من طبقة الأشراف؛ فقد امتنع اليهود عن تنفيذ الحكم عليهما.. فتقرّر أن يعرضا على حاكم المدينة الذي لم يكن غير رسول الله صلى الله عليه وآله؛ رجاء أن يجدا عنده حكماً آخر أخف درجة من الرجم.
وحينما عرضا على النبي الأكرم ، قال لهما بيني وبينكما التوراة التي تقرآنها، فجيء بعالم من علماء اليهود يدعى ابن صوريا، وكان يسكن منطقة فدك المحاذية للمدينة، فعرفه النبي وقال له: أنت ابن صوريا؟ فقال: نعم. فقال: أنت أعلم علماء اليهود؟ فقال: هكذا يقول اليهود.. فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقرأ من التوراة ما فيه حكم المتزوجين الزناة.. وكان ابن صوريا عارفاً بقصّة الرجل والمرأة.. فراح يقرأ من التوراة، وما أن بلغ النص الخاص برجم الزاني المحصن وضع كفّه على الموضع الخاص وتجاوزه ليقرأ ما بعده، ولكن عبد الله بن سلام - وكان قبل إسلامه يهوديّاً عالماً التفت إلى ما فعل ابن صوريا، فنهض قائماً وأزاح كف ابن صوريًا عمّا أخفته من صفحة التوراة وراح يقرأها وقال: تقول التوراة يلزم اليهود أن يرجموا الزناة المحصنين متى ما قام الدليل عليهم..
ثمّ إنّ النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أمر بتنفيذ حكم الرجم على الرجل والمرأة طبقاً دينهما. فغضب جماعة من اليهود ممن كانوا حاضرين في ذلك الاجتماع.. فنزلت
هذه الآية بحقهم..(1)
تبعاً للآيات السابقة حيث كان الحديث عن المحاججة والحوار وعناد بعض أهل الكتاب، يتضح في هذه الآية أنهم لا يسلّمون للمقترحات المنطقية المنصفة.. كما تشير الآية إلى دوافع هذا السلوك والموقف ونتائجه..
يفهم من قوله سبحانه:أوتوا نصيباً من الكتاب أنّ التوراة والإنجيل اللذين كانا في ذلك الوقت . في أيدي اليهود والنصارى ليسا هما الكتابين السماويين الأصليين، بل كانا مجرّد قسم منهما، ولعلّ الأقسام الأكبر منهما كانا قد حرّفا أو ضيّعا.. هذا مع أن المقصود من الذين أوتوا نصيباً من الكتاب هم أهل الكتاب، ولولا أن القرآن قد صرّح بذلك لما علم أنّ اليهود والنصارى لم يكونوا قد اطلعوا إلّا على جزء بسيط من كتابيهما، نظراً للتحريف والحذف الذي تعرّض له أصلهما من قبل..
1) مجمع البیان، ج 2، ص 722
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)
.1 دليل مخالفة وانحراف أهل الكتاب أنهم كانوا يؤمنون بكونهم العنصر الأرقى والأسمى (كما يذهبون الآن، وآراؤهم ومؤلفاتهم تشهد على ذلك وقد كانوا يدعون بأنّ ثَمّ علاقة وعهداً يربطهما بالله الخالق من دون سائر المخلوقات.. حتى قالوا بأنهم أبناء الله سبحانه عما يصفوننحن أبناء الله وأحباؤه ولهذا؛ كانوا يعدون لأنفسهم حصانة تصونهم عن العقاب الإلهي:ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ .
2.مَعْدُودَاتٍ بمعنى العدد الصغير القابل للعد والإحصاء والحصر، والكلمة تستعمل فيما هو قليل عادةً، إذ الأشياء الكثيرة غير قابلة للإحصاء أو يعسر عدّها..
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
لا ريب في حضور جميع الناس يوم القيامة، وأنّ كلا منهم سيحصد ما زرع في عالم الدنيا، بعد أن يسلّموا صحائف أعمالهم فلا يظلمون شيئاً، وهنالك يدركون أن لا ميزة لأحد على أحد؛ إذ يعمهم عدل الله تعالى.
عبارة ( ما كسب) توضّح بجلاء أنّ الثواب والعقاب في عالم الآخرة، وأنّ النجاة والشقاء هناك سيكونان منوطين بأعمال الإنسان الدنيوية، وليسا متعلّقين بالآمال والتصوّرات الباطلة.
ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤال، ذلك لأنّ خداع الوجدان أمر مسلّم في علم النفس المعاصر؛ حيث يعمد الذهن إلى استغفال الضمير فيبدّل وجه الحقيقة، لا سيما وأننا كثيراً ما وجدنا أشخاصاً ملوّثين بكبائر الذنوب، كالقتل والسرقة والإدمان.. وهم يعون قبح هذه الأفعال، إلا أنهم يلجؤون إليها لتحقيق استقرار وجداني كاذب، أو أنهم يعمدون إلى ممارستها تحت غطاء مبرّر هو المشاكل والظروف الاجتماعيّة الضاغطة.
حيث يذهبون إلى أنّ الفرد الموحد لن يبقى في النار سوى مدة محدودة ثمّ يصار به إلى النجاة.. ولكن ينبغي القول إنّ دين الإسلام يذهب إلى أنّ الفرد المسلم الملوّث بأنواع الذنوب الكبيرة والصغيرة سيبقى في النار بما يعلمه الله تعالى من أحقاب، إلّا أن بقاءه في الجحيم لن يكون أبدياً كما هو واقع ومصير الكفار.
«قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)»
ذكر الطبرسي في (مجمع البيان) شأنين لنزول هذه الآية.. وكلّ منهما ينتهيان إلى حقيقة واحدة.
حينما فتح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله مكة، أبلغ المسلمين بأن راية الإسلام سرعان ما سترفرف على أرض إيران والروم.. ولكن المنافقين الذين لم تستنر قلوبهم بنور الإيمان وروح الإسلام عدّوا الأمر مبالغة ومغالاة وقالوا بتعجب: إنّ محمداً لم يقنع بالمدينة ومكة وها هو يطمع في فتح بلاد الفرس والروم.. فنزلت هذه الآية..
حينما كان النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله منهمكاً مع المسلمين في حفر الخندق حول المدينة، وهم يسابقون الزمن لتجنب هجوم الأعداء.. صادفتهم صخرة بيضاء كبيرة عجزوا عن تحطيمها بمعاولهم.. فأخبر سليمان المحمدي رضوان الله تعالى عليه النبي صلّى الله عليه وآله بها، فنزل إلى الخندق وتناول معولاً من أيديهم وضرب الصخرة ضربة هائلة فقدحت منها ،شرارة، فكبّر لها رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة الفتح
والنصر، فكبّر المسلمون معه، ثمّ إنّ النبي صلوات الله عليه وآله ضرب الصخرة ضربة أخرى فانقدحت حت لها شرارة، فكبّر لها تكبيرة النصر وكبّر معه المسلمون، وهكذا حدث مرة ثالثة..
فقال سلمان: رأيت أمراً عجيباً منك اليوم يا رسول الله.. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: لقد رأيت في الشرارة الأولى قصور الحيرة والمدائن، وقد بشّرني أخي جبرئيل أنّ راية الإسلام سترفرف فوقها.. ثمّ رأيت في الشرارة الثانية قصور الروم، وأخبرني جبرئيل أنها ستخضع للمسلمين، ورأيت فى الشرارة الثالثة قصور صنعاء وأرض اليمن وبشرني جبرئيل بنصر المسلمين، فكبّرت حينها بتكبيرة النصر وبشرت المسلمين بما رأيت..
وهنالك اشرأبت أعناق المؤمنين الصادقين وشكروا الله تعالى.. أما المنافقون، فعبست وجوههم واعترضوا بانزعاج بالغ وقالوا: ما هذه الآمال الباطلة والوعود المستحيلة! فهؤلاء الذين يموتون بخوفهم ويضطرون إلى حماية أنفسهم بخندق سرعان ما يتجاوزه أهل مكة وحلفاؤهم القادمون، يتخيلون فتح أعظم البلدان.. وهنالك نزلت هذه الآية المباركة ردّاً على تخرّصات المنافقين.(1)
واضح أنّ المقصود والمراد من المشيئة والإرادة الإلهية في هذه الآية الكريمة ليس أنّه سبحانه يعطي أو يسلب أحداً شيئاً بلا حساب وبلا حكمة.. بل إنّ الحكمة كلّ الحكمة تقف وراء غطائه كما هي وراء منعه وسلبه، إذ يراعى في ذلك نظام الخليقة ومصلحتها.. وتارة يكون إيتاء الملك لجدارة ما، وربما تقام حكومة الظالمين تبعاً لواقع الأمم المرير..
كلمة ( الخير ) تعادل كلمة الأفضل - أفعل التفضيل . وتذكر لترجيح شيء على آخر، ولكنّها في كثير من الموارد تستعمل بمعنى الحسن (دون مفهوم صفة التفضيل) ويبدو أنّ الكلمة هنا استعملت في المعنى الثاني.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 726 و 727.
في جملة بيدك الخير يفهم أنّ العزّة والخير وكذلك الذل والعطاء والملك وسلب الملك.. كلّ ذلك خير في محلّه ويتمّ طبقاً للعدل.. ولا وجود للشر بين ذلك.. إذ الخير للأشرار أن يبقوا في السجن وقيد الاعتقال، فيما الحرّية خير للصالحين المؤمنين.. وعلينا أن نعلم بأن لا وجود للشرّ في عالم الوجود.. وأننا نحن الذين نغير الخير شرّاً.. وحيث نقول: بيدك الخير ولا نذكر الشر، فلأنّ ذاته المقدّسة لا يصدر عنها شرّ..
قوله تعالى: إنك على كل شيء قديردليل على جميع ما ذكر في الآية، لأنه حين يكون قديراً على شيء، فإنّ العزّة والخير كلّ بيده .سبحانه وتعالى . أيضاً.)#### لا جبر ولا تفويض5. سؤال: إذا كانت الأمور كلّها بيد الله تعالى، فإنّ ذلك يقتضي أن من يبلغ سدة الحكم أو يسقط عنها إنّما كان بأمر الله سبحانه، ونتيجة ذلك: إمضاء حكومة الجبارين والظالمين ومصداقه أن يزيد لعنه الله كان يبرّر أفعاله وعظيم جرائمه بهذه الآية..للإجابة على هذا الإشكال ينبغي أن يقال: أولاً: بالإيضاح المتوفّر في هذه الآية يعلم أنها إما أن تكون خاصة بالحكومات العادلة، أو خاصة بحكومة الرسالة المحمدية والقضاء على حكومة جبّاري قريش..ثانياً: الحق هو أنّ لهذه الآية مفهوماً كلّيّاً وعاماً ينتهي إلى القول بأنّ جميع الحكومات الخيّرة والشريرة بيد الإرادة الإلهيّة، ولكنّ ذلك منوط بأنه تعالى قد جعل سلسلة عوامل وأسباب للنصر والتقدّم في هذا العالم وأن توظيف هذه الأسباب والعوامل هو تبع المشيئة الإلهية ولهذا كانت إرادة الله عبارة عن الآثار المتوفّرة في الأسباب والعوامل؛ وعليه؛ فإذا عمد أفراد طغاة. كفرعون وجنكيزخان ويزيد وأمثالهم . إلى الاستفادة من هذه الأسباب والعوامل واستسلمت لهم الأمم الخائفة والجبانة وتحملت وطأة جرمهم وظلمهم، فإنّما ذلك نتيجة أعمالها وقد قالوا كل أمة جديرة ولائقة بحكومتها.. أما إذا
كانت الأمم واعية وسلبت طغاتها تلكم الأسباب والعوامل وهيّأتها للصالحين، فتأتست حكومة عادلة.. فإنّ ذلك أيضاً عبارة عن نتيجة أعمال الأمة . وليس ذلك إلّا منوطاً بطبيعة استثمار العوامل والأسباب الإلهية.
### الآية 27#### اشارةتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)#### النقاط المستفادة من هذه الآيةالولوج لغةً هو الدخول، والآية تقول بأنه سبحانه يدخل الليل في النهار والنهار في الليل (وقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في ثمانية موارد قرآنية.)#### واقع علمي2. المقصود من جملة إدخال الله تعالى الليل في النهار والنهار في الليل هو التغيير التدريجي المحسوس في الليل والنهار طيلة أيام السنة، ويحدث هذا التغيير التدريجي بتأثير انحراف الأرض بالنسبة إلى مدارها بما يقرب من (23 درجة وتفاوت زاوية إشراق الشمس، ولذا نرى في البلدان الشمالية الواقعة فوق خط الاستواء؛ أنّ النهار في بداية فصل الشتاء يطول شيئاً فشيئاً، فيما اللّيل يقصر إلى مطلع فصل الصيف ثم يحدث العكس، حيث يطول الليل ويقصر النهار إلى مطلع فصل الشتاء.. أما في البلدان الواقعة إلى أسفل خط الاستواء يكون الأمر معكوساً تماماً، وعليه؛ فإنّ الله تعالى يدخل الليل في النهار والنهار في الليل بشكل مستمر، أي: يقصر أحدهما ويطيل الآخر..)وهنا يمكن أن يرد إشكال، وهو:أنّ في خط الاستواء وكذلك في النقطتين الأصليتين في قطب الشمال وقطب الجنوب؛ نرى الليل والنهار متساويين طيلة أيام السنة دون حدوث تغيير عليها.. ويكون الليل والنهار
متساويين دوماً في امتداد خط الاستواء، بمعنى أن الليل طيلة ستة أشهر بمقدار واحد وكذلك هو حال النهار، وعليه؛ لابد من القول بأنّ الآية لا تشمل عامة بقاع الأرض..للإجابة ينبغي أن يقال:إنّ خط الاستواء الحقيقي ليس سوى خط وهمي، والناس يعيشون في الواقع في الطرف الأعلى منه أو الأسفل.. وكذلك الأمر بالنسبة لنقطة القطب التي لا تشكل سوى بقعة صغيرة جداً، وحياة الناس في القطب إن تسنّى ذلك تكون في مكان أوسع من تلكم البقعة الحقيقية، وعليه؛ فإنّ الاختلاف في الطول والقصر في المكانين حاصل في مدى الليل ومدى النهار ..3. التدريج الحاصل في تغيّر الليل والنهار مهما كان معناه . له آثاره المفيدة في حياة الكائنات الحيّة في الكرة الأرضيّة، ذلك لأنّ نموّ النباتات والكثير من الأحياء رهين بإشراق الشمس وتدريجية حرارتها، بمعنى أن بداية الربيع حيث تتصاعد مستويات النور والحرارة بالتدريج تساعد على تكامل النباتات والأحياء الأخرى وتطوي بذلك مراحل تكاملها.. وبمرور الوقت ستحتاج إلى مزيد من الضوء والحرارة.. وهذا الأمر إنّما يتم بواسطة تغييرات الليل والنهار التدريجيّة حتّى تصل إلى غاية تكاملها.4. من ثمرات عدم تشابه واتحاد الليل والنهار أنّهما لو كانا على شاكلة وطبيعة واحدة لحدث الاختلال في نمو وتكامل الكثير من النباتات والحيوانات ، ولزال واقع الفصول الأربعة اللّازمة لحدوث الليل والنهار وكيفية إشراق ضوء الشمس ولحرم الإنسان من فوائد اختلاف الفصول...5. المقصود من قوله تعالى:﴿تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وأشباهه الواردة في عدة آيات قرآنية هو الإشارة إلى قانون التبادل الدائم بين الحياة والموت وهو القانون الأعمّ والأكثر تعقيداً والأكثر إثارة . في الوقت نفسه . الذي يحكمنا ويتسلّط علينا نحن
المخلوقين.. ومعنى هذا إخراج الحي من الميت وإيجاد الحياة في الموجودات غير الحية، ذلك لأننا نعلم أنّ ذلك اليوم الذي استقبلت فيه الأرض الحياة؛ أوجدت المخلوقات الموجودات الحيّة من مواد غير حيّة.. وفضلاً عن ذلك، ثُمّ في أبداننا وفي جميع الموجودات الحيّة مواد غير حيّة ضمن الخلايا تتبدّل إلى موجودات حيّة، وها هي الموجودات الميتة تَمْثُل أمام أنظارنا في موجودات حية دوماً..
هناك تفسير آخر لهذه الآية؛ ولعله لا يتنافى مع التفسير السالف التفسير السالف، وهو: مسألة الحياة والموت المعنويان.. بمعنى أنّ هناك من الأفراد المؤمنين؛ وهم الأحياء الحقيقيون قد يولدون . يخرجون من أفراد عديمي الإيمان؛ وهم الموتى الحقيقيون، وتارة يحدث العكس حيث يولد الكافر من مؤمن؛ فيكون الأوّل سبباً لخروج الثاني إلى الحياة.
كنّى القرآن المجيد. في آيات عديدة. الحياة والموت المعنويين بالإيمان والكفر.. وطبقاً لهذا التفسير؛ يعلن القرآن عن مسألة تهافت قانون الوراثة الذي عدّه بعض العلماء الطبيعيين من جملة القوانين الطبيعية القطعية.. ذلك لأنّ الإنسان بتمتعه بالحرّية والإرادة يختلف عن الموجودات غير الحيّة الكائنة في الطبيعة التي ترزح تحت وطأة الإجبار والانقياد إلى مختلف العوامل.. وهذا الأمر بحدّ ذاته يعد من جملة تجلّيّات القدرة الإلهية، حيث يزيح أو يغسل آثار الكفر عن أولاد الكافرين الذين يريدون أن يكونوا مؤمنين كما يزيح عن أولاد المؤمنين (الذين يريدون أن يكونوا كفّاراً حقاً) ويمنح الطرفين حرّيّة اختيار الدين والمعتقد بقابلية الاستقلال، فيتفوّقون بها على العوامل المساعدة وغير المساعدة فيما يتعلّق بالموروث.. كما
نقرأ في تفسير (مجمع البيان )عن الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السلام أن معنى آية: تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ..﴾ يخرج المؤمن من صلب الكافر والكافر من صلب المؤمن .(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 728
جملة بغير حساب إشارة إلى أنّ بحار المواهب الإلهيّة على قدر من السعة بحيث لا تتأثر بقلة ونقصان مهما أعطي منها، كما أنها أجلّ من أن تحصى بعد العطاء منها كما هو العطاء من أموال الناس التي تنقص بالعطاء.. ولكنّ الله تعالى لا تنقصه كثرة العطاء، باعتباره اللامتناهي في الغنى والكمال والجود..
سؤال:
من وجهة نظر قانون الخلقة وحكم العقل ودعوة الأنبياء أنّ كل فرد حرّ مختار في تحقيق السعادة والعزة والذلّة والسعي لكسب رزقه لنفسه، إذن كيف تنسب كل هذه الأمور . كما في هذه الآية . إلى الله تعالى؟
جواب هذا السؤال أنّ المصدر والمنبع الأصلي في عالم الخلقة وجميع المواهب والقابليات هو الله عزّ وجلّ، وهو الذي وضع القوانين وقعد القواعد في هذا العالم، ولو أنه جرى تجاهل قوانين العالم الإلهية كانت النتيجة ذلّة وخوار للمخلوق، ولهذا؛ أمكن نسبة ذلك كلُّه إلى الله تعالى، وهذه النسبة لا تتنافى وحرّيّة وإرادة البشر، لأنّ الإنسان هو الذي يحسن أو يسيء الاستفادة من هذه القوانين والمواهب والقدرات والقابليات.
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)
هذه الآية . في الواقع . بمثابة درس سياسي اجتماعي مهم للمسلمين، تحثّهم على أن لا يتخذوا الغرباء عن دينهم حلفاء ناصرين أولياء، وأنّ لا ينخدعوا بجمال خطابهم وما يظهرونه لهم من حبّ وود يبدو أنه خالص.. لا سيما وأنّ المسلمين طالما تعرّضوا للضربات الموجعة والخسائر الفادحة من هذه الجهة المريبة..
مفردة (الاستعمار) مشتقة من الاتجاه إلى الإعمار والعمران، ولهذا؛ يشير تاريخ الاستعمار أنّ المستعمرين يضفون على أنفسهم مظهر المحبّة والرغبة في إنقاذ (المستعمرين) من الفقر؛ فيطيلون الحديث عن الإعمار والإصلاح، ولكنهم سرعان ما تتكشف حقائقهم المخزية المجرمة؛ فيكيلون للمحرومين أقسى الضربات.
قوله تعالى مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى أنّ الحياة الاجتماعية لكل فرد بحاجة إلى رفاق وأصدقاء ،ومعينين، إلّا أنّ على المؤمنين أن يختاروا أولياءهم ومعينيهم من بين الأفراد المؤمنين، وبوجود هؤلاء تنتفي الحاجة إلى الكفّار القساة، وبتمييز الإيمان والكفر إشارة واضحة إلى الهوّة السحيقة التي تفصل . دائماً وأبداً. بين جبهتي الإيمان والكفر.
إنّ الذين يوادون أعداء الله تعالى ويتعاونون معهم؛ تضعف علاقتهم بربهم إلا أن يتوبوا عن مودّة أعداء الله أو أن يتقوا منهم تقاة حفظاً لكيانهم ومنعاً من أن تتلاشى إمكاناتهم إذا ما
جهروا بعدائهم ومواقفهم.. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً.
التقيّة عبارة عن التحفّظ من شر العدوّ في مقابل القيام بعمل ما ليس من صفته التطابق مع ميل عامله، إما حفظاً من أضرار الطرف المقابل أو من الشرّ المقابل لذلك العمل، ويقال لفاعل الفعل هذا متقياً..
ذكر فقهاء الشيعة للتقيّة . حسب الحكم أو الموضوع وباعتبارات مختلفة . أقساماً، مثل: التقيّة الواجبة والمستحبّة والمكروهة والمحرّمة والمباحة.. أو مثل.. تقيّة الخوف والمداراة والتقيّة الفردية والتقيّة السياسية.
التقية الفرديّة هي التي ينظر إليها بالمنظار الفردي، ذلك لأنّ الفعل أو ترك الفعل، أو القول وترك القول . الصمت . هو تقيّة وطبقاً لميل الطرف المقابل لا طبقاً لميل المتقي ولكنّه ينجز، والإنسان وفي حالات خاصة وظروف محدّدة يضطر إلى فعل ما هو مخالف لما يؤمن به.. وهذا القسم يسمّى قضيّة فرديّة، وهو ليس التقيّة السياسية، أما التقية في الأمور الاجتماعية والسياسيّة؛ يقال لها تقيّة سياسية ، ولعل (90٪) من روايات باب التقيّة وأهميتها تعود إلى موضوع التقية السياسية.
تارة يطرح السؤال أدناه:
ما هو الحكم الوضعي للتقيّة؟ ومعناه: هل أنّ العمل في حال التقية يعد صحيحاً أو باطلاً وفاسداً؟ وإن كان صحيحاً؛ فهل يتضمن جميع آثار الصحة (فيكون عملاً صحيحاً . مقبولاً. في واقعه ) ؟ أم أنّ الآثار التي تركت بسبب التقية وحالتها وظرفها ستتضمن الفعل دون باقي الآثار الأخرى؟
فإن اضطرّ أحدهم إلى الوضوء بوضوء العامة مثلاً، فهل يكون وضوؤه جائزاً وتكليفاً صحيحاً، أو أنه إذا توضأ بهذا الوضوء، فهل تصح صلاته أم لا؟ أو أن آثار زمن التقيّة المترتبة
عليه ستكون صحيحة ولا حاجة إلى إعادة الوضوء أو الصلاة . أداءً أو قضاء ؟ في هذه الحالة لن يتضمن العمل جميع آثار صحته؟
9 . لأنّ التقيّة فعل من أفعال المكلّف، ولأنّ كلّ فعل من أفعال المكلّف . على سبيل القهر . داخل في الأحكام التكليفية الخمس، يمكننا القول إنّ التقية على خمسة أقسام: التقية الواجبة والتقيّة الحرام والتقيّة المستحبّة والتقيّة المكروهة والتقية المباحة..
ألف: التقيّة الواجبة: هي التي تكون حين القيام بعمل علني عديم الفائدة، توجب تعريض حياة الإنسان للخطر ، مثل وضع شيعة أمير المؤمنين عليه السلام في فترة حكم معاوية وأغلب حكّام بني أمية وبني العباس.. وفي مثل ذلك الوضع؛ كان الأسلوب الصحيح والأقرب
للعقل عدم التفريط بطاقات الشيعة وإمكاناتهم وأفرادهم ومواصلة المواجهة والصراع غير المباشر لتحقيق الأهداف، أو غير العلنية.. كأداء الصلاة بالتكفير. التكتف . أو القيام بأعمال يعارضها الشيعة على سبيل الاضطرار.. فيكون الفعل المخالف للشيعة وفقههم واجباً، لأنّ «ما لا يمكن ولم يتحصل الواجب إلا به» واجب أيضاً.
ب: التقيّة المستحبّة: وفي تعريفها يمكن أن يقال أو يضرب لها مثل من المشاركة في صلاة جماعة المخالفين في المسجد الحرام.. فمن اشترك فيها . طبقاً للرواية الشريفة . كان كمن صلى خلف الأئمة عليهم السلام..(1)وهنا تتحقق تقيّة المداراة المرجحة، ولذا؛ فهي مستحبّة..
ج التقيّة المباحة: وهي التي يمكن العمل بها أو عدم العمل بها. مثل: ما أشير إليه في أقسام الروايات الواردة في باب أحكام تقيّة المداراة، حيث لا يجب مراعاتها، مثل: إمكانية الاشتراك في صلاة جماعة المسجد الحرام خلف إمام المخالفين مع إمكانية الصلاة في البيت.
1) جامع الأخبار، ص 95
د: التقيّة المكروهة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر: سرعان ما ستجبرون على سبّي، فإن كان ذلك فسبّوني، وسرعان ما ستؤمرون بالبراءة منّي وإنّى لعلى دين محمد!(1)وكأنه عليه السلام يريد القول بأنّهم لا شأن لهم بالإسلام، وإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله.. وفي هذه الحال؛ قال بعض الفقهاء: لا تنبغي البراءة وإنّه لا بد من مقاومة ذلك حتى بالنفس.. ولكن فقهاء آخرين ذهبوا إلى أنه حيث فصل بين السب والبراءة؛ فيعلم أنّ هذه التقيّة لا يحبّذها أمير المؤمنين عليه السلام، فلا تجوز البراءة منه مع أنّه لا يستفاد منها الحرمة.
ه-: التقية الحرام ورد في الروايات أنّ التقيّة سارية إلّا في الدماء، إذ تحرم لدى سفكها(2)، فلا يجوز للمسلم أن يختار العمل بالتقيّة ويلوّث يده بدم مسلم آخر ولو جرّ ذلك إلى مقتله هو.. كما ورد في روايات منعت التقيّة في المسح على الخفين(3)، فإذا اضطر المؤمن إلى المسح على خفّيه في وضوئه دون بشرة قدميه، لم يصح له المسح على الخفّين، إذ الصلاة أرقى مصاديق العبادة ...
فلا يجهروا بعقائدهم مع الحفاظ عليها قلباً وباطناً.
1) وهناك من التقيّة ما يمكن أن يمارسها المؤمن تجاه أخيه المؤمن تبعاً لمستواه الذهني، أو خوفاً عليه من أن يطلع عليه شيء لا تطيقه نفسه؛ فيفرّط فيها.. ولطالما اتقى أهل البيت عليهم السلام بعض شيعتهم وهم كثر في هذا المجال درا لإفشاء الإسرار وإزهاق النفوس أو مراعاة لعقولهم وغير ذلك [المترجم].
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
لاحتمال أن يعمد البعض إلى إساءة استخدام قاعدة التقية الواردة بعنوانها استثناءً لدى مواجهة أعداء الإسلام فيتّخذونها مبرراً لعقد أواصر المودة والولاية لهم.. فقد ورد التحذير الصارم هذا في هذه الآية التي تحدّثت وكشفت عن علم الله تعالى بكل خفايا الإنسان وإسراره، بل وبجميع ما في السماوات والأرض..
أنّ علم الله واطلاعه غير منحصر بأسرار ابن آدم، بل هو عزّ وجلّ عالم مطلع . كلّ العلم والاطلاع على ما تحويه السماوات والأرض.. بل هو القادر على كلّ شؤون خلقه وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
إنّ أصل الإيمان بعلم الله المطلق يمثل مادة إحياء الضمير الديني والمنع من ارتكاب الخطايا واحتمال تبرير ذلك .. يَعْلَمْهُ اللَّهُ .
ما الذي يمكن إخفاؤه على الله العالم بأسرار السماوات؟وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
«وإنه لابد لك ياقيش من قرين يدفن معك وهو حي؛ وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ، ثم لا يحشر إلّا معك ولا تحشر إلّا معه، ولا تُسأل إلّا عنه، فلا تجعله إلّا صالحاً؛ فإنّه إن صلح أنست به ، وإن فسد لا تستوحش إلا منه، وهو فعلك».(1)
3.مفردة (تجد) من مادّة وجدان المضادّة للفقدان والفناء وكلمتا (خير) و (سوء)
1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص3
الواردتان بصورة التنكير (بمعنى الدلالة على غير المعين) تفيدان العموم هنا، أي أنّ كلّ إنسان في يوم الحساب سيجد ما عمل مهما كان قليلاً. ماثلاً أمام عينيه، سواء كان خيراً أم شراً.
نفسه لا إلى الصحيفة التي دوّن فيها العمل أو طبيعة الحساب والعقاب، رغم أنّ جملة من المفسّرين أصروا على أنّ هذه الآية والآيات المشابهة لها تقصد من حضور العمل حضور الثواب أو العقاب، أو لنقل: صحيفة العمل التي أثبت فيها كلّ ما صدر عن الإنسان من خير وسوء، ولكنّ الواضح أنّ هذا الفهم من الآية لا يتناسب وظاهرها ومنطوقها.. بدليل أننا نقرأ في الآية مورد البحث أنّ المذنب سيتمنّى لو أنّ بينه وبين عمله فاصلاً كبيراً، ولا يتمنى فناء عمله، وهذا يثبت أنّ فناء العمل أمر مستحيل، ولهذا لا يطلبه ولو بأمنية.
6 . يفهم من بعض الآيات أنّ هذا العالم هو مزرعة لعالم آخر، وأنّ عمل الإنسان بمثابة البذرة التي ينثرها المزارع على الأرض أو يغرسها فيها، ثمّ إنّ هذه البذرة تبدأ بالنمو حتى تحصد وقد تكاثرت وكبرت.. وكذلك هي أعمال الإنسان في الدنيا تعود على الإنسان في الآخرة بعد أن سرى إليها التبديل والتغيير من حيث الشكل والتأثير، كما قال سبحانه في الآية (20) من سورة
1) سورة الزلزلة / 7 - 8.
الشورى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ.
8 . المذنبون والمحسنون، سيرى كلّ منهم أعماله في يوم القيامة حاضرة، مع فارق أنّ المحسنين سيسرون لدى رؤيتهم أعمالهم، فيما المذنبون سيجزعون لرؤية أعمالهم الطالحة أنهم سيتمنون لو أن بينهم وبينها أمداً وفاصلاً بعيداً جداً.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 732
لإحداث التعادل بين الخوف والرجاء الذي هو عامل تربوي مهم للإنسان، رغم أنّ هذا الاحتمال وارد في أن تكون كل من الجملتين تأكيداً للأخرى، وكأنّ المقالة هي قول أحدهم لآخر: احذرك من هذا الأمر، وما تحذيري إلّا للطفي ورأفتي بك..
ويفهم من بعض الآيات الأخرى أنّ الأعمال الصالحة التي تنجز في هذا العالم ستتجسّد في العالم الآخر بهيئة نور ووضوح، حتّى أنّ المنافقين ليطمعون أن يطالبوا المؤمنين ذوي النور بأن يعطوهم من نورهم ووضوحهم، ويقولون لهم:أنظرونا نقتبس من نوركم فيقال لهم:ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً. (1)
الف :مجموعة منهم يذهبون إلى أنّ جزاء الأعمال ثواباً أو عقاباً كما هو الجزاء في عالم الدنيا، بمعنى أنه كما وضع لهذا العالم قانون العقاب على السوء والثواب على الخير من قبل المقنّن، فإنّه سبحانه وتعالى قد عيّن عقاباً أو ثواباً خاصاً.. وهذه النظرية هي التي تسمّى بنظريّة الأجر والعقوبة المقرّرة..
ب: ونقرأ فيما يخص نعم الجنّة وعذاب النار.. أن هناك من يذهب إلى أنه كما في جميع العقوبات والأجور فإنّ تلكم المخلوقات هي صفات الإنسان الجيدة والرديئة؛ وليس شيئاً آخر، وما هي إلا مخلوقات النفس والروح الإنسانية التي تنتجها هذه الروح في ذلك العالم بلا اختيار.. بمعنى: أنّ الأعمال الصالحة والرديئة في هذا العالم توجد الملكات الصالحة والرذيلة، وهذه الملكات مادة الإنسان وجزء ذاته، وكلّ من هذه الملكات توجد ما يناسبها من صور العذاب والنعم ، فالأشخاص ذوو السريرة الطيبة في هذا العالم متعلّقون بسلسلة من
1) سورة الحديد / 13.
الأفكار والتصوّرات والآراء الطيبة، أما الطالحون؛ فإنّما هم منغمسون في يقظتهم ومنامهم بالأفكار الباطلة والتصوّرات الخاطئة، وهذه الملكات ستكون في يوم البعث هي الخلّاقة للنعم وللعذاب والألم والاستقرار..
ج: هناك مجموعة أخرى من علماء الإسلام العظام اختطت لرأيها مسلكاً آخر، وقد أدلوا بمجموعة كبيرة من الأدلّة الكثيرة المستقاة من الآيات الشريفة والروايات الكريمة، وجذوتها أنّ كلّ سلوك لنا خيراً كان أو رذيلاً؛ له صورة دنيوية نشاهدها، كما له صورة أخروية، وهي دفينة في الوقت الحاضر في أعماق ذلك السلوك، وستظهر في يوم الحساب بعد جملة من التغيّرات بعد أن تفقد شكلها الدنيوي وتبدو بشكلها الأخروي، وستؤدّي إلى اطمئنان صاحبها أو ألمه..
ومن بين الآراء المتقدّمة الذكر، هناك الرأي الثالث أكثر تناسباً وتطابقاً وظواهر العديد من الآيات القرآنية، وعلى هذا؛ فإنّ أعمال الإنسان ذات أشكال مختلفة من الطاقات . وطبقاً لقانون بقاء المادة والطاقة؛ فإنّها لا تفنى أبداً وهي باقية في هذا العالم، رغم أننا وبتحقيق بسيط نظن
زوالها ..(1)
أخرى [المترجم].
12 . بقاء الأعمال وأبديتها يسبّب . من جهة . أن يرى كلّ فرد من الناس أعماله في يوم القيامة
حين يحاسب على ما فعل في الدنيا واعتقد، ولا يبقى ثمّ مناص لإنكار شيء منها، ومن جهة أخرى ستتسبب له أن يعيش بينها في الآخرة، فيتألم أو يسعد، رغم أن آليات الإنسان ووسائله المتاحة غير قادرة على كشف الحوادث الماضية باستثناء ما هو متعلّق باللحظات القليلة الماضية، ولكنّ المسلّم في الأمر أنه لو صنع جهاز أكثر تطوراً وتكاملاً ولو حصل لنا الإدراك الأكمل، لاستطعنا الإحساس بكل ما وقع في الماضي ولأدركناه (ولا ريب في عدم المانع من
1) قد يفضّل القول بفنائها وانعدامها تماماً عند فناء كل شيء قبيل حلول الآخرة كما تصرّح الآيات القرآنية، ثمّ الله تعالى يعيدها تارة
أن يكون قسم من الثواب والعقاب له حالة من التوافق المسبق..).
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
ورد لهذه الآية شأنان في نزولها كما في تفسير (مجمع البيان) و (المنار):
أن جماعة ادعت حبّ الله تعالى في محضر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، في حين أنّ أفرادها قلّما كانوا يلتزمون بأوامره سبحانه ومناهيه فنزلت هذه الآية وردّت مدعاهم...(1)
أن جماعة من نصارى نجران جاؤوا رسول الله صلوات الله عليه وآله في المدينة وذكروا أنهم إن كانوا يقدسون المسيح عليه السلام فلأنّهم يقدسون الله تعالى في الأصل، فنزلت هذه الآية وما قبلها وردّت ادعاءهم...(2)
أنّ المحبّة ليست مجرد علاقة قلبيّة ضعيفة، وأنّه لا بد من اقترانها بعمل الإنسان، أو لنقل إنّ العمل يجب أن يكون انعكاساً لتلك المحبة.
أنّ من يدعي الحبّ والعلاقة بالله تعالى عليه . كخطوة أولى أن يتبع رسوله، فالمحبة الحقيقية لها آثارها العمليّة على سبيل الحتم، فيتّصل بمحبوبه ويسير ضمن إرادته ويواصل سعيه، والحق أن أول أمارات الحب الله اتباع نبيه ورسوله وحجته، وهذا. بطبيعة الحال . نتيجة وأثر طبيعي أن ينجذب المرء إلى محبوبه والمخلوق لخالقه.. ولعلّ من المحبّة ما تكون ضعيفة وبسيطة حتّى أنّ شعاعها لا يتعدّى حدود القلب ولكنّها يصعب أن تسمّى محبّة حقيقية مؤثرة..
حبّ الإنسان وتعلقه بشيء ما لا بد أن يكون بداعي قناعته بكمال ما فيه، ذلك لأنّ الإنسان لا يتعلّق بما لا يجد فيه نقطة كمال وقوّة، وعليه؛ فإنّ حبّ الإنسان وتعلقه بالله سبحانه وتعالى لإيمانه أنه مصدر ومنبع كلّ كمال، ولا ريب أن هكذا وجود يفيض بكل الكمال؛ منهجاً وتعاليماً، وفي هذه الحال؛ كيف يمكن للإنسان أن يتمرّد على إرادته وكماله وهو الذي يدعي أو لا يجد مناصاً من حبّه والتعلّق به، فإن تمرّد عليه؛ دلّ على عدم جديته في الحبّ وعدم مصداقيته في التعلّق ؟!
أنّ هذه الآية لا تعالج مدعى نصارى نجران ومدّعي الحبّ الله في العصر النبوي فحسب؛ بل هي عبارة عن أصل عام يتضمّنه المنطق الإسلامي وتخاطب الناس في جميع الأعصار والأمصار.. هؤلاء الذين لا ينفكون عن الحديث عن حبّ الربّ الجليل أو التعلّق بنبي الإسلام وأئمته الصالحين والمجاهدين في سبيل الله تعالى بينما هم أبعد ما يكون عن المشروع الإلهي في الأرض.. إذ هم ليسوا سوى كاذبين مفترين!..
أنّ الملوّثين من قمّة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم بالذنوب ويعدون أنفسهم مفعمين بحبّ الله ونبيه أو بأمير المؤمنين والأئمة العظام عليهم السلام، أو يؤمنون بالاكتفاء بالحبّ القلبي دون اقترانه بالعمل والاتباع هم في الحقيقة غرباء عن منطق الإسلام.. كما ورد في (معاني الأخبار) عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام القائل: «ما أحب الله من عصاه» وقد تلا عليه السلام الأبيات القائلة:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه*** هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعته*** إن المحب لمن يحب مطيع (1)
1) الأمالي الشيخ الصدوق، ص 489
للإجابة نقول: أولاً: يمكن أن تكون هذه الجملة إشارة إلى غفران جميع الذنوب السابقة، وثانياً: أن الشخص المحبّ لا يستمر في عصيان محبوبه، ولكن من الممكن أن ينزلق أحياناً في ارتكاب ذنب ما حين تغلب عليه الشهوة، إلّا أنّ الطاعة الغالبة تؤدّي إلى غفرانه..
كما روي في كتابي (الخصال ) و ( الكافي) عن مولانا الصادق ومولانا الباقر عليهما السلام «وهل الدين إلّا الحبّ» ثم تلا قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي(2)(3)
1) المحاسن، ج1، ص 263
2) الخصال، ج1، ص 21 والكافي، ج 8، ص 80
3) وهناك روايات أخرى تؤدّي إلى التوازن في المعتقد حيث أشارت إلى أنّ مجرّد الحبّ لأهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعداء الله تعالى لهما قيمتهما الخاصة وأن المحبّ لهم عليه السلام سيحاسب في يوم القيامة على ذنبه.. أما غير المحبّ أو المبغض لهم عليهم السلام سيحاسب حسابين عدم الحبّ لهم عليهم السلام مضافاً إلى ارتكاب الذنوب.. وبالتالي، فإنّ حبّ أئمة الدين - وإن لم يقترن بعمل له قيمته وحسنته الخاصة المميّزة، لأنّه يؤدّي في نهاية المطاف إلى النأي بالنفس عن الجبت والطاغوت، ويتوقع له
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ . 2. التمرّد على الأحكام الإلهية يشير إلى أنّ هؤلاء المدعين مفتقرون إلى الصدق والمصداقية في حبّه سبحانه وتعالى وعليه؛ ليس في المتوقع أن يحبّهم الله، لأنّ الحبّ لا يكون من جانب واحد.
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
2.( اصطفى )من مادة صفو (على وزن عفو) بمعنى تخليص الشيء، وصفوة بمعنى خلوص الشيء، والحجر الصافي لغة يوصف من حيث خلوصه من الشوائب، وعليه؛ فهذا الاصطفاء يعني انتخاب الجزء الخالص من الشيء .
يجب أن يقال لدى الإجابة: إنّ عمليّة الخلقة الخليطة والقائمة على النظام الصحيح لا توجب تفاوتاً ولا تمييزاً غير مبرر.. مثال ذلك: إنّ بدن الإنسان عبارة عن خلق منظم ولا بد من وجود أو إيجاد تفاوت ما بين أعضاء هذا البدن لضمان وجود النظام.. فلو كانت جميع خلايا جسم
الإنسان بنفس الدقة التي تمتاز بها خلايا شبكية العين أو كانت سائر الخلايا بذات القوة والصلابة التي تمتاز بها خلايا عظم الساق، أو كانت كلّ الخلايا تمتاز بما تمتاز به خلايا الدماغ من شعور واستشعار ، أو كانت كما هي خلايا القلب في الحركة، لعمت الفوضى في جميع خلايا بدن الإنسان، وإنّما كانت الحكمة وضرورة حفظ البدن سبباً في إيجاد التفاوت فيطبيعة ومميزات الخلايا.. فكان لا بد من تمييز خلايا الدماغ عن غيرها لتقود خلايا العضلات وسائر أعضاء البدن، كما كان لا بد من إيجاد خلايا مميزة بميزات أخرى خاصّة بالنظام لحفظ قوتها ومتانتها، فيكون التوجيه من خلايا الدماغ، وتكون الحركة والفاعلية في العضلات والعظام.. ولا يمكن لشخص أن يعترض قائلاً: لِمَ لم تكن جميع خلايا بدن الإنسان كما هي خلايا دماغه.. وكذلك لا ينبغي الاعتراض على عدم التشابه بين عامة خلايا النبات كما هي خلايا أوراق الزهرة وما تمتاز به من لون وجمال ودقة.. إذ التشابه والتماثل بين جميع خلايا النبات يؤدّي إلى تخريب هيكلية النبات وسوقه إلى الفناء بسرعة لا تتصوّر..
الخلقة.. وهذا يعني أنه كما يمتاز الأنبياء وأئمة البشر على غيرهم كذلك هم يتحمّلون المسؤولية بحجم ما أعطوا من ميزات فيما الآخرون الذين يتمتّعون بامتياز أدنى؛ تكون مسؤوليتهم أقل وأبسط ، ثمّ إنّ الامتياز الذاتي ليس لوحده كافياً في مقام القرب والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى؛ بل لابد من ميزات اكتسابيّة أيضاً(1).
لا شكّ أنّ هذه الآية ليست بصدد بيان وذكر جميع المصطفين الإلهيين، بل هي إشارة إلى مجموعة منهم، فإن كان البعض ممن هم ليسوا من هذه الذرّيّة ولم يذكروا في هذه الآية الشريفة، فذلك لا يعد دليلاً على عدم اصطفائهم ودخولهم في هذه القاعدة.. كما لا بد من الالتفات إلى أنّ آل إبراهيم ينضم إليهم موسى بن عمران عليهما السلام ونبينا الخاتم وآل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام؛ لأنّهم كلّهم من ذرية إبراهيم عليه السلام.
ورد في (المفردات) للراغب أنّ كلمة (آل ) مأخوذة من الأهل، والتفاوت الوحيد بين الكلمتين أن كلمة الآل غالباً ما تطلق على المقربين والأشراف، أما الأهل؛ فلها معنى أكثر شمولاً وسعة وأنها قد تطلق على كلّ شيء، وكذلك الآل تضاف إلى أفراد الإنسان، فيما الأهل تضاف الزمان والمكان وكلّ شيء، كما يقال أهل المدينة الفلانية، ولا يقال: آل المدينة الفلانية..(2)
من الواضح أن المقصود من المصطفين من آل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام ليسوا جميع أولاد إبراهيم وعمران عليهم السلام، ذلك لأنّ من بين ذرية إبراهيم أشخاصاً كافرين أيضاً.. فيكون المعنى هو اصطفاء بعض ذرّيّة إبراهيم وعمران عليهما السلام.
1) هذا باستثناء المعصومين الأربعة عشر، وهم النبي الأكرم وآل بيته الطاهرون سلام الله عليهم أجمعين، إذ كانوا في غنى عن اكتساب شيء جديد في عالم الدنيا، كما ورد في عديد الروايات والزيارات التي تؤكد هذا المعنى ومن أنهم قد امتحنهم الله الذي خلقهم قبل أن يخلقهم فوجدهم - أعدّهم - في كمال مطلق يغنيهم عن كلّ ما يمكن أن يسمّى اكتساباً دون سائر الخلق المميزين - الأنبياء - الذين لا يحظون بكمال ما إلّا ضمن إطار معرفتهم وقربهم من آل النبي الخاتم صلوات الله عليه وعليهم [المترجم].
2) مفردات ألفاظ القرآن، ص 98
عمران الوارد اسمه في الآية هو والد مريم علیهما السلام وليس والد موسى عليه السلام، لا سيّما وأنّه أينما ذكر عمران في القرآن كانت الإشارة إلى شأن مريم عليها السلام.
هناك روايات عديدة بلغتنا عن أهل البيت عليهم السلام وخاصة بهذه الآية؛ أكدت عصمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام(1)، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يختار من عباده من هم عصاة ملوّثون بالشرك والفسق، بل يختار المعصومين المنزهين منهم ( وهناك مراحل من العصمة يمكن أن تُستقى من الآية أيضاً).
1) راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص 193
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
أنّ هؤلاء المصطفين الإلهيين من حيث الدين والطهر والتقوى والجهاد . وقد اختيروا لهداية البشر . بعضهم مثل بعض . وهم كنسخ متعدّدة من كتاب واحد وقد اقتبس بعضها من بعض.
استدلّ بعض الكتاب المتأخرين بهذه الآية على نظرية تكامل الأنواع، فقالوا . فيما قالوا: إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ آدم عليه السلام لم يكن الإنسان الأول في الأرض، وإنما سبقه وصاحبه بشر كثيرون، وإنّ الله تعالى قد اصطفاه من بينهم وأخرج من نسله جيلاً مميزاً، وإنّ عبارة (على العالمين الواردة في الآية أعلاه شاهد على هذا المعنى.. وأضاف هؤلاء الكتاب قائلین: كان أناس كثر في عصر آدم، وعليه؛ فلا مانع أنّ الإنسان الأوّل كان قد خلق قبل ملايين السنين وقد تكامل من حيوانات أخرى. وما آدم إلا الإنسان الوحيد الذي جرى اصطفاؤه..
ولكن في مقابل هذا الرأي؛ يجب أن يقال: لا دليل متوفّر على أن المقصود من(العالمين) هنا هو وجود أجيال من البشر كانوا معاصرين لآدم عليه السلام، بل يمكن أن تكون الكلمة إشارة إلى مجموع المجتمعات الإنسانية على امتداد التاريخ، وعليه؛ يكون معنى الآية: أنه سبحانه قد اختار من بين الناس وعلى مر التاريخ أفراداً؛ كان أوّلهم آدم ثمّ نوحاً ثمّ آل إبراهيم وآل عمران، وكان كلّ من هؤلاء الأفراد يعيش في فترة معينة.. فيكون المقصود ب- (العالمين) جميع المجتمعات والأجيال البشريّة في جميع العصور والقرون.. فلا لزوم في الاعتقاد بأنّ جماعات بشريّة كثيرة كانت تعيش في عصر آدم عليه السلام وأنّه قد اختير من بينهم.. لاحظوا جيّداً...
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
يستفاد من النصوص التأريخية والروايات ومقولات المفسرين أن (حنة وأشياع) كانتا ،أختين، وأنّ الأولى كانت امرأة عمران، وهو أحد شخصيات بني إسرائيل، فيما الثانية كانت امرأة زكريا عليه السلام .
ومرت سنون عديدة ولم تلد حنّة امرأة عمران.. فحدث أن كانت جالسة تحت شجرة، فرأت طائراً يزق فراخه طعاماً، فتولّه قلبها عشقاً لأن يكون لها ولد، وطلبت من ربها أن يرزقها الولد.. فلم تمرّ فترة حتى استجاب الله لها وسرعان ما حملت بجنين..
وطبقاً لبعض الروايات، فقد أوحى الله تبارك وتعالى لعمران أنه سيهبه ولداً ذكراً مباركاً يشفي المرضى ويحيي الموتى بإذنه سبحانه وسيرسله نبياً في بني إسرائيل.. فأخبر عمران زوجته حنّة.. فتصوّرت.. حين حملت . أنها قد حملت بهذا الابن الموعود، غافلةً عن أن ما في بطنها هي والدة ذلك الابن الموعود (مريم) عليها السلام) ولهذا نذرت أن يكون وليدها خادماً في بيت المقدس.. ولكنّها حينما وضعت جنينها ورأته أنثى، قلقت واضطربت وقالت في نفسها: كيف تكون الأنثى خادماً في بيت الله مع وجود الأولاد الذكور خدماً في بيت المقدس؟!(1)
1) مجمع البيان، ج 2، ص 737
(أو ما يعادل ذلك في لغتها) ولم تقل محرّرة، وطلبت من الله تعالى أن يتقبل نذرها..
الأول: يطلق على الأولاد الذين ينخرطون في خدمة بيوت الله ليزاولوا أعمال النظافة وغيرها، فإذا فرغوا انشغلوا بالعبادة، وهم بذلك يكونون محرّرين من أداء أي خدمة لآبائهم وأمهاتهم، أو من جهة انعتاقهم من الشؤون الدنيوية.
التعريف الثاني: أنّ الأولاد يكونون تحت ولاية آبائهم وأمهاتهم إلى سن البلوغ، فإذا بلغوا تحرّروا من هذه الولاية واختاروا لحياتهم ومصيرهم ما يشاؤون، فإن اختاروا الخدمة في المعابد؛ كان لهم ذلك إلى ما يشاؤون من وقت بعد ذلك، فيقال لهم محرّرين لحرّيتهم في البقاء في خدمة المعابد إلى حيث يشاؤون..
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
الف: أنّ البنت بعد بلوغها تكون لها عادتها الشهرية فلا تستطيع البقاء في المسجد.
ب:إضافة إلى عدم تساويهما في القدرة البدنية.
ج: كذلك هناك مسائل متعلقة بالحجاب والعفّة والحمل والولادة؛ مما يتسبّب للأنثى بمشاكل تعرف من القرائن المتوفّرة في الآية وروايات وردت في تفسيرها. (وليس الذكر كالأنثى) وردت على لسان والدة مريم عليها السلام.. هذا بالرغم من أنّ البعض احتمل أن العبارة أعلاه لله تعالى دون والدة مريم، ولكنه احتمال بعيد..
هناك إشكال يرد في جملة والدة مريم عليها السلام في تقديم وتأخير الكلام في قولها ليس الذكر كالأنثى) وهو متعارف في عبارات العرب، ولعله ورد بداعي الانزعاج أو الاضطراب المفاجئ حين وضع الحمل الذي أدّى بها إلى القول هذا لرغبتها السالفة في أن ترزق بالذكر ليكون خادماً في بيت المقدس فوجدت نفسها تقدّم ذكر الذكر على الأنثى، والحال كان المعروف أو المتوقع أن تقول: وليست الأنثى كالذكر؛ لأنها ولدت أنثى وليس ذكراً..
مريم في اللغة بمعنی المرأة العابدة الخادمة، ومن هنا اختارت والدة مريم لها هذا الاسم
بعد وضعها، ممّا يشير إلى عميق إيمان والدة مريم وحبّها لأداء نذرها لتكون عابدة خادمة في المسجد، وهكذا عمدت بعد تسميتها إلى إعاذتها وإعادة ذرّيّتها من الشيطان الرجيم..
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
ذكر في التاريخ أنّ والد مريم كان قد توفي قبل ولادتها، فجاءت بها إلى بيت المقدس حيث علماء اليهود وقالت هذه الصغيرة هدية إلى بيت المقدس، فليتكفّلها أحدكم.. ولمّا كانت تنضح بالنور والعظمة وقد ولدت في بيت وأسرة أصيلين.. فقد تسابقوا إلى رعايتها وتنازعوا في كفالتها ليفخر كلّ منهم على غيره بهذا الشرف..
وبعد تفاوض وحوار وردت الإشارة إليه في الآية (44) من هذه السورة المباركة صارت كفالتها إلى النبي زكريا عليه السلام.. وكان من أمر مريم أنها كانت تزداد بهاء وشرفاً وجلالاً كلّما تقدّم عمرها حتى بلغ بها الأمر بما ذكرته الآية القرآنية الشريفة:كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً فكانت تقول وقد ملأها الإيمان والتوكل واليقين :هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب
فترعرت مريم عليها السلام في كنف النبي عليه السلام وكانت تزداد عبادةً لله في كلّ يوم حتى أن ابن عبّاس روى أنها حين بلغت سن التاسعة بدأت تصوم نهارها وتقوم ليلها وفاقت
علی رهبان زمانها في الورع والتقى والمعرفة بالله تعالى..(1)
طبقاً للآية أعلاه، فإنّ الله تعالى قد جعل مريم الفتاة الأولى التي يتقبلها للخدمة الروحانية، ذلك لأنّ والدتها ما كانت لتصدّق بأنّ ابنتها مريم ستقبل خادمة عابدة في المعبد( بيت المقدس) ولهذا كانت تتمنى لو أن وليدها كان ولداً ذكراً، لا سيما وأنه لم يكن متعارفاً للفتاة أن تكون خادمة المعبد، إلّا أنّه وطبقاً لهذه الآية فإنّ الله تعالى قد اصطفاها وطهرها لتكون أوّل فتاة عابدة خادمة في بيت المقدس.
قال بعض المفسرين كانت علامة قبولها أنها بعد بلوغها وخلال تواجدها في بيت المقدس لم يأتها ما يأتي النساء أبداً لئلا تضطر للمغادرة أو القعود عن العبادة والصلاة، هذا بالإضافة إلى نزول طعام الجنّة إليها في محرابها، مع وجود الاحتمال بأن والدتها قد ألهمت قبول نذرها إلهاماً.
التعبير ب- ( أنبتها)من مادة الإنبات بخصوص رعاية وتربية مريم عليها السلام إشارة إلى ناحية التكامل المعنوي والأخلاقي لها.
لعلّ التعبير بكلمة (أنبتها ) إشارة إلى مسألة دقيقة، وهي أنّ فعل الله تعالى هو الإنبات، بمعنى أنه كما يشرف البستاني والفلاح على نمو البذرة حتى تنبت وتخرج إلى سطح الأرض وتورق.. كذلك هو ابن آدم الذي تتوفّر ذاته على فطرة نزيهة وقابليات شتّى
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 528 و 529.
في أعماق روحه، فإذا تسنّى للإنسان مربي إلهي يكون بمثابة بستاني لبستان عالم الإنسانيّة؛ فإنّه سرعان ما ينمو وتتضح فيه القابليات الإلهية التي يمتاز بها ويصير مصداقاً تاماً للإنبات المشار إليه.
ثم قالت الآية الكريمة : وكفلها زكريا .
6 . (كفلها) من مادة الكفالة، وهي في الأصل بمعنى ضمّ الشيء إلى شيء آخر، ولهذا سمّي من يحتضن طفلاً صغيراً كافلاً أو كفيلاً لأنه في الواقع قد ضمّه إلى نفسه..
متى ما استعملت مادّة (كفلها) بهيئتها الثلاثيّة (كَفَلَ) بلا شدّة، تكون بمعنى الكفالة والحضانة، وحينما ترد بهيئة الثلاثي المزيد (كفّل) بالتشديد تكون بمعنى الانتخاب وتعيين الكفيل لشخص آخر.
(المحراب ) موضع خاص في المسجد والمصلي يكون لإمام الجماعة أو أفراد خاصّين، وقد ذكرت ثلاثة أسباب لتسميته بذلك:
الف: أنّ المحراب مشتق من مادّة الحرب، وذلك أنّ المؤمنين يخوضون الحرب في هذا الموضع ضد الشيطان والوساوس النفسية.
ب. أنّ المحراب أصلاً يرد بمعنى قمة المجلس وأعلاه، فسمّي بذلك لكونه في أعلى المعبد، هذا بالإضافة إلى التفاوت المذكور . تاريخياً. في وضع المحراب لدى بني إسرائيل.. إذ كانوا يبنون المحراب أعلى من سطح أرضيّة المعبد، بينما يكون ما حوله أشبه بجدران الغرفة الحافظة له، بحيث قلّ أن يمكن للإنسان أن يرى من في داخله..
ج. (المحراب) بمعنى جميع نواحي المعبد، وهو الموضع الذي يحارب ويصارع فيه الشيطان وهوى النفس.
لمغادرة بيت المقدس أو تنقطع عن العبادة، حتى روي أنها سبقت عبّاد زمانها ورهبان بني إسرائيل..(1)
فكانت تجيب قائلة : هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب .
بخصوص الطعام الذي كان يسألها زكريا عليه السلام عنه لم ترد الإشارة إلى نوعه ومصدره في الآية القرآنية، إلّا أنّه . كما ذكرت الرواية الواردة في (مجمع البيان)وغيره من كتب الشيعة والمخالفين أنّه كان فاكهة من الجنّة في غير فصلها، فيقدم لها في المحراب بأمر الله تعالى.. (2)وليس من العجب أن يرعى الله تعالى عبده ووليه بهذا النحو..
يستفاد من القرائن القرآنية في هذه الآية أن المقصود من جملة (رزقاً) الواردة في هذه الآية أنّ الطعام كان طعاماً من الجنّة وذلك لأنّ:
أوّلاً: أنّ كلمة (رزقاً) وردت بصيغة النكرة ولا تدلّ على طعام محدد ومعروف بالنسبة لزكريا عليه السلام.
ثانياً: أنّ جواب مريم عليها السلام وأنّ الرزق الذي بين يديها هو من عند الله تعالى إشارة أخرى إلى هذا المطلب.
ثالثاً: تأثر زكريا عليه السلام وطلبه من الله تبارك وتعالى الولد والذرية الذي ستتناوله الآية التالية قرينة أخرى على هذا المعنى.
الطعام عندها في ذلك الظرف الصعب، فأجابته بأنّ ما عندها من طعام هو من عند الله تعالى الذي سخّر لها رجلاً مؤمناً راغباً في تقديم الخدمة لها..(1)ولكن هذا التفسير لا يتفق مع القرائن المتوفّرة في الآية، ولا مع الروايات التي وردت في تفسيرها...
1) تفسير المنار، ج 3، ص 293 .
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)
هذه الآيات الكريمة تصوّر ناحية من حياة النبي الإلهي وما يرتبط بقصة السيدة مريم عليها السلام. وقد قدّمنا القول بأنّ زوجة زكريا عليه السلام ووالدة مريم كانتا أختين، وقد اتفق أنهما كانتا عاقرين في البداية، وحينما حملت أم مريم بجنين بلطف من الله تعالى ولاحظ زكريا عليه السلام كلّ الإيمان والإخلاص؛ هنالك تمنّى أن يكون له ولد طاهر مطهر كما هي مريم، ولد يطفح بالعظمة الإلهية.. ومع أنّ السنين قد مرّت عليه وعلى زوجته، وكان يبعد عليهما أن يكون لهما ولد طبقاً للمعايير المادّيّة، إلّا أنّ إيمانه بقدرة الله تعالى وما شهده من توفّر الطعام والرزق عند مريم في غير فصلهما؛ ملأ قلبه الطاهر بالأمل بأن يكون له ولد بعد تلك السنين المديدة من عمره، فيكون بمثابة الفاكهة المتوفّرة فى غير فصلها.. ولهذا، وحين كان منشغلاً بالدعاء والمناجاة.. طلب من الله تبارك وتعالى أن يرزقه الولد .. هنالك دعا زكريا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنّك سميع الدعاء ) وحيث كان يعبد ربه ويناجيه في المحراب؛ سمع من يبشره باستجابة دعائه وأنّه تعالى سيرزقه ولداً طيباً سيداً يصدّق بكلمة الربّ الجليل عيسى بن مريم ويدعو إلى الإيمان به، وسيكون بعيداً جداً عن وساوس الشيطان ونبياً عظيماً لم يكن له من قبل سميّاً: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المَحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّا مِنَ الصَّالِحِينَ(1).
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 533
طلب الولد (يحيى) تمّ بعد مشاهدة سموّ مريم المتواصل، والملفت أنّ الله قد استجاب لزكريا ووهبه يحيى وكان شديد الشبه بولد مريم من جهات عديدة.
أن حالات الإنسان وساعات الدعاء أمور مؤثرة في الاستجابة و هنالك دعا زكريا .
أنّ الغبطة من الكمال، فيما الحسد نقص.. وحينما رأى زكريا مقام مريم وعبادتها في صغرها غبطها لفقده الولد فأراد من ربّه ذرّيّة صالحة طيبة.
حتّى أنّ مقام المرأة المقربة من الله تعالى يمكن أن يوجب غبطة الرجل النبي، كما هو الحال في زكريا عليه السلام بحيث أثرت فيه تأثيراً بالغاً: هنالك دعا زكريا .
أنّ طلب الولد والذرّيّة الطيبة من سنن وسيرة الأنبياء: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً .
قيمة الذرّيّة ووجود الأولاد واستمرار النسل منوط بطهارته ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً .
ينبغي مراعاة جملة أمور لدى الدعاء، منها الحمد والثناء على الله تعالى: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ .
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
الأول: أنه مؤمن بكلمة الله الذي هو عيسى بن مريم عليهما السلام، فكان إيمانه ودعمه سبباً لتقوية مكانة النبي المسيح ( يلاحظ أن المقصود من الكلمة هنا هو النبي عيسى بقرينة الآية الخامسة والأربعين من هذه السورة والآية الحادية والسبعين بعد المئة من سورة النساء،
كما أنه سرعان ما سيتضح سبب التسمية هذه) وكما ورد في التاريخ، فإن يحيى يكبر عيسى بستة أشهر وقد كان أوّل من آمن بنبوته وصدّق به ودعا إلى التسليم له، وحيث كان مشهوراً معروفاً بين الناس بالزهد والعفاف، فقد كان لتصديقه بعيسى أثر عميق في إيمان الناس بابن مريم عليهما السلام.(1)
الثاني: أنه سيكون له مقام السيادة والتقدّم من حيث العلم والعمل.
الثالث: أنّه يحفظ نفسه عن الهوى والوساوس والتمرّد والعصيان والتلوّث بعبادة الدنيا وهذا المعنى يستفاد من كلمة (حصوراً).
الرابع والخامس: أنه سيكون نبياً عظيماً( يلاحظ أن وصف النبي ورد هنا بصورة التنكير؛
1) مجمع البیان، ج 2، ص 742
تعميماً لعظمته )كما سيكون من الصالحين.
للإجابة نقول: لا دليل قاطعاً على أن المقصود من الحصور في الآية هو ترك الزواج، كما أنّ الرواية الواردة بهذا الصدد غير مسلّمة السند، كما لا يبعد أن يكون المقصود هو ترك الشهوات والرغبات الدنيوية.. هذا أوّلاً.
وثانياً: يمكن أن يكون يحيى كعيسى الذي كان يضطر ضمن ظروف خاصة إلى كثرة السفر والتنقل على سبيل الإجبار لتبليغ دينه.. وهذا قانون عام قد لا يشمل الجميع.. وحيث أنّ الله تعالى قد مدحه لهذه الصفة والميزة فبداعي عدم زواجه لظروف خاصة مضافاً إلى حفظ نفسه وصونها عن السقوط في الذنب؛ فلم يتلوّث أبداً..
وعلى العموم، فإنّ قانون الزواج قانون فطري، ولا يمكن لدين من الأديان أن تشرّع حكماً يخالف الفطرة، وعليه؛ فلا دين الإسلام ولا غيره كان يعد ترك الزواج . في الحالات الطبيعية . أمراً مطلوباً..
أنّ الصلاة كانت مشرعة في الأديان السالفة ( يصلّي في المحراب).
كلمة (يحيى) مشتقة من الحياة، أي أنه سيبقى حيّاً، وهو اسم اختير لهذا النبي العظيم من جهة الله تعالى ولعلّ المقصود من الحياة؛ الحياة المعنوية والمادية المقرونتين بالإيمان ومقام النبوّة والعلاقة الوطيدة جداً بالله عزّ ،اسمه، كما يفهم ذلك من هذه الآية والآية السابعة
من سورة (مريم): يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً كما يعلم أنّ هذا الاسم قد وضع لأوّل مرّة على إنسان ما..
وكما عرف من الآيات الماضية؛ فإنّ طلب زكريا الولد من ربّه كان بعد مشاهدته سموّ مريم المتواصل، والملفت للنظر أنّه تعالى قد وهب زكريا الولد بفعل دعائه، وكان الولد الموهوب شبيهاً جداً بولد مريم.
6 . يحيى وعيسى عليهما السلام صارا نبيين منذ صغرهما، كذلك اسمهما يعنيان الحياة لغةً، كما شملهما الله تعالى بالسلام عليهما في ولادتهما وموتهما وبعثهما.. وهناك أوجه شبه أخرى بينهما.
أنّ الله تعالى يعلم بمستقبل جميع عباده و سيّداً وحصوراً ونبياً .
العفّة وضبط الميول الجنسية محط ثناء الله (حصوراً).
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)
التفاوت في التعبير في هذه الآية عن قول زكريا وقد بلغني الكبر عن قوله في الآية الثامنة من سورة (مريم) : وقد بلغت من الكبر عتيّاً إشارة إلى أنه كما الإنسان يتجه إلى الشيخوخة، كذلك هي هي الشيخوخة تقبل وتتجه إليه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إذا كنت في إدبار والموت في إقبال ؛ فما أسرع «الملتقى».(1)
(غلام) لغةً تعني الابن اليافع.
(عاقر ) لغةً من العقر بمعنى الجذر والأصل، أو بمعنى الحبس، وإذ يقال للمرأة عاقراً؛ إما لأنّها بلغت النهاية، أو لحبسها عن الولادة.
هنا ثَمّ سؤال: لماذا بدر التعجب من زكريا من قدرة الله اللامتناهية؟
ولكن الإجابة واضحة بالالتفات إلى الآيات القرآنية الأخرى..
فهو أراد أن يعرف كيف يتأتى الحمل والولادة لامرأة كانت قد تجاوزت مرحلة عادتها الشهرية منذ سنين، وأنّ يعرف طبيعة التغييرات التي ستطرؤ على بدنها، وما إذا ستعود مرّة أخرى إلى مرحلة الشباب، أم أنها ستشهد في نفسها حالة خاصة تؤهلها للحمل والولادة، هذا بالإضافة إلى أنّ الإيمان بقدرة الله تعالى لا يقتصر على الشهود والمشاهدة فقط.
إنّه . في الحقيقة . أراد لإيمانه أن يبلغ مستوى الشهود كما كان إبراهيم عليه السلام مؤمناً
1) نهج البلاغة، ص472
بالمعاد، فطلب من الله أن يبلغ به مرحلة الشهود ليحصل له الاطمئنان المناسب للأنبياء، ومن الطبيعي أنّ كلّ إنسان يواجه حالة مخالفة للقوانين الطبيعية يضطر إلى التفكير والرغبة في علامة حسّيّة..
لدى بيان حالات الضعف؛ لا بد من البدء من النفس : بلغني الكبر وامرأتي عاقر . 5. عند اليأس من استجابة الدعاء؛ لابد من العود والتحلّي بالرجاء والأمل بالله تعالى: أنّى يكون لي غلام... كذلك الله يفعل ما يشاء .
أنّ إرادة الله عزّ وجلّ فوق الوسائل والأسباب الطبيعية الدنيوية : كذلك الله يفعل ما يشاء .
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
كان طلب زكريا عليه السلام من الله تعالى المبني على أن يجعل له آية على ولادة يحيى عليه السلام ليس لعدم ثقته واعتماده على الوعد الإلهي، وإنّما كان لمزيد من التأكيد وليكون إيمانه إيماناً شهوديّاً وليكون قلبه مفعماً بالاطمئنان، كما كان جده إبراهيم عليه السلام قد طلب مشاهدة صورة المعاد وإحياء الموتى ليطمئن قلبه ..
يعلم من قوله تعالى: واذكر ربَّك كثيراً وسبّح بالعشي والإبكار » أنه في الوقت الذي سيعجز عن التكلّم مع الناس طيلة ثلاثة أيام علامة حمل أمّ يحيى عليه السلام به . إلّا أنّه كان قادراً على ذكر الله تعالى وتسبيحه، ليكون الانقطاع عن الناس في تلك المدة والإقبال المطلق على ربّه عزّ اسمه عاملاً لمزيد التقرب وكذلك ليكون ذلك الانقطاع آية واضحة على قدرة ربّ العالمين.3. الرمز في اللغة هو الإشارة بالشفاه، وكذلك يطلق على الهمس، وهذه الكلمة لها معنىً أشمل في الحوار العادي، إذ يقال لكلّ حديث هامس وإشارة إلى مسألة خافية أو بغير ما هو صريح رمزاً..4. أن يكون زكريا عليه السلام عاجزاً عن التكلّم مع الناس طيلة ثلاثة أيام مع قدرته على ذكر الله تعالى وتسبيحه؛ فهو العلامة على قدرة الربّ على كلّ شيء.. والله القادر على إطلاق اللسان بذكره وتسبيحه فحسب، هو قادر على خلق جنين في رحم أمٍّ عاقر، بل وأن يكون هذا
الجنين المؤمن تجليّاً ومظهراً لذكره سبحانه، ومن هنا تتضح العلاقة بين ما طلب زكريا عليه السلام وبين العلامة المشار إليها.5 . رغم ما ذهب إليه بعض المفسرين؛ مثل الفخر الرازي نقلاً عن أبي مسلم من احتمال امتناع زكريا عليه السلام عن الكلام مع الناس كان على سبيل الاختيار لا الجبر والاضطرار، أي أنّ زكريا كان مأموراً مكلفاً من جهة الله عزّوجلّ أن لا يتحدّث ولا يتكلّم خلال الأيام الثلاثة إلّا ما كان ذكراً الله وتسبيحاً، أي أنه كان مكلّفاً بصوم الصمت كما كان متعارفاً في بعض الأمم.. فكان الرازي يعدّ هذا الرأي رأياً مناسباً ومعقولاً،(1إلّا أنّ من الواضح أنّ هذا التفسير لا يتفق ومضمون الآية ، لأنّ زكريّا نفسه طلب آية وعلامة على البشارة ،الإلهيّة، والسكوت الاختياري لا دليل فيه)على هذا المعنى أبداً.6 .مفردة (العشي تطلق عادةً على الساعات الأخيرة من اليوم، كما تستعمل كلمة (الإبكار) على ساعات النهار الأولى.. ويذهب البعض أنّ العشي هو الوقت الممتد من بداية الظهر إلى الغروب، وأنّ الإبكار هو ما بين طلوع الصبح إلى الظهر.. مع أنّ الراغب الإصفهاني قال في)(مفرداته: العشي من وقت الظهر إلى صبح الغد(2)والإبكار من طلوع الصبح إلى الظهر، وعليه؛ فإنّ العشي والإبكار مجموع الليل والنهار، ولكن وكما قلنا فإنّ المفردتين تستعملان في المعنى الأوّل عادةً.)7. سؤال: هل يتناسب عقد لسان نبي مع مقام النبوّة ووظيفة الدعوة والتبليغ؟الإجابة على هذا السؤال ليست عسيرة، لأنّ هذه الحالة لا تكون مناسبة حينما تمتدّ وتطول، إلّا أنّ قصر فترتها بحيث يتمكّن النبي أن يغيب عن قومه وينشغل أو يتفرغ لعبادته ربّه بشكل تام أمر غير ممنوع، بالإضافة إلى أنه قادر في فترة الأيام الثلاثة على التواصل مع الناس
بالإشارة والإيماء أو عبر تلاوة بعض آيات الله التي لا تخرج عن نطاق الذكر بطبيعتها.. وهذا بالذات ما عمد إليه زكريا عليه السلام أصلاً..
### الآية 42#### اشارةوَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. أيّ عزّة أرقى من أن يتحدّث الإنسان مع الملائكة.. بل وأن يكون الحديث عن بشرى الاصطفاء والتطهير من قبل الله تعالى، وأن يكون هذا التطهير والاصطفاء على نساء العالمين.. وهذا ما لا يكون إلا تحت مظلة التقوى والورع والإيمان والعبادة من قبل هذا الإنسان.. إن مريم قد تمّ اصطفاؤها لتكون أهلاً بإنجاب شخص کعیسی علیه السلام.2. كلمة (اصطفاك تكرّرت مرتين في الآية واحدة لبيان الاصطفاء بشكل مطلق، وأخرى لاصطفائها على جميع نساء العالمين.)3. هذه الآية تشهد على أنّ مريم عليها السلام كانت أعظم نساء أهل عالمها وزمانها.. وهذا الأمر لا يتنافى مع العقيدة الفذة القائلة بأنّ الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي خير وسيّدة نساء العالمين على الإطلاق، ذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال . كما صرّح مولانا الإمام الصادق عليه السلام :«أما مريم؛ كانت سيدة نساء عالمها، أما فاطمة؛ فهي سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين»(1.)4. كلمة ( العالمين لا تتنافى أبداً مع قول الإمام الصادق عليه السلام، لأنّ هذه الكلمة وردت في القرآن والعبارات العادية بمعنى الناس في زمان وبرهة معينة، كما جاء في بني إسرائيل من قوله تعالى: ﴿ وأنّي فضّلتكم على العالمين) ومعلوم أن المقصود هو تفضيل المؤمنين منهم على أهل زمانهم..
1) معاني الأخبار، ص107
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
ومعنى القنوت هو الخضوع ودوام الطاعة.. ومعنى السجود هو نوع من الخضوع المطلق الله عزّ اسمه، فيما الركوع هو نوع آخر من الخضوع وعلامة الطاعة والتواضع.
قوله تعالى: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ يمكن أن يكون إشارة إلى المشاركة في صلاة الجماعة، وكذلك يمكن أن يكون إشارة إلى الانضمام إلى جموع المصلين والخاضعين الله سبحانه.. أي: كما يركع العباد المخلصون الله تعالى كذلك على مريم أن تركع.
أشير في بدء الآية إلى السجود ثمّ إلى الركوع، وهذا لا يعني أن سجود الناس إذ ذاك كان يسبق ركوعهم في الصلاة، بل لعلّ المقصود هو أداء الفعلين العباديين دون النظر إلى الترتيب بينهما، كما لو قلنا: صلّ وتوضأ وتطهر بمعنى: عليك أداء هذه الأمور، والعطف بحرف الواو لا دلالة حتمية فيه على لزوم الترتيب.. هذا فضلاً عن أن الركوع والسجود في الأصل يعنيان التواضع والخضوع والركوع والسجود في الحالات العادية يعدّان من مصاديق التواضع والخضوع والطاعة...
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
طبقاً لوحي ،القرآن فقد جاءت أم مريم بوليدتها . بعد وضعها ولفّها بخرقة . إلى المعبد وخاطبت علماء وكبار بني إسرائيل بالقول بأنّها قد نذرت هذه الوليدة لخدمة المعبد، وطلبت إليهم أن يتكفّلوا برعايتها.. ولمّا كانت مريم تنتمي إلى أسرة عظيمة عريقة ومعروفة بالعفّة والسداد (آل عمران) فقد تزاحم علماء بني إسرائيل على رعايتها، فاضطروا في نهاية الأمر إلى إجراء القرعة، فتقدّموا إلى نهر ورموا إليه أقلامهم بعد أن كتبوا أسماءهم عليها، فمن رسب قلمه في الماء كان فاشلاً في القرعة أمّا الفائز؛ فهو الذي يطفو قلمه فوق الماء.. وكان الفوز من نصیب زكريا عليه السلام.. فتكفّلها ، وليس الأمر ببعيد عن إرادة الله تعالى في أن تحظى مريم بكفالة زكريا الذي كان زوج خالتها، فضلاً عن كونه من أنبياء الله الأجلاء.(1)
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 544 و 545 .
يختصمون. 2. يعلم من هذه الآية والآيات الخاصة في سورة (الصافات) عن النبي يونس عليه السلام فيما يتعلّق باللجوء إلى القرعة لحلّ المشاكل أو فضّ النزاعات وحين تعسّر الأمور والوصول إلى طريق مسدود .
الآيات الدالة على إباحة الاستفادة من القرعة لحلّ المشاكل مع روايات المعصومين عليهم السلام أدّت إلى أن يكون اللجوء إلى القرعة من ضمن القواعد الفقهية المذكورة في الكتب الدينية، مع اشتراط الوصول إلى طريق مسدود، وعليه؛ متى ما أمكن الوصول إلى حلّ للمشكلة انتفت الحاجة إلى القرعة.
ليس لإجراء القرعة شكل وصيغة خاصة في الشرع الإسلامي، وإنما يمكن استعمال أعواد أو أحجار أو ورق وأمثال ذلك بحيث يمتنع الغش والخديعة لدى الاختيار.. واضح أنّ في الإسلام لا يمكن تحديد الربح أو الخسارة عن طريق الاقتراع والقرعة، لأنّ هذا الموضوع لا يصل إلى مستوى المشكلة التي لا يتوصل إلى حلّها إلا بالقرعة، ولا ريب أنّ اتخاد أمر القرعة وسيلة للكسب يعد أمراً غير مشروع.
القرعة ليست وسيلة مثالية لحل الخلافات والنزاعات بين الناس، ومعلوم أنّ ثمّ وسائل وطرق أخرى قد رسمت وعيّنت لذلك كما هو الوارد في النصوص الشرعية، فلو أنّ إنساناً منحرفاً وطأ خروفاً . مثلاً . ثمّ أطلقه مع الخراف حتى لم يعد يميّز من بينها، فاللازم هو إجراء القرعة عليها لإخراجه ثمّ الامتناع عن التناول من لحمه، لأنّ ترك جميع الخراف أمر بالغ الضرر جداً، لا سيما لدى القول بتحريم جميع لحومها.. هنا يصح اللجوء إلى القرعة..
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)
2 ذكرت علل وأسباب عديدة لهذه التسمية من قبل المفسرين
الف: ولادته الاستثنائية المشمولة بقوله تعالى: إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ...
ب .أو لعله قبل ولادته، كان الله تعالى قد بشر به والدته بكلمات.
ج. أنّ الكلمة يقصد بها في الاصطلاح القرآني . المخلوق . مثل قوله تعالى: قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً.
المقصود بكلمات الله في هذه الآية ،مخلوقاته، ولمّا كان المسيح أحد مخلوقات الله الجليلة فقد أطلق عليه هذه التسمية، وهذا الإطلاق يتضمن الردّ على مدعي ألوهيته المزعومة.
إطلاق كلمة (المسيح على عيسى، لأنه كان يمسح بيده المباركة على أبدان المرضى فيحصل لهم الشفاء بإذن الله ، ولأنّ هذه الميزة والبركة كانت مصاحبة له منذ صغره، فقد سمّاه الله بالمسيح حتى قبل ولادته، أو لعل الله قد مسح وأزال عنه كل دنس وجعله طاهراً.
صرّح الله في هذه الآية وغيرها بأنه ابن مريم لردّ ادّعاء ألوهيته المزعومة، إذ من يولد لأمّ
ويشمل بجميع أطوار ومراحل الحياة في رحم أمه لا يمكن أن يكون إلها، ولأن الله منزّه عن التغيّر والتحوّل والتأثر.
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)
كما سيأتي في سورة (مريم) فإنّها قد أشارت . لدفع التهمة عن نفسها حيث حملت وجاءت بولد من غير أب وبأمر الله تعالى . إلى ولدها عيسى عليه السلام، فنطق بلسان فصيح وأعلن عبوديته الله سبحانه، كما أعلن عن نبوّته، فأثبت بالإعجاز طهارة رحم والدته القديسة مؤكداً أنّ النبي لا يمكن أن يولد من رحم غير طاهر.
كلمة (المهد) تعني الموضع الخاص بنوم الطفل والمعدّ لراحته، وللكلمة مفهوم عام يشمل كلّ ما ورد في المعنى.
ظاهر آيات سورة (مريم) المتعلّقة بقصتها وولدها، أنّه قد نطق بإذن الله تعالى منذ اليوم الأول لولادته، وهو الفعل غير المتاح لأي وليد كان ، وهذا بحد ذاته يجسّد معجزة عظيمة.. ولكن التكلّم في أواسط العمر والكهولة أمر طبيعي جداً، ويمكن أن يكون ذكر هذين الأمرين معاً للإشارة إلى أنّه عليه السلام ينطق في المهد كنطقه في أواسط أو كهولة عمره حيث يبلغ مرحلة الكمال في العمر.. نطقاً بليغاً مفعماً بالحكمة والعلم؛ لا نطقاً كما هو نطق الأطفال..
ويحتمل لقوله سبحانه: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أنه كان ينطق بالصدق والحق مذ كان طفلاً وصغيراً، وقد استمر في هذا المنطق حتى شب وصار رجلاً، إذ لم يكف عن الإرشاد ودعوة الناس إلى الحق.. كما لعلّ الآية تتضمن معنى التنبؤ إلى سيرته في مستقبل العمر.. لا سيما وأننا نعلم بأنّ عيسى عليه السلام لم يبلغ مرحلة الشيخوخة، بل رفعه الله إليه
وهو في سنّ الثالثة والثلاثين تقريباً، طبقاً للمنقول من الروايات الشريفة..(1)
1) البرهان، ج 4 ، ص 807
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)
تستمر قصة مریم عليها السلام في هذه الآية.. فهي حينما سمعت الملائكة تبشّرها بإنجابها عيسى عليه السلام قالت التالي: ربّ أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟
نعلم أنّ هذا العالم هو عالم الأسباب.. وهكذا خلق الله الدنيا وقد جعل لوجود كل موجود جملة أو سلسلة من العوامل والعلل والأسباب.. مثال ذلك: ولادة الولد بحاجة إلى مقاربة جنسية بين رجل وامرأة وتركيب من النطفة والبويضة، وعليه؛ فليس من العجب أن تذهل مريم لدى سماعها هذه البشارة الملائكية وأنها ستنجب ولداً بلا أب؛ أي من دون أن تتزوّج ..
ولكن الله تعالى أنهى ذلك التعجب والذهول الذي أصابها فقال لها: كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ .
إنّ نظام عالم الطبيعة برمّته مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ومحكوم ومنقاد لأمره، ومتى ما شاء أن يغيّر هذا النظام كان له ذلك، فخلق موجودات بطريقة غير الطريقة المعهودة.
ثمّ ليتمّ الله قوله العزيز في هذا المعنى وليسمو بمريم إلى عظمة المشيئة الربانية ومطلقيتها، قال لها: إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون .
وبديهيّ أنّ كلمة (كن) في الحقيقة بيان لإرادة الله القطعيّة وإلا فإنه سبحانه غني عن استعمال هذه الكلمة، أي أنه بمجرّد إرادته القدسيّة وتعلقها بشيء ما، لبس هذا الشيء رداء
الوجود وخرج إلى العلن..
جدير بالذكر؛ وفيما يتعلّق بخلقة عيسى عليه السلام وردت كلمة (يخلق) أما عن خلقة يحيى عليه السلام فقد وردت كلمة ( يفعل) في الآيات السالفة.. ولعلّ التفاوت في العبارة إشارة إلى التفاوت في خلقة هذين النبيّين إذ كانت خلقة أحدهما عادية دون خلقة الآخر..
كما ينبغي أن يلاحظ أن بداية الآيات هنا تناولت حديث الملائكة لمريم، ولكننا نلاحظ هنا أنها . مريم . صارت تتكلّم إلى ربّها المتعال وربّها يجيبها.. فكأنها عليها السلام انجذبت إلى ذات الله المقدّسة فارتفعت الحجب حتى اتصلت بمعبودها العظيم الذي هو مبدأ الخلق.. فتحدّثت بلا واسطة بما أرادت وسمعت ما شاء الله لها أن تسمع.. ويشار هنا إلى أن حديث غير الأنبياء مع الله تعالى متى ما تم بغير وحي النبوّة فإنّه أمر متصوّر ولا إشكال ولا مانع دونه..
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)
المهمة..
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
2 . يمكن أن يستفاد . بدءاً من عبارة وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أن مهمة النبي المسيح عليه السلام كانت دعوة بني إسرائيل.. الذين تورّطوا في جملة من الخرافات والفساد في الأخلاق والعقائد والاختلافات والتنازع الشديد.. وهذا ما لا يتنافى مع كونه عليه السلام نبياً من الأنبياء أولي العزم، ذلك لأنّ النبي من هذا الطراز هو من يحمل شريعة جديدة وقد توكل إليه مهمة عالميّة شاملة أو لا توكل ( مع أنّ تفسير نور الثقلين نقل رواية شريفة مفادها أنّ النبي عيسى عليه السلام قد أرسل إلى بني إسرائيل فحسب).(1)
1) نور الثقلين، ج1، ص 343
الأخبار والروايات في تفسير معنى (أولو العزم) فذهبوا إلى أنهم أنبياء لعموم الناس(1)، وطبقاً لهذين الفريقين ينبغي القول بأنّ دعوة المسيح عليه السلام كانت دعوة عالمية غير منحصرة في بني إسرائيل.
ذكر التنوين في قوله تعالى: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْيصير المعنى إلى أنه كان مكلّفاً بالتصريح لبني إسرائيل أنه سيعرض لهم معجزة.. والتنوين هنا يفيد بيان عظمة هذه الآية المعجزة وليس باعتبارها معجزة واحدة فقط.. والآية هنا تتمثل في قوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ .
حيث أن دعوة الأنبياء في حقيقتها دعوة إلى الحياة الواقعية، فقد وردت الإشارة بادئ ذي بدء إلى معجزة عيسى عليه السلام في نفخ وإيجاد الحياة في الموجودات الجامدة بإذن الله تعالى.
أن مسألة نفخ الحياة وإيجادها في الجماد إذا ما حصلت بصورة تدريجية فإنّها لا تبعث على العجب، لأننا نعلم أن جميع الموجودات الحيّة الحالية قد وجدت من ماء وتراب..
المعجزة هي أنّه تعالى يجمع أنّه تعالى يجمع ذات العوامل التي تحصل طيلة آلاف أو ملايين السنين بسرعة فائقة وموضع واحد فيتبدّل تمثال طير إلى طير حي حقيقي، وهذا ما يمكن أن يشير إلى صدق دعوى الآتي والفاعل لهذه المعجزة والقائل بصلته بالقدرة المطلقة التي تتصرّف بالموجودات بدءاً واستمراراً..
لا ريب في أنّ ذكر المعجزة الثانية للنبي عيسى عليه السلام في معالجة المصابين بالأمراض العضال وغير القابلة للعلاج بالطرق الطبيعية يبيّن موضوع أن معالجة هذه الأمراض ولا سيما بالنسبة لأطباء ذلك الزمان معجزة غير قابلة للإنكاروَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ كما
1) بحار الأنوار، ج 11، ص 33
أنّ إحياء الموتى أمر معجز في كل زمان ويعد من الأمور الخارقة للحالة الطبيعية وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ .
.. عرض موضوع الإخبار عن الأسرار الخفية للناس في المرحلة الرابعة . يوضح حقيقة أنّ كل فرد . عادة . له أسراره الخاصة في حياته والتي لا يعلمها سواه.. فإن عمد أحدهم . وبلا سابق إنذار. إلى إخباره بما أكل أو بما ادّخر من طعام في بيته بشكل مفصل ودقيق؛ فإنّ ذلك يعد دليلاً على أنّ هذا المخبر يأخذ عن مصدر غيبي ملهم.. وهكذا قال المسيح عليه السلام لقومه وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ .
1) تفسير المنار، ج 3، ص311.
بها، فما المانع من إرادته في إعمال التغيير فيها بأمره في حالات استثنائية، فيقوم الأنبياء ومن يشاء الله بفعلها ؟!
ولكن يجب أن يقال بأنّ القرآن الكريم قد ردّ هذا الإشكال بالتأكيد على أنّ وقوع هذه الحوادث . المعاجز - مشروط دائماً وأبداً بإذن الله تعالى بمعنى أنه لا أحد لديه القدرة المستقلة عن إرادته سبحانه لدى القيام بالمعاجز والكرامات.. وهذا عين التوحيد وليس فيه شائبة شرك والعياذ بالله تعالى
يستفاد من هذه الآية وشبيهاتها أنّ أنبياء الله وأولياءه لهم القدرة على التصرّف في تكوين الخليقة بإذن الله وأمره حين اللّزوم وخلافاً للحالة الطبيعية، ذلك لأنّ كلمة (أبرئ) و (أحيي الموتى) وأمثال ذلك وردت بصيغة فعل المتكلّم وهي دليل على صدور مثل هذه الأفعال من الأنبياء أنفسهم وتفسير هذه العبارات باعتبارها دعاء من الأنبياء وليست فعلاً حقيقياً تفسير بلا دليل.. بل إنّ ظاهر هذه العبارات يؤكّد أنهم قد تصرّفوا في عالم التكوين حقاً حقاً فأوجدوا هذه الحوادث.
ممّا تقدّم من قول تتضح الإجابة والردّ على منكري الولاية التكوينية لرجال الله تعالى والذين عدّوا ذلك نوع شرك، ذلك لأنه لا أحد يذهب إلى أنّ نبياً أو إماماً له قدرة مستقلة في مقابل الله تعالى، وإنّما هؤلاء يفعلون ما يفعلون بإذن الله وأمره.. ولعل السبب في إيراد كلمة (بإذن الله هو لدرء احتمال أي شرك وازدواجية العبادة في الخلقة، كما ورد مرتين في الآية محط البحث وفي الآية (110) من سورة (المائدة) أربع مرات كلمة (بإذني) رغم أنّ منكري الولاية التكوينية يقولون إنّ مهمّة الأنبياء منحصرة في الدعوة إلى الله والتبليغ لشرعه، ورفع الأيدي
بالدعاء تارة لبعض الأمور التكوينية، وإلا فإنّهم عاجزون عن فعل يتعدّى ذلك، والحال أنّ الآية أعلاه ومثيلاتها تقول وتؤدّي إلى غير ذلك.
يعلم من الآية أعلاه أن كثيراً من المعاجز قد جرت بأيدي الأنبياء أنفسهم رغم أنّ الأصل الذي يعود إليه العجز هو إرادة الله وإذنه وتوفيقه المباشر ومدده، وهكذا يمكن القول بأنّ المعجزة هي فعل الأنبياء الأنها تتم بواسطتهم وكذلك هي فعل الله عزّوجلّ، لأنّ الأنبياء والأئمّة لا يقومون بمعجزة إلّا بالاستعانة بالله سبحانه وإذنه.
الاعتماد على إذن الله تكرّر في هذه الآية لسدّ الباب بوجه تبريرات مدعي ألوهية المسيح، وأنّ لا يعدّه البعض ربّاً.. أما عدم التكرار في إخبار عيسى بالغيب فلوضوح الأمر وعدم وجود من يبرّر ألوهيته لمجرد إخباره بالغيب..
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
يبيّن النبي عيسى عليه السلام شيئاً من أهداف بعثته قال: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِوتثبيت مبانيها وأصولها.
إعلان النبي عيسى عليه السلام عن أنه قد جاء ليحلّ بعض المحرّمات على بني إسرائيل بداعي ظلمهم وذنبهم إشارة إلى ما كان قد منع عليهم، مثل لحم البعير وبعض شحوم الحيوانات وبعض الطيور والأسماك، كما ورد في الآية (160) من سورة (النساء):فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ فأزيحت تلكم الممنوعات بظهور النبي عيسى عليه السلام فكان ذلك التحليل يوجب شكراً وإيماناً به من جانب بني إسرائيل..
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ (51)
نقرأ في القرآن المجيد مكرّراً أنّ النبي المسيح عليه السلام طالما اعتمد مسألة عبوديته وعبادته الله تعالى، وهذا ما يخالف ما ورد في الإنجيل المحرّف الذي نقل فيه عن عيسى القول بأن الله أبوه الذي في السماء، ولكنّ القرآن أكّد على لسان عيسى بأنّ الله ربّه وربّ الجميع وليس أباه، وهذا أنصع وأوضح دليل على مدى اهتمام القرآن وجديته في الصراع مع الشرك، وكذلك هو ردّ صريح على ادعاء ألوهية المسيح عليه السلام.
طبقاً لاعتراف المحققين النصارى، فإنّ أحداً لم يجرؤ على ادعاء القول بأنّ المسيح هو الربّ أو كونه أحد الآلهة، بل إنّ تعاليم النبي عيسى عليه السلام وآثار هذه التعاليم فيما يتعلّق بالتوحيد لم تسمح للمنحرفين وحتى بعد مرور قرنين من الزمان بإدخال عقائد الشرك في الديانة النصرانية، علماً أن مسألة التثليث والاعتقاد بالآلهة الثلاثة قد ابتدعت في القرن الميلادي الثالث.
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
طبقاً لتنبوء النبي موسى عليه السلام وبشارته؛ كان اليهود ينتظرون ظهور النبي المسيح عليه السلام ولكنه حينما ظهر ورأوا فيه تعرّض مصالح بعضهم للخطر لم يلتف حول المسيح منهم إلّا القلة القليلة، وتخلّفت عنه الأكثرية لإيمانهم بتعرّض مصالحهم للخطر.. مضافاً إلى المعروف عنهم سلفاً من انحراف واعوجاج.
حينما شعر عيسى عليه السلام كفرهم ومخالفتهم له قال من أنصاري إلى الله فلم يجبه إلا ثلة بسيطة، وهم الأفراد الطاهرون الذين سمّاهم الله تعالى بالحواريّين.
الحواريون جمع حواريّ، من مادّة الحور بمعنى الغسل والتبييض، وتارة تطلق الكلمة على كلّ شيء أبيض، ولذا؛ تسمّي العرب الأطعمة البيضاء حواري، أما الحور العين في الجنّة ؛ فقد سمّيت بذلك لأنهنّ بيضاوات البشرة، أو لسعة بياض عيونهن ولسانهنّ (وسواد عيونهن فيه مطلق السواد).
يجب أن نعلم بأنّ الحواريين لدى إجابة النبي عيسى عليه السلام لم يقولوا بأنهم أنصاره، بل إنّهم أفصحوا عن منتهى وغاية توحيدهم وإخلاصهم، وكان خطابهم نزيهاً عن رائحة الشرك، فقالوا: نحن أنصار الله وقد آمنا بالله ونشهدك على هذه الحقيقة.. وكأنهم بذلك
قد شعروا بأنّ المستقبل سيشهد انحرافاً عميقاً عن هذه الديانة وأن أفراداً سيدّعون ألوهية المسيح عليه السلام ولابد من عدم الاستسلام لمدّعاهم.
ودرن المعصية.
روي في كتاب ( عيون أخبار الرضا )عنه عليه السلام أنه سئل عن سبب تسمية أصحاب وتلامذة عيسى بالحواريين فقال الإمام عليه السلام: من الناس من يحسب أنّهم كانوا يشتغلون في غسل ثياب الناس، ولكننا نعرف أنهم قد طهروا قلوبهم من درن الذنوب وكانوا يسعون في تطهير الآخرين.. (1)
تحدّث القرآن المجيد في الآية (14) من سورة (الصفّ) عن الحواريين وأشار إلى إيمانهم، ولكن العبارات التي استعملها الإنجيل المتوفّر . بخصوص الحواريين تفيد بأنهم قد انحرفوا في تصوّرهم عن المسيح عليه السلام ...
وقد وردت أسماء الحواريين في إنجيل متى ولوقا في الباب السادس كالتالي: 1. بطرس 2. اندریاس 3. يعقوب 4. يوحناه فيلوس .6 برتولولما 7 .توما 8. متّى 9. يعقوب بن حلفا 10. شمعون الملقب بالغيور 11. يهودا أخو يعقوب 12 يهودا الاسخر بوطي؛ الذي خان بالمسيح عليه السلام. . نقل المفسّر المعروف المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان) أن الحواريين كانوا يتنقلون ويسافرون مع النبي عيسى عليه السلام وكانوا متى ما عطشوا أو جاعوا تنزل عليهم الشراب والطعام، فكانوا يتفاخرون بذلك ويقولون لعيسى عليه السلام هل هناك أرقى وأسمى منا؟
1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 79
فيجيبهم قائلاً: بلى، أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.. فراحوا يعملون في غسل الملابس وتحصيل الكسب (وقد علموا الناس درساً أنّ العمل والكسب ليس عيباً أو عاراً).(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 757
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
في هذه الآية نقلت عبارات تبيّن مدى إخلاص الحواريين، فهم . بعد قبول دعوة المسيح عليه السلام وإعلانهم الاستعداد لنصرته . أعربوا عن إيمانهم بالله وبمال أنزل من تعاليم، وعن اتباعهم للرسول الذي بعث، داعين أن يكتبهم في زمرة المشاهدينرَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .
بناءً على هذه الآية الكريمة، فقد كشف الحواريون عن إيمانهم بما أنزل الله تعالى.. وحيث كان الإيمان غير كاف لوحده، فقد أتبعوا ذلك بمسألة العمل بالتعاليم السماوية واتباعهم للنبي عيسى عليه السلام باعتبار أن العمل بالتعاليم شاهد حيّ على الإيمان والإخلاص.. لأنّ الإيمان إذا ما رسخ في روح الإنسان ووجدانه ظهر على هيئة التزام وعمل، أمّا إذا تجرّد الإيمان عن العمل، أو لم يكن العمل بمستوى الإيمان، كان الأخير مجرد حالة نظرية. ثمّ إنّهم طلبوا من الله تعالى أن يكتبهم في عداد الشاهدين، وهم قادة البشر المعصومين في هذا العالم، مضافاً إلى ما سيحظون به من المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة والشهادة والحجّيّة على الأعمال في يوم القيامة.
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
المكر في لغة العرب هو التخطيط والبحث عن طريق للحلّ، وهو أشمل من أن يكون حكراً على التخطيط السيئ (التآمر) أو التخطيط الصالح، فهو تارة يكون ذا نتائج سلبية أو إيجابية..
ذكر المكر في القرآن المجيد مقروناً بكلمة الخير والله خير الماكرين كما ذكر مقروناً بكلمة السوء ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .
لا ريب أنّ مكر الله وتخطيطه وتقديره يفوق مكر المخلوقين، لقلة معلوماتهم ومحدوديتها؛ فيما العلم الإلهي محيط بكل شيء.. فإذا أراد الناس تحقيق وتنفيذ مخططاتهم استعانوا بقدراتهم ومعلوماتهم المحدودة والناقصة أو الخاطئة، في حين أنّ قدرة الله تعالى لا حدود لها..
طبقاً للمقصود من هذه الآية والآيات العديدة الأخرى التي نسبت المكر إلى الله سبحانه، فإنّ أعداء المسيح عليه السلام وبمخططاتهم الشيطانية أرادوا منع هذه الدعوة الإلهية، ولكنّ الله بحفظه حياة نبيه وإنجاحه دينه خطط ونفّذ جملة أمور أدّت في النهاية إلى إفشال تلكم المخططات الشيطانية.. ويسري الأمر هذا إلى موارد عديدة أخرى..
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
المعروف لدى مفسّري الإسلام وبالاستناد إلى الآية (157) من سورة (النساء) فإنّ النبي المسيح عليه السلام لم يقتل أبداً (وقد نجا من مؤامرات اليهود وأعوانهم من خونة النصارى) فرفعه الله تعالى إلى السماء.
مع أنّ النصارى يدعون . استناداً إلى الأناجيل الموجودة . مقتل المسيح ثم دفنه ثم قيامه من بين الموتى، وأنه بقي لفترة قصيرة في الأرض ثم صعد به إلى السماء، فإنّ هذه الآية تؤكد بقاء عيسى عليه السلام على قيد الحياة: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ...
(توفّى) على وزن ترقى، من مادة وفي بمعنى تكميل الشيء، وأن يقال للعمل بالعهد وفاءً لتكميله والبلوغ به إلى التنفيذ والالتزام، وكذلك إذا استوفى أحد ماله من مال في ذمّة آخر بشكل تام؛ قيل: توفّى دينه، أي: أخذ واسترجع دينه بشكل كامل.
يتصوّر البعض أنّ مفردة (متوفّيك) مأخوذة من مادة الوفاة وهي الموت، ولذلك يظنون المنافاة بين العقيدة المعروفة بين المسلمين في عدم موت المسيح عليه السلام وبين القول ببقائه على قيد الحياة، في حين أنّ الأمر خلاف ذلك.. لأن مادة الفوت بمعنى الفقد للشيء.
استعمل القرآن كلمة (توفّى) بشكل مكرّر بمعنى الأخذ والاستيفاء وهو الذي يتوفاكم في الليل والنهار ويعلم ما جرحتم بالنهار ) وهنا؛ استعملت حالة النوم بمعنى استيفاء الروح.. وهذا المعنى جار في الآية (42) من سورة الزمر ) وآيات قرآنية أخرى.
صحيح أنّ مفردة (توفّى) تستعمل بمعنى الموت أيضاً، وأنّ المتوفّى هو الميت، ولكنّها حتى في هذا المورد لا تستعمل على سبيل الحقيقة وإنّ مادّة الفوت بعيدة عن مادة (وفي) بشكل عام.. وممّا تقدّم ، يكون معنى الآية محط التفسير واضحاً في أنه سبحانه يقول: يا عيسى! إنِّي آخذك ورافعك إلي (وطبعاً إذا كانت كلمة (توفّى) بمعنى أخذ الروح فقط، فإنّها تستلزم موت الجسم أيضاً).
7.المقصود من قوله تعالى: ومطهرك من الذين كفرواأنّ التطهير بمعنى التطهير من درن الكفّار أو التخليص من براثن غير المؤمنين وسطوتهم، أو من التهم الباطلة والمؤامرات الجبانة.. وهذا كله قد حصل وتمّ تحت مظلة انتصار عقيدته ودينه.. كما يمكن أن يكون
المقصود هو إخراج المسيح عليه السلام من الأجواء الملوّثة بالكفر التي كانت محيطة به، كما نقرأ فيما يتعلّق بنبي الإسلام صلّى الله عليه وآله :
إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر أي الذنوب التي نسبها الكفّار إليك زوراً وبهتاناً، كما أنه تعالى سيخلّص نبيه من الأجواء الملبدة التي اصطنعها الكفّار بمؤامراتهم ومكائدهم ضدّه صلى الله عليه وآله.. 8. هذه الآية من الآيات الإعجازية ومن جملة الإخبارات الغيبية الواردة في القرآن، حيث تؤكّد بأنّ أتباع المسيح عليه السلام سيرجحون على اليهود المعارضين له دوماً: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الهائل . حياتهم وكيانهم السياسي والاجتماعي . فيكون من الواضح أن المقصود من الذين كفروا هم جماعة اليهود الذين كفروا بالمسيح عليه السلام ورسالته المبشرة بنبي الإسلام صلّى الله عليه وآله.
مما يفهم من الأخبار والروايات الخاصة بظهور الإمام المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّ جميع الأديان والمذاهب ستخضع لسلطته ونفوذه لدى الظهور الشريف،(1)ذلك لأنّ الروايات المتعلّقة بدولة أهل البيت عليهم السلام تشير إلى أن عقيدة التوحيد (الإسلام) سوف لن تبقي بيتاً أو مدينة أو بلاداً إلّا ونفذت إليه، وهذا يعني أنّ الديانة الإسلامية ستحكم العالم باعتبارها الديانة الرسميّة، ولن تبقى سلطة لأي ديانة أخرى..ولكن ذلك لا يمنع من أن تبقى أقلية يهودية أو نصرانية تخضع لحماية الحكومة المهدوية ضمن شروط أهل الذمة المعروفة.
1) راجع: الكافي، ج 1، ص 432
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)
في هذه الآية؛ وفضلاً عن العذاب الأخروي الذي هو نتيجة الحكم الإلهي في يوم القيامة، فقد أشير إلى العذاب الدنيوي أيضاً، حيث سيحيق بالكافرين ومخالفي الحق والعدالة، هذا في الوقت الذي يعجز الجميع عن نصرهم وحمايتهم من حكم الله عزّ وجلّ.
أن تقديم مصير الكافرين في هذه الآية على مصير المؤمنين الذي سيرد في الآية التالية يأتي بداعي أنّ الذين كفروا بالمسيح عليه السلام هم الأكثرية..
إذ أشير إلى العذاب الدنيوي في هذه الآية، يعني أنّ المقصود بالكافرين بعيسى عليه السلام (هم اليهود في هذه الآية) حيث سيتعرّضون للعذاب والعقاب الأليم في هذا العالم.. وتاريخ الشعب اليهودي شاهد على هذا المدعى.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)
أنْ ورد في الآية السالفة الحديث عن الكفر ومصير الكافرين الدنيوي والأخروي فحسب، ثمّ يرد هاهنا الحديث عن الإيمان والعمل الصالح معاً، ففيه الإشارة إلى أن مجرد الكفر له أن يتسبب بالعذاب الإلهي، إلّا أنّ الإيمان لا يكفي . لوحده . للنجاة؛ وإنما لابد أن يقرن بالعمل الصالح.
قوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ كأنه ناظر إلى أنّ جميع شعب الكفر وأعمال السوء يوجزان في الظلم بمعناه الواسع والشامل، ومعلوم أنّ الله الذي لا يحبّ الظالمين لن يظلم عباده، وكذلك هو يوفّيهم أجورهم كاملة غير منقوصة؛ بل ويزيدهم من فضله ورحمته..
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
هذه الآية خطاب موجه إلى شخص الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله.
ورد بيان حقيقة سيرة النبي المسيح عليه السلام في القرآن بعيداً عن الخرافات والأباطيل، في حين عمد الآخرون . وللأسف . إلى تلويث سيرة هذا النبي الجليل بأشكال وأنواع الأساطير والأكاذيب والبدعذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)
كما تقدّم مفصلاً في بداية تفسير هذه السورة؛ فإنّ عدداً غير قليل من آيات هذه السورة كان عبارة عن ردّ على أقاويل نصارى نجران، وذلك أنهم قدموا المدينة بوفد يتشكل من ستين شخصاً ومعهم كبار شخصياتهم للتباحث مع الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله..
ومن جملة المسائل التي طرحت في تلكم الحوارات أنهم سألوا النبي صلّى الله عليه وآله قائلين: لأيّ أمر تدعونا؟ فقال صلوات الله عليه وآله: أدعوكم إلى الله الواحد الأحد وأنني رسول منه، وأنني أخبركم عنه سبحانه وكيف خلق المسيح، وأنه عبد من عباد الله، وأنه كان كسائر البشر يأكل الطعام.. ولكن نصارى نجران لم يقبلوا كلام الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وأصرّوا على القول بأنّ المسيح الذي ولد من غير أب شاهد بنفسه على كونه إلها.. فنزلت هذه الآيات، وكانت ردّاً وإجابة على دعاويهم.. وحيث لم يقبلوا الردّ القرآني بهذا الصدد، دعاهم القرآن على لسان الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله إلى المباهلة.. وسيأتي شرح هذه الدعوة لاحقاً..(1)
1) تفسير الامثل، ج 2، ص 75
دليل على كونه ابن الله أو أنه هو الألهة..
### الآية 60#### اشارةالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)#### النقاط المستفادة من هذه الآية6. هذه الآية تأكيد على ما مرّ في الآيات السالفة من هذه السورة المباركة، إذ توضح بأنّ ما يُتلى من قصة المسيح عليه السلام وكيفيّة ولادته ومقامه هو الحق من منزل القرآن، ولأنه حق فلا تكن أيّها المؤمن من الشاكين المتردّدين ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . 2. أنّ الثبات والحقانية غير متوفّرين إلا في كلام الله وسبيله وقانونهالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ سبحانه وتعالى.
الف: حيث العبارة مركبة من مبتدأ وخبر (الحق مبتدأ، ومن ربّك خبر) فيكون المعنى: أنّ الحق من الله دوماً، لأنّ الحق يعني الواقع، والواقع عين الوجود، والوجود كله عائد ويفيض عنه سبحانه، فيما الباطل عدم والعدم غريب بعيد عن ذاته المباركة المتعالية.
ب: أو تكون العبارة المشار إليها خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: تلك الأخبار، أي: أنّ ما يتلى عليك يارسول الله حقائق كلّها تنزل من جهة الله تعالى. والمعنيان والاحتمالان يناسبان سياق الآية.
كلمة (الممترين) من المرية بمعنى الشكّ والترديد، ومثل هذه الآية؛ الآية (137) من سورة (البقرة)، وبهذه الآية يتضح ويتأكّد بأنّ الحديث الحق والثابت لا يصدر إلا عنه سبحانه وتعالى الذي هو الحق والثابت أصلاً، وإلا فإنّه لا يتوقع صدوره عن البشر المعرضين لعواصف وأعاصير الرغبات والغرائز.
لا ينبغي أن نسمح لكثرة المخالفين ولمساعيهم وثرواتهم وإعلامهم بالتأثير في إيماننا وعقائدنا فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
قالوا إنّ هذه الآية والآيات السابقة عليها تتعلّق بالمباهلة مع النصارى الذين قدموا من منطقة نجران وكان يتقدّمهم اثنان من كبارهم وهما عاقب وسيّد فنزلت هذه الآيات في هذه الحادثة العظيمة.. إذ قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وقالوا: هل رأيت ولداً قد ولد من غير أب؟ فنزل قوله سبحانه:إنّ مثل عيسى عند الله... وحينما دعاهم النبي إلى المباهلة، طلبوا منه المهلة إلى غدهم..وحينما رجعوا إلى عظماء نجران، قال لهم الأسقف (كبيرهم الديني: انظروا إلى محمد غداً، فإن جاء بأولاده وأهل بيته للمباهلة؛ فاخشوا مباهلته، وإن جاء مع أصحابه فباهلوه واعلموا أنه ليس على شيء..)حينما حلّ الغد، قدم رسول الله صلوات الله عليه وآله وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام يتقدّمهما الحسنان عليهما السلام، فيما كانت الصدّيقة الزهراء عليها السلام تمشي خلفهم.. [ أو تتوسطهم] فتقدّم النصارى فيما كان الأسقف يتبعهم، وحين نظر؛ رأى النبي وقد جاء بأهل بيته فحسب، سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه وأحب الخلق إليه، وهذان ولداه من ابنته وابن عمه ، أما السيّدة التي معهم فهي ابنته فاطمة؛ وهي أعز الناس لديه وأقربهم إلى قلبه..فقال السيّد للأسقف: تقدّم للمباهلة.
فقال الأسقف: لا أتقدم، وإنّي أرى رجلاً قد تجرّأ على المباهلة بلا وجل وأخشى أن يكون محقاً صادقاً، ووالله إن كان محقاً صادقاً فإنّه لن يمضي علينا عام حتى لا يبقى نصراني على وجه الأرض يشرب الماء.وجاء في رواية أخرى:قال الأسقف للنصارى: إنّي أرى وجوهاً لو طلبت من الله أن يزيل الجبال لأزالها لأجلهم، فلا تباهلوهم أبداً لئلا تهلكوا ولا يبقى نصراني على وجه الأرض إلى يوم القيامة. ثمّ إنّ الأسقف قال للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله: نحن لا نباهلك على أن تصالحنا، فصالحهم رسول الله صلوات الله عليه وآله على ألفي حلّة قطعة قماش فاخرة وكانت قيمة كلّ حلّة أربعين درهماً، وعلى أن يعيروا المسلمين ثلاثين درعاً وثلاثين رأس رمح وثلاثين من الخيل، وقد ضمن النبي صلى الله عليه وآله هذه العواري حتّى تعاد إليهم وكتب معهم كتاباً بمثابة العهد بين الطرفين..(1)هذا والحال أنّ اليمن كانت تشهد حياكة مؤامرة ضد المسلمين..)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. نزل في هذه الآية الأمر إلى النبي صلّى الله عليه وآله بعدم الاستمرار في مجادلة القائلين بألوهيّة عيسى عليه السلام بعد الاستدلال لهم بالأدلة الواضحة والقاطعة وتحديهم بمقترح المباهلة وأن يأتوا بأولادهم ونسائهم وأن يأتي النبي بأبنائه ونسائه ونفسه، فيدعو الطرفان ليفتضح الكاذب..2. رغم عدم ورود التصريح بنتيجة وتأثير المباهلة، إلا أن هذه العملية باعتبارها السلاح الأخير، وبعد عدم تأثير المنطق والاستدلال لدى الحوار، فإنّ الهدف من المباهلة ظهور الأثر الخارجي للعن والملاعنة، وأنه ليس مجرد لعن بسيط وبلا هدف.. ولم يكن الهدف منها .
1) مجمع البیان، ج 2، ص 762
بطبيعة الحال . جمع الأفراد والتلاعن فيما بينهم ثمّ التفرّق عن بعضهم.. لأنّ هذا العمل لوحده غير ذي فائدة.. بل كان المقصود منه هو اللعن المؤثر، وباتضاح تأثيره.. يتورّط الكاذبون بالعذاب ويفتضحون..3. لا ريب أنّ خوض هكذا ساحة أمر خطير جداً، فما لم يستجب دعاء المباهل ولم يتضح أمر العقوبة على المخالفين المعاندين، فإنّه لن يعود عليه بغير الفضيحة.. ترى كيف يمكن لمدّعي الارتباط التامّ والمطلق بالربّ وهو لا يؤمن بحتمية إجابة دعائه أن يخوض هذا التحدّي، وأن يدعو مخالفي دعوته إلى التلاعن والطلب من الله تعالى أن يفضح الكاذب، وأن يعهد إليهم أنهم سرعان ما سيرون نتيجة خلافهم وعنادهم، وأنّه عزّ وجلّ سيعاقب الكاذب؟ وكيف يمكن لعاقل ناضج أن يضع قدمه في ساحة التحدّي دون أن يكون مطمئناً سلفاً للنتيجة؟ من هنا قالوا إنّ الدعوة النبوية للمباهلة من الدلائل على صدق النبي وإيمانه القاطع؛ بغضّ النظر عن النتائج التي ستحصل بعد وقوع المباهلة.#### المباهلة والكشف عن منازل أهل البيت عليهم السلام4. المباهلة وثيقة حية تؤكد عظمة أهل البيت عليهم السلام، وذلك أنّ أكثر المفسّرين والمحدثين الشيعة وغيرهم قد صرّحوا بأن آية المباهلة قد نزلت بحق أهل بيت النبي صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وأنّ النبي لم يصطحب معه إلى موضع المباهلة إلا ولديه الحسنين عليهما السلام وابنته الصدّيقة الزهراء سلام الله عليها ونفسه المتمثلة بعلي عليه السلام وعليه؛ يكون المقصود من (أبنائنا في الآية الكريمة منحصراً في الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، كما أن المقصود من (نسائنا) منحصراً في الزهراء فاطمة عليها السلام والمقصود من (أنفسنا) منحصراً في أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نقلت روايات كثيرة جداً بهذا الصدد.)5. رغم أنّ بعض مفسري المخالفين. وهم القلة القليلة . سعوا إلى إنكار ورود أخبار وروايات
في موضوع المباهلة وأنّها خاصة بأهل البيت عليهم السلام وفضلهم، كقول صاحب تفسير (المنار في ذيل هذه الآية بأنّ هذه الروايات وردت جميعاً من طرق الشيعة..(1)والهدف من مساعي هذا المفسّر وأضرابه واضح معلوم، حتى أنهم أوقعوا العديد من علماء المخالفين في شبهة... ولكن عملية مراجعة للمصادر الأصلية للمخالفين توضح أنه على الرغم من كلّ النصب والعداوة والتعصب . كما هي لدى صاحب (المنار ) فإنّ العديد من طرق تلك الروايات لا تنتهي بالشيعة وكتب الشيعة أبداً، ولو تقرّر إنكار ورود هذه النصوص عن طرق المخالفين، فإنّ جملة ما رووا وجملة كتبهم ستسقط عن الاعتبار.)6. لإيضاح هذه الحقيقة، عمد الشهيد قاضي نور الله الشوشتري في كتابه (إحقاق الحق المجلد الثالث الصفحة (46) من الطبعة الحديثة إلى ذكر قسم من روايات المخالفين في هذا الباب مع مصادرها، فقال: اتفق المفسرون على أنّ كلمة (أبناء نا) أريد بها الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام، وأنّ المراد من كلمة (نساء نا) فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنّ المقصود من كلمة (أنفسنا) هو علي عليه السلام كما ذكر الشوشتري في هوامش كتابه المذكور حوالي (600) من علماء المخالفين ممن صرّحوا بأنّ آية المباهلة قد نزلت في فضل أهل البيت عليهم السلام كما ذكر أسماءهم وصفات كتبهم من الصفحة (46 إلى 76) من كتابه الشريف.)ومن جملة الأشخاص المبرزين الذين نقل عنهم القول في هذا الموضوع:*مسلم بن الحجاج النيشابوري صاحب كتاب (الصحيح المعروف، وهو من الصحاح الستة المعتمدة عند المخالفين ذكر ذلك في المجلد السابع؛ الصفحة (120) . طبعة محمد علي صبيح . مصر .)
1) تفسير المنار، ج 3، ص 322
* أحمد بن حنبل في كتابه المسند، ج1، ص185 ، ج 3، ص192، ط الميمنة، مصر.* الحاكم في كتابه (المستدرك ج 3، ص 150، ط حیدر آباد، الدكن.)* الفخر الرازي في تفسيره المعروف ج8، ص 85، ط البهية، مصر.* الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه (دلائل النبوة ص 297، ط حیدر آباد.)* الواحدي النيشابوري في كتابه أسباب النزول ص74 الهندي، مصر.)* ابن الأثير في كتاب (جامع الأصول ج 9، ص 470 ط السنة المحمدية، مصر.)* ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 17، ط النجف.القاضي البيضاوي في تفسيره ج 2، ص 22 ط المصطفى محمد، مصر.* الآلوسي في تفسير روح المعاني ج 3، ص 167، ط المنيريّة، مصر.)الطنطاوي؛ المفسّر المعروف في تفسير (الجواهر ج 2، ص120 ط المصطفى البابي الحلبي، مصر.) الزمخشري في تفسير (الكشاف ج1، ص 193 ط المصطفى محمد، مصر.)* الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه (الإصابة ج 2، ص 503 ، ط المصطفى محمد، مصر.)* ابن الصباغ في كتاب الفصول المهمة ص 108 ط النجف.* العلّامة القرطبي في تفسير (الجامع لأحكام القرآن ج 3، ص104، ط مصر، سنة 1936.7. نقل في كتاب ( غاية المرام عن (صحيح مسلم) في باب فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّ معاوية قال لسعد بن أبي وقاص ذات يوم:)لمَ لا تلعن وتسب أبا تراب . والعياذ بالله .؟ فقال سعد: صرفت النظر عما تريد منذ أن تذكرت قول النبي في علي ثلاثة أمور إحداها حين نزلت آية المباهلة ولم يصطحب غير فاطمة
والحسن والحسين وعليّ وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(1)8. قال مؤلّف تفسير (الكشاف وهو من أعاظم المخالفين في ذيل هذه الآية: هذه الآية أقوى دليل على إثبات فضيلة أهل الكساء(2).)9. أجمع مفسّرو ومحدوثو ومؤرخو الشيعة عموماً على نزول هذه الآية في أهل البيت عليهم السلام، وقد أورد صاحب تفسير( نور الثقلين روايات جمّة بهذا الصدد،(3)مثل الرواية التي نقلها الشيخ في (عيون أخبار الرضا عليه السلام) فيما يتعلق بمجلس مناظرة أقامه المأمون العبّاسي بخصوصه فكتب قال الإمام الرضا عليه السلام: قد حدد الله تعالى الطاهرين من عباده في آية المباهلة وأمر رسوله بالقول:﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا...) فاصطحب النبي صلى الله عليه وآله بعد نزول هذه الآية عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام إلى المباهلة، وهذه خصيصة لم يسبق أهل البيت عليهم السلام أحد ، وهي فضيلة لم يبلغها إنسان، وهي شرف لم يحظ به أحد قبلهم. (4)
أَبْنَاءَنَا هما الحسن والحسين عليهما السلام والحال أنّ الأبناء كلمة جمع؛ والجمع لا يقال للاثنين؟ وكيف يمكن أن يكون المقصود بكلمة ( نساء نا) التي سيّدة الإسلام فاطمة الزهراء سلام الله عليها؟ وإن كان المقصود من كلمة (أنفسنا) عليّاً عليه السلام فقط ؟ ترى ما السبب في استعمال صيغة الجمع هنا؟!
الجواب:
أوّلاً: نحن نعلم أنّ من جملة القرائن التي تفسر آيات القرآن هي السنة وشأن النزول القطعي، ولهذا؛ وطبقاً لإجماع علماء الإسلام والأحاديث والروايات المستفيضة الواردة في العديد من المصادر المعروفة والمعتبرة والأعم من كونها شيعيّة أو سنّيّة . بخصوص ورود هذه الآية في فضائل أهل البيت عليهم السلام ممّا وصلنا، وقد جاء فيها التصريح بأنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يصطحب غير علي وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين إلى موضع المباهلة، وهذه قرينة واضحة وجليّة لتفسير هذه الآية، وعلى هذا؛ فإنّ الإشكال الموجود لا يرد على الشيعة، بل إنّ علماء الإسلام يتوجب عليهم الإجابة على ذلك.
ثانياً: أنّ استعمال صيغة الجمع للمفرد أو للمثنى ليس بالأمر الجديد، وقد وردت في القرآن المجيد نماذج عديدة استعمل فيها الجمع للمفرد؛ وكان مصداقها منحصراً في فرد من الأفراد لجهة من الجهات.. مثل قوله تعالى: الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم....(1)وكان المقصود من (الناس) هنا وطبقاً لتصريح جمع من المفسرين هو (نعيم بن مسعود) الذي كان أخذ أموالاً من أبي سفيان ليأتي المسلمين ويخيفهم من المشركين.. وكذلك قوله تعالى:لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء(2)وكان المقصود من (الذين) الوارد في هذه الآية؛ وطبقاً لتصريح جمّ من المفسرين هو (حيّ بن أخطب) أو (الفنحاص).
ثالثاً: أنّ استعمال صيغة الجمع للمفرد أو المثنّى في غير القرآن من الجاري في الأدب العربي وحتى غير العربي، وهو كثير الوقوع، وطالما يحدث لدى بيان مسألة قانونية؛ أو تدوين معاهدة؛ فإنّ الصيغة ترد بصورة عامة وبصيغة الجمع، ذلك أنّنا في مثل هذه الموارد نواجه
مرحلتين مرحلة العقد؛ حيث ترد الألفاظ وتذكر بصورة الجمع لتنطبق على جميع المصاديق ، ولكن في مرحلة التنفيذ يمكن أن ينحصر المصداق في فرد واحد، وهذا الانحصار في المصداق لا يتنافى مع كلّيّة المسألة، فيكتب في ذيل المعاهدة أو مسوّدة العقد العبارة التالية: مسؤول تنفيذ هذه المعاهدة أو هذا العقد؛ الموقعون وأولادهم، في حين أن من الممكن أن يكون طرفا المعاهدة أو العقد شخصاً أو شخصين..
رابعاً: أن جهة الخطاب في هذه الآية كانت جموع المسلمين والنصارى، وكان من المتوقع أن تشترك المجموعتان في عملية المباهلة، ولهذا وردت الضمائر بصيغة الجمع حيث كان المخاطبون نصاری نجران والمسلمين، ولكن من وجهة النظر الأدبية ولأنهم كانوا جمعاً، فقد وردت العبارة لإضفاء هيئة جميلة؛ فجاءت جمعاً، رغم أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله مكلّف وطبق المعاهدة التي كتبها مع نصارى نجران أن يأتي بجميع أبناء ونساء أهل بيته وجميع الذين هم بمنزلة نفسه إلى موضع المباهلة، ولكنّ مصداق هؤلاء لم يكن سوى ابنين وامرأة واحدة ورجل واحد.
خامساً: تطلق صيغة الجمع على الفرد الواحد للتبجيل والاحترام، كما نقرأ عن النبي إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا الله وكلمة أمة هنا اسم جمع أطلقت على فرد واحد..
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ***بنوهن أبناء الرجال الأباعد
إنّ هذا الشكل من التفكير وليد هكذا سنّة خاطئة لا تعتبر الجاهلية العربيّة النساء
والبنات أعضاء أصليات في البناء الاجتماعي، بل وتعدّها مجرّد أوعية للإنجاب والخدمة، كما قال شاعرهم:
وإنّما أمهات الناس أوعية*** مستودعات وللأنساب آباء
ولكنّ الإسلام أدان هذه الثقافة الجاهلية وعمل وأمر بتهديمها، وعد أبناء البنات كأبناء الأبناء، كما نقرأ في قوله تعالى عن أولاد إبراهيم عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ(1).
وفي هذه الآية اعتبر القرآن الكريم النبي عيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام ،في حين أن عيسى ينتسب إليه من البنت (مريم) حيث لم يكن له أب..
1) سورة الأنعام / 84 - 85.
يستفاد من الروايات الواردة في المصادر الإسلامية عمومية حكم المباهلة تجاه الأعداء المعاندين، وقد نقل في تفسير (نور الثقلين) عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام قوله أنّ لكم أن تدعوا مخالفيكم ممن لا يقبل الحق إلى المباهلة.. قال الراوي: فسألته عن كيفية المباهلة؟ فقال: انصحه . المخالف. في ثلاثة أيام.. وأظنّه قال: صم يوماً واغتسل واخرج إلى الصحراء مع من تريد مباهلته، ثمّ اشبك أصابع يدك اليمنى في أصابع يده اليمنى وابدأ بنفسك وقل: إلهي! أنت رب السماوات السبع والأرضين السبع والعالم بخفايا أسرار الخلق، وأنت الرحمن الرحيم فإن أنكر مخالفي الحق وكانت دعوته باطلة فأنزل عليه بلاءً من السماء وابتله بعذاب أليم.. ثمّ أعد هذا الدعاء وقل: إن أنكر هذا الحق وادّعى الباطل فأنزل عليه من السماء بلاء وابتله بعذاب أليم، ثمّ قال عليه السلام لن يمضي وقت حتى تجد ثمرة هذا الدعاء الصريح ووالله لم أجد من يقوى على مباهلتي بذلك..(1)
يفهم من هذه الآية وخلافاً لمن يذهب إلى أنّ الإسلام هو دين الرجال وأنه لا يكرم النساء ولا يجلّهنّ ، فإنّ الإسلام يشرك النساء في تحقيق الغايات الإسلامية الفذة بمعيّة الرجال في مواجهة الأعداء.. وخير شاهد على ذلك الصفحات المشرقة التي سطرتها سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام وابنتها زينب الكبرى عليها السلام ونساء أخريات عشن التاريخ الإسلامي..
1) نور الثقلين، ج1، ص 351
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)
كلمة ( هذا ) الواردة في هذه الآية إشارة إلى القصص الواردة عن عيسى عليه السلام والمعنى يكون أنّ المطالب التي ذكرها القرآن بخصوص عيسى عليه السلام هي الحق، وليس ما ادعاه النصارى بهذا الصدد.
استعمال حرف (إنّ) وحرف اللام في الضمير المنفصل (هو) في الآية (فهو) لتأكيد المطلب بشكل تام، وبالنتيجة هو: تشجيع للنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله على المباهلة ليقوم بإيمان كامل ويقين وبصيرة وثقة مطلقة بوحي الله النازل عليه..
مفردة (القصص ) كلمة بمعنى القصّة، ولغةً هي من مادّة: (قص) على وزن صف بمعنى البحث عن الشيء، كما الوارد في قصّة النبي موسى بن عمران عليه السلام: وقالت لأخته قصيه لتبحث الأخت عن أخيها موسى عليه السلام، كما تستعمل في استيفاء القصاص، حيث يبحث عن حق صاحب الدم. كما يقال: قصّة للبحث والتحقيق في قصص الماضين.
مفاد جملة َمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ تبعاً للتأكيد السابق؛ تأكيد للمرة الثانية ينتهي إلى حقيقة الانتصار في المباهلة أو الأمور الأخرى وأنّها بعهدة الله تعالى، بالإضافة إلى أنّ القصص المذكورة بمثابة دليل قاطع على وحدانية المعبود وتوحيد الربوبية.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عطف على مبدأ كلمات الآية، أو تأكيد شديد وتشجيع آخر بالنسبة للرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وكأنه تعالى يريد القول بأنه غير
عاجز عن نصرة الحق وتأييده وهو غير غافل عن هذا العمل ولا يهمل أمور المخلوقين وهو العالم بكل شيء، لأنه العزيز الجبّار..
6 . ممّا تقدّم يتضح السبب في إيراد هذين الاسمين الجليلين من بين جميع أسماء الله الحسنى في هذه الآية، لأنه ذو العزة المطلقة وغير العاجز عن تحقيق ما يشاء، ومن له الحكمة المطلقة، لا يجد الجهل طريقاً إليه ولا يهمل أمراً من الأمور (فالله العزيز الحكيم هو المعبود الحق ، وليس الآلهة التي ادعاها أعداء الحق بأوهامهم) (العزيز الحكيم).
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
2 . إنّ الذين يحجمون عن قبول واستيعاب هذه الحقائق يعرّضون أنفسهم للتهديد والإنذار لطبيعتهم وسلوكهم الفاسد فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ .
.4. قوله عزّوجل :فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ تأكيد على أنه سبحانه عليم بأنّ صفة الإفساد قد تجذرت في قلوبهم.. ولهذا رأيتهم قد أعرضوا عن خوض المباهلة مع علمهم بحقانية نبي الإسلام صلوات الله عليه وآله، وقبلوا تقديم الجزية عليها، وعلى هذا الأساس ومع معرفتهم بالحق لم يقبلوه، فكان سلوكهم وموقفهم هذا تأييداً وتصديقاً لمفهوم ومنطوق الآية الجليلة.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
نموذجان تاريخيّان من الوثائق النبوية الخاصة بما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد نزول هذه الآية الشريفة بهدف تبليغ ونشر الإسلام ودعوة النصارى إليه :
النموذج الأول: كتاب النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله إلى المقوقس؛ عظيم أقباط (نصاری) مصر:
«بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولّيت فإنّما عليك إثم القبطقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»(1).
حينما كان المقوقس يحكم مصر والمصريين، وكان النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله يبعث بالكتب والرسائل إلى ملوك وحكّام الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام.. فكان أن أمر صلوات الله عليه وآله أحد المسلمين وكان يسمّى (حاطب بن أبي بلتعة) أن يحمل كتابه إلى المقوقس حاكم مصر.. فانطلق هذا المبعوث السفير إلى أرض مصر.. وعلم هنالك أنّ المقوقس في
1) مكاتيب الرسول صلى الله عليه و آله، ج2، ص 416 و 417 .
مدينة الإسكندرية، فدخلها حتى جاء قصر المقوقس وسلّم رسالة النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله له، فقرأها المقوقس فأطرق مفكراً لفترة ثمّ قال : إن كان محمد رسولاً من الله حقاً، فلمَ أخرجه أعداؤه من مسقط رأسه (مكّة) واضطر إلى الإقامة في يثرب ؟ فلم لم يلعنهم ويدعو ربه عليهم فيصيبهم الهلاك؟
فقال حاطب مجيباً ولكن عيسى عليه السلام كان رسولاً من الله وأنت تعلم صدقه وحقانيته، فلمَ لمْ يلعن بني إسرائيل حينما تأمروا لقتله ولم لم يدعو عليهم فيهلكوا؟
فأعجب هذا الجواب المقوقس واستحسنه حتى قال لحاطب : «أحسنت؛ أنت حكيم من عند حكيم».
ثمّ أضاف حاطب قائلاً: كان فرعون يحكم هذه الأرض قبلك وكان يدعي الألوهية، فدمره الله وأهلكه لتكون سيرته عبرة لكم، فعليك أن تحرص على أن لا تكون سيرتك عبرة لمن يأتي بعدك .. إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد دعانا إلى الإسلام ولكن قريشاً حرصوا على منازعته، وكذلك فعل اليهود، ونعلم أنّ النصارى أقرب الناس إلى الإسلام.. وإنّي لأقسم بأنه كما بشّر موسى عليه السلام بعيسى المسيح عليه السلام، كذلك بشر المسيح عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله.. وها نحن ندعوكم إلى الإسلام كما دعوتم أهل التوراة إلى الإيمان بالإنجيل.. وإنّ كلّ قوم يسمعون دعوة النبي الحق وجب عليهم اتباعه.. وقد أبلغتُ أهل هذه البلاد نداء ودعوة محمّد صلّى الله عليه وآله، فمن الجدير بكم وبرعيّتكم أن تستجيبوا وتلبّوا هذه الدعوة الحقة...
وانتظر حاطب فترة حتّى يسمع ردّ المقوقس على كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله.. ومرّت بضع أيام حتى استدعاه المقوقس إلى قصره وطلب إليه مزيداً من الإيضاح والتوضيح عن دين وأحكام الإسلام..
فأجابه حاطب قائلاً: لقد دعانا محمّد صلوات الله عليه وآله إلى عبادة الله الواحد الأحد، وأمر الناس أن يصلّوا في اليوم والليلة خمس صلوات، وأن يصوموا شهراً من كل عام، وأن يحجوا إلى بيت الله، وأن يفوا بعهودهم، وأن يكفّوا عن أكل الميتة... ثمّ إنّ حاطباً راح يحدث المقوقس بأمور عن أخلاق النبي وصفاته وسيرته..
فقال المقوقس هذه صفات طيبة، ولقد كنت أظنّ أن خاتم الأنبياء يظهر في بلاد الشام باعتبارها أرض الأنبياء، فاتضح لنا أنه ظهر في الحجاز..
ثمّ إنّ المقوقس أمر كاتبه أن يكتب كتاباً بالعربية لرسول الله صلى الله عليه وآله يرد فيه:
«إلى محمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، لك التحيّة، قد قرأت كتابك وعلمت قصدك وعرفت حقيقة دعوتك، وإنّي لأعلم أنّ نبياً قد ظهر ولكن كنت أتصوّره في أرض الشام.. وقد أجللت رسولك ثمّ إنّه أرفق مع الكتاب هدايا للنبي الأكرم صلوات الله عليه وآله
وأشار إليها في كتابه، ثمّ ختمه بعبارة: «السلام عليك»..
وقد ذكر في التأريخ أنّ المقوقس بعث إلى النبي صلوات الله عليه وآله إحدى عشرة هدية، وقد ذكرها بعض المؤرّخين بخصوصياتها.. وكان من جملتها طبيب بعثه المقوقس إلى النبي ليعالج مرضى المسلمين.. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قبل الهدايا؛ لم يقبل هذا الطبيب وقال: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع، وهذا يكفي لسلامتنا...» (1)(وفضلاً عن هذا الأسلوب الصحي العظيم، فلعل النبي لم يقبل هذا الطبيب الذي كان نصرانياً متطرفاً حسب القاعدة، فلم يرغب النبي في تسلّطه على سلامة المسلمين أو سلامته).
أمّا تبجيل المقوقس للمبعوث النبوي وإرساله كلّ تلكم الهدايا، وتقديمه اسم الرسول الأكرم على اسمه يحكي استجابته الباطنية لدعوة النبي الحقة، أو ميله إلى الإسلام على
1) راجع نفس المصدر، ص 421 إلى 426.
الأقل، إلا أنه أحجم عن إعلان ذلك حفاظاً على ملكه وسلطته..
النموذج الثاني: كتاب النبي صلّى الله عليه وآله إلى قيصر الروم :
بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولّيت فإنما عليك إثم الاريسينقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (1).
وكان المكلّف بحمل الكتاب النبوي إلى قيصر رجل يدعى (دحية الكلبي) فاتجه إلى روما، ولكنّه قبل أن يصل القسطنطينة مركز الحكومة القيصرية . الصيفية . علم أنّ هذا الأخير قد غادر القسطنطينة إلى بيت المقدس، ولذا؛ فقد اتصل دحية الكلبي بحاكم مدينة بصرى؛ الحارث بن أبي شمر وأفصح له عن مهمته، ولعلّ النبي صلى الله عليه وآله كان قد أذن بتسليم الكتاب إلى حاكم بصرى ليقوم هو بإيصاله إلى القيصر.. وبعد أن اتصل سفير النبي بحاكم بصرى، استدعى هذا الأخير واليه (عدي بن حاتم )وأمره بالانطلاق مع دحية الكلبي نحو بيت المقدس لإيصال الكتاب إلى القيصر.. وقد حدث اللقاء في مدينة حمص.. وقبل اللقاء كان أفراد حاشية القيصر قد أشاروا عليه بالسجود في محضر القيصر لضمان احترامه واستقباله له.. فقال دحية الذي كان نبهاً: إنّما قطعت كلّ هذه المسافة المديدة لإزالة هذه العادات الباطلة.. ولقد جئت بهذا الكتاب من صاحبه لأحمل القيصر على ترك عبادة البشر وأن لا يعبد إلا الله.. فكيف لي أن أسجد لغيره سبحانه وتعالى، فأعجب هذا المنطق الرصين حاشية القيصر، وقال له أحدهم إذا كان الأمر كذلك؛ لك أن تضع الكتاب على طاولة مخصوصة
1) نفس المصدر، ص 390 و 391
للقيصر ثم تعود إلى ورائك، فإنّ القيصر وحده هو الذي سيرفع الكتاب.. فشكر له دحية هذا الاقتراح ووضع الكتاب على الطاولة وعاد.... حين فتح القيصر الكتاب أثارت انتباهه عبارة «بسم الله» التي تصدرت الكتاب، فقال: لم أرَ غير رسالة سليمان كانت على هذا النحو، ثمّ استدعى المترجم ليقرأ عليه نص الكتاب ويترجمه له..
ظنّ حاكم روما أنّ كاتب الكتاب هو نفسه النبي الموعود والمذكور في التوراة والإنجيل؛ فرغب في مزيد الاطلاع على صفاته وخصوصياته، فأمر بالبحث في الشام كلّها عمّن يتصل بالرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله بصلة قرابة أو معرفة.. وصادف أن كان أبو سفيان وبعض من صحبته في سفرة تجارية إلى الشام التي كانت جزءاً تابعاً لروما الشرقية، فخاطبهم مأمور القيصر وجاء بهم إلى بيت المقدس حيث كان القيصر، فسألهم هذا الأخير عما إذا كان فيهم من تصله القرابة بمحمد صلوات الله عليه وآله فقال أبو سفيان: أنا من أقارب محمد، فراح القيصر يسأله عن النبي الخاتم، وكان مما دار بينهما أن سأله القيصر:
-كيف هو نسب محمد ؟
أبو سفيان: هو من العوائل الأصيلة والشريفة.
القيصر : هل كان من أسلافه من حكم الناس؟
أبو سفيان: لا.
القيصر : هل كان يمتنع عن الكذب قبل ادعائه النبوة؟
أبو سفيان: نعم؛ إنّ محمداً هو الصادق الأمين.
القيصر : مَن من قريش عارضه، ومن منهم آمن به؟
أبو سفيان: الأشراف كفروا به ؛ والضعفاء والبسطاء آمنوا له.
القيصر : هل من أتباعه من ارتد عنه ؟
أبو سفيان: لم يرتد عنه أحد.
القيصر: هل أتباعه في زيادة أم نقصان؟
أبو سفيان: بل في زيادة.
ثمّ إنّ القيصر قال لأبي سفيان ومن كان معه :إذا كان كلامكم صحيحاً، فلا بد أن يكون محمد هو النبي الموعود، وإنّي لعلى علم بأنّ نبياً كهذا سيظهر، ولكنني لم أعرف أنه سيكون من قريش.. وإنّي لعلى استعداد للخضوع له وغسل قدميه وكان غسل القدم من جملة التقاليد النصرانية آنذاك في تلك الفترة للإشارة إلى مطلق الاحترام وأتوقع أن دين محمد وحكومته سيعمّان أرض الروم..
ثم استدعى القيصر دحية الكلبي واستقبله بكل احترام وحمّله كتاباً للنبي صلّى الله عليه وآله وهدايا وأعرب له عن حبّه واحترامه لنبي الإسلام.(1)
الآيات السالفة تضمّنت الدعوة إلى الإسلام بكل خصوصياته وشؤونه، إلا أن هذه الآية كانت الدعوة فيها إلى النقاط المشتركة بين الإسلام وديانات أهل الكتاب الأخرى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم .
يعلّمنا القرآن بهذا الأسلوب الاستدلالي، أنّ أحداً إذا لم يكن على استعداد للاشتراك في
1) راجع نفس المصدر، ص 399 إلى 404
جميع الأهداف، فلابد من التنزّل إلى مقدار معيّن ومحدّد من الأهداف، لتكون بمثابة القاعدة إلى التقدّم نحو المشتركات والأهداف الأخرى.
هذه الآية الشريفة بمثابة نداء دعوة إلى محوريّة الوحدة مقابل جميع الديانات السماوية ولذا؛ خاطبت النصارى بالقول: أنتم تدعون التوحيد، بل وتقولون إن مسألة (التثليث) وهي الإيمان بثلاثية الآلهة لا تتنافى والتوحيد، ولذا؛ فأنتم قائلون بالوحدة في التثليث.. وكذلك هم اليهود؛ حيث في الوقت الذي يقولون بأنّ العزيز ابن الله، إلا أنهم يدعون التوحيد.. وعليه؛ فإننا . المسلمون . وأنتم نشترك في أصل التوحيد.. ثمّ لنعمل على إحياء هذا الأصل والابتعاد عن التفاسير الباطلة المؤدّية إلى الشرك والبعيدة عن التوحيد الخالص..
جرى التأكيد في هذه الآية بعبارات ثلاث مختلفة على مسألة وحدانية الله تعالى.. في البدء قالت الآية :ألا نعبد إلا الله وفي الوسط قالت :لا نشرك به شيئاً وفي العبارة الثالثة قالت:ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.
قوله تعالى: ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله إشارة لطيفة إلى حقيقة أنّ المسيح عليه السلام واحد من أفراد الإنسان ولا يجدر اتخاذه ربّاً..
حيث أن كلمة أرباباً صيغة جمع، وعليه؛ لا يمكن حصر الاستفادة من هذه الآية الكريمة فقط في النهي عن عبادة عيسى عليه السلام، ولكن من الممكن أن يكون المقصود من هذه الآية هو النهي عن عبادة المسيح عليه السلام وعن عبادة العلماء المنحرفين أيضاً.
يستفاد من الآيات القرآنية أنّ من بين أهل الكتاب من حرّف أحكام الله تعالى طبقاً لمنافعه وغاياته.. والمنطق الإسلامي يعدّ من يتبع هؤلاء العلماء المنحرفين المحرفين بلا قيد أو شرط شكلاً من أشكال العبودية، ذلك أن عملية التقنين والتشريع أمر عائد إلى الله وحده لا شريك له، ومن يعد أحد الناس له صلاحية التشريع . على سبيل الاستقلال عن حكم الله
وإرادته . فهو قائل بالشريك الله تعالى لا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله .
تبعاً لهذه الآية نقل المفسرون أنّ عدي بن حاتم كان نصرانياً ثم أسلم، ففهم بعد نزول هذه الآية التي أوردت كلمة أرباباً أنّ القرآن المجيد يشير إلى أن أهل الكتاب يعبدون بعض علمائهم وأحبارهم، ولذا قال للنبي صلّى الله عليه وآله: نحن لم نكن نعبد علماءنا.. فقال صلوات الله عليه وآله: هل تعلم أنهم كانوا يسوقون أحكام الله بأهوائهم وقد كنتم تتبعونهم ؟ فقال عدي : نعم، فقال صلى الله عليه وآله: هذه هي العبادة والعبودية.(1)
يعتبر الإسلام الاستعمار الفكري والاستعباد نوع عبوديّة، ولهذا تراه يواجه الشرك وعبادة الأصنام بكل عزم وشدّة، ويصارع الاستعمار الفكري الشبيه بعبادة الأصنام.
إذا ما أصر أهل الكتاب على بغض الدعوة المنطقية إلى نقطة التوحيد المشتركة، فقولوا- أيها المسلمون : اشهدوا بأننا مسلمون ومسلّمون للحق وليس لكم، وعليه؛ فإنّ كفركم بدعوة القرآن لن تؤثر فينا بمقدار أنملة.. وها نحن صامدون في طريق الإسلام، ولا نعبد إلا الله ولا نقرّ إلّا لشرعه وشريعته، ونرفض عبادة البشر بكل صورها فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 767
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)
بعد البعثة النبوية الشريفة شرع أهل الكتاب في التنازع فيما بينهم حول دين النبي إبراهيم عليه السلام فقال اليهود قد كان إبراهيم يهوديّاً، وقالت النصارى قد كان إبراهيم نصرانياً.. وهكذا ادعى كلّ منهم أنّ النبي إبراهيم عليه السلام منهم لتكون لهم الميزة العظيمة، نظراً لعظمة إبراهيم عليه السلام ويقر به جميع أتباع الديانات السماوية.. فنزلت الآية أعلاه وكذَّبت ادعاءهم بهذا الصدد.(1)
يا أهل الكتاب! هل يعقل القول بأن يكون النبي السابق تابعاً للأديان اللاحقة أو الكتب السماوية التي نزلت بعده؟!
حين الموعظة من الجدير أن تستعمل الأسماء والألقاب والعناوين الثقافية للمخاطبين:يَا أَهْلَ الْكِتَابِ .
العلم والكتاب لهما قيمتهما الخاصة التي تسري إلى المنسوبين إليهما: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.
بدلاً من الإصرار على النزاع في الانتساب إلى الأشخاص أو العكس لإثبات الحق، يجب الاتباع الصحيح لمنهج أفكار أولئك الأشخاص لإثبات الحقّ.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 768
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)
1- تقول الآية الكريمة؛ كيف لكم أن تتحدثوا في أمر تجهلونه؟ ثم تدعون من الأقوال ما لم يسبقكم إليه أحد في التاريخ.
2- لقد تحدث أهل الكتاب بما يخص دينهم، مما يفترض بأنهم يعلمونه، وتبين مع ذلك بأن كلامهم يفيض بالشبهات والمغالطات، فكيف بهم وهم يتناولون بالحديث أموراً ليست من اختصاصهم ودينهم ؟! { هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْس لَكُم بِهِ عِلْمٌ }.
3- يؤكد تعالى على ما سبق من الآيات السابقة ويمهد السبيل للتالية؛ من خلال الإشارة إلى علم الله وجهل ،العاصين فأين هم من علم الله الذي يحيط بتاريخ الدين الإبراهيمي، فيما هم يجهلونه.
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)
مفردةحَنِيفًا من مادة «حنف» على وزن أنف، بمعنى الشخص أو الشيء الذي يميل إلى جهة، وعلى حد المنطق القرآني؛ يقال لمن مال عن منهج الباطل إلى منهج الحق: حنيفاً أو حنيفيًا.
وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بعنوان الحنيف، ذلك لأنه هو الذي أزاح حجب التقليد والتعصب، ولم يسجد للأصنام في الوقت الذي كانت عبادة الأصنام هي المستولية على الواقع..
حيث كان الجاهليون العرب من عبّاد الأصنام يعدّون أنفسهم على دين إبراهيم الحنيف، وحيث كان هذا المعتقد شائعاً إلى الحد الذي عدّ فيه اليهود والنصارى أنفسهم حنفاء (وهكذا استخدم الدين الحنيف في المعنى المناقض لمعناه الأصلي حتى صار مساوياً لعبادة الأصنام ولكنّ الله تعالى بعد وصفه إبراهيم عليه السلام حنيفاً مسلماً قال: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَلينفي كل علاقة له مع عبدة الأوثان من العرب.
سؤال: يمكن أن يقال هنا: إذا لم نستطع . أو لم يصح لنا . وصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان على دين موسى والمسيح عليهما السلام فمن الأولى أن نعدّه مسلماً، ذلك لأنه كان قد عاش قبل ظهور الإسلام بآلاف السنين.. إذن؛ فلماذا عرّفه القرآن على أنه كان مسلماً؟
الجواب:
جواب هذا السؤال واضح، وهو أنّ المسلم في الاصطلاح القرآني ليس محصوراً على من هو على دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله - عنواناً . بل الإسلام هو المعنى الواسع للكلمة.. فهو التسليم لأمر الله الحق تعالى وهو التوحيد التام والخالص من أيّ شائبة شرك وعبادة وثن أو طاغوت، وقد كان إبراهيم عليه السلام حامل راية هذا النوع من التوحيد الصادق.
5 . لمّا كان النبي إبراهيم عليه السلام غير تابع لأحد هذه الأديان؛ فإنّ الشيء المتبقّي هو القول : من الذين لهم أن يثبتوا علاقتهم بدين إبراهيم عليه السلام ( باعتبار أن العلاقة معه وثيقة فخر وشرف)، وبعبارة أخرى : كيف يمكن إثبات التبعية لهذا النبي العظيم الذي تجلّه جميع الأديان السماوية؟
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
1 مسألة القرابة والرحم أو مسألة العنصر والقومية التي يطبل لها أتباع الديانات المختلفة لإثبات صلتهم بإبراهيم الخليل عليه السلام؛ لا قيمة لها أبداً، وإنّما الولاية والعلاقة بالأنبياء والرسل تثبت وتصح حين الإيمان الخالص بالله سبحانه وتعالى واتباع منهجهم.. وهكذا يصح القول بأنّ العلاقة الصحيحة والصادقة هي العلاقة الدينية، سواء كانت هذه العلاقة قد صدرت أو تمت ممّن كانوا يعيشون في عصر هذا النبي أو ذاك، أو ممن تلوه في الحياة في غير زمانه... مثل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله ومن هم على دينه القويم من المؤمنين الصادقين:
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ اتبعوه . 2. كيف يمكن للوثنيين وأهل الكتاب وبتجاهلهم أهم أصل في الدعوة الإبراهيميّة أن ينسبوا أنفسهم لإبراهيم عليه السلام ويدعوا انتماءهم إليه؟
الأتباع الحقيقيون الصادقون لمنهج الأنبياء العظام عليهم أن يعلموا بأنّ الله تعالى هو ولى المؤمنين وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ .
الحقيقة الواضحة والنورانية هي أنّه لا علاقة أشرف وأسمى من العلاقة الدينية، ولا يتمّ الاتصال بأولياء الله تعالى إلّا عبر هذه العلاقة وهذا الطريق، كما هي العلاقة بخاتم الأنبياء وأوصيائه الشرعيين المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 770
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)
الجماعة منهم تسمّى طائفة؛ أي: متنقلة متحركة غير مستقرة في موضع معين، وشيئاً فشيئاً صارت الطائفة اسماً ووصفاً للجماعة المتنقلة منهم.. وقد أصبحت هذه الكلمة في الوقت الحاضر تعني الجماعة من الناس ولا يفهم منها شيء آخر..
تربية المسلمين ضمن المنهج النبوي أمر محسوب ومحدد وواع. ولا يحتمل العود والردّة.. فالمسلم قد رضي الله عنه بالإسلام ديناً ومعتقداً، وهو محبّ ومتعلّق به، وعليه؛ فلا يستطيع الأعداء إضلالهم...
الذين يعمدون إلى إلقاء الشبهات وينسبون التناقض والتضاد إلى الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله إنّما يكرّسون الروح السوداوية في أنفسهم قبل غيرهم.. ومن الطبيعي للذي يحرص على تتبع العيوب أن يغفل عن رؤية نقاط القوة.. وتراه تارة؛ وبداعي العناد والتعصّب والتطرّف يعدّ نقاط القوة والوضوح مظلمة سلبية، ولهذا؛ تجده يضاعف من ابتعاده عن الحقّ
يوماً بعد يوم.
إضلال المؤمنين الذين يسيرون ضمن الطريق المستقيم . هو عين الضلالة والانحراف النفسي الباطني.. ضلالة هم غافلون عنها.. وكذلك من حيث العمل، فلو فرضنا تمكنهم من إضلال أحد المؤمنين بما يلقون إليه من شبهات.. فإنّهم في واقع الأمر إنّما أضلوا أنفسهم، ذلك لأنّ الإنسان - أيّ إنسان . لا يقوم بفعل من الأفعال؛ فإنّه لا يعدو أن يعود عليه بنفع أو ضرر.. كما قال سبحانه وتعالى: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلام للعبيد ) وأولئك المؤمنون الذين ضلوا الطريق بفعل شبهات أهل الكتاب وغيرهم؛ إنما كان ضلالهم . في الحقيقة والأصل.. بداعي ما ارتكبوا من فعال سيئة، وليس بسبب النقص والإشكال المحتملين في الدين الإسلامي وذلك لأن سوء الفعل وإرادة الإنسان تحيق به حتّى تجرّه إلى الضلال والكفر، كما قال عزّوجلّ:مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ وكذلك قوله سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)
الكفر على شعبتين أساسيتين:
ألف: الكفر بالله عزّوجلّ عبارة عن الالتزام بالاعتقاد والقول بعدم وجود الله ، كما هو حال عبّاد الأوثان المنكرين الله تعالى..
ب: الكفر بآيات الله الذي هو عبارة عن إنكار حقيقة من حقائق الدين بعد الإطلاع والعلم بها.. وأهل الكتاب لا ينكرون معنى وجود الله ولا ينكرون أنّ لعالم الوجود إلهاً ومعبوداً، ولكنّهم ينكرون جملة من الحقائق مثل نبوّة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، كما ينكر النصارى حقيقة أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وكما ينكر اليهود نبوّة عيسى عليه السلام، وكما ينكر الطرفان أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن يهودياً أو نصرانياً، وكما ينكرون أنّ الله تقدّست أسماؤه قادر أبداً أو أنه غني دوماً..
2 . أهل الكتاب حسب القرآن المجيد. كافرون بآيات الله تعالى، وليسوا كافرين بالله ،وهذا المعنى لا يتنافى مع قوله تعالى في الآية (28) من سورة التوبة الجليلة : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حيث ينفي عنهم الإيمان بصراحة.. ولا يظنّنّ أحد بأنّ عدم الإيمان بالله هو كفر بالله، ذلك لأن قوله تعالى:لا يحرمون ولا يدينون لو لم يكن لكانت المنافاة بين الآية الشريفة وبين قولنا، ولما كان ثُمّ فرق بين الكفر بالله والكفر بآيات الله.. إلّا أنّ هاتين الجملتين تشهد على أنّ المراد من وصف هؤلاء بعدم الإيمان هو وصف بلازم حالهم، لأنّ لازم حالهم؛ أي:
کفرهم بآیات الله ؛عدم إيمانهم بالله وبيوم الجزاء، مع أنهم لم يعوا هذه الملازمة وظنوا أنهم يؤمنون بالله تعالى.. ولكنّ الظاهر هو أنّ كفرهم بآيات الله منحصر بالكفر بالآيات فحسب، وهو ليس كفراً صريحاً بالله ..
ولا منافاة ولا تناقض بين تعريف هذه الآية وبين الوارد في الآيتين (151-150) من سورة النساء المباركة حيث قالت:إنّ الذين يكفرون بالله ورسله ... عذاباً مهيناً لأن المقصود من الكفر الحقيقي هنا؛ إما الكفر بقسمه الثاني؛ وهو الكفر بالحقائق الجلية المعلومة، وإما بهذا المعنى؛ وهو الإيمان ببعض والإنكار للبعض الآخر من الأنبياء، وإما التوقف في الاعتراف برسالة هؤلاء، ونتيجة ذلك الكفر والإنكار الحقيقي الله تعالى.
القسم الأول: الكافر الحربي، وهو الكافر المنهمك في محاربة المسلمين.
القسم الثاني: الكافر الذمّي، وهو الكافر الذي يعيش في البلاد المسلمة، ومع كونه غير منشغل في محاربة المسلمين، فإنّه يؤدّي الجزية لحاكم المسلمين، وهذا الأخير يضمن له حرمة ماله ونفسه وكرامته.
القسم الثالث: الكافر (المعاهد)، وهناك العديد من الدول من يربطها بالبلدان المسلمة علاقات سياسية، ولا تخوض حرباً ضد المسلمين.. فهي دول كافرة معاهدة، وما دامت لا تحارب المسلمين بنحو من الأنحاء؛ فإنّ أموال وأنفس أتباع هذه الدول محترمة، إذ طبقاً للمعاهدات التي تنجز عن طريق العلاقات السياسية والقوانين الدولية المعترف بها تتضمنها تلكم المعاهدات، وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ الكافر المعاهد، وخلافاً لما يقوله البعض، ليس له مدة محدّدة، وهي تشمل أهل الكتاب وغيرهم.. والمسألة الملفتة للنظر هي أنّ أهل الكتاب يعرفون بأنّهم كفّار ذمّيّون لدى دخولهم وإقامتهم وعيشهم في البلاد المسلمة، ولكنّ
أهل الكتاب الذين يعيشون في بلدانهم؛ فلا يمكن إلا أن يكونوا معاهدين فقط، ولا مفهوم لعهد الذمة بالنسبة لهم إلّا أن تكون بلادهم قد طلبت الحماية من بلد مسلم ذلك لأنّ في أحكام الذمة قرائن كثيرة تشر إلى الأقليات في البلدان المسلمة.
القسم الرابع: هناك كفّار ليسوا من الذمّيّين ولا المعاهدين ولا الحربيين وفي الواقع هم حياديون تماماً بالنسبة للمسلمين، ويمكن تسميتهم بالكفّار المحايدين، وقد أشير إليهم في آیتین قرآنيّتين الأولى: الآية الثامنة من سورة الممتحنة الشريفة حيث قال تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبرَّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله لا يحب المقسطين والثانية حيث قال سبحانه في الآية التسعين من سورة النساء المباركة:)﴿إلّا الذين يصلون إلى قوم بينكم... لكم عليهم سبيلاً.
وعليه؛ فإنّ (إلقاء السلم) هو اتخاذ السلام سبيلاً وليس عقد معاهدة الصلح، لأنّ التعبير بإلقاء السلم يناسب هذا المعنى، والآية التالية شاهد على هذا المطلب.. وعلى أية حال؛ فإنّ الكافر المحايد يمكن أن يكون ماله ونفسه وناموسه محفوظاً.. والتفصيل الأكبر لموارد أقسام الكافرين الأربعة بحاجة إلى مزيد من البحث ..
والمقصود من كلمة تشهدون هو : مع أنكم تلاحظون وترون الآيات والعلائم الخاصة بالنبي الموعود الواردة في التوراة والإنجيل تنطبق على هذا النبي الذي هو بين ظهرانيكم... إلا أنكم تصرّون على إنكار نبوّته ورسالته...
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)
الآية السابقة أخذتهم بالانحراف عن طريق الحق مع سابق علم واطلاع، وفي الآية الثانية آخذتهم على إضلالهم الآخرين.
كلمة ( لبس) بفتح اللام ، وقد اشتق منها فعلها المضارعتَلْبِسُونَ بمعنى إيجاد الشبهة وتزيين الباطل وتصويره حقاً أو بالعكس، حيث يصوّر الحق باطلاً.
قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يدلّ أو يشير على الأقل. إلى أنّ المراد من (لبس) كتمان أو إخفاء المسائل المتعلقة بالمعارف الدينية؛ وليس الآيات المشهورة بالعين المجردة، مثل تلك الآيات التي حرّفوها أو كتموها أو فسروها على غير مرادها ومفهومها.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)
رسم يهود المدينة وغيرهم خطة ماكرة لإضلال بعض المؤمنين وتخريب عقائدهم وإيمانهم، فكان أن تواطؤوا فيما بينهم على أن يأتوا رسول الله صلّى الله عليه وآله فيعلنوا إسلامهم في الظاهر، ثمّ يرتدون ويكفرون في آخر النهار.. وإذا ما سألهم أحد عن ذلك قالوا: لقد راجعنا كتبنا القديمة أو علماء نا واستشرناهم، فرأينا أنّ ما هو موجود عن صفات نبي آخر الزمان، لا ينطبق مع صفات محمد وأفعاله.. وهذا ما يؤدّي . حسب توقعاتهم . إلى أن يقول بعض المسلمين: لابد أن ما يقول هؤلاء صدق وحق لأنّهم أعرف منا بذلك.. وهكذا يضلّون عن سبيل الله تعالى.. (1)وقد ذكر المفسرون شأناً آخر في نزول هذه الآية، ولكن ما ذكر أعلاه أقرب إلى معنى الآية.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 774
عقيدة أهل الكتاب، كما أن وحياً آخر قد نزل عليه بما يخالفهم في آخر النهار، وهذا ما أدّى بهم إلى القول: نؤمن بما نزل على محمد في أول النهار، ونكفر بما نزل عليه في آخر النهار.
الاحتمال الأوّل: ظرف الزمان وَجْهَ النَّهَارِ متعلّق بكلمة و أُنْزِلَ وليس بكلمة و آمنوا وهو صيغة أمر ، والمقصود من جملةبالذي أنزل على الذين آمنوا يجب أن يكون وحياً خاصاً من القرآن، وهو موافق لرأي أهل الكتاب.. وليس المقصود هو آمنوا النهار ثمّ اكفروا آخر اليوم، بل الهدف والغاية هو الإيمان بما أنزل أوّل اليوم، ثمّ الكفر بما نزل آخر النهار؛ بدليل أنّ كلمة وَجْهَ النَّهَارِ أقرب إلى كلمة أُنْزِلَ من كلمة آمنوا كما هي جملة وَاكْفُرُوا آخِرَهُ بمعنى واكفروا بما أنزل في آخر النهار نظير قوله تعالى: بل مكر الليل والنهار إذ ليس المقصود من المكر الليل والنهار، بل إنّ مكر المستكبرين في الليل والنهار..
وبهذا الإيضاح هناك روايات وردت عن الأئمة المعصومين عليهم السلام في شأن نزول هذه الآيات تؤيد ذلك، حيث منها ما ورد في موقف اليهود من قضيّة تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.. فحينما صلّى النبي صلوات الله عليه وآله صلاة الصبح إلى بيت المقدس الذي كان قبلة لليهود.. ثم غير صلّى الله عليه وآله القبلة بأمر الله تعالى إلى الكعبة المشرّفة في صلاة الظهر.. قالت طائفة من اليهود يا أيها اليهود! آمنوا بما نزل من الوحي أوّل النهار. أي الصلاة باتجاه بيت المقدس . واكفروا بالحكم الذي نزل في آخر النهار . أي: الصلاة باتّجاه الكعبة (1). والمؤيّد الآخر لهذا الرأي؛ وهو ما حكاه القرآن الكريم لدى القول: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أي : لا تعتمدوا الذين لا يتبعون دينكم ولا تؤمنوا لدينهم ولا تتحدّثوا ولا تفشوا أسراركم لدى محمد (صلى الله عليه وآله) ولا تخبروا أتباعه بما ورد في التوراة التي
1) تفسير القمي، ج1، ص 105
بشرت به وتحدّثت عن علائمه وصفاته.. مضافاً إلى أنّ كتابنا قد أخبرنا بأنّ القبلة ستتغيّر من بيت المقدس إلى مكّة..
الاحتمال الثاني: أنّ المقصود من كلمة وجه النهار المتعلّق بصيغة الأمرآمنواأن تعمد جماعة من اليهود إلى الإيمان بالقرآن فينخرطون بين أوساط المسلمين، ثمّ يرتدون عن إيمانهم في آخر النهار ويصوّرون للناس أنّ إيمانهم في أوّل النهار كان لأنهم لمسوا من ظاهر الدعوة الإسلامية أمارات ودلائل من الصدق والحق.. ولكنهم .هكذا يصوّرون . كفروا بالإسلام لما ثبت لهم من بطلانه لما رأوا شواهد ،البطلان، ولما رأوا وفهموا أنّ هذا الدين الجديد ليس هو ما بشرت به كتبهم، وأنّ هذا النبيّ ليس هو الذي بشرت به التوراة ووصفته.. وهذا السلوك والموقف هو مؤامرتهم التي رجوا منها أن تزرع الشكّ في نفوس المسلمين لإضعاف إيمانهم، وبالنتيجة؛ تتشتت كلمتهم ويبطل دينهم.. ولكنّ هذا المعنى وإن لم يبعد من اليهود الذين فتئوا من حياكة المؤامرات وكانوا حثيثي السعي إلى إطفاء نور الإسلام، إلا أنّ لفظ الآية غير منطبق معه..
الاحتمال الثالث: معناه أنّه بداعي الإقرار الذي بدا منكم بدءاً؛ وهو انطباق ما ورد من صفات نبوية في كتب اليهود ، ثمّ الكفر به لاحقاً.. ليكون التصوّر بأن الكفر جاء بعد التأكد والتحقيق وعدم التطابق، فأريد بهذا السلوك الزائف زحزحة إيمان المسلمين وحملهم على الارتداد عنه..
لكن هذين الاحتمالين لا شاهد لهما من ظاهر العبارة القرآنية، وعلى أية حال، لا نقطة مبهمة في الآية.
بأنّ اليهود لا يمتنعون عن زلزلة عقائد المسلمين بأي وسيلة مثل الهجوم العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي..
لعلّ المقصود من بداية النهار وآخر النهار هو أنّ الفاصلة بين الإيمان والكفر الخاص باليهود فاصلة قصيرة، وهذا القصر في الفاصلة سبب في أن يقولوا: هؤلاء ظنوا أنّ الإسلام أمر مهم، ولكنهم رأوا . عن قرب . شيئاً آخر ، ولذا تراهم سرعان ما ارتدوا.
هؤلاء كانوا يظنون أن مؤامرتهم ستؤثر . أوّل ما تؤثر في الأفراد ضعيفي الإيمان، لا سيّما أولئك الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم بعض علماء اليهود، وكان الجميع يعلم أن هؤلاء على اطلاع تام بكتب الأديان الأخرى وعلامات خاتم الأنبياء، وهذا الأمر من شأنه أن يزلزل إيمان هؤلاء الذين آمنوا للتّو.
7.~ قوله تعالى: لعلهم يرجعون يشير إلى أنهم كانوا يرجون التأثير لمخطّطهم، ولكن لكي لا يفرّطوا بأتباعهم، تراهم أكدوا على أنّ إيمان هؤلاء يجب أن يكون إيماناً شكليّاً فحسب..
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)
يفهم من بعض التفاسير أنّ يهود خيبر كانوا قد أوصوا يهود المدينة بأن لا يزيدوا من اقترابهم من النبيّ صلّى الله عليه وآله أو يتأثروا بما دعا إليه من إيمان، ذلك لأن فريقاً منهم كانوا يذهبون إلى أنّ النبوة لا تكون إلا في شعب اليهود، ولو أنّ نبياً ظهر؛ فلابد أن يكون من بين اليهود.
لكي لا يفقد اليهود أتباعهم، فقد راحوا يؤكدون عليهم أن لا يكون إيمانهم إلّا إيماناً شكليّاً ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم .
الغاية من عبارة لا تؤمنوا هو لزوم أن تكون المؤامرة سرّيّة تماماً، وأن لا يتحدّثوا بها إلا لليهود العقائديين . دون المشركين من حلفائهم حتّى . لئلا يفتضح أمرهم وتفشل خطتهم، ولكنّ الله العالم بالخفايا كشف سرّهم وفضح أمرهم ليكون ذلك عبرة للمؤمنين ووسيلة هداية للكافرين
قوله تعالى: قل إنّ الهدى هدى الله جملة اعتراضيّة توسّطت حديث اليهود المتآمرين.. فقد ردّهم سبحانه وتعالى بقول مختصر بليغ يتضمن القول بأنّ الهدى مسألة إلهية وتوفيق ربّاني وليس حكراً على طائفة أو قومية خاصة، ولا لزوم أبداً في أن يكون خاتم
الأنبياء صلوات الله عليه وعلى آله وعليهم من اليهود. كما يتضمن القول أيضاً بأنّ الذين هداهم الله تعالى بفضله لا يتزحزح إيمانهم بمثل هذه المؤامرة..
لما كان اليهود المغرورون يقولون :أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم أي: لا تتصوّروا أن يكون لأحد كتاب سماوي كما هو كتابكم . التوراة . وأنّ النبوّة شأن خاص بكم وحدكم، وكذلك: لا تتصوّروا أن أتباع الدين الجديد قادرون على محاججتكم عند ربّكم.. فإنّ هذه الأقاويل والأراجيف اليهوديّة تعدّ دليلاً بحدّ ذاتها على تورّطهم في ثقافة التكبّر والعنصرية وكونهم العنصر الأسمى من بين شعوب الأرض، وفي ظنهم الباطل بكونهم الأجدر بالنبوة والعقل والدراية ومنطق الاستدلال.. وهم بمنهجهم الجاهل والأحمق هذا أرادوا تخصيص وتمييز أنفسهم وتفضيلها على غيرها..
ليس الفضل والتوفيق إلا بيد الله سبحانه وتعالى، وإنّ إرادة غير الله تتزاحم وتتضادّ مع إرادته تعالى.. ومنهج اليهود يتعارض كلّيّاً مع قوله سبحانه و إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
ختم الله تعالى القول في الآية مورد البحث بجملة :والله ذو الفضل العظيم وهذا. في الحقيقة . بمثابة تعليل لجميع المطالب السابقة.. فحين يكون فضل الله عظيماً، بل وعظيم على الإطلاق، وليس من جهة أو جهتين، فيكون لازمة أنه بيده دون سواه، بالإضافة إلى عدم محدوديته وتناهيه.. لأنّ ما ينتهي غير عظيم، ثمّ إنّ صاحب الفضل العظيم عالم بحال عباده الذين يتفضّل عليهم، أما لو لم يكن كذلك فليس أنّ فضله غير عظيم فحسب، بل وسيكون فاقداً لخصوصيته، كما أنّه تعالى قادر على الاختصاص بفضله بمن يشاء.
يرد الله تعالى على هؤلاء العنصريين في نهاية الآية بشكل قاطع، فهو لدى تجاهله إيَّاهم؛ يخاطب رسوله الحبيب مؤكّداً له على أنّ المواهب الإلهيّة الشاملة لمقام النبوة العظيم وللعقل
والمنطق والشرف وسائر المواهب الأخرى إنّما هي تتنزّل من ناحيته هو تبارك وتعالى وتنال الجديرين بهاقُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
أما المفسرون؛ فقد اختلفوا في معنى الفضل، فذهب بعضهم إلى أنه الدين، وقال آخرون بأنه النعم الدنيوية، وعرّفه بعض بأنّه الغلبة، فيما قال غيرهم بأنّ معنى كلمة الفضل هو الزائد عن حد الاقتصاد والتوسط وهذه الكلمة تستعمل في المعاني والأمور المحمودة، كما تستعمل كلمة (الفضول) في الأمور غير المحمودة.
أن الغاية من جملتي الفضل في الآية السابقة واسألوا الله من فضله أو جملة ذلك فضل الله وجملة والله ذو الفضل العظيم في هذه الآية هو النعم الإلهية المادّيّة، وكذلك قوله تعالى قل بفضل اللهوجملة ولولا فضل الله العائدة إلى الأمور المعنوية.
إذا ما عدت جميع النعم المادّيّة والمعنوية الإلهيّة فضلاً من الله، فلغير المستحق أيضا شيء عنده سبحانه، وكلّ ما يعطي فبفضله، أي زائد عن الاستحقاق.
حين يكون الفضل لجماعة دون أخرى، فذلك ليس من نقص أو محدودية فيه، بل هو بداعي التفاوت في الجدارة.
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 639
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
هذه الآية نزلت في رجلين من اليهود، وكان أحدهما أميناً والآخر خائناً حقيراً، أما الأول فكان يدعى ( عبد الله بن سلام) وكان غنيّاً وقد أؤتمن على ثروة مقدارها (1200) أوقية ذهب ،فحفظها ثمّ ردّها كاملة سالمة إلى صاحبها حين طالبه بها، فامتدحه الله تعالى في هذه الآية لأمانته.. وأما الثاني فكان يدعى (فنحاص بن عازورا وكان من قريش، إذ أؤتمن على دينار واحد فخان ،أمانته، فذمّه الله تعالى على خيانته.
وقال البعض: إن المقصود من العبارة الأولى جمع من الأنصار، وأما الذين خانوا الأمانة؛ فهم اليهود..(1)ولا مانع من أن يكون المراد الاثنين معاً، لعلمنا بأن آيات القرآن . عموماً. وإن نزلت في مورد خاص، إلّا أنّ لها عمومية أيضاً، وحسب الاصطلاح: لا مورد واحداً لها.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 777
من القنطار في هذه الآية؛ المال الكثير. والمقصود من الدينار؛ المال القليل.
لكان لهم أن يقولوا: لا حق لأحد في الاعتراض علينا.. وتبعاً لذلك كان لهم . جدلاً . أن يبرّروا أكلهم السحت والربا ومال الآخرين.. ولكن العجب أن يعمد أهل الكتاب السماوي إلى أحاديث الباطل وأعمال السوء، مع علمهم بأنّ كتابهم السماوي لا يجيز لهم ارتكاب ما شاؤوا من مساوئ بعد أن بين لهم كتابهم حكم الله وشرعه.. وهم يعلمون بعدم حلّية أكل مال الناس بالباطل.. ولذلك وردت إدانتهم وذمّهم، وكانوا يستحقون ما هو أشد من اللوم والتوبيخ..#### تكبّر اليهود5. هذه الآية تشير إلى أنّ الطائفة الخائنة منهم . مع أنّ خيانتها عمل قبيح ومضر، وأنه فعل شائع بين الأمم الأخرى . إلّا أن منشأ هذا العمل القبيح بينهم يعود إلى رذيلة أخرى، وهي ما تتضمنه عقيدتهم من الأباطيل، ومنها مذهبهم الذي عبّر عنه قولهم :﴿ ليس علينا في الأمتين سبيل أي أنهم كانوا يعدّون غيرهم من الناس جهالاً، ولما كانوا جهالاً؛ فهم غير جديرين بمؤاخذتهم ومحاسبتهم وإدانتهم.. فلا حق لغير بني إسرائيل في أن يتسلّطوا على بني .إسرائيل.. وهكذا تفشت فيهم العنصرية والتكبر واستحقار غيرهم من الأمم.. ولهذا قال القرآن تبعاً لذلك:ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. 6. حيث أنّ القرآن المجيد لم يدن اليهود جميعاً في هذه الآية لجريرة طائفة منهم.. فهذا يتضمّن درساً أخلاقياً هاماً لجميع المسلمين، ويشير إلى أنّ ذلك الفريق اليهودي الذي يبيح لنفسه التصرف بأموال الناس وغصبهم حقوقهم.. لا يفهم منطقاً غير منطق القوة.. ويشهد لذلك سلوكهم ومنهجهم على مرّ العصور، إذ لا معنى للحق والعدل والرحمة في قاموسهم الفكري والأخلاقي.. وهذا.. في الحقيقة من جملة المسائل الملفتة للنظر التي تحدّث عنها القرآن وتنبأ بها في الآية أعلاه، ولهذا؛ ليس للمسلمين غير الإعداد ما استطاعوا من قوة لاسترداد حقوقهم من طريق ...
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
الجواب: لا ريب أنّ نسب ذلك إلى الإسلام تهمة باطلة، وإنّ ما ورد في الآية أعلاه فيما يتعلّق بتعمّد اليهود الخيانة في الأمانة ومنطقهم في تبرير هذه الخيانة المذكورة؛ لا تعني الإباحة للمسلمين في التجاوز على حقوق غيرهم، بل قد أمر الشارع المقدس المسلمين أن لا يخونوا أمانات الناس عندهم مهما كانت شاكلتهم وبلا استثناء، ذلك لأنّ من جملة الأحكام الإسلامية القطعية التي دوّنت في العديد من النصوص القرآنية والروايات المعصومية هي: حرمة الخيانة في الأمانة، سواء كانت هذه الأمانة لمسلم أو لغيره بمن فيه المشرك وعابد الوثن، وقد روي عن مولانا الإمام السجاد عليه السلام أنه قال:
«عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمداً بالحق نبياً؛ لو أنّ قاتل أبي؛ الحسين بن علي بن أبي طالب ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه».(1)
وعن مولانا الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
«إنّ الله لم يبعث نبياً قط إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة؛ مؤداة إلى البر والفاجر».(2)
كلمةبَلَى لغةً تستعمل لإثبات المطلب، ولكنّها في الغالب ترد في الحالات التي يطرح فيها السؤال بصيغة النفي مثل قوله تعالى:ألست بربكم قالوا بَلَى (3)وكذلك هي كلمة (نعم) ترد عند جواب السؤال الإثباتي، مثل:فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ. (4)
الكرامة من الله والاحترام في محضره ليس مبذولاً ويسيراً بحيث يجند كلّ فرد على نسبته إليه أو بلوغه إيَّاه، أو أن يعمد كل متكبّر مخادع إلى نسب كلّ كرامة خاصة بالصالحين من بني إسرائيل إلى نفسه؛ فيظن . مثلاً . أن مجرد اتصاله . نسبيّاً . ببني يعقوب فضيلة من الفضائل.. وهذا مجرد وهم بعيد عن الحق.. وإنّما الشرف والنبل يكون حين الكرامة الإلهية الحقيقية التي لها شروطها ؛ ومنها التزام الوفاء بالعهد الإلهي وإحراز التقوى والورع.. فإذا ما تمّ ذلك ؛ حصلت الكرامة وصارت مستحقة..
وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يحظى بحبّ الله تعالى وولايته إنّما هو من العباد المتقين، وآثار التقوى: نصرة الله والتمتع بالحياة الطيبة التي تؤدّي وتنتهي إلى إعمار الدنيا وأهل الدنيا والتسامي في درجات آخرتهم..
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
عمد جمع من أحبار اليهود وعلمائهم أمثال (أبى رافع) و (حيّ بن أخطب) و (كعب بن أشرف حينما رأوا أن موقعهم الاجتماعي بين اليهود قد تعرّض للخطر؛ إلى تحريف النصوص الواردة في التوراة بخصوص خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله ، وكان من ضمنها ما كانوا قد دونوه بأنفسهم من قبل، بل وأقسموا على أن ما حرّفوه هو من عند الله سبحانه.. فنزلت هذه الآية وحذرتهم بشدّة.
وقال جمع من المفسرين إنّ هذه الآية نزلت في الأشعث بن قيس الذي أراد - كذباً. تملك أرض شخص آخر.. وحينما استعدّ للقسم على ذلك نزلت هذه الآية، فخاف الأشعث وأقرّ بالحق وأعاد الأرض إلى مالكها الحقيقيّ.(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 778
وعلى لذائذ الآخرة: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ
كلمة (اشتراء) التي هي مصدر فعل يشترون بمعنى يبيعون، وهي عكس كلمة شراء.
من يبيع عهد الله تعالى بالمتاع الدنيوي الزائل، فعمله يشبه معاملة وعقداً تجارياً باعتبار أنّ عهد الله بضاعة، فيما المتاع الدنيوي قليل كلّه وبسيط: يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً فهم يبادلون أو يستبدلون عهد الله بمتاع الدنيا الذي هو قليل مهما بدا عظيماً.
كلمة و خلاق بمعنى الفائدة والربح ، وكلمة ( التزكية) بمعنى التربية وإنماء الشيء بما يناسبه ..
الأولى: السبب في أن من بين جميع أسماء الإشارة تمّ استعمال اسم استعمال اسمأُولَئِكَ المخصوص للإشارة إلى البعيد، هو ليفهم أنّ هذا الفريق بعيد عن الله تعالى، على عكس الأوفياء بعهودهم المقرّبين من ربّهم والمشمولين بحبّ الله سبحانه وتعالى..
الثانية: أنّ أفراد هذا الفريق محرمون في الآخرة من أي نصيب محمود، ونفهم من ذلك أنّ أفراد الفريق المقابل لهم هم الموصوفون بالقول الشريف: من أوفى بعهده واتقى فإنّ الله يحبّ المتقين وهم المأجورون في الآخرة، وهذا من أثر حبّ الله تبارك وتعالى.
الثالثة: أن تكون هذه الطائفة محرومة من تكليم الله تعالى، فإنّه يعلم أنه سبحانه سيكلّم الطائفة المقابلة، لأنّ التكلّم من نتائج حبّه سبحانه.
الرابعة: أنّ الله تعالى في الآخرة لا ينظر إلى أفراد هذا الفريق بعين الرحمة، باعتبارهم خائنين للأمانة غير أوفياء للعهد وحانثين بأيمانهم بالله؛ فلا يزكيهم ولا يغفر لهم.. ومن هذا يعلم أنّ
أفراد الفريق الآخر سينظر إليهم ربّهم بعين رحمته وسيزكّيهم ويغفر لهم وسيزيح عنهم العذاب، وهذه الخصائص وغيرها نتيجة محبّة الله، أما سلب التوفيق والمحبّة فتابع وناتج عن سوء السلوك والسريرة.
الأولى: أنّهم لا نصيب لهم في الآخرة، والمراد بالآخرة؛ دار الآخرة، والمقصود بدار الآخرة الحياة بعد الموت والقيامة الكبرى، كما أنّ المقصود بالدنيا؛ دار الدنيا والحياة قبل الموت والعلّة في افتقار هؤلاء وحرمانهم من النصيب الأخروي؛ أنّهم فضّلوا نصيب الدنيا وربحها على نصيب الآخرة وربحها، فاختاروا الأولى دون الثانية، ومن هنا يعلم أنّ المراد من الثمن القليل هو الدنيا.
الثانية : أنّ الله عزّ وجلّ لا يكلّمهم ولا ينظر إليهم في الآخرة، وهاتان الخاصيتان ستكونان من نصيب المتقين إلى جانب المحبّة الإلهيّة حيث قالت الآية في ذلك:فإن الله يحبّ المتقين لأنّ الحبّ والمحبّة يؤدّيان لأن يكون حبّ المحبّ مجرّداً عن أي قيد وشرط، ومتى ما رأى محبوبه حاضراً؛ شرع في التكلّم إليه، ولما كان سبحانه لا يحبّ بائعي الآخرة، فمن الطبيعي أن لا ينظر الله إليهم ولا يكلّمهم في يوم القيامة، وهو يوم الحضور والمحضر الإلهي ويوم إحضار الخلق واستدعائهم.. أما عدم التكلّم المذكور في المرحلة الأولى، وعدم النظر المذكور في المرحلة الثانية؛ فلأجل أنّ الأمرين متفاوتان في الدرجة لإيصال المحبّة، بل هما يختلفان قوّةً وضعفاً، إذ التكلّم أقرب إلى إعلان وإيصال رسالة المحبّة من النظر.. وعليه؛ يكون المراد أنه تعالى لا يكتفي بعدم تشريفهم بالتكلم معهم، بل إنّه سيحرمهم أيضاً من كرامة النظر إليهم..
الثالثة: أنه سبحانه قد أكّد على عدم تزكيتهم من جانبه وأنّ العذاب الإليم سيكون في انتظارهم، ولما لم يقيد الله تعالى كلامه بعذاب الدنيا أو الآخرة؛ فيعلم أن عدم التزكية والعذاب الأخروي سيتضمّن عدم التزكية والعذاب الدنيوي.
المراد من عهد اللهإنّ الذين يشترون بعهد الله ..إما العهد الذي أخذه الله تعالى على عباده ، وهو عبارة عن عبادتهم له وحده والإيمان به ربّاً فيه كلّ صفات الربوبية المطلقة.. وإما جميع العهود، وعهد الله المشار إليه هنا واحد من مصاديق ذلك.
لا يفهم من التعبير بالثمن القليل في الآية أنّهم لو باعوا عهد الله بثمن كبير، لكانوا قد فعلوا حسناً، بل المقصود والهدف من هذا التعبير هو أنّ كلّ ثمن مادي في مقابل هذه الذنوب العظام التي ترتكب يعدّ قليلاً لا قيمة له، حتّى إن كان سلطة ونفوذاً يشملان جميع الدنيا ..
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)
المعيار في تشخيص الحق من وجهة نظر الإسلام هو دين الحق، وبعبارة أخرى هو دين التوحيد، وسواء كان متبع الحق مسلماً أو غير مسلم من أهل الكتاب وكان يعيش تحت حماية ومظلة الإسلام ويدفع الجزية، والذي لا دين توحيدياً يعتنقه ولا يسلّم لحكومة هذا الدين، بل ويقف منه موقف المنازع والمحارب.. فعلى أساس فطرة كلّ إنسان نزيه منصف، فإنّ هذا المجرّد عن دين الحق المنازع المحارب لحياة ومعيشة الآخرين، وهذا النوع من الناس ليس لهم حق الحياة الاجتماعية في المجتمع الإنساني.
في تعريف كلمةيَلْوُونَ يجب أن يقال إنّ هذه الكلمة مشتقة من (اللّي) بفتح اللام
وتشديد الياء، ومصدر الفعل المضارع يَلْوُونَبمعنى لفّ الحبل وطيه، وإذا ما استعملت الكلمة للرأس أو اللسان أعطت معنى غير طبيعي لحالتهما.. وقد استعمل القرآن هذا المعنى للرأس أيضاً لووا رؤوسهم وقد ورد في اللسان قوله تعالى: ليّاً بأَلْسِنَتَهُمْ.
وظاهر المراد من جملة يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ أنّهم كانوا يقرؤون غير الخطاب السماوي الذي كتبوه هم بأيديهم بلحن كانوا يقرؤون التوراة به ليصوّروه على أنه جزء من التوراة، مع أنه ليس منها وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ
الْكِتَابِ . قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يبطل ادّعاء اليهود المؤدّي إلى أنّ الأمتين لا حق لهم في الاعتراض عليهم، ويدلّ هذا النص الشريف أيضاً على أنهم كانوا ينسبون هذا الادعاء الباطل الكاذب إلى الوحي الإلهي وكونه حكماً دينياً قد شرع من قبل الله سبحانه..
السبب في تكرّر كلمةالْكِتَابِ ثلاث مرّات في هذه الآية الشريفة لدرء الوقوع في الشبهة والخطأ، ذلك لأنّ كلّاً من الثلاث ليست بمعنى واحد .. ولهذا كان المراد من الكتاب الأوّل الخطاب البشري اليهودي، حيث كانوا يكتبونه بأيديهم ثمّ ينسبونه إلى الله.. والمعنى الثاني هو كتاب الله.. وإنّما التكرار كان لمنع الاشتباه، وكذلك للإشارة إلى أنه بداعي كونه كتاب الله؛ فإنّ مقامه أسمى وأشرف وكونه منزّهاً عن مثل تلكم الافتراءات والأباطيل، ويفهم هذا المعنى من لفظة الكتاب نفسها.
نلاحظ تكرّر اسم الجلالة الشريف ثلاثاً كما تكرّرت كلمة الكتاب، حيث ورد بدءاً:وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إذ كان يمكن أن يقال في الجملة الثانية وما هو من عنده، ولكن لم يتم ذلك؛ وإنّما تكرّر لفظ الجلالة المقدّس ليعلم أنّ القرآن حين صرّح بأنّ تلكم الافتراءات والأباطيل ليست من الله لأنه هو الله جل وعلا، أي أنه هو إله الحق، ومعلوم أنّ إله الحق لا يقول غير الحق كما قال هو نفسه تقدست أسماؤه:
والحق أقول . 6. تكرار كلمة الْكَذِبَ مرتين في جملة وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تكذيب بعد التكذيب السابق والتكذيب في الوحي الذي اخترعه اليهود من عند أنفسهم ونسبوه إلى الله تعالى وهذا التكرار لتوعية الناس وتجنيبهم الوقوع في الشبهة التي تتسبب قراءة اليهود لأكاذيبهم باللحن الذي كانوا يقرؤون به التوراة.. وقد أبطل الله تعالى هذا اللحن
في القول بقوله : وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ علماً أنّ اليهود المزورين كانوا يصرحون للناس بأنّ ما يقرؤونه جزء من التوراة.. فكذب الله تعالى هذا الأمر مرّة أخرى بقوله: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وتكذيب آخر بقوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ليكون قد أشار بهذه النقطة إلى أنّ الكذب على الله من عادة اليهود ومسلكهم، وليؤكد سبحانه وتعالى أنّ هذه الأكاذيب التي يسطرونها لم تحصل بداعي اشتباه الأمر عليهم، بل إنّهم يعلمون الحقيقة، وإنّما يكذبون على الله عن سابق علم وعمد لعنهم الله أنى يؤفكون!!
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)
روي أنّ رجلاً جاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال له: إنّنا نحييك يارسول الله ونسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، وهذا ما يبدو غير لائق بك، فأذن لنا أن نميزك عنّا ونسجد لك، فقال صلوات الله عليه وآله مستنكراً: لا يجوز السجود لغير الله عزّوجلّ، ولكم أن تجلّوا الرسول كونه بشراً؛ ولكن عليكم أن تعرفوا حقه وتتبعوه....(1)
نزول هذه الآيات فيما يلي الآيات المتعلقة بقصّة النبي عيسى عليه السلام يشير إلى أنّ هذه الآيات تمثل فصلاً ثانياً في إيضاح الدلائل على نزاهة المسيح عليه السلام في العقائد الخرافيّة التي ينسبها النصارى له، كما تحذرهم وتنبههم إلى أنّ هذا النبي الجليل لم يدّع الألوهية لنفسه أبداً، وما قيل فيه بهذا الصدد مجرّد أكاذيب وأباطيل قيلت فيه بعد رفعه إلى السماء، وكذلك هي . هذه الآيات . ردٌّ ودحض لرغبات من أراد نسبة مثل هذه الأكاذيب والأباطيل إلى نبي الإسلام أيضاً (كما ورد في شأن نزول هذه الآية)...
يا أهل الكتاب ! إنّ حقيقة عيسى عليه السلام ليست كما تدعون، فهو ليس ربّاً، وهو لم
1) مجمع البیان، ج 2، ص 782
يدّع الربوبية.. ودليل كونه ليس ربّاً؛ أنه مخلوق بشري قد نما في رحم أمه التي ولدته ورعته في المهد صبيّاً.. ومع ذلك؛ فهو لم يكن مخلوقاً عادياً، بل كانت خلقته كخلقة آدم عليه السلام أبي البشر؛ صار من غير أب ولا أم، وتكوّن من غير العلل الطبيعية.. فمثله مثل آدم، ودليل عدم ادعائه الربوبية أنه كان نبياً رسولاً أعطي الكتاب والحكم والنبوة.. ونبي بهذه الهيئة لا يخرج عن نطاق العبودية فيسلك غير سبيلها.. وكيف يمكن له أن يقول للناس: اتَّخذوني إلهاً وكونوا عباداً لي من دون الله أو مع الله ؟! أو كيف يمكنه نفي نبوّة أحد من الأنبياء كان الله قد اصطفاه لها؟ كأن ينفي المسيح عليه السلام رسالة ونبوّة موسى عليه السلام.. والخلاصة: كيف يثبت المسيح عليه السلام حقاً لأحد ما كان الله أعطاه له؟ أو كيف له أن يسلبه حقاً وقد أعطاه الله إيّاه ؟ إنّ هذه الآيات تنفي أباطيل فريق من أهل الكتاب وتصلح أفكارهم ومعتقداتهم.
رَبَّانِيِّينَ جمع ربّاني، وتقال لمن كانت صلته بالله تعالى قويّة وعميقة جدّاً.
لما كانت كلمة (ربّ) تطلق على من يتحمّل مسؤولية إصلاح وتربية الآخرين، يكون مفهومها في هذه الآية أنه ليس من المناسب للأنبياء أن يدعوا الناس إلى عبادتهم، وإنما الجدير واللائق بهم . في ظلّ تعليمهم الناس آيات الله والحقائق الدينية . أن يكونوا علماء ربانيين إلهيين - منسوبين إلى الرب الإله . فلا يعبدون غير الله، ولا يدعون إلّا للعلم الإلهي، فيكونون الأسوة الحسنة التي يرتضيها الله تعالى لهم.
من قوله تعالى: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ يعلم أن هدف الأنبياء لم يكن تربية الناس فحسب، بل وتربية مصلحين وقادة للناس وهم الذين يكونون قادرين على خلق البيئة الاجتماعية المتنوّرة بالإيمان والعلم والنضوج العقلي..
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
جاء أحد اليهود ويدعى (أبو رافع) مع وفد نجران إلى المدينة وقال للنبي صلّى الله عليه وآله: أتحبّ أن نعبدك ونقول عليك قولنا في الإله ؟
(ولعلّ هذا وأمثاله كانوا يظنّون بأن معارضة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله للقول بألوهية عيسى عليه السلام بدافع كونه ليس له نصيب بهذا الصدد، ولو أنّ أهل الكتاب عدوه إلهاً كما عدّوا المسيح عليه السلام من قبل لكنّ عن تلكم المعارضة المشار إليها... ولعلّ هذا الاقتراح كان مؤامرة لتشويه سمعة النبي صلّى الله عليه وآله وإضلال الرأي العام تجاهه).
ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله استعاذ بالله تعالى بأن يسمح ويرضى بأن يعبد الناس رباً غير الله الواحد الأحد، مؤكداً لأبي رافع ومن هم على شاكلته بأنّ الله تعالى لم يبعثه ليكون رباً أو يصد عن سبيل الله .. (1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 782
لم تتحرّر وتستقلّ.
كيف يمكن أن يدعو النبي الناس إلى التوحيد والإيمان ثمّ يعلّمهم طريق الشرك.. أو كيف يمكن لنبي أن يذهب نتائج دعوات الأنبياء وجهودهم هباءً ويدعو الناس إلى الكفر والشرك ؟!
نعرف أشخاصاً كثيرين عبر التاريخ كانوا قبل بلوغهم الحكم والسطوة والنفوذ يتظاهرون بالنزاهة ويدعون الناس إلى الحق والعدالة والحرّيّة والإيمان ولكنهم سرعان ما غيّروا مسارهم بعد أن ثنيت لهم الوسائد وبسطوا نفوذهم حتى انتهوا إلى الفرديّة المقيتة وراحوا يدعون إلى أنفسهم فحسب..
أن من أساليب وطرق معرفة دعاة الحق وكشف دعاة الباطل هو أن دعاة الحق وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة عليهم السلام أنهم كانوا منذ البداية يتمتعون بأعظم القوى ويدعون الناس إلى الخير والأهداف المقدّسة الدينية والإنسانية؛ مثل التوحيد وأحدية الخالق والتحرّر .. إلّا أنّ دعاة الباطل حينما يبلغون مرحلة القوّة؛ فإنّ أوّل ما يدور في أذهانهم هو الدعوة إلى أنفسهم ويشجعون الناس إلى نوع عبوديّة تتمخض عن تملّق الناس وإذلالهم حتى ينتهي الأمر بالأتباع إلى عبوديتهم..
ثمّ رواية منقولة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام تعكس حقيقته المقدّسة، وهي بمثابة شاهد في هذا البحث.. إذ ورد أنّه عليه السلام مرّ بأرض الأنبار. إحدى مقاطعات العراق . فاستقبله جماعة الدهاقنة واصطفوا أمامه منحنين متذلّلين (ولعلهم هووا ساجدين له) كما هي العادة آنذاك.. ولكنّ الإمام عليه السلام استاء للغاية من هذا التصرف واشتد اضطرابه حتى صاح بهم قائلاً:
«ما هذا الذي صنعتموه؟».
فقالوا: خُلق منا نعظم به أمراءنا.
المجلد الثاني / النُّورُ الممينِ فِي تَفْسِير القُرآن
فقال: «والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنّكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب وأربح الدعة معها الأمان من النار!». (1)
1) نهج البلاغة، ص 475
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
1.مِيثَاقَ لغةً من مادّة وثوق وهو بعض الاطمئنان والاعتماد، ولهذا؛ يقال للعهود المؤكّدة الباعثة على الاطمئنان: مواثيق.
كما أنّ الأنبياء والأمم اللاحقة مكلفون باحترام الأنبياء السابقين ورسالاتهم وإجلال أصولهم العقائدية وكذلك كان الأنبياء والأمم السابقين مكلّفين بالإيمان واحترام من سيليهم من الأنبياء والرسل.. ولطالما أشارت الآيات إلى وحدة هدف أنبياء الله تعالى، وهذه الآية نموذج حي من تلكم الآيات.
قطع العهد مع الأنبياء يكون مع قطع العهد على أتباعهم، وقد كان موضوع العهد أن نبيّاً
إن ظهر وكانت دعوته متطابقة مع دعوة الأنبياء من قبله، وكانت كتب هؤلاء السابقين له قد ذكرت علاماته وصفاته وهكذا تثبت حقانيته). فلا يجب الإيمان به فحسب، وإنّما يتوجب ويتعين نصرته أيضاً.
5 . ترى هل أنّ هذه الآية متعلّقة ببشارة الأنبياء الماضين وعهدهم الذي قطعوه بخصوص خاتم الأنبياء عليهم السلام ؟ أم هي متعلقة بكل نبي يأتي بعد نبي آخر؟
ظاهر تعبير الآية أنها مسألة كلّيّة وعمومية؛ مع أنّ خاتم الأنبياء هو المصداق البارز لها، وهي تنسجم مع روح مفاهيم القرآن بالمعنى الواسع والشامل، وعليه؛ إذا وجدنا أخباراً تصرّح بأنّ المقصود من الآية هو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله،(1)فهو من قبيل تفسير الآية وتطبيقها على مصداق واضح ، دون أن يكون منحصراً فيها.
معلوم أنّ تلاميذ مدرسة ما إذا ما تعلّقوا بها وأحبّوها حبّاً جماً حتى أنهم امتنعوا عن الحضور في مدرسة إعدادية أعلى درجة؛ فإنّ هذا لا يدلّ إلا على التراجع والتخلّف عن قافلة الترقي والتقدّم.. وهكذا يكون الإصرار والتأكيد الوارد فيه أعلاه بخصوص أخذ العهد المؤكّد على الأنبياء الماضين والأمم السالفة تجاه من يأتي من بعدهم من أنبياء.. كأنه لاجتناب التعصب والجمود والعناد.. إلّا أنّ المؤسف في الأمر هو إصرار الأمم المتلاحقة والمتعاقبة على عنادها ورفضها من يبعث فيهم من الأنبياء المتعاقبين ورفض ما يأتيهم من حقائق جديدة.
رغم أنّ هذه الآية وردت في الأنبياء، ولكن البديهي فيها أنها تشمل أوصياء الأنبياء أيضاً، ذلك لعدم انفصالهم عنهم ، ولأنّ الجميع يجهدون في تحقيق هدف واحد.. ولطالما عمد الأنبياء إلى تعيين أوصيائهم وبشروا بهم ودعوا الناس إلى الإيمان والاقتداء بهم ونصرتهم والتبروء من أعدائهم ومناوئيهم.. فإذا ما وجدنا روايات وردت في كتب التفسير أو الحديث
1) تفسير القمي، ج1، ص 25
تؤكد على أن كلمة ولتنصرنه ) يقصد بها أمير المؤمنين عليه السلام وأنها تشمل مبدأ الولاية(1)، فهي إنّما تشير إلى هذا المعنى..
نقل الرازي في تفسيره عن الإمام علي عليه السلام قوله بأنّ الله تعالى حينما خلق آدم عليه السلام وجميع الأنبياء أخذ عليهم جميعاً العهد والميثاق بنصرة خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله والإيمان به متى ما بعث .(2)(3)
سؤال: مع الأخذ بنظر الاعتبار بمضمون هذه الآية فهل يمكن أن يبعث نبي من أولي العزم في فترة نبي آخر من أولي العزم أيضاً فيؤمر باتباعه ؟
ينبغي أن يقال هنا: كما أشير في تفسير الآية إلى أن الميثاق لم يؤخذ ولم يقطع على الأنبياء فحسب، وإنّما سرى ذلك إلى أتباعهم أيضاً، والحقيقة هي أنّ المراد من أنّ المراد من أخذ الميثاق من الأنبياء هو أخذه من أممهم والأجيال التي تليهم والعصر الذي يأتي بعد النبي.. ولو أنّ نبياً أدرك نبيّاً آخر بعثه الله تعالى ،بعده، فإنّه لا ريب سيؤمن له بمعنى استحالة حصول التفاوت بینأهداف الأنبياء أو حصول الخلاف فيما بينهم.
1) تفسير القمي، ج1، ص 25
2) تفسير الامثل، ج 2، ص 640
3) بل إنّ بعثة جميع الأنبياء والمرسلين ما كان أساسها وقاعدتها إلّا القول والتسليم لوحدانية الله تعالى ونبوة محمّد صلّى الله عليه وآله وولاية أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، وقد صُرّح بهذه الحقيقة حتّى في العديد من كتب المخالفين، كما في ينابيع (المودّة للقندوزي الحنفي [المترجم].
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)
1 يكشف التاريخ أنّ أتباع دين ما؛ ليس من اليسير عليهم أن يعرضوا عنه ثمّ يسلّموا لنبي جديد قد بعثه الله تعالى فيهم، بل إنّهم يستميتون في البقاء على جمودهم وتشبثهم بدينهم القديم والدفاع عنه، حتّى لكأنهم يرون في دينهم جزءاً أساسياً مصيرياً من وجودهم، كما يرون أنفسهم جزءاً أساسياً ومصيريّاً من دينهم، ويعتقدون أيضاً أنّ تركهم عقيدتهم فناءً لهويتهم... ولذا تراهم بالكاد يؤمنون لما هو جديد عليهم، ولعلّ أساس وسبب الكثير من الحروب والصراعات الطاحنة التي وقعت طيلة التاريخ، كان التعصب والتطرف الديني والجمود على العقيدة، في حين إنّ قانون التكامل يقول: لابد من تعاقب الأديان ليتطور الناس وأجيالهم في ظلّ مسار معرفة الله والحق والعدالة والإيمان والأخلاق والفضيلة والإنسانية حتى يصلوا إلى دین خاتم الأنبياء.. كما هو شأن الطفل الصغير الذي يلزمه أن يتدرّج في مراحل التعليم والتربية حتى يصل إلى الغاية من تأسيس المدارس والجامعات.
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
فمنه ماكان على صورة قوانين طبيعيّة وما فوق الطبيعية؛ وهي التي تحكم الموجودات في هذا العالم.. وكلّها مجبرة على الخضوع ولا تتخلّف لحظة واحدة، ولو أنها . على سبيل الفرض . تخلّفت لانتهت إلى الفناء والمحو، فأشعة الشمس التي تشرق على البحار وتتسبب في صعود البخار ثمّ بتشكيل الغيوم ثمّ بهطول الأمطار ثمّ بنمو النباتات والأشجار والأزهار.. كلّ هذه الحالات والمخلوقات مسلمة لأمر الله تعالى، لأنّ كلّاً منها خاضع لقانون الخلقة المحدّد والمرسوم لها.
والنوع الآخر من أمر الله تعالى، وهو المسمّى بالأمر التشريعي، فيقصد به القوانين التشريعية السماويّة وتعاليم الأنبياء، والتسليم لها تسليماً اختيارياً، والمؤمنون وحدهم هم من يستحقون اسم المسلم لتسليمهم ولا ريب أن التمرّد عن هذه القوانين ليس بأقل من التمرد على قوانين الخلقة، وهذا التمرّد ممّا يؤدّي إلى الانحطاط والتراجع والفناء..
الاحتمال الأول: أنّ الكافرين ومع عدم قبولهم الإسلام في مقابل قسم من التعاليم والأوامر الإلهيّة، فإنّهم مجبرون على قبول القسم الآخر، فما الداعي لأن لا يسلموا لجميع القوانين الإلهية والدينية الحقة ؟
الاحتمال الثاني: أنّ كثيراً من المفسرين ذكروا بأنّ الأفراد المؤمنين يتجهون إلى الله تعالى في حال الرفاه والاستقرار برغبة واختيار، وأما غير هؤلاء؛ فيلجؤون إلى ربّهم حين العسرة ومواجهة المشاكل المستعصية، فيدعونه ويطلبون منه أن ينقذهم؛ مع أنهم يجعلون له شركاء في الظروف الطبيعية..
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
1.نحن غير قائلين بفرق في الحقانية بين رسل الله وأنبيائه، بل نقرّ بهم ونؤمن بهم جميعاً كونهم قادة إلهيين قد بعثهم الله تعالى لهداية خلقه، ونحن مسلمون لهذا الأمر الإلهي برمته، وعليه؛ فإنّنا بذلك نقطع الطريق على دعاة الفرقة والاختلاف.
في هذه الآية عُدّ الإيمان بجميع الأنبياء والرسل وكتب السماء معياراً للإيمان؛ لا سيما وأنّ التاريخ قد أثبت أنّ المتدينين بديانة يندر أن يؤمنوا بدين جديد أو نبي جديد ويسلّموا له بعد أن ينفضوا أيديهم عن الديانة القديمة، بل غالباً ما يواجهونهم باستماتة واضحة وجمود صارخ وتحجّر بغيض، فيدافعون عن ديانتهم وكأنّهم يدافعون عن أنفسهم، ويعدون تركها دماراً لقوميّتهم، ولذا تراهم أصعب شيء بالنسبة لهم اعتناق الديانة الجديدة؛ وهذا الواقع كان سبباً مباشراً لاندلاع الكثير من النزاعات والحروب على مر التاريخ، وإن من أقسى الوقائع التاريخية وأمرها كان هذا التطرّف والجمود على الأديان القديمة.
يقول قانون التكامل : لابد من تعاقب الأديان الواحد بعد الآخر ليسير البشر ضمن مسار معرفة الله والحق والعدالة والإيمان والأخلاق الفاضلة والإنسانية حتّى يبلغوا إلى حيث خاتم الأديان، وإنّما حالهم في ذلك حال الطفل الذي يطوي المدارج بالتعاقب حتى يصل إلى منتهی دراسته ويطوي طريقها.
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
قال جمع من المفسّرين إنّ هذه الآية قد نزلت في (12) رجلاً من المنافقين؛ كانوا أظهروا الإيمان ثم ارتدوا وعادوا من المدينة إلى مكة، فأعلنت لهم هذه الآية بأن من لم يعتنق الإسلام سيكون في الآخرة من الخاسرين.
كلمةيَبْتَغِ من مادة الابتغاء بمعنى السعي، وتستعمل في الموارد الصحيحة وغير الصحيحة، وهي في الموردين تابعة للقرائن المتوفّرة لدى استعمالها..
استعرضت الآية الإسلام في مفهومه العام، وعدّته أصلاً كلّيّاً؛ وهو التسليم للح بالمفهوم الخاص؛ أي الديانة الإسلامية باعتبارها النموذج الكامل والأكمل، فتؤكد الآية على أن ميزان القبول في الآخرة هو اعتناق الإسلام في الدنيا.. ومع احترامنا لجميع الأديان الإلهية؛ فإنّ الإسلام المحمدي هو الديانة الحقة..
كما يتوقع للطالب الجامعي أن يخوض مرحلة الدكتوراه مع احترامه لجميع الدروس التي قرأها في مختلف المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والإعدادية ومرحلة الليسانس والماجستير؛ فإنّ الدرس أو المرحلة الأخيرة المتبقية أمامه هي مرحلة الدكتوراه، ولو أنه انشغل أو تشاغل عنها فإنّه لن يكون سوى خاسر بالقياس إلى ما تحمله من تعب ومشقة طيلة سنيه الدراسية المتقدّمة.. وهكذا هو حال المتهالكين على التقليد الأعمى والتعصب الجاهلي والعنصري والخرافات التي اختلقوها بأنفسهم، حيث لن يجدوا سوى الندامة وضياع العمر بانتظارهم.
1) الدر المنثور، ج 2، ص 48 و 49 .
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)
روي أنّ رجلاً من الأنصار ( حارث بن سويد) قتل شخصاً بريئاً وكان يدعى (محذر بن زياد) ولما خاف العقوبة ارتد عن الإسلام وارتد معه أحد عشر رجلاً من قومه، وفروا جميعاً إلى مكة.. وبعد فترة من دخوله مكّة شعر بندم شديد وحار فيما يفعل.. فقرّر أن يرسل شخصاً إلى قومه في المدينة ليسألوا النبي صلوات الله عليه وآله عمّا إذا كان ثَمّ سبيل له إلى العودة أم لا.. فنزلت هذه الآية وكشفت عن قبول التوبة ضمن شروط محدّدة.. فعاد الحارث بن سويد وجاء النبي صلوات الله عليه وآله واعتنق الإسلام مجدّداً وبقي وفياً للدين إلى آخر لحظة من حياته (إلّا أنّ الذين ارتدوا معه عن الإسلام لم يعودوا عن كفرهم وبقوا على حالهم)(1)وقد ورد في (الدرّ المنثور) وبعض التفاسير الأخرى شؤوناً أخرى للنزول، وليس فيها كثير تفاوت مع ما نقلناه...(2)
قوله تعالى:كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم .. استفهام إنكاري؛ والغاية منه هداية قوم ارتدوا عن إسلامهم على أنها هداية غير يسيرة، والمراد من استبعادها عدّها محالةً كما قال سبحانه في آخر الآية :وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .
المراد بالكفر في هذه الآية: الرجوع إلى الكفر بعد اتضاح الحق وثبوت الحجّة، وهذا الكفر في نهاية المطاف كفر ناشئ عن العناد والعداء للحق واللجاجة مع أهل الحق.. وهذا كله ظلم للغير، وهو ظلم لا ينتهي بصاحبه إلى النجاة والفلاح.
كان الحديث في الآيات السالفة عن الديانة الوحيدة المقبولة من جهة المولى سبحانه، وفي هذه الآية صار الحديث عن الذين ابتغوا الإسلام ثم رجعوا عنه، وهو ما يسمى في الاصطلاح الشرعي والعقائدي: الردّة والارتداد.
المرتد هو الذي قبل الإسلام ثم رجع عنه. وهو على قسمين: مرتد فطري ومرتدّ مليّ.
أما المرتدّ الفطريّ؛ فيقال لمن كان أبواه مسلمين وعلى حدّ قول البعض؛ هو من كان أبواه مسلمين حين انعقاد نطفته ثمّ قبل الإسلام ورجع عنه. ولكنّ المرتد الملّي فيقال لمن لم يولد لأبوين مسلمين؛ فقبل الإسلام بعد بلوغه ثم رجع عنه.
وتوبة المرتد الملّي تقبل؛ وتخفّف عنه العقوبة، دون المرتد الفطري الذي يشدّد عليه في الحكم وإن قبلت توبته عند الله تعالى، ولو أنّ ارتداده ثبت في محكمة الحاكم الشرعي؛ حكم بالإعدام عند أغلب فقهاء الإسلام، وورث عند وارثه المسلم وطلّقت عنه زوجته المسلمة، ولا تحول توبته دون تنفيذ هذه الأحكام المشدّدة بحقه.. ولكن كما قلنا؛ فإنّ هذا التشديد مخصوص بالمرتدّ الفطري حين يكون رجلاً..
للبلاد المسلمة، ومنع تلاشيها والحيلولة دون نفوذ الغرباء والمنافقين فيها، ذلك لأن الارتداد.
في حقيقته . نوع ثورة وتمرّد على نظام الحكم الإسلامي، والحكم شبيه بما هو معمول به في القوانين الدنيوية المعاصرة، حيث العقوبة هي الإعدام.. ولو أبيح للأفراد أن يعلنوا اعتناقهم الإسلام ذات يوم، ثم يستقيلون عنه في آخر النهار أو في اليوم التالي، فلا ريب أن المجتمع المسلم وجبهته الداخلية سيضمحلّان ،ويتلاشيان وسيكون ذلك تمهيداً لنفوذ الأداء وعملائهم، وسيتسبب ذلك بتكريس الفوضى في عموم المجتمع المسلم، وعلى هذا؛ فإنّ الحكم المذكور عبارة عن حكم سياسي سُنّ لحفظ الحكومة والمجتمع المسلمين ومواجهة الأيادي الأجنبية، وهو حكم ضروري كما يتضح.. إضافة إلى أن من يعتنق ديناً كالدين الإسلامي بعد التحقيق ثمّ يرتد عنه ويتجه إلى دين ،آخر ، فلا ريب أنه لا تبرير علميّاً ولا عقليّاً له، وعليه؛ فإنّ ترك الدين لابد أن تتبعه عقوبة شديدة، وإذا ما رأينا في هذا الحكم تخفيفاً تجاه النساء؛ فذلك لأنّ عموم الأحكام لها طابع التخفيف تجاههنّ.
واضح أنّ علّة عدم هداية المرتدين هي أنّهم بمعرفتهم النبي صلى الله عليه وآله وشهادتهم له بالرسالة الحقة وبالدلائل الواضحة؛ فإنّ ارتدادهم وعدولهم عن الإسلام عبارة عن ظلم واستكبار ، ومن يعمد إلى ممارستهما عن علم غير جدير بالهداية، بل إنّه قد خرّب أرضيّة الهداية من وجوده.
المراد من الْبَيِّنَاتُ في الآية أعلاه؛ هي القرآن المجيد وسائر المعاجز النبوية، والمراد من الظَّالِمِينَ هم الذين يظلمون أنفسهم بالدرجة الأولى باتخاذهم طريق الارتداد، وتسببهم في ضلال الآخرين بالدرجة الثانية.
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)
اللعن لغةً بمعنى الطرد والإبعاد المقترن بالغضب، وفيما يتعلّق بالله تعالى يكون معناه الطرد من رحمته، وأما فيما يرتبط بالملائكة وبالناس؛ فتعني الغضب والنفرة والطرد المعنوي، أو الطلب من الله تعالى أن يطرده من رحمته.
لا شكّ في أنّ المرتدين هم تاركون الله تعالى وللدين، وبترك العبودية الله وبظلمهم أنفسهم ومجتمعهم المسلم، سيسيرون عن سابق علم وعهد في طريق الضلال والعصيان والانغماس في الذنوب والمعاصي بحيث يكونون موضع تنفّر جميع العقلاء الذين يشملهم عنوان الإنسان والملك، بل وسيتعرّضون لغضب الله تعالى.
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)
ادّعاء، وإنّما لابد أن تقرن بجبر ما فات والتطهر من قذارة الكفر التي علقت بالمرتد التائب تطهراً باطنياً وظاهريّاً، وهذه هي التوبة النصوح.
هذه
هذه الآية مثل كثير من الآيات القرآنية الأخرى.. إذ بعد القول بمسألة التوبة؛ صرّحت بكلمة وأصلحوا للتأكيد على أنّ التوبة ليست الندم على ما فات والعزم على عدم العود للذنب في المستقبل فحسب؛ بل إنّ قبول التوبة مشروط بالقيام بالأعمال الصالحة في القابل ولذا؛ وردت الإشارة في بعض الآيات إلى الإيمان والعمل الصالح بعد إعلان التوبة وفي الآية والآية الستين من سورة (مريم ) قال تعالى:إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً .
من قوله سبحانه: إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً يعلم أنّ ارتكاب الذنب يؤدّي إلى حصول نقص في الإيمان، ولابد من جبر هذا النقص الحاصل بعد التوبة.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
قال بعض: إنّ هذه الآية تخص حال أهل الكتاب قبل البعثة النبوية الشريفة، حيث آمنوا بالنبي الخاتم، ولكنّهم كفروا به بعد ظهوره وبعثته فنزلت فيهم الآية.
وقال آخرون: نزلت في الحارث بن سويد وأحد عشر رجلاً من أصحابه ارتدوا عن الإسلام، ولكن الحارث ندم وتاب.. والأمر كما أشير إليه في بحث الآية السالفة، حيث لم يتب من كان معه من الذين ارتدوا حتّى أنّهم قالوا للحارث الذي دعاهم للتوبة: سنبقى في مكة منازعين لمحمد ونتوقع هزيمته، فإنّ تمّ ما نتوقعه وإلا فإنّ سبيل التوبة متاح، ومتى ما رجعنا قبلنا محمد، وسينزل فينا ما نزل في الحارث.. وحينما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة، رجع بعض هؤلاء إلى الإسلام وقبلت توبتهم . وصاروا في عداد الطلقاء . فيما البعض الآخر بقوا على حالهم حتى ماتوا كفّاراً، فنزلت الآية الثانية..(1)(2)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 790
2) وهناك من نقل عن آل البيت عليهم السلام القول بأن من أهم مصاديق الارتداد هو الردّة عن بيعة الغدير والكفر بمعنى (الإخفاء) بحق أمير المؤمنين علي عليه السلام، لا سيّما وأنّ الآية الخاصة النازلة بشأن بيعة الغدير قد صرّحت بوجوب الإبلاغ النبوي بما أنزل من الله بشأن الولاية العلوية وأنّ الله تعالى لا يهدي الكافرين بهذا الشأن، وعدم الهداية هي الضلال الذي يقع فيه من يكفر بعد الإيمان - الذي هو عبارة عن الإيمان بالولاية العلوية - وهي الزيادة في الكفر ، وهي الضلال المبين. [المترجم]
الخصوصية الأولى: أنّ الجملة وردت اسميّة.
الخصوصية الثانية يفهم من كلمة أُولَئِكَ الموضوعة للإشارة إلى البعيد أنّهم بعيدون أو مبعدون عن التكلّم والحوار.
الخصوصيّة الثالثة: استعمل فيهم الضمير المنفصلهُمُ .
الخصوصية الرابعة: ورود الألف واللام في كلمة الضَّالُّونَحيث الإخبار الموحي بانتهاء أمرهم باعتبارهم الضالين المبعدين.
لقد كان الحديث في الآية السالفة عن الذين يندمون ويتوبون حقاً ويرجعون عن ردّتهم، فقبلت توبتهم، ولكن حديث هذه الآية عن الذين لا تقبل توبتهم، وهم الذين آمنوا في البدء ثمّ كفروا وأصروا على كفرهم وصرّحوا بعدم استعدادهم لاتباع الحق وتعاليمه إلا أن الأمور تضيق بهم وحيث لا يجدون طريقاً ومناصاً إلّا بالتوبة والرجوع ولا ريب في أنه تعالى لا يقبل توبة هكذا أفراد..
الأول: لأنّ توبتهم توبة ظاهريّة منافقة، وعدم تغيّر بواطنهم وقلوبهم..إذ تراهم يضطرون اضطراراً إلى الاستسلام حيث يرون الحق وقد انتصر وسيطر، ومن الطبيعي والمعقول أن لا تقبل هكذا توبة.. بل إنّها ليست توبة أساساً.
الاحتمال الثاني: أنّ هكذا أشخاص إنّما يظهرون ندمهم وتوبتهم حينما يبلغون حافّة الموت.. ونعلم أن باب التوبة يغلق في تلك الساعة الرهيبة، وهذا هو منطوق ومفهوم قوله سبحانه وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ في حسابات الله عزّوجلّأُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (1).
الاحتمال الثالث: أنّ المراد من التوبة غير المقبولة ؛ التوبة عن الذنوب العاديّة في حال الكفر، مثل أن يصرّ أحدهم على كفره ولكنّه يمتنع عن ذنوب كالظلم والغيبة والفحشاء؛ فتكون توبته عديمة الفائدة، ذلك لأن غسل القذارة السطحية والظاهرية لن يؤثر ولن يكفي في تطهير الروح والقلب من القذارة الشديدة التي لحقت بهما.
جدير بالذكر؛ أنّ الاحتمالات والتفاسير الثلاثة المذكورة لا منافاة بينها، ويمكن أن تكون الآية الشريفة ناظرة إلى جميع هذه التوبات عديمة الفائدة، مع أن التفسير الأول أقرب إلى مفهوم الآيات السالفة وشأن نزولها.
1) سورة النساء / 18.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
2.معلوم أنّ المراد من قوله تعالى: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ هو الإيحاء بأن هكذا أشخاص سيحرمون من شفاعة الشافعين وهذا المعنى يفهم من نتيجة الجملة، وذلك لأنه تعالى لو كان قال: وما لهم من ناصر، ما استطعنا القول بأن ثمّ ناصراً في يوم القيامة، ولكنّهم لا ناصر لهم، إلا أنه سبحانه قال: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ واستعمال صيغة الجمع يوحي أنّ ثَمّ نصراً وناصرين في القيامة؛ ولكنهم لا ناصرين لهم.
الدنيوي في الآخرة ؛ وهذا الفائت هو التوبة، ولا مجال لجبرها والتعويض عنها في القيامة.
كانت ملؤها ذهباً فهي غير ذات فائدة إذ ذاك، وعليه؛ صارت العبارة كناية لبيان اتساع دائرة الإنفاق والعطاء..
5 . كلمة مِلْءُ في قوله سبحانه: مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا بمعنى امتلاء الظرف بشيء يسكب فيه، وعليه؛ شبّهت الأرض بظرف مملوء بالذهب.. وهذا التعبير من قبيل الاستعارة التخييليّة والاستعارة للكناية. أمّا الاستعارة التخييليّة؛ فللقول بأنّ وجود هكذا ظرف هو ضرب من الخيال ولا وجود له في الدنيا وأما الاستعارة للكناية؛ فللقول: على افتراض وجود هكذا ظرف؛ فإنّه لن يداوي جرحاً. كما يقال . لأنّ الذهب له قيمته في هذا العالم، ولا قيمة له في عالم القيامة الذي هو عالم من الملكوت؛ ولا قيمة للماديّات في عالم الملكوت.
6 . واضح أن المقصود من قوله تعالى: وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ هو موتهم وقد فاتتهم التوبة.. وعليه؛ لا يتناقض هذا الحصر الوارد في الآية مع قوله تعالى في الآية (18) من سورة النساء الذي جاء فيه:وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا لأن المقصود من حضور الموت هو اتضاح حلول ومجيء آثار الآخرة وزوال الدنيا بالنسبة إلى هذا الشخص.. وهنا تنعدم إمكانية قبول التوبة، وبالنتيجة؛ فالموت في حال الكفر يساوي التوبة في حال حضور الموت.. والحصر المستفاد من الآية مورد التفسير والبحث لا يتناقض مع الآية من سورة النساء.
مضمون الآية شبيه بما ورد في الآية (15) من سورة الحديد إذ قال تعالى: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .
وردت الإشارة في خاتمة هذه الآية الجليلة بالقول :أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي : ليست الفدية وحدها هي التي لا تنفع . على فرض إمكانية تقديمها . بل إنّ شفاعة الشافعين لن تنال الكافرين الذين ماتوا وهم كفّار، إذ للشفاعة شروط ومساحة، وأهمها: الإيمان بالله . وبالرسول وبالإمام المعصوم . ولهذا لو أنّ جميع الشفعاء جمعوا في يوم القيامة ليشفعوا الرجل كافر ، فلن تقبل شفاعتهم، بل إنّ الشفاعة إنّما تحصل طبقاً لأمر الله وإذنه ، وهذا الكافر غير جدير بأن يشمل بالشفاعة المأذونة...
وفقنا الله تعالى للقدرة على تفسير الأجزاء القرآنية الأخرى..
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
المال والربح الوفير.. وبعد نزول الآية الكريمة أعلاه جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلوات الله عليه وآله وقال : تعلم يا رسول الله أنّ هذا البستان هو أحبّ مالي إليّ، وإنّي عزمت على إنفاقه في سبيل الله ليكون ذخراً لي في يوم القيامة. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: «بخ بخ؛ ذلك مال رابح لك» ثمّ أضاف القول: أرى أن تنفق من ثمنه على أولي قرباك.. فامتثل أبو طلحة الأنصاري أمر النبي وقسمه بين أقربائه المحتاجين.(1)
1) كشف الأسرار، ج 2، ص 201
صالح وإن كان صدر من غير قصد..
وللمفسّرين تفصيل كبير في المقصود من البر.. بعض ذهب إلى أنه الجنّة، وبعض وصفه بالورع والتقوى، وبعض عدّه الثواب الجزيل.
إنّ لبلوغ مقام الصالحين الحقيقيين شروطاً ومقدّمات كثيرة، أحدها الإنفاق من الأموال التي يحبّها الإنسان، ذلك لأنّ الحبّ الحقيقي يجب أن يكون الله تعالى واحترام الأصول الإنسانية وفضائل الأخلاق، وهنالك يتضح أنّ الإنسان يقف عند مفترق طرق.. طريق المال والثروة والمنصب والجاه؛ وهي الأمور التي يحبّها ابن آدم حبّاً جماً.. وطريق آخر؛ حيث الله والحقيقة والعواطف الإنسانية النبيلة والصلاح.. فإذا ما غضّ ابن آدم الطرف عن الطريق الأول لصالح الطريق الثاني؛ عُلم أنه صادق في عشقه وعلاقته.. أما إذا غض طرفه عن بعض الأمور الجزئية البسيطة . غير المكلفة . عُلم أنّ حبّه وعلاقته المعنوية بمقدار توجهه واهتمامه، وهذا هو المقياس الذي يحدّد به مقدار إيمانه وشخصيّته.
لما كان كل إنسان . بشكل غريزي - متعلقاً بجمع المال والثروة، وحريصاً على عد ما حصل عليه اليوم وغداً، فإذا ما فرّط بجزء بسيط ممّا جمع، صار كمن فرّط في جزء من نفسه وكيانه.. فإنّ جهاد الإنسان في إنفاق ماله المتشبث به أصعب وأشدّ من سائر العبادات والأعمال، إذ ليس في العبادة ما يعتبر نقصاً وزوالاً واضحاً كما هو الحال في الثروة والمال..
«كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)»
يعلم من الروايات الشريفة ونقل المفسرين أنّ اليهود أشكلوا على النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله عدة إشكالات؛ مثل الإشكالين أدناه خلال حواراتهم معه صلّى الله عليه وآله:
الف: أنه كيف حلّل نبي الإسلام لحم ولبن البعير مع أنهما كانا محرّمتين في دين إبراهيم عليه السلام وقد حرمهما اليهود على أنفسهم اتباعاً لدين الخليل عليه السلام بل وديانة نوح عليه السلام . فكيف لمن لم يحرّمهما أن يتحدث وينادي بدين إبراهيم عليه السلام؟!
ب: كيف يعدّ نبي الإسلام نفسه وفيّاً للديانات الإلهية العظيمة؛ ولا سيما دين إبراهيم عليه السلام مع أنّ جميع الأنبياء الذين كانوا من ذرّيّة إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام يجلون بيت المقدس(1)ويصلون باتجاهه، إلّا أنّ نبي الإسلام غير قبلته واتخذ الكعبة قبلة له ولأتباعه ؟
هذه الآية الشريفة ردّت على الإشكال اليهودي الأوّل وكشفت أكاذيبهم، فيما الآيات القادمة سترة إشكالهم الثاني.(2)
1) بيت المقدس عبارة عن بقعة تقع في شرق مدينة القدس الفلسطينية؛ كان الأنبياء يصلّون ويتعبّدون فيها، أما المسجد المعروف؛ فقد شيّده الأمويون في عهد عبد الملك بن مروان في حوالي السنة المئة الهجريّة، ولم يكن من قبل، وذلك لحمل الشاميين على الحج إليه دون المسجد الحرام في مكة المكرمة لئلا يتصلوا بابن الزبير [المترجم].
2) مجمع البیان، ج 2، ص 794 والتفسير الكبير، ج 8، ص 294 و 295.
وكلمة حِلًّا في مقابل الحرمة ، فكأنّ هذا المعنى تكوّن من هذه الجهة، وقيل للحلال حلالاً لأنّ كلمة الحلّ بمعنى الانفتاح وفتح العقدة، كما
هي كلمة العقد بمعنى عقد العقدة وربطها.. وحلّ العقدة نوع من التحرير، وحلّيّة الشيء نوع تحرّر للإنسان.
كلمة إسرائيل لغةً ؛ اسم ليعقوب النبي عليه السلام، وسمّي بإسرائيل لجهاده المرير في سبيل الله وظفره وتوفيقه، ويطلق أهل الكتاب هذه التسمية على من يغلب الله (!!) ولأنهم يؤمنون بأنّ يعقوب تصارع مع الله ذات يوم في موضع يقال له (فنئيل) حتى أسقطه أرضاً، فقد سموا يعقوب؛ إسرائيل (!!) وهذا ما كذبه القرآن المجيد، ويعده العقل السليم محالاً وكفراً... .. فيما يتعلق بإسرائيل وأي طعام حرّمه على نفسه؛ وعلّة ذلك التحريم.. لم يرد إيضاح له في الآية الشريفة، ولكن مما يعلم من الروايات الإسلاميّة أنّه حينما كان تناول من لحم البعير ذات مرّة أصيب بعرق النساء، أو أنه كان يعاني من ذلك فاشتدّ عليه، فقرّر أن يمتنع عنه دائماً، فتبعه في ذلك من كان يتبعه، حتى اشتبه الأمر على من جاء بعدهم وظنوا أن امتناع يعقوب عليه السلام عن الأكل عن لحم البعير من تحريم إلهي، فاتخذوه حكماً شرعياً ونسبوه إلى الله سبحانه وتعالى...(1)
لم يكن من الطعام الطيب ما هو محرّم على بني إسرائيل قبل نزول التوراة، وقد أشير إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى:من قبل أن تنزّل التوراة إلّا أنّ بني إسرائيل الذين أسرفوا في
1) تفسير القمي، ج 1، ص 107 و 108
الظلم عاقبهم الله تعالى عند نزول التوراة وبعثة موسى بن عمران عليه السلام؛ فحرّمت عليهم بعض الأطعمة...
فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)
حيث أنهم لم يكونوا على استعداد للإيمان بالتوراة، وعدّوا الافتراء على الله تعالى أمراً مسلّماً ولا إشكال أو لا مناص منه.. عليهم أن يعلموا بأنّ الذين يكذبون على الله ظالمون.. ظالمون لأنفسهم حيث عرّضوا أنفسهم للعقاب والعذاب الإلهي، وظالمون لغيرهم حيث أضلوهمفَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
من ظاهر هذه الآية يعلم أنّ كلام الله تعالى والخطاب الصادر عنه لرسوله صلى الله عليه وآله هو لطمأنة قلبه حيث أعلمه بأن اليهود . طبقاً للإيضاح المذكور . ظالمون، لجرأتهم على الكذب على الله تعالى، وهو تعريض باليهود والكلام هو على سبيل الكناية.
هنا يطرح سؤال؛ وهو أنّ المفتري والكذاب ظالم دوماً.. فلم جرت الإشارة بعد بيان كونهم مفترين إلى أنهم ظالمون؟
الجواب: وما قال آخرون: الظلم لا يثبت ولا يتحقق قبل اتضاح الحقيقة، والاقتصار والحصر في عبارة فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ اقتصار وقلب، سواء كان من كلام الله تعالى أو كان تتمة لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله. وبدلاً عن أن يكون عمل هؤلاء منحصراً في الظلم والتأكيد على أنه لا يمكن تسميته بغير الظلم؛ فهو من باب المبالغة، والظلم منحصر في عمل هؤلاء وسلوكهم ، وأنّ عنوان الظالم منحصر فيهم.. فقالهُمُ الظَّالِمُونَ.
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)
الآن حيث ترون أنّي صادق في دعوتي، فلابد لكم من الاستجابة لدعوتي التي هي دعوة إبراهيم عليه السلام الحنيفة، أي أنها كانت بعيدة عن الأديان الباطلة، وقد خلت عن الأحكام الضالة التي لا دليل عليها فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين أبداً، وإنّه لا معنى لأنّ يعد هؤلاء المشركون أنفسهم على دين الخليل عليه السلام.. وأين عبادة الأصنام من محطم الأصنام؟! .. السبب في تكرار القول القرآني بأنّ إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً ولم يكن من المشركين هو . كما أشرنا سالفاً . أن الصنميين الجاهليين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم عليه السلام، حتّى أنّهم أمعنوا في هذا الادعاء الكاذب بحيث سماهم الناس بالحنفاء (الإبراهيميّين) فما كان من القرآن إلّا أن أصر على تكذيبهم تأكيداً مطلقاً.
قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..يبيّن أنّ ما يدعو النبي إليه ويخبرهم به هو الحق الذي لا يفارقه أبداً، فوجب عليهم اتباعه والإقرار بدينه والاعتراف بحلّية لحم البعير ، وكذلك جميع الطيبات التي أحلّها الله تعالى، وإن كان قد حرم شيئاً منها عليهم اليهود . فلجهة العقوبة على ظلمهم.. وهذا ما أخبر الله تعالى به..
قوله سبحانه: فَاتَّبِعُوا... بمثابة الكناية عن اتباع دين رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان القرآن لم يذكر اسماً لدين إبراهيم عليه السلام وقال بدلاً من ذلك: دين إبراهيم،
فبداعي أنّ المخاطبين بقول القرآن كانوا يقبلون دين إبراهيم عليه السلام، وأوحى بأنّ دين الإسلام الذي يدعون إليه هو نفسه دين إبراهيم عليه السلام الحنيف والفطري، لأن دين الفطرة لا يمنع الإنسان من تناول اللحم الطاهر الطيب أو البحث عن الرزق الحلال..
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)
2 . يصرّح القرآن في هذه الآية بأن لا عجب في اتخاذ الكعبة قبلةً للمسلمين، باعتبارها أوّل بيوت التوحيد، وأنّها أقدم موضع عبادة لله تعالى على وجه الأرض، ولم يوضع قبلها بيت للعبادة ومناجاة ربّ العالمين.. فهي بيت للناس ولصالح البشرية وتمثل مركزاً لاجتماعهم، وهي موضع مبارك.
تؤكّد لنا المصادر الإسلامية والتأريخ أنّ الكعبة شيّدت بيد أبينا آدم عليه السلام، ثمّ إنّ الضرر لحق بها في طوفان نوح عليه السلام، ثمّ أعيد بناؤها بيد إبراهيم الخليل عليه السلام، وعلى هذا؛ يكون اختيار أقدم بيوت الله تعالى قبلةً هو الفعل والحكم الأجدر؛ من كل ناحية.
استعملت هذه الآية الاسم الآخر للكعبة؛ وهو بيت الله وأنه بيت للناس، وهذا الاستعمال في التسمية يبيّن ضرورة جعل ما كان باسم الله والله تعالى لصالح الناس وعباد الله، وأنّ ما كان لصالح الناس وعباد الله يحسب الله أيضاً، مع أنّ من هذه الآية تتأكد أهمية دور السابقة في المسار الإلهي وفاعليتها.
1) راجع مجمع البیان، ج 2، ص 794 والتفسير الكبير، ج 8، ص 294 و 295.
ولكن بالالتفات إلى تاريخ هذا الحجر المميز يتضح أنّ خصوصيته غير متوفّرة بحجر آخر في العالم، ومن ذلك أنه يمثل الحجر الأقدم الذي استخدم في بناء مركز عبادي.. لأننا نعلم بأنّ جميع مراكز العبادة . بما في ذلك الكعبة نفسها قد تعرّضت للخراب والإعمار، وقد تغيّرت لدى ذلك أحجار البناء، أما الحجر الأسود؛ فهو الشيء الوحيد الذي بقي صامداً رغم مرور آلاف السنين وتعاقب الخراب وعمليات التجديد، وعلى هذا فإنّ أهمية الحجر الأسود تتأكد في كونه الأول والأقدم في أبنية مراكز العبادة ومصالح الناس، هذا بالإضافة إلى كونه قد ازداد بركة بتناول الأنبياء والأئمة والأولياء له عبر آلاف السنين؛ حيث كانوا يتعبّدون ويناجون الله تعالى عنده؛ فهو إذن؛ يمثل إرثاً تاريخياً ودينياً وثقافياً لا مثيل له بالنسبة لأجيال المسلمين والمؤمنين عبر القرون التي لا تحصى..
1) راجع :تفسير المنار، ج 4، ص6 و 7.
يتعبّدون ربّهم المتعال في مواضع خاصة، وعليه؛ كيف تكون الكعبة التي بناها إبراهيم باعتباره البنّاء الأوّل لها على حدّ تعبير صاحب المنار فيما الأنبياء السالفون قد سبقوه في العبادة في محال خاصّة؟!
بكة لغةً مأخوذة من مادة البكّ (على وزن فكّ ) بمعنى الاجتماع والازدحام، وقيل للكعبة أو للأرض التي بنيت عليها الكعبةبكة لاجتماع الناس وازدحامهم فيها، ولا يبعد أن يكون هذا الاسم لم يطلق عليها في البداية، ولكنّها بعد أن عرفت وعدت مركزاً للعبادة بشكل رسمي سُمّيت ببكة.. وقد روي عن مولانا الصادق عليه السلام أنّ مكّة هو اسم لمجموع المدينة، أما بكة؛ فهو اسم لموضع الكعبة الذي بنيت فيه..(1)رغم أنّ بعض المفسرين احتملوا أن تكون بكة هي مكة، وقد بذلت الميم باءً، مثل كلمتي لازم ولازب اللتين تفيدان معنى واحداً في لغة العرب... وذهب بعض في تسمية الكعبة ببكة إلى وجه آخر، وهو: أن كلمة بكة تعني أو مأخوذة من تحطم صفة التعصب والغرور، فصارت الكعبة؛ هذا المركز العبادي العظيم موضعاً لتجاوز جميع أشكال التعصب والعنصرية والتكبر والغرور ووجب على جميع من يتصف بهذه الصفات الرذيلة وأشباهها أن يحجوا كغيرهم من عامة الناس تحطيماً لغرورهم وعنصريتهم وبكاً لتكبّرهم وتعاليهم..
قبل إيراد الروايتين يجب أن يقال إنّ هاتين الروايتين تتضمنان استدلالاً لطيفاً متطابقاً
1) تفسير العياشي، ج1، ص 187
والموازين الحقوقية المعاصرة، وهو أنّ معبداً. كما هي الكعبة. حينما يشيّد على مساحة أرض بكر، يكون شعاع الحاجة والضرورة هو المقدّم والمأخوذ بعين الاعتبار، وذلك في يوم البناء والتشييد، فيكون بمقدور الناس ومتاحاً لهم أن ينتفعوا من حدوده، أما في اليوم الذي تتضاعف الحاجة إلى اتساع مساحة هذا المركز العبادي ؛ فإنّ الحاجة إلى التوسعة تكون هي المقدَّمة على حاجة الناس وعلى ما كان متاحاً لهم قبل ذلك..
نقل في (تفسير العياشي) أنّ في عهد المنصور العبّاسي تقرّر العمل على توسعة المسجد الحرام لكثرة الحجيج، فاستدعى المنصور الساكنين حول المسجد الحرام ليشتري منهم بيوتهم ومحال أعمالهم ولكنّهم رفضوا أن يبيعوه بيوتهم ومحالهم مهما عرض عليهم من الثمن... فتحيّر المنصور (لأنه لم يشأ تخريب بيوتهم ومحالهم بالقوة لئلا يثير من المشاكل ما لا يرغب، ولأنهم رفضوا بشكل قاطع عرض المنصور) فما وجد إلّا أن يستفتي الإمام الصادق عليه السلام فقال له الإمام لا بأس عليك.. فهناك دليل واضح لك أن تستدلّ به.. فقال: وأيّ دلیل؟
فقال عليه السلام: إنّه كتاب الله. فقال المنصور: وأيّ موضع من كتاب الله؟ فقال عليه :السلام قوله تعالى: إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً فإن كانوا بنوا بيوتهم ومحالهم قبل بناء الكعبة؛ كان ما حول الكعبة لهم، ولكن إن سبقتهم الكعبة إلى ذلك؛ فما حول الكعبة عائد لها
( ولمن يزورها ويحج إليها). فاستدل المنصور بما علمه الإمام الصادق عليه السلام على من كانت بيوتهم ومحالهم تزاحم مشروع توسعة البيت الحرام، فقالوا مضطرين: نوافقك على ما ترى!(1)
1) تفسير العياشي، ج1، ص 187
ونقل في التفسير أيضاً نظير هذه الحالة والحادثة التي تكرّرت في زمن المهدي العبّاسي أيضاً، إذ سأل الفقهاء عنها، فقالوا جميعاً ما لم يرضَ مالكو البيوت والمحال؛ فإنّه لا يجوز ضمّ ما هو مغصوب إلى بيت الله، فاستأذنه علي بن يقطين. وكان من الشيعة ووزيراً للمهدي العبّاسي . أن يسأل الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في ذلك، فكتب المهدي إلى واليه على المدينة أن يسأل الإمام موسى الكاظم عليه السلام عن حلّ هذه المعضلة، فقال له الإمام عليه السلام: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، إن كانت الكعبة هي أوّل البناء ثم تلاها الناس فبنوا حولها؛ فما حول الكعبة لها، وإن كانوا قد حلّوا في الموضع قبل الكعبة؛ فهم أولى..
وحين ورد جواب الإمام الكاظم عليه السلام على المهدي العباسي؛ سُرّ له كثيراً حتى أنه قبل الكتاب ثمّ أمر بتخريب البيوت المجاورة لبيت الله.. فما كان من أصحابها إلا أن قدموا على الإمام عليه السلام وطلبوا إليه أن يكتب كتاباً بهذا الصدد للمهدي ليعطيهم أثمان بيوتهم فكتب إليه أن يعطيهم ما يرضون به...(1)
وهكذا يتضح ما تتضمنه هاتان الروايتان من استدلال لطيف متطابق والموازين القانونية والحقوقية المعاصرة، وهو أن مركزاً عباديّاً كالكعبة المشرفة له أولويته إذا ما كان قد بني - أوّل ما بني- ضمن حاجته..
وما لم تستدع الحاجة إلى التوسعة فإن لمن كان حوله من الناس أن ينتفعوا.. أما إذا تأكدت الحاجة إلى التوسعة؛ فإنّ حاجة الكعبة كمركز عبادي مميز هي ذات الأولوية وحق التقدم.
1) تفسير العياشي، ج1، ص 187
خاصيتان للكعبة
الف: مباركاً.
المبارك بمعنى عظيم النفع والفائدة والكعبة مباركة من حيث الجهة المعنوية وكذلك الجهة المادّيّة، فهي إحدى أعظم المراكز العالمية نفعاً وبركة.. وليس خافياً على أحد مدى بركة هذه البقعة المقدّسة وجاذبيتها الإلهيّة وطبيعة الحركة الحاصلة فيها ومستوى الشعور بالوحدة والاجتماع؛ لاسيما في موسم الحج.. ولو لم يكتف بملاحظة الجوانب الشكلية للحج وعمل على إحياء روحه وفلسفته.. لتكشفت للناس آفاق البركة الواقعية بشكل أكبر. وأما من الجهة المادّيّة؛ فهي الكعبة . مع كونها في أرض قاحلة جرداء ولا تتناسب بشكل من الأشكال مع ظروف الحياة الطبيعية، إلا أنّ مكة . بفضل وجود بيت الله الحرام . صارت بمثابة المدينة العامرة الكثيرة النشاط والحركة المهيأة لممارسة الحياة والتجارة أيضاً.
ب:هدئ للعالمين .
الكعبة مصدر لهداية الناس وهم ينحدرون إليها من المواضع القريبة والبعيدة بعد أن يقطعوا لها المسافات ويتجاوزون أشكال الصعاب ليحضروا مراسم الحج العظيمة التي انطلقت بالدعوة الإبراهيمية.. ولطالما أدى الناس شعائر الحج رغم تعرضها للخرافات الجاهليّة من قبل، وهم لدى ذلك يمتنعون عن ممارسة الأفعال الخاطئة ولو كان ذلك مؤقتاً.. فكانوا . بمن فيهم عبّاد الأصنام. ينتفعون بهدى الكعبة، وجاذبيّة بيت الله الحرام المعنوية تؤثر في الناس حتى أنّهم ينقادون لها في كلّ الأحوال والظروف..
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
الف: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ :
في هذا البيت دلائل واضحة عن عبادة الله والتوحيد والمعنوية، وإحدى الآيات البينات التي في هذا البيت؛ دوامه وبقاؤه على مر التاريخ رغم هجمات الأعداء وحرصهم على هدمه.. وهناك آثار نبي عظيم كإبراهيم عليه السلام إلى جانب ما بقي عندها مثل زمزم والصفا والمروة والركن الحطيم حيث الحجر الأسود وحجر إسماعيل عليه السلام إذ كلّ واحد من هذه الآثار تمثل تاريخاً عريقاً يمتد إلى أبعد الأزمنة، وهي كلّها بمثابة ذكريات جليلة خالدة..
ومن بين الدلائل والآيات البينات؛ مقام إبراهيم عليه السلام الذي ذكر بخصوصه، ذلك لأنّ موضوع وقوفه يذكّر بعملية بناء البيت، أو بالقيام بمراسم الحج، أو بدعوة الناس لأداء هذه المراسم العظيمة، وعلى أي حال؛ فهو من أهم الآيات المذكورة والذكريات النادرة عن الفداء
والإخلاص والتجمع.
فأن يكون المراد بمقام إبراهيم على وجه الخصوص تلك النقطة أو موضع قدمي إبراهيم عليه السلام المنحوت في الحجر، أو أن يكون المقصود به جميع الحرم المكي أو جميع مواقف الحج .. جرى الاختلاف بين المفسرين، ولكنّ الرواية المنقولة عن مولانا الإمام الصادق
عليه السلام في كتاب ( الكافي) الشريف تشير إلى الاحتمال الأول..(1)
ب :ومن دخله كان آمناً .
إبراهيم عليه السلام وبعد انتهائه من بناء الكعبة طلب من ربّه المتعال الأمن لمدينة مكة وقال ربّ اجعل هذا بلداً آمناً(2)فاستجاب الله تعالى له وجعل مكة منطقة أمن وأمان واطمئنان روحي واجتماعي للناس حيث يزورون البيت الحرام ويحجون إليه ويستلهمون منه ،مضافاً إلى ما شرع من الأحكام الدينية، فصار أمنها مصاناً بحيث حرمت فيها الحرب، لاسيما وأنّ الكعبة أصبحت من وجهة النظر الإسلامية - مأمناً ملجأً لا يجوز التعدي عليه ،بل إنّ الحيوانات أيضاً صارت محرّمة الصيد والمزاحمة.. وقبل ذلك؛ صار اللاجئون إلى البيت الحرام والمستجيرون به محصنين بأحكام الأمان، ولو كانوا من القتلة والجناة، حيث لا يجوز التعرّض لهم ولا إخراجهم منه بشكل مباشر، ولكي تحفظ حرمة الكعبة بشكل خاص، ولئلا تساء الاستفادة منها ولكي لا يضيّع حق مظلوم بلجوء المجرمين إليها، شرع التضييق عليهم بالمطعم والمشرب حتى يضطروا إلى مغادرتها ثم معاقبتهم على جرائرهم..
2 مفردة (الحج) لغةً تعني القصد، ولذلك قيل للجادة والطريق محجّةً (على وزن مودّة) لأنّها تبلغ بالإنسان إلى الغاية والمقصد، كما يقال للدليل حجّةً، إذ المراد يتضح بالبحث.. وحيث قيل للمراسم الخاصّة حجّاً باعتبار أن لدى الحركة للاشتراك في هذه المراسم يقصد زيارة بيت الله، ولهذا؛ أضيف في هذه الآية الحج إلى البيت الحرام..
(2)، ثمّ تحوّل إلى طقس وسنّة وتقليد في زمن الجاهلية.. ولدى الإسلام شرع الحجّ بشكل كامل ومجرّد عن أنواع الخرافات. 5. الحجّ واجب مرّة في العمر على كلّ فرد مستطيع، ولا يفهم من الآية أكثر وأبعد من ذلك، لورود الحكم مطلقاً، والأداء مرّة واحدة يحقق الامتثال وبراءة الذمة، وإنما الشرط الوحيد الذي ذكرته الآية هو (الاستطاعة) حيث قال تعالى: من استطاع إليه سبيلاً ولا ريب أن روايات المعصومين والكتب الفقهيّة بيّنت الاستطاعة باعتبارها : توفّر الزاد والراحلة والمركب والقدرة البدنيّة وأمن الطريق والقدرة على إدارة شؤون الحياة عند الرجوع من الحج،(3)وهذه الفروع كلّها تختزل . كما في الآية الشريفة . بالاستطاعة التي هي القدرة الشاملة لجميع الأمور المذكورة.
المطلب الثاني: أنّ أداء هذه الفريضة الإلهيّة المهمّة كما هو أداء الفرائض والتكاليف الدينية يصب في صالح الناس، وغرضه تربيتهم ولا يؤثر تركه والغفلة عنه بشيء على الله تعالى؛ إذ هو الغني عن كل مخلوقاته..
### الآية 98#### اشارةقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)#### شأن نزول الآيات الأربع الأخيرةمن مجموع كتب الشيعة والسنة بخصوص شأن نزول هذه الآيات يعلم أنّ رجلاً من اليهود يدعى( شأس بن قيس وكان طاعناً بالسن شهيراً بالعناد والضلال، قد مرّ ذات يوم بجماعة من المسلمين، فرأى فيهم من هو من الأوس ومن الخزرج، وهما القبيلتان اللتان طالما تنازعتا وخاضتا المعارك الدموية، ثمّ إنّهما اجتمعتا وزال ما كان بينهما من أحقاد وانطفأت نيران جاهليتهما.. فانزعج (شأس ) أيما انزعاج حين رأهما على تلك الحال الطيبة، حتّى قال في نفسه: إن هؤلاء المسلمين إذا ما سلكوا سبيل الصلح تحت قيادة محمد (صلوات الله عليه وآله) فإنّ مستقبل اليهود سيكون في خطر ماحق.. وهنالك بدا له أمر، إذ أمر مجموعة من شباب اليهود أن ينخرطوا في صفوف المسلمين من جماعتي الأوس والخزرج فيحدّثوهم بذكريات واقعة بغاث الدموية (موضع إحدى الحروب الشرسة التي وقعت بين الأوس والخزرج) وأن يمعنوا في مثل هذا الحديث ليأججوا نيران الحقد وطلب الثأر..)فنفّذ أولئك الشباب اليهود أمر ( شأس بأفضل مما كان يتوقع، وسرعان ما تعالت صرخات مسلمي الأوس والخزرج، بل راح بعضهم يهدد بإعلان الحرب وتجديد مشاهد تلك الواقعة المريرة والدموية، وكاد التنازع اللفظي بين الطرفين أن يقدح نيران حربهما..)فبلغ خبر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقدم إليهم بجمع من الصحابة المهاجرين وتحدّث معهم وخطب فيهم بما يهدّئ خواطرهم.. وسرعان ما استجابوا لدعوة الرسول الأكرم وكفوا عن تهديداتهم المتبادلة وألقوا أسلحتهم، وأقبلوا يعانقون بعضهم البعض ويبكون،
وعلموا أنّ ما سقطوا فيه كان مجرد مؤامرة خبيثة خطط لها أعداؤهم.. ثمّ إنّ الصلح والسلام فرض نفسه على الطائفتين وزالت الأحقاد عن قلوبهم المسلمة...في تلك الأثناء نزلت الآيات الأربع أعلاه، وقد حذرت الآيتان الأولتان اليهود المضلين، فيما حذرت الآيتان التاليتان المسلمين..(1)#### النقاط المستفادة من هذه الآية1. في هذه الآية توجّه الخطاب إلى أهل الكتاب؛ والمراد بهم هنا اليهود منهم، وقد أمر الله تعالى رسوله أن يتوجّه إليهم بلسان الملامة والتنديد وأن يسألهم عن الدافع الذي يدفعهم إلى الكفر بآيات الله عزّ اسمه؛ مع علمهم بأنه سبحانه مطلع تمام الاطلاع على أعمالهم..2. المراد من ﴿آيات الله هنا؛ إما الآيات التوراتية المتعلقة بذكر النبي ووصفه.. وإمّا مجموعة الآيات والمعاجز النبوية الشريفة الحاكية حقانيته صلوات الله عليه وآله..
1) التفسير الكبير، ج 8، ص 308
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
.1 يا أهل الكتاب إن لم تكونوا على استعداد لقبول الحق فما الداعي الإصراركم على إضلال غيركم من الناس، فتصوّرون لهم صراط الله المستقيم مائلاً منحرفاً؟ هذا في الوقت الذي كان يفترض أن تكونوا أوّل من يلبي الدعوة المحمدية، لا سيما وأن كتبكم قد طفحت
بالتبشير به قبل ظهوره، وأنتم على علم تام بذلك وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ .
يا أهل الكتاب لم تعمدون إلى تسميم الأجواء وإلقاء الشبهات والوساوس الشيطانية وإلى إشعال نيران الأحقاد فتضلّون الناس عن الصراط السوي.. وها أنتم تنحرفون بعقول الآخرين ناهيكم عن انحرافكم المسبق عن سبيل الله وما تتحملون من مسؤولية جسيمة في إضلال الآخرين وصدّهم عن الحقوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .
لعل السبب في صدور التهديد والتذكير بأنّ الله تعالى غير غافل عن أفعالكم الشيطانية أيها اليهود، يعود إلى أنهم غالباً ما يعمدون إلى التخطيط والتآمر الخفي.. مما يؤثر في ضعاف النفوس وخفيفي العقول، ولذا رأيت القرآن المجيد يصرّح قائلاً: َبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)
ورد في هذه الآية التحذير للمسلمين المخدوعين أنهم إذا ما تأثروا بخطاب الأعداء المسموم ، وأتاحوا لهم النفوذ إلى صفوفهم وتجاوبوا مع ما يدعونهم إليه، فإنّه لن يمضي عليهم وقت حتى يهدموا عليهم صرح إيمانهم ويردّوهم كافرين، ذلك لأنّ الأعداء يسعون إلى إشعال نار العداوة بين المسلمين فيحملوهم على التنازع والتناحر .. ولا ريب في أنهم لا يكتفون بذلك، وإنّما يواصلون ويتابعون النفث في أوساطهم حتى يبتعد المؤمنون عن إيمانهم بشكل تام.
واضح أنّ المراد من الردّة إلى الكفر الذي أشير إليها في الآية أعلاه؛ هو الكفر الواقعي والاغتراب المطلق عن الإسلام، ويمكن أن يكون المقصود بهذا الكفر هو العداوة والنزاع الذي كان محتدماً في الجاهلية، وهو . لا ريب . شعبة من شعب وعلامات الكفر.. ومعلوم أنّ الإيمان
معين المحبة والأخوّة، فيما الكفر مصدر التفرّق والعداوة والبغضاء.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ إشارة . في الحقيقة . إلى أنّ الآخرين إن ضلوا فلا تعجبوا، وإنّما العجب في أشخاص كان الرسول صلّى الله عليه وآله بين ظهرانيهم وهو دائم الاتصال بالوحي، ومع ذلك تراهم قد ضلّوا، ولا ريب أنهم هم المقصرين الحقيقيين في ضلالهم، كما سيكون عقابهم أليماً جداً.
قوله سبحانه وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ جرت فيه الوصية للمسلمين أنهم إذا ما أرادوا النجاة من وساوس الشيطان . الإنسي والجني . ولكي يهتدوا إلى الصراط المستقيم، فما عليهم سوى التعلّق بأذيال اللطف الإلهي، والتمسك بذات الحق المتعال وبآياته البينات، وقد صرّح القرآن بأنّ من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
من النقاط الملفتة للنظر والرائعة في هذه الآيات أنّ الخطاب كان في الآيتين الأولتين موجّهاً إلى اليهود بالواسطة، ذلك لأنّ الله تعالى أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وآله بأن يبين لهم هذه المطالب، ولذلك ترى الآيات قد بدأت بكلمةقل، أما في الآيتين الأخيرتين؛ فقد
توجّه الخطاب إلى المؤمنين وبلا واسطة وبلا كلمة قل وهذا الأمر يشير إلى منتهى اللطف الإلهي ويعكس توجّهاً خاصاً من الله لعباده المؤمنين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
في البدء؛ صدرت الدعوة إلى التقوى لتكون مقدّمة إلى الوحدة الدينية والمجتمعية، ذلك لأنّ الحثّ على الوحدة دون الاستعانة بالجذور الأخلاقية والعقائدية تكون بلا قيمة أو تأثیر مطلوب.
في هذه الآية جرى السعي إلى إضعاف أسباب وعوامل الاختلاف والتفرّق، وذلك تحت مظلة الإيمان والتقوى، ولذا خوطب الأفراد المؤمنون بضرورة التزام التقوى والورع بحدهما الأعلى حق تقاته .
طال الكلام بين المفسرين في معنى حق التقوى، إلّا أنه مما لا شك فيه أن معناه هو الدرجة العظمى منه، وهو يشمل الورع عن ارتكاب أشكال الذنوب والخطايا والتعدي والانحراف عن الحق.. وقد ورد في كتاب (المحاسن)عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال في معنى(حق تقاته):« يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر».(1)
لا ريب في أنّ الالتزام بالتقوى ورعاية حرمة الحق منوطة بمستوى الإنسان ومدى قدرته.. وعليه؛ فإنّ مفهوم ومنطوق قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم (2)متفق وما تشير إليه الآية
محطّ التفسير، فلا أساس للقول بالتضادّ بينهما أو نسخ إحداهما بالأخرى.. ومعلوم أنّ الآية الثانية تبيّن شروط ومساحة التقوى؛ وهي مدى استطاعة الإنسان وقدرته..
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
من النجاحات النبوية الباهرة التي تحققت بعيد الهجرة إلى المدينة؛ أنّ الإسلام أرسى قواعد السلام في المجتمع المدني آنذاك، مما أسفر عن تأسيس جبهة قوية باتحاد المسلمين.. وحيث كانت قبيلتا الخزرج والأوس تقطنان المدينة في الحقبة الجاهلية، وكانتا تتقاتلان طيلة قرن من الزمن تقريباً، وكانت الخلافات بينهما قد بلغت الذروة، حتى أنهما كانتا تتعرضان لخسائر بشرية ومادية جسيمة.. وقد أشارت الآيات السالفة إلى ناحية منها، كما ألمحت إلى دور الأعداء في تأجيج الصراعات فيهم، ولكنّ هذه الآيات تكشف عن نوع آخر من النزاعات القبليّة المتطرّفة بفعل نفوذ الأعداء المتظاهرين بالمودة وإثارتهم للعصبيات الجاهلية فيهم.
وقد قيل إنّ رجلين من الأوس والخزرج وهما ثعلبة بن غنم وأسعد بن زرارة تنازعا فيما بينهما ذات يوم، وراح كلّ منهما يدلي بمفاخر قبيلته التي نالتها بعد الإسلام..
فقال ثعلبة : إنّ خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين) وحنظلة (غسيل الملائكة) منا، وهما من مفاخر المسلمين، وكذلك عاصم بن ثابت وسعد بن معاذ..
وفي مقابل ذلك ؛ قال أسعد بن زرارة؛ وكان من الخزرج لقد كان لأربعة رجال مناكل الشرف
في نشر القرآن وتعليمه، وهم أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، هذا فضلاً عن أنّ سعد بن عبادة رئيس وخطيب الناس في المدينة منّا... ثمّ إنّ هذا التراشق اللفظي تصاعد واحتد شيئاً فشيئاً، فعلم رجال الطائفتين فامتشقوا سيوفهم ليواجهوا بعضهم البعض حتّى خشي على المدينة من اندلاع الحرب وإراقة الدماء كما كان يجري في سالف الأيام.
فأخبر النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله بالأمر فأسرع إلى اتخاذ تدبير خاص وحكيم وأزاح ذلك الخطر الماحق حتّى استتب الأمن في المدينة. وهنا؛ نزلت الآية أعلاه ودعت جميع المسلمين إلى السلام والاتحاد بما حملت من تأثير بالغ في النفوس...(1)
.1. بحث هذه الآية . في غايتها . راجع إلى مسألة الوحدة ومواجهة كل أشكال التفرّق وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
الاحتمال الأول: أنه القرآن المجيد.
الاحتمال الثاني: أنه الإسلام.
الاحتمال الثالث: أنّه أهل البيت سلام الله عليهم.
الناس بالتمسك بهم.. (1)إلّا أنّ هذه الأحاديث وغيرها وهذه التفاسير وأمثالها لا تختلف فيما بينها، ذلك لأنّ المراد بحبل الله كلّ ما يعدّ وسيلة ارتباط بالله عزّ وجلّ، سواء كانت هذه الوسيلة إسلاماً أو قرآناً أو نبيّاً أو أهل بيت وبعبارة أخرى؛ فإنّ جميع ما قيل له معنى حبل الله في مفهومه الشامل لدى العلاقة بالله تعالى.
واضح أنّ الهدف من معنى ( حبل الله ) وأنّ القرآن والإسلام ورسول الله صلّى الله عليه وآله والمعصومين الثلاثة عشر من بعده، هو في واقعه إشارة إلى حقيقة واحدة، إذ الإنسان وضمن الظروف الطبيعيّة ولدى التجرّد عن المربّي والدليل سيسقط في قعر وادي الطبيعة، وفي بئر الغرائز المتمرّدة، وسيقبع في ظلمات الجهل... ولكي ينجو من ذلك الوادي وهذه البئر المظلمة؛ يلزمه التمسّك بحبل متين وهذا الحبل المتين هو العلاقة بالله عن طريق القرآن والناطقين باسم الخالق إلى خلقه، وهم الذين يأخذون بأيدي العباد إلى مدارج السمو والرفعة وإلى حيث التكامل المعنوي والمادي.
القرآن الكريم في هذه الآية وبالإشارة إلى نعمة الاتحاد والأخوة الإسلامية، يكون قددعا إلى التفكير القويم بالوضع المؤسف الذي كانوا عليه قبل الإسلام ومقارنته بواقع الوحدة الذي قيضه لهم الدين فدعا . فيما دعا إلى عدم نسيان الماضي والعداوة التي كانت متحكمة فيهم، وإلى تذكر أنه تعالى قد ألف بين قلوبكم حتى أصبحوا بنعمته وفضله متحابينوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.
استعمال كلمة (النعمة) مرتين في هذه الآية يشير إلى أهمية نعمة الوفاق والأخوة بين المسلمين.
1) تفسير العياشي، ج 1، ص 2
القرآن نسب قضيّة تأليف قلوب المؤمنين إلى الله تعالى، وهذا. في الحقيقة . إشارة إلى معجزة اجتماعيّة للإسلام ، ذلك لأنّ ماضي العداء بين العرب إذا ما أمعنا النظر فيه؛ وفي كيفية تجدر العداوة في قلوبهم وتصرفاتهم طيلة السنين المتمادية، وكيف كان متاحاً لمسألة أو خلاف بسيط أن يوقد نار الحرب والفتنة الدمويّة لا سيما وأنّهم كانوا يرزحون تحت نير الجاهلية واللجاجة والعناد وعدم التنازل والتسامح.. هنا تتضح أهمية وعظمة هذه المعجزة الاجتماعية التي أنجزها الإسلام بنبيه ،وقرآنه ويثبت بجلاء أنّ من المستحيل بلورة واقع اجتماعي متحد خلال سنوات معدودة بعد أن تحكّمت فيه سنون من الجهل والحقد والعداوة المريرة والعنصرية المقيتة...
شَفَا لغةً هو حافّة الشيء كالبئر والخندق وأمثال ذلك، ولعلّ إطلاق كلمة شفا على حافّة الفم كان لهذا المعنى، كما تستعمل أيضاً لحالة الخلاص من المرض حيث يستقرّ المريض إلى جانب السلامة والصحة، والمراد هنا أنّ أهل المدينة كانوا على حافة منحدر النار
التي يكادون يسقطون فيها في كلّ آن.. ولكنه سبحانه وتعالى أنقذهم من حالهم المرير وانتقل بهم إلى موضع الأمان والسلام، وهو موضع الأخوة والمحبة.. وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا .
وقع الاختلاف بين المفسرين في المراد منالنَّارِ وما إذا كانت نار جهنم أو نار الدنيا.. ولكن لدى الدقة في سياق الآية يتضح أنّ النار هنا كناية عن الحروب والنزاعات التي كانت مستعرة بينهم في حقبة الجاهليّة، إذ كانت أوضاعهم المريرة مهددة بالانفجار في كل لحظة، فأنقذهم الله تعالى بنبيه وكتابه من تلك الحالة الفوضوية والدموية، ولا ريب أنهم إذا ما قيموا هذا الإنقاذ الإلهي حق تقييمه، كان لهم أن ينجوا من نار الآخرة أيضاً.
أنّ الهدف النهائي هو الهداية والنجاة للناس وحيث كانت منافعهم ومصائرهم هي الأمر المطروح، فلا بد لهم من الاهتمام الكبير بذلك كذلك يبين الله لكم آياته
لعلكم تهتدون . 11. عبر ما تقدّم من حديث عن التأثير الإعجازي للاتحاد في تحقيق الأهداف الاجتماعية السامية، يمكن القول بأنّ النتائج الحقيقية والواقعية لم تدرك حتى الآن.(1)
1) ولكن يبقى أنّ الذين اقتصروا على تفسير معنى حبل الله بالقرآن فقط، قد أرادوا تحييد أهل البيت عليهم السلام، ولعلّ النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله يكون من ضمنهم في هذا التحييد، عن أن يكونوا المقصودين بحبل الله، وذلك طبقاً لقول قائلهم - حسبنا كتاب الله وهذه منهجيّة أدت إلى تضييع الدين وإزالة المعصومين عليهم السلام عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، ومنها أن يكونوا عدل القرآن وخلفاء الرسول والمبينين لحقائق القرآن وتعاليمه التي أراد الله تعالى للناس أن يعرفوها ويلتزموا بها.. مع ملاحظة أنّ القرآن بلا عترة يتحوّل إلى كتاب غامض تتحكّم فيه احتمالات المفسّرين وآرائهم ويفقد خاصيته.. بالإضافة إلى أنّ نبينا الأعظم صلوات الله عليه وآله طالما صرّح وأكد على أنّه قد خلّف في أجيال المسلمين كتاب الله وعترته أهل بيته، وأنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة، فكان من الباطل المرير أن يعمد إلى اتخاذ أحدهما دون الآخر حبلاً إلى الله تعالى، أمّا بعض الشيعة الذين قد (يتسامحون) في القول بأنّ القرآن هو المراد بحبل الله تعالى؛ فلعلهم يقصدون بأنّ القرآن نفسه إذا ما فسّر ضمن المنهج المحمدي والقواعد العلوية المباركة دالّ على مقام العترة النبوية الطاهرة وعلى أنّها الشعبة الثانية لهذا الحبل المتين، إذ أنّ إمامة آل البيت هي ضمان الوحدة، فيما الرفض لها مدعاة الفرقة كما قالت السيدة الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة بالخطبة الفدكية حين أكدت أن إمامة أهل البيت (عم) هي صمام الأمان من الفرقة... بما يعني تبخّر الاعتصام بحبل الله والمسير نحو الوحدة دون الإقرار بثنائية القرآن والعترة، وما هذا الواقع المرير الذي عاشه المسلمون منذ رحيل المصطفى صلى الله عليه وآله وإلى الآن إلا نتاج عدم الإقرار المشار إليه [المترجم].
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)
الأمة في الأصل من مادة الأم، وهي كلّ ما يضمّ الأشياء الأخرى إلى نفسه، ولهذا قيل أمّة للجماعة التي تتحد وتنضم إلى بعضها، وسواء كانت وحدة زمنية أو مكانيّة، أو من حيث الهدف أو الشاكلة، وعليه؛ فلا يقال للمتفرّقين أمّةً ..
تبعاً للآيات السابقة التي تناولت مسألة الأخوّة والوحدة، فإنّ هذه الآية تناولت مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي في حقيقتها مظلة اجتماعية تحافظ على المجتمع، لأنه في حال عدم توفّر هذه المسألة فإنّ البنية الاجتماعية تتعرّض للتهديد المباشر في وحدتها، ويكون حالها حال حشرة الأرضة التي تنخر الجذور وتهدم الكيان وعليه؛ فإنّ من غير الممكن حفظ المجتمع من دون الرقابة العامة.
سؤال: مع أنّ ظاهر جملة مِنْكُمْ أُمَّةٌ يشمل جماعة من المسلمين لا كلّهم، فإنّ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذ طابعاً عاماً، فتكون واجباً كفائياً لا عينياً ووظيفة طائفة خاصة، رغم أنّ تربية هذه الجماعة مسؤولية الناس جميعاً، مع أنه يفهم من آيات أخرى أنّ لهاتين المسؤوليّتين أفقاً عاماً وبعداً عينياً لا كفائياً، مثل قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أو ما ورد في سورة (العصر):وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ فطبقاً لهذه الآيات وأمثالها تكون هاتان الوظيفتان غير مختصتين بشريحة محدّدة من الناس.
الجواب : بملاحظة مجموع هذه الآيات يتضح الجواب، ويعلم أنّ للأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر مرحلتين:
الف: المرحلة الفرديّة، حيث يكلّف كلّ فرد لوحده بمراقبة أعمال الآخرين بما يسعه.
ب: المرحلة الجماعية، حيث تكلّف الأمّة برمتها في المشاركة للقضاء على الفوضى الاجتماعيّة والتعاون والتعاضد في إطار حلّ المشاكل والأزمات العامة، وهذا التكليف يأخذ طابع الواجب الكفائي، في حد القيام به إنجازاً عاماً لمساحة أدائه الواسعة وطبقاً لشؤون الحكومة الإسلاميّة، وهذان الأمران في مواجهة الفساد والدعوة إلى الحق من ورائه القوانين الإسلامية.. ثمّ إنّ مسألة تقسيم الوظائف ضمن نظام الحكومة الإسلامية وضرورة تأسيس فرق الرقابة على الأوضاع الاجتماعية والمؤسسات الحكومية يحسب كل ذلك من قبيل أداء هذا التكليف الكفائي..
النقطة الأولى : ما هو المعروف وما هو المنكر ؟
المعروف لغةً هو الواضح والمعلوم من مادة (العرف والمنكر هو المجهول (من مادة الإنكار).
وبهذا؛ تكون الأعمال الطيبة أموراً معروفة، فيما الأعمال الخبيثة السيئة أموراً مجهولة والحقيقة إنّ الفطرة النزيهة تعرف وتقرّ بالمجموعة الثانية وتجهل وتستنكر المجموعة الثانية.
النقطة الثانية: هل أنّ الأمر بالمعروف وظيفة عقلية أم تعبدية ودينية؟
يذهب بعض العلماء المسلمين إلى وجوب هاتين الوظيفتين بالدليل النقلي الثابت فحسب، ويقولون بأنّ العقل لا يفرض على الفرد أن يمنع فرداً آخر عن ممارسة ما لا يلحق الضرر إلا به وحده.
ولكن ينبغي أن يقال: حيث لا وجود لما يسمّى بالضرر الفردي في المجتمع، وإن كل ضرر . فردي . يمكن أن يلحق بالآخرين ضرراً عاماً، وحيث لا ضرر محدوداً في موضع معين على الصعيد الإنساني، وإنّما الضرر يسري بين الناس كسراية النار في الهشيم، ولهذا؛ يتاح عقلاً.لأفراد المجتمع أن يسعوا كل جهدهم للمحافظة على نقاء بيئتهم..
النقطة الثالثة: فيما يتعلّق بالأهمّيّة العقليّة للأمر بالمعروف؛ فقد أشير إليه في أحاديث جمّة؛ نذكر منها هنا بعض النماذج ؛
النموذج الأول: روي في الحديث النبوي الشريف أن العاصي بين الناس كالذي ركب سفينة مع جماعة، فلمّا سارت بهم إلى وسط البحر تناول فأساً وانشغل في ثقبها، ومتى ما أنكروا عليه فعله قال: إنّما أعطب سهمي من السفينة، ولو لم يمنعه من كان معه لأغرقهم وأغرق نفسه.(1)
والنبي صلوات الله عليه وآله بهذا المثال الحكيم عدّ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحق الجماعة في مراقبة الفرد حقاً طبيعياً تابعاً للاشتراك في المصير الواحد. النموذج الثاني: قال مولانا الباقر عليه السلام: «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة؛ بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر».(2)
النموذج الثالث: عن نبينا الأعظم صلوات الله عليه وآله أنّه قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض وخليفة رسوله». (3)
ويعلم من هذا الحديث بوضوح أنّ هذه الفريضة الجليلة . وقبل كل شيء . هي منهج إلهي،
وما بعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية إلا جزء من هذا المنهج والمخطط.
النموذج الرابع: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وآله بينما كان جالساً على المنبر، فسأله الرجل قائلاً: من خير الناس؟ فقال النبي صلوات الله عليه وآله: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم الله وأرضاهم».(1)
النموذج الخامس : ورد في حديث نبوي آخر أنه صلى الله عليه وآله قال: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر؛ أو ليسلّطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم». (2)
النموذج السادس: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «وما أعمال البر كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجيّ».(3)
وما هذا التأكيد على هاتين الوظيفتين العظيمتين إلا لأنهما ضامنتان للعمل بسائر الوظائف الفرديّة والاجتماعية وهما بمثابة الروح بالنسبة للبدن، وبتعطيلهما تفقد جميع الأحكام والأصول الأخلاقية قيمتها.
النقطة الرابعة : هل الأمر بالمعروف يوجب سلب الحرّية ؟
ينبغي القول لدى الإجابة مع التسليم بأنّ حياة شريحة من الناس ذات فوائد وبركات للناس، مما أدى إلى أنّ هذا النوع من المزايا صار دفاعاً لتشكيل الحياة الاجتماعية، وفي مقابل ذلك؛ قد أدّت هذه الحياة إلى جملة من القيود، ولكنّ الناس يتقبلون هذه القيود نظراً لما يكتسبونه من فوائد لا تحصى، ولذلك تراهم يواصلون حياتهم الاجتماعية ولا يعدّون بعض القيود شيئاً يذكر.. وحيث أن مصائر الناس . ضمن الحياة الاجتماعية. متعلّقة ببعضها، وكما
يقال: إنّ أفراد المجتمع مؤثرون في مصائر بعضهم.. فإنّ حق الرقابة على أعمال الآخرين حق طبيعي.. وهذا من خواص الحياة الاجتماعية، كما أكّد ذلك ما مرّ من الحديث النبوي الشريف بشكل ملفت للنظر، وعلى هذا؛ فإنّ أداء هذه الفريضة ليس لا يتعارض والحرّيّة الفرديّة فحسب، وإنّما هو عبارة عن مسؤولية متقابلة تقع على عاتق أفراد المجتمع.
النقطة الخامسة: هل الأمر بالمعروف يؤدّي إلى الفوضى؟ إذ لو كان لجميع الناس أن يتدخّلوا ويراقبوا أعمال بعضهم، لكان هذا سبباً في تفشّي الفوضى والاضطراب في الوسط الاجتماعي، وهو الأمر الذي يتعارض وقاعدة تقسيم الوظائف والمسؤوليات ضمن النظام الاجتماعي..
يقال لدى الإجابة على هذا السؤال والإشكال :
هذه الحقيقة قد اتّضحت لدى الالتفات إلى المباحث السالفة باعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما مرحلتان: المرحلة الأولى ذات الأفق العام والشعاع والمساحة المحدودة، وهي لا تتجاوز حدود النصح والاعتراض والانتقاد وأمثال ذلك، ولا ريب في أنّ المجتمع الحي يتحمّل جميع أفراده مسؤولية التصدّي للمفاسد. ولكن المرحلة الثانية؛ وهي الخاصة بجماعة معيّنة وتعدّ من شؤون نظام الحكم الإسلامي؛ تمتاز بمساحتها الواسعة جداً، بما يعني أنّ الأمر إذا استوجب الإصرار وممارسة القوّة وحتى تنفيذ القصاص وإقامة الحدود؛ فإنّ للجماعة المذكورة أن يؤدوا وظائفهم تحت مظلة الحاكم الشرعي ومسؤولي الحكومة الإسلاميّة.. وعلى هذا وبالنظر إلى المراحل المختلفة والمستويات المتفاوتة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وتنفيذ القوانين، فإنّهما لا يتسبّبان بالفوضى الاجتماعية، بل ويخرجان المجتمع عن كونه مجتمعاً ميّتاً متخاذلاً إلى حيث الحياة والنشاط والفاعليّة والتأثير..
النقطة السادسة: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفصلان عن ممارسة العنف؟
مع ضرورة القبول والإيمان لدى تطبيق هذه الفريضة الإلهية والدعوة إلى الحق ومواجهة الفساد بأهمّيّة حسن النية والغيرة الاجتماعية ونزاهة الهدف وأن تطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بمعزل عن العنف والقوّة إلا في حالات الضرورة وذلك ضمن التخويل والإذن الشرعي الصادر عن المحكمة الإسلامية، وهو ما يحدث في مواقع نادرة جداً.. وإلا فإنّ تنفيذ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالطرق السلمية البعيدة عن العنف.. إلّا أنّ المؤسف في الأمر أنّ بعض الأفراد لدى قيامهم بهذه الفريضة يتوسلون بالقوة في غير مواقع الضرورة وبشكل فردي، ولعلّهم في بعض الأحيان يستعملون عبارات بذيئة ،نابية، ولهذا نرى ردّة الفعل من المأمورين بالمعروف أو المنهيين عن المنكر غالباً ما تكون سيئة ومعاكسة في بعض الأحيان، هذا في حين أن أسلوب النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين كان في غاية اللطف والحكمة والمحبّة لدى أدائهم وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك رأينا تسليم أعنف الأفراد وأشدّهم عناداً، حين حين لمسوا اللطف والمحبّة والحكمة الصادرة عنهم صلوات الله عليهم أجمعين.
ونقرأ في تفسير (المنار) في ذيل هذه الآية أنّ شاباً قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله: أتأذن لي يارسول الله بالزنا؟! فما كان من الحاضرين إلا أن صرخوا بوجهه واعترضوا على هذا الاستئذان الوقح إلّا أنّ النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله قال له بكل هدوء: اقترب مني، فاقترب الشاب وجلس بين يدي النبي، فسأله صلوات الله عليه وآله بالقول اللين: وهل تحبّ أن يفعل ذلك بأمك؟! فقال الشاب: كلا فديتك بنفسي. فقال النبي: كذلك الناس لا يحبّون أن يفعل ذلك بأمهاتهم.. وهل ترضى أن يفعل ذلك ببنتك ؟ فقال الشاب: كلّا فديتك بنفسي، فقال صلوات الله عليه وآله كذلك هم الناس لا يحبّون أن يفعل ذلك ببناتهم، وأضاف قائلاً:
هل ترغب بذلك لأخواتك ؟ فأنكر الشاب ذلك (وندم على سؤاله ندماً بليغاً) ثمّ وضع النبي يده على صدر الشاب ودعا له الله تعالى أن يطهر قلبه وأن يغفر له ذنبه وأن يحفظه من وساوس النفس والشيطان وأن يتكرّم عليه بالعفاف.. ثمّ إنّ الشاب صار الزنا أبغض شيء إلى نفسه.. (1)وهذه كانت نتيجة اللطف واللين والحكمة في النهي عن المنكر.(2)
1) تفسير المنار، ج 4، ص 33 و 34.
2) بعد الإشارة إلى موضوع الاعتصام بحبل الله تعالى وأن القرآن والعترة هما الحبل الإلهي الذي يجب الاعتصام به.. هاهي الآيات تحدثنا وترشدنا إلى ضرورة أن توجّه الأمة المسلمة المؤمنة إلى أن تكوّن من نفسها كتلة رصينة تعيش ضمن رحاب المعروف والأمر به ورحاب النهي عن المنكر... ولدى ذلك، نجد أهل البيت عليهم السلام طالما بينوا للمؤمنين أن حقيقة المعروف وأول وأرقى مصاديقه هو ولايتهم عليهم السلام حتى قالوا إن بالمعروف تقبل الأعمال.. فيما المنكر أعداؤهم الذين ينصبون لهم العداء.. فإذا ما أراد امرؤ أن يأمر بالمعروف، كان لابد له من التحديث بنعمة الله الكبرى وهي الولاية العلوية [وأما بنعمة ربك فحدث] وإذا ما أراد النهي عن المنكر؛ فلابد من جعل أعداء أهل البيت عليهم السلام أول من ينهى عن الانتماء إلى صفهم.. فيكون المعصومون هم المعروف الأرقى والمنكر هم أعداؤهم ومخالفوهم [المترجم].
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)
دعت هذه الآية الشريفة المسلمين مرّة أخرى إلى الوحدة وترك الخلافات والتفرقة والنفاق كما هم اليهود والنصارى، وحقتهم على دراسة التأريخ والاطلاع والاعتبار بما لحق بغير المؤمنين من مصير أليم بعد اختلافهم وتفرّقهم.
إصرار القرآن المجيد وتأكيده في هذه الآيات على ضرورة اجتناب الفرقة والنفاق فيه الإشارة إلى أن مجتمع المسلمين سيتعرّض إلى ما تعرّض إليه غيرهم، ذلك لأنّ القرآن حتّى ما أصرّ على شيء وحذر منه، فإنّما يشير إلى احتمال وقوعه القريب.
طبقاً للروايات والأحاديث النبوية؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد تنبأ بوقوع الاختلاف في أمته من قبل، وقد صرّح بذلك للمسلمين وأخبرهم بأن اليهود قد تفرّقوا إلى (71) فرقة، وأنّ النصارى تفرّقوا إلى (72) فرقة، فيما ستفترق أمته إلى (73) فرقة.(1)
يبدو أنّ العدد (70) هو للمبالغة والتكثر ، ولعلّه لم يرد هنا على سبيل الحصر، فيكون المعنى أن بين اليهود كانت طائفة محقة وبقيتهم على باطل، وقد تكثرت فرق النصارى الباطلة ولم يبق منها سوى طائفة محقة واحدة، وستظهر . قد ظهرت من قبل. بين المسلمين خلافات شديدة كثيرة.
1) الخصال، ج 2، ص 585
1) بل إنّ الفرقة قد حصلت في أخريات حياته صلوات الله عليه وآله، وذلك حين مرض مرضه الأخير، إذ تنصل الكثير عن أوامره، فقالوا: حسبنا کتاب الله، إذ أمرهم صلّى الله عليه وآله أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً لا يضلّون بعده إن هم تمسكوا وعملوا به، ولكنّهم فضلوا الضلال على الهدى... فأحدثوا الفرقة وعافوا الألفة.. [المترجم].
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)
2 . لكل عمل يصدر عن الإنسان في الدنيا آثار عميقة وشاملة في روحه، وهذه الآثار وإن كانت عسيرة الإدراك في دار الدنيا، إلّا أنها في يوم القيامة ستكون أسهل شيء إدراكاً، لا سيّما بعد تعرّض الإنسان إلى مراحل التغيير آنذاك، ذلك لأنّ ما بعد الموت ستكون حاكمية وتجلّي الروح أشد وأعمق مما قد يطرأ على جسم الإنسان وعليه؛ فإنّ حالات الإنسان وثوابه أو عقابه في العالم الآخر سيكون تجسيداً جلياً واضحاً لأفكاره وأعماله في هذا العالم.
يحشر أصحابهما بوجوه بيضاء أو سوداء..
على ارتكاب الذنوب باستمرار :كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا(1)أو فيمن يفترون على الله الكذب: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (2).
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)
هذه الآية تشير إلى المباحث الماضية فيما يرتبط بالاتحاد والإيمان والكفر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج ذلك وعواقبه.. وإنّ ما يصيب المتخلّف عن التعاليم الإلهيّة، فهو نتيجة أعماله، والله ليس بظلام للعبيد.
أنّ نزول الوحي على النبي صلّى الله عليه وآله حقٌّ، وليس من نسيج الخيال والخرافة والافتراء وتِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ .
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
الدليل الأوّل: أنّ الله الذي هو مالك جميع الوجود والموجودات في العالم لا مفهوم للظلم فيه، إذ من يتعدى على آخر في شيء إنّما يشعر بفقدانه وحاجته إلى ذلك الشيء وهو عند ذلك الآخر، ولكنلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ .
الدليل الثاني: إنّما يكون للظلم مفهوم حينما يقع عمل ما وهو لا يرضاه أو يتم من دون إذنه، أما الذي ترجع إليه كل الأمور؛ فيعجز الجميع عن فعل شيء إلا بإذنه وعلمه، بمعنى كونه سبحانه هو الذي أعطى عباده القدرة على فعل الشيء، وهو الذي يعلم بالأفعال.. فهو إنّما يحاسب الفاعل المسيء على فعله السيّيء ولا حاجة به إلى الظلم، وإنّ ذاته المقدّسة بعيدة عن أن ترتكب ظلماً على الإطلاق...
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)
جرت الإشارة مرّة أخرى في هذه الآية الكريمة إلى مواجهة الفساد والدعوة إلى الحق وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى كما مرّ في تفسير الآية (104).
ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآية باعتبارهما وظيفتين عامتين، في حين أنّ الآية السابقة تحدثت عنهما ضمن مرحلة خاصة مؤكّدة أنهما وظيفتان خاصتان وواجبان كفائيان، وقد مرّ شرح ذلك مفصلاً.
ذكر المسلمون في هذه الآية باعتبارهم الأمة الأفضل وكونهم معبؤون لخدمة المجتمع الإنساني، وإنّما جاءتهم الأفضلية لأدائهم وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ، لا لخصوصية عنصرية فيهم، وهذا مما يعني أنّ إصلاح المجتمع البشري لا يتأتى من دون الإيمان بالله والدعوة إلى الحق ومواجهة الفساد، كما يعلم من ذلك أن هاتين الوظيفتين العظيمتين لم يشرعا في الأمم السالفة كما شُرعا في الإسلام من حيث السعة والتفصيل..
واضح أنّ أفضليّة الأمة الإسلامية كانت بداعي انتمائها إلى آخر الأديان السماوية الذي
هو بدوره أكمل وأفضل الأديان.
النقطة الأولى: رغم أنّ المفسرين في إطار بحثهم في تفسير كلمة ( كنتم ) الدالة على الماضي (أي: أنكم كنتم أفضل الأمم) قد وضعوا احتمالات عديدة، ولكنّ الأوضح صورة . كما يبدو أنّ استعمال صيغة الماضي أريد منه تأكيد هذه الحقيقة، ونظير ذلك في القرآن المجيد كثير، حيث يستعمل للموضوع المسلّم به صيغة الماضي باعتباره أمراً واقعاً حقاً.
النقطة الثانية: تقدّم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا على الإيمان بالله، مما يشير على أهمّيّة وعظمة هاتين الوظيفتين الإلهيتين، يضاف إلى ذلك؛ أنّ أداءها ضامن لاتساع رقعة الإيمان وتحقيق كافّة القوانين الفرديّة والاجتماعيّة؛ فهما مقدّمتان على واجب تطبيق القانون.
6 . ما لم تنفّذ هاتان الوظيفتان؛ فإنّ الإيمان سيتزعزع في القلوب؛ وتهدم قواعده؛ ولذلك؛ قدّمتا على الإيمان
يتضح من هذا الأمر أنّ المسلمين سيقفون في مقدّمة الأمم حين دعوتهم للصلاح ومواجهتهم للفساد، ومتى ما غفلوا عن ذلك؛ فلا هم أفضل الأمم ولا هم نافعون للمجتمع البشري..
المخاطب في هذه الآية هم عموم المسلمين؛ كما هو الحال في غالب الخطابات القرآنيّة، ولا دليل على قول من قال بأنّ المخاطب هنا هم المهاجرون أو المسلمون الأوائل.
لا مجال لإنكار فوائد هذا الدين الواضحة وقوانينه وتعاليمه الفذّة، وعليه؛ فإن آمن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) كان ذلك من صالحهم، إلّا أنّ المؤسف أن الأقلية القليلة منهم من تجاهل واستنكر العصبية الجاهليّة واعتنق الإسلام، فيما الأكثريّة منهم خرجوا عن أمر الله
وتجاهلوا ما ورد من تبشير الإسلام في كتبهم وأصروا على الكفر والميل إلى عصبيتهم.. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ...(1)
1) كما ورد عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أن الأمة الخير التي أخرجت - جعلت للناس - هم مجموع المعصومين الأربعة عشر سلام الله عليهم [المترجم].
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)
شأن نزول الآية
حينما عاف بعض شخصيات اليهود من أصحاب الضمائر اليقظة، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه دينهم واعتنقوا الإسلام، جاءهم جماعة من رؤساء اليهود ولاموهم على ذلك، بل وهددوهم على ما أقدموا عليه من تركهم دين آبائهم. والآية أعلاه بمثابة تضامن معهم وتبشير لهم، كما هي بشارة للمسلمين أيضاً..(1)
1 تبشر هذه الآية المسلمين الرازحين تحت ضغط الكافرين أو ممن يدينهم الكافرون أو يهددونهم على اعتناقهم الإسلام، تبشّرهم بأنهم عاجزون عن إلحاق الضرر بهم، وما أذاهم إلا أذىً بسيطاً لا أثر له في إيمانهم، ولا يتعدى أذاهم إلّا كونه أذىً لفظياً..
ألف: أنّ أهل الكتاب عاجزون عن إلحاق الضرر البليغ بالمسلمين، وما أذاهم إلا أذىً جزئي:لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى.
ب: متى ما واجهتموهم، فإنّ النصر سيكون حليفكم ، ولن يجد الأعداء نصيراً لهم: وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ.
1) راجع مجمع البيان، ج 2، ص 813 وأنوار التنزيل، ج 2، ص 33.
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)
تتضمن هذه الآية الكريمة تنبّؤاً وبشارة أخرى للمسلمين وهي انكسار اليهود من بني قريظة وبني النضير وبني قنيقاع ويهود خيبر وبني المصطلق المضادين للإسلام على أرض الحجاز، إذ سيلقون الهزائم المتتالية في الحروب، وسرعان ما سيتوارون عن الأنظار.
لن يستقيم اليهود في مواجهتهم للمسلمين، ولطالما سيرزحون تحت الذلّة والبؤس، إلّا أن يعيدوا النظر في مواقفهم ويتخذوا من الحق سبيلاً، أو أن يستعينوا بغيرهم ليؤجّلوا هزائمهم المحتومة شيئاً قليلاً ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا...
3 ضربت عليهم الذلّة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس في الأصل عن مادة ثقف على وزن سقف والثقف بمعنى تحقيق الشيء بمهارة، وتقال لكلّ ما يحصل عليه الإنسان بدقة ومهارة.
مع أن المفسّرين جعلوا احتمالات عديدة لمعنى قوله سبحانه: حَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ إلّا أنّ خلاصة مفهوم الآية يؤدّي إلى أنهم إما أن يعيدوا النظر في منهجيتهم ويعودوا إلى الله تعالى فيتطهروا من نفاقهم وحقدهم وشيطنتهم، وإما أن يتعلّقوا بهذا أو ذاك ليواصلوا نفاقهم في الحياة. المغضوب عليهم!
بَاءُوا لغةً بمعنى رجعوا وهو كناية عن الاستحقاق.. أي أن اليهود وبداعي معارضتهم وممارستهم الباطلة ضد الدين الجديد يستحقون العقاب والغضب الإلهي، حتّى كأن هذين الأمرين صارا بمثابة المكان الذي يختارونه للمقامة لأنفسهموَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ.
الْمَسْكَنَةُ بمعنى البؤس، بل وأسوأ البؤس الذي يصعب الخلاص والانعتاق عنه، وهي لغةً مأخوذة عن مادة السكن، ذلك أن المساكين هم الذين يعجزون عن الحركة والنشاط لضعفهم وحاجاتهم، بالإضافة إلى أن المسكين ليس مجرد ذي الحاجة المالية وإنّما هوكلّ بؤس مزيج بالضعف والعجز أيضاً ..
ذهب بعض اللغويين إلى أنّ التفاوت بين المسكنة والذلة هو أنّ الذلّة تطفح عنها رائحة الإجبار الصادر عن الآخرين، فيما المسكنة تعكس حالة انهزام شخصي وذاتي، وعلى هذا؛ يكون معنى الجملة كالتالي: أنّ اليهود وبداعي ممارساتهم الخاطئة قد طردوا من قبل الآخرين وتورّطوا بغضب من الله ، حتى تكرس هذا الحال فيهم وصار صفة ذاتية، بحيث بدؤوا يشعرون بالحقارة الملازمة رغم ما يتمتعون به عن الإمكانات.. ولهذا؛ لا نجد شيئاً من الاستثناء في ذيل هذه الجملة.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ... أو يرضون بهذه الجرائم ويوالون من يقترفها..
بناءً على ما قرأناه في الآيات أعلاه حيث ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وما هو معروف من تأريخ يهودي مزعج، فإن واقعهم الراهن يشهد على هذه الحقيقة ويقرها.. مع أن واقع الذلّة المفروض على اليهود . بناء على كلام بعض المفسّرين . ليس حكماً تشريعيّاً بقدر ما هو أمر تكويني وحكم تاريخي قاطع... نظراً لأنّ كلّ قوم يغرقون في ممارسة الذنوب وانتهاك الحرمات ويكون التعدي على حقوق الآخرين قاعدة لمنهجيتهم الفكرية والسلوكية؛ ويصرون على قتل الأنبياء أو يرضون بمن فعل ذلك.. فإنّه سينالهم مثل هذا المصير، إلا أن يعيدوا النظر في واقعهم ويعودوا عن مسارهم وهم لن ينجحوا بتجنّب الخيبة العظيمة إلى الأبد ولو تعلّقوا بأذيال هذا أو ذاك..
لعله . بالبناء على التجارب المريرة الماضية، أو الحوادث الأخيرة التي غيّرت المسار التاريخي لليهود . لعلها تكون سبباً في تجديدهم النظر في منهجيتهم العتيقة، ليتسالموا مع الآخرين ويكون لهم حياة سلام مع الآخرين قائمة على أصل الاحترام ورعاية الحقوق والامتناع
عن التعدي..
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)
قيل إنّه حينما أعلن عبد الله بن سلام . وهو أحد علماء اليهود البارزين - إسلامه مع جم- من أصحابه، انبرى إليه علماء اليهود لتشويه سمعته في أعين سائر اليهود، ولئلا يحذو يهود آخرون حذوه فيعتنقوا الإسلام، فأشاع علماء اليهود أنه لم يسلم منهم إلا ثلة من الأشرار، وأنه لو
كان هؤلاء صالحين لتمسكوا بدين آبائهم وأجدادهم، ولما خانوا الشعب اليهودي.. فنزلت هذه الآيات في معرض الدفاع عن هذه الجماعة التي أسلمت..(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 815
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)
2 . يعلم من بعض النصوص الروائيّة أنّ الذين مدحتهم الآيات لم يكونوا منحصرين في عبدالله بن سلام ورفاقه، فهناك أربعون رجلاً من نصارى نجران واثنان وثلاثون من نصارى الحبشة وثمانية من الروم كانوا قد أسلموا في تلك الفترة، فعمّهم نص الآية،(1)علماً أن مفردة (أهل الكتاب) لها مساحة واسعة وهي تحقق هذا المطلب.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 815
وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)
استعمال كلمة (كفر) هنا؛ مقابلة للشكر، لأنّ الشكر في الأصل اعتراف بالنعمة والفضل، والكفر والكفران بمعنى الإنكار، فيكون المعنى أنه تعالى لن يتجاهل قيمة أعمالهم الصالحة..
قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ هؤلاء الصالحين المتقين ومع كونهم الأقلية في الغالب، ولا سيما في أوساط اليهود المعاصرين للعهد النبوي، ومع كونهم أقليّة ضعيفة عادةً ولا يشار إليهم، إلا أن ذلك لا يؤدّي أن يسقطوا من العين الإلهية العليمة الخبيرة.. فالله . على هذا لن يضيع أجرهم؛ سواء كانت أعمالهم الطيبة؛ قليلة أو كثيرة..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)
غير المؤمنين والظالمين الذين اختاروا الكفر طريقاً لهم سيعجزون عن التحصن بثرواتهم وبأولادهم وإن تكاثروا عن عقاب الله تعالى ذلك لأنّ الأعمال الصالحة والنيات الخالصة والعقيدة السليمة هي الوحيدة التي ستنفع المرء في يوم القيامة، وليس الخصوصيات الماديةإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا...
السبب في ذكر الإمكانات المادّيّة وحصرها في الثروة والأولاد في هذه الآية هو أنّ هذين الأمرين هما أهم الإمكانات ويمثلان الطاقة الإنسانية الأقرب، فهما الامتداد الطبيعي للإنسان وقوته الاقتصادية، أما سائر الإمكانات الأخرى فتأخذ عنهما.
. يصرّح القرآن في هذه الآية بأنّ الخصوصية المالية والقوّة الجمعية لا يشكلان ميزة خاصة . لوحدهما . عند الله ، وأنّ الاعتماد عليهما ضرب من الخطأ، إلا إذا كانا في مسار الإيمان والنية الطيبة والمنجيّة السلوكيّة، وفي غير ذلك تكون العاقبة عاقبة عذابأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
في هذه الآية مثال رائع حول البذل والإنفاق الصادر عن الكافر والغير المقرون بنيّة الإخلاص لله تعالى، فكأنه ريح شديدة تحمل برداً وجفافاً تمرّ بزرع فتحرقه!
الصرّ والإصرار من جذر واحد بمعنى غلق الشيء بشدّة، وهنا ورد بمعنى الشدّة في الريح، سواء بشكل ريح حارقة أو برد جاف جداًمَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ.....
رغم أنّ طبيعة الهواء والنسيم هي الإحياء، كنسيم الربيع الذي يؤدّي إلى تفتح الأزهار وتغلغل الروح في الأشجار... أما إذا تغيّر الهواء العليل والنسيم المنعش إلى عاصفة مدمرة أو برد قاتل، فإنّها تقتلع ما تمر به من نبات وزرعمَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ .
إذا صدر الإنفاق عن معين الإيمان والإخلاص كان إنفاقاً نافعاً نامياً حالاً للمشاكل الإجتماعيّة، كما كان له الأثر الأخلاقي الطيب في إحسان المنفق حتّى تتكرّس في روحه فضائل الأخلاق..
غير المؤمنين والملوّثين حيث لا دافع طيباً في إنفاقهم؛ كانت روح الرياء فيهم كما الريح
الباردة الجافّة التي تمر بمزرعة فتسلبها حياتها.. وهذا النوع من الإنفاق لا يحل أزمة اجتماعية (حيث لايكون الإنفاق في محلّه المناسب في غالبه) ولن يثمر النتيجة المرجوة بالنسبة للشخص المنفق.
المراد من قوله سبحانه: حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أن محور حركة هذه الريح الباردة سيتوجه إلى زرع الذين ظلموا أنفسهم، وهذا إشارة إلى أنّ هذا الزرع لم يتم في الزمان والمكان المناسبين، وإنّما عمد زارعوه إلى نثر بذورهم في أرض معرّضة إلى العواصف الشديدة، أو أنّهم بذروه في فصل هو غير الفصل الذي تهبّ فيه رياح السموم.. فكانوا في هذه الحال . قد ظلموا أنفسهم.
بالنظر إلى القرائن المتوفّرة في هذه الآية ضمن إطار بيان تشبيه الأفراد غير المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم فيما يتعلق بزمان ومكان إنفاقهم وفرّطوا في ثروتهم.. يعلم أنّ هذا التشبيه . في الحقيقة . قد جرى بين أمرين؛ أحدهما: تشبيه إنفاق هؤلاء بالزراعة التي تتمّ في غير محلّها المناسب، والآخر: تشبيه دوافع الإنفاق بالريح الباردة القاسية، وعليه؛ كان المثال هذا جديراً في موضع الحاجة إليه، ويكون معنى عبارة:مثل ما ينفقون أن دوافع الإنفاق هنا كالريح الباردة القاسية.
قال جمع من المفسرين لدى تفسير هذه الآية: إنّ هذه الآية إشارة إلى الأموال التي يخصصها أعداء الإسلام في إطار مؤامراتهم ضدّه ، وما يعمدون إليه من إثارات ضد نبي الإسلام صلوات الله عليه وآله، أو تلك الأموال التي كان يبذلها اليهود لتحريف آيات الكتب السماوية، ولكن من الواضح أنّ للآية معنى واسعاً يشمل هذا وذاك.
قول الآية في خاتمتها إنّه تعالى لم يظلم هؤلاء، وإنّهم هم الذين يظلمون أنفسهم وفرّطوا بأموالهم، ذلك أنّ العمل الفاسد لا ينتج إلّا أثراً فاسداً: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
ممّا نقل عن ابن عبّاس أنّ هذه الآيات حينما نزلت كان من المسلمين من هو قريب النسب من اليهود أو جاراً أو أخاً بالرضاع أو له معاهدة كان قد أمضاها مع اليهود أو علاقة صداقة تربطه بهم، فكان بعض المسلمين ممن تشملهم هذه الأسباب يخبر اليهود بأسرار المسلمين، فيما كان من هؤلاء اليهود من يستغل هذه العلاقات والأواصر فيطلع على الأسرار الخاصة بالجماعة المسلمة .. فنزلت هذه الآية الشريفة لتحدّر المسلمين من هذه الحالة وأمرتهم ألّا يجعلوا من اليهود موضعاً لأسرارهم؛ لا سيما وأنهم لا يكنون للمسلمين غير الشر والحقد والعداء والرغبة في إصابتهم وتعرّضهم للعذاب والألم والهوان ..(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 820
خَبَالًا لغة بمعنى زوال الشيء، وغالباً ما تستعمل بالأضرار التي تؤثر في عقل الإنسان.
ينبغي أن نعلم بأنّ الله تعالى يحذر المؤمنين لئلا يكشفوا أسرارهم للكفّار، وعموماً؛ فالأمر يتضمّن للخطر المحدق بالمسلمين في كل زمان وفي كل حال.
ولكن المؤسف أن كثيراً من أتباع القرآن تراهم يتورطون في معرض الغفلة عن هذا التحذير القرآني الصريح في ضرورة كتم أسرارهم دون الكفّار وغير المسلمين، فيقعون في المشاكل والمصائب، وها هم أعداء المسلمين اليوم محيطون بهم ويتظاهرون بالعلاقات الطيبة معهم أو بتأييدهم ولكنّهم من الناحية العملية يكيدون لهم المكائد، والمسلمون منخدعون بهم ويعتمدون عليهم، في حين أنّهم لا يؤدّون بالمسلمين إلا للبؤس والخسارة والندم، ولا يقصرون عن زرع الأشواك في طريقهم..
هذه الآية كما الآيات الأخرى وببيان علاقات المسلمين بالكافرين وضمن الإشارة إلى واحدة من أهم المسائل الحسّاسة وبالتشبيه اللطيف؛ يكون من غير الجدير بالمؤمنين أن يختاروا موضع أسرار لهم من هم على غير شاكلتهم أو يطلعوا الأجانب والكفّار على أسرارهم الخاصة.
أنّ الكفّار لا يقصرون في تعريض المسلمين للشرّ والفساد لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
العلاقة الطيبة القديمة التي كانت تربط الكفار بمن صار مسلماً لا تمنعهم من إلحاق الأذى بهم وإن افترقوا في الدين والأفكار بعد ذلك، بل تراهم يحرصون على أن يرزح المسلمون بالعذاب والأذىوَدُّوا مَا عَنِتُّمْ.
الكفار لا يفشون أسرارهم ومكنونات ضمائرهم للمسلمين، ويحرصون كل الحرص على مراقبة سلوكهم ويحتاطون في خطابهم ، ومع ذلك ترى العداوة والبغضاء تتسرب من ثنايا كلامهم، فينطقون تارة بما ينضح عن نواياهم الشرّيرة تجاه المسلمين.. فيكون ذلك بمثابة
الشرارة التي تنقدح عن نيران أحقادهم الخفيّة.. ومن ذلك يعلم ما في قلوبهم من ضغائن:قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ .
كشف أمير المؤمنين عليه السلام في كلام شريف له حقيقة هذه الآية، فقال: «ما أضمر أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه».
ألمح الله سبحانه وتعالى إلى الطريق لمعرفة باطن الأعداء وضمائرهم التي تتضمن أكبر مما تبدي ألسنتهم وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ .
كانت رسالة هذه الآيات أن يتدبّر المرء فيها ويفكّر ليتمكن من خلال ذلك تمييز الصديق من العدوّ ويتلمّس طريق النجاة من شر الأعداء
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. 1 - نهج البلاغة، ص 472
هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
تهدف هذه الآية إلى القول للمسلمين الذين يحبّون أعداء الله بداعي النية الطيبة أو بسبب الجيرة أو أي سبب آخر، إنّما أنتم غافلون عن أنهم لا يحبّونكم مع أنكم تؤمنون بالكتب السماوية النازلة من عند الله( بغض النظر عن كونها قرآناً أو توراة أو إنجيل) ولكنّهم لا يؤمنون بكتابكم مطلقاًهَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ .
هذه الجماعة من أهل الكتاب جماعة منافقة، وهم إذا ما لقوا المسلمين قالوا نصدق بكتابكم، أما إذا خلوا لأنفسهم تصاعدت حدة حقدهم وعدائهم وغضبهم على المسلمين ونبيهم وكتابهم إلى حيث يعضون عليهم الأناملوَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ.
عبارة قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي : ليكن غيظكم إلى الموت، أو لتأخذوه معكم إلى القبر.. وهذا من وجوه نموّ الإسلام من جهة؛ ومواصلة عداء الكافر للإسلام من جهة أخرى، وأنّ مؤامرات الأعداء لن ترى الفلاح من جهة ثالثة...
أنّكم - أيها المسلمون - لم تكونوا على اطلاع بعداء الكفّار ونفاقهم من قبل، ولكن الله يعلم ما تخفي الصدور من أسرارإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
إحدى علامات حقد الكافرين وعدائهم للمسلمين؛ كشفت عنه الآية وأشارت إلى أنّ المسلمين إذ ما وفّقوا للنصر أو الفلاح؛ كان هذا النصر والفلاح ممّا يزعج أعداءهم والعكس هو الصحيح أيضاً، كأن يتعرّض المؤمنون إلى مصيبة ونكسة، فإنّها تكون مدعاة لفرح الكافرين وسرورهمإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا .
إن استقام المؤمنون وصمدوا بوجه الكافرين وأحقادهم.. فصبروا واتقوا الله تعالى، فإنّ الكافرين سيعجزون عن إيراد الضرر بهم، لأنّ الله محيط على الإطلاق بما يتآمرون وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
يعلم من ذيل الآية أن تحقق الأمن للمسلمين . في مقابل مؤامرات أعدائهم الدنيئة الغادرة . منوط باستقامة وفطنة وتقوى المسلمين أنفسهم
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا .
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)
من الروايات والنصوص التاريخية؛ يعلم أن قريشاً حين خسرت الحرب في بدر وقتل منها سبعون وأسر سبعون؛ عادت إلى مكة فيما أمر أبو سفيان أهلها أن يمنعوا نساءهم عن البكاء على قتلى بدر بزعم أنّ الدموع تزيل الحزن وتقلّل من العداء للنبي صلى الله عليه وآله..
وكان أبو سفيان هذا قد قطع على نفسه أن لا يقرب زوجته حتّى ينتقم لقتلى بدر.. وعلى أيّ حال؛ فإنّ قريشاً توسلت بكل الوسائل لإثارة المشاعر والأحقاد ضد المسلمين، حتّى تعالت فيهم صرخات الثأر والانتقام في مدينة مكة.
السنة الثالثة للهجرة، خرجت قريش بثلاثة آلاف مقاتل راجل وألفي فارس مدججين ّفي بالأسلحة والحديد بقصد الحرب ضدّ رسول الله صلى الله عليه وآله ومن معه، ولكي تكون حربهم حرباً شاملة؛ فقد جاءت قريش بأصنامها ونسائها لإثارة الرجال المقاتلين.
أما العبّاس عمّ النبيّ صلوات الله عليه وآله وكان لم يسلم بعد ويعد من رجال مكة الوثنيين، ولكن مع ملاحظة أنّ النبي الأكرم هو ابن أخيه وكان يحبّه حبّاً جمّاً، فقد عمد . حين رأى تعبئة قريش وجيشها الكبير وخروجها من مكة بقصد الحرب . إلى كتابة كتاب أرسله مع رجل من
قبيلة بني غفار إلى المدينة.
وسرعان ما وصل رسول العبّاس إلى المدينة، وحين علم النبيّ صلّى الله عليه وآله الأمر استدعى سعد بن أبي وعرض عليه رسالة عمّه العبّاس وحرص على إخفاء الأمر عن غيره حتّى يستشير المسلمين.. هنالك حيث وصلت رسالة العبّاس إلى النبي صلوات الله
عليه وآله في ذلك اليوم، أمر نفراً من المسلمين أن يخبروا الطريق بين مكة والمدينة ويطلعوا على أحوال جيش قريش.
ولم تنقض فترة حتّى عاد هؤلاء الذين أمروا بجمع المعلومات وأخبروا النبي صلى الله عليه وآله بما علموا، فكان مما قالوا له أن جيش قريش جيش كبير ويقودهم أبو سفيان.
بعد أيام قلائل استدعى النبي صلوات الله عليه وآله أصحابه وعموم أهل المدينة، واجتمع معهم لمتابعة تطوّر الأحداث، وكلّمهم بصراحة عن الدفاع عن المدينة، وسألهم عما إذا كانوا يرون الدفاع من داخل المدينة أو خارجها.
فقال جماعة فيهم أنهم لا يرون إلا البقاء في المدينة والدفاع من داخلها؛ على أن تكون معركتهم مع قريش في طرق المدينة وأزقتها... وفي هذه الحال سيشترك في الدفاع جميع أهل المدينة بمن فيهم الرجال الضعفاء والخدم والنساء، وأضاف عبد الله بن أبي الذي تبنى هذا الرأي قائلاً: يارسول الله ! لم نر حتى الآن أننا نقاتل من بيوتنا فينتصر أعداؤنا علينا..
وحظي هذا الرأي . نظراً لحالة المدينة المميزة باهتمام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، ومال إلى القول بلزوم البقاء في المدينة والدفاع من داخلها.. إلا أن جماعة من الشباب والمقاتلين المتحمسين لقتال قريش عارضوا هذا الرأي، وقد قام سعد بن معاذ ونفر من قبيلة الأوس وقالوا: يارسول الله لم يكن فيما مضى من العرب من هو قادر على أن يطمع فينا.. مع أننا كنا نعبد الأصنام، والآن وقد صرت بين ظهرانينا، فكيف لعدوّ أن يطمع فينا.. والرأي أن نخرج من المدينة ونقاتل عدوّنا، فإن قتل منا أحد كان شهيداً، وإن نجا منا أحد؛ حظي بشرف الجهاد في سبيل الله تعالى.
.. وهكذا تكاثرت الأصوات القائلة بالخروج من المدينة حتى صار رأي عبد الله بن أبي قليل المؤيدين.. ومع أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يميل إلى الرأي القائل بالبقاء في المدينة، إلّا أنه اختار الرأي بالخروج احتراماً لرأي الأكثريّة.. وعيّن مجموعة من الأصحاب
للإعداد لإقامة مخيّم خارج المدينة وفي موضع عند جبل أحد يناسبه الظروف العسكرية والموقع الحسّاس..
ذلك اليوم كان يوم جمعة حيث استشار النبي أصحابه الذين عارضوه في البقاء في المدينة، وبعد ذلك قام خطيباً لصلاة الجمعة، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وأخبر المسلمين بنبأ خروج قريش واقتراب جيشها: إن قاتلتم عدوّكم بهذا الاستعداد والحماس فلاريب في نصركم .. ثمّ إنّه صلوات الله عليه وآله انطلق في ذلك اليوم إلى المخيم عند جبل أحد مع ألف من مقاتلي المهاجرين والأنصار..
وقاد النبي صلوات الله عليه وآله بشخصه العظيم جيشه، وقبل مغادرة المدينة؛ أمر بإعداد ثلاث رايات تعطى واحدة للمهاجرين واثنان للأنصار ، ثمّ قطع جيش المسلمين المسافة بين المدينة وأحد ماشياً، فيما كان يواصل النبي صلوات الله عليه وآله ترتيب صفوف الجيش باستمرار ليكون صفاً مستقيماً واحداً.
ويكتب الحلبي المؤرّخ المعروف .في (سيرته ) أنّ النبي الأكرم كان لما يصل أحداً بعد لاحظ فريقاً في صف الجيش لم يكن قد رآه من قبل، وحينما استطلع الحال، قيل له بأنّ هذا الفريق يتشكل من جماعة من اليهود معاهدين لعبد الله بن أبي، فتأمل قليلاً وقال: لا يمكن للاستعانة بالمشركين على المشركين إلّا أن يسلموا، فلم يقبل اليهود مقترح النبي صلّى الله عليه وآله وعادوا بأجمعهم إلى المدينة، وبهذا قلّ من عدد الجيش الذي كان عدده ألفاً؛ ثلاث مئة رجل .. ولكنّ جملة من المفسرين ذهبوا إلى أنّ عبد الله بن أبي حين رأى عدم موافقة اليهود على المقترح النبوي رافقهم بالعودة إلى المدينة..
وعلى أي حال؛ وصل النبي صلوات الله عليه وآله إلى جبل أحد بعد تصفيته جيشه من اليهود، وبعد إقامته صلاة الفجر، صف المسلمين في هيئة واحدة، ثمّ إنّه كلّف عبد الله بن جبير بقيادة خمسين راجلاً ليقفوا عند فرجة الجبل وأكّد عليهم بالبقاء والصمود في موضعهم
خلف الجيش على أن لا يتحرّكوا من مكانهم ولو رأوا جيش المسلمين يصل مشارف مكة، أو رأوا المشركين قد دحروا المسلمين وأرجعوهم إلى المدينة..
وعلى الضفّة الأخرى أمر أبو سفيان خالد بن الوليد مع مئتي مقاتل بمراقبة موضع رماة المسلمين المذكورين، وأن يكمنوا وينتظروا عبور المسلمين من ذلك الوادي فإذا عبروا كان عليهم أن يهجموا على مؤخّرة جيش المسلمين مباشرة، ثمّ إنّ الجيشين تقابلا في صفّين معتدلين واستعدا للقتال، وكان كلّ جيش يشجّع أفراده على البسالة والمواجهة.
كان أبو سفيان يرفع عقيرته باسم أصنام الكعبة مصطحباً معه نساء قريش الجميلات ويشجّع مقاتليه ويعدهم بما يثير شهواتهم وأطماعهم.. أما النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؛ فكان ينادي باسم الله والنعم الإلهيّة ويشجّع المسلمون على الجهاد والصمود لإحقاق الحق ودحض قوى الجاهلية.. فراح المسلمين ينادون بعظمة الله وكبريائه، حتى اهتزت ساحة الوغى بصرخات الله أكبر، فيما الطرف الآخر شهد جولات من هند ابنة عتبة زوجة أبي سفيان وصويحباتها . من بائعات الهوى لإثارة مشاعر مقاتلي المشركين الظالمين، وهن يضربن بالدفوف والطبول ويقرأن أبيات الشعر الماجنة!!!
اندلعت المعركة وهجم المسلمون على المشركين في حملة صاعقة واحدة؛ فشتتوارجالهم حتى اضطروهم إلى الفرار من ساحة المواجهة، فلاحقهم المسلمون، أمّا خالد بن الوليد الذي رأى هزيمة المشركين؛ فقد أراد مغادرة الوادي لمهاجمة المسلمين من الخلف، إلا أنّ الرماة المتموضعين على الجبل ردّوه ومقاتليه على أعقابهم، فتراجعوا حتى ظنّ الرماة ومن كان حولهم بأنّ المشركين قد انهزموا نهائياً وأن الحرب قد ألقت أوزارها.. فطمعوا في الغنائم حتى تركوا مواضعهم ونزلوا منها إلى الوادي.. ولم تنفع معهم صيحات عبد الله بن جبير قائدهم في المكوث في أماكنهم ، ولم يبق في رفقته إلّا أفراد لم يزد عددهم على العشرة..
وما كانت نتيجة العصيان لأمر النبي المختار إلّا أن شد خالد بن الوليد برجاله المئتين واكتسح المسلمين الرماة العشرة فقتلهم وقائدهم ابن جبير، منطلقاً من فرجة الجبل مهاجماً مؤخّرة جيش المسلمين الملاحق لأفراد جيش المشركين المنهزم.. فتفاجأ المسلمون بهذه المباغتة ورأوا أنفسهم محاصرين بمقاتلي خالد من جهة وبالعائدين عليهم من جيش المشركين، فاضطربت صفوفهم وأسقط في أيديهم..
وهنالك استشهد سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب غدراً ومجموعة من المؤمنين البواسل، ولم يبقَ من المسلمين حول رسول الله صلوات الله عليه وآله إلّا أفراد قلائل لا سيّما وأن التاريخ يحدثنا عن عصيان الرماة من جهة، وعن مؤامرة داخلية قادها بعض زعماء المنافقين إذ أنهم حين رأوا انتصار المسلمين في بادئ الأمر؛ غادروا ساحة الحرب وصعدوا جبل أحد لإضعاف قوّة المسلمين والإقلال من عددهم إيماءً لأبي سفيان ومن معه من المشركين للكرّ على المسلمين وهذا ما تمّ فعلاً [المترجم] . وكان أشد الرجال الرجال دفاعاً عنشخص النبي الكريم صلوات الله عليه وآله أمير المؤمنين سلام الله عليه، إذ راح يقاتل ويقاتل حتى تحطم سيفه مراراً فأعطاه النبي سيفه..
ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله اتخذ لنفسه موقعاً دفاعياً فيما واصل أمير المؤمنين عليه السلام دفاعه المستميت حتّى أصابته ستون ونيّف من الجراح، طبقاً للمؤرخين . مما حدا بالملائكة أنفسهم إلى الإعجاب بهذه المواساة العلوية الفذة.. فقال النبي صلى الله عليه وآله: عليّ منّي وأنا من عليّ، وقال جبرئيل وأنا منكما.. وقد قال مولانا الصادق عليه السلام: لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل وقد وقف بين السماء والأرض وهو يقول: لا فتى إلّا علي لا سيف إلا ذو الفقار...
وهنالك تعالت الأصوات بأنّ محمداً قد قتل... ولكن من كان أوّل من صرخ بهذه الكذبة الظالمة المقيتة؟!
سواء كان مصدر هذه الصرخة الشيطانية بعض المسلمين أو أحد أفراد العدو، فهي لعلّها كانت في مصلحة المسلمين، ذلك لأنّ العدوّ ظنّ أنّه صلى الله عليه وآله قد قتل حقاً؛ فما كان منه إلّا أن ترك وادي أحد وبدأ بالتوجّه إلى مكة، نظراً إلى أنّ همة المشركين الأولى كانت تهدف قتل النبي والتخلّص منه، فلم يكونوا قاصدين ترك أحد دون الانتقام ممّن سفّه أحلامهم وفنّد آلهتهم، ولذلك تركوا أحداً فور سماعهم شائعة مقتل النبي صلى الله عليه وآله... ولقد كان لشائعة المقتل هذه وقع شديد في جماعة المسلمين فانبرى عدة منهم إلى أصحاب النبي إلى الجبل، ليخبروا الآخرين بسلامة النبي صلوات الله عليه وآله فيعودوا إلى الاجتماع مرة أخرى بعد أن فرّوا من أمام المشركين وكان الرسول يدعوهم في
أخراهم..
لام الرسول صلوات الله عليه وآله الذين هربوا من ساحة الحرب فاعتذروا إليه قائلين: يا رسول الله ! لقد سمعنا شائعة قتلك فتملكنا الخوف فهربنا.. وكانت أحد مسرحاً للخسارة المالية والفردية والمعنوية حيث قتل من المسلمين سبعون رجلاً وجرح الكثير..(1)
2 . ثم اختلاف كثير فيما يتعلّق باختيار موقع الحرب؛ وما إذا كان الأفضل لو وقعت داخل المدينة أو خارجها.. ومع هذا الاختلاف بين المسلمين فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وبعد الاستشارة؛ ذهب إلى رأي أكثر المسلمين وفيهم الشباب إلى الخروج من المدينة والاستقرار عند جبل أحد..
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 69 إلى 76
إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)
قوله تعالى:إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا.. فيه الإشارة إلى ما نقله التاريخ عن معركة أحد، فتلمح إلى الفريقين من المسلمين (طبقاً لما نقله التاريخ عن أسرة بني سلمة من قبيلة الأوس وبنو حارثة من قبيلة الخزرج) حيث أيّد أو دعا الفريق الأول إلى خوض الحرب في المدينة نفسها. وقد عارضهم النبي ثمّ قرّروا التخاذل والعودة إلى المدينة. وكذلك كان الفريق الثاني، وبعد التحاق عبد الله بن أبي والثلاث مئة نفر من اليهود بجيش المسلمين، وتبعاً المعارضة النبي صلى الله عليه وآله لبقائهم في مخيم المسلمين فقد عادوا إلى المدينة، وبناءً على هاتين المسألتين قرّر هذان الفريقان من المسلمين العودة إلى المدينة، إلّا أنّ الإرادة الإلهيّة أقعدتهما عن قرارهما فقررا دعم المسلمين، ولذا؛ قال القرآن الحكيموَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.(1)
قوله سبحانه: وَلِيُّهُمَا إشارة إلى حقيقة أنه تعالى يحبّ عباده كثيراً، وأن من الممكن أن يخطأ العبد في تشخيص مساره.. إلّا أنّ الله المتعال يصرفه عنه بعناية خاصة.
ببيان حادثة أحد وعدم إذن النبي صلى الله عليه وآله بإشراكهم في الحرب وبقائهم (اليهود) الذي جاؤوا لنصرة المسلمين حسب الظاهر يؤكد أنّ غير المسلمين. كهذا الفريق كانوا غرباء على المسلمين، ولا ينبغي السماح للغرباء بالاطلاع على الأسرار أو بأن يكونوا مورد
1) مجمع البیان، ج 2، ص 824
اعتماد المسلمين في تلك الظروف الحرجة.
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)
أسرع المشركون في العودة إلى مكة بعد انتصارهم في معركة أحد، ولكنهم في طريق عودتهم تأملوا في السبب الذي حدا بهم أن يجعلوا من نصرهم نصراً ناقصاً ولم يتموه في مهاجمة المدينة والإغارة عليها، وأن يتأكدوا من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقتلوه إن لم يكن قد قتل حقاً، فيستريحوا منه وممّن معه إلى الأبد... وهكذا صدر الأمر بالعودة إلى أحد.. وهذه كانت المرحلة الأخطر في الواقعة، لا سيما وأنّ المسلمين قد تحمّلوا ما تحمّلوا من القتلى والجرحى. ولا ريب أنهم كانوا غير مستعدين لخوض معركة أخرى... على عكس المشركين المشبعين بنشوة النصر، فكان لهم أن يخوضوا المعركة ويتوقعوا النصر.. وسرعان ما بلغ هذا سمع رسول الله صلوات الله عليه وآله.. ولولا قيادته الحكيمة وشهامته التي لا توصف ولولا أنه كان مسدّداً بتسديد السماء، لكان تاريخ الإسلام قد انتهى عند هذه النقطة.
وقد نزلت هذه الآية وما تلاها من آيات بخصوص هذه المرحلة الحسّاسة، فاهتم النبي صلى الله عليه وآله بإعادة الروح المعنوية للمسلمين وأصدر الأمر القاطع بالانطلاق للحاق بالمشركين ، فاستعدّ المؤمنون ( وفي مقدمتهم أمير المؤمنين عليه السلام الذي أصيب بأكثر من ستين (جراحة لتنفيذ الأمر النبوي - السماوي ومواجهة المشركين مرّة أخرى، فانطلقوا من المدينة لهذا الغرض. فعلمت قريش بانطلاق المسلمين وملاحقتهم لهم، فتعجبوا وامتلؤوا رعباً؛ ظناً منهم إنّ ثمَّ قوات جديدة قد رفدت المسلمين وأن دائرة الحرب الجديدة ستدور
عليهم في هذه المرّة.. ولذا فضّلوا الهرب إلى مكة للحفاظ على ما تحقق لهم...(1)
الهدف من التذكير بالنصر العظيم الذي تحقق للمسلمين في معركة بدر، مع الحديث عن ضعف المسلمين وهزيمتهم في أحد (لا سيما وأن عدد المسلمين ببدر كان 313 رجلاً مع قلة ذات اليد والسلاح، فيما كان عدد المشركين يربو على الألف مقاتل بكامل العدّة والسلاح والإمكانات) كان بيان وتأكيد هذه الحقيقة مع دعم المعنويات الهابطة للمسلمين بعد أحد، وليعلموا أن الانتصارات وفي جميع الميادين هين عند الله تعالى وإن كانوا قليلي العدّة والعدد...
لعل التذكير بالانتصار في بدر مع قلة العدد والعدة، وذلك حين الهزيمة في أحد... (مضافاً إلى رفع المعنويات) فقد أريد منه التذكير بأنّ الله الذي نصر المسلمين ببدر هو نفسه الله الناظر إلى واقعهم في أحد.. ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون في أحد أقوى وأكثر ممّا كانوا عليه في بدر . وهذا ما كان يراه المشركون أيضاً . ولكنّ النصر حالفهم في بدر دون أحد.. فكيف انتصروا هناك وانهزموا هنا حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.. فإذا كان الأمر كذلك.. فإنّ على المسلمين أن يتقوا ربّهم وأن لا يعاودوا الكرة في عصيان الرسول؛ ليكون ذلك بمثابة الشكر على النعمة.. فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 78
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)
هذه الآية الشريفة تأييد وتأكيد واضح على وجود ودور الإمداد الغيبي في الحروب الإلهيةإِذْ تَقُولُ... مِنَ الْمَلَائِكَةِ ... .
أن إحدى . وأهمّ . الوسائل المتاحة لقائد الحرب ومن أجل رفع معنويات مقاتليه: إحياء معنوياتهم بالإمداد الغيبي..إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ... ؟
لا ينبغي التفكير بأنّ نزول الملائكة لا يكون إلا لمقاتلة المشركين فقط، بل إنّ الملائكة قد تتنزّل كما تتنزّل في ليالي القدر لمشاهدة عبادة الأمة والإشراف على طبيعة اتصالها وتقرّبها من ربّها والدعاء لها وقضاء حاجاتها ( وعرض تقديراتها على المعصوم في زمانها) كما تنزلت في واقعة بدر لغرض رفع معنويات المسلمين والنظر في إخلاصهم وجهادهم وتجبين المشركين.
لا بد أن نعلم أن منتهى وغاية جميع الانتصارات منوطة بإرادة الله سبحانه وتعالى كما وردت الإشارة في الآيتين التاليتينوما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم و يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ .
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)
الإمداد غير متوقف على حادثة بدر ، فلو أنّ ابن آدم كرّس عبوديته لربّه المتعال وصبر على هذه العبودية لحظي بإمداد إلهي قوامه خمسة آلاف بدلاً عن ثلاثة آلاف . من الملائكة بعد معركة أحد . مثلاً.يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ .
لا يمكن أن يتحقق المدد الغيبي من جانب الله تعالى من دون حركة ومبادرة من جانب الإنسان وتوفّر شروطه الأخرىبَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا.
الله تعالى ناصر عباده المطيعين المتقين، ولا ريب أنّ المسلمين الذين هزموا في أحد، ها هم الآن في معرض التهديد؛ وهم بحاجة إلى رفع معنوياتهميُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
المدد الغيبي بالملائكة، ورسل الله بحاجة إلى علامة (مُسَوِّمِينَ).
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)
نزول الملائكة لنصركم إلا لتشجيعكم وتبشيركم وطمأنتكم ورفع معنوياتكم.
تحقق النصر لا يكون إلا من قبل الله تعالى الذي هو قادر على كلّ شيء وحكيم في كلّ شيء.. فهو يعلم بطريق وسبب النصر، كما هو قادر على تحقيقه، ولا ريب أنّ حكمته إذا اقتضت نصر المسلمين؛ وكانوا قد وفّروا شروطه كما ورد في الآية السالفةبَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فإنهم سينالون النصر وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)
طَرَفًا بمعنى: جانباً، و (يكبتهم) من الكبت بمعنى إرجاعهم بالقوة القرينة للذلّة.
خلق المعنوية في المجاهدين، وخلق الهزيمة المعنوية في جيش الكافرين عن أهداف نزول الآية هذه.
بالبشارة الإلهية للمؤمنين بالنصر ببركة المدد الغيبي ودعم الملائكة ورفعهم وشحذ همم القتال.. بحيث إذا ماكان في نيّة الأعداء معاودة شنّ الحرب على الإسلام تارة أخرى، فإنّ المسلمين المجاهدين سيردّونهم على أعقابهم أذلاء يائسين..
هذه الآية توضح القول بأن معركتي بدر وأحد وما بعدهما، هي حروب دفاعية لدرء الشرّ. أي أنها كانت حروباً دفاعيّة وليست هجومية ضد الكافرين..
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)
عن سبب نزول هذه الآية ثَمَ روايات عديدة قد نقلت منها أنه بعد تعرّض رسول الله صلى الله عليه وآله لجراحات عديدة كما هي ثناياه ورباعيّته وجبهته في معركة أحد، وجملة الإصابات التي نالت المسلمين، مما أثار قلق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إزاء مستقبل المشركين حتّى قال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبتهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ؟!».... فنزلت هذه الآية وطمأنت النبي الكريم صلوات الله عليه وآله مؤكّدة أنه ليس المسؤول عن مصيرهم وهدايتهم، وأنه مكلف بتذكيرهم وإبلاغ الوحي إليهم.(1)
رغم الحديث والكلام الكثير الذي وقع بين المفسرين في معاني وغايات هذه الآية الجليلة... إلّا أنّ المسلّم به وفق الآيات السالفة وقرائنها، أنّ هذه الآية قد نزلت بعد واقعة أحد كونها متعلّقة بحوادثها وتفاصيلها.
هناك احتمالان في تفسير الآية:
الاحتمال والتفسير الأول : أنّ هذه الآية تمثل جملة مستقلة ولا تتعلّق بما سبقها، وعليه؛ يكون معنى استغلال قوله سبحانه: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ : إلّا أن يتوب عليهم، فيكون المقصود على وجه العموم أنك يارسول الله لست المسؤول عن واقعهم ومصيرهم إلّا أن يعفو الله تعالى عنهم،
1) جامع البيان، ج 4 ، ص 86
أو يعذبهم ويعاقبهم على ما ارتكبوا من ظلم.. والمعنيون هم الكفار الذين ظلموا المسلمين وتسبّبوا في مقتل العديد منهم وألحقوا بالنبي كلّ تلكم الجراحات والإصابات.. أو أن المقصود هم المسلمون الذين فروا من ساحة الحرب ثم عادوا نادمين بعد انتهاء الحرب وسألوا رسول الله صلوات الله عليه وآله الصفح.. والآية تقول بأنّ العفو والصفح عنهم أو تعذيبهم ومعاقبتهم أمور هي في يد الله عزّوجلّ، ولا يمكن أن يتصرّف النبي فيهم إلا بما يإذن الله تعالى.
الاحتمال والتفسير الثاني أنّ هذه الآية تتمة للآية التي سبقتها، فيكون قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بمثابة جملة اعتراضية وغير مستقلة في نفسها، وأن قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بمثابة عطف وتعلّق بقوله سبحانهأو يكبتهم وفي هذه الحالة يكون معنى مجموع الآيتين كالتالي: إنّ الله سبحانه سيوفر لكم وسائل النصر، وسيتصرف في المشركين المقاتلين طبقاً لما تقتضيه الحكمة والعدالة وأنت يا أيها النبي لا يمكنك أن تتخذ قراراً، وإنّ مصيرهم سيتوقف على أمور أربعة:
إما أنه تعالى سيقتطع قسماً من مجموع جيش المشركين.
أو سيضطرهم ربّهم إلى العودة والرجوع عن القتال.
أو يتوب عليهم إذا ما كانوا جديرين بذلك.
أو أنه سيعاقبهم ويعذبهم على ظلمهم..
ومعيّنة)..(1)
وهنا ينبغي الالتفات إلى قول هذا المفسر؛ وإن كان له وجه منطقي في هذه الجزئية، إلّا أنَّه لا يتطابق أبداً مع مفهوم ذيل الآية الخاص بالتوبة أو عقوبة الكافرين، وعليه؛ لا ينبغي اعتبار كلامه تفسيراً صحيحاً للآية، لا سيما وقد وسمتهم الآية بكونهم ظالمين..
قد سلبت هذه الآية النبي صلوات الله عليه وآله صلاحيّة العفو أو عقوبة المتمردين على أوامره .. وهذا لا يتنافى والتأثير الأكيد لدعائه صلّى الله عليه وآله وعفوه وصفحه وشفاعته؛ الذي يعلم من آيات قرآنية أخرى، وذلك لأنّ المراد من هذه الآية أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ليس له أن يتخذ قراراً مستقلاً بحق هؤلاء الأعداء والهاربين إلّا أن يأذن الله تعالى له، فيعاقبهم كما ينبغي؛ وكذلك يوفّر أسباب النصر، بل بإذنه يمكن أن يحيي الموتى كما كان المسيح عليه السلام يفعل...
ه ينبغي الالتفات إلى أنّ المتكلمين في جملة:لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وأرادوا إنكار صلاحيّة الرسول في هذا الأمر، قد نسوا . في الحقيقة . آيات قرآنية أخرى، مثل الآية (64) من سورة (النساء) القائلة: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا وطبقاً لهذا النص الصريح يكون الرسول ذا صلاحيّة في طلب التوبة المقبولة لذنوب هؤلاء الذين يظلمون أنفسهم.. وفي البحوث القادمة سنفصل القول لدى
تفسير الآيات ذات العلاقة إن شاء الله تعالى.
1) راجع: تفسير المنار، ج 4 ، ص 118 إلى 120.
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
هذه الآية . في حقيقتها . تأكيد للآية السابقة، حيث تشير إلى أنّ الثواب والعقاب ليسا بيد الرسول صلى الله عليه وآله على سبيل الاستقلال عن الإرادة الإلهية بل هما خاضعان الحاكمية الله المطلقة هذه الحاكمية النافذة على سبيل الإطلاق والاستقلال في جميع ما في السماوات والأرض ، إذ الخلقة صادرة منها، كما هي المالكية عائدة لها، وكما هو تدبير شؤونه كلّ ما فيها، وعليه؛ فالله تعالى الذي يغفر لمن يشاء أو يعذب من يشاء والله غفور رحيم .
في الوقت الذي تكون عقوبته سبحانه شديدة، كذلك هي رحمته واسعة، كما أن رحمته قد سبقت غضبه وعقوبته.
لعلّ سؤالاً يقفز إلى الكثير من الأذهان، وهو: كيف يعمد الله تعالى إلى معاقبة عباده بداعي ذنوبه مع كلّ ما فيه من رحمة واسعة لا متناهية؟
لدى الإجابة على هذا السؤال ؛ نفضّل النقل عن المفسّر الكبير (الطبرسي) الذي نقل عنه القول في ذيل هذه الآية الشريفة بأنّ رحمة الله تعالى لا تنفك عن حكمته ولا تتعارض، ذلك لأنّ رحمته ليست كشعورنا بالترحم أو كرقة قلوبنا تجاه فرد من الأفراد،(1)أي أنّ الرحمة الإلهية لا تصدر عن رقة قلب كما نشعر نحن، وإنّما هي ممزوجة بالحكمة أبداً، والحكمة توجب معاقبة المذنبين (إلّا في موارد خاصة).
1) مجمع البیان، ج 2، ص 833
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
ينبغي القول أولاً إنّه ليس من الضروري أن نبحث بإصرار. كما يفعل بعض المفسرين . عن علاقة بين الآيات، فلا حاجة إلى تجسم عناء إيجاد العلاقة بين موضوعات وآيات لم يشأ الله تعالى أن يربط فيما بينها، لأنّ هذا الإصرار والتكلّف وتحمّل المشقة لا يتناسق وروح القرآن وطبيعة نزول القرآن وآياته في وقائع مختلفة ومتعدّدة طبقاً للحاجات المتنوعة وضمن الظروف والبيئة المنفصلة.. وحقيقة القرآن واضحة في كونه كتاباً غير تقليدي كما هي الكتب الأخرى ذات التبويب والفصول المحدّدة، فلابد أن يلتزم نظاماً تأليفيّاً خاصاً يتضمن الأبواب والفصول.. بل القرآن كتاب نزل بالتدريج طيلة ثلاث وعشرين سنة طبقاً للحاجات المتعدّدة والمتفاوتة في أوقات وأماكن مختلفة.. فتراه يتحدّث . مثلاً عن معركة أحد وقضايا الحرب
وظروفها وما تتضمنه من دروس وعبر .. ثمّ تطرأ الحاجة . في اليوم التالي . إلى الحديث عن مسألة اقتصادية كالربا، أو مسألة حقوقية كالزواج، أو مسألة تربوية أخلاقية كالتوبة.. وهكذا تتنزل الآيات.. رغم أنّ جميع الآيات والسور القرآنية مرتبطة فيما بينها من وجهة نظر محدّدة؛ حيث تتابع منهاجاً واحداً يهتم بصناعة الإنسان وتربيته وصياغة شخصيته على مستوى راق، كما أنها قد نزلت لصناعة المجتمع الحضاري الواعي المميز بالأمن والاستقرار والتطوّر المادي والمعنوي.
المرحلة الأولى: ورد الاكتفاء بوصف الربا بكونه رذيلة أخلاقية يمارسها قاصروا النظر ممن يجمعون ويضاعفون ثرواتهم عن طريق الربا، ولكنّه عند الله تعالى لا يتضاعف، وإنّما الذي يضاعف المال هو الإنفاق والزكاة.. وذلك حيث قال تعالى في الآية التاسعة والثلاثين من سورة (الروم)) المباركة: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.
المرحلة الثانية: انتقدت الآية الحادية والستين بعد المئة من سورة (النساء) عادات وتقاليد اليهود الخاطئة في أكل الربا، إذ قالت: وأخذهم الربا وقد نهوا عنه .
المرحلة الثالثة: في الآية محط البحث . كما سيأتي تفسيرها . جاء التصريح بحرمة الربا، ولكن لشكل من أشكاله، حيث يكون شديداً وفاحشاً..
المرحلة الرابعة: وأخيراً منعت وحرمت الآيات (279275) من سورة (البقرة) بشدّة جميع أشكال الربا وعدتها مساوية لإعلان الحرب على الله عزّوجلّ.
المراد من الربا الفاحش تصاعد كميّات الثروة باستمرار في إطار الربا، أي أن يضم المال إلى عملية الربا في البداية فيمتزجان معاً، فيشكل رأس المال ثروة جديدة بزيادته بالربا. فلا تمرّ فترة طويلة حتى تتضاعف مديونية المدين عدة أضعاف وتتلاشى معيشته في مدة قصيرةيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا.
يعلم من الروايات والمأثور التأريخي أنّ الجاهلية كانت تحكم فيما إذا عجز المدين عن سداد دينه في موعده أن يطلب من الدائن أن يجعل من أصل الدين ومجموع الفائدة مالاً جديداً يعده قرضاً ثمّ يحدّد له فائدة جديدة.. أما في عصرنا الراهن؛ فهذا الربا قد يمارس بشكل أشدّ ظلماً واستغلالاً على مستوى الأفراد والدول.
أنّ كلّ إنسان يرغب في زيادة المال، ولكن يجب أن يعلم أنه إذا كان يريد السعادة في الدنيا والآخرة لزمه كبح جماح غرائزه ورغباته، فلا يقحم نفسه في كل طريق لإشباع غرائزه وشهواته.. كما عليه التحلّي بالتقوى لعله يفلح في نتيجة امتحانه الدنيويوَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)
التأكيد المكرّر على لزوم الورع والتقوى الوارد في مطلع هذه الآية يشير إلى أن نهاية هذه الحياة على شاكلتين: إما التقوى والورع ثمّ النجاح والفلاح. وإما الانفلات ونار جهنموَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ .
يعلم من استعمال مفردةالْكَافِرِينَفي هذه الآية، ومن خطابيا أيها الذين آمنوا . أنّ المرابي غريب عن روح الإيمان، بل إنّ آكل الربا مساهم وله نصيب من النار التي تنتظر الكافرين!
من قوله تعالى: النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ يعلم أنّ النار إنما خلقت للكافرين، وأنّ العصاة المذنبين . وإن كانوا مسلمين مؤمنين في ظاهرهم لهم نصيبهم من نار الجحيم بمقدار شبههم بالكافرين.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)
ا استعمال لغة التشجيع في هذه الآية، وتغيير لحنها ولهجتها قياساً بالآية السالفة، إذ كانت لهجة تهديد وترهيب، يوضح أنّ نيل الرحمة الإلهيّة منوط بالطاعة الله تعالى وللرسول صلوات الله عليه وآله.
بدلاً من تحكيم الرأي والرغبة الذاتية، لو هجرت المادّيات التي يتسبب التعلّق بها بحلول الغضب الإلهي، ويمكن أن تُعرّض إلى الخطر في الظاهر بهذا الهجر.. ولكن ثمّ منافع عظيمة ستكون من نصيب الإنسان، منافع تكون مادّيات الدنيا برمتها إزاءها شيئاً لا يذكر.. وهي الرحمة والرضوان الإلهيانلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
لا يكتمل التهديد أبداً إلا إذا كان فيه ترغيب وتشجيع.. وقد جرى التهديد في الآية السابقة، وها هو التشجيع في هذه الآية.. قالت الآية السابقة: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وهذه الآية تحدثت عن الرحمة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
تتمّة لما مرّ في الآية السابقة، أضحت إمكانية نيل وبلوغ المؤمنين الرحمة الإلهية منوطة بطاعة الله ورسوله، وفي هذه الآية جرت الإشارة إلى مصاديق الرحمة والطاعة.
تبعاً للآيات السالفة التي هدّدت الطالحين بعقوبة النار؛ وشجّعت الصالحين ودفعتهم إلى الرحمة الإلهيّة، فإنّ هذه الآية شبّهت مساعي الصالحين بمنافسة ومسابقة معنوية؛ هدفها النهائي رحمة الله وغفرانه ونعمه الخالدة في الجنان.. فكان الحثّ على الدخول في مضمار التنافس الإيجابي.
سَارِعُوا بمعنى السعي وبذل الجهد بين الشخصين والأكثر لإحراز قصب السبق للوصول إلى هدف محدّد، وهذا العمل في مضمار الصلاح جدير بالثناء والقبول فيما يذمّ في مضمار السوء وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .
القرآن في هذه الآية وباستعمال البعد النفسي، حيث يجد الإنسان نفسه غير مرغم على الإسراع في إنجاز ما أنيط به من المهام إذا ما وجد نفسه فريداً وحيداً، على العكس مما إذا نافسه شخص أو أكثر، فيأخذ الإنجاز هيئة تنافس يستدعي الإسراع والتسابق.. لا سيما إذا كان التسابق مقروناً بعطاء وأجر وجائزة، فتراه يبذل أقصى جهده للسبق وإحراز الجائزة بعد تحقيق الهدف.. ولهذا ترى هذه الآية قد أمرت المؤمنين بالتسابق والإسراع لبلوغ المغفرة الإلهية.
الهدف الأولي لهذه المسابقة؛ الغفران الإلهي، حيث لا يمكن بلوغ أي مقام معنوي دون المغفرة والتطوّر من الذنب، إذ يجب تطهير الذات من الخطيئة ثم الانطلاق نحو مقام القرب الإلهي.. ونتيجة الفوز في هذه المنافسة جنان الله الأبدية التي تفوق مساحتها مساحة السماوات والأرض.
المراد من عَرْضُهَا في هذه الآية ليس ما يقابل (الطول) في الحسابات الهندسية، بل هو استعمال روحاني يضاف إلى المعنى اللغوي الموسع..
التناسب والارتباط بين الآية (131) من هذه السورة المباركة التي حقت المؤمنين على اجتناب نار جهنّم، وأكدت على أنّ هذه النار قد أعدت للكافرين... وبين هذه الآية (133) أنّ الدعوة قد صدرت في دائرة الإسراع والتسابق لبلوغ المغفرة والجنان، وأنّ جنان الله قد هيئت لضيافة الطاهرين المتقين.. وهذا ما يشير إلى أنّ الدنيا والآخرة تسيران وفق محور التقوى.. وما لم يكن المرء ذا تقوى؛ فالنار مثواه وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وإن اتقى؛ فالجنّة موعدهأُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ..
رغم أنّ هذه الآية قد صرّحت بأن اتساع الجنّة بمقدار اتساع السماوات والأرض، إلّا أنّ هذا التعبير ورد بتفاوت بسيط في الآية الحادية والعشرين من سورة (الحديد) المباركة، إذ قالت :سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فالمسابقة وردت بديلاً عن المسارعة، والسماء وردت مفردة معرفة بالألف واللام.. ودلّت على عموم الجنس فيما أضيف حرف الكاف المستعمل في التشبيه كعرض بمعنى أن الآية مورد التفسير والبحث (سورة آل عمران) تصرّح بأن عرض الجنّة هو عرض السماوات والأرض، أما آية سورة (الحديد) فقد ذكرت بأن سعة الجنّة كسعة السماء والأرض والعبارتان تفيدان معنى واحداً...
السؤال الأول: هل الجنة والنار مخلوقتان في الوقت الحاضر ولهما وجود خارجي، أم أنهما ستخلقان تبعاً لطبيعة أعمال العباد؟
في هذه الآية وفي آيات عديدة أخرى ورد التعبير بكلمة ( أعدّت ) أو بكلمات أخرى تفيد هذا المعنى، وتارة تستعمل لوصف الجنة والنار، ويعلم من هذه الاستعمالات أنّ الجنّة والنار حاضرتان مخلوقتان في الوقت الراهن مع أنهما أخذتان في الاتساع حسب أعمال العباد..
السؤال الثاني: بالنظر إلى أنّ القرآن المجيد يقول بأنّ سعة الجنّة بحجم سعة السماوات والأرض، إنّ كانت الجنة والنار حاضرتين مخلوقتين؛ فأين يكون موقعهما؟
يمكن أن يقال للإجابة على هذا السؤال إنّ الجنّة والنار في باطن هذا العالم، وكما نرى هذه السماء والأرض والأجرام الأخرى بأعيننا المجرّدة، إلّا أنّ هناك عوالم كائنة في باطن هذا العالم نعجز عن رؤيتها، ولو كانت لنا قدرة خاصة وإدراك مميز لتمكنا من رؤيتها.. كما أن في هذا العالم موجودات كثيرة نعجز عن رؤية ذبذباتها، بل هي غير قابلة للإدراك كلّالو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) وكما يعلم من بعض الروايات أن جملة من أولياء الله تعالى لهم القوّة والقدرة على الإدراك والرؤية في هذا العالم، حيث رأوا الجنة والنار بعين الحقيقة...
ولمزيد من فهم هذا الموضوع نضرب مثالين:
المثال الأول: كما تتوفّر في وقتنا الحاضر أجهزة إرسال فائقة التطوّر وتستطيع أن تغطي مساحات الأرض كلها، وقد أثبت العلم المعاصر أنّ ثمّ ذبذبات في عالمنا غير مرئية بالهيئة العادية وغير مسموعة بالوسائل الطبيعية.. وعلى هذا الأساس؛ إذا ما وضع جهاز إرسال فائق جداً في نقطة نقطة من الأرض، وساعدته الأقمار الصناعية في الإرسال إلى جميع بقاع الأرض وتمّ بواسطة ذلك بثّ تلاوة قرآنية رائعة.. وفي مقابل ذلك وفي نقطة أرضيّة أخرى كان جهاز إرسال
فائق أيضاً يبثّ صوتاً منكراً ومزعجاً جداً من جهة أخرى... ولكننا حينما نجلس في موضع بسيط وبعيد عن جهازي الإرسال المشار إليهما.. ورحنا نسمع أحاديث بعضنا في ذلك المجلس.. فإنّنا لدى ذلك نكون غافلين أو جاهلين بوجود جهازي الإرسال وما يبتانه من صوت جميل أو منكر مزعج.. أما إذا مثل أحد الجهازين أو كلاهما، فسنكون قادرين على سماع ما يبتّان.. غير أننا لا نسمع شيئاً من إرسالهما في الحالة الطبيعية للعجز الموجود في آذاننا (رغم أن هذا المثال لا يتصوّر المقصود من جهات إلّا أنه قد يرسم كيفية وجود الجنة والنار في باطن هذا العالم).
المثال الثاني: لا شكّ في أنّ عالم الدنيا مستقر في باطن عالم الآخرة، كما أنّ عالم الجنين مستقر في عالم الدنيا؛ رغم أنّ عالم الجنين له واقعه المستقل، ولكنه ليس ببعيد عن هذا العالم الذي نعيش فيه.. كذلك هو عالم الدنيا بالنسبة إلى عالم الآخرة... أي أنه كائن في داخله.. وعلى هذا الأساس؛ كان عالم الآخرة . الجنّة والنار - محيط بعالم الدنيا.. فإذا وجدنا القرآن الحكيم يشير إلى أنّ سعة الجنّة بسعة السماوات والأرض فبداعي أنّ الإنسان يجهل بوجود عالم أكثر سعة من سعة السماوات ليجعل منه مقياساً ومعياراً.. ولهذا؛ عمد القرآن الحكيم . في إطار رسمه ملامح سعة الجنّة والنار . إلى تشبيه الجنّة بسعة السماوات والأرض، ولم يكن ثمّ مناص في البين.. كما لو أننا أردنا مخاطبة جنين في بطن أمه بعد أن كان له عقل، فعلينا مخاطبته وفقاً للمنطق المفهوم بالنسبة إليه... ومما ذكرنا تتبين الإجابة على هذا السؤال القائل بأنه إذا كانت سعة الجنّة بسعة الأرض والسماوات؛ فأين تكون النار إذن؟ ذلك لأنه وطبقاً للمثال الأوّل تكون الجحيم في داخل هذا العالم، وهذه الحالة والصورة لا تتناقض مع وجود الجنّة فيه أيضاً(كما مرّ في مثال الذبذبات الخاصة بجهاز الإرسال الصوتي) وأمّا طبقاً للمثال الثاني حيث تكون الجنّة والنار محيطتين بهذا العالم، فالجواب يكون أكثر اتضاحاً، لأنّ النار يمكن أن تحيط بهذا العالم، والجنّة تحيط بذلك العالم (الآخرة) بل وأكثر
سعة..
السؤال الثالث هل الجنّة والنار موجودتان فعلاً؟ وأين هما الآن؟
يذهب أكثر علماء الإسلام إلى كونهما موجودتين فعلاً وأنّ لهما وجوداً خارجياً.. وكذلك هو شأن ظواهر الآيات القرآنية الشريفة.. ونموذج ذلك:
نقرأ في الآيات الخاصة بالمعراج في سورة (النجم): وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى(1)) وهذا شاهد عيان على الوجود الفعلي للجنة.
قال سبحانه في سورة( التكاثر).. الآيات الخامسة والسادسة والسابعة: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ *ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. وهناك شواهد عديدة أخرى تناولتها الروايات المتعلّقة بكرامة المعراج النبوي... (2)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
الصفة الأولى: أنهم ينفقون في كل حال، وسواء في حال المكنة والسعة أو في حال الضيق والعسرة:الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
الصفة الثانية : كظمهم للغيظ وقدرتهم في كبح غضبهم وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ.
الصفة الثالثة : عفوهم وصفحهم عمّن هو جدير بالعفو والصفح دون من لا تنفع معهم هذه الخصلة الإنسانية الراقية ممن تزداد جرأتهم على الحق إذا ما عفي عنهم: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
2.واضح أنّ الإنفاق في حال الوسع والراحة ليس كافياً في النفوذ التام لهذه الصفة النبيلة في عمق روح الإنسان، أما الذين يعينون غيرهم وهم محتاجون إلى العون؛ فقد يعلم تجذر هذه الصفة والملكة فيهم.
وواضحة هي الإجابة، ذلك لأنه:
أوّلاً: أنّ المحتاجين لهم أن ينفقوا بمقدار استطاعتهم.
ثانياً: أنّ الإنفاق غير منحصر في الناحية المالية، إذ يمكن أن يكون إنفاقاً من مختلف المواهب العلمية كالعلم والمعرفة ... وبهذا، يكون الله تعالى مريداً لزرع روح التسامح والتضحية والسخاء في نفوس المؤمنين المتقين وإن كانوا محتاجين لذلك؛ لإزاحة الرذائل الأخلاقية التي تنشأ - أساساً من البخل..
الذين يستصغرون الإنفاق القليل إنّما يستصغرونه لأنهم يفصلون بين مصاديقه.. إلّا أنّ الإعانات الجزئيّة البسيطة لو صُفّت إلى بعضها، وعمد . مثلاً أفراد المجتمع، فضلاً عن فقيرهم وغنيّهم إلى مد يد العون بمبالغ بسيطة؛ ثمّ صرفت هذه المبالغ لتحقيق أغراض وأهداف اجتماعيّة، لأمكن إنجاز مشاريع عظيمة، مضافاً إلى أنّ الأثر المعنوي والأخلاقي للإنفاق غير منوط بحجم الإنفاق وكثرته، والنتيجة الطيبة تعود على المنفق في سبيل الله على أي حال.
الكظم لغةً بمعنى غلق فوهة القربة المليئة بالماء، وكنايةً؛ يستعمل في الذين امتلؤوا غيظاً فيسيطرون عليه.
أماالغيظ فهو شدّة الغضب والهيجان الروحي الذي يحدث في الإنسان عند مصادفته ما لا يستسيغه.
6 . أنّ حالة الغضب والهيجان الروحيين أخطر الحالات إذا تركت وشأنها، وقد تتحول إلى جنون لا يمكن أن يضبط، بل إن كثيراً من الجرائم والقرارات الخطيرة التي تستوجب أن يدفع المرء ثمنها طيلة عمره.. إنّما ترتكب في مثل هذه الحالة.. ولهذا قال نبي الإسلام صلى الله عليه وآله: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأه الله تعالى أمناً وإيماناً»(1)وهذا الحديث
1) جامع الأخبار، ص 117
يؤكّد على أن كبت الغضب له آثار عجيبة واستثنائيّة في التكامل المعنوي للإنسان ورفد روحه الإيمانية..
7.السيطرة على حالة الغضب أمر إيجابي جيّد؛ ولكنّه ليس كافياً بمفرده، وذلك لاحتمال بقاء الحقد والعداوة في قلب الإنسان، ولهذا جعل العفو والصفح قريناً بكظم الغيظ.
مع أن مسألة العفو وردت بعد صفة كبت الغضب الراقية، إلّا أنّ المراد هو العفو عمن هو جدير به دون الأعداء الذين تمرّسوا امتصاص الدماء، حيث العفو عنهم يزيدهم جرأة ووقاحة واستهتاراً بحقوق وحرمات غيرهم.
الإنسان وخلال مسيرته في طي مراتب التكامل لا ينبغي له الاكتفاء بكظم الغيظ وممارسة فضيلة العفو لغسل روحه عن أدران الانزعاج وإنّما عليه أن يتقن عملية التطهير والتطهر، وذلك بالإحسان في مقابل الإساءة (بما وبمن هو جدير) للانتقال إلى نبل آخر يتمثل في محاولة تطهير قلب الطرف المقابل من أدران العداوة والبغضاء وحمله على المحبّة والتعاطف؛ بحيث لا تتكرّر منه مشاهد العداء، مثال ذلك؛ أننا نقرأ في نص متفق عليه ورد في ذيل قوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أن جارية كانت تصب الماء على يد الإمام السجّاد عليه السلام، فوقع الإبريق من يدها على وجهه وجرحه، فرفع الإمام عينه إليها، فقالت من فورها قال الله : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال عليه السلام قد كظمت غيظي. فقالت الجارية والعافين عن الناس فقال عليه السلام قد عفوت عنكِ، فقرأت الجارية:وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فقال عليه السلام اذهبي فأنت حرّة. (1)وهذا الحديث شاهد حي على أنّ هذه المراحل الثلاث المذكورة ذات خاصيّة متدرّجة، وكلّ منها تعقب الأخرىوَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 201
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)
1.فَاحِشَةً من مادة الفحش والفحشاء بمعنى كلّ عمل قبيح جداً، ولا ينحصر فيما هو مخالف للعفّة، ذلك لأنّه لغةً بمعنى التجاوز عن الحدّ ، وهو يشمل كل خطيئة.
الآية تشير إلى صفة أخرى من صفات المتقين فهم فضلاً عن تميزهم بالصفات الإيجابية المذكورة.. إن ارتكبوا ذنباً أسرعوا إلى تذكر الله وتابوا إليه ولم يصروا أبداً على ممارسة ذنبهم .
يفهم من قوله تعالى: ذَكَرُوا اللَّهَ أن الإنسان لا يرتكب خطيئة ما دام ذاكراً ربه المتعال، وإنما ارتكاب الذنب يكون حين ينسى الفرد خالقه وتستولي عليه الغفلة، أما الغفلة ونسيان الله؛ فلا تستمر طويلاً لدى المتقين، لأنهم يمتازون بملكة الإسراع في تذكر الله تعالى وجبر ما مضى.. ذلك لأنّ المذنب يشعر بعدم وجود ملجأ له غير الله سبحانه وبضرورة طلب المغفرة منه..وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ .
إذا ما سئل عن السبب في ذكر الظلم للذات بعد الإشارة إلى ارتكاب الفاحشة، وعمّا هو الفرق بينهما ؟ فإنّ الجواب عن ذلك ؛ هو أنّ الفرق بين الفاحشة والظلم، كون الفاحشة من الكبائر، وأما الظلم للذات فهو إشارة إلى الصغائر.
وقالت الآية في الخاتمة : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
6 . من المعلوم أن نسيان الإنسان ذنبه، نتيجة تساهله واستصغاره للذنب الذي ارتكبه، وهو تأثر أيضاً بوساوس الشيطان.. والوحيدون الذين يتورطون بهذا الواقع المزري هم المستسلمون للشيطان.. إلّا أنّ الواعين من المؤمنين يحرصون على استغلال أقرب الفرص للتطهر بماء
التوبة والاستغفار عن ذنبهم، فيغسلوا قلوبهم وأرواحهم ويغلقوا نوافذ نفوسهم بوجه الشيطان وجنوده...
1) الكافي، ج 2، ص 288
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)
وردت الإشارة بدءاً في هذه الآية إلى المواهب المعنوية والمغفرة وتطهير القلب والروح والتكامل المعنوي، ثمّ جرى الحديث عن المواهب المادية.
الأجر الإلهي يحظى به العاملون دون الكسالى القاعدين عن مسؤولياتهم وعهودهم وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .
كما أنّ عدم العفو عن الذنوب يستلزم الغضب الإلهي والخلود في نار الجحيم، كذلك هيالمغفرة تستوجب الخلود في الجنان:جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا.
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)
قد جعل الله تعالى سنناً في الأمم الماضية، وهي غير مختصة بها أبداً، فكانت عبارة عن سلسلة قوانين وثوابت مصيريّة تعمّ الجميع؛ الماضين والمعاصرين وتجري فيهم. وفي هذه السنن يكون تطوّر وتعالي المؤمنين والمجاهدين ويضمن اتحادهم ويقظتهم.. فيما الهزيمة والفناء من نصيب الأمم والمجتمعات المتفرقة؛ عديمة الإيمان والملوّثة بالذنوب، وتاريخ هذه وتلك أمر ثابت ومعروف قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ....
للتاريخ أهمّيّة خاصة في حياة كلّ أمة ومجتمع.. والتاريخ . بطبيعة الحال - يكشف لنا عن الخصوصيات الأخلاقية والممارسات الصالحة والطالحة وطبيعة تفكير الماضين، ويبين أسباب السقوط والسعادة لكل مجتمع عاش في العصور الماضية. وحقيقة الأمر هي أن تأريخ الماضين بمثابة مرآة لمستقبل وحياة المجتمعات البشرية روحيّاً ومعنوياً، ويشكّل إنذاراً للأجيال اللاحقة.. ومن هنا؛ أمر القرآن المسلمين بالسير فى الأرض وملاحظة آثار الماضين
والأمم البائدة وقادتها من فراعنة وجبّارين، ثمّ النظر في عاقبة الذين كفروا وكذبوا الأنبياء وأتسوا للظلم والتمرّد على إرادة المولى سبحانه..
آثار وتراث الماضين مثل خرائب قصور الظالمين وأبنية الأهرام العجيبة وبرج بابل وقصور الأكاسرة والأباطرة والقياصرة وبقايا حضارة سبأ والمئات من نظائرها.. تحوي الوقائع الناصحة للأجيال التي لحقتهم، وللناس . إذ ذاك . أن يصححوا مساراتهم بالاستفادة والاستعانة بها.. والآثار المتوفّرة في مختلف بقاع الأرض بمثابة الوثائق القديمة المتبقية والناطقة باسم التاريخ، بحيث يتسنّى لنا الإفادة منها أكثر مما هو مدوّن في الأوراق والصفائح والصحائف.. فهي تحوي صوراً ورسوماً وتكشف لنا عن روح وقلب العظمة والقدرة والتفكير ورذالة الذين كانوا قد شيّدوها، فيما التاريخ المدوّن يكتفي في الغالب . بتجسيم الحوادث الواقعة والصور الجافّة الباردة والمجرّدة عن الروح.
أولى الإسلام مسألة السير والسياحة في ربوع الأرض أهمّيّة خاصة، وللأسف؛ قد جرت الغفلة عن هذا الأمر والاهتمام كما هي بالنسبة للكثير من الأوامر والتعاليم الإسلامية.. ولكن يبقى أنّ هذه الدعوة إلى السير والسياحة لا ينبغي أن تكون كسياحة طلاب الهوى المعاصرين الذين لا ينفكون عن ارتكاب المعاصي وتضييع الوقت، بل لا بد من اتسامها بالرغبة الواعية في التعلم والتحقيق في الآثار ومصائر الماضين ومشاهدة عظمة الله وقدرته في مختلف بقاع الأرض.. وهذا ما أسماه القرآن بالسير في الأرض وأمر به في آيات عديدة، مثل:
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(1). قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ(2)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا(1)وآيات أخرى، وهذه الآية تقول إنّ هذه السياحة المعنوية والسير في الأرض توقظ قلب الإنسان وتفتح عينه وأذنه، وتخلّصه من الكسل والجمود والتحجر.. هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ يريد الله تعالى في هذا النص أنّ ما مرّ في الآيات أعلاه بياناً واضحاً صريحاً لجميع الناس ووسيلة هداية وموعظة لجميع المتقين، أي أنه في الوقت الذي تتسم هذه الموعظة بصفة عمومية واجتماعيّة، فإنّ الجهة الوحيدة التي تستلهم منها وتهتدي بها هي جهة المتقين الهادفين الناضجين..
1) سورة الحج / 46.
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)
التعاليم والأوامر الأخلاقية في هذه الآية درس لمعيشة جميع الناس.
رغم أنّ هذه الأوامر الأخلاقية درس لحياة عامة الناس إلّا أنّ إحراز الهداية وأخذ العبرة يكون للمؤمنين منهم.
التفاعل والتأثر بهذه التعاليم يتأتى تحت مظلة التقوى والورع.
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
عن شأن نزول هذه الآية وما بعدها وردت روايات عديدة، ويفهم من مجموعها أن هذه الآيات التي وردت سابقاً بخصوص معركة أحد، وبتحليل نتائج هذه المعركة وأسبابها يتضح أنها تمثل درساً عظيماً للمسلمين كما أنّها . الآيات . ترفع من معنوياتهم، ذلك لأنّ الهزيمة في معركة أحد كان التمرّد وعدم الانضباط الذي صدر عن جميع كثير من مقاتلي المسلمين، فيما استشهد العديد من أبطال الإسلام ؛ ومنهم الحمزة بن عبد المطلب؛ عم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فذهب في مساء يوم المعركة مع أصحابه إلى حيث القتلى والشهداء، وكان يجلس عند كلّ جسد من أجسادهم المضرّجة بالدماء فيبكيهم ويطلب لهم الرحمة، ثمّ إنّه صلوات الله عليه وآله دفن أجساد الشهداء عند منحدر جبل أحد وقد ملأه الحزن.. وهنالك حيث كان المسلمون بمسيس الحاجة لرفع معنوياتهم وللاعتبار بنتائج هزيمتهم فنزلت هذه الآيات .(1)
1.ولا تهنوا من مادة الوهن والوهن لغةً هو كل نوع من الضعف، سواء كان جسميّاً، أو في الإرادة والإيمان.
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 107
كما يغتنمون إحراز النصر، كذلك يعتبرون من الهزيمة.. فيبحثون دوماً عن نقاط ضعفهم التي تسبّبت لهم بالهزيمة، ليرمموها ويحققوا نصرهم المؤزر..
كلّ هزيمة وكلّ انتصار لهما أسبابهما، فعليكم أن تكتشفوا أسباب هزيمتكم في هذه المعركة وأسباب انتصاركم في معركة بدر.. فكان السبب في خسارة أحد أن إيمانكم أصيب بالضعف، ولو أنكم لم تتمردوا على أمر الله والرسول ما كنتم تصابون بهذه الخسارة، خلافاً لمعركة بدر تماماً.
المؤمن لا ينهزم لأنه منتصر دوماً بالتزامه بالتكليف الإلهي؛ سواء قُتل أو قتل، ولأنّ ما يهمه هو رضا الله تعالى و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
لا تحزنوا لخسارتكم ، فالنصر النهائي لكم إن ثبتم على إيمانكم، ثمّ إنّ خسارة جولة لا تعني خسارة حرب برمتها وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ َ(140)
قَرْحٌ بمعنى الجرح الذي يتسبب به عامل خارجي عن البدن.
تتضمن هذه الآية درساً آخر لبلوغ المسلمين النصر النهائي وأن لا يظنوا أنهم أقل شأناً من الكافرين، فهؤلاء قد أصيبوا بهزيمة من جانب المؤمنين وقد قتل منهم سبعون مقاتلاً كما جرح منهم الكثير وأسر غير ذلك؛ ولكنّهم لم يخسروا كلّ شيء، وقد عوّضوا عن هزيمتهم
بداعي غفلتكم، فإن كان المؤمنون قد هزموا في معركة؛ فعليهم جبر هزيمتهم..إن يمسسكم قرح فقد مش القوم قرح مثله وتلك الأيام.. .
إشارة إلى إحدى السنن الإلهية التي تتوالد عنها الحوادث المرّة أو السعيدة في حياة الناس؛ وهي بطبيعتها غير ثابتة، سواء كانت نصراً أو هزيمة أو قوّة أو عجزاً.. إذ جميع الناس
في حال حركة وتغيّر، وعليه؛ لا يصح تصوّر الهزيمة والخسارة أمراً ثابتاً أبدياً وافتراض آثارها ثابتة أبديّة، وإنّما يجب تحليل الأسباب والبواعث للهزيمة وعدّها سنة من سنن التغيير والتحول ثم الانتقال بها ومنها إلى نصر تبعاً لسنة التحوّل والتغيّر، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل
الأيام تداولاً بين الناس لتبرز من خلالها سنة التكامل..
قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... إشارة إلى نتيجة الحوادث المرة معرفة المؤمنين من مدعي الإيمان.. وحقيقة الأمر أن الحوادث الأليمة مالم تقع في أمة من الأمم فإنّ أنواع الناس لا تتحدّد ولا تعرف ولا تميّز خاصة وأنّ الانتصارات تبعث على الغفلة والفرح في حين أنّ الهزائم توقظ الناس وتحدّد القيم والميزات.
قوله تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ يبين هذه الحقيقة القائلة بأنّ من نتائج هذه الهزيمة الأليمة أنكم قدّمتم شهداء وضحايا في سبيل الإسلام، وعلمتم أنّ هذا الدين القويم لم يتأتَ لكم بثمن بخس لتفرّطوا فيه بما لا قيمة له.. فيما الأمة التي لا تقدّم ضحايا وقرابين في سبيل الأهداف المقدّسة؛ فهي أمة تستصغر وتحتقر، أما من يقدم القرابين؛ فهو وأجياله الذين يتعاظمون وينظر إليهم على أنهم نبلاء كبار.
يمكن أن يكون المراد بالشهداء هنا؛ هم من يشهدون، بمعنى أنّ الله تعالى يستخلص منكم . عبر هذه الهزيمة . شهوداً على أنّ التمرّد أدى إلى الهزيمة الأليمة، وسيكون هؤلاء الشهداء في المستقبل معلّمين للناس فيما يواجهون من حوادث قادمة.
المعنى والنتيجة ممّا مرّ وما تتضمنه خاتمة هذه الآية أنّ الله تعالى لا يحب الظالمين ولهذا؛ فهو لن يدافع عنهم..
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)
1 .لِيُمَحِّصَ من التمحيص، بمعنى التطهير للشيء من كل عيب.
3.وردت الإشارة في هذه الآية إلى إحدى النتائج الطبيعية للهزيمة في معركة أحد، وهي أنّ في هذا النوع من الهزيمة تتجلّى نقاط الضعف والعيوب؛ فيكون ذلك وسيلة مؤثرة للتظهر من العيوب.
مضمون هذه الآية التنويه إلى أنّ الله تعالى أراد من وقوع هذه المعركة استخلاص المؤمنين والإشارة إلى نقاط ضعفهم، فكان من اللازم امتحانهم للإعداد للانتصارات القادمة ولتحديد معايير شخصياتهم.. كما هو قول أمير المؤمنين عليه السلام:«في تقلب الأحوال يعلم جواهر الرجال». (1)
تارة تكون الهزيمة في معركة ما عاملاً عظيماً في بناء شخصية الإنسان إلى الحد الذي لا يمكن قياسها بالانتصار الظاهري فيما يتعلّق بتحديد مصير المجتمع..
قوله تعالى :وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ هو في الحقيقة نتيجة للنصوص السابقة، وذلك أنّ المؤمنين إذا تطهروا في خضم الأحداث؛ صار الاستعداد الكافي لإزاحة براثن الشرك والكفر عن كيان المجتمع بصورة تدريجية.. بمعنى أنّ البداية يجب أن تكون من التطهر ثم التطهير.
كما أنّ نور القمر يقل ويخمد شيئاً فشيئاً حتى يبلغ المحاق.. كذلك الكفر والشرك والمدافعون عنهما.. سيمحقون جميعاً حينما يبلغ المسلمون حالة ومرحلة النقاء والطهارة.
1) نهج البلاغة، ص 507
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)
تشرع هذه الآية القرآنية بتصحيح خطأ فكري ثقافي وقع فيه المسلمون؛ وذلك عبر استثمار واقعة أحد، وتقول إنّكم أخطأتم حين ظننتم استحقاقكم الجنة دون خوضكم سوح الجهاد والاستقامة في سبيل الله.. وتؤكد هذه الآية على خطأ التفكير والظن بأن مجرد اعتناق الإسلام والتسمّي باسمه كاف للدخول في عمق السعادة الأخروية.. ولو كان الأمر كذلك لكان غاية في اليسر.. ولكنّ الأمر ليس كما ذهبتم أبداً.. إذ ما لم تتم عملية تصحيح جذري في العقيدة والسلوك؛ فإنّ أحداً منكم لن يدخل الجنّة.. وهنا لا بد من وضع النقاط على الحروف، فيعرف المجاهدون الحقيقيون بصبرهم واستقامتهم ونواياهم الصادقة من مدعي الإسلام والإيمان.
لا تتم معرفة وتحديد المجاهدين والصابرين إلا من قبل الله تعالى؛ لأنه هو العالم بالضمائر والخبايا...
وَلَقَد كُنتُمْ تَمَنَوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُم تَنظُرُونَ (ال)
حدث أن كان جمع من المسلمين يجلسون إلى بعض ويتحدّثون عن الشهادة في سبيل الله تعالى ويتمنونها.. وبطبيعة الحال كان منهم جماعة صادقة وجماعة كاذبة متظاهرة؛ أو كانوا خاطئين في أمنيتهم.. ولكن لم يمرّ وقت طويل حتى وقعت معركة أحد الرهيبة.. فعمد الصادقون إلى خوض هذه الحرب حتى نالوا شرف القتل في سبيل الله وحققوا أمنيتهم، غير أنّ الجماعة الكاذبة فضّلت الهروب من ساحة المعركة حين رأت الهزيمة قد حلّت بالمسلمين . بل وقبل ذلك أيضاً . فوبّختهم هذه الآية وخاطبتهم بالقول: أنتم الذين كنتم تتمنون القتل في سبيل الله.. لم هربتم وتركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وإخوانكم في الدين في ساعة العسرة.. بل ولعلّكم أنتم من تسبّب بالهزيمة وأعنتم المشركين على إخوانكم!؟ (1)
ألف الخطأ في المحاسبة من قبل بعض حديثي الإسلام في إدراك مفاهيم الإسلام، إذ ظنوا أن مجرّد إظهار الإسلام كافٍ في تحقيق النصر؛ وأنّ الله تعالى سيمدهم من الغيب بما ينصرهم
1) مجمع البیان، ج 2، ص 846
دوماً.. فغفلوا عن السنن الإلهية في تحقيق النصر الطبيعي ورسم الخطة الصحيحة وضرورة توفير الوسائل والأسباب اللازمة لذلك.
ب عدم الانضباط العسكري والتمرّد على الأوامر النبوية المؤكدة، لا سيما فيما يرتبط بمسألة بقاء الرماة في المواضع الحسّاسة.. فكان ذلك من الأسباب المهمة الأخرى في الهزيمة.
ج: أدى حب الدنيا أو عبادتها بجمع من حديثي الإسلام إلى الإقبال على جمع الغنائم؛ مفضّلين ذلك على ملاحقة المشركين، بعد أن وضعوا أسلحتهم لثلاً يتأخروا عن غيرهم. وهذا ثالث عوامل الهزيمة.. فكان لا بد لهم أن يعلموا بأنّ حق الجهاد في سبيل الله تعالى يستوجب نسيان الانكباب على الدنيا.
د: الغرور الناشئ عن الانتصار العظيم في معركة بدر ، حيث غفل الكثير من المسلمين قابلية العدو واستصغار شأنه.. وهو رابع أسباب الهزيمة التي ينبغي أن تزاح عن تفكير المؤمنين وسلوكهم في المعارك القادمة.
هناك من المؤمنين . السطحيين. وإلى الوقت الذي لم يتعرّضوا فيه إلى الموت؛ يبقون على ادعائهم الإيمان والطاعة، ولكنّهم سرعان ما ينسون ادّعاءهم إذا ما ذاقوا شيئاً يسيراً من المرارة والابتلاء.
قوله سبحانه: وأنتم تنظرون أن مجموعات كثيرة من المسلمين . وحينما حمى الوطيس في أحد . قد ابتعدوا عن المعركة واكتفوا بأن يكونوا في (النظارة) وتركوا أمير المؤمنين عليه السلام يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فلم يعرّضوا أنفسهم للخطر؛ بل وهيّؤوا الفرصة العظيمة للكفّار ليقضوا على الإسلام تماماً!!!
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)
هذه الآية الجليلة ناظرة إلى أحد مشاهد معركة أحد، وهو: أنه حينما استعرت نيران هذه المعركة بين المسلمين والمشركين.. تفاجأت الجموع بصوت يصرخ أن: قتلتُ محمداً.. قتلت محمّداً.. وكان ذلك قد زامن رمي عمرو بن قميئة الحارثي حجراً باتجاه رسول الله صلوات الله عليه وآله فأصاب جبهته وكسر أسنانه وأدمى شفته الطاهرة، فجرى منها دم غزير حتى غطى وجهه الشريف .. في ذلك الحين؛ حيث تكالب المشركون في الرغبة في قتل النبي صلّى الله عليه وآله.. فانبرى مصعب بن عمير، وكان يحمل أحد ألوية المسلمين إلى صدّ هجوم المشركين.. حتى قضى شهيداً رضوان الله عليه.. ولأنه كان يشبه النبي صلى الله عليه وآله في ظاهره؛ فقد ظنّ الأعداء أنهم قد قتلوا النبي صلوات الله عليه وآله الذي كان مضمخاً بدمائه.. حتى انتشر نبأ مقتله في ساحة الحرب.
وكما ارتفعت معنويات المشركين بفعل هذا الخبر.. فقد هبطت معنويات المسلمين وزلزلوا زلزالاً عظيماً.. مما حدا بالكثير الكثير منهم إلى الهرب من المعركة بسرعة بالغة.. بل إنّ العديد منهم ارتد عن الإسلام أو قرّر ذلك في نفسه وأراد أن يطلب الأمان من أبي سفيان وأقرانه .. ولكنّ عدّة قليلة جداً من المسلمين من صمدوا واستقاموا واستماتوا في الدفاع عن النبي
صلى الله عليه وآله، وكان في مقدّمتهم أمير المؤمنين عليه السلام وأبو دجانة وأنس بن النضر الذي عمد إلى دعوة المسلمين للرجوع نحو المعركة ومخاطبتهم بالقول: أيها الناس! إن قتل محمد ؛
فإنّ ربّ محمد لم يقتل.. فارجعوا وقاتلوا و لتقتلوا لما قتل الرسول من أجله.. وبقي الرجل يدعو ويقاتل حتّى قتل.. وسرعان ما اتضح أنّ رسول الله صلوات الله عليه وآله لم يقتل، وأن خبر مقتله لم يكن سوى خطأ أو كذب، وأن علياً عليه السلام ما فتىء يدفع عنه الهجوم بعد الهجوم والجماعة بعد الجماعة، وهكذا نزلت الآية أعلاه بهذا الخصوص لإدانة الهاربين بكلّ هذه الإدانة..(1)
هذه الآية تكشف للمسلمين وتعلمهم حقيقة أخرى وهي أن دين الإسلام ليس ديناً ،صنميّاً، كما أنّه ينهى عن عبادة الفرد.. وعلى فرض مقتل الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله في المعركة، فإنّ وظيفة المسلمين هي الاستقامة ومواصلة الجهاد، ذلك لأنّ بموت النبي أو مقتله لا ينتهي الإسلام، إذ الدين الحق يجب أن يبقى نوره مضاءً إلى الأبد.
إنّ مسألة عبادة الفرد من أخطر المخاطر التي تهدد الهدف الأسمى للدين، لأنّ التعلّق والتعويل على شخص . وإن كان يحمل اسم النبي الخاتم يعني انتهاء الدين والجهاد، وإنّ فقدان الشخص القائد في خضم التعلّق به وتلاشي التدين يعني عدم تكامل و نموّ أتباعه ومجتمعه.
إبلاغ هذه الآية على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يؤكد معارضته وتحريمه وإدانته للصنمية وعبادة الفرد، وهو يمثل إحدى علائم حقانية وعظمة هذا الرسول الأكرم،
1) مجمع البیان، ج 2، ص 849
وذلك أنه لو كان نهض وثار ضدّ الجاهليّة لنفسه ولأغراض شخصيّة، كان عليه أن يكرّس هذا المذهب في أتباعه ويبلغهم أنّ كلّ شي منوط ومتعلّق به؛ وأنّه إن مات أو قتل؛ فإنّ كلّ شيء سينتهي.. ولكنّ القادة الصادقين. وفي مقدمتهم نبيّنا الأعظم صلى الله عليه وآله . لا يشجعون الناس ولا يدفعونهم إلى ذلك، بل إنّ رسول الله صلوات الله عليه وآله طالما حارب هذا المذهب ونهى عنه كلّ النهي.. بل لعله قال لهم بأنّ الهدف يجب أن يكون هو الأسمى ولا ينبغي أن يكون الهدف من اعتناق الإسلام متوقفاً ومتعلّقاً على بقاء القائد الرسول على قيد الحياة .
القرآن يصرّح في هذه الآية بأنّ محمداً صلوات الله عليه وآله ليس إلا رسولاً مبعوثاً من قبل الله تعالى، وقد سبقه رسل وأنبياء كثر، فهل أن موته أو قتله يبرّر لأتباعه الرجوع والردّة إلى حيث عبادة الأوثان ؟ والملفت للنظر أنّ الآية استعملت عبارةانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْلبيان مسار التراجع والردّة إلى الكفر. وذلك أنّ الأعقاب جمع عقب؛ وهو مؤخّر القدم. وعليه يكون قوله تعالى: انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ بمعنى رجوع القهقرى، وهذا تصوير واضح عن التقهقر والرجوع بمعناه الحقيقي والواقعي؛ وهو أكثر صراحة وإيضاح من كلمة الرجوع والرجعية عموماً.
الذين رجعوا إلى الأعقاب وارتدوا إلى عبادة الأصنام إنّما ألحقوا بأنفسهم الخسران والهزيمة، إذ عطلوا عجلة مسيرتهم نحو السعادة، وفرّطوا بما كسبوه من قبل تحت مظلة الإسلام ومن ينقلب على قبيه فلن يضر الله شيئاً ..
6 . ضمن ثناء الله تعالى على جهاد الأقلية الصامدة في معركة أحد؛ رغم مالقوه من آلام جسدية وروحية تمثلت بشائعة مقتل النبي صلى الله عليه وآله، فلم يثنهم ذلك ولم يكفوا عن مقارعة المشركين.. فقد عدّهم الله تعالى شاكرين مستثمرين نعمه في إطار الجهاد في سبيله، ووعد بأن يجزيهم بما يجزيهم؛ بلا قيد أو ذكر نوع هذا الجزاء وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
بناءً على أصل بقاء الدين وأي عقيدة روحانية، فإنّ جميع المسلمين وعلى مر القرون (وبالاستناد على تعاليم القرآن الكريم الواردة في هذه الآية والآيات الأخر) فإنّ مواجهة الصنمية وعبادة الفرد تستدعي ضرورة معرفة أنّ المسائل المصيرية لا ينبغي أن تقوم وتتوقف على شخص أو أشخاص، بل لا بد من تمحورها حول سلسلة أصول وقواعد أبديّة؛ فلا تنتهي بانتهاء شخص أو وفاته أو قتله؛ حتى وإن كان نبياً عظيماً من أنبياء الله تعالى، فتبقى المواجهة للصنميّة قائمة بذاتها، أما العقيدة المتوقفة على شخص بعينه؛ فهي عقيدة غير نزيهة وغير طبيعيّة وهي سرعان ما تتلاشى وتغيب..
من المؤسف أن غالبية المؤسسات والتوجهات في المجتمع الإسلامي لا تزال قائمة بالأشخاص، ولهذا؛ تراها أسرع شيء إلى الانهيار والتلاشي، والحال أن المسلمين مكلّفون بالتخطيط والعمل بناءً على مفهوم هذه الآية، فيشرعون ببناء مؤسساتهم تحت مظلة الجديرين من الأشخاص دون أن تكون منوطة بهم متوقفة على وجودهم.. وذلك لضمان الاستمرار في العمل والعطاء(1)
ثمّ إنّ الآية الشريفة تناولت شخص رسول الله صلّى الله عليه وآله باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين على أنه ليس بدعاً من الرسل الذين سرعان ما خانتهم أممهم لمجرّد وفاته أو مقتله.. فهذا الأمر يكاد يكون حالة ثابتة يتعرّض لها ديانات الأنبياء، بل إنّ العديد من الديانات قد انقلب عليها من كان يدعي اعتناقها في حياة النبي الذي جاء بها قبل وفاته أو مقتله..
فالآية إذن؛ لا ينحصر معناها ومؤدّاها في واقعة أحد وحادثة خيانة الهاربين أو سلوك المتمرّدين على الأمر النبوي في الثبات والصبر.. بل تتعدى ذلك إلى حيث مستقبل الأمة المسلمة في أهمّ مسألة تبقى تواجههم ويواجهونها إلى يوم القيامة، وهي قضية الخلافة والإمامة بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، وما إذا كان الناس سيستقيمون وسيلتزمون بالأمر الإلهي - النبوي الخاص بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام القضيّة التي طالما أكدها الله ورسوله، كما كان الله تعالى قد أكّد على الأمم السابقة أن تفي لأنبيائها بعد رحيلهم فلا ينقلبون على أوصيائهم ومجمل عقيدتهم، فلا يخونونه ولا ينقلبون عليهم أو يعملون على تحريف دينهم.. وكذلك صار واقع المسلمين الذين خانوا رسول الله صلى الله عليه وآله في واقعة أحد وخانوه أيضاً في انقلابهم القطعي على وصيه وخليفته الشرعي عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ثمّ إصرارهم على تغيير العقائد والشرائع.
ثمّ إنّ قوله تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم فيه الإشارة الواضحة على أنّ رسول الله صلوات الله عليه وآله سيقتل؛ ليس في حادثة حربية لخروجه سالماً من كلّ الحروب التي خاضها، وإنّما الذي قتله هو السمّ الذي تجرعه صلى الله عليه وآله، هذا هو الذي وقع اتفاق المسلمين عليه، إلّا أن المختلف فيه هو هوية القاتل وفي هذا بحث مديد). أما حرف (أو) فهو بديل لحرف الاستدراك (بل) فيكون المعنى أن الرسول الخاتم لم يمت الموتة الطبيعية؛ بل إنّه قتل على سبيل القطع والتأكيد، لا سيما وأن هذا الإخبار عن المستقبل قد صدر عن علام الغيوب الله ربّ العالمين الغني عن التصريح وفق الاحتمال والتخمين، لا سيما وأنّ الأمر متعلق بأحبّ الخلق إليه.. وهذا شبيه بما وصف الله تعالى نبيه يونس عليه السلام الذي بعثه إلى مئة ألف أو يزيدون ) وهو العالم على الإطلاق للعدد الذي أرسله إليهم، وهذا يختلف مع قول الواحد منا لدى العد أو التخمين.. [المترجم].
.1) فضلاً عمّا قدّمه السيّد المفسّر، فإنّ هناك من عوّل على ما أوّلته الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في هذه الآية التي نظرت إلى بعد آخر، لا سيما وأنّها تحدثت عن أمير المؤمنين عليه السلام وعدته شاكراً متميزاً عن الآخرين الذين فروا و خانوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يلتزموا بما عاهدوه من التضحية والجهاد والاستقامة والصبر..
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)
ذلك رعباً يصيب المسلمين؛ فيكفّوا عن مواجهة المشركين.
3 .مُؤَجَّلًا في اللغة هو المصير والموعد المحدّد بمدة سلفاً، وقضاء الأجل يعني بلوغ
المدة إلى منتهاها، كما تطلق الكلمة على الفرصة الأخيرة، كأن يقال: بلغ الدَيْن أجله، أي: آخر فرصة لسداد الدين، وبلوغ الموت ،موعده، أي أجله باعتبار أن آخر لحظة من عمر الإنسان هو حلول أجله المعين.
إذا كان هدف الإنسان مادياً دنيوياً بحتاً، كما حدث لأحد مقاتلي المسلمين في أحد؛ إذ كانت غايته القصوى جمع الغنائم، فهو لا يعدو أن يحصل على بعض منها إن سنحت له الفرصة.. أمّا إن كان هدفه أسمى من ذلك، وكانت غايته الحياة الأبدية ونيل واكتساب الفضائل الإنسانية؛ فإنّه سيحقق هدفه أيضاً، وعلى هذا؛ فإن كان بلوغ أي الهدفين منوطاً بالسعي وبذل الجهد، فلم يسخّر المرء كل جهده في مسار المادّيات ولا يسخره في المسار السامي؟.. وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا.
القرآن المجيد في هذه الآية والآية التي سبقتها وضمن الثناء والتقدير لما قدمه أمير المؤمنين عليه السلام في معركة أحد من تضحية وفداء وقدّمه المجاهدين المؤمنين . وكانوا القلة القليلة جداً . إذ قالت الآية:وسيجزي الله الشاكرين وقالت في موضع آخر:وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَوالسبب في استعمال صيغة الفعل الغائب دون ما ذكر هنا من صيغة فعل المتكلّم، هو الإشارة إلى منتهى التأكيد على الوعد الإلهي بإعطاء الأجر، وبكلمة أخرى: أنّ الله تبارك وتعالى هو الضامن للأجر بنفسه..
وورد في تفسير (مجمع البيان )في ذيل هذه الآية ما روي عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد أصيب بإحدى وستين جراحة، وقد أمر النبي صلوات الله عليه وآله أم سليم وأمّ عطيّة بمعالجة جراحه عليه السلام... ولكنهما بعد هنيئة قالتا للنبي صلّى الله عليه وآله بقلق بالغ إنّ حالة بدن أمير المؤمنين عليه السلام بلغ من الخطر أنهما ما إن ضمّدتا جرحاً انفتح جرح آخر، فكانت جراحاته قد بلغت مبلغاً عظيماً من الخطر، وأنهما تخشيان على حياته، فعاده النبي صلى الله عليه وآله وجمع من الصحابة في بيته وقد امتلأ
بدنه الطاهر جروحاً ودماء، فمسح صلوات الله عليه وآله بيده الشريفة المباركة على بدنه وقال: من رأى من الأذى في سبيل الله ما رآه علي فقد أدّى ما عليه من حق الله، ثمّ إنّه راح يدعو له، وسرعان ما التأمت تلك الجراح ببركة وكرامة نبوية وإذ ذاك قال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله على أنني لم أفرّ من العدو. (1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 852
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)
1.وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ... أي: ما أكثرهم، وقيل إنّ الكلمة مركّبة في الأصل من كاف التشبيه وأي الاستفهاميّة، فصارت كلمة واحدة وترك معنى الجزأين السابقين وأخذت معنى جديداً مساوياً لمفهوم: ما أكثرهم، أو كم هو كثير ..
رِبِّيُّونَ جمع ربّي، وتقال لمن كانت علاقته بالله تعالى في غاية الوثاقة، ولمن هو مؤمن مستقیم مخلص.
تبعاً لحوادث معركة أحد وهروب عدد غير قليل من ساحة الحرب من المسلمين، فقد أولت هذه الآية الشريفة شجاعة المؤمنين الصابرين المستقيمين اهتماماً بالغاً وذكرت بأنصار الأنبياء الماضين وشجاعتهم واستقامتهم، مع إدانتها الضمنية لهروب المسلمين ولومها لهم، فأكدت أن كثيراً من الأنبياء قد قاتل معهم الموحدون الشجعان ونصروهم دونما تراجع وفرار أو شعور بالضعف والاستكانة .
قوله تعالى:وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ إشارة إلى أنّ الأنصار المخلصين للأنبياء الماضين نهضوا مع أنبيائهم ولم يضعفوا لما أصابهم من خسائر وجراحات وضيق لا يطاق، وذلك لكسب رضا الله تعالى فلم يخضعوا ولم يذلوا لأعدائهم ولم يستسلموا: َمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ومن البديهي جداً أن يحبّ الله هكذا أنصار مقاتلين صامدين وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وفي مقدمتهم أمير المؤمنين عليه السلام؛ وهو الشاكر الصبور...
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)
المجاهدون وأنصار الأنبياء السابقون حينما كانوا يتعرّضون . أحياناً. إلى بعض الضعف أو المشاكل لدى مواجهة الأعداء، وبدلاً من الفرار أو الاستسلام أو الارتداد عن دينهم والرجوع إلى الكفر والضلال.. تراهم يتوجّهون إلى ربّهم المتعال ؛ فيطلبون منه العفو وغفران الذنوب ويسألونه المدد والصبر والاستقامة والثبات ويقولون :رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
بدلاً من أن يعمد المجاهدون الحقيقيون إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو نسبة الخسارة إلى أسباب وهميّة.. تراهم يعودون إلى أنفسهم باحثين عن الأسباب فيها؛ مهتمين بمعالجة الأخطاء دون أن تجري كلمة الهزيمة على ألسنتهم، بل يعدّون الأخطاء الحاصلة نوع إسراف في التخطيط والتصوّر . مثلاً . على عكس بعض حالات المسلمين المعاصرة، حيث يتجاهلون نقاط ضعفهم التي تصدر عنها هزائمهم ، ثمّ يلقون باللائمة على أسباب خارجيّة ،وبالتالي يقعدون عن معالجة الأخطاء وإلغاء نقاط الضعف فيهم..
فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
المسلم المخلص يجب أن يعد نفسه مديناً على الدوام الله تعالى، فإن استقام على هذه الشاكلة جزاه الله أجره العاجل فتحاً ونصراً على أعدائه؛ مضافاً إلى ثوابه في الآخرة.فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة .2. قوله تعالى في خاتمة الآية: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِريِن وقوله العزيز في آية أخرى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إشارة إلى أن الصلاح والإحسان لا يمكن أن يكونا ذوي مصداقية مالم يقترنا بالصبر والاستقامة، ذلك لأنّ كلّ فرد صالح محسن تواجهه آلاف الأزمات والمشاكل في حياته، فلو أنه تجرّد عن الصبر والاستقامة لكان تراجع وانسلخ عن صلاحه وإحسانه..
في الآية أعلاه جرى التعبير بثواب الدنيا بدلاً عن أجر الدنيا، أما عن أجر الآخرة؛ فقد استعملت عبارة حُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وهذا يتضمّن التنويه إلى أنّ أجر الآخرة يختلف بشكل كبير جداً عن أجر الدنيا وثوابها، إذ مهما تعاظم ثواب الدنيا؛ فإنَّه لا ينفك عن أن يكون زائلاً مقروناً بالمشاكل؛ وهذه هي طبيعة الدنيا وشاكلتها والحال أن أجر الآخرة كلّه حُسن، وهو خالص بعيد عن أيّ نصب وتعب ولا يعرف الفناء إليه طريقاً....
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)
لحن وبيان الآيات السالفة وهذه الآية وما يليها أيضاً يفصح عن حقيقة أن هذه الآية قد نزلت بعيد معركة أحد، وأن غايتها تحليل وقائع هذه الحرب.. ويبدو أن أعداء الإسلام عمدوا بعد الحرب إلى اتخاذ مجموعة خطوات إعلامية ودعائية سامة أخذت قالب النصيحة والتعاطف لزرع بذور التفرقة في صفوف المسلمين وذلك باستغلال الحالة الروحية السيئة التي أصابت بعض المسلمين؛ لإساءة الظن بدينهم.. ولعل من اليهود والنصارى من تعاون واتفق مع المنافقين في هذا الإطار.. كما فعل الأعداء خلال معركة أحد نفسها لدى استخدام شائعة قتل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إضعافاً لمعنويات المسلمين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ... .
ضمن تحذير المسلمين من اتباع الكافرين والاستماع والاهتمام بما يشيعون، فإنّ هذه الآية تؤكد أنّ اتّباع المسلم للكافر لا ينتج عنه سوى الارتداد على الأعقاب والعودة إلى حالة الكفر والفساد ثمّ السقوط إلى الحضيض؛ وذلك بعد الاهتداء إلى النور ومسار التكامل الروحي في ظل تعاليم الإسلام.. فيما اتباع الكافر يعني الخسارة الأبديّة، وما أعظمها من خسارة أن يستبدل المرء الإسلام بالكفر والسعادة بالشقاء والحقيقة بالباطل؟!
بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)
لا ينبغي للمسلم أن ينزعج ويحزن . لدى قيامه بالتكليف الإلهي - لقلة عدده وشحّ إمكانياته.. ذلك لأنّ الله تعالى هو مولاه، وهو خير ناصر وخير معين ومعتمد.
أنتم أيها المسلمون !عندكم خير الناصرين.. ناصر لا يغلب أبداً، ولا يمكن قياس جميع القوى والقدرات به.. في حين أنّ الناصرين الآخرين يمكن أن يغلبوا ويتعرّضوا للفناء.
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
وردت الإشارة في هذه الآية الجليلة إلى معجزة نجاة المسلمين بعد معركة أحد وإلى وعدهم بالنصر في المستقبل وطمأنتهم بقادم الأيام، إذ أنّ المشركين من مكة وإن كانوا قد حققوا نصراً في أحد، وما تعرّض له المسلمون من الهزيمة حسب الظاهر ، وما عزم عليه أهل الجاهلية من الرجوع إلى ساحة المعركة أو إلى المدينة للقضاء على من تبقى من المسلمين والتأكد من مقتل رسول الله صلى الله عليه وآله.. ولكنّ الله تعالى ألقى في قلوبهم رعباً عظيماً. تبعاً لخاصية الكفر وعبادة الأصنام والإيمان بالخرافات . أعاقهم عن قرارهم بالتوجه إلى أحد والمدينة، وقد نقرأ في الروايات أنهم حينما عادوا من أحد واقتربوا من مكة اصطبغت حالهم بصبغة الجيش المنهزم(1)سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ .
کرست هذه الآية الأمل في قلوب المسلمين تتمة للمدد الإلهي الذي تمثل في إلقاء الرعب في قلوب المشركين.
توضّح الآية السبب في إلقاء الرعب والهلع في قلوب المشركين بعد معركة أحد، وبالتالي: أنهم جعلوا الله تعالى شركاء وعبدوا الخرافات بلا دليل من عقل ومنطق... وتراهم
1) مجمع البیان، ج 2، ص 857
يعجزون عن حلّ أبسط القضايا الفكرية والحقوقية تبعاً لاستيلاء الشرك والخرافات على عقولهم.. ومن ذلك؛ الرعب الذي استولى على قلوبهم لمجرّد معرفتهم بأنّ المسلمين الذين هزموا في أحد بصدد ملاحقتهم إلى مكة، فامتلؤوا رعباً مع كونهم المنتصرين في أحد.. وكان حالهم كحال الذين تراهم في العصر الراهن.. فمع كونهم يتمتعون بالقوة والثروة إلا أنهم ينهزمون في مقابل أبسط الحوادث التي تقع لهم.. وذلك تبعاً لعدم اعتمادهم على قواعد رصينة وأصول فذّة.. بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا.
المشركون بموقفهم المعادي للمسلمين وشنّهم الحرب عليهم إنّما يحملون مجتمعهم وأنفسهم ظلماً، وعليه؛ لن يكون لهم مصير سوى نار جهنم، وما أقبحها من مصير: وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
نقرأ في نصوص روائية عديدة أنّ النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى أن من جملة ما خصه الله تعالى وأعطاه أنّه أيده بالرعب الذي يلقيه في قلوب أعدائه إذا واجهوه أو لدى مسيريهم إليه.(1)
المعروف أنّ من أهم عوامل النصر في ساحات المعارك رفع معنويات الجنود والمقاتلين، والمعنويات لا تتوقف على عدد المقاتلين ونوعية السلاح الذي يحملونه، ولهذا نجد الآية القرآنية تولي معنوية المجاهدين وتربيتهم على الشجاعة والتضحية وحبّ الاستشهاد والتوكل على الله تعالى أهمّيّة فائقة.. في حين أنّ عبدة الأصنام الخرافيين يعتمدون الأساطير والأوثان عديمة الإرادة والروح ويفتقرون إلى عقيدة المعاد بعد الموت، وقد لاثت الأفكار الخرافية عقولهم حتّى أضحوا ضعاف الروح والإرادة؛ الأمر الذي كان يمهد للمسلمين الانتصار عليهم.
1) من لا يحضره الفقيه، ج1، ص 240 و 241
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
كما مرّت الإشارة؛ فقد انطلق المسلمون في بداية معركة أحد باتحاد وشجاعة كبيرة، وسرعان ما انتصروا وشتتوا صفوف أعدائهم، فعمّ الفرح والسرور جيش الإسلام، إلا أن التمرد الذي صدر عن مجموعة الرماة الذي كانوا يقفون عند فرجة الجبل تحت قيادة عبد الله بن جبير، وتركهم مواقعهم الحسّاسة وانشغالهم مع غيرهم بجميع الغنائم..[ وتعمّد انسحاب العديد من الأفراد المنافقين - من ساحة المعركة أثناء القتال...].
أدّى ذلك إلى انقلاب النصر هزيمة قاسية. وحينما عاد المسلمون إلى المدينة وقد خسروا الكثير من رجالهم، راحوا يتساءلون فيما بينهم عن الوعد بالنصر والفتح الذي وعدهم الله به ،وعن سبب الهزيمة التي لحقت بهم، فنزلت هذه الآية وما بعدها ردّاً على تساؤلاتهم لتبين لهم أسباب هزيمتهم. (1)
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 128
من الخطأ القاتل أن يكون تصوّر الوعد الإلهي بالنصر بلا قيد أو شرط، وإنّما وعود النصر مقيدة بالطاعة لأمر الله تعالى.. وذاك الوعد الإلهي لكم بالنصر كان صحيحاً، ولذلك رأينا المسلمين يحققون النصر المؤزر في بادىء الحرب حيث تلاشت صفوف الأعداء وتشرذمت.. وكان الوعد بالنصر قد تحقق ما دام المسلمون مستقيمين صابرين طائعين لأمر الرسول صلى الله عليه وآله، وإنّما بدأت الهزيمة حين صار التمرّد على الأوامر النبوية حالة عمّت مقاتلي المسلمينلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ .
سؤال: ترى أين وعد الله المسلمين بالنصر في هذه الحرب؟
ثُمّ احتمالان لدى الإجابة على هذا السؤال:
الاحتمال الأول: أن يكون المقصود بهذا الوعد جملة الوعود التي تكرّر الحديث عنها من قبل الله تعالى وخاطب بها المؤمنين..
الاحتمال الثاني: أنّ رسول الله صلوات الله عليه وآله الذي ينطق عن الله تبارك وتعالى كان قد صرّح للمسلمين بالنصر في أحد.
من قوله تعالى: تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ تعلم الإشارة إلى حالة الرماة في جبل عينين وإلى حالة الاختلاف والنزاع الذي وقع بينهم فيما إذا كان عليهم البقاء أو النزول لجمع الغنائم.
استعمال عبارة عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ يعني أنكم عصيتم بعد أن رأيتم النصر الابتدائي، وهذا الحال يعكس حقيقة أنّ أكثر الرماة خالفوا أمر الرسول صلوات الله عليه وآله بعد ذلك النصر العجيب..
أنكم في البداية قد بذلتم قصارى جهودكم لتحقيق النصر، فلم لم تتشبثوا به بالصبر والاستقامة ؟ لا سيّما وأنّ حفظ النصر أصعب من تحقيقه...
سبب هزيمتكم في نهاية المطاف أنّ الغالبية منكم . بدليل كلمة ( عصيتم ) . طلبتم الدنيا وتهالكتم في جمع الغنائم الحربية، والحال أنّ جمعاً آخر منكم؛ مثل عبد الله بن جبير وبضعة نفر كانوا معه من الرماة ثبتوا في مواقعهم؛ طلباً للإيمان والآخرة وأجرها الإلهي منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ..
علّة تغيير نصركم إلى انكسار؛ الإرادة في امتحانكم وتأديبكم.. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ.
وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ في حين أنكم صرتم مستحقين للعقوبة بتخلّفكم عن الأمر النبوي ، ولكنّ الله تعالى عفا عنكم بفضله ورحمته وغفر لكم ذنبكم العظيم هذا التمرّد على الأمر النبوي . ذلك لأنّ الله لا يبخل بنعمة وفضل على المؤمنين وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)
وقد كان نبيّكم يناديكم بأن لا تفّروا ولا تصعدوا الجبل إذ كان يصرخ فيكم: «إليّ عباد الله! إليّ عباد الله ! فإنّي رسول الله !!(1)ولا من مجيب منكم ولا غيور!!إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ.
إنّما هاجمكم سيل الغمّ والكآبة لكي لا تغتمّوا بعد ذلك لعدم حصولكم على الغنائم ولكي لا تبتئسوا لما أصابكم من جراحفَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَ... .
الغم والحزن اللذان تواليا عليكم هما كالذي أصابكم بداعي الهزيمة من مقتل كبار مقاتليكم وشجعانكم وإصابة العديد منكم أو ما عنيتموه من شائعة مقتل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وما أصابته من جراحات.. كل ذلك كان عاقبة عصيانكم وتمردكم
1) مجمع البیان، ج 2، ص 861
فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ. 4. علم الله تعالى بأعمالكم أيّها المشاركون في معركة أحد يؤكد أنه عليم بحال المطيعين والمجاهدين الحقيقيين وكذلك بحال الهاربين.. وعليه؛ لا ينبغي لأحد منكم أن يخدع نفس فيدّعي غير الذي وقع فعلاً في ساحة المعركة، فإن كنتم من الفريق الأول حقاً؛ فاشكروا الله على ما وفقكم إليه، وإلا فتوبوا عن ذنبكم وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
قضى المسلمون ليلة ما بعد هزيمة أحد باضطراب وألم، لأنهم . من جهة . كانوا يتوقعون كرّة قريش المنتصرة عليهم ليحطم عتاتها آخر خطوط مقاومتهم، ولعلّ نبأ نية الكافرين في مباغتتهم قد بلغهم، ولو أنهم كانوا قد عادوا حقاً؛ لوقعت أخطر مفاصل الحرب عليهم... ومن جهة أخرى، كان المجاهدون الصادقون وكذلك التائبون عن خطيئة الفرار من الحرب قد ندموا، واطمأنوا إلى لطف ربّهم وتوكلوا عليه وصدّقوا بما وعدهم الرسول صلوات الله عليه وآله لمستقبلهم.. في خضم حالة الاضطراب العامة؛ استولى على المؤمنين نوم هادئ عميق وهم لما يضعوا عنهم لباس الحرب أو يركنوا أسلحتهم.. غير أنّ المنافقين وضعيفي الإيمان
والجبناء؛ قد هجر النوم أعينهم وقضوا ليلتهم تلك في اضطراب وأرق؛ حتى لكأنهم حرسوا المؤمنين الصادقين النيام دون أن يشعروا.. وهكذا راحت الآية أعلاه تصوّر قصّة تلك الليلة أدق تصوير...
رغم أنّ بعضاً منكم قد قضى ليلته بنوم هادىء؛ مؤمناً برحمة الله تعالى، إلّا أنّ جمعاً منكم كانوا لا يهتمون إلا بأنفسهم ونجاتها، الأمر الذي حرمهم الاطمئنان والسكينة فلم يعرف النوم طريقاً إلى أعينهم..
أنّ المؤمن وتحت مظلة بركة إيمانه؛ تراه يتنعم بالطمأنينة حتى في أشدّ المصائب والمصاعب، وعكسه في ذلك المنافق أو ضعيف الإيمان؛ حيث لا يتذوّق طعم الاستقرار والسكينة.
4 صرّح القرآن المجيد في معرض رده على أفكار وظنون المنافقين بخصوص تحقق الوعود الإلهيّة: أنّ النصر منوط بإرادة الله تعالى فإذا أراد ؛ وكان المسلمون جديرين ولائقين؛ كان النصر من نصيبهم قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
سبب نفاق بعض الهاربين من ساحة المعركة في أحد أنهم لم يكونوا على استعداد للإفصاح عما في قلوبهم لخوفهم من أن يحسبوا في عداد الكافرين يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ.
بعض الجهلة الهاربين من المعركة كانوا يشكون في حقانيتهم، فظنوا أن خسارة أحد دليل بطلان الإسلام، ولذا فقد قالوا ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . فرد الله تعالى هذه الظنون الباطلة والشكوك الجاهلية فيما يتعلّق بحقانية الإسلام وبعلة الهزيمة ضمن مطلبين
المطلب الأول: أن لا يتصوّر امرئ أنّه بفراره من ساحة المعركة والشدائد التي ينبغي له مواجهتها أنه قادر على الفرار من الموت.. فإنّ من جاء أجله سيموت أو يقتل ولو كان قابعاً في بيته وعلى فراش نومهقُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .
المطلب الثاني: لا بد من وقوع مثل هذه الحوادث . الحرب والعسرة . ليتّضح ما في القلوب ولتحدّد المواقف والصفوف، مضافاً إلى أنّ الأفراد والنوايا يمكن أن تسموا عبر هذه الحوادث فيستحكم الإيمان وتتطهر القلوب وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
الانحرافات التي تصيب الإنسان بداعي الوساوس الشيطانيّة فتجره إلى حيث الذنوب والخطايا.. إنّما هي نتيجة الروحيّة غير المناسبة وغير الطيبة التي جاءت هي الأخرى بسبب الذنوب السابقة التي تمهد له الطريق إلى ارتكاب ذنوب أخرى إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا.
القلوب النزيهة والبعيدة عن الذنوب ليست موضعاً لتأثير ونفوذ الشيطانإِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا.
الحياة كما التجارة، وكما التاجر الناجح بتجارته الرابحة يجني ويأكل مما اكتسبه، فإنّ عمل الإنسان في الدنيا نظير الكسب والتجارةبِبَعْضِ مَا كَسَبُوا.
ردّة فعل الإنسان، سواء كانت صالحة أو طالحة؛ في الماضي أو المستقبل، في عبادة الله أو عبادة الشيطان.. لها دورها في التأثير عليهبِبَعْضِ مَا كَسَبُوا.
يمكن أن يكون المراد من الذنوب التي كان المقاتلون الهاربون من أحد قد ارتكبوها فيما سلف.. هي عبادة الدنيا والحرص على جمع الغنائم والتمرّد على أمر النبي صلى الله عليه وآله في إطار الحرب، أو الذنوب التي ارتكبوها قبل واقعة أحد وأدّت إلى ضعف إيمانهم.
لا بدّ، لتحقيق الانتصار في المستقبل . من السعي الحثيث في تربية النفس قبل كلّ شيء وتطير القلوب من الذنوب.
رغم أن الفرار من ساحة القتال في أحد، وترك النبي صلى الله عليه وآله وبعض أصحابه السيوف الأعداء يعدّ ذنباً عظيماً، إلّا أنّ صبر الله وحلمه في منح الهاربين فرصة جديدة لجبر خطيئتهم الماضية، وحنّهم على العود إلى الله .. ليكون بمثابة التمهيد لفرص جديدة لهؤلاء الفارين ليعودوا إليه سبحانه: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ .
نقل المرحوم الطبرسي في ذيل هذه الآية عن أبي القاسم البلخي أن جميع المهاجرين والأنصار قد فرّوا في يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً وقفوا وصمدوا مع النبي صلى الله عليه وآله.. ومن هؤلاء كان ثمانية من الأنصار وخمسة من المهاجرين، بل إنّ الاختلاف وقع بين المؤرّخين والمفسرين في هؤلاء إلا في أمير المؤمنين عليه السلام وطلحة اللذين ورد الاتفاق في عدم هروبهما ...(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 865
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)
ألف: حوادث هذه المعركة المريرة كانت بمثابة مرآة عاكسة للوجه الحقيقي للمسلمين وواقعهم في تلك البرهة؛ ليكون ذلك دافعاً مناسباً للإصلاح الذاتي ولإزالة نقاط الضعف، ولهذا وجدنا القرآن الكريم يولي هذه الحادثة اهتماماً بالغاً، وقد قرأنا في العديد من الآيات السالفة؛ وسنقرأ في الآيات اللاحقة كيف أنه يستثمر ذلك لإلقاء دروسه التربوية الفذة بهذا الصدد.
ب: كانت خسارة المسلمين في هذه الحرب مبرّراً للكفّار والمنافقين في بثّ سمومهم (المعدة سلفاً) وهكذا نزلت آيات عديدة لإبطال مفعول هذه السموم..
بالنظر إلى الدعايات والشائعات السامة للمنافقين المتظاهرين بالإسلام، فقد نزلت هذه الآية والآيات التي تليها لإبطال مساعي هؤلاء التخريبية ولتكون تحذيراً للمسلمين، وقد خاطبت المؤمنين بادئ بدء بالقول: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا .
رغم أنّ المنافقون كانوا يتظاهرون بالتعاطف والحنو على عموم المسلمين، إلّا أنهم لم يكونوا يبطنون غير الرغبة في تسميم الأفكار والهبوط بالمعنويات، فلا يصح التأثر بما يرومون؛ وترديد ما يقولون من باطل.
ألف :أنّ الموت والحياة بيد الله تعالى على كل حال.
ب :أنّ السفر أو الحضور في ساحة المعركة لا يمكن أن يغيّرا المسار القطعي لهما.
ج: أنّ الله تعالى عليم بأعمال عباده.
رغم أنّ خطاب بعض المسلمين كان شبيهاً بخطاب الكافرين (إذ كانوا يقولون لدى سفر إخوانهم أو مشاركتهم في الحرب مع المجاهدين ثمّ يقتلون: ليتهم كانوا معنا، ولو كانوا كذلك ما ماتوا وما قتلوا ) فكانوا يقولون ذلك متظاهرين بالتعاطف، إلّا أنّهم لم يكونوا يبطنون غير تسميم الأفكار والهبوط بالمعنويات، فلا يصح للمؤمنين التأثر بهذا المنحى من الأقاويل السامة أو تكرارها.
إذ كان الخطاب المضل للكافرين يؤدّي إلى تأثركم أيها المؤمنون، فرحتم تكرّرونه، فلا ريب في أنّ معنوياتكم ستهبط وتضعف و ستحجمون عن الذهاب إلى الحرب والجهاد في سبيل الله حتى ينالوا بغيتهم. فلا تنساقوا وراء أقاويلهم السامة، وانطلقوا إلى حيث الشرف والجهاد لتبقى الحسرة جاثمة على قلوب المنافقين وإلى الأبد..لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ.
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)
الردّ الأوّل: أنّ الموت والحياة بيد الله عزّ وجلّ في كل حال، وأنّ السفر أو الحضور في ساحة المعركة لا يغيران شيئاً من المسار القطعي لهما، وأنه تعالى عالم مطلع على أفعال العبادوَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
الردّ الثاني: فإن متم في سبيل الله أو قتلتم - فصرتم إلى موت في غير موعده على حد زعم المنافقين . فإنّكم في الحقيقة لم تفقدوا شيئاً، ذلك لأنّ الله تعالى وغفرانه خير من الأموال التي جمعتموها أنتم أو المنافقون لمواصلة حيواتكم: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(1).
الرد الثالث: رغم أنّ القتل والشهادة في سبيل الله تعالى لا يمكن ولا يصح قياسها بالحياة الدنيوية المزرية، إلّا أنّ الأفكار والعقائد الضالة التي تختزل معيشة لعدة أيام وجمعاً لبعض المال؛ فيقدّمها البعض على شرف الجهاد والاستشهاد، إلا أنك لا تجد القرآن إلا ويستدل
1) أي: إن قتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله... لمغفرة... ولكن ما هو سبيل الله أساساً؟ هل هو مجرّد القتال في الحرب ضدّ أعداء الإسلام؟ فهناك من يقاتل هؤلاء الأعداء وهو لا يؤمن بالله ولا بالإسلام.. وعليه؛ فلا بد من الرجوع إلى النصوص المعصومة التي طالما تحدثت وأكدت على أن أهل البيت عليهم السلام وولايتهم الحقة؛ هما السبيل (الوحيد) إلى الله وأنّ من يجاهد فيقتل أو يمت في إطار هذه الولاية المحمدية - العلوية يكون هو المقتول والميت في سبيل الله عزّ اسمه.. [المترجم]
بالقول على أنّ ما تلقونه بالشهادة أو الموت في سبيل الله خير ممّا يجمع الكافرون في حياتهم المزرية الذليلة والمنغمسة في الشهوات وعبادة الدنيا.
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
الموت لا يعني الفناء والعدم؛ بحيث يستدعي كلّ هذا الاستحياش والهلع البادي منكم، بل هو نافذة إلى حياة أخرى أكثر سموّاً ووسعة مزيجة بالأبدية ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون .
طبقاً لهذه الآية صار الموت في حال السفر في مصاف الاستشهاد في سبيل الله تعالى، والمراد من هذا السفر السفر في سبيل الله تعالى؛ مثل السفر إلى ساحة الحرب أو السفر للمهمات الإعلامية وأمثال ذلك، خصوصاً وأنّ السفر في تلك الحقب كان محفوفاً بالمشاكل والأخطار والأمراض الكثيرة، ولذا؛ لم يكن التعرّض للموت خلال الأسفار بأقل من التعرّض للقتل في الحرب..
رغم احتمالات بعض المفسرين وذهابهم إلى أن المقصود بالسفر هنا هو السفر للشؤون التجاريّة. إلّا أنّ هذا الاحتمال بعيد جداً عن معنى الآية وما تذهب إليه.. ذلك لأنّ الكافرين لا يتأسفون على هذا الأمر، إذ أنه طريق لجمع الأموال، فضلاً عن أنّ هذه القضية لم تكن ذات تأثير في إضعاف معنويّة المسلمين بعد حرب أحد، كما أنّ عدم التطابق بين المسلمين والكفّار في هذا الإطار لا يوجب حسرة لهم، وعليه؛ يبدو أنّ المراد هو الموت أثناء السفر إلى سوح القتال والجهاد أو سائر الوظائف الدينية..
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
مع أنّ سلسلة من الأوامر والتعاليم العامة قد صدرت في هذه الآية الشريفة للنبي الأكرم صلوات الله عليه وآله وهي تشتمل من حيث المحتوى على مناهج عامة وأصولية، ولكنها من حيث النزول تتحدّث عن معركة أحد وعن أولئك الذين هربوا من معركة أحد وجاؤوا وحلّقوا بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله معلنين ندمهم؛ طالبين الصفح والعفوفَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ .
أمر الله تعالى في هذه الآية نبيّه العظيم بالعفو والصفح العامّ عمّن فرّوا من ساحة الحرب.
فامتثل النبي صلى الله عليه وآله لهذا الأمر الالهي واستقبلهم بصدر رحب وقبل توبتهم..
3.فَظًّا لغةً من كان لسانه حاداً ، و ( غليظ القلب) قاسي القلب الذي لا يظهر تعاطفاً وتفاعلاً، وعليه؛ تكون هاتان الكلمتان وإن استعملتا في العنف والخشونة، إلّا أنّ الأولى تستعمل في خشونة الكلام؛ والأخرى في العنف في السلوك، وبهذا؛ أشار القرآن الكريم إلى لطف الرسول صلوات الله عليه وآله ومرونته تجاه الجهال والمذنبين من الأشخاص.
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ. 5.رغم أنّ الهاربين من معركة أحد كانوا قد ارتكبوا بحق أنفسهم وبحق الرسول ظلماً كبيراً، إلّا أنّ الواضح هنا أنه من موارد العفو والمرونة واللطف ،البينة ، ولو كان النبي صلوات الله عليه وآله فعل غير ذلك لكان قد تسبّب . حاشاه . في مزيد من التشرذم الاجتماعي.
أنّ الناس الذين تورّطوا وابتلوا بتلك الهزيمة النكراء وخسروا ذلك العدد الكبير من القتلى والجرحى (رغم أنهم كانوا المسبب الرئيسي في تلك المصائب) إلّا أنّ هكذا أناس بحاجة ماسة إلى المحبّة والمواساة والمعالجة لجراح قلوبهم وأبدانهم، ليشفوا منها سراعاً وليستعدّوا لمواجهة القادم من الأحداث..(1)
بديهي أنّ الشخص الذي يتسنّم منصب القيادة لو كان خشناً فظاً غير مرن وفاقداً لروح التسامح، لأسرع إلى الخسارة فيما يريد نشره في الناس من دين ومنهج، ولتفرّق الناس والأتباع من حوله، ولعجز عن أداء وظيفته. وإنّ من أهم صفات القائد الناجح صفة العفو والمرونة واللطف تجاه من يخطئ بحقه ويتخلف عن أوامره ثمّ يعلن ويقر بخطئه.. ولهذا؛ قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى كلماته القصار: «آلة الرياسة سعة الصدر».(2)
1) لعلّ من أعظم الدروس التي كان على المسلمين الاعتبار بها إذ ذاك؛ أن يكون لهم الموقف الواعي والرصين تجاه من تلوثوا بموبقة الفرار من معركة أحد.. فلا يساوونهم بمن صمد في المعركة على الأقل - فيكون الموقف المطلوب هذا معياراً ومقياساً في قابل الأيام، فلا تتاح الفرصة للفارين المتخاذلين لكي يتسنموا مناصب القيادة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.. لا سيما وأن تمكن هؤلاء أو بعضهم قد كلّف المسلمين - تاريخاً وواقعاً وما زال يكلّفهم - أعظم الأضرار وأفدح الخسائر وعلى جميع المستويات، وذلك لعدم استحقاق وأهليّة أولئك المنهزمين المتمرّدين على الأوامر النبوية في أن يكونوا قادة الإسلام.. وهكذا تكون معركة أحد وما تمخضت عنه أعظم درس ومسؤولية وحجّة إلهية كان الله تعالى قد ألقاها على عاتق المسلمين وعلى مر العصور [المترجم].
2) نهج البلاغة، ص501
المسلمة وتجديد الحياة الفكرية والروحية، صدر الأمر الإلهي للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بمشاورة المسلمين في إنجاز الأعمال واستعلام رأيهم وشاورهم في الأمر .
عبارة وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ توضح حقيقة أنّ الرسول كان يستشير المسلمين . لا عن جهل؛ بل عن إرادة في إحياء شخصياتهم . في المسائل العادية واليومية دون ما يتعلق بالأحكام الالهية.
رغم أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وبالبناء على الاستشارة التي أجراها مع المسلمين قبيل معركة أحد بخصوص طبيعة المواجهة مع الأعداء، وعلى أساس احترام رأي الأغلبيّة، فقد كان رأيهم أن يكون معسكر المسلمين عند جبل أحد، وكانت نتيجة ذلك الرأي سلبيّة غير مرضية، ولهذا؛ بدا لكثير من الأفراد أنّه لم يكن ينبغي للرسول صلوات الله عليه وآله أن يستشير أحداً.. ولكنّ الله تعالى أوحى لنبيه أن يستمرّ في استشارته الناس فيما هو محدّد ومرسوم.
يمكن أن يتفق أن تكون نتيجة المشورة غير ذات نفع، ولكنّ من حيث العموم فإنّ فوائد الاستشارة أكثر بكثير من مضارّها، ولعلّ أثرها التربوي والاجتماعي والفردي والارتفاع بشخصية المجتمع والفرد أعلى من ذلك كله.
مع أنّ لكلمة (الأمر) في عبارةوَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ مفهوماً واسعاً ويشمل جميع النواحي ،والأفعال، إلّا أن المسلّم به أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لا يستشير أحداً فيما يرتبط بعملية التقنين وتبليغ وبيان الأحكام الإلهيّة؛ بل إنّ كل ذلك منوط وتابع للوحي النازل من السماء..
المشورة النبوية متعلّقة بكيفيّة وطريقة التنفيذ وتطبيق الأوامر والأحكام الإلهية، حيث كان صلوات الله عليه وآله يسأل الناس آراءهم في ذلك، و لذا؛ كان يحدث أن يقترح الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أمراً، فيبادر المسلمون ليسألوه عما إذا كان ما اقترحه حكماً إلهيّاً
لا؟ إذ قانون السماء غير قابل لإبداء الرأي كما هو حال تطبيقه.. فإن كان من الشق الثاني أبدوا آراءهم؛ وإلّا سلّموا له وأطاعوا... اللهم إلا بعض المنافقين الصلفين الذين كانوا يتحينون الفرص في التمرّد وإبداء الرأي الباطل من أساسه، كما حصل خلال صلح الحديبية أو في رزية ما أصبح يعرف برزية الخميس.
من الشواهد الحيّة في تاريخ الإسلام ما يؤكّد أنّ النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله كان يستشير الناس في بعض الأمور العادية، منها ما حدث قبيل معركة بدر، حيث عزم جيش المسلمين وطبقاً للأمر النبي على التخييم في موضع معيّن، فانبرى الحباب بن المنذر قائلاً: یا رسول الله هل أنّ ما اخترته من موضع للمقاتلين هو بأمر الله؛ فلا يجوز تغييره أم أنه ما رأيت؟ فقال النبي صلوات الله عليه وآله بأنه ليس من أمر الله، فقال الحبّاب: هو ليس بالموضع المناسب؛ وعرض له دلائل على صحة رأيه، وضرورة التوجّه بالمسلمين إلى موضع قريب من الماء، فاستحسن النبي صلوات الله عليه وآله قوله وعمل برأيه(1).
موضوع المشاورة في الإسلام له أهميته الخاصة، والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله . وبغضّ النظر عن اتصاله بالوحي السماوي، كان مميزاً بالفكر الثاقب حتى أنه كان غنياً عن استشارة غيره، وهذا الغير . جميع الخلق . عيال عليه، ولكنّه كان يروم إلفات نظر المسلمين إلى أهمية الاستشارة لتكون أصلاً حقيقياً في مسار ومنهج حياتهم من جهة، ومن جهة أخرى؛ كان صلوات الله عليه وآله يستهدف . بتفعيل الاستشارة . تربية الأشخاص فيما يتعلّق في أمور المسلمين العامة ذات الصبغة التنفيذية للتعاليم و القوانين الإلهيّة( دون التقنين والتشريع)
1) ولمّا كان صلوات الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى ولا يتصرّف إلا بما يريده الله تعالى، بل إنّ إرادته النبوية هي ترجمة حيّة عن إرادة الله وإنّ من أراد التعرّف إلى حقيقة الإرادة الإلهيّة له أن ينظر إلى إرادة النبي (وكذلك المعصوم) وقوله وفعله وعمّا يسكت عنه.. وإزاء ذلك؛ لا بد من القول إن صرف النبي نظره عن رأيه الأول في بعض الأحيان إنّما هو إرادة إلهيّة متكرّسة تهدف إلى تعليم الناس وتربيتهم على المشورة وعدم التعنّت في الرأي حتى في مجالات التطبيق والتنفيذ.. إذن؛ فالمسألة برمتها عبارة عن تدبير إلهي مسبق له ما له من الغايات الحكيمة. [المترجم]
فكان صلوات الله عليه وآله يعقد مجالس المشورة لا سيما مع بعض أولي الرأي ممن كان يوليهم أهمية خاصة، حتى أنه كان يعمد في بعض الأحيان إلى صرف النظر عن رأيه الخاص، وشاهد ذلك ومثاله ما حصل في حادثة بدر.. ويمكن القول بأنّ من عوامل النجاح في القيادة النبوية الفدّة هذا الموضوع فيما يرتبط بتحقيق أهداف الدين.
لا ريب في أنّ الذين يعمدون إلى المشورة والتشاور في أمورهم؛ قل أن يتعرضوا لانحراف وفشل، على العكس من غيرهم الذين يتورّطون في حالة الاستبداد المقيتة؛ إذ يعدون أنفسهم في غنى عن آراء الغير؛ وإن كانوا من حيث القوّة الفكرية أذكى ممّن سواهم، فتراهم في غالب حالاتهم، يعانون الأخطاء الخطيرة والأليمة، بالإضافة إلى تجميدهم أفكار الآخرين وقتل آرائهم ودفن قابليّاتهم، وهكذا تضيع أعظم الثروات الإنسانية في الأمم..
من يستشير غيره في إنجاز أعماله ومهامه، إذا وُفّق للنجاح فإنّه قل أن يتعرّض للحسد، وذلك لأنّ غيره يعدّون أنفسهم شركاء في نجاحه، ومن المعلوم أنّ المرء لا يحسد نفسه فيما قام به.. ولو أنّه تعرّض لخسارة ما، فإنّ اللّوم يتوجّه إلى فعله الذي قام بها دون استشارة، مضافاً إلى الشماتة والإدانة حتّى.. لأنّ من لا يعترض على نتيجة فعله، فإنّه لن يكتفي بعدم الاعتراض فحسب؛ بل إنه سيتألّم ويغتم أيضاً.. هذا بالإضافة إلى أنّ المستشير سيتعرف إلى قيمة الأشخاص وشخصيتهم، وسيدرك ميزان صداقتهم أو عدائهم.. وهذه المعرفة ستمهد طريق النجاح والتوفيق.. ولعلّ مشورة النبي صلوات الله عليه وآله مع كلّ ما كان يمتاز به من قوة فكرية وعقلية لا نظير لها.. إنما كانت تشمل مجموع هذه الأهداف والجهات...
أدناه؛ إشارة إلى ثلاثة أحاديث فيما يرتبط بلزوم استشارة الناس:
الف: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما شقي عبد قط بمشورة، ولا سعد باستغناء رأي».(1)
1) روض الجنان، ج 5، ص 126
ب: قال النبي صلّى الله عليه وآله : «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها.. وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم ولم يكن أمركم شورى بينكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها».(1)
ج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها».(2)
لا ريب في أنّ كلّ شخص لا يمكن أن يستشار، إذ أنّ بعض من يستشارون لهم نقاط ضعفهم، فتكون مشورتهم سبباً للشقاء والفشل والتراجع..
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور».(3)
كما أنّ الإسلام أحد الأمر بالمشورة؛ كذلك أكد على الانتباه في اختيار المستشار، بحيث لا يمنع عن أي خير، وأن لا يخون في استشارته... إذ تعد الخيانة في هذا المجال ذنباً كبيراً.. ويسري ذلك حتّى في غير المسلم، أي أنّ الإنسان له أن يقبل مقترح المشورة من غير الفرد المسلم فلا حق للمسلم في خيانة غير المسلم أو أن يظهر له غير ما يرى ويعلم..
روي في (رسالة الحقوق) عن مولانا الإمام السجاد عليه السلام قوله:
«وحق المستشير إن علمت له رأياً؛ أشرتَ عليه، وإن لم تعلم أرشدته إلى من يعلم. وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه». (4)
أوّلاً: أنّ اختيار الإمام وخليفة النبي صلّى الله عليه وآله يتمّ فقط من قبل الله تعالى، لأنّ هذا الإمام والخليفة . كما النبي . يجب أن يكون متصفاً بصفات كالعصمة، وأن (يجعل) كالنبي من قبله سبحانه، وبعبارة أخرى؛ كما لا يمكن اختيار النبي وتعيينه بالشورى كذلك هو اختيار
الإمام وتعيينه..
ثانياً: أنّ الإمامة وطبقاً لقوله تعالى لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)عهد إلهي بحت، وعهد الله ونصب الخليفة يكون من جهة الله تعالى دون الناس، إذ لا يسعهم وليس من صلاحيتهم التحكّم بأمر الله والتشاور حوله.
ثالثاً: أنّ شورى عمر لم تكن منطبقة مع موازين الشورى، ذلك لأنه إذا كان المراد والهدف من المشورة مع عموم المسلمين؛ فما معنى اختصاصها بستة أشخاص؟ وإن كان المراد بها المشورة مع المفكّرين من الأمة، فمفكروها لا ينحصرون بالأشخاص الستة، إذ كان في الأُمة . آنذاك . رجال أفذاذ كثر، مثل سلمان المحمدي الذي كان نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله نفسه يستشيره، أو كأبي ذر والمقداد وابن عباس.. ولكن هؤلاء وأمثالهم أخرجوا من دائرة شورى عمر، وعلى هذا؛ فإنّ حصر الشورى بهؤلاء الستة أكثر شيء شبهاً بتصنيف سياسي منه بهيئة استشارية، وإن كان المقصود هو اختيار أشخاص ذوي نفوذ اجتماعي للمشورة ليقع رأيهم محط قبول من الآخرين؛ فالأمر قد جانب الصواب، ذلك لأنّ أشخاصاً وشخصيات كسعد بن عبادة الذي كان يتزعم الأنصار، كما كان أبو ذر الغفاري يتزعم قبيلة بني غفار وأمثالهما، وقد
1) سورة البقرة / 123 .
استبعدهم عمر عن هذه الشورى...
رابعاً: نعلم أنّ هذه الشورى قد أحيطت بظروف صعبة وحرجة، حتى أن معارضيها أو معارضي نتائجها قد هددوا بالموت، في حين أنّ منهج الإسلام ورأيه في الشورى لا يتحمّل هذا النوع من التهديد ولا يقرّه، وكما قال سبحانه وتعالى:فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِفإنّ الاستشارة تستدعي الليونة والمرونة، أما اتخاذ القرار؛ فينبغي أن يأخذ حالة من الجدّيّة والعزم، وعليه؛ فإذا تمت الاستشارة وتوضحت نتيجتها وجب طرد التردّد والشك والآراء المشتتة واتخاذ القرار بشكل قاطع، وهذا ما عبّر عنه النص القرآني أعلاه بالعزم..
أن ذكرت المشورة مع الناس بهيئة الجمع َشَاوِرْهُمْ وأن القرار النهائي يبقى بيد الرسول صلوات الله عليه وآله وبهيئة المفرد عَزَمْتَ فإنّ في ذلك الإشارة إلى قضيّة مهمة؛ وهي أن المطالعة والتحقيق في مختلف المسائل الاجتماعية يجب أن يتما بصورة جماعيّة، إلّا أنّ القرار إذا صودق عليه وجب اتخاذه بإرادة واحدة ، وفي غير هذه الحالة؛ تحدث الفوضى، لأنّ تنفيذ وإقرار المصادقة إذا ما تم بإرادات متعدّدة ومجرّدة عن إرادة قائد واحد، فلا ريب في وقوع الخلاف والفشل.. ولهذا نرى الاستشارة تتمّ في العصر الراهن . بصورة جماعية، غير أنّ تطبيق نتيجتها ومؤدّاها يترك للجهة الحاكمة التي يشرف عليها قائد واحد.
قوله تعالى فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يبيّن حقيقة أنّ التوكّل على الله يلزمك أن يقترن بالقرار النهائي، أي: في حال توفير الأسباب والوسائل الطبيعية؛ لابد من الاستمداد من قدرة الله اللامتناهية.
ليس معنى التوكل أن يغفل المرء عمّا وفّره الله له من أسباب النجاح في عالم المادة وجعلها تحت تصرفه، بل المراد من التوكل أن لا يقيّد المرء نفسه بقيود المادة ويغمض عينيه عن دعم خالقه له أو يتناساه.. فالتوكل على الخالق القدير الذي يحبّ عباده يبعث على الطمأنينة واستثمار القوّة المعنويّة في مواجهة الصعاب والمشاكل..
1) إرشاد القلوب، ج1، ص 121
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
في هذه الآية: وهي المكمّلة للآية الماضية، ورد نوع بيان لمسألة التوكل على الله تعالى، أن قدرته سبحانه أعلى القدرات وأنه إذا ما نصر أحدهم؛ عجز الجميع عن إلحاق الهزيمة به، وكذلك لو أنه كف دعمه عن أحد؛ عجز الجميع عن حمايته ونصره.. مما يعني أنه تعالى مصدر النصر والدعم، وهو الذي يجب أن يُتوكّل عليه ويُعتمد ويُطلب العون منه..
مع أنّ المخاطب في الآية السالفة هو نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله، إلا أن الخطاب في هذه الآية موجّه إلى المؤمنين، وأريد به حتّهم على اعتماد قدرة الله تعالى التي لا تعرف الفشل والانكسار؛ فضلاً عن تهيئة الوسائل الظاهرية، فأراد الخطاب القرآني أن يربّي المؤمنين على ثقافة التوكل وعلى الاقتداء بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله باعتباره أوّل وأفضل المتوكلين وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
معلوم أن نصر الله أو عدم نصره للمؤمنين لا يكونان عن غير حكمة.. وأنهما يجريان طبقاً لاستحقاقهم وجدارتهم وما يريد الله بهم..
أنّ الذين يتجاهلون أمر الله ويغفلون عن توفير الإمكانات المادّيّة والمعنوية لن ينالوا ولن يشملوا بالنصر الإلهي، وعلى عكسهم أولئك الذين يرصون صفوفهم ويخلصون نواياهم ويكرسون عزائمهم ويوفّرون القوى المادية وينهضون إلى مواجهة أعدائهم؛ فإنّ نصر الله سيعمهم ويحميهم..
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)
حينما أراد غالبية الرماة المسلمين في معركة أحد أن يتركوا مواضعهم وينزلوا عن سفح الجبل لجمع الغنائم أمرهم قائدهم بالثبات وعدم المغادرة وأخبرهم بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لن يحرمهم من الغنائم، إلا أنّ عبيد الدنيا ولإخفاء حقيقة نواياهم . قالوا: نخشى أن ينسانا الرسول حين تقسيم الغنائم، وإنّ علينا المبادرة لجمعها وحيازتها لأنفسنا بأنفسنا.. قالوا ذلك وغادروا مواضعهم وانشغلوا بجمع الغنائم مستميتين.. فوقع ما وقع.. والقرآن في معرض رده على هؤلاء قال لهم: أظننتم أنّ الرسول سيخونكم ويجحف في حقكم.. والحال أنه لا يمكن لنبي أن يخون: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ...(1).
بالنظر إلى أنّ هذه الآية نزلت تتمّة للآيات النازلة في أحد، وبالالتفات إلى الرواية التي نقلها جمع من مفسّري الصدر الأول، تكون هذه الآية تفنيداً للأعذار الواهية التي تقدّم بها بعض مقاتلي أحد مبرئة ساحة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله من كلّ خيانة واحتمالها.
الخيانة أصلاً، سواء كانت في تقسيم الغنائم أو في حفظ أمانات الناس، أو في تلقي
1) مجمع البیان، ج 2، ص 872
الوحي وإبلاغه عباد الله.. غير مناسبة ومقام النبوّة المقدّس، ولو أنّ نبياً من الأنبياء مارس هذا الفعل المشين والعياذ بالله لسلبت منه الثقة في أداء مسؤولية الرسالة الإلهية وتبليغ أحكامها سلباً تاماً..
3.من المعلوم أنّ الخيانة فعل لا يجوز على كلّ إنسان، سواء كان نبياً أو غيره.. ولكن حيث جرى الحديث هنا عن الفارين المعتذرين في معركة أحد وفيما يتعلق بالرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، فقد شرعت الآية بالحديث عنه ثمّ أضافت بالقول:وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي : أنّ من خان سيأتي في يوم القيامة حاملاً شاهد خيانته على ظهره، وهكذا سيفتضح على رؤوس الأشهاد !
كيف يمكن لمن يعتبر رسول الله صلوات الله عليه وآله أميناً على وحي السماء، ثمّ يحتمل أن يصدر هذا الرسول في تقسيم الغنائم حكماً باطلاً خائناً، أو يحرمه هذا الصادق الأمين حقه المعلوم؟!
مع أن بعض المفسرين ذهبوا إلى أنّ المراد من إتيان الخائن بما خان في يوم القيامة أنه سيأتي به على وجه الحقيقية والعينية.. إلّا أنه يلزم القول بخطأ هذا المذهب، إذ المقصود هو تحمّله في القيامة مسؤولية ما خان به في الدنيا.. ولكن بالنظر إلى القول بتجسم أعمال الإنسان في يوم القيامة؛ فإنّه لا ضرورة لهذا المذهب في التفسير ، فما يشهد به ظاهر الآية هنا، فإنّ عين الأشياء التي جرت فيها الخيانة سيحملها الإنسان الخائن على ظهره باعتبارها سنداً وشاهداً، أو كونه يأتي بها معه..
6 . أنّ يوم القيامة هو يوم لقاء الفرد أعماله الدنيوية، إذ سيجد كلّ إنسان ما عمل في الدنيا حاضراً أمام مرآه، وهكذا ينعدم احتمال أن يظلم في مصيره شيئاً، لأن من يعمل مثقال ذرة من خير أو شرّ سيراه..ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
وتنزيه النبي المعصوم صلوات الله عليه وآله عنها، فإنّ هذا الأمر كان له تأثير بالغ في تربية المسلمين على تجنّب الخيانة، حتّى أنّهم ارتقوا بعقولهم إلى حيث أنهم أحجموا عنها؛ لا سيما فيما يرتبط بالغنائم الحربية والأموال العامة، بل إنّهم راحوا يعفّون عن الخيانة في الغنائم الثمينة وإن كانت صغيرة الحجم مع أنّ حيازتها لم يكن بالأمر المشكل، ولكنهم كانوا يسلّمونها إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله أو من ينوب عنه في بعض الغزوات، وكانت تلك الحالة الطيبة مثار إعجاب.. كما نقل الطبري في (تاريخه) أنّ المسلمين حينما فتحوا المدائن واهتموا بجمع الغنائم، جاء أحدهم وكان قد حمل غنيمة ثمينة جداً إلى مسؤول جمع الغنائم، فتعجبوا لها وقالوا بأنهم لم يروا شيئاً أثمن منها، ثمّ سألوه عما إذا كان قد اقتطع منها شيئاً، فأقسم بالله أنه لولا إخلاصه الله ما كان أتاهم بها.. فعلموا أنه رجل ذو أمانة وشخصيّة معنويّة فذة، ثمّ طلبوا إليه أن يفصح عن هويته، فقال: والله لن أعرفكم نفسي لتثنوا علي، ولن أحكي هذه الحادثة لأحد ليمد حني؛ ولكنّي أشكر الله وأرضى بثوابه...(1).
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 153 نقلا عن تاريخ الطبري، ج 4 ، ص 16
2) يمكن الإشارة هنا إلى أنّ هذه حالة من الحالات التي دوّنها بعض مؤرّخي المخالفين عن مسلمي الصدر الأول، ولكن يبقى لزوم الإشارة إلى رغبة هؤلاء المؤرّخين والمفسّرين في تصوير واقع مثالي لأولئك في هذا المجال على الأقل، ولكن ثمّ نصوص تاريخية طالما نقلت في مواضع أخرى تشير إلى رغبة جامحة كانت تعتري نفوس المقاتلين في نيل الغنائم، كما حدث بعد معركة حنين التي وهب فيها الرسول صلوات الله عليه وآله جميع الغنائم للمهاجرين أو للمكيين ممّن أسلم بعد الفتح لتأليف قلوبهم، ومع علم الأنصار وتجربتهم بأنّ نبيهم لا يفعل إلا بما أمر الله، إلا أنّهم اتهموه - للحد الذي أزعجه أيما إزعاج - بأنّه قد ظلمهم بميله إلى أهل مدينته، وأنه غفل عن نصرتهم وإيوائهم له... ولهذا وجب التنويه. [المترجم]
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)
2 . أن كثيراً من الحقائق المتعلقة بالمعارف الدينية والاجتماعية في القرآن الكريم وردت بهيئة وقالب سؤال يتيح المسألة بطرفيها للمستمع ليفكّر ثم يختار أحدهما، وهذا الأسلوب يجب أن يدعى أسلوباً غير مباشر وله أثره الكبير في المنهج التربوي.
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 155
ووجدانه، فإنّه سيعمد إلى التفكير والاستنتاج، بل ويعدّها مسألته وفكرته وينظر إليها باعتبارها خاصته؛ فلا يقاومها.. وهذا الأسلوب في التعليم مؤثر في الأفراد شديدي العناد أو الأطفال الصغار...
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ؟
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ؟
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ؟
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)
في هذه الآية وبالإشارة إلى أنّ المنافقين ليسوا الوحيدين الذين يفترقون عن المجاهدين، بل إنّ كلّ الأفراد المنضوين إلى الصفّين يتفاوتون بدرجات التضحية والفداء أو الرياء والنفاق ومعاداة الحق عند الله تعالى؛ إذ لكل منهم درجة تبدأ من الصفر إلى ما لا نهاية.
الدرجة عادةً ما تطلق على المرحلة، فيتخذها الإنسان وسيلة للارتقاء إلى درجة أعلى، أما الدرجات التي تتخذ للهبوط إلى ما هو أسفل من ذلك؛ فتسمّى بالدرك، ولذا؛ نقرأ عن الأنبياء كما في الآية (253) من سورة (البقرة) : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فوق بعضٍ دَرَجَاتٍ أما بالنسبة للمنافقين؛ فنقرأ في الآية (145) من سورة (النساء): إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولكن حيث شمل الحديث في هذه الآية كلا الطرفين جرت مراعاة المؤمنين واستعملت كلمة (درجة) وهو ما يعرف في الاصطلاح الأدبي بالتغليب.
روي عن مولانا الإمام الرضا عليه السلام أنّ بين الدرجة والدرجة ما بين السماء والأرض(1)وورد في حديث آخر أنّ أهل الجنّة ليرون أهل ( عليّين) يرون كما تُرى النجوم في السماء.(2)
قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ يوضح أنّ الله مطلع على أعمال الجميع، ويعلم جيّداً ما يناسب كل شخص من الدرجات، طبقاً لنيته وإيمانه وعمله.
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)
الجذر الأصل لكلمة (المنّة) لغةً هو (المنّ) بمعنى الأحجار التي توزن بها الأشياء، ولذلك قيل لكل نعمة عظيمة وقيمة : منة، بحيث إذا كانت لها ناحية عمليّة، كأن يعطي أحد أحداً نعمة كبيرة؛ وكانت قيّمة ورائعة.. أمّا إن كانت صغيرة؛ كعمل بسيط أو كلمة بسيطة؛ فعظمها صاحبها ومنّ بها على المعطى؛ صارت أمراً قبيحاً، وعليه؛ فالمنّة في حين كونها عظيمة حقاً، أو لدى تعظيمها في القول..
في هذه الآية جاء الخطاب عن أعظم نعمة إلهيّة؛ وهي نعمة بعثة نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله وهي في الحقيقة ردُّ على بعض الأسئلة التي كانت ترد في أذهان جماعة من حديثي الإسلام بعد معركة أحد، حيث كانوا يتساءلون عن تعرضهم للمشاكل والمصائب.. فقال القرآن لهم: إن تعرّضتم في هذا الطريق للخسائر؛ فلا تنسوا أن عندكم أعظم نعمة؛ وهي أنّ فيكم رسول الله صلوات الله عليه وآله الذي يعلّمكم ويربيكم ويخرجكم من الضلال فعليكم أن تجهدوا وتبذلوا الغالي والنفيس في حفظ هذه النعمةلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ....
لعلّ ذكر بعثة النبي بعبارةلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بدءاً؛ يؤدّي إلى الظن بعدم جمال العبارة، إلّا أنّ السبب في ذلك أنه تعالى قد هيّأ لهم هذه النعمة العظمى بشكل عملي.
السبب في الاقتصار على ذكر اسم المؤمنين فقط، والحال أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد بعث لهداية الناس جميعاً؛ أنّه من حيث الثمرة والنتيجة والتأثير أنّ المؤمنين فقط هم من يتنعمون بهذا الفضل الإلهي الكبير الذي اختص به المؤمنون.
العلة في جعل الرسول من جنس البشرمِنْ أَنْفُسِهِمْوليس من جنس الملائكة وأمثال ذلك؛ لكي يشعر هذا الرسول بحاجات البشر ومقتضيات الجنس الإنساني بكلّ تفاصيلها على وجه الدقة؛ فيتحسّس آلامهم ومشاكلهم ومصائبهم وقضايا حياتهم.. فينطلق في ذلك إلى تعليمهم وتربيتهم.
6 . أهمّ أقسام المنهج والمشروع التربوي لدى الأنبياء: تبليغهم العملي، وإن سلوكهم خير قدوة ونموذج ووسيلة تربوية، ذلك لأنّ لسان العمل أفضل من كلّ لسان يسعه التبليغ، ويتأتى هذا حين يكون المبلغ القدوة من ذات جنس المبلغين وبنفس خصائصهم الجسمية والغرائزية وبنائهم الروحي.. ولو كان الأنبياء من جنس الملائكة مثلاً، لتساءل الناس عمّا لو كان الأنبياء لا يعصون؛ كذلك لكونهم لا شهوة ولا حاجات مادّيّة فيهم ولهم.. وهكذا يعطل مشروعهم التربوي بشكل عملي.. وإنّما اختير الأنبياء وجعلوا بشراً ليكونوا أسوة؛ بما عندهم من خصائص إنسانية..
ألف: تلاوة آيات القرآن على الناس وعرضها على عقولهم..
ب :تعليم الناس الحقائق وتكريسها في أرواحهم.
ج: تزكية النفوس وتنمية الملكات الأخلاقية والإنسانية.
التعليم في هذه الآية، في حين أنّ التربية الطبيعية تستوجب تقديم التعليم عليها:يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .
السبب في تقديم قراءة الآيات على القسمين الآخرين؛ أنّ الجماعة البعيدة كل البعد عن الحقائق الإنسانية لا يتأثرون ولا يخضعون للتربية ببساطة، وإنّما هم بحاجة إلى تعرّف وتعوّد آذانهم على الانتباه للخطاب الإلهي وإزاحة الاستيحاش والاستغراب من تفاصيله، وبعد ذلك؛ يمكن دخولهم في مرحلة التعليم الحقيقي، ثمّ يتسنّى جني ثمار التربية.
يحتمل أن يكون الهدف من التزكية هو تطهير الناس من مساوئ الشرك والعقائد الباطلة والخرافات ورذائل الأخلاق والسلوك الحيواني.. إذ ما لم يتطهر الإنسان من كل ذلك، لن يسعه أن يستعد لتلقي تعاليم الكتاب الإلهي والحكمة والمعرفة الحقة .. وصفحة القلب ما لم تمسح
عنها الصور القبيحة؛ فإنّها لن تتسع لعرض الصور الجميلة عليها، ولهذا؛ قدّمت التزكية في هذه الآية على تعليم الكتاب والحكمة، أي: المعارف السامية للإسلام.
تتّضح عظمة النعمة في الوقت الذي يمكن الاستفادة منها وحين تقاس بالفترة التي كانت غير متوفّرة فيها ومعرفة الفاصلة والفارق بينهما.. ولذلك قال القرآن المجيد في العبارة أعلاه بضرورة النظر في الحقبة التي سبقت الإسلام والمقارنة بينها وبين ما صرتم إليه بفضل نعمة البعثة النبوية :وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .
كان البشر؛ وخصوصاً في الجزيرة العربية قبيل البعثة النبوية المباركة في ضلال وضياع واضح.. إذ كان الظلام والشقاء والجهل والظلم قد خيّم على الجميع في ذلك العصر؛ وهذه الحقيقة غير خافية على أحد..
والقرآن بوصفه حقبة الجاهلية بالضلال المبين؛ رام القول بأنّ للضلال والضياع أنواعاً وأقساماً شتّى؛ وهكذا هي وسائله وأشخاصه بحيث لا يتيسر للإنسان أن يميز بين الحق والباطل في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يكون التمييز متاحاً لأبسط عقل وتفكير..
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
الف: ليس لكم أن تضطربوا لنتيجة هذه الحرب بل عليكم أن تكرّسوا كل طاقاتكم المقارعة العدو، وإن كانت مصيبة قد نزلت بساحتكم؛ فإنّكم في معركة بدر قد أنزلتم بساحة عدوّكم مصيبتين، وإن كانوا قد قتلوا منكم سبعين رجلاً في أحد؛ ولم يأسروا منكم رجلاً واحداً، ولكنكم في بدر قتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين..
ثانياً: أنتم تتساءلون: كيف أصبتم بهذه المصيبة؟ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ولكن يا أيها الرسول! أخبرهم بأنّ هذه المصيبة قد جاءتكم من أنفسكم، فعليكم أن تبحثوا عن أسباب الهزيمة (في أحد) في أنفسكم:قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ .
فأنتم الذين تمرّدتم على أوامر نبيكم صلوات الله عليه وآله، فتركتم مواضعكم وفررتم وانشغلتم منهمكين في جمع الغنائم ولما تضع الحرب أوزارها، وأنتم الذين وليتم هاربين من ساحة المعركة حين كرّ العدوّ عليكم.. فهذه الذنوب ذنوبكم التي أدت إلى الهزيمة وإلى مقتل المسلمين.
ثالثاً: لا تقلقوا للمستقبل، فالله تعالى قادر على كلّ شي، فإن جبرتم ضعفكم رعاكم الله بالدعم والنصرإِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
قوله تعالى: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا و أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يعني أنكم حمّلتم أعداءكم ضعفي ما حمّلكم، وهو بمثابة الجواب والردّ من جهة الله تعالى للمسلمين المحزونين على الخسائر التي تعرّضوا لها في معركة أحد، وعلى سؤالهم عن سبب الخسائر والهزيمة التي منيوا بها.
طبقاً لهذه الآية الكريمة؛ فإنّ المصائب التي يتعرّض لها الإنسان في حياته الدنيا؛ تنبع من ذاته هو قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بشكل مباشر أو غير مباشر.
غالباً ما يكون موقف الناس من المصائب التي يتعرّضون لها موقف الجزع والشكوى والتساؤل عن أسبابها.. والحال أنّهم لا يتساءلون عن أسباب تنعمهم بأنواع النعم وكيفية ومصدر وصولها إليهم، بل ويغفلون عن شكرها.. علماً أنه سبحانه يجعل من الحالتين وسيلة امتحان لهم
قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا؟!
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)
1 هذه الآية توضح حقيقة أنّ ما تقع من مصيبة( كمصيبة أحد) إلا ولها علّة، وأنّ وقوعها يكون بإذن الله ،تعالى إلّا أنّها تكون وسيلة للاختبار ومعرفة وتحديد صف المجاهدين الصادقين من صفّ المنافقين أو الأفراد ضعيفي الإيمانوَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِوفي هذه الآية إشارة مباشرة إلى سببي الهزيمة في أحد: الأول: السبب الفاعل في الهزيمة، والثاني: السبب الغائي والنتيجة النهائية.
بني العالم عموماً على أساس سلسلة من الأسباب والعلل.. وهذا أصل ثابت ودائم، ولهذا؛ فإنّ مصيبة أحد التي حلّت بكم كانت بإذن الله وطبقاً لأمره تعالى.. لأنّ كلّ حادثة إنّما تقع طبقاً للقانون العام في الخلقة، ولها علّتها الخاصة، وعلى هذا الأساس؛ فإنّ كلّ جيش يتكاسل ويتخاذل ويطمع بأموال الغنائم مع تمرده على قائده الفد؛ محكوم بالفشل والهزيمة، وعليه؛ يكون المراد من إذن (أمر الله) تلك الإرادة والمشيئة التي تتجلّى بهيئة قانون العلية في عالم الوجود..
لكلّ حرب آثارها وعللها، ومن آثار معركة أحد أنها ميزت بين المؤمنين والمنافقين وبين أشداء المؤمنين وضعيفي المؤمنينوليعلم الله المؤمنين وليعلم الذين نافقوا.
الفريق الأوّل: قلة من الأفراد الذين صمدوا إلى آخر لحظات المعركة وصمدوا بوجه العدوّ، حتّى استشهد بعضهم وجرح البعض الآخر بخطير الجراح.
الفريق الثاني: مضطربو القلوب؛ الذين عجزوا عن الصمود والاستقامة، وفضّلوا الفرار على القرار.
الفريق الثالث: جماعة المنافقين الذين امتنعوا عن حضور المعركة وتراجعوا عند منتصف الطريق ويمموا صوب المدينة، وكان منهم عبد الله بن أبي سلول بمعيّة ثلاث مئة شخص.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)
طبقاً للرواية المنقولة عن بعض المفسرين (مع الإشارة إلى حوار جرى بين بعض المسلمين والمنافقين) حيث تحاور عبد الله بن عمر بن حزام مع عبد الله بن أبي حينما رآه يتراجع مع أصحابه وينسحب عن جيش المسلمين باتجاه المدينة وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو دافعوا عن وطنكم وأهلكم المهدّدين على الأقل، ولكن هؤلاء برّروا تراجعهم وانسحبوا بحجج واهية وقالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ وكأنهم حلّلوا الموقف بأن حرباً لن تقع وأن الجميع سيعودون إلى بيوتهم دون إراقة الدماء..(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 878
3 . طبقاً لتفسير آخر، إنّ المنافقين ولتبرير سلوكهم المشين في تركهم ساحة الحرب قالوا: لو كنا على يقين باندلاع الحرب لكنا شاركناكم فيها، ولكننا كنا نراها نوع انتحار وليست معركةً حقيقية؛ نظراً لانعدام التوازن في قوى الصفين (المسلمين والكفار) مع اتخاذ جيش المسلمين موضعاً غير مناسب، وأنّ محاربة الكفّار أمر غير عقلائي.
لا شكّ في أنّ كلّ فرد منصف ومطلع يعي أنّ تبريرات المنافقين لسلوكهم المعيب والمخزي ليست أكثر من تحجّج، إذ الحرب كانت لا شك واقعة؛ إضافة إلى انتصار المسلمين في بدايتها، وإن كانوا قد خسروها؛ فذلك تابع لأخطاء المسلمين أنفسهم وتمردهم على ما أمرهم الرسول القائد..
تبريرات الأفراد الذين انغمسوا في حالة النفاق حين المعركة لا تعدو كونها كذبة، وإنّما السبب في فرارهم كان تعاطفهم واقترابهم من الكفّار وبعدهم القلبي والباطني والفكري عن الإسلام هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ .
6 . للكفر والإيمان درجات مرتبطة بطبيعة عقيدة الإنسان وسلوكههُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ.
أخلاق وصفات الأفراد المصابين بداء النفاق؛ يتجسّد في التفاوت الكبير بين ما يصرحون وبين ما في قلوبهم، والمغايرة الكبيرة بين نواياهم وبين أقاويلهم.. لأنّ امتناعهم عن الحضور في المعركة أو السبب في فرارهم منها كان مبنياً على أساس عنادهم واقتراحهم القائل بضرورة محاربة المكيين من داخل المدينة، أو انطلاقاً من الخوف والهلع تجاه ضربات الأعداء، أو لعدم ميلهم إلى الإسلام والإيمان يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
الله تعالى خبير عليم بما يكتم المنافقون.. وقد كشف الله اللثام عن نواياهم ووجوههم
الكالحة في هذه الدنيا والتي يحاولون إخفاءها عن المؤمنين، وكذلك سيخزيهم في الآخرة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ .
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
المنافقون وفضلاً عن اعتزالهم المشاركة في معركة أحد وسعيهم إلى إضعاف معنويات الآخرين، وحينما عاد المجاهدون من المعركة راحوا يوجهون إليهم سهام النقد والملامة ويقولون: لو أنّ المقاتلين أطاعونا ما قتل الكثير منهم الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا....
السبب في وصف المؤمنين في هذه الآية بكونهم إخواناً لهؤلاء المنافقين، والحال أنّ المؤمنين ليسوا بإخوان للمنافقين.. هو نوع ملامة للمنافقين الذين كانوا يخاطبون المؤمنين بأنهم إخوانهم؛ فما الداعي إلا غدرهم بهم في اللحظات الأخيرة وهم إخوانهم كما كانوا يدعون، ولهذا وردت كلمة قَعَدُوا بعد كلمةإِخْوَانِهِمْ مباشرة ، أي أعرضوا عن حضور المعركة، فهل يصح أو يجوز الإنسان - بعيداً عن مسألة الإيمان والمعتقد أن يغدر بأخيه ويكله إلى عدوّه الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ .
القرآن وفي معرض رده على مدّعى المنافقين الخاوي الذي أدلوا به بعد معركة أحد حيث قالوا لو أنّ المؤمنين أطاعونا ما قتلوا قال للرسول ولكلّ مؤمن: قل لهم إن كان بوسعكم فتجنبوا الموت إن كنتم صادقين قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ .
أنتم أيها المنافقون بمقولتكم هذه، تدعون علمكم بالغيب وعلمكم بأخبار المستقبل، والحال أنّ مدّعي ذلك عليه أن يتمكن من التنبؤ بعلل الموت؛ فيقضي عليها؛ فهل لكم مثل هذه القدرة ؟! ثمّ إنّكم إن لم تقتلوا في ساحة الجهاد والشرف؛ فهل سيكون لكم عمر أبدي؟
وهل لكم القدرة في درء الموت عن أنفسكم ؟ وعلى هذا؛ فأنتم العاجزون عن إزاحة أو تعطيل قانون الموت.. فما الذي يدفعكم إلى اختيار الموت على فرشكم أذلاء، ولم لا تختارون ميتة العزّ والشرف في ساحة الجهاد ومواجهة أعدائكم الكافرين؟!
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)
ذهب بعض المفسرين إلى أنّ الآيات أعلاه نزلت في شهداء أحد، وعدها مفسّرون آخرون نازلة في شهداء بدر، ولكنّ الحق هو أنّ علاقة هذه الآيات بما سبقها يشير إ أنها قد نزلت بعد معركة أحد، إلّا أنّ مضمونها ومحتواها له صبغة عامة وتشمل جميع الشهداء بمن فيهم شهداء بدر الذين كان عددهم (14) شهيداً، ولذا ورد عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أنّ الآيات نزلت في شهداء بدر وشهداء أحد.. (1)
1) مجمع البيان، ج 2، ص 881
حيث جعل الله رسوله مخاطباً في هذه الآية، أراد القول بأنّ إدراك مقام الشهداء مناسب بمقام وعقل الرسول ومن هم منه، دون الأشخاص العاديين الذين لا يميزون بين الموت والقتل في سبيل الله لافتقارهم إلى القدرة على التمييز:وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا .
المراد من الحياة هي الحياة البرزخية التي تعيش فيها الأرواح بعد الموت، وليست الحياة الجسمانية والمادّيّة، ورغم أنّ الحياة البرزخيّة غير خاصة بالشهداء، إذ كثير من الناس يعيشون في تلك الحياة البرزخيّة، ولكنّهم تعوزهم حياة الشهداء المتنعمين بالرعاية الإلهيّة الخاصّة، حيث الحياة المفعمة بالنعم المعنوية العظمى.
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
روى ابن مسعود عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أنه تعالى خاطب أرواح شهداء أحد وسألهم بالقول: ماذا تتمنون؟ فقالوا: يا ربنا وماذا نتمنّى أعلى مما عندنا وقد شملتنا بنعمك الأبدية وأسكنتنا تحت ظل عرشك.. ونطلب إليك إلّا أن تعيدنا إلى عالم الدنيا لنقتل في سبيلك مرة أخرى.. فقال سبحانه: أمري القاطع أن لا يعود الميت إلى الدنيا، فقالوا: إذا كان الأمر كذلك، فنسألك أن تبلغ نبيّك عنا السلام، وأن تخبر من خلفنا بحالنا وتبشرهم أن لا خوف عليهم.. وهنا نزلت هذه الآيات...(1)
يتنعم شهداء الإسلام بعظيم المواهب الإلهيّة بحيث لا يجاريهم في ذلك جميع أهلالبرزخ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .
أحد مصاديق فرح الشهداء يتمّ لأجل إخوانهم المجاهدين الذين لم يستشهدوا بعد في سوح الوغى ولم يلتحقوا بهم.. فهم ينظرون إلى مقامهم وأجرهم العظيم ويودّون لو أنّ إخوانهم يلحقون بهم ويستبشرون لهم وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ .
ثَمّ احتمالان في تفسير قوله تعالى:أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ :
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 169
الاحتمال الأوّل: أنّ الشهداء يشعرون بأنّ إخوانهم المجاهدين وبسبب أمرهم العظيم بعد الموت على جهادهم ليس مجرّد ذهاب الخوف والحزن عنهم في الدنيا، وإنما سيزاح عنهم كل خوف وحزن عنهم في يوم البعث وما سيليه من حوادث عظيمة موحشة أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
الاحتمال الثاني ضمن تفسير قوله سبحانه: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فإنّ الشهداء؛ وفضلاً عن مشاهدتهم مقامات إخوانهم المجاهدين الذين لم يلتحقوا بهم بعد، يفرحون لحالة انعدام الخوف فيهم وعدم الحزن عليهم لما عاشوه في الماضي.
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
الجهة الأولى: أنّهم يتلقون نعم الله تعالى، بل وفضله الذي هو عبارة عن تعاظم النعم وتواليها الذي يعمّهم:يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ .
الجهة الثانية: أنّهم يرون أنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين؛ لاأجر الشهداء ولاأجر المجاهدين الذين لم يستشهدوا بعد :وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
هذه الآية من جملة الآيات القرآنية المصرحة والدالة على بقاء الروح، حيث تحدثت عن حياة الشهداء بعد الموت.. أما الاحتمال الذي وضعه البعض والقائل بأن المراد من الحياة؛ هو معنى مجازي يقصد به بقاء آثار أعمال الشهداء وأسمائهم وصفاتهم؛ فهو بعيد جداً عن معنى الآية ولا يتناسب وأي من عبارات الآية أعلاه؛ بغض النظر عن رزق الشهداء وفرحهم، وفضلاً عن ذلك؛ هناك أدلّة واضحة على مسألة البرزخ ونعمه.. وهو ما يتضمّنه شرح وتفسير الآية الشريفة القائلة: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(1).
مع أنّ لمقام الشهداء أهمّيّة خاصة وحديثاً طويلاً، وأنّ كلّ أمة وجماعة تعظم شهداءها، ولكن الاحترام المميّز الذي أولاه الإسلام لشهدائه لا نظير له أبداً.
1) سورة المؤمنون /100 .
5 . لمزيد من البركة والمعرفة بمقام شهداء الإسلام نطالع رواية واردة عن مولانا الإمام الرضا عليه السلام نقلاً عن أمير المؤمنين عليه السلام إذ كان يخطب في الناس ويشجعهم على الجهاد في سبيل الله تعالى فقام إليه شاب وقال: يا أمير المؤمنين! حدثنا عن فضل المجاهدين في سبيل الله.. فأجاب عليه السلام كنت راكباً خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله في طريق عودتنا من غزوة ذات السلاسل؛ فسألت النبي ما سألتني عنه: وقال صلّى الله عليه وآله حين يهمّ المؤمن بالقتال في سبيل الله؛ يكتب الله له عتقاً من نار جهنم.. وحين يحمل السلاح ويستعد للقتال؛ تتفاخر به الملائكة، وحين يودّع أهله وأولاده؛ يخرج من ذنوبه، فلا تهتم الملائكة إذ ذاك إلا بمضاعفة أجره؛ فيكتبون له عبادة ألف عام وحين يقابل عدوّه؛ تعجز الخلائق عن عد ثوابه، وحين يقف في ساحة الحرب ويتلقى السهام والرماح حيث يبدأ القتال؛ تحيطه الملائكة بأجنحتها وتطلب من ربّها أن يثبت قدمه، ثمّ ينادي مناد: «الجنّة تحت ظلال السيوف وهنالك تكون ضربات السيوف التي تصيبه أيسر عليه من شربة ماء عذب في يوم حار، وحين يسقط عن مركبه؛ تتلقاه الحور العين قبل وصوله الأرض وتخبره بما أعد الله له من أشكال النعم، وحين يسقط أرضاً؛ تقول له الأرض؛ بوركت لك روحك التي فارقت بدنك وحلّقت.. فبشراك: «إنّ لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ثمّ يقول الله عزّوجلّ أنا كافل عياله.. ومن سرّهم فقد سرني، ومن أغضبهم فقد أغضبني..(1)
1) صحيفة الإمام الرضا عليه السلام، ص 91 و 92
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)
سرعان ما انطلق جيش أبي سفيان صوب مكّة بعد معركة أحد، وحين وصل إلى منطقة الروحاء ندم المشركون على استعجالهم العود، فقرّروا الرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين نهائيّاً، فبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فبادر إلى إصدار الأمر للاستعداد لحرب أخرى، بل وأمر بالتحاق الجرحى بصفوف المسلمين أيضاً.. قال أحد الأصحاب كنت في جملة المجروحين وكانت جراحات أخي أكثر وأشدّ مني، فأردنا إيصال أنفسنا إلى النبي صلى الله عليه وآله والالتحاق به.. وحيث كانت حالي أفضل من حال أخي، فقد كنت أحمله متى ما عجز عن المسير حتى بلغنا رجالنا.. وهكذا عسكر النبي بجيشه في موضع يقال له حمراء الأسد الذي كان يبعد عن المدينة ثمانية أميال.. فبلغ خبر زحف المسلمين مسامع المشركين فاستوحشوا لمقاومة المسلمين ومشاركة الجرحى في المعركة المتوقعة، ولعلهم ظنوا التحاق قوات إضافية ومدد جديد قادم من المدينة نفسها..
وهنا حدث للمشركين ما ضعضع معنوياتهم وحطم عزيمتهم.. إذ صادف أن كان أحد المشركين ويدعى معبد الخزاعي خرج من المدينة إلى مكة، وقد شاهد النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه؛ فهزّه منظرهم، حتى قال لرسول الله صلوات الله عليه وآله: قد آلمني حالكم، فلو أرحتم أنفسكم كان خيراً لكم.. ثمّ إنّه غادر موضع جيش المسلمين حتى وصل إلى جيش المشركين في منطقة الروحاء، فسأله أبو سفيان عمّا يعلم من خبر المسلمين، فأجابه قائلاً: قد رأيت محمّداً وخلفه جيش عظيم لم أر له مثيلاً من قبل، وهم يلحقون بكم بأشدّ سرعة..
فاضطرب أبو سفيان وقال: ماذا تقول؟ فلقد قتلنا أتباع محمد وجرحناهم حتى تفرّقوا.. فقال معبد الخزاعي: لا علم لي بما صنعتم، وما أعرفه أن جيشاً عظيماً يسارع في اللحاق بكم.. فقرّر أبو سفيان ومن معه من المشركين الانسحاب العاجل حتى عادوا إلى مكة، ولكي يكفّ المسلمون عن ملاحقتهم، ولتتوفّر الفرصة في رجوعهم، طلب المشركون من قبيلة عبد القيس الذين صادفوا مسير المشركين وكانوا يتجهون إلى المدينة لشراء الحنطة، طلبوا منهم إبلاغ المسلمين بأنّ المكتين يتجهون إلى المدينة بجيش كبير، وذلك لإضعاف معنويات المسلمين، وحين بلغ النبي صلوات الله عليه وآله والمسلمين هذا الخبر، قالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل أي أنّهم طلبوا الكفاية والنصر من الله تعالى.. ولكنّهم مهما انتظروا لم يروا أثراً للمشركين المنهزمين إلى مكة مع أنّهم - المسلمون بقوا في ذلك الموضع ثلاثة أيام.. فكانت هذه الآيات تشير إلى هذه القصة..(1)
كلمة الاستجابة والإجابة بمعنى واحد ، وهي أن تطلب شيئاً من شخص؛ فيلبي طلبك بعسر وتأخّر.
السبب في إيراد اسم الله واسم الرسول، مع أنّ المقام كان يكتفي بذكر أحدهما، أنّ المتخلفين والمتمردين في معركة أحد كانوا قد عصوا الله وعصوا الرسول.. أما عصيان الله؛ فلأنّه سبحانه كان قد نهاهم عن الفرار من الزحف والقتال وأمرهم بالجهاد، فلم يجاهدوا وفرّوا. وأما عصيان الرسول، فلأنّه صلوات الله عليه وآله كان قد أمر جماعة الرماة بالوقوف عند سفح الجبل وأن لا يغادروا مواضعهم مهما كانت مجريات المعركة ومصيرها، ولكنهم عصوا الأمر النبوي، بل إنّهم حين رأوا القتل قد وقع في المسلمين وصعدوا الجبل لم يلتفتوا إلى الرسول
1) راجع مجمع البيان، ج 2، ص 886 إلى 888
الذي راح يناديهم بالنزول ويدعوهم للرجوع إلى القتال... وهكذا أوردت الآية اسم الله واسم الرسول للإشارة إلى عصيان المسلمين ربهم ورسولهم وإلى ضرورة طاعتهما معاً في ملاحقة المشركين ، وقد أجاب المسلمون هذه الدعوة في هذه المرّة..
الأجر والثواب الإلهي خاص بالمحسنين المتقين لدى إجابة أوامر الله والرسول.. أي: ضرورة التحلّي بأخلص النية في ساحة المعركة:لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.
يفهم من اختصاص مجموعة المحسنين المتقين جماعة محدّدة بالأجر العظيم أنّ إجابة الجميع في هذه الواقعة لم تكن على حدٍ سواء، بل إنّ منهم من وجد نفسه مجبراً. طبقاً لحسابات كلّ منهم . على هذه الاستجابة، فلم يتّصف البعض منهم بالإحسان والتقوى الملازمين لحق الإجابة المطلوبة، فلم يستحقوا الأجر العظيم..
يمكن أن تكون كلمة مِنْهُمْ (بعض مجروحي معركة أحد والمقاتلين العائدين إلى بيوتهم) إشارة إلى أن بعض مقاتلي أحد قد امتنعوا من العودة والمشاركة في الحرب.
6 حصرت عبارة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الوعد بالأجر ببعض الذين أجابوا دعوة الله والرسول لأنّها الإجابة عبارة عن عمل ظاهري يمكن أن يطابق الواقع أو لا يطابقه.. وعلامة مطابقته التحلّي بالإحسان والتقوى؛ والأجر العظيم يدور في هذا النطاق.. وهذا من جملة الدقة القرآنية الشديدة في الإيضاح والتعبير، لنعلم من ذلك كم هي مراعاة الكلمات القرآنية لجانب الدقة لئلا يحصل الاضطراب والتفاوت مع ما يراد منها من المعارف والمعاني، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن...
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
كلمة النَّاسُ تعني أفراد الإنسان، ولكن ليس من كل ناحية، بل إنّهم متمايزون عن بعضهم.
وردت كلمة النَّاسُ مرتين في هذه الآية، والناس الأولى هي غير الناس الثانية، والمراد بالأولى هم المنافقون، والمراد بالثانية هم الأعداء ، فالمنافقون الذين امتنعوا عن نصرة
الإسلام بهدف منع المسلمين من الذهاب إلى معركة أحد وإضعافهم قالوا للمسلمين إنّ الناس (المشركين) قد جمعوا لكم واستعدوا لحربكم كل الاستعداد، فيعلم إنّ (النَّاسُ) الثانية هم المشركون، أما (النَّاسُ) الأولى؛ فهم الأيادي والجواسيس الذين زرعهم المشركون بين المسلمين.
كلّ إنسان وحسب طبعه حين ينهى ويمنع من جهة شخص أو أشخاص؛ فإنّه ما لم یكن يحسن الظن بهم، فإنّه يجد بدرجة أكبر لتحقيق ما قرّره ويجعله أكثر حرصاً على تفعيل طاقته لتنفيذ ما عزم عليه.. بل وتتصاعد جديته في ذلك إذا ما أصروا على منعه، وهذا ينطبق على ما إذا كان هذا الممنوع يعتبر نفسه محقاً ومعذوراً فيما يفعل.. ولذا؛ رأينا إيمان المؤمنين في الصدر الأول في تصاعد كلّما كانوا يحاربون ويمنعون عن إطاعة الله تعالى، وكانوا يزدادون شجاعة وإقداماً..
هذه الآية تؤيد ما أوردته الآيات الماضية بخصوص الواقعة التي تلت معركة أحد، حيث انطلق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بقيّة أصحابه في ملاحقة المشركين، وليس
بخصوص بدر الصغرىالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ....
أن اكتفاءنا بالله بحسب ما نتمتع به من إيمان وليس بحسب الأسباب الخارجية التي تجري فيها السنن الإلهيّة، وكلمةالْوَكِيل بمعنى من يدبّر أمر الإنسان بالنيابة عن الإنسان وقالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
حقيقة التوكل تتجلّى في الأحيان التي يحتاج الإنسان . لبلوغ هدفه - إلى الأسباب الروحيّة مضافاً إلى الأسباب الطبيعيّة، دون أن تكون هذه الأخيرة ذات تأثير تام.. وعليه؛ إذا أراد الإنسان خوض أمر ما؛ وكان هذا الأمر محط اهتمامه، وكانت الأسباب الطبيعية له بحاجة إلى التوفّر والتكامل، وفي هذه الحالة لن يبلغ مراده، ولا ريب أن الأسباب المعنوية المذكورة والموصوفة بدورها في ذلك لم تكن تامة، وعدم التمام هذا لم يسمح له بتحقيق هدفه. كأن كانت إرادتهم ضعيفة، أو كانوا يخافون، أو منعه الحزن والغم، أو أنه تطرّف، أو حرص، أو سَفِهَ في سلوكه وموقفه، أو أساء الظنّ أو أي حالة من هذا القبيل حال بينه وبين هدفه المرجوّ.. ومثل هذه الأمور مهمة جداً وعامة، فإذا ما توكل الإنسان على ربّه لدى خوضه في ذلك الأمر، فإنّه في الحقيقة يكون قد اتصل وتعلّق بسبب لا يعرف الفشل والهزيمة والانكسار، سبب هو فوق وأسمى من كل سبب وبالنتيجة؛ فإنّ التمسك بهكذا سبب يدعم الإرادة ويرفدها، ولن يغلبها أحد الأسباب الروحية المثبطة، وهذا ما يوجب التوفيق والنجاح والسعادة للإنسان مورد المثال.
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)
يمكن أن يكون الفرق بين النعمة والفضل في أنّ النعمة أجر بحجم الاستحقاق، فيما الفضل إضافة على الاستحقاق .
ترى ما هي النعمة والفضل الأرقى من أن لا تتمّ مواجهة مع العدوّ الخطير؛ فيهرب هذا العدو ويعود بالمسلم إلى المدينة سالماً؛ وقد وفق إلى رضا الله ورضوانه: وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ؟
مرّت المقارنة بين معنويات المسلمين في ساحة بدر ومعنوياتهم بعد معركة أحد، ومما يثير إعجاب الفرد؛ كيف حصل كلّ ذلك التغيير في جماعة منهزمة فاقدة للمعنوية وتجرّ وراءها أعداداً كثيرة من الجرحى في مدة قصيرة قد لا تتجاوز اليوم والليلة، تغيّر مظهرها ورسخ عزمها وارتفعت معنويّتها، واستعدّت لملاحقة أعدائها حتّى أنّ القرآن تحدّث عن ذلك بالقول بأنه حينما بلغهم اجتماع العدو واستعداده للهجوم، لم يصبهم خوف، بل وتضاعف عزمهم واستقامتهم، وهذا الانقلاب العجيب في تلك البرهة القصيرة يملأ المرء تأثراً في قدرة الآيات القرآنية على التربية مضافاً إليها أقوال النبي صلّى الله عليه وآله المؤثرة في الوجدان إلى حد الإعجاز.
4 .من خصوصيات الإيمان بالهدف أنّ الإنسان مهما واجه وتعرض إلى المشاكل والمصاعب، ازدادت مقاومته واستقامته، وفي الحقيقة فإنّه سيعبّئ كلّ طاقاته الماديّة والمعنويّة لمواجهة ما يعدّه خطراً.
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
هذه الآية نزلت تتمة للآيات التي سبقت بخصوص غزوة حمراء الأسد.
ذَلِكُمُ إشارة إلى تشبيه سلوك أفراد مثل نعيم بن مسعود وعبد القيس بالشيطان حيث كانا يخوّفان المسلمين بقدرة جيش أبي سفيان المشرك لإضعاف معنوياتهم، وعلى هذا؛ يكون معنى الآية هو التالي:
أنّ عمل نعيم بن مسعود وعبد القيس كان عملاً شيطانياً لإخافة أولياء الشيطان،أی أنّ هكذا وساوس لا تؤثر إلا بأولياء الشيطان، أما المؤمنون المتوكلون على ربهم فلا تؤثر هذه الوساوس وأمثالها فيهم، وعليه؛ لا ينبغي لكم وأنتم لستم بأولياء للشيطان أن تتزلزلوا بهذه الوساوس.
التعبير وتشبيه الرجلين المذكورين بالشيطان إما لأنّ عملهما كان عملاً شيطانياً حقاً، أو لأنهما استلهما ذلك من الشيطان.. وقد سمّى القرآن والروايات كل عمل قبيح ومحرّم عملاً شيطانيّاً؛ إذ أنّ فاعل الحرام يفعله بوسوسة من الشيطان.. وإما أن يكون المراد من الشيطان الرجلين بذاتهما، وهذا من جملة الموارد التي يصدق على ابن آدم أن يكون شيطاناً، إذ لهذه التسمية معنى واسعاً يشمل جميع المضلين، سواءً كانوا من نوع الإنسان أو غيره، كما ورد في الآية (112) من سورة (الأنعام) حيث نقرأ فيها:وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
الإشارة ب- ذَلِكُمُ في هذه الآية توجّهت إلى تلك الجماعة التي قال لها المنافقون:
إنّ الناس قد جمعوا لكم ، وبالنتيجة؛ فإنّ العبارة مورد البحث من جملة ما استعمله القرآن المجيد كلمة الشيطان وأطلقها على الإنسان.. كما يستفاد من ظاهر هذه الآيات أنّ المراد من وساوس الخنّاس شياطين الإنس.. من شر الوسواس الخنّاس *الذي يوسوس في صدور الناسمن الجنة والناس ) ويؤيد هذا المعنى قوله سبحانه: فَلَا تَخَافُوهُمْ أي: لا تخافوا ممن قال لكم إنّ الأعداء قد استعدوا لكم ذلك.. لأنهم شياطين بالنسبة لكم.. 5. إذا ما قارن المؤمنون وليهم وهو الله تعالى بولي المشركين والمنافقين وهو الشيطان؛ علموا وأيقنوا أنهم لا قدرة لهم في مقابل قدرة الله تعالى، ولهذا لا يسعهم أن يخافوهم بأدنى مقدار، وبالنتيجة؛ فإنّ الإيمان أينما نفذ وتكرّس؛ فسيصطحب معه الشجاعة والهيبة..
إن نفوذ الخوف من غير الله إلى القلب، فإنّ ذلك يعدّ علامة من علامات عدم تكامل الإيمان وسطوة الوساوس الشيطانية، لأننا نعلم بأنّ الملجأ الوحيد في عالم الوجود هو الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الذات المستقلة في التأثير، أما الآخرون؛ فهم مسلوبو القدرة إزاء قدرته اللّامحدودة.
إن كنتم مؤمنين فخافوني وخافوا التمرّد على أمري.. أي أنّ الخوف من غير الله لا يتفق والإيمان البتة.. وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما نقرأ في موضع قرآني آخر: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا.
وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)
وجهة الخطاب في هذه الآية هي رسول الله صلّى الله عليه وآله، إذ واساه الله تعالى بعيد معركة أحد، إذ ليس النبي - الذي هو رحمة للعالمين- لوحده حينما يرى تسابق الناس في الكفر يحزن ويهتم لذلك، بل إنّ كلّ إنسان مؤمن إذا ما رأى إقبال الناس على الكفر انزعج واغتمّ، ولهذا؛ رأينا الله تعالى يواسي رسوله ويخفّف عليه من حزنه وألمه بعد حادثة أحد التي كانت مسرحاً للتسابق في الكفر ومواجهة الربّ العزيز القدير.. فقال له سبحانه يا أيها الرسول لا تحزن أبداً لما ترى من تسابق الناس إلى الكفر، ذلك لأنّهم يعجزون أبداً عن إلحاق ضرر بالله وهم على أي حال . في قبضة الربّ العزيز العليم وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا .
لا ريب في أنّ النفع والضرر والربح والخسارة من شأن الموجودات التي لا يتوقف وجودها على ذاتها.. أما الله تعالى؛ فأزلي أبدي غني من كل جانب ووجوده غير محدود.. فما الذي يمكن للكفر أو إيمان الناس ومساعيهم في هذه الجهة أو تلك أن تؤثر في ربّ الوجود؟ إنّما المؤمنون من يتكاملون في رحاب الإيمان.. وإنّما الكافرون يتسافلون ويسقطون.. هذا فضلاً عن أنّ خطيئاتهم لن تنسى لهم، إذ سيجدون ما عملوا حاضراً عند
الله عزّ اسمه.
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)
من يتّخذ طريق التمرّد والعناد في مقابل الله المتعال يتورّط في هذا الكفر والتمرد.. أو . طبقاً للآية السالفة . يجد نفسه يسارع في الابتعاد عنه تعالى، ويبتلى في مواجهته: الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. إذ بناءً على أساس كلمةيُسَارِعُونَ يجب أن يقابلها كلمة (تباطؤ) أو أنّهم يبيعون إيمانهم في هذه الدنيا ويستبدلونه بمتاع الكفر غير ذي القيمة.. وهو لدى ذلك كلّه لن يلحق ضرراً بالله تعالى.
في هذه الآية جرى الحديث بشكل أشمل من الآية السابقة؛ بأن الذين يسارعون إلى الكفر ليسوا وحدهم من لن يضروا الله شيئاً، بل إنّ جميع الذين يسلكون طريق الكفر ويضيعون إيمانهم، ويشترون به الكفر؛ فإنّهم لن يضروا الله شيئاً، بل إنّ الضرر كل الضرر سيلحق بهم..
التفاوت في اللحن والتعبير في كلمة عَذَابٌ أَلِيمٌ الواردة في الآية السابقة، وفي كلمةوَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في هذه الآية، جاء بسبب أنّ أولئك كانوا يسارعون في طريق الكفر، أما هؤلاء؛ فقد باعوا إيمانهم بمتاع الكفر ، وحينما يتأكد لهم الخسران العظيم في معاملتهم وفي أي وقت حصل ذلك سيعلمون أن لا حيلة لهم على جبر الخسارة والاستفادة من فرصة التوبة، كما أنهم سيتعرضون لعذاب الآخرة الأليم حيث سيشعرون به من داخلهم متوجهاً إليهم من جهة الله تعالى.
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
2 . يعلم من آيات القرآن المجيد أنّ الله تعالى يوقظ المذنبين الذين لم يغرقوا في أوحال الخطايا بأجراس الإنذار وردود أفعالهم أو بالعقوبات المناسبة لأعمالهم.. فيعيدهم إلى جادة الحق.
أما الغارقون في الذنوب والمعاصي والطغيان والتمرّد على إرادة الله عزّوجلّ، فإنّه يكلهم إلى أنفسهم ويهملهم إلى الحد الذي تثقل أحمال ظهورهم فيستحقون ما يستحقون من العقاب.
1) سورة الروم / 41 .
هتكوا حجب الحياء والذوق ، وفرّطوا في استحقاق الهدى بشكل كامل.
وفي خطبة سيّدة الإسلام الشجاعة الصدّيقة زينب الكبرى عليها السلام في الشام وفي محضر الطاغية الجبّار يزيد بن معاوية؛ وهو من مصاديق المذنبين الذين لا طريق لعودتهم إلى جادة الحق والهدى حيث قالت:
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟! فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.. فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى:وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌمُهِينٌ ؟!
... ولئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، ولكنّ العيون عبرى والصدور حرّى..
... فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا، ولا يرخص عنك عارها.. وهل رأيك إلّا فند وأيامك إلّا عدد وجمعك إلّا بدد؛ يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين...». (1)
1) بحار الأنوار ، ج 45 ، ص 133 إلى 135
هذه الآية تجيب على هذا السؤال الذي يخطر على أذهان الكثيرين.. والحال أنّ منطق القرآن يؤكد على أنّ هؤلاء الأشخاص غير قابلين للإصلاح، فيوكلوا لأنفسهم طبقاً لسنة الخلق وأصل الحرّيّة والاختيار حتّى يصلوا إلى آخر مرحلة من السقوط والتسافل فيعرضون لأشدّ العقاب.. كما يفهم من بعض الآيات القرآنية أنّه تعالى يعطي أمثال هؤلاء الأفراد مزيد النعم، فإذا ما اطمأنوا وغرقوا في ملذاتهم واستشعروا النجاح والسرور تفاجؤوا بأن الله سلبهم كلّ ما أعطاهم، فيتعذبوا في دنياهم أشد العذاب لذلك، فسلبهم ما عندهم من رفاهية العيش أمر مؤلم جداً.. كما نقرأ قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(1).
وفي الحقيقة؛ فإنّ أشخاصاً كهؤلاء مثل من يتسلق شجرة بظلم وعدوان.. فهو كلّما ارتقى سرّ وفرح حتى يصل أعلى الشجرة، ولكن عاصفة تهب فتسقطه أرضاً بحيث تتحطم لسقوطه جميع عظامه!!
إجابة سؤال آخر، وهو: لماذا قال سبحانه: لِيَزْدَادُوا إِثْماً وهذا الإشكال إنما يرد ويصح إذا كانت اللّام لام الغاية والهدف وليس لام العاقبة والنتيجة، وعليه؛ يكون معنى الآية أننا نمهلهم لتكون عاقبتهم أنّ ظهورهم تزداد ثقلاً.. وعلى هذا؛ فإنّ الآية أعلاه لا تدلّ على إجبارهم فحسب، وإنّما هو دليل على حرّيّة الإرادة لدى الإنسان..
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
لم يكن موضوع المنافقين مطروحاً بين المسلمين بشكل مفصل قبل معركة أحد، ولهذا؛ كان المسلمون يعتبرونهم أعداء لهم، ولكن بعد هزيمة أحد والضعف المؤقت الذي أصاب المسلمين وتوفّر الفرصة لنشاط المنافقين، علم المسلمون أن هؤلاء هم عدوّهم الأخطر الذي يجب أخذ جانب الحيطة والحذر منه.. وهذا كان أحد أهم نتائج معركة أحد بالنسبة للمسلمين.(1)
1) تفسير الامثل، ج 3، ص 187
السنّة الإلهية في الغيب
2- سؤال الله العالم بخفايا الجميع ما الذي يمنعه عن إعلام الناس بحقيقة مدّعي الإيمان، فيعرفوا المؤمن من المنافق بوسيلة الغيب؟ يجيب الله على هذا السؤال في الشق الثاني من الآية ويشير إلى أنّه لن يجعل أسرار الغيب في تصرّف الناس لأنّه :
أوّلاً: أنّ السنّة الإلهيّة قضت بستر عيوب الناس وبإعطائهم الفرصة لإصلاحها.
ثانياً: أنّ الاطلاع على الأسرار الخاصة بالآخرين . وعلى عكس ما يظنّ . لا يحلّ مشكلة، بل يؤدّي في معظم الحالات إلى الفوضى وانفراط عقد الكيان الاجتماعي وانطفاء شعلة الأمل في الإصلاح وتلاشي دور مساعي الناس إلى الخير والأهم من ذلك؛ يتوجب معرفة الناس من خلال أعمالهم وأقوالهم وليس بالاطلاع على أسرارهم، وليس الامتحان الإلهي أكثر من هذا، وعليه: فإنّ طريقة معرفة الناس تتمّ بمعرفة أعمالهم فحسب وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ .
رغم أن القانون العام والأبدي لمعرفة الناس متمثل في معرفة سلوكهم، إلّا أنه تعالى متى أراد؛ اختار من بين أنبيائه وأوليائه أفراداً يطلعهم على جانب من الغيب ويعرفهم أسرار الناس لحاجة تكميل صلاحيتهم وقيادتهم للناس، ولكن يبقى القانون الكلّي والدائم لمعرفة الأشخاص حكراً على أعمالهم : وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ.
يعلم من قوله تعالى:وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ أنّ الأنبياء لا يعلمون الغيب بذاتهم.. كما يفهم أنّ الرسل يعلمون جوانب من الأسرار تبعاً للتعليم الإلهي، وعليه؛ فإنّ الأفراد العالمين بالغيب، تتحدد نسبة علمهم طبقاً للمشيئة الإلهية..
لاشك في أنّ المقصود بالمشيئة وإرادة الله في الآية . كما الآيات الأخرى . تلك الإرادة المقرونة بالحكمة مطلق الاقتران، بمعنى أنه تعالى أطلع من رآه جديراً على الغيب بما تقتضي حكمته ..
حيث أنّ ساحة الدنيا هي ساحة الامتحان وتمييز الطيب المؤمن من الكافر الخبيث والمنافق، ولكي ينجح المؤمنون في امتحانهم؛ فإنّ الإيمان بالله ورسوله غير كافٍ لضمان النجاح، بل لابد من متابعة ذلك بالزهد والتقوى الموجبين للأجر والثواب الإلهي العظيم الذي ينتظرهم.. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
كما أنّ الإيمان بالخالق مزروع في فطرة الإنسان ومبدأ خلقته، فإنّ استعمال كلمة الطيب في المؤمن في هذه الآية يؤكد أنّ الطيبة تبقى على الخلقة الأولى للإنسان، أمّا الأمور الخارجيّة والغريبة؛ فهي التي تؤدي به إلى الخبث...
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ الله. 2. رغم أنّ الآية لم تذكر زكاة ولا حقوقاً مالية واجبة بصراحة، إلّا أنّ المروي عن أهل البيت عليهم السلام وكذلك أقوال المفسرين.. تذهب إلى أنّ الآية مختصة بمانعي الزكاة، والشدّة المذكورة في هذه الآية دليل على أنّ المراد ليس هو الإنفاق المستحبّ..
يفهم من قوله تعالى: سَيُطَوَّفُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنّ الأموال التي لا يخرج منها الحقوق الواجبة ولا ينتفع منها المجتمع ثمّ تصرف في أطر الشهوات والغرائز الفردية، وتارة فيما هو نوع صرع وجنون، أو يكدس بعضها فوق بعض بلا سبب وجيه فلا ينتفع منها أحد.. شأنها كشأن سائر الأفعال القبيحة للإنسان... وستتجسّد في يوم القيامة طبقاً لقانون تجسّد الأعمال وتتحوّل إلى آلة عذاب أليم..
حقيقة أن موضوع تجسّم هكذا أموال لتكون طوقاً في أعناق البخلاء في يوم القيامة تبين أنهم سيتحملون المسؤولية بعظيم ثقلها دون أن يكونوا قد انتفعوا بأموالهم التي جمعوها في دار الدنيا بشكل جنوني وحفظوها.. ولم يبذلوا منها ما ينفع مجتمعهم، وهي لم تكن إلّا بمثابة قيود وسجون لأصحابها، وذلك لعلمنا بأنّ انتفاع الأشخاص بأموالهم له حدود معينة، فأن
يجعلوا منها ذات إطار وبعد واحد، فإنّهم لن يحصدوا منها شيئاً.. إلّا إذا انتفعوا من بركاتها المعنوية واستعملوها في منحى الأعمال والمشاريع الصالحة والإيجابية.
6 . روى في (تفسير العياشي) عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أنّ من امتنع عن زكاة ماله، بدل الله ذلك المال طوقاً من نار ثم يقال له: كما امتنعت في دار الدنيا عن إخراج زكاتك.. كذلك احملها اليوم وضعها في عنقك.(1)
حيث عبّرت الآية عن المال بالقول: بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ يفهم أنّ المالك الحقيقي للأموال ليس سوى الله تعالى.. ومهما يعطى منه؛ فهو من فضل الله وكرمه، وعليه؛ فلا مناص من الإنفاق في سبيل المالك الحقيقي، ومع أنّ بعض المفسرين ذهبوا إلى عمومية مفهوم هذه العبارة وأنها تشمل جميع المواهب الإلهية بما فيها العلم والمعرفة، ولكن هذا الاحتمال . عمومية المفهوم لا ينطبق على ظاهر العبارة.
قوله تعالى: وَاللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ في هذه الآية إشارة إلى الأموال؛ وسواء أنفق منها في سبيل الله أو لم ينفق منها؛ فهي ستستردّ من أصحابها ومالكيها، وأنّ الله تعالى وارث جميع مواريث السماوات والأرض، فما أروع أن ينتفع ببركاتها المعنوية قبل استردادها، دون
1) تفسير العياشي، ج1، ص 208
الاحتراق بالحسرة على ما جرى البخل بها وعدم الإنفاق منها، ثمّ مواجهة المسؤولية الجسيمة التي تتطلبها في يوم القيامة.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)
نزلت الآية في إدانة وتوبيخ اليهود قال ابن عبّاس کتب رسول الله صلّى الله عليه وآله كتاباً إلى يهود بني قينقاع دعاهم فيه إلى إقامة الصلاة وأداء الزكاة وإقراض الله قرضاً حسناً (المراد من ذلك الإنفاق في سبيل الله، وذلك لإثارة مشاعر الناس وعواطفهم، فجرى التعبير بذلك).
فجاء مبعوث النبي صلى الله عليه وآله ودخل مدرسة لليهود وكانت تسمى: بيت ،المدارس وسلّم الكتاب إلى فنحاص؛ كبير علماء اليهود.. وبعد أن قرأ الكتاب قال مستهزئاً: إن كان كلام نبيّك صحيحاً، فلنا أن نقول بأنّ الله فقير ونحن أغنياء، ولو لم يكن فقيراً؛ ما اقترض منّا؟!(1)وفضلاً عن محمّد صلّى الله عليه وآله فإنّ ربّكم الذي نهى عن الربا، والحال أنّه وعدكم بأضعاف ما أنفقتم (2)ثم إنّ فنحاص أنكر أن يكون قد قال هذه المقولة؛ فنزلت هذه الآية وما بعدها..(3)
وهو العاجز عن التنصّل عن ذلك في محضر الله تعالى وهو السميع العليم بكل شيء؛ بما في ذلك ما لا يُسمع من الذبذبات أو ما يصم آذان الخلائقلَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ .
ليس الله يسمع حديث هؤلاء فحسب، بل إنّ جميع ما قالوا يرصد ويدوّن من قبل الموكلين من الله سبحانهسَنَكْتُبُ مَا قَالُوا.
معلوم أن المقصود من الكتابة ليس كما نكتب في الصفحات، بل المراد هو حفظ ما يترتب على العمل، إذ طبقاً لقانون بقاء المادة؛ فإنّها تبقى في الوجود، وحتّى أنّ كتابة الملائكة لها شكل من حفظ العمل؛ وهي أرقى من كلّ كتابة..
هذه ليست المرّة الأولى التي يعمد فيها اليهود إلى الاستهزاء، فهم على مدى التاريخ صدرت منهم جنايات عظيمة، والجماعة التي يصل بها الأمر إلى الجرأة والجسارة على قتل عدد كبير من الأنبياء؛ لا عجب من أن يصدر عنهم مثل ذلك الخطاب الساخر: وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ .
يمكن أن يقال بأنّ قتل الأنبياء لما لم يصدر عن اليهود المعاصرين لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله، فلماذا خوطب بها يهود المدينة؟ الجواب : أنّهم كانوا راضين بفعل أجدادهم العصاة المجرمين، ولهذا؛ فهم شركاء في تحمّل ذلك الإثم الكبير..
السبب في كتابة وضبط أعمال جميع المذنبين وأمثال هؤلاء اليهود أنهم في يوم القيامة سيواجهون أفعالهم فيقال لهم ذوقوا نتائج أفعالكم:
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ.
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
مفردة ظلّام صيغة مبالغة، ومعناها كثير الظلم.. واختيار هذه الكلمة هنا مع أنه تعالى لا يمارس أدنى ظلم، لعله أنه لو أجبر الناس على الكفر والخطأ وكرّس وضاعف فيهم دوافع ارتكاب الخطيئة ثمّ أنه حاسبهم على ما اقترفوا من ظلم بسيط؛ سيكون ظلاماً لعباده..
مرارة العذاب وألمه وإحراقه إنّما هو نتيجة وثمرة عمل الإنسان المذنب الذي ظلم نفسه، وإلا فإنّ الطبيعي أنه تعالى لن يظلم أحداً ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ..
روي في (نهج البلاغة) عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مستنداً إلى قوله تعالىلَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ : «وأيم الله ! ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلّا بذنوبِ اجترحوها؛ لأنّ الله ليس بظلام للعبيد».(1)
هذه الآية تبيّن أنّ كلّ عقوبة وثواب من جهة الله تعالى إنّما بسبب أفعال الناس التي يقومون بها بإرادتهم.. ولهذا؛ فهذه الآية تردّ . من جهة . عقيدة المجبّرة الذاهبين إلى مجبورية الإنسان في أعماله الصالحة والطالحة، وأنّ كلّ شيء منوط بإرادة الربّ الجبّار، ومن جهة أخرى؛ تراهم يعمّمون أصل العدالة على أفعال الله تعالى.
الآية أعلاه تصرّح بأنّ الله تعالى لا يظلم أبداً، وأن قانون جزائه قائم على محورية الحكمة والمنطق والعدل المطلق.. وهذا هو الشيء الذي يذهب إليه المعدّلون (القائلون بالعدل، وهم الشيعة والمعتزلة من المخالفين) وفي مقابلهم هناك الأشاعرة المؤمنون بالعقيدة العجيبة
1) نهج البلاغة، ص 257
القائلة بأنّ الظلم لا يتصوّر في الله سبحانه أبداً، وأنّ ما يفعله هو عين العدالة ولو أنه عمد إلى حشر الصالحين جميعاً في النار، وأسكن جميع الطغاة في جنان الخلد، فإنّه لا ظلم في ذلك أبداً، وأن أحداً ليس له حق الاعتراض.. فردّتهم هذه الآية الشريفة وأبطلت عقائدهم، إذ أشارت إلى أنه سبحانه لو عاقب من لا يجترح السيئات فإنّه يصير . والعياذ بالله - ظالماً؛ بل ظلاماً..
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)
جاء جماعة من كبار اليهود إلى النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وقالوا له: إنّك تدعي بأنّ الله قد بعثك إلينا رسولاً وأنه قد أنزل عليك كتاباً، والحال أنّ الميثاق قد أخذ علينا في التوراة أن لا نؤمن لمن يدعي نبوّةً إلّا أن يأتينا بحيوان نتخذه قرباناً فتنزل عليه نار (صاعقة) من السماء فتحرقه .. فإن فعلت ذلك في محضرنا؛ آمنا لك.. فنزلت هذه الآية ردّاً على مدعاهم العجيب والباطل...(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 900
ونبوية واضحة، كان يتجسّد في تقديمهم مقترحات يومية جديدة.. وحتى لو تحققت لهم تلكم المقترحات؛ ما آمنوا لها.. بدليل أنهم كانوا قرؤوا في كتبهم جميع علامات نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، ولكنّهم أحجموا عن الإيمان بهالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ...
يخاطب القرآن المجيد نبينا الأعظم صلوات الله عليه وآله لدى ردّه تلكم التبريرات اليهودية بأن يقول لهم: قد بعث أنبياء من قبلي وقد حملوا علامات وصفات ودلائل واضحة، بما في ذلك القربان الذي وصفتموه . إشارة إلى زكريا ويحيى عليهما السلام وجمع آخر من الأنبياء والرسل في بني إسرائيل ممّن قتل من قبل اليهود . فإن كنتم محقين فلم لم تؤمنوا لهم؟ ولم قتلتموهم ؟!
مع أنّ بعض المفسرين المعاصرين( مثل مؤلّف تفسير المنار) احتملوا أن لا يكون مطلب اليهود أن يذبح حيوان ثم تنزل نار سماوية تحرقه بشكل إعجازي.. وإنّما المقصود أنّ في تعاليمهم الدينية التقرب بقربان يدعى القربان المحروق، حيث يقطعون رأس حيوان ثمّ يحرقونه ضمن مراسم خاصة . وقد وردت تفاصيل هذه المراسم في الفصل الأول من سفر اللاويين في التوراة . وهؤلاء يدّعون بأنّ الله قد عهد إليهم أن هذه المراسم ستشرع في كل دين سماوي، ولأنّ دين الإسلام خلا من هذه المراسم؛ فإنّهم لن يؤمنوا به...(1)ولكن هذا الاحتمال في تفسير هذه الآية بعيد جداً كما يبدو.. لأنّ:
أولاً: هذه الجملة في الآية أعلاه عطفت علىالْبَيِّنَاتِ التي تشهد على أنّ المراد من ذلك فعل إعجازي لا يتناسب وهذا التفسير.
ثانياً: أنّ قتل حيوان ثمّ إلقاءه وحرقه بالنار يشبه عملاً خرافياً، ولا يمكن أن يكون جزءاً من تعاليم الأنبياء السماويّة..
1) تفسير المنار، ج 4 ، ص 267 و 268 .
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)
2.الزبر جمع زبور، وهو الكتاب الذي جرى تدوينه بإحكام، والمعنى مأخوذ في الأصل من الكتابة، ولكن ليس أي كتابة بل هي ما يكتب بمتانة ورصانة وإحكام.
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
1 هدف هذه الآية، وضمن الإشارة إلى قانون الموت العام ومصير الناس إلى القيامة.. هو مواساة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله والمؤمنين، مضافاً إلى تحذير المخالفين العصاة..
هذه الآية توضّح قانوناً يؤكّد أنّ جميع الموجودات الحيّة محكومة . شاءت أم أبت بالمصير إلى الموت الذي ستذوقه ذات يوم كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ.
رغم أنّ أكثر الناس يرغبون في الغفلة عن حتميّة فنائهم، ولكن الحق والواقع هو أنهم إن غفلوا عن هذه الحتمية؛ فإنّها لن تغفل عنهم وأنّ الحياة ستنتهي ذات لحظة، ولاريب في ملاقاة الموت لهم؛ فيضطرون إلى مغادرة هذا العالم.
رغم أنّ المراد من (النفس) في هذا السياق القرآني هو الجسم والروح، ورغم أن إطلاق كلمة النفس في القرآن يراد به الروح أحياناً.. والتعبير بالذوق والتذوّق إشارة إلى الشعور الكامل، ذلك لأنّ الإنسان يرى طعاماً أحياناً أو يلمسه بيده، ولكن هذين الأمرين لا يمثلان إحساساً تاماً، إلّا أن يتبعهما التذوّق للطعام.. وهكذا يكنّى بالذوق عن نظام الخلقة التي ينتهي أمرها بالموت كما أن تحسّس الطعام يكتمل لدى التذوّق، سواء كان من قبل الإنسان أو الحيوان..
بعد هذه الحياة، تبدأ مرحلة إعطاء الأجر والتعريض للعذاب.. وفي الدنيا عمل بلا جزاء، وفي الآخرة جزاء بلا عمل ( وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
قوله تعالى:تُوَفَّوْنَبمعنى الإعطاء التام، ويشير إلى أنّ الأجر والثواب سيعطى تامّاً في يوم القيامة، وعليه؛ لا مانع أن يكون عالم البرزخ المتوسط بين الدنيا والآخرة) ساحة لمشاهدة الإنسان شطراً من نتائج أعماله الدنيوية؛ أجراً كانت أو عقاباً، ذلك لأنّ هذا الأجر وهذا العقاب غير تامين
كلمةزُحْزِحَ لغةً تعني أنّ الإنسان حين يقع تحت تأثير جاذبية شيء؛ ينساق إليه تدريجيّاً، وكلمة فَازَ في الأصل تعني النجاة من الهلاك وبلوغ المحبوبفَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ .
قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ يبين كأنّ النار تجتذب بكل قدرتها الإنسان إلى كيانها، وبالفعل؛ فإنّ العوامل التي تجتذب الإنسان إليها ذات جاذبية عجيبة..
كأنّ النار تجتذب الإنسان إليها بكلّ قدرتها والذين لا ينجذبون إلى النار ويبتعدون عنها سيدخلون الجنة.. وهؤلاء هم الناجون، وهم الذين سيتصلون بمحبوبهم ومطلوبهم..
من عبارة فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ يفهم أنّ الناس ما لم يسعوا إلى التحصن من جاذبية العوامل الخادعة؛ فإنّهم سينجذبون إليها بالتدريج.. ترى أليست الرغبات العابرة واللذات الجنسيّة المحرّمة والثروة غير المباحة تشكل جاذبة لكلّ إنسان؟!
الذين يربّون أنفسهم على الانعتاق من الجاذبية وضبطها ويسمون إلى مقام ما يعرف بالنفس المطمئنة هم الناجون الحقيقيون ، وهم المتنعمون بالأمن والسكينة.
قوله تعالى: وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ يبين المسألة أدناه: أنّ الدنيا دار تمتّع وانتفاع واغترار، وهذه الحياة وزبرجها لها خاصيّة، ولكنّ الإنسان إذا ما نالها ولمسها عن قرب؛
وجدها فارغة المحتوى، ومعنى متاع الغرور ليس أكثر من هذا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ .
اللذات المادّيّة تبدو خالصة طيّبة عن بعد، وإذا ما اقترب منها الإنسان؛ وجدها ملوّثة بأنواع المنغصات.. وهذا أحد أشكال الخديعة في هذه الدنيا، وغالباً ما يغفل المرء عن طبيعة فنائها، ولكنه سرعان ما يلتفت إلى سرعتها البالغة في الزوال والفناء وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
رغم أنّ عبارات فناء الدنيا طالما تكرّرت في القرآن الكريم والروايات المعصومة إلّا أنّ الهدف النهائي من هذا التكرار منع الإنسان من اتخاذ الدنيا ولذائذها الزائلة هدفاً نهائياً، ولو أنه اتخذها كذلك، فلن يجني سوى الضياع والغرق في أنواع الذنوب والابتعاد عن الحقيقة والتكامل الإنساني، ولكنّ الانتفاع من ماديات الدنيا وما فيها من صور رائعة كوسيلة لتحقيق التكامل المنشود فيعد ذلك أمراً لازماً وضروريّاً.. فضلاً عن كونه غير محمود..
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
وردت في هذه الآية، وطبقاً للروايات التي نقلها المفسّرون، وضمن دعوة المسلمين المقاومة أذى الكفّار، الإشارة إلى أنّ المسلمين حينما هاجروا من مكة إلى المدينة وخرجوا من مساكنهم وأموالهم، عمد المشركون في مكة إلى مصادرة أموالهم وتملّكها، ولم يقصّروا فيما لا يصحّ أن ينسب إليهم من قول، ثمّ إنّ هؤلاء المسلمين حين وصلوا المدينة واجههم اليهود بأنواع الأذى، لاسيما ما كان يلذعهم به كعب بن أشرف من أشعار وهجاء، فيما كان مشركو المدينة يشجعونه عليه، بل إن نساء المسلمين وبناتهم لم يسلمن من تعرّضه لهن بأبيات الغزل.. حتى بلغ الأمر أن اضطرّ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى إهدار دمه، فقتل على يد بعض المسلمين.(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 903
ذلك الشاعر السليط اللسان، أو أنّ أعداءهم سيكفون عن إلحاق الأذى بهم بعد كعب هذا، وأنه لا ريب في أنهم سيسمعون في المستقبل من أهل الكتاب(اليهود والنصارى) والمشركين ما لا يحبونه من القول الكثير..لَتُبْلَوْنَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً..
الحياة أساساً مسرح اختبار، ومن المؤكد أنّ المسلمين سيؤذون في أموالهم وأنفسهم ويمتحنون، وهم في قبال ذلك ملزمون بالاستعداد لخوض الاختبار ومواجهة الحوادث والأزمات لَتُبْلَوْنَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
أن الإشارة إلى مسألة سماع السوء من القول الصادر عن الأعداء، هو من مصاديق الامتحان الذي صرّحت به الآية في مطلعها.. وذلك تبعاً للأهمية القصوى لهذا الموضوع المؤثّر في روح الأفراد الأشراف والمتحسّسين، حتّى أنّ بعضهم يعدونه أشدّ إيلاماً من ضربات السيف وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً .
أنّ الاستقامة والصبر والتقوى والورع وظيفة جميع المسلمين لدى مواجهة الأذى والإهانات المتتالية عليهم ضمن مصاعب الأيام، وأنّ الالتزام بهذه الوظيفة من جملة الأفعال ذات النتائج الواضحة ، ولذا كان لزاماً على كلّ ذي عقل أن يقرّر العمل بتلكم الوظيفةوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
كأنّ اقتران الصبر بالتقوى في الآية إشارة إلى أنّ بعض الأفراد ينطقون بغير الشكر وبالشكوى رغم استقامتهم ، وصبرهم، إلّا أنّ المؤمنين الواقعيين يمزجون بين الصبر والاستقامة والتقوى دائماً، وينأون بأنفسهم عن كلّ ما يعيب ذلك.
العزم لغةً بمعنى التصميم والرصانة في اتخاذ القرار، ويطلق أحياناً على كلّ شيءٍ متين، وعليه؛ فإنّمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ يشار بها إلى الأفعال الجديرة بأن يقوم بها الإنسان ويقرّر إنجازها، أو أنها بمعنى كلّ فعل رصين وجدير بالاطمئنان.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)
تبعاً لذكر جملة من مخالفات أهل الكتاب، تشير هذه الآية إلى أحد أعمالهم القبيحة؛ وهي كتمان الحقائق وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ وتقول: فلا تنسوا ذلك الميثاق الذي أخذه الله ووكده على أهل الكتاب وألزمهم بإيضاح وبيان آيات الله للناس، وأن لا يكتموه عنهم أبداً.
مع أنّ كلمة لَتُبَيِّنُنَّهُ قرنت بلام القسم وتضمنت منتهى التأكيد، فإنّها قرنت أيضاً بكلمة وَلا تَكْتُمُونَهُ وذلك للأمر بعدم كتمان الحقائق.
ومن مجموع هذه العبر الواردة في هذه الآية يعلم أنه سبحانه قد أخذ على هؤلاء بواسطة أنبيائه السابقين أوثق العهود والمواثيق في بيان الحقائق، ولكن مع كل ذلك؛ تراهم خانوا الميثاق الإلهي المتين وكتموا حقائق كتب السماء فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.
.. . أيّ منهج أراد الإنسان إنجازه، جعل مقاييس تطبيقه أمام عينيه.. ولكنه متى أراد التنصل عنه وعدم العمل به ونسيانه بالمرة؛ أزاحه من أمام ناظريه وجعله وراء ظهره، ولهذا كانت عبارة فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كناية لطيفة عن عدم عمل الإنسان وتناسيه له..
حققوا لأنفسهم مكاسب عظيمة في مقابل جريمتهم الشنعاء لعذروا بما أعمتهم المصلحة.. ولكن العجب كلّ العجب أنهم لم يحققوا لأنفسهم غير متاع قليل زائل وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.
6 . يشير التحقيق وملاحظة جذر كلمة (تبيين) المستعملة في هذه الآية إلى أنّ المراد ليس قراءة الآيات ونشر كتب السماء فحسب، بل هو عرض الحقائق عارية واضحة للناس ليطلع عليها الجميع ويسبروا غورها بأرواحهم.. وأي ما عالم دين قصر في تعليم المسلمين؛ صار من أولئك العلماء المذمومين ولقي ذات المصير البائس الذي حدده الله تعالى لعلماء اليهود في الضالين المضلين في هذه الآية.
1) الكشف و البیان، ج 3، ص 228
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)
نقل المحدّثون والمفسّرون شؤون نزول عديدة لهذه الآية، وأحد هذه الشؤون ما روي أنّ جماعة من اليهود وحينما كانوا يحرّفون كتابهم التوراة ويكتمون ما ورد فيها من حقائق، وكانوا يظنون أنهم سينتفعون من فعالهم فيسرون لها ويفرحون، وكانوا يحبّون أن يعدّهم الناس علماء ومدافعين عن الدين وأنهم يحسنون ما يصنعون فنزلت هذه الآية وردّت عليهم فعالهم الخاطئة.. وقال آخرون نزلت هذه الآية في المنافقين ممن تذرّعوا بأنواع الذرائع لامتناعهم عن مشاركة المسلمين في المعارك، وحينما كان المجاهدون يعودون من أرض المعركة يقسمون لهم أنهم ما كانوا ليتركوهم لولا أعذارهم الشرعيّة، ومع ذلك كانوا يتوقعون من الناس أن يُمدحوا ويُحمد والأفعال تملّصوا منها من قبل.. فنزلت هذه الآية وردّت توقعاتهم السفيهة الباطلة.. (1)
الأولى: من يندم على ارتكابه الذنب الذي كان قد قام به لدى طغيان غريزته.. وتخلّصه من هذا الذنب أمر يسير جدّاً، وذلك لندمه المباشر على معصيته، إذ سرعان ما يلومه وجدانه الحيّ..
1) مجمع البیان، ج 2، ص 906
الثانية: الذي لا يشعر بندم على ذنبه، بل هو مغرور راض عن معصيته فرح متباه بها، وفوق هذا؛ تراه يميل ويرغب بأن يحمده الآخرون على سوء فعاله: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا.
2 هذه الآية تصرّح بأن لا تظنّوا أنّ أشخاصاً كهؤلاء الذين يسرون بأفعالهم القبيحة ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.. أنهم سينأون بأنفسهم عن العذاب الأخروي، بل إنّ النجاة ستكون من نصيب الذين يندمون على أفعالهم المشينة . على الأقل...
لم ترد الإشارة في هذه الآية إلى عدم نجاة هؤلاء العصاة المغرورين الذين لا يندمون على قبائحهم فحسب، بل هي أكدت أنّ عذاباً أليماً ينتظرهم في الآخرة ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
يمكن أن يستفاد من هذه الآية أنّ السرور المطلوب يجب أن يكون في حال توفيق الإنسان إلى القيام بالعمل الصالح بشكل معتدل والذي لا يؤدّي به إلى الغرور والرضا عن النفس ثمّ عدم الرغبة في تلقي المديح عليه، لاسيما إذا كان في حد الاعتدال ولم يكن الدافع إليه أمراً مذموماً .. ذلك لأنّه من مصاديق الغريزة الإنسانية..
أحبّاء الله تعالى لا يعدّون ما يقومون به أكثر من حدّه ، بل تراهم يشعرون بتقصيرهم في مقابل عظمة الله، ومن هم في مستوى عالٍ من الإيمان بعيدون كل البعد عن الفرح بأعمالهم وعن الرغبة في تلقي المديح والثناء.. فهم يعتبرون أعمالهم الطيبة أقل من المتوقع، ويعدون أنفسهم مقصرين دوماً في طاعة الربّ العظيم..
لا ينبغي أن يتصوّر أنّ هذه الآية خاصة بالمنافقين الذين كانوا يعيشون في الصدر الأول للإسلام وأمثالهم، بل إنّها تعمّ كافة الناس وفي كل العصور وضمن مختلف الظروف الاجتماعيّة ممّن يفرح ويغتر بعمله القبيح ويدفع الآخرين إلى الثناء عليه.. ومثل هذا الفرد المتطرف في تفكيره وسلوكه المشين ينتظره عذاب أخروي أليم، بالإضافة إلى تعرّضه لغضب الناس والابتعاد عنهم في هذه الدنيا، وكذلك أصابته بأنواع الاضطراب..
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
هذه الآية تبشّر المؤمنين وتهدّد المنافقين والكافرين.. بمعنى أنه لا مبرر ولا دليل على أنّ للمؤمنين أن يسلكوا طرقاً منحرفة لإحراز التقدم لأنفسهم، أو أن يمدحوا ويشجّعوا على ما لم يفعلوا.. فهم قادرون على إحراز التقدم بالاعتماد والتوكل على الله الذي له ملك السماوات والأرض وعبر الطرق المشروعة والصحيحة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لا يتصوّر المسيئون والمنافقون الطامحون للوصول إلى منزلة ما بالطرق المنحرفة وغير المشروعة أنّهم سينجون من عقاب الربّ مالك كل الوجود..
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)
جميع آيات القرآن ذات أهمّيّة؛ لأنها جميعاً كلام الله وقد نزلت لتربية الناس وإنقاذهم من الجهل والضلال، إلا أنّ منها آيات ذات نورانية خاصة، ومن جملتها الآيات الخمس أعلاه، إذ فيها ما يهزّ مشاعر الإنسان وتتضمّن معارف دينيّة ممزوجة بألطف ألحان الدعاء والمناجاة ولهذا؛ فقد أولتها الروايات المعصومة توجّهاً مميزاً.
قال عطاء بن أبي رياح سألت عائشة ذات يوم عن أعجب ما رأت من رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت كلّ ما في رسول الله عجيب، ولكن الأكثر عجباً أنني رأيته ذات ليلة وقد جلس ليستريح في بيته، ولكنه سرعان ما نهض من مجلسه وارتدى ثيابه وأسبغ الوضوء ووقف للصلاة، فأطال في صلاته حتى بكى وابتل مسجده بدموعه.. وحين أذن بلال لصلاة الصبح وانتهى من أذانه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبب بكائه وأنه المشمول بلطف ربه، فقال مجيباً: «أفلا أكون الله عبداً شكورا» وقد أنزل الله عليَّ في ليلتي آيات عجيبة، ثمّ إنّه صلوات الله عليه وآله قرأ الآيات الخمس أعلاه ثم قال أخيراً: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» (1)وهذا أمر مؤكّد على ضرورة التفكّر حين تلاوة آيات القرآن. وهناك روايات عديدة حوت عبارات متنوعة في هذا الصدد. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه كان إذا قام لصلاة الليل بدأ بالسواك ثم نظر إلى السماء وهمس بهذه الآيات.. (2)
كما ورد الأمر عن أهل البيت عليهم السلام بلزوم قراءة هذه الآيات قبيل صلاة الليل..(1)
وقال نوف البكالي، وكان من خواص أمير المؤمنين عليه السلام.. قصدت أمير المؤمنين ذات ليلة ولما يعف النوم عيني، فرأيته قام وهو يرتل هذه الآيات، ثمّ طلبني وقال: يا نوف! نائم أم يقظ ؟ فقلت: بل يقظ، فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ...(2)
هذه الآية والآيات الأربع التي تليها تبين منهجاً مختصراً للإيمان والأسلوب العملي وما يطلبه من أصحاب الفكر والعقل وطبيعة مناجاتهم.
آيات القرآن ليست للقراءة فحسب، وإنّما هي للفهم والإدراك، وما قراءتها إلا مقدّمة للتفكر والتدبّر، ولهذا أشير في الآية الأولى إلى الذكر ثم التفكّر، بمعنى أن الذكر غير كافٍ لوحده..
أُشير في مطلع الآية إلى عظمة خلقة السماء والأرض، وهي تفصح عن أن في خلقة السماوات والأرض وفي تعاقب الليل والنهار علامات واضحة لأولي الألباب والمفكرين، وعلى هذا؛ فهي تشجّع الناس على التفكير في هذا الخلق العظيم ليكون ثُمّ نصيب بمستوى استعداد الإنسان ومدى تفكّره وليرتوي من معين الأسرار الصافي والزلال في الخلقة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
لا ريب أنّ عالم الخليقة وصورها البديعة وما فيها من نماذج جاذبة والنظم العجيبة الحاكمة عليها بمثابة كتاب استثنائي عظيم ، وكلّ حرف وكلمة فيه دليل وآية واضحة جداً على وجود الخالق القدير ووحدانيته...
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
.2. العقلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال ويتفكرون في أسرار السماوات والأرض على الدوام.
ذكر الله تعالى له ثمرته القيمة حين يمتزج بالتفكّر ، كما لو أنّ التفكر في خلق السماوات والأرض ما لم يقترن إلى ذكر الله تعالى سيكون غير ذي نفع وثمرة.. ولهذا؛ كم هم المفكرون المنهمكون في أبحاثهم الفلكية وما يرتبط بخلقة الأجرام السماوية وهذا النظام الفضائي العجيب، ولكن لما لم يقرنوا ذلك بذكر الله ولم يضعوا نظارات التوحيد على أعينهم ولم يقفوا . لدى تفكيرهم . في زاوية معرفة المبدأ، تراهم لا يجنون الثمار التربوية والإنسانية، كما لو أنّ أحدهم يتناول طعاماً يرفد بدنه بالقوة ولا يلتفت إلى تقوية روحه وعواطفه وتفكيره..
التفكّر في أسرار الخلقة يضفي على الإنسان وعياً خاصاً، وأوّل آثاره إلفات نظره إلى هدفيّة الخلقة، ذلك لأنّ الإنسان إذا ما وجد في كلّ موجود صغير في هذا العالم المترامي
الأطراف هدفاً مهماً، فهل له أن يقول بعدم هدفيّة الوجود برمّته.. وها نحن نلاحظ الهدفية الواضحة في هيكلة النبات وقلب الإنسان ونوافذه وكلّ شيء في الوجود كما هي العين وأجزاؤها والأظفار بتفاصيلها.. إذ كلّ جزء له هدفه المرسوم رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً .
6 . أولو الألباب وبعد الإقرار بالهدفيّة في الخلقة يتذكرون مباشرة خلقتهم ويعون أنّ الإنسان ثمرة عالم الوجود، وأنه لم يخلق عبثاً.. وما هدفه سوى التربية والتكامل.. وهو لم يخلق ليعيش أياماً قلائل غير ذات قيمة.. بل إنّ ثَمّ مستقراً آخر قد أعد له.. وفيه سيلقى أجره أو عقابه على ما صدر منه من نوايا وأفعال.. وهناك يلتفت إلى مسؤولياته الموظف بالقيام بها، فيطلب إلى الله التوفيق إلى إنجازها ليأمن العقاب، ولذلك يقول: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)
يعلم من قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أنّ العقلاء وقبل خوفهم من النار فإنّهم يرعبون من الفضيحة، وهذا هو واقع الأفراد ذوي الشخصيّة الفذة، فهم على استعداد لتحمّل أنواع المشاق والآلام دون أن تتعرّض حيثيتهم للخدش، وعليه؛ فإنّ أشدّ عذاب لهم فضيحتهم في محضر ربّهم وعباد ربّهم..
المسألة المهمة التي يتضمنها قوله تعالى: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ، أَنّ العقلاء وبعد معرفتهم بالأهداف التربوية للإنسان يبلغون الحقيقة القائلة بأنّ الوسيلة الوحيدة لتوفيق الإنسان ونجاته هي عقيدته وعمله وسلوكه، وعليه؛ فإنّ الأفراد الظلمة يعجزون عن العثور على ناصر ما، لاسيما وأنهم قد فقدوا الناصر الأصلي؛ وهو العمل الطيّب.
اعتماد كلمة (الظلم) إما بداعي خطورة هذا الذنب من بين سائر الذنوب، وإما بداعي أنّ جميع الذنوب ترجع إلى ظلم النفس.
هذه الآية لا تتنافى وعقيدة الشفاعة (بمفهومها الصحيح) ذلك لأنّه وكما تقدّم في بحث ّالشفاعة حيث المشفوع له بحاجة إلى خصوصيّة، وهذه الخصوصية والاستعداد إنّما يتوفّران تحت مظلّة الأعمال وقبلها النوايا الصحيحة والصالحة..
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)
ذوو العقول وبعد تعرفهم إلى هدف الخلقة؛ يعلمون أنّ طيّ هذا الطريق فيه من العسر الكثير ، ولا يسع المرء العبور منه من دون قيادة ربّانيّةرَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا .
المؤمنون يعشقون مناجاة خالقهم الواحد الأحد، وهم على الدوام مترصدون سماع صوت المنادين بالإيمان والصدق، ومتى ما سمعوا أوّل نداء إيماني أسرعوا إلى الإجابة، وبعد التحقيق اللّازم يبادرون إلى التلبية، فيؤمنون بكلّ وجودهم ويخاطبون ربِّهم بالقول: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.
3.ربّنا قد آمنا بكلّ وجودنا، ولكن حيث جعلتنا في معرض عواصف الغرائز الشديدة، ولعلّ انحرافاً نسقط فيه فنرتكب ذنوباً.. إلهنا! فاعف عنا واغفر لنا ذنوبنا واستر علينا خطايانا واحشرنا مع الصالحين الأبرار: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ.
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
2.اعتماد عنوان عدم الافتضاح في مشهد يوم القيامة يبيّن أن المؤمنين وبداعي ما يولون من أهميّة لشخصيتهم وكرامتهم، فإنّهم يعدّون الفضيحة في يوم القيامة أشدّ عقاب.. ولذلك يطلبون من ربهم الستر والعافية..
روي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام أنّ من اهتم لأمر، فليقل خمساً: «ربنا» آمنه الله تعالى من كلّ ما يخاف وأعطاه ما يؤمّل.. فقيل، وكيف يقول: «ربّنا» خمساً؟ فقال: يقرأ الآيات التي اشتملت على هذه الكلمة؛(1)ففيها الإجابة لأنه تعالى يقول فيها: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ ربّهم.
حينما يتفق لسان المرء وقلبه، ويفكّر . عن إيمان - بمضمون هذه الآيات أعلاه ويتدبّر، يبلغه الله تعالى معانيها، وهو أنّ الفرد المؤمن إذا نظر فيها نظرة العلم والحبّ الله، وجد حلاوة الإيمان في وجدانه ونزع الله عنه داء النفاق وأنار قلبه..
1) رموز الكنوز، ص 398
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
هذه الآية تتمّة للآيات السابقة الخاصة بأولي الألباب وبنتيجة أعمالهم، وابتداؤها بفاء التفريع أوضح دليل على هذه العلاقة، ومع ذلك فإنّ شؤون نزولها المروية وما جاء فيها من كلمات للمفسّرين لا يتنافى مع علاقتها بالآيات السالفة.
ومن جملة ما نقل؛ أنّ السيدة أم سلمة إحدى زوجات الرسول قالت للنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله: قد قال القرآن في الرجال وجهادهم وهجرتهم الكثير، فهل للنساء نصيب؟ فنزلت هذه الآية وأجابتها عن سؤالها.(1)
وكذلك روي أنّ الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين هاجر إلى المدينة واصطحب معه الفواطم (فاطمة بنت أسد أمه والصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وفاطمة بنت الزبير) وأم أيمن التي التحقت بهم أثناء الطريق. (2)
ولا ريب في أنه لا منافاة بين هذه الشؤون المتعلّقة بالآية الشريفة وبين الآيات السابقة، كما هو عدم المنافاة بين شأني نزول هذه الآية بالذات.
قوله تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ينبه إلى أن رحمة الله ولطفه لا يقعان خطأً وأنه لا فصل بين نجاة الإنسان ونجاحه وبين أعماله الصالحة ونيته الطيبة.. ولهذا وردت الإشارة في هذه العبارة إلى أصل العمل وكذلك إلى العامل، فيعلم بذلك أن العمدة والمحور الأساس في القبول واستجابة الدعاء هو عمل الإنسان الناشئ عن العقيدة السليمة والإيمان وأنّ الإجابة المباشرة إمضاء للعمل الصالح.
لا يُتصوّر أنّ الوعد الإلهي :لا أَضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ خاص بالرجال فقط، ولذا ورد التصريح بأنّ عدم إضاعة العمل يشمل الرجل والمرأة على حدٍ سواء، وذلك لأنّ الجميع متساوون في الخلقة ويتعلّق بعضهم ببعض؛ وقد ولد الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر * مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ .
يمكن أن يكون في قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ إشارة أن الجميع أتباع دين واحد ومؤيد و حقيقة واحدة؛ وعليه؛ فلا دليل على أن يميّز الله بعضكم دون بعض..
أوّل إحسان ولطف بالذين هاجروا في سبيل الله وأخرجوا من أوطانهم وديارهم وأوذوا في الله تعالى وجاهدوا... أنّ المولى عزّ وجلّ آلى على نفسه أن يكفّر عنهم سيئاتهم لما تحملوا من المصاعب والمصائب في سبيله، فيتطهروا بهذا التكفير والغفران فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا
مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ. 6. معلوم أنّ المشمول بالرحمة الإلهية سيكون مصيره إلى الجنّة المفعمة بالأنهار والأشجار وأنواع النعم والرضوان وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.
يعلم من هذه الآية جيّداً أنّ الجنّة محل المطهرين، وأنه ما لم يطهر الإنسان لن يسار به إليها، ومن هنا؛ لزم التطهر بالأعمال الصالحة، ثمّ الانطلاق إلى حيث النعم الإلهية والجنّةلَأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ثم وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ....
هذه الآية كما الآيات القرآنية العديدة أكدت على تشابه المرأة والرجل في الموقف عند الله تعالى ولدى بلوغ المقامات الروحيّة السامية؛ إذ الاختلاف الجنسي والتفاوت في هيكلية البدن وفي بعض المسؤوليات الاجتماعية لا يعد دليلاً على وجود فرق بين الطرفين لدى تحقيق التكامل الإنساني.. بل إنّهما بالسواء على هذا الصعيد، ولهذا؛ ذكرتهما الآية معاً.. والأمر برمته يشبه ما إذا جرى انتخاب أحدهم رئيساً لدائرة ما، واختير آخر لمنصب معاونه أو ليكون عضواً في هذه الدائرة.. فيلزم أن يكون الرئيس ذا قابلية أكبر أو تجربة أطول أو علم أوسع لما تحتاجه وظيفته ومسؤوليته.. إلّا أنّ هذه الميزات والخصائص والشروط التي هي من مستلزمات العمل الوظيفي لا يستدلّ بها على أنّ الشخصية الإنسانية والقيمة الوجودية للشخص الرئيس هي أشرف وأسمى من معاونيه أو موظفيه...
واضح أنّ التحقيق والمطالعة في نظرة الإسلام المحترمة إلى حقوق كلّ من المرأة
والرجل، وبعد مزيد التعمّق والتدبّر في آيات القرآن المجيد التي نزلت في حقبة كانت أمم الأرض جميعاً تشك في إنسانية جنس المرأة وتعدّها موجوداً مذموماً وكونها مصدر الخطيئة والانحراف والموت، مثل الآية الأربعين من سورة (غافر) القائلة: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ومثل قوله تعالى في الآية السابعة والتسعين من سورة النحل): مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ حيث توضح هذه الحقيقة الناصعة أنّ الإعلام المضلل الصادر عن بعض الجهلة أو المعادين طالما اتهم الإسلام بكونه ديناً خاصاً بالرجال دون النساء.. والتهمة باطلة وبعيدة كل البعد عن الصدق والحق...
ليس التفاوت الحاصل والمشهود في بعض الأحكام والقوانين الإسلامية بين المرأة والرجل بسبب ترجيح الرجل على المرأة أو أريد به الإساءة إلى مكانة المرأة المعنوية، بل هو بداعي التفاوت البدني والعاطفي الحاصل بين المرأة والرجل، ولهذا؛ كانت الفوارق من حيث المسؤوليات الاجتماعية التي دونتها الأحكام والقوانين الإسلامية.. وإلا فإنّه لا تفاوت آخر في نظرة الإسلام وموقفه تجاه المرأة والرجل، لاسيما وهو الذي طالما أكّد أنّ أبواب السعادة مشرعة للطرفين على حدٍ سواء كما نقرأ في قوله تعالى:بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ حيث يعلم منها أنّ الطرفين من جنس واحد ومجتمع واحد.
مع توفّر الاحترام لحقوق المرأة في القرآن المجيد الذي أنزله الله تعالى قبل ما يزيد على (1400) سنة، وفي عصر كان الناس يدفنون بناتهم أحياءً، فقد يظنّ ظانّ بأنّ عرب الجاهلية فقط هم من كانوا يرتكبون هذه الجريمة الشنيعة بحق إناثهم.. إلا أنه يجب أن يعلم بأنّ حقوق المرأة لم ينادَ بها إلّا قبل مئة سنة فقط، وأن كثيراً من الأمم قبل ذلك كانت تعد عبادة المرأة ربها فعلاً عبثيّاً وغير مقبول أصلاً، كما كان اليونانيون وفلاسفتهم يعتبرون المرأة موجوداً خبيثاً من عمل الشيطان، فيما كان الرومانيون وبعض اليونانيين يعتقدون بأنّ المرأة لا روح لها،
وعليه؛ فقد كانوا يحصرون كيان الإنسان ووجوده في الرجل فقط.. والملفت أيضاً أن علماء النصارى في اسبانيا وحتى عصر متأخر كانوا يبحثون فيما إذا كانت المرأة مثل الرجل في امتلاكها روحاً، وأنها الروح فيما لو توفّرت في حياتها . ستكون خالدة بعد الموت أم لا؟! وقد ذهبوا إلى أنها لا تتمتع بروح خالدة نظراً لأنّ ما عند المرأة من روح إنما هي روح برزخية بين روح الإنسان وروح الحيوان.. وليست من النساء إلا مريم عليها السلام تمتلك روحاً خالدة وهذا الظلم العتيد بحق المرأة لا يزال عند عديد من الأمم يتشكل بصور متفاوتة!!
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)
كان كثير من المكتين يمتهنون التجارة، فكانوا يحققون أرباحهم ومكاسبهم من خلالها ليعيشوا عيشة نعيمة.. وكان يهود المدينة ماهرين في المتاجرة، وكانت أسفارهم التجارية رابحة في الغالب، فيما كان المسلمون في تلك الحقبة . وبسبب ظروف حياتهم الخاصة، ومنها الهجرة من مكة إلى المدينة ومحاصرتهم الاقتصادية المفروضة عليهم من قبل الأعداء قد أدت بهم إلى حالة مادّيّة مزرية وعسر معيشي مضني . وقد أدّى هذا التفاوت المشهود في حال الكفّار عموماً والمسلمين خصوصاً إلى تساؤل البعض عن رخاء غير المسلمين وعناء المسلمين وفقرهم... فنزلت الآية أعلاه لتجيب عن هذا التساؤل.. (1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 915
واضح أنه مع كون المخاطب في هذه الآية هو شخص رسول الله صلى الله عليه وآله، إلّا أنّ المراد هو عموم المسلمينلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ.
الإجابة على هذا السؤال بحاجة إلى تحليل وتفصيل عوامل النجاح وعدم النجاح، وقد أشارت الآية إلى بعض منها.. وبالدقة والملاحظة نستطيع معرفة بعض آخر منها..
فكلّ من الفريقين - المؤمنون وغيرهم . لهم نقاط ضعف ونقاط قوة، ولكل منهما آثار وتبعات والفرق أنه لدى الجرد والحساب يقع الخطأ والشبهة فيها. فمثلاً: واحدة من نقاط القوّة وأسباب التقدّم لبعض غير المؤمنين والمتأخرين من المؤمنين أنّ الفريق الأول ومع عدم إيمانهم تراهم يحوزون نقاط قوة تارة ويحققون نجاحات فائقة تحت ظلالها.. والفريق الآخر ومع إيمانهم يحوز نقاط ضعف تستدعي التأخر والتراجع.. وهناك من الأفراد . أيضاً . ومع ابتعادهم عن ربهم المتعال واتخاذهم أرباباً من دونه سبحانه، تراهم يعيشون منتهى النشاط والفاعلية والجدّيّة والإبداع والاستقامة فيما بينهم مع كلّ الوعي لمتطلبات عصرهم.. ولا شك في أنه هكذا أفراد سيحققون لأنفسهم . بهذه الملكات والصفات . نجاحات تلو نجاحات.
وهم في الحقيقة يفعلون سلسلة مناهج أصيلة دينية دون ادّعاء ديني بها.. وفي المقابل هناك أفراد يبدو أنهم متمسكون بالدين وشعاراته، إلّا أنّهم غافلون . في الحقيقة - عنها، ممّا يعني أنّهم أفراد تعوزهم الشهامة والاستقامة والاتحاد.. ولا ريب أنّ حياة هؤلاء ستشهد الهزيمة تلو الهزيمة.. إلّا أنّ هذه الهزائم لا تقع بداعي إيمانهم، وإنما لوجود نقاط ضعف فيهم، والحال أنهم يتصوّرون أحياناً أنّ النجاح رهين بأداء الصلاة والصيام مع أنّ الدين يتضمن سلسلة مناهج عمليّة يتكفّل العمل بها تحقيق النجاح والتطوّر، فيما التغافل عنها يؤدّي إلى الهزيمة والفشل.
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)
هذه النجاحات والمكاسب المادّيّة غير المقيدة نجاحات عابرة وقليلة؛ تتبعها عواقب وخيمة وسيطالب أصحابها بمسؤولياتهم الحقيقية كما أنّ عذاب النار سيكون بانتظارهم، وما أسوأه من مصير: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
الآية أعلاه تشير . في الحقيقة . إلى نقطتين :
الأولى: كثير من نجاحات الطغاة والظالمين ذات أبعاد مؤقتة ومحدودة، كما أن حرمان وآلام الكثير من المؤمنين مؤقتة ومحدودة.. ومصداق ذلك؛ حالة المسلمين في مطلع الإسلام وحالة أعدائهم.. فالحكومة الإسلامية التي كانت تأتست لتوها كانت بسيطة وطرية في عودها فيما الأعداء قد أحدقوا بها كما العاصفة الهوجاء، مضافاً إلى أنّ مهاجري المسلمين إلى المدينة كانوا قلة قليلة.. فكانت حالهم يرثى لها، شأنها في ذلك شأن الثورات الأصيلة والروحية التي تحدث في مجتمعات فاسدة، حيث لابد أن تطوي مرحلة من الحرمان، ولكنها بعد قضائها فترة قصيرة من التعمّق والتجذر تراها تقوّي عودها.. وتنتقل إلى مرحلة جني الثمار، فيما الأعداء تحلّ بهم الخسارة والهزيمة.. وهذا عين الذي وصفته العبارة القرآنية بأنّه مَتَاعٌ قَلِيلٌ.
الثانية: أنّ النجاحات المادّيّة التي تحققها الجماعة غير المؤمنة إنّما تحدث بسبب عدم التزام ذويها بقيود أو شروط، فتراهم يجنون المال . مثلاً من الطرق الشرعية وغيرها، بل إنّ هذه الطرق لا تجد لها مفهوماً في تفكيرهم وسلوكهم، ولو كان ذلك عن طريق امتصاص دماء
البؤساء.. في حين أنّ المؤمنين يلزمون أنفسهم بالقيود الشرعية وبأصول الحق والعدل، وعليه؛ فلا يصح قياس الفريقين إلى بعضهما.. إذ المؤمن ذو شعور بالمسؤولية، بيد أنّ غيره لا يعرف شيئاً تحت مسمّى الخطوط الحمراء، وحيث أنّ الدنيا دار حرّيّة واختيار، فقد جعل الله تعالى الفريقين مختارين لينتهي كلّ واحد منهما إلى عاقبة عمله .. وهذا هو الذي عبّرت عنه الآية الشريفة بالقول: ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ..
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)
ينبغي للمتقين أن يعلموا أن إحراز الثروة المادّيّة يجب أن يكون طبقاً لموازين الحق والعدل، ولا ريب في أنّ للإيمان بالله ثمنه ومصاعبه، إذ لعلّ ذلك يستوجب الهجرة عن الوطن أو تحمّل المحاصرة الاقتصادية والاجتماعية، كما لا ينبغي للمؤمنين المتقين أن يتعلّقوا بلذائذ الدنيا المؤقتة، بل عليهم أن يعوا ضرورة تحمّل مصاعب ومصائب الدنيا الزائلة؛ حفظاً لإيمانهم والطموح إلى ما أعد الله تعالى لهم من جنان تجري من تحتها الأنهار.. لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا.
نُزُلاًلغةً بمعنى ما يعد لضيافة الضيف. وقال بعض اللغويين إنّ (النزل) هو أوّل الضيافة؛ مثل شراب الفاكهة الذي يقدّم للضيف بدءاً..نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ .
رغم أنّ أوّل ما يستقبل به المتقون في جنان الخلد كلّ المواهب المادّيّة، أمّا الضيافة الأهم والأسمى؛ هو النعيم المعنوي الذي قالت عنه الآية:
وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ .
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)
هذه الآية . وطبقاً لأكثر المفسرين . وردت في المؤمنين من أهل الكتاب، هؤلاء الذين عانوا التعصب الأعمى والتطرّف والتحقوا إلى صف المسلمين، وكانوا غير قليل من جملة اليهود والنصارى، ولكن جماعة أخرى من المفسّرين . بناءً على ما روي - قالوا: رغم أنّ مفهوم الآية مفهوم واسع، إلّا أنّها نزلت في النجاشي ملك الحبشة، وهو الذي حينما توفّي وعلم النبي صلى الله عليه وآله بنبأ وفاته في شهر رجب في السنة التاسعة للهجرة، قال صلوات الله عليه وآله للمسلمين: قد رحل عن الدنيا أخ لكم وليس في أرض الحجاز، فقوموا للصلاة عليه، فسأله بعض المسلمين عمّن يكون؟ فقال: هو النجاشي. ثمّ إنّهم جميعاً قصدوا البقيع وصلوا عليه صلاة الميت، ثم سأل النبي ربّه المتعال له الرحمة والغفران، وأمر المسلمين بالدعاء كما دعا.. فقال بعض المنافقين بعد أن رأوا صنيع النبي للنجاشي قالوا: قد صلّى محمد على رجل كافر لم نره يصلّي أبداً ولم يسلم قط.. فنزلت هذه الآية رداً على زعم المنافقين.. ويعلم من الروايات أنّ النجاشي قد أسلم رغم أنه لم يتظاهر بذلك.(1)
1) مجمع البیان، ج 2، ص 916
الصفة الأولى: يُؤْمِنُ بِاللهِ فهم يؤمنون بالله بكل وجودهم.
الصفة الثانية: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يؤمنون بالقرآن وما أنزل على المسلمين.)الصفة الثالثة: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ إيمانهم بنبي الإسلام صلّى الله عليه وآله إيمان حقيقي بالكتب السماويّة الخاصة بهم وإيمان بالبشارة التي وردت فيها، وعليه؛ فهم مؤمنون بالذي أنزل إليهم من قبل..
الصفة الرابعة: خَاشِعِينَ اللهِ مسلّمون خاضعون الله تعالى وهذا الخضوع هو الدافع للإيمان الحقيقي فلا ينساقون وراء التعصّب الجاهلي..)الصفة الخامسة: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فهم لا يفرطون بآيات الله تعالى كما يفعل بعض علماء اليهود حفظاً لمصالحهم وسلطتهم في مقابل رشوة بسيطة ومبررات لا قيمة لها..2. القرآن المجيد من الأديان والمذاهب الأخرى ولا ينظر إلى الجميع بعين واحدة، ولا يصطبغ بصبغة العنصرية والأكثريّة، بل إنّ حكميّة القرآن قائمة على أساس ما يؤمنون.. ولذلك؛ فلم ينس القرآن الكريم نصيب الأقلية المؤمنة الصادقة في مقابل الأكثرية الضالة..3 . بديهي أنّ الأفراد الذين مجدهم القرآن وكرّمهم لا يبيعون آيات الله تعالى بثمن قليل ،والإشارة إلى الثمن القليل يقصد بها أنّهم ليسوا كعلماء الدنيا وعديمي الإيمان..4. لا ريب في أنّ الإنسان مهما أخذ . في مقابل تحريف آيات الله تعالى. فهو ممّا لا قيمة له. 5 هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب سيلقون جزاءهم من عند الله تعالى طبقاً لمنهجهم
الواضح والحي؛ المقتضي للإيمان بجميع أنبياء الله تعالى ولتوفّر الصفات الإنسانية الراقية.. ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. 6. إيراد كلمةربّهم في العبارة إشارة رائعة إلى منتهى اللطف والرحمة الإلهية تجاه مؤمني أهل الكتاب، كما هي الإشارة إلى أنه تعالى يوفقهم في مسار التربية والهداية..
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا وَرَابِطُواْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
المادة الأولى:اصبروا:
الصبر والاستقامة في مقابل الحوادث هو ما يضمن سموّ المسلمين وانتصارهم، وهو في الحقيقة أصل كل انتصار مادّي ومعنوي.
المادّة الثانية: صابروا:
من المصابرة (من باب المفاعلة) بمعنى الصبر والاستقامة فى مقابل صبر واستقامة الآخرين.
وعلى هذا؛ فقد أمر القرآن المؤمنين بدءاً بالاستقامة(الشاملة لجميع أشكال الجهاد مع النفس ومشاكل الحياة) ثمّ في المرحلة الثانية أمر بالاستقامة في مواجهة الأعداء، وهذا ما يوحي أنّ الأمة لن تنتصر ما لم تجاهد نفسها وتصلح نقاط ضعفها، وإنّ النصر على العدوّ غير ممكن . ولعلّ أكثر هزائمنا من قبل الأعداء . تصدر عن هزائمنا في جهادنا أو عدم جهادنا لأنفسنا وعدم إصلاح نقاط ضعفنا..
كما يعلم من الأمرصابروا أنه مهما استقام العدوّ في عدائه، فعلينا مضاعفة استقامتنا..
المادة الثالثة :ورابطوا :
هذه الجملة مشتقة من مادة الرباط، وفي اللغة هي بمعنى ربط شيء في مكان مثل ربط الحصان في موضع (ما ولهذا قيل لقوّة القلب وربطه سكينة الخاطر، وللمرابطة معنى واسع يتضمّن كلّ أشكال الاستعداد للدفاع عن النفس والمجتمع والوطن، كما يعني حراسة الحدود حيث تحفظ العجلات والوسائل الحربية في ذلك المكان.
وقد ورد الأمر في هذه الجملة للمسلمين بالاستعداد لمواجهة الأعداء والترقب الدائم وحراسة الثغور لئلا يقع البلد المسلم فريسة الغفلة عن هجوم البلد المسلم فريسة الغفلة عن هجوم الأعداء، كما أمرت الآية المسلمين بالحراسة الدائمة دون هجمات الشيطان والرغبات النفسية لئلا يؤخذوا على حين
غرّة، ولذا فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله تفسير هذه الآية بانتظار الصلاة بعد الصلاة،(1)إذ أنّ من يحيى بهذه العبادة ويواظب عليها بروحه وقلبه يكون كما الجندي المراقب التحركات العدوّ ويستعد لمواجهته دوماً.. (2)
المادة الرابعة:واتقوا الله :
فالصبر والاستقامة والمصابرة والمرابطة يجب أن تمزح كلّها بالتقوى والورع والابتعاد عن كلّ مصاديق الرياء والأنانية والأهداف الشخصية..
فقد استعملت كلمة (لعلّ) لئلا تجري الغفلة في بقية مواد المنهج الإسلامي.
4.رغم وجود بحث في الفقه الإسلامي في باب الجهاد تحت عنوان المرابطة بمعنى الاستعداد لحفظ الثغور من الهجمات المحتملة للأعداء وما يتضمن ذلك من أحكام خاصة مبينة.. إلّا أنّ حفظ وصيانة الحدود العقائدية والثقافية أمر في غاية الأهميّة، لأنّ الأمة المعرّضة حدودها العقائدية والثقافية باستمرار؛ لن تستطيع الدفاع عن نفسها بما هو المطلوب، ولعلّها ستهزم سياسياً وعسكرياً خلال مدة قصيرة ..
وقد ورد من الروايات ما تصف علم ودور العلماء في المجتمع المؤمن بالمرابطة، كما هو المروي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام إذ قال: «علماء شيعتنا. طبقاً لتعريف أهل البيت عليهم السلام للعالم الفقيه الحق . مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ويمنعونه عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلّط عليهم إبليس».(1)ثمّ إنّ هذه الرواية تؤكد في ذيلها على أنّ مقام العلماء الربانيين أعلى وأسمى من مقام قادة الجيش وحرّاس الثغور الذين يقاتلون أعداء الإسلام، وذلك لأنّ العلماء الربانيين هم حرّاس العقائد والثقافة الإسلامية في حين أنّ قادة الجيش هم حرّاس الحدود الجغرافية.
إنّ وجود واستعمال هذه الكلمة أضحى حجّة لتبرير بعض الجهلة المعادين للدين في أن يدعوا أن الإسلام لا يعد أحداً بحتمية نجاته، وأنّ وعوده مزيجة بالترديد، إذ أن كثيراً من وعود
1) الإحتجاج، ج 1، ص 17
القرآن بدأت بكلمة( لعلّ)..
للإجابة على هذا السؤال يجب أن يقال:
إنّ هذا الاستعمال والتعبير القرآني بحد ذاته أحد دلائل عظمة القرآن وواقعيّته.. لأنّ القرآن يستعمل هذه الكلمة حيث يكون تحقق النتيجة بحاجة إلى توفر شروط معينة، فتكون كلمة (لعلّ) إشارة إجماليّة إلى تلك الشروط.
مثال ذلك: أنّ الاستماع والإنصات لآيات القرآن حين قراءتها لا يكفي لوحده ليشمل الإنسان بالرحمة الإلهيّة، وإنّما الهدف هذا بحاجة إلى وعي وفهم محتوى الآيات وتطبيقها، ولذا؛ رأينا القرآن يقول: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (1)ولو كان القرآن قال سترحمون حتماً، لكان هذا القول غير واقعي..
إذ كما قلنا؛ إنّ لهذا الموضوع شرائط أخرى ولكن حين يقال: لعلّ، فإنّ دور أو نصيب الشروط الأخرى تبقى محفوظة، ولكنّ ما يؤسف له؛ هو عدم الالتفات لهذه الحقيقة الكامنة في معنى (لعلّ) ممّا يؤدّي إلى طرح مثل هذا الإشكال الجاهل إزاء هذه الآيات.. بل إنّ بعض مفسّرينا يذهبون إلى أنّ ( لعلّ) في مثل هذه الموارد لا تعكس معنى (يمكن).. والحال أنّ هذا الرأي نوع خلاف للظاهر بلا دليل ...
اللهم وفقنا لفهم تعاليم كتابك السماوي، وللعمل به في حياتنا، اللهم تلطف علينا برحمتك الواسعة
1) سورة الأعراف / 204.
الآخرة: 336، 491
آدم(عليه السلام): 8، 114، 174
آل عمران: 7
آيات الله : 46 ، 68، 75، 212، 301، 323، 551،334
الآية: 136
ابراهیم (عليه السلام) : 8، 114، 203، 205، 207،291 ،282 ،255
الأبرص : 153
الاتباع: 222
التحرير: 120
الاثم: 495
الاجابة: 480
الإجتباء: 499
الاجر: 172
الاجل: 410
الاحسان: 383، 416
الاختلاف: 167
الاذى: 328، 518، 539
ارادة الله : 50
ارباب: 194، 200
الارتداد: 405
الارحام 28
الارض: 528
الازواج: 58
اسباط : 255
الاستعمار: 95
الاستغفار: 61 ، 63 ، 387، 440
اسحاق(عليه السلام): 255
الاسراف: 415
الاسلام: 68، 73، 205، 257
اسماعيل(عليه السلام): 255
الإشتراء : 134 ، 521
الاصطفاء: 114
الاصلاح: 265
الاطاعة: 113، 300
الأعلى: 394
الإفتراء : 280
الأكمه: 153
الالتباس: 216
ام الكتاب: 31
الامامه: 179
الامانة: 8، 227
الأمر بالمعروف : 8، 311، 325، 336
الإنباء: 153
الانبياء: 413، 510
الانتقام: 23
الأنثاء: 122
الانجيل : 19، 81، 152
الانداد: 361
انصار الله: 161
الانفاق : 8، 63، 273، 340، 383
اولوالعزم: 153
اولي الالباب: 528
اولياء الشيطان: 489
اهل البيت (عليه السلام): 179
اهل الكتاب: 8 ، 9، 31، 79، 81، 134، ،216 ،212 ،209 ، 205 ،203 ،194،179 ،245، 296 ،239 ،227، 222 ،218، 551،521 ،518 ،33 ،334،325،
الايمان : 164، 172 ، 218، 255، 300، 346، 468 ، 493، 551،535، ،399 ،494
الباطل: 216
البخل 502
البر: 273
بسم الله : 12
بسمله: 12
البشارة : 363، 475، 477
البطانة : 343
البعثة: 460
البغضاء: 343
بکه : 284
البلاغة 73
البلد: 120
بني اسرائيل: 153، 277
البيت الحرام : 284
بيت الله الحرام 8
البينات: 259 ، 513
البينة 319
التاليف 305
التاويل: 38
التبرى : 8
التداول: 396
التراب : 174
التزكية: 460
التسابق : 377
التسبيح: 136
التشريع: 253
التصوير: 28
التفرقه : 319
التفكر: 531
التقوى: 58 ، 61 ، 95، 158، 231، 303، ،377 ،371 ،359 ،348 ،337 ،393، 484، 551،
التقية: 95
التكذيب: 513
التكوين: 253
التوبة : 265 ، 267، 365
التوراة: 19 ، 81 ، 152، 158، 203، 277
التوكل: 357، 440، 450
التولى :8
ثواب الآخرة : 410 ، 416
ثواب الدنيا: 410، 416
الجنة : 58 ، 377 ، 389، 401، 515، 539
الجنين: 28
الجهاد : 328 ، 349، 401، 41، 427، 468، 471، 539
جهنم: 48، 456، 549
الحب: 113، 346
حبط العمل: 79
حبل الله : 305، 330
حبل الناس: 330
الحج: 8، 291
الحرب: 425
الحروف المقطعه: 13، 14، 15
الحزن: 39، 475، 491، 537
الحسن (عليه السلام) : 179
حسن الثواب :539
الحسنة : 348
الحسين (عليه السلام): 179
الحشر: 438
الحصور: 131
الحضور: 102
الحق : 177، 216، 259، 323
حقوق الانسان: 539
الحكمة 152، 248 ، 460 ، 53
الحواريون: 161
الحي: 90
حياة الآخرة: 422
حياة الدنيا: 422
الحياة الدنيا :515
الحياة: 153، 544
الخبال: 343
الخبيث: 499
الخسران: 257، 417
الخشوع: 551
الخشية: 484
الخلق 531
الخلود: 264
الخوف : 102، 475 ، 489
الخيانة : 134، 452
الخير: 102، 336
الدنيا: 340
الدين: 68
الدينار: 227
الذرية: 118، 129
الذكر الحكيم: 173
الذكر: 122
الذكر : 531
ذكر الله : 387
الدلالة: 267
ذلام 508
الذلة : 86، 330، 359
الذنب : 61 ، 109، 387، 415، 535، 539
الذهب: 54 ، 270
الرباء: 371
الربوبية: 242 ، 245
الرجاء: 102
الرحمة : 42، 225، 440، 539
الرزق: 90 ، 124، 473
رضوان الله : 456، 487
الرعب : 420
الركوع: 141
الرمز: 136
روح الدين: 68
الروم: 200
الريب: 177
الريح: 340
الزبور: 513
زكريا (عليه السلام): 124، 129، 134، 143
الزنا: 81
الزيغ: 42
سبیل الله : 298
السجدة: 242، 334
السجود: 141
السحر: 63
السراء والضراء: 383
سریع الحساب: 551
السماوات 528
السنة: 179
السوء : 102
السيئة: 348
السيد: 131
السير في الارض: 390
الشجاعة: 533
الشر: 102
الشرك : 200 ، 205 ، 245 ، 282، 420، 518
الشك : 177
الشكر: 337، 359، 524
الشهادة : 65 ، 164 ، 194، 212، 248، 298، 473
الشهوة: 54
الشيطان: 431 ، 489
الشيعة: 179
الصبر: 8 63 ، 348، 401 ، 413، 551
الصدق: 63، 282، 422
الصراط المستقيم : 159، 301
الضلال : 209، 460
الطبيعة: 164
الطعام: 277
الطغاة: 549
الطيب: 499
الطير: 153
الظلم: 84، 259 ، 280، 323، 340، 365،
533 ،387
العاقبة : 390
العبادة: 159، 242
العبرة: 50
العبيد: 508
العذاب : 23، 75، 1771، 264، 319، 321، ،365، 369، 491 ، 493، 495، 505 ،524
العرب: 209
العزة : 86
عزم الامور: 518
العسرة: 377
العصيان: 349
العفة: 143
العفو: 440
العقاب : 46
العقر: 134
العلم: 101
علي (عليه السلام): 179
عمران (عليه السلام): 114، 120
عمل الصالح: 172
عند الله : 549
عهد الله : 134، 248، 510
عیسی (عليه السلام) : 8 ، 28، 146، 148، 158، 161، 167، 173، 174، 194، 255
الغرور: 544،83
الغضب : 330، 456
الغفران: 109، 369
الغلول : 452
الغليظ القلب: 440
الغم: 427
الغنى: 505
الغيب: 143، 499
الغيظ: 346
فاطمه الزهراء(عليها السلام) : 179
الفحشاء: 387
الفديه: 270
الفرج: 524
فرعون : 46
الفرقان : 23
الفساد: 192
الفسق: 252
الفشل: 357، 544
الفضه : 54
الفضيلة: 487
الفقر : 505
الفلاح: 51
الفوز: 515
القتل: 75 ، 330 ، ،405، 427، 433، 436 ، 473، 505، 510،471 ،438
القرآن: 23
القربان: 510
القرح : : 396، 480
القريش: 349
القسط : 65 ، 75
القصص: 190
القعود 531
القلب: 42، 101، 363
القناطير : 54
القنطار: 227
الكليم: 148
القنوت : 141
القيام: 531
القيامة : 44، 84
قیصر 200
القيوم: 18
كتاب الله: 81
الكتاب المنير : 513
الكتاب: 152، 460
الكذب : 8 ، 84، 239، 280، 390
كظم الغيظ: 383
الكعبه : 284، 291
الكفار : 95
الكفاره 535 ، 539
الكفر : 45، 48، 68 ، 75، 113، 171، 212، ،291 ،270 ،245 ، 259، 267 ، 218 ،339 ،337 ، 321 ، 301 ، 300 ،296 ،433، 417، ،399 ،375 ،364 ،468،491، 495، 544 ،493
كلمة الله : 146
كلمة المساواة: 194
كن فيكون: 150، 174
الكيد: 348
اللعنة: 263
الليل: 90، 528
الم: 13
المال : 45 339
المباهله 179
متاع الحياة الدنيا: 54
متاع الغرور: 515
المتاع: 549
المتشابه: 31
المحاجه: 179، 222
المحبة : 109، 273
محراب : 124
المحكم والمتشابه: 31
المحكم : 31
محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) : 405
المرادي: 535
مریم(عليها السلام):129 ،12 ،122 ،120 ، 28 ،8 141، 143، 146، 148، 150
المسارعة : 336
مسجد الحرام: 284
المسح ..:150
المسكنة: 330
مسيح (عليه السلام) : 146
المشاورة: 440
المشورة: 440
المصيبة : 464
المعالجة: 464
معركة احد : 349 ، 427، 466، 480
معركة بدر: 50 ، 359 ، 361
المغفرة : 109 ، 369، 377، 389، 415، 436،431، 535
مقام ابراهیم: 291
المقوقس : 194
المكاتبة : 194
المكر: 165
المكه : 86 ، 284، 480
الملائكه : 65 ، 245، 361
الملامة: 239
الملك : 86
المنة: 460
موازين الحق: 549
الموت: 167، 270 ، 303، 402، 405، 410، ،436،433، 438، 471، 4، 515 ،535
موسى(عليه السلام) : 8، 255
الموعظة: 393
المولى: 419
المومن: 95
المهاد: 48
المهد: 148
المهلة :495
المیت :90
میثاق الله : 521
الميثاق: 248
الميعاد : 44
النار: ،45 48، 61 ، 83، 305، 319، 339،531 ،514 456، 510، 520 ،375، 533
الناس: 484
النبوة: 242
نجران: 9، 179
النجيل: 203
النذر: 120
النساء: 54
النصارى ،8، 9 ، 179، 194، 203، 205،296 ،227 ، 218، ،216 ،212 ،209، 551،521 ،518 ،334،325،
النصر: 270 ، 359 ، 363، 415، 419، 450،533
نصر الله : 425
النعمة 477، 487، 524
النفاق : 346، 468، 471، 502
النفخ : 153
نفس الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم): 179
نوح (عليه السلام) : 8، 114 :
النهار: 90 ، 528
النهي عن المنكر: 8، 311، 325، 336
وجه الابيض: 321
وجه الاسود : 321
وجه النهار: 218
الوحي: 394
الود : 102
الوعده: 537
الوفاء بالعهد: 231
الولاده: 122
الولاية : 207، 357
الولد : 45 ، 150 ، 339
الولوج: 90
الولي: 95
الهجرة: 539
الهداية : 73 ، 222 ، 259، 301، 305، 393
الهزينه: 431، 466
يحيى (عليه السلام) : 129، 131، 134
يد الله : 222
يعقوب (عليه السلام): 255، 277
يوم القيامة: 167، 515، 537،
اليهود ،8، 19 ، 31 ، 48، 79، 81، 134، ،245 ،239 ،227، ، 222 ، 218 ،205 ،551،521 ،518 ،343 ،325
تفسير سورة آل عمران المباركة....5
المقدمة ....7
فضيلة تلاوة هذه السورة....9
شأن نزول أكثر من (80) آية من هذه السورة...9
الآية 1....13
النقاط المستفادة من هذه الآية ...13
تفسير: كشف مفهوم الحروف المقطعة بالحاسوب ....13
الآية 2 ...17
النقاط المستفادة من هذه الآية ...17
الآية 3 ...18
النقاط المستفادة من هذه الآية ...18
الآية 4 ...22
النقاط المستفادة من هذه الآية ...22
القرآن فرقان ...22
العذاب في القرآن؟!....24
الآية 5 ...25
النقاط المستفادة من هذه الآية ...25
الآية 6 .......26
النقاط المستفادة من هذه الآية ...26
الآية 7 ....28
شأن نزول هذه الآية ...28
النقاط المستفادة من هذه الآية ...29
في معنى المحكم والمتشابه ...29
فلسفة المتشابه ...32
في معنى التأويل ...34
الآية8.......38
النقاط المستفادة من هذه الآية ...38
الآية 9 ...40
النقاط المستفادة من هذه الآية ....40
الآية 10....41
النقاط المستفادة من هذه الآية ....41
الآية 11 ......42
النقاط المستفادة من هذه الآية ...42
الآية 12....43
شأن نزول الآية ...43
النقاط المستفادة من هذه الآية ...43
الآية 13 ...45
شأن نزول الآية ...45
النقاط المستفادة من هذه الآية ...45
إرادة الله الحكيمة والخفية ...45
الآية 14......49
النقاط المستفادة من هذه الآية...49
الزينة الدنيوية ...50
الآية 15 ...53
النقاط المستفادة من هذه الآية ...53
من ملامح السعادة الأخروية ...53
بين الجنّة والمادة..54
الآية 16......55
النقاط المستفادة من هذه الآية ...55
من صفات المتقين ...55
الآية 17.....56
النقاط المستفادة من هذه الآية ...56
السَّحَر والاستغفار ...57
الآية 18 ...58
النقاط المستفادة من هذه الآية .....58
شهادة الله تعالى على وحدانيته ؟...58
الآية 19...61
النقاط المستفادة من هذه الآية .....61
روح الدين...61
معنى الدين لغة ...61
آفاق الآيات الإلهية...64
الآية 20 ...65
النقاط المستفادة من هذه الآية ...65
الإنسان كائن حرّ...65
الآية 21 ...67
النقاط المستفادة من هذه الآية ...67
الكفر ظلم عظيم...67
أنواع العذاب...68
الآية 22 .....70
النقاط المستفادة من هذه الآية ...70
تاريخ اليهود المظلم ...70
الآية 23 ...72
شأن نزول هذه الآية ..... 72
النقاط المستفادة من هذه الآية ...73
الآية 24....74
النقاط المستفادة من هذه الآية ...74
الآية 25 ....75
النقاط المستفادة من هذه الآية ...75
الكذب على الذات ...75
الآية 26 ...77
شأن نزول هذه الآية ....77
النقاط المستفادة من هذه الآية ....78
ملك مطلق ...78
لا جبر ولا تفويض...79
الآية 27......81
النقاط المستفادة من هذه الآية ...81
واقع علمي ...81
الآية 28......86
النقاط المستفادة من هذه الآية ...86
آفاق التقية ...87
الآية 29 .....91
النقاط المستفادة من هذه الآية...91
الآية 30 ...92
النقاط المستفادة من هذه الآية ...92
منطق المستقبل....92
خوف ورجاء ...94
نظريات الأجر والعقاب...95
الآية 31 .....98
شأن نزول هذه الآية ...98
النقاط المستفادة من هذه الآية ...98
الحب والمغفرة ...100
الآية 32 ....101
النقاط المستفادة من هذه الآية ...101
الآية 33 ...102
النقاط المستفادة من هذه الآية ...102
في معنى الاصطفاء ......102
لماذا الاصطفاء ؟ ...103
الآية 34 ...106
النقاط المستفادة من هذه الآية .... 106
الآية 35.....107
قصة هذه الآية .... 107
النقاط المستفادة من هذه الآية...107
الآية 36 ...109
النقاط المستفادة من هذه الآية ...109
الآية 37 ...111
شرح نزول هذه الآية ......111
النقاط المستفادة من هذه الآية ....112
كرامة مريم الإلهية ...112
الآية 38 ...116
سبب نزول هذه الآية والآيات التي تليها ...116
النقاط المستفادة من هذه الآية ...117
الآية 39 ...118
النقاط المستفادة من هذه الآية .....118
في معنى (الحصور)...119
الآية 40 ...121
النقاط المستفادة من هذه الآية ...121
الآية 41 ...123
النقاط المستفادة من هذه الآية ...123
الآية 42.....126
النقاط المستفادة من هذه الآية ....126
الآية 43.....127
النقاط المستفادة من هذه الآية ...127
الآية 44 ...128
شرح نزول هذه الآية ....128
النقاط المستفادة من هذه الآية ...128
الآية 45.....130
النقاط المستفادة من هذه الآية ...130
النبي الكلمة!...130
الآية 46 .....132
قصة نزول هذه الآية .....132
النقاط المستفادة من هذه الآية ...134
الآية 47.....134
النقاط المستفادة من هذه الآية ...134
تفسیر :كيف يكون لي ولد بلا زوج ؟...134
الآية 48..... 136
النقاط المستفادة من هذه الآية ...136
الآية 49 ...137
النقاط المستفادة من هذه الآية ...137
؟!
المسيح وأنبياء أولي العزم ..137
سر المعاجز ...139
الآية 50 .....142
النقاط المستفادة من هذه الآية ....142
الآية 51 ...143
النقاط المستفادة من هذه الآية ...143
عيسى نبي لا ابن الله ...143
الآية 52 .....144
النقاط المستفادة من هذه الآية ...144
الحواريون الأنصار ...144
الآية 53.....147
النقاط المستفادة من هذه الآية ...147
الآية 54......148
النقاط المستفادة من هذه الآية ...148
معنى المكر الإلهي ...148
الآية 55 ....149
النقاط المستفادة من هذه الآية ...149
المسيح حي لم يمت ...149
الآية 56 .....152
النقاط المستفادة من هذه الآية ...152
الآية 57.....153
النقاط المستفادة من هذه الآية ...153
الآية 58....154
النقاط المستفادة من هذه الآية ...154
الآية 59 ...155
قصة نزول الآية...155
النقاط المستفادة من هذه الآية ...155
المسيح عبد مخلوق ...156
الآية 60 ...157
النقاط المستفادة من هذه الآية ...157
الآية 61 ......158
شأن نزول هذه الآية ....158
النقاط المستفادة من هذه الآية....159
المباهلة والكشف عن منازل أهل البيت عليهم السلام ...160
إشكال ناصبي ساذج ...163
ترى هل أنّ المباهلة حكم عام ؟! ...166
الآية 62 ..... 168
النقاط المستفادة من هذه الآية ...168
الآية 63 ...170
النقاط المستفادة من هذه الآية ....170.
الآية 64 ....172
النقاط المستفادة من هذه الآية ...177
مشتركات عقائدية ...177
صور من الشرك...178
الآية 65 .....180
شأن نزول الآية ...180
النقاط المستفادة من هذه الآية ...180
الآية 67 ...182
النقاط المستفادة من هذه الآية...182
الآية 68 ...184
النقاط المستفادة من هذه الآية ...184
الآية 69 .....186
النقاط المستفادة من هذه الآية ...186
ضلال وتربية ...186
الآية 70 .....188
النقاط المستفادة من هذه الآية...188
كفر أهل الكتاب ...188
أقسام الكافر ...189
الآية 71 ...191
النقاط المستفادة من هذه الآية ...191
الآية 72 ...192
شأن نزول الآية .... 192
النقاط المستفادة من هذه الآية ...192
هجمة عقائدية... 194
الآية 73 ...196
النقاط المستفادة من هذه الآية ...196
عنصرية الضلال ...197
الآية 74 ...199
النقاط المستفادة من هذه الآية ...199
الآية 75 ....200
شأن نزول الآية ...200
النقاط المستفادة من هذه الآية ...200
تكبّر اليهود ...202
الآية 76.....203
النقاط المستفادة من هذه الآية ...203
حقيقة القيمة الإنسانية....203
الإسلام ينبذ الخيانة ...203
الآية77 ...205
شأن نزول الآية ...205
النقاط المستفادة من هذه الآية ...205
عاقبة الخيانة ...206
خصائص الخائنين...207
الآية 78 ......209
النقاط المستفادة من هذه الآية .....209
الآية 79 ...212
النقاط المستفادة من هذه الآية ...212
الآية 80 ...214
شأن نزول الآية ...214
النقاط المستفادة من هذه الآية
الشرك مرفوض كلّه
الآية 81
النقاط المستفادة من هذه الآية ....
عهد إلهي قديم
الآية ...........
النقاط المستفادة من هذه الآية
الآية 83.....
النقاط المستفادة من هذه الآية
بين التشريع والتكوين
الآية 84
النقاط المستفادة من هذه الآية
الآية 85.....
النقاط المستفادة من هذه الآية
الآية 86.
شأن نزول الآية
النقاط المستفادة هذه الآية
من
الردّة والارتداد
الآية 87 ....
النقاط المستفادة من هذه الآية
الآية 88
النقاط المستفادة من هذه الآية
الآية 89 ...231
النقاط المستفادة من هذه الآية ...231
الآية 90 ...232
شأن نزول الآية ......232
النقاط المستفادة من هذه الآية ...233
الآية 91...... 235
النقاط المستفادة من هذه الآية....235
الآية 92 .....238
أمثلة ونماذج من الإنفاق في سبيل الله عبر نفوذ القرآن إلى قلوب المسلمين.......238
النقاط المستفادة من هذه الآية ...239
آفاق البرّ....239
الآية 93.....242
شأن نزول الآية...242
النقاط المستفادة من هذه الآية...243
الآية 94 ...245
النقاط المستفادة من هذه الآية ...245
الآية 95 ...246
النقاط المستفادة من هذه الآية .....246
الآية 96 .....248
النقاط المستفادة من هذه الآية ...248
سرّ الحجر الأسود ...249
روايتان عن الكعبة ...250
الرواية الأولى ...251
الرواية الثانية ...252
خاصيتان للكعبة ...253
الآية 97 ...254
النقاط المستفادة من هذه الآية ...254
الحج لغة واصطلاحاً ...255
الآية 98....259
شأن نزول الآيات الأربع الأخيرة ...259
النقاط المستفادة من هذه الآية ...260
الآية 99 .....261
النقاط المستفادة من هذه الآية ...261
الآية 100 .....262
النقاط المستفادة من هذه الآية...262
الآية 101 ...263
النقاط المستفادة من هذه الآية ...263
الآية 102.....264
النقاط المستفادة من هذه الآية ...264
بين التقوى والوحدة....264
الآية 103 ....266
شأن وعلّة نزول الآية ...266
النقاط المستفادة من هذه الآية ...267
الآية 104..... 271
النقاط المستفادة من هذه الآية ...271
حقيقة المعروف والمنكر ...272
بين التناصح والحرّية ...274
المعروف والمنكر والعنف ...276
الآية 105 ...278
النقاط المستفادة من هذه الآية ...278
الآية 107....280
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين ...280
الآية 108 ...282
النقاط المستفادة من هذه الآية ...282
الآية 109.....283
النقاط المستفادة من هذه الآية ...283
الآية 110 ...284
النقاط المستفادة من هذه الآية ...284
الآية 111 .....287
شأن نزول الآية...287
النقاط المستفادة من هذه الآية .....287
الآية 112...288
النقاط المستفادة من هذه الآية ...288
حبل الله وحبل الناس ...288
المغضوب عليهم ...289
غضب وذلّ ومسكنة!!....290
الآية 113....291
شأن نزول هذه الآية ....291
النقاط المستفادة من هذه الآية ...291
الآية 114.....292
النقاط المستفادة من هذه الآية ...292
الآية 115 ...293
النقاط المستفادة من هذه الآية ...293
كفر وشكر....293
الآية 116 ....294
النقاط المستفادة في هذه الآية ....294
الآية 117....295
النقاط المستفادة من هذه الآية...295
الإنفاق المطلوب ...295
الآية 118...297
شأن نزول هذه الآية .....297
النقاط المستفادة من هذه الآية...297
الآية 119 ...300
النقاط المستفادة من هذه الآية ...300
الآية 120 ...301
النقاط المستفادة من هذه الآية ...301
الآية 121....302
معركة أحد؛ مسرح الصراع. ...302
النقاط المستفادة من هذه الآية ...307
الآية 122 ....309
النقاط المستفادة من هذه الآية...309
الآية 123 .....311
سبب نزول الآية وما بعدها من آيات ...311
النقاط المستفادة من هذه الآية ...312
الآية 124 ....313
النقاط المستفادة من هذه الآية ...313
الآية 125 ....314
النقاط المستفادة من هذه الآية ...314
الآية 126....315
النقاط المستفادة من هذه الآية ...315
الآية 127 ...316
النقاط المستفادة من هذه الآية ...316
الآية 128 ...317
سبب نزول هذه الآية ......317
النقاط المستفادة من هذه الآية ...317
الآية 129....320
النقاط المستفادة من هذه الآية ...320
الآية 130....321
النقاط المستفادة من هذه الآية...321
حقيقة العلاقة بين الآيات......321
الحرب على الربا.....322
الآية 131....324
النقاط المستفادة من هذه الآية...324
الآية 132 ...325
النقاط المستفادة من هذه الآية ...325
الآية 133 ...326
النقاط المستفادة من هذه الآية ...326
الإسراع والتسابق للمغفرة...326
أين الجنّة وأين النار ؟......328
الآية 134....331
النقاط المستفادة من هذه الآية ...331
من صفات المتقین...331
الإنفاق مع الحاجة ....331
الآية 135 ...334
النقاط المستفادة من هذه الآية .....334
الآية 136....336
النقاط المستفادة من هذه الآية ...336
الآية 137 ...337
النقاط المستفادة من هذه الآية ...337
وعي السنن التاريخية ...337
الآية 138 ...340
النقاط المستفادة من هذه الآية ...340
الآية 139 ...341
شأن نزول هذه الآية .....341
النقاط المستفادة من هذه الآية ...341
الآية 140.....343
النقاط المستفادة من هذه الآية....343
سنة التكامل البشري...343
الآية 141.....345
النقاط المستفادة من هذه الآية...345
الآية 142 ....346
النقاط المستفادة من هذه الآية ...346
الآية 143 ....347
سبب وشأن نزول هذه الآية ...347
النقاط المستفادة من هذه الآية...347
دروس الهزيمة. ...347
الآية 144.....349
سبب نزول هذه الآية ...349
النقاط المستفادة من هذه الآية ...350
الآية 145 ...353
النقاط المستفادة من هذه الآية ...353
الآية 146....356
النقاط المستفادة من هذه الآية ...356
الآية 147....357
النقاط المستفادة من هذه الآية ....357
الآية 148....358
النقاط المستفادة من هذه الآية ...358
الآية 149 ...359
النقاط المستفادة من هذه الآية ....359
الآية 150 ....360
النقاط المستفادة من هذه الآية ...360
الآية 151.....361
النقاط المستفادة من هذه الآية ...361
الآية 152....363
علة نزول هذه الآية وما بعدها....363
النقاط المستفادة من هذه الآية ...364
الآية 153 ...366
النقاط المستفادة من هذه الآية ...366
الآية 154....368
ليلة ما بعد هزيمة أحد! ...368
النقاط المستفادة من هذه الآية ...369
نفاق وإيمان ...369
الآية 155....372
النقاط المستفادة من هذه الآية...372
حقيقة الهزيمة ...372
الآية 156....374
النقاط المستفادة من هذه الآية ...374
الردّ القرآني على منافقي أحد ...375
الآية 157 ...376
النقاط المستفادة من هذه الآية ...376
الآية 158 ...378
النقاط المستفادة من هذه الآية ...378
الآية 159....379
النقاط المستفادة من هذه الآية ...379
قانون المشاورة ...380
الآية 160 ...388
النقاط المستفادة من هذه الآية ...388
الآية 161 ...389
علّة نزول هذه الآية....389
النقاط المستفادة من هذه الآية ..... 389
الآية 162....392
النقاط المستفادة من هذه الآية ...392
الآية 163 ...394
النقاط المستفادة من هذه الآية ...394
الآية 164 ....395
النقاط المستفادة من هذه الآية ...395
ملامح المشروع النبوي ...396
الآية 165 ...398
النقاط المستفادة من هذه الآية ...398
معالجة قرآنية ...398
الآية 166....400
النقاط المستفادة من هذه الآية ...400
جماعات المسلمين في أحد....400
الآية 167 ...402
حديث في هذه الآية ...402
النقاط المستفادة من هذه الآية ...402
الآية 168 ...405
النقاط المستفادة من هذه الآية ...405
الآية 169 ...407
علّة نزول هذه الآية ...407
النقاط المستفادة من هذه الآية ...407
الآية 170....409
علة نزول هذه الآية طبقاً لرواية ....409
النقاط المستفادة من هذه الآية ...409
الآية 171....411
النقاط المستفادة من هذه الآية ...411
الآية 172...413
علة نزول هذه الآية ...413
النقاط المستفادة من هذه الآية ...414
الآية 173 ...416
النقاط المستفادة من هذه الآية ...416
الآية 174 ....418
النقاط المستفادة من هذه الآية ...418
الآية 175 ...419
النقاط المستفادة من هذه الآية ....419
الآية 176 ....421
النقاط المستفادة من هذه الآية ...421
الآية 177...423
النقاط المستفادة من هذه الآية ...423
الآية 178 ....424
النقاط المستفادة من هذه الآية ....424
الآية 179 ...428
علّة نزول هذه الآية ...428
النقاط المستفادة من هذه الآية .....428
الآية 180 ....431
النقاط المستفادة من هذه الآية ...431
الآية 181 ...434
شأن وسبب نزول هذه الآية ....434
النقاط المستفادة من هذه الآية ....434
الآية 182 ...436
النقاط المستفادة من هذه الآية ...436
الآية 183 ...438
شأن وعلّة نزول هذه الآية...438
النقاط المستفادة من هذه الآية ...438
الآية 184....440
النقاط المستفادة من هذه الآية ...440
الآية 185 ...441
النقاط المستفادة من هذه الآية ...441
الآية 186 ...444
شأن نزول هذه الآية ..... 444
النقاط المستفادة من هذه الآية ...444
الآية 187 ...446
النقاط المستفادة من هذه الآية ...446
الآية 188 ....448
شأن نزول هذه الآية ....448
النقاط المستفادة من هذه الآية ..... 448
الآية 189 ...450
النقاط المستفادة من هذه الآية ...450
الآية 190 ....451
روايات في نزول هذه الآيات ...451
النقاط المستفادة من هذه الآية ....452
الآية 191 ....453
النقاط المستفادة من هذه الآية ...453
هدفيّة الوجود ...453
الآية 192......455
النقاط المستفادة من هذه الآية ...455
الظلم والشجاعة!! ...455
الآية 193 ...456
النقاط المستفادة من هذه الآية ...456
مع الأبرار لا مع الأصنام !! ...456
الآية 194....458
النقاط المستفادة من هذه الآية ...458
الآية 195....459
شأن نزول هذه الآية ...459
النقاط المستفادة من هذه الآية ...460
الرحمة والحكمة ...460
حقوق الإنسان ...461
الآية 196....464
شأن وعلّة نزول الآية ...464
النقاط المستفادة من هذه الآية ...464
الفشل والنجاح في الحياة...465
الآية 197....466
النقاط المستفادة من هذه الآية ...466
نجاح الطغاة متاع ...466
الآية 198 ....468
النقاط المستفادة من هذه الآية ...468
الثروة وموازين الحق ....468
الآية 199....470
شأن نزول هذه الآية .....470
النقاط المستفادة من هذه الآية ...471
الآية 200 ...473
النقاط المستفادة من هذه الآية ...473
لعلّ القرآنية ....474 فهرس الموضوعات....477
فهرس المحتويات ...487