بحوث علمیة فی القضیة المهدویة جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

اسم الكتاب: بحوثٌ علميّةٌ في القضيّة المهدويّة ج1

المؤلّف: الشيخ نجم الدين الطبسيّ

المراجعة العلميّة: المجلس العلميّ في مؤسّسة الدليل

الدعم الفنّيّ: شعبة العلاقات العامّة والإعلام في مؤسّسة الدليل

التقويم اللغويّ: علي گيم

تصميم الغلاف: محمّد حسن آزادگان

الإخراج الفنّيّ: فاضل السوداني

المطبعة: دار الوارث للطباعة والنشر / كربلاء المقدّسة الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2019

الناشر: مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق الوطنيّة العراقية 458 لسنة 2018

حقوق الطبع والنشر محفوظةٌ لدى مؤسّسة الدليل

مؤسّسة الدليل

للدراسات والبحوث العقديّة

اشارة

بُحُوثُ عِلمِيَّةٌ

في القَضيَّةِ المَهْدَوِيَّةِ

دِرَاسَةٌ تِحْليَّليَّةٌ جَدِيدَةٌ

في مَوضُوعَاتٍ خَاصَّةٍ بقَضيَّةِ الإمَامِ المَهدِيِّ (عجل الله تعالی فرجه الشريف)

الجُزْءُ الأوَّلُ

بُحُوثٌ في شَخْصِيَّةِ الإِمَامِ المَهْدِيِّ وَعَصْرِ الغيبَةِ

تأليْف

آية ا... الشَيخ نَجْم الدّين الطبَسي

مُراجَعَة

الشَيخ صَفَاء الدّين الخَزرجي الشَيخ مُحسن المُحَقق

إصدارات مؤسّسة الدليل

للدراسات والبحوث العقديّة

9

هويّة الكتاب

اسم الكتاب: بحوثٌ علميّةٌ في القضيّة المهدويّة ج1

المؤلّف: الشيخ نجم الدين الطبسيّ

المراجعة العلميّة: المجلس العلميّ في مؤسّسة الدليل

الدعم الفنّيّ: شعبة العلاقات العامّة والإعلام في مؤسّسة الدليل

التقويم اللغويّ: علي گيم

تصميم الغلاف: محمّد حسن آزادگان

الإخراج الفنّيّ: فاضل السوداني

المطبعة: دار الوارث للطباعة والنشر / كربلاء المقدّسة الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2019

الناشر: مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق الوطنيّة العراقية 458 لسنة 2018

حقوق الطبع والنشر محفوظةٌ لدى مؤسّسة الدليل

مؤسّسة الدليل

للدراسات والبحوث العقديّة

Al-Daleel Foundation

for Doc: Inal Sucles

http://aldaleel-inst.com

www.facebook.com/aldaleel.ins

المُحتویاتْ

كلمة المؤسّسة... 11

الإهداء... 15

مقدّمة المؤلّف... 17

الفصل الأوّل: ألقاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وصفاته من مصادر العامّة... 19

ألقاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وخصائصه... 21

تمهيدٌ... 25

دراسة متون الروايات... 26

الفصل الثاني: الاعتقاد بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وإشكاليّة التسمية... 35

الروايات حول حكم التسمية... 38

اتّجاهات الفقهاء حول حكم التسمية... 41

حكم التسمية في كلمات الفقهاء... 43

خلاصة أدلّة الجواز:... 56

النتيجة النهائيّة... 67

الفصل الثالث: تحقيقٌ حول والدة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف... 69

نصّ الرواية حول أمّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف

... 71

نماذج من المعمّرين... 81

إشكالٌ وفائدةٌ... 83

الإشكالات الواردة على هٰذه الرواية... 98

النتيجة... 107

الفصل الرابع: ذرّيّة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ودورهم في عصر الغَيْبة والحضور... 109

أدلّة المثبتين... 112

دراسة في روايات القوّام... 123

كلمات الأعلام حول هٰذه الروايات... 128

مناقشة كلام العلّامة المجلسيّ رحمه الله... 129

دليل المانعين والنافين... 133

النتيجة... 139

الفصل الخامس: فلسفة الغَيْبة... 141

المرحلة الأولى: حِكم الغَيْبة في الروايات... 145

النتيجة... 158

نماذج من غيبات الأنبياء علیهم السَّلام... 158

الفصل السادس: السفارة والنيابة الخاصّةٌ في عصر الغَيْبة... 175

المحور الأوّل: نقل الرواية... 179

التحقيق السنديّ للتوقيع الشريف... 181

المحور الثاني: الشهرة الروائيّة... 185

المحور الثالث: فقه الحديث وأجوبة المحدّث النوريّ رحمه الله... 189

كلمات الاعلام حول إمكان اللقاء بالمهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف... 207

إشكال السيّد الخوئيّ... 212

خلاصة البحث... 219

الفصل السابع: سرداب سامرّاء وغَيْبة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف... 221

خلاصة شبهات المخالفين حول سرداب سامرّاء... 223

كلمات علماء أهل السنّة حول سرداب سامرّاء... 223

موقف علماء الشيعة تجاه هٰذه التهم... 231

التحقيقٌ حول سرداب سامرّاء... 236

قصّة السرداب في المصادر الشيعيّة... 237

الإشكالات الواردة على أخبار (الخرائج والجرائح)... 238

التسمية بسرداب الغَيْبة في كتاب (المزار) لابن المشهديّ... 244

كلام ابن المشهديّ حول السرداب... 244

تحقيقٌ حول شخصيّة ابن المشهديّ وكتاب (المزار)... 245

اتّهاماتٌ للشيعة حول السرداب... 254

خاتمة البحث... 262

الفصل الثامن: روايات النهي عن الخروج قبل الظهور في معرض النقد والتحليل... 263

عمدة الروايات حول هٰذا الموضوع... 266

طرقٌ أخرى للحديث... 282

رواياتٌ أخرى حول هٰذا الموضوع... 294

النتيجة النهائيّة... 310

الفصل التاسع: حديث تشرّف ابن مهزيار بلقاء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف عجل الله تعلی فرجه الشریف... 311

المحور الثاني: البحث السنديّ... 335

...

المحور الثالث: البحث الدلاليّ... 342

النتيجة النهائيّة... 362

الفصل العاشر: حديث تشرّف سعد بن عبدالله الأشعريّ بلقاء الإمام الحجّة... 363

المحور الأوّل: نصّ حديث سعدٍ بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ... 366

[اللقاء مع الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام]... 369

أبو بكرٍ وحديث الغار... 376

سبب إسلام بعض الصحابة... 377

وداع الإمام عَلَیه السَّلام... 378

المحور الثاني: سند حديث سعدٍ والكتب الناقلة له... 380

المحور الثالث: دراسةٌ نقديّةٌ في السند... 388

تحقيقٌ في رجال الحديث... 396

بحثٌ روائيٌّ في تفسير (كهيعص))... 410

الروايات... 419

آراء الفقهاء... 422

النتيجة النهائيّة... 449... 451

الجزيرة الخضراء في ميزان النقد... 453

الجزيرة الخضراء... 454

المحور الأوّل: مصادر حكاية الجزيرة الخضراء... 475

البحثٌ في المصادر والنقول... 478

بحثٌ في المصادر والنقول... 486

المحور الثاني: دراسة سند الحكاية... 487

دراسة التوثيقات والتضعيفات... 489

ملاحظات حول السند... 493

النتيجة... 495

سند الحكاية... 502

دراسة النصّ... 504

الجزيرة الخضراء في التاريخ... 526

الموقع الجغرافيّ للجزيرة الخضراء... 529

بسم الله الرحمٰن الرحیم

كلمة المؤسّسة

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ المبعوث رحمةً للعالمين وعلى أهل بيته الهداة الميامين.

إنّ العامل الفكريّ والمنظومة العقديّة الّتي يحملها الإنسان تمثّل العامل الرئيسيّ والدافع الأساس الّذي يقف وراء كلّ الأنشطة والسلوكيّات الّتي تصدر عنه، فكان صلاح تلك المنظومة وانسجامها مع الواقع أو فسادها ومخالفتها للواقع، منعكسًا على أغلب السلوكيّات الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان، فإمّا أن تشكّل حافزًا قويًّا يشدّه في حركته نحو السموّ باتّجاه كماله المنشود، أو عاملًا يجرّه نحو التسافل والسقوط في دوّامة الفوضى والفساد الّذي لا يخلّف إلّا الاضطراب والضياع.

فالفكر العقديّ هو الرافد الّذي تتدفّق منه حياة الإنسان بكلّ صورها

وأشكالها، وهو الأداة الّتي تتحكم بسلوكيّات الإنسان ومواقفه، وهو الهاجس الّذي يؤرّقه لو لم يجد إجاباتٍ مقنعةً تمنحه الطمأنينة والاستقرار، فكأنّه المقتضي لاختيار نمط منهج الحياة، الّذي تنبثق منه جميع الدوافع نحو سلوكيّات الإنسان وممارساته الفكريّة والحياتيّة كافّةً.

وهٰذا ما يفسّر اهتمام جميع الرسالات السماويّة الّتي نزلت لأجل هداية الإنسان، وعنايتها الفائقة بالمجال الفكريّ العقديّ للإنسان، وامتلاء صحف أصحابها بما يؤصّل لهٰذا الجانب ويدفع الشبهات عنه، حيث ركزت حركاتهم الإصلاحيّة وخطاباتهم على تشكيل المنظومة العقديّة وتنميتها وحفظ نقائها من التشويه والخرافات.

ومن جهةٍ أخرى فإنّ كثيرًا من الجهلة والمفسدين يسعون دائمًا لتلويث فطرة الناس وتحريف أفكارهم؛ لأجل التسلّط عليهم فكريًّا وسياسيًّا ومصادرة مقدّراتهم، وقد استعملوا الإفساد الفكريّ والعقديّ سلاحًا لتحقيق مآربهم وأطماعهم الدنيئة، فوظّفوا أدواتهم من وعّاظ سلاطين وأقلامٍ رخيصةٍ ووسائل إعلامٍ مأجورةٍ؛ لرسم عقيدة المحكومين في ظلّ سياسة الهيمنة على الأفكار والمقدّرات، ولم يفتأوا عن استخدام سلاح التشكيك وإلقاء الشبهات في أذهان الناس حول كلّ ما يتعلّق بعقائدهم وإيمانهم، وكذا الاستفادة من الاختلافات الفكريّة، والعمل على توجيه أنظار الناس إلى نقاط الاختلاف، والتعمية على نقاط الاشتراك؛ لإذكاء الفتن بين الأطراف المتخالفة، وتفتيت وحدتهم، وكسر شوكتهم، وإضعاف عزيمتهم؛ من أجل السيطرة على مشاعرهم والتحكم في مواقفهم، وإخضاعهم لسلطتهم.

من هنا ينبغي لنا بوصفنا متصدّين للشأن الفكريّ الدينيّ أن نعطي هٰذا العامل اهتمامًا كبيرًا، وأن يكون في أعلى سلّم أولويّاتنا ومشاريعنا الفكريّة الّتي نسعى لتنفيذها؛ لنتمكن من ترسيخ ما نعتقد بأحقّيّته (العقيدة

الإسلاميّة وفق رؤية مدرسة أهل البيت علیهم السَّلام الامتداد الطبيعيّ لنبيّ الإسلام محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، كما ينبغي أن نجتهد في طرح هٰذه الرؤية ضمن صياغةٍ معاصرةٍ رصينةٍ، تتناسب ومستوى عراقة مدرسة أهل البيت علیهم السَّلام وأصالتها، مستفيدين من معطيات العقل، والنصوص الدينيّة المعتبرة.

ولأجل ذٰلك جاء مشروع مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة التابعة للعتبة الحسينيّة المقدّسة؛ ليلبّي قدرًا من الحاجة الملحّة لوجود مؤسّساتٍ تخصصيّةٍ تعمل على الجانب الفكريّ العقديّ، وليحمل على عاتقه مسؤوليّة تأصيل هٰذا الجانب والتصدّي لدفع الشبهات، والتأكيد على العقائد الحقِّة بالوسائل والإمكانيّات المتاحة؛ وذٰلك للمساهمة في سدّ الفراغ الفكريّ العقديّ الّذي يعاني منه المجتمع.

ولمّا كانت القضيّة المهدويّة- على صاحبها آلاف التحية والثناء- من القضايا المهمّة، ونحن نعيش الحرمان من أنواره المباركة في غيبته الكبرى، ونرى كثرةَ ظهور الأدعياء المزيّفين في هٰذه الفترة العصيبة الّتي تمرّ على الإسلام، فقد رأى المجلس العلميّ الموقّر في المؤسّسة ضرورة الاهتمام بهٰذه القضيّة وكتابة الأبحاث والدراسات المتعلّقة بها لإرشاد المؤمنين إلى الحقِّ فيها.

وكان من البحوث المهمة المطروحة في هٰذا الشأن هو مجموعة الدروس الّتي ألقاها سماحة آية الله الشيخ نجم الدين الطبسيّ دام عزّه على طلّابه في مدينة قمٍّ المقدّسة، وهو من الأساتذة البارزين المتخصّصين في أبحاث القضيّة المهدويّة، وقد تناولها بأسلوبٍ علميٍّ جديدٍ يحاكي الأسلوب

الرصين المتّبع في دروس الفقه والأصول على مستوى البحث الخارج المتعارفة في أروقة الحوزة العلميّة المباركة؛ لذا قرّر المجلس العلميّ في المؤسّسة تنظيم هٰذه البحوث ومراجعتها وطبعها؛ لتعمّ الفائدة منها، فتمّ تكليف أحد أعضاء المجلس العلميّ وهو سماحة الشيخ الدكتور صفاء الدين الخزرجي مع مسؤول وحدة التدوين الموسوعيّ في المؤسّسة سماحة الشيخ محسن المحقِّق، للقيام بدور المراجعة العلميّة لمباحث هٰذا الكتاب الّذي بين أيديكم والّذي يحمل اسم (بحوثٌ علميّةٌ في القضيّة المهدويّة)، ويقع في جزئين تناول الجزء الأوّل منه بحوثاً في شخصيّة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وعصر الغَيْبة، كما تناول الجزء الثاني منه بحوثاً في عصر الظهور وإِرهاصاته.

ختامًا نتقدّم باسم مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة بوافر الشكر والامتنان إلى سماحة الأستاذ الفاضل آية الله الشيخ الطبسيّ دام عزّه؛ لما بذله من جهدٍ مميّزٍ في طرح هٰذه الدروس المهمّة، ولتعاونه معنا وإعطائه من وقته الثمين للمراجعات والاستشارات حتّى اكتمل الكتاب بأفضل صورةٍ، كما نتوجّه بالشكر الجزيل إلى الشيخين الكريمين: سماحة الشيخ صفاء الدين الخزرجي عضو المجلس العلميّ في المؤسّسة، وسماحة الشيخ محسن المحقِّق مسؤول وحدة التدوين الموسوعيّ؛ لما بذلاه من جهدٍ مميّزٍ في مراجعة لهٰذا الكتاب وترتيبه، كما نشكر جميع السادة الّذين ساهموا بمراجعته العلميّة واللغويّة، وكلّ من كانت له مشاركةٌ في إصداره.

سائلين الله العليّ القدير لهم دوام التقدّم والتوفيق

الأِهْداءُ

أهدي ثواب لهٰذا الجهد المتواضع

إلى سيّدي ومعلّمي ومؤدّبي..

إلى مَن غرس في روحي نبتة حبّ أهل البيت علیهم السَّلام والولاء لهم..

إلى مَن زرع في روحي شوق البحث والكتابة والتحقيق والتأليف..

إلى مَن كان ذائباً في الإسلام، غارقًا في الولاء والحبّ لآل الرسول..

إلى مَن بشّرني قبيل رحيله بأنّه لا زال يدعو لي في صلواته لا سيّما في صلاة الليل..

فكلّ ما لديّ هو رهن نعمه ودعائه وابتهاله إلى الله تعالى «والعبد وما يملكه لمولاه»!

فليكن ثواب هٰذا العمل القليل إلى روحه الطاهرة..

إلى والدي الحنون والبَرِّ الوَصُول آية الله العظمى الشيخ محمّدرضا الطبسيّ قدِّس سرُّه

نجم الدين الطبسيّ

مُقَدِمَةُ المُؤَلِّفِ

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله الطّيبين الطاهرين، لا سيّما إمام زماننا الحجّة ابن الحسن المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

إنّ هٰذه الوريقات هي قسمٌ من محاضراتنا وأبحاثنا حول قضيّة الإمام المهديّ المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، والّتي ألقيناها في مدينة قمّ المقدّسة في (مركز الدراسات التخصّصيّة للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وهو مركزٌ علميٌّ تخصصيٌّ تابعٌ للحوزة العلميّة. وبهٰذه المناسبة نسجّل كلمة شكرٍ لجميع الفضلاء الّذين ساعدونا في إنجاز هٰذا المشروع المبارك، وأخصّ منهم ولدي ونور عيني سماحة الشيخ عباس غزال الّذي حضر أبحاثنا في خارج الفقه والأصول طوال سنين حضور تفهّمٍ وتدبّرٍ، وقرّر أكثر دروسنا في مئات الصفحات، بالرغم من كثرة انشغالاته وجهاده المتواصل في سوحٍ مختلفةٍ، وكذٰلك لا أنسى ولدي العزيز سماحة السيّد ناصر الحيدري اليزدي، إذ واصل جهده في تخريج المصادر، وإعادة النظر فيما يرتبط بالتقييم والتصحيح، فشكر الله سعيه.

كما وأتقدم بالشكر الجزيل إلى مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة التابعة للعتبة الحسينيّة المقدّسة تحت إشراف سماحة العلّامة

المجاهد الشيخ عبد المهديّ الكربلائيّ المحترم معتمد سماحة المرجع الدينيّ الكبير آية الله العظمى السيّد علي السيستانيّ دامُ ظِلُهُ؛ إذ بذلت المؤسّسة جهودًا كبيرةً في مراجعة هٰذا الأثر، وأخصّ من كادرها فضيلة الشيخ الدكتور صفاء الدين الخزرجي عضو المجلس العلميّ في المؤسّسة، وفضيلة الأخ الفاضل حجّة الإسلام الشيخ محسن المحقِّق مسؤول وحدة التدوين الموسوعيّ فيها؛ إذ بذلا جهدًا مشكورًا في المراجعة والتدقيق للكتاب، فجزاهم الله الإسلام خيرًا، سائلًا المولى العليّ القدير أن يديم توفيقاته عليهم وعلينا، إنّه وليّ التوفيق.

نجم الدين الطبسيّ النجفيّ

قمّ المقدّسة- 20 جمادى الثانية 1440 ه‍

الفَصْلُ الأَوَّلُ

ألقاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وصفاته

في مصادر العامّة

تمهيدٌ

وصف الأنبياء والأوصياء الإلٰهيّون بألقابٍ عظميةٍ وخصالٍ حميدةٍ، ونعتوا بكلّ ما ينبغي أن تتّسم به الشخصيّة الإيمانيّة الكبيرة، من قبيل: صفيّ الله، نبيّ الله، خليل الله، كليم الله، روح الله، رسول الله، خير خلق الله، وليّ الله، ثأر الله، حجّة الله، أمير المؤمنين الوصيّ، المجتبى، الشهيد،السجاد، زين العابدين، باقر العلوم، الصادق و...، كذٰلك وصف الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف بآخر حجج الله على العباد، وخاتم الأوصياء، والمهديّ الموعود. وذٰلك باتّفاق الفريقين، وقد امتلأت المصادر الإسلاميّة بالكثير من الروايات الّتي تشير إلى صفاته وسماته عجل الله تعالی فرجه الشریف.

نستعرض في هٰذه الفصل باختصارٍ وعلى نحو الإجمال مجموعةً من ألقابه ونعوته في مصادر الشيعة الّتي يوجد نظيرٌ لها في مصادر العامّة؛ ليكون لهٰذا محور هٰذا الفصل.

ألقاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وخصائصه

تعجّ كتبنا الحديثيّة جنبًا إلى جنبٍ مع كتب الدعاء والزيارة بألقاب الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف وصفاته، وبالخصوص في دعاء الندبة المعروف، حيث تجاوزت نعوته الستّين نعتَّا، أشهرها القائم، ثمّ: 1- بقيّةُ الله. 2- الْمُعَدُّ لِقَطْعِ

دابِرِ الظَّلَمَةِ. 3- الْمُنْتَظَرُ لإقامَةِ الأمْتِ وَالعِوَج. 4- الْمُرْتَجى لإِزالَةِ الجَوْر وَالْعُدْوانِ. 5- الْمُدَّخَرُ لِتجديدِ الْفَرائضِ وَالسُّنَنِ. 6- الْمُتَخَيَّرُ لإعادَةِ الْمِلَّةِ وَالشَّرِيعَةِ. 7- الْمُؤَمَّلُ لإِحْياءِ الْكِتابِ وَحُدُودِهِ. 8- مُحْيِي مَعالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ. 9- قاصِمُ شَوْكَةِ الْمُعْتَدِينَ. 10- هادِمُ أَبْنِيَةِ الشِّرْكِ وَالنّفاقِ. 11- مُبيدُ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ. 12- حاصِدُ فُرُوعِ الْغَيِّ وَالشَّقاقِ. 13- طامِسُ آثار الزَّيْغِ وَالأهْواءِ. 14- قاطِعُ الزَّيْغِ حَبائِلِ الْكِذْبِ وَالافْتِراءِ. 15- مُبيدُ الْعُتاةِ وَالْمَرَدَةِ. 16- مُسْتَأصِلُ أهْلِ الْعِنادِ وَالتَّضْلِيلِ وَالإِلْحادِ. 17- مُعِزُّ الأوْلِياءِ. 18- مُذِلُّ الأَعْداءِ. 19- جامِعُ الْكَلِمَةِ عَلَى التَّقْوى. 20- بابُ اللَّهِ الَّذِي مِنْهُ يُؤْتى. 21- وَجْهُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الأوْلِياءُ 22- السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الأرضِ وَالسَّماءِ. 23- صاحِبُ يَوْمِ الْفَتْحِ. 24- ناشِرُ رايَةِ الْهُدى. 25- مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَالرّضا. 26- الطَّالِبُ بِذُحُولِ الأنْبِياءِ وَأبْناءِ الأَنْبِياءِ. 27- الطّالِبُ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلاءَ. 28- الْمَنْصُورُ عَلى مَنِ اعْتَدى عَلَيْهِ وَافْتَرى. 29- الْمُضْطَرُّ الَّذي يُجابُ إِذا دَعا. 30- صَدْرُ الْخَلائِقِ. 31- ذُو الْبِرِّ وَالتَّقْوى. 32- ابنُ السّادَةِ الْمُقَرَّبِينَ. 33- ابْنُ النُّجَباءِ الأَكْرَمينَ. 34- ابنُ الْهُداةِ الْمَهْدِيِّينَ. 35- ابْنُ الخِيَرَةِ الْمُهَذَّبِينَ 36- ابْنُ الْغَطارِفَةِ الأنجَبينَ. 37- ابْنُ الأطائب الْمُطَهَّرينَ. 38- ابْنُ الْخَضارِمَةِ الْمُنْتَجَبينَ 39- ابْنُ الْقَمَاقِمَةِ الأكْرَمينَ. 40- ابْنُ الْبُدُورِ الْمُنيرَةِ. 41- ابْنُ السُّرُجِ الْمُضيئَةِ. 42- ابْنُ الشُّهُبِ الثَّاقِبَةِ.

43- ابْنُ الأنجمِ الزَّاهِرَةِ. 44- ابْنُ السُّبُلِ الْواضِحَةِ. 45- ابْنُ الأَعْلامِ اللائِحَةِ. 46- ابْنُ الْعُلُومِ الْكامِلَةِ. 47- ابْنُ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ. 48- ابْنُ الْمَعالِمِ الْمَأثُورَةِ. 49- ابْنُ الْمُعْجِزاتِ الْمَوْجُودَةِ. 50- ابْنُ الدَّلائِلِ الْمَشْهُودَةِ. 51- ابْنُ الصَّراطِ الْمُسْتَقِيمِ. 52- ابْنُ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. 53- ابْنُ مَنْ هُوَ في أُمِّ الْكِتابِ لَدَى اللهِ عَلِيٌ حَكيمٌ. 54- ابْنُ الآياتِ وَالْبَيِّنَاتِ. 55- ابْنُ الدَّلائِلِ الظَّاهِراتِ. 56- ابْنُ الْبَراهينِ الْواضِحاتِ الْباهِراتِ. 57- ابْنُ الْحُجَجِ الْبالِغاتِ. 58- ابْنُ النَّعَمِ السَّابِعَاتِ. 59- ابْنُ طٰهٰ وَالْمُحْكَماتِ. 60- ابْنُ يس وَالذَّارِياتِ. 61- ابْنُ الطُّورِ وَالْعادِياتِ. 62- ابْنُ مَنْ دَنا فَتَدَلَّى. 63- المُغَيَّبُ الَّذِي لَمْ يَخْلُ عن المؤمنين. 64- النازِح الّذي ما نَزَحَ عن المؤمنين. 65- أُمْنِيَّةُ الشائِق من المؤمنين. 66- أَثيلِ المَجْد الَّذِي لا يُجارى. 67- تِلادُ النعم الّتي لا تُضاهى. 68- نَصيفُ الشَّرَفِ الَّذي لا يُساوى.

هٰذه باقةٌ من الأوصاف والألقاب الّتي وردت في دعاء الندبة الشريف، كذٰلك ورد في مصادرنا الحديثيّة الكثير من الألقاب والنعوت المتعدّدة(1)، منها: 1- صاحب الأمر (2). 2- صاحب الدار (3). 3- صاحب


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 270.

2) (2) المصدر السابق: 270.

3) المصدر السابق: ص 290؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 349.

السيف (1). 4- صاحب الغَيْبة (2). 5- الطريد (3). 6- الغريم (4). الغلام (5). 8- الفريد (6). 9- المضطرّ (7). 10- المنتظر (8). 11- المنصور (9). 12- المحدَّث (10). 13- المنتقم (11). 14- الموتور (12). 15- المهديّ (13). 16- القائم (14).

والجدير بالذكر أنّ طائفةً من هٰذه الخصال تشترك مع ما ورد في


1) (2) الكافي: ج 1، ص536.

2) (3) كمال الدين: ج 2، ص42؛ ج1، ص 317.

3) (4) المصدر السابق: ج 1، ص 38؛ الغَيْبة (للطوسيّ)، ص436.

4) (5) الإرشاد (للمفيد): ص354؛ كمال الدين: ج 2، ص45؛ الكافي: ج 1، ص521.

5) (6) كمال الدين: ج 2، باب 45، ح6.

6) (7) المصدر السابق: ج 1، الباب 26، الحديث 13.

7) (8) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص314؛ تفسير القمّيّ: ج 2، 129.

8) (9) كمال الدين: ج 2، ص 378.

9) (10) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 198 و243؛ كمال الدين: ج 1، ص 330؛ بحار الأنوار: ج 53، ص 139.

10) (11) الكافي: ج 1، باب أنّ الأئمّة محدّثون، ص 270.

11) (12) المصدر السابق: ج 1، ص465؛ الأمالي (للطوسيّ): ج 2، ص 32.

12) (13) الغَيْبة (للنعمانيّ) ص 179؛ الكافي: ج 1، ص 322.

13) (14) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 237 و26؛ علل الشرائع: ج 1، ص 161 و3.

14) (15) دلائل الإمامة (للطبريّ): ص 239.

كتب أهل السنّة وتناظرها في العبارة، وكلّ واحدةٍ من هٰذه الخصال تحتاج إلى بيان مفادها وشرحه، وسنتعرّض لها في الأبحاث القادمة بتوفيق من الله القدير.

ألقاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وصفاته في كتب العامّة

تمهيدٌ

اشارة

إنّ أغلب روايات العامّة عندما تتعرّض للحديث عن الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف تشير إلى لقب "المهديّ"، متجنّبةً إلى حدٍّ ما الإشارة إلى ألقابه وصفاته الأخرى، ونادرًا ما يستخدم لقب "القائم"، نحاول هنا رصد ألقابه في مصادر العامّة، منها:

1- مهديّ هٰذه الأمّة. 2- المهديّ في الأرض والمهديّ في السماء. 3- مهديّ الخير. 4- مهديّ عباد الله. 5- الإمام. 6- آخر الأئمّة. 7_ خليفة الله. 8- خليفة بني هاشمٍ. 9- الخليفة. 10- وليّ الله. 11- الأمير. 12- أمير الطائفة. 13- أمير الناس. 14 خيرة الله في خلقه. 15- خيرُ أمّة محمّدٍ. 16- خير خير الناس. 17- خير أهل الأرض. 19- يعسوب الأمّة. 20- الرجل الصالح. 21- صالح من مضى. 22- العدلُ المبارك الزكيّ. 23- المنصور. 24- الهاشميّ. 25- العائذ بالبيت. 26- السفّاح.

هٰذه باقةٌ من الأوصاف والعناوين والألقاب الّتي احتوتها كتب العامّة في حق الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ولنشرع بالحديث عن متون تلك الروايات.

دراسة متون الروايات

1- مهديّ هٰذه الأمّة

أ- روي في مناقب ابن المغازليّ «عن أبي أيّوب الأنصاريّ أنّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم مَرِض مَرْضَةً، فدخلت عليه فاطمة تعوده، وهو ناقهٌ من مرضه... ومنّا مهديّ هٰذه الأمّة» (1).

ب- روى عليّ بن مكّيٍّ الهلاليّ عن أبيه قال: «قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم... يا فاطمة والّذي بعثني بالحقِّ، إنّ منهما مهديّ هٰذه الأمّة» (2).

وقد روي الحديث عن سلمان الفارسيّ رضی اللهُ عنْه في كلٍّ من كتاب سُلَيم بن قيسٍ، ص69؛ وتفسير فراتٍ، ص 179؛ وكمال الدين، ج1، ص 262؛ وأمالي الطوسيّ، ج 2، ص 219؛ ونقلًا عن حذيفة: «هو من ولدي هٰذا الحسين» (3).

2- المهديّ في الأرض والمهديّ في السماء

روي عن عبد الله بن عمر: «... فإن أدركتموه فبايعوه، فإنّه المهديّ في الأرض، والمهديّ في السماء» (4)


1) (1) المناقب (لابن المغازليّ) ص101؛ المناقب (للخوارزميّ): ص62؛ ينابيع المودة: ص81؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص146.

2) (2) المعجم الكبير: ج 3، ص52؛ البيان (للشافعيّ): ص478؛ ذخائر العقبى: ص42؛ عقد الدرر: ص 151؛ فرائد السمطين: ج 2، ص84؛ مجمع الزوائد: ج 9، ص 165، البرهان للهنديّ: ص 94.

3) (3) معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 138.

4) (4) المستدرك (للحاكم النيشابوريّ): ج 4، ص 503؛ عقد الدرر: ص 109؛ العرف الورديّ: ج 2، ص 76؛ القول المختصر: ص 18؛ برهان الهنديّ: ص 143؛ فرائد فوائد الكفر: ص8.

3- مهديّ الخير

روي عن كعبٍ أنّه قال: «مهديّ الخير يخرج بعد السفيانيّ» (1).

4- الإمام

أ- عن أبي سعيد الخُدريّ: «قال النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: يكون في آخر الزمان- على تظاهر العمر وانقطاعٍ من الزمان- إمامٌ يكون أعطى الناس» (2)

معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 96.

.

ب- عن جابر بن عبد الله قال: «يكون على الناس إمامٌ لا يعدَّ لهم الدراهم، ولٰكن يحثو» (3).

5- خليفة الله

أ- عن عبد الله بن عمر: «عن رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: يخرج المهديّ وعلى رأسه لم غمامةٌ فيها ملكٌ ينادي: هٰذا هو المهديّ خليفة الله فاتبعوه» (4).


1) (1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 99.

2) (2) مسند أبي يعلى: ج 2 ص 356؛ العرف الورديّ: ج 2 ص 63؛ جمع الجوامع: ج 1، ص: 1022؛ كنز العمّال: ج 14، ص 274؛ البرهان (للمتّقي): ص83،

3) (3) المصنّف (لعبد الرّزاق): ج 12، ص 372؛ وفي صفحة 400: «كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم علم التعالي حكمًا، وإمامكم منكم» [معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 519].

4) (4) البيان (للشافعيّ): ص 511؛ عقد الدرر: ص 135؛ فرائد السمطين: ج 2، ص 316؛ الفصول المهمّة: ص 298؛ تاريخ الخميس: ج 2، ص 288؛ الفتاوى الحديثة: ص 27؛ ينابيع المودّة: ص477؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ: ج 1، ص 208 و210.

ب- روي عن ثوبان أنّه قال: قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: «... فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنّه خليفة الله المهديّ» (1).

وروي المضمون نفسه عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في كلٍّ من: عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 59، وكفاية الأثر، ص 106، والصراط المستقيم، ج 2، ص 116 (2).

6- الخليفة

أ- عن أبي هريرة، عن النبيّ الأكرم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أنه قال: «يكون في هٰذه الأمّة خليفةٌ...» (3).

ب- نقل عن أبي سعيدٍ الخُدريّ: «يخرج في آخر الزمان خليفةٌ يعطي المالَ بغیر عدٍّ» (4).


1) (1) سنن ابن ماجة: ج 2، ص 1347؛ مستدرك الحاكم: ج 4، ص463؛ عقد الدرر: ص 57؛ كنز العمّال: ج 14، ص 263؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 225.

2) (2) معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص403.

3) (3) المصنّف (لا بن أبي شيبة): ج 15، ص198؛ الكامل (لابن عديِّ): ج 6، ص 2433؛ تاريخ الخميس: ج 2، ص 288؛ البرهان (للمتّقي): ص 172؛ معجم ص 172؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 206.

4) (4) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 98؛ مسند أحمد: ج 3، ص 695؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ: ج 1، ص 331؛ عقد الدرر: ص 167.

7- خليفة بني هاشم

عن محمّد بن الحنفية قال: «ينزل خليفةٌ من بني هاشمٍ بيت المقدس» (1).

8- الأمير

عن أرطاة قال: «.... نادى منادٍ بعد أن تحارب القبائل: ألا إنّ أميركم فلانٌ» (2).

9- خيرة الله من خلقه

روي عن سميرٍ أنّه قال: «... ينادي منادٍ من السماء ألا إنّ فلانًا خيرة الله من خلقه» (3).

10- خير أمة محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم

عن حذيفة بن اليمان قال: «سمعت رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم يقول: إذا كان عند خروج القائم ينادي منادٍ من السماء: أيها الناس، قطع عنكم مدّة الجبّارين، ووليّ الأمر خير أمة محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم» (4).


1) (1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 110؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 347؛ عقد الدرر: ص 241.

2) (2) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 110.

3) (3) ابن طاووسٍ: ص45 نقلًا عن الفتن (السليليّ)؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ج1، ص439.

4) (4) جامع البيان: ج 15، ص 17؛ سنن الداني: ص 104؛ معجم 17؛ سنن الداني: ص 104؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ج1، ص 363.

11- خيرُ الناس

أ- روي عن أبي الجلد، قال: «... ثمّ يجتمع الناس على خيرهم رجلًا» (1).

ب- عن عبد الله بن عمر قال: «... يحجّ الناس معًا... فيفزعون إلى خيرهم، فيأتونه وهو ملصقٌ وجهه إلى الكعبة يبكي» (2).

12- خير أهل الأرض

عن أبي الجلد قال: «... ثمّ تأتي الخلافةُ خيرَ أهل الأرض...» (3).

13- المنصور

روي عن كعب قال: «المنصور مهديٌّ، يصلّي عليه أهل السماء والأرض» (4).


1) (1) المصنّف (العبد الرّزاق): ج 11، ص 372؛ المصنّف (لابن أبي شيبة): ج 15، ص 246؛ عقد الدرر: ص61؛ الدرّ المنثور: ج 6، ص 59؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص86.

2) (2) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 94؛ مستدرك الحاكم: ج 4، ص 503؛ عقد الدرر: ص 109؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص450.

3) (3) المصنّف (لعبد الرزّاق): ج 11، ص 372؛ المصنّف (لابن أبي شيبة): ج 15، ص 246؛ عقد الدرر ص 61؛ الدرّ المنثور: ج 6، ص59؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص86.

4) (4) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 127؛ عقد الدرر: ص 149.

14- الهاشميّ

عن عبد الله بن زريرٍ الغافقيّ، عن عليٍّ عَلَیه السَّلام: «... ثمّ يظهر الهاشميّ فيردّ الله إلى الناس ألفتهم ونعمتهم» (1).

15- العائذ بالبيت

عن أمّ سلمة قالت: «قال رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم: ويعوذ عائذٌ بالبيت...» (2).

16- يعسوب الدين

عن أبي سعيد الخُدريّ عن النبيّ الأكرم صّلى الله عليه وآله وسلّم قال: «تأوي إليه أُمّته كما تأوي النحلة إلى يعسوبها» (3).

17- الرجل الصالح

عن أبي أَمامَة الباهِليّ قال: «قال رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم:... وإمام الناس يومئذٍ رجلٌ صالحٌ» (4).


1) (1) مستدرك الحاكم النيسابوريّ: ج 4، ص553؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، 61 ص 408.

2) (2) مسند أحمد: ج 6، ص 290؛ صحيح مسلم: ج 4، ص 2208؛ المصنّف (لابن أبي شيبة): ج15، ص443؛ جامع الأصول: ج 10، ص 178؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، 610 ص 486.

3) (3) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ) ص 99؛ العرف الورديّ: ج 2 ص 77؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 220.

4) (4) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 159؛ سنن ابن ماجة: ج 2، ص 1359؛ مسند أحمد ج 6، ص462؛ صحيح مسلمٍ: ج 2، ص 2266؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 2، ص.315.

18- صالح من مضى وخيرُ من بقي

عن أنس بن مالكٍ، عن رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم قال: «... فيخرج كالصالح (صالح) من مضى وخير من بقي» (1).

19- السفاح

عن أبي سعيدٍ الخُدريٍ، عن النبيّ الأكرم صّلى الله عليه وآله وسلّم قال: «يخرج رجلٌ من أهل بيتي يقال له السفّاح» (2). ورجلٌ سفّاحٌ أي قادرٌ على الكلام (3).

20- القائم

ذكر هٰذا اللقب الخوارزميّ في (لمناقب) والقندوزيّ والحموينيّ في كتابيهما.

أ- عن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه قال: «ثمّ بكى النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم... وأخبرني جبرئيل أنّهم يظلمونه ويمنعونه حقّه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده. وأخبرني جبرئيل عن الله عزّ وجلّ عن أنّ ذٰلك الظلم يزول إذا

قام قائمهم وعلت كلمتهم» (4).


1) (1) المعجم الكبير: ج 8، ص 178.

2) (2) المصنّف (لابن أبي شيبة): ج 15، ص 196؛ دلائل النبوة: ج 6، ص 514؛ نور الأبصار: ص 188؛ مجمع الزوائد: ج 7، ص 314؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 1، ص 98.

3) (3) مجمع البحرين: ج 2، ص 372.

4) (4) مناقب الخوارزميّ: ص 23.

ب- عن عليٍّ عَلَیه السَّلام في روايةٍ قال: «قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم الّذي يفتح الله - عزّ وجلّ - على يديه مشارق الأرض ومغاربها» (1).

21- القائم المنتظر

روي عن ابن عبّاسٍ قال: «قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: إنّ عليّ بن أبي طالبٍ إمام أمّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المتنظر» (2).

22- العدل المبارك الزكيّ

روى ابن طاووسٍ عن (فتن السليلي)، عن حذيفة بن اليمان قال: «... إذ بعث الله رجلاً من أطائب عترتي وأبرار ذرّيّتي عدلاً مباركًا زكيّاً» (3).

وهناك ألقابٌ ونعوتٌ أخرى في مصادر أهل السنّة لم نتعرّض لها؛ رومًا للاختصار، مكتفين بهٰذا المقدار؛ عسى أنْ يتيح لنا الله - تعالى - فرصةً أخرى لاستقصائها وبيان تلك الألقاب الشريفة وشرح معانيها. حشرنا الله مع المهديّ ورزقنا رأفته ورضاه.


1) (1) ينابيع المودة: ص 492.

2) (2) فرائد السمطين: ج 2، ص 335؛ ينابيع المودة: ص488؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ج1، ص 174.

3) (3) الملاحم والفتن: ص 108.

الفَصْلُ الثَّانيْ

اشارة

الاعتقاد بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

وإشكاليّة التسمية

المَدخلُ

لا شكّ أنّه يجب الاعتقاد بجميع الأئمّة الاثني عشر لا بما فيهم الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهٰذا الاعتقاد يتوقّف على معرفتهم بأسمائهم وكلّ ما يميّزهم عن غيرهم، وبما أنّ الأئمّة السابقين كانوا ظاهرين ولم يتعرّضوا لظروف الغَيْبة؛ فلم يكن ثمّة تحفّظٌ في ذكر أسمائهم، وهٰذا بعكسه في الإمام الثاني عشر- أرواحنا فداه- الّذي يعيش في ظرف الغَيْبة، فإنّه لا أنا شكّ من وجوب معرفته باسمه ونسبه؛ لتوقّف الاعتقاد به علیه، بید أنا لا نستطيع أن نجمع ذٰلك مع ما ورد في الروايات من النهي عن تسميته المستلزم لعدم معرفته بشخصه.

:والجواب:أوّلاً: أنّ الروايات الناهية إنّما تنهى عن تسميته زمن غيبته، وهٰذا لا يتنافى مع الروايات الواردة الّتي ذكرت اسمه ضمن الأئمّة الاثني عشر، والّتي يمكن في ضوئها معرفته والاعتقاد بإمامته، فلا تنافي.

ثانيًا: أنّ معرفته عجل الله تعالی فرجه الشریف لاهل والاعتقاد به لا يتوقّف على معرفة اسمه؛ وذٰلك لإمكان معرفته بألقابه المشهورة كالمهديّ والقائم والإمام الثاني عشر والمنتظر، ولعلّ أكثر الشيعة يعرفونه بهٰذه الألقاب، ولا يضرّ الجهل باسمه الخاصّ.

وعلى كلّ حالٍ فقد وقع الكلام في جواز التصريح باسمه الشريف، إذ إنَّ بعض أبواب كتب الحديث والقواعد الفقهيّة طرحت موضوعَ الذكر والتصريح باسم الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف «م ح م د» أو ما يصطلح عليه ب‍ "التسمية"، فوردت في هٰذا الشأن رواياتٌ كثيرةٌ، وقد تعدّدت حوله الآراء جوازًا ومنعًا.

ونحن في هٰذا الفصل نحاول أن نجري تحقيقًا ودراسةً حول هٰذا الموضوع، وسيكون محور كلامنا مركَّزًا على "فقه الحديث"؛ لنرى بعد ذٰلك ما هي النتيجة الّتي يمكن استخراجها، وما هو الحكم الّذي يمكن استنباطٰهٰ من الأحاديث الواردة حول هٰذا الموضوع.

لقد وردت مئة روايةٍ تقريبًا حول موضوع (حكم التسمية)، وذكر اسم بقيّة الله الأعظم عجل الله تعالی فرجه الشریف بالاسم المخصوص لحضرته الشريفة، وهو «م ح م د».

ويمكن تقسيم تلك الروايات إلى أربع طوائف:

الروايات حول حكم التسمية

الطائفة الأولى: الروايات الناهية عن الاسم مطلقا

نهت هٰذه الطائفة عن ذكر اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف مطلقًا، أي بدون خصوصيّة قيدٍ أو شرطٍ أو ظرفٍ معيّنٍ كالخوف أو التقيّة. ومن هٰذه الروايات:

• عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام: «صاحب هٰذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافرٌ» (1).

1) (1) الكافي: ج 1، ص 333، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح4. وللعلّامة المجلسيّ توضيحٌ خاصٌّ حول هٰذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى.

• عن الإمام الهادي عَلَیه السَّلام: «... لا يحلّ لكم ذكره باسمه» (1).

الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن الاسم قبل زمان الظهور

إِنَّ هٰذه الطائفة نهت عن ذكر اسمه الشريف قبل زمن الظهور فقط، كما في الرواية الّتي ينقلها العالم عبد العظيم الحسنيّ عن الإمام الهادي عَلَیه السَّلام إذ قال: «... لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا...» (2).

الطائفة الثالثة: الروايات الّتي صرّحت بعلّة النهي

لقد صرَّحت هٰذه الطائفة عن علّة النهي لذكر الاسم الشريف مثل التقيّة أو الخوف أو عِللٍ أخرى، حيث ورد في رواية أبي خالدٍ الكابليّ (3)ما نصّه: «لمّا مضى عليّ بن الحسين عَلَیه السَّلام دخلتُ على محمّد بن عليٍّ الباقر عَلَیه السَّلام، فقلتُ له: جُعلت فداك! قد عرفتَ انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال صدقتَ يا أبا خالد، فتريد ماذا؟ قلتُ: جُعلت فداك! لقد وصف لي أبوك صاحبَ هٰذا الأمر بصفةٍ لو رأيته في بعض الطرق لأخذتُ بيده، قال:


1) (1) الكافي: ج 1، ص 332، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح1.

2) (2) وسائل الشيعة: ج 16، ص،240، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 33: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح9/21460؛ كمال الدين: ج 2، ص 379 و380، الباب 37: ما أخبر به الهادي عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح1.

3) (3) قال الكشّيّ: «اسم أبي خالدٍ الكابليّ "وردان"، ولقبه "كُنكُر". كان من حواریّي عليّ بن الحسين عَلَیه السَّلام، وقال أيضًا: قال الفضل بن شاذان: كان للإمام عليّ بن الحسين خمسة أصحابٍ خلّصٍ، أحدهم وردان أبو خالدٍ الكابليّ» [انظر: وسائل الشيعة: ج 30 (الخاتمة)، ص 502، الفائدة الثانية عشرة، أحوال الرجال، باب الواو، ترجمةٌ وأصلٌ].

فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قلتُ: أريد أن تسميّه لي حتّى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤالٍ مُجْهِدٍ، ولقد سألتني بأمرٍ ما كنتُ مُحدِّثًا به أحدًٌا، ولو كنت محدّثًا به أحدًٌا لحدّثتك، ولقد سألتني عن أمرٍ لو أنّ بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطّعوه بضعةً بضعةً» (1).

في هٰذا الحديث تصريحٌ بأنَّ علّة النهي عن ذكر الاسم الشريف للإمام مهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف هي التقيّة والخوف. وبما أنَّ العلّة تعمّم وتخصّص، وهي في هٰذه الرواية الخوف والتقيّة، إذن فكلُّ موردٍ يكون فيه الخوف والتقيّة يحرم فيه ذكر الاسم، وإلّا فلا.

وعليه فمن هٰذه الجهة، وفي أيّ ظرفٍ تتحقّق فيه التقيّة فإنَّه لا يمكننا أن نذكر فيه الاسم الخاصّ،للإمام، بل ولا سائر ألقابه وأسمائه الشريفة.

قال الإمام أبو عبد الله الصادق عَلَیه السَّلام: «إياكم وذكر عليِّ وفاطمة علیهما السَّلام؛ فإِنَّ الناس ليس شيءٍ أبغض إليهم من ذكر عليٍّ وفاطمة» (2).

والمعنى: لاتذكروا اسم عليٍّ واسم فاطمة؛ لأنَّ الظرف ظرف تقيّةٍ، والمبغضون لأهل البيت علیهم السَّلام لا يطيقون سماع ذكرهما منكم.


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 288 و289، الباب 16: ما روي في المنع عن التوقيت والتسمية له عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 2؛ انظر: الغَيْبة (للطوسيّ): ص332، الفصل الخامس، العلّة المانعة من ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 278.

2) (2) وسائل الشيعة: ج 16، ص،238 كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 33: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 2/21454.

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على الجواز

هناك روايات صرَّحت بالاسم الشريف للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، بلسان الإمام أو بلسان الراوي، كما في هٰذا الحديث الّذي يرويه الشيخ الصدوق رحمه الله عن محمّد بن إبراهيم الكوفيّ الّذي قال: «إنّ أبا محمّد عَلَیه السَّلام بعث إلى بعض من سمّاه لي بشاةٍ مذبوحةٍ، وقال: هٰذه من عقيقة ابني محمّدٍ» (1).

ثمّ إنَّ للعلّامة المجلسيّ القائل بحرمة التسمية توجيهاتٍ خاصّةًٌ لمثل هٰذه الروايات، لٰكنّ الطائفة الأولى والثانية من الروايات قريبة المعنى من بعضها البعض، وهي تخلص إلى نتيجةٍ واحدةٍ؛ لذٰلك وعلى أساس طوائف الروايات الأربع المذكورة تتّضح المذاهب والآراء حول حكم التسمية الّتي اختلفت على ثلاثة اتّجاهات.

اتّجاهات الفقهاء حول حكم التسمية

الاتّجاه الأوّل: القول بالحرمة مطلقًا

يذهب إلى القول بحرمة ذكر الاسم الشريف للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف زمن الظهور.

وهو قول الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والطبرسيّ، والعلّامة محمّدباقر المجلسيّ الثاني والميرداماد، والمحدّث الجزائريّ، والمحدّث النوريّ، والميرزا


1) (1) کمال الدين: ج 2، ص432، الباب 42: ما روي في ميلاد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح10.

الشيرازيّ، والميرزا محمّدتقي الأصفهانيّ، وغيرهم من الأعلام. وقد ادّعى كلٌّ من المحقِّق الميرداماد والميرزا الشيرازيّ والمحدّث النوريّ الإجماع على حرمة موضوع التسمية، بينما ادّعى الجزائريّ أنّه قول الأكثر لا الإجماع.

الاتّجاه الثاني: القول بالحرمة في ظرف خاصّ

يذهب إلى القول بحرمة ذكر اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في ظرفٍ خاصٍّ كظرف التقيّة أو الخوف، وهو قول الأربليّ، والحرّ العامليّ، والخواجة نصير الدين الطوسيّ، والفيض الكاشانيّ، والشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ (حفظه الله)، وغيرهم من الأعلام.

الاتّجاه الثالث: القول بالحرمة في زمان الغَيْبة الصغرى

يذهب إلى القول بأنَّ الحكم بحرمة ذكر الاسم الشريف للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف إنّما كان في زمن الغَيْبة الصغرى فقط، وبعبارةٍ أخرى: حرمة التسمية هو حكمٌ خاصٌّ بزمن الغَيْبة الصغرى، وقد نسب العلّامة المجلسيّ الثاني في (بحار الأنوار) هٰذا القول إلى بعض العلماء (1).

حكم التسمية في كلمات الفقهاء

سوف نستعرض في هٰذا المحور بعض كلمات فقهاء الشيعة، ثمّ نذكر نقاشنا فيما يحتاج إلى المناقشة.


1) (1) بحار الأنوار: ج 51، ص 32، تاريخ الإمام الثاني عشر، باب النهي عن التسمية، ذيل ح 5.

أ- القائلون بحرمة التسمية

1- الشيخ الصدوق رحمه الله

قال رحمه الله: «جاء هٰذا الحديث (حديث اللوح) هٰكذا بتسمية القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، والّذي أذهب إليه ما رُوي في النهي من تسميته...» (1).

ويمكن أن يستدلّ له برواياتٍ، منها:

«حدّثنا المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويّ رضي الله عنه، قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن مسعودٍ وحيدر بن محمّد بن السمرقنديّ، قالا: حدّثنا أبو النضر محمّد بن مسعود، قال: حدّثنا آدم بن محمّدٍ البلخيّ، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن الدقّاق وإبراهيم بن محمّدٍ قالا: سمعنا عليّ بن عاصمٍ الكوفيّ يقول: خرج في توقيعات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف: ملعونٌ ملعونٌ مَن سمّاني في محفلٍ من الناس» (2).

أقول في هٰذا السند عليّ بن عاصمٍ، وهو مهملٌ لم يرد له اسمٌ في الكتب : الرّجالية، وإن مدحه النمازيّ (3)لذا فالرواية ضعيفةٌ.


1) (1) كمال الدين: ج 1، ص 307، الباب:37: في صحيفة فاطمة علیها سلام، ذيل ح1.

2) (2) كمال الدين: ج 2، ص482، الباب 45: ذكر التوقيعات الواردة عن القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. ح 1. وفي رواية العمري: قلتُ: فالاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذٰلك، ولا أقول هٰذا من عندي؛ فليس لي أن أحَلَّل ولا أحرّم، ولٰكن عنه الكافي: ج 1، ص 329 و330، كتاب الحجّة، بابٌ في تسمية من رآه، ح1].

3) (3) «لم يذكروه، هو من أصحاب أبي محمّدٍ العسكريّ، أراه البساط الّذي كان عليه آثار الأنبياء... وفيها دلالات على مدحه وكماله مستدركات علم رجال الحديث: ج 5، 10112]. ص 392، ترجمة علي بن عاصم الكوفيّ، رقم 10112].

2- العلّامة المجلسيّ الثاني

قد تعرّض العلّامة المجلسيّ الثاني لرواياتٍ أخرى حول حكم التسمية، ثمّ تناول موضوع التسمية ذاكرًا أدلّته الخاصّةٌ، وذٰلك في كتابه (مرآة العقول، وضمن تحقيقٍه لأسانيد روايات الكافي.

الروايات الّتي يستند إليها المجلسيّ الثاني

الرواية الأولى

«علي بن محمّدٍ، عمّن ذكره، عن محمّد بن أحمد العلويّ، عن داود بن القاسم الجعفريّ قال: سمعت أبا الحسن العسكريّ ّعلیه السلام يقول: الخَلَفُ من بعدي الحسن عَلَیه السَّلام، فكيف لكم بالخَلَف من بعد الخَلَف؟ فقلتُ: ولِمَ جعلني الله فداك؟ قال: إنّكم لا ترَوْن شخصه، ولا يحلّ لكم ذكرُه باسمه، فقلتُ: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجّة من آل محمّدٍ صلوات الله علیه وسلامه» (1).

قال العلّامة المجلسيّ عن هٰذا الحديث إِنَّه «مجهولٌ» (2).


1) (1) الكافي: ج 1، ص 332، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح1.

2) (2) مرآة العقول: ج 3، ص 393، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 1.

الرواية الثانية

«عليّ بن محمّدٍ، عن أبي عبد الله الصالحيّ قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتَهم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه» (1).

إنَّ العلّامة المجلسيّ الثاني يتعمّق في البحث كثيرًا حول الحديث الثاني؛ لأنّه قد يُستفاد من هٰذا الحديث جواز التسمية وأنَّ الحرمة ليست مطلقةً، وهو خلاف رأيه ومبناه في حرمة التسمية.

لٰكن بحسب الظاهر أنَّ العلّامة المجلسيّ في الحديث الثاني قد نسي أو غفل عن تحقيق السند، وإنّما ذكر في حاشيته فقط كلمة «كذا»، ما يعني أنَّ الكلام حول سند الحديث مسكوتٌ عنه، فلم يبيِّن ضعفه أو قوّته، ولعلّه محذوفٌ، أو أنه لم ير البحث السنديّ هنا ضروريًّا.

ولٰكنّه أعطى رأيه حول الصالحيّ الوارد في السند قائلًاً إنّه مجهولٌ؛ إذ لم يُعلم أيّهما المقصود، فهل هو أبو عبد الله بن صالحٍ أو شخصٌ آخر؟ وأمّا أبو الله الصالحيّ فهو أبو عبد الله بن الصالح الّذي تكلّمنا فيه سابقًا، ويدلّ على أنّه كان من السفراء، ويُحتمل أن يكون السؤال بواسطة السفراء، وفي التعليل الوارد في الرواية «إن دللتَهم» إيماءٌ إلى اختصاص النهي بالغَيْبة الصغرى، لٰكنّ هٰذا الإيماء لا يصلح لمعارضة الأخبار الصريحة في التعميم (2).


1) (1) الكافي: ج 1، ص 332، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح2.

2) (2) انظر: مرآة العقول: ج 4، ص 16 و17، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 2.

ثمّ إنّ العلّامة المجلسيّ يذكر - ومن أجل تعميم الفائدة- عدّة رواياتٍ لیست موجودةً في (الكافي):

1- «ما رواه الصدوق بإسناده عن عبد العظيم الحسنيّ رضی اللهُ عنْه، عن أبي الحسن الثالث عَلَیه السَّلام أنه قال في القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف: لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا...» (1).

2- «ما رواه بسندٍ حسنٍ عن الإمام الكاظم عَلَیه السَّلام أنه قال عند ذكر القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف: لا تحلّ لكم تسميته حتّى يظهره الله عزّ وجلّ، فيملأ به الأرض قسطًا وعدلًا...» (2).

3- «بإسناده عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ عَلَیه السَّلام قال:... فسأل عمر أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام عن المهديّ، فقال: يا بن أبي طالبٍ، أخبرني عن المهديّ ما اسمه؟ قال: أمّا اسمه فلا. إنّ حبيبي وخليلي عهد إليّ أن لا أحدّث باسمه حتّى يبعثه الله عزّ وجلّ، وهو ممّا استودعه الله عزّ وجلّ رسوله في علمه» (3).

والأخبار في ذٰلك كثيرةٌ.


1) (1) المصدر السابق: ج 4، ص 16، كتاب الحجة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 2، نقلًا عن: كمال الدين: ج 2، ص 379 و380، الباب 37: ما أخبر به الهادي عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح1.

2) (2) مرآة العقول: ج 4، ص 16، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 2.

3) (3) المصدر السابق؛ انظر: الغَيْبة (للطوسيّ): ص470، الفصل الثامن: ذكر بعض صفاته ومنازله وسيرته، ح 487.،ح

الرواية الثالثة

«عدةٌ من أصحابنا، عن جعفر بن محمّدٍ، عن ابن فضّال، عن الريّان بن الصلت قال: سمعت أبا الحسن الرضا عَلَیه السَّلام يقول وسُئل عن القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف فقال: لا يُرى جسمُه، ولا يُسمّى اسمُه» (1).

قال العلّامة المجلسيّ الثاني عن سند هٰذا الحديث: «موثَّقٌ على الظاهر؛ إذ الأظهر أنَّ جعفر بن محمّدٍ هو ابن عونٍ الأسديّ، وربّما يظنّ أنّه ابن مالكٍ، فيكون ضعيفًا وإن كان في ضعفه أيضًا كلامٌ؛ لأنَّ ابن الغضائريّ إنّما قدح فيه لروايته الأعاجيب، والمعجز كلّه عجيبٌ، وهٰذا

لا يصلح للقدح» (2).

الرواية الرابعة

«محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوبٍ، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: صاحب هٰذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافرٌ» (3).

قال العلّامة المجلسيّ الثاني تعليقًا على هٰذا الحديث: «وفيه مبالغةٌ عظيمةٌ في ترك التسمية، وربّما يحمل الكافر على مَن كان شبيهًا بالكافر في


1) (1) الكافي: ج 1، ص 333، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح3.

2) (2) مرآة العقول: ج 4، ص 17، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 3.

3) (3) الكافي: ج 1، ص 333، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ح4.

مخالفة أوامر الله ونواهيه اجتراءً ومعاندةً، وهٰذا كما تقول: لا يجترئ على هٰذا الأمر إلّا أسدٌ. وستعرف إطلاق الكافر في عرف الأخبار على مرتكب الكبائر. وقد ورد في بعض الأخبار أنَّ ارتكاب المعاصي الّتي لا لذّة فيها تدعو النفس إليها يتضمّن الاستخفاف، وهو يوجب الكفر (1)إذ بعد سماع النهي عن ذٰلك ليس ارتكابه إلّا لعدم الاعتناء بالشريعة وصاحبها، وهٰذا عين الكفر، وقيل: المراد بصاحب هٰذا الأمر مطلق الإمام، وتسميته باسمه مخاطبته بالاسم، كأن يقول: يا جعفر، يا موسى، وهٰذا استخفافٌ موجب للكفر، ولا يخفى ما فيه من التكلّف» (2).

وقال في موضع آخر حول أصل التسمية: «... ولا ريب أنّ الأحوط ترك التسمية مطلقًا» (3).

توجيهات العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله

ذهب العلّامة المجلسيّ إلى أنَّ مثل هٰذه الروايات تدلّ على عدم جواز التسمية، لٰكن كيف يوجِّه العلّامة تلك المجموعة من الأخبار والروايات- ومن جملتها مجموعة أدعيةٍ- الّتي صرَّحت باسم الإمام المهديّ أرواحنا فداه؟!

اولًا: قال العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «وما ورد في الأخبار والأدعية من التصريح بالاسم، فأكثره معلومٌ أنّه إمّا من الرواة أو من الفقهاء المجوِّزين


1) (1) علل الشرائع: ج 2، ص 339.

2) (2) مرآة العقول: ج 4، ص 17 و18، كتاب الحجّة، بابٌ في النهي عن الاسم، ذيل ح 4.

3) (3) المصدر السابق: ص 7، كتاب الحجّة، بابٌ في تسمية من رآه، ذيل ح1.

للتسمية في زمان الغَيْبة الكبرى، كالشيخ البهائيّ رحمه الله في (مفتاح الفلاح) وغيره، فإنّه لمّا زعم الجواز صرَّح بالاسم، وفي سائر الروايات والأدعية إمّا بالألقاب أو بالحروف المقطّعة» (1).

ثانيا: قال رحمه الله: «مع أنَّ بعض الأخبار المتضمّنة للاسم إنّما يدلّ على جواز حمله ذٰلك لهم لا لنا» (2).

ثالثًا: قال رحمه الله: «وما ورد في الأخبار من الأمر بتسمية الأئمّة عَلَیه السَّلام، فيمكن أن يكون على التغليب أو التجوّز بذكره عجل الله تعالی فرجه الشریف بلقبه وسائر الأئمّة بأسمائهم، وهٰذا مجازٌ شائعٌ تعدل الحقيقة» (3).

3- المحدّث النوريّ رحمه الله

ذكر المحدث النوريّ في هٰذا الباب حوالي سبع عشرة روايةً، ثمّ قال بعد ذٰلك معلّقًا:

«قلتُ: وهٰذه الأخبار وغيرها ممّا يوجد في الأصل (4)، بعد حمل ظاهرها على نصّها، صريحةٌ في أنَّ عدم جواز تسمية مولانا المهديّ- صلوات الله عليه- باسمه المعهود من خصائصه، كغيبته وطول عمره، وأنَّ غاية هٰذا


1) (1) المصدر السابق.

2) (2) المصدر السابق.

3) (3) المصدر السابق.

4) (4) وسائل الشيعة: ج 16، ص 237 - 247، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 33: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

المنع ظهوره وسطوع نوره واستيلاؤه وسلطنته، لا يعلم سرّه وحكمته غيره تعالى، ليس لأجل الخوف والتقيّة الّتي يشارك معه غيره من آبائه الكرام عَلَیه السَّلام، بل وخواصّ شيعته، ويشترك اسمه هٰذا كثيرٌ من ألقابه الشائعة، فيرتفع بعدمه ولو كان قبل الظهور» (1).

ثمّ ذكر المحدّث النوريّ ثلاثة موارد لتأييد رأيه هٰذا، فيقول رحمه الله: «ويؤيّد الأخبار المذكورة صنوفٌ أخرى، منها:

الأولى: الأخبار المستفيضة في أبواب المعراج ممّا أوحى الله - تعالى - النبيّه صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وذكر له أساميّ أوصيائه؛ فإنَّ فيها ذكر جميعهم باسمه سوى الثاني عشر عَلَیه السَّلام فذكره بلقبه، فلاحظ (2).

الثانية: الأخبار الكثيرة الّتي وردت عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في عددهم علیهم السَّلام


1) (1) مستدرك الوسائل: ج 12، ص 286 و287، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الباب: 31: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 17.

2) (2) خلاصة هٰذه الرواية: «حدّثنا جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: دخل جندل بن جنادة الأنصاريّ على رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم فقال: يا محمّد... فأخبرني بالأوصياء بعدك لأستمسك بهم. فقال صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: يا جندل، أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل. وساق صلَّی الله علیه وآله وسلَّم الحديث إلى أن قال: فإذا انقضت مدّة علىِّ قام بالأمر بعده الحسن يُدعى بالزكيّ، ثمّ يغيب عن الناس إمامهم. قال: يا رسول الله، يغيب الحسن منهم؟ قال: لا، ولٰكنّ ابنه الحجّة يغيب عنهم غَيْبةً طويلةً. قال: يا رسول الله، فما اسمه؟ قال: لا يُسمَّى حتّى يظهره الله تعالى» [مستدرك الوسائل: ج 12، ص 279 و280، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الباب 31: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح1/14093، نقلًا عن الغَيْبة للفضل بن شاذان، وقد طبع أخيرًا بتحقيق الشيخ الدكتور غلام أحسن محرّمي].

فإنّه ذكرَ كلَّ واحدٍ منهم باسمه سوى المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف فذكره بلقبه، أو قال: اسمه اسمي، أو سمیّي، وما أشبه ذٰلك، مع أنَّ الإمامين الباقر والجواد عليهما السلام مثله في ذٰلك.

الثالثة: كثرة ألقابه وأساميّه وكناه الشائعة، وقد أنهيناها في كتابنا الموسوم ب‍ (النجم الثاقب) إلى مئة واثنين وثمانين (1)، وفيها إشارةٌ إلى ذٰلك، وقد بشَّر به جميع مَن سلف، وكلّ ذٰلك بألقابه كما هو ظاهرٌ للمراجِع» (2).

إلى أن يقول المحدّث النوريّ: «وفي زيارته: السلام على مهديّ الأمم».

ثمّ يضيف رحمه الله، قائلًا: «حمل أخبار الباب على التقيّة فاسد من وجوه:

الأوّل: ما عرفت من أنَّ غاية المنع ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف، سواءٌ كان هناك خوفٌ أم لا.

الثاني: أنَّه لو كان للتقيّة لعمَّ سائر ألقابه الشائعة، خصوصًا المهديّ الّذي بُشِّر بلفظه في جلّ الأخبار النبويّة العامّيّة.

الثالث: أنَّ الفريقين- الشيعة والسنّة- اتّفقوا على أنَّه صلَّی الله علیه وآله وسلَّم بشَّر بوجوده عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأنَّه يظهر في آخر الزمان، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وإنّما الخلاف في سلسلة نسبه وولادته وعدمها، وفي جلّ هٰذه الأخبار ذَكَرَه بلقبه المهديّ، وأنّ اسمه اسمی، فكلّهم عارفون باسمه، فلم يبقَ أحدٌ يستر عنه.


1) (1) النجم الثاقب: ج 1، ص 165 - 268، الباب الثاني: في ذكر أسمائه وألقابه عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) مستدرك الوسائل: ج 12، ص 287، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الباب 31: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 17.

الرابع: أنَّ في جملةٍ من الأخبار المنع، وما لم يذكر فيه اسمه صرَّح بأنّه سمّي النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فالسامع الراوي عرف اسمه، فإن كانت التقيّة منه فقد عرفه، وإن كان من غيره فلا وجه لعدم ذكره في هٰذا المجلس، بل اللازم تنبيه الراوي بأن لا يسمّيه عَلَیه السَّلام في مجلس آخر.

الخامس: أنَّ أصل منشإ الخوف إن كان من جهة أنَّ الجبَّارين لمّا سمعوا بأنَّ زوال ملكهم ودولتهم بيده، فكانوا في صدد قتله وقمعه، فاللازم أن لا يُذكر بشيءٍ من ألقابه الشائعة، خصوصًا المهديّ الّذي به بشّروا وأنذروا وخوّفوا، فلا وجه لاختصاص الاسم المعهود بالمنع.

السادس: أنّه لا مسرح للخبر الأوّل من الباب الحمل على التقيّة

أبدًا، فلاحظه» (1).

ثمّ يضيف المحدّث النوريّ قائلًا: «هٰذا وقد ادّعى المحقِّق الداماد في رسالته (شرعة التسمية) الإجماع على التحريم، والسيّد المحدّث الجزائريّ في (شرح العيون) نسب التحريم إلى الأكثر، والجواز إلى بعض معاصريه، فإنّه كما قال: إذ لم يعرف القول بالجواز قبل طبقته إلّا من المحقِّق نصير الدين الطوسيّ، وصاحب (كشف الغمة) (2)، وصارت المسألة في عصر المحقِّق الداماد نظريّةً، وكتب فيه وبعده رسائل في التحريم والجواز.


1) (1) مستدرك الوسائل: ج 12، ص 288، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الباب 31: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 17. 31: 62.

2) (2) كشف الغمة: ج 4، ص 272، ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، القسم الثاني من الركن الرابع، الباب الأوّل: ذكر اسمه وكنيته ولقبه عجل الله تعالی فرجه الشریف واسم أمّه ومن شاهده، الفصل الأوّل: ذكر اسمه عجل الله تعالی فرجه الشریف.

فلمّا وصلت النوبة إلى صاحب الوسائل، المصرّ على القول بالجواز، كتب رسالةً طويلةً واستدلّ على الجواز بأخبارٍ كثيرةٍ تقرب من المئة، ولا يكاد ينقضي تعجّبي من هٰذا العالم، كيف رضي لنفسه التمسّك بها؟! بل أوقع نفسه في مهلكةٍ بعض التكلّفات، بل ما يوهم التدليس فيما تمسّك به أخبارٌ وردت في فضيلة التسمية بهٰذا الاسم الّتي تأتي في أبواب النكاح.

وما ورد من أنَّ مَن مات ولم يعرف إمام زمانه... إلى آخره، فإنَّ معرفته لا تتحقّق إلّا بعد معرفة اسمه. وأخبار التلقين للميّت، ففيها الأمر بذكر أسمائهم، وجملة من الأدعية الّتي أمر فيها بذكرهم بأسمائهم.

والأخبار الكثيرة الدالّة على أنّه سمّي رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وبعد أخبار اللوح المختلف متنها جدًّا الدالّ على كتابته عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه بهٰذا الاسم، وأمثال ذٰلك ممّا لا علاقة له بالمقام، ولا إشارة إليه بالمرام. نعم، فيها جملةٌ من الأخبار الّتي ذكر عجل الله تعالی فرجه الشریف فيها باسمه، بعضها من الراوي وبعضها منهم في مواضع مخصوصةٍ، وكلّها قضايا شخصيّةٌ قابلةٌ لمحامل كثيرةٍ لا تقاوم الأخبار الناصّة الناهية، وليس في جميع ما جمعه خبرٌ واحدٌ نصُّوا فيه على الجواز.

وهٰذا الكتاب لا يقتضي البسط في المقال بأزيد من هٰذا، ومن جميع ذٰلك ظهر أنَّ اللازم جعل عنوان الباب ما ذكرناه لا ما ذكره، والله العالم». (1)


1) (1) مستدرك الوسائل: ج 12، ص 288 و289، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الباب 31: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

4- الميرزا محمّدتقي الموسويّ الإصفهانيّ صاحب (مكيال المكارم)

قال رحمه الله في كتاب (وظيفة الأنام في زمن غَيْبة الإمام)، في بيان آداب الناس وتكاليفهم في زمن الغَيْبة، قال في التكليف الحادي عشر: «عدم ذكر اسمه وهو نفس اسم رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وتسميته بالألقاب مثل: القائم، المنتظر، الحجّة، المهديّ، الإمام الغائب وغيرها. فقد ورد في أخبارٍ كثيرةٍ أنَّ تسمية اسمه في عصر الغَيْبة حرامٌ» (1).

5- الشيخ وحيد الخراسانيّ

سمعتُ من أستاذنا آية الله العظمى الشيخ وحيد الخراساني دامَ ظِلُهُ أنه قال:

«ذكر اسمه حرامٌ».

إلى هنا نكون قد استعرضنا بعض كلمات الأعلام من فقهاء الشيعة وعلمائها، ووقفنا على نقاشاتهم حول حرمة التسمية، وما أوردوه من

الروايات والتوجيهات الخاصّةٌ في هٰذا الصدد.

ب- القائلون بجواز التسمية

1- المحقِّق الأربلي رحمه الله

قال رحمه الله: «... وقد جاء في الأخبار أنّه لا يحلّ لأحدٍ أن يسمّيه باسمه، ولا أن يكنيه بكنّيته إلى أن يزيّن الله الأرض بظهور دولته. ويلقب بالحجّة، والقائم،


1) (1) وظيفة الأنام: ص 7 و8، الوظيفة الحادية عشرة.

والمهديّ، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، والصاحب. وكانت الشيعة في غيبته الأولى تُعبِّر عنه وعن جنبته بالناحية المقدّسة، وكان ذٰلك رمزًا بين الشيعة يعرفونه به، وكانوا أيضًا يقولون على سبيل الرمز والتقيّة: الغريم، يعنونه».

ثمّ يضيف قائلًا: «... من العجب أنّ الشيخ الطبرسيّ والشيخ المفيد قالا: إنّه لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثمّ يقولان اسمه اسم النبيّ وكنيته: كنيته صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وهما يظنّان أنّهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته! وهٰذا عجيب».

ثمّ يطرح رأيه أخيرًا قائلًا: «والّذي أراه أنّ المنع من ذٰلك إنّما كان للتقيّة في وقتٍ الخوف عليه والطلب له والسؤال عنه، فأمّا الآن فلا» (1).

2- الفيض الكاشاني رحمه الله

قال رحمه الله في ذيل رواية أبي عبد الله الصالحيّ: «يستفاد من ظاهر التعليل أنَّ تحريم التسمية كان مختصًّا بذٰلك الزمان إلّا أنّ الصدوق روى في كتاب غيبته ما يدلّ على أنّه مستمرٌّ إلى يوم ظهوره (2).

خلاصة أدلة الجواز:

اشارة

أ- فضيلة التسمية باسم «محمّدٍ».

ب عدم إمكان معرفة الإمام بدون معرفة اسمه.


1) (1) كشف الغمّة: ج 4، ص،272 ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، القسم الثاني من الركن الرابع، الكلام في إمامة صاحب الزمان الثاني عشر من الأئمّة، الباب 1: في ذكر اسمه وكنيته ولقبه.

2) (2) الوافي: ج 2، ص402، كتاب الحجّة، الباب 45: النهي عن الاسم، ذيل ح 2/904.

ج‍- روايات استحباب تلقين الميّت، والزيارات، والأدعية و... الّتي أشير فيها إلى اسم الإمام الخاصّ صراحةً.

د- الروايات الّتي ذكرت أنه سميّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.

ه‍- روايات اللوح.

ولقد أشكل العلّامة المجلسيّ، قائلًا: إنّ «هٰذه التحديدات مصرّحةٌ في نفي قول من خصّ ذٰلك بزمان الغَيْبة الصغرى؛ تعويلًا على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهميّة» (1).

3- الشيخ الحُرّ العامليّ رحمه الله

إنَّ الحُرّ العامليّ عنونَ الباب ب‍- «باب تحريم تسمية المهديّ وسائر الأئمّة علیهم السَّلام وذكرهم وقت التقيّة، وجواز ذٰلك مع عدم الخوف». ثمّ أورد رحمه الله ثلائًا وعشرين روايةً حول الموضوع، وختمه قائلًا: «والأحاديث في التصريح باسم المهديّ محمّد بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفي الأمر بتسميته عمومًا وخصوصًا، تصريحًا وتلويحاً، فعلًا وتقريرًا، في النصوص والزيارات والدعوات والتعقيبات، والتلقين وغير ذٰلك؛ كثيرةٌ جدًّا» (2).


1) (1) بحار الأنوار: ج 51، ص 32، تاريخ الإمام الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 3: النهي عن التسمية، ذيل ح 5.

2) (2) وسائل الشيعة: ج 16، ص 237- 247، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 33: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ثمّ قال: «وقد صرَّح باسمه عجل الله تعالی فرجه الشریف جماعةٌ من علمائنا في كتب الحديث والأصول والكلام وغيرها، منهم العلّامة والمحقِّق، والمقداد، والمرتضى، والمفيد، وابن طاووسٍ وغيرهم. والمنع نادرٌ، وقد حقّقناه في رسالةٍ مفردةٍ» (1).

وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الروايات الّتي يستند إليها الحرّ العامليّ في جواز التسمية والتصريح بالاسم الشريف هي غير تلك الروايات الّتي وردت في باب تحريم التسمية، وقد استند إلى هٰذه الروايات في أبوابٍ مختلفةٍ، ومن جملة تلك الروايات:

الرواية الأولى: في باب الاحتضار

رواية الكلينيّ رحمه الله: «فَلَقَّنْهُ كلمات الفرج والشهادتين، وتسمّي له الإقرار بالأئمّة علیهم السَّلام واحدًا بعد واحدٍ حتّى ينقطع عنه الكلام» (2).

في هٰذه الرواية كما ترى: الأمر صراحةً بذكر أسماء الأئمّة علیهم السَّلام.

الرواية الثانية: في باب الدفن

لقد نقل العلّامة الحرّ العامليّ رحمه الله في هٰذا الباب عدّة رواياتٍ، منها:


1) (1) المصدر السابق: الهامش 1، ذيل ح 23/21475.

2) (2) المصدر السابق: ج 2، ص458، كتاب الطهارة، أبواب الاحتضار وما يناسبها، الباب 37: استحباب تلقين المحتضر، ح3/2643 نقلًا عن الكافي: ج 3، ص 124، كتاب الجنائز، باب تلقين الميّت، ذيل ح 6

1- «عن حريزٍ، عن زرارة قال: إذا وضعت الميّت في لحده قرأت آية الكرسي، واضرب يدك على منكبه الأيمن ثمّ قل: يا فلان قل: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم نبيا، وبعلي عَلَیه السَّلام إماما، وسمِّ حتّى إمام زمانه» (1).

2- عن حريزٍ، عن زرارة، عن أبي جعفر عَلَیه السَّلام قال: إذا وضعت الميّت في لحده فقل:... وبعليٍّ إمامًا، وتسمّي إمام زمانه» (2).

3- عن سالم بن مكرمٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام أنّه قال: يُجعل له وسادةٌ من ترابٍ... وتحرّكه تحريكًا شديدًا، وتقول: يا فلان بن فلانٍ، الله ربّك، ومحمّدٌ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم نبيّك، والإسلام دينك، وعلىٌّ عَلَیه السَّلام وليّك وإمامك، وتسمّي الأئمّة علیهم السَّلام واحدًا واحدًا إلى آخرهم، أئمتك أئمة هدًى أبرارٌ» (3).

4- عن إسحاق بن عمّارٍ قال: سمعت أبا عبد الله عَلَیه السَّلام يقول: «إذا نزلت في القبر فقل:... علىٌّ عَلَیه السَّلام إمامي، حتّى تسوق الأئمّة علیهم السَّلام...» (4).


1) (1) المصدر السابق: ج 3، ص 174، كتاب الطهارة، الباب 20: استحباب قراءة الحمد والمعوّذتين والإخلاص، ح2/3329 نقلًا عن الكافي: ج 3، ص 196، كتاب الجنائز، باب سلّ الميّت وما يقال عند دخول القبر، ح7.

2) (2) المصدر السابق: ص 175 و176، كتاب الطهارة، الباب 20: استحباب قراءة الحمد والمعوّذتين والإخلاص، ح6/3333.

3) (3) المصدر السابق: ص،179 كتاب الطهارة، الباب 21 استحباب الدعاء للميت، ح5/3341.

4) (4) المصدر السابق: ص 180، كتاب الطهارة، الباب 21 استحباب الدعاء للميت، ح6/3342.

الرواية الثالثة في باب العقيقة

1- «عن محمّد بن إبراهيم الكوفيّ أنّ أبا محمّدٍ عَلَیه السَّلام بعث إلى بعض مَن سمّاه لي بشاةٍ مذبوحةٍ، وقال: هٰذه من عقيقة ابني محمّدٍ» (1).

2- روى الشلمغانيّ في كتاب الأوصياء، قال: حدّثني الثقة، الثقة، عن عن إبراهيم بن إدريس قال: وَجَّهَ إليّ مولاي أبو محمّدٍ عَلَیه السَّلام بكبشٍ وقال: عقّه عن ابني فلانٍ، وكلْ وأطعمْ أهلك» (2).

أقول: الملاحظ في الرواية الثانية عدم وجود تصريحٍ باسم الإمام المهديّ فيها، بل ورد «ابني فلانٌ»، وهٰذا خلاف مدّعى الحُرّ العامليّ، فهٰذه الرواية لا تفيده في مقام الاستدلال.

الرواية الرابعة: في باب المزارات

عن الإمام الرضا عَلَیه السَّلام وقد سُئل عن إتيان قبر الحسين عَلَیه السَّلام فقال: «... وتكثر من الصلاة على محمّدٍ وآله، وتسمّي واحدًا واحدًا بأسمائهم، وتبرأ إلى من عدائهم...» (3).


1) (1) المصدر السابق: ج 21، ص448، كتاب النكاح، أبواب أحكام الأوّلاد، الباب 64 استحباب تعدّد العقيقة على المولد الواحد، ح3/27547 نقلًا عن كمال الدين: ج 2، ص432، الباب 42 ما روي في ميلاد القائم، ح10.

2) (2) المصدر السابق: ح 4/27548 نقلًا عن الغَيْبة (للطوسيّ): ص 245 و246، الفصل الثاني، إثبات ولادة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح214.

3) (3) المصدر السابق: ج 14، ص549، كتاب الحجّ، أبواب المزار وما يناسبه، الباب 81: استحباب زيارة قبر أبي الحسن سلام، ح2/19797 نقلًا عن: الكافي: ج 4، ص578 و579، كتاب الحج، باب القول عند قبر أبي الحسن موسى وأبي جعفر الثاني لها، ح2؛ تهذيب الأحكام ج،6، ص،102، كتاب المزار الباب:46 زيارة جامعة لساير المشاهد على أصحابها عليه السلام، ح2/178.

أقول وهنا أيضًا- وكما ذكرنا في تعليقنا على الحديث السابق- لم يتّضح لنا السرّ الكامن وراء استناد الحرّ العامليّ إلى هٰذا الحديث، فهل فيه ذكرٌ أو تصريحٌ بالاسم الخاصّ للمولى المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أو لا؟!

والحاصل: أنّه لا يمكن للحُرّ العامليّ الاستناد إلى هٰذا الحديث أيضًا؛ إذ ليس فيه أيُّ تصريح بالاسم الخاصّ.

الرواية الخامسة: في أبواب الذكر

«عن رزين صاحب الأنماط،، عن أحدهما عليهما السلام قال: من قال: اللهمَّ إِنِّي أشهدك، وأشهد ملائكتَك المقرّبين، وحملةَ عرشك المصطفين أنّك أنت الله لا إله إلّا أنت الرحمٰن الرحيم، وأنّ محمّدًا عبدك ورسولك، وأنّ فلان بن فلانٍ إمامي وولیّي، وأنّ آباءه رسول الله لصلّی الله علیه وآله وسلّم وعليًّا والحسن والحسين وفلانًا وفلانًا حتّى تنتهي إليه أئمتي وأوليائي، على ذٰلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث يوم القيامة. فإن مات في ليلته دخل الجنّة» (1).


1) (1) المصدر السابق: ج 7، ص 220 و221، كتاب الصلاة، أبواب الذكر، الباب 48: نبذة ممّا يستحبّ أن يقال كلّ يومٍ، ح6/9165 نقلًا عن: الكافي: ج 2، ص522، كتاب الدعاء، باب القول عند الصباح والإمساء، ح3.

النتيجة

إنَّ الشيخ الحُرّ العامليّ استند إلى هٰذه الروايات في أبوابٍ مختلفةٍ، وبعضها كما ذكرنا فيها تأمّلٌ واضحٌ، لٰكنّهرحمه الله يختم الباب قائلًا: «والأحاديث في التصريح باسم المهديّ محمّد بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفي الأمر بتسميته عمومًا وخصوصًا، تصريحًا وتلويحا، فعلًا وتقريرًا، في النصوص والزيارات والدعوات والتعقيبات والتلقين وغير ذٰلك كثيرةٌ جدًّا» (1).

أمّا العلّامة المجلسيّ- وعلى خلاف الحُرّ العامليّ- فإنّه ردَّ روايات الجواز وناقشها سندًا ودلالةً. مثلًا: أنّ رواية «صاحب هٰذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافرٌ» يعتبرها صحيحةً سندًا، لٰكنّ فيها نقاشًا دلاليًّا، حيث أفاد قائلًا: «فيه مبالغةٌ عظيمةٌ في ترك التسمية» (2).

4- السيّد الخوئيّ

سُئل السيّد الخوئيّ رحمه الله عن هٰذه المسألة: «هل تجوز شرعًا تسمية الإمام الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف باسمه الشريف الخاصّ في محفلٍ من الناس، أو أنّ الروايات المانعة من ذٰلك تعمّ زمان الغَيْبة الكبرى؟».

فأجاب رحمه الله: «لا تعمّ تلك زماننا هٰذا» (3).


1) (1) المصدر السابق: ج 16، ص 246 و247، الباب 33: تحريم تسمية المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) مرآة العقول: ج 4، ص 17 و18، كتاب الحجّة، باب النهي عن الاسم، ذيل ح 4.

3) (3) منية السائل: ص 234، بابٌ في المسائل العقائديّة؛ صراط النجاة: ج 1، ص467، مسائل في العقيدة الإسلاميّة س.1310

5- الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ

خلاصة نظره في كتاب (القواعد الفقهيّة)، حيث قال (حفظه الله): «المشهور بين جمعٍ من المحدّثين حرمة تسميته- أرواحنا فداه- باسمه الخاصّ دون ألقابه المعروفة، فهل هٰذا حكمٌ يختصّ بزمان غيبته الصغرى دون الكبرى كما نقله العلّامة المجلسيّ في المجلّد 13 من (بحار الأنوار) عن البعض؟ أو أنّه عامٌّ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ إلى أن يظهر ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا؟ أو أنَّ حرمتها دائرةٌ مدار التقيّة والخوف، فعند عدم الخوف جائزٌ وعند وجوده حرامٌ، بل لا يختصّ ذٰلك به- أرواحنا فداه- ويجري في غيره من الأئمّة علیهم السَّلام؟

اختار ذٰلك شيخنا الحرّ العامليّ في (الوسائل) في مفتتح هٰذا الباب، وصرّح به أيضًا في ختامه».

ثمّ قسَّم الشيخ مكارم (حفظه الله) الأخبار إلى أربع طوائف قائلًا: «وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ على حرمة التسمية باسمه الشريف مطلقًا من دون أيِّ تقيّةٍ من ناحية الزمان والمكان، ولم يعلّل بتعليلٍ خاصٍّ، مثل رواية الكلينيّ عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام: "صاحب هٰذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافرٌ".

الطائفة الثانية: ما ورد فيه التصريح بترك تسميته إلى أن يقوم ويملأ الأرض عدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا؛ مثل رواية السيّد عبد العظيم الحسنيّ عن الإمام الهادي عَلَیه السَّلام أنه قال في القائم: "لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج".

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على عدم جواز تسميته عجل الله تعالی فرجه الشریف معللًا بالخوف؛ مثل رواية أبي خالدٍ الكابليّ عن الإمام الباقر عَلَیه السَّلام.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على وقوع التسمية منهم عليهما السلام أو من أصحابهم في موارد عديدةٍ بلا نهيٍ منهم؛ مثل رواية الصدوق عن محمّد بن إبراهيم الكوفيّ في مورد العقيقة».

ثمّ يقول الشيخ مكارم الشيرازيّ (حفظه الله): «هٰذا هو ما ورد في هٰذا الباب من طوائف الأخبار وكلمات الأصحاب، ولا ينبغي الشكّ في أنَّ القول بمنع التسمية تعبّدًا كلامٌ خالٍ عن التحقيق، وإن صرًّح به بعض الأكابر، بل الظاهر أنَّ المنع منه يدور مدار وجود ملاك التقيّة، وفي غيره كأمثال زماننا لهٰذا لا يمنع على التحقيق.

وما أفاده العلامة المجلسيّ رحمه الله بعد ذكر بعض ما دلّ على النهي عن التسمية إلى أن يظهر القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف: "إنَّ هٰذه التحديدات مصرّحةٌ في نفي قول من خصَّ ذٰلك بزمان الغَيْبة الصغرى؛ تعويلًا على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهميّة" ممنوعٌ جدًّا؛ لما قد عرفت من أنَّ هٰذا ليس علّةً مستنبطةً واستبعادًا وهميًّا، بل صرّح بها في رواياتٍ عديدةٍ ليست بأقلّ من غيرها. هٰذا مضافًا إلى ما دلَّ على جواز التسمية والتصريح به، وقد عرفتها الطائفة الرابعة وهي أكثر عددًا وأقوى دلالةً من غيرها».

ثمّ يخرج سماحته بهٰذه النتيجة قائلًا: «والحاصل: أنَّ المنع يدور مدار الخوف عليه عجل الله تعالی فرجه الشریف أو علينا بالموازين المعتبرة في التقيّة؛ وذٰلك لأمور:

أوّلًا: أنَّ هٰذا هو الطريق الوحيد في الجمع بين الأخبار وحمل مطلقها على مقيّدها؛ فالمطلقات وهي الطائفة الأولى بل الثانية أيضًا- فإنّها مطلقةٌ من ناحية الخوف وعدمه وإن كانت مغيّاةً بظهوره؛ فإنّه لا ينافي تقييدها بما ذكرنا- تُقيَّد بالطائفة الثالثة الدالّة على دوران الحكم مدار التقيّة ولولا ذٰلك تعارضت وتساقطت إن قلنا إنَّ كلَّ طائفةٍ منها قطعيّةٌ أو كالقطعيّة لتظافرها، أو يقال بالتخيير بناءً على كون أسنادها ظنّيّةً، وعندئذٍ يمكن الحكم بالجواز.

ومن أقوى القرائن على الجمع الّذي ذكرنا هو الطائفة الرابعة المصرِّحة بجواز التسمية في الجملة، وليت شعري ماذا يقول القائل بحرمة التسمية مطلقًا في هٰذه الطائفة المتظافرة جدًّا؟! فهل يمكن طرح جميعها مع كثرتها وفتوى كثيرٍ من الأصحاب على طبقها؟ أو يمكن ترجيح غيرها عليها؟ كلّا لا طريق إلى حلِّها إلّا بما ذكرنا.

ثانيًا: قد وردت أحاديث كثيرةٌ من طرق أهل البيت علیهم السَّلام والسنّة صرّح فيها بأنَّ اسم المهديّ هو اسمٌ النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وكنيته عجل الله تعالی فرجه الشریف هي كنيته صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. ومن المعلوم أنَّ هٰذا في قوّة التسمية؛ فإنَّ الظاهر من بعض الأخبار الدالّة على عدم ذكر الاسم هو عدم الدلالة عليه بحيث لا يعلم المخاطب من الناس ما يكون اسمه الشريف، لا مجرّد التلفّظ به، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذٰلك وإن كان مفاد بعض أخبار الباب، ولٰكن ينافيه بعضها الآخر الدالّ على حرمة التلفّظ به، لا الدلالة عليه ولو بنحوٍ من الٰكناية، فراجع وتدبّر.

ثالثًا: أنَّ القول بحرمة التلفّظ باسمه الشريف من دون التقيّة أو محذورٍ

آخر مع جواز الدلالة عليه بالٰكناية أو بمثل "م ح م د" يحتاج إلى تعبّدٍ شديدٍ، فأيُّ حزازةٍ في ذكر اسمه الشريف في اللفظ مع جواز ذكره كنايةً، كالقول بأنَّ اسمه اسم جدّه رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، أو بالحروف المقطّعة مع فرض عدم أيّ محذورٍ ظاهرٍ بتاتًا؟ وأيُّ شبيهٍ لمثل هٰذا الحكم في الأحكام الشرعيّة؟ ومثل هٰذا الاستبعاد وإن لم يكن بنفسه دليلًا في الأحكام الفقهيّة، إلّا أنّه يمكن جعله تأييدًا لما ذكرنا.

ويؤيّده أيضًا بعض ما ورد في عدم جواز التصريح باسم غيره من الأئمّة علیهم السَّلام عند التقيّة، فلا يختصّ الحكم باسمه الشريف مثل ما رواه الكلينيّ بإسناده إلى عنبسة عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: "إياكم وذكر عليٍّ وفاطمة؛ فإنَّ الناس ليس شيءٌ أبغض إليهم من ذكر عليٍّ وفاطمة عليهم السلام".

و من العجب ما حُكي عن الصدوق رحمه الله أنه بعد الاعتراف بالتصريح باسمه في رواية اللوح قال: "جاء هٰذا الحديث هٰكذا بتسمية القائم، والّذي أذهب إليه النهي عن التسمية" انتهى.

وقد عرفتَ أنّه لا ينحصر التصريح باسمه الشريف برواية اللوح، ولا ينحصر الدليل برواياتٍ الطائفة الرابعة المصرّحة بالاسم، ومع ذٰلك لِمَ لم يختر القول بالجواز عند عدم التقيّة كما اختاره صاحب الوسائل، ويظهر من كثيرٍ من الأصحاب؟ فلعلّه رآه موافقًا للاحتياط، وهو وإن كان كذٰلك إلّا أنَّ الاحتياط في عمل النفس شيءٌ، والفتوى بالاحتياط شيء آخر. وبالجملة هٰذا الاحتياط ضعيف جدَّا لا تجب مراعاته.

70

فتلخّص عن جميع ما ذُكر جوازُ التسمية باسمه الشريف وهو محمّدالحسن العسكريّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في أمثال زماننا هٰذا ممّا لا تقيّة فيه من هٰذه الناحية، مع حمل الروايات المطلقة على المقيّدة» (1).

انتهى ما أوردناه من كلامٍ ونقاشٍ قيّمٍ لشيخنا الأستاذ آية الله ناصر مكارم الشيرازيّ (حفظه الله).

النتيجة النهائيّة

نحن- ومع وجود كل هٰذه الروايات الصحيحة حول حرمة التسمية إلى زمان الظهور- لا نستطيع الذهاب إلى القول بجواز التسمية، بل ولا نجرأ على ذٰلك؛ لذا مقتضى الاحتياط من هٰذه الجهة هو أن نسير خلف القائلين بحرمة التسمية، وأمّا بعض أدلّة الأستاذ الشيخ مكارم- خاصّةًٌ الدليل الأخير- فهو مورد تأمّلٍ وبحثٍ عندنا. وسنبحث هٰذا الموضوع في دروسنا في أبحاث الخارج في المهدويّة إن شاء الله.


1) (1) انظر: القواعد الفقهيّة: ج 1، ص494- 506، تنبيهات قاعدة التقيّة، رقم 9، هل يحرم تسمية المهدىّ عجل الله تعالی فرجه الشریف باسمه الشريف؟

الفَصْلُ الثَّالِثُ

اشارة

تحقيقٌ حول والدة الإمام

صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف

المَدخلُ

يحاول البعض التشكيك في العقيدة المهدويّة من خلال التشكيك في بعض ما يرتبط بها من أحداثٍ وتفاصيل، من قبيل قضيّة أمّ الإمام صاحب العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف السيّدة نرجس وانتقالها من بلاد الروم إلى العراق، والرواية الّتي تتحدّث عن السيّدة نرجس من الروايات الشائعة كثيرًا، وفي البداية سوف ننقل هٰذه الرواية من مصادرها الرئيسة، ثمّ نقوم بتحقيقٍ حول شخصَيْن كان لهما دورٌ أساسٌ في نقل هٰذه القصّة، وفي نهاية المطاف نحاول أن نجيب عن بعض الإشكالات السنديّة والدلاليّة الّتي قد ترد على هٰذه الرواية.

نصّ الرواية حول أمّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف

لقد أوردَ الشيخ الصدوق قدِّس سرُّه هٰذه القصّة ونقلها بشكلٍ مفصّلٍ في كتابه الشريف (كمال الدين وتمام النعمة)، ونحن ننقلها بتمامها عنه:

ورد في باب ما رُوي في نرجس أمّ القائم رضی الله عنْها، واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الملك: «حدّثنا محمّد بن عليّ بن حاتمٍ النوفليّ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمّيّ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن بحرٍ الشيبانيّ، قال: وردتُ كربلاء سنة ستٍّ وثمانين ومئتين، قال: وزرتُ قبر غریب رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، ثمّ انكفأت إلى مدينة السلام

متوجّهًا إلى مقابر قريش في وقتٍ قد تضرّمت الهواجر وتوقّدت السمائم، فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم عَلَیه السَّلام واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة، المحفوفة بحدائق الغفران، أكببت عليها بعبراتٍ متقاطرةٍ، وزفراتٍ متتابعةٍ، وقد حجب الدمع طرفي عن النظر.

فلمّا رقأت العبرة، وانقطع النحيب، فتحتُ بصري، فإذا أنا بشيخٍ قد انحنى صلبه، وتقوَّس منكباه وثفنت جبهته وراحتاه، وهو يقول لآخر معه عند القبر: يا بن أخي، لقد نال عمُّك شرفًا بما حمله السيّدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم الّتي لم يحمل مثلها إلّا سلمان، وقد أشرف عمُّك على استكمال المدّة وانقضاء العمر، وليس يجد في أهل الولاية رجلًا يفضي إليه بسرّه.

قلتُ: يا نفسُ لايزال العناء والمشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ والحافر في طلب العلم، وقد قرع سمعي من هٰذا الشيخ لفظٌ يدلّ على علمٍ جسيمٍ وأثرٍ عظيمٍ، فقلتُ: أيّها الشيخ، ومَن السيّدان؟

قال: النجمان المُغيبان في الثرى بسرّ من رأى.

فقلتُ: إنّي أقسم بالموالاة وشرف محلِّ هذين السيّدين من الإمامة والوراثة إنّي خاطبٌ علمهما، وطالبٌ آثارهما، وباذلٌ من نفسي من نفسي الأيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما.

قال: إن كنت صادقًا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم.

فلمّا فتّش الكتب وتصفّح الروايات منها قال: صدقت. أنا بشر بن سليمان النخّاس من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ، أحد موالي أبي الحسن وأبي محمّدٍ علیهم السَّلام وجارهما بسرّ من رأى.

قلتُ: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.

قال: كان مولانا أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام فقَّهني في أمر الرقيق، فكنتُ لاأبتاع ولا أبيع إلّا بإذنه، فاجتنبت بذٰلك موارد الشبهات حتّى كملتْ معرفتي فيه، فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام.

فبينما أنا ذات ليلةٍ في منزلي بسرَّ من رأى وقد مضى هويٌّ (1)من الليل، إذ قرع الباب قارعٌ، فعدوتُ مسرعًا فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّدٍ ععَلَیه السَّلام يدعوني إليه، فلبستُ ثيابي ودخلتُ عليه، فرأيتُه يُحدِّث ابنه أبا محمّدٍ ععَلَیه السَّلام وأخته حكيمة من وراء الستر، فلمّا جلستُ قال: يا بشر، إنّك من ولد الأنصار، وهٰذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلفٌ عن سلفٍ، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مزكّيك ومشرّفك بفضيلةٍ تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها: بسرٍّ أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمَةٍ.

فكتب كتابًا ملصقًا بخطٍّ روميٍّ ولغةٍ روميّةٍ، وطبع عليه بخاتمه، وأخرج شستقةً صفراء فيها مئتان وعشرون دينارًا، فقال: خذها وتوجّه بها إلى بغداد، وأحضر معبر الفرات ضحوة كذا، فإذا وصلتْ إلى جانبك


1) (1) یعنی زمانًا غير قليلٍ.

زواريق السبايا وبرَزْن الجواري منها فستحدِّق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيتَ ذٰلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك، إلى أن يُبرز للمبتاعين جاريةً صفتها كذا وكذا، لابسةً حريرتين صفيقتين، تمتنع من السفور ولمس المعترض، والانقياد لمَن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمّل مكاشفها من وراء الستر الرقيق، فيضربها النخّاس فتصرخ صرخةً روميّةً، فاعلم أنّها تقول: وا هتك ستراه!

فيقول بعض المبتاعين: عليَّ بثلاثمئة دينارٍ، فقد زادني العفاف فيها رغبةً.

فتقول بالعربيّة: لو برزتَ في زيِّ سليمان وعلى مثل سرير ملکه ما بدتْ لي فيك رغبةٌ، فأشفق على مالك!

فيقول النخّاس: فما الحيلة ولا بدَّ من بيعك؟!

فتقول الجارية: وما العجلة؟! ولا بدَّ من اختيار مبتاعٍ يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته!

فعند ذٰلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له: إنَّ معي كتابًا ملصقًا لبعض الأشراف كَتَبَه بلغةٍ روميّةٍ وخطٍّ روميٍّ، ووصف فيه كرمَه ووفاه ونُبلَه وسخاءه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.

قال بشر بن سليمان النخّاس: فامتثلتُ جميع ما حدّه لي مولاي أبو

الحسن ععَلَیه السَّلام في أمر الجارية، فلمّا نظرتْ في الكتاب بكتْ بكاءً شديدًا، وقالت لعمر بن يزيد النخّاس: بعني من صاحب هٰذا الكتاب، وحلفتْ بالمحرجة المغلظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلتْ نفسها.

فما زلتُ أشاحه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عَلَیه السَّلام من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه منّي وتسلّمتُ منه الجارية ضاحكةً مستبشرةً، وانصرفتُ بها إلى حجرتي الّتي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجتْ كتاب مولاها عَلَیه السَّلام من جيبها، وهي تلثمه وتضعه على خدِّها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها، فقلتُ تعجّبًا منها: أتلثمين كتابًا ولا تعرفين صاحبه؟

قالت أيّها العاجز، الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء، أعرْني سمعك وفرِّغ لي قلبَك: أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمّي من ولد الحواريِّين، تُنسب إلى وصي المسيح شمعون، أنبئك العجب العجيب: إنَّ جدّي قيصر أراد أن يزوِّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنةً، فجمع في قصره من نسل الحواريِّين ومن القسّيسين والرهبان ثلاثمئة رجل، ومن ذوي الأخطار سبعمئة رجلٍ، وجمع من أمراء الأجناد وقوّاد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلافٍ، وأبرز من بهو ملکه عرشًا مصوغًا من أصناف الجواهر إلى صحن القصر، فرفعه فوق أربعين مرقاةً، فلمّا صعد ابنُ أخيه، وأحدقتْ به الصلبان، وقامتْ الأساقفة عكّفًا، ونُشرت أسفارُ الإنجيلِ تسافلتِ الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض، وتقوَّضت الأعمدة فانهارت إلى القرار، وخرَّ الصاعد من العرش مغشيًّا

عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدِّي: أيُّها الملك، أعفِنا ملاقاة هٰذه النحوس الدالّة على زوال هٰذا الدين

المسيحيّ والمذهب الملكانيّ.

فتطيَّر جدِّي من ذٰلك تطيّرًا شديدًا، وقال للأساقفة: أقيموا هٰذه الأعمدة، وارفعوا الصلبان، وأحضروا أخا هٰذا المدبّر العاثر المنكوس جدّه لأزوِّج منه هٰذه الصبيّة، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده. فلمّا فعلوا ذٰلك حدثَ على الثاني ما حدث على الأوّل، وتفرَّق الناس، وقام جدّي قيصر مغتمًّا ودخل قصره وأرخيت الستور.

فأريتُ في تلك الليلة كأنَّ المسيح وشمعون وعدةً من الحواريِّين قد اجتمعوا في قصر جدّي، ونصبوا فيه منبرًا يباري السماء علوًّا وارتفاعًا في الموضع الّذي كان جدّي نصب فيه عرشه، فدخلَ عليهم محمّدٌ عَلَیه السَّلام مع فتيةٍ وعدّةٍ من بنيه، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول: يا روح الله، إنّي جئتُك خاطبًا من وصيّك شمعون فتاتَه مليكة لابني هٰذا. وأومأ بيده إلى أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام صاحب هٰذا الكتاب فنظرَ المسيح إلى شمعون فقال له: قد أتاك الشرف، فصلْ رحمك برحم رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. قال: قد فعلتُ.

فصعد ذٰلك المنبر وخطب ومحمّدٌ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وزوَّجني، وشهد المسيح عَلَیه السَّلام، وشهد

و بنو محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم والحواريّون، فلمّا استيقظتُ من نومي أشفقتُ أن أقصَّ هٰذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها في نفسي ولا أبديها لهم، وضُرب صدري بمحبّة أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام حتّى امتنعت من الطعام والشراب، وضعفتْ نفسي، ودقّ شخصي، ومرضتُ مرضًا شديدًا، فما بقيَ من مدائن

الروم طبيبٌ إلّا أحضره جدّي وسأله عن دوائي، فلمّا برح به اليأس قال: يا قرةَ عيني، فهل تخطر ببالك شهوةٌ فأزوّدكِها في هٰذه الدنيا؟

فقلتُ: يا جدّي، أرى أبواب الفرج عليّ مغلقةً، فلو كشفتَ العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككتَ عنهم الأغلال، وتصدَّقتَ عليهم، ومننتَهم بالخلاص لرجوتُ أن يهب المسيحُ وأمُّه لي عافيةً وشفاءً.

فلمّا فعل ذٰلك جدّي تجلّدت في إظهار الصحّة في بدني، وتناولتُ يسيرًا من الطعام، فسُرَّ بذٰلك جدّي، وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم.

فرأيتُ أيضًا بعد أربع ليالٍ كأنّ سيّدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألفُ وصيفةٍ من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هٰذه سيدة النساء أمُّ زوجك أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمّدٍ ععَلَیه السَّلام من زيارتي، فقالت لي سيّدة النساء علیهَا السَّلام: إنَّ ابني أبا محمّدٍ عَلَیه السَّلام لا يزورك وأنت مشركةٌ بالله وعلى مذهب النصارى، وهٰذه أختي مريم تبرأ إلى الله - تعالى - من دينك، فإن ملتِ إلى رضا الله عزّ وجلّ، ورضا المسيح ومريم عنك، وزيارة أبي محمّدٍ ععَلَیه السَّلام إيّاك، فقولي: أشهد أن لا إله إلّا الله صلى الله وأشهد أنَّ- أبي- محمّدًا رسول الله. واله وسلم.

فلمّا تكلّمتُ بهٰذه الكلمة ضمّتني سيّدةُ النساء علیهَا السَّلام إلى صدرها، فطيّبت لي نفسي، وقالت: الآن توقّعي زيارة أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام إياك، فإنّي منفذته إليك. فانتبهتُ وأنا أقول وا شوقاه إلى لقاء أبي محمّدٍ!

فلمّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمّدٍ عَلَیه السَّلام في منامي، فرأيته كأنّي أقول له: جَفَوْتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبّك؟

قال: ما كان تأخيري عنك إلّا لشركِكِ، وإذ قد أسلمتِ فإنّي زائرك في كلِّ ليلةٍ إلى أن يجمع الله شملنا في العيان. فما قطع عنّي زيارته بعد ذٰلك إلى هٰذه الغاية.

قال بشرٌ: فقلت لها: وكيف وقعتِ في الأسر؟

فقالت: أخبرني أبو محمّدٍ ععَلَیه السَّلام ليلةً من الليالي أنَّ جدَّكِ سيسرّب جيوشًا

إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكّرةً في زيِّ الخدم مع عدّةٍ من الوصائف من طريق كذا. ففعلتُ، فوقعتْ علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيتَ وما شاهدتَ، وما شعرَ أحدٌ بي بأنّي ابنة ملك الروم إلى هٰذه الغاية سواك، وذٰلك بإطلاعي إيّاك عليه، ولقد سألني الشيخ الّذي وقعتُ إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، وقلتُ: نرجس فقال: اسم الجواري.

فقلتُ: العجب أنّك روميّةٌ ولسانك عربيٌّ؟!

قالتْ: بلغ من ولوع جدِّي وحمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعزَ إلى امرأةٍ ترجمان له في الاختلاف إليَّ، فكانت تقصدني صباحًا ومساءً، وتفيدني العربيّة حتّى استمرّ عليها لساني واستقام.

قال بشرٌ: فلمّا انكفأتُ بها إلى سرّ من رأى دخلتُ على مولانا أبي الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام، فقال لها: كيف أراكِ الله عزَّ الإسلام وذلَّ النصرانيّة وشرفَ أهلِ بيت محمّدٍ عَلَیه السَّلام؟

قالتْ: كيف أصفُ لكَ يا بن رسول الله ما أنت أعلم به منّي؟

قال: فإنّي أريد أن أكرمك، فأيّما أحبُّ إليك عشرةُ آلاف درهمٍ أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟

قالت: بل البشرى.

قال عَلَیه السَّلام: فأبشري بولدٍ يملك الدنيا شرقًا وغربًا ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.

قالت: ممّن؟

قال عَلَیه السَّلام: ممّن خطبكَ رسول الله من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالروميّة. قالتْ: مِن المسيح ووصيه؟

قال: فممّن زوَّجك المسيح ووصيه؟

قالت: من ابنكَ أبي محمّدٍ.

:قال فهل تعرفينه؟

قالتْ: وهل خلوتُ ليلةً من زيارته إيّاي منذ الليلة الّتي أسلمت فيها على يد سيّدة النساء أمِّه؟!

فقال أبو الحسن عَلَیه السَّلام: يا كافور، ادعُ لي أختي حكيمة. فلمّا دخلت عليه قال عَلَیه السَّلام لها: ها هي. فاعتنقتها طويلًا وسُرَّت بها كثيرًا، فقال لها مولانا: يا

بنت رسول الله، أخرجيها إلى منزلكِ وعلِّميها الفرائض والسُّنن؛ فإنّها زوجة أبي محمّدٍ ععَلَیه السَّلام وأمُّ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف (1).

تحقيقٌ في المصادر الّتي نقلت هٰذه الرواية

1- الشيخ الصدوق رحمه الله

إِنَّ أَوّل مَن نقل هٰذه الرواية هو الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة)، والظاهر أنَّ نقل الشيخ الصدوق رحمه الله متقدمٌ على نقل الآخرين، وقد نقلها بهٰذا السند: «حدّثنا محمّد بن عليٍ النوفليّ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمد بن طاهرٍ القمّيّ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن بحرٍ الشيبانيّ...» (2).

2- ابن جرير الطبريّ الإماميّ رحمه الله

إنَّ المصدر الثاني الّذي أوردَ هٰذه الرواية هو كتاب (دلائل الإمامة) لمحمّد بن جرير الطبريّ الإماميّ لٰكن مع تفاوتٍ بين سنده وسند (كمال الدين).

يقول الطبريّ: «حدّثنا المفضّل محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيبانيّ سنةَ خمسٍ وثمانين وثلاثمئةٍ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن يحيى الذهبيّ الشيبانيّ، قال: وردتُ كربلاء سنةَ ستٍّ وثمانين ومئتين» (3).


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 417 - 423، الباب 41: ما روي في نرجس أم القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح1.

2) (2) المصدر السابق.

3) (3) دلائل الإمامة: ص 262، الإمام العسكريّ، خبر أمّ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

والملاحظ هنا أنَّ تأريخ نقل هٰذه القصّة كما ذُكر في (دلائل الإمامة) كان قرابة المئة سنةٍ بعد تأريخ سماع الشيبانيّ هٰذا الأمر من بشر بن سليمان؛ لذا يأتي هٰذا السؤال: هل أنَّ محمّد بن يحيى الذهبيّ الشيبانيّ هو محمّد بن بحرٍ الشيبانيّ نفسه الّذي وردَ في كتاب (كمال الدين) أو أنَّهما مختلفان؟ وبعبارةٍ أخرى: هل هما متّحدان أو ليسا كذٰلك؟

ثمرة البحث: بناءً على القول باتّحاد الرجلَيْن، وأنَّ هذين الاسمين هما إشارةٌ إلى واحدٍ، فهٰذا معناه أنَّ الطبريّ قد نقل القصّة بواسطةٍ واحدةٍ عن هٰذا الرجل، وهٰذا الأمر بعيدٌ؛ لأنّه في هٰذه الصورة سيكون أحدهما- أي المفضّل أو محمّد بن يحيى- من المعمّرين، وهم الّذين عمّروا طويلًا جدًّا كما هو حال كثيرٍ من المعمِّرين المعروفين في كتب الرجال والتراجم.

طبعًا لا يمكن القطع بعدم الاتّحاد بينهما والقول بأنَّ محمّد بن يحيى ليس محمّد بن بحرٍ نفسه الوارد في سند كتاب (كمال الدين)، أو أنَّ المفضّل لا يمكن أن ينقل عنه بدون واسطةٍ كيف وهناك أناسٌ كانوا من المعمّرين وأدركوا أجيالًا عديدةً وعاصروا أبناء الأبناء! وكمثالٍ على ذٰلك نحاول أن نذكر بعضًا منهم.

نماذج من المعمّرين

أ- حبابة الوالبيّة

عاشت حُبابة الوالبيّة في حياة أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام وبقيت على قيد الحياة حتّى زمن الإمام زين العابدين عَلَیه السَّلام، وكان عمرها في زمن الإمام الرابع

حوالي 113 عامًا، وقصّتها معروفةٌ، إذ رجعت شابّةً بإشارةٍ من الإمام السجاد عَلَیه السَّلام، ثمَّ بقيت إلى أيام الإمام الرضا عَلَیه السَّلام وعاد شبابها مرةً ثانيةً بإعجازِ منه، ما يعني أنّها عمّرت وعاشت ما يقارب 235 عامًا أو أكثر (1).

ب- جابر بن عبد الله الأنصاريّ

ذٰلك الصحابيّ الجليل القدر الّذي صحبَ النبيّ الأكرم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وعمّر إلى زمان الإمام الباقر عَلَیه السَّلام، كما أنّ أباه عبد الله عاش أكثر من مئتي سنة (2).

ج- عامر بن واثلة

كان من أصحاب النبيّ الأكرم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وعمَّر أكثر من مئة عامٍ (3).

وهناك الكثير غيرهم، لا سيّما من صحابة رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وكانوا من المُعمَّرين وتوفّوا عن أعمارٍ طويلةٍ.


1) (1) انظر: الكافي: ج 1، ص 346 - 347، كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والباطل في أمر الإمامة، ح3؛ مرآة العقول: ج 4، ص 78- 82، كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والباطل في أمر الإمامة، ذيل ح 3؛ تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 75، الفصل الرابع، في ذكر النساء، ترجمة حبابة بنت جعفرٍ الأسديّة الوالبيّة.

2) (2) مستدركات علم رجال الحديث: ج 2، ص 99 - 101، ترجمة جابر بن عبد الله بن عمرٍو الأنصاريّ، رقم 2397؛ وانظر: كمال الدين: ج 1، ص 305، الباب 37: ما روي عن سيّدة نساء العالمين علیهَا السَّلام، ح1.

3) (3) مستدركات علم رجال الحديث: ج 4، ص 324، ترجمة عامر بن واثلة بن الأصقع، رقم 7357؛ سير أعلام النبلاء: ج 3، 467 - 468، ترجمة أبي الطفيل رقم 97.

والجدير بالذكر هنا هو أنَّ هٰذا الرجل (الشيبانيّ) لم يذكر في المعمَّرين ولم يعدّ في الكتب من جملتهم؛ لذا فمن المحتمل أن يكون هناك أفرادٌ ورواةٌ بين المفضّل محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيبانيّ، وبين محمّد بن يحيى الذهبيّ الشيبانيّ قد سقطوا من السند فلم ترد أسماؤهم هنا.

والحقيقة أنَّ المتتّبع لا يعثر على أيِّ إشارةٍ إلى أنَّ هناك أسماء رواةٍ قد سقطت من السند.

إشكالٌ وفائدةٌ

حينما نراجع كتاب (الغَيْبة) للنعمانيّ فإنّنا لا نجد أثرًا لهٰذه الرواية، والسؤال الّذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن يُستنتج ضعف هٰذه الرواية بسبب عدم إيراده لها في كتابه؟

فنقول في الجواب: بالنظر إلى مقدّمة النعمانيّ في كتاب (الغَيْبة) يُعلم أنه لم يقصد من وراء تأليف كتابه هٰذا أن يجمع جميع الروايات الخاصّةٌ بالمقام كافّةً، فقد صرَّح بنفسه بأنَّ الروايات الّتي أوردها في كتابه لا شيء مقايسةً بتلك الّتي لم ينقلها، والأمر المسلّم أنَّ النعمانيّ إنّما كان بناؤه على نقل الروايات المتعلّقة بموضوع الغَيْبة فقط، حيث قال: «وقد جمعت في هٰذا الكتاب ما وفّق الله لجمعه من الأحاديث الّتي رواها الشيوخ عن أمير المؤمنين والأئمّة الصادقين علیهم السَّلام في الغَيْبة وغيرها ممّا سبيله أن يضاف إلى ما روي فيها بحسب ما حضر في الوقت؛ إذ لم يحضرني جميع ما رويته في ذٰلك

لبعده عنّي، وأنّ حفظي لم يشمل عليه. والّذي رواه الناس من ذٰلك أكثر وأعظم ممّا رويته، ويصغر ويقلّ عنه ما عندي» (1).

3- الشيخ الطوسيّ رحمه الله

إنَّ المصدر الثالث الّذي يمكن أن نجد فيه هٰذه الرواية هو كتاب (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ رحمه الله، إذ نُقلت الرواية في هٰذا الكتاب بشكلٍ دقيقٍ تمامًا كما نُقلت في كتاب (كمال الدين) للشيخ الصدوق رحمه الله، لٰكنّ سند کتاب (الغَيْبة) يتفاوت مع سند رواية كتاب (كمال الدين) (2).

4- ابن فتال النيشابوريّ رحمه الله

إنَّ كتاب (روضة الواعظين) لابن فتّال النيشابوريّ (المتوفّى 508 ه‍) هو أحد الكتب الّتي نجد فيها هٰذه الرواية أيضًا، إذ يقول: «أخبرني جماعةٌ...» (3).

ويُلاحظ هنا- في هٰذا الكتاب- أنّه أورد اسم أبي المفضّل، لٰكنّه في كتاب (الدلائل) وردَ بعنوان المفضّل، حيث قال: «نقل أبو المفضّل الشيبانيّ عن محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ...». وبناءً عليه يكون محمّد بن بحرٍ هنا مشتركًا مع الرجل في سند (كمال الدين)، وهو ينقل القصّة أيضًا عن بِشر بن سليمان.


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 29، مقدّمة المؤلّف.

2) (2) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 208- 214، الفصل الأوّل، الكلام في الغَيْبة، معجزات الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، ح178.

3) (3) روضة الواعظين: ج 1، ص 252 - 255، مجلس في ذكر ما روي في نرجس أم القائم.

5- ابن شهر آشوب رحمه الله

من المصادر الناقلة لهٰذه الرواية أيضًا هو كتاب (مناقب آل أبي طالبٍ) للعلّامة ابن شهر آشوب رحمه الله (متوفّى 588 ه‍)، حيث نقل هٰذه الرواية عن بِشر بن سليمان، ثمّ أوردها بشكلٍ مختصرٍ.

6- عبد الكريم النيليّ رحمه الله

عبد الكريم النيليّ (المتوفّى في القرن التاسع الهجريّ) في كتاب (منتخب الأنوار المضيئة) نقل هٰذه الرواية عن كتاب (مال الدين) للشيخ الصدوق (1).

7- السيّد هاشم البحرانيّ رحمه الله

كذٰلك في كتاب (حلية الأبرار) للسيّد هاشمٍ البحرانيّ، فقد نقل هٰذه الرواية بسندين: أحدهما عن مسند فاطمة لمحمّد بن جريرٍ الطبريّ، وثانيهما عن كتاب (كمال الدين) (2).


1) (2) منتخب الأنوار المضيئة: ص 105 - 116، الفصل الخامس، في ذكر والدته وولادته، رواية بشرٍ النخّاس في والدته.

2) (3) حلية الأبرار: ج 5، ص 141 - 149 المنهج الثالث عشر، في الإمام الثاني عشر، الباب الأوّل، في ذكر أم القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح1.

8- الحُرّ العامليّ رحمه الله

نقل الشيخ محمّد بن الحسن المعروف بالحُرّ العامليّ في كتاب (إثبات الهداة

بالنصوص والمعجزات) هٰذه الرواية في أكثر من موضعٍ، لٰكنّ سندها یرجع إلى ما في (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ أو إلى (كمال الدين) (1).

9- العلّامة المجلسيّ رحمه الله

ذكر هٰذه الرواية العلّامة محمّدباقر المجلسيّ في (بحار الأنوار)، ونقلها تارةً عن كتاب (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ له، وأخرى عن كتاب (كمال الدين) (2).

تحقيقٌ في سند هٰذه الرواية

أمّا في مجال التحقيق السنديّ لهٰذه الرواية فنكتفي بتحقيق حال رجُلين مهمَّين ذُكرا في سندها، ونستغني عن الأسماء الأخرى؛ حيث إنَّ عمدة الإشكالات متوجهةٌ إلى هذين الرجلين:


1) (1) إثبات الهداة: ج 3، ص 363 - 365 الباب 29: معجزات أبي الحسن الهادي عَلَیه السَّلام، الفصل 2، ح17؛ ص 408 و409، الباب 31: معجزات أبي محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام، فصل 1، ح 37؛ ص 495، الباب 32: النصوص على إمامة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، فصل 5، ح253.

2) (2) بحار الأنوار: ج 51، ص 6 - 11، تاريخ الإمام الثاني عشر الباب 1: ولادته وأحوال أمّه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 12 و13. ومن أجل تفصيلٍ أوسع يمكن الرجوع إلى الجزء الخامس من کتاب معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الأوّل: بشر بن سليمان النخّاس

1- رأي السيّد الخوئيّ

قال السيّد الخوئيّ رحمه الله: «بشر بن سليمان النخّاس: من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ، روى الصدوق في (كمال الدين)... روايته عن أبي الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام فيما يرجع إلى نرجس أمِّ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفيها قوله عَلَیه السَّلام: "أنتم: ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مُزكِّيك ومُشَرِّفك بفضيلةٍ تسبق بها سائر الشيعة"... لٰكن في سند الرواية عدّة مجاهيل، على أنك قد عرفت فيما تقدّم أنّه لا يمكن إثبات وثاقة شخصٍ برواية نفسه» (1)

وقد أشار العلّامة الحلّيّ إلى هٰذا المبنى أيضًا. [انظر: تذكرة الفقهاء: ج 3، ص 39، كتاب الصلاة، الفصل السادس، الأذان والإقامة، ذيل المسألة 153]

.

وهٰذا يعني أنّه حتّى لو سلّمنا حلّ الإشكال في محمّد بن بحرٍ وبِشر بن سليمان، لٰكن يبقى أنَّ في طريق الشيخ الطوسيّ رحمه الله أفرادًا آخرين مجهولين.

كما أنَّ الإمام الخميني رحمه الله يرى هٰذا المبنى أيضًا، وحاصله: أنَّ نقل الوثاقة من الراوي نفسه هو سببٌ لسوء الظنِّ به. وهٰذا نصّ عبارته رحمه الله نقلًا عن الأستاذ الشيخ جعفر سبحاني: «إذا كان ناقل الوثاقة هو نفس الراوي، فإنّ ذٰلك يُثير سوء الظنّ؛ حيث قام بنقل مدائحه وفضائله في الملإ الإسلامي» (2).


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 3، ص 316، ترجمة بشر بن سليمان، رقم 1744.

2) (2) كلّيّاتٌ في علم الرجال: ص 152 الفصل الخامس، التوثيقات الخاصّةٌ، الأوّل: نصّ أحد المعصومين علیهم السَّلام.

والحاصل: أنَّ للسيّد الخوئيّ رحمه الله إشكالين على السند:

الأوّل: أنَّ في طريق الشيخ الطوسيّ وسنده عدّة مجاهيل.

الثاني: أنَّ وثاقة بِشرٍ غير محرزةٍ، كيف وهو الراوي لوثاقة نفسه، وهٰذا ما يستلزم الدور.

2- رأي المحقِّق التستريّ رحمه الله

نقل المحقِّق الشيخ محمّدتقي التستريّ في (قاموس الرجال) كلامَ الوحيد البهبهانيّ عن بشرٍ، وحاصله أنّه من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ، وكان من محبّي الإمامين الهادي والعسكريّ علیهما السَّلام، وقد أعطاه الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام أمرًا بشراء أمِّ القائم السيّدة نرجس رضی الله عنْها، وقال عَلَیه السَّلام له: «أنتم ثقاتنا أهل البيت...».

ثمّ يقول التستريّ بعد نقل هٰذا المطلب: «الأصل فيما قال خبر الإكمال [أي كتاب كمال الدين]... إِلّا أنَّ صحّتَه غيرُ معلومةٍ؛ حيث إنَّ في أخبارٍ أخر أنّ أمّه عَلَیه السَّلام كانت وليدة بيت حكيمة بنت الجواد عَلَیه السَّلام» (1).

وقفةٌ مع المحقِّق التستريّ رحمه الله

نحاول هنا أن نوجّه هٰذا السؤال إلى المحقِّق التستريّ رحمه الله فنقول: أنتم لم تقبلوا هٰذه الرواية، فهل ذٰلك بسبب وجود روايةٍ ثانيةٍ معارضةٍ فاخترتم ترجيح الرواية الثانية، أو أنكم حقَّقتم سند الرواية الثانية المعارضة؟ وهل


1) (1) قاموس الرجال: ج 2، ص 330، ترجمة بشر بن سليمان، رقم 1120.

هٰذه الرواية تصلح لمعارضة الرواية الّتي هي محلّ بحثنا أو لا؟

إنَّ الرواية الّتي أوردها المحقِّق التستريّ رحمه الله بعنوان المعارض لتلك

هع الرواية، قد وردت في (بحار الأنوار) نقلًا عن كتاب (كمال الدين)، حيث ذكر العلّامة المجلسيّ رحمه الله روايةً محمّد عن بن عبد الله المطٰهّٰريّ جاء فيها: «عن محمّد بن إبراهيم الكوفيّ، عن محمّد بن عبد الله المطٰهّٰريّ، قال: قصدتُ حكيمة بنت محمّدٍ عَلَیه السَّلام بعد مضيّ أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام أسألها عن الحجّه وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة الّتي فيها، فقالت لي: اجلس، فجلستُ، ثمّ قالت لي: يا محمّد، إنَّ الله - تبارك وتعالى - لا يُخلي الأرض من حجّةٍ ناطقةٍ أو صامتةٍ، ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين؛ تفضيلًا للحسن والحسين علیهم السَّلام، وتمييزًا لهما أن يكون في الأرض عديلهما، إلّا أنَّ الله - تبارك وتعالى - خصَّ ولد الحسين عَلَیه السَّلام بالفضل على ولد الحسن عَلَیه السَّلام، كما خصَّ ولد هارون عَلَیه السَّلام على ولد موسى عَلَیه السَّلام، وإن كان على هارون عَلَیه السَّلام، والفضل لولده إلى يوم القيامة.

ولا بدَّ للأمّة من حيرةٍ يرتاب فيها المبطلون، ويخلص فيها المحقّون؛ لئلا يكون للناس على الله حجّةٌ بعد الرسل، وإنَّ الحيرة لا بدَّ واقعةٌ بعد مضيّ أبي محمّدٍ الحسن عَلَیه السَّلام.

فقلتُ: يا مولاتي، هل كان للحسن عَلَیه السَّلام ولدٌ؟

فتبسمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن عَلَیه السَّلام عقبٌ فمَن الحجّة من بعده؟ وقد أخبرتك.

فقلتُ: حدّثيني بولادة مولاي وغيبته عَلَیه السَّلام.

قالتْ: نعم، كانت لي جاريةٌ يقال لها: نرجس، فزارني ابنُ أخي عَلَیه السَّلام وأقبل يحدّ النظر إليها، فقلت له: يا سيّدي لعلّك هويتها، فأرسلها إليك؟ فقال: لا يا عمّة، لٰكنّي أتعجب منها! فقلتُ: وما أعجبك؟ فقال عَلَیه السَّلام: سيخرج منها ولدٌ كريمٌ على الله عزّ وجلّ، الّذي يملأ الله الأرضَ عدلًا وقسطًا كما مُلئت جورًا وظلمًا. فقلتُ: فأرسلها إليك يا سيّدي؟ فقال: استاذني في ذٰلك أبي.

قالتْ: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن، فسلّمت وجلست، فبدأني عَلَیه السَّلام وقال: يا حكيمة، ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمّدٍ.

قالتْ: فقلتُ: يا سيّدي، على هٰذا قصدتك أن أستاذنك في ذٰلك. فقال: يا مباركة،

إنَّ الله - تبارك وتعالى - أحبّ أن يشركك في الأجر، ويجعل لك في الخير نصيبًا.

قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعتُ إلى منزلي وزيَّنْتها ووَهَبْتها لأبي محمّدٍ، وجمعتُ بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أيّامًا ثمّ مضى إلى والده ووجهت بها معه...» (1).

أقول: وهنا لا بدَّ أن نحدّد عمّن جاءتنا هٰذه الرواية؟


1) (1) كمال الدين ج 2 ص 426 و427، الباب 42: ما روى في ميلاد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح2؛ الغَيْبة (للطوسيّ): ص 244، الفصل الثاني، الكلام في ولادة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح210؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 11، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 1: ولادته وأحوال أمه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح14؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 6، ص 216 - 218، توقيعات الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ما ورد عن عمّته حكيمة في ولادته عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح05/1353.

قال البعض: إنّها عن الزهريّ، والبعض الآخر قال: إنّها عن محمّد بن عبد الله الطٰهٰويّ، وثالثٌ اعتقد أنَّ الرواية عن محمّد بن عبد الله الظهريّ، ورابعٌ قال: المطٰهّٰريّ.

وكيف كان، وأيًّا كان اسم الراوي لها، فلا يوجد ضمن أصحاب الإمام الهادي ععَلَیه السَّلام شخصٌ بهٰذه الأسماء المذكورة يسأل السيّدة حكيمة، ثمّ يأخذ عنها هٰذه الأجوبة الخاصّةٌ بأمِّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف.

نعم، ذكر شخص بهٰذا الاسم ضمن أصحاب الإمام الرضا عَلَیه السَّلام، لٰكنّه ليس من أصحاب الإمام الهادي عَلَیه السَّلام. وبناءً عليه يُردُّ الإشكال على المحقِّق التستريّ؛ لأنَّ الرواية المعارضة لمحلّ البحث الّتي يرجِّحها رحمه الله مخدوشةٌ سندًا كما تبيّن ذٰلك، ولٰكن لا ينافي قبول مضمون الرواية الدالّة على ولادة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وبشهادة حكيمة؛ وذٰلك لأنّ هٰذا المضمون ورد عن حكيمة بطرقٍ متعدّدةٍ لعلّها تصل إلى أكثر من اثني عشر طريقًا.

والجدير بالذكر أنَّ المحقِّق التستريّ رحمه الله في كتاب (قاموس الرجال) قد أوردَ في قصّة السيّدة حكيمة أنّه: «اختلف الخبر في أمِّ الحجّة»، ويؤيّد هٰذا الكلام بأنَّ أمَّ الحجّة كانت خادمةً للسيّدة حكيمة، ثمّ ولأجل إقامة الدليل يقول: «واختلف الخبر في أمِّ الحجّة عَلَیه السَّلام هل كانت من جواريها وأنّها ربّتها وأهدتها إلى ابن أخيها العسكريّ عَلَیه السَّلام، أو من أسَراء الروم

الّتي اشتراها الهادي عَلَیه السَّلام لابنه؟ والمفهوم من إثبات المسعودي (1)أنَّ

الأوّل الثبت، حيث اقتصر على خبره، ومال الإكمال إلى الثاني، حيث إنّه وإن روى الأوّل إلّا أنّه قال: "ما روي في نرجس أمِّ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف واسمها مليكة بنت يوشعا بن قيصر الملك"، وروى خبره، وهو المفهوم من أخبار عبّر فيها بأنَّ الحجّة ابن سبيّة، اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّها أعمّ من أن تكون بلا واسطة» (2).

3- رأي المحقِّق النمازيّ رحمه الله.

قال عن بشرٍ: «من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ مولى أبي الحسن وأبي محمّدٍ عليهما السلام، علَّمه مولانا أبو الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام شراء الرقيق، وشرَّفه بشراء أمِّ مولانا القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفيه قوله له: أنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مزكّيكَ ومُشرّفك بفضيلةٍ تسبق بها سائر الشيعة...» (3).

المستفاد من كلام المحقِّق النمازيّ رحمه الله أنّه يمدح بِشر بن سليمان هٰذا، لٰكنّه لا يبدي أيَّ ملاحظةٍ أخرى، ومن هنا نفهم أنَّ النمازيّ يقبل رواياته وأخباره.


1) (1) المراد به كتاب (إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن أبي طالب عَلَیه السَّلام) لعليّ بن الحسين المسعوديّ.

2) (2) قاموس الرجال: ج 12، ص 239، ترجمة حكيمة بنت أبي جعفرٍ الثاني، رقم 81.

3) (3) مستدركات علم رجال الحديث: ج 2، ص 31، ترجمة بشر بن سليمان النخّاس، رقم 2119.

4- رأي الشيخ أبي علىٍّ الحائريّ رحمه الله

نقل الشيخ محمّد بن إسماعيل الحائريّ في (منتهى المقال) كلام الوحيد البهبهانيّ من دون زيادةٍ أو توضيحٍ أو بيانٍ (1)، ولعلّه أيضًا يقبل الرواية المذكورة عن بِشرٍ هٰذا ويرتضيها.

5- رأي العلّامة المامقانيّ رحمه الله

يقول في (تنقيح المقال) بعد أن ينقل كلام الوحيد البهبهانيّ: «فالرجل حينئذٍ من الثقات، والعجب من إهمال الجماعة ذكره مع ما هو عليه من الرتبة» (2).

هٰذا هو حاصل كلام الأعلام في الراوي الأوّل (بِشر بن سليمان).

الثاني: محمّد بن بحرِ الشيبانيّ

إنَّ هٰذا الرجل هو الّذي سمع رواية أمِّ الحجّة من بِشر بن سليمان ونقلها عنه.

وفي المقام توجد عدّة إشكالاتٍ تَرد عليه، أهمّها: أنَّ هٰذا الشخص هو من الغُلاة، لٰكنَّ المتأخرين لم يقبلوا هٰذا المعنى للغلوّ، بل لعله بذٰلك الوصف تثبت جلالته ومنزلته.


1) (1) منتهى المقال: ج 2، 152، ترجمة بشر بن سليمان النخّاس، رقم 456.

2) (2) تنقيح المقال: ج 12، ص 271 و272، ترجمة بشر بن سليمان النخّاس، رقم 3055. 12،

نعم، لا بدَّ من البحث عن معنى الغُلوّ، وكيف يتحقّق؟ ومتى يكون الغالي غاليًا؟ وبأيِّ معنًى أطلقوا تسمية الغُلوّ على الغالي؟

حيث كان الالتزامُ ببعض العقائد في السابق يُعدّ غلوًّا مع أنّها اليوم تُعدّ من مسلمات العقائد عندنا بل وأصولها؛ لذا لا بدَّ من توضيح هٰذا المطلب، وبيان بعض ما يتعلّق به.

1- رأي الشيخ النمازيّ رحمه الله

قال في مستدركه: «محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ، كان من المتكلِّمين، وكان عالمًا بالأخبار، فقيهًا إلّا أنّه متّهمٌ بالغلوّ. وله كتبٌ ومصنّفاتٌ تقرب من خمسمئةٍ؛ ولاتّهامه بذٰلك رمي بالضعف. وقول البعض: إنّه من علماء العامّة غلطٌ محضٌ، كما هو واضحٌ ممّا سيأتي من الأخبار الّتي تدلّ على حسنه وكماله... وروى الصدوق بسنده عنه، عن احمد بن مسرورٍ، عن سعد بن عبد الله القمّيّ حديثه المفصّل في تشرّفه بلقاء العسكريّ عَلَیه السَّلام، وسؤالاته المفصّلة عن مولانا وليّ العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفيها دلالاتٌ بيّناتٌ على حسنه وكماله وصحّة عقيدته. بل يظهر ذٰلك من جميع ما تقدّم (1).


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث ج 6، ص477، ترجمة محمّد بن بحر بن سهل الشيبانيّ، رقم 12767.

2- رأي العلّامة المامقاني(1)ّ رحمه الله

قال الشيخ الطوسيّ في رجاله إنّ محمّد بن بحرٍ: «رمى بالتفويض» (2)، كما أنّه نقل هٰذا الكلام عن الشيخ الطوسيّ في فهرسته، حيث قال: «محمّد بن بحرٍ الرهنيّ، من أهل سجستان، كان متكلّمًا عالمًا بالأخبار فقيهًا، إلّا أنّه متهّمٌ بالغلوّ. وله نحوٌ من خمسمئة مصنّفٍ ورسالةٍ، وكتبُه موجودةٌ أكثرها موجودٌ بخراسان» (3).

وينقل العلّامة المامقانيّ عن النجاشيّ قوله: «قال بعض أصحابنا: إنّه كان في مذهبه ارتفاعٌ، وحديثه قريبٌ من السلامة، ولا أدري من أين قيل

ذٰلك؟!» (4).

ثمّ يذكر المامقانيّ أنَّ العلّامة الحلّيّ قد أورد اسمه في القسم الثاني من (خلاصة الأقوال) أيضًا حيث قال: «الّذي أراه التوقّف في حديثه» (5).

ثمّ يقول المامقانيّ: «لا شبهة في كون الرجل إماميًّا، وما عن بعض الفضلاء من أنّه من أعاظم علماء العامّة غلطٌ محضٌ، وكيف يلائم كونه


1) (1) تنقيح المقال (الطبعة الحجرية): ج 2، ص 85 و86، ترجمة محمّد بن بحرِ الرهنيّ، رقم 10434.

2) (2) رجال الطوسيّ: ص 510، باب ذكر أسماء من لم يرو عن الأئمّة علیهم السَّلام، رقم 106.

3) (3) الفهرست: ص 208 ترجمة محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ، رقم 13/598.

4) (4) رجال النجاشيّ: ص 384، ترجمة محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ، رقم 1044.

5) (5) خلاصة الأقوال: ص 396، ترجمة محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ، رقم 26/1600، وقد ذكر العلّامة الحلّيّ الرواة الضعاف في القسم الثاني.

عامّيًّا كونه غاليًا؟! ولعلّ منشأ اشتباه البعض ما رآه في كلام الكشّيّ من كلمة "الحنفيِّين" فزعم أنَّ المراد به النسبة إلى مذهب أبي حنيفة، وليس كذٰلك، بل هو نسبة إلى حنيفة أثال بن لجيم... وإذ قد كان إماميًّا نقول: إنَّ صريح الشيخ أنَّ القول بالتفويض والغلوّ بالنسبة إليه ليس محقّقًا، بل هي تهمةٌ والظاهر أنَّ منشأ التهمة قول ابن الغضائريّ، وقد نبّهنا غير مرّةٍ أنّه لا وثوق بتضعيفاته، لا سيّما إذا كان منشؤها الرمي بالغلوّ، لا سيّما والنجاشي أنكر ذٰلك عليه هنا بقوله: حديثُه قريبٌ من السلامة» (1).

ولم أعثر على صاحب التضعيف الّذي عبّروا عنه بكلمة «قيل»، وإذا لم يثبت غلوّه، بل كان المظنون حدوثَه من روايته في الأئمّة عليهم السلام بعض ما هو اليوم من ضروريّات مذهب الشيعة كما سمعتَ من الشيخ من كونه عالمًا بالأخبار فقيهًا، وما سمعته من النجاشيّ من كون حديثه قريبًا من السلامة، مدحًا مُدْرجًا له في الحسان؛ فالأظهر كون الرجل من الحسان دون الضعفاء، والله العالم.

ولقد أجاد الحائريّ رحمه الله حينما قال: «وليت شعري! إذا كان الرجل بنفسه متكلَّمًا عالمًا فقيهًا، وحديثه قريبًا من السلامة، وكتبه جيّدةٌ مفيدةٌ حسنةٌ، فما معنى الغلوّ الّذي يرمى به؟! وليس العجب من غضّ [ابن الغضائريّ] وكشّ [الكشّيّ]؛ لأنّ كافّة علمائنا رضی اللهَ عنْهم عدا الصدوق وأضرابه عند


1) (1) تنقيح المقال: ج 2، ص85 و86، ترجمة محمّد بن بحرٍ الرهنيّ، رقم 10434.

أضرابهما غلاةٌ، لٰكنّ العجب ممّن يتّبعهما في الطعن والرمي بالغلوّ! فما في الوجيزة من أنّه ضعيفٌ، ضعيفٌ» (1).

3- رأي السيّد الخوئيّ رحمه الله

يقول السيّد الخوئيّ رحمه الله: «الرجل وإن لم يثبت ضعفه، فإنّا ذكرنا غير مرّةٍ أنَّ الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائريّ لم تثبت نسبته إليه، إلّا أنَّ وثاقته أيضًا غير ثابتةٍ. وما ذكره النجاشيّ من أنَّ حديثه قريبٌ من السلامة، يريد به أنّه لا غلوَّ في أحاديثه، فلم يثبت حسنه أيضًا. إذن هو مجهول الحال» (2).

هٰذا حاصل ما أردنا ذكره وإيراده من كلمات الأعلام عن محمّد بن بحرٍ الشيبانيّ، والنتيجة الّتي يمكن أن نصل إليها بعد النظر في كلمات العلماء أنَّ الرجل يُعدُّ من جملة الرواة الحسان، وهٰذه الاتّهامات حوله ليست صحيحةً، خاصّةًٌ إذا اعتمدنا في إثباتها على كلمات ابن الغضائريّ، والّذي يقوى في نظرنا ونرجِّحه هو رأي الحائريّ رحمه الله.


1) (1) منتهى المقال: ج 5، ص 378 و379، ترجمة محمّد بن بحرٍ الرهنيّ، رقم 2504؛ وانظر: قاموس الرجال: ج 9، ص 131 ترجمة محمّد بن بحرٍ، رقم 6479.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 15، ص 124، ترجمة محمّد بن بحر الرهنيّ، رقم 10297، وقال الحَمويّ: «محمّد بن بحرٍ، معروفٌ بالفضل والفقاهة... قال بعضُ أصحابنا: إنَّه كان في مذهبه ارتفاعٌ، وحديثُه قريبٌ من السلامة» [معجم الأدباء: ج 9، ص 27، ترجمة محمّد بن بحرِ الرهنيّ].

الإشكالات الواردة على هٰذه الرواية

في هٰذا البحث نحاول أن نذكر جملةً من الإشكالات ومن ثمّ نناقشها بما يناسب المقام.

الإشكال الأوّل

إِنَّ قصّة شراء السيّدة نرجس أمِّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف قد حدثتْ بعد عام 242 ه‍، والحال أنّه لم تقع في هٰذه السنة المذكورة وما بعدها أيُّ مناوشةٍ وحرب مهمّةٍ بين المسلمين والروم حتّى تقع السيّدة نرجس أسيرةً بيد المسلمين (1).

الجواب

ويرد عليه وجود حروبٍ ومناوشاتٍ وأسرٍ في ذٰلك التاريخ وتلك الأيّام.

قال الذهبيّ: «وأقبلت الروم في ثلاثمئة مركب، فكبسوا دمياط، وسبوا ستّمئة،امرأةٍ، وأحرقوا وردّوا مسرعين، فحصّنها المتوكّل. وفي سنة 239 غزا يحيى بن عليٍّ الأرمنيّ بلاد الروم حتّى قرب من القسطنطينيّة، وأحرق ألف قريةٍ، وسبى عشرين ألفًا، وقتل نحو العشرة آلافٍ» (2).

ثُمَّ إنّ ولادة الإمام الهادي عَلَیه السَّلام كانت عام 212 ه‍، أو 214 ه‍، وكانت شهادته


1) (1) تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم [المصدر باللغة الفارسيّة ]: ص 115، الفصل الثالث، رأى الإماميّة حول والدة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أمّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) سير أعلام النبلاء: ج 12، ص 36 و37، ترجمة المتوكّل، رقم 7.

عام 254 ه‍، وأمّا مدّة إمامته فكانت ثلائًا وثلاثين سنةً، منها عشرون سنةً في سامرّاء، وهٰذا ما يدلّ على أنّ الإمام عَلَیه السَّلام في عام 239 ه‍، كان متواجدًا في سامرّاء، وهو العام الّذي أسر فيه المتوكّل العبّاسيّ الآلاف من الروم بعد معركةٍ طاحنةٍ بينهم وبين المسلمين.

وقال الذهبيّ في (تاريخ الإسلام) أيضًا «أغارت الروم على مَن بعين زربَة...» (1). وفي محلٍّ آخر يقول: «افتتح بُغا حصنًا من الروم يقال له: صملّة» (2).

أمّا العظيميّ فيقول: «غزا بُغا من طرسوس، ثمّ إلى ملطيّة، وظفر بطلائع الروم» (3).

إذن هناك شواهدٌ كثيرةٌ جدًّا على أنَّ حروبًا وصداماتٍ وقعتْ بين المسلمين والروم في تلك الفترة وما بعدها، والمتتّبع لذٰلك يجد بعض النماذج من تلك الحروب في كثيرٌ من الكتب التاريخيّة (4).


1) (1) تاريخ الإسلام: ج 18، ص 6، حوادث سنة 241، غارة الروم على عين زربة.

2) (2) المصدر السابق: ص 12 حوادث سنة 244، فتح حصن للروم

3) (3) المصدر السابق: الهامش 1، نقلًا عن (تاريخ حلب) للعظيميّ.

4) (4) تاريخ الأمم والملوك: ج 5، ص 321 و322 و327 و328 و332، حوادث سني 241 و244 و245 و246؛ الكامل في التاريخ: ج 4، ص 334 و335 و337 و339 وا34، حوادث سني 241 و242 و244 و245 و246؛ نهاية الأرب: ج 22، ص 289 حوادث سنة 241؛ النجوم الزاهرة: ج 2، ص 318، حوادث سنة 232، ذكر ولاية عيسى بن منصور الرافقيّ، الثانية، السنة الرابعة من ولايته.

وبناءً عليه نقول: ليس من الضروريّ أن يكون المراد بالحرب هنا حربًا شاملةً واسعة النطاق شارك فيها قيصر الروم بشخصه ومعه بعض أعضاء أسرته؛ لأنَّ ما ورد في الرواية هو أنَّ السيّدة نرجس قد رافقتْ الجنود والمقاتلين متخفّيةً بلباس الخدم بأمرٍ من الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام.

الإشكال الثاني

هٰذا الإشكال في الحقيقة هو إشكالٌ فنّيٌّ وليس إشكالًا علميٍا، بل نستطيع القول: إِنَّ في هٰذا الإشكال جنبةً تخريبيّةً وإثارةً للتساؤل والتشكيك لا أكثر.

وحاصل هٰذا الإشكال هو: هل تعلمون لماذا اهتمّ البعض بهٰذا الخبر ولم يشكلوا على دلالته وقبلوه من دون تردّدٍ؟ لأنّهم أرادوا بواسطة هٰذا الخبر أن يثبتوا للسيّدة نرجس مقامًا عاليًا من خلال انتسابها إلى نسبٍ شريفٍ؛ فمن ناحية الأب تنتسب إلى قيصر ملك الروم، وأمّا من ناحية الأمِّ فهي تنتسب إلى شمعون أحد أصحاب السيّد المسيح عَلَیه السَّلام، وبالتالي ينسبون الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف من طرف الأمِّ والأب معًا إلى عائلتين شريفتين (1).

الجواب

نقول إنَّ هٰذا الإشكال والنقد في الحقيقة يرجع على المستشكل نفسه؛ لأنّه تحاملٌ على علماء الشيعة؛ إذ وجّه إليهم التهم ونسبهم إلى الأمّيّة والجهل دون


1) (1) انظر: تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم [المصدر باللغة الفارسيّة]: ص 115، الفصل الثالث، رأى الإماميّة حول والدة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أمّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

النظر إلى أصولهم ومبانيهم! وبصراحةٍ أنَّ هٰذا المستشكل قد اتّهم علماء الطائفة بأنّهم انتهازيّون، وذٰلك قوله: إنّهم إنّما قبلوا هٰذه القصّة من أجل مصلحتهم ومصلحة الشيعة من دون النظر إلى الموازين العلميّة والفنّيّة.

وعليه فإنّنا نقول له: إنَّ كلامكم هٰذا مرفوض جملةً وتفصيلًا، فإذا كان قصدكم أنَّ نقل مثل هٰذه القضيّة بتفاصيلها وفي مثل ذٰلك العصر هي أشبه شيءٍ بالقصص الأسطوريّة منها إلى الحقيقة والواقع، فنقول في الجواب: إنَّ هٰذا لا يمكن أن يكون دليلًا وسببًا لرفض الرواية، كيف ونحن بحثنا في سندها فلم نجد إشكالًا أساسيًّا فيه، والأوضاع التاريخيّة لذٰلك الزمان تشير إلى إمكان وقوع مثل هٰذه الحادثة، وعليه فما المشكلة في أن تكون هٰذه القصّة قد وقعت فعلًا وبجميع تفاصيلها؟ هٰذا بالإضافة إلى وجود رواياتٍ كثيرةٍ عندنا قد تحدّثت عن قضايا أكثر تفصيلًا من هٰذه الرواية.

ثمّ إنَّ هذين الإشكالين هما عمدة الإشكالات، وهناك إشكالاتٌ أخرى قد تعرّضنا لها وللجواب عنها في بحوثنا خارج المهدويّة (1).

الإشكال الثالث

إذا كانت هٰذه الرواية صحيحةً فلماذا لم ينقلها بعض المعاصرين للشيبانيّ، أمثال: النوبختيّ وابن الخزّاز القمّيّ والكلينيّ والمسعوديّ (2)؟


1) (1) وهو الآن على موقعنا وقريبًا يطبع وينشر في الأسواق إن شاء الله.

2) (2) تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم [المصدر باللغة الفارسيّة] ص 115، الفصل الثالث، رأى الإماميّة حول والدة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أمّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الجواب

عدم نقل هٰؤلاء الأعلام لهٰذه الرواية ليس دليلًا على ضعف سندها أو على عدم اعتبارها. نعم، يمكن أن يكون عدم نقل الرواية دليلًا على ضعفها فيما إذا كان المقام مقام استقصاءٍ للروايات المعتبرة وإفرازها عن غيرها، فيورد الأعلام المعتبر منها ولا ينقلون الضعيف، ولٰكن في هٰذا المقام ليس كذٰلك، فطريقة عملهم لم تكن قائمةً على هٰذا الأساس؛ فالمسعوديّ في إثبات الوصيّة -مثلًا - قد أورد الأخبار المتعلّقة بغيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في أربع صفحاتٍ ونصفٍ فقط (1).

إذا قلتم: إنَّ المسعوديّ نفسه قال: «أنا أنقل عن الثقات».

نقول: إنَّ هٰذا القول لا يحلُّ المشكلة؛ لأنّه ليس في مورد استقصاء الروايات المعتبرة. ولو فرضنا أنّه كذٰلك، وأنّ الشيبانيّ خاصّةًٌ قد ضعَّف الرواية، ففي قباله الكثير من الآراء المعتبرة لعلماء الرجال المخالفة لرأيه.

وربّما يكون هناك سببٌ آخر لعدم نقله لهٰذه الرواية، وهو احتمال عدم اطّلاعه على هٰذه القصّة؛ وذٰلك لأنّ الارتباط والتبادل الثقافيّ في تلك الأزمنة لم يكن سهلا، بل كان ضعيفًا وصعبًا مقارنةً بزماننا اليوم، وعليه

فاحتمال عدم وقوع هٰذه الرواية في متناول يده ليس ببعيدٍ.


1) (1) إثبات الوصيّة: ص 227- 232، غيبة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الإشكال الرابع

إنَّ الكشّيّ كان معاصرًا للشيبانيّ، وكان يقول عنه: «الشيبانيّ غالٍ. واتهمه النجاشيّ وابن داود بالغلوّ أيضًا. وبناءً عليه يكون سند هٰذه الرواية غير معتبرٍ» (1).

الجواب

لقد ذكرنا في مقام البحث عن أحوال هٰذا الرجل وأنَّ المامقانيّ قد نقل عن النجاشيّ ولم ينسب الرأي إلى نفسه، بل قال: «قال بعض أصحابنا»؛ لذا فاتّهام الشيبانيّ بالغلوّ ليس رأي النجاشيّ ولا قوله، بل إنَّ النجاشيّ قال عنه: «وحديثه قريبٌ من السلامة».

أما قولكم: إنَّ ابن داود قال: «لشيبانيّ غال». فأقول: قد نقله العلّامة الحلّيّ في القسم الثاني من رجاله (2)وتوقّف فيه، وأمّا ابن داود فاكتفى بنقل


1) (1) انظر: تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم [المصدر باللغة الفارسيّة]: ص 115، الفصل الثالث، رأى الإماميّة حول والدة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أمّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف. وهناك إشكالاتٌ أخرى وإجاباتٌ ذكرت في هٰذا الكتاب للسيّد الصدر رحمه الله، ونحن لم نذكرها رعايةً للاختصار. [انظر: تاريخ الغَيْبة الصغرى: ص 250، القسم الأوّل، تاريخ الإمام العسكريّين علیهما السَّلام، الفصل الرابع، في تاريخ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في حياة أبيه]

2) (2) قال في بيان الفرق بين الخلاصة وكتاب ابن داود: «إنّ القسم الأوّل من الخلاصة مختصٌّ بمَن يعمل بروايته، والثاني بمَن لا يعمل بروايته، حيث قال: الأوّل: فيمَن اعتمد على روايته أو ترجّح عندي قبول قوله، الثاني: فيمن تركت روايته أو توقّفت فيه؛ ولأجل ذٰلك يذكر في الأوّل الممدوح؛ لعمله بروايته، كما يذكر فيه فاسد المذهب إذا عمل بروايته كابن بكيرٍ وعليّ بن فضّالٍ. وأمّا الموثقون الّذين ليسوا كذٰلك فيعنونهم في الجزء الثاني لعدم عمله بخبرهم هٰذا. والجزء الأوّل من كتاب ابن داود في مَن ورد فيه أدنى مدحٍ- ولو مع ورود ذمومٍ كثيرةٍ أيضًا فيه- ولم يعمل بخبره، والجزء الثاني من كتابه في مَن ورد فيه أدنى ذمَّ- ولو كان أوثق الثقات- وعمل بخبره؛ ولأجل ذٰلك ذكر بُرَيْدًا العجليّ مع جلالته في الثاني، كما ذكر هشام بن الحكم فيه أيضًا لأجل ورود ذمٍّ ما فيه، أعني كونه من تلاميذ أبي شاكرٍ الزنديق» [كلّيّاتٌ في علم الرجال: ص 120 و121، الفصل الرابع، المصادر الثانويّة، الأصول الرجاليّة الأربعة، خلاصة الأقوال في علم الرجال الفروق بين رجالي العلّامة وابن داود].

رأى الطوسيّ وابن الغضائريّ والنجاشيّ فقط. إذن لا يمكن نسبة هٰذا الكلام إلى ابن داود. هٰذا بالإضافة إلى أنَّ جمعًا من العلماء قد ارتضوا بهٰذا الرجل وقوّوه وردّوا تهمة الغلوّ عنه، وقد أشرنا إلى بعض كلماتهم في الدفاع عنه.

تأييد العلّامة المامقانيّ رحمه الله

قال العلّامة المامقانيّ عن محمّد بن بحرٍ الشيبانيّ هٰذا: «ممّا يكذّب نسبة الغلوّ إليه أنَّ الصدوق نقل في (كمال الدين) عن كتاب الرجل في تفضيل الأنبياء والأئمّة علیهم السَّلام على الملائكة فصلًا طويلًا، ختامه أنَّ محمّدًا صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أفضل المخلوقات من الجنِّ والإنس والملائكة، وفيه تصريح بأنَّ محمّدًا صلَّی الله علیه وآله وسلَّم مخلوقٌ من المخلوقات كغيره بنحو لا يشتبه على مَن طالعه وتصفّحه، وفيه شهادةٌ على عدم غلوٍّ نحو ما يقوله الغلاة من القدم والحلول، فلم يبقَ إلّا بمعنى المبالغة في تفضيل الحجج على غيرهم وعلوّ رتبتهم، وذٰلك

اليوم من ضروريّات المذهب، فنسبة الغلوّ الفادح في الراوي غلطٌ بحسب الظاهر، والعلم عند الله» (1). ويؤيّد كلامه في تفضيل الأئمّة ما روي عن

فرات بن إبراهيم، قال: «دّثني جعفر بن محمّدٍ الفزاريّ، معنعنًا عن أبي جعفرِ عَلَیه السَّلام في قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا،)... يا خيثمة، سيأتي على الناس زمانٌ لا يعرفون [الله] ما هو [و] التوحيد، حتّى يكون خروج الدجّال، وحتّى ينزل عيسى بن مريم من السماء ويقتل الله الدجّال على يده، ويصلّي بهم رجلٌ منّا أهل البيت، ألا ترى أنَّ عيسى يصلّي خلفنا وهو نبيٌ؟ ألا ونحن أفضل منه» (2).

أقول: لنا رواياتٌ أخرى تؤيّد هٰذه الرواية السابقة عن أمّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف:

1- عن أبي سعيدٍ عقيصا قال: «لمّا صالح الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عَلَیه السَّلام: ويحكم! ما تدرون ما عملتُ، والله الّذي عملتُ خيرٌ لشيعتي ممّا طلعت عليه


1) (1) تنقيح المقال (الطبعة الحجرية): ج 3، ص 86، ترجمة محمّد بن بحرٍ الرهنيّ، رقم 10434.

2) (2) تفسير فراتٍ الكوفيّ: ص 138 و139، سورة الأنعام، ذيل الآية 158؛ بحار الأنوار: ج 14، ص 348، كتاب النبوّة، أبواب قصص عيسى وأمّه وأبويها علیهم السَّلام، الباب 24: ما حدث بعد رفعه وزمان الفترة بعده ونزوله من السماء، ح10؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 7، ص154، سورة الأنعام، عيسى عَلَیه السَّلام يصلّي خلف الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح1/1524.

الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنّني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيّدي شباب أهل الجنة بنصٍّ من رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم عليَّ؟ قالوا: بلى... [إلى أن

قال صلَّی الله علیه وآله وسلَّم:]... أما علمتم أنّه ما منّا أحدٌ إلّا ويقع في عنقه بيعةٌ لطاغية زمانه إلّا القائم الّذي يصلّي روحُ الله عيسى بن مريم عَلَیه السَّلام خلفه، فإنّ الله - عزّ وجلّ- يخفي ولادته، ويغيِّب شخصه؛ لئلّا يكون لأحدٍ في عنقه بيعةٌ إذا خرج، ذٰلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة الإماء، يطيل الله في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابٍّ دون الأربعين سنةً؛ ذٰلك ليعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ» (1).

2- عن محمّد بن عبد الجبّار، قال: «قلتُ لسيّدي الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام: يا بن رسول الله، جعلني الله فداك! أحبُّ أن أعلم مَن الإمام وحجّة الله على عباده من بعدك؟ فقال عَلَیه السَّلام: إنَّ الإمام وحجّة الله من بعدي ابني، سمّي رسول الله، وكنّيه، الّذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه. قال: ممّن هو يا بن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، إلّا أنّه سيولد ويغيب عن الناس غَيْبةً طويلةً ثمّ يظهر» (2).


1) (1) کمال الدين: ج 1، ص 315 و316، الباب 29: ما أخبر به الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح2.

2) (2) إثبات الهداة: ج 3، ص 569، الباب:32 في النصوص على إمامة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل 44، ح 680؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 4، ص 240.

النتيجة

إلى هنا قد بيّنا وأجبنا عن بعض الإشكالات الّتي وردتْ على هٰذه الرواية، وبعد التحقيق والبحث السنديّ الّذي تعرّضنا له من جهةٍ، وعدم الإشكال الدلاليّ من جهةٍ ثانيةٍ تبيّن أنَّ هٰذه الإشكالات غير واردةٍ عليها؛ لذا لا يمكننا أن نرفض هٰذه الرواية ونردّها كأنّها لم تكن، بل إنَّ احتمال صحّة هٰذه الرواية وهٰذه القضيّة أكبر وأكثر واقعيّةً من أخبارٍ ورواياتٍ أخرى تحدّثت أحوال السيّدة نرجس علیهَا السَّلام، بل يصل إلى حدّ الظنّ بالصدور، والله عن العالم بحقائق الأمور.

الفَصْل الرّٰابِعُ

اشارة

ذرّيّة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

ودورهم في عصر الغَيْبة والحضور

المَدخلُ

قد يتساءل البعض:

1- هل تزوّج الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وهل له ذرّيّةٌ وأولاد؟

2- على فرض ذٰلك فهل لهٰذه الذرّيّة دورٌ في عصر الغَيْبة من إدارة شؤون بعض أصقاع العالم؟

3- هل لهم دورٌ في أيام ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف، أو أنَّ دورهم يقتصر على ما بعد وفاته عَلَیه السَّلام بحيث إنّهم يتولّون الأمور بعده، ويقودون الأمّة، ويسوسون اسلام العباد والبلاد؟ وبعبارة أخرى: هل هم الولاة وأولياء الأمور بعده؟

فنقول مستعينين بالله عَز وجَلّ: تارةً يقع الكلام في وجود أولادٍ للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في عصر الغَيْبة، وأخرى بعد لظهور.

أمّا في عصر الغَيْبة فلم يتعرّض القدماء لهٰذه المسألة، بل صرّح التستريّ (من المعاصرين) بعدم وجود أيّ ولدٍ له (1)، لٰكن في المقابل نرى أنّ بعض المعاصرين أصرّ على وجود أولادٍ له عجل الله تعالی فرجه الشریف (2).


1) (1) رسالةٌ في تواريخ النبيّ والآل علیهم السَّلام: ص89، فصلٌ في أولادهم علیهم السَّلام، أولاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف (طبع هٰذا الكتاب في آخر ج 12 من قاموس الرجال).

2) (2) انظر: النجم الثاقب: ج 2، ص 41، الباب 7: في ذكر حكايات وقصص الّذين وصلوا إلى خدمة إمام الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ رسالةٌ في تواريخ النبيّ والآل علیهم السَّلام: ص89، فصلٌ في أولادهم علیهم السَّلام، أولاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف.

أدلّة المثبتين

قد استدلّ على ذٰلك بعدّة أدلّةٍ، منها:

الدليل الأوّل

ما رواه الشيخ الطوسيّ رحمه الله في الغَيْبة: «لا يطّلع على موضعه أحدٌ من ولده

ولا غيره» (1).

ولٰكنّ الحديث محرّفٌ؛ إذ الصحيح هو ما رواه النعمانيّ بالسند نفسه، وفيه «من وليٍّ ولا غيره» (2)، ولٰكنّه صحّف «من وليّ» إلى «من ولده».

أضف إلى ذٰلك أنّ الشيخ الطوسيّرحمه الله أورد الرواية بالسند نفسه في الكتاب، وليس فيها كلمة «من ولده»، بل النصّ هٰكذا: «إنّ لصاحب هٰذا الأمر غيبتين: إحداهما.. ولا يطّلع أحدٌ على موضعه وأمرِه ولا غيرُه إلّا المولى الّذي يلى أمره» (3).


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 162، الفصل الأوّل، الكلام في الغَيْبة، ما ورد عن الأئمّة في غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح120.

2) (2)الغَيْبة:(للنعمانيّ) ص،172 الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الخامس، ح 5.

3) (3) الغَيْبة (لطوسيّ): ص61، الجواب عن الأخبار الدّالّة على أنّ الكاظم ععَلَیه السَّلام هو القائم، ح 60، معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 5، ص57، غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح916/10.

الدليل الثاني

قصّة الجزيرة الخضراء لعليّ بن فاضلٍ؛ إذ فيها: «فسألته عن أحوال السيّد شمس الدين أدام الله أفضاله، فقال: إنّه من أولاد أولاد الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، وإنّ بينه وبين الإمام خمسة آباءٍ، وإنّه النائب الخاصّ عن أمرٍ صدر منه» (1).

الدليل الثالث

قصّة الجزيرة الخضراء للأنباريّ، وهي ما أوردها العلّامة النوريّ عن كتاب (التعازي) لمحمّد بن عليٍّ العلويّ في قصّة كمال الدين الأنباريّ: «... فقطع الشافعي ووافقه، فقام عند ذٰلك، فقال: عفوًا يا بن صاحب الأمر! انسب إليّ نسبك. فقال: أنا طاهر بن محمّد بن الحسن بن عليٍّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفرٍ... يا شافعي، نحن أهل البيت، نحن ذرّيّة الرسول، ونحن أولو الأمر... وبعدها مدينة اسمها عناطيس، سلطانها هاشمٌ ابن صاحب الأمر، وهي أعظم المدن كلّها وأكبرها، وأعظم دخلًا» (2).

مناقشة الأدلّة

يرد عليهما أنّهما مورد للمناقشة سندًا ودلالةً:

أ- قال التستري: «هما خبران مجعولان ليس أثر منهما في كلام


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 168- 169، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 24: نادرٌ في من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف قريبًا من زماننا.

2) (2) جنّة المأوى (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار)، ص 219، الحكاية الثالثة.

المعصومين علیهم السَّلام ولا في كلمات المتقدّمين، وإنّما قال بهما بعض مَن كان

حَسن الاعتقاد كابن طاووسٍ والمجلسيٍّ (1)من المتأخّرين» (2).

ب- قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء: «ومنها اعتمادهم على كلِّ روايةٍ، حتّى أنّ بعض فضلائهم رأى في بعض الكتب المهجورة الموضوعة لذكر ما يرويه القصّاص من أنّ الجزيرة في البحر تدعى الجزيرة الخضراء، فيها دورٌ لصاحب الزمان، فيها عياله وأولاده، فطلبها حتّى وصل إلى مصر، فبلغه أنّها جزيرة فيها طوائف من النصارى، وكأنّه لم يرَ الأخبار الدالّة على عدم وقوع الرؤية من أحدٍ بعد الغَيْبة الكبرى، ولا تتّبع كلمات العلماء الدالّة عليها» (3).

ج‍- قال السيّد الخوئيّ رحمه الله حول القصّة الأولى من الجزيرة الخضراء: «الرواية المذكورة ليست معتبرةً» (4).

د- لم يعرف مَن هو الراوي لهٰذه القصّة الأولى عن الطيبيّ، ومن أين عرف أنّ هٰذا الخطّ هو خطّ الشخص المسمّى بالطيبيّ

ه‍- كذٰلك لم يعرف مَن هو الأنباريّ في القصّة الثانية الّذي يروي قصّة


1) (1) لم يرتضِ المجلسيّ هٰذه القصّة أي قصّة عليّ بن فاضلٍ، وأمّا القصّة الثانية فلم يروها أساسًا.

2) (2) رسالةٌ في تواريخ النبيّ والآل علیهم السَّلام: ص89، فصلٌ في أولاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف (طبع هٰذا الكتاب في آخر ج 12 من قاموس الرجال).

3) (3) الحقِّ المبين: ص 87 المطلب الثامن في الاجتهاد والتقليد.

4) (4) مسائل وردودٌ: ص 126، المسألة 351.

الجزيرة لعون الدين يحيي بن هبيرة الوزير، أضف إلى ذٰلك أنّه نصرانيٌّ، فكيف يمكن الاعتماد على قوله؟

و- أنّ مؤلِّف كتاب (التعازي) لم يذكر هٰذه القصّة، بل أضيفت وألحقت بآخره هٰذه القصّة، كما صرّح بذٰلك العلّامة الطهرانيّ (1)، ولم يعرف مَن الّذي أتى بهٰذه الإضافة.

ز- لقد صرّح البعض كالعلّامة البهبوديّ بأنّ هٰذه القصّة من موضوعات - الحشويّة الّذين يقولون بتحريف القرآن لفظا» (2)

من زماننا، الهامش.

.

ح- أنّ في هٰذه القصّة تصريحًا بوجود نائبٍ خاصٍّ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في القرآن الخامس وما بعده، مع أنّه من الأكيد انقطاع النيابة الخاصّةٌ السفير الرابع محمّد بن عليٍّ السِّمَّرِيِّ، وأنّ كلَّ مَن ادّعى الرؤية بعده فهو مفترٍ كذّابٌ (3).

كما صرّح ابن قولويه بتكفير من ادّعى النيابة الخاصّةٌ بعد السِّمَّرِيِّ وقال: وقد كنّا وجّهنا إلى أبي بكر البغداديّ لمّا ادّعى له هٰذا ما ادّعاه، فأنكر ذٰلك


1) (1) الذريعة: ج 4، ص 205، الرقم 1024.

2) (2) بحار الأنوار: ج 52، ص 170 تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 24: نادرٌ في من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، قريبًا

3) (3) «ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ والصيحة فهو كاذبٌ مفترٍ» [كمال الدين: ج 2، ص 516، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 44؛ الاحتجاج: ج 2، ص 296 و297، توقيعات الناحية المقدّسة].

وحلف عليه، فقبلنا ذٰلك منه، فلمّا دخل بغداد مال إليه وعدل عن الطائفة وأوصى إليه، لم نشكّ أنّه على مذهبه فلعنّاه وبرئنا منه؛ لأنَّ عندنا أنّ كلّ مَن ادّعى الأمر بعد السِّمَّرِيِّ فهو كافرٌ منمّسٌ ضالٌ مضلٌّ».

إلى إشكالاتٍ أخرى في القصّتين نعرض عنها رعايةً للاختصار، فمن أراد التفصيل في ذٰلك فليراجع قصّة الجزيرة الخضراء في هٰذا الكتاب (حتّى

يتحقّق الظهور) (1)

2، ص 457؛ الجزيرة الخضراء- تقرير أبحاثنا- قرّره ولدنا العزيز الشيخ عامر الزرفيّ.

.

الدليل الرابع

رواية يعقوب بن يوسف الضرّاب الّتي يرويها عن امرأةٍ عجوزٍ في دار خديجة الّتي تسمّى (دار الرضا عَلَیه السَّلام بمكّة عام 288 ه‍، وأنّه تسلّم من الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف بواسطة هٰذه العجوز الّتي تدعي أنها خالة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف دعاءً فيه إشارةٌ إلى وجود ذريّةٍ له: «اللّٰهمّ أره في ذرّيّته وشيعته ورعيّته».

أقول: إنَّ هٰذه الرواية نقلها الطبريّ في كتاب (دلائل الإمامة) (2).


1) (2) تا ظهور [المصدر باللغة الفارسيّة]: ج

2) (3) دلائل الإمامة: 300 - 304، معرفة من شاهد صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ: ج 6، ص 371، من أدعية الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 1432/4.

المناقشة

يرد عليها أيضًا إشكالاتٌ دلاليّةٌ وسنديّةٌ تعرّضنا لها بالتفصيل في الدراسات العليا في بحثنا (خارج المهدويّة)، ونشير إليها هنا إجمالًا، فنقول:

أوّلًا في السند مجاهيل منهم أبو الحسن عليّ بن عبد الله القاشانيّ (1)

رقم 10176.

، وكذٰلك يعقوب بن يوسف (2)، أضف إلى ذٰلك أنّ في طريق الطوسيّ (3)أحمد بن عليٍّ الرازيّ، وهو ضعيفُ (4).

ثانيًا: لم يُعرف مَن هٰذه العجوز؟ وهل هي حقًّا من أقرباء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وخالته على ما ادّعت هي؟ وذٰلك قولها: «فإنّي خرجت وأختي حبلى وأنا خالته» (5).

ثالثًا: لم يثبت كون هٰذا الدعاء من الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ولم يدّعِ الراوي أنّ هٰذه الرواية قد صدرت عن الإمام عَلَیه السَّلام، بل غاية ما قال: «قالت العجوز: يقول لك: إذا صلّيت... فأخذتها وكنتُ أعمل بها، ورأيته عدّة ليالٍ قد نزل


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث: ج 5، ص 405، ترجمة عليّ بن عبد الله القاشانيّ،

2) (2) المصدر السابق: ج 8، ص 280، ترجمة يعقوب بن يوسف الضرّاب الغسّانيّ، رقم 16466.

3) (3) الغَيْبة (للطوسيّ)، ص 273، الفصل الثالث، الأخبار المتضمّنة لمن رأى صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح238

4) (4) معجم رجال الحديث: ج 2، ص153، ترجمة أحمد بن عليٍّ أبي العبّاس، رقم 670.

5) (5) معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 6، ص 373، من أدعية الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 1432/4.

من الغرفة، فكنت أفتح الباب وأخرج على الضوء وأنا أراه- أعني الضوء – ولا أرى أحدًا حتّى يدخل المسجد» (1).

رابعًا: ليس في هٰذا النصّ إشارةٌ أو إيحاءٌ إلى أيِّ دَوْرٍ لأولاد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف لا في حياته ولا بعد وفاته.

الدليل الخامس

ما أورده ابن طاووسٍ في (جمال الأسبوع) عن ابن أبي جيدٍ، عن محمّد بن الحسن بن سعيد بن عبد الله، والحميريّ، وعليّ بن إبراهيم الصفّار كلّهم عن إبراهيم بن هاشمٍ، عن إسماعيل بن مولدٍ وصالح بن السنديّ، عن يونس بن عبد الرحمٰن: «اللّٰهمّ أعطٰهٰ في نفسه

وأهله وولده وذرّيّته وأمّته... اللّٰهمّ صلَّ على ولاة عهده والأئمّة من بعده» (2).

المناقشة

يرد عليه

أوّلًا في السند مجاهيل وضعافٌ، مثل إسماعيل بن مولدٍ (3)وصالح بن السنديّ (4).


1) (1) المصدر السابق.

2) (2) جمال الأسبوع: ص 510، الفصل السابع والأربعون فيما نذكره من الإشارة إلى صفة صلاة العصر یوم الجمعة، ذكر الدعاء لصاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف المرويّ عن الرضا عَلَیه السَّلام؛ بحار الأنوار: ج 92، ص 332، كتاب الذكر والدعاء، الباب 115: ما ينبغي أن يدعي به في زمان الغَيْبة، ح4.

3) (3) مستدركات علم رجال الحديث: ج 1، ص 674، ترجمة إسماعيل بن مولدٍ، رقم 2021/463.

4) (4) معجم رجال الحديث: ج 9، ص 69، ترجمة صالح بن السنديّ، رقم 5815.

ثانيًا: لا دلالة على تولّيهم الأمور بعده أو في حياته أو قبل ظهوره.

ثالثًا: الرواية هٰذه لا تثبت وجود أولادٍ وذرّيّةٍ وزوجةٍ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف الآن، بل لعلّها إشارةٌ إلى ما يأتي من الأزمان، كما أنّ الرواية صدرت من زمانٍ لم يولد بَعْدُ المهديّ ولا والد المهديّ ولا جده عَلَیه السَّلام.

الدليل السادس

وهي الرواية نفسها عن يونس عن الإمام الرضاء عَلَیه السَّلام: «وأعطٰهٰ في نفسه

وولده وأهله وذرّيّته...» (1).

المناقشة

يرد عليها:

أولًا: في السند ضعافٌ ومجاهيل؛ إذ فيه زيد بن جعفرٍ العلويّ ومحمّد بن شعيب بن أحمد المالكيّ وأبوه، ولم يرد فيهم جرحٌ ولا تعديلٌ (2).


1) (1) جمال الأسبوع: ص 516، الفصل السابع والأربعون: فيما نذكره من الإشارة إلى صفة صلاة العصر يوم الجمعة، ذكر الدعاء لصاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف المرويّ عن الرضا عَلَیه السَّلام؛ بحار الأنوار: ج 92، ص 334، كتاب الذكر والدعاء، الباب 115: ما ينبغي أن يدعى به في زمان الغَيْبة، ح 5.

2) (2) تنقيح المقال: ج 29، ص 138، ترجمة زيد بن جعفرٍ العلويّ المحمّديّ، رقم 177/743، الهامش؛ مستدركات علم رجال الحديث: ج 7، ص 135 ترجمة محمّد بن شعيب بن أحمد المالكيّ، رقم 13517.

وفيه أيضًا إسحاق بن الحسن، وهو ضعيفٌ في العقيدة ومتروك الحديث (1).

ثانياً: لم ترد في النصّ إشارةٌ ولا إلماحٌ إلى أيِّ دورٍ لأولاده عجل الله تعالی فرجه الشریف، سواءٌ قبل ظهوره أم بعده، في حياته أم بعد وفاته.

الدليل السابع

رواية أبي بصيرٍ عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام، عن ابن بابوَيْه: «حدّثنا محمّد بن عليٍّ بن الفضل بن تمامٍ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عمّارٍ، عن أبيه، عن حمدان القلانسيّ، عن محمّد بن جمهورٍ،عن مرازم بن عبد الله، عن أبي بصيرٍ عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام: يا أبا محّمدٍ، كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله. قلتُ: يكون منزله؟ قال: نعم، هو منزل إدريس، وما بعث الله نبيًّا إلّا وقد صلّى فيه...» (2).

ومفاد هٰذا النصّ وجود أولادٍ وعيالٍ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.


1) (1) المصدر السابق: ج 9، ص 96 - 100، ترجمة إسحاق بن الحسن العقرانيّ، رقم 1941/703.

2) (2) قصص الأنبياء (للراونديّ): ص 80، الباب 2: في نبوّة إدريس ونوح علیهَا السَّلام، الفصل الثاني، ح 63؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 5، ص 242 حركة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى العراق، ح2/1078.

المناقشة

يرد عليها:

أوّلاً ضعف السند؛ وذٰلك لوجود المجاهيل والضعاف فيه (1).

ثانيًا: أنّ هٰذا النص ليس فيه دلالة على وجود أهل وعيال للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في وقتٍنا الحاضر، بل لعل الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف وقبيل ظهوره يتزوّج ويرزق أولادًا وذرّيّةً، فينزل بهم مسجد السهلة إن شاء الله.

ثالثًا: لا دلالة فيه على وجود دورٍ لأولاده عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الدليل الثامن

رواية الكلينيّ: «محمّد بن يحيى، عن عليّ بن الحسن بن عليٍّ، عن عثمان عن صالح بن أبي الأسود قال: قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام وذكر مسجد السهلة، فقال: أما إنّه منزل صاحبنا إذا قام بأهله» (2).


1) (1)كأحمد بن محمّد بن عمّارٍ الّذي لم يذكروه في كتب الرجال، ومرازم بن عبد الله الّذي لم يذكر في كتب الرجال أيضًا، فهو مجهولٌ، وفي بعض النسخ بدل مرازم، مريم ولم يرد فيه شيءٌ. انظر: مستدركات علم رجال الحديث: ج 7، ص 399، ترجمة مريم بن عبد الله، رقم 14848.

2) (2) الكافي: ج 3، ص 495 كتاب الصلاة باب مسجد السهلة، ح 2.

المناقشة

يرد عليها:

أوّلا: أنّ الحديث مجهولٌ كما صرّح بذٰلك المجلسيّ في (المرآة) (1).

ثانيًا: ليس فيه دلالةٌ على وجود أهلٍ وأولادٍ له عجل الله تعالی فرجه الشریف الآن، لعله عجل الله تعالی فرجه الشریف يتزوّج قبيل الظهور ويسكن حين قيامه مسجد السهلة، ولا منع فيه ونلتزم به.

ثالثًا: لا دلالة على وجود دورٍ لأولاده عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الدليل التاسع

رواية الحضرميّ عن الإمامين الصادق أو الباقر علیهما السَّلام.

ابن قولويه: «حدّثني أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أبي عبد الله محمّد بن أبي عبد الله الرازيّ الجامورانيّ، عن الحسين بن سيف بن عميرة، عن أبيه سيفٍ، عن أبي بكرٍ الحضرميّ، عن أبي عبد الله أو عن أبي جعفر علیهما السَّلام، صلى الله قال: قلت له: أيّ بقاع الأرض أفضل بعد حرم الله عَز وجَلّ وحرم رسوله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؟ فقال: الكوفة يا أبا بكر؛ هي الزكيّة الطاهرة، فيها قبور النبيّين المرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين، وفيها مسجد سهيلٍ الّذي لم يبعث الله نبيًّا إلّا وقد صلّى فيه، ومنها يظهر عدل الله، وفيها يكون قائمه والقوّام من بعده، وهي منازل النبيّين والأوصياء والصالحين» (2).


1) (1) مرآة العقول: ج 15، ص 491، كتاب الصلاة باب مسجد السهلة، ذيل ح 2.

2) (2) كامل الزيارت ص 76، الباب 8: فضل الصلاة في مسجد الكوفة والسهلة، ح69/12؛ معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف: ج 4، ص 471، الكوفة منزله ومنزل القائمين بعده، ح 1/842.

المناقشة

يرد عليها:

أوّلًا: ضعف السند بالجامورانيّ، وقد ضعّفه ابن الوليد (1).

ثانيًا: أنّ الرواية أجنبيّةٌ عن المقام؛ إذ ليس فيها إشارةٌ إلى وجود أولادٍ له عجل الله تعالی فرجه الشریف وأنهم القوّام من بعده، بل غايته أنّ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف قوّامًا يقومون بالأمر بعده، وهٰذا ما يمكن الالتزام به ونقول به أيضًا، لا سيّما على القول بالرجعة، وأنّ الأئمّة علیهم السَّلام يرجعون. لٰكنّه لا يلازم كون القوّام هم أولاد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

دراسة في روايات القوّام

هناك رواياتٌ تنصّ على القائمين بعد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهي ضعيفةٌ سندًا وقاصرةٌ دلالةً عن إثبات المدّعىّ، وأنّ القائمين هم أولاد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وفيما يلي بعض النصوص:

النصّ الأوّل

«محمّد بن عبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الحميد ومحمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة عن أبي عبد


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 14، ص 273، ترجمة محمّد بن أبي عبد الله الرازيّ، رقم 10005.

الله عَلَیه السَّلام في حديثٍ طويلٍ أنّه قال: يا أبا حمزة، إنّ منّا بعد القائم أحد عشر مهديًّا من ولد الحسين عَلَیه السَّلام». (1)

الإشكال

يرد عليه:

أوّلًا: أنّه وإن كان سنده تامًّا لٰكنّ في النصّ تصريحًا بأنّه من ولد الحسين عَلَیه السَّلام لا من أولاد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف. وتوجيهه بأنّ أولاد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أيضًا هم من أولاد الحسين عَلَیه السَّلام غير وجيهٍ؛ إذ لا معنى حينئذٍ للتعبير بأولاد الحسين عَلَیه السَّلام؛ فلا خصوصيّة لذٰلك، بل يمكن التعبير بأولاد السجّاد أو الباقر علیهَا السَّلام.

ثانيًا: يحتمل أن يكون المراد من (بعد) الرتبة لا الزمان، فيكونون أعوانه وولاته في عصره كما صرّح بذٰلك الحُرّ العامليّ في كتابه (الإيقاظ من الهجعة) (2).

النصّ الثاني

«أخبرنا جماعةٌ عن أبي عبد الله الحسين بن عليٍّ بن سفيان البزوفريّ، عن عليّ بن سنانٍ الموصليّ العدل، عن عليّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 478، الفصل الثامن، بعض صفاته ومنازله وسيرته عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 504.

2) (2) «أن يكون البعديّة رتبيّةً غير زمانيّة» [الإيقاظ من الهجعة ص 402، الباب 11: في أنّه هل بعد دولة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف دولة أم لا].

بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصريّ، عن عمّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيّد العابدين عن أبيه الحسين الزكيّ الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، قال: قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في الليلة الّتي كانت فيها وفاته لعليٍّ عَلَیه السَّلام:... يا عليّ، سيكون بعدي اثنا عشر إمامًا، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًّا، فأنت يا عليّ أوّل الاثني عشر إمامًا... فليسلّمها [الحسن العسكريّ] إلى ابنه محمّدٍ المستحفظ من آل محمّدٍ، فذٰلك اثنا عشر إمامًا، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أوّل المقرّبين، له ثلاثة أساميّ؛ اسمٌ كاسمي واسم أبي، وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهديّ وهو أوّل المؤمنين» (1).

الإشكال

ويرد عليه

أوّلًا: في السند مجاهيل وضعافٌ، منهم: عليّ بن سنان الموصليّ العدل. فعن السيّد الخوئيّ رحمه الله: «إنّ كلمة (العدل) على ما يظهر من ذكرها في مشايخ الصدوق كان يوصف بها بعض علماء العامّة، فلا يبعد أن يكون الرجل من العامّة» (2).


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 150 و151، روايات الخاصّةٌ في أنّ الأئمّةعلیهم السَّلام اثنا عشر، ح111.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 12، ص 46، ترجمة عليّ بن سنانٍ، رقم 8180.

وقال المامقانيّ: «ليس له ذكرٌ في كتب الرجال» (1).

وقال التستريّ: «وكيف كان فيستشمّ من وصفه ب‍ (العدل) عامّيّته» (2). وأمّا جعفر بن أحمد المصريّ فهو أيضًا ممّن لم يذكره علماؤنا وأهملوه، وأمّا عند العامّة فقد أورده العسقلانيّ واتّهمه بالوضع (3)، لٰكنّنا لم نكترث لا بتضعيفاتهم ولا بتوثيقاتهم؛ إذ المعايير والموازين عندنا غير ما عندهم. ثانيًا: في الدلالة؛ فإنَّ مفادها تسليم الأمر إلى ابن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهي تنافي عشرات الروايات القائلة بعدم خلوّ الأرض من حجّةٍ (4)، وتنافي أيضًا كون الأئمّة اثني عشر، وهو ضرورةٌ من ضرورات مذهبنا، وتنافي كذٰلك ما ورد من الروايات الّتي تشير إلى حكومة الإمام الحسين وأمير المؤمنين والأئمّة علیهم السَّلام بعد رحيل الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف (5)، بل تنافي الروايات الّتي مفادها أنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف يبقى إلى أربعين يومًا قبل قيام القيامة، ثمّ يكون الهرج، وهٰذه الأيام من أيّام بعث الأموات ونشورهم ومقدّمات القيامة (6).


1) (1) تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 2، ص 291، ترجمة عليّ بن سنانٍ، رقم 8310.

2) (2) قاموس الرجال: ج 7، ص 477 و478، ترجمة عليّ بن سنانٍ الموصليّ، رقم 5164.

3) (3) لسان الميزان: ج 2، ص 137 و138، ترجمة جعفر بن أحمد بن عليٍّ، رقم 1487/1981.

4) (4) انظر: الكافي: ج 1، ص 178 و179، كتاب الحجّة، الباب 5: أنّ الأرض لا تخلو من حجّةٍ.

5) (5) انظر: مختصر بصائر الدرجات: ص 132 و133، الباب 2: الكرّات وحالاتها وما جاء فيها، ح 140- 142.

6) (6) انظر: الإرشاد: ج 2، ص 387 باب ذکر علامات قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، فصلٌ في سيرة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ بحار الأنوار: ج 53، ص 145، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 30: خلفاء المهديّ وأولاده علیهم السَّلام.

إن قلتَ: إنّ بعض هٰذه الروايات ضعيفةٌ.

قلتُ: لا يزيد ضعفها على ضعف تلك الرواية، بل هي أقلّ ضعفًا بمراتب من رواية الوصيّة على فرض القول بضعف هٰذه الأخيرة (بقاء المهديّ إلى أربعين يومًا قبل القيامة).

ثالثًا: أنَّ شذوذ هٰذه الرواية من حيث المضمون وندرتها أيضًا يمنع من قبولها أو الإصغاء إليها.

رابعًا أنّها لا تفيد المتمسّكَ بها إثبات دورٍ لأولاد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في يومنا هٰذا؛ لأنَّ الرواية تشير إلى شروع دورٍ لابن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف بعد وفاة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ فلا معنى لدعوى المشروعيّة والدور له في عهد الغَيْبة، وكذٰلك لا مجال لدعوى البعض مستدلًّا بهٰذه الرواية الضعيفة قائلًا: إنّ روايات الأولياء صريحةٌ بمباشرتهم للحكم على أعلى مستوًى؛ بحيث يكون التنازل عن هٰذه الدلالة تأويلًا باطلًا، كقوله: «ليملكنّ منّا أهل البيت رجلٌ» (1)، وقوله: «فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها- يعني الإمامة أو الخلافة - إلى ابنه أوّل المهديّين» (2).


1) (1) إنّ هٰذه الرواية- على ما فيها من التشويش في المتن- فيها تصريحٌ بأنّ المراد به هو عليٌّ عَلَیه السَّلام؛ فلا علاقة لها بحكومة الأولياء الصالحين.

2) (2) تاريخ ما بعد الظهور: ص 642 و643، القسم الثالث: العالم بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 1: قيادة ما بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أسئلةٌ حول الأولياء الصالحين.

كلمات الأعلام حول هٰذه الروايات

أ- الشيخ المفيد رحمه الله

قال رحمه الله: «ليس بعد دولة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف لأحدٍ دولةٌ إلّا ما جاءت به الرواية من قيام ولده إن شاء الله ذٰلك، ولم ترد به على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنّه لن يمضي مهديُّ هٰذه الأمّة عجل الله تعالی فرجه الشریف إلّا قبل القيامة بأربعين يومًا يكون فيها الهرج، وعلامات خروج الأموات، وقيام الساعة للحساب

والجزاء، والله أعلم» (1).

ب- الشيخ الطبرسيّ رحمه الله

قال رحمه الله: «قد جاءت الرواية الصحيحة بأنّه ليس بعد دولة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف دولةٌ إلّا ما روي من قيام ولده إن شاء الله، ولم ترد على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنّه لن يمضي عجل الله تعالی فرجه الشریف من الدنيا إلّا قبل القيامة بأربعين يومًا يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات، وقيام الساعة، والله أعلم» (2).

ج‍ - العلّامة المجلسىّ رحمه الله

قال رحمه الله: «فإنّه بعد أن أورد أخبار حكومة خلفاء المهديّ وأولاده، قال: هٰذه الأخبار مخالفةٌ للمشهور، وطريق التأويل أحد وجهين:


1) (1) الإرشاد: ج 2، ص 387، باب ذکر علامات قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، فصلٌ في سيرة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) إعلام الورى: ج 2، ص 295، الباب 4: ذكر علامات قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع في ذكر صفة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

1- أن يكون المراد بالاثني عشر مهديًّا النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وسائر الأئمّة علیهم السَّلام سوى القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ بأن يكون ملكهم بعد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد سبق أن الحسن بن سليمان أوّلها بجميع الأئمّة علیهم السَّلام، وقال برجعة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف بعد موته. وبه يمكن الجمع بين بعض الأخبار المختلفة الّتي وردت في مدة ملكه عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2- أن يكون هٰؤلاء المهديّون من أوصياء القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف هادين للخلق في زمن سائر الأئمّة علیهم السَّلام الّذين رجعوا؛ لئلّا يخلو الزمان من حجّةٍ، وإن كان أوصياء لیه الأنبياء والأئمّة علیهم السَّلام أيضًا حججًا، والله يعلم» (1).

أقول: لٰكنّه خلاف ما ورد من عدم وجود دولة بعد دولّةٍ المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

مناقشة كلام العلّامة المجلسيّ رحمه الله

اشارة

لقد حاول بعض الأعلام مناقشة كلام المجلسيّ بما حاصله:

أ- أنّ عددًا من روايات الأولياء تنصّ على أنّ هٰؤلاء الأولياء الاثني عشر هم من ولد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ حيث جاء في أحد الأخبار: «ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا، فإذا حضرته الوفاة- يعني المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف - فليسلّمها إلى ابنه أوّل المهديّين». وجاء في الدعاء: «والأئمّة أنّ الأئمّة من ولده»، مع أنّ الأئمّة المعصومين السابقين هم آباء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف (2).


1) (1) بحار الأنوار: ج 53، ص 148 و149، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 30: خلفاء المهديّ وأولاده علیهم السَّلام، ذيل ح 8.

2) (2) تاريخ ما بعد الظهور: ص 642، القسم الثالث: العالم بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 1: قيادة ما بعد المهديّ، أسئلةٌ حول الأولياء الصالحين.

ويرد عليه: الظاهر أنّه لم ترد روايةٌ تنصّ على ذٰلك، وما أشار إليه بقوله: «والأئمّة من ولده» لعلّه سهو قلمٍ؛ إذ في الرواية «والأئمّة من بعده» (1)، وليس «والأئمّة من ولده».

وأمّا رواية الوصيّة «فإذا حضرته الوفاة...» فهي روايةٌ واحدةٌ ضعيفةٌ، فأين العدد من الروايات الّتي ادّعاها؟!

ب- كما ناقش هٰذا العالِم المعاصر توجيه المجلسيّ قائلًا: «إنّنا لم نجد دليلًا كافيًا على عودة الأئمّة الاثني عشر علیهم السَّلام كلِّهم، لا بشكلٍ عكسيٍّ ولا بشكلٍ مشوّشٍ، وإنّما نُصَّ فقط بعد النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم العلم على أمير المؤمنين وابنه الحسين علیهما السَّلام، وإذا لم يثبت رجوع الأئمّة الاثني عشر علیهم السَّلام جميعًا، فكيف يمكن حمل هٰذه الأخبار عليه؟» (2).

أقول: ويرد على هٰذه المناقشة:

أوّلًا: قد أجبنا عن هٰذا الإشكال في بحثنا الخارج (3)، وحاصله: أنَّ لدينا أكثرَ من عشرين روايةً تنصّ على رجعة الأئمّة الطاهرين علیهم السَّلام، بما في


1) (1) بحار الأنوار: ج 92، ص 332، كتاب الذكر والدعاء، الباب 115: ما، ينبغي أن يدعى به في زمان الغَيْبة، ح4.

2) (2) تاريخ ما بعد الظهور: ص 642، القسم الثالث: العالم بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 1: قيادة ما بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أسئلةٌ حول الأولياء الصالحين.

3) (3) انظر: أبحاثنا «خارج المهدويّة» عام 1392 ه‍. ش.

بعضها التصريح برجعة جميعهم، وتقديمهم الشكاوى إلى النبيّ الكريم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، منها هٰذه الرواية: «يا مفضّل، واللهِ ليردّنّ وليحضرنّ السيّد الأكبر محمّدٌ رسولُ الله، والصدّيقُ الأكبرُ أميرُ المؤمنين، وفاطمةُ، والحسنُ والحسينُ، والأئمّةعلیهم السَّلام» (1).

ثانيًا: أنّ المجلسيّ نفسه يعترف برجعة الأئمّة المعصومين علیهم السَّلام والأولياء الصالحين في مجتمع ما بعد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف متعاصرين، لٰكنّ الحكم العامّ سيكون للمعصومين علیهم السَّلام، وأمّا الأولياء فسيكونون هداةً عاملين في العالَم من الدرجة الثانية.

ج‍- وناقشه أيضًا بعض المعاصرين قائلًا: «وأوضح ما يرد على هٰذا الوجه هو أنّ روايات الأولياء صريحةٌ بمباشرتهم للحكم على أعلى مستوًى؛ بحيث يكون التنازل عن هٰذه الدلالة تأويلًا باطلًا؛ كقوله: "ليملكنّ منّا أهل البيت رجلٌ"، وقوله: "فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها- يعني الإمامة أو الخلافة- إلى ابنه أوّل المهديّين"، وقوله: "اللّٰهمّ صلِّ على ولاة عهده والأئمّة من بعدهْ"» (2).

أقول: يرد على هٰذه المناقشة أيضًا أمران:


1) (1) مختصر بصائر الدرجات: ص 417، تتمّة ما تقدّم من أحاديث الرجعة، ح 512؛ الشيعة والرجعة: ج 2، ص 325، القسم الخامس، الكلمات والرجعة، ح 12.

2) (2) تاريخ ما بعد الظهور: ص 642، القسم الثالث: العالم بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 1: قيادة ما بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أسئلةٌ حول الأولياء الصالحين.

فأما الرواية الأولى «ليملكنّ»، فإنّها فضلًا عن الإشكال السنديّ ووجود نوعٍ من التشويش فيها، تصرّح بأنّ هٰذا الرجل هو من أهل البيت علیهم السَّلام؛ فلا علاقة له بحكم الأولياء، بل إنّه من أهل البيت علیهم السَّلام، فهي إذن تنطبق على رجعة المعصومين علیهم السَّلام.

وأمّا الرواية الثانية «فإذا حضرته الوفاة» فقد ذكرنا غيرَ مرّةٍ أنّها ضعيفةٌ لا يعتمد عليها، فضلًا عن أنّها شاذةٌ ونادرةٌ تعارضها عشرات الروايات الّتي مفادها رجعة الأئمّة الطاهرين علیهم السَّلام.

وأمّا الرواية الثالثة- وهي الدعاء الّتي استدلّ بها المستشكل (1)- فهي إضافةً إلى ضعف السند فإنّها لا دلالة فيها على حكومة الأولياء غير المعصومين ومباشرتهم للحكم على أعلى مستوًى، بل دلالتها على حكومة الأئمّة علیهم السَّلام الّتي تنطبق على الرجعة أصرح وأوضح.

د- الشيخ محمّد باقر البهبوديّ رحمه الله

قال رحمه الله في تعليقته على (البحار): «ولا يخفى أنّ تلك الروايات إنّما تحكم بأنّ الأرض لا تخلو من حجّةٍ إلّا قبل القيامة بأربعين يومًا، فعند ذٰلك تُرفع الحجّة. وأمّا أنّ تلك الحجّة هو المهديّ المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف بحيث تقوم القيامة بعد ملکه بسبع سنين، فلا دلالة فيها ولا يساعده الاعتبار، فكيف ينتظر


1) (1) بحار الأنوار: ج 92، ص 332 كتاب الذكر والدعاء، الباب 115: ما ينبغي أن يدعى به في زمان الغَيْبة، ح4.

الإسلام والمسلمون دهرًا من الدهور ليخرج الحجّة، ويظهر على الدين كلِّه، ثمّ يكون بعد سبع سنين أو سبعين سنةً قيام الساعة؟!

إذن لا بدّ من الرجعة كما دلّت عليها الروايات، ولا بدّ أن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وأئمة الهدى علیهم السَّلام ليخضرَّ عود الإسلام، ويثمر شجرة الدين، وتورق أغصان التقوى والعلم، وتشرق الأرض بنور ربِّها، ولا بأس بأن تسمّي كلًا منهم بالمهديّ كما جاءت به الروايات»(1).

دليل المانعين والنافين

وللمانعين أدلّةٌ متعددةٌ، ولعلّ أهمّها وأصرحها ما رواه الكشّيّ بسنده عن الإمام الرضا عَلَیه السَّلام، قال: «عن محمّد بن مسعودٍ، حدّثنا جعفر بن أحمد، عن أحمد بن سليمان، عن منصور بن العبّاس البغداديّ، عن إسماعيل بن سهلٍ، قال: حدّثنا بعض أصحابنا (2)وسألني أن أكتم اسمه، قال: كنت عند الرضا عَلَیه السَّلام، فدخل عليه عليّ بن أبي حمزة وابن السّراج وابن المكاري، فقال له ابنُ أبي حمزة: ما فعل أبوك؟ قال: مضى... قال: إلى مَن عهد؟ قال: إليَّ. قال: فأنت إمامٌ مفترضٌ الطاعة من الله؟ قال: نعم... قال عليّ بن أبي حمزة: إنّا


1) (1) بحار الأنوار: ج 53، ص 147، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 30: خلفاء المهديّ وأولاده عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 4، الهامش.

2) (2) رواه المسعوديّ وفيه: «عن بعض أصحابه» [إثبات الوصيّة: ص 175، في أحوال الإمام الرضا عَلَیه السَّلام].

روينا أنّ الإمام لا يمضي حتّى يرى عقبه. قال: فقال أبو الحسن عَلَیه السَّلام: أما رويتم في هٰذا الحديث غير هٰذا؟ قال: لا. قال: بلى والله لقد رويتم فيه إلّا القائم، وأنتم لا تدرون ما معناه ولِمَ قيل. قال: فقال له عليٌّ: بلى والله، إنّ هٰذا لفي الحديث. قال له أبو الحسن عَلَیه السَّلام: ويلك! كيف اجترأت عليّ بشيءٍ تدع بعضه؟ ثمَّ قال: يا شيخ، اتقِ الله ولا تكن من الّذين يصدّون عن دين الله تعالى» (1)

موسى بن جعفرٍ عَلَیه السَّلام، الباب 44: ردّ مذهب الواقفيٌّّة، ح 29.

.

تقييم الرواية

أ- قال السيّد الخوئيّ رحمه الله: «الرواية ضعيفةٌ بأحمد بن سليمان، وبإسماعيل

بن سهلٍ، وبالإرسال» (2).

ب - قال الكلباسيّ: «إنّ سنده غير سديدٍ» (3).

ج‍ - يقول الشيخ الطوسيّ رحمه الله: «أمّا مَن قال: إنّ للخلف ولدًا، وإنّ الأئمّة علیهم السَّلام ثلاثة عشر، فقولهم يفسد بما دللنا عليه من أنّ الأئمّة عجل الله تعالی فرجه الشریف اثنا عشر، فهٰذا القول يجب إطراحه» (4).


1) (1) اختيار معرفة الرجال: ص 464 و465، ح883؛ بحار الأنوار: ج 48، ص 270، تاريخ الإمام

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 11، ص 221 ترجمة عليّ بن أبي حمزة، رقم 7832.

3) (3) سماء المقال: ج 1، ص 431، المقصد الثاني، في عليّ بن أبي حمزة، المبحث الأوّل، مذهبه ووثاقته.

4) (4) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 228، الفصل الأوّل، الرواية على ذمّ جعفر بن عليٍّ، ذيل ح 194.

د- علّق التستريّ على هٰذا الكلام قائلًا: «وكلامه محتملٌ لنفي ولدٍ رأسًا، ونفي ولدٍ [لا] يكون إمامًا» (1).

أقول: حتّى ولو كانت الرواية ضعيفةً فإنّها لا تغيّر المعادلة؛ إذ إنَّ دليل أو أدلّة المثبتين كلّها ضعيفةٌ، وعليه فنحن نطالبهم بإثبات الدعوى على وجود ذرّيّةٍ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ فضعف الرواية النافية لا يضرّ بهٰذا المعنى. أضف ؛ إلى أنّهم لا يهتمّون بسند الحديث، بل ولا بعلم الرجال؛ إذ يعدّونه بدعةً! فليس لهم أن يناقشونا في هٰذه الرواية بضعف السند.

نظرية الحرّ العامليّ رحمه الله

لا بأس بالإشارة إلى بعض توجيهات الحُرّ العامليّ للروايات الّتي تتحدّث عن وجود أولاد للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأن لهم دورًا بعده عجل الله تعالی فرجه الشریف.

قال رحمه الله: «وقد تقدّم في الحديث السادس والتسعين من الباب السابق ما هو صريحٌ في أنّ المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ليس له عقبٌ، وها هنا احتمالاتٌ:

أوّلها أن تكون البعديّة رتبيّةً غير زمانيّةٍ، بل هي مثل قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (2)، فيجوز


1) (1) رسالةٌ في تواريخ النبيّ والآل علیهم السَّلام: ص 91، فصلٌ في أولادهم علیهم السَّلام، أولاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف. (طبع هٰذا الكتاب في آخر ج 12 من قاموس الرجال).

2) (2) سورة الجاثية: 23.

أن يكون المذكورين في زمن المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ويكونوا نوّابًا له، كلّ واحدٍ نائبٌ في

جهةٍ أو في مدّةٍ.

ثانيها: أنّ قوله: "من بعد" لا بدّ فيه من تقديرٍ مضافٍ، فيمكن أن يقدّر من "بعد ولادته" أو "من بعد غيبته"، ويكون إشارةً إلى السفراء والوكلاء على الإنس والجنِّ أو إلى أعيان علماء شيعته في مدّة غيبته، ويمكن أن يقدّر "من بعد خروجه" فيكونون نوّابًا له كما مرّ(1).

وقد روى الصدوق عن عليّ بن أحمد الدقاق... عن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه قال: «قلت للصادق عَلَیه السَّلام: سمعت من أبيك عَلَیه السَّلام أنّه قال: يكون من بعد القائم اثنا عشر مهديًّا. فقال: إنّما قال: اثنا عشر مهديًّا ولم يقل: اثنا عشر إمامًا، ولٰكنّهم قومٌ من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا» (2).

فهٰذا الحديث يناسب الوجوه المذكورة ويوافق ما يأتي أيضًا.

وربّما يحتمل الحمل على التقيّة على تقدير أن يراد منه نفي الرجعة كما حمله بعض المحقِّقين.

ثالثها: أن يكون ذٰلك محمولا على الرجعة، فقد عرفت جملةً الأحاديث الواردة في الأخبار برجعتهم علیهم السَّلام على وجه المخصوص، وعرفت


1) (1) الإيقاظ من الهجعة: ص 402 و403، الباب 11: في أنّه هل بعد دولة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف دولةٌ أم لا.

2) (2) كمال الدين: ج 2، ص 358 الباب 33: ما أخبر به الكاظم عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 56.

جملةً من الأحاديث الواردة في صحّة الرجعة على وجه العموم في كلِّ من محض الإيمان محضًا أو محض الكفر محضًا، وكلُّ واحدٍ من القسمين قد تجاوز حدَّ التواتر المعنويّ بمراتب كما رأيت في الأبواب السابقة، وعلى هٰذا فالأئمّة من بعده عجل الله تعالی فرجه الشریف هم الأئمّة من قبله قد رجعوا بعد موتهم، فلا ينافي ما ثبت من أنّ الأئمّة اثنا عشر؛ لأنَّ العدد لا يزيد بالرجعة.

وهٰذا الوجه يحصل به الجمع بين رواية اثني عشر ورواية أحد عشر؛ فإنّ الأولى (الرواية) محمولةٌ على دخول المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أو النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، والثانية لم يلاحظ فيها دخول أحدٍ منهما لحكمةٍ أخرى، ومثل هٰذا في المحاورات كثيرٌ، والتخصيص بالذكر لا يدلّ على التخصيص بالحكم وليس بصريحٍ في الحصر.

وما تضمّنه الحديث المرويّ في كتاب (الغَيْبة) (1)على تقدير تسليمه في خصوص الاثني عشر بعد المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف لا ينافي هٰذا الوجه؛ لاحتمال أن يكون لفظ (ابنه) تصحيفًا، وأصله (أبيه)، ويراد به الحسين السلام؛ لما روي سابقًا في أحاديث كثيرةٍ من رجعة الحسين عَلَیه السَّلام عند وفاة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ليغسّله، ولا ينافي ذٰلك الأسماء الثلاثة؛ لاحتمال تعدّد الأسماء والألقاب لكلِّ واحدٍ منهم، وإن ظهر بعضها ولم يظهر الباقي، ولاحتمال تجدّد وضع الأسماء في ذٰلك الزمان له؛ لأجل اقتضاء الحكمة الإلٰهيّة. ويمكن أن يرجع ضمير (له


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 150 و151، روايات الخاصّةٌ في أنّ الأئمّة علیهم السَّلام اثنا عشر، ح111.

ثلاثة أساميّ) أيضًا إلى الإمام الحجّة بن الحسن، وهٰذه الأسماء الثلاثة (أحمد وعبدالله والمهديّ) هي أسماء الحجّة بن الحسن أيضًا بقرينة الرواية التالية:

«عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صّلى الله عليه وآله وسلّم وَذَكَرَ الْمَهْدِيَّ فَقَالَ: إِنَّهُ يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ والْمَقَامِ اسْمُهُ أَحْمَدُ وعَبْدُ اللهِ والمَهْدِيُّ فَهَذِهِ أَسْمَاؤُهُ ثَلَاثَتُهَا» (1).

وفي روايةٍ أخرى ورد التصريح بأنّ أحمد هو الاسم الخفيّ الإمام العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف:

«عَنْ أَبِي الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّهِ عَلَیه السَّلام: قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَیه السَّلام وهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَبْيَضُ اللَّوْنِ مُشْرَبٌ بِالْحُمْرَةِ... لَهُ اسْمَانِ اسْمٌ يَخْفَى واسْمٌ يَعْلُنُ، فَأَمَّا الَّذِي يَخفَى فَأَحْمَدُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْلُنُ فَمُحَمَّدٌ» (2).

وقوله في حديثٍ أبي حمزة: «اثني عشر مهديًّا من ولد الحسين» لا يبعد تقدير شيءٍ له يتمّ به الكلام بأن يقال: أكثرهم من ولد الحسين عَلَیه السَّلام. ولا يخفى أنّه قد يبني المتكلّم كلامه على الأكثر الأغلب عند ظهور الأمر أو إرادة الإجمال.

وممّا يقرّب ذٰلك ويزيل استبعاده ما ورد في أحاديث النصّ على الأئمّة الاثني عشر أنّهم من ولد عليٍّ وفاطمة علیهما السَّلام.


1) (1) المصدر السابق: ص 454، كتاب الغَيْبة للحجّة.

2) (2) كمال الدين: ج 2 ص 653.

والحديث الموجود في أصول الكلينيّ لا بدّ من حمله على ما قلناه؛ لخروج أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام عن هٰذا الحكم ودخوله في الاثني عشر.

والضمائر في الدعائين يحتمل عودها إلى الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ووإلى الحسين عَلَیه السَّلام، ويحتمل الحمل على الرجعة كما مرّ، لٰكن في الدعاء الثاني لا في الأوّل؛ لوجود لفظ (ولده) فيه (1).

أقول: ولقد أفاد هٰذا العلم وأجاد؛ حيث قام بتوجيه وشرح بعض المعضلات والنقاط الغامضة في الروايات، وجمعَ بين بعض المتعارضات بما يرتفع معه الإشكال وينحل الإعضال، فشكر الله سعيه ورفع مقامه.

النتيجة

لم يقم دليلٌ قويٌ يمكن أن تركن إليه النفس على وجود ذرّيّةٍ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومع التنزّل وافتراض ما يدلّ على ذٰلك فإنّه لم يدلّ دليلٌ قويٌ على وجود دورٍ لأولاده عجل الله تعالی فرجه الشریف لا في حياته ولا بعد وفاته.

وعلى فرض وجود بعض الروايات الضعيفة فهي معارضةٌ بالروايات الدالّة على الرجعة وحكومة الأئمّة علیهم السَّلام، أو ما يدلّ على استمرار حكم الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى ما قبل قيام الساعة بأيّامٍ قلائل، والعلم عند الله.


1) (1) الإيقاظ من الهجعة: ص 405، الباب 11: في أنّه هل بعد دولة المهديّعجل الله تعالی فرجه الشریف دولةٌ أم لا؟

الفَصْلُ الْخَامِسُ

اشارة

فلسفة الغيبة

المَدخلُ

هناك الكثير من الروايات الّتي جاءتنا عن النبيّ الأعظم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم والأئمّة الأطهار علیهم السَّلام وهي تتحدّث عن موضوع غَيْبة الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ويمكن تقسيم هٰذه الروايات إلى عدّة طوائف:

الطائفة الأولى من هٰذه الروايات تحدّثت عن أصل وقوع الغَيْبة، كرواية الإمام جعفر بن محمّد الصادق عَلَیه السَّلام حيث قال: «إِنَّ لِصاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبةً لا بدَّ مِنهَا، يَرتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبطِلٍ...» (1).

وفي روايةٍ أخرى عنه عَلَیه السَّلام، قال: «قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: لا بدَّ لِلْغلامِ مِنْ غَيْبةٍ...» (2).

الطائفة الثانية تحدّثت عن طول مدّة هٰذه الغَيْبة، كما في الحديث عن أبي عبد الله الصادق عَلَیه السَّلام، حيث قال: «إنَّ لِلقائِمِ مِنَّا غَيْبةً يطولُ أمَدُها...» (3).


1) (1) علل الشرائع: ج 1، ص 245 و246، الباب 179: علّة الغيبة، ح8.

2) (2) المصدر السابق: ص 243، الباب 179: علّة الغيبة، ح1.

3) (3) المصدر السابق: ص 245، الباب 179: علّة الغيبة، ح7.

الطائفة الثالثة من الروايات تحدّثت عن أحداث ما قبل الظهور وأوضاع العالم حينها.

أمّا الطائفة الرابعة فقد تحدّثت عن حِكم هٰذه الغَيْبة.

صحيحٌ أنّ روايات هٰذه الطائفة لم تُصرّح بالعلّة الحقِّيقية للغَيْبة، ولم تكشف عن السرِّ الأصليّ لها؛ لكونها سرًّا إلٰهيًّا لم يُؤذن لهم علیهم السَّلام في كشفه والإفصاح عنه، لٰكنّها تُحدّثنا عن بعض حِكم هٰذه الغَيْبة، منها ما ورد في هٰذا الحديث: «عَنْ عبد الله بنِ الفَضْلِ الهاشميِّ قال: سَمِعتُ الصادِقَ جَعفَر بنَ محمّدٍ عَلَیه السَّلام يَقُولُ:... وَجْهُ الحِكمَةِ في غَيْبَتِهِ وَجْه الحِكمَةِ فِي غَيَبَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللهِ تَعالى ذِكرُهُ. إِنَّ وَجْهَ الحِكْمَةِ في ذٰلك لا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعدَ ظُهُورِهِ كَما لا يَنْكَشِفُ وَجْهُ الحِكْمَةِ فيما أَتاهُ الخِصْرُ مِن خَرْقِ السَّفينة، وقَتْلِ الغُلامِ، وإقامَةِ الجِدار لِمُوسى عَلَیه السَّلام إلّا وَقتَ افتِراقِهِما. يَا بن الفَضلِ، إِنَّ هَذَا الأمرَ أَمْرٌ مِنْ أمرِ اللهِ، وسِرٌّ من سرِّ اللهِ، وغَيبٌ مِنْ غَيْبِ اللهِ، ومتي عَلِمنا أَنَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- حكيمٌ صَدَّقنا بِأَنَّ أَفعالَهُ كُلَّها حِكمَةٌ وإِنْ كانَ

وَجْهُها غَيْرَ مُنكَشَفٍ لنا» (1).

لذا نقول: إنّ بحث الغَيْبة من الأبحاث المهمّة في موضوع المهدويّة، وقد ذكر علماؤنا الأجلّاء أمثال: ثقة الإسلام الكلينيّ، والشيخ الصدوق، والشيخ الطبرسيّ، والنيليّ، والعلّامة المجلسيّ رواياتٍ وأحاديثَ حول بعض الحِكم من وراء هٰذه الغَيْبة.


1) (1) علل الشرائع: ج 1، ص 245 و246، الباب 179: علّة الغَيْبة، ح8.

أقول بصراحةٍ: إنّ بعض الحكم قد استفادها علماؤنا من متون بعض الروايات الّتي صرّحت بتلك الحِكم، بينما البعض الآخر كان نتيجةً لفوائد وآراءٍ شخصيّةٍ استفادها هٰؤلاء الأعلام من ثنايا وطيّات الروايات الواردة عن الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام حول علل الغَيْبة، ومن جملتها مسألة كيفيّة استفادة الناس من الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في عصر الغَيْبة، كتشبيه غيبته عَلَیه السَّلام بغَيْبة الشمس وراء السحاب.

إنَّ هٰذا الفصل سوف يُعقد- بإذن الله تعالى- للبحث والتحقيقٌ حول حِكم الغَيْبة، وسنسعى جاهدين أولًا إلى بيان بعض الروايات الّتي تحدّثت عمّا يمكن أن يكون سببًا أو حكمةً للغَيْبة، ثمّ نقوم بتحقيق هٰذه الروايات من الناحية السنديّة والدلاليّة؛ لنصل في نهاية المطاف إلى نتيجةٍ علميّةٍ حاسمةٍ؛ لذا سوف يكون البحث والتحقيق عبر مرحلتين:

المرحلة الأولى: حِكم الغَيْبة في الروايات

إنّ غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف سرٌّ من سرّ الله، ووجهه غير منكشفٍ لنا- كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام- لٰكن أشارت الروايات إلى حكمٍ وأسبابٍ مختلفةٍ للغَيْبة، ويمكن تقسيم هٰذه الروايات إلى تسع طوائف:

الأولى: الغَيْبة سرٌّ من سرِّ الله ورجل.

الثانية: جريان سُنن الأنبياء علیهما السَّلام في غَيْبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الثالثة: الغَيْبة عقوبةٌ إلٰهيّةٌ.

الرابعة: امتحان الناس واختبارهم.

الخامسة: الخوف من القتل.

السادسة: كي لا يكون في عنق الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف بيعةٌ لأحدٍ.

السابعة: ودائع مؤمنين في أصلاب كافرين.

الثامنة: إتمام الحجّة على أدعياء إقامة العدل.

أما الطائفة الأولى: الغَيْبة سرُّ من سرّ الله عَز وجَلّ

1- «حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عَبدُوس النيسابوريّ العطّار، قال: حدّثنا علي بن محمّد قُتَيْبَة النيسابوريّ، قال: حدّثنا حَمدان بنِ سلیمان النيسابوريّ، قال: حدّثناأحمد بن عبد الله بن جعفرٍ المدائنيّ، عَن عبد الله بنِ الفَضلِ الهاشميِّ، قال: سَمِعتُ الصادقَ جَعفَر بنَ محمّدٍ عَلَیه السَّلام يَقُول: إِنّ لِصاحِب هٰذا الأَمْرِ غَيْبةً لا بدَّ مِنها، يَرتابُ فيها كُلُّ مُبطِلٍ. فَقُلْتُ لَهُ: ولم جُعِلْتُ فِداكَ؟ قال: لأَمْرِ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في كَشْفِهِ لَكُم. قُلتُ: فَما وَجهُ الحِكْمَةِ في غَيبَتِهِ؟ فقال: وَجْهُ الحِكمَةِ في غَيْبَتِهِ وَجْه الحِكمَةِ فِي غَيْبَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعالى ذِكرُهُ. إِنَّ وَجْهَ الحِكْمَةِ في ذٰلك لا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعدَ ظُهُورِهِ كَما لا يَنْكَشِفُ وَجْهُ الحِكْمَةِ فيما أتاهُ الخِضرُ عَلَیه السَّلام مِن خَرْقِ السَّفينةِ، وقَتْلِ الغُلامِ، وإقامَةِ الجِدار لِمُوسى عَلَیه السَّلام إلّا وَقتَ افتِراقِهِما. يَا بن الفَضلِ، إِنَّ هٰذا الأمرَ أَمْرٌ مِنْ أَمرِ اللهِ وسِرٌّ مِنْ سرِّ اللهِ، وغَيبٌ مِنْ غَيْبِ اللهِ، ومتى عَلِمنا

أَنَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- حكيمُ صَدَّقنا بِأَنَّ أفعالَهُ كُلَّها حِكمَةً، وإِنْ كَانَ وَجْهُهَا غَيرَ مُنكَشَف لنا» (1).

الطائفة الثانية: جريان سنن الأنبياء ليلا في غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

1- «حدّثنا المظفّر بنُ جعفر بن المظفّر العلويّ، قال: حدّثنا جَعفَرُ بنُ مَسعودٍ وحَيْدَرُ بن محمّدٍ السَّمَرقَندي، جميعًا قالا: حدّثنا محمّد بن مسعود، قال: حدّثنا جَبرئيل بنُ أحمدَ عن موسى بن جعفرٍ البغداديّ، قال: حدّثَني الحَسَنُ بنُ محمّدٍ الصَّيَرَفيُّ، عَنْ حَنان بنِ سَدير، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي عبد الله قال: إِنَّ لِلقائِمِ مِنّا غَيْبةً يطولُ أمَدُها. فقلتُ لَه: ولِمَ ذاكَ يا بن رسولِ الله؟ قال: إنَّ الله- عَزَّ وَجَلَّ- أبى إلّا أنْ يَجري فيه سُنَنُ الأنبياء في غَيّباتِهِم، وإِنَّهُ لا بدَّ لَهُ- يا سَديرُ- مِن استيفاءِ مُدَدِ غَيباتِهِم. قالَ اللهُ عَزَّ وَجَل: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (2)أي سُنَنا عَلى مَنْ كانَ قَبلَكُم» (3).

التحقيق السنديّ والدلالي للرواية

المنهج الّذي نعتمده في تحقيق الروايات المطروحة سيدور ضمن محاور أربعة، وإن لم نستوعب جميع الروايات:

المحور الأوّل: ما هو أوّل مصدر وكتاب نقل لنا هٰذه الروايات؟


1) (1) علل الشرائع: ج 1، ص 245، الباب 179 علّة الغَيْبة، ح8.

2) (2) سورة الانشقاق: 19.

3) (3) علل الشرائع: ج 1، ص 245، الباب179 علّة الغَيْبة، ح7.

المحور الثاني: التحقيق في سند هٰذه الروايات.

المحور الثالث: جمع الشواهد الحديثيّة من رواياتٍ أخرى قد تصلح لتكون مؤيِّداتٍ أو شواهد على الرواية الّتي تُبتلى بالإشكال السنديّ.

وبعبارة أخرى: إذا كان في الرواية إشكالٌ سنديٌّ، فإنّنا لا نرميها بالضعف مباشرةً فنطرحها ونتركها جانبًا، بل نسعى إلى محاولة جبر ضعف سندها من خلال جمع بعض الشواهد والمؤيّدات من رواياتٍ أخرى وردت عن الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام.

المحور الرابع: التحقيق في متون هٰذه الروايات ودلالاتها.

ولنشرع بتطبيق المنهج على هٰذه الرواية فنقول:

المحور الأوّل: المصدر الأوّل للرواية

إِنَّ أوّل مصدرٍ لهٰذه الرواية هو كتاب (كمال الدين وتمام النعمة)، وكذٰلك نُقلت في كتاب (علل الشرائع). وكلُّ مَن نقلَ هٰذه الرواية بعد المصدرين إمّا أن يكون قد أخذَها مباشرةً من هذين الكتابين، أو أنّه سلك طريقًا آخر ينتهي به إليهما.

نعم، هناك تفاوتٌ يسيرٌ في السند بين (علل الشرائع) و(كمال الدين)؛ إذ في سند هٰذا الأخير بعد «العلويّ» أضيف «السمرقنديّ»، وأورد اسم «جعفر بن محمّد بن مسعودٍ» بدل «جعفر بن مسعودٍ»؛ وذٰلك لأنَّ «جعفر بن مسعودٍ» متّحدٌ مع جعفر بن محمّد بن مسعودٍ، وهٰذا شائعٌ في كتب الرجال والحديث

من نسبة الحفيد إلى الجدِّ، كما أنّ حذف «السمرقنديّ» قد يكون للاختصار. والجدير بالذكر أنّ الشيخ الصدوق نقل هٰذه الرواية في كلا الكتابين عن رَجُلَيْنِ هما: «جعفر بن مسعودٍ» أو «جعفر بن محمّد بن مسعودٍ» و«حيدر بن محمّدٍ»؛ لأجل تأكيد المطلب.

وثمرة تعدّد الطريق هٰذا تتّضح فيما لو كان هناك ضعفٌ في سند أحد النقلين؛ كأن تبيَّن عدم وثاقة أحد الرواة مثلًا، فيكون الحلّ بتعدّد الطرق، وفي النتيجة يكون النقل الآخر حلًّا للإشكال الّذي قد يُورَدُ على سند الرواية أو على توثيق الناقل الأوّل.

المحور الثاني: التحقيق في السند

وحاصل الكلام فيه أنّه لا إشكال في سند هٰذه الرواية حسب ما حقّقناه في الملحق الأوّل من الكتاب الجزء الثاني، فراجع.

المحور الثالث: الشواهد والمؤيّدات

على فرض بقاء الإشكال السنديّ- مع أنّنا عالجناه في ما سبق- هل توجد هناك رواياتٌ تصلح أن تكون شاهد صدقٍ على مضمون هٰذه الرواية أو الروايات الأخرى الّتي ذكرناها أو لا؟

الجواب: بغضّ النظر عن سند تلك الروايات الّتي أوردناها، فقد وردت أيضًا رواياتٌ كثيرةٌ عن الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام تتطابق مضامينها مع مضامین تلك الروايات الّتي ذكرناها سابقًا، وإنَّ متون هٰذه الروايات تعضد وتؤيّد مضمون تلك الطوائف الروائيّة.

على أنَّ بعض هٰذه الروايات- شواهد الصدق- قد ورد عن بعض أئمّة أهل البيت علیهم السَّلام، وهم: السجّاد والباقر والصادق والرضا علیهم السَّلام، ونحن هنا ليه- نشير إلى بعضها:

الأوّل: شاهدٌ من روايات الإمام زين العابدين عَلَیه السَّلام

«عن سعيد بن جُبيرٍ قال: سَمِعتُ سَيِّدَ العابدينَ عليَّ بن الحُسينِ عَلَیه السَّلام يقول: في القائم منا سننٌ من الأنبياء علیهم السَّلام: سنةٌ من أبينا آدَمَ، وسنّةٌ من نوحٍ، وسنّةٌ من إبراهيم، وسنّةٌ من موسى، وسنةٌ من عيسى، وسنّةٌ من أيّوبَ علیهم السَّلام، وسنّةٌ من محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فأمّا مِن آدَم ونوحٍ (1)علیهما السَّلام فَطُولُ العُمرِ، وأمّا مِن إبراهيم عَلَیه السَّلام فخفاءُ الوِلادةِ واعتزالُ الناسِ، وأمّا من موسى عَلَیه السَّلام فالخوف والغَيْبة، وأمّا من عيسى عَلَیه السَّلام فاختِلافُ الناس فيه، وأمّا مِن أيّوب عَلَیه السَّلام فَالفَرَج بعد البَلوى، وأمّا مِن صلَّی الله علیه وآله وسلَّم فالخروجُ بالسيفِ»(2).


1) (1) لقد اختلفوا في عمره الشريف قيل: تسعمئةٍ وستٌّ وثلاثون سنةً، وقيل: ألف سنةٍ، وقيل: ألفٌ وثلاثون سنةً. [انظر: جنات الخلود، ص 9، الجدول الرابع].

2) (2) كمال الدين: ج 1، ص 321 و322، الباب 31: ما أخبر به عليّ بن الحسين عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 3 و4 و5؛ إعلام الوری: ج 2، ص 231، الباب 2: النصوص الوارده من، آبائه علیهم السَّلام؛ كشف الغمّة: ج 4، ص 278، ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب الثاني من الركن الرابع، في ذكر النصوص الدالّة على إمامته عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الثاني.

الثاني: شاهدٌ من روايات الإمام الباقر عَلَیه السَّلام

«عن أبي بصيرٍ قال: سمعت أبا جعفرٍ الباقر عَلَیه السَّلام يقول: في صاحب هٰذا الأمرِ سُنَنٌ مِن أربَعَةِ أنبياء علیهم السَّلام: سنّةٌ مِن موسى، وسنةٌ مِن عيسى، وسنةٌ من يوسف، وسنّةً من محمّدٍ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم فقلتُ: ما سنّةُ موسى عَلَیه السَّلام؟ قال: خائفٌ يترقّبُ. قلتُ: وما سُنَّةُ عيسى عَلَیه السَّلام؟ فقال: يُقالُ فيه ما قيلَ في عيسى السلام. قلتُ: فما سنّةُ يوسفَ عَلَیه السَّلام؟ قال: السجن والغَيْبة. قُلتُ: وما سنّة محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؟ قال: إذا قام سارَ بسيرة رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم»(1).

الثالث: شواهد من روايات الإمام الصادق عَلَیه السَّلام

1- «عن أبي بَصيرٍ قال: سمعتُ أبا عبد الله عَلَیه السَّلام يقول: إنّ سُنَنَ الأنبياء علیهم السَّلام بِما وَقَع بهم مِن الغَيبات حادثةٌ في القائم منّا أهل البَيت حَذو


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 164، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ الإمامة والتبصرة: ص 93 و94، الباب 23: النوادر، ح 84؛ إثبات الوصية: ص 226، في انتظار الفرج؛ كمال الدين: ج 1، ص 152، الباب6: في غيبة موسى عَلَیه السَّلام، ح 16، ص 326 و327 و329، الباب 32: ما أخبر به الباقر عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 6 و7 و11؛ دلائل الإمامة: ص 291، معرفة ما ورد من الأخبار في وجوب الغَيْبة؛ الغَيْبة (للطوسيّ): ص 424، الأخبار الواردة في أنّه لا تعيين لوقت خروجه، ح 408؛ إعلام الورى: ج 2، ص 232، الباب 2: النصوص الوارده من آبائه علیهم السَّلام؛ إثبات الهداة: ج 3، ص 460 و468 و469 و513، الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وولادته وغيبته وظهوره، ح101 و132 و348؛ بحار الأنوار: ج 14، ص 339، كتاب النبوّة، الباب 23: رفعه إلى السماء، ح 16؛ ج51، ص 216 - 219، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 13: ما فيه من سنن الأنبياء علیهم السَّلام، ح 2- 8.

النَّعلِ بالنّعلِ، والقُذَّةِ بالقُذَّةِ. قال أبو بصيرٍ: فقلتُ: يا بن رسول الله، ومَنِ القائم مِنكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصيرٍ، هو الخامسُ من وُلد ابني موسى، ذٰلك ابنُ سيّدة الإماء، يغيبُ غَيْبةً يرتابُ فيها المُبطلون، ثمّ يُظهِرهُ الله عَزَّ وجلَّ، فيفتحُ اللهُ عَلى يَدِهِ مشارق الأرضِ ومغاربها» (1).

2- «عن زيدٍ الشحّام، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: إنّ صالحًا عَلَیه السَّلام غابَ عنْ قومِه،زمانًا، وكانَ يَوم غابَ عنهم كَهلًا... فلمّا رَجَعَ إِلى قَومِهِ لَم يعرفوه بصورَتِهِ... وإنّما مَثَلُ القائمِ مثلُ صالحٍ» (2).

3- «عن عبد الله بن سنانٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: سمعته يقول: في القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف سنّةٌ مِن موسى بن عمران عَلَیه السَّلام. فقلت: وما سنّته من موسى بن عمران عَلَیه السَّلام؟ قال: خفاءُ مولدِهِ، وغيبَتُه عَنْ قومه. فقلت: وكَم غابَ موسى عن أهلِهِ وقومِهِ؟ فقال: ثمانٍ وعشرين سنَةً»(3).


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 345 و346، الباب 33: ما أخبر به الصادق عَلَیه السَّلام ما أخبر به الصادق عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 31، الإيقاظ من الهجعة: ص 326، الباب 10: في وقوع الرجعة للأنبياء والأئمّة علیهم السَّلام، ح 39؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 146، تاريخ الإمام الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 6: ما ورد عن الصادق عَلَیه السَّلام في ذٰلك، ح14.

2) (2) كمال الدين: ج 1، ص 136، الباب 3: ذكر غيبة صالح النبيّ عَلَیه السَّلام، ح 6؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 215 و216، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 13: ما فيه من سنن الأنبياء علیهم السَّلام، ح1. السلام.

3) (3) كمال الدين: ج 1، ص 152، الباب 6: في غيبة موسى عَلَیه السَّلام، ح 14؛ المصدر السابق: ج 2، ص 340، الباب 33: ما روي عن الصادق عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 18؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 216، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 13: ما فيه من سنن الأنبياء علیهم السَّلام، ح 2.

4- «عن أبي بصيرٍ قال: قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام: إنّ في صاحب هٰذا أمرِ سننًا مِن سُنن الأنبياء علیهم السَّلام: سنةٌ مِن موسى بن عمران، وسنّةٌ مِن عيسى، وسنّةٌ مِن يوسفَ عَلَیه السَّلام، وسنّةٌ من محمّدٍ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؛ فأمّا سُنّته من موسى بن عمران عَلَیه السَّلام فخائفٌ يترقَّب، وأمّا سُنّته من عيسى عَلَیه السَّلام فيُقال فيه ما قيل في عيسى عَلَیه السَّلام، وأمّا سُنّته مِن يوسفَ عَلَیه السَّلام فالسَّتر، يجعلُ اللهُ بينَه وبين الخلق حجابًا يَرَونَه ولا يعرفونه، وأمّا سُنّته مِن محمّدٍ صّلى الله عليه وآله وسلّم فيهتدي بهداهُ ويَسيرُ بسيرته» (1).

الرابع: شاهدٌ من روايات الإمام الرضا عَلَیه السَّلام

«عن الحسن بن قيامٍ الصيرفيّ قال: سألت أبا الحسن الرضا عَلَیه السَّلام فقلتُ: جُعلت فداك! ما فعل أبوك؟ قال: مضى كما مضى آباؤه علیهم السَّلام. قلت: فكيف أصنع بحديثٍ حدَّثني به زرعة بن محمّدٍ الحضرميّ (2)، عن سماعة بن مهران أنَّ أبا عبد الله عَلَیه السَّلام قال: إنَّ ابني هٰذا فيه شبهٌ من خمسة أنبياء: يُحسد كما حُسد يوسف عَلَیه السَّلام، ويغيب كما غاب يونس. وذكر ثلاثةً أُخر. قال عَلَیه السَّلام:


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 350 و351، ما روي عن الصادق عَلَیه السَّلام من وقوع الغَيْبة، ح 46؛ بحار الأنوار: ج 51، ص 223 و224، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 13: ما فيه من سنن الأنبياء علیهم السَّلام، ح 10.

2) (2) «أبو عمرٍو قال: سمعت حمدويه قال: زرعة بن محمّدٍ الحضريّ واقفيٌّ» [معجم رجال الحديث: ج 7، ص 262، ترجمة زرعة بن محمّدٍ، الرقم 4667].

كَذِبَ زُرعةُ، ليسَ هٰكذا حديثُ سماعة، إنّما قال: صاحبُ هٰذا الأمر- يعني القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف- فيه شَبهٌ مِن خمسةِ أنبياء، ولَم يَقُل: ابني» (1).

أقول: لعلّ زرعة هٰذا أراد أن يطبّق رواية الإمام الصادق عَلَیه السَّلام على إسماعيل ابن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام نفسه؛ ليجعلَ ذٰلك شاهدًا على صدق مزاعم الإسماعيليّة؛ ولهٰذا السبب أجاب الإمام الرضا عَلَیه السَّلام عن هٰذه الشبهة بموقفٍ صريحٍ وواضحٍ قائلًا: «كَذِبَ زُرعةُ»، ثمّ نقل الإمام الرضا عَلَیه السَّلام أصل الحديث عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام.

المحور الرابع: تحقيقٌ في دلالة الروايات

إنَّ مفردة (السنّة) قد وردت في القرآن الكريم بألفاظٍ وصيغٍ مختلفةٍ، ومنها: «سُنن»، «سُنّة»، «سُنَّتُنا»، «سنّةُ الأوّلين»، «سنّة الله».

والسُّنة هي الطريقة المعمولة الّتي تجري بطبعها غالبًا أو دائمًا. ثمّ إنَّ هٰذا الطريق المعمول والمسلوك تارةً يكون طريقًا ومسلك الماضين، وأخرى يكون طريقًا وسنّةً إلٰهيّةً.

أمّا طريق الماضين فهو ما تجسّده الآية الشريفة: (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (2). وأمّا الطريق والمسلك الإلٰهيّ: فتارةً يكون موضوعه


1) (1) اختيار معرفة الرجال: ص 477، ج 6، زرعة بن محمّدٍ الحضرميّ، الرقم 904.

2) (2) سورة الحجر: 13؛ انظر: تفسير الميزان: ج 12، ص 133 في تفسير الآية الكريمة.

حول المخالفين والمشركين، وتارةً أخرى يكون موضوعه حول الأنبياء علیهم السَّلام والصالحين والمؤمنين.

أ- السنّة الإلٰهيّة حول المخالفين والمشركين

إِنَّ السنّة الإلٰهيّة الّتي تجري في المخالفين والمشركين هي بمعنی

وفنائهم، يقول الله تعالى:

1- (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) (1). وهٰذه السنّة- وهي إهلاك المشركين الّذين أخْرِجُوا نبيّهم من بلادهم وطردوه من بينهم- هي سنّة لله سبحانه. والمعنى: إذا أهلكناهم لسنّتنا الّتي سننّاها لأجل مَن قد أرسلنا قبلك من رسلنا وأجريناها، فلن تجد لسنّتنا تحويلًا وتبديلًا (2)، والله العالم.

2- (إلّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (3). إنّ السنّة الجارية في أمم الأوّلين هي عذاب الاستئصال (4).

3- (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) (5)، بمعنى العقوبة وما


1) (1) سورة الإسراء: 77.

2) (2) تفسير الميزان: ج 13، ص 171، في تفسير سورة الإسراء، الآية 77.

3) (3) سورة الكهف: 55.

4) (4) تفسير الميزان: ج 13، ص 328، في تفسير سورة الكهف، الآية 55.

5) (5) سورة الأحزاب: 62.

شابهها؛ كنَفْيهم وهدر دمائهم و... الّتي وُعد بها المنافقون ونظائرهم نتيجة فسادهم وإفسادهم.

4۔ (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ) (1)، والمعنى: إذا مكروا مكرَ السوء فإنَّ المكر السيّئ لا يحيق إلّا بأهله، فهم لا ينتظرون إلّا السنّة الجارية في الأمم الماضية، وهي العذاب الإلٰهيّ النازل بهم؛ لمكرهم وتكذيبهم بآيات الله (2).

5- (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) (3)، أي سنَّها الله سنّةً ماضيةً في عباده، وهي أن لا تقبل توبةٌ بعد رؤية البأس (4).

إلى هنا ذكرنا بعض الموارد في جريان السُّنن الإلٰهيّة في حقّ المشركين والكافرين المعاندين.

ب- السُّنة الإلٰهيّة حول الأنبياء علیهم السَّلام والصالحين والمؤمنين

وهنا نحاول أن نشير إلى جريان السُّنن الإلٰهيّة بطرقٍ متنوّعةٍ في حقِّ الأنبياء علیهم السَّلام والصالحين، وذٰلك من خلال ذكر بعض النماذج:


1) (1) سورة فاطرٍ: 43.

2) (2) تفسير الميزان: ج 17، ص 58، في تفسير سورة فاطر، الآية 43.

3) (3) سورة غافرٍ: 85.

4) (4) تفسير الميزان: ج 17، ص 357، في تفسير سورة غافرٍ (المؤمن)، الآية 85.

1- (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) (1)، والمقصود بالّذين خلوا هم الرسل والأنبياء الماضون علیهم السَّلام (2).

2- (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا) (3).

ومعنى تبديل السنّة هو أن توضع العافية والنعمة موضع العذاب، وأمّا تحويلها فهو أن ينقل العذاب من قومٍ يستحقّونه إلى غيرهم. وسنّة الله لا تقبل تبديلًا ولا تحويلًا؛ لأنَّه - تعالى - على صراطٍ مستقيمٍ لا يقبل حكمه تبعيضًا ولا استثناءً.

ومعنى ذٰلك أنَّ السنّة الإلٰهيّة جاريةٌ وثابتةٌ في انتصار الأنبياء علیهم السَّلام والمؤمنين في نهاية المطاف على الكفّار والمشركين، وعلى أساس هٰذه السُّنة، فإنَّ المؤمنينَ لن تصيبَهم أيُّ هزيمةٍ إلّا في حال كونهم لم يحافظوا على شروط النصر هٰذه (4).

وقد يراد من السنن الطريق والمسلك الّذي سار عليه الماضون من الأنبياء علیهم السَّلام وسائر الأمم الصالحة، ألا وهو تحصيل رضى الله - تعالى - في هٰذه الدنيا؛ ليصلوا من خلالها إلى السعادة الدنيويّة والأخرويّة.


1) (1) سورة الأحزاب: 38.

2) (2) تفسير الميزان: ج 16، ص 330، في تفسير سورة الأحزاب، الآية 38.

3) (3) سورة الفتح: 23.

4) (4) انظر: تفسير الميزان ج 18، ص 291، في تفسير سورة الفتح، الآية 23.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنَّ المقصود من ذٰلك الطريق هو طريقة سَيْر هٰؤلاء وعملهم بشكلٍ عامٍّ، وليس المقصود منه بيان كلِّ تفصيلات الطريق ونواحي السير والسلوك.

وذكر البعض (1)تفسيرًا آخَر، وهو أنَّ المقصود ب‍ «السُّنة» أعمّ من الطريق والمسلك الّذي اتّبعه الأنبياء علیهم السَّلام والصالحون وغيرهم. إذن فالمقصود من السُّنن ما يشمل الماضين جميعًا من أهل الحقِّ أو أهل الباطل، وهٰذا التفسير يشمل الصورة الأولى الّتي أوردناها في أوّل البحث.

النتيجة

لعلّ المقصود من «سنن الأنبياء» في هٰذه الروايات والروايات الأخرى هو:

أنَّ الغَيْبة والاختفاء عن أنظار الناس مدّةً معيّنةً هي إحدى تلك الصفات والطرق الّتي كانت في حياة الأنبياء علیهم السَّلام السابقين وسيرتهم، وهٰذه الغيبات قد وقعت إمّا بأمر إلٰهيٍّ مباشر، أو بسبب خوفٍ من الظالمين وأعداء الله الّذين أرادوا الفتك بالأنبياء علیهم السَّلام ومحو دين الله فعلًا تعالى، أو لأسباب وحكمٍ أخرى. وهٰذا النوع من الغيبات قد وقع وبشكلٍ كبيرٍ عند بعض أنبياء الله تعالى، وسنذكر نماذج لغيبات الأنبياء علیهم السَّلام في خاتمة هٰذا الفصل.


1) (1) الميزان: ج 4، ص 299، في تفسير سورة النساء، الآية 26.

نماذج من غيبات الأنبياء علیهم السَّلام

1. نبيّ الله إدريس عَلَیه السَّلام

إِنَّ أوّل الغيبات هي غَيْبة النبيّ إدريس عَلَیه السَّلام المشهورة، حيث غاب عن قومه عشرين سنةً (1)حتّى آل الأمر بشيعته إلى أن تعذَّر عليهم القوت، وقَتَلَ الجبَّارُ مَن قتل منهم، وأفقر وأخاف بقيّتهم، ثمّ ظهر عَلَیه السَّلام فوعد شيعته بالفَرَج وقيام القائم من ولده، وهو نوحٌ عَلَیه السَّلام، ثمّ رفع الله عَز وجَلّ إدريس عَلَیه السَّلام إليه، فلم يزل هٰؤلاء الشيعة يتوقّعون قيام نوحٍ عَلَیه السَّلام قرنًا بعد قرنٍ، وخلفًا عن سلفٍ صابرين على العذاب المهين من الطواغيت حتّى ظهرت نبوّة نوح عَلَیه السَّلام (2).

2. نبيّ الله نوح عَلَیه السَّلام

تحقّقت فيه الغَيْبة إلى سنة 460 ما قبل بعثته (3).

3. نبيّ الله صالح عَلَیه السَّلام

غاب النبيّ صالحٌ عَلَیه السَّلام عن قومه زمانًا، وكان يوم غاب عنهم کهلًا... فلمّا رجع إلى قومه لم يعرفوه بصورته، فرجع إليهم وهم على ثلاث طبقاتٍ: طبقةٍ


1) (1) انظر: كمال الدين: ج 1، ص 127 - 132، الباب 1: في غيبة إدريس النبيّ عَلَیه السَّلام؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 280، غيبة إدريس عَلَیه السَّلام.

2) (2) المصدر السابق: ص 127، الباب 1: في غيبة إدريس النبيّ عَلَیه السَّلام.

3) (3) انظر: المصدر السابق: ص 133 - 136، الباب2: في ذكر ظهور نوحٍ عَلَیه السَّلام بالنّبوة بعد ذٰلك؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 285، غيبة نوح عَلَیه السَّلام

جاحدةٍ لا ترجع أبدًا، وأخرى شاكّةٍ فيه، وثالثةٍ على يقينٍ (1).

4. نبيّ الله إبراهيم عَلَیه السَّلام

يقول الشيخ الصدوق رحمه الله: «أمّا غَيْبة إبراهيم خليل الرحمٰن عَلَیه السَّلام فإنّها تشبه غَيْبة قائمنا عجل الله تعالی فرجه الشریف، بل هي أعجب منها؛ لأنَّ الله عَز وجَلّ غيَّب أثر إبراهيم عَلَیه السَّلام وهو في بطن أمّه، حتّى حوَّله عَز وجَلّ بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثمّ أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله... فلم يزل إبراهيم عَلَیه السَّلام في الغَيْبة مخفيَّا لشخصه، كاتمًا لأمره، حتّى ظهر فصدع بأمر الله - تعالى - ذكره، وأظهر الله قدرته فيه. ثمّ غاب عَلَیه السَّلام الغَيْبة الثانية حين نفاه الطاغوت عن مصر...، ولإبراهيم عَلَیه السَّلام غَيْبةٌ أخرى سار فيها في البلاد وحده للاعتبار» (2).

5. نبيّ الله يوسف عَلَیه السَّلام

إنَّ مدّة غَيْبة النبيّ يوسف عَلَیه السَّلام كانت عشرين سنةً؛ ثلاثة أيّامٍ في البئر، وعشر سنواتٍ في السجن، والباقي قضاها في الحكم (3).


1) (1) المصدر السابق: ص 136، الباب 3: ذكر غيبة صالحٍ النبيّ عَلَیه السَّلام؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 285، غيبة صالح عَلَیه السَّلام.

2) (2) المصدر السابق: ص 137 - 139، الباب 4: في غيبة ابراهيم عَلَیه السَّلام؛ انظر: الشيعة والرجعة: ج 1، ص 288، غيبة ابراهيم عَلَیه السَّلام.

3) (3) انظر: المصدر السابق: ص 137- 139، الباب 5: في غيبة يوسف عَلَیه السَّلام؛ الكامل في التاريخ: ج 1، ص 108 - 110، ذكر قصّة يوسف عَلَیه السَّلام؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 287 و288، غيبة يوسف عَلَیه السَّلام.

6. نبيّ الله موسى عَلَیه السَّلام

غاب النبيّ موسى عَلَیه السَّلام عن قومه مدّة 28 سنةً، ثمّ لمّا رجع وعرفه قومه غاب مدّةً أطول من الغَيْبة الأولى قاربت الخمسين عامًا (1).

7. نبيّ الله شعيب عَلَیه السَّلام

غاب مدةً طويلةً عن قومه ثمّ رجع (2).

8. نبيّ الله إسماعيل عَلَیه السَّلام

غاب عن قومه ما يقرب من السنة الكاملة (3).

9. نبيّ الله إلياس عَلَیه السَّلام

غاب عن قومه في الصحراء مدةً تتراوح بين السبع والعشر سنين(4).

10. نبيّ الله سليمان عَلَیه السَّلام

غاب عن قومه مدّةً مديدةً أيضًا (5).


1) (1) انظر: المصدر السابق: ص 146، الباب 6: في غيبة موسى عَلَیه السَّلام؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 288، غيبة موسى عَلَیه السَّلام.

2) (2) انظر: الشيعة والرجعة: ج 1، ص 290، غيبة شعيبٍ النبيّ عَلَیه السَّلام.

3) (3) انظر: المصدر السابق: غيبة إسماعيل عَلَیه السَّلام صادق الوعد.

4) (4) انظر: المصدر السابق: ص 291 و292، غيبة إلياس النبيّ عَلَیه السَّلام.

5) (5) انظر: كمال الدين: ج 1، ص 156، الباب 7: في غيبة الأوصياء؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 293 - 295، غيبة سليمان النبيّ عَلَیه السَّلام.

11. نبيّ الله دانيال عَلَیه السَّلام

غاب عن قومه تسعين عامًا، وكان أسيرًا تحت قيد بخت النصر (1).

12. نبيّ الله عَزيرٌ عَلَیه السَّلام

تقول الروايات: «اجتمعوا إلى دانيال عَلَیه السَّلام موقنين بالفَرَج، فلم يلبث إلّا القليل على تلك الحال حتّى مات، وأفضى الأمر بعده إلى عزيرٍ عَلَیه السَّلام، فكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به، ويأخذون عنه معالم دينهم، فغيّب الله عنهم شخصه مئة عامٍ ثمّ بعثه، وغابت الحجج بعده، واشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريّا عَلَیه السَّلام (2).

13. نبيّ الله عيسى عَلَیه السَّلام

غاب نبيّ الله عيسى عَلَیه السَّلام غيباتٍ متعدّدةً، حيث كان سائحًا متنقّلًا بين البلدان، ولم يعلم قومه بخبره، فغاب في مصر والشام، ودامت غيبته فيهما اثني عشر عامًا. وقالوا: إنَّ مجموع غيبات أوصيائه بعده عَلَیه السَّلام بلغ 250 عامًا (3).

وبهٰذا البيان يتّضح المقصود من سنن الأنبياء علیهم السَّلام الّتي تجري في حقٍّ


1) (1) انظر: كمال الدين: ج 1، ص 157، الباب 7: في غيبة الأوصياء؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 296 - 297، غيبة النبيّ دانيال عَلَیه السَّلام.

2) (2) انظر: كمال الدين: ج 1، ص 158، الباب 7: في غيبة الأوصياء؛ الشيعة والرجعة: ج 1، ص 298، غيبة النبيّ عزيرٍ عَلَیه السَّلام

3) (3) انظر: كمال الدين: ج 1، ص 160 و161، الباب 8: بشارة عيسى بن مريم عَلَیه السَّلام بالنبيّ محمّد المصطفى صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.

الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأنَّ المراد بها هي الغيبات الطويلة والخفاء عن أنظار المؤمنين، بل أنظار الناس جميعًا (1).

إلى هنا نكون قد انتهينا من البحث في الطائفة الأولى من الروايات الّتي تشير إلى حِكم الغَيْبة وعللها، وسوف يأتي البحث عن باقي الطوائف في أبحاثٍ أخرى إن شاء الله.

الطائفة الثالثة: الغَيْبة عقوبةٌ إلٰهيةٌ

1- «حدّثنا أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسين بن عمر، عن محمّد بن عبد الله، عن مروان الأنباريّ قال: خرج مِن أبي جعفرٍ عَلَیه السَّلام: إنَّ اللَّهَ إِذا كَرِهَ لَنا جِوارَ قومٍ نَزَعنا مِن بين أظهُرِهِم» (2)

الجواد عَلَیه السَّلام. وتجدر الإشارة إلى أنَّ السيّد الخوئيّ رحمه الله يقول إنّ الشيخ الكلينيّ روى عن أحمد بن عبد الله بن مروان الأنباريّ النصّ على أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام؛ وعليه فمروان الأنباريّ يكون أسبق طبقةً من رواة النصِّ على أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام بكثير. [انظر: معجم رجال الحديث: ج 18، ص 119، ترجمة مروان الأنباريّ، رقم 12222]

.

2- «محمّد بنِ يحيى، عَن جعفرِ بن محمّدٍ، عَن أَحمَدَ بنِ الحسينِ، عَن محمّد،


1) (1) نقل الفيض الكاشانيّ روايةً مفصلةً ومناسبةً للمقام، والشيخ الطوسيّ أيضًا بحث هٰذا الموضوع بشكلٍ مفصلٍ. انظر: الوافي: ج 2، ص 419 - 425، كتاب الحجّة، أبواب العهود بالحجج عَلَیه السَّلام الباب 46: الغَيْبة؛ الغَيْبة (للطوسيّ): ص 97، الفصل الأوّل: الكلام في الغَيْبة، علّة غيبة الإمام عَلَیه السَّلام من أوليائه.

2) (2) علل الشرائع: ج 1، ص 244، الباب 179، علّة الغَيْبة، ح 2، والظاهر أنَّ الرواية عن الإمام

بنِ عبد الله، عَن محمّد بنِ الفَرَجِ (1)قال: كَتَبَ إليَّ أبو جعفرٍ عَلَیه السَّلام: إذا غَضِبَ اللهُ- تَبَاركَ وتَعالى- عَلى خَلقِهِ نَحَّانَا عَنْ جَوارِهِم»(2).

يُفهم من هٰذا الحديث أنّ جهل الناس بقدر ومكانة الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام سبَّبَ غضبًا إلٰهيًّا، فجعل الغَيْبة بمثابة التنبيه والتوعية للناس، وتوجيههم إلى علوّ مقام أهل البيت علیهم السَّلام ورفعة درجتهم عند الله تعالى؛ فإنَّ الناس لن تدرك الحاجة إلى هٰؤلاء الأنوار الإلٰهيّة ما دامت حاضرةً بينهم بتلك الطريقة من الظلم والتشريد والإجحاف بحقّهم والجهل بمقامهم، فإذا ما فُقدت تلك الأنوار وسادت الظلمة عندها ستدرك الأمّة حينها حقيقة الأنوار ومعنى فقدانها، تمامًا كالبصير الّذي لا يدرك نعمة وجود العين ولا يرى قيمةً لذٰلك النور الّذي يُبصر به إلّا بعد فقدانه، وعندما يعيش في ظلمةٍ وتيهٍ وضياعٍ سيُدرك قيمة تلك النعمة.


1) (1) محمّد بن الفرج الرخجيّ، من أصحاب الإمام الرضا عَلَیه السَّلام، ثقةٌ. قال الشيخ والعلّامة، وذكره الشيخ أيضًا في أصحاب الإمامين الجواد والهادي علیهما السَّلام، وقال النجاشيّ: «إنَّه روى عَن أبي الحسن موسى عَلَیه السَّلام، وروى المفيد في (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد) ما يدلّ على مدحه وعلوّ منزلته» [وسائل الشيعة: ج 30،(الخاتمة)، ص 482، الفائدة الثانية عشرة، أحوال الرجال في ترجمة محمّد بن الفرج الرخجيّ]. وقال السيّد الخوئيّ رحمه الله: «روى عن الإمام الجواد عَلَیه السَّلام. [معجم رجال الحديث: ج 17، ص 132، ترجمة محمّد بن الفرج الرخجيّ]. وبناءً عليه يتّضح بأنّ المراد من أبي جعفرٍ هو الإمام الجواد عَلَیه السَّلام، وهناك احتمالٌ بأن يكون المراد به هو محمّد بن الفرج الكوفيّ من أصحاب الإمام الصادق عَلَیه السَّلام.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 343، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 31؛ مرآة العقول: ج 4، ص 61، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 31.

يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «ويدل - هٰذا الحديث - على أنّ غَيْبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف غضبٌ على أكثر الخلق»(1).

3- «أخبرنا محمّد بن همّامٍ ومحمّد بن الحسن بن محمّد بن جمهورٍ، جميعًا عن الحسن بن محمّدٍ بن جمهورٍ، قال: حدّثنا أبي عن بعض رجاله، عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام: خبرٌ تدريه خيرٌ من عشر ترويه. إنَّ لكلِّ حقٍّ حقيقةً، ولكلِّ صواب نورًا، ثمّ قال: إنّا والله لا نعدُّ الرجلَ من شيعتنا فقيهًا حتّى يُلحن له فيعرف اللحن. إنّ أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام قال على منبر الكوفة: إنّ من ورائكم فتنًا مظلمةً، عمياء منكسفةً، لا ينجو منها إلّا النُّوَمة قيل: يا أمير المؤمنين، وما النُّوَمة؟ قال: الّذي يعرف الناس ولا يعرفونه. واعلموا أنّ الأرضَ لا تخلو من حجّةٍ لله عزّ وجلّ، ولٰكنّ الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم، ولو خلت الأرض ساعةً واحدةً من حجّةٍ لله لساخت بأهلها، ولٰكنّ الحجّة يعرف الناس ولا يعرفونه، كما كان يوسف عَلَیه السَّلام يعرف الناس وهم له منكرون. ثمّ تلا: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(2))»(3).


1) (1) مرآة العقول: ج 4، ص 61، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 31.

2) (2) سورة يس: 30.

3) (3) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 141 و142، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر، ح 2.

الطائفة الرابعة امتحان الناس واختبارهم

1- «حدّثنا محمّد بنُ الحَسَنِ بنِ أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا محمّد بنُ الحَسنِ الصفّار، عَن أَحمَدَ بنِ الحُسينِ، عَن عُثمانَ بنِ عيسى، عَن خالِدِ بنِ نَجيح، عن زُرارة بنِ أعْيَن، قال: سَمِعتُ الصادِقَ جَعْفَرَ بنَ محمّدٍ عَلَیه السَّلام يَقُولُ: إِنَّ للغلام غَيْبةً... ثمّ قال: وهُوَ المُنتَظَرُ الَّذي يَشُكُّ النَّاسُ في وِلادَتِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذا ماتَ أَبُوهُ: مات ولا عَقِبَ لَهُ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَد وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسَنَتَينِ؛ لأنَّ اللهَ - عزّ وجلَّ - يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ خَلْقَهُ، فَعِنْدَ ذلِكَ يرتاب المُبْطُلُونَ»(1).

2- عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَیه السَّلام قَالَ: إِذَا فُقِدَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِع فَالله اللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ(2)، لَا يُزِيلُكُمْ عَنْهَا أَحَدٌ يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هٰذا الْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ. إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - امْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ، لَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وأَجْدَادُكُمْ دِينًا أَصَحَّ مِنْ هٰذا لاتَّبَعُوهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي مَنِ الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ تَصْغُرُ عَنْ هٰذا، وأَحْلامُكُمْ نَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، ولكِنْ إِنْ تَعِيشُوا فَسَوْفَ تُدْرِكُونَهُ» (3).


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 346، الباب 33: ما روي عن الصادق عَلَیه السَّلام في النصّ على القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 32.

2) (2) ضمير الجمع باعتبار تعدّد المخاطبين.

3) (3) الكافي: ج 1، ص 336.

3- «حدّثنا محمّد بن همّامٍ قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالكٍ قال: حدّثنا إسحاق بن سنانٍ قال: حدّثنا عبيد بن خارجة، عن عليّ بن عثمان، عن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله جعفر بن جعفرٍ بن محمّدٍ، عن آبائه علیهم السَّلام، قال: زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، فركب هو وابناه الحسن والحسين علیهما السَّلام، فمرّ بثقيف، فقالوا: قد جاء عليّ يرد الماء. فقال عليٌّ عَلَیه السَّلام: أما والله، لأقتلنَّ أنا وابناي، هٰذان، وليبعثنّ الله رجلًا من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنّ عنهم تمييزًا لأهل الضلالة، حتّى يقول الجاهل : ما لله في آل محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم من حاجةٍ»(1).

إنَّ هٰذا الحديث ومثله أحاديث أخرى (2)تُشير إلى إحدى علل هٰذه الغَيْبة، وحاصلها: أنّ الغَيْبة اختبارٌ وامتحانٌ إلٰهيٌّ، وهٰذا ما يتطابق أيضًا مع الكثير من الآيات القرآنيّة والمفاهيم الدينيّة في العقيدة الإسلاميّة، والتحقيقٌ حول هٰذا الموضوع متروكٌ إلى محلّه.


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 141، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 1.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 336، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 2 و3؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 95، باب علّة الغَيْبة وكيفيّة انتفاع الناس به عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 10؛ علل الشرائع: ج 1، ص 244، الباب 179، علّة الغَيْبة، ح 4؛ كمال الدين: ج 2، ص 359 و360، الباب 34: ما روي عن الكاظم عَلَیه السَّلام حول القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، وغيبته، ح 1.

الطائفة الخامسة: الخوف من القتل

وهٰذا الخوف ليس بمعنى أنّه يخاف من القتل في سبيل الله، بل بما أنّه ذخيرة الله في الأرض، ووعد الله أن يظهر دين الحقِّ بيده على جميع الأديان؛ لذا تعلقت حكمه الله بأن يعيش في الغَيْبة بحيث لا تناله أيدي الجبّارين، وهٰذا كان مسبوقًا في الأمم السابقة أيضًا كما صرّح به القرآن الكريم في موسى عَلَیه السَّلام: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لي رَبِّي حُكمًا وجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، وكذٰلك في خروج النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم من مكّة المدينة ودخوله الغار.

1- «حدّثنا محمّد بنُ عَليٍّ ما جِيلْوَيْه عَنْ أبيه، عن أبيه أحمَد بن أبي عبدِ اللهِ البَرقيّ، عَنْ محمّد بن أبي عُميرٍ، عن أبان وغيره، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: لا بدَّ لِلْغلامِ مِنْ غَيْبة. فقيل لَهُ: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: يَخافُ القَتلَ»(1).

2- «حدّثنا عبد الواحد بن محمّدٍ بن عَبدوُس النيسابوريّ العطّار، قال: حدّثنا عليّ بن محمّدٍ ابن قتيبة، عَن حَمدانَ بن سُلَيمانَ، عَنْ محمّد بنِ الحُسَينِ، عن ابن محبوبٍِ، عَنْ عليّ بنِ رِئاب، عن زرارة قال: سَمِعْتُ أبا جعفرٍ عَلَیه السَّلام يَقول: إِنَّ لِلقائمِ غَيْبةً قَبلَ ظُهورِهِ. قُلتُ: ولِمَ؟ قال: يخاف(2).


1) (1) علل الشرائع: ج 1، ص 243، الباب 179: علّة الغَيْبة، ح 1.

2) (2) «وإنّما كان آباؤه علیهم السَّلام ظاهرين بين الناس يفتونهم ويعاشرونهم، ولم يظهر هو؛ لأنّ خوفه عجل الله تعالی فرجه الشریف أكثر؛ فإنّ الأئمّة الماضين من آبائه علیهم السَّلام أسرّوا إلى شيعتهم أنّ صاحب السيف هو الثاني عشر منهم، وأنّه الّذي يملأ الأرض عدلًا، وشاع ذٰلك القول من مذهبهم حتّى ظهر ذٰلك القول بين أعدائهم، فكانت السلاطين الظَّلَمة يتوقّفون عن إتلاف آبائه؛ لعلمهم بأنّهم لا يخرجون بالسيف، ويتشوّقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه ويبيدوه، ألا تری أنّ السلطان في الوقت الّذي توفّي فيه العسكريّ عَلَیه السَّلام وكَّل بداره وجواريه من يتفقّد حملهنّ؛ لكي يظفر بولده ويفنيه». [إعلام الورى: ج 2، ص 299، الباب 5: شبهاتٌ وردودٌ، المسألة الأولى؛ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: ج 4، ص 305، ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 5: في ذكر مسائل أهل الخلاف، المسألة الأولى].

وأَوْمَاً بِيَدِهِ إلى بَطنِهِ. قال زَرارةُ: يعني القَتلَ»(1).

إنَّ الحديث المذكور قد ورد أيضًا في كتاب (الغَيْبة) للنعمانيّ (2)بطريق آخر عن زرارة عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام، وكذٰلك هناك أحاديث كثيرةٌ (3)وردت ولها ارتباطٌ بهٰذا الموضوع، ولٰكنّنا صرفنا النظر عنها رعايةً للاختصار.

الطائفة السادسة: أن لا يكون في عنقه بيعة لأحد

1- «محمّد بن يعقوب الكلينيّ، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف:... وأمّا عِلَّةُ ما وَقَعَ مِنَ الغَيْبة فَإِنَّ الله - عزّ وجلّ - يَقُولَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(4). إنّه لم يكن أحدٌ من آبائي إلّا وقعت في عنقه بيعةٌ لطاغية


1) (1) علل الشرائع: ج 1، ص 245، الباب 179: علّة الغَيْبة، ح9.

2) (2) الغَيْبة (للنعمانيّ) ص 177، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 21.

3) (3) الكافي: ج 1، ص 337 و338، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 5 و9؛ الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 172 و176 و177، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 6 و18 و19 و20؛ كمال الدين: ج 2، ص 346، الباب 33: ما روي عن الصادق عَلَیه السَّلام في النصّ عن القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 32، ص 481، الباب 44: علّة الغَيْبة، ح 7 و8 و9 و10؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 91 و96 و97 و98، بابٌ في علّة الغَيْبة وكيفيّة انتفاع الناس به عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 5 و16 - 22.

4) (4) سورة المائدة: 101.

زمانه، وإنّي أَخْرُجُ حينَ أَخْرُجُ ولا بَيعَةَ لأَحَدٍ مِن الطَّواغيتِ في عُنُقي...»(1).

2- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ رضی الله عنه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرّضَا عَلَیه السَّلام أَنَّهُ قَالَ: كَأَنِّي بِالشَّيعَةِ عِنْدَ فَقْدِهِمُ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي كَالنَّعَمِ يَطْلُبُونَ الْمَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ! قُلْتُ لَهُ: ولِمَ ذَاكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: لأَنَّ إِمَامَهُمْ يَغِيبُ عَنْهُمْ. فَقُلْتُ: ولِمَ؟ قَالَ: لِئَلَّا يَكونَ لأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا قَامَ بِالسَّيْفِ» (2).

3- «محمّد بنِ يحيى، عَن أَحمدَ بنِ مُحمَّد، عَنِ الحُسَينِ بنِ سَعيد، عن ابن عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ سالِمٍ، عَن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: يَقُومُ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف ولَيسَ لأحَدٍ فِي عُنَقِهِ عَهْدٌ ولا عقدٌ ولا بَيْعَةٌ»(3).

«العهد» و«العقد» و«البيعة» ألفاظٌ متقاربة المعنى، وكأنّ بعضها مؤكِّدٌ للبعض الآخر. ويُحتمل أن يكون المراد بالعهد ها هنا الوعد مع خلفاء الجور برعايتهم أو وصيّتهم إليه، يُقال: عَهدَ إليه، إذا أوصى إليه، أو العهد بولاية العهد كما وقع للإمام الرضا عَلَیه السَّلام.

ويُراد بالعقد عقد المصالحة والمهادنة كما وقع بين الإمام الحسن عَلَیه السَّلام


1) (1) الاحتجاج: ج 2، ص 284، في ذكر توقيعٍ له عجل الله تعالی فرجه الشریف خرج جوابًا على سؤالٍ وجّه إليه في أنّ الأئمّة علیهما السَّلام هل فوّض الله إليهم أن يخلقوا أو يرزقوا أم لا؟

2) (2) كمال الدين، ج 2، ص 480.

3) (3) الكافي: ج 1، ص 342، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 27؛ مرآة العقول: ج 4، ص 58، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 27.

وبين معاوية، وأمّا البيعة فهي الإقرار ظاهرًا للغير بالخلافة(1).

وقد ورد هٰذا الموضوع في أحاديث كثيرةٍ، ففي الباب الرابع والأربعين من کتاب (كمال الدين وتمام النعمة) أورد الشيخ الصدوق أحد عشر حديثًا تحت عنوان «علة الغَيْبة»، حيث تمحورت الأحاديث الخمسة الأوّل من هٰذا الباب حول هٰذا الموضوع.

الطائفة السابعة: انتظار خروج المؤمنين من أصلاب الكفار

«حدّثنا جعفر بن محمّدٍ بن مَسرورٍ قال: حدّثنا الحسين بنِ محمّدٍ بنِ عامرٍ، عمه عبد الله بن عامرٍ، عَن محمّد بن أبي عُمَير، عَمَّن ذكره، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: قُلتُ له: ما بال أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام لم يقاتل فلانًا وفلانًا وفلانًا؟ قال: لآيَةٍ في كتابِ اللهِ عزّ وجلَّ (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوْا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (2). قال: قلت: وما يعني بتزاولهم؟ قال: وَدائِعُ مُؤمنين في أصلابِ قَوم كافِرينَ، وكذٰلك القائم لَن يَظْهَر أَبَدًا حتَّى تَخرُجَ وَدائَعُ الله عزّ وجلّ، فَإِذا خَرَجَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْ أَعداءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَتَلَهُمْ»(3).

نقل الشيخ الصدوق في (علل الشرائع) (4)هٰذه الرواية بطريق آخر عن


1) (1) مرآة العقول: ج 4، ص 58، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 27.

2) (2) سورة الفتح: 25.

3) (3) علل الشرائع: ج 1، ص 147، الباب 122 العلّة الّتي من أجلها ترك أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام مجاهدة أهل الخلاف، ح 2.

4) (4) (حدّثنا المظفّر بن جعفرٍ بن المظفّر العلويّ رحمه الله قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعودٍ، عن أبيه، عن عليّ بن محمّدٍ، عن أحمد بن محمّدٍ، عن الحسن بن محبوبٍ، عن إبراهيم الكرخيّ قال: قلت لأبي عبد الله عَلَیه السَّلام أو قال له رجلٌ: أصلحك الله، ألم يكن عليٌّ عَلَیه السَّلام قويًّا في دين الله عزّ وجلّ؟ قال: بلى. قال: فكيف ظهر عليه القوم؟ وكيف لم يدفعهم؟ وما منعه من ذٰلك؟ قال: آيةً في كتاب الله - عزّ وجلّ - منعته. قال: قلت: وأيّ آيةٍ؟ قال: قوله تعالی: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوْا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). إنّه كان الله - عزّ وجلّ - ودائع مؤمنين في أصلاب قومٍ كافرين ومنافقين، فلم يكن عليٌّ ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع، فلمّا خرج الودائع ظهر على عليٍّ عَلَیه السَّلام من ظهر فقاتله، وكذٰلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدًا حتّى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ، فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله» [علل الشرائع: ج 1، ص 147 الباب 122: العلّة الّتي من أجلها ترك أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام مجاهدة أهل الخلاف، ح 3].

إبراهيم الكرخيّ عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام.

الطائفة الثامنة: فسح المجال لأدعياء إقامة العدل

«عنه [الفضل بن شاذان] عن عليّ بن الحكم عن سفيان الجريريّ عن أبي صادق [کیسان بن كليبٍ] عن أبي جعفر عَلَیه السَّلام قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقى أهل بيتٍ لهم دولةٌ إلّا ملكوا قبلنا؛ لئلّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هٰؤلاء، وهو قول الله عزّ وجلّ: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1).

إلى هنا استعرضنا نماذج من الروايات الّتي تحدّثت عن بعض أسباب الغَيْبة وحكمها، وهٰذه بالطبع ليست عللًا تامّةً، بل هي حكمٌ ووجوهٌ لفلسفة الغَيْبة أو لطولها لا أكثر.


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 472 - 473، الفصل الثامن، ذكر بعض صفاته ومنازله وسيرته عَلَیه السَّلام، ح 493. وقد وردت هٰذه الرواية بطريق عليّ بن عقبة أيضًا. انظر: الإرشاد: ج 2، ص 385، باب ذكر علامات قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، والآية في سورة الأعراف: 128، وسورة القصص: الآية 83.

الفَصْلُ السّٰادِسُ

اشارة

السفارة والنيابة الخاصّةٌ

في عصر الغَيْبة

المَدخلُ

من الأبحاث المهمّة في العقيدة المهدويّة مسألة السفارة والنيابة في عصر الغَيْبة، وكثيرًا ما تقع موردًا للادّعاء والاستغلال، ففي نهاية الغَيْبة الصغرى وبداية الغَيْبة الكبرى للإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف بدأ عصر انقطاع الاتّصال مع هٰذا الإمام العظيم الّذي حيَّرت غيبته العقول، ونفت الرقاد عن العيون. والمقصود هنا من الانقطاع هو بنحو السفارة الخاصّةٌ عصر الّتي كانت أحد الأبواب المخصوصة الّتي فتحها الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف لشيعته؛ للتواصل معه عبر سفراء أربعةٍ ذكرهم لنا التاريخ، فجاء ذكرهم في كتب الحديث والرجال بشكلٍ واضحٍ.

وقد كان الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيِّن سفراءه الخاصّين ويسمّيهم للناس بأسمائهم، وإلّا السفير الأوّل فقد عيّنه الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام.

لٰكن بعد شروع الغَيْبة الكبرى أغلق الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف هٰذا الباب بالكامل، وأعلن بداية الغَيْبة الكبرى إلى أن يأذن الله - تعالى - له بالظهور من جديدٍ؛ ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد ما مُلئت ظلمًا وجورًا. من هنا يُعَدُّ البحث في مسألة النيابة والسفارة الخاصّةٌ في عصر الغَيْبة الكبرى من الأبحاث المهمّة الّتي تعدُّ معرفتها أمرًا ضروريًّا ولازمًا، ونفي السفارة الخاصّةٌ

في عصر الغَيْبة الكبرى يعني أنّه لن يكون للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أي نائبِ خاصٍّ معيَّنٍ بالاسم حتّى زمن ظهوره المبارك.

وأقول بصراحةٍ إنَّ الحاجة إلى هٰذا البحث تكمن حينما نعرف حجم الادّعاءات الّتي توالت بعد الغَيْبة الكبرى عن الرؤية والمشاهدة، فقد كثرت دعوى السفارة والنيابة الخاصّةٌ للإمام المهديّ؛ لهٰذا السبب وبهدف الحذر والتنبّه لمثل هٰذه الدعاوى كانت هٰذه الدراسة السنديّة والدلاليّة للتواقيع الصادرة من الناحية المقدّسة الّتي نفت أي دعوى للرؤية أو المشاهدة والأخذ المباشر عن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفي الوقت نفسه تُسقط دعوى السفارة والنيابة الخاصّةٌ لأيّ شخصٍ أو جماعةٍ.

إنّ بحثنا وتحقيقنا سيكون منصبّا على عدَّة محاور نحاول أن نستعرض عناوينها على شكل محاور مقتضبةٍ:

المحور الأوّل: نقل الروايات

في هٰذا المحور نحاول أن ننقل الروايات المُثبتة والنافية لدعوى المشاهدة أو الرؤية أو السفارة الخاصّةٌ، ثمّ نقوم بتحقيق أسانيدها. وإذا ما دعت الحاجة فإنّنا سنقوم بتحقيق مصادرها أيضًا، فإذا كان هناك راوٍ واحدٌ مطعونٌ فيه في سند الرواية، فسيكون ذٰلك كافيًا بالنسبة إلينا للقول بعدم اعتبار الرواية إلّا اذا اعتضدت برواياتٍ أخرى؛ ولهٰذا السبب قد تسقط الرواية أحيانًا الاعتبار بسبب الضعف السنديّ، اللّٰهمّ إلّا أن يكون عن هناك اطمئنانٌ وثقةٌ بالصدور، أو أن يكون هناك قرائن وشواهد على الصحّة.

المحور الثاني: الشهرة الروائيّة

نتعرّض في هٰذا المحور إلى مطلبٍ آخر له أثرٌ في اعتبار الرواية، ونطرح تساؤلًا هو:

هل نقل رواةٌ أو علماء آخرون هٰذا الحديث أيضًا أو لا؟ أو كما يصطلح عليه: هل هناك شهرةٌ روائيّةٌ أو لا؟ لأنَّ نَقْلَ الآخرين لروايةٌ ما إلى زماننا الحاضر لَهو خير دليلٍ على اعتناء هٰؤلاء الأعلام بهٰذه الرواية، وكما أنّ عدم نقل الرواية أو عدم الاعتناء بنقلها من قِبلهم ربّما يكشف عن إعراضهم عنها وعدم اعتبارها. هٰذا- طبعا- في حال لم يكن هناك سببٌ آخر مَنعَ من نقل مثل تلك الرواية؛ كعدم اطّلاعهم عليها، أو عدم وجودها في الكتب الروائيّة المتداولة بينهم آنذاك، أو غيرها من الأسباب الأمنيّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة... إلخ.

المحور الثالث: فقه الحديث

في هٰذا المحور سنتعرّض إلى شرح الحديث وبيانه، أو كما يصطلح عليه ب‍ (فقه الحديث)، وذٰلك من خلال نقل كلمات كبار العلماء الأعلام؛ كالشيخ الصدوق، والمجلسيّ الأوّل والثاني، والفيض الكاشاني، وفي الوقت نفسه نحاول أن ننقل خلاصة الشروح والتعليقات الّتي وردتْ على هٰذه الروايات من عهد الشيخ الصدوق رحمه الله حتّى يومنا هٰذا.

ومن أجل الإجابة عن الشبهات الواردة من أنحاء العالم الإسلاميّ كافّةً على مسائلنا الاعتقاديّة والإيمانيّة؛ لا بدَّ لنا من الدخول إلى ميدان علوم

الحديث بشكلٍ علميٍّ واستدلاليٍّ، وبوعيٍ واطّلاعٍ كاملٍ، وبيدٍ ملأى بالعلوم والمعارف؛ لذا نستعرض هٰذه القضايا في محاور عدّة:

المحور الأوّل: نقل الرواية

قال الشيخ الطبرسيّ رحمه الله: «أما الأبواب المرضيّون، والسفراء الممدوحون في زمان الغَيْبة: فأوّلهم الشيخ الموثوق به أبو عمرٍو عثمان بن سعيدٍ العمريّ، نصبه أوّلًا أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام، ثمّ ابنه أبو محمّدٍ الحسن عَلَیه السَّلام، فتولّى القيام بأمورهما حال حياتهما، ثمّ بعد ذٰلك قام بأمر صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، وكان توقيعاته وجواب المسائل تخرج على يديه، فلمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفرٍ محمّد بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذٰلك، فلمّا مضى هو قام بذٰلك أبو القاسم حسين بن روحٍ من بني نوبخت، فلمّا مضى هو قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيُّ».

ثمّ يضيف قائلًا: «ولم يقم أحدٌ منهم بذٰلك إلّا بنصٍّ عليه من قبل صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، ونصب صاحبه الّذي تقدّم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلّا بعد ظهور آيةٍ معجزةٍ تظهر على يد كلِّ واحدٍ منهم من قِبل صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف تدل على صدق مقالتهم وصحّة بابيَّتِهِم. فلمّا حانَ سفر أبي الحسن السِّمَّرِيِّ من الدنيا وقَرُب أجله قيل له: إلى مَن توصي؟ فأخرج إليهم توقيعًا نسخته: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم، يا عليَّ بن محمّدٍ السِّمَّريّ، أعظمَ اللهُ أجرَ إخوانِكَ فيكَ، فإنّكَ ميّتٌ ما بينكَ وبينَ ستَّةِ أَيَّامٍ، فاجمع أمرَكَ ولا توصِ إلى أحدٍ يقومُ مقامَكَ بعد وفاتكَ، فقدْ وقعتْ الغَيْبةُ الثانية، فلا ظهورَ إلّا بعد

إذن الله عزَّ وجلَّ، وذٰلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي مَنْ يَدَّعي المشاهدةَ، ألا فَمَن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيِّ والصيحة، فهُوَ كذَّابٌ،مفترٍ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بالله العلي العظيم". فنسخوا هٰذا التوقيع وخرجوا، فلمّا كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود بنفسه، فقال له بعض الناس من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمرٌ: هو بالغه، وقضى. فهٰذا آخر كلامٍ سُمع منه»(1).

يُفهم من مضمون هٰذا التوقيع أنّه لا وجود بعد ذٰلك فصاعدًا لأيّ سفارةٍ ونيابةٍ خاصّةٌٍ، بل بالاستناد إلى ظاهر عبارة التوقيع نفهم بأنَّ دعوى المشاهدة هي كذبٌ محضٌ، ومدَّعيها كاذبٌ لا محالة.

لٰكن يأتي هٰذا التساؤل هنا: يا تُرى ما المقصود من تكذيب دعوى المشاهدة أو نفيها؟ وهل يمكن لنا أن نكذّب الدعاوى الّتي صدرت من بعض هم كبار العلماء أو الأشخاص الثقات الّذين تشرَّفوا باللقاء؟! فهٰؤلاء العظماء هم موردٌ للوثوق والاطمئنان، ولا احتمال للكذب فيهم أبدًا، هٰذا بالإضافة إلى أنّهم لم يدّعوا الرؤية علنًا في حياتهم، ولا ادَّعوا السفارة والنيابة الخاصّةٌ، ولا الأخذ مباشرةً من الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وللإجابة عن هٰذا التساؤل نحاول أن نحقّق في هٰذا الأمر إن شاء الله تعالى.


1) (1) الاحتجاج: ج 2، ص 296 و297، توقيعات الناحية المقدّسة.

التحقيق السنديّ للتوقيع الشريف

لا بدَّ أن نتجه أوّلًا إلى تحقيق سند هٰذه الرواية؛ لأنَّها من أهمّ أدلّة المنكرين، ثمّ بعد ذٰلك نقوم ببيان دلالتها ومضمونها وشرح معناها بدقّةٍ وتأمّلٍ.

وبناءً على ذٰلك نقول: إنَّ هٰذه الرواية أكثرَ من 15 مصدرًا، وجميعها نُقلتْ إمّا من كتاب (كمال الدين) وإمّا أنّها نُقلتْ عن ابن بابوَيْه بشكلٍ مباشرٍ، مع تفاوتٍ بين النقل عن (كمال الدين) والنقل عن ابن بابوَيْه؛ لأنَّ الأوّل كان ينقل عن كتاب الشيخ الصدوق رحمه الله، والثاني لعلّه ينقل عن الشيخ الصدوق رحمه الله نفسه، أي عن شخصه سماعًا، وهٰذا يُعدُّ بحدِّ ذاته طريقًا آخر للرواية، فتأمّل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ التفاوت والاختلاف بين عبارات هٰذه المنقولات مختصرٌ جدًّا، فمثلًا في بعض النسخ ورد لهٰكذا: «قد وقعت الغَيْبة التامّة»، وفي البعض الآخر ورد: «قد وقعت الغَيْبة الثانية»، وكذٰلك وردت هٰذه العبارة: «سيأتي إلى شيعتي مَن يدّعي المشاهدة»، ولٰكنّها في نقلٍ آخر وردت هٰكذا وسيأتي سبعون...». ويمكن القول بصراحةٍ إنَّ هٰذه الاختلافات ليست لها تلك الأهميّة الّتي يمكن أن يُعتدَّ بها وتغيّر مسار البحث.

ولكي يتّضح لنا مدى صحّة دعوى الإرسال والضعف في هٰذه الرواية؛ لا بدّ من تحقيقٍ الطريق والسند:

يقول الشيخ الصدوق رحمه الله: «حدّثنا أبو محمّدٍ الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنتُ بمدينة السلام (1)في السنة الّتي توفّي فيها الشيخ عليّ بن محمّدٍ السمّريّ رحمه الله، فحضرتُهُ قبل وفاته بأيّامٍ، فأخرجَ إلى الناس توقيعًا نسخته...»(2)، ثمّ نقل التوقيع الشريف.

إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد نقل سند هٰذا الحديث عن أبي محمّدٍ الّذي نقل الحديث عن السفير الرابع. أما السؤال المطروح في المقام فهو: هل يمكن اعتبار هٰذه الرواية مرسلةٌ؟ وهل التوقيعات الشريفة الأخرى هي مرسلةٌ أيضًا؟

نقول: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد توفّي سنة (381 ه‍)، وفي عصر الغَيْبة الصغرى وحتّى زمن السفير الرابع كان ما يزال على قيد الحياة، وبناءً عليه يمكن للشيخ الصدوق نفسه أن ينقل الرواية بواسطةٍ واحدةٍ عن السفير الرابع، إذن فلا إشكال من جهة الإرسال.

نعم، يقع الكلام في شخص أبي محمّدٍ الحسن بن أحمد المكتب الّذي لم يَرد له اسم في الكتب الرجاليّة، ولم يُذكر فيه مدحٌ أو ذمٌ، وبحسب اصطلاح علماء الرجال فهو مُهملٌ.

والجدير بالذكر أنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد نقل عن أبي محمّدٍ هٰذا أحاديثَ في موارد عدّةٍ منها هٰذا التوقيع الشريف، ومنها الدعاء المعروف: «اللّٰهمّ


1) (1) أي بغداد.

2) (2) كمال الدين: ج 2، ص 516، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 44.

عرّفني نفسكَ...»(1)، وأدعيةٌ أخرى جاءت في كتاب (جمال الأسبوع)(2)، لٰكنَّ هٰذه المنقولات عنه لا تحلُّ لنا مشكلة إهماله؛ لذا لا بدَّ من البحث عن ملاك الإهمال في الكتب الرجاليّة لا في الكتب الروائيّة؛ لأنَّ التوثيق يجب أن يتمّ في الكتب الرجاليّة.

نعم، لو تبنَّينا وقبلنا المبنى القائل بأنَّ «مشايخ الإجازة ثقاتٌ»، فإنَّ الحسن بن أحمد هٰذا يكون ثقةً؛ لأنّه من مشايخ الصدوق رحمه الله وبالتالي يكون التوقيع معتبرًا. أما لو قلنا بالتفصيل، أي قبلنا هٰذا المبنى، فإنّنا نعدُّه توثيقًا بالنسبة إلى رواية مثل: أحمد بن محمّدٍ بن أبي نصرٍ البزنطيّ، ومحمّد بن أبي عميرٍ، وصفوان بن يحيى عن مشايخهم فقط، فلا يشمل غيرهم، ولٰكنّ هٰذا التفصيل لن يحلَّ لنا مشكلة إهمال ابن المكتب أيضًا.

نعم، هناك مبنًى آخر لتوثيق المشايخ، وهو كثرة النقل عنهم، كما فعل الشيخ الكلينيّ له وعلماء كبارٌ آخرون؛ إذ نقلوا في الكتب الأربعة أحاديث عن راوٍ واحدٍ أكثر من ألفي مرّةٍ! كالأحاديث المنقولة عن سهل بن زيادٍ، وكثرة النقل هٰذه تحكي عن أنّ سهلًا هٰذا كان معتمدًا لدى هٰؤلاء العلماء ومحلًّا لثقتهم، بل نستطيع القول: إنّه على هٰذا التقدير ليس بضعيفٍ ولا


1) (1) المصدر السابق: ص 512، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 43.

2) (2) جمال الأسبوع: ص 522 - 529، الفصل السابع والأربعون: فيما نذكره من الإشارة إلى صفة صلاة العصر يوم الجمعة وفيما يتقدّمها، وفيما نتخيّره من الّذي رويناه في تعقيبها، ذكر دعاءٍ آخر يدعى له عجل الله تعالی فرجه الشریف.

متروكٍ. ولٰكنّنا حتّى لو قبلنا هٰذا المبنى الأخير فلا يكون شاملًا هٰذا الحديث أيضًا، فلن ينفع في المقام.

ويمكن أن نقول في حلّ هٰذا الإشكال: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قد أوردَ موضوعًا مهمًّا دون أدنى مناقشةٍ أو ترديدٍ، غاية ما في الأمر أنّه ذكر شرحًا وتوضيحًا له، وهٰذا يحكي عن اعتماده على الراوي أو على صحّة متن الرواية ومضمونها.

صحيحٌ أنّه لا يمكن لنا أن نعمِّم هٰذا الكلام إلى كلِّ موردٍ وفي كلِّ مكانٍ، لٰكن حصل في هٰذا المورد اطمئنانٌ بصحّة الرواية، الأمر الّذي يكشف لنا اعتبار الراوي وصحّة الرواية، والشهرة تؤيّد صحّة هٰذه الرواية أيضًا.

المحور الثاني: الشهرة الروائيّة

في هٰذا المبحث نحاول أن نقف عند موضوع كثرة المصادر الّتي نقلت هٰذه الرواية أو قلّتها؛ لما في ذٰلك من تأثير على مدى استحكام الرواية أو عدم استحكامها.

مصادر الرواية

أما مصادر هٰذه الرواية- بحسب الترتيب الزمني - فهي:

أ- (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق رحمه الله

وكما ذكرنا سابقًا فإنَّ للشيخ الصدوق نفسه طريقًا إلى هٰذا التوقيع، قال رحمه الله: «حدّثنا أبو محمّدٍ الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة الّتي توفّي فيها عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيُّ، فحضرته قبل وفاته

بأيّامٍ، فأخرج إلى الناس توقيعا...»(1).

بصراحةٍ من خلال نظرةٍ علميّةٍ دقيقةٍ فإنّه يمكننا معرفة مدى اعتبار هٰذه الواسطة، فنقول: على فرض عدم تمكّننا من العثور على توثيقٍ لهٰذا الرجل، لٰكن من المؤكَّد أنَّ عالمًا كبيرًا كالشيخ الصدوق رحمه الله الّذي يُعدّ من أساطين المذهب لا ينقل مطلبًا بهٰذه الأهمّيّة عن أيِّ شخصٍ، وهٰذا يكشف لنا بالكشف الإنّيّ عن أنّ هٰذا الشخص معتبرٌ يمكن الاعتماد على روايته.

ب- (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ رحمه الله

لقد نقل الشيخ رحمه الله من هٰذا الحديث عن ابن بابوَيْه، وقال: «أخبرنا جماعةٌ»(2)وبناءً عليه فإنَّ هٰذا التوقيع لا ينحصر في طريقٍ واحدٍ، بل هناك طرقٌ أخرى مختلفةٌ نقلت هٰذا التوقيع، منها ما عن الشيخ المفيد رحمه الله الّذي أشار إليه الشيخ الطوسيّ نفسه.

ج‍ - (الاحتجاج) لأبي منصور الطبرسيّ رحمه الله عمله

ويظهر أنّه نقل هٰذه الرواية مرسلًا (3)، لٰكنّه قال في مقدّمة كتابه المذكور: «... ولا نأتي في أكثر ما

نورده من الأخبار بإسناده، إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 516، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 44.

2) (2) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 395، الفصل السادس: ذكر أمر أبي الحسن عليّ بن محمّدٍ السمّريّ، ح 365.

3) (3) الاحتجاج: ج 2، ص 297، توقيعات الناحية المقدّسة.

دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف...»(1).

د- (تاج المواليد)(2)للطبرسيّ رحمه الله

ه‍- (إعلام الورى)(3)للطبرسيّ رحمه الله

و- (الخرائج والجرائح) (4)للقطب الراونديّ رحمه الله

ز- الثاقب في المناقب)(5)لعليّ بن أبي حمزة الطوسيّ رحمه الله

أورد الرواية في باب معجزات الأئمّة علیهم السَّلام الّتي أغلبها مراسيل.

ح- (كشف الغمّة) للأربليّ(6).

ط- الصراط المستقيم) للبياضيّ (7).


1) (1) المصدر السابق: ج 1، ص 4، مقدّمة المؤلّف.

2) (2) تاج المواليد: ص 68، في سفراء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

3) (3) إعلام الورى: ج 2، ص 260، ذكر قسم الثاني من الركن الرابع، الباب 3، الفصل الأوّل: النصوص على غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف.

4) (4) الخرائج والجرائح: ج 3، ص 1128، الباب 20: في علامات ومراتب نبينا صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، ح 46.

5) (5) الثاقب في المناقب: ص 603، الباب 15: في ذكر آيات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع: في بيان ظهور آياته عجل الله تعالی فرجه الشریف من الأخبار بالغائبات، ح 16/551.

6) (6) كشف الغمّة: ج 4، ص 294، ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 3: في بيان وجه الاستدلال بهٰذه الأخبار الواردة في النصوص على إمامته عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الأوّل: الدلالة على إثبات غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف.

7) (1) الصراط المستقيم: ج 2، ص 236، الباب 11: فيما جاء في المهديّ وتملكه وبقائه عجل الله تعالی فرجه الشریف. الفصل الثالث.

ي - (منتخب الأنوار المضيئة) للعلّامة النيليّ (1).

ك - (إثبات الهداة) للحُرِّ العامليّ صاحب (وسائل الشيعة)(2).

ل - (بحار الأنوار) للعلّامة المجلسيّ الثاني(3).

م - معادن الحكمة للفيض الكاشانيّ (4)

ن - منتخب الأثر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگانيّ (من المعاصرين) (5).

س - معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهو من تأليفنا بالاشتراك جمعٍ من فضلاء الحوزة العلميّة في قمّ المقدّسة(6).


1) (2) منتخب الأنوار المضيئة: ص 238، الفصل التاسع: في ذكر توقيعاته عجل الله تعالی فرجه الشریف، التوقيع إلى عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيِّ.

2) (3) إثبات الهداة: ج 3، ص 693، الباب23: في معجزات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 112.

3) (4) بحار الأنوار: ج 51، ص 361، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 16: أحوال السفراء، ح 7؛ ج 52، الباب 23: من ادّعى الرؤية في الغَيْبة الكبرى، ح 1.

4) (5) معادن الحكمة: ج 2، ص 288، مكاتيب الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الرسالة 201: توقيعه عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى عليّ بن محمّدٍ السمّريّ.

5) (6) منتخب الأثر: ج 2، ص 520، البابه في حالاته ومعجزاته عجل الله تعالی فرجه الشریف في الغَيْبة الصغرى،

6) (7) معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ج 6، ص 158، توقيعات الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ما ورد عن عليّ بن محمّدٍ السمّريّ، ح 2/1336.

النتيجة

من خلال هٰذه المصادر الكثيرة فإنّه يمكن قبول هٰذا الحديث والاعتناء به، وإن لم يكن مقصودنا هنا الشهرة الاصطلاحيّة(1)وذٰلك لأنَّ تكرار النقل في كتب كبار علماء المذهب من القُدماء والمتأخرين والمعاصرين، ودون أيِّ إشارةٍ إلى الضعف أو الردِّ، يجعل الحديث من الشواهد إن لم يجعله من الأدلّة.

المحور الثالث: فقه الحديث وأجوبة المحدث النوريّ رحمه الله

لقد ذكر المحدّث النوريّ(2)قصصًا وقضايا كثيرةً عن الّذين تشرَّفوا لقاء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهٰذه القصص تتعارض مع ظاهر الحديث والتوقيع الشريف؛ «إذ روى الشيخ الطوسيّ في كتاب (الغَيْبة) عن الحسن بن أحمد المكتب، والطبرسيّ في (الاحتجاج) مرسلًا أنّه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السِّمَّرِيِّ: "يا عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيِّ، اسمع! أعظم الله أجرَ إخوانك فيك، فإنّك ميتٌ ما بينك وبين ستّة أيّامٍ فاجمعْ أمرك ولا توصِ إلى أحدٍ فيقوم مقامَك بعد وفاتك، فقد وقعتْ الغَيْبة التامّة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله


1) (1) «أمّا الشهرة الروائيّة فهي عبارةٌ عن اشتهار الرواية بين الرواة وتدوينها في كتب الأحاديث، ولا إشكال في كونها مرجّحةً لأحد المتعارضين، بل هي المراد من قوله عجل الله تعالی فرجه الشریف في المقبولة: فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» [فوائد الأصول: ج 4، ص 291، المبحث العاشر: في المرجّحات، التنبيه على أمورٍ، الأمر الثاني].

2) (2) في كتابه (جنّة المأوى) المطبوع ضمن الجزء 53 من (بحار الأنوار).

تعالي ذكره، وذٰلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي إلى شيعتي مَن يدّعي المشاهدة، ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ والصيحة فهو كذّابٌ مفترٍ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم"

وهٰذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها ممّا هو مذكورٌ في (البحار)، والجواب عنه من وجوه:

الجواب الأوّل

أنّه خبرٌ واحدٌ مرسلٌ غير موجبٍ علمًا، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص الّتي يحصل القطع عن مجموعها، بل ومن بعضها المتضمّن لكراماتٍ ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره عجل الله تعالی فرجه الشریف، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبرٍ ضعيفٍ لم يعمل به ناقله، وهو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره؟ والعلماء الأعلام تلقوها بالقبول، وذكروها في زبرهم وتصانيفهم، مُعوِّلين عليها معتنين بها»(1).

وخلاصة الجواب الأوّل: أنَّ هٰذا الخبر هو خبرٌ مرسلٌ وضعيفٌ لا يصلح ولا يرقى إلى درجة المعارضة لهٰذه القصص والحكايات، فضلًا عن عدم عمل الشيخ الصدوق رحمه الله بهٰذه الرواية.


1) (1) جنّة المأوى: ص 318، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

نقد الجواب الأوّل

كما ذكرنا سابقًا أنَّ الحديث ليس مرسلًا، ودعوى عدم عمل الشيخ الصدوق رحمه الله بهٰذه الرواية بعيدةٌ عن الحقيقة والواقع.

الجواب الثاني

«ما ذكره في (البحار) بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه: لعلّه محمولٌ على مَن يدّعي المشاهدة مع النيابة، وإيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء؛ لئلّا ينافي الأخبار الّتي مضت، وسيأتي فيمَن رأه عجل الله تعالی فرجه الشریف، والله يعلم»(1).

خلاصة هٰذا الجواب هو: أنَّ الهدف من المشاهدة هو أن تكون مصاحبةً لادّعاء النيابة، والقرائن الداخليّة والخارجيّة تؤيّد هٰذا المعنى؛ لأنَّ البحث ليس عن إثبات أصل المشاهدة أو إنكارها، بل البحث هو عن ادّعاء النيابة والسفارة الخاصّةٌ عن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف (2).

ويفهم من كلام العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله أنّه يقبل هٰذا الجواب، فهو لا يردّ سند التوقيع الشريف، بل يحاول توجيه دلالة الحديث كما هو واضح في بيانه.


1) (1) جنّة المأوى: ص 319.

2) (2) إِنَّ هٰذا الرأي والتوجيه قد سمعته في المنزل من آية الله الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله، وبحضور والدي آية الله الشيخ محمّدرضا الطبسي رحمه الله، ولم يعترض الوالد رحمه الله على هٰذا الكلام، ولم يُبدِ أيَّ نقاشٍ أو ردٍّ.

أمّا ابن قولوَيْه رحمه الله فإنّه يعدُّ مثل هٰذا الادّعاء للنيابة الخاصّةٌ بعد موت السفير الرابع كفرًا وضلالةً، ورد في غَيْبة الشيخ الطوسيّ رحمه الله ما نصّه: «أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي الحسن عليّ بن بلالٍ المهلّبيّ، قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه يقول: أما أبو دلفٍ الكاتب - لا حاطٰهٰ الله - فكنّا نعرفه ملحدًا ثمّ أظهر الغلو، ثمّ جُنّ وسلسل، ثمّ صار مفوّضًا، وما عرفناه قطّ إذا حضر في مشهدٍ استُخِفّ به، ولا عرفته الشيعة إلّا مدَّةً يسيرةً، والجماعة تتبرّأ منه وممّن يومي إليه وينمس به.

وقد كنّا وجَّهنا إلى أبي بكرٍ البغداديّ لمّا ادّعى له هٰذا ما ادّعاه، فأنكر ذٰلك وحلف عليه، فقبلنا ذٰلك منه، فلمّا دخل بغداد مال إليه وعدل عن الطائفة وأوصى إليه، لم نشكّ أنّه على مذهبه، فلعنّاه وبرئنا منه؛ لأنَّ عندنا أنَّ كُلَّ مَن ادّعى الأمر بعد السِّمَّرِيِّ رحمه الله فهو كافرٌ منمسٌ ضالٌّ مضلٌّ، وبالله التوفيق»(1).

الجواب الثالث

«ما يظهر من قصّة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل عليّ بن فاضلٍ المازندرانيّ: فقلت للسيّد شمس الدين محمّدٍ، وهو العقب السادس من أولاده عَلَیه السَّلام: يا سيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رُويت عن صاحب


1) (1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 412، الفصل السادس: المذمومين الّذين ادّعوا البابيّة، ح 385.

الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف أنّه قال لمّا أمر بالغَيْبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب. فكيف فيكم مَن يراه؟

فقال: صدقت، إنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف إنّما قال ذٰلك في ذٰلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، وغيرهم من فراعنة بني العبّاس، حتّى أنَّ الشيعة يمنع بعضها بعضًا عن التحدّث بذكره، وفي هٰذا الزمان تطاولت المدَّة وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائيةٌ عنهم وعن ظلمهم وعنائهم»(1).

وهٰذا الوجه كما ترى يجري في كثيرٍ من بلاد أوليائه عَلَیه السَّلام.

خلاصة هٰذا الجواب: أنَّ عدم إمكان رؤية الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف إنّما هو أمرٌ كان مرتبطًا بزمان كثرة أعدائه عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ إذ كان بعض أعدائه من داخل أسرته وعائلته كجعفرٍ الكذّاب، والبعض الآخر كان من خارجها، أمّا بعد تطاول مدّة الغَيْبة ويأس الأعداء منه، فرؤيته ممكنةٌ، والدليل على هٰذا المدّعى قصّة الجزيرة الخضراء.

نقد الجواب الثالث

إنَّ موضوع الجزيرة الخضراء نفسه محلّ كلامٍ ونقاش، وتعرّضنا للبحث مفصّلًا في هٰذا الكتاب، فليراجع بحث ذرّيّة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، وبحث الجزيرة الخضراء، لٰكن باختصارٍ نذكر رأي المجلسيّ وكاشف الغطاء.


1) (1) جنّة المأوى: ص 319، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «وجدت رسالةً مشتهرةً بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها؛ لاشتمالها؛ على ذكر مَن رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنّما أفردت لها بابًا لأنّي لم أظفر به في الأصول المعتبرة، ولنذكرها بعينها كما وجدتها...»(1).

يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء ردًّا على قضيّة الجزيرة الخضراء: «كأنّه لم ير الأخبار الدالّة على عدم وقوع الرؤية من أحدٍ بعد الغَيْبة الكبرى، ولا تتّبع كلمات العلماء الدالّة عليها»(2).

وفي جواب كلام المحدّث النوريّ رحمه الله لا بدَّ من القول: في الوقت الّذي يتعاطى فيه بطريقة التضعيف والإشكال مع أمثال هٰذه الرواية الشريفة- التوقيع - ويسعى لتضعيفها، ويورد عليها الإشكالات والمناقشات، كيف يعتمد ويستند في الوقت نفسه على قصّةٍ ذات أساسٍ متزلزلٍ بل لا أساس لها؟! وكيف يستدلّ بروايةٍ لم يَعمل بها - على حدّ تعبيره هو - حتّى الشخص الّذي رواها؟!

الجواب الرابع

«ما ذكره العلّامة الطباطبائيّ في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصادرة منه عجل الله تعالی فرجه الشریف في حقه ما لفظه: وقد يشكل أمر هٰذا


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 159، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 24: نادرٌ في ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في الغَيْبة الكبرى.

2) (2) الحقِّ المبين: ص 87، المطلب الثامن في الاجتهاد والتقليد.

التوقيع بوقوعه في الغَيْبة الكبرى مع جهالة المبلّغ ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغَيْبة الصغرى. ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والأخبار عن الغيب الّذي لا يطّلع عليه إلّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأنَّ المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام ويعلم أنّه الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلّغ ادّعاؤه لذٰلك».

وقال رحمه الله في فوائده في مسألة الإجماع بعد اشتراط دخول مَن لا نعرفه: وربّما يحصل لبعض حفَظَة الأسرار من العلماء الأبرار العلمُ بقول الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف بعينه على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في مدَّة الغَيْبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عجل الله تعالی فرجه الشریف فيُبرزه في صورة الإجماع؛ جمعا بين الأمر بإظهار الحقِّ والنهي عن إذاعة مثله بقولٍ مطلقٍ»(1).

خلاصة الجواب: أنَّ المشاهدة المنفيّة في الرواية هي الرؤية المُصاحِبَة لمعرفة شخص الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، بمعنى أنَّ المُشاهِد الّذي يرى الإمام الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف ابن الحسن يعرف حين اللقاء والتشرّف به أنَّ هٰذا الشخص هو الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف نفسه.

والجواب أنّ هٰذا التوجيه بعيدٌ جدًّا، فقد أورده المحدث النوريّ رحمه الله ولم يذكر له أيَّ دليلٍ.


1) (1) جنّة المأوى: ص 319 و320، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يقول العلّامة بحر العلوم رحمه الله في ردّه على صدور التوقيع من الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى الشيخ المفيد رحمه الله: «يشكل أمر هٰذا التوقيع بوقوعه في الغَيْبة الكبرى مع جهالة المبلّغ ودعواه المشاهدة المنافية لما بعد الغَيْبة الصغرى»(1). ثمّ يدفع الإشكال بقوله: «ويمكن دفعه:

1- باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن.

2- واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب الّذي لا يطّلع عليه إلّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم.

3- وأنَّ المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام ويعلم أنّه الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلّغ ادّعاؤه لذٰلك»(2).

الجواب الخامس

وخلاصته: أنَّ المنفيّ هو إمكان اللقاء لعامّة الناس، أما اللقاء فليس ممتنعًا في شأن، وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ودلالة بعض الآثار.

قال المحدّث النوريّ رحمه الله نقلًا عن العلّامة الطباطبائيّ بحر العلوم: «ما ذكره عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه أيضًا بقوله: وقد يمنع أيضًا امتناعه في شأن الخواصّ وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ودلالة بعض الآثار. ولعلّ مراده


1) (1) خاتمة مستدرك الوسائل: ج 3، ص 229، الفائدة الثالثة.

2) (2) جنة المأوى: ص 319 فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

بالآثار الوقائعُ المذكورة هنا وفي (البحار)، أو خصوص ما رواه الكلينيّ في (الكافي) والنعمانيّ في غيبته، والشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام أنّه قال: لا بدَّ لصاحب هٰذا الأمر من غَيْبةٍ، ولا بدَّ له في

غيبته من عُزلةٍ، وما بثلاثين من وحشةٍ.

وظاهر الخبر كما صرّح به شرّاح الأحاديث أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، وقيل: إنَّ المراد أنّه على هيئة مَن سِنُّهُ ثلاثون أبدًا، وما في هٰذا السنّ وحشةٌ. وهٰذا المعنى بمكانٍ من البعد والغرابة، وهٰذه الثلاثون الّذين يستأنس بهم الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته لا بدَّ أن يتبادلوا في كلّ قرنٍ؛ إذ لم يُقدَّر لهم من العمر ما قُدِّر لسيّدهم ففي كلِّ عصرٍ يوجد ثلاثون مؤمنًا وليًّا يتشرّفون بلقائه.

وفي خبر عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازيّ المرويّ في (كمال الدين) وغَيْبة الشيخ ومسند فاطمة علیهَا السَّلام لأبي جعفرٍ محمّد بن جريرٍ الطبريّ، وفي لفظ الأخير أنّه قال له الفتى الّذي لقيه عند باب الكعبة، وأوصله إلى الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف: ما الّذي تريد يا أبا الحسن؟ قال: الإمام المحجوب عن العالم. قال: ما هو محجوبٌ عنكم، ولٰكن حجبه سوء أعمالكم.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن ليس له عمل سوءٍ فلا شيء يحجبه عن إمامه عجل الله تعالی فرجه الشریف وهو من الأوتاد أو من الأبدال في الكلام المتقدّم عن الكفعميّ رحمه الله.

وقال المحقِّق الكاظميّ في أقسام الإجماع الّذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء وفحاوي عباراتهم غير الإجماع المصطلح المعروف. وثالثها:

أن يحصل لأحدٍ من سفراء الإمام الغائب عجل الله تعالی فرجه الشریف العلم بقوله؛ إما بنقل مثله له سرًّا، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاهًا على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغَيْبة، ويحصل ذٰلك لبعض حَمَلة أسرارهم ولا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه والإعلان بنسبة القول إليه، والاتّكال في إبراز المدّعى على غير الإجماع من الأدلّة الشرعيّة؛ لفقدها.

وحينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأمورًا بالإخفاء، أو كان مأمورًا بالإظهار لا على وجه الإفشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع؛ خوفًا من الضياع، وجمعًا بين الامتثال للأمر بإظهار الحقِّ بقدر الإمكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان.

ولا ريب في كونه حجّةً: إمّا لنفسه، فلعلمه بقول الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، وإما لغيره فلكشفه عن قول الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أيضًا. غاية ما هناك أنّه يستكشف قول الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف بطريقٍ غير ثابت، ولا ضير فيه بعد حصول الوصول إلى ما أنيط به حجّيّة الإجماع»(1).

شواهد المحدث النوريّ رحمه الله

من أجل تقوية التوجيه الخامس ذكر المحدّث النوريّ رحمه الله شواهد ومستنداتٍ، لٰكن حينما كان الدليل مخدوشًا دلالةً أو مُرسلًا سندًا، لا


1) (1) المصدر السابق: ص 320 و321، فائدتان مهمّتان الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يمكننا الاعتماد عليه. أمّا بخصوص هٰذه الرواية فنستنتج أنَّ رؤية الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ومشاهدته هي مسألةٌ ممكنةٌ، وقد تقع للخواصّ، لٰكنّ إثبات هٰذه الدعوى مشكلٌ.

ولأجل تأييد هٰذه الدعوى سوف نورد مجموعةً من الروايات المختلفة لتكون شواهد لا أدلّةً، تاركين الحكم فيها للقرّاء الكرام:

الشاهد الأوّل

«محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن ابن محبوبٍ، عن إسحاق بن عمّارٍ، قال: قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام للقائم غيبتان: إحداهما قصيرةٌ والأخرى طويلةٌ، الغَيْبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ مواليه»(1).

النقد

إنَّ هٰذه الرواية مخدوشةٌ سندًا لا مضمونًا؛ وذٰلك لوجود إسحاق بن عمّارٍ في طريقها، فهٰذا الرجل قد نقل أحاديث كثيرةً شاذّةً ونادرةً(2)، وإن كان رأي البعض فيه أنّه ثقةٌ أو موثَقٌ، فهٰذا العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله يقول: «إسحاق بن عمّارٍِ ثقةٌ»(3).


1) (1) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 19.

2) (2) قاموس الرجال: ج 1، ص 769، ترجمة إسحاق بن عمّارٍُ، رقم 719.

3) (3) رجال المجلسيّ (الوجيزة): ص 158، ترجمة إسحاق بن عمّارٍ، رقم 173.

والمقصود من مواليه في الحديث إمّا الخدم وأهله وأولاده، وإمّا عدَّةٌ من ثلاثين نفرًا قد أشير إليهم سابقًا في الروايات، فبعض الشيعة كانوا على علمٍ واطّلاعٍ بمكان حضرته المقدّسة زمن الغَيْبة الصغرى.

الشاهد الثاني

«عدةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمّدٍ، عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء، عن عليّ ابن أبي حمزة، عن أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: لا بدَّ لصاحب هٰذا الأمر من غَيْبة، ولا بدَّ له في غيبته من عُزلةٍ، ونِعمَ المنزل طَيْبة (1)وما بثلاثين من وحشةٍ»(2).

النقد

لقد وصف العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله هٰذا الحديث بالضعيف أو الموثّق، ثمّ قال في شرحه: «والعزلة - بالضم - اسم الاعتزال، أي المفارقة عن الخلق. "ولا بدَّ له في غيبته" في بعض النسخ: ولا له في غيبته، أي ليس في غيبته معتزلًا عن الخلق، بل هو بينهم ولا يعرفونه. والأوّل أظهر وموافقٌ لما في سائر الكتب.

والطيبة - بالكسر- اسم المدينة الطيّبة، فيدلّ على أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف غالبا في المدينة وحواليها، إمّا دائمًا أو في الغَيْبة الصغرى، وما قيل من أنّ الطيبة اسم موضعٍ


1) (1) أي المدينة المنوّرة.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 16.

يسكنه عجل الله تعالی فرجه الشریف مع أصحابه سوى المدينة فهو رجمٌ بالغيب، ويؤيّد الأوّل ما مرّ أنّه لمّا سُئل أبوه: أين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة.

"وما بثلاثين من وحشة" أي هو عجل الله تعالی فرجه الشریف مع ثلاثين من مواليه وخواصّه، وليس لهم وحشةٌ؛ لاستيناس بعضهم ببعضٍ، أو هو عجل الله تعالی فرجه الشریف داخلٌ في العدد فلا يستوحش هو أيضًا، أو الباء بمعنى (مع) أيٍّ لا يستوحش عجل الله تعالی فرجه الشریف لكونه مع ثلاثين.

وقيل: هو مخصوصٌ بالغَيْبة الصغرى، وما قيل من أنَّ المراد أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف في هيئة مَن هو في سنِّ ثلاثين سنةً، ومَن كان كذٰلك لا يستوحش، فهو في غاية البعد»(1).

وبناءً عليه إذا ما قبلنا التوجيه الأوّل فهٰذا يعضد ويدعم رأي المحدّث النوريّ رحمه الله.

وفي موضعٍ آخر يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «وظاهر الخبر كما صرَّح به شرّاح الأحاديث أنّه يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته. وقيل: إنَّ المراد أنّه على هيئة مَن سِنُّهُ ثلاثون أبدًا، وما في هٰذا السنِّ وحشةٌ. وهٰذا المعنى بمكانٍ من البعد والغرابة، وهٰؤلاء الثلاثون الّذين يستأنس بهم الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته لا بدَّ أن يتبدّلوا في كلّ قرنٍ؛ إذ لم يُقدَّر لهم من العمر ما قُدَّر لسيّدهم ففي كُلٌّ عصرٍ يوجد ثلاثون مؤمنًا وليًّا يتشرّفون بلقائه»(2).


1) (1) مرآة العقول: ج 4، ص 50 و51، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ذيل ح 16.

2) (2) جنة المأوى: ص 320، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

والحاصل: أنّه يكون مع الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في كلِّ عصرٍ ثلاثون نفرًا من أصحابه.

الشاهد الثالث

«أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، حدّثنا القاسم بن محمّد الحسن، حدّثنا عبيس بن هشامٍ، عن عبد الله بن جبلّة، عن إبراهيم بن المستنير، عن المفضّل بن عمر الجعفيّ، عن أبي عبد الله الصادق عَلَیه السَّلام، قال: إنَّ لصاحب هٰذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات. وبعضهم يقول: قُتل. وبعضهم يقول: ذهب. فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفرٌ يسيرٌ، لا يطّلع على موضعه أحدٌ من وليٍّ ولا غيره إلّا المولى الّذي يلي أمره»(1).

النقد السنديّ والدلاليّ

إن تحدّثنا عن السند فسنجد أنَّ هناك مبنًى يقول بأنَّ كلَّ راوٍ يقع في أسناد تفسير القمّيّ، أو نقل عنه عليّ بن إبراهيم القمّيّ حديثًا فهو ثقةٌ(2).


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ) ص 172، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع، ح 5؛ الغَيْبة (للطوسيّ): ص 162، ما ورد عن الأئمّة في غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 120 وانظر: ص 61، الجواب عن الأخبار الدالّة أنّ الكاظم عَلَیه السَّلام هو القائم، ح 60.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 49، المقدّمة الثالثة، التوثيقات العامّة، وهٰذا هو رأينا، لٰكن في سنة (1428 ه‍) عدلنا عن هٰذا الرأي خلال دروسنا في بحث خارج الفقه، فقد قمنا ببحثٍ واسعٍ عن هٰذا المبنى في جلساتٍ عديدةٍ، وعدلنا عن القول الأوّل. فراجع بحثنا الرجاليّ في محلّه.

ثمّ إنَّ هٰذا هو مبنى السيّد الخوئيّ رحمه الله؛ لذٰلك فإنَّ هٰذه الرواية لا إشكال فيها من جهة إبراهيم بن المستنير. لٰكن في سندها القاسم بن محمّدٍ، وهو مجهولٌ(1)ولأجل ذٰلك فالرواية يُحكم بضعفها.

وأمّا الدلالة، فإنّه لا يمكن لمتن هٰذه الرواية أن يعارض التوقيع بنفي المشاهدة والرؤية؛ لأنَّ الرواية تثبت فقط إمكان مشاهدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومن هٰذا الوجه لا يكون في دلالتها أيُّ تنافٍ أو تعارضٍ مع التوقيع الشريف، إذ الرواية الأولى تثبت الاطّلاع على موضع الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، والتوقيع ينفي دعوى المشاهدة، ولا ينفي الاطّلاع على مكانه عجل الله تعالی فرجه الشریف.

أمّا المحدّث النوريّ رحمه الله ومن أجل تقوية التوجيه الخامس فقد استعرض أقوال بعض العلماء، فقال: «ولصحّة هٰذا الوجه وإمكانه شواهد تدلّ عليه:

منها كثيرٌ من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة الّتي تداولت بين الإماميّة، ولا مستند لها ظاهرًا من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفيٌّن على آثار الأئمّة علیهم السَّلام،وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بأنَّ منشأها أخبارٌ مطلقةٌ، أو وجوهٌ اعتباريةٌ مستحسنةٌ هي الّتي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء بجمعها وتدوينها، كما هو الظاهرٌ في جملةٍ منها. نعم، لا نضائق ورود الأخبار في بعضها.

ومنها ما رواه والد العلّامة وابن طاووسٍ عن السيّد الكبير العابد رضيّ الدين محمّد بن محمّدٍ الآوي إلى آخر ما مرّ في الحكاية السادسة والثلاثين.


1) (1) ويشهد لذٰلك عدم تعرّض النمازيّ له في كتابه

ومنها قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في (البحار)، وتفسير الأئمّة علیهم السَّلام وغيرها.

ومنها ما سمعه منه عليّ ابن طاووسٍ في السرداب الشريف.

ومنها ما علم محمّد بن عليٍّ العلويّ الحسينيّ المصريّ في الحائر الحسينيّ وهو بين النوم واليقظة، وقد أتاه الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف المُكرّرًا وعلمه إلى أن تعلّمه في خمس ليالٍ وحفظه، ثمّ دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف ب‍ "العلويّ المصريّ" وغير ذٰلك.

ولعلَّ هٰذا هو الأصل أيضًا في كثيرٍ من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الإمام عَلَیه السَّلام لمّا وجده مخالفًا لما عليه الإماميّة أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحقُِّ ويذهب عن أهله؛ جعله قولًا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله؛ لعدم قيام الأدلّة الظاهرة بإثباته، ولعلّه الوجه أيضًا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان؛ نظرًا إلى احتمال كونها قول الإمام عَلَیه السَّلام ألقاها بين العلماء؛ كي لا يجمعوا على الخطإ، ولا طريق لإلقائها حينئذٍ إلّا بالوجه المذكور.

وقال السيّد المرتضى رحمه الله في كتاب (تنزيه الأنبياء) في جواب من قال: فإذا کان الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف غائبًا بحيث لا يصل إليه أحدٌ من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه؟ قلنا: الجواب أوّل ما نقوله: إنّا غير قاطعين على أنّ

الامام عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يصل إليه أحدٌ ولا يلقاه بشرٌ! فهٰذا أمرٌ غير معلومٍ ولا سبيل إلى القطع عليه(1).

وقال أيضًا: في جواب مَن قال: إذا كانت العلّة في استتار الإمام خوفه من الظالمين، واتّقاءه من المعاندين، فهٰذه العلّة زائلةٌ في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهرًا لهم: بعد كلامٍ له، وقلنا أيضًا: إنّه غير ممتنعٍ أن يكون الإمام يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئًا من أسباب الخوف، وإنَّ هٰذا ممّا لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنّما يعلم كلُّ واحدٍ من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره(2). وله في كتاب (المقنع في الغَيْبة) كلام يقرب ممّا ذكره هناك(3).

وقال الشيخ الطوسيّ رحمه الله في كتاب (الغَيْبة) في الجواب عن هٰذا السؤال بعد كلامٍ له: والّذي ينبغي أن يجاب عن هٰذا السؤال الّذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنا أوّلًا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم، ولا يعلم كلُّ إنسانٍ إلّا حال نفسه، فإن كان ظاهرًا له فعلّته مُزاحةٌ، وإن لم يكن ظاهرًا له علم أنّه إنّما لم يظهر له لأمرٍ يرجع إليه، وإن لم يعلمه مفصّلًا لتقصيرٍ من جهته(4).


1) (1) تنزيه الأنبياء: ص 235، القائم المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، في الوجه في غيبته عن أوليائه وأعدائه.

2) (2) تنزيه الأنبياء: ص 238، القائم المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، في الوجه بيان علّة استتاره.

3) (3) المقنع والغَيْبة: ص 57، إمكان ظهور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف بحيث لا يمسّه الظلم.

4) (4) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 99 و100، علّة غيبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف من أوليائه؛ انظر: تلخيص الشافي: ج 4، ص 221، فصلٌ في إمامة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وتقدّم كلماتٌ للسيّد عليّ بن طاووسٍ تناسب المقام خصوصًا قوله: مع أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف حاضرٌ مع الله- جلّ جلاله - على اليقين، وإنّما غاب من لم يلقه عنهم؛ لغيبته عن حضرة المتابعة له، ولربِّ العالمين(1)».

قال السيّد ابن طاووسٍ رحمه الله يخاطب ابنه قائلًا: «والطريق مفتوحةٌ إلى إمامك لمَن يريد الله - جلّ شأنه- عنايته به، وتمام إحسانه إليه»(2).

ثمّ يختم المحدِّث النوريّ رحمه الله قائلًا: «وفيما نقلنا من كلماتهم وغيرها ممّا يطول بنقله الكتاب، كفايةٌ لرفع الاستبعاد، وعدم حملهم الخبر على ظاهره، وصرفه إلى أحد الوجوه الّتي ذكرناها»(3).

كلمات الأعلام حول إمكان اللقاء بالمهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

1- وقال الآخوند الخراسانيّ رحمه الله: «وربّما يتفق لبعض الأوحديّ وجه آخر من تشرّفه برؤيته عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأخذه الفتوى من جنابه، وإنّما لم ينقل عنه، بل يحكى الإجماع لبعض دواعي الإخفاء»(4).


1) (1) كشف المحجّة: ص 104، الفصل السابع والسبعون، غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) هٰذه العبارة لم تكن في (جنّة المأوى)، ونقلناها عن المصدر مباشرةً. انظر: كشف المحجّة: ص 212، الفصل الخمسون والمئة: بيان بعض الأمور المتعلّقة بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

3) (3) جنّة المأوى: ص 321 و322، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

4) (4) كفاية الأصول: ص 288 و289، المقصد السادس: الأمارات، فصل الإجماع المنقول.

2 قال الميرزا النائينيّ رحمه الله: «لأنَّ مسلك الدخول ممّا لا سبيل إليه عادةً في زمن الغَيْبة، بل ينحصر ذٰلك في زمان الحضور الّذي كان الإمام يجالس الناس ويجتمع معهم في المجالس؛ فيمكن أن يكون الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أحد المجمعين. وأمّا في زمان الغَيْبة فلا يكاد يحصل ذٰلك عادةً. نعم، قد يتّفق في زمان الغَيْبة للأوحديّ لتشرّف بخدمته وأخذ الحكم منه عجل الله تعالی فرجه الشریف، فيدّعي الإجماع عليه، وأين هٰذا من دعوى كون مبنى الإجماع على دخول شخصه في المجمعين؟»(1).

3- وقال السيّد الگلپايگانيّ رحمه الله: «بصورة عامّةٍ لا يمكننا أن نشير إلى طريقٍ يمكن سلوكه حتّى يحظى الإنسان بشرف لقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف. نعم، هناك ثلّةٌ عرفت الإمام ومقامه ففازوا بلقائه، ومع ذٰلك يمكن أن يقال: إنَّ الطريق إلى الوصول هو العمل بالتكاليف الشرعيّة واكتساب رضاه(2).

4- وقال الشيخ عبّاسٌ القمّيّ في ترجمة السيّد بحر العلوم: «السيّد محمّد مهديّ ابن العالم السيّد مرتضى ابن العالم الجليل السيّد محمّدٍ البروجرديّ الطباطبائيّ، كان رحمه الله سيّد العلماء الأعلام، ومولى فضلاء الإسلام، علّامة دهره وزمانه، ووحيد عصره وأوانه. قال شيخنا في (المستدرك): "قد أذعن له جميع علماء عصره ومَن تأخر عنه بعلوّ المقام


1) (1) فوائد الأصول: ج 3، ص52، الفصل الثاني: في حجّيّة الإجماع المنقول، الأمر الثالث.

2) (2) جلوه های پنهانی امام عصر عجل الله تعالی فرجه الشریف: ص 139. [المصدر باللغة الفارسية]

والرئاسة النقليّة والعقليّة وسائر الكمالات النفسانيّة، حتّى أنَّ الشيخ الفقيه الأكبر الشيخ جعفرًا النجفيّ مع ما هو عليه من الفقاهة والرئاسة كان يمسح تراب خفّه بحنك عمامته، وهو من الّذين تواترت عنه المكرمات ولقاؤه الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف، ولم يسبقه في هٰذه الفضيلة أحدٌ فيما أعلم إلّا السيّد رضيّ الدين علي ابن طاووسٍ، وقد ذكرنا جملةً منها بالأسانيد الصحيحة في كتابنا (دار السلام، وجنّة المأوى، والنجم الثاقب)، لو جُمعت لكانت رسالةً حسنةً»(1).

5- وقال المرحوم الشيخ محمّد عليّ الواعظ الخراسانيّ والد الشيخ عبد الحسين الخراسانيّ: «إِنَّ الّذين مع الله - تعالى - لا يريدون أن يبرزوا ويظهروا الاتصال خلافًا لبعض المدّعين للتشرّف، وأنَّ المهديّ الآن واقفٌ خلفي مع أنّه لو كان الأمر حقيقةً يجب أن لا يصرِّح به مَن أراد أن يكون الإمام على صلةٍ معه، لا بدَّ أن يتجاوز عن أنانيته»(2).

النتيجة

اتّضح من مجموع البحوث والمطالب الّتي تعرّضنا لها أنّ أصل اللقاء والارتباط مع الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف ليس محالًا عقلًا، لٰكنّ إثبات دعوى الرؤية واللقاء بحضرته الشريفة أمرٌ مشكلٌ. أمّا التوقيع الشريف


1) (1) الكنى والألقاب: ج 2، ص 68، ترجمة بحر العلوم.

2) (2) مجله‌ی خلق [مجلّة خلق]: شماره‌ى، 4 و5، (از فروردین تا تیر 1387)، گفتگو با آیت الله واعظ خراسانى.

فإنّما ينفي أصل النيابة ودعوى السفارة الخاصّةٌ، لا إمكانيّة المشاهدة أو التشرّف باللقاء.

الجواب السادس

قال المحدّث النوريّ رحمه الله: «أن يكون المخفيّ على الأنام والمحجوبُ عنهم مكانَه ومستقرَّه الّذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحدٌ، ولا يعرفه غيره حتّى ولده، فلا ينافي لقاءه ومشاهدته في الأماكن والمقامات الّتي قد مرّ ذكر بعضها، وظهوره عند المضطرّ المستغيث به، الملتجئ إليه الّذي انقطعت عنه الأسباب وأغلقت دونه الأبواب.

وفي دعوات السيّد الراونديّ و(مجموع (الدعوات) للتلعكبريّ و(قبس المصباح) للصهرشتيّ في خبر أبي الوفاء الشيرازيّ أنّه قال له رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في النوم: "وأمّا الحجّة، فإذا بلغ منك السيف للذبح، وأومأ بيده إلى الحلق، فاستغث به فإنّه يغيثك، وهو غياثٌ وكهفٌ لمَن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان، أنا مستغيثٌ بك". وفي لفظٍ: "وأمّا صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف هنا - ووضع يده على حلقه - فاستعن به فإنّه يعينك"(1).

وممّا يؤيّد هٰذا الاحتمال ما رواه الشيخ والنعمانيّ في كتابَي (الغَيْبة) عن المفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عَلَیه السَّلام يقول: إنَّ لصاحب هٰذا


1) (1) الدعوات: ص 192، الباب 3: ذكر المرض ومنافعه، فصلٌ في التداوي بتربة مولانا وسيّدنا أبي عبد الله الحسين عَلَیه السَّلام، ح 530.

الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات. وبعضهم يقول: قُتل. وبعضهم يقول: ذهب. فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفرٌ يسيرٌ من وليٍّ ولا غيره إلّا المولى الّذي يلى أمره(1).

وروى الكلينيّ عن إسحاق بن عمّارٍ، قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام: "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرةٌ، والأخرى طويلةٌ. الغَيْبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ مواليه"(2).

ورواه النعمانيّ وفي لفظه بدون الاستثناء في الثاني، ورواه بسندٍ آخر عنه عَلَیه السَّلام، قال: "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرةٌ، والأخرى طويلةٌ. الأولى لا يعلم بمكانه إلّا خاصّةٌ شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه إلّا خاصّةٌ مواليه في دينه"(3).

وليس في تلك القصص ما يدلّ على أنَّ أحدًا لقيه عجل الله تعالی فرجه الشریف في مقرِّ سلطنته ومحلّ إقامته.

ثمّ لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف ظهر في الغَيْبة الصغرى


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 172، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر، الفصل الرابع، ح 5؛ الغَيْبة (للطوسي): ص 162، ما ورد عن الأئمّة في غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 120؛ انظر: ص 61، الجواب عن الأخبار الدالّة أنّ الكاظم عَلَیه السَّلام هو القائم، ح 60.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 19.

3) (3) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 170، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر، الفصل الرابع، ح 2.

لغير خاصّته ومواليه أيضًا، فالّذي انفرد به الخواصّ في الصغرى هو العلم بمستقرِّه، وعَرْضُ حوائجهم عليه عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه، فهو المنفيّ عنهم في الكبرى، فحالهم وحال غيرهم فيها كغير الخواصّ في الصغرى، والله العالم»(1).

وكيف كان فإنّه يمكن في هٰذا المقام الاستناد إلى التواقيع الشريفة المرسلة إلى الشيخ المفيد رحمه الله بعد بداية الغَيْبة الكبرى بسنين عديدةٍ، ففيها تأييدٌ وشاهدٌ على إمكان الارتباط واللقاء بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

قال المحقِّق التستريّ: «وذكر يحيى بن بطريقٍ الحلّيّ في محكيّ رسالة نهجه: وأمّا الطريق الثاني في تزكية المفيد رحمه الله فما ترويه كافّة الشيعة وتتلقّاه بالقبول: أنَّ الصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف كَتَبَ إليه ثلاث كتبٍ في كلّ سنةٍ كتابًا - إلى أن قال - وهٰذا أو فى مدحٍ وتزكيةٍ.

وأشار ابن بطريقٍ بالكتب إلى التوقيعات الّتي نقلها (الاحتجاج) عنه عجل الله تعالی فرجه الشریف إليه، منها: للأخ السديد والوليّ الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد محمّد بن محمّد بن النعمان، أدام الله إعزازه - إلى أن قال - سلامٌ الله عليك أيُّها الوليّ المخلص فينا باليقين - إلى أن قال - ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحقِّ وأجزل مثوبتك عن نطقك عنّا بالصدق- أنّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة...»(2).


1) (1) جنة المأوى: ص 324 و325، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هٰذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

2) (2) قاموس الرجال: ج 9، ص 553 و554، ترجمة محمّد بن محمّد بن نعمان، رقم 7244.

إشكال السيّد الخوئيّ رحمه الله

إنَّ وصول هٰذه التواقيع الثلاثة إلى يد الشيخ المفيد رحمه الله الّتي تلاقاها الشيعة وعلماؤهم بالقبول يتنافى مع نفي النيابة ودعوى السفارة بعد السفير الرابع؛ لأنّه يُسأل هنا: مَن الّذي نقل الرسالة؟ هل هو نائبٌ خاصٌّ؟ والحاصل: أنَّ رسائل الشيخ المفيد رحمه الله تتعارض مع التوقيع الشريف.

وهٰذا نصّ كلام السيّد الخوئيّ رحمه الله، حيث قال في ترجمة الشيخ المفيد رحمه الله: «... بقى هنا أمورٌ:

الأوّل: أنّه حكى عن رسالة نهج العلوم ليحيى بن بطريقٍ الحلّيّ توقيعاتٍ صدرت من الناحية المقدّسة إلى الشيخ المفيد رحمه الله، أوّلها:

للأخ السديد، والولي الرشيد، الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان (أدام الله (إعزازه) من مستودع العهد المأخوذ على العباد، بسم الرحمٰن الرحيم. أما بعد، سلامٌ عليك أيها الوليّ المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين...

وفي آخر لهٰذا التوقيع: هٰذا كتابنا إليك أيُّها الأخ الوليّ، والمخلص في ودِّنا الصفيّ، والناصر لنا الوفيّ حرسك الله بعينه الّتي لا تنام، فاحتفظ به ولا تظهر على خطِّنا الّذي سطرناه بما له ضمنّاه أحدًا، وأدِّ ما فيه إلى مَن تسكن إليه، وأوصِ جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

والتوقيع الثاني: ورد عليه يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجّة

سنة اثنتي عشرة وأربعمئة، نسخته: بسم الله الرحمٰن الرحيم سلامٌ الله عليك أيُّها الناصر للحقِّ، الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنّا نحمد الله إليك الّذي لا إله إلّا هو إلٰهنا وإلٰه آبائنا الأوّلين، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا محمّدٍ خاتم النبيّين، وعلى أهل بيته الطاهرين.

وبعد، فقد كنّا نظرنا مناجاتك - عصمك الله - بالسبب الّذي وهبه الله لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه - إلى أن قال - ونحن نعهد إليك أيُّها الوليّ المخلص، المجاهد فينا الظالمين أيّدك الله بنصره الّذي أيَّد به السلف من أوليائنا الصالحين - إلى أن قال -

وكتب في غرّة شوّال من سنة اثنتي عشرة وأربعمئةٍ، وفي آخره: هٰذا كتابنا إليك أيُّها الوليّ الملهم للحقِّ العليّ بإملائنا، وخطّ ثقتنا، فاخفه عن كلِّ أحدٍ، واطوه واجعل له نسخةً يطّلع عليها مَن تسكن إلى أمانته من أوليائنا، شملهم الله ببركتنا إن شاء الله، الحمد لله والصلاة على سيّدنا محمّدٍ النبيّ وآله الطاهرين.

والتوقيع الثالث مفقودٌ ولم تصل إلينا صورته. وأمّا هٰذان التوقيعان فقد ذكرهما الطبرسيّ في (الاحتجاج) في الجزء الثاني، في توقيعاتٍ واردةٍ من الناحية المقدّسة.

أقول: هٰذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدّسة؛ فإنَّ الشيخ المفيد رحمه الله قد ولد بعد الغَيْبة الكبرى بسبعٍ أو تسع سنين، وموصل التوقيع إلى الشيخ المفيد رحمه الله مجهولٌ. هبْ أنَّ الشيخ المفيد جزم

بقرائن أنَّ التوقيع صدر من الناحية المقدّسة، ولٰكن كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية على أنَّ رواية (الاحتجاج) لهٰذين التوقيعين مرسلةٌ، والواسطة بين الطبرسيّ رحمه الله والشيخ المفيد مجهولٌ»(1).

الجواب

إنَّ إشكال السيّد الخوئيّ رحمه الله هٰذا وقع موردًا للنقض والإبرام والقبول والرفض بين بعض العلماء، وهٰذا ما سنناقشه، فنقول:

إنَّ الّذين قبلوا هٰذا الإشكال قالوا بأنَّ الشيخ الطوسيّ رحمه الله - وهو تلميذ الشيخ المفيد - لم ينقل هٰذا التوقيع في كتاب (الغَيْبة)، مع أنَّ له شرحًا مفصّلًا ومبسوطًا وتحليلًا عن الغَيْبة هناك؛ لذا لو كان هٰذا التوقيع واقعيًّا ومعتبرًا لكان من المناسب جدًّا أن يذكره ويُبيِّنه هناك، لٰكنّه لم يذكر أيَّ شيءٍ بهٰذا الاسم، ولا أثر ولا خبر لهٰذه الواقعة، لا في كتبه الرجاليّة ولا في الكتب الّتي تحدّثت عن الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

والجدير بالذكر أنَّ السيّد المرتضى رحمه الله وهو من تلامذة الشيخ المفيد ليست لديه أيّ إشارةٍ إلى هٰذه التواقيع الشريفة أيضًا، وكذٰلك ابن إدريس في (المستطرفات) - الجامع لكتاب (عيون ومحاسن المفيد) - هو الآخر لم يذكر هٰذه التوقيعات، والكراجكيّ وابن داود لم يذكرا ذٰلك أيضًا.


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 17، ص 208 و209، محمّد بن محمّدٍ بن النعمان، رقم 11717.

فائدةٌ

قال ابن شهر آشوب: «لَقّبه بالشيخ المفيد صاحب، الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد ذكرت سبب ذٰلك في مناقب آل أبي طالبٍ»(1).

ولٰكن لم نجد في المناقب أيّ إشارةٍ إلى هٰذه القصّة، وإنّما تحدّثتْ مطالب الكتاب عن أحد عشر إمامًا، وليس هناك أيُّ مطلبٍ عن الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ونتساءل هنا: من أين جاء ابن بطريقٍ أو ابن شهرآشوب بتلك الرسائل؟

والجواب: يُحتمل أنّهما أوردا ذٰلك نقلًا عن الشيخ الطبرسيّ رحمه الله؛ وذٰلك لأنَّ ابن بطريقٍ هٰذا كان معاصرًا لابن شهر آشوب (المتوفّى 588 ه‍)

والطبرسيّ رحمه الله (المتوفّى 620 ه‍). ولٰكن تبقى إشكالات السيّد الخوئيّ رحمه الله واردةً وقويّةً.

ويمكن في مقام الجواب عن إشكال السيّد الخوئيّ رحمه الله أن يقال: إنَّ الشيخ الطبرسيّ رحمه الله قد ذكر في مقدّمة كتابه(الاحتجاج) ما نصّه:

«ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده؛ إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف، إلّا ما أوردته عن أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام، فإنّه ليس في الاشتهار على حدّ ما سواه، وإن كان مشتملًا على مثل الّذي


1) (1) معالم العلماء: ص 113، ترجمة الشيخ المفيد، رقم 765؛ ذرائع البيان: ج 2، ص 89، ترجمة الشيخ المفيد، رقم 9.

قدّمناه؛ فلأجل ذٰلك ذكرت إسناده في أوّل جزءٍ من ذٰلك دون غيره؛ لأنَّ جميع ما رويت عنه عَلَیه السَّلام إنّما رويته بإسنادٍ واحدٍ من جملة الأخبار الّتي ذكرها عَلَیه السَّلام في تفسيره»(1).

وفي هٰذه الصورة يبقى إشكال السيّد الخوئيّ رحمه الله بلا جوابٍ أيضًا؛ لأنَّ هٰذه التواقيع ليس مجمعًا عليها ولا هي مشهورةٌ، ولعلَّ هٰذا هو رأي السيّد الخوئيّ رحمه الله في إشكاله. ومرجع إشكال السيّد إلى أنَّ الشيخ المفيد رحمه الله لم يكن من السفراء الخاصّين، ولم يكن هناك من نوّابٍ خاصّين للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في عصره.

وقد ردَّ البعض على إشكال السيّد الخوئيّ رحمه الله بما حاصله:

نحن نلتزم بعدم السفارةالخاصّةٌ، ولٰكن يمكن أن تكون الرسالة قد وصلتْ إلى الشيخ المفيد رحمه الله عبر مبعوثٍ خاصٍّ، وهٰذا لا يتنافى مع الالتزام بنفي السفارة الخاصّةٌ بعد السفير الرابع، بمعنى أنّنا نفرِّق بين السفراء الخاصّين وبين الأفراد العاديِّين الّذين قد تُوكل إليهم بعض المهمّات؛ كإيصال الرسالة إلى شخصٍ أو مكانٍ ما. ومثال ذٰلك في زماننا جليٌّ وواضحٌ، فقد تُوكل مهمّة إيصال رسالةٍ خاصّةٌٍ من قِبل رئيس الدولة إلى شخصٍ أو رئيسٍ آخر مع وجود السفارة والسفير في ذٰلك البلد(2).


1) (1) الاحتجاج: ج 1، ص 4، مقدّمة المؤلف.

2) (2) وقد ألمح السيّد الخوئيّ إلى هٰذا المعنى في كتابه. انظر: معجم رجال الحديث: ج 1، ص 303، ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 318 وص 75، المقدّمة الرابعة، المورد الخامس، وكالة الإمام.

والجدير بالذكر أنّه في قصّة الشيخ المفيد رحمه الله وفي توقيعات الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف إليه لم يدَّعِ الشيخ المفيد ولا المبعوث النيابة الخاصّةٌ، بل ولا أحد من الشيعة ادّعاها للشيخ رحمه الله، ونحن لا نلتزم بانقطاع الصلة الكاملة بيننا وبين الإمام في عهد الغَيْبة الكبرى، بل هناك وسائط وارتباطاتٌ لا تتنافى مع غلق باب السفارات الخاصّةٌ، وإليك شواهد:

الشاهد الأوّل: قصّة المرجع الكبير السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ رحمه الله

لمّا آلت إليه زعامة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بدأت الحكومة الإجراميّة الملكيّة بإيذاء المعمّمين والعلماء واشترطت عليهم الاجتهاد شرطًا للبس العمامة. ومن أجل الحفاظ على العمامة وعلى هٰذا الزيّ، ومن أجل صدِّ مؤامرة إضعاف العلماء في إيران؛ بدأ السيّد الأصفهانيّ بإعطاء إجازات الاجتهاد لكلِّ معمَّمٍ إلى حدٍّ اعترض جمعٌ من العلماء على السيّد الأصفهانيّ بسبب هٰذا التصرّف، فأجاب السيّد: أنا مأمورٌ.

فقلق البعض وتوهّموا أنّه مأمور من قِبل السلطة الملكيّة، فالتجأ السيّد إلى كشف الحقيقة والواقع وإفشاء السرِّ على مضضٍ، فأراهم رسالةً قائلًا: إنّها من قِبل الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأنّه هو الّذي أمره بذٰلك.

الشاهد الثاني

إنَّ هٰذه القصّة مرتبطةٌ بالحادث الأليم الّذي أصاب السيّد أبا الحسن الأصفهانيّ، وهو مقتل ابنه السيّد حسنٍ، فأوقف السيّد نشاطٰهٰ المرجعيّ، وأغلق باب بيته واعتزل الناس، وألغى كلَّ لقاءاته ومواعيده، فجاءه الشيخ

محمّدٌ الكوفيّ وهو معروفٌ بالزهد والتقوى، وقال: إنَّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أمره بأن يسلّم إليك رسالةً، وكان مضمون الرسالة: افتح باب بيتك نحن ننصرك(1).

إذن يمكن لنا القول: إنَّ لمثل هٰذه النيابات والوسائط وجودًا لا يمكن إنكاره، لٰكنّها ليست نيابةً خاصّةًٌ؛ لأنَّ النيابة والسفارة الخاصّةٌ مرتبطةٌ بالسفراء الأربعة ومنحصرةٌ فيهم رضی اللهَ عنْهم.

وبناءً على ما تقدّم فنحن

نقبل أصل التوقيع

والرسالة، ونقبل تكرار

هٰذه اللقاءات أيضًا، وهي

لا تتنافى بأيِّ شكلٍ من

الأشكال مع التوقيع

الشريف الصادر من الإمام

صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف إلى

السفير الرابع، ولٰكن لا

يعني هٰذا قبول دعوى اللقاء والتشرّف من أيِّ شخصٍ؛ لأنَّ إثبات ذٰلك مشكلٌ جدًّا.

خلاصة البحث

إنَّ هٰذا التوقيع الشريف يمتاز بصحّة السند وسلامة المتن وقوّة المضمون، وبحسب الظاهر أنّه لا مجال لردِّه أو تضعيفه، أو لا أقلّ هو موردٌ للقبول العلماء. ومن جهةٍ أخرى فإنّ هناك نصوصًا كثيرةً دالّةً على التشرّف واللقاء، ولا نستطيع أن نردَّها كلّها؛ لأنَّ فيها تواترًا إجماليًّا ومعنويًّا؛ لذا نقول في مقام الجمع بين آراء كلا الطائفتين: إنَّ مورد النفي وعدم القبول هو هو ادّعاء السفارة والنيابة الخاصّةٌ فقط، لا أصل التشرّف واللقاء مع حضرته المقدّسة؛ لأنَّ


1) (1) مشاهیر دانشمندان اسلام: ج 4، ص 375، استدراكات (ترجمة آية الله الإصفهانيّ).

إمكان التشرّف بلقائه غير محالٍ في عصر الغَيْبة الكبرى، لٰكنّ إثبات ذٰلك يحتاج إلى دليلٍ.

ونقول كذٰلك: إنَّ لقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ليس أمرًا سهلًا ومتيسّرًا للجميع بحيث يستطيع أيُّ شخصٍ أن يدَّعي ذٰلك؛ لذا نحن نرى دعوى الكثير من المدَّعين للتشرف بلقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف موردًا للنظر ومحلَّا للبحث والتأمّل، خاصّةًٌ فيما لو ادّعوا اللقاء الاختياريّ(1).

نعم، إنّ اللقاء غير الاختياريّ يمكن أن يكون موردًا للقبول، وهٰذا الأمر مشروطٌ بوثاقة صاحب هٰذا التشرّف واللقاء أو الناقل له، والله العالم بحقائق الأمور.


1) (1) وهو اللقاء الّذي لا يكون عن توقيتٍ وتنسيق مسبقٍ، وعادةً ما يرافق عدم معرفة الإمام (روحي لتراب مقدمه الفداء).

الفَصْلُ السابع

اشارة

سرداب سامرّاء

وغَيْبة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف

لمّا كانت العقيدة المهدويّة عقيدةً ثابتةً بالقطع واليقين بمقتضى النصّ المتواتر بين المسلمين كافَّةً؛ فإنّه قد يروق للبعض المساس بأهمّيّة هٰذه العقيدة والتشكيك فيها من خلال إثارة بعض الأمور الهامشيّة الّتي لا يضرّ وجودها أو عدمها بأصل العقيدة، ومن جملة تلك الأمور مسألة سرداب الغَيْبة الّذي قد يطرحه البعض بغية تسخيف العقيدة والاستهزاء بها وإثارة الشبهة حولها.

خلاصة شبهات المخالفين حول سرداب سامرّاء

1- أنّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف غاب واختفى في سرداب سامرّاء.

2- أنّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيش في سرداب سامرّاء.

3- أنّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف يظهر من سرداب سامرّاء.

4- تجتمع فرقٌ من الشيعة كلّ ليلةٍ بباب سرداب سامرّاء أو سرداب الحلّة! بزعمهم أنَّ الإمام يعيش هناك فيطلبون منه الخروج والظهور!

كلمات علماء أهل السنّة حول سرداب سامرّاء

إنّ السمعانيّ هو أوّل من اتّهم الشيعة، فطرح بحث السرداب ونسب إليهم ظهور الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف منه، وكلُّ مَن أتى بعده فقد نقل هٰذه التهمة عن كتابه واقتبسه منه.

والحقيقة أنّه لا يوجد في كتب الإماميّة المعتبرة بحثٌ عن علاقة سرداب به تعالى سامرّاء بغَيْبة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، وإنّما قداسة هٰذا السرداب تابعةٌ

لقداسة مَن كان فيه؛ فهو كان منزلًا لإمامين من الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام (الهادي والعسكريّ علیهما السَّلام) ومحلًّّا لولادة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ لذا فهو يُعِدُّ من جملة الأماكن المقدّسة لدى الشيعة بسبب هٰذه الاعتبارات الّتي ذكرناها، وليس في الكتب الشيعيّة المعتبرة غير ذٰلك.

أمّا العامّة فكلماتهم تشير إلى علاقةٍ بين السرداب وغيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف:

1- عبد الكريم السمعانيّ (المتوفّى 562 ه‍)

يقول: «سُرَّ مَن رأى... وبها السرداب المعروف في جامعها الّذي تزعم الشيعة أنّ مهديّهم يخرج منه»(1).

2- ياقوتٌ الحمَويّ (المتوفّى 626 ه‍)

يقول: «سامرّاء بلدٌ على دجلة... وبها السرداب المعروف في جامعها الّذي تزعم الشيعة أنّ مهديّهم يخرج منه... وخُرّبت حتّى لم يبق منها إلّا موضع المشهد (العسكريّين) الّذي تزعم الشيعة أنّ به سرداب القائم»(2).

3- ابن الأثير (المتوفّى 630 ه‍)

قال: «توفّي حسن بن عليٍّ... وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإماميّة، وهو والد (م ح م د) الّذي يعتقدونه المنتظر بسرداب (سامرّاء)(3).


1) (1) الأنساب: ج 3، ص 202، باب السين المهملة، السامَرِّيّ.

2) (2) معجم البلدان: ج 3، ص 173 و176، باب السين والألف وما يليها، سامرّاء.

3) (3) الكامل في التاريخ: ج 4، ص 454، حوادث سنة 260، ذكر عدّة حوادث.

4- ابن خلكان (المتوفّى 681 ه‍)

يقول: «أبو القاسم (م ح م د) ابن الحسن... وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرةْ، وهم ينتظرونه في آخر الزمان من السرداب بسرّ مَن رأى... والشيعة يقولون: إنّه دخل السرداب في دار أبيه، وأمُّهُ تنظر إليه فلم يعد يخرج إليها»(1).

5- زكريّا بن محمّدٍ بن محمود القزوينيّ (المتوفّى 682 ه‍)

قال: «وفي جامعها- سامرّاء - السرداب المعروف الّذي تزعم الشيعة أنّ مهديّهم يخرج منه؛ لأنّهم زعموا أنّ محمّد بن الحسن دخل فيه، وكان على باب هٰذا السرداب فرسٌ أصفر، سرجه ولجامه من ذهبٍ، إلى زمن السلطان سنجر بن ملكشاه(2)، جاء يوم الجمعة إلى الصلاة فقال: هٰذا الفرس ها هنا لأيّ شيءٍ؟


1) (1) وفيّات الأعيان: ج 4، ص 176 ترجمة أبي القاسم المنتظر، رقم 562.

2) (2) يقول العلّامة السيّد محمّدمهديّ الخرسان تعليقًا على هٰذه الأكذوبة: «فلنسأل من القزوينيّ المتوفّى سنة 682 الّذي أورد الخبر وبيّن زمانه وزمان السلطان سنجر المتوفّى سنة 552 أكثر من مئةٍ وثلاثين سنةً، فمن روى له ذٰلك؟ وفي أيّ مصدرٍ رآه فرواه؟ ألا فكّر وتدبّر ما بال هٰذا الفرس قائمًا لا يزال ولا يزول! فلا يروث ولا يبول! ولا يأكل ولا يشرب! حتّى لو ظنّه ناقة صالحٍ فيما يحسب، فقد كان لها شرب يوم معلومٍ، ولٰكنّه الخيال الموهوم، والعداء المحموم، يولدان الغفلة فيوقعان الزلّة، لو لم تكن في نفسه علّةٌ، لماذا لم يذكر لنا مبدأ إيقاف الفرس، وبحسب سياق كلامه أنّه كان منذ زمن كذٰلك حتّى زمان السلطان سنجر، وهٰذا توفّي سنة 552 فمن أتى به وأوقفه؟ ومنذ كم جيء به؟ وظلّ واقفًا إلى زمن السلطان سنجر؟ جواب جميع ذٰلك في جراب الأفّاكين، وأظهر ما يستبطن كذب خبر القزوينيّ ما ذكره: أنّ السلطان جاء يوم الجمعة إلى الصلاة، فسأل عن شأن الفرس، فإذا كان الفرس واقفًا بباب السرداب، وهو ليس بجامعٍ تقام فيه الجمعة؟ بل إنّ الجامع الّذي تقام فيه الصلاة هو الّذي لا تزال آثاره باقيةً حتى اليوم، ومأذنته (الملويّة)، وبين هذا الجامع وموقع السرداب عدّة كيلومتراتٍ، فأين مكان الصلاة من مكان الفرس؟ وظاهر الخبر أنه صلّى الجمعة في السرداب وخرج وقال: ليس يخرج خيرٌ منّي وركبه، ويبدو أن سنّة التطوّر في الحياة جرت حتّى في أعاجيب الأكاذيب، فما انقضى القرن السابع الّذي ضمّ من ذكرناهم آنفًا حتى طالعنا القرن الثامن بأفانين جديدةٍ، فبدأها ابن تيميّة، فقال في كتابه (منهاج السنّة) ما مرّ ذكره وعليه وزره. فلم يكتفِ بسرداب سامرّاء حتّى ضمّ إليه مشاهد أخر. ولئن ذهب سنجر بالفرس الّذي ذكره القزوينيّ، فإنّ ابن تيميّة جعل مكانها دابّةً إمّا بغلةً وإمّا فرسًا وإمّا غير ذلك، وبدأ من نسج خياله وخباله ما لم يسبقه إليه أحدٌ، فوسّع الآفاق في التلفيق حتّى في الزمان، فذكر العشر الأواخر من شهر رمضان، وفي المكان ذكر المدينة النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. وهكذا تبارى علماء التزوير في النصوص من بعده، فجاء تلميذه ابن قيّمٍ الجوزيّة والذهبيّ وأبو الفداء وابن كثيرٍ، فصاروا يهرفون بما يخرّفون، وتلك بليّةٌ ما فوقها بليّةٌ، ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلةٌ، ومن اللافت للنظر أن بداية فرية السرداب دخولًا فيه وانتظارًا لمن فيه وخروجًا منه كانت في القرن السابع منذ ياقوتٍ الحمويّ. وكلّما تمادى الزمان تبارى أصحاب البهتان في بهت الشيعة في مسألة السرداب» [مجلة الانتظار: العدد 2، تحقيقاتٌ، فرية السرداب].

فقالوا: ليخرج من هٰذا الموضع خير الناس يركبه، فقال: ليس يخرج منه خيرٌ منّي، وركبه. زعموا أنّه ما كان مباركًا؛ لأنّ الغزّ غلبته وزال ملكه»(1).


1) (1) الغزّ اسم طائفةٍ. نقل في (النجم الثاقب) هٰذه الأكاذيب من قطب الدين الأشكوريّ، هٰكذا «... زعم الشيعة أنّ هٰذا الركوب لم يكن له مباركًا، فسلّط عليه طائفة الغزّ فأخذوا الملك منه [النجم الثاقب، ج 1، ص 418].

6- ابن تيميّة (المتوفّى 728 ه‍)

قال: «والمعصوم عند الرافضة الإماميّة الاثني عشريّة هو الّذي يزعمون أنّه دخل سرداب سامرّاء بعد موت أبيه... وهو إلى الآن لم يُعرف له خبرٌ ولا وقع عليه من أحدٍ عين وأثرٌ»(1).

7- الذهبيّ (المتوفّى 748 ه‍)

ذكر قائلًا: «المنتظر الشريف... خاتمة الاثني عشر سيّدًا، الّذين تدّعي الإماميّة عصمتَهم ولا عصمة إلّا للنبيّ. و(م ح م د) هٰذا هو الّذي يزعمون أنّه الخلف الحجّة... وأنّه صاحب السرداب بسامرّاء، وأنّه حيٌ لا يموت حتّى يخرج... ويزعمون أنّه دخل سردابًا في بيت أبيهِ، وأمُّهُ تنظر إليه فلم يخرج إلى الساعة منه، وكان ابن تسع سنين»(2).

8- ابن قيّم الجوزيّة (المتوفّى 751 ه‍)

قال: «وهم ينتظرونه كلّ يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا... ثمّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهٰذا دأ بهم ودأبه»(3).


(1) آثار البلاد: ص 386، الإقليم الرابع، سامرّاء.


1) (2) مجموعة الفتاوى، ج 27، ص 238 - 239، كتاب الفقه، ج 7، الزيارة، سؤالٌ عن مشهد الحسين في القاهرة، رأس الحسين، ص 184؛ انظر: منهاج السنّة النبويّة: ج 3، ص 307.

2) (3) سير أعلام النبلاء: ج 13، ص 119 - 121، ترجمة المنتظر، رقم 60.

3) (4) المنار المنيف: ص 152، الفصل الخمسون، رقم 345.

9- ابن كثير (المتوفّى 774 ه‍)

قال: «وليس بالمنتظر في سرداب سامرّاء؛ فإنَّ ذاك ليس بموجودٍ بالكلّيّة، وإنّما ينتظره الجهلة من الروافض»(1). وقال أيضًا: «وقد ذهب طائفةٌ الرافضة إلى إمامته، وأنّه يُنتَظر خروجه في آخر الزمان... الّذي يخرج في زعمهم من سرداب سامرّا(2).

ويقول في تفسيره: وليس هٰذا بالمنتظر الّذي تتوهّم الرافضة وجوده ثمّ ظهوره من سرداب سامرّا، فإنّ ذٰلك ليس له حقيقةٌ ولا وجود بالكلّيّة، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهّم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهٰؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمّة الاثني عشر الّذين يعتقد فيهم الاثنا عشر من الروافض الجهلهم وقلّة عقلهم»(3).

10- ابن بطوطة (المتوفّى 779 ه‍)

قال: «وبمقربةٍ من السوق الأعظم بهٰذه المدينة [الحلّة] مسجدٌ على بابه ستر حريرٍ مسدولٌ، وهم يسمّونه مشهد صاحب الزمان، ومن عاداتهم أن


1) (1) البداية والنهاية: ج 6، ص 205 في سنة إحدى عشرة من الهجرة، فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة.

2) (2) المصدر السابق: ج 9، ص 42، في سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ؛ انظر: النهاية في الفتن والملاحم: ج 1، ص 26، فصلٌ في ذكر المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، إخبار الرسول صّلى الله عليه وآله وسلّم ببعض ما سيلاقي آل بيته الكرام علیهم السَّلام من متاعب وأهوالٍ.

3) (3) تفسير القرآن العظيم: ج 2، ص 34، سورة المائدة، ذيل آية 12.

يخرج في كلّ ليلةٍ مئة رجلٍ من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم سيوفٌ مشهورة، فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر يأخذون منه فرسًا مسرجًا ملجمًا أو بغلةً كذٰلك، يضربون الطبول والأنفار والبوقات أمام تلك الدّابة، ويتقدّمها خمسون منهم، ويتبعها مثلهم، ويمشي آخرون عن يمينها وشمالها، ويأتون مشهد صاحب الزمان فيقفون بالباب ويقولون: بسم الله يا صاحب الزمان، بسم الله اخرج، قد ظهر الفساد وكثر الظلم، وهٰذا أوان خروجك، فيفرق الله بك بين الحقِّ والباطل، ولايزالون كذٰلك، وهم يضربون الأبواق والأطبال والأنفار إلى صلاة المغرب(1). وهم يقولون إنّ محمّد بن الحسن دخل ذٰلك المسجد وغاب فيه، وأنّه سيخرج، وهو الإمام المنتظر عندهم»(2).


1) (1) يقول العلّامة السيّد محمّد مهدي الخرسان تعليقًا على هٰذه الأكذوبة: «فهٰذا الهراء كذبٌ بلا مراءٍ، فإنّ تاريخ الحلّة في تلك الفترة كان حافلًا بأعلامٍ عظامٍ كالمقداد السيوريّ المتوفّى سنة 826، والحافظ رجبٍ البرسيّ، والشيخ أحمد بن فهدٍ الحلّيّ وأضرابهم، فهل يعقل ويقبل أن يجري ما ذكره ابن بطّوطة بتفاصيله غير المضبوطة ولا يُنكره أحدٌ منهم؟ وأحسب أنّ ما ذكره هو من إفرازات ما كان في أيّام تولّي صدارة الحلّة صفيّ الدين بن حمزة بن محاسن العكرشيّ من ظهور المتمهّديّ في سواد الحلّة، وادّعى أنّه صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریفعجل الله تعالی فرجه الشریف، وذٰلك في شهر رمضان سنة 683، ويدعى بأبي صالحٍ. فاستغوى البسطاء من الناس. وقد ذكر خبره في (الحوادث الجامعة) إلى أن قال: فقُتل أبو صالحٍ وجماعةٌ من أصحابه، وقُطعت رؤوسهم وحُملت إلى بغداد وعلّقت هناك». [مجلّة الانتظار: العدد 2، تحقيقات، فرية السرداب].

2) (2) رحلة ابن بطوطّة: ص 232 و233، الفصل الرابع، العراق وفارس، سادسًا: من شيراز إلى بغداد.

11- ابن خلدون (المتوفّى 808 ه‍)

«يزعمون أنّ الثاني عشر من أئمّتهم... المهديّ دخل في سرداب بدارهم بالحلّة وتغيّب!... وهم إلى الآن ينتظرونه، ويسمّونه المنتظر لذٰلك ويقفون في كلِّ ليلةٍ بعد صلاة المغرب بباب هٰذا السرداب، وقد قدّموا مركبًا ويهتفون باسمه! ويدعونه للخروج حتّى تشتبك النجوم ثمّ ينفذون»(1).

12- أحمد بن يوسف القرمانيّ (المتوفّى 1019 ه‍)

قال: «وكان من عادة الشيعة ببغداد أن في كلّ جمعةٍ يأتون بفرسٍ مشدودةٍ، ويقفون على باب السرداب ويدعون باسم المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، واستمرّوا على هٰذا الحال إلى أن آل الأمر للسلطان سليمان خان من بني عثمان، واستولى على مدينة بغداد وأبطل تلك العادة»(2).

13- عبد الله القصيميّ

تحامل على شيعة آل البيت علیهم السَّلام بقوله: «وإنّ أغبى الأغبياء وأجمد الجامدين هم الّذين غيّبوا إمامهم في السرداب، وغيّبوا معه قرآنهم ومصحفهم! ومَن يذهبون كلَّ ليلةٍ بخيولهم وحميرهم إلى ذٰلك السرداب الّذي


1) (1) تاریخ ابن خلدون: ج 1، ص 210، الباب 3: الفصل السابع والعشرون، في مذاهب الشيعة في حكم الإمامة.

2) (2) أخبار الدول: ج 1، ص 353، الباب 3: في ذكر الحسن والحسين وأولادهما علیهما السَّلام، الفصل الحادي عشر، في ذكر أبي القاسم محمدٍ الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف.

غيّبوا فيه إمامهم ينتظرونه وينادونه ليخرج إليهم! ولا يزال عندهم كذٰلك منذ أكثر من ألف عامٍ»(1).

موقف علماء الشيعة تجاه هٰذه التهم

لقد كانت لعلماء الشيعة مواقف صريحةٌ في الردِّ على تلك التهم الّتي وجَّهها لهم علماء العامّة حول السرداب الطاهر، وهٰذا ما سنبحثه هنا إن شاء الله تعالى.

إِنَّ أوّل مَن أخذ موقفًا حازمًا وردّ على علماء العامّة هو:

1- عبد الجليل القزوينيّ (المتوفّى 560 ه‍)

قال رحمه الله: «الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف ليس في السرداب، السرداب هو محلّ ولادته، وهو في عالم الأنوار لا تحت الأرض»(2)

2- عليّ بن عيسى الأربليّ (المتوفّى 692 ه‍)

قال رحمه الله: «أما قوله(3)(3) يعنى الكنجيّ الشافعيّ، في كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان)، ص 158، الباب 25: في الدلالة على كون المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف حيًّا باقيًا من غيبته إلى الآن. (4): "إنّ المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في سرداب"؛ وكيف يمكن بقاؤه من غير أحدٍ يقوم بطعامه وشرابه؟ فهٰذا قولٌ عجيبٌ وتصوّرٌ غريبٌ؛ فإنّ الّذين


1) (1) الصراع بين الإسلام والوثنيّة: ج 1، ص 302 مقدّمته الثالثة في تشبيهه الوهّابيّين بالخوار [الوجه السابع].

2) (2) النقض (باللغة الفارسيّة): ص 626، شبهةٌ حول موقع القبلة عند الشيعة، رقم 202.

3)

4) .

أنكروا وجوده عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يوردون هٰذا، والّذين يقولون بوجوده لا يقولون إنّه في سرداب، بل يقولون: إنّه حيٌّ موجودٌ يحلّ ويرتحل، ويطوّف في الأرض ببيوتٍ وخِيَمٍ وخَدَمٍ وحَشمٍ(1).

3- المحدث النوريّ

قال رحمه الله: «ونحن كلّما راجعنا وتفحّصنا لم نجد لما ذكروه أثرًا، بل ليس في الأحاديث ذكرٌ للسرداب أصلًا، سوى قضيّة المعتضد (العبّاسيّ) الّتي نقلها نور الدين الحجاميّ في (شواهد النبوّة)، وهي موجودةٌ في كتبهم بأسانيدهم»(2).

4- السيّد محسنٌ الأمين

قال رحمه الله: «إنّ هٰذا جهلٌ ممّن يرى أنّ الشيعة تعتقد وجود المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في سرداب بسرّ من رأى يرى الناس ولا يرونه، فإنّ ذٰلك لا أصل له ولا يعتقده ذو معرفةٍ من الشيعة، بل الشيعة تعتقد بوجود المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف حيًّا في هٰذه الدنيا يرى الناس ويرونه ولا يعرفونه... وقد نشأت شبهة أنّ الشيعة يعتقدون بوجود المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في سرداب بسرّ من رأى من زيارتهم لذٰلك السرداب وتبرّكهم به، وصلاتهم فيه، وزيارة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه، فتوهمّوا أنّهم يقولون بوجوده في السرداب، وتقوّل بعضهم عليهم بأنّهم يأتون في كلّ جمعةٍ


1) (1) كشف الغمّة: ج 4، ص 230، ترجمة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 25: في الدلالة على كون المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف حيًّا باقيًا.

2) (2) كشف الأستار: ص 403، خاتمة الكتاب، الأمر الثاني.

بالسلاح والخيول إلى باب السرداب ويصرخون وينادون يا مولانا اخرج إلينا، وقال إنّ ذٰلك بالحلّة، ثمّ شنّع عليهم تشنيعًا عظيمًا ونسبهم إلى السخف وسفاهة العقل، وهٰذا ليس بعجيبٍ من تقوّلاتهم الكثيرة على الشيعة بالباطل، وهٰذا الّذي زعمه هٰذا القائل لم نره ولم يسمع به سامعٌ من غيره، وإنّما أخذه قائله من أفواه المتقوّلين، أو افتراه من نفسه حتّى أنّه لم يفهم أنّ السرداب بسامرّاء لا بالحلّة.

وسبب زيارة الشيعة لذٰلك السرداب وتبرّكهم به أنّه سرداب الدار الّتي كان يسكنها الإمامان عليّ بن محمّدٍ الهادي وابنه الحسن بن عليٍّ العسكريّ وابنه الإمام المهديّ علیهم السَّلام وتشرف بسكناهم له»(1). وفي موضعٍ آخر يقول: «لم يَرد ها خبرٌ ولا وجد في كتابٍ من كتب الشيعة أنّ المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف غاب في السرداب، ولا أنّه موجودٌ فيه، ولا أنّه عند ظهوره يخرج منه، بل يكون خروجه بمكّة ويبايع بين الركن والمقام»(2).

5- العلّامة الأمينيّ

قال رحمه الله: «وفرية السرداب أشنع وإن سبقه - أي القصيميّ - غيره من مؤلِّفى أهل السنّة، لٰكنّه زاد في الطنبور نغماتٍ بضمّ الحمير إلى الخيول،


1) (1) أعيان الشيعة: ج 2، ص 62، في دفع الشبهات الّتي وردت في أمر المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، الشبهة الرابعة.

2) (2) البرهان على وجود صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف: ص 102، سرداب الغَيْبة.

وادّعائه اطّراد العادة في كلّ ليلةٍ، واتّصالها منذ أكثر من ألف عامٍ، والشيعة لا ترى أنّ غَيْبة الإمام في السرداب، ولا هم غيّبوه فيه، ولا أنّه يظهر منه، وإنّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنّه يظهر بمكّة المعظّمة تجاه البيت، ولم يقل أحدٌ في السرداب: إنّه مغيّب ذٰلك النور، إنّما هو سرداب دار الأئمّة بسامرّاء»(1).

6- العلّامة مرتضى العسكريّ

يقول في بيانٍ له حول هٰذا الموضوع: «أمّا سرداب الغَيْبة الّذي قيل عنه في الحلّة أو سامرّاء. لم أسمع بشيعيٍّ يقول بغَيبة المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه أو بوجوده فيه أو بخروجه منه»(2).

7- العلّامة صدر الدين

قال العلّامة الحجّة صدر الدين في خصوص هٰذه الافتراءات: «ما نسبه إلينا - من غيابه في السرداب - كثيرٌ من خواصّ أهل السنّة، فلاأعرف له مدركًا، ولم أجد له مستندًا»(3).


1) (1) الغدير: ج 3، ص 423 و424، نظرةٌ في كتاب الصراع، أفائك على الشيعة والجواب عنها، رقم 14.

2) (2) أضواء على السنّة المحمّديّة: ص 236، أحاديث المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، أقوال بعض العلماء في هٰذه الأحاديث.

3) (3) موسوعة سيرة أهل البيت، ج 35 (الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف): ص 143، الغَيْبة الصغرى والكبرى، رأى علماء الشيعة. نقلًا عن كتاب (المهديّ)، ص 155.

8- العلّامة باقر القرشيّ

قال رحمه الله: «إنّ غَيْبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف في السرداب أسطورةٌ لم يقل بها أحدٌ من الشيعة منذ فجر تاريخهم حتّى يوم الناس هٰذا، وإنما افتعلها خصومهم والحاقدون عليهم»(1).

9- العلّامة السيّد محمّد مهديّ الخرسان

قال رحمه الله: «ومن المضحك المبكي - وشرّ البليّة ما يضحك - وأشنع الكذب ما يبكي أنّ المفترين ذهب كلٌّ إلى بلد فيه الشيعة فبهتهم ببُهتانه، فابن بطّوطة جعل السرداب مسجدًا في الحلّة، والقرمانيّ نقل السرداب إلى بغداد، والآخرون قالوا في سامرّاء، ومن أتى بعدهم وعرف شناعة بهتانهم أطلق السرداب ولم يعيّن له مكانًا، وهٰكذا راجت تلك الأكاذيب، في حين بين ظهرانيهم يعيش الشيعة، وبين أيديهم تراثهم، فلا هم يمارسون ما بُهتوا به من الوقوف كلّ ليلةٍ، ولا ورد في شيءٍ من كتبهم في الغَيْبة ما يثبت زعم المفتري. والأنكى من كلّ ذٰلك أن نجد من المحدّثين من يزعم لنفسه التخصّص في تحقيق نقد الحديث، يذكر ذٰلك في كتابه عن عمد، ثمّ لا يعلّق عليه بشيءٍ، مع أنّه عاش سنين في العراق وعاشر الشيعة وزار بعض علمائهم، وكلّ ما في الأمر في حقيقة السرداب، أنّه مكانٌ محفورٌ في الأرض ليقي أهل الدار من لفح الهجير وشدّة الحرّ في الصيف، كما كان متعارفًا في ذٰلك الزمان وحتّى اليوم في البلاد الحارّة. وإنّما يحترم الشيعة


1) (1) المصدر السابق: ص 144، الغَيْبة الصغرى والكبرى، رأى علماء الشيعة.

ذٰلك السرداب لأنّه تشرفذ- وشرف المكان بالمكين - بثلاثةٍ من الأئمّة الاثني عشر علیهم السَّلام، فكان مأواهم من حرارة القيظ، وقد صلّوا فيه، ولهم فيه محرابٌ لا يزال أثره حتّى اليوم»(1).

وغيرهم الكثير من العلماء ممّن ردَّ هٰذه المزاعم وفنّدها بالأدلّة والبراهين الوافية.

التحقيقٌ حول سرداب سامرّاء

اشارة

إنّ في المقام سؤالين:

أ- هل وردت قصّة السرداب في روايات الشيعة أو لا؟

ب- هل هناك توجيهٌ مقبولٌ للكلام الوارد في كتاب ابن المشهديّ؟

قصّة السرداب في المصادر الشيعيّة

سرداب الغيبة في كتاب (الخرائج والجرائح)

لعلّ أقدم كتابٍ نقل قضيّة السرداب هو كتاب (الخرائج والجرائح) لقطب الدين الراونديّ (المتوفّى 573 ه‍)، وقد نقل هٰذه القضيّة في موردين من كتابه:

المورد الأوّل: يقول الراونديّ: «ومنها ما روي عن رشيقٍ حاجب المادرانيّ، قال: بعث إلينا المعتضد رسولًا وأمَرنا أن نركب ونحن ثلاثة نفرٍ،


1) (1) مجلّة الانتظار: العدد الثاني، تحقيقاتٌ، فرية السرداب.

ونخرج مخفّين على السروج ونجنب آخر، وقال: الحقِّوا بسامرّاء واكبسوا دار الحسن بن عليٍّ فإنّه توفّي، ومَن رأيتم فيها فأتوني برأسه. فكبسنا الدار كما أمَرنا، فوجدنا دارًا سرّيّةً (شبيه الجنّة) كأنّ الأيدي رفعت عنها في ذٰلك الوقت، فرفعنا الستر وإذا سرداب في الدار الأخرى، فدخلناه وكأنَّ فيه بحرًا وفي أقصاه حصيرٌ قد علمنا أنّه على الماء، وفوقه رجلٌ من أحسن الناس هيئةً قائمٌ يصلّي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيءٍ من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطّى، فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتّى مددتُ يدي إليه فخلّصتُه،وأخرجته، فغُشي عليه وبقي ساعةً، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذٰلك، فناله مثل ذٰلك، فبقيت مبهوتًا، فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوالله ما علمتُ كيف الخبر، وإلى مَن نجيء، وأنا تائبٌ إلى الله. فما التفتَ إلى شيءٍ ممّا قلتُ، فانصرفنا إلى المعتضد فقال: اكتموه وإلّا أضرب رقابكم»(1).

المورد الثاني: هٰكذا ورد في (الخرائج والجرائح): «... فكذٰلك كان صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، بعد وفاة أبيه عَلَیه السَّلام ودفنه خرج جعفرٌ الكذّاب إلى بني العبّاس وأنهى خبره إليهم، فبعثوا عسكرًا إلى سُرّ مَن رأى ليهجموا داره ويقتلوا مَن يجدونه فيها ويأتونه برأسه، فلمّا دخلوها وجدوه عجل الله تعالی فرجه الشریف في آخر السرداب قائمًا يصلّي على حصيرٍ على الماء، وقدّامهم أيضًا كأنّه بحرٌ لكثرة الماءِ في السرداب، فلمّا رأوا ذٰلك يئسوا من الوصول إليه، وانصرفوا مدهوشين إلى الخليفة،


1) (1) الخرائج والجرائح: ج 1، ص 460 و461، الباب 12: في معجزات الإمام صاحب الزماندعجل الله تعالی فرجه الشریف، رقم 5.

فأمرهم بكتمان ذٰلك، ثمّ بعث بعد ذٰلك عسكرًا أكثر من الأوّل، فلمّا دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه حتّى لا يصعد، فخرج من حيث الآن عليه شبكة، وخرج وأميرهم قائمٌ...»(1).

الإشكالات الواردة على أخبار (الخرائج والجرائح)

قبل ذكر الإشكالات ينبغي الالتفات إلى أنّ نقل الخرائج لا يثبت أنّ غيبة الإمام أو ظهوره سوف يكون من السرداب؛ لأنّه لم يدلّ على أكثر من وجوده عجل الله تعالی فرجه الشریف في السرداب يصلّي، ولم يرد أنّه غاب أو سيظهر منه.

الإشكال الأوّل: إرسال الرواية

إنَّ رواية رشيقٍ حاجب المادرانيّ هي روايةٌ مرسلةٌ؛ وذٰلك لأنَّ قطب الدين الراونديّ قد نقل هٰذه القضيّة عن رشيقٍ حاجب المادرانيّ، ورشيقٌ هٰذا كان معاصرًا للمعتضد العبّاسي، والمعتضد تولّى الخلافة سنة 279 ه‍(2)، أي أنَّ 6 رشيقًا هٰذا كان حيًّا إلى حدود سنة 279 ه‍، وفي هٰذه الصورة يكون الاختلاف

والفاصلة الزمنيّة بين رشيقٍ والراونديّ ما يقرب من 300 سنةٍ، وعليه فالواسطة بينهما غير معلومةٍ، وفي النتيجة تكون الرواية مرسلةً.


1) (1) المصدر السابق: ج 2، ص 942، الباب 17: بابٌ في أنّ معجزات النبيّ والأئمّة مسبوقةٌ بمعجزات الأنبياء وأوصيائهم،الفصل الحادي عشر.

2) (2) الكامل في التاريخ: ج 4، ص 564، حوادث سنه 279، ذكر خلع جعفر بن المعتمد وولاية المعتضد.

الإشكال الثاني: راوي الحديث رشيقٌ مهملٌ في كتب الرجال

إِنَّ شخصيّة رشيقٍ هٰذا مهملةٌ. يقول النمازيّ الشاهروديّ حول هٰذا الشخص: «من الثلاثة الّذين بعثهم المعتضد العبّاسيّ إلى سامرّاء إلى بيت مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، فوقّفوا على معجزةٍ ورجعوا خاسرين»(1).

لٰكن على رأينا فإنَّ رشيقًا هٰذا ليس مهملًا ولا مجهولًا، بل هو معلوم الحال بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ؛ وذٰلك لأنّه كيف سيكون حال مَن يبعثه المعتضد العبّاسيّ ليقود الهجوم والاقتحام على منزل الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؟! وهل هو إلّا شخصٌ معلومٌ خبثه تمامًا، بل لا تردّد في حاله؛ لأنّه من أزلام السلطة الظالمة، وهٰذا كافٍ في بيان حاله وعدم قبول رواياته.

الإشكال الثالث: اشتمال الرواية على بقاء الإمام بعد وفاة أبيه العسكريّ فترةٌ طويلةٌ

إنَّ زمان نقل هٰذه القصّة والواقعة متأخّرٌ عن زمان الغَيْبة؛ فالمعتضد العبّاسي قد تولَّى الخلافة في سنة 279 ه‍، أي بعد مضيّ تسعة عشر سنةً من استشهاد الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام، والّذي نقل هٰذه الواقعة بعد استشهاد الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام بما يقرب من تسعة عشر سنة هو رشيقٌ مبعوث المعتضد العبّاسيّ، ومعنى هٰذا الكلام أنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف لم يكن بعدُ قد غاب إلى سنة 279 ه‍، وهٰذا ما لا يتوافق مع وهٰذا ما لا يتوافق مع مبانينا واعتقادنا بأنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف قد غاب بعد استشهاد والده مباشرةً وبلا فاصلةٍ زمنيّةٍ طويلةٍ، وذٰلك في سنة 260 للهجرة.


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث: ج 3، ص 400، ترجمة رشيقٍ صاحب المادراي، رقم 5637.

الإشكال الرابع: عدم ذكر السرداب في نقل الشيخ الطوسيّ

ليست هناك أيّ إشارة للسرداب في ما نقله الشيخ الطوسيّ رحمه الله، إذ إنَّ الشيخ الطوسيّ قد نقل قصّة رشيقٍ وبشكلٍ مفصّلٍ، ولا يوجد فيها أي ذكرٍ للسرداب، وبهٰذا يتّضح أنَّ كلمة السرداب قد أضيفت لاحقًا، ولم تكن في النصوص، بل الموجود كلمة البيت.

وهٰذا نصّ كلام الطوسيّ في (الغَيْبة):

«وحدّث عن رشيقٍ صاحب المادرانيّ قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفرٍ، فأمرَنا أن يركب كلُّ واحدٍ منّا فرسًا ونجنب آخر ونخرج مخفّين، لا يكون معنا قليلٌ ولا كثيرٌ إلّا على السرج مصلّى، وقال لنا: الحقِّوا بسامرة. ووصف لنا محلّةً ودارًا، وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادمًا أسود، فاكبسوا الدار، ومَن رأيتم فيها فأتوني برأسه.

فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه، وفي الدهليز خادمٌ أسود وفي يده تكة ينسجها، فسألناه عن الدار ومَن فيها، فقال صاحبها. فوالله ما التفت إلينا، وقلّ اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمَرنا، فوجدنا دارًا سرّيّةً، ومقابل الدار سترٌ ما نظرتُ قط إلى أنبل منه كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذٰلك الوقت. ولم يكن في الدار أحدٌ، فرفعنا الستر فإذا بيتٌ كبيرٌ كأنّ بحرًا فيه ماءٌ، وفي أقصى البيت حصيرٌ قد علمنا أنّه على الماء، وفوقه رجلٌ من أحسن الناس هيئةً قائمٌ يصلّي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيءٍ من أسبابنا.

فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطّى البيت فغرق في الماء، وما زال يضطرب يدي حتّى مددتُ إليه فخلّصتُه وأخرجته، وغُشي عليه وبقي ساعة. وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذٰلك الفعل فناله مثل ذٰلك، وبقيتُ مبهوتًا، فقلتُ لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوالله ما علمتُ كيف الخبر ولا إلى مَن أجيء، وأنا تائبٌ إلى الله. فما التفت إلى شيءٍ ممّا قلنا، وما انفتل عمّا كان فيه، فهالنا ذٰلك وانصرفنا عنه.

وقد كان المعتضد ينتظرنا، وقد تقدّم إلى الحجّاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقتٍ كان فوافيناه في بعض الليل، فأدْخَلَنا عليه، عليه، فسأَلَنَا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم! لقيكم أحدٌ قبلي وجرى منكم إلى أحدٍ سببٌ أو قولٌ؟ قلنا: لا. فقال: أنا نفيٌّ من جدّي(1)، وحَلَف بأشدَّ أيمانٍ له أنّه رجلٌ إن بلغه هٰذا الخبر ليضربنّ أعناقنا، فما جسرنا أن نحدّث إلّا بعد موته»(2).

الإشكال الخامس: ما هو الدليل على أنّ الّذي رآه الراوي هو الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف؟

إِنَّ تطبيق عنوان «رَجُل» على الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف مشكلٌ؛ فرشيقٌ حينما نقل مجريات القصّة هٰكذا قال: «... فرفعنا الستر فإذا بيتٌ كبيرٌ كأنّ بحرًا فيه ماءٌ، وفي أقصى البيت حصيرٌ قد علمنا أنّه على الماء، وفوقه رجلٌ من


1) (1) «أي لست من بني العبّاس إن لم أضرب أعناقكم إن بلغني لهٰذا الخبر، وفي بعض النسخ "لغي" أي لزنيةٍ منفيًّا من جدّي» [الغَيْبة (للطوسي): ص 250، الفصل الثاني، إثبات ولادة صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 218، الهامش 1].

2) (2) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 248 - 250، الفصل الثاني، إثبات ولادة صاحب الزمان، ح 218 218.

أحسن الناس هيئةً قائمٌ يصلّي...».

لٰكن مَن قال إِنَّ هٰذا الرجل هو الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ إذ ليس هناك من دعوى أو دليلٌ يثبت أنَّ هٰذا الرجل هو الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أو أنّه ابن الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، لذا يكون تطبيق الرجل على الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف من هٰذه الجهة تطبيقًا بلا دليلٍ.

الإشكال السادس: عدم صحّة إطلاق لفظ الرجل على من عمره خمس سنوات

تعتقد الشيعة بأنَّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف قد تولّى منصب الإمامة في سنِّ الخامسة من عمره الشريف، ومنذ تلك اللحظة غاب عن الأنظار، فهل يصحّ إطلاق مفردة رجل الواردة في الرواية على مَنْ عمره خمس سنواتٍ؟! فرشیقٌ عبَّر في الرواية أنّه رأى رجلًا «فرفعنا الستر... وفوقه رجلٌ...»، مع أنَّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف كان عمره آنذاك خمس سنواتٍ، وعليه فلا يصحّ إطلاق لفظ رجلٍ على مَنْ كان عمره خمس سنواتٍ.

الإشكال السابع: كيف نقل رشيقٌ هٰذه الكرامة للإمام مع أنّه من عمّال بني العبّاس؟

هٰذه القصّة هي تقريرٌ من قبل عميلٍ للدولة؛ فرشيقٌ هو ناقل هٰذه الواقعة، وهٰذا الشخص كان أحد رجال الدولة وعمّالها آنذاك، والسؤال هو:

ما الرابط بين هٰذا التقرير وهٰذه الحكاية لخادمٍ تابعٍ لحكومة بني العبّاس مع عقائد الشيعة؟ وكيف تَنسبُ العامّةُ قصّة السرداب وغَيْبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه إلى الشيعة؟ في وقتٍ نرى الشيعة؟ في وقتٍ نرى أنّه لا وجود لهٰذه القصّة في مصادرنا الشيعيّة؟ بل إنّ الّذي نسبها إليهم هو عميلٌ من عملاء العبّاسيّين!

أضف إلى هٰذه الإشكالات أنّه ليس في ما نقله صاحب الخرايج ذكرٌ عن غيبة الإمام في السرداب، بل غاية ما يدلّ عليه أنّ السرداب آخر مكانٍ رؤي فيه الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، والرواية مرسلةٌ لا يعتمد عليها، ولعلّها مأخوذةٌ من مصادرهم.

التسمية بسرداب الغَيْبة في كتاب (المزار) لابن المشهديّ

هناك مصدرٌ آخر من المصادر الإماميّة الّتي ذكرت عنوان السرداب الطاهر وهو كتاب (المزار لمحمّد بن جعفرٍ بن عليٍّ المشهديّ)، وقلنا سابقاً: إنَّ نقل الراونديّ للقصّة في كتاب (الخرائج والجرائح) إنّما كان نقلًا كتب العامّة، ولا علاقة له بكتب وعقائد الشيعة.

قد يقال: ما هو جوابكم عن مثل نقل ابن المشهديّ هٰذه التسمية (سرداب الغَيْبة) في كتابه المزار؟

لأجل أن نجيب بشكلٍ علميٍّ عن شبهة أهل السنّة هٰذه؛ لا بدَّ من تحقيقٍ دقيقٍ حول شخصيّة ابن المشهديّ وحول كتابه أيضًا، ولٰكن لم يذكر القصّة، بل عبّر عن المكان ب‍ "سرداب الغَيْبة" فقط، وسيجيء البحث فيه.

كلام ابن المشهديّ حول السرداب

يقول في المزار: «...ثمّ تخرج ووجهك إلى القبرين على أعقابهم وتأتي سرداب الغَيْبة، فتقف بين البابين ماسكًا جانب الباب بيدك، ثمّ تَنَحْنَحْ كالمستأذن وسمٍّ وانزل وعليك السكينة والوقار، وصلِّ ركعتين في عرصة

السرداب وقل: الله أكبر...»(1).

فاتّضح إذن أنَّ عبارة «وتأتي سرداب الغَيْبة» الواردة في هٰذه الرواية كانت منشاً للشبهة عندهم، وإن كان من المحتمل قويّا أنّه صار علمًا لذٰلك المكان المقدّس، أو أنّه رأيه الشخصيّ، أو باعتبار أنّه آخر مكانٍ رؤي فيه.

تحقيقٌ حول شخصيّة ابن المشهديّ وكتاب (المزار)

اشارة

قبل استعراض آراء العلماء حول ابن المشهديّ وكتابه، لا بدَّ أن نرى ما هو رأي المؤلِّف نفسه حول كتابه ومؤلَّفِه، ففي مقدّمة الكتاب يُبيّن ابن المشهديّ أهمّيّة هٰذا الكتاب قائلًا:

«أمّا بعد، فإنّي قد جمعتُ في كتابي هٰذا من فنون الزيارات للمشاهد

المشرّفات، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات والأدعية المختارات وما يُدعى به عقيب الصلوات وما يناجى به القديم - تعالى - من لذيذ الدعوات في الخلوات، وما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمّات، ممّا اتصلت به من ثقات الرواة إلى السادات»(2).

إذن فابن المشهديّ هٰذا يدّعي في مقدّمة كتابه أنَّ كلَّ الأدعية والزيارات الواردة في هٰذا الكتاب قد نقلها عن الرواة الثقات، وعليه فلو


1) (1) المزار الكبير: ص 657، القسم الثامن، في زيارات الأئمّة علیهم السَّلام، الباب 2: زيارة العسكريّين علیهما السَّلام.

2) (2) المزار الكبير: ص 27، مقدّمة المؤلّف.

ثبتت هٰذه الدعوى فسوف تكون مطالب الكتاب صحيحةً، خاصّةًٌ وأنَّ بعض العلماء قد قال باعتبار الأدعية والزيارات الواردة في هٰذا الكتاب؛ تمسّكاً بهٰذه العبارة من المقدّمة. ولٰكن لم ترد كلمة السرداب في هٰذه الأدعية والزيارات، بل هي في تعابير ابن المشهديّ، ولعلّ ذٰلك لأنّ هٰذه الكلمة صارت علمًا لذٰلك المكان.

ثمّ إنَّ آراء العلماء والمحدّثين حول ابن المشهديّ وكتاب (المزار) مختلفةٌ، ولا بدَّ، هنا من استعراض جملة من الآراء حول اعتبار كتاب (المزار) أو عدم اعتباره.

1- رأي السيّد الخوئيّ رحمه الله

قال رحمه الله في مقدّمة موسوعته الرجاليّة القيّمة، بعد أن نقل دعوى ابن المشهديّ حول كتابه من أنَّ تمام مطالب الكتاب المجموعة فيه قد نقلها من

طريق الرواة الثقات: «وهٰذا الكلام منه صريحٌ في توثيق جميع مَن وقع في أسناد روايات كتابه، لٰكنّه لا يمكن الاعتماد على ذٰلك من وجهين».

[الإشكال الأوّل: بنائيٌّ وصغرويٌّ]

«إنّه لم يظهر اعتبار هٰذا الكتاب في نفسه؛ فإنّ محمّد بن المشهديّ لم

يظهر حاله، بل لم يُعلم شخصه وإن أصرّ المحدّث النوريّ على أنّه محمّد بن جعفر بن عليٍّ بن جعفرٍ المشهديّ الحائريّ، فإنّ ما ذكره في وجه ذٰلك لا يورث إلّا الظنّ».

[الإشكال الثاني: مبنائيٌّ وكبرويٌّ]

«إنّ محمّد بن المشهديّ من المتأخرين، وقد مرّ أنّه لا عبرة بتوثيقاتهم لغير مَن يقرب عصرهم من عصره، فإنّا قد ذكرنا أنّ هٰذه التوثيقات مبنيّةٌ على النظر والحدس؛ فلا يترتّب عليها أثرٌ»(1).

النتيجة

مع ملاحظة هٰذين الإشكالين يتّضح رأي السيّد الخوئيّ رحمه الله في دعوى ابن المشهديّ حول كتابه، وهو سقوطٰهٰا عن الاعتبار، هٰذا مضافًا إلى أنَّ شخصيّة المؤلِّف غير معلومةٍ عنده.

2- رأي الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ رحمه الله

للشيخ الطهرانيّ في كتابه (الذريعة) بيانٌ وبحثٌ حول ابن المشهديّ هٰذا، وحول كتابه (المزار) والطرق المختلفة لهٰذا الكتاب:

أ- من هو مؤلِّف (المزار)؟

يقول العلّامة الطهرانيّ نقلًا عن أستاذه المحدّث النوريّ رحمه الله: الظاهر أنّ مؤلِّف كتاب (المزار) هو محمّد بن جعفرٍ بن عليٍّ بن جعفرٍ المشهديّ.

«مزار محمّد بن المشهديّ الموجود في خزانة كتب الشيخ عليّ بن محمّدرضا آل كاشف الغطاء بالنجف، والميرزا محمّد علي الأردوباديّ أيضًا بالنجف


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 1، ص52، المقدّمة الثالثة، التوثيقات العامّة.

وغيرهما، عبّر عنه المجلسيّ في (البحار) ب‍ "المزار الكبير"، وكان عند شيخنا النوريّ، وينقل عنه في (مستدرك الوسائل)، وذكر شرح اعتباره في خاتمة المستدرك، واستظهر من بعض القرائن أنّه للشيخ محمّد بن جعفر بن عليٍّ بن جعفرٍ المشهديّ الحائريّ الراوي عن أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمّيّ، ويروي أيضًا عن المفيد بواسطتين، وهو سند عالٍ، أوّله: الحمد لله القديم إحسانه، الظاهر،امتنانه، العالي سلطانه»(1).

إنَّ ابن المشهديّ (المتوفّى 569 ه‍) ينقل الرواية أيضًا عن ابن نما المعاصر للسمعانيّ (المتوفّى 560 ه‍)، والسمعانيّ كما مضى هو أوّل مَن نقل قضيّة السرداب من العامّة. وعليه يتّضح أنَّ هٰذه القضيّة وإن نقلها ابن المشهديّ أيضًا لٰكنّ أصلها هو من عند العامّة(2).

ب- مشايخ مؤلّف (المزار)

يذكر الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ رواة الأحاديث في كتاب (المزار) بقوله: «أقول: جملة لهٰؤلاء الثقات الّذي يروي عنهم في الكتاب خمسة عشر رجلًا، وهم:


1) (1) الذريعة: ج 20، ص 324، المزار لمحمّد بن المشهديّ، رقم 2325.

2) (2) لٰكن من البعيد برأينا أن يكون قد اعتمد على كلام رجل عامّيٍّ وليس لديه أيُّ دليل آخر، فلعلّه كان رأيه الشخصيّ، أو غلبت هٰذه الكلمة والاصطلاح على ذٰلك المكان المقدّس وصار علمًا كما أشرنا سابقاً.

1- شاذان المذكور.

2- الشيخ أبو عبد الله الحسين بن هبة بن رطبة، عن الشيخ أبي عليٍّ ابن شیخ الطائفة عن والده. روى عنه زيارة عاشوراء الّتي يذكر فيها أسماء الشهداء مفصلًا.

3- أبو محمّدٍ عبد الله بن جعفرٍ الدوريستيّ المتوفّى ستّمئةٍ ونيّفًا.

4- الشيخ أبو الفتح قيّم جامع الكوفة.

5- الشيخ المقري مسلم بن نجمٍ المعروف ب‍ (ابن الأخت) البزّاز الكوفيّ الزيديّ.

6- أبو المكارم حمزة بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ (المتوفّى 574 ه‍).

السيّد عبد الحميد ابن التقيّ عبد الله بن أسامة العلويّ الحسينيّ (المتوفّى في ذي القعدة 580 ه‍).

8 و9- الشيخان الجليلان أبو البقاء هبة الله بن هبة، وأبو الخير سعد بن أبي الحسن الفرّاء.

10- الشريف أبو جعفرٍ محمّدٌ المعروف ب‍ (ابن الحمد النحويّ) (المتوفّى 571 ه‍).

11- الشيخ الفقيه عماد الدين محمّد بن أبي القاسم الطبريّ (المتوفّى 553 ه‍).

12- الشريف الجليل أبو الفتح محمّد بن محمّدٍ الجعفريّة.

13 و14- الشيخان العالمان أبو محمّدٍ عربيّ بن مسافرٍ، وهبة الله بن نما بن حمدون (المتوفّى 573 ه‍)، وروى عنهما سلامٌ على آل ياسين الكبير، والزيارة الجامعة الكبيرة المشهورة.

15- الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمّد بن عليٍّ بن شهرآشوب المازندرانيّ

(المتوفّى 588 ه‍)»(1).

ج‍ - منهجيّة كتاب (المزار)

يقول الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ حول طريقة تأليف الكتاب: وابتدأ بباب زيارة النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وأئمة البقيع علیهم السَّلام، ثمّ النجف ومسجد الكوفة، ثمّ لا الحائر، ثمّ الكاظميّة، ثمّ الرضويّ، ثمّ سامرّاء، وبعض الجوامع والأصحاب وأولاد الأئمّة علیهم السَّلام والمؤمنين، ثمّ إضافات»(2).

النتيجة

إنَّ الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ لم يصرّح باعتبار المؤلِّف ولا الكتاب، بل قام بالتعريف بالمؤلِّف وبمشايخه في الكتاب لا أكثر.

3. رأي المحدّث النوريّ رحمه الله

رأيه حول الكتاب

في أوّل الأمر أورد المحدّث النوريّ كلام العلّامة المجلسيّ الثاني بقوله: «قال في (البحار): كتابٌ كبيرٌ في الزيارات، تأليف محمّد بن المشهديّ كما يظهر من تأليفات السيّد ابن طاووسٍ، واعتمد عليه ومدحه وسمّيناه بالمزار الكبير، وقال في الفصل الآخر: والمزار الكبير يُعلم من كيفيّة أسناده أنّه


1) (1) الذريعة: ج 20، ص 324، المزار لمحمّد بن المشهديّ رقم 2325.

2) (2) المصدر السابق.

كتابٌ معتبرٌ، وقد أخذ منه السيّدان ابنا طاووسٍ كثيرًا من الأخبار والزيارات... مراده من ابنَي طاووسٍ: السيّد رضيّ الدين عليٌّ في مزاره، والسيّد عبد الكريم في (فرحة الغريّ)»(1).

وحاصل ما يستفاد من كلام العلّامة المجلسيّ أنّه يرى اعتبار المؤلِّف والكتاب معًا.

ثمّ يتابع المحدّث النوريّ قائلًا: «ومنه يظهر أنّه معدودٌ في زمرة الفقهاء، كما أنّه يظهر من صدر كتابه الاعتماد على كلِّ ما أودعه فيه، وأنّ ما فيه من الزيارات كلّها مأثورةٌ وإن لم يستند بعضها إليهم علیهم السَّلام في محلّه»(2).

رأيه حول المؤلّف

قال المحدّث النوريّ رحمه الله حول كتاب (المزار): «والّذي أعتقده أنّه من مؤلَّفات محمّد بن جعفرٍ المشهديّ، وهو بعينه محمّد بن جعفرٍ الحائريّ، وإن جعل في أمل الآمل) له عنوانين وظنّه اثنين. قال فيه: الشيخ محمّد بن جعفرٍ الحائريّ فاضلٌ جليلٌ له كتابٌ (ما اتفق من الأخبار في فضل الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام...) إلى أن قال: الشيخ محمّد بن جعفرٍ المشهديّ، كان فاضلًا محدّثًا صدوقًا، له كتبٌ يروي عن شاذان بن جبرئيل القمّيّ»(3).


1) (1) خاتمة مستدرك الوسائل: ج 1، ص 358، الفائدة الثانية، كتاب المزار، رقم 53.

2) (2) المصدر السابق: ص 359 و360، الفائدة الثانية، كتاب المزار، رقم 53.

3) (3) المصدر السابق.

النتيجة

إنَّ المحدّث النوريّ وعلى خلاف السيّد الخوئيّ رحمه الله يقول إنَّ ابن المشهديّ ليس مجهول العين والوصف، بل هو محمّد بن جعفرٍ المشهديّ، وهناك شواهد على ذٰلك.

يقول المحدّث النوريّ: «ويظهر منه أنّه رحمه الله من أعاظم العلماء، واسع الرواية، كثير الفضل، معتَمدٌ عليه كما أنّه يظهر ممّا ذكرنا من خطبة كتابه أنّ كلَّ ما فيه من الدعوات والزيارات مأثورةٌ عنهم علیهم السَّلام»(1).

رأينا في المقام

أوّلًا: أنَّ البعض لديه تأمّلٌ في الكتاب، بل في المؤلِّف أيضًا، وهٰذا ما لا يمكن تاوزه بسهولةٍ.

ثانيًا: دعوى المؤلِّف بأنَّ مطالب الكتاب منقولةٌ عن الرواة الثقات غير مقبولةٍ؛ لأنّه من المتأخّرين، ومعروفٌ أنَّ توثيقات المتأخرين غير معتبرةٍ؛ لأنّها عن حدسٍ وظنٍّ لا عن حسٍّ.

ثالثًا: وثاقة ابن المشهديّ ليست ثابتةً وواضحةً لنا، وتوثيق الشيخ الحُرّ العامليّ في (أمل الآمل) بأنّه «كان فاضلا، محدثًا، صدوقًا» إنّما هي عن حدسٍ؛ لأنَّ ابن المشهديّ كان في القرن السادس، والشيخ الحُرّ العامليّ كان في القرن الثاني عشر، إذن فهناك فاصلةٌ زمنيّةٌ بينهما تقرب من ستّة فرونٍ، وعليه فلا مجال لأيِّ حسٍّ أو مشاهدةٍ بينهما.


1) (1) المصدر السابق: ص 364، الفائدة الثانية، كتاب المزار، رقم 53.

رابعًا: قال العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «وقد أخذ منه السيّدان ابنا طاووسٍ كثيرًا من الأخبار والزيارات...». لٰكنّ ابن طاووسٍ نقل هٰذه الرواية في (مصباح الزائر) دون الإشارة إلى قضيّة سرداب الغَيْبة(1)لذٰلك من المحتمل أن تكون القضيّة قد أضيفت فيما بعد إلى كتاب ابن المشهديّ، أو أنَّ عبارة «سرداب الغَيْبة» ليست جزءًا من الرواية، أو أصبحت هٰذه المفردة عَلمًا لذٰلك المكان المقدّس.

خامسًا: أنَّ ابن المشهديّ كان معاصرًا للسمعانيّ، وهو أوّل عالمٍ سنّيٍّ نسب إلى الشيعة الاعتقاد بسرداب الغَيْبة؛ لذا من المحتمل جدًّا أن يكون ابن المشهديّ قد أخذ هٰذه التسمية منه ونقلها عنه دون الاعتقاد بمضمونها.

اتّهاماتٌ للشيعة حول السرداب

أ- هل أن ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف سوف يكون من السرداب؟

من الأقوال الّتي لا دليل عليها، وتشنّع بها العامّةُ علينا وتتّهمنا بها هي أنَّ الشيعة تعتقد بأنَّ ظهور الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف سوف يكون من سرداب سامرّاء.


1) (1) «إذا زرت العسكريّين علیهما السَّلام بالزيارة الثالثة من الفصل التاسع عشر، أو بغيرها من الزيارات، فأت إلى السرداب وقف ماسكًا جانب الباب كالمستأذن، وسمِّ وانزل وعليك السكينة والوقار، وصلّ ركعتين في عرصة السرداب وقل: الله أكبر...» [مصباح الزائر: ص 444، الفصل السابع عشر، في زيارة مولانا صاحب الزمان علیهما السَّلام، الزيارة السادسة].

دفع هٰذا الاتّهام

إنَّ شيعة آل البيت علیهم السَّلام تُتّهم بقضيّة السرداب مع أنّه لم يَردْ لهٰذه القضيّة أيُّ ذكرٍ في أحاديثهم ورواياتهم، ولا في أيِّ متنٍ من المتون الشيعيّة المعتبرة، بل حتّى في الكتب غير المعتبرة مثل (الهداية الكبرى) للخصيبيّ. أمّا الرواية الواردة في كتاب (الخرائج والجرائح) للراونديّ فقد قلنا إنَّها مبتليةٌ بعدّة إشكالاتٍ سندًا ودلالةً، ولا تدلّ على غيبة الإمام في السرداب وخروجه منه، وقد بيّنّاها سابقًا، ولعلّ أهمّها أنّه لم يرد في هٰذا الكتاب شيءٌ عن غيبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أو ظهوره في هٰذا السرداب، وإنّما هي فقط دعوى المشاهدة له.

بل إنَّ الروايات تؤكّد بكلِّ صراحةٍ على أنَّ ظهور الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف سيكون من مكّة المكرّمة بجانب الحجر الأسود، وسوف نشير إلى بعض تلك الروايات؛ ولذا لا يبقى هٰذه التهمة أيُّ معنًى أو مجالٍ يُذكر، هٰذا فضلًا عن أنّه لا دليل على أنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف سوف يظهر من السرداب.

وإليك جملةً من الروايات المُصرِّحة بأنَّ ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف بجوار الحجر الأسود:

الرواية الأولى: «حدّثنا سعيدٌ أبو عثمان، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ عَلَیه السَّلام قال: ثمّ يظهر المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف بمكّة عند العشاء، ومعه رايةُ رسولِ الله صّلى الله عليه وآله وسلّم وقميصُه وسيفُه، وعلاماتٌ ونورٌ وبيانٌ، فإذا صلّى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكَّركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربِّكم، وقد اتّخذ الحجّة وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب، أمركم أن لا تشركوا به شيئًا، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة، رسوله، وأن تحيوا ما أحيا القرآن وتُميتوا ما

أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى ووزراءَ على التقوى؛ فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالُها وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل وإحياء سنّته. فيظهر في ثلاثمئة وثلاثةَ عشرَ رجلًا، عدّة أهل البدر، على غير ميعاد، قزعًا كقزع الخريف، رهبانًا بالليل، أسدٌ بالنهار، فيفتح الله للمهديّ عَلَیه السَّلام أرضَ الحجاز، ويستخرج مَن كان في السجن من بني هاشمٍ، وتنزل الرايات السود الكوفةَ، فيبعث بالبيعة إلى المهديّ عَلَیه السَّلام، ام ويبعث المهديّ عَلَیه السَّلام جنودَه في الآفاق، ويُميت الجورَ وأهلَه، وتستقيم له البلدان، ويفتح الله على يديه القُسطنطينيّة».

أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى ووزراءَ على التقوى؛ فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالُها وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل وإحياء سنّته. فيظهر في ثلاثمئة وثلاثةَ عشرَ رجلًا، عدّة أهل البدر، على غير ميعاد، قزعًا كقزع الخريف، رهبانًا بالليل، أسدٌ بالنهار، فيفتح الله للمهديّ عَلَیه السَّلام أرضَ الحجاز، ويستخرج مَن كان في السجن من بني هاشمٍ، وتنزل الرايات السود الكوفةَ، فيبعث بالبيعة إلى المهديّ عَلَیه السَّلام، ام ويبعث المهديّ عَلَیه السَّلام جنودَه في الآفاق، ويُميت الجورَ وأهلَه، وتستقيم له البلدان، ويفتح الله على يديه القُسطنطينيّة»(1).

الرواية الثانية: «محمّد بن يحيى وغيره، عن محمّد بن أحمد، عن موسى بن عمر، عن ابن سنانٍ، عن أبي سعيدٍ القمّاط، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عَلَیه السَّلام: لأيِّ علّةٍ وضع الله الحَجَر في الركن الّذي هو فيه، ولم يوضع في غيره؟ ولأيِّ علّةٍ يُقبَّل؟ ولأيِّ علّةٍ أخرج من الجنّة؟ ولأيِّ علّةٍ وُضع ميثاقُ العبادِ والعهدِ فيه، ولم يوضع في غيره؟ وكيف السبب في ذٰلك؟ تخبرني جعلني الله فداك فإنّ تفكّري فيه لعجب. قال: فقال: سألتَ وأعضلتَ في المسألة واستقصيت فافهم الجوابَ، وفَرِّغ قلبكَ، وأصغ سمعَك


1) (1) الفتن: ص 270 و271، ج 5، الباب 44: اجتماع الناس بمكّة وبيعتهم للمهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 1007؛ الملاحم والفتن: ص 123، الباب 103: فيما ذكره نعيمٌ من خروجه عجل الله تعالی فرجه الشریف براية رسول الله و...، ح 157؛ انظر: الصراط المستقيم: ج 2، ص 262، الباب 11: فيما جاء في المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وتملّكه وبقائه، فصل 13.

أخبرك إن شاء الله. إنَّ الله - تبارك وتعالى - وضع الحجرَ الأسودَ وهي جوهرةٌ أخرجت من الجنّة إلى آدم عَلَیه السَّلام، فوُضعت في ذٰلك الركن لعلّةِ الميثاق؛ وذٰلك أنّه لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم حين أخذ الله عليهم الميثاق في ذٰلك المكان، وفي ذٰلك المكان تراءى لهم، ومن ذٰلك المكان يهبط الطير على القائم عَلَیه السَّلام، فأوّل مَن يبايعه ذٰلك الطائر وهو والله جبرئيل عَلَیه السَّلام، وإلى ذٰلك المقام يسند القائم ظهره، وهو الحجّة والدليل على القائم، وهو الشاهد لمَن وافاه في ذٰلك المكان، والشاهد على من أدّى إليه الميثاق والعهد الّذي أخذ الله - عزّ وجلّ – على العباد...»(1).

إذن وبعد هاتين الروايتين وغيرهما من الروايات المتعدّدة اتّضح أنَّ ما ينسب إلى الإماميّة من بعض علماء العامّة ليس صحيحًا ولا يمتّ للواقع بأيِّ صلةٍ، ولعلَّ هٰذه التهمة وأمثالَها ناشئةٌ من عدم اطّلاع هٰؤلاء النفر على عقائد الشيعة وكتبهم ومرويّاتهم.

ب- هل أنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيش فعلا في السرداب؟

هناك اتّهامٌ آخر من قِبل بعض مؤلّفي أهل السنّة ضدّ شيعة آل البيت عَلَیه السَّلام، وحاصله: أنَّ الشيعة تقول إنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيش في عصر الغَيْبة في ذٰلك السرداب.


1) (1) الكافي: ج 4، ص 184، كتاب الحجّ، الباب 1: بدء الحجر والعلّة في استلامه، ح 3 وغيره الكثير من المصادر المعتمدة.

دفع هٰذا الاتّهام

إنّ المحقِّق والمتتّبع لكلمات الطائفة وأقوال علمائها لا يمكنه العثور على أيِّ أثرٍ لمثل هٰذا الكلام الزائف في الأحاديث والمتون والكتب الشيعيّة، بل نستطيع القول: إنّه لم يقل بذٰلك أيُّ عالمٍ من علماء الشيعة ومحدّثيهم ومفكّريهم، بل اعتقادهم الجازم أنّه لا علم لأحدٍ بمكان إقامة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف ومحلّ تواجده في عصر الغَيْبة.

وأمّا قصّة الجزيرة الخضراء، وأنّها مكان سكن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، فليست

أكثر من أسطورةٍ وخرافةٍ.

نعم،، ما أشير إليه في رواياتنا المعتبرة هو أنَّ بعض خواصّ الشيعة في زمن الغَيْبة الصغرى، وبعض الموالين الخواصّ في زمن الغَيْبة الكبرى هم فقط مَن لهم اطّلاعٌ أو علمٌ بمكان الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومن جملة هٰذه الروايات:

الرواية الأولى: «عدةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن عليٍّ الوَشَّاء، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: لا بدَّ لصاحب هٰذا الأمرِ من غَيْبةٍ، ولا بدَّ له في غَيْبته من غَيْبةٍ، ولا بدَّ له في غَيْبته من عُزلةٍ، ونعِمَ المنزلُ طَيبة، وما بثلاثين من وحشةٍ»(1).

يقول الفيض الكاشانيّ رحمه الله في شرحه لهٰذه الرواية: «طيبة: هي المدينة


1) (1) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 16.

المقدّسة، يعني إذا اعتزل فيها مستترًا ومعه ثلاثون من شيعته يأنس بعضهم ببعض، فلا وحشة لهم، كأنّه أشار بذٰلك إلى غيْبَته القصيرة؛ فإنّ في الطويلة ليس لشيعته إليه سبيلٌ»(1).

ويقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله عن السند: «ضعيفٌ أو موثّقٌ»، وأمّا في شرحه عن المتن فإنّه يقول: «والعُزلة بالضمّ: اسم الاعتزال، أي المفارقة عن الخلق.

"ولا بدَّ في غيبته"، وفي بعض النسخ ولا له في غيبته، أي ليس في غَيْبته معتزلًا عن الخلق، بل هو بينهم ولا يعرفونه، والأوّل أظهر وموافقٌ لما في سائر الكتب.

"وطَيْبة" اسم المدينة الطيّبة، فيدلّ على أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف غالبًا في المدينة وحواليها، إمّا دائمًا أو في الغَيْبة الصغرى. وما قيل: من أنّ الطَيْبة اسم موضع سَكَنه عجل الله تعالی فرجه الشریف مع أصحابه سوى المدينة فهو رجمٌ بالغيب. ويؤيّد الأوّل ما مرّ أنّه لمّا سُئل أبوه عَلَیه السَّلام: أين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة.

"وما بثلاثين من وحشةٍ"، أي هو عجل الله تعالی فرجه الشریف مع ثلاثين من مواليه وخواصّه، وليس لهم وحشةٌ؛ لاستئناس بعضهم ببعضٍ، أو هو عجل الله تعالی فرجه الشریف داخل في العدد، فلا يستوحش هو أيضًا. أو الباء بمعنى مع، أي لا يستوحش عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ لكونه مع ثلاثين. وقيل: هو


1) (1) الوافي: ج 2 ص 416، أبواب العهود بالحجج والنصوص عليهم علیهم السَّلام، الباب 46: الغَيْبة، ذيل ح 925 - 19.

مخصوصٌ بالغَيْبة الصغرى. وما قيل: من أنّ المراد أنّه في هيئة مَن هو في سنِّ ثلاثين سنةً، ومَن كان كذٰلك لا يستوحش؛ فهو في غاية البعد»(1).

الرواية الثانية: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشمٍ الجعفري قال: قلتُ لأبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام: جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل. قلتُ: يا سيّدي، هل لك ولدٌ؟ فقال: نعم. فقلتُ: فإن حدث بك حدثٌ فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة»(2).

يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله في شرح هٰذه الرواية: «هٰذا الحديث صحيحٌ. "قال بالمدينة"، أي الطَيْبة المعروفة، ولعلّه عجل الله تعالی فرجه الشریف علم أنّه يدركه، أو خبرًا منه في المدينة. وقيل: اللام للعهد، والمراد بها سُرّ مَن رأى، يعني أنّ سفراءه من أهل سُرّ مَن رأى يعرفونه فسلهم عنه»(3).

الرواية الثالثة: عليّ بن محمّدٍ بن أبي محمّدٍ الوجنانيّ أنّه أخبرني عمّن رآه: أنّه خرج من الدار قبل الحادث بعشرة أيّامٍ وهو يقول: اللّٰهمَّ إِنَّكَ تعلمُ أنّها من أحبِّ البقاعِ لولا الطرد...»(4).


1) (1) مرآة العقول: ج 4، ص 50، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ذيل ح 16.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 328، كتاب الحجّة، باب الإشارة والنصّ إلى صاحب الدار عَلَیه السَّلام، ح 2.

3) (3) مرآة العقول: ج 4، ص 2، كتاب الحجّة، باب الإشارة وتنصّ إلى صاحب الدار عَلَیه السَّلام، ذيل ح 2.

4) (4) الكافي: ج 1، ص 331، كتاب الحجّة، بابٌ في تسمية من رآه عَلَیه السَّلام، ح 10.

إنَّ العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله يصف هٰذا الحديث بالمجهول،

ويقول في شرحه: «"عمّن رآه"، أي القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. "قبل الحادث"، أي وفاة

أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، أو التجسّس عليه من السلطان والتفحّص عنه ووقوع الغَيْبة الصغرى. "أنّها"، أي الدار أو مدينة سُرّ مَن رأى. "لولا الطرد"، أي دفع الظالمين إيّاي»(1).

الرواية الرابعة: «محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوبٍ، عن إسحاق بن عمّارٍ قال: قال أبو عبد الله عَلَیه السَّلام: للقائم غيبتان؛ إحداهما قصيرةٌ والأخرى طويلةٌ: الغَيْبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّةٌ مواليه»(2).

يصف العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله هٰذا الحديث بالموثّق، ويقول في شرحه: «"إلّا خاصّةٌ مواليه"، أي خدمه وأهله وأولاده، أو الثلاثين الّذين مضى ذكرهم. وفي الغَيْبة الصغرى كان بعض خواصّ شيعته مطّلعين على

مكانه؛ كالسفراء وبعض الوكلاء»(3).


1) (1) مرآة العقول: ج 4، ص 13، كتاب الحجّة، بابٌ في تسمية من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 10.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ح 19؛ الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 170، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، فصلٌ في أنّ له عجل الله تعالی فرجه الشریف غيبتين، ح 1.

3) (3) مرآة العقول: ج 4، ص52، كتاب الحجّة، بابٌ في الغَيْبة، ذيل ح 19.

ويقول الفيض الكاشانيّ رحمه الله: «كأنّه يريد بخاصّةٌ الموالي الّذين يخدمونه؛ لأنَّ سائر الشيعة ليس لهم فيها إليه سبيلٌ»(1).

والنتيجة: أنَّه أشير في هٰذه الروايات الثلاث إلى المدينة المنوّرة على وجه الخصوص، وليس هناك أدنى إشارةٍ أو ذكرٍ أو أثرٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ إلى أنَّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيش في سرداب أو قبوٍ(2)وعليه فإنّه لا أساس لرميهم الشيعة - أعزّهم المولى - بهٰذه - التهم الواهية والباطلة.

ويفهم من الرواية الرابعة أنَّ عامّة الناس لا اطّلاع لهم ولا معرفة بمحلّ سكنى الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف ومكان إقامته؛ ولذا فليس من الإنصاف اتّهام الشيعة ممّن لا اطّلاع له على عقائدهم وكتبهم بأنّها تدّعي أنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف يعيش داخل ذاك السرداب الطاهر في سامرّاء(3).


1) (1) الوافي: ج 2، ص 414، أبواب العهود بالحجج والنصوص عليهم عَلَیه السَّلام، الباب 46: الغَيْبة، ذيل ح 920/ 14.

2) (2) «القبو (بفتحٍ فسكونٍ): الحجرة تحت الأرض والجمع أقباءٌ وأقبيةٌ» [معجم لغة الفقهاء: ص 356].

3) (3) ثمّة تحقيقٌ تاريخيٌّ حول بناء السرداب أوردناه في الملحق الثاني من الكتاب.

خاتمة البحث

بالنظر إلى البحوث السابقة فقد ثبت لدينا أنّ قضيّة سرداب سامرّاء لا علاقة لها بمسألة الغَيْبة، وأنّ الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يعيش في ذٰلك السرداب ولا يظهر منه.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى قداسة ذٰلك المكان الطاهر، وأمّا نفي ظهور الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف من ذٰلك السرداب لا يخدش قداسة ذٰلك المكان، كيف وهو منزل الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام ومحلّ عبادته وذهابه ومجيئه! وبيوتهم علیهم السَّلام هي مهبط ملائكة الله تعالى، فضلًا عين ارتجال صاحب عن أنّه محلّ ولادة الامام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، لذا فإنَّ هٰذا المكان ومن هٰذه الجهات المذكورة يُعدّ مكانًا مقدسًا لدى شيعة آل البيت علیهم السَّلام، لٰكن لا علاقة له بالغَيْبة أو بالظهور.

الفَصْلُ الثَّامِنُ

اشارة

روايات النهي عن الخروج

قبل الظهور في معرض النقد والتحليل

المَدْخلُ

هل العقيدة المهدويّة تعطّل دور المكلّفين ومسؤليّاتهم تجاه وظائفهم الشرعيّة في عصر الغَيْبة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأنظمة الجائرة؟ وتنهاهم عن الخروج على الظالم؟ وتأمرهم بالركون والسكوت؟

قد تطرأ في بعض الأذهان شبهةُ عدم جواز القيام بأيِّ تحرُّكٍ أو ثورةٍ ضدّ الظلم والظالمين قبل ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف. ويعتقد هٰؤلاء أنَّ أيَّ تحرُّكٍ وقيامٍ يحدث قبل الظهور فهو من الناحية الشرعيّة حرامْ، وٌیستدلّون لذٰلك ببعض الروايات الّتي تخالف وبشدّةٍ أيَّ حركة أو ثورةٍ تنادي بطلب العدالة، — بل وتسمّي ذٰلك الخارج والثائر بال‍ "طاغوت"؛ لذا فإنَّ هٰذه الفرقة - وبالاستناد إلى مثل هٰذه الروايات - تبرِّر سكوتها وصمتها عن الظلم الّذي يجري من حولها.

في هٰذا الفصل نحاول أن نبحثٌ في الروايات المعتمدة حول المقام - أي روايَتَيْ الكافي والنعمانيّ - الّتي تنهى عن القيام قبل ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ونناقشها سندًا ودلالةً، ثمّ نذكر الروايات الأخرى الّتي وردت

بهٰذا المضمون نفسه.

لقد أورد المحدّث الجليل الحُرّ العامليّ في كتابه القيِّم (وسائل الشيعة)، في

كتاب الجهاد، روايات النهي عن القيام، تحت عنوان: "بابُ حكمِ الخروج بالسيف قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف(1)، والمُلاحظ أنَّ الحُرَّ العامليّ لم يُفتِ في عنوان الباب، ولم يُعطِ رأيه في الموضوع، وإلّا لكان عبَّر بمثل: "وجوبُ الخروج" أو "حرمة الخروج" كما هو دأبه في ذكر عناوين الأبواب المختلفة في الوسائل فيما لو كان له رأيٌ فيها، لٰكنّه اكتفى هنا بذكر عنوان الباب من دون تبنّي أيّ حكمٍ خاصٍّ.

عمدة الروايات حول هٰذا الموضوع

الرواية الأولى

«وعنه [عليّ بن إبراهيم]، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعيٍّ، رفعه عن عليّ بن الحسين عَلَیه السَّلام قال: والله لا يخرج واحدٌ منّا قبل خروج القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف إلا كان مَثَلُهُ مثلَ فَرخٍ طارَ مِن وَكرِهِ قبل أنْ يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فعبثوا به»(2).


1) (1) وسائل الشيعة: ج 15، ص 50 - 56، كتاب الجهاد، الباب 13: حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) الكافي: ج 8، ص 264، ح 382، الوافي: ج 2، ص 238، أبواب وجوب الحجّة ومعرفته، الباب 24: ابتلاء أهل البيت علیهم السَّلام بالناس، ح9/707؛ وسائل الشيعة: ج 15، ص 51، كتاب الجهاد، الباب 13: حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 2/19965؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 302، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 26: يوم خروجه وما يحدث عنده، ح 68.

سند الرواية

هٰذه الرواية مرسلةٌ، وفي سندها ربعيّ بن عبد الله بن الجارود، وهو وإن كان ثقةً (1)لٰكنّه من ناحية الطبقة والعمر يُعدُّ من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم علیهما السَّلام؛ وعليه فلا يمكنه أن يروي عن الإمام زين العابدين علَیه السَّلام، خاصّةٌ وأنّه لم يُعدّ من المعمِّرين(2).

قال العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله: «إنَّ هٰذه الرواية مرفوعةٌ(3)، ومن الواضح جدًّا أنَّ المرفوع في اصطلاحنا هو من أقسام المُرْسَل».

وأمّا النعمانيّ رحمه الله فقد ذكر هٰذه الرواية مع تفاوتٍ بسيطٍ وبسندٍ آخر عن الإمام الباقر عَلَیه السَّلام، حيث قال: «حدّثنا محمّد بن همّامٍ، قال: «حدّثنا جعفر بن، محمّد بن مالكٍ، قال: حدّثني أحمد بن عليٍّ الجعفيّ، عن محمّد بن المثنى الحضرميّ، عن أبيه، عن عثمان بن زيدٍ الجُهنيّ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ ابن عليٍّ الباقر َلَیه السَّلام قال: مَثَلُ خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم، ومَثَلُ مَنْ خَرَج مِنّا أهل البيت قبل قيامِ القائم مثلُ فرخٍ طار فوقع من وكرِه فتلاعبتْ به الصبيانُ»(4).


1) (1) قال الشيخ محي الدين المامقانيّ: «اتّفقت كلمات العامّة على صدقه، وكلمات الخاصّةٌ بوثاقته من دون غمزٍ فيه، فهو ثقةٌ جليلٌ، والرواية من جهته صحيحةٌ» [تنقيح المقال: ج 27، ص 85 ترجمة ربعيّ بن عبد الله بن الجارود، رقم 8040].

2) (2) انظر: معجم رجال الحديث: ج 7، ص 160، ترجمة ربعيّ بن عبد الله، رقم 4499.

3) (3) مرآة العقول: ج،26، ص 259، كتاب الروضة، ذيل ح 382.

4) (4) الغَيْبة (للنعمانيّ) ص 199، الباب 11: ما روي في الصبر وانتظار الفرج، ح 14.

ولٰكن في سند رواية النعمانيّ رحمه الله أيضًا إشكالان:

أوّلًا: هناك عدّةٌ من رجال هٰذا السند بين مهملٍ أو مجهولٍ، أمثال أحمد بن عليٍّ الجعفيّ وعثمان بن زيدٍ الجُهنيّ ومحمّد بن المثنّى الحضرميّ(1).

ثانيًا: أنَّ جعفر بن محمّدٍ بن مالكٍ ضعيفٌ فاسد العقيدة كما صرَّح بذٰلك النجاشيّ (2)، يقول عنه ابن الغضائريّ: «كذَّابٌ، متروك الحديث جملةً. وكان في مذهبه ارتفاعٌ، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعةٌ فيه»(3).

النتيجة

إنّنا وجدنا جمعًا من علمائنا كابن الوليد وابن نوحٍ والشيخ الصدوق رحمه الله قد ضعَّفوا هٰذا الرجل، وعلى الرغم من وجود توثيقٍ له من الشيخ الطوسيّ وعليّ بن إبراهيم فإنّه لا يمكننا الحكم بوثاقته؛ لوجود المعارض، وهي التضعيفات الّتي ذكرناها آنفًا عن بعض الأعلام القدامى، وقد صرَّح السيّد الخوئيّ رحمه الله أيضًا بهٰذا الأمر(4).


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 2، ص 168، ترجمة أحمد بن عليٍّ بن عبيدٍ الجحفيّ، رقم 696؛ ج 11، ص 110، ترجمة عثمان بن زيد بن عديٍّ، رقم 7586؛ ج 17، ص 185، ترجمة محمّد بن المثنّى الحضرميّ، رقم 11667.

2) (2) رجال النجاشيّ: ص 124، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن مالكٍ رقم 313.

3) (3) معجم رجال الحديث: ج 4، ص 117، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن مالكٍ، رقم 2279.

4) (4) انظر: معجم رجال الحديث: ج 4، ص 117 - 118، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن مالكٍ، رقم 2279.

لهٰذا فالطريق لا يخلو من إشكالٍ يمكن التغاضي عنه، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه.

أمّا المحقِّق التستريّ فيقول: «والصواب أن يقال: إنّه مختلفٌ فيه، ضعَّفه ابن الوليد وابن بابوَيْه وابن نوحٍ وابن الغضائريّ والنجاشيّ، ووثَّقه أبو غالبٍ في رسالته، ورجال الشيخ، والترجيح للجارح»(1).

دلالة الرواية

هناك عدّة أمورٍ لا بدّ من بيانها في هٰذا المقام:

الأمر الأوّل

قال ابن القارياغديّ في شرح هٰذه الرواية: «السند مرسلٌ. قوله: "إلّا كان

مثله" بالتحريك، أي صفته "مثل فرخٍ طار من وكره" قال في القاموس: الفرخ: ولد الطائر وكلّ صغيرٍ من الحيوان»(2). وقال: «الوكر: عشّ الطائر، وإن لم يكن فيه»(3)، "قبل أن يستوي" أي يستقرّ، ويعتدل، ويكمل. "جناحاه، فأخذه الصبيان، فعبثوا به" في القاموس: «عبث - كفرح -: لعب. وكضرب: خلط (4)»(5).


1) (1) قاموس الرجال: ج 2، ص 682، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن مالكٍ، رقم 1534.

2) (2) القاموس المحيط: ج 1، ص 275، الفرخ.

3) (3) المصدر السابق: ج 2، ص 162، الوكر.

4) (4) المصدر السابق: ج 1، ص 176، عبث.

5) (5) البضاعة المزجاة: ج 3، ص 442، ذيل ح 381.

الأمر الثاني

لعلَّ هٰذه الرواية في مقام الإخبار عن أمرٍ غيبيٍّ(1)فالإمام عَلَیه السَّلام - وعلى أساس علمه الخاصّ- يخبر بأنَّ الحركات والثورات ما قبل الظهور لن تصل إلى أهدافها، ولهٰذا لا يمنع أن يكون لمثل هٰذه النهضات آثارٌ إيجابيةٌ بل ومطلوبةٌ. وبناءً عليه فليس مقصود الإمام المعصوم َلَیه السَّلام من هٰذه الرواية هو تخطئة هٰذه الثورات أو عدم تأييده لمثل هٰذا القيام أو ذاك التحرّك، كيف وقد أيّد الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام فيها الكثير من الحركات والثورات؛ كقيام زيدٍ الشهيد، وقيام المختار الثقفيّ، وأوضح من هٰذا كلِّه قيام المعصوم بنفسه بالتحرّك ضدّ الظالم، وقيام سيّد الشهداء عَلَیه السَّلام خير دليلٍ على ذٰلك. وكيف كان فإنّ هناك أحداثًا كثيرةً وقعت أمام أنظار الأئمّة علیهم السَّلام، وكانت تحت عنايتهم غير المباشرة أو في ظلِّ تأييدهم علیهم السَّلام.

الأمر الثالث

ورد في عدّة رواياتٍ أنَّ الإمام المعصوم كان يشجِّع على القيام ضدّ سلاطين الجور، فقد أورد ابن إدريس هٰذه الرواية في (السرائر)(2):


1) (1) قال صاحب كتاب (دراسات في ولاية الفقيه): «إنّ الظاهر من الخبر أنه ليس في مقام بيان الحكم الشرعي، وأنّ القيام في قبال الباطل جائز أم لا، بل هو إخبار غيبي منه ام، ومفاده أنّ الخارج منا أهل البيت قبل قيام القائم لا يظفر في النهاية، وإن ترتب على قيامه آثار مهمّةً [ دراساتٌ في ولاية الفقيه: ج 1، ص 222، الباب 3، الفصل الرابع، الرواية الثانية من أخبار الباب].

2) (2) أورده في (مستطرفات السرائر)، باب الزيادات وهو آخر أبواب هٰذا الكتاب ممّا استنزعه واستطرفه من كتب المشيخة المصنّفين والرواة المحصّلين. انظر: السرائر: ج 3، ص 590.

«أبو عبد الله السيّاري عن رجلٍ من أصحابنا، قال: ذُكر بين يدي أبي عبد الله عَلَیه السَّلام، مَن خرج من آل محمّدٍ علیهم السَّلام، فقال علیهم السَّلام: لا أزال أنا وشيعتي بخيرٍ ما خرج الخارجيّ من آل محمّدٍ علیهم السَّلام، ولوددت أنّ الخارجيّ من آل محمّدٍ علیهم السَّلام خرج وعلىَّ نفقة عياله»(1).

لٰكن يردُ على هٰذه الرواية إشكالان:

الإشكال الأوّل: أنَّ هٰذه الرواية مرسلةٌ نظرًا إلى عبارة «عن رجلٍ»، ونجد أيضًا أنَّ راوي هٰذا الحديث هو السيّاريّ، وهو رجلٌ ضعيف الحديث، فاسد المذهب، ذكر ذٰلك لنا الحسين بن عبيد الله، مجفوّ الرواية، كثير المراسيل... أخبرنا الحسين بن عبيد الله قال... قال: «حدّثنا السياري، إلّا ما كان من غلوٍّ وتخليطٍ (2)، وقال عنه ابن الغضائريّ إنّه ضعيفٌ متهالكٌ، غالٍ ومحرفٌ(3)، وقال الشيخ في (الاستبصار): «قال أبو جعفر بن بابوَيْه رحمه الله في فهرسته حين ذكر كتاب (النوادر) استثنى منه ما رواه السيّاريّ، وقال: لا أعمل به ولا أفتي به لضعفه»(4)، وعن الكشّيّ:


1) (1) السرائر: ج 3، ص 609، مستطرفاتٌ السادس: ما استطرفه من كتاب السيّاريّ.

2) (2) رجال النجاشيّ: ص 80، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن سيّارٍ، رقم 192 ومعجم رجال الحديث: ج 2، ص 282، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن سيّار، رقم 871.

3) (3) معجم رجال الحديث: ج 2، ص 283، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن سيّارٍ، رقم 871.

4) (4) الاستبصار: ج 1، ص 237، کتاب الصلاة، أبواب الصلاة في السفر، الباب 138: المتصيّد يجب عليه التمام أم التقصير؛ معجم رجال الحديث: ج 2، ص 283، ترجمة أحمد بن محمّد سيّار، رقم 871.

«إنّه ليس في المكان الّذي ادّعاه لنفسه، وألّا تدفعوا إليه شيئًا»(1).

لٰكنّ رأينا هو عدم اعتبار تضعیفات کتاب ابن الغضائريّ. أما البعض الآخر كالمحدّث النوريّ فقد حاول أن يوثِّق هٰذا الشخص، معتبرًا أنَّ نقل الكلينيّ عنه رواياتٍ كثيرةً يعدّ دليلا على وثاقته واعتباره(2).

الإشكال الثاني: أنَّ رواية السرائر هٰذه ليست في مقام تأييد كلِّ حركةٍ أو كلِّ قيامٍ، بل تشير إلى واقعٍ وحقيقةٍ كانت في ذٰلك الزمان، وهي: أنَّ نتيجة هٰذا القيام سوف تكون انشغال ذهن الحكومة الظالمة به؛ ممّا يكون سببًا لتخفيف الضغط والاضطٰهٰاد، وإبعاد أذاها عن أئمّة أهل البيت علیهم السَّلام وعن شيعتهم ومحبّيهم.

وهٰذا الإشكال كما ترى لا يخلو من تأمّل؛ لأنَّ الإمام عَلَیه السَّلام عبّر ب‍ «الخارجيّ من آل محمّد علیهم السَّلام»، وهٰذه العبارة إن لم تكن تصريحًا واضحًا بالتأييد فهي قطعًا ظاهرةٌ في ذٰلك.

إشكالٌ على روايتي الكلينيّ والنعمانيّ

إنّ الروايتين تتنافيان مع قيام الفاطميِّين في أفريقيا وانتصارهم واستلامهم للسلطة والحكومة، وكذٰلك تتنافيان مع قيام بعض العلويِّين


1) (1) اختيار معرفة الرجال: ص 606، في أبي عبد الله أحمد بن محمّدٍ السيّاريّ، ح 1128؛ معجم رجال الحديث: ج 2، ص 284، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن سيّارٍ، رقم 871.

2) (2) تنقیح المقال: ج 7، ص 351 - 356، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن سيّارٍ، رقم 1497.

في اليمن وإيران وغيرهما، وتتنافيان مع مع كثيرٍ الأحداث والوقائع التاريخيّة الّتي تصلح للنقض على هاتين الروايتين، لذٰلك فإنَّ هٰذا الإخبار الغيبيّ مبتلًى بهٰذا الإشكال والنقض.

وقد أجيب عن هٰذا الإشكال بعدّة أجوبةٍ، من جملتها:

أ- أنَّ هٰذا الإخبار الغيبيّ محمولٌ على الغالب، بمعنى أنَّ مجمل التحرّكات والنهضات لا تصل إلى أهدافها، ولا منافاة في وصول بعض النهضات أو الثورات إلى أهدافها مع هٰذا الإخبار.

ب- جميع هٰذه النقوض ليست واردةً؛ لأنَّ هٰذه النهضات والثورات لم تستطع السيطرة على كلِّ نواحي الأرض والتصرّف في كلِّ أنحاء العالم.

ج‍- أنَّ هٰؤلاء الثوّار لم يكونوا من أصولٍ علويّةٍ، وقد أشار إلى ذٰلك - بعض المؤرّخين(1).

وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ في الجواب الثالث نكتةً خافيةً؛ فمسألة أنَّ الثوّار لم يكونوا علويِّين، إنّما كان اختلاقًا من الإعلام العبّاسي المُضلِّل الّذي كان يروِّج لهٰذه الدعاية القائلة إنَّ هٰؤلاء الثوّار ليسوا من أصول علويّةٍ أو ليسوا علويِّين، وبالتالي لا ارتباط لهم بأهل البيت علیهم السَّلام. وهدفهم من وراء ذٰلك هو تضليل الرأي العامّ وصرف الأذهان عن حقيقة هٰذه الثورات؛ كي لا ينقلب الناس على العبّاسيّين ودولتهم، وألا تتوجّه تلك الأذهان إلى هٰؤلاء


1) (1) تاريخ الخلفاء: ص 6، خطبة المؤلّف.

الثوّار وإلى أصولهم العلويّة، أو إلى ارتباطٰهٰم بأهل البيت علیهم السَّلام، وبهٰذا يتّضح

أنَّ الجواب الثالث ليس تامًّا.

أمّا الجواب الثاني فهو غير تامٍّ أيضًا؛ لأن رواية النهي عن القيام لا يُستفاد منها السيطرة على كلِّ نقاط العالم، وعليه يبقى الجواب الأوّل أكثر سلامةً الإشكالات، بل ويمكن قبوله وتبنّيه بوضوح.

الأمر الرابع

أنَّ المقصود من عبارة «واحدٌ منّا»(1)الواردة في الرواية هو قيام أحد الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام بنفسه، وهو في الواقع كان جوابًا عن سؤال بعض الشيعة الّذين كانوا يضغطون ويصرّون على الأئمّة علیهم السَّلام من أجل القيام والثورة على الحكومة الطاغية؛ لذا فإنَّ الإمام عَلَیه السَّلام أجابهم: «... ومَثَلُ مَنْ خَرَج مِنّا أهل البيت علیهم السَّلام قبل قيامِ القائمِ مثلُ فرخٍ طار فوقع من لها وكره فتلاعبتْ به الصبيانُ».

والمعنى: أنَّ القيام له أسبابه وإمكانيّاته من قبيل تهيئة العدّة والعديد، والأنصار والجنود، وبسبب عدم وجود الأنصار والقوّة والسلاح الكافيين؛ فسوف لا يُكتب النصر لمثل هٰذا القيام الفاقد لشرائط النصر، ودونك هٰذين النموذجين من سيرة الأئمّة علیهم السَّلام:


1) (1) انظر: دراسات في ولاية الفقيه: ج 1، ص 223، الباب 3، الفصل الرابع، الرواية الثانية من أخبار الباب.

1- «عن مأمون الرقّيّ قال: كنت عند سيّدي الصادق عَلَیه السَّلام، إذ دخل سهل بن الحسن الخراسانيّ، فسلَّم عليه ثمّ جلس، فقال له: يا بن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الّذي يمنعك أن يكون لك حقٌ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مئة ألفٍ يضربون بين يديك بالسيف؟ فقال له عَلَیه السَّلام: اجلس يا خراساني رعى الله حقَّك، ثمّ قال: يا حنفيّة أسجري التنّور. فسجَّرَته حتّى صار كالجمرة، وابيضَّ علوُّه، ثمّ قال: يا خراسانيّ، قُمْ فاجلس في التنّور، فقال الخراسانيّ: يا سيّدي يا بن رسول الله، لا تعذَّبني بالنار، أقلني أقالك الله! قال عَلَیه السَّلام: قد أقلتك، فبينما نحن كذٰلك إذ أقبل هارون المكّيّ، سلام ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يا بن رسول الله. فقال له الصادق عَلَیه السَّلام: ألقِ النعلَ من يدك واجلس في التنّور، قال: فألقى النعل من سبابته ثمّ جلس في التنّور، وأقبل الإمام عَلَیه السَّلام يُحدّث الخراسانيّ حديث خراسان حتّى كأنّه شاهدٌ لها، ثمّ قال: قم يا خراسانيّ وانظر: ما في التنّور، قال: فقمتُ إليه فرأيته متربّعًا، فخرج إلينا وسلّم علينا، فقال له الإمام عَلَیه السَّلام: كم تجد بخراسان مثل هٰذا؟ فقال: والله ولا واحدًا. فقال عَلَیه السَّلام: لا والله ولا واحدًا. أمّا إنّا لا نخرج في زمانٍ لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(1).


1) (1) مناقب آل أبي طالب: ج 4، ص 237 باب إمامة أبي عبد الله الصادق عَلَیه السَّلام، فصلٌ في خرق العادات له عَلَیه السَّلام.

2- «محمّد بن الحسن وعليّ بن محمّدٍ بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق،

عن عبد الله بن حمّاد الأنصاريّ، عن سديرٍ الصيرفيّ، قال: دخلت على أبي

عبد الله عَلَیه السَّلام فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال: ولم يا سدير؟ قلتُ: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين عَلَیه السَّلام ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيمٌ ولا عديٌّ. فقال: يا سدير، وكم عسى أن يكونوا؟ قلتُ: مئة ألفٍ. قال: مئة ألف؟! قلتُ: نعم، ومئتي ألف. قال: مئتي ألف؟! قلتُ: نعم، ونصف الدنيا. قال: فسكت عنّي، ثمّ قال: يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلتُ: نعم. فأمر بحمارٍ وبغلٍ أن يسرجا، فبادرت فركبت الحمار. فقال: يا سدير أترى أن تؤثرني بالحمار؟ قلتُ: البغل أزين وأنبل. قال: الحمار أرفق بي. فنزلتُ فركب الحمار وركبت البغل، فمضينا فحانت الصلاة، فقال: يا سدير، انزل بنا نصلّ. ثمّ قال: هٰذه أرض سبخةٌ لا تجوز الصلاة فيها. فسرنا حتّى صرنا إلى أرض حمراء، ونظر إلى غلامٍ يرعى جداء، فقال: والله يا سدير، لو كان لي شيعة بعدد هٰذه الجداء ما وسعني القعود. ونزلنا وصلّينا، فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر»(1).


1) (1) الكافي: ج 2، ص 242 و243، كتاب الإيمان والكفر، بابٌ في قلة عدد المؤمنين، ح 4؛ مرآة العقول: ج 9، ص 287، كتاب الإيمان والكفر، بابٌ في قلة عدد المسلمين، ح 4؛ بحار الأنوار: ج 64، ص 160 - 162، كتاب الإيمان والكفر أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع، الباب 8: قلة عدد المؤمنين، ح 6.

وعلى لهٰذا الأساس فليس من المستبعد أن يكون هٰذا السنخ من الروايات ناظرًا إلى مثل هٰذه المجريات والأحداث وجوابًا لمثل هٰؤلاء الأفراد.

الأمر الخامس

ادّعى بعض العلماء الكبار وبضرسٍ قاطعٍ أنَّ هٰذا النوع من الروايات هو من جعل بني أمية وبني العبّاس واختلاقهم، والهدف من وراء ذٰلك هو ردع العلويِّين عن القيام والثورة على الحكّام»(1).

ونقول بصراحةٍ: إنّ هٰذا الكلام يمكن قبوله ولا يُستبعد ذٰلك؛ لأنَّ جعل الأحاديث من قِبل الحكام لا سيّما الأمويِّين منهم كان أمرًا رائجًا آنذاك، لٰكن ادّعاء القطع واليقين في هٰذا الأمر لا يخلو من إشكالٍ.

الرواية الثانية

«محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّدٍ، عن الحسين بن سعيدٍ، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن

أبي بصيرٍ، عن أبي عبد


1) (1) قال صاحب كتاب (دراساتٌ في ولاية الفقيه): «وربما يتبادر إلى الذهن في هٰذا السنخ من الأخبار كونها من مختلقات عمّال الأمويّين والعبّاسيّين لصرف السادة العلويّين عن فكرة القيام في قبال مظالمهم» [دراساتٌ في ولاية الفقيه: ج 1، ص 222، الباب 3، الفصل الرابع، الرواية الثانية من أخبار الباب]. ثمّ إنَّ هناك شرحًا وافيًا لبعض المحقِّقين حول الموضوع، [انظر: البضاعة المزجاة (شرج كتاب الروضة من الكافي لابن القارياغديّ): ج 3، ص 442، ذيل ح 381]. وممّن ذهب إلى هٰذا الرأي السيّد كاظمٌ الحائريّ دامَ ظِلُهُ [ولایت فقیه در حکومت اسلام، ج 4، ص 34]، والسيّد مصطفى الخمينيّ [ولاية الفقيه (المطبوع ضمن كتاب "ثلاث رسائل")، ص 63].

الله عَلَیه السَّلام قال: كلُّ رايةٍ تُرْفَعُ قبل قيامِ القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف فصاحبها طاغوتٌ يُعبدُ من دون الله عزّ وجلّ»(1).

فقه الحديث

إنَّ كلمة (طاغوت) لها عدّة معانٍ: الكاهن، الشيطان، رأس الضلال(2)، الصنم، كلُّ ما يُعبَد من دون الله تعالى(3). ومفردة الطاغوت تأتي تارةً بمعنى المفرد وتأتي أخرى بمعنى الجمع، فمثال المفرد: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أمِرُوا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلُّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)(4)، ومثال الجمع: (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ)(5).

قال ابن القار ياغديّ في شرح هٰذه الرواية: «قوله: "عنه" أي عن أحمد بن محمّدٍ بن خالدٍ، عن أحمد بن محمّدٍ، أي ابن عيسى. قوله: "كل رايةٍ ترفع قبل قيام القائم" لعلّ رفع الراية كنايةٌ عن ادّعاء السلطنة والخلافة وتهيئة


1) (1) الكافي: ج 8، ص 295، ح 452؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 143، تاريخ الإمام الثاني عشر، باب فضل انتظار الفرج، ح 58.

2) (2) مرآة العقول: ج 26، ص 325 كتاب الروضة، ذيل ح 452.

3) (3) شرح أصول الكافي (للمازندرانيّ) ج 12، ص 447، كتاب الروضة ذيل ح 452؛ مرآة العقول: ج 26، ص 325، كتاب الروضة، ذيل ح 452.

4) (4) سورة النساء: 60.

5) (5) سورة البقرة: 257.

279

أسبابها، سواءٌ كان ذٰلك المدّعي يدعو إلى دين الحقِّ والباطل. "فصاحبها طاغوت"... قال الفيروزآباديّ: "الطاغوت: اللات والعزى، والأصنام، وكلّ ما عبد من دون الله"، والظاهر أنّ قوله عَلَیه السَّلام: "يُعبد من دون الله عزّ وجلّ" : على البناء للمفعول، والجملة صفةٌ لطاغوت، واحتمال كونه على صيغة المعلوم وكون الجملة حالًا عن صاحبها بعيدٌ»(1).

سند الرواية

لقد وصف العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله هٰذا الحديث بأنّه موثَّقٌ(2)، وقال ابن القارياغديّ: «السند موثَّقٌ كالصحيح»(3)، لٰكنّ سنده لا يخلو من الإشكال؛ إذ في هٰذا السند الحسين بن المختار، وقد اختلفت الآراء حوله بين التوثيق والتضعيف:

1- القائلون بضعفه

لقد صرّح الشيخ الطوسيّ رحمه الله بعدم وثاقته، وأنّه واقفيٌّ، وعلى هٰذا الأساس عدَّه العلّامة الحلّيّ ضعيفًا. أمّا المحقِّق الحلّيّ في كتاب المعتبر، فإنّه بعد نقل الرواية يقول: «هٰذه الرواية ضعيفةٌ؛ لأنَّ في سندها حسين بن المختار»(4).


1) (1) البضاعة المزجاة: ج 3، ص 576 و577، ذيل ح 451 (على حسب ترقيمه).

2) (2) مرآة العقول: ج 26، ص 325، كتاب الروضة، ذيل ح 452.

3) (3) البضاعة المزجاة: ج 3، ص 576، ذيل ح 451 (على حسب ترقيمه).

4) (4) المعتبر: ج 1، ص: 289

والبعض الآخر كالشيخ البهائيّ رحمه الله عدَّه ضعيفًا أيضًا، كما في كتاب (مشرق الشمسين) حيث قال في ذيل رواية رواها عنه: «إنّها لا تنهض لإثبات التحريم؛ لاشتمال سندها على الحسين بن المختار، وهو واقفيٌّ»(1).

2- القائلون بوثاقته

يرى ابن عقدة وثاقة هٰذا الرجل، وقد ذكر العلّامة الحلّيّ اسمه في القسم الثاني من كتابه قائلًا: «الحسين بن مختارٍ القلانسيّ، من أصحاب أبي الحسن موسى عَلَیه السَّلام، واقفيٌّ».

وقال ابن عقدة عن عليّ بن الحسن: «إنّه كوفيٌّ، ثقةٌ. والاعتماد عندي على الأوّل»(2).

أما السيّد الخوئيّ رحمه الله وبعد المناقشة في الصغرى - أي في حقيقة دعوى أنَّ الحسين بن المختار واقفيٌّ، وفي الكبرى من أنَّ كون الشخص واقفيًّا يمنع من العمل برواية الثقة - فيعدُّه ضمن الثقات بدون أيّ ترديدٍ أو إشكالٍ قائلًا: «ذكره العلّامة في القسم الثاني، وترك العمل بروايته من جهة بنائه على أنّه واقفيٌّ، والأصل في ذٰلك شهادة الشيخ في رجاله على وقفه. ويردّه:

أوّلًا: أنَّ الوقف لا يمنع العمل بالرواية بعد كون راويها ثقةً، والحسين بن مختارٍ ثقةٌ.


1) (1) انظر: تنقيح المقال: ج 23، ص 44 - 54، ترجمة الحسين بن المختار القلانسيّ الكوفيّ، رقم 6497.

2) (2) خلاصة الأقوال: ص 337 و338، ترجمة الحسين بن المختار القلانسيّ الكوفيّ، رقم 1/1332.

ثانياً: لم يثبت وقفه؛ لشهادة المفيد بأنّه من أهل الورع من الشيعة... وروى في (الكافي) بسندٍ صحيحٍ، عن الحسين بن مختارٍ، وصيّة الكاظم إلى أبي الحسن الرضا عَلَیه السَّلام(1).

ورواه الصدوق بسندين صحيحين مثله في (العيون). وهٰذا لا يجتمع مع وقفه... على أنَّ سكوتَ النجاشيّ والشيخ في (الفهرست) من ذكر مذهبه والغمض فيه شاهدٌ على عدم وقفه. وكيف كان فالرجل من الثقات بلا إشكالٍ»(2).

وقد تولى البعض الآخر أيضًا الدفاع عنه؛ كالعلّامة المامقانيّ والمحقِّق التستريّ(3)، لٰكن لا يمكن أيضًا التجاوز عن تضعيف المحقِّق والعلّامة الحلّيّ بهٰذه السهولة.

طرقٌ أخرى للحديث

إنَّ الرواية المذكورة نقلها النعمانيّ في كتابه بثلاث طرقٍ عن مالك بن أعين الجُهنيّ عن الإمام محمّدٍ الباقر عَلَیه السَّلام، قال النعمانيّ:

1- «أخبرنا عبد الواحد بن عبد الله، قال: «حدّثنا أحمد بن رباحٍ الزهريّ، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس بن عيسى الحسينيّ، عن الحسن بن عليٍّ بن أبي


1) (1) الكافي: ج 1، ص 313، كتاب الحجّة، باب الإشارة والنصّ علي أبي الحسن الرضا عَلَیه السَّلام، ح9.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 6، ص 87، ترجمة الحسين بن المختار، رقم 3643.

3) (3) قاموس الرجال: ج 3، ص 531 - 534، ترجمة الحسين بن المختار، رقم 2259.

حمزة، عن أبيه، عن مالك بن أعين الجُهنيّ، عن أبي جعفرٍ الباقر عَلَیه السَّلام أنّه قال: كلُّ رايةٍ تُرفَعُ قبلَ راية القائم عَلَیه السَّلام صاحبها طاغوتٌ»(1).

2- «أخبرنا على بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار بقمٍّ، قال: حدّثنا محمّد بن حسّان الرازيّ، قال: حدّثنا محمّد بن عليٍّ الكوفيّ، عن عليّ بن الحسين، عن ابن مُسكان، عن مالك بن أعين الجُهنيّ قال: سمعت أبا جعفر الباقر عَلَیه السَّلام يقول: كلُّ رايةٍ تُرفَعُ قبل قيام القائم عَلَیه السَّلام صاحبها طاغوتٌ»(2).

(3) «أخبرنا عليّ بن أحمد البندنيجيّ، عن عبيد الله بن موسى بن العلويّ، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشمٍ، عن أبيه، عن عبد الله المغيرة، عن عبد الله بن مسكان، عن مالكٍ بن أعين الجُهنيّ قال: سمعت أبا جعفرٍ الباقر عَلَیه السَّلام يقول: كلُّ رايةٍ تُرفَعُ – أو قال: تخرج – قبلَ قيام القائم عَلَیه السَّلام صاحبُها طاغوتٌ»(3).

تحقيق الطريق الأوّل للنعمانيّ

في سند الطريق الأوّل عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ، وهٰذا الرجل هو مؤسّس المذهب المنحرف المعروف بالواقفيّة، قال عنه ابن الغضائريّ:


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 114، الباب 5: ما روي في من ادّعى الإمامة وليس بإمامٍ، ح 5.

2) (2) المصدر السابق: ص 115، الباب 5: ما روي فيمن ادعي الإمامة وليس بامام، ح 11.

3) (3) المصدر السابق: ح 12.

«ابن أبي حمزة - لعنه الله - أصل الوقف وأشدّ الخلق عداوةً للوليّ من بعد أبي إبراهيم»(1).

قال العلّامة الحلّيّ: «قال أبو الحسن عليّ بن الحسن بن فضّال: عليّ بن أبي حمزة كذَّابٌ، واقفيٌّ، متّهمٌ، ملعونٌ، وقد رويتُ عنه أحاديث كثيرةٌ، وكتبتُ عنه تفسير القرآن كلِّه من أوّله إلى آخره، إلّا أنّي لا أستحلّ أن أروي عنه حديثًا واحدًا»(2)

أمّا السيّد الخوئيّ رحمه الله فإنّه يذكر ستّة أوجهٍ لإثبات وثاقته، وفي الابتداء يقول: «معروف أنّه ضعيفٌ»، وفي النتيجة يقول: «فلا يمكن الحكم بوثاقته، وبالنتيجة يعامل معه معاملة الضعيف»(3). .

ورعايةً للاختصار نكتفي بما ذكرنا من تحقيقٍ حال رجلٍ واحدٍ في

هٰذا السند.


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 11، ص 214، ترجمة عليّ بن أبي حمزة، رقم 7832.

2) (2) خلاصة الأقوال: ص 362 و363، القسم الثاني، الفصل 16 في العين، ترجمة عليّ بن أبي حمزة، رقم 1/1426؛ انظر: ص 421، القسم الثاني، الفصل 27 في الكنى، رقم 14/1717.

3) (3) معجم رجال الحديث: ج 11، ص 225 - 226، ترجمة عليّ بن أبي حمزة، رقم 7832، وأقول: هٰذا كان رأينا حتّى العام 1429 ه‍، لٰكن في سنة 1429 ه‍ نفسها وفي درسنا خارج الفقه قمنا بتحقيق حال هٰذا الرجل لمدّة أسبوعين، وخرجنا بنتيجةٍ جديدةٍ وهي قبول رواياته؛ لكثرتها في الكتب الأربعة الّتي تربو على خمسمئة روايةٍ، فتكون الرواية من جهته مقبولةً غير مردودةٍ. نعم، في السند رجالٌ آخرون هم محلٌّ للنقاش أيضًا.

تحقيق الطريق الثاني للنعمانيّ

لقد وقع في السند محمّد حسّان الرازيّ، وهو فضلًا عن روايته كثيرًا بن الضعفاء لم تثبت وثاقته وعدالته. وطبقًا لصريح كلام ابن الغضائريّ فهو رجلٌ ضعيفٌ، ويقول عنه السيّد الخوئيّ رحمه الله: «فالرجل لم تثبت وثاقته وإن كان ضعفه لم يثبت أيضًا، وتضعيف ابن الغضائريّ لا يُعتمد عليه؛ لأنَّ نسبة الكتاب إليه لم تثبت»(1).

وبهٰذا البيان يتّضح أنَّ هٰذا الطريق إمّا أنّه ضعيفٌ أو فيه إشكالٌ. ولأجل رعاية الاختصار نكتفي في تحقيق السند بهٰذا الرجل، ولا نخوض في رجال السند الآخرين.

تحقيق الطريق الثالث للنعمانيّ

في الطريق الثالث عليّ بن أحمد البندنيجيّ قالوا عنه: إنّه ضعيفٌ متهافتٌ لا يلتفت إليه(2).

وصفه العلّامة الحلّيّ أيضًا في القسم الثاني من رجاله بالضعيف والمضطرب قائلًا: «لا يُلتفت إليه»(3).


1) (1) المصدر السابق: ج 15، ص 190 و191، ترجمة محمّد بن حسّان الرازيّ، رقم 10443.

2) (2) المصدر السابق: ج 11، ص 256، ترجمة عليّ بن أحمد بن نصرٍ، رقم 7910.

3) (3) خلاصة الأقوال: ص 369، القسم الثاني، الفصل16: في العين، ترجمة عليّ بن أحمد بن نصرٍ البندنجيّ، رقم 27/1452.

وأمّا مالك بن أعين الجُهنيّ فهو مختلفٌ فيه، يرى البعض صحّة حديثه، وهو رأي العلّامة والشهيد، ويرى البعض أنّه ممدوحٌ وحديثه حسنٌ، وهو رأي المجلسيّ؛ إذ لا توثيق له صريحًا، ويرى الثالث حديثه ضعيفًا، وهو قول الجزائريّ وما يفهم من كلمات الشهيد الثاني، وأمّا المامقانيّ فيقوّي رأي الأوّل أو لاأقل الرأي الثاني(1).

وبناءً على ما تقدّم فإنَّ جميع طرق هٰذه الرواية هي موردٌ للإشكال السنديّ ولا يمكن الاعتماد عليها مطلقًا.

دلالة الرواية

المناقشة الأولى

إنَّ الدعوة قائمةٌ على نحوين:

1- دعوة الحقِّ، وتعني دعوة الناس إلى قبول الحقِّ ونصرته وإرجاع أمر الحكومة والسلطة إلى أهلها الحقِّيقيّين وهم أهل بيت النبوة علیهم السَّلام، ومثل هٰذه الدعوة هي حتمًا مورد تأييد الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام.

2- دعوة الباطل، وتعني دعوة الناس إلى رفض الحقِّ وعدم نصرته، وجعل أنفسهم بديلًا عن أهل الحقِّ. والمقصود من «كل رايةٍ» هو النحو


1) (1) انظر: تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 2، ص 47 و48، من أبواب الميم، ترجمة مالك أعين الجُهنيّ، رقم 10020؛ معجم رجال الحديث: ج 14، ص 156 - 159، ترجمة مالك بن أعين 9792 الجُهنيّ، رقم 9792.

الثاني في قبال النحو الأوّل، ويؤيّده قول الإمام الباقر عَلَیه السَّلام: «... وإنّه ليس من أحدٍ يدعو إلى أن يخرج الدجّال إلا سيجد مَن يبايعه، ومَن رفع راية ضلالةٍ فصاحبها طاغوتٌ.

فقيّد الراية المرفوعة، بالضلالة.

وبعبارة أخرى: إنَّ الدعوة المرفوضة هي الّتي تكون في قِبال وعَرض الدعوة إلى أهل البيت علیهم السَّلام لا في طولها، أو تحت ظلِّها، وعلى هٰذا الأساس فإنَّ جميع الحركات والثورات القائمة على أساس الدفاع عن حريم أهل البيت علیهم السَّلام ودعوة الناس إليهم وبشكلٍ كلٍّيٍّ تخرج عن دائرة النهي والحرمة، بل ولا تعتبر بأيِّ شكلٍ من الأشكال مصداقًا من مصاديق الرواية الثانية الناهية عن القيام، والمعبِّرة عن الثائر والقائم بأنّه طاغوتٌ(1).

قال ابن القارياغديّ: «لعلّ رفع الراية كنايةٌ عن ادّعاء السلطنة والخلافة وتهيئة أسبابها؛ سواءٌ كان يدعو إلى دين الحقِّ أو الباطل والطاغوت: اللات والعزّى والأصنام وكلّ ما عُبد من دون الله.

والظاهر أنّ قوله: "يعبد" على البناء للمفعول، والجملة صفةٌ للطاغوت، واحتمال كونه على صيغة المعلوم وكون الجملة حالًا عن صاحبها بعيدٌ» (2).


1) (1) الكافي: ج 8، ص 296 و297، ح 456.

2) (2) انظر: البضاعة المزجاة (ابن القارياغديّ): ج 3، ص 576 و577، ذيل ح 451؛ شرح أصول الكافي (للمازندرانيّ): ج 12، ص 447، ذيل ح 452.

إشكالٌ وجوابٌ

قد يقال إنَّ هٰذا الحديث ظاهرٌ في بطلان كلِّ الثورات والتحرّكات الّتي قد تحصل قبل قيام القائم. وبعبارةٍ أخرى: ليس الملاك في البطلان هو أن تكون الدعوة لأجل أناسٍ خاصّين، وفي عرض نهضة الأئمّة المعصومين علیهم السَّلام، بل الملاك في بطلانها هو أنّها تسبق قيام الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، سواءٌ كانت دعوةَ حقِّ أم دعوةَ باطلٍ.

ونقول في جواب هٰذا الإشكال:

أوّلاً: لا يبعد أن تكون هٰذه الرواية ناظرةً إلى بعض الثورات والحركات القائمة في تلك الفترة، أو كما يصطلح عليه بالقول بأنّها "قضيّةٌ خارجيةٌ" لا حقيقيّةٌ، أي أنّها ليست ناظرةً إلى جميع الحركات والثورات آنذاك وفي المستقبل. والملاك بين الحقِّ والباطل هي الدعوة نفسها، فهل هي دعوةٌ إلى الحقِّ والرضا من آل محمّدٍ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أو لا؟

لقد وردت الإشارة إلى هٰذا الملاك وهٰذا الميزان في رواية الإمام محمّدٍ الباقر عَلَیه السَّلام حينما تحدّث عن "راية اليمانيّ" حيث قال عَلَیه السَّلام معللًا: «... لأنّه يدعو إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ»(1)، إلّا أن نقول إنّ القضيّة الخارجيّة خلاف الأصل، وأصالة العموم تنفيها.


1) (1) الغَيْبة (للنعمانيّ: ص 256، الباب 14: ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيام 13 القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 13.

ثانيًا: لقد وردت عن الأئمّة المعصومين علیهم السَّلام رواياتٌ كثيرةٌ ناطقةٌ بلسان التأييد الكامل لبعض الحركات والثورات الّتي تحصل ما قبل ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، بل وشجعَّت الناس على الالتحاق بركبها، ومثال على ذٰلك "راية اليمانيّ".

إذن - وإن كنّا لم نرتِض ذٰلك ولنا رأيٌ خاصٌّ في اليمانيّ - فعلى أقلّ التقادير نجعل هٰذه الروايات متعارضةً مع تلك الروايات الناهية.

وهنا لا بأس بالإشارة إلى رواياتٍ أخرى توضِّح لنا الميزان في الحركة والنهوض من خلال بعض التعابير الواردة؛ كالدعوة إلى الحقِّ أو إلى الصراط المستقيم:

الأولى: عن الإمام الباقر عَلَیه السَّلام: «ليس في الرايات رايةٌ أهدى من راية اليمانيّ، هي راية هدًى؛ لأنّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليمانيّ حرّم بيع السلاح على الناس وكلِّ مسلمٍ، وإذا خرج اليمانيّ فانهض إليه؛ فإنّ رايته راية هدًى. ولا يحلّ لمسلمٍ أن يلتوي عليه، فمَن فعل ذٰلك فهو من أهل النار؛ لأنّه يدعو إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ»(1).

الثانية: عن الإمام الباقر عَلَیه السَّلام: «كأنّي بقومٍ قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقِّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطَونه، فإذا رأوا ذٰلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطَون ما سألوه، فلا يقبلونه حتّى يقوموا، ولا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم. قتلاهم شهداء...»(2).


1) (1) المصدر السابق.

2) (2) المصدر السابق: ح 50؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 243، تاريخ الإمام الثاني عشر، باب علامات ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 116؛ انظر: سنن ابن ماجة: ص 424، كتاب الفتن، الباب 34: عدم خروج المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 4082.

الملفت للنظر في هٰذه الرواية أنَّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف عبَّر عن القتلى في هٰذا القيام بأنّهم شهداء، وهٰذه الجملة هي عبارةٌ أخرى عن التأييد الكامل من الإمام المعصوم عَلَیه السَّلام لمثل هٰذه النهضة ولهٰذا القيام. ثمّ إنَّ التعبير بالشهداء يفهم منه أنَّ هٰؤلاء القتلى كانوا يتمتّعون بغطاءٍ شرعيٍّ، وأنّهم قتلوا تحت راية حقٍّ وهدًى، وإلّا كيف يعبَّر عنهم بالشهداء خاصّةًٌ وأنّنا نعرف ما للشهادة والشهيد في معارفنا وفقهنا من سموّ المرتبة وعلوّ المقام؟

الثالثة: عندما سُئل الإمام زين العابدين عَلَیه السَّلام عن تكليف الشيعة وموقفهم من ثورة المختار الثقفيّ أجاب: «لو أنّ عبدًا زنجيًّا(1)تعصّب (2)لنا أهل البيت علیهم السَّلام لوجب على الناس موازرته، وقد ولّيتك - يا محمّد بن الحنفيّة - هٰذا الأمر، فاصنع ما شئت». فخرجوا وقد سمعوا كلامه عَلَیه السَّلام وهم يقولون: أذِنَ لنا زين العابدين علَیه السَّلام ومحمّد بن الحنفيّة(3).

أقول: لقد أوردها العلّامة المجلسيّ له عن كتاب (أخذ الثأر) للشيخ


1) (1)«الزنج بكسر الزاي والفتح: لغةً طائفةٌ من السودان معروفةٌ تسكن تحت خط الاستواء، وليس وراءهم عمارةٌ... وتمتدّ بلادهم من الغرب إلى بلاد الحبشة، وبعض بلادهم على نيل مصر» [مجمع البحرين: ج 2، ص 304، كتاب الجيم، باب ما أوله الزاي].

2) (2) «التعصّب: من العصبيّة، وهي المحاماة والمدافعة عمّن يلزمك أمره أو تلزمه لغرض» [مجمع البحرين: ج 2، ص 122، كتاب الباء، باب ما أوله العين]. 2، 6

3) (3) بحار الأنوار: ج 45، ص 365، تاريخ الإمام الحسين بن عليٍّ عَلَیه السَّلام، الباب 49: أحوال المختار وما جرى على يديه.

الفاضل جعفر بن نما، وهو مشتملٌ على جلِّ أحوال المختار ومَن قتله الأشرار على وجه الاختصار(1)، والمؤلِّف هو من أعلام الطائفة ورواتها الأفاضل الثقات(2)، والحديث من جهته صحيحٌ.

الرابعة: لقد ورد التأييد الكامل من الإمام الصادق عَلَیه السَّلام لثورة زيدٍ الشهيد، ففي رواية عيص بن القاسم قال عَلَیه السَّلام: «... لا تقولوا: خرج زيدٌ؛ فإِنَّ زيدًا كان عالمًا وكان صدوقًا ولم يدعكم إلى نفسه، إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد صّلى الله عليه وآله وسلّم، ولو ظَهَر لَوفى بما دعاكم، إنّما خرج إلى سلطانٍ مجتمعٍ لينقضه...»(3).

عدّ العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله سند هٰذه الرواية حَسَنًا، وقد شرح عبارة «إلى سلطان مجتمعٍ...» بقوله: أي فلذٰلك لم يظفر»(4).


1) (1) المصدر السابق: ص 346، تاريخ الإمام الحسين بن عليٍّ عَلَیه السَّلام، الباب 49: أحوال المختار وما جرى على يديه.

2) (2) تنقيح المقال: ج،16، ص 72 و73، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن نما، رقم 4097، في الهامش.

3) (3) الكافي: ج،8، ص 264، ح 381. وفي علل الشرايع: «عن العيص بن القاسم قال سمعت أبا عبد الله عَلَیه السَّلام يقول: اتقوا الله وانظروا لأنفسكم، فإنّ أحقّ من نظر لها أنتم، لو كان لأحدكم نفسان، فقدّم إحداهما وجرّب بها، استقبل التوبة بالأخرى كان ولٰكنّها نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت فقد ذهبت والله التوبة. إن أتاكم منّا آتٍ يدعوكم إلى الرضا منّا فنحن ننشدكم أنا لا نرضى، إنّه لا يطيعنا اليوم وهو وحده، فكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والأعلام» [علل الشرايع: ج 2، ص 577 و578، الباب 385: نوادر العلل، ح 2].

4) (4) مرآة العقول: ج 26، ص 257 و258، كتاب الروضة، ذيل ح 381.

الخامسة: قيام الحسين بن عليٍّ شهيد فخٍّ، في خلافة موسى الهادي، ولم تُعرف من أئمّتنا علیهم السَّلام روايةٌ تدلّ على قدحه، بل وردت رواياتٌ مستفيضةٌ ظاهرةٌ في تقديسه وتقديس قيامه وثورته(1).

وتعرّضنا لتفصيل البحث في دروسنا في البحث الخارج، وقريبًا سيُطبع وينزل في الأسواق إن شاء الله.

المناقشة الثانية

إنَّ رواية أبي بصيرٍ تتنافى مع رواياتٍ كثيرةٍ وردت في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب الجهاد(2)، مضافًا إلى أنَّ بعض الفقهاء المعاصرين قد أفتوا بوجوب الجهاد الابتدائيّ في عصر غَيْبة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد أفتى السيّد الخوئيّ رحمه الله في ملحقات (منهاج الصالحين) قائلًا: «وقد تحصّل من ذٰلك أنّ الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغَيْبة وثبوته في كافّة الأعصار لدى توفّر شرائطٰهٰ. وهو في زمن الغَيْبة منوطٌ بتشخيص المسلمين من ذوي الخبرة في الموضوع أنَّ في الجهاد معهم مصلحةً للإسلام؛ على أساس أنّ لديهم قوّةً كافيةً من حيث العدد والعُدّة لدحرهم بشكلٍ لا يحتمل عادةً أن يخسروا في المعركة معهم».


1) (1) انظر: دراسات في ولاية الفقيه: ج 1، ص 238، الباب 3، الفصل الرابع، الرواية السادسة من أخبار الباب.

2) (2) وسائل الشيعة: ج 15 و16.

ثمّ يضيف قائلًا: «وأمّا ما ورد في عدّةٍ من الروايات من حرمة الخروج بالسيف على الحكّام وخلفاء الجور قبل قيام قائمناعجل الله تعالی فرجه الشریف، فهو أجنبيٌ عن مسألتنا هٰذه، وهي الجهاد مع الكفّار رأسًا، ولا يرتبط بها نهائيًّا»(1).

إذن فالسيّد الخوئيّ رحمه الله قد ارتضى أصل الرواية ودلالتها، لٰكنّه لعلّه يرى أنّ موردها هو القيام ضدّ الحكومات الّتي تتظاهر بالإسلام والّتي تحسب على الحكومات الإسلاميّة ظاهرًا لا على الكفّار، لٰكن بعد الدراسة العميقة والتحقيق الشامل في سند الرواية ودلالتها أصبح الجواب واضحًا.

المناقشة الثالثة

يحتمل أن لا يكون المرادُ من "القائم" في رواية «كلُّ رايةٍ تُرفع قبل قيام القائم...» خصوصَ الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، بل تشمل كلَّ واحدٍ من الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام؛ ففي الروايات أطلقت لفظة "القائم" على جميع أهل البيت علیهم السَّلام

والكلينيّ في كتاب (الكافي) عنون الباب هٰكذا: «أنَّ الأئمّة علیهم السَّلام كلّهم قائمون بأمر الله»، وقد أورد فيه ثلاث روايات هي:

1- «عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام أنّه سُئل عن القائم عَلَیه السَّلام. فقال: كلّنا قائمٌ بأمر الله واحدٌ بعد واحدٍ، حتّى يجيئ صاحب السيف...» (2).


1) (1) ملحق منهاج الصالحين: ص 368 و 369، كتاب الجهاد، الفصل الثاني، في الشرائط، م 1277.

2) (2) الكافي: ج 1، ص 536، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة عَلَیه السَّلام كلّهم قائمون بأمر الله تعالى، ح 2.

2- «عن الحكم بن أبي نعيمٍ، قال: أتيتُ أبا جعفرٍ عَلَیه السَّلام... فقال: يا حكم،

كلّنا قائمٌ بأمر الله. قلتُ: فأنت المهديّ؟ قال: كلّنا نهدي إلى الله. قلتُ: فأنت صاحب السيف؟ قال: كلّنا صاحب السيف ووارث السيف»(1).

وهٰذه المناقشة هي لبعض المعاصرين منّا(2)، ولٰكنّها لا تدفع الإشكال فحسب، بل توسّع من دائرته؛ لأنّه بهٰذا التفسير سوف توضع كلّ الثورات والحركات في جميع أيام حضور الأئمّة علیهم السَّلام يك تحت طائلة السؤال والاستفسار؛ لا لذا ومن هٰذه الجهة نحن نقبل المناقشة الأولى والثانية، أما الثالثة فلا نقبلها.

وهناك رواياتٌ أخرى أوردها الأعلام في مثل (الوسائل) و(المستدرك)، لٰكنّها إمّا غير صريحةٍ في الموضوع، أو أنّها مبتلاةٌ بالإشكال السنديّ، أو تحتمل وجوهًا وتأويلاتٍ. ولعلّ الروايات الوحيدة الصريحة في الموضوع هي نفس روايَتَي (الكافي) والنعمانيّ، وقد تقدَّم بيانهما فيما

مضى.

روايات أخرى حول هٰذا الموضوع

الرواية الأولى

«عن أبان بن عثمان، عن أبي جعفرٍ الأحول والفضيل بن يسارٍ، عن زكريّا النقّاض، عن أبي ّجعفرٍ قال عَلَیه السَّلام: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم بمنزلة من اتّبع هارون عَلَیه السَّلام ومن اتّبع العجل، وإنّ أبا بكرٍ


1) (1) الكافي: ج 1، ص 536، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة علیهم السَّلام كلّهم قائمون بأمر الله تعالى، ح 1.

2) (2) دادگستر جهان: ص 295، حصيلة البحث. [المصدر باللغة الفارسيّة]

دعا فأبى علىٌّ عَلَیه السَّلام إلّا القرآن، وإنّ عمر دعا فأبى علىٌّ عَلَیه السَّلام إلّا القرآن، وإنّ عثمان دعا فأبى علىٌّ إلّا القرآن، وإنّه ليس من أحدٍ يدعو إلى أن يخرج الدجّال إلّا سيجد مَن يبايعه، ومَن رفع راية ضلالةٍ فصاحبها طاغوتٌ»(1).

مناقشة الرواية

لقد وصف العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله هٰذا الحديث بأنّه مجهولٌ، ثمّ قال: «قوله عَلَیه السَّلام: وإنَّ أبا بكرٍ دعا، أي عليَّا إلى موافقته أو جميع الناس إلى بيعته ومتابعته وموافقته، فلم يعمل أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام في زمانه إلّا بالقرآن، ولم يوافقه في بِدَعِهِ»(2).

الرواية الثانية

«الحسين بن محمّدٍ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن القاسم بن إسماعيل الأنباريّ، عن الحسن بن عليٍّ، عن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلانٍ، فقال: إنّما هلك الناس من استعجالهم لهٰذا الأمر؛ إنّ الله لا يعجل لعجلة العباد. إنّ لهٰذا الأمر غايةً ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعةً ولم يستأخروا»(3).


1) (1) الكافي: ج 8، ص 296، ح 456.

2) (2) مرآة العقول: ج،26، ص 347، كتاب الروضة، ذيل ح 456.

3) (3) الكافي: ج 1، ص 369، كتاب الحجّة، باب كراهية التوقيت، ح 7.

مناقشة الرواية

إنَّ العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله كذٰلك وصف هٰذا الحديث بأنَّه ضعيفٌ، ثمّ شرع في شرح الحديث قائلًا: «ملوك آل فلان» أي بني العبّاس، أي كنّا نرجو أن يكون انقراض دولة بني أميّة متّصلا بدولتكم، ولم يكن كذٰلك، وحدثت دولة بني العبّاس أو ذكرنا قوّة ملكهم وشدّته، أو أنّه هل يمكن السعي في إزالته. «إنّما هلك الناس» أي الّذين يخرجون في دولة الباطل قبل انقضاء مدتها؛ كزيدٍ ومحمّدٍ وإبراهيم وأضرابهم. «لهٰذا الأمر» أي لغلبة الحقِّ أو لإزالة دولة الباطل. «فلو قد بلغوها» أي أهل الحقِّ أو أهل دولة الباطل. «لم يستقدموا» أي لم يتقدّموا «ساعةً» ولم يتأخّروا ساعةً، إشارةً إلى قوله تعالي: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)(1). قال البيضاويّ: «أي لا يتقدّمون ولا يتأخرون أقصر وقتٍ، أو لا يطلبون التأخير والتقديم لشدّة الهول»(2).

الرواية الثالثة

«عن متوكّل بن هارون الثقفيّ، عن أبي عبد الله الصادق عَلَیه السَّلام: ما خرج ولا يخرج مِنّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحدٌ ليدفع ظلمًا أو ينعش حقًّا إِلَّا اصطلمَته البليّة، وكان قيامه زيادةً في مكروهنا وشيعتنا»(3).


1) (1) سورة الأعراف: 34.

2) (2) مرآة العقول: ج 4، ص 179، کتاب الحجّة، باب كراهية التوقيت، ذيل ح 7.

3) (3) الصحيفة السجّاديّة: ص 22 و23، أسناد الصحيفة، رقم 62. والجدير بالذكر أنّ متوكّل بن هارون نقل هٰذه الرواية ليحيي بن زيدٍ، الّذي يظهر من مقدّمة الصحيفة أنّه كان مستقلًّا في أمره وغير تابعٍ لابن عمّه جعفر بن محمّدٍ عَلَیه السَّلام والله العالم. انظر: معجم رجال الحديث: ج 20، ص 50 و51، ترجمة يحيى بن زيد بن عليٍّ رضی الله عنه، رقم 13501؛ قاموس الرجال: ج 11، ص 51 و52، ترجمة يحيى بن زيد بن عليٍّ رضی الله عنه، رقم 8342.

مناقشة الرواية

أوّلاً: هٰذه الرواية ناظرةٌ إلى تكليف الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام وموقفهم : وعاقبتهم لو قاموا بوجه السلطة.

ثانيًا: في الرواية إشارةٌ إلى واقع مصير مثل هٰذه الثورات، معنى أنّه لا أمل فيها بالانتصار القطعيّ والحاسم لا أنّه لا يجوز.

ثالثًا: في الرواية إشكالٌ من الناحية السنديّة، ففي سندها متوكّل بن هارون الّذي لم يرد فيه أيُّ توثيقٍ أو مدحٍ(1)، وتجدر الإشارة إلى أنَّ هٰذا التضعيف لا يخدش بأيِّ وجهِ في اعتبار الصحيفة السجّاديّة الّتي وردت بالتواتر وحصل لنا القطع بصدورها.


1) (1) قال السيّد الخوئيّ رحمه الله: «يظهر من النجاشيّ والشيخ أنّ المتوكّل هٰذا - وهو الّذي يروي دعاء الصحيفة عن يحيى بن زيد ٍ- كان له ابن يسمّى عمير باسم جدّه والد المتوكّل كما أن المتوكّل بن عميرٍ سمّي باسم جدّه والد عميرٍ هٰذا، والمذكور في أوّل الصحيفة أنّ الراوي له هو المتوكّل بن هارون، ويمكن الجمع بإمكان أن والد المتوكّل الّذي هو جد المتوكّل الراوي كان اسمه هارون، فوصف المتوكّل الراوي بابن هارون والله العالم. وكيف كان فهو لم تثبت وثاقته، أنّ ابن داود ذكره في القسم الأوّل (1234)، ولعلّ ذٰلك من جهة أصالة العدالة، والله العالم، وطريق الشيخ إليه مجهولٌ» [معجم رجال الحديث: ج 14، ص 177 و178، ترجمة متوكّل بن عميرٍ، رقم 8746].

قال العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله في شرح مشيخة الفقيه حول مدى اعتبار هٰذه الصحيفة:

«عبارة الصحيفة دالّةٌ على أنّها ليست من البشر سيّما من عمير والمتوكّل(1)، اللذان ليسا من علماء العامّة ولا من علماء الخاصّةٌ؛ فإنَّ علماء العامّة كيف يمكنهم أن ينسبوا ذٰلك إلى أئمتنا علیهم السَّلام، والخاصّةٌ كيف كانوا بهٰذه الفضيلة العظيمة ولم يكن يعرفهم أحدٌ أصلًا؟! على أنَّ الوجدان الخالي التعصّب يجزم بأنّها فوق كلام المخلوق، ويمكن أن تكون من كلام الله تعالى، بأن تكون منقولةً عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.

والظاهر أنَّ ذٰلك الكلام من إلهام الله - تعالى - على قلوبهم وألسنتهم، ولا نشكّ في إمكانه للأخبار المتواترة إما بأنّ مَن زهد في الدنيا أو أخلص العبادة لله أجرى الله - سبحانه - أو فتح الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وهٰذه المرتبة دون مرتبتهم علیهم السَّلام كما اعترف العامّة أيضًا بذٰلك...»(2).


1) (1) قال السيّد محمّدباقر الموسويّ الشيرازيّ «اختلفوا في المتكلّم بهٰذا القول [حدّثنا السيّد الأجلّ نجم الدين...] فذهب شيخنا البهائيّ رحمه الله إلى أنّه الشيخ الجليل عليّ بن السكون، وهو من ثقات علمائنا الإماميّة، وأيّده بقول الكفعميّ في حواشي، مصباحه، وقيل إنّه عميد الرؤساء هبة الله بن حامدٍ، واختاره السيّد السند الداماد... أقول: كلا القولين حسنٌ» [لوامع الأنوار العرشيّة: ج 1، ص 9 و10، شرح سند الصحيفة الشريفة].

2) (2) روضة المتّقين: ج 20، ص 592، شرح رجال الفقيه، باب الميم ذيل ترجمة المتوكّل بن عمير بن المتوكّل والرسائل الرجاليّة (للكلباسيّ): ج 2 ص 589، رسالةٌ في الصحيفة السجاديّة.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يحيى، عن أحمد بن

محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم،

أبي أيّوب الخزّاز، عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله عَلَیه السَّلام يقول: خمس علاماتٍ قبل قيام القائم: الصيحة والسفيانيّ والخسف وقتل النفس الزكيّة واليمانيّ، فقلتُ: جُعلت فداك! إن خرج أحدٌ من أهل بيتك قبل هٰذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا. فلمّا كان من الغد تلا هٰذه الآية: (إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (1)فقلتُ له: أهي الصيحة؟ فقال: أما لو كانت خضعتْ أعناق أعداءِ الله عزّ وجلّ»(2).

مناقشة الرواية

يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه الله حول سند هٰذا الحديث ودلالته: «حسنٌ كالصحيح، والشهيد الثاني عدّه صحيحًا، قوله: "الصيحة" أي النداء الّذي يأتي ذكره في الخبر الآتي. "والخسفة"، هي خسف جيش السفيانيّ بالبيداء. قوله: "فقلت له: أهي الصيحة؟"، الظاهر أنّه عَلَیه السَّلام قرّره على أنَّ المراد بها الصيحة، وبيّن أنَّ الصيحة تصير سببًا لخضوع أعناق أعداء الله»(3).


1) (1) سورة الشعراء: 4.

2) (2) الكافي: ج 8، ص 310، ح 483.

3) (3) مرآة العقول: ج 26، ص 406 - 407، كتاب الروضة، ذيل ح 483.

سند الرواية

في سند هٰذه الرواية أبو أيّوب الخزّاز، فإن كان المراد به هو إبراهيم بن زيادٍ، فإنَّ هٰذا الرجل لم يرد فيه أيُّ توثيقٍ، وإن ذكره الشيخ الطوسيّ في رجاله(1)، بل للمامقانيّ تصريحٌ حوله يُفهم منه بأنّه مجهول الحال(2). وأمّا إن ثبت أنّه متّحدٌ مع إبراهيم بن عثمان (عيسى) الخزّاز، وأنّهما رجلٌ واحدٌ، ففي هٰذه الصورة يكون موردًا للاطمئنان، وأنّه رجلٌ جليل القدر، لٰكن طالما أنَّ هٰذا الأمر غير ثابتٍ، فإنَّ هٰذا الرجل يبقى مجهولًا وأمره غير واضحٍ.

والجدير بالذكر أنَّ نجل العلّامة المامقانيّ قد تبنى هٰذا الرأي أيضًا، وقال: إنّه غير متّضح الحال(3).

دلالة الرواية

أوّلاً: بقرينة رواياتٍ أخرى يفهم أنَّ المقصود من "الخروج" هو خروج شخصٍ بعنوان أنّه القائم المنتظر، ويدعو إلى نفسه لا إلى أهل البيت علیهم السَّلام.

ثانيًا: أنَّ هٰذه الرواية تنفي القيام مع رجلٍ من أهل البيت علیهم السَّلام، ولا تنفي مطلق القيام، فهي تشير إلى أنّ تكليف الأئمّة من أهل البيت في تلك من الظروف هو القعود وعدم القيام بالسيف.


1) (1) رجال الطوسيّ: ص 146، أصحاب الصادق، رقم 79.

2) (2) تنقيح المقال: ج 4، ص10، ترجمة إبراهيم بن زيادٍ أبي أيّوب الخرّاز، رقم 264.

3) (3) تنقيح المقال: ج 4، ص10، ترجمة إبراهيم بن زيادٍ أبي أيوب الخرّاز، رقم 264.

والحاصل: أنَّ روايات النهي عن القيام غير تامّةٍ بشكلٍ مطلق سندًا ودلالةً كما توهّم البعض، وفيها توجيهاتٌ وتأويلاتٌ ومناقشاتٌ تقدّمت تفصيلًا.

الرواية الخامسة

«قال الحسين بن حمدان الخصيبيّ، حدّثني محمّد بن إسماعيل وعليّ بن الله عبد الله الحسنيّان، عن أبي شعيبٍ [و] محمّد بن نصيرٍ، عن [عمر] بن الفرات، عن محمّد بن المفضّل، [عن المفضّل بن عمر] قال: سألت سيدي الصادق عَلَیه السَّلام...، فقال: يا مفضّل كلّ بيعةٍ قبل ظهور القائم فهي كفرٌ ونفاقٌ وخديعةٌ. لعن الله المبايع لها»(1).

مناقشة الرواية

الإشكال الأوّل

إنّها مرويّةٌ عن الحسين بن حمدان الخصيبيّ الجنبلائيّ، ورواياته ضعيفةٌ ومتروكةٌ، وإليك آراء الرجاليّين فيه:

قال النجاشيّ: «كان فاسد المذهب له كتبٌ منها: كتاب... تاريخ الأئمّة، كتاب الرسالة تخليط»(2).


1) (1) الهداية الكبرى: ص 397، الباب 14: باب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ونقلها المجلسيّ بتفاوتٍ يسيرٍ، انظر: بحار الأنوار: ج 53، ص 8، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 25: ما يكون عند ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف برواية المفضّل بن عمر.

2) (2) رجال النجاشيّ: ص 67، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 159.

قال ابن الغضائريّ: «كذَّابٌ، فاسد المذهب، صاحب مقالةٍ ملعونةٍ لا يلتفت إليه»(1).

قال العلّامة الحلي رحمه الله: «كان فاسد المذهب كذّابًا صاحب مقالةٍ، ملعونٌ لا يلتفت إليه»(2). وهٰذا كلام ابن الغضائريّ بعينه الّذي أورده العلّامة رحمه الله في القسم الثاني من رجاله.

قال ابن داود الحلّيّ في القسم الثاني من كتابه: مات في شهر ربيعٍ الأوّل سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئةٍ، ونقل عن النجاشيّ أنّه كان فاسد المذهب(3).

قال المامقانيّ رحمه الله بعد ذكر هٰذه الأقوال: «... وضعّفه في (الوجيزة) أيضًا وعدّه في (الحاوي) في الضعفاء، ولٰكن في (التعليقة): "إنّ كونه من مشايخ الإجازة يشير إلى الوثاقة" وأقول: شيخوخة الإجازة كالأصل في الكشف عن الوثاقة، ولا تقاوم الدليل، وإفساد مثل النجاشيّ لمذهب الرجل دليلٌ، فالأظهر ضعف الرجل»(4).


1) (1) تنقيح المقال: ج 22، ص 29، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 6060؛ قاموس الرجال: ج 3، ص 441، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 2142؛ وانظر: خلاصة الأقول: ص 339، القسم الثاني الفصل السادس، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 1341.

2) (2) خلاصة الأقوال: ص 339، القسم الثاني، الفصل السادس، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 1341.

3) (3) رجال ابن داود: ص 444، ترجمة الحسين بن حمدان الخصيبيّ، رقم 136.

4) (4) تنقيح المقال: ج 22، ص 30، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 6060.

وقال نجله: «بعد تصريح النجاشيّ بأنّ المترجم فاسد المذهب، وأنّ كتابه (الرسالة) تخليطٌ، وعدم قيام دليلٍ على خلافه، لا بدّ من الحكم عليه بالضعف وعدِّ رواياته ضعيفةً ومتروكةً من جهته، فتفظن»(1)

قال التستريّ رحمه الله: «... والظاهر أنّه الحسين بن حمدان من قوّاد العبّاسيّة الّذين اجتمعوا في سنة 296 ه‍ لخلع المقتدر واستخلاف ابن المعتزّ، فلم يتيسّر لهم. قال الجزريّ: كان في هٰذه الحادثة عجائب، منها: أنّ ابن حمدان على شدَّةِ تشيّعه وميله إلى عليِّ وأهل بيته علیهم السَّلام يسعى في البيعة لابن المعتزّ على انحرافه عن عليِّ وغلوّه في النصب(2). . قال يحيى بن عليٍّ: في مبايعي ابن المعتزّ رافضيّون بايعوا أنصب الأمة! هٰذا لعمريّ التخليط»(3).

الإشكال الثاني

وفي السند عمر بن فراتٍ، وهو مختلفٌ فيه.

قال السيّد الخوئيّ رحمه الله: «عمر بن فراتٍ: قال الشيخ: كاتبٌ بغداديٌّ غالٍ من أصحاب الرضا عَلَیه السَّلام، وقال الشيخ تقيّ الدين إبراهيم الکفعميّ: كان عمر بن فراتٍ بوّابًا للرضا عَلَیه السَّلام. ثمّ قال: لو ثبت ذٰلك لم تكن فيه دلالةٌ على الحسن فضلًا عن الوثاقة. وذكره ابن داود في القسم الثاني، قال عنه الكشّيّ: "ذو


1) (1) المصدر السابق: الهامش.

2) (2) الكامل في التاريخ: ج 5، ص 7، حوادث سنة 296، ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتزّ.

3) (3) قاموس الرجال: ج 3، ص 441، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 2142.

مناكير"» ثمّ أضاف السيّد الخوئيّ قائلًا: «لم يتعرّض الكشّيّ لذٰلك، فما ذكره إنّما هو من سهو القلم أو غلط النسّاخ»(1).

وقال العلّامة المامقانيّ: «وفي مصباح الكفعمي: كان بوّابًا للرضا عَلَیه السَّلام، وفي فصول المالكيّ: كان بوّابًا للجواد عَلَیه السَّلام، فلا بدَّ وأن يكون ثقةً. أجاب التستريّ: قلتُ: البوّابيّة أعمّ [من الوثاقة]، وقول الشيخ بلا معارضٍ»(2).

الإشكال الثالث

وفي السند أيضًا محمّد بن نصيرٍ النميريّ، ولقد لعنه الإمام الهادي عَلَیه السَّلام(3).

قال الكشّيّ: قالت فرقةٌ بنبوّة محمّد بن نصير النميريّ، وذٰلك أنّه ادّعى أنّه نبيٌّ رسولٌّ، وأن عليّ بن محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام أرسله. وكان يقول بالتناسخ والغلوّ في أبي الحسن عَلَیه السَّلام ويقول فيه بالربوبيّة، ويقول بإباحة المحارم، ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضًا في أدبارهم، ويقول إنّه من الفاعل والمفعول به أحدٌ الشهوات والطيّبات، وإنّ الله لم يحرّم شيئًا من ذٰلك. وكان محمّد بن موسى بن الحسن بن فراتٍ يقوّي أسبابه ويعضده، وذكر أنّه رأى بعض الناس محمّد بن نصيرٍ عيانًا، وغلامٌ له على ظهره، وأنّه عاتبه على ذٰلك.


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 13، ص 50، ترجمة عمر بن فراتٍ، رقم 8779.

2) (2) قاموس الرجال: ج 8، ص 219، ترجمة عمر بن فراتٍ، رقم 5634.

3) (3) تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 195، ترجمة محمّد بن نصيرٍ النميريّ، رقم 11450.

فقال: إنَّ هٰذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبّر، وافترق الناس فيه وبعده فرقًا»(1).

أمّا أبو شعيبٍ: فإن كان كنية النميريّ فالأمر سهلٌ لأنّه ضعيفٌ، وإن كان راويًا آخر وهو أبو شعيبٍ المحامليّ فقد عنونه النجاشيّ مرّتين، مرّةً في باب الأسماء تحت عنوان صالح بن خالدٍ المحامليّ، أبي شعيبٍ الٰكناسيّ، وأخرى في باب الكنى تحت عنوان أبي شعيبٍ المحامليّ، ووثّقه في الثاني كما وثّقه الشيخ في رجاله، بعد عدّه إيّاه من أصحاب الكاظم عَلَیه السَّلام(2).

أقول: فهو مشتركٌ بين الثقة وغير الثقة فلم نقدر على تصحيح السند، أضف إلى ذٰلك أنّه من أصحاب الكاظم عَلَیه السَّلام، فكيف يروي عمّن كان في القرن الرابع؟!

وأمّا الدلالة: فهي تتعارض مع بعض الثورات الّتي كانت مؤيّدةً من قبل : الإمام المعصوم، وقد مرّ فلا نعيد، فلا بدّ من حملها على رايات الضلال.

الرواية السادسة

«أخبرنا أحمد بن محمّدٍ بن سعيدٍ، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الّتيمليّ، قال: «حدّثنا الحسن ومحمّدٌ ابنا عليّ بن يوسف، عن أبيهما، عن أحمد بن عليٍّ


1) (1) اختيار معرفة الرجال: ص 520 و521، ح 1000؛ تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 195، ترجمة محمّد بن نصير النميريّ، رقم 11450.

2) (2) تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 20، فصل الكنى، أبو شعيبٍ المحامليّ.

الحلبي، عن صالح بن أبي الأسود، عن أبي الجارود، قال سمعت أبا جعفر عَلَیه السَّلام يقول: ليس منّا أهل البيت أحدٌ يدفع ضيمًا ولا يدعو إلى حقٍّ إِلَّا صرعته البليّة، حتّى تقوم عصابةٌ شهدت بدرًا لا يوارى قتيلها ولا يداوى جريحها، قلت: من عنى أبو جعفرٍ عَلَیه السَّلام بذٰلك؟ قال: الملائكة»(1).

مناقشة الرواية

في السند لا من يعتمد عليه، أو فيه كلامٌ مثل صالح بن أبي الأسود، ولم يرد فيه توثيقٌ، وإن حاول المامقانيّ جعله حسنًا(2).

وأمّا الدلالة: فإنّ هٰذه الروايات الناهية عن القيام والثورة والخروج ضدّ أئمّة الجور موافقةٌ لروايات العامّة؛ إذ في بعضها وجوب اتباع الإمام في الجهاد خطأً كان أو صوابًا، وفي الثانية وجوب إطاعتهم وإن منعوا الحقوق، وفي الطائفة الثالثة وجوب مناصحّة الأئمّة، وفي الرابعة عدم منابذة شرار الأئمّة ما أقاموا الصلاة. وفي ما يلي الروايات:

1- «حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي وعفّان، قالا: ثنا عبد الوارث، ثنا محمّد بن حجادة، حدّثني الوليد عن عبد الله البهيّ، عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم: تكون أمراء تلين لهم الجلود، وتطمئنّ إليهم القلوب، و[ثمّ] يكون عليكم أمراء


1) (1) قاموس الرجال: ج 8، ص 219 ترجمة عمر بن فراتٍ، رقم 5634.

2) (2) تنقيح المقال: ج 35، ص 196 و197، ترجمة صالح بن أبي الأسود، رقم 10931.

تشمئزّ منهم القلوب، وتقشعرّ منهم الجلود، قالوا: أفلا نقتلهم، قال: لا، ما أقاموا الصلاة»(1).

2- «حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة، عن الحسن، عن ضبّة بن محصنٍ، عن أم سلمة، أنّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم قال: سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولٰكن من رضي وتابع. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نقتل فجرتهم؟ فقال: لا ما صلّوا»(2).

3- «حدّثنا الحسن بن عليٍّ الخلّال، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن سمّاك بن حربٍ، عن علقمة بن وائل بن حجرٍ، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ورجلٌ سأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألونا حقهم، فقال صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حملوا، وإنّما عليكم ما حملتم»(3).

4- «حدّثنا عليّ بن حجرٍ، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الله بن عبيدٍ، عن عديسة بنت أهبان بن صيفيٍّ الغفاريّ، قالت: جاء عليّ بن أبي طالبٍ عَلَیه السَّلام إلى أبي فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أبي: إنّ خليلي وابن عمّك


1) (1) مسند أحمد بن حنبلٍ: ج 3، ص 29؛ مسند أبي سعيدٍ الخُدريّ، السنّة: ج 2، ص 726، الباب 189: في ذكر السمع والطاعة، ح 1111.

2) (2) مسند أبي داود الطيالسيّ: ص 223، ج 7، ما روت أم سلمة عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، ح 1595.

3) (3) سنن الترمذيّ: ص 405، الكتاب 32: الفتن عن رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، الباب 30: ما جاء ستكون: فتنٌ كقطع الليل المظلم، ح 2199.

عهد إليّ إذا اختلف الناس أن أتّخذ سيفًا من خشب، فقد اتّخذته، فإن شئت خرجت به معك. قالت: فتركه»(1).

5- «حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمٰن، أخبرنا سهل بن حمّادٍ، أخبرنا همّامٌ، أخبرنا محمّد بن جحادة، عن عبد الرحمٰن بن ثروان، عن هزيل ابن شرحبيل، عن أبي موسى، عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أنّه قال في الفتنة: كسِّروا فيها قسيّكم، وقطّعوا فيها،أوتاركمّ والزموا فيها أجواب بيوتكم، وكونوا كابن آدم»(2).

6- «حدّثنا بندار، أخبرنا أبو داود، أخبرنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوسٍ، عن زياد بن كسيبٍ العدويّ قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامرٍ، وهو يخطب وعليه ثيابٌ رقاقٌ، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفسّاق. فقال أبو بكرة: اسكت! سمعت رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم يقول: من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله»(3).

7- «حدّثنا محمود بن غيلان، أخبرنا أبو داود، أخبرنا شعبة، عن قتادة، أخبرنا أنس بن مالكٍ، عن أسيد بن حضيرٍ أنّ رجلًا من الأنصار قال يا رسول الله، استعملت فلانًا ولم تستعملني، فقال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: إنّكم سترون بعدي أثرةً، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض»(4).


1) (1) المصدر السابق: ح 2203.

2) (2) المصدر السابق: ح 2204.

3) (3) المصدر السابق: الباب 47 (بدون عنوانٍ)، ح 2224.

4) (4) المصدر السابق: ح 2189.

8- «حدّثنا محمّد بن بشارٍ، أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن الأعمش عن زيد بن وهبٍ، عن عبد الله، عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، قال: إنّكم سترون بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها. قالوا فما تأمرنا؟ قال: أدّوا إليهم حقهم واسألوا الله الّذي لكم»(1).

ولٰكن لها رواياتٌ معارضةٌ، فعلى فرض صحّة إسناد رواياتنا الناهية عن الخروج، فهي معارَضةٌ برواياتٍ تشجّع على الخروج ضدّ الظالمين، منها: ما ورد عن الحسين عَلَیه السَّلام ناسبًا إلى رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم:

«فقال له زهيرٌ [أي للحسين بن عليٍّ عَلَیه السَّلام]: فسر بنا حتّى ننزل بكربلاء، فإنّها على شاطئ الفرات، فنكون هنالك، فإن قاتلونا قاتلناهم، واستعنّا الله عليهم. قال: فدمعت عينا الحسين عَلَیه السَّلام، ثمّ قال: اللّٰهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء. ونزل الحسين في موضعه ذٰلك، ونزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواةٍ وبيضاء، وكتب إلى أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه على رأيه: بسم الله الرحمٰن الرحيم من الحسين بن عليٍّ إلى سليمان بن صردٍ والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّادٍ وعبد الله بن والٍ وجماعة المؤمنين.


1) (1) المصدر السابق: ح 2190.

أمّا بعد، فقد علمتم أنّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم قد قال في حياته: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر بقولٍ ولا فعلٍ، كان حقيقًا على الله أن يدخله مدخله»(1).

النتيجة النهائيّة

تكون النتيجة في تعارض طائفتين من الروايات، قد يقال بالأخذ بما يخالف العامّة. ونظرًا إلى أنّ الروايات الناهية عن القيام والخروج بالسيف موافقةٌ لروايات العامّة كما عرفت فيؤخذ بالمخالف للعامّة، وهي الروايات الآمرة والمجوّزة للقيام بالسيف(2).


1) (1) بحار الأنوار: ج 44، ص 381 تاريخ الحسين بن عليٍّ عَلَیه السَّلام، الباب 37: ما جرى عليه بعد الله بيعة الناس ليزيد؛ الفتوح: ج 5، ص 90 و91، ذكر الحرّ بن يزيد الرياحيّ لمّا بعثه عبيد بن زيادٍ لحربه الحسين بن عليٍّ عَلَیه السَّلام وذكر كتاب الحسين عَلَیه السَّلام إلى أهل الكوفة؛ تارخ الطبريّ: ج 2، ص 307، حوادث سنة 61، ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث.

2) (2) الرسائل، ج 4: ص 134؛ مصباح الأصول، ج 3: ص 415.

الفَصْل التّٰاسِعُ

اشارة

حديث تشرّف ابن مهزيار بلقاء

الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

المَدْخلُ

ثمّة بحثٌ في إمكانيّة الرؤية زمن الغَيْبة، وهل أنّ التوقيع الصادر للسفير الرابع السِّمَّرِيِّ ينفي إمكان الرؤية أو ينفي إمكانيّة المشاهدة الّتي هي بمعنى النيابة كما يذهب إليه علماؤنا؟ فعلى الأوّل يلزم تكذيب جميع ما نقل عن الثقات والأثبات الّذين تشرّفوا برؤية الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومنهم عليّ بن مهزيار الأهوازيّ، وعلى الثاني تنعكس النتيجة ويمكن الرؤية، وتصحّ مثل هٰذه النقول ثبوتًا، فيبقى بحثها إثباتًا، وحينئذٍ يقع البحث الصغرويّ في صحّة تلك الحوادث المنقولة عن الثقات والرواة والأعلام وثبوتها، ومن أشهر الحوادث وأقدمها لقاء ابن مهزيار بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهو ما نريد بحثه في هٰذا الفصل للتأكّد من حصولها من جهةٍ، ولمعرفة صحّة منافاة بعض ما ورد في مضامينها للمباني الاعتقاديّة للشيعة الاثني عشريّة من جهةٍ أخرى.

نقلتْ لنا الكتب الروائيّة قضيّة لقاء ابن مهزيار بوصفه واحدًا من الّذين وُفِّقوا للتشرّف بلقاء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ونحاول أن نعرض هٰذه الواقعة - المنقولة لنا بتفاصيلها وكامل مجرياتها وأحداثها الّتي وقعتْ مع ابن مهزيار - للنقد والتحليل ضمن محاور ثلاثةٍ:

المحور الأوّل: مصادر هٰذه القصّة

في هٰذا المحور سوف نسعى لبيان مصدر هٰذه القصّة من خلال استعراض الروايات الأربع الّتي نقلت لنا هٰذا اللقاء والتشرّف.

المحور الثاني: البحث السنديّ والرجاليّ

نحاول أن نتناول في هٰذا المحور البحث الرجاليّ والسنديّ، ونحقّق في سند الروايات الأربع المذكورة؛ لنرى مدى اعتبارها، ومن ثمَّ هل يمكن الاعتماد عليها أو لا؟ وسنجيب فيه عن عدَّة تساؤلاتٍ، أهمّها:

•

مَن هو الراوي لهٰذه القصّة؟ ولمَن وقع هٰذا التشرّف واللقاء؟

•

هل تحدّثت هٰذه الروايات الأربع عن لقاء شخصٍ واحدٍ مع الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، أو أنَّها تحدّثت عن أشخاصٍ مختلفين ومتفاوتين قد تشرّفوا بلقائه عجل الله تعالی فرجه الشریف؟

•

ما هي المكانة الّتي يتمتّع بها هٰذا الرجل حتّى يُوفَّق للقاء المولى صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ وهل لهٰذا الرجل أثرٌ أو ذكرٌ في الكتب الرجاليّة؟ وبعبارةٍ أخرى: هل هٰذا الراوي هو محلٌّ للوثوق ويُعتَمَد على رواياته من قِبل علماء الرجال وأهل هٰذا الفنِّ أو لا؟

المحور الثالث: البحث الدلاليّ

سوف نقوم في هٰذا المحور بدراسة متن هٰذه الروايات ومضامينها؛ لنرى هل أنَّ هٰذه المضامين متّفقٌ عليها؟ أو أنَّها متفاوتةٌ ومختلفةٌ فيما بينها؟ وفي صورة التفاوت هل هناك تنافٍ وتضادٌّ بين معانيها؟ أو أنّه لا أثر يُعتدّ به لذاك الاختلاف فيما بينها؟

وكذٰلك نحاول أن نتعرّف على المطالب والمضامين الّتي وردتْ في متون هٰذه الروايات، وهل يُستشفُّ منها أدنى مخالفةٍ أو تعارضٍ مع المباني الاعتقادّية عند الشيعة الإماميّة أو لا؟ ثمّ ما هي الإشكالات الّتي طُرحت أو تُطرح حول هٰذه القصّة أو بعض مجريات هٰذا التشرّف واللقاء؟

المحور الأوّل: مصادر هٰذه القصّة

إنَّ قصّة لقاء ابن مهزيار بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف وصلتْ إلينا عبر طرقٍ

وأسانيد أربعةٍ:

الطريق الأوّل والثاني نقلهما الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة).

الطريق الثالث نقله الشيخ الطوسيّ رحمه الله في كتاب (الغَيْبة).

الطريق الرابع نقله الطبريّ الإماميّ رحمه الله في كتاب (دلائل الإمامة).

1- الطريق الأوّل للشيخ الصدوق رحمه الله

قال الشيخ الصدوق رحمه الله: «حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضی اللهُ عنْه، قال حدّثنا عبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار، قال: قدمت مدينة الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وفبحثتُ عن أخبار آل أبي محمّدٍ الحسن بن عليٍّ الأخير عَلَیه السَّلام، فلم أقع على شيءٍ منها، فرحلتُ منها إلى مكّة مستبحثًا عن ذٰلك.

فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتًّى أسمر اللون، رائع الحسن، جميل المخيّلة، يطيل التوسّم فيّ، فعُدتُ إليه مؤمّلًا منه عرفان ما قصدت له،

فلمّا قربت منه سلَّمتُ، فأحسن الإجابة، ثمّ قال: من أيّ البلاد أنت؟ قلتُ: رجلٌ من أهل العراق. قال: من أيّ العراق؟ قلتُ: من الأهواز. فقال: مرحبًا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصينيّ؟ قلتُ: دُعي فأجاب. قال: رحمة الله عليه، ما كان أطول ليله وأجزل نيله! فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟ قلتُ: أنا إبراهيم بن مهزيار! فعانقني مليًّا ثمّ قال: مرحبًا بك يا أبا إسحاق، ما فعلتَ بالعلامة الّتي وشجت(1)بينك وبين أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام؟ فقلتُ: لعلك تريد الخاتم الّذي آثرني الله به من الطيّب أبي محمّدٍ الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام؟ فقال: ما أردت سواه. فأخرجتُه إليه، فلمّا نظر إليه استعبَرَ وقبَّله، ثمّ قرأ كتابته، فكانت: يا الله يا محمّد يا عليّ. ثمّ قال: بأبي يدًا طالما جِلْتَ فيها(2).

وتراخى بنا فنون الأحاديث، إلى أن قال لي: يا أبا إسحاق، أخبرني عن عظيم ما توخّيتَ بعد الحج؟ قلتُ: وأبيك ما توخّيتُ إلّا ما سأستعلمك مكنونه. قال: سلْ عمّا شئتَ، فإنّي شارحٌ لك إن شاء الله. قلتُ: هل تعرف من أخبار آل أبي محمّدٍ الحسن عَلَیه السَّلام شيئًا؟ قال لي: وأيم الله، إنّي لأعرف الضوء بجبين محمّدٍ وموسى ابني الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام، ثمّ إنّي لرسولهما إليك قاصدًا لإنبائك،أمرهما، فإن أحببتَ لقاءهما والاكتحال بالتبرّك بهما، فارتحلْ معى إلى الطائف، وليكن ذٰلك في خفيةٍ من رجالك واكتتامِ.


1) (1) وشج: ألف وخلط. تاج العروس: ج 3، ص 509، باب الجيم، فصل الواو.

2) (2) أي بأبي فديتُ يد أبي محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام الّتي طالما جِلْتَ فيها أيّها الخاتم.

قال إبراهيم: فشخصتُ معه إلى الطائف أتخلّل رملةً فرملةً حتّى أخذ في بعض مخارج الفلاة، فبدت لنا خيمة شعرٍ قد أشرفتْ على أكمة رملٍ تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤًا، فبدرني إلى الإذن، ودخل مسلِّمًا عليهما وأعلمَهُما بمكاني، فخرج عليَّ أحدهما وهو الأكبر سنًا (م ح م د) ابن الحسن عَلَیه السَّلام، وهو غلامٌ أمرد ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخدّين، أقنى الأنف، أشمّ أروع كأنّه غصن بانٍ، وكأنَّ صفحة غرّته كوكبٌ درّيٌّ، بخدِّه الأيمن خالٌ كأنّه فتات مسكٍ على بياض الفضّة، وإذا برأسه وفرةٌ سحماء (1)سبطةٌ(2)تطالع شحمة أذنه، له سمتٌ ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسنًا وسكينةً وحياءً.

فلمّا مثل لي أسرعتُ إلى تلقِّيه، فأكببتُ عليه ألثُمُ كلَّ جارحةٍ منه، فقال لي: مرحبًا بك يا أبا إسحاق، لقد كانت الأيام تعدني وشك لقائك، والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار (3)وتراخي المزار، تتخيّل لي صورتك حتّى كأنّا لم نخلُ طرفة عينٍ من طيب المحادثة وخيال المشاهدة، وأنا أحمد الله ربّي وليّ الحمد على ما قيَّض من التلاقي، ورفَّه من كربة التنازع والاستشراف عن

أحوالها، متقدّمها ومتأخّرها.


1) (1) أي سوداء. انظر: مجمع البحرين: ج 6، ص 82، كتاب الميم، باب ما أوله السين.

2) (2) شعرٌ سبطٌ: مترسّلٌ غير جعدٍ. انظر: مجمع البحرين: ج 4، ص 251، كتاب الطاء، باب ما أوّله السين.

3) (3):أي تباعدها. انظر: تاج العروس: ج 10، ص 303، باب الطاء، فصل الشين.

فقلتُ: بأبي أنت وأمّي! ما زلتُ أفحص عن أمرٍك بلدًا فبلدًا، منذ استأثر الله بسيّدي أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، فاستغلق علىَّ ذٰلك حتّى من الله عليَّ بمَن أرشدني إليك ودلَّني عليك، والشكر لله على ما أوزعني فيك من كريم اليد والطول.

ثمّ نسب نفسه وأخاه موسى واعتزل بي ناحيةً، ثمّ قال: إنَّ أبي عَلَیه السَّلام عهد إلىَّ أن لا أوطّن من الأرض إلّا أخفاها وأقصاها؛ إسرارًا لأمري، وتحصينًا لمحلّي؛ لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوالّ، فنبذني إلى عالية الرمال، وجُبت صرائم الأرض ينظرني الغاية الّتي عندها يحلّ الأمر وينجلي الهلع.

وكان عَلَیه السَّلام أنبط لي(1)من خزائن الحكم وكوامن العلوم ما أن أشعتُ إليك منه جزءًا أغناك عن الجملة.

و اعلم يا أبا إسحاق، أنّه عَلَیه السَّلام قال: يا بنيّ، إنّ الله – جل ثناؤه - لم يكن ليخلّي أطباق أرضه وأهل الجدِّ في طاعته وعبادته بلا حجّةٍ يستعلي بها، وإمامٍ يُؤتمّ به، ويُقتدى بسبيل سنّته ومنهاج قصده، وأرجو يا بُنيّ أن تكون أحدَ مَن أَعدَّ اللهُ لنشرٍ الحقِّ ووَطْءِ الباطلِ، وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بُنيّ بلزوم خوافي الأرض، وتتّبع أقاصيها؛ فإنَّ لكلِّ وليٍّ لأولياء الله عَز وجَلّ عدوّاً مقارعًا، وضدًّا منازعًا، افتراضًا لمجاهدة أهل النفاق، وخلاعة أولي الإلحاد والعناد، فلا يُوحشنّك ذٰلك.


1) (1)أي: أظهر لي. انظر: تاج العروس: ج 10، ص 436، باب الطاء، فصل النون.

واعلم أنَّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزّعٌ (1)إليك مثل الطير إلى أوْكارها، وهم معشرٌ يطّلعون بمخائل الذلّة والاستكانة، وهم عند الله بررةٌ أعزّاء، يبرزون بأنفسٍ مختلّةٍ محتاجةٍ، وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازرُوه على مجاهدة الأضداد، خصَّهم الله باحتمال الضيم في الدنيا؛ ليشملهم باتساع العزِّ في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى، وكرامة حسن العقبي.

فاقتبس - يا بُني - نور الصبر على موارد أمورك، تَفُزْ بدَرْكِ الصنع في مصادرها، واستشعر العزَّ فيما ينوبك، تحظَ بما تحمد غبّه (2)إن شاء الله.

وكأنّك يا بُني بتأييد نصر الله وقد آن، وتيسير الفلج وعلوّ الكعب وقد حان، وكأنّك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك (3)ما بين الحطيم وزمزم وكأنّك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدرّ في مثاني العقود، وتصافق الأكفّ على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من ملاءٍ براهم الله من طٰهٰارة الولاة ونفاسة التربة، مقدّسةٌ قلوبُهم


1) (1)أي: مشتاقةٌ. انظر: تاج العروس: ج 11، ص 472، باب العين، فصل النون.

2) (2) الغبّ المآل والعاقبة. انظر: مجمع البحرين: ج 2، ص 130، کتاب الباء، باب ما أوّله الغين.

3) (3) أعطاف الشيء: جوانبه. انظر: مجمع البحرين: ج 5، ص101، كتاب الفاء، باب ما أوّله العين.

من دنس النفاق، مهذّبةٌ أفئدتُهم من رجس الشقاق، لينةٌ عرائكهم للدين، خشنةٌ ضرائبهم عن العدوان، واضحةٌ بالقبول أوجههم، نضرةٌ بالفضل عيدانهم(1)، يدينون بدين الحقّ وأهله.

فإذا اشتدّت،أركانهم، وتقوّمت أعمادهم فدت بمكانفتهم (2)طبقات الأمم إلى إمامٍ، إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحةٍ تشعّبت أفنان غصونها على حافّات بحيرة الطبريّة، فعندها يتلألأ صبح الحقِّ وينجلي ظلام الباطل، ويقصم الله بك الطغيان، ويُعيد معالم الإيمان، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق، يودّ الطفل في المهدّ لو استطاع إليك نهوضًا، ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازًا.

تهتزّ بك أطراف الدنيا بهجةً، وتنشر عليك أغصان العزِّ نضرةً، وتستقرّ بواني الحقِّ (3)في قرارها، وتؤوب شوارد الدين إلى أوكارها.

تتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كلَّ عدوٍّ، وتنصر كلَّ وليٍّ، فلا يبقى على وجه الأرض جبّارٌ،قاسطٌ ولا جاحدٌ غامطٌ، ولا شانئٌ مبغضٌ،


1) (1) العيدان: الطوال من النخل. انظر: تاج العروس: ج 5، ص137، باب الدال، فصل العين.

2) (2) المكانفة: المعاونة. انظر: تاج العروس: ج 12، ص 468، باب الفاء، فصل الكاف.

3) (3) أي أساس الحقّ. انظر: المحيط في اللغة: ج 10، ص 408، حرف النون، باب الثلاثيّ المعتلّ النون والباء.

ولا معاند كاشحٌ (1)(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)(2).

ثمّ قال: يا أبا إسحاق، ليكن مجلسي هٰذا عندك مكتومًا إلّا عن أهل التصديق والأخوّة الصادقة في الدين، إذا بدتْ لك أمارات الظهور والتمكّن فلا تبطئ بإخوانك عنّا، وباهر (3)المسارعة إلى منار اليقين وضياء مصابيح الدين، تلق رشدًا إن شاء الله.

قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثتُ عنده حينًا أقتبسُ ما أؤدّي إليهم (يعني إلى إخواني) من موضّحات الأعلام ونيرات الأحكام، وأروي نبات الصدور من نضارة ما ادّخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم، حتّى خفتُ إضاعة مخلفي بالأهواز؛ لتراخي اللقاء عنهم، فاستأذنته بالقفول، وأعلمتُه عظيم ما أصدر به عنه من التوحّش لفرقته والتجرّع للظعن عن محاله، فأذنَ وأرْدَفني من صالح دعائه ما يكون ذخرًا عند الله، ولعقبي وقرابتي إن شاء الله.

فلمّا أزف ارتحالي وتهيّأ اعتزام نفسي غدوتُ عليه مودّعًا ومجدّدًا للعهد، وعرضتُ عليه مالًا كان معي يزيد على خمسين ألف درهمٍ، وسألته أن يتفضّل


1) (1) الكاشح: الّذي يضمر لك العداوة. انظر: مجمع البحرين: ج 2، ص 407، كتاب الحاء، باب ما أوّله الكاف.

2) (2) سورة الطلاق 3.

3) (3) البهر: الغلبة. انظر: مجمع البحرين: ج 3، ص 231، کتاب الراء، باب ما أوله الباء.

بالأمر بقبوله منّي، فابتسم وقال: يا أبا إسحاق، استعن به على منصرفك؛ فإنَّ الشقة (1)قذفةٌ (2)وفلوات الأرض أمامك جمّةٌ، ولا تحزن لإعراضنا عنه، فإنّا قد أحدّثنا لك شكره، ونشره، وربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنّة، فبارك الله فيما خوّلك، وأدام لك ما نوّلك، وكتب لك أحسن ثواب المحسنين، وأكرم آثار الطائعين؛ فإنَّ الفضل له ومنه. وأسأل الله أن يردَّك إلى أصحابك بأوفر الحظِّ من سلامة الأوبة وأكناف الغبطة بلين المنصرف، ولا أوعث (3)الله لك سبيلًا، ولا حيَّر لك دليلًا، واستودعه نفسَك وديعةً لا تضيع ولا تزول بمنّه ولطفه إن شاء الله.

يا أبا إسحاق، قنعنا بعوائد إحسانه وفوائد امتنانه، وصان أنفسنا معاونة الأولياء لنا عن الإخلاص في النيّة، وإمحاض النصيحة، والمحافظة على ما هو أنقى وأتقى وأرفع ذكرًا.

قال: فأقفلتُ عنه حامدًا الله - عزّ وجلّ - على ما هداني وأرشدني، عالمًا بأنَّ الله لم يكن ليعطّل أرضه ولا يخليها من حجّةٍ واضحةٍ وإمامٍ قائمٍ، وألقيتُ هٰذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخّيًا للزيادة في بصائر أهل اليقين، وتعريفًا لهم ما منّ الله - عزّ وجلّ - به من إنشاء الذرّيّة الطيّبة


1) (1) الشقة: البُعد والناحية يقصدها المسافر. انظر: مجمع البحرين: ج 5، ص194، كتاب القاف، باب ما أوّله الشين.

2) (2) فلاة قذف: بعيدة. انظر: تاج العروس: ج 12، ص 425، باب الفاء، فصل القاف.

3) (3) وعث الطريق: تعسّر سلوكه انظر: تاج العروس: ج 3 ص 278، باب الثاء، فصل الواو.

والتربة الزكيّة، وقصدتُ أداء الأمانة والتسليم لما استبان؛ ليضاعف الله - عزّ وجلّ - الملّة الهادية والطريقة المستقيمة المرضيّة قوةَ عزمٍ وتأييدَ نيّةٍ، وشدَّةَ أزرٍ واعتقادَ عصمةٍ، (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1).

2- طريق الثاني للشيخ الصدوق رحمه الله

قال الشيخ الصدوق رحمه الله: «حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى بن أحمد بن إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن موسى بن جعفرٍ بن محمّدٍ بن عليٍّ بن الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب عَلَیه السَّلام، قال: وجدت في كتاب أبي رضی اللهُ عنْه، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد الطوال، عن أبيه، عن الحسن بن عليٍّ الطبريّ، عن أبي جعفرٍ محمّد بن الحسن بن عليٍّ بن إبراهيم بن مهزيار، قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدّي عليّ بن إبراهيم بن مهزيار يقول: كنتُ نائمًا في مرقدي إذ رأيت في ما يرى النائم قائلًا يقول لي: حِجّ فإنّك تلقى صاحب زمانك.

قال عليّ بن إبراهيم: فانتبهتُ وأنا فرحٌ مسرورٌ، فما زلتُ في الصلاة حتّى انفجر عمود الصبح، وفرغت من صلاتي وخرجتُ أسأل عن الحاجّ، فوجدتُ فرقةً تريد الخروج، فبادرتُ مع أوّل مَن خرج، فما زلت كذٰلك حتّى خرجوا وخرجتُ بخروجهم! أريد الكوفة، فلمّا وافيتها نزلت عن راحلتي وسلَّمتُ متاعي إلى ثقات إخواني، وخرجتُ أسأل عن آل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام.


1) (1) كمال الدين: ص 445 - 453، الباب 43: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 19. والآية هي الآية 213 من سورة البقرة.

فما زلتُ كذٰلك فلم أجد أثرًا ولا سمعت خبرًا، وخرجت في أوّل مَن خرج أريد المدينة، فلمّا دخلتُها لم أتمالك أن نزلت عن راحلتي، وسلَّمت رحلي إلى ثقات إخواني، وخرجتُ أسأل عن الخبر وأقفوا الأثر، فلا خبرًا سمعتُ ولا أثرًا وجدتُ، فلم أزل كذٰلك إلى أن نفر الناس إلى مكّة، وخرجتُ مع مَن خرج حتّى وافيت مكّة، ونزلت فاستوثقت من رحلي، وخرجت أسأل عن آل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، فلم أسمع خبرًا ولم أجدْ أثرًا.

فما زلتُ بين الأياس والرجاء متفكّرًا في أمري وعائبًا على نفسي، وقد جنّ الليل، فقلتُ: أرقب إلى أن يخلو لي وجه الكعبة؛ لأطوف بها وأسأل الله - عزّ وجلّ - أن يعرّفني أملي فيها. فبينما أنا كذٰلك وقد خلا لي وجه الكعبة إذ قمت إلى الطواف، فإذا أنا بفتًى مليح الوجه طيّب الرائحة، متّزرٍ ببردةٍ، متّشحٍ بأخرى، وقد عطف بردائه على عاتقه، فرعته(1)، فالتفتَ إليَّ فقال: ممّن الرجل؟ فقلتُ: من الأهواز. فقال: أتعرف بها ابن الخصيب؟ فقلتُ: رحمه الله دُعي فأجاب. فقال رحمه الله، لقد كان بالنهار صائمًا، وبالليل قائمًا، وللقرآن تاليًا، ولنا مواليًا. فقال: أتعرف بها عليَّ بن إبراهيم بن مهزيار؟ فقلتُ: أنا عليٌّ! فقال: أهلًا وسهلًا بك يا أبا الحسن، أتعرف الصريحين؟ قلتُ: نعم. قال: ومَن هما؟ قلتُ: محمّدٌ وموسى.

ثمّ قال: ما فعلت العلامة الّتي بينك وبين أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام؟ فقلتُ: معي.


1) (1) رُعْتُ فلانا: أفزعته. مجمع البحرين: ج 4، ص 340، كتاب العين، باب ما أوله الراء.

فقال: أخْرجْها إليَّ. فأخرجتُها إليه خاتمًا حسنًا على فصّه محمّدٌ وعليٌّ)، فلمّا رأى ذٰلك بكى مليًّا ورنَّ شجيًّا، فأقبل يبكي بكاءً طويلًا وهو يقول: رحمك الله يا أبا محمّدٍ، فلقد كنتَ إمامًا عادلًا، ابنَ أئمةٍ وأبا إمامٍ، أسكنك الله الفردوس الأعلى مع آبائك عَلَیه السَّلام.

ثمّ قال: يا أبا الحسن، صرْ إلى رحلك وكن على أهبةٍ من كفايتك، حتّى إذا

ذهب الثلث من الليل وبقي الثلثان فالحقْ بنا؛ فإنّك ترى مناك [إن شاء الله].

قال ابن مهزیار: فصرتُ إلى رحلي أطيل التفكّر، حتّى إذا هجم الوقت فقمت إلى رحلي وأصلحته، وقدّمت راحلتي وحملتها وصرت في متنها حتّى لحقت الشعب، فإذا أنا بالفتى هناك يقول: أهلًا وسهلًا بك يا أبا الحسن، طوبى لك فقد أذن لك.

فسار وسرتُ بسيره حتّى جاز بي عرفاتٍ ومنى، وصرت في أسفل ذروة جبل الطائف، فقال لي: يا أبا الحسن، انزلْ وخذْ في أهبة الصلاة. فنزل ونزلتُ حتّى فرغ وفرغتُ، ثمّ قال لي: خذ في صلاة الفجر وأوجز. فأوجزتُ فيها وسلَّم وعفَّر وجهه في التراب، ثمّ ركب وأمرني بالركوب فركبت ثمّ سار وسرتُ بسيره حتّى علا الذروة، فقال: المحْ، هل ترى شيئًا؟ فلمحتُ فرأيت بقعةً نزهةً كثيرة العشب والكلإ، فقلتُ: يا سيّدي، أرى بقعةً نزهةً كثيرة العشب والكلإ. فقال لي: هل ترى في أعلاها شيئًا؟ فلمحت فإذا أنا بكثيبٍ من رملٍ فوق بيتٍ من شعرٍ يتوقّد نورًا، فقال لي: هل رأيت شيئًا؟ فقلتُ: أرى كذا وكذا. فقال لي: يا بن مهزيار، طبْ نفسًا وقرَّ عينًا، فإنَّ هناك أملَ كلِّ مؤمّلٍ.

ثمّ قال لي: انطلق بنا. فسار وسرت حتّى صار في أسفل الذروة، ثمّ قال: انزل فها هنا يذلّ لك كلُّ صعبٍ. فنزل ونزلتُ حتّى قال لي: يا بن مهزيار، خلِّ عن زمام الراحلة. فقلتُ: على من أخلفها وليس ها هنا أحدٌ؟ فقال: إنَّ هٰذا حرمٌ لا يدخله إلّا وليٌّ، ولا يخرج منه إلّا وليٌّ. فخلّيتُ عن الراحلة، فسار وسرتُ، فلمّا دنا من الخباء سبقني وقال لي: قف هناك إلى أن يُؤذن لك. فما كان إلّا هنيئةً فخرج إليَّ وهو يقول: طوبى لك قد أعطيت سؤلك!

قال: فدخلتُ عليه (صلوات الله عليه) وهو جالسٌ على نمطٍ (1)عليه نطعُ أديمٍ أحمر، متّكىءٌ على مسورة أديمٍ، فسلّمت عليه وردَّ عليَّ السلام، ولمحتُه فرأيتُ وجهه مثل فلقة قمرٍ، لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ ولا بالقصيراللاصق، ممدود القامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج(2)العينين، أقنى الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال.

فلمّا أن بصرتُ به حار عقلي في نعته وصفته، فقال لي: يا بن مهزيار، كيف خلَّفت إخوانك في العراق؟ قلتُ: في ضنك عيشٍ وهناةٍ(3)، قد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان(4). فقال: (قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(5)، كأنّي


1) (1) النمط: ضرب من البسط. انظر: لسان العرب: ج 7، ص 417، فصل النون.

2) (2) أي سواد العين. انظر: تاج العروس: ج 3، ص 368، باب الجيم، فصل الدال.

3) (3) أي الشر والفساد. انظر: مجمع البحرين: ج 1، ص 480، كتاب الألف، باب ما أوله الهاء.

4) (4) اسم شيطانٍ، ويراد منه بنو العبّاس. انظر: كتاب السفيانيّ (تقرير أبحاثنا في المهدويّة): ص 116 - 126. الفصل الثالث، الملاحظة الثالثة، السفيانيّ والشيصباني.

5) (1) سورة المنافقون: 4.

بالقوم قد قُتلوا في ديارهم وأخذهم أمر ربّهم ليلًا أو نهارًا. فقلتُ: متى يكون ذٰلك يا بن رسول الله؟

قال: إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة بأقوامٍ لا خلاقَ لهم، واللهُ ورسولُه منهم براءٌ، وظهرت الحمرة في السماء ثلاثًا فيها أعمدةٌ كأعمدة اللجين تتلألأ نورًا، ويخرج السروستيّ (1)من إرمينيّة وأذربيجان يريد وراء الريّ الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر، لزيق جبل طالقان، فيكون بينه وبين المروزيّ وقعةٌ صيلمانيّةٌ(2)، يشيب فيها الصغير، ويهرم منها الكبير، ويظهر القتل بينهما، فعندها توقَّعوا خروجه إلى الزوراء(3)، فلا يلبث بها حتّى يوافي باهات(4)، ثمّ يوافي واسط العراق فيقيم بها سنةً أو دونها، ثمّ يخرج


1) (2) نسبة إلى سروس: وهي مدينةٌ نفيسةٌ في جبل نفوسه بإفريقيا، وأهلها خوارج أباضيّةٌ، ليس بها جامعٌ ولا منبرٌ ولا في قريةٍ من قراها، وهي نحوٌ من ثلاثمئة قريةٍ لم يتّفقوا على رجلٍ يقدّمونه للصلاة. انظر: معجم البلدان: ج 3، ص 217 باب السين والجيم وما يليها، سروس.

2) (3) الصيلم: الأمر الشديد، ووقعةٌ صيلمةٌ أي مستأصلةٌ. انظر: لسان العرب: ج 12، ص 340، حرف الميم، فصل الصاد المهملة.

3) (4) أي دجلة بغداد. تاج العروس: ج 6، ص 480، باب الراء، فصل الزاي.

4) (5) في البحار (ماهان): الدينور ونهاوند. بحار الأنوار: ج 52، ص 46، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 18: ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 32.

إلى كوفان فيكون بينهم وقعةٌ من النجف إلى الحيرة إلى الغريّ، وقعةٌ شديدةٌ تذهل منها العقول، فعندها يكون بوار الفئتين، وعلى الله حصاد الباقين. ثمّ تلا قرله بعالي: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بالأَمْسِ)(1).

فقلتُ: سيدي يا بن رسول الله ما الأمر؟ قال: نحن أمرُ الله وجنوده. قلتُ: سيدي يا بن رسول الله حان الوقت؟ قال: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ)(2)»(3).

3- طريق الشيخ الطوسيّ رحمه الله

قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله: «وأخبرنا جماعةٌ، التلعكبريّ، عن أحمد بن عليٍّ الرازيّ، عن عليّ بن الحسين، عن رجلٍ - ذكر أنّه أهل قزوين لم يذكر اسمه - عن حبيب بن محمّدٍ بن يونس بن شاذان الصنعانيّ، قال: دخلت إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازيّ، فسألته عن آل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، فقال: يا أخي، لقد سألت عن أمرٍ عظيمٍ! حججتُ عشرين حجّةً، كلًّا أطلب به عيان الإمام فلم أجد إلى ذٰلك


1) (1) سورة يونس: 24.

2) (2) سورة القمر: 1.

3) (3) كمال الدين: ج 2، ص 465 - 470، الباب 43: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 42- 46، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 18: ذكر من رآه ― 6، ح 23.

سبيلًا، فبينا أنا ليلة نائمٌ في مرقدي إذ رأيت قائلًا يقول: يا عليّ بن إبراهيم، قد أذن الله لي في الحجّ. فلم أعقل ليلتي حتّى أصبحت، فأنا مفكّر في أمري أرقب الموسم ليلي ونهاري.

فلمّا كان وقت الموسم أصلحت أمري وخرجت متوجّهًا نحو المدينة، فما زلت كذٰلك حتّى دخلت يثرب فسألت عن آل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، فلم أجد له أثرًا ولا سمعتُ له خبرًا، فأقمتُ مفكّرًا في أمري حتّى خرجتُ من المدينة أريد مكّة، فدخلتُ الجحفة وأقمتُ بها يومًا، وخرجتُ منها متوجّهًا نحو الغدير، وهو على أربعة أميالٍ من الجحفة، فلمّا أن دخلتُ المسجد صلَّيتُ وعفَّرتُ واجتهدت في الدعاء وابتهلت إلى الله لهم، وخرجت أريد عسفان، فما زلت كذٰلك حتّى دخلتُ مكّة، فأقمت بها أيّامًا أطوف البيت واعتكفت.

فبينا أنا ليلة في الطواف إذا أنا بفتًى حسن الوجه، طيّب الرائحة، يتبختر في مشيته، طائفٍ حول البيت، فحسَّ قلبي به، فقمت نحوه فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟ فقلتُ: من أهل العراق. فقال: من أيّ العراق؟ قلتُ: من الأهواز. فقال لي: تعرف بها الخصيب؟ فقلت: رحمه الله، دُعي فأجاب. فقال رحمه الله، فما كان أطول ليلته وأكثر تبتّله وأغزر دمعته! أفتعرف عليّ بن إبراهيم بن المازيار؟ فقلتُ: أنا عليّ بن إبراهيم. فقال: حيّاك الله أبا الحسن، ما فعلتَ بالعلامة الّتي بينك وبين أبي محمّدٍ الحسن بن عليٍّ عَلَیه السَّلام؟ فقلتُ: معي. قال: أخرجها. فأدخلتُ يدي في جيبي

فاستخرجتها، فلمّا أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه بالدموع وبكى منتحبًا، حتّى بلَّ أطماره، ثمّ قال: أذن لك الآن يا بن مازيار، صرْ إلى رحلك وكن على أهبةٍ من أمرك، حتّى إذا لبس الليل، جلبابه وغمر الناس ظلامه، سر إلى شعب بني عامرٍ، فإنّك ستلقاني هناك.

فسرتُ إلى منزلي، فلمّا أن أحسست بالوقت أصلحت رحلي وقدّمت راحلتي وعكمته شديدًا، وحملت وصرت في متنه، وأقبلت مجدًّا في السير حتّى وردت الشعب، فإذا أنا بالفتى قائمٌ ينادي يا أبا الحسن إليَّ، فما زلت نحوه، فلمّا قربت بدأني بالسلام وقال لي: سِرْ بنا يا أخ. فما زال يحدّثني وأحدّثه حتّى تخرّقنا جبالعرفاتٍ، وسرنا إلى جبال منًى، وانفجر الفجر الأوّل ونحن قد توسّطنا جبال الطائف.

فلمّا أن كان هناك أمرني بالنزول وقال لي: انزل فصلِّ صلاة الليل. فصلّيتُ، وأمرني بالوتر فأوترت، وكانت فائدةٌ منه، ثمّ أمرني بالسجود والتعقيب، ثمّ فرغ من صلاته، وركب وأمرني بالركوب، وسار وسرت معه حتّى علا ذروة الطائف، فقال: هل ترى شيئًا؟ قلتُ: نعم، أرى كثيب رملٍ عليه بيت شعرٍ يتوقّد البيت نورًا، فلمّا أن رأيته طابت نفسي، فقال لي: هناك الأمل والرجاء. ثمّ قال: سر بنا يا أخ.

فسار وسرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة وسار في أسفله، فقال: انزل، فها هنا يذلّ كلُّ صعبٍ، ويخضع كلُّ جبّارٍ. ثمّ قال: خلّ عن زمام الناقة. قلتُ: فعلى مَن أخلفها؟ فقال: حرم القائم لا يدخله إلّا مؤمنٌ، ولا يخرج منه إلّا مؤمنٌ. فخلّيت من زمام راحلتي، وسار وسرت معه إلى أن

دنا من باب الخباء، فسبقني بالدخول وأمرني أن أقف حتّى يخرج إليَّ. ثمّ قال لي: ادخل هنّأك السلامة.

فدخلت فإذا أنا به جالسٌ قد اتّشح ببردةٍ واتَّزر بأخرى، وقد كسر بردته على عاتقه، وهو كأقحوانة أرجوانٍ قد تكاثف عليها الندى، وأصابها ألم الهوى، وإذا هو كغصن بانٍ أو قضيب ريحانٍ، سمحٌ سخيٌّ تقيٌّ نقيٌّ، ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدوّر الهامة، صلت الجبين، أزجّ الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خالٌ، كأنّه فتات مسكٍ على رضراضة عنبرٍ.

فلمّا أن رأيته بدرته بالسلام، فردَّ عليَّ أحسن ما سلَّمت عليه، وشافهني وسألني عن أهل العراق، فقلتُ: سيّدي، قد ألبسوا جلباب الذلّة، وهم بين القوم أذلّاء. فقال لي: يا بن المازيار، لتملكونهم كما ملكوكم، وهم يومئذٍ أذلّاء. فقلتُ: سيّدي، لقد بعُد الوطن وطال المطلب. فقال: يا بن المازيار، أبي أبو محمّدٍ عهد إليَّ أن لا أجاور قومًا غضب اللهُ عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذابٌ أليمٌ. وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا وعرها، ومن البلاد إلّا عفرها، والله مولاكم أظهر التقيّة فوکَّلها بي، فأنا في التقيّة إلى يوم يُؤذن لي فأخرج.

فقلتُ: يا سيّدي، متى يكون هٰذا الأمر؟ فقال: إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، واجتمع الشمس والقمر، واستدار بهما الكواكب والنجوم. فقلتُ: متى يا بن رسول الله؟ فقال لي: في سنة كذا وكذا تخرج دابّة الأرض من بين الصفا والمروة، ومعه عصا موسى وخاتم سليمان، يسوق الناس إلى المحشر.

قال: فأقمت عنده أيّامًا وأذنَ لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي وخرجت نحو منزلي. والله لقد سرت من مكّة إلى الكوفة، ومعي غلامٌ يخدمني فلم أرَ إلّا خيرًا. وصلّى الله على محمّد وآله وسلم تسليمًا»(1).

4- طريق الطبريّ الإماميّ رحمه الله

قال محمّد بن جرير الطبريّ الشيعيّ رحمه الله: «روى أبو عبد الله محمّد بن سهلٍ الجلوديّ، قال: حدّثنا أبو الخير أحمد بن محمّد بن جعفرٍ الطائيّ الكوفيّ في مسجد أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ عَلَیه السَّلام، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن يحيى الحارثيّ، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، قال: خرجتُ في بعض السنين حاجًّا، إذ دخلتُ المدينة وأقمتُ بها أيّامًا أسأل وأستبحث عن صاحب الزمان عَلَیه السَّلام، فما عرفت له خبرًا ولا وقعت لي عليه عينٌ، فاغتممتُ غَمَّا شديدًا، وخشيتُ أن يفوتني ما أمَّلته من طلب صاحب الزمان عَلَیه السَّلام، فخرجت حتّى أتيت مكّة، فقضيت حجّتي واعتمرت بها أسبوعًا، كلّ ذٰلك أطلب.

فبينا أنا أفكّر إذ انكشف لي باب الكعبة، فإذا أنا بإنسانٍ كأنّه غصن بانٍ، متّزرٍ ببردةٍ، متّشحٍ بأخرى، قد كشف عطف بردته على عاتقه، فارتاح قلبي وبادرت لقصده، فانثنى إليّ وقال: من أين الرجل؟ قلتُ: من العراق. قال: من أيّ العراق؟ قلتُ: الأهواز. فقال: أتعرف


1) (1) الغَيْبة: ص 263 - 267، الفصل الثالث، الأخبار المتضمّنة لمن رأى صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 228.

الخصيبيّ؟ قلت: نعم، رحمه الله دُعي فأجاب. قال: رحمه الله، فما كان أطول ليله، وأكثر نيله وأغزر دمعته! قال: فابن المهزيار؟ قلت: أنا هو. قال: حيّاك الله بالسلام أبا الحسن.

ثمّ صافحني وعانقني، وقال: يا أبا الحسن، ما فعلت العلامة الّتي بينك وبين الماضي أبي محمّدٍ نظّر الله وجهه؟ قلتُ: معي. وأدخلت يدي إلى جيبي وأخرجت خاتمًا عليه (محمّدٌ وعليٌّ)، فلمّا قرأه استعبر حتّى بلَّ طمره الّذي كان على يده، وقال: يرحمك الله أبا محمّدٍ، فإنّك زين الأمّة، شرّفك الله بالإمامة، وتوَّجك بتاج العلم والمعرفة، فإنّا إليكم صائرون.

ثمّ صافحني وعانقني، ثمّ قال: ما الّذي تريد يا أبا الحسن؟ قلتُ: الإمام المحجوب عن العالم. قال: ما هو محجوبٍ عنكم، ولٰكن حجبه سوء أعمالكم! قمْ إلى رحلك، وكن على أهبةٍ من لقائه، إذا انحطّت الجوزاء وأزهرت نجوم السماء فها أنا لك بين الركن والصفا.

فطابتْ نفسي وتيقَنْتُ أنَّ الله فضَّلني، فما زلتُ أرقب الوقت حتّى حان، وخرجت إلى مطيّتي، واستويت على رحلي واستويت على ظهرها، فإذا أنا بصاحبي ينادي: إليَّ يا أبا الحسن. فخرجت فلحقت به، فحيّاني بالسلام وقال: سربنا يا أخ.

فما زال يهبط واديًا ويرقى ذروة جبلٍ إلى أن علقنا على الطائف، فقال: يا أبا الحسن، انزل بنا نصلّي باقي صلاة الليل. فنزلت فصلّى بنا الفجر ركعتين، قلتُ: فالركعتان الأوليان؟ قال: هما من صلاة الليل، وأوتر فيها، والقنوت في كلِّ صلاةٍ جائزٌ، وقال: سربنا يا أخ.

فلم يزل يهبط بي واديًا ويرقى بي ذروة جبلٍ حتّى أشرفنا على وادٍ عظيمٍ مثل الكافور، فأمدّ عيني فإذا ببيتٍ من الشعر يتوقّد نورّا، قال: المحْ هل ترى شيئًا؟ قلتُ: أرى بيتًا من الشعر. فقال: الأمل. وانحطّ في الوادي واتّبعت الأثر، حتّى إذا صرنا بوسط الوادي نزل عن راحلته وخلّاها، ونزلت عن مطيّتي، وقال لي: دعها. قلتُ: فإن تاهت؟ قال: هٰذا وادٍ لا يدخله إلّا مؤمن ولا يخرج منه إلّا مؤمنٌ. ثمّ سبقني ودخل الخباء وخرج إليَّ مسرعًا، وقال: أبشر، فقد أذن لك بالدخول.

فدخلتُ فإذا البيت يسطع من جانبه النور، فسلَّمت عليه بالإمامة، فقال لي: يا أبا الحسن قد كنّا نتوقّعك ليلًا ونهارًا، فما الّذي أبطأ بك علينا؟ قلتُ: يا سيّدي، لم أجد مَن يدلّني إلى الآن. قال لي: لم تجد أحدًا يدلّك! ثمّ نكث بإصبعه في الأرض، ثمّ قال: لا، ولٰكنّكم كثّرتم الأموال، وتجبَّرتم على ضعفاء المؤمنين، وقطعتم الرحم الّذي بينكم، فأيّ عذرٍ لكم الآن؟ فقلتُ: التوبة التوبة، الإقالة الإقالة.

ثمّ قال: يا بن المهزيار، لولا استغفار بعضكم لبعضٍ لهلك مَن عليها إلّا خواصّ الشيعة الّذين تشبه أقوالهم أفعالهم.

ثمّ قال: يا بن المهزيار - ومدَّ يده - ألا أنبئك الخبر؟ إنّه إذا قعد الصبيّ، وتحرَّك المغربيّ، وسار العمانيّ، وبويع السفيانيّ يؤذن لوليّ الله، فأخرج بين الصفا والمروة في ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلًا سواء، فأجيء إلى الكوفة وأهدم مسجدها وأبنيه على بنائه الأوّل، وأهدم ما حوله من بناء الجبابرة، وأحجُّ بالناس حجّة الإسلام وأجيء إلى يثرب فأهدم الحجرة، وأخرج مَن بها وهما

طريّان، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يصلبان عليهما، فتورق من تحتهما، فيُفْتَتَنُ الناس بهما أشدّ من الفتنة الأولى، فينادي منادٍ من السماء: يا سماء أبيدي، ويا أرض خذي. فيومئذٍ لا يبقى على وجه الأرض إِلّا مؤمنٌ قد أخلص قلبه للإيمان.

قلتُ: يا سيّدي، ما يكون بعد ذٰلك؟ قال: الكرّة الكرّة، الرجعة الرجعة. ثمّ تلا هٰذه الآية: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)(1)»(2).

المحور الثاني: البحث السنديّ

دراسة حول ابن مهزيار

بعد مطالعة نصوص هٰذه الروايات الأربع نلاحظ أنَّ قصّة لهٰذا اللقاء والتشرّف وقعتْ لشخصين اثنين، هما:

1- عليّ بن إبراهيم بن مهزيار.

2- إبراهيم بن مهزيار.

ولذا لا بدَّ من تحقيق حال هذين الرجلين؛ لنرى هل هما موردٌ للوثوق والاطمئنان حتّى يمكن الاعتماد على نقلهما وقبول ما يرويانه أو لا؟ فنقول:


1) (1) سورة الأسراء: 6.

2) (2) دلائل الإمامة: ص 296 و297، معرفة من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف في حال الغَيْبة.

أما بالنسبة إلى إبراهيم بن مهزيار - أبي إسحاق الأهوازيّ - فهناك بحثٌ ونقاشٌ فيه، وهو: هل يُعدُّ هٰذا الراوي ضمن الرواة الثقات أو لا؟

نقل السيّد الخوئيّ رحمه الله في توثيق هٰذا الرجل وجوهًا عديدةً، وهي في الحقيقة ترجع إلى كلام العلّامة المامقانيّ في كتاب (تنقيح المقال)(1)فالسيّد الخوئيّ رحمه الله، وبعد أن ذكر هٰذه الموارد قام بردّها جميعًا قائلًا: «وقد اختلف في حال الرجل، فقيل: إنّه من الثقات، أو الحسان. واستدلّ على ذٰلك بوجوهٍ كلّها ضعيفةٌ:

الأوّل: ما ذكره الفاضل المجلسيّ في (الوجيزة): أنّه ثقةٌ من السفراء(2).

ويردّه: أنَّ هٰذا اجتهادٌ منه استنبطٰهٰ من كلام مَن تقدّم عليه، وسيجيء الكلام على ذٰلك.

الثاني: أنَّ العلّامة عدَّه من المعتمدين(3)، وصحَّح طريق الصدوق إلى بحرٍ السقّاء، وفيه إبراهيم بن مهزيار(4).

ويردّه: أنَّ العلّامة يعتمد على مَن لم يرد فيه قدحٌ ويصحّحه. صرَّح بذٰلك


1) (1) تنقيح المقال: ج 5، ص 17 - 32، ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 224.

2) (2) رجال المجلسيّ (الوجيزة) ص 146 ترجمة إبراهيم بن مهزیار رقم 49

3) (3) خلاصة الأقوال: ص 51، القسم الأوّل في من اعتمد عليه، ترجمة إبراهيم بن مهزیار، رقم 17.

4) (4) المصدر السابق: ص 440، الخاتمة، في فوائد الرجاليّة، الفائدة الثامنة.

في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة(1)، فكأنّه رحمه الله بنى على أصالة العدالة، وعليه لا يكون قوله حجّةً علينا.

الثالث: ما ذكره الميرزا في (المنهج) و(الوسيط): أنّه من سفراء الصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف، والأبواب المعروفين الّذين لا تختلف الاثنا عشريّة فيهم(2)، قاله ابن طاووسٍ في (ربيع الشيعة)(3).

ويردُّه: أنَّ هٰذا اجتهادٌ من ابن طاووسٍ استنبطٰهٰ من الرواية الّتي سنذكرها، إذ لو كان الأمر كما ذكر فلمّاذا لم يذكره النجاشيّ ولا الشيخ ولا غيرهما ممّن تقدّم على ابن طاووسٍ، مع شدَّة اهتمامهم بذكر السفراء والأبواب؟!

الرابع: ما رواه الكشّيّ عن أحمد بن عليٍّ بن كلثوم السرخسيّ: «وكان من الفقهاء(4)، وكان مأمونًا على الحديث، قال: حدّثني إسحاق بن محمّدٍ


1) (1) المصدر السابق: ص 66، القسم الأوّل في من اعتمد عليه، ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة، رقم 86.

2) (2) منهج المقال: ج 1، ص 374، ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 168 نقلًا عن: إعلام الورى: ج 2، ص 259، الباب 3، الفصل الأوّل، النصوص على غيبته عجل الله تعالی فرجه الشریف.

3) (3) وهٰذا الكتاب منسوبٌ الى ابن طاووسٍ، ولٰكن موافق بعينه ومتّحدٌ مع كتاب (إعلام الورى) من تأليف أمين الملة والإسلام الطبرسيّ رحمه الله. انظر: الذريعة: ج 10، ص 75، رقم 131.

4) (4) في المصدر: «كان من القوم». اختيار معرفة الرجال: ص 531، ترجمة حفص بن عمرٍو وإبراهيم بن مهزیار، رقم 1015.

البصريّ، قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، قال: إنَّ أبي لمّا حضرته الوفاة دفع إليَّ،مالًا، وأعطاني علامةً، ولم يعلم بتلك العلامة أحدٌ إلّا الله عزّ وجلّ، وقال: مَن أتاك بهٰذه العلامة فادفع إليه المال. قال: فخرجت إلى بغداد، ونزلت في خان، فلمّا كان في اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقَّ الباب، فقلتُ للغلام: انظر: مَن هٰذا؟ فقال: شيخُ بالباب. فقلتُ: ادخل. فدخل وجلس، فقال: أنا العمريّ، هات المال الّذي عندك، وهو كذا وكذا، ومعه العلامة. قال: فدفعت إليه المال وحفص بن عمرٍو كان وكيل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام،

وأمّا أبو جعفرٍ محمّد بن حفص بن عمرو فهو ابن العمري،ّ وكان وكيل الناحية، وكان الأمر يدور عليه»(1). ووجه الاستدلال: أنّه يستفاد من هٰذه الرواية أنَّ إبراهيم كان من وكلاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأنّه كان يجتمع عنده المال.

ويردّه:

أوّلاً: أنَّ الرواية ضعيفة السند بإسحاق بن محمّدٍ البصريّ، بل بمحمّد بن إبراهيم أيضًا.

وثانيًا: أنّه لا يستفاد من الرواية أنّه كان وكيلًا، فلعلَّ المال كان لنفسه فأراد إيصاله إلى الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، أو أنَّ المال كان سهم الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في مال إبراهيم، أو أنَّ شخصًا آخر أعطاه إبراهيمَ ليوصله إلى الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، أو غير ذٰلك، فلا إشعار في الرواية بالوكالة.


1) (1) اختيار معرفة الرجال: ص 531 و532، ترجمة حفص بن عمرٍو وإبراهيم بن مهزيار، رقم 1015.

نعم، روى محمّد بن يعقوب في (الكافي) عن عليّ بن محمّدٍ، عن محمّد بن حمويه السويداويّ، عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار القصّة على وجهٍ آخر، وفي آخرها: فخرج إليَّ، قد أقمناك مقام [مكان] أبيك فاحمد الله(1).

وفيها دلالةٌ على وكالة إبراهيم، لٰكنّها ضعيفةٌ؛ فإنَّ محمّد بن إبراهيم لم يوثّق، ومحمّد بن حمويه مجهولٌ.

وثالثًا: أنّه على تقدير تسليم الوكالة، فلا دلالة فيها على السفارة الّتي هي أخص من الوكالة. وقد بيّنّا في المدخل (المقدّمة الرابعة) أنّ الوكالة لا تلازم الوثاقة ولا الحسن»(2).

لٰكنّنا نقول ردًّا على السيّد الخوئيّ رحمه الله

إِنَّ الإشكال مبنائيٌّ، بل هو بعيدٌ عن الواقع، إذ قلتم بأنَّ الوكالة لا تلازم الوثاقة ولا الحسن، وذكرتم نماذج لردِّ هٰذا التلازم، واستندتم في ذٰلك إلى كتاب (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ رحمه الله في باب السفراء المذمومين، لٰكن حينما راجعنا هٰذا الكتاب خصوصًا الباب المذكور، وجدنا أنَّ الذمَّ إنّما توجّه إلى مدَّعي السفارة الّذين ورد بحقِّهم الذمّ، لا الّذين كانوا وكلاء حقيقيّين(3)

كذبًا وافتراءً.

.

1) (1) الكافي: ج 1، ص 518، كتاب الحجّة،عجل الله تعالی فرجه الشریف، باب مولد الصاحب، ح 5.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 303 - 305، ترجمة إبراهيم بن مهزیار، رقم 318؛ ص 75، المقدّمة الرابعة، المورد الخامس: وكالة الإمام.

3) (3) الغَيْبة: ص 397، الفصل السادس، في ذكر المذمومين الّذين ادّعوا البابيّة والسفارة

ثمّ أضاف السيّد الخوئيّ رحمه الله قائلًا:

«الخامس: ما رواه الصدوق في (كمال الدين)، قال: «حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رحمه الله، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار... ثمّ ذكر الحديث(1)وهو طويلٌ، يشتمل على وصول إبراهيم إلى خدمة الإمام الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف، وما جرى بينه وبينه عجل الله تعالی فرجه الشریف، وفيه دلالةٌ على علوّ مقام إبراهيم، وعظم خطره عند الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ويردّه:

أوّلاً: أنَّ راوي الرواية هو إبراهيم نفسه، والاستدلال على وثاقة شخصٍ وعظم رتبته بقول نفسه من الغرائب، بل من المضحكات.

وثانيًا: أنَّ في الرواية ما هو مقطوع البطلان، وأنَّ إبراهيم لو صحّت الرواية كذَب في روايته؛ وهو إخباره عن وجود أخٍ للحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف مسمًّى بموسى، وقد رآه إبراهيم.

السادس اعتماد ابن الوليد وابن العبّاس والصدوق عليه، حيث إنَّ ابن الوليد لم يستثنِ من روايات محمّد بن أحمد بن يحيي ما يرويه عنه.

ويردّه: أنَّ اعتماد ابن الوليد وأضرابه على رجلٍ لا يكشف عن وثاقته، بل ولا حسنه. وقد تقدّم بيان ذٰلك في المدخل (المقدّمة الرابعة)»(2).


1) (1) كمال الدين: ج 2، ص 445 - 453، الباب 43: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 19.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 306، ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 318 وص 63، المقدّمة الرابعة، المورد الثالث، رواية صفوان وأضرابه.

لٰكننا نقول ردًّا على هٰذا الكلام:

إنَّ السيّد الخوئيّ رحمه الله قد تراجع فيما بعد عن رأيه الّذي تبنّاه طول حياته، ألا وهو صحّة أسناد كتاب (كامل الزيارات) جميعًا. لٰكن في نظرنا أنَّ هٰذا المبنى متينٌ جدًّا؛ لأنّ هناك طريقين للتوثيق:

1- التوثيق العامّ.

2- التوثيق الخاصّ.

فإذا كان ابن قولويه قد عدَّ الجميع ثقاتٍ في (كامل الزيارات)، فهٰذا توثيقٌ عامٌّ، اللّٰهمّ إلّا أن يقال إنَّ مثل هٰذا التوثيق إنّما هو للمشايخ بلا واسطةٍ فقط، فلا يشمل غيرهم، وابن مهزيار ليس منهم، لٰكنّ رأينا الّذي اخترناه هو غير هٰذا.

ولقد تعرّضنا إلى هٰذه التوثيقات مفصّلًا ضمن حلقات درسنا خارج الفقه فراجع هناك(1).

وكيف كان فقد أعطى السيّد الخوئيّ رحمه الله رأيه الأخير في هٰذا الرجل بقوله: «هٰذا وقد وقع إبراهيم بن مهزيار في طريق عليّ بن إبراهيم بن هاشمٍ في التفسير، وقد ذكر في أوّل كتابه أنّه لم يذكر فيه إلّا ما وقع له من طريق


1) (1) لٰكنّا رجعنا عن هٰذا الرأي في أبحاثنا الفقهيّة.

الثقات، وعليه فالرجل يكون من الثقات. وطريق الصدوق إليه: أبوه رضی اللهُ عنْه عن الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار، والطريق صحيحٌ»(1).

أقول: هٰذا بالنسبة إلى إبراهيم بن مهزيار، وأمّا عليّ بن مهزيار فقد ذكر النمازيّ أنّهم لم يذكروه في كتب الرجال، ولٰكنّه استفاد من حديث تشرّفه أنّ فيه دلالاتٍ على حسنه وكماله(2).

المحور الثالث: البحث الدلاليّ

أورد المحقِّق التستريّ رحمه الله في كتابه (الأخبار الدخيلة) على هٰذه الروايات الأربع ما يقرب من عشرة إشكالاتٍ، وقد سعى من خلالها إلى إثبات أنَّ هٰذه الروايات موضوعةٌ ومُخْتلَقةٌ(3).

لٰكنّ الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني دامَ ظِلُهُ تصدى لردّ هٰذه الإشكالات، وحاول الإجابة عنها.

ونحاول في هٰذا المحور أن نطرح هٰذه الإشكالات وأجوبتها، ثمّ نضعهما تحت مجهر النقد والدراسة:


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 306 و307، ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 318.

2) (2) مستدركات علم الرجال: ج 5، ص 278.

3) (3) الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 116 - 121، الباب 2: في الأحاديث الموضوعة، الفصل الأوّل: في أخبار جمعٍ ادّعوا مشاهدة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

الإشكال الأوّل: انتهاء السند إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار في بعض الكتب وإلى أبيه في بعضٍ آخر

انتهاء سند بعضها إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار، وهو ما روي في (الغَيْبة)، وفي (دلائل الإمامة)، وأحد خبَري (كمال الدين)، وهو الحديث الثالث والعشرون من هٰذا الباب(1)، وانتهاء سند بعضها إلى إبراهيم بن مهزيار، وهو خبر (كمال الدين) الآخر، أي الحديث التاسع عشر.

وبعدما استظهرنا من أنَّ هٰذه الأحاديث ترجع إلى حديثٍ واحدٍ؛ لبعد جواز تكرار هٰذه الحكاية بعينها عادةً، فلا يجوز وقوعها لعليّ بن إبراهيم تارةً ولإبراهيم بن مهزيار تارةً أخرى.

الجواب

ويُدفع هٰذا التوهّم بأنّه من الممكن إسقاط جملة (عليّ بن) سهوًا أو اختصارًا، فإنّه قد يُطلق على الولد اسم الوالد في المحاورات العرفيّة، كما أنّه يحتمل قويًّا زيادتها اشتباهًا من بعض النسّاخ، أو اجتهادًا وغلطًا من بعضهم(2).


1) (1) باب مَن شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) إِنّ إشكال المحقِّق التستريّ هنا قويٌّ جدًّا؛ لذا لا يمكن قبول جواب الشيخ الصافي بتلك البساطة؛ وعليه لا بدّ من ذكر شواهد وأدلّةٍ أخرى على إمكان إطلاق تسمية الأب على الابن. وأمّا مسألة اشتباه النسّاخ فلا يمكن قبوله جوابًا أيضًا. وأمّا الشواهد فهي كثيرةٌ، وما ذكر هنا فعلى سبيل المثال لا الحصر، وقد يقال إنّ كلام آية الله الصافي صحيحٌ؛ إذ يطلق في العرف اسم الولد على الوالد، ولدينا شواهد، منها إطلاق ابن بابوَيْه على والده.

كما وقع الناقد الفاضل التستريّ في هٰذا الاشتباه بزعم أنَّ إبراهيم بن مهزيار مات في الحيرة، ولم يكن يعرف الإمام الّذي يلى أمر الإمامة بعد مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، وقد استدلّ على أنّ إبراهيم مات في أوّل الحَيرة، ولم يمهله الأجل ليحقّق الأمر - أي معرفة إمام زمانه بعد أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام - بحديثٍ رواه الكلينيّ رحمه الله في (الكافي)(1)، ورواه المفيد في (الإرشاد)(2)والشيخ في غيبته(3)، والكشّيّ في رجاله(4).

ولا دلالة له على أنّه كان في الحَيرة أصلا لو لم نقل بدلالته على أنّه كان عارفًا بالأمر. إذن فكيف يحكم بأنّه مات في الحَيرة مع دلالة هٰذا الحديث الصحيح على أنّه كان عارفًا بالأمر من أوّل الأمر؟ إلّا أنَّ بحثه عن أخبار آل أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام كان للفوز بلقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، لا لمعرفة القائم بالأمر بعد الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام؛ لأنّه كان يعرفه.

الإشكال الثاني: ضعف السند

ضعف الإسناد المنتهي إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار وإلى إبراهيم بن مهزيار، وعدم وجود عليّ بن إبراهيم بن مهزيار.


1) (1) الكافي: ج 1، ص 518، كتاب الحجّة، باب مولد الصاحب، ح 5.

2) (2) الإرشاد: ج 2، ص 355، دلائل وبيّنات الإمام الحجّة المنتظرعجل الله تعالی فرجه الشریف.

3) (3) الغَيْبة: ص 281، الفصل الرابع، بعض معجزات الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 239.

4) (4) اختيار معرفة الرجال: ص 531 و532، ترجمة حفص بن عمرٍو وإبراهيم بن مهزيار، رقم 1015.

الجواب

إنّ ضعف الأسناد لا يدلّ على الوضع، فيبقى الخبر على حاله، ويُضَم إلى سائر أخبار الآحاد من الصحاح وغيرها ممّا فيه بعض العلل، فإن وصل إلى حدّ التواتر فهو، وإلّا فلا يحكم عليه إلّا بضعف السند لا بالوضع.

كما لا يجوز الحكم بأنَّ عليّ بن إبراهيم بن مهزيار لا وجود له، وإن أريد به أنّه لا ذكر له في كتب الرجال، فغاية الأمر أنّه مجهولٌ لو لم نقل بدلالة هٰذه الأحاديث - الّتي رواها واحتجّ بها مثل الصدوق والشيخ الطوسيّ ومحمّد بن رستم الطبريّ - على أنّهم كانوا عارفين به، معتمدين عليه.

هٰذا ولو ضعَّفنا هٰذه الأحاديث بضعف السند وجهالة الراوي فلا يجوز تضعيف السند المنتهي إلى إبراهيم بن مهزيار؛ فإنَّ سنده في غاية المتانة والصحّة؛ إذ إنَّ الصدوق رواه عن شيخه الّذي أكثر الرواية عنه مترضّيًا، عن شيخ القمّيّين ومؤلّف كتاب (الغَيْبة والحيرة) عبد الله بن جعفر الحميريّ الثقة، عن إبراهيم بن مهزيار الثقة، إذن لا محيص عن الحكم بصحّة سند الحديث، ويقوى به غيره من هٰذه الأحاديث في الجملة؛ لأنَّ الأخبار يقوِّي بعضها بعضًا.

إن قلت: مع انتهاء سند سائر الأحاديث إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار، يجوز أن يكون المنتهي إليه هٰذا السند أيضًا علىّ بن إبراهيم، وهو مجهولٌ.

وبعبارة أخرى: الأمر دائرٌ بين الأخذ بأصالة عدم الزيادة وأصالة

عدم السقط والحذف، ولا ريب في تقدّم أصالة عدم

الزيادة على أصالة عدم السقط.

قلتُ: إنَّ الأمر - أوّلًا - ينتهي إلى تعارضهما في المتكافئين من حيث السند، وأمّا إذا كان أحد الطريقين أقوى وأسَدُّ، كما إذا كان الراوي للزيادة أو ما فيه النقيصة معلوم الحال، معروفًا بالضبط والوثوق، والآخر مجهولًا، فالمعتبر عند العقلاء هو الأوّل، سواءٌ كانت روايته متضمّنةً للزيادة أم النقيصة.

وثانيًا: على فرض التكافؤ والقول بتقدّم أصالة عدم الزيادة مطلقًا، أو تقدّمها هنا بالخصوص على أصالة عدم النقيصة، فنقول: على فرض كون صاحب هٰذه الحكاية والفائز بشرف هٰذا اللقاء والزيارة هو عليّ بن إبراهيم بن مهزيار لا إبراهيم، فلا ريب في دلالة الحديث على وجوده؛ لرواية مثل الحميريّ عنه، كما أنَّ روايته عنه مثل هٰذه الحكاية تدلّ على اعتماده عليه. والمظنون أنّه أخرجه في كتابه (الغَيْبة والحيرة) واحتجّ به فيه.

والحاصل: أنَّ الحديث على كلا الاحتمالين معتبرٌ جدًّا تطمئنّ إليه النفس، ذٰلك ضعّف سنده بعض المعاصرين بما يلي:

أولا بأنَّ ابن المتوكّل مهملٌ.

وثانيًا: أنّه كم من خبرٍ صحيح السند اصطلاحًا لم يعمل به أحدٌ.

وثالثًا: أنّا لم نر الصدوق قرأ علينا الإكمال (الكمال) وفيه هٰذان الخبران، فلعلّ معاندًا دسَّ الخبرين ثمَّ استشهد بما روى الكشّيّ في المغيرة بن سعيدٍ.

الجواب:

أما محمّد بن موسى بن المتوكّل فقد حكى عن السيّد ابن طاووسٍ في (فلاح السائل) الاتّفاق على وثاقته(1)، ويكفي في الاعتماد عليه رواية الصدوق عنه مترضّيًا في رواياتٍ كثيرةٍ، ومثله لا يكون مهملًا.

وأمّا قوله: «كم من خبرٍ صحيح السند اصطلاحًا لم يعمل به أحدٌ»، فإن أراد به أنّه قد يوجد من الصحيح الاصطلاحيّ ما لم يعمل به أحدٌ، وأنّ عدم عملهم به مع كونه في مرآهم ومنظرهم يدلّ على إعراضهم عنه وعدم اعتباره وعدم جواز الاعتماد عليه، فهو كلامٌ صحيحٌ متينٌ؛ فلا يُحتجّ بالحديث المُعرَض عنه في الفروع.

وأمّا في أصول الدين فلا يُحتجّ بالمُعرَض عنه، ولا بما لم يثبت الإعراض عنه، ولا بما عمل به؛ لأنَّ كلَّها إذا لم يكن محفوفًا بالقرينة القطعيّة، أو لم يكن مكمّلًا لحصول التواتر، لا يحتجّ به في أصول الدين إلّا إذا كمل به التواتر المفيد للقطع فيحتجّ به وإن أعرض عنه الأصحاب؛ لأنَّ إعراضهم أعمّ من عدم الصدور، والتواتر يكون لإثبات الصدور. فقوله: «كم من خبرٍ صحيح السند اصطلاحًا لم يعمل به أحدٌ» ليس هنا مورده.

وما يقال من أنّ عمل الأصحاب جابرٌ لضعف السند، وإعراضهم وتركهم


1) (1) فلاح السائل: ص 158، الفصل التاسع عشر، فيما نذكره من فضل صلوة الظهر وصفتها، في مهمّات الصلاة والمصلّي عند ذكر الرواية الواردة عن الصادق علَیه السَّلام أنّه ما أحبّ الله من عصاه.

للحديث وعدم عملهم به يسقطٰهٰ من الاعتبار والحجّيّة؛ فهو مرتبطٌ بأصول الفقه وباب حجّيّة خبر الواحد الّذي لا يفيد القطع ولا يُعمل به في أصول الدين، فإنَّ الأخبار الضعيفة إذا وصلت إلى حدِّ التواتر المعنويّ أو الإجماليّ فهي حجّةٌ في الفروع وفي أصول الدين، وإن لم يوجد عاملٌ بمضمون كلّ واحدٍ منها.

والأخبار الصحيحة أيضًا إذا كان فيها ما أعرض عنه الأصحاب لم يحتجّ به في الفقه، إلّا أنّه لا يحصل القطع بذٰلك بوضعه وعدم صحّة سنده، فلا يستدلّ به على وضع الحديث وردِّه وإخراجه عمّا به يتحصّل التواتر الّذي هو حجّةٌ في أصول الدين، ولا يُساق الكلام هنا كما يساق هناك، فتدبّر.

والحاصل: أنّ الإعراض لا يدلّ على الوضع مطلقًا، غير أنّه في الفروع يوجب سقوط الخبر عن الاعتبار والحجّة، وأين هٰذا من الوضع؟!

إن قلت: إنَّ المخالفة لاتفاق الكلِّ يدلّ على الوضع لا محالة.

قلتُ هٰذا تكرارٌ لما سبق، وقد بان لك جوابه، وإنَّ المخالفة لاتّفاق الكلِّ لا تلازم الوضع؛ لإمكان صدور الخبر تقيّةً.

ثمّ لا يخفى عليك الفرق بين مخالفة جميع مضمون الحديث لاتّفاق الكلّ أو بعضه؛ لأنّه في حالة مخالفة كلّ مضمونه مع الاتّفاق، تكون المخالفة أمارةً على وضع الحديث أو صدوره تقيّةً، وفي الصورة الثانية لا تكون أمارةً إلّا على وجود علّةٍ في خصوص هٰذا البعض من دسِّه في الحديث أو صدوره تقيّةً، ولا تكون هٰذه أمارةً على وجود العلّة في تمام الحديث، كما أنّك إذا عرفت دسّ حديثٍ موضوعٍ معيّنٍ في كتاب لا تحكم بوضع جميع ما فيه من الأحاديث.

وبعد ذٰلك كلِّه، فليعلم أنّه على فرض لزوم العمل بالحديث أو عدم الإعراض عنه مطلقًا، فالعمل بهٰذه الأحاديث ثابتٌ جدًا؛ لأنّه لا يقصد من إخراج هٰذه الأحاديث إلّا ما هو مقبول الأصحاب وما اتّفقوا عليه، وهو تشرّف جماعةٍ بلقاء المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، كما يدلّ عليه ما عناون به هٰذا الباب. وأمّا الخصوصيات والتفاصيل فلم تكن مقصودةً بالأصالة، ولا يتحصّل من إثباتها فائدةٌ مهمّةٌ اعتقاديةٌ.

عن

وأمّا قول [المستشكل]: «إنا لم نر الصدوق...»، ففيه: أنَّ عدم ثبوت قراءة الصدوق علينا كتاب (كمال الدين) لا يدلّ على وضع الخبرين ولا غيرهما؛ فإنَّ الصدوق لم يقرأ علينا سائر كتابه أيضًا، وهل ترضى في نفسك احتمال الوضع في كلِّ أحاديثه، لا سيّما ما كان أصحّ سندًا منها لاحتمال دسِّه في الكتاب؟

والاعتماد على الأحاديث - وإن يصحّ بتحمّلها بأحد أنحاء تحمّل الحديث الّذي منه الوجادة - ليس مشروطًا بخصوص قراءة صاحب الأصل والكتاب على من يتحمّلها، فيصحّ الاقتصار على الوجادة، والاعتماد على أصلٍ أو كتابٍ اعتمد عليه الأصحاب، وأخرجوا عنه الحديث في كتبهم خلفًا عن سلفٍ، ولا سيّما إذا كانت نسخُهُ المخطوطة المعتمدة القديمة المتّفقة كثيرةً مشهورةً.

الإشكال الثالث: اشتماله على تسمية الحجّة مع ورود النهي عنها

اشتمال الحديث في بعض طرقه على تسمية الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد ورد النهي عنها عن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وأمير المومنين والباقر والصادق والكاظم والرضا

والجواد والهادي والحجّة علیهم السَّلام، ولم ترد التسمية إلّا في أخبار شاذّةٍ، حتّى أنَّ الصدوق قال بعد خبر اللوح المشتمل على التسمية: الّذي أذهب إليه النهي عن التسمية.

الجواب

كلامه هٰذا كلام الحريص على ردّ الأخبار وجمع الوجوه الضعيفة لذٰلك؛ فإنَّ تسميته عجل الله تعالی فرجه الشریف قد وردتْ في أخبارٍ صحيحةٍ، وحرمة التسمية وإن كانت في الجملة ثابتةً لا يجوز إنكارها مطلقًا، إلّا أنَّ شمول عمومها وإطلاقها لكلّ الموارد - وإن لم تكن تقيّةٌ في البين، أو لم تكن في مجمع الناس، أو في موردٍ يلزم التسميةَ لإيضاح الأمر ورفع الاشتباه وغيرها من الخصوصيّات - يقبل البحث والنقاش، ولا يجوز ردّ الأحاديث الّتي فيها التسمية بها، وقد كان ذٰلك موردًا للبحث والنظر بين عَلَمين معاصرين، وهما: السيّد الداماد وشيخنا البهائي رحمَهَما الله.

إذن يجب على الباحث في أخبار المسألة النظر إلى وجه الجمع بينها، واستنباط الحكم الشرعيّ حسب ما تقتضيه القواعد والأصول، لا الحكم بوضع طائفةٍ منها لأنّها معارضةٌ لطائفةٍ أخرى أخذ المشهور بها؛ ترجيحًا لها على غيرها.

الإشكال الرابع: اشتماله على بقاء ابن مهزيار إلى زمان ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف

اشتماله على بقاء إبراهيم بن مهزيار إلى أوان خروجه عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأنّه أمر بمسارعته مع إخوانه إليه، وهو أمرٌ واضح لبطلان.

الجواب

وفيه: أنَّ نظر المستشكل إلى قوله عجل الله تعالی فرجه الشریف: «... إذا بدتْ أمارات الظهور والتمكّن فلا تبطئ بإخوانك عنّا وبأهل المسارعة إلى منار اليقين وضياء مصباح الدين...»، إلّا أنَّ ذٰلك لا يدلُّ على بقاء المخاطب في مثل هٰذا الحديث الّذي له نظائر كثيرةٌ في أخبار الملاحم وأشراط الساعة وعلامات المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، كقوله: فإن أدركتَ ذٰلك الزمان... ونحو ذٰلك، بل عنالمراد: الدلالة على بيان وظيفة مَن أدرك ذٰلك الزمان وبدت له أمارات الظهور، وكلُّ ما قيل أو يقال في غيره ممّا شابهه من الأحاديث يقال فيه، فلا يجوز القول بوضعه لمجرّد ذٰلك.

الإشكال الخامس: كيفيّة الظهور خلاف ما جاء في سائر الروايات

اشتماله على ذهاب جمعٍ مع راياتٍ صفرٍ وأعلامٍ بيضٍ إليه بين الحطيم وزمزم، وبعث الناس ببيعتهم إليه عجل الله تعالی فرجه الشریف، مع أنَّ ظهوره بنحو آخر غير ما نطقت به الأخبار المتواترة.

الجواب

كان اللازم عليه أن يبيِّن أوّلًا ما توافقت عليه الأخبار المتواترة، ثمّ يبيِّن ما لا يوافقها، ولا يمكن الجمع العرفيّ بينه وبينها، ولا أظنّ أنّه يقدر أن يأتي بأمرٍ دلَّتْ عليه الأخبار المتواترة لا يمكن الجمع بينها وبين هٰذا الحديث، هٰذا مضافًا إلى وجود ذٰلك التهافت على زعمه بين سائر أخبار العلامات بعضها مع بعضٍ، ولا ريب أنّه مع الإمكان يجمع بينها بما يساعده العرف،

مضافًا إلى أنّه قد ظهر لك أنّه لا يجوز ردّ هٰذه الأخبار بعضها بالبعض إذا كان بينها تخالفٌ وتهافتٌ؛ لأنّ ذٰلك لا ينافي ما نحن بصدده من إثبات فوز الفائزين بزيارته ولقائه بالتواتر(1).

الإشكال السادس: عدم ورود هٰذه القصّة في كتاب محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ المستقصي لمن رأه عجل الله تعالی فرجه الشریف

إنَّ محمّد ابن أبي عبد الله الكوفيّ الّذي استقصى في كتابه مَن رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في ذاك العصر، المعروف وغير المعروف، لم يذكر إبراهيم من بينهم مع كونه من الأجلّة(2)

ومن نيسابور محمّد بن شعیب بن صالحٍ، ومن اليمن الفضل بن يزيد، والحسن ابنه، والجعفريّ، وابن الأعجميّ والشمشاطيّ، ومن مصر صاحب المولودَين، وصاحب المال بمكّة، وأبو رجاء، ومن نصيبين أبو محمّدٍ ابن الوجناء ومن الأهواز الحصينيّ» [كمال الدين: ج 2، ص 442، الباب 43: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 16].

وإنّما عدَّ ابنه محمّدًا، وهٰذا نصّه على ما رواه الصدوق في

1) (1) اللّٰهمّ إلّا أن نقول إنّ عدم ورود هٰذه العلامة في أحاديث أخرى لا يوجب التعارض مع العلامات الأخرى؛ لأنّ هٰذا الحديث هو كباقي الأحاديث الواردة الّتي تبيّن هٰذه العلامة.

2) (2) «حدّثنا محمّد بن محمّدٍ الخزاعيّ رضی اللهُ عنْه قال: «حدّثنا أبو عليٍّ الأسديّ، عن أبيه، عن محمّد ابن أبي عبد الله الكوفيّ أنّه ذكر عددًا من انتهى إليه ممّن وقف على معجزات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف ورآه، من الوكلاء ببغداد العمريّ وابنه وحاجزٌ والبلاليّ والعطّار، ومن الكوفة العاصميّ، ومن أهل الأهواز محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، ومن أهل قمٍّ أحمد بن إسحاق، ومن أهل همدان محمّد بن صالحٍ، ومن أهل الريّ البسّاميّ والأسديّ (يعني نفسه)، ومن أهل أذربيجان القاسم بن العلاء، ومن أهل نيسابور محمّد بن شاذان، ومن غير الوكلاء من أهل بغداد أبو القاسم بن أبي حليسٍ، وأبو عبد الله الٰكنديّ، وأبو عبد الله الجنيديّ، وهارون القزّاز والنيليّ، وأبو القاسم بن دبيس، وأبو عبد الله بن فرّوخ، ومسرورٌ الطباخ مولى أبي الحسن عَلَیه السَّلام، وأحمد ومحمّدٌ ابنا الحسن، وإسحاق الكاتب من بني نيبخت وصاحب النواء وصاحب الصرّة المختومة، ومن همدان محمّد بن کشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمّد بن هارون بنعمران، ومن الدينور حسن بن هارون، وأحمد بن أخيّة وأبو الحسن، ومن أصفهان ابن باذشالة، ومن الصيمرة زیدان، ومن قمٍّ الحسن بن النضر، ومحمّد بن محمّد،ٍ وعليّ بن محمّدٍ بن إسحاق، وأبوه، والحسن بن يعقوب، ومن أهل الريّ القاسم بن موسى وابنه، وأبو محمّدٍ ابن هارون وصاحب الحصاة، وعليّ بن محمّدٍ، ومحمّد بن محمّدٍ الكلينيّ، وأبو جعفر الرفاء، ومن قزوين مرداس وعليّ بن أحمد، ومن فاقتر رجلان، ومن شهرزور ابن الخال، ومن فارس المحروج، ومن مرو صاحب الألف دينارٍ، وصاحب المال والرقعة البيضاء، وأبو ثابتٍ،

(الإكمال)، ثمّ ذكر [التستريّ] خبر ابن أبي عبد الله الكوفيّ، وقال بعده: «فتراه عدَّ صاحب الفرّاء، وصاحب الصرّة المختومة، وصاحب الحصاة، وصاحب المولودَين، وصاحب الألف دينارٍ، وصاحب المال والرقعة البيضاء، وصاحب المال بمكّة، ورجلين من قابسٍ مع كونهم مجاهيل، فكيف لا يعدّ مثل إبراهيم من المعاريف لو كان منهم، أي ممّن فاز بلقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؟!

وكيف عدَّ نفسه - مع الاتّهام - ولم يعدّ غيره لو كان منهم مع عدمه؟ وكيف عدَّ الابن ولم يعدّ الأب مع كونه أجلّ من الابن بمراتب؟!».

الجواب عن

أوّلًا: أنَّ محمّد ابن أبي عبد الله لم يدّع أنّه استقصى من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في ذٰلك العصر (المعروف وغير المعروف)، بل ذكر عددًا ممّن انتهى إليه ممّن وقف

علي معجزات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف أو رآه، وبين اللفظين بونٌ بعيدٌ، والثاني يدلّ على جواز كونهم أزيد ممن ذكرهم بكثيرٍ.

وثانيًا: إذا كان الاعتبار على هٰذا الخبر يوجب ردّ سائر الروايات المذكور فيها مَن شاهده عجل الله تعالی فرجه الشریف ممّن لم يذكره محمّد ابن أبي عبد الله، وما أظنّه يلتزم بذٰلك، وما كان محمّد ابن أبي عبد الله نفسه لو وقف بعد ما ذكر من العدد على أكثر منه ينفي ذٰلك؛ لأنّه ذكر قبل ذٰلك عدد من انتهى إليه، وقد قالوا قديمًا: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود»، وعدد مَن تشرّف بزيارته عجل الله تعالی فرجه الشریف أو وقف على معجزاته في الغَيْبة الصغرى أكثر من ذٰلك بكثيرٍ وأضعافه.

وثالثًا: لِم لم يقل في ذٰلك ما قاله في أصل الخبر: لم يثبت أنَّ الصدوق قرأ علينا الإكمال... إلخ؟! فلعلَّ معاندًا أسقط اسم إبراهيم بن مهزيار وأسماء غيرهم عن خبر محمّد ابن أبي عبد الله، أو سقط بواسطة اشتباه النسّاخ وغيرهم.

ورابعًا: من أين قال: إنَّ إبراهيم بن مهزيار مع جلالته مات ولم يحقّق الأمر ولم يعرف إمام زمانه؟ وما ذكره من الروايات لا يدلّ على أنّه مات غير عارفٍ بإمام زمانه، بل غاية الأمر يدلّ على أنّه كان لا يعرف مكانه ووكلاءه، ولا يدري ما يفعل بالأموال؛ لأنَّ الإمام يأمره بشيءٍ.

وخامسًا: كيف يكون مَن لم يعرف إمام زمانه ومات في زمان الحيرة أجلّ ممّن هداه الله - تعالى - إلى إمام زمانه؟!

الإشكال السابع: كيف يتمنّى الإمام رؤية ابن مهزيار مع تمكّنه لقاءَ من يريد؟

قال: ومنها اشتماله على أنَّ الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف تمنَّى لقاء إبراهيم بن مهزيار، مع عن أنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف يمكنه لقاء مَن يريد ومَن يشاء، أمّا الناس فلا يمكنهم لقاؤه عجل الله تعالی فرجه الشریف ساعة يشاءون ومتى ما يريدون؟

الجواب

لا أدري ما أقول في جواب هٰذه الشبهات الضعيفة الّتي لا ينبغي أن يتوهّمها مَن له أدنى اشتغالٍ بعلم الحديث فضلًا عن مثله! فلا يجب أن يكون حبّ اللقاء وتمنِّيه ملازمًا لإرادة اللقاء، فلعلَّ مانعًا يعلمه هو عجل الله تعالی فرجه الشریف يمنعه عن هٰذه الإرادة، وهو العارف بوظيفته وموارد إرادته.

والحاصل: أنَّ إمكان لقائه مَن أراده لا يقتضي إمكان لقائه مَن أحبَّ لقاءه.

الإشكال الثامن: ضعف العبارات

قال: ومنها اشتماله على عباراتٍ تكلّفيّة غير شبيهةٍ بعبارات الأئمّة علیهم السَّلام، وكيف يتكلّم الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف الّذي كان من إنشائه دعاء الافتتاح الوارد في كلِّ ليلة من شهر الله (1)- وهو في أعلى درجات الفصاحة - بمثل هٰذه العبارات الباردة؟!


1) (1) مصباح المتهجد: ص 421، أعمال شهر رمضان، دعاء كلّ ليلةٍ من شهر رمضان، دعاء الافتتاح.

الجواب

قد يكون إنشاء ألفاظٍ وعباراتٍ على غير القادر بالكلام والجاهل بأساليبه تكلّفًا، ويرى هو إنشاءها من غيره العارف بفنون الكلام والبلاغة تكلّفًا، والعارف بالأدب والفصاحة والبلاغة يُنشئها من غير تكلّفٍ وفي كمال السهولة، فإيراد خطبةٍ مثل خطب مولانا أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام من حيث اللفظ والمعنى يصدر من مثله بدون أدنى تكلّفٍ، وفي كمال السهولة والارتجال، ومن غيره يصدر أقلّ منها بدرجاتٍ من التكلّف.

وكيف تكون هٰذه العبارات غير شبيهةٍ بعبارات الأئمّة َعَلَیه السَّلام يعرفها هو ولا يعرفها مثل الصدوق والشيخ اللذين لا يدانيهما في معرفة كلام الأئمّة عَلَیه السَّلام أكابر مَهَرَةِ علم الحديث، فضلًا عن غيرهم؟! وقياسه بدعاء لا الافتتاح في غير محلّه؛ فلكلِّ مقامٍ مقالٌ، ولكلِّ كلامٍ مجالٌ.

الإشكال التاسع: طلب ابن مهزيار رؤية الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف عيانًا

قال: ويشهد لوضعه (يعني وضع ما رواه الشيخ في غيبته) أيضًا - مضافًا إلى ما مرّ - اشتماله على سؤاله بيثرب عنه عجل الله تعالی فرجه الشریف حتّى يراه عيانًا، مع أن عدم إمكان ذٰلك كان يعرفه كلُّ إماميٍّ، واشتماله على منكراتٍ أخر؛ كتبختر مَن كان سفيرًا عنه عجل الله تعالی فرجه الشریف وغيره.

الجواب

أما سؤاله عيان الإمام فليس في الخبر أنّه كان بيثرب، وأمّا عدم إمكان ذٰلك حتّى لبعض الأفراد والخواصّ لا سيّما في عصر الغَيْبة الصغرى، فكلّ

إماميٍّ عارفٌ بهٰذا الأمر يعرف إمكانه، وانعقاد بابٍ في كتاب (الغَيْبة) لِمَنْ رَآه عجل الله تعالی فرجه الشریف عيانًا أدلّ دليلٍ على ذٰلك.

نعم، عيان الإمام بحيث يعرفه جميع الناس كسائر الأفراد لا يقع في عصر الغَيْبة، وسؤال السائل لم يكن عن هٰذا، وهٰذا ظاهرٌ، ولا أدري كيف خفي مثل ذٰلك على هٰذا الفاضل رحمه الله؟!

وأمّا تبختر السفير فهو أعمّ من المشي تكبّرًا ومعجبًا بالنفس، ومن حسن المشي،والجسم، والمراد من قوله: (يتبختر في مشيته) هنا هو المعنى الثاني.

فالتمسّك بما هو أوهن من بيت العنكبوت لتضعيف الخبر خارجٌ عن أسلوب البحث والتحقيق، ولا ينبغي لمثله فتح باب هٰذه الإيرادات الضعيفة لردّ الأحاديث، وضمّ بعضها إلى بعضٍ، وتكثيرها لا يرتقي بها إلى دليلٍ مقبولٍ.

الإشكال العاشر: اشتماله على أنّ للحجّة أخا اسمه موسى وهٰذا خلاف المذهب

وهو أقوى أدلّة المحقِّق التستريّ رحمه الله على وضع هٰذه الأحاديث:

اشتمال اثنين منها على أنّ للحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف أخًا مسمّى بموسى، وهٰذا خلاف المذهب، وخلاف إجماع الإماميّة.

الجواب

قال العلّامة المجلسيّ رحمه الله: «اشتمال هٰذه الأخبار على أنّ له عجل الله تعالی فرجه الشریف أخًا مسمًّى

بموسى غريبٌ»(1). ولا يخفى عليك أنّ استغرابه في محلِّه جدَّا، إلّا أنّه مجرّد استغرابٍ، وظاهره عدم الحكم بالوضع بل والضعف؛ لجواز كون الحديث الغريب صحيحًا.

وقال الشيخ الأجلّ الأكبر شيخنا المفيد رحمه الله في (الإرشاد) عند ذكر مولانا القائم بعد أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام: «وكان الإمام بعد أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام ابنه المسمّى باسم رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم المكنّى بكنيته، ولم يخلّف أبوه ولدًا ظاهرًا ولا باطنًا غيره، وخلّفه غائبًا مستترًا»(2).

وقال ابن شهر آشوب في (المناقب) في باب إمامة مولانا أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام: «وولده القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف لا غير»(3).

وهٰذا ظاهر عباراتٍ كثيرٍ من أساطين الشيعة، وهو القول المشهور بينهم في ذٰلك، ولم نعرف في الأحاديث ما يدلّ على وجود ولدٍ لسيّدنا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام غير مولانا المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، إلا هذين الخبرين اللذين أخرجهما في (كمال الدين)، وقد عرفت أنّهما خبرٍ واحدٍ روي بألفاظٍ مختلفةٍ ومضامين متقاربةٍ.


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 47، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 18: ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 32.

2) (2) الإرشاد: ج 2، ص 339، باب ذكر الإمام بعد أبي محمّدٍ َلَیه السَّلام.

3) (3) مناقب آل أبي طالبٍ ج 4، ص 421، باب إمامة أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ َلَیه السَّلام، في فصلٌ المقدمات.

وروي في (الغَيْبة) وفي (دلائل الإمامة) وليس فيهما ذكرٌ من ذٰلك، كما لم نجد أيضًا في الأقوال قولًا مخالفًا لهٰذا القول إلّا من الحسين بن حمدان، فإنّه من قال في كتابه الموسوم ب‍ (الهداية) في ترجمة مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام: «له الولد: موسى والحسين والخلف علیهم السَّلام، ومن البنات...»(1)، ومن ابن أبي الثلج في (تاريخ الأئمّة)، فإنّه قال: «ولد للحسن بن عليٍّ العسكريّ عَلَیه السَّلام(م ح م د) وموسى وفاطمة وعايشة...»(2).

ولا ريب أنَّ هٰذا القول شاذٌّ مخالفٌ لما هو المعروف بين الشيعة وأرباب كتب السيرة والأنساب والتواريخ، وقد صرَّح بما هو المشهور بين الإماميّة بعض أكابر العامّة أيضًا، كابن حجرٍ في (الصواعق)، قال: «ولم يخلّف [يعني مولانا أبا محمّدٍ َعَلَیه السَّلام] غير ولده أبي القاسم محمّدٍ الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لٰكن آتاه الله فيها الحكمة»(3).


1) (1) ربما يكون فى نسخة المخطوطة ذكر هٰؤلاء الأوّلاد، والشاهد على ذٰلك تحقيق محقّق كتاب (تاريخ أهل البيت) لابن أبي ثلج الّذي شهد بذٰلك في هامش ذٰلك الكتاب عند ذكر أولاد الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام، ونحن في تتّبعنا ما وجدنا في النسخة المطبوعة ذكر هٰؤلاء الأوّلاد، والنصّ في المطبوعة: «ولد له الخلف الإمام الثاني عشر صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف... وله من البنات فاطمة ودلالة» [الهداية الكبرى: ص 327 و328، الباب 13: باب الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام].

2) (2) تاريخ الأئمّة علیهم السَّلام: ص 21 و22، الفصل الثاني، في ذكر أولاد النبيّ والأئمّة علیهم السَّلام، ولد الحسن بن عليٍّ العسكريّ عَلَیه السَّلام.

3) (3) الصواعق المحرقة ص 257، الباب 11: في فضائل أهل البيت النبويّ، الفصل الثالث: في الأحاديث الواردة عن بعض أهل البيت علیهم السَّلام.

وهٰذا ظاهر كلمات جماعةٍ منهم، ومع ذٰلك كلِّه لا يمكننا نسبة هٰذا القول - أي انحصار ولد الإمام أبي محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام بمولانا المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف - إلى مثل الصدوق الّذي أخرج لهٰذين الحديثين في كتابه ولم يذيّلهما بذيلٍ يعرف منه عقيدته إن كانت مخالفةً لما تضمّناه، مع أنّه لو كان هٰذا هو القول المشهور لعرفه ولعرَّفه لأصحابه ولم يروه في كتابه؛ لئلّا يقع أحدٌ في الاشتباه في ذٰلك.

كما لا يمكننا نسبته إلى معاصريه وشيوخه وسائر الشيعة في عصر الغَيْبة الصغرى، ولعلَّ هٰذا لم يكن موردًا للاهتمام؛ لعدم ترتّب فائدةٍ اعتقاديّةٍ على معرفته والسؤال عنه، أو كان معلومًا عندهم وجوده أو عدمه، ولٰكنّهم لأجل ما ذكر من عدم ترتّب فائدةٍ شرعيّةٍ لمعرفته لم يهتمّوا بنقله وضبطٰهٰ، وإن كان يمكن استظهار عدم معروفيّة ذٰلك - أي حصر أولاده عَلَیه السَّلام بمولانا بأبي هو وأمّي - بين الشيعة من ترك الصدوق رحمه الله ذكر ذٰلك مع إخراجه الخبرين الدالّين على نفي الحصر وإثبات غيره أيضًا.

ولعلَّ شيخنا المفيد رحمه الله كان أوّل مَن صرَّح بعدم وجود ولدٍ له غيره من الّذين وصلت إلينا كلماتهم.

والقول الفصل:

إنّه لا يثبت بالثبوت الشرعيّ التعبّديّ بالخبر - وإن كان صحیح السند - مثل ذٰلك؛ وذٰلك:

1- لعدم شمول أدلّة حجّيّة الخبر له.

2- لعدم ترتّب فائدةٍ شرعيّةٍ على إثباته أو نفيه.

3- للزوم اللغوية في جعل الحجّيّة له.

وكذٰلك لا يتمّ بأقوال العلماء والشهرة بينهم وبين الشيعة الإثبات أو النفي في مثل هٰذه المسألة لو فرضنا تحّققها، لا لعدم حجّيّة الشهرة مطلقًا، بل لأنّها حجّةٌ إذا كانت كاشفةً عن وجود خبرٍ تشمله أدلّة حجّيّة الخبر.

وإن قيل: إنَّ الشهرة من الحجج التعبّديّة بنفسها كخبر الواحد، فدليل حجّيتّها أيضًا لا يشمل مثل هٰذه الشهرة الّتي لا تعلّق لها بالتكاليف العمليّة، فغاية الأمر في ذٰلك: أنَّ الثابت المسلَّم، والحقِّ المقطوع به عند الإماميّة، وجماعةٍ من أكابر علماء العامّة، وأساطين علم الأنساب، والّذي لا ريب فيه، وتدلُّ عليه الأخبار المتواترة: أنَّ الخَلَفَ من بعد الإمام أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، وخليفته وخليفة الله والحجّة والإمام بعده على الخلق أجمعين هو ابنه المسمّى باسم رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم والمكنّى بكنيته.

وأمّا وجود غيره من الولد له عجل الله تعالی فرجه الشریف وبقاؤه إلى زماننا فغير مقطوعٍ به، لا يثبت بقول مَن ذكر ذٰلك، ولا بخبرَي (كمال الدين)؛ لعدم حجّيّتهما أوّلًا، ولمعارضتهما مع أقوال العلماء الأعلام غَفَرَ اللهُ لهُم - خصوصًا الشيخ المفيد رحمه الله - ثانيًا؛ وعليه يسقط كلا القولين عن صلاحية الاعتماد عليهما، وكذا الخبران في خصوص ذٰلك، وهٰذا لا يدلُّ على وضعهما، بل دسّ خصوص هٰذا فيهما.

ومن هنا يظهر:

أنّ الاستدلال على وضع الخبرين باشتمالهما على خلاف المذهب وخلاف

إجماع الإماميّة فاسدٌ جدًّا؛ لأنَّ ما هو من المذهب أنَّ الإمام بعد الإمام الحادي عشر أبي محمّدٍ هو ابنه المسمّى باسم رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، والمكنّى بكنيته، وهو خليفته والإمام المفترض على الناس طاعته، الّذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وأمّا عدم كون وَلَدٍ له غيره أو وجوده فليس من المذهب بشيءٍ، ولا حرج على مَن لم يعرف ذٰلك ولم يسأل عنه.

وأمّا إجماع الإماميّة فقد عرفت عدم معلوميّة تحقّقه لو لم نقل بعدمه، وعلى فرض تحقّقه فالكلام فيه هو الكلام في الشهرة. إذن فالحكم بوضع الحديث لتضمّنه وجود أخٍ للصاحب عجل الله تعالی فرجه الشریف دعوى دون إثباتها خرط القتاد(1)!

النتيجة النهائيّة

إنَّ أصل الحادثة ممّا لا إشكال فيه، ولعلّه يستفاد منها تواترٌ نظير التواتر المعنويّ أو الإجماليّ، لٰكنّ الحكم بأنّها موضوعةٌ ومختلقةٌ مشكلٌ جدًّا.

وكيف كان، فحتّى إن لم نستفد من هٰذه الروايات الأربع التواتر المعنويّ، فلا أقلّ يمكن استفادة التواتر الإجماليّ، فتأمّل، يعني بعض هٰذه الروايات الأربع صحيحةٌ بلا إشكالٍ أو ندّعي الاستفاضة


1) (1) مجموعة الرسائل: ج 2، ص 164 - 204.

الفَصْلُ العٰاشِرُ

اشارة

حديث تشرّف سعد بن عبد الله

الأشعريّ بلقاء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف

المَدْخلُ

سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ هو أحد الأشخاص الّذين التقوا بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وقد ذكر علماء الشيعة حديث لقائه بالإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام تحت هٰذا العنوان، أو تحت عنوان: كرامات الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

إنَّ حديث سعدٍ هٰذا يحتوي على متنٍ مليءٍ بالمعارف المختلفة والمتنوّعة، وفيه بحوثٌ مهمّةٌ أيضًا في مجالاتٍ متعدّدةٍ؛ كالتفسير والكلام والفقه والتاريخ والتربية وتهذيب النفس و...، بحيث يمكن لكلِّ باحثٍ وعالمٍ أن يستفيد منه بحسب مجال تخصّصه وساحة عمله.

ومن مميّزات هٰذا الحديث أيضًا أنّه من الأحاديث الّتي قُوبلت بتعاطٍ خاصٍّ من قِبل بعض العلماء والفقهاء؛ كونهم واجهوا عباراتٍ معقَّدةً ومبهمةً في متنه، الأمر الّذي دفعهم إلى الخدش والطعن فيه، زاعمين أنّه من الأحاديث الموضوعة الّتي لا واقعيّة لها.

ولٰكن في قبال ذٰلك ارتضى جمعٌ من هٰؤلاء العلماء والفقهاء هٰذه الرواية، وتلقّوها بالرضى والقبول، بل دافعوا عنها بكلِّ ما أوتوا من قوّةٍ وصلابةٍ في البحث والتحقيق.

وفي هٰذا الفصل سوف نسعى إلى التعرّف على ما يحويه حديث سعدٍ هٰذا

من مضامين ومداليل؛ ليتّضح لنا بالنتيجة مدى أهمّيّة هٰذا الحديث، وفي الوقت نفسه نحاول أن ننقل متن الحديث مع ذكر طُرُقه والكتب الّتي أوردته، ثمّ نخوض في التقويم السنديّ والدلالي هٰذا الحديث، ونختم بعرضٍ سريعٍ للشبهات والإشكالات الواردة عليه، ومن ثمّ نذكر الردود المناسبة لذٰلك.

المحور الأوّل: نصّ حديث سعدٍ بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ

اشارة

روى الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) هٰذا الحديث، حيث قال: «حدّثنا محمّد بن عليٍّ بن محمّدٍ بن حاتمٍ النوفليّ المعروف بالكرمانيّ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمد بن طاهرٍ القمّيّ، قال: حدّثنا محمّد بن بحرٍ بن سهلٍ الشيبانيّ، قال: حدّثنا أحمد بن مسرورٍ، عن سعد بن عبد الله القمّيّ، قال: كنت امْرَءًا لهجًا - أي حريصًا - بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها، كَلِفًا باستظهار ما يصحّ لي من حقائقها، مُغرمًا بحفظ مشتبهها ومستغلقها، شحيحًا على ما أظفر به من معضلاتها ومشكلاتها، متعصّبًا لمذهب الإماميّة، راغبًا عن الأمن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدّي إلى التباغض والتشاتم، معيبًا للفرق ذوي الخلاف، كاشفًا عن مثالب أئمّتهم، هتّاكًا لحجب قادتهم، إلى أن بُليتُ بأشدّ النواصب منازعةً، وأطولهم مخاصمةً، وأكثرهم جدلًا، وأشنعهم سؤالا، وأثبتهم على الباطل قدمًا.

فقال ذات يومٍ وأنا أناظره: تبًّا لك ولأصحابك يا سعد! إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما، وتجحدون من

رسول الله ولايتهما وإمامتهما. هٰذا الصدّيق الّذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أما علمتم أنَّ رسول الله ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علمًا منه أنَّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلَّد لأمر التأويل، والمُلقى إليه أزمّة الأمّة، وعليه المعوّل في شعب الصدع ولمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك؟! وكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرِّ مساعدةً إلى مكانٍ يستخفي فيه؟

ولمّا رأينا النبيّ متوجهًا إلى الانجحار، ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحدٍ، استبان لنا قصد رسول الله بأبي بكر للغار للعلّة الّتي شرحناها، وإنّما أبات عليًّا على فراشه لمّا لم يكن يكترث به، ولم يحفل به لاستثقاله، ولعلمه بأنّه إن قُتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب الّتي كان يصلح لها.

قال سعدٌ: فأوردتُ عليه أجوبةً شتى، فما زال يعقب كلَّ واحدٍ منها بالنقض والردّ عليَّ، ثمّ قال: يا سعد، ودونكها أخرى بمثلها تخطم أنوف الروافض: ألستم تزعمون أنَّ الصدّيق المبرّأ من دنس الشكوك والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق، واستدللتم بليلة العقبة(1)؟


1) (1) ليلة العقبة: هي الليلة الّتي نزلت فيها الآية 64 وما بعدها من سورة التوبة، وللاطّلاع على تفاصيلها أكثر انظر المصادر الّتي فصلت الحادثة منها: كتاب المحلّى، إذ قال: «أمّا حديث حذيفة فساقطٌ؛ لأنّه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالكٌ... فإنّه قد روى أخبارًا فيها أنّ أبا بكرٍ وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقّاصٍ أرادوا قتل النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وإلقاءه من العقبة في تبوك» [انظر: المحلّى: ج 11، ص 224، ذكر أحاديث موقوفةٍ على حذيفة رضی اللهُ عنْه ورد فيها ذكر المنافقين، ذيل مسألة 2199؛ تاريخ الإسلام: ج 3، ص 494، عهد الخلفاء، سنة ستٍّ وثلاثين، ذكر من توفّي في هٰذه السنة، حذيفة بن اليمان؛ مسند أحمد: ج 5، ص 453، حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة؛ الدرّ المنثور: ج 3، ص 259، سورة التوبة، ذيل الآية 74؛ تفسير القرآن العظيم: ج 2، ص 378، سورة التوبة، ذيل الآية 74؛ السلف والسلفيّون: ص 75، المحور الثاني، هل السلفيّ يتّبع السنّة النبويّة؟ الشاهد 13، التآمر باغتيال النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.

أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعًا أم كرهًا؟

قال سعدٌ: فاحتلتُ لدفع هٰذه المسألة عنّي خوفًا من الإلزام، وحذرًا من أنّي إن أقررتُ له بطوعهما للإسلام احتجَّ بأنَّ بدءَ النفاق ونشأته في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح عند هبوب روائح القهر والغلبة، وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على مَن ليس ينقاد إليه قلبه، نحو قول الله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(1)، وإن قلتُ: أسلما كرهًا كان يقصدني بالطعن، إذ لم تكن ثمّة سيوفٌ منتضاةٌ (مسلولةٌ) كانت تريهما البأس.

قال سعد: فصدرتُ عنه مزورًا - منصرفًا عنه - قد انتفخت أحشائي من الغضب، وتقطع كبدي من الكرب، وكنت قد اتخذتُ طومارًا، وأثبتُ فيه نيفًا وأربعين مسألة من صعاب المسائل، لم أجد لها مجيبًا على أن أسأل عنها


1) (1) سورة غافر: 84 و85.

خبيرَ أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام.

فارتحلتُ خلفه وقد كان خرج قاصدًا نحو مولانا بسرَّ مَن رأى، فلحقته في بعض المنازل فلمّا تصافحنا قال: بخيرٍ لحاقك بي؟ قلتُ: الشوق، ثمّ العادة في الأسئلة. قال: قد تكافينا على هٰذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي القرم (1)إلى لقاء مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام، وأنا أريد أن أسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل في التنزيل فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفة بحرٍ لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، وهو إمامنا.

فوَرَدْنا سرَّ مَن رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا فاستأذنّا، فخرج علينا الإذن بالدخول عليه، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جرابٌ قد غطّاه بكساءٍ طبريٍّ فيه مئةٌ وستّون صرَّةً من الدنانير والدراهم، على كلِّ صرَّةٍ منها ختم صاحبها.

[اللقاء مع الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام]

قال سعدٌ: فما شبَّهتُ وجه مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام حين غَشِيَنا نور وجهه إلّا ببدرٍ قد استوفى من لياليه أربعًا بعد عشرٍ، وعلى فخذه الأيمن غلامٌ يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، على رأسه فرقٌ بين وفرتين كأنّه ألفٌ بين واوين، وبين يدي مولانا رمّانةٌ ذهبيّةٌ تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة،


1) (1) أي الشوق.

وبيده قلمٌ إذا أراد أن يسطّر به على البياض شيئًا قبض الغلام على أصابعه، فكان مولانا يُدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردِّها كي لا يصدّه عن كتابة ما أراد، فسلَّمنا عليه، فألطفَ في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس.

فلمّا فرغَ من كتبة البياض الّذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه، فوضعه بين يديه فنظر الهادي(1)عَلَیه السَّلام إلى الغلام وقال له: يا بُنيّ، فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك. فقال: يا مولاي، أيجوز أن أمد يدًا طاهرةً إلى هدايا نجسةٍ وأموالٍ رجسةٍ قد شيب أحلّها بأحرمها؟ فقال مولاي: يا بن إسحاق، استخرج ما في الجراب ليميز ما بين الحلال والحرام منها.

فأوّل صرَّة بدأ أحمد بإخراجها، قال الغلام: هٰذه لفلان بن فلانٍ، من محلّة كذا بقمٍّ، يشتمل على اثنين وستّين دينارًا، فيها من ثمن حجيرةٍ باعها صاحبها، وكانت إرثًا له عن أبيه خمسةٌ وأربعون دينارًا، ومن أثمان تسعة أثوابٍ أربعة عشر دينارًا، وفيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير.

فقال مولانا: صدقتَ يا بني، دُلَّ الرجل على الحرام منها.

فقال عَلَیه السَّلام: فَتّش عن دينار رازيّ السكّة تاريخه سنة كذا، قد انطمس


1) (1) ورد في هامش (بحار الأنوار) في هٰذا الموضع: «كذا في الأصل المطبوع، وهٰكذا المصدر، والمعنيّ به أبو محمّدٍ عليّ بن محمّدٍ علیهما السَّلام، ولعلّه مصحّفٌ عن "مولاي" كما في أغلب السطور» [بحار الأنوار، ج 2، ص 81].

من نصف إحدى صفحتيه نقشه، وقراضةٍ آمليّةٍ وزنها ربع دينارٍ. والعلّة في تحريمها أنَّ صاحب هٰذه الصرَّة وَزَنَ في شهر كذا من سنة كذا على حائكٍ من جيرانه من الغزل منًّا وربع منٍّ، فأتت على ذٰلك مدَّة وفي انتهائها قيّض لذٰلك الغزل سارقٌ، فأخبر به الحائك صاحبه فكذَّبه واستردَّ منه بدل ذٰلك منَّا ونصفًا من غزلٍ أدقّ ممّا كان دفعه إليه، واتّخذ من ذٰلك ثوبًا، كان هٰذا الدينار مع القراضة ثمنه، فلمّا فتح رأس الصرَّة صادف رقعةً في وسط الدنانير باسم مَن أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة.

ثمّ أخرج صرَّة أخرى، فقال الغلام: هٰذه لفلان بن فلانٍ، من محلّة كذا بقمٍّ، تشتمل على خمسين دينارًا لا يحلُّ لنا لمسها. قال: وكيف ذاك؟

قال: لأنّها من ثمن حنطةٍ حاف صاحبها على أكاره في المقاسمة، وذٰلك أنّه قبض حصّته منها بكيلٍ وافٍ، وكان ما خصّ الأكار بكيلٍ بخسٍ.

فقال مولانا: صدقت يا بنيّ. ثمّ قال: يا أحمد بن إسحاق، احملها بأجمعها لتردَّها أو توصي بردِّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شيءٍ منها، وائتنا بثوب العجوز.

قال أحمد: وكان ذٰلك الثوب في حقيبةٍ لي فنسيته.

فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليَّ مولانا أبو محمّدٍ عَلَیه السَّلام فقال: ما جاء بك يا سعد؟

فقلتُ: شوّقني أحمد بن إسحاق على لقاء مولانا.

قال: والمسائل الّتي أردتَ أن تسأله عنها؟

قلتُ: على حالها يا مولاي.

قال: فسلْ قرّة عينى، وأومأ إلى الغلام.

فقال لي الغلام: سل عمّا بدا لك منها.

[السؤال الأوّل]

فقلتُ له: مولانا وابن مولانا، إنَّا رُوينا عنكم أنَّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة: أنّكِ قد أرهجتِ (1)على الإسلام وأهلِه بفتنتكِ، وأوردت بنيكِ حياضَ الهلاك بجهلك، فإن كففت عنّي غربك (2)وإلّا طلّقتك، ونساء رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم قد كان طلاقهنّ وفاته.

قال عَلَیه السَّلام ما الطلاق؟

قلتُ: تخلية السبيل.

قال عَلَیه السَّلام: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم قد خلّيت لهنَّ السبيل، فلمَ لا يحلّ لهنَّ الأزواج؟

قلتُ: لأنَّ الله - تبارك وتعالى - حرّم الأزواج عليهنَّ.


1) (1) الإرهاج: إثارة الغبار.

2) (2) الغرب: الحدّ.

قال عَلَیه السَّلام: كيف وقد خلّى الموتُ سبيلهنَّ؟

قلتُ: فأخبرني يا بن مولاي عن معنى الطلاق الّذي فوّض رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم حكمه إلى أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام.

قال عَلَیه السَّلام: إِنَّ الله - تقدّس اسمه - عظّم شأن نساء النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فخصَّهُنَّ بشرف الأمّهات، فقال رسول الله: يا أبا الحسن، إنَّ هٰذا الشرف باقٍ لهنَّ ما لله على الطاعة، فأيتهنَّ عصت الله بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج، وأسقطٰهٰا من شرف أمومة المؤمنين.

[السؤال الثاني]

قلتُ: فأخبرني عن

"الفاحشة المُبيّنة" الّتي إذا أتت المرأة بها في عِدّتها حلَّ للزوج أن يخرجها من بيته؟

قال َعلَیه السَّلام: الفاحشة المُبيّنة هي السحق دون الزنا، فإنّ المرأة إذا زنتْ وأقيم عليها الحدُّ ليس لمَن أرادها أن يمتنع بعد ذٰلك من التزوّج بها لأجل الحدِّ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزيٌ، ومَن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه ومَن أخزاه فقد أبعده، ومَن أبعده فليس لأحدٍ أن يقرّبه.

[السؤال الثالث]

قلتُ: فأخبرني يا بن رسول الله عن أمرٍ الله لنبيه موسى : (فَاخْلَعْ

نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى)(1). فإنَّ فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميّتة.

فقال عَلَیه السَّلام: من قال ذٰلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته؛ لأنّه : ما خلا الأمر فيها من خطيئتين: إمّا أن تكون صلاة موسى فيهما جائزةً أو غير جائزةٍ، فإن كانت صلاته جائزةً، جاز له لبسهما في تلك البقعة، وإن كانت مقدّسةً مطٰهّٰرةً فليست بأقدس وأطٰهٰر من الصلاة، وإن كانت صلاته غير جائزةٍ فيهما فقد أوجب على موسى أنّه لم يعرف الحلال من الحرام، وما علم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز، وهٰذا كفرٌ.

قلتُ: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما.

قال عَلَیه السَّلام: إنَّ موسى ناجى ربَّه بالواد المقدّس، فقال: يا ربِّ، إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي، وغسلتُ قلبي عمّن سواك - وكان شديد الحبِّ و لأهله -. فقال الله تعالى: (اخْلَعْ نَعْلَيْكَ) أي انزع حُبَّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصةً، وقلبك من الميل إلى مَن سواي مغسولًا.

[السؤال الرابع]

قلتُ: فأخبرني يا بن رسول الله عن تأويل (كهيعص).

قال عَلَیه السَّلام: هٰذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريّا، ثمّ


1) (1) سورة طٰهٰ: 12.

قصّها على محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؛ وذٰلك أنَّ زكريّا سأل ربَّه أن يعلِّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلَّمه إيّاها، فكان زكريّا إذا ذكر محمّدًا وعليًّا وفاطمة والحسن والحسين سرى عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البَهرة(1)، فقال ذات يوم: يا إلٰهي، ما بالي إذا ذكرت أربعًا منهم تسلّيتُ بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرتُ الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه الله - تعالى - عن قصّته، وقال: (كهيعص): فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، وهو ظالم الحسين عَلَیه السَّلام، والعين عطشه، والصاد صبره.

فلمّا سمع ذٰلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّامٍ، ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبلَ على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: إلٰهي، أتفْجَعُ خیر خلقك بولده؟! إلٰهي، أتنزل بلوى هٰذه الرزيّة بفنائه؟! إلٰهي، أتُلبس عليًّا وفاطمة ثياب هٰذه المصيبة؟! إلٰهي، أتحلّ كربة هٰذه الفجيعة بساحتهما؟! ثمّ كان يقول: اللّٰهمّ ارزقني ولدًا تقرّ به عيني على الكبر، واجعله وارثًا وصيَّا، واجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه، ثمّ فجّعني به كما تفجّع محمّدًا حبيبك بولده.

فرزقه الله يحي عَلَیه السَّلام وفَجّعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهرٍ، وحمل الحسين عَلَیه السَّلام كذٰلك، وله قصّةٌ طويلةٌ.


1) (1) أي تتابع النفس وانقطاعه.

[السؤال الخامس]

قلتُ: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمامٍ لأنفسهم.

قال عَلَیه السَّلام: مصلحٌ أم مفسدٌ؟

قلتُ: مصلحٌ.

قال عَلَیه السَّلام: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدٌ ما يخطر ببال غيره من صلاحٍ أو فسادٍ؟

قلت: بلى.

قال عَلَیه السَّلام: فهي العلّة، وأوردُها لك ببرهانٍ ينقاد له عقلك. أخبرني عن الرسل الّذين اصطفاهم الله - تعالى - وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة؛ إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم؛ مثل موسى وعيسى علیهما السَّلام، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمنٌ؟

قلت: لا.

فقال علیهما السَّلام: هٰذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربِّه سبعين رجلًا ممّن لا يُشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله تعالى:

(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا)(1)إلى قوله(2): (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(3).

فلمّا وجدنا اختيار مَن قد اصطفاه الله للنبوّة واقعًا على الأفسد دون الأصلح، وهو يظنُّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمَن يعلم ما تخفي الصدور، وما تكنّ الضمائر، وتتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أراد أهل الصلاح.

أبو بكرٍ وحديث الغار

ثمّ قال مولانا عَلَیه السَّلام: يا سعد، وحين ادّعى خصمك أنَّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ما أخرج مع نفسه مختار هٰذه الأمّة إلى الغار إلّا علمًا منه أنَّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلَّد أمور التأويل، والملقى إليه أزمّة الأمّة، وعليه المعوّل في لمّ الشعث وسدِّ الخلل وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرِّ مساعدةً من غيره إلى مكانٍ


1) (1) سورة الأعراف: 155.

2) (2) تجدر الإشارة إلى أنّنا تصرّفنا في نقل هٰذه المفردة من (دلائل الإمامة) ص 279؛ وذٰلك لوجود بعض الهنات في المصدر الأساس.

3) (3) سورة البقرة: 55.

يستخفي فيه، وإنّما أبات عليَّا على فراشه لمّا لم يكن يكترث له ولم يحفل به؛ لاستثقاله إيّاه، وعلمه أنّه إن قُتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب الّتي كان يصلح لها.

فهلّا نقضت عليه دعواه بقولك: أليس قال رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: الخلافة بعدي ثلاثون سنةً. فجعل هٰذه موقوفةً على أعمار الأربعة الّذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم؟ فكان لا يجد بدًّا من قوله لك: بلى. قلتَ: فكيف تقول حينئذٍ: أليس كما علم رسول الله أنَّ الخلافة من بعده لأبي بكرٍ علم أنها من بعد أبي بكرٍ لعمر، ومن بعد عمر لعثمان، ومن بعد عثمان لعليٍّ؟ فكان أيضًا لا يجد بدًّا من قوله لك: نعم. ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أن يخرجهم جميعًا على الترتيب إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكرٍ، ولا يستخفّ بقدر هٰؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم وتخصيصه أبا بكرٍ وإخراجه مع نفسه دونهم.

سبب إسلام بعض الصحابة

ولمّا قال: أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعًا أو كرهًا؟ لِمَ لَمْ تقل له: بل أسلما طمعًا؛ وذٰلك بأنّهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة وفي سائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حالٍ إلى قصّة محمّدٍ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، ومن عواقب أمره، فكانت اليهود تذكر أنَّ محمّدًا يُسلَّط على العرب كما كان بختنصر سُلِّط على بني إسرائيل، ولا بدَّ له من الظفر بالعرب كما ظفر بختنصر ببني إسرائيل، غير أنّه كاذبٌ في دعواه أنّه

نبيٌّ. فأتيا محمّدًا صلَّی الله علیه وآله وسلَّم فيساعداه على شهادة أن لا إله إلا الله وبايعاه؛ طمعًا في أن ينال كلُّ واحدٍ منهما من جهته ولاية بلدٍ إذا استقامت أموره واستتبّت أحواله، فلمّا آيسا من ذٰلك تلثّما وصعدا العقبة مع أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه، فدفع الله - تعالى - كيدهم وردَّهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، كما أتى طلحة والزبير عليًّا عَلَیه السَّلام فبايعاه وطمعَ كلُّ واحدٍ منهما أن ينال من جهته ولاية بلدٍ، فلمّا آيسا نكثا بيعته وخرجا عليه، فصرع الله كلَّ واحدٍ منهما مصرع أشباههما من الناكثين.

قال سعدٌ: ثمّ قام مولانا الحسن بن عليٍّ الهادي عَلَیه السَّلام للصلاة مع الغلام، فانصرفتُ عنهما وطلبت أثر أحمد بن إسحاق، فاستقبلني باكيًا، فقلتُ: ما أبطأك وأبكاك؟! قال: قد فقدتُ الثوب الّذي سألني مولاي إحضاره. قلتُ: لا عليك، فأخبره. فدخل عليه مسرعًا وانصرف من عنده متبسّمًا وهو يصلّي على محمّدٍ وآل محمّدٍ، فقلتُ: ما الخبر؟ قال: وجدتُ الثوب مبسوطًا تحت قدمي مولانا يصلّي عليه.

وداع الإمام عَلَیه السَّلام

قال سعدٌ: فحمدنا الله - تعالى - على ذٰلك، وجعلنا نختلف بعد ذٰلك اليوم إلى منزل مولانا أيّامًا فلا نرى الغلام بين يديه، فلمّا كان يوم الوداع دخلتُ أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا، وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائمًا وقال: يا بن رسول الله، قد دنت الرحلة واشتدّت المحنة، فنحن نسأل الله - تعالى - أن يصلّي على المصطفى جدِّك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيّدة النساء أمِّك، وعلى سيّدي شباب أهل الجنة عمِّك

وأبيك، وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، وأن يصلّي عليك وعلى وَلدِك، ونرغب إلى الله أن يعلّي كعبَك ويكبت عدوَّك، ولا جعل الله هٰذا آخر عهدنا من لقائك.

قال: فلمّا قال هٰذه الكلمات استعبر مولانا حتّى استهلّت دموعه وتقاطرت عبراته، ثمّ قال عَلَیه السَّلام: يا بن إسحاق، لا تكلف في دعائك شططًا؛ فإنّك ملاقٍ الله - تعالى - في صدرك هٰذا. فخرّ أحمد مغشيَّا عليه، فلمّا أفاق قال: سألتك بالله وبحرمة جدِّك إلّا شرّفتني بخرقةٍ أجعلها كفنًا. فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذها ولا تنفق على نفسك غيرها؛ فإنّك لن تعدم ما سألت، وإنَّ الله - تبارك وتعالى - لن يضيع أجر مَن أحسن عملًا.

قال سعدٌ: فلمّا انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حُمَّ أحمد بن إسحاق وثارت به علّةٌ صعبةٌ أيس من حياته فيها، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجلٍ من أهل بلده كان قاطنًا بها، ثمّ قال: تفرّقوا عنّي هٰذه الليلة واتركوني وحدي. فانصرفنا عنه ورجع كلُّ واحدٍ منّا إلى مرقده.

قال سعدٌ: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرةٌ، ففتحت عينيّ فإذا أنا بكافور الخادم (1)وهو يقول: أحسن الله بالخير عزاكم،


1) (1) خادم مولانا أبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام.

وجبر بالمحبوب رزيّتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه، فقوموا لدفنه؛ فإنّه من أكرمكم محلًّا محلّا عند سيّدكم. ثمّ غاب عن أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتّى قضينا حقّه، وفرغنا من أمره رحمه الله»(1).

المحور الثاني: سند حديث سعدٍ والكتب الناقلة له

إِنَّ هٰذه الرواية - وبحسب الظاهر - قد نُقلت بطريقَيْن:

الطريق الأوّل: طريق الشيخ الصدوق رحمه الله

نقلها الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) بخمس وسائط عن سعد بن عبد الله القمّيّ، وهٰذا هو الطريق: «حدّثنا محمّد بن عليٍّ بن محمّدٍ بن حاتَمٍ النوفَلِيّ المعروفُ بالكرمانيّ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمَدُ بن عيسى الوَشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمدُ بن طَاهِرِ القُمِّيّ، قال: حدّثنا محمّد بن بَحرِ بن سَهلٍ الشيبانِيّ، قال: حدّثنا أحمَدُ بن مَسرورٍ، عَن سَعِدِ بن عَبدِ اللهِ القُمِّيّ، قال:...»(2).

الطريق الثاني: طريق الطبريّ رحمه الله

نقلها الطبريّ في كتاب (دلائل الإمامة) بثلاث وسائط عن سعد بن عبد الله القمّيّ، وهٰذا هو الطريق: «أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد الله البزّاز، قال: حدّثنا أبو محمّدٍ عبد الله بن محمّدٍ الثعالبيّ قراءةً في يوم


1) (1) کمال الدين: ج 2 ص 454 و465، الباب 44: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 21.

2) (2) المصدر السابق.

الجمعة مستهلّ رجبٍ سنة سبعين وثلاثمئة، قال: أخبرنا أبو عليٍّ أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد الله بن خلفٍ القمّيّ، قال:...»(1).

وعليه فإنَّ سعد بن عبد الله هٰذا قد نقل القصّة وأخبر بها شخصَين على الأقل، وهما: أحمد بن محمّد بن يحيي العطّار وأحمد بن مسرورٍ، وهٰذه الرواية ليست مجرّد قصّةٍ كما هو الحال في قصّة الجزيرة الخضراء الّتي نقلها العلّامة المجلسيّ في (البحار)(2)، بل إنَّها مُسندةٌ ولها طرقٌ متعدّدةٌ، ولٰكن تبقى في هٰذه الرواية عدّة نقاط ومسائل قد لا تتوافق مع مباني البعض وآرائهم؛ لذا لا بدَّ لنا في المقام من إعطاء حلولٍ وأجوبة عمّا يمكن أن يرد فيها.

مصادر أخرى للرواية

لقد وقعت هٰذه الرواية موردًا لاهتمام الكثير من كبار القدماء والمتأخّرين

الّذين أوردوها في كتبهم وموسوعاتهم، منهم:

1- أبو منصور الطبرسيّ

أوردَ أبو منصور الطبرسيّ هٰذا الحديث في كتاب (الاحتجاج)، مرسلًا


1) (1) دلائل الإمامة: ص 274، الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، معرفة من شاهده عجل الله تعالی فرجه الشریف في حياة أبيه.

2) (2) بحار الأنوار: ج 52، ص 159، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 24: نادرٌ في ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في الغَيْبة.

مع تفاوتٍ في المتن(1)، لٰكنّ الطبرسيّ ذكر كيفيّة الإيراد في مقدّمة (الاحتجاج) قائلًا: «... ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده؛ إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السِّيَر والكتب بين المخالف والمؤالف، إلّا ما أوردته عن أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام؛ فإنّه ليس في الاشتهار على حدٍّ ما سواه، وإن كان مشتملًا على مثل الّذي قدّمناه، فلأجل ذٰلك ذكرت إسناده في أوّل جزءٍ من ذٰلك دون غيره؛ لأنّ جميع ما رويتُ عنه عَلَیه السَّلام إنّما رويته بإسنادٍ واحدٍ من جملة الأخبار الّتي ذكرها عَلَیه السَّلام في تفسيره»(2).

نتيجةٌ

إنَّ كلام الطبرسيّ رحمه الله هٰذا هو نوعٌ من التوثيق ودليلٌ على قبوله للرواية، هٰذا بالإضافة إلى أنَّ كبار العلماء، أمثال: عليّ بن إبراهيم القمّيّ، وجعفر بن بن موسى بن قولوَيْه وأحمد بن علىّ بن أحمد النجاشيّ وآخرين كانت لديهم توثيقاتٌ عامّةٌ هي مورد قبول العلماء وكثيرٍ من الفقهاء؛ إذ إنَّ هٰذه التوثيقات العامّة تنحلُّ وترجع بالنتيجة إلى توثيقاتٍ خاصّةٌٍ؛ لذٰلك فإنَّ الطبرسيّ رحمه الله قد ارتضى جميع روايات الكتاب ما عدا رواية التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، وبناءً على ذٰلك فقد أورد حديث سعدٍ واعتمد


1) (1) الاحتجاج: ج 2، ص 268 - 277، احتجاج الحجّة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) المصدر السابق: ج 1، ص 4، مقدّمة المؤلّف.

عليه دون ذكر سنده، ولا نبالغ إذا ما قلنا: إنّ الشيخ الطبرسيّ رحمه الله كانت له عنايةٌ خاصّةٌ بهٰذا الحديث.

2- عليّ بن حمزة الطوسيّ

هو من علماء القرن السادس الهجريّ وصاحب كتبٍ ومؤلفاتٍ عديدةٍ، وقد نقل هٰذا الحديث أيضًا في كتاب (الثاقب في المناقب) مرسلًا عن سعدٍ(1).

3- سعد بن هبة الله الراونديّ

هو الآخر الّذي نقل هٰذه القضيّة بصورةٍ مختصرةٍ في كتاب (الخرائج والجرائح) عن سعدٍ(2).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هٰؤلاء العلماء القدامى لم يذكروا هٰذا الحديث نقلًا عن كتابٍ بعينه؛ لأنه - وبحسب الظاهر - كان لهم طريقٌ خاصٌّ إلى حديث سعد بن عبد الله هٰذا.

4- أبو محمّدٍ حسن بن محمّدٍ الديلميّ

هو من علماء القرن الثامن، حيث نقل هٰذا الحديث بشكلٍ مختصرٍ في كتاب (إرشاد القلوب) عن الشيخ الصدوق رحمه الله، رحمه الله لٰكن لم يعرف عن أيِّ


1) (1) الثاقب في المناقب: ص 585 - 589، الباب 15: في ذكر آيات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الثاني: في بيان ظهور آياته عجل الله تعالی فرجه الشریف في حال طفولته.

2) (2) الخرائج والجرائح: ج 1، ص 481 - 484، الباب 13: في معجزات الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 22.

كتابٍ من كتب الشيخ الصدوق نقل هٰذا الخبر، فلربّما نقله عن کتاب (كمال الدين)، أو كان له طريقٌ خاصٌّ إلى ابن بابوَيْه رحمه الله(1).

5- السيّد عليٌّ النيليّ النجفيّ

هو من علماء القرن التاسع، فقد نقل هٰذا الحديث في كتاب (منتخب الأنوار المضيئة) عن الشيخ الصدوق رحمه الله أيضًا مع تفاوتٍ يسيرٍ(2).

6- السيّد شرف الدين عليٌّ الحسينيّ الإسترآباديّ النجفيّ

هو من علماء القرن العاشر، إذ نقل هٰذا الحديث في كتاب (تأويل الآيات الظاهرة) نقلًا عن كتاب (الاحتجاج) للطبرسيّ، ولٰكن نقله بصورةٍ مختصرةٍ جدًّا. وعلى الرغم من وجود كتابين أقدم من كتاب (الاحتجاج)، وهما (كمال الدين وتمام النعمة)، و(دلائل الإمامة)، لٰكنّنا نجد أنَّ السيّد قد نقل الحديث عن (الاحتجاج)، ولعلّ ذٰلك كان لأجل التوثيق الّذي أشار إليه الطبرسيّ رحمه الله نفسه في مقدمة كتابه هٰذا.

7- الحُرّ العامليّ

أورد هٰذا الحديث في كتاب (إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات)، فهو الآخر قد نقل حديث سعدٍ في أربعة موارد: موردين نقلهما عن كتاب (كمال


1) (1) إرشاد القلوب: ج 2، ص 321 - 323، بابٌ فيه بعض قضايا أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، أحاديث في فضائل أهل البيت علیهم السَّلام.

2) (2) منتخب الأنوار المضيئة: ص 263 - 280، الفصل العاشر: في ذكر من شاهده من شيعته وحظي برؤيته.

الدين)(1)، وموردين آخرين نقلهما عن كتاب (الخرائج والجرائح)(2)، كما أنَّ هٰذا المحدّث الكبير قد روى بعض تفاصيل حديث سعدٍ هٰذا في كتابه (وسائل الشيعة) نقلًا عن كتاب (كمال الدين)(3).

وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هٰذا الكتاب الأخير (وسائل الشيعة) من حيث المكانة العلميّة يُعدُّ أعلى بمراتب من كتاب (إثبات الهداة) الّذي طعن بعض علماء الطائفة في سند رواياته، بل كانوا يروون بأنَّ بعض الأفراد إنّما كانوا يلجؤون - وبسبب عدم مقدرتهم على البحث الدلاليّ والتنقيب في المتون - إلى البحوث السنديّة والرجاليّة، لٰكن برأينا أنَّ هٰذا الكلام فيه تأمّلٌ، ولا بدَّ من التحقيق في الإسناد أيضًا.

8- السيّد هاشمٌ البحراني ّأوردَ السيّد البحرانيّ (المتوفّى 1107 ه‍) حديث سعدٍ في عدَّة مواضع من كتبه وتأليفاته؛ حيث ذكر ذٰلك في مورديَن من كتاب (حلية الأبرار)،


1) (1) إثبات الهداة: ج 1، ص 115 و116، الباب 6: في النصوص على وجوب النبوّة والإمامة، الفصل الخامس، ح 166؛ ج 3، ص 671 و672، الباب 33: في معجزات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف،الفصل الأوّل، ح 41.

2) (2) المصدر السابق: ج 1، ص 196، الباب 7: في النصوص على نبيّنا محمّد صّلى الله عليه وآله وسلّم، الفصل السادس عشر، ح 166؛ ج 3، ص 695، الباب 33: في معجزات صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الثالث، ح 121

3) (3) وسائل الشيعة: ج 19، ص 147، كتاب الإجارة، الباب 29: أنّ الصانع إذا أفسد متاعًا ضمنه، ح 24337 / 21.

مصرّحًا بأنّه قد نقلَ أحدهما عن ابن بابوَيْه دون أن يسمّي كتابه(1)، وفي موضعٍ آخر صرّح بأنّه نقل الحديث عن مسند فاطمة(2)، ويظهر أنَّ هٰذا الكتاب الأخير هو نفسه كتاب (دلائل الإمامة) للطبري حسب ما أشار إليه الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ(3).

وكذٰلك نقل هٰذا الحديث في ثلاثة موارد من كتاب (مدينة المعاجز): الأوّل عن كتاب (كمال الدين)(4)، والثاني عن كتاب (دلائل الإمامة) للطبريّ(5)، والثالث عن كتاب (الخرائج) للراونديّ(6)، ونقل حديث سعدٍ هٰذا في كتاب (تبصرة الوليّ) عن ابن بابوَيْه أيضًا(7)، وفي كتاب تفسير (البرهان) نقلًا عن كتاب (كمال الدين)(8).


1) (1) حلية الأبرار: ج 5، ص 212 - 225، المنهج الثالث عشر في الإمام الثاني عشر، الباب 15: في علمه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 2.

2) (2) المصدر السابق: ذيل ح 2.

3) (3) الذريعة: ج 21، ص 28، مسند فاطمة علیهَا السَّلام، رقم 3790.

4) (4) مدينة المعاجز: ج 8، ص 45 - 49، الباب 12: في معاجز الإمام الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف، الخامس عشر، ح 20/2676.

5) (5) المصدر السابق: ح 21/2677.

6) (6) المصدر السابق: ص 49 - 61، الباب 12: في معاجز الإمام الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف، السادس والتسعون: علمه عجل الله تعالی فرجه الشریف بالغائب، ح 105/2761.

7) (7) تبصرة الوليّ: ص 93، السابع والثلاثون، أحمد بن إسحاق الوكيل، وسعد بن عبد الله القمّيّ، ح 48.

8) (8) البرهان: ج 5، ص 102، سورة مريم، ذيل آية 1، ح 3؛ ص 165 - 166، سورة طٰهٰ، ذيل آية 12، ح 4.

9- العلّامة المجلسيّ

نقل هٰذا الحديث في خمسة موارد من كتابه الشهير (بحار الأنوار): موردين عن كتاب (كمال الدين)(1)، وثلاثة موارد عن كتاب (الاحتجاج)(2)وله تحقيقٌ خاصٌّ مذكورٌ في (البحار) نفسه ستأتي الإشارة إليه لاحقًا إن شاء الله تعالى(3).

10- عبد العليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ

أورد الحويزيّ (المتوفّي 1112 ه‍)، بعض فقرات الحديث في ثلاثة مواضع من كتابه الشهير (تفسير نور الثقلين) نقلًا عن كتاب (كمال الدين)(4).

إلى هنا ذكرنا بعضًا من مصادر مدرسة أهل البيت علیهم السَّلام لهٰذا الحديث وبعضَ كلمات علمائها، لٰكنّنا - وللأسف - لم نعثر على أحدٍ من علماء


1) (1) بحار الأنوار: ج 38، ص 88 - 89 تاريخ أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، الباب 60: في الاستدلال على إمامته وخلافته عَلَیه السَّلام، ح 10؛ ج 52، ص 78 و88، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 19: خبر سعد بن عبد الله ورؤيته للقائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 1.

2) (2) المصدر السابق: ج 13، ص 65، كتاب النبوّة، الباب 3: معنى قوله: «فاخلع نعليك»، ح 4؛ ج 101، ص 185، كتاب العقود والإيقاعات، الباب 8: العدد وأقسامها وأحكامها، ح 14.

3) (3) بحار الأنوار: ج 52، ص 78، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 19: خبر سعد بن عبد الله ورؤيته للقائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. ذيل ح 1.

4) (4) تفسير نور الثقلين: ج 5، ص 351، سورة الطلاق، ذيل الآية،1، ح 21؛ ص 371 و372، سورة التحريم، ذيل الآية 5، ح 15؛ ج 4، ص 238، سورة الأحزاب، ذيل الآية 6، ح 17.

مدرسة الصحابة قد نقل هٰذا الحديث إلّا القندوزيّ الحنفيّ (المتوفّى 1294 ه‍)، فقد أورد جزءًا منه في كتابه (ينابيع المودة)(1).

إذن هناك عنايةٌ خاصّةٌ بحديث سعد بن عبد الله هٰذا، وعليه فإنّنا لا نستطيع بسهولةٍ أن نطرحه جانبًا ونحسبه كأن لم يكن، بل لا بدَّ من التحقيق في كلِّ جانبٍ من جوانبه المهمّة.

المحور الثالث: دراسةٌ نقديّةٌ في السند

اشارة

تقدّم سابقًا أنّ الخبر المذكور اشتمل على مطالب مختلفةٍ ومهمّةٍ كانت موردًا لتوجّه العلماء الأعلام، لٰكن في المقابل أيضًا، كانت هناك إشكالاتٌ على هٰذا الخبر من القدماء والمتأخرين والمعاصرين.

حيث إنّ البعض ردّ الرواية جملةً وتفصيلًا، منهم الشهيد الثاني حيث يقول: «ذكرها الصدوق في كتاب (كمال الدين) وأمارة الوضع عليها لائحةٌ...»(2).

بينما دافع جمعٌ آخر من أعلام الطائفة وفقهائها بشدّةٍ عن هٰذا الخبر أمثال العلّامة المجلسيّ الأوّل، والعلّامة المجلسيّ الثاني، والوحيد البهبهانيّ، والنمازيّ، والمامقانيّ، والصافي الگلپايگاني غَفَرَاللهُ لهُم.


1) (1) ينابيع المودة: ج 3، ص 319 - 321، الباب 21: في خوارق المهديّ وكراماته الّتي ظهرت للناس، ح 5.

2) (2) روضة المتّقين، ج 14، ص 16، شرح المشيخة، باب الهمزة.

يقول العلّامة المامقانيّ: «وبالجملة فقول الشهيد الثاني رحمه الله: "إنّ إمارات الوضع على الرواية لائحةٌ" من الغرائب، ولو أبدله بقوله: "أمارات تدلّ على صحّتها" لكان أولى»(1).

نعم، إنّ أكثر الإشكالات على هٰذه الرواية كانت من قِبَل المحقِّق التستريّ، فقد ذكر ستّة إشكالاتٍ في (قاموس الرجال)، وما يقرب من اثني عشر إشكالًا في كتابه (الأخبار الدخيلة)(2).

أمّا السيّد الخوئيّ فقد ذكر ثلاثة إشكالاتٍ، كما أنّ المرحوم الغفاريّ(3)قد ذكر إشكالاتٍ ثلاثةً، والنجاشيّ ذكر شبهةً واحدةً.

وسوف ترى أنّ بعض هٰذه الإشكالات مشتركةٌ بين الجميع، أمّا الإشكالات فهي على النحو التالي:

إشكالاتٌ وردودٌ

الإشكال الأوّل

لقاء سعد بن عبد الله مع الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام ليس أمرًا ثابتًا، إنّ النجاشيّ في الابتداء يوثّق سعد بن عبد الله ويُجلّه، يقول: «سعد بن عبد الله بن أبي


1) (1) تنقيح المقال: ج 30، ص 385، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلفٍ الأشعريّ، رقم 9225.

2) (2) سيأتي في القسم الثاني من البحث.

3) (3) المحقِّق والمصحّح لكتاب (كمال الدين).

خلفٍ الأشعريّ القمّيّ أبو القاسم، شيخ هٰذه الطائفة وفقيهها ووجهها... ولقي مولانا أبا محمّدٍ عَلَیه السَّلام»(1). لٰكنّه يشكّك في أمر اللقاء بالقول: «ورأيت بعض أصحابنا يضعّفون لقاءه لأبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام ويقولون هٰذه حكايةٌ موضوعةٌ عليه، والله أعلم»(2).

ويقول المحقِّق التستريّ أيضًا في (قاموس الرجال): «والمفهوم من تعبير النجاشيّ "يضعّفون لقاءه لأبي محمّدٍ عَلَیه السَّلام ويقولون..." أنّ القائلين بوضع الخبر جمعٌ، لا نفرٌ (3).

الجواب

إنَّ توثيق العلّامة المجلسيّ لسعد بن عبد الله ومدحه وقبوله لحديث اللقاء بينه وبين الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام، هو خدشٌ وتعريضٌ بتشكيك النجاشيّ.

يقول العلّامة المجلسيّ: «الصدوق أعرف بصدق الأخبار والوثوق عليها من ذٰلك البعض الّذي لا يعرف حاله، وردّ الأخبار الّتي تشهد متونها بصحّتها بمحض الظنّ والوهم مع إدراك سعدٍ زمانه عَلَیه السَّلام - وإمكان ملاقاة سعدٍ له عَلَیه السَّلام إذ كان وفاته بعد وفاته عَلَیه السَّلام بأربعين سنةً تقريبًا -


1) (1) رجال النجاشيّ، ص 176، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 467.

2) (2) المصدر السابق.

3) (3) قاموس الرجال: ج 5، ص 61، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 3176.

ليس إلّا للإزراء بالأخبار، وعدم الوثوق بالأخيار، والتقصير في معرفة شأن الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام؛ إذ وجدنا أنّ الأخبار المشتملة على المعجزات الغريبة إذا وصل إليهم، فهم إمّا يقدحون فيها أو في راويها، بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلّا نقل مثل تلك الأخبار»(1).

كما دافع المجلسيّ الأوّل أيضًا العلّامة المجلسيّ عن صحّة هٰذه الراوية، فقال: «واعلم أنّ المصنّف [الشيخ الصدوق] حكم بصحّتها، وكذا الشيخ [الطوسيّ] رحمه الله بأنّ الخبر وإن كان من الأحاد، لٰكن لمّا تضمّن الإخبار بالمغيّبات وحصلت نعلم أنّه من المعصوم عَلَیه السَّلام. وإن ذكره في خبرٍ آخر لٰكنّ التعليل يشعر باطّراده وعلامة الوضع إن كان الإخبار بالمغيّبات ففيه ما لا يخفى، فكيف وفيه من الفوائد الجمّة ما يدلّ على صحّته» (2).

وبذٰلك يتّضح أن العلّامة المجلسيّ الأوّل يؤيد مثل هٰذه الأخبار.

أمّا أبو عليٍّ الحائريّ، فإنّه يشيد بالمجلسيّ الأوّل، ويذكره بالإجلال والتقدير ويؤيّد مقولته ثمّ يقول: «ما ذكره المقدّس التقي رحمه الله حقٌ لا شبهة فيه ولا مرية تعتريه، فإنّ لكلّ حقٍّ حقيقةً، ولكلّ صوابٍ نورًا، ومن أمعن النظر في هٰذا الخبر عرف صدوره من خزّان العلم وأولي النهى والحلم».


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 88، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 19: خبر سعد بن عبد الله ورؤيته للقائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) روضة المتّقين: ج 14، ص 17، شرح المشيخة، باب الهمزة.

ثمّ يأتي على ذكر كلام المجلسيّ الثاني ويقول: «قال: قال غواصّ (بحار الأنوار) ونعم ما قال بعد ذكر تضعيف البعض لقاءه له عجل الله تعالی فرجه الشریف...»(1)، وقد أوردنا كلامه رحمه الله فلا نعيد.

والحاصل: أنَّ الّذين ذهبوا إلى القول بضعف هٰذا اللقاء لم يشكلوا على سند الرواية، بل إنّ قبول شخصيّة سعدٍ وتوثيقه مسلَّمٌ عندهم، وإنّما إشكالهم في أصل حصول هٰذا اللقاء مع الإمام العسكريّذعَلَیه السَّلام.

رأينا:

أوّلًا: أنّ النجاشيّ قال بوثاقة سعدٍ وجلالته، ثمّ نقل التضعيف لهٰذا اللقاء عن بعض أصحابنا.

ثانيًا: لم يُعرف من الّذين يضعّفون هٰذا اللقاء؟ فهم ليسوا معلومين، فلو سلّمنا بحصول التعارض بين تأييد النجاشيّ الصريح لشخصيّة سعدٍ، وبين كلام بعض الأصحاب غير المعلومين، فهنا يُقدَّم كلام النجاشيّ الصريح والواضح لتأييد هٰذا اللقاء وقبوله.

ثالثًا: هٰذا بالإضافة إلى أن بعض الأعلام مثل الشيخ الصدوق رحمه الله وآخرين قالوا بصحّة هٰذا اللقاء.

رابعًا: أنَّ سعد بن عبد الله، كان معاصرًا للإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام؛ فلا مانع من احتمال لقائه بالإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف.


1) (1) منتهى المقال: ج 3، ص 326، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلف، رقم 1280 الهامش.

وبناءً على ما تقدّم تكون النتيجة: أنّ عبارة «بعض أصحابنا»، لا يمكن أن تصمد أمام كلّ تلك المؤيّدات والنصوص الواضحة والصريحة؛ لذا فالقول بصحّة هٰذا الخبر وحصول هٰذا اللقاء هو الأصح والأقرب، والله العالم.

الإشكال الثاني: سند الحديث غريبٌ وغير معروفٍ

من جملة من صرَّح بهٰذا الإشكال، هو المحقِّق التستريّ، حيث قال: «وأيضًا سنده منكرٌ، فالصدوق إنّما يروي عن أبيه و[شيخه] ابن الوليد عن سعدٍ، وقد رأيت أنّ الوسائط بينه وبين سعدٍ في ذاك الخبر خمسٌ، أربعٌ منهم الأحمدون الثلاثة، ومحمّدٌ الكرمانيّ لم يُذكروا في الرجال، ومحمّد بن بحرٍ ذكر بالغلوّ والارتفاع»(1).

والحاصل أنّه: كما أنّ متن الرواية يدلّ على عدم صحّتها، كذٰلك سند الرواية أيضًا، سيّما وأنّ الشيخ الصدوق نقل روايات سعدٍ عن طريق أبيه أو عن طريق ابن الوليد.

ويقول المرحوم على أكبر الغفّاريّ: «رجال السند بعضهم مجهول الحال وبعضهم مهملٌ، والمتن متضمّنٌ لغرائب بعيد صدروها عن المعصوم عَلَیه السَّلام، ويشتمل على أحكامٍ تخالف ما صحّ عنهم علیهم السَّلام. مضافًا إلى أنّ الواسطة بين الصدوق وسعد بن عبد الله في جميع كتبه واحدةٌ، أبوه أو محمّد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد كما هو المحقِّق عند من تتّبع كتبه ومشيخته، وهنا بين


1) (1) قاموس الرجال: ج 5، ص 61، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 3176.

المؤلّف وسعدٍ خمس وسائط. وقد رواه الطبريّ في (الدلائل) بثلاث وسائط هم غير ما هنا»(1).

الجواب

إنَّ المحقِّق التستريّ يعدّ الاضطراب في الحديث دليلًا على غرابة السند، فالطريق ينتهي إلى سعدٍ بخمس وسائط لٰكنّها غريبةٌ وغير مأنوسةٍ، فاستنادهم كان إلى مشيخة (من لا يحضره الفقيه) والحال أنّ الصدوق يذكر طريقه إلى سعدٍ في المشيخة بواسطةٍ أو واسطتين لا بخمس وسائط!

أمّا من وجهة نظرنا، فليس هناك أيّ وجهٍ للاستغراب الّذي ذكره المحقِّق التستريّ، والقياس مع كتاب (من لا يحضره الفقيه) هو قياسٌ مع الفارق.

فهل تبنّى الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، قاعدةً كلّيّةً مفادها أنّه متى ما نُقل عن سعد بن عبد الله، فإمّا يكون عن «عن أبيه» وإمّا «عن ابن الوليد» لا غير. نعم إنّ مبناه هٰذا إنّما هو في المشيخة مختصٌّ بحسب الظاهر بكتاب (من لا يحضره الفقيه). فمن هٰذه الجهة لا يمكن إعمام هٰذا المبنى إلى سائر كتب الشيخ الصدوق.

«كلّ ما كان في هٰذا الكتاب... وما كان فيه، عن سعد بن عبد الله، فقد رویته، عن أبي ومحمّد بن الحسن رضی الله عنْهما عن سعد بن عبد الله ابن أبي خلف...»(2).


1) (1) كمال الدين: ج 2 ص 454، الباب 44: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 21، الهامش.

2) (2) من لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 7 و8، شرح مشيخة الفقيه. رويته.

وكما يُلاحَظ أنّه لا يمكن استفادة قاعدة كلّيّةٍ من هٰذه العبارة المذكورة؛ وعليه فلا يصحّ الإعمام لتشمل سائر مؤلّفات الشيخ الصدوق وتصانيفه.

الإشكال الثالث: سند الحديث ضعيفٌ

يقول السيّد الخوئيّ رحمه الله: «وهٰذه الرواية ضعيفة السند جدًّا، فإنّ محمّد بن بحر بن سهلٍ الشيبانيّ لم يوثّق، وهو متّهمٌ بالغلوّ، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل»(1).

ويقول محقق كتاب (كمال الدين): «رجال السند بعضهم مجهول الحال وبعضهم مهملٌ...»(2).

تحقيقٌ في رجال الحديث

تقدّم سابقًا أنّ لهٰذا الحديث طريقين:

الطريق الأوّل: طريق الشيخ الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة).

الطريق الثاني: طريق الطبريّ في (دلائل الإمامة).

والإشكالات المزبورة وردتْ على طريق الشيخ الصدوق وسنده؛ ولذٰلك نحن في البداية نتعرّض لتحقيق إجماليٍّ حول طريق الرواية في (كمال الدين)، وبعد ذٰلك نتعرّض لطريق الطبريّ الّذي نقدناه باختصارٍ.


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 8، ص 78، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 5048.

2) (2) كمال الدين: ج 2، ص 454، الباب 44: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ذيل ح 21، الهامش.

طريق الشيخ الصدوق فى (كمال الدين وتمام النعمة)

1- محمّد بن عليٍّ بن محمّدٍ بن حاتمٍ النوفلي المعروف بالكرمانيّ

يقول العلّامة النمازيّ في (مستدركات علم الرجال): «روى عنه الصدوق مترضّيًا ومترحّمًا عليه». ثمّ ذكر موارد أربعةً عن (كمال الدين)، وموردًا واحدًا من (العيون) بعنوان شاهد»(1).

ويقول العلّامة المامقانيّ في (تنقيح المقال): «روى عنه الصدوق مترضّيًا ومترحّمًا عليه، وأقلّ ما يفيد ذٰلك أعلى درجات الحسن»(2)

قال المحقِّق التستريّ، في إطار توضيح كلام العلّامة المامقانيّ: «قال: يروي عنه الصدوق مترضّيًا. أقول: روى عنه في عيونه في آخر بابه السابع(3). لٰكن بدون ترضٍّ»(4).

ونحن نقول: إذا ما قبلنا مبنى العلّامة المامقانيّ، فإنّ ترضّي الشيخ الصدوق وترحّمه عليه كافٍ في الدلالة على الإيمان، أمّا إذا قبلنا بمبنى السيّد الخوئيّ، فلا نستطيع حينها أن نقبل رواية النوفليّ؛ لأنّ السيّد الخوئيّ يعدّ


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث: ج 7، ص 243، ترجمة محمّد بن عليٍّ بن محمّد بن حاتمٍ النوفليّ الكرمانيّ، رقم 14058.

2) (2) تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 160، ترجمة محمّد بن عليٍّ بن محمّدٍ بن حاتمٍ النوفليّ، رقم 11141.

3) (3) عيون أخبار الرضا: ج 1، ص 95، الباب 7: جملٌ من أخبار موسى بن جعفرٍ عَلَیه السَّلام مع هارون الرشيد، ح 14.

4) (4) قاموس الرجال: ج 9، ص 462، ترجمة محمّد بن عليٍّ بن محمّدٍ بن حاتمٍ، رقم 7080.

الترضّي والترحّم على أيِّ مؤمنٍ أمرًا مطلوبًا ومستحبًّا، بل إنّه جائزٌ حتّى على الفاسق مثلًا، كما ترحّم الإمام الصادق عَلَیه السَّلام على السيّد الحِمْيَريّ)(1)، فلا يدلّ على الوثاقة.

نعم طبقًا للرواية فإنّ السيّد االحِمْيَريّ ندم وتاب؛ إلّا أن يُقال بأن مسألة الوثاقة والتوثيق أخصّ من جواز الترحّم؛ لأنّ الترحّم جائزٌ على الشيعة فقط.

2- أحمد بن عيسى الوشّاء

يقول الشيخ النمازيّ: «لم يذكُروُه» (2)فهو مهملٌ!

ومعروفٌ أنّ المرحوم السيّد المرعشيّ النجفيّ كان يقول: الشيخ النمازيّ في كثرة معلوماته وسعة اطّلاعه بمنزلة العلّامة المجلسيّ؛ ولذٰلك عندما يقول النمازيّ «لم يذكروه» فإنّه يعرف ما يقول، وإنّ كلامه صدر عن تحقيقٍ ودراسةٍ، فلا يحتاج إلى مراجعةٍ؛ فتأمّل.

3- أحمد بن طاهر القمّيّ

يقول الشيخ النمازيّ: «لم يذكروه». لٰكن ذكر له في كتب الحديث عدة أحاديث ذكر النمازيّ منها: «وقع في طريق الصدوق في (كمال الدين)، ج 2، الباب 41،


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 78، المقدّمة الرابعة، المورد التاسع، ترحم أحد الأعلام.

2) (2) أي في الكتب الرجاليّة الثلاثة، وهي: (جامع الرواة) و(تنقيح المقال) و(معجم رجال الحديث). انظر: مستدركات علم رجال الحديث: ج 1، ص 397، ترجمة أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، رقم 1333.

ص 417، ح 1، عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عنه، عن أبي الحسين محمّد بن بحرٍ

الشيبانيّ، رواية ميلاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف... وروى الصدوق في الباب 43، ص 454، ح 21، بإسناده عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عنه، عن محمّد بن بحرٍ بن سهلٍ الشيبانيّ، عن أحمد بن مسرورٍ، عن سعد بن عبد الله القمّيّ، حديثه المفصّل ومسائله المفصّلة عن عن مولانا الحجّة بن الحسن عجل الله تعالی فرجه الشریف... وروى في الباب 33، ص 352، ح 5، بإسناده عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عنه، عن محمّد بن بحر بن سهل... عن الصادق عَلَیه السَّلام، حديث بكائه حين نظر إلى الجفر وإلى ميلاد الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف وغيبته وابتلاء الشيعة، وهو حديثٌ شريفٌ مفصّلٌ»(1).

4- محمّد بن بحرٍ بن سهل ٍالشيبانيّ

قد مضى في الفصل الثالث من هٰذا الكتاب بحثٌ تفصيليٌّ حول شخصيّة محمّد بن بحرٍ، ونقل كلمات العلماء حول شخصيّة الرجل، والنتيجة: أنّ الشيبانيّ لا إشكال فيه، وهو من الثقات، ثمّ إذا لم نعتبر رواياته من الموثّقات، فلا أقلّ تكون من الحسان.

طريق الطبريّ في (دلائل الإمامة)

1- عبد الباقى بن يزداد بن عبد الله البزّاز

قال النمازيّ: «لم يذكروه. روى السيّد [ابن طاووسٍ] في (الإقبال) ص 200، من كتاب محمّد بن عليٍّ الطرّازيّ، عنه، عن محمّد بن وهبان


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث: ج 1، ص 331، ترجمة أحمد بن طاهرٍ القمّيّ، رقم 1057.

البصري... و[العلّامة المجلسيّ أيضًا في (بحار الأنوار)] ج 81 / 21... وروى الطبريّ الإماميّ الجليل عنه، عن عبد الله بن محمّدٍ الثعالبيّ في

رجبٍ سنة 370، عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد القمّيّ روايته المفصّلة ومسائله عن الحجّة المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف. دلائل الطبريّ

ص 274، ومدينة المعاجز ص 595»(1).

فعلى كلِّ حالٍ، لم يذكر له أيّ توثيقٍ أو مدحٍ.

2- عبد الله بن محمّدٍ الثعالبيّ

قال النمازيّ: «لم يذكروه. وقع في طريق السيّد في (الإقبال)، ص 3، روى عليّ بن عبد الواحد النهديّ، عنه، عن عليّ بن حاتمٍ. وتقدّم في عبد الباقي روايته المفصّلة»(2).

3- أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار

قالوا: إنّ هٰذا الرجل ثقةٌ، وهو القول الأشهر.

وقد ذكر العلماء منهم العلّامة المامقانيّ، وجوهًا من أجل إثبات وثاقة الرجل:


1) (1) مستدركات علم رجال الحديث: ج 4، ص 367، ترجمة عبد الباقي بن يزداد بن عبد الله بن البزّار، رقم 7515.

2) (2) المصدر السابق: ج 5، ص 85، ترجمة عبد الله بن محمّدٍ الثعالبيّ، رقم 8639.

أ- أنّه من مشايخ الصدوق والتلّعُكبريّ؛ بل قيل إنّه من مشايخ النجاشيّ(1).

ب- العلّامة الحلّيّ في كتاب (خلاصة الأقوال) يعدّ طريق الصدوق إلى عبد الرحمٰن بن الحَجّاج وأيضًا إلى ابن أبي يعفور صحيحًا، ويذكر في هٰذين الطريقين اسم أحمد بن محمّدٍ بن يحيي العطّار(2).

ج‍- توثيق المتأخرين له، كالشهيد الثاني في (الدراية)(3)، والشيخ البهائيّ في (المشرق)(4)، والسماهيجيّ في (الإجازة الكبيرة)(5).

د- «ممّا يشير إلى جلالة الرجل ووثاقته، ما كتبه أبو العبّاس أحمد بن عليٍّ بن العبّاس بن نوحٍ السيرافيّ إلى النجاشيّ في جواب كتابه الّذي يسأله فيه تعريف الطرق إلى ابني سعيدٍ الأهوازيّ، وعبارة الجواب هٰكذا: أما ما عليه أصحابنا والمعوّل عليه، ما رواه عنهما أحمد بن محمّدٍ بن عيسى أخبرنا


1) (1) انظر: تنقیح المقال: ج 8، ص111، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار، رقم 1604؛ معجم رجال الحديث: ج 2، ص 328، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار القمّيّ، رقم 929

2) (2) خلاصة الأقوال: ص 437 و439، الخاتمة في الفوائد الرجاليّة، الفائدة الثامنة.

3) (3) الرعاية في علم الدراية: ص 369.

4) (4) مشرق الشمسين: ص 276.

5) (5) تنقيح المقال: ج 8، ص 112، ترجمة أحمد بن محمّد بن يحيي العطّار، رقم 1604. وظاهر المجلسيّ صحّة حديثه. انظر: رجال المجلسيّ (الوجيزة): ص 154، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن يحي العطّار، رقم 133.

الشيخ الفاضل أبو عبد الله بن الحسين بن عليٍّ بن سفيان البزوفريّ، قال: حدّثنا أبو علىٍ الأشعريّ أحمد بن إدريس بن أحمد القمّيّ، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عنه، عن الحسين بن سعيدٍ بكتبه الثلاثين كتابًا. وحدّثنا أبو عليّ أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار القمّيّ، قال: حدّثنا أبي وعبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، وسعد بن عبد الله، جميعًا، عن أحمد بن محمّدٍ بن عيسى عنه. انتهى. دلّ على كون أحمد المبحوث عنه من (مشايخ السيرافيّ)، وكونه محلّ وثوقه وطمأنينته».

يختم العلّامة المامقانيّ بالقول: «وملخّص المقال؛ أنا لا نتوقّف بوجهٍ في عدّ الرجل من الثقات، وعدّ حديثه صحيحًا، بعد ما عرفت، والله الهادي إلى الصواب»(1).

وقال نجله أيضًا: «حصيلة البحث... من أمعن النظر في كلمات خبراء الفنّ وجمع بينها، ودرس أسانيد الروايات الكثيرة المتنوعة الّتي رواها المترجم، وكلمات الفقهاء الأعلام (قدس الله أسرارهم)، واعتمادهم على رواياته في ميدان الإفتاء؛ علم أنّ المترجم غنيٌّ عن التوثيق، وشيخًا لمشايخنا الثقات، فالحقِّ أنّه ثقةٌ، ورواياته من جهته صحاحٌ، فتفطّن»(2).

نعم، إن ثبت أنّ العطّار من مشايخ النجاشيّ فسوف يكون ثقةً بلا شكٍّ؛


1) (1) تنقیح المقال: ج 8، ص 110- 118، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن يحيى العطّار، رقم 1604.

2) (2) المصدر السابق: ص 122، ترجمة أحمد بن محمّدٍ بن يحيي العطّار، رقم 1604، الهامش.

لأنّ النجاشيّ صرَّح بوثاقة مشايخه، ومن هٰذه الجهة قالوا: من مشايخ النجاشيّ(1)، لٰكن هٰذا الأمر ليس ثابتًا.

أمّا كون الرجل من مشايخ الصدوق والتللّعُكبريّ فهي مسألةٌ مبنائيّةٌ، فالبعض يعتبر أن مشایخ الثقات،ثقاتٌ، والبعض الآخر لا يتبنّى ذٰلك، ويقول إنّ الثقة قد ينقل الحديث عن غير الثقة ويجعله شيخًا، وعليه فإنّ النقل أعمّ من التوثيق.

وبالنظر إلى هٰذه الأدلّة الآنفة الذكر يجعله ثقةً، أمّا السيّد الخوئيّ وصاحب (المدارك) فقد صرّحا بأنّ الرجل لا توثيق له، بل ولم يقل أحدٌ

بوثاقته صراحةً.

وعليه، وبعد التحقيقٌ في طريقي السند لا يمكن تصحيح السند بشكلٍ جازمِ وقطعيٍّ.

لٰكن في نظرنا لا حاجة لتصحيح كلا الطريقين؛ لأنّ المتن سليمٌ وله شواهد ومؤيّداتٌ تشهد على صحّته، فهو متنٌ مقبولٌ وليس قابلًا للردّ.

الإشكال الرابع: عدم نقلها في من لا يحضره الفقيه

لو كانت هٰذه الرواية صحيحةً، فلم لم ينقلها الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه (من لا يحضره الفقيه)؟


1) (1) معجم رجال الحديث :ج 1، ص 50، المقدّمة الثالثة، التوثيقات العامّة.

الجواب

1- لعلّ الشيخ الصدوق رحمه الله كان قد ألّف (كمال الدين) بعد تأليفه كتاب (من لا يحضره الفقيه)، أو أنّه بعد تأليفه كتاب (من لا يحضره الفقيه) عثر على هٰذه الرواية، وهٰذا احتمالٌ واردٌ.

2- كتاب (من لا يحضره الفقيه) لم يكن حاويًا وجامعًا لكلّ الفروع الفقهيّة، والشيخ الصدوق لم يدع دعوى كهٰذه في أيٍّ من كتبه الفقهيّة، فهو لم يدّع في (الفقيه) أو (المُقنع) أو (الهداية) أنّه استقصى وذكر جميع الفروع الفقهيّة.

3- وعلى فرض التسليم بأنّه قد التزم بذكر جميع الفروع الفقهيّة في كتاب (الفقيه)، فلعلّه قد نسي أو سها لعذرٍ أو لسببٍ عن ذكر بعض الروايات، فلم يف بما تعهّد به، إلّا أن نقول إنّه كان معصومًا عن الخطإ والسهو والنسيان!

ومن وجهة نظرنا فإنّ الجواب الثاني - أنّه لم يدع الاستقصاء والتتّبع الكامل - يعدّ جوابًا كافيًا ووافيًا على الإشكال المذكور.

الإشكال الخامس: عدم نقلها في (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ

لو كانت هٰذه الرواية صحيحةً، فلِمَ لم ينقلها الشيخ الطوسيّ في كتابه (الغَيْبة)؟

الجواب

1- هل كان الشيخ الطوسيّ ملتزمًا بنقل جميع الروايات الصحيحة في كتابه؟ فهو لم يلتزم بأمرٍ كهٰذا. نعم، لو كان قد التزم بذكر الروايات

الصحيحة فقط في كتابه ثمّ لم يذكر هٰذه الرواية في الكتاب، لٰكنّا قبلنا القول بعدم صحّة هٰذه الرواية.

2- يلزم من هٰذا الإشكال تالٍ فاسدٌ وهو الآتي: هٰذا الإشكال يعني كل روايةٍ لم يوردها الشيخ الطوسيّ أو أوردها الشيخ الصدوق أو النعمانيّ أو الفضل بن شاذان أو غيرهم ليست صحيحةً، ولهٰذا التالي الفاسد لا يختصّ فقط بروايات الشيخ الصدوق في (كمال الدين)؛ بل إنّه يسري إلى روايات النعمانيّ والفضل بن شاذان والآخرين لتشمل كلّ ما يرتبط بالإمامعجل الله تعالی فرجه الشریف مهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، ويلزم أيضًا إسقاط أيٍّ من الروايات الّتي تفرّدوا بنقلها، وعدم اعتبارها.

وبعبارةٍ أخرى: يلزم ألّا نصحّح الروايات الّتي لم ينقلها الطوسيّ حتّى ولو رواها غيره كالصدوق مثلًا.

3- من المحتمل أنّ الشيخ الطوسيّ رحمه الله لم يعثر على هٰذه الرواية؛ لذٰلك لم ينقلها في كتاب (الغَيْبة).

الإشكال السادس: تشكيك الشيخ الطوسيّ في نقل سعدٍ لروايةٍ عن الإمام الحسن العسكريّ عَلَیه السَّلام

يقول المحقِّق التستريّ في (قاموس الرجال) «وأيضًا لو كان ذاك الخبر صحيحًا لِمَ يقول مثل شيخ الطائفة في سعدٍ: عاصر العسكريّ عَلَیه السَّلام ولم أعلم أنّه روى عنه؟»(1).


1) (1) قاموس الرجال: ج 5، ص 61، ترجمة سعد الله، بن عبد رقم 3176.

الجواب

1- نأخذ الردّ الأوّل من نفس كتاب (قاموس الرجال)، فالمحقِّق التستريّ في كتابه هو، وفي سياق إشكالاتٍ أوردها على رجال الشيخ الطوسيّ، قال: «كما أنّ استناده [الشيخ الطوسيّ] إلى نسخة الكشّيّ المصحّفة واعتماده على ابن النديم المحرّف أوجبا أوهامًا كثيرةً، كما عرفت...»(1).

نقول في مقام الجواب: بما أنّ التستريّ اعترف بوجود أوهامٍ وأخطاءٍ في كتاب (الرجال) للشيخ الطوسيّ، فليكن لهٰذا المورد من تلك الأوهام، أوهام التشكيك في اللقاء! فلم يذكره في (الغَيْبة)!

2- قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله في ترجمة سعد بن عبد الله: «عاصره عَلَیه السَّلام ولم أعلم لام أنّه روى عنه»(2)أي غاية ما يمكن استفادته وفهمه من هٰذه العبارة أنّه عند تأليف كتابه الرجاليّ هٰذا لم يكن يحضره كتاب (كمال الدين) ولا رواية سعدٍ عن الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام؛ لذا من الممكن أن يكون قد عثر عليها فيما بعد.

3- ينقل الشيخ السبحانيّ عن آية الله البروجرديّ قوله: «إنّ كتاب الرجال للشيخ كانت مذكّراتٍ له ولم يوفّق لإكماله؛ ولأجل ذٰلك نرى أنّه يذكر عدّة أسماءٍ ولا يذكر في حقّهم شيئًا من الوثاقة والضعف ولا الكتاب والرواية، بل يعدهم من أصحاب الرسول والأئمّة فقط»(3).


1) (1) المصدر السابق: ج 9، ص 209، ترجمة محمّد بن الحسن بن عليٍّ الطوسيّ، رقم 6602.

2) (2) رجال الطوسيّ: ص 431، أصحاب العسكريّ عَلَیه السَّلام، باب السين، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 3.

3) (3) كلّيّاتٌ في علم الرجال: ص 69، الفصل الثالث، المصادر الأوّليّة لعلم الرجال، المصدر الثالث، رجال الشيخ.

والشيخ الصافي الگلپايگانيّ أيضًا يتبنّى هٰذا المطلب(1).

وعلى كلِّ حالٍ، يمكن القول إنّ الشيخ الطوسيّ رحمه الله في كتابه (رجال الطوسيّ) لم يصل إلى هدفه النهائيّ من وراء تصنيف هٰذا الكتاب، وهو الحصول على بحثٍ جامعٍ وكاملٍ حول رجال الحديث وتراجمهم. فمن هٰذه الجهة يعتبر هٰذا الكتاب غير كاملٍ وغير جامعٍ.

وعليه لا يمكن اعتباره ميزانًا كاملًا في عملية التقييم الرجاليّ، إلّا أن نقول: ليس هناك من دليلٍ على عدم دليليّة كتاب رجال الشيخ الطوسيّ، وأمّا عدم كمال وتماميّة تصنيف الكتاب لا يُسقط قوله عن الحجّيّة.

المحور الرابع: حديث سعدٍ في ميزان النقد والتحقيق الدلاليّ

إنَّ الحديث المذكور يحتوي على مطالب دقيقةٍ جدًّا وموضوعاتٍ ومعارف كثيرةٍ تلقّاها جمعٌ من كبار العلماء والأعلام بالقبول، وقلنا سابقاً: إِنَّ العلماء قد اهتمّوا كثيرًا بهٰذا الحديث، لٰكن في المقابل قام بعض العلماء بالتشكيك فيه، وأوردوا عدّة إشكالاتٍ لا بدَّ من التعرّض لها والإجابة عنها.

الإشكال الأوّل: تفسير (كهيعص)

قال العلّامة التستريّ رحمه الله: «ويوضح وضعه... وتضمّن تفسير (كهيعص) بكربلاء وقضاياها مع أنّ الأخبار الصحيحة فسّرته بغير ذٰلك» (2).


1) (1) مجموعة الرسائل: ج 2، ص 159، الرسالة التاسعة عشرة، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

2) (2) قاموس الرجال: ج 5، ص 60 و61، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 3176.

وقال أيضًا في موضعٍ آخر: «وتضمّن تفسير (كهيعص) بما فيه مع أنَّ الأخبار وردت في تفسيره بغير ذٰلك... والكلّ كما ترى دالٌّ على أنَّ (كهيعص) أسماء الله تعالى»(1).

الجواب

لقد أجاب الشيخ أبو عليٍّ الحائريّ في كتاب (منتهى المقال) عن مثل هٰذا النوع من الإشكالات من بعض معاصريه، وهي تشترك مضمونًا مع ما ذكره المحقِّق التستريّ فقال: «وأمّا الثاني فلأنَّ للقرآن بطونًا ربّما فسَّروا الآية الواحدة بتفاسير متعدّدةٍ، بل ومتضادّةٍ متناقضةٍ، ولم ينكر أحدٌ ذٰلك كما هو ظاهرٌ لمن تتّبع الأخبار وجاس خلال تلك الديار»(2).

ثمّ استعرض الشيخ الحائريّ نماذج تفسيريّةً للحروف المقطّعة قائلًا: «وقد ورد في تفسير (حم. عسق) (3)أنَّ (حم)، حتم، و(عين) عذاب، و(سين) سنين كسنيّ يوسف عَلَیه السَّلام، و(قاف) قذف وخسف يكون في آخر الزمان بالسفيانيّ وأصحابه.


1) (1) الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 100 و101، الباب 2: في الأحاديث الموضوعة، الفصل الأوّل: في أخبار جمعٍ. ادّعوا مشاهدة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

2) (2) منتهى المقال: ج 3، ص 327، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلفٍ، رقم 1280، الهامش.

3) (3) سورة الشورى: 1 و2.

وورد في تفسير (ألم. غُلِبَتِ الرُّوم) (1)أنّهم بنو أميّة.

وورد في تفسير (طٰهٰ)(2)أنّه طٰهٰارة أهل البيت علیهم السَّلام من الرجس.

وورد في تفسير (وَالنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)(3)النجم: رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم والشجر: علىٌّ السلام.

وورد في تفسير (وَالْفَجْرِ)، أنّه القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. (وَلَيَالٍ عَشْرِ)، الأئمّة علیهم السَّلام أوّلهم الحسن عَلَیه السَّلام. (وَالشَّفْعِ)، فاطمة وعلىٍّ علیهما السَّلام. (وَالْوَتْرِ) الله، (وَاللَّيْلِ إذَا يَسْر)(4)دولةٌ تسري إلى دولة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وورد في تفسير (وَالشَّمْسِ) أَنّ الشمس أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، (وَضُحَاهَا) قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، والمقصود من (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) الحسنان علیهما السَّلام، (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) قيام القائم علیهما السَّلام، (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) حَبْتَر ودولته، (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) (5)النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.


1) (2) سورة طٰهٰ: 1.

2) (1) سورة الروم: 1 و2.

3) (3) سورة الرحمٰن: 6.

4) (4) سورة الفجر: 1- 4.

5) (5) سورة الشمس: 1- 5.

وورد في تفسير (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) (1)أَنَّ العنكبوت هي الحميراء(2).

على أنَّ (كهيعص) ليس محكمًا نعرف تفسيره الظاهريّ حتّى نحكم ببطلان ما يخالف ظاهره على فرض جواز الحكم بذٰلك، ولم يصل إلينا أيضًا عنهم علیهم السَّلام في تفسيره ما يخالف التفسير حتّى نحكم بصحّة ذاك أو بظاهر هٰذا. نعم، في تفسير القمّيّ أنَّ (كهيعص) أسماء الله مقطّعةٌ، أي الله الكافي، الهادي العالم، الصادق ذو الآيات العظام(3).

ونضيف قائلين: ما ذكرتموه من أنّ لدينا رواياتٍ أخرى تفسّر الحروف المقطّعة بتفسيرٍ آخر يدفعنا إلى التساؤل التالي: هل أنَّ تلك الروايات صحيحة السند حتّى تُقدَّم على هٰذه الروايات، أو أنّها مثلها من حيث السند والاعتبار؟

ولقد راجعنا أغلب كتب الفريقين فلم نعثر على روايةٍ صحيحةٍ يمكن الاعتماد عليها في مقام تعارض هٰذا التأويل أو التفسير.


1) (1) سورة العنكبوت: 41.

2) (2) بحار الأنوار: ج 32، ص 286، الباب 6: نهي الله - تعالى - ورسوله عائشةَ عن مقاتلة علىٍّ عَلَیه السَّلام، ح 239 و240.

3) (3) منتهى المقال: ج 3، ص 327 و328، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلفٍ، رقم 1280، الهامش.

بحثٌ روائيٌّ في تفسير (كهيعص)

1- تفسير الثعلبيّ

قال الثعلبيّ: «قوله عزّ وجلّ (كهيعص)... واختلفوا في معناها؛ فقال ابن عبّاسٍ: هو اسمٌ من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم.

وقال قتادة: هو اسمٌ من أسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة.

وقال عليّ بن أبي طالب عَلَیه السَّلام وابن عباسٍ: هو قَسَمٌ أقسم الله - تعالى - به.

وقال الكلبيّ: هو ثناءٌ أثنى الله - عزّ وجلّ - به على نفسه.

وعن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله عزّ وجلّ: (كهيعص) قال: الكاف من كريمٍ، والهاء من هادٍ، والياء من رحيمٍ، والعين من عليمٍ وعظيمٍ، والصاد من صادقٍ.

وقال الكلبيّ أيضًا: معناه كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالمٌ ببريّته، صادقٌ في وعده»(1).

2- تفسير (الدرّ المنثور) للسيوطيّ

لقد ذكر السيوطيّ الروايات السابقة بالإضافة إلى رواياتٍ أخرى(2)، ولا يوجد في أيٍّ منها ذكرٌ لتفسير سعدٍ الأشعريّ عن الإمام عَلَیه السَّلام. ولا غرابة في هٰذه


1) (1) الكشف والبيان: ج 6، ص 205 و206، سورة مريم، ذيل الآية 1.

2) (2) الدرّ المنثور: ج 4، ص 258، سورة مريم، ذيل الآية 1.

المسألة؛ لأنَّ هٰؤلاء لا ينقلون التفاسير الّتي فيها رائحة الارتباط بأهل بيت العصمة والطهارة علیهم السَّلام، أو الّتي يفوح منها عطر التشيّع والولاء لهم علیهم السَّلام.

وكيف كان فهي رواياتٌ عامّيّةٌ وفيها إشكالاتٌ سنديّةٌ كثيرةٌ.

3- تفسير (مجمع البيان) للطبرسيّ

قال الشيخ الطبرسيّ في معنى (كهيعص): «قد بيّنّا في أوّل البقرة اختلاف العلماء في حروف المعجم الّتي في أوائل السور، وشرحنا أقوالهم هناك. وحدّث عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: إنّ كاف: من كريمٍ. وها: من هادٍ. وياء: من حكيمٍ. وعين: من عليمٍ. وصاد: من صادقٍ.

وفي رواية عطاء والكلبيّ عنه: أنّ معناه كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالمٌ ببريّته، صادقٌ في وعده.

وعلى هٰذا فإنّ كلَّ واحدٍ من هٰذه الحروف يدلّ على صفةٍ من صفات الله عزّ وجلّ. وروي عن أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام أنّه قال في دعائه: أسألك يا (كهيعص)»(1).

4- البرهان في تفسير القرآن

إنَّ هٰذا التفسير فيه جنبةٌ روائيّةٌ واضحةٌ؛ إذ يغلب على أدلّته وبراهينه الطابع الروائيّ. وإذا كانت هناك رواياتٌ صحيحةٌ في تفسير الآيات فهي موجودةٌ عادةً في هٰذا التفسير.


1) (1) مجمع البيان: ج 6، ص 560 و561، سورة مريم، ذيل الآية 1.

أمّا الروايات فهي كالتالي:

أ- قال ابن بابوَيْه: «أخبرنا أبو الحسن محمّد بن هارون الزنجانيّ... عن أبي سفيان الثوريّ، قلتُ لجعفر بن محمّدٍ بن عليٍّ بن الحسين بن عليٍّ بن طالب عَلَیه السَّلام: يا بن رسول الله، ما معنى (كهيعص)؟ قال عَلَیه السَّلام: معناه: أنا الكافي، الهادي، الوليّ، العالم، الصادق الوعد»(1).

سند الرواية

عن سند هٰذه الرواية يمكن لنا أن نقول: كما هو معروفٌ في علم الرجال أنّه إذا كان هناك إشكالٌ في راوٍ واحدٍ فالرواية لن تكون صحيحةً، وحينما نقف على سفيان الثوريّ (المتوفّى 160 ه‍) نجد أنَّ العلّامة الحلّيّ رحمه الله يورده في القسم الثاني من كتابه الخاصّ بذكر الضعفاء، فيقول: «سفيان الثوريّ ليس من أصحابنا»(2).

ب- «عن محمّد بن ابراهيم بن إسحاق الطالقانيّ رضی اللهُ عنْه قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلوَديّ، حدّثنا جعفر بن محمّدٍ بن عمّارَة، عن أبيه، قال: حَضَرتُ عند جعفر بن محمّدٍ، فَدَخل عليه رجلٌ فسأله عن (كهيعص)، فقال عَلَیه السَّلام: كاف: كافٍ لشيعتنا. هاء: هادٍ لَهُم. ياء: وليٌّ


1) (1) البرهان: ج 5، ص 102، سورة مريم، ذيل الآية 1.

2) (2) خلاصة الأقوال: ص 356، القسم الثاني، ترجمة سفيان الثوريّ، رقم 1408.

لهم. عين: عالمٌ بِأهل طاعتنا. صاد: صادقٌ لهم وعدَهُ حتَّى يَبلغَ بِهِمُ المنزَلَةَ الّتي وَعَدَها إِيَّاهُم في بطن القرآن»(1).

سند الرواية

إنّ في سند هٰذه الرواية محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ. قال السيّد الخوئيّ رحمه الله عنه بعد أن نقل روايةً عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام: «في هٰذه الرواية دلالةٌ واضحةٌ على تشيّع محمّد بن إبراهيم وحسن عقيدته، وأمّا وثاقته فهي لم تثبت، وليس في ترضّي الصدوق عليه دلالةٌ على الحسن فضلًا عن الوثاقة»(2).

وربّما يقول قائلٌ: إنَّ عدم وثاقة هٰذا الرجل جاء طبقًا لمبنى السيّد الخوئيّ رحمه الله، ونحن غير ملزمين بقبول مبناه، فنقول: إنّ السيّد الخوئيّ رحمه الله اعترف بتشيّعه وحسن عقيدته؛ ولذٰلك لا يمكن القول بضعفه.

كذٰلك في السند راوٍ آخر وهو جعفر بن محمّدٍ بن عمّارٍة، يقول عنه المحقِّق التستريّ رحمه الله: «ولا يبعد عامّيّته من روايته عنه عَلَیه السَّلام بالاسم وذكر آبائه علیهم السَّلام إلى النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم)(3). أمّا العلّامة النمازيّ فإنّه يقول: «لم يرد اسمٌ لهٰذا الرجل في الكتب الرجاليّة(4).


1) (1) البرهان: ج 5، ص 102، سورة مريم، ذيل الآية 1.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 14، ص 220، ترجمة محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، رقم 9936.

3) (3) قاموس الرجال: ج 2، ص 678، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن عمارٍة رقم 1528.

4) (4) مستدركات علم رجال الحديث: ج 2، ص 209، ترجمة جعفر بن محمّدٍ بن عمّارة رقم 1528.

وعلى هٰذا الأساس وبناءً على رأي العلّامة التستريّ رحمه الله فالقول بعامّيّة هٰذا الرجل ليس ببعيدٍ، وبناءً على كلام العلّامة النمازيّ رحمه الله فهو شخصٌ مهملٌ.

5- تفسير القمّيّ

إنَّ صاحب هٰذا التفسير قد نقل حديثًا عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام في تفسير الحروف المقطّعة قائلًا: «جعفر بن محمّدٍ، عن عبيدٍ، عن الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام، قال:... هٰذه أسماءٌ لله مقطّعةٌ. وأمّا قوله: (كهيعص)، قال: الله هو الكافي، والهادي والعالم...»(1).

سند الرواية

بعد التدقيق والفحص في سند هٰذا الحديث يمكننا الحكم والإذعان بضعفه واضطرابه بسهولةٍ؛ إذ جاء في سنده جعفر بن عبيدٍ، وفي نقلٍ آخر جعفر بن محمّدٍ، عن عبيدٍ وعن الحسن بن عليٍّ أيضًا. وفي هٰذا الاسم يشترك العشرات بين الضعفاء والثقات، ونحن لا نعلم أنَّ هٰذا الرجل إلى أيِّ قسمٍ ينتسب، فهل هو من الضعفاء أو من الثقات أو من غيرهم؟

6- تفسير نور الثقلين

لقد أورد العلّامة الحويزيّ رحمه الله في تفسيره أربع روايات:

أ- التفسير الموجود في كتاب (كمال الدين).


1) (1) تفسير القمّي: ج 2، ص 48، سورة مريم، ذيل الآية 1.

ب- التفسير المنقول عن سفيان الثوريّ في كتاب (معاني الأخبار).

ج‍- التفسير المنقول عن محمّد محمّد بن عمارة في كتاب (معاني الأخبار).

د- الرواية في تفسير القمّي الّتي قلنا: «إنَّ سندها مضطربٌ»(1).

وبناءً عليه نقول:

أوّلاً: أين الرواية الصحيحة الّتي يدّعي المحقِّق التستريّ رحمه الله وجودها في المقام؟

ثانياً: على فرض وجود رواياتٍ أخرى في تفسير (كهيعص)، فتكون النتيجة أنّه لا يمكن أن نحكم بصحّة كلا الطرفين؛ وذٰلك لأنّه لو كان في رواية سعد بن عبد الله إشكالٌ سنديٌّ فهٰذا يعني أنَّ هٰذا الإشكال موجودٌ في الروايات الأخرى أيضًا، وعليه فلا معنى لدعوى تعارض رواية سعدٍ هٰذه مع رواياتٍ صحيحةٍ أخرى.

ثالثًا: لا دلالة لأيٍّ من الروايات الواردة في تفسير الحروف المقطّعة على انحصار المعنى بهٰذا التفسير لا غير، وحينئذٍ فالروايات الّتي ذكرها التستريّ رحمه الله كانت تشير إلى إحدى المعاني المحتملة للحروف المقطّعة ليس إلّا.

رابعا: لو فرضنا أنَّ الروايات الأخرى قد فسرَّت (كهيعص) بتفسيرٍ معيّنٍ، فرواية سعدٍ هي الأخرى قد فُسِّرت وأوِّلت بتأويلٍ آخر أيضًا؛ ولذٰلك


1) (1) نور الثقلين: ج 3، ص 330، سورة مريم، ذيل الآية 1، ح 2 و4 و5 و7.: 1، و7.

فهي مصداقٌ من مصاديق هٰذه الحروف المقطّعة. والحاصل: أنَّ تلك الروايات قد أشارت إلى مصداقٍ بعينه، ورواية سعدٍ أشارت إلى مصداقٍ آخر.

الإشكال الثاني: تفسير الفاحشة المُبيّنة(1)

قال المستشكل: لقد تضمّن حديث سعدٍ هٰذا تفسير الفاحشة المُبيّنة الّتي جاءت في قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)(2)في المطلّقة بالسحق، ولم يقل به أحدٌ، وإنّما فسَّروها بأذى أهل زوجها أو زناها.

الجواب

والجواب عن هٰذا الإيراد يظهر بالنظر إلى تفسير الآية الكريمة والبحث الفقهيّ حول حكم خروج المطلَّقة من بيتها وإخراجها منه، فنقول: والّذي يهمّنا هنا تفسير قوله تعالي: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، والكلام فيه يقع في مقامين:

أوّلًا: فيما يحتمل أن يكون المراد من الآية بادّعاء ظهورها فيه، وتمام ما


1) (1) اقتباسٌ من مجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي الگلپايگانيّ: ج 2، ص 160 – 180، الرسالة التاسعة عشرة: النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بأخبار الدخيلة.

2) (2) سورة الطلاق: 1.

يدور الكلام فيه: تعيين ما يكون جملة «الفاحشة المُبيّنة» ظاهرةً فيه، واستفادة المعنيّ منها بحسب الاستظهار.

ثانيًا: بيان أنَّ المستثنى منه هو حرمة إخراجهنَّ من بيوتهنَّ، أو حرمة خروجهنَّ منها؟

بیان

قال الراغب: يقال: آيةٌ مبيّنةٌ اعتبارًا بمَن بيَّنها، وآيةٌ مبينةٌ وآياتٌ مبيّناتٌ

ومبيَّناتٌ. وقال: الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحها من الأفعال والأقوال، وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ...)، (يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(1)، (مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)(2)، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ)(3)، (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ)(4)، (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)(5)، كنايةً عن الزنا، وكذٰلك قوله: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)(6)وفَحشَ فلان: صار فاحشًا(7).


1) (1) سورة النحل: 90.

2) (2) سورة الأحزاب: 30.

3) (3) سورة النور: 19.

4) (4) سورة الأعراف: 33.

5) (5) سورة النساء: 19.

6) (6) سورة النساء: 15.

7) (1) المفردات (للراغب): ص 560، كتاب الفاء، فَحَشَ.

وعلى هٰذا فالفاحشة: ما عظم قبحه من المعاصي لا مطلق المعصية كما فسَّرها بعضهم، فتشمل الزنا والسحق والبذاء، وهو الفحش بما يستعظم قبحه؛ وعليه يكون مثل البذاء وأذى الأهل والزنا والسحق من أفراد الفاحشة، بل والخروج من البيت، ويكون المستثنى منه حرمة إخراجهنّ.

ويمكن أن تُحمل الروايات الدالّة على خصوص بعض هٰذه الأمور لبيان بعض المصاديق والأفراد لا اختصاص مفهوم الفاحشة مثلًا بالزنا أو البذاء أو بغيرهما، فلا مفهوم لكلِّ واحدٍ منها حتّى يعارض منطوق غيره، وعلى فرض استفادة المفهوم منه فدلالة المنطوق أظهر، خصوصًا إذا كان المنطوق موافقًا للكتاب والمفهوم مخالفًا له على حسب هٰذا الاستظهار، ويحمل نفي الزنا في رواية سعدٍ على نفي اختصاص الفاحشة به كما صرَّح به مثل صاحب الجواهر رحمه الله.

ولو كان الاستثناء من حرمة الخروج، فالمراد به الخروج نفسه دون سائر المصاديق، فالمعنى: لا يخرجن إلّا تعدّيًا وحرامًا. قال ابن همّامٍ: «كما يقال: لا تزنِ إلّا أن تكون فاسقًا، ولا تشتم أمَّكَ إلّا أن تكون قاطعَ رحِمٍ، ونحو ذٰلك». وهو بديعٌ وبليغٌ جدًّا. ودلالتها على حرمة خروجهنَّ آكد. إلّا أنَّ هٰذا الاحتمال مردودٍ فيما لو بنينا على الرواية ولم نترك جميعها لضعفها، وكأنّه مخالفٌ لإجماع المفسرين، أو أقوال مَن يُعتدّ به منهم.

هٰذا ما يحتمل بالنظر إلى ألفاظ الآية، وقد عرفت أنَّ الأشهر بين المفسّرين كون الاستثناء راجعًا إلى قوله تعالی: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ).

الروايات

إِنَّ بعض الروايات قد فسَّرتْ الفاحشة المُبيّنة الواردة في الآية السابقة بهٰذا النحو:

1- «سُئل الإمام الصادق عَلَیه السَّلام عن قول الله عزّ وجلّ: (وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، فقال: إلّا أن تزني فتخرج ويُقام عليها الحدّ»(1).

2- «عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن الإمام الرضا عَلَیه السَّلام في قول الله عزّ وجلّ: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) قال: أذاها لأهلِ الرجل وسوء خُلقها»(2).

3- «عن محمّد بن عليٍّ بن جعفرٍ، قال: سأل المأمون الإمام الرضا عَلَیه السَّلام عن قول الله عزّ وجلّ: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، قال: يعني بالفاحشة المبيّنة أن تؤذي أهلَ زوجها، فإذا


1) (1) من لا يحضره الفقيه: ج 3، ص 322، الباب 154: طلاق السنة، ح 10/1565.

2) (2) الكافي: ج 6، ص 97، كتاب الطلاق، بابٌ في تأويل قوله عَز وجَلّ: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ...)، ح 1.

فعلت فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدّتها فعل»(1).

4- في (مجمع البيان): (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قيل: هي الإيذاء على أهلها، فيحلّ لهم إخراجها. وهو المرويّ عن أبي جعفرٍ وأبي عبد الله علیهما السَّلام(2).

5- «روى عليّ بن أسباطٍ عن أبي الحسن الرضا عَلَیه السَّلام قال: الفاحشة أن تؤذي أهلَ زوجها وتسبّهم»(3).

6- «حدّثنا أحمد بن مسرورٍ عن سعد بن عبد الله القمّيّ قال: قلتُ لصاحب الزمان عَلَیه السَّلام: أخبرني عن الفاحشة المُبيِّنة الّتي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلَّ للزوج أن يخرجها من بيته. فقال: الفاحشة المُبيّنة السحق دون الزنا؛ فإنَّ المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحدّ ليس لمَن أرادها أن يمتنع بعد ذٰلك من التزويج بها لأجل الحدّ، وإذا سحقت وجبَ عليها الرجم، والرجم،خزيٌ، ومَن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه، ومَن أخزاه فقد أبعده، وَمَن أبعده فليس لأحدٍ أن يقرّبه»(4).

والحاصل أنَّ بعض الروايات فسَّرت (الفاحشة) بأذى الزوجة أهل زوجها


1) (1) المصدر السابق: ح 2.

2) (2) مجمع البيان: ج 10، ص 56، سورة الطلاق، ذيل الآية 1.

3) (3) وسائل الشيعة: ج 22، ص 221 و222، كتاب الطلاق، الباب 23: جواز إخراج ذات العدّة، ح 6/28438. عد

4) (4) كمال الدين: ج 2، ص 460، الباب 33: ذكر من شاهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف، ح 21.

وسوء خُلقها، وفي بعضها الآخر فُسِّرت بالزنا، فتخرج فيقام عليها الحدّ، وفي رواية سعد بن عبد الله فُسِّرت بالسحق.

ومع غضّ النظر عمّا قيل في سند هٰذه الروايات، وعدم ترجيح بعضها على بعضٍ من حيث السند، لا يخفى عليك عدم دلالة غير رواية سعدٍ على حصر المراد من الفاحشة المُبيّنة بما فُسِّرت به، بل يستفاد منها أنَّ المذكور فيها إمّا من مصاديقها الظاهرة كالزنا، أو من أدنى مصاديقها، وعلى هٰذا لا تعارض بين هٰذه الروايات ورواية سعدٍ من حيث تفسير الفاحشة المُبيّنة بالسحق.

نعم، إذا دلَّت رواية سعد بن عبد الله على نفي كون المراد بها الزنا فيقع التعارض بينها وبين ما دلّ على كون الزنا أحد مصاديقها إن لم نحمل رواية سعدٍ على نفي اختصاص الفاحشة بالزنا، وحينئذٍ نتعامل معهما معاملة المتعارضين، ويُؤخذ بالمرجّحات الجهتيّة أوّلًا، أي يلاحظ جهة صدور الروايات، وأنّها إنّما صدرت للتقيّة، أو لأجل بيان حكم الله الواقعيّ، ومع عدم المرجّح فيهما يؤخذ بالمرجّحات السنديّة.

إذن لا يمكن أنْ يُحكم على الحديث بالوضع، كما لا يحكم على المتعارضين في سائر الموارد به، هٰذا كلِّه بحسب الكتاب المجيد والروايات الشريفة.

آراء الفقهاء

1- الشيخ الطوسيّ رحمه الله

قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله: «إذا طلّق الرجل امرأته طلاقًا يملك فيه رجعتها فلا يجوز له أن يخرجها من بيته، ولا لها أن تخرج إلّا أن تأتي بفاحشةٍ مبيّنةٍ.

والفاحشة أن تفعل ما يجب فيه عليها الحدّ، فإذا فعلت ذٰلك، أخرجت وأقيم عليها الحدّ.

متى وقد روي أنَّ أدنى ما يجوز له معه إخراجها: أن تؤذي أهلَ الرجل؛ فإنّها متي فعلت ذٰلك جاز له إخراجها»(1).

وقال في باب الحدّ في السحاق: «إذا ساحقت المرأة أخرى وقامت عليهما البيّنة بذٰلك، وجب على كلِّ واحدةٍ منهما الحدّ مئة جلدةٍ إن لم تكونا محصّنتين، فإن كانتا محصّنتين كان على كلِّ واحدةٍ منهما الرجم»(2).

2- ابن حمزة الطوسيّ رحمه الله

قال رحمه الله: «... وغير البائن من الرجعيّات تلزم لها النفقة، والسكنى في البيت الّذي طُلّقت فيه، إلّا لعذرٍ، ولا يجوز لها الخروج منها إلّا لحجّة الإسلام، أو قضاء حقٍّ. وخرجت بعد انتصاف الليل، ورجعت إليه قبل الصبح، ولم تخلُ: إمّا تكون معها أحماؤها في بيتها، أو لا تكون؛ فإن كانت وأتت بفاحشةٍ مبيّنةٍ - وأقلّها أن تؤذي أهل الرجل بلسانها - كان للرجل إخراجها عنه إلى غيره...»(3).


1) (1) النهاية (للطوسيّ): ص 534، كتاب الطلاق، باب العدد وأحكامها.

2) (2) المصدر السابق: ص 706، كتاب الحدود، باب الحدّ في السحق؛ المهذّب: ج 2، ص 531 و 532، كتاب الحدود، باب الحدّ في اللواط والسحق المساحقة.

3) (3) الوسيلة: ص 328، كتاب الطلاق، فصلٌ في بيان العدّة وأحكامها.

وقال في بيان أحكام السحق: «إنّما يثبت السحق بالبيّنة، أو الإقرار على حدّ ثبوت الزنا واللواط بهما. والحدّ فيه مثل الحد في الزنا»(1).

3- المحقِّق الحلي رحمه الله

قال رحمه الله: «لا يجوز لمَن طلّق رجعيًّا أن يخرج الزوجة من بيته إلّا أن تأتي بفاحشةٍ، وهو ما يجب به الحدّ. وقيل: أدناه أن تؤذي أهلَه»(2).

وقال في فصل اللواط والسحق والقيادة: «ويثبت السحق بما يثبت به اللواط، والحدّ فيه مئة جلدةٍ، حرّةً كانت أم أمةً محصنةً كانت أم غير محصنةٍ، للفاعلة والمفعولة»(3).

وكيف كان فتفسير الفاحشة المُبيّنة بالزنا أو إيذاء أهل الرجل ليست دليلًا على انحصار هٰذا العمل بهذين الأمرين، بل هٰذه مصاديق مفسّرةٌ لمعناها؛ ولذا لا يمكن القول بأنَّ هٰذا التفسير شاهدٌ على كون الرواية الّتي فسَّرت الفاحشة المُبيّنة بالسحق موضوعةٌ ومختلَقةٌ، وليس هناك مَن يتبنّى هٰذا الرأي. إذن فهٰذا النحو من الاستدلال وجلب الشواهد ناتجٌ عن عدم الدقّة والتدبّر في الآية ورواياتها(4).


1) (1) المصدر السابق: ص 414، كتاب الجنايات، فصلٌ في بيان أحكام السحق.

2) (2) المختصر النافع: ص 202، كتاب الطلاق، تتمَةٌ.

3) (3) المصدر السابق: ص 219، كتاب الحدود، الفصل الثاني، في اللواط والسحق والقيادة.

4) (4) منتخب الأثر: ج 3، ص 355، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

كما اتّضح أيضًا أنَّ الرجم في السحق قولٌ تبنّاه بعض الفقهاء وإن لم يكن موردًا لاتّفاق جميعهم.

والحاصل: أنَّ تفسير الفاحشة المُبيّنة بالزنا، أو أذى أهل زوجها ليس مبنيَّا على الحصر، بل هو تفسيرها ببعض مصاديقها، وعليه فاستشهاد المستشكل على وضع الحديث لتضمّنه أنَّ الفاحشة المُبيّنة في المطلّقة السحق، ولم يقل به أحدٌ، وقع منه بسبب عدم تدبّره في الآية والروايات، هٰذا إن أراد بذٰلك نفي القول بكون السحق من مصاديق الفاحشة وبعض أفرادها، ولعلّه ظاهر كلامه.

وإن أراد تضمّن الحديث حصر المراد بالفاحشة المُبيّنة بالسحق، فهو كذٰلك إن لم نحمله على نفي الاختصاص كما حمله عليه صاحب الجواهر رحمه الله، ولٰكن لا يمكن أن يستشهد بمثل ذٰلك على وضع الحديث، بل يُعامل مع معارضه معاملة المتعارضين.

وغيرُ خافٍ أنَّ الاختلاف في حد السحق معروفٌ، فالشيخ قد فصَّل بين المحصنة وغيرها، وقال في المحصنة بالرجم. ويمكن أن يقال: إنّه يستفاد من حديث سعدٍ أنَّ المرأة المطلّقة الرجعيّة ليست بمحصنةٍ، فإذا زنت وأقيم عليها الحدّ ليس لمَن أرادها أن يمتنع بعد ذٰلك من التزويج بها لأجل الحدّ، وأنَّ حدّها في السحق مع كونها غير محصنةٍ - بناءً على هٰذا الاستظهار - الرجم.

فهٰذا وإن لم نعثر عليه في الأقوال إلّا أنّه ليس ببعيدٍ منها، ويؤيّده إطلاق

بعض الروايات، ولا يمنع من الأخذ بها عدم القائل بها لو لم يكن غيرها من الروايات أرجح عليها من جهة السند وغيره.

وكيف كان فليس في حديثٍ سعدٍ إلّا دلالته على اختصاص الفاحشة بالسحق، ودلالته على كون الحد فيه الرجم مطلقًا.

والأوّل يُردّ بما اختاره في (الجواهر) من حمله على نفي الاختصاص، ولا يخفى أنَّ هٰذا الحمل عرفيٌّ مبنيٌّ على حمل الظاهر على الأظهر؛ لأنّ ظهور ما دلَّ على كون المراد من الفاحشة الزنا أقوى من ظهور دلالة حديث سعدٍ على الاختصاص بالسحق. مضافًا إلى أنّه لو لم نأخذ بهٰذا الحمل لٰكنّا نعاملها معاملة المتعارضين كما مرّ، وكذٰلك نعاملها معاملة التعارض مع يعارضها، وهو ما يدلّ على أنَّ شرط الرجم الإحصان، وأنَّ المطلّقة الرجعيّة محصنةٌ أيضًا(1).

الإشكال الثالث: تفسير السحق

تضمّن الحديث أنَّ السحق أفحش من الزنا، هٰذا مع اتّفاق الإماميّة على أنّه كالزنا في الحدِّ، أو أدْوَنُ بإيجابه الجَلد فقط ولو كان من محصنةً، وهو الأشهر.

الجواب

أقول: أمّا كونه أفحش من الزنا فربّما يستفاد من بعض الروايات الّتي


1) (1) الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 98 - 104، الباب 2: في الأحاديث الموضوعة، الفصل الأوّل: في أخبار جمعٍ ادّعوا مشاهدة القائم.

توّعدت مرتكبها بالعقوبة الشديدة، نحو قوله عَلَیه السَّلام: «وهو الزنا الأكبر»(1)، ومنها رواية سعدٍ هٰذه.

وأمّا كون حدّها مساويًا مع حدِّ الزاني أو أدْوَن منه، وأنّه الأشهر، فلا يدلّ ذٰلك على عدم كونه أفحش؛ لجواز أن يكون ذٰلك لبعض الحِكم، مثل كون الزنا أكثر وأميل إليه مع أشهريّة كون حدِّ السحق أدون من الزنا بين القدماء، أمثال: السيّد المرتضى(2)، وأبي الصلاح(3)، وابن إدريس(4). ومثل الاتّفاق الّذي نقله عن الإماميّة لا منع من مخالفته، كالشيخ الطوسيّ في (النهاية)(5)، وابن البرّاج(6)، وابن حمزة(7)، بعد ما نعلم أنَّ القولين اللذَين وقع الاتّفاق عليهما مبناهما الروايات والاستظهار منها.


1) (1) وسائل الشيعة: ج 20، ص 345 و346، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرّم، الباب 24: تحريم السحق على الفاعلة والمفعول بها، ح 5/25788.

2) (2) الانتصار: ص 253، مسائل الحدود والقصاص والديّات، مسألة 2.

3) (3) الكافي في الفقه: ص 409، الضرب الثامن من الأحكام، الحدود، فصلٌ في السحق وحدّه.

4) (4) جواهر الكلام: ج 41، ص 389، كتاب الحدود، الباب 2: في اللواط والسحق والقيادة، في حدّ السحق.

5) (5) النهاية (للطوسيّ): ص 706، كتاب الحدود، باب الحدّ في السحق.

6) (6) المهذب: ج 2، ص 532، كتاب الحدود، باب الحدّ في اللواط والسحق...، المساحقة.

7) (7) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ص 414، كتاب الجنايات، فصلٌ في بيان أحكام السحق؛ السرائر: ج 3، ص 463، كتاب الحدود، باب ما يثبت به الزنا؛ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: ج 9، ص 194، كتاب الحدود، الفصل الثاني، في اللواط والسحق.

وكيف كان وقوع مثل هٰذه المخالفات بين الأحاديث فإنّه لا يكون مستندًا لردّها وردّ حجّيتها، بل لا بدَّ لنا من علاج المخالفة بالوجوه المقرّرة في الأصول.

الإشكال الرابع: (فاخلع نعليك) (1)

تضمّن هٰذا الحديث تفسير خلع النعلين في آية: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) بخلاف معناه الظاهريّ، وتأويله بنزع حبِّ الأهل من القلب، مع أنَّ الشيخ الصدوق نفسه قد روى في (علل الشرائع) أنّ «محمّد بن الحسن بن أحمد أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيبٍ، عن أبي عبد الله عَلَیه السَّلام قال: قال الله - تعالى - لموسى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)؛ لأنّها كانت من جلد حمارٍ ميّتٍ»(2).

والخبر صحيحٌ أو كالصحيح؛ فإنَّ أبانَ هٰذا من أصحاب الإجماع على فرض صحّة نسخة الكشّيّ في كونه ناووسيًّا، مع أنَّ الراوي للخبر ابن الوليد النقّاد للآثار.

وقد قال الله - تعالى - ذٰلك لمّا أراد بعث موسى عَلَیه السَّلام، إذن لا معنى لقوله في الخبر: استجهله في نبوّته؛ لأنَّ الأنبياء علیهم السَّلام كانوا لا يعرفون شيئًا من


1) (1) سورة طٰهٰ: 12.

2) (2) علل الشرائع: ج 1، ص 66، الباب 55: العلّة الّتي من أجلها قال الله عَز وجَلّ لموسى...، ح 1.

الشريعة قبل الوحي إليهم بها. ثمّ من أين علم أنَّ صلاة موسى عَلَیه السَّلام كانت فيها؟ ومن أين علم اتّحاد الشرائع في مثله؟

الجواب

نحن نتكلّم أوّلًا في دلالة الآية الكريمة بالنظر إلى ظاهرها، ثمّ ننظر أيَّ التفسيرين أقرب إليه، فنقول: الظاهر أنَّ موسى عَلَیه السَّلام أُمِرَ بخلع نعليه احترامًا للواد المقدّس كما هو شأن كلِّ مكانٍ مقدّسٍ يخلع الناسُ النعلَ عند دخولهم فيه، وهٰذا ما نراهم اليوم عليه عند دخولهم المساجد والمشاهد والمقامات الشريفة، وهي علامة تعظيمهم لهٰذا المكان، وحينما أمر الله - تعالى - نبيَّه موسى عَلَیه السَّلام بذٰلك فهو إيذانٌ منه بأنّه دخل الوادي المقدّس.

والظاهر أنَّ موسى عَلَیه السَّلام كان عالمًا بأنَّ أدب الدخول والكوْن في المكان المقدّس هو خلع النعلين، وأنّ الأمر لم يكن مولويًّا بل كان إرشاديًّا، وإخبارًا بأنّه نزل في هٰذا المكان المقدّس فيلزم عليه خلع نعليه. وسواءٌ كان هٰذا الأمر مولويًّا أم إرشاديًّا، وسواءٌ كان طوًى اسم هٰذا الوادي أو كان خبرًا ل‍ (إنَّ) وحكايةً عن الحالة الحاصلة لموسى عَلَیه السَّلام، فالمناسب للتعظيم هو خلع النعلين وهٰذا ما يستفاد من ظاهر الآية.

وأمّا تفسيرها بحسب الروايات، فنقول: إنَّ القانون في الروايتين المتعارضتين إذا كانتا متضمّنتين لحكمٍ من الأحكام العمليّة والفروع الفقهيّة هو الجمع العرفيّ بينهما إن أمكن، وإلّا فالرجوع إلى المرجّحات المذكورة في باب التعادل والترجيح إن كان لأحدهما ترجيحٌ على الآخر، وإلّا فالحكم هو التخيير كما بُيّن في محلّه.

إلّا أنَّ لازم ذٰلك ليس الحكم بكذب الرواية الّتي رُجّح غيرُها عليها والحكم بوضعها، كما أنّه في صورة التخيير لا يحكم بتساقط أحدهما عن الحجّيّة أساسًا، بل يؤخذ بهما في نفي القول الثالث، فكلتاهما حجّةٌ لولا ابتلاء كلِّ واحدةٍ منهما بالأخرى.

وعلى فرض ترجيح الخبر الّذي فسَّر الآية بأنَّ الله - تعالى - إنّما أمر موسى عَلَیه السَّلام بخلع نعليه؛ لأنّها كانت من جلد حمارٍ ميّتٍ، كرواية يعقوب بن شعيبٍ عن الإمام الصادق عَلَیه السَّلام المتقدّمة، فإنّه يجب الأخذ بها بالحكم الظاهريّ، وهو وجوب تصديق العادل والبناء العمليّ على خبره، وكذٰلك لا يستلزم من ذٰلك سقوط الخبر من الحجّيّة أصلًا فيما لا يعارضه خبرٌ آخر،

ولا يجوز الحكم بوضعه وكذبه بمجرّد هٰذا التعارض ورجحان الآخر عليه.

إذن ما ذكره الناقد - أي العلّامة التستريّ رحمه الله - هنا لا يوجب خللًا في الحديث، ولا وهنًا فيه، غاية ما في الأمر أنَّ الشارع قد تعبَّدنا بالأخذ بما فيه المرجّح في مقام العمل.

ولا يخفى عليك أنَّ مجرّد معارضة الخبر بخبرٍ آخر أخذنا به على ما تقتضيه القواعد في مورد تعارضهما ليس موجبًا لترك الآخر في غير مورده، وعليه فلا يترك خبر (كمال الدين)؛ لأنَّ بعض مضمونه معارضٌ لمضمون خبر ابن شعيبٍ وإن كان هٰذا الأخير صحيح السند بخلاف الأوّل.

ثمَّ ننظر بعد ذٰلك إلى مضمون خبر (كمال الدين) بالقياس إلى خبر ابن شعيبٍ هٰذا، فنرى أيّهما أوفق بالآية، فنقول: أمّا تفسير الآية بأنّ الأمرَ من

قِبل الله - تعالى - لنبيِّه موسى عَلَیه السَّلام بخلع نعليه لأنّها كانت من جلد حمارٍ ميّتٍ، فهو خلاف الظاهر؛ فإنَّ الظاهر أنَّ خلع النعلين - بما هما نعلان - هو تعظيمٌ للواد المقدّس، وأنَّ الوقوف بهما في هٰذا الوادي خلاف التعظيم والتكريم، لا لأنّهما كانتا من جلد حمارٍ ميّتٍ، ولو لم تكن كذٰلك لجاز له المرور أو الوقوف معهما، فهٰذا مخالفٌ لظهور الكتاب وموجبٌ لاختلال شرائط حجّيّة الحديث؛ لأنَّ التعارض إذا وقع بين ظاهر الكتاب وظاهر الخبر فالكتاب هو الحجّة دون أدنى شكٍّ، من هنا فإنَّ خبر يعقوب بن شعيبٍ محكومٌ بالمعارض أيضًا مثل خبر (كمال الدين)؛ ولذا لا يجوز الاستناد عليه لمعارضته ظاهر الكتاب.

لا يقال: إنَّ الحديث في مفاده أظهر وأكثر نصوصيّةً من دلالة الكتاب على موضوعيّة خلع النعلين في أداء التعظيم وتحقّق التكريم، فإنّه يقال: إنَّ مناسبة الحكم،والموضوع، واقتضاء شرافة المكان، وعرفيّة خلع النعلين في مقام التعظيم تؤيّد ظهور الكتاب فيما هو ظاهرٌ فيه عرفًا.

والجدير بالذكر أنَّ التعارض هنا ليس من باب تعارض المقيّد والخاصّ مع المطلق والعامّ، بل إنَّ التعارض والتخالف الواقع بينهما هو بالتباين، وعليه فإنّه لا يمكن الاستشهاد بسقوط حديث سعدٍ هٰذا بمجرّد مخالفة مضمونه لحديث يعقوب بن شعيبٍ؛ هٰذا بالنظر إلى تفسير الآية برواية ابن شعيبٍ هٰذا والإشكال فيه.

وأمّا بالنظر إلى حديث سعدٍ فالظاهر منه أنّه سأل الإمام عَلَیه السَّلام عن تأويل الآية لا عمّا يستفاد منها بحسب ظهورها العرفيّ الّذي هو الحجّة؛ وعليه فلا

منافاة بين الظهور واستفادة الأمر بخلع النعلين؛ لأنّه لا ينبغي تأدّبًا المرور أو الوقوف مع النعلين في هٰذا الوادي المقدّس وكلّ مكانٍ ذي شرافةٍ وقداسةٍ.

إذن لا يمكن أن يرد عليه بأنَّ كلمة نعليك - الّتي هي كنايةٌ واستعارةٌ عن

• حبِّ الأهل - مجازٌ يحتاج إلى قرينةٍ، ولا قرينة هنا، مع أنَّ الأمر بالخلع - لو كان المراد بالنعلين حبّ الأهل - كان للدوام، وينافيه تعليله: (إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى)، فإنَّ هٰذا مقبولٌ إن قلنا إنَّ ذٰلك هو المتبادر إلى الذهن بحسب الظهور العرفيّ لا بحسب التأويل الّذي ورد من أهله.

مضافًا إلى ذٰلك أنَّ باب الاستعارة واسعٌ ومتشعّبٌ، والمعيار في استحسانه هو الذوق السليم، وأنَّ خفاء القرينة علينا لا يقتضي عدم وجودها بين المتكلّم ومخاطبه، فلعلّ موسى عَلَیه السَّلام كان حافيًا والتعليل يقتضي دوام الأمر؛ فإنَّ التَّشرف بالواد المقدّس والتكلّم مع الله - تعالى - يقتضيان نزع حبِّ غيره عَز وجَلّ من القلب، وأن يكون - أبدًا - ملازمًا له، مخلصًا فى محبّته لله تعالى.

وعليه لا يمكن أن يقال: إنّ هٰذا الأمر يدور بين رفع اليد عن ظاهر الآية برواية ابن شعيبٍ أو برواية سعدٍ وبين الترجيح بحسب السند مع الأولى؛ وذٰلك لأنّ خبر ابن شعيبٍ معارضٌ لظاهر ما يستفاد من الكتاب، وهو أنَّ الأمر بخلع النعلين كان للتعظيم كما يدلّ عليه خبر ابن شعيبٍ أيضًا، فإنّه قد دلَّ على ذٰلك وإن خصَّصه بما إذا كان النعل من جلد حمارٍ ميّتٍ. ومعارضته للكتاب إنّما يكون لأجل دلالة الخبر على اختصاص التعظيم بما إذا كان النعل من جلد حمارٍ،ميّتٍ مع أنَّ العرف لا يساعد على اختصاصه

بهٰذا المورد بالذات، بل يرى أنَّ تفسيره بالمورد المذكور منافٍ للاحترام والتعظيم. إذن حديث ابن شعيبٍ مردودٌ من جهة دلالته على هٰذا الاختصاص ونفي البأس عن سائر الموارد.

وأمّا كون المراد من خلع النعلين خلع محبّة الأهل فهو تفسيرٌ لا ينفي رجحان خلع النعلين، وإن كانت الآية ليست بصدد بيان هٰذا الرجحان، فتأمّل.

وأمّا قول المستشكل: إنّ الله - تعالى - قال لموسى عَلَیه السَّلام ذٰلك لمّا أراد بعثته، فلا معنى لقوله في الخبر: استجهله في نبوّته؛ لأنّ الأنبياء علیهم السَّلام كانوا لا يعرفون شيئًا من الشريعة قبل الوحي إليهم بها. ثمّ من أين علم أنّ صلاة موسى عَلَیه السَّلام كانت فيها؟ ومن أين علم اتّحاد الشرائع في مثله؟

الجواب

أوّلًا: أنَّ كلام هٰذا المستشكل غريبٌ وعجيبٌ، وهو بمثابة الاجتهاد في مقابل النصّ؛ فإنَّ الحديث يدلّ على أنَّ الأمر بخلع النعلين لم يكن لبيان حكمٍ شرعيٍّ ابتدائيٍّ كما استظهرنا ذٰلك من الآية أيضًا، وأنَّ موسى عَلَیه السَّلام كان يصلّي في نعله هٰذا، وبعد ذٰلك يتّجه ما أورد في الحديث على التفسير الّذي يراه الفقهاء. وردّ الحديث بإنكار ذٰلك، والترديد في أنَّ صلاة عَلَیه السَّلام موسی كانت فيها، وفي اتّحاد الشرائع في مثله بعد دلالة الحديث عليه، في غير محلّه، ومن الهفوات(1).


1) (1) منتخب الأثر: ج 3، ص 367، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

الإشكال الخامس: التفاوت بين المحبّتين

لقد تضمّن حديث سعدٍ هٰذا أنَّ الله - تعالى - أوحى إلى موسى عَلَیه السَّلام أن انزع حبَّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصةً، مع أنَّ محبّة الخالق تختلف عن محبّة الخلائق، ولا يزاحم الثاني الأوّل ولا ينقضه، كيف وقد قال نبينا صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وهو أكمل الرسل وأفضلهم: «حبّب إليَّ من دنياكم ثلاثٌ: النساء...». وقال الصادق عَلَیه السَّلام: «من أخلاق الأنبياء حبّ النساء». وقال عَلَیه السَّلام: «ما أظنّ رجلًا يزداد في الإيمان (أو في هٰذا الأمر) خيرًا إلّا ازداد حبا للنساء».

وإنّما المذموم حبٌّ يوجب مخالفة أمره - تعالى - ونهيه. قال عزّ وجلّ: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.

الجواب

أوّلًا أنّ توهّم التخالف والتعارض بين حديث سعدٍ الّذي يستفاد منه الترغيب في الإخلاص في المحبّة وكمال التوحيد فيها، وبين ما ذكره من الآيات ناشئٌ من عدم التأمّل في المراد من الطائفتين من الآيات والأحاديث؛ فالطائفة الأولى ناظرةٌ إلى مقام اندكاك محبّة كلِّ شيءٍ في محبّة الله، فلا محبوب للمحبّ إلّا هو، وكلُّ حبٍّ ومحبٍّ يفنى عنده، فلا يرى شيئًا، ولا يحبّ أحدًا

سواه، ولا يلتفت إلى رؤية ما سواه وحبِّه.

ولمّا كان موسى عَلَیه السَّلام في هٰذا المشهد العظيم مشتغلَ القلب بأمر أهله؛ لأنّه جاء ليقتبس نارًا، وأمرهم بالمكث حتّى يأتيهم منها بقبسٍ، أمره عَز وجَلّ بأن يفرّغ له قلبه، ولمّا يوح إليه في هٰذا المشهد المقدّس؛ لأنَّ الوصول إلى هٰذه المرتبة الرفيعة يناسب ترك الاشتغال بغير الله تعالى، وعدم التوجّه إلى غيره وإلى محبّة الأهل والولد. وعلى هٰذه المرتبة العالية من الذوبان بالذات المقدّسة كان رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في حال نزول الوحي إليه، أو في الحالات المقتضية لذٰلك. إذن فالشؤون متفاوتةٌ، والمشاهد والمقامات المتعالية القدسيّة لا تقاس مع غيرها من الشؤون والمقامات الّتي لا بدَّ للنبيّ أو الوليّ التلبّس بها، ولا يجوز في الحكمة ترفّعهما عنها، بل هما مأموران بهما، متقرّبان بهما إلى الله تعالى.

وأمّا المشهد الّذي هو مشهد ظهور محبّة الله والانقطاع إليه، ومشهد التشرّف بتكليم الله تعالى، فإنّه يقتضي ترك الاشتغال بغيره، وفناء كلِّ حبٍّ وحبيبٍ فيه؛ ولذا أسرع موسى عَلَیه السَّلام بعد ذٰلك إلى الذهاب إلى فرعون وتَرَك أهله على حالهم؛ امتثالًا منه لأمر الله تعالى، وهٰذا شأنٌ تُرفَعُ فيه النفس الإنسانيّة إلى أعلى المراتب الروحانيّة والقدسيّة الملكوتيّة.

وأمّا شأنّه في حال يوصف بحسبه بحبِّ الأهل والمال والولد، ويشتغل بحبّهم وملازماته، فهو شأنٌ من شؤونه أيضًا، ولٰكن ليس اشتغاله بالله کاشتغاله به في الشأن الأوّل؛ فاشتغاله به في الأوّل يتحصل له بغير واسطةٍ، وفي الثاني يتحقّق بواسطة غيره، ويجوز في هٰذا المقام الجمع بين الحبّين.

وبعبارةٍ أخرى نقول: إنَّ فعليّة اشتغال القلب بمحبّة الله في مشهدٍ من

مشاهد القرب ومعراج الأنس تنافي اشتغاله الفعليّ بمحبّة غير الله والتوجّه به، كما أنَّ فعليّة اشتغال القلب بحبِّ النساء لا تجتمع مع الاشتغال الفعليّ التامّ بحبّ الله تعالى.

وإن شئت الاستشهاد لذٰلك فعليك بالرجوع إلى الأدعية المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السَّلام، ففي ذيل دعاء عرفة المرويّ عن الإمام الحسين عَلَیه السَّلام: «أنت الّذي أزلتَ الأغيارَ عن قلوب أحبائك حتّى لم يحبّوا سواك، ولم يلجؤوا إلى غيرك». هٰذا، ولا يخفى عليك قصور عباراتنا عن بيان حقيقة هٰذه المنازل والمشاهد، لا سيّما إذا كان النازل فيها وشاهدها الأنبياء والأولياء علیهم السَّلام.

ثانيًا ما ذكره من أنّ المذموم هو حبٌّ يوجب مخالفة أمره - تعالى - ونهيه صحيحٌ لا ريب فيه، أي لا يترتّب على حبِّ غيره عقابٌ وذمٌّ مولويٌّ إذا لم يخالف أوامر الله - تعالى - ونواهيه. والآية (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ...) ناظرةٌ إلى ذمّ هٰذا الحبِّ المؤدّي إلى العصيان والمخالفة. وأمّا غيره فلم يكلِّف الله عباده بتركه، وإن رغَّبهم بالجهاد لترك بعض الأنواع، كما رغَّبهم إلى بعض أنواعه الأخرى.

ولا ريب أنَّ شغل القلب بالله - تعالى - والانقطاع إليه والانصراف عن شيءٍ سواه ممدوحٌ شرعًا، وكلّما كانت ملازمة النفس بذكر الله - تعالى - ومداومتها به أقوى وأتمّ كان العبد إلى الله أقرب. ولو كان جائزًا في حكمة الله - تعالى - أن لا ينصرف العبد إلى غيره، ممّا يتوقّف به نظام العالم ويدور مداره ابتلاء الخلق، لكان اللازم على هٰذا العبد أن لا ينصرف منه إلى غيره.

لذا نقول: إنَّ حبَّ الأهل والمال والولد ليس مذمومًا بالإطلاق، إلّا أنَّ الاشتغال التامّ بالله - تعالى - وشغل القلب بمحبّته في بعض الأحوال ممدوحٌ جدًّا، بل هو لازمٌ من لوازم العبوديّة ومعرفة الربوبيّة. وينبئ عن ذٰلك كله قوله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: «لي مع الله وقتٌ لا يسعه مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ». وقوله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أيضًا: «مَن ذكر الله في السوق مخلصًا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه كتب الله له ألف حسنةٍ، ويغفر الله له يوم القيامة مغفرةً لم تخطر على قلب بشرٍ».

ثالثًا: يظهر من دعواهذ- الّتي يزعم فيها أنَّ كلمة نعليك الّتي هي كنايةٌ واستعارةٌ عن حبِّ الأهل مجازٌ يحتاج إلى قرينةٍ، ولا قرينة فيها - أنَّ هٰذه الاستعارة كانت معهودةً عند أهل اللسان، بل وغيرهم من سائر الألسنة؛ ولذٰلك حكي أنَّ أهل تعبير الرؤيا يفسّرون النعلين بالأهل، وفقدانها بفقدان الأهل. مضافًا إلى أنّه يكفي في القرينة كون النعلين من اللباس، وإطلاق اللباس على الزوجه في (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ».

وأوضح من ذٰلك كلِّه أنَّ السؤال في حديث سعدٍ وقع عن تأويل الآية لا عن تفسيرها؛ ولذا لا ينافي ذٰلك التأويل كون المراد بالنعلين غير ما يراد بها في العرف واللغة، كما لا ينافي إذا كان المراد من ظاهر الآية الأمر بنَزع النعلين؛ لأنّها كانت من جلد حمارٍ ميّتٍ، وإن كان في هٰذا الاحتمال ما ذكرناه مما يردّ كونه المراد، والله أعلم(1).


1) (1) منتخب الأثر: ج 3، ص 371، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

رابعًا: لا يلزم من كون المراد بنزع النعلين "نزع حبِّ الأهل" أن يكون ذٰلك للدوام، بل يصحّ ذٰلك ولو كان لعلّة حضوره في مشهد تكليم الربِّ معه. والتعليل يؤيّد ما ذكرناه من عدم المنافاة بين الأمر بنزع حبِّ الأهل في هٰذا المقام الشريف وبين ما ورد في الترغيب إلى حبِّ الأهل.

ولا يخفى عليك أنَّه بعد إمكان الجمع بين رواية سعدٍ وغيرها من الروايات لا يجوز القول بمخالفتها مع غيرها، والاستشهاد بها لوضعها.

الإشكال السادس: اللعب لا يتناسب مع مقام الإمامة

إنَّ الحديث قد تضمن لعب الإمام الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف، مع أنَّ من علامات الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف عدم لعبه، ففي خبر صفوان الجمّال أنّه سأل الإمام الصادق علَیه السَّلام عن صاحب هٰذا الأمر، فقال: «إنّه لا يلهو ولا يلعب». وأقبل أبو الحسن موسى عَلَیه السَّلام وهو صغيرٌ ومعه عناقٌ مكّيّةٌ وهو يقول لها: «اسْج‍دي لربِّك». فأخذه أبو عبد الله عَلَیه السَّلام وضمَّه إليه وقال: «بأبي وأمّي من لا يلهو ولا يلعب»(1).

وفي صحيح معاوية بن وهبٍ أنّه سأل الإمام الصادق عَلَیه السَّلام عن علامة الإمامة، فقال: «طٰهٰارة الولادة وحسن المنشإ، ولا يلهو ولا يلعب»(2).

وفي كتاب (دلائل الإمامة) للطبريّ ذُكر مثل هٰذا الحديث أيضًا: «حجَّ إسحاق بن إسماعيل في السنة الّتي خرجت الجماعة إلى أبي جعفر عَلَیه السَّلام. قال


1) (1) الكافي: ج 1، ص 311، کتاب الحجّة، باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى عَلَیه السَّلام، ح 15.

2) (2) المصدر السابق: ص 284 و285، كتاب الحجّة، باب الأمور الّتي توجب حجّة الإمام عَلَیه السَّلام، ح 4.

إسحاق: فأعددتُ له في رقعةٍ عشر مسائل لأسأله عنها، وكان لي حملٌ، فقلت: إذا أجابني عن مسائلي سألته أن يدعو الله لي أن يجعله ذكرًا، فلمّا سأله الناس قمت والرقعة معي لأسأله عن مسائلي، فلمّا نظر إليَّ قال لي: يا أبا يعقوب، سمِّه أحمد. فوُلد لي ذكرٌ فسمّيته أحمد، فعاش مدةً ومات. إليه من

وكان ممّن خرج مع الجماعة عليّ بن حسّانٍ الواسطيّ المعروف ب‍ (العمش)، قال: حملتُ معي الآلة الّتي للصبيان بعضًا من فضةٍ، وقلت: أتحف مولاي أبا جعفرٍ عَلَیه السَّلام بها. فلمّا تفرق الناس عنه عن جوابٍ لجميعهم قام فمضى إلى صريا، واتّبعته فلقيت موفّقًا، فقلتُ: استاذنْ لي على أبي جعفرٍ عَلَیه السَّلام. فدخلتُ وسلَّمْتُ فردَّ علىَّ السلام وفي وجهه الكراهة، ولم يأمرني بالجلوس، فدنوت منه وفرّغت ما كان في كُمّي بين يديه، فنظر إليَّ نظر مغضبٍ، ثمّ رمى يمينًا وشمالًا، ثمّ قال: ما لهٰذا خلقني الله! ما أنا واللعب؟! فاستعفيته فعفا عني فخرجت). فخرجت»(1).

وعن عبد الله بن محمّدٍ قال: قال عمارة بن زيد: رأيت محمّد بن عليٍّ عَلَیه السَّلام وبين يديه قصعة صينيٍّ، فقال: يا عمارة، أترى من هٰذا عجبًا؟ فقلتُ: نعم. فوضع يده عليه فذاب حتّى صار ماءً، ثمّ جمعه فجعله في قدحٍ، ثمّ ردّها ومسحها بيده، فإذا هي قصعةٌ كما كانت، فقال: مثل هٰذا فليكن القدرة»(2).


1) (1) دلائل الإمامة، ص 212 و213، الإمام الجواد، في بعض معجزاته؛ بحار الأنوار: ج 50، ص 58 و59، تاريخ الإمام الجواد عَلَیه السَّلام، الباب 26: معجزاته عَلَیه السَّلام، ح 34.

2) (2) بحار الأنوار: ج 50، ص 58 و59، تاريخ الإمام الجواد، الباب 26: معجزاته عَلَیه السَّلام، ح 34.

إشكالات السيّد الخوئيّ رحمه الله

إنَّ هٰذه الرواية ضعيفة السند جدًّا؛ فإنَّ محمّد بن بحرٍ بن سهلٍ الشيبانيّ لم يوثّق، وهو متّهمٌ بالغلوّ، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل، على أنّها قد اشتملت على أمرين لا يمكن تصديقهما: أحدهما حكايتها صدّ الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف أباه ذٰلك الكتابة، والإمام عَلَیه السَّلام كان يشغله بردّ الرمّانة الذهبيّة! إذ يقبح صدور عن من الصبيّ المميّز، فكيف ممّن هو عالمٌ بالغيب وبجواب المسائل الصعبة(1)؟!

ثمّ إنَّ المحقِّق التستريّ رحمه الله قد أورد أيضًا هٰذا الإشكال نفسه في مسألتين منفصلتين في كتاب (قاموس الرجال) و(الأخبار الدخيلة)(2).

الجواب

وقد أجاب الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگانيّ دامَ ظِلُهُ بقوله: «ما ذكره من أنَّ الإمام لا يلهو ولا يلعب حقٌّ لا ريب فيه، ويدلّ عليه من الروايات أزيد ممّا رواه، كما أنَّ هٰذا ثابتٌ بدلالة العقل أيضًا، إلّا أنَّ اللعب يقال على فعلٍ لم يقصد به فاعله به مقصدًا صحيحًا. قال الراغب: ولعب فلان: إذا كان فعله غیر قاصدٍ به مقصدًا صحيحًا، وقال اللهو: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، يقال: لهوتُ بكذا، ولهيت عن كذا: اشتغلت عنه بلهوٍ.


1) (1) معجم رجال الحديث: ج 8، ص 78، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 5048.

2) (2) قاموس الرجال، ج 5، ص 61، ترجمة سعد بن عبد الله، رقم 3176؛ الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 88، الباب 2: في الأحاديث الموضوعة، الفصل الأوّل: في أخبار جمع ادّعوا مشاهدة القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وأمثال هٰذه الأفعال الصادرة من الأطفال يترتّب عليها منافع مهمّةٌ، مثل: رشد جسمه، ونموِّه، واعتدال أعضائه حتّى أنَّ علماء التربية والرياضة يلزمون مربّي الأطفال بتشجيعهم على هٰذه الأفعال، ولو لم يكن في طفلٍ رغبةٌ إلى هٰذه الأفعال الرياضيّة، فإنّهم يستدلّون به على عدم صحّة جسمه، بل وعدم سلامة روحه.

فإن قلت: إنَّ هٰذه الأفعال وإن كان يترتّب عليها بعض المنافع، إلّا أنَّ الطفل مفطورٌ عليها، لا يقصد بها منفعةً.

قلت: نعم، ولٰكن الفرق بينها وبين اللعب واللهو الّذي ينزّه عنه الإنسان الكامل أوضح من أن يخفى؛ فالأوّل قد قصد منه مقصدًا صحيحًا تكوينًا، وبإرادة خالق الإنسان عزّ وجلّ، وهو دليلٌ على كمال خلقته وتماميّة فطرته، وعدمه دليلٌ على النقصان. نعم، لا يفهم الطفل غالبًا ونوعًا ما قصد من رغبته إلى ما نسمّيه مجازًا ومن غير التفاتٍ إلى الحِكم والغايات التكوينيّة " لهوًا ولعبًا". أمّا الإمام فيفهم ذٰلك، شاعرًا بهٰذا الغرض الكاشف عن دقائق حكمة الله - تعالى - وكمال صنعه.

والإشكال والاستبعاد - وهو صدور هٰذه الأفعال من الإمام الّذي أعطاه الله عَز وجَلّ العلم والحكم صبيًا- قريبٌ من قول مَن قال: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ). فنفي صدور هٰذه الأفعال عنهم علیهم السَّلام، لو لم يرجع إلى إثبات نقصٍ فيهم لا يكون كمالًا لهم، ويؤول الأمر إلى تنزيههم علیهم السَّلام من الأفعال العاديّة الّتي يستحي الإنسان أن يراه الناس فيها،

وإلى نفي مثل الشهوة والميل الجنسيّ عنهم، والحال أنَّ بكلِّ ذٰلك تظهر كمالاتهم الروحيّة ومقاماتهم الشامخة العالية.

ولو راجعنا تواريخ الأنبياء والأئمّة علیهم السَّلام لوجدنا فيها أزيد من ذٰلك بكثيرٍ، من أظهرها ما وقع بين النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وسبطيه العزيزين عليه حتّى في حال صلاته وفي سائر الأحوال، فهو يلاعبهما وهما يلاعبانه، ويقول: "نعم المطيّة مطيّتكما، ونعم الراكبان أنتما"(1).

ويقول في الإمام

الحسين عَلَیه السَّلام:

"حَزُقَّةٌ حَزُقَّةٌ، تَرَقَّ عَيْنَ

بَقَّةَ"(2). ولم يقل أحدٌ: إِنَّ هٰذا لعبٌ لا يجوز

للنبيّ صّلى الله عليه

وآله وسلّم ارتكابه،

أو لا يجوز لسبطيه

علیهما السَّلام الركوب على ظهره [لا] سيّما في حال الصلاة.

وهٰذه سيّدتنا وسيّدة نساء العالمين علیهَا السَّلام كانت تُرقِّص الحسن عَلَیه السَّلام وتقول: "أشبه أباك يا حسن" وقالت للحسين عَلَیه السَّلام: "أنت شبيهٌ بأبي لست شبيهًا بعليٍّ(3).

فهل تجد من نفسك أن يكون الأنبياء والأوصياء محرومين أو ممنوعين من هٰذه الملاطفات الّتي تقع بين الآباء والأبناء و[هي] من أوضح الشواهد على لطافة الروح وحسن الخلق والرحمة والإنسانيّة، مع ما فيها من الحكم والرموز


1) (1) مناقب آل أبي طالب: ج 3، ص 401، باب إمامة السبطين، فصلٌ في مكارم أخلاقهما علیهما السَّلام.

2) (2) المصدر السابق: ص 388، باب إمامة السبطين، فصلٌ في محبة النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم إيّاهما.

3) (3) المصدر السابق: ص 389، باب إمامة السبطين علیهما السَّلام، فصلٌ في المفردات.

التربويّة، فتمنعهم من هٰذا الشوق النفسي والرغبة؟ فسبحان الّذي جعلها من ألذّ لذائذ الحياة، وما يذهب بها متاعبها، وتنسي مشاقّها ومرارتها»(1).

ويقول الشيخ الحائريّ رحمه الله: «فَلأنّ الأئمّة علیهم السَّلام لهم حالاتٌ في صغرهم كحال سائر الأطفال، من جملتها إبطاء الحسين عَلَیه السَّلام في الكلام وتكرير النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم لأجله التكبير، وبكاؤه عَلَیه السَّلام في المهد وهزّ جبرئيل المهد حتّى أنشد في ذٰلك أشعارًا، وعرفته المخدّرات الأستار، وكذا ركوبه عَلَیه السَّلام على ظهر النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وهو في السجود ممّا لا يقبل الجحود»(2).

ويقول الشيخ النمازيّ رحمه الله: «والإشكالات المزعومة على هٰذه الرواية الشريفة مردودةٌ؛ فإنّ عمل مولانا الحجّة المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف ومنعه إياه من الكتابة كان حفظًا عن الغلوّ، وهو العمل على طبق الصورة البشريّة، وإثباتٌ عملًا بأنّا بشرٌ مثلكم، وكم لها من نظيرٍ من آبائِهِ البررة علیهم السَّلام»(3)

الأشعريّ، رقم 6136.

.

الإشكال السابع

وهٰذا الإشكال تضمّن إلقاء الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام رمّانةً ذهبيّةً تلمع بدائعُ نقوشِها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها للعب ولده، مع أنَّ ذٰلك عمل مُتْرَفي أهل الدنيا، لا عمل مثلهم علیهم السَّلام؛ فهم معرضون عن الدنيا وزخارفها.


1) (1) منتخب الأثر: ج 3، ص 359، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

2) (2) منتهى المقال: ج 3، ص 327، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلفٍ، رقم 1280، الهامش.

3) (3) مستدركات علم رجال الحديث: ج 4، ص 38، ترجمة سعد بن عبد الله بن أبي خلفٍ

الجواب

قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ)(1)، وقال أيضًا: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)(2).

نعم، هٰذه سيرة بعض الأنبياء علیهم السَّلام لا سيّما سيرة نبيّ الله سليمان عَلَیه السَّلام، فقد كانت له قصورٌ ونساءٌ وإماءٌ كثيرةٌ، حتّى قيل: إنّه كان له ألف امرأةٍ،

وإذا ما خرج إلى مجلسه فإنَّ الطير تعكف عليه، ويقوم له الإنس والجنّ حتّى يجلس على سريره، ومع ذٰلك لم يقل أحدٌ: إِنَّ هٰذا عمل مُتْرَفِي أهل الدنيا،وخلاف الإعراض عن هٰذه الدنيا.

وقد أجاب الشيخ عباسٌ القمّيّ رحمه الله عن هٰذا الإشكال(3)مستندًا إلى هٰذه الآية الشريفة والروايات، قائلًا: «ففي الحديث: "ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال، ولا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله"(4). وقال مولانا أمير المومنين عَلَیه السَّلام: "الزهد كلُّه بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا


1) (1) سورة الأعراف: 32.

2) (2) سورة سبإٍ: 13.

3) (3) سفينة البحار: ج 3، ص 536، باب الزاي بعد الهاء، في الزهد.

4) (4) الكافي: ج 5، ص 70 و71، كتاب المعيشة، باب معنى الزهد، ح 2.

تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)(1)، ومن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه"»(2).

هٰذا هو الزهد، ولا يلزم معه ترك الانتفاع بما أحله الله عَز وجَلّ وترك التمتّع بالملذّات، بل يجمع معه الانتفاع بكلِّ ما أنعم الله عَز وجَلّ به على الإنسان من نِعَمِ الدنيا؛ لأنَّ المترفين قد أخذوا بالنعم حبًّا للدنيا الدنيّة، فيصعب عليهم تركها، دون هٰؤلاء؛ فإنّهم قد تركوا الدنيا بلا عناءٍ ومشقّةٍ؛ لذا لا فرق عندهم في مقام الإنفاق بين الرمّانة الذهبيّة والرمانة الطبيعية.

قال أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام في وصف حجج الله تعالى: «اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ»(3)، فشارَكَوا أهَل الدنيا في دنياهُم، ولَم يُشارِكُهم أهَل الدنيا في آخِرَتِهِم، سَكَنوا الدنيا بِأَفضَلِ ما سُكِنَت، وأكَلُوها بأفضَلِ ما أكلَت فَحَظوا مِنَ الدُّنيا بِما حَظِي بِهِ المُترفُونَ، وأَخَذُوا مِنها ما أَخَذهُ الجبابرةُ المُتَكَبّرونَ، ثُمَّ انْقَلَبوا عنها بالزَّادِ المُبلّغ والْمَتْجَرِ الرَّابِحِ»(4).

إذن فما الضير في هٰذه الرمّانة الذهبيّة الّتي لم يكن أصلها من الذهب، بل


1) (1) سورة الحديد: 23.

2) (2) نهج البلاغة: ص 526، الحكم، الحكمة 439، حقيقة الزهد.

3) (3) المصدر السابق: الحكمة 147، خصائص الإمام.

4) (4) المصدر السابق: الكتب، العهد 27 إلى محمّد بن أبي بكر، حين قلّده مصر.

كانت منقوشةً به؟! وما هي قيمتها؟ ومن أين نعلم أنّه أبقاها؟ ولعلّها أهْديَتْ إليه في ذٰلك الحال كما يشعر به قوله: «قد كان أهداها بعض رؤساء أهل البصرة».

ويظهر من ألفاظه أنّه بالغ في توصيفها؛ وما كان إعجابه بها إلّا لأنّه رآها بين يدي مولاه، وأنّها كانت الواسطة الملاطفته عَلَیه السَّلام مع قرّة عينه، ولو وصف غير الرمّانة أيضًا ممّا كان في البيت من الأشياء والأثاث لكان توصيفه لها مثل ذٰلك. فعينٌ مثل عينه الّتي تشرّفت برؤية مولانا العسكريّ عَلَیه السَّلام وولده العزيز ام الّذي بشّر به الأنبياء والأئمّة علیهما السَّلام، ووقعت على الجمال الّذي ليس فوقه جمالٌ إلّا جمال الله الّذي منه هٰذا الجمال، يرى كلَّ ما يرى متعلّقًا بهٰذا الجمال جميلًا، ويصفه بأحسن ما بإمكانه من الألفاظ البليغة والعبارات اللطيفة(1).

الإشكال الثامن

«تضمّنه أنَّ اليهود كانوا يخبرون بظهور محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم يسلط على العرب كتسلّط بختنصر على بني إسرائيل، وأنّه كاذبٌ، مع أنّه خلاف القرآن، فإنّه تضمّن أنَّهم يوعدون أعداءهم به صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وأنّه إذا ظهر ينتقم لهم منهم، قال الله تعالى: (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كفَرُوا بِهِ)(2)، وورد أنّ الأنصار بادروا بالإسلام لمّا سمعوا من اليهود فيه، فقالوا: هٰذا النبيّ الّذي كانت اليهود يخبروننا به.


1) (1) منتخب الأثر: ج 3، ص 360، النقود اللطيفة على الكتاب المسمّى بالأخبار الدخيلة.

2) (2) سورة البقرة: 89

الجواب

أقول: هٰذا أيضًا عجيبٌ؛ فإنَّ ما يدلّ عليه حديث سعدٍ أنَّ اليهود كانوا

يقولون كذا وكذا عنه صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وكانوا يكذّبونه، وتكذيبهم إيّاه قد ورد في القرآن المجيد لا مرية فيه. ومن جملة ما يدلّ على إنكارهم وردّهم رسالته هٰذه الآية: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ...)، فأي منافاةٍ بين كونهم مخبرين برسالته قبل دعوته وبعثته أو قبل ولادته، وبين إنكارهم حسدًا وعنادًا للحق؟ والأنصار أيضًا آمنوا بالحقِّ لمّا سمعوا من اليهود قبل ذٰلك من البشارة بالنبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في التوراة، مع أنّهم بعد ذٰلك لم يؤمنوا به وأنكروه إلّا القليل منهم كعبد الله بن سلامٍ وغيره.

إن قلتَ: إنَّ الآية الكريمة إنّما تدلّ على أنّ اليهود كانوا قبل البعثة يستفتحون على الّذين كفروا، وكانوا يخبرون عن ظهور النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ويصدّقونه، فلمّا جاءهم ما عرفواكفروا به، والرواية قد دلّت على أنهم يكذّبونه قبل ذٰلك.

قلتُ: ما دلّت عليه الرواية أنَّ المجالسين لهم كانوا يكذّبونه، ولعلّ مجالستهم إيّاهم كانت للاستخبار عن حاله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ومآل حاله، وكانت بعد البعثة، ولا رادّ لاحتمال أن يكون طائفةٌ من اليهود يكذّبونه قبل ذٰلك تعصّبًا؛ لعلمهم بأنّه من العرب ومن ولد إسماعيل عَلَیه السَّلام. وبعد جواز الجمع بين ظاهر الآية بأحد الوجهين المقبولين عند العرف يرفع الإشكال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال»(1).


1) (1) مجموعة الرسائل: ج 2، ص 177.

الإشكال التاسع

اشتمال حديث سعد بن عبد الله على موت أحمد بن إسحاق في حياة الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، وبعثه خادمه المسمّى بكافور لتجهيزه، مع أنَّ بقاء أحمد هٰذا بعد الإمام عَلَیه السَّلام أمرٌ قطعيٌّ واتفاقيٌّ.

الجواب

إنَّ هٰذا أقوى ما تشبّث به لإثبات وضع الحديث، ولا ننكر صعوبة الجواب عنه لو كان أحمد بن إسحاق هٰذا هو نفسه أحمد بن إسحاق بن سعدٍ الأشعريّ الحيّ بعد وفاة مولانا أبي محمّدٍ العسكريّ عَلَیه السَّلام.

أمّا لو احتملنا أنّه غيره فحينئذٍ يرتفع الإشكال، ولٰكن لا يوجد عندنا دليلٌ على كونهما اثنين، كما لا دليل على كونهما واحدًا. ولعلّ في هٰذا أحمد الحديث نفسه دليلًا على التعدّد، لا سيّما مثل أحمد بن إسحاق الأشعريّ المعاصر لوالد الشيخ الصدوق رحمه الله، ولا ريب أنّه لو لم يكن عارفًا بأحوال الرجال، كان عارفًا بمثله، يعرفه معرفةً تامّةً، وهو مع ذٰلك أخرج هٰذا الحديث محتجًّا به في كتاب (كمال الدين).

فلو كان أحمد بن إسحاق المذكور فيه هو هٰذا الّذي توفّي في عصر الغَيْبة الصغرى دون عصر الإمام العسكريّ عَلَیه السَّلام، فكيف لم يلتفت إليه الشيخ الصدوق رحمه الله ويتفطّن إلى ذٰلك؟

وهٰذا ممّا لا يمكن قبوله، إذن فالأمر يدور بين أن نقول: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله لم يلتفت إلى هٰذا الأمر القطعيّ المتّفق عليه، المشهور

والمعروف الّذي لا يخفى عليه مثله، أو أن نقول بدسّ هٰذا الحديث في كماله، وأنّه لم يخرجه فيه، بل زاد عليه بعض الوضّاعين كله أو ذيله الّذي لم يخرجه صاحب الدلائل، أو أن نقول بتعدُّد أحمد بن إسحاق المذكور في الحديث.

والمتعيّن الثالث كما لا يخفى ومجهوليّة حال المذكور في حديث سعدٍ لا يدلّ على ضعفه، بل يستظهر منه أنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله كان يعرفه معرفةً تامّةً بأنّه كان خير أهل البلد.

نعم، هناك بعض الإشكالات الأخرى الواردة على الرواية، لٰكن مراعاةً للاختصار أعرضنا عنها وإن كانت الإجابة عنها واضحةً بعد أدنى تأمّلٍ ودقّةٍ فيها.

النتيجة النهائيّة

في الختام نقول: هناك أماراتٌ وقرائن كثيرةٌ على صحّة هٰذه صدور هٰذه الرواية، بحيث لو أوردت عليها عشرات الإشكالات فلا تخرج عن الوثاقة بالصدور وقوّة المضمون.

الفَصْلُ الحَاٰدِي عَشَر

اشارة

حكاية الجزيرة الخضراء

الجزيرة الخضراء في ميزان النقد

وردت في هٰذا الفصل حكاية الجزيرة الخضراء ومصادرها، ثمّ البحث في سندها، رغم أنّ محور البحث في نقلنا لحكاية الجزيرة الخضراء هو النقل الّذي أورده الفضل بن يحيى الطيّبيّ وعليّ بن فاضلٍ. وقد ثبت ضعف سند الطيّبيّ وعليّ بن فاضلٍ وعدم توثيقهما. ثمّ تطرّقنا بعد ذٰلك إلى ملاحظة الإشكالات الدلاليّة والمضمونيّة الواردة عليها. ومن جملة الإشكالات الواردة على الحكاية التناقض بين النصوص، حيث ترى جهارًا أنّ النقل الّذي أورده كتاب (بحار الأنوار) يختلف بشكلٍ كبيرٍ مع ما نقله البحرانيّ في كتاب (تبصرة الوليّ). ومن جملة الإشكالات الأخرى على حكاية الجزيرة الخضراء أمورٌ جاءت في مضامينها، من قبيل تحريف القرآن الكريم، وهو أمرٌ يتنافى مع المعتقدات والمبادئ الّتي نؤمن بها. كما تحدّثت الحكاية عن إمكانيّة المشاهدة الاختياريّة للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في زمن الغَيْبة الكبرى، وهو ادّعاءٌ ردّه كبار علمائنا من قبيل الشيخ جعفر كاشف الغطاء. كما ورد في مضمون الحكاية ادّعاء وجود أبناء للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهو زعمٌ لم يثبت بالمرّة. كما ورد أيضًا ادّعاء أنّ الجزيرة الخضراء تمثّل لغزًا لا يمكن اكتشافه ويستحيل الوصول إليها، وهي ادّعاءاتٌ لا دليل عليها ولا مستند يدعمها فالجزيرة تقع في منطقةٍ معروفةٍ، وكانت محلًّا لتردّد المسلمين وتحرّكاتهم بشكلٍ اعتياديٍّ من سنة 407 إلى سنة 621 ه‍، وتقع ضمن حدود البلاد الإسلاميّة. كما أنّ الحكومة المركزيّة في العالم الإسلاميّ آنذاك هي من كانت تتولّى تعيّين الولاة أو تنحيتهم فيها. وقد أثبتت كتب الجغرافيا اسم هٰذه الجزيرة، ورسمت حدودها بشكلٍ دقيقٍ، وهي

حقائق تثبت أنّ حكاية الجزيرة الخضراء لم تكن إلّا أسطورةً، وأنّ الادّعاء القائل بأنّها تمثل "لغزًا مبهمًا" لا يمكن قبوله أو الإقرار به.

الجزيرة الخضراء

نقل العلّامة المجلسيّ في كتابه القيّم (بحار الأنوار) حكايةً عرفت بالجزيرة الخضراء، وذٰلك ضمن المجلّد الثاني والخمسين من كتابه، وتحت هٰذا العنوان بالذات، وذكر نصّ حكاية الجزيرة الخضراء في بداية هٰذا الباب [يقول]: «نادرٌ في ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في الغَيْبة الكبرى قريبًا من زماننا.

أقول: وجدت رسالةً مشتهرةً بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض، أحببت إيرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنّما أفردت لها بابًا لأنّي لم أظفر به في الأصول المعتبرة، ولنذكرها بعينها كما وجدتها:

بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله الّذي هدانا لمعرفته، والشكر له على ما منحنا للاقتداء بسنن سيّد بريّته، محمّدٍ الّذي اصطفاه من بين خليقته، وخصّنا بمحبّة عليٍّ والأئمّة المعصومين من ذرّيّته، صلّى الله عليهم أجمعين الطّيبين الطاهرين وسلّم تسليمًا كثيرًا.

وبعد: فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين، وسيّد الوصييّن، وحجّة ربّ العالمين، وإمام المتّقين، عليّ بن أبي طالبٍ عَلَیه السَّلام بخطّ الشيخ الفاضل والعالم العامل، الفضل بن يحيى بن عليٍّ الطيّبيّ الكوفيّ - قدس الله روحه - ما هٰذا صورته: الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمّد وآله وسلّم. وبعد: فيقول الفقير إلى عفو الله - سبحانه وتعالى - الفضل بن يحيى بن عليٍّ الطيّبيّ الإماميّ

الكوفيّ عفا الله عنه: قد كنت سمعت من الشيخين الفاضلين العالمين الشيخ شمس الدين بن نجيحٍ الحلّيّ والشيخ جلال الدين عبد الله بن الحرام الحلّيّ - قدس الله روحيهما ونور ضريحيهما - في مشهد سيّد الشهداء وخامس أصحاب الكساء مولانا وإمامنا أبي عبد الله الحسين عَلَیه السَّلام في النصّف من شهر شعبان سنة تسعٍ وتسعين وستّمئةٍ من الهجرة النبويّة على مشرّفها محمّد وآله أفضل الصلاة وأتمّ التحيّة، حكاية ما سمعاه من الشيخ الصالح التقيّ والفاضل الورع الزكيّ زين الدين عليّ بن فاضلٍ المازندرانيّ، المجاور بالغريّ - على مشرّفيه السلام - حيث اجتمعا به في مشهد الإمامين الزكيّين الطاهرين المعصومين السعيدين علیهما السَّلام بسرّ من رأى، وحكى لهما حكاية ما شاهده ورآه في البحر الأبيض والجزيرة الخضراء من العجائب فمرّ بي باعث الشوق إلى رؤياه، وسألت تيسير لقياه، والاستماع لهٰذا الخبر من لقلقةٍ فيه بإسقاط رواته، وعزمت على الانتقال إلى سرّ من رأى للاجتماع به.

فاتّفق أنّ الشيخ زين الدين عليّ بن فاضلٍ المازندرانيّ انحدر من سرّ من رأى إلى الحلّة في أوائل شهر شوّالٍ من السنة المذكورة؛ ليمضي على جاري عادته، ويقيم في المشهد الغرويّ على مشرّفيه السلام.

فلمّا سمعت بدخوله إلى الحلّة وكنت يومئذٍ بها قد أنتظر قدومه، فإذا أنا به وقد أقبل راكبًا يريد دار السيّد الحسيب، ذي النسب الرفيع، والحسب المنيع السيّد فخر الدين الحسن بن عليٍّ الموسويّ المازندرانيّ نزيل الحلّة أطال الله بقاه، ولم أكن إذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور، لٰكن خلج في خاطري أنّه هو.

فلمّا غاب عن عيني تبعته إلى دار السيّد المذكور، فلمّا وصلت إلى باب الدار رأيت السيّد فخر الدين واقفًا على باب داره مستبشرًا، فلمّا رآني مقبلًا ضحك في وجهي وعرّفني بحضوره فاستطار قلبي فرحًا وسرورًا، ولم أملك نفسي على الصبر على الدخول إليه في غير ذٰلك الوقت. فدخلت الدار مع السيّد فخر الدين فسلّمت عليه، وقبلت يديه، فسأل السيّد عن حالي، فقال له: هو الشيخ فضل بن الشيخ يحيي الطيّبيّ صديقكم، فنهض واقفًا وأقعدني في مجلسه ورحبّ بي وأحفى السؤال عن حال أبي وأخي الشيخ صلاح الدين؛ لأنّه كان عارفًا بهما سابقًا، ولم أكن في تلك الأوقات حاضرًا، بل كنت في بلدة واسط، أشتغل في طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمّدٍ الواسطيّ الإماميّ تغمّده الله برحمته، وحشره في زمرة أئمته علیهما السَّلام. فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متّع الله المؤمنين بطول بقائه، فرأيت في كلامه أماراتٍ تدلّ على الفضل في أغلب العلوم من الفقه والحديث، والعربيّة بأقسامها، وطلبت منه شرح ما حدّث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين الحلّيّان المذكوران سابقًا عفا الله عنهما، فقصّ لي القصّة من أوّلها إلى آخرها بحضور السيّد الجليل السيّد فخر الدين نزيل الحلّة صاحب الدار، وحضور جماعةٍ من علماء الحلّة والأطراف، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفّقه الله، وكان ذٰلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوّالٍ سنة تسعٍ وتسعين وستّمئةٍ، وهٰذه صورة ما سمعته من لفظه أطال الله بقاءه، وربّما وقع في الألفاظ الّتي نقلتها من لفظه تغييرٌ، لٰكنّ المعاني واحدةٌ. قال حفظه الله تعالى: قد كنت من نقلتها من مقيمًا في دمشق الشام، منذ سنين، مشتغلًا بطلب العلم، عند الشيخ

الفاضل الشيخ عبد الرحيم الحنفيّ - وفّقه الله لنور الهداية - في علمي الأصول والعربيّة، وعند الشيخ زين الدين عليٍّ المغربيّ الأندلسيّ المالكيّ في علم القراءة؛ لأنّه كان عالمًا فاضلًا عارفًا بالقراءات السبع، وكان له معرفةٌ في أغلب العلوم من الصرف والنحو، والمنطق، والمعاني، والبيان، والأصولين، وكان ليّن الطبع لم يكن عنده معاندةٌ في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته. فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول: قال علماء الإماميّة، بخلافٍ من المدرّسين؛ فإنّهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة: قال علماء الرافضة. فاختصصت به وتركت التردّد إلى غيره، فأقمنا على ذٰلك برهةً من الزمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة.

فاتّفق أنّه عزم على السفر من دمشق الشام، يريد الديار المصريّة، فلكثرة المحبّة الّتي كانت بيننا عزّ عليّ مفارقته، وهو أيضًا كذٰلك، فآل الأمر إلى أنّه هداه الله - صمّم العزم على صحبتي له إلى مصر، وكان عنده جماعةٌ من الغرباء مثلي، يقرؤون عليه فصحبه أكثرهم.

فسرّنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة، وهي أكبر من مدائن مصر كلّها، فأقام بالمسجد الأزهر مدّةً يدرّس، فتسامع فضلاء مصر بقدومه، فوردوا كلّهم لزيارته وللانتفاع بعلومه، فأقام في قاهرة مصر مدّة تسعة أشهرٍ، ونحن معه على أحسن حالٍ، وإذا بقافلةٍ قد وردت من الأندلس ومع رجلٍ رجل منها كتابٌ من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرّفه فيه بمرضٍ شديدٍ قد عرض له، وأنّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات، ويحثّه فيه على عدم التأخير.

فرّق الشيخ من كتاب أبيه وبكى، وصمّم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس، فعزم بعض التلامذة على صحبته، ومن الجملة أنا؛ لأنّه - هداه الله - قد كان أحبّني محبّةً شديدةً وحسّن لي المسير معه، فسافرت إلى الأندلس في صحبته، فحيث وصلنا إلى أوّل قرية من الجزيرة المذكورة، عرضت لي حمّى منعتني عن الحركة.

فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي وبكى، وقال: يعزّ عليّ مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية الّتي وصلنا إليها عشرة دراهم، وأمره أن يتعاهدني حتّى يكون منّي أحد الأمرين، وإن منّ الله بالعافية أتبعه إلى بلده، هٰكذا عهد إليّ بذٰلك وفّقه الله بنور الهداية إلى طريق الحقِّ المستقيم، ثمّ مضى إلى بلد الأندلس، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيّامٍ.

فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيّامٍ لا أستطيع الحركة؛ لشدّة ما أصابني من الحمّى، ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى، وخرجت أدور في سكك تلك القرية، فرأيت قفلًا قد وصل من جبالٍ قريبة من شاطئ البحر الغربيّ يجلبون الصوف والسمن والأمتعة، فسألت عن حالهم فقيل: إنّ هٰؤلاء يجيئون من جهةٍ قريبةٍ من أرض البربر، وهي قريبةٌ من جزائر الرافضة.

فحيث سمعت ذٰلك منهم ارتحت إليهم، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم فقيل لي: إنّ المسافة خمسةٌ وعشرون يومًا، منها يومان بغير عمارةٍ ولا ماءٍ، وبعد ذٰلك فالقرى متّصلةٌ، فاكتريت معهم من رجلٍ حمارًا بمبلغ ثلاثة دراهم؛ لقطع تلك المسافة الّتي لا عمارة فيها، فلمّا قطعنا معهم تلك

المسافة، ووصلنا أرضهم العامرة، تمشيت راجلًا وتنقّلت على اختياري من قريةٍ إلى أخرى [إلى] أن وصلت إلى أوّل تلك الأماكن، فقيل لي: إنّ جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيّامٍ، فمضيت ولم أتأخّر.

فوصلت إلى جزيرة ذات أسوارٍ أربعةٍ ولها أبراجٌ محكماتٌ شاهقاتٌ، وتلك الجزيرة بحصونها راكبةٌ على شاطئ البحر، فدخلت من بابٍ كبيرةٍ يقال لها: باب البربر، فدرت في سككها أسأل عن مسجد البلد، فهديت عليه ودخلت إليه فرأيته جامعًا كبيرًا معظّمًا واقعًا على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست في جانب المسجد لأستريح، وإذا بالمؤذّن يؤذّن للظهر، ونادى بحيّ على خير العمل، ولمّا فرغ دعا بتعجيل الفرج للإمام صاحب الزمان عَلَیه السَّلام.

فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعةٌ بعد جماعةٍ إلى المسجد، وشرعوا في الوضوء، على عين ماء تحت شجرة في الجانب الشرقيّ من المسجد، وأنا أنظر إليهم فرحًا مسرورًا لما رأيته من وضوئهم المنقول عن أئمة علیهم السَّلام.

فلمّا فرغوا من وضوئهم وإذا برجلٍ قد برز من بينهم بهيّ الصورة، عليه السكينة والوقار، فتقدّم إلى المحراب، وأقام الصلاة، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلّى بهم إمامًا وهم به مأمومون صلاةً كاملةً بأركانها المنقولة عن أئمّتنا علیهم السَّلام على الوجه المرضيّ فرضًا ونفلًا، وكذا التعقيب والتسبيح. ومن شدّة ما لقيته من وعثاء السفر، وتعبي في الطريق لم يمكنّي أن أصلي معهم الظهر.

فلمّا فرغوا ورأوني أنكروا علىّ عدم اقتدائي بهم، فتوجّهوا نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصلي وما مذهبي؟ فشرحت لهم أحوالي وأنّي عراقيّ الأصل، وأمّا مذهبي فإنّني رجلٌ مسلمٌ أقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، أرسله [بالهدى] ودين الحقِّ ليظهره على الأديان كلّها ولو كره المشركون.

فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان إلّا لحقن دمك في دار الدنيا، لم لا تقول الشهادة الأخرى لتدخل الجنّة بغير حسابٍ؟ فقلت لهم: وما تلك الشهادة الأخرى؟ اهدوني إليها يرحمكم الله. فقال لي إمامهم: الشهادة الثالثة هي أن تشهد أنّ أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين عليّ بن أبي طالبٍ والأئمّة الأحد عشر من ولده أوصياء رسول الله، وخلفاؤه من بعده بلا فاصلةٍ، قد أوجب الله عَز وجَلّ طاعتهم على عباده، وجعلهم أولياء أمره ونهيه، وحججًا على خلقه في أرضه، وأمانًا لبريّته؛ لأنّ الصادق الأمين محمّدًا رسول ربّ العالمين صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أخبر بهم عن الله - تعالى - مشافهةً من نداء الله عَز وجَلّ له صلَّی الله علیه وآله وسلَّم في ليلة معراجه إلى السماوات السبع، وقد صار من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، وسمّاهم له واحدًا بعد واحدٍ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

فلمّا سمعت مقالتهم هٰذه حمدت الله - سبحانه - على ذٰلك، وحصل عندي أكمل السرور، وذهب عنّي تعب الطريق من الفرح، وعرّفتهم أنّي على مذهبهم، فتوجّهوا إليّ توجّه إشفاقٍ، وعيّنوا لي مكانًا في زوايا المسجد، وما

زالوا يتعاهدوني بالعزّة والإكرام مدّة إقامتي عندهم، وصار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلًا ولا نهارًا.

فسألته عن ميرة أهل بلده من أين تأتي إليهم، فإنّي لا أرى لهم أرضًا مزروعةً. فقال: تأتي إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض، من جزائر أولاد الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف. فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم في السنة؟

فقال: مرّتين، وقد أتت مرّةً وبقيت الأخرى. فقلت: كم بقي حتّى تأتيكم؟

قال: أربعة أشهرٍ. فتأثّرت لطول المدّة، ومكثت عندهم مقدار أربعين يومًا أدعو الله ليلًا ونهارًا بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم في غاية الإعزاز والإكرام، ففي آخر يومٍ من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة، فخرجت إلى شاطئ البحر، أنظر إلى جهة المغرب الّتي ذكروا أهل البلد أنّ ميرتهم تأتي إليهم من تلك الجهة.

فرأيت شبحًا من بعيدٍ يتحرّك، فسألت عن ذٰلك الشبح أهل البلد وقلت لهم:

هل يكون في البحر طيرٌ أبيض؟ فقالوا لي لا، فهل رأيت شيئًا؟ قلت: : نعم، فاستبشروا وقالوا: هٰذه المراكب الّتي تأتي إلينا في كلّ سنةٍ من بلاد أولاد الإمام عَلَیه السَّلام.

فما كان إلّا قليلٌ حتّى قدمت تلك المراكب، وعلى قولهم إنّ مجيئها كان في غير الميعاد، فقدم مركبٌ كبيرٌ وتبعه آخر وآخر حتّى كملت سبعًا، فصعد

من المركب الكبير شيخُ مربوع القامة، بهيّ المنظر، حسن الزيّ، ودخل المسجد فتوضّأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن أئمة الهدى علیهم السَّلام، وصلّى الظهرين، فلمّا فرغ من صلاته التفت نحوي مسلّمًا علي فرددت عليه السلام، فقال: ما اسمك؟ وأظنّ أنّ اسمك علىٌّ! قلت: صدقت فحادثني بالسرّ محادثة من يعرفني فقال: ما اسم أبيك؟ ويوشك أن يكون فاضلًا! قلت: نعم، ولم أكن أشكّ في أنّه قد كان في صحبتنا من دمشق.

فقلت: أيها الشيخ، ما أعرفك بي وبأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟

قال: لا. قلت ولا من مصر إلى الأندلس؟ قال: لا ومولاي صاحب العصر. قلت له: فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟!

قال: اعلم أنّه قد تقدّم إليّ وصفك، وأصلك، ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء.

فسررت بذٰلك حيث قد ذكرت ولي عندهم اسمٌ، وكان من عادته أنّه لا يقيم عندهم إلّا ثلاثة أيّامٍ، فأقام أسبوعًا وأوصل الميرة إلى أصحابها المقرّرة لهم، فلمّا أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرّر لهم، عزم على السفر، وحملني معه، وسرنا في البحر.

فلمّا كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماءً أبيض فجعلت أطيل النظر إليه، فقال لي الشيخ واسمه محمّدٌ: ما لي أراك تطيل النظر إلى هٰذا الماء؟ فقلت له: إنّي أراه على غير لون ماء البحر.

فقال لي: هٰذا هو البحر الأبيض، وتلك الجزيرة الخضراء، وهٰذا الماء مستديرٌ حولها مثل السور من أيّ الجهات أتيته وجدته، وبحكمة الله - تعالى - أنّ مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت وإن كانت محكمةً ببركة مولانا وإمامنا صاحب العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف، فاستعملته وشربت منه، فإذا هو كماء الفرات.

ثمّ إنّا لما قطعنا ذٰلك الماء الأبيض، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة أهله، ثمّ صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة ودخلنا البلد، فرأيته محصّنًا بقلاعٍ وأبراجٍ وأسوار سبعةٍ واقعةٍ على شاطئ البحر، ذات أنهارٍ وأشجارٍ مشتملةٍ على أنواع الفواكه والأثمار المنوّعة، وفيها أسواقٌ كثيرةٌ، وحمّاماتٌ عديدةٌ، وأكثر عمارتها برخامٍ شفّافٍ وأهلها في أحسن الزيّ والبهاء، فاستطار قلبي سرورًا لما رأيته.

ثمّ مضى بي رفيقي محمّدٌ بعد ما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظّم، فرأيت فيه جماعةً كثيرةً، وفي وسطهم شخصٌ جالسٌ عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر [أن] أصفه، والناس يخاطبونه بالسيّد شمس الدين محمّدٍ العالم، ويقرؤون عليه القرآن والفقه، والعربيّة بأقسامها، وأصول الدين والفقه الّذي يقرؤونه عن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف مسألةً مسألةً، وقضيّةً قضيّةً، وحكمًا حكمًا.

فلمّا مثلت بين يديه، رحّب بي وأجلسني في القرب منه، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرّفني أنّه تقدّم إليه كلّ أحوالي، وأنّ الشيخ محمّدًا رفيقي إنّما جاء بي معه بأمرٍ من السيّد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه.

ثمّ أمر لي بتخلية موضعٍ منفردٍ في زاويةٍ من زوايا المسجد، وقال لي: هٰذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة، فنهضت ومضيت إلى ذٰلك الموضع، فاسترحت فيه إلى وقت العصر، وإذا أنا بالموكّل بي قد أتى إليّ وقال لي: لا تبرح من مكانك حتّى يأتيك السيّد وأصحابه لأجل العشاء معك، فقلت: سمعًا وطاعةً.

فما كان إلا قليلٌ وإذا بالسيّد سلّمه الله قد أقبل، ومعه أصحابه، فجلسوا ومدّت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيّد لأجل صلاة المغرب والعشاء فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيّد إلى منزله، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هٰذه الحال مدّة ثمانية عشر يومًا ونحن في صحبته أطال الله بقاءه.

فأوّل جمعةٍ صلّيتها معهم رأيت السيّد - سلّمه الله - صلّى الجمعة ركعتين فريضةً واجبةً، فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيّدي، قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضةً واجبةً؟ قال: نعم؛ لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت. فقلت في نفسي: ربّما كان الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف حاضرًا.

ثمّ في وقتٍ آخر سألت منه في الخلوة: هل كان الإمام حاضرًا؟ فقال: لا، ولٰكنّي أنا النائب الخاصّ بأمرٍ صدر عنه عجل الله تعالی فرجه الشریف. فقلت: يا سيّدي وهل رأيت الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ قال: لا، ولٰكنّي حدّثني أبي رحمه الله أنّه سمع حديثه ولم ير شخصه، وأنّ جدّي رحمه الله سمع حديثه ورأى شخصه.

فقلت له: ولم ذاك يا سيّدي يختص بذٰلك رجلٌ دون آخر؟ فقال لي: يا أخي، إنّ الله - سبحانه وتعالى - يؤتي الفضل من يشاء من عباده؛ وذٰلك

لحكمةٍ بالغةٍ وعظمةٍ قاهرةٍ، كما أنّ الله - تعالى - اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين، وجعلهم أعلامًا لخلقه، وحججًا على بريّته، ووسيلةً بينهم وبينه؛ ليهلك من هلك عن بيّنةٍ، ويحيى من حيّ عن بيّنةٍ، ولم يخل أرضه بغير حجّةٍ على عباده للطفه بهم، ولا بدّ لكلّ حجّةٍ من سفيرٍ يبلّغ عنه.

ثمّ إنّ السيّد - سلمه الله - أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم، وجعل يسير نحو البساتين، فرأيت فيها أنهارًا جاريةً، وبساتين كثيرةً، مشتملةً على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرمّان، والكمثرى وغيرها ما لم أرها في العراقين، ولا في الشامات كلّها.

فبينما نحن نسير من بستانٍ إلى آخر إذ مرّ بنا رجلٌ بهيّ الصورة، مشتملٌ ببردتين من صوفٍ أبيض، فلمّا قرب منا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه الله: من هٰذا الرجل؟ قال لي: أتنظر إلى

هٰذا الجبل الشاهق؟

قلت: نعم، قال: إنّ

في وسطه لمكانًا حسنًا

وفيه عينٌ جاريةٌ، تحت

شجرةٍ ذات أغصانٍ

كثيرةٍ، وعندها قبّةٌ

مبنيّةٌ بالآجرّ، وإنّ

هٰذا الرجل مع رفيقٍ

له خادمان لتلك

القبّة، وأنا أمضي

إلى هناك في كلّ صباح

جمعةٍ، وأزور الإمام

عجل الله تعالی فرجه

الشریف منها وأصلّي

ركعتين وأجد هناك

ورقةً مكتوبًا فيها ما

أحتاج إليه من المحاکمة بين

المؤمنين، فمهما

تضمّنته الورقة أعمل

به، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف من

القبة.

فذهبت إلى الجبل فرأيت القبّة على ما وصف لي سلّمه الله، ووجدت هناك خادمين، فرحّب بي الّذي مرّ علينا وأنكرني الآخر فقال له: لا تنكره، فإنّي رأيته في صحبة السيّد شمس الدين العالم، فتوجّه إليّ ورحّب بي، وحادثاني وأتيا لي بخبزٍ وعنبٍ فأكلت وشربت من ماء تلك العين الّتي عند تلك القبة، وتوضّأت وصلّيت ركعتين.

وسألت الخادمين عن رؤية الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف فقالا لي: الرؤية غير ممكنةٍ، وليس معنا إذنٌ في إخبار أحدٍ، فطلبت منهم الدعاء، فدعيا لي، وانصرفت عنهما، ونزلت من ذٰلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة.

فلمّا وصلت إليها ذهبت إلى دار السيّد شمس الدين العالم، فقيل لي: إنّه

خرج في حاجةٍ له، فذهبت إلى دار الشيخ محمّدٍ الّذي جئت معه جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى الجبل، واجتماعي بالخادمين، وإنكار الخادم عليّ فقال لي: ليس لأحدٍ رخصةٌ في الصعود إلى ذٰلك المكان، سوى السيّد شمس الدين وأمثاله؛ فلهٰذا وقع الإنكار منه لك، فسألته عن أحوال السيّد شمس الدين أدام الله إفضاله، فقال: إنّه من أولاد أولاد الإمام، وإنّ بينه وبين الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف خمسة آباء، وإنّه النائب الخاصّ عن أمرٍ صدر منه عجل الله تعالی فرجه الشریف.

قال الشيخ الصالح زين الدين عليّ بن فاضلٍ المازندرانيّ المجاور بالغريّ على مشرّفه السلام: واستأذنت السيّد شمس الدين العالم - أطال الله بقاءه - في نقل بعض المسائل الّتي يحتاج إليها عنه، وقراءة القرآن المجيد، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينيّة وغيرها، فأجاب إلى ذٰلك وقال: إذا كان ولا بدّ من ذٰلك فابدأ أولًا بقراءة القرآن العظيم.

فكان كلّما قرأت شيئًا فيه خلافٌ بين القراء أقول له: قرأ حمزة كذا، وقرأ الكسائيّ،كذا، وقرأ عاصمٌ كذا، وأبو عمرٍو بن كثير كذا.

فقال السيّد سلمه الله: نحن لا نعرف هٰؤلاء، وإنّما القرآن نزل على سبعة أحرفٍ، قبل الهجرة من مكّة إلى المدينة، وبعدها لمّا حجّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم حجّة الوداع، نزل عليه الروح الأمين جبرئيل عَلَیه السَّلام، فقال: يا محمّد اتل عليّ القرآن؛ حتّى أعرفك أوائل السور، وأواخرها، وشأن نزولها.

فاجتمع إليه عليّ بن أبي طالبٍ وولداه الحسن والحسين علیهما السَّلامإ، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعودٍ، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبو سعيدٍ الخُدريّ، وحسّان بن ثابتٍ، وجماعةٌ من الصحابة رضي الله عن المنتجبين منهم، فقرأ النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم القرآن من أوّله إلى آخره، فكان كلّما مرّ بموضعٍ فيه اختلافٌ بيّنه له جبرئيل عَلَیه السَّلام، وأمير المؤمنين عَلَیه السَّلام يكتب ذاك في درجٍ من أدمٍ، فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين.

فقلت له يا سيّدي، أرى بعض الآيات غير مرتبطةٍ بما قبلها وبما بعدها، كأن فهمي القاصر لم يصر إلى غوريّة ذٰلك.

فقال: نعم، الأمر كما رأيته؛ وذٰلك [أنّه] لمّا انتقل سيّد البشر محمّد بن عبد الله من دار الفناء إلى دار البقاء، وفعل صنما قريشٍ ما فعلاه من غصب الخلافة الظاهريّة، جمع أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام القرآن كلّه، ووضعه في إزارٍ وأتى به إليهم وهم في المسجد.

فقال لهم: هٰذا كتاب الله - سبحانه - أمرني رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أن أعرضه إليكم لقيام الحجّة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال له فرعون هٰذه الأمّة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك فقال عَلَیه السَّلام: لقد أخبرني حبيبي محمّدٌ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم له بقولك هٰذا، وإنّما أردت بذٰلك إلقاء الحجّة عليكم.

فرجع أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام به إلى منزله وهو يقول: لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، لا رادّ لما سبق في علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.

فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كلّ من عنده قرآن من آيةٍ أو سورةٍ فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان، وسعد بن أبي وقّاصٍ ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمٰن بن عوفٍ، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيدٍ الخُدريّ، وحسّان بن ثابتٍ، وجماعات المسلمين وجمعوا هٰذا القرآن وأسقطوا ما كان فيه من المثالب الّتي صدرت منهم بعد وفاة سيّد المرسلين صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؛ (1)

فنسج أفكارٍ منحرفةٍ وأباطيل من هٰذا القبيل هي نتاجات أصحاب أفكارٍ ساذجةٍ ليس لها باعٌ في العلوم والمعارف القرآنيّة. فهم لم يدركوا العلاقة بين الآيات، بل لم يفهموا حتّى الآيات القرآنيّة أيضًا! فمزاعم بائسةٌ وهزيلةٌ كهٰذه تعدّ مرفوضةً عن أي شخصٌ صدرت.

لقد دون مفسّرو الشيعة الكرام منذ غابر الأزمان وإلى يومنا هٰذا الكثير من الكتب الاستدلاليّة في إثبات عدم تحريف القرآن الكريم، ومثالًا على ذٰلك راجع (صيانة القرآن من التحريف) للمرحوم الشيخ محمّدهادي معرفت و(حقائق هامّةٌ حول القرآن الكريم) للعلّامة جعفر مرتضى العامليّ، و(مدخل التفسير) لآية الله محمّد فاضل لنكراني، و(الرسائل الثمانية)، ورسالة (فصل الخطاب في عدم تحريف كتاب ربّ الأرباب) للشيخ حسن حسن زاده آملي، (والبيان في علوم القرآن) لآية الله الخوئيّ، ومؤلفاتٍ أخرى كثيرةً في هٰذا السياق.

فلهٰذا ترى الآيات غير مرتبطةٍ والقرآن الّذي جمعه أمير

1) (1) لا يمكن أن ينطلي على اللبيب زيف حكاية الجزيرة الخضراء من خلال ما نلمسه من هٰذه التهمة الكبيرة بحق القرآن الكريم! فشيعة أهل البيت علیهم السَّلام يرون صيانة القرآن من أيّ أنواع التحريف؛ لأنّ الله - تعالى - تحدّث عن ذٰلك قائلًا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر: 9]، فعقيدة علماء الشيعة ومفسّريهم أنّ القرآن الكريم الّذي في متناول الناس في جميع أرجاء المعمورة هو نفس القرآن الكريم الّذي نزل على النبيّ ولم يزد فيه أو ينقص منه كلمةٌ واحدةٌ.

المؤمنين علیهم السَّلام بخطّه محفوظٌ عند صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف فيه كلّ شيءٍ حتّى أرش الخدش، وأمّا هٰذا القرآن، فلا شكّ ولا شبهة في صحّته، وإنّما كلام الله - سبحانه - هٰكذا صدر عن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف.

قال الشيخ الفاضل عليّ بن فاضلٍ: ونقلت عن السيّد شمس الدين - حفظه الله - مسائل كثيرةً تنوب على تسعين مسألةً وهي عندي جمعتها في مجلّدٍ وسمّيتها بالفوائد الشمسيّة، ولا أطلع عليها إلّا الخاصّ من المؤمنين، وستراه إن شاء الله تعالى.

فلمّا كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلاة وجلس السيّد سلّمه الله في مجلس الإفادة للمؤمنين، وإذا أنا أسمع هرجًا ومرجًا وجزلةً عظيمةً خارج المسجد، فسألت من السيّد عمّا سمعته، فقال لي: إنّ امراء عسكرنا يركبون في كلّ جمعةٍ من وسط كلّ شهرٍ، وينتظرون الفرج فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي، فخرجت لرؤيتهم، وإذا

هم جمعٌ كثيرٌ يسبحون الله ويحمدونه، ويهلّلونه جلّ وعزّ، ويدعون بالفرج للإمام القائم بأمر الله والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهديّ الخلف الصالح، صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف.

ثمّ عدت إلى مسجد السيّد- سلّمه الله - فقال لي: رأيت العسكر؟ فقلت: نعم. قال: فهل عددت أمرائهم؟ قلت: لا. قال: عدّتهم ثلاثمئة ناصر وبقي ثلاثة عشر ناصرًا، ويعجّل الله لوليه الفرج بمشيّته إنّه جوادٌ كريمٌ.

قلت: يا سيّدي ومتى يكون الفرج؟ قال: يا أخي، إنّما العلم عند الله، والأمر متعلّقٌ بمشيّته سبحانه وتعالى، حتّى أنّه ربّما كان الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يعرف ذٰلك، بل له علاماتٌ وأماراتٌ تدلّ على خروجه.

من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه، ويتكلّم بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ: قم يا وليّ الله على اسم الله، فاقتل بي أعداء الله.

ومنها ثلاثة أصواتٍ يسمعها الناس كلّهم، الصوت الأوّل: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني: ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمّد علیهم السَّلام، والثالث بدنٌ يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إنّ الله بعث صاحب الأمر م ح م د) بن الحسن المهديّ عَلَیه السَّلام فاسمعوا له وأطيعوا.

فقلت: يا سيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف أنّه قال لمّا أمر بالغَيْبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت، إنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف إنّما قال ذٰلك في ذٰلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العبّاس، حتّى أنّ الشيعة

يمنع بعضها بعضًا عن التحدّث بذكره، وفي هٰذا الزمان تطاولت المدّة، وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائيةٌ عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يقدر أحدٌ من الأعداء على الوصول إلينا.

قلت: يا سيّدي قد روت علماء الشيعة حديثًا عن الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أنّه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتم عنه ذٰلك؟ قال: نعم، إنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف رخّص وأباح الخمس لشيعته من ولد عليٍّ عَلَیه السَّلام وقال: هم في حلٍّ من ذٰلك، قلت: وهل رخّص للشيعة أن يشتروا الإماء والعبيد من سبي العامّة؟ قال: نعم، ومن سبي غيرهم؛ لأنّه عجل الله تعالی فرجه الشریف ، قال: عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل الّتي سمّيتها لك.

وقال السيّد سلمه الله: إنّه يخرج من مكّة بين الركن والمقام في سنةٍ وترٍ، فليرتقبها المؤمنون.

فقلت: يا سيّدي، قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج، فقال لي: اعلم - يا أخي - أنّه تقدّم إليّ كلامٌ بعودك إلى وطنك، ولا يمكنني وإيّاك المخالفة؛ لأنّك ذو عيالٍ وغبت عنهم مدّةً مديدةً، ولا يجوز لك التخلّف عنهم أكثر من هٰذا، فتأثّرت من ذٰلك وبكيت.

وقلت: يا مولاي، وهل تجوز المراجعة في أمري؟ قال: لا. قلت: يا مولاي، وهل تأذن لي في أن أحكي كلّما قد رأيته وسمعته؟ قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئن قلوبهم، إلّا كيت وكيت وعين ما لا أقوله.

فقلت: يا سيّدي، أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ قال: لا، ولٰكن

اعلم - يا أخي - أنّ كلّ مؤمنٍ مخلصٍ يمكن أن يرى الإمام ولا يعرفه. فقلت: يا سيّدي، أنا من جملة عبيده المخلصين، ولا رأيته.

فقال لي: بل رأيته مرّتين مرّةً منها لمّا أتيت إلى سرّ من رأى وهي أوّل مرّةٍ جئتها، وسبقك أصحابك وتخلّفت عنهم، حتّى وصلت إلى نهرٍ لا ماء فيه، فحضر عندك فارسٌ على فرسٍ شهباء، وبيده رمحٌ طويلٌ، وله سنانٌ دمشقيٌّ، فلمّا رأيته خفت على ثيابك، فلمّا وصل إليك قال لك: لا تخف اذهب إلى أصحابك، فإنّهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة فاذكرني والله ما كان، فقلت: قد كان ذٰلك يا سيّدي.

قال: والمرّة الأخرى حين خرجت من دمشق تريد مصر مع الأندلسيّ، وانقطعت عن القافلة، وخفت خوفًا شديدًا، فعارضك فارسٌ على فرسٍ غرّاء محجّلةٍ، وبيده رمحٌ أيضًا، وقال لك: سر ولا تخف إلى قريةٍ على يمينك ونم عند أهلها الليلة، وأخبرهم بمذهبك الّذي ولدت عليه، ولا تتّق منهم، فإنّهم مع قرًى عديدةٍ جنوبيّ دمشق، مؤمنون مخلصون، يدينون بدين عليّ بن أبي طالبٍ والأئمّة المعصومين من ذريته علیهم السَّلام.

أكان ذٰلك يا بن فاضلٍ؟ قلت: نعم، وذهبت إلى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزّوني وسألتهم عن مذهبهم، فقالوا لي: من غير تقيّةٍ منّي: نحن على مذهب أمير المؤمنين، ووصيّ رسول ربّ العالمين عليّ بن أبي طالبٍ والأئمّة المعصومين من ذرّيّته علیهم السَّلام فقلت لهم: من أين لكم هٰذا المذهب؟ ومن أوصله إليكم؟ قالوا: أبو ذرٍّ الغفاريّ رضی اللهُ عنْه حين نفاه عثمان إلى الشام ونفاه معاوية إلى أرضنا هٰذه، فعمّتنا،بركته فلمّا

أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة، فجهّزوا معي رجلين ألحقاني بها، بعد أن صرّحت لهم بمذهبي.

فقلت له: يا سيّدي، هل يحجّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في كلّ مدّةٍ بعد مدّةٍ؟ قال لي:

يا بن فاضلٍ! الدنيا خطوة مؤمنٍ، فكيف بمن لم تقم الدنيا إلّا بوجود آبائه علیهم السَّلام؟! نعم، يحجّ في كلّ عامٍ ويزور آباءه في المدينة والعراق، وطوسٍ، على مشرّفيها السلام، ويرجع إلى أرضنا هٰذه.

ثمّ إنّ السيّد شمس الدين حثّ عليّ بعدم التأخير بالرجوع إلى العراق وعدم الإقامة في بلاد المغرب، وذكر لي أنّ دراهمهم مكتوبٌ عليها لا إله إلّا الله محمّدٌ رسول الله عليٌّ وليّ الله محمّد بن الحسن القائم بأمر الله. وأعطاني السيّد منها خمسة دراهم، وهي محفوظةٌ عندي للبركة.

ثمّ إنّه - سلّمه الله - وجّهني مع المراكب الّتي أتيت معها، إلى أن وصلنا إلى تلك البلدة الّتي أوّل ما دخلتها من أرض البربر، وكان قد أعطاني حنطةً وشعيرًا فبعتها في تلك البلدة بمئةٍ وأربعين دينارًا ذهبًا، من معاملة بلاد المغرب، ولم أجعل طريقي على الأندلس امتثالًا لأمر السيّد شمس الدين العالم - أطال الله بقاءه - وسافرت منها مع الْحُجُجِ(1)المغربيّ إلى مكة - شرّفها الله تعالى - وحججت، وجئت إلى العراق وأريد المجاورة في الغريّ على مشرّفيها السلام حتّى الممات.


1) (1) الحُجُج: جمع للحاجّ شاذٌّ. انظر: لسان العرب، مادّة حجج.

قال الشيخ زين الدين عليّ بن فاضلٍ المازندرانيّ: لم أر لعلماء الإماميّة عندهم ذكرًا سوى خمسةٍ: السيّد المرتضى الموسويّ، والشيخ أبو جعفرٍ الطوسيّ ومحمّد بن يعقوب الكلينيّ، وابن بابوَيْه، والشيخ أبو القاسم جعفر بن سعيدٍ الحلّيّ.

هٰذا آخر ما سمعته من الشيخ الصالح التقيّ والفاضل الزكيّ عليّ بن فاضلٍ المذكور أدام الله إفضاله وأكثر من علماء الدهر وأتقيائه أمثاله، والحمد لله أوّلًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، وصلّى الله على خير خلقه سيّد البرية، محمّدٍ وعلى آله الطاهرين المعصومين وسلّم تسليمًا كثيرًا(1).

وفضلًا عن هٰذه الحكاية هناك حكايةٌ أخرى حول الجزيرة الخضراء نقلها المحدّث النوريّ في كتاب (جنّة المأوى)(2). وقد نقل الحكاية عن كمال الدين الأنباريّ، وهي أقلّ شهرةً عن الحكاية السابقة. كما تختلف الفترة الزمنيّة في نقل هاتين الحكايتين إلى ما يقارب القرن، فحكاية الجزيرة الخضراء المعروفة متأخّرةٌ قرنًا من الزمن عن حكاية الأنباريّ.

وهناك اختلافاتٌ في نقل الحكاية الأولى، وقد لاحظنا في بحثنا هٰذا نصّي (بحار الأنوار) و(تبصرة الوليّ)، هٰذا رغم عدم وجود اختلاف في روح

النقلين وجوهره.


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 159 - 174.

2) (2) وقد أضيف إلى ج 53 من (بحار الأنوار)، وينسبه البعض خطأ إلى العلّامة المجلسيّ.

وسنناقش الموضوع المذكور في محاور ثلاثةٍ:

1- المصادر الّتي نقلت حكاية الجزيرة الخضراء.

2- البحث السنديّ للحكاية.

3- البحث الدلاليّ ودراسةٌ في النصوص المنقولة.

المحور الأوّل: مصادر حكاية الجزيرة الخضراء

اشارة

تمهيدٌ

بما أنّ كثرة النقل تعدّ دليلًا أو مؤيّدًا قويًّا على متانة أيّ حكاية؛ لذٰلك إن لحظنا موضوعًا قد تمّ نقله أو الاستناد إليه بشكلٍ كبيرٍ في البحوث الرجاليّة أو الفقهيّة، فإنّه سيكون دليلًا على متانته والاعتماد عليه.

من الطرق الّتي يمكن اعتمادها في بحث صحّة هٰذه الحكاية وسقمها دراسة المصادر الّتي نقلتها، فإن كانت المصادر المعتبرة الّتي نقلت الحكاية كثيرةً فستكون بالذات دليلًا أو - قدر المتيقن - مؤيّدًا على صحّة الحكاية، وإن ثبت خلافه - أي أنّ المصادر الّتي تحدّث عنها كانت أقلّ - فالنتيجة ستكون معكوسةً، ويثبت أنّها لم تكن رصينةً ومعتبرةً عند علماء السلف بحيث يجعلها محلّ اهتمامهم، وسنتناول في ما يلي

مصادر نقل هاتين الحكايتين:

أ- مصادر نقل الحكاية الأولى (الّتي ينقلها الطيّبيّ)

زعم البعض(1)أنّ الحكاية قد وردت في المصادر التالية، وقد اهتمّ بها جملةٌ من كبار العلماء من قبيل:

1- الشهيد الأوّل، وقد دونها بخطّ يده والنسخة المخطوطة تتوفّر في خزانة الإمام علىّ بن أبي طالبٍ عَلَیه السَّلام.

2- المحقِّق الكركيّ، الّذي ترجمها إلى الفارسيّة.

3- العلّامة المجلسيّ في (بحار الأنوار).

4- المقدّس الأردبيليّ في (حديقة الشيعة).

5- الحُرّ العامليّ في (إثبات الهداة).

6- الوحيد البهبهانيّ، وقد أفتى طبقًا لمضمونها.

7— بحر العلوم وقد استند الى هٰذه القضيّة في كتاب رجاله.

8- القاضي نور الله الشوشتريّ حيث نقل عنه قوله: يجب على كلِّ مؤمنٍ المحافظة على هٰذه الحكاية، وكتب في كتاب (مجالس المؤمنين): «إنّ شيخنا السعيد محمّد بن مكّيٍّ الشهيد... رواه بإسناده عن الشيخ زين الدين عليٍّ المذكور، وقد كتبه بخطّه الشريف»(2).


1) (1) الجزيرة الخضراء: ص 185.

2) (2) الذريعة: ج 5، ص 106.

9- الميرزا عبد الله الأفنديّ الإصفهانيّ في (رياض العلماء).

10- الميرزا النوريّ في (جنّة المأوى) و(النجم الثاقب).

11- الميرلوحيّ صاحب (كفاية المهتدي في معرفة المهديّ)، إذ قال: «وهو من الأخبار المعتبرة النادرة... وقد نقلنا هٰذا الحديث المعتبر في كتاب (رياض المؤمنين)».

12- السيّدُ شّبر بن محمّدٍ بن ثنوان في كتاب (الجزيرة الخضراء).

13- الشيخ أسد الله الشوشتريّ في (مقابيس الأنوار) (1)ضمن بيانه لمناقب المحقِّق الحلّيّ (صاحب الشرائع) وفي كتاب (كشف القناع في مقام إثبات إمكان رؤية الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في زمن الغَيْبة)، حيث استدلّ بهٰذه الحكاية.

14- السيّد عبد الله شبّر في (جلاء العيون) في القسم الخاصّ بالإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف.

15- الخوانساريّ في (روضات الجنّات) ضمن بيان مناقب السيّد المرتضى(2).

16- النهاونديّ في (العبقريّ الحسان).

17- محمّدرضا النصيريّ الطوسيّ في كتاب (تفسير الأئمّة الأطهار) بمناسبة بحثه في جمع القرآن من قبل أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام.


1) (1) مقابيس الأنوار: ص 11.

2) (2) روضات الجنّات: ج 4، ص 217 و298

18- السيّد هاشمٌ البحرانيّ في (تبصرة الوليّ) وفيها بعض الإضافات إذا ما قورنت بالنقل الّذي ورد في (بحار الأنوار).

19- السيّد إسماعيل الطبرسيّ صاحب (كفاية الموحّدين) حيث امتدح كثيرًا عليّ بن فاضلٍ وقال فيه: «لقد كان من الأعاظم والأبرار والعلماء والصالحين ومن خواصّ الطائفة الإماميّة، وكان فريد دهره زهدًا وتقوى»(1).

البحث في المصادر والنقول

1- نسب آقا بزرگ الطهرانيّ في كتابه (الذريعة)(2)كتاب ترجمة الجزيرة الخضراء للمحقّق الكركيّ، لٰكنّنا لا نجد ما يدعم هٰذا من قبل من ترجموا حياة الشيخ الكركيّ، وأنّ هٰذا الكتاب أحد مؤلّفاته، هٰذا من جانبٍ ومن جانبٍ آخر قال آقا بزرگ: «ترجمة الجزيرة الخضراء للمحقّق الكركيّ كما حكي عن صاحب (الرياض). وبناءً على ما مرّ يتّضح للعيان أنّ هٰذه النسبة كانت قد أطلقت من قبل صاحب (الرياض) على المحقِّق الكركيّ، وليس من قبل آقا بزرگ الّذي علّق على الموضوع قائلًا: «مطبوعٌ بالهند ومصدّرٌ باسم السلطان شاه طٰهٰماسب الصفويّ... والجزيرة هو تأليف فضل بن يحيي الطيّبيّ. كتب فيه ما رواه له الشيخ زين الدين عليّ بن فاضلٍ


1) (1) كفاية الموحّدين: ج 3، ص 390.

2) (2) الذريعة: ج 4، ص 93.

المازندرانيّ في سنه 699 ه‍ ممّا شاهد في تلك الجزيرة، وأورد ترجمته السيّد مير شمس الدين محمّد بن مير أسد الله التستريّ فيما كتبه بالفارسيّة في إثبات وجود صاحب الزمان»(1).

إلى هنا يتّضح أنّ الترجمة الّتي أوردها المحقِّق الشوشتريّ في كتابه هي ترجمة الكركيّ بالذات، لٰكنّ آقا بزرگ يعلّق في مكانٍ آخر بالقول: «ولعلّ هٰذه الترجمة (ترجمة الكركيّ) هي الّتي أدرجت في طيّ رسالة شمس الدين محمّد بن أسد الله، أو أنّها ترجمةٌ للسيّد شمس الدين محمّدٍ نفسه أدرجها في رسالته»(2).

وهٰذا يعني أنّ آقا بزرگ الطهرانيّ كان بالذات مردّدًا بين انتساب الترجمة الّتي وردت في كتاب الشوشتريّ إلى الكركيّ أو شخص الشوشتريّ. هٰذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر يرى العلّامة الطهرانيّ أنّ هٰذا الموضوع قد نقله صاحب (الرياض)؛ ولذٰلك لا يمثّل هٰذا رأي صاحب (الذريعة)، ولا يمكن نسبته إليه.

2- ينبغي أن يقال في ما يخصّ نقل العلّامة المجلسيّ إنّه قال قبل نقل الحكاية: «وجدت رسالةً مشتهرةً بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها؛ لاشتمالها على ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ولما فيه من الغرائب. وإنّما أفردت لها بابًا لأنّي لم أظفر به في الأصول المعتبرة، ولنذكرها بعينها كما وجدتها»(3).


1) (1) المصدر السابق.

2) (2) المصدر السابق: ج 5، ص 106.

3) (3) بحار الأنوار: ج 52، ص 159.

وقد تحدّث العلّامة المجلسيّ في مقدّمة (بحار الأنوار) قائلًا: «اعلم أنّ أكثر الكتب الّتي اعتمدنا عليها في النقل مشهورةٌ معلومة الانتساب إلى مؤلّفيها»(1). وحين يتحدّث عن الجزيرة الخضراء يقول: «أحببت إيرادها؛ لاشتمالها على ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف، ولما فيه من الغرائب. وإنّما أفردت لها بابًا لأنّي لم أظفر به في الأصول المعتبرة، ولنذكرها بعينها كما وجدتها».

ونستنتج من هٰذا الكلام أنّ العلّامة المجلسيّ - وإن نقل حكاية الجزيرة الخضراء - لم يقل إنّها صحيحةٌ، وإلّا وجب أن يوردها في الباب الثامن عشر في ذكر من رآه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين.

إشكالٌ

عنوان الباب الثامن عشر (ذكر من راه) وعنوان الباب الرابع والعشرون (ذكر من رآه عجل الله تعالی فرجه الشریف في الغَيْبة الكبرى قريبًا من زماننا). يعني أنّ عنوان هٰذا الباب هو بالنسبة لأشخاص شاهدوه عجل الله تعالی فرجه الشریف في زمن العلّامة المجلسيّ أو قريبًا إلى زمانه. هٰذا بالرغم من أنّ عنوان الباب الثامن عشر خاصٌّ بلقاءات الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف في غير زمن العلّامة المجلسيّ. ولعلّ السبب الّذي دعاه إلى جعلها في الباب الرابع والعشرين هو هٰذا الموضوع بالذات.

الجواب: لو افترضنا أنّ العلّامة كان قد قَبِلَ هٰذه الحكاية لما كان من اللازم أن يفتح لها بابًا خاصًّا، أو على الأقلّ كان ينبغي عليه أن يشير إلى سبب


1) (1) المصدر السابق: ج 1، ص 26.

بيانها، هٰذا رغم أنّه بيّن سبب التذكير بها في الباب الرابع والعشرين، حيث برّر ذٰلك بعدم اعتقاده أنّ الحكاية معتبرةٌ

3- وأمّا في ما يخصّ الكلام عن ذكر هٰذه الحكاية في كتاب (حديقة الشيعة) فينبغي أن نشير إلى أنّ انتساب هٰذا للمقدّس الأردبيليّ محلّ ترديدٍ، ومن هٰذا المنطلق لا يمكن أن ننسب وبشكلٍ قاطعٍ الحكاية إليه.

4- لم ينقل الحُرّ العامليّ الحكاية بشكلٍها الكامل، بل نقل جزءًا منها، ولٰكنّه من جانبٍ نسبها إلى (بحار الأنوار) محمّلًا مؤلّفه إيّاه مسؤوليّة ذٰلك وقائلًا: «قد أوردها بتمامها مؤلِّف (بحار الأنوار)، واقتصرت منها على محلّ الحاجة»(1).

5- ذهب الوحيد البهبهانيّ إلى التساؤل في بحث صلاة الجمعة بقوله: «هٰذا مضافًا إلى الإجماعات المنقولة الكثيرة جدًّا المتأيّدة بالآثار والاعتبار الّتي أشرت إليها في الرسالة مع أنّ المنقول بخبر الواحد يشمله ما دلّ على حجّيّة خبر الواحد، ومن الآثار حكاية المازندرانيّ الّذي وصل إلى جزيرة الصاحب، وهي تنادي بالاختصاص بالإمام ومنصوبه»(2).

نعم، لقد اعتبر سماحته هٰذه الحكاية مؤيّدًا، وذٰلك بعد أن نقل الإجماعات والروايات، ومن هٰذا يظهر أنّه لا يعتمد على هٰذه الحكاية، وإلّا


1) (1) إثبات الهداة: ج 3، ص 707.

2) (2) الحاشية على مدارك الأحكام: ج 3، ص 187.

كان حريًّا به أن يجعلها في مقام ما يستدلّ به، لا أن يجعلها مؤيّدًا.

6- لم يعتمد السيّد بحر العلوم على هٰذه الحكاية؛ لأنّه وفي مقام بيان مكانة السيّد المرتضى يقول: «وفي قصّة الجزيرة الخضراء والبحر الأبيض... ما يدلّ على فضلٍ عظيمٍ للسيّد... وهٰذه مرتبةٌ جليلةٌ لا يعادلها شيءٌ لو صحّ النقل»(1). ولو كان هٰذا الأمر صحيحًا فهو يدلّ على عدم الاعتماد والاستناد على هٰذه الحكاية؛ يعني أنّه لم يوافق على هٰذا النقل، ولو وافق لكان قد قال: "وهٰذه مرتبةٌ جليلةٌ لا يعادلها شيءٌ إن صحّ النقل".

7- هناك تساؤلٌ يطرح نفسه في ما قاله القاضي نور الله الشوشتريّ: «وهي رسالةٌ جليلةٌ يجب على المؤمنين محافظتها». فهل يقصد بذٰلك الجزيرة الخضراء أو الكتاب الّذي نقل هٰذه الحكاية؟ فإذا ما راجعنا كلامه يتّضح لنا أنّ الجملة أعلاه تخصّ كتاب (إثبات وجود الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف) لمحمّد بن أسد الله الشوشتريّ، الّذي ألّفه بأمرٍ من "السلطان صاحب القرآن"، وقد أورد في ذيله ترجمة رسالة الجزيرة الخضراء.

وتحدّث القاضي نور الله عليم عن الكتاب بما يلي: «وهي رسالةٌ جليلةٌ يجب على المؤمنين محافظتها»(2). وإنّ ما نفهمه من كتاب (الذريعة)(3)هو كون


1) (1) الفوائد الرجاليّة: ج 3، ص 136.

2) (2) الذريعة: ج 5، ص 106.

3) (3) المصدر السابق.

الكلام لشمس الدين محمّد بن أسد الله الشوشتريّ، وليس للقاضي نور الله الشوشتريّ.

8- لم يصلنا كتاب السيّد شبر، ولٰكنّ أحد معاصريه ذكر عنوان كتاب (الجزيرة الخضراء) ضمن شرح نبذةٍ من حياته، وما صدر عنه من آثارٍ، وليس في هٰذا الكلام ما يدلّ على قبول هٰذه الحكاية؛ إذ من غير الثابت أنّ السيّد شبّر كان في مقام القبول أو التأييد، أو أنّه بصدد الذم وعدم القبول بها. هٰذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر لم يتّضح أيّ حكايةٍ كان قد نقلها، فمن المحتمل أنّه نقل حكاية الأنباريّ الّتي تصاحبها إشكالاتٌ أقلّ.

9- إنّ كتاب (جلاء العيون) للسيّد شبّر هو ترجمةٌ وشرحٌ لكتاب (جلاء العيون) للعلّامة المجلسيّ، وليس كتابًا مستقلًّا بذاته(1). هٰذا بالرغم من عدم نقل الحكاية من النصّ الفارسيّ لكتاب (جلاء العيون) وكونها من الإضافات والشروح الّتي ذكرها السيّد شبّر.

وبناءً على ما مرّ من مواضيع تمّت الإشارة إليها نستنتج وجود بعض الاهتمام بهٰذه الحكاية، ولا يمكن اعتبارها مهملةً بشكلٍ مطلقٍ، لٰكنّها في الوقت نفسه لم تكن مقبولةً، وفي هٰذا الصدد يقول الشيخ آقا بزرگ:

«(الإشكال الأوّل)... بالجملة لم تصل هٰذه الحكاية إلينا إلّا بالوجادة، ولم نعرف من أحوال الحاكي لها، إلّا أنّه كان رجلًا محترمًا في ذٰلك المجلس.


1) (1) المصدر السابق: ص 125 .

(الإشكال الثاني)... قد اشتمل سندها على عدّة تواريخ تناقض ما في متنها.

(الإشكال الثالث) اشتمل متنها على أمورٍ عجيبٍة قابلةٍ للإنكار، وما هٰذا شأنّه لا يمكن أن يكون داعي العلماء من إدراجه في كتبهم المعتمدة بيان لزوم الاعتماد عليها، أو الحكم بصحّتها مثلًا، أو جعل الاعتقاد بصدقها واجبًا، حاشاهم عن ذٰلك! إنّما غرضهم من نقل هٰذه الحكايات مجرّد الاستيناس بذكر الحبيب، وذكر دياره والاستماع لآثاره مع ما فيها من رفع الاستبعاد عن حياته في دار الدنيا، وبقائه متنعّمًا فيها في أحسن عيشٍ وأفره حال، بل مع السلطنة والملك له ولأولاده، واستقرارهم في ممالك واسعةٍ هيّأ الله لهم، لا يصل إليها من لم يرد الله وصوله، وقد احتفظ العلماء بتلك الحكايات وفي قبال المستهزئين بالدين بقولهم: لِمَ لا يخرج جليس السرداب بعد ألف سنةٍ؟ وكيف تمتّعه بالدنيا؟ وما أكله وشربه ولبسه؟ وبذٰلك القول يبرهنون على ضعف عقولهم، فمن كان عاقلًا مؤمنًا بالله ورسوله وكتابه يكفيه في غيرها من لوازم حياته إثبات قدرة الله - تعالى - على تهيئة جميع الأسباب المعيشيّة في الحياة الدنيا له، قوله - تعالى - في الصافات: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الصريح في أنّ يونس لو لم يكن من المسبّحين لكان يلبث في بطن الحوت على حاله إلى يوم يبعث سائر البشر. فأخبر الله - تعالى - بقدرته على إبقاء الحوت الّذي التقم يونس، وعلى إبقاء يونس على حاله في بطنه، ولبثه فيه كذٰلك إلى يوم بعث الناس. واحتمال إرادة الآية موتَ يونس بإزهاق روحه ولبث جسده في بطن الحوت

إلى يوم بعثه وإحيائه مخالفٌ للظاهر من جهاتٍ كما لا يخفى يخفى»(1).

لقد ذکر آقا بزرگ الطهرانيّ المواضيع أعلاه فيما يخصّ حكاية الجزيرة الخضراء لابن الأنباريّ.

ب - مصادر نقل الحكاية المرويّة عن الأنباريّ

1- المحقِّق النوريّ في (جنّة المأوى) (2)و(النجم الثاقب)(3).

2- الشيخ زين الدين البياضيّ العامليّ في الصراط المستقيم)(4)، وقد نقلها بشكلٍ مختصرٍ.

3- ابن طاووسٍ في (جمال الأسبوع).

4- السيّد النيليّ في كتاب السلطان المفرج عن أهل الأمان).

5- المحقِّق الجزائريّ في كتاب (الأنوار النعمانيّة).

بحثٌ في المصادر والنقول

لم ينقل السيّد ابن طاووسٍ الحكاية بذاته، بل نقل عبارة اعتبرها البعض دليلًا على اهتمامه بالحكاية. يقول: «ووجدت روايةً متصلة الإسناد بأنّ


1) (1) المصدر السابق: ج 5، ص 108، الهامش.

2) (2) جنّة المأوى (المطبوع ضمن ج 53 من بحار الأنوار): ص 213.

3) (3) النجم الثاقب: ص 300 - 380.

4) (4) الصراط المستقيم: ج 2، ص 264.

للمهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف أولاد جماعة ولاة في أطراف بلاد البحر على غايةٍ عظيمةٍ»(1).

ويرى المحدّث النوريّ استنادًا لهٰذه العبارة أنّ ما يقصده ابن طاووسٍ هو الجزيرة الخضراء قائلًا: «والظاهر بل المقطوع أنّه إشارةٌ إلى هٰذه الرواية والله العالم»(2).

ويرد على ما ذكر أنّ السيّد ابن طاووسٍ كان يعيش في عصرٍ متأخّرٍ عن عصر الحكاية الأولى (أي حكاية الطيّبيّ)، وقد جاء في الحكايتين موضوع أبناء الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف، فإن قيل إنّ مقصوده الحكاية الثانية، كان ادّعاءً بلا دليلٍ، بل هناك دليلٌ على خلافه؛ لذٰلك لا يمكن القول إنّ السيّد قد قبل بهٰذه الحكاية.

المحور الثاني: دراسة سند الحكاية

اشارة

أ- حكاية الطيّبيّ الجزيرة الخضراء المعروفة

ما يهمّنا في هٰذه الحكاية هو التعرّف على شخصيّتين: الأولى عليّ بن فاضلٍ، والثانية الفضل بن يحيي الطيّبيّ، ودراسة شخصيّتهما:

1- عليّ بن فاضلٍ

لقد وثّق بعض المعاصرين أو القريب من المعاصرين هٰذه الشخصيّة، ومن جملة من وثّقه:


1) (1) جنّة المأوى (المطبوع ضمن ج 53 من بحار الأنوار): ص 220.

2) (2) النجم الثاقب: ص 296.

أ- النهاونديّ يقول في توثيقه: كان عالمًا كبيرًا ورعًا أسوةً في الزهد والتقوى، وكان فريد زمانه.

ب- مترجم كتاب (الجزيرة الخضراء) يقول في توثيقه: «ويكفيه أنّ فقيهًا كالوحيد البهبهانيّ أفتى وفقًا لنقله، وعالمًا كالحُرّ العامليّ قد نقل حكايته في كتابه الكلاميّ (إثبات الهداة)، فيما استند علماء الرجال والتراجم من قبیل السيّد بحر العلوم وأسد الله الشوشتريّ والسيّد عبد الله شبّر وصاحب (الروضات) على حكايته، وقد دوّن فقيهٌ كالشهيد الأوّل هٰذه الحكاية، فيما ترجمها فقيهٌ آخر وهو المحقِّق الكركيّ، ونقلها المحدّث المجلسيّ والميرزا عبد الله أفندي والنوريّ في كتبهم، وامتدحوا تقوى وزهد عليّ بن فاضلٍ»(1).

التضعيفات

هناك من ذهب إلى تضعيفه، ويظهر أنّنا لا نجد من معاصريه من وثّقه بالمرّة. نعم، وثّقه من جاء بعده بمئة عامٍ، ويظهر أنّ من وثّقه استند في توثيقه إلى نفس الحكاية، وهٰذا يستلزم الدور. يقول السيّد جعفر مرتضى العامليّ: «إنّه لم يوثّقه أحدٌ من معاصريه، وإنّما وثّقه بعض من تأخّر عنه بمئات السنين، والظاهر: أنّ مستندهم في هٰذا التوثيق هو نفس رواية "الجزيرة الخضراء"، كما يشير إليه سياق كلماتهم»(2).ز


1) (1) الجزيرة الخضراء: ص 185.

2) (2) ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلّث برمودا: ص 34.

وقد مدح عليّ بن فاضلٍ نفسه في نفس حكايته قائلًا: «يا سيّدي أنا من جملة عبيده المخلصين ولا رأيته»(1). ومثل هٰذا الكلام يعدّ مثيرًا لشبهة عدم الوثوق بالمدّعي، وقد أشار إلى هٰذا المبنى سماحة الإمام الخمينيّ رحمه الله(2)، هٰذا من جانب، ومن جانبٍ آخر أنّ معاصري عليّ بن فاضلٍ من قبيل العلّامة الحلّيّ وابن داود لم يتطرّقوا إلى ذكره وإلى حكايته رغم أهمّيّتها(3).

وفيما سرد عليّ بن فاضلٍ حكايته بحضور جمعٍ كبيرٍ ممّن جاء إليه لسماعها واللقاء بالشيخ، لٰكنّ الغريب أنّنا لم نجد من نقل الرواية عن الطيّبيّ، الّذي انفرد في نقل الحكاية عن الشيخ شمس الدين بن نجيعٍ الحلّيّ، وجلال الدين عبد الله بن حرامٍ، ولم ينقل أيُّ شخصٍ عن هاتين الشخصيّتين كلامًا عن الجزيرة الخضراء.


1) (1) وقد اعتبر الشوشتريّ هٰذا الإطراء للذات سذاجةً قائلًا: «والظاهر أنّ عليّ بن فاضلٍ كان رجلًا سازجًا [ساذجًا] يشهد له تعبيراته الباردة وتطويلاته اللاطائلة، فلعلّه في شدّة مرضه الّذي حصل له في أوّل قريةٍ من جزائر الّذي خلّفه فيه شيخه لتوقّع موته رأى منامًا فظنّه واقعًا» [مستدرك الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 150].

2) (2) كلّيّاتٌ في علم الرجال: ص 152.

3) (3) رغم كون العلمين من أعاظم علماء الرجال، وممّن اشتغل بالتأليف في هٰذا الباب إلّا أنّنا لم نجد أيّ إشارةٍ في مؤلّفاتهما لعليّ بن فاضلٍ ولحكايته.

دراسة التوثيقات والتضعيفات

1- كيف أحرز النهاونديّ صاحب (العبقريّ الحسان) كلّ هٰذه الخصائص لعليّ بن فاضلٍ الّذي عاش في القرن الخامس الهجريّ، واعتبره ثقةً، في حين أنّ النهاونديّ من المعاصرين؟ فإن كان قد أثبت وثاقته من حكايته فهٰذا هو الدور بعينه، وإن كان من طريقٍ آخر، فالسؤال هو ما الطريق الّذي اعتمده لتوثيقه؟ هل هو كلام السلف ورأيهم؟ فإن كان كذٰلك فهو غير صحيحٍ أيضًا؛ لأنّ كتب الرجال لم تنقل لنا مثل هٰذا الكلام، ولم يتعرّض أحدٌ لشخصيّته!

2- لم يفت الوحيد البهبهانيّ - كما مرّ سابقًا - وفق ما جاء في هٰذه الحكاية، بل ذكرها مؤيِّدةً لكلامه.

3- أنّ نقل الحكاية في (إثبات الهداة) بشكلٍ مختصرٍ من قبل الشيخ الحُرّ العامليّ لا يعدّ دليلًا على قبولها، فقد ورد في هٰذا الكتاب حدود العشرين ألف روايةٍ، فهل يمكن القول إنّ الشيخ الحُرّ العامليّ قبل جميع هٰذه الروايات؟!

4- قال السيّد بحر العلوم: إن صحّ هٰذا النقل أمكن الاستناد عليه، لذٰلك لم يقبل هو أيضًا كلام عليّ بن فاضلٍ.

5- تحدّث المحقِّق الشوشتريّ بصراحةٍ أيضًا عن عدم اعتبار سند الحكايتين، فيما اعترف العلّامة المجلسيّ بأنّ الحكاية الأولى غير معتبرةٍ.

6- أنّ نقل الحكاية أعمّ من قبولها؛ ولذٰلك ليس هناك ملازمةٌ بين تدوين الشهيد الأوّل لهٰذه الرواية وقبوله لكلام عليّ بن فاضلٍ.

7- هناك إشكالان في ترجمة الكركيّ: الأوّل في انتسابها الى المحقِّق الكركيّ فلا دليل عليهز الثاني: أنّ ترجمة موضوعٍ ما لا تعني بالضرورة قبوله.

8- لا يمكن أن يكون نقل العلّامة المجلسيّ وآخرين للحكاية دليلًا على قبولها، كما أنّ النقل الوارد للحكاية من قبل العلّامة المجلسيّ في بابٍ مستقلٍّ يعدّ مؤيَّدًا لهٰذا المدّعى.

9- لم نجد في كتب المجلسيّ والأفنديّ والنوريّ كلامًا يمكن أن نعتبره دليلًا على مدح عليّ بن فاضلٍ.

2- الفضل بن يحيى الطيّبيّ

التوثيقات

1- قال الشيخ الحُرّ العامليّ: «الشيخ مجد الدين الفضل بن يحيي عليّ بن المظفّر بن الطيّبيّ الكاتب بواسط. فاضلٌ عالمٌ جليلٌ يروي كتاب (كشف الغمّة) عن مؤلّفه عليّ بن عيسى الأربليّ، كتبه بخطّه وقابله وسمعه عن مؤلّفه، وله منه إجازةٌ»(1).

2- يقول الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ: «وكان هو من تلاميذ الوزير عليّ بن عيسى الأربليّ. قرأ عليه مع جمعٍ آخر كتاب (كشف الغمّة عن معرفة أحوال


1) (1) أمل الآمال: ص 218.

الأئمّة)، وقد وجدت هٰذه الرسالة في الخزانة الغرويّة بخطّ مؤلّفها الطيّبيّ، وعن خطّه استنسخت»(1).

3- رأي السيّد الخوئيّ: نسب البعض كلامًا للسيّد الخوئيّ مفاده اعتبار الفضل بن يحيى عالمًا كبيرًا، ومن ثمّ مدحه بما يلي: «الشيخ مجد الدين الفضل ابن يحيى بن عليٍّ بن المظفّر بن الطيّبيّ الكاتب بواسط: فاضلٌ، عالمٌ، جليلٌ، يروي، كتاب كشف الغمّة عن مؤلّفه عليّ بن عيسى الأربليّ، كتبه بخطّه وقابله وسمعه من مؤلّفه، وله منه إجازةٌ سنة 691 ه‍»(2).

نقد التوثيقات والتضعيفات ودراستها

1- لا يعدّ كلام الحُرّ العامليّ توثيقًا للطيّبيّ، فكلمة "جليل" لا تدلّ على الوثاقة، كما أنّ إجازة الرواية عن الأربليّ لا يمكن اعتبارها دليلًا على وثاقته أيضًا.

2- أنّ ما نسب إلى السيّد الخوئيّ لم يكن في الحقيقة كلامه، فلو دقّقنا في كلامه لاتّضح لنا أنّه نقل كلام الحُرّ العامليّ دون أيّ تعليقٍ من قبله؛ ولذٰلك لا يمكن اعتبار ما نقل رأيًا يتبنّاه السيّد الخوئيّ. بل يمكن القول إنّ السيّد الخوئيّ يرفض صحّة حكاية الجزيرة الخضراء كلّيًّا، فقد استفتي سماحته عن هٰذا الأمر بما يلي: روي في (البحار) في ما يتعلّق بالجزيرة الخضراء قصّةٌ


1) (1) الذريعة: ج 5، ص 106.

2) (2) معجم رجال الحديث: ج 13، ص 316.

يرويها الشيخ عليّ بن فاضلٍ، وقد ورد فيها في ضمن حوارٍ بين الراوي وبين من اتّصل بالحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف. قلت: يا سيّدي قد روت علماء الإماميّة حديثًا عن الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف أنّه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتم عنه ذٰلك؟ قال: نعم، إنّه، عجل الله تعالی فرجه الشریف رخّص وأباح الخمس لشيعته من ولد عليٍّ عَلَیه السَّلام وقال: هم في حلٍّ من ذٰلك، فما تقولون في ذٰلك؟ فأجاب السيّد الخوئيّ: الرواية المزبورة ليست معتبرةً(1).

ولهٰذا نجد أنّ ما ورد من تصوّراتٍ وآراءٍ ذهب إليها بعض المعاصرين في مقام تقوية حكاية الجزيرة الخضراء وتأييده يرد عليها إشكالاتٌ جدّيّةٌ، كما أنّ ما نُسب لكبار علمائنا بعيدٌ عن الواقع بالمرّة(2).

ملاحظاتٌ حول السند

هناك ملاحظاتٌ أخرى حول سند هٰذه الحكاية يمكن التذكير بها:

1- من هو الشخص الّذي يقول: «وبعد: فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام... بخطّ الشيخ الفاضل والعالم العامل، الفضل بن يحيى بن عليٍّ الطيّبيّ الكوفيّ - قدّس الله روحه - ما هٰذا صورته: "إنّه بلا شكٍّ ليس العلّامة المجلسيّ؛ لأنّه يقول وبصراحةٍ: "وجدت رسالةً مشتهرةً... ولنذكرها بعينها كما وجدتها". وروى البحرانيّ قال بعض المشايخ: "وجدت بخطّ الشيخ


1) (1) الرواية المذكورة ليست معتبرةً، وقد وردت الروايات المعتبرة أيضًا، لٰكن لم يكن مفادها الحلّيّة للمكلّف بأداء الخمس. [مسائل وردودٌ، ص 125، المسألة 35].

2) (2) مترجم كتاب (الجزيرة الخضراء).

الإمام العالم الفاضل الفضل بن يحيي علي... ما هٰذا حكايته"»(1).

وللردّ على هٰذا نقول: إنّ كلام البحرانيّ لا دلالة فيه على أنّه قد سمع الموضوع مباشرةً من الراوي. ولو فرضنا نقله عن الراوي فإنّ السؤال الّذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن أن يكون المحقِّق البحرانيّ قد رآه ونقل عنه بلا واسطةٍ، في حين أنّ العلّامة المجلسيّ - الّذي كان معاصرًا له - لم يره؟ فتصوّر كهٰذا يعدّ بعيدًا عن الواقع! هٰذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر يمكننا أن نتساءل لماذا اكتفى العلّامة المجلسيّ بالنقل عن رسالةٍ متداولةٍ ولم يحقّق كاتبها وصاحبها ليسأله عن حقيقتها؟!

2- كيف استطاع الشخص المجهول الّذي يقول: وجدت رسالةً بخطّ الطيّبيّ أن يتعرّف على خطّ الطيّبيّ؟

فهل كان خطّ الطيّبيّ الّذي مات صاحبه قبل مئات السنين من ولادة الراوي المجهول معروفًا ومشهورًا بين الناس إلى الدرجة الّتي استطاع هٰذا الرجل المجهول أن يعرفه؟ فقد تكون الحقيقة التبست على هٰذا الشخص، وأنّه حين رأى الطيّبيّ قد روى هٰذه الحكاية تصوّر أن كاتبها هو الطيّبيّ أيضًا، هٰذا رغم عدم وجود تلازمٍ بين هذين الأمرين.

3- هناك في الرواية ما يبعث على سوء الظنّ، وهو كلام عليّ بن فاضلٍ: «ولم أكن أشكّ في أنّه قد كان في صحبتنا من دمشق»، وقال في كتاب (تبصرة


1) (1) تبصرة الوليّ (نسخةٌ خطّيّةٌ): ص 163.

الوليّ): «وكان معنا حتّى جزيرة الأندلس»، ثمّ يقول قلت له: «هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟ قال: لا، قلت: ولا من مصر إلى الأندلس؟ قال: لا، ومولاي صاحب العصر». وقد اكتفى عليّ بن فاضلٍ بكلام هٰذا الشخص.

4- يقول المحقِّق الشوشتريّ: «ولعلّ الناقل في الخبرين أحد أعداء الشيعة وضع مثل ذٰلك لهم يبطل بذٰلك حقّهم، ومن أين أن الناقل لم يكن كمعقلٍ (عبد عبید الله بن زيادٍ) لمّا جاء إلى مسلم بن عوسجة وقال له: إنّي امرؤٌ من أهل الشام أنعم الله عليّ بحبّ أهل البيت وحبّ من أحبّهم وتباكى له، مع أنّه كان عينا من مولاه...»(1).

وقال آقا بزرگ الطهرانيّ: «ونقل الطيّبيّ القصّة المترجمة له أوّلًا بواسطة الشيخين الفاضلين شمس الدين محمّد بن نجيع الحلّيّ وجلال الدين عٍبد الله بن حرامٍ الّذين سمعا القصّة عن المترجم له في سامرّاء. ثمّ سمع الطيّبيّ القصّة شفاهًا من المترجم له في الحلّة في شوّال 699. فإذا كان واضع القصّة هو الطيّبيّ، فالمترجم له والراويان عنه أشخاصٌ خياليّون»(2).

وهٰذا يعني أنّ آقا بزرگ الطهرانيّ كان قد احتمل زيف الحكاية وكونها مصطنعةً.


1) (1) مستدرك الأحكام الدخيلة: ج 1، ص 148.

2) (2) طبقات أعلام الشيعة: ج 5، ص145.

النتيجة

إنّ هٰذه الحكاية مخدوشةٌ من حيث السند، ولا سبيل إلى تصحيح سندها أو جبره حسب الظاهر.

ب- حكاية الأنباريّ

قال كمال الدين أحمد محمّد بن بن يحيي الأنباريّ بداره بمدينة السلام ليلة عاشر شهر رمضان سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمئةٍ: «قال: كنّا عند الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدّم ذكرها، ونحن على طبقةٍ، وعنده جماعةٌ، فلمّا أفطر من كان حاضرًا، وتقوّض أكثر من حضر خاصرًا، أردنا الانصراف، فأمرنا بالتمسّي عنده، فكان في مجلسه في تلك الليلة شخصٌ لا أعرفه، ولم أكن رأيته من قبل، ورأيت الوزير يكثر إكرامه، ويقرّب مجلسه، ويصغي إليه، ويسمع قوله، دون الحاضرين. فتجارينا الحديث والمذاكرة، حتّى أمسينا وأردنا الانصراف، فعرفنا بعض أصحاب الوزير أنّ الغيث ينزل، وأنّه يمنع من يريد الخروج، فأشار الوزير أن نمسي عنده فأخذنا نتحادث، فأفضى الحديث حتّى تحادثنا في الأديان والمذاهب ورجعنا إلى دين الإسلام، وتفرّق المذاهب فيه. فقال الوزير: أقلّ طائفةٍ مذهب الشيعة، وما يمكن أن يكون أكثر منهم في خطّتنا هٰذه، وهم الأقلّ من أهلها، وأخذ يذمّ أحوالهم، ويحمد الله على قتلهم في أقاصي الأرض. فالتفت الشخص الّذي كان الوزير مقبلًا عليه، مصغيًا إليه، فقال له: أدام الله أيّامك، أحدث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعرض عنه؟ فصمت الوزير، ثمّ قال: قل ما عندك. فقال: خرجت مع والدي سنة اثنتين وعشرين

وخمسمئةٍ من مدينتنا وهي المعروفة بالباهية، ولها الرستاق الّذي يعرفه التجار، وعدّة ضياعها ألفٌ ومائتا ضيعةٍ، في كلّ ضيعةٍ من الخلق ما لا يحصي عددهم إلّا الله، وهم قومٌ نصارى، وجميع الجزائر الّتي كانت حولهم، على دينهم ومذهبهم، ومسير بلادهم وجزائرهم مدّة شهرين، وبينهم وبين البرّ مسير عشرين يومًا، وكلّ من في البرّ من الأعراب وغيرهم نصارى وتتّصل بالحبشة والنوبة، وكلّهم نصارى، ويتصل بالبربر، وهم على دينهم فإنّ حدّ هٰذا كان بقدر كلّ من في الأرض، ولم نضف إليهم الإفرنج والروم. وغير خفيٍّ عنكم من بالشام والعراق والحجاز من النصارى، واتّفق أنّنا سرنا في البحر، وأوغلنا، وتعدّينا الجهات الّتي كنّا نصل إليها، ورغبنا في المكاسب ولم نزل على ذٰلك حتّى صرنا إلى جزائر عظيمةٍ كثيرة الأشجار، مليحة الجدران، فيها المدن الملدودة والرساتيق. وأوّل مدينةٍ وصلنا إليها وأرسي المراكب بها، وقد سألنا الناخداه أيّ شيءٍ هٰذه الجزيرة؟ قال: والله إنّ هٰذه جزيرةٌ لم أصل إليها ولا أعرفها، وأنا وأنتم في معرفتها سواءٌ. فلمّا أرسينا بها، وصعد التجّار إلى مشرعة تلك المدينة، وسألنا ما اسمها؟ فقيل هي المباركة. فسألنا عن سلطانهم وما اسمه؟ فقالوا: اسمه الطاهر. فقلنا وأين سریر مملكته؟ فقيل بالزاهرة. فقلنا: وأين الزاهرة؟ فقالوا: بينكم وبينها مسيرة عشر ليالٍ في البحر، وخمسةٌ وعشرين ليلةً في البرّ، وهم قومٌ مسلمون. فقلنا: من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع والابتياع؟ فقالوا: تحضرون عند نائب السلطان. فقلنا: وأين أعوانه؟ فقالوا: لا أعوان له، بل هو في داره وكلّ من عليه حقٌّ يحضر عنده، فيسلّمه إليه. فتعجّبنا من

ذٰلك، وقلنا: ألا تدلّونا عليه؟ فقالوا: بلى. وجاء معنا من أدخلنا داره، فرأيناه رجلًا صالحًا عليه عباءةٌ، وتحته عباءةٌ وهو مفترشها، وبين يديه دواةٌ يكتب منها من كتاب ينظر إليه، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام وحيّانا وقال من أين أقبلتم؟ فقلنا: من أرض كذا وكذا. فقال: كلّكم؟ فقلنا: لا، بل فينا المسلم واليهوديّ والنصرانيّ. فقال: يزن اليهوديّ جزيته والنصرانيّ جزيته، ويناظر المسلم عن مذهبه. فوزن والدي عن خمس نفر نصارى: عنه وعنّي وعن ثلاثة نفرٍ كانوا معنا، ثمّ وزن تسعة نفرٍ كانوا يهودًا وقال للباقين: هاتوا مذاهبكم، فشرعوا معه في مذاهبهم. فقال: لستم مسلمين، وإنّما أنتم خوارج وأموالكم محلُّ للمسلم المؤمن، وليس بمسلمٍ من لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وبالوصيّ والأوصياء من ذرّيّته حتّى مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليهم. فضاقت بهم الأرض ولم يبق إلّا أخذ أموالهم. ثمّ قال لنا: يا أهل الكتاب، لا معارضة لكم فيما معكم، حيث أخذت الجزية منكم، فلمّا عرف أولئك أنّ أموالهم معرضة للنهب، سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم وتلا: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ). فقلنا للناخداه والربّان وهو الدليل: هٰؤلاء قومٌ قد عاشرناهم وصاروا رفقةً، وما يحسن لنا أن نتخلّف عنهم، أينما يكونوا نكون معهم، حتّى نعلم ما يستقرّ حالهم عليه. فقال الربّان: والله ما أعلم هٰذا البحر أين المسير فيه، فأستأجرنا ربّانًا ورجالًا، وقلعنا القلع وسرنا ثلاثة عشر يومًا بلياليها حتّى كان قبل طلوع الفجر، فكبّر الربان فقال: هٰذه والله أعلام الزاهرة ومنائرها وجدرها، إنّها قد بانت، فسرنا حتّى تضاحى النهار. فقدمنا

إلى مدينةٍ لم تر العيون أحسن منها ولا أحقّ على القلب، ولا أرقّ من نسيمها ولا أطيب من هوائها، ولا أعذب من مائها، وهي راكبة البحر، على جبلٍ من صخرٍ أبيض، كأنّه لون الفضة وعليها سورٌ إلى ما يلي البحر، والبحر يحوط الّذي يليه منها، والأنهار منحرفةٌ في وسطها يشرب منها أهل الدور والأسواق، وتأخذ منها الحمّامات وفواضل الأنهار ترمى في البحر، ومدى الأنهار فرسخٌ ونصف، وفي تحت ذٰلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها، ومزارعها عند العيون، وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب، ويرعى الذئب والنعجة عيانًا، ولو قصد قاصدٌ لتخلية دابّةٍ في زرع غيره لما رعته، ولا قطعت قطعة حمله، ولقد شاهدت السباع والهوام رابضةً في غيض تلك المدينة، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم. فلمّا قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها، وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينةً عظيمةً عيناء كثيرة الخلق، وسيعة الربقة، وفيها الأسواق الكثيرة، والمعاش العظيم، وترد إليها الخلق من البرّ والبحر، وأهلها على أحسن قاعدةٍ، لا يكون على وجه الأرض من الأمم والأديان مثلهم، وأمانتهم، حتّى أنّ المتعيّش بسوقٍ يردّه إليه من يبتاع منه حاجةً إمّا بالوزن أو بالذراع، فيبايعه عليها ثمّ يقول: أيا هٰذا زن لنفسك واذرع لنفسك. فهٰذه صورة مبايعاتهم ولا يسمع بينهم لغو المقال، ولا السفه ولا النميمة، ولا يسبّ بعضهم بعضًا، وإذا نادى المؤذّن الأذان، لا يتخلّف منهم متخلّفٌ ذكرًا كان أو أنثى. إلّا ويسعى إلى الصلاة، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض، رجع كلٌّ منهم إلى بيته، حتّى يكون وقت

الصلاة الأخرى فيكون الحال كما كانت. فلمّا وصلنا المدينة، وأرسينا بمشرعتها، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره، ودخلنا إليه إلى بستانٍ صوّر في وسطه قبةٌ من فصبٍ، والسلطان في تلك القبة، وعنده جماعةٌ، وفي باب القبّة ساقيةّ تجري. فوافينا القبّة، وقد أقام المؤذّن الصلاة، فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس، وأقيمت الصلاة، فصلّى بهم جماعةً، فلا والله لم تنظر عيني أخضع منه الله، ولا ألين جانبًا لرعيته، فصلّى من صلّى مأمومًا. فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا وقال: هٰؤلاء القادمون؟ قلنا: نعم. - وكانت تحية الناس له أو مخاطبتهم له "يا بن صاحب الأمر" - فقال: على خير مقدمٍ. ثمّ قال: أنتم تجّارٌ أو ضيّافٌ؟ فقلنا: تجّارٌ. فقال: من منكم المسلم، ومن منكم أهل الكتاب؟ فعرفناه ذٰلك. فقال: إنّ الإسلام تفرّق شعبًا، فمن أيّ قبيلٍ أنتم؟ وكان معنا شخصٌ يعرف بالمقري ابن دربهان بن أحمد الأهوازيّ، يزعم أنّه على مذهب الشافعيّ، فقال له: أنا رجلٌ شافعيٌّ. قال: فمن على مذهبك من الجماعة؟ قال: كلّنا إلّا هٰذا حسّان بن غيثٍ فإنّه رجل مالكيٌّ. فقال: أنت تقول بالإجماع؟ قال: نعم. قال: إذن تعمل بالقياس. ثمّ قال: بالله يا شافعيّ تلوت ما أنزل الله يوم المباهلة؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال قوله تعالی: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). فقال: بالله عليك من أبناء الرسول؟ ومن نساؤه؟ ومن نفسه يا بن دربهان؟ فأمسك. فقال: بالله هل بلغك أنّ غير الرسول والوصيّ والبتول والسبطين دخل تحت الكساء؟ قال:

لا فقال: والله لم تنزل هٰذه الآية إلّا فيهم، ولا خصّ بها سواهم. ثمّ قال: بالله عليك يا شافعيّ ما تقول فيمن طهره الله بالدليل القاطع، هل ينجّسه المختلفون؟ قال: لا. قال: بالله عليك هل تلوت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)؟ قال: نعم. قال: بالله عليك من يعني بذٰلك؟ فأمسك. فقال: والله ما عنى بها إلّا أهلها. ثمّ بسط لسانه وتحدّث بحديثٍ أمضى من السهام، وأقطع من الحسام، فقطع الشافعيّ ووافقه، فقام عند ذٰلك فقال: عفوًا يا بن صاحب الأمر، انسب إلي نسبك؟. فقال: أنا طاهر بن محمّدٍ بن الحسن بن عليٍّ بن محمّدٍ بن عليٍّ بن موسى بن جعفرٍ بن محمّدٍ بن عليٍّ بن الحسين بن عليٍّ الّذي أنزل الله فيه: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين) هو والله الإمام المبين، ونحن الّذين أنزل الله في حقّنا (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). يا شافعيّ، نحن أهل البيت، نحن ذرّيّة الرسول، ونحن أولو الأمر. فخر الشافعيّ مغشيًّا عليه لمّا سمع منه، ثمّ أفاق من غشيته، وآمن به، وقال: الحمد لله الّذي منحني بالإسلام، ونقلني من التقليد إلى اليقين. ثمّ أمر لنا بإقامة الضيافة، فبقينا على ذٰلك ثمانية أيّامٍ، ولم يبق في المدينة إلّا من جاء إلينا، وحادثنا، فلمّا انقضت الأيّام الثمانية سأله أهل المدينة أن يقوموا لنا بالضيافة، ففتح لهم في ذٰلك، فكثرت علينا الأطعمة والفواكه، وعملت لنا الولائم، ولبثنا في تلك المدينة سنةً كاملةً. فعلمنا وتحقّقنا أنّ تلك المدينة مسيرة شهرين كاملة برًّا وبحرًا، وبعدها مدينةٌ اسمها الرائقة، سلطانها القاسم ابن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، مسيرة ملكها شهرين، وهي على تلك القاعدة ولها دخلٌ عظيمٌ،

وبعدها مدينةٌ اسمها الصافية، سلطانها إبراهيم بن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف بالحكام، وبعدها مدينةٌ أخرى اسمها ظلوم، سلطانها عبد الرحمٰن ابن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف، مسيرة رستاقها وضياعها شهران، وبعدها مدينةٌ أخرى اسمها عناطيس، سلطانها هاشم بن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف. وهي أعظم المدن كلّها وأكبرها وأعظم دخلًا، ومسيرة ملكها أربعة أشهرٍ. فيكون مسيرة المدن الخمس والمملكة مقدار سنةٍ لا يوجد في أهل تلك الخطط والمدن والضياع والجزائر غير المؤمن الشيعيّ الموحّد، القائل بالبراءة والولاية، الّذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سلاطينهم أولاد إمامهم، يحكمون بالعدل وبه يأمرون، وليس على وجه الأرض مثلهم، ولو جمع أهل الدنيا، لكانوا أكثر عددًا منهم على اختلاف الأديان والمذاهب. ولقد أقمنا عندهم سنةً كاملةً نترقّب ورود صاحب الأمر إليهم؛ لأنّهم زعموا أنّها سنة وروده، فلم يوفّقنا الله - تعالى - للنظر إليه. فأمّا ابن دربهان وحسّانٌ فإنّهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته، وقد كنا لمّا استكثرنا هٰذه المدن وأهلها، سألنا عنها فقيل: إنّها عمارة صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف واستخراجه. فلمّا سمع عون الدين ذٰلك، نهض ودخل حجرةً لطيفةً، وقد تقضّى الليل فأمر بإحضارنا واحدًا واحدًا، وقال: إيّاكم إعادة ما سمعتم أو إجراءه على ألفاظكم. وشدّده وتأكّد علينا...»(1).


1) (1) بحار الأنوار: ج 53، ص 213 - 220؛ النجم الثاقب، ص 300 - 380.

سند الحكاية

نقل جميع من روى الحكاية أعلاه عن كتاب (التعازي عن آل محمّدٍ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ووفاة النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) تأليف أبي عبد الله محمّدعليّ العلويّ الحسينيّ، وذٰلك كالتالي:

تحدّث آقا بزرگ الطهرانيّ عن هٰذا الكتاب قائلًا: «التعازي في ذكر ما يتعلّق بالتعزية والتسلية مبتدئًا فيه بذكر وفاة النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وما ناله عند موت أولاده، وألحق بآخره ذكر بلاد أولاد الحجّة. وهو للشريف الزاهد أبي عبد الله محمّد بن عليٍّ بن الحسن بن عبد الرحمٰن العلويّ الحسينيّ»(1). وتتوفّر نسخةٌ منه في مكتبة الإمام عليّ بن موسى الرضا عَلَیه السَّلام، وقد نسخ منها المحقِّق النوريّ، ونقل في كتابه (مستدرك الوسائل) أحاديث عنها. ثمّ نقل عنها قائلًا: «أخبرني الشيخ الجليل أبو العبّاس أحمد بن الحسين في سنة إحدى وسبعين وخمسئة سنةٍ...»(2).

ثمّ نقل سند الحكاية وأوصله إلى محمّد بن عليٍّ بن بن الحسن بن عبد الرحمٰن صاحب (التعازي)، والمتوفّى سنة 443 ه‍، يعني أنّ المؤلّف كان يعيش القرن الخامس ومن معاصري الشيخ الطوسيّ، هٰذا رغم كون الحكاية قد حدثت سنة 543ه‍.


1) (1) الذريعة: ج 4، ص 205.

2) (2) المصدر السابق: ج 5، ص 107، الهامش.

ويمكن أن نفهم من جملة «وألحق بآخره» أنّ ما ألحق بآخره بعنوان ذكر بلاد أولاد الحجّة ليست للمؤلّف ولا يعرف من الّذي أضافها للنصّ، فمن البعيد أن يكون قد عاش من سنة 443 ه‍، حيث نقل كتابه إلى سنة 543 ه‍، أي عمّر قرنًا كاملا أو أكثر من قرنٍ.

القرينة الثانية هي عبارة (الذريعة) الّتي يقول فيها: «وألحق بآخره» يعني أنّ الحكاية هٰذه لم تكن جزءًا من كتاب (التعازي) في الأصل، لٰكن تمّ ضمّها إليه بعد ذٰلك؛ ولهٰذا ليس بإمكاننا معرفة بمن يرتبط هٰذا الأمر ومن الّذي ألحقه بكتاب (التعازي)؟ هٰذا من جانبٍ، ومن جانبِ آخر كان ينبغي أن نبحثٌ في سند الحكاية عن شخصين: الأوّل: من حدثت له الحادثة ورأى الجزيرة بعينه. والثاني: كمال الدين الأنباريّ الّذي سمع الحكاية وكان أوّل من نقلها.

مَن حدثت معه الحكاية

إنّ أوّل ما نستشعره من إشكالٍ في سند الأنباريّ يبدأ من هنا، فلا أحد يعرف اسمه، وكلّ ما نعرفه عنه أنّه كان ضيف عون الدين هبيرة الوزير(1). هٰذا فضلًا عن كون الشخص نصرانيًّا، وهو أمرٌ يوجب تضعيف اعتمادنا


1) (1) هو يحي بن هبيرة، ومن أبناء الدجيل. حلّ في بغداد أيام طفولته واشتغل بالدرس، ثمّ تسنّم مسؤوليّاتٍ متعدّدةً ليعيّن أخيرًا وزيرًا من قبل السلطان مسعود السلجوقيّ. ترك جملة آثارٍ ومؤلّفاتٍ، توفّي سنة 555 ه‍ في بغداد ودفن فيها. انظر: وفيّات الأعيان: ج 6، ص 243.

على نقله أو سلب الاعتماد كلَّيَّا عن هٰذا النقل؛ لأنّ ذٰلك يقوّي إمكانيّة أن تكون الحكاية مصطنعةً.

2 كمال الدين الأنباريّ: يظهر أنّ الرجل مجهولٌ؛ إذ لم تذكره كتب الشيعة أو السنّة، وقد يكون أبو البركات الأديب المولود سنة 513 ه‍ والمتوفّى سنة 577 ه‍، لٰكن لم يرد فيه توثيقٌ لا من قبل العامّة ولا الخاصّة، ولم ، ينسب إليه هٰذا الأمر)(1).

دراسة تنصّ

ينبغي أن ننطلق في بحثنا عن نصّ الحكاية من جهتين: الأولى، التناقض بين النقول المختلفة للحكاية. والثاني، الإشكالات الواردة على النصّ.

أ- التناقض بين النقول

1- جاء في نقل الشوشتريّ أنّ مسافة القرية الّتي مرض فيها عليّ بن فاضلٍ تبعد عن الجزيرة خمسة عشر يومًا، يومين منها في الصحراء والباقي في مناطق عامرةٍ تتّصل ببعضها البعض، لٰكنّ ما ورد في نقل المجلسيّ والبحرانيّ أنّ المسافة كانت خمسةً وعشرين يومًا (2).

2- ورد في (بحار الأنوار) أنّ عدد الأمراء والقوّات وأصحاب الإمام


1) (1) سير أعلام النبلاء: ج 21، ص 113؛ وفيات الأعيان: ج 3، ص 139.

2) (2) تبصرة الوليّ: ص 245.

المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف 300 شخصٍ، لٰكنّ المحقِّق البحرانيّ ذكر أنّهم 311 شخصًا(1).

3- وفقًا لنقل العلّامة المجلسيّ لم يكن هناك ذكرٌ لعلماء الشيعة في حكاية الجزيرة إلّا خمسةً منهم، لٰكنّ البحرانيّ قال إنّهم ثلاثةٌ.

4- ورد في رواية العلّامة المجلسيّ أنّ أحد العلماء الّذين تمّ التطرق إليهم هو جعفر بن سعيدٍ الحلّيّ، لٰكنّ البحرانيّ ذكر أنّ اسمه جعفر بن إسماعيل الحلّيّ.

5- تحدّث العلّامة المجلسيّ عن الفترة الّتي قطعت في البحر، فكانت ستة عشر يومًا فيما تحدّث البحرانيّ عن ستة أيّامٍ.

6- أهدى شمس الدين لعليّ بن فاضلٍ القمح والشعير، وقد باع ما حصل عليه ب‍ 140 دينارًا وفق ما نقل العلّامة المجلسيّ، لٰكنّ البحرانيّ ذكر أنّ ثمنها كان 25 دينارًا من الذهب و25 درهمًا من الفضّة.

7- ورد في نصّ العلّامة المجلسيّ ما يلي: «وأعطاني السيّد [شمس الدين] منها خمسة دراهم وهي محفوظةٌ عندي للبركة». لٰكن رواية البحرانيّ تحدّثت عن عدم امكانيّة إدخال أيّ مالٍ إلى الجزيرة أو أو إخراجه منه.

8- كانت فترة إقامة عليّ بن فاضلٍ في القرية الّتي كان أهلها من الشيعة، وكانت تأتيهم مؤنهم كلّ عامٍ، أربعين يومًا وفق حكاية المجلسيّ، وأسبوعًا وفق حكاية البحرانيّ.


1) (1) المصدر السابق: ص 249.

ولعلّ ما يعمّق الإشكالات أعلاه هو كون الحكاية - وفي جميع النقول - قد ذكرت بالوجادة، يعني أنّ الجميع قالوا «فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام»، وهٰذا يعني أنّني وجدتها، فالموضوع اختلف عن السماع. وهنا يُطرح سؤالٌ هو: هل جميع هٰذه الموارد تمثّل نسخةً واحدةً "وجادة"؟ أو أنّ هناك ثلاث نسخٍ قد توفّرت بخطّ الطيّبيّ؟ ومن جانبٍ آخر ولحلّ هٰذه التعارضات بالإمكان القول: إن كان هناك تعارضٌ بين نصّ البحرانيّ

والمجلسيّ، وخصوصًا النصوص الّتي خطّها المجلسيّ بخطّ يده، فإنّ نصّ المجلسيّ مقدّمٌ؛ لأنّ العلّامة المجلسيّ كان لديه مجموعة محققين من مجموعة علماء، وكانت جهوده جماعيّةً، فيما كان البحرانيّ يعمل بشكلٍ فرديٍّ، وكان رجلًا كثير المهامّ ونشطًا يدوّن الكثير من المواضيع؛ لذٰلك فاحتمال الخطإ ممكنٌ بالنسبة إليه، كما ينبغي الالتفات الى أنّ إمكانيّة الجمع بين هٰذه التعارضات سيؤدّي إلى عدم الإشكال على أصل الحكاية، وهٰذا يعني أنّه وبالرغم من وجود اختلافاتٍ في بعض الأقسام، لٰكن قد يكون بإمكانه إثبات التواتر المعنويّ، وهٰذا من قبيل أن يقول شخصٌ: لقد وقع حادث سیرٍ، ويقول آخر لقد حدث عراكٌ، فيما يقول الثالث هُدم جدارٌ. فمن مجموع هٰذه الحكايات يمكننا القطع بوقوع حادثةٍ ما.

إنّ ما يمكن اعتباره ميزانًا للقضاء حول هٰذه الحكاية هو دراسة الجمل الّتي وردت في النقول المختلفة، وهي نصوصٌ سنتناولها في الأقسام الآتية.

ب - الإشكالات الأخرى الواردة على الحكاية

إذا ما أردنا البحث في الإشكالات الواردة على نصّ الحكاية، فلا بدّ أن نصبّ اهتمامنا بشكلٍ أكبر على الحكاية المنقولة عن عليّ بن فاضلٍ؛ لأنّ الوهن في حكاية الأنباريّ ليس بخفيٍّ عن الجميع؛ ولذٰلك لم يتمّ الاستناد إليها بشكلٍ ملحوظٍ. هٰذا فضلًا عن كونها لا تواجه ما واجهته حكاية عليّ بن فاضلٍ من إشكالاتٍ؛ ولذٰلك سنشير هنا إلى بعض الإشكالات الّتي صاحبت الحكاية:

الإشكال الأوّل

إنّ من أهمّ الإشكالات الواردة على نصّ حكاية الجزيرة الخضراء هو تضمّنها مواضيع لا تتّفق مع معتقداتنا، وذٰلك من قبيل القول بتحريف القرآن، وهنا سنتناول بعضًا من هٰذا الحكاية فيما يخصّ هٰذا الموضوع، ثمّ نبحثٌ في الأمر.

جاء في حكاية الجزيرة الخضراء:

«قلت: يا سيّدي أرى بعض الآيات غير مرتبطةٍ بما قبلها وبما بعدها، كأنّ فهمي القاصر لم يصرّ إلى غوريّة ذٰلك. فقال: نعم، الأمر كما رأيته؛ وذٰلك [أنّه] لما انتقل سيّد البشر محمّد بن عبد الله من دار الفناء إلى دار البقاء، وفعل صنما قريش ما فعلاه من غصب الخلافة الظاهريّة، جمع أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام القرآن كلّه، ووضعه في إزارٍ وأتى به إليهم وهم في المسجد.

فقال لهم: هٰذا كتاب الله - سبحانه - أمرني رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أن أعرضه إليكم لقيام الحجّة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى. فقال له فرعون

هٰذه الأمّة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك. فقال عَلَیه السَّلام: لقد أخبرني حبيبي محمّدٌ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم بقولك هٰذا، وإنّما أردت بذٰلك إلقاء الحجّة عليكم.

فرجع أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام به إلى منزله، وهو يقول: لا إله إلّا أنت، وحدك لا شريك لك لا رادّ لما سبق في علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.

فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كل من عنده قرآنٌ من آيةٍ أو سورةٍ فليأت بها. فجاءه أبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان، وسعد بن أبي وقّاصٍ ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمٰن بن عوفٍ، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيدٍ الخُدريّ، وحسّان بن ثابتٍ، وجماعات المسلمين وجمعوا هٰذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب الّتي صدرت منهم بعد وفاة سيد المرسلين صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؛ فلهٰذا ترى الآيات غير مرتبطةٍ، والقرآن الّذي جمعه أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام بخطّه محفوظٌ عند صاحب الأمر عَلَیه السَّلام فيه كلّ شيءٍ حتّى أرش الخدش. وأمّا هٰذا القرآن، فلا شكّ ولا شبهة في صحّته، وإنّما كلام الله - سبحانه - هٰكذا صدر عن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف(1).

نعم، إنّ ما ذكرناه نسب إلى الناحية المقدّسة لوليّ العصر عجل الله تعالی فرجه الشریف كما زعم

مدّعي هٰذه الحكاية.


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 170.

نقدٌ ورأيٌ

يقول البهبوديّ في كلامٍ له حول هٰذه الحكاية: «هٰذه قصّةٌ مصنوعةٌ تخيّليّةٌ، قد سردها كاتبها على رسم القصّاصين، وهٰذا الرسم معهودٌ في هٰذا الزمان أيضًا»(1). ويظهر من كلامه ذٰلك أنّ منشئ هٰذه القصّة، كان من الحشويّة (الإخباريّين)(2)الّذين يقولون بتحريف القرآن لفظًا(3).

وقد ورد في روايتنا وبشكلٍ صريحٍ أنّ أبا بكر رفض القبول بالقرآن الّذي جاء به الإمام أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، لٰكنّ القول إنّ أبا بكرٍ استطاع أن يحذف أجزاءً من القرآن الكريم لم نجد له إثباتًا في رواياتنا. فإن قبلنا بهٰذه الحكاية وجب القول إنّ القرآن الكريم محرّفٌ، وهو أمرٌ مرفوضٌ لعدّة أدلّةٍ:

1- بالإمكان إثبات سلامة الكتاب الإلٰهيّ من التحريف من خلال ما جاء في

الآيات القرآنيّة المباركة من قبيل: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا له لحافظون)(4).


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 159، الهامش.

2) (2) هم جماعةٌ يستندون في كلّ شيءٍ من الأصول والفروع إلى روايةٍ رويت من دون رعاية الحجّيّة. واختلف في ضبطها، فقيل بإسكان الشين؛ لأنّ منهم المجسّمة محشو. والمشهور أنّه بفتحها نسبةً إلى الحشاء؛ لأنّهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصريّ في حلقته فتكلّموا بالسقط عنده فقال: ردّوا هٰؤلاء إلى حشاء الحلقة - أي جانبها - فسمّوا حشويّةً. انظر: المسلك في أصول الدين، ص 65، الهامش.

3) (3) بحار الأنوار: ج 52، ص 170، الهامش.

4) (4) سورة الحجر: 9.

2- لقد أولى المسلمون القرآن الكريم عنايةً كبيرةً، كتابةً وحفظًا وقراءةً قد بلغت درجةً تمنع أيّ تحريفٍ في القرآن الكريم، فقد بلغ عديد الحفّاظ ثلاثين ألفًا. كما هو الأمر في معركة صفّين، فقد بلغ عديد مقرئي القرآن ثلاثين ألف قاريءٍ(1).

3- ومن جانبٍ ذهب العلّامة المجلسيّ(2)والعلّامة الطباطبائيّ (3)في تفسيرهما لآية التطهير إلى القول بأنّ الترتيب الفعليّ للقرآن ليس ترتيب نزولٍ، بل كان النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم يأمر بأن توضع الآية في مكانٍ ما. إذن لا يعدّ عدم التناسب بين الآيات دليلًا على الحذف، فيما يذهب العلّامة المجلسيّ إلى القول: «إنّ ترتيب القرآن الّذي بيننا ليس من فعل المعصوم».

4- لقد آمنّا نحن أيضًا بأنّ القرآن الّذي جمعه الإمام أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام يتوفّر لدى الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ لٰكنّه - وكما قال السيّد الخوئيّ رحمه الله - يحتوي تأويلًا وبيانًا وتوضيحًا للقرآن الكريم وليس قرآنًا آخر(4).

5- هناك تناقضٌ بين صدر الحكاية وذيلها؛ لأنّ الناقل قال في نهاية القسم: «وأمّا هٰذا القرآن، فلا شكّ ولا شبهة في صحّته». في حين قال في


1) (1) وقعة صفّين: ص 188.

2) (2) بحار الأنوار: ج 35، ص 236.

3) (3) تفسير الميزان: ج 16، ص 312

4) (4) البيان: ص 223.

موضعٍ سابق: «وأسقطوا ما كان فيه من المثالب الّتي صدرت منهم» وهٰذا يعني التناقض البيّن.

6- ورد في الروايات أنّ زيد بن ثابتٍ بعث من قبل السلطة لتجميع القرآن. تلاه ابن مسعودٍ وأُبيٍ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ وجميعهم من القرّاء، لٰكنّ الحكاية لم تتحدّث عن أيٍّ من هٰؤلاء الأشخاص، بل تحدّثت عن أشخاصٍ آخرين لم يكونوا من الّذين ساهموا في جمع القرآن، ولم يكونوا من القرّاء بلا شكٍّ.

الإشكال الثاني

ورد في الحكاية ما يلي: «فكان كلّما قرأت شيئًا فيه خلافٌ بين القرّاء أقول له: قرأ حمزة كذا، وقرأ الكسائيّ كذا، وقرأ عاصمٌ كذا، وأبو عمرٍو بن كثيرٍ كذا.

فقال السيّد سلّمه الله: نحن لا نعرف هٰؤلاء، وإنّما القرآن نزل على سبعة أحرفٍ، قبل الهجرة من مكّة إلى المدينة وبعدها لمّا حجّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم حجّة الوداع، نزل عليه الروح الأمين جبرئيل عَلَیه السَّلام فقال: يا محمّد اتل عليّ القرآن حتّى أعرّفك أوائل السور، وأواخرها، وشأن نزولها.

فاجتمع إليه عليّ بن أبي طالبٍ وولداه الحسن والحسين علیهما السَّلام وأبيّ بن كعبٍ، وعبد الله بن مسعودٍ، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الأنصاريّ، وأبو سعيد الخُدريّ، وحسّان بن ثابتٍ، وجماعةٌ من الصحابة رضي الله عن المنتجبين منهم.

فقرأ النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم القرآن من أوّله

إلى آخره، فكان كلّما مرّ بموضعٍ فيه اختلافٌ بيّنه له جبرئيل عَلَیه السَّلام، وأمير المؤمنين عَلَیه السَّلام يكتب ذاك في درجٍ من أدمٍ، فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين»(1).

نقدٌ ورأيٌ

1- لماذا يطلق على هٰذه القراءة عنوان قراءة أمير المؤمنين عَلَیه السَّلام، ولماذا لا يسمّيها قراءة النبيّ الأكرم صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، هٰذا رغم أنّ رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم هو من تلاها، ولماذا لاتكون قراءة جبرئيل الّذي كان يصحّح القرآن؟ ولماذا لا تكون قراءة صحابيٍّ آخر؟

2- يعدّ الرأي القائل إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف مرفوضًا، وفي مقابله نجد الروايات الأخرى القائلة: «القرآن واحدٌ نزل من عند الواحد، وإنّما الاختلاف يجيءُ من قبل الرواة»(2).

3- ورد في هٰذه الحكاية أنّ القراءات سبعٌ، هٰذا بالرغم من أنّ القراءة واحدةٌ وليس أكثر، ولو أردنا القبول بنظريّة تعدّد القراءات فينبغي أن نختار القول الّذي يذهب إلى كونها عشرةً، كما عدّها وأشكل عليها السيّد الخوئيّ.

4- وفقًا لهٰذه الحكاية فإنّ جبرئيل كان يحلّ الخلاف في موارد منها: أوائل


1) (1) بحار الأنوار: ج 53، ص 169.

2) (2) الكافي: ج 2، ص 630، ح 12؛ الاعتقادات: ص 86؛ بحار الأنوار: ج 31، ص 210، الهامش.

السور وأواخرها وشأن النزول؛ لذٰلك لم يكن له شأنٌ بالقراءة ليردّ السيّد شمس الدين قائلًا: إنّه كان يبيّن اختلافات القرآن. فإذا كان المقصود اختلاف الآيات، فمعنى هٰذا تحريف القرآن في زمن النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم نفسه، نفسه، وهٰذا الفهم يخالف نفس الحكاية؛ لأنّه يقول: «حتّى أُعرّفك أوائل السوَر وأواخرها وشأن نزولها» ولم يقل: أعلّمك الآيات.

5- أنّ هٰذا المعنى يشبه ما ذهبت إليه أسطورة الغرانيق الّتي تعدّ إهانةً للنبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، حيث ترى أنّ النبيّ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم قد أخطأ حاشاه، وهي مسالةٌ رُدَّ عليها في موضعها(1).

6- هل كان هناك اختلافٌ في شأن نزول أوائل السور وأواخرها، الأمر الّذي دفع جبرئيل إلى حلّها؟ وللجواب نقول إنّنا لم نجد دليلًا وشاهدًا على وجود مثل هٰذا الاختلاف.

الإشكال الثالث

يرى المحقِّق الشوشتريّ صاحب (القاموس) أنّ إحدى العلامات الدالّة على زيف الحكاية الحديث عن حسّان بن ثابتٍ بأنّه قارئٌ من القرّاء، يقول: «اشتماله على أنّ حسّان بن ثابتٍ من القرّاء في موضعين مع أنّه إنّما كان شاعرًا، وإنّما كان أخوه زيد بن ثابتٍ من القرّاء مع أنّ باقي مَنْ عدّه لم يكن جميعهم من القرّاء، وإنّما القارئ منهم ابن مسعودٍ وأبيٌّ».


1) (1) راجع الصحيح من السيرة: ج 3، ص 263.

الإشكال الرابع

إنّ من جملة الإشكالات المهمّة الّتي ترد على حكاية الجزيرة الخضراء حالة

المشاهدة المدّعاة للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف في زمن الغَيْبة الكبرى والّتي أشارت إليها الحكاية في عدّة مواقع:

أ- ورد في الحكاية أنّ عليّ بن فاضلٍ سأل السيّد شمس الدين قائلًا: «يا سيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف أنّه قال لمّا أمر بالغَيْبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت، إنه عجل الله تعالی فرجه الشریف إنّما قال ذٰلك في ذٰلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العبّاس، حتّى أنّ الشيعة يمنع بعضها بعضًا عن التحدّث بذكره، وفي هٰذا الزمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائيةٌ عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته عجل الله تعالی فرجه الشریف لا يقدر أحدٌ من الأعداء على الوصول إلينا»(1).

نقدٌ ورأيٌ

1- ورد في هٰذا القسم أنّ علّة عدم مشاهدة الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف هي خشية الإمام من أعدائه، ثمّ ذكر أنّ سبب إمكانيّة المشاهدة في الجزيرة هو أنّ فترة الغَيْبة قد طاولت، وأنّ الأعداء قد أيسوا من الإمام، وأنّ الجزيرة نائيةٌ عن ظلمهم وعنائهم.


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 172.

وللجواب نقول: نعم، لقد ورد أنّ إحدى الحكم في غيبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف هو خشيته من الأعداء والخوف على نفسه، لٰكن لم يصل الأمر الى الحدّ الّذي نقول فيه إنّ الأعداء قد يأسوا من الإمام بشكلٍ كاملٍ، فالخطر في حقيقة الأمر لا يزال يهدّده.

2- تخالف الحكاية الروايات النافية لإمكانيّة المشاهدة في الغَيْبة الكبرى. كتب الشيخ جعفر كاشف الغطاء في (كتاب الحقِّ المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة جهال الأخباريّين) وهو كتابٌ ألّفه لولده قائلًا: «... ومنها اعتمادهم على كلِّ روايةٍ حتّى أنّ بعض فضلائهم رأى في بعض الكتب المهجورة الموضوعة لذكر ما يرويه القصّاص من أنّ الجزيرة في البحر تدعى الجزيرة الخضراء فيها دُورٌ لصاحب الزمان فيها عياله وأولاده، فذهب في طلبها حتّى وصل إلى مصر، فبلغه أنّها جزيرةٌ فيها طوائف من النصارى، وكأنّه لم ير الأخبار الدالّة على عدم وقوع الرؤية من أحدٍ بعد الغَيْبة الكبرى، ولا تتّبع كلمات العلماء الدالّة على ذٰلك»(1).

سؤال: إذا ما أرادنا تبرير الروايات وقلنا: إنّ موارد كهٰذه قد تكون لزمانٍ خاصٍّ (زمن الخوف من الأعداء)؟

فجوابه: أ- هو أنّ الحكاية وردت أيضًا لمكانٍ خاصٍّ ولا تشمل إلّا المشاهدة في


1) (1) الجزيرة الخضراء [فارسي]، ص 87. وكلامه ناظرٌ لحكاية الأنباريّ، لٰكن هٰذا الإشكال يرد على حكاية عليّ بن فاضلٍ.

الجزيرة فقط، والحال أنّ التعليل في الحكاية عامٌّ: «تطاولت المدّة وآيس منه الأعداء». هٰذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر أنّ ما نقصده من الروايات النافية للمشاهدة، لا تعني النفي المطلق لمشاهدة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؛ لأنّ اللقاءات غير الاختياريّة الّتي لم يتمّ الإعداد لها (المفاجئة) قد تحقّقت لبعض العلماء، وحتّى الأشخاص الاعتياديّين، ولا يمكن نفيها، إنّما ينكر اللقاء الاختياريّ(1).

ب- ورد في حكاية الأنباريّ: «ولقد أقمنا عندهم سنةً كاملةً نترقّب ورود صاحب الأمر إليهم؛ لأنّهم زعموا أنّها سنة وروده، فلم يوفّقنا الله - تعالى - للنظر إليه، فأمّا ابن دربهان وحسّانٌ فإنّهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته»(2).

نقدٌ ورأيٌ

في قسمٍ آخر من هٰذه الحكاية نقرأ جوابًا للسيّد شمس الدين، وهو النائب الخاصّ في تلك الجزيرة على السؤال التالي: «وهل رأيت الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ قال: لا، ولٰكنّي حدّثني أبي رحمه الله أنّه سمع حديثه ولم ير شخصه(3)، وأنّ جدّي رحمه الله سمع حديثه ورأي شخصه». فكيف يمكن لنائبٍ خاصٍّ للإمام أن لا یری الإمام في حين يراه آخرون باختيارهم(4)؟!


1) (1) للتوسّع في بحث اللقاء [مع الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف] راجع: الفصل السادس من هٰذا الكتاب السفارة والنيابة الخاصّة.

2) (2) بحار الأنوار: ج 53، ص 219.

3) (3) المصدر السابق: ج 52، ص 167.

4) (4) المصدر السابق: ذكر المرحوم الشوشتريّ هٰذا الإشكال في كتاب (الأخبار الدخيلة)، لٰكنّه إشكالٌ غير صحيحٍ حسب الظاهر؛ لأنّ القسم الأوّل من الإشكال يخصّ حكاية الأنباريّ، والقسم الثاني يخصّ حكاية عليّ بن فاضلٍ، ولا يوجد ارتباطٌ بين الحكايتين، بالرغم من كونهما روايةً واحدةً من حيث الجوهر والحقيقة.

ج‍- ورد في رواية البحرانيّ أنّ عليّ بن فاضلٍ سأل السيّد شمس الدين: «يا سيّدي، وهل رأيت الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ قال: لا، ولٰكنّي حدّثني أبي رحمه الله أنّه سمع حديثه ولم ير شخصه، وأنّ جدّي رحمه الله سمع حديثه ورأى شخصه». لٰكنّه بعد سطرين يقول لعليّ بن فاضلٍ: «إنّ الإمام يأتي عجل الله تعالی فرجه الشریف في رأس كلّ سنةٍ إلى تلك البقعة وما يجتمع به إلّا المخلصون» [فيسأله عليّ بن فاضلٍ قائلًا] قلت له: لعلّك منهم؟ فبكى وقال: إن شاء الله»(1).

نقدٌ ورأيٌ

تستبطن جملة "إن شاء الله" احتمالين اثنين: أحدهما: أن تكون الجملة للتردّد، وثانيهما أن تكون للتيمّن والتبرّك. وليس معروفًا ماذا يقصد هنا؟ فإذا ما احتملنا كونها قيلت في الثاني سيكون المعنى: نعم، إنّي أرى الإمام!

د- ورد في الحكاية «فبينما نحن نسير من بستانٍ إلى آخر إذ مرّ بنا رجلٌ بهيّ الصورة، مشتملٌ ببردتين من صوفٍ أبيض، فلمّا قرب منا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه الله: من هٰذا الرجل؟ قال لي: أتنظر إلى هٰذا الجبل الشاهق؟ قلت: نعم. قال: إنّ في وسطه لمكانًا حسنًا


1) (1) تبصرة الوليّ (نسخةٌ خطيّةٌ): ص 170.

وفيه عينٌ جاريةٌ، تحت شجرةٍ ذات أغصانٍ كثيرةٍ، وعندها قبّة مبنيّةٌ بالآجرّ، وإنّ هٰذا الرجل مع رفيقٍ له خادمان لتلك القبّة، وأنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة، وأزور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف منها وأصلّي ركعتين، وأجد هناك ورقةً مكتوب....»(1).

نقدٌ ورأيٌ

مرّ فيما مضى قول السيّد شمس الدين إنّه لم يشاهد الإمام، لٰكنّنا نراه هنا يقول: «وأنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة، وأزور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف». وهٰذا يعني وجود منافاةٍ بين الموضوعين. ويمكن رفع الإشكال هٰذا؛ إذ من الممكن أن يقال لا ملازمة بين الزيارة والمشاهدة، فقد يكون مقصود السيّد شمس الدين من الزيارة، الزيارة من بعدٍ وليس زيارة الحضور المباشر؛ ولهٰذا التبرير جملة مؤيّداتٍ منها:

1- قال السيّد شمس الدين: «أزور منها» ولم يقل: «أزور فيها» وهي جملةٌ تدلّ على كون الزيارة من بعيدٍ، ومن دون مشاهدةٍ.

2- قال: «وأجد هناك ورقةً مكتوب...» فإن كان يشاهد الإمام، كان من الطبيعيّ أن يستلم المكتوب منه بشكلٍ مباشرٍ، ولم يكن من داعٍ لأن يقول: «أجدُ».


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 168.

3- ويتابع عليّ بن فاضلٍ حكايته قائلًا: «فذهبت إلى الجبل فرأيت القبّة، ووجدت هناك خادمين، فرحّب بي... وتوضأت وصلّيت ركعتين». فقد يقال هنا إنّ المقصود من الزيارة هي المشاهدة؛ لأنّ عليّ بن فاضلٍ لم يتحدّث عن الزيارة عن بعدٍ، بل قال بعد أداء الصلاة: «وسألت الخادمين عن رؤية الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف» فبالرغم من كونه قد ذهب للزيارة، إلّا أنّنا لا نجده يذكر الزيارة. حتّى حين قالا له: «الرؤية غير ممكنةٍ» نجده يقول: «فطلبت منهم لدعاء... ونزلت من ذٰلك الجبل»؛ لذٰلك كان عليّ بن فاضلٍ قد ذهب إلى الزيارة (الرؤية)، ولمّا سمع منهم: «الرؤية غير ممكنةٍ» انصرف؛ ولهٰذا فالإشكال والشبهة واردةٌ.

الإشكال الخامس

يقول السيّد شمس الدين: «وأنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة، وأزور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف منها، وأصلّي ركعتين». ويضيف قائلًا: «وأجد هناك ورقةً مكتوبٌ فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين...».

نقدٌ ورأيٌ

كيف أحرز شمس الدين أنّ هٰذا المكتوب صدر عن الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ وكيف شخّص أنّ خدّام المقام لم يكونوا هم من كتب هٰذا المكتوب ونسبوه للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف؟ الشرف

الإشكال السادس

استند البعض في إثبات زواج الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ووجود ذرّيّةٍ له في زمن الغَيْبة إلى فصولٍ من هٰذه الحكاية، مثلًا ورد فيها: «تأتي إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض، من جزائر أولاد الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف»(1).

وتابع عليٍّ بن فاضلٍ قائلًا: «ومكثت عندهم مقدار أربعين يومًا أدعو الله ليلًا ونهارًا بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم في غاية الإعزاز والإكرام، ففي آخر يومٍ من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت إلى شاطئ البحر، أنظر إلى جهة المغرب الّتي ذكروا أهل البلد أنّ ميرتهم تأتي إليهم من

تلك الجهة.

فرأيت شبحًا من بعيدٍ يتحرّك، فسألت عن ذٰلك الشبح أهل البلد وقلت لهم: هل يكون في البحر طيرٌ أبيض؟ فقالوا لي: لا، فهل رأيت شيئًا؟ قلت: نعم. فاستبشروا وقالوا: هٰذه المراكب الّتي تأتي إلينا في كلّ سنةٍ من بلاد أولاد الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف(2).

وذكر أيضًا أنّ السيّد شمس الدين: «من أولاد الإمام، وأنّ بينه وبين الإمام خمسة آباء»(3).


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 164.

2) (2) المصدر السابق: ص 164.

3) (3) المصدر السابق: ص 168.

نقدٌ ورأيٌ

ليس هناك من روايةٍ تدلّ على أنّ للإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف زوجةً وذرِّيَّةً في زمن الغَيْبة بالمرّة، فيما الاختلاف في وجود ذٰلك عند ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف.

يقول المحقِّق الشوشتريّ: «... وأيضًا لم يرد في خبرٍ أنّ له ولدًا، وإنّما اختلفت الأخبار في حصول الولد له عَلَیه السَّلام بعد ظهوره»(1). هٰذا فضلًا عن وجود روايةٍ في كتاب (اختيار معرفة الرجال) عن الإمام الرضا عَلَیه السَّلام عند كلامه مع عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ جاء فيه: «قال له عليٌّ: إنّا روينا أنّ الإمام لا يمضي حتّى يرى عقبه؟ قال: فقال أبو الحسن عَلَیه السَّلام: أما رويتم في هٰذا الحديث غير هٰذا؟ قال: لا. قال: بلى، والله لقد رويتم فيه إلّا القائم...»(2). نعم، وردت روايةٌ في كتاب (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ يقول فيها: «لا يطّلع على موضعه أحدٌ من ولده ولا غيره»(3).

وإذا ما أردنا الحديث عن هٰذه الرواية وجب أن يقال: لقد ورد هٰذا الحديث بسندٍ آخر في كتاب غيبة النعمانيّ(4)، لٰكن دون أن يكون هناك ذكرٌ لوجود ولدٍ للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، وهٰذا بحدّ ذاته دليلٌ على وقوع التحريف في رواية (الغَيْبة) للشيخ الطوسيّ رحمه الله، هٰذا فضلًا عن أنّ بعض نسخ كتاب (الغَيْبة)


1) (1) مستند الأخبار الدخيلة: ج 1، ص 150.

2) (2) رجال الكشّيّ: ج 2، ص 764.

3) (3) الغَيْبة (للطوسيّ)، ص 103.

4) (4) الغَيْبة (للنعمانيّ)، ص 172.

لا نجد فيها لفظ الأوّلاد للإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف(1).

وقد ورد في (جمال الأسبوع) أيضًا: «اللّٰهمّ صل على ولاة عهده والأئمّة من ولده»(2)، ولٰكنّه ضعيف السند، فضلًا عن كونه مخالفًا لروايةٍ أخرى ورد فيها: «والأئمّة من بعده»؛ إذ لا إمام بعد الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف. نعم، باستثناء الأئمّة الّذين يعودون إلى الدنيا بعده؛ ولهٰذا لا يمكن الاستدلال بهٰذه الرواية.

كما جاء في دعاء (جمال الأسبوع): «اللّٰهمّ أعطه في نفسه وأهله وولده وذرّيّته وأمّته وجميع رعيّته ما تقرّ به عينه...»(3).

وللجواب يقال فضلًا عن ضعف السند، يرد على النصّ إشكاليّة أن يكون المقصود بالأوّلاد في هٰذه العبارة ولادتهم بعد ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف(4)، وهو أمرٌ خارجٌ عن بحثنا هٰذا.

الإشكال السابع

يقول عليّ بن فاضلٍ: «لم أر لعلماء الإماميّة عندهم ذكرًا سوى خمسةٍ: السيّد المرتضى الموسويّ، والشيخ أبو جعفرٍ الطوسيّ ومحمّد بن يعقوب الكلينيّ، وابن بابوَيْه، والشيخ أبو القاسم جعفر بن سعيدٍ الحلّيّ».


1) (1) المصدر السابق: ص 61.

2) (2) جمال الأسبوع: ص 309.

3) (3) جمال الأسبوع: ص 309.

4) (4) ويمكن أن يرد هٰذا التبرير على العبارة الأولى أيضًا، هٰذا إن قبلنا أنّ عبارة «الأئمّة من ولده» صحيحةٌ، ومن الطبيعيّ عدم إمكانيّة قبولها.

نقدٌ ورأيٌ

نظرًا لوجود اختلافاتٍ في المنهجيّة الفقهيّة للعلماء الخمسة الّذين تطرّقت إليهم هٰذه الحكاية، وأنّ السيّد شمس الدين كان يمضي في كلّ صباح نحو ذٰلك المشهد، ويجد جواب الأسئلة الّتي يحتاج إليها خلال الأسبوع قضائيّةً كانت أو غير ذٰلك، فإنّ سؤالًا يطرح نفسه، ومفاده كيف يمكن أن ينحصر الأمر في هٰؤلاء الخمسة ولم يتمّ التطرّق إلى الشيخ المفيد الّذي كان له دورٌ كبيرٌ في إعلاء مكانة التشيّع، وخرج له من الناحية المقدّسة توقيعاتٌ(1).

الإشكال الثامن

وتحدّث عليّ بن فاضلٍ، عن أصحاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف قائلًا: «فلمّا كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلاة وجلس السيّد- سلّمه الله - في مجلس الإفادة للمؤمنين، وإذا أنا أسمع هرجًا ومرجًا وجزلةً عظيمةً خارج المسجد، فسألت من السيّد عمّا سمعته، فقال لي: إنّ أمراء عسكرنا يركبون في كلّ جمعةٍ من وسط كلّ شهرٍ، وينتظرون الفرج. فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي، فخرجت لرؤيتهم، وإذا هم جمعٌ كثيرٌ يسبحون الله ويحمدونه ويهلّلونه جلّ وعزّ ويدعون بالفَرَج للإمام القائم بأمر الله والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهديّ الخلف الصالح، صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف. ثمّ عدت إلى مسجد السيّد سلمه الله، فقال لي: رأيت


1) (1) انظر: فصل السفارة والنيابة الخاصّة، ص 170.

العسكر؟ فقلت: نعم. قال: فهل عددت أمراءهم؟ قلت: لا. قال: عدّتهم ثلاثمئة ناصرٍ وبقي ثلاثة عشر ناصرًا، ويعجّل الله لوليه الفرج بمشيّته إنّه جوادٌ كريمٌ»(1).

نقدٌ ورأيٌ

1- لقد بلغ عدد أصحاب الإمام المهديّ عجل الله تعالی فرجه الشریف المنتظرين والمتهيّئين الثلاثمئة سنة 699 ه‍، وهم ينتظرون إكمال الثلاثة عشر الآخرين! والسؤال الّذي يطرح نفسه هو: ألم يستطع الثلاثة عشر شخصًا إعداد أنفسهم بعد مرور أكثر من سبعمئة سنةٍ على ذٰلك التاريخ؟! دقّقوا في الأمر.

2- تتحدث الحكاية عن أنّ أصحاب الإمام قد اجتمعوا في تلك الجزيرة، وهٰذا لا يتلاءم مع ما جاء في الروايات القائلة: إن أصحاب الإمام متفرّقون عند ظهوره. نعم، إلّا أن نقول: وفقًا هٰذه الحكاية يمتطي قادة الجيش في الجمعة الّتي تقع وسط الشهر مراكبهم انتظارًا لظهور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف، لٰكنّ هٰذا الموضوع لا يدلّ على أنّ هٰؤلاء الأشخاص يحضرون الجزيرة بشكلٍ دائمٍ (هٰذا بالرغم من أن هٰذا الكلام يخالف الظاهر وليس لدينا ما يدلّ عليه).

الإشكال التاسع

عن يقول عليّ بن فاضلٍ: «وذهبت إلى عند أهل القرية... وسألتهم عن مذهبهم، فقالوا لي من غير تقيّةٍ منّي: نحن على مذهب أمير المؤمنين، ووصيّ


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 171.

رسول ربّ العالمين عليّ بن أبي طالبٍ والأئمّة المعصومين من ذريته علیهم السَّلام. فقلت لهم: من أين لكم هٰذا المذهب؟ ومن أوصله إليكم؟ قالوا: أبو ذرٍّ الغفاريّ رضي الله عنه حين نفاه عثمان إلى الشام ونفاه معاوية إلى أرضنا هٰذه، فعمّتنا بركته»(1).

نقدٌ ورأيٌ

هل هناك تطابقٌ تاريخيٌّ بين هٰذا المدّعى وبين الحقِّائق التاريخيّة؟ وهل أُبعد أبو ذرٍّ رحمه الله إلى الجزيرة الخضراء؟

الجزيرة الخضراء في التاريخ

تكشف لنا طوايا التاريخ وكتب الرجال أنّ اسم الجزيرة الخضراء كان اسمًا لمكانٍ معروفٍ، تسكنه جمهرةٌ من الناس، ويمتاز بثقافةٍ وحضارةٍ، وكان الوصول إليه سهلًا دون مشقّةٍ تذكر. وسنشير هنا إلى جملة موارد من هٰذا القبيل نقلًا عن كتاب (سير أعلام النبلاء):

1- روى الذهبيّ في ترجمته لحياة أبي عبد الله القرشيّ الهاشميّ الأندلسيّ المتوفّى سنة 595 ه‍ ما يلي: «القدوة الربّانيّ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن إبراهيم القرشيّ الهاشميّ الأندلسيّ من الجزيرة الخضراء، له كراماتٌ فيما يقال وأحوالٌ»(2).


1) (1) بحار الأنوار: ج 52، ص 173.

2) (2) سير أعلام النبلاء: ج 21، ص 400.

2- ويقول في شرحه لترجمة القاضي أبو سليمان بن حوط الله المتوفّى سنة 621 ه‍: «وكان أبو سليمان ورعًا منقبضًا، ولّي قضاء الجزيرة الخضراء»(1).

3- وتحدّث عن تاريخ عبد المؤمن العلويّ المولود سنة 484 ه‍ قائلًا: «فجهّز عبد المؤمن عمر اينتي فدخل إلى الأندلس، فأخذ الجزيرة الخضراء»(2).

4- ويقول في شرح حياة المستعين بالله المتوفّى سنة 407 ه‍: «فكان من جملة جنده القاسم وعليٌّ ابنا حمّود بن ميمون العلويّ الإدريسيّ فجعلهما قائدين على البربر... وأمّر القاسم على الجزيرة الخضراء»(3).

5- ويقول في ترجمة حياة إدريس بن عليٍّ المتوفّى سنة 544 ه‍: «وكان المعتلي بالله قد اعتقل محمّدًا وحسنًا ابنَي عمّه القاسم بن حمّود بالجزيرة الخضراء... وأجمعوا [البربر] على محمّد بن القاسم بن حمّود الإدريسيّ الكائن بالجزيرة الخضراء، فبايعوه ولقّبوه بالمهديّ... ثمّ افترقوا عن محمّدٍ بعد أيّامٍ وردّ خاسئًا فمات غمًّا. فتولّي أمر الجزيرة الخضراء بعد ولده القاسم بن محمّدٍ بن القاسم الإدريسيّ»(4).


1) (1) المصدر السابق: ج 22، ص 184.

2) (2) المصدر السابق: ج 20، ص 372.

3) (3) المصدر السابق: ج 17، ص 133 و284.

4) (4) «وكان المعتلي بالله قد اعتقل محمّدًا وحسنًا ابنَي عمّه القاسم بن حمّود بالجزيرة الخضراء، ووكّل بهما رجلًا من المغاربة، فحين بلغه خبر مقتل المعتلي جمع من كان في الجزيرة من البربر والسودان، وأخرج محمّدًا وحسنًا وقال هٰذان سيّداكم فسارعوا إلى الطاعة لهما، فبويع محمّدٌ وتملك الجزيرة... وأجمعوا [البربر] على محمّد بن القاسم بن حمّود الإدريسيّ الكائن بالجزيرة الخضراء فبايعوه ولقّبوه بالمهديّ... ثمّ افترقوا عن محمّدٍ بعد أيّامٍ وردّ خاسئًا فمات غمًّا بعد أيّامٍ، وخلّف ثمانية أولادٍ فتولّى أمر الجزيرة الخضراء بعد ولده القاسم بن محمّدٍ بن القاسم الإدريسيّ، وولّي مالقة محمّد بن إدريس بن المعتلي، فبقي عليها إلى أن مات سنة خمسٍ وأربعين وأربعمئةٍ، وعُزل أبوه هٰذه المدّة ثمّ ردّوه بعد ولده إلى إمرة مالقة فهو آخر من ملكها من الإدريسيّين، فلمّا مات اجتمع رأي البربر على نفي الإدريسيّة عن الأندلس إلى العدوة والاستبداد بضبط ما بأيديهم من الممالك، ففعلوا ذٰلك، فكانت الجزيرة وما والاها إلى تاكزونة ومالقة وغرناطة إلى قبيلةٍ أخرى ولم يزالوا كذٰلك إلى أن قوي المعتضد بالله عبّاد بن القاضي بن عبّاد على الأندلس فأجلاهم عنها» [سير أعلام النبلاء، ج 17، ص 142- 144].

6- وورد في ترجمة قاسم بن حمّود الإدريسيّ: «فلمّا مات إدريس خنقوا القاسم هٰذا وله ثمانون سنةً، سنة إحدى وثلاثين وأربعمئةٍ، ثمّ حمل تابوته إلى الجزيرة الخضراء فدفن بها وبها يومئذ ولده محمّدٌ»(1).

7- وتحدّث عن يحيى بن عليٍّ بن حمّود المتوفّى سنة 427 ه‍ قائلًا: «أبو زكريّا يحيى بن عليٍّ بن حمّود:... ففّر المعتلي إلى مالقة، ثمّ اضطرب أمر القاسم بعد يسيرٍ، وتغلّب المعتلي على الجزيرة الخضراء، وكانت أمّهُ علويّةً أيضًا».

8- وتحدّث عن ابن أحمدين المتوفّى سنة 548 ه‍ قائلًا: «فدخل قرطبة أبو الغمر نائبًا عن عبد المؤمن... ثمّ اتفق رأي الجميع على تجويز المصامدة


1) (1) سير أعلام النبلاء: ج 17، ص 518.

الّذين تلقّبوا بالموحّدين من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، وجرت فتنٌ كبارٌ وزالت دولة المرابطين وأقبلت دولة الموحّدين»(1).

9- وتحدّث عن محمّد بن عياضٍ (ولد سنة 548) قائلًا: «وأخذ بالجزيرة الخضراء كتاب سيبويه تفقّهًا عن أبي القاسم عبد الرحمٰن بن عليٍّ النحويّ»(2).

10- وتحدّث عن طارقٍ قائلًا: «مولى موسى بن نصيرٍ، وكان أميرًا على طنجة بأقصى المغرب، فبلغه اختلاف الفرنج واقتتالهم، وكاتبه صاحب الجزيرة الخضراء ليمدّه على عدوّه»(3).

11- وتحدّث عن أبي القاسم بن محمود بن ميمونٍ قائلًا: «وتملّك مالقة يحيي المعتليّ والجزيرة الخضراء»(4).

12- وتحدّث في ترجمة ابن عبّادٍ قائلًا: «فضيحةٌ! أربعة رجالٍ في مسافة ثلاثة أيّامٍ يسمّون أمير المؤمنين في وقتٍ... والثاني محمّد بن القاسم الإدريسيّ بالجزيرة الخضراء»(5).


1) (1) المصدر السابق: ج 20، ص 244.

2) (2) المصدر السابق: ج 17، ص 219.

3) (3) المصدر السابق: ج 4، ص 500.

4) (4) المصدر السابق: ج 17، ص 137.

5) (5) المصدر السابق: ج 17، ص 529.

13- وتحدّث في ترجمة العالي بالله إدريس بن يحيى قائلًا: «وكان سيّئ التدبير، فمالت البربر إلى محمّد بن القاسم الإدريسيّ، فملّكوه الجزيرة الخضراء، ولقّبوه بالمهديّ»(1).

الموقع الجغرافيّ للجزيرة الخضراء

تحدّث الحمويّ في (معجم البلدان) عن جملةٍ من المناطق التابعة للجزيرة الخضراء، من قبيل: حاضرة وحصن ومحسن وجزاء الشريط وصَفَة وقصر كتامة ولَبَطيط. كما ذكّر بوجود مناطق مجاورةٍ للجزيرة الخضراء من قبيل: ريّة وزقاق وطنجة وقصر عبد الكريم ومالقة.

1- وفيما يخص موقع الجزيرة ذكر أنّها: جزيرة ذات ثلاثة أركان مثل شكل المثلّث، قد أحاط بها البحران المحيط والمتوسط... فالضلع الأوّل منها أوّله حيث مخرج البحر المتوسّط الشاميّ [إلى]... الجزيرة الخضراء إلى مدينة مالقة...»(2).


1) (1) المصدر السابق: ص 657.

2) (2) وأمّا فيما يخصّ موقع الجزيرة فذكر أنّها: «جزيرةٌ ذات ثلاثة أركانٍ مثل شكل المثلّث قد أحاط بها البحران المحيط والمتوسّط، وهو خليجٌ خارجٌ من البحر المحيط قرب سلا من برّ البربر. فالركن الأوّل... فالضلع الأوّل منها أوّله حيث مخرج البحر المتوسّط الشاميّ من البحر المحيط، وهو أوّل الزقاق في موضعٍ يعرف بجزيرة طريف من برّ الأندلس، يقابل قصر مصمودة بإزاء سلا في الغرب الأقصى من البرّ المتّصل بأفريقيا وديار مصر. وعرض الزقاق ها هنا اثنا عشر ميلًا، ثمّ تمرّ في القبلة إلى الجزيرة الخضراء من البرّ الأندلسيّ المقابلة لمدينة سبتة، وعرض الزقاق ها هنا ثمانية عشر ميلًا، وطوله في هٰذه المسافة الّتي ما بين الجزيرة طريفٌ، وقصر مصمودة إلى المسافة الّتي ما بين الجزيرة الخضراء وسبتة نحو العشرين ميلًا، ومن ها هنا يتّسع البحر الشاميّ إلى جهة المشرق، ثمّ يمرّ من الجزيرة الخضراء إلى مدينة مالقة» [معجم البلدان: ج 1، ص 263].

2- وتحدّث عن مالقة قائلًا: «... إقليمٌ من أعمال الجزيرة الخضراء بالأندلس فيه جبالٌ شامخةٌ»(1).

3- وتحدّث الحمويّ عن الجزيرة الخضراء قائلًا: «الجزيرة الخضراء: مدينةٌ مشهورةٌ بالأندلس وقبالتها من البرّ بلاد البربر سبتة وأعمالها متّصلةٌ بأعمال شذونة، وهي شرقيّ شذونة وقبليّ قرطبة ومدينتها. من أشرف المدن وأطيبها أرضًا... ولعلّها سمّيت بالجزيرة [لأنّها] أرضٌ في البحر يفرج عنها ماء البحر فتبدو، وكذٰلك الأرض الّتي يعلوها السيل ويحدق بها... والجزيرة الخضراء أيضًا جزيرةٌ عظيمةٌ بأرض الزنج من بحر الهند وفيها مدينتان: اسم احداهما منتبي واسم الأخرى مكنبلوا في كلّ... وفيها عدّة قرًى ورساتيق ويزعم سلطانهم... أنّه من ناقلة الكوفة إليها» (2).


1) (1) معجم البلدان: ج 1، ص 320.

2) (2) «مدينةٌ مشهورةٌ بالأندلس وقبالتها من البرّ بلاد البربر سبتة، وأعمالها متّصلةٌ بأعمال شذونة، وهي شرقيّ شذونة، وقبليّ قرطبة، ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرضًا، وسورها يضرب به ماء البحر ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر، لٰكنّها متّصلةٌ ببرّ الأندلس لا حائل من الماء دونها، كذا أخبرني جماعةٌ ممّن شاهدها من أهلها ولعلّها سمّيت بالجزيرة لمعنًى آخر على أنّه قد قال الأزهريّ: إنّ الجزيرة في كلام العرب أرضٌ في البحر يفرج عنها ماء البحر فتبدو، وكذٰلك الأرض الّتي يعلوها السيل ويحدق بها، ومرساها من أجور المراسي للجور، وأقربها من البحر الأعظم بينهما ثمانية عشر ميلًا، وبين الجزيرة الخضراء وقرطبة خمسةّ وخمسون فرسخًا، وهي على نهر برباط ونهر لجأ إليه أهل الأندلس في عام محلّ... والجزيرة الخضراء أيضًا جزيرةٌ عظيمةٌ بأرض الزنج من بحر الهند، و هي كبيرةٌ عريضةٌ يحيط بها البحر المالح من كلّ جانبٍ، وفيها مدينتان: اسم إحداهما منتبي واسم الأخرى مكنبلوا، في كلّ واحدةٍ منهما سلطانٌ لا طاعة له على الآخر، وفيها عدّة قرًى ورساتيق ويزعم سلطانهم أنّه عربيٌّ، وأنّه من ناقلة الكوفة إليها. حدّثني بذٰلك الشيخ الصالح عبد الملك الحلاويّ البصريّ، وكان قد شاهد ذٰلك وعرفه، وهو ثقةٌ» [معجم البلدان: ج 2، ص 136].

4- «... الحاضرة أيضًا بلدةٌ من أعمال الجزيرة الخضراء بالأندلس»(1).

5- «حصن محسن، من أعمال الجزيرة الخضراء بالأندلس»(2).

6- ريّة، كورةٌ واسعةٌ بالأندلس متّصلةٌ بالجزيرة الخضراء»(3).

7- «الزقاق، مجاز البحر بين طنجة، وهي مدينةٌ بالمغرب على البرّ المتّصل بالإسكندريّة والجزيرة الخضراء»(4).

8- «جزاء الشريط، قريةٌ من أعمال الجزيرة الخضراء بالأندلس»(5).


1) (1) معجم البلدان: ج 2، ص 207.

2) (2) المصدر السابق: ص 265.

3) (3) المصدر السابق: ج 3، ص 116.

4) (4) المصدر السابق: ج 2، ص 144.

5) (5) المصدر السابق: ص 340.

9- «صَفَت، صفح بني الهزهاز: ناحيةٌ من نواحي الجزيرة الخضراء بالأندلس»(1).

10- «طنجة، من جهه الجنوب بلدٌ على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء، وهو من البرّ الأعظم، وبلاد البربر».

11- قصر عبد الكريم: «مدينةٌ على ساحل بحر المغرب قرب سبتة مقابل الجزيرة الخضراء من الأندلس، قد نسب إليه بعضهم»(2).

12- «قصر كتامة: مدينةٌ بالجزيرة الخضراء من أرض الأندلس»(3).

13- لَبَطيط، بالأندلس من أعمال الجزيرة الخضراء»(4).

14- «مالَقَة، مدينة بالأندلس عامرةٌ من أعمال ريَه، سورها على شاطئ البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية»(5).

لذٰلك يمكن القول إنّ الجزيرة الخضراء لم تكن أرضًا سحريّةً ومجهولةً يصعب أو يقرب من الاستحالة الوصول إليها، بل كانت أرضًا عامرةً بسكانها، وفي كثيرٍ من الحالات، كانت ساحةً للصراعات والحروب، كما


1) (1) المصدر السابق: ج 2، ص 412.

2) (2) المصدر السابق: ج 4، ص 360.

3) (3) المصدر السابق: ص 362.

4) (4) المصدر السابق: ج 5، ص 10.

5) (5) المصدر السابق: ص 43.

كانت المناطق التابعة لها، وكذا حدودها وجيرانها مناطق معروفةٌ جدًّا.

ومن هٰذا المنطلق، يمكننا القول إنّ هٰذه الحكاية حكايةٌ مصطنعةٌ دوّنها عليّ بن فاضلٍ أو الطيّبيّ أو شخصٌ ثالثٌ، وقد يكون هدفه تقوية مباني المذهب وترويجها وفق ما يتصوّر. لٰكنّ "ما قُصد لم يقع، وما وقع لم يُقصد"، والله العالم بحقيقة الحال.

وأمّا أن يكون مثلّث برمودا هو الجزيرة الخضراء بالذات، ومن ثمّ البحث في الموقع الجغرافيّ لهٰذا المثلث وادّعاء وجود قوًى غيبيّةٍ فيه، ومدى مطابقة هٰذا الأمر للواقع؛ فللاطّلاع عليه راجع كتاب: (الجزيرة الخضراء.. خيالً أم واقعً؟!)(1).

تمّ الجزء الأوّل، والحمد لله ربّ العالمين.

قمّ المقدّسة

نجم الدين الطبسيّ


1) (1) جزيرة خضرا، افسانه یا واقعیت: ص 21 - 108. [المصدر باللغة الفارسيّة]