ghaemiyeh.com
الخرسان، محمّد مهدي 1928م.
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.
قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390
الفهرسة طبق نظام فيپا.
ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.
مركز الأبحاث العقائدية.
1390 4خ / 17الف 8/ 92 Bp 1924/ 297
الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101
مركز الأبحاث العقائدية
ص. ب: 3331 / 37185
الهاتف: 37742088 (25)(0098)
الفاكس: 37742056 (25)(0098)
شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
ص. ب: 729
الهاتف: 332679 (33)(00964)
الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً
شابك (ردمك) ج19 / 0 - 40 - 7100 - 600 - 978
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء التاسع عشر
الطبعة الأُولى: 2000 نسخة
سنة الطبع: 1437ه-
الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش
المطبعة: الوفاء
السعر 150000 ريال
*جميع الحقوق محفوظة للمركز *
موسوعة عبدالله بن عباس
سلسلة رد الشبهات - 5
موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن
الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان
الجزء التاسع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى كلّ راغب من القرّاء في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن ابن عبّاس وذويه، والتي وصلت إلينا عبر الموروث المعثوث، غير مستساغة الفهم بالصورة التي ورثناها، محسوبة مكتوبة، وهي مكذوبة، نتيجة الانشقاق السياسي بين العلويين والعبّاسيين، مضافاً إلى الانقسام في الانتماء النسبي بين العلويين أنفسهم، وممّا زاد الطين بلّة الاضطهاد الفكري العقائدي من غلبة المستولين على المحكومين، فتفاقم الخطب بمرور القرون حتّى كان الانفصام، ولا طمع بالوئام.
وكلّ غرضي التنبيه على أنّ ليس كلّ الموروث من الثوابت التي لا تتغيّر، فهو لم يأتنا بوحي منزل، بل هو على المحكّ، منه المقبول، ومنه المرذول، فلا حجّة لقارئ على صحّة أو رفض إلاّ ببرهان، هدانا الله تعالى جميعاً إلى سواء الصراط المستقيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله على ما هدانا وأولانا وأبلانا، وصلّى الله على سيّد الأنبياء والمرسلين، وعليهم وعلى أوصيائه وأبنائه الميامين الأئمّة الطيبيّن الطاهرين، ورضي الله عن جميع الصحابة المهتدين، الراضين المرضيين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا هو الجزء الرابع من هذه الحلقة الرابعة من موسوعة ابن عبّاس رضي الله عنه، والذي خصّصته للأبحاث التالية:
المبحث الأوّل: في بحث تشيّع ابن عبّاس وذويه بين السلب والإيجاب.
المبحث الثاني: في بحث بقية ما قيل في ابن عبّاس من تنقيد وإشكاليات.
المبحث الثالث: في بحث أوهام وأكاذيب من عكرمة إلى المستشرقين.
وفي كلّ مبحث سأضع نقاط إيضاح على الحروف -- كما يقال -- لتصحيح خطأ المفاهيم الموروثة والتي اختمرت في الأذهان، من دون محاباة أو مواربة، لإعادة النظر في تحقيق تلك الأخبار التي ملأت صحف
التراث، فغدت جزءاً من الموروث المقدّس، تصحيحاً لأخطاء مرّت في التاريخ فأساءت المفاهيم وهي التي يجب أن تصحّح، لئلا يكون حال يومنا الحاضر شرّاً، أو كحال أمسنا الدابر، بحجّة (هذا ما وجدنا عليه آباءنا)، وهذا ما نعاه القرآن الكريم على ذويه القائلين به، ونحن اليوم مع تقدّم وسائل المعرفة، لا ينبغي غضّ النظر والإغماض عن تصحيح أخطاء الماضين، وهذا يتم عن طريق كشف الحقائق المغيّبة، فلا تصدّنا خشية الإثارة من زعزعة الموروث، فهذا يعني وأد العقل أزاء شذوذ بعض الممارسات في ثقافتنا وأدبياتنا الدينية، استناداً إلى أخبار هزيلة وأفهام سطحية يستأكل أصحابها بكلّ حشف ويابس، فضلاً عن الوضّاعين الدجّالين الذين لم يسلم منهم التراث الإسلامي بجميع مذاهبه وأطيافه، ففي كلّ واد ثعلبة، بل ولم يسلم من شرّ أولئك الشراذم حتّى تراث الأديان الأُخرى، والباحث فيه يجد الشواهد على هذا، ولست بصددها في المقام.
وما كان ابن عبّاس في منأى عن شرّهم، أنّى يسلم؟ وحقله الثقافي خصب مربع، فلماذا إذاً لا يدُسّ فيه وعليه ما هو نشاز وكذب، ألم يعترف أحد الوضّاعين عليه بجريمته عندما حوقق في ذلك؟ وذلك هو أبو عصمة نوح بن مريم -- وكان يقال له: الجامع، لأنّه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجّاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق -- فاستشرف إلى أعلى ما يمكن أن ينفق بضاعته باسمه، فوضع حديثاً في فضائل سور القرآن سورة سورة، فقيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟!
فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة(1).
فهذا واحد اعترف بخطيئته عندما حوقق، فكم غيره مثله ممّن لم يعترف أو لم يبلغنا اعترافه، وابن عبّاس رضي الله عنه في سعة آفاق حياته نسباً وسبباً، وعلماً وعملاً، وحكماً وحلماً وفهماً، وسياسة وكياسة ورآسة، إلى ما سواها ممّا وسّع باب الوضع عليه، فدخل من نتاجهم في الموروث وكاد يزحم الحقائق فيزيلها، ولكن جهابذة الفنّ ميّزوا بين الصحيح والسقيم، والغث والسمين، ولم ينخدعوا بهالة الموروث الذي رواه فلان، أو ذكره علاّن، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع.
وإنّي لأنحني إجلالاً وتعظيماً لما قاله مولانا أمير البيان أمير المؤمنين عليه السلام، فقد قال:
(إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع، وأحكام تُبتدع. يُخالف فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين الله، فلو أنّ الباطل خَلَص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتابين، ولو أنّ الحقّ خَلَص من الباطل انقطعت عنه ألسنة المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان (فيخرجان)، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم الحسنى)(2).
اللّهمّ أرنا الحقّ حقّاً فنتّبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه، ولا تجعله علينا متشابها فنضلّ عن سبيلك، فإنّك وليّ التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل المستقيم.
طالما سهرت الليالي الطوال، وأتعبت نفسي في تقميشي أخبار ابن عبّاس رضي الله عنه، ولم يخطر ببالي أنّي بعد لأيٍ من السنين، أجد مَن يحاول زرع الشكّ في تشيّع ابن عبّاس، فيؤرقني القلق، ويساورني الندم على سهر تلك الليالي التي أجهدت فيها نفسي من معاناة السهر، فما دام ابن عبّاس بعدُ في ميزان الإيمان هو في مرحلة الشكّ، متأرجح بين كفتي الميزان، فلماذا التعب؟ ولماذا الجمع؟ فالرجل مشكوك في تشيّعه، وعلى حافة جرف هارٍ، يالله! ما أقسى هذا الطرح المهين المشين!
وأنا الذي أراه لم يماثله أحد من شيعة الصحابة في عصره ومصره في مواقفه العقائدية، إذ لم أجد له مماثلاً ومناضلاً في سبيل أئمّة الشيعة، مَن عاصر منهم، ومَن لم يكونوا بعدُ مخلوقين في عصره، وأعني بقية الأئمّة الاثني عشر، وذلك من خلال مروياته فيهم، مرفوعة وموقوفة، فصرت أنا المتأرجح بين أقوال قدامى المؤرّخين، وتهريج بعض المتأخّرين، لذلك رأيت العلاج الناجح والناجع النافع، كشف الحقيقة التي ران عليها الغبش والتضبيب عمداً أو عن جهل لقصور في الفهم، فساء فهم الموروث الذي اختزنته مصادر التراث، تحت طائلة الأهواء الطائفية بين الشيعة والسُنّة، ثمّ اختلاف وجهات النظر بين الشيعة أنفسهم، في التطرّف بين جهتي الغلوّ والتقصير، ولم يكن هذا النمط ممّن يحتكم إلى العقل بقدر ما هو منداح
مع العاطفة، لقلّة الرصيد العلمي، وآفة الفهم السقيم، ومن سلم من بين هذا وذاك، فهو من النمرقة الوسطى التي حالفها التوفيق في سعة الأفق، وقليل ما هم الذين لم يخدعوا بطرح الرأي الفطير، ولم يكتفوا باجترار الأقوال سليمها وسقيمها، بل استخلصوا من بين ركام التاريخ ممّا خلص من آفات الرواة من تلبيس وتدليس، فكانت لهم آراء ناضجة ومواقف ناصحة، تهدي من أضل سبيلاً إلى موقف وسط بين اليمين واليسار، ليس في ابن عبّاس وحده، بل فيه وفي ذويه، وعشيرته التي تؤويه، فإنّهم جميعاً كانوا شيعة وسطا -- من الوسطية والاعتدال -- لهم مواقف مشهودة ومشهورة في نصرة الحقّ المتمثل يومئذ باتّباع أمير المؤمنين عليه السلام في ساعة العسرة، كما هم كانوا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في يوم حنين وما تلاه من مواقف، وهذا ممّا لا ينكره إلاّ أعمى البصيرة، فيهرف بما لا يعرف، فخبط خبط العشواء في الظلماء، وقد أشرت إلى نمط من هذا الحال في أواخر الجزء الثالث من هذه الحلقة، وقلت كما قال المتنبّي(1):
وليس يصحّ في الأفهام شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل
فإنّ فضل بني هاشم -- ومنهم ابن عبّاس -- قد شاع وذاع على لسان النبيّ الكريم صلي الله عليه وآله وسلم، ولولا غلبة الموروث على الأذهان لَما احتجت أن أذكر في هذا المقام ما صحّ من حديث نبويّ شريف، لكن ثمّة أزمة فهم، وأزمة
1) - الصبح المنبي عن حيثية المتنبّي للبديعي 2/350، ط الأولى سنة 1308ه-، المطبعة العامرة الشرقية بهامش شرح العكبري لديوان المتنبّي.
تمييز، وأزمة من مخلّفات ذلك الموروث، أورثت نتائج سيئة، ظلمات بعضها فوق بعض، وما دامت معاني الأزمة إنّما تختلف باختلاف موارد استعمالها، فهي لا تختلف في معناها اللغوي: الأزمة: الشدّة والقحط كما في صحاح الجوهري (إزم).
وهذا ما عاشه الفرد المسلم منذ الانشقاق العقائدي الذي أصاب الصحابة المسلمين، منذ يوم الخميس الذي أراد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أن يكتب كتاباً لأُمّته لن يضلّوا ما إن تمسكوا به، لكنّ عمر منع من ذلك (وقال كلمة معناها: غلبه الوجع)، فأحدث الانشقاق في جماعة الحضور وتنازعوا، فطردهم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وقال: (قوموا عنّي لا ينبغي عندي نزاع)، فكان ابن عبّاس يقول: (الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب)، وقد مرّ بحث هذا الحديث بجميع ملابساته في الجزء الأوّل من الموسوعة، وموقف ابن عبّاس وأبيه العبّاس في ذلك اليوم(1)فراجع!
وأقولها بإصرار: لولا غلبة المستولين على الحكم بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لَما أسيء الطرح منهم، حتّى يساء الفهم من المسلمين فيهم، وكلّما مرّ وتمادى الزمان، اتسعت شقّة الخلاف في الخلافة، وازدادت الأزمات النفسية عند الفرد المسلم شدّة، فعاش القحط الإيماني، لسيطرة الموروث الطائفي على عقله، لِما فيه من تبديع، وبما فيه من تضليل، وما أورثه من اختلاف في تفسير النصّ، فساءت المفاهيم، وطال الدرب فعظم الخطب، وصار التجريح
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/ ثالثاً: حديث الرزية.
والتقبيح بلغة الاستفزاز بالشتائم، فعمّت البلية الجاني والبريء، والحالي والعاطل، وخفيت حقائق، وشُوّهت صحائف، ما كان الحقّ أن تكون، وما كان ينبغي للمسلمين لهم ذلك.
ولو استثمر قارئ العصر النصوص القرآنية وهي لا شكّ في أنّها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأراح واستراح، فأخذ بقوله تعالى عند الجدلية العقيمة في هذا اليوم بقوله تعالى: قُل اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(1)، وعمل بقوله تعالى: إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا(2)، ووقف عند قوله تعالى: وَلاَ تَكْسِبُ كلّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(3)، وأخيراً اكتفى بقوله تعالى: قُلْ كلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً(4)، وبقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(5)، إلى غير ذلك من آيات الله البيّنات التي تنير الدرب والظلمات، أعاذنا الله من زلل الأقوال، وخطل الآراء، ومرديات الهوى.
لقد حاولت قدر المستطاع أن لا أزيغ في هذه الموسوعة عن قولة الحقّ لوجه الحقّ تعالى، وهذا تمّ لي فيما أرى بحمد الله ومَنّه بكشف الحقائق، والابتعاد عن العواطف، فابن عبّاس رضي الله عنه فضلاً عن باقي ذويه، كلّهم أناس كسائر بني آدم من غير المعصومين، ليس لهم من تمييز إلاّ ما وهبهم الله تعالى من شرف الانتماء، ثمّ هم وأعمالهم على حدّ قوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ‡ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ(1).
وجهدت قدر ما استطعت الابتعاد عن التعميم، لئلا يختلط الحابل بالنابل، والحالي بالعاطل، فأبو لهب من بني هاشم وهو من أعمام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقد أنزل الله تعالى في ذمّه وامرأته حمالة الحطب سورة في كتابه تتلى إلى يوم القيامة، فهو ليس مشمولاً بالبحث عنه، ولعلّي بهذا المنهج القويم، أصل بالقارئ إلى المنهج المستقيم، من خلال النقاط التالية:
1) - سورة الزلزلة/7 -- 8.
أخرج مسلم في صحيحه(1)، وأبو يعلى في مسنده(2)، والخطيب(3)، وابن عساكر(4)، عن الجميع الألباني في الصحيحة، قال: (إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، قال الألباني: وأخرجه أحمد (4/107)(5)...
وقال الطبري في (ذخائر العقبى): (وأخرج أحمد في المناقب بسنده عن عائشة رض قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (قال جبريل عليه السلام قلّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم))(6).
و(عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: دخل ناس من قريش على صفيّة بنت عبد المطّلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية.
فقالت صفية: منّا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
فقالوا: تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا.
فقالت: وما الكبا؟
قالوا: الأرض التي ليست بطيبة.
فذكرت صفية للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فغضب، وقال: (يا بلال! هجّر بالصلاة)، فهجّر، فقام صلي الله عليه وآله وسلم على المنبر فنادى بصوت، فقال: (أيّها الناس! من أنا؟)
قالوا: أنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قال: (انسبوني)؟
قالوا: محمّد بن عبد المطّلب.
قال: (ما بال أقوام يبتذلون أهلي، فوالله إنّي لأفضلهم أصلاً).
فقالت الأنصار: قد غضب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقوموا فخذوا السلاح، فقاموا فأخذوا السلاح ودخلوا فيه حتّى لا ترى منهم إلاّ الحدق، حتّى أحدقوا بالناس، وغصّت بهم أبواب المسجد والسكك، فقام النفر واعتذروا إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
ثمّ قال للأنصار: (الناس دثاري، وأنتم شعاري)، وأثنى عليهم خيرا)(1).
و(عن أبي هريرة، قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله! إنّ الناس يقولون لي: أنت بنت (حمّالة حطب) النار.
فقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو مغضب، فقال: (ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي، من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))(2).
أخرج الخطيب البغدادي بسنده: (عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: إنّ العبّاس جاء إلى النبيّ -- رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم- فقال: قد تركتَ فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لا يبلغون الخير -- أو قال الإيمان -- حتّى يحبّوكم لله تعالى ولقرابتي، أترجو سلهم -- حيّ من مراد -- شفاعتي ولا ترجو بني عبد المطّلب شفاعتي))(1).
أقول: ليت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يبعث نظرة إلى رجال من أُمّته ما زالت تبدي ضغائن نفوسهم، فلا يتهضمون ما قال في أهل بيته!
فلقد قال صلي الله عليه وآله وسلم: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين كسبه، وعن حبّنا أهل البيت)، أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير)(2)، فعلّق محقّق الكتاب (حمدي عبد المجيد السلفي) بقوله في الهامش: (قال في المجمع (10/346): وفيه حسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جدّاً، وقد وثّقه ابن
حبّان مع أنّه يشتم السلف، قلت -- والقائل هو حمدي السلفي -- تقدّم من حديث ابن مسعود، وله شواهد من حديث معاذ بن جبل، وأبي برزة الأسلمي، قال شيخنا في سلسلة الصحيحة (2/667): وهو بهذه الزيادة -- وعن حبّنا أهل البيت -- باطل).
أقول: أتريد نُصباً فوق هذا؟! حديث يرويه مع شواهده أربعة من الصحابة، ويخرّجه حفّاظ الأئمّة كالطبراني والهيثمي وغيرهما، وفيه: بأنّ العبد يسأل يوم القيامة عن أربع... (وعن حبّنا أهل البيت)، فغصّ السلفي بذكرها، وجعلها زيادة مع أنّها هي الرابعة، وحكى عن شيخه -- وهو الألباني صاحب (سلسلة الأحاديث الصحيحة) -- بطلان الحديث للزيادة التي فيه.. ألا يقظة ضمير آناً ما! فيتدبّر السلفي وشيخه ومن شايعهما على ذلك، فيعيدان النظر في قراءة ما رواه مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام بسنده: (عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أمّا بعد، أيّها الناس! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجلّ فأجبته، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فتمسّكوا بكتاب الله عزّ وجلّ وخذوا به)، وحثّ عليه ورغّب فيه، ثمّ قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله عزّ وجلّ في أهل بيتي) ثلاث مرّات.
فقيل لزيد: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟
فقال: بلى إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرّم عليهم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عبّاس.
قال: أكلّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم)(1).
وليتني أدري ما رأي السلفي وشيخه فيما رواه مسلم في صحيحه أيضاً، بسنده: (عن سعد بن أبي وقاص، قال: ولمّا نزلت هذه الآية: تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ(2)، دعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي))(3)، إلى غير هذا ممّا قاله النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في فضل أهل بيته، وأنّهم فاطمة وبعلها عليّ وولداها الحسن والحسين، كما في رواية شهر ابن حوشب، عن أُمّ سلمة، وقد أخرجها الترمذي، وقال: وهذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
أقول: وهذا صحّحه الألباني في (صحيح سنن الترمذي)(4)، فهل هذا باطل أيضاً؟ ولفظه: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جللّ الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة كساءً، ثمّ قال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)، فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: (إنّك إلى خير).
وما رأي حمدي السلفي في ابن تيمية وهو إمام السلفية؟ حيث قال في (عقيدته الواسطية) في بيان عقيدة أهل السُنّة: (ويحبّون أهل بيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ويتولّونهم، ويحفظون فيهم وصيّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، حيث قال يوم غدير خمّ: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم
الله في أهل بيتي). وقال للعبّاس عمّه وقد اشتكى إليه أنّ بعض قريش يجفوا بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي)، وقال: (إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)(1).
فكيف يسوغ لسلفي بعد هذا الاعتراف الصريح من ابن تيمية وهو إمامهم، أن يشرّق أو يغرّب عن محبّة أهل البيت، ويأتي بتفسير لهم آخر، فلا مناص له من الإذعان بأنّ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام هم من أهل البيت، كما أنّ بيتهم من أفاضل تلك البيوت التي في بيوت، أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(2)، كما في تفسير الآية عن أبي بكر.
فقد روى الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل): (عن أنس بن مالك، وعن بريدة، قالا: قرأ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم هذه الآية: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ، إلى قوله: وَالأَبْصَارُ، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله! هذا البيت منها؟ -- بيت عليّ وفاطمة -- قال: نعم من أفاضلها)(3)، ورواه السيوطي في (الدرّ المنثور)(4)، والآلوسي في (روح المعاني)(5).
إنّ النفاذ إلى باطن الأحداث التاريخية، يوضّح ما استبهم فبدا غامضاً، وفي قراءة ما مرّ رأينا غضب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم على من تناول بعض قرابته بما يسيء فقال ما قال..
والآن إلى السؤال التالي الذي يطرح نفسه في المقام: هل يؤذي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من تناول ابن عبّاس أو أحد عشيرته التي تؤويه بكلمة جارحة؟
وهل قول القائل تبريراً لكلمته الجارحة: إنّ العبّاس وبنيه لم يأتوا يوماً بخير -- كما في خطبة قيس بن سعد بن عبادة كما سيأتي ذكرها -- أو لم ينصروا عليّاً عليه السلام من بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فبادر إلى بيعة أبي بكر، كما في خبر علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره؟
وهل كان عليّاً راضياً عنهم ومنهم؟ إذاً فلماذا لم يندّد بهم في بعض نفثاته؟!
وهكذا تتوالى المؤاخذات في سؤال بعد سؤال، حتّى استحقّوا اللوم على ما كان منهم وفيهم من تقصير، ولا بدّ من جواب مقنع للتبصير لا للتعذير، وهذا الذي دعاني إلى بحث هذا الجانب لكثرة السؤال عنه شفاهاً ومراسلةً، لكثرة التطاول على العبّاس بن عبد المطّلب وبنيه في الوسط العامّي الشيعي، المأخوذ بالموروث الذي أضحت أخطاؤه من الثوابت التي
أحيطت بهالة التقديس باسم أهل البيت عليهم السلام، ولمِا أصابهم من ظلم بني العبّاس أيام حكمهم، وإذا بالعبّاس بن عبد المطّلب وبنيه هم الضحايا، لأنّ خلفاء بني العبّاس من ذراريه؟! إنّها بلية الموروث، وأزمة التمييز، وأزمة الإيمان..
وقبل الجواب، فلنقرأ قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لبني عبد المطّلب: (إنّي سألت الله أن يثبت قائمكم، ويهدي ضالّكم، وأن يعلّم جاهلكم، وأن يجعلكم رحماء نجباء، ولو أنّ رجلاً صفّ قدميه وصلّى ولقي الله وهو مبغض لأهل هذا البيت لدخل النار)(1).
لقد كثرت القالة والمهاجاة بين حكّام العبّاسيين وثّوار العلويين، ممّا ألهب عواطف الأتباع والشيع خلال الموروث غير النقي، واستبدال الأدوار، فشاعت أعاجيب الأكاذيب، وتصدّرت واجهة التراث مفاهيم خاطئة، فغيّبت حقائق واقعة، في غيابات الحبّ والبغض، فصار الموروث المؤوف من الثوابت، فمن يسمع أو يقرأ الصحيح الذي لم يألفه من قبل، علا منه الشهيق والزفير استنكاراً واستكباراً.
وأقوى شاهد لنا في المقام: ما روي في ذمّ العبّاس بن عبد المطّلب، وعقيل بن أبي طالب، من قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقد سأله الأشعث ابن قيس عن عدم مطالبته بحقّه يوم السقيفة، فقال:
1) - أخرجه الملا في سيرته، وعنه في ذخائر العقبى 1/68 عن جابر بن عبد الله.
(... ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به، ولا أقوى به، أمّا حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين [عاجزين] العبّاس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر...)(1).
هذا بعض من خبر طويل ذكره سليم بن قيس -- على ما في الكتاب المنسوب إليه -- وفيه محاورة طويلة بين الأشعث بن قيس وبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد خطبة له عليه السلام يستنفر بها أهل الكوفة للسير إلى معاوية، وقد طال الحوار بين الإمام عليه السلام وهو على المنبر وبين الأشعث الذي هو مع الناس، وكانت طبيعة الحوار مغاضبة نافرة، ومباغضة ظاهرة، فقد قال الإمام عليه السلام للأشعث في إحدى المرّات: (عرف النار)، ورد الأشعث يا بن أبي طالب، وانتهى الحوار بقول الأشعث ساخراً: والله لئن كان الأمر كما تقول لقد هلكت أُمّه محمّد صلي الله عليه وآله وسلم غيرك وغير شيعتك، فقال له عليه السلام: (فإنّ الحقّ والله معي يا بن قيس كما أقول...).
وختمها سليم بقوله: فما شهدت يوماً قطّ على رؤوس العامّة كان أقرّ لأعيننا [من ذلك اليوم] لمّا كشف أمير المؤمنين عليه السلام للناس من الغطاء وأظهر فيه من الحقّ، وشرح فيه من الأمر... وصارت الشيعة بعد ذلك المجلس أجلّ الناس وأعظمهم، وذلك بعد وقعة أهل النهروان، وهو يأمر بالتهيئة والمسير إلى معاوية، ثمّ لم يلبث أن قتله ابن ملجم لعنه الله...
1) - كتاب سليم بن قيس 2/661 الحديث الثاني عشر، ط تح الأنصاري، نشر الهادي في خبر طويل من دون ذكر السند.
إنّها مزيج من أمر مريج، فخطبة الإمام عليه السلام رواها إبراهيم بن محمّد الثقفي (ت283ه-) في كتابه (الغارات ص493/ بتحقيق المرحوم السيّد المحدّث الأرموي)، كما رواها الشيخ المفيد في (الأمالي في المجلس الثامن عشر) بسند يلتقي وسند الثقفي في كتابه (الغارات).
أمّا بقية فصول المحاورات بين الإمام وبين الأشعث بن قيس، فلم ترد فيهما ولا في بقية مصادر الخطبة التي لم تروها عن سليم، أمّا التي نقلت الخطبة وما لحقها فهي عن كتاب سليم، ك-(إرشاد القلوب) للديلمي، و(بحار الأنوار) للمجلسي، فالجميع في المؤاخذة الآنية سواء.
وليس كثرة رواة الخبر عن سليم ما يضفي الوثاقة والاطمئنان بصحّة المروي، إذ هو -- كتاب سليم -- لا يخلو من نقد بناء، لما فيه من خلط وخبط، وحسبنا في المقام قول الشيخ المفيد في خاتمة كتابه (تصحيح الاعتقاد): (إنّ هذا الكتاب -- كتاب سليم -- غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتديّن أن يجتنب العمل بكلّ ما فيه، ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء فيما تضمنّه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد، والله الموقف للصواب)(1).
ولعلّ ممّا أشار إليه الشيخ المفيد في كتاب سليم من الفاسد ما جاء من قول الإمام عليه السلام: (ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به...)، فإنّ في
1) - تصحيح الاعتقاد: 217، ط سنة 1388 بتقديم صديقنا العلامة المرحوم الشيخ محمّد رضا الجعفري.
كلام الإمام عليه السلام في (نهج البلاغة) الذي رواه الشريف الرضي رضي الله عنه مرّتين بروايتين ما ينفي ذلك:
فقال في الأوّل: ومن خطبة له عليه السلام، ومنها: (فنظرت فإذا ليس مُعين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت عن القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمرّ من طعم العلقم...)(1).
وقال في الثانية: ومن كلام له عليه السلام: (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم... فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من حزّ الشفار...)(2).
فمن هم أهل بيته الذين ضنّ بهم عن الموت، عن المنية؟ أليس هم الذين قال عنهم في رواية سليم: ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به.
فكيف صار الأكوس وعريض اللحية في حال واحدة؟! وسيأتي الكلام والتعقيب على هذا الخبر بذكر شواهد بالتكذيب له، وإنّ هذا من فاسد ما في كتاب سليم..
ويجدر بنا في المقام أوّلاً قراءة ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه للرواية الثانية للرضي رحمه الله ، فقال: (فصل: في أنّ جعفراً وحمزة لو كانا حيّين
لبايعا عليّاً: وسألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد رحمه الله، قلت له: أتقول: إنّ حمزة وجعفراً لو كانا حيّين يوم وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أكانا يبايعانه بالخلافة؟
فقال: نعم: كانا أسرع إلى بيعته من النار في يبس العرفج.
فقلت له: أظنّ أنّ جعفراً كان يبايعه ويتابعه، وما أظنّ حمزة كذلك، وأراه جبّاراً قويّ النفس، شديد الشكيمة، ذاهباً بنفسه، شجاعاً بُهمة، وهو العمّ والأعلى سنّاً، وآثاره في الجهاد معروفة، وأظنّه كان يطلب الخلافة لنفسه.
فقال: الأمر في أخلاقه وسجاياه كما ذكرت، ولكنّه كان صاحب دين متين، وتصديق خالص لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولو عاش لرأى من أحوال عليّ عليه السلام مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ما يوجب أن يكسر له نخوته، وأن يقيم له صَعَره، وأن يقدّمه على نفسه، وأن يتوخّى رضا الله ورضا رسوله فيه، وإن كان بخلاف إيثاره... لو أنّ حمزة حييّ حتّى رأى من عليّ ما رآه غيره، لكان أتبع له من ظلّه، وأطوع له من أبي ذرّ والمقداد.
وأمّا قولك: هو العمّ والأعلى سنّاً، فقد كان العبّاس العمّ والأعلى سنّاً، وقد عرفت ما بذله له وندبه إليه...).
ثمّ ذكر ابن أبي الحديد فيما حكى عن النقيب كلاماً لأبي حيان في تفضيل جعفر على عليّ: (قال النقيب رحمه الله: اعلم -- فداك شيخك -- أنّ أبا حيان رجل ملحد زنديق يحبّ التلاعب بالدين، ويخرج ما في نفسه فيعزوه
إلى قوم لم يقولوه... ثمّ قال: يا أبا حيّان مقصودك أن تجعلها مسألة خلاف تثير بها فتنةً بين الطالبيين لتجعل بأسهم بينهم، وكيف تقلبت الأحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم، ثمّ ضحك رحمه الله حتّى استلقى ومدّ رجليه، وقال: هذا كلام يستغني عن الإطالة في إبطاله بإجماع المسلمين، فإنّه لا خلاف بين المسلمين في أنّ عليّاً أفضل من جعفر، وإنّما سرق أبو حيان هذا المعنى الذي أشار إليه من المنصور أبي جعفر إلى محمّد بن عبد الله، النفس الزكية، قال له: وكانت بنو أُميّة يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبات كما تلعن الكفرة، فعنّفناهم وكفّرناهم، وبيّنا فضله، وأشدنا بذكره، فاتّخذت ذلك علينا حجّة، وظننت أنّه لما ذكرناه من فضله أنّا قدّمناه على حمزة والعبّاس وجعفر، أولئك مضوا سالمين مسلمين منهم وابتلي أبوك بالدماء)(1).
جاء في كتاب (سليم بن قيس) في خبر طويل ضمّ في أوّله خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام خطبها بعد أن كان قد استنفر الناس للجهاد فلم ينفروا، فخطبهم موّبخاً وعاتباً وغاضباً، جاء في آخرها:
(قال الأشعث بن قيس: فهلاّ فعلت كما فعل ابن عفّان؟
فقال عليّ عليه السلام: يا عرف النار -- وذكر فيه كلاماً فيه استعاذته من فعل ابن عفّان -- ثمّ ضمّ سليم محاورة طويلة عريضة بين الإمام عليه السلام وبين الأشعث
1) - شرح نهج البلاغة 11/115.
على مغاضبة أحدهما للآخر، جاء في فصلة منها قوله عليه السلام:
(فلمّا قبض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه، وأنا مشغول برسول الله بغسله ودفنه، ثمّ شغلت بالقرآن، فآليت على نفسي أن لا أرتدي إلاّ للصلاة حتّى أجمعه في كتاب ففعلت، ثمّ حملت فاطمة وأخذت بيدا ابنيّ الحسن والحسين، فلم أدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلاّ ناشدتهم الله في حقّي، ودعوتهم إلى نصرتي، فلم يستجب لي من جميع الناس إلاّ أربعة رهط: سلمان، وأبو ذرّ، والمقداد، والزبير، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به، ولا أقوى به، أمّا حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين [عاجزين] العبّاس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر... فأكرهوني وقهروني، فقلت كما قال هارون لأخيه: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي(1)).
واستدامت المحاورة طويلاً بين الإمام عليه السلام وبين الأشعث بن قيس، وانتهت بقول الأشعث بلغة الهزء والسخرية: لئن كان الأمر كما تقول هلكت أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم غيرك وغير شيعتك.
فقال له عليّ عليه السلام: (فإنّ الحقّ والله معي يا بن قيس كما أقول...).
قال سليم: فما شهدت يوماً على رؤوس العامّة كان أقرّ لأعيننا [من ذلك اليوم] لما كشف أمير المؤمنين عليه السلام للناس من الغطاء، وأظهر فيه من
1) - سورة الأعراف/150.
الحقّ، وشرح فيه من الأمر... وصارت الشيعة بعد ذلك المجلس أجلّ الناس وأعظمهم، وذلك بعد وقعة أهل النهروان، وهو يأمر بالتهيئة والمسير إلى معاوية، ثمّ لم يلبث أن قتله ابن مجلم لعنه الله...)(1).
وهذا قد مرّ قريباً ذكره، وإنّما أعدته لغرض ما عندي من:
قال الشيخ المفيد في آخر كتابه (تصحيح الاعتقاد): (... إنّ هذا الكتاب -- كتاب سليم -- غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتديّن أن يتجنب العمل بكلّ ما فيه، ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء فيما تضمّنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد، والله الموفق للصواب)(2).
أقول: إنّ هذا الخبر الذي ذكره سليم هو ممّا حصل فيه تخليط وتدليس، فالخطبة دون المحاورة الطويلة، رواها الشيخ المفيد في (أماليه) في المجلس الثامن عشر مسندة بسند لا يخلو من كلام في بعض رجاله، وأحسبه أخذها من كتاب (الغارات) لإبراهيم بن محمّد الثقفي (ت283ه-)(3)، وهذا ليس فيه ما يبعث الريبة والشكّ في صحّته، لكن الذي هو فيه مواقع للنظر بقية المحاورات، إذ لم ترد في مصادر لا تخلو من غثّ
وسمين، مثل (إرشاد القلوب) للديلمي، و(البحار) للمجلسي، وكلاهما نقل ذلك عن (كتاب سليم)، وهذا لا يزيد القارئ في اعتبار القبول، بل هو من الفضول، وتبقى بقية الخبر بطوله على المحكّ، إذ فيه من أقوال الإمام عليه السلام ما لا تصحّ نسبته إليه، وذلك ما ذكرته آنفاً، وعلّمت عليه بالخطّ تحته، كيف يصحّ هذا وواقع الحال على خلافه، وقد مرّ في الحلقة الأولى في الجزء الثاني الكلام في (فترة بين عهدين) ما ينسف ما في خبر سليم، من تهشيم وتهميش لبني هاشم، خصوصاً العبّاس بن عبد المطّلب، وعقيل بن أبي طالب رضوان الله عليهما.
ولزيادة الإيضاح والإفصاح عن مواقف بني هاشم في تلك الفترة العصيبة، أشير باختصار إلى ما قام به العبّاس من مواقف في نصرة ابن أخيه الإمام عليه السلام من بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقد مرّ ذكر مواقف العبّاس في تلك الفترة في الجزء الثاني من الحلقة الأولى(1):
أوّلاً: في مرض النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
وثانياً: في يوم موت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قبل أن يبلغهم خبر السقيفة، فقال للإمام: امدد يدك أبايعك فيقول الناس عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بايع ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولكن الإمام أبى لأنّه مشغول بتجهيز النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وكرّر ذلك القول حين جاء أبو سفيان بن حرب صارخاً بهما: أين الأذلاّن عليّ والعبّاس مستنكراً بيعة أبي بكر، وسمّاه أبي الفصيل -- يعني أبا بكر -- فلم يلق استجابة من الإمام عليه السلام بخلاف العبّاس الذي كرّر العرض، وفي (نهج البلاغة) في خطبة الإمام عليه السلام: (شقّوا بنا أمواج الفتن بسفن النجاة) ما يغني؛ فراجع الجزء الثاني من الحلقة الأولى(2).
ثالثاً: موقفه يوم أخرجوا الإمام عليه السلام للبيعة ملببّاً، فقال له عمر: بايع.
فقال: (إذا لم أفعل فمه؟).
فقال له عمر: إذاً أضرب والله عنقك.
فقال له عليّ: (إذاً والله أكون عبد الله المقتول، وأخا رسول الله).
فقال عمر: أمّا عبد الله المقتول فنعم، وأمّا أخو رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فلا -- حتّى قالها ثلاثاً -- .
فبلغ ذلك العبّاس بن عبد المطّلب فأقبل مسرعاً يهرول -- يقول الراوي -- فسمعته يقول: ارفقوا بابن أخي، ولكم علَيَّ أن يبايعكم، فأقبل العبّاس وأخذ بيد عليّ فمسحها على يد أبي بكر، ثمّ خلّوه.
فخرج مغضباً، فسمعته يقول -- ورفع رأسه إلى السماء -- : (اللّهمّ إنّك تعلم أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قد قال لي: إن تمّوا عشرين فجاهدهم، وهو قولك في كتابك: إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ(1)...)، حتّى قالها ثلاثاً، ثمّ انصرف(2).
رابعاً: موقفه ليلة أتاه أبو بكر وعمر في بيته، فساوموه بإمرة له ولعقبه ليقطعوه عن عليّ عليه السلام.. والخبر بطوله رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة)، وقد مرّ ذكره في الجزء الثاني من الحلقة الأولى في (فترة بين عهدين)(3)، فراجع!
إلى غير هذا من المواقف التي مرّ ذكرها؛ فراجع!
والذي يبعث الشكّ في صحّة خبر سليم مضافاً إلى ما مرّ حول المحاورة بين الإمام عليه السلام وبين الأشعث بن قيس بتلك اللغة المتنافرة، فالإمام على المنبر، والأشعث وسط الناس يخاطب الإمام عليه السلام بكلّ سوء أدب، فيقول له: يابن أبي طالب! ولم يخاطبه بإمرة المؤمنين عليه السلام، ويختم المحاورة بقوله ساخراً: لئن كان الأمر كما تقول هلكت أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم غيرك وغير شيعتك، فقال له عليه السلام: فإنّ الحقّ والله معي يا بن قيس، كما أقول...
وزاد سليم في خبره غرابة! ما عقّب به من مزاعم بهلوانية للشيعة يومئذ..
وليتني أدري أين مظاهر تلك العزّة التي زعمها سليم للشيعة يومئذ؟!
وما بالهم لم يبطشوا بالأشعث وهو يهاجم الإمام عليه السلام بلغته النابية في التخاطب؟!
ولماذا لم يكن مصيره كمصير أربد الفزاري الذي قال للإمام وقد خطب أهل الكوفة ودعاهم للجهاد، فقال أربد الفزاري: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتّى مات، فوداه عليّ عليه السلام من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي:
معاذ إلهي أن تكون منيّتي *** كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خصفاً نعالها *** إذا رفعت عنه يد وقعت يد(1)
1) - التذكرة الحمدونية 3/222 برقم 669.
فالحقّ إنّ كتاب سليم يبقى على حدّ تقويم الشيخ المفيد رحمه الله بقوله: (إنّ هذا الكتاب -- كتاب سليم -- غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتديّن أن يتجنّب العمل بكلّ ما فيه، ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء فيما تضمّنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد، والله الموفق للصواب).
إنّ من يقرأ تاريخ المسلمين في أيام الصحابة الأوائل من أنصار ومهاجرين، لا تخفى عنه طبيعة الأحداث التي تسببت في انشقاق الأُمّة طوائف وأحزاباً، وأظهرها بيعة السقيفة التي غلبت قريشٌ من المهاجرين الأنصارَ بحجّة القرابة، لكنّهم لم يفلحوا بها في استبعاد أهل البيت عليهم السلام، حيث أفلجهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: (واعجباً أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة)، قال الرضي رحمه الله في (النهج): وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى، وهو:
فإن كنت بالشورى ملكتَ أمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيّب
وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب(1)
ومن يقرأ تاريخ الحَدثَ ذلك اليوم، يجد مواقف بني هاشم جميعاً كانوا مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، كما مرّت الإشارة في (النقطة الرابعة) من قبل إلى مواقف العبّاس بن عبد المطّلب وهو زعيم بني هاشم يومئذ.
وأظهر من جميع ذلك ما أخرجه البخاري(2)في صحيحه، بسنده عن
معمر، عن الزهري، عن عائشة، والبخاري رواه عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وهذا أخرجه في كتابه (المصنف): (عن معمر، عن الزهري، عن عائشة: إنّ فاطمة والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر.
فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال.
قالت: فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه في ذلك حتّى ماتت، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، قالت عائشة: وكان لعليّ من الناس حياة فاطمة حبوة -- كذا -- فلمّا توفّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه، فمكثت فاطمة ستّة أشهر بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ توفيت.
قال معمر: فقال رجل للزهري: فلَم يبايعه عليّ ستّة أشهر؟ قال: لا ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ)(1).
أقول: والخبر طويل، ذكرته في كتابي (المحسن السبط مولود أم سقط)(2)، وقد أخرجه أحمد في مسنده(3)، والبخاري كما مرّت الإشارة إليه، ولكنّهما -- أحمد والبخاري -- تصرّفا فيه تصرّفاً مشينا؛ فراجع وقارن!
قال السيّد علي خان المدني الشيرازي في كتابه (الدرجات الرفيعة)(1): (اعلم أنّ بني هاشم كلّهم من ذكرناه ومن لم نذكره لم يبايعوا أبا بكر، حتّى بايع أمير المؤمنين عليه السلام كُرهاً لقلّة أنصاره، لعهد عهده إليه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقد تكرّر ذلك في كلامه عليه السلام.
فمن ذلك: قوله عليه السلام: (اللّهمّ أنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وأكفاؤا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا أنّ في الحقّ أن تأخذهنّ، وفي الحقّ أن تُمنعهن، فاصبر مغموماً، أو مت متأسفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد، إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن المنيّة، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من حزّ الشفار))(2).
قال الرضي رحمه الله : وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدّمة، إلاّ أنّي ذكرته هنا لاختلاف الروايتين.
أقول: ولشرّاح (النهج) في المقام كلام تحسن مراجعته، اكتفي بإعانة القارئ في المقام بنقل كلام الشيخ ابن ميثم، وكلام ابن أبي الحديد، وهما من أوائل الشرّاح الفصّاح، الذين ذكروا مواقف بني هاشم يومئذ مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
قال ابن ميثم: (اعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على اقتصاص صورة حاله بعد وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في أمر الخلافة، وهو اقتصاص في معرض التظلّم والشكاية ممّن يرى أنّه أحقّ منه بالأمر، فأشار إلى أنّه فكّر في أمر المقاومة والدفاع عن هذا الحقّ الذي يراه أولى به، فرأى أن لا ناصر إلاّ أهل بيته وهم قليلون، بالنسبة إلى من لا يعينه أو يعين عليه، فإنّه لم يكن له معين إلاّ بني هاشم كالعبّاس وبنيه، وأبي سفيان بن الحرث ومن يخصّهم، وضعفهم وقلّتهم عن مقاومة جمهور الصحابة ظاهر، فضنّ بهم على الموت، لعلمه عليه السلام أنّه لو قام بهم لقتلوا، ثمّ لا يحصل له مقصوده)(1).
وقال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): (واعلم أنّ هذا الكلام قد نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه ويجري مجراه، ولم يؤرّخ الوقت الذي قال فيه، ولا الحال التي عناها به، وأصحابنا يحملون ذلك على أنّه قاله عقيب الشورى وبيعة عثمان، فإنّه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنّه تظلّم وتألّم حينئذ، ويكره أكثر أصحابنا حمل هذا الكلام على التألّم من يوم السقيفة)(2).
وقال السيّد المدني في الدرجات الرفيعة: (والذي عليه جمهور الشيعة أنّ عليّاً عليه السلام امتنع عن البيعة لأبي بكر، وامتنع معه جماعة من بني هاشم، كالزبير، وأبي سفيان بن الحرث، والعبّاس وبنيه، وغيرهم، وقالوا: لا نبايع إلاّ عليّاً...).
وقال: (وروى هذا غير واحد أنّ عليّاً عليه السلام وسائر بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر ستّة أشهر، حتّى بايع عليّ عليه السلام مكرهاً فبايع بنو هاشم).
ثمّ قال السيّد المدني: (ولهذا ذكرنا بني هاشم في طبقات الشيعة، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل)(1).
1) - الدرجات الرفيعة: 195 -- 197.
لقد ذكر السيّد في (الدرجات الرفيعة) أسماء ستّة وعشرين إنساناً، ترجم لهم كلّ حسب مكانته في المجتمع، وماله من موقف يشار إليه، وهم كالآتي حسب ذكره لهم:
1- العبّاس بن عبد المطّلب.
2- عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب.
3- الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب.
4- عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب.
5- قثم بن العبّاس بن عبد المطّلب.
6- عبد الرحمن بن العبّاس بن عبد المطّلب.
7- معبد بن العبّاس بن عبد المطّلب.
8- كثير بن العبّاس بن عبد المطّلب.
9- تمام بن العبّاس بن عبد المطّلب.
10- عقيل بن أبي طالب بن عبد المطّلب.
11- أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب.
12- نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب.
13- عبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب.
14- عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
15- عون بن جعفر بن أبي طالب.
16- محمّد بن جعفر بن أبي طالب.
17- ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب.
18- الطفيل بن الحرث بن عبد المطّلب.
19- المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب.
20- عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب.
21- عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب.
22- العبّاس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب.
23- العبّاس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطّلب.
24- عبد المطّلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب.
25- جعفر بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب.
26- الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطّلب.
واللافت للنظر أنّ منهم جملة رجال جهلت أقدارهم، وكادت أن تضيع أخبارهم، وفيهم الشاعر المبدع في الفخر كالمسمّين بالفضل، وهما كاسميهما فضلاً وأدباً وشجاعة وبراعة، ومنهم الكريم الجواد الذي أفاض سيبه على العباد، كابن جعفر وعبيد الله بن العبّاس، وأهم من هؤلاء، وأفضل
من جميع من ذكر، هو عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب، الذي قال عنه الواقدي: قتل عبد الله بن أبي سفيان بكربلاء شهيداً مع الحسين عليه السلام، هذا هو أبو الهياج، وممّا يؤسف له جهالة أصحاب المقاتل له، وعن ذكر شهادته، بينما هو علم من الأعلام، قالوا عنه: رأى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وكان معه مسلماً بعد الفتح، وقال ابن عساكر: ولحق بعليّ في (المدائن)، وله موقف مشرّف في الردّ على الفاسق الوليد بن عقبة، وهو يحرّض على بني هاشم، وكان الوليد بن عقبة أخو عثمان لأُمّه، يذكر قبض
أمير المؤمنين عليه السلام نجائب عثمان وسيفه وسلاحه، فقال:
بني هاشم ردّوا سلاح ابن أختكم *** ولا تنهبوه لا تحلّ نهائبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا *** وعند عليّ درعه ونجائبه
بني هاشم كيف التودّد منكم *** وبزّ ابن أروى فيكم وخرائبه
بني هاشم إلاّ تردّوا فإنّنا *** سواء علينا قاتلاه وسالبه
بني هاشم إنّا وما كان منكم *** كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه *** كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بأبيات طويلة من جملتها:
فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم *** أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه
وشبهتّه كسرى وقد كان مثله *** شبيها بكسرى هديه وضرائبه
ومنّا عليّ الخير صاحب خيبر *** وصاحب بدر يوم سالت كتائبه
وكان وليّ الأمر بعد محمّد *** عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه
وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّه *** وأوّل من صلّى ومن لان جانبه
وصنو رسول الله حقّاً وجاره *** فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه(1)
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا *** فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان ولي الأمر بعد محمّد *** عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه
عليّ ولي الله أظهر دينه *** وأنت مع الأشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح *** فمالك فينا من حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحمن أنّك فاسق *** فمالك في الإسلام سهم تطالبه
وجاء في الاستيعاب في ترجمة الوليد ذكر أبياته وردّ الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب عليه، وقد غيّر في بيت التشبيه بكسرى فذكر (وما كان مثله)، فعلّق المحقّق بقوله: في (ي) وقد كان مثله ثمّ قال في هامشه: بئس ما ذكره إن كان صحيحاً عنه، وقد أخطأ أبو عمر في إيراده هذا إن كان سهواً، وإن كان عمداً فقد أثم.
أقول: لقد ذكر أبو الفرج في الأغاني ج5/111 أبيات الوليد، وقال: وقد أجاب الفضل بن العبّاس ابن عتبة بن أبي لهب الوليد عن هذه الأبيات، وقيل: بل أبوه العبّاس بن عتبة هو المجيب له أيضاً، والجواب:
فلا تسألونا بالسلاح فإنّه *** أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه
وشبهّته كسرى وقد كان مثله *** شبيها بكسرى هديه وعصائبه
وقال ابن حمدون في التذكرة 7/311 برقم 953 في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة في الباب الثالث والثلاثون، ط دار صادر بيروت: لمّا قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين قتل عثمان رض أبياته المشهورة التي من جملتها، من الطويل:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه *** كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
أجابه الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب بأبيات منها يقول، من الطويل:
وشبهته كسرى وقد كان مثله *** شبيها بكسرى هديه وعصائبه
فكلّ هذه المصادر ذكرت (وشبهته كسرى وقد كان مثله). أي: كان كافراً كما كان كسرى كافراً، وكذا جاء في التفسير في الدرجات الرفيعة.
1) - لقد نسب المسعودي في مروج الذهب أبيات الردّ على الوليد إلى الفضل بن العبّاس بن عتبة ابن أبي لهب، فذكر بعد البيت الأوّل:
قال شيخنا المفيد: (في هذا الشعر دليل على اعتقاد هذا الرجل في
أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان الخليفة لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بلا فصل.
وكان المنصور إذا أنشد شعر الوليد المذكور يقول: لعن الله الوليد هو الذي فرّق بين بني عبد مناف بهذا الشعر)(1).
أقول: فهل لنا أن نسأل منه عن الذي فرّق بين بني هاشم، بوثبته على الخلافة وقد اختانها باسم العلويين؟ وقد مرّ في حديثه مع الأعمش اعترافه بهذا، فهل لنا أن نلعنه نحن أيضاً كما لعنّا أصحاب السبت؟
ومن شعر عبد الله بن أبي سفيان رحمه الله وسلام عليه قوله في عليّ عليه السلام:
وصلّى عليّ مخلصاً بصلاته *** لخمس سنين من سنيه كوامل
وخلى أناسا بعده يتبعونه *** له عمل أفضل به صنع عامل
1) - الدرجات الرفيعة: 188 -- 189، وغيرها.
إنّي لأقف إجلالاً لسيّدنا الأُستاذ (السيّد الخوئي رحمه الله) الذي علّمنا الدقّة والصراحة عن الحقّ، وكشف الزيف في معجم رجاله، لذا فأنا يطيب لي -- متمنّياً بكلّ صدق وإخلاص أن لا يساء الظنّ بي -- لتصحيح ما ورد في المعجم من موروث مقدّس حول رجال من بني هاشم وممّن له مواقف ومقام، فحيكت حوله أوهام، من الأوائل: العبّاس بن عبد المطّلب، فقد أسيء عنه فهماً، فأسيئ إليه حكماً، فصار هو ضحية الموروث، لأنّه وابنه عبد الله، وحتّى ابنه الآخر عبيد الله، لحقتهم تبعات مظالم العبّاسيين للعلويين أيام حكمهم، فكانوا أكباش الفداء، فقالوا فيهم وعنهم، صحيحاً ومعيباً، ما غفلت عنه عين الرقيب.
فالعبّاس بن عبد المطّلب ورد ذكره في (معجم رجال الحديث) لسيّدنا الأُستاذ قدس سره، فترجمه بترجمة وافية ضمن ما ورد في المصادر الأوّلية مدحاً وذمّاً، وقال في آخر الترجمة: (وملخّص الكلام: أنّ العبّاس لم يثبت له مدح، ورواية الكافي في ذمّه صحيحة السند، ويكفي هذا منقصة له، حيث لم يهتم بأمر عليّ بن أبي طالب عليه السلام ولا بأمر الصديقة الطاهرة في قضية فدك معشار ما اهتم به في أمر ميزابه)(1).
1) - معجم رجال الحديث 9/239 -- 242، ط الآداب.
أقول: وأنا أقلّ طلابه -- عاتباً لا محاسباً عائباً -- كيف قال هذا؟ وغفل عن كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة)، وقد رواه الشريف الرضي رحمه الله مرّتين، فقد قال الإمام عليه السلام: (فرأيت ليس معي إلاّ أهل بيتي فضننتُ بهم عن المنية)، وقد مرّ ذكره من قبل، وقوله عليه السلام في آخر الخطبة الخامسة من (النهج)، قال الشريف الرضي رحمه الله: ومن خطبة له عليه السلام لمّا قبض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وخاطبه العبّاس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة: (أيّها الناس: شقّوا بنا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، هذا ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها، كالزارع بغير أرضه، فإن أقل، يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت، يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة)(1).
لقد كان على سيّدنا الأُستاذ قدس سره مزيد بحث في المصادر التاريخية ليقف على مدى اهتمام العبّاس رضي الله عنه بأمر الإمام عليه السلام، ولا يخلو خبر: (أفأجبّ نفسي)، من دلالة على صدق المودّة لحدّ التضحية.
وقد روى الخبر الشيخ الصدوق رحمه الله في آخر باب 56/ العلّة التي من أجلها لا تجوز الصلاة في سواد، بسنده: (عن محمّد بن معاوية بإسناده
1) - نهج البلاغة 1/35 -- 36 بشرح محمّد عبده، ط الاستقامة بمصر.
رفعه، قال: هبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وعليه قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، قال: فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل! ما هذا الزي؟ قال: زيّ ولد عمّك العبّاس، يا محمّد! ويل لولدك من ولد العبّاس، فخرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى العبّاس، فقال: يا عمّ ويل لولدي من ولدك، فقال: يا رسول الله: أفأجبّ نفسي؟ قال: جفّ القلم بما فيه).
وهذا بعض ما دلّ على حرصه رضي الله عنه، وسلام عليه، بأمر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فهو بدءاً من يوم السقيفة، ومروراً بزيارة الحاكمين له في بيته إغراء له بإمرة له ولعقبه من بعده، وجوابه الشديد في طردهم وموقفه هذا من المواقف المطلوبة المحسوبة له، لأنّه صحيح، وقد رواه من لا يتهم في روايته، وإلى القارئ ذكره:
فقد روى ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة): (...قال المغيرة: أترى يا أبا بكر أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه، وتكون لكما الحجّة على عليّ وبني هاشم إذا كان العبّاس معكم.
قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتّى دخلوا على العبّاس رضي الله عنه فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله بعث محمّداً صلّى الله عليه وسلّم نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ الله تعالى بمقامه بين أظهرنا، حتّى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم، متّفقين لا مختلفين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم داعياً، وما أخاف بحمد الله وهناً ولا حيرة ولا جبناً وما توفيقي إلاّ بالله العليّ العظيم عليه توكّلت وإليه أنيب، وما زال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت
عليه عامّة المسلمين، ويتّخذونكم لحافاً فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع، فإمّا دخلتم فيما دخل فيه العامّة أو دفعتموهم عمّا مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ولعقبك من بعدك إذ كنت عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك فعدلوا الأمر عنكم، على رسلكم بني عبد المطّلب، فإنّ رسول الله منّا ومنكم.
ثمّ قال عمر: أي والله وأُخرى إنّا لم نأتكم حاجة منّا إليكم، ولكنّا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامّة فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامّتكم.
فتكلّم العبّاس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله بعث محمّداً كما زعمت نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ الله بمقامه بين أظهرنا حتّى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحقّ، لا مائلين عنه بزيغ الهوى، فإن كُنتَ برسول الله طلبت فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم، وإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين، فأمّا ما بذلت لنا فإن يكن حقّاً لك فلا حاجة لنا فيه، وإن يكن حقّاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم، وإن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض، وأمّا قول: أنّ رسول الله منّا ومنكم، فإنّه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها)(1).
1) - الإمامة والسياسة: 6 نسخة مصوّرة عن نسخة في مكتبة مجلس الشورى بطهران بخط مغربي من القرن السابع والثامن، وفي ص15، ط مصر 1328ه- وعنهما أخذت النص.
وهذا رواه ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح النهج) عن البراء بن عازب بأبسط ممّا مرّ، وزاد في آخره، أنّ العبّاس قال لعمر: (أمّا قولك: إنّا نخاف أن يتفاقم الخطب بكم، فهذا الذي فعلتموهم أوائل ذلك، والله المستعان).
وإلى غير هذا من مواقف العبّاس بن عبد المطّلب رحمه الله تعالى، وآخرها وصيته عند موته للإمام عليه السلام في تحذيره من عواقب الخلاف مع عثمان، وقد مرّ ذكر هذا في الحلقة الأولى في أجزائها الأولى؛ فراجع!
وختام العتب بما يثير العجب: أنّه قال في ص240: (روى الكشي في ترجمة عبد الله بن العبّاس(15) بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام: أنه نزل قوله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)، وقوله تعالى: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ(2)في العبّاس بن عبد المطّلب).
وهذا ما يوحي بالعجب من سيّدنا الأُستاذR! فالخبر رواه الكشي عن جعفر بن معروف، وقد قال فيه سيّدنا الأُستاذ في ج1/134 من معجمه: (لَم تثبت وثاقته)، فكيف اعتمد عليه في المقام ولم يعقّب على الخبر بشيء؟!
وكذلك قوله: (وروى في ترجمة عبيد الله بن العبّاس(51) عن كتاب الفضل بن شاذان، عن قيس بن سعد بن عبادة: أنّه قال: إنّ هذا (عبيد الله بن
العبّاس) وأباه لم يأتيا قطّ بخير).
وهذا من الغريب العجيب أن يعمد سيّدناR إلى ذكر هذا معتمداً عليه مع إرساله وجهالة سنده في كتاب الفضل بن شاذان!! مضافاً إلى جهالة نفس الكتاب، إذ للفضل عدّة كتب، فأيّها المراد؟
وإنّ ما ورد في خطبة قيس، فيه تزيّد، فذكر (أباه وأخاه)، كما في (مقاتل الطالبيين)، وفي (شرح ابن أبي الحديد) ذكره (أباه) فقط، وفي غيرهما لم يرد سوى ذكر عبيد الله، وقد مرّ بحث هذا في الحلقة الأولى؛ فراجع!
على أنّ في قيس بن سعد ما يثير علامة استفهام في صيغة بيعته للإمام الحسن عليه السلام؛ فراجع!
وأخيراً نختم الحديث في المقام عن ذكر العبّاس بن عبد المطّلب بما أخرجه الكليني في (الكافي) في كتاب الأشربة، بسنده الصحيح عن صفوان الجّمال، قال: (كنت مبتلى بالنبيذ معجباً به، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أصف لك النبيذ.
فقال لي: بل أنا أصفه لك، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (كلّ مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام).
فقلت له: هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة.
فقال لي: ليس هكذا كانت السقاية، إنّما السقاية زمزم، أتدري من أوّل من غيّرها؟
قال: قلت: لا.
قال: العبّاس بن عبد المطّلب، كانت له حبلة، أفتدري ما الحبلة؟
قلت: لا.
قال: الكرم، فكان ينقع الزبيب غدوة ويشربونه بالعشي، وينقعه بالعشي ويشربونه من الغد، يريد به أن يكسر غلظ الماء عن الناس، وإنّ هؤلاء قد تعدّوا فلا تشربه ولا تقربه)(1).
ففي هذه الحديث إيماءة بلطف إلى فعل العبّاس بن عبد المطّلب وجعله حجّة لجواز استعمال النبيذ بالصفة المذكورة.
1) - الكافي 6/408 برقم 7.
لقد غدت ثقافتنا الدينية تبعاً -- بامتياز -- لموروث تلقّيناه بالقبول، دون إعادة النظر بدقّة في مصادره وموارده..
ولا أقول: إنّا فقدنا الأصالة بالمرّة، ولكنّا بحاجة ماسّة إلى مزيد صراحة في الكشف عن التزييف ودرن التغليف ببريق التوصيف، ولغرض التوظيف كما في بعض الممارسات لحساب الدين، فعلينا أن نعلن النقد لِما كان منها من إملاء العاطفة فصار من الثابت، لئلا نخلط الواقع بغيره، والحقيقة بحبّ الذات وبغض الآخرين، وليبقى عذب الفرات سائغاً شرابه، ويبقى الملحُ الأجاج علينا اجتنابه، فليس كلّ الأنماط من الناس سواء، فالله سبحانه وتعالى فضّل بعضهم على بعض في الخلق والرزق، وحتّى في الاصطفاء، فقال تعالى عن الذين اصطفى من عباده: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(1).
فقد أخرج الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)، بسنده: (عن أبي حمزة الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليه السلام، قال: إنّي لجالس عنده إذ جاءه رجلان من أهل العراق، فقالا: يا بن رسول الله! جئناك كي تخبرنا عن آيات من القرآن.
1) - سورة فاطر/32.
فقال: وما هي؟
قالا: قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا؟
فقال: يا أهل العراق وأيش يقولون؟
قال: يقولون: إنّها نزلت في أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال لهم عليّ بن الحسين: أُمّة محمّد كلّهم إذاً في الجنّة!
قال -- أبو حمزة -- فقلت من بين القوم: يا بن رسول الله فيمن نزلت؟
فقال: نزلت -- والله -- فينا أهل البيت، ثلاث مرّات -- أي قالها -- .
قلت: أخبرنا من فيكم الظالم لنفسه؟
قال: الذي استوت حسناته وسيئاته، وهو في الجنّة.
فقلت: والمقتصد؟
قال: العابد لله في بيته حتّى يأتيه اليقين.
فقلت: والسابق بالخيرات؟
قال: من شهر سيفه ودعا إلى سبيل ربّه)(1).
وما دام التفاضل موجوداً بين العباد، فلا غضاضة لو قلنا للمحسن: أحسنت، وإن كان عبداً حبشياً، وللمسيء: أسأت، وإن كان سيّداً قرشياً، فالله سبحانه قضى في خلقه بذلك، وفيما تقدّم من آي الذكر الحكيم نهج مستقيم.
1) - شواهد التنزيل 2/155 -- 156 رقم 782.
فابن عبّاس في ذويه كذلك بدءاً من أُمّه وأبيه، وقد مرّ الكلام عنهما بإحسان في الجزء الأوّل من الموسوعة، مضافاً إلى ما مرّ من ذكر لهما بخير في بقية الأجزاء استطراداً، أمّا عن إخوته فهم على تفاوت في الحال والتفاضل في الأعمال، فمنهم الفاضل في عمله وسلوكه كالفضل، وقثم، وكثير، ومنهم الفاشل الآفل كعبيد الله، وعبد الرحمن، ومنهم الخامل كتمّام، ومعبد، فإلى قراءة عابرة ومعبّرة عنهم كلاًّ بحسبه.
نقتبس ترجمته ممّا قال السيّد ابن معصوم المدني الشيرازي (ت1120ه-) في كتابه (الدرجات الرفيعة)(1):
(أمّه أُمّ الفضل، كان أكبر أولاد العبّاس وبه كان يكنّى، وكان هو يكنّى بأبي عبد الله، وقيل: بأبي محمّد، وكان أجمل الناس وجهاً.
قال أهل العلم بالتاريخ: غزا الفضل مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مكّة وحُنيناً، وثبت معه يومئذ، وشهد حجّة الوداع، وأردفه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خلفه لمّا دفع من مزدلفة إلى منى، وكان الفضل رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فمرّت ظعن بحريم، فجعل الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشقّ الآخر، فحوّل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يده من الشقّ الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشقّ الآخر، فقال العبّاس: لويت عنق ابن عمّك يا رسول الله، فقال: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن
1) - الدرجات الرفيعة: 142 فما بعدها، ط الحيدرية في النجف الأشرف.
الشيطان عليهما).
وأخرج ابن بابويه رحمه الله في الفقيه: عن القدّاح، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: قال الفضل بن عبّاس: أهدي إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بغلة، أهداها إليه كسرى أو قيصر، فركبها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بحبل من شعر وأردفني من خلفه، ثمّ قال لي: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد مضى بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بأمر لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليك، ولو جهدوا أن يضرّوك بأمر لم يكتبه الله عليك لم يقدروا، فإن استطعت أن تعمل الصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على أمورك خيراً كثيراً، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرا، إنّ مع العسر يسرا)). والظاهر صحّة رواية الوصية لعبد الله بن عبّاس لِما مرّ(1)
هي الأرض للمستضعفين هدية *** من الله ضاعت بين كسرى وقيصرا
قال لبيد:
عبيدٌ لحيٍ حميرٍ إن تملكوا *** وتظلمنا عمّال كسرى وقيصرا
ولأبي نواس:
ولو أنّ مالي يستقلّ بلذتي *** لأنسيت أهل اللهو كسرى وقيصرا
وجاء في شعر الشريف الرضي قوله:
وإن نلتموها دولة عجرفيةً *** فقد نال ما قد نال كسرى وقيصر
وما أكثر ما قيل في هذا، ومن جميل ما قيل فيه قول محمود سامي البارودي:
أرى كلّ شيء عرضة للتغيّر *** فما بالنا بعد الحقيقة نمتري
.1) - تقدّم في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى من الموسوعة الفصل الثاني/وصايا نبويّة خاصّة له، منسوبة عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه نصحه بها النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم كما مرّت مشروحة في الجزء (14) وهو الرابع من الحلقة الثالثة، وقد ذكرتُ هناك الاختلاف في الرواية، وبيّنت السهو في ذكر كسرى فيها، فهو الذي مزّق كتاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، فمتى أهدى له البغلة؟ ولعلّ ذكره ورد سهواً من قبيل الإتباع والمزاوجة، لكثرة الاستعمال، في ذكر كسرى وقيصر معاً، نحو قول الراوي في خبر (الكافي) في باب (من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب ج5/17 ح1) فهو صلي الله عليه و آله وسلم لم يشركهما بالكتاب حين كتب صلي الله عليه و آله وسلم إلى كسرى وقيصر، كما ذكرهما معاً الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه الذي كتبه لشريح عندما اشترى داراً بثمانين ديناراً -- والخبر في (نهج البلاغة، الخطبة 228)، وذكرهما معاً أيضاً في خطبته عليه السلام التي رواها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة 1: 144)، فقال... لعملوا فيكم بعمل كسرى وقيصر، وثالثة ذكرهما معاً في ذمّ متعلّم علم الكهانة، قاله عندما أراد الخروج إلى حرب الخوارج في النهروان، فنهاه المنجّم، فقال عليه السلام: (أما إنّه ما كان لمحمّد صلي الله عليه و آله وسلم منجّم ولا لنا من بعده حتّى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر)، ولشيوع الاستعمال ظلّ ذكر كسرى وقيصر معاً حتّى ورد في الشعر فقال القائل:
وذكر السيّد ابن معصوم المدني الشيرازي في (الدرجات الرفيعة) بعض حالات الفضل من حضور عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في أخريات أيامه:
فمنها: خرج متوكئاً عليه وعلى عليّ عليه السلام وهو مريض تخط قدماه الأرض، وهذا رواه العامّة عن عائشة، غير أنّها لم تسمّ عليّاً عليه السلام، وقالت بين
رجلين أحدهما الفضل بن عبّاس ورجل آخر، فأخبر من سمعها تقول ذلك عبد الله بن عبّاس بقولها، فقال له: فهل تدري من هو الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة؟ قال الراوي: قلت: لا، فقال ابن عبّاس: هو عليّ، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير(1).
ومنها: مشاركته في تجهيز النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في غسله، ففي رواية: كان يصبّ الماء وعليّ عليه السلام يغسّله، وفي رواية: إنّ الذي كان يصبّ الماء أبوه العبّاس، وهو حاضن للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وعليّ يغسّله.
ومنها: ما روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام منع أن ينزل معه أحد من الناس، فقال: لا ينزل قبره غيري وغير العبّاس، ثمّ أمر بنزول الفضل وقثم.
وروى الزبير بن بكار، قال: روى محمّد بن إسحاق: أنّ أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرّة، قال: وكانت عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال الفضل بن عبّاس: يا معشر قريش! وخصوصاً يا بني تيم! إنّكم إنّما أخذتم الخلافة بالنبوّة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهية الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسداً منهم لنا، وحقداً علينا، وإنّا لنعلم أنّ عند صاحبنا عهداً، وهو ينتهي إليه.
وقد ورد في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد(2)بعض ما جرى
من مهاترة عمرو بن العاص وهجائه للأنصار نقلاً عن الزبير بن بكار، فقال: بعد تعريض ابن العاص بالأنصار: (ثمّ التفت فرأى الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب، وندم على قوله، للخؤولة التي بين ولد عبد المطّلب وبين الأنصار، ولأنّ الأنصار كانت تعظّم عليّاً وتهتف باسمه حينئذ، فقال الفضل: يا عمرو! إنّه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبك وأبو الحسن شاهد بالمدينة، إلاّ أن يأمرنا فنفعل، ثمّ رجع الفضل إلى عليّ فحدّثه، فغضب وشتم عمراً، وقال: آذى الله ورسوله، ثمّ قام فأتى المسجد، فاجتمع إ ليه كثير من قريش وتكلّم مغضباً، فقال: يا معشر قريش! إنّ حبّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم... ألا وإنّ عمرو بن العاص قام مقاماً آذى فيه الميّت والحيّ، ساء به الواتر وسرّ به الموتور، فاستحقّ من المستمع الجواب، ومن الغائب المقت، وإنّه من أحبّ الله ورسوله أحبّ الأنصار، فليكفف عمرو عنّا نفسه...
قال الزبير -- بن بكار -- فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا له: أيّها الرجل أما إذا غضب عليّ فاكفف...
قال الزبير: وقال عليّ للفضل: يا فضل! أنصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنّهم منك، وإنّك منهم، فقال الفضل:
قلت يا عمرو مقالاً فاحشا *** إن تعد يا عمرو والله فلَك
إنّما الأنصار سيف قاطع *** من تصبه ضُبّة السيف هلك
وسيوف قاطع مضربها *** وسهام الله في يوم الحلك
نصروا الدين وآووا أهله *** منزل رَحبٌ ورزق مشترك
وإذا الحرب تلظت نارها *** بركوا فيها إذا الموت برك
ودخل الفضل على عليّ فأسمعه شعره، ففرح به، وقال: وريت بك زندي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك، وابعث به إلى الأنصار، فلمّا بلغ ذلك الأنصار، قالت: لا أحد يجيب إلاّ حسان الحسام، بعثوا إلى حسان بن ثابت فعرضوا عليه شعر الفضل، فقال: كيف أصنع بجوابه، إن لم أتحرّ قوافيه فضحني، فرويداً حتّى أقفو أثره في القوافي، فقال له خزيمة بن ثابت: أذكر عليّاً وآله يكفك كلّ شيء، فقال:
جزى الله عنّا والجزاء بكفّه *** أبا حسن عنّا ومن كأبي حسن
سبقتَ قريشاً بالذي أنت أهله *** فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
تمنّت رجال من قريش أعزة *** مكانك هيهات الهزال من السمن
وأنت من الإسلام في كلّ موطنٍ *** بمنزلة الدلو البطين من الرسن
غضبتَ لنا إذ قام عمرو بخطبة *** أمات بها التقوى وأحيا بها الإحن
فكنت المرجّى من لويّ بن غالب *** لما كان منهم والذي كان لم يكن
حفظتَ رسول الله فينا وعهده *** إليك ومن أولى به منك مَن ومَن
ألست أخاه في الهدى ووصيّه *** وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن
فحقّك ما دامت بنجد وشيجة *** عظيم علينا ثمّ بعد على اليمن
قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى عليّ بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد وقال لمن به من قريش وغيرهم:
يا معشر قريش! إنّ الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم، أنّه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الإسلام، ودفعه عن الحقّ، وأطفأ شرفه، وفضّل غيره عليه يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار، فاتّقوا الله وارعوا حقّهم، فوالله لو زالوا لزلت معهم، إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لهم: (أزول معكم حيثما زلتم)، فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن قلت قولاً صادقاً.
قال الزبير -- بن بكار -- : وترك عمرو بن العاص المدينة وخرج عنها حتّى رضي عنه عليّ والمهاجرون)(1).
وقد ذكر السيّد الأمين رحمه الله في (أعيان الشيعة) ترجمة الفضل بن العبّاس هذا، فيها تفصيل، وفيها ملاحظات، وختمها بقوله: وأنشد القاضي أبو بكر الباقلاني للفضل بن العبّاس في كتاب فضائل الأئمّة يسجح بزمزم والولاية عليها، وخصومتهم بها:
ولنا أسام لا تليق بغيرنا *** وهواتف تهتز حين ترانا
حوض النبيّ وحوضنا من زمزم *** ظمئ امرؤا لم يروه حوضانا(2)
أقول: أظنّ أنّ هذا الشعر للفضل بن العبّاس اللهبي الآتي ذكره في آخر تراجم هذه الكواكب الباهرة والنجوم الزاهرة من بني هاشم شيعة الإمام عليه السلام الطاهرة رضي الله عنهم أجمعين.
أقول: وهذا الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب، ممّن حاز شرف الفضل مع أبيه وذويه الذين ثبتوا يوم حنين يحامون رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ويدافعوا عنه، فأنزل الله فيهم قوله كما في سورة التوبة: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثمّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ‡ ثمّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ(1)، وكانوا ثمانية، وهم الذين ثبتوا مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفرّ عنه صلي الله عليه وآله وسلم جميع الذين كانوا معه من مهاجرين وأنصار، فكان أمير المؤمنين عليه السلام يضرب بين يديه بسيفه حتّى قتل أربعين رجلاً قبل أن يفيء الأصحاب، وكان العبّاس عن يمينه آخذاً بشكيمة البغلة، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب عن يساره، والفضل ابن العبّاس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب من حوله يقاتلون، ومعهم أيمن بن أُمّ أيمن وقد قتل رحمه الله ، وفي ذلك يقول العبّاس بن عبد المطّلب:
ألا هل أتى عرسي مكريّ ومقدمي *** بوادي حنين والأسنّة تشرع
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قدي *** وهام تُدهدَه والسواعدُ تُقطع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرة *** بزوراء تعطي باليدين وتمنع
كأنّ السهام المرسلات كواكب *** إذا أدبرت عن عجسها وهي تلمع
وما أمسك الموت الفظيع بنفسه *** ولكنّه ماض على الهول أروع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة *** وقد فرّ من قد فرّ عنه وأقشعوا
1) - سورة التوبة/25 -- 26.
وثامننا لاقى الحمام بسيفه *** بما مسّه في الله لا يتوجّع
ومنها:
هفوت إليه حين لا يحنأ امرؤ *** على بكره والموت في القوم منقع
ومنها قوله:
وقولي إذا ما الفضل شدّ بسيفه *** على القوم أُخرى يا بُني ليرجعوا(1)
ومن شعر الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب من أبيات قالها في مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
ألا إنّ خير الناس بعد محمّد *** وصيّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكر
وأوّل من صلّى وصنو نبيّه *** وأوّل من أردى الغواة لدى بدر
قال أبو عمر -- ابن عبد البرّ صاحب الاستيعاب -- : اختلف في وفاة الفضل بن العبّاس، فقيل: أصيب بأجنادين في خلافة أبي بكر سنة 13ه-، وقيل: قتل يوم مرج الصفرا سنة 13ه-، وقيل: مات بطاعون عمواس... وهو أوّل طاعون كان في الإسلام بالشام سنة 17ه-، وقيل: 18ه-، قال بعضهم: والأوّل أصحّ، وذلك في خلافة عمر، ومات في هذا الطاعون خمس وعشرون ألفاً، وقيل: ثلاثون ألفاً، قال السيوطي: من جيش المسلمين... ولم يترك الفضل ولداً غير بنت تزوّجها الإمام الحسن عليه السلام فأولدها: محمّداً،
1) - انظر: الجزء الأوّل من الموسوعة، الفصل الأوّل/ بداية حديثنا عن العبّاس/ مشاهده في الإسلام.
وجعفراً، وحمزة، ثمّ فارقها فتزوّجها أبو موسى الأشعري، فولدت له موسى ومات عنها، فتزوّجها عمر بن طلحة بن عبيد الله...
قال السيّد ابن معصوم المدني الشيرازي في (الدرجات الرفيعة): (أُمّه أُمّ الفضل، وهو رضيع الحسن بن عليّ، روي أنّ أُمّ الفضل قالت لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: رأيت عضواً من أعضائك في بيتي؟ قال: (خيراً رأيته، تلد فاطمة غلاماً ترضعينه بلبن قثم)، فولد الحسن فأرضعته بلبن قثم، وكان قثم يشبه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
أخرج ابن الضحاك عن ابن عبّاس: أنّ العبّاس رأى ابناً له يقال له قثم، فوضعه على صدره، وهو يقول:
حبّي قثم حبّي قثم *** شبيه ذي الأنف الأشم
نبيّ ذي النعم *** برغم من رغم
وروى ابن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب، عن عبد الله بن جعفر، قال: كنت أنا وعبيد الله وقثم ابني العبّاس نلعب، فمرّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم راكباً، فقال: (ارفعوا إليَّ هذا الفتى) -- يعني قثم -- فرفعه إليه، فأردفه ثمّ جعلني بين يديه ودعا لنا.
قال ابن عبد البرّ: روى عبد الله بن عبّاس، قال: كان قثم آخر الناس عهداً برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أي آخر من خرج من قبره ممّن نزل فيه، وكان المغيرة بن شعبة يدّعي ذلك لنفسه، فأنكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام ذلك،
وقال: بل آخر من خرج من القبر قثم بن العبّاس.
قال ابن عبد البر: وكان قثم واليا لعليّ على مكّة، عزل عنها عليّ خالد ابن العاص بن هشام، وكان وليها لعثمان، وولاّها أبا قتادة الأنصاري، ثمّ عزله عنها وولّى مكانه قثم بن العبّاس، فلم يزل والياً حتّى قتل عليّ عليه السلام.
وقال الزبير بن بكار: استعمل عليّ قثم بن العبّاس على المدينة.
-- أقول: وهذا منه وهم، والصحيح على مكّة كما مرّ ذكره --
قال ابن عبد البرّ: واستشهد بسمرقند، كان مع واليها سعيد بن عثمان بن عفّان زمن معاوية فقتل هناك.
وقال ابن الضحاك:... وقبره خارج سور سمرقند في قبّة عالية معروفة بمزار شاه يعني: السلطان الحيّ.
وفي قثم يقول داود بن مسلم:
عُتقتِ من حلي ومن رحلتي *** يا ناق إن أدنيتني من قثم
إنّكِ إن أدنيتني منه غداً *** حالفني اليسرُ ومات العدم
في كفه بحر وفي وجهه *** بدر وفي العرنين منه شمم
أصمّ عن قيل الخنا سمعه *** وما عن الخبر به من صمم
لم يدر ما ولا وبلى قد درى *** فعافها واعتاض عنها نعم
وقيل: إنّ هذه الأبيات لابن المولى في قثم بن العبّاس بن عبيد الله بن العبّاس، لا قثم بن العبّاس هذا.
وكان قثم بن العبّاس بن عبيد الله والياً على المدينة، وقيل: على اليمامة
من قبل أبي جعفر المنصور، وكان جواداً ممدّحاً، والله أعلم).
وختم السيّد ابن معصوم ترجمة قثم، بضبط الاسم ومعناه، فأفاد بقوله: ((قُثَم) بضمّ القاف وفتح الكاف المثلثة على وزن عُمر، يقال: رجل قثم إذا كان كثير العطاء وجموعاً للخير، وبه سميّ الرجل، وهو معدول عن قاثم تقديراً، ولا ينصرف للعدل والعلمية)(1)اه- .
أُمّه أُمّ ولد، اسمها: سبأ، وقيل: حميرية، وكان يكنّى أبا تمّام، قال أبو عمر -- ابن عبد البرّ --: ولد قبل وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بأشهر، سنة عشر من الهجرة، وكان فقيهاً فاضلاً عابداً سيّداً، روى عن أبيه وأخيه عبد الله، وعنه ابن شهاب -- يعني الزهري -- وعبد الرحمن الأعرج وجماعة(2).
تزوّج أُمّ هاني زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام محمّد بن عقيل، ثمّ خلف عليها كثير بن العبّاس، وتزوّج كثير بن العبّاس رملة الصغرى أُمّ كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام، تزوّجها قبل أختها أو بعدها(3).
وقال البلاذري: كان فقيهاً صالحاً حمل عنه الحديث، وكان ينزل بقريس على فراسخ من المدينة، فيأتي المدينة في كلّ جمعة وينزل دار أبيه العبّاس، فإذا صلّى انصرف، وكتب كثير على كفنه الذي أمر أن يكفّن فيه:
(كثير بن العبّاس يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّد عبده ورسوله)، وقد ذكر الطبري في (ذيل المذيل): أنّ كثيراً مات بينبع بالذبحة(1).
وقال بعض من ذكره: كان له ولد اسمه يحيى أُمّه أُمّ كلثوم الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام فدرج، وقيل: كان له الحسن بن كثير درج.
فهذا -- كثير -- بقية الثلاثة من أولاد العبّاس بن عبد المطّلب، وهم من جملة أخوة عبد الله حبر الأُمّة الذي كان فوق الشبهات، ولم تنلهم العين اللوّامة بسوء نظرة.
أمّا إخوته الذين قيل عنهم وفيهم ما لا يحمد قوله، وهما على المحكّ..
فهما اثنان: عبيد الله، وعبد الرحمن.
وإلى القارئ تعريفهما:
وقبل الشروع في ترجمته، أشير إلى بعض ما وقع في المصادر من خلط وخبط بينه وبين أخيه عبد الله من أوهام وإيهام، لتشابه الاسمين خطاً في عبد الله وعبيد الله، ما أدى إلى خلط الأوراق واستبدال الأدوار في تاريخي الرجلين، بدءاً من أصحاب الكتب ومروراً بالنسّاخ، وانتهاءً بأخطاء المطابع ممّا أربك الباحث والقارئ، وكنموذج عابر ومعاصر فضلاً عمّا في
1) - ذيل المذيل: 536.
التراث الغابر:
1- فقد جاء في كتاب (الإمام الحسن القائد والأسوة) للشيخ حسين سليمان سليمان معاصر، الصفحة (5): (...كما أُعدم القيسي في البصرة التي كان عبيد الله بن العبّاس والياً عليها...).
وهذا من وهم المؤلّف! فالوالي كان عبد الله لا عبيد الله.
وفي صفحة (6): (...وكتب عبيد الله بن العبّاس الوالي على البصرة رسالة مماثلة).
وهذا كسابقه في وهمه.
2- ما جاء في كتاب (صلح الإمام الحسن من منظور آخر) تأليف الأسعد بن علي معاصر(1)، الصفحة (29): (...ثمّ قام عبيد الله بن العبّاس بحذاء المنبر في المسجد الجامع، وقال بصوته المدوّي: معاشر الناس! هذا ابن بنت نبيّكم ووصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتّبع الرضوان سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وهذا كما سبق في وهمه واستبدال الأدوار.
3- وجاء في كتاب (معالم الفتن) لسعيد أيوب معاصر، الصفحة (224): (فعن عبيد الله بن عبّاس، قال: نظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ، فقال: (يا عليّ! أنت سيّد في الدنيا سيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله،
1) - انظر: سلسلة الكتب المؤلّفة في أهل البيت عليهم السلام/ إعداد مركز الأبحاث العقائدية.
وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ الله)).
وهذا من أحاديث عبد الله لا عبيد الله، ولم يعهد لعبيد الله رواية واحدة في هذا الموضوع، بينما المروي عن عبد الله فيه خير كثير.
وهذا الحديث أخرجه الحاكم النيسابوري في (المستدرك)، بإسناده: (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: نظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ، فقال: (يا عليّ...)(1)، وكذلك ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق/ترجمة الإمام عليه السلام)(2)، وابن المغازلي في (المناقب)(3)، وغيرهم.
4- وجاء في كتاب (الجوهرة) للبري التلمساني، الصفحة (32): (...ولمّا توفّي الحسن عليه السلام، أدخله قبره الحسين، ومحمّد بن الحنفية، وعبيد الله بن عبّاس؟).
وقد مرّ أنّ عبد الله وابنه علي كانا ممّن اشترك في تغسيل الإمام الحسن عليه السلام؛ فراجع!
5- وجاء في كتاب (كلمة الإمام الحسن عليه السلام) للمرحوم الشهيد السعيد السيّد حسن الشيرازي: (وكتب عامله على البصرة عبيد الله بن عبّاس إلى معاوية...).
وهذا كالسابقين في استبدال الاسم والدور، وهو وهم..
وثمّة غير من ذكرت مثلهم.
وسبب الاختلاف هو تشابه الأسماء في الخطّ، فلهذا كثر الخبط والخلط بين أدوار الأخوين، فنسب إلى أحدهما ما هو للآخر، وهذا سبب عناء الباحث في تمييز ما لكلّ منهما، على أنّ التمايز والتفاضل بينهما حاصل بالتفاضل علماً وأدباً وسلوكاً، لكنّ الغمز والهمز والتطاحن بين العلويين والعبّاسيين زاد في التعتيم، وأخلّ بالتقويم حتّى التجريم.
ومن نماذج وهم الرواة، أو النسّاخ، أو المطابع، ما تقدّم ذكره في أواخر الجزء الثالث من هذه الحلقة(1)، في خبر التميمي الذي جاء من البصرة وقد أرسله ابن عبّاس مع المال، فذكر خبر ضيافته عند منزل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأنّ الذي استغاث به الإمام عليه السلام في ضيافته كان هو ابنه الإمام الحسن عليه السلام كما في رواية محمّد بن سليمان الكوفي، بينما ذكر ابن أبي الحديد في (شرح النهج) برواية عقيل بن أبي طالب أنّ الإمام عليه السلام أوعز إلى ابنه الحسين عليه السلام باستضافة ذلك الضيف، واحتمال تعدّد الواقعة في الخبرين بعيد، لتشابه ما بين الروايتين في حديث مفردات الضيافة وما جرى فيها من خبر زقّ العسل الذي جاء من اليمن؛ فراجع!
وإنّ ما يوحي بالغمز واللّمز في أحد ابني العبّاس (عبد الله وعبيد الله) صار يحمل على الآخر للوهم الذي ذكرت أسبابه، مضافاً إلى التشنّج الذي
1) - أي: الجزء الثامن عشر من الموسوعة.
حصل في أيام حكومة العبّاسيين منهم كما مرّ ذكره.
ولمّا كان عبيد الله بن العبّاس لم يعرف براوية الحديث مثل أخيه عبد الله في كثرة ما روي عنه، فلم يذكر له من الحديث وعنه إلاّ القليل.
فقد روى عنه أحمد في مسنده بضع أحاديث لم تتجاوز الآحاد، ولم يخرّج له من أصحاب الصحاح إلاّ النسائي حديثاً واحداً، وسبب قلّة حديثه لأنّه معدود من صغار الصحابة، وأشهر ما روي عنه خبر الغميصاء التي جاءت إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تشكو زوجها أنّه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها، فقال: يا رسول الله! هي كاذبة، وهو يصل إليها، ولكنّها تريد أن ترجع إلى زوجها، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ليس ذلك حتّى يذوق عسيلتك رجل غيره)، وهذا أخرجه أحمد في مسنده(1).
بينما نجد هذا الحديث رواه النسائي في (سننه الكبرى)، وفيه: (عن عبد الله بن عبّاس... فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ليس ذاك حتّى تذوقي عسيلته))(2).
وممّا روي عن عبيد الله خبر الميزاب، فهو كما أخرجه الروياني في مسنده، الحديث (1318)، قال: (كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر، فخرج يوم الجمعة، وقد ذبح للعبّاس فرخان، فلمّا وافى الميزاب صبّ فيه فأصاب عمر، فأمر عمر بقلع الميزاب، فأتاه العبّاس، فقال: إنّه والله لموضع الذي وضعه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال عمر: وأنا أعزم عليك إلاّ صعدت على
رقبتي حتّى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم).
وهذا خبر رواه غيره أيضاً، وصار من ثوابت الموروث، مع أنّه لا يخلو من ملاحظة النقاش فيه حدوثاً، وبقاءً، وزوالاً، وإعادة، ممّا لستُ بصدده فعلاً، ولا يعنينا أمره.
وروى ابن حجر في (إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة): (عن عبيد الله بن العبّاس: إنّ رجلاً أتى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال: إنّ أبي أدركه الإسلام ولم يحجّ أفأحجّ عنه؟ قال: نعم)(1), ولم يعقّب ابن حجر العسقلاني على هذا بشيء، مع أنّ له في (الإصابة) وقد ترجم لعبيد الله تحقيق حول سنّه عند موت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وذكر عن ابن سعد قوله: رأى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ولم يحفظ عنه.
أقول: ومهما يكن حاله عند غيرنا، فليس هو الذي يعنينا معرفته، إنّما المراد معرفته فيما قاله علماؤنا فيه..
فقد ذكروا عن الشيخ الطوسي أنّه ذكره في رجاله في الصحابة، وقال: (لحق بمعاوية)، ولم يزد على هذا، ولمّا كان كتاب الكشي الموجود بأيدينا -- وقيل: إنّه اختيار الشيخ الطوسي -- قد ذكر فيه ترجمة عبيد الله افتتحها بما يلي: (ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه (؟) قال: إنّ الحسن عليه السلام لمّا قتل أبوه عليه السلام خرج في شوال (؟) من الكوفة إلى قتال معاوية، فالتقوا بكسكر (؟)، وقاتله ستّة أشهر (؟)، وكان الحسن عليه السلام جعل
1) - إتحاف المهرة ح2447.
ابن عمّه عبيد الله بن العبّاس على مقدّمته، فبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم، فمرّ بالراية (؟) ولحق بمعاوية، وبقي العسكر بلا قائد ولا رئيس، فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس، وقال: (أيّها الناس! لا يهولنكم ذهاب عبيد الله لكذا وكذا (؟) فإنّ هذا وأباه لم يأتيا بخير قطّ)، وقام بأمر الناس، ووثب أهل عسكر الحسن بالحسن عليه السلام في شهر ربيع الأوّل فانتهبوا فسطاطه وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشير (؟) الأسدي في خاصرته (؟)، فردّوه جريحاً إلى المدائن، حتّى تحسّن فيها عند عمّ المختار بن أبي عبيدة(؟).
وروى محمّد بن عيسى العبيدي، عن محمّد بن سنان، عن موسى بن بكر الواسطي، عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (قال
أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهمّ العن ابني فلان وأعم أبصارهما كما أعميت قلوبهما الآكلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما (؟)).
فهذا كلّ الذي ذكره الكشي..
فأمّا الخبر الأوّل، فساقط بالمرّة، لِما فيه من إرسال عن الفضل، وجهالة بعض كتبه، مع كثرة المعلومات الخاطئة فيه، والتي أتبعتها بعلامات استفهام، ويكفي ما في أوّل الخبر من ذكر خروج الإمام الحسن عليه السلام في شوال من الكوفة إلى قتال معاوية (؟)، وهذا لم يرد في كتب التاريخ في خروجه في شوال، فبأي شوال أريد توجيهها لا يصحّ، فإنّ الحسن عليه السلام لم يخرج من الكوفة إلى حرب معاوية إلاّ بعد عدّة مراسلات جرت بينهما، ولا شكّ في أنّها استغرقت عدّة أشهر لبعد المسافة بين الكوفة والشام وتعدّدت المراسلات، مضافاً إلى ما سبقها من إرسال معاوية الجاسوسين
إلى الكوفة والبصرة، ومن بعد قتلهما بدأت الرسائل من الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية، ومن عبد الله بن عبّاس من البصرة إلى الإمام الحسن عليه السلام بالتهيوء للحرب، وما أدري هل أنّ الكشي رأى الفضل بن شاذان قد ذكر في بعض كتبه ما حكاه عنه؟! أم أنّه رأى ما قاله اليعقوبي في تاريخه بأنّ الإمام الحسن عليه السلام تجهز لحرب معاوية بعد ثمانية عشر يوماً من وفاة أبيه(1)؟! وهذا مرفوض جملة وتفصيلاً لِما بيناه من سبق المراسلات.
وعلى هذه الكبوة من الكشي، أو الفضل بن شاذان، أو من غيرهما، فقس ما سواها من كبوات وفجوات أتبعتها بعلامات الاستفهام تسقط الاحتجاج بالخبر المذكور بالمرّة.
وأمّا الخبر الثاني، فقد ورد ذكره في الكشي مرّتين، مرّة في آخر ذكر خزيمة بن ثابت، وقبل ذكر عبد الله بن عبّاس، وهو من غلط النسخة ظاهراً، وأعاده مرّة أُخرى في ترجمة عبيد الله بن العبّاس، وفي المكانين ورد اللّعن وذكر العمى، ولمّا كان الخبر رواه الكشي مسنداً عن رجال منهم محمّد بن سنان -- المختلف فيه ولم تثبت وثاقته -- عن موسى بن بكر الواسطي -- وهو على ما قيل: كان واقفياً -- وقد روى الكشي نفسه عن الإمام الجواد عليه السلام في تفسير قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‡ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ(2)، قال: نزلت في النصّاب والزيدية والواقفة من النُصاب(3).
ولئن قيل: هذا في عماهما، فلقد قال المسعودي في (مروج الذهب): إنّ عبد الله كان سبب ذهاب بصره كثرة بكائه على أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام.
أمّا قول الشيخ الطوسي رحمه الله : لحق بمعاوية، فهذا ما ثبت في الموروث تاريخياً، ولا شكّ عندي في نقله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: متى كان ذلك زماناً؟ هل هو قبل المصالحة؟ أم في زمان المراسلة بين طرفي النزاع؟
ثمّ في ترديد أسماء الرسل، وذكر مقدار ثمن الصفقة الخاسرة، والاختلاف في روايات هذا الجانب يبعث الريبة في الصحّة تمام الصحّة.
ثمّ ما سيأتي من خبر المصاهرة بين العبّاس الأكبر الشهيد ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبين عبيد الله هذا على ابنته لبابة، ففي هذا الدلالة على صفاء الجوّ الهاشمي بين آل عليّ وآل العبّاس، ممّا يستبعد أن يكون اللحاق المذكور قد ألقى بضلاله القاتمة على ما بين البيتين من صفاء ومودّة، مع ما روي في التاريخ من مواقف لعبيد الله هذا موافقة لأهل البيت عليه السلام أيام معاوية، ممّا يستبعد التضخيم والتفخيم لذلك الحَدَث المهين المشين، بينما يراها الباحث سحابة صيف عن قليل تقشعت.
ولا أريد تبرئة عبيد الله من ذلك التصرّف النشاز، المخالف للقيم الدينية والأعراف القبلية والأخلاق العربية، فهو أسقط نفسه في حمأة سوداء بسوء اختياره ما كان ينبغي له ذلك، وما قيل في أنّ حبّ المال أغراه حتّى سدّ عليه منافذ بصيرته، فلست ممّن يثق بهذا القول تماماً، لِما ورد في
التاريخ من ذكر مواقف له تخالف هذا القيل من جشع وحبّ المال.
فقد روى ابن قتيبة في (عيون الأخبار): (عن ابن الكلبي، قال: أخبرني غير واحد من قريش، قالوا: أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العبّاس أن يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكّة، فدعي القاسم ليقسم، فلمّا مدّ الحبل قال له عبد الله: أقم المطمر(1)-- يعني الحبل الذي يمد -- فقال له عبيد الله: يا أخي الدار دارك، لا يمدّ والله فيها اليوم مطمر. وكان يقال: من أراد العلم والسخاء والجمال، فليأت دار العبّاس، كان عبد الله أعلم الناس وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس...)(2).
ومهما اتّهمنا ابن قتيبة في روايته هذه، فلا يسعنا تكذيب جميع ما رواه غيره عن عبيد الله هذا من حكايات دالّة على السؤدد والسخا، ومن شواهد الحال في هذا المجال.
فمن أخبار جوده، ما قاله السيّد ابن معصوم المدني الشيرازي (ت1120ه-) في (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة) بلفظه، وهو ممّن لا يتّهم في المقام: (وكان عبيد الله بن العبّاس من أجواد الإسلام المشهورين، فمن جوده أنّه أوّل من فطّر جيرانه، وأوّل من وضع الموائد على الطريق.
ومن جوده أنّه أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه، وقال: يا بن
عبّاس! إنّ لي عندك يداً وقد احتجت إليها، فصعّد إليه بصره فلم يعرفه، فقال له: ما يدك عندنا؟ قال: رأيتك واقفاً عند زمزم وغلامك يملأ من مائها والشمس قد صهرتك فظّللتك بطرف كسائي حتّى شربت.
قال: أجل إنّي لأذكر لك ذلك، ثمّ قال لغلامه: ما عندك؟
قال: مائة دينار وعشرة الآف درهم.
قال: ادفعها إليه، وما أراها تفي بحقّ يده.
فقال الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية، فكيف وقد ولد سيّد الأوّلين والآخرين ثمّ شفع بك وبأبيك)(1).
ثمّ قال السيّد: (ومن جوده أيضاً أنّ معاوية حبس عن الحسين بن عليّ عليه السلام صلاته حتّى ضاقت حاله، فقيل له: لو وجّهت إلى ابن عمّك عبيد الله بن عبّاس لكفاك وقد قدم بنحو ألف ألف.
قال الحسين عليه السلام: فما مقدارها عنده، والله، إنّه لأجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من السحاب إذا زخر، ثمّ وجّه إليه رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق ذات حاله، وأنّه يحتاج إلى مائة ألف.
فلمّا قرأ عبيد الله كتابه، وكان أرق الناس قلباً، وألينهم عطفاً انهملت عيناه، ثمّ قال: ويلك يا معاوية! ما اجترحت يدك من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد رفيع العماد، والحسين يشكو ضعف الحال وكثرة العيال، ثمّ قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضّة وذهب ودابة وأخبره
1) - الدرجات الرفيعة: 149، ط الحيدرية سنة 1382ه- .
إنّي شاطرته، فإن أقنعه ذلك، وإلاّ فارجع واحمل إليه الشطر الآخر.
قال: ولمّا وصل الرسول إلى الحسين عليه السلام، قال: إنّا لله، ثقلت والله على ابن عمّي، وما حسبت أنّه يتّسع لنا بهذا كلّه، فأخذ الشطر من ماله، وهو أوّل من فعل هذا في الإسلام)(1).
ثمّ قال السيّد: (ومن جوده أيضاً: أنّ معاوية أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النيروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضّة، ووّجهها إليه مع حاجبه، فلمّا وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو يطيل النظر فيها، فقال: في نفسك منها شيء؟
قال: نعم والله، إنّ في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف.
فضحك عبيد الله، وقال: فشأنك بها فهي لك.
قال: جعلت فداك أنا أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيغضب لذلك.
قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن وهو يحملها إليك ليلاً.
فقال الحاجب: والله، إنّ هذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم، ولوددت أن لا أموت حتّى أراك مكانه -- يعني معاوية --.
فظنّ عبيد الله أنّها مكيدة منه، فقال: دع عنك هذا الكلام، فإنّا من قوم نفي بما عقدنا، ولا ننقض ما أكدّنا)(2).
أقول: فأين كان الشعور بما تكلم ليلة لحق بمعاوية قبل تمام الصلح،
إن صحّت الأخبار هنا وهناك؟.
وذكر السيّد ابن معصوم في (الدرجات) أيضاً في ترجمة عبيد الله: (وقال له رجل من الأنصار: جعلت فداك، والله لو سبقت حاتماً بيوم ما ذكرته العرب، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله)(1).
وإذا رجعنا إلى ما قاله ورواه ابن الأثير في (أسد الغابة)، فذاك يحملنا على تصديق ما مرّ، فقد قال في ترجمته له: (وكان عظيم الكرم والجود، يضرب به المثل في السخاء، واستعمله عليّ بن أبي طالب على اليمن، وأمّره على الموسم، فحجّ بالناس سنة ستّ وثلاثين وسنة سبع وثلاثين، فلمّا كان سنة ثمان وثلاثين بعثه عليّ على الموسم، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم الحجّ، فاجتمعا فاصطلحا على أن يصلّي بالناس شيبة بن عثمان، وقبل هذا كان مع قثم بن العبّاس، ولم يزل على اليمن حتّى قتل عليّ(رضي الله عنه)، لكنّه فارق اليمن لمّا سار بسر بن أرطاة إلى اليمن لقتل شيعة عليّ، فلمّا رجع بسر إلى الشام عاد عبيد الله إلى اليمن، وفي هذه الدفعة قتل بسر ولدي عبيد الله، وقد ذكرناه في بسر.
ثمّ قال ابن الأثير: وكان ينحر كلّ يوم جزوراً، فنهاه أخوه عبد الله، فلم ينته، ونحر في كلّ يوم جزورين، وكان هو وأخوه عبد الله(رضي الله عنهما) إذا قدما المدينة أوسعهم عبد الله علماً، وأوسعهم عبيد الله طعاماً.
1) - المصدر نفسه.
أخبرنا أبو محمّد بن أبي القاسم -- وساق السند إلى أبي الحجّاج الفزاري -- أنّ عبيد الله بن العبّاس خرج في سفر له ومعه مولى له، حتّى إذا كان في بعض الطريق رفع لهما بيت أعرابي، قال فقال لمولاه: لو أنّا مضينا فنزلنا بهذا البيت وبتنا به، قال: فمضى، قال: وكان عبيد الله رجلاً جميلاً جهيراً، فلمّا رآه الأعرابي أعظمه وقال لامرأته: لقد نزل بنا رجل شريف، فأنزله الأعرابي، ثمّ إنّ الأعرابي أتى امرأته فقال: هل من عشاء لضيفنا هذا؟ فقالت: لا إلاّ هذه الشويهة التي حياة ابنتك من لبنها، قال: لا بدّ من ذبحها، قالت: اتقتل ابنتك؟ قال: وإن، ثمّ إنّه أخذ الشاة والشفرة، وجعل يقول:
يا جارتي يا جارتي لا توقظي البُنيّة
إن توقظيها تنتحب عليّه
وتنزع الشفرة من يديّه
ثمّ ذبح الشاة، وهيأ منها طعاماً، ثمّ أتى به عبيد الله ومولاه فعشّاهما، وعبيد الله يسمع كلام الأعرابي لامرأته ومحاورتهما، فلمّا أصبح عبيد الله قال لمولاه: هل معك شيء؟ قال: نعم خمسمائة دينار فضلت من نفقاتنا، قال: ادفعها إلى الأعرابي، قال: سبحان الله أتعطيه خمسمائة دينار! إنّما ذبح لك شاة ثمن خمس دراهم؟ قال: ويحك والله لهو أسخى منّا وأجود، إنّما أعطيناه بعض ما عندنا، وجاد هو علينا وآثرنا على نفسه وولده، قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: لله درّ عبيد الله من أيّ بيضة خرج، ومن أيّ عشّ درج)(1).
1) - أسد الغابة 3/340، ط أفست المكتبة الإسلامية.
وليس قول معاوية سوى شاهد على صحّة ما قيل ويقال، ومهما شككنا في صحّة هذه الأخبار فلا يسعنا أن نشكّ في خبر المصاهرة، والذي أطبق النسّابون على ذكره، وهذا الذي لم نشكّ فيه، هو ما يعني الوئام الذي كان بين أولاد العبّاس وأولاد عليّ، وأظهر مظاهره هي المصاهرة بين العبّاس بن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبين عبيد الله بن العبّاس هذا الذي قيل عنه ما قرأنا من مدح وذمّ، ولئن صحّت المصاهرة -- وقد ثبتت تاريخياً(1)
قال أبو نصر البخاري (ت341ه-) في كتابه (السلسلة العلوية: 89، ط الحيدرية سنة 1382ه-) وجرى عليها تصحيح منّي بعد مقابلة على مصوّرة نسخة بجامعة طهران في سنة 1384ه-: ذكر أبو اليقضان سحيم بن حفص الجعفي النسابة، وعلي بن مجاهد الكابلي، ومحمّد بن عمر الواقدي، وعلي بن محمّد بن سيف المدائني، وهشام بن محمّد الكلبي، والشرقي بن القطامي، والهيثم بن عدي، وأبو القاسم خرداذبة، ومحمّد بن حبيب، والزبير بن بكار الزبيري، وعبد الله بن سليم القيني(٭).
--
(٭) أظنّه عبد الله بن مسلم القتبي، وهو ابن قتيبة المعروف وجرى عليه تصحيف.
ومحمّد بن أبي جرة العدوي، وحمزة بن الحسن الأصفهاني، وأحمد بن يحيى ثعلب، ومحمّد بن جرير الطبري، والشريف أبو الحسين يحيى بن الحسن بن عبيد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الأصغر، وأبو طاهر عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، والناصر الحسن بن عليّ بن الحسين بن علي بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام انّ كلّهم ذكروا: أنّ العبّاس بن عليّ ولد عبيد الله بن العبّاس من لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، ومنه أعقب، وتزوّج عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أربع عقائل كرام:
رقية بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأُمّ علي بنت عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السلام لم تلد له، وأُمّ أبيها بنت عبد الله بن معبد بن العبّاس بن عبد المطّلب، وابنة المسوّر بن مخرمة الزهري.
ولد لعبيد الله بن العبّاس بن عليّ عليه السلام: عبد الله والحسن ابنا عبيد الله أُمّهما بنت عبد الله بن معبد بن العبّاس بن عبد المطّلب، العدد والنسل والشهرة في ولد الحسن بن عبيد الله وهو ابن سبع وستّين سنة، وعبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس الذي ولاّه المأمون مكّة والمدينة واليمن، وكان كبير القدر(٭).
--
(٭) سرّ السلسة: 90.
قال شيخ الشرف العبيدلي في كتابه المجدي ص231، ط الأولى من مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي العامّة:
وولد العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: عبيد الله، والفضل، أُمّهما لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس ابن عبد المطّلب، أخوهما لأُمّهما: القاسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، واختهما لأُمّهما، نفيسة بنت زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
فولد عبيد الله بن العبّاس -- وكان يوصف بالكمال والمروءة والجمال، ومات وله خمسة وخمسون سنة -- أبا جعفر عبد الله وحسناً.
وقال أبو الحسن البيهقي الشهير بابن فندق (ت565ه-) في لباب الأنساب ص357، نشر مكتبة المرحوم آية الله السيّد المرعشي:
أمّا العبّاسية العلوية، فمنهم من أولاد عبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام الملقّب ب-(عبّاس السقا)، وأولاد العبّاس عبيد الله وأُمّه لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، وتوفي عبيد الله ابن العبّاس بن عليّ عليه السلام وهو ابن خمس وخمسين سنة، ومنه العقب، فكلّ من انتمى إلى العبّاس بن عليّ عليه السلام من غير عبيد الله بن العبّاس، فهو كاذب...
العقب من عبيد الله -- أُمّه لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب -- من أولاد عبيد الله بن العبّاس المعقّب: الحسن بن عبيد الله وأبو جعفر عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس، أُمّه بنت عبيد الله بن معبد بن العبّاس، إلى غير هذا من وشائج قربى نسبية بالمصاهرة، وهي كما قلت: ظاهرة طاهرة قاهرة(٭).
--
(٭) ذكر الطبري في ذيل المذيل: 523: أنّ أسماء بنت عبد الله بن العبّاس كانت عند عبد الله ابن عبيد الله بن العبّاس -- ابن عمّها -- فولدت له حسناً وحسيناً.
أقول: لا شكّ أنّ للتسمية دلالة على حبّ المسمّى والمسمّى به بعمق المحبّة وصدق المودّة، وأن لا انفصام في عرى وشائج الأرحام ما لم ينزغ الشيطان.
قال ابن أبي الدنيا القرشي في مقتل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام المطبوع في ج8 من موسوعته ص402:
وكانت زينب الصغرى بنت علي عند محمّد بن عقيل بن أبي طالب، فولدت له عبد الله -- الذي يُحدّث عنه، وفيه العقب من ولد عقيل -- وأيضاً ولدت له عبد الرحمن والقاسم ابني محمّد، ثمّ خلف عليها كثير بن العبّاس فولدت له كلثم تزوّجها جعفر بن تمام بن العبّاس...
وقال أيضاً: وكانت ميمونة بنت علي عند عبد الله الأكبر بن عقيل فولدت له عقيلاً، وأمّ كلثوم الصغرى واسمها نفيسة... ثمّ خلف عليها كثير بن العبّاس بعد زينب الصغرى فولدت له الحسن، ثمّ خلف عليها تمام بن العبّاس فولدت له نفيسة تزوّجها عبد الله بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. المصدر نفسه ص403.
--1) - دلالة المصاهرة، ظاهرة طاهرة قاهرة:
فهي تبعث على الشكّ في تهمة الخيانة والإنحدار الخلقي والتصرف النشاز من عبيد الله ولحوقه بمعاوية قبل صلح الإمام الحسن عليه السلام، إذ أنّ اختيار العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السلام مصاهرة عبيد الله الخائن تثير العجب والتساؤل! كيف اختار أن يخطب ابنة إنسان قيل عنه: خذل ابن عمّه وصار
إلى عدوه اللدود؟! إنّها مفارقة عجيبة غريبة!
ألم يعلم العبّاس بن علي الصهر الجديد بما قاله النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اختاروا لنطفكم فإنّ الخال أحد الضجيعين)، وأنّ العرق دسّاس؟! وإذا لم يعلم هذا، ألم يعلم بخبر تزويج أبيه عليّ عليه السلام من أُمّه أُمّ البنين كيف كان باستشارة عمّه عقيل كما في الموروث؟ فهل استشار هو أيضاً من أعمامه وإخوته فدلّوه على لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس، مع ما قيل في أبيها من ذمّ؟
فإن صحّت المصاهرة، وصحّ الاختيار، سيبقى خبر المفارقة على المحكّ لبحث ظروفه وأسبابه وتداعياته، وهل كان قبل الصلح؟ أو بعده؟ أو في أثناء المفاوضات وتردد الرسل الذين أرسلهم معاوية، وهم: المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن أُمّ الحكم، فهؤلاء
-- كما في رواية اليعقوبي الآتية -- دخلوا على الحسن عليه السلام بالمدائن نازل في مضاربه، ثمّ خرجوا من عنده وهم يقولون ويُسمعون الناس أنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكّن به الفتنة، وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشكّك الناس في صدقهم.
وكان معاوية يدسّ إلى عسكر الحسن من يتحدّث أنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن عليه السلام قد صالح معاوية وأجابه، وسيأتي ما في (تاريخ اليعقوبي) من روايته لهذا الحدث الذي أحيط بالشكوك، حتّى يظنّ الباحث أنّ وراء الأكمّة ما وراءها من إظهار عجز الإمام الحسن عليه السلام عن إدارة الحكم، فيرسل قواد جيشه من الخونة مع علمه عن بعضهم بأنّه سيخون، كما في
قائده الثاني الذي أرسله في أربعة آلاف، كما أرسل الأوّل وهو من مراد فخان، وقال عن هذا الثاني بأنّه سيخون أيضاً، فإذا كان هذا رأيه فيه فلماذا أرسله؟! فهل هو في قحط من الرجال القادة المخلصين؟ ثمّ قاصمة الظهر خيانة ابن عمّه؟ فلا خبرة يستطيع معها إدارة الحكم فصالح معاوية؟
أليس هذا هو مطلوب الأمويين ورواتهم؟ ألم يقل أمير المؤمنين عليه السلام في خبر مبارزة العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب في صفّين يوم دعاه أبو الأغرّ إلى المبارزة -- وقد مرّ الخبر بتفاصيله في الجزء الرابع من الحلقة الأولى(1)ويأتي أيضاً قريباً -- فقال الإمام: والله يودّ معاوية ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه إطفاء لنور الله ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون، أما والله ليملكنهم منّا رجال ورجال يسومونهم سوء الخسف، حتّى يحفروا الآبار ويتكفّفوا الناس(2)، فلماذا لا يذكر الإمام الحسن عليه السلام بهذا اللون من التهاوي على حبّ السلامة والإخلاد إلى الدعة، وللتبرير فليذكر أيضاً خيانة ابن عمّه له، وكأنّها هي الأوّل والآخر في اضطراب الأمر حتّى اضطر الإمام عليه السلام إلى الصلح والمسالمة، وإذ تم لمعاوية ما أراد من تحطيم قيادة رشيدة، وتهديم صرح مشيد، فلماذا لا يتفرّغ لمن بقي من عناصر القوّة في جيش الحسن عليه السلام، وهو قيس بن سعد ابن عبادة، فليكن هو أيضاً كبش فداء مستهدفاً، بخبث سياسي يرفع بضبعه عالياً، ثمّ يسحب البساط من تحت رجليه ليهوي تحوط به أوهام وتضحي
به الوساوس، وتجعل من توليته على مصر ثمّ عزله عنها، ما يثير علامة استفهام حول إخلاصه ممّا لم يسلم من شماتة أعدائه، ومودّة أوليائه، فليكن هو الضحية الثالثة في تاريخ تلك الفترة المظلمة التي أسموها عام الجماعة، وما هو إلاّ عام فرقة كما سمّاه الجاحظ في كتابه(1).
وتعقيباً على ما مرّ من قصّة لحوق عبيد الله بن عبّاس بمعاوية، والتي أضحت من ثوابت التراث، فليس من السهل إنكارها، كما أنّها كذلك ليس من السهل تصديقها بكلّ مفرداتها، ولا شكّ بينها ما هو حقيق بالتصديق، ولا يخلو بعض منها ما عراه التزويق بالتلفيق.
وإن صدق الرواة في التحبير، ولكن من حقّ أهل التفكير بصورة موضوعية ومنهجية وعميقة باتزان، ولهم حقّ التعبير بالسؤال التالي: حول وشائج القربى بين آل عليّ وآل العبّاس، والمتحقّقة بالمصاهرة مع هذا الإنسان الخائن صاحب القصّة التي نحن في فلكها ندور، وفي المروي من خطبة قيس بن سعد بن عبادة، وقد تناول عبيد الله وأباه وأخاه بكلّ نقد جارح، فهل أنّ الراوي لها كان على إيمان بصدقها مع ما توحي به من سوء التقدير وفشل التدبير في قيادة الإمام الحسن عليه السلام؟ وهذا إيمان فطير وخطير، ويبعث على الشكّ في احتمال الحبك بتوجيه من الإعلام المعاكس، المستعمل عادة في الحروب، لإسقاط الطرف الآخر قيادة وقادة في حمأة السقوط والانهيار، فيكون الإمام الحسن عليه السلام وهو القائد الأعلى هو صاحب
1) - انظر: رسائل الجاحظ: 2929 -- 297 الرسالة (11) جمع السندوبي.
الجفنة والخوان نكّاح النساء(1)، وله من خيرة القادة عنده عبيد الله بن العبّاس ابن عمّه الذي أغراه معاوية بالمال فلحق به وترك ابن عمّه، فأثار حفيظة القائد البديل قيس بن سعد فخطب خطبة ساعرة وشاعرة بسقوط الخائن وأبيه وأخيه إلى منحدر من الأخلاق لا تقوم لهم من بعده قائمة.
قال الدكتور زكي مبارك رحمه الله : (أمّا دسائس الأمويين ضدّ الحسن فقد ظفرت ببعض النجاح، ألم يستطيعوا أن يشيعوا في المشرق والمغرب أنّ الحسن لم يكن صالحاً للملك، وأنّه كان رجلاً يحب النساء؟
ومن العجب أنّ بني أُميّة حاربوا الحسن بلباقة سياسية منقطعة النظير، فقد كانوا يودون اتّهامه بضعف الأخلاق، وحبّ الإثم والفسوق، فلمّا عزّ عليهم ذلك قالوا: إنّه لم يكن يتمتّع بالنساء إلاّ عن طريق الحلال، فكان يتزوّج المرأة ليلهو بها يوماً أو بعض يوم، ثمّ يطلّقها ليبحث عن امرأة أفتن وجهاً وأنضر شباباً.
ومن العجب أيضاً أنّ الهاشميين لم يقاوموا هذه الدسيسة، وأعجب من ذلك أن يعدّوها من مفاخر ذلك السيّد المزواج...
وقال: وقليل من التنبه كافٍ لتعريفنا بخطر هذه الدسيسة في عالم السياسة، فإنّ الرجل الذي يشغل نفسه بسياسة المرأة يعسر عليه أن يتفرّغ لسياسة الدولة، وهذا المغمز لا يزال معروفاً في ميادين النضال السياسي، ولو شئنا لضربنا لذلك الأمثال(2)، نجح الأمويون في تشويه سمعة الحسن من
الوجهة السياسية، ولكنّهم لم ينجحوا في تشويه سمعة الحسين...(1).
أليس يصحّ ما قاله الأُستاذ زكي مبارك في هذا المقام؟
سؤال صريح، ولكن الأجوبة ستبقى متلعثمة وقد تناولت وقائع التاريخ يومئذ..
كنحو ما رواه الطبري في (ذيل المذيل)، فقال: (وكان عبيد الله بن العبّاس سيّداً شجاعاً سخياً، كان ينحر كلّ يوم جزوراً، وكان على مقدّمة الحسن بن عليّ عليه السلام إلى معاوية...)(2)، ولم يذكر شيئاً عن لحوقه بمعاوية، وما ذكره من المناقبيات لا تخلو من علامة استفهام!
إلاّ أنّه في تاريخه، قد قال في ذكر بيعة الحسن بن علي: (وفي هذه السنة -- أعني سنة أربعين -- بويع الحسن بن عليّ عليه السلام بالخلافة، وقيل: إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد، قال له: أبسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسُنّة نبيّه وقتال المحلّين.
فقال له الحسن(رضي الله عنه): على كتاب الله وسُنّة نبيّه، فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط، فبايعه وسكت (؟) وبايعه الناس.
فماذا يعني السكوت غير أنّه على مضض؟
ثمّ قال: وحدّثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: جعل عليّ عليه السلام قيس بن سعد على مقدّمته من أهل العراق إلى قِبل أذربيجان وعلى أرضها، وشرطة الخميس الذي ابتدعه من العرب، وكانوا أربعين ألفاً بايعوا عليّاً عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يدارئ ذلك البعث حتّى قتل عليّ عليه السلام، واستخلف أهل العراق الحسن بن عليّ عليه السلام على الخلافة، وكان الحسن لا يرى القتال، ولكنّه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثمّ يدخل في الجماعة (؟) وعرف الحسن أنّ قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمّر عبيد الله بن عبّاس، فلمّا علم عبد الله (كذا والصواب عبيد الله) بن عبّاس بالذي يريد الحسن بن عليّ عليه السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، فشرط ذلك له معاوية، بعث إليه معاوية ابن عامر في خيل عظيمة، فخرج إليهم عبيد الله ليلاً حتّى لحق بهم، ونزل، وترك جنده الذي هو عليه لا أمير لهم، فيهم قيس بن سعد، واشترط الحسن عليه السلام لنفسه، ثمّ بايع معاوية، وأمّرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية، حتّى يشترط لشيعة عليّ عليه السلام ولمن كان اتّبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة، فخلص معاوية حين فرغ من عبيد الله بن عبّاس والحسن عليه السلام إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة ومعه أربعون ألفاً، وقد نزل بهم معاوية وعمرو وأهل الشام وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكّره الله ويقول: على طاعة من تقاتل؟ وقد بايعني الذي أعطيته
طاعتك، فأبى قيس أن يلين له، حتّى أرسل معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله، فقال: اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك -- قال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله، فقال معاوية: على رسلك، فإنّه لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتّى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك، وإنّي والله لا أقاتله أبداً، حتّى لا أجد من قتاله بدّاً -- فلمّا بعث إليه معاوية بذلك السجلّ اشترط قيس له ولشيعة عليّ الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالاً، فأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومن معه في طاعته)(1).
أقول: فهذا الذي ذكره الطبري فقد رواه بسنده عن الزهري، وحال الزهري في النُصب حال أسياده، ولزيادة معرفة حاله فليرجع القارئ إلى أوّل أجزاء هذه الموسوعة(2)سيجد ذكر أكثر من عشرة موارد فيها دلائل نُصب الزهري؛ فراجع!
وفي كتابي (عليّ إمام البررة) أوفى من ذلك؛ فراجع(3)، ولا يفوتني التنبيه على أنّ هذا الزهري مع نُصبه فلم يذكر لقيس بن سعد بن عبادة خطبة تعرّض فيها لمفارقة عبيد الله بن العبّاس لا من قريب ولا من بعيد.
ومن راجع (تاريخ اليعقوبي) لا يجد أيضاً ذكراً لخطبة قيس بن سعد،
على أنّ اليعقوبي المتوفى سنة (292ه-) قد ذكر في خلافة الحسن عليه السلام، فقال: (أقام بعد أبيه شهرين، وقيل: أربعة أشهر، ووجّه عبيد الله بن العبّاس في اثني عشر ألف لقتال معاوية، ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس بن سعد ورأيه، فسار إلى ناحية الجزيرة، وأقبل معاوية، لمّا انتهى إليه الخبر بقتل عليّ عليه السلام، فسار إلى الموصل بعد قتل عليّ بثمانية عشر يوماً (؟) والتقى العسكران، فوجّه معاوية إلى قيس بن سعد يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال، فقال: تخدعني عن ديني! (فيقال) أنّه أرسل إلى عبيد الله بن عبّاس وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته، وكان معاوية يدسّ إلى عسكر الحسن من يتحدّث أنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار إليه، ووجّه إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه، ووجّه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن أُمّ الحكم وأتوه وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثمّ خرجوا من عنده وهم يقولون ويُسمعون الناس: إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن به الفتنة، وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشكّك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن عليه السلام فرساً له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح بن سنان الأسدي فجرحه بمغول في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثمّ لواها فدقّ عنقه، وحمل الحسن عليه السلام إلى المدائن، وقد نزف نزفاً شديداً، واشتدّت به العلّة، فتفرّق
عنه الناس، وقدم معاوية العراق فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلّة، فلمّا رأى الحسن أن لا قوّة به وأنّ أصحابه قد تفرّقوا عنه فلم يقوموا له صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيّها الناس! إنّ الله قد هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1))(2).
هذا موروث التاريخ في ماضيه أيام خلافة الإمام الحسن عليه السلام، قرأناه بإمعان، فكانت مفردات الأحداث تشير بأصابع الخبث إلى اختلال في قيادة الإمام الحسن عليه السلام وضعف تدبير، حين يرسل قائداً من مراد في أربعة آلاف فيخون ويذهب إلى معاوية، فيدعو الإمام الحسن عليه السلام آخر من كندة فيرسله في أربعة آلاف، ويقول عليه السلام عن هذا بأنّه سيخون أيضاً، وكان الأمر كما أخبر عليه السلام، ثمّ في عزل قيس بن سعد -- الذي كان أبوه أمير المؤمنين عليه السلام قد ولاّه من قبل على خيرة جنده وهم شرطة الخميس -- وتوليته ابن عمّه عبيد الله الذي لم يسبق له حضور حرب يذكر فيه من قبل، ثمّ هو الذي فرّ من اليمن حين بلغه مجيء بسر بن أبي أرطاة وحملته المدمّرة في المدينة ومكّة في طريقه إلى اليمن، وترك ابنيه فقتلهما بسر، فهل مثل هذا الرعديد يكون أهلاً لأن يُولّى جيشاً ضمّ صناديد الرجال؟ إنّ هذا يعدّ من التخبّط القيادي في عُرف الساسة، واستهانة بقدرات الرجال الأكفاء أمثال قيس بن سعد بن عبادة الذي باشر الحرب منذ عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وخبر مطالعها ومطامعها، إنّ
أخبار هذا الحَدَث فيه غمغمة تاريخ، وهمهمة تضييع لمواقف مناقبية، وتشويه لقيادة حسنية فذّة في معالجة الأمور، وقد أحيط به من عناصر لم ترع لله فيه حرمة، ومن ورائهم مكائد معاوية، وزاد الأمر سوءاً ما جاء في كتب المثالب التي افتتحها زياد بن أبيه الذي قالوا فيه: أنّه أوّل من ألّف كتاباً في المثالب.
فقد ذكر في (سمط اللئالي في شرح أمالي أبي علي القالي)، فقال: (...وكتاب المثالب أصله لزياد بن أبيه، فإنّه لمّا ادّعى أبا سفيان أباً على أنّ العرب لا تقرّ له بذلك مع علمها بنسبه، فعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كلّ عيب وعار وباطل وأفك وبُهت، ثمّ ثنّى على ذلك الهيثم بن عدي، وكان دعيّاً فأراد أن يعرّر أهل الشرف تشفياً منهم، ثمّ جدّد ذلك أبو عبيدة وزاد فيه، لأنّ أصله كان يهودياً أسلم جدّه على يدي بعض آل أبي بكر فانتمى إلى ولاء تيم، ثمّ نشأ علاّن الشعوبي الورّاق، وكان زنديقاً ثنوياً لا يشكّ فيه، فعمل لطاهر بن الحسين كتاباً خارجاً عن الإسلام، بدأ فيه بمثالب بني هاشم وذكر مناكحهم وأُمّهاتهم، ثمّ بطون قريش ثمّ سائر العرب، ونسب إليهم كلّ كذب وزور، ووضع عليهم كلّ إفك وبهتان، ووصله طاهر عليه بثلاثين ألفاً.
وأمّا كتاب (المثالب والمناقب) الذي بأيدي الناس اليوم، وهو كتاب الواحدة المعلوم فإنّما هو للنضر بن شُميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي، وكانا أنسب أهل زمانهما، أمرهما هشام بن عبد الملك أن يبيّنا مثالب العرب ومناقبها، وقال لهما ولمن ضمّ إليهما، فدعوا قريشاً بمالها
وعليها، فليس لقرشي في ذلك الكتاب ذكر)(1).
لا شكّ في أنّ معاوية ومن عنده من بني أُميّة قاموا بترويج أكاذيب على نطاق واسع، تغطية لجرائمهم في استبعاد أهل البيت عليهم السلام عن ممارسة الحكم، فكانت ذمم الرواة تشرى لتزوير الحقائق، فكانت النتائج كما قال الإمام الباقر عليه السلام: (...ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام...)(2).
قال إبراهيم المهاجر البجلي:
أيّها الناس اسمعوا أخبركم *** عجباً زادَ على كلّ العجب
عجباً من عبد شمس إنّهم *** فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا *** دون عبّاس بن عبد المطّلب
كذبوا والله ما نعلمه *** يحرز الميراث إلاّ من قرب(3)
قال المسعودي: وذكر بعض الأخباريين أنّه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام
على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن(1).
وقال: فانظر إلى إجماع ملئهم، إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أقام يدعوا الخلق إلى الله اثنتين وعشرين سنة وهو ينزل عليه الوحي، ويمليه على أصحابه فيكتبونه ويدونوه، ويلتقطونه لفظة لفظة، وكان معاوية في هذه المدّة بحيث علم الله، ثمّ كتب له صلي الله عليه وآله وسلم قبل وفاته بشهور، فأشادوا بذكره، ورفعوا من منزلته، بأن جعلوه كاتباً للوحي، وعظّموه بهذه الكلمة، وأضافوه إليها وسلبوها عن غيره، وأسقطوا ذكر سواه(2).
فهل بعد هذا ما يمنع من القول بغثاثة الموروث، وأنّ اليد الأموية الأثيمة لها ضلع في تسجيل الجريمة؟
وبهذا حسبنا في تعريف عبيد الله بن العبّاس الذي لم يسلم من قدح وإن مرّ ممّا له فيه مدح.
وقيل: إنّما هو الحارث.
قال البلاذري في أنسابه: (هو ابن الهذلية، وقال بعضهم: أُمّه أُمّ ولد، وكان يلقّب أبا عضل، وكان أبوه العبّاس بن عبد المطّلب وجد عليه وطرده، فأتى الشام ثمّ صار إلى الزبير بمصر، وهو في بعض مغازيه، فلمّا قدم الزبير قدم به معه وأتى به العبّاس، فلمّا رآه قال: يا زبير! جئتني بأبي
عضل، لا وصلتك رحم نحّه عنّي، فمات العبّاس وعمي الحارث بعده، فقال حين عمي: كلا زعمتم أنّه ليس أبي وأنّي لست ابنه، وقد عميتُ كما عمي)(1).
وهذا من سخف عقله إن صحّ هذا من قوله.
وبهذا أختم الكلام في ذوي عبد الله بن عبّاس من آله الأقربين.. فإلى قراءة ماذا عن آله الأبعدين..
1) - أنساب الأشراف 4/68.
أخرج الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) بسنده عن ابن عبّاس، في تفسير قوله تعالى: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ(1)، قال: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ: بنو عبد شمس، وأمّا كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: بنو هاشم وبنو عبد المطّلب)(2).
وهؤلاء المعنّيون في العنوان ستّة عشر إنساناً كلّهم له شأن يذكر وشيخهم وأكبرهم سنّاً هو عقيل بن أبي طالب، وقد ذكرته المصادر الأوّلية وحسبنا الإحالة فعلاً على (الدرجات الرفيعة) لابن معصوم المدني(3).
ودونه شأناً وسنّاً ابن أخيه عبد الله بن جعفر، الذائع الصيت بالجود والكرم كنار على علم، وستأتي بعض أخباره في البحث الثاني حول مواقف الهاشميين من نهضة الحسين عليه السلام..
وأمّا الباقون من بني هاشم فكلّهم أسياد أمجاد أنجاد، غير أنّ بعضهم أظهر من بعض ذكراً، إمّا لموقف في حرب اشتهر به كالعبّاس بن ربيعة، أو
لشعر لم يساجله فيه أحد كالفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب، فأذكرهما نقلاً عن (الدرجات الرفيعة) مع إضافة تخريج أو زيادة مصدر.
قال ابن معصوم في (الدرجات): (كان من شجعان قريش وأبطالها، ذا قدرة وجاه، أقطعه عثمان داراً بالبصرة وأعطاه مائة ألف درهم، وشهد صفّين مع أمير المؤمنين عليه السلام وأبلى بها بلاء حسناً)(1).
روى ابن قتيبة في كتاب (عيون الأخبار)، قال: (قال أبو الأغرّ التميمي: بينا أنا واقف بصفّين إذ مرّ بي العبّاس بن ربيعة مكفراً في السلاح، وعيناه تبصان من تحت المغفر، كأنّهما عينا أرقم، وبيده صفيحة يمانية، وهو على فرس له صعب، فبينا هو يمغثه ويلين من عريكته، إذ هتف به هاتف من أهل الشام يعرف بعرار بن أدهم: يا عبّاس! هلّم إلى البراز.
قال العبّاس: فالنزول إذاً، فإنّه أيأس من القفول.
فنزل الشامي وهو يقول:
إنّ تركبوا فركوب الخيل عادتنا *** أو تنزلونا فإنّا معشر نُزل
وثنى العبّاس رجله وهو يقول:
ويصد عنك مخيلة الرجل *** العريض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك *** والكلم الأصيل كأرغب الكلم
1) - الدرجات الرفيعة: 189.
ثمّ عصَب فضلات درعه في حجزته، ودفع فرسه إلى غلام أسود يقال له أسلم، كأنّي والله أنظر إلى فلافل شعره، ثمّ دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فذكرت قول أبى ذويب:
فتنازلا وتوافقت خيلاهما *** وكلاهما بطل اللقاء مخدّع
وكفّت الناس أعنة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين، فتكافحا بسيفيهما مليّا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته، إلى أن لحظ العبّاس وهنا في درع الشامي، فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته، ثمّ عاد لمجاولته، وقد أصحر له مفتق الدرع، فضربه العبّاس ضربة أنتظم بها جوانح صدره، فخرّ الشامي لوجهه، وكبّر الناس تكبيرة ارتجت بها الأرض من تحتهم، وسما العبّاس في الناس، فإذا قائل يقول من ورائي: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ‡ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ(1)، فالتفت فإذا أمير المؤمنين عليه السلام.
فقال: يا أبا الأغرّ! من المنازل لعدّونا؟
قلت: هذا ابن أخيكم، هذا العبّاس بن ربيعة.
فقال: وأنّه لهو؟ يا عبّاس! ألم أنهك وابن عبّاس أن تخلاّ بمراكزكما وأن تباشرا حرباً؟!
قال: إنّ ذلك كان.
1) - سورة التوبة/14 -- 15.
قال عليه السلام: فما عدا ممّا بدا؟
قال: يا أمير المؤمنين! أفأدعى إلى البراز فلا أجيب؟
قال: نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوّك، ثمّ تغيّظ واستطار حتّى قلت الساعة الساعة، ثمّ سكن وتطامن ورفع يديه مبتهلاً، فقال: اللّهمّ اشكر للعبّاس مقامه وأغفر له ذنبه، اللّهمّ إنّي قد غفرت له فاغفر له.
وأسف معاوية على عرار، وقال: متى ينطف فحل بمثله، أيطل دمه لاها الله إذاً، ألا رجل يشرى نفسه لله، يطلب بدم عرار؟
فانتدب له رجلان من لخم.
فقال لهما: اذهبا فأيّكما قتل العبّاس برازاً فله كذا، فأتياه ودعوه للبراز.
فقال: إنّ لي سيّداً أريد أن أوامره، فأتى عليّاً فأخبره الخبر.
فقال عليّ عليه السلام: والله لودّ معاوية أنّه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه، إطفاءً لنور الله، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون، أمّا والله ليملكنهم منّا رجال ورجال يسومونهم الخسف حتّى يحتفروا الآبار، ويتكفّفوا الناس، ويتواكلوا على المساحي.
ثمّ قال: يا عبّاس! ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله ووثب عليه السلام على فرس العبّاس وقصد اللخميين، فما شكّا أنّه هو.
فقالا له: أذن لك صاحبك؟
فتحرّج أن يقول نعم، فقال عليه السلام: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ
اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(1). فبرز له أحدهما فكأنّه اختطفه، ثمّ برز إليه الآخر فألحقه بالآخر، ثمّ أقبل وهو يقول: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(2).
ثمّ قال: يا عبّاس! خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد إليك أحد فعد إليّ.
قال: فبلغ الخبر إلى معاوية، فقال: قبح الله اللجاج إنّه لقعود ما ركبه أحد قطّ إلاّ خذله.
فقال عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان لا أنت.
فقال: أسكت أيّها الرجل فليست هذه من ساعاتك.
قال: وإن لم يكن فرحم الله اللخميين وما أراه يفعل.
قال: فإنّ ذلك والله أخسر لصفقتك لحجرك.
قال: قد علمت ولولا مصر لركبت المنجاة منها.
قال: هي أعمتك ولولاها ألفَيت بصيراً.
قال ابن قتيبة وكان تحت العبّاس أُمّ فراس بنت حقان بن ثابت فولدت له أولاداً وعقبه كثير)(3).
قال ابن معصوم: الفضل هذا أحد شعراء بني هاشم المذكورين، وفصحائهم المشهورين، هاشمي الأبوين، أُمّه أمينة بنت العبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وكان شديد الأدمة، وفى ذلك يقول:
وأنا الأخضر من يعرفني *** أخضر الجلدة في بيت العرب
فسمعه الفرزدق وهو يمتح بدلو من زمزم ويقول:
وأنا الأخضر من يعرفني *** أخضر الجلدة في بيت العرب
من يساجلني يساجل ماجدا *** يملأ الدلو إلى عقد الكُرب
ورسول الله جدّي جدّه *** وعلينا كان تنزيل الكتب
فقال: من يساجلك فرجلي من كذا أُمّه.
قال: أتعرفني لا أُمّ لك؟
قال: كيف لا أعرفك وقد نزل في أبويك سورة من كتاب الله، فقال عزّ من قائل: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1).
قال: فضحك وقال: أنت الفرزدق؟
قلت: نعم.
1) - سورة المسد/1.
قال: قد علمت أنّ أحداً لا يحسن هذا غيرك.
قال أبو الفرج المعافي بعد نقل هذه الحكاية: وقد ألطف الفرزدق فيما خاطب به الفضل، لأنّه لمّا لم يمكنه مساجلته وقد فخر بنفسه من هاشم وقرباه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أتى يمضّه ويفلّ من غربه(1)
1- ربيع الأبرار للزمخشري 3/418.
2- الأغاني 16/175، ط دار الكتب.
3- التذكرة الحمدونية 3/443.
4- شرح نهج البلاغة 5/55.
5- كامل المبرد: 250.
6- شرح المقامات للشرشي 3/110.
7- معجم الشعراء للمرزباني: 309.
...وحكى أيضاً عن عيسى بن علي والي البصرة قوله: قد جمع هذا الكلام -- في فضل بني هاشم -- اللهبي في بيت قاله ثمّ أنشد قوله:
ما مات قوم يدّعون يداً *** إلاّ لقومي عليهم منّة ويدا
فمن صلّى صلاتنا وذبح ذبيحتنا عرف أنّ لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يداً بما هداه الله تعالى إلى الإسلام به، ونحن قومه، فتلك منّة لنا على الناس.
وحكى وفوده على عبد الله بن العبّاس بمكّة حاجاً، فأتاه إلى منزله مسلّماً عليه -- وكان هذا خاله -- فقال له: كيف أنت وكيف حالك، قال: بخير نحن في عافية، قال: فهل لك من حاجة؟ قال: لا والله وإنّي لأشتهي هذا
1) - لقد ذكر خبر المساجلة وقول الفرزدق في كثير من المصادر الأدبية منها:
العنب، وقد أغلاه علينا هؤلاء العلوج، فغمز غلاماً له، فذهب فأتاه بسلّة عظيمة من عنب، فجعل يغسل عنقوداً عنقوداً ويناوله، فكلّما فعل ذلك، قال له: برّتك رحم.
وحكى أيضاً: إنّ سليمان بن عبد الملك حجّ في خلافة الوليد فجاء إلى زمزم فجلس عندها، ودخل الفضل بن العبّاس اللهبي يستقى، فجعل يرتجز ويقول:
يا أيّها السائل عن عليّ *** سألت عن بدر لنا بدريّ
مقدَّم في الخير أبطحيّ *** وليّن الشيمة هاشميّ
زمزمنا بوركتِ من ركيّ *** بوركت للساقي وللمسقيّ
فغضب سليمان وهمّ بالفضل، فكفّه عنه علي بن عبد الله -- بن عبّاس -- ثمّ أتاه بقدح فيه نبيذ من نبيذ السقاية، فأعطاه إيّاه، فسأله أن يشربه، فأخذه من يده كالمتعجّب، ثمّ قال: نعم، إنّه يستحب ووضعه في يده فلم يشربه، فلمّا ولى الخلافة وحجّ لقيه الفضل فلم يعطه شيئاً.
وذكر السيّد ابن معصوم عدّة قضايا، منها محاورة الفرزدق الطويلة في المساجلة التي سأل عنها عبد الملك من الفرزدق فحدّثه بها، حرّية بالمراجعة.
وذكر له نوادر وأشعار، ومن شعره ما يرثي به الحسين عليه السلام ومن استشهد معه من الطالبيين عليهم صلوات الله أجمعين، وسيأتي ذكرها وذكر أبيات من مرثيته.
وله في الحماسة خمسة أبيات دلّت على شمم وإباء، وشجاعة عزّ نظيرها، حيث قال:
مهلاً بني عمّنا مهلاً موالينا *** لا تنبشوا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تهينونا فنكرمكم *** وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
مهلاً بني عمّنا من تحت أثلثتنا *** سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
الله يعلم أنّا لا نحبّكمُ *** ولا نلومكم إن لا تحبّونا
كلّ له نعمة في بغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلونا
وحكى عن صاحب (الإصابة) -- ابن حجر -- : أنّه نسبت إليه هذه الأبيات (التالية):
ما كنت أحسب أن الأمر منصرفاً *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم *** وأعرف الناس بالقرآن والسنن
وأقرب الناس عهداً بالنبيّ ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهمُ من كلّ صالحة *** وليس في كلّهم ما فيه من حسن
ماذا الذي ردّكم عنه فنعرفه *** ها إنّ بيعتكم من أوّل الفتن
وقد ذكر السيّد ابن معصوم في (الدرجات الرفيعة) الاختلاف في نسبة قائل الأبيات، فقال بعد ما تقدّم: وعن مؤيّد الدين الخوارزمي في المناقب، قال: هذه الأبيات للعبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعزاها الشريف المرتضى في كتاب (المجالس) لربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب، وعزاها القاضي البيضاوي والنيسابوري في تفسيريهما لحسان بن ثابت.
وقال الزبير بن بكار: لمّا بويع أبو بكر، قال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطّلب:
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرفاً *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
...الأبيات.
قال: فبعث عليه عليّ فنهاه وأمره أن لا يعود، وقال عليه السلام: سلامة الدين أحبّ إلينا من غيره(1).
ثمّ ذكر عن القاضي نور الله ردّه على ابن حجر، فذكر عنه من الكلام والنقض والإبرام ما لا حاجة له في المقام.
وسيأتي قريباً ذكر مَن حظي من بني هاشم بالشهادة مع الحسين عليه السلام وجُهل قدره وخمل ذكره، ومن رامها فعاقه المرض وردّه الحسين عليه السلام من الطريق..
1) - الدرجات الرفيعة: 193.
فإلى بقيّة نقاط هذا المبحث التي تخصّ مواقف بني هاشم من النهضة الحسينية، التي أسيء تصويرها من قبل رواة السوء، فأسيء فهمها من قبل الرعاع من الأتباع، فعُميّت أخبارها..
فهل كان بنو هاشم من أنصارها؟
أم هم تحيّدوا جميعاً عنها، فتناولتهم سهام التجريح بكلّ قبيح؟
أم كان منهم معها أو عليها؟
فماذا هو الصحيح؟!
والجواب على هذه الأسئلة في النقاط التالية:
النقطة الحادية عشرة: النهضة الحسينية في منظور بني هاشم.
النقطة الثانية عشرة: أسماء المشاركين بالفعل أو بالقوّة.
النقطة الثالثة عشرة: سهام التجريح صائبة أم خائبة.
النقطة الرابعة عشرة: خلاصة المبحث، ابن عبّاس في آله وذويه من بني هاشم.
قال الله سبحانه وتعالى يعيّر أقواماً تخلّفوا عن امتثال أمره، فقال: وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ‡ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‡ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(1).
فهذا الوحي المبين يشتدّ بالتقريع على من تخلّف عن امتثال أمر الله بالجهاد- كما أنّه يشيد بالسعادة التي يحظى بها الشهداء في سبيله، وهي الحياة الأبدية التي يجهلها مَن لم يذق طعمها ويتلذّذ بحلاوتها، فقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ(2).
هكذا كانت النهضة الحسينية محكّ اختبار صعب، وامتحان عسير لجميع الذين عاصروها من المسلمين، وأشدّهم ابتلاء الذين عايشوها زماناً ومكاناً، وأخصّهم عناءً الذين جمعتهم وصاحب النهضة أواصر القرابة، وكلّما تكثّرت الأسباب وقربت الأنساب، كانت المحنة أشدّ.
فهي -- النهضة -- ألقت بظلالها على المواقف المختلفة من مناصرة ومؤيّدة ومتخلّفة ومتحيّدة، وخلقت جدلاً تاريخياً واسعاً، دخلت فيه عواطف وعواصف، وأضحت جزءاً من الموروث المقدّس الذين تعيشه الأذهان المعنيّة بالنهضة بين تأييد وتفنيد.
ولا يزال إلى اليوم يعاني الشيعة من أخصامهم الأمريّن في تفسير وجهات النظر المتفاوتة في النهضة وآثارها حدوثاً وبقاءً ونقضاً وإبراماً، ويثار التساؤل كثيراً عن مواقف الهاشميين من أقرباء الحسين عليه السلام الذين لم يخرجوا معه وتخلّفوا عنه، مع أنّهم من إخوانه كمحمّد بن الحنفية، وعمر الأطرف، وعبيد الله أبناء أمير المؤمنين عليه السلام، بل وحتّى الذين هم من أبناء أعمامه كابن جعفر، وابن عبّاس، وأمثالهم من بني هاشم، فكلّ هؤلاء أثاروا علامات استفهام كبيرة حول قناعاتهم المتفاوتة بصحّة النهضة..
فهل هم لم يروا شرعيتها فلم يشاركوا لذلك؟ أو أنّهم رأوا شرعيتها لكنّهم تخلّفوا عنها لعذر؟
ثمّ هل كانت أعذارهم مقبولة لدى المسلمين؟ فإن كانت مقبولة، فلماذا حكي عنهم التعنيف لمن تخلّف؟
وهذا ما استدعى المرور بتاريخ تلك الأزمة وعرض ما قيل فيها عن أولئك الرجال ممّا أثار الجدل فيهم وعليهم.
فأقول: إنّ الذين خرجوا مع الحسين عليه السلام إلى أن استشهدوا في كربلاء معه.
فمن إخوانه: العبّاس وإخوته الثلاثة أشقّاؤه، ومعهم من إخوانهم لأبيهم أبو بكر عتيق وأُمّه النهشلية، وأخوه لأُمّه وأبيه عبد الله الأصغر، وثمّة قول بمشاركة عمر الأصغر وأُمّه الصهباء، وسيأتي الحديث عنه.
وخرج معه من أبناء أخيه الحسن عليه السلام: الحسن المثنى، وعبد الله، وكلاهما كانا صهرين للحسين عليه السلام، وزوجتاهما فاطمة وسكينة، ومعهم القاسم وأُمّه رملة، وقيل: معهم عمر بن الحسن، كما في مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي، وذكره الطبري.
وخرج معه من أبناء عقيل وأحفاده تسعة استشهدوا جميعاً.
ومن أبناء جعفر وأحفاده أربعة، وقيل: لهم خامس.
وخرج معه من بني هاشم اثنان، استشهد أحدهما معه، وهو أبو الهيجاء ابن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، والثاني مرض في الطريق فعزم عليه الحسين عليه السلام بالرجوع، فرجع، وسيأتي ذكرهما معاً.
أمّا الذين تناولهم التعنيف من أبناء أمير المؤمنين عليه السلام، فهم: عمر الأطرف ابن عليّ عليه السلام، وعبيد الله بن عليّ عليه السلام، ومحمّد بن الحنفية بن عليّ عليه السلام.
ومن بني جعفر: عبد الله بن جعفر.
ومن بني هاشم: عبد الله بن عبّاس، وهو شيخ بني هاشم يومئذ شأناً وسنّاً.
فكلّ هؤلاء لديهم أولاد، فلم يساهموا في النهضة بحول أو طول سوى ابن جعفر الذي أرسل بابنين له.
فالحديث الآن عن الذي شارك -- من بني هاشم غير من ذكرناهم -- في الخروج مع الحسين عليه السلام وحظي بالشهادة، فهو أولى بالتقديم، ثمّ دونه من رام الشهادة ساعياً لكن عاقه المرض فأرجعه سيّد الشهداء الحسين عليه السلام من الطريق فعاد وعاش ألماً، ولمّا بلغه نبأ الواقعة رثى الشهداء عليهم السلام وظهر حزنه وأسفه أن لا يكون حظي معهم بالشهادة.
أمّا الذي ذكرت أنّه كان شهيداً ولم تذكره جلّ كتب المقاتل الشيعية:
فهو: عبد الله بن أبي سفيان، الذي مرّ ذكره وشعره الذي أجاب به الوليد بن عقبة.
فقد حكى السيّد ابن معصوم عن الشيخ المفيد بعد ذكر شعره، قال: (هذا الشعر دليل على اعتقاد هذا الرجل في أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه كان الخليفة لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بلا فصل... وشعره في عليّ صلي الله عليه وآله وسلم قوله رحمه الله :
وصلّى عليه مخلصاً بصلاته *** لخمسٍ وعشرٍ من سنيه كوامل
وظلّ أناساً بعده يتبعونه *** له عمل أفضل به صنع عامل
قال الواقدي: قتل عبد الله بن أبي سفيان بكربلاء شهيداً مع الحسين عليه السلام).
وقد ذكرته أنا في (شذا العرف في ضحايا الطفّ)، وقلت في الأرجوزة:
وبعدُ قتل عبد الله ذو الحجّاج *** ذاك المكنّى بأبي الهياج
وهو حفيد شيبة المحامد *** وابن أبي سفيان يروي الواقدي
واسى الحسين في عراص كربلا *** شأن أباة الضيم صادق الولا
طوبى أبا الهياج أنت الهاشمي *** من ذروة العلياء والمكارم
في نصرة الحسين منك لا عجب *** كلاكما من صلب عبد المطّلب
جمعتَ بين الفضل والشهادة *** فيا لها من نعمة السعادة
الثاني من بني هاشم الذين شاركوا في النهضة الحسينية ولم يسعفه الحظّ بالشهادة وإن فاز بالسعادة، هو: المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم، كان مع الحسين عليه السلام، أصابه عارض رضي الله عنه في الطريق، فعزم عليه الحسين عليه السلام أن يرجع، فرجع، ولمّا بلغه نبأ الفاجعة قال يرثيه ومن قتل ممّن كانوا معه:
أحزنني الدهر وأبكاني *** والدهر ذو صرف وألوان
أفردني من تسعة قُتّلوا *** بالطف أضحوا رهن أكفان
وستّة ليس لهم مشبهٌ *** بني عقيل خير فرسان
والمرء عون وأخيه مضى *** كلاهما هيّج أحزاني
من كان مسروراً بما نالنا *** وشامتاً يوماً فم الآن(1)
1) - ذكره المرزباني في معجم الشعراء: 212.
وهذا المغيرة هو الذي قد أمره أمير المؤمنين عليه السلام أن يتزوّج بعده أُمامة بنت أبي العاص، فخلف عليها من بعده فتزوّجها، ولم تلد له.
وقد ترجمه ابن سعد في (الطبقات)(1)، كما ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة)(2)، كما ذكره السيّد ابن معصوم المدني في (الدرجات الرفيعة)، فقال:
(يكنى بأبي يحيى، ولد على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة قبل الهجرة، وقيل بعدها، ولم يدرك من حياة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم غير ستّ سنين، وهو الذي تلقى عبد الرحمن بن ملجم المرادي حين ضرب أمير المؤمنين، فهمّ الناس، فحمل عليهم بسيفه ففرجوا له، فتلقاه المغيرة بن نوفل بقطيفة فرماها عليه واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره، وانتزع السيف من يده، وكان رجلاً قوّياً، واستعمله عثمان على القضاء، فكان قاضياً في زمنه، وشهد مع أمير المؤمنين صفّين ومن شعره أيام صفّين:
يا عصبة الموت صبراً لا يهولكمُ *** جيش ابن حرب فإنّ الحقّ قد ظهرا
وقاتلوا كلّ من يبغي غوائلكم *** فإنّما النصر في الضرّا لمن صبرا
اسقوا الخوارج حدّ السيف واحتسبوا واحتسبوا *** في ذلك الخير وارجوا الله والظفرا
وأيقنوا أنّ من أضحى يخالفكم *** أضحى شقياً وأضحى نفسه خسرا
فيكم وصيّ رسول الله قائدكم *** وصهره وكتاب الله قد نشرا
ولا تخافوا ضلالاً لا أباً لكم *** سيحفظ الدين والتقوى لمن نصرا
ولمّا خرج الحسن عليه السلام لقتال معاوية استخلفه على الكوفة، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم ويخرجهم حتّى التأم العسكر، وسار الحسن إلى أن كان من أمر الصلح بينه وبين معاوية ما كان)(1).
وقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
أقول: لم يرو عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ حديثاً واحداً، رواه عبد الملك بن نوفل، عن أبيه، عن جدّه، عن المغيرة بن نوفل، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من لم يحمد عدلاً ولم يذمّ جوراً فقد بارز الله تعالى بالمحاربة).
وقيل: إنّ حديثه مرسل، وقد روى عن أبيّ بن كعب وعن كعب الأحبار، كذا في (أسد الغابة).
أقول: ذكر ابن سعد في (الطبقات) خبرين بسندين، الأوّل بسنده: (عن عليّ بن الحسين، قال: إنّ كعباً أخذ بيد المغيرة بن نوفل فقال له: اشفع لي يوم القيامة، قال: فانتزع يده من يده وقال: وما أنا؟ إنّما أنا رجل من المسلمين، قال: فأخذ بيده فغمزها غمزاً شديداً وقال: ما من مؤمن من آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ وله شفاعة يوم القيامة، ثمّ قال: اذكر هذا بهذا).
والخبر الثاني رواه بسنده: (عن المغيرة بن نوفل نفسه، قال: أخذ بيدي كعب الأحبار فعصرها ثمّ قال: اختبئ هذه عندك لتذكرها يوم القيامة، قال: وما أذكر منها؟ قال: والذي نفسي بيده ليبدأنَّ محمّد بالشفاعة يوم القيامة بالأقرب فالأقرب)(2).
إنّ من يقرأ مواقف بني هاشم من نهضة الإمام الحسين عليه السلام لا يجد غير سحابة من حزن وكآبة غشيت جميع تلك الوجوه المعاصِرة للحدث، والمحاصَرة في عقر ديارهم في الحرمين من السلطة الجائرة في الشام، ومن عدوّ لدود يعيش بين ظهرانيهم يتربّص بهم الدوائر، ويكتم بغضهم منذ لأي من السنين، ذلك هو ابن الزبير.
وبين أولئك وهذا تصطدم النهضة بعواطف جيّاشة صادقة، ولكن لا تشجّع على القيام بها عاجلاً لِما يروونه عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في أنّ الحسين عليه السلام تقتله أُمّته، ولِما يرونه من نُذُر الشرّ التي أحيطت بها، فكتب الكوفة -- مهما صدقت نيات بعض أصحابها -- فتبقى سمعة الغدر والخيانة تراود أذهان الذين عاشوا في الكوفة أيام أمير المؤمنين عليه السلام وأيام الحسن عليه السلام، من أمثال ابن جعفر، وابن الحنفية، وابن عبّاس، وغيرهم من رجال بني هاشم ونسائهم، ممّن قد مرّ ذكرهم في الحلقة الأولى من هذه الموسوعة، وما عاصروه وعايشوه من أحداث في الكوفة أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
بدءاً من نزوله بها، ومروراً بشهادته على يد ابن ملجم المرادي لعنه الله، وانتهاءً بخلافة الإمام الحسن عليه السلام وما جرى عليه في أيامه على قصر ممارسته الحكم فيه، وما جلبته تلك السمات من ويلات أودت بحياتهماعليهما السلام، لذلك كان القلق المحزن يساور الهاشميين سيّما أهل
البيت عليهم السلام منهم خاصّة ومن عاش معهم، لِما استقر في أذهانهم من مصير مفجع ومفزع، نتيجة ما وروثوه من أنباء اليقين عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بأنّ النهاية المحزنة، والفاجعة المهطعة تكون في كربلاء، والضحايا هم (الحسين وآل الحسين) بقية النبوّة، ووارث الإمامة، إنّها نكبة لم يستطيعوا التغلّب عليها بغير الإشفاق من حدوثها، وظلّ حبّهم يعذّبهم، ذلك الحبّ المتأصّل بالعقيدة والولاء، فهم يرون الفشل في دعوة الكوفيين قاب قوسين أو أدنى، وهم يرون في بني أُميّة أشنع الظالمين الذين لا يرقبون في الله لمؤمن إلاً ولا ذمّة، وقد رأوا وعاشوا أيام معاوية، فكيف بيزيد القرود والفهود؟
لقد قيل -- وصحّ ما قيل -- فهم الشيء على حقيقته يجنّب المخاطر، ويهدي إلى الرؤية البيّنة التي تتجلّى فيها مخاطر المستقبل، وهذا ما عاشه بنو هاشم عندما علموا بتصميم الإمام الحسين عليه السلام على التوجّه إلى العراق، فانتابتهم تصوّرات مقلقة، وخواطر المخاطر المحدقة، ولهم رأي يكاد يكون جماعياً على مصير محتوم ومختوم للشهادة، لهذا كان التحرّك الجماعي لصدّ التنفيذ، ولا أقلّ من تأخير التصميم، فإذا بالرجال الأباة الغيارى يتحرّكون مصرّين على نصح الإمام الحسين عليه السلام أن لا يخرج فعلاً، فليس الظرف المعاش يسمح بنجاح النهضة، ولكن أنّى لهم والاستجابة أبعدُ منالاً، أنّى والإمام الحسين عليه السلام بوادٍ والعذول بوادٍ، ولكن لم يمنعه ما عنده من عزم وتصميم من استماع آراء الرجال على ما فيها من أفن أو وهن.
ولنعرض ما جال في أذهان الهاشميين بدءاً من الأقرب فالأقرب، وأقربهم فعلاً من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام، وهم: عمر الأطرف، ومحمّد بن الحنفية
فإلى القارئ خبر محمّد بن عمر الأطرف الذي جاء فيه: (قال: سمعتُ أبي عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يحدّث أخوالي آل عقيل، قال: لمّا امتنع أخي الحسين عليه السلام عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلت عليه فوجدته خالياً، فقلت له: جعلت فداك يا أبا عبد الله، حدّثني أخوك أبو محمّد الحسن عن أبيه عليه السلام -- ثمّ سبقتني الدمعة وعلا شهيقي -- فضمّني إليه، وقال: حدّثك أنّي مقتول؟ فقلت: حوشيت يا بن رسول الله! فقال: سألتك بحقّ أبيك بقتلي أخبرك؟ فقلت: نعم، فلولا تأوّلتَ وبايعتَ؟
فقال: حدّثني أبي: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بقرب تربته، فتظّن أنّك علمت ما لم أعلمه! وإنّه لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقينّ فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذرّيتها من أُمّته، ولا يدخل الجنّة أحد آذاها في ذريتها)(1).
وكم مثل عمر هذا في تخيّله أن سوف يثني الحسين عليه السلام عن عزمه؟ ولا أقلّ من تأخير المقدور فيما هم فيه ينظرون، وليس بمقدورهم درء الخطر وناقوسه قد دقّه معاوية، وتابعه يزيد يدقّه بعنف، فرأوا أن لا سبيل للحسين عليه السلام عن شرّ ما يحذرون إلاّ بالابتعاد عن المصادمة فعلاً(2)
(... ثمّ تقدّم إخوة الحسين عازمين على أن يموتوا من دونه، فأوّل من تقدّم أبو بكر بن عليّ -- واسمه عبد الله وأُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد الربعي التميمية -- فتقدّم وهو يقول:
من هاشم الخير الكريم المفضل *** شيخي عليّ ذو الفخار الأطول
عنه نحامي بالحسام المصقل *** هذا حسين ابن النبيّ المرسل
يا ربّ فامنحني ثواب المنزل *** تفديه نفسي من أخ مبجّل
قال: فحمل عليه رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له: زحر بن بدر النخعي فقتله رحمه الله.
فخرج من بعده أخوه عمر بن عليّ، فجعل يقول:
ذاك الشقي بالنبيّ من كفر *** أضربكم ولا أرى فيكم زحر
لعلك اليوم تبوء من سقر *** يا زحر يا زحر أدن من عمر
لأنّك الجاحد يا شرّ البشر *** شرّ مكان من حريق وسعر
ثمّ حمل على قاتل أخيه فقتله، واستقبل القوم، فجعل يضرب فيهم بسيفه ضرباً منكراً وهو يرتجز ويقول:
خلّوا عن الليث العبوس المكفهّر *** خلّوا عداة الله خلوا عن عمر
وليس فيها كالجبان المستجر *** يضربكم بسيفه ولا يفر
ثمّ حمل فلم يزل يقاتل حتّى قتل رحمه الله.
أقول: فهذا غير عمر الأطرف الذي مرّ ذكره ناصحاً بعدم الخروج، ولعمر الأطرف ذلك أخبار قد تأتي الإشارة إليها، منها ما قاله أبو نصر البخاري في كتابه السلسلة العلوية: 97: ولا تصحّ رواية من روى أنّ عمر -- يعني الأطرف -- حضر كربلاء وهرب ليلة عاشوراء في جواليق، ولقبّوا أولاده بالجواليق، لا يصحّ ذلك، بل كان هو بمكّة مع ابن الزبير ولم يخرج إلى كربلاء، والسبب في تلقيبهم بأولاد الجواليق غير ذلك، والله أعلم.
ومنها ما قاله أبو نصر أيضاً في ص96: وكان عمر -- يعني الأطرف -- دعاه الحسين إلى الخروج معه فلم يخرج، فلمّا أتاه مصرعه خرج في معصفرات له وجلس بفناء داره، ويقول: أنا الغلام الحازم ولو خرجت معهم لذهبت في المعركة ولقتلت، وهذا بعض ما فيه من تجريح كما سيأتي في النقطة الثالثة عشرة.
.1) - اللهوف لابن طاووس هامش ص99 ط3 دار الأسوة.
2) - لقد وقع خلط وخبط في كتب الأنساب والتاريخ في ذكر عمر الأطرف وذكر أخيه عمر الأصغر من أبناء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فالأطرف لم يشارك في النهضة بسوى ما تقدّم من النصيحة، أمّا الثاني فهو من الشهداء والسعداء، وقد ذكره شيخ الشرف العبيدلي في كتابه المجدي: 12، حيث قال: والعبّاس الأصغر وعمر ورقية بني التغلبية، وهذا الذي ذكره قد اعتبر من زياداته، مع أنّه قد ورد له ذكر في شهداء الطفّ، كما في مقتل الخوارزمي 2/47 وله رجز وشعر عند المبارزة، حيث قال ابن أعثم (ت314ه-) في كتابه الفتوح 5/205، ط دار الندوة الجديدة بيروت:
فقد روي ممّا له وعليه في هذه الحقبة التاريخية، ممّا أسيء فهم بعض مواقفه قبل النهضة وبعدها، ولست في مقام تبرير أو تعذير، ولكن لا ننسى بأنّ في الموروث ممّا لا يصحّ، ولكن للعاطفة، والخيال مجال، ومهما يكن فقد روي أنّه قال للحسين عليه السلام: (...يا أخي! أنت أحبّ الناس إليّ وأعزهم علَيَّ، ولستُ أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها منك، تنحّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص بذلك دينك ولا عقلك، ولا يُذهب به مروأتك ولا فضلك، إنّي أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك وأُخرى عليك فيقتتلون، فتكون لأوّل الأسنة -- غرضاً -- فإذا خير هذه الأُمّة كلّها نفساً وأباً وأُمّاً، أضيعها دماً وأذلّها أهلاً.
فقال له الحسين عليه السلام: فأنّى أذهب يا أخي.
قال: فانزل مكّة، فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال، وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنّك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً، حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون الأمور عليك أشكل
منها حين تستدبرها استدباراً.
قال: يا أخي! قد نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً)(1).
وقد روى ابن أعثم (ت314ه-) وهو معاصر للطبري ما مرّ، وزاد خبر وصية الإمام الحسين عليه السلام لمحمّد بن الحنفية، فقال:
(ثمّ دعا الحسين بدواة وبياض وكتب فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبي طالب لأخيه محمّد بن عليّ المعروف بابن الحنفية: إنّ الحسين بن عليّ يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.
وإنّي لم أخرج أشِراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أُمّة جدّي محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب(2)، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ علَيَّ هذا أصبر
حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، ويحكم بيني وبينهم بالحقّ وهو خير الحاكمين.
هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من اتّبع الهدى، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم).
ثمّ طوى الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمّد بن الحنفية، ثمّ ودعه وخرج في جوف الليل يريد مكّة بجميع أهله).
وهذا رواه الخوازمي الحنفي في (مقتل الحسين)(1)، كما رواه ابن شهر آشوب الشيعي في كتابه (المناقب)(2)بتفاوت، وعنه المجلسي في (بحار الأنوار)(3).
ووردت عدّة روايات في مصادر أُخرى غير التي ذكرت، فيها نصائح ابن الحنفية أن لا يخرج الحسين عليه السلام إلى العراق، ومنها ما جاء في كتاب (طبقات ابن سعد): (... بعث حسين رضي الله عنه إلى المدينة، فقدم عليه من خفّ معه من بني عبد المطّلب وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء وصبيان من أخواته وبناته ونسائهم، وتبعهم محمّد بن الحنفية فأدرك حسيناً عليه السلام بمكّة وأعلمه أنّ الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين عليه السلام أن يقبل...).
وجاء في كتاب (إثبات الوصية) المنسوب للمسعودي: (خرج محمّد
ابن الحنفية يشيّعه -- يعني الإمام الحسين عليه السلام -- فقال له عند الوداع: يا أبا عبد الله! الله الله في حُرم رسول الله. فقال له: أبى الله إلاّ أن يكنّ سباياً (؟))(1).
إلى غير هذا، ممّا دلّ على بذل ابن الحنفية جُهداً في سبيل الحيلولة بين خروج الحسين عليه السلام والذهاب إلى الكوفة، وقال له: إنّها بلدة مشؤومة قتل فيها أبوك، وخذل فيها أخوك، فالزم الحرم فإنّك سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز، وتتداعى إليك الناس من كلّ جانب(2).
غير أنّه جاء في (كامل الزيارات) لابن قولويه خبر زرارة: (عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كتب الحسين بن عليّ من مكّة إلى محمّد بن عليّ: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم: أمّا بعد فإنّ من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام).
وهذا الكتاب إن صحّت روايته، فهو دعوة منه عليه السلام إلى اللّحوق به، وينافي -- إن لم يكن ناسخاً لما مرّ من الإذن لمحمّد بن الحنفية بالبقاء في المدينة ويكون عيناً له عليه السلام، ولا يخفي عنه أخبار أعدائه، وكتب له الوصيّة التي مرّ ذكرها.. لكن خبر (كامل الزيارات) لم يسلم سنده من مجهول، وهو: علي بن إسماعيل بن عيسى.
وهذا الخبر قد رواه غير ابن قولويه أيضاً، ففي (الحدائق الوردية)(3)-- من
تراث الزيدية -- ورد أيضاً: أنّ الحسين عليه السلام كتبه حين خرج من مكّة ونزل بستان بني عامر ولفظه: (من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ وأهل بيته: أمّا بعد، فإنّكم إن لحقتم بي استشهدتم، وإن تخلّفتم عنّي لم تلحقوا النصر، والسلام).
كما ورد مسنداً ومرسلاً، وليس فيه ذكر لمحمّد بن الحنفية، وإنّما كتب عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى بني هاشم، أمّا بعد فإنّه من لحق بي استشهد، ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح، والسلام)(1).
وكلّ هذه المصادر تروي هذا الخبر عن حمزة بن حمران -- وهو ابن أعين الشيباني -- مجهول كما في (معجم رجال الحديث) لسيّدنا الأُستاذR، ومهما يكن حاله فلست بحاجة إليه، ويبقى الخبر محتملاً للصدق والكذب كسائر الأخبار، وسيأتي مزيد عن حال محمّد بن الحنفية رضي الله عنه.
1) - دلائل الإمامة: 187، واللهوف لابن طاووس: 40، وبصائر الدرجات: 481، ومختصر بصائر الدرجات: 6.
لقد مرّ في الجزء الخامس من الحلقة الأولى من الموسوعة موقف ابن عبّاس رضي الله عنه في أيام يزيد لعنه الله، وما مُني به من ابتلاء قاتل في حكومة الغيّ والفساد التي أرسى معاوية قاعدتها على الظلم والجور، ولمّا كان ابن عبّاس رضي الله عنه من الهاشميين الذين هم أصحاب الحقّ المغتصب، ويرون أنّ المثل الأعلى في الحسين عليه السلام سيّد شباب أهل الجنّة، وليس لديهم من القوّة ما يستطيعون بها استرجاع الحقّ إلى معدنه، فكانوا يرون التماسك بين الخُلق والدين هو في نصرة صاحب الحقّ بإسداء النصيحة التي هي أساس القوّة في الدين، والمرء الذي لا يتماسك بفضل ما ورثه من الأخلاق فلا يمسكه خوف ولا رجاء من النصح لنصرة صاحب الحقّ، وهذا أضعف الإيمان.
قال الدكتور علي سامي النشار في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام):
(وعاش عبد الله بن عبّاس بعد مقتل عليّ في حزن دائم مقيم، يُعنى فقط بالعلم الإسلامي من تفسير وفقه وحديث، ووفد على معاوية فيمن وفد من بني هاشم، ولكن لم تكن صلاته بالبيت الأُمويّ صلات رغبة ومحبّة، بل صلاة كاره مبغض مرغم، وكره أشدّ الكراهية بيعة يزيد، وإن كان قد بايع، ولكنّه نصح الحسين بن عليّ ألاّ يخرج إلى الكوفة، وطلب منه أن
يشخص إلى اليمن، فإنّها في عزلة، ولك فيها أنصار وأخوان، فأقم بها، وبثّ دعاتك، وأكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق.. فالرجل كان داهية، وذا عقلية سياسية مستنيرة، ونراه يستخدم مصطلح الدعاة ولم يستمع إليه الحسين، فقتل الحسين...)(1).
وإلى القارئ إعادة ما قد ذكرته في الجزء الخامس من الموسوعة، الفصل الثاني: حبر الأُمّة أيام حكومة يزيد بلفظه وطوله:
((وإذ بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد فعلى الإسلام السلام)، هكذا قال سيّد الشهداء أبيّ الضيم, وهكذا كانت النتيجة المتوقّعة, فقد طرق المدينة شرّ عظيم, حين أتى كتاب يزيد إلى الوالي, وكان هو ابن عمّه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان, وفي آخر الكتاب:
(فبايع لنا قومنا ومَن قِبلك من رجالنا، بيعة منشرحة بها صدوركم, طيّبة عليها أنفسكم, وليكن أوّل من يبايعك من قومنا وأهلنا: الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر, ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها, وحرّية رقيقهم, وطلاق نسائهم بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم, ولا قوّة إلاّ بالله، والسلام). هكذا روى ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة)(2).
غير أنّ البلاذري(1)، والطبري(2)، وابن الأثير(3)، ذكروا: (أنّه كتب إليه في صحيفة كأنّها أُذن فأرة: أمّا بعد فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ليست فيه رخصة ولا هوادة، حتّى يبايعوا، والسلام), فلم يرد ذكر ابن عبّاس مع النفر المذكورين.
إلاّ أنّ البلاذري، قال: (وكتب يزيد إليه -- إلى ابن عبّاس -- كتاباً يأمره فيه بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له وينسبه إلى قتل عثمان والممالأة عليه, فكتب ابن عبّاس إليه أيضاً كتاباً يقول فيه: إنّي كنت بمعزل عن عثمان, ولكن أباك تربّص به وأبطأ عنه بنصره, وحبس مَن قَبلَه عنه حين استصرخه واستغاث به, ثمّ بعث إليه الرجال معذّراً حين علم أنّهم لا يدركونه، حتّى يهلك)(4).
ويبدو من هذا الجواب الذي صحّ عندي، أنّه لم يبايع ليزيد إلى حين الكتاب, ولو أنّ البلاذري قد ذكر لنا كتاب يزيد وتمام جواب ابن عبّاس، لتبيّن ما هو أفصح وأصرح، وإن كان فيما ذكره ما كشف عن زيف ما تقدّم منّا ذكره نقلاً عن البلاذري وابن قتيبة من خبر مبايعته وبيّنّا أنّه لم يصحّ سنداً ولا دلالة, وإن تمسّك به بعض الباحثين ورأى مبايعته ليزيد, ولعلّ ما أغراه به ذكر ابن قتيبة له من دون التفات إلى ما في خبره
من هنات، ومهما يكن فقد توجّس ابن عبّاس الشرّ كلّ الشرّ في حكومة يزيد, وزاد في قلقه مواقف بقية رجال المعارضة التي اختلفت أهدافُهم, فبين راغب كابن عمر، وراهب كابن الزبير, ومستنكرٍ رافض لكلّ العروض والمغريات كالإمام الحسين عليه السلام ، فهو ابن أبيه في إنكار المنكر ودحض الباطل, لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، وابن عبّاس كان -- مع أنّه اليائس المتشائم -- يقارب الحسين عليه السلام في موقفه الهادف لتحقيق العدالة, ولكن يأسه من الناس أضمَر من عزيمته, وفقدانه لبصره أوهى من شكيمته, فصار إمّا أن يصول بيد جذّاء أو يصبر على طخية عمياء, كحال ابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فيما سلف من الأيام، وعنده في خزين علمه الموروث عن النبيّ المصطفى وابن عمّه المرتضى من أخبار وإخبار بما ستلاقي عترته من بعده في عهد يزيد, فهو في حال اضطراب شديد لِما سيحلّ بالمسلمين من الفوادح، ولات حين مناص من مزيد ترقّب, لتتابع الأحداث سراعاً منذرة بالخطر.
كتاب يزيد إلى ابن عبّاس:
لعلّ أوّل حدَث غامت به نفس ابن عبّاس كتاب يزيد إليه بمبايعته, وقد مرّ جواب ابن عبّاس عليه. وأحسب أنّه كان في المدينة بعد رجوعه من مكّة عمرة رجب, وقد مرّ بنا كتاب يزيد إلى واليه الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير وابن عمر نقلاً عن الطبري، وقلنا أنّه لم يرد
لابن عبّاس ذكر معهم, وربّما لأنّ ابن عبّاس لم يكن يومئذ بالمدينة وكان بمكّة معتمراً عمرة رجب، وكان موت معاوية في رجب, فلمّا عاد إلى المدينة أتاه كتاب يزيد بأمره فيه بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له...
ولم يُذكر أنّه ذهب إلى الوليد, كما لم يُذكر أنّ الوليد أرسل عليه, كما أرسل على الحسين وابن الزبير.
قال الدينوري: (وأمّا عبد الله بن عبّاس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكّة)(1).
وقد روى ابن الأثير(2)، وابن كثير(3)في تاريخهما، وغيرهما: أنّه وابن عمر لقيا الحسين وابن الزبير في الأبواء منصرفهما من العمرة -- وكان الحسين وابن الزبير قد خرجا من المدينة بعد طلب الوليد منهما مبايعتهما ليزيد -- فسألاهما عمّا وراءهما؟ فقالا: موت معاوية، والبيعة ليزيد, فقال ابن عمر: لا تفرّقا جماعة المسلمين(4)، وقدم هو وابن عبّاس المدينة(5).
قال ابن الأثير: (فلمّا بايع الناس بايعا).
1) - الأخبار الطوال: 228.
2) - تاريخ ابن الأثير 4/7، ط بولاق.
3) - تاريخ ابن كثير 8/148 نقلاً عن الواقدي.
4) - ومن هنا قلنا عن ابن عمر: أنّه راغب فيما زهد فيه غيره من رجال المعارضة.
5) - في طبقات ابن سعد ذكر عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة هو الذي كان مع ابن عمر حين التقيا الحسين وابن الزبير بالأبواء, لكن في تاريخ دمشق، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ ابن الأثير، وابن كثير: أنّه ابن عبّاس ولعلّه تصحيف توارد عليه النسّاخ.
إلاّ أنّ ابن كثير قال: (فلمّا جاءت البيعة من الأنصار بايع ابن عمر مع الناس). ولم يذكر في هذا المقام(1)عن ابن عبّاس شيئاً، فهو أدّق من ابن الأثير في تعبيره, لذلك قلت: وأحسب أنّ كتاب يزيد المشار إليه آنفاً أتى ابن عبّاس في ذلك الظرف لأنّه لم يبايع ليزيد.
قال الدينوري في (الأخبار الطوال): (ومضى -- الحسين حتّى وافى مكّة, فنزل شعب عليّ(2))(3).
وقال ابن كثير في تاريخه: (فنزل الحسين دار العبّاس(4))(5).
وحكى الخوارزمي في (مقتل الحسين) عن الإمام أحمد بن أعثم الكوفي قوله: (ولمّا دخل الحسين مكّة فرح به أهلها فرحاً شديداً، وجعلوا يختلفون إليه غدوة وعشية (وكان قد نزل بأعلى مكّة، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً... ثمّ تحول الحسين إلى دار العبّاس حوّله إليها عبد الله بن عبّاس)(6))(7).
1) - احترازاً عمّا ذكره في 151 من قوله: بايع ابن عمر وابن عبّاس.
2) - هو شعب أبي طالب, ولا يزال يعرف حتّى اليوم بشعب عليّ، وبجانبه سوق الليل، قارن أخبار مكّة للأزرقي 2/233، تح رشدي الصالح محسن، ط الثانية سنة 1385ه-، مطابع دار الثقافة مكّة المكرمة.
3) - الأخبار الطوال: 229.
4) - هي بالقرب من مولد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وصارت لخالصة والدة الخيزران، قارن/ ن م.
5) - تاريخ ابن كثير 8/162.
6) - ما بين القوسين لم نجده في تاريخ ابن أعثم، ط دار الندوة, فظن خيراً, وازدد خُبراً بمطبوعات العصر الحديث! ودار العبّاس كانت بين الصفا والمروة, منقوشة عندها العَلَم الذي يسعى منه من جاء من المروة إلى الصفا قارن نفس المصدر في المتن.
7) - مقتل الحسين 1/190، ط الزهراء في النجف.
قال ابن أعثم في تاريخه: (وأقام الحسين بمكّة في شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة.
قال: وبمكّة يومئذ -- أحسب مراده في ذي القعدة -- عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه وعبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، فأقبلا جميعاً حتّى دخلا على الحسين وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة.
فقال له ابن عمر: أبا عبد الله! رحمك الله، اتقّ الله الذي إليه معادك، فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكم وظلمهم إيّاكم, وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد بن معاوية, ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء والبيضاء فيقتلونك ويهلك فيك بشر كثير, فإنّي قد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (حسين مقتول, ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه، ليخذلهم الله إلى يوم القيامة), وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس, واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل, فلعلّ الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين.
فقال له الحسين: أبا عبد الرحمن! أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه, وقد قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فيه وفي أبيه ما قال؟!
فقال ابن عبّاس: صدقت أبا عبد الله, قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في حياته: (ما لي وليزيد, لا بارك الله في يزيد, وإنّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين رضي الله عنه ، والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم), ثمّ بكى ابن عبّاس، وبكى معه الحسين، وقال: يا بن عبّاس! تعلم أنّي ابن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟
فقال ابن عبّاس: اللّهمّ نعم نعلم ونعرف أنّ ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم غيرك, وأنّ نصرك لفرضٌ على هذه الأُمّة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقدر أن يقبل إحداهما دون الأُخرى.
قال الحسين: يا بن عبّاس! فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من داره وقراره ومولده وحرم رسوله ومجاورة قبره ومولده ومسجده وموضع مهاجره, فتركوه خائفاً مرعوباً, لا يستقرّ في قراره ولا يأوي في موطن, يريدون في ذلك قتله وسفك دمه, وهو لم يشرك بالله شيئاً, ولا اتّخذ من دونه وليّاً, ولم يتغيّر عمّا كان عليه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والخلفاء من بعده؟
فقال ابن عبّاس: ما أقول فيهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم: كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ قَلِيلاً ‡ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(1)، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى, وأمّا أنت يا بن بنت
1) - سورة النساء/142 -- 143.
رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، فإنّك رأس الفخار برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، وابن نظيرة البتول, فلا تظنّ يا بن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّ الله غافل عمّا يعمل الظالمون. وأنا أشهد أنّ من رغَب عن مجاورتك وطمع في محاربتك ومحاربة نبيّك محمّد صلي الله عليه وآله وسلم فما له من خلاق.
فقال الحسين: اللّهمّ اشهد.
فقال ابن عبّاس: جعلت فداك يا بن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، كأنّك تنعى إليَّ نفسك وتريد منّي أن أنصرك؟! والله الذي لا إله إلاّ هو أن لو ضربت بين يديك بسيفي حتّى ينقطع وتنخلع يداي جميعاً من كتفي لما كنت ممّن أوفى من حقّك عشر العشير, وها أنا بين يديك مرني بأمرك.
فقال ابن عمر: مهلاً ذرنا من هذا يا بن عبّاس.
قال: ثمّ أقبل ابن عمر على الحسين، فقال: أبا عبد الله! مهلاً عمّا قد عزمت عليه, وارجع من هنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم, ولا تغب عن وطنك وحرم جدّك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم, ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجّة وسبيلاً, وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتّى ترى برأيك, فإنّ يزيد ابن معاوية -- لعنه الله -- عسى أن لا يعيش إلاّ قليلاً، فيكفيك الله أمره.
فقال الحسين: أفّ لهذا الكلام أبداً, ما دامت السماوات والأرض, أسألك بالله يا عبد الله! أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندك على خطأ فردني فإنّي أخضع وأسمع وأطيع.
فقال ابن عمر: اللّهمّ لا, ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ, وليس مثلك من طهارته وموضعه من الرسول صلي الله عليه وآله وسلم أن يسلّم على مثل يزيد بن معاوية -- لعنه الله -- باسم الخلافة, ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف, وترى من هذه الأُمّة ما لا تحبّ, فارجع معنا إلى المدينة, وإن شئت أن لا تبايع فلا تبايع أبداً, واقعد في منزلك.
فقال له الحسين: هيهات يا بن عمر! إنّ القوم لا يتركوني, إن أصابوني وإن لم يصيبوني, فإنّهم يطلبوني أبداً حتّى أبايع وأنا كاره أو يقتلوني, ألا تعلم أبا عبد الرحمن أنّ من هوان هذه الدنيا على الله أن يؤتى برأس يحيى ابن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل, والرأس ينطق بالحجّة عليهم, فلم يضرّ ذلك يحيى بن زكريا, بل ساد الشهداء فهو سيّدهم يوم القيامة؟ ألا تعلم أبا عبد الرحمن أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يصنعوا شيئاً, فلم يعجّل الله عليهم, ثمّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام؟ فاتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي, واذكرني في صلاتك, فوالذي بعث جدّي محمّداً بشيراً ونذيراً لو أنّ أباك عمر بن الخطّاب أدرك زماني نصرني كما نصر جدّي, ولقام من دوني كقيامه من دون جدّي.
يا بن عمر! فإن كان الخروج معي يصعب عليك ويثقل فأنت في أوسع العذر, ولكن لا تتركنّ لي الدعاء في دبر كلّ صلاة.
ثمّ أقبل على عبد الله بن عبّاس، وقال له: وأنت يا بن عبّاس! ابن عمّ أبي, ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك, وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد والسداد, وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك وتشير عليه بالصواب, فامض إلى المدينة في حفظ الله, فلا تخفي عليَّ شيئاً من أخبارك, فإنّي مستوطن هذا الحرم ومقيم به, ما رأيت أهله يحبّونني وينصرونني, فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم, واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم يوم أُلقي في النار, حسبي الله ونعم الوكيل, فكانت النار عليه برداً وسلاماً.
فبكى ابن عبّاس وابن عمر ذلك الوقت بكاء شديداً, وبكى الحسين معهما, ثمّ ودّعهما فصار ابن عبّاس وابن عمر إلى المدينة)(1)
وهذا الخبر بطوله رواه الخوارزمي في مقتل الحسين 1/190 -- 193 نقلاً عن ابن أعثم، وما حكاه عنه أصحّ من المطبوع من فتوحه، ط دار الندوة بيروت.
.روى السبط ابن الجوزي في (التذكرة): (وقال الواقدي: ولمّا نزل الحسين مكّة كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عبّاس: أمّا بعد، فإنّ ابن عمّك حسيناً وعدوّ الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكّة، مرصدَين للفتنة, معرّضين أنفسهما للهلكة. فأمّا ابن الزبير فإنّه صريع الفناء وقتيل السيف غداً, وأمّا الحسين فقد أحببت الإعذار إليكم أهل البيت ممّا كان منه, وقد بلغني أنّ
1) - تاريخ ابن أعثم 5/38 -- 44، ط دار الندوة.
رجالاً من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم, ويمنّونه الخلافة, ويمنّيهم الإمرة, وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام, وقد قطع ذلك الحسين وبتّه, وأنت زعيم أهل بيتك وسيّد أهل بلادك، فألقه فاردده عن السعي في الفرقة, وردّ هذه عن الفتنة, فإن قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة, وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه, وإن طلب الزيادة فاضمن له ما أراك الله أنفذ ضمانك, وأقوم له بذلك, وله علَيَّ الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة بما تطمئن به نفسه ويعتمد في كلّ الأمور عليه, عجّل بجواب كتابي وبكلّ حاجة لك إليَّ وقبلي، والسلام.
قال هشام بن محمّد: وكتب يزيد في أسفل الكتاب:
قال السبط في (التذكرة): (فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة, فأمّا ابن الزبير فرجل منقطع عنّا برأيه وهواه, يكاتمنا مع ذلك أضغاناً يسرّها في صدره يوري علينا وري الزناد, لا فكّ الله أسيرها فأرء في أمره ما أتيت رأيه.
وأمّا الحسين فإنّه لمّا نزل مكّة وترك حرم جدّه ومنازل آبائه, سألته عن مقدمه، فأخبرني أنّ عمّالك في المدينة أساؤا إليه وعجّلوا عليه بالكلام
الفاحش, فأقبل إلى حرم الله مستجيراً به, وسألقاه فيما أشرت إليه, ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة, ويطفئ به الثائرة, ويخمد به الفتنة, ويحقن به دماء الأُمّة, فاتّق الله في السرّ والعلن, ولا تبيتنّ ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة, ولا ترصده بمظلمة, ولا تحفر له مهواة, فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه, وكم من مؤمّل أملاً لم يؤتَ أمله, وخذ بحظك من تلاوة القرآن ونشر السُنّة, وعليك بالصيام والقيام, لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها, فإنّ كلّ ما شغلت به عن الله يضرّ ويفنى, وكلّ ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى، والسلام)(1).
هذه صورة الكتابين, وقد رواهما السبط عن الواقدي، وعن الكلبي، كما ذكرهما, وروايته أتمّ ممّا رواه ابن سعد، والطبري، فضلاً عن المتأخّرين الذين أخذوا عنهما.
ويبدو أنّ السبط حصل على بعض كتب الواقدي، وهشام بن محمّد الكلبي, كما يبدو أنّ اختزالاً متعمّداً عند ابن سعد، والطبري..
وإلى القارئ صورة ما ذكره ابن سعد في طبقاته:
قال ابن سعد في (الطبقات): (وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عبّاس يخبره بخروج الحسين إلى مكّة: ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة, وعندك علم منهم خبرة وتجربة, فإنّ كان فعل فقد قطع واشج القرابة, وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه, فاكففه عن السعي في الفُرقة.
1) - التذكرة: 216.
وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكّة والمدينة من قريش:
يا أي-ّها الراكب الغادي لطيّ-ته(1)
أبلغ قريشاً على نأي(4)المزار بها
بيني وبين حسين الله والرحم
وموقف بفناء البيت أنشده
عهد الإله وما توفى به الذمم(5)
عنّ-يتم(6)قومكم فخراً بأمّ-كمُ
أمّ لعمري حَ-صانٌ عفةٌ(7)كرم
هي التي لا يداني فضلها أحدٌ
بنت الرسول وخير الناس قد علموا(8)
1) - طيّته: حاجته.
2) - العذافرة: الناقة الشديدة العظيمة. (لسان العرب 4/555).
3) - قحم: أي سريعة تطوي المنازل وتقحمها منزلاً بعد منزل. (نفس المصدر 12/464).
4) - في تاريخ الطبري 8/202، ط دار المعارف على شحط المزار.
5) - في تاريخ الطبري: وما ترعى له الذمم.
6) - وفيه: عنّفتم وببالي في بعض المصادر هُنّيتم.
7) - في الطبري، وتاريخ دمشق، وتاريخ ابن كثير: (بَرّة), وفي مقتل الحسين للخوارزمي 1/218، ط الزهراء: (عمّها الكرم).
8) - في مقتل الخوارزمي: (وكلّ الناس قد علموا).
وفضلها لكم فضلٌ وغيركمُ
من قومكم لهمُ في فضلها قِ-سَ-مُ
إن-ّ-ي لأعلم أو ظن-ّ-اً كعالمه
والظنّ يصدق أحياناً فينتظم
أن سوف يترككم ما تدّعون به(1)
قتلى تهاداكمُ الع-ِقبان والرَخَ-م
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت(2)
ومسّ-كوا بحبال السلم واعتصموا(3)
لا تركبوا البغي إنّ البغي مَصرَعةٌ *** وإنّ شارب كأس البغي يتّخم
4- في الطبري: (قد جرت الحرب), وفي مقتل الخوارزمي: (قد عضّت الحرب).
5- في مقتل الخوارزمي: (لا تشمخوا بذخاً).
6- في كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي، ومقتل الخوارزمي -- وأحسبه نقله من الأوّل -- قال:
فنظر أهل المدينة إلى هذه الأبيات ثمّ وجهوا بها وبالكتاب إلى الحسين بن عليّ رضي الله عنه، فلمّا نظر فيه علم أنّه كتاب يزيد بن معاوية، فكتب الحسين الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم ayebazفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَayebaste، والسلام. والآية في سورة يونس/41: ayebazوَإِنْ كَذَّبُوكَ...ayebaste، فإن صحّت نسخة الرواية، فقد اقتبس الإمام معنى الآية.
قد غرَت الحرب(4) من قد كان قبلكم
من القرون وقد بادت بها الأُمم
فانصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً(5)
فربّ ذي بذخ زلّ-ت به القدم(6)
قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه, ولست أدع النصيحة له فيما يجمع الله به الألفة, ويطفي به النائرة.
ودخل عبد الله بن عبّاس على الحسين فكلّمه ليلاً طويلاً, وقال: أنشدك الله أن تهلك غداً بحال مضيعة, لا تأتي العراق, وإن كنت لا بدّ فاعلاً فأقم حتّى ينقضي الموسم، وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون ثمّ ترى رأيك -- وذلك في عشر ذي الحجّة سنة ستين. فأبى الحسين إلاّ أن يمضي إلى العراق. فقال له ابن عبّاس: والله إنّي لأظنّك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته, والله إنّي لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان, فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
فقال الحسين: أبا العبّاس إنّك شيخ قد كبرت.
فقال ابن عبّاس: لولا أن يزُرى ذلك بي أو بك لنشبّت يديّ في رأسك, ولو أعلم أنّا إذا تناصينا أقمتَ لفعلت, ولكن لا أخال ذلك نافعي.
فقال له الحسين: لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ أن تُستحلّ بي
-- يعني مكّة -- .
قال: فبكى ابن عبّاس وقال: أقررت عين ابن الزبير, فذلك الذي سلا بنفسي عنه.
ثمّ خرج عبد الله بن عبّاس من عنده وهو مغضب وابن الزبير على الباب, فلمّا رآه قال: يا بن الزبير! قد أتى ما أحببت, قرّت عينك، هذا أبو
عبد الله يخرج ويتركك والحجاز.
يا لك من قبّرة بمعمر *** خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقرّي ما شئت أن تنقري)(1)
وفي رواية البلاذري، قال: (وروي أنّ ابن عبّاس خرج من عند حسين وهو يقول: واحسيناه، أنعى حسيناً لمن يسمع)(2).
لقد مرّ بنا قريباً أنّ ابن عبّاس قد كلّم الحسين عليه السلام ليلاً طويلاً, ولم تكن تلك هي المرّة الأولى والأخيرة, بل لقد تكرّرت الزيارات, وتتابعت النصائح والمحاولات والمحاورات. وفي جميعها كان ابن عبّاس يبذل جهداً متواصلاً في صرف نظر الحسين عليه السلام عن التوجّه إلى العراق, لأنّ أهله قوم غُدر, قتلوا أباه وخذلوا أخاه, ويخشى أن يسلموه عند الوثبة.
وقد قرأت له أكثر من محاورة تشابهت لغتها, ولم تخرج في بيانها عن المحور الأساس هو الحيلولة دون خروج الحسين عليه السلام إلى العراق, ولم يرد في شيء منها صدّه عن القيام ضدّ حكومة يزيد, بل كان هو من رأيه القيام ضدّ حكومة يزيد ذلك الجبّار، كما سيأتي نعته له بذلك في إحدى محاولاته ومحاوراته.
ولا أستغرب منه ذلك الإصرار, لأنّه كان على علم يقين بأنّ الحسين عليه السلام سيقتل في كربلاء بالعراق, أخذ ذلك من حديث النبيّ المصطفى صلي الله عليه وآله وسلم, فهو أحد رواة حديث التربة التي أتى بها الروح الأمين إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
فقد روى ابن كثير، قال: (أخرج البزّار في مسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنه ، قال: كان الحسين جالساً في حجر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، فقال جبريل: أتحبّه؟ فقال: وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادي. فقال: إنّ أُمّتك ستقتله, ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة, فإذا تربة حمراء)(1).
وهو الذي روى عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ما سمعه من خطبته عند رجوعه من سفر له وهو متغيّر اللون محمرّ الوجه, فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعاً، قال فيها: (أيّها الناس إنّي خلفت فيكم الثقلين(2): كتاب الله وعترتي وأرومتي, ومزاج مائي وثمرتي, ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض, ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أن أسألكم به المودّة في القربى, فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم, ألا وإنّه سترد علَيَّ في القيامة ثلاث رايات من هذه الأُمّة: راية سوداء... ثمّ ترد علَيَّ راية أُخرى أشدّ سواداً من الأولى... ثمّ ترد علَيَّ
1) - البداية والنهاية 6/230.
2) - من الأحاديث المتواترة قد رواه أكثر من أربعين صحابياً, وقد قاله صلي الله عليه وآله وسلم في أكثر من موقف وخطبة، وقد أحصيت المناسبات في رسالتي عن الحديث المذكور فكانت ستّاً, أوّلها يوم الطائف، ثمّ يوم عرفة في حجّة الوداع، ثمّ في مسجد الخيف بمنى, ثمّ يوم الغدير، ثمّ في المدينة قبل موته صلي الله عليه وآله وسلم بأيام يسيرة, وآخرها في حجرته وقد غصت بأصحابه.
راية أُخرى تلمع نوراً... ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء, ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر).
قال ابن عبّاس: ثمّ نزل عن المنبر, ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ وتيقّن بأنّ الحسين مقتول...)(1).
ولقد ازداد علماً على علم، ويقيناً على يقين، حين مرّ وهو مع الإمام
أمير المؤمنين عليه السلام بكربلاء في طريقه إلى صفّين, وحديثه كما رواه الشيخ الصدوق في (إكمال الدين) بسنده عن مجاهد -- وكلّ رواته من العامّة -- عن ابن عبّاس، قال: (كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خرجته إلى صفّين, فلمّا نزل نينوى وهو شط الفرات صاح بأعلى صوته: يا بن عبّاس! أتعرف هذا الموضع؟
قال: قلت: ما أعرفه يا أمير المؤمنين.
قال: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي.
قال: فبكى طويلاً حتّى اخضلت لحيته, وسالت على خديه -- وبكينا معه -- وهو يقول: أوه أوه, ما لي ولآل أبي سفيان, ما لي ولآل حزب الشيطان وأولياء الكفر, صبراً يا أبا عبد الله, فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم...
-- ثمّ ذكر ابن عبّاس كلاماً طويلاً قاله الإمام إلى أن قال: --
1) - تاريخ ابن أعثم الكوفي 4/217 -- 218، ط دار الندوة, وعنه الخوارزمي في مقتل الحسين 1/162، ط الزهراء في النجف الأشرف.
والذي نفسي بيده لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسم صلي الله عليه وآله وسلم أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا, وهذه أرض كرب وبلاء, يدفن فيها تسعة عشر رجلاً كلّهم من ولدي وولد فاطمة عليها السلام , وإنّها لفي السماوات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء، كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس.
ثمّ قال: يا بن عبّاس! أطلب لي حولها بعر الظباء, فوالله ما كذبت ولا كذبني قطّ، وهي مصفرة لونها لون الزعفران.
فقال ابن عبّاس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة, فناديته: يا أمير المؤمنين! قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي.
فقال عليه السلام : صدق الله ورسوله, ثمّ قام يهرول إليها, فحملها وشمّها, وقال: هي هي بعينها, أتعلم يا بن عبّاس ما هذه البعر؟
-- ثمّ حدّثه بحديثها إلى أن قال ابن عبّاس -- :
ثمّ بكى بكاءً طويلاً, وبكينا معه, حتّى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً, ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّها في ردائه, وأمرني أن أصرّها كذلك، ثمّ قال: يا بن عبّاس! إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً, فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قتل بها ودفن.
قال ابن عبّاس: فوالله، لقد كنت أحفظها أشدّ حفظي, لِما افترض الله علَيَّ... والله، ما كذبني عليّ قطّ في حديث حدّثني, ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلاّ كان كذلك, لأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يخبره بأشياء لا يخبر بها
غيره...)(1)
أقول: لقد أخرج الطبراني (ت360ه-) في المعجم الكبير 3/111 برقم 2825 بسنده عن أبي هرثمة، قال: كنت مع عليّ رضي الله عنه بنهري كربلاء، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان، فأخذ منه قبضة فشمّها، ثمّ قال: يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/191 وقد أخرجه: ورجاله ثقات.
2- سورة الأحزاب/60.
.فبعد هذا كلّه كيف يستغرب من ابن عبّاس إصراره على صرف نظر الحسين عليه السلام عن التوجّه إلى العراق. فهو حين يصرّ كان مستبصراً بالمصير المحتوم, ومتشائماً ممّا ستنتهي إليه تلك الرحلة, ومتيقّناً أنّ ذلك اليوم سيكون آخر العهد بأبي عبد الله الحسين عليه السلام. وليست المسألة قضية غلبة العاطفة فحسب وإن كان لها دورها, ولكن ابن عبّاس كان يخشى وقوع المحذور, ويترجّى بلعلّ وعسى تأخير المقدور, ومهما يكن فها هو الحسين عليه السلام قد شاع في الناس خبر عزمه على الخروج, فاهتزت لذلك النبأ المشاعر الصادقة منها والكاذبة، حتّى وصف ابن عبّاس حالهم بالإرجاف, وهو وصف دقيق في التعبير وبليغ في التصوير، فالناس إذا خاضوا في أخبار الفتن ونحوها قيل: أرجفوا, ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ(2), والإرجاف كالزلزال يعمّ الصديق والعدو, والمؤمن والمنافق, والذكر والأنثى.
1) - إكمال الدين وإتمام النعمة في المجلس: 87 بتقديمي، ط الحيدرية, وقارن ص284 الخرايج والجرايح للراوندي المطبوع منضماً إلى الأربعين للمجلسي، وكفاية الأثر للخزّاز، ط حجرية, والدرّ النظيم في باب مقتل الحسين عليه السلام (مخطوط).
لقد وردت عدّة روايات عدا ما تقدّم من حوار بين ابن عبّاس وبين الحسين عليه السلام حول عزم الحسين عليه السلام على الخروج إلى العراق:
أ- فمنها ما روى ابن جرير الطبري العامّي، وابن أعثم الكوفي، والخوارزمي، وغيرهم، بتفاوت وألفاظ متقاربة, واللفظ للأوّل:
(قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان: أنّ حسيناً لمّا أجمع المسير إلى الكوفة, أتاه عبد الله بن عبّاس، فقال: يا بن عمّ! إنّك قد أرجف الناس، إنّك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟
قال: إنّي قد أجمعت المسير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى.
فقال له ابن عبّاس: فإنّي أعيذك بالله من ذلك. أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؛ فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم, وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم, قاهر لهم, وعمّاله تجبي بلادهم, فإنّهم دعوك إلى الحرب والقتال, ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك, وأن يُستَنفروا إليك, فيكونوا أشدّ الناس عليك.
فقال له حسين: وإنّي أستخير الله وانظر ما يكون.
قال: فخرج ابن عبّاس من عنده...
قال: فلمّا كان من العشي أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العبّاس فقال: يا بن عمّ! إنّي أتصبّر ولا أصبر, إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال, إنّ أهل العراق قوم غُدر, فلا تقربنّهم, أقم بهذا البلد
فإنّك سيّد أهل الحجاز, فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا, فاكتب إليهم: فلينفوا عدوهم، ثمّ أقدم عليهم, فإن أبيت إلاّ أن تخرج, فسر إلى اليمن, فإنّ بها حصوناً وشعاباً, وهي أرض عريضة طويلة, ولأبيك بها شيعة, وأنت عن الناس في عزلة, فتكتب إلى الناس, وترحل فتبث دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية.
فقال له الحسين عليه السلام: يا بن عمّ! إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق, ولكنّي قد أزمعت وأجمعت على المسير.
فقال ابن عبّاس: فإن كنت سائراً, فلا تسر بنسائك وصبيتك, فوالله إنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.
ثمّ قال ابن عبّاس: لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز والخروج منها, وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك, والله الذي لا إله إلاّ هو لو أعلم أنّك -- إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتّى يجتمع علَيَّ وعليك الناس -- أطعتني لفعلت ذلك.
قال: ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده، فمرّ بعبد الله بن الزبير, فقال: قرّت عينك يا بن الزبير، ثمّ قال:
يا لك من قبّرة بمعمر *** خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقرّي ما شئت أن تنقري)(1)
1) - الرجز لطرفة بن العبد قاله وهو صغير يصطاد القبّر وهو ضرب من الطير، قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء: 140: إنّه أوّل شعر قال طرفة، وقال ابن بري: هو لكليب بن ربيعة التغلبي وليس لطرفة. اللسان (قبّر)، وانظر الحيوان للجاحظ 3/66 و5/227.
هذا حسين يخرج بالعراق وعليك بالحجاز)(1).
ب -- ومنها ما روي ابن جرير الطبري الإمامي بسنده، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، قال: (حدّثنا عبّاس بن عبد الله، عن عبد الله بن عبّاس، قال: أتيت الحسين وهو يخرج إلى العراق، فقلت له: يا بن رسول الله! لا تخرج.
فقال: يا بن عبّاس! أما علمت إن منعتني من هناك فإنّ مصارع أصحابي هناك.
قلت له: فأنّى لك ذلك؟
قال: بسرّ سُرّ لي وعلم أعطيته)(2).
ج -- ومنها ما روى المجلسي عن الشهيد الثاني بإسناده عن ابن قولويه، وهو بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام ، جاء فيه قول الصادق عليه السلام: (لمّا تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة، أتاه ابن عبّاس فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطفّ.
فقال: أنا أعرف بمصرعي منك, وما وكدي من الدنيا إلاّ فراقها. ألا أخبرك يا بن عبّاس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا.
فقال له: بلى لعمري إنّي لأحبّ أن تحدّثني بأمرها...)، ثمّ ذكر الحديث(3).
د -- ومنها ما ورد في (ناسخ التواريخ) ما تعريبه: (إنّ ابن عبّاس لمّا أكثر في إلحاحه على الحسين في منعه من التوجّه إلى العراق, تفاءل بالقرآن فكانت الآية الكريمة: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ(1))(2).
وأحسب أنّ هذه -- إن صحّت الرواية -- كانت آخر المحاولات والمحاورات, وقد وردت روايات أُخرى على بعض ما فيها بعض التحفظّات، نذكر منها:
1- ما ورد في قول ابن عبّاس في محاورة ذكرها ابن أعثم: (وإنّك تعلم أنّه -- العراق -- بلد قد قتل فيه أبوك, واغتيل فيه أخوك, وقتل فيه ابن عمّك (؟!)، وبويع يزيد بن معاوية, وعبيد الله بن زياد في البلد يُعطي ويفرض, والناس اليوم إنّما هم عبيد الدينار والدرهم، ولا آمن عليك أن تقتل, فاتّق الله والزم هذا الحرم.
فقال له الحسين: والله إن أُقتل بالعراق أحبّ إلَيَّ من أن أُقتل بمكّة, وما قضى الله فهو كائن, وأنا مع ذلك استخير الله وأنظر ما يكون...)(3).
ففي قوله: (وقتل فيه ابن عمّك) -- وفي بعض الروايات زيادة قوله: (وقد بايعه أهله) -- دلالة على وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل إلى الحسين وهو بمكّة, بينما دلّت روايات أُخرى هي الأشهر والأظهر أنّه علم بذلك في الطريق، إمّا في زرود، أو فيما بعدها.
2- وممّا ورد أيضاً كذلك ممّا لا يقبل, بل ولا يعقل ممّا ورد عن الفوادح الحسينية, وكما في (أسرار الشهادة)، قال: (فالتفت الحسين عليه السلام إلى ابن عبّاس فقال له: ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيّه من وطنه وداره وقراره وحرم جدّه, وتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقر في قرار, ولا يأوي إلى جوار, يريدون بذلك قتله وسفك دمائه, لم يشرك بالله شيئاً؟
قال له ابن عبّاس: جعلت فداك يا حسين! إن كان لا بدّ من السير إلى الكوفة فلا تسر بأهلك ونسائك.
فقال: يا بن العم! إنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في منامي وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه, وإنّه أمرني بأخذهم معي.
وقال: يا بن العم! إنّهنّ ودائع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ولا آمن عليهنّ أحداً, وهنّ أيضاً لا يفارقنني.
فسمع ابن عبّاس بكاء من ورائه، وقائلة تقول: يا بن عبّاس! تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده, لا والله بل نحيى معه ونموت معه, وهل أبقى الزمان لنا غيره.
فبكى ابن عبّاس بكاءً شديداً وجعل يقول: يعزّ والله علَيَّ فراقك يا بن
العمّ, ثمّ أقبل على الحسين وأشار عليه بالرجوع إلى مكّة والدخول في صلح بني أُميّة(؟!!).
فقال الحسين: هيهات هيهات يا بن عبّاس! إنّ القوم لن يتركوني، وأنّهم يطلبونني أين كنت حتّى أبايعهم كرهاً ويقتلونني, والله لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه وقتلوني, والله إنّهم ليعتدّون علَيَّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت، وإنّي ماض في أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حيث أمرني, وإنّا لله وإنّا إليه راجعون)(1).
فإنّ الأمر الذي قلنا أنّه غير مقبول ولا معقول، هو: مشورة ابن عبّاس على الإمام الحسين عليه السلام بالرجوع إلى مكّة والدخول في صلح بني أُميّة. وهو ما عقبته بعلامات التعجب والاستفهام استنكاراً له, إذ لم يرد في أي مصدر مقبول أنّ ابن عبّاس أشار بمثل ذلك.
وإنّ في الخبر: (وأشار عليه بالرجوع إلى مكّة) فذلك يعني أنّ الحوار جرى في الطريق بعد مغادرة الحسين عليه السلام مكّة فلحقه ابن عبّاس وجرى بينهما ما تقدّم. وهذا أيضاً لم يرد في أيّ مصدر مقبول؛ فلاحظ!
وأظنّ -- وظنّ الألمعي يقين -- أنّ وهماً وقع من الراوي فخلط بين ابن عبّاس وبين ابن عمر, فإنّ المشير بالصلح هو ابن عمر، كما في (الملهوف)..
قال السيّد ابن طاووس: (وجاءه عبد الله بن العبّاس، وعبد الله بن الزبير فأشارا عليه بالإمساك.
1) - أسرار الشهادة: 227، ط حجرية سنة 1319ه- .
فقال لهما: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه.
قال: فخرج ابن العبّاس وهو يقول: واحسيناه.
ثمّ جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال.
فقال: يا أبا عبد الرحمن! أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله تعالى أنّ رأس يحيى بن زكريا أهدي إلي بغيّ من بغايا بني إسرائيل؟ أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً؟ فلم يعجّل الله عليهم, بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام. اتّق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدع نصرتي)(1).
أقول: وقد تقدّم هذا بصورة أوسع عن (الفتوح) لابن أعثم، فراجع خروج الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكّة وإقامته بها.
وراجع أيضاً أوّل هذه الفصلة (لماذا الإصرار وحوار بعد حوار), فستجد أنّ ابن عبّاس يشارك الحسين عليه السلام في رأيه في جهاد يزيد، وسمّاه الجبّار.
وحسبك أن تقرأ ما رواه المسعودي في (المروج)، قال: (فلمّا همّ الحسين بالخروج إلى العراق، أتاه ابن العبّاس فقال له: يا بن عمّ! قد بلغني أنّك تريد العراق, وإنّهم أهل غدر, وإنّما يدعونك للحرب, فلا تعجل, وإن
1) - اللهوف لابن طاووس: 26 -- 27.
أبيت إلاّ محاربة هذا الجبّار وكرهت المقام بمكّة فاشخص إلى اليمن...)(1).
فمن يسمّي يزيد بالجبّار, ويصوّب محاربة الحسين عليه السلام له، كيف يُقبل أو يعقل أنّه يشير عليه بمصالحته؟!
3- وممّا ورد أيضاً والعهدة على راويه -- وهو لا يخلو من مناقشة -- ما رواه الحافظ ابن شهر آشوب نقلاً عن كتاب التخريج (؟): (عن العامري بالإسناد، عن هبيرة بن يريم، عن ابن عبّاس، قال: رأيت الحسين قبل أن يتوجّه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفّه, وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله. وعنّف ابن عبّاس على تركه الحسين، فقال: إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً, نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم)(2).
فإنّ هذا الخبر ممّا لا يمكن قبوله بوجه ما لم تسدّ ثغرات سنده ومتنه! ففي إسناده:
أوّلاً: جهالة مؤلّف كتاب التخريج (؟) ونقل ابن شهر آشوب عنه لا يضفي الوثاقة عليه.
ثانياً: جهالة رواته وانقطاع سنده بين العامري، وهبيرة.
ثالثاً: جهالة حال العامري، وهبيرة عندنا. وقد ذكر ابن حجر(3)هبيرة
وذكر أقوالاً مختلفة فيه؛ فليراجع!
أمّا ما في متنه من ثغرات فهي:
أوّلاً: كيف رأى ابن عبّاس الحسين عليه السلام بباب الكعبة وكف جبرئيل في كفّه, وهو يومئذ كان مكفوف البصر؟!
ثانياً: لو أغمضنا عن الرؤية البصرية فمن أين علم أنّ المرئي كان جبرئيل، ولعلّه ملك آخر؟!
ثالثاً: لو سلّمنا بأنّه جبرئيل لإخبار المعصوم له بذلك, فلماذا لم يبادر هو إلى بيعة الله ويستجب لندائه.
رابعاً: إنّه أجاب لمّا عنّف على تركه نصرة الحسين عليه السلام: بأنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً, فهذا الجواب لا يرفع عنه إصر العتاب، بل وحتّى العقاب، إذ لا فائدة من نداء جبرئيل ودعوته الناس إلى بيعة الله؟ وهو يرويه ثمّ لا يمثله.
خامساً: إنّ ذلك ينافي القول بالبداء والمحو والإثبات, ولقوله صلي الله عليه وآله وسلم : (إعملوا فكلٌّ ميسّر لِما خلق له)...
ولماذا لم يرسل معه بعض أولاده؟
سؤالان مترتّبان أوّلاً وثانياً منشأهما واحد ويصعب تجنّبهما.
ولكن لا تستعصي الإجابة على الأوّل منهما بقدر ما تستعصي الإجابة
على الثاني منهما. وكلاهما سؤال وجيه ويفرض نفسه, وقد طرحا -- وخصوصاً الأوّل -- قديماً, وأجيب عنه بجوابات مختلفة جلّها تحمل طابع التعذير فترفع إصر التقصير.
ومهما يكن الأمر، فإنّ بعض أعلام المتأخّرين قد اتّخذ من تخلّف ابن عبّاس ذريعة للنيل منه, ووسيلة طعن فيه، بل في بقية بني هاشم بما فيهم محمّد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر، وأضاف إليهم ابن عمر، وابن الزبير، وآخرين.. وستأتي مقالته، وأجبت عن بعض مؤاخذاته على ابن عبّاس، وابن الحنفية، وابن جعفر..
وإن استعجلنا القارئ بالجواب ولو باختصار، فنقول له في جواب السؤال الأوّل: لماذا تخلّف ابن عبّاس عن الخروج مع الحسين عليه السلام ؟
اعلم، إنّ ابن عبّاس كان يومئذ مكفوف البصر, وعن مثله يسقط التكليف بالجهاد، على أنّه قد مرّ بنا في أولى محاوراته قوله للحسين عليه السلام بعد كلام جرى بينهما: (جعلت فداك يا بن بنت رسول الله! كأنّك تنعى إلَيَّ نفسك وتريد منّي أن أنصرك، فوالله الذي لا إله إلاّ هو لو ضربت بين يديك بسيفي حتّى ينقطع وتنخلع يداي جميعاً من كتفي لما كنت ممّن أوفى من حقّك عشر العشير, وها أنا بين يديك فمرني بأمرك.
فقال ابن عمر -- وكان حاضراً --: مهلاً، ذرنا من هذا يا بن عبّاس).
وأحسبه إنّما قال ذلك خشية أن يحرج هو ليقول مثل مقالة ابن عبّاس, بينما هو ممّن يرى مسالمة يزيد بالبيعة, بل ودعا الحسين عليه السلام إلى المصالحة معه. كما أنّي لا أستبعد أن يكون غرض ابن عبّاس من كلامه كان استدراج
ابن عمر إلى بذل نصرته ولو باللسان, ولكن ابن عمر أخطأ حظّه وقد واتته الفرصة, ولا غرابة منه فهو هو منذ اعتزاله بيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة، ثمّ مبايعته لمعاوية ولابنه يزيد، واستمر على وتيرته حتّى بايع الحجّاج لعبد الملك بن مروان. ويشمّ ذلك من عدم تعقيب للإمام الحسين عليه السلام على ذلك بشيء.
كما أنّه مرّ في آخر تلك المحاورة من جملة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع ابن عبّاس قوله له: (فامض إلى المدينة في حفظ الله, ولا تخفي علَيَّ شيئاً من أخبارك...).
فهذا إذن بالانصراف، لكنّه قبل التصميم والعزم على التوجّه إلى العراق, ولكن المحاورات اللاحقة بعد ذلك كانت بعد التصميم والعزم, وهنا كان محورها نصيحة ابن عبّاس بعدم التوجّه إلى العراق والتحذير من خيانة أهله, والتذكير بأفعالهم وغدرهم. وفي جميعها لم ترد من الحسين عليه السلام أي دعوة لنصرته لا من ابن عبّاس ولا من غيره من بني هاشم.
نعم، وردت دعوة ترغيب صريحة في كتابه الذي كتبه من مكّة إلى أخيه محمّد بن الحنفية، وإلى من كان قبله بالمدينة من بني هاشم, وهو مروي بسند صحيح لمن يرى ذلك في (كامل الزيارات)، وإليك نصّه:
قال ابن قولويه مؤلّف الكتاب: (وحدّثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن إسماعيل بن عيسى، ومحمّد بن الحسين ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن عمرو بن سعيد الزيّات، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: كتب الحسين بن عليّ من مكّة
إلى محمّد بن عليّ:
بسم الله الرحمن الرحيم, من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبلَه من بني هاشم: أمّا بعد، فإنّ من لحق بي استشهد, ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام)(1).
وعلى هذا النحو من الترغيب والترهيب كان كتابه الآخر الذي رواه ابن قولويه أيضاً بعد الكتاب السابق وبنفس السند إلى محمّد بن عمرو, وهو سند صحيح, ورواه محمّد بن عمرو، عن كرام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: (كتب الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ من كربلا: من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبلَه من بني هاشم: أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل، والسلام)(2).
فهذان الكتابان لا تشمل دعوتهما الترغيبية والترهيبية لابن عبّاس, لأنّه أوّلاً: كما قلنا كان مكفوف البصر, وثانياً: فإنّ عنوانهما إلى محمّد بن عليّ ومَن قبله من بني هاشم, وهو يومئذ كان بالمدينة, وابن عبّاس حين كتابة الأوّل كان مع الحسين عليه السلام بمكّة وهو غير مشمول بالدعوة.
أمّا جواب السؤال الثاني: لماذا لم يرسل بعض أولاده مع الحسين عليه السلام ؟ فهو يشارك الأوّل في صعوبة تجنّبه, وتستعصي الإجابة عنه بالتعذير, فإنّ الكتاب الذي ذكرنا أنّ الحسين عليه السلام أرسله من مكّة إلى
محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم الذين كانوا بالمدينة، لا شكّ في أنّه دعوة ترغيبية للإلتحاق بركبه الحسيني, والتخلّف عنه بغير عذر شرعي غير فائز بعظيم الأجر, لأنّه لم يبلغ مبلغ الفتح, وعلى هذا فإنّ بني هاشم الذين كانوا بالمدينة ولم يلحقوا بالحسين عليه السلام هم أولى بالتقصير منهم بالتعذير, وأولاد ابن عبّاس الذين كانوا بالمدينة من جملة أولئك غير المعذّرين.
ويبقى اللّوم -- إن صحّ التعبير -- متوجّهاً إلى أبيهم -- فهو إن كان معذوراً لأنّه مكفوف البصر, أما كان الأجدر به أن يصنع مثل صنع ابن جعفر حين أرسل ابنين من ولده مع الحسين لنصرته؟
وأمّا اعتذار بعض الباحثين ممّن أجلّه عن ابن عبّاس معذّراً: بأنّهم ربّما كانوا صغاراً, قول تعوزه الدقّة في المعرفة التاريخية, فإنّ في أبناء ابن عبّاس من ناهز العشرين سنة، بل جاوزها. كابنه العبّاس الأعنق وبه كان يكنّى وهو أكبرهم, أمّا أصغرهم فابنه علي -- والد العبّاسيين -- فإنّه ولد قبل شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبارك الإمام لأبيه ولادته وهو الذي سمّاه عليّاً, وله بينهما محمّد والفضل وعبيد الله، وزاد المسعودي عبد الرحمن(1), فهم كلّهم لهم قابلية حمل السلاح ويتوجّه عليهم التكليف, وقد شملتهم دعوة الحسين عليه السلام في كتابه الآنف الذكر. هذا كلّه إذا احتملنا أنّهم كانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكّة مع أبيهم, خصوصاً وأنّ أباهم كان إليه أمر السقاية وهم في موسم الحجّ، وهو
1) - مروج الذهب 3/109.
بحاجة إلى بعض ولده ممّن يساعده في الإشراف على إدارة شؤون السقاية وتدبير أمرها خصوصاً بعدما كفّ بصره.
ولو تنزّلنا عن هذا أيضاً وعدنا إليهم في المدينة, أما كان عليه أن يرسل عليهم فيحضرهم ليذهبوا مع الحسين عليه السلام فينالوا شرف المفاداة؟
وهكذا يبقى السؤال ناقص الإجابة, عصيّ التعذير, وحيّ التقصير, والله العالم بحقائق الأمور.
وكان ابن عبّاس على جانب من المودّة والمصافاة مع الحسين عليه السلام ما يبعد عنه سوء الظنّ والتقصير, وكذلك كان الحسين عليه السلام يوليه عطفاً ولطفاً ويسديه نصيحة, حتّى روى ابن عبّاس: قال لي الحسين بن عليّ عليه السلام: (يا بن عبّاس! لا تتكلّمنّ بما لا يعنيك فإنّني أخاف عليك الوزر, ولا تتكلّمنّ بما يعنيك حتّى ترى له موضعاً, فربّ متكلّم قد تكلّم بحقّ فعيب, ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً, فإنّ الحليم يقليك, والسفيه يرديك, ولا تقولنّ خلف أحد إذا توارى عنك إلاّ مثل ما تحبّ أن يقول عنك إذا تواريت عنه, واعمل عمل عبد يعلم أنّه مأخوذ بالإجرام مجزي بالإحسان, والسلام)(1).
ندبة المتفجّع لفقده, قالها ابن عبّاس, بعد أن يئس من بقاء الحسين عليه السلام بمكّة, ورأى من تصميمه وعزمه ما تيقّن معه أنّ الحسين عليه السلام سائر في طريقه إلى الشهادة, وأن لا تلاقي بينهما بعد اليوم في الحياة,
1) - كنز الفوائد: 194, وأعلام الدين للديلمي: 145.
وسوف يضمر في نفسه بصيص الأمل بصلاحها, وقد صحّ في غياب الأمل يزداد الخوف والوجل, وسوف تبقى النفوس حائرة خائرة, تجتاحها الهواجس وتنتابها الوساوس. فصار ابن عبّاس يترقّب المحذور وقد بدت علائمه, ولم لا يترقّب فهو أسير العاطفة الإنسانية, وهو رهين الرحم القريبة, وهو قبل ذلك وفوقه يتملكه الدين بشرعية الحفاظ على حياة إمامه, فتصاعد وجيب قلبه فيما أحسب حين سمع صوت الركائب والنجائب ترغو لتحمل ركب الحسين الميمون المحزون، وهو يسمع أصوات الناس يهللون وهم يخرجون إلى منى يوم التروية, بينما الركب يتوجّه صوب العراق, فلم يتمالك على نفسه فخرج مغضباً محزوناً وهو يقول: واحسيناه(1)، ندبة المفجوع المكروب.
وسارت القافلة، وكلّما ابتعدت في سيرها عن مكّة اقتربت من موطن الخطر الذي يخشى ابن عبّاس فيه نزول البلاء, فيزداد وجله ووجيب قلبه, وبقي يتطلّع الأخبار عمّا حلّ بالركب الميمون المحزون, وبلغه نزولهم بأرض الطفّ -- فيما أحسب -- من كتاب الحسين عليه السلام إلى أخيه محمّد بن عليّ ومَن قبله من بني هاشم الذي بعثه من كربلاء، وفيه: (أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل، والسلام)، وهذا كتاب رواه ابن قولويه(2).
وعلم ابن عبّاس أنّه قد حُمّ القضاء، وهذا ما حاول دفعه من قبل وقوعه. ولكن لا رادّ لأمر الله تعالى.
وقد روى الرواة: أنّه لمّا أحاط العدوّ بأهل البيت عليهم السلام ومنعوهم الماء وخطبهم الحسين عليه السلام وتعالت صيحات الأطفال والنساء وسمعهم الحسين عليه السلام ، قال الرواة: إنّه قال: (لا يبعد الله ابن عبّاس)(1). وقالوا: فظننا أنّه إنّما قالها حين سمع بكائهنّ, لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ.
وإنّي على شكّ من صحّة هذا الخبر! لأنّه مقولة إنسان حائر خائر, كمن يعضّ بضرس الندم, وهذا يبعده عن الحقيقة التي كان الحسين عليه السلام يعلمها وقد صمّم على بلوغها: (شاء الله أن يراني قتيلاً. شاء الله أن يراهنّ سبايا))(2).
لا شكّ أنّ نهضة الحسين عليه السلام بدءاً ونهاية، وجذراً وعطاءً، تميّزت بالخلود، لأنّها كانت هي الأنصع حجّة وحكماً، فصارت الأروع عطاءً، كما كانت هي الأشنع حرباً وبلاءً، فعاشت في تاريخ الوقائع والحروب عند المسلمين هي الأرفع ذكراً وسناءً، لما فيها من تجسيد حيّ لمعاني الإيمان بعدالة القضية التي من أجلها نهض الحسين عليه السلام بأسمى المعاني مع سمو الذات، ومثلت البطولة بأجلى وأحلى مظاهرها في صدق التضحية مضمخّة بدماء الشهادة، في سبيل بلوغ الفتح المنشود لصاحب النهضة، والمرصود له من قبل في عالم الوجود ليومه الموعود، فاستحقّ بذلك الوفاء والعطاء والخلود.
وهذا كلّه لا شكّ فيه عند من يقرأ السيرة في تلك المسيرة، غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تخلّف من تخلّف عنه من نخُب المسلمين من صحابة وتابعين؟
ويقوى السؤال تجريحاً بإمعان عن تخلّف رجال بني هاشم، وقد دعاهم الحسين عليه السلام للخروج معه؟! فقد كتب من مكّة المكّرمة إلى من كان منهم بالمدينة، وسمّى في العنوان محمّد بن الحنفية ومن قبله من بني هاشم: (أمّا بعد، فإنّ من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام)(1).
1) - كامل الزيارات: 75، ط المرتضوية في النجف الأشرف سنة 1356ه- .
فماذا كان الجواب على هذا الكتاب؟
لا شيء في التاريخ يذكر! فمهما كنّا معذّرين لرجال لم يكونوا سبق أن شاركوا مع أمير المؤمنين عليه السلام في حروب الجمل وصفّين والنهروان، فما بال مَن هم في مواقفهم معه مذكورين، فهل يكونوا الآن معذورين؟ مع وحدة المنظور عندهم مع الحسين عليه السلام في عدالة القضية التي نهض من أجلها أبيّ الضيم؟
إنّها عقدة مستعصية الإجابة في ركام الموروث، وإن ذكر معتذر عن تخلّفهم، في ابن عبّاس كان مكفوف البصر، وابن الحنفية كان مريضاً، ودونهم في الغمز واللّمز كان ابن جعفر لأنّه أرسل من ولده مَن شارك، ولم يخرج هو، وخلّ عنك عمر الأطرف، وعبيد الله قتيل المذار تحت راية ضلالة، وقالوا عنه: قتله أصحاب المختار، فهل أولئكم جميعاً كانوا مجروحين مقبوحين؟
أو أنّ في التاريخ ضبابية حجبت عنّا بعض الحقائق المغيّبة؛ فإن كانت، فمن أين أتت؟ ومتى حدثت؟ ولماذا تغيّبت؟
ولقد زاد الأمر تعقيداً حين اشتدّ تنقيداً، فهل أولئك الرموز من بني هاشم كانوا مستهدفين للنيل منهم؟ ولو بإلقاء بذرة الخلاف فيما بينهم، وتشويه سمعتهم؟ وهل لقائل أن يجعل المهواة والمغواة قد ذرّ قرنَها معاوية الذي ودّ ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه؟ كما قال الإمام
أمير المؤمنين عليه السلام: (والله لودّ معاوية أنّه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ
طعن في نيطه، إطفاءً لنور الله، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(1).
ولم لا يصحّ على أقلّ تقدير هذا الرأي؛ ألم يمرّ بنا في أخبار حرب صفّين كتابا معاوية وعمرو بن العاص إلى ابن عبّاس، وفيهما: (وأنت رأس الناس بعد عليّ، وأنت رأس الجمع...)(2)، فإغراء وتغرير، لإيجاد فجوة للتفريق بين الأخوة وأبناء العمّ، لكنّهما أساءا في التقدير، ثمّ معاوية ينشط بعد في مكيافيليته من بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقد أرسل إلى ابن عبّاس وابن جعفر في تغيير اسمي ابنيهما علي وعلي، وكنيتهما أبي الحسن أبي الحسن، إلى اسم معاوية وكنيته، وجعل لكلّ واحد منهما ألف ألف درهم، فرفض ابن عبّاس وابن جعفر ذلك، فأرسل إليهما بتغيير الكنية بضعف المبلغ المذكور، فرفض ابن عبّاس أيضاً، وقالوا: قبل ابن جعفر، ومن هنا بدأ الخلاف، وتفاقم الخطب حين أسمى ابن جعفر أحد أبنائه باسم معاوية، فأثار حفيظة بني هاشم فقاطعوه، واشتدّت المقاطعة حينما سمّى معاوية بن عبد الله ولده يزيد، فتصاعدت حمّى الخلاف والمقاطعة، وحملت ابن عبّاس وابن الحنفية على أن يكتبا إلى ابن جعفر رسالة عتاب ممضّ، وقد ردّ عليهما بردّ مهطع، وليس بمقنع كما سيأتي ذكرها، وهكذا استطاع معاوية بسياسته الخانقة الحانقة على بني هاشم أن يفرّق بينهم بما أوتي من حول وطول.
من يقرأ تاريخ الأحداث في عهد معاوية، يجد بدايات الانفصام والتشرذم بين رجالات المسلمين قد انغضت برؤوسها، وبسببه نجح معاوية في تفريق الكلمة، وإيقاع الفتنة بين العرب والموالي، وبين ربيعة ومضر من قبائل العرب، ولم يسلم من شروره حتّى الذين شايعوه وبايعوه، فضلاً عن الذين نابذوه كبني هاشم وأشياعهم، فكان كما قال المرحوم العقاد: (فلو استطاع أن يجعل من كلّ رجل في دولته حزباً منابذاً لغيره من رجال الدولة كافّة لفعل، ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرّق الجماعات)(1).
ولئلا تغيب عنّا البيّنة، أذكر للقارئ شواهد على ما قام به معاوية من نشاط محموم في تفريق الجمع الهاشمي، والتحريش بين رجاله، في استدراج بعض نُخبه إلى مهواة متابعته، ومغواة ضلالته، وزرع الفتنة بين الرموز من بني هاشم، فمنع أوّلاً عنهم الخمس الذي فرضه الله لهم لسدّ حاجاتهم، فصاروا في معاناة العوز المالي في شدّة، أودت ببعضهم إلى مشايعته على هواه، فنقم عليه الآخرون، فكانت الأسباب كالتالي:
1- منع الخمس عن بني هاشم: فقد روى ابن سعد في طبقاته(2)بسنده: (عن يحيى بن شبل، قال: جلست مع علي بن عبد الله بن عبّاس وأبي جعفر
محمّد بن علي فجاءهما آت فوقع بعمر بن عبد العزيز فنهياه، وقالا: ما قُسم علينا خُمسٌ منذ زمن معاوية إلى اليوم، وأنّ عمر بن عبد العزيز قسّمه على بني عبد المطّلب.
وروى ابن سعد أيضاً... فاجتمع نفر من بني هاشم فكتبوا كتاباً وبعثوا به مع رسول إلى عمر بن عبد العزيز يتشكّرون له ما فعله بهم من صلة أرحامهم، وأنّهم لم يزالوا مجفيّين منذ كان معاوية، فكتب عمر بن عبد العزيز: قد كان رأيي قبل هذا اليوم...)(1).
وروى ابن سعد أيضاً بسنده: (عن عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، قال: أوّل ما قسمه عمر بن عبد العزيز مال بعث به إلينا أهل البيت، فأعطى المرأة منّا مثل ما يعطى الرجل، وأعطى الصبيّ مثل ممّا تعطى المرأة، قال: فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار، وكتب لنا: إنّي إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم)(2).
وروى ابن سعد أيضاً: (إنّ فاطمة بنت الحسين عليه السلام كتبت إليه تشكر له ما أمر به من تقسيم مال الكتيبة -- التي هي سهم الله ورسوله من خيبر -- وقالت في كتابها: فقد كانت أصابتنا جفوة، واحتجنا إلى أن يُعمل فيها بالحقّ، فأقسم لك بالله... لقد اختدم من آل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من كان لا خادم له، واكتسى من كان عارياً، واستنفق من كان لا يجد ما يستنفق، وبعثت إليه
رسولاً، فأعطى الرسول عشرة دنانير وبعث إلى فاطمة خمسمائة دينار، وقال: استعيني بها على ما يعروك، وكتب إليها بكتاب يذكر فضلها وفضل أهل بيتها، ويذكر ما أوجب الله لهم من الحقّ...)(1).
فمن كان يعيش بمثل تلك الضائقة المادّية التي مرّ وصف بعض جوانبها كيف سيكون حاله إذا عرض له معاوية مالاً ليستظهر به معه على الآخرين، ولا يرى صاحب الحاجة في ذلك ما يثلم له به ديناً ولا مروءة، فيستجيب على كره منه، وللضرورة أحكامها، وفي التاريخ تزويق وتزييف، وفيه تحريف وتخريف...
2- سياسة التكليف بالسبّ لعليّ عليه السلام وإلاّ السيف، فقد كان معاوية قد اتّخذ المال ذريعة لشراء ذمم الرجال، ومن أبى بعنف، فيعنف هو له فيأمره بالسبّ، فمن أبى ففي السيف ما ينهي الحال فيما عجز عنه المال والمداراة، وقد روي له شواهد في هذا مع بني هاشم، منذ ألجأهم الزمان بالوفود عليه في الشام، أليس هو الذي قال لعقيل بن أبي طالب -- وهذا كان زوج فاطمة بنت عتبة وهي خالة معاوية --: إنّ عليّاً قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلاّ أن تلعنه على المنبر، قال: أفعل، فأصعده، فصعد ثمّ قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيّها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب، فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.. ثمّ نزل، فقال له معاوية: إنّك لم تبيّن أبا يزيد مَن لعنت بيني وبينه؟
1) - المصدر نفسه.
قال: والله لا زدت حرفاً ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلّم)(1).
فلم يزل معاوية على كفره يحنق على بني هاشم، حتّى بعد أن استبدّ بالحكم، فيوسعهم شتماً بقوارص الكلام، فيسمعهم ما يهين ويشين، وأنّى يسلم منه ابن عبّاس أو ابن جعفر، وهو الذي لم يرع لعقيل سنّه وشأنه، ولا صهره إذ كان زوج فاطمة بنت عتبة، وهي خالة معاوية، كما مرّ شاهد هذا وفي أخباره مع بني هاشم أكثر من هذا.
3- عقدة الأسماء لدى معاوية، وهي عقدة العقد.
روى ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) بسنده: (قال: ...ولد أبو محمّد علي بن عبد الله بن عبّاس سنة أربعين بعد قتل عليّ بن أ بي طالب(2)فسمّاه عبد الله بن عبّاس عليّاً، وكنّاه بأبي الحسن، وولد معه في تلك السنة
1) - العقد الفريد لابن عبد ربّه 4/29، تح أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة سنة 1363ه-، وقد عقد ابن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد كتاباً باسم كتاب المجنبة في الأجوبة صدّره بمقدمة تحكي واقع حال المستجيب إذ يؤخذ على غرة، فيعجل في الجواب على البديهة، وذكر فيه لعقيل بن أبي طالب مع معاوية من الأجوبة المسكتة المخجلة، نحو قول معاوية لأصحابه وقد دخل عليه عقيل: هذا عقيل عمّه أبو لهب، قال له عقيل: وهذا معاوية عمّته حمالة الحطب، ثمّ قال يا معاوية، إذا دخلت النار فاتّخذ ذات اليسار، فإنّك ستجد عمّي أبا لهب مفترشاً عمّتك حمالة الحطب، فاظهر أيّهما خير، الفاعل أم المفعول به، كما ذكر لابن عبّاس، وللحسن والحسين وابن جعفر ولأبي سعيد بن عقيل ولذكوان مولى الحسين عليه السلام من الأجوبة المسكتة حين كان معاوية يحرشّ بينهم وبين من حضره من جلسائه، فراجع تجد المعجب المطرب.
2) - لقد مرّ في ج5/397 من الموسوعة تحقيق خبر ولادة علي بن عبد الله بن عبّاس، وأنّها كانت في أيام الإمام عليه السلام وقبل شهادته، وهو الذي سمّاه عليّاً، وكنّاه بأبي الحسن؛ فراجع!
لعبد الله بن جعفر غلام فسمّاه عليّاً، وكنّاه بأبي الحسن، فبلغ ذلك معاوية، فوجّه إليهما أن انقلا اسم أبي تراب وكنيته عن ابنيكما وسمّياهما باسمي وكنيّاهما بكنيتي ولكلّ واحد منكما ألف ألف درهم، فلمّا قدم الرسول عليهما بهذه الرسالة، سارع في ذلك عبد الله بن جعفر فسمّى عبد الله بن جعفر ابنه معاوية، وأخذ ألف ألف درهم، وأمّا عبد الله بن عبّاس فإنّه أبى ذلك، وقال: وحدّثني عليّ بن أبي طالب عن النبيّ(عليه السلام)، أنّه قال: (ما من قوم يكون فيهم رجل صالح فيموت فيخلف فيهم مولود فيسمّونه باسمه، إلاّ خلفهم الله بالحسنى)، وما كنت لأفعل ذلك أبداً، فأتى الرسول معاوية فأخبره بخبر ابن عبّاس، فردّ الرسول وقال: فانقل الكنية عن كنيته ولك خمسمائة ألف، فلمّا رجع الرسول إلى ابن عبّاس بهذه الرسالة، قال: أمّا هذا فنعم، فكنّاه بأبي محمّد)(1)(2)
أوّلاً: في تاريخ الولادة، وقد أشرت فيما قبل هذا وأنّها قبل شهادة الإمام عليه السلام لا بعدها.
وثانياً: في مسارعة استبدال ابن جعفر اسم ابنه علي باسم معاوية، وذلك لم يكن ثمّة تبديل، بل كان اسم علي بن عبد الله بن جعفر باقياً، ولم يستبدل ويعرف بعلي الزينبي، لأنّ أُمّه زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا كان صهراً لعبد الله بن عبّاس على ابنته لبابة، وله منها ولده محمّد، وأدرك جدّه ابن عبّاس وروى عنه وعمره سبع سنين، نعم سمّى عبد الله بن جعفر بعض أبنائه باسم معاوية، وهذا الذي أثار عليه حفيظة بني هاشم، ولكن متى؟
فقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 19/368، فقال: ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبشّر به، وهو عند معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: سمّه باسمي ولك خمسمائة ألف درهم، فسمّاه معاوية فقبضها منه، وقال: اشتر بها لسميّ ضيعة، ونقل نحو هذا صاحب نسمة السحر؛ فراجع ج2/294، ط دار المؤرّخ العربي سنة 1420ه-.
وثالثاً: في قبول ابن عبّاس بتبديل الكنية من أبي الحسن إلى أبي محمّد، فإنّ ابن عساكر نفسه روى بعد هذا الخبر، أنّ علي بن عبد الله بن عبّاس قدم على عبد الملك بن مروان من عند أبيه، قال له عبد الملك: ما اسمك؟ قال: علي، قال: أبو من؟ قال أبو الحسن، قال: أتجمعهما علَيَّ؟ حوّل كنيتك ولك مائة ألف، قال: أما وأبي حيّ فلا، قال: فلمّا مات عبد الله بن عبّاس كنّاه عبد الملك أبا محمّد.
.أقول: فإن صحّ ما في هذا الخبر، فهو بداية تصرّف مهين مشين لابن جعفر، ومنه كان السبب في غضب بني هاشم عليه، ومقاطعتهم له، فقد ذكر سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) أنّ أوّل من سمّى ابنه معاوية من بني هاشم هو عبد الله بن جعفر، ولمّا سمّاه هجره بنو هاشم فلم يكلّموه حتّى توفّي(1).
وقد ذكر ابن حزم في (جمهرة أنساب العرب)(2)معاوية بن عبد الله بن جعفر، وذكر عقبه، فذكر منهم يزيد بن معاوية، وأنّ له ولد اسمه خالد بن يزيد.
ففي هذا التمادي في التسمية بأسماء معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، وخالد بن يزيد بن معاوية، ما زاد في غيظ بني هاشم، ولم يستطيعوا التعذير، فكتب محمّد ابن الحنفية وعبد الله بن عبّاس إلى عبد الله بن جعفر الطيار لمّا سمّى ولده باسم عدوّه رسالة عتاب وتوبيخ هذا نصّها:
(من محمّد بن الحنفية، من الأخ الحَدِب، المعمود النَصب، ذي البيت المنتجَب، المرفوع الطنب، إلى المدنّس أثوابه، والمقوّض أطنابه.
أمّا بعد، فإنّا لا نزال ندأب في ذكرك، ونعجب من أمرك، لرغبتك عن أسمائنا، وتسميتك بأعدائنا، أمِن قُلّ في المال وأنت من الأجواد، تبعت ابن آكلة الأكباد بتسمية الأولاد، فكاد بك شرّ مكاد، فذهب بفخارها، وذهبت بعارها، أنت لبيتك هادم، ولدينك حاطم، فتب إلى ربّك، واستغفر لذنبك والسلام).
فأجابهما: (من عبد الله بن جعفر الطيار، إلى محمّد ابن قسيم الجنّة والنار.
أمّا بعد، فقد ورد إليَّ كتابكما، تذكران فيه أنّكما ما تزالان في ذكري، وتعجبان من أمري، بتسميتي بعض بَنيّ، باسم الأموي الغويّ، وهذا أبوك، وهو إمام عالمه، سمّى بنيه بأسماء أهل مظالمه، لم يعف أسماءهم، وقد عرف أنباءهم، إذ زحزحوه عن مقامه، وألدّوا في خصامه، فلا غرو أنّي أبوء بحجّته، وأسعى على محجّته، وإنّما جعل الله الأسماء علامة بين مشتبه الخلق، ولم يجعلها داعية إلى باطل أو حقّ.
وقلت: إنّي لبيتي هادم، وكيف يُهدم بيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وعليّ وجعفر حيطانه، والحسنان أركانه، والهاشميون جيرانه، والمؤمنون ضيفانه.
وقلت: إنّي لديني حاطم، بل مَن قعد عن نصرة أخيه الحسين ألوم، ولدينه أحطم، إذ قعدت عنه ولم تواسه في يوم حومته وبأسه، وأنا المفدّيه بمالي وولدي وصفدي، ثمّ إنّك طفقت تسفّه رأيي، وأنا شبه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم،
قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ أباك شبهّني وشبه خَلقي وخُلقي، وأنت شبه أبيك)، فإلى الله أشكو ذويّ، وإلى محمّد وعليّ)(1).
أقول: والبحث في سبب المقاطعة يرجع إلى ما فعله معاوية من محاولة تغيير الأسماء، وقد نجح في كيده إلى حدّ ما، فطالت سهام التجريح ابن جعفر.
ولمّا كانت نهضة الحسين عليه السلام هي المحكّ الصادق في الموالاة والمعاداة، فقد جرى تراشق بين ابن جعفر مع ابن الحنفية في جواب كتابه، بأن عيّره بالتقصير في نصرة الحسين عليه السلام، فكانت بعض السهام صائبة، وجرّت الويلات على الجميع، وكشفت عن حدوث فجوة ونبوة بين النُخب من رجال بني هاشم، وصلت إلى حدّ القطيعة حتّى بين الأخوة من أبناء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وما كان ذلك يحدث لولا دسائس معاوية الذي ضيّق الخناق ماديّاً على بني هاشم، فساوم على الولاء له والبراءة من مبادئهم عقيدة وحسباً ونسباً، فأحجم عن تلك المزالق مَن صمد مدافعاً ورافضاً، وانهار فيها من اضطرته الضائقة المادّية، فكان الشرخ عظيماً بين أبناء الهاشميين سلوكاً، مع وجود ظاهرة التماسك الأسري مصاهرة.
فحين نجد عمر الأطرف ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام متزوّجاً أسماء ابنة عمّه عقيل بن أبي طالب، ومنها ولده محمّد بن عمر وهو الذي مرّ
1) - المجموع في الآداب والحكم للسيّد ابن باقي القرشي الحلّي من أعلام القرن السابع: 370، ط دار التراث في النجف الأشرف.
حديثه، لم نجد لعمر المذكور أيّ تعاطف ظاهر مع الباقين من أسر الشهداء من آل عقيل فضلاً عن غيرهم من أبناء الحسنيين أو الجعفريين، وهذا ما أباح تناوله بالتجريح كما في مواقفه مع ابن الزبير فقد بايعه، ثمّ بايع بعده الحجّاج لعبد الملك، وأنّه تخلّف عن أخيه الحسين عليه السلام ولم يسر معه، وكان قد دعاه إلى الخروج معه.
ويقال: أنّه لمّا بلغه قتل أخيه خرج في معصفرات له، وجلس بفناء داره وقال: أنا الغلام الحازم، ولو خرجت معهم لذهبت في المعركة(1).
وذكر مصعب بن الزبير في نسب قريش: قتل العبّاس بن عليّ بعد أخوته، فورثهم إذ لم يكن لهم ولد، وورث العبّاس ابنه عبيد الله، وكان محمّد بن الحنفية وعمر حيين، فسلّم محمّد لعبيد الله ميراث عمومته، وامتنع عمر حتّى صولح وأرضي من حقّه(2)، إلى غير هذا ممّا قيل فيه.
وليس دونه في التجريح عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب الذي أُمّه ليلى النهشلية، فهو الذي قد أتى المختار بالكوفة وسأله فلم يعطه، فخرج إلى مصعب بالبصرة فكان معه، وقتل بالمذار قتله أصحاب المختار فيما قيل، وقبره بالمذار= ميسان(3)
طبقات ابن سعد 5/86 -- 88، ط أوربا وفيها تفصيل عن مجيئه إلى المختار، ثمّ إلى مصعب، ثمّ ما قيل في مبايعة ناسٍ له، ثمّ احتيال مصعب في مصاحبته بعد أن كان قد تركه عند أخواله.
، ولم يذكر له أيّ موقف مشرّف مع الحسين عليه السلام،لا في حياته ولا بعد شهادته، كما لم أقف له على مصاهرة مع أحد من بني هاشم كما كانت لعمر الأطرف.
بينما ذكر النسّابون أنّ عبد الله بن جعفر الذي تناوله مبضع الجراح، وعيب عليه تسمية بعض أبنائه لمعاوية باسم عدوّه معاوية بن أبي سفيان، فقد ذكروا له ابنه الآخر الذي كان اسمه عليّاً وأُمّه زينب ابنة أمير المؤمنين عليه السلام، فعرف بعلي الزينبي، وهذا كان قد تزوّج لبابة بنت عبد الله ابن العبّاس بن عبد المطّلب، فولد له منها محمّد الذي روى عن جدّه لأُمّه، في حين أنّ محمّد بن الحنفية الذي كتب رسالة العتاب والتوبيخ إلى ابن جعفر وشاركه ابن عبّاس فيها، لم يذكر بينهما قربى مصاهرة بين أولادهما، سوى ما ذكر أنّ أبا هاشم بن محمّد بن الحنفية تزوّج فاطمة بنت محمّد بن عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، فأولدها محمّداً ولبابة، وهذه المصاهرة ليست مع ابن عبّاس الحبر، بل مع أخيه عبيد الله الذي قد صاهره من قبل العبّاس الشهيد بكربلاء، فتزوّج ابنته لبابة فأولدها ابنه عبيد الله ومنه العقب، وقد زوّجه الإمام السجاد عليه السلام أربع حرائر عقائل كرام: رقية بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وأُمّ علي بنت علي بن الحسين بن عليّ عليه السلام، وأُمّ أبيها بنت عبد الله ابن معبد بن العبّاس، ومنها كان الولد، وابنة المسوّر بن مخرمة ولم تلد له.
وكانت كذلك قربى المصاهرة بين محمّد بن عمر الأطرف والإمام زين العابدين عليه السلام، حيث زوّجه ابنته خديجة(1).
1) - سرّ السلسلة العلوية: 90، ط الحيدرية، وجاء في طبقات ابن سعد 5/244، ط أوربا: أنّه أولدها عمر، وعبد الله، وعبيد الله، وكلّهم قد روي عنه الحديث.
لقد صدر سنة 1368ه- كتاب بالفارسية باسم (كشف أسرار)، يبحث عن النهضة الحسينية، للسيّد عبد الله البلادي المتوفّى سنة 1373ه-، ومؤلّفه أحد أعلام تلامذة الشيخ الآخوند الخراساني رحمه الله ، الزعيم الروحي من مؤيّدي المشروطة في اتّجاهه السياسي، وجلّ تلامذته مثله، ومنهم السيّد المؤلّف رحمه الله ، فكان من منطلق منظوره السياسي إلى النهضة الحسينية كتب كتابه ذلك، وفي الكتاب تحامل بغير إنصاف على جملة من رموز الصحابة والتابعين الذين عاصروا نهضة الإمام الحسين عليه السلام، ولم يشاركوا فيها عملاً، فيذكر في أحد عناوين كتابه بما ترجمته: (في بيان مظلومية الحسين عليه السلام وذكر الذين ساعدوا بتقاعسهم على توفّر أسباب قتله).. ثمّ ذكر عدّة أسماء، فكان منهم مِن بني هاشم ثلاثة، وهم:
1- محمّد بن الحنفية.
2- عبد الله بن عبّاس.
3- عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
فقال في صفحة (10 -- 11) ما ترجمته: (يجب أن يُعلم أنّ من الأمور الهامّة التي غفل عنها قرآء المنابر، بيان مظلومية الحسين عليه السلام من عدّة جهات، منها: أنّ بعض أكابر أرحام الحسين عليه السلام من الذين كانوا السبب في شهادته...).
ثمّ تحامل بظلم عليهم، وأنّهم سوف يتعرّضون للمساءلة يوم الحساب قبل مساءلة قتلة الحسين عليه السلام في كربلاء، وأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم سيسألهم: لماذا خذلتم الحسين وتركتموه وحده؟! فاستوحده يزيد وأتباعه، حيث رأوكم بقيتم متخلّفين عنه وقد خرج من الحجاز قاصداً إلى الكوفة... وهذا التخلّف هو الذي سبّب جرأة يزيد وأتباعُه على قتله عليه السلام بتلك الصورة المؤلمة البشعة الفظيعة، التي تحيّرت منها العقول، وأدهشت الأُمّة بالذهول، وأصابتها بالحزن إلى يوم القيامة.
ثمّ قال ما ترجمته: (ومن المسلّم أنّ أولئك النفر لو خرجوا مع الحسين عليه السلام وأعلنوا وحدة كلمتهم معه في نهضته، لمّا تجرّأ يزيد وابن زياد ومن شايعهم من الملاحدة على مخاصمتهم جميعاً، بل حتّى لم يجدوا أعوانا يساعدونهم على ارتكاب تلك الجريمة والفاجعة الأليمة التي حدثت في تاريخ الإسلام، على حسب الأسباب الدنيوية، وإن كانت مسألة شهادة الحسين عليه السلام من الأمور التي كانت أزلية وحتمية الوقوع، لكن لمّا كانت جميع الوقائع تتوقّف على أسبابها وعللها، لذا كان تقاعد أولئك النفر هو السبب، بل صاروا هم العلّة لحدوث تلك الحادثة، خصوصاً وجلّهم قد سمع من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ما قاله في الحسين عليه السلام وفضله وفضل أبويه وأخيه، فهم كانوا يعرفون الحسين عليه السلام معرفة تامّة ومع ذلك تخلّفوا وحرموا أنفسهم من فضل عظيم، وحرصوا على دنياهم (؟) وظنّوا أنّهم يسامتون الحسين عليه السلام في المنكب والموكب، فحاشا وكلاّ).
وقال في صفحة (12) بعد ذكر فضل المستشهدين مع الحسين عليه السلام،
ثمّ عرّض بمجموع الذين ذكرهم بمن فيهم رجال بني هاشم، فقال ما ترجمته: (إنّهم كانوا من وجوه أهل المدينة، والناس يجلّونهم، ويعبّرون عنهم بالسيادة، مع أنّ كلاًّ منهم كان يسعه نصرة الحسين عليه السلام بنحو ما، ولكنّهم لم يفعلوا، مع أنّ الإمام عليه السلام طلب منهم ذلك قبل مغادرته الحجاز في خطبته الشهيرة البليغة التي قال فيها: (خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة)...الخ، حيث قال: (فمن كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى)، فلم ينهض معه أحدٌ منهم، لأغراض شتّى، فبعضهم لحقد سابق كامن في صدورهم على الحسين وأبيه، وبعضهم لارتباطهم بمعاوية ويزيد، وسنقدّم بيانا عن كلّ واحد منهم على وجه الإجمال لمعرفة حاله، وتخلّفه عن نصرة الحسين عليه السلام فأخّر نفسه عن الفضل في الدنيا والآخرة).
ثمّ عددّ مساوئ كلّ واحد ممّن ذكرهم، فقال في صفحة (12 -- 13):
(الأوّل: محمّد بن الحنفية.
أوّلاً: كلامه مع أمير المؤمنين عليه السلام في حرب صفّين: إنّك بعثتني إلى الموت مرّتين، وهذا أخواي خلّفتهما عند ظهرك، لئلا يصل إليهما سوء، فتأثر أمير المؤمنين عليه السلام من كلامه وضربه في صدره، فقال له: (أدركك عرق من أُمّك (؟)، أنت ولدي وهذان ولدا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أنت يدي وهذان عيناي، وأنا أدفع بيدي عن عينيّ)، كلامه ذلك معروف في التاريخ.
ثانياً: وكذلك قصّة المختار بن أبي عبيدة معه، واستئذانه في الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام وإعطائه الأذن دون أن يعلمه بأنّ ولي الدم هو الإمام
زين العابدين، ومنه يكون الاستئذان، حتّى أنّ أهل الكوفة ردّوا كتابه ولم يقبلوه، فاضطر المختار أن يكتب ثانياً إلى الإمام زين العابدين يستأذنه في ذلك.. أيضاً كلّ ذلك مذكور في التاريخ.
ثالثاً: وكذلك قصّة محاكمته مع الإمام سيّد الساجدين في الكعبة، وشهادة الحجر الأسود على إمامة زين العابدين عليه السلام، مشهورة مذكورة.
رابعاً: وكذلك قصّة لحوقه الحسين عليه السلام في الطريق بعد خروجه من المدينة بأمر والي المدينة، لأجل أن يرجعه عن قصده واستصحابه أخا الوالي ليكون له شاهداً بأنّه لم يكن موافقاً للحسين عليه السلام في رأيه، أيضاً ذلك مذكور في التاريخ(؟).
خامساً: وكذلك اعتقاد فرقة الكيسانية بإمامته، وأنّه الإمام الغائب، ولم ينههم، وهذا مشعر برضاه من أوّل الأمر. والحال أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أوصى بإمامة الحسن والحسين، وقال: (أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين)، ولم يقل في إمامة ابنه محمّد شيئاً، ولو كان محمّد أهلاً للإمامة لقال فيه أبوه قولاً.
وأقوى شاهد على كلّ المدّعى: أنّ جميع أخوة الحسين عليه السلام سافروا معه إلى العراق إلاّ هو لم يذهب معهم (؟).
سادساً: والرواية النبوية (واسمه اسمي، وكنيته كنيتي)، ليس لها مستند صحيح، بل أنّها من وضع الكيسانية، وعلى فرض صحّتها، ترجع إلى الإمام الغائب الثاني عشر(عجل الله تعالى فرجه).
سابعاً: وقال في صفحة (14) ما ترجمته: (وكذلك كلامه بعد وقوفه
على شهادة سيّد الشهداء عليه السلام، وتعزيته بذلك العظيم، فإنّه لم يذكر في كلامه حتّى إشارة إلى شهادته ومظلوميته، وظلم الظالمين له، إذ قال: (رحمك الله يا أبا محمّد...الخ)، فيعلم من هذا أنّه لا يريد التنديد بالظالمين، ولا بذكر شهادة ذلك الإمام العظيم، وهذا أقوى شاهد على المدّعى، فلا بدّ أنّه قد أعدّ جواباً لمساءلة الله والنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأبيه عليّ والصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام له (؟).
ثامناً: ثمّ إنّ هذا المؤلّف صار يفاضل بين الأخوين أبي الفضل العبّاس ابن علي عليه السلام شهيد الطفّ، وبين محمّد بن الحنفية.. فالأوّل أفضل من الآخر بكثير، لأنّ الحسين عليه السلام دعا محمّداً لنصرته فلم ينصره، بينما نصره أبو الفضل حتّى فداه بنفسه، ولم يقبل أمان ابن سعد الذي جاء به الشمر إليه، ثمّ قال: وممّا يدلّ على المدّعى: أنّ الحسين لم يعتن بمحمّد حين نادى مستغيثاً بعمّ أبيه حمزة، وبعمّه جعفر، وبمسلم ابن عمّه، وهانئ الذي فداه ونصره (؟)، والحسين عليه السلام ندب أخاه العبّاس ولم يندب أحداً من مثل محمّد وباقي مشايخ الحجاز (؟)، ولذلك قال المعصوم في حقّ العبّاس عليه السلام: (الراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل والثناء الجميل). اه- .
أقول: إنّ مجمل القول فيما ذكره مؤلّف كتاب (كشف أسرار) في المقام ساقط بالمرّة عن الاعتبار! إذ لم يذكر مصادره التي اعتمدها، وإنّ مؤاخذاته لابن الحنفية التي ذكرها ملخّصة بعدّة نقاط كما مرّ ذكرها؛ فللردّ عليها نقول:
أوّلاً: ما ذكره من كلامه في صفّين في شأن الحرب وردّ أبيه بقوله:
(أدركك عرق من أُمّك) لم يكن كذلك، بل كلمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هذه قالها يوم حرب البصرة وقد أعطاه رايته العظمى وأوصاه بقوله: (يا بني! تزول الجبال ولا تزل، عضّ على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تد في الأرض قدميك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك، واعلم أنّ النصر من الله)(1).
وشدّ رجل من الأزد على محمّد بن الحنفية وهو يقول: يا معشر الأزد كرّوا، فضربه محمّد بن الحنفية فقطع يده، فقال: يا معشر الأزد فرّوا(2).
وخرج عوف القيني [الضبي ظ] قائلاً:
يا أُمّ يا أُمّ خلا منّي الوطن *** لا أبتغي القبر ولا أبغي الكفن
فقتله محمّد بن الحنفية(3).
وقد روى الشيخ المفيد في كتابه (الجمل) مواقف ومشاهد لمحمّد بن الحنفية أذكرها عنه باقتضاب للدلالة على عطف أبيه عليه، ومكانته لديه، فقال:
(...ثمّ دعا ابنه محمّد بن الحنفية، فأعطاه الراية وهي راية رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وقال: (يا بني هذا راية لم تردّ قطّ، ولا ترد أبداً).
قال محمّد: فأخذتها والريح تهبّ عليها، فلمّا تمكنت من حملها، ثارت الريح على طلحة والزبير وأصحاب الجمل، فأردت أن أمشي بها.
فقال أمير المؤمنين: (قف يا بُنيّ حتّى آمرك)...
ثمّ قال محمّد بن الحنفية(رضي الله عنه): فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام: (رايتك يا بُنيّ قدّمها))(1).
(...وقال محمّد بن الحنفية: قال لي أبي حين زحف القوم نحونا: (قدّم اللواء)، فقدّمته، وزحف المهاجرون والأنصار، فلمّا رآني القوم قد زحفت باللواء بارزاً عن أصحابي رشقوني رشقة رجل واحد، فوقفت مكاني، اتقيت منهم، وقلت: ينقضي رشقهم في مرّة أو مرّتين ثمّ أقدم، فلم أشعر إلاّ وأمير المؤمنين عليه السلام قد ضرب بين كتفيّ بيده، ثمّ أخذ اللواء منّي بيده ونادى: (يا منصور أمت)، فوالله ما سمعت القوم حتّى رأيتهم وقد زلزلت أقدامهم، وارتعدت فرائصهم، وألقي بعضهم ببعض وتزايلوا...)(2).
(قال محمّد بن الحنفية رحمه الله : قال لي أمير المؤمنين عليه السلام: (تقدّم يا بني باللواء)، وصف أصحابه، فجعل الحسن صلي الله عليه وآله وسلم في الميمنة، والحسين عليه السلام في الميسرة...)(3).
قال المفيد رحمه الله : (روى الواقدي، قال: حدّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، عن محمّد بن الحنفية، قال: لمّا نزلنا البصرة، وعسكرنا بها، وصففنا صفوفنا، دفع أبي عليّ عليه السلام إليَّ اللواء وقال: (لا تحدثن شيئاً
حتّى يحدث فيكم)، ثمّ نام، فنالنا نبل القوم، فأفزعته، ففزع وهو يمسح عينيه من النوم، وأصحاب الجمل يصيحون: يا لثارات عثمان، فبرز عليه السلام وليس عليه إلاّ قميص واحد.
ثمّ قال: (تقدّم باللواء)، فتقدّمت.
فقلت: يا أبت! أفي مثل هذا اليوم بقميص واحد؟
فقال عليه السلام: (أحرز أمرءاً أجلُه، والله قاتلت مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأنا حاسر أكثر ممّا قاتلت وأنا دارع...)، ودعا بدرعه البتراء، ولم يلبسها بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ يومئذ، فكان بين كتفيه منها وهن، فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده شسع نعل.
فقال له ابن عبّاس: ما تريد بهذا الشسع يا أمير المؤمنين؟
فقال: (أربط بها ما قد توهّن من هذا الدرع من خلفي).
فقال ابن عبّاس: أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا؟
فقال عليه السلام: ولمَ؟
قال: أخاف عليك.
فقال: (لا تخف أن أؤتى من ورائي، والله يا بن عبّاس! ما وليّت في زحف قطّ).
ثمّ قاله له: (البس يا بن عبّاس)، فلبس درعاً سعدية، ثمّ تقدّم إلى الميمنة.
فقال: (احملوا)، ثمّ أتى إلى الميسرة، فقال: (احملوا)، وجعل يدفع في
ظهري ويقول: (تقدّم يا بُني)، فجعلت أتقدّم وكانت إياها حتّى انهزموا من كلّ وجه)(1).
(وروى الواقدي، عن هشام بن سعد، عن شيخ من مشايخ أهل البصرة، قال: لمّا صفّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام صفوفه...
قال: ادعوا إليَّ ابني.
فدعي له محمّد بن الحنفية، فجاء وهو يومئذ ابن تسع عشرة سنة، فوقف بين يديه، ودعا بالراية فنصبت، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أمّا إنّ هذه الراية لم تُردّ قطّ، ولا تردّ أبداً، وإنّي واضعها اليوم في أهلها)، ودفعها إلى محمّد، وقال: (تقدّم يا بني)، فلمّا رآه القوم قد أقبل والراية بين يديه تضعضعوا...)(2).
(وروى الواقدي، قال: حدّثني عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، عن أبيه، قال: لمّا سمع أبي أصوات الناس يوم الجمل وقد ارتفعت، فقال لابنه محمّد: (ما يقولون؟) قال: يقولون يا ثارات عثمان...)(3).
(...فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بتسوية الصفوف، حتّى إذا اعتدلت دفع الراية إلى ابنه محمّد بن الحنفية، وقال: (تقدّم بالراية، واعلم أنّ الراية أمام أصحابك، فكن متقدّماً يلحقك مَن خلفك، فإن كان لمن يتقدّم من
أصحابك جولة رجع إليك)(1).
(...قال محمّد بن عليّ رحمه الله : فالتقينا وقد عجّل أصحاب الجمل وزحفوا علينا، فصاح أبي عليه السلام: امض فمضيت بين يديه أقطوا بالراية قطوا، وتقدّم سُرعان أصحابنا، فلاذ أصحاب الجمل، ونشب القتال واختلفت السيوف وأبي بين كتفي يقول: (يا بني تقدّم)، ولست أجد متقدّماً، وهو يقول: (تقدّم)، فقلت: ما أجد متقدّماً إلاّ على الأسنة، فغضب أبي عليه السلام وقال: (أقول لك تقدّم، فتقول: على الأسنة! ثق يا بني وتقدّم بين يدي على الأسنة)، وتناول الراية منّي وتقدّم يهرول بها فأخذتني حدّة فلحقته، وقلت: أعطني الراية، فقال لي: (خذها)، وقد عرفت ما وصف لي، ثمّ تقدّم بين يدي وجرّد سيفه، وجعل يضرب به، ورأيته وقد ضرب رجلاً فأبان زنده، ثمّ قال: (الزم رايتك يا بنيّ فإنّ هذا قد استكفاه) فرمقت لصوب أبي ولحظته، فإذا هو يورد السيف ويصدره ولا أرى فيه دماً، وإذا هو يسرع إصداره فيسبق الدم... وأحدقنا بالجمل، وصار القتلة حوله، واضطربنا أشدّ اضطراب رآه راء حتّى ظننت أنّه القتل، فصاح أبي عليه السلام: يا بن أبي بكر! أقطع البطان))(2).
(وروى الواقدي: قال ابن جريج: كان محمّد بن الحنفية(رضي الله عنه) يحمل راية أبيه عليه السلام يوم الجمل، ورأى منه بعض النكوص فأخذ الراية منه، قال محمّد (رضي الله عنه): فأدركته وعالجته على أن يردّها، فأبى عليَّ
طويلاً، ثمّ ردّها وقال: (خذها وأحسن حملها، وتوسط أصحابك، ولا تخفض عاليها، واجعلها مستشرفة يراها أصحابك)، ففعلت ما قال لي، فقال عمّار بن ياسر: يا أبا القاسم! ما أحسن ما حملتَ الراية اليوم، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (بعد ماذا؟)، فقال عمّار: ما العلم إلاّ بالتعلم)(1).
(وروى محمّد بن عبد الله، عن عمرو بن دينار، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابنه محمّد: (خذ الراية وامض)، وعليّ خلفه، فناداه: (يا أبا القاسم!)، فقال: لبيك يا أبة، فقال: (يا بُني! لا يستفزنك ما ترى، قد حملت الراية وأنا أصغر منك، فما استفزني عدوي، وذلك إنّني لم ألق أحداً إلاّ حدّثتني نفسي بقتله، فحدّث نفسك بعون الله بظهورك عليهم، ولا يخذلك ضعف النفس باليقين، فإنّ ذلك أشدّ الخِذلان)، قال: فقلت: يا أبة! أرجو أن أكون كما تحبّ إن شاء الله، قال: (فالزم رايتك، فإذا اختلطت الصفوف قف في مكانك وبين أصحابك، فإن لم ترَ أصحابك فسيرونك)، قال: والله إنّي لفي وسط أصحابي فصاروا كلّهم خلفي، وما بيني وبين القوم أحدّ يردّهم عنّي، وأنا أريد أن أتقدّم في وجه القوم، فما شعرت إلاّ بأبي من خلفي قد جرّد سيفه، وهو يقول: (لا تقدم حتّى أكون أمامك)، فتقدّم عليه السلام بين يدي يهرول ومعه طائفة من أصحابه، فضربوا الذين في وجهي حتّى أنهضوهم، ولحقتهم بالراية فوقفوا وقفة، واختلط الناس، وركدت السيوف ساعة، فنظرت إلى أبي يفرج الناس يميناً وشمالاً، ويسوقهم أمامه، فأردت
1) - الجمل: 361.
أن أجول فكرهت خلافه ووصيته لي: لا تفارق الراية، حتّى انتهى إلى الجمل، وحوله أربعة آلاف مقاتل من بني ضبّة، والأزد، وتميم، وغيرهم)(1).
هذا ما ذكره الشيخ المفيد من مواقف محمّد بن الحنفية، وبروايات متعدّدة.
وقال ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(2): (لمّا تقاعس محمّد يوم الجمل عن الحملة وحمل عليّ عليه السلام بالراية فضعضع أركان عسكر الجمل، دفع إليه الراية، وقال: (امح الأولى بالأُخرى، وهذه الأنصار معك)، وضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من الأنصار، كثير منهم من أهل بدر، فحمل حملات كثيرة، أزال بها القوم عن مواقفهم وأبلى بلاءً حسناً، فقال خزيمة بن ثابت لعليّ عليه السلام: أما أنّه لو كان غير محمّد اليوم لافتضح، ولئن كنتَ خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه، وإن كنتَ أردتَ أن تعلّمه الطعان فطالما علمته الرجال. وقالت الأنصار: يا أمير المؤمنين! لولا ما جعل الله تعالى للحسن والحسين عليهما السلام ، لما قدّمنا على محمّد أحداً من العرب.
فقال عليّ عليه السلام: (أين النجم من الشمس والقمر، أما أنّه قد أغنى وأبلى، وله فضله، ولا ينقص فضل صاحبيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به
نعمة الله تعالى عليه).
فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنّا والله لا نجعله كالحسن والحسين، ولا نظلمهما له ولا نظلمه -- لفضلهما عليه -- حقّه.
فقال عليّ عليه السلام (أين يقع ابني من ابنيّ بنت رسول الله).
فقال خزيمة بن ثابت فيه:
محمّد ما في عودك اليوم وصمة *** ولا كنت في الحرب الضروس معرَّدا(1)
أبوك الذي لم يركب الخيل مثلُه *** عليّ وسمّاك النبيّ محمّدا
فلو كان حقّاً من أبيك خليفةٌ *** لكنت ولكن ذاك ما لا يرى بدا
وأنت بحمد الله أطول غالب *** لسانا وأنداها بما ملكتَ يدا
وأقربها من كلّ خير تريدُه *** قريش وأوفاها بما قال موعدا
وأطعنهم صدر الكميّ برمحه *** وأكساهم للهام عضباً مهنّدا
سوى أخويك السيّدَين كلاهما *** إمام الورى والداعيان إلى الهدى
أبى الله أن يعطي عدوّك مقعداً *** من الأرض أو في الأوج مرقىً ومصعدا
وقيل لمحمّد: لم يُغرّر بك أبوك في الحرب ولا يغرّر بالحسن والحسين؟ فقال: إنّهما عيناه، وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينه بيمينه)(2).
وحسبنا بهذا ردّ ما قاله في أوّل نقوده.
وأمّا ما ذكره السيّد المؤلّف نقداً عن محمّد في صفّين، ولم يذكر له
مصدراً، بينما روى نصر بن مزاحم في كتابه (وقعة صفّين) من مواقف لمحمّد بن الحنفية تنبئ عن خلاف ما ذكر صاحب (كشف أسرار)؛ وإلى القارئ الإشارة إلى ما ذكره نصر بن مزاحم وغيره:
1- قال نصر في حديثه: (عن عمر بن شمر، قال: فلمّا كان من الغد خرج محمّد بن عليّ بن أبي طالب، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطّاب في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال.
ثمّ إنّ عبيد الله بن عمر أرسل إلى محمّد بن الحنفية أن اخرج لي أبارزك.
قال: نعم، ثمّ خرج إليه يمشي.
فبصر به عليّ، فقال: من هذان المتبارزان؟
فقيل له: ابن الحنفية، وابن عمر.
فحرّك عليّ دابته، ثمّ دعا محمّداً فوقف له، وقال: امسك دابتي، فأمسكها له، ثمّ مشى إليه فقال: أنا أبارزك فهلّم إليَّ، قال، ليس لي في مبارزتك حاجة.
قال: فرجع ابن عمر وأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه: منعتني من مبارزته، فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله.
قال: يا بني! لو بارزته أنا لقتلته، و لو بارزته أنت لرجوت أن تقتله، وما كنت آمن أن يقتلك.
ثمّ قال: يا أبه! أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدوّ الله، والله لو
أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه.
قال: لا تذكر أباه ولا تقل فيه إلاّ خيراً، يرحم الله أباه)(1).
2- قال نصر: (عن عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، قال: مرّ عليّ يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة [ومعه ربيعة وحدها]، وإنّي لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه إلاّ يقيه بنفسه، فيكره عليّ ذلك، فيتقدّم عليه فيحول بينه وبين أهل الشام، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك، فيلقيه بين يديه أو من ورائه، فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان أو بعض بني أُميّة -- فقال عليّ: ورب الكعبة: قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني، فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى عليّ فاختلفا ضربتين فقتله مولى بني أُميّة، وخالط عليّاً ليضربه بالسيف، فانتهره عليّ فتقع يده في جيب درعه فجذبه ثمّ حمله على عاتقه، فكأنّي انظر إلى رجليه تختلفان على عنق عليّ، ثمّ ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضده، وشدّ ابنا عليّ الحسين ومحمّد فضرباه بأسيافهما حتّى برد، فكأنّي انظر إلى عليّ وشبلاه يضربان الرجل، حتّى إذا أتيا عليه، أقبلا إلى أبيهما والحسن معه قائم، قال: يا بنُي! ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كفياني يا أمير المؤمنين)(2).
3- روى نصر من أشعار حرب صفّين شعر محمّد بن عمرو بن العاص:
لو شهدت جمل مقامي وموقفي
بصفّين يوماً شاب منها الذوائب
فردّ عليه محمّد بن عليّ بن أبي طالب:
لو شهدت جمل مقامك أبصرت
مقام لئيم وسط تلك الكتائب
أتذكر يوماً لم يكن لك فخره
وقد ظهرت فيها عليك الجلائب
وأعطيتمونا ما نقمتم أذلة
على غير تقوى الله والدين واصب(1)
4- قال نصر: (عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي: إنّ عليّ بن أبي طالب مرّ بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرّض الناس على قتالهم -- وذكر أنّهم غسان --: أين من يشري وجهه لله عزّ وجلّ؟ فثابت إليه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمّد فقال له: (امش نحو هذه الراية مشياً رويداً على هيئتك، حتّى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك يدك حتّى يأتيك أمري ورأيي)، ففعل، وأعدّ عليّ عليه السلام مثلهم مع الأشتر، فلمّا دنا منهم وأشرع الرماح في صدورهم، أمر عليّ الذي أعدّوا فشدّوا عليهم ونهض محمّد في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالاً...)(2).
5- أخرج الخطيب الخوارزمي الحنفي في كتابه (المناقب)(3)، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص)(4): إنّ الأشتر قال لمحمّد بن الحنفية في يوم من أيام صفّين: قم بين الصفّين وامدح أمير المؤمنين واذكر مناقبه، فبرز محمّد وأومأ إلى عسكر معاوية، وقال: يا أهل الشام! اخسؤوا، يا ذرية
النفاق، وحشو النار، وحصب جهنّم، عن البدر الزاهر والقمر الباهر، والنجم الثاقب... وذكر خطبة طويلة أخرجها بطولها نقلاً عن المصدرين المرحوم العلامّة الشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه (بطل العلقمي)(1).
ثانياً: وأمّا ما ذكره صاحب (كشف أسرار) من علاقة محمّد بن الحنفية مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، فهذا لم تخل التواريخ عن ذكره بصور متفاوتة، استفاد البعض منها التشهير بالمختار، وآخر التشهير بمحمّد -- كما رآه صاحب الكتاب -- وثالث رآهما بريئين ممّا نسب إليهما، وجعلها ذات دلالة على حسن موقفي الرجلين بعضهما من بعض دون المساس بكرامتهما، فكلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً(2).
وللشيخ المفيد (ت413ه-) جواب مفيد لا يخلو من وجاهة، فقد سُئل محمّد عن خروج المختار، وادّعائه أنّ محمّداً أمره بذلك، وأن يدعو الناس إلى القول بإمامته، فأنكره محمّد، وقال لهم: والله ما أمرته بذلك، ولكن لا أبالي أن يأخذ بثأرنا كلّ أحد، وما يسوؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا، فاعتمد السائلون هذا القول ورجعوا إلى الكوفة، ونصر أكثرهم المختار على الطلب بدم الحسين عليه السلام، ولم ينصروه على القول بإمامة محمّد بن الحنفية(3).
أقول: وممّا يؤيّد هذا ما ذكره اليعقوبي في تاريخه، فقال: (فلمّا صار المختار إلى الكوفة، اجتمعت إليه الشيعة، فقال لهم: إنّ محمّد بن عليّ بن أبي طالب بعثني إليكم أميراً، وأمرني بقتل المُحلّين، والطلب بدماء أهل بيته المظلومين، وإنّي والله قاتل ابن مرجانة، والمنتقم لآل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ممّن ظلمهم.
فصدّقه طائفة من الشيعة، وقالت طائفة: نخرج إلى محمّد بن عليّ فنسأله، فخرجوا إليه، فسألوه، فقال: ما أحبّ إلينا من طلب بثارنا، وأخذ لنا بحقّنا وقتل عدونا، فانصرفوا إلى المختار فبايعوه وعاقدوه...)(1).
وقال اليعقوبي في تاريخه: (ووجّه برأس عبيد الله بن زياد إلى عليّ بن الحسين عليه السلام إلى المدينة مع رجل من قومه، وقال له: قف بباب عليّ بن الحسين، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت، ودخل الناس، فاذ (فإن/ظ) ذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه فادخل إليه، فجاء الرسول إلى باب عليّ بن الحسين عليه السلام، فلمّا فتحت أبوابه ودخل الناس للطعام، نادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومهبط الملائكة، ومنزل الوحي، أنا رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيد الله بن زياد، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلاّ صرخت، ودخل الرسول فأخرج الرأس، فلمّا رآه عليّ ابن الحسين عليه السلام قال: أبعده الله إلى النار.
وروى بعضهم: أنّ عليّ بن الحسين عليه السلام لم يُرَ ضاحكاً يوماً قطّ منذ
1) - تاريخ اليعقوبي 3/5، ط النجف.
قتل أبوه إلاّ في ذلك اليوم، وأنّه كان له أبل تحمل الفاكهة من الشام، فلمّا أتي برأس عبيد الله بن زياد أمر بتلك الفاكهة ففرّقت في أهل المدينة، وامتشطن نساء آل الرسول صلي الله عليه وآله وسلم واختضبن، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن عليّ عليه السلام...)(1).
فظهر من هذين الخبرين -- وراويهما المؤرّخ اليعقوبي المتوفّى بعد سنة (292ه-) ممّن لا يُتهم بمالاة وموالاة المختار لهوىً فيه -- إنّ كلاًّ من محمّد ابن الحنفية رضي الله عنه وابن أخيه الإمام زين العابدين عليه السلام لم يسيئا القول في المختار، كما لم يقولا فيه ما يشعر بتصرّفه عن إذنهما، وإنّما كان طلبه بالثار مرضياً عندهما ومدعاة لسرورهما.
ثالثاً: وأمّا نقد محمّد بأنّه ليس هو وليّ الدم، ولم يشعر السائل بأنّ وليّ الدم هو الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وكان عليه أن يعلمهم بذلك، فقد أجاب عن هذا المرحوم الخطيب السيّد علي الهاشمي في كتابه (محمّد بن الحنفية) نقلاً عن بعض أهل السير والتاريخ، بما دلّ على أنّ محمّد توقّف عن الإجابة على الطلب بدم الحسين عليه السلام، وقال: (وأمّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فوالله لوددّت أنّ الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وأمّا الطلب بدمائنا فقوموا بنا إلى إمامي عليّ بن الحسين عليه السلام)، فلمّا دخلوا عليه أخبره خبرهم الذي جاءوا من أجله، قال: (يا عمّ! ولو أنّ زنجياً تعصّب لنا
1) - تاريخ اليعقوبي 3/6.
أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته وقد وليتك هذا الأمر، فاصنع ما شئت)، فخرجوا وهم يقولون أذن لنا زين العابدين ومحمّد بن الحنفية.
وإذا صحّ أنّه كتب إلى المختار يأذن له في الخروج في الطلب بدم الحسين عليه السلام، فذلك إنّما كان بعد إذن الإمام زين العابدين عليه السلام له في ذلك، وتوليته الأمر.
وهذا الذي ذكره هذا الخطيب رحمه الله لم أقف عليه في مصدر قديم معتبر، ولا يبعد أن يكون من التبرير والتعذير، ولم أقف على ما يوحي بحسن حال المختار ومدحه بطريق معتبر، وما روي في (ذوب النضار) لابن نماء، و(أصدق الأخبار) للسيّد الأمين، وغيرهما، فهو بين مرسل، أو مسند لا يخلو سنده من مجهول أو مهمل(1)
قال: ثمّ تذاكرنا أيام الجمل، فقال: ليته كان ممنوعاً قبل ذلك بعشرين سنة -- أو كلمة غير هذه --.
قال: فأتيت حسن بن حسن فذكرت له ما قال؟ فقال: لوددت والله أنّه كان يقاتلهم إلى اليوم.
قال: فخرجت من فوري ذلك إلى عليّ بن الحسين فأخبرته بما قال، فقال: إنّه لقليل الإبقاء على أبيه.
قال: وبلغ الخبرُ المختار، فقال: أيضرّب بين ابني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأقتلنّه! فتواريت ما شاء الله، ثمّ لم أشعر إلاّ وأنا بين يديه، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك، قال: فقلت: أنت استمكنت منّي؟ أما والله لولا رؤيا رأيتها لما قدرتَ عليَّ! قال: وما رأيت؟ فقلت: رأيت عثمان بن عفّان، فقلت: أنت عثمان بن عفّان؟ فقال: أنا حبارى، تركت أصحابي حيارَىَ لا يهود ولا نصارى، فقال: يا أهل الكوفة انظروا إلى ما أرى الله عدوّكم، ثمّ خلّى سبيلي، قال الجاحظ: وقد روي هذا الكلام عن شتير بن شكل، أنّه رأى معاوية في النوم فقال الكلام الذي رُوي عن عثمان.
ثمّ قال الجاحظ: ووجه كلام عليّ بن الحسين الذي رواه سعيد النوّاء -- إن كان صادقاً -- فإنّه للذي كان يسمع من الغالية من الإفراط والغلو والفحش، فكأنّه إنّما أراد كسرهم وأن يحطّهم عن الغلّو إلى القصد، فإنّ دين الله عزّ وجلّ بين التقصير والغلّو، وإلاّ فعليّ بن الحسين أفقه في الدين، وأعلم بمواضع الإمامة، من أن يخفى عليه فضل ما بين عليّ وبين طلحة والزبير.(كتاب الحيوان للجاحظ 5/450 -- 452، تح عبد السلام هارون).
ومهما يكن حال المختار في أطواره التي تقلّب فيها، فهو أدخل السرور على أهل البيت عليهم السلام بقتله قتلة الحسين عليه السلام، حتّى ولو كان لا يوقف له على مذهب، كما قال المبرّد في (كامله ج3/264، تح محمّد أبو الفضل إبراهيم) كان خارجياً، ثمّ صار زبيرياً، ثمّ صار رافضياً في ظاهره.
وقال المبرّد أيضاً:... فكتب إليه -- إلى ابن الزبير -- من المختار بن أبي عبيد الثقفي خليفة الوصي محمّد بن عليّ أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن أسماء، ملأ الكتاب بسبّه وسبّ أبيه... وكان من عجائب المختار أنّه كتب إلى إبراهيم بن مالك الأشتر يسأله الخروج إلى الطلب بدم الحسين بن عليّ(رضي الله عنهما)، فأبى إبراهيم إلاّ أن يستأذن محمّد بن عليّ بن أبي طالب، فكتب إليه يستأذنه في ذلك، فعلم محمّد أنّ المختار لا عقد له، فكتب محمّد إلى إبراهيم ابن الأشتر: أنّه ما يسوءني أن يأخذ الله بحقّنا على يدي من يشاء من خلقه. (المصدر نفسه 3/266 -- 267).
.1) - قال أبو الحسن المدائني: قال سعيد النوّاء -- نسبة إلى بيع النواة --: قدمت المدينة فلقيت عليّ ابن الحسين، فقلت: يا بن رسول الله! متى يبعث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؟ قال: إذا بُعثَ الناس.
رابعاً: وأمّا خبر المحاكمة إلى الحجر الأسود، فقد أخرجه الكليني في (أصول الكافي)(1)في الحديث الخامس من باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة، كما ذكر في مصادر أُخرى ورد فيها مسنداً ومرسلاً، وفي جميعها ورد في آخرها: فانصرف محمّد وهو يتولّى عليّ بن الحسين عليه السلام.
1) - أصول الكافي 1/282.
ولم يستبعد غير واحد أن تكون تلك المحاكمة -- وقد جرت بمكّة -- أن تكون وسيلة إعلامية للتنويه بإمامة زين العابدين عليه السلام وتبيينها لمن كان يظنّها في محمّد ابن الحنفية كالكيسانية، وقد تكون على نحو منازعة العبّاس والإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيام الخلفاء الحاكمين، للتنبيه على إثبات دعوى المحقّ دون المبطل.
خامساً: نقد المؤلّف لابن الحنفية بأنّه لم ينه الكيسانية عن القول بإمامته، وهذا من العجيب منه! فكأنّه لم يقرأ خبر أبي خالد الكابلي الذي رواه الكشي في (رجاله)، وفيه: (أنّ الكابلي كان يخدم محمّد بن الحنفية دهراً وما كان يشكّ في أنّه الإمام الذي تجب طاعته، حتّى سأله يوماً وأقسم عليه أن يجيبه هل هو الإمام المفروض طاعته على الخلق؟ فقال له: يا أبا خالد! حلفّتني بالعظيم، الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام عليَّ وعليك وعلى كلّ مسلم)(1).
كما روى ابن سعد في طبقاته: (... أنّ بعض أصحاب محمّد بن الحنفية كان يسلّم عليه بالمهدوية، فنهاه، وقال: أجل أنا مهدي أهدي إلى الرشاد والخير، اسمي اسم نبيّ الله، وكنيتي كنية نبيّ الله، فإذا سلّم أحدكم فليقل: سلام عليك يا محمّد: السلام عليك يا أبا القاسم)(2). فهو نهى الكسيانية فلم ينتهوا، كسبيل أبيه نهى السبئية ولم ينتهوا فما عليه من سبيل.
سادساً: إنّ ما ذكره المؤلّف من أنّ محمّداً لحق الحسين عليه السلام في الطريق وقد صحب معه أخا الوالي بالمدينة ليسمع كلامه كشاهد على عدم رضاه بخروج الحسين عليه السلام، وهذا من شنيع القول لما فيه من الخبط والتهويل، وقلّة معرفة بالتاريخ، وذلك أنّ الذي لحق الحسين عليه السلام في الطريق وكان معه أخو والي المدينة هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي أخذ كتاب أمان للحسين عليه السلام من الوالي وفيه العهود الموثّقة والأيمان المغلظة أن لا يُمسّ بسوء، وجاء معه بأخ الوالي للتأكيد على توثيق كتاب الإمام وصدق تعهد الوالي، ولحق بالحسين عليه السلام بوادي العقيق.. وسيأتي ذكر هذا بتفصيل أوفى عند ذكر ابن جعفر.
سابعاً: وأمّا عدم مسافرته مع الحسين عليه السلام، فقد قيل: إنّه كان مريضاً، فهو معذور لمرضه، إمّا بشلل اليد(1)أو بالإغماء، وقد مرّ أنّ الحسين عليه السلام كان قد أذن له أن يقيم في المدينة ليكون عيناً له على بني أُميّة. وقد مرّ ذكر الوصية؛ فراجع!
ثامناً: وأمّا تزييف رواية (اسمه اسمي)، فهي مروية عند الفريقين بأسانيد متعدّدة، كما في (خاتمة كتاب مستدرك الوسائل) للشيخ النوري(2)،
1) - قال المبّرد في كامله 3/266: وكان عبد الله بن الزبير يظهر البغض لابن الحنفية إلى بغض أهله، وكان يحسده على أيّده -- قوته -- ويقال إنّ عليّاً استطال درعا فقا: ليُنقَصَ منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمّد بن الحنفية بإحدى يديه على ذيلها، وبالأُخرى على فضلها، ثمّ جذبها فقطعها من الموضع الذي حدّه أبوه، فكان ابن الزبير إذا حُدّث بهذا الحديث غضب واعتراه أفكل -- يعني الرعدة تعلو الإنسان --.
2) - مستدرك الوسائل 3/619، ط حجرية.
وإيماناً بصحّة التسمية، ما جرى بين طلحة بن عبيد الله وبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، إذ قال له: لا كجرأتك تسمّي باسمه وتكنّي بكنيته، فقال عليّ عليه السلام: (الجريء من اجترأ على الله وعلى رسوله). ثمّ نادى عليّ عليه السلام: (يا فلان! ادع لي فلاناً)، فجاء نفر من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من قريش فشهدوا أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم رخّص لعليّ أن يجمع الاسم والكنية(1)، فالخبر صحيح برخصة من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام.
تاسعاً: وأمّا ما ذكره من نقد محمّد بن الحنفية في تأبينه لسيد الشهداء بقوله: (رحمك الله أبا محمّد، لئن عززتني حياتك، فقد هدّتني وفاتك...)، إلى آخر ما قال، فقد وهم المؤلّف في أمر لا يخفى على إنسان له أدنى إطلاع وعلم بتاريخ الأئمّة عليهم السلام! فإنّ صريح بداية التأبين دلّ على أنّه كان لأبي محمّد، وهي كنية الإمام الحسن عليه السلام، ولم يكن الحسين عليه السلام يكنى إلاّ بأبي عبد الله، كما أنّ خاتمة التأبين دلّت أيضاً على ذلك، حيث قال محمّد بعد كلام في مدح الإمام عليه السلام: (فإنّك والحسين غداً سيّدا شباب أهل الجنّة)، ثمّ ضرب بيده إلى الحسين عليه السلام، فقال: (قم بأبي أنت وأُمّي فعلى أبي محمّد السلام)(2).
عاشراً: وأمّا المفاضلة بين ابن الحنفية وأبي الفضل العبّاس، فهو من الازدراء بمقام الشهادة، على نحو قول الشاعر:
متى أقل مولاي أفضل منهم *** أكن للذي فضّلته مُتنقصا
ألم ترَ أنّ السيف يزرى بحدّه *** إذا قيل هذا السيف أمضى من العصا(1)
فمن ذا الذي يدور في خلده المفاضلة بين شهيد من شهداء الطفّ، وبين شخص آخر من غير المعصومين عليهم السلام، مهما كان له من علوّ مقام علماً وشأناً من أبناء المعصومين عليهم السلام، فضلاً عن غيرهم؟! إنّها كبوة عَلَم وزلّة قلم، عفا الله عن المؤلّف وعنّا وعن جميع المؤمنين والمسلمين إنّه الغفور الرحيم.
1) - يتيمة الدهر 2/224.
وهذا هو الشخصية الرابعة من وجوه الهاشميين الذين حاولوا منع الإمام الحسين عليه السلام عن التوجّه إلى العراق، وقد كتب إليه من المدينة كتاباً:
(بسم الله الرحمن الرحيم.
للحسين بن عليّ عليه السلام من عبد الله بن جعفر..
أمّا بعد، أنشدك الله ألاّ تخرج عن مكّة، فإنّي خائف عليك من هذا الأمر الذي قد أزمعت عليه أن يكون فيه هلاكك وأهل بيتك، فإنّك إن قتلت أخاف أن يطفأ نور الأرض، وأنت روح الهدى، وأمير المؤمنين، فلا تعجل بالسير إلى العراق، فإنّي آخذ لك الأمان من يزيد وجميع بني أُميّة على نفسك ومالك وولدك وأهل بيتك، والسلام).
قال: فكتب إليه الحسين بن علي عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ كتابك ورد عليَّ فقرأته، وفهمت ما ذكرت، وأعلمك أنّي رأيت جدّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في منامي، فخبّرني بأمر وأنا ماضٍ له، لي كان أو عليَّ، كما عدت اليهود على السبت، والسلام). وهذا ما أخرجه ابن أعثم في (الفتوح)(1)، والخوازرمي الحنفي في مقتله(2).
وفي (الطبقات الكبرى) لابن سعد أشار إلى هذا الذي ذكره ابن أعثم، إلاّ أنّ الحسين عليه السلام كتب له في الجواب: (إنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأمرني بأمر أنا ماضي له، ولست بمخبر بها أحداً حتّى ألاقي عملي)(1).
وذكر ابن سعد أيضاً عن ابن جعفر قوله: (لو شهدته -- يعني الحسين عليه السلام -- لأحببت أن أقتل معه، ثمّ قال: أعزز عليَّ بمصرع الحسين عليه السلام)(2)، وكان قد لحق الحسين عليه السلام بكتاب أمان أخذه من عمرو ابن سعيد الأشدق، وحمل معه يحيى بن سعيد تطميناً للحسين عليه السلام وسعياً في صدّه عن الذهاب إلى العراق، فأبى الحسين عليه السلام.
قال الشيخ المفيد في (الإرشاد): (فلمّا أيس منه عبد الله بن جعفرS، أمر بنيه عوناً ومحمّد بلزومه والمسير معه والجهاد دونه، ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّة)(3).
ومع هذا فقد تناولته -- كمن سبق ذكره من بني هاشم -- سهام التجريح صائبة وخائبة! فإلى القراءة عنها:
ما قاله صاحب كتاب (كشف أسرار)، فقد قال في صفحة (14) ما ترجمته: (الثاني: عبد الله بن جعفر الذي هو ابن عمّ الحسين عليه السلام وصهره
-- أي: زوج زينب الكبرى أُخت الحسين عليه السلام -- وكانت للحسين قطعة أرض (بستان) وهي التي يقال لها: (خيف الأراك، وخيف ليلى، وخيف الناس)، وهبها الإمام الحسين عليه السلام له على أن لا يزوّج ابنته من يزيد بن معاوية (؟).
ولمّا كان لابن جعفر باب مفتوح للعطاء والإطعام، فكان إقبال الناس عليه فعرف بالسخاء (؟).
وكان له في كلّ سنة من معاوية أوقية من مسكوك الذهب والفضّة، وهو يوزّعها في الموسم بين رجال أهل الحجاز وأرباب الحوائج، حتّى اعترض بعض الأمويين على معاوية في إرساله ذلك المقدار في كلّ سنة لابن جعفر).
ثمّ قال ما ترجمته: (وكان -- ابن جعفر -- يتطلّب العطاء من يزيد بن معاوية، فكان يعطيه تسعمائة ألف درهم، فإن كان هذا قبل شهادة الحسين عليه السلام فقد أخذ من مثل يزيد وباع الحسين عليه السلام (؟) وإن كان بعد استشهاده فهو أدهى وأمر من الأوّل، وهذا هو السرّ في منع الشارع المقدّس الارتشاء في الحكم ورآه حراماً...(؟)
والأمر الآخر الذي أوجب تأخّره وعدم نصرته الحسين عليه السلام: أنّه كان له بقرب الشام ضياع وأملاك وعين ماء كان يذهب إليها في كلّ سنة فيجمع غلاتها ويستوفي منافعها ثمّ يعود (؟).
وأمّا أنّه أرسل ولديه مع الحسين عليه السلام فإنّهما معاً ليسا من ولد زينب، بل أحدهما من زوجته الثانية التي ماتت وكفلت زينب الطفل فربّته مع
طفلها الذي ولدته فهو ربيب لها، وأنس الطفل بها على أنّها أُمّه، ولمّا خرجت مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء صحبها الصبيّان مع أُمّهما، ولم يسع ابن جعفر ممانعتهما من صحبة أُمّهما (؟)، وما يتلوه أرباب المراثي من أنّ ابن جعفر قال لزينب: خذي طفليّ هذين معك لنصرة أخيك، ليس له مدرك صحيح وهو أمر مضحك، حيث لم يخرج هو فيرسل طفلين لم يبلغا الحلم عوضاً عنه للجهاد (؟)، وكانت زينب خجلا من أخيها الحسين عليه السلام، لأنّ زوجها لم يخرج معه (؟).
وأيضاً فإنّ ابن جعفر كان يطاول الحسنين عليه السلام حتّى فتح له دار ضيافة، وجعل لمن يأتيه عطاء، وكان له مجلس خاص به، بينما كان لازم الأدب أن يتبعهما وينضوي تحت رايتهما (؟)، فهو بدلاً من ذلك كان يطاولهما في المنكب والموكب -- كما يقولون -- والناس لا تفرق بين الدرّ والفحم، وكثير منهم تخدعه المظاهر الخلابة من ابن جعفر، فحرُموا من فضل مصاحبة الحسنين عليهما السلام (؟) وما أدري كيف يكون جوابه للنبيّ وعليّ وفاطمة عليهم الصلاة والسلام إذا سألوه؟).
هذه بعض مؤاخذات هذا الرجل الزاحف في التاريخ فضلاً عن أن يكون راجلاً أو فارساً. وللردّ عليه أجمل الجواب في النقاط التالية:
أوّلاً: ما ذكره أوّلاً من إعطاء الحسين عليه السلام له (خيف الأراك، وخيف ليلى، وخيف الناس) لئلا يزوّج ابنته من يزيد -- فهذا الذي دعاني أن أصفه بالزاحف في التاريخ -- ولو أنّه كان راجلاً لقرأ ما ذكره المبرّد في كامله(1)،
1) - الكامل 3/114 -- 115، ط محمّد علي صبيح سنة 1347ه-.
أو ما ذكره ياقوت الحموي في (معجم البلدان)(1)، في ذكر الخيف، أو قرأ (تاريخ المدينة) للسمهودي(2)، أو (مقتل الخوارزمي)(3)، أو (مناقب ابن شهر آشوب)(4)، أو (بحار الأنوار) للمجلسي(5)، وهذه كلّها متوفّرة لديه عادة، فضلاً عن كتاب (جمهرة خطب العرب) لأحمد زكي صفوت(6)، وغيره ممّا يبعد عليه مناله.. فإنّ في تلك المصادر ذكر كتاب معاوية إلى مروان بن الحكم -- وكان هو والي المدينة -- في أن يخطب إلى جعفر ابنته أُمّ كلثوم على يزيد ويرغبه في الصداق، فقرأ مروان الكتاب على ابن جعفر، فقال: (إنّ خالها الحسين عليه السلام بينبع وليس يفتات عليه بأمر -- وفي لفظ -- إنّ أمرها ليس إليَّ، إنّما هو إلى سيّدنا الحسين، وهو خالها، فانتظرني حتّى يقدم، فلمّا قدم الحسين عليه السلام ذكر له ابن جعفر ذلك، فقام من عنده ودخل على الجارية، فقال: (يا بنيّة! إنّ ابن عمّك القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالب أحقّ بك، ولعلّك ترغبين في كثرة الصداق، وقد نحلتك البغيبغات).
فلمّا حضر القوم للإملاك -- وكان ذلك في مسجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم -- أقبل مروان على الحسين عليه السلام وخطب منه بعد أن أعلمه خبر الكتاب، وقال: إنّ معاوية أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما
بين هذين الحيّين، مع قضاء دينه، واعلم، أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد! وهو كفو من لا كفو له، وبوجهه يستسقى الغمام، فرد خيراً أبا عبد الله.
فتكلّم الحسين عليه السلام فقال: (الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه...).
إلى أن قال: (يا مروان! قد قلت فسمعنا، أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سُنّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهما.
وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساءنا يقضين عنّا ديوننا؟!
وأمّا صلح ما بين هذين الحيين، فإنّا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري، لقد أُعيي النسب فكيف السبب؟!
وأمّا قولك: والعجب كيف يستمهر يزيد؟ فقد استمهر مَن هو خير من يزيد وأبيه وجدّه.
وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو ما لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته إمارته شيئاً.
وأمّا قولك: وجهه يستسقى به الغمام، فإذا (فإنّما/ظ) كان، ذلك وجه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
وأمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل).
ثمّ قال عليه السلام بعد كلام: (فاشهدوا جميعاً إنّي قد زوّجت أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتهما ضيعتين بالمدينة، وإن غلّتهما في السنة ثمانية آلاف دينار، فيهما لهما غنى إن شاء الله).
فتغيّر وجه مروان، وقال: أغدراً يا حسين؟!
فقال: (أنت بدأت، خطب أبو محمّد الحسن بن عليّ عائشة بنت عثمان بن عفّان، فاجتمعنا لذلك، فتكلّمت أنت وزوّجتها من عبد الله بن الزبير).
فقال مروان: فما كان ذلك، فالتفت الحسين عليه السلام إلى محمّد بن حاطب وقال: أنشدك الله أكان ذلك؟ فقال: نعم).
هذه هي القصّة التي أرادها مؤلّف (كشف أسرار) وما جرى فيها، فمن أين جاء بأنّ الحسين عليه السلام أعطى الأخياف الثلاثة لابن جعفر؟ وإنّما كان عطاؤه قطعتي الأرض بالمدينة للعروسين ليستعينا بها على دهرهما.
ثمّ إنّ المستفاد من هذه القصّة هو تعظيم ابن جعفر للحسين عليه السلام، إذ لم يقطع في أمر ابنته دونه، ولم يجب إلى شيء ممّا دعاه إليه مروان، بل أوكل الأمر إلى الحسين عليه السلام، وهذا دليل اتّباعه له، وانقطاعه إليه، وامتثاله لأمره، واعتزازه بطاعته.. وللقارئ إعادة قراءة النص ليتبيّن له بوضوح سذاجة معرفة المؤلّف بالتاريخ.
ثانياً: ما ذكره من نقد لابن جعفر وأنّه فتح دار ضيافة خاصّة به،
وإعطائه الجوائز، وأخذه صلات معاوية وابنه يزيد، فهذا -- إن صحّ كلّه أو بعضه -- ليس ممّا ينقد عليه ابن جعفر، بل هو ممّا يمدح عليه، فإنّ طبيعة السخاء هي الموروثة له من أبيه الذي كان يقال له أبو المساكين، وفي تاريخهما معاً شواهد ذلك، وقد روي أن قيل له في كثرة عطائه لكلّ من سأله، فقال: إنّ الله عوّدني وأنا عوّدت الناس، فأخاف أن اقطع عادتي فيقطع الله ما عوّدني.. (باقتضاب من الاستيعاب في ترجمته).
وأمّا أخذه صلات معاوية ويزيد، فقد ورد أنّ أهل المدينة كانوا يدانون بعضهم من بعض إلى أن يأتي عطاء عبد الله بن جعفر، حيث كان يفرّقه بينهم، وفي أخبار الأجواد له السبق في الذكر الجميل.
ثالثاً: وأمّا ما ذكره من أنّه كانت لابن جعفر عيوناً وأملاكاً قرب الشام كان يذهب إليها ويقيم فيها، فهذا من أسباب تخلّفه عن نصرة الحسين عليه السلام، فمّما يضحك الثكلى!! فمن بذلت نفسه مواساة ابنيه للحسين عليه السلام تبخل بإهمال ضيعة له بقرب الشام، والولد أعزّ من المال، ألم يقرأ قول ابن جعفر لأبي اللسلاس وهو غلامه حين سمع منه كلاماً مشيناً في شهادة ابني عبد الله ابن جعفر، وقال: هذا ما لقينا من الحسين، فحذفه بنعله، وقال له: يا بن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟! والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتّى أقتل معه، والله إنّه لمّما يسخّي بنفسي عنهما ويهون عليَّ المصائب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَين له صابرَين معه، ثمّ أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله ألاّ يكن آسيتَ حسيناً يدي فقد واساه ولدَيَ(1).
1) - تاريخ الطبري 5/464.
وقد ذكر الشريشي في (شرح مقامات الحريري)(1): إنّ أبناء عبد الله بن جعفر الذين استشهدوا مع الحسين عليه السلام ثلاثة، وهم: جعفر، ومحمّد، وعون.
رابعاً: وأمّا قول المؤلّف: أنّهما -- أبناء عبد الله بن جعفر -- الصبيين لم يكونا معاً لزينب وأبيا مفارقتها، وأنّه -- ابن جعفر -- أراد منعهما فلم يتمكّن، وهذا كسابقه خبط في الظلماء!
فقد روى الطبري في تاريخه: (عن أبي مخنف، عن الحارث بن كعب الوالبي، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: لمّا خرجنا من مكّة كتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن عليّ مع ابنيه عون ومحمّد:
أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض، فإنّك عَلَم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإنّي في أثر الكتاب، والسلام.
قال: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه، وقال: أكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع، لعلّه يطمئن إلى ذلك فيرجع.
فقال عمرو بن سعيد: أكتب ما شئت وأتني به حتّى أختمه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب.
1) - شرح مقامات الحريري 1/173.
ثمّ أتى به عمرو بن سعيد، فقال له: اختمه، وابعث به مع أخيك يحيى ابن سعيد، فإنّه أحرى أن تطمئن نفسه إليه، ويعلم أنّه الجدّ منك، ففعل.
وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكّة، قال: فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأنا الكتاب وجهدنا به، وكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال: (إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليَّ كان أولي).
فقالا له: فما تلك الرؤيا؟
قال: ما حدّثت أحداً بها، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي)(1).
ثمّ ذكر الطبري صورة الكتاب الذي كتبه عبد الله بن جعفر وختمه عمرو بن سعيد، وصورة جواب الحسين عليه السلام عليه؛ فراجع!
خامساً: ما ذكره المؤلّف ناقداً لابن جعفر من أنّ له مجلساً خاصّاً، وعطاءً خاصّاً متميّزاً عن الحسين عليه السلام، وهذا من النقد التافه ممّا لا ينبغي الردّ عليه، إلاّ بما رواه الصدوق ابن بابويه في كتابه (الخصال)(2)، بسنده:
(عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ رجلاً مرّ بعثمان بن عفّان وهو قاعد على باب المسجد فسأله، فأمر له بخمسة دراهم، فقال له الرجل: أرشدني؟
فقال له عثمان: دونك الفتية التي ترى -- وأومأ بيده إلى ناحية من المسجد فيها الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر -- فمضى الرجل نحوهم
حتّى سلّم عليهم وسألهم.
فقال له الحسن والحسين عليهما السلام: يا هذا! إنّ المسألة لا تحلّ إلاّ في ثلاث: دم منجع، أو دين مقرح -- مفزع/ظ -- أو فقر مدقع، ففي أيّها تسأل؟
فقال: في واحدة من هذه الثلاث.
فأمر له الحسن عليه السلام بخمسين ديناراً، وأمر له الحسين عليه السلام بتسعة وأربعين ديناراً، وأمر له عبد الله بن جعفر بثمانية وأربعين دينار، فانصرف الرجل فمرّ بعثمان، فقال له: ما صنعت؟
فقال: مررت بك فسألتك فأمرت لي بما أمرت ولم تسألني فيما أسأل؟ وإن صاحب الوفرة لما سألته قال لي: يا هذا فيما تسأل؟ فإنّ المسألة لا تحلّ إلاّ في ثلاث، فأخبرته بالوجه الذي أسأله من الثلاثة، فأعطاني خمسين ديناراً، وأعطاني الثاني تسعة وأربعين ديناراً، وأعطاني الثالث ثمانية وأربعين ديناراً.
فقال عثمان: ومَن لك بمثل هؤلاء الفتية، أولئك فطموا العلم فطماً، وحازوا الخير والحكمة).
فهذا الخبر دلّ بوضوح على مدى احترام ابن جعفر للحسنين عليهما السلام ، إذ لم يساويهما في العطاء احتراماً وأدباً.
ولو أنّ مؤلّف كتاب (كشف أسرار) كشف عن واقع ابن جعفر رضي الله عنه في مواقفه مع معاوية -- الذي قيل عنه أنّه استغراه بالمال فاستغواه فسمّى باسمه أحد أولاده -- لكان خيراً له وأجدى نفعاً لقرّاء كتابه.
فإنّ ابن أبي الحديد المعتزلي قد ذكر بعضاً في (شرح نهج البلاغة)، نقلاً عن المدائني، قال: (بينا معاوية يوماً جالساً عنده عمرو بن العاص، إذ قال الآذن: قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
فقال عمرو: والله لأسوءنّه اليوم.
فقال معاوية: لا تفعل يا أبا عبد الله، فإنّك لا تنتصف منه، ولعلّك أن تُظهر لنا من منقبته ما هو خفيّ عنّا، ولا نحبّ أن نعلمه منه.
وغشيهم عبد الله بن جعفر، فأدناه معاوية وقرّبه، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من عليّ عليه السلام جهاراً غير ساتر له، وثلبه ثلباً قبيحاً.
فالتمع لون عبد الله بن جعفر واعتراه أفكل -- الرعدة -- حتّى ارتعدت خصائله -- كلّ لحمة فيها عصب -- ثمّ نزل عن السرير كالفنيق -- الفحل المكرَم الذي لا يؤذى لكرامته --
فقال عمرو: مه أبا جعفر!
فقال له عبد الله: مه لا أُمّ لك، ثمّ قال:
أظنّ الحلم دلّ عليَّ قومي *** وقد يتجّهل الرجلُ الحليمُ
ثمّ حسر عن ذراعيه، وقال: يا معاوية! حتّام نتجرّع غيظك؟ وإلى كم الصبر على مكروه قولك، وسيّء أدبك، وذميم أخلاقك؟ هبلتك الهبول، أما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك، إذا لم تكن حرمة من دينك تنهاك عمّا لا يجوز لك.
أما والله، لو عطفتك أواصر الأرحام، أو حاميت على سهمك من
الإسلام، ما أرعيت بني الإماء المُتُك -- جمع متكاء: الجارية البظراء، وهو ممّا يسبّ به -- والعبيد الصك أعراض قومك، وما يجهل موضع الصفوة إلاّ أهل الجفوة، وإنّك لتعرف وشائظ -- الحشو -- قريش، وصبوة غرائرها، فلا يدعّونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين، ومحاربة أمير المؤمنين، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصد لمنهج الحقّ، فقد طال عمهُك -- العمى -- عن سبيل الرشد، وخبطك في بحور ظلمة الغيّ، فإن أبيت، إلاّ تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك، فاعفنا من سوء القالة فينا! إذا ضمّنا وإياك النديّ، وشأنك وما تريد إذا خلوت، والله حسيبك، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك.
ثمّ قال: إنّك إن كلفتني ما لم أطق، ساءك ما سرّك منّي من خُلق.
فقال معاوية: يا أبا جعفر! أقسمت عليك لتجلسنّ، لعن الله من أخرج ضبّ صدارك من وجاره، محمول لك ما قلت، ولك عندنا ما أمّلت، فلو لم يكن مجدك ومنصبك، لكان خُلقك وخَلقك شافعين لك إلينا، وأنت ابن ذي الجناحين وسيّد بني هاشم.
فقال عبد الله: كلا، بل سيّد بني هاشم حسن وحسين لا ينازعهما في ذلك أحد.
فقال: أبا جعفر، أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلاّ قضيتها كائنة ما كانت، ولو ذهبت بجميع ما أملك.
فقال: أمّا في هذا المجلس فلا، ثمّ انصرف.
فأتبعه معاوية بصره، وقال: والله لكأنّه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مشيه وخُلقه وخَلقه، وإنّه لمن مشكاته، ولودّدت أنّه أخي بنفيس ما أملك. ثمّ التفت على عمرو فقال: أبا عبد الله، ما تراه منعه من الكلام معك؟
قال: ما لا خفاء به عنك.
قال: أظنّك تقول إنّه هاب جوابك! لا والله، ولكنّه ازدراك واستحقرك، ولم يرك للكلام أهلاً، أما رأيت إقباله عليَّ دونك ذاهباً بنفسه عنك.
فقال عمرو: فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه؟
قال معاوية: اذهب إليك أبا عبد الله، فلات حين جواب سائر اليوم، ونهض معاوية وتفرّق الناس)(1).
أقول: ألا يكفي هذا الخبر، لمؤلّف الكتاب إعادة النظر، في التهجم بظلم على ابن جعفر رضي الله عنه؟ إنّها بلية الموروث المعثوث من سوء المقال، فشوّهت صحائف الأعمال، عند أولئك الأفذاذ من الرجال، أصحاب الفضيلة والكمال.
وحبّذا لو أنّ مؤلّف الكتاب رحمه الله كان قرأ ما رواه الصدوق في (الخصال) باب الاثني عشر، والكليني في (أصول الكافي)، بأسانيدهما: (عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول: كنّا عند معاوية أنا والحسن والحسين، وعبد الله بن عبّاس، وعمر بن أبي سلمة، وأسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام.
1) - شرح نهج البلاغة 6/296 -- 297، ط محقّقة.
فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد عليّ فالحسن بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد، فابنه عليّ بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا عليّ، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين، ثمّ تكملة اثني عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين).
قال عبد الله بن جعفر: واستشهدت الحسن والحسين، وعبد الله بن عبّاس، وعمر بن أبي سلمة، وأسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية)(1).
كما أنّ المؤلّف عفا الله عنّا وعنه لو قرأ ما ذكره ابن أبي الحديد عن كتاب الواقدي: أنّ عبد الله بن جعفر فاخر يزيد بن معاوية بين يدي معاوية، فقال له: بأي آبائك تفاخرني؟ أبحرب الذي أجرناه؟! أم بأُميّة الذي ملكناه؟! أم بعبد شمس الذي كفلناه؟!
فقال معاوية: لحرب بن أُميّة يقال هذا! ما كنت أحسب أنّ أحداً في عصر حرب بن أُميّة يزعم أنّه أشرف من حرب؟
فقال عبد الله: بلى أشرف منه من كفأ عليه إناءه، وجلّله بردائه.
فقال معاوية ليزيد: رويداً يا بُني، إن عبد الله يفخر عليك بك، لأنّك منه وهو منك.
1) - الخصال: 447، أصول الكافي 1/444.
فاستحيا عبد الله، وقال: يا أمير المؤمنين! يدان انتشطتا، وأخوان اصطرعا).
ثمّ ذكر ابن أبي الحديد ما قاله معاوية لابنه في شرح ما قاله عبد الله ابن جعفر، وهو حريّ بالمراجعة، ولو أنّ مؤلّف الكتاب قرأ هذا لقصر من خطوه السريع في التشنيع.
ومن فاته قراءة ما تقدّم نقله من أخبار عبد الله بن جعفر عن الصدوق في (الخصال)، والكليني في (الكافي)، وابن أبي الحديد في (شرح النهج)، فأنّى له قراءة ما ذكره المدائني (ت228ه-) في كتاب (التعازي)، بسنده: (قال: جاور عبد الله بن جعفر عامّاً بمكّة، فمات له مملوك كان مجرّباً ذا موضع منه، فأتاه ابن عبّاس يعزّيه، فقال: لا تعدم الأجَر على الرزّية، والخلف من الفقيد، ثقّل الله به ميزانك، وغفر لنا ولفتاك)(1).
ثمّ جاء في (كشف أسرار) عن ابن عبّاس كلام طويل عريض استغرق ما يقرب من خمس صفحات، لم يترك المؤلّفS في تاريخ ابن عبّاس أيّ إشارة خير تشفع له، وبتحامل ظالم من دون مبرّر لذلك، فقال ما ترجمته من صفحاته كلّها باختصار: (عبد الله بن عبّاس هو ابن عمّ أمير المؤمنين عليه السلام والد الحسين عليه السلام، ومخالطته ومحاربته معه في أيام خلافته، ثمّ توليه من قبله على البصرة، وأخيراً أخذه بيت مال المسلمين بدون إذن
1) - كتاب التعازي: 83، تح ابتسام مرهون الصفار وبدري محمّد فهد مط النعمان سنة 1391ه- 1971م.
الإمام، وتمرّد عن طاعته، ومضى إلى المدينة (؟) وجرت مكاتبات بين الإمام عليه السلام وبينه حول المال، دلّت على جرأته وسوء أدبه، وعاقبة تمرّده مضيّه إلى الشام إلى معاوية(؟)، وكان نهاية أمره زوّج ابنته من يزيد، فكان صهره، كلّ ذلك مثبت في الكتب، ومشهور في التاريخ، وقد ولدت ابنته ليزيد ولدين.
والذي في ألسنة أهل المنابر مشهور من دخول هند بنت عبد الله بن عامر زوجة يزيد إلى مجلسه بدون حجاب يوم أتوه بالسبايا بعد شهادة الحسين عليه السلام، وأنّ يزيد ألقى عليها رداءه، ليس كذلك، بل أنّ تلك المرأة كانت بنت عبد الله بن عبّاس(؟)، لأنّ عبد الله بن عامر بن ربيعة بن الحرث ابن عبد المطّلب من بني هاشم، إلاّ أنّه كان رجلاً غالب معيشته من أملاكه بالطائف، ونادراً ما يأتي إلى مكّة، وقصّة حديثه مع معاوية في شأن أملاكه بالطائف معروف (؟)).
ثمّ ذكر القصّة، وقال: (مضافاً إلى أنّه -- يعني عبد الله بن عامر -- لم يكن ذا شخصية لها شأن كبير يرغب معاوية في وصلته ومصاهرته على ابنته ليزيد (؟) ثمّ هم -- أصحاب المنابر -- يقولون: إنّها كانت خادمة عند الزهراء عليها السلام ، وهذا يلزم أن يكون عمرها يومئذ قد جاوز الستّين، لأنّ من وفاة الزهراء عليها السلام إلى يوم عاشوراء إحدى وخمسين سنة، ولا بدّ أن تكون يوم خدمتها ابنة عشر سنين، فكيف يعقل أن تكون ابنة أكثر من ستين سنة زوجة ليزيد الذي مات وعمره 34 سنة (؟)، ثمّ هي كانت خادمة بيت الزهراء عليها السلام ذلك البيت الذي عرفت عداوة معاوية وابنه يزيد لأهله، إنّها لم
تكن ابنة عبد الله بن عامر، بل هي ابنة عبد الله بن عبّاس، لأنّ هذين الاسمين يشتركان في الجزء الأوّل منهما وهو عبد الله، وفي الجزء الثاني عامر وعبّاس بينهما تشابه في الخطّ الكوفي، ولا فرق سوى نبرة الباء في عبّاس، وبذلك حصل سهو النسّاخ، ولمّا كان هذا قبيح وشديد القبح، غيّره بعض المتقدّمين من نقلة الأخبار والتواريخ وتعمّد تحريفه، لكن ابن عبد ربّه صاحب (كتاب العقد الفريد) -- الذي هو أحد معتبري مؤرّخي أهل السُنّة -- ذكر في الجلد الثاني من مجلداته الثلاث في طي ذكر تاريخ وتراجم الخلفاء، وعدّد أزواجهم وأولادهم، فذكر يزيد وعدّد أولاده وأزواجه وذكر صريحاً: بأنّ معاوية، وخالد، وأبو سفيان أُمّهم فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله، وعمر أُمّهم أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن عبّاس، وكان ولده عبد الله ناسكاً وولده خالد عالماً، ولم يكن في بني أُميّة أزهد من هذا ولا أعلم من ذاك، ولا يصحّ الاجتهاد مقابل النص.
وبعد أن علمنا حال عبد الله بن عبّاس وسابقة أعماله مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وأخيراً مصاهرته ليزيد على ابنته، كيف يرجى أن يكون مع الحسين عليه السلام رأياً وقناعة في الخروج معه لحرب يزيد؟ لا يكون ذلك.
ولا ندري ماذا أعدّ جواباً لنفسه في يوم الجزاء عند حضوره بين يدي الله والنبيّ وعليّ وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين). اه- .
هذه خلاصة ما ذكره من مؤاخذة ابن عبّاس في تقصيره بعدم الخروج مع الحسين عليه السلام في نهضته، فكانت نقاط الإدانة ثلاثة:
الأولى: أخذه بيت مال البصرة، وقد مرّ بحث هذا بتفصيل في الجزء الثالث من هذه الحلقة(1)، وأوّل هذا الجزء، فلا مزيد على ما مرّ.
الثانية: ما جاء في كلام المؤلّف رحمه الله من التهويل والتضليل، كزعمه أنّ ابن عبّاس مضى إلى معاوية بالشام في حياة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا زعم باطل، وينبئ عن قلّة معرفة بتاريخ الأحداث، والذي رواه المؤرّخون إنّما كان ذلك بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام، فقد كان الوفود على معاوية بالشام لقبض العطاء، وليس للراحة والسفاهة، فمعاوية منع عن بني هاشم الخمس، فأضرّ بهم الحال في المال، فصاروا يفدون إلى الشام لقبض العطاء، وقد مرّت الإشارة إلى هذا الجانب في ذكر ابن الحنفية وابن جعفر، وليتني علمت رأيه في قبض الحسن والحسين عليهما السلام الأموال عطاءً، أو صلة أو جوائز كيف كان وجه الشرعية في ذلك؟ أليس هما سيّدا شباب أهل الجنّة عليهما السلام، وهما وليّا الأمر؟ فكيف كانا يشدّان الرحال من المدينة إلى الشام لقبض العطاء المفروض لهما؟ وقد مرّت رواية ابن جعفر التي ذكر فيها الأئمّة عليهم السلام من بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمعاوية واستشهاده الحسن والحسين عليهما السلام ، وعبد الله بن عبّاس، وأسامة بن زيد، وعمرو بن أبي سلمة، فشهدوا له، فهل حضورهم جميعاً عند معاوية بالشام كانوا في سفرة سياحية ليأكلوا تين الغوطة؟ إنّها سطحية الموروث عند المؤلّف رحمه الله.
الثالثة: وهي طامّة السذاجة في فهم تاريخ ابن عبّاس، وهي تزويجه
1) - أي: الجزء الثامن عشر من الموسوعة.
يزيد بابنته، والكلام فيها من جوانب ثلاثة:
الأوّل: في أصل التزويج.
الثاني: مناقشة المؤلّف لأهل المنابر.
الثالث: اعتماده على ما جاء في (العقد الفريد) لابن عبد ربّه.
فأوّل هذه الجوانب: أنّها فرية لا واقع لها، وقد خبط المؤلّف فيها خبط عشواء، فإنّ لابن عبّاس -- كما في كتب الأنساب -- من البنات اثنتان:
إحداهما: لبابة سمّيت باسم أُمّ ابن عبّاس لبابة الكبرى = أُمّ الفضل، وهذه -- لبابة بنت عبد الله بن عبّاس -- كان زوجها علي بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب عليه السلام، المعروف بعلي الزينبي، نسبة إلى أُمّه زينب ابنة أمير المؤمنين عليه السلام وهي التي روى عنها ابن عبّاس خطبة أُمّها فاطمة الزهراء عليها السلام في مسجد أبيها صلي الله عليه وآله وسلم حين منعوها فدكاً، فقال ابن عبّاس: حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت عليّ... (1)
الثانية: أسماء، تزوّجها ابن عمّها عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس، فأولدها ولدين سماهما باسم الحسنين عليهما السلام الحسن والحسين.
وذكر ابن عبد ربّه في (العقد الفريد)(2)بتحقيق أحمد أمين ورفيقيه بنتاً ثالثة ولم يسمّها، نعيت إلى ابن عبّاس وهو في السفر؛ إلاّ أنّ ابن حمدون ذكر أنّ هذا كان في طريق مكّة، فنزل عن دابته فصلّى ركعتين، ثمّ رفع
يديه وقال، فاسترجع، ثمّ قال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله(1).
ولم تذكر مصادر النسب والتاريخ بنتاً أُخرى تزوّجها يزيد بن معاوية، وما ذكره المؤلّف نقلاً عن (العقد الفريد) لابن عبد ربّه فذلك موجود فيه، ولكن لو تفطّن المؤلّف إلى هوّية ابن عبد ربّه وقيمة كتابه، لأعرض عنه وعن كتابه الذي فيه من أعاجيب الأكاذيب، ما ينبغي طرحه في سلّة المهملات، ولئلا أكون قاسياً عليه في قولي هذا، أذكر للقارئ واحدة أُخرى من أكاذيبه ممّا لها علاقة بما ذكره في المقام، وما أنا بعائب عليه هذا، فالرجل أموّي الهوى والنزعة، لكن عائب على الأساتذة (عمالقة الفكر والقلم في مصر الكنانة) الذين تولّوا تحقيق كتاب (العقد الفريد)، كيف فاتهم التنبيه على ما فيه! من أكاذيب تنقص عندنا أقدارهم فنزدريهم قبل أن نزدريه.
وللبيّنة على هذا فإلى القارئ ما سبق ذكره في الجزء الخامس 5/405 من الحلقة الأولى(2):
(ومن الكذب الفظيع الفاضح، ما رواه ابن عبد ربّه في (العقد الفريد) عن العتبي، قال: (كان عند الوليد بن عبد الملك أربع عقائل: لبابة بنت عبد الله بن عبّاس, وفاطمة بنت يزيد بن معاوية، وزينب بنت سعيد بن العاص, وأُمّ
جحش بنت عبد الرحمن بن الحارث, فكنّ يجتمعنّ على مائدته, ويفترقن فيفخرن، فاجتمعن يوماً، فقالت لبابة: أما والله، إنّك لتسوّيني بهنّ, وإنّك تعرف فضلي عليهنّ.
وقالت بنت سعيد: ما كنت أرى أنّ للفخر عليَّ مجازاً, وأنا ابنة ذي العمامة إذ لا عمامة غيرها.
وقالت بنت عبد الرحمن بن الحارث: ما أحبّ بأبي بدلاً, ولو شئت لقلت فصدقت وصُدّقت.
وكانت بنت يزيد بن معاوية جارية حديثة السنّ فلم تتكلّم, فتكلّم عنها الوليد, فقال: نطق من احتاج إلى نفسه, وسكت من اكتفى بغيره, أما والله لو شاءت لقالت: أنا ابنة قادتكم في الجاهلية، وخلفائكم في الإسلام.
فظهر الحديث، حتّى تحدّث به في مجلس ابن عبّاس، فقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته)(1).
هذه الكذبة الشنعاء والفرية الصلعاء يرويها العتبي، ويذكرها عنه ابن عبد ربّه, وكلاهما عندي في هذا المقام يستغفلان عقول الناس بمثل هذه الأكاذيب، ولا غرابة منهما فكلاهما أموّي الهوى.
ولكن هلّم الخطب في الأساتذة الثلاثة المحقّقين للكتاب، وهم: أحمد أمين, أحمد الزين, إبراهيم الأبياري, كيف انطلت عليهم هذه الأكذوبة, فلم يتفطّنوا أنّ لبابة بنت عبد الله بن عبّاس لم تكن زوجة الوليد,
1) - العقد الفريد 6/104.
بل كانت زوجة عليّ بن عبد الله بن جعفر، كما مرّ).
ولمّا مات عنها تزوّجها إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله فولدت له يعقوب، ثمّ فارقها فتزوّجها ابن عمّها محمّد بن(1)عبيد الله بن العبّاس(2).
ثمّ إنّ ابن عبّاس ما كان حيّاً أيام الوليد بن عبد الملك ليقول ما قُوّل, بل كان متوفّى قبل ذلك بما يقرب من عشرين سنة، إذ كانت وفاة ابن عبّاس سنة 68ه-, وكانت ولاية الوليد سنة 86ه-؛ فلاحظ!
لقد مرّ في الجزء الثاني من هذه الحلقة(3)بعنوان (تعقيب) على ما ذكره ابن عبد ربّه في (العقد الفريد) من خبر خيانة بيت مال البصرة ذكر أمويّة ابن عبد ربّه، فراجع تلاقي رجباً وترى عجباً..
وحسبك ما ذكره ابن الأبّار في كتاب (التكملة) من خبر أرجوزة ابن عبد ربّه في الخلفاء ولم يذكر أمير المؤمنين عليه السلام منهم، وجعل معاوية رابعهم! ثمّ ذكر بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمّد، فلمّا رأى ذلك منذر
1) - لقد ذكر هذا مصعب الزبيري في كتابه نسب قريش، وقد وقع وهم في النسخ، فلم يتفطّن له محقّق الكتاب، وذلك حين قال: تزوّجها محمّد بن عبد الله بن عبّاس، وهذا من فاضح الخطأ، إذ كيف يصحّ هذا وهي تكون أُخته، ولم يتنبّه المحقّق وجرى على خطئه من أتى بعده وأخذ من كتابه من الكتّاب المحدّثين، (انظر: شدو الربابة، الصحابة والصحابة خليل عبد الكريم، ط سينا للنشر).
2) - راجع المحبّر، لمحمّد بن حبيب الهاشمي: 440، ط حيدر آباد.
3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السابع عشر، الفصل الأوّل/تهمة الخيانة في المصادر القديمة/مدونات القرن الرابع الهجري/الرابع: العقد الفريد.
ابن سعيد غضب وسبّ ابن عبد ربّه، وكتب في حاشية الكتاب:
أوما عليّ لا برحتَ مُلَعّناً *** يابن الخبيثة عندكم بإمام
ربّ الكساء وخير آل محمّد *** داني الولاء مقدّم الإسلام(1)
فهذا حسب ونسب ابن عبد ربّه.
وأمّا العتبي، فهو من فروع الشجرة الملعونة في القرآن، فهو منسوب إلى عتبة بن أبي سفيان، وهي نسبة لثلاثة من الرجال، كما ذكرهم الذهبي في (سير أعلام النبلاء):
الأوّل: محمّد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن أبي سفيان ابن حرب الأموي ثمّ العتبي البصري، روى عن ابن عيينة، وأبي مخنف، ووالده، وكان يشرب، وله تصانيف أدبيات وشهرة مات سنة 228ه-.
الثاني: محمّد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن حميد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأمويّ السفياني العتبي القرطبي المالكي صاحب كتاب (العتيبة)، سمع يحيى بن يحيى الليثي، وأصبغ بن الفرج، وسحنون بن سعيد، و... وروى عنه... قال أسلم بن عبد العزيز: أخبرني ابن عبد الحكم، قال: أتيت بكتب حسنة الخطّ تدعى (المستخرجة) من وضع صاحبكم محمّد بن أحمد العتبي، فرأيت جلّها كُذوباً، مسائل المجالس له، لم يوقّف عليها أصحابها، فخشيت أن أموت، فتوجد في تركتي، فوهبتها لمن يقرأ
1) - التكملة 1/29.
فيها، قلت: كيف استحللتَ أن تعطيه ليقرأ فيها؟ فسكت... مات سنة 265ه- وقيل: سنة 264ه- .
الثالث: عمر بن محمّد بن يحيى بن عثمان القرشي العتبي الاسكندراني، ويعرف بابن جابي الأحباس، ولد سنة 639ه-... ومات سنة 724ه- .
أقول: فليس هذا هو المذكور في خبر (العقد الفريد) لتأخّر زمنه، بل هو أحد الأولَيَن والذي منهما كان يشرب كما قال الذهبي، فهو أقرب، لأنّه له تصانيف أدبيات وشهرة تتسق مع هوى ابن عبد ربّه في منهجية كتابه.
ثمّ إنّ في الخبر فجوات وهنات غير ذلك, فمنها: أنّه لم يكن ليزيد ابنة اسمها فاطمة فمن أين أتى بها ابن عبد ربّه في هذا الخبر، وهو لم يذكر ليزيد عند ذكره أولاده بنتاً؟
ولابن عبد ربّه في كتابه (العقد الفريد) من أعاجيب الأكاذيب ما يضحك منه صبيان الكتاتيب، فمن ذلك ما ذكره في أولاد يزيد، فقال: معاوية وخالد وأبو سفيان، وأُمّهم فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة, وعبد الله وعمر، وأُمّهما أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن عبّاس(؟) وهذا أيضاً من فاضح الكذب إذ لم يكن لابن عبّاس بنت أسمها أُمّ كلثوم، وإنّما له: لبابة، وأسماء، وقد ذكرناهما وأزواجهما وذراريهما. وهذا أيضاً لم يتنبّه له المحقّقون فيصحّحوه, فزهٍ بهكذا محقّقين, ولتعلّق جامعات الكنانة حافر الحمار على أبوابها لئلا تصيبها العين اللوّامة والهامة لدرء الحسد عن أولئك المحقّقين...
وأمّا نقد المؤلّف لأصحاب المنابر، إذ يذكرون زوجة يزيد التي دخلت عليه حاسرة كاشفة، وأنّها هي هند بنت عبد الله بن عامر بن عتبة بن ربيعة بن عبد المطّلب، هي ليست كذلك، بل هي ابنة عبد الله بن عبّاس، لِما تقدّم من أنّه زوّج ابنته من يزيد (؟) وهذا من المؤلّف رحمه الله خلط عجيب غريب!
أوّلاً: إخضاعه الحقائق التاريخية للثقافة المنبرية، وهذا ليس من شأن العالم المحقّق لغلبة الموروث، وفيها من مقتضى الحال، وما ينبغي وما لا ينبغي، ما لا يجوز الاعتماد على تلك الثقافة التي لم تخل من آفة، بل من آفات كثيرة.
ثانياً: لم تكن لابن عبّاس بنت اسمها هند، وقد مرّ ذكر أسماء بناته، وهما: لبابة، وأسماء ليس غيرهما، فكيف يريد المؤلّف ليّ النص من دون حجّة؟!
ثالثاً: ليس النسب الذي ذكره لتلك المرأة التي يذكره قرّاء المنابر، وهي هند زوجة يزيد صحيحاً، فإنّ النسب الذي يذكره أهل المنابر لتلك المرأة قالوا: هي هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وهو الذي كان والياً لعثمان على خراسان وما والاها، وهو الذي كان قد فتحها، راجع (تاريخ الطبري)(1)، و(تاريخ ابن الأثير)(2)، وراجع في التراث الشيعي (موسوعة بحار
الأنوار)(1)، و(نفس المهموم) للقمّي(2)، وغير ذلك، ففي جميعها أنّها هند بنت عامر بن كريز، وهي زوجة يزيد، وهي التي -- كما في (مقتل الخوارزمي)(3)-- لمّا رأت رأس الحسين عليه السلام مصلوباً على باب دارها -- وقيل: إنّها رأت رؤياً في ذلك -- فدهشت ولم تتمالك دون أن دخلت على يزيد مهتوكة الحجاب، وهي تصيح: أرأس ابن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مصلوب على باب داري، فقام إليها يزيد وغطّاها، وقال لها: أعولي وابكي على الحسين فإنّه صريخة بني هاشم، عجّل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله، وهذه هي التي تكنّى بأُمّ كلثوم، وكان يزيد يحبّها كثيراً، ولمّا بلغه ما لقي الناس من جند الصائفة من حمّى وجدري، وأضرّ بهم الجوع والمرص، فقال يزيد:
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم *** بالغذقدونة(4)من حمّى ومن موم
إذا اتكأت على الأنماط في غرف *** بدير مروان عندي أُمّ كلثوم(5)
1) - بحار الأنوار 10/246، ط حجرية.
2) - نفس المهموم: 249.
3) - مقتل الخوارزمي 2/73.
4) - وردت هذه الكلمة في كثير المصادر مغلوطة، والصواب ما أثبتناه نقلاً عن تاريخ اليعقوبي 2/204، ط الغري، ولما كان المراد بها اسم مكان فقد ذكره ابن عبد الحكم في مراصد الإطلاع: 211 في باب الغين والذال المعجمتين، وقال: غذقدونة، بفتح أوّله وسكون ثانيه وقاف مفتوحة وذال معجمة مضمومة، وواو ساكنة، ونون، هو اسم جامع للثغر الذي منه المصيصة وطرسوس وغيرهما، ويقال خدقذونة أيضاً.
5) - ذكر هذين البيتين الطبري وابن الأثير وابن خلدون واليعقوبي في تواريخهم، وتعدى ذكرها مصادر المسلمين إلى مصادر غيرهم، فقد ذكرها ميخائيل شارويم بك في كتابه الكافي 2/89 .
قال اليعقوبي: فبلغ ذلك معاوية، فقال: أقسم بالله لتدخلّن أرض الروم، فليصبنّك ما أصابهم، فأردف به ذلك الجيش فغزا حتّى بلغ القسطنطينية.
ومهما يكن فقد ذكر ابن سعد في (الطبقات)(1)، وقال: أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وهي يومئذ عند يزيد بن معاوية.
وروى الطبري في تاريخه(2)، ومثله ابن الأثير في كامله(3)، وابن عساكر في تاريخ دمشق(4): ... إنّ تلكم هند بنت عامر بن كريز -- وكانت تحت يزيد ابن معاوية -- فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين! أرأس الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، فأعولي عليه وحُدّي على ابن بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله قتله الله.
فتبيّن من جميع تلك المصادر أنّ أُمّ كلثوم هي هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وهي كانت زوجة يزيد، فمن أين أتى مؤلّف (كشف أسرار) أنّها بنت عبد الله بن عبّاس، ولو أنّه عفا الله عنه قرأ ما دار بين يزيد وابن عبّاس من قبل ومن بعد شهادة الحسين عليه السلام من الرسائل المتبادلة، لكان على يقين من خطئه فيما اتّهم به ابن عبّاس.
وأمّا اعتماده على ما جاء في (العقد الفريد)، فقد بيّنت ما فيه من الغلط
الشائن في الحقائق التاريخية بالنسبة إلى ابن عبّاس، بدءاً من ذكره خيانة بيت مال البصرة، وما مهّد لذكرها من خبر عمر، وقد مرّ كلّ ذلك في الجزء الثاني من هذه الحلقة كما أشرت.
وأختم الكلام في المقام بذكر آخر أكذوبة على ابن عبّاس ذكرها ابن عبد ربّه في كتابه الجزء الرابع، بتحقيق أحمد أمين ورفيقيه ط سنة 1363ه- بمصر:
(...هشام بن عروة، قال: قال عبد الله بن عبّاس للجائز به: جنبّني خشبة ابن الزبير، فلم يشعر ليلة حتّى عثر فيها، فقال: ما هذا؟
فقال: خشبة ابن الزبير.
فوقف ودعا له، وقال: لئن علتك رجلاك، لطالما وقفت عليهما في صلاتك، ثمّ قال لأصحابه: أما والله ما عرفته إلاّ صوّاماً قوّاماً، ولكنّني ما زلت أخاف عليه منذ أن رأيته تعجبه بغلات معاوية الشهب.
قال: وكان معاوية قد حجّ ودخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل الأرجوان، فيها الجواري عليهن الجلابيب والمعصفرات، ففتن الناس)(1). اه- .
فهذه الكذبة التي ذكرها ابن عبد ربّه، ومرّت على الأساتذة المحقّقين دون أن يلتفتوا إلى أنّها غير صحيحة بكلّ معنى الكلمة، إذ كان ابن عبّاس
1) - العقد الفريد 4/420.
توفي سنة 68ه- بالطائف، وقتل ابن الزبير وصُلب في أيام عبد الملك بن مروان سنة 73ه- بمكّة، فأين نشر ابن عبّاس وجاء فعثر بخشبة ابن الزبير؟!
قال اليعقوبي في تاريخه: (وصلب بالتنعيم، فأقام ثلاثة، وقيل: سبعة أيام، ثمّ جاءت أُمّه أسماء بنت أبي بكر وهي عجوز عمياء، حتّى وقفت على الحجّاج، فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل بعدُ؟ أما إنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إنّ في بني ثقيف مبيراً وكذّاباً)، فأمّا المبير فأنت، وأمّا الكذّاب فالمختار بن أبي عبيد.
فقال: من هذه؟
قيل: أُمّ ابن الزبير، فأمر به فأنزل)(1).
فأين كان ابن عبّاس حيّاً ليقول: جنبنّي خشبة ابن الزبير؟! إنّها من أكاذيب ابن عبد ربّه الأندلسي، ومن سخرية الأقدار أن يتولّى تحقيق كتابه (العقد الفريد) أساتذة من مصر ذوي شهادات عالية، ولكنّهم في ثقافاتهم أفرغ من فؤاد أُمّ موسى.
1) - تاريخ اليعقوبي 3/14، ط الغري.
لقد كانت واقعة الطفّ الأليمة ذات نتائج محزنة بعظم مآسيها، فأعطت النخبة الباقية من بني هاشم دروساً قاسية: فعلمتهم أن لا ينشطوا في كفاح مسلّح مع حكّام الجور، إذ أخمدت فيهم جذوة النشاط السياسي الفاعل في معارضتهم، كما أورثتهم تلك المأساة درساً لا ينسى، وذلك عدم الثقة بمن يأتيهم فيزعم لهم النصرة، ويطمعهم في نجاح الثورة على الظالمين، فصاروا يظهرون الولاء وهم لهم خادعون، يخادعونهم لبلوغ مآربهم، فيتّخذونهم ذريعة لاستغواء الناس بمتابعتهم ومبايعتهم، فتعود كربلاء ثانية حامية، وتقضي على البقية الباقية من أهل البيت عليه السلام وسائر بني هاشم، لذلك فقد عظمت مصيبة أولئك النخبة المنظورة اجتماعياً، كابن عبّاس، وابن الحنفية، وابن جعفر، وأضرابهم، فهم حين يرون الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام وهو ولي الدم، قد اتّخذ سبيلاً إذ قد تجاوز المحنة بما يصدّ عنه عادية المتكالبين على الحكم، سواء من ابن الزبير وأعوانه، أو يزيد والخالفين من بعده في سلطانه، ففي العلم والدعاء في المحراب ما يغني عن إشهار السيف والحراب، فرأى رجال النخبة في تلك السيرة العطرة نتائج مثمرة، إلاّ أنّهم ليس لديهم ما للإمام عليه السلام من قدسية الإمامة التي خصّه الله بها، فأورثته مناعة عن الوقوع في مطبّات الأهواء، أمّا رجال النخبة فقد
كانوا هم ومع الناس كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه حالَه أيام الحاكمين قبله، وقد ساءت الأحوال، حين كان بنو أُميّة حكّام الشام وما والاها، وابن الزبير في الحرمين والحجاز يدعو الناس إلى مبايعته، والمختار الثقفي في الكوفة يدعو الناس إلى الطلب بثار الحسين عليه السلام، وهذا إيقاع تهفو إليه قلوب الشيعة، وبيد هؤلاء من القوّة والسلطان والمال ما يفتقده بنو هاشم، فهم في حصار اقتصادي منذ منع عنهم الخمس، وإن كان لديهم غنى محبّة في قلوب المؤمنين، لِما لهم من المُثل العليا في الأخلاق والدين، ولكنّ ذلك الرصيد لا يغني وحده، فالناس هم في كلّ زمان ومكان كما وصفهم سيّد الشهداء عليه السلام بقوله: (الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديانون)(1)، لذلك فقد انكمشوا على أنفسهم، وانصرفوا إلى شؤونهم الخاصّة، متجنبّين مضلاّت الفتن، فوقفت سفينتهم على ساحل العلم والعبادة، ولم تجر بهم على اليبس المادي في النضال السياسي، فطمع فيهم من لا يسامتهم في موكب أو منكب، فبنو أُميّة من جانب، وابن الزبير من جانب، والمختار من جانب ثالث، كلّ منهم يريد جرّهم إلى صفّه، فيزيد يدعو محمّد بن الحنفية متودّداً إلى زيارته بالشام، ويكتب إلى ابن عبّاس يتودّده ويشكره على موقفه من رفضه مبايعة ابن الزبير، وابن الزبير يتهدّدهم بالحبس والحرق إن
1) - مقتل الخوارزمي 1/337.
لم يبايعوه، وقد حبس منهم خمسة عشر إنساناً، منهم: ابن الحنفية، وابن عبّاس، كما مرّ حديثهم في الجزء الخامس من الحلقة الأولى، والمختار يكاتبهم ويهدي إليهم ويخادع الناس بهم، فكان أعظم بني هاشم امتحاناً، هما: ابن الحنفية، وابن عبّاس، فهما في تلك المحنة كانا على أصعب موقف، وأشدّ محكّ.
وإلى القارئ ما كان منهما ممّا يحسب لهما لا عليهما:
فقد روى ابن أعثم (ت314ه-)، والخوارزمي الحنفي (ت568ه-) في (مقتل الحسين عليه السلام): أنّ يزيد لعنه الله كتب إلى ابن الحنفية يدعوه للوفادة عليه بالشام، وكان محمّد يومئذ بالمدينة:
أمّا بعد، فإنّي أسأل الله لي ولَك عملاً صالحاً يرضى به عنّا، فإنّي لا أرى اليوم في بني هاشم رجلاً هو أرجح منك فهماً وعلماً، ولا أحضر فهماً وحكماً، ولا أبعد من كلّ سَفه ودنس، وليس مَن يتخلّق بالخير تخلّقاً، ويتبجّل بالفضل تبجّلاً، كمن جبله الله على الخير جبّلاً، وقد عرفنا ذلك منك قديماً وحديثاً، وشاهداً وغائباً، غير أنّي قد أحببت زيارتك والأخذ بالحظّ من رؤيتك ورأيك، فإذا نظرت في كتابي هذا فأقبل إلينا آمناً مطمئناً، أرشد الله أمرك، وغفر لك ذنبك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فلمّا ورد الكتاب على محمّد بن عليّ، أقبل على ابنه جعفر، وعبد الله أبي هاشم، فاستشارهما في ذلك.
فقال له ابنه عبد الله: يا أبت اتّق الله في نفسك، ولا تصر إليه فإنّي
أخاف عليك أن يلحقك بأخيك الحسين ولا يبالي.
فقال محمّد: يا بني! ولكنّي لا أخاف ذلك منه.
فقال له ابنه جعفر: يا أبت! إنّه قد ألطفك في كتابه إليك، ولا أظنّ أنّه كتب إلى أحد من قريش، أرشدك الله أمرك، وغفر لك ذنبك، أرجو أن يكفّ الله شرّه عنك.
فقال محمّد بن عليّ: يا بني! إنّي توكلت على الله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وكفى بالله وكيلا.
-- وهنا اصطدم محمّد بن الحنفية بمحنة الاختبار العسير -- كأسان أحلاهما مُرّ -- فرأى ارتكاب أهون الضررين في الذهاب إلى يزيد الذي تجمعه وإياه المُنافية -- نسبة إلى عبد مناف -- أولى من مبايعة ابن الزبير الذي كان يبغض محمّداً بغضاً لا مزيد عليه، وقد مرّت الإشارة إلى بعض الشواهد عليه.
قال -- الرواة --: ثمّ تجهز محمّد بن عليّ وخرج من المدينة وسار حتّى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلمّا استأذن أذن له، وقرّبه وأدناه، وأجلسه معه على سريره، ثمّ أقبل عليه بوجهه.
فقال: يا أبا القاسم! آجرنا الله وإياك في أبي عبد الله الحسين بن علي، فو الله لئن كان نقصك فقد نقصني، ولئن كان أوجعك فقد أوجعني، ولو كنت أنا المتولّي لحربه لما قتلته، ولدفعت عنه القتل، ولو كان بذهاب ناظري، ولفديته بجميع ما ملكت يدي، وإن كان قد ظلمني، وقطع رحمي،
ونازعني حقّي، ولكن عبيد الله بن زياد لم يعمل برأيي، فعجل عليه القتل فقتله، ولن يستدرك ما فات، وبعد فإنّه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنيّة في حقّنا، ولكن يجب على أخيك رحمه الله، أن لا ينازعنا حقّنا، وما قد خصّنا به دون غيرنا، وعزيز عليَّ ما ناله، والسلام، فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم؟
قال -- الرواة --: فتكلّم محمّد بن عليّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّي قد سمعت كلامك، فوصل الله رحمك، ورحم حسيناً، وبارك له فيما صار إليه من ثواب ربّه، والخلد الدائم الطويل، عند الملك الجليل، وقد علمنا أنّ ما نقصنا فقد نقصك، وما عراك فقد عرانا من فرح وترح، وكذلك الظنّ أنّك لو شهدت ذلك بنفسك، لكنت ترى أجمل الرأي والعمل، ولجانبت أسوأ الرأي والفعل والخطل، والآن فإنّ حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره، فإنّه أخي وشقيقي وابن أبي، وإن زعمت أنّه ظلمك وكان عدواً لك كما تقول.
قال -- الرواة --: فقال له يزيد: إنّك لا تسمع فيه إلاّ خيراً، ولكن هلّم فبايعني، واذكر ما عليك من الدين حتّى أقضيه عنك.
فقال محمّد بن عليّ رضي الله عنه: أما البيعة، فقد بايعتك، وأمّا ما ذكرتَ من أمر الدَين فما عليّ دين والحمد لله، وإنّي من الله تبارك وتعالى بكلّ نعمة سابغة لا أقوم بشكرها.
قال: فالتفت يزيد إلى ابنه خالد، فقال: يا بني! إنّ ابن عمّك هذا بعيد
من اللؤم والدنس والكذب، ولو كان غيره كبعض مَن عرفت لقال عليَّ من الدين كذا وكذا، ليستغنم أخذ أموالنا.
قال -- الرواة --: ثمّ أقبل عليه يزيد، فقال: بايعني يا أبا القاسم.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين!
فقال: إنّي قد أمرت لك بثلثمائة ألف درهم، فابعث مَن يقبضها، وإذا أردت الانصراف عنّا، أوصلناك إن شاء الله تعالى.
قال -- الرواة --: فقال له محمّد بن عليّ(رحمه الله): أيّها الأمير! لا حاجة لي في هذا المال، ولا له جئت.
فقال يزيد: فلا عليك أن تقبضه وتفرّقه فيمن أحببت من أهل بيتك.
قال: فإنّي قد قبلته.
قال -- الرواة --: فأنزله يزيد في بعض منازله، وكان محمّد بن عليّ يدخل إليه صباحاً ومساءاً، وإذا وفد المدينة قد أقبلوا على يزيد... فأجازهم... فلمّا أرادوا الانصراف إلى المدينة أقبل محمّد بن عليّ رضي الله عنه حتّى دخل على يزيد، فاستأذنه في الانصراف معهم إلى المدينة، فأذن له في ذلك، ووصله بمائتي ألف درهم أُخرى، وأعطاه عروضاً بمائتي ألف درهم.
وقال: يا أبا القاسم! إنّي لا أعلم على وجه الأرض في مثل اليوم رجلاً هو أعلم منك بالحلال والحرام، وقد كنت أحببت أن لا تفارقني، وأن تعظني وتأمرني بما فيه حظّي ورشدي، فوالله لا أحبّ أن تنصرف عنّي، وأنت ذامّ لشيء من أخلاقي.
قال -- الرواة --: فقال له محمّد بن عليّ: أمّا ما كان منك إلى الحسين فذاك شيء لا تستدرك، وأمّا الآن فإنّي ما رأيت منك منذ قدمت عليك إلاّ خيراً، ولو رأيت منك خصلة أكرهها لَما وسعني السكوت دون ما أنهاك عنها، وأخبرك بحقّ الله فيها، للذي أخذ الله تبارك وتعالى على العلماء في علمهم أن يبيّنوه للناس ولا يكتمونه، ولست مؤديّاً عنك إلى من ورائي من الناس إلاّ خيراً، غير أنّي أنهاك عن شرب هذا المسكر، فإنّه رجس من عمل الشيطان، وليس مَن ولي أمور الأُمّة ودُعي له بالخلافة على رؤوس الأشهاد على المنبر كغيره من الناس، فاتّق الله في نفسك، وتدارك ما فات من أمرك، والسلام.
قال -- الرواة --: فسرّ يزيد بما سمع من محمّد سروراً شديداً.
ثمّ قال: إنّي قابل منك ما أمرتني به، وإنّي أحبّ أن تكاتبني في كلّ حاجة تعرض لك من صلة أو تعاهد لا تقصرن في ذلك.
فقال محمّد: افعل ذلك إن شاء الله، ولا أكون إلاّ عند ما تحبّ، ثمّ ودّعه ورجع إلى المدينة، ففّرق ذلك المال كلّه في أهل بيته وسائر بني هاشم وقريش، وما من سائر النساء والرجال والذرية والموالي إلاّ صار إليه شيء من ذلك المال، ثمّ خرج محمّد من المدينة إلى مكّة، فأقام بها مجاوراً لا يعرف شيئاً غير الصوم والصلاة.
ولقد روى ابن عساكر عن عليّ بن الحسين، قال: (كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يهدّده ويتوعّده ويحلف له ليحمل إليه مائة ألف في البرّ، ومائة ألف في البحر، أو يؤدّي إليه الجزية، فسقط في يده، فكتب
إلى الحجّاج أن اكتب إلى ابن الحنفية فتهدّده وتوعّده، ثمّ أعلمني ما يردّ عليك، ثمّ كتب الحجّاج إلى ابن الحنفية بكتاب شديد يهدّده ويتوعّده فيه بالقتل، فكتب إليه ابن الحنفية:
(إنّ لله تعالى ثلثمائة وستّين لحظة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر الله إليَّ نظرة يمنعني بها منك)، فبعث الحجّاج بكتابه إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى ملك الروم بنسخته.
فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك، ولا أنت كتبت به، ما خرج إلاّ من بيت نبوّة)(1).
وروى ابن أبي شيبة، عن محمّد بن الحنفية، قال: (اتّقوا هذا الفتن، فإنّها لا يستشرف لها أحد إلاّ استبقته، ألا أنّ هؤلاء القوم لهم أجل ومدّة، لو اجتمع من في الأرض أن يزيلوا ملكهم لم يقدروا على ذلك، حتّى يكون الله هو الذي يأذن فيه، أتستطيعون أن تزيلوا هذه الجبال؟)(2).
ومع هذا الاعتزال والتوقّي من شرور المتسلّطين، فلم يسلم في مكّة من شرّ ابن الزبير الذي صبّ جام غضبه وحقده على بني هاشم عامّة، وعلى ابن الحنفية وابن عبّاس خاصّة، وقد مرّ ذكر جانب من هذا في الجزء الخامس من الحلقة الأولى(3)فراجع!
والذي ينبغي التذكير به في المقام: موقف ابن عبّاس في تلك الفترة المظلمة بمضلاّت الفتن، حيث امتنع من مبايعة ابن الزبير، فكتب إليه يزيد يتودّده ويشكره على موقفه المنابذ لابن الزبير:
(أمّا بعد، أنّه بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ليدخلك في طاعته، فتكون على الباطل ظهيراً، وفي المأثم شريكاً، فامتنعت عليه، وانقبضت لِما عرّفك الله في نفسك من حقّنا أهل البيت، فجزاك الله أفضل ما جزى الواصلين عن أرحامهم، الموفين بعهودهم، ومهما أنس من الأشياء، فلن أنس برّك وصِلتك وحسن جائزتك التي أنت أهلها، في الطاعة والشرف والقرابة لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فانظر من قَبِلك من قومك ومن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممّن يسحره ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله، فخذّلهم عنه، فإنّهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للملحد والخارق المارق، والسلام).
فكتب إليه ابن عبّاس إليه:
(أمّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزبير إيّاي للذي دعاني إليه، وأنّي امتنعت عليه معرفة لحقّك، فإن يكن ذلك كذلك، فلست برّك أرجو بذلك، ولكنّ الله بما أنوي به عليم.
وكتبت إليّ أن أحثّ الناس عليك، وأجذبهم عن ابن الزبير، فلا ولا سروراً ولا حبوراً، بفيك الكَثكث(1)، ولك الأثلب(2)، إنّك العازب إن منتّك
نفسك، وإنّك لأنت المفقور المثبور.
وكتبت إليَّ بتعجيل برّي وصلتي، فاحبس أيّها الإنسان عنّي برّك وصلتك، فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي، ولعمري ما تعطينا ممّا في يدك إلاّ القليل، وتحبس منه الطويل العريض، لا أباً لك.
أتراني أنسى قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب مصابيح الدجى، ونجوم الأعلام، وغادرتهم خيولك بأمرك، فأصبحوا مصرّعين في صعيد واحد، مزّملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفيهم الرياح وتغزوهم الذئاب، وتنتابهم عوج الضباع، حتّى أتاح الله لهم قوماً لم يشركوا في دمائهم، فكفنّوهم وأجنّوهم.
وبهم والله وبي منّ الله عليك، فجلست في مجلسك الذي أنت فيه.
ومهما أنس من الأشياء فلست أنسى تسليطك الدعيّ ابن الدعيّ، الذي كان للعاهرة الفاجرة، البعيد رحماً، اللئيم أباً وأمّا، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه له العار، والمأثم والذلّة، والخزي في الدنيا والآخرة، لأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)(1)، وإنّ أباك يزعم أنّ الولد لغير الفراش، ولا يضير العاهر، ويلحق به ولده، كما يلحق ولدُ البغي الرشيد، ولقد أمات أبوك السُنّة جهلاً، وأحيى الأحداث المضلّة عمداً.
ومهما أنس من الأشياء، فلست أنسى تسييرك حسيناً من حرم رسول
1) - راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 10/490 -- 491 تجد أكثر من ثلاثين مصدراً لهذا الحديث الشريف بما فيهن كتب الصحاح والمسانيد والسنن.
الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى حرم الله، وتسييرك إليه الرجال، وإدساسك إليهم إن هو نذر بكم فعاجلوه، فما زلت بذلك وكذلك، حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة، تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد، عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته، ثمّ كتبت إلى ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال، والأسنّة والسيوف، ثمّ كتبت إليه بمعاجلته وترك مطاولته، حتّى قتلته ومَن معه من فتيان بني عبد المطّلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
نحن أولئك، لا كآبائك الأجلاف الجفاة أكباد الحمير.
ولقد علمت أنّه كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزّه بها حديثاً، لو ثوى بالحرمين مقاماً، واستحلّ بهما قتالاً، ولكنّه كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وحرمة البيت الحرام، فطلب الموادعة، وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلّة أنصاره، واستئصال أهل بيته، كأنّكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل.
وكيف تحدوني على ودّك وتطلب نصرتي! وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثاري، فإن يشأ الله لا يطلّ لديك دمي، ولا تسبقني بثاري، وإن تسبقنا به، قبلنا ما قُتلت النبيّون وآل النبيّين، فطُلّت دمائهم في الدنيا وكان الموعد الله وكفى بالله للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين منتقماً.
والعجب كلّ العجب! وما عشتَ يريك الدهر العجب، حملك بنات
عبد المطّلب، وحملك أبناءهم أغيلمة صغاراً إليك بالشام، تري الناس أنّك قد قهرتنا، وأنّك تذلّنا، وبهم والله وبي منّ الله عليك وعلى أبيك وأُمّك من السباء.
وأيم الله، إنّك لتصبح وتمسي آمناً لجراح يدي، وليعظمنّ جرحك بلساني وبناني، ونقضي وإبرامي، فلا يستعزّنك(1)الجَذَل، فلن يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ قليلاً، حتّى يأخذك الله أخذاً أليماً، ويخرجك من الدنيا آثماً مذموماً، فعش لا أباً لك ما شئت، فقد أرداك عن الله ما اقترفت). اه- .
فلمّا قرأ يزيد هذا الكتاب، قال: (لقد كان ابن عبّاس مضبّاً(2)على الشرّ)، وغضب غضباً شديداً، وهمّ بقتل ابن عبّاس، ولكنّ الله شغله بأمر ابن الزبير، ثمّ أخذه أخذ عزيز مقتدر، فمات سكراناً بحوّارين من نواحي حمص.
وإنّ هذه الرسالة من ابن عبّاس في بلاغتها وقوّة حجّتها، كأنّها مستقاة من نهج ابن عمّه أمير المؤمنين عليه السلام، وهي أصدق وثيقة تاريخية تدين يزيد بجرائمه، وتدمغ الذين برّؤوه من جريمة قتل الحسين عليه السلام وأدانوا بها ابن زياد، كما أنّها آخر ما عرف عن ابن عبّاس رضي الله عنه من موقف سياسي مع يزيد لعنه الله.
راجع بشأنها توثيقاً وتصديقاً الجزء الخامس من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة من صفحة (260) إلى صفحة (266).
وبهذا اختم المبحث الأوّل في بحث تشيّع ابن عبّاس وذويه بين السلب والإيجاب، ولقد تبيّن بوضوح أنّهم من أعاظم بني هاشم، وأنّهم من الشيعة الذين يرون أنّ الإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام وإن تغلّب على الحكم غيره، وكانوا له تبعاً في متابعته ومبايعته، كما قرأنا أنهم من بعده شايعوا الإمام الحسن عليه السلام، وبعد المهادنة مع معاوية لعنه الله بدت بوادر الانفصام التي عمل هو على زراعتها وتنميتها بدسائسه، فنجح في تشويه سمعة البعض منهم بضعف الأخلاق أو حبّ المال، كعبيد الله بن عبّاس حين ازدلف إليه وترك جنده في أيام الحسن عليه السلام، وكابن جعفر الذي استزلّه حتّى سمّى بعض بنيه باسم معاوية -- وسمّى هذا ابنه بيزيد -- وما أن هلك وقام ابنه يزيد لا بارك الله في يزيد، ولعنه لعن عاد وثمود ويزيد، فقد ارتكب جريمته النكراء، والتي لم يكن لها شبه في تاريخ الإنسانية جمعاء، وأعلن بكفرته الصلعاء، ولمّا أحسّ المسلمون منه الكفر فأظهروا النقمة عليه وظاهروه العدواة والبغضاء، صار يتبرّأ من قتل الحسين عليه السلام، ويقول: عجّل عليه ابن زياد، ودعا محمّد بن الحنفية لزيارته بالشام، فاستجاب مكرهاً لا بطل، وحصل له ما حصل، ممّا مرّ ذكره، ولم يبق من زعماء الهاشميين ممّن لم تزعزعه العواصف ومكذوب العواطف، سوى ابن عبّاس الذي كان شوكة في عيون الحاقدين من خالفين ومستخلفين، حصارم ومتزببّين، فحاول يزيد
مخادعته فباء بالفشل، واكتشف في رسالته مخادعاً كناطح الجبل، إذ جاء الجواب كما مرّ، وفيه من التهديد والوعيد والتنديد ما أغضب يزيد، فقال: (لقد كان ابن عبّاس مضبّاً على الشر)، وهمّ بقتله لولا دفع الله عنه بما كان من أمر يزيد مع ابن الزبير، إلى أن هلك إلى جهنم وبئس المصير.
لقد ابتلي تاريخ المسلمين بشريحة من الأخباريين، الذين يلملمون الروايات من هنا وهناك، من دون تمحيص سند أو متن، وأضفوا على جوامعهم الأخبارية، أسماءً رنّانة، على أنّ بعضهم لم يخل من علامة استفهام في انتمائه السياسي أو المذهبي، فصارت كتبهم سبباً في إشاعة الفوضى في المعلومات التاريخية، وكم وُجد بينها من أخبار كاذبة ومن المعلوم إنّها -- تلك الأخبار -- في سرعة انتشارها كنار الهشيم في يوم ريح عاصف، لا تبقي ولا تذر في تحطيم كيان نُخب الرجال، وهذا ما مُني به تاريخ ابن عبّاس، وقد قرأنا فيما مرّ من أجزاء هذه الموسوعة شواهد على هذا.
وكم قد رأيت في كتب التراث تفاوت نقل، أو تزيّد نصّ، وكلّما امتدّ الزمان، واشتدّ الطعان واللعان بين أصحاب الفرق والمذاهب، تزداد الصورة تعتيماً، والرواية تضخيماً، وصار التعديل والتجريح في مهبّ الريح في الميدان الفسيح، وفيه يضيع الصحيح من الموروث، لطنطة العناوين، وبريق أسماء المؤلّفين.
وإلى القارئ نماذج استهدفت ابن عبّاس، فأنزلته إلى الحضيض جراء تلك الأخبار الذامّة له:
الأوّل:
فقد روى المجلسي رحمه الله في كتابه (بحار الأنوار)، فقال: (أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية الخبر التالي: إنّ عليّاً عليه السلام دعا على ولد العبّاس بالشتات، فلم يروا بني أُمّ أبعد قبوراً منهم، فعبد الله بالمشرق، ومعبد بالمغرب، وقثم بمنفعة الرواح، وثمامة بالأرجوان، ومتمم بالخازر، وفي ذلك يقول كثيّر:
دعا دعوة رَبّه مخلصاً *** فيالك من قسم ما أبرّا
دعا بالنوى فتناءت بهم *** معارفة الدار براً وبحرا
فمن مشرق ظلّ ثاوٍ به *** ومن مغرب منهمُ ما أضرا)(1)
أقول: وهذا الخبر قد رواه من قبل ابن شهر آشوب في كتابه (مناقب آل أبي طالب) في فصل إجابة دعواته، فقال: (أبو هاشم عبد الله بن محمّد ابن الحنفية: إنّ عليّاً عليه السلام دعا على ولد العبّاس بالشتات...)(2).
ويبدو أن المجلسي رحمه الله نقل الخبر منه، وإن لم يذكر مصدره في النسخ المطبوعة التي رأيتها، ومهما يكن فإنّ الرواية مرسلة لا يعتدّ بها، كما قال هذا السيّد الأُستاذ رحمه الله في ترجمة قثم بن العبّاس من كتابه (معجم رجال الحديث) نقلاً عن (مناقب ابن شهر آشوب).
وأيضاً ممّا يوهّنها، نسبة الشعر لكثيّر -- وهو كثيّر عزة المعروف -- ولم يوجد هذا في شيء من مصادر شعره، سواء ما طبع منه باسم الديوان، أو بنحو دراسات خاصّة به، ولا في دواوين الشعر العربي، أو كتب الأدب، أو التراجم، أو التاريخ، وليتني عرفت من أين نقل (ابن شهر آشوب) هذا الخبر مع جهالة السند بينه وبين أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية؟!
مضافاً إلى جهالة حال أبي هاشم الذي هو من أئمّة الكيسانية، ومنه انتقلت الدعوة إلى بني العبّاس بوصية منه إلى محمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس، وقد مات عنده بالحميمة.
ثمّ إنّ في الخبر وقع تصحيف في اسم تمّام فورد اسمه ثمامة، وليس في ولد العبّاس من اسمه ثمامة ولا متمّم أيضاً؛ إلى غير هذا من جهالة الأماكن..
فالخبر ساقط بالمرّة؛ ولا ينقضي العجب من الشيخ ابن شهر آشوب رحمه الله الذي رواه من دون تعقيب عليه! وأعجب منه الشيخ المجلسي رحمه الله الذي رواه وكثيراً مثله عمّن هبّ ودبّ، من دون تعقيب وتثريب! وهذا ما أضعف الثقة ببعض مرويّات الكتابين(1)
ويبقى قول القائل صحيحاً: (كلّ كتاب يؤخذ منه ويترك إلاّ كتاب الله تعالى)، كما صحّ قول من قال: (كلّ إنسان يؤخذ من قوله ويردّ إلاّ قول المعصوم، إذا صحّت النسبة إليه)، وعلى هذا تبقى الأقوال وأصحابها على المحكّ، وقد يتوهّم صاحب الكتاب صحّة القول فيذكره مطمئناً، ثمّ ينكشف له أو لغيره من بعده عدم ذلك، فلا ننخدع بعناوين الذوات وما لها من المصنّفات، وما أكثر الشواهد على هذا في كتب التراث عندنا وعند غيرنا، فالأخذ منها بتحفّظ أنجى وأسلم.
.1) - نحو ما رواه ابن شهر آشوب في المناقب 3/192 في فصل تواريخ الإمام الحسن عليه السلام وأحواله، نقلاً عن أبي طالب المكّي [هو محمّد بن علي بن عطية العجمي ثمّ المكّي الواعظ صاحب قوت القلوب في معاملة المحبوب في التصوّف، حكي أنّه كان يستعمل الرياضة كثيراً، قدم بغداد فوعظ الناس فخلط في كلامه فتركوه وهجروه، وامتنع عن الكلام بعد ذلك، وحفظ عليه من خلطه قوله -- والعياذ بالله -- ليس على المخلوقين أضرّ من الخالق، راجع كتاب (الكنى والألقاب) للشيخ عبّاس القمّي]، أنّه عليه السلام تزوّج مائتين وخمسين امرأة، وقيل ثلثمائة، وكان علي يضجر من ذلك فكان يقول في خطبته: إنّ الحسن مطلاق فلا تزوّجوه (؟؟؟)، وروى ابن شهر آشوب أيضاً: عن أبي عبد الله المحدّث في رامش افزاي أنّ هذه النساء كلّهن خرجن خلف جنازته حافيات (؟؟؟) [لقد ذكر المؤلّف هذا الشيخ منتجب الدين في كتابه في الرجال كما نقل عنه سيّدنا الأُستاذ في معجم رجال الحديث، وأنّه مصنف رامش افزاي آل محمّد في عشر مجلدات، ثمّ قال: شاهدته وقرأت بعضها عليه (ج17/18 برقم 10633 معجم رجال الحديث (؟) ولي تحفّظ على أقوال منتجب الدين رحمه الله ، وقد مرّ ذكر إغراقه في المدح والثناء على زعيم وقته الذي أهدى إليه كتابه في الرجال، متأثراً بثقافة العصر المغولي الذي عاش فيه]، وهذا ممّا يضحك الثكلى لغرابته ووضوح كذبه، وقد تعرّض لبيان سخف هذا القول من كتب في الحسن عليه السلام من الأعلام، وفي نظري أنّ ما ذكره الدكتور زكي مبارك المصري في كتابه المدائح النبوية ص57 -- 59 وأنّها -- كثرة الأزواج -- دسيسة أمويّة بلباقة سياسية نجحت في تشويه سمعة الحسن من الوجهة السياسية، وهذا هو الصحيح.
الثاني:
روى الكشي في رجاله: (عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن سنان، عن موسى بن بكر الواسطي، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (اللّهمّ العن ابني فلان، واعم
أبصارهما كما عميت قلوبهما الأجلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما))(1).
لقد مرّ ذكر هذا الخبر في ترجمة عبيد الله في المبحث الأوّل؛ وما في هذا الخبر سنداً ودلالة من مناقشة؛ فراجع!
الثالث:
روى الكشي في رجاله: (عن جعفر بن معروف، قال: حدّثنا يعقوب ابن يزيد الأنباري، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إنّ فلاناً -- يعني عبد الله بن العبّاس -- يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت، وفيم نزلت.
قال: فسله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(2)؟ وفيم نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ(3)وفيم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(4)؟
فأتاه الرجل، وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله، ولكن
سله: ما العرش؟ ومتى خلق؟ وكيف هو؟
فانصرف الرجل إلى أبي، فقال له ما قال.
فقال: وهل أجابك في الآيات؟
قال: لا.
قال: ولكنّي أجيبك فيها بنور وعلم غير المدّعي والمنتحل: أمّا الأوّليان فنزلتا في أبيه، وأمّا الأخيرة فنزلت في أبي وفينا، وذكر الرباط الذي أمرنا به بعد وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ومن نسله المرابَط... لقد طمع الخائن في غير مطمع، أما إنّ في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم، سيخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمّد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون لما يرون، حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين)(1).
ورواه الكشي في صفحة (55)، فقال: (حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدّثنا الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمّد بن زياد، قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين عليه السلام...)(2)، وذكر نحوه.
وهذا الخبر لا يصحّ سنداً، لجهالة جعفر بن معروف في السند الأوّل،
وجهالة أحمد بن محمّد بن زياد في السند الثاني، وقد مرّت الإشارة فيما تقدّم إلى هذا في بعض أجزاء الموسوعة.
والآن إلى بسط الكلام حول هذا الحديث، فأقول:
إنّ الحديث الواحد إذا ورد منطوقه بعدّة صور بينها تفاوت مغيّراً للمفهوم، يكون ذلك مبعثاً على الريبة في صحّة بعض صوره، وهذا ما كان فعلاً في خبر الكشي المبحوث عنه، فقد رُوي بصور بينها اختلاف في النص الذي يُشين ابن عبّاس.
وإلى القارئ عرض ما وقفت عليه من بقية صور الخبر المذكور في الكشي:
ولتكن رواية الكشي(1)هي الأُولى من الصور.
الصورة الثانية: رواها علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي رحمه الله في التفسير المنسوب إليه، فقال: (حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل إلى أبي عليّ بن الحسين عليه السلام، فقال: إنّ ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أيّ يوم نزلت، وفيمن نزلت.
فقال أبي عليه السلام: سله في من نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(2)، وفيمن نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ
أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ(1)، وفيمن نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(2)؟ فأتاه الرجل فسأله.
فقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله عن العرش مّم خُلق؟ ومتى خُلق؟ وكم هو؟ وكيف هو؟
فانصرف الرجل إلى أبي عليه السلام.
فقال أبي: وهل أجابك بالآيات؟
قال: لا.
قال أبي: لكن أجيبك فيها بعلم ونور غير المدّعي ولا المنتحل: أمّا قوله: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً، ففيه نزلت وفي أبيه، وأمّا قوله: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ، ففي أبيه نزلت، وأمّا قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ، ففي أبيه نزلت وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به، وسيكون ذلك، من نسلنا المرابطة، ومن نسله المرابطة.
وأمّا ما سأل عنه -- إلى آخر ما مرّ --
إلى أن قال: وليس وراء هذا مقال، لقد طمع الحائر في غير مطمع، أما
إنّ في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنّم...)(1). وهذه الصورة رواها البحراني في تفسير البرهان(2)والعياشي في تفسيره(3).
الصورة الثالثة: رواها السيّد هاشم البحراني رحمه الله في (تفسيره البرهان)، فقال: (عن المفيد، قال: أخبرنا علي بن أحمد، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليه السلام: إنّ ابن عبّاس بعث إليه مَن يسأل عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ؟ فغضب عليّ بن الحسين عليه السلام، ثمّ قال للسائل: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به، ثمّ قال: نزلت في أبي وفينا ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعدُ، وسيكون ذلك ذرّية من نسلنا المرابط.
ثمّ قال: أما إنّ في صلبه -- يعني ابن عبّاس -- وديعة ذرئت لنار جهنّم، سيخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً، ستصبغ الأرض بدماء فراخ من فراخ آل محمّد عليهم السلام، تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك وترابط الذين آمنوا، ويصبرون ويصابرون، حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين)(4). وهذه الصورة رواها المفيد في (الاختصاص).
الصورة الرابعة: رواها أيضاً السيّد هاشم البحراني رحمه الله في (تفسيره البرهان) بعد الصورة المتقدّمة، فقال: (عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام في هذه الآية -- الآية المذكورة في الصورة المتقدّمة --
قال: نزلت فينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعدُ، وسيكون ذلك في نسلنا المرابط، ومن نسل ابن نائل المرابَط)(1). وهذه الصورة رواها العياشي في تفسيره(2).
والمراد بابن نائل: العبّاس، فإنّ أُمّه نثيلة كانت أمة لأُمّ الزبير، وأبي طالب، وعبد الله، فأخذها عبد المطّلب فأولدها العبّاس في قصّة لا تخلو من نسج خيال لإيقاع النكال ببني العبّاس.
الصورة الخامسة: رواها السيّد هاشم البحراني في (تفسيره البرهان)، فقال: (عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبيه، في قوله تعالى: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ، قال: نزلت في العبّاس)(3). وهذه في (تفسير العياشي)(4)، و(تفسير الصافي)(5).
الصورة السادسة: (عن علي بن إبراهيم، بإسناده عن أبي الطفيل، عن
عليّ بن الحسين: أنّها نزلت وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي في العبّاس)(1).
الصورة السابعة: رواها السيّد هاشم البحراني في (تفسيره البرهان)، فقال: (علي بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي...)(2)، ثمّ ساق الخبر المتقدّم في الصورة الثانية بحذافيره. وهذا ما رواه الفيض الكاشاني في (تفسيره الصافي)(3).
وهناك مصادر متأخّرة ذكرت الخبر نقلاً عن (تفسير علي بن إبراهيم)، و(تفسير العياشي)، و(اختصاص) المفيد، ك-(البحار، وكشكول البحراني)، فلا حاجة للتطويل بذكر ما فيها.
وحسبنا الإشارة في المقام إلى الاختلاف فيما مرّ، ففيه كفاية لمن استهدى إلى ما في خبر الكشي من نزول الآيتين الأولى والثانية نزلتا في أبيه، والثالثة في أبي وفينا، كما في الصورة الأولى.
بينما ورد في (تفسير علي بن إبراهيم) نزول الآية الأولى فيه وفي أبيه، والثانية في أبيه، والثالثة في أبيه وفينا، كما في الصورة الثانية.
وفي هذه الصورة برواية العياشي، فالأوّليان نزلتا في أبيه، والثالثة في أبيه وفينا.
وفي هذه الصورة نفسها برواية البحراني في (البرهان)(4)، فالآية الأولى
ففيه وفي أبيه، والثانية في أبيه، والثالثة ففي ابنه نزلت وفينا.
إلى غير هذا من تفاوت، فيحتمل أن يكون من النسّاخ، كما يحتمل وقوعه من الرواة، ومع غض النظر عن هذا الجانب، هل لنا غض النظر عمّن رواه أبو الطفيل، فتارة روى الخبر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، وأُخرى عن الإمام السجاد عليه السلام! مع أنّ الواقعة -- على تقدير صحّتها -- واحدة ولم تتعدّد، راجع الصورتين الخامسة والسادسة.
مضافاً إلى هذا عدم دلالة نظم الآيات في السياق على ذلك.
الرابع : حديث الجرادة
الرابع:
روى الكشي في رجاله: (عن محمّد بن مسعود، قال: حدّثني جعفر بن أحمد بن أيوب، قال: حدّثني حمدان بن سليمان أبو الخير، قال: حدّثني أبو محمّد عبد الله بن محمّد اليماني، قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الكوفي، عن أبيه الحسين عن طاووس، قال: كنّا على مائدة ابن عبّاس، ومحمّد بن الحنفية حاضر، فوقعت جرادة فأخذها محمّد، ثمّ قال: هل تعرفون ما هذه النقط السود في جناحها؟
قالوا: الله أعلم.
فقال: أخبرني أبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام: أنّه كان مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: هل تعرف يا عليّ هذه النقط السود في جناح هذه الجرادة؟
قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: مكتوب في جناحها: (أنا الله ربّ العالمين، خلقت الجراد جنداً
من جندي، أصيب به من أشاء من عبادي).
فقال ابن عبّاس: فما بال هؤلاء القوم يفتخرون علينا، يقولون: أنّهم أعلم منّا.
فقال محمّد: ما ولدهم إلاّ من ولدني.
قال: فسمع ذلك الحسن بن عليّ عليه السلام، فبعث إليهما وهما بالمسجد الحرام، فقال لهما: أما أنّه قد بلغني ما قلتما إذ وجدتما جرادة، فأمّا أنت يا بن عبّاس ففيمن نزلت هذه الآية: لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(1)، في أبي أو في أبيك؟ وتلا عليه آيات من كتاب الله كثيراً.
ثمّ قال: أما والله، لولا ما نعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو، وستعلمه ثمّ إنّك بقولك هذا مستنقص في بدنك، ويكون الجرموز من ولدك، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامّة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه)(2).
وفي هذا الخبر فجوات تجعل علامات الاستفهام تلتهمه وتلفظه! بدءاً من أبي محمّد عبد الله بن محمّد اليماني المجهول، على أنّه من الرواة في (كامل الزيارات)، و(الروضة)، و(التهذيب)، و(الكافي)(3).
ومروراً بالحسين بن أبي الخطّاب المجهول حاله، وانتهاءً بطاووس الذي هو كسابقه وإن لم تجهل معرفته فهو طاووس بن كيسان اليماني،
ولعله لهذا قال السيّد الأُستاذ قدس سره : الرواية ضعيفة بعدة من رواتها(1).
ويبدو لي أنّ الخبر كما رواه الكشي هو من الموضوعات العراقية على ابن عبّاس، بدلالة ما مرّت الإشارة إليه فيما قاله أهل العراق عن طاووس، عن ابن عبّاس في مسألة التعصيب(2)، فجاء السائل وسأل ابن عبّاس عن صحّته، فنفاه وأنكر أن يكون قد قاله هو أو رواه عنه طاووس.
وخبر الكشي هو مروي عن عراقي هو الحسين بن أبي الخطّاب الكوفي، عن طاووس، وهو الراوي عن ابن عبّاس.
ومهما كان حال طاووس، فقد قال أبو جعفر النحّاس في (الناسخ والمنسوخ): (وطاووس وإن كان رجلاً صالحاً، فعنده عن ابن عبّاس مناكير يخالف عليها ولا يقبلها أهل العلم)(3).
أقول: ولا يبعد أن يكون خبر الكشي من تلك المناكير، فإنّ حديث الجرادة غيره وليس فيه ما يشين ابن عبّاس.
وقد روى هذا الخبر عكرمة مولى ابن عبّاس، كما رواه الختلي(4)في
1) - معجم رجال الحديث 11/193.
2) - راجع ج8/367 -- 368 من الموسوعة في عنوان (ابن عبّاس فقيها).
3) - الناسخ والمنسوخ: 69.
4) - هو إسحاق بن إبراهيم بن حنين أبو القاسم الختلي المتوفى سنة 283ه-، وهذا رواه البيهقي في شعب الإيمان 7/233 برقم 10131، ط دار الكتب العلمية بإسناده عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ، قال: كنّا على مائدة أنا وأخي محمّد بن الحنفية وبني عمّي عبد الله بن العبّاس وقثم والفضل على مائدة نأكل، فوقعت جرادة على المائدة، فأخذها عبد الله بن عبّاس، فقال للحسين: يا سيدي تعلم ما مكتوب على جناح الجرادة؟ قال: سألت أبي أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي سألت جدّك رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، فقال لي: على جناح الجرادة مكتوب: إنّي أنّا الله لا إله أنا ربّ الجرادة ورازقها إذا شئت بعثتها رزقاً لقوم، وإن شئت على قوم بلاء، قال فقام عبد الله بن عبّاس فضمّ الحسين بن عليّ إليه، ثمّ قال: واحدة من مكنون العلم، قال الشيخ رحمه الله -- البيهقي -- هذه زيادة ألحقت بالأصل في شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة حين وصلت الجراد نيسابور.
كتاب (الديباج) قال -- الختلي -- : (وكتبت أيضاً من كتاب إبراهيم بن سعيد، قال: حدّثني شيخ من أهل دمشق رأيته بها وكان ثقة في سنة تسعين ومائة يكنى أبا العبّاس، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبان عن عكرمة مولى ابن عبّاس: قال: كنت أنا وعطاء بن أبي رباح وطاووس على مائدة ابن عبّاس، فوقعت جرادة على المائدة.
فقال محمّد بن عليّ بن أبي طالب: أخبرني أبي عليّ بن أبي طالب أنّ هذه النقط السود في جناح الجرادة كتاب بالسريانية (إنّي أنا الله، إله العالمين، قاصم الجبارين، خلقت الجراد وجعلته جنداً من جنودي، أهلك به من أشاء من عبادي))(1).
ولم تقتصر رواية الخبر على عكرمة وطاووس، فإنّ مقسم مولى ابن عبّاس أيضاً رواه، وليس فيه ما يشين ابن عبّاس، كما في رواية البرقي.
رواه البرقي في كتاب (المحاسن) في كتاب المآكل في باب الجرادة بسنده: (عن محمّد بن سهل بن اليسع والنوفلي، عن عيسى بن عبد الله
1) - الديباج: 47 -- 48 برقم 76 بتحقيق إبراهيم صالح دار البشائر، ط الأولى سنة 1994.
الهاشمي، عن عمر بن علي، عن أبي الحسن الأوّل، عن أبيه، عن جدّه، عن محمّد بن عليّ بن الحنفية، قال: كنت أنا وعبد الله بن العبّاس بالطائف نأكل، إذ جاءت جرادة فوقعت على المائدة، فأخذها عبد الله بن العبّاس، ثمّ قال: يا محمّد! ما سمعت والدك يحدّث في هذا الكتاب الذي على جناح الجرادة؟
فقلت: قال عليه السلام: إنّ عليه مكتوباً: (إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، خلقت الجراد جنداً من جندي، وأسلطه على من شئت من خلقي))(1).
وفي (المحاسن)(2)أيضاً، ونقلاً عنه في (البحار)، قال: (عنه، عن محمّد بن علي، عن أحمد بن عمر بن مسلم، عن الحسن بن إسماعيل الميثمي، عن يحيى بن ميمون البصري، عن رجل، عن مقسم مولى ابن عبّاس، قال: لما سيّر ابن الزبير عبد الله بن العبّاس إلى الطائف زاره محمّد ابن علي بن الحنفية، قال: فبينا هو ذات يوم عنده، إذ جيء بالخوان للغداء، فجاءت جرادة ضخمة حتّى تقع على المائدة، فسمع ابن عبّاس صوت وقعها، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمع؟
قالوا: جرادة سقطت على المائدة.
قال: فمن تناولها؟
قالوا: مقسم.
قال: يا مقسم! انشر جناحها فانظر ماذا ترى تحتها؟
قال: أرى نقطاً سوداء.
فقال: صدقت.
قال: فضرب بيده على فخذ محمّد بن عليّ -- وكان إلى جنبه -- فقال: هل عندكم في هذا شيء؟
فقال: حدّثني أبي عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: أنّه ليس من جرادة إلاّ وتحت جناحها مكتوب بالسريانية: (إنّي أنا الله ربّ العالمين، قاصم الجبابرة، خلقت الجراد وجعلته جنداً من جنودي أهلك به من شئت من خلقي).
قال: فتبسم ابن عبّاس، ثمّ قال: يا بن عمّ! هذا والله من مكنون علمنا، فاحتفظ به)(1). فأين هذا ممّا رواه الكشي؟!
ويبدو تعدّد الروايات وتفاوتها سنداً ومتناً بتعدّد الواقعة، ولم يقف التعدّد والتفاوت على ما سبق، بل ثمّة رواية أُخرى فيها دلالة على تعظيم ابن عبّاس للحسن عليه السلام، وهي مروية من طريق أهل البيت عليهم السلام من الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، وهذه وردت في صحيفة الرضا عليه السلام الملحقة ب-(مسند زيد بن عليّ عليه السلام)(2)، وثمّ مصادر أُخرى من غيرنا ورد الخبر فيها(3)
1) - بحار الأنوار 62/212.
2) - مسند زيد بن عليّ عليه السلام: 503، ط دار مكتبة الحياة بيروت سنة 1966م.
3) - راجع حياة الحيوان للدميري 1/212، ط بولاق بمصر سنة 1392ه-، والدرّ المنثور للسيوطي 3/471، ط دار إحياء التراث العربي، وكتاب الجليس الصالح للمعافى بن زكريا وفيه الخبر عن مجاهد، وكنز العمال 14/182 بالأرقام التالية: 38306 و38397 عن محمّد بن علي وعن الحسين بن علي وفي جامع الأحاديث للسيوطي 30/61 برقم 32810 نقلا عن الطبراني والأربعين لعبد الغافر الفارسي والبيهقي عن الحسين عليه السلام .
وهي أوضح ممّا مرّ جميعاً.
وقد رواها المحدّث النوري الطبرسي في (مستدرك الوسائل) باب إن كان الجراد أخذه حيّاً... عن صحيفة الرضا عليه السلام بإسناده: (عن آبائه، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام، قال: كنّا أنا وأخي الحسن عليه السلام، وأخي محمّد بن الحنفية، وبنو عمّي: عبد الله بن عبّاس، وقثم، والفضل، على مائدة نأكل، فوقعت جرادة على المائدة، فأخذها عبد الله بن عبّاس فقال للحسن عليه السلام: يا سيدي! ما المكتوب على جناح الجرادة؟
قال عليه السلام: سألت أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: سألت جدّك، فقال: على جناح الجرادة مكتوب: (إنّي أنا الله لاإله إلاّ أنا ربّ الجرادة ورازقها، إذا شئت بعثتها لقوم رزقاً، وإذا شئت بعثتها على قوم بلاءً).
فقام عبد الله بن عبّاس فقبّل رأس الحسن بن عليّ عليه السلام، ثمّ قال: هذا والله من مكنون العلم)(1). وورد الخبر بهذا اللفظ في (الخرائج والجرائح)(2).
فأين يكون خبر الكشّي مع صراحة ما تقدّم في تبجيل ابن عبّاس للإمام الحسن عليه السلام؟!
الأوّل: يتضمّن أكاذيب عكرمة البربري الكذّاب على ابن عبّاس.
والفصل الثاني: يتضمّن أوهام المستشرقين في اتّهام ابن عبّاس في أخذه عن أهل الكتاب.
وقد مرّ بحثهما إجمالاً في الجزء السادس من الموسوعة، في الباب الأوّل شبهات كاذبة حول أخذ ابن عبّاس عن أهل الكتاب(1)، وفي الباب الثاني ذكر عكرمة البربري، وما قيل عنه في كذبه على مولاه، حتّى صار مضرب المثل في تحذير الموالي من الكذب على مواليهم(2)، وما كنت أظنّ أن تدعو الحاجة إلى إعادة البحث ثانياً، لولا كثرة الخبط والخلط فيهما.
والآن إلى الفصل الأوّل:
لقد مرّ في ذكر تلاميذ ابن عبّاس خمسة أسماء عكارمة من الرواة عنه، كلّ منهم اسمه عكرمة، اثنان منهم من موالي ابن عبّاس، وثلاثة من أحرار العرب، وبين يدي البحث بيان معنى اسم عكرمة.
قال ابن خلّكان: (وعكرمة: بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة، وهو في الأصل، اسم الحمامة الأنثى فسميّ به الإنسان)(1).
ولما كان الثلاثة المنسوبون إلى آبائهم ليسوا مورد اشتباه وتوّهم في الأسانيد، لكن الاثنين المولييَن هما مورد الاشتباه، فكلاهما من موالي ابن عبّاس، فحين نجد الخبر يرويه عكرمة مولى ابن عبّاس لا يمكن تمييز من هو من المولييَن، ولمّا كان عكرمة البربري هو الذي حاز الشهرة، لما امتاز به من مميّزات كونه
أوّلاً: ناصبياً من الخوارج وداعية لهم.
وثانياً: شهرة كذبه على ابن عبّاس.
وثالثاً: كثرة ترحاله في الوفود على الأمراء يطلب جوائزهم، ولم يترك موضعاً إلاّ خرج إليه.
1) - ابن خلكان، وفيات الأعيان 3/266، تح إحسان عبّاس.
وقد مرّ في الجزء السادس ذكر كثير من تاريخه، فلا حاجة إلى إعادة ما مرّ.
أمّا عكرمة الآخر، فهو أيضاً مولى ابن عبّاس، ومرّ ذكره في الجزء السادس(1)، وقول ابن حبّان في الثقات عنه: يروي عن ابن عبّاس، روى عنه العوام بن حوشب، وليس هذا بعكرمة الأوّل، هكذا يروي الحكايات، وما أعلم له راويا إلاّ العوام بن حوشب، اه-. .
وهذا ذكره البخاري في (تاريخه الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل).
فما جاء من أحاديث رواها عكرمة عن ابن عبّاس، ولم يتعيّن بهوية تميّزه، ننظر في متونها فما كان في فضل أهل البيت عليهم السلام ومشعر بالتبجيل فهو عن عكرمة الآخر غير البربري الكذّاب، وما كان فيه تدجيل أو تضليل وتنقيص فهو عن عكرمة البربري الكذّاب، لأنّه كان ظاهر النُصب، ويرى رأي الخوارج.
ولضرب المثال أذكر بعض الروايات:
فعكرمة البربري هذا هو الراوي نزول آية التطهير في نساء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم خاصّة، وكان ينادي بهذا في السوق، ويقول: من شاء باهلته، إنّها نزلت في شأن نساء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(2)، فهذا أشبه بعكرمة الذي كان إباضياً ومن الصُفرية
وناصبياً، وهذا هو التفسير الذي اعتمده الإباضي اطفيش في تفسيره(1)ج8/168.
وكذلك في كذبه على ابن عبّاس في مسألة الصرف حيث أسلم ابنه صيرفياً(2).
وخبره الآخر: ختن ابن عبّاس بنيه فأرسلني فدعوت اللعابين فلعبوا، فأعطاهم أربعة دراهم(3).
فهذا أشبه بسلوكه لما قد رواه ياقوت في (معجم الأدباء): (قال: يزيد ابن هارون: قدم عكرمة مولى ابن عبّاس البصرة فأتاه أيوب السختياني، وسليمان التميمي، ويونس بن عبيد، فبينا هو يحدّثهم إذ سمع غناء، فقال عكرمة: اسكتوا فنسمع.
ثمّ قال: قاتله الله فلقد أجاد، أو قال: ما أجود ما قال.
فأمّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه، وعاد إليه أيوب)(4).
فهو في رواياته الكاذبة على ابن عبّاس متحلّل خلقياً من الحرام، حتّى لقد روى ياقوت أيضاً: (عن حمّاد بن زائد، حدّثنا عثمان بن مرّة، قلت للقاسم: إنّ عكرمة مولى ابن عبّاس قال: حدّثنا ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
عن المزفّت والمقيّر والدباء والحنتم والجرار.
فقال: يا بن أخي! عكرمة كذّاب يحدّث غدوة حديثاً يخالفه عشياً)(1).
جاء في (مسند عمر بن الخطّاب) ليعقوب بن شيبة، بإسناده: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب(رض)، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّي ممسك بحجزكم عن النار وتعلموني، تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأفرط لكم عن أو على الحوض، فتردون عليَّ معاً وأشتاتاً، فأعرفكم بأسمائكم وسيماكم، كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله ويذهب بكم ذات الشمال، وأناشد فيكم ربّ العالمين عزّ وجلّ، فأقول: يا ربّ! رهطي، أي ربّ منّي.
ويقال: يا محمّد! إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّهم كانوا يمشون بعدك القهقرى.
ولأعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمّد يا محمّد! فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلّغت.
ولأعرفنّ أحدكم يوم القيامة يحمل قشعاً من أدم، ينادي: يا محمّد يا محمّد! فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلّغت)(2).
فمن يروي هذا؟ هل يقبل منه أيضاً روايته عن ابن عبّاس: قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة، فقعد على المنبر ثمّ حمد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه، ثمّ قال: (إنّه ليس من الناس أمنّ عليَّ بنفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدّوا عنّي كلّ خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر). وهذا أخرجه النسائي في (فضائل الصحابة)(1)بإسناده، عن عمرو بن علي، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. وفي إسناده من فيه!
ثمّ هل أنّ عكرمة هذا هو الذي روى عن ابن عبّاس: قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء، حتّى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أمّا بعد، فإنّ الناس يكثرون ويقلّ الأنصار، حتّى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منك شيئاً يضرّ فيه قوماً وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم)، فكان آخر مجلس جلس به النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(2).
فلا شكّ بأنّ عكرمة راوي حديث الخوخة هو غير عكرمة راوي حديث الحوض الآنف الذكر، وحديث الوصية بالأنصار التالي أخيراً، لما بين الأحاديث من تدافع، فيكون حديث الخوخة الموضوع من أكاذيب
عكرمة البربري، وأحاديث الحوض والوصية بالأنصار من حديث عكرمة مولى ابن عبّاس الآخر، فكلّ حديث أشبه بصاحبه، وهكذا كلّ ما نراه من أحاديث في فضل أهل البيت عليهم السلام فهي من رواية عكرمة هذا الآخر، لأنّ عكرمة البربري كان ناصبياً معلناً بنُصبه، كما مرّت الإشارة إلى هذا في تفسيره آية التطهير بأزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم خاصّة، ينادي بهذا في السوق، ويتحدّى صلفاً -- فيقول: من شاء باهلته -- فهل يعقل أنّ هذا الصلف النطف يروي عن ابن عبّاس: قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(1)؟
أو يروي عن ابن عبّاس قال: خط رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في الأرض أربع خطوط، ثمّ قال: (هل تدرون ما هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(2).
وهل يعقل أن يروي عكرمة الهالك في نصبه خبر ابن عبّاس: قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لنسائه: (أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت)؟ قال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب): (وهذا الحديث من أعلام نبوّته صلي الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال للتوثيق: (وعصام بن قدامة ثقة، وسائر الإسناد
أشهر من أن يحتاج إلى ذكر)(1).
وأخيراً لا آخراً، فعكرمة الذي أخرج البخاري عنه في صحيحه كثيراً لم يبيّن لنا من هو المراد من العكرمين اللّذين ذكرهما في تاريخه! بينما مسلم لم يخرّج عن عكرمة أصلاً، كما في (المختصر في علم الأثر)(2)للكافيجي (ت879ه-).
قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(3): (ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء)، عكرمة مولى ابن عبّاس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروي عنه أنّه كان يذكر عليّاً، وعثمان، وطلحة، والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلاّ على الثريد الأعفر)(4).
أمّا مرويات عكرمة عن ابن عبّاس في فضل أهل البيت عليهم السلام، فهي لا تشبه بحال عكرمة البربري، وهي بحالة الآخر أشبه.
نحو ما رواه ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، بسنده: (عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لعليّ عليه السلام أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أوّل عربي وعجمي صلّى
مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كان معه لواؤه، هو الذي صبر معه يوم فرّ عنه الناس، وهو الذي غسّله وأدخله قبره). فهذا الخبر لا يرويه عكرمة البربري مع ما عُرف من نُصبه.
ونحو ما رواه ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة): (عن عبّاد، عن الحسن بن دينار، عن بشر بن أبي زينب، عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: إذا لقيت الهاشميين قالوا: عليّ بن أبي طالب أوّل من أسلم، وإذا لقيت الذين يعلمون قالوا: أبا بكر أوّل من أسلم)(1). قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): (فأمّا الرواية عن ابن عبّاس: إنّ أبا بكر أوّلهم إسلاماً، فقد روي عن ابن عبّاس خلاف ذلك بأكثر ممّا رووا وأشهر، فمن ذلك ما رواه يحيى بن حمّاد عن أبي عوانة، وسعيد بن عيسى، عن أبي داود الطيالسي، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس أنّه قال: أوّل من صلّى من الرجال علي عليه السلام.
وروى الحسن البصري، قال: حدّثنا عيسى بن راشد، عن أبي بصير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: فرض الله تعالى الاستغفار لعليّ عليه السلام في القرآن على كلّ مسلم بقوله تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ(2)، فكلّ من أسلم بعد عليّ عليه السلام فهو يستغفر لعليّ عليه السلام)(3)، فهل
هذا يرويه عكرمة البربري الخارجي؟!
وروى ابن أبي الحديد في (شرح النهج)، نقلاً عن الواقدي، قال: (وكان ابن عبّاس رحمه الله يقول: لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر)(1)، وقال: (وحدّثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان الملك يتصوّر في صورة من يعرفه المسلمون ليثبّتهم، فيقول: إنّي قد دنوت من المشركين فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا لهم وليسوا بشيء فاحملوا عليهم، وذلك قول الله عزّ وجلّ: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ(2))(3).
فهل يروي عكرمة الناصبي هذا؟
أو خبر أبي رافع، قال: (كنت غلاماً للعبّاس بن عبد المطّلب، وكان الإسلام قد فشا فينا أهل البيت، فأسلم العبّاس، وأسلمت أُمّ الفضل زوجته، وكان العبّاس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه...)، إلى آخر الخبر، وقد مرّ في أول أجزاء الموسوعة في ترجمة العبّاس؛ فراجع!
وهل يروي عكرمة البربري خبر منع عثمان من توديع أبي ذرّ لمّا أخرجه إلى الربذة، وما جرى بين مروان وبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه وقد خرجوا لتوديعه؟ وقد ذكر الخبر بطوله ابن أبي الحديد في (شرح النهج).
وهل أنّ رواية الإمام الباقر عليه السلام للخطبة الشقشقية عن عكرمة، عن ابن عبّاس، هل هو عكرمة الناصبي؟
وكيف يقبل العقل هذا! إنّما هو عكرمة الآخر من موالي ابن عبّاس.
وهكذا يبقى ميزان التمييز منصوباً لمعرفة مرويات العكرمتين من موالي ابن عبّاس، فما كان في مؤداه تدجيل وتبطيل فعكرمة الخارجي أولى به، وما كان فيه تبجيل وتفضيل فعكرمة الثاني أولى به، وإنّ فيما رواه ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) نقلاً عن القاضي أبي بكر محمّد بن عمر الجعابي في كتابه (الموالي): (عن ابن الكلبي، قال: وعكرمة هلك بالمغرب، وقد دخل في رأي الحرورية الخوارج، فخرج يدعو بالمغرب إلى الحرورية)(1)، فهذا قول صريح في موت عكرمة البربري الذي كان داعية الخوارج هلك بالمغرب.
وأمّا الثاني، فأراه الذي قيل عنه توفّي يوم مات كثير عزة الشاعر، وصُلّي عليهما معاً، وقد ذكر الطبري في (ذيل المذيل): (عن خالد بن القاسم البياضي، قال: مات عكرمة وكثير عزّة الشاعر في يوم واحد سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً، صُلّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
وقال غير خالد بن القاسم: وعجب الناس لاجتماعهما في الموت واختلاف رأيهما، عكرمة يظنّ به أنّه يرى رأي الخوارج، يكفّر بالنظرة،
1) - معجم الأدباء 12/184.
وكثير شيعي يؤمن بالرجعة)(1).
أقول: وهذا نحو من الخلط بين العكرمتين!
ومهما يكن فقد كثر الخلط في المرويّ عن عكرمة عن ابن عبّاس، ولا سبيل إلى معرفة الصحيح من غيره إلاّ بالنظر في المتون، فما كان موافقاً لآراء الخوارج فهو عن عكرمة البربري الذي قيل عنه: (إنّه كان يرى رأي الصفرية من الخوارج)، فذكر أنّه نحل ذلك الرأي إلى ابن عبّاس، وكان ذلك من كذبه على ابن عبّاس(2).
ولقد مرّ ما في (العقود الفضيّة) من كذبه على ابن عبّاس في اعتزاله عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وعدم مشاركته في حرب النهروان؛ ولئن بَعُد العهد بذلك، فإلى القارئ الإعادة، مع التكذيب ففيها إفادة:
قال في صفحة (150): (وأرسل عليّ ابن عبّاس ليناظرهم. نقلاً من شرح اللامية للقطب، وأصله في كتاب السير العُمانية من سيرة شبيب بن عطية من علماء القرن الثاني للهجرة، هكذا: طلب ابن عبّاس إليهم الرجوع، وقالوا له: إنّ صاحبك ترك اسم أمير المؤمنين وطلب الحكومة، وخلع
سربالاً ألبسه الله إياه.
فقال ابن عبّاس رضي الله عنها : أما علمتم أنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لمّا عاهد أهل مكّة ومشركي العرب ومشركي قريش عام الحديبية حين صدّه المشركون عن المسجد الحرام إلى مضيّ المدّة التي سمّاها لهم من ترك فيها القتال والدماء.
وأمّا ما ذكرتم من خلعه نفسه من اسم أمير المؤمنين، فقد فعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم حين كتب الكتاب لقريش وأملاها رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، هذا ما قاضى به محمّد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قريشاً، فقال المشركون: لو علمنا أنّك رسول الله ما خالفناك، فكتب من محمّد بن عبد الله.
وأمّا ما ذكرتم من الحكومة وأنّها لا تجوز، فقال عزّ من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ(1), وقال عزّ من قائل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا(2).
فقالوا: قد سمعنا قولك والذي أرسلت به واحتجاجك، فنذكرك الله لما سمعت قولنا وفهمت حجّتنا، ثمّ كنت عدلاً بيننا وبين من أرسلك.
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: أخبرنا عمّن قتل الصيد وهو محرم هل يسعه أن يحكّم من يرى استحلال الصيد المحرّم، ويستحلّ قتل صيد الحرم؟
قال: لا.
قالوا: وكيف يسع عليّاً أن يحكّم في دين الله مَن يدين باستحلال ما حرّم الله من دماء المسلمين، ويحرّم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية، ومَن يدين بولاية من عادى الله ورسوله وبعداوة أولياء الله، ويدين بخلاف ما عليه المسلمون من الحقّ الذي هم عليه، وفارقوهم على خلافه، فوالله لو كانت الحكومة حقّاً لكان عليّ ترك الحقّ بتحكيمه في دين الله مَن يدين بخلاف دين الله فيما استحلّ من قتل المؤمنين وسفك دمائهم وما حرّم الله من قتال الفئة الباغية مع ما يدين به من ولاية من عادى الله ورسوله وعداوة أولياء الله، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله سبحانه يقول: وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (1).
ثمّ قالوا: نذكرك الله يا بن عبّاس هل تعلم أنّ أبا موسى كان شاكاً في قتال الفئة الباغية يحرّم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية، ويخذّل الناس عن القتال؟
قال: اللّهمّ نعم.
1) - سورة النساء/115.
قالوا: إنّ عليّاً حكّم فيمن قتل الصيد وهو محرم من يعتقد أنّه لا يحرم قتل الصيد في الحرم، ولا يحرم قتل الصيد في الحلّ على المحرم، أكان بتحكيمه من كان هذا أمره وصفته على هذا الوجه ضلالاً إذ حكّم شاكاً -- مرتاباً فيما حكم الله به من تحريم قتل الصيد في الحرم إذ كان محرماً لضلّ بتحكيمه مَن هذا أمره وصفته، ولو كانت الحكومة عدلاً لكان بحكومة مَن يستحل قتل المؤمنين ويعاديهم ويكفر بدينهم ضالاً، وقد أضل بحكومته من يحرّم ما أحل الله للمؤمنين من قتال من بغى عليهم، واتّبع سبيلاً غير سبيلهم، وأبى أن يقرّ بحكم القرآن فيما خالفوا فيه، فنذكرك الله يا بن عبّاس هل تعلم أنّ عمرو بن العاص استحلّ ما حرّم الله من دماء المسلمين، وحرّم ما أحلّ الله من قتال من بغى على المسلمين، وتولى من عادى الله، وعادى المسلمين ومن دان بدينهم، وما هم عليه من الحقّ ومن قتال أهل البغي؟
فقال: اللّهمّ نعم، قد خصمتم عليّاً بهذا وقولكم الحقّ (؟).
ثمّ قالوا: أمّا ما ذكرت من قول الله: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا- إلى قوله عزوجل -- يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا(1)، فأخبرنا عن رجل من المسلمين عنده يهودية أو نصرانية وكان بينهما اختلاف ومنازعة هل ينبغي له ولمن حضره من المسلمين أن يدعو اليهود أو النصارى يحكمونهم بما هم به كافرون من أحكام المؤمنين؟
1) - سورة النساء/35.
قال: لا.
قالوا: كيف حكّم عليّ عمرو بن العاص وهو يكفر بما حكّمه فيه ويستحلّ ما حرّم الله من دماء المسلمين ويدين بغير دينهم، ويوالي من عادوا ويعادي من والوا، فنذكرك الله هل يسع عليّاً هذا؟
قال: لا يجوز هذا لمن فعله ولا يسعه.
وقالوا: أمّا ما ذكرت من أمر الموادعة والقضية التي كانت بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين المشركين، فإنّها كانت منازل ونقل عنها منزلة منزلة، وكلّ منزلة نقل الله عنها نبيّه أو أمره بغيرها حرّم عليه الإقامة عليها وحرّم على المسلمين أيضاً أن يقيموا على ما نقل عنه، من ذلك القبلة التي كانت بيت المقدس نقل الله نبيّه والمؤمنين عنها باستقبال البيت الحرام، ومثل الخمر كانت حلالاً، ثمّ نهى الله عنها أوّلاً تأديباً، ثمّ حرّمها بعد ذلك من نعمه وطوله ومنّته على نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين، وكذا مفاداة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لأهل بدر، ولا أمر ولا نهي ولا وعيد، وقال تعالى: لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (1)، وقد كان سبق من الله العفو عنهم والمغفرة لهم فيما فعلوا، وقيل: سبق من الله جلّ جلاله أن لا يعذّب أحداً إلاّ بعد بيان، أو سبق من اللهجل جلاله أن يحلّ لهذه الأُمّة ما غنموا من عدوّهم إذا حاربوا، وأنزل الله عزوجل على نبيّه بعد ذلك تحريم معاهدة المشركين، فقال: بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -- إلى قوله جلّ وعلا: -- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ -- وإلى قوله: -- لا
1) - سورة الأنفال/68.
يَعْلَمُونَ(1)(؟) فجاءت براءة بنقض كلّ عهد وتحريم أمان المشركين وقتلهم حيث ما وجدوا وحصرهم والقعود لهم بكلّ مرصد وتحريم الجنوح إليهم، ولا يقبل منهم إلاّ الدخول في الإسلام والإقرار به ولأهل الكتاب الجزية، فما لهم إلاّ الإسلام أو الجزية ولم يحلّ الله أمان أحد منهم إلاّ من استجار ليسمع كلام الله فإن لم يؤمن أبلغه مأمنه. وقال الله عزوجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا -- إلى قوله -- بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا(2)، فلا إقامة لأحد على ما نقل الله نبيّه عنه. فما حجّة صاحبك علينا فيما نقل الله نبيّه والمؤمنين عنه، وحرّم ذلك عنه، وإن جوّز ذلك فليرجع إلى استقبال بيت المقدس وإلى كلّ ما نسخ. ثمّ قالوا: نذكرك الله يا بن عبّاس! هل تعلم أنّ الذي احتجّ به صاحبك علينا منتقض غير جائز في الدين؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: يا بن عبّاس! ألست تعلم أنّ الله عزوجل قال في كتابه: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي... الآية(3), وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ... الآية(4).
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: فهل تعلم أنّ قتال الفئة الباغية حدّ من حدود الله كالجلد والقطع؟
قال: نعم.
قالوا: فأخبرنا عمّن زنا، أو سرق، فأراد إمام المسلمين أن يقيم عليه الحدّ، فامتنع وقامت معه طائفة تمنعه عن إقامة الحدّ، أليس يحلّ قتالهم؟
قال: بلى.
قالوا: فإنّ المسلمين قاتلوهم حتّى قتلوا منهم قتلى ثمّ ابتغوا الحكومة، أيسع المسلمين قبولها وتحريم القتال وتعطيله؟
قال: اللّهمّ لا.
قالوا: فكيف يسوغ لنا أن نحكّم في دين الله من يدين بتعطيل الحدود وتحريم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية مع أنّه حدّ من حدود الله، وكلّ ما حكم الله فيه فلا تخيير فيه لعباده، قال الله عزوجل: وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ -- إلى قوله عزوجل -- لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(1)، وقال: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً... الخ(2)، وقال: إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ -- إلى قوله -- لا يَعْلَمُونَ(3)، وما جعل الله عزوجل الحكم فيه للرجال فليحكم فيه ذوا عدل
ولا حكم في غير ذلك للرجال، قال الله جلّ وعلا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ -- إلى قوله -- ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً(1)، وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ -- إلى قوله عزوجل -- وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(2)، فكيف يحكّم في دين الله من لم يحكّمه الله ورسوله، ووجد في نفسه حرجاً ممّا قضى الله ورسوله وأبى أن يسلّم تسليماً، واستحلّ قتل من حكّم الله ورسوله وسلّم لحكمه تسليماً، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص أبيا أن يسلّما لحكم الله ورسوله؟
قال: اللّهمّ نعم.
ثمّ قالوا: يا بن عبّاس! إن كان معاوية وعمرو بن العاص سلّما لحكم الله وما أنزل من القرآن ورجعا عمّا كانا عليه وفاءاً إلى أمر الله ورجعا إلى دين المسلمين، فالحقّ علينا أن نقبل عنهما ونتولاّهما، لأنّ الله أمر بقتال الفئة الباغية حتّى تفيء إلى أمر الله، فإذا فاءوا إلى أمر الله قبل ذلك منهم، ولم يسع أحداً يردّ ذلك عليهما، وأمّا أن نحكّم الرجال فيما قد فرغ الله من الحكم فيه، فإن كان حكموا بنقض ما جاءنا من الله فننتقل عمّا نحن عليه من البينات إلى الضلال والعمى، والترك لحكم الله، والإيمان الذي نحن عليه حتّى يستحلّ ما حرم الله ويحرم ما أحلّ الله، ونوالي من كنّا نعاديه
بدين وفريضة، ونعادي من كنّا نواليه بدين الله وبحكم كتاب الله وما افترض علينا من ولاية من أقر بديننا، فمعاذ الله أن نفعل ذلك إن شاء الله حتّى تذهب أنفسنا أو نظهر على عدوّنا.
فقال ابن عبّاس: اللّهمّ هذا هو الحقّ.
وقالوا: ألست تعلم أنّ فيما اشترط عليّ ومعاوية كلّ واحد منهما على صاحبه، انّه أيّما رجل أحدث حدثاً من أصحاب عليّ ودخل في دين معاوية وحكمه فليس لعليّ إقامة الحدّ عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه، وأيّما رجل أحدث حدثاً من أصحاب معاوية ودخل في دين عليّ وحكمه فليس لمعاوية إقامة الحدّ عليه لدخوله في دين عليّ وحكمه، فكيف يدخل في دين قوم قد أقرّوا على أنفسهم بأنّه من أحدث حدثاً منهم ففرّ من حكم الله عليه وكره إقامة الحدّ بأن يقول دخل في دين معاوية زال ذلك الحكم والحدّ عنه؟! وكيف يدخل في دين عليّ وأمره كذلك، وزاد بأن خلع نفسه من إمرة المؤمنين ولم يرجع ولم يستغفر ممّا قد أتى ممّا وصفناه وذكرناه من أمره فيما سوى ذلك قد استحقّ من أمر الله البراءة والخلع حتّى يتوب ويستغفر ربّه ويرجع من ذنبه. ألست تقول: إنّ عليّاً قاتل طلحة والزبير بكتاب الله وبما افترض الله عليه من قتال الفئة الباغية، وعلى ذلك الأمر قاتل معاوية؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاتل عمّار بن ياسر
ومن معه بصفّين، حتّى قتل عمّار بن ياسر ومن معه من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والتابعين بإحسان، وبأمر الله وإذنه قاتلوا الفئة الباغية؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: أخبرنا عن عليّ حين حكّم الحكمين، أليس قد حرّم القتال الذي أحلّ الله من معاوية وجنده حتّى يحكم الحكمان ويأذنا به؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: فأخبرنا عن عليّ، أحرّم دماءهم بتوبة من معاوية وجنده، ودخول منهم في الإسلام؟ أم حرّم دماءهم بغير توبة منهم ولا دخول في الإسلام؟
قال: بل حرّم دماءهم بالعهد الذي أعطاهم حتّى يحكم (الحكمين) (كذا) بغير توبة ولا دخول في الإسلام.
قالوا: أليس قد حرّم عليّ منهم ما أحلّ الله من قتالهم من غير انتقال منهم عن الذي أحلّ دماءهم، واستحلّ قتال من قتل بلا حدث، فمن أقام الآن بكتاب الله وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم وبما قام به عمّار ومن معه من المسلمين فقاتل من قاتله عمّار واستحلّ من استحلّ عمّار فهو من الكافرين عند صاحبك؟ وكيف يكون عمّار من المهتدين المؤمنين ويضلّ من عمل عمله واقتدى بهداه بعده، فإن كان(كذا) قاتلهم عمّار هدى، فقد اهتدى من اهتدى بهداه، وإن كان ضلالاً فقد ضلّ عليّ وأتباعه بولاية عمّار ومن معه من المسلمين، لقتالهم معاوية؟ وكيف يكون القتال لمعاوية ضلالاً ومعاوية على الدين
الذي استحلّ منه عمّار قتاله وقتال من معه ثمّ لم يتوبوا ولم يرجعوا عمّا هم عليه من دين المسلمين وقولهم؟ وكيف لم يكن القتال لطلحة والزبير على البغي ضلالاً وقد كانا أفضل من معاوية، ويكون القتال لمعاوية ومن معه ضلالاً فهم على الدين الذي كان عليه طلحة والزبير، هذا ما نعرف من خطأ عليّ ورجعته عمّا كان عليه من الحقّ ورغبته عمّا مضى عليه خيار المسلمين؟ وكيف يحلّ الله قتال قوم ويأمر به ثمّ يهتدي من حرّمه وهم على ذلك الدين ويضلّ من استحلّه، وكيف يحلّ الله قتال قوم ويأمر به ويأذن فيه ثمّ يكفّر من استحلّه، حتّى يأذن فيه من يستحلّ تحريمه من الحكمين؟ وذلك أنّ عليّاً حرّم القتال الذي أحلّه الله من معاوية وجنده، حتّى يأذن فيه عمرو بن العاص وأبو موسى، وزعم عليّ أنّه من قام بكتاب الله جلّ وعلا وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم ، ويستحلّ ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية حتّى تفيء إلى أمر الله فهو من الكافرين، حتّى يأذن فيه من يدين بتحريم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية حتّى تفيء إلى أمر الله بغير كتاب من الله حدث يحرّم ما أحلّ الله من قتالهم، وحتّى يأذن فيه من يدين بتحريمه ويستحلّ ما حرّم الله من دماء المسلمين، ويحرّم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله. فنذكرك الله يا بن عبّاس! هل يسع هذا من فعله ويهتدي به؟!
قال: اللّهمّ لا.
(وانصرف عنهم وهو مقرّ لهم ومعترف لهم أنّهم قد خصموه، ونقضوا عليه ممّا جاء به ممّا احتج به عليهم)(؟)
(فرجع ابن عبّاس إلى عليّ، فلمّا رآه قام إليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجّتهم التي احتجّوا بها)(؟)
فقال له عليّ: ألا تعينني على قتالهم؟
فقال ابن عبّاس: لا والله، لا أقاتل قوماً قد خصموني في الدنيا وإنّهم يوم القيامة لي أخصم، وعلَيَّ أقوى، وإن لم أكن معهم لم أكن عليهم.
واعتزل عنه ابن عبّاس رضي الله عنه ثمّ فارقه، وكتب إليه عليّ (يؤنبه)(؟) بمال أخذه من البصرة من بيت المال.
فقال له: قد عرفت وجه أخذي المال أنّه كان بقية دون حقّي من بعد ما أعطيت كلّ ذي حقّ حقّه، قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان، ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم فأبى، والله أعلا وأعلم, انتهى)(1).
وللشاعر العماني أبي مسلم الرواحي:
بني هاشم عمداً ثللتم عروشكم *** وفي عبد شمس نجدة وظهور
على غير ذنب غير إنكار قسطهم *** وللجور في نفس المحقّ نكير
قتلتم جنوداً أحكموا الله لا سوى *** وقالوا عليّ لا سواه أمير
فيا لدماء في حروراء غودرت *** تمور وأطباق السماء تمور
1) - العقود الفضية في أصول الإباضية: 50 -- 59.
وأنفس صدّيقين أزهقها الردى *** وشقت عن التقوى لهن نحور
مخردلة الأشلاء للطير في الفلا *** وهنَّ بجنّات النعيم طيور
على جنبات النهروان عقاير *** كما عقرت بالمشعرين نذور
أبيد خيار المسلمين بضحوة *** كما نحرت للميسرين جزور
يعجون بالتحكيم لله وحده *** وهامهم تحت العجاج تطير
فيا أُمّة المختار هل فيك غيرة *** فإنّ محب الله فيه غيور
ويا ظهرة الإيمان هل فيك منعة *** وهيهات عزَّت منعة وظهور
ويا لرجال الله أين محمّد *** وناصره بالنهروان عقير
ولو وقعة كانت بعين محمّد *** لما قر عيناً أو يزول ثبير
فمن لصدور الخيل فوق صدورهم *** ولله في تلك الصدور بحور
تطل دماء المؤمنين على الهدى *** وخيل ابن صخر في البلاد تغير
ويعصى ابن عبّاس إذا لمّ شعثها *** ويسمع فيها أشعث وجرير
على أن علت فوق الرماح مصاحف *** ونادوا إلى حكم الكتاب نصير
مكيدة عمرو حين رثّت حباله *** وكادت بحور القاسطين تغور
أبا حسن ذرها حكومة فاسق *** جراحات بدر في حشاه تفور
أبا حسن أقدم فأنت على هدى *** وأنت بغايات الغويِّ بصير
أبا حسن لا تعطين دنيّة *** وأنت بسلطان الغويِّ قدير
أبا حسن لا تنس أحداً وخندقاً *** وما جر عير قبلها ونفير
أبا حسن أين السوابق غودرت *** وأنت أخوه والغدير غدير
أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل *** يحل عراها فاجر ومبير
أبا حسن أطلقتها لطليقها *** وأنت بقدِّ الأشعريِّ أسير
أتحبس خيل الله عن خيل خصمه *** وسبعون ألفاًَ فوقهن هصور
أثرها رعالاً تنسف الشام نسفة *** بثارات عمّار لهن زفير
وصك ثغور الفاسقين بفيلق *** له مدد من ربّه فظهير
فلم يبق إلاّ غلوة وتحسهم *** ويبكي ابن صخر قبة وسرير
فما لك والتحكيم والحكم ظاهر *** وأنت عليٌّ والشام تمور
أفي الدين شكّ أم هوادة عاجز *** تجوَّزتها أم ذو الفقار كسير
يبيت قرير الجفن بالجفن لاصقاً *** وجفن حسام ابن اللعين سهير
فلا جبرت حدّاه إن ظل مغمداً *** وهنديّ هند منجد ومغير
ولا جبرت حداه يوم سللته *** له في رقاب المؤمنين صرير
أتغمده عن عبد شمس وحزبها *** ويلفح حزب الله منه سعير
فما لك والأبرار تنثر هامهم *** كأنك زرّاع وهنَّ بذور
ذروتهم عصفاً وتبكي عليهم *** بلى فابكِ خطب بالبكاء جدير
فما هي إلاّ جذعة الأنف ما شفت *** غليلا وجرح لا يزال يفور
ستحصد هذا الزرع مهما تقصدت *** عراقك لا يلوي عليك ضمير
تنازعها سل السيوف فتلتوي *** وتخطب فيها والقلوب صخور
قتلت نفير الله والريح فيهم *** وأصبحت فذاً والنفير نفور
نشدت دويّ النحل لما فقدتهم *** ويعسوب ذاك النحل عنه خبير
أرقت دماء المؤمنين بريئة *** لهن بزيزاء الحراء خرير
عليّاً أمير المؤمنين بقيةً *** كأن دماء المؤمنين خمور
سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم *** فأنت على أي الذنوب نكير
وما الناس إلاّ مؤمن أو منافق *** ومنهم جحود بالآله كفور
وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهم *** جحود وهذا الحكم منك شهير
فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم *** وأنت بأحكام الدماء بصير
تركتهم جزر السباع عليهم *** لفايف من إيمانهم وستور
مصاحفهم مصبوغة بدمائهم *** عليهن من كتب السهام سطور
وكنت حفيّاً يابن عمّ محمّد *** بحفظ دماء ما لهن خطير
وكنت حفياً أن يكونوا بقية *** لِنصرك حيث الدايرات تدور
أما والذي لا حكم من فوق حكمه *** على خلقه وردّ به وصدور
لقدماً أعاروك الجماجم خشعاً *** عليهن من قرع الصفاح فطور
فقصعتها إذ حكمت حكم ربّها *** فما بقيت عارية ومعير
فيا أسفاً من سيف آل محمّد *** على المؤمنين الصالحين شهير
نبا عن رؤس الشام في الحقّ وانثنى *** على ثفنات العابدين يجور
أحيدرة الكرار أن خياركم *** وقرّاءكم تحت السيوف شطور
أحيدرة الكرار تابعت أشعثاً *** وأشعث شيطان ألدّ كفور
أعشرون ألفاً قلبهم قلب مؤمن *** بأوجههم نور اليقين ينور
بهاليل أفنوا في العبادة أنفساً *** لهم أثر في الصالحين أثير
أسود لدى الهيجا راهابين في الدجى *** أناجيلهم وسط الصدور سطور
وفي القوم حرقوص وزيد وفيهم *** أويس ومن بدر هناك بدور
ومن بيعة الرضوان فيهم بقية *** بأيديهم منها ندى وعبير
أكلتهم في النهر فطرة صايم *** فكيف أبا السبطين ساغ فطور
فيا فتنة في الدين ثار دخانها *** وذاك إلى يوم النشور يثور
نجونا بحمد الله منها على هدى *** فنحن على سير النبيّ نسير
بصايرنا من ربّنا مستمدة *** إذا اشتبهت للمارقين أمور
وثقنا بأنّ الدين عروة أمرنا *** وما شذّ عنه فتنة وغرور
قال في كتاب (بيان الشرع) وهو من الكتب العمانية القديمة المعتبرة المعتمدة: قيل: لمّا قتل عليّ بن أبي طالب أهل النهروان، أمر بعيابهم، فجمعت فإذا مصاحف وترايس، فذكروا أنّه أصيب في عسكرهم أربعة آلاف مصحف إلاّ مصحف، فبكى عليّ حتّى كادت نفسه تخرج، ويقال: أنّه دخل على ابنته أُمّ كلثوم فهنئته بالظفر بهم، فقال عليّ: أصبح أبوك من أهل النار إن لم يرحمه الله.
أقول: فهذه صحائف سود سوّدتها أقلامهم، نثراً وشعراً، كذباً وزوراً؛ ولا أطيل الوقوف عندها، إلاّ أنّي أذكر ما يكذّب زعم الإباضي: بأنّ ابن عبّاس لم يشارك في حرب النهروان، وأنّه فارق الإمام عليه السلام، وفي مكاتباته (فاكفف عن القوم)، فأقول له:
اقرأ ما ذكره الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) في ترجمة ابن عبّاس بسنده، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا أصيب أهل النهروان، خرج عليّ وأنا خلفه، فجعل يقول: ويلكم التمسوه -- يعني المخدج -- فالتمسوه، فجاؤوا فقالوا: لم نجده، فعرف ذلك في وجهه، فقال: ويلكم ضعوا عليهم القصب -- أي علّموا كلّ رجل منهم بالقصب -- فجاؤوا به، فلمّا
رآه خرّ ساجداً(1).
واقرأ ما رواه البكري (ت487ه-) في (معجم ما استعجم): (عن ابن عبّاس، قال: لمّا رجعنا من حرب الشراة، صلّى بنا أمير المؤمنين بمسكن صلاة الفجر، ثمّ انفتل عن يمينه فنظر إلى رحله، ثمّ نظر إليَّ ثمّ تبسم.
فقلت: ما يضحكك يا أمير المؤمنين! أضحك الله سنّك؟
فقال: يا بن عبّاس! تبنى هاهنا مدينة -- وأومأ بيده إلى يمينه -- عظيمة المقدار، يسكنها كثير من أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم ويربون فيها، تجبى إليهم خزائن الأُمّم وممالك الأكاسرة والقياصرة، ويطمئنون بها، لا يقصدهم جبار عنيد يريد أن يزيلهم عمّا هم بها فيه إلاّ قصمه الله)(2).
فهذان نصّان صحيحان صريحان في حضور ابن عبّاس حرب الخوارج مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ممّا يكذّب جميع ما ذكره سالم بن حمد الإباضي في كتابه (العقود الفضّية) من أكاذيب على ابن عبّاس، جملة وتفصيلاً؛ وقد مرّت في الجزء العاشر(3)محاورات ابن عبّاس مع زعماء الخوارج، كنافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعطية بن الأسود، وزمعة بن خارجة، وغيرهم، وفي جميعها ما يدلّ على كذب ما ذكره سالم بن حمد الإباضي في كتابه؛ فراجع!
ممّا لا ريب فيه أنّ ثمّة روايات مكذوبة على ابن عبّاس في التفسير وغيره، غير أنّها في التفسير أكثر وراويها عكرمة، ولمّا كان هذا الاسم مشتركاً بين اثنين من موالي ابن عبّاس -- كما نبهت على ذلك في الجزء السادس في بحث تلاميذه -- فهل يسع القارئ تمييز الصحيح من السقيم من خلال التمييز بين العكرمتين، أو بالعكس؟
فنقول: نعم، يسعه التمييز من خلال مضامين الروايات معرفة الراوي، فما استقام مؤداه كان راويه عكرمة المستقيم، وما شذّ في مؤداه كان راويه عكرمة البربري الخارجي الإباضي الكذّاب.
وثمّة نماذج من مكذوبات عكرمة الخارجي، نذكرها للقارئ ليتبصّر في المرويات عن عكرمة، فأيّها تصحّ نسبته وأيّها لا تصحّ؟ فبعضها يستبطن الكذب.
كما في ذلك الذي ذكره أبو جعفر الطبري في تفسيره(1)، فقال: (واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ(2)هل كانت من الناجية، أم من الهالكة؟
فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنّها كانت من الناهية الفرقة الهالكة عن الاعتداء في السبت.
ذكر من قال ذلك:
حدّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عبّاس، قوله: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيداً(1)، هي قرية على شاطئ البحر بين مكّة والمدينة يقال لها: أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثمّ إنّ طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلاّ غيّاً وعتواً، وجعلت طائفة أُخرى تنهاهم. فلمّا طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلمون أنّ هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ؟ وكانوا أشدّ غضباً لله من الطائفة الأُخرى، فقالوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وكلّ قد كانوا ينهون، فلمّا وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، والذين قالوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
حدّثني محمّد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاس: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ... إلى قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ(2)، وذلك أنّ أهل قرية كانت حاضرة
البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعا، يعني من كلّ مكان، وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ. وأنّهم قالوا: لو أنّا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إنّ هؤلاء قوم قد همّوا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذاباً شديداً. قال المؤمنون بعضهم لبعض: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، إنّ كان هلاك فلعلّنا ننجو وإمّا أن ينتهوا فيكون لنا أجراً. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوماً يعبدونه ويتفرّغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإنّ رجلاً منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحداً أمره، فرجمه أصحابه.
حدّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي: قال بعض الذين نهوهم لبعض: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً؟ يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
حدّثنا محمّد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هانئ، قال: ثنا حمّاد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيداً، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أم لا؟ قال: فلم أزل به حتّى عرّفته أنّهم قد نجوا،
فكساني حلّة.
حدّثني المثنى، قال: ثنا حمّاد، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عبّاس هذه الآية، فذكر نحوه، إلاّ أنّه قال في حديثه: فما زلت أبصّره حتّى عرف أنّهم قد نجوا.
حدّثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلت على ابن عبّاس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ... إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، قال ابن عبّاس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم. فقلت: أما تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ؟ فسرّي عنه وكساني حلّة.
حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: ثني رجل، عن عكرمة، قال: جئت ابن عبّاس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثمّ لم أزل على ذلك حتّى تقدّمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا بن عبّاس جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنّه كان حيّ من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثمّ غاصت لا يقدرون عليها حتّى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضاً سماناً كأنّها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثمّ إنّ الشيطان أوحى
إليهم، فقال: إنّما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتّى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً؟ قال الأيمنون: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي ينتهون، فهو أحبّ إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربّكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتّى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب، فلمّا أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلّماً وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فتقول لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم. ثمّ قرأ ابن عبّاس: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ(1)قال: فأرى اليهود الذين نهوا قد
1) - سورة الأعراف/165.
نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال: قلت: أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنّهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ؟ قال: فأمر بي فكسيت بردين غليظين.
حدّثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، ذكر لنا أنّه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتّى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لمِا بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعدت في الماء حتّى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، فقال: إنّما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد.
قوله: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فصار القوم ثلاثة أصناف: أمّا صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأمّا صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأمّا صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.
حدّثني محمّد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس في قول الله: حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلاّ أن يطلبوها، بلاء أيضاً بما كانوا يفسقون، فأخذوها يوم السبت استحلالاً ومعصية، فقال الله لهم: كونوا قردة خاسئين إلاّ طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً.
حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ... حتّى بلغ: وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: لعلّهم يتركون ما هم عليه، قال: كانوا قد بلوا بكف الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئاً، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد، قال: وكانوا قوماً قد قرنوا بحبّ الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتاً، فربط في ذنبه خيطاً، ثمّ ربطه إلى خشفة، ثمّ تركه في الماء، حتّى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجتره بالخيط، ثمّ شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال: يا فلان إنّي أجد في بيتك ريح نون، فقال: لا. قال: فتطلّع في تنوره فإذا هو فيه فأخبره حينئذ الخبر، فقال: إنّي أرى الله سيعذبك. قال: فلمّا لم يره عجل عذاباً، فلمّا أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربطهما، ثمّ اطلع جار له عليه. فلمّا رآه لم يعجل عذاباً جعلوا يصيدونه، فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكف، وفرقة تنهاهم ولا تكف، فقال الذين نهوا وكفوا للذين ينهون ولا يكفون: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً، فقال الآخرون: قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فقال الله: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ... إلى قوله: بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ، قال الله: فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سوء، من كان يريد يعتزل ويتطهّر فليعتزل هؤلاء، قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سوراً، فجعلوا في ذلك
السور أبواباً يخرج بعضهم إلى بعض. قال: فلمّا كان الليل طرقهم الله بعذابه، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحداً، فدخلوا عليهم، فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده. فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه، فيقولون: يا فلان ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلاّ بكاء. قال: وإنّما عذب الله الذين ظلموا الذين أقاموا على ذلك. قال: وأمّا الذين نهوا فكلّهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض فقرأ: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ.
حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عبّاس هذه الآية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصره حتّى عرف أنّهم نجوا، وكساني حلّة.
حدّثني يونس، قال: أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك، قال: زعم ابن رومان أنّ قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت، فاتّخذ لذلك رجل منهم خيطاً ووتداً، فربط حوتاً منها في الماء يوم السبت، حتّى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتّى قال لهم: فإنّه جلد حوت وجدناه فلمّا كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعلّه قال: ربط حوتين، فلمّا أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا
ريحه، فجاؤوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع، فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتّى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها ربض، فغلقوها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدا إليهم جيرانهم ممّن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوّروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسّح به.
وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ كانت من الفرقة الهالكة.
ذكر من قال ذلك:
حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمّد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ... إلى قوله: شُرَّعاً، قال: قال ابن عبّاس: ابتدعوا السبت، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت، فلم تر حتّى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثمّ إنّ رجلاً منهم أخذ حوتاً فخزم أنفه، ثمّ ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلمّا كان الغد أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلاّ عصبة منهم نهوه، حتّى ظهر ذلك في الأسواق وفعل علانية، قال: فقالت طائفة للذين ينهون: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى
رَبِّكُمْ في سخطنا أعمالهم وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فلمّا نسوا ما ذكروا به... إلى قوله: قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ. قال ابن عبّاس: كانوا أثلاثاً: ثلث نهوا، وثلث قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، وثلث أصحاب الخطيئة. فما نجا إلاّ الذين نهوا، وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقّدون الناس لا يرونهم، فغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأناً، فانظروا ما شأنهم فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة، يعرفون الرجل بعينه وإنّه لقرد، ويعرفون المرأة بعينها وإنّها لقردة، قال الله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ(1). حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ... الآية، قال ابن عبّاس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين.
حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمّد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عبّاس: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وعظت، والموعوظة التي وعظت، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ. وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وعظت، والفرقة التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، قال: هي الموعوظة.
1) - سورة البقرة/66.
حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لأن أكون علمت من هؤلاء الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً أحبّ إليَّ ممّا عدل به.
حدّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال ابن عبّاس: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، قال: أسمع الله يقول: أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس، فليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمًْ.
أقول: لقد أخرج الطبري عدّة أخبار عن ابن عبّاس بأسانيد مختلفة منها سبعة بأسانيده عن عكرمة، وستّة منها عن خمسة من تلاميذ ابن عبّاس، وهم: علي بن أبي طلحة، وعطية العوفي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وخبر سادس عن قتادة عن ابن عبّاس، وقد وزّعها ابن جرير الطبري على المقالات في تعيين الفرقة التاركة التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، وليس يعنينا رواية التلاميذ الخمسة وإن تفاوتت في النقل عن ابن عبّاس، لأنّ الواحد منهم لم ينقل إلاّ وجها واحداً في تفسير الآية، وكذلك خبر قتادة عن ابن عبّاس فإنّه من المرسل، وكان قتادة من المدلّسين(1).
ولكن هلم الخطب في المرويات العكرمية، فمنها ما هو مستقيم، ومنها
1) - قبول الأخبار 1/245.
ما هو مردود لاستبطان كذبه، ولا يعقل أن تكون كلّها من مرويات عكرمة الخارجي للتفاوت بينها في المعنى، فأمّا تلك المرويات التي هي مستقيمة المعني فعن عكرمة الآخر المستقيم، وأمّا التي تستبطن كذبها فعن عكرمة الخارجي البربري، وللقارئ أن يسأل عن معنى استبطانها كذب راويها؟
فنقول: إنّ روايها عكرمة يصف دخوله على ابن عبّاس بحالات مختلفة، وكذلك يصف محاورته لمولاه في معنى الآية الذي حيّر ابن عبّاس فلم يهتد إليه، فهداه إليه عكرمة! وهذا أيضاً مختلف الأداء، فتارة يقول: فلم أزل به حتّى عرّفته أنّهم قد نجوا فكساني حلّة، وتارة: فما زلت أبصّره حتّى عرف أنّهم قد نجوا، وثالثة قال: فقلت ألم تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ فسرّي عليه وكساني حلّة، ورابعة قال: قلت: أي جعلني الله فداك ألا ترى أنّهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، قال: فأمر بي فكسيت بردين غليظين، وخامسة: فما زلت أبصّره حتّى عرف أنّهم نجوا وكساني حلّة، أمّا السادسة والسابعة من المرويات العكرمية فليس فيهما شيء ممّا تقدّم لا معاناة التعريف، ولا كساء الحلّة، ولا البردين الغليظين، ممّا يجعل القارئ بأنّهما -- الروايتان -- عن غير عكرمة البربري، بل هما عن عكرمة المستقيم، ومع كوننا لا نعرف عنه الكثير إلاّ أنا نعلم إجمالاً بأنّه لم يكن خارجياً إباضياً، ولم يحبسه ابن مولاه على باب الكنيف لأنّه كان يكذب على أبيه، ولما قال عنه مولاه ابن عبّاس بعد مفارقته ستّة أشهر، ولمّا عاد فقال ابن عبّاس: قد جاءكم الخبيث..
ولتنوير القارئ بحاله، نستذكر قراءة بعض ما مرّ عنه في الحلقات السابقة
خصوصاً في الثانية(1)في ذكر تلاميذ ابن عبّاس، خصوصاً ما قاله أبو القاسم الكعبي البلخي (ت319ه-) في كتابه (قبول الأخبار)(2): روى الكرابيسي عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن جدّه انه سمع سعيد بن المسيب يقول لغلامه بُرد: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس.
قال الدوري: قلت ليحيى بن معين: كان مالك بن أنس يكره عكرمة؟ قال: نعم، قلت: فقد روى عن رجل عنه؟ قال: بشيء يسير.
وروى جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عبّاس، وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إنّ هذا يكذب على أبي.
قال يزيد بن هارون: قدم عكرمة البصرة فأتاه أيوب وسليمان التيمي ويونس، فبينا هو يحدّثهم إذ سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا فتسمّع، ثمّ قال: قاتله الله لقد أجاد، أو قال: ما أجود ما غنّى، فأمّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه وعاد أيوب، قال يزيد: أحسن أيوب.
قال ابن المديني: كان عكرمة إباضياً، وكان يتّهم بالكذب، قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: حدّثني والله عن أيوب أنّه ذكر له عكرمة لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: وكان يصلّي؟!
قال ابن أبي خيثمة (ت279ه-) في تاريخه الكبير: وسمعت مصعباً يقول: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، وادّعى على عبد الله بن عبّاس أنّه كان يرى رأي الخوارج(1).
(لجنة الامتحان) تظهر كذبه
وروى ابن أبي خيثمة، عن صالح بن حاتم بن وردان، قال: نا أبي، قال: اجتمع حفّاظ ابن عبّاس على عكرمة، فيهم: عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عبّاس، قال: فجعل يحدّثهم، وسعيد كلّما حدّث بحديث وضع إصبعه الإبهام على السبابة -- أي سواء -- حتّى سألوه عن الحوت وقصّة موسى عليه السلام، فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء، فقال سعيد: أشهد على ابن عبّاس أنّه قال: كانا يحملانه في مكتل -- يعني الزنبيل -- .
قال ابن أبي خيثمة: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثني من يسمع حمّاد بن زيد يقول: سمعت أيوب وسُئل عن عكرمة كيف هو؟ فقال أيوب: لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه.
وكذبة له أُخرى:
روى ابن أبي خيثمة بسنده عن إبراهيم -- النخعي -- قال: لقيت عكرمة فسألته عن: الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى(2)؟ فقال: يوم القيامة، فقلت: إنّ عبد الله
-- ابن عبّاس -- كان يقول يوم بدر. فأخبرني من سأله بعد ذلك، فقال: يوم بدر.
وروى ابن أبي خيثمة بإسناده عن أيوب، قال: أخبرني من مشى بين سعيد بن المسيب وعكرمة في النذر، فقال سعيد: يوفى به، وقال عكرمة: لا يوفى به، فأخبر به سعيد بن المسيب، فقال: لا ينتهى عبد ابن عبّاس حتّى يُجعل في عنقه حبل ويطاف به، قال: فأخبرت عكرمة، فقال: أنت رجل سوء، قال: ولم؟ قال: تخبره كما أخبرتني، قال: قال لله؟ فإن قال: (إنه إنه) ليكذبن وإن زعم أنّه لغير الله فما فيه وفاء.
وكذبة ثالثة:
روى ابن أبي خيثمة، وأبو القاسم الكعبي، والخطيب البغدادي في مسألة المسح على الخفّين، واختلافه في النقل عن ابن عبّاس، واللفظ للخطيب: قال قتادة لعكرمة: إنّ ابن عبّاس بلغني أنّه كان يمسح، قال: ابن عبّاس إذا خالف القرآن لم يؤخذ عنه، قال همام في هذا الحديث عن قتادة، قال: قلت لعكرمة: لولا ابن عبّاس ما سألك أحد عن شيء.
قلت -- القائل هو الخطيب -- : كان ابن عبّاس أعلم بكتاب الله من عكرمة(1).
فهذا الحسن البصري قد أكذب عكرمة، فقد قيل له: أنّ عكرمة يقول هو الخصاء في قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ(2)، فقال: كذب عكرمة، هو
دين الله(1).
وقال مجاهد: كذب عكرمة، إنّما هو دين الله في تفسير الآية (119) النساء: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ....
وقيل للحسن: إنّ عكرمة يقول: هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين الله. (الكشاف) في تفسير الآية. وهذا في (البحر المحيط) أيضاً في تفسير الآية، وفي تفسير (السراج المنير) كذلك، وفي (هميان الزاد) لأطيمش الإباضي مثله.
وتبقى أحاديث عكرمية مردّدة بين الاثنين من موالي ابن عبّاس، ويمكن استخراج ما روي عن عكرمة في فضائل الإمام عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام عن ابن عبّاس، فهي برواية عكرمة غير الإباضي أشبه، وهو الذي سمّيته بالمستقيم، وإليك بعض تلك الروايات:
-- في (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى): (قال عكرمة: وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يحدّث فيقول: أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، وقال صلي الله عليه وآله وسلم: يا عليّ! إنّك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)(2).
-- في (تفسير العياشي): (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ما في القرآن آية: الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ، إلاّ وعليّ أميرها وشريفها، وما من
أصحاب محمّد رجل إلاّ وقد عاتبه الله، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير)(1).
-- في مناقب ابن شهر آشوب، نقلاً عن (تذكرة سبط ابن الجوزي):
(قال عكرمة: وسمع -- ابن عبّاس -- أقواماً يتناولون عليّاً عليه السلام، فقال: ويحكم أتذكرون رجلاً كان يسمع وطء جبريل عليه السلام فوق بيته)(2).
-- في (تذكرة الخواص في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام): (قال عكرمة: ومنها قوله تعالى: فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ(3)، قال عكرمة: الذي ينتظر أمير المؤمنين)(4).
-- في (الكشف والبيان) للثعلبي في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ...(5): (قال عكرمة: كان عليّ يتوضأ عند كلّ صلاة ويقرأ هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)(6).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: جعل عليّ يغسّل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فلم ير منه شيئاً ممّا يرى من الميت، وهو يقول: بأبي أنت وأُمّي ما أطيبك حيّاً
1) - تفسير العياشي 2/352، وهذا المتن أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام بخمسة أسانيد؛ فراجع.
2) - المناقب 2/24، وقد أخرجه أحمد في فضائل الصحابة بزيادات القطيعي برقم 234، تح المرحوم الطباطبائي.
3) - سورة الأحزاب/23.
4) - تذكرة الخواص 1/ 186 فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، ط1 المجمع العالمي 1426ه- .
5) - سورة المائدة/6.
6) - تفسير الثعلبي 4/24، ط دار إحياء التراث، بيروت 1422ه- .
وميتاً)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(2)، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ولئن مات أو قتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارثه، ومن أحقّ منّي)(3).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: بلغ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أصابته خصاصة، فخرج يلتمس عملاً يصيب به شيئاً ليغيث به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، فأتى رجلاً من اليهود وقد استقى له تسعة عشر دلواً، كلّ دلو بتمرة، فجاء بها عليّ إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، فقال: (من أين لك هذا يا أبا الحسن؟).
قال: بلغني ما بك فخرجت ألتمس عملاً أصيب به لك طعاماً، قال: (حملك على هذا حبّ الله ورسوله؟).
قال: نعم، قال: (من أحبّ الله ورسوله فليعدّ للبلاء تجفافاً))(4).
1) - فضائل الإمام لأحمد بن حنبل: 274 برقم 233.
2) - سورة آل عمران/144.
3) - فضائل الإمام لأحمد بن حنبل: 274 برقم 232.
4) - في تهذيب اللغة 11/64، وفي حديث علي: من أحبّنا فليعدّ للفقر جلباباً أو تجفافاً، ونحوها في لسان العرب، والتجفاف: ما يوضع على الخيل من حديد أو غيره في الحرب، والخبر أخرجه محمّد بن سليمان الكوفي في مناقبه 2/487 برقم 1122، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق في ترجمة الإمام عليه السلام 2/439 بتفاوت يسير.
وللخصاصة في حياة الإمام عليه السلام أخبار جَلّ أمرُها، فحسُن ذكرها، وإلى القارئ بعضها في آخر هذا الفصل --
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين)، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: (لم يكن معي من الرجال غيره))(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (خلق الله قضيباً من نور قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة آلاف عام، فجعله أمام العرش، حتّى كان أوّل مبعثي فشقّ منه نصفاً، فخلق منه نبيّكم، والنصف الآخر عليّ بن أبي طالب))(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لعليّ أربع خصال: هو أوّل عربيّ وعجميّ صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي كان معه لواؤه في كلّ زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس -- أحد -- انهزم الناس كلّهم غيره، وهو الذي غسّله، وهو الذي أدخله قبره)(3).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لفاطمة: (ما ألوتك يا بنية، إنّي أنكحتكِ أحبّ أهلي إليَّ))(4).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي رزقوا فهماً وعلماً، ويل للمكذبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي))، وقال ابن عساكر: هذا حديث منكر فيه غير واحد من المجهولين(1).
أقول: لولا الإطالة لذكرت الرواة وفحص أحوالهم، ولنغضّ الطرف عنهم فعلاً، ولكن المهمّ في المتن هل يرى فيه نكارة عند من يقرأ ما أخرجه ابن المغازلي الشافعي -- المالكي -- في مناقبه(2)بألفاظ متقاربة، كما يلي:
أ -- عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله: (من أحبّ أن يتمسّك بالقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله في جنّة عدن فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).
ب -- عن السندي، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من أحبّ أن يتمسّك بالقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله لنبيّه في جنّة عدن فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).
ج -- عن عليّ بن الحسين عليه السلام ، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من أحبّ أن يتمسّك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله بيده في جنّة عدن فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، قال: (إنّما رفع الله القطر عن بني إسرائيل بسوء رأيهم في أنبيائهم، وإنّ الله عزّ وجلّ يرفع القطر عن هذه الأُمّة ببغضهم عليّ بن أبي طالب))(1).
-- (عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: ما في القرآن آية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إلاّ عليّ رأسها)(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ما نزل في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إلاّ وعليّ سيدّها وشريفها وأميرها، وما أحد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ وقد عاتبه الله في القرآن، ما خلا عليّ بن أبي طالب، فإنّه لم يعاتبه في شيء منه)(3).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ما ذكر الله في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إلاّ وعليّ شريفها وأميرها، وقد عاتب الله أصحاب محمّد في آي من القرآن، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير)(4).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله طهّر
قوماً من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم، وإنّ عليّاً لأوّلهم))(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: ما في القيامة راكب غيرنا نحن أربعة.
فقام إليه عمّه العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: ومن هم يا رسول الله؟
قال: أمّا أنا فعلى البراق وجهها كوجه الإنسان، وخدّها كخدّ الفرس، وعرفها من لؤلؤ ممشوط، وأذناها زبرجدتان خضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة تتقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس، بلقاء محجّلة، تضيء مرّة وتنمى أُخرى، يتحدّر من خدّها مثل الجمان، مضطربة في الخلق أذناها، ذنبها مثل ذنب البقرة، طويلة اليدين والرجلين، أظلافها كأظلاف البقر من زبرجد أخضر، تجد في مسيرها، تمرّ كالريح وهي مثل السحابة لها نفس كنفس الآدميين تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل.
قال: فقال العبّاس: ومَن يا رسول الله؟
قال: وأخي صالح على ناقة الله، وسقياها [كذا] التي عقرها قومه.
قال العبّاس: ومَن يا رسول الله؟
قال: وعمّي حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله، وأسد رسول الله، وسيّد الشهداء على ناقتي العضباء.
قال العبّاس: ومَن يا رسول الله؟
1) - تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليه السلام 2/439.
قال: وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنّة، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قضبانها من الدرّ الأبيض، على رأسها تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركناً، ما من ركن إلاّ وفيه يا قوتة حمراء تضيء للراكب المحثّ، عليه حلتان خضراوان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.
فيقول الخلائق: ما هذا إلاّ نبيّ مرسل، أو ملك مقربّ. [أو حامل عرش، فينادي مناد من بطنان العرش: ما هذا ملك مقرّب] ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول الله ربّ العالمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين.
ثمّ قال ابن عساكر: قال الخطيب: بعد ذكر الحديث، لم أكتبه إلاّ بهذا الإسناد وابن لهيعة ذاهب الحديث)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس أنّه قال: إذا بلغنا شيء تكلّم به عليّ من فتيا أو قضاء وثبت لم نتجاوزه إلى غيره)(2).
-- (عن سماك بن حرب، قال: سمعت عكرمة يحدّث عن ابن عبّاس،
1) - تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليه السلام 2/334، راجع كتاب (عليّ إمام البررة) تجد توثيق ابن لهيعة، ويكفي في المقام فعلا قول الذهبي في سير أعلام النبلاء 8/11: القاضي الإمام العلاّمة محدّث ديار مصر... وكان من بحور العلم على لين في حديثه، وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وحدّث عنه أحمد بحديث كثير (تهذيب الكمال 15/494).
2) - تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليه السلام 3/46.
قال: إذا حدّثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الموت، لقى العبّاس عليّاً، فقال له: يا عليّ! إنّي والله أعرف في وجوه بني عبد المطّلب إذا نزل بهم، وقد رأيت الموت قد نزل برسول الله، فانطلق بنا إليه، فنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا فذلك الأمر الذي نريد، وإن سمّى غيرنا سألناه أن يوصيه بنا.
فقال عليّ: لم أكن لأفعل أبداً، والله إن سمّى غيرنا لم يعطناها العرب أبداً.
قال: فقال العبّاس: إنّك يا عليّ لم ممّا يعظم بالمتجرة، وكأنّي بك بعد ثلاث عبد العصا)(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خرجنا مع عليّ إلى الجمل ستمائة رجل، فسلكنا على الربذة فنزلناها، فقام إليه ابنه الحسن بن عليّ فبكى بين يديه، وقال: إإذن لي فأتكلّم؟
فقال عليّ: تكلّم ودع عنك أن تحن حنين الجارية.
فقال حسن: إنّي كنت أشرت عليك بالمقام، وأنا أشير به عليك الآن: إنّ للعرب جولة، ولو قد رجعت إليها عوازبُ أحلامها قد ضربوا إليك آباط الإبل حتّى يستخرجونك ولو كنت في مثل جحر الضبّ.
فقال عليّ: أتراني لا أبا لك كنت منتظراً كما ينتظر الضبع اللدم)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال عمر لعليّ: عظني يا أبا الحسن.
قال: لا تجعل يقينك شكّاً، ولا عملك جهلاً، ولا ظنّك حقّاً، واعلم أنّه ليس لك من الدنيا إلاّ ما أعطيت فأمضيت، وقسمت فسوّيت، ولبست فأبليت.
قال: صدقت يا أبا الحسن)(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا قدم عليّ من صفّين قام إليه شيخ من أصحابه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن مسيرنا إلى أهل الشام بقضاء وقدر؟
فقال عليّ: والذي فلق الحبّة ما قطعنا وادياً، ولا علونا تلعة إلاّ بقضاء وقدر.
فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي.
فقال عليّ: ولم؟ بل عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم مصعدون، وفي منحدركم وأنتم تنحدرون، وما كنتم في شيء من أموركم مكرَهين، ولا إليها مضطرين.
فقال الشيخ: كيف يا أمير المؤمنين والقضاء والقدر ساقنا إليها؟
قال: ويحك لعلّك ظننته قضاءً لازماً وقَدَراً حاتماً! لو كان ذلك لسقط الوعد والوعيد، ولبطل الثواب والعقاب، ولا أتت لائمة من الله لمذنب، ولا محمّدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ذلك مقال إخوان عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وهم قَدَرية هذه الأُمّة ومجوسها، ولكن الله تعالى أمر بالخير تخييراً، ونهى عن الشرّ تحذيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملك تفويضاً، ولا خلق السماوات والأرض وما ترى فيهما من عجائب آياتهما باطلاً، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.
قال الشيخ: يا أمير المؤمنين! فما كان القضاء والقدر اللذين فيه مسيرنا ومنصرفنا؟
قال: ذلك أمر الله وحُكمه، ثمّ قرأ عليّ: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ(1)، فقام الشيخ تلقاء وجهه، ثمّ قال:
أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته *** يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً *** جزاك ربك عنا فيه إحسانا(2)
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أشقى الخلق قدار بن قدير عاقر ناقة صالح، وقاتل عليّ بن أبي طالب).
[ثم] قال ابن عبّاس: ولقد أمطرت السماء يوم قتل عليّ دماً يومين
متتابعين)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لوددتُ أنّها في قلب كلّ إنسان من أُمّتي -- يعني: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ(2)-- )(3).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من قال: جزى الله محمّداً عنّا ما هو أهله، أتعب سبعين كاتباً ألف صباح)، وقد رواه عن عكرمة جعفر بن محمّد = الصادق عليه السلام)(4).
أقول: لا مجال لاحتمال أن يكون عكرمة الرواي لهذه الأخبار، هو عكرمة البربري الخارجي الذي يقول بقول الخوارج.
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ الله فضّل محمّداً على أهل السماء وعلى أهل الأرض.
فقال له رجل: يا بن عبّاس! وما فضله على أهل السماء؟
قال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول لأهل السماء: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(5)، وقال الله عزّ وجلّ لمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ‡ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ(1)الآية. فقيل له: يا أبا عبّاس! فما فضله على الأنبياء؟
قال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ(2)، وقال الله عزّ وجلّ لمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً(3)، فأرسله الله إلى الإنس والجنّ).
قال محقّق معجم الطبراني: قال في المجمع (8/255) ورجاله رجال الصحيح غير الحكم بن أبان وهو ثقة، ورواه أبو يعلى باختصار كثير(4).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: بينما رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بجالس مع خديجة، إذ أتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا محمّد! اقرأ خديجة مني السلام وبشرّها ببيت في الجنّة من قصب، لا أذى فيه ولا نصب)(5).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ: يا رسول الله! إنّك قلت لي يوم أحد حين أخّرت عن الشهادة، واستُشهد من استُشهد: (إنّ الشهادة من ورائك).
قال: (كيف صبرك إذا خضبت هذه من هذه؟) وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه.
فقال عليّ: أما بيّنت ما بيّنت فليس ذلك من مواطن الصبر ولكن هو من مواطن الشكر والكرامة)(1).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما)، قال: أقبل عليّ من اليمن، فلقي رسول الله بالجحفة، فقال: (بما أحرمت يا عليّ؟)
قال: بمثل الذي أحرمت به يا رسول.
فأشركه في بُدنه)(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يلبس خاتمه في يمينه)(3).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ عمرو بن العاص صلّى بالناس وهو جُنب، فلمّا قدموا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فسأله عن ذلك؟
فقال: يا رسول الله! خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله عزّ وجلّ: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(4)، فسكت عنه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)(5).
1) - معجم الطبراني الكبير 11/295 برقم 12043.
2) - معجم الطبراني الكبير 11/184 برقم 11584.
3) - معجم الطبراني الكبير 11/186 برقم 11589.
4) - سورة النساء/29.
5) - معجم الطبراني الكبير 11/187 برقم 11593، راجع كتابي علي إمام البررة 3/129 -- 180 في ذكر غزوة ذات السلاسل ستجد تفصيل ما جرى فيها من أحداث، حريّ بالمراجع الرجوع إلى المصدر، ليرى مدى التعتيم على الحقائق لحساب الحاكمين.
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: إنّ الله يقول: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(1)، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قُتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت أو أقتل، والله إنّي لأخوه ووليّه ووارثه وابن عمّه، ومن أحقّ به منّي)(2).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث خيلاً فأسهبت شهراً، لم يأته منها خبر، فنزلت: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً(3)، ضبحت بمناخرها... إلى آخر السورة)(4).
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: (ليس في المفصل سجدة) قال
-- عكرمة -- فلقيت أبا عبيدة فذكرت له ما قال ابن عبّاس: (ليس في المفصل سجدة)، قال: قال عبد الله -- يعني ابن مسعود -- سجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والمؤمنون والمشركون في النجم فلم نزل نسجد بعده)(5).
1) - سورة آل عمران/144.
2) - وهذا الحديث أخرجه النسائي في الخصائص ص61 برقم 65، تح الداني بن منير الزهوي، ط المكتبة العصرية صيدا بيروت، وفي ص80 -- 83 من طبعة المعلاّ بالكويت تح أحمد ميرين البلوشي سنة 1406ه-، والحاكم في المستدرك 3/126، وابن أبي حاتم في التفسير 3/777/4261، والقطيعي في زوائد مسند أحمد برقم 1110، والحمويني في فرائد السمطين 1/424، وأبو نعيم في معرفة الصحابة 1/424.
3) - سورة العاديات/1.
4) - أسباب النزول للواحدي في سورة والعاديات ضبحا.
5) - راجع الجزء 7 من الموسوعة ص407، نقلا عن السنن الكبرى للبيهقي 2/314.
-- (عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم سجد فيها -- النجم -- وسجد فيها المسلمون والمشركون والجنّ والإنس). وهذا رواه البخاري في صحيحه(1).
-- (عن عكرمة: أنّ ابن عبّاس سُئل عن السجود في سورة (ص)؟
فقال: ليس من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يسجد فيها)، كسابقه في البخاري(2).
فهذه أربعون حديثاً وردت عن عكرمة عن ابن عبّاس، وهي عندي أشبه أن تكون من روايات عكرمة المستقيم، إذ لا يعقل أن يروي عكرمة البربري الخارجي وهو من -- الخوارج الذين كفّروا عليّاً عليه السلام منذ أيام التحكيم -- إنّ ابن عبّاس قال: (فرض الله الاستغفار لعليّ في القرآن على كلّ مسلم، قال: وهو قوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(3)، وهو السابق).
وابن عبّاس هو الذي قال: (كنت مع عليّ بن أبي طالب فمرّ بقوم يدعون، فقال: ادعوا لي فإنّه أمرتم بالدعاء لي، قال الله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وأنا أوّل المؤمنين إيماناً)(4).
1) - المصدر نفسه.
2) - المصدر نفسه.
3) - سورة الحشر/10.
4) - أخرجه والذي قبله الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 2/249 -- 250، ومن الطريف أنّه روى هذا الحديث بسنده إلى المأمون العبّاسي، عن أبيه الرشيد، عن أبيه المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه، عن أبيه، عن عبد الله بن عبّاس، ورواية المأمون عن آبائه إلى المنصور كلّها سماعاً بالتحديث الخاص.
ولقد مرّ بنا برقم (13) حديث عكرمة غمز فيه ابن عساكر سنداً، وأنا وثّقته متناً بما رواه ابن المغازلي وغيره ممّا يشابه المتن، ولمّا كان أبو نعيم قد روى ذلك الحديث في (حلية الأولياء) في آخر ترجمة الإمام عليه السلام في (ج1 ص86) بإسناده: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي)، ولم يغمز فيه سنداً، ولكنّه إذ لم يهضمه متناً، لما فيه من تهديد ووعيد للمكذبين بفضل أهل البيت عليه السلام فقال -- أبو نعيم -- فالمحقّقون بموالاة العترة الطيبة هم الذُبل الشفاه، المفترشوا الجباه، الأذلاء في نفوسهم الفُناة، المفارقون لمؤثري الدنيا من الطغاة، هم الذين خلعوا الراحات، وزهدوا في لذيذ الشهوات وأنواع الأطعمة وألوان الأشربة، فدرجوا على منهاج المرسلين، والأولياء من الصدّيقين، ورفضوا الزائل الفاني، ورغبوا في الزائد الباقي، في جوار المنعم المفضال، مولى الأيادي والنوال.
ونحن أيضاً نقول لأبي نعيم: إنّ ما ذكرته من تحقيق معنى الموالاة لا
كلام لنا فيه، ولكنّه لم يكن هذا في الحديث، وإنّما الحديث فيمن كذّب بفضلهم، والدعاء عليهم بالويل، والثبور أن لا تنالهم شفاعة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فلماذا أغمضت عينك عن ذكر هذا؟!
إنّها المعايير المزدوجة على حدّ قول الشاعر:
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** كما إن عين السخط تبدي المساويا
وإنّ عليّاً عليه السلام صاحب الترجمة قد قال من قبل: (واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فإنّهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق)(1).
ومن أكاذيب عكرمة البربري الخارجي ما زعمه في مسألة عقوبة المرتدّ بالتحريق، فقد رواها وجعل من ابن عبّاس نداً لعليّ عليه السلام، ونقاشاً بينهما، ورجوع عليّ عليه السلام عن فتياه إلى قول ابن عبّاس، وقد مرّ الكلام في هذا في الجزء الثامن(2)، والخامس عشر(3)من الموسوعة؛ فراجع.
كما مرّ في الجزء التاسع من أكاذيبه على ابن عبّاس نسبة القول له بالرؤية البصرية للذات الآلهية(1)فراجع تجد المناقشة في صحّة هذا الخبر، وكم لهذا من نظير.
ولنختم هذا الفصل بشيء عن الخصاصة التي عاشها المسلمون الأوّلون، وما عاناه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والذين معه من المهاجرين، وما كان من مفادات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لرفع تلك المعاناة، وهذا ممّا انفرد به دون غيره من الصحابة كبقية من مواقفه الشريفة سلام الله عليه، حتّى أنزل الله تعالى في أهل بيته قرآناً يتلى إلى يوم القيامة(2).
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء التاسع، المبحث الثالث/محاورات ابن عبّاس مع رموز الناكثين/نور على الدرب.
2) - راجع التفاسير: كشاف الزمخشري 4/197، والتفسير الكبير للرازي 3/244، والدرّ المنثور للسيوطي 6/485 وروح المعاني للآلوسي 29/270، وقال: ذكره الواحدي في البسيط وشواهد التنزيل 2/398 ط الأولى وغيرها تجد نزول الآيات 22، 50 من سورة هل أتى في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، ولاحظ.
حذّف(1)وخلاصة، من أخبار الخصاصة، من خلال آيات كريمة، تحكي ماضٍ مجيد، ومجد عتيد، وتاريخ مفيد، قال الله تعالى في سورة الحشر:
لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‡ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‡ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(2). 1- أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي النيسابوري في كتابه (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل)(3)بإسناده: (عن أبي هريرة، قال: إنّ رجلا جاء إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فشكا إليه الجوع، فبعث إلى بيوت أزواجه، فقلن: ما عندنا إلاّ الماء.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: من لهذا الليلة؟
فقال عليّ: أنا يا رسول الله! فأتى فاطمة فأعلمها.
فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبية، ولكنّا نؤثر به ضيفنا.
فقال عليّ: نوّمي الصبية، وأنا أطفئ للضيف السراج، ففعلت وعشّى الضيف، فلمّا أصبح، أنزل الله عليهم هذه الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ...، الآية.
2- وأخرج أيضاً بإسناده: (عن مجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، قال: نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام))(1).
3- وأخرج ثالثاً، بإسناده: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: فرض الله الاستغفار لعليّ في القرآن على كلّ مسلم، قال: وهو قوله: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، وهو السابق)(2).
4- وأخرج رابعاً، بإسناده: (عن المأمون العبّاسي، عن أبيه الرشيد، عن أبيه المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه [عبد الله]، عن أبيه [علي بن عبد الله]، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كنت مع عليّ بن أبي طالب، فمرّ بقوم يدعون، فقال: (ادعوا لي فإنّه أمرتم بالدعاء لي، قال الله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ،
وأنا أول المؤمنين إيمانا))(1).
أقول: وقد أخرج الخبر الأوّل السيوطي الشافعي في تفسيره (الدرّ المنثور) نقلاً عن ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم -- النيسابوري -- وابن مردويه، والبيهقي في (الأسماء والصفات)، -- جميعاً --: (عن أبي هريرة، قال: أتى رجل لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهم شيئاً، فقال: (ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى).
فقال رجل من الأنصار -- وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري -- : أنا يا رسول الله! فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لا تدخرين شيئاً.
قالت: والله ما عندي إلاّ قوت الصبية.
قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم وتعالي، فاطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ففعلت، ثمّ غدا الضيف على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال: لقد عجب الله من فلان وفلانة، وأنزل الله فيهما: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)(2).
فهل هذا الخبر هو الخبر الأوّل، وجرى عليه التحريف والتخريف؟ أم أنّ الواقعة متعدّدة؟! أم أنّ راوية الإسلام أبا هريرة هو الذي غيّر وبدّل
الأسماء والأدوار تبعاً لهواه؟!
كيف ما شئت فقل وظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر، فإنّ عسر الحياة بالمدينة المنوّرة على المهاجرين في أوائل سنيّ الهجرة كان أمراً معلوماً، والشواهد عليه كثيرة، وبالرغم من تعاطف الأنصار مع المهاجرين، وبعد المؤاخاة التي دعا إليها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقد كان يسرٌ بعد عسر عند بعضهم، ولكن شظف العيش هو الغالب على المهاجرين، حتّى قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم داعياً لهم على الصبر: (من صبر على لأواها وشدّتها -- يعني المدينة -- كنت له شفيعا)(1).
ولولا تلك المواساة، وروايات الترغيب لانفرط عقد المجتمع الإسلامي، لشدّة مقاساة الجوع الذي كانوا يعانون منه، وفي مصادر التراث شواهد معاناة النُخب المنظورة من الجوع، حتّى كانوا يخرجون وسط النهار في الحرّ اللاهب إلى المسجد النبويّ، عسى أن يجدو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أو أحداً من المسلمين فيفرّج عنهم ما هم فيه.
أولم يُخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن مردويه، كلّهم: (عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟
قالا: الجوع يا رسول الله!
قال: والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا، فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلمّا رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً.
1) - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/35.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أين فلان؟
قالت: انطلق يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أحد أكرم أضيافاً منّي، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر، فقال: كلوا من هذا، وأخذ المدية.
فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: إياك والحلوب.
فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلمّا شبعوا ورووا قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة)(1). انتهى ما أخرجه الحفاظ عن أبي هريرة ولم يعقّب أحد منهم على روايته.
فهل كان هو في المسجد أيضاً وأخرجه الجوع فرأى وسمع ما جرى في المسجد، ثمّ تبع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والشيخين إلى بيت الأنصاري، فرأى وسمع ما جرى هناك؟ أم أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أو أحد الشيخين حدّثه بما جرى؟ -- ولمّا كان الرجل معروفاً بالنهم وقد حدّث هو عن نفسه بأن كان يقع من شدّة الجوع بين المنبر والقبر -- فلا نتهمه بالوضع، بل كان معهم، ولعلّه سمع ذلك من عمر كما سمع ابن عبّاس ذلك من عمر؛ وحديثه أخرجه ابن المنذر، والبزّار، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل): (عن ابن عبّاس: أنّه سمع عمر بن الخطّاب يقول: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خرج يوماً عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالساً.
1) - تفسير الدرّ المنثور 8/560، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.
فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟
قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله.
ثمّ إنّ عمر جاء، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يابن الخطّاب! ما أخرجك هذه الساعة؟
قال: أخرجني الذي أخرجكما.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: هل بكما من قوّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب؟
فقلنا: نعم يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! فانطلقنا حتّى أتينا منزل مالك بن التيّهان أبي الهيثم الأنصاري)(1).
وأخرج ابن حبّان، وابن مردويه هذا عن ابن عبّاس بأوسع ممّا مرّ، وأنّ الضيافة كانت في منزل أبي أيوب الأنصاري، ولا حاجة لنا فيها، وقد روى خبرها آخرون من الصحابة، ومنهم: أبو عسيب مولى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وهو الذي ذكر أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة)، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتّى تناثر البسر، ثمّ قال: يا رسول الله! إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: (نعم إلاّ من ثلاث: كسرة يسدّ به الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يدخل فيه من الحرّ والبرد)(2).
وقد روى تسخّط الصحابة لما نزلت هذه الآية: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ(1)جمع من الحفّاظ وأئمّة الحديث، عن جماعة من الصحابة، قالوا: يا رسول الله عن أيّ نعيم نُسأل؟ وإنّما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا والعدوّ حاضر، فعن أي نعيم نُسأل؟
قال: (أما إن ذلك سيكون)(2).
وكان من الأسماء اللامعة في الصحابة من المتسخّطين عمر والزبير، ومن الذين رووا حالهم باستحياء، فقالوا: (قال الصحاب)، أو (قال الناس)، محمود بن لبيد، وأبو هريرة، وصفوان بن سليم، وأبو الدرداء، وابن الزبير، وهو الذي سمّى أباه الزبير في المتسخّطين، وأنّه هو صاحب المقالة التي مرّت من دون اسم.
ومهما كان، ومَن كانوا؟ لا يعنينا كثيراً بقد ما تعنينا معرفة السبب الذي غيّب أهل البيت وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب وغيره عن ذلك النعيم الذي قال عنه جابر بن عبد الله: (جاءنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هذا من النعيم الذي تسألون عنه))(3).
وفي هذه الأخبار وغيرها نحو تعتيم على أسماء الصحابة المتسخّطين
الذين كبرت عليهم كلمة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في النعيم الذي يسألون عنه في القيامة، فلم يذكر إلاّ اسم أبي بكر وعمر من المهاجرين الذين كانوا مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في الضيافات اللاتي كانت في بيت أبي أيوب، أو في بيت أبي الهيثم بن التيهان، أو في بيت جابر، فلماذا لم أجد في بيت واحد من هؤلاء سوى أبي بكر وعمر كانا مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟!
لهذا طفح السؤال الذي فرض نفسه: ما بال بقية العشرة المبشرة بالجنّة
-- كما يسمّون -- لم يحضر منهم أحد حتّى عليّ بن أبي طالب الذي هو أشدّ لصوقاً بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من غيره وأولاهم به؟! فهل كانوا شباعاً حين كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والشيخان جياعاً؟ إنّها سحابة الظنون التي تمطر من المسائل ما يظنّون وما لا يعلمون حول مَن هم الصحابة الذين كانوا من الفقر يعانون، وبأيّهم كان رواة المناقب يفتنون؟ ممّن خالفهم الحظّ ولم يحالفهم لحضور ذلك النعيم.
ومهما تهضّمنا فارغ الأعذار عن بقية رجال الأنصار الذين قاسموا المهاجرين ثمرات بساتينهم وأشركوهم في مصادر أرزاقهم، وأغمضنا النظر عمّا يَروون من إنفاق أبي بكر أمواله المودعة في صدور الرواة -- (ولا يعلم الغيب إلاّ الله) -- فصار حاله كحال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الذي لا يجد طعاماً يسدّ فورة جوعه، وكحال عمر الذي كان معهما في حالتي الجوع والشبع إلاّ أنه لم يكن راضياً بالتسليم لِما قاله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ هذا من النعيم)، وأخذ العذق
-- غاضباً ومغاضباً -- فضرب به الأرض حتّى تناثر البسر!
فاللافت للنظر! لماذا لم يدعوا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً معهم إلى تلك الضيافات ولو لمرّة واحدة؟! ولا واحداً من بقية العشرة المبشرة؟! أوليس عليّ عليه السلام هو
صاحب الخصاصة التي وصف حاله فيها بما يشجي أقسى القلوب حتّى يذوب، فلنقرأ ما قال:
1- روى الزبير بن بكار في (الأخبار الموفّقيات)، بسنده: (عن محمّد ابن كعب القرظي، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: لقد غدوت في غداة شانية جائعاً خصيراً(1)، وأيم الله لو كان في بيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم طعام لأطعمت منه، وقد أخذت إهاباً معطوناً(2)فجئت وسطه ثمّ شددته عليَّ بخوص ليدفئني، التمس كسباً لعلّي أجد شيئاً آكله، فمررت بيهودي وهو في حائط له ينزع منه بيده يسقيه، فاطعلت عليه من ثلمة في الحائط.
قال: يا أعرابي مالك؟ هل لك في كلّ دلو تمرة؟
فقلت: نعم، افتح الباب، ففتحه لي، فدخلت، فأعطاني دلواً فجعلت كلّما نزعت دلوا أعطاني تمرة، حتّى إذا امتلأت كفّي طرحت إليه دلوه، وقلت: حسبي، ثمّ أكلتهنّ وحمدت الله، وشربت من الماء الذي نزعت منه بكفي حتّى رويت، ثمّ أقبلت حتّى جئت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فوجدته في المسجد جالساً مع الناس، فجلست إليه، فبينا نحن عنده إذ طلع مصعب بن عمير(3)في بردة له خلق مرقوعة بفرو، قال: فجاء وهو مستحي يتقصى الناس
1) - الخصير من الخَصَر بالتحريك البرد، وقد خَصَر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه.
2) - الإهاب المعطون: الجلد المدبوغ.
3) - مصعب بن عمير من أجلاء الصحابة وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في أوّل من هاجر إليها، ثمّ عاد، وهو من السابقين إلى الإسلام، أسلم بعد دخول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، وكان فتى مكّة شباباً وجمالاً وتيهاً، وكان أبواه يحبّانه، فكانت أُمّه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكّة، يلبس الحضرميّ من النعال، وكان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يذكره ويقول: (ما رأيت بمكّة أحسن لمّة، ولا أرقّ حُلّة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير)، وقد بعثه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية، يقرئهم القرآن، ويفقّههم في الدين شهد بدراً وأُحداً واستشهد بأُحد، ولم يكن له إلاّ نمرة إذا غطّوا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطوا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (غطّوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر)، نقلاً عن الاستيعاب والإصابة في ترجمته. فهل عرفنا لماذا ذرفت عينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يومئذ حين رأى مصعب رضي الله عنه في بردة مرقوعة بفروة، ومات شهيداً ولم يكن له إلاّ نمرة تقصر عن ستر بدنه!
حتّى جلس في أدناهم، ورآه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فذكر ما كان فيه من النعمة، وذكر ما أصابه من الجهد في الإسلام.
قال: فذرفت عينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: (توشكون أن يغدو أحدكم في جفنة ويروح في أُخرى، وأن يُغدا على أحدكم بجفنة ويراح عليه بأُخرى، ويستر بيته كما يستر الكعبة، أفإنّكم يومئذ خير، أم أنتم اليوم)؟
قال: قلنا: يا نبيّ الله! نحن يومئذ خير منّا اليوم، كفينا المؤنة فتفرّغنا للعبادة.
قال: (بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ))(1).
2- وإليك رواية مشهدٍ آخر من مشاهد الخصاصة كابده عليّ عليه السلام كما كابده النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فأنقذه عليّ عليه السلام بما قاساه من عمل، فقد روى محمّد بن سليمان الكوفي في (مناقبه) بسنده: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: بلغ
1) - الأخبار الموفقيات: 373 برقم 229، ط الأوقاف بغداد.
عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أصابته خصاصة، فخرج يلتمس عملاً يصيب به شيئاً ليغيث به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأتى رجلاً من اليهود وقد استسقى له تسعة عشر دلواً، كلّ دلو بتمرة، فجاء بها عليّ إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: من أين لك هذا يا أبا الحسن؟
قال: بلغني ما بك فخرجت ألتمس عملاً أصيب به لك طعاماً.
قال: حملك على هذا حبّ الله ورسوله؟
قال: نعم.
قال: (من أحبّ الله ورسوله فليعدّ للبلاء تجفافاً(1)))(2).
3- ولقد تكرّر هذا من فعل الإمام عليه السلام غير مرّة، فقد روى محمّد بن سليمان الكوفي أيضاً في (مناقبه)، بإسناده، قال: (بينا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عنده نفر من أصحابه وقد مسّهم الجوع، فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عند امرأة منهنّ شيئاً، فبينا هو كذلك إذا هم بعليّ قد أقبل أشعث مغبّراً، حاملاً على عاتقه قريباً من صاع من تمر قد عمل بيده، فوضعه بين يدي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (مرحباً بالحامل والمحمول)، ثمّ أجلسه فنفض عن رأسه من التراب، ثمّ قال: (مرحباً بأبي تراب) فقرّبه، فأكلوا حتّى صدروا
-- يعني شبعوا -- ثمّ أرسل إلى نسائه إلى كلّ واحدة منهنّ طائفة منه)(1).
4- ومرّة رابعة فيما رواه أحمد، بإسناده: (عن إسماعيل بن إبراهيم: قال عليّ عليه السلام: جعت مرّة بالمدينة جوعاً شديداً، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدراً(2)فظننتها تريد بلّه، فأتيتها فقاطعتها كلّ ذنوب(3)على تمرة، فمددت ستّة عشر ذنوباً حتّى مجلت يداي، ثمّ أتيت الماء فأصبت منه، ثمّ أتيتها فقلت: بكفي هكذا بين يديها -- ومد إسماعيل أحد الرواة يديه -- فعدّت لي ستّ عشرة تمرة، فأتيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فأكل معي منها)(4).
5- ومرّة خامسة أخرجها أبو نعيم في (الحلية)(5)، وأحمد في (الفضائل) عن مجاهد، وصاحب مسند العشرة، جميعاً: (عن محمّد بن كعب القرظي: أنّ أمير المؤمنين رأى أثر الجوع في وجه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فأخذ أهاباً فحوى وسطه، وأدخله في عنقه، وشدّ وسطه بخوص نخل، وهو شديد الجوع، فاطلع على رجل يستقي ببكرة، فقال: هل لك في كلّ دلو بتمرة؟
فقال: نعم، فنزع له حتّى امتلأ كفّه، ثمّ أرسل الدلو فجاء بها إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم).
1) - المناقب 1/634 برقم 512، وفي 722 برقم 588.
2) - المَدَر جمع مدرة، مثل قصب وقصبة وهو التراب المتلبّد، قال الأزهري، المَدر قطع الطين، وبعضهم يقول: الطين العلك الذي لا يخالطه رمل، المصباح المنير 2/777، ط بولاق.
3) - الذنوب وزان رسول الدلو العظيمة، قالوا: ولا تسمّى ذنوباً حتّى تكون مملوءة ماء.
4) - في مسنده في مسند عليّ رقم 1135.
5) - الحلية 1/71.
وهذا هو ما نظمه الحميري بقوله:
حدّثنا وهب وكان امرؤاً *** يصدق بالمنطق عن جابر
إنّ عليّاً عاين المصطفى *** ذا الوحي من مقتدر قادر
عاينه من جوعه مطرقا *** صلّى عليه الله من صابر
وضل كالواله ممّا رأى *** بصهره ذي النسب الفاخر
يجول إذ مرّ بذي حائط *** يسقي بدلو غير مستأجر
قال له ما أنت لي جاعل *** بكلّ دلو مترع ظاهر
فقال: ما عندي سوى تمرة *** بكلّ دلو غير ما غادر
فانتزع الدلو إمام الهدى *** يسقى به الماء من الخاسر
حتّى استقى عشرين دلواً على *** عشر بقول العالم الخابر
ثمّ أتى بالتمر يسعى به *** إلى أخيه غير مستأثر
فقال ما هذا الذي جئتنا *** به هداك الله من زائر
فاقتصّ ما قد كان من أمره *** في عاجل الأمر وفي الآخر
فضمّه ثمّ دعا ربّه *** له بخير دائم ماطر(1)
6- وأخيراً ما رواه أبو نعيم أيضاً في (الحلية)، بسنده: (عن محمّد بن كعب، قال: سمعت عليّاً يقول: (لقد رأيتني أربط الحجر على بطني من شدّة الجوع على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وإن صدقتي اليوم لأربعون ألف دينار))(2).
وختاماً لقد صدق الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وآله وسلم وصدق عليّ عليه السلام.
فقد قال الله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ‡ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى(1).
وقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنتم اليوم خير منكم يومئذ).
وقال عليّ عليه السلام في آخر كتابه إلى قثم بن العبّاس وهو عامله على مكّة: (... ولا تكن عند النعماء بطرا، ولا عند البأساء فشِلا).
1) - سورة العلق/6 -- 7.
لقد تجنّى بعض المستشرقين على ابن عبّاس رضي الله عنه -- عن سوء قصد أو عن غير قصد -- إذ لم يفهموه على حقيقته، فنظروه بمنظارهم، فلم يزنوه بموازين عصره، في أهل بيته، ولا بموازين بيئته، فأساءوا فهمه، وجعلوه في ثقافته التفسيرية مديناً لبعض أهل الكتاب ممّن أظهروا الإسلام فيما عندهم، وتبع أولئك المستشرقين بعض من تأثّر بهم في آرائهم ممّن تثقّفوا عندهم، فقالوا في ابن عبّاس: (عن طريقه تسرّبت الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي في التفسير)، وهذه تهمة قد مرّ ذكرها والجواب عليها في الحلقة الثانية من الموسوعة، فقد ذكرت ينابيع معرفته، وكذب تلك الأطروحة
-- أخذه عن أهل الكتاب -- وسميّت النفر الذين زعم المستشرقون أنّ ابن عبّاس استمدّ منهم بعض معارفه، فقالوا: (فاستخدم روايات أهل الكتاب في تفسير القرآن)(1)، ولا أتجنى عليهم، ومن رام المزيد فليقرأ ما كتبه المستشرق اليهودي جولدتسيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي)، وقد ترجم كتابه هذا إلى العربية مرّتين:
الأولى: قام بها علي حسن عبد القادر، وطبعت لأوّل مرّة بالقاهرة سنة
1) - تاريخ الأدب العربي 4/7 الترجمة العربية، ط دار المعارف المصرية، انظركايتاني، وبوهل، وجولدتسيهر، وشواللي ص7 من المصدر.
1944م، وقد اعتمدها المرحوم الدكتور جواد علي في بحثه القيّم: (موارد تاريخ الطبري)، المنشور في مجلة المجمع العلمي العراقي ج1 من السنة الأولى بدءا من صفحة (150)، وذكر في الهامش أنّه سيرمز إليها ب-(المذاهب) فيما سيذكره عنها من النصوص.
أمّا الترجمة الثانية: فقد قام بها الدكتور عبد الحليم النجّار، ونشرت ترجمته مكتبة الخانجي بمصر ومكتبة المثنى ببغداد (سنة 1374ه- -- 1955م).
وقد وجدت تفاوتاً ما بين الترجمتين! وزاد في معاناتي التفاوت بينهما وبين ما نقله الدكتور محمّد باقر حجّتي عن أصل كتاب جولدتسيهر ترجمة النجّار، وهذا ما جعلني في حيرة من أمر كتاب ذلك المستشرق الهولندي (اليهودي) الذي نسبت إليه آراء شاذّة حول ابن عبّاس رضي الله عنه، ومع هذا فلا بدّ من احتمال المعاناة في المقارنة بين ما جاء في الترجمتين وما كتبه حجّتي في مناقشة جولدتسيهر في اتّهامه لابن عبّاس، ولم يكن هذا المستشرق هو الوحيد الذي غَمزَ وهَمزَ، بل هناك أيضاً أمثاله من المستشرقين ممّن تحامل بظلم عن سوء نيّة -- وهو الأقرب إلى واقع أبناء الصليب والصهيونية الحانقة على الإسلام والمسلمين، منذ أيام الإسلام الأولى وحتّى يومنا الحاضر -- .
ولمّا كان ابن عبّاس رضي الله عنه من أسرة نبيّ الإسلام، ومن المقرّبين المبرزّين من المسلمين إلى حظيرة نبيّ الإسلام وآله في معارفه، فلم لا تستهدفه سهام المستشرقين؟ ولو ببهتان يفترونه بهتاناً عظيماً، وقد بلغت القحّة ببعضهم
فقال إذ يتحدّث عن مدرسة ابن عبّاس فسمّاها: (ذات المسحة اليهودية)، وقال آخر: (وفي كلّ مشكلات التفسير يبدو ابن عبّاس كأنّه منبئ بأخبار الغيب، وأحياناً كأنّه مظهر إلهي).
مع أنّ واقع ابن عبّاس خلاف ذلك كلّه، وما كان أحد من المسلمين يقول فيه شيئاً من ذلك، ولا يتّفق ذلك الزعم مع عقيدة المسلمين مهما قالوا فيه من ثناء وإطراء، لكنّها القلوب المرضى لا تقبل واقع الحقائق، ألم يبهتوا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بالعظائم؟ حتّى حكى القرآن المجيد مقالة أضرابهم: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَ-ذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ(1).
ومهما كانت مواقف المستشرقين من ابن عبّاس متشجنّة، فلا بدّ لي من ذكر بعضها لبيان ما بهتوه به من اتّهام باطل لِما رأوه في بعض المصادر من روايات طاعنة، ولمّا كانوا في ثقافاتهم يتفاوتون إدراكاً ومدارك، فقد نعذرهم حين نراهم يعتمدون المصادر الإسلامية، ولكن العتب باق حين ينظرون إلى العملة من وجه واحد، فينظروا الجارح دون المادح، وليستدخلوا السياسة في التاريخ، ويفسّروها حسب الأهواء التي يركنون إليها، وهذا ما أوقع العديد منهم في مطبّات غائرة وعاثرة، ولمّا كانوا يختلفون زماناً ومكاناً، وسنّاً وشأناً، فلا غرابة لو وجدنا بعضهم يأخذ من بعض تقليداً ونادراً تجديداً، كما سيتّضح هذا فيما يلي من عرض أقوالهم..
1) - سورة النحل/103.
وسأذكر من رأيته ينقد ابن عبّاس نقداً لاذعاً في حديثه وتفسيره، أو آدابه وسلوكه، وأهم ما نقدوه به هو:
1- في كثرة رواياته عن الرسول صلي الله عليه وآله وسلم مع صغر سنّه.
2- في أخذه عن أهل الكتاب في تفسيره.
3- التشكيك في معرفته بالشاهد الشعري على كثرة مسائل نافع بن الأزرق الخارجي.
4- وأخيراً في سلوكه في ولايته بأخذه بيت مال البصرة.
وهذه النقاط وقد مرّ الكلام حولها في أجزاء الموسوعة في حلقاتها الثلاث، ولا أطيل الوقوف فعلاً عندها جميعاً، إلاّ ما دعت الحاجة إليه.
أسماء المستشرقين الذين نقدوا ابن عبّاس رضي الله عنه:
جاء في كتاب (المستشرقون)(1): تخرّج بالعربية على فلايشر في ليبزيج، ونال الأُستاذية برسالة عن ابن سعد، وهي أطروحته في الأُستاذية (ليبزيج 1869م)، والطبقات لابن سعد (المجلسة الشرقية الألمانية 23)...
حكى عنه جولدتسيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي)، فقال: (ولم يعد أوتولوث شاكلة الصواب إذ يتحدّث عن مدرسة ابن عبّاس ذات المسحة اليهودية)(2).
وقال فؤاد سزكين في (تاريخ التراث العربي): (...هذان كعب الأحبار وعبد الله بن سلام... وصفهما لوث: بأنّها لون يهودي في مدرسة ابن عبّاس)(1).
أقول: لقد مرّ في الحلقة الثانية الجزء السادس (شبهات كاذبة)(2)تفنيد هذه المزعمة، فعن كعب الأحبار فلم يأخذ عنه ابن عبّاس(3)، ولا عن عبد الله بن سلام(4)، ولا عن وهب بن منبه(5)، ولا عن أبي الجلد(6).
2- شبرنجر الهولندي (1813 -- 1893م)(7).
حكى عنه تحامله البغيض المرحوم الدكتور جواد عليه في مقاله الممتع النافع (موارد تاريخ الطبري) المنشور في (مجلة المجمع العلمي العراقي)، فقال:
(...دفعت هذه المشكلة -- التناقض والاختلاف الذي دوّنه الرواة في
1) - تاريخ التراث العربي 1/181.
2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/شبهات كاذبة.
3) - راجع الموسوعة، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/هل أخذ ابن عبّاس عن كعب الأحبار.
4) - راجع الموسوعة، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/هل أخذ ابن عبّاس من عبد الله ابن سلام.
5) - راجع الموسوعة، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/هل أخذ ابن عبّاس من وهب ابن منبه.
6) - راجع الموسوعة، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/هل أخذ ابن عبّاس من أبي الجلد.
7) - المستشرقون: 631.
مادّة واحدة مثلاً من أقوال ابن عبّاس -- شبرنكر إلى التحامل على ابن عبّاس فرماه بالكذب والبهتان، وأنا على يقين أنّه لو أعمل عقله ودرس هذه الأقوال المنسوبة إلى ابن عبّاس دراسة علمية دقيقة، ولو فكر في العوامل السياسية التي يمكن أن تكون هي المسؤولة أوّلاً عن ذلك، وهي لا تدخل في بحثنا هذا في زماننا.
أقول -- والقائل هو المرحوم الدكتور جواد علي --: لو فكّر في ذلك وتعمقّ في البحث عن هذه الأسباب ما تسرّع في حكمه هذا الذي تخالفه أيسر قواعد الجرح والتعديل)(1)اه- .
وأقول أنا: حسبنا بما كتبه المرحوم في نقده شبرنجر لتحامله على ابن عبّاس رضي الله عنه.
مستشرق الماني (1844 -- 1918م)، بدأ بدراسة اللاهوت لنقد التوراة، ثمّ تخرّج باللّغات الشرقية على ايفالد في جوتنجين، فعدّ من أشهر تلاميذه، وقد خلفه فيها، له آثار كثيرة، منها: كتاب (تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية) طبعه في برلين سنة 1902م، وقد ترجمه إلى الانجليزية وير، وأضاف إليه فهرسا ط كلكتا سنة 1927م، ونقله إلى العربية عن الألمانية، وعلّق عليه الدكتور محمّد عبد الهادي أبو ريده(2)،
وكان قد سبق أن ترجمه الدكتور يوسف العش، وطبع بمطبعة الجامعة السورية 1376ه- -- 1956م، وبين الترجمتين بعض الفروق أشرت إلى بعضها في نسختي.
وقد تحامل هذا المستشرق على ابن عبّاس بظلم لا هوادة فيه، فقد قال في صفحة (103): (فأمّا الخلاف الأكبر الذي يتجلّى فيه الغرض، فهو المتعلّق بمسلك عبد الله بن عبّاس جدّ الأسرة العبّاسية، ولا غرو أنّه في عهد الخلافة العبّاسية كان من يقول الحقّ عن هذا القدّيس يعرّض نفسه للأذى، وعلى الأقلّ كان لا بدّ إمّا إظهار الدور الذي لعبه في صورة أحسن ممّا كان، أو السكوت عن هذا الدور جملة(1)
ويحكي أبو مخنف أنّ ابن عبّاس قاتل قتال شديداً يوم صفّين، وكان على ميمنة جيش العراق (الطبري ج1 ص3286 -- 3286 -- 3289).
وكان عليّ يريد أن ينتدبه حَكَما في دومة الجندل (الطبري ج1/3333)، ولكن عليّاً رغم أنّه لم يستطع ذلك، بعثه إلى الدومة، وكان يكاتبه (الطبري ج1/3354) هو، متجاهلاً أبا موسى، ولكن أبا معشر (الطبري ج2/3273 س16)، واليعقوبي (ج3/254 س3) يقولان: أنّه في سنة (36ه-) وأيضاً في سنة (35ه-) كان أميراً على الحجّ، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون قد اشترك في موقعة صفّين على الإطلاق، ولذلك لا تعجب المدائني هذه الرواية، فيقول: (الطبري ج1/3448) متابعة لأبي معشر: إنّ عبد الله بن عبّاس لم يشهد الموسم في عمل حتّى قتل عليّ، وفي سنة 38ه- خرج عبد الله من البصرة إلى عليّ بالكوفة لكي يعزّي بنفسه صديقه الحبيب في خسارته بفقد مصر، ولم يرجع إلى البصرة إلاّ عندما انتقض الأمر في الولايات الفارسية، ووجه عبد الله زياد بن أبيه إلى فارس، وهذا ما يقوله المدائني (الطبري ج1 ص3414، 3430، 3443، 3449).
ويحكي أبو مخنف غير ذلك (الطبري ج1/3413، 3447) فيقول: إنّ عبد الله بن عبّاس عزى عليّاً بكتاب بعث به إليه من البصرة، وأنّ الذي وجّه زياداً إلى فارس هو عليّ نفسه لا ابن عبّاس، ثمّ ظهر ابن عبّاس مرّة أُخرى، لمّا أراد معاوية إكراه كبار الأشراف في المدينة على مبايعة ابنه يزيد، فيحكي المدائني (الطبري 2/175،176) أنّ خمسة نفر امتنعوا من البيعة، ويذكر منهم عبد الله بن عبّاس، ولكن معارضة ابن عبّاس هذه للطغيان، على ما فيها من بطولة لم تأت له بأية نتيجة، ولا بدّ أنه قد أوجعه كثيراً أنّ معاوية يريد تجاهله تماماً، وكذلك يتجاهله في هذه المسألة معظم الرواة.
عن هامش ص103.
.1) - يحكي سيف (144،6) أنّ عبد الله بن عبّاس منذ كان في المدينة كان موضع ثقة عليّ، وكان دائماً يمحضه النصح، ولكن عليّاً لم يكن يستمع لنصيحته، ثمّ عيّن والياً على البصرة، وفي أيام ولايته استنفر الناس وبعث منهم جيشاً لمعونة عليّ (الطبري ج3256 و3370).
ويؤخذ من رواية الزهري -- وهو راوية من أقدم الرواة توفي قبل العصر العبّاسي -- أنّ عبد الله بن عبّاس عرف ما أراده الحسن من مصالحة معاوية فسبقه وأخذ الأمان من معاوية، واشترط لنفسه على ما أصاب من أموال، ثمّ بعث إليه معاوية خيلاً عظيمة فخرج إليهم ليلاً حتّى لحق بهم، ونزل معسكر أهل الشام وترك الجيش الذي كان عليه بلا أمير، وعوانة يسكت في هذه النقطة.
أمّا اليعقوبي فهو يذكر بدلاً من عبد الله المشهور أخاه الأصغر عبيد الله ابن عبّاس.
وقد عرف المدائني اختلاف الرواة حول ما إذا كان عبد الله، أو عبيد الله هو الذي انتقل إلى جانب معاوية أيام الحسن (الطبري ج1/3456 وقارن
ص3453)(1)، فليس الأمر إذاً مجرد خلافات في الاسم بين المخطوطات مرجعها إلى الناسخ(2)، والمدائني يقرّر أنّ الذي انتقل هو عبيد الله لا عبد الله، وتابعه في ذلك عمر بن شبّة (الطبري 1/3453)، والصفحات التالية والبلاذري... ولكن عبيد الله كان والياً على اليمن من قبل عليّ، لمّا قاد بسر ابن أرطاة، جيش معاوية إلى هناك، ووقع ولدان صغيران له في يد بسر فذبحهما، وأصيبت أُمّهما بالجنون لذلك، ويقول الواقدي: أنّ هذه الحملة وقعت سنة 42ه-، ومعنى هذا أنّ عبيد الله كان ما يزال في اليمن في ذلك معادياً لمعاوية، فلا يمكن أن يكون قد انتقل إلى جانبه قبل ذلك بعام أو عامين.
ومهما يكن من شيء، فإنّه لا يمكن أن يكون الواقدي قد عرف شيئاً على الإطلاق عن هذا الانتقال.
أمّا عوانة فيقول: إنّ هذه الحملة وقعت في النصف من عام 40ه-، فلا يمكن أن يصدّق أحد أنّ عبيد الله يتعجّل إلى هذا الحدّ في مصالحة قاتل ولديه، على أنّه من الممكن معرفة الباعث الذي من أجله وضع اسم عبيد الله بدلاً من اسم عبد الله معرفة أسهل بكثير من العكس، فلم يكن يصحّ أن يظلّ لاحقاً بجدّ العبّاسيين -- الذين عاش المدائني في أيامهم، وكان موالياً لهم -- ذلك العار، وهو أن يكون أوّل من يصالح الأمويين الفجرة، أمّا أخوه
عبيد الله فلم يكن هناك بأس من التخلّي عن الدفاع عنه.
على أنّ ذكر عبيد الله محلّ أخيه عبد الله لا يمكن أن يلقي عن عبد الله الوزر إلقاءً تامّاً، فالأموال التي يقول الزهري أنّه أصابها، وأنّ معاوية أعطاها له كانت أموالاً من بيت مال البصرة، وكذلك الخمسة آلاف ألف التي أعطيت للحسن كانت هي ما في بيت مال الكوفة، ويؤيّد هذا ما يقوله أبو عبيدة (الطبري 1/3453 -- 3456) وهو يتفّق مع الزهري على أنّ عبد الله بعد مقتل عليّ خرج من البصرة، وشخص إلى الحسن، وأنّه عند ذلك حمل معه مالاً، وهو يسهّل الأمر على كلّ حال بأن يقول: إنّها كانت أرزاقاً قد اجتمعت له، وأنّه حمل معه مقدار ما اجتمع له، ومعنى هذا أنّه لم يأخذ أكثر ممّا قد استحقّه رزقاً له(1).
ولكن ممّا يستلفت النظر أنّ المدائني، وعمر بن شبّة، والبلاذري أيضاً لا ينكرون أنّ عبد الله خرج ببيت مال البصرة، غير أنّهم يزعمون أنّه فعل ذلك في عهد عليّ بعد موقعة النهروان بقليل، وأنّ ذلك لا علاقة له بانتقاله إلى جانب معاوية(2).
وعلى هذا تكون هناك خيانة مزدوجة، فابنا العبّاس المتشابهان كثيراً
1) - في رواية لابن شبّة (الطبري 1/3453 -- 3454) أنّ أبا الأسود الدؤلي شكا لعليّ أكل عبد الله ما تحت يده من أموال بغير علم عليّ، فكتب عليّ لابن عبّاس في الأمر، وانتهت المكاتبة بأن كتب ابن عبّاس لعليّ أن يبعث من يحبّ والياً بدلاً منه، وأنّه ظاعن عن منصبه، المترجم.
2) - لم يكونوا يعتبرون (إنقاذ) بيت المال شرّاً كبيراً، لأنّ العادة جرت بذلك (الطبري ج2/752 و872)، أمّا مصالحة معاوية فشيء لا يغتفر.
في الاسم قد تركا منصبهما، أحدهما بعد الآخر مباشرة على نحو مخز، وأثريا في هذه المناسبة بأخذ مبالغ كبيرة من المال، ولكن الأرجح أنّ ذلك لم يحدث إلاّ مرّة واحدة، وإذاً فالزهري على حقّ في أنّ المقصود هو عبد الله الذي كان موضع ثقة الحسن وثقة عليّ من قبل، لا عبيد الله، وأنّ عبد الله قد باع نفسه لمعاوية قبل أن فعل الحسن، بل نحن نجد في رواية المدائني أنّ عبد الله كان مع عليّ في سنة 39ه-، ولكن لا نلبث أن نجده بعد الصلح في مجلس معاوية (الطبري ج2/11)).
أقول: ولا غرابة من ولهازون من تحامله على ابن عبّاس كما سبق، بعد أن أعرب لنا مسبّقاً عن رأيه في ابن عبّاس، حيث قال: (أمّا عبد الله بن عبّاس الذي ولاّه عليّ على البصرة)، فقد أثبت أنّه والٍ غير أهل للولاية، وأنّه لا يعوّل عليه(1).
ولم يكتف بهذا، بل راح يتابع حملته المسعورة عليه بكلّ صلف، فقال وهو يتحدّث عن ولاية عبد الله بن عامر الأموي للبصرة ثانياً: (أمّا البصرة فقد غلب عليها سفهاؤها حتّى أكلوها، وضعف سلطان الدولة فيها، فكان السلب والقتل في الشوارع والأسواق فاشيين في النهار المبصر، وكان هذا هو الميراث الذي خلّفه عبد الله بن عبّاس، ولكن ابن عامر كان رجلاً ليّنا كريماً، لا يأخذ على أيدي السفهاء، وقد رأى كما رأى المغيرة في كبره من قبل ألاّ يضحّي بما كان يؤثره لنفسه من العافية في سبيل تأييد
1) - تاريخ الدولة العربية: 95.
سلطان الدولة، وكان لا يقطع يدَ لصٍ، فلمّا قيل له في ذلك؟ قال: (أنا أتألف الناس فكيف أنظر إلى رجل قطعت أباه أو أخاه؟)، وقد ضجر معاوية من ذلك آخر الأمر، فكتب إليه يستزيره في سنة 44ه-، فقدم على معاوية، فلمّا انتهت الزيارة سأله معاوية أشياء، وسأل هو معاوية أشياء، فكان ممّا سأله معاوية إيّاه أن يعتزل منصبه، وكان ممّا سأل هو معاوية ألاّ يحاسبه على ما أصاب من أموال، وأن يزوّجه ابنته هنداً، فزوّجه معاوية إياها، وهكذا صار ابن عامر ختناً وصهراً لمعاوية)(1).
أقول: أرأيتم كيف زاغ وراغ هذا المستشرق عن الحقائق، وألبس الحقّ لبوس الباطل! وقد مرّ منّي في الجزء الثالث من هذه الحلقة(2)ما يتعلّق ببيت مال البصرة، ونهب ابن عامر له في ولايته الأولى، وكيف تولاها ثانية؛ فراجع.
تخرّج باللّغات الشرقية على نولدكه، ذكره بروكلمان من مصادره فيما نسبه -- زورا -- إلى أنّ ابن عبّاس استخدم روايات أهل الكتاب لتفسير القرآن.
وسيأتي كلامه والردّ عليه عند ذكر بروكلمان.
المجري الهويّة اليهودي الديانة، تخرّج باللّغات السامية على كبار
أساتذتها في بودابست وليبزيج وبرلين وليدن، ولمّا نبه ذكره عيّن أُستاذاً محاضراً في كلّية العلوم بجامعة بودابست سنة 1873م، وانتدبته الحكومة للقيام برحلة إلى سوريا (1873م)، فصحب فيها الشيخ طاهر الجزائري مدّة، ثمّ تركها إلى فلسطين ومصر (1873 -- 1874)، حيث تضلّع من العربية على شيوخ الأزهر، ولا سيّما الشيخ محمّد عبده، متزيياً بزيّهم... وكانت له مكتبة أربت على أربعين ألف مجلّد في العلوم والفقه والفلسفة والفنون واللّغة والأدب، أسبغ على القسم الشرقي منها قيمة علمية بما علّقه عليه من الحواشي والاستدراكات والتحقيقات، وأضاف إليها نسخاً تبلغ آلاف(1).
قال نجيب العقيقي: آثاره وفيرة متنوّعة نفيسة عن الإسلام وفقهه والأدب العربي، أشهرها (اليهود) بالانجليزية... و(آداب الجدل عند الشيعة) بالألمانية (ليبزيج 1874م)... وله (العقيدة والشريعة في الإسلام)، نقله إلى العربية وعلّق عليه: الدكتور محمّد يوسف موسى أُستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلّية الحقوق بجامعة عين شمس بالقاهرة، والدكتور علي حسن عبد القادر أُستاذ بكلّية الشريعة بالأزهر، ومدير المركز الإسلامي بلندن.
والأُستاذ عبد العزيز عبد الحقّ مدير المركز الثقافي المصري بأكرا -- غانا، ونشرته دار الكتب الحديثة بمصر ومكتبة المثنى ببغداد، بحث المؤلّف في هذا الكتاب تاريخ التطوّر العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي، وله
1) - المستشرقون: 906، ط دار المعارف بمصر سنة 1965.
في هذا الكتاب بعض لفتات ذات قيمة أدبية حول نشأة التشيّع في أرض عربية بحتة، ودافع عنه في ردّ أوهام بعض المستشرقين الذين قالوا: أنّ التشيّع فارسي النشأة والعقيدة، فقال: وقد مال لاعتناق التشيّع -- مع كونه من الفرق المخالفة -- قبائل عربية تشبعت بالآراء الثيوقراطية وبشرعية حقّ عليّ في الخلافة، فأقبلت على تعاليمه في لهفة وحماسة لا تقلّ عن حماسة الإيرانيين.
حقيقة أنّ صفة المعارضة التي انطوى عليها، قد صادف عند الإيرانيين قبولاً وترحيباً، فانضووا بمحض اختيارهم تحت لواء هذه الفكرة الإسلامية التي أمكنهم أن يؤثروا بعض التأثير في نموها وترقّيها فيما بعد، وذلك بفضل فكرتهم الوراثية القديمة الخاصّة بالملكية الإلهية.
ولكن بوادر هذه الفكرة في الإسلام لا يشمّ منها وجود مثل هذا التأثير الإيراني، فالتشيّع كالإسلام عربي في نشأته وفي أصوله التي نبت منها(1).
ويبقى كتابه هذا كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، وما أكثر الشواهد على ما يُترك نحو ما حاول جاهدا إثبات أنّ في التراث الإسلامي (الحديث) آثار من الديانات السابقة، فقال: (فهناك جُمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد، وأقوال للربانيين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة، وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حٍكَم الفرس والهنود، كلّ ذلك
1) - العقيدة والشريعة في الإسلام: 230، ط الثانية نشر دار الكتب الحديثة بمصر ومكتبة المثنى ببغداد.
أخذ مكانه في الإسلام عن طريق (الحديث)، حتّى لفظ (أبونا) لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به، وبهذا أصبحت ملكاً خالصاً للإسلام بطريق مباشر أو غير مباشر تلك الأشياء البعيدة عنه)(1)، والمثل الحسن لذلك هو هذا المثل المعروف في الأدب العالمي للأعمى الذي كان يحمل كسيحاً يسرق فاكهة الأشجار، وهو مثال للمسئولية المشتركة بين الجسم والروح.
وهذا ما يظهر في الإسلام متمثّلاً في الحديث وسنده المتّصل: أبو بكر ابن عياش، عن سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عبّاس(2)
قال: فيقال: إنا نقضي بينكما، أخبرانا عن أعمى ومقعد دخلا حائطاً، فقال المقعد للأعمى: إنّي أرى ثمراً، فلو كانت لي رجلان لتناولته، فقال الأعمى: أنا أحملك على رقبتي، قال: فحمله فتناول من الثمرة فأكلا جميعاً فعلى من الذنب، قالا: عليهما جميعاً، قال: قضيتما على أنفسكم.
والمؤلّف نقله عن ابن قيّم الجوزية في كتاب الروح (حيدر آباد سنة 1318 ص294) وكلا المصدرين ليسا من كتب الحديث، وهذا الخبر لا يسلم من تجريح بعض رواته، فأبو بكر بن عياش قال فيه ابن معين: كثير الغلط جدّاً، وعن أحمد قال مثله، وقال ابن سعد: كثير الغلط، وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه اضطراب (الإفصاح 4/207)، وهذا يروي الخبر عن سعيد ابن المرزبان، وقال الفلاس: متروك، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث (الإفصاح 2/198).
وهذا يروي الخبر عن عكرمة، وعكرمة البربري الخارجي مطعون فيه ديناً ودنياً، وقد مرّت أقوال العلماء فيه وتكذيبه في روايته عن مولاه ابن عبّاس، وليكن هذا الخبر من بعض أكاذيبه على مولاه إن لم يكن من بعض رواته المجروحين، فتصيّده جولدتسيهر كشاهد على تأثر الثقافة الدينية في الإسلام بما مرّ قبله عن الديانات الأُخرى؟! (حنّ قدح ليس منها)، مثل يضرب لمن يتمدح بما لا يوجد فيه.
ما جاء في الهامش هو ممّا علّقه المؤلّف على ما جاء في المتن، وما كان تعقيباً منّي فأبدأه بكلمة أقول.
، وهذه المقارنة1) - لقد علّق الأُساتذة الثلاثة على كلام جولدتسيهر في هذا المقام، فقالوا: ذكر أنّ الأحاديث دخلها كثير من الآداب اليهودية والحكم الفلسفية، وهو بهذا يخلط بالحديث ما يؤثر عن مثل كعب الأحبار وغيره من الإسرائيليين، نعم في الحديث الصحيح شيء ممّا يوافق الإسرائيليات وبعض الأمثال العامّة، وهذه مصدرها الرسول كما هو مصدر غيرها، ولا شيء في هذا.
2) - أقول: روى هذا الخبر أبو القاسم قوام السُنّة الأصفهاني (ت525ه-) في كتابه الحجّة في بيان المحجّة 1/507، تح محمّد بن ربيع، ط 2 سنة 1419ه-، نشر دار الراية بالرياض، فقال: أخبرنا أبو محمّد عبد الرحمن بن محمّد بن علي الصوفي بمكّة، نا علي بن عبد العزيز، نا أحمد بن يونس، نا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد سعيد بن المزربان البقّال، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله عنه ، قال: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتّى يخاصم الروحُ الجَسَدَ، فيقول الروح: يا ربّ! إنّما كنت روحاً منك جعلتني في هذا الجسد فلا ذنب لي، ويقول الجسد: يا ربّ! كنت جسداً خلقتني ودخل فيّ هذا الروح مثل النار، فبه كنت أقوم، وبه كنت أقعد، وبه أذهب وبه أجيء فلا ذنب لي.
وتطبيقها نعرفهما كذلك عند الربانيين، فقد جاءت في التلمود على لسان الرباني (يهودا هاناسي) تطبيقاًِ لخاطر الملك الروماني، وتسكيناً لسلوكه وقلبه.
ولهذا المستشرق المجري اليهودي كتاب (مذاهب التفسير الإسلامي)، وقد ترجمه علي حسن عبد القادر، وطبع في القاهرة سنة 1944م، ثمّ ترجمه بعد ذلك الدكتور عبد الحليم النجّار، وطبع سنة 1955م بمطبعة السُنّة المحمّدية بمصر -- وهي التي اعتمدتها -- وله في هذا الكتاب هفوات كثيرة، منها ما يتعلّق بابن عبّاس، أذكر بعضاً منها، والتعقيب بذكر الصلاة على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم منّي.
قال في صفحة (83) (نجّار): (ومن بين جميع الصحابة الذين يعدّ
منهم أيضاً الخلفاء الأوّل وعائشة وأزواج أخر للرسول صلي الله عليه وآله وسلم يسمّون في حكم المسلمين على أنّه أعظم حجج الإسناد في الأهمية: عبد الله بن عبّاس، ابن عمّ الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وابن الجدّ الأكبر لأسرة العبّاسيين، فهو يعدّ معجزة التفسير، وبحر العلم(1)
أقول: إنّ الاشتراك في الألقاب والكنى على نحو الاشتراك في الأسماء، وكون من أشار إليهم ممّن لقبوا بهذا اللقب لا يغيّر شيئاً ولا يضرّ ابن عبّاس، ولدى مراجعتي المصادر التي ذكرها، فوجدت في المصدر الأوّل: قول الزهري: أدركت من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب، وعروبة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأوّل ما في هذا الخبر في عدّ الزهري هؤلاء الأربعة من قريش، فإنّ رابعهم لم يكن من قريش، بل هو من هذيل، وهو حفيد أخ عبد الله بن مسعود الصحابي الشهير، فإن كان الزهري قال هذا فهو كذب منه واضح، كما أنّه يشير إلى سوء فهم أو سوء قصد من جولدتسيهر.
2- أطلق هذا اللقب قبل ذلك على زيد بن ثابت (ابن سعد ج2 قسم2 ص111)، وسمّى الأعمش [حمزة بن] حبيب عن عمارة (أحد القرّاء السبعة وتوفي 156ه- -- 773م) حبر القرآن (أبو المحاسن بن تغري بردي نشر جونبول ج1 ص420).
أقول: هذا الذي أشار إليه في زيد بن ثابت قاله أبو هريرة، ومن نافلة القول تعريف أبي هريرة وعلاقته مع زيد بن ثابت في عثمانيته.
3- ابن سعد ج2 ق2 ص119. أقول: والصواب ص120.
، وحبر هذه الأُمّة(2)، ويسمّى أيضاً على وجه التفضيل: ترجمان القرآن(3)).1) - في تلقيب مختلفين بهذا اللقب؛ راجع ابن سعد ج2 ق2 ص131 ج3 ص133، أغاني ج8 ص92.
وقال في صفحة (84): (... الذي باركه الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، بل كذلك باركه جبريل الملك... وعليّ بن أبي طالب فحسب هو الذي يقال أنّه سمّاه عليه في فهم العلم(1)
أقول: ما ذكره من مباركة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم ومباركة جبريل عليه السلام كذلك، فقد تقدّم البحث في هذا في الجزء الأوّل من الموسوعة؛ فليراجع!
وأمّا ما أشار إليه بنحو التمريض بكلمة (يقال) سما -- يعني عليّ بن أبي طالب عليه السلام -- في فهم العلم، فهذا ممّا لا شكّ فيه، فلماذا التمريض بكلمة (يقال) وابن عبّاس نفسه يعترف بذلك مفتخراً: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب) (مقدمتان في علوم القرآن: 264)، مضافاً إلى أقوال أُخرى له ذكرتها في ينابيع المعرفة في أول الباب الأوّل من الجزء الأوّل من الحلقة الثانية = 6 من الموسوعة.
2- راجع الإحياء ج1/140.
أقول: لقد مرّ في ج2 من الموسوعة ص80 بحث عنوان (الحبر مع عمر)، وفيه ما يغني عن التطويل بالإعادة؛ فراجع!
3- ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين ج1/22، ومثل ذلك يروى في القصّة اليهودية عن عالم أهل الكتاب ابن عزاي: (كان إذا درّس أو علّم اشتعلت النار من حوله) (ذكر المصدر الأجنبي)، وقد ذكر ذلك كثيراً في الأدب الإسلامي.
أقول: لقد أساء جولدتسيهر فهم قول مجاهد، وقد راجعت المصدر فوجدت، قال مجاهد: (كان ابن عبّاس إذا فسّر الشيء رأيت عليه النور)، فإنّ الضمير في (عليه) يعود للشيء لوضوح تفسيره، فمن أين أتى جولدتسيهر بكلمة (وجهه).
، وقد قدّمه عمر وهو شاب على أقدم الصحابة وأفضلهم(2)، وتجلو للتصوّر الذهني رفيع اختصاصه بعمل المفسّر للقرآن كلمة منسوبة إلى تلميذه مجاهد: كان إذا فسّر آية من القرآن رأيت على وجهه النور(3).1) - الإحياء (بولاق) ج2ص46.
ولئن تراءى في مثل هذا التعظيم إعجاب الأجيال المتأخّرة بابن عبّاس(1)
أقول: لم يكن البلوي بدعاً من المؤلّفين الذين ذكروا ابن عبّاس رضي الله عنه ومناقبه، وقد مرّت أسماء الكثيرين في أجزاء الموسوعة.
2- ديوان (نشر...) قصيدة رقم 39 بيت 4 [وذلك حيث يقول:
وأبو الفضل وابنه الحبر عبد الله *** إن عيّ بالرئي الفقهاء
وأبو الفضل العبّاس بن عبد المطّلب، والرئي بكسر الهمزة لغة في الرأيٍ].
3- وأين الرواية التي زعمها، وما قيمتها في نظر رجال النقد (المترجم).
أقول: إنّ مراد جولدتسيهر بالرواية التي أشار إليها، وسائله المترجم عنها هي التي رويت عن ابن عبّاس أنّه قال: (جمعت المحكم على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال سعيد بن جبير: قلت له: ما المحكم؟ قال: المفضّل، وقبض وأنا ابن عشر سنين) (مقدمتان في علوم القرآن: 55)، وأمّا عن وجوه التفسير التي أرادها، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره 1/34 ط 2/1373ه- والطوسي في التبيان ج/7، والسيوطي في الإتقان 2/4 عن ابن عبّاس مرفوعاً، قال: (أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسّره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتاشبه لا يعلمه إلاّ الله، ومن ادّعى علمه سوى الله فهو كاذب)، وقد مرّ في الباب الثالث من الحلقة الثانية ما يتعلّق بالمقام فراجع ج7/107 من الموسوعة.
، لقد كان بعد فعلاً على عهد الشاعر (ابن قيس الرقيات) (في أواسط القرن الأوّل الهجري) الذي يعرضه في مناقب المجد والمعروف لقبيلة قريش:حبر الله الذي يستضاء بعلمه *** إذا عيّ بالبيان الصحيح(2)
وقال: وأخبار التفسير التي ترجع إليه تعدّ أكثر ماينال الإيثار والتفضيل من تبيان لفهم القرآن، وترى الرواية الإسلامية أنّه تلقى بنفسه في اتصاله الوثيق بالرسول وجوه التفسير التي يوثق بها(3) وحدها).
1) - ذكر البلوي فصّلاً في مناقبه ألف باء ج1/223 -- 225.
وقال في صفحة (85): (وأجدر بالتصديق الأخبار التي تفيد أنّ ابن عبّاس كان لا يرى غضاضة أن يرجع في الأحوال التي يخامره فيها الشكّ إلى من يرجو عنده علمها، وكثيراً ما ذُكر(1)
أقول: إنّ استعمال المؤلّف جولدتسيهر لفظ (كثيراً) كثيراً من دون ذكر شاهد واحد يفقده الثقة بأقواله، وسيأتي في الصفحة التالية نحو هذا أيضاً.
أنّه كان يرجع (كتابة) في تفسير معاني الألفاظ إلى من يدّعى أبا الجلد(2)أقول: لقد مرّ الكلام عن هوية أبي الجلد في شبهات كاذبة في الباب الأوّل من الجزء الأوّل من الحلقة الثانية = 6/149 -- 168؛ فراجع!
، والظاهر أنّه غيلان بن فروة الأزدي الذي كان يثني عليه بأنّه (قرأ الكتب)).وقال في صفحة (86): (وكثيراً ما تجد بين مصادر العلم المفضّلة لدى ابن عبّاس، اليهوديَين اللذَين اعتنقا الإسلام (كعب الأحبار)، و(عبد الله ابن سلام)...).
أقول: لقد مرّ في الجزء السادس من الموسوعة ما يكذّب هذا الزعم فراجع ص131 -- 142 عن كعب، ومن ص143 إلى ص145 عن عبد الله بن سلام.
1) معروف أنّ ابن عبّاس كان لا يضارعه أحد في التفسير، وكان يرجع إليه الصحابة في ذلك، فبعيد أنّه -- وهو ترجمان القرآن -- أن يرجع إلى من لا يعرف، لا سيّما في معاني القرآن كما يبني المؤلّف على ذلك فيما بعد، وما ذكره لا يعدو أن يكون تفسير لفظ لغوي (المترجم).
2) - مثلاً في الطبري 13/72 (في الآية/13 من سورة الرعد) في الكلام عن برق، إذ كتب إليه أبو الجلد أنّ معناه هنا المطر.
ومن عجيب أمر هذا المستشرق الذي أشار إلى تحذير ابن عبّاس عن الأخذ عن أهل الكتاب في الهامش نقل عن البخاري في الشهادات رقم/29 (يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب)، واعتصام رقم/26 حيث ختم تحذير ابن عبّاس بقوله: (ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم)، ومع هذا يقول: ولم يعد أوتولوث شاكلة الصواب إذ يتحدّث عن مدرسة ابن عبّاس ذات المسحة اليهودية(1).
وقال في صفحة (87 -- 88): (ولم يعدُ ابن عبّاس أولئك الكتابييَن اللذيّن دخلوا في الإسلام حججاً فقط في الإسرائيليات وأخبار الكتب السابقة التي ذكر كثيراً عنها من الفوائد(2)
أقول: لقد أشار جولدتسيهر في تعليقه في المقام إلى ثلاثة أخبار عند ابن سعد في الطبقات:
أوّلاً: ما ذكره في صفة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم بسنده: عن معن بن عيسى، عن معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عبّاس، إنّه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في التوراة؟
فقال: نجده محمّد بن عبد الله، مولده بمكّة، ومهاجره إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، ليس بفحّاش ولا صخّاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيّئة، ولكن يعفو ويغفر.
وهذا الخبر مخدوش سنداً ومتناً:
أمّا السند، فأوّل رجاله: معن بن عيسى، فبالرغم ممّا قيل فيه من ثناء، فقد قال أحمد: ما كتبت عنه شيئاً -- كما في ترجمته في تهذيب ابن حجر -- .
وثاني رجاله: معاوية بن صالح، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا تحدّث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث، وعن موسى ابن سلمة يقول: أتيت معاوية بن صالح لأكتب عنه فرأيت عنده -- أراه قال الملاهي -- فقال: ما هذا؟ قال: شيء يهديه إلي صاحب الأندلس، قال: فتركته ولم أكتب عنه.
وثالث رجاله: أبو فروة، فمن هو ذا المحظوظ بروايته عن ابن عبّاس أنّه سال كعباً؟ لا أحد يعرفه إذ لم يذكر بها الاسم غير رجل ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ج10/377، وسمّاه يزيد بن محمّد بن يزيد بن سنان المحدّث أبو فروة الرهاوي -- توفي سنة 269ه- في رمضان بالرها، وهو ذكره في كتابه المقتنى في الكنى 20/204، ولم يذكر فيه شيئاً، وقال (أيمن صالح شعبان) محقّق الكتاب: لم أقف على ترجمته، فهو مجهول حالاً، مضافاً إلى تأخّره زماناً.
فهذا حال السند، وأمّا من حيث المتن، فهو يستبطن كذبه، إذ قال فيه كعب: ويكون ملكه بالشام، فمتى ملك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الشام وهي لم تفتح في أيامه، ووقعة مؤتة تكفي في تكذيب هذا الخبر، ولا غرابة -- إن صحّ الخبر -- في رواية كعب له، فهو من الضالعين في ركاب الأمويين من أيام عثمان وولاية معاوية، وفيما أشار به إليه جولدتسيهر من خبر رواه ابن سعد في ترجمة عمر، ما ينمّ عن تآمره مع الأمويين في تدبير قتل عمر، (راجع أضواء على السُنّة المحمّدية ص116، ط الأولى).
والخبر الذي أشار إليه جولدتسيهر رواه ابن سعد في ترجمة عمر، قال: أخبرنا معن بن عيسى، قال: نا مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطّاب: أنّ عمر بن الخطّاب دعا أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، وكانت تحته، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين هذا اليهودي -- تعني كعب الأحبار -- يقول: إنّك على باب من أبواب جهنّم، فقال عمر: ما شاء الله، والله إنّي لأرجو أن يكون ربّي خلقني سعيداً، ثمّ أرسل إلى كعب فدعاه، فلما جاءه كعب، قال: يا أمير المؤمنين! لا تعجل عليَّ، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجّة حتّى تدخل الجنّة، فقال عمر: أي شيء هذا؟ مرّة في الجنّة ومرّة في النار؟! فقال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده إنّا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنّم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة.
فهذا الخبر مخدوش سنداً كسابقه، فمعن بن عيسى الذي لم يكتب عنه أحمد شيئاً، وهو عن مالك بن أنس وهذا هو الذي جرحه ابن أبي ذئب وابن إسحاق وغيرهما، وكان ضالعاً مع السلطان، وهو روى عن عبد الله بن دينار الذي قال فيه العقيلي: في رواية المشايخ عنه اضطراب (تهذيب ابن حجر في ترجمته) وهو عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطّاب المجهول الهوّية.
وأمّا ما في المتن من هناة وفجوات يكثر العثار فيها، وفي الطبري (ج4/191، ط دار المعارف) حوار بين كعب وعمر، وفيه: إنّك ميت ثلاث أيام، وفي ص191: دخل كعب مع الناس بعد الحادثة، فلمّا نظر إليه عمر أنشأ يقول:
فأوعدني كعب ثلاثاً أعدّها *** ولا شكّ إن القول ما قال لي كعب
، بل كان يسأل أيضاً كعب الأحبار1) - لم تعرف روايات ابن عبّاس على وجه اليقين، وأين سنده أو تفسيره حتّى يكون ذلك الحكم، وكلّ ما صحّ عن ابن عبّاس هو ما أشار إليه المؤلّف نفسه في التعليق رقم (1) ممّا روي عنه في البخاري أنّه كان ينهى عن سؤال أهل الكتاب وأخذ العلم عنهم (المترجم).
2) - انظر (...) وما نقله لسان العرب من أوصاف الرسول صلي الله عليه وآله وسلم مروي بطبيعة الحال عن كعب (انظر ابن سعد ج1 ق2 ص87)، وأي شيء لم يجده كعب في الكتب (انظر ابن سعد ج3 ن/1 ص240).
مثلاً عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيين أم الكتاب والمرجان)(1)
أقول: لقد أشار المؤلّف أوّلاً: إلى ما رواه الطبري ج17/126: عن القاسم، عن الحسين، عن معتمر ابن سليمان، عن أبيه، عن سيّار، عن ابن عبّاس أنّه سأل كعب الأحبار عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقُه عاملون، فقال لعلمه: كن كتاباً. وهذا خبر لا يصحّ لما في رجال سنده من تجريح، فمعتمر بن سليمان، قال فيه يحيى القطان: إذا حدثكم معتمر بن سليمان فاعرضوه فإنّه سيء الحفظ، وقال فيه ابن معين: ليس بحجّة، وأبوه سليمان هو ابن طرخان الذي قال فيه ابن معين: يدلّس، وقال أبو زرعة لم يسمع من عكرمة، وقال ابن المبارك: لم يسمع من أبي العالية، وقال يحيى بن سعيد: ما روى عن الحسن وابن سيرين، وقال أبو غسان النهدي: لم يسمع من نافع ولا عطاء، إلى غير هذا، وهو روى الخبر المذكور أعلاه عن سيّار، وهذا هو الأموي الدمشقي مولى معاوية، ويقال: مولى خالد بن يزيد بن معاوية شامي الولاء والهوى، ثمّ إن كان هو العنزي، فقد قال القواريري فيه: لم يكن له عقل، وقال العقيلي: أحاديثه مناكير، وقال الأزدي: عنده مناكير (راجع ترجمته في ج6/291 من الموسوعة.
هذا بالنسبة للحديث الأوّل الذي أشار إليه جولدتسيهر في اعتماده عليه في رواية ابن عبّاس عن كعب الأحبار، ولم يذكر الجواب عن المرجان؟!
وأمّا ما ذكره ثانياً، وقال: انظر ج17/9 (في الآية20 من سورة الأنبياء)، فقد نظرت فكان الطبري روى الخبر بسنده الآتي: عن يعقوب، عن ابن عُلّية، عن حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه: أنّ ابن عبّاس سأل كعباً عن قوله: ayebazيُسَبّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَayebaste سورة الأنبياء/20، (ويسبحون الليل والنهار لا يسأمون)؟ فقال: هل يئودك طرفُك؟ هل يئودك نَفَسُك؟ قال: لا، قال فإنّهم ألهموا التسبيح كما ألهمتهم الطرف والنفس.
أقول: لقد ساق الطبري الخبر، ولم يعقّب عليه بما فيه من تحريف في الآية الثانية التي ذكرها ابن عبّاس، فإنّ الموجود في القرآن ayebazيُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَayebaste، فهل يعقل أنّ التحريف كان من ابن عبّاس في قراءته؟ أو من الراوي عبد الله بن الحارث؟ أو من آخرين؟ ومهما يكن أمر ذلك، فما بال هذا الراوي عبد الله بن الحارث قال: قلت لكعب الأحبار: ayebazيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَayebaste، أمّا يشغلهم رسالة أو عمل؟ قال: يا بن أخي! إنّهم جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد وتجيء وتذهب وأنت تتنفس؟ قلت: بلى، قال: فكذلك جعل لهم التسبيح.
أقول: والسؤال الذي يفرض نفسه على عبد الله بن الحارث، إن كان صادقاً في خبره الأوّل عن ابن عبّاس في سؤاله كعباً عن هذه الآية، فما معنى سؤاله هو ثانياً من كعب، والجواب واحد! وإن كان سؤاله من كعب هو الأوّل، فما معنى روايته للخبر ثانية عن ابن عبّاس عن كعب، وليس في الجواب في الخبرين من فرق!
وأمّا ما أشار إليه جولدتسيهر ثالثا في الرجوع إلى الطبري في 27/69، فقد راجعت المصدر، فوجدت الطبري ذكر في تلك الصفحة 17 خبراً، منها ستّة عن ابن عبّاس وليس بينها واحد رواه عن كعب، ووجدت خبراً واحداً عن كعب رواه عنه شيخ من أهل الشام، حدّث به بمكّة، فأين هذا من ابن عبّاس عن كعب.
هل التحقيق بالتلفيق؟! ولماذا التشهير بالتزوير؟
.1) - الطبري 17/126 وانظر 17/9 (في الآية 20 من سورة الأنبياء) وج27/69.
ولا عجب من جولدتسيهر لو تنقّص ابن عبّاس فيما زعمه من أخذه عن كعب الأحبار وأمثاله، مستنداً إلى روايات تسقّطها من هنا وهناك، زاعماً لها صحّة الاستدلال بها، نحو ما ذكره في صفحة (88) حيث قال: (والظاهر أنّ المحور الذي تدور حوله مثل هذه الأخبار في الغالب هو افتراضات المسلمين في الزمن المتأخّر، ويدلّ على ما تستطيع أن تبلغه مثل هذه الافتراضات من طابع السذاجة، ما روي مثلاً من حصول اختلاف بين ابن عبّاس وعمرو بن العاص على قراءة كلمة (من لدنّي) في الآية 76 من سورة الكهف، هي بتشديد نون (لدنّي) أو بتخفيفها، وأنّ الاثنين قصدا إلى كعب الأحبار لتسوية هذا الخلاف (صحيح الترمذي ج2/193)).
أقول: لقد أخطأ جولدتسيهر في فهم ما رواه الترمذي، وهو ما ذكره في كتاب التفسير في أبواب القراءات، فقد قال: (حدّثنا أبو بكر بن نافع البصري، أخبرنا أُميّة بن خالد، أخبرنا أبو الجارية العبدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قرأ: قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً(1)مثقلّة.
قال أبو عيسى -- هو الترمذي --: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، وأُميّة بن خالد ثقة، وأبو الجارية العبدي شيخ مجهول لا أدري مَن هو ولا يُعرف اسمه)(2).
أقول: فهذا كلّ ما ذكره الترمذي في الآية المذكورة، فأين هذا ممّا نسبه إليه جولدتسيهر؟! وأحسبه توهّم في اسم أُبيّ بن كعب، فظنّه كعب الأحبار! ولكن الذي يبعدّه أنّه لم يرد فيه اسم عمرو بن العاص، فمن أين أتى به؟!
والجواب: أنّ الترمذي ذكر بعد ما تقدّم ما يتعلّق بقراءة: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ(1)، فقال: (حدّثنا يحيى بن موسى، حدّثنا معلّى بن منصور، حدّثنا محمّد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدّع أبي يحيى(2)، عن ابن عبّاس، عن أُبيّ بن كعب: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قرأ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ..
ثمّ تعقّبه، فقال: قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عبّاس قراءته، ويروى أنّ ابن عبّاس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لاستغنى بروايته ولم يحتجّ إلى كعب).
فهذا جميع ما ذكره الترمذي من حديث، غريب، ثمّ من رواية مرسلة ذكر فيها عمرو بن العاص، وهذا أيضاً غير صحيح.
وقد مرّ في الجزء الثالث عشر من الموسوعة(1)ذكر الخبر كما رواه السيوطي في (الدرّ المنثور) في تفسير الآية (86) من سورة الكهف، قال: (أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر: أن ابن عبّاس رضي الله عنه ذكر له أنّ معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية الكريمة في سورة الكهف (تغرب في عين حامية).
قال ابن عبّاس رضي الله عنه: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلاّ: حَمِئَةٍ.
فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟
فقال عبد الله: كما قرأتها.
قال ابن عبّاس رضي الله عنه: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب، فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟
فقال له كعب: سلّ أهل العربية فإنّهم أعلم بها، وأمّا أنا فإنّي أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى الغرب.
قال ابن أبي حاضر رضي الله عنه: لو أنّي عندكما أيدّتك بكلام وتزداد به بصيرة في حَمِئَةٍ.
قال ابن عبّاس: وما هو؟
قلت: فيما نأثر قول تبّع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثالث عشر، الرسالة السابعة (أدب التفسير)/نقاط نقدية ساخنة.
واتّباعه إياه:
قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً *** ملكاً تدين له الملوك وتحسد
فأتى المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب ملك من حكيم مرشد
والشمس تغرب كلّ آخر ليلة *** في عين ذي خلب وثأط حرمد
فقال ابن عبّاس: ما الخُلب؟
قلت: الطين بكلامهم.
قال: فما الثأط؟
قلت: الحمأة.
قال: فما الحرمد؟
قلت: الأسود.
فدعا ابن عبّاس رضي الله عنه غلامه، فقال له: أكتب ما يقول هذا الرجل)(1).
أقول: فأين هذا ممّا ذكره جولدتسيهر من اختلاف ابن عبّاس وعمرو ابن العاص في قراءة مِن لَّدُنِّي، مشدّدة، أو مخفّفة؟
وقال في صفحة (89 -- 90): (ومذهب التفسير الذي أقامه هذا الأب الأوّل لتفسير القرآن، والمحصول الذي تعلمه من أهل الكتاب قد بيّنه (ليوني كيتاني)(2)أخيراً على وجه مختار، ويستحقّ واحد من المعالم المميزّة
لطريقته أن يبرزه إبرازاً خاصّاً(1)، إذ كان قد احتفظ بنفسه فيما بعد(2)على أنّه من خير ما يقنع حاجاتنا من عناصر التفسير.
كانت هناك تعبيرات شديدة الندرة في لغة القرآن تبدو أحياناً غير مفهومة للمثقّفين أيضاً من الأُمّة، الذين كانوا يطلبون تفسيرها عند من هو أعلم بها منهم(3)، وفي مثل هذه المسائل كان دأب ابن عبّاس أن يحيل على الشعراء القدامى، الذين كان يرى الاعتداد باستعمالهم اللغوي في التفسير(4)، فهو يصرّح في مناسبة تفسيره للفظ: (حرج) في الآية 87 من سورة الحجّ بهذا المبدأ: (إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإنّ الشعر عربي)(5)
أقول: الصحيح في رواية الكلمة عن ابن عبّاس ما رواه السيوطي في الإتقان 1/121: (الشعر ديوان العرب، وإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانه فالتمسنا معرفة ذلك منه).
.1) - فنسبت إليه -- في وقت متأخّر -- الكلمة التي نسبت في رواية أُخرى كما يظهر إلى الخليفة عمر، تحث على العناية بالأشعار القديمة (انظر مقدّمة ديوان الحطيئة...): (عليكم بأشعار الجاهلية فإنّ فيها تفسير كتابكم)، وساقها بهاء الدين العاملي في الوحدة الوجودية (في مجموعة نشرها صبري الكردي بالقاهرة 1328ه- ص325).
2) - جمع أبان بن تغلب (المتوفى 141ه-) الذي يفتخر به الشيعة في (كتاب الغريب) شواهد لقدماء الشعراء على تفسير (مفردات القرآن) (فهرس كتب الشيعة للطوسي 6/4)، ويذهب الجاحظ بعيداً، حيث يقرّر أنّ من يجهل أمور الجاهلية لا يستطيع أن يفهم الكتاب والسُنّة (انظر كتاب الحيوان 1/90 س8 من أسفل).
3) - لمّا سُئل عمر عن معنى أبّا (في الآية 31 من سورة عبس) صرّح بكراهيته لذلك (ابن سعد ج3 ق1 ص37 س5).
4) - ابن سعد ج2 ق2 ص121 س4 وانظر...
5) - الطبري ج17 ص129، وقد نسب إليه ذلك المبدأ الأساسي، وطبيعي أنّ من العسير ضمان صحّة هذه النسبة، ولا توجد دوافع منافية لذلك.
أقول: وعلى نمط ما مرّ فقد استمرّ جولدتسيهر ساخراً حيناً، ومشكّكاً حيناً(1)
أقول: ولمّا كنت قد بحثت هذا الجانب في ج13 من الموسوعة باستيعاب فلا حاجة إلى إعادته، ويكفي في تعريف القارئ بآراء جولدتسيهر، إلى أنّه لم يكتف ببذر التشّكيك بلغة السخرية بأبي التفسير، وتعبيره بأسطورة... وأساطير... ومظهر مسرحي زاخر بالحياة... وحسبنا قوله:
على هذا النحو كانت الرغبة في تقديم ابن عبّاس إذا أريد ذكر تفسير جدير أن يوثّق به لكلمة أو جملة من القرآن مشكوك في معناها أو كثيرة الاحتمالات، وعند من اعتادوا ممارسة هذا التفسير لم يعد هناك منذ زمن طويل مجال للشكّ في أنّه لا يكاد يرجع شيء، أو لا يرجع على الحقيقة إلاّ جدّ قليل إلى ابن عبّاس ممّا أحاطه العلماء المتأخّرون بهالة من اسمه، وقد مرّ من المستشرقين كيتاني وبوهل وغيرهما ممّن يشاركونه الرأي في التفنيد على التقليد لا التجديد.
.وبهذا نترك الحديث عن باقي ما في كتابه من نقد لابن عبّاس وتلاميذ مدرسته، ومثله نقد سزكين له في عدم فهمه النصوص.
لقد ذكر ابن عبّاس في كتابه (تاريخ الأدب العربي ج1/171 -- 172)،
1) - لاحظ في ص90 قوله: وبذلك المبدأ المنهجي المنسوب إلى ابن عبّاس، اقترنت على النمط العربي أسطورة مدرسة عظيمة الإفادة، وجدت مدخلاً إلى المعجم الكبير للطبراني (المتوفى 360ه- -- 971م)، وذلك أنّ الزعيم الخارجي نافع بن الأزرق سأل ابن عبّاس عن عدد كبير من مفردات القرآن.
ترجمة الدكتور عبد الحليم النجّار، ط دار المعارف، فقال: (أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بن سفيان، كان مشهوراً بمصاحبته عليّ بن أبي طالب، وكان عالي المكانة بالبصرة في الحديث والفقه، فاستعمله عليّ عليها لمّا ذهب عامله عبد الله بن عبّاس إلى الحجاز، ولمّا أتى عليّ إلى العراق صحبه أبو الاسود في موقعة صفّين، ولكنّه تصالح بعد ذلك مع معاوية، وتذكر قصّة التاريخ الأدبي عند العرب أنّ أبا الأسود أوّل من وضع أبواب النحو).
وقال في (ج4/7)، فتهجم على ابن عبّاس بظلم وسوء أدب، حين قال: (استخدم ابن عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عبد الله بن عبّاس (المتوفى 68ه-/668م)، وقيل: سنة (69ه-، أو 70ه-)، روايات أهل الكتاب لتفسير القرآن، كما استشهد على الصيغ اللغوية بأبيات من الشعر الجاهلي...).
وقال في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية)(نقله إلى العربية نبيه أمين فارس -- منير البلعبكي):
(وكان جدّهم -- العبّاسيين -- عبد الله بن عبّاس، وهو ابن عمّ الرسول وعليّ، قد سالم معاوية بعد مصرع عليّ، فألحقه ببيت المال في البصرة، وإذ لم يجد سبيلاً إلى تمثيل دور سياسي مّا فقد صرف همّته إلى الحديث يدرسه ويستزيد فيه بالخيال الطيّاش والاستمداد من القصص التلمودي الذي قرّبه إليه نفر من اليهود الداخلين في الإسلام)(1).
1) - تاريخ الشعوب الإسلامية: 166.
أقول: ليت بروكلمان كان موضوعياً فصدّق مزاعمه بأدلّة تثبت له ما يريد أن يلصقه بهتاناً بابن عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عبد الله بن عبّاس! فذكر لنا تلك الروايات التي استخدمها ابن عبّاس من روايات أهل الكتاب، ولكنّه لم يأت بشاهد واحد.
ثمّ ما ذكره من استشهاده على الصيغ اللغوية بأبيات من الشعر الجاهلي ليست عاباً يعاب به ابن عبّاس، لأنّ محاوره نافع بن الأزرق الخارجي طلب منه ذلك فاستجاب لطلبه، واستشهد على كلّ لفظة سأله عنها نافع ببيت شعر من الشعر الجاهلي، وغير الجاهلي كشعر حسان بن ثابت.
ثمّ ما ذكره في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) عار من الصحّة جملة وتفصيلاً! وذلك إذ قد ذكر نقطتين هامّتين في تاريخ ابن عبّاس حسبهما نقطتي ضعف فشهّر بهما، وهما:
1- (قد سالم معاوية بعد مصرع عليّ، فألحقه ببيت المال في البصرة).
2- (وإذ لم يجد سبيلاً إلى تمثيل دور سياسي ما فقد صرف همّه إلى الحديث يدرسه ويتزيّد فيه بالخيال الطيّاش والاستمداد من القصص التلمودي الذي قرّبه إليه نفر من اليهود الداخلين في الإسلام).
أمّا أوّلاً: فنقول له ولقرّائه: كان عليه مراجعة التاريخ بدقّة قبل أن يصدر أحكامه على الذوات! فابن عبّاس لم يسالم معاوية إلاّ بعد مهادنة ومسالمة الإمام الحسن عليه السلام الذي هو ولي الأمر وإمام وقته، فهو تبعاً لإمامه سالم من سالمه الإمام، وقد بيّنت بالتفصيل ذلك في الحلقة الأولى من
الموسوعة في الجزء الخامس؛ فليراجع!
ثمّ ما ذكره بقوله: (فألحقه ببيت المال في البصرة)، ليس له من الصحّة مقيل، فإنّ حديث بيت مال البصرة قد ذكرته في مفارقة ابن عبّاس البصرة بعد الصلح في عنوان طرد أو مطاردة، وذلك قبل أن يستولي عليها معاوية بحكمه، ومرّ في أجزاء هذه الحلقة الرابعة مزيد بحث حول ضغث هذه الأكذوبة.
وأمّا ثانياً، فابن عبّاس كان رأساً في مدرسة الحديث من قبل أن يتولّى البصرة، بل وحتّى قبل أن يخوض في السياسة في أيام عمر وعثمان، إذ له دور سياسي بارز، وقد ذكرته في الحلقة الأولى في أيامهما؛ فراجع!
وأمّا ما قاله مع سوء أدب: (يتزيّد فيه -- الحديث -- بالخيال الطيّاش والاستمداد من القصص التلمودي...) إلى آخر ما قاله، ممّا لا ينبغي لباحث موضوعي أن يقوله، ولكنّه كشف عن حقده الدفين على رجالات المسلمين، فرمى علماً من أعلامهم بتلك اللغة الشائنة الشانئة، ولم يأت على مزاعمه ببرهان، فالإعراض أولى عن هكذا إنسان.
له كتاب (عقيدة الشيعة) (لندن 1933م)، وقد نقل إلى العربية في العراق(1)ولم يكتب اسم المترجم صريحاً، بل رمز إليه ب- ع م(2).
ومهما يكن فالرجل قد قال في صفحة (131) من كتابه: (ولمّا تولّى عليّ الخلافة بعد مقتل عثمان، ولّى عبد الله بن عبّاس على البصرة، وكان هذا البيت لا ينظر إلى عبد الله نظر الفخر، إذ أنّ عليّاً لمّا حاسبه في بعض الأموال التي تسلّمها شعر بإهانة، فغادر البصرة، وحمل معه مبلغاً من المال يقدر بستّة آلاف ألف درهم، والتحق بمعاوية، فضمّه إليه (؟) وكان يدفع له مخصّصات سنوية).
وحسب القارئ معرفة بكذب المؤلّف، ما ختم به كلامه، حيث قال: (...والتحق بمعاوية فضمّه إليه (؟) وكان يدفع له مخصصات سنوية)، وقد مرّ في الحلقة الأولى (سيرة وتاريخ) بحث أوّل لقاء بين ابن عبّاس ومعاوية زماناً ومكاناً، وكان ذلك من بعد مهادنة الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية بالصلح، كما بيّنا وجه المال الذي حمله كما مرّ في الجزء التاسع من الموسوعة (محاورات ابن عبّاس مع معاوية وأصحابه)، وأفضع ما فهمه هذا المستشرق في تفسيره العطاء الذي سمّاه مخصّصات سنوية، ولو كان دوايت م دونالدسون فهِماً وعالماً لأدرك آثار تلك الوفادات التي كان بنو هاشم -- بمن فيهم الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام -- يذهبون إلى الشام لقبض العطاء في كلّ سنة، لأنّ معاوية منع عنهم الخمس، ثمّ ألزمهم الحضور إلى الشام لقبض العطاء إيغالاً في حقده، وقد اتّخذ بنو هاشم تلك الوفادات وسيلة إعلامية تفضح نوايا معاوية السيئة معهم، مع سوء الطوية عنده، وكان ابن عبّاس أكثر جرأة وأقوى حجّة في دحض افتراءات معاوية وصحابته أمام أهل الشام، راجع المحاورة الثانية عشرة في الجزء التاسع صفحة
(384)، ستجد ما أخرجه البلاذري (ت274ه-)، وابن عبد ربّه (ت328ه-)، وغيرهما.
وإلى القارئ صورتها برواية ابن عبد ربّه في (العقد الفريد): (قال أبو عثمان الحزامي: اجتمعت بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم، فقال: يا بني هاشم! والله إنّ خيري لكم لممنوح، وإنّ بابي لكم لمفتوح، فلا يقطع خيري عنكم علّة، ولا يوصد بابي دونكم مسألة، ولمّا نظرت في أمري وأمركم رأيت أمراً مختلفاً، إنّكم لترون أنّكم أحقّ بما في يدي منّي، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقّكم، قلتم أعطانا دون حقّنا، وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له، وهذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف نائلكم.
قال: فأقبل عليه ابن عبّاس، فقال: والله ما منحتنا شيئاً حتّى سألناه، ولا فتحت لنا باباً حتّى قرعناه، ولئن قطعت عنّا خيركَ، لله أوسع منك، ولئن أغلقتَ دوننا بابك، لنكفنّ أنفسنا عنك، وأمّا هذا المال فليس لك منه إلاّ ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقّان، حقّ في الغنيمة، وحقّ في الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليها، والفيء ما اجتبيناه، ولولا حقّنا في هذا المال لم يأتك منّا زائر، يحمله خفّ ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟!
وعلى هذا النمط جرى بقية المستشرقين ممّن لا أطيل الحديث بذكر أقوالهم، وحسبي الإشارة إلى أسمائهم في دراساتهم.
مثل: هرالد موتزكي في بحثه (تاريخ ما يسمّى تاريخ ابن عبّاس)، المنشور في دراسات القدس في اللغة العربية والإسلام -31- 2006، الجامعة العبرية في القدس كلّية الإنسانيات.
وكذلك ما كتبه هربرت بيرغ في بحثه (ابن عبّاس في كتاب التفسير خلال الحقبة العبّاسية)، وفيه من النقد اللاذع حتّى في عناوين بحثه، مثل (أسطورة ابن عبّاس)، و(ابن عبّاس الأسطوري)، فذكر في هذا العنوان آراء غيره من أمثاله ممّن تناولوا ابن عبّاس بالنقد، فقال: (بدأت الشكوك الغربية بشأن الأحاديث والتفاسير المنسوبة لابن عبّاس مع شبرنغر الذي وصف ابن عبّاس بالكاذب، وقال (نولدك وستئوالي): إنّ التناقضات متعدّدة جدّاً بحيث تدفع إلى إعادة النظر بتعاليمه بخصوص آية معيّنة بالاستناد إلى ما نسب إليه، لذا لا يبقى بديل سوى القول أنّ شهرة حظوة ابن عبّاس هي في الجزء الأكبر خيال...).
وعلى هذا النحو من العرض في النقد والرد، ذكر أسماء (بريكلاند)، و(ناغل)، و(أحمد جولاندري)، و(غيليوث)، و(مورافي)، (ومايكل كوك)، و(اميكام إبلاد)، وليس دون هؤلاء ما ذكره (ولفرد مادلونج) في كتابه (خلافة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم بحث حول الخلافة في وقت مبكّر).
وكذلك ما جاء في (دائرة المعارف الإسلامية ج1/307) في ترجمة
أبي الأسود الدؤلي: (... كما أنّه هو الذي نبّه عليّاً إلى اختلاس ابن العبّاس، ويقال: أنّه ولي البصرة مدّة قصيرة من الزمن بعد طرد هذا الأخير، بيد أنّ هذا بعيد الاحتمال... ولمّا كان هوى أبا الأسود مع العلويين فقد آلمه اتّفاق عبد الله بن عامر والي البصرة من قبل معاوية مع ابن العبّاس، لأنّ ابن عامر عمل على فتور العلاقات بينهما فتوراً شديداً...).
أقول: إنّ هذا بهذيان الموسوس أشبه، فمتى اجتمع ابن عبّاس مع ابن عامر في البصرة؟! وقد مرّ في الحلقة الأولى الحديث عن ولاية ابن عبّاس على البصرة بتفصيل يغني عن الردّ على ما في (دائرة المعارف الإسلامية) في المقام، وكذلك قد مرّت محاورة ابن عبّاس مع معاوية وهي المحاورة الرابعة، وهي التي قلت عنها في الهامش: (ليت الذين اتّخذوا تهمته ببيت مال البصرة ذريعة للنيل من ابن عبّاس، يقرءوا هذه المحاورة ويقفوا عند هذه الجملة ويمعنوا النظر فيها، فلو كان للتهمة نصيباً من الصحّة، لما سكت معاوية عن تعييره بها في هذا المقام، وقد واتته الفرصة للردّ عليه).
وإلى القارئ تلك المحاورة بنصّها وفصّها، وبها ختام هذا الجزء بعون الله تعالى وتوفيقه:
(المحاورة الرابعة)
(قد استعملت أنت رجالاً لهواك)
(اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عبّاس
-- وكان جريئاً على معاوية حقّاراً له، فبلغه عنه بعض ما يغمّه -- .
فقال معاوية: رحم الله العبّاس وأبا سفيان كانا صفيين (أخوين -- خ ل --) دون الناس. فحفظتُ الميت في الحيّ والحيّ في الميت، استعملك عليّ يا ابن عبّاس على البصرة، واستعمل عبيد الله أخاك على اليمن، واستعمل أخاك قثم(1)على المدينة، فلمّا كان من الأمر ما كان، هنأتكم ما في أيديكم، ولم أكشفكم عمّا وعته غرائركم، وقلت: أخذ اليوم مالاً وأعطي غداً مثله، وعلمت أنّ بدء اللؤم يضرّ بعاقبة الكرم لو شئت لأخذت بحناجركم وقيأتكم ما أكلتم. لا يزال يبلغني عنكم ما لا تبرك له الإبل، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفّين. ولعمري بنو تيم وعدي أعظم ذنوباً منّا إليكم وأكبر جرماً عندكم, إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنّوا فيكم هذه السُنّة، فحتّى متى أغضّ الجفون على القذى، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول لعلّ الله وعسى. ما تقول يا بن عبّاس؟
قال: فتكلّم ابن عبّاس، فقال: رحم الله أبانا وأباك، كانا صفيين أخوين متفاوضين، لم يكن لأبي من مال إلاّ ما فضل لأبيك، وكان أبوك كذلك لأبي. ولكن من هنّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممّن هنأ أبي بإخاء أبيكَ، نصر أبي أباك في الجاهلية وحقن دمه في الإسلام(2).
وأمّا استعمال عليّ إيانا، فلدينه دون هواه, قمنا له بالحقّ، ونصحنا في الله الخلق(1), وقد استعملت أنت رجالاً لهواك لا لدينك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل، وبسر بن أرطاة على اليمن فخان، غزا الحجاز، وأخاف الحرمين مكّة والمدينة وقتل منهما رجالاً، وغزا الطائف وقتل منه رجالاً، وذبح ابني عبيد الله أخي كفراً وظلماً وعدواناً من غير ذنب ولا جريمة ولم يبلغا الحلم, وحبيب بن مرّة على الحجاز فرُدّ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب, واستعملت ابن عامر(2)على الأنبار وما يليها فغزا أهلها ونهبوها كغزو الروم والترك، ونزعوا أقراط المرأة المسلمة من أذنيها واستحلّوا سبيهم, واستعملت زياد بن عبيد الدعيّ على العراق فبسط الفساد، وركب العناد، وظلم العباد، وحكم فيهم حكم الجاهلية، لا يرعى لله حرمة، ولا لمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم ذمّة, ونصبت أنت الحرب للمسلمين وإمام المتقّين وأمير المؤمنين عليه السلام ومَن بسيفه وحده قام الدين، ولولديه الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، ومن معه من أصحابه وأصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، وأردتَ قتلهم وتدميرهم، وهم من تعرف أهل البيعتين -- بيعة الشجرة وبيعة الرضوان -- وقتلت منهم مَن قتلت، وعمّار جلدة ما بين عيني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، ومن شهد أنّه تقتله الفئة الباغية. قال: (لا أنالها الله شفاعتي)،
وأنت ومن كان معك الفئة الباغية(1), وقتلت أويس القرني الذي قال فيه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنّه يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر)(2)
وقال عبد الغني بن سعيد: القرني -- بفتح القاف والراء -- هو أويس أخبر به النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قبل وجوده، وشهد صفّين مع عليّ، وكان من خيار المسلمين. وروى عن عمر بن الخطّاب قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يقول: (إنّ خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم)، ثمّ ذكر ابن حجر رواة وطرق هذا الحديث، ثمّ ذكر بعض أخبار أو يس إلى أن قال: فاستشهد أويس وجماعة من أصحابه في الرجالة بين يدي عليّ، ومن طريق الأصبغ بن نباتة قال: شهدت عليّاً يوم صفّين يقول: (من يبايعني على الموت؟) فبايعه تسعة وتسعون رجلاً، فقال: (أين التمام؟) فجاءه رجل عليه أطمار صوف محلوق الرأس فبايعه على القتل، فقيل: هذا أويس القرني، فما زال يحارب حتّى قتل رحمه الله.
، وقال لأصحابه: (إنّكم تدركونه فمروه ليستغفر لكم).وقال أيضاً فيه تبجيلاً له وتفخيماً لأمره: (إنّي لأشمّ نفس الرحمن من جانب اليمن).
وأمّا طلبك ما وراء ظهورنا، فلو طلبته بذلناه وقينا به أعراضنا، وكان
1) - حديث (عمّار تقتله الفئه الباغية) أخرجه مسلم في صحيحه في الفتن، وأحمد في مسنده في عدّة موارد ناهزت العشرة، والطبراني في الكبير في موارد ثلاثة، والخطيب، والبيهقي، وابن حجر، والهيثمي في مجمع الزوائد، وغيرهم، راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف تجد عشرات المصادر وموارد ذكر الحديث 4/403404، وفيها (تقتل عمّاراً الفئة الباغية وقاتله في النار)، وفيها: (تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحقّ) رواه الخطيب 13/187, وراجع الموسوعة المذكورة 11/205.
2) - ذكره ابن حجر في الإصابة 1/133، ط مصطفى محمّد، فقال: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة, وقال: قال ابن عدي: ليس له رواية لكن هناك من ينكر وجوده, إلاّ أنّ شهرته وشهرة أخباره لا تسع أحداً أن يشكّ فيه.
أحقر عندنا أن نمنعه، وليس الذي يبلغك عنّا بأعظم من الذي يبلغنا عنك.
وأمّا ما يبلغك عنّا، فلو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسّنها، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لقبّحها.
وأمّا خذلنا عثمان، فلو لزمنا نصره لنصرناه، وقد خذلته أنتَ وكنتَ قادراً على نصره ومعك أهل الشام، ولو ضربت بهم البحر لخاضوه, وإنّما تربّصت به ليقتل وتطلب الملك بسببه.
وأمّا قتلنا أنصاره يوم الجمل، فعلى خروجهم ممّا دخلوا فيه.
وأمّا حربنا أياك بصفّين، فعلى إنكارك الحقّ ونصبك الباطل.
وأمّا إغراؤك إيانا بتيم وعدي، فلو طلبنا الأمر يوم توفي نبيّنا صلي الله عليه وآله وسلم ما غلبونا، وكنّا بفقد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أشغل من كلّ شيء, علماً أنّهم كانوا يعرفون لنا فضلنا على غيرنا.
وأعلم يا معاوية! أنّه سبق في علم الله تعالى أنّه يستباح في هذه الأُمّة الأموال الحرام، وتسفك الدماء الحرام, وتسبى الفروج الحرام، فكره الله تعالى أن يكون ذلك على أيدينا، فعدل بالأمر على غيرنا, فإذا أراد الله ردّ الأمور إلى حقايقها إبتعثنا لها، يختم بنا كما فتح.
فقال في ذلك ابن أبي لهب:
كان ابن حرب عظيم القدر في الناس *** حتّى رماه بما فيه ابن عبّاس
مازال يهبطه طوراً ويصعده *** حتّى استقاد وما بالحقّ من باس
لم يتركن خطة ممّا تذلّله *** إلاّ كواه بها في فروة الرأس(1)
1) - نزهة السامع للحلواني، والعقد الفريد 4/8، تح أحمد أمين ورفيقيه، ط لجنة التأليف والنشر.
وبهذا ختام الجزء الرابع من الحلقة الرابعة، ويليه في الجزء الخامس (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام)، وأقوال المدائح فيه.
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة التابعين المهتدين واللعنة على أعدائهم أجمعين. تم تنضيده في 29 شعبان سنة 1436ه- .