الإمام الحسین علیه السلام و أصحابه جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الأمام الحسین (علیه السّلام)

و أصحابه

تالیف

العلامة الشيخ فضل علي القزويني

المتوفى سنة 1367ه

الجزء الثاني

تنظيم و تحقیق

السيد احمد الحسيني

مَجْمَوعِ الامام اَلْحُسَيْنِ العلْمَى لتحقيق تُرَاثِ أَهْلِ اَلْبَيْتِ

مصدر الفهرسة: IQ-KaPL ara IQ-KaPLI rad

رقم التصنيف BP 42. Q 22 2015 :LC

المؤلف الشخصي: القزويني، فضل علي، 1290 - 1367 هجرياً.

العنوان: الإمام الحسين (علیه السّلام) وأصحابه.

بيان المسؤولية: تأليف العلامة المتتبع الشيخ فضل علي القزويني؛ تنظيم وتحقيق السيد احمد الحسيني.

بيانات الطبعة: الأولى.

بيانات النشر : كربلاء : العتبة الحسينية المقدسة - مجمع الامام الحسين (علیه السّلام) العلمي لتحقيق تراث اهل البيت (علیهم السّلام).

الوصف المادي: 4 مجلدات

سلسلة النشر : (مجمع الامام الحسين (علیه السّلام) العلمي لتحقيق تراث أهل البيت (علیهم السّلام)؛ 25).

تبصرة ببليوغرافية: يحتوي على هوامش.

تبصرة محتويات : ج . 2 . الرجال في واقعة الطف.

موضوع شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - شهادة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - خطب.

مصطلح شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث ، 4 - 61 هجرياً - اصحاب.

مصطلح شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - نساء.

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 هجرياً – مصائب رأس الحسين بن علي (علیه السّلام).

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 هجرياً شهداء.

مصطلح موضوعي واقعة كربلاء، 61 هجرياً - تأثير.

مؤلف اضافي: الحسيني الاشكوري، احمد علي حسن، 1350 هجرياً، محقق.

الإخراج الفني : سيد محمد رضا الاشكوري

محرر الرقمي: محمد مبین روزبهاني

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأمام الحسین (علیه السّلام)

و اصحابه

الأمانة العامة للعتبة المقدسة

جميع الحقوق محفوظة

للعتبة الحسينية المقدّسة

الطبعة الأولى: 1437 هـ - 2015م

الإمام الحسين (علیه السّلام) وأصحابه

الشيخ فضل علي القزويني

تحقيق السيد أحمد الحسيني الاشكوري

رقم الإيداع في دار الكتب الوطنيّة - وزارة الثقافة - بغداد لسنة 2015م: 2043

مركز كربلاء للدراسات والبحوث - مجمع الأمام الحسين (علیه السّلام) العلمي لتحقيق تراث أهل البيت (علیهم السّلام) كربلاء المقدسة - شارع السدرة - فندق دار السلام

هاتف: 07711733354

إصدارات المجمع : 25

الأمانة العامة للعتبة المقدسة

الأمام الحسین (علیه السّلام)

واصحابه

تأليف

العلامة الشيخ فضل علي القزويني

المتوفى سنة 1367هـ

الجزء الثاني

تنظيم و تحقیق

السيد احمد الحسيني

اشراف

مَجْمَوعِ الامام اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) العلْمَى لتحقيق تُرَاثِ أَهْلِ اَلْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)

مَجْمَوعِ الامام اَلْحُسَيْنِ العلْمَى لتحقيق تُرَاثِ أَهْلِ اَلْبَيْتِ

مصدر الفهرسة: IQ-KaPL ara IQ-KaPLI rad

رقم التصنيف BP 42. Q 22 2015 :LC

المؤلف الشخصي: القزويني، فضل علي، 1290 - 1367 هجرياً.

العنوان: الإمام الحسين (علیه السّلام) وأصحابه.

بيان المسؤولية: تأليف العلامة المتتبع الشيخ فضل علي القزويني؛ تنظيم وتحقيق السيد احمد الحسيني.

بيانات الطبعة: الأولى.

بيانات النشر : كربلاء : العتبة الحسينية المقدسة - مجمع الامام الحسين (علیه السّلام) العلمي لتحقيق تراث اهل البيت (علیهم السّلام).

الوصف المادي: 4 مجلدات

سلسلة النشر : (مجمع الامام الحسين (علیه السّلام) العلمي لتحقيق تراث أهل البيت (علیهم السّلام)؛ 25).

تبصرة ببليوغرافية: يحتوي على هوامش.

تبصرة محتويات : ج . 2 . الرجال في واقعة الطف.

موضوع شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - شهادة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - خطب.

مصطلح شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث ، 4 - 61 هجرياً - اصحاب.

مصطلح شخصي: الحسين بن علي (علیه السّلام)، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً - نساء.

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 هجرياً – مصائب رأس الحسين بن علي (علیه السّلام).

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 هجرياً شهداء.

مصطلح موضوعي واقعة كربلاء، 61 هجرياً - تأثير.

مؤلف اضافي: الحسيني الاشكوري، احمد علي حسن، 1350 هجرياً، محقق.

الإخراج الفني : سيد محمد رضا الاشكوري

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُوْنَ

سورة آل عمران: 169

إبراهيم بن الحصين الأسدي

الحصين بالصاد المهملة ، وفي بعض النسخ بالسين المهملة ، وهو سهو من الناسخ .

ويتوهم من لا دراية له أنه إبراهيم بن الحسين عليه السلام، وهو وهم في وهم. والصحيح على ما نص عليه الأصحاب أنه بالصاد المهملة، ويُقرأ بضم الحاء وفتح الصاد وبفتح الحاء وكسر الصاد، على ما هو القانون في نظائره.

والأسدي نسبة إلى جد قبيلة عظيمة من مضر الحمراء ، اسمه أسد بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر ، أو نسبة إلى جد قبيلة أخرى اسمه أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان . والرجل من أي القبيلتين لم يتحقق لدي .

وهو ممن تشرف بنداء الحسين عليه السلام بالخصوص حين نادى أصحابه بقوله «يا فرسان الهيجاء» ، ومن المبارزين بعد صلاة الظهر بعد شهادة أبي تمامة الصيداوي، فبرز وهو يرتجز:

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا *** ثم أباك الطاهر المؤيَّدا

والحسن المسموم ذاك الأسعدا *** وذا الجناحين حليف الشهدا

و حمزة الليث الكمي السيدا *** في جنة الفردوس فازوا سعدا

فحمل وقتل أربعة وثمانين رجلاً ، ثم ارتجز :

أضرب منكم مفصلاً وساقا *** ليهرَق اليوم دمي إهراقا

ويرزق الموت أبا إسحاقا *** أعني بني الفاجر والفساقا

فقتل رضوان الله علیه(1).

إبراهيم بن علي بن أبي طالب

ذكره في العقد الفريد والدينوري وأبو إسحاق الإسفرايني وغيرهم(2).

وذكره أبو الفرج(3)نقلاً عن محمد بن علي بن حمزة ثم قال : وما سمعت بهذا عن غيره، ولا رأيت لإبراهيم في شي من كتب الأنساب ذكراً. وتبعه غيره من المؤرخين بل المحدثين وأرباب المقاتل.

أقول : محمد : محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن عباس بن علي بن أبي طالب ، وجه من وجوه أصحابنا الإمامية وعين من أعيان محدثي الإثنى عشرية.

قال النجاشي(4): ثقة عين في عين في الحديث صحيح الاعتقاد، له رواية عن أبي الحسن وأبي محمد عليها السلام، وأيضاً له مكاتبة ، وفي داره حصلت أم صاحب الأمر عليه السلام بعد وفاة الحسن عليه السلام، له كتاب «مقاتل الطالبيين».

ومثله في القسم الأول من الخلاصة. وكذا في الباب الأول من رجال ابن داود ناسباً له إلى «جش» . ووثقه في الوجيزة والبلغة . وذكره في الحاوي في فصل الثقات(5).


1) مناقب آل أبي طالب 253/3 ، لواعج الاشجان 168 ، أعيان الشيعة 136/2 .

2) فتوح البلدان ص 297 .

3) مقاتل الطالبيين ص 91 .

4) رجال النجاشي 242/2 .

5) أنظر التفصيل في ترجمته : تنقيح المقال 155/3 .

وبالجملة ، فالرجل ممن يُعتمد عليه في الأحكام فضلاً عن التاريخ والأنساب، وهو أتقن وأضبط من أبي الفرج الذي فيه عِرْق من الأموية وعصبية الزيدية . وأهل البيت أدرى بما في البيت . والله العالم .

إبراهيم بن مسلم بن عقیل

يأتي ذكره في باب الميم(1).

أبو الحتوف بن الحرث بن سلمة الأنصاري العجلاني

هو أخو سعد بن الحرث العجلاني

و«العَجْلاني» نسبة إلى بني عَجْلان من بني عامر بن صعصعة . سمي بذلك لتعجيله لِقَرى الضيف . وهو عَجْلان بن عبد الله بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو جد تميم بن أبي معقل بن عوف بن حنيف بن عجلان الشاعر .

وهذا الرجل وأخوه سعد على ما في تنقيح المقال(2)- كانا في الكوفة ورأيهما رأي الخوارج، فخرجا مع ابن سعد إلى حرب الحسين عليه السلام، فلما سمعا استنصاره وصريخ النساء والأطفال لسماع استنصاره، نالتهما الهداية الإلهية وتوفيق السعادة ، فقالا : إنا نقول «لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصاه»(3)، وهذا الحسين ابن بنت نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، ونحن نرجو شفاعة جده يوم القيامة ، فكيف نقاتله وهو بهذا الحال ، نراه لا ناصر له ولا معين . فمالا بسيفهما بين


1) عند ذکر مسلم بن عقیل.

2) تنقيح المقال 12/2 .

3) هذا شعار الخوارج.

يديه على أعدائه ، وجعلا يقاتلان قريباً منه حتى قتلا جمعاً وجرحا آخرين، ثم قتلا معاً في مكان واحد رضوان الله عليهما . انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه .

ويؤيد هذا ما في بعض المقاتل من أنه لما استنصر روحي فداه بقوله : «هل من ناصر ينصرني» تصارخن النساء والأطفال وبكين ونادين «يا محمداه» ، وكنّ قريباً من الأعداء بحيث يسمع الأعداء صوتهن . وفي بعض المقاتل : إن الحرب بعد الظهر كان قريباً من الخيم وفي أطرافها. وعليه فهما رضوان الله عليهما من الشهداء بعد الظهر .

أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب

أمه أم ولد. هو والقاسم بن الحسن من أم واحدة ، واسمها نفيلة .

والصحيح أن اسمه أبو بكر ، لا أن الاسم أحمد وكنيته أبو بكر ، على ما زعم بعضهم ، وهو سهو ناشئ من عدم التتبع في الأنساب والتواريخ ، فإنهم صرحوا أن أولاد الحسن عليه السلام عشرون ، منهم أبو بكر ومنهم أحمد(1).

ويؤيد بل يدل على ما ذكرنا سلامه عليه السلام في زيارة الناحية بقوله : «السلام على أبي بكر بن الحسن، علي الزكي الولي المرمي بالسهم الردي»، فإنه عليه السلام يصرح بالاسم لا باللقب والكنية مثل أبي تمامة وغيره ممن كان له لقب وكنية .

نعم ، يشكل ذلك بأنه لوكان اسماً ينبغي أن يقال «السلام على أبو بكر» . اللهم إلا أن يقال : اسمه «أبي بكر بن الحسن» على ما في بعض المقاتل لا «أبو بكر بن الحسن». فتأمل.

وكيف كان فهو من المبارزين ، وقتل قبل أخيه القاسم ، على ما صرح به جمع


1) مقاتل الطالبيين 128 ، لواعج الاشجان 176 ، تاريخ الطبري 359/4، مقتل أبو مخنف 237.

من المحدثين والمؤرخين، ويؤيده زيارة الناحية . وقد يقال إنه قتل بعد القاسم، على ما صرح به جمع .

وكيف كان، قاتله - على ما صُرح به في الزيارة - عبد الله بن عقبة الغنوي، وفي المروي مسنداً عن أبي جعفر عليه السلام أن قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي(1).

أبو بكر بن علي بن أبي طالب

صرح بعض أن اسمه محمد ، وقد تغلب الكنية على الاسم وتشتهر بحيث يُعامل معها معاملة الاسم حتى في الإعراب ، وعليه يحمل ما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب بخطه في آخر جزء من القرآن الذي كتبه بخطه ، وقد رأيته مراراً و تشرفت بزيارته كراراً في خزانة مولانا الرضا عليه السلام وعليه آثار الصدق ، بل من تأمل في خصوصيات الخط يظهر له أنه لا يصدر إلا من الامام ، بل يُعدّ من معجزاته . مضافاً إلى ما كتب حوله جمع من الفحول العارفين بخطه عليه السلام، منهم شيخنا الأجل بهاء الدين العاملي قدس سره وشهدوا بأنه خطه «كتبه علي ابن أبوطالب» ، فإن «أبو طالب» كنية غلبت على الاسم وهو عمران ، وإن كان له وجه آخر ، وهو أن كلمة «أبو» و «أبي» في الخط الكوفي متقاربان كتباً(2).

وكيف كان ، باقي ترجمة الرجل تأتي في باب العين .

أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام

قال في تنقيح المقال(3): أمه أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري ، خرج مع عما


1) أنظر : مقاتل الطالبيين ص 92 .

2) الأمالي للصدوق 217 ، تاريخ الطبري 359/4.

3) تنقيح المقال 276/8 .

الحسين هو وأمه وأخوه القاسم وأختاه أم الحسن وأم الخير إلى مكة ثم إلى كربلاء ، وله من العمر ستة عشر سنة .

وعن أبي مخنف : إنه كان فارساً شجاعاً صبيحاً وجيهاً ، خرج بعد صلاة الظهر عند اشتداد القتال .

ويظهر من التواريخ أن خروجه كان بعد استشهاد القاسم وعبد الله الأكبر وأبوبكر أولاد الحسن عليه السلام ، خرج وهو يرتجز :

إني أنا نجلُ الامام ابنِ علي *** أضربكم بالسيف حتى يَفْلُلِ(1)

نحن وبيت الله أولى بالنبي *** أضربكم بالسيف وسط القَسْطَلِ(2)

وحمل على القوم وقتل منهم ثمانين فارساً ، ثم رجع إلى عمه عليه السلام ، قال : يا عماه هل شربة من الماء أبرد بها كبدي وأتقوى بها على أعداء الله وأعداء رسوله ؟ فقال الحسين عليه السلام : يابن الأخ اصبر قليلاً حتى تلقى جدَّك رسول الله صلى الله عليه وآله فيسقيك شربةً من الماء لاتظماً بعدها أبداً، فرجع إلى القتال وارتجز :

إصبر قليلاً فالمنى بعد العطش *** فإن روحي في الجهاد منكمش

لا أرهب الموت إذا الموتُ وحش *** ولم أكن عند اللقا ذات رعش

فحمل وقتل منهم خمسين رجلاً ، فخرج وارتجز :

فإن إليكم من بني المختار ضرباً *** يشيب لهَوْله رأسُ الرّضيع

يبيد معاشر الكفار جمعاً *** بكلّ مُهَنَّدٍ عَضْبٍ قطيع(3)


1) يفلل : ينثلم .

2) القسطل : الغبار الساطع في الحرب.

3) سيف عضب : قاطع .

وقتل منهم ستين فارساً ، وأثخن بالجراح، فقطعوا عليه وقتلوه في حومة الحرب.

(بیان):

نسب في مدينة المعاجز مطالبة الماء منه عليه السلام إلى القاسم وسيأتي في ترجمة القاسم ما يوضح هذا .

أحمد بن محمد بن عقیل

وقد عُبّر عنه بأحمد بن محمد الهاشمي . وأمه أم ولد . برز وهو يرتجز :

اليوم أتلو حَسَبي وديني *** بصارم تحمله يميني

أحمي به عن سيدي وديني *** ابنِ علي طاهر أمين

وحمل وقتل منهم ثمانين رجلاً وجرح آخرين وعقروا فرسه ، فقطعوا عليه من كل جانب فقتلوه في حومة الحرب . كذا في الناسخ والتنقيح(1).

الأدهم بن أمية العبدي البصري

في التنقيح(2)عن أبي جعفر : إن الأدهم بن أمية كان من شيعة البصرة الذين كانوا يجتمعون في دار مارية - وكانت ابنة منقذ أو سعيد العبدية تتشيع، وكان دارُها مألفاً للشيعة يتحدثون فيها ، وقد كان ابن زياد بلغه إقبال الحسين عليه السلام ومكاتبة أهل العراق له، فأمر عامله أن يضع المناظر ويأخذ الطريق، فأجمع يزيد بن ثبيط على الخروج إلى الحسين ، وكان له بنون عشرة ، فدعاهم إلى الخروج معه ، وخرج الأدهم بن أمية مع يزيد بن ثبيط وابناه عبد الله وعبيد الله ، حتى انتهى إلى الحسين عليه السلام وهو بالأبطح من مكة ، فاستراح في رحله ثم


1) تنقيح المقال 277/8 ، مستدركات علم الرجال 459/1 .

2) تنقيح المقال 106/1 .

ختم رحله إلى رحل الحسين ، ومازال معه حتى أتى كربلاء.

وعن الحدائق الوردية : إنه لما كان يوم الطف وشبّ القتال تقدم بين يدي الحسين فقتل في الحملة الأولى مع من قتل من أصحاب الحسين رضوان الله عليهم(1).

وستأتي ترجمة عبد الله و عبيد الله في باب العين .

وعن محكي الطبقات : إن أباه أمية صحب النبي صلى الله عليه وآله ، ثم سكن البصرة وأعقب بها(2).

أسلم بن كثير الأعرج

يأتي في باب الميم .

أسلم بن عمر و مولى الحسين عليه السلام

قال الأزدي : ثم برز غلام تركي للحسين عليه السلام بهذا العنوان .

والمحكي عن الكنجى في كفاية الطالب والحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء وتبعهما جلّ المتأخرين والمعاصرين نقلاً عن أهل السير والمقاتل : أن أسلم بن عمرو مولى الحسين كان أبوه تركياً ، واشترى الحسين أسلم بعد وفاة أخيه الحسن ووهبه لابنه علي بن الحسين ، وكان قارئاً للقرآن وكاتباً للحسين في بعض حوائجه ، فلما خرج الحسين من المدينة إلى مكة كان أسلم ملازماً له حتى أتى معه] إلى كربلاء(3).


1) أعيان الشيعة 232/3 ، إبصار العين ص 192 ، الحدائق الوردية ص 121.

2) من نقل تنقيح المقال .

3) أكثر هذا النص مذكور في تنقيح المقال 125/1 ، إبصار العين ص 95 ، مقتل الحسين للخوارزمي 24/2 ، بحار الأنوار 30/45.

وفي محكي روضة الأحباب تصنيف عطاء الله بن فضل الله الملقب بجمال الدين الحسيني الشيرازي من أجلة مؤرخي العامة ومحدثيهم ومعتمديهم ، قال : فلما كان يوم العاشر وشبّ القتال إستأذنه عليه السلام ، قال : إستأذن من مولاك علي ابن الحسين . فاستأذنه وأذن له، فودّعه وودّع أهل الحرم ، فبرز وهو يرتجز :

البحرُ من طعني وضربي يَصْطَلي *** والجو من سهمي ونبلي يمتلي

إذا حسامي في يميني ينجلي *** ينشق قلب الحاد المنجل

وأمر علي بن الحسين أن يُكشف أطراف الخباء حتى ينظر إلى المعركة وينظر حرب الغلام وجهاده ، فقاتل وقتل سبعين رجلاً ورجع إلى مولاه علي بن الحسين وودعه ثانياً وخرج إلى المعركة وقاتل حتى قتل من القوم جمعاً كثيراً ، ثم صُرع قتيلاً. فمشى إليه الحسين عليه السلام فرآه وبه رمق ، فاعتنقه وبكى عليه السلام ووضع خدَّه على خده ، ففتح عينه فرأى الحسين فتبسم وقال : من مثلي وابن رسول الله واضع خده على خدي ، ثم صار إلى ربه .

(بیان):

ما أشبه هذا الغلام بغلام كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله في جملة من الخصوصيات ، من توديع علي بن الحسين وتوديع النساء وأهل الحرم واعتناق أبي عبد الله له ووضع خده على خده ، إذ لم نجد من الأصحاب والأنصار وبني هاشم بهذه الخصائص إلا هذين الغلامين ، أرواح العالمين لهما الفداء .

أمية بن سعد بن زيد الطائي

كان فارساً شجاعاً [تابعياً] من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام نازلاً في الكوفة.

له ذكر في المغازي والحروب خصوصاً يوم صفين ، فلما سمع خروج الحسين عليه السلام إلى كربلاء خرج من الكوفة مع من خرج أيام المهادنة ، حتى جاء إلى الحسين عليه السلام ليلة الثامن من المحرم ، وكان ملازماً له إلى يوم العاشر . فلما شبّ القتال تقدم بين يديه روحي له الفداء فقتل في الحملة الأولى . كذا في التنقيح(1).

أنس بن الحرث بن نبيه بن کاهل بن عمرو بن مصعب بن أسد بن خزيمة الأسدي الكاهلي

وفي بعض النسخ «أنس بن الحارث»، وهو الصحيح أيضاً ، لما سيأتي في ترجمة حبيب بن مظاهر أن الكلمة قد تكتب بالألف ، خصوصاً إذا كانت معرفة باللام كمظهر ومظاهر وقسم وقاسم .

و «الكاهلي» بالكاف ثم الألف ثم الهاء المكسورة ثم اللام والياء، نسبة إلى كاهل بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، أبي قبيلة من بني أسد ، وهم قاتلو امرئ القيس .

وتسليم الإمام عليه السلام عليه في زيارة الناحية بقوله : «السلام على أنس ابن كاهل الأسدي» أغنانا عن البحث في أن المجاهد هذا هل هو أنس بن الحرث كما في أكثر الكتب أو مالك بن أنس كما اشتبه على جمع من المحدثين والمؤرخين وصرح به العلامة المجلسي في جلاء العيون وغيره(2).

وقد صرح ابن نما بأن هذا الرجل اسمه أنس بن الحارث ، لا مالك بن أنس(3).


1) تنقيح المقال 153/1.

2) مستدركات علم الرجال 702/1 و 237/2 ، المزار لابن المشهدي ص 493 .

3) مثير الأحزان ص 63 .

ولا يمكن أن يقال بهذا أو بذاك وأنه غيره وهو غيره وهما مجاهدان مقتولان ؛ لأن الترجمة في كتب الأصحاب واحدة والأرجوزة واحدة(1)، اللهم إلا أن يقال بالتوارد ، وهو بعيد جداً.

ذكر الشيخ في رجاله أنس بن الحرث من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، قتل مع الحسين عليه السلام(2)فالرجل ثقة وابن ثقة.

وفي محكي الإصابة : حدثني سعيد بن عبد الملك الحراني ، عن عطاء بن مسلم، عن أشعث بن سحيم، عن أبيه ، عن أنس بن الحرث الكاهلي... قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد بذلك منكم فلينصره . [قال :] فخرج أنس بن الحرث إلى كربلاء ، فقتل بها مع الحسين . انتهى(3).

قال ابن الأثير الجزري في أسد الغابة : أنس بن الحارث عداده في أهل الكوفة ، روى حديثه أشعث بن سهيم(4)، مثله .

و في محكي مقتل الأزدي(5): إنه يعني أنس بن الحرث كان شيخاً كبيراً ، قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر وحنين، وأنه لما أذن له الحسين عليه السلام في القتال شدّ وسطه بعمامته ثم دعا بعصابة عصب بها حاجبه ورفعها عن عينيه ، والحسين عليه السلام ينظر إليه ويبكي ويقول : شكر الله لك يا شيخ . انتهى .


1) يريد الرجز المقول عند الحرب.

2) الرجال للطوسي ص 3.

3) الاصابة 65/1.

4) أسد الغابة 123/1 .

5) أعيان الشيعة 500/3 .

فهو رضوان الله تعالى عليه من المبارزين بعد شهادة جملة من المبارزين.

قال ابن نما(1): وبرز أنس بن الحرث وهو يرتجز ويقول :

قد علمت كاهلنا و ذودان *** والخِنْدِ فيون وقيسُ غَيْلان

بأن قومي آفة للأقران(2)*** لدى الوغى وسادة الفرسان

يا قوم كونوا كأسود جان *** واستقبلوا القوم بضرب الان

مباشروا الموت بطعن آن *** لسنا نرى العجز عن الطعان

آل علي شيعة الرحمن *** وآل حرب شيعة الشيطان(3)

فحمل وقاتل قتالاً شديداً(4)حتى قتل رضوان الله عليه .

أنيس بن معقل الأصبحي

في الناسخ عن الأعثم الكوفي ولم أر من ذكره غيره ، قال : إنه خرج واستأذن الحسين عليه السلام ، فأذن له وقال «السلام عليك يا بن رسول الله» ، وارتجز وهو يقول :

أنا أنيس و أنا ابنُ مَعْقِلِ *** وفي يميني فضل سيف مِصْقَلِ

أعلو بها الهامات وسط القَسْطَل *** عن الحسين الماجد المفضّل

ابن رسول الله خيرِ مُرْسَلِ

فحمل وقتل منهم جماعة ، فقُتل رضوان الله عليه(5).


1) مثير الأحزان ص 63 .

2) في الأمالي «قُصَم الأقران» . القصم : من يحطم كل ما يلقاه .

3) الرجز يختلف بعض الإختلاف مع ما في المصدر. وانظر : الأمالي للصدوق ص 224 .

4) في رواية الأمالي : انه قتل ثمانية عشر رجلاً.

5) مناقب آل أبي طالب 252/3 ، لواعج الأشجان ص 163 ، كتاب الفتوح 108/5.

بریر بن خضير المشرفي الهمداني

برير كرجيل مصغراً ، وخُضير مصغراً أيضاً. وفي بعض نسخ الزيارة «برير بن حَصِيْن» بالصاد المهملة والنون ، وهو سهو أو تصحيف . وخضير بالمعجمتين ، فما في بعض النسخ حضير أو حصير بالحاء المهملة أو الصاد المهملة سهو أو غلط من الناسخ(1). والصحيح الأول .

و«المشرفي» بكسر الميم وفتح الراء كما في القاموس وميزان الإعتدال للذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر بطن من هَمْدان. وفيه احتمالات أخر لا يهمنا ذكرها لوضوح الكلمة(2).

و «هَمْدان» بفتح الهاء وسكون الميم ثم دال مهملة : قبيلة من اليمن، والنسبة إليها ،همداني ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام في مدح هَمْدان(3):

فلو كنتُ بوّاباً على باب جنةٍ *** القلتُ لهمدان ادخلوا بسلام

وورد في مدح أزد وهمدان مدايح كثيرة ليس هنا موضع ذكرها .

والرجل في نفسه - مضافاً إلى شرف الشهادة وشرف التسليم - اتفقت كلمة الأصحاب وعلماء الرجال والمحدثين والمؤرخين حتى من العامة على توثيقه وجلالة شأنه ونباهة قدره وعظيم خطره ، كيف لا وهو من أصحاب أمير المؤمنين بل من خواصه والحسن والحسين عليهم السلام، وهو من الرواة والمحدثين ، له كتاب «القضايا والأحكام»، يرويه عن أمير المؤمنين والحسن عليهما السلام، وكتابه من الأصول المعتبرة عند الأصحاب.


1) في تاريخ الطبري «حضير» بالحاء المهملة .

2) أنظر أعيان الشيعة 561/3 .

3) من أبيات قالها عليه السلام في حارث الهمداني . أنظر : تنقيح المقال 242/1.

كان شجاعاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ، من شيوخ القراء ، بل قيل : إنه أقرأ أهل زمانه . وكان من أشراف الكوفة نازلاً بها ، فلما سمع خبر الحسين عليه السلام خرج من الكوفة متوجهاً إلى مكة في طلبه ، فلحق به ولازمه حتى ورد كربلاء .

وله في كربلاء مواقع وقضايا ومواعظ:

(منها) قوله للحسين بعد خطبته عليه السلام : والله يابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، فتقطَّع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعاً يوم القيامة(1)بين أيدينا ، لا أفلح قوم قد ضيعوا ابن بنت نبيهم، أنّ لهم عذاباً يلاقون يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنم .

(ومنها) منازعته مع أبي حرب السبعي عبد الله بن شهر . روى الطبري(2)عن أبي مخنف، عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي ، قال : أمسى الحسين عليه السلام وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون . قال : فمر بنا خيل لهم تحرسنا ، وإن حسيناً عليه السلام ليقرأ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنما لي هُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ أَما عملي لهُمْ لِيَزْدَادُوا إثماً وَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطیب(3)، فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا ، فقال : نحن وربّ الكعبة الطيبون ، مُيّزنا منكم . قال : فعرفته فقلت لبرير بن خضير : تدري من


1) إلى هنا في بحار الأنوار 381/44 .

2) تاريخ الطبري 421/5 .

3) سورة آل عمران : 178 - 179.

هذا ؟ قال : لا . قلت : هذا أبو حرب السبيعي عبدالله بن شهر ، وكان مضحاكاً بطلاً ، وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية . فقال له بریر بن خضير : يا فاسق أنت يجعلك الله في الطيبين . فقال له : من أنت ؟ قال : أنا برير بن خضير ، قال : إنا لله عزّ عليّ، هلكت والله هلكت والله يا برير. قال : يا أبا حرب هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام، فوالله إنا لنحن الطيبون ولكنكم أنتم الخبيثون ، قال : وأنا على ذلك من الشاهدين، فتسابا .

وفي بعض التواريخ: ثم نادى شمر وقال : نحن والله الطيبون . فقال برير : يا عدو الله أنت تزعم أنك من الطيبين وابن بنت رسول الله وإخوانه وأولاده من الخبيثين ، والله أنت سفيه من المخلدين في نار جهنم . فقال شمر : يا برير قل ما شئت وأنت غداً مقتول لا محالة . فقال :برير : أتهددني بالقتل، والله القتل في سبيل الحسين أحبّ إلي من الحياة ، والله لأنتم محرومون من شفاعة جده وأنتم في جهنم خالدون . فقال الحسين عليه السلام لبرير: إنصرف عنهم ، وإنما مثلك مثل مؤمن آل فرعون ، نصح آل فرعون فلم ينفعهم ، رضينا بقضاء الله . فانصرف برير .

(ومنها) مزاحه مع عبد الرحمن بن عبد ربه(1). قال أبو مخنف : حدثني عمرو ابن مرّة الجملي، عن أبي صالح الحنفي، عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري ، قال : كنت مع مولاي ، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين عليه السلام بفسطاط فضرب ، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة . قال : ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط ليطلي بالنورة ، قال : ومولاي


1) تاريخ الطبري 422/5 .

عبدالرحمن بن عبدالله وبریر بن خضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما ، فازدحما أيهما يطلي على أثره ، فجعل برير يمازح عبدالرحمن ، فقال له عبدالرحمن : دعنا ، فوالله ما هذه بساعة باطل . فقال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولاكهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء بأسيافهم، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسياقهم .

هذا ما هو المشهور بين المحدثين والمؤرخين وأرباب المقاتل، ولكن روى الشيخ الكشي(1)عن كتاب مفاخرة الكوفة والبصرة ما هذا لفظه : وقد خرج حبيب بن مظاهر الأسدي وهو يضحك ، فقال له بریر بن خضير سيد القراء(2): يا أخي ليس هذه بساعة ضحك . قال : فأي موضع هو أحق من هذا بالسرور ، والله ما هذا إلا أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق حور العين . والله العالم. وسيأتي ما يناسب هذا المقام.

(ومنها) موعظته رضوان الله عليه لأهل الكوفة . في البحار(3): قال محمد بن أبي طالب : وركب أصحاب عمر بن سعد، فقُرب إلى الحسين فرسه، فركب الحسين فرسه فاستوى عليه وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير ، فقال له الحسين عليه السلام : كلّم القوم . فتقدم برير فقال : يا قوم إتقوا الله ، فإن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته


1) رجال الكشي ص 74 .

2) في المصدر «يزيد بن حصين الهمداني وكان يقال له سيد القراء». وعلى هذا النقل ليست الترجمة لبرير.

3) بحار الأنوار 5/45 .

وحرمه ، فهاتوا ما عندكم، وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم. فقالوا : نريد أن تمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم . فقال لهم برير : أفلا تقبلون . منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه ، ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلّأتموهم عن ماء الفرات، بئس ما خلّفتم نبيكم في ذريته ، ما لكم لاسقاكم الله يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم .

فقال له نفر منهم : يا هذا ما ندري ما تقول . فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ، اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم ، اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان . فجعل القوم يرمونه بالسهام. فرجع برير إلى ورائه .

(ومنها) مباهلته مع يزيد بن معقل(1). في البحار وغيره: ثم برز بعد الحر الرياحي برير بن خضير الهمداني وهو يرتجز ويقول :

أنا برير وأبي خضير *** ليث يروع الأشد عند الزير

يعرف فينا الخير أهل الخير *** أضربكم ولا أرى من ضير

كذاك فعل الخير من برير

وجعل يحمل على القوم وهو يقول : إقتربوا مني يا قتلة المؤمنين ، إقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين، إقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين [وذريته


1) بحار الأنوار 15/45 ، مناقب آل أبي طالب 250/3 ، أعيان الشيعة 562/3 ، العوالم ص 259، روضة الواعظين ص 187 .

الباقين وكان برير أقرأ أهل زمانه]. فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلاً، فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل ، فقال لبرير : أشهد أنك من المضلين ، فقال له برير : هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا وأن يقتل المحق منا الكاذب ، فتصاولا.

قال الأزدي(1): حدثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير، بن أبي الأخْنَس - وكان قد شهد مقتل الحسين - قال : وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس ، فقال : يا برير بن خضير كيف ترى الله صنع بك ؟ قال : صنع الله والله بي خيراً ، وصنع الله بك شراً . قال : كذبت وقبل اليوم ما كنت كذاباً ، هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول : إن عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً ، وإن معاوية بن أبي سفيان ضال مضل ، وإن إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب ؟ فقال له برير : أشهد أن هذا رأبي وقولي . فقال له يزيد بن معقل : فإني أشهد أنك من الضالين . فقال له برير : هل لك فلأ باهلك ولندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المحقُّ المبطل ثم اخرج فأبارزك.

قال : فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله تعالى يدعوانه أن يلعن الكاذب ، وأن يقتل المحقُّ المبطل . ثم برزكل واحد منهما لصاحبه ، فاختلفا ضربتين ، فضرب يزيد بن معقل بریر بن خضير ضربةً خفيفةً لم يضره شيئاً ، وضربه برير بن خضير ضربةً قدت المغفر وبلغت الدماغ ، فخرَّ كأنما هوىَ من حالق وإن سيف ابن خضير لثابت في رأسه، فكأني أنظر إليه ينضنِضُه(2)من رأسه ، وحمل عليه رضي بن


1) تاريخ الطبري 431/5 .

2) ينضنضه : يحركه .

منقذ العبدي، فاعتنق بريراً فاعتركا ساعة، ثم إن بريراً قعد على صدره ، فقال رضي : أين أهل المصاع(1)والدفاع ؟

قال : فذهب كعب بن جابر بن عمر الأزدي ليحمل عليه ، فقلت له : إن هذا بریر بن خضير القارئ ، الذي كان يُقرئنا القرآن في المسجد ، فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره، فلما وجد مس الرمح بَرَك على رضي فعض بوجهه وقطع طرف أنفه ، فطعنه كعب بن جابر حتى ألقاه عنه وقد غيّب السنانَ في ظهره، ثم أقبل إليه فضربه بسيفه حتى قتله رضوان الله عليه .

قال عفيف : كأني أنظر إلى العبدي الصريع، قام ينفض التراب عن قبائه ويقول : أنعمت عليَّ يا أخا الأزد نعمةً لن أنساها أبداً .

قال : فقلت : أنت رأيت هذا ؟ قال : نعم ، رأى عيني وسمع أذني. فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته أو أخته النوّار بنت جابر : أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء ، لقد أتيت عظيماً من الأمر ، والله لا أكلمك من رأسي كلمةً أبداً . وقال كعب بن جابر أبياتاً يباهي بقتله بريراً ونجاته ، تركناها(2).

(بیان) :

لا شبهة في أن آية المباهلة(3)ليست منسوخة ، والمباهلة ليس من خواص النبي صلى الله عليه وآله ، ولاهي مختصة بزمانه ، بل هي باقية إلى اليوم وإلى يوم القيامة لكل محق في الدين على المبطل . كفاك بذلك مباهلة العبد الصالح برير بن


1) المصاع : المجادلة والحرب.

2) تسعة أبيات مذكورة في المصدر.

3) من سورة آل عمران : 61 .

خضير بحضرة الحسين عليه السلام.

ومن تتبع ونظر في التواريخ والأحاديث يظهر له أنه قد وقعت المباهلة وعمل بها واحتج بها في صدر الاسلام وفي زمن الأئمة عليهم السلام وفي زمان الغيبة إلى الآن، وكم من موارد لها وقضايا من المؤمنين والمحدثين والرواة وأصحاب الأئمة عليهم السلام .

بل رأيتُ في كتاب «كاشف الأسرار» للعالم الرباني الشيخ نظر علي الطالقاني قدس سره وهو مطبوع فارسي من أحسن كتب الأخلاق والعرفان ، والطالقاني ممن عاصرناه حيث يقول وينادي بأعلى صوته : يا أهل المذاهب الفاسدة من اليهود والنصارى وسائر الملل - خصوصاً الفرقة الضالة المضلة البهائية - هلموا إلى المباهلة ، ندعو الله تعالى فيجعل اللعن على الكافرين .

ولا يكاد ينقضي العجب مما وقع في هذا الباب، حيث كنتُ ذات ليلة جالساً في المسجد في مسقط رأسي قزوين والمسجد غاص بأهله زهاء ألف نفر ينتظرون صعودي على المنبر للوعظ والتعزية ، وكان ذلك في ليالي محرم الحرام، إذ دخل المسجد رجلٌ من أصحابي وأصدقائي ومعه رجل من الأشراف أعرفه ، وقال لي : جاء رجل من عكا(1)اسمه ابن أصدق يدعوك إلى المباحثة والمناظرة في أمر المذهب ، وقد دعا عالمين آخرين من أهل البلد فأجابه أحدهما ولم يجبه الآخر ، وهو مصر على ملاقاتك والمناظرة معك والعالمان أيضاً مصران على ذلك. فقلت لهم : قفوا مكانكم حتى يتم الوعظ ، فصعدت المنبر فقلت بعد الخطبة وجملة من


1) مدينة بفلسطين كان يقيم بها عباس أفندي كبير البهائية ابن حسين علي الملقب نفسه «بهاء الله» ، وهذه الفرقة من البابية تنسب إليه .

الكلام : أيها الناس رجل جاء من عكا يدعوني إلى المباحثة والمناظرة في أمر الدين ورسوله حاضر في المسجد ، قل أيها الرسول : إني أيضاً طالب وحاضر للمناظرة والمباهلة بشرط أن تكون المناظرة لا في بيتي ولا في بيتك بل في مكان آخر ، معي أربعة من أصحابنا ومعه أربعة من أصحابه ومعنا كاتب يكتب كل ما نقوله ، وبعد المباحثة تندرج ما يدور بيننا في الصحف وتنتشر حتى يعلم الناس أينا المغلوب. أما المباهلة فنعلن باجتماع الناس في ميدان وسيع ويوقد تنور وندعو الله فنجعل اللعن على الكاذب وندخل في التنور ، فأينا احترق علم الناسُ كلهم أنه باطل ، فأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين(1).

وبلّغ الرجل مقالي وجيء بالخبر والموعد صباحاً قبل الظهر وأنا أنتظر الجواب من قبل الشمس . فلما تتم كلامي خرج الرسول من المسجد وكنت الصباح منتظراً إذ جاء الرسول وهو يضحك ، قلت : ما الخبر ؟ قال : لما أبلغته الرسالة أطرق برأسه وسكت زماناً ثم رفع رأسه ونادى: يا غلام هات مركوبي حتى أذهب، ليس هذا ،مقامي قد دعاني الرجل إلى ما لا أقدر عليه ، ثم خرج وركب وراح . والساعة الآن سبعة من الليل .

بعد ستة أيام أو أزيد سافرت لزيارة الرضا عليه السلام، فبينما أنا في بعض شوارع طهران إذ أقبل عليّ رجل قصير أعور العين على وجهه آثار الجدري فقال لي : أنت الذي دعوتني إلى المباهلة . فقلت : من أنت ؟ قال : أنا ابن أصدق . قلت : بلى أنا على ما قلت . قال : قد سافرت إلى البلاد وباحثت مع العلماء فما أجابني أحد بمثل ما أجبت وما دعاني أحد إلى ما دعوت . فأخذت بثيابه وقلت : إما


1) مقتبس من سورة سبأ : 24 .

المباهلة وإما المناظرة. ففرّ مني فرار الذئب من الأسد . والله تعالى غالب على أمره.

بشر بن عمر بن الأحدوث الحضرمي الكندي

«حَضْرَم» بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة، قبيلة من قحطان والنسبة إليها ،حضرمي ، أو نسبة إلى حضرموت وادٍ باليمن . والثاني هو الأصح ، لأن الرجل كندي لا قحطاني . ولم يذكر في القاموس أن كندة قبيلة من قحطان وعادته أن يذكر.

و «الكِنْدي» بكسر الكاف وسكون النون وكسر الدال المهملة ، نسبة إلى كندة بكسر أوله على المشهور وفتحها في كتب الأنساب وضمها ، لقب ثور بن عفير بن عدي بن الحرث بن حرة بن أدد أبي حي من اليمن، لأنه كند أباه أي قطع ولحق بأخواله ، كذا في القاموس وغيره(1).

وكان بشر هذا تابعياً صار إلى الحسين عليه السلام أيام المهادنة، وقتل في الحملة الأولى ، وتشرف بالسلام في الزيارة الناحية «السلام على بشر بن عمر الحضر مي شكر الله لك قولك للحسين وقد أذن لك في الإنصراف : أكلتني اذن السباع حياً إن فارقتك وأسأل عنك الركبان وأخذلك مع قلة الأعوان ، لا يكون هذا أبدا»، واتفقت نسخ الزيارة على ما ذكرنا وذكر السيد الداودي وغيره(2).

وفي التنقيح(3): إنه كان في العاشر من المحرم ووقع القتال قيل لبشر بن عمر ، وهو في تلك الحال إن ابنك قد أسر بثغر الري ، فقال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما


1) معجم مقاييس اللغة 141/5 ، القاموس المحيط 234/1.

2) إقبال الأعمال 77/3 ، بحار الأنوار 70/45 و 272/98 .

3) تنقیح المقال : 173/1.

كنت أحب أن يوسر وأن أبقى بعده . فسمع الحسين عليه السلام مقالته ، فقال له : رحمك الله ، أنت في حلّ من بيعتي، فاذهب واعمل في فكاك ابنك. فقال له : أكلتني السباع حياً إن أنا فارقتك يا أبا عبد الله . فقال له : فأعط أخيك محمداً - وكان معه بيده الأثواب البرود - يستعين بها في فكاك أخيه ، وأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.

هذا ، وفي اللهوف(1)في وقائع ليلة العاشور : قيل لمحمد بن بشر الحضرمي - إلى آخر ما ذكر وفي نسخة بشير الحضرمي ، وتبعه غيره من المؤرخين والمحدثين وأرباب المقاتل. وما أبعد بينه وبين ما في الزيارة، مع أنه رحمه الله(2)راوي الزيارة. ولعله سهو واشتباه من الناسخ، وإلا فالسيد أجل قدراً من ذلك . وليس في كتب التراجم والرجال اسم لمحمد بن بشير، مع أن محمداً هذا ابن عمر الحضرمي ، وهو الساعي في فكاك أخيه . والله العالم .

بكر بن حي بن تيم الله بن ثعلبة التيمي

«تیم» بطن قد يُطلق ، وهو كثير في قضاعة و ابن وائل وغيره من بطون العرب ، وقد يضاف إلى «اللات» فيقال «تيم اللات»، وقد يضاف إلى «الله» فيقال «تيم الله» . وهم بطون ثلاثة : بطن من القحطانية ، وبطن من جديلة ، وبطن من بكر بن وائل، ولكن الغالب في النسبة إلى تيم الله «تيملي» لا «تيمي».

ذكر أهل السير أن بكراً كان ممن خرج مع عمر بن سعد إلى حرب الحسين


1) اللهوف ص 153.

2) يريد السيد ابن طاوس الذي نقل الزيارة في كتابه «الإقبال». و لعل السيد نقل اسم محمد بن بشير الحضرمي والقصة المذكورة هنا من كتاب الطبقات لابن سعد.

عليه السلام ، إلى أن قام الحرب مال إلى الحسين وقاتل بين يديه حتى نال شرف الشهادة بعد الحملة الأولى(1).

جابر بن الحجاج مولى عامر بن نَهْشَل التيمي

في التنقيح(2): كان فارساً شجاعاً كوفياً ، بايع مسلم بن عقيل ، ولما خذلوه اختفى عند قومه ، فلما سمع بمجي الحسين عليه السلام إلى كربلاء خرج من الكوفة في عسكر ابن سعد ، فلما وصل إلى كربلاء لحق بالحسين ، ولزمه إلى أن تقدم يوم الطف وقاتل بين يديه حتى استشهد.

وعن الحدائق الوردية : كان قتله قبل الظهر فى الحملة الأولى(3).

جابر بن عروة الغفاري

«الغفاري» بكسر الغين المعجمة وفتح الفاء ثم الألف والراء المهملة ثم الياء . قد يُتوهم أنها نسبة إلى «الغفارية» من قرى مصر، أو نسبة إلى جبل اسمه «غفارة» ، أو نسبة إلى «غفارة» ككتابة قسم من الدرع يُنسج على قدر الرأس يُلبس تحت القلنسوة والنسبة إليه لكونه بياعاً له . والأصح أنها نسبة إلى قبيلة من كنانة ، وهم بنو تيم بنو غفار بن بليل بن صخرة بن بكر بن عبد مناف ، رهط مولانا أبي ذر الغفاري .

في محكي شرح الشافية وأبي مخنف : إنه كان شيخاً كبيراً صحابياً قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر وواقعات غيرها ، وجعل يعصب حاجبيه


1) مأخوذ من تنقيح المقال 178/1 .

2) تنقيح المقال 24/14 .

3) أنظر : إبصار العين ص 148 .

ويرفعهما عن عينه ، وبرز بعد محمد بن المطاع على ما في الشرح أو بعد عون بن عبد الله على ما في مقتل أبي مخنف، والحسين ينظر إليه ويقول : شكر الله سعيك يا شيخ . وحمل على القوم وأنشأ يقول:

قد علمت حقاً بنو غفارِ *** وخندف تيم تیم بنو نزار

بنصرنا لأحمد المختار *** يا قوم حاموا عن بني الأطهار

الطيبين السادة الأخيار *** صلّى عليهم خالق الأبرار

ولم يزل يقاتل حتى قتل ثمانين فارساً ، وقتل أمام الحسين عليه السلام . شكر الله سعيه(1).

جبلة بن علي الشيباني

«الشيباني» بالشين المثلثة المفتوحة ثم الياء من تحت الساكنة ثم الباء الموحدة ثم الألف ثم النون ثم الياء. نسبة إلى شيبان حي من بكر ، ينشعبون إلى قبيلتين عظيمتين : إحداهما تنسب إلى شيبان بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن على بن بكر بن وائل، والأخرى إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاشة ، والرجل ينسب إلى الأولى .

وكان رجلاً شجاعاً من شجعان أهل الكوفة ، شهد صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام ، وقام مع مسلم بن عقيل ، فلما خذلوه اختفى عند قومه، فلما جاء الحسين إلى كربلاء أتى إليه وقاتل حتى قتل في الحملة الأولى(2).

وفي زيارة الناحية المقدسة : «السلام على جبلة بن علي الشيباني» رضوان الله عليه .


1) ينابيع المودة 74/3 .

2) مأخوذ من تنقيح المقال 207/1.

جعفر بن عقيل بن أبي طالب

وهو أول من برز من أولاد العقيل، وأمه أم الثغر أو الحَوْصاء بنت عامر من بني كلاب.

في المناقب وغيره(1): برز وهو يرتجز ويقول :

أنا الغلامُ الأبطحي الطالبي *** من معشر في هاشم وغالبِ

ونحن حقاً سادة الذوائب *** هذا حسين أطيب الأطائب

من عترة البر التقي الناقب

فقاتل وقتل خمسة عشر فارساً . وفي الزيارة الناحية : «السلام على جعفر بن عقيل» ، لعن الله قاتله وراميه بشر بن حوط الهمداني قاتل أخيه عبد الرحمن .

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام(2): إن قاتله عروة بن عبد الله الخثعمي . ومثله عن حميد بن مسلم. ويمكن الجمع بأن الرامي عروة بن عبدالله كما عن بعض المقاتل والقاتل بشر بن حوط .

وأما جعفر بن محمد بن عقيل ، فقد قال أبو الفرج : ما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل إبناً يُسمى جعفر(3).

وذكر محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبدالله بن عباس بن علي بن أبي طالب أن لمحمد بن عقيل ابناً يُسمى جعفر بن محمد قتل مع الحسين .

وقد عرفت في إبراهيم أنه أضبط ، وأهل البيت أدرى بما في البيت ، إلا أنه قال : إنه سمع من يذكر أنه قتل في يوم الحَرَّة ، فأمره مختلف فيه.


1) أنظر : مناقب آل أبي طالب 122/4 ، إبصار العين 68 .

2) بحار الأنوار 33/45.

3) مقاتل الطالبيين ص 62 .

جعفر بن علي بن أبي طالب

في زيارة الناحية المقدسة : «السلام على جعفر بن أمير المؤمنين، الصابر بنفسه محتبساً والنائي عن الأوطان متغرباً ، المستسلم للقتال، المتقدم للنزال، المكثور بالرجال ، لعن الله قاتله هاني بن شبيب الحضرمي».

وفي المروي عن أبي جعفر عليه السلام : إن خولى بن يزيد الأصبحي قتله(1).

وقال ابن شهر اشوب(2): رماه خولی بن يزيد الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينه.

وفي بعض المقاتل : إنه قتل بعد عبد الله ، وارتجز بقوله :

إني أنا جعفر ذو المعالي *** ابنُ علي الخير ذو النوال(3)

حسبي بعتي شرفاً وخالي *** أحمي حسيناً ذا الندى المفضال

(بیان):

اتفقت كلمة الأصحاب من المحدثين والمؤرخين وعلماء الرجال والأنساب : أن أولاد علي أمير المؤمنين عليه السلام من أم البنين الكلابية أربعة : العباس أكبرهم ، وعثمان ، وجعفر ، وعبد الله - على ما هو المشهور في كتبهم والمروي عن الباقر كما في جلاء العيون عمر بدل عبد الله ، وفي بعض الكتب الفارسية علي بدل عبد الله . والصحيح هو الأول ، وسيأتي تحقيق ذلك في باب العين .

وإنما الاختلاف في مقامين :

(الأول) في سنّه وعمره رضوان الله عليه بعد الإتفاق على أنه وُلد بعد عثمان


1) مقاتل الطالبيين ص 88 .

2) مناقب آل أبي طالب 116/4 .

3) زاد في المناقب بعد هذا «ذاك الوصي ذو السنا والوالي».

الذي وُلد بعد عبدالله المولود بعد العباس، فهو آخر من ولد من أم البنين . قال أبو الفرج وكذا في البحار وغيره(1): إنه كان يوم قتل ابن تسع عشرة سنة . وعلى هذا فهو كان في حمل أمه يوم شهادة والده أمير المؤمنين عليه السلام، فما روي أن علياً سماه جعفراً باسم أخيه إن صح فإنما سماه قبل أن يولد . ولا غرابة فيه .

وفي بعض مقاتل المتأخرين أنه كان يوم قتل ابن إحدى وعشرين سنة. والأول هو الأصح . وسيأتي في باب العين زيادة توضيح .

(الثاني) في كيفية شهادته المشهور المذكور في كتب المقاتل(2)والمعروف عندهم أنه وأخويه قتلوا مبارزة في ميدان الحرب واحداً بعد واحد. والذي يُستفاد بعد التأمل في كلماتهم أنهم غير العباس قتلوا حول الحسين عليه السلام ، لأنه يوم عاشوراء لم يكن في الصف أحد لا في الميمنة ولا في الميسرة ولا في القلب على ما هو قانون النظام والمحاربة حتى الآن من أن للسلطان والرئيس والقائد العام مكاناً معيناً خارج الصف وحوله جمع من خواصه يقونه بنفسه ويحمونه ويفدونه بأنفسهم. وهذا هو المستفاد من كلام العباس عليه السلام لإخوته صبيحة يوم عاشوراء بقوله : تقدموا بين يدي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله .

وهذا هو الظاهر من كلام أبي حنيفة الدينوري المؤرخ ، بل هو صريح كلامه ، بل نسبه إلى القوم ، فننقل كلامه بطوله لما فيه من الفائدة ، قال :

قالوا : ولما رأى ذلك عباس بن علي قال لإخوته عبدالله وجعفر وعثمان بني علي عليه السلام وأمهم جميعاً أم البنين العامرية من آل الوحيد : تقدموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا ،دونه ، فتقدموا جميعاً فصاروا أمام الحسين


1) مقاتل الطالبيين ص 88 ، بحار الأنوار 39/45 .

2) مقاتل الطالبيين ص 54 .

عليه السلام يقونه بوجوههم ونحورهم فحمل هاني بن شبث الحضرمي على عبدالله بن علي فقتله، ثم حمل على جعفر بن علي فقتله أيضاً، ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن علي بسهم فقتله . انتهى . ويأتي في باب العين ما يوضح هذا المقام(1). والله العالم .

جنادة بن الحرث المذحجي المرادي السلماني الكوفي

«جُنادة» بضم الجيم . و «السلماني» بطن من مراد من مذحج . وقد يوصف بالأزدي ، وسيأتي ضبط الأزد في خالد بن عمر الأزدي .

كان رضوان الله عليه صحابياً من أصحاب النبي وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام، ومن المقاتلين بصفين ، ومن مشاهير الشيعة . بايع مسلماً ، فلما خذلوه فرّ واختفى عند قومه ، فلما سمع بمجي الحسين عليه السلام خرج مع عمر بن خالد الصيداوي وجماعة من الشيعة ، ولحق به في مرحلتين من الكوفة ، فما نعهم الحر ، ثم أخذهم الحسين عليه السلام(2)وسيأتي تفصيل ذلك في عمر بن خالد .

ولما كان يوم الطف خرج مع عمر بن خالد ومن كان معه يوم الخروج من الكوفة ، وتقدموا فأوغلوا في صفوف أهل الكوفة حتى أحاطوا بهم ، فانتدب لهم العباس فخلص إليهم وخلصهم ، ولكنهم أبوا أن يرجعوا سالمين ، فقتلوا في مكان واحد(3).

هذا ، وفي زيارة الناحية المقدسة : «السلام على حبان بن الحرث السلماني الأزدي».


1) الأخبار الطوال ص 257 .

2) أكثر هذا منقول من تنقيح المقال 234/1 .

3) أنظر : إبصار العين ص 111.

وليس لحبان بن الحرث في كتب الرجال ولا في المقاتل ذكر ، ولعله سهو من الناسخ وجنادة معروف مذكور.

جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي

«الخزرجي» نسبة إلى الخزرج بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء المهملة بعدها جيم م . وهو الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن مزيقيا بن نصر ابن الأزد . والخزرج هذا أخ الأوس، ومنهما تتفرع قبائل الأنصار ، والأنصار كلها خزرجي أو أوسي . وأمهما قيلة بفتح القاف وكسرها وسكون الياء اسم امرأة من الأزد ، وبها يُسمى الأنصار أوساً وخزرجاً «بنو قيلة».

وجنادة هذا كان من الشيعة ، من المخلصين في الولاء، وممن صحب الحسين عليه السلام من مكة وجاء معه هو وأهله إلى كربلاء ، فلما كان يوم الطف وشبّ القتال وحمل أهل الكوفة على عسكر الحسين تقدم مرتجزاً وهو يقول :

أنا جنادٌ وأنا ابن الحارثِ *** لست بجواز ولا بناكث

عن بيعتي حتى يرثني وارثي *** اليوم شلوي في الصعيد ماكثِ

وقاتل وقتل ستة عشر فارساً ، فقتل في الحملة الأولى(1).

جندب بن حجير الكندي الخولاني

حُجَيْر كزبير . وقد مرّ ضبط الكندي في بشر بن عمر. الخولاني نسبة إلى خولان أبي بطن من كهلان من القحطانية ، وهو خولان بن مالك بن حارث بن مرة بن أدد ، ولخولان هذا سبعة من الولد كل منهم بطن ، ولذا كانت خولان سبعة


1) أنظر : تنقيح المقال 234/1 ، إبصار العين ص 123 .

بطون ، منهم الكندة .

والرجل كوفي من وجوه الشيعة، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام شهد معه حرب صفين وكان أميراً على كندة والأزد، خرج من الكوفة ولحق بالحسين عليه السلام قبل اتصال الحرّ به، وجاء معه إلى كربلاء، وتقدم فقاتل واستشهد في أوائل القتال . رضوان الله عليه(1).

جون بن حوي بن قتادة بن الأعور بن عوف بن كعب بن حوي

مولى أبي ذر الغفاري . وفي بعض نسخ الزيارة «عون بن حوي» بدل جون . لعله اشتباه من الناسخ .

قد وقع الاختلاف في أنه صحابي أو تابعي. وهو رضوان الله عليه كان عبداً أسود للفضل بن العباس بن عبد المطلب، اشتراه أمير المؤمنين عليه السلام بمائة وخمسين ديناراً ووهبه لأبي ذر ليخدمه ، وكان عنده ، وخرج معه إلى الربذة ، فلما توفي أبوذر سنة أثنتين وثلاثين رجع العبد وانضم إلى أمير المؤمنين ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين عليهم السلام، وكان في بيت السجاد عليه السلام وخرج في أهل البيت من المدينة إلى كربلاء، وكان ليلة العاشور جالساً في الخيمة عند الحسين عليه السلام يصلح سيفه وسلاحه والحسين يقول : «يا دهر أنّ لك من خليل» إلى آخر الأبيات ، إذ دخلت عليه أخته الحوراء زينب وتكلمت بما سيأتي(2).

قال السيد المحدث المعاصر في مجالسه(3): لا ينبغي لذوات الشرف إصلاح


1) أنظر تنقيح المقال 234/1 ، إبصار العين ص 136 .

2) أنظر : تنقيح المقال 238/1.

3) المجالس السنية 80/1.

السيف والسلاح ، ولذاكان جون يصلح سيفه وسلاحه عنده عليه السلام في ليلة العاشور(1). وهو أيده الله أعرف بعادات العرب ، ولكن تدبير الخيل وإصلاح السلاح من عادات الأنبياء والسلاطين والأكابر وأهل الشرف، على ماورد في تفسير قوله تعالى إنّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي ] حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ(2).

ثم إن الذي يظهر من إذن الإمام عليه السلام لجون في الإنصراف وجوابه له وسائر القرائن أن إذنه عليه السلام كان في ليلة العاشور بعد خطبته وقوله : «ألا وإني قد أذنت لكم وأنتم في حلّ من بيعتي»، وتكلم أصحابه بما تكلموا به، وتكلم عليه السلام مع بعضهم بالخصوص وأذن لهم في الإنصراف ، قال لجون : أنت في إذن مني .

إلا أن جل المحدثين والمؤرخين وأرباب المقاتل ذكروا أن ما دار بين أبي عبد الله وجون كان في يوم العاشور عند اشتداد الحرب واستئذانه للمبارزة .

وكيف كان ، قال الحسين عليه السلام له : أنت في حلّ مني ، فإنما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتل بطريقتنا . فوقع على قدمي الحسين عليه السلام يقبلها ويقول : يابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم أو أفارقكم والله إن ريحي لنتن وإن حسبي للثيم وإن لوني لأسود، فتفضل (فتنفس) عليّ بالجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض لوني ، لا والله لا أفارقكم حتى


1) نص كلام السيد في تعليقته على فعل جون : فإن موالي الحسين عليه السلام وخدمه لم يكونوا ليدعوه يصلح سيفه ويعالجه بيده وهم ينظرون . وهذا الكلام غير ما استفاد شيخنا المؤلف عليه الرحمة والرضوان .

2) سورة ص : 32 .

يختلط هذا الدمُ الأسود مع دمائكم(1).

فأذن له الحسين عليه السلام ، فبرز مرتجزاً وهو يقول :

كيف يرى الكفارُ ضربَ الأسودِ *** بالمشرفي القاطع المهند

بالسيف صلياً عن بني محمدِ *** أذب عنهم باللسان واليد

أرجو بذاك الفوز عند المَوْرِدِ *** من الإله الواحدِ الموحد

إذ لا يطيع عنده كأحمد(2).

فقاتل وقتل خمسة وعشرين رجلاً، وقيل ستين رجلاً. فوقعت في محاجز عينه ضربة، فكبا به جواده على الأرض فوقع على أم رأسه ، فأحاطوا به من كل جانب ومكان فقتلوه ضرباً وطعناً. فوقف الحسين عليه السلام عنده وقال : اللهم بيض وجهه ، وطيب ريحه ، واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد و آل محمد .

روى الصدوق في الخصال عن الباقر عن السجاد عليهما السلام حديثاً مختلفاً(3)، وباختلافه اختلفت كلمات الأصحاب وأرباب المقاتل : ففي بعض الكتب المعتبرة أن الناس كانوا يحضرون المعركة، وفي بعضها أن بني أسد هم الذين حضروا المعركة، وفي بعضها ليدفنوا القتلى، وفي آخر ليفتشوا القتلى وجدوا جون بعد أيام، وفي بعض الكتب بعد عشرة أيام يفوح منه رائحة المسك(4). وعليه فلا إشكال فى الرواية ، ولا تنافي بين ما هو المشهور من دفنهم


1) أنظر : إبصار العين ص 138 .

2) نسب بعض هذا الرجز في المناقب 111/4 إلى جوين بن أبي مالك مولى أبي ذر ، وهو المذكور بعد .

3) يقصد الاختلاف في وقت دفن الأجساد المطهرة والأحوال التي رأوها عند التردّد على موقع المعركة .

4) بحار الأنوار 23/45 ، لواعج الأشجان ص 149 .

عليهم السلام بعد ثلاثة أيام أو الليلة الثالثة . والمراد بالناس غير بني أسد كانوا يحضرون ليفتشوا القتلى لسلبهم أو معرفتهم أو غير ذلك ، والله العالم .

جوين بن مالك التميمي

«جُوَيْن» بالجيم المضمومة والواو المفتوحة كزبير، وهو ابن مالك بن قيس بن ثعلبة التميمي .

كان جوين من الشيعة وخرج مع من خرج إلى حرب الحسين عليه السلام فلما رأى أن ابن زياد لم يقبل شروط الحسين مال مع من مال من عشيرته ليلاً ورحلوا إلى نصرة الحسين واستشهدوا بين يديه(1).

ولعله هم الذين أتوه عليه السلام في ليلة العاشر على ما أطبقت عليه كلمتهم وجاءت به الرواية أن ثلاثة وثلاثين رجلاً أتوه ليلة العاشر . وسيأتي تفصيله .

في المناقب : إنه قتل في الحملة الأولى. وصحف اسمه بسيف ونسبته بالنمري ، وشرف بالتسليم في زيارة الناحية المقدسة .

الحارث بن نبهان

«نَبهان» بفتح النون وسكون الباء الموحدة .

كان نبهان مولى الحمزة بن عبد المطلب ، وكان فارساً شجاعاً ، مات بعد شهادة حمزة بسنتين، وانضم ابنه الحارث إلى أمير المؤمنين عليه السلام ثم بعده إلى الحسين عليه السلام. فلما خرج الحسين من المدينة إلى مكة كان الحارث معه ، ولازمه عند ورود كربلاء ، فلما شب القتال تقدم وقاتل وقتل في الحملة الأولى -


1) أنظر : إبصار العين ص 149 .

كذا في الحدائق الوردية(1).

الحارث بن امرئ القيس بن عابس

له ذكر في المغازي والحروب.

وفي التنقيح(2)يذكر من ثباته وقوة ديانته أنه ممن حضر حصار المخبر ، فلما خرج المرتدون ليقاتلوا وثب على عمه ليقتله، فقال له : ويحك أتقتلني وأنا عمك ؟ فقال : أنت عمي والله ربي . فقتله .

وفي الحدائق الوردية : إنه كان شجاعاً فارساً بطلاً ، كان ممن خرج في عسكر ابن سعد حتى أتى كربلاء ، فلما ردوا على الحسين عليه السلام شروطه وحصروه مال إلى الحسين وانضم إلى أصحابه وهم أربعة نفر ، فقتلوا مع الحسين . قال : قتل في الحملة الأولى.

حباب بن عامر بن كعب التيمي

من تيم اللات بن ثعلبة .

كان من شيعة الكوفة ، بايع مسلم بن عقيل ، فلما خذلوه اختفى عند قومه ، فلما سمع بمجي الحسين عليه السلام خرج من الكوفة خُفيةً، فصادف الحسين في الطريق، فلزمه إلى يوم الطف، فقاتل وقُتل في الحملة الأولى على ما ذكره ابن شهر اشوب(3).


1) أنظر : تنقيح المقال 248/1 ، إبصار العين ص 73.

2) تنقيح المقال 243/1.

3) أنظر : إبصار العين ص 149 .

حبشة بن قيس بن سلمة بن طريف بن أبان بن سلمة بن حارثة الهمداني النهمي

*حبشة بن قيس بن سلمة بن طريف بن أبان بن سلمة بن حارثة الهمداني النهمي حبشية كما في التنقيح أو حبشي كما في إبصار العين(1). بنوتهم بطن من هَمْدان.

كان سَلَمة صحابياً ، وابنه قيس له رؤية وإدراك ، وابنه حبشة قد حضر الطف أيام المهادنة ولازم الحسين عليه السلام، ولما شبّ القتال تقدم بين يديه وقاتل وقتل. رضوان الله عليه .

حبیب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر الأسدي الفقعسي

*حبیب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر بن جخوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحارث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد أبو القاسم الأسدي الفقعسي

قد اختلف في ضبط اسم أبيه : هل هو «مُطَهَّر» أو «مظاهر» أو «مطَهَّر» بالطاء المعجمة المشددة . والأمر في الأولين سهل بناءً على ما مر وصرح به جمع كما في التنقيح من أن الأعلام - خصوصاً إذا كانت معرفة باللام يجوز إسقاط الألف ويجوز القراءة على الوجهين، نحو حرث وحارث وقسم وقاسم .

هكذا قالوا وتبعناهم سابقاً ، ولكن الذي يظهر من مراجعة علم الخط وعلم كتابة الحديث أن في الأعلام التي مع الألف المتصلة يجوز انفصال الألف كتباً لا لفظاً ، صرح بذلك النظام النيسابوري في شرحه على صرف ابن الحاجب في باب الخط ، بل قال : إن وراقي الكوفة ينقصون الألف إذا كانت متصلة بما قبلها نحو الكفرين والنصرين والسلطن. وعلى هذا فالصحيح هو المظاهر بالألف وإن كان قد يُكتب بدون الألف . فافهم واغتنم .

وقد خفي ذلك على كثير ، حتى أن الفاضل المعاصر أيده الله قال : مُظهر بضم


1) تنقيح المقال 250/1 ، إبصار العين ص 104 .

الميم وفتح الظاء المعجمة بزنة محمد ، ويلفظ بالطاء المهملة في بعض الأصول ويمضي على الألسن، وفي بعض الكتب مظاهر ، وهو خلاف المضبوط قديماً . انتهى.

ولعله أيده الله تبع العلامة في الخلاصة حيث ضبط «مظهر» كمحمد . وهذا إن ثبت فهو وإلا فالمشهور والمعروف في الكتب والألسن قديماً وحديثاً «مظاهر» وإن كان قد يكتب ويقرأ مظهر بدون الألف . وأما مُطَهَّر بالطاء المهملة فلم أر من ذكره، ولعله من سهو الناسخ. وكيف كان فهو بضم الميم إتفاقاً ، فما في الألسن بالفتح شهرة لا أصل لها .

وما في الناسخ من تأييد «مظهر» كمحمد بقوله «إني حبيب وأبي مظهر» لأن رعاية ألف التأسيس من شرائط صحة القافية، فلو قال «وأبي مظاهر» لا يناسب القوافي ، ومراعاة القوافي لازم عندهم .

ففيه : إن كثيراً مما لا يلاحظونه في الشعر - خصوصاً في الرجز بل يتركون ما هو الأهم من القوافي ، مع أن قراءة «المطهر» في ضرورة الشعر ، لا تدل على كونه مطهر مطلقاً .

وأما كون الرجل صحابياً ، كما ذكره ابن الكلبي أو تابعياً - مبني على اصطلاح الصحابي ، إن قلنا بأن الصحابي من أدرك أو رأى النبي فهو صحابي ، وإن قلنا إنه من أدرك ورأى وروى عنه ، فهو تابعي ، إذ لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله حديثاً .

و في المجمع : الصحابي - على ما هو المختار عند جمهور أهل الحديث كلُّ مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله [قيل وروى عنه ، وقيل أو رآه الرسول ، قيل

وكان أهل الرواية عند وفاته (صلی الله علیه و آله و سلم) مائة ألف أو عشرة آلاف(1).

ولا يهمنا البحث في ذلك بعد كون الصحبة ليست بنفسها موجبة لكثير مدح ، مع ما عرفت من حال بعض الصحابة وما أحدثوه بعد رحيل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

وهو رضوان الله عليه مع فوزه بالشهادة ونيله السعادة وتخصيصه بالسلام في زيارة الناحية المقدسة بقوله عليه السلام : «السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي» ، بنفسه عظيم القدر رفيع المنزلة ، لا تخفى جلالة قدره ونباهة شأنه وعلوهمته ومقامه بحيث لا يقاس عليه أحد، وهو مشكور باصطلاح علماء الرجال ، ثقة أيّ ثقة ، عين ووجه من وجوه أصحابنا ، بل يقال : عقمت النساء أن یلدن مثله .

كيف لا وهو تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام، علمه علم المنايا والبلايا ، بل هو من خواصه ، بل من أصحاب سره وحملة علومه ، وحضر حروبه كلها ، وله ذكر في الحروب والمغازي.

ثم هو من أصحاب الحسن عليه السلام ثم من أصحاب الحسين عليه السلام، بل من خواصه وحواريه ، ويكفيك قوله عليه السلام لما حضر مصرعه ورآه شهيداً «لله درك يا حبيب ، لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة».

وكان صاحب لواء الحسين عليه السلام على الميمنة وزهير بن القين على الميسرة ، وقيل بالعكس. وكان ممن كاتب الحسين عليه السلام .

وكان هو ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة لمسلم بن عقيل لما ورد الكوفة ، ولما دخل عبيد الله بن زياد وخذل أهلها مسلماً حبسهما عشائرهما وأخفياهما .


1) مجمع البحرين 99/2 ، والزيادة منه .

فلما سمعا بمجي الحسين عليه السلام خرجا إليه مختفين يسيران بالليل ويكمنان النهار حتى وصلا إليه أيام المهادنة .

وكان رضوان الله عليه على ما رووا من السبعين الذين نصروا الحسين عليه السلام ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يُعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون عن قبولها ويقولون : لا عذر لنا عند رسول الله إن قتل الحسين ومنا عين تطرف، حتى قتلوا حوله .

ولما دخل مسلم بن عقيل الكوفة ونزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي واختلفت إليه الأشخاص ، فقام عابس بن شبيب وتكلم بما سيذكر في باب العين، فقام بعده حبيب بن مظاهر الأسدي وقال : رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بمواجز من قولك . ثم قال : وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه .

وله رضوان الله عليه قضية مشهورة مع ميثم التمار وقضايا ومواقع في الطف : أما القضية المشهورة فهي ما رواه الكشي(1)عن جبرئيل بن أحمد ، قال : حدثني محمد بن عبد الله بن مهران ، قال : حدثني أحمد بن النصر ، عن عبد الله بن بريد الأسدي ، عن فضيل بن الزبير ، قال : مرّ ميثم التمار على فرس له ، فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد، فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيها ، ثم قال حبيب : لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق وقد صُلب في حب أهل بيت نبيه عليهم السلام ويبقر بطنه على الخشبة . فقال ميثم: وإني لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيه فيقتل ويجال برأسه بالكوفة . ثم افترقا . فقال أهل المجلس : ما رأينا أحداً أكذب من هذين .


1) رجال الكشي ص 73 .

قال : فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رُشَيْد الهجري ، فطلبها وسأل أهل المجلس عنهما ، فقالوا : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا . فقال رشيد: رحم الله ميثماً ونسي : ويزاد في عطاء الذي يجي بالرأس مائة درهم، ثم أدبر . فقال القوم : والله هذا أكذبهم . وقال القوم : والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث وجي برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين عليه السلام ، ورأيناكل ما قالوا .

وأما ما وقع منه في الطف فأمور وقضايا :

(منها) ما روی محمد بن أبي طالب(1)قال : لما وصل الحبيب إلى الحسين عليه السلام ورأى قلة أنصاره وكثرة محاربيه ، قال للحسين : إن ههنا حياً من بني أسد فلو أذنت لي صرت إليهم ودعوتهم إلى نصرتك لعل الله أن يهديهم ويدفع بهم عنك . فأذن له الحسين عليه السلام ، فسار إليهم حتى وافاهم ، فجلس في ناديهم ووعظهم وقال في كلامه : يا بني أسد قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه ، هذا الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قد نزل بين ظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه وتحفظوا حرمة رسول الله ، فوالله لئن نصر تموه ليعطينكم الله شرف الدنيا والآخرة ، وقد خصصتكم بهذه الكرامة لأنكم قومي وبنو أبي وأقرب الناس بي رحماً .

فقام عبد الله بن بشير الأسدي فقال : شكر الله سعيك يا أبا القاسم ، فوالله لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحب فالأحب، وأما أنا فأول من أجاب. وأجاب


1) إبصار العين ص 76 .

جماعة بنحو ما أجابه ، فنهدوا مع حبيب . وانسلّ منهم رجل وأخبر ابن سعد ، فأرسل إليهم الأزرق في خمسمائة فارس، فعارضهم ليلاً ومانعهم، فلم يمتنعوا فقاتلهم . فلما علموا أن لا طاقة لهم بهم تراجعوا في ظلام الليل وتخلوا عن منازلهم، وعاد حبيب إلى الحسين عليه السلام وأخبره بما كان ، فقال عليه السلام وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أن يَشَاءَ اللهُ(1)ولا حول ولا قوة إلا بالله . انتهى .

وكذا في المقاتل باختلاف يسير.

وكان الرجال من بني أسد يقاتلون والمقاتلة على شاطئ الفرات بينهم وبين عسكر الحسين عليه السلام يسير ، فصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق : ويلك مالك ولنا ، إنصرف عنا ، دعنا يشقى بنا غيرك . فأبى الأزرق أن يرجع .

وقد مرّ وسيأتي في باب العين أن منهم من لحق بالحسين عليه السلام واستشهد يوم الطف.

(ومنها) ما ذكره الطبري(2)وغيره : أن ابن سعد بعد ما أرسل إلى الحسين عليه السلام كثير بن عبد الله الشعبي وعرفه أبو ثمامة فرجع. وسيأتي عند ذكر أبي ثمامة أنه أرسل إلى الحسين عليه السلام قرة العتبي الحنظلي، فلما رآه الحسين مقبلاً قال: أتعرفون هذا ؟ قال حبيب بن مظاهر : نعم هذا رجل تميمي من حنظلة ، وهو ابن أختنا ، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي وما كنت أراه يشهد هذا المشهد .

قال : فجاء حتى سلّم على الحسين عليه السلام وأبلغه رسالة عمر بن سعد . فأجابه الحسين (علیه السّلام) ، ثم قال له حبيب : ويحك يا قرة أنى ترجع إلى القوم الظالمين ، أنصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك . فقال له


1) سورة الانسان: 30 .

2) تاريخ الطبري 410/5 .

قرة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي.

(ومنها) موعظته للقوم عشية تاسوعاء إذ نادى عمر بن سعد أصحابه بالركوب ، فركبوا واقتربوا من خيم الحسين عليه السلام، فأمر الحسين أخاه العباس في نحو من عشرين فارساً منهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر بالركوب إليهم . فلما جاؤا وتكلم العباس بما ذكر في محله رجع هو إلى الحسين ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم . فقال زهير : أنت نُدبت بهذا فكن أنت تكلمهم . فقال لهم حبيب بن مظاهر : أما والله ليس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذرية بنت نبيه وعترته وأهل بيته وعباد أهل هذا العصر المتهجدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً . فقال له عروة بن قيس كلاماً وأجابه زهير بما سيأتي(1).

(ومنها) مطايبته مع برير بن خضير في ليلة العاشور على مارواه الكليني مستخرجاً من كتاب «مفاخرة الكوفة والبصرة» ، وقد سبق ذكرها في باب الباء.

(ومنها) ما روي عن أبي مخنف : إن الحسين عليه السلام لما خطب الخطبة التي قال فيها «أما بعد فانسبوني من أنا ..» اعترضه شمر في أثناء الخطبة فقال : «هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول» ، فقال حبيب : أشهد أنك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وإنك لا تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك . ثم عاد الحسين عليه السلام على الخطبة(2).

(ومنها) ما سيأتي تفصيله في عبد الله بن عمر أنه لما دنى عمر بن سعد منه عليه السلام ورمى بسهم، خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبد الله بن


1) أعيان الشيعة 555/4 .

2) إبصار العين ص 104 ، وانظر تاريخ الطبري 319/3 ، أعيان الشيعة 555/4.

زیاد فقالا: من يبارز، فرأيت حبيب بن مظاهر وبرير بن خضير ، فقال لهما الحسين : إجلسا . فقام عبد الله بن عمر الكلبي - إلى آخر ما سيأتي(1).

(ومنها) أنه لما صرع مسلم بن عوسجة مشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب ، فقال حبيب : عزّ علي مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنة . فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشرك الله بخير . فقال حبيب : لولا أني أعلم أني في أثرك لاحق بك في ساعتي هذه لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهله من الدين والقرابة . فقال له : بلى أوصيك بهذا رحمك الله - وأوماً بيده إلى الحسين عليه السلام - أن تموت دونه . فقال حبيب : أفعل ورب الكعبة(2).

وأما ما ذكره المحقق المعاصر قدس سره في تنقيح المقال بقوله(3): والحبيب في ليلة العاشور مكالمات مع زينب الكبرى تكشف عن غاية جلالته . فلم نعثر على ذلك في كتاب ، ولم يستند رحمه الله إلى سند ولم يبين الكلمات المتبادلة بينهما ، ولم نجدها في كتب المقاتل مما في أيدينا له أثراً . ولعله سمع ذلك ممن اعتمد على نقله من الذاكرين ومحدثي عصره، أو رأى في بعض الكتب غير المعتمدة. نعم، في بعض الكتب الفارسية المؤلفة ممن قارب عصرنا قد يوجد من هذا وأشباهه ، تركناها لعدم الاعتماد بالنقل من غير ذكر المستند .

وأما كيفية شهادته رضوان الله عليه :

فهي على ما روي عن أبي مخنف وغيره(4): أنه لما استأذن الحسين عليه السلام


1) تاريخ الطبري 326/4 ، الإرشاد للمفيد 101/2 .

2) الإرشاد للمفيد 103/2 ، مثير الأحزان ص 47 ، تاريخ الطبري 331/4 .

3) تنقيح المقال 252/1.

4) بحار الأنوار 26/45 ، تاريخ الطبري 335/4 .

لصلاة الظهر وطلب منهم المهلة، قال له حصين بن تميم: صلاتك لا تقبل يا حسين . فقال له حبيب : زعمت لا تُقبل الصلاة من آل رسول الله وتقبل الصلاة منك يا خمار . فخرج إليهم حصين واستأذن حبيب للخروج وأذن فخرج إليه ، فحمل حصين على حبيب قائلاً :

دونك ضرب السيف يا حبيب *** وافاك ليت بطل نجيب

في كفه مهند خضيب *** كأنه من لمعه حبيب

وحمل عليه حبيب قائلاً مرتجزاً :

أنا حبيب وأبي مُطَهَّرُ *** و فارسُ الهيجاء ليتُ قَسْوَرُ

و أنتم عند العديد أكثرُ *** ونحن أولى منكُم وأصْبَرُ

أيضاً وفي كلِّ الأمور أقدرُ *** و أنتُمُ عند الوفاء أغْدَرُ

ونحن أعلى حجّةً وأظهرُ *** حقاً وأغنى منكم وأعذرُ

و في يميني صارمٌ يُذَكِّرُ *** وفيكم نارُ الجحيمِ تَسْعرُ

فضرب حبيب وجهَ فرس حصين بالسيف، فشب به الفرسُ ووقع عنه ، فحمله أصحابه واستنقذوه ، فشبّ القتال وحمل عليهم حبيب قائلاً :

أقسم لوكنا لكم أعدادا *** أو شطركم وليتمُ أكتادا(1)

يا شرّ قومٍ حسباً وآدا(2)وشرهم قد عملوا أندادا

فقتل منهم اثنين وستين رجلاً أو خمسة وستين رجلاً ، فحمل عليه بديل بن صريم العُقْفاني(3)فضربه بسيفه، وحمل عليه آخر من تميم فطعنه برمحه فوقع ، فذهب ليقوم


1) جمع كند: مجتمع الكتفين من الإنسان وغيره.

2) آد: القوة والمنعة .

3) نسبة إلى حي من خزاعة .

فضر به حصین بن تميم على رأسه بالسيف فسقط ، فنزل إليه التميمي فاحتزّ رأسه . قيل : بل احتزّ رأسه حصين بن تميم . وفي بعض النسخ حصين بن تمير بدل تميم ، وهو غلط .

قال حصين للتميمي : إني شريك لك في قتله. وقال التميمي : والله ما قتله غيري . فقال حصين : أعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيا يراه الناس ويعلموا أني شريك في قتله ثم خذه وامض به إلى عبيد الله بن زياد ، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتله . فأبى عليه ، فأصلح قومهما فيما بينهما على ذلك ، فدفع إليه رأس حبيب ، فجال به في العسكر وقد علّق الرأس في عنق فرسه ثم دفعه بعد ذلك إليه ، فأخذه وعلّقه في لَبَان فرسه(1)، ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر .

هذا، والحسين عليه السلام يصلي صلاة الخوف ، فقتلوه بين يديه ، فمشى إليه قائلاً على ما رواه الأزدي عن محمد بن قيس قال : لما قتل حبيب بن مظاهر هدّ ذلك حسيناً وقال : عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي ، لله درك يا حبيب، لقد كنت فاضلاً ، تختم القرآن في ليلة واحدة .

(بیان):

في بعض النسخ «حدّه» بالحاء أي أغضبه . وفي بعضها بالهاء المهملة ، من هذه أي شيبه . وكلاهما صحيحان إلا أن الثاني أنسب .

وعن أبي مخنف : لما قتل العباس وحبيب بن مظاهر بان الإنكسار في وجه الحسين عليه السلام . قال : فقام إليه زهير بن القين وقال : بأبي أنت وأمي يابن رسول الله ، ما هذا الإنكسار الذي أراه في وجهك ، ألست تعلم أنا على الحق ؟ قال : والله الحق إني لأعلم علماً يقيناً أني وإياكم لعلى الحق والهدى . فقال زهير :


1) اللبان: الصدر أو ما بين الثديين ، وأكثر استعماله لصدر ذوات الحوافر كالفرس.

إذاً لا نبالي ونحن إلى الجنة ونعيمها .

وأما ما ذكره بعض في أمر رأس حبيب أن التميمي علّقه في عنق فرسه فأتى به إلى مكة فعرف قاسم بن حبيب رأس أبيه فقبله وأخذه ودفنه في مكة ، فليس له مستند صحيح ، وإنما الصحيح ما رووه عن يحيى بن لوط أنه لما أتى التميمي برأس حبيب إلى ابن زياد في القصر بصر به قاسم بن حبيب وهو يومئذ قد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه ، كلما دخل القصر دخل معه وخرج خرج ، فارتاب به وقال : يا بني تتبعني . قال : لا شي . قال : بلى يا بني أخبرني قال : إن هذا . الرأس الذي معك رأسُ أبي ، أفتعطيني حتى أدفنه ؟ قال : يا بني لا يرضى الأمير أن يُدفن ، وأنا أريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً . قال الغلام : لكن الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب، أما والله لقد قتلته خيراً منك، وبكى ثم فارقه .

فمكث الغلام حتى إذا أدرك لم يكن له هم إلا اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرّةً فيقتله بأبيه ، فلما كان زمان مصعب بن الزبير وغدا مصعب في «باجميرا» - وهو موضع دون تكريت إلى الموصل - دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه ، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرّة ، فدخل عليه وهو قائل نصف النهار ، فضربه بسیفه فقتله(1).

وعليه فحال رأس حبيب حال رأس سائر الشهداء(2).

وأما ما يتعلق بدفنه وقبره فسيأتي عند التكلم في دفن الشهداء. رضوان الله عليهم.


1) القصة مذكورة في إبصار العين ص 80.

2) يعني عدم معرفة محل دفن الرؤوس.

الحجاج بن زيد التميمي السعدي البصري

كذا في نسخ الرجال . وفي زيارة الناحية المقدسة : «السلام على حجاج بن زيد السعدي» . وفي بعض المقاتل «بدر» بدل زيد . بصري من بني سعد بن تميم، جاء بكتاب مسعود بن عمرو إلى الحسين ، فبقي معه وقتل بين يديه .

لما ورد كتاب مسلم بن عقيل إلى الحسين عليه السلام وعزم للخروج إلى الكوفة ، كتب إلى مشايخ البصرة وأشرافهم كتاباً وأرسله إليهم مع سليمان المكنى بأبي رزين ، فلما وصل كتابه عليه السلام إليهم اجتمعوا في دار أحنف بن قيس، فتكلموا بما هو مذكور في محله ، وكتبوا في جواب الحسين كتاباً وتهيأ وا للخروج إليه بعد ما سار إليه جماعة من السعديين الحجاج بن زيد التميمي، ودفعوا إليه الكتاب، وجاء به إلى الطف وبقي معه عليه السلام، فلما شبّ القتال استأذن للمبارزة ، فأذن له فقتل مبارزةً بعد الظهر .

وعن الحدائق الوردية : أنه قتل بعد الحملة الأولى(1).

الحجاج بن مسروق بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي

«جُغف» بضم الجيم وسكون العين المهملة ثم الفاء ، بطن من سعد العشيرة .

كان الحجاج من الشيعة ، صحب أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة ، ولما خرج الحسين عليه السلام إلى مكة وسمع به الحجاج خرج من الكوفة إلى مكة لملاقاته ، فصحبه إلى كربلاء . وكان مؤذناً له في أوقات الصلوات . ويقال : إنه كان يلزم الركاب عند ركوبه عليه السلام(2).


1) أنظر التفصيل في إبصار العين ص 164 .

2) أعيان الشيعة 568/4 ، إبصار العين ص 151.

فلما شب القتال في يوم العاشور تقدم إلى الحسين عليه السلام واستأذنه فأذن له.

وعن شرح الشافية : كان معه غلام له، فبرزا وحملا على القوم وقاتلا قتالاً شديداً حتى قتل منهم مائة وخمسون رجلاً . ثم عاد الحجاج إلى الحسين عليه السلام وأنشأ في وجهه قائلاً :

فدتك نفسي هادياً مهديا *** اليوم نلقى جدك النبيَّا

ثم أباك ذا النَّدى عليّا *** ذاك الذي نعرفه وصيّا

و الحسن الخيرَ الرضي وليا *** وأسد الله الشهيدَ الحَيَّا

وذا الجناحين الفتى الكميا(1)*** وفاطماً والطاهر الزكيا

و من مضى من قبله نقيّا *** فالله قد صيّرني وليا

في حبّكم وقاتل الدنيا *** وأشهد الله الشهيد الحيا

عسی یا عبره السا *** بجنة سُراتُها مرئيا

أنشده وهو مختضب بدمائه ، فقال الحسين عليه السلام : نعم ، وأنا ألقاهم على أثرك ، فرجع وقاتل حتى قتل . رضوان الله عليه(2).

وفي زيارة الناحية «السلام على حجاج بن مسروق الجعني».

حربن یزید بن ناجية بن قَعْنَب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي اليربوعي الرياحي

كان رضوان الله عليه رئيساً في الكوفة ، شريفاً في قومه جاهلية وإسلاماً . وفي


1) الكميّ : الشجاع ، أو لابس السلاح، لأنه يُكمي نفسه، أي يسترها بالدرع والبيضة . الحافظ لسره فلا يبيحه لأحد .

2) أنظر : منتهى المقال 255/1 ، إبصار العين ص 118.

زيارة الناحية «السلام على الحر بن يزيد الرياحي».

ومجمل القول في ترجمة الرجل - على ما استفدناه من كتب السير والمغازي والأحاديث والتواريخ والمقاتل والرجال: أنه كان من قبل النعمان والي الكوفة قبل ابن زياد مأموراً بجباية الصدقات أو غيرها في خارج الكوفة ، فلما سمع بمجي ابن زياد إلى الكوفة جاء إليه مع أصحابه وأعوانه وهم زهاء ألف فارس، فدخل القصر عند ابن زیاد ، فرحب به وأمره بالخروج إلى القادسية مع أصحابه عند حصين بن نمير(1).

(بیان):

في جلّ ما بأيدينا من الكتب «حصين بن نمير» ، إلا أن الفاضل المعاصر أيده الله قال : ابن تمبر، غلط لأنه شامي لم يكن له في حرب الكوفة يد، والصحيح حصين بن تميم بضم الحاء المهملة وفتح الصاد والياء ثم النون ، وهو حصين بن تميم ابن أسامة بن زهير بن دريد التميمي . انتهى .

فليكن على ذكر منك فيما يأتي من ذكر الحصين، وهو صاحب شرطة ابن زیاد ، فلما سمع ابن زياد بمجي الحسين عليه السلام إلى جانب الكوفة أمره بالنزول إلى القادسية في كثير من الجند والعسكر خمسة آلاف أو أكثر يترقب نزول الحسين . فلما نزل الحسين القادسية أمر جماعة من أصحابه بالنزول بين القادسية وجفار وأمر جماعة منهم بالنزول بين القادسية وقطقطانة وأرض الطف ، وأمرهم بسدّ الطرق وقطع العبور وأخذ الثغور وأن لا يعبر من طريق إلا باذنه بعد كشف حاله .

(بیان):

«القادسية» موضع معروف من منازل الحاج . قال الجغرافيون : بينها وبين


1) أنظر الدر النظيم ص 550 ، الفصول المهمة 809/2، كشف الغمة 257/2.

الكوفة خمسة عشر فرسخاً وبينها وبين العذيب أربعة منازل . وفي القاموس : قرية قرب الكوفة ، ورد فيه إبراهيم عليه السلام، فوجد فيها عجوزاً غسلت رأسه فقال لها «قُدّستِ من الأرض» فسميت القادسية، فدعا إبراهيم لها أن تكون من منازل الحاج(1).

و «جفار» کحسان موضع فوق القادسية(2).

«القُطقُطانية» بضم القاف ثم السكون ثم قاف أخرى مضمومة وطاء مهملة أخرى وبعد الألف نون وهاء . ورواها الأزهري بالفتح : موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف . قال أبو عبيد الله السكوني : القطقطانية بالطف، بينها وبين الرُّهَيْمَة مغرباً نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام، ومنه إلى قصر مقاتل ثم القُريات ثم السماوة ، ومن أراد خرج من القطقطانية إلى عين التمر ثم ينحط حتى يقرب من الفيوم إلى هئت ، ومنه يُعرف أرض الطف(3).

ولما خرج الحر من القصر مع أصحابه نزل القادسية . قال ابن نما(4): ورويت باسنادي أن الحرقال للحسين عليه السلام بعد ما خرج بخدمته مجاهداً : إني لما خرجت من القصر عند ما وجهني عبيد الله إليك - وفي رواية لما خرجت من بيتي نوديت من خلفي «يا حر أبشر بالخير»، وفي رواية «أبشر بالجنة»، فالتفت فلم أر أحداً. فقلت في نفسي: والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين. وفي رواية: إلى حرب


1) القاموس المحيط 239/2 . وزاد في تاج العروس 357/16: وقيل إنما سميت بذلك لأنه نزل بها قوم من أهل قادس خراسان .

2) أنظر : معجم البلدان 144/2 .

3) أنظر : معجم البلدان 374/4 .

4) مثير الأحزان ص 59 ، مع بعض الإختلاف في الألفاظ.

الحسين ، وما أحدث نفسي باتباعك . فقال عليه السلام : لقد أصبت خيراً وأجراً .

وفي التنقيح(1)عن ابن الجوزي قال : لما قص ذلك على الحسين عليه السلام قال : ذلك الخضر جاء بك .

فلما ورد الحر القادسية أمره حصين بن تميم - بعد ما سدّ الطريق من القادسية إلى الشام ومنها إلى البصرة بحيث لا يجوز أحد - أن يستقبل الحسين عليه السلام، فخرج الحر مع أصحابه عازماً طريق الحجاز سائراً في البراري والصحراء والبيداء ، ناوياً على أن يُنزل الحسين متى يلقاه في أي مكان كان وأن يخبر الحصين أو ابن زياد بنزوله .

وأما الحسين عليه السلام فسار من بطن عقبة حتى نزل شراف - وهو بفتح أوله وآخره فاء وثانيه راء بين الواقصة والقرعاء على ثمانية أميال من الاحساء إلى بني وهب ومن شراف إلى واقصة ميلان .

فلما كان في السحر أمر الحسين عليه السلام فتيانه وأصحابه فاستقوا من الماء وأكثروا ، ثم منها صباحاً يريد القرعاء ثم العسه ثم الكوفة ، فبينما هم يسيرون إذ كبر رجل ، فقال له جماعة - وفي رواية الطبري(2)قال له عبد الله بن سليم والمذري ابن المشمعل الأسديان - والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط . فقال الحسين عليه السلام : فما ترونه ؟ قالوا : نراه والله أذن الخيل وهوادي الخيل . قال الحسين : أنا والله أرى ذلك . ثم قال : أما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله وراء ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد . قالوا : بلى هذا ذو جشب - بفتح الجيم والشين المفتوحة أو بفتح الخاء المعجمة كما في أكثر النسخ . أو ذو جشم بضم الجيم والشين والميم كما في


1) تنقيح المقال 261/1 .

2) تاريخ الطبري 400/5 .

الأخبار الطوال للدينوري . أو ذو حسم بالمهملتين كصرد أو بضمتين كزبير، والصحيح إحدى الأخيرتين . قال في القاموس : الحسم بالحاء المهملة كعنق، وحسم كصرد اسم موضع .

قالوا : هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد. فمال إليه ذات اليسار ومالوا معه ، فعدل عنهم فعدلوا عنه، فما كان بأسرع وقت إذ طلعت هوادي الخيل كأن أسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير ، فاستبق الحسين وأصحابه إلى ذي حسم.

(بیان):

اختلفت كلماتهم في مكان ملاقاة الحر للحسين عليه السلام، فقيل الثعلبية ، وهو اشتباه محض لبعد الثعلبية من الكوفة بمراحل ، والأكثر على ملاقاته في ذو حُسم بعد نزول الحسين وأمره بضرب الأبنية ونصب الخيام. وهو أيضاً بعيد جداً ، لأن الموضع له ماء وآبار، فلا محل لسبقهم الحسين إلا بوجوه بعيدة. والأصح ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة ، قال : فلقيهم على خيولهم بوادي السباع ، وهو قرب ذو حسم ، وذلك في منتصف النهار على ما ذكره الأكثر وفي حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون أسيافهم. هكذا في أكثر النسخ ، من اعتم الرجل إذا لبس العمامة ، والصحيح مغتمون بغين معجمة ، من اغتم الرجل إذا أصابهم الغم. وهم مغتمون لماجرى عليهم ونزل بهم من بكاء النساء والأطفال واضطرابهم .

فقال الحسين عليه السلام: أسقوا القوم وارووهم واسقوا الخيل ترشيفاً(1).


1) الرشف : مص الماء وشربه تدريجاً.

وفي بعض المقاتل : فلما نزلوا وتقدمهم الحر فقال للحسين : إسقنا الماء. فقال الحسين: رحم الله من سقاهم، فاسقوهم جميعاً. فأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء ثم يدنوها من الفرس ، فإذا عبّ(1)ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوها كلها(2).

قال علي بن الطعان المحاربي(3)بالحاء المهملة ، وفي بعض النسخ بالجيم كنتُ مع الحر يومئذ ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين عليه السلام ما بي وبفرسي من العطش قال : أنخ الراوية ، والراوية عندي السقاء ، ثم قال : يابن أخي أنخ الجمل ، فأنخته ، فقال : إشرب ، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء ، فقال الحسين : إخنث السقاء ، أي اعطفه ، فلم أدر كيف أفعل ، فقام فأختنثه ، فشربت وسقيت فرسي .

فلما سقوهم أمر الحسين عليه السلام بأبنية فضربت، وجاء الحر مع أصحابه حتى وقف وأصحابه مقابل الحسين، فدخل الحسين في الخيمة ودخل الحر في خيمته المنصوبة له وأصحابه خمسمائة منهم حوله يحرسونه وخمسمائة منهم في الصف قبال الحسين يحرسونه نوبة بعد نوبة وساعة بعد ساعة . وهكذا أصحاب الحسين فرقة منهم حوله وفرقة في الصف قبال القوم على ما هو قانون الجند والعسكر إلى الآن.

كانوا هكذا إلى أن حضر وقت صلاة الظهر ، فأمر الحسين عليه السلام مؤذنه الحجاج بن مسروق أن يؤذن ، فأذن - وفي رواية علي بن الحسين عليه السلام -


1) عب الماء : إذا شربه أو كرعه بلا تنفس .

2) الإرشاد للمفيد 78/2 ، بحار الأنوار 376/44 ، مقتل أبو مخنف ص 82.

3) تاريخ الطبري 401/5 .

فلما حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين ، وخرج الحر على ما روي في الأمالي وسلم على الحسين فأجابه ، فوقف الحسين بين الصفين وخطب خطبة - ذكرناها في باب خطبه عليه السلام أولها «إني لم أتكم حتى أتتني كتبكم»، وسكت الحر وسكتوا عنه ولم يتكلم أحد منهم بكلمة .

فقال عليه السلام للمؤذن: أقم ، فأقام ، فقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي مع أصحابك . قال : لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك . فصلى بهم الحسين . ثم دخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه من أصحابه وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه ، وأخذ كل رجل منهم عنان رايته وجلس في ظلها .

فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا، ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، فاستقدم الحسين وخرج الحر للصلاة، فصلى الحسين بالقوم ثم سلّم . فلما انفتل الحسين عن صلاته أقبل بوجهه على القوم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة ذكرت في باب خطبه عليه السلام ، أولها «أما بعد أيها الناس .. إن كان رأيكم الآن غير ما أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم إنصرفتُ عنكم». فقال له الحر : أما والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر وهو في قوله هذا صادق ، لأنه لم يكن في الكوفة كما سبق . فقال الحسين عليه السلام : يا عُقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم . فأخرج خرجين مملوئين صحفاً فنشرت بين يديه . فقال الحر : إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وإنا أمرنا إذا لقيناك لا نفارق حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد . فقال له الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك .

وفي رواية الأمالي : لما انصرف عن الصلاة قال : يا حر أعلينا أم لنا . فقال

الحر: والله يابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إليّ ويدي مغلولة إلى عنقي وأكب على حرّ وجهي في النار .

ثم قال الحسين عليه السلام لأصحابه : قوموا فاركبوا ، فركبوا وانتظر حتى أركبوا نساءهم وقال لأصحابه : انصرفوا ، فانصرفوا نحو المدينة والحر واقف متفكر في أمره. فلما ذهبوا قليلاً اعترض الحر وأصحابه وأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين الإنصراف ، فقال الحسين للحر : ثكلتك أمك ما تريد . قال له الحر : لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التى أنت عليها لما تركتُ ذكر أمه بالشكل كائناً من كان ، ولكن والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه . فقال له الحسين : فما تريد ؟ قال : أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله . فقال عليه السلام : إذا والله لا أتبعك . قال الحر : إذا والله لا أدعك . فترادًا القول ثلاث مرات(1).

فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر : إني لم أؤمر بقتالك ، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نَصَفاً حتى أكتب إلى الأمير وتكتب إلى عبيد الله أو إلى يزيد ، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشي من أمرك ، فخذ ههنا فياسر عن طريق العذيب والقادسية .

وسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره حتى وصلوا إلى البيضة - البيضة واحدة البيض، ماء لبني دارم وهي بالكسر ما بين واقصة إلى العذيب. وفي معجم البلدان: البيضان ثنية البيضة بفتح الباء موضع فوق زبالة ، وعن أبي عمرو وغيره : البيضتان بكسر الباء ما حول البحرين من البرية(2).


1) بحار الأنوار 315/44 ، أنساب الأشراف 171/3.

2) معجم البلدان 531/1 .

وخطب الحسين أصحابه وأصحابَ الحر خطبة سبق ذكرها في باب خطبه ، وأقبل الحر يسايره وهو يقول له : يا حسين إني أذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن . فقال له الحسين : أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، ما أدري ما أقول لك ، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه حين لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال له : أين تذهب فإنك مقتول ، فقال :

سأمضي فما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

و آسى الرجال الصالحين بنفسه *** و فارق مثبوراً وخالف مجرما(1)

أقدّم نفسي لا أريد بقاءها *** لتلق خميساً في الوغى وعَرَمْرَما(2)

وهذا البيت برواية محمد بن أبي طالب على ما في البحار(3):

فإن غبتُ لم أندم وإن مت لم ألم مت لم ألم *** كفی بك ذلاً أن تعيش وتُرغَما

فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه ، وكان يسير بأصحابه ناحيةً والحسين عليه السلام في ناحية أخرى، حتى انتهوا إلى عُذَيْب الهجانات. العذيب تصغير العذب ، وهو الماء الطيب ، وهو ما بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال وإلى المغيئة إثنان وثلاثون ميلاً ، وقيل : هو وادٍ لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة . وقيل : هو حد السواد . وقال أبو عبد الله السكوني : العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليه ، وكانت مسلحة للفرس، بينها وبين القادسية حائطان


1) في بعض النسخ «وباعد مجرما» .

2) الخميس : الجيش ، لأنه منقسم إلى خمس فرق . ورح خميس ومخموس : طوله خمسة أذرع . العرمرم : الشديد ، الجيش الكثير .

3) بحار الأنوار 378/44 ، الإرشاد للمفيد 81/2 ، روضة الواعظين ص 180 .

متصلان بينهما نخل ، وهي ستة أميال ، فإذا خرجت منه دخلت البادية ثم المغيثة . وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص : إذا كان يوم كذا فارتحل بالناس حتى تنزل فيما بين عُذَيْب الهجانات وعُذَيْب القوادِس وشرق بالناس وغرب بهم(1). وهذا دليل على أن هناك عذيبان كان بهما هِجانات النعمان ترعى هنالك فنسبت إليها .

فلما انتهوا إلى عُذيب الهجانات فإذا هو بأربعة نفر من الكوفة ، وهم نافع بن هلال ومجمع بن عبدالله وعمر بن خالد والطرماح يجنبون فرساً لنافع بن هلال ودليلهم طرماح بن عدي ، وقيل : عمر بن خالد الصيداوي ومعه مولى سعد وجمع العائدي وابنه وجنادة بن الحارث واتبعهم غلام نافع الجبلي بفرسه المدعو بكامل . وبرواية ابن نما طرماح بن حكيم .

فانتهوا إلى الحسين عليه السلام، فأقبل إليهم الحر وقال : إن هؤلاء النفر من الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم. فقال الحسين : لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما : هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي ، فإن تمت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك . فكف الحر عنهم .

فقال لهم الحسين عليه السلام : أخبروني بخبر الناس خلفكم . وتكلم واحد منهم بكلام يأتي في ترجمته.

وجعل الحسين عليه السلام يسير ويساير الحرمعه حتى إذا كان وقت العصر وأقبل الليل قال الحسين لأصحابه : هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادة ؟ فقال طرماح : نعم يابن رسول الله أنا أخبر الطريق . فقال الحسين له : مر


1) معجم البلدان 92/4 .

بين أيدينا . فسار الطرماح والحسين يتبعه وأصحابه والحر قريباً منه يسايره، والطرماح يرتجز ويقول(1):

یا ناقتي لا تُزجَري من زجر(2)*** و امض بنا قبل طلوع الفجرِ

حتى تحلّي بكريم النَّجر *** بماجدِ الجدّ رحيبِ الصدرِ

أتى به الله لخير أمرٍ *** ثَمة أبقاه بقاء الدهر

آل رسول الله آلُ الفخر *** السادة البيض الوجوه الزُّهْر

الطاعنين بالرماح السمر *** الضاربين بالسيوف البُتْرِ

يا مالك النفع معاً و الضُرِ *** أَمْدد حسيناً سيدي بالنصر

على الطغاة من بغايا الكفر *** على اللعينين سليلي صَخْرٍ

يزيد لا زال حليف الخمرِ *** و ابن زياد عاهر ابنِ العَهْرِ

ولما سمع الحر ذلك من ذم يزيد وأتباعه تنحى عنه.

وفي بعض التواريخ: إن طرماح لما تشرف بخدمة الحسين عليه السلام أنشأ الأشعار في وجهه . وهو بعيد عن سياق الأبيات.

قد اتفق أرباب المقاتل على أن هذه الأبيات لطرماح، إلا ابن نما قال في مقتله(3): ثم إن الحر أخذ يسير بين يدي الحسين ويقول : يا ناقتي إلى قوله - أتى به الله لخير أمر . وفيه تصحيف أو حذف أو ضمير «يقول» راجع إلى الطرماح أو سهو.


1) يختلف الرجز في المصادر، أنظر : تاريخ الطبري 405/5 ، كامل الزيارات ص 193 ، مناقب آل أبي طالب 105/4، مثير الأحزان ص 48 .

2) في بعض المصادر : لا تُذعري من زجري.

3) مثير الأحزان ص 48 .

نعم ، في كامل الزيارات للشيخ المتقدم أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه أستاد شيخ الطائفة قدس الله أسرارهم في باب نوح الجن على الحسين بن علي عليهما السلام ، قال : حدثني حكيم بن داود بن حكيم ، قال : حدثني سلمة ، قال : حدثني علي بن الحسين، عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : بينما الحسين يسير في جوف الليل وهو متوجه إلى العراق وإذا برجل يرتجز ويقول ...

وحدثني أبي رحمه الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معمر بن خلاد ، عن الرضا عليه السلام مثل ألفاظ سلمة ، قال : وهو يقول «يا ناقتي لا تذعري من زجر» إلى قوله «ثمة أبقاه بقاء الدهر»، فقال الحسين عليه السلام «سأمضي وما بالموت عار على الفتى إلى آخر الأبيات(1).

هذا، فلما أصبح نزل سلام الله عليه فصلى الغداة، وهو يوم الأربعاء أو الخميس ثاني شهر محرم الحرام ويوم الثاني أو الثالث من ملاقاة الحر في ذي حُسُم.

ثم عجّل الركوب ، فإذا براكب على نجيب له عليه السلاح متنكب قوسه مقبل من الكوفة ، فوقفوا جميعاً ينتظرونه ، فلما انتهى إليهم سلّم على الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين ، ودفع إلى الحركتاباً من عبيد الله بن زياد جواب ما كتبه الحر إليه من ذي حسم بعد ما جرى بينه وبين الحسين عليه السلام، فقرأ الكتاب فإذا فيه : أما بعد ، فجعجع بالحسين حين يأتيك كتابي ويُقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلا بالعراء في غير حصن على غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن لا يفارقك حتى


1) كامل الزيارات ص193 .

يأتيني بإنفاذك أمري. والسلام.

فجاء بالكتاب إلى الحسين عليه السلام ومعه رسوله فقال : هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وهذا رسوله قد أمره أن لا يفارقني حتى أنقذ رأيه وأمره فيكم.

فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا قرية ، فقال له الحسين : دعنا ويحك ننزل في هذه القرية - يعني نينوا والغاضرية - أو هذه - يعني شُفَيّة . قال : لا والله ما أستطيع ذلك ، هذا رجل قد بعث عيناً عليّ.

فقال زهير بن القين للحسين ما يأتي في ترجمته ، وكذا سيذكر ما قاله يزيد بن زياد المهاجر أبو الشعثاء الكندي لرسول ابن زياد .

ثم عجّل الحسين عليه السلام بالمسير، فأخذ يتياسر فيأتيه الحر فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة رداً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوا ، فبينما هم يسيرون كذلك إذ وقف فرس الحسين عليه السلام . وقد سبق تفصيله في الجزء الأول من هذا الكتاب. فنزل الحسين عليه السلام هناك وأمر أصحابه بضرب الأبنية والخيم ، ونزل الحر في قباله . وفي كشف الغمة : نزل القوم وحطوا الأثقال ونزل الحر بنفسه وأثقاله قبالة الحسين ، ثم كتب إلى عبيد الله بن زياد وأعلمه بنزول الحسين بأرض كربلاء(1).

ومدة ملاقاة الحر للحسين عليه السلام ومصاحبته من «ذو حُسُم» إلى نينوا يوم وليلة ونصف يوم أو يومين وليلتين . وذكروا أموراً من حين الملاقاة إلى النزول تركناها لأنها مذكورة في محالها ، وإن كان كثير منها قبل ذو حُسم وقبل


1) كشف الغمة 257/2.

ملاقاة الحر، إلا أن الأكثر ذكروها هناك ، ولعله سهو أو اشتباه أو المقصود ذكر الوقائع لا الترتيب ، وإن كان خلاف وضع التاريخ فتأمل.

ولما اجتمعت الجيوش بكربلاء وصفٌ عمر بن سعد الصفوف في صبيحة يوم عاشوراء جعل الحر على ربع تميم وهَمْدان(1).

أما كيفية شهادته رضوان الله عليه :

فقد تقاربت كلمة المؤرخين والمحدثين وأرباب المقاتل وأصحاب الرجال في كيفية رجوعه إلى الحسين عليه السلام وشهادته باختلاف قليل منهم لا يعبأ به ، إنما الكلام في وقت رجوعه إلى الحسين : هل هو قبل الحرب وقبل الحملة الأولى ، أو في أثناء الحرب وبعد الحملة الأولى . والصحيح الذي استفدناه من جريان القصة كما ستعرف هو الأول .

قالوا : فلما صُفّت الصفوف من الطرفين دعا الحسين عليه السلام بفرسه المرتجز أو ناقته العضباء ووقف بين الصفين وخطب خطبة سبق ذكرها ، قال فيها «أما من مغيث يغيثنا لوجه الله» وقع ذلك في قلب الحر وأثر فارتعدت فرائصه، فدنى من ابن سعد وقال له : أي عمر أتقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال : إي والله قتالاً شديداً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي . قال : أفها لك فيما عرضه رضا ؟ قال عمر : أما لو كان الأمر إلي لقبلت ولكن أميرك قد أبى .

فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفاً ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قیس الریاحی ، فقال : يا قرة هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا . قال : أتريد أن تسقيه ؟ قال قرة : فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك ، فقلت له : لن أسقه فإني منطلق أسقيه . فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فيخاف أن أرفعه عليه ، فوالله لو أطلعني على الذي بريد لخرجت


1) تاريخ الطبري 321/4، الكامل في التاريخ 60/4.

معه إلى الحسين .

فقال له مهاجر بن أوس : ما تريد أن تصنع يابن يزيد ، أتريد أن تحمل ؟ فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل. في القاموس: أفكل كأحمد هي الرعدة. فقال له مهاجر : إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا ، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك . فقال له الحر : إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ، فوالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وأحرقت(1).

وفي شرح الشافية(2): ثم أقبل لولد له اسمه علي ، فقال : يا بني لا صبر لي على النار، فسر بنا إلى الحسين لننصره ونقاتل بين يديه، فلعل الله تعالى يرزقنا الشهادة التي لا انقطاع لها . وقال له ولده : وأنا على ذلك نتبع رضا الله ورضاك .

ثم ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين عليه السلام ويده على رأسه، فلما دنى منهم قلب ترسه - وهو بضم الأول معروف وتقليبه علامة لعدم الحرب ، وذلك لأن المقبل إلى القوم وهو شاهر سيفه محارب ، فإذا قلب الترس وأغمد السيف فهو غير محارب ، رسول أو مستأمن .

جاء وهو يقول : اللهم إليك أنبت فتب عليّ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك . فلما قرب من الحسين عليه السلام نزل عن فرسه وسلّم على الحسين، فمشى إليه الحسين وقال له : من تكون إرفع رأسك يا شيخ . فقال : جعلني الله فداك يابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان ، وما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون بك هذه المنزلة ، فقلت في نفسي: لا أبالي أن


1) الكامل في التاريخ 64/4 ، تاريخ الطبري 325/4 ، بحار الأنوار 11/45 .

2) أنظر البداية والنهاية لابن الأثير 184/8 ، تاريخ الطبري 295/4 .

أصانع القوم في بعض أمرهم ولا يظنون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فيقبلون منك الخصال التي عرضت عليهم ، فوالله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت الذي ركبته ، وإني تائب إلى الله مما صنعت ، فترى لي في ذلك من توبة . فقال له الحسين : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك .

وفي بعض المقاتل ولعله الأصح : أنه لحق بالحسين عليه السلام فارساً وراكباً . فقال له الحسين بعد قبول توبته : فانزل . قال الحر : أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة ولي النزول آخر أمري(1).

وفي اللهوف : ثم قال : إذا كنتُ أول من خرج عليك فأذن لي أن أكون أول قتيل بين يديك لعلي أكون ممن صافح جدك غداً في القيامة .

ثم قال السيد : إنما أراد أول قتيل من الآن لأن جماعة قتلوا قبله . انتهى(2).

وفيه ما عرفت أنه إنما لحق بالحسين عليه السلام قبل الحملة الأولى وقبل من قتل ، وكلامه يؤيد ما ذكرنا .

فقال له الحسين عليه السلام : فاصنع رحمك الله ما بدا لك .

فاستقدم أمام الحسين واستقبل القوم فقال : يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، دعوتم هذا العبد الصالح ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، فأصبح في ديدنكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضراً، وحلأ تموه ونساءه وصبيته وأهله وأصحابه من ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصارى


1) اللهوف ص 62 .

2) اللهوف ص 160 .

والمجوس ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش، بنسما خلفتم محمداً صلى الله عليه وآله في ذريته، لاسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذه وساعتكم هذه.

(بيان ما لعله يحتاج إلى البيان) :

«الهبل» من هَبلته أمه من باب فرح ، أي ثكلته وبكت على موته.

و«العبر» كالعنب جمع عبرة بالفتح بمعنى الدمع إذا سال عن العين(1).

و«كظم» بالفتح الحلقوم ، أي أخذتم بحلقومه لا يقدر أن يتنفس . والأصح الكظام ، من أخذ بكظام أمره بالكسر ، أي أخذ بجريان أموره(2).

و «حلاتموه» من حلات الإيل عن الماء وطردتها عنه(3).

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل ، فرجع حتى وقف أمام الحسين عليه السلام.

قالوا : وعند ذلك نادى ابن سعد : إذن رأيتك . فدنا ثم وضع سهماً في كبد قوسه فقال : إشهدوا أني أول من رمى . فشدّ القتال وحمل جند الشيطان على حزب الرحمن ، وشدّ عليهم أنصار الله ، وهى الحملة الأولى، وكان فيهم الحر يرتجز ويقول :

آليتُ لا أُقتل حتى أقتلا *** أضربهم بالسيف ضرباً معضلا

لا ناقلاً عنهم ولا معللا *** لا حاجزاً عنهم ولا مبدلا

أحمي الحسين الماجد المؤملا

ثم أخذ يقاتل هو وزهير بن القين قتالاً متظاهرين، فكان إذا شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر حتى يخلصه ، ففعلا ذلك ساعةً حتى رجع جند ابن سعد إلى


1) لسان العرب 532/4 ، النهاية في غريب الحدیث 171/3 ، ترتیب اصلاح المنطق ص 251.

2) الصحاح للجوهري 2022/5 ، لسان العرب 519/12 .

3) ترتیب اصلاح المنطق ص 131 ، مجمع البحرين 557/1 .

مركزهم ، ورجع أصحاب الحسين وفيهم مقتولين ومجروحين إلى مركزهم. ثم وقف الحر بين الصفين يرتجز ويقول :

إني أنا الحر ونجل الحر *** أشجعُ من ذي لُبَد هِزَبْرِ(1)

ولستُ بالجبان عند الكرّ *** لكني الوقاف عند الضر

وعند ذلك أمر الحر ابنه علياً بالمقاتلة على ما في شرح الشافية .

قالوا : ونقل ذلك على ابن سعد ، فأمر صفوان بن حنظلة - وكان رجلاً شجاعاً - أن يبرز إلى الحر فينصحه لعله يرجع وإلا فيقاتله، وجاء صفوان ونصحه بالرجوع إلى جند ابن سعد ، فأبى وقال : ياصفوان أنت رجل ذو عقل ورأي، تأمرني أن أترك الحسين ابن فاطمة وأتبع عبيد الله ويزيد شارب الخمر . فغضب صفوان وحمل على الحر وحمل الحر عليه وقتله .

وكان لصفوان إخوان ثلاثة خرجوا من عسكر ابن سعد طالبين بثاراتهم، وحملوا على الحر فاقتتلوا فقتلهم الحر .

ثم حمل الحر ومعه حبيب بن مظاهر وقاتلا قتالاً شديداً متظاهرين حتى حوصرا. فلما رأى العباس ذلك حمل على القوم ففرق الجند وقاتل حتى أخرجهما عن الحصر.وضرب الحر فرسه على أذنيه وحاجبيه ودماؤه تسيل وهو يقاتل ويرتجز ويقول:

إني أنا الحر ومأوى الضيف *** أضرب في أعناقكم بالسيفِ

عن خير من حلّ بأرض الخَيْفِ *** أضربكم ولا أرى من حَيْفِ

قال أبو مخنف : فاقتتلا حتى قتل حبيب وعُرقب فرس الحر . قال : ولما قتل الحبيب أخذ الحر يقاتل راجلاً(2).


1) اللبد : الأسد . الهزبر : الشديد الصلد .

2) بحار الأنوار 14/45 .

وفي بعض المقاتل : بعث إليه الحسين عليه السلام فرساً فركبه .

وروى أبو مخنف : أن يزيد بن سفيان التعزي من بني الحرث بن تميم كان يقول : أما والله لو رأيت الحر حين خرج لا تبعه بالسنان.

قال : فبينا الناس يتجادلون ويقتتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم ، فقال الحصين بن تميم التميمي ليزيد بن سفيان : هذا الحر الذي كنت تتمنى . قال : نعم ، وخرج إليه فقال : هل لك يا حر في المبارزة . قال : نعم قد شئت، فبرزله. قال الحصين وكنت أنظر إليه، فوالله لكأن نفسه كانت في يد الحر ، خرج إليه فما لبث أن قتله .

وروى أبو مخنف عن أيوب بن مِشْرَح الحيواني أنه كان يقول : جال الحر على فرسه فرميته بسهم فجثا به فرسه فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا ، فوثب عنه الحركأنه ليث والسيف في يده وهو يقول مرتجزاً :

إن تغقروا بي فأنا ابن الحرِ *** أشجعُ من ذي لُبَد هِزَبْرِ

ثم إن رجال ابن سعد شدت على الحر ، وأمر ابن سعد بالرامية ، فرموه بالنبال وحمل عليهم حتى قتل منهم ثمانين فارساً ، فضربه أيوب بن مشرح ورموه حتى صار جلده ،كالقنفذ فقتل رضوان الله عليه . فاحتمله أصحاب الحسين حتى وضعوه بين يديه وبه رمق . قيل : ومشى إليه الحسين ، فجعل يمسح وجهه وهو يقول : أنت حر كما سمتك أمك ، وأنت الحر فى الدنيا والآخرة(1).

وفي روضة الواعظين للنيسابوري(2): أنه أتاه الحسين و دمه يشخب ، فقال : بخ بخ يا حر ، أنت كما سُميت في الدنيا والآخرة . قال : ثم أنشأ الحسين بقول :

لنعم الحر حرَّبني رياح *** صبور عند مختلف الرماح


1) بحار الأنوار 14/45 ، إبصار العين ص 210.

2) روضة الواعظين ص 186 ، بحار الأنوار 14/45 ، الأمالي للصدوق ص 223 .

ونعم الحر إذ نادى حسيناً *** فجاد بنفسه عند الصياح

فيا ربي أضفه في جنان *** وزوجه مع الحور الملاحِ

وفي نسخة «ونعم الحر عند مختلف الرماح» و «عند الكفاح» بدلاً من : عند الصباح .

قيل : بل رثى الحر رجلٌ من أصحاب الحسين عليه السلام ، وقيل ، بل رثاه علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.

وسيأتي كيفية دفنه ومزاره عند ذكر دفن الشهداء.

قال السيد الجزائري في الأنوار النعمانية : حدثني جماعة من الثقات أن الشاه إسماعيل (الصفوي) لما ملك بغداد أتى إلى مشهد الحسين عليه السلام، وسمع من بعض الناس الطعن على الحر، فأتى إلى قبره وأمر بنبشه ، فنبشوه فرأوه نائماً كهيئته لما قتل ، ورأوا على رأسه عصابة مشدودة بها رأسه ، فأراد الشاه أخذ تلك العصابة لما نقل في كتب السير والتواريخ أن تلك العصابة هي عصابة الحسين شدّ بها رأس الحر لما أصيب في تلك الواقعة ودفن على تلك الهيئة ، فلما حلوا العصابة جرى الدم من رأسه حتى امتلأ القبر ، فلما شدوها انقطع الدم ولما حلوها جرى الدم من جديد، وكلما أرادوا أن يعالجوا قطع الدم بغير تلك العصابة لم يمكنهم ، فتبين لهم حسن حاله ، فأمر الشاه بالبناء على قبره وعيّن خادماً يخدم قبره . انتهى .

الحلّاش بن عمر و الهجري الأزدي الراسبي

ضبطه في التنقيح(1)بالحاء المهملة المفتوحة واللام المشددة والشين المعجمة كحاسي. قال : وفي بعض النسخ بالسين المهملة بدل الشين . وذكر بعض أنه بالخاء


1) تنقيح المقال 362/1 .

المعجمة . وفي المحكي عن نص الشيخ أنه بالحاء المهملة المضمومة واللام غير المشددة والسين المهملة كغراب . ولعله الأصح(1).

و «الراسبي» نسبة إلى الراسب بطن من الأزد . وسيأتي ضبط الهجري .

عده الشيخ من أصحاب علي عليه السلام ومن أصحاب الحسين عليه السلام ، وكان على شرطة الكوفة.

وعن الحدائق الوردية : أنه وأخوه نعمان بن عمرو خرجا مع عمر بن سعد، فلما ردّ عمر بن سعد شروط الحسين عليه السلام جاءا إلى الحسين ليلاً - وفي التنقيح الليلة الثامنة - في من جاء ، فلزما الحسين ، فلما شبّ القتال يوم العاشر تقدما بين يديه وقاتلا وقتلا.

وفي المناقب : إنهما قتلا في الحملة الأولى(2).

حنظلة بن أسعد بن جشم بن عبد الله الهَمْداني الشبامي

في أكثر نسخ الزيارة «السلام على حنظلة بن أسعد الشيباني» بدل الشبامي، أو الشامي، وفي أكثر كتب المقاتل «الشامي» منسوب إلى الشام. والصحيح عند المحققين كالقمقام والتنقيح والإبصار وغيرها «الشبامي» منسوب إلى شبام بطن من هَمْدان . كما أن الصحيح «أسعد» كما في أكثر نسخ الزيارة وأكثر كتب المحققين ، لا «سعد» كما في غير واحد من المقاتل(3).

وما ذكرناه في نسبه موافق لما في التنقيح(4). وقال الفاضل المعاصر أيده الله :


1) أنظر : رجال الطوسي .

2) مناقب آل أبي طالب 122/4.

3) بحار الأنوار 23/45 ، لواعج الأشجان ص 150 ، الإرشاد للمفيد 105/2.

4) تنقيح المقال 382/1.

هو حنظلة بن أسعد بن شبام بن عبدالله بن أسعد بن حاشد بن هَمْدان الهمداني الشبامي.

كان وجهاً من وجوه الشيعة ، شجاعاً فصيحاً قارئاً، جاء إلى الحسين عليه السلام عند نزوله بكربلاء، وكان الحسين يرسله إلى ابن سعد بالمكالمة أيام المهادنة ، فلما كان يوم العاشر ورأى أن أصحاب الحسين عليه السلام قد أصيبوا ولم يبق منهم إلا نفر قليل، وقف بين يدي الحسين يقيه السهام والسيوف بنحره ووجهه ، فاستأذن للقتال ، فأذن له، وأخذ ينادي: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوْحٍ وَعَادٍ وَمُوْدَ وَالَّذِيْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَالَكُمْ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ قَالَهُ مِنْ هَادٍ(1)، يا قوم لا تقتلوامِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم الحسين فَيُسْحِتَكُمْ [الله] بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى(2).

فقال له الحسين : يا بن أسعد رحمك الله ، إنهم قد استوجبوا العذابَ حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا إليك وأصحابك ، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين . قال : صدقت فداك . قال : أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بإخواننا ، فقال : بلى رُخ إلى ما هو خيرٌ من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى .

فقال حنظلة : السلام عليك يا أبا عبد الله ، وصلى الله عليك وعلى أهل بيتك ، وعرّف بيننا وبينك في جنته . فقال : آمين آمين. فاستقدم وقاتل قتال الأبطال وصبر على احتمال الأهوال حتى تعطفوا عليه فقتلوه في حومة الحرب(3).


1) سورة غافر : 33-30 .

2) سورة طه : 61 .

3) أنظر : إبصار العين ص 101 .

حنظلة بن عمر و الشيباني

لم أر من تعرّض لذكره وأنه يكون غير حنظلة بن أسعد، إلا أن في المناقب ذكره في عداد المقتولين في الحملة الأولى(1)وتبعه غيره.

والظاهر أنه غير من ذكر ، لأنه على ما صرحوا به قتل في المبارزة بعد كثير من الأصحاب. وهذا من المقتولين في الحملة الأولى . فتدبر.

حبان بن حارث السلماني الأزدي

لم أر في ما بيدي من كتب الرجال والتواريخ والمقاتل ذكراً له وترجمة ، إلا أن في جملة من نسخ الزيارة المأثورة «السلام على حبان بن الحارث السلماني الأزدي».

وذكره ابن شهر اشوب في جملة المقتولين في الحملة الأولى(2). وتبعه غيره، حتى قالوا : إن أول من قتل في الحملة الأولى مجمع بن عبدالله وعمر بن خالد الصيداوي وحبان بن الحارث وسعد مولى عمر بن خالد، وأنهم قاتلوا مع أصحابهم ،متظاهرين، ففرّق بينهم وبين أصحابهم فحوصروا فالتفت إليهم العباس بن علي فأخرجهم من الحصر، فأبوا أن يرجعوا، فاقتتلوا حتى قتلوا جميعاً في مكان واحد . رضوان الله عليهم .

وفي بعض المقاتل «حباب» بالباء الموحدة بعده الألف وبعده الباء الموحدة. ولعله سهو من الناسخ(3).


1) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

2) المصدر السابق .

3) بحار الأنوار 72/45 ، مناقب آل أبي طالب 113/4 ، معجم رجال الحديث 191/5.

خالد بن عمرو بن خالد الصيداوي الأسدي

لم أر من تعرّض لترجمته مفصلاً، إلا أن المجلسي قدس سره قال في الجلاء بعد ذكر شهادة عمرو بن خالد: ثم برز من بعده ابنه خالد بن عمرو الصيداوي، فاستأذن للقتال ، فأذن له ، فقاتل وقتل .

وقال لسان المؤرخين بعد ذكر عمرو بن خالد : ثم برز ابنه خالد بن عمرو وهو يرتجز ويقول :

صبراً على الموت بنى قحطان *** كيا تكونوا في رضى الرحمنِ

ذي المجد والعزة والبرهان *** وذي العُلى والطَّوْلِ والإحسانِ

يا أبنا قد صرت في الجنانِ *** في قصر ربّ حسن البنيانِ

فحمل وقتل جمعاً فقتل . وكذا نقل عن المناقب أيضاً .

وسيأتي في ترجمة عمرو بن خالد أنه خرج إلى الحسين عليه السلام ومعه ابنه ونفر ، فلقوه عليه السلام وهو في مصاحبة الحر.

داود بن طرماح

لم أر من ذكر داود هذا، إلا أن في جملة من ناداه عليه السلام عند قوله «يا فرسان الهيجاء» نادى «يا مسلم بن عوسجة وياداود بن طرماح».

وسيأتي في طرماح ما يوضح ذلك إنشاء الله تعالى .

رافع بن عبدالله

مولی مسلم بن كثير الأعرج الأزدي. سيأتي في ترجمة مولاه مسلم أنه خرج مع مولاه من الكوفة إلى الحسين عليه السلام، فوافاه عند نزوله بكربلاء حتى

شب القتال ، فتقدم بين يديه وقتل من القوم جمعاً كثيراً ثم قتل . رضوان الله عليه .

ربيعة بن حوط بن رئاب ، المكنى بأبي ثور

في الذخيرة عن المرزباني : ربيعة بن حوط بن رئاب ، أدرك حياة النبي صلى الله عليه وآله ، وحضر يوم ذي قار ، ثم نزل الكوفة وجاء إلى الحسين عليه السلام مع ابن عمه حبيب بن مظاهر الأسدي، وكان حبيب معه إلی أن قتل معه في الحملة الأولى مع من قتل من أصحاب الحسين(1).

ونقل عن الكليني في كتابه مثله .

زاهر بن عمر الأسلمي الكندي

«زاهر» بالزاي والألف والهاء المكسورة ثم الراء.

و «الأسلمي» نسبة إلى أسلم بضم اللام قبيلة من الأزد من الأنصار ، وبالفتح قبيلة من قضاعة .

وكان زاهر بطلاً شجاعاً ومجرباً مشهوراً(2).

وفي التنقيح(3): إنه صحابي من أصحاب الشجرة .

روى عن النبي صلى الله عليه وآله وشهد الحديبية وخيبر(4)، وكان محباً لأهل البيت ، وكان من أصحاب علي عليه السلام(5)، وكان صحب عمرو بن الحمق


1) أنظر : إبصار العين ص 75 .

2) معنون بعنوان : زاهر بن الأسود بن الحجاج بن قيس الأسلمي. المعجم الكبير للطبراني 274/5 ، عمدة القاري 223/17 ، المنفردات والوحدان ص 38 ، خلاصة تذهيب التهذيب ص 130.

3) تنقیح المقال 437/1.

4) أنظر : الاصابة 542/1، أسد الغابة 192/2.

5) ذكر في رجال الطوسي ص 73 من أصحاب الحسين عليه السلام.

الخزاعي واشتهر بمولاه وصاحبه، ولما قام عمرو بن الحمق على زياد قام معه زاهر ، وكان صاحبه في القول والفعل . ولما طلب معاوية عمراً طلب معه زاهراً .

وفي كتاب شرح الأخبار للقاضي نعمان(1)وممن كان مع علي عليه السلام من : أصحاب النبي ، مهاجري العرب والتابعين الذين أوجب لهم الرسول الجنة وسماهم بذلك عمرو بن حمق الخزاعي بقى بعد علي وطلبه معاوية فهرب منه نحو الجزيرة ومعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام يقال له زاهر ، فلما نزلوا الوادي نهش عمراً حية في جوف الليل فأصبح سقيماً ، فقال : يا زاهر تنحّ عني ، فإن حبيبي رسول الله قد أخبرني أنه يشترك في دمي الانس والجن ، ولا بدّ في أن أقتل. فبينما هما كذلك إذ رأيا نواصي الخيل في طلبه ، فقال : يا زاهر تغيَّب فاذا قتلت فإنهم سوف يأخذون رأسي، فإذا انصرفوا فاخرج إلى جسدي فواره . قال زاهر : لابل أنثر نبلي ثم أرميهم به ، فإذا فنيت نبلي قتلت معك . قال : لابل تفعل ما سألتك به ينفعك الله به ، فاختفى زاهر وأتى القوم فقتلوا عمراً واحتزوا رأسه فحملوه ، فكان أول رأس حمل في الاسلام ونُصب للناس . فلما انصرفوا خرج زاهر فواری جسده.

ثم إن زاهراً حج سنة ستين ، فالتق مع الحسين عليه السلام، فصحبه وكان ملازماً له حتى حضر معه كربلاء واستشهد بين يديه .

وفي المناقب : إنه قتل في الحملة الأولى(2).

وفي الزيارة المأثورة عن الناحية المقدسة «السلام على زاهر مولى عمرو بن حمق الخزاعي»(3).


1) شرح الأخبار 32/2، خاتمة المستدرك 88/4.

2) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

3) خاتمة المستدرك 87/4، اقبال الأعمال 346/3 ، المزار للشهيد الأول ص 153.

زهير بن سليم بن عمر و الأزدي

قالوا : هو ممن جاء إلى الحسين عليه السلام في الليلة العاشرة عند ما رأى تصميم القوم على قتاله ، وكان في عسكر ابن سعد.

فلما رأى ذلك انضم إلى أصحابه الأزديين الذين كانوا مع الحسين عليه السلام في الطف، وتقدم يوم العاشر وقاتل وقتل في الحملة الأولى(1).

وفي زيارة الناحية المقدسة «السلام على زهير بن سليم الأزدي».

زهير بن بشر الخثعمي

لم أر من يتصدى لذكره ويتعرض لترجمته(2)، إلا أن في الزيارة المأثورة عن الناحية «السلام على زهير بن بشر الخثعمي» . ولعلنا نطلع على ترجمته .

وفي بعض المقاتل «عبدالله بن بشر الخثعمي» بدل زهير . وسيأتي ذكره في باب العين .

زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي

«القين» بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحت ثم النون ، وهو في الأصل اسم للعبد وللحدّاد ، ويُستعمل علماً كثيراً .

و «الأنماري» نسبة إلى أنمار بن أراش ، من كهلان ، من القحطانية ، لا أنمار بن ، نزار ، بقرينة «البجلي» ، فإنه نسبة إلى بجيلة ، وهم بطن من أنمار بن أراش .

و «تُجيلة» أمهم . وقال في العبر هم بنو بجيلة من أنمار بن أراش .


1) تنقيح المقال 452/1.

2) مذكور في مناقب آل أبي طالب 122/4 عند تعداد المقتولين في الحملة الأولى.

كان زهير شريفاً في قومه نازلاً فيهم بالكوفة ، شجاعاً له في المغازي مواطن معروفة ومواقف مشهورة . كان أولاً عثمانياً فهداه الله تعالى وانتقل علوياً ، حج هو وجماعة من الفزاريين والبجليين سنة ستين فواقف الحسين عليه السلام في الطريق.

روى أبو مخنف(1)عن بعض الفزاريين قال : كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عليه السلام، فلم يكن أبغض إلينا من أن نسايره في منزل ، فإذا سار الحسين تخلف زهير ، وإذا نزل الحسين تقدم زهير ، حتى نزلنا يوماً في منزل لم يكن لنا بد من أن ننازله فيه ، فنزل الحسين في جانب وزهير في جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام فسلم ودخل فقال : يازهير بن القين إن أباعبدالله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتينه ، قال : فطرح كل إنسان ما في يده حتى كأن على رؤوسنا الطير .

قال أبو مخنف(2): فحدثتني دهم بنت عمرو زوجة زهير قالت: فقلت له : أيبعث إليك ابنُ رسول الله ثم لا تأتيه ، سبحان الله لو أتيته وسمعت من كلامه ثم انصرفت ، قالت : فأتاه زهير على كره ، فما لبث أن جاء مستبشراً مشرقاً وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله فقُوّض وحُمل إلى الحسين عليه السلام، ثم قال لامرأته : أنت طالق فالحقي بأهلك ، فإني لا أحب أن يصيبك بسبي إلا خيراً، فإني قد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي . ثم أعطاها ما لها وسلّمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها


1) تاريخ الطبري 396/5.

2) المصدر السابق مع بعض الاختلاف.

فبكت وودعته وقالت : خار الله لك، وأسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين.

وقال لأصحابه : من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد مني ، إني سأحدثكم حديثاً ، أنا غزونا بلَنْجَر ففتح الله علينا فأصبنا غنائم ففرحنا ، فقال لنا سلمان الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟ قلنا : نعم . فقال لنا: إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم فأما أنا فإني أستودعكم الله . فلزم الحسين عليه السلام وفارقت زوجته إلى الكوفة .

هذا ما اتفقت عليه كلمتهم ، إلا أن في تاريخ الأعثم الكوفي أن زوجته قالت لزهير : أتريد أن تتشرف بخدمة الحسين وأنا أريد أن أتشرف بخدمة أخته الكبرى . وجاءت معه إلى كربلاء ووقعت الواقعة .

(بيان ما لعله يحتاج إلى بيان):

ديلم زوجة زهير . وفي نسخة «دلهم» ، وفي أخرى «ديله» .

قوله «كأنّ على رؤوسنا الطير» هذا مثل يُضرب في السكون من التحيّر ، فإن الطير لا يقع إلا على ساكن . أو لأن بعد وقوع الطير على الرأس لا يحرك الإنسان رأسه لئلا يطير الطير . والثاني أنسب وأظهر من العبارة.

قوله «بلنجر» بفتح الباء الموحدة واللام وسكون النون وجيم مفتوحة. في القاموس(1): بلنجر كغضنفر بلدة بخزر خلف باب الأبواب . وفي القمقام : قالوا فتحها عبدالرحمن بن ربيعة، وقال البلاذري فتحها سلمان بن ربيعة الباهلي في زمن عثمان وتجاوزها ولقيه خاقان في جيشه خلف بلنجر ، فاستشهد هو وأصحابه وكانوا أربعة


1) القاموس المحيط 377/1.

آلاف، وكان في أول الأمر قد خافهم الترك وقالوا : إن هؤلاء ملائكة لا يعمل فيهم السلاح ، فاتفق أن تركياً اختفى في غيضة ورشق مسلماً بسهم فقتله ، فنادى في قومه : إن هؤلاء يموتون كما تموتون فلِمَ تخافونهم ؟ فاجترؤا عليهم وأوقعوهم حتى استشهد عبد الرحمن بن ربيعة وأخذ الراية أخوه ، فلم يزل يقاتل حتى أمكنه دفن أخيه بنواحي بلنجر ، ورجع ببقية المسلمين من طريق جيلان.

وقيل : سلمان بن ربيعة وأصحابه كانوا يرون في كلّ ليلة نوراً على مصارعهم، فأخذوا سلمان بن ربيعة فجعلوه في تابوت وهم يستسقون به إذا قحطوا . انتهى(1).

ثم إن لزهير عليه الرحمة والرضوان مواقع ومواقف في الطف :

(منها) لما ضيق الحر بالحسين عليه السلام وأمره بالنزول على غير ماء ولا قرية وقال له الحسين عليه السلام : يا حر دعنا ننزل هذه - يعني الغاضرية - أو هذه - يعني السُّفيّة - فقال الحر : لا أستطيع ذلك ، هذا رجل قد بعث علينا عيناً . فقال زهير للحسين : يابن رسول الله قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به ، وإني والله ما أراه يكون بعد الذي ترون إلا أشدّ مما ترون يابن رسول الله . فقال له الحسين عليه السلام : ما كنت لأبدأهم بالقتال . فقال له زهير : فسر بنا إلى هذه القرية فإنها حصينة وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلنا هم. فقال الحسين : أية قرية هي ؟ قال : هي العَقْر . فقال الحسين : اللهم إني أعوذ بك من العقر . فنزل بمكانه وهو كربلاء(2).

(بيان) : عقر بابل بفتح العين وسكون القاف ثم راء ، قرب كربلاء من الكوفة(3).


1) أنظر : معجم البلدان 489/1 .

2) تاريخ الكوفة ص 196.

3) معجم البلدان 136/4 .

(ومنها) قوله للحسين عليه السلام لما خطب أصحابه عند ملاقاة الحر : قد سمعنا هداك الله يا بن رسول الله مقالتك ، والله لوكانت الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك من الإقامة فيها(1).

(ومنها) أن عصر يوم الخميس التاسع من المحرم لما هجم القوم على القتال وجاءهم العباس ومعه حبيب بن مظاهر وزهير بن القين وكلمهم ورجع العباس إلى الحسين عليه السلام ووقف أصحابه ، فقال حبيب لزهير : كلمهم إن شئت وإن شئت أنا أكلمهم . فكلمهم حبيب بما تقدم في ترجمته ، فردّ على حبيب عزرة بن قيس بقوله : إنه تزكي نفسك ما استطعت ، فقال له زهير : إن الله زكاها وألطفها وهداها ، فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين ، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على النفوس الزاكية . فقال عزرة : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة هذا البيت ، إنما كنت عثمانياً . قال : أفلا تستدل بموقفي هذا عن أني منهم ، أما والله ما كتب الله كتاباً قط ولا أرسلت إليه رسولاً قط ولا وعدت نصرتي قط ولكن الطريق جمعني بيني وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانته منه وعرفت ما يُقدم عليه من عدوه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله(2).

(ومنها) قوله للحسين عليه السلام كما في زيارة الناحية المقدسة «السلام على زهير بن القين البجلي القائل للحسين وقد أذن له بالإنصراف : لا والله لا يكون ذلك أبداً ، أترك ابن رسول الله أسيراً في أيدي الأعداء وأنجو ، لا أراني الله ذلك اليوم» . هذا كلامه للحسين عليه السلام في ليلة العاشور بعد ما خطب


1) لواعج الأشجان ص 101 ، بحار الأنوار 381/44.

2) مقتل أبو مخنف ص 105 .

الخطبة التي في أولها «قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون..»، ثم أذن لهم بالإنصراف ، فتكلم كلٌّ من الأصحاب بكلام مذكور في ترجمتهم .

هذا، ولكن اتفقت كلمة المحدثين والمؤرخين وأصحاب الرجال والمقاتل على ما روي عن أبي مخنف(1)عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : ثم قام في تلك الليلة بعد الخطبة زهير بن القين فقال : والله لوددت أني قتلت ثم نُشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف مرة وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.

ويمكن الجمع بأنه عليه السلام أذن لزهير مرتين ، إذ أن الأصحاب أخذوا بنصف ما قال وتركوا الآخر . والله العالم .

(ومنها) أنه عليه السلام جعل زهيراً في الميمنة وحبيباً في الميسرة حين عبّاً أصحابه وصفهم الصفوف . وقيل بالعكس كما سبق في ترجمة حبيب بن مظاهر(2).

(ومنها) ما رواه أبو مخنف(3)عن علي بن حنظلة بن أسعد الشامي ، عن كثير بن عبد الله السبعي الجبلي ، قال : لما زحفنا قِبَل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذُنُوب(4)وهو شاك في السلاح فقال : يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نَذار ، إن حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف إنقطعت العصمة وكنا أمة وكنتم أمة ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية [يزيد بن معاوية


1) تاريخ الطبري 419/5.

2) روضة الواعظين ص 184 ، الإرشاد للمفيد 92/2 ، مقتل أبو مخنف ص 110.

3) مقتل أبو مخنف ص 119 ، تاريخ الطبري 323/4 ، الكامل في التاريخ 63/4 .

4) فرس ذنوب: وافر شعر الذنب.

و] عبيد الله بن زياد فإنكم لا تُدركون منها إلا دسوء عُمر سلطانهما كله ، إنهما ليسيلان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أما تلكم وأقرانكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني بن عروة وأشباهه .

قال : فسبّوه وأثنوا على عبيد الله وأبيه وقالوا : لا تبرح حتى نقتل صاحبكم ومن معه أو نبعث به وأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً .

فقال لهم زهير : عباد الله إن وُلد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سُميَّة ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، فلعمري إنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين .

قال : فرماه شمر بسهم وقال له : أسكت أسكت الله نأمتك(1)، فقد أبرمتنا بكثرة كلامك .

فقال زهير : يابن البوّال على عقبيه ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تُحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال له شمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .

قال زهير : أفبالموت تخوفني ، والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم .

قال : ثم أقبل على الناس رافعاً صوته وصاح بهم : عباد الله لا يغرنّكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فوالله لا ينال شفاعة محمد صلى الله عليه وآله قوم أهر قوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم.


1) النأمة : النغمة والصوت ، يقال «أسكت الله نأمتَه» أي أماته .

قال : فناداه رجل من خلفه : يا زهير إن أبا عبد الله يقول لك : أقبل ، فلعمرى لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ ، فذهب إليهم .

(ومنها) ما رواه الأزدي(1)، قال : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن : مسلم قال : قلت لشمر بن ذي الجوشن بعد ما حمل بميمنة الحسين حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى : عليّ بالنار حتى أُحرق هذا البيت على أهله . قال : فصاح النساء وخرجن من الفسطاط ، فصاح به الحسين : يا بن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ، أحرقك الله بالنار .

قال :حميد : قلت لشمر بن ذي الجوشن : سبحان الله ، إن هذا لا يصلح لك ، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين : تعذب بعذاب الله ، وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك. فقال : من أنت ؟ قلت : لا أخبرك من أنا . وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان .

قال : فجاءه رجل كان أطوع له مني شَبَث بن ربعي ، فقال : ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك ولا موقفاً أقبح من موقفك ، أمُرْعِباً للنساء صرت . قال : فأشهد أنه استحيا ، فذهب لينصرف، وحمل عليه زهير بن القين رحمه الله في رجال من أصحابه عشرة ، فشدّ على شمر بن ذى الجوشن وأصحابه ، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها ، فصرعوا أبا عزر الضبابي فقتلوه ، فكان من أصحاب شمر وذوي قرابته ، قتله زهير بن القين وتبع أصحابه الباقين ، فعطف الناس عليهم


1) تاريخ الطبري 438/5 .

فكثر وهم وقتلوا أكثرهم وسلم زهير .

(ومنها) وقوفه رضوان الله عليه مع سعيد بن عبد الله الحنفي أمام الحسين عليه السلام عند صلاته صلاة الخوف ووقايته بنفسه بأمر الحسين ، كما سيأتي تفصيله عند ترجمة سعيد.

وأما كيفية شهادته عليه الرضوان:

قال الأزدي : واستحرّ القتال(1)بعد قتل حبيب، فقاتل زهير والحر قتالاً شديداً ، ثم صلّى الحسين عليه السلام صلاة الخوف ، فلما فرغ منها تقدم زهير فاستأذن للقتال ، فأذن له، فجعل يقاتل قتالاً شديداً لم ير مثله ولم يُسمع شبهه ، وأخذ يحمل على القوم ويرتجز ويقول :

أنا زهير وأنا ابنُ قينِ *** وفي يميني مُرهَف الحدينِ

أذودُكم(2)بالسيف عن حسين *** إن حسيناً أحد السبطين

ابن علي طاهر الجدينِ *** من عترة البَرِّ التقي الزين

ذاك رسولُ الله غير المَيْنِ *** ياليت نفسي قسمت قسمين

وعن إمام صادق اليقين *** أضربكم محامياً عن ديني

أضربكم ولا أرى من شين *** أضربكم ضربَ غلامٍ زينِ

بأبيض وأسمرٍ رُدَيْنِ

فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل منهم برواية محمد بن أبي طالب مائة وعشرين بطلاً شجاعاً فارساً ، فكمن له كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه(3).


1) استحر القتال : اشتد .

2) زاد : دافع .

3) مستدركات علم الرجال 38/8 ، مناقب آل أبي طالب 252/3 .

قال ابن شهر اشوب : لما صرع وقف عليه الحسين عليه السلام وقال : لا يبعدنك الله يا زهير ، ولعن الله قاتلك لعنَ الذين مسخوا قردةً وخنازير(1).

زياد بن عريب بن حنظلة بن دارم، أبو عمرة الهمداني الصائدي

*زياد بن عريب بن حنظلة بن دارم بن عبد الله بن كعب الصائدي بن شرحبيل بن شراحيل بن عمرو بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيزون بن عوف بن همدان ، أبو عمرة الهمداني الصائدي

! كان زياد بطلاً شجاعاً ناسكاً متهجّداً كثير الصلاة معروفاً بالعبادة(2)، وله إدراك . وكان عُرَيْب أبوه صحابياً .

وفي محكي الإصابة أنه حضر الطف واستشهد بين يدي الحسين بعد ما قاتل قتالاً شديداً(3).

وروى الشيخ ابن نما(4)عن مهران الكاهلي مولى سهم ، قال : شهدت كربلاء مع الحسين عليه السلام فرأيت رجلاً يقاتل قتالاً شديداً لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين عليه السلام ويقول :

أبشر هديت الرشد يا بن أحمدا *** في جنة الفردوس تعلو صعّدا

فقلت : من هذا ؟ قالوا : أبو عمرة الحنظلي(5). فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة ، فقتله واحتز رأسه . رضوان الله عليه .


1) منقول في إبصار العين ص 131.

2) أنظر : تنقيح المقال 456/1 .

3) لم أجد هذا في الإصابة .

4) مثير الأحزان ص 57 .

5) كذا ، وفي المصدر «أبو عمر و النهشلي» وقيل «الختعمي».

زیاد بن مصاهر الكندي

مصاهر بالصاد المهملة .

ذكره السيد عبدالله بن محمدرضا شبر في جلاء العيون ، قال : ثم برز بعد مالك بن أنس زياد بن مصاهر الكندي ، فقاتل وقتل منهم تسعة فارساً ، فقتل رضوان الله عليه .

وفي روضة الواعظين مثله بزياده : زياد بن مهاجر أو مصاهر.

سالم بن عمر بن عبد الله ، مولى بني المدينة الكلبي

بنو المدينة بطن من بني كلب قضاعة لا من غيرهم. ذكرهم أبو عبيدة ولم يرفع نسبهم ، قال : والمدينة أمهم غلبت عليهم، وهي أم ولد حبشية ، منهم زيد بن حارثة الصحابي ومحمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير المشهور . كذا في السبائك .

وسالم كان كوفياً شجاعاً شيعياً ، خرج مع مسلم فقبض عليه بعد شهادته ، فأفلت واختفى عند قومه ، فلما سمع بنزول الحسين عليه السلام بكربلاء خرج إليه مع الكلبيين، ولحق بالحسين أيام المهادنة ، فما زال معه حتى استشهد(1). وفي المناقب : قتل في الحملة الأولى(2). وفي زيارة الناحية «السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي».

سالم مولی عامر بن مسلم العبدي

سيأتي في ترجمة عامر أن سالماً هذا خرج من البصرة مع مولاه ويزيد بن سمط


1) تنقیح المقال 5/2 .

2) مستدركات علم الرجال 9/4 ، إبصار العين ص 182 ، بحار الأنوار 273/98 .

العبدي وانضموا إلى الحسين عليه السلام في الأبطح من مكة، ولازموه حتى قتلوا يوم الطف في الحملة الأولى.

وفي الزيارة المأثورة «السلام على سالم مولى عامر بن مسلم».

سعد بن الحارث بن سلمة الأنصاري العجلاني

هو أخو أبي الحتوف . وقد سبق ذكره هناك . رضوان الله عليه .

سعد بن الحارث الخزاعي ، مولى أميرالمؤمنين عليه السلام

في التنقيح(1): له إدراك لصحبة النبي صلى الله عليه وآله ، وكان على شرطة أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة ، وولاه آذربيجان، وانضم بعده إلى الحسن ثم إلى الحسين عليهما السلام ، وخرج معه إلى مكة ثم إلى كربلاء، وتقدم يوم العاشر أمامه وقاتل حتى قتل . رضوان الله تعالى عليه .

سعد بن حنظلة التميمي

وهو من أعيان عسكر الحسين عليه السلام.

قال في القمقام : ثم برز سعد بن حنظلة التميمى وارتجز وهو يقول :

صبراً على الأسياف والأسنة *** صبراً علينا لدخول الجنة

وحور عين ناعمات هُنَّه *** لمن يريد الفوز لا بالظنة

يا نفس للراحة فاجتهدنه *** وفي طلاب الخير فارغبنه

فحمل وقاتل حتى قتل رضوان الله عليه(2).


1) تنقیح المقال 12/2.

2) مناقب آل أبي طالب 251/3.

سعد مولی عمرو بن خالد الصيداوي الأسدي

قد مرّ ذكره في جنادة. وسيأتي مفصلاً في ترجمة مولاه عمرو بن خالد .

سعيد بن عبدالله الحنفي

الحنفي نسبة إلى بني حنيفة .

علو مقامه ونبالة شانه وجلاله أمره وامتيازه عن سائر الشهداء يظهر مما قاله عجل الله تعالى فرجه «السلام علی سعید بن عبد الله القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الإنصراف : لا والله لا نخليك حتى يعلمُ الله أنا قد حفظنا عَيْبةً رسول الله صلى الله عليه وآله فيك ، والله لو أعلم أني أقتل ثم أُحبى ثم أُحرق ثم أذرى ويُفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، وكيف لا أقتل وإنما هي موتة أو قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ، فقد لقيت حمامك وواسيتَ إمامك ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة ، بالله منكم في المستشهدين ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين» .

وذكر في ترجمة العباس : أنه بعد نزول مسلم بن عقيل في دار المختار بالكوفة وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، فقام عابس وخطب خطبة بليغة ، ثم قال حبيب : أنا والله على مثل هذا، ثم قال سعيد بن عبد الله الحنفي : وأنا والله على مثل ذلك .

وأما ما في الزيارة فقد اتفقوا على أنه قال ذلك في ليلة العاشور بعد ما خطبهم الحسين عليه السلام بالخطبة التي قال فيها «وهذا الليل قد غشيكم».

ويظهر من الزيارة أنه عليه السلام أذن له بالخصوص في الإنصراف ولكنه أبى من المفارقة .

وكان سعيد بن عبدالله في الكوفة من وجوه الشيعة، وكان شجاعاً فارساً

عابداً ، وهو رضوان الله عليه آخر من حمل الكتاب من أهل الكوفة إلى الحسين عليه السلام، وكان الكتاب لشبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن أدهم وعروة بن قيس وعمر بن الحجاج ومحمد بن عمير . وصرة الكتاب :

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ، فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطميت الجمام ، فإذا شئت فاقدم علينا، فإنا نقدم عليك بجنود مجندة . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك .

وسبق شرح الكتاب في محله وبيان مشكلاته في كتاب الحسين عليه السلام وترجمة شبث بن ربعي وأصحابه . وكان هذا آخر كتاب وصل إلى الحسين عليه السلام .

ثم سأل عليه السلام عن سعيد وهاني حال شيعته في العراق ونفس عنها .

وفي رواية : سأل الحسين عليه السلام سعيداً وهانئاً فقال : خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب به منكما . فقالا : شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمر بن الحجاج ومحمد بن عمر بن عطاء .

ثم كتب عليه السلام كتاباً وأرسل مع هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي إلى الملأمن المسلمين والمؤمنين. أما بعد، فإن هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتابكم...».

ثم أرسلها قبل مسلم بن عقيل، ثم سرّح مسلماً ، وورد سعيد بن عبدالله

الكوفة قبل ورود مسلم ، وأخبرهم بمجي مسلم .

وأما رجوعه إلى الحسين عليه السلام كان في الطريق أو في أيام المهادنة أو ليلة العاشور ، فلم أر من يذكر تفصيل ذلك ، إلا أنه كان عند ما للحسين حتى انتصف النهار(1).

وأما كيفية شهادته :

فعلى المشهور بين المحدثين وأرباب المقاتل : أنه لما أراد الحسين عليه السلام أن يصلي صلاة الظهر أمر زهير بن القين وسعيد بن عبد الله أن تقدما أمامي حتى أصلي الظهر . فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف، وتقدم سعيد أمام الحسين فاستهدف لهم، يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين يميناً وشمالاً قام بين يديه، فما زال يُرمى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهم العن عاداً وثمود ، اللهم بلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصرة ذرية نبيك . ثم التفت إلى الحسين فقال : أوفيت يابن رسول الله ؟ قال : نعم أنت أمامي في الجنة . ثم قضى نحبه رضوان الله عليه . فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح .

وأما على ما ذكره ابن نما(2): أن الحسين عليه السلام صلى صلاة الظهر هو وأصحابه فرادى بالإيماء . قال - وكذا الطبري والجزري وأبي مخنف - قالوا : ثم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم ووصلوا إلى الحسين، فاستقدم الحنفي أمامه واستهدف لهم يرمونه يميناً وشمالاً قائماً بين يديه ، فما زال حتى سقط إلى الأرض وهو يقول «اللهم..».


1) بحار الأنوار 21/45 .

2) مثير الأحزان ص 65 ، وذكرت فيه الصلاة فرادى بعنوان «قيل».

سلمان بن مضارب بن قيس الأنماري البجلي

كان سلمان ابن عم زهير بن القين، فإن القين ومضارب أخوان ابنا قيس.

كان مع زهير ، فلما حج زهير ورجع إلى جانب الكوفة رجع معه ، ولما مال زهير في الطريق إلى الحسين عليه السلام مال معه ، وحمل ثقله في مضربه ، واستشهد يوم الطف.

وعن الحدائق الوردية : إن سلمان قتل في من قتل بعد صلاة الظهر(1).

سلیمان مولى الحسين عليه السلام

في التنقيح(2): أمه كبشة ، كانت جارية للحسين عليه السلام، اشتراها بألف درهم، وكانت تخدم في بيت أم إسحاق بنت طلحة بن عبدالله التيمية زوجة الحسين ، فتزوج بالجارية أبورزين، فولدت منه سليمان . انتهى .

وأبورزين الأسدي عده الشيخ في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام(3).

اتفقت كلمة المؤرخين والمحدثين وأرباب المقاتل حتى السيد في اللهوف أن سليمان هذا قتله ابن زياد في البصرة(4)في الليلة التي عزم على المسير إلى الكوفة في صبيحتها ، لأنه كان رسولاً للحسين عليه السلام بكتاب له إلى رؤساء أخماس البصرة وأشرافهم ، أول الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ، فإن الله اصطف - إلى آخر ما سبق ذكره .


1) أنظر : مثير الأحزان ص 132 .

2) تنقيح المقال 65/2 .

3) رجال الطوسي ص 64 .

4) أنظر تاريخ الطبري 357/5 ، اللهوف ص 110.

فلما وصل الكتاب إليهم أخفوه إلا منذر بن جارود ، فإنه ظن أنه دسيس من عبيد الله وكان عبيد الله صهراً لمنذر ، فإن محربه بنت جارود كانت تحت عبيد الله ، فأخذ الكتاب والرسول وجاء بهما إلى عبيد الله ، فلما قرأ الكتاب قدم على سليمان وأمر بضرب عنقه .

وفي رواية صلبه فقتله سليمان بن عوف الحضرمي(1).

هذا ، إلا أن في الزيارة المأثورة عن الناحية المقدسة «السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين ، ولعنة الله على قاتله سليمان بن عوف الحضرمي». وهذا لا يدل على كونه من شهداء الطف ، فإن حاله حال هاني بن عروة وعبدالله بن يقطر وقيس بن مسهر الصيداوي وأشباههم المقتولين في سبيل الحسين عليه السلام، فإن المقتول في سبيله كالمقتول بين يديه . وقد قيل : إنه أول رسول قتل في الاسلام.

نعم ، في رجال الشيخ بعد ما عده من أصحاب الحسين عليه السلام صرح بأنه قتل معه ، وكذا ابن داود(2).

وهذا يُشعر أنه من المقتولين في الطف. ولعل النسخة قبل له ، أو فيه بدل معه، أو أن مرادهما بذلك ذلك . والله العالم .

وهو رضوان الله عليه إن لم يكن أول رسول قُتل في الاسلام فهو أول قتيل في وقعة الحسين عليه السلام وفي سبيله.

سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمير بن نهم الهمداني النهمي

«نهم» بالنون المفتوحة والهاء الساكنة نسبة إلى نهم بطن من هَمْدان .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على سوار بن أبي حمير الفهمي الهمداني» بالفاء بدل


1) بحار الأنوار 218/98 ، المزار لابن المشهدي ص 491 ، إقبال الأعمال 76/3 .

2) مستدركات علم الرجال 143/4 وفيه سليمان بن عون الحضرمي ، رجال الطوسي ص 74 .

النون . كذا في أكثر النسخ والمقاتل. وفي القاموس(1): فهم بالفاء المفتوحة أبوحي من العرب، وفهم بن عمير بن قيس. كما أن في النسخ الموجودة «أبي حمير» بالحاء المهملة بدل العين، ولعله سهو أو تصحيف وضبط في التنقيح بالنون بدل الفاء(2).

وقال الفاضل المعاصر أيده الله : ويمضي في بعض الكتب «الفهمي» بالفاء، وهو تصحيف واضح وغلط فاضح . ويؤيده ما في القاموس(3)قال : ونهم بن ربيعة بالكسر أبوبطن من العرب، ونهم بالضم صنم لمزينة ، وسمي بعبد نهم بطن من بجيلة ، ونهم كزفر ابن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة حي من هَمْدان. وعلى هذا فلا يصح نهم كزفر. على ما في الزيارة من كونه جريحاً قد أسر.

قد ذكر كلُّ من تعرض لترجمته وشهادته أنه رضوان الله عليه ممن أتى إلى الحسين عليه السلام أيام المهادنة وبقي معه إلى اليوم العاشر ، فلما شبّ القتال قاتل في الحملة الأولى ، فجرح وصرع وأتي به أسيراً إلى ابن سعد ، فأراد قتله ، فشفع فيه قومه وبنو عمومته ، وبقي عندهم جريحاً إلى رأس ستة أشهر فتوفي بذلك الجرح.

وقيل : بقي أسيراً حتى توفي ، وأما شفاعة قومه لدفع القتل. فهو بعيد ، لما جرى بعد قتله عليه السلام من الوقائع المتأخرة إلى ستة أشهر(4).

سويد بن عمر بن أبي المطاع الأنماري الخثعمي

تقدم أن «الأنماري» نسبة إلى أنمار بن اراش بن كهلان ، من القحطانية .


1) القاموس المحيط 161/4 .

2) تنقیح المقال 71/2.

3) القاموس المحيط 184/4 .

4) أنصار الحسين ص 91 ، أعيان الشيعة 611/1 ، إبصار العين ص 135 و 222 .

و«الخثعمي» بالخاء المنقطة المفتوحة والثاء المثلثة الساكنة والعين المهملة ثم الميم ، نسبة إلى خثعم كجعفر أبي قبيلة ، اسمه خثعم بن أنمار من اليمن . ويقال : هم من معد وصاروا باليمن.

وفي التاج : خثعم كجعفر اسم جبل ، وأهله النازلون به ختعميون. وختعم بن أنمار بن اراش بن عمرو بن الغوث من اليمن واسمه الأختل أبو قبيلة وخثعم لقبه - قال الجوهري . ويقال هم من معد بن عدنان وصاروا من اليمن . وقيل : خثعم جمل نحروه وسمى به أبوقبيلة(1).

ذكروا أن سويداً هذا كان رجلاً شجاعاً مجرباً في الحروب شريفاً في قومه ناسكاً متهجداً كثير الصلاة ، وقد حضر الطف وبرز بعد بشير الحضرمي ، وقيل بعد عمر و بن خالد الصيداوي ، فاستأذن للقتال وأذن له قيل : وآخر من بقي من أصحاب الحسين عليه السلام معه سويد بن عمرو بن مطاع، فقاتل حتى أثخن بالجراح وسقط على وجهه بين القتلى، وظن الناس أنه قد قتل وليس به حراك ، حتى سمعهم يقولون : قتل الحسين وجد به إفاقة ، وكان معه سكين قد خبأها في خفه ، وكان قد أخذ سيفه منه ، فقاتلهم بسكينه ساعة ، ثم انهم تعطفوا عليه من كل جانب ، فقتله عمار بن بكار التغلبي وزيد بن ورقاء الجهمي ، وقيل عروة بن بكار بدل عمار . وكان رضوان الله عليه آخر قتيل .

سيف بن الحارث بن سریع بن جابر الهمداني الجابري

بنو جابر بطن من هَمْدان.

ذكروا: أن سيف بن الحارث بن سريع كان مع مالك بن عبد بن سريع كانا


1) لسان العرب 166/12 ، القاموس المحيط 103/4 ، تاج العروس 194/16.

أخوين لأم وابني عم، جاءا من الكوفة إلى الحسين عليه السلام أيام المهادنة ومعهما مولاهما شبيب ، فدخلا في عسكره وانضما إليه ، وأتياه يوم العاشر وهما يبكيان ، فقال لهما الحسين : أي بني أخوي ما يبكيكما ، فوالله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين . فقالا : جعلنا الله فداك ، لا والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ، قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك بأكثر من أنفسنا . فقال الحسين عليه السلام : جزاكما الله يابني أخوي عن وجدكما من ذلك ومواساتكما إياي أحسن جزاء المتقين .

فاستقدما أمامه يتسابقان إلى القوم ويلتفتان إلى الحسين عليه السلام ويسلمان عليه ويردّ عليهما السلام. وقاتلا جميعاً وإن أحدهما يحمي ظهر صاحبه حتى قتلا في مكان واحد(1).

وفي رواية : إن هذا الكلام مع الأخوين الغفاريين. ويمكن تعدّد الواقعة. وسيجي في ترجمتها إنشاء الله تعالى.

وفي زيارة الناحية المقدسة «السلام على مالك بن عبد بن سريع» .

سيف بن مالك العبدي البصري

في زيارة الناحية المقدسة : «السلام على سيف بن مالك العبدي».

قالوا : إنه كان من الشيعة في البصرة، وممن يجتمع في دار مارية . وكان ممن خرج منها عند وصول خبر الحسين عليه السلام إليهم ولحقوا به في الأبطح ولازموه إلى كربلاء ، وقتل مبارزة بعد صلاة الظهر(2).


1) أنظر : تنقیح المقال 78/2.

2) إبصار العين ص 147 ، مناقب آل أبي طالب 122/4 ، وفيه «سيف بن مالك النميري».

شبيب بن عبد الله مولى مالك بن سريع

*شبيب بن عبد الله مولى مالك بن سريع المتقدم ذكره

جاء من الكوفة مع مولاه .

ذكروا أن شبيباً هذا كان صحابياً أدرك صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشهد مع علي عليه السلام مشاهده كلها .

كان بطلاً شجاعاً ، حضر الطف واستشهد في الحملة الأولى(1).

شبیب بن عبدالله النهشلي

«نهْشَلي» بالنون المفتوحة والهاء الساكنة والشين المثلثة المفتوحة واللام المكسورة، نسبة إلى بني نهشل قبيلة من تميم، وهم بنو نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم .

كان شبيب نزيل مالك أو حليفه ولم يكن عبده أو منعه ، وهو تابعي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، حضر معه في حروبه الثلاثة ، وبعده انضم إلى الحسن بن علي علیه السلام ، ثم انضم إلى الحسين عليه السلام وكان من خواص أصحابه .

في زيارة الناحية المأثورة «السلام على شبيب بن عبدالله النهشلي».

لما خرج الحسين عليه السلام من المدينة خرج شبيب معه إلى مكة ثم إلى كربلاء ، وتقدم يوم الطف إلى القتال ، فقُتل رضوان الله عليه في الحملة الأولى(2).

شوذب بن عبد الله الهمداني الشاكري

شَوْذَب بالشين المعجمة المفتوحة والواو الساكنة والذال المعجمة المفتوحة


1) تنقيح المقال 81/2 ، وفيه «مولى حارث بن سريع» ، وكلاهما صحيح.

2) تنقيح المقال 81/2.

والباء الموحدة ،كجعفر ، وهو في الأصل الطويل الحسن الخلق، صرح به في القاموس .

وشَوْذَب هذا ابن عبد الله الهَمْداني الشاكري مولى لهم . وسيأتي ضبط شاكر في عابس . وكونه مولى لهم أي حليفهم أو نزيلهم لا أنه كان غلاماً لهم ، فإن الرجل من أعيان الشيعة ووجوهها ، من الفرسان المعدودين .

كان حاملاً للحديث حافظاً له عن أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يجلس للشيعة فيأتونه للحديث(1).

وفي التنقيح: مضى بعد خذلان مسلم إلى مكة ولازم الحسين عليه السلام حتى جاء معه إلى كربلاء .

والأصح ما عن الأزدي : أنه بعد ما جاء مسلم إلى الكوفة وأخذ البيعة وبايع الناس ثلاثون ألفاً أو أزيد ، كتب كتاباً إلى الحسين عليه السلام وأخبره بإقبال الناس إليه ، وأرسله مع عابس مولى شاكر ، وصحب شاكر مولاه من الكوفة إلى مكة وبقيا معه حتى جاءا إلى كربلاء .

ولما شبّ القتال يوم الطف جاء عابس إلى سؤذب فقال له : يا شوذب ما في نفسك أن تصنع ؟ قال : ما أصنع ، أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتى أقتل. قال : ذلك الظن بك ، أمّا لا فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه وحتى أحتسبك أنا ، فإنه لو كان معي الساعة أحد أنا أولى به مني بك لسترني أن يتقدم بين يدي حتى أحتسبه ، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكل ما قدرنا عليه ، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.


1) مثير الأحزان ص 49 .

قال : فتقدم فسلّم على الحسين عليه السلام ، ثم مضى وقاتل قتال الأبطال وقتل جمعاً كثيراً ، فقتل رضوان الله عليه(1).

وفي الزيارة المأثورة «السلام على شوذب مولى شاكر» .

ضرغام بن مالك الثغلبي

في زيارة الناحية المقدسة «السلام على ضرغام بن مالك».

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(2).

وهو على ما ذكروه من كبار الشيعة، وممن بايع كبار الشيعة، وممن بايع مسلما حين وروده إلى الكوفة ، فلما خذلوه فرّ ، ثم خرج في من خرج مع ابن سعد ولحق بالحسين عليه السلام، فقاتل معه وقتل بعد الظهر مبارزةً ، بعد ما قتل من القوم جمعاً كثيراً(3).

وفي رواية ابن شهر اشوب : أنه من المقتولين في الحملة الأولى(4).

طرماح بن عدي

في المقتل المنسوب إلى أبي مخنف : ثم برز بعد الغلام الذي أسلم بيد الحسين عليه السلام طرِمَّاح بن عدي وأنشأ هذه الأبيات :

إني طرماح شديدُ الضَّرْبِ *** وقد وَيُقتُ بالإله الربّ

إذا نصبتُ في الهياج عَضْبي *** محى قريني في القتال غلبي

فدونكم فقد حبست قلبي *** على الطغاة لويد لب صلبي


1) تاريخ الطبري 443/5 ، باختلاف يسير .

2) رجال الطوسي ص 75 .

3) تنقيح المقال 106/2 .

4) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

ثم حمل على القوم ولم يزل يقاتل حتى قتل سبعين فارساً ، وكبا به جواده فأرداه إلى الأرض صريعاً ، فحاط به القوم واحتزوا رأسه .

ثم قال في طي الوقائع المتأخرة عن قتله عليه السلام : قال طرماح بن عدي : كنت في القتلى وقد وقع في جراحات ، ولو حلفتُ لكنت صادقاً أني كنت غير نائم إذ أقبل عشرون فارساً وعليهم ثياب بيض يفوح منها المسك والعنبر ، فقلت في نفسي : هذا عبيد الله بن زياد قد أقبل يطلب جنة الحسين ليمثل بها ، فجاؤا حتى صاروا قريباً منه ، فتقدم رجل إلى جسد الحسين واصله قريباً منه ، فأومى بيده إلى الكوفة وإذا بالرأس قد أقبل فركبه على الجسد فعاد مثل ما كان بقدرة الله وهو يقول : يا ولدي قتلوك ، أتراهم ما عرفوك ومن شرب الماء منعوك ، وما أشدّ جرأتهم على الله تعالى. ثم التفت إلى من كان معه فقال : يا أبي آدم ويا أبي إبراهيم ويا أبي إسماعيل ويا أخي موسى ويا أخي أما ترون ما صنعت الطغاة عيسى بولدي، لا أنا لهم الله شفاعتي ، فتأملته فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله . انتهى.

فتبعه على ذلك جمع من المتأخرين من المؤرخين والمحدثين ، فذكروا في كتبهم ومقاتلهم عين ما ذكرنا . فياللعجب ما التفتوا إلى هذا التناقض الواضح من قتل طرماح وحزّ رأسه ثم حكاية جثته مطروحاً . ولا غرو في ذلك ، فإن الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو .

وهذا من الشواهد على أن ما بأيدينا من المقتل المنسوب إلى أبي مخنف ليس هو مقتل أبي مخنف الأزدي ، بل فيه شواهد ودلائل على أنه غيره ، يُعرف ذلك بالتأمل والتدبر فيه .

وقد قيل : إن ما هو المنتشر ليس مقتل أبي مخنف ، بل كان موجوداً قبل الألف

من الهجرة، فقد روى عن أبي مخنف الطبري في تاريخه والجزري في كامله وأمثالهما من قدماء المؤرخين ، وقد نقلوا في كتبهم ما لا يوجد في المقتل المتداول في هذه العصور . وبالجملة ، فما تفرّد بنقله هذا المقتل الموجود لا يُعتمد عليه .

وأعجب من ذلك ما ذكره المحقق المعاصر في التنقيح حيث قال : الطرماح كان ملازماً لسيد الشهداء في الطف إلى أن جُرح وسقط بين القتلى وكان فيه رمق ، فأتى قومه وحملوه و داووه حتى برىء ، وكان على موالاته وإخلاصه إلى أن مات ، يظهر ذلك لمن راجع كتب الأخبار والسير والتواريخ. انتهى(1).

وكأنه رحمه الله تبع هذا المقتل في نقل ما ذكر، ونحن كلما رجعنا إلى كتب الأخبار والسير والمقاتل لم نجد غير ما ذكر في هذا المقتل .

نعم ، عده الشيخ في رجاله تارةً من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً : الطرماح بن عدي رسوله إلى معاوية وتارةً من أصحاب الحسين عليه السلام(2).وهذا لا يدل على حضوره في الطف وشهادته .

نعم ، إتفقت كلمة المحدثين والمؤرخين وأرباب المقاتل في ملاقاة الطرماح بن عدي في عُذيب الهجاناة مع الحسين عليه السلام حينما كان يسايره الحر كما مر في ترجمته . كان الطرماح ونافع بن هلال ومجمع بن عبدالله وعمر بن خالد قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل ودليلهم الطرماح ، فانتهوا إلى الحسين عليه السلام.

نعم ، قال أبو جعفر الطبري(3): قال أبو مخنف : ثم دنى الطرماح بن عدي وقال


1) تنقيح المقال 109/2.

2) رجال الطوسي ص 46، 75 .

3) تاريخ الطبري 406/5 .

للحسين : والله إني أنظر فما أرى معك أحداً ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس مالم تر عيناي جمعاً في صعيد واحد أكثر منهم قط ، فسألت عنهم فقيل : اجتمعوا ليُعرَضوا ثم يسرحون إلى الحسين ، فأنشدك الله إن قدرت أن لا تُقدم إليهم شبراً فافعل ، وإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى أجَاً .. فهو والله أمتعنا به من ملوك غسّان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض ، والله ما إن دخل علينا ذلّ قط ، فأسير معك حتى أنزلك القُرَيَّة ، ثم نبعث إلى الرجال بأجاً وسلمى من طي ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طي رجالاً وركباناً ، ثم أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبداً وفيهم عين تطرف.

فقال عليه السلام له : جزاك الله وقومك خيراً ، إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر على الإنصراف ، ولا ندري على متنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبه .

قال أبو مخنف(1): فحدثني جميل بن مَرْتَد ، قال : حدثني الطرماح بن عدي ، قال : فودّعته وقلت له : دفع الله عنك شر الجن والإنس ، إني امترت لأهلي من الكوفة ميرة(2)ومعي نفقة لهم فأتيهم فأضع ذلك فيهم ثم أقبل إليك إنشاء الله ، فإن الحقك فوالله لأكونن من أنصارك .


1) المصدر السابق.

2) الميرة : الطعام والمؤنة .

قال عليه السلام : فإن كنت فاعلاً فعجّل رحمك الله .

قال : فعلمت أنه مستوحش إلى الرجال حتى يسألني التعجيل .

قال : فلما بلغتُ أهلي وضعت عندهم ما يُصلحهم وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون : إنك تصنع مرتك هذه شيئاً ما كنت تصنعه قبل اليوم. فأخبرتهم بما أريد ، وأقبلت في طريق بني تُعل حتى إذا دنوت من عُذيب الهجانات إستقبلني سماعة بن بدر فنعاه إلى فرجعت. انتهى .

يظهر مما نقلنا أن الطرماح بن عدي لم يحضر وقعة الطف ولم يكن ممن استشهد . والله العالم .

هذا، وفي مثير الأحزان طرماح بن الحكم بدل طرماح بن عدي(1). وهو رضوان الله عليه متفرد به ، ولم نر في كتب الرجال ذكراً للطرماح بن الحكم.

عائد بن مجمع بن عبدالله

يأتي في باب الميم في ترجمة أبيه مجمع بن عبد الله أنه قتل وأبوه في مكان واحد في الحملة الأولى ، وقيل قتل قبل القتال .

عابس بن شبيب الشاكري

هو عابس بن شبیب بن شاكر بن ربيعة بن مالك بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد الهمداني الشاكري .

في بعض النسخ «أبي شبيب» بزيادة كلمة أبي قبل شبيب ، والظاهر أنه كنية أبيه . وظاهر غيره أنه اسمه لا كنيته .


1) مثير الأحزان ص 39 .

و «الشاكري» بالشين المعجمة والكاف المكسورة والراء المكسورة، نسبة إلى بني شاكر قبيلة باليمن من هَمْدان ، ينسبون إلى شاكر بن ربيعه بن مالك بن معاوية بن صعب بن ذوبان بن بكيل .

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(1).

وعن حميد بن أحمد في حدائقه قال : كان عابس من رجال الشيعة رئيساً شجاعاً خطيباً ناسكاً متهجداً .

وكانت بنو شاكر من المخلصين بولاء أهل البيت خصوصاً أمير المؤمنين عليه السلام ، وفيهم يقول يوم صفين على ما ذكره نصر بن مزاحم في كتابه لو تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حقّ عبادته .

وكانوا من شجعان العرب وحماتهم ، وكانوا يلقبون «فتيان الصباح»، ونزلوا في بني وداعة من هَمْدان ، فقيل لها «فتيان الصباح» وقيل لعابس الشاكري والوادعي(2).

وقد سبق : أنه لما قدم مسلم بن عقيل الكوفة ونزل في دار مختار بن أبي عبيد واختلفت إليه الشيعة وهو يقرأ كتاب الحسين عليهم وهم يبكون ، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم ، ولكن والله أخبرك بما أنا موطن نفسي عليه ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضر بن بسيفي دونكم حتى ألقى الله ، لا أريد بذلك إلا ما عند الله .


1) رجال الطوسي ص 78 ، وفيه «أبي شبيب».

2) منقول عن الحدائق في تنقيح المقال 112/2.

وسبق في ترجمة شوذب أن مسلماً لما بايعه الناس ثلاثون ألفاً أو أكثر ، كتب كتاباً إلى الحسين عليه السلام وأرسله مع عابس بن شبيب وصاحبه مولاه شوذب ، وكانا مع الحسين من مكة إلى كربلاء ، فلما كان يوم العاشوراء أقبل إلى شوذب وقال له - إلى آخر ما مر في ترجمة شوذب .

ثم جاء عابس إلى الحسين عليه السلام، فسلم عليه وقال : يا أباعبدالله أنا والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعز عليّ ولا أحب إلي منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز عليّ من نفسي ودمي لفعلته ، السلام عليك يا أبا عبدالله ، إشهد أني على هداك وهدى أبيك . ثم مشى بالسيف مصلتاً نحو القوم وبه ضربة على جبينه فقال : البراز ، البراز(1).

قال الأزدي(2): حدثني نمير بن وَعْلة عن رجل من بني عبد من هَمْداني يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم ، قال : لما رأيته مقبلاً عرفته وقد شاهدته في المغازي وكان أشجعَ الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم ، فأخذ ينادي : ألا رجل لرجل . فقال عمر بن سعد : إرضخوه بالحجارة . قال : فرمي بالحجارة من كل جانب.

فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شدّ على الناس . قال : فوالله لرأيته يكرد(3)أكثر من مائتين من الناس، ثم إنهم تعطفوا عليه من نواحيه فقتلوه واحتزوا رأسه . قال : فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عُدة ، هذا يقول: أنا قتلته ، وهذا


1) إبصار العين ص 99.

2) تاريخ الطبري 444/5.

3) الكرد : الطرد.

يقول : أنا قتلته . فأتوا عمر بن سعد فقال : لا تختصموا ، هذا لم يقتله سنان واحد ، كلكم قتله. ففرق بينهم بهذا القول .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عابس بن أبي شبيب الشاكري».

عامر بن مسلم العبدي البصري

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(1).

وهو عامر بن مسلم بن حسان - المقتول بصفين مع أمير المؤمنين عليه السلام - بن شريح بن سعد بن حارثة السعدي البصري .

كان من وجوه الشيعة في البصرة ، فلما بلغه خبر الحسين عليه السلام خرج هو ومولاه سالم مع يزيد بن ثبيط العبدي، وانضموا إلى الحسين في الأبطح من مكة وجاؤا معه إلى كربلاء ، فلما شبّ القتال قُتل في من قتل(2).

قال ابن شهر اشوب : قُتل في الحملة الأولى(3)

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عامر بن مسلم».

عباد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني

ذكروا أنه كان ممن تبع الحسين عليه السلام من أهل مياه جهينة حول المدينة ، وصاحبه إلى زبالة ، فلما تفرّق الأعراب من حوله أقام عباد معه إلى كربلاء، وتقدم يوم الطف و قاتل حتى قتل . رضوان الله عليه(4).


1) رجال الطوسي ص 77.

2) تنقیح المقال 117/2.

3) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

4) تنقيح المقال 123/2 .

عباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام

أمه فاطمة أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر - المعروف بالوحيد - بن كلاب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الكلابي

قال الحلي في السرائر : نسب شيخنا المفيد في الإرشاد العباس بن علي بن أبي طالب ، فقال : أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم(1). وهذا خطأ ، وإنما العباس المسمى بالسقاء أبا قربة المقتول بكربلاء صاحب رأية الحسين أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة ، وربيعة هذا أخو لبيد الشاعر بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن صعصعة ، وليست من بني دارم التميمي . انتهى .

وأما أم أم البنين وأم أمها فقد ذكرتا في مقاتل الطالبيين وعمدة الطالب وغيرهما.

وكان عليه السلام في زمنه يُكنى بأبي الفضل وأبي القربة ويُلقب بالسقاء ، فما في مقاتل الطالبيين من أن ولد العباس بن علي يسمونه بالسقاء ويكنونه بأبي القربة(2). فما رأيت أحداً من ولده وما سمعت عن من تقدم منهم يقول ذلك ، لعله سهو واشتباه ، يدل على ذلك قوله عليه السلام فيما سيأتي عن قريب «إنى أنا العباس أغدو بالسقا» . وقد ذكر كثير منهم أن السقاء لقبه وأبا القربة كنيته كما كان يقال له في زمنه «قمر بني هاشم».

وقد يُتوهم أن تسميته عليه السلام بـ«السقاء» كانت في ليلة العاشور لما جاء بالماء في خمسين رجلاً من الأصحاب . وليس كما توهم ، بل التسمية إنما كانت ليلة خروجه من المدينة حين تقسيم الأشغال، كما هو دأب الأكابر والأشراف


1) الإرشاد للمفيد 354/1.

2) مقاتل الطالبيين ص 89.

والسلاطين عند ما يريدون السفر .

وقد ذكروا أن علي بن الحسين عليه السلام كان وكيل خرجه حين الخروج من المدينة، وكان الحجاج مؤذنه ويلزم ركابه ، وهكذا.

وكانت السقاية بيد العباس ليلاً ونهاراً حضراً وسفراً، خصوصاً سقاية النساء والأطفال من المدينة إلى حين استشهاده.

وقد يُقال : إن تسميته بـ«السقاء» كان في زمن أبيه عليه السلام ، على ما نُقل أنه كان في المسجد وعنده الحسين ، فعطش الحسين واستق، فأتاه العباس بالماء وهو صغير ، وسُمي عند ذلك بالسقاء .

وقصة تزويج أمير المؤمنين عليه السلام بأم البنين مشهورة ، ذكرها المحدثون والمؤرخون وأصحاب الرجال والمقاتل.

قال النسابة الشهير جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن مهنا بن عنبة الأصغر الداودي الحسيني المتوفى سنة 828 في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لأخيه عقيل وكان نسّابة عارفاً بأنساب العرب وأخبارهم : أنظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً . فقال له : تزوّج أم البنين الكلابية ، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها، فتزوجها أمير المؤمنين عليه السلام، فولدت وأنجبت، وأول ما ولدت العباس(1).

وفي التنقيح(2)بعد قوله عليه السلام «فتلد لي غلاماً فارساً»: ليكون عوناً


1) عمدة الطالب ص 357.

2) تنقیح المقال 129/2.

لولدي الحسين في كربلاء. وليست هذه الزيادة في الكتب المعتبرة ، ولعله قد سمعها من أهل المراثي والذاكرين فتوهم أنها جزء من الرواية .

كما أنه قال : ولقب السقاء وحامل اللواء ورئيس عسكر الحسين وغيرها من الألقاب، وقد عدت له ستة عشر لقباً . وليس هذا إلا ما سمعه من أهل المراثي ، وإن كان ما سمعه قدس سره في نفسه حقاً وصدقاً ، إلا أنه ليس له في الكتب المعتبرة عيناً ولا أثراً .

نعم، مناقبه وفضائله وعلو همته ورفعة مكانته ومكارمه وسجاياه أجل وأعظم من أن يحوم حوله الفكر .

وقد قيل : إنه عليه السلام كان أعبد وأزهد أهل زمانه بعد أخيه ، وقد كان يُدعى بـ«ذي الثفنات كما كان يُدعى بذلك الإمام زين العابدين عليه السلام، وقد كان من فقهاء أولاد الأئمة، وكان عدلاً تقياً نقياً ، وكان شجاعاً فارساً جسيماً وسيماً ، يركب الفرس المطهّم(1)ورجلاه يتخطان الأرض(2).

هذا، وقد رأيت في طهران في بيت الشريف صدر الأشراف رسالة غير مطبوعة للشيخ الأجل الشيخ جعفر التستري صاحب «الخصائص الحسينية» قدس سره في تفسير سورة الشمس : قد ذكر فيه أن «الشمس» و «القمر» كلما ذكرا فيه يُراد من الشمس النبي والقمر علي عليهما الصلاة والسلام، لأنه منه كالضوء من الصور ونور القمر مكتسب من الشمس . قال : والشمس فى هذه السورة يراد منها الحسين عليه السلام وبالقمر إذا تلاها أبو الفضل العباس. ثم أخذ في تفسير الآيات بما ينطبق على


1) المطهم : السمين ، التام البارع الجمال من كل شي . الجواد المطهم: تام الحسن .

2) مقاتل الطالبيين ص 56 ، بحار الأنوار 29/45 .

معظم وقائع الطف، وذكر لذك مؤيدات وشواهد من أرادها فليطلبها.

وفي الخصال: عن أحمد بن زياد بن صقر الهمداني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن، عن ابن أسباط ، عن علي بن سالم، عن أبيه ، عن ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي ويقال له مالك بن دينار ، قال : إن علي بن الحسين عليه السلام نظر يوماً إلى عبد الله بن عباس بن على فاستعبر ثم قال : ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى الله عليه وآله من يوم أحد ، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم موته قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ، ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام، إزدلف عليه ثلاثون ألف رجل كلَّ يتقرب إلى الله عزّ وجلّ بدمه ، يزعمون أنهم من هذه الأمة ، وهو يذكّرهم بأمه فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً .

ثم قال عليه السلام : رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه ، فأبدله الله عزّ وجلّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة ، كما جعل الجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلةً يغبطها جميع الشهداء يوم القيامة .

(بیان):

قوله «آثر» من الإيثار ، وهو فوق الجود.

و «أبلى» من البلاء ، بمعنى الإمتحان .

وقوله «جميع الشهداء» الجمع المحلى باللام المؤكَّد بلفظ «الجميع» يدل على العموم ، ولا مخصص له إلا في أخيه الحسين عليه السلام، فخُصص به عقلاً وإجماعاً ونصاً.

وقوله «ثلاثون ألف» إنما هو الجند النظامي السلطاني الموظفون من ابن زياد ويزيد ، وإلا مذكور في محله أن المحاربين كانوا أكثر من ذلك جداً .

وروي عن الصادق عليه السلام قال : كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الايمان ، جاهد مع أخيه الحسين عليه السلام وأبلى بلاءاً حسناً ومضى شهيداً .

(بیان):

قوله «نافذ البصيرة» و «صلب الإيمان» من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي بصيرته نافذة وإيمانه صلب .

قوله «نافذ» من العبور . وفي بعض النسخ «ناقد البصيرة» من نقد الدراهم أي خلّصه . ويُحتمل أن يكون «ناقذ» بالقاف والذال ، من نقذ أي سلم . والكل يُحتمل ، وخير الأمور أوسطها .

قوله : «أبلى بلاءاً حسناً» أي امتحن امتحاناً كاملاً.

وفي الزيارة المأثورة «السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، العادى له الوُد ، الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه» .

وكان له روحي فداه يوم قتل من العمر أربع وثلاثون سنة ، وعاش مع أبيه أربع عشرة سنة . قيل : وحضر مع أبيه بعض الحروب فلم يأذن له بالنزال .

وأما ما في بعض الكتب من مشاركته في النزال ومبارزته وبروز شجاعته يوم صفين ، فهو إشتباه محض وغلط واضح، وإنما هو عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وله في صفين مواقف ذكروها في التواريخ.

وكان علي عليه السلام يحبه حباً شديداً .

وكان روحي له الفداء صاحب لواء الحسين عليه السلام وحامل رايته . قيل: وربما ركز لواءه أمام أخيه الحسين .

وفي تاريخ الطبري(1)عن أبي مخنف ، قال : عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري ، قال : لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب [الذي كتبه ابن زياد إلى ابن سعد في أمر الحسين بمنازلة الحسين ونزوله أو بعزله وتولية العمل إلى شمر]، قام هو وعبد الله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب ومعه شمر - وكانت أم البنين عمة عبد الله بن أبي المحل - قال : أصلح الله الأمير إن بني أختنا مع الحسين ، فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت . قال : نعم ونعمة عَيْن . فأمر كاتبه فكتب لهم أماناً ، فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كُزمان ، فلما قدم إليهم دعاهم فقال : هذا أمان بعث به إليكم خالكم . فقال له الفتية : إقرأ خالنا السلام وقل له : أن لا حاجة لنا في أمانكم ، أمانُ الله خير من أمان ابن سمية .

ولما جاء شمر إلى ابن سعد ودفع إليه الكتاب وقال ما قال ، نهض عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عشية الخميس تسع مضين من المحرم نادى عمر بن سعد أصحابه بالركوب ، وركب أصحابه نحو الحسين وكان جالساً أمام بيته ، قال له العباس بن علي : يا أخي قد أتاك القوم فنهض ثم قال : إركب بنفسي أنت حتى تلقاهم وتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم ؟ وتسألهم عما جاءهم .

فأتاهم العباس نحو من عشرين فارساً منهم زهير بن القين وحبیب بن مظاهر ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون ؟ قالوا : جاء أمر من ابن زياد


1) تاريخ الطبري 415/5.

أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم . قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم . قال : فوقفوا ثم قالوا : ألقه فأعلمه بذلك .

فانصرف العباس يركض فرسه ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فأقبل العباس إلى الحسين عليه السلام وأخبره بما قالوا، فقال: إرجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد وتدفعهم عنا العشية .

فمضى العباس إليهم فقال : يا هؤلاء إن أبا عبدالله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ننظر في هذا الأمر.

ثم رجع من عندهم ومعه رسول من قِبَل عمر بن سعد، فقام حيث يُسمع الصوت ، فقال : قد أجلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد ، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم . فانصرف .

فعند ذلك وقف شمر ناحيةً ونادى : أين بنو أختنا ، أين العباس وأخوته ؟ فلم يجبه أحد، فقال لهم الحسين عليه السلام: أجيبوه وإن كان فاسقاً. فقام إليه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان فقالوا : ما تريد ؟ فقال : أنتم يا بني أختي آمنون . فقالت له الفتية : لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له .

وفي رواية(1): فناداه العباس بن علي : تبت يداك وبئس ما جئتنا به من أمانك يا عدو الله ، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين ابن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء.

فرجع شمر إلى قومه مغضباً ، وكان ذلك عشية الخميس قبل الغروب. فما في بعض المقاتل من أن مكالمة شمر مع العباس كان صبيحة يوم عاشوراء ، فهو اشتباه .


1) لواعج الأشجان ص 116 ، اللهوف ص 54 .

ولما أقبل الليل وصلى الحسين بأصحابه صلاة المغرب قام خطيباً بينهم بخطبة أولها «إني لا أعلم أصحاباً» إلى قوله «قد أذنت لكم فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني ذمام ..». بدأ العباس عليه السلام وقال : لم نفعل ذلك ، نبق بعدك ، لا أرانا الله ذلك أبداً. فاتبعه إخوته وبنو أخيه وابناء عبدالله ، واتبعهم الجماعة فتكلموا بمثله ونحوه .

وله روحي له الفداء في ليلة العاشور وقائع وقضايا ومكالمات مع هلال بن نافع وغيره من أصحابه وإخوته وبني أخيه ، ذكرها المتأخرون في كتبهم تركناها إذ لم نجد لها مستنداً صحيحاً تركن إليه النفس .

نعم، اتفق المحدثون والمؤرخون : أنه لما اشتد العطش بالحسين وأصحابه ومن معه ليلة العاشور ، دعا الحسين عليه السلام أخاه العباس فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ، وبعث معهم عشرين قربة ، فجاؤا حتى دنوا من الماء ميلاً، م أمامهم باللواء نافع بن هلال البجلي ، فقال عمرو بن الحاج الزبيدي : من الرجل ؟ قال : نافع بن هلال . قال : مرحباً بك يا أخي ، ما جاء بك ؟ قال : نشرب من هذا الماء الذي حلاتمونا عنه قال : فاشرب هنيئاً . قال : والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه . فقال : لا سبيل لأن أسقي هؤلاء ، إنما وضعونا هذا المكان لمنعهم عن الماء .

فلما دنى أصحابه قال لرجاله : إملأوا قرابكم . فشد الرجال فملأوا قرابهم وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه ، فحمل عليهم العباس بن علي عليه السلام ونافع بن هلال فكفوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم فقالوا : أمضوا وقفوا دونهم. فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلاً . ثم إن رجلاً من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج ، طعنه نافع بن هلال فظن أنها ليست بشيء ، ثم انها انقضت بعد ذلك فمات منها .

وجاء أصحاب الحسين عليه السلام بالقرب، فأدخلوها إليه سالمين ولم يصب أحد منهم جراحة . فما في بعض المقاتل من أنه روحي له الفداء قتل في هذه الوقعة ليلة العاشور . فهو غلط واضح ، قد سبقه ولحقه إجماع المحدثين والمؤرخين، ولم نجد ذلك إلا في المقتل المنسوب إلى أبي مخنف. وكم له من هذه الاشتباهات والوقائع التي تفرد بها ، فلهذا لا نعتمد على ما تفرد به .

وعلى فرض صحة ما قال ، يمكن أن يقال كما قيل - إن المقتول في ليلة العاشور في هذه الواقعة هو العباس الأصغر بن أمير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره المؤرخون والنسابون أنه كان لأمير المؤمنين ابن يُسمى بعباس الأصغر قُتل بالطف.

ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما رواه المدائني(1)، قال : حدثني أبوعنان ، عن ابن سعد، عن قاسم بن أصبغ بن نباتة ، قال : رأيت رجلاً من أبان بن دارم أسود الوجه ، وكنت أعرفه جميلاً شديداً البياض ، فقلت له : ما كذلك أعرفك . قال : إني قتلت شاباً أمرد مع الحسين وبين عينيه أثر السجود ، فما بت ليلة منذ قتلته إلا ويأتي فيها ويأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها ، فما يبقى أحد في الحجر إلا سمع صياحي . قال : والمقتول عباس بن علي .

وعن تذكرة الخواص أبسط منه ، قال : وذلك الرجل حرملة بن كاهل الأسدي. عليه لعائن الله أبد الآبدين.

ذكر في محله أن قاتل هذا الشاب ليس حرملة قطعاً، وأنه كان ابن أربع وثلاثين سنة وليس بأمرد قطعاً ، وإنما هو العباس الأصغر . ولعلنا نذكر في ترجمته ما هو أبسط مما ذكرناه هنا .

و مما يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه : أن هذا القاتل قال في آخر كلامه وتبعه آخر :


1) مقاتل الطالبيين ص 79 ، بحار الأنوار 306/45. مقاتل الطالبيين ص 79 ، بحار الأنوار 306/45.

جاء الحسين كالصقر فوقف على رأسه وبكى فحمله إلى المخيم. وزاد من تبعه : وحمله على ظهر جواده وأقبل به نحو المخيم وطرحه فيها . وهذا كما ترى لا ينطبق على العباس الأكبر ، إذ هو خلاف الإجماع والأخبار والتاريخ.

وبالجملة ، فلما أصبح الحسين عليه السلام وصلى صلاة الصبح وخطب خطبةً عباً أصحابه، وجعل الميمنة لزهير بن القين والميسرة لحبيب بن مظاهر وقيل بالعكس ، وأعطى الراية أخاه العباس ، وبرز منه روحي له الفداء في يوم العاشور شجاعة لم تر عين مثله .

قد مرّ عند ذكر حر وزهير وحبيب : أنه لما حوصروا جاءهم العباس ففرّق الناس وأخرجهم عن الحصر. وكذا لما تقدم عمر و بن جنادة ومولاه سعيد ومجمّع بن عبد الله وجنادة بن الحارث وقاتلوا فشدّوا مقدمين بأسيافهم ، فلما وغلوا فيهم عطف عليهم الناس وجعلوا يحوزونهم ويقطعونهم عن أصحابهم حتى قطعوهم عن إمامهم ، فلما رآهم العباس حمل على القوم وحده ، فضرب فيهم بسيفه حتى فرقهم عن أصحابه وخلص إليهم فأتى بهم. وكم له من نظير في يوم عاشوراء .

قال أبو مخنف : عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك المشرقي ، قال : فلما رأى العباس كثرة القتلى قال لإخوانه من أمه وهم عبدالله وجعفر وعثمان : بأبي وأمي تقدموا حتى أراكم قد نصحتم الله ولرسوله فإنه لا ولد لكم . إلى هنا رواية أبي مخنف . وقد رواها جمع كثير باختلاف يسير . وفي نسخة «تقدموا لأحتسبكم عند الله». إلا أن الأموي أبا الفرج بعد قوله «فإنه لا ولد لكم» قال في ترجمة عبد الله : قال العباس لأخيه من أبيه وأمه عبد الله : تقدم بين يدي حتى أراك وأحتسبك ، فإنه لا ولد لك . وقال عند ترجمة جعفر : إن العباس بن علي : قدم جعفراً أخاه بين يديه لأنه لم يكن له ولد ليحرز ولد العباس بن علي ميراثه ، وقال في العباس : ويُكنى أبا الفضل وأمه أم البنين أيضاً ، وهو

أكبر ولدها وهو آخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه لأنه كان له عقب ولم يكن لهم. فقدمهم بين يديه فقتلوا جميعاً فحاز مواريثهم ثم تقدم فقتل فورثهم وأباعبدالله . ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي ، فصولح على شي رضي به . انتهى(1).

أنظر إلى هذا الأموي ثم الزيدي المتعصب كيف مزج قوله بقول أبي مخنف وكيف نسب إلى العباس ما لا يُنسب إلى عاقل ، بل لا ينسب إلى بقال من بقاقيل الكوفة ولا إلى جرمقان من جرامقتها .

إن العباس هو ابن أمير المؤمنين الذي لا نظير له في الدنيا والآخرة ، بل غمض عينه عنها ، بل هو فان في أخيه الحسين ، لا يرى إلا أخاه ، بل لا يرى إلا رسول الله صلى الله عليه وآله ، كلما رأى أخاه رأى رسول الله ، كما قال في رجزه :

نفسي لنفس المصطـ *** ـفى الطهر وقا

بل لا يرى إلا إليه ، وهو ممسوس في ذات الله . فكيف تنسب إليه هذه النسبة الشائنة وهو في حالة يقطع بأنه لا يمسي . عصمنا الله من العصبية وزلة القدم.

هذا، مع أن أبا الفرج - عليه ما يستحقه - قد صرح بأن أم البنين بقيت بعد أولادها سنة أو أزيد كما سيأتي ، فكيف يرث العباس من إخوته مع وجود أمهم . هذا يدل على عدم علمه بضروريات الفقه ، أو أن الأموية والعصبية عميتا عينيه .

ثم إن منازعة عمر مع ابن عباس في الرائب كف نحو والحال هذه وإن عباس آخر من قتل من إخوته وحاز مراثيهم . وأن عمر بن علي أخو عباس من طرف أمه ، فكيف يجوز منازعته مع وجود ابنه . وهناك اشكالات أخرى تركناها .

والعجب من بعض المؤرخين بل المحدثين ، حيث أنه تبع الأموي وقال ما قال


1) مقاتل الطالبيين ص 55 .

وذكر ما ذكر ولم يتفطن إلى ما في كلامه من الإشكال.

وأعجب من ذلك كله ما عن المجلسي في البحار(1)حيث قال : وهو - أي العباس - أكبر ولدها - يعني أم البنين - وهو آخر من قتل من إخوته لأبيه وأمه ، فحاز مواريثهم ، ثم تقدم فقتل فورثه ولده عبد الله ، ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي فصولح على شي فرضي به .

واعترض عليه لسان المؤرخين بأنه قدس سره قد ذكر قبل أسطر بأن عمر بن علي قد قتل في المبارزة ثم قال ما قال . الجواد قد يكبو والسيف قد ينبو .

نعم ، الجواد قد يكبو والسيف قد ينبو ، فإنه قد ذكر قبل ورقتين من كتابه في تعداد أولاد أمير المؤمنين عليه السلام أن منهم عمر بن علي الأكبر وعمر بن علي الأصغر ، قتل أحدهما بالطف وبقي الآخر ولم يحضر الطف وله قضايا سيأتي ذكرها . عصمنا الله من الزلل . وليس هذا وأمثاله من الاشتباهات إلا من جهة الإستعجال في الاستكتاب وعدم التأمل والتفكر في أطراف القضايا . فتدبر .

وأما قوله عليه السلام «فإنه لا ولد لكم» في رواية أبي مخنف، فالظاهر أنه أراد بذلك أنهم لا تغريهم الدنيا وزينتها من حب النساء والأولاد فيمنعهم ذلك عن فوز الشهادة . وبعبارة أخرى : تقدموا قبلي حتى أراكم قتلى محتسباً عند الله لئلا يقع بعدي حادثة ومانع تمنعكم عن الجهاد والنصرة والشهادة حتى أقتل أنا محتسباً ومطمئناً بشهادتكم قبلي .

فما وقع من الفاضل المعاصر أيده الله حيث قال : يعني بذلك أنكم إن قدمتموني وقتلوكم لم يبق لكم ذرية فيقطع نسل أمير المؤمنين عليه السلام منكم ، فيشتدّ


1) بحار الأنوار 39/45 .

حزني ويعظم أجري . هذا طريق لا ينبغي أن يصدر من مثله .

وأما كيفية شهادة سيدنا العباس روحي له الفداء، على ما استفدناه من الأحاديث والتواريخ والمقاتل(1):

أنه لما لم يبق مع الحسين عليه السلام من أصحابه وأعوانه المبارزين إلا أخوه العباس - وكان آخر من قتل من أصحابه - هجم القوم على الحسين فقربوا من الخيام فحمل عليهم الحسين وبين يديه العباس واللواء بيده حملا على القوم فطردوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم ، فتوجه الحسين عليه السلام نحو الفرات ومعه العباس ، فاعترضه خيل ابن سعد واقتتلوا ساعةً ، وبينما يقاتل الحسين إذ نادى رجل من عسكر ابن سعد وكان من بني ،دارم فقال لهم : ويلكم حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكنوه من الماء . فقال الحسين عليه السلام : اللهم أظمئه . فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه وقيل في جبهته ، فانتزعه الحسين عليه السلام ، وقيل فانتزعه العباس. وبسط الحسين يديه تحت حنکه فامتلأت راحتاه بالدم، فرمی به ثم قال : اللهم إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك . فرجع الحسين إلى مكانه والعباس معه .

ثم جاء العباس إلى أخيه الحسين عليه السلام فاستأذنه للقتال، فاستعبر الحسين وبكى وقال : يا أخي أنت العلامة من عسكري، فإذا قتلت يؤول جمعنا إلى الشتات وعمارتنا تبعث إلى الخراب. فقال العباس : يا سيدي قد ضاق صدري وسئمت من الحياة وأريد أخذ الثار من هؤلاء المنافقين . فقال له الحسين : إذ غدوت إلى الجهاد فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء. وفي رواية : إن عزمت فاستق لنا ماءاً .


1) ما ذكره مؤلفنا تلفيق مما جاء في مناقب آل أبي طالب 117/4 ، اللهوف ص 170 ، مثير الأحزان ص 71 ، إبصار العين ص 43 .

فركب العباس فرسه وأخذ رمحه والقربة في كفه ، وجاء نحو القوم فوعظهم أبلغ موعظة وحذرهم بأبلغ بيان ، فلم يتعظوا وكانوا أربعة آلاف ، فحملوا عليه، فارتجز قائلاً:

لا أرهب الموت إذ الموت رقى *** حتى أُوارى في مصاليت اللق

نفسي لنفس المصطفى الطهر لقا *** ولا أخاف طارقاً إن طَرَقا

بل أضربُ الهام وأفري المرفقا *** إنّي أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشر يوم الملتقى

(بيان): «رقا» بالراء المهملة ، من الرقية بمعنى الصعود والإشراف . وفي بعض النسخ «زقا» بالزاي المعجمة بمعنى الصياح(1).

و«المصاليت» جمع المصلاة ، وهو الرجل السريع(2).

قوله عليه السلام «أغدو بالسقا» كان يخطر ببالي سابقاً أنه قال ذلك مفتخراً بأنه سقاء الحسين وأصحابه وأهل بيته ، وهذا فخر له وأيّ فخر ، مضافاً إلى أنه أخوه ، لأن من بيده السقاية في الدنيا والآخرة في سلطان الحسين في الدارين، يليق له أن يفتخر على الثقلين جميعاً . وهذا معنى دقيق لا يعرفه الأكثر .

وهنا معنى آخر ، وهو الظاهر بحسب الظاهر ، وهو أنه عليه السلام في قوله «أغدو بالسقا» تبههم وأطلعهم على قانون عسكري ، إذ من القوانين الجارية في نظام العسكر - بل في كل حرب ومحاربة سواء كان نظامياً جندياً عسكرياً أو حرباً عشائرياً قومياً من العصر الجاهلي بل من أول وقوع الحرب في الدنيا إلى زمانه عليه السلام ومنه إلى زماننا هذا في جميع الحروب - أن جماعة تستثنى من الضرب والقتل والإيذاء ، لا يعترضونهم


1) مقتل الحسين للأزدي ص 179 ، أنصار الحسين ص 62 .

2) مقتل الحسين للأزدي ص 183 ، لسان العرب 54/2 .

بشئ إذ ليسوا محاربين ، منهم العريف وهو الذي يعرّف الأشخاص من الطرفين ، ومنهم كاتب الوقائع ، ومنهم من جاء للنظر والنظارة ، ومنهم السقاء . فإنهم - خصوصاً السقاء لا يتعرضون لهم بشيء، خصوصاً بعد حمل الماء، وعلى الأخص إذا امتنعوا من الماء وحاز السقاء الماء . فكأنه عليه السلام يذكرهم بأنه ما جاء للحرب بل يقصد السقاية ، وهو معفو عنه عقلاً وقانوناً ، إلا أنهم لم يراعوا قوانين الجاهلية أيضاً.

وهذا نظير قوله عليه السلام «فارجعوا إلى أحسابكم وأسلافكم إن كنتم عُرُباً كما تزعمون» .

فحمل العباس روحي له الفداء عليهم وكشف عنهم وقتل منهم على ما روي ثمانين فارساً حتى دخل الشريعة وملأ القربة ، فلما أراد أن يشرب الماء ذكر عطش الحسين وأصحابه، فرمى الماء ولم يشرب وقال :

یا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنتِ أن تكوني

هذا حسين شاربُ المنونِ *** وتشربين باردَ المعينِ

هيهات ما هذا فعال ديني *** ولا فعال صادق اليقين

فحمل القربة على كتفه وخرج من الشريعة، فاعترضه خيل ابن سعد بأجمعهم ، فحمل عليهم روحى له الفداء وهو يقول مرتجزاً :

أقاتلُ القوم بقلب مهتدي *** أذبُّ عن سبط النبي أحمدِ

أضربكم بالصارم المهند *** حتى أدافع عن قتال سيدي

وبينما يقاتل إذ كمن له زيد بن الورقاء الجهني وعاونه حكيم بن طفيل السنبسي ، فضربه يمينه فقطعه ، وأخذ السيف بشماله وسماله القربة ، وقيل حمل اللواء بشماله ، فحمل عليهم وهو يقول مرتجزاً :

والله إن قطعتُم يميني *** إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبي الطاهر الأمين

نبي صدقٍ جائياً بالدين *** مصدقاً بالواحد الأمين

فقاتل حتى ضعف عن القتال ، فكمن له حكيم بن طفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله فقطعه من ساعده ، فقال:

يا نفسُ لا تخشي من الكفار *** وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار *** ألا ترون معشر الفجار

قد قطعوا ببغيهم يساري *** فاضلهم يا ربّ حر النار

فحمل عليه رجل من أبناء أبان بن دارم، فضربه بعمود على رأسه ففلق هامته ، وجاءه سهم فأصاب القربة وأريق ماؤها ، ثم جاءه سهم آخر فوقع على صدره وقيل على عينه ، وخرّ صريعاً على الأرض وهو ينادي : يا أباعبدالله عليك مني السلام ، ونادى بأعلى صوته : يا أخاه أدرك أخاك .

قيل : وساق الريح صوته إلى مسامع الحسين عليه السلام، فجاءه كالصقر المنقضّ على فريسته، فرآه مقطوع الیدین مرضوض الجبين مشكوك العين، فوقف عليه منحنياً وجلس عند رأسه يبكي وهو يقول: الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي . وفي رواية : وانقطع رجائي وشمت بي عدوّي. وأراد أن يحمله إلى الخيم فلم يتمكن أو لم يمكن .

وفي رواية : لما جاء الحسين إليه رأى القوم أحاطوا به، هذا يضربه بالسيف، وهذا يضربه بالسنان، وهذا يطعنه بالرمح، فحمل عليهم وكشف عنهم وهم يفرون عنه فرار الذئب من الأسد، وهو يقول : أين تفرون وقد قتلتم أخي ، أين تفرون وقد قتلتم عضدي.

وفي المناقب(1): ثم أنشأ عليه السلام يقول :

تعديتم يا شر قومٍ ببغيكم(2)*** وخالفتم دين النبي محمد

أما كان خيرُ الرُّسُل وصاكم بنا *** أما نحن من نسل النبي المسدَّدِ

أما كانت الزهرا أمي دونكم *** أما كان من خير البرية أحمد

لعنتم وأُخزيتم بما قد جئيتم *** فسوف تلاقوا حرّ نارِ تُوقَدِ

وقد ذكر رثاء أم البنين عند ترجمتها في قسم ترجمة النساء.

(تتمة)

يعجبني نقل ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين قدس سره في أربعينه عند ذكر حديث الثمالي عن السجاد عليه السلام وإبدال يدي العباس وجعفر بالأجنحة وأنهما يطيران مع الملائكة ، قال :

ما ذكر في هذا الجزء من إبدال يدي العباس بالجناحين مما دلّ على تجسم الأعمال وأن لكل عمل صورة برزخية تناسبه، فلما كان اليد في الإنسان آلة للقدرة والأخذ كان قطعهما موجباً للعجز ، والعجز في هذه النشأة طلباً لمرضاة الله تعالى والجهاد في سبيله صار سبباً للقدرة التامة في عالم الآخرة، فكان إعطاء الجناحين والطيران مع الملائكة والقدرة على طى عرض الجنة عوضاً عن قطع اليدين.

هذا تجسمه في الجنة الجسمانية، وأما تجسمه في الجنة العالية فالجناحان هما القوة العلمية والعملية اللتين بهما تترقى النفوس وتطير إلى أغصان المعرفة


1) مناقب آل أبي طالب 117/4 .

2) في المصدر «بفعلكم».

والإلتذاذ بصنوف المعارف الربانية والتتغنى بألحان النغمات الشوقية . وهذا المعنى هو المناسب لرفعة مقام العباس وعلوّ شأنه، فإنه كان من الأولياء عارفاً بالله وبكلماته ، وإلى هذه المرتبة الرفيعة أشار بقوله «وإن للعباس منزلةً يغبطه بها جميع الشهداء» . انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه .

عباس الأصغر ابن أمير المؤمنين عليه السلام

قد سبقت في أخيه الأكبر ترجمته إجمالاً ، فلا نعيد الكلام ، ولعلنا نطلع على أبسط من ذلك ونذكره في طيّ ترجمة إخوانه .

قال في التنقيح(1): إن ابن إدريس حكى في مزار السرائر عن حبيب النسابة في كتاب المُنَمَّق بالتشديد : أنه لما ذكر أبناء الحبشيات من قريش ، ذكر من جملتهم العباس بن علي بن أبي طالب ، قال : وهذا خطأمنه وتغفيل وقلة تحصيل . ونقل قبل ذلك عن المفيد أن أم العباس أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة . انتهى .

يحتمل أن يكون هذا خطأ منه قدس سره، وأن العباس الأصغر من أبناء الحبشيات لا الأكبر كما هو الظاهر. فتدبر.

عباس بن جعدة الجدلي

هذا ممن قتل في سبيل الحسين عليه السلام، فحاله حال سليمان وهاني وأشباههما .

قال في التنقيح(2): كان هذا من الشيعة المخلصين في الولاء لأهل البيت عليهم


1) تنقیح المقال 128/2 .

2) تنقيح المقال 125/2 .

السلام ، بايع مسلماً ، وكان يأخذ البيعة للحسين عليه السلام، فلما تخاذل الناس عن مسلم أمر ابن زياد بالقبض عليه وحبسه ، ثم بعد شهادة مسلم أمر بضرب عنقه ، فقتل رضوان الله عليه .

عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي

كان صحابياً ، وكان من مخلصي أمير المؤمنين عليه السلام(1).

قال في الحدائق الوردية : كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو الذي رباه وعلمه القرآن، وهو أحد رواة حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه». وكان ملازماً للحسين من مكة إلى كربلاء ، وقتل بين يديه في الحملة الأولى(2).

وفي المناقب : إنه قاتل فقتل رضوان الله عليه(3).

وعن ابن عقدة(4)قال : حدثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي، عن محمد بن جعفر النميري ، عن علي بن حسن العبدي ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : نشد أمير المؤمنين عليه السلام الناس في الرُّحْبة من سمع النبي صلى الله عليه وآله قال في غدير خم ماقال إلا ما قام ، ولا يقوم إلا من سمع رسول الله يقول . فقام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيوب الأنصاري وأبو عمرة بن عمرو بن محصن وأبوعمرة وأبوزينب وسهل بن حنيف وخزيمة بن ثابت وعبدالله بن ثابت وحبشي بن جنادة السلولي وعبدالله بن عازب والنعمان بن عجلان الأنصاري وأبو فضالة


1) رجال الطوسي ص 50 .

2) أنظر : تنقيح المقال 145/2.

3) مناقب آل أبي طالب 85/4 ، بعنوان «عبدالله بن عبد ربه» .

4) منقول في إبصار العين ص 122.

الأنصاري وعبد الرحمن بن عبدرب الأنصاري، فقالوا : إنا نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ألا إن الله عز وجل ولبي ، وأنا ولي المؤمنين ، ألا فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وأعن من أعانه .

قيل : وذكر في أسد الغابة ذلك(1)، وكرّر في مواضع الذين قاموا من الصحابة .

عبدالرحمن بن عبد الله بن الكدن بن أرحب الهمداني الأرحبي

*عبدالرحمن بن عبد الله بن الكدن بن أرحب بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب بن رومان بن بكير الهمداني الأرحبي

«الأرحبي» بالراء والحاء المهملتين ، نسبة إلى أرحب بطن من هَمْدان(2).

كان عبدالرحمن تابعياً شجاعاً مقداماً ، وهو أحد من مضى من الكوفة لدعوة الحسين عليه السلام إلى الكوفة ومعه قيس بن مشهر الصيداوي ، ومعهم نيف وخمسون صحيفة يدعونه فيها ، كل صحيفة من جماعة . وكان هذا آخر وفادة وفدت من الكوفة إلى مكة ، ودخلوا مكة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.

قال أبو مخنف(3): ولما دعا الحسين عليه السلام وسرح من قبله إلى الكوفة سرح معه قيساً وعبد الرحمن وعمارة بن عبيد السلولي .

ولما خذلوا مسلماً وقتلوه ردّ عبدالرحمن إلى الحسين إلى مكة، فلقيه في الطريق ولازمه إلى كربلاء، فلما كان يوم العاشر ورأى الحال استأذن في القتال فأذن له ، فتقدّم يضرب بسيفه في القوم وهو يرتجز ويقول :


1) أسد الغابة 307/3 ، وفيه نص الحديث برواية ابن عقدة.

2) لسان الميزان 434/7 ، لب اللباب ص 90 .

3) تاريخ الطبري 352/5.

صبراً على الأسياف والأسنة *** صبراً عليها لدخول الجنّة

ولم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي».

عبد الرحمن بن عروة بن الحراق وأخوه عبدالله الغفاريان

في زيارة الناحية المقدسة «السلام على عبد الله وعبدالرحمن ابني عروة الحراق الغفاريين». الموجود في نسخ الزيارة والتراجم والمقاتل «عروة» بالواو . وفي نسخة من رجال الشيخ «عرزة» بالزاي المعجمة(1)، والأول أشهر وأصح.

ذكروا أنهما رضوان الله عليهما كانا من أشراف الكوفة وشجعانهم وذوي الموالاة منهم ، وأبوهما حراق كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، حضر حروبه الثلاثة ، وجاء اهما إلى الحسين بالطف، وكانا معه إلى اشتداد القتال .

وفي التنقيح وغيره(2): أقبلا إليه يوم الطف وسلما عليه وقالا : إنا جئنا لندفع عنك وتقتل بين يديك . فقال عليه السلام : مرحباً بكما ، أدنوا مني . فدنوا وهما يبكيان ، فقال : يابني أخي ما يبكيكما ؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين . فقالا : جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ، نراك أحيط بك ولا نقدر أن ننفعك . فقال : جزاكم الله خيراً يا بني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين . ثم تقدما .

وقد مرّ في سيف بن الحارث وأخيه مالك مثل هذه المحاورة، ويمكن تعدّد الواقعة. وكم له من نظير .


1) رجال الطوسي ص 77.

2) تنقيح المقال 146/2.

وقالا : السلام عليك يا أبا عبدالله . فحملا على القوم يقاتلان قريباً منه ، ويرتجز أحدهما ويتم الآخر فيقولان(1):

قد علمت حقاً بنو غفارِ *** وخِنْدَفَ بعد بني نزار

لنضر بن معشر الفجّارِ *** بكلِّ عَصْبٍ صارمٍ بَتَّار

يا قوم ذودوا عن بني الأطهار(2)*** بالمشرفي والقنا الخطار

فلم يزالا يقاتلان حتى قتلا في المبارزة.

وفي المناقب : إن عبد الرحمن قتل في الحملة الأولى وعبد الله قُتل في المبارزة(3).

عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب

في زيارة الناحية المقدسة «السلام على عبد الرحمن بن عقيل ، ولعن الله قاتليه وراميه عمر بن خالد بن أسد الجهني».

في المناقب وعن الأزدي ان قاتله عثمان بن خالد بن أسْيَر الجهني(4)وبشر بن سوط الهَمْداني ثم القابضي بطن منهم . لعل عثمان تصحيف عمر .

وفي تاريخ الطبري : أخذ المختار رجلين اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب(5). وفي بعض الكتب كانا في الجبانة فضرب عنقهما ثم أحرقها بالنار .

وفي المناقب(6): تقدم عبدالرحمن بن عقيل في جملة آل أبي طالب بعد الأنصار


1) تاريخ الطبري 442/5 .

2) في المصدر «عن بني الأحرار».

3) مناقب آل أبي طالب 122/5 .

4) مناقب آل أبي طالب 115/4 ، تاريخ الطبري 447/5 .

5) تاريخ الطبري 59/6 .

6) مناقب آل أبي طالب 114/4 .

وهو يقول :

أبي عقيل فاعرفوا مكاني *** من هاشم وهاشم إخواني

كهول صدقٍ سادة الأقرانِ *** هذا حسين شائخ البنيان

وسيد الشَّيْبِ مع الشبّانِ

فقاتل حتى قتل سبعة عشر فارساً ، ثم احتوشوه وقتلوه رضوان الله عليه .

عبد الرحمن بن مسعود بن الحجاج التميمي

سيذكر عند ترجمة أبيه مسعود بن الحجاج .

عبد الله بن بشر بن ربيعة بن عمرو الأنماري الخثعمي

*عبد الله بن بشر بن ربيعة بن عمرو بن منارة بن قمير بن عامر بن رائسة بن مالك بن واهب بن جليحة بن كلب بن ربيعة بن عفرس بن خلف بن أقبل بن أنمار الأنماري الخثعمي

كان عبد الله ممن خرج مع عسكر ابن سعد ، ثم صار إلى الحسين عليه السلام في كربلاء قبل الحرب في أيام المهادنة ولازمه حتى استشهد بين يديه في الحملة الأولى قبل الظهر كما عن الحدائق الوردية .

كذا في كتب المقاتل والرجال(1)، إلا أن ما بأيدينا من نسخ الزيارة «زهر بن بشر الخثعمي» بدل عبد الله بن بشر . ولعله اشتباه من النساخ .

عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب

أمه - على ما ذكره أبو الفرج وتبعه غيره - بنت سليل بن عبد الله أخي جرير بن


1) أنظر : تنقيح المقال 170/2 ، إبصار العين ص 133.

عبد الله البجلي - وقيل إن أمه أم ولد . ولكن الأصح ما عن الشيخ كما في التنقيح(1)أن أمه رباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عُليم بن كليب بن وبرة .

قال : إن امرئ القيس وفد إلى المدينة زمن عمر بن الخطاب، فخطب أمير المؤمنين عليه السلام بناته ، فزوجه إحداهن ، وزوج الحسين الأخرى وهي رباب فولدت له سكينة وعبد الله الرضيع ، وزوج الحسن الثالثة فولدت له عبدالله المقتول مع عمه في الطف ، فعبد الله ابن خالة سكينة وعبد الله الرضيع .

وقيل عبد الله والقاسم من أم. وقيل إنه وأحمد من أم كمامر. والأصح أنه والقاسم من أم اسمها نفيلة ، وقيل رملة .

واتفقت كلماتهم أنه لم يراهق ولم يبلغ الحلم ، والمشهور أنه ابن إحدى عشرة سنة . كما أنه اتفقت كلماتهم في كيفية شهادته كأنهم أخذوا ذلك من راءٍ واحد باختلاف يسير في عباراتهم.

قال الشيخ المفيد(2)تغمده الله بغفرانه : ضرب مالك بن النسر الكندي بسيفه الحسين عليه السلام على رأسه بعد أن شتمه ، ألقى الحسين قلنسوته ودعا بخرقة وقلنسوة ، فشدّ رأسه بالخرقة ولبس القلنسوة واعتم عليها ، ورجع عنه شمر ومن كان معه إلى مواضعهم، فمكث هنيئة ثم عاد وعادوا إليه وأحاطوا به ، فخرج عبد الله بن الحسن بن علي من عند النساء وهو غلام لم يراهق ، يشتد حتى وقف و إلى جنب عمه الحسين ، فلحقته زينب بنت علي لتحبسه ، فأبى فقال لها الحسين :


1) رجال الطوسي ص 76 ، تنقیح المقال 187/2.

2) الإرشاد للمفيد 110/2 .

إحبسيه يا أخية، فامتنع عليها امتناعاً شديداً وقال : والله لا أفارق عمي . وأهوى أبجر بن كعب إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام : ويلك يابن الخبيثة أتقتل عمي . فضربه أبجر بالسيف، فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة(1)فإذا هي معلقة ، فنادى الغلام : يا أمتاه ، وفي بعض النسخ «يا عماه» ، وفي الأخرى «يا أبتاه» ، والجميع بالجمع ممكن .

قال الشيخ : فأخذه الحسين وضمه إليه وقال : يابن أخي إصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين [برسول الله وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي]. ثم رفع الحسين يديه إلى السماء وقال : اللهم [أمسك عليهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض] ، فإن متعتهم إلى حين ففرقهم بدداً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا . انتهى(2).

وقال السيد : فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه الحسين عليه السلام(3).

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عبد الله بن حسن بن علي الزكي، لعن الله قاتله و رامیه حرملة بن كاهل الأسدي».

يسيأتي عند ترجمة عند ترجمة الأعداء ذكر أبجر أو بجر بن كليب وترجمة حرملة . فانتظر .


1) أطنّ اليد : قطعها .

2) الزيادات ليست في المصدر.

3) اللهوف ص 173.

(بیان):

«فأطنّها» من أطنّ ساقه من باب الإفعال على ما في القاموس ، أي قطعها . ومن أطنّ الطشت أي صوّتها .

وقوله عليه السلام «إصبر» بصيغة الأمر ، وكذا «احتسب» كما هو الظاهر.

ولكن الأظهر كونه بصيغة المتكلم . ووجهه يظهر بالتأمل.

وهو روحي فداه آخر من قتل معه في الطف .

عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب

ستأتي ترجمته عند ترجمة على بن الحسين مفصلاً إنشاء الله تعالى.

عبدالله بن الحسن الأكبر

ذكروا أن أولاد الحسن عليه السلام عشرون ذكراً، منهم عبدالله الأصغر وعبدالله الأكبر، وممن صرح بذلك لسان المؤرخين .

ولعل ما ذكره أبو الفرج من أن أم عبد الله هي بنت سليل بن عبد الله أخي جرير بن عبدالله البجلي هي أم عبد الله الأكبر . فقد عرفت أن أم عبدالله الأصغر هي رباب بنت امرئ القيس .

وفي البحار : ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولاً . وهو الأصح . أنه برز بعد القاسم وهو يقول :

إن تنكروني فأنا ابن حيدرة *** ضرغام آجام و ليت قسورة

على الأعادي مثل ريح صَرْصَرَة *** أكيلكم بالسيف كيلَ السَّنْدَرَة

فقتل أربعة عشر رجلاً ثم قتله هاني بن ثبيت الحضرمي ، فاسود وجهه.

قال لسان المؤرخين : هذا عبد الله يُلقب بالأكبر ويكنى بأبي بكر ، وهو أكبر من القاسم بسنتين . ذكر في باب الميم ما يوضح هذا المقام . فانتظر .

عبد الله بن علي بن أبي طالب

أمه أم البنين ، وهو أول مقتول من أولادها ، ويكنى بأبي محمد ، وله من العمر حين قتل خمس وعشرون سنة . وقيل تسع عشرة سنة ، وهو اشتباه كما مرّ في جعفر بن علي .

دعاه العباس عليه السلام فقال له : تقدم يا أخي حتى أراك قتيلاً . فتقدم وهو يقول :

أنا ابنُ ذي النَّجْدِةِ والإِفضالِ *** ذاك عليُّ الخير في الأفعالِ

سيفُ رسولِ الله ذو النَّكالِ *** في كلّ يومٍ ظاهر الأهوالِ

فاختلف هو وهاني بن ثبيت الحضرمي ضربتين ، فقتله هائي بضربة على رأسه(1).

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عبدالله بن أمير المؤمنين، مبلى البلاء والمنادي بالولاء في عرصة كربلاء ، المضروب مقبلاً ومدبراً ، لعن الله قاتله هاني ابن ثبيت الحضرمي».

عبد الله بن عمير بن عباس بن عبد قيس الكلبي العليمي

*عبد الله بن عمير بن عباس بن عبد قيس بن عُليم بن جناب الكلبي العليمي، أبو وهب «عمير» كزبير . و «عُليم» مصغراً كعمير ، فخذ من جناب ، وبنو جناب بالجيم كسراب بطن من كلاب ، وهم اليوم معروفون قريب الكوفة بـ«جنابات».


1) أنظر إبصار العين ص 47 .

عده الشيخ(1)تارة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وأخرى من أصحاب الحسين عليه السلام وكلماتهم في ترجمة الرجل متقاربة بل متفقة .

قال الأزدي(2): حدثني أبو جناب وكان كلبياً وقال: كان منا رجل يُدعى عبدالله بن عمير من بني عليم كان قد نزل الكوفة واتخذ عند بئر الجَعْد من هَمْدان داراً وكانت معه امرأة له من النمير بن قاسط يقال لها أم وهب زينب بنت عبد ، فرأى القوم بالنخيلة يُعرَضون ليسر حوا إلى الحسين عليه السلام .

قال : فسأل عنهم ، فقيل يسرحون إلى الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً ، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين .

فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد ، فقالت : أصبت أصاب الله بك وأرشد أمورك ، إفعل وأخرجني معك .

قال : فخرج بها ليلاً حتى أتى حسيناً ليلة الثامن من المحرم ، فأقام معه إلى يوم الطف. فلما دنى عمر بن سعد صبيحة العاشور بعد تصفيف الصفوف ورمى ابن سعد بسهم فارتمى الناس ، خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبیدالله بن زیاد ، فقالا : من يبارز ، ليخرج إلينا بعضكم . فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن خضير الهَمْداني ، فقال لهما الحسين عليه السلام : إجلسا . فقام عبد الله


1) رجال الطوسي ص 54 و 78 ، وفي الموضعين «بن عميرة» .

2) تاريخ الطبري 429/5 .

ابن عمير الكلبي وقال : يا أبا عبد الله إنذن لي فلأخرج إليهما . فرأى الحسين رجلاً آدم طويلاً شديد الساعدين بعيداً ما بين المنكبين ، فقال : إني أحسبه للأقران قتالاً ، أخرج إن شئت .

قال : فخرج إليهما ، فقالا له : من أنت ؟ فانتسب لهما ، فقالا : لا نعرفك . ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن خضير ، ويسار مستنتل(1)أمام سالم ، فقال له الكلبي : يابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك . ثم شدّ عليه فضربه بسيفه حتى برد ومات . فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شدّ علیه سالم ، فصاح به أصحابه : قد رَهِقك العبد(2)ودنا منك . قال : فلم يأبه له ولم يتفطن حتى غشيه فبدره الضربة ، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفيه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله. وأقبل الكلبي إلى الحسين وقد قتلهما .

قال أبو مخنف(3): وحمل عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو على ميمنة الناس في الميمنة ، فلما أن دنى من الحسين فثبتوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم ، فلم يُقدم خيلهم على الرماح، وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة فثبتوا له وطاعنوه وأصحابه، وحمل على الحسين من كل جانب، فقاتل الكلبي فنال ذي لبد وكان في الميسرة وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن كلب *** حسبي بيتي في عُليم حسبي

إني امرؤ ذو مِرَّة وعَصْبِ *** ولستُ بالخوار عند النكب


1) استنتل للأمر : إستعد له .

2) رهقه : عجله و دنامنه وحان .

3) اعلام الورى 462/1 ، بحار الأنوار 20/45 ، البداية والنهاية 197/8.

إني زعيم لكِ أمَّ وَهْبِ *** بالطعن فيهم مقدماً والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب

وقاتل حتى سُدكت(1)ولزمت يمينه على السيف ويساره مقطوعة أصابعها ، فلما نظرت أم وهب إليه وهو بهذه الحالة، أخذت عموداً ثم أقبلت نحو زوجها تقول : فداك أبي وأمي ، قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وآله ، فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه وتقول : إني لن أدعك دون أن أموت معك . فلم يستطع رد امرأته ، لأن عينه سديك ويساره مقطوعة الأصابع ، فناداها الحسين فقال : جزيتم عن أهل البيت خيراً ، إرجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن ، فإنه ليس على النساء قتال ، فانصرفت إليهن .

فاقتتلوا قتالاً شديداً، وحمل هاني بن ثبيت الحضر مي وبكير بن حي التيمي من تيم الله بن ثعلبة فقتلاه .

قال : فلما انجلت الغبرة خرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول : هنيئاً لك الجنة ، أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك . فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام له يُسمى رستم : إضرب رأسها بالعمود . فضرب رأسها فشدخه ، فماتت مكانها .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عبد الله بن عمير الكلبي»(2).

عبد الله بن عروة الغفاري

قد سبق ذكره في ترجمة أخيه عبد الرحمن.


1) سدکت : لزمت ، وذلك لجمود الدم عليها من كثر القتلى .

2) المزار لابن المشهدي ص 493 ، اقبال الأعمال 78/3.

عبدالله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج : وأمه أم ولد . برز وقاتل قتالاً شديداً ، فقتله عثمان بن خالد بن أشيم الجهني ورجل من هَمْدان .

عبدالله الأصغر بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج : وأمه أم ولد . برز وقاتل وقتله عثمان بن خالد بن أشيم الجهني وبشر بن خوط ، فيما ذكره سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم .

وفي التنقيح(1): لا يخفى عليك أن لعقيل ابنين مسميان بعبد الله ، لقب أحدهما بالأكبر والآخر بالأصغر ، قتلا بالطف مع الحسين عليه السلام ، كما نص على ذلك أهل المغازي والسير .

عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج والداودي وغيرهما : إن أمه رقية بنت علي بن أبي طالب ، وأمها أم ولد يقال لها الصهباء أم حبيب الثعلبية بنت عاد بن ربيعة بن يحيى بن أسعد بن علقمة الثعلبية .

وفي عمر الأطراف أنه زوج رقية تبعته في الطف.

وفي بحر اللآلي أنه لما استأذن عبد الله بن مسلم للبراز قال له الحسين : حسبك دم ،مسلم ، أنت في حلّ وأذنت لك وأنك ترجع ولا تلق نفسك في هذه الوقيعة . قال له : يا سيدي بأبي أنت وأمي أرجع وأنت في هذه الحالة وأعيش بعدك ، لا والله لا يكون ذلك . فأذن له الحسين عليه السلام.


1) تنقيح المقال 199/2.

وفي المناقب(1): تقدم عبد الله بن مسلم بن عقيل إلى الحرب ، وحمل على القوم وهو يرتجز ويقول :

اليوم ألقى مسلماً وهو أبي *** وعصبةً بادوا على دين النبي

ليسوا بقومٍ عُرِفوا بالكَذِبِ *** لكن خيار وكرامُ النسب

من هاشم السادات أهل الحَسَبِ

وقاتل حتى قتل ثمانية وعشرين رجلاً في حملات ثلاث ، فقتله عمر بن أصبح الصيداوي وأسد بن مالك أو أسير بن مالك .

وفي البحار(2): لما قتل أصحاب الحسين عليه السلام ولم يبق إلا أهل بيته ، وهم ولد علي وولد جعفر وولد عقيل وولد الحسن وولده ، اجتمعوا يودّع بعضُهم بعضاً وعزموا على الحرب، وأول من برز من أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل وهو يرتجز . إلى آخر ما نقل عن المناقب .

(بیان):

ما ذكره قدس سره من أنه مادام الأصحاب باقياً واحداً منهم لم يبرز من بني هاشم ولم يقتل. هذا مستفاد من الآثار، بل سيجي أن بعد شهادة الأنصار والأصحاب إجتمع بنوهاشم فحملوا بأجمعهم على القوم وطردوهم عن قرب الخيام. وسيجئ أن هذه هي الحملة الثانية أو الثالثة ، وذلك بعد توديع بعضهم بعضاً . وكذا أنه أول من قتل في المبارزة من أولاد عقيل .

وسيأتي أن المراد بقوله في الزيارة «أول قتيل من نسل خير سليل» إما الحسين عليه السلام أو خصوص النبي صلى الله عليه وآله لا مطلق بني هاشم .


1) مناقب آل أبي طالب 254/3 .

2) بحار الأنوار 32/45.

هذا ، إلا أن ما ذكره تبعاً للمناقب وتبعه غيره من غيره . ففيه إشكال ، وهو أن من المتفق عليه أن مسلم بن عقیل رضوان الله عليه يوم قتل كان له من العمر خمس وعشرون سنة على ما ذكره بعضهم أو ثمان وعشرون على ما ذكره الأكثر . وعليه فعبد الله بن مسلم يوم الطف لا يكون عمره أكثر من إثنتي عشرة سنة ، فهو طفل غير مراهق لا يناسبه هذه المبارزة والمقاتلة ، وإن كان مثله من مثله غير بعيد إلا أنه لا يقبله الذوق السليم.

ولقد أجاد في التنقيح بعد نقله عن الشيخ في رجاله(1)قال : عده الشيخ من أصحاب الحسين عليه السلام وقتل معه، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب. قال : لا يخفى عليك أن بعض النسابة ذكروا أن عمر عبد الله هذا كان أربع عشرة سنة حين قتل ، فعدّ الشيخ وغيره إياه للتبرك لا باعتبار كونه راوياً . انتهى .

والأصح ما ذكره أبو الفرج عن حميد بن مسلم وأبي مخنف والشيخ المفيد وابن الأثير في الكامل وغيره(2): أنه رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقیل بسهم ، فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه ، فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمّرها به ، فلم يستطع تحريكها - وفي نسخة تحريكه - ثم انتحى - وفي نسخة أثخن عليه رجل آخر برمحه يقال له زيد بن رقاد الجهني أو الجباني فطعنه بقلبه فقتله.


1) رجال الطوسي ص 76 .

2) تاريخ الطبري 447/5 ، الإرشاد للمفيد 107/2 ، الكامل لابن الأثير 74/4.

الجهني كان يقول : لقد رميتُ فتى منهم بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته - أو وكفه على جبهته - يتقي النبل ، فأثبت كفه بجبهته ، فما استطاع أن يزيل كفه عن جبهته ، وكان ذلك الفتى عبدالله بن مسلم بن عقيل وانه قال حين رميته : اللهم إنهم استقلونا واستذلونا ، اللهم فاقتلهم كما قتلونا . ثم إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله ، وكان يقول : جئته وهو ميت، فنزعت سهمي الذي قتلته من جوفه ، ولم أزل أُنَضْنِضُ الآخر عن جبهته حتى أخذته، وبقي النَّصلُ في جبهته مثبتاً ما قدرت على نزعه ، فسألت عن ذلك الفتى قيل : هو عبد الله بن مسلم بن عقيل .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على القتيل ابن القتيل عبدالله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الله قاتله عامر بن صعصعة ، وقيل أسد بن مالك»(1).

وذكر جمع منهم أبو مخنف والمدائني وأبو الفرج أن ذلك بعد شهادة علي بن الحسين(2).

(بیان):

قوله «انتحى عليه» أي خرج. ذكره في القاموس ، وهو الأصح ، وإن كان انحنى أيضاً صحيحاً .

قوله «استقلونا» من الإقالة لا من القلة ، بمعنى الفسخ ونقض العهد.

قوله «أنضنض» من نضنض : بمعنى التحريك والحركة .

قوله في الزيارة «وقيل» لعل هذا سهواً واشتباهاً من النساخ ، فإن هذا الترديد لا يناسب مقام الإمام عليه السلام ، خصوصاً في مثل المقام . ويؤيده قوله بعد ذلك بلا فاصلة : «السلام على أبي عبد الله بن مسلم بن عقيل لعن الله قاتله وراميه عمرو بن صبيح الصيداوي» على ما بأيدينا من نسخ الزيارة، إذ ليس


1) اقبال الأعمال 76/3 ، المزار لابن المشهدي ص 491 .

2) الإرشاد للمفيد ،107/2 ، مقتل أبو مخنف ص 379.

لأبي عبدالله بن مسلم بن عقيل ذكر في كتب الأنساب والتواريخ والمقاتل والأحاديث ، ولم أر من تعرّض لذلك فيما تتبعت وتصفحت ، وليس ذلك إلا من سهو النساخ، والصواب والله أعلم «السلام على القتيل ابن القتيل عبدالله بن مسلم بن عقيل ، لعن الله قاتله وراميه عمر و بن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك» .

عبد الله بن یزید بن ثليط العبدي البصري

وعبيد الله بن يزيد بن ثليط العبدي البصري، يذكران في ترجمة أبيهما يزيد في باب الياء إنشاء الله تعالى .

عبد الأعلى بن يزيد الكلبي العليمي

كان فارساً شجاعاً قارئاً كوفياً شيعياً . بايع مسلماً وكان يأخذ البيعة للحسين عليه السلام، وخرج مع مسلم بن عقيل في من خرج، فلما تخاذل الناس عن مسلم قبض عليه بشر بن شهاب فسلمه إلى عبيد الله بن زياد فحبسه ثم ضرب

عنقه(1)

قال أبو مخنف : ولما قتل مسلم أحضره عبيد الله بن زياد فسأله عن حاله، فقال : إنما خرجت أنظر ، فطلب منه اليمين فلم يحلف ، فأخرجه إلى جبانة السبيع فقتله رضوان الله عليه(2).

فهذا ممن قتل في وقعة الحسين عليه السلام وفي سبيله .


1) تنقيح المقال 133/3 ، إبصار العين ص 141 .

2) تاريخ الطبري 379/5 ، مع بعض الإختصار.

عبدالله بن يقطر الحميري

رضيع الحسين عليه السلام قتيل الكوفة .

«يَقْطُر» بالياء المثناة المفتوحة والقاف الساكنة والطاء المهملة المضمومة والراء المهملة . كذا ضبطوه ، إلا أن الجزري في الكامل ضبطه بالباء الموحدة(1).

كان الرجل - على ما صرح به عز الدين الجزري في أسد الغابة والعسقلاني في الإصابة - صحابياً ، لأنه ولد مع الحسين عليه السلام في زمن واحد ، لهذا سمي «لدته» بكسر اللام ورضيعه عليه السلام ، لا أنه كان أخو الحسين في الرضاعة ، لأنه عليه السلام كما نطقت به الأخبار وصرح به علماء الفريقين والزيدية لم ير تضع من لبن أحد إلا أمه فاطمة عليها السلام وبإبهام رسول الله صلى الله عليه وآله تارة وبريقه تارة أخرى ، وكذا عبدالله لم يرتضع من ثدي فاطمة عليها السلام.

قالوا : إن يقطر كان خادماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانت زوجته ميمونة في بيت أمير المؤمنين عليه السلام، فولدت عبد الله قبل الحسين بثلاثة أيام. وكانت ميمونة حاضنة للحسين صرح بذلك العسقلاني في باب الميم من كتاب النساء(2)، قال : كانت ميمونة حاضنة للحسين كأم قيس بن ذريح للحسن عليه السلام ، ولم يكن رضع عندها ولكنه سُمي رضيعاً لحضانة أمه له . وأم الفضل بن العباس لبابة كانت مربية للحسين عليه السلام بأمر النبي صلى الله عليه وآله.

قال العلامة في الخلاصة : عبد الله بن يقطر رضيع الحسين عليه السلام، قتل في الكوفة(3).


1) الكامل في التاريخ 42/4 و 93 ، وضبط الاسم فيه «بقطر» بضم الباء .

2) الإصابة 413/4.

3) خلاصة الأقوال ص 192.

وقال في الحدائق الوردية : عبد الله بن يقطر قتل بالكوفة .

وقال أبو على : عبد الله بن يقطر قتل في الكوفة .

وقال عز الدين الجزري في أسد الغابة : عبد الله بن يقطر قتل بالكوفة . ومثله العسقلاني في الإصابة.

وبالجملة، صرح كثير من علماء الفريقين ومؤرخيهم ومحدثيهم وعلماء الأنساب أنه رضي الله عنه قتل في الكوفة . إلا أنه تأمل بعض في ذلك بل نفاه ، وهو اشتباه بعد ذلك الإتفاق بل الإجماع، ينشأ من قلة التدبر أو كثرة الاستعجال في التصنيف .

والذي أوقعهم في الشبهة قضية قيس بن مسهر الصَّيْداوي رسولِ الحسين عليه السلام إلى الكوفة ، فإنهم ذكروا في كيفية شهادته بعين ما ذكروه في عبد الله وأن الحسين لم يكتب في الطريق إلا كتاباً واحداً أرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي ، وأن عبدالله بن يقطر أرسله الحسين مع مسلم فلما رأى مسلم خذلان أهل الكوفة قبل أن يتم عليه ما تم بعث عبد الله بن يقطر إلى الحسين عليه السلام يخبره بالأمر الذي انتهى إليه ، فقبض عليه الحصين بن نمير . صرح بهذا في كشف الغمة ، وكذا عن الطبري(1). وبذلك جمع السيد المعاصر الأمين وفقه الله في مجالسه ، قال في هامشه : وقع اشتباه من بعض المؤرخين بين قضية قيس بن مسهر الصيداوي رسول الحسين إلى اهل الكوفة الذي قبض عليه حصين بن غير وبين قضية عبدالله بن يقطر الذي أرسله مسلم بن عقيل إلى الحسين وقبض أيضاً .

وفيه : مضافاً إلى أنه لم يذكر أحد ممن يُعتمد عليه إرسال الحسين عليه السلام عبدالله بن يقطر مع مسلم . نعم صرحوا بذلك في قيس بن مسهر سهر الصيداوي . إن هذا بعيد جداً مع ملاحظة التاريخ، بل لا يمكن قبوله عادةً ، فإن مسلم بن عقيل قد


1) تاريخ الطبري 4/ 300 ، الكامل في التاريخ 42/4 .

قتل في ثامن ذي الحجة أو تاسعها ، وكان حصين بن نمير رئيس شرطة ابن زياد في الكوفة ، وكان ممن تقابل مع مسلم كما سيجيء ، ولا بد إرسال مسلم عبد الله بن يقطر قبل ذلك ، وحصين بن نمير نزل القادسية في العشرة الأخيرة من ذي الحجة ، والقادسية قريبة من الكوفة بأربعة مراحل أو أقل، وهذا لا يلائم إرسال مسلم عبد الله بن يقطر إلى الحسين قبل المهادنة وقبض حصين إياه في القادسية .

وقال لسان المؤرخين : إن الحسين عليه السلام كتب كتابين أرسل أحدهما مع قيس بن مسهر الصيداوي والآخر مع عبد الله بن يقطر ، وكلاهما إلى الكوفة واحداً بعد واحد ، فقبضا في القادسية .

وهذا أيضاً بعيد لم يصرح به أحد.

والذي أصححه وأعتمد عليه بعد التأمل والنظر في كلماتهم - وهو المصرح به في كلمات المعتبرين - أنه عليه السلام كتب كتاباً إلى أهل الكوفة وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي وكتب كتاباً إلى مسلم بن عقيل بالخصوص وأرسله مع عبدالله بن يقطر .

وقد عرفت من كلام العلامة وغيره أن عبد الله بن يقطر رسول الحسين عليه السلام إلى مسلم بن عقيل ، فسار حتى نزل القادسية ، فاعترضه حصين بن نمير ، فأخذه وأرسله إلى عبيد الله بن زياد، فسأله عن حاله فلم يخبره ، فقال له : إصعد القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأبي . فصعد القصر فلما أشرف على الناس قال : أيها الناس أنا رسول الحسين بن علي بن أبي طالب ابن بنت رسول الله إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي . فأمر عبيد الله بن زياد فألقي من فوق القصر إلى الأرض ، فتكسرت عظامه وبه رمق ، فأتاه عبدالملك بن عمير اللخمي وكان قاضي الكوفة وفقيهها على ما ذكره

العسقلاني في الإصابة فذبحه بمدية . فلما عتب عليه قال : إني أردت أن أريحه.

وقال أبو مخنف والمفيد في الإرشاد والسيد في اللهوف والمجلسي في البحار : لما ورد خبره وخبر مسلم بن عقيل وهاني بن عروة إلى الحسين عليه السلام بزبالة نعاه أصحابه وقال : أما بعد ، فقد أتانا خبر فضيع ، قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا(1).

وسيأتي في ترجمة قيس زيادة بيان وتوضيح لذلك . فانتظر .

عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن ربيعة بن الهمداني

*عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن ربيعة بن هلال بن أنس بن سعد الهمداني له إدراك وشهد صفين مع علي بن أبي طالب(2).

عن أبي مخنف(3)قال : حدثني هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عن عیسی بن یزید ، قال : إن عبد الله بن الحارث كان يأخذ البيعة للحسين بن علي عليه السلام من أهل الكوفة ، فلما خرج مسلم خرج معه عبدالله بن الحارث براية حمراء وعليه ثياب حمر ، فركزها على باب دار عمرو بن حريث وقال : إنما خرجت لأمنع عميراً، وابن الأشعث والقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً . فلما تخاذل الناس عن مسلم أمر عبيد الله بن زياد أن يطلب عبد الله بن الحارث ، فقبض عليه كثير بن شهاب فسلمه إلى عبيد الله بن زياد ، فحبسه مع من حبس . ولما قتل مسلم


1) الإرشاد للمفيد 75/2 ، بحار الأنوار 374/44 .

2) وقعة صفين ص 557 .

3) تاريخ الطبري 381/5 ، مع بعض الاختلاف.

أحضره عبيد الله فسأله : من أنت ؟ فلم يتكلم ، فقال : أنت الذي خرجت براية حمراء وركزتها على باب عمرو بن حريث وبايعت مسلماً وكنت تأخذ البيعة من الناس للحسين ؟ فسكت ، فقال عبيد الله : إنطلقوا به إلى قومه فاضربوا عنقه قال : فانطلقوا به فضربت عنقه رضوان الله عليه .

عبیدالله بن عبد الله بن جعفر الطيار

ذكره أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1)و تبعه غيره ، قال : أمه الحوصاء بنت جعفر من بكر بن وائل ، ذكر ذلك يحيى بن الحسن فيها أخبرني به أحمد بن سعيد عنه أنه قتل مع الحسين عليه السلام بالطف وقتل بعد أخيه محمد ، وهو أخوه من أمه وأبيه .

وفي المناقب(2): وروي أن عبدالله بن عبدالله بن جعفر أخا محمد بن عبدالله قتله بشر بن حويطر القانصي.

وسيأتي زيادة بيان في ترجمة محمد وعون ابني عبد الله بن جعفر .

عبید الله بن علي بن أبي طالب

وفي بعض النسخ عبد الله . وهو غير عبد الله ابن أم العباس. وأم عبيد الله ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن حنظلة .

ذكر الشيخ في الإرشاد أن عبيد الله ابن النهشلية قتل في كربلاء مع أخيه الحسين عليه السلام(3)واعترض عليه في السرائر(4)بأن هذا خطأ محض، لأن


1) مقاتل الطالبيين ص 61 .

2) مناقب آل أبي طالب 254/3 .

3) الإرشاد للمفيد 354/1.

4) السرائر 656/1 .

عبيد الله ابن النهشلية كان في جيش مصعب بن الزبير ومن جملة أصحابه ، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد وقبره هناك ظاهر ، وهذا الخبر متواتر . انتهى .

وقال أبو الفرج(1): عبدالله بن علي ، وأمه ليلى بنت مسعود النهشلية، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد يوم المذار ، وكان صار إلى المختار وسأله أن يدعو إليه ويجعل الأمر له فلم يفعل ، فخرج ولحق بمصعب بن الزبير ، فقُتل في الوقعة وهو لا يُعرف ، انتهى .

ولعل الأمر اشتبه على ابن ادریس بین عبدالله ابن النهشلية وعبيد الله ابن النهشلية كما اشتبه الأمر على الفاضل المعاصر أيده الله ، قال : أبوبكر بن علي بن أبي طالب، اسمه محمد الأصغر أو عبد الله ، وأمه ليلى النهشلية ، قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : أبوبكر بن على بن أبي طالب لم يُعرف اسمه ، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد بن مناة بن تميم. وهذا بعينه نسب عبيدالله على ماذكره بنفسه في عبيد الله بن علي.

وقال مسلم بن قتيبة في كتاب المعارف(2): أبوبكر بن علي ، اسمه عبيد الله أخو محمد بن علي الأصغر ، وأمهما ليلى بنت مسعود النهشلية . قال : وهي التي تزوجها عبد الله بن جعفر ، خلف عليها بعد عمه ، جمع بين زوجة علي بن أبي طالب وابنته زينب ، فولدت له صالحاً وأم أبيها وأم محمد بن عبدالله بن جعفر ، فهم أخوة محمد وأبي بكر المسمى بعبيد الله ، ذكره الدارقطني والحسين بن الحسن في كتاب


1) مقاتل الطالبيين ص 123.

2) المعارف ص 176 .

تاريخ الخميس.

وذكر يحيى بن الحسن أن أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قتل مع أخيه الحسين في الطف.

وفي المناقب(1): فتقدم إلى القتال أبو بكر بن علي واسمه عبيد الله وهو يرتجز ويقول:

شيخي علي ذوالفخارِ الأطولِ *** من هاشم وهاشم لم تَعْدِلِ

وفي نسخة :

من هاشم الصدق الكريم المفضل *** هذا حسين ابن النبيِّ المُرسَلِ

عنه نحامي بالحسام المِصْقَلِ *** تفديه نفسي من أخ مُبَجَّلِ

فلم يزل يقاتل حتى قتله ربيعة بن قيس التميمي ، وقيل زجر بن بدر الجحفي. وذكر المدائني أنه وُجد في ساقية مقتولاً.

وقال أبو الفرج : وذكر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين في الاسناد الذي تقدم أن رجلاً من هَمْدان قتله(2).

وعن روضة الأحباب : أنه قُتِل بعد ما قتل منهم عشرين فارساً .

عبید الله بن عمرو بن عزيز الكندي

كان شجاعاً فارساً شيعياً من أهل الكوفة، شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام مشاهده كلها . وكان يأخذ البيعة من أهل الكوفة للحسين عليه السلام(3).


1) مناقب آل أبي طالب 115/4 .

2) مقاتل الطالبيين ص 56 ، قاموس الرجال 236/11.

3) تنقيح المقال 241/2 .

قال أبو مخنف(1): لما رأى مسلم بن عقيل اجتماع الناس عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على رُبع مَذْحِج وأسد ، وعلى رُبع كندة وربيعة عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي ، فلما تخاذل الناس عن مسلم قبض عليه حصين بن نمير التميمي ، فسلمه إلى عبيد الله بن زياد فحبسه، فلما قتل مسلم بن عقيل أحضره ابن زياد فسأله : ممن أنت ؟ قال : من كندة . قال : أنت صاحب راية كندة وربيعة ؟ قال : نعم . قال : إنطلقوا به : فاضربوا عنقه ، قال : فانطلقوا به فضربت عنقه رضوان الله عليه .

عثمان بن علي بن أبي طالب

أمه فاطمة أم البنين الكلابية، وعمره يوم قتل إحدى وعشرون أو ثلاث وعشرون سنة . وروي عن علي عليه السلام أنه قال : إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون ، وهو يُكنى بأبي عمر .

قالوا : لما قتل عبد الله بن علي دعا العباس عثمان وقال له كما قال لعبيد الله ، فتقدم إلى الحرب بسيفه وهو يرتجز ويقول(2):

إني أنا عثمان ذوالمفاخر *** شيخي على ذو الفعال الظاهر

و ابن عم للنبي الطاهر *** أخي حسين خيرةُ الأخايرِ

وسيد الكبار والأصاغر *** بعد الرسول والوصي الناصر

فحمل وقاتل، واعترضه خولى بن يزيد الأصبحي فرماه بسهم فأرهقه حتى سقط الجنبه ، فجاء رجل من بني دارم فقتله واحتز رأسه وجاء برأسه(3).


1) تاريخ الطبري 369/5، وفيه بعض ما ذكر هنا .

2) بحار الأنوار 37/45، كتاب الفتوح 113/5.

3) مناقب آل أبي طالب 255/3 . بحار الأنوار 37/45.

(بیان) :

«أَرْهَقَه» أي أضعفه وأثخنه بالجراحة وصرعه صرعة لا يقوم معها .

وماذكروه في جعفر وعبد الله وعثمان من قتلهم بالمبارزة لا ينافي ما قدمناه عن الدينوري أنهم أقاموا بأمر العباس صبيحة العاشور حول الحسين عليه السلام يتقونه عن السهام والنبال بنفسهم رضوان الله عليهم .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على عثمان بن أمير المؤمنين سمي عثمان بن مظعون، لعن الله قاتله وراميه بالسهم خولي بن يزيد الأصبحي الأيادي والأمالي الدارمي».

وستأتي ترجمتها في محله إنشاء الله تعالى.

عقبة بن الصلت بن مالك الجهني

«جُهَن» من منازل حول المدينة .

صحابي ، قال في التنقيح : له رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله(1).

قال صاحب الحدائق الوردية : كان عقبة بن الصلت من تبع الحسين بن علي عليهما السلام من منازل جهينة ، ولازمه حتى نزل زبالة ، فلما أتاه خبر مسلم بن عقيل وهاني بن عروة إنفض الأعراب من حوله ولم ينفض عقبة في من انفض ، وكان معه حتى أتى كربلاء، فلما كان يوم الطف ونشب القتال تقدم بين يدي الحسين عليه السلام ، وقاتل حتى قتل مبارزة . وقيل : قُتل في الحملة الأولى.

(بیان):

الرواية المشار إليها على ما في الإصابة(2): أخرج من طريق عبد الحميد بن


1) تنقيح المقال 254/2 .

2) الإصابة 491/2 ، وفيه : عقبة بن مالك الجهني .

بهرام ، عن شَهْر بن حَوْشَب قال : سمعت رجلاً يقول : سمعت عقبة بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما من رجل يموت حين يموت وفي قلبه حبة خردل من كبر فيحل له الجنة يريح ريحها .

علي بن الحر بن يزيد الرياحي

ذكر المؤرخون أن اسمه علي بن الحر كما عن شرح الشافية وغيره، إلا أن المحكي عن الجوهر الثمين تأليف حسين بن على البغدادي ألفه سنة 1019 أن اسمه بكير كزبير .

قالوا : لما أراد الحر أن يرجع إلى الحسين عليه السلام تائباً ، قال لولده علي أو بكير : يا بني لا صبر لي على النار ، فسر بنا إلى الحسين لننصره ونقاتل بين يديه لعل الله تعالى يرزقنا الشهادة التي لا انقطاع لها . فسار مع ولده إلى الحسين عليه السلام - على ما مرّ في ترجمته - حتى تشرفا بخدمته ونزلا عنده، قال الحسين للحر : من هذا ؟ قال : سيدي هذا ولدي . فقال عليه السلام: جزاكم الله عنى خيراً .

فلما استأذن الحر للقتال قال لولده : إحمل على القوم بارك الله فيك ، فإني في أثرا ك. فدنا علي من الحسين عليه السلام وقبل يده ورجليه وودعه وبرز بين الصفين ، فقال الحر : الحمد لله الذي يا بني طهرنا من القوم الظالمين . فحمل وقاتل قتالاً شديداً حتى قتل - على ما في شرح الشافية - أربعة وعشرين فارساً. وفي رواية أبي مخنف سبعين فارساً .

قيل : ورجع إلى أبيه وقال : هل من شربة ماء أتقوى بها على أعداء الله وأعداء رسوله . فقال : يا بني إصبر قليلاً وارجع فقاتل . ورجع إلى القوم فقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً فقتل رضوان الله عليه .

فلما نظر الحر إليه قتيلاً قال : الحمد لله الذي منّ عليك بالشهادة بين يدي إمامك . ثم حمل الحر بعد أن استأذن كما مر .

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

إعلم أنه قد كثر القيل والقال واضطربت كلمات الأصحاب في علم الرجال والأنساب ، بل في كتب السير والتواريخ والمغازي والمقاتل ، بل في كتب الفقه أن المقتول بالطف مبارزةً هل هو علي الأكبر أو الأوسط أو الأصغر ، وليس النزاع فقط في النسبة والتوصيف كما قد يترائى في بادئ النظر ، بل النزاع في أن المقتول بالطف هل هو الأكبر سناً من الامام السجاد زين العابدين عليه السلام أو هو الأكبر سناً من المقتول بالطف مبارزة، بعد الاتفاق على أن الامام السجاد أمه شهربانويه وأم المقتول ليلى بنت مرة . ويجي الاختلاف في أمهما أيضاً.

ولابد للتحقيق في ذلك من تقديم مقدمة يتبين فيها منشأ الاختلاف والاشتباه ، فنقول :

كنتُ سابقاً من قديم الأيام أتفكر بل أتحير في الإختلاف الواقع في مواليد الأئمة الإثني عشر إلا ما ندر ووفياتهم وأزواجهم وعدد أولادهم وكيفية شهادتهم، وأن زوجاتهم هل تزوجن بعد هم أولا ، وهكذا في بعض ما يخصهم. وكلما تأملت في ذلك زاد تحيري ، وربما أسكن نفسي ببعض الوجوه وأعتمد على بعض الإحتمالات.

وبالجملة ، لا تطمئن نفسي بشي منها حتى هداني الله إلى ذلك بعد ما تأملتُ في كتب الزيدية وتواريخهم وتصفحت أخبار بني الحسن وتواريخهم وقضاياهم، وجدت أن الزيدية بل وبني الحسن مدعون على ذكر أمور في كتبهم وجعل

أكاذيب في تواريخهم بالنسبة إلى أئمتنا الإثني عشر في مواليدهم ووفياتهم وغير ذلك مما مر ، يريدون بذلك ترويج مذهبهم والنقص في مذهبنا بأي وجه حصل ، وكان النفوذ والسيطرة والسلطنة معهم في ذلك العصر، ويعاضدهم ويعاونهم أمراء عهدهم وملوكهم عداوة لنا ونقصاً علينا ، ولم يكن في ذلك العصر نفوذ لنا في الدولة ولا اقتدار، ففعلوا ما فعلوا وذكروا ما ذكروا وكتبوا ماكتبوا، وليس مخالفونا في ذلك العامة فقط في هذه الأمور المذكورة.

هذا ابن حجر وأضرابه مع شدة عداوتهم وبغضهم ونصبهم مافعلوا في ذلك مثل ما فعل الزيدية ، وإنما كان همّ العامة وشغلهم في أصل الولاية والإمامة . وهذا ظاهر لمن نظر في كتبهم وتواريخهم وتأمل في مقاصدهم .

وأما أصحابنا الامامية وفقهاؤنا فقد أتعبوا أنفسهم وبذلوا جهدهم في الأحكام وتنقيح المسائل وتشييد أصول الدين وتمييز الرواة وأصحاب الحديث والأحاديث، حتى أتقن ببركاتهم أصول الدين، وميز أحكامنا عن أحكامهم وفقهنا عن فقههم وأحاديثنا عن أحاديثهم ورواتنا عن رواتهم وأصحابنا عن أصحابهم وحملة علمنا عن حملة علمهم ، ولم يهتموا بالمواليد والوفيات وأمثال ذلك ، بل أحالوا ذلك إلى رواة الأحاديث وأقوال علمائنا وأصحابنا الإمامية ، بل كان ذلك قبل زمن الشيخ بل في زمن الشيخ قدس سره أيضاً - معلوماً مبرهناً ، وبعد زمن الشيخ والمفيد بل السيدين دخلت كتبهم في كتبنا وأقوالهم في أقوالنا واعتمدوا بما ذكروه وتبعهم من بعدهم إلى عصرنا هذا ، فربما يذكر قولهم بدون تسمية القائل ، بل اعتمد بكلامهم بدون ذكر المتكلم غفلةً عما ذكرنا ، فصار ما صار .

ولعل الله يوفقني في توضيح هذا المقام وتبيينه بكتابة رسالة مفردة، ولنقتصر هنا بذكر كلام لأبي الفرج الأموي الزيدي ينبئى عن حقده وشدة بغضه

وكلام عن الأزدي الحسني :

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1): وعلي بن الحسين وهو الأكبر ولا عقب له ، ويكنى أبا الحسن، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وأمها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية وتكنى أم شيبة ، وأمها بنت أبي العاص بن أمية ، وهو أول من قتل في الواقعة ، وإياه عنى معاوية في الخبر الذي حدثني به حدثنا محمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : قال معاوية : من أحق الناس بهذا الأمر ؟ قالوا : أنت . قال : لا ، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي ، جده رسول الله ، وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف .

وقال يحيى بن الحسن العلوي وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد ، وأن الذي أمه ليلى هو جدهم . حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنه.

وحدثني أحمد بن سعيد ، عن يحيى، عن عبيد الله بن حمزة ، عن الحجاج بن المعتمر الهلالي، عن أبي عبيدة وخلف الأحمر : أن هذه الأبيات قيلت في علي بن الحسين الأكبر :

لم تَرَ عين نظرت مثله *** من محتف يمشي ومن ناعلِ

یغلی نئي اللحم حتى إذا *** أنضج لم يُغل على الآكل

كان إذا شبّت له ناره *** يوقدها بالشرف القابل

كيما يراها بائس مرمل *** أو فرد حي ليس بالآهلِ

أعنى ابن ليلى ذا السدى والنَّدى *** أعني ابن بنت الحسب الفاضل


1) مقاتل الطالبيين ص 86.

لا يُؤثر الدنيا على دينه *** ولا يبيع الحق بالباطل

وولد علي بن الحسين في خلافة عثمان ، وقد روى عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام وعن عائشة أحاديث كرهتُ ذكرها في هذا الموضع لأنها ليست من جنس ما قصدت له . انتهى .

أنظر كيف صرح أولاً بأن أمه ليلى ، ثم نسب إلى أصحابهم الطالبيين أن أمه أم ولد وأن الذي أمه ليلى جدهم. وهذا خلاف ما اتفقت عليه كلمة المؤرخين والنسابة وأهل المغازي والسير والمقاتل وأصحاب الرجال من الفريقين ، بل كلُّ من تعرض لذكره . بل أجمعوا من غير خلاف يُذكر أن أمه ليلى بنت أبي مرة .

ثم إن قوله «انه الأكبر» يلازمه أن علياً السجاد هو الأصغر أو الأوسط، وسيأتي بطلانه عن قرب.

وقوله «وهو أول من قتل في الواقعة» ظاهره قبل جميع المقتولين والمستشهدين، وقد تبعه بعض من لا دراية له وصرح بذلك . وهو غريب جداً بل باطل، لما صرح به هو أن أول المقتولين غيره كما مرّ - وصرح هو بعد أسطر أن علياً أول المقتولين من الطالبيين ، وفي موضع آخر أنه أول المقتولين من الهاشميين . وقد سبق وسيجي أن أول المقتولين من الطالبيين والهاشميين عبد الله بن مسلم بن عقيل كما في البحار وغيره. ويأتي زيادة توضيح في ذلك إنشاء الله تعالى .

ثم إن قوله «وُلد في زمن عثمان» فيه ما سيأتي أن الذي ولد في زمن عثمان أو في خلافة جده علي بن أبي طالب وكان عمره يوم الطف ثلاثة وثلاثون أو ثمانية وعشرون سنة هو السجاد عليه السلام لا المقتول .

وأعجب ما قال «قد روى عن جده علي بن أبي طالب وعن عائشة أحاديث»، وهذا كذب جداً وخطأ محض ، سواء كان علي هذا هو المقتول أو

السجاد عليه السلام :

أما رواية على المقتول عن جده فلم نجد في كتبنا لها عين ولا أثر ، ولم يذكره أحد من رواتنا ومحدثينا ، ولم يذكر أحد من أصحاب الرجال أنه من الرواة . وكذا في كتب المخالفين، فإننا كلما تتبعنا وتصفحنا لم نجد شيئاً يوهم ذلك .

وأبعد من ذلك لو كان علي هذا هو السجاد عليه السلام ، فإن رواياته عن جده علي عليه السلام موجودة في كتبنا ، إلا أنها مع الواسطة لا بلا واسطة .

عائشة وأما روايته عن فهي مخالفة لمذهبنا ، كيف يكون علي المقتول أو السجاد راويان عن عائشة مع أن أكثر روايتها مجعولة ، ونعم ما قيل :

حفظت أربعين ألف حديث *** و من الذكر آية تنساها

وقد تصفحنا وتتبعنا فلم نجد في كتب العامة ولا الخاصة رواية رواها علي بن الحسين عن عائشة ، ولم يكن علي بن الحسين معدوداً في رواتهم، ولم يذكروه في جملة أحاديثهم ورجالهم في كتبهم . كيف يذكرونه وهم يردّون رواية يكون في طريقها أحد الشيعة ويرمونه بالرفض ويتركون روايته مع أنهم يروون عن أبي هريرة وأنس وأمثالهما عن عائشة ، بل ما روته عائشة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ألف ومائتي رواية ولم يرووا عن أم سلمة إلا اثنتي عشرة رواية وعن سيدتنا الزهراء روايتين .

هذا كله لو كان هو المقتول لكان عمره يوم الطف ثلاثاً وثلاثين سنة على ما صرح هو به ، وكان عمره يوم قتل جده ثلاث عشرة سنة . كيف يتحمل الحديث وهو غير بالغ على أصولهم. إلا أن يقال : إن البلوغ شرط في الأداء لا في التحمل ، أو ليس بشرط مطلقاً . فتأمل .

وليت شعري ، ما دعى الأموي إلى هذه الخرافات والمجعولات التي ذكرها في

الأغاني ومقاتل الطالبيين، يعرف ذلك من نظر فيها وتأمل وتدبر ، وليس ذلك إلا من الحقد الأموي والعصبية الزيدية ، وما نقول في حقه إلا ما قاله الصادق عليه السلام «لعن الله بني أمية قاطبةً» .

وأما ما ذكره الداودي - وهو جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين- في كتابه

«عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب» الذي اعتمد عليه جلّ من تأخر عنه ، قال في ترجمة علي بن الحسين ما لفظه: وعقبه - أي عقب الحسين عليه السلام - من ابنه علي زين العابدين ، وقد اختلف في أمه ، فالمشهور أن أمه شاه زنان بنت کسری یزدجرد بن شہریار بن ابرویز ، وقيل اسمها شهربانويه أسرت في فتح المدائن صفلها عمر بن الخطاب من الحسين فأولدها على بن الحسين .

إلى أن قال : وقد منع من هذا كثير من النسابين والمؤرخين وقالوا : إن بنتي یزدجرد كانتا معه حين ذهب إلى خراسان . وقيل : إن أم زين العابدين من أم ولد ، وقد أغنى الله تعالى علي بن الحسين بما جعل له من ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله عن ولادة يزدجرد بن شهريار المجوسي المولود من غير عقد على ما جاءت به التواريخ، والعرب لا تعدّ للعجم فضيلة وإن كانوا ملوكاً ، ولو تمسكوا بالملك فضيلة لوجب أن يفضلوا العجم على العرب وفضلوا قحطان على عدنان ، ولكن ليس ذلك عندهم شيئاً يعتد به .

وقد لهج بعض العوام وكثير من بني الحسين بهذه النسبة وقالوا : جمع علي بن الحسين بين النبوة والملك ، وليس ذلك بشيء ولو ثبت على ما عرفته .

ثم إن فاطمة بنت الحسين أم أولاد الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهي فيما قالوا من أم علي زين العابدين ، فإن كانت ولادة كسرى فضيلة فقد حصلت لأولاد الحسن أيضاً . على أن الحسن عليه السلام

كان إماماً على أخيه الحسين عليه السلام يجب عليه طاعته ولم يكن الحسين إماماً على الحسن، وهي الفضيلة التي يلتجيء إليها بنو الحسن إن عورضوا بتلك الولادة وغيرها مما يقوله الإمامية . انتهى .

أنظر إلى الرجل كيف دعته العصبية إلى مخالفة ما عليه جمهور المؤرخين والنسابة والفقهاء من الإمامية وعلماء الرجال ، بل قاطبة علماء الفريقين من أن أم الامام علي بن الحسين عليه السلام شاه زنان بنت یزدجرد.

ثم بعد التنزل لهج بما لا يليق لعاقل فضلاً عن فاضل فضلاً عن مؤرخ ، فكأنه نسي أو أعمي بصره بما تواتر أو قريباً من التواتر أن لكل قوم نكاحاً ، ولا يدري ولا يشعر أن فتح هذا الباب إلى ماذا ينتهي . ثم لا يملك نفسه إلا أن دعاه إلى قصد العربية والعجمية وقال ما قال، وكأنه نسي ما تواتر أيضاً أن لا عز إلا في الإسلام وأن الاسلام يجب أعاذنا الله من شرور أنفسنا .

والعجب من بعض أصحابنا كيف يعتمدون على أقوال من كان حاله هذا ، وكيف يثقون ويعملون بما تفردوا به . والله الحاكم وهو خير الحاكمين . وليس هذا أول قارورة كُسرت في الاسلام .

وقد كنت سابقاً ذات يوم في مجلس بعض الخطباء وهو على المنبر يذكر فضائل علي بن الحسين السجاد عليه السلام ، ولقد أجاد في كلامه إلى أن قال : هذا كله إلا أن أمه عجمية ، فقام بعض الناس من مجلسه واعتزله الناس واعترض عليه العلماء، فكان مخذولاً إلى أن مات غفر الله له .

وأما قيد «الأكبر» و «الأوسط» و «الأصغر» في السجاد والمقتول والرضيع ليس له في الروايات والقضايا والحوادث الواقعة وما ينسب إليهم من زمن أمير المؤمنين إلى يوم الطف ومنه إلى يوم وفاة السجاد ومنه إلى أزمنة بعده عين

ولا أثر ، ولم ترد رواية في السجاد ولا من السجاد في مدة عمره مقيّدة بقيد الأصغر ولا الأكبر ، وإنما قيد بأبي الحسن أو السجاد أو زين العابدين وغير ذلك من ألقابه .

وكذا في علي المقتول في كربلاء من يوم ولادته إلى شهادته ، وكل ما جرى عليه لا يقيَّد بقيد الأكبر أو الأوسط أو الأصغر .

وكذا في علي الرضيع ، فكلما ورد فيه علي الرضيع أو عبد الله الرضيع ، لم يقيَّد بالأصغر مع أنه الأصغر قطعاً .

وإنما حدثت هذه القيود عند المؤرخين والمصنفين اجتهاداً منهم أو للتميز بحسب اجتهادهم، فقد يقيَّد السجاد بالأصغر لأنه ولد في زمن جده وهو الأصغر بالنسبة إليه ، وقد يقيَّد بالأكبر لأنه أكبر من علي المقتول ، وقد يقيَّد بالأوسط لأنه الأوسط بينهما .

قال في المناقب(1): علي بن الحسين الأكبر ، كان له من العمر ثمانية عشر سنة ، قتل في الطف.

وقد عرفت ما ذكره الأموي .

ومن نظر في التواريخ والمقاتل وتأمل يظهر له صدق ما ذكرناه .

وفي حديث العنب الذي ذكره في مدينة المعاجز عن أبي محمد عبد الله بن محمد(2).

وفي ضياء العالمين للشيخ الزكي المحدث محمد بن باقر الغروي، عن زُفّر بن يحيى، عن كثير بن شاذان قال : شهدت الحسين عليه السلام وقد اشتهى علي ابنه عنباً . هكذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها علي المقتول، وفي بعضها علي الأكبر المقتول ، وليس هذا الإختلاف إلا باجتهاد من المؤلف أو الناسخ . قال : اشتهى ابنه عنباً في غير أوانه ، فضرب بيده إلى سارية المسجد فأخرج منه عنباً وموزاً


1) مناقب آل أبي طالب 257/3.

2) مدينة المعاجز 452/3 ، نوادر المعجزات ص 108 ، دلائل الامامة ص 183.

فأطعمه ، وقال : ما عند الله لأوليائه أكثر . أو أكبر في نسخة .

وكذا إتفق المؤرخون والمحدثون أن ما وقع في قصر بني مقاتل من حديث الخفقة إنما هو ابنه علي من غير قيد . وحمله المؤرخون باجتهادهم على المقتول روحي له الفداء ، قالوا :

عن أبي مخنف(1)عن عُقبة بن سمعان قال : لما ارتحلنا عن قصر بني مقاتل وسرنا ساعةً خفق الحسين عليه السلام برأسه خَفْقةً ، ثم انتبه وهو يقول «إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين»، ثم كررها مرتين أو ثلاثاً ، فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين على فرس له ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين ، يا أبتِ جعلت فداك مم استرجعت وحمدت الله ؟ قال : يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعنّ لي فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نُعيت إلينا . قال له : يا أبتِ لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد . قال : يا أبتِ إذاً لا نبالي نموت محقين . قال : جزاك الله من ولد خير ما جزى الله ولداً عن والده.

وكذا نُقل عن الطبري وغيره، من دون تقييد، حمله المتأخرون على علي المقتول بالقرائن .

وكذا ما مرّ في ترجمة الحر بن يزيد الرياحي أنه رآه علي بن الحسين قيل هو المقتول، وهو بعيد وحملنا على السجاد عليه السلام بالقرائن كما سبق ذلك في محله .

وبالجملة ، في جلّ الموارد التي ورد فيها ذكر علي بلا قيد حملوه على أحدهما بالقرينة .


1) تاريخ الطبري 407/5.

نعم ، قال الأموي في مقاتل الطالبيين(1): ثم دعا يزيد بعلي بن الحسين فقال : ما اسمك ؟ فقال : علي . قال : أو ليس الله قتل علياً . قال : قد كان لي أخ أكبر مني يُسمى علياً فقتلوه - إلى آخر ما سيأتي في محله .

وفيه : أن أبا الفرج لم يذكر ورود السبايا في مجلس ابن زياد لعنه الله ، وذكر كلَّ ما ذكره المؤرخون والمحدثون مما جرى عليهم في ذلك المجلس ذكره في مجلس يزيد، والمكالمة مع علي بن الحسين كانت في مجلس ابن زياد باتفاقهم ، وأنه عليه السلام قال «كان لي أخ يُسمى علياً فقتلوه» من غير تقييد بالأكبر أو بأكبر مني ، وإنما وقع القيد منه بناءاً على رغبته .

كذا ما بأيدينا من كتب المقاتل والتواريخ والحديث، وقد اجتمع عندي في ساعة التحرير قريباً من خمسين كتاباً ، اتفقت كلُّها أنه عليه السلام قال في مجلس ابن زياد «كان لي أخ يُسمى علياً» من غير تقييد .

وسيأتي عن قريب ما رواه في الوسائل وغيره في باب نكاح الأشراف: قال السجاد للرجل الكوفي «علي المقتول عندكم» من غير تقييد بالأكبر أو الأصغر .

وكيف كان ، فالمشهور عند العامة والخاصة والعوام والخواص في زمننا هذا بل في الأزمنة القديمة إلى قريب زمانهم عليهم السلام أن المقتول هو علي الأكبر والرضيع هو علي الأصغر . ولا يهمنا ذلك ، إنما المهم أن المقتول هو الأكبر سناً كما عن الأموي وتبعه غيره، حتى أن الفحل ابن إدريس في السرائر(2)قد أصر وألح وأكثر القول بأن السجاد عليه السلام أكبر سناً والمقتول أقل سناً كما عن الشيخ وتبعه غيره ، وهو الحق .

وهذا الخلاف بعد اتفاقهم على أن أم السجاد عليه السلام شاه زنان بنت كسرى وأم


1) مقاتل الطالبيين ص 80 .

2) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 654/1 - 655 .

المقتول ليلى بنت أبي مرة الثقفى ، وغاية ما استدل به الأولون ثلاثة أمور :

(الأول) تصريح الأكثر بأن الأكبر هو المقتول. والظاهر أنه أكبر أولاد الحسين عليه السلام. وقد عرفت ما فيه ، مع أنه معارض بتصريح جمع بأنه الأوسط أو الأصغر.

(الثاني) الأبيات التي وردت في مدح المقتول «لم تر عين نظرت مثله» إلى آخرها ، وهي تدل على أن الممدوح حين المدح معدود من الرجال ، ويؤيده مدح معاوية بما مرّ . ويرده أن المقتول له من العمر ثمان عشرة أو تسع عشرة سنة، ويليق به مع ظهور كمالاته في مدة عمره أن يُمدح بهذا المدح بل أزيد وأكثر كما لا يخفى.

(الثالث) ما اعتمد عليه الفحل في السرائر وتبعه غيره حتى المعاصر أيده الله وغيره ممن عاصرناه من شارح الزيارة بالشرح المسمى بشرح الصدور :

قال في السرائر في خاتمة كتاب الحج : فإذا كانت الزيارة لأبي عبد الله الحسين عليه السلام يُزار ولده علي الأكبر ، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وهو أول قتيل في الوقعة من يوم الطف من آل أبي طالب، وولد علي بن الحسين هذا في إمارة عثمان ، وقد روى عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد مدحه الشعراء ، وروي عن أبي عبيدة وخلف الأحمر أن هذه الأبيات قيلت في علي بن الحسين الأكبر المقتول بكربلاء «لم ترعين» إلى آخرها. وقد ذهب شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد إلى أن المقتول بالطف هو علي الأصغر ، وهو ابن الثقفية ، وأن علي الأكبر هو زين العابدين ، أمه أم ولد ، وهي شاه زنان بنت کسری يزدجرد .

قال محمد بن إدريس : والأولى الرجوع إلى أهل هذه الصناعة ، وهم النسابون أصحاب السير والتواريخ، مثل الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش

وأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين والبلاذري والمزني وصاحب كتاب لباب أخبار الخلفاء، والعمري النسابة حقق ذلك في كتاب المجدي، فإنه قال : وزعم من لا بصيرة له أن علياً الأصغر هو المقتول بالطف ، وهذا خطأ ووهم ، وإلى هذا ذهب صاحب كتاب الزواجر والمواعظ وابن قتيبة في المعارف وابن جرير الطبري المحقق لهذا الشأن . وعدّ جماعة ثم قال : وهؤلاء جميعاً أطبقوا على هذا القول ، وهو أن المقتول هو علي الأكبر.

إلى أن قال : قال محمد بن إدريس : نعم ما قال أبو عبيد ، لأن أهل كل فن أعلم بفنهم من غيرهم وأبصر وأضبط . إلى آخر ما قال(1).

وفيه مع ما في كلامه من مواقع نظر يُعرف ما مر : أنهم إنما صرحوا أن المقتول هو علي الأكبر ولم يحدّدوا عمره ، وأنه ابن ثلاثين سنة أو أكثر أو أقل، إلا الأموي وقد عرفت ما فيه .

نعم ، نحن نقول كما قالوا : إن المقتول هو علي الأكبر ، إلا أن سني عمره يوم قتل ثمان عشرة سنة أو تسع عشرة ، كما صرح بذلك ابن شهر اشوب في المناقب ، قال : إن المقتول هو علي الأكبر وعمره تسع عشرة سنة . فلا تنافي بين ما ذكروه وما ذكرنا ولا تعارض .

والعجب من الذين تأخروا عن السرائر كيف ركنوا إلى هذا القول ، وليس هذا إلا من باب التقليد من دون نظر وتأمل.

لنا على ما اخترناه وجوه :

(الأول) تصريح شيخنا المفيد وابن شهر آشوب وغيرهم ممن يُركن إلى


1) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 654/1 - 656 .

أقوالهم ويُعتمد على كتبهم الذين جمعوا بين الفقه والنسب والتاريخ ، بل في كل علم لهم قدم راسخ ، خصوصاً في أمثال المقام، فإنهم صرحوا بأن المقتول في الطف عمره يوم قتل تسع عشرة سنة أو ثمان عشرة سنة مع تصريحهم بأنه الأكبر . ولا يعارض قولهم قول الأموي وأضرابه ممن لا يُعتمد على ما ينقلونه ولا يوثق بهم، خصوصاً فيما تفردوا به. وليس هذا من قبيل اللغة ووضع الألفاظ والمعاني حتى لا يُراعى فيها ما يُراعى فى غيرها كما لا يخفى على ذي مسكة .

(الثاني) ما ذكره تحرير عصره وخريت صناعة التاريخ لسان المؤرخين في كتاب علي سيد الساجدين وزين العابدين عليه السلام، بعد ما ذكر جملة من فضائله وخصائصه قال : ومن الأمور التي اختص بها ولم يسبقه سابق فيها أنه أول من سُمي بعلي بعد جده أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو ثاني العليين من آل أبي طالب.

وكونه يُسمى بعلي في زمن جده علي مرتبة سامية له لا تخفى .

(الثالث) ما يُستفاد من قول أبيه عليه السلام وقوله هو وقاتله :

أما قول أبيه فإنه قال عليه السلام : لقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك . إلى آخر ما سيأتي .

وأما قوله سلام الله عليه فقد قال حين ارتجز في ميدان الحرب «ضرب غلام هاشمي علوي».

وأما قول قاتله فإنه قال : علي آثام العرب إن مر بي هذا الغلام لأتكلن به أباه . وقد أطبقت كلمة اللغويين أن «الغلام» يُطلق على من بلغ خمس عشرة سنة إلى العشرين ، ودونه يقيد بغلام مراهق أو لم يحتلم وبعده أيضاً بغلام يافع على ما هو المصرح به في القاموس والمجمع وغيرهما(1). وبالجملة ، الذي يُستفاد من كتب


1) القاموس المحيط 11/1، مجمع البحرين 233/2.

اللغة أن الغلام يُطلق حقيقةً على من كان سنه من خمسة عشر إلى تسعة عشر ، وإطلاقه على غيره مجاز . قال الله تعالى وَأمَّا الجدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيْمَينِ(1)أي صغيرين . النتيجة أن لفظ «الغلام» لا يُطلق على من كان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة .

(الرابع) ما رواه الكليني باسناده أن الحسين عليه السلام لما سار إلى العراق دفع إلى أم سلمة الوصية والكتب وغير ذلك وقال لها : إذا أتاك أكبر أولادى فادفعي إليه ما دفعت إليك . فلما قتل الحسين أتى علي بن الحسين فدفعت إليه كل ما أعطاها . وإرادة «أكبر أولادي» علي بن الحسين بعيد جداً ، إذ لم يكن له ولد ذكور غير الامام علي بن الحسين السجاد عليه السلام.

وهنا وجوه أخر تركناها روماً للاختصار .

بقي شي ، وهو أنه عليه السلام هل هو أول مقتول في الوقعة أو أول مقتول من آل هاشم أو أول مقتول من آل أبي طالب أو أول مقتول من آل محمد صلى الله عليه وآله .

وقد عرفت بعض الكلام فيه وأنه ليس أول مقتول في الوقعة ولا أول مقتول ، من آل هاشم ، لما عرفت من كان مقتولاً قبله ، والمتبع في كونه أول قتيل من آل أبي طالب أو أول قتيل من آل الرسول ومن نسله هو ما في الزيارة المأثورة ، فقال عليه السلام «السلام على أول قتيل من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل».

فيحتمل أن تكون «من» بيانية والظرف صفة ، والمراد من «خير سليل» هو الحسين عليه السلام كما احتمله في حاشية الإقبال . وهو بعيد جداً ، إذ لا ثاني له


1) سورة الكهف : 82.

إلا علي الأصغر ولا ثالث.

ويحتمل أن يكون الظرف حالاً لا صفة ، فيكون المراد أول قتيل في الوقعة كما قال به بعض من لا يُعتمد على قوله . وهو أبعد من الأول ، إذ من المتفق عليه أنه قتل قبله كثيرون.

ويحتمل أن تكون من بيانية والظرف صفة ويكون المراد من «خير سليل» خصوص أبي طالب، إذ لم يكن في الطف هاشمي لم يكن طالبياً، وهذا وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه بعيد عن ظاهر اللفظ ، مع ما سبق من أنه قتل قبله بعض الطالبيين .

والأظهر أن تكون من بيانية والظرف صفة والمراد من «خير سليل» رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيكون المراد أول من قتل من نسل النبي من ولد فاطمة، فيدخل فيه أولاد الحسن والحسين عليهما السلام وأولاد جعفر في وجه ، ويؤيده كلمة «نسل» . قال في القاموس : نسل من باب نصر وضع الحمل. وبه قال في حاشية الإقبال . وهذا المعنى وإن كان صحيحاً ظاهراً إلا أنه خلاف ما عليه أكثر أرباب المقاتل.

والذي يظهر في نفسي إطلاق جملة «خير سليل» كثيراً ما على أمير المؤمنين عليه السلام ، كما أطلق عليه «خير البشر» و «خير البرية» ، ويدل عليه رواية منهال عن علي بن الحسين عليه السلام في الشام إطلاقه على أمير المؤمنين ، فتكون «من» بيانية والظرف صفة، والمراد بـ«خير سليل» هو علي بن أبي طالب عليه السلام ، فيكون روحي له الفداء أول قتيل من أولاد علي عليه السلام ، سواء كان علوياً أو فاطمياً أو جعفرياً في وجه ، صرح بذلك ابن إدريس في السرائر وقال : إنه أول مقتول من ولد علي عليه السلام .

والمراد من قوله عليه السلام في ذيل الزيارة «وجعلنا الله من ملاقيك ومرافقيك ومرافقي جدك وأبيك وعمك وأخيك وأمك المظلومة» هي الزهراء عليها السلام، كما هو الظاهر ، لا أمه ليلى بنت أبي مرة ، وإن كانت هي مجللة معظمة مكرمة . وسيذكر عند ترجمة نساء الطف أن ليلى أم علي بنت أبي مرة أو قرة أو مسعود الثقفية ، وهل كانت في وقعة الطف أو لا ، كما صرح به الأكثر. وتمام الكلام هناك.

(تنبیهان) :

الأول - ذكروا أن علي بن الحسين لما برزكره أهل الكوفة أن يقاتلوه ، وكانوا يتقون قتاله لكونه أصبح الناس وجهاً وأملحهم وأشبه الناس خلقاً برسول الله صلى الله عليه وآله ، أو لأنه تجلى لأهل الكوفة بنورانيته بحيث ملأ الأرض نوراً ، فبهت الذين كفروا ولم يتمكنوا من مقاتلته .

أما الأول فكلام طريف ، وأما الثاني فإنا وإن لم ننكر تجليات الأولياء في مقام يقتضيه التجلي وقد عقدوا لذلك باباً في كتبهم، وذكر السيد الجزائري عند ذكر تجليات الأولياء أموراً وقصصاً وحكايات ، إلا أن أهل الكوفة لما استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله وتوغلوا في الدنيا وحطامها وطغوا في جائزة يزيد وتقربوا إليه بسفك دم الحسين عليه السلام ، كانوا بحيث لو فرض حضور النبي نفسه لقتلوه فكيف بسبطه . قال عليه السلام : «ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول»(1).

وفي التعبير بكلمة «الرحمن» وأنه روحي له الفداء مظهر الرحمانية ، دقائق ونكات يعرفها الربانيون والرحمانيون . وإنما يتقون قتاله لقرابته ليزيد بن معاوية ومخافة المسؤولية عنده ، لأن أم ليلى ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن


1) مقاتل الطالبيين ص 761.

شمس ، فله قرابة بيزيد من طرف الأم بحسب الظاهر ، فجدته أخت معاوية . ومن هذه الجهة عرضوا عليه الأمان فلم يقبل ، وذلك أنه لما برز للقتال بين يدي أبيه ناداه رجل من أهل الكوفة : إن لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد ، فإن شئت آمناك . فقال : ويلك لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحق أن تُراعى .

الثاني - إن له عليه السلام مواقع وقضايا يوم الطف تكشف عن جلالة قدره : منها : حديث الخفقة ، وقد سبق أنه لما قال لأبيه «أولسنا على الحق» قال له أبوه : بلى . قال : إذاً لا نبالي بالموت وقع علينا أو وقعنا عليه . هذا يكشف عن قوة روحه وكمال إيمانه وبلوغه إلى الدرجة العاشرة .

ومنها : ما رواه أبو مخنف عن الضحاك بن قيس أن الحسين عليه السلام لما خطب خطبته على راحلته ونادى في أولها بأعلى صوته «أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني» سمع النساء كلامه فصحن وبكين وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس وولده علياً وقال لهما : سكتاهن فلعمري سيكثر بكاؤهن . فمضيا يسكتاهن حتى إذا سكتن عاد إلى خطبته(1).

ومنها : ما في المنتخب(2)والتظلم للمحقق رضي الدين القزويني : أنه عليه السلام دعا بطفل صغير له، فأجلسه في حجره ونادى : أما من أحد يأتينا بشربة من ماء : لهذا الطفل فإنه لا يطيق الظمأ . فقام إليه ولده الأكبر - وكان له من العمر سبع عشرة سنة - فقال له : أنا آتيك بالماء يا سيدي . فقال : إمض بارك الله فيك . قال : فأخذ الركوة بيده ثم اقتحم الشريعة وملأ الركوة وأقبل بها نحو أبيه فقال : يا أبه الماء لمن طلب، إسق أخي وإن بقي شيء فصبه عليّ، فإني والله عطشان. فبكى


1) اللهوف ص 147 ، مقتل أبو مخنف ص 117.

2) المنتخب للطريحي ص 431 ، معالي السبطين 423/1 .

الحسين وأخذ ولده الطفل فأجلسه على فخذه وأخذ الركوة فقدمها إلى فمه ، فلما هم الطفل أن يشرب أتاه سهم مسموم فوقع في حلق الطفل فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً . فبكى الحسين عليه السلام ورمى الركوة من يده ونظر بطرفه إلى السماء وقال : اللهم أنت الشاهد على قوم قد قتلوا أشبه الخلق بنبيك وحبيبك ورسولك .

(بیان):

«الركوة» قربة صغيرة تُسمى في عصرنا «الجودي». وهذا الطفل - إن صح الحديث - فهو غير عبد الله الرضيع . وستأتي زيادة توضيح .

أما كيفية شهادته ومقتله : فالمستفاد من الأخبار أنه حمل مع من حمل في الحملة الثالثة بعد صلاة الظهر المختصة ببني هاشم وبعض الأصحاب . وأما في الحملة الأولى صبيحة يوم العاشور والحملة الثانية قريب الظهر ، فلم يشهر من الأخبار شي . إلا أن الظاهر أنه روحي له الفداء حمل مع من حمل، خصوصاً في الحملة الأولى.

قال السيد : وكان علي بن الحسين من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً ، فاستأذن أباه فى القتال فأذن له(1).

وفي أمالي الصدوق وروضة الواعظين للفتال النيسابوري: وبرز من بعد عبدالله بن مسلم بن عقيل علي بن الحسين(2).

قال السيد : فأذن له ثم نظر إليه نظر آيس منه وأرخى عينيه وبكى(3).


1) اللهوف ص 166 .

2) روضة الواعظين ص 188 ، الأمالي للصدوق ص 225 .

3) اللهوف ص 166 .

وفي الأمالي والروضة : فلما برز إليهم دمعت عين الحسين فقال : اللهم كن أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجهاً وسمتاً به.

وعن أبي جعفر الطبري وجمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي وأبي الفرج الأموي(1): أنه لما رأى وحدة أبيه تقدم إليه وهو على فرس له يُدعى ذو الجناح، فاستأذنه للبراز، وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً ، فأرخى الحسين عينيه بالدموع، فأطرف - أي أطرف وجهه نحو السماء، وفي سخة فأطرق أي نظر إلى الأرض وسكت قليلاً ثم قال : اللهم اشهد أنه قد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه . ثم صاح : يا عمر بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي، ولم تحفظني في رسول الله صلى الله عليه وآله . ومثله في اللهوف وغيره من الكتب المعتبرة(2).

وليس فيها بأيدينا من الكتب المعتبرة كلمة «ورفع سبابته أو شيبته إلى السماء» ، إلا ما نُقل عن روضة الأحباب لكمال الدين من مؤرخى العامة ، وتبعه غيره من المتأخرين حتى المعاصرين من غير تأمل وتدبر .

وفي البحار(3): قالوا ورفع سبابته أو شيبته إلى السماء .

وقال الفاضل المعاصر في أربعينه : إن هذه الكلمة من الأكاذيب والمجعولات . قال في روضة الأحباب : فلما استأذنه قام الحسين عليه السلام وألبسه لباس الحرب، فألبسه درعاً وعمّمه بعمامة رسول الله وأركبه على فرس له يُدعى بعقاب ، فلما برز إليهم رفع سبابته إلى السماء - وفي بعض النسخ «شيبته» إلا أن في


1) تاريخ الطبري 446/5 .

2) اللهوف ص 166 .

3) بحار الأنوار 43/45 ، العوالم (الإمام الحسين) ص 285 .

الخط الكوفي كلمة سبابة وشيبة قريبتان في الكتابة نظير سبعين وتسعين ، صرح بذلك في كلا الموضعين جمع من الأدباء - ثم قال كما في البحار وغيره : اللهم اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه . اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقاً ومزقهم تمزيقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترضى الولاة م أبداً ، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلونا . ثم صاح بعمر بن سعد فقال : مالك قطع الله رحمك ولا بارك الله لك في أمرك وسلط عليك من يذبحك على فراشك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) . ثم رفع الحسين صوته وتلا إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوْحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1).

(بیان):

قوله «وأرخى عينيه بالدموع» من أرخى الستر ، أي ألقاه دفعةً(2).

قوله «اللهم» فكأنه عليه السلام لعظيم المصيبة وجليل الرزية بلغ إلى غاية الصبر ، فاستغاث بالله سبحانه ، لا سيما إذا كان بهيئة المستغيث ، ويطلب من المبدأ الأعلى جلّ جلاله الإستعانة والاستمداد على الصبر مما ورد عليه. ويمكن أن يكون عليه السلام في مقام الرضا والتسليم في هذه المصيبة العظمى والرزية الكبرى ، ويُشهد الله على ذلك بغاية سكون النفس واطمئنانه بما جرى عليه ، فهو نظير قوله عليه السلام «هون عليّ أنه بعين الله» .

قوله «قطع الله رحمك كما قطعت رحمي» . قال الفاضل المعاصر أيده الله : أي


1) سورة آل عمران : 33 - 34.

2) أنظر : مجمع البحرين 163/2 .

قطع نسلك من ولدك كما قطعت نسلي من ولدي ، فإنه لا عقب له . فيشكل عليه أنه ما قطع نسله عليه السلام مع وجود علي السجاد . فيجاب: أن المراد قطع نسله من علي المقتول كما أشار إليه بقوله «فإنه لا عقب له» .

هذا مما يترائى في بادئ النظر ، إلا أنه كلام ظاهري، إذ لم يرد في اللغة لفظ «الرحم» بمعنى النسل بمعنى الولد ، بل هو من مصاديق الرحم. وهو كما صرح في القاموس والمجمع وغيرهما القرابة ، ولما كان ابن سعد قرشياً وله قرابة برسول الله والحسين وعلي بن الحسين ، ومقتضى القرابة عقلاً وعادةً وعرفاً وشرعاً مراعاة ذي القرابة ، واللعين ابن سعد لما لم يراع هذا دعا عليه عليه السلام بقطع القرابة . وهذا نظير كون طلاق زوجات الرسول بيد علي عليه السلام ، فكأنه قال : كما أنك لم تحفظ ولم تراع قرابتي من رسول الله قطع الله قرابتك ورحمك منه صلى الله عليه وآله . ويؤيده قوله عليه السلام «ولم تحفظ قرابتي من رسول الله» ، فكأنه تأكيد لقطع الرحم .

وفي قوله عليه السلام «ويذبحك بعدي» لطف وإشارة يعرفه أهل البلاغة . قوله «إن الله اصطفى» إلى آخر الآية ، قد تلى الحسين عليه السلام في يوم العاشور هذه الآية مرتين :

إحداهما - في محمد بن أشعث بن قيس الكندي لما وقف بين الصفين ونادى : أيّ فضيلة لك لم تكن لغيرك ؟ فتلى الآية ثم قال : والله إن محمداً لمن آل إبراهيم ، وإن العترة الهادية لمن آل محمد . ثم قال : من هذا القائل ؟ قيل له : محمد بن الأشعث ، فقال : اللهم أر محمد بن الأشعث ذلاً في هذا اليوم ولا تعزه بعد هذا اليوم أبداً. فعرض له الحاجة فنزل عن فرسه لقضائها فلدغه عقرب على حشفته، فمات وهو يتململ في غائطه(1).


1) الأمالي للصدوق ص 222 ، روضة الواعظين ص 185 .

ثانيتهما - في هذا الموضع الذي تلافيه الآية .

قال الفاضل المحقق المعاصر في كتابه شفاء الصدور بعد ما استفاد من هذه الرواية وجوهاً عشرة دالة على كمال علي المقتول وجلالته غير ما ذكرناه قال : ولما كانت الآية دليلاً على عصمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام تلاها إشعاراً بأنه روحي له الفداء معصوم . انتهى ملخصاً .

وفيه ما لا يخفى، إذ ليس المقام ومقتضى الحال إثبات العصمة لهم وله عليه السلام ، بل إنما تلاها إثباتاً وإيماءا إلى أنه من آل إبراهيم وآل عمران وآل محمد عليهم السلام ، فعرّفهم إياه بأنه هو ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بينة . بل يمكن أن يكون محط نظره عليه السلام - مضافاً إلى ذلك - ذيل الآية ، وهو قوله تعالى ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(1)كما ورد في تفسيره في مجمع البيان، أي ذرية ينصر ويعاون بعضُها بعضاً في إعلاء كلمة الحق وانتصار الاسلام كما ورد في قوله عز شأنه المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ(2)، أي يعاون بعضُهم بعضاً في ترويج الكفر واضمحلال الإسلام.

ولعل هذا المعنى هو المراد من قوله عليه السلام في زيارة الجامعة «طابت وطهرت بعضها من بعض» أي يعاون بعضهم بعضاً في ترويج الإسلام وتشييد مبانيه . وهذا معنى لطيف يقبله الذوق السليم ويناسب المقام ومقتضى الحال .

قالوا : ثم حمل علي بن الحسين وشدّ على الأعداء وهو يقول مرتجزاً :

أنا علي بن الحسين بن علي *** نحن و بيت الله أولى بالنبي


1) سورة آل عمران : 34 .

2) سورة التوبة : 67 .

من شَبَتْ والشمر ذلك الدني *** أضربكم بالسيف حتى ينثني

ضرب غلام هاشمي علوي *** ولا أزال اليوم أحمي عن أبي

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي

وشدّ على الناس على ما ذكره الأموي مراراً .

وفي روضة الصفا : إنها بلغت اثنتي عشرة مرة .

وفي سفينة البحار عند ترجمة محمد بن الحنفية : إن علي بن الحسين قاتل ورجع ثم قاتل ورجع إلى اثنتي عشرة مرة حتى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم(1).

وروي أنه عليه السلام قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً .

وفي المناقب إنه قتل سبعين مبارزاً(2).

ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال : يا أبه العطش قد قتلني وثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء ، فبكى الحسين عليه السلام.

(بیان):

إتفقت كلمة المحدثين والمؤرخين وأرباب المقاتل على أنه روحي له الفداء رجع إلى أبيه طالباً منه السبيل إلى الماء، واختلفت أنظارهم في وجه ذلك مع علمه بعدم الماء .

والذي يقوى في نظري القاصر وفكري الفاتر أن يقال : إنه لما بلغ منه العطش إلى حد الموت لا يستطيع أن يقاتل حتى يُرزق الشهادة بالقتل لا بالعطش، رجع


1) سفينة البحار 387/2 .

2) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

إلى أبيه يطلب منه السبيل إلى الماء لا الماء نفسه حتى يشرب ويتقوى على الأعداء، فكأنه قال لأبيه عليه السلام: إني أبتغي الشهادة بالسيف والقتل لا الموت بالعطش ، مع أنه قد على من بيده سيف والشط وهو سالم أن يموت بالعطش وهي طريق وسبيل إلى شربة من الماء، فكأنه طلب منه الإذن إلى ذهاب المشرعة وشرب الماء.

ويدل على ما ذكرنا تقدم العطش على القتل حيث قال : «العطش قد قتلني» لا قتلني العطش، ويؤيده «فهل إلى شربة ماء سبيل» أتقوّى بها على الأعداء وأجاهد وأقاتل حتى أقتل بالسيف، وهذا ظاهر لمن تدبر . والله العالم .

وأما قوله «وثقل الحديد أجهدني» فالظاهر أن المراد من الحديد السيف والسنان والرمح والسهام، وهي الآلات المعدة للحرب من الحديد. وله في هذا المعنى بل في هذه الكلمة بعينها نظائر ، في كتب المغازي.

قال السيد(1): فبكى الحسين عليه السلام وقال : واغوثاه يا بني من أين آتي بالماء ، قاتل قليلاً ، فما أسرع ما تلق جدك محمداً صلى الله عليه وآله فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً .

وفي البحار(2)فبكى الحسين وقال : يا بني يعز على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك وتستغيث بهم فلا يغيثوك ، يا بني هات لسانك ، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك، فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربةً لا


1) اللهوف ص 166 .

2) بحار الأنوار 43/45 .

تظماً بعدها أبداً . فرجع إلى القتال.

(بیان):

فكأن الحسين عليه السلام اطمأن ولده أنه لا يموت بالعطش بل يُستشهد بالسيف. والظاهر أن «الأوفى» صفة للسقي المدلول عليه بالكلام فيسقيك جدك بالسقي الأوفى ، لا أنه صفة للكأس ، فيشكل بأن الكأس مؤنث والأوفى مذكر كما استشكل الفاضل المعاصر أيده الله ، فأجاب بأن المراد من الكأس الإناء أو الظرف ، إذ الكأس لا تتصف بالأوفى إلا باعتبار السقي أو المشروب . فتدبر .

قالوا : ثم رجع إلى القتال وحمل على القوم وهو يرتجز ويقول :

الحرب قد بانت لها الحقائقُ *** وظهرت من بعدها مصادقُ

والله ربِّ العرش لا نفارقُ *** جموعكم أو تُغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام الثمانين .

قال أبو الفرج(1)ومثله غيره : قال حميد بن مسلم الأزدي : كنت واقفاً وبجنبي مُرّة بن منقذ وعلي بن الحسين يشدّ على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم ، فقال مرة : عليّ آثام العرب إن مرّ بي هذا الغلام لأنكلن أباه به . فقلت : لا تقل ، يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه . فقال : لأفعلن. فمرّبنا علي وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحه ، فانقلب على قربوس فرسه .

وفي البحار(2): فضر به منقذ بن مرة العبدي على مفرق رأسه ضربةً صرعته، وضربه الناس بأسيافهم. ثم اعتنق فرسه، فاحتمله الفرسُ إلى عسكر الأعداء


1) مقاتل الطالبيين ص 84.

2) بحار الأنوار 44/45 .

فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً .

وفي المناقب : فطعنه مُرة بن منقذ العبدي على ظهره غدراً فضربوه بالسيف .

وفي البحار(1): فلما بلغت الروح التراقي قال رافعاً صوته...

قال السيد(2): قال : عليك السلام يا أبتاه، هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأو فى شربةً لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : العجل العجل ، فإن لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة .

وفي مقتل المعاصر أيده الله : فصاح قبل أن يفارق الدنيا : السلام عليك يا أبتي ، هذا جدي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى وهو ينتظرك الليلة .

قال السيد : فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه ووضع خدَّه على خده وقال : قتل الله قوماً قتلوك ، ما أجرأهم على الله .

وفي البحار(3): وعن حميد بن مسلم قال : سماع أذني يومئذ من الحسين يقول : قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة رسول الله، وانهملت عيناه بالدموع وقال : على الدنيا بعدك العفاء .

قال الطبري: روي أنه لما قتل علي بن الحسين في طف كربلاء أقبل عليه الحسين وعليه جبة دكناء وعمامة سوداء وقد أرخى لها غزرتين ، فقال مخاطباً له : أما أنت يا بنى لقد استرحت من كرب الدنيا وغمها وما أسرع اللحوق بك .

وعن روضة الصفا قال : رفع الحسين عليه السلام صوته بالبكاء ولم يسمع أحد إلى ذلك الزمان صوته بالبكاء .


1) بحار الأنوار 44/45.

2) اللهوف ص 166 ، مع اختلاف في النقل.

3) بحار الأنوار 45/44 .

وفي الإرشاد واللهوف والبحار بل ذكره جلّ المحدثين والمؤرخين قالوا: وخرجت زينب أخت الحسين عليه السلام مسرعةً وهي تنادي : يا أخياه وابن أخياه . وجاءت حتى انكبّت عليه ، فأخذ الحسين بيدها - وفى نسخة برأسها - فردها إلى الفسطاط(1).

وروى أبو مخنف(2)وأبو الفرج عن حميد بن مسلم الأزدي أنه قال : وكأني أنظر إلى امرأة قد خرجت من الفسطاط وهي تنادي : يا أخياه وابن أخياه فسألت عنها فقالوا : هذه زينب بنت علي بن أبي طالب، فجاءت حتى انكبّت عليه ، فجاء الحسين إليها وأخذ بيدها إلى الفسطاط ورجع .

قالوا : فقال الحسين عليه السلام لفتيانه : إحملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

هذا ما وقفنا عليه من مقتله عليه السلام في الكتب المعتبرة الموجودة عندنا . وفي بعض المقاتل العربية والفارسية تأليف المتأخرين أو من قارب عصرنا أمورٌ لم نجدها في الكتب المعتبرة ، فإنما هي لسان حال أو موضع مقال أو لازم خطاب أو مسموع من محدث أو منقول عن مجهول إلى غير ذلك ، تركناها لعدم اعتبارها .

(بيان): قاتل علي بن الحسين هو مُرّة أو منقذ بن مرة أو كلاهما ، والكل محتمل والأخير أقرب . وفي الزيارة «حكم الله على قاتلك مرة بن منقذ بن النعمان العبدي الليثي لعنه الله وأخزاه ومن شركه في قتلك وكانوا عليك ظهيراً».

سيأتي تفصيل حاله في ترجمته في كتاب رجال الأعداء.

قوله «احتوشوه» من حَوَشْتُ الصيد أحتوشه : إذا جئته من حواليه وحاشيته . ولعل «احتووه» في بعض النسخ تصحيف «احتوشوه».


1) اعلام الورى 465/1 ، الإرشاد للمفيد 107/2 ، مثير الأحزان ص 51 .

2) مقتل أبو مخنف ص 164 .

قوله «موردة» من قولهم «قميص مورد» و «ملحفة موردة» للذي صنع على لون الورد، وهو دون المضرج، قوله تعالى فَكَانَتْ وَرْدَةٌ كَالدِّهَانِ(1)أي حمراء ، يعني تنقلب حمراء بعد أن كانت صفراء.

قوله «غَرْزَتين» بالغين المعجمة والراء المهملة والزاي، من غَرَرْتُ الشيءَ غرزةً: أي أثبت في الأرض . قال في المجمع(2): ومنه حديث لف الخرقة للميت «واغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة» .

قوله «مذخورةً» من الأخر ، يقال : ذخرتُ الشيء أذخره ذخراً ، وكذلك أذخرته .

قوله «قربوس» بفتح القاف والراء : الشرج . قيل : ولا يسكن الراء إلا في الضرورة.

قولها «أخيّاه» تصغير الأخ ، وقد يصغر للشفقة والمحبة :

قالت لتُرب معها جالسة *** أخيتي من الذي نراه

قالت دى يشكو الهوى *** قالت بمن قالت بمن

قالت بمن قالت بمن

قيل : وقد يجئ التصغير للتعظيم كقوله :

كلُّ أناس سوف يدخل بيتهم *** دُويْهيَّةٌ تصفر منها الأناملُ

وفيه نظر .

بقي ذكر أمور :

(الأول) في الكافي(3)عن علي بن إبراهيم القمي ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الرجل


1) سورة الرحمن: 37.

2) مجمع البحرين 304/3.

3) الكافي 361/5.

يتزوج المرأة ويتزوج أم ولد أبيها . فقال : لا بأس بذلك . فقلت له : بلغنا عن أبيك أن عليَّ بن الحسين تزوج ابنة الحسن بن علي وأم ولد الحسن عليه السلام، وذلك أن رجلاً من أصحابنا سألني أن أسألك عنها ، فقال عليه السلام : ليس هكذا ، إنما تزوج علي بن الحسين ابنة الحسن وأم ولد لعلي المقتول عندكم .

وروى الحميري بسند صحيح ،مثله رواها في الوسائل في باب نكاح الأشراف . ويظهر منه أن له عليه السلام ولداً وأهلاً . ويؤيده الزيارة المروية عن الصادق عليه السلام قال في زيارة علي بن الحسين المقتول بالطف «صلى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك».

وفي كليهما نظر : أما الرواية فهي لا تدل على أن له عليه السلام في يوم الطف ولداً ، مع تصريحهم بأنه لا عقب له . مع ان كنية «أم الولد» تُطلق كثيراً على المملوكة مطلقاً . وأما ما في الزيارة فقد ورد مثله في قاسم بن الحسن مع أنه لا ولد له حين استشهد قطعاً . وسيأتي في ترجمته ما يوضح ذلك إنشاء الله .

(الثاني) إن المراد بعلي بن الحسين في زيارة العاشور «السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين» هل هو علي الأكبر المقتول أو علي زين العابدين ؟ الظاهر هو الأول ، لاختصاص الزيارة بالمقتولين في الطف ، وإرادة السجاد فيها بعيد جداً، خصوصاً إذا لم يكن في الزيارة بعد قوله «السلام على علي بن الحسين» كلمة «وعلى أولاده» كما في بعض النسخ المصححة من مصباح السيد قدس سره .

(الثالث) وجدتُ في كتب بعض أصحابنا رضوان الله عليهم مسنداً عن المفيد عن جابر بن عبد الله أنه قال : لما قتل على بن الحسين عليهما السلام دخل الحسين في الفسطاط باكياً ، فقالت سكينة : مالي أراك تنعى نفسك وتدير طرفك إلى أخي علي. فقال : قتلوه فلما سمعت بذلك صرخت: واأخاه وامهجة قلباه. وأرادت

أن تخرج من الفسطاط، فجاء الحسين عليه السلام وقال : يا سكينة إتقي الله واستعملي الصبر . فقالت : يا أبتاه كيف تصبر من قتل أخوها وشُرّد أبوها . فقال عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون .

(خاتمة):

إتقفت كلمتهم على قوله عليه السلام عند جسد ابنه المقتول «على الدنيا بعدك العفاء». قالوا : إن العفاء بمعنى التراب . والعجب من الطريحي في مجمع البحرين حيث قال : والعفاء بالفتح والمد التراب. ومنه قول بعضهم: إذا دخلت فأكلت رغيفي وشربت عليه ماءً فعلى الدنيا العفاء . ومثله قول الحسين بن علي عليه السلام في ابنه المقتول «فعلى الدنيا بعدك العفاء».

وهذا منه قدس سره عجيب، إذ ليس المثل والممثل بمعنى واحد ، إذ الظاهر أن هذه الكلمة من الأمثال ، يُمثل به في كل مورد على ما يناسبه ، ولا يناسب العفاء بمعنى التراب مقام الإمام عليه السلام في خصوص المقام ، ولا يناسب مقتضى الحال .

وغاية ما يمكن أن يقرر بحيث ينطبق على المقام ومقتضى الحال ، ويناسب مقام الإمام عليه السلام أن يقال : إنه لما كان المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب وبعث الأنبياء وشهادة الصديقين والأولياء إعراض الناس عن الدنيا وأنها ليست بشئ ، ويلازمه الإقبال على الآخرة . يهدف إلى هذا المعنى والمقصود كلّ ما ورد في ذم الدنيا ومدح الآخرة، فكأنه عليه السلام قال : يكفي في ذم الدنيا وأنها ليست مما يُرغب فيها كونك يابني بهذه الحالة ، فعليها التراب بعدك وبعد كونك شهيداً قتيلاً.

ويمكن أن يقال : معناه أنه عليه السلام تمنّى من شدة الحزن والمصيبة أن تكون الدنيا آخرها ، فيكون المعنى : على الدنيا بعدك التراب . يعني : يا ليت الدنيا ماضية

قاضية بعدك ولم أكن بعدك في الدنيا .

وهذان المعنيان يحتاجان إلى لطف قريحة وعناية وتوضيح . والذي يظهر ويسنح بالبال ولعله المراد أن يقال : العفاء بمعنى الدنية، صرح بذلك في القاموس وغيره ، قالوا : العفاء مؤنث عفوه بمعنى الدنية والدنيا بمعنى الدهر والأيام. فكأنه عليه السلام قال : وعلى الدهر والأيام يُؤخذ وثارك بظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه .

وقد ظهر من الحسين عليه السلام في يوم الطف كلاماً قريباً من هذا المعنى وله كلمات مؤدية إلى هذا المعنى مذكورة في محلها .

وهذا معنى قريب يقبله الذوق السليم والطبع المستقيم ويناسب مقتضى الحال والمقام ومقام الامام عليه السلام . والله العالم بمراد أوليائه .

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الرضيع الصغير

إتفق الحديث والتاريخ أنه كان للحسين عليه السلام طفل رضيع قُتل في حجره بسهم على حلقه فذبحه .

فما في البحار وعن مقتل الخوارزمي(1)ونسب لسان المؤرخين إلى الكتب المعتبرة : أن بعد شهادة علي بن الحسين الأكبر خرج غلام من الفسطاط - وفي رواية من آل الحسين - وفي أذنيه قرطان مذبذبتان وهو مذعور ، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً ، فحمل عليه هاني بن بعيث فقتله، فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم.

هذا ليس ولد الحسين عليه السلام ، إذ لم ينسبه أحد إليه ، إنما قالوا خرج من تلك الأبنية أو من آل الحسين ، فليس هذا عبد الله الرضيع قطعاً، وشهربانو هذه إن صحت ليست شهربانو أم علي بن الحسين السجاد قطعاً، فإنها ماتت عند


1) أنظر : مقاتل الطالبيين ص 79 ، مقتل للخوارزمي 47/2 ، بحار الأنوار 45/45.

ولادة علي بن الحسين في نفاسها على ما ذكر في محله وذكر أنها من مجعولات الزبير بن بكار .

روى أبو جعفر الطبري(1)عن هشام الكلبي ، قال : حدثني أبو الهذيل - رجل من الشكون - عن هاني بن ثبيت الحضرمي قال : رأيته جالساً في مجلس الحضرميين في زمن خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير ، قال : فسمعته وهو يقول : كنتُ ممن شهد قتل الحسين ، قال : فوالله إلى لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس ، وقد جالت الخيل وتصعصعت ، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعمود من تلك الأبنية ، عليه إزار وقميص وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً ، فكأني أنظر إلى درّتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت ، إذ أقبل رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف .

قال هشام: قال الشكوني : هاني بن ثبيت هو صاحب الغلام ، فلما عُتب عليه كني عن نفسه .

وكذا ليس بعبد الله الرضيع ما روي أنه ولد في يوم الطف طفل للحسين عليه السلام، فأتي به ليؤذن في أذنه ويقيم، فأتاه سهم حينما كان يؤذن فوقع على نحره فذبحه.

وفي رثاء بحر العلوم قدس سره «و تولد والردى في ساعة» إلى آخرها.

وعلي الأصغر هذا هو عبد الله الرضيع وعبد الله الرضيع هو علي الأصغر على ما صرح به جمع من المؤرخين، كما في القمقام والناسخ وجمع من المحدثين.

وقد صرح جمع وجاءت به الرواية : أن أولاد الحسين عليه السلام إذا كان


1) تاريخ الطبري 449/5.

ذكراً فاسمه علي وإذا كانت أنثى ففاطمة مطلقاً ، لكثرة محبته لأبويه عليها السلام ، وهذا حتى لو كان لهم اسم خاص كجعفر ومحمد وسكينة التي اسمها فاطمة وأختها أيضاً فاطمة.

وروي أن يزيد قال لعلي بن الحسين عليه السلام واعجباً لأبيك سمى علياً وعلياً . فقال : إن أبي أحب أباه فسمى باسمه مراراً(1).

وأقل الجمع ثلاثة: علي السجاد، وعلي الأكبر، وعلي الأصغر المسمى بعبد الله . وهذا الأخير ولد بالمدينة على ما صرحوا به ، وله من العمر يوم الطف ستة عشر شهراً كما سيأتي تصريحهم بذلك ، وأمه رباب بنت امرئ القيس .

ومما ظهر لي في سوانح عمري أني في عنفوان شبابي كنت في قزوين مسقط رأسي أشتغل في المدرسة الالتفاتية في حجرة صغيرة إلى يمين باب المدرسة، وذات يوم قرأتُ مقتل عبد الله الرضيع وبكيت عند ذكر مصائبه ، فنمت وظهر لي بين النوم واليقظة - ولم أكن نائماً - أني في صعيد فيه جمع كثير لم أعرفهم ، وبينهم رجل في مكان مرتفع ينادي بأعلى صوته : أيها الناس - أو يا أهل العالم الترديد مني - هذا يوم ولد فيه عبد الله الرضيع المقتول بالسهم . فأنتبهت فإذا هو اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر من شهر رجب - والله العالم .

وقد اختلفت كلماتهم في الجملة في كيفية شهادته وإن اتفقوا في كثير من خصوصیات قتله، ففي مقاتل الطالبيين قال(2): وكان عبد الله بن الحسين يوم قتل صغيراً، جاءته نشابة وهو في حجر أبيه فذبحته . إلى أن قال : حدثني محمد بن الحسين الأشناني ، قال : حدثنا عباد بن يعقوب ، قال : حدثنا مورع بن سويد بن


1) مناقب آل أبي طالب 309/3 ، بحار الأنوار 175/45 .

2) مقاتل الطالبيين ص 94.

قيس ، قال : حدثنا من شهد الحسين ، قال : كان معه ابن صغير ، فجاءه سهم فوقع في نحره . قال : فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته فيرمي به إلى السماء ، فما يرجع منه شي ، ويقول : اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل .

وحكى السبط في التذكرة(1)عن هشام بن محمد الكلبي قال : لما رآهم الحسين عليه السلام مصرين على قتله ، أخذ المصحف ونشره وجعله على رأسه ونادى : بيني وبينكم كتاب الله وجدي رسول الله ، يا قوم بم تستحلون دمي. فساق الكلام إلى أن قال : فالتفت الحسين فإذا بطفل له بكى عطشاً ، فأخذه على يده وقال : يا قوم إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل . فرماه رجل بسهم فذبحه ، فجعل الحسين يبكي ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا. فنودي من الهواء : دعه يا حسين ، فإن له مرضعاً في الجنة .

وقال محمد بن طلحة في مطالب السؤل نقلاً عن كتاب الفتوح : أنه عليه السلام كان له ولد صغير فجاءه سهم فقتله ، فرمله فحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه .

وفي الاحتجاج(2): أنه لما بقي فرداً ليس معه أحد إلا علي بن الحسين وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله أخذ الطفل ليودعه ، فإذا بسهم حتى إذا وقع في لبة الصبي فقتله ، فنزل عن فرسه وحفر للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه ثم وثب .

وقال المفيد في الإرشاد في ذكر قتل الرضيع(3): ثم جلس الحسين أمام الفسطاط، فأتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل ، فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه .


1) تذكرة الخواص ص 252 .

2) الاحتجاج 25/2 .

3) الإرشاد 108/2.

وقال أبو مخنف(1): قال عُقبة بن بشير الأسدي : قال لي أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام : إن لنا فيكم يا بني أسد دماً .

قال : قلت : فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أباجعفر وما ذلك ؟

قال عليه السلام أتي الحسين بصبي له فهو في حجره إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسين عليه السلام دمه ، فلما ملأ كفيه صبّه في الأرض ثم قال : رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير و انتقم لنا من هؤلاء الظالمين.

قال السيد في اللهوف(2): ولما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى: هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله ، هل من موحد يخاف الله فينا ، هل من مغيث يرجو الله باغاثتنا ، هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدم إلى باب الخيمة وقال لزينب: ناوليني ولدي الصغير حتى أودعه. فأخذه وأوماً إليه ليقبله ، فرماه حرملة بن كاهل بسهم فوقع في نحره فذبحه. فقال لزينب: خذيه ، ثم تلقى الدم بكفيه حتى امتلأتا ، ورمى بالدم نحو السماء ثم قال : هوّن عليّ ما نزل بي أنه بعين الله .

قال الباقر عليه السلام : فلم يسقط من هذا الدم قطرة على الأرض.

وعن كتاب كفاية الطالب : إنه لما قتل عبد الله بن الحسين فإن أمه الرباب كانت واقفة بباب الخيمة تنظر إليه .

وفي مقتل أبي مخنف الموجود عندنا ذكر بعد شهادة علي الأكبر ما نصه : ثم


1) تاريخ الطبري 448/5 .

2) اللهوف ص 168 .

أقبل إلى أم كلثوم وقال لها : يا أختاه أوصيك بولدي علي الأصغر خيراً، فإنه طفل صغير وله من العمر ستة أشهر . فقالت له : يا أخي إن هذا الطفل له ثلاثة أيام ما شرب الماء . فقال : هلمى إليه . فأخذ الطفل وزلف به نحو القوم وقال : يا قوم قد قتلتم أخي وأولادي وأنصاري ، وما بقي غير هذا الطفل يتلظى عطشاً ، فاسقوه شربة من الماء . فبينما هو يخاطبهم إذ أتاه سهم مسموم له ثلاث شعب من يد شقي ميشوم ، فذبح الطفل من الأذن إلى الأذن.

وقيل : إن السهم رماه قديمه العامري، فجعل الحسين يتلقى الدم بكفه ويرميه في الهواء ويقول : اللهم إني أنشدك على هؤلاء الملاعين ، فإنهم نذروا أن لا يخلوا من ذرية نبيك أحداً . ثم رجع بالطفل مذبوحاً ودمه يجري على صدر الحسين

وألقاه إلى أم كلثوم فوضعته في الخيمة ، وبكى عليه السلام عليه .

وفي مقتل بعض أصحابنا أنه قال الحسين عليه السلام ويل لكم أسقوا هذا الرضيع ، أما ترونه يتلظى عطشاً من غير ذنب أتاكم .

هذا ما عثرنا عليه في كتب المحدثين ، أما الروايات الواردة ففي الزيارة المروية «السلام على عبد الله الرضيع المرمي الصريع المتشحط دماً المتصعد دمه في السماء المذبوح بالسهم في حجر أبيه ، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه».

في الرواية المروية(1)عن أبي حمزة الثمالي - على ما رواه الحسين بن حمدان في كتاب الهداية باسناده عنه قال : سمعت علياً بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول : لما كان اليوم الذي استشهد فيه أبي جمع أهله وأصحابه. إلى أن قال ما سيأتي تمامه في ترجمة القاسم بن الحسن، فقال له القاسم : وأنا في من يقتل؟


1) الهداية الكبرى ص 204 .

فأشفق عليه فقال له : يابن أخي كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم أحلى من العسل . فقال : إي والله ، إنك لأحد ممن يقتل من الرجال بعد أن تُبتلى ببلاء عظيم ، وابني عبد الله . فقال : يا عم ويصلون إلى النساء حتى يقتل عبد الله وهو رضيع ؟ فقال : فداك عمك ، يقتل عبد الله إذا جفّ روحي عطشاً وصرت إلى خيامنا، فطلبت ماءاً ولبناً فلا أجد قط ، فأقول : ناولوني ابني لأشرب من فيه ، فيأتوني به فيضعونه على يدي ، فأحمله لأدنيه من في ، فيرميه فاسق منهم بسهم فينحره وهو يناغي، فيفيض دمه في كفي، فأرفعه إلى السماء وأقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك.

ويمكن الجمع بين كلماتهم بتقييد بعض وإسقاط بعض ، بأن يقال :

إن المستفاد من الكل - على ما صرح به بعض المؤرخين - أنه عليه السلام لما عزم على القتال بنفسه الشريفة ، ودع العيال والأطفال وركب فرسه المرتجز ونادى «هل من معين» صرخن النساء، فأتى إليهن فرأى عبدالله الرضيع في حجر أمه يبكي والنساء يبكين ، فقال : إيتوني بولدي الرضيع حتى أودعه ، فأتوا به فوضعه في حجره وهو راكب ، ونظر إليه فقال : ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد صلى الله عليه وآله خصمهم . فقالت له زينب : ليس للطفل لبن ولا ماء. فأتى به الحسين عليه السلام نحو القوم ونادى : يا قوم أسقوا هذا الرضيع ، أما ترونه يتلظى عطشاً من دون ذنب أتاكم. فبينما هو يخاطبهم إذ أتاه سهم ورماه حرملة بن كاهل الأسدي، ووقع السهم على نحر الطفل فذبحه من الأذن إلى الأذن ، فقال عليه السلام : هوّن عليّ أنه بعين الله . ثم تلقى الدم بكفه ورمى به إلى السماء ، فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ، ثم قال : لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة ، اللهم إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير لنا . وفي رواية : إن حبست

عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير منه . فنودي في السماء : دعه يا حسين فإن له مرضعاً في الجنة . ونزل عليه السلام من فرسه فاحتفر له بجفن سيفه ورمله بدمه وصلى عليه و دفنه . وكانت رباب تنظر إليه وتبكي وبكى عليه السلام وقام .

وذكر بعض المؤرخين : أنه روحى له الفداء قتل في قماطه ، فأخذ الحسين عليه السلام كفاً من دمه وخضب به شيبته وأخذ كفاً آخر ولطخ به قماطه ودفنه .

(بیان):

قوله «مذعور» من ذُعِر بالذال المعجمة ، أي خائف فهو مذعور .

قوله «و تضعضعت» من قولهم تضعضع السلطان أي ذل وخضع .

قوله «النشابة» قال في المجمع(1): النشاب بالضم والتشديد السهام ، الواحدة نشابة .

قوله «لبته» اللبة بفتح اللام والتشديد : المنحر وموضع القلادة.

قوله «هَوْن عليّ» من هان هوناً بالفتح أي سهل . وفي نسخة «هون» بالهاء المعلوم أو المجهول ، من هوّن من باب التفعيل أي سهل . وفي نسخة «أهْوَن عليّ» إذا سهل . والكل صحيح .

قوله «يتلظَّى» في القاموس : لظى النارُ كنف ، بلا اشتعال ولادخان ، والتظّت النارُ من باب الإفتعال وتلظت من باب التفعيل : اشتعلت النار .

قوله «الضريع» بالضاد المعجمة أي الضعيف . كذا في النسخ المصححة عندنا لا «الصريع» بالصاد المهملة ، وهو غلط واضح ، وبه يقرأ كثير من الناس من غير روية وتأمل ويفسّر بما لا يناسب المقام. فتأمل .

قوله «إذا جف روحي من العطش» لعمري هذا أبلغ كلمة في مقام بيان نهاية


1) مجمع البحرين 310/4 .

العطش، والروح هنا بمعنى الدم ، فإن الإنسان إذا بلغ من العطش حالةٌ قريبةً من الموت ضعف قلبه الصنوبري و تضعف رئته فتسكن ويضعف الدم عن الجريان ويجفّ من الحرارة فيموت من ساعته . وكذا من شدة البرودة يضعف قلبه فتسكن رئته وينجمد الدم من البرودة فيموت من ساعته . وهذا نهاية بلوغ العطش .

ويُحتمل إرادة الروح البخاري الحيواني الذي يتولد من حركات القلب والرئة وجريان الدم. ويكون إسناد الجفّ إليه مجازياً من باب إسناد السبب إلى المسبب، والمعنى في كليهما واحد.

(تنبیهان) :

الأول - قد قد عرفت مما روي عن الباقر عليه السلام وذكره المحدثون والمؤرخون ودلّ عليه ما في الزيارة المأثورة من قوله «المرتق دمه إلى السماء» إذ الإرتقاء بمعنى الصعود ولو كان ساقطاً إلى الأرض ، لم يكن مدحاً أن دمه صعد إلى السماء ولم يسقط منه إلى الأرض شي . وهذا مما يخالف الطبيعة والقواعد العقلية من ميل كل جسم إلى مركزه ، بل صار روحاً مال إلى مركزه «السلام على ثار الله و ابن ثار».

ولا تدرك الأفهام ولا تصل الأوهام إلى حلّ مثل هذه الأمور إلا التصديق بما وراء الطبيعة . ولبيان ذلك وكشف حقيقة المعجزة والكرامة بمقدار ما وصلت إليه عقولهم محل آخر . وليس لنا إلا التصديق، فإن حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان.

وأعجب من ذلك وأقوى معجزة وكرامة بقاء أثر ذلك الدم إلى زماننا وما بقي من الأيام. قالوا : إن من أثر هذا الدم ظهور الحمرة في السماء ولم يكن قبل ذلك . نسب جمع ظهور الحمرة إلى دم الرضيع كما في جملة من المقاتل وبعض الأخبار،

وفي جملة من المقاتل إلى قتل الحسين عليه السلام. ولا منافاة ولا تعارض مع إمكان الجمع، فإن دم الرضيع دم أبيه.

وظهور الحمرة في السماء من يوم قتل الحسين عليه السلام وأنها لم تكن قبله ، مما اتفق عليه العامة والخاصة، حتى من المعاندين بل المتعصبين بل المنكرين للمعجزات والكرامات بل المنكرين للمتواترات ، كابن الجوزي ، فإنه أنكر رواية ردّ الشمس وصدّق حديث ظهور الحمرة ، فنقل في كتاب تذكرة خواص الأئمة عن جده أبي الفتوح في كتاب البصيرة أنه لما يغضب إنسان على إنسان يظهر في وجهه حمرة هي علامة الغضب والسخط ، وإن الله تعالى لما لم يكن جسماً أثر غضبه في ظهور الحمرة في السماء بعد ما لم يكن . وهذا يدل على شدة الغضب وجليل الرزية .

وفي الطبقات : إن هذه الحمرة لم تُر في السماء قبل أن يُقتل الحسين .

وعن السدي : لما قتل الحسين بكت السماء وبكاؤها حمرتها .

وعن ابن سيرين : أخبرنا أن الحمرة التى مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين.

وعن صحيح البخاري في أول الجزء الخامس من تفسيره في تفسير قوله تعالى فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ(1)أنه لما قتل الحسين بكت السماء وبكاؤها حمرتها.

وعن الثعلبي في تفسيره : الحمرة التي تظهر مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين .

ومثله عن الترمذي والنسوي.

وقال ابن حجر مع شدة تعصبه ومنعه البكاء على الحسين عليه السلام وأنه


1) سورة الدخان: 29.

بدعة - كما في صواعقه(1)-قال : فما ظهر يوم قتله من الآيات أن السماء أمطرت دماً . إلى أن قال : وإن الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة ، وقيل احمرت ستة أشهر ، ثم لازالت الحمرة تُرى بعد ذلك .

هذا ما وقفنا عليه من كلماتهم في ظهور الحمرة ، ومن أراد الاطلاع على أزيد من ذلك فليتتبع .

وأما في طرقنا وما ورد عن أئمتنا عليهم السلام فقريب من التواتر ، بل هو متواتر، ذكروا ذلك في باب بكاء السماء والأرض عليه عليه السلام، من أراد فليراجع. وهذا مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه .

والعجب ممن استبعد هذا ، بل استشكل بأن هذه الحمرة في السماء من الأمور الطبيعية المذكورة في هيئة بطلميوس، وذكروا لها جهاتاً طبيعية معهودة، فكيف تنسب إلى قتل الحسين عليه السلام.

والجواب : إن المراد بالحمرة ليست الحمرة المغربية والمشرقية التي هي علامة المغرب، ولا هي أصل الحمرة عند طلوع الشمس وغروبها ، بل المراد اشتداد الحمرة قبل الشفق، ولم يكن ذلك بهذا الاشتداد قبل قتل الحسين عليه السلام، كما يظهر ذلك من الروايات وكلماتهم . أو أن المراد الحمرة الخاصة التي تظهر في بعض الأوقات لا تستند إلى أمر عادي وطبيعي المذكورة في هيئة بطلميوس.

وكثيراً ما يُرى في السماء حمرة شديدة أو ضعيفة في بعض الأمكنة ولم تظهر في مكان آخر أو في بلد أو إقليم لم تظهر في آخر وفي زمان لم يظهر مثله في زمان آخر حسب البروج . وستأتي زيادة بحث وتوضيح في باب بكاء ما سوى الله تعالى عليه سلام الله عليه.


1) الصواعق المحرقة ص 116 ، شرح الأخبار للمغربي 542/3 .

الثاني - قد عجزت العقول وكلّت الأفهام وتحيرت الأوهام عن درك بعض ما صنع روحي له الفداء، وكيف صنع ولماذا صنع . وقد تكلم كلّ من المؤلفين بمقدار فهمه ودركه ولم يأت بشي بين ولا بأمر مبين .

وقصارى ما يدركه العقل أنه عليه السلام لما رأى أن بني أمية وأشياعهم وأتباعهم ومن تقدمهم ومهد لهم ما مهد في مقام إضمحلال كلمة التوحيد حين قال أولهم وهو عليه السلام حاضر حين قال لفاطمة الزهراء عليها السلام «دعي عنك أباطيل النساء لا محمد حاضر ولا جبرئيل نازل» وقال آخر «لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل» أنهم شمروا أذيالهم وجمعوا أحزابهم ضد كلمة التوحيد ، قام روحي له الفداء خالصاً مخلصاً الله تعالى من دون شائبة لحزب أو لغرض شخصي أو نوعي ، بل لإبقاء كلمة التوحيد وإحيائه بل إثباته ، فحيث تكون العلة المحدثة هي المبقية ، وهم مع أن نظرهم معارضة التوحيد كثيراً ما يدخلون المداخل للأغراض الشخصية والنوعية ، حتى قيل له عليه السلام في يوم الطف : إنما نعارضك بغضاً لأبيك بما فعل بأشياخنا ، وقال خليفتهم «ليت أشياخي ببدر شهدوا» إلى آخر الأبيات .

إن الحسين عليه السلام من بدء خروجه من المدينة إلى حين شهادته ينادي بأعلى صوته : لا إله إلا الله . وإن انبعاثه وقيامه وغرضه ليس إلا إعلاء كلمة التوحيد ، حتى أنه لم يكن له نظر خاص فى إثبات النبوة أو الإمامة مستقيماً ، بل كان نظره التوحيد فقط وفقط . وكذا أصحابه المستشهدون في ركابه . وفي زيارتهم «السلام على الذابين عن توحيد الله» . وكذا حال نسائه .

ومن تأمل ونظر في الأحاديث والتواريخ والمقاتل وكتب السير ، يرى أنه عليه السلام وأصحابه ونساءه ، يجد ما قلناه حقاً وصدقاً .

وفي جلّ المقاتل إنه عليه السلام كان يكثر في يوم العاشور من قول «لا إله إلا الله» و «لا حول ولا قوة إلا بالله» و «الله أكبر». غرضه عليه السلام إسماع القوم وإفهامهم أن غرضه من القتال والجدال ليس إلا التوحيد .

وهذا ظاهر من أفعاله وأقواله إلى يوم الطف ، فلما كان هذا اليوم برز الإيمان كله إلى الكفر كله ، بحيث لو غلب أحدهما على الآخر لكان النصر له . كما أن في يوم الخندق برز الإيمان كله إلى الكفر كله(1).

وسيأتي أن يوماً آخر سوف يبرز الإيمان كلُّه إلى الكفر كله ، وذلك بظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، بحيث لا رابع له . فكما أن الخندق قتل عمرو بن عبد ود ، قتله علي عليه السلام خالصاً ومخلصاً لوجه الله تعالى ، فبعد ما عزم على قتله وقام عن صدره مراراً بعد ما فعل اللعين ما فعل ، على ما في كتب العامة والخاصة أنه عليه السلام إنما أراد أن يقتله خالصاً ومخلصاً لله من دون شائبة ، أي بدون شوب وشائبة عند الناس وإلا فهو تمام أفعاله عليه السلام بلا شائبة شي ، وإنما أراد أن لا يقول أحد قتله على لأمر كذا.

وكذا الحسين عليه السلام فعل ما فعل هو وأصحابه خالصاً ومخلصاً لله تعالى .

ولما كان يوم الخندق بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين وهم شهود على فعله وأنه قتل مخلصا الله . وأما الحسين فليس له من يثبت عنده ويشهد من بعده وأن غرضه كان إحياء التوحيد وفعله لله عز وجل وبنو أمية وأتباعهم يدلسون على الناس في الشبه وأن غرضه عليه السلام لم يكن التوحيد وأن أفعاله لغرض شخصي أو نوعي، حتى رأيت في القمقام قال في يوم الطف رؤي جماعة على تل يدعون الله بنصرة يزيد . وفي حديث الغدير كفاية عن ذلك ، ونظائره غير عزيز .


1) كنز الفوائد ص 137 ، الطرائف ص 35.

فلابد للحسين عليه السلام أن يأتي بأمر يثبت هذا المعنى إلى يوم القيامة . ولابد أن يكون ذلك في آخر أمره. وما ثبت ذلك وما تحقق في الدنيا عند عامة الناس إلا بشهادة الطفل الرضيع الذي أتاهم في آخر أمره وقال «قد أتاكم من غير ذنب كما مرّ ، بحيث لا يمكن إنكار أحد ممن له أدنى تأمل وتفكر ودراية أن أفعاله وأفعال أصحابه ليس إلا التوحيد خالصاً ومخلصاً لله ، ولذا قلت فيما قلت وأقول بل أنادي بأعلى صوتي لولدي الرضيع لما رضع التوحيد من ثدي.

وهنا شي آخر تتميماً لما ذكرنا لابد من بيانه إيضاحاً وتنبيهاً ، وهو أن الآلام والأسقام الواردة على الإنسان ترد على البدن أو على الروح، وإن كان الأول أيضاً يرجع إلى الثاني، على ما بُرهن في محله من أن اللذة والألم عقليين لا حسبين . وأعظم ما يرد على البدن هو العطش ، لأن كل ألم جسماني يخص بموضعه إلا العطش فإنه يسري إلى تمام البدن، فلذا ترى أن العطش قد يكون الشخص بحيث لا يرى شيئاً ولا يسمع ولا يبصر ، وقد يكون بينه وبين السماء كالدخان .

وأعظم ما يرد على الروح والقلب هو الصبر ، فإن الصبر على المصيبة أصعب من نفس المصيبة ، والصبر على العطش أعظم من نفس العطش . فلهذا ترى أعظم مصائب مولانا الحسين عليه السلام هو العطش والصبر عليه . ولذا كل ما ورد في الأخبار والأحاديث من زمن آدم وما ورد من الأحاديث القدسية عن الله تعالى في أمر الحسين يخبر عن عطشه وصبره .

ولما كان العطش أيضاً يرجع إلى الصبر على العطش إنحصر جميع مصائبه في الصبر ، ولذا قال عليه السلام في أول ما قال وكان في آخر كلامه في مناجاته مع الله في حال السجود مقدمة لإثبات التوحيد «صبراً على بلائك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين».

وبالجملة ، فعطشه عليه السلام من أعظم مصائبه . ومن دسائس أهل الكوفة ودسائس عمر بن سعد أنهم لما أخذوا المشرعة ومنعوا الحسين عليه السلام وأصحابه عن الماء واشتد العطش بينهم واعترض أهل الكوفة على ابن سعد بأن فيهم أطفالاً ونساءاً ، أجابهم عمر بن سعد وأشاع بينهم وأشاع بينهم بأن الحسين يحفر آباراً ويسقيهم وليس بهم عطش ، حتى بلغ ذلك إلى ابن زياد فكتب كتاباً إلى ابن سعد فيه : «قد بلغني أن الحسين باير آباراً ويحفر حفراً». ولم يكن رفع الشبه عنهم وعن من يأتي بعدهم حتى الآن إلا بهذه السياسة الحسنة ، وهو أخذ طفله الرضيع وأتى به إلى الساحة ونادى أمام الجيش بأعلى الصوت رافعاً الرضيع على اليد قائلاً : أسقوا هذا الرضيع ، أما ترونه يتلظى عطشاً .

فلهذا ورد أن القوم اختلفوا بينهم بأن الحسين يصدق فيما يقول ، ولو كان عنده ماء الآثره على طفله الرضيع ، فقال ابن سعد الحرملة : إقطع نزاع القوم. ففعل اللعين ما فعل.

فبهذا رفع الحسين عليه السلام الإشتباه وأثبت عطشه وعطش أصحابه وعياله ، عنهم وعن کل من يأتي من بعده إلى يوم القيامة حتى لا يوقعهم أحد في الشبه من الموافق والمحالف . ولذا ترى في كتبهم ذكر عطش الحسين من غير نكير، كما ورد في كتبنا وأخبارنا المروية المتواترة. وهذا ببركة هذا الطفل الرضيع، ولولاه لما بقي للشهادة أثر ولا نتيجة ، وكانوا يخفون الوقائع أشد ما أخفو ممن واقعة يوم الغدير وأضرابه ، فبهذا بقي التوحيد والاسلام ووقائع يوم الطف بحيث لا يمكن إنكاره.

ويعجبني في هذا المقام ذكر ما جرى بيني وبين رجل يدعي العلم بالتاريخ والحديث : خرجت من كربلاء قاصداً زيارة مولاي أمير المؤمنين عليه السلام،

فإذا في السيارة ثلاثة أشخاص من أهل كربلاء وأشرافهم وآخر من أهل بغداد ، فلما خرجنا من كربلاء أخذنا في ذكر الحديث والتاريخ مع هذا الرجل حتى وصلنا إلى خان النخيلة ، فقال لي : إن في نفسى في عطش الحسين وأصحابه شيئاً وشبهة كلما تفکرت ازدادت شبهتي ، وهي أنه كان يمكن للحسين وأصحابه حفر بئر لينجو من العطش، فإن كانوا حفروا لم يكونوا عطاشاً وإن لم يحفروا فإن حفظ النفس كان واجباً عليهم ، فبأية جهة لم يحفروا بئراً ؟ ثم قال : تقول بعطشهم من باب التعبد، وإلا فهم قد حفروا بئراً واستقوا منه .

قلت له : أظن أن هذه الشبهة جاءت من المتجددين والماديين ، والجواب عنها نقضاً وحلاً :

أما النقض، فبواقعة صفين على ما رواه الفريقان ، قالوا لما تصرف معاوية وأتباعه ماء الفرات منعوا علياً وأصحابه عن وروده وبقي أصحاب علي ودوابهم عطاشاً إلى ثلاثة أيام على ما ذكره الواقدي وغيره ، ولم يحفروا بئراً مع تمكنهم من الحفر حتى استرجعوا المشرعة من جيش معاوية .

وأما الحلّ ، فبأن ماء البئر لا يمكن شربه لكونه مرّاً مملوحاً في ذلك اليوم الذي لم يكن في كربلاء شط ولا نهر ولا بستان في أطراف المخيم ، حتى اليوم الذي في أطراف المخيم أنهار وبساتين ودور . وهذا العرب ببابك ، فسألهم عن أهل القرية ، فقالوا : نعم يمكن اليوم في كربلاء حفر بئر قريباً من النهر يمكن شرب مائه ، إلا أن أغلب آبار كربلاء - خصوصاً محلة المخيم وعلى الأخص البئر الذي الآن في المخيم - هل هو ذلك البئر أو غيره ماؤه مرّ مملوح لا يمكن شربه ، ومن يشرب منه يبتلى بالإسهال.

فسكت الرجل المصاحب لنا ولم يتكلم بشي. وبعد أيام التقيت به في باب

المخيم ، فقلت له : هذا المخيم وهذا البئر الذي في المخيم الآن . فدخل المخيم مع رجل آخر وخرج ومعه من ماء البئر ، فإذا هو مرّ مملوح ، قال : صدقت وخرجت الشبهة عن نفسي الآن. فقلت له : يمكن أنه عليه السلام قد حفر بئراً لسقي الدواب والنورة والطلي على ما ورد في الأخبار والتوضي وأمثال ذلك. أما الشرب فلا ، لعدم إمكان شربه اليوم فضلاً عن ذلك اليوم.

ثم إنك لا تغتر بما كتبه مورخو الأروبيين والمسيحيين وبعض المصريين الذين اتبعوا طريقتهم وساروا على منوالهم ، فقد صنفوا رسائل وكتباً حول حادثة الطف ونهضة الحسين عليه السلام وبذل جهده وقتل أنصاره وإسارة أهله وذبح أطفاله خصوصاً الرضيع في إجراء مقصده ونفوذ أمره خصوصاً في شهادة الرضيع ، قد بالغوا أشد المبالغة حتى أن بعضهم قد صنف في الرضيع رسالة مستقلة ، وقد أتوا بمطالب دقيقة وعبارات رشيقة ومطالب جيدة ، إلا أن ما ذكروه كلمة حق أرادوا بها الباطل ، فإن العدو عدو والحية حية ، فكيف بمن لم يعتقد بالحسين ولا بآبائه ولا بالاسلام ولا بالقرآن ولا بالله تعالى ولا بمبدأ ومعاد، بل هو طبيعي مادي محض ، قد علمنا حاله وعرفنا أنه يظهر ما فوق اعتقاد الشيعة .

ليس مقصود هؤلاء من أبحاثهم وكتاباتهم إلا إظهار أن قيام الحسين عليه السلام كان طبيعياً عادياً مادياً .

هذا مسیو مارتين الحكيم الفيلسوف الألماني صنف كتاباً سماه «الفلسفة الاسلامية» موصوفاً بعنوان «الإنقلاب الكبير»، وصدّره بفلسفة مذهب الشيعة ، وذكر وقعة الطف وتابع نهضة الحسين خصوصاً في أمر الرضيع حتى سماه بعض السياسة الحسينية في أمر الرضيع. والمتأمل البصير إذا تأمل في أطراف كلامه يعلم أن مقصوده من مؤلّفه أمران على ما صرح هو بهما في مطاوي كلامه :

(أحدهما) أن أمر الحسين عليه السلام أمر طبيعي عادي ككل من أراد أمراً حقاً كان أو باطلاً ، فبذل جهده لنيل مقصوده ، وكل من بذل جهداً واجتهد في حصول ما يرميه يصل إلى ما يطلبه بمقدار جهده واجتهاده، فإن اليهود قد بذلوا جهدهم فنالوا بمقدار جهدهم ، والنصارى قد بذلوا الجهد بأزيد مما بذله اليهود فنالوا أزيد منهم ، والحسين جهد فوق الطاقة البشرية فنال ما نال . ومقصوده من هذا الكلام تهييج أبناء وطنه للنهضة بما استطاعوا لينالوا مرامهم بمقدار ما يبذلون من الجهد.

(الثاني) إن نفوذ الشيعة وازدياد عددهم وقوة أمرهم بعد ما كانوا قبل استشهاد الحسين عليه السلام في الأقلية ، ليس إلا لترويج علمائهم وأمرائهم لأمر الحسين بإقامة المآتم والبكاء واللطم وإقامة المجالس والمراثي وجهد الوعاظ وجلّ الروحانيين على الترويج والتأييد وصرف الأموال بل النفوس في إقامة عزائه وزيارة قبره ، حتى انتهى أمرهم إلى ما انتهى .

إن المستشرق المذكور أرشد أبناء وطنه بل المسيحيين كافة بل كل من يخالف الشيعة بأسلوبه الكتابي الخاص إلى إلفاتهم إلى أن اشتهار أمر الحسين ليس من سعي المروجين من رجال العلم بل هو نتيجة من جهد الحسين نفسه، وأراد أن يستنتج تهييج الأعداء لاضمحلال الشيعة بل اضمحلال الإسلام، وذلك بعد يأسهم من تحطيم القرآن فلابد من تضعيف أمر الحسين والمنع من جريان أمره من إقامة المآتم والعزاء والبكاء واللطم والرثاء وكل ما يخص بالعزاء ، ومنه تضعيف عزم الزوار عن زيارته وإضعاف موقع العلماء والوعاظ والخطباء والذاكرين، حتى لا يبقى للحسين عليه السلام اسم ولا رسم .

والعارف الخبير يعلم أن بعد هذه الرسالة وأمثالها مما أُلف وكتب في أروبا

وغيرها من المسيحيين وغيرهم ، شمروا أذيالهم لإضعاف رجال العلم والإقدام على منع إقامة العزاء بكل وجه ومن كل وجه ، حتى بلغ من الأمر ما بلغ وصار إلى ما صار ، بحيث أن في مركز خلافة التشيع في أيام العاشور لا يسمع ذكر الحسين جهراً ولم يكن له رسم ، بعد ما كانوا قبل ذلك على ما كانوا ، حتى في ليلة العاشور في مركز التشيع لم يكن في الظاهر إلا مجالس السرور والملاهى وأمثال ذلك(1)، وكذا في أغلب بلاد الشيعة . إلا أن الله تعالى قد أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فتفرقوا أيدي سبا ودين الله وشريعة الحسين باقية إلى يوم القيامة ، ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون .

علي بن مظاهر الأسدي

يبالي أني رأيت في بعض كتب المقاتل أن هذا أخو حبيب بن مظاهر الأسدي . قال أبو مخنف وعن شرح الشافية(2): فبرز علي بن مظاهر الأسدي وهو يرتجز ويقول :

أقسمت لوكنا لكم أعدادا *** أو شطركم و لستم أنكادا

يا شرّ قوم حسباً وزادا *** لا حفظ الله لكم أولادا

وهذا قريب من رجز حبيب بن مظاهر ، فحمل على القوم وقتل ستين رجلاً، فقتل رضوان الله عليه.


1) يشير مؤلفنا بكلامه الطويل هذا إلى ما حدث أيام الطاغية رضا شاه البهلوي من مجابهة العلماء ومنع إقامة العزاء الحسيني وبذل الجهد في إيحاء آثار التشيع والشيعة ، إلا أن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون.

2) أنظر ينابيع المودة 72/3.

عمار بن حسان بن شریح بن سعد بن حارثة بن لام بن عمرو بن ظريف بن عمر بن ثمامة بن ذهل بن جذعان بن سعد بن طي الطائي

كذا في رجال المحقق الأسترآبادي(1).

وفي الزيارة المروية «السلام على عمار بن حسان بن شريح الطائي».

قالوا: إن عماراً كان من الشيعة المخلصين في الولاء ومن الشجعان المعروفين(2).

وفي الحدائق الوردية عن أحمد بن محمد السروي : كان عمار صحب الحسين بن علي عليهما السلام من مكة ، وكان معه إلى يوم الطف ، فلما شبّ القتال تقدم بين يدي الحسين وقتل في الحملة الأولى مع من قتل من أصحاب الحسين.

ومثله في المناقب(3)ورجال أبي علي.

وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(4).

عمار بن سلامة بن عبدالله بن عمران بن رأس بن دالان

في نسخة «أبي سلامة» بدل سلامة . وفي نسخة «سلمة» بدل سلامة .

و«الدالاني» بالدال المهملة المفتوحة والألف بعده لام ونون وياء نسبة، نسبة إلى دالان أبي قبيلة من هَمْدان، وهم بنو دالان بن سائقة بن ياسر بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن خيران بن نوف بن هَمْدان .


1) مذكور في منهج المقال ص 342، من دون ذكر نسبه مذكور بهذا النسب في إبصار العين ص 150.

2) تنقیح المقال 317/2.

3) مناقب آل أبي طالب 122/4.

4) رجال الطوسي ص 77 .

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(1).

وقال ابن حجر في الإصابة : إنه أتى الحسين يوم الطف وقتل معه(2).

وقال ابن شهر اشوب(3): إنه قتل في الحملة الأولى مع من قتل من أصحابه .

وفي الزيارة المروية «السلام على عمار بن أبي سلامة الهمداني».

وقال في التنقيح(4)بعد ذكر عدّ الشيخ الرجل من أصحاب الحسين عليه السلام : وظاهره كونه إمامياً ، ولم أقف فيه على ما يدرجه في الحسان.

ولعل استعجاله قدس سره في التأليف أغفله عن التفحص والتتبع في حاله ، أو أن النسخة التي بأيدينا فيها غلط وخلط و اشتباه ، وإلا فكيف يخفى على مثله حال مثله. وأبو سلمة أو سلامة أبو عمار هذا صحابي له إدراك. وعن الكلبي والعسقلاني : إن سلامة كان من خواص أمير المؤمنين عليه السلام وحضر حروبه الثلاث الجمل وصفين والنهروان . وعن الطبري مثله مضافاً إلى أنه قال : وهو الذي سأل أمير المؤمنين عندما صار من ذي قار إلى البصرة فقال : يا أمير المؤمنين إذا قدمت إليهم فماذا تصنع ؟ قال عليه السلام : أدعوهم إلى الله وطاعته ، فإن أبوا قاتلتهم . فقال أبو سلامة : إذاً لن يغلبوا داعي الله .

وقد نسب بعضُ هذا الكلام إلى عمار بن أبي سلامة ، وهو سهو ، إلا أن يقال : إن عمار بن سلامة أيضاً كنيته أبو سلامة فتأمل.


1) رجال الطوسي ص 78 .

2) الإصابة 111/3.

3) مناقب آل أبي طالب 122/4.

4) تنقيح المقال 317/2.

عمارة بن صلخب الأزدي

«صَلْخَب» بالصاد المهملة والخاء المعجمة واللام والباء المفردة كجعفر .

كان من فرسان الكوفة وشجعانهم ومن الشيعة . وكان ممن بايع مسلماً ويأخذ البيعة له وخرج معه ، فلما قتل مسلم أحضره ابن زياد فسائله : ممن أنت ؟ قال : من الأزد . فقال : إنطلقوا به إلى قومه فاضربوا عنقه . فانطلقوا به إلى أزد فضربوا

عنقه بين ظهرانيهم(1).

عمرو بن جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي

قد مرّ في باب الجيم : أن المسمى بجنادة رجلان: أحدهما مَذْحِجي مرادي سلماني كوفي ، والآخر أنصارى خزرجي . وقد اشتبه الأمر في ذلك على بعض المؤرخين فعدهما واحداً . وقد سبق ترجمتها في محله .

وعمر و هذا ابن جنادة الأنصاري ، خرج هو وأبوه جنادة وأمه بنت مسعود الخزرجي مع الحسين عليه السلام من مكة إلى كربلاء، فلما اشتد القتال يوم الطف قتل جنادة مع من قتل في الحملة الأولى، وعمر بن جنادة كان غلاماً صغيراً غير مراهق له من العمر تسع سنين ، وفي رواية إحدى عشرة سنة ، فأمرته أمه بعد أن قتل أبوه في المعركة ، فقالت له : أخرج يابني وانصر الحسين وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله . فخرج الغلام ووقف بين يدي الحسين عليه السلام يستأذنه . فلم يأذن له، فأعاد الإستئذان ، فقال الحسين : هذا الغلام قتل أبوه في المعركة، لعل أمه تكره خروجه. فقال الغلام : يابن رسول الله أمي هي التي أمرتني بذلك وألبستني لامة الحرب. فأذن له . فقدم أمام القوم مرتجزاً قائلاً :


1) أنظر : تاريخ الطبري 379/5 ، تنقيح المقال 323/2، إبصار العين ص 144.

أميري حسين ونِعْمَ الأمير *** سرور فؤادي البشير النذير

علي وفاطمة والداه *** فهل تعلمون له من نظير

له طلعة مثل شمس الضحى *** له غُرّةٌ مثل بدر المنير

فقاتل حتى قتل(1)وقطع رأسه مالك النسر البدي ورمى به إلى عسكر الحسين ، فحملت الرأس أمه بحرية وقالت : أحسنت يا بني ، يا سرور قلبي وقرة عيني . ثم رمت بالرأس رجلاً فقتلته(2)وأخذت عمود خيمتها فحملت على القوم وهي تقول :

إني عجوز في النسا خفيفة *** بالية خاوية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة *** دون بني فاطمة الشريفة

وردّها الحسين إلى المخيم. وفي بعض المقاتل نسبة الأرجوزة إلى أم وهب الكلبي، وسيأتي في محله ما يوضح ذلك واشتباه بعض ما في عبدالله بن عمر ووهب بن عبدالله وعمرو بن جنادة بعضها ببعض.

وفي الزيارة المروية «السلام على جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري وابنه عمرو بن جنادة».

(بیان):

قال في التنقيح بعد ذكر عمرو بن جنادة : لا يخفى أن هذا وأمثاله يكشف عن كون قضية كربلاء تحت تشريع خاص من الله ورسوله لا تنطبق على القواعد العامة .

وسيأتي في ترجمة القاسم بن الحسن ما يوضح ذلك وأنه ينطبق على القواعد العامة .

وفي نفس المهموم تبعاً لروضة الأحباب وروضة الشهداء : أن هذا الغلام


1) بحار الأنوار 28/45 .

2) أنظر : إبصار العين ص 124 و 169 .

ابن مسلم بن عوسجة، واحتمل أن يكون ابن مسعود بن الحجاج. وكلا الإحتمالين ضعيفان ، خصوصاً الأخير منهما بعد تصريح المحدثين والمؤرخين بما عرفت وأنه ابن جنادة. وسيأتي أن مسلم بن عوسجة جاء مخفياً مع حبيب بن مظاهر وليس معه أهل ولا ابن في كربلاء .

قولها «عجوز» بالضم والفتح كسرور وصبور ، بمعنى الضعيف على ما في القاموس(1)، قال : ولا تقل في المرأة «عجوزة». وفي المجمع(2): عجوز بالضم المرأة الكبيرة المسنة ، وعن ابن السكيت : لا تقول عجوزة والعامة تقوله .

وفي بعض النسخ «إني عجوز سيدي ضعيفة» باضافة عجوز إلى سيد، فتكون ضعيفة صفة عجوز ، فتحتاج الإضافة إلى عناية . ولعله أصح.

و «خاوية» بالواو بعد الألف بعد الخاء المعجمة ، من خات الرجل إذا أسن، صرح بذلك في القاموس(3). وفي بعض النسخ «خارية» بالراء بعد الألف ، ولم أتحقق له معنى.

عمرو بن جندب بن کعب بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن عامر بن مالك بن دهماء الحضرمي

سكن الكوفة ، وكان من الشيعة ، وحضر مع علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل وصفين .

قال الطبراني: كان من أعوان حجر بن عدي ، فلما قبض زياد بن أبيه حجراً وأرسله إلى الشام وأصحابه هرب عمرو بن جندب، وكان مستوراً ومتوارياً واختفى إلى أن


1) القاموس المحيط 181/2.

2) مجمع البحرين 125/3.

3) القاموس المحيط 326/4.

هلك زياد ، ثم رجع إلى الكوفة ، وكان بها إلى أن هلك معاوية واستخلف يزيد(1).

قال أبو مخنف : كان من الشيعة الذين بايعوا مسلماً في الكوفة ، وخرج معه مع من خرج ، فلما قبض مسلم وقتل خرج من الكوفة ولحق بالحسين عليه السلام في الطريق ، فصادفه ولازمه إلى كربلاء ، فلما كان يوم الطف والتحم القتال وهجم أصحاب عمر بن سعد على عسكر الحسين تقدم وقاتل بين يديه حتى قتل في الحملة الأولى.

وفي المناقب(2): ومن المقتولين في الحملة الأولى عمرو بن جندب .

وفي الزيارة المروية «السلام على عمرو بن جندب الحضرمي».

عمرو بن جنادة بن حارث

عن الأزدي والمناقب بعد ذكر جنادة بن حارث عمرو بن جنادة وهو يقول . والظاهر أن هذا ابن جنادة بن الحارث المذحجي المرادي لا الأنصاري المذكور ، إذ قد عرفت ترجمته .

وسيأتي في ترجمة عمرو بن خالد أن المذحجي خرج مع خالد ومعه ابنه وجماعة من الشيعة ، وأن ابنه قاتل مع أبيه وعمرو بن خالد فقتلوا جميعاً في مكان واحد . وأرجوزته رضوان الله عليه :

أضيق الخناق من ابن هند وارمه *** من عامه بفوارس الأنصار

ومهاجرين مخضّبين رماحهم *** تحت العمامة من دم الكفار

خضبت على عهد النبي محمد *** فاليوم يختضب من دم الفجار


1) أنظر : تنقيح المقال 327/2 .

2) مناقب آل أبي طالب 122/4.

واليوم يختضب من دماء أراذل *** رفضوا القرآن لنصرة الأشرار

طلبوا بثارهم ببدر إذ أتوا *** بالمرهفات وبالقنا الخطار

والله ربي لا أزال مضارباً ***في الفاسقين بمرهف بتّار

هذا على الأزدي حق واجب *** في كل يوم تعانق وكرار

ويؤيد ما ذكرنا بل يدل على أنه مرادي مَذْحِجي قوله «هذا على الأزدي»، فإن جنادة بن كعب ليس مرادياً .

عمرو بن خالد بن حکیم بن حزام الأسدي الصيداوي

«حُكّيم» بضم الحاء المهملة وفتح الكاف وسكون الياء. وقد مر ضبط الأسدي في باب الألف . و «الصيداوي» نسبة إلى صيدا ، وبنو صيدا بطن من أسد ابن خزيمة من العدنانية . وكذا قيس بن مسهر الصيداوي . لا إلى «صائد»، فإن النسبة إليهم صائدي ، وهم من بني حاشد من هَمْدان. و همدان من كهلان بن سبأ لا من حمير بن سبا . وصيدا جبل حال في اليمن. ومدينة على ساحل بحر الشام من أعمال دمشق شرقي صور بينها ستة فراسخ .

وسيأتي أن أباتمامة الصائدي من بني صائد وليست النسبة إلى صيدا.

كان الرجل على ما ذكره أبو مخنف من أهل الكوفة مخلص الولاء لأهل البيت ، قام مع مسلم بن عقيل حتى إذ خانه أهل الكوفة وخذلوه لم يسعه إلا الإختفاء منهم ، فلما سمع بقتل قيس بن مسهر الصيداوي رسول الحسين عليه السلام وأنه أخبر أن الحسين صار بالحاجر من بطن الرُّمة خرج إليه ومعه مولاه سعد ومجمع ابن عبد الله العائدي وابنه عائذ وجنادة بن الحرث السلماني وابنه عمرو بن جنادة و غلام لنافع بن هلال البجلي بفرسه الكامل ، وأخذوا دليلاً لهم طرماح بن عدي

الطائي وكان جاء إلى الكوفة يمتار لأهله ، وقد سبق ذكره .

خرج هؤلاء من الكوفة على طريق مشكبة ، وساروا سيراً عنيفاً من الخوف، لأنهم علموا أن الطريق مرصود ، فلما انتهوا إلى الحسين عليه السلام وهو بعذيب الهجانات فسلموا عليه ، قيل وأنشد الطرماح الأبيات «يا ناقتي ..» ، فقال عليه السلام: إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا قتلنا أو ظفرنا .

وقد سبق عند ذكر الحر بن يزيد أنه أراد أن يردهم أو يحبسهم ، فمنعه الحسين علیه السلام وقال له : إنما هؤلاء أنصاري وأعواني لأمنعنهم بما أمنع به عن نفسي . فكفّ عنهم الحر.

وقد مرّ عند ذكر طرماح مكالمته مع الحسين عليه السلام وإشارته بالرجوع أو النزول إلى الجبل الذي فيه طرماح.

قال أبو مخنف : ولما التحم القتال بين الحسين وأهل الكوفة شدّ هؤلاء - أي عمرو بن خالد وابنه ومولاه سعد ومجمع بن عبد الله وابنه عائد وجنادة بن الحرب وابنه عمرو بن جنادة - مقدمين في أول القتال بأسيافهم على الناس، فلما وغلوا عطف عليهم الناس، فأخذوا يحوزونهم وقطعوهم عن أصحابهم، فلما نظر الحسين عليه السلام إلى ذلك ندب إليهم أخاه العباس ، فحمل على القوم وحده يضرب فيهم بسيفه قدماً حتى خلص إليهم واستنقذهم ، فجاؤا وقد جرحوا ، فلما كانوا في أثناء الطريق والعباس يسوقهم رأوا القوم تدانوا إليهم ليقطعوا عليهم الطريق ، فانسلّوا عن العباس وشدوا على القوم بأسيافهم شدة واحدة على ما بهم من الجراحات، فقاتلوا حتى قُتلوا في مكان واحد، ورجع العباس إلى الحسين فأخبره بذلك ، فترحم عليهم الحسين عليه السلام.

وذكر بعضهم ومنهم ابن شهر اشوب(1): أن عمرو بن خالد وابنه خالد قتلا مبارزةً . قال ابن شهر اشوب وتبعه بعض المؤرخين : لما شبّ القتال تقدم عمروبن خالد أمام الحسين عليه السلام واستأذن فأذن له، فبرز إليهم وهو يرتجز ويقول :

إليك يا نفس إلى الرحمن *** فأبشري بالرَّوْح والريحان

اليوم تُخزين على الإحسانِ *** قد كان منكِ غابرَ الزمانِ

ما خُطّ في اللوح لدى الديانِ *** لا تحزني فكل حيّ فانِ

والصبر أحظى لك بالأمان *** يا معشر الأزد بنى قحطان

فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه .

و في البحار(2)بعد ذكر عمرو بن خالد: ثم برز ابنه خالد بن عمرو وهو يرتجز ويقول:

صبراً على الموت بني قحطانِ *** كما تكونوا في رضى الرحمنِ

ذي المجد والعزة والبرهان *** وذي العُلى والطَّوْلِ والإحسانِ

يا أبتا قد صرت في الجنان *** في قصر ربّ حسن البنيانِ

فقاتل وقتل جمعاً حتى قتل(3).

ولا منافاة بين ما ذكروه من الرجز وما ذكرناه ، والأول هو الأصح .

عمرو بن عبد الله بن كعب بن الصائد، أبو ثمامة الصائدي الهمداني

*عمرو بن عبد الله بن كعب بن الصائد بن شرحبيل بن شراحيل بن عمرو بن جشم ابن حاشد بن جشم بن حيزوم بن عوف بن هَمْدان ، أبو ثمامة الصائدي الهمداني كذا ذكره العسقلاني في الإصابة(4).


1) مناقب آل أبي طالب 110/4 ، مع اختلاف في الرجز .

2) بحار الأنوار 18/45 ، مناقب آل أبي طالب 250/3 .

3) مناقب آل أبي طالب 110/4 .

4) الإصابة 115/5 .

وقال ابن عساكر : هو عمرو بن عبد الله بن كعب بن حنظلة بن دارم بن عبد الله ابن كعب بن صائد بن شراحيل بن عمرو بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيزوم بن عوف بن همدان.

وفي بعض كتب الرجال الأنصاري بدل الصائدي كما في رجال الشيخ(1)، وفي غيره الصائدي بدل الأنصاري ، وقد مرّ ضبط الصائدي عن قريب عند ذكر عمرو بن خالد، وذكرنا أن صائداً بطن من أسد بن خزيمة وينسب إليها الصيداوي. والصائدي ينسب إلى بني صائد بطن من همدان، ومنهم عمرو بن عبدالله ، ويكنى بأبي تمامة بالثاء المثلة المفتوحة لا بالتاء بالنقطتين على ما في بعض النسخ .

وقد كان عمرو هذا من فرسان العرب ووجوه الشيعة ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين شهدوا معه مشاهده كلها ، وبعده صحب الحسن عليه السلام، ثم بقى في الكوفة إلى أن هلك معاوية واستخلف نغله يزيد، ثم اجتمع بعد ذلك مع جماعة الشيعة في دار سليمان بن صُرَد الخزاعي، وكتب إلى الحسين عليه السلام كتاباً وأرسله إلى مكة ، ولما جاء مسلم بن عقيل إلى الكوفة قام معه وصار يقبض الأموال من الشيعة بأمر مسلم فيشتري بها السلاح ، وكان بصيراً بذلك(2).

وقال ابن الأثير(3): ولما دخل عبيدالله بن زياد الكوفة وثارت الشيعة بوجهه ، وجهه(4)مسلم بن عقيل في جيشه وعقد له على ربع تميم وهَمْدان وعقد له


1) رجال الطوسي 1016/103 أصحاب الامام الحسين عليه السلام.

2) تنقیح المقال 333/2.

3) الكامل لابن الأثير 71،30/4 .

4) أي وجه عمراً .

رايته ، ولما تفرق الناس عن مسلم بالتخذيل اختفى أبو ثمامة عند قومه ، فاشتد طلب ابن زیاد له ، فخرج إلى الحسين مختفياً ومعه نافع بن هلال البجلي ، فلقياه في الطريق وصارا معه حتى نزلواكربلاء.

وهو الذي منع كثير بن عبدالله السبعي رسول ابن سعد من أن يدنو إلى الحسين إلا بعد نزع سيفه ، على ما رواه أبو جعفر الطبري(1)، قال : لما نزل الحسين كربلاء ونزلها ابن سعد ، بعث ابن سعد إلى الحسين عَزْرَة بن قيس الأحمسي فقال : أنت حسيناً فاسأله ما الذي جاء به وماذا يريد ، وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين ، فاستحيى منه أن يأتيه ، فعرض ذلك على رؤساء القبائل الذين كاتبوه، فأبى كلُّهم وكرهه .

قال : قام إليه كثير بن عبد الله السبعي، وكان فاتكاً فارساً شجاعاً ليس يردُّ وجهه شي ، فقال له : إذهب إليه . فقال : إنما أذهب إليه ، والله لئن شئت لأفتكن به. فقال له عمر بن سعد : ما أريد أن يُفتك به ، ولكن ائته فاسأله ما الذي جاء به ؟ فأقبل إلى الحسين عليه السلام، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين : أصلحك الله يا أبا عبد الله قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه . ثم قام إليه فقال : ضع سيفك . قال : لا والله ولا كرامة ، إنما أنا رسول ، فإن سمعتم مني أبلغتكم ما أرسلتُ به إليكم وإن أبيتم انصرفت عنكم . فقال أبو ثمامة : إني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك . فقال : لا والله ولا تمسه أبداً . فقال له : فأخبرني بما جئت به وأنا أبلغه عنك ، ولا أدعك أن تدنو منه ، فإنك فاجر ، فاستبا . ثم رجع كسيراً إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر .


1) تاريخ الطبري 410/5 .

قال : ثم أرسل قُرَّة بن قيس التميمي الحنظلي مكانه ، فأتاه فتكلم الحسين عليه السلام بما أراد ، ثم رجع إلى قومه .

ومما تفرد به واختص أبو ثمامة على ما رواه أبو مخنف تذكار الصلاة يوم عاشوراء . قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن مسلم ، قال : إن أبا ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي لما رأى الشمس يوم عاشوراء زالت وأن الحرب قائمة ولم يزل يُقتل من أصحاب الحسين عليه السلام الواحد والإثنان فيبين ذلك منهم لقلتهم ويُقتل من أصحاب عمر بن سعد عشرون فلا يبين ذلك فيهم لكثرتهم .

قال أبو ثمامة للحسين عليه السلام : يا أبا عبدالله نفسي لنفسك الفداء أرى هؤلاء القوم قد اقتربوا منك ، ولا والله لا تقتل حتى أقتل ، وذلك إنشاء الله واجب أن ألقى الله ربي وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي قد دنا وقتها .

فرفع الحسين عليه السلام رأسه إلى السماء ثم قال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين ، نعم هذا أول وقتها . قال : سلوهم أن يكفّوا عنا الحرب حتى نصلي . فسألوهم فقال لهم الحصين بن تميم : إنها لا تقبل منكم . فأجابه حبيب بن مظاهر فقال : زعمت لا تقبل الصلاة من آل الرسول وتقبل منك يا حمار .

فصلى بهم الحسين عليه السلام صلاة الخوف لأن القوم كانوا مهاجمين لهم يرمونهم بالنبل على ما مرّ في ترجمة سعيد بن عبد الله الحنفي.

ثم إن أبا ثمامة قال للحسين عليه السلام بعد الصلاة: يا أبا عبدالله إني قد هممت أن ألحق بأصحابي وكرهت أن أتخلف وأراك وحيداً وأهلك قتيلاً.

فقال له الحسين عليه السلام : تقدَّم . فتقدم أمام الحسين وهو يرتجز ويقول :

عزاء لآل المصطفى وبناته *** على حبس خير الناس سبط محمدِ

عزاء لزهراء النبي وزوجها *** خزانة علم الله من بعد أحمد

عزاء لأهل الشرق والغرب كلهم *** وحزناً على حبس الحسين المسدَّدِ

فمن مبلغ عني النبي وبنته *** بأن أبيكم في محمد

فقاتل ، فقتله ابن عم له يقال قيس بن عبد الله الصائدي وكان عدواً له . قالوا : وذلك بعد قتل الحر بن يزيد الرياحي.

وفي الزيارة المروية « السلام على أبي ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي».

عمرو بن عبدالله الجندعي

في الزيارة المروية «السلام على الجريح التريب معه عمرو بن عبدالله الجندعي».

وقد كثر الاختلاف في نسخ الزيارة ، ففي بعضها ليس لفظ «الجريح» ولا كلمة «معه» ، وفي بعضها إثبات «الجريح» دون «معه»، وفي بعضها بالعكس، وفي بعضها إثباتهما . وكذا في كلمة «التريب» . والصحيح «السلام على المرثث عمرو ابن عبدالله» بدونهما .

والتريب مشدّداً بالتاء المنقطة بنقطتين والثاء المثلثة . قال في القاموس(1): وقد رث يرث وأرثه غيره . ومن باب الإفتعال على المجهول حمل من المعركة رثاً أي جريحاً معه رمق . انتهى . لابد وأن يكون من باب التجريد.

ولفظ «معه» لو كان مرجع الضمير الجريح الماثور المذكور قبله أو إلى الحسين عليه السلام على عناية أو إلى الجرح المدلول عليه في كلمة «المرثث»، بمعنى : السلام على المحمول من المعركة مع الجرح. وهذا أيضاً يحتاج إلى عناية وتجريد . ولو كان لفظ «الجرح» مذكوراً لكان بالمد أنسب. فتأمل.


1) القاموس المحيط 167/1.

و «جُندع» بضم الجيم المعجمة وسكون النون وضم الدال ثم سكون العين المهملة . وفي بعض الكتب وصفه بالهَمْداني. وفي سبائك الذهب وغاية الأريب : بنو الجندع بطن من همدان من القحطانية ، وهم بنو الجندع بن مالك بن ذي بارق ابن مالك بن حشد بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان .

ولم يذكر في القاموس «جندع» بالجيم، إنما ذكر ذلك في «خَبْدع» بالخاء المعجمة ثم الباء الساكنة ثم الذال المعجمة ثم العين المهملة ، قال : خبذع كجعفر أبوقبيلة من هَمْدان ، وهو ابن مالك بن ذي بارق ، وقرره عليه الفاضل الأديب المترجم بالفارسية محمد يحيى القزويني ، إلا أنه قال : ضبطه السمعاني وابن الأثير بالكسر كدرهم.

هذا، والمشهور والمذكور في الكتب جُندع كقنفذ.

وبالجملة، فالرجل على ما روي عن الضحاك المشرفي وكذا في الحدائق الوردية وغيره : كان ممن أتى إلى الحسين عليه السلام من الكوفة مع من أتاه أيام المهادنة ، وبقي عه إلى يوم العاشر . قال : وكان آخر من بقي مع الحسين من أصحابه سويد بن عمر بن أبي المطاع الخثعمي وبشر بن عمر و الحضرمي وعمر و ابن عبدالله الجندعي ، فلما أحاط القوم بالمخيم تقدم عمرو بن عبد الله إلى القتال وقاتل مع الحسين عليه السلام، فوقع صريعاً ، قد وقعت ضربة على رأسه بلغت فيه ، فاحتمله قومه وبنوعمه، وبقي مريضاً عند قومه من الضربة طريح فراشه سنةً كاملةً ، ثم توفي على رأس سنة .

انتهى . فتكون وفاته من الضربة في اليوم العاشر من السنة القابلة . ويُستفاد منه أنه قاتل مع الحسين عليه السلام. وهذا يؤيد ذكر كلمة «معه» في الزيارة ورجوع الضمير إلى الحسين عليه السلام(1).


1) أنظر : تنقیح المقال 333/2.

عمر و بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي

«ضبيعة» بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء التحتانية وفتح العين المهملة بعدها ، وزان جهينة ، تصغير ضبعة حيوان معروف ، سمي به رجال .

والضبيعي نسبة إلى الضبع بفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة المفتوحة والعين الساكنة . أبو قبيلة من قضاعة القحطانية ، وهم بنو ضبع بن وثيره بن ثعلب بن علوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة.

وقد يُقرأ ضُبَيْعي بضم الضاد المعجمة والباء المفتوحة والياء المنقطة تحتها نقطتين ، تصغير ضبع كجهينة ، وهم بنو ضبيعة بن عجل بن لجيم مصغراً ، وقد يقرأ مكبراً .

وعلى الكل النسبة إليه على ما ذكر في التاج الضبعي الجهني.

وضبيعة جماعة كبيرة في العرب، منهم عدنانية ومنهم قحطانية ، ولا تميز بينهما إلا بالقرائن .

هذا إن قلنا أن النسبة إلى الشعيرة ، ويحتمل أن تكون النسبة إلى ضبيعة وزان سفينة قرية في اليمامة ، أو ضبيعة كجهيئة محلة بالبصرة .

وعلى التقادير النسبة ضبعي كما ورد في الزيارة المأثورة «السلام على عمرو ابن ضبيعة الضبعي» .

و«التميمي» نسبة إلى تميم كأمير، وهو تميم بن أد بن طابخة ، أبو قبيلة من مضر مشهورة .

عد الشيخ هذا الرجل من أصحاب الحسين عليه السلام(1).


1) رجال الطوسي ص 77.

قال العسقلاني في الإصابة : له ذكر في المغازي والحروب ، كان شجاعاً فارساً، وله إدراك .

وقال أبو مخنف : حدثني فضيل بن خديج الكندي : أن عمرو بن ضبيعة بن قيس كان ممن خرج مع ابن سعد إلى حرب الحسين عليه السلام فلما ردّوا الشروط على الحسين مال إليه ، ثم دخل في أنصار الحسين في من دخل، وقاتل بين يديه حتى قتل في الحملة الأولى . رضوان الله عليه . قاله في المناقب(1).

عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي

عن ابن حجر في الإصابة : عمرو بن قرظة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن اصابة الأنصاري الخزرجى . ويقال : عمرو بن قرظة بن كعب بن عمرو بن عائذ بن زيد بن مناة بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن خزرج بن الحرث بن الخزرج . هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره .

في التنقيح(2): جاء إلى الحسين عليه السلام في اليوم السادس من المحرم أيام المهادنة قبل الممانعة. قالوا: وكان الحسين يرسله إلى ابن سعد في المكالمة التي دارت بينهما قبل إرسال شمر بن ذي الجوشن فيأتيه بالجواب ، حتى كان القطع بينهما بوصول شمر يوم التاسع من المحرم بعد صلاة العصر بكتاب من عبيد الله بن زياد إلى ابن سعد .

قال الطبري : بعث الحسين إلى ابن سعد عمرو بن قرظة الأنصاري أن ألقني الليل بين عسكري وعسكرك .


1) مناقب آل أبي طالب 122/4.

2) تنقيح المقال 336/2.

قال الشيخ في الإرشاد(1): فاجتمعا ليلاً فتناجيا طويلاً، ثم رجع ابن سعد إلى مكانه .

وذكر أبو مخنف(2)والطبرى مثله .

قال أبو مخنف(3): حدثني أبو جناب عن هاني بن ثبيت الحضرمي - وكان ممن شهد قتل الحسين - قال : بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة الأنصاري الخزرجي : أن ألقني الليل بين عسكري وعسكرك . قال : فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارساً وخرج الحسين في مثل ذلك ، فلما التقوا أمر الحسين أصحابه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر ابن سعد أصحابه بمثل ذلك . قال : فانكشفنا عنها ...

وفي بعض الروايات(4): بقي مع الحسين عليه السلام أخوه العباس وابنه علي الأكبر ومع ابن سعد ابنه حفص وغلام له ، فتكلما وأطالا ، حتى ذهب من الليل هزيع - أي نحو من ثلثه أو ربعه - ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره .

وفي بعض كتب الأحاديث والتواريخ قال له الحسين : ويلك يابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك ، أتقاتلني وأنا ابن من علمته ، ذر هؤلاء القوم فكن معي، فإنه أقرب لك إلى الله . فقال ابن سعد : أخاف أن يُهدم داري . فقال الحسين عليه السلام: أنا أبني لك . فقال : أخاف أن يؤخذ ضيعتي . فقال الحسين : أنا أخلف لك خيراً منها من مالي في الحجاز . فقال : لي عيال وأخاف عليهم. ثم سكت ولم يجبه إلى شي . فانصرف عنه الحسين وهو يقول : مالك ذبحك الله على فراشك


1) الإرشاد للمفيد 87/2.

2) مقتل أبو مخنف ص 99 .

3) تاريخ الطبري 413/5 .

4) بحار الأنوار 388/44 .

عاجلاً ولا غفر لك يوم حيرتك ، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلا يسيراً . فقال ابن سعد مستهزئاً : ففي الشعير كفاية عن البر.

وبهذا عرض عمرو رضوان الله عليه في رجزه :

قد علمت كتائب الأنصارِ *** إني سأحمي حوزةَ الدِّمارِ

فعل غلامٍ غير نكس شارِ(1)*** دون حسين مهجتي وداري

قال السيد في اللهوف بعد قتل مسلم بن عوسجة(2): فبرز عمرو بن قرظة الأنصاري ، فاستأذن الحسين عليه السلام ، فأذن له، فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء وبالغ في خدمة سلطان السماء ، حتى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد وجمع بين سداد وجهاد ، وكان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده ولا سيف إلا تلقاه بمهجته ، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسين وقال : يابن رسول الله أوفيتُ ؟ فقال : نعم أنت أمامي في الجنة ، فاقرأ رسول الله عني السلام وأعلمه أني في الأثر . فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه .

قال الطبري وغيره(3): إن لعمرو بن قرظة أخ اسمه علي بن قرظة كان في عسكر ابن سعد، فلما استشهد عمرو خرج ونادى: يا حسين يا كذاب ابن الكذاب أضللت أخي وغررته حتى قتلته . قال عليه السلام : إن الله لم يضلّ أخاك ولكنه هدى أخاك وأضلك . قال علي : قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك . فحمل عليه ، واعترضه نافع بن هلال المرادي ، فطعنه فصرعه ، فحمله


1) النكس : الضعف والعجز. الشاري : الباذل نفسه في سبيل الله تعالى . يقول : إنني غير عاجز في ساحة الجهاد ، بل باذل نفسي في الدفاع عن الحق .

2) اللهوف ص 162 .

3) تاريخ الطبري 434/5 .

أصحابه فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ .

قال الفاضل المعاصر أيده الله : ولعليّ هذا دون أخيه الشهيد ترجمة في كتب القوم ورواية عنه ومدح فيه .

(تتمة)

عد الشيخ في رجاله قَرْطه أبا عمرو بن قرطه من أصحاب الحسين عليه السلام(1).

والظاهر أنه اشتباه من النسّاخ ، فإنه من أصحاب الحسين عليه السلام ، لأنه مات - على ما ذكروه - في سنة إحدى وخمسين وواقعة الطف في سنة إحدى وستين(2).

وضبط الشيخ «قرطة» بالطاء المهملة ، والمشهور في الكتب بالظاء المعجمة .

وكيف كان، فالرجل من كبار الأصحاب وأجلاء أنصار أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان صحابياً قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله ، وشهد أحداً وما بعده . ثم كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وشهد حروبه الثلاثة ، وأعطاه الأمير راية الأنصار في صفين وولاه فارس.

وفي أسد الغابة : إنه توفي في خلافة علي أو في إمارة مغيرة بن شعبة على الكوفة في أول زمن معاوية(3). والأول أصح.

قالوا : وهو أول من نيح عليه بالكوفة(4).


1) رجال الطوسي ص 78 .

2) قرطه هذا مذكور أيضاً في أصحاب علي عليه السلام في رجال الطوسي ص 55 .

3) أسد الغابة 202/4.

4) نقل ذلك ابن الأثير عن علي بن ربيعة .

عمر بن علي بن أبي طالب

عن أبي مخنف وكذا في المناقب والبحار والجلاء الفارسي والمنتخب والتظلم وجلّ كتب المتأخرين ، واللفظ للمجلسى في البحار(1)قال : قالوا ثم تقدم إخوة الحسين عليه السلام عازمين على أن يموتوا دونه ، فأول من خرج أبو بكر بن علي واسمه عبيد الله وأمه ليلى بنت مسعود . إلى أن قال : فقتله زَحْر بن بدر النخعي ...

ثم برز بعده أخوه عمر بن علي وهو يقول :

أضربكم ولا أرى فيكم زُحَر *** ذاك الشقي بالنبي قد كفر

يا زَحْرُ یا زَحْرُ تدانِ من عمر *** لعلك اليوم تبوأ بالسقر

شر مكان في حريق وسعر *** لأنك الجاحد يا شر البشر

ثم حمل على قاتل أخيه زُحر فقتله، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً وهو يقول :

خلوا عداةَ الله خلوا عن عمر *** خلوا عن الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه ولا يفر *** وليس فيها كالجبان المنجحر

فلم يزل يقاتل حتى قتل .

وفي بعض المقاتل : حتى قتل في حومة الحرب بعد ما عُقر فرسه.

وكذا ذكره جمع من المؤرخين ، قال لسان المؤرخين : إتفق أهل السير أن عمر بن علي قد حضر الطف وقاتل قتالاً شديداً .

وفي التنقيح(2): نص أرباب المقاتل من العامة والخاصة بأن عمر بن علي خرج


1) بحار الأنوار 36/45 .

2) تنقيح المقال 345/2 .

مع أخيه الحسين عليه السلام إلى العراق، وكانت معه أمه وأخته رقية وولداها عبدالله ومحمد ولدا مسلم بن عقيل ، وبرز حين اشتد القتال بعد صلاة الظهر وبعد قتل أخيه أبو بكر بن علي بن أبي طالب .

(إزاحة شبهة ورفع إشكال):

إتفق المؤرخون والنسابون بأن عمر بن علي الأطرف لم يحضر الطف على ما صرح به في عمدة الطالب وغيره، وأنه سمع شهادة الحسين عليه السلام وهو بالمدينة .

قال الداودي : وتخلف عمر الأطرف من أخيه الحسين عليه السلام ولم يسر معه إلى الكوفة ، وقد دعاه إلى الخروج معه فلم يخرج. ويقال : إنه لما بلغه قتل الحسين عليه السلام خرج من معصفرات له وجلس في فناء داره وقال : أنا الغلام الحازم ، ولو اخرج معهم لذهبت في المعركة وقتلت .

ولا يصح رواية من روى أن عمر الأطرف حضر كربلاء .

وكان أول من بايع عبد الله بن الزبير، ثم بايع بعده الحجاج، وأراد الحجاج إدخاله مع الحسن بن الحسن في تولية صدقات أمير المؤمنين عليه السلام فلم يتيسر له ذلك .

ومات عمر بينبع وهو ابن سبع وسبعين سنة ، وقيل خمس وسبعين . انتهى ما أردنا ذكره .

وله حكايات وقضايا وقصص ومنازعات عبدالله بن عباس بن مع أمير المؤمنين عليه السلام ذكرها أبو الفرج ، ومع علي بن الحسين عند عبد الملك .

وذكروا أن أم عمر بن علي الأطرف الصهباء الثعلبية ، ويكنى بأبي القاسم .

وصار هذا منشأ لتوقف جمع بل نفي جمع شهادة عمر بن علي في يوم الطف.

والعجب من لسان المؤرخين حيث ذكر أن بعد التتبع التام والإستقراء والإستيفاء ظهر له أن من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام إثنان اسمهما عمر الأصغر والأكبر ، ومع ذلك قال : إن عمر بن علي حضر يوم الطف ولم يُقتل حاله كحال حسن المثنى، وأن عمر الأصغر أمه أم حبيبة بنت ربيعة . وكذا ذكره غيره .

وقد تتبعنا فوجدنا الأمر كذلك. فعلى هذا المقتول بالطف غير عمر بن علي الأطرف الذي ذكروه. حتى أن أبا نصر البخاري ذكر في كتاب «سر السلسلة العلوية» أن عمر الأطرف تخلّف عن أخيه .

فهذا الجمع بين كلمات المحدثين والمؤرخين ، حيث أن النافين صرحوا بأن عمر الأطرف لم يحضر الطف ، ولا ينافي أن غيره المسمى بعمر بن علي حضر الطف. ولم يكن في كلمات المثبتين من الأوصاف والخصوصيات ما ينطيق على عمر الأطرف إلا ما قيل «وكانت معه أمه وأخته رقية وولداها عبد الله ومحمد ابنا مسلم بن عقيل» ، وليس صريحاً في عمر الأطرف بل ينطبق على عمر الأصغر أيضاً.

على أن فيه اشتباهاً آخر ، سيأتي أن زوجة مسلم اسمها رملة على ما عليه أكثر الكتب ، وأن أم محمد بن مسلم بن عقيل أم ولد على ما صرح به أبو الفرج.

وبالجملة ، فلا إشكال في أن عمر الأطرف لم يحضر الطف والمقتول غيره .

عمر و بن مطاع الجعفي

«الجعفي» بضم الجيم المعجمة وسكون العين المهملة ثم الفاء والياء ، على وزن كرسي ، نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة ، من مَذْحِج أبي حي من اليمن .

قالوا : ثم برز عمرو بن مطاع الجعفي، فاستأذن وأذن له، فحمل وهو يرتجز و يقول :

أنا ابنُ جُعَفٍ و أبي مطاعُ *** وفي يميني مُرْهَفٌ قطَّاعُ

وأسمر في رأسه لماعُ ***يُرى له من ضوئه شعاعُ

اليوم قد طاب لنا القِراعُ *** دون حسين الضرب والسطاع(1)

يُرجى بذاك الفوز و الدفاع *** عن حر نار حين لا امتناعُ

صلّى عليه الملك المطاعُ

فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل رضوان الله عليه .

عمیر بن عبدالله المذحجي

قال المحدثون والمؤرخون : ثم برز عمير بن عبد الله المذحجي ، فاستأذن وأذن له ، فحمل وهو يرتجز ويقول :

قد علمت سعدٌ وحيٌّ مَذْحِجِ *** أني لدى الهيجاء غير مُخْرَج

أعلو بسيفي هامة المدجّج *** و أترك القَرْنَ لدى التعرُّجِ

فريسة الضبع الأدل الأعرج

ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله الجبلي(2).

عون بن جعفر بن أبي طالب

عده الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام(3).

قال الأزدي في عقب جعفر بن أبي طالب : أما عون ومحمد الأصغر فقتلا مع


1) السطاع: رفع الرأس ومد العنق.

2) مناقب آل أبي طالب 110/4 .

3) رجال الطوسي ص 50 .

ابن عمهما الحسين عليه السلام في الطف. إلى أن قال : وولد عون بن جعفر بن أبي طالب شهيد الطف ابناً اسمه مبادر، له ذيل لم يطل .

وعن نصر بن مزاحم المنقري : أنه يكنى بأبي القاسم ، وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية ، ولد بأرض الحبشة وقدم به أبوه في غزوة خيبر ، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وحضر معه مشاهده كلها(1).

وفي عمدة الطالب(2): وروي عن عبد الله بن جعفر أنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله بنعي جعفر أبينا ، فدخل علينا وقال لأمنا أسماء بنت عميس : أين بنو أخي ؟ فدعانا وأجلسنا بين يديه وذرفت عيناه ، فقالت أمنا : هل بلغك يا رسول الله عن جعفر شيء ؟ قال : نعم ، استشهد رحمه الله . فبكت وولولت، وخرج رسول الله ، فلما كان بعد ثلاثة أيام دخل علينا ودعانا فأجلسنا بين يديه كأننا أفراخ وقال : لا تبكين على أخي - يعني جعفراً - بعد اليوم . ثم دعا بالحلاق فحلق رؤوسنا وعق عنا ، ثم أخذ بيد محمد وقال : هذا شبه عمنا أبي طالب ، وقال لعون : هذا شبه أبيه خَلقاً وخُلقاً ، وأخذ بيدي فشالها وقال : اللهم احفظ جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقته . فجاءت أمنا تبكي وتذكريتمنا ، فقال رسول الله : أتخافين عليهما وأنا وليهم في الدنيا والآخرة . انتهى .

وفي الإصابة(3): أما عون فشبيه خَلقي وخُلق(4). وفيه قال : ثم توفي رسول الله وانضم عون بن جعفر إلى عمه علي بن أبي طالب، ثم تزوج زينب الصغرى المكناة بأم


1) أنظر : تنقيح المقال 355/2.

2) عمدة الطالب ص 36 .

3) الإصابة 618/4 .

4) الإصابة 44/3 .

كلثوم الكبرى بنت عمه ، وهي بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله .

وقد ذكرنا في قسم ترجمة النساء تفصيل ذلك وأنه خلاف ما عليه المؤرخون. قال في التنقيح(1)وغيره : قالوا : إن عوناً انضم إلى أمير المؤمنين عليه السلام عمه، فلما بلغ مبلغ الرجال زوّجه زينب الصغرى المكناة بأم كلثوم الكبرى، ولازم أمير المؤمنين ، وانضم بعده إلى الحسن عليه السلام، ثم إلى الحسين عليه السلام ولم يفارقه هو وزوجته حتى وردو اكربلاء ، فلما كان يوم العاشر من المحرم وشبّ القتال وقتل أصحاب الحسين ولم يبق معه إلا أهل بيته خاصةً ، وهم ولد علي وجعفر وولد عقيل وولد الحسن وولده ، اجتمعوا يودّع بعضُهم بعضاً وعزموا على الحرب ، فأول من برز من أهل بيته على ما رواه ابن شهر اشوب(2)- عبدالله ابن مسلم بن عقیل ، ثم برز عون بن جعفر بن أبي طالب ، وكان له من العمر يوم قتل ست و خمسون سنة وقيل سبع وخمسون سنة ، وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن جعفرِ *** شهيد صدقٍ في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر *** كفى بهذا شرفاً في المحشرِ

ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثين فارساً(3)وثمانية عشر راجلاً ، ثم قتله زيد بن رقاد الجهيمي وعروة بن عبد الله الختعمي السركا في(4)، قتلوه بعد ما عقروا فرسه رضوان الله عليه .


1) تنقيح المقال 355/2.

2) مناقب آل أبي طالب 115/4، 122.

3) في المناقب: ثلاثة فوارس.

4) في المصدر : قتله عبدالله بن قطبة الطائي .

عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب

أمه زينب بنت فاطمة الزهراء عليها السلام قد ذكرنا عند ترجمة النساء الخلاف في أنها هل هى العقيلة زينب الكبرى أو أم كلثوم زينب الصغرى .

قال أبو الفرج: إن من أولاد عبدالله بن جعفر عون الأصغر وعون الأكبر، فعون الأكبر قتل مع الحسين عليه السلام في الطف وعون الأصغر قتل في عين الوردة يوم الحرة(1).

وقد ذكرنا في كتاب الحسين عليه السلام کتاب عبد الله بن جعفر إلى الحسين وإرساله مع ابنه عون ومحمد يشير فيه الرجوع إلى مكة ، وكتاب عمرو بن سعيد والي مكة إلى الحسين بالأمان والرجوع إلى مكة وإرساله مع أخيه يحيى وعبد الله بن جعفر ، وكتاب الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد ، ولقي الحسين في الصفائح أو ذات عرق ، فامتنع الحسين عن الرجوع وقال : أمرني جدي بالمسير .

قالوا : فلما يئس عبدالله بن جعفر عن رجوعه عليه السلام أمر ابنيه عون ومحمد بملازمته مع زوجته زينب وأومى إليهما بطاعته ورجع .

قال المفيد(2): ولما ورد نعي الحسين عليه السلام ونعيها إلى المدينة كان عبد الله جالساً في بيته ، فدخل الناس يعزّونه ، فقال له أبو السلائي أو أبو السلاسل أو أبو اللشلاس - والأخير أصح - قال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين بن علي. فقال : يا بن اللَّغْناء أللحسين تقول هذا، والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه ، والله إنهما لما يسخّي بنفسي عنهما ويهون علي المصائب بهما، أنها أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه . ثم أقبل على الجلساء فقال : الحمد لله، عزّ عليّ


1) مقاتل الطالبيين ص 82.

2) الإرشاد للمفيد 124/2 ، تاريخ الطبري 466/5 .

مصرع الحسين أن لا أكن آسيت حسيناً بيدي فقد آساه ولدي .

قال الطبري(1)ومثله في المناقب وغيره(2)والقرآن ، ولعن الله قاتله عبد الله بن قطبة الطائي النبهاني»(3): ثم برز عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأستأذن وأذن له ، فحمل وهو يرتجز ويقول «إن تنكروني» إلى آخر ما ذكرناه .

وفي الزيارة المروية « السلام على عون بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنان حليف الإيمان ومنازل الأقران الناصر للرحمن التالي للحنافي(4).

الظاهر أن الأوصاف المذكورة في هذه الجمل هى لجعفر الطيار لا لابنه عون .

(بیان):

قوله «حليف الإيمان» من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي الإيمان الحليف، وأصل الحلف - على ما في المجمع(5)- المعاقدة والمعاهدة على المعاضدة والمساعدة والإتفاق .

قوله «مُنازل الأقران» بضم الميم ، من نازل ينازل نزلاً ونزولاً وتنزلاً ، قال الله تعالى فَنُزُلُ مِنْ حَمِيمٍ(6)النزل بضمتين ما يعد للضيف النازل على الشخص من الطعام والشراب.

والأقران جمع قَرْن ، بمعنى أهل قَرْنه وزمانه ، أو بمعنى القرين أي المثل


1) تاريخ الطبري 447/5 .

2) إبصار العين ص 76 ، مناقب آل أبي طالب 106/4 .

3) يراد منها إقامة الصلوات .

4) بحار الأنوار 68/45 ، المزار لابن المشهدي ص 190 ، إقبال الأعمال 75/3.

5) مجمع البحرين 559/1 .

6) سورة الواقعة : 93 .

وحكاية قراءة جعفر بن أبي طالب القرآن في حبشة في مجلس سيف بن ذي يزن مشهورة مذكورة في كتب السير والتواريخ. وستذكر ترجمة قاتله في محلها .

عون بن علي بن أبي طالب عليه السلام

أمه - على ما ذكره ابن الكلبي - أسماء بنت عميس بن معبد من بني خثعم، أسلمت قديماً وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى حبشة ، فولدت هناك عبد الله بن جعفر ، ثم ولد بعد ذلك بأيام للنجاشي ولد فسماه عبدالله تبركاً باسمه ، وأرضعت أسماء ابن النجاشي عبد الله بلبن ابنها عبدالله بن جعفر . وولدت أسماء لجعفر عوناً ومحمداً .

فلما استشهد جعفر تزوّجها أبو بكر ، فولدت له محمد بن أبي بكر . ثم بعد أبي بكر تزوّجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى . قيل : مات يحيى صغيراً في زمن أبيه ، وقيل : حضر الطف واستشهد . وسيأتي ذكره في محله .

وفي أسد الغابة(1): لا خلاف في ولادتها يحيى من أمير المؤمنين. وقال ابن الكلبي : إن عون بن علي أمها أسماء بنت عميس، ولم يقل بذلك غيره فيها علمنا . انتهى .

وعليه فعون بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ويحيى بن علي بن أبي طالب وعون بن علي بن أبي طالب من أم واحدة.

وأما حضور عون بالطف وشهادته - بعد الإتفاق على أن من ولد علي أمير المؤمنين عون بن علي - فقد نسب السيد في الذخيرة إلى البحار واللهوف،


1) أسد الغابة 395/5.

ولم يكن منه فيهما عين ولا أثر ، قال : أول من برز من إخوته عون ولعل في نسخته تصحيف عمر بن علي بعون بن علي ، مع أنه صرح بأن من قتل من إخوته بعد عبد الله بن مسلم بن عقيل أبو بكر بن علي أو عمر بن علي أو عبدالله بن علي على الاختلاف.

وأعجب من ذلك ما في التنقيح حيث أنه قدس سره بعد ما ذكر في ترجمة عمر بن عبد الله الجندعي أن أكثر نقليات السيد في ذخيرة الدارين موهون لا سند ولا مدرك له، لأنه باشر تأسيس قبة تبعه في غير مقام وذكر ما لا سند له إلا الذخيرة ، ومنه مقامنا هذا حيث قال : نص عليه أرباب السير والمقاتل أنه ممن شهد الطف وأنه أول من خرج من إخوته ، قالوا : إنه لما رأى - إلى آخر ما ذكره السيد في الذخيرة.

وليت شعري أي رجل من أرباب السير والمقاتل ذكر ذلك وقال به حتى نسب إليهم بكلمة «قالوا».

نعم ، قال لسان المؤرخين في ناسخ التواريخ: لم أرمن ذكر شهادة عون بن علي بالطف كلما تصفحت في كتبهم، مثل بحار الأنوار والعوالم وإعلام الورى ومنتخب الطريحي ومناقب ابن شهراشوب والخوارزمي وتاريخ أعثم الكوفي واللهوف ومقتل أبي مخنف وابن الجوزي ومروج الذهب والطبري والفصول المهمة وشرح الشافية وزبدة الفكر وعوس منصوري وجلاء العيون للسيد عبدالله شبر وغير ذلك من الكتب العربية والفارسية التي يطول ذكرها، ولم أر في واحد منها ومن غيرها ذكراً لعون بن علي بن أبي طالب إلا في روضة الأحباب لكمال الدين من مؤرخي العامة وثقاتهم ، قال : ونحن نتبع أثره لوثوقي ووثوق غيري بما نقله ، قال : لما شبّ القتال واشتد ورأى عون وحدة أخيه وقلة ناصره وكان رجلاً

شجاعاً صبيحاً مليحاً استأذن أخاه في قتال القوم وحده ، فاستعبر الحسين عليه السلام وقال له : يا أخي أنت لا تقدر على مقاتلة هؤلاء القوم وحدك فلنقاتل معهم بالمبارزة، فليبرز إليك واحد بعد واحد . قال : يا أخي أنا ابن علي بن أبي طالب لا نبالي من كثرة العدد. فبرز إليهم وحمل عليهم وحده .

قال : وأحاط به ألفان من عسكر ابن سعد وقاتلهم وقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة ، وقتل منهم جماعةً كثيرةً ، ثم رجع إلى أخيه الحسين عليه السلام ، فقبل الحسين رأسه ووجهه وقال : أحسنت، ومعه جراحات تشخب دماً ، فقال له الحسين : قف هنيئة واسترح ساعة . قال له : يا أخي إنما جئت للقائك وأنظر إلى وجهك ، وقد أصاب فرسه جراحات . وأمر الحسين بفرس له ، فركب ورجع وحمل على القوم.

قال : وفي القوم رجلٌ يُسمى صالح بن يسار ، وكان قد شرب الخمر في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام فأمر عوناً بإجراء الحدّ عليه فأجرى عليه . وحمل صالح على عون وشتمه ، فطعنه عون وانقلب عن فرسه ومات . فخرج أخوه بدر بن يسار طالباً لثار أخيه ، فألحقه بأخيه ، فكمن له خالد بن طلحة وضرب بسيفه على رأس عون، فانقلب عن فرسه وقال : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، فقضى عليه . انتهى .

هذا، ولكن حدثني مشافهة الحبر الماهر والبحر الزاخر الحاج ملا علي القزويني الواعظ ، وكان رجلاً متتبعاً خبيراً بصيراً عالماً بالتاريخ والأنساب في كربلاء المشرفة سنة 1318 وقد سألته بمحضر جمع من الفضلاء عن القبر الذي بخارج كربلاء يُزار وعليه قبة والناس يعتقدون أنه قبر عون بن علي بن أبي طالب ، هل لذلك سند و مدرك غير الشهرة ؟ قال حشره الله مع مولاه : نعم ،

هذا قبر عون بن علي بن أبي طالب، وذلك أنه لما عزم حبيب بن مظاهر على المسير إلى بني أسد لدعوتهم إلى نصرة الحسين عليه السلام قال للحسين : إبعث معي واحداً من إخوانك يكون عوناً لي في الدعوة والنصيحة . فأرسل الحسين أخاه عوناً مع حبيب، فخرج حبيب مع عون إلى بني أسد، فأخبراهم فأجابوهما، فخرج جماعة من بني أسد معهما إلى الحسين عليه السلام، واعترضهم في الطريق جند ابن سعد ، فاقتتلا فقتل جمع من بني أسد وهرب الباقون ، وقتل عون هناك ودفن وحوله قبور جمع من بني أسد المقتولين في سبيل الحسين عليه السلام .

فقلت له : في أي كتاب رأيت هذا ، فسمى كتاباً نسيت اسمه ، وما أنسانيه إلا الشيطان . والعهدة عليه قدس سره.

قارب بن عبد الله بن أريقط

«أريقط» بالطاء المهملة ، وقد يقال «أريقد» بالدال المهملة بصيغة التصغير ، الليثي ثم الدئلى، وفي الزيارة المأثورة «السلام على قارب مولى الحسين عليه السلام».

عن الحدائق الوردية : إن قارباً أمه فكيهة كانت خادمة للحسين عليه السلام، تخدم في بيت الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين ، تزوجها عبدالله بن أريقط الدئلى ، فولدت قارباً هذا.

فلما عزم الحسين عليه السلام على المسير إلى مكة خرج قارب وأمه فكيهة مع الحسين إلى مكة ثم إلى العراق ، فلما شبّ القتال في اليوم العاشر واشتد ، تقدم إلى الحرب، فقتل في من قتل في الحملة الأولى، وهى قبل الظهر بساعة(1).


1) أنظر : تنقيح المقال 2 ق 18/2 .

(بیان):

«المولى» هنا ليس بمعنى العبد ، لأن عبد الله أبا قارب لم يكن مملوكاً . إلا أن يقال : إنه اشترط في تزويج فكيهة إياه أن يكون الولد مملوكاً(1).

قاسط بن عبد الله بن زهير بن الحرث التغلبي

هو وأخوه كردوس بن زهير وأخوهما الآخر مقسط بن زهير التغلبي ، هؤلاء الثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام(2)، ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاثة ، وبعده صحبوا الحسن عليه السلام ، وبعد مضيه إلى الحجاز بقوا في الكوفة ، ولهم ذكر في الحروب، خصوصاً في حرب صفين ، وكان يوم صفين على تميم بالبصرة قاسط بن عبد الله والأحنف بن قيس ، وعلى حنظلة بن عبدالله كردوس بن عبدالله واعشى بن ضبع، ولما ورد الحسين عليه السلام كربلاء خرجوا إليه وجاؤا ليلة العاشر ، فلما أصبحوا وقامت الحرب جاهدوا بين يديه حتى قُتلوا في الحملة الأولى .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على قاسط وكردوس ابني زهير التغلبيين».

(بیان):

التغلبي نسبة إلى تغلب بالتاء المثناة من فوق المفتوحة والغين المعجمة الساكنة واللام المفتوحة والباء الموحدة من تحت. قال في التاج(3): والغلباء أبوحي، وهو المعروف بتغلب ، كانت تغلب تُسمى الغلباء. إلى أن قال : أو أن بني حي آخر غير بني تغلب.


1) المزار للشهيد الأول ص 153 ، إقبال الأعمال 345/3 ، المزار لابن المشهدي ص 494 .

2) رجال الطوسي ص 57 .

3) تاج العروس 292/2.

وفي المصباح : بنو تغلب بطن من مشركي العرب، طلبهم عمر بالجزية ، قالوا : إن تعطوها باسم الجزية فصالحوا على اسم الصدقة مضاعفة إلى أن قال : وهو - أي تغلب بن غالب بن قاسط بن هيه بن أقصى بن أعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان .

قاسم بن حبيب بن أبي بشر الأزدي

قالوا : كان فارساً بطلاً موصوفاً بالشجاعة مذكوراً من الشيعة الكوفيين.

خرج مع عمر بن سعد ، فلما وصل كربلاء مال إلى الحسين عليه السلام أيام المهادنة ، فلما شبّ القتال يوم العاشور تقدم مع من تقدم ، فقاتل وقتل مع من قتل في الحملة الأولى(1).

وفي الزيارة المروية «السلام على قاسم بن حبيب الأزدي».

قاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب

قال أبو الفرج(2): هو وأخوه أبو بكر بن الحسن الذي قتل قبله لأبيه وأمه . وقال في أبي بكر بن الحسن أمه أم ولد لا تُعرف أمه .

وعن الدر النظيم للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي : عمرو بن الحسن وأخواه قاسم وعبد الله ابناء الحسن أمهم أم ولد لا تُعرف . وعن الحدائق الوردية : أبوبكر بن الحسن وأخوه القاسم أمها رملة . وفي بعض كتب الأصحاب : إن قاسم وعبد الله أمهما نجمة .

وفي جلّ الكتب المعتبرة التعبير عنه بالغلام مكرراً كما ستعرف إلا أن في


1) أنظر : تنقيح المقال 18/2/2 ، إبصار العين ص 143.

2) مقاتل الطالبيين ص 128.

البحار : غلام صغير لم يبلغ الحلم. وتبعه غيره بإسقاط كلمة «صغير»(1).

والعجب ما في تذكرة الأئمة على ما في الناسخ : إن عمره يوم العاشور تسع سنوات. وهو غلط واضح، لأن من يوم وفاة الحسن عليه السلام إلى يوم العاشور عشر سنوات باتفاق الكل، فكيف يكون عمره تسع سنوات.

وفي مقتل أبي مخنف الموجود : له أربعة عشر سنة .

وقد يقال : ثلاثة عشر سنة . ولا مدرك صحيح للتقيد ، إلا أن الأصح عندي انه يوم قتل كان له من العمر ستة عشر سنة .

وقد رأيت كتاباً في الأنساب يُسمى بلآلي الأنساب في خزانة كتب الامام الرضا عليه السلام وكانت كتابته سنة خمسمائة وتأليفه قبل ذلك بكثير ، قال : وعمره يومئذ ستة عشر سنة .

ويشهد له بل يدل عليه رواية أبي حمزة الثمالي قال عليه السلام : أنت ممن يُقتل من الرجال، والحديث ما رواه الحسين بن حمدان الحضيني في كتاب الهداية(2)باسناده عن أبي حمزة قال : سمعت علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول : لما كان اليوم الذي استشهد فيه أبي جمع أهله وأصحابه في ليلة ذلك اليوم فقال لهم : يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جملاً لكم . إلى أن قال : فقال له القاسم بن الحسن : وأنا في من يقتل ؟ فأشفق عليه الحسين فقال : يا بني كيف ترى الموت عندك . قال : يا عم أحلى من العسل . فقال : أي والله فداك عمك ، إنك لأحد من أن تبلى ببلاء عظيم، وابني عبدالله . فقال : يا عم يُقتل من الرجال ويصلون إلى النساء حتى يُقتل عبد الله وهو رضيع ؟ فقال : فداك عمك يقتل


1) بحار الأنوار 34/45 .

2) الهداية الكبرى ص 204.

عبد الله إذا جفّ عطشاً . إلى آخر الرواية .

(بیان):

أنظر إلى تعبيره عليه السلام في موضعين بقوله «فداك عمك» . قد ضاق الخناق وكل الأفهام وعجزت الأوهام وطاحت العقول عن درك هذا المقام وبيان كلام الإمام و توضیح مرامه عليه السلام ، مع العلم بأن كلامه لم يصدر منه على سبيل المبالغة ولا على سبيل ما هو المتعارف بين الأنام من الخواص والعوام ، إذ الإمام أجلّ من أن يبالغ في الكلام أو يتكلم بما يتكلم به العوام ، ولم يصدر منه عليه السلام مثل هذا الكلام في غير هذا المقام لأحد من الشهداء وأصحابه وأولاده ، بل لم يصدر هذا التعبير من غيره من الأئمة عليهم السلام لغيره إلا عن أمير المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله على ما ذكره في أواخر مخلد العين بعد النبي أن أول من قال «جعلت فداك» علي بن أبي طالب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وينبغي صدور هذا الكلام من مثله لمثله عليهم الصلاة والسلام.

وقصارى ما يقال في المقام : إنه لما كان فداءاً للدين قال له «فداك عمك» لأنك فداء للدين ، كأنه قال فداء لفداء الدين. وهذا معنى دقيق يجب الدقة فيه .

وبالجملة ، يدل هذا الكلام على نباهة قدر القاسم وجلالة شأنه وعظم خطره ونهاية التفات عمه ومحبته له .

قوله «من الرجال» جمع رجل ، وهو على ما في القاموس وغيره يُقال لمن شبّ واحتلم. في المجمع : في كثير من كتب المحققين تقييده بالبالغ . وهو أقرب وسوق الكلام يقتضيه .

وقوله عليه السلام «إنك لأحد من يُقتل معي من الرجال» يأبى صرفه عن ظاهره بما يأبى عنه الذوق السليم ، مع أنه لا دليل عليه .

قوله «بعد أن تبلى ببلاء عظيم» الظاهر اختصاصه عليه السلام ببلاء عظيم غير

البليات المشتركة مع الشهداء، فإن الشهداء لهم بلايا مشتركة كالعطش والغربة ومفارقة الأحبة وجراحات السيف والسنان والربح والنبل وأمثال ذلك المشترك فيها جميع الشهداء ، وبلايا مختصة بأحدهم كما سيأتي شرحه في باب المختصات والمشتركات . وإنا كلما تصفحنا وتأملنا ونظرنا في مصائبه لم نجد ما يختص به ولم يكن في غيره إلا مسألة الزواج على ما ذكره الطريحي وتبعه من بعده، فإنه لا يخلو من الأكاذيب والمجعولات، وغاية ما يصححه أنه لسان حال موضع مقال، إذ لم نجد في الكتب المعتبرة لزواجه ذكراً ، بل كل من تأخر عنه رماه بالجعل والكذب ، إلا القليل ممن لا يعتنى بقوله .

نعم ، يمكن بل لا يبعد بل أظنه ظناً اطمئنانياً تصديقه في الجملة ، وهو أصل الزواج. وقد صرح المعاصر الأمين العاملي أيده الله في المجلس الثالث والستين من مجالسه : خرج القاسم بن الحسن وهو غلام لم يبلغ الحلم وكانت سكينة بنت عمه سميت له .

وقد ذكر المؤرخون وأصحاب النسب أن سكينة لم تكن مزوجة في يوم العاشور .

وأما الحسن بن الحسن فإنما تزوج فاطمة الصغرى أو الكبرى، وهما غير سكينة على ما سنذكر ذلك في محله . هذا المقدار يكفي في ابتلائه روحي فداه ببلاء عظیم اختص به ، وقع عقد الإزدواج أم لم يقع . وقد ذكر في ترجمة سكينة قصة الابتلاء والزواج مفصلاً .

والأكثرون على ما صرحوا به أن القاسم خرج إلى الميدان بعد ابن عمه علي ابن الحسين الأكبر .

وقال أبو الفرج(1): إنه خرج بعد أخيه أبي بكر .

وقيل : إنه أول من خرج من أولاد الحسن عليه السلام. والأصح ما عليه الأكثر .


1) مقاتل الطالبيين ص 58 .

وقال لسان المؤرخين وغيره : إن القاسم خرج من الفسطاط شاكي السلاح. إلا أن ما رواه أبو الفرج والشيخ المفيد والطبري عن أبي مخنف عن سليمان بن راشد عن حميد بن مسلم قال : خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر ، وفي يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما ما أنسى أنها اليسري(1).

(بیان):

قوله «وجهه شقة قمر» هكذا في جلّ كتب المقاتل والتواريخ ، إلا أن في البحار «وجهه كفلقة القمر» . قال في المجمع(2): الفلق الشق ، ويجيئ بمعنى النور والضوء. إلى أن قال : الفلق بالكسر الشق .

قوله «شسع نعله» التّسع ما يدخل بين الاصبعين في النعل العربي على الشراك . قاله في المجمع(3).

وفي البحار وغيره(4): إنه لما خرج القاسم من الفسطاط ونظر إليه الحسين عليه السلام أنه قد برز، إعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما ، ثم استأذن الحسين للمبارزة ، فأبى عليه السلام أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له ، فخرج ودموعه تسيل على خديه وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن الحسن *** سبط النبي المصطفى والمؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن *** بين أناس لا شقوا صَوْبَ المزن(5)


1) شرح الأخبار 179/3 ، الإرشاد للمفيد 107/2 ، مثير الأحزان ص 52 ، بحار الأنوار 9/12.

2) مجمع البحرين 438/3 .

3) مجمع البحرين 509/2.

4) بحار الأنوار 34/45 .

5) المزن : السحاب ذو الماء.

(بیان):

قوله «فجعلا يبكيان حتى غُشي عليهما» اتفقت كلمة المحدثين والمؤرخين في لفظة «غُشي عليها». وقد أُشكل على بعض وكثيراً ما يُسأل عنه من نسبة الغشي إلى الامام عليه السلام، ومنشأ الإشكال والاشتباه الخلط بين الإغماء والغشي ، فإن الذي لا يصلح أن يُسند إلى الإمام كلمة «الإغماء» ، وقد ورد كثيراً عبارة «غُشي عليه» وأمثال ذلك بالنسبة إلى الأئمة عليهم السلام ولم ترد كلمة «الإغماء» بالنسبة إليهم. والستر فيه أن الإغماء هو ستر العقل والغشي هو ستر القلب الصنوبري الجسماني. فالإغماء يتعلق بالعقل والروح والغشي يتعلق بالبدن . قال في المجمع(1): تغشى هو تعطيل القوى المحركة لضعف القلب بسبب وجع شديد. وغمى عليه فهو مغمى عليه إذا سُتر عقله وغطي. الثاني لا يناسب المعصوم عليه السلام بوجه بخلاف الأول . وهذا نظير جف الروح.

قالوا : فحمل عليهم حملة واحدة وقاتل قتالاً شديداً، وقتل منهم خمساً وثلاثين رجلاً أو سبعين رجلاً ، ثم رجع إلى عمه .

وفي مدينة المعاجز قال : وروي أن القاسم بن الحسن لما رجع إلى عمه الحسين من قتال الخوارج قال : يا عماه العطش، أدركني بشربة من الماء. فصبره الحسين - أي أمره بالصبر - وأعطاه خاتمه وقال له : حطه في فمك فمصه . قال القاسم : فلما وضعته في في كأنه عين ماء ورُوّيت ورجعت إلى الميدان. فرجع مرتجزاً وهو يقول كما في المناقب :

إني أنا القاسم نجل علي *** نحن وبيت الله أولى بالنبي

من شمر ذي الجوشن أو ابن الدعي

فحمل عليهم .


1) مجمع البحرين 313/3.

وعن شرح الشافية : برز إليه رجل شجاع يعادل ألف رجل ، فحمل عليه القاسم ، فضربه على أم رأسه وانقلب عن فرسه ومات عليه لعنة الله .

ثم حمل وارتجز على ما في أمالي الصدوق وهو يقول :

لا تجزعى نفسي فكلّ فانِ *** اليوم تلقين ذوي الجنان

ومثله في روضة الواعظين(1).

وروى أبو الفرج والشيخ المفيد والطبري وغيرهم عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال : خرج إلينا غلام كأنّ وجهه شقة قمر ، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد قطع شسع إحداهما ما أنسى أنها اليسرى ، فقال عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي : والله لأشدنّ عليه ، فقلت له : سبحان الله ما تريد إلى ذلك ، يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب . قال : والله لأشدن عليه . فما ولى وجهه حتى ضربه ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه فقال : يا عماه .

قال : فجلى الحسين كما يجلي الصقر ، ثم شدّ شدة الليث المغضب وضرب عمراً بالسيف، فاتقاه بالساعد فأطنها(2)من لدن المرفق ، فصاح صيحةً سمعها أهلُ العسكر. ثم تنحى عنه الحسين عليه السلام، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين، فلما حملت الخيل استقبله بصدورها وجالت فوطأته ، فلم يرم حتى مات .

وفي اللهوف(3): وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه ، فوطأته الخيل حتى هلك .


1) روضة الواعظين ص 188 .

2) أطنها : قطعها .

3) اللهوف ص 168 .

هكذا في جلّ كتب المحدثين والمؤرخين، والظاهر بل الصريح بأن المقتول تحت سنابك الخيل هو عمرو بن سعد بن نفيل ، إلا أن في البحار(1)وتبعه غيره عن حميد بن مسلم . إلى أن قال : فاستقبله بصدورها وجرحته بحوافرها ووطأته حتى مات الغلام .

وهذا مع أنه نقل عن حميد بن مسلم الأزدي - وقد عرفت أنه نقل الأكثر - أن - المقتول تحت حوافر الخيل عمرو بن سعد ليس نصاً ولا ظاهراً في رجوع الضمير إلى الغلام ، بل الظاهر خلافه ، بل حق العبارة أن نقول : حتى مات لامات الغلام ، خصوصاً بعد قوله «فلما انجلت الغبرة رأيت الحسين واقفاً على رأس الغلام وفيه رمق» إلى آخر ما سيأتي .

وبالجملة ، فكثير من المتأخرين تبعوا المجلسي عليه الرحمة في ذلك ، وصرحوا بأن الغلام مات تحت حوافر الخيل . ولا مستند لهم إلا البحار ، ولا مستند له من الأخبار والتواريخ . اللهم إلا أن يقال: إن أبا مخنف وغيره نظرهم إلى هلاك عمرو بن سعد تحت حوافر الخيول لا إلى القاسم ، فلذا ذكروا تعدد الواقعة «فلما انجلى الغبرة» إلى آخر ما سيأتي . إلا أن النظم الطبيعي في الحرب واستقبال الخيول بصدورها وحمل خيل الكوفة واستنقاذ عمروبن سعد وعدم حمل القاسم من ميدان الحرب يقتضي كونه روحي له الفداء أيضاً أنه رُضَ تحت حوافر الخيل وسنابكها، ووطأته الخيل كما وطأت عمرو بن سعد، إلا أن عمراً مات وبقي في القاسم رمق .

وعلى هذا فما عن بعضهم من شدة الإنكار والرمي بالكذب والجعل تعريضاً على بعض الأجلة ، ليس في محله .

قال المجلسي في جلاء العيون الفارسي : پس آن ملعون زیر سم ستوران کشته


1) بحار الأنوار 35/45 .

شد و بدن شاهزاده معصوم کوفته شد.

قال أبو الفرج وغيره : قال حميد بن مسلم : فلما انجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول : بُعداً لقوم قتلوك وخصمهم فيك يوم القيامة رسول الله . ثم قال : عزّ على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا ينفعك ، إجابة يوم كثر واتره وقلّ ناصره . ثم احتمله على صدره وكأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين ، فسألت عن الغلام قالوا : هذا القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب .

وفي اللهوف : صوت والله كثر واتره وقلّ ناصره(1).

وفي البحار(2): فقال الحسين : يعزّ على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، أو يعينك فلا يغني عنك ، بُعداً لقوم قتلوك . ثم احتمله على صدره ، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي : ما صنع به ؟ فجاء به حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته ، ثم قال : اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً ، صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد ذلك اليوم أبداً . انتهى .

ومثله غيره مع اختلاف يسير .

وفي بعض المقاتل قبل قوله عليه السلام «اللهم أحصهم» : اللهم إنك تعلم أنهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا ، اللهم إن كنت حبست النصر عنا في دار الدنيا فاجعل ذلك ذخراً لنا في الآخرة وانتقم لنا من القوم الظالمين .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على قاسم بن الحسن المضروب على هامته المسلوب


1) نفس المصدر والصفحة .

2) بحار الأنوار 35/45 .

لامته حين نادى الحسين عمّه فحمل عليه عمرو كالصقر وهو يفحص برجليه التراب والحسين يقول : بُعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة جدك وأبوك ، ثم قال : عزّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك ، هذا والله يوم كثر واتره وقل ناصره ، جعلني الله معكما يوم جمعكما ويبوأني مبوّأكما ، ولعن الله قاتلك عمرو بن سعد بن عروة بن نفيل الأزدي ، وأصله جحيماً وأعد له عذاباً أليماً».

(بیان):

قوله «المضروب هامته» الهامة الرأس، قال في المجمع : ومنه حديث الحجام «خذ من الماء الحار وصبّه على هامتك» ، أي رأسك .

قوله «المسلوب لامته» في القاموس : اللامة هي الدرع. وفي المجمع : واللام جمع لامة على وزن فعله ، وهي الدرع(1)، ومنه حديث علي عليه السلام لأصحابه في صفين «وأكملوا اللامة» ، ويحتمل أن يريد جميع آلات الحرب .

هذا، ويؤيد بل يدل على أنه روحى له الفداء خرج وهو شاكي السلاح وعليه الدرع ، كما مرّ عن بعض المؤرخين، على خلاف ما روي عن حميد بن مسلم. فتدبر .

قوله «يوم كثر واتره» الواتر إما من الوِثر بالكسر بمعنى الجناية، فيرجع الضمير إلى اليوم . أو الواتر بمعنى الموتور كالشاكر بمعنى المشكور ، أي الذي قتل له قتيل فلم يُدرك بدمه، فالضمير يرجع إليه عليه السلام .

وفي بعض النسخ : هذا يوم قلّ واتره وكثر زاجره . والأول هو الأصح .

(تتميم) :

قد وعدناك سابقاً في انطباق جهاد من لم يبلغ في يوم الطف على القواعد ، فنقول :


1) القاموس المحيط 174/4 ، مجمع البحرين 101/4.

أولاً -على القول المشهور المنصور الذي قد قُرّر في محله : أن عبادات الصبي - خصوص من يقرب من الحلم والتميز ومن بلغ عشراً - صحيح، فلا إشكال في ذلك ، فإن الجهاد من أكمل العبادات ، فصدر منهم صحيحاً . فليكن هذا أيضاً من أدلة صحة عبادات الصبي .

ويؤيد بل يدل على هذا قوله عليه السلام للصبي الذي قتل أبوه في المعركة «ردّوه لعل أمه تكره» ، فإن العمل المستحبي من الصبي مشروط بإذن الأم على القول الأكثر ، وإنه عليه السلام لم يأذن للقاسم إلا بعد المبالغة ، فأذن له بالإذن الإلهي الصحيح الشرعي بعد إذن أمه ، ولم يصدر منه عليه السلام في غير القاسم مثل ما صدر منه في القاسم .

وأما ثانياً - فمن المحقق في محله والمبرهن بحكم النقل والشرع والعرف أن حفظ وجود الامام واجب على كل من يقدر عليه ، سواء كان حراً أو مملوكاً رجلاً أو امرأة صغيراً أو كبيراً ، ولو بمقدار ساعة أو دقيقة ، بل يجب على كل من سمع واعية الامام واستنصاره أن يجيبه مطلقاً كل من كان ، ولذلك أمر الحسين عليه السلام جابراً الجعني أن ينتقل من مكانه ويبتعد عنه وقال : من سمع واعيتنا ولم يجبنا أكبه الله على النار .

بل يجب ترك الواجبات المهمة مثل الصلاة إذا وقف حفظ الامام على تركه، ولذا أمر الحسين عليه السلام سعيد بن عبد الله الجعني أن يقف أمامه حين أراد أن يصلي صلاة الخوف وإن ترك صلاة نفسه كما قيل ، مع «إن الصلاة عمود الدين» فلا تترك بحال .

وهذا يدل على أن حفظ وجود الامام واجب على كل تقدير ، يُقدم على كل واجب ولا يتوقف على شي حتى الإذن ممن له الإذن بعد إذن الولي الخاص وهو

الامام عليه السلام .

وإذن الحسين عليه السلام لبعض أصحابه بالرجوع إنما هو قبل الاستغاثة والإستنصار ، وإنما هو الحكمة ومصلحة لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيْنَةٍ(1). ولذا خرج من خرج وبقي من بقي .

وفي الخطبة التي خطبها عليه السلام في ليلة العاشور إشارة إلى ذلك . ولو أن الله تعالى شاء أن يرى الناس سبايا ، وأن التوحيد لا يكمل بالشهادة وحدها بل لابد من انضمام الإسارة بها ، وإن الإسارة هي الركن الركين كالشهادة ، لوجب على النساء أيضاً الجهاد والقتل دونه عليه السلام، فإن الله تعالى أكمل كل واحد من الشهادة والإسارة بالأخرى ، وبهما تمت الحجة وبقي التوحيد والاسلام . فكما أن أسماء أصحاب الحسين عليه السلام مكتوبة لا يزيد فيهم ولا ينقص منهم أحد ، فكذلك النساء المأسورات مكتوبات لا زيادة فيهن ولا نقيصة .

هذا غاية ما يصل إليه الفهم . والله العالم بحقائق أمور أوليائه والسر في شهادة شهدائه . هدانا الله وإياكم إلى التوفيق لدرك بعض ما يخص بأوليائه .

قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب

أمه أم ولد .

قال الداودي : وأعقب من ولد جعفر بن أبي طالب محمد الأكبر ولد عبد الله والقاسم وبنات ، فولد القاسم بنتاً أمها بنت عمه عبدالله بن جعفر وأمها زينب بنت علي بن أبي طالب ، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأمها


1) سورة الأنفال : 42 .

خديجة بنت خويلد . إلى آخر ما قال . ولم يذكر أنه ممن استشهد في الطف.

وذكر المحدثون والمؤرخون خطبة معاوية فاطمة بنت عبد الله بن جعفر ليزيد ، وأرجع عبد الله أمرها إلى الحسين عليه السلام، فزوجها من قاسم بن محمد بن جعفر . وسيأتي تفصيله في ترجمة فاطمة بنت عبد الله .

ولم أر من المتأخرين من تعرض لذكر القاسم هذا وأنه استشهد في يوم الطف إلا في التنقيح(1)، قال : وقد انتقل القاسم مع زوجته مع الحسين إلى كربلاء ، وكان ملازماً لابن عمه ولم يفارقه أبداً ، وخرج بعد عون بن جعفر ، وقاتل فقتل منهم جمعاً كثيراً ، عد بعضهم فارسهم ثمانين وراجلهم اثني عشر ، وأثخن بالجراح، فتعطفوا عليه من كل جانب فقتلوه في حومة الحرب ، رضوان الله عليه .

وعن المناقب(2)إنه بعد شهادة العباس بن أمير المؤمنين برز القاسم بن الحسين وارتجز بما ارتجز به القاسم بن الحسن .

ولعله سهو أو تصحيف ، إذ لم يذكروا للحسين عليه السلام ابناً يُسمى بقاسم.

قعنب بن عمرو النميري أو النمري

قد مرّ في الحجاج بن بدر التميمي السعدي أن الحسين عليه السلام كتب كتاباً إلى أشراف البصرة من رؤساء الأخماس ، وكتبوا في جوابه كتاباً ذكرنا ذلك مع كتابه عليه السلام عند ترجمته ، وأرسلوا الكتاب مع الحجاج ، فلما أراد الحجاج المسير إلى الحسين بجواب الكتاب جاء قعنب بن عمرو النميري معه إلى الحسين


1) تنقيح المقال 24/2/2 .

2) لم نجد هذا في المناقب، وهو تصحيف حتماً .

عليه السلام ، وكان رجلاً بصرياً من الشيعة في البصرة(1)فلما جاء إلى الحسين انضم إليه وبقي معه إلى يوم الطف ، فلما شبّ القتال تقدم بين يديه عليه السلام، فقاتل وقتل في الحملة الأولى كما في الحدائق وقتل مبارزة.

وفي الزيارة المروية «السلام على قعنب بن عمرو النميري».

(بیان):

«قعنب» بالقاف المعجمة والعين المهملة ثم النون والباء ، وزان جعفر .

و«النميري» بالنون والميم والياء المثناة من تحت والراء المهملة ، وزان زبير. نسبة إلى قبيلة من قيس، اسمه نمير بن عامر بن صعصعة بن معسر بن بكر بن هوازن. قال سيبويه : والجمع النميرون بحذف ياء الإضافة كما قالوا «الأعجميون» انتهى .

قيس بن مسهر بن خالد بن جندب بن منقذ بن عمرو بن قعين بن حرث بن ذودان بن أسد بن خزيمة الأسدي الصيداوي

قد مرّ ضبط «صيدا» في أبي ثمامة .

كان قيس رجلاً شريفاً شجاعاً في بني صيدا مخلصاً في محبة أهل البيت عليهم السلام.

قد مر في عبد الله بن يقطر ما يناسب المقام، وأنه رضوان الله عليه ممن حمل مع نفر نيفاً وخمسين صحيفة من الكوفة إلى الحسين عليه السلام كاتبين فيها على الانتقال إليهم . فدعى الحسين مسلم بن عقيل فأرسله إلى الكوفة وأرسل معه قيس بن مسهر الصيداوي، فلما أتى مسلم إلى المضيق كتب كتاباً يخبره بما سن


1) أنظر : تنقيح المقال 29/2/2 ، إبصار العين ص 165 .

عليه وأرسله مع قيس بن مسهر وبقي في المضيق ينتظر الجواب، فكتب إليه الحسين عليه السلام جواباً يأمره بالمسير وأرسله مع قيس بن مسهر ، فجاءه في المضيق وسار مع مسلم إلى الكوفة . ولما رأى مسلم اجتماع الناس على البيعة للحسين عليه السلام كتب إلى الحسين كتاباً وسرحه مع قيس وأصحبه عابس وشوذب مولاه ، وأتوه إلى مكة ولازموه حتى جاؤا معه.

فلما وصل عليه السلام إلى الحاجر من بطن عقبة كتب كتاباً إلى الشيعة بالكوفة ، فبعثه مع قيس بن مسهر ، وكان ذلك بعد قتل مسلم ، وكان عبيد الله بن زياد نظم الخيل ما بين خفان إلى القادسية وإلى القُطقُطانية وإلى لعلع ، وجعل عليها الحصين بن تميم .

فلما وصل قيس إلى القادسية قبضه الحصين بن تميم وبعثه إلى عبيد الله بن زياد، فسأله عن الكتاب ، فقال : مزقته . قال : ولم ؟ قال : لئلا تعلم ما فيه . قال : إلى من ؟ قال : إلى قوم لا أعرف أسماءهم . قال : إن لم تخبرني فاصعد المنبر وسبّ علياً والحسين . فصعد المنبر وقال : أيها الناس إن الحسين بن علي خير خلق الله وابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه.

ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه وصلى على علي أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام ، فأمر به ابن زياد فأصعد القصر ورمي به من أعلاه ، فقطع ومات رضوان الله عليه .

ولما وصل الحسين عليه السلام إلى عُذيب الهجاناة ومعه الحر وجاء مجمع بن العائذي ومن معه ودليلهم الطرماح ، فسألهم الحسين عن الناس وعن رسوله ، قالوا : من رسولك ؟ قال الحسين : قيس بن مسهر الصيداوي . فقال : مجمع العائذي : أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمر أن يلعنك وأباك ،

فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه ودعونا إلى نصرتك وأخبرنا بقدومك، فأمر ابن زياد فألقي من طمار القصر فمات. فرقرقت عين الحسين ولم يملك دمعه ، فقال فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(1)، اللهم اجعل لنا ولهم الجنة منزلاً ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك وغائب مذخور ثوابك .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على قيس بن مسهر الصيداوي»(2).

وقد مرّ عند ذكر عبد الله بن يقطر أن الحسين عليه السلام كتب كتباً إلى مسلم بن عقيل وأرسله مع عبد الله ، وكتب كتاباً إلى أهل الكوفة وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي. فليراجع.

کردوس بن زهير بن الحرث التغلبي

قد سبق ذكره في قاسط بن زهير التغلبي أخيه.

كنانة بن عتيق بن معاوية بن الصامت بن قيس التغلبي

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(3).

قال القسطلاني في الإصابة : إنه شهد أحداً هو مع أبيه عتيق فارس رسول الله صلى الله عليه وآله ، فهما صحابيان .

وكان كنانة(4)بطلاً من أبطال الكوفة وعابداً من عبادها وقارئاً من قرائها، جاء إلى


1) سورة الأحزاب : 23.

2) المزار لابن المشهدي ص 493 ، إقبال الأعمال 78/3 و 345 ، المزار للشهيد الأول ص 152.

3) رجال الطوسي ص 79.

4) أنظر تنقيح المقال 42/2/2.

الطف أيام المهادنة إلى اليوم العاشر ، ولما شب جاهد بين يديه عليه السلام وقاتل حتى قتل في الحملة الأولى على ما في الحدائق والمناقب(1). وقيل قتل مبارزة.

وفي الزيارة المأثورة «السلام على كنانة بن قيس»(2). رضوان الله عليه .

مالك بن أنس الكاهلي، أو مالك بن الحرث الكاهلي

*مالك بن أنس الكاهلي أو أنس بن مالك الكاهلي ، أو مالك بن الحرث الكاهلي قد مضى التحقيق فيه وترجمته في أنس بن مالك.

مالك بن سريع الجابري

قد سبقت ترجمته في أخيه من أمه سيف بن الحرث بن سريع الجابري .

مجمع بن زیاد بن عمرو بن کعب بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن كلب بن مودعة الجهني

كذا في الإصابة والاستيعاب . شهد بدراً وأحداً ، فهو صحابي.

وفي الحدائق الوردية(3): كان مجمَّع في منازل جهينة حول المدينة ، فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق مرّ بهم ، وتبعه مجمع بن زياد في من تبعه من الأعراب ، فلما وصل الحسين إلى زبالة وأتاه خبر مسلم بن عقيل وهاني بن عروة انفض من حوله كثير من الأعراب الذين لحقوه في الطريق إلا مجمع بن زياد وأقام معه ، فلما كان يوم الطف وشبَّ القتال تقدم بين يدي الحسين وقاتل حتى قتل من القوم جماعةً كثيرة ، ثم عطف عليه الناس من كل جانب ، فقتلوه في حومة


1) مناقب آل أبي طالب 122/4 .

2) المزار للشهيد الأول ص 152 ، المزار لابن المشهدي ص 494 ، إقبال الأعمال 78/3.

3) الحدائق الوردية ص 122 ، إبصار العين ص 201 .

الحرب بعد ما عقروا فرسه .

وقد مرّ ضبط «جهينة» وأنها ما فوق المدينة ، ويقال لها «وادي الصفراء» ، وهو وادٍ كثير النخل والزرع، وماؤها عيون كلها ، وهي فوق «ينبع»، وهي لجهينة الأنصار ولبني فهر ونهد.

مجمع بن عبدالله بن مجمع بن مالك بن أياس بن عبد مناة بن سعد العشيرة المذحجي العائذي

«المذحجي» نسبة إلى مذحج بفتح الميم كمسجد. وضبطه ابن خلكان في الوفيات بضم الميم .

و «بنو مَذْحِج» بطن من كهلان من القحطانية، وهم - على ما في سبائك الذهب - بنو أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان . واسم مَذْحِج مالك بن أدد كما عن العتبي. وفي شرح النهج لابن أبي الحديد وعن كامل المبرد إنه مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ . وعن اللسان ان مذحج هو مالك وطي، لأن أمهما لماهلك بعلها أذحجت على بيتها(1)ولم تتزوج بعد أدد .

وأما «العائذي» فنسبة إلى بني عائذ ، وهما قبيلتان أو ثلاث، وتتبين هنا بقرينة المذحجي ، وهم بنو عائذ بن سعد العشيرة بن مذحج .

قال ابن الكلبي : كان عبد الله بن مجمع العائذي صحابياً ، وكان ولده مجمع تابعياً من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، له ذكر في صفين.

وقد مرّ غير مرة أنه خرج ابنه عائذ وعمرو بن خالد وابنه وسعد مولاه و جنادة بن الحرث إلى الحسين عليه السلام بعد قتل قيس بن مسهر الصيداوي


1) أذ حجت : أقامت على بيتها ولم تتزوج .

وإخباره بمجئ الحسين ، فلقوه بعذيب الهجانات واعترضهم الحر ومنعه عنهم الحسين وقال لهم : أخبروني خبر الناس وراءكم ، فقال مجمع : أما أشراف الناس فقد عظمت رسوبهم وملئت غرائزهم - أي خوانقهم - يُستمال بذلك ودّهم و تستخلص نصيحتهم، وهم ألب واحد عليك - أي مجتمعون على العداوة . وأما سائر الناس فإن افئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك . فقال عليه السلام : أخبرني عن رسولي - إلى آخر ما مرّ في ترجمة قيس .

وقد سبق أنه وأصحابه قتلوا في مكان واحد في الحملة الأولى في أول الأمر بعد ما كانوا محصورين ، فندب إليهم العباس فاستنقذهم .

وفي الزيارة المأثورة «السلام على مجمع بن عبد الله العائذي»(1).

محمد بن جعفر بن أبي طالب

قال الداودي في عمدة الطالب في عداد أولاد جعفر بن أبي طالب : وهم عبد الله وعون ومحمد الأكبر ومحمد الأصغر وحميد وحسين وعبدالله الأصغر وعبدالله الأكبر ، وأمهم جميع الاسد بنت عميس الخثعمي ، أما محمد الأكبر فقتل مع عمه علي بن أبي طالب عليه السلام في صفين، وأما عون ومحمد الأصغر فقتلا مع ابن عمهما الحسين عليه السلام يوم الطف.

وعن رجال ابن داود : أنه قتل بكربلاء(2).

وعن السروي(3): أن محمد بن جعفر بن أبي طالب برز قبل أخيه عون بن


1) المزار للشهيد الأول ص 152 ، إقبال الأعمال 79/3 و 345 ، المزار لابن المشهدي ص 494 .

2) الرجال لابن داود ص 167.

3) مناقب آل أبي طالب 115/4 ، بعنوان «محمد بن عبدالله بن جعفر» ، مع بعض الإختلاف في ألفاظ الرجز .

جعفر ، وهو يرتجز ويقول :

نشكو إلى الله من العُدوانِ *** قتال قومٍ في الرَّدى عدوانِ

قد تركوا معالم القرآن *** و محكم التنزيل والتبيان

و أظهروا الكفر مع العصيانِ

فحمل وقاتل وقتل منهم جمعا فقتل رضوان الله عليه قتله عامر بن نهشل التميمي.

وقد أنكر في التنقيح(1)وبالغ في الإنكار كون محمد بن جعفر بن أبي طالب من شهداء الطف ، وذهب إلى أنه قتل بصفين ، وقال : اشتبه الأمر على بعض في محمد بن جعفر بمحمد بن عبدالله بن جعفر ، وقال : إن محمد بن جعفر الأصغر ليس له ذكر في شهداء الطف .

وهذا منه قدس سره عجیب ، نقله عن ابن داود وعن عمدة الطالب وعن مع السروي أن من المقتولين في الطف محمد بن جعفر ، وأن لجعفر بن أبي طالب ولدين يُسميان محمداً ، محمد الأكبر ومحمد الأصغر ، وأن محمد الأكبر على ما ذكره النسابون والمؤرخون - قُتل بصفين، وله قصص وقضايا ذكرها المؤرخون .

وأعجب من ذلك أنه رحمه الله بعد شدة الإنكار وأنه لم يقتل بالطف محمد بن جعفر في ترجمته ، كأنه نسي ما قدّم في ترجمة إسماعيل بن جعفر حيث قال : والذي يظهر لي بعد إمعان النظر أن الشهيد بالطف محمدان أخوا عونين محمد بن جعفر ابن أبي طالب أخو عون بن جعفر ومحمد بن عبدالله بن جعفر أخو عون بن عبد الله بن جعفر .

وكيف كان ، الأظهر أن محمد بن جعفر الأصغر قتل بالطف ومحمد بن جعفر الأكبر قتل في صفين، قاتل مع عبدالله بن عمر فقتلا متعانقين . وإن أنكر ذلك


1) تنقیح المقال 91/2/2.

أبو الفرج حيث قال بعد نقل أنهما قتلا متعانقين : وهذه رواية ضحاك بن عثمان ، وما أعلم أحداً من أهل السيرة ذكر أن محمد بن جعفر قتل مع عبد الله بن عمر ولا سمعت لمحمد في كتاب منهم ذكر مقتل إلى آخر ما قال.

والعمدة في سبب إنكاره قدس سره أن عامر بن نهشل التميمي قاتل عون بن جعفر ، وأن الرجز الذي نسبوه إليه نسبوه أيضاً إلى عون بن جعفر . ولا بُعد في ذلك ، لما مر غير مرة أن الرجز يمكن أن يكون من باب التوارد على ما صرح به في القمقام ، وأن عامر بن نهشل قاتل عون بن جعفر وقاتل أخيه محمد بن جعفر . وسيأتي ما يوضح ذلك عن قريب .

محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب

قيل : إن أمه زينب بنت علي أمير المؤمنين عليه السلام. وهو اشتباه، فإن الذي أمه زينب هو عون بن جعفر بن أبي طالب كما مر . وأما محمد بن عبد الله بن جعفر على ما ذكره أبو الفرج فأمه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عثمان بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن الحرث بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .

هو وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر من أم واحدة قتلا بالطف.

وقد سبق في ترجمة عون بن عبد الله عن الطبري أنه لما خرج الحسين من مكة كتب عبد الله كتاباً إلى الحسين يذكر فيه الرجوع وأرسل الكتاب مع محمد وعون ، فأتياه بوادي العقيق - إلى آخر ما مرّ .

فلزما الحسين حتى أتيا إلى كربلاء ، فلما كان يوم العاشر وشبّ القتال برزعون فقتل ، ثم برز محمد وارتجز وقال «نشكو إلى الله من العدوان..»، فحمل وقاتل

وقتل منهم عشرة أنفس ، فقتل رضوان الله عليه . قتله على ما صرح جمع مضافاً إلى الرواية - عامر بن نهشل التميمي .

وفي الزيارة المروية «السلام علی محمد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه والتالي لأخيه وواقيه ببدنه ، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي»(1).

(بیان):

قوله «الشاهد مكان أبيه» فيه - مضافاً إلى دلالته على علو مكان عبد الله بن جعفر - إشارة إلى ما مرّ في ترجمة عون من وصية عبد الله بن جعفر بملازمة الحسين عليه السلام، وكأنه أرسلهما نيابة عن نفسه بعد علمه بأنه لم يُكتب اسمه في الشهداء ، كما دلّ عليه بعض الأحاديث - ويشير أيضاً إلى ما مر من قوله لعبده أبي السلاسل حين قال له : ويهون علي المصائب أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صائرين معه - إلى آخر ما مر .

وقال الداودي : وعدم حضور عبدالله بن جعفر الطف مع الحسين لذهاب بصره.

والأظهر كما نص عليه الأكثر ما ذكرنا . وذهاب بصره يومئذ ليس بمعلوم.

ذلك أن الشهادة قابلة للنيابة . ولقد سمعتُ من بعض الأدباء ويُستفاد من والعرفاء أنه كفل من حمزة وجعفر ورسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب والحسن عليهما السلام نائباً خاصاً في يوم العاشور . وقد مرّ أن غلام حمزة سيد الشهداء كان نائباً عنه ، ومحمد وعون كانا نائبين عن جعفر ، وعلي بن الحسين المقتول كان نائباً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد قال الحسين عليه السلام «ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول»، والعباس كان نائباً عن أبيه علي أمير المؤمنين ، والقاسم وأخواه كانوا نواباً عن أبيهم الحسن عليه السلام.


1) إقبال الأعمال 76/3 ، بحار الأنوار 34/45 .

وأما عن الزهراء سلام الله عليها فنائبها ووصيها في ذلك اليوم زينب الكبرى سلام الله عليها . وهذا أمر ذوقى يعرفه أهل الذوق.

فقوله عليه السلام «الشاهد مكان أبيه» أي الحاظر يوم الطف بدلاً عن أبيه .

قوله «والتالي لأخيه» صريح في أن محمداً قتل بعد أخيه عون . فما عن بعض من أنه قتل قبل عون اجتهاد مقابل النص .

محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب

مذكور في العقد الفريد وغيره من الشهداء، وذكره جمع في الأسراء، ونفى جماعة أن يكون للحسين عليه السلام ولد يُسمى محمد . وسيأتي ذكره في ترجمة الأسراء ومن كان معهم من الرجال.

محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج(1): ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب الأحول ، أمه أم ولد ، قتله لقيط بن ياسر الجهني، رماه بسهم، فيا رويناه عن المدائني عن أبي مخنف عن حميد بن مسلم . انتهى .

وظاهره كصريح لسان المؤرخين وغيره أنه كان رجلاً فارساً ، قال : فبرز على فرس له ، فحمل وقاتل قتالاً شديداً ، فقتله لقيط بن ياسر الجهني(2).

وفي المناقب(3): إن قاتل محمد بن أبي سعید بن عقيل بن أبي طالب الأحول لقيط بن ياسر الجهني ، رماه بسهم في جنبه فقتله . ومثله في العوالم وغيره ، وكلهم


1) مقاتل الطالبيين ص 62 .

2) أنظر : تنقيح المقال 60/2/2.

3) مناقب آل أبي طالب 115/4 .

رووا عن أبي مخنف عن حميد بن مسلم الأزدي(1).

وعده الشيخ في رجاله(2)من أصحاب الحسين عليه السلام ، وكذا ابن داود في رجاله(3).

فالظاهر عنهم بل صريح بعضهم أنه بلغ مبلغ الرجال، فما عن كفاية الطالب نقلاً عن أبي مخنف عن حميد بن مسلم الأزدي أنه قال : لما خرج الحسين عليه السلام وهجم القوم على المخيم وتصايحت النساء ، خرج غلام مذعور من تلك الأبنية يلتفت يميناً وشمالاً ، فشدّ عليه فارس فضربه بالسيف فقتله ، فسألت عن الغلام فقيل محمد بن أبي سعيد بن عقيل له من العمر سبع سنين لم يراهق . وعن ، الفارسي : فقتله لقيط بن أياس الجهني . انتهى .

وهذا مع أنه خلاف ما أطبقوا عليه وزيادة على ما رووه عن أبي مخنف عن سليمان بن راشد عن حميد بن مسلم ليس نصاً ولا ظاهراً أن المقتول بالسيف هو محمد بن أبي سعيد بن عقيل . فتدبر .

كما أنه ليس محمد بن أبي سعيد بن عقيل مارواه الكلبي قال : حدثني هاني بن ثبيت الحضر مي قال : كنت ممن شهد قتل الحسين عليه السلام ، فوالله إني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس وقد جالت الخيل وتضعضعت ، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية عليه إزار وقميص وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً ، فكأني أنظر إلى درّتين في أذنيه يتذبذبان كلما


1) أنظر : تاريخ الطبري 469/5 .

2) رجال الطوسي ص 80.

3) الرجال لابن داود ص 172 ، بعنوان «محمد بن سعيد» .

التفت ، إذ أقبل عليه رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف.

قال هشام الكلبي : إن هاني بن تُبيت الحضرمي هو صاحب الغلام ، وكنّى عن نفسه استحياء وخوفاً . انتهى . وقد مرّ آنفاً ما ذكرنا .

والعجب من الفاضل المعاصر أيده الله حيث طبق محمد بن أبي سعيد بن عقيل على هذا الغلام. فتدبر .

ولأبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب أبي محمد هذا ابن أبي سعيد قضية وحكاية مع ابن الزبير في مجلس معاوية، حيث أخجله وألزمه. من أرادها فليطبها من مظانها ، تركنا ذكرها اختصاراً.

محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب

قال أبو الفرج(1): أمه أم ولد ، حدثني أحمد بن عیسی ، قال : حدثنا حسین بن نصر ، عن أبيه ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر . وحدثني أحمد بن أبي شيبة ، عن أحمد بن الحرث، عن المدائني : أن رجلاً من تميم من أبان بن دارم قتله رضوان الله عليه . وعن الجزري مثله .

وقال الطبري(2): ورمى رجل من بني أبان بن دارم محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه .

وقال لسان المؤرخين بعد ذكر شهادة عثمان بن علي : ثم برز محمد الأصغر بن أمير المؤمنين وقاتل وقتل جمعاً كثيراً ، فقتله رجل من بني دارم ، وأمه أم ولد .


1) مقاتل الطالبيين ص 56 .

2) تاريخ الطبري 449/5.

وفي الدر النظيم : وكان لعلي عليه السلام من ليلى بنت مسعود الدارمية محمد الأصغر وأخوه عبد الله المكنى بأبي بكر ، خرجت مع ولديها حتى أتت كربلاء .

فما في التنقيح من أن محمد الأصغر يكنى بأبي بكر لعله اشتباه .

وفي الزيارة المروية «السلام على محمد بن أمير المؤمنين قتيل الايادي والاياني الدارمي ، لعنه الله وضاعف عليه والعذاب الأليم ، وصلى الله عليك يا محمد وعلى آبائك الصابرين».

محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام الأوسط

أمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو ربيبتها ، وهي التي تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام بعد فاطمة سلام الله عليها بوصية منها .

وابنها محمد الأوسط انضم بعد أبيه إلى أخيه الحسن ثم إلى أخيه الحسين، إلى أن خرج من المدينة فخرج معه إلى مكة ثم إلى كربلاء ، فلما شبّ القتال في اليوم العاشر ، تقدم إلى القتال واستأذن الحسين عليه السلام فأذن له ، وبرز إلى القوم وهو يرتجز ويقول :

شيخي علي ذوالفقار الأطولِ *** من هاشم الصدقِ الكريم المفضل

هذا حسين ابن النبي المرسل *** عنه نحامي بالحسامِ المِصْقل

فلم يزل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة كثيرة ، ثم عطفوا عليه من كل جانب فقتلوه في حومة الحرب بعد ما عقروا فرسه . رضوان الله عليه .

محمد الأكبر بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج : أمه أم ولد قتله - فيما روينا عن أبي جعفر محمد بن علي -

أبو مرهم الأزدي ، وقيل أبو جرهم ولقيط بن أياس الجهني .

قال لسان المؤرخين ثم برز بعد عبد الله بن مسلم أخوه محمد بن مسلم، فاستأذن وأذن له ، فقاتل وقتل جماعة ، فقتله أبو جرهم الأزدي ولقيط بن أياس الجهني.

وقال الطبري(1): حمل بنو أبي طالب بعد قتل عبد الله بن مسلم حملةٌ واحدةٌ ، فقال لهم الحسين عليه السلام صبراً على الموت يا بني عمومتي. فوقع فيهم محمد بن مسلم بن عقيل ، قتله أبو مرهم الأزدي ولقيط بن أياس الجهني الشركاء في قتله .

وفي الزيارة المأثورة «السلام علی محمد بن مسلم بن عقيل».

فعمره يوم قتل - على ما مر وسيأتي في عمر مسلم بن عقيل - اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة . والله العالم.

محمد الأصغر بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وأخوه إبراهيم بن مسلم

اتفق الحديث والتاريخ على أن صبيين من ولد أبي طالب قتلا بعد وقعة الطف في الكوفة ، أحدهما محمد وعمره إحدى عشرة سنة أو ثمان سنين، والآخر إبراهيم وعمره تسع سنوات أو سبع .

والمشهور عندهم -كما صرحنا به فيا يأتي - أنهما من ولد مسلم بن عقيل، إلا أن الطبري في تاريخه احتمل أنهما من ولد جعفر بن أبي طالب أو عبدالله ابن جعفر .

وهذا الاحتمال اجتهاد في مقابل النص على ما سيأتي في كيفية قتلهما، حيث


1) تاريخ الطبري 469/5 .

قالا في موضعين : إنا من أولاد مسلم بن عقيل .

نعم، أحتمل بل أظن أن أحدهما من رملة أخت الحسين بن علي بن أبي طالب ، والآخر من بنت جعفر بن أبي طالب أو عبد الله بن جعفر . ولعل هذا هو منشأ توهم الطبري .

والمشهور أنهما من رملة بنت علي عليه السلام.

إنما الاختلاف في كيفية أخذهما وحبسهما ، ففي الرواية الآتية : لما قتل الحسين عليه السلام أخذ من معسكره غلامان ، فأتي بهما إلى عبيد الله بن زياد . وفي متن الرواية فيما قالا لحارث : إنا هربنا من سجن عبيد الله بن زياد . وفيما قال اللعين للعجوز على ما في متن الرواية : هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد ونادى الأمير في عسكره .

ويمكن الجمع - بل هو الظاهر - أن في الليلة الحادية عشرة بعد ما قُضي القضاء وجرى ما جرى وقتل من قتل وسبي من سبي، جمعوا العيال والأطفال والصبايا في خيمة واحدة وحولهن عسكر ابن زیاد، والغلامان الأسيران من معسكر الحسين هربا من معسكر ابن زياد ، فأخذا وأتيا إلى ابن زياد .

هذا بناء على التعبد بالنص، وإلا ففي تاريخ أعثم الكوفي أن الغلامين الصغيرين كانا مع أبيهما مسلم بن عقيل حين خرج من مكة إلى الكوفة ، فلما أراد الخروج في يوم التروية جاء بهما إلى دار شريح القاضي وسلمها إليه ليوصلهما إلى المدينة ويرسلهما إلى الحسين عليه السلام فلما قتل مسلم و نادی منادی ابن زیاد بعد وصول خبرهما إليه ، أخرجهما شريح وأرسلهما مع ابنه أسد بن شريح إلى طريق المدينة ليرسلها مع القافلة ، فلما وصلا قريب القافلة رجع أسد وبقيا في الطريق حيارى ، فأخذا وجاؤا بهما إلى ابن زياد .

وأما كيفية حبسهما وقتلهما فقد اتفق الحديث والتاريخ على جلّ ما جرى عليهما ، إلا أن في التاريخ زيادات نشير إليها في أثناء سرد القضية. ولما كان الحديث هو المتّبع في هذا الباب، إذ قلّما نجد حديثاً في أمر الطف غير نادر عن الأئمة عليهم السلام يكون بهذه المثابة من الإعتبار ، إذ جلّ من أسند إليه الرواية من أجلاء رواة الحديث ومفيديهم ومؤلفيهم كما نشير إليه . وأين هذا من رواية حميد بن مسلم الملعون أو الضحاك المشرقي المطعون وأمثالهما .

والعجب من المحدث المعاصر أنه قد اعتنى في مقتله بروايات هؤلاء وقال : أقول : قتل هذين الغلامين بهذه الكيفية وبهذا التفصيل الوارد في الحديث مستبعد .

وبالجملة، فالحديث في غاية القوة، وسنده ورجاله في منتهى الصحة& والحديث رواه الشيخ الصدوق في الأمالي عن أبيه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن رجاء الجحدري ، عن علي بن جابر ، عن عثمان ابن داود الهاشمي ، عن محمد بن مسلم، عن حمران بن أعين ، عن أبي محمد شيخ لأهل الكوفة ، قال إلى آخر ما سيأتي .

أما سند الصدوق فهو محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي إلى محمد بن سليمان صحيح على ما نُص عليه في الرجال ، وحاله كحال أبيه ، وحال أبيه كحال محمد بن مسلم، وحُمران بن أعين أخو زرارة بن أعين معلوم في كتب الرجال أنهم معدَّلون موثوق بهم ، وأن محمد بن مسلم بل وحمران بن أعين - على قول - من أصحاب الإجماع . أما إبراهيم بن رجاء الجخدري فقد وثقه الشيخ والعلامة وابن داود وقالوا إنه ثقة . أما علي بن جابر وعثمان بن داود الهاشمي فيكفي في الإعتماد عليهما رواية من تقدّم عنهما . وكذا أبو محمد يكفي في الإعتماد عليه رواية حمران بن أعين عنه .

قال(1): لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام أسر من معسكره غلامان صغيران ، فأتي بهما إلى عبيد الله ، فدعا سجاناً له فقال : خذ هذين الغلامين إليك ، فمن طيب الطعام فلا تطعمهما ومن البارد فلا تسقهما وضيق عليهما سجنهما ، وكان الغلامان يصومان النهار فإذا جنّهما الليل أتيا بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح . فلما طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة ، قال أحدهما لصاحبه : يا أخي قد طال بنا مكتنا ويوشك أن تفنى أعمارنا وتبلى أبداننا ، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا ، وتقرب إليه بمحمد صلى الله عليه وآله لعله يوسع علينا في طعامنا ويزيدنا في شرابنا .

فلما جنّها الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح، فقال له الغلام الصغير : يا شيخ أتعرف محمداً صلى الله عليه وآله ؟ قال : وكيف لا أعرف محمداً وهو نبتي . قال : أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟ قال : وكيف لا أعرف جعفراً وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء . قال : أفتعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : وكيف لا أعرف علياً وهو ابن عم نبتي وأخو نبيّي . قال له : يا شيخ فنحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ، ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك أسارى، نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا ومن بارد الشراب فلا تسقينا ، وقد ضيّقت علينا سجننا .

فانكب الشيخ على أقدامهما يقبلهما وهو يقول : نفسي لنفسكما الفداء ووجهي لوجهكما الوقاء يا عترة نبي الله المصطفى ، هذا باب السجن بين يديكما مفتوح، فخذا أيَّ طريق شئتها . فلما جنّها الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من ماء


1) الأمالي للصدوق ص 143.

القراح ووقفهما على الطريق وقال لهما : سيرا يا حبيبي الليل واكمنا النهار حتى يجعل الله عز وجل لكما من أمركما فرجاً ومخرجاً .

ففعل الغلامان ذلك ، فلما جنّها الليل انتهيا إلى عجوز على باب ، فقالا لها : يا عجوز إنا غلامان صغيران غریبان حَدَثان غير خبيرين بالطريق وهذا الليل قد جنّنا ، أضيفينا سواد الليل فإذا أصبحنا لزمنا الطريق.

فقالت لهما : فمن أنتما يا حبيبي ، قد أشممت الروائح كلها فما شممت رائحةً هي أطيب من رائحتكما .

فقالا لهما : يا عجوز نحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ، هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل .

قالت العجوز : يا حبيبي إن لي خَتَنا(1)فاسقاً قد شهد الواقعة مع عبيدالله بن زياد ، أتخوّف أن يصيبكما ههنا فيقتلكما .

قالا : سواد ليلتنا هذه ، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق.

فقالت : سآتيكما بطعام ، ثم أتتهما بطعام، فأكلا وشربا .

ولما ولجا الفراش قال الصغير للكبير : يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنا ليلتنا هذه، فتعال حتى أعانقك وتعانقني وأشم رائحتك وتشم رائحتي قبل أن يفرّق الموت بيننا . ففعلا ذلك واعتنقا وناما.

فلما كان في بعض الليل أقبل خَتَن العجوز الفاسق حتى قرع الباب قرعاً خفيفاً ، فقالت العجوز : من هذا ؟ قال : أنا فلان . فقالت : ما الذي أطرقك هذه الساعة وليس هذا لك بوقت . قال : ويحك افتحي الباب قبل أن يطير عقلي


1) الختن : كل من كان من قبل المرأة.

و تنشق مرارتي في جوفي ، جهد البلاء قد نزل بي. قالت : ويحك ما الذي نزل بك ؟ قال : هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد، فنادى الأمير في معسكره : من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم، ومن جاء برأسيهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي شي .

فقالت العجوز : يا ختنى إحذر أن يكون محمد صلى الله عليه وآله خصمك يوم القيامة . قال لها : ويحك إن الدنيا مُحرَصٌ عليها . فقالت له : وما تصنع بالدنيا وليس معها الآخرة ؟ قال : إني لأراك تحامين عنهما ، كأن عندك من طلب الأمير شيئاً ، فقومي فإن الأمير يدعوك . قالت : وما يصنع بي الأمير وإنما أنا عجوز في هذه البرية. قال : إنما لي الطلب، إفتحي لي الباب حتى أريح وأستريح، فإذا أصبحت فكرت في أي الطريق آخذ في طلبهما .

ففتحت له الباب وأتته بطعام وشراب ، فأكل وشرب .

فلما كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف البيت(1)، فأقبل يهيج كما يهيج البعير ، ويخور كما يخور الثور، ويلمس بكفه جدار البيت حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير ، فقال له : من هذا ؟ فقال : أما أنا فصاحب المنزل ، فمن أنتما ؟

فأقبل الصغير يحرك الكبير ويقول : قم يا حبيبي ، فقد والله وقعنا فيما كنا نحاذره .

قال لهما : من أنتما ؟ قالا له : يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان ؟ قال : نعم . قالا : أمان الله وأمان رسوله وذمة الله وذمة رسوله ؟ قال : نعم . قالا : ومحمد بن عبدالله على ذلك من الشاهدين ؟ قال : نعم. قالا : والله على ما نقول وكيل


1) الغطيط : الصوت الذي يخرج مع نفس النائم .

و شهيد ؟ قال : نعم .

قالا له : يا شيخ نحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ، هر بنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل .

فقال لهما : من الموت هربتها وإلى الموت وقعتما ، الحمد لله الذي أظفرني بكما .

فقام إلى الغلامين فشدّ أكتافها ، فبات الغلامان ليلتهما مكتفين.

فلما انفجر عمود الصبح دعا غلاماً له أسود يقال له فليح ، فقال : خذ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطىء الفرات واضرب عنقيهما وأتني برأسيهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم .

فحمل الغلام السيف فمضى بهما وهو يمشي أمام الغلامين ، فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا أسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : إن مولاي قد أمرني بقتلكما ، فمن أنتما ؟

قالا له : يا أسود نحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ، هربنا من سجن عبیدالله بن زياد من القتل ، أضافتنا عجوز كم هذه ويريد مولاك قتلنا.

فانكبّ الأسود على أقدامهما يقبلهما وهو يقول : نفسي لنفسكما الفداء ووجهي لوجهكما الوقاء يا عترة النبي المصطفى ، والله لا يكون محمد خصمي في القيامة . ثم عدا فرمى بالسيف من يده ناحية وطرح نفسه بالفرات وعبر إلى الجانب الآخر. فصاح به مولاه: یا غلام عصيتني . فقال : يا مولاي إنما أطعتك ما دمت لا تعصى الله ، فإذا عصيت الله فأنامنك بري في الدنيا والآخرة .

فدعا ابنه فقال : يا بني إنما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك والدنيا محرّص عليها، فخذ هذين الغلامين إليك ، فانطلق بهما إلى شاطىء الفرات فاضرب عنقيها وائتني برأسيهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم.

فأخذ الغلام السيف ومشى أمام الغلامين، فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا شاب ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنم . فقال : يا حبيبي فمن أنتما ؟ قالا : من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ، يريد والدك قتلنا. فانكبّ الغلام على أقدامهما يقبلهما وهو يقول لهما مقالة الأسود ، ورمى بالسيف ناحيةً وطرح نفسه بالفرات وعبر . فصاح به أبوه : يا بني عصيتني . قال : إن أطيع الله وأعصيك أحبّ إلي من أن أطيعك وأعصي الله .

قال الشيخ : لا يلي قتلكما أحد غيري ، وأخذ السيف ومشى أمامهما ، فلما صار إلى شاطىء الفرات سلّ السيفَ من جَفْنه ، فلما نظر الغلامان إلى السيف مسلولاً اغرورقت أعينهما وقالا : يا شيخ إنطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا ولا ترد أن يكون محمد صلى الله عليه وآله خصمك في القيامة غداً .

فقال : لا ، ولكن أقتلكما وأذهب برأسكما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم . فقالا له : يا شيخ أما تحفظ قرابتنا من رسول الله . فقال لهما : ما لكما من رسول الله قرابة . قالا له : يا شيخ فأت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره . قال : ما إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما ، قالا له : يا شيخ أما ترحم صغر سننا . قال : ما جعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئاً . قالا له : يا شيخ إن كان ولابد فدعنا نصلي ركعات . قال : فصليا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة.

فصلى الغلامان أربع ركعات، ثم رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا : يا حي يا حليم يا أحكم الحاكمين أحكم بيننا وبينه بالحق .

فقام إلى الأكبر فضرب عنقه وأخذ برأسه ووضعه في المخلاة ، وأقبل الغلام الصغير يتمرغ في دم أخيه وهو يقول : حتى ألقى رسول الله وأنا مختضب بدم أخي . فقال : لا عليك سوف ألحقك بأخيك . ثم قام إلى الغلام الصغير ، فضرب

عنقه وأخذ رأسه ووضعه في المخلاة ، ورمى ببدنيهما في الماء وهما يقطران دماً .

ومرّ حتى أتى بهما إلى عبيد الله بن زياد وهو قاعد على كرسي له وبيده قضيب خيزران، فوضع الرأسين بين يديه، فلما نظر إليهما قام ثم قعد ثلاثاً ، ثم قال : الويل لك أين ظَفِرْت بهما ؟ قال : أضافتهما عجوز لنا . قال : فما عرفت لهما حق الضيافة ؟ قال : لا . قال : فأي شي قالا لك ؟ قالا : يا شيخ إذهب بنا إلى السوق فبعنا وانتفع بأثماننا فلا ترد أن يكون محمد خصمك في القيامة . قال : فأي شي قلت لهما ؟ قال : قلت : لا ، ولكن أقتلكما وأنطلق برأسيكما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم . قال : فأي شي قالا لك ؟ قال : قالا : إنت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره . قال : فأي شي قلت لها ؟ قال : قلت : ليس إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما .

قال : أفلا جئتنى بهما حيين فكنت أضعف لك الجائزة وأجعلها أربعة آلاف درهم ؟ قال : ما رأيت إلى ذلك سبيلاً إلا التقرب إليك بدمهما . قال : فأي شي قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : يا شيخ إحفظ قرابتنا من رسول الله . قال : فأي شي قلت لهما ؟ قال : قلت : ما لكما من رسول الله قرابة . قال : ويلك فأي شي قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا : يا شيخ أرحم صغر سننا . قال : فما رحمتها ؟ قال : قلت : ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئاً . قال : ويلك فأي شي قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا : دعنا نصلي ركعات. فقلت : فصليا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة، فصلى الغلامان أربع ركعات . قال : فأي شي قالا في آخر صلاتهما ؟ قال : رفعا طرفها إلى السماء وقالا : يا حي يا حليم يا أحكم الحاكمين أحكم بيننا وبينه بالحق .

قال عبیدالله بن زياد : فإن أحكم الحاكمين قد حكم بينكم ، من للفاسق .

قال : فانتدب إليه رجل من أهل الشام فقال : أنا له . قال : فانطلق به إلى

الموضع الذي قتل فيه الغلامين واضرب عنقه، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما وعجّل برأسه . ففعل الرجل ذلك وجاء برأسه ، فنصبه على قناة ، فجعل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة وهم يقولون : هذا قاتل ذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). انتهى .

وفي روضة الشهداء والعوالم والمنتخب وغيره قريب من ذلك باختلاف يسير نشير إلى جملة منها .

(بیان):

قوله «فدعى سجّاناً» في الروضة : إن السجان يُسمى مشكور ، وكان محباً لأهل البيت شديد الحب ، ففعل بهما خلاف ما أمر به ابن زیاد ، جاء لهما أطيب الطعام وأبرد الماء وأحسن مكان ، وبقيا عنده ليلة ، فلما كانت الليلة الثانية أطلقها وجاء بهما إلى طريق القادسية ودفع إليها خاتمه وقال : يا سيدي إن أخي في القادسية وهذا طريق القادسية، فلما وصلتم إليه أوضحوا إليه خاتمي هذا فإنه بوصلكم إلى المدينة . فرجع مشكور وسار الغلامان وأما مشكور فأخذه ابن زياد وقتله أشد قتلة وهو يقول: هذا سهل في سبيل الله وسبيل عترة محمد . وأما الغلامان فضلا الطريق ومشيا إلى الصبح فإذا هم في طريق الكوفة ، فاختفيا في بستان.

قوله «فلما طال بالغلامين المكث حتى سارا» الكلام في النسخ في المقام مختلفة : ففي المنتخب بقيا في السجن إلى أن صارلها سنة كاملة. وهذا غلط واضح ، لأن بعد وقعة الطف ورجوع أهل البيت انقلبت الكوفة والبصرة على ابن زياد خصوصاً البصرة، وصار الانقلاب في البصرة بحيث ضاق على والي البصرة ، وكان ابتداءً لحركة الشيعة للأخذ بثار الحسين عليه السلام في السنة التي قتل بها ، وهي سنة إحدى وستين من الهجرة .

فلما وصل الخبر إلى يزيد أمر ابن زياد بالرجوع إلى البصرة ، وأقام ابن زياد

عمرو بن الحريث مقامه بالكوفة، فخرج ولم يكن تمام السنة بالكوفة ولم يكن له ذلك الإقتدار . فقوله «بقيا في السجن سنةً كاملة» قد عرفت حاله .

وفي بعض النسخ «فسارا في السنة» لم أتحقق معناه ، ولعله كسابقه غلط من النساخ والصحيح ما في نسخة البحار الموجودة عندنا «حتى صارا في الحبس السنة» بالصاء المهملة(1).

و«السنة» بالكسر على ما في القاموس القلم أو رأس القلم . وفي المجمع سنان الرمح ، فهي كناية عن نهاية الهزال، فكأنه قال : صار في الحبس كالسنة والقلم والسنان والهزال .

قوله «فقام وذهب إلى الأكبر فضرب عنقه». في البحار(2): روى في المناقب القديم إلى أن قال : ثم هزّ السيف وضرب عنق الأكبر ورمى بدنه في الفرات، وقال الأصغر : سألتك بالله أن تتركني حتى أتمرغ بدم أخي ساعة . قال الحارث : ما ينفعك ذلك . قال : أحب هكذا فتمرغ بدم أخيه إبراهيم ساعة ، ثم قال له : قم ، فلم يقم ، فوضع السيف على قفاه ، فضرب عنقه من القفا .

أقول : ولد الحلال يشبه بالعم والخال .

ثم قال : ورمى ببدنه إلى الفرات، فكان بدن الأول على وجه الفرات ساعةً حتى قذف الثاني ، فأقبل بدن الأول يشق الماء شقاً حتى التزم بدن أخيه ومضيا في الماء . وسمع هذا الملعون صوتاً من بينهما وهما في الماء : رب تعلم وترى ما فعل بنا هذا الملعون ، فاستوف لنا حقنا يوم القيامة .

قوله «قال عبیدالله بن زیاد : من للفاسق» ليس قوله هذا من الرحمة والشفقة


1) بحار الأنوار 101/45 ، العوالم (الامام الحسين عليه السلام) ص 353.

2) بحار الأنوار 106/45 .

للصغيرين ، لأنه عليه لعنة الله كان أشد قسوة من قلب حارث ، وهو أشد عداوة لأهل البيت من حارث، وإنما فعل ذلك لأنه بعد ما أمر بحبس الغلامين كتب إلى یزید بن معاوية يخبره بحبس الغلامين ، وكان ينتظر الجواب وتعيين التكليف من قبل يزيد ، فلما نظر إليهما وهما مقتولان استطار غضباً ، فأمر بقتل حارث لعنه الله .

قوله «ففعل ذلك الرجل وقتله وجاء برأسه إلى ابن زياد». في البحار(1): فضرب عنقه ورمى بجيفته إلى الماء فلم يقبل الماء، ورمى إلى الشط فلم يقبله ، وأمر عبيد الله بن زياد أن يُحرق بالنار، ففعل به وصار إلى عذاب النار .

ومثله في روضة الشهداء مع زيادة إنه رمي في البئر فلم يقبله ، ثم أحرقوه وذروا ترابه في الهواء.

وأما ما كان من أمر الرأسين ، ففي الناسخ نقلاً عن بعض الكتب : أنه رمى الرأسين بالماء فخرج من الماء بدن الغلامين وأخذ كل بدن رأسه ففاضا في الماء متعانقين .

(تتميم) :

قال السيد المحدث المحقق الجزائري في كتابه في فضائل السادات في الفرق بين الآل والذرية والعترة : إن العترة أعم من الذرية والآل . وذكر القصة على ما مر ، ثم تمسك بقولهما في مواضع «إنا عترة نبيك» أن العترة أعم من الآل والذرية . هذا استدلال حسن ، وتمام الكلام في محله .

محمد بن مطاع

عن شرح الشافية : ثم برز محمد بن مطاع، فاستأذن وأذن له ، فحمل وقاتل قتالاً شديداً ، وقتل منهم ثلاثين فارساً ، فقتل رضوان الله عليه .


1) بحار الأنوار 107/45 .

مسعود بن الحجاج التيمي وابنه عبد الرحمن بن مسعود

في الزيارة المأثورة السلام على مسعود بن الحجاج وابنه عبدالرحمن بن مسعود»(1).

كانا من الشيعة المعروفين في الكوفة ، والمسعود ذكر في الحروب والمغازي.

خرجا مع ابن سعد حتى إذا كان أيام المهادنة جاءا إلى الحسين عليه السلام، فسلمها عليه وبقيا عنده .

قيل : جاءا إليه في اليوم السابع ، فلما قامت الحرب تقدما بين يديه سلام الله عليه ، وقتلا في الحملة الأولى مع من قتل . كذا في المناقب وغيره(2).

مسلم بن کثیر بن قليب الصدفي الأزدي

أزد شنوءة ، الأعرج الكوفي .

«الصَّدِفِي» نسبة إلى صَدِف ككتف بطن من كندة ، وإذا نسبت إليهم قلت صَدِ في محركة كراهة الكسرة قبل ياء النسبة - قاله في التاج .

ويُقيَّد الأزدي بأزد شنوءة في كلماتهم بالنظر إلى ماقاله علماء النسب أن «أزد» ثلاث فرق : أزد شنوءة ، أزد عمان ، أزد الشراة. ولكل من هذه الفرق بطون وقبائل كثيرة ، وقد نصوا أن مسلماً هذا من أزد شنوءة .

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(3)، وكان صحابياً أدرك النبي صلى الله عليه وآله ، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام .


1) المزار للشهيد الأول ص 153 ، بحار الأنوار 72/45.

2) أنظر : مناقب آل أبي طالب 122/4 ، رجال الطوسي ص 80 تنقيح المقال 213/3.

3) رجال الطوسي ص 80 ، وصفه بـ«الأعرج».

وعن الإصابة : أنه شهد فتح مصر.

وفي الأخبار الطوال للدينوري : أنه شهد حرب الجمل، رماه عمرو بن ضبة التميمي بسهم على ساقه فجرحه فعرج، فسمي الأعرج.

قال الطبري : خرج مسلم بن كثير إلى الحسين عليه السلام من الكوفة، فوافاه عند نزوله في كربلاء ، ولزمه حتى استشهد.

وقتل في الحملة الأولى على ما في المناقب وغيره(1).

مسلم بن عقيل بن أبي طالب

قال أبو الفرج : وهو أول من قتل من أصحاب الحسين عليه السلام. وأمه أم ولد يقال لها علية ، وكان عقيل اشتراها من الشام فولدت له مسلماً ، ولا عقب له .

وقال الداودي : ومسلم بن عقيل قُتل بالكوفة ، أمه أم ولد ولا عقب له .

وعن الحدائق الوردية : أمه أم ولد يقال لها صهيلة .

وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: وكانت أم مسلم بن عقيل نبطية من آل فرزندا ، وخرج وُلد عقيل مع الحسين بن علي فقتل منهم تسعة وقيل سبعة نفر ، وكان مسلم بن عقيل أشجعهم .

وذكر ابن أبي الحديد عن المدائني(2)قال : قال معاوية بن أبي سفيان لعقيل بن أبي طالب يوماً : هل من حاجة فأقضيها لك ؟ قال : نعم ، جارية عُرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفاً . فأحب معاوية أن يمازحه فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون


1) مناقب آل أبي طالب 122/4، تنقيح المقال 215/3.

2) شرح نهج البلاغة 251/11.

درهماً ؟ قال : أرجو أن أطأها فتلد غلاماً إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف. فضحك معاوية وقال : مازحناك يا أبا يزيد . وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلماً . فلما أتت على مسلم ثمانية عشرة سنة وقدمات أبوه عقيل ، قال مسلم لمعاوية : إن لي أرضاً بمكان كذا من المدينة وإني أعطيت بها مائة ألف وقد أحببت أن أبيعك إياها فادفع إلي ثمنها . فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن . وبلغ ذلك الحسين عليه السلام ، فكتب إلى معاوية : أما بعد ، فإنك أغررت غلاماً من بني هاشم ، فابتعت منه أرضاً لا يملكها ، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد إلينا أرضنا .

فبعث معاوية إلى مسلم بن عقيل فأخبره ذلك وأقرأه كتاب الحسين وقال له : أردد علينا مالنا وخذ أرضك ، فإنك بعت ما لا تملك . فقال مسلم : أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا. فاستلق معاوية ضاحكاً يضرب برجليه وقال له : يا بنيّ هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتاع أمك . ثم كتب إلى الحسين : إني قد رددت أرضكم وسوّغت مسلماً ما أخذ(1).

(بیان):

الكلمات في شراء الجارية مختلفة، والصحيح ما قاله أبو الفرج أن عقيلاً اشتراها وأخذ الدراهم من معاوية(2)، لا أن معاوية اشتراها ثم وهبها لعقيل كما يظهر من ابن أبي الحديد ، ولا أن معاوية أمر بشرائها له كما يظهر من المدائني .

وأما حكاية بيع الأرض لمعاوية فهي تنافي ما في تاريخ البخاري الأصغر : أن عقيلاً توفي في أول خلافة يزيد قبل الحَرَّة . وكذا في هامش عمدة الطالب أنه توفي سنة الستين من الهجرة . وكذا ما ذكره ابن أبي الحديد عن المدائني قال : ومات


1) سوغ له الشني : أعطاه إياه وترك له خالصاً.

2) مقاتل الطالبيين ص 52.

عقيل والمسلم ثمانية عشر سنة . وكذا في تقريب ابن حجر قال : عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أخو علي وجعفر ، وكان الأسن، صحابي عالم بالأنساب، مات سنة ستين ، وقيل بعده ، إلا أن الأول أصح.

وقد اتفقوا على أن مسلماً يوم قتل كان له من العمر خمس وعشرون سنة أو ثمان وعشرون سنة . وهذا ينافي ما ذكره ابن أبي الحديد عن المدائني ، وكذا ينافي ما ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف أن عقيلاً توفي سنة خمس وخمسين أو ثمان وخمسين . وكذا ما عن ابن سعد في طبقاته أنه توفي في آخر خلافة معاوية .

وأما على ما ذكره لسان المؤرخين - ولعله الأصح - أن عقيلاً توفي في سنة إحدى وخمسين أو اثنتين وخمسين من الهجرة. فلحكاية بيع الأرض لمعاوية وجه . ويصح أن يقال : إن لمسلم يوم توفي عقيل ثمانية عشر سنة ، فيكون رجلاً كبيراً يصح له أن يبيع ويشتري ، وعليه فيكون روحي له الفداء يوم قتل خمس وعشرون سنه ، فيكون أولاده يوم قتلوا لهم من العمر عشر سنوات أو أقل كما مرّ .

والعجب من الشيخ قدس سره حيث عده في رجاله من أصحاب الحسن عليه السلام(1)، فإنه يوم توفي الحسن كان صغيراً ، اللهم إلا أن يقال: إن ذكره في أصحاب الحسن للتبرك به .

وكان الحسين عليه السلام يحبه حباً شديداً ، وزوجه أخته رقية.

قال في هامش عمدة الطالب(2): ورقية الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام، خرجت إلى مسلم بن عقيل . وقيل : رملة.


1) رجال الطوسي ص 70.

2) عمدة الطالب ص 63 .

وأما جلالة قدره وعلو مكانه وعظم خطره مما لا يفي به قلم ولا يحيط به رقم . كيف وهو أول الشهداء ، وهو أول من بكى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله إن لم يكن أول بكائه (صلی الله علیه و آله و سلم) من الشهداء عليه - على ما رواه الصدوق في المجلس السابع والعشرين من أماليه(1)عن الحسين بن أحمد بن إدريس ، قال : حدثنا أبي، عن جعفر بن محمد بن مالك ، قال : حدثني محمد بن الحسين بن زيد ، قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن زياد ، قال : حدثنا زياد بن المنذر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال علي عليه السلام الرسول الله صلى الله عليه وآله : يا رسول الله إنك لتحب عقيلاً ؟ قال : إي والله إني لأحبه حبين حباً له وحباً لأبي طالب له ، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون. ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى جرت دموعه على صدره ، ثم قال : إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي.

وفي عمدة الطالب(2): قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعقيل : إني لأحبك حبين حباً لك وحباً لحب أبي طالب لك .

وفي القمقام : روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعقيل : إني أحبك حبين حباً لقرابتك وحباً لما كنت أعلم من حب عمي إياك.

(بیان):

حديث الأمالي في غاية الصحة ورجاله موثوقون ، ويظهر من قوله صلى الله عليه وآله «فتدمع عليه عيون المؤمنين» أن من علائم الإيمان البكاء على مسلم . وببالي أن في نسخة «وتصلي عليهم» بدل «تصلي عليه» .

ويا ليت السيد الجزائري قدس سره استدل بهذه الرواية على إطلاق «العترة» على


1) الأمالي للصدوق ص 191.

2) عمدة الطالب ص 31.

مسلم وأمثاله ، وأن العترة أعم من الذرية .

ومما يدلّ على نهاية جلالته وعلو قدره وغاية عظم خطره : ما كتبه ابن عمه الحسين عليه السلام في حقه حين أرسله إلى الكوفة وبعثه نائباً عنه وسفيراً له بعدما أتت كتب أهل الكوفة إلى الحسين بالمسير إليهم ، حتى اجتمع عنده عليه السلام إثنا عشر ألف كتاباً منهم على ما ذكر تفصيله في بابه ، وذلك في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ستين من الهجرة ونص الكتاب(1):

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن على إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين :

أما بعد، فإن هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم ، وفهمتُ كلَّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى، وإنى باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي [مسلم بن عقيل] ، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم ، فإني أقدم عليكم وشيكاً إنشاء الله ، فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذلك الله - وفي نسخة «على ذات الله» - والسلام .

(بیان):

قوله عليه السلام «أخي» معقباً لدفع توهم الإخاء بالنسب بقول «وابن عمي». ومعقباً بقوله «وثقتي» يدل على أن المراد بالأخ ليس ما يُراد به في مقام الشفقة والمحبة ونهاية المودة ، إذ الإمام لا تصدر منه المبالغة ولا ما يصدر من العامة في محاوراتهم.


1) الإرشاد للمفيد 39/2.

ونظير ذلك قد صدر في النائب العام عن المنتظر عجل الله فرجه الوارد من الناحية المقدسة في أيام بقيت من شهر صفر سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس سره ونوّر ضريحه . ذكر موصله أن تحمله من ناحية متصلة بالحجاز ، نسخته : «للأخ السديد والمولى الرشيد الشيخ المفيد أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه ، من مستودع العهد المأخوذ على العباد..» إلى آخره(1).

بل المراد بالأخ هنا هو المراد بالأخ في قوله تعالى سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيْكَ(2).. وأمثال ما ورد في هارون وموسى، إذ لو كان المراد الأخ بالنسب لكان من قبيل توضيح الواضحات بعد معلومية كون هارون أخاً لموسى عندهم .

وبالجملة ، من نظر وتأمل وتفكر وتدبر في مقام النيابة عن الامام سواء كان نائباً عاماً أو خاصاً - يظهر له أن النائب أخ للمنوب عنه ويشدّ به أزره ويؤيده ، بل يدل عليه قوله عليه السلام في النائب العام « إنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله »(3)، إذ المراد بالحجة هنا المعنى اللغوي ، من حَجَّ يحج : إذا غلب ، فالمعنى أنه كما أن الامام قاطع العذر بين الله وبين عباده لئلا يقولوا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُوْلاً فَتَتَّبِعَ آيَاتِكَ(4)، فكذلك النائب العام قاطع لعذر الرعية لئلا يقولوا: لو لا نصب علياً علماً وهادياً لئلا تضلوا في غيبتك .

وعلى هذا فمقام النيابة العامة والخاصة من هذه الجهة سواء، وإن كانت دائرة النيابة


1) المقنعة للشيخ المفيد ص 7 .

2) سورة القصص : 35 .

3) المحاسن 1/1 ، اكمال الدين ص 484 ، وسائل الشيعة 140/27 .

4) سورة طه : 134 .

العامة أوسع من النيابة الخاصة ، فإن النيابة الخاصة محدودة والنيابة العامة غير محدودة.

وكذا لا فرق بينهما من حيث الدليل ، إلا أن مدلول النيابة العامة لا ينحصر بشخص .

وحيث أن النيابة مطلقاً من الأحكام الوضعية الجعلية وإعطاء منصب لشخص خاص أو لكلي بملاحظة أشخاصه ومصاديقه ، فيحتاج إلى جعل وإنشاء من الإمام عليه السلام، سواء كان المنشىء والجاعل هو الصادق عليه السلام أو الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه، بل ما يصدر منه تأكيد لما جعل وأنشأ الصادق عليه السلام لا أنه إنشاء مستقل .

ويظهر من ذلك أن شرائطه كشرائطه : لا فرق في الشرائط بين النيابة العامة والخاصة، بل الذي يظهر من مراجعة الأحاديث والتواريخ ونصب الولاة والنواب في زمن علي عليه السلام وغيره أن الشرائط في باب النائب العام أشدّ اهتماماً من النائب الخاص ، إذ الخاص في نصب ربما يعزله وربما يرى المصلحة في إبقائه وربما يرى المصلحة في عزله ، وليس كذلك في النائب العام ، ولذا ورد في النائب العام ما لم يرد في النائب الخاص . مثل ما ورد في الاحتجاج عن تفسير الإمام العسكري عليه السلام في حديث طويل : «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»(1)، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم - إلى آخر الحديث .

ويزيد في تعجبي أن من يدعي العلم يقول : هذا من يدعي العلم يقول : هذا من صفات الإمام. وآخر يقول : إنه لوكان وصفاً للنائب العام لضاق المجال بل ينتهي إلى العسر . وأنت تعلم أن صدر الرواية وذيلها يناديان أنها من صفات النائب لا المنوب عنه . مضافاً إلى أخبار أخرى دالة على ذلك .


1) وسائل الشيعة 131/27 .

وبالجملة ، لا شبهة في اعتبار العدالة في النائب العام ، وأن العدالة - وإن قلنا بأنها ملكة لا تقبل التجزئة كالاجتهاد - إلا أنها قابلة للشدة والضعف . فالعدالة المعتبرة في الحجّام ليست كالعدالة المعتبرة في شاهد الطلاق ، والمعتبرة في شاهد الطلاق ليست كالمعتبرة في البيّنة، والمعتبرة في البينة ليست كالمعتبرة في صلاة الجماعة ، والمعتبرة فيها ليست كالمعتبرة في المفتي والحاكم . بل المأخوذة في النائب العام أعلى درجة العدالة ، بحيث لو تجاوزت عنها لوصلت إلى درجة العصمة ، فالمعتبر في النائب العام هي ما دون العصمة .

والناس في زماننا يلازمون بين الاجتهاد أو الأعلمية وبين العدالة ، فكثيراً ما يسألون ويفتشون عن اجتهاد المفتي والحكام والنائب أو أعلميته ولا يسألون عن عدالته ، فكأنها بعد الاجتهاد أو الأعلمية مفروغ عنها . مع أن أمر العدالة أشدّ اهتماماً من أمر الاجتهاد والأعلمية .

هذا الحسين بن علي عليه السلام يعرّف نائبه لأهل الكوفة بأنه «ثقة أهل بيتي» أو «ثقة من أهل بيتي» . وقد نهج روحي له الفداء في الكوفة نهجاً يكون دستوراً للنواب العام من بعده ، حيث أنه ورد مدينةً كان فيها عمه أمير المؤمنين عليه السلام مسلطاً وإماماً وخليفةً، مع زهده وورعه وسائر صفاته بحيث يضرب به المثل فيها، فنهج نهج عمه . فإنه على ما يُستفاد من الأحاديث والتواريخ في مدة مكنه بالكوفة قريباً من شهرين كان قائم الليل صائم النهار ، لم يتصرف في الوجوه لإعاشة نفسه ولم يأكل من بيت المال ، وقد استدان من اليوم الذي دخل الكوفة على ما صرح به نفسه في وصيته الآتية ، وكان مصرفه في مدة إقامته بالكوفة مائتي درهم أو سبعمائة أو ألف على اختلاف الروايات، منتظراً لمجئ ابن عمه عليه السلام فيو في دينه ، مع كثرة الوجوه التي قد أتته من الشيعة ،

وكان يصرفها في المصالح العامة كشراء السلاح وآلات الحرب على ما نطقت به الروايات ، وكان ذلك بيد أبي ثمامة الصيداوي ، لأنه كان بصيراً في أمر السلاح وآلات الحرب.

ثم انظر إلى مواظبته روحي له الفداء في الإتيان بالمستحبات وترك المكروهات ، فيا ذكره جلّ المحدثين والمؤرخين من أنه لما نزل دار هاني بن عروة ونزل شريك الأعور الذي جاء من ابن زياد من البصرة وكان مريضاً في دار هاني وكان من وجوه الشيعة وأبوه الحارث الأعور الأزدي قال له أمير المؤمنين عليه السلام «یا حار همدان ...» قال لمسلم : إن ابن زياد يجيء لعيادتي وإذا سمعتني أقول «أسقوني ماءً» فاخرج إليه واضرب عنقه . فلما جاء ابن زياد لعيادته وقال شريك «أسقوني ماءً» لم يخرج مسلم حتى خرج ابن زياد ، واعترضه شريك وقال له : ما منعك من قتله ؟ قال : منعني حديث رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن .

الفتك بالفاء والكاف: الغيلة . وفي المجمع : وبعضهم يقول فتكاً مثلث الفاء أشهر منه : فرضه فقتله أو جرحه .

ثم اعلم أنه عليه السلام لما فرغ من شرائط النيابة وعرّفه بأنه «الأخ الثقة» أخذ في شرائط المنوب عنه ، فقال : ولعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذلك . وفي نسخة «على ذات الله» . وتمام الكلام مذكور في كتاب الحسين.

وأما ما كان من أمره عليه السلام من يوم خروجه من مكة - وهو منتصف شهر رمضان المبارك سنة ستين من الهجرة إلى يوم وصوله إلى الكوفة وهو الخامس من شوال إلى يوم خروجه وهو اليوم الثامن من ذي الحجة الحرام إلى

يوم شهادته وهو يوم عرفة - فقد اتفق التاريخ والحديث والمقاتل على جلّ أموره باختلاف يسير وزيادة قليلة في بعضها، ونحن نقتني هنا أثر السيد في اللهوف ونذكر ما ذكره بألفاظه ونشير إلى مواقع الإختلاف التي في غيره بالزيادة أو مغايرة الألفاظ ، واللفظ للسيد فنقول :

قال السيد(1)بعد أن ذكر ما أتت كتب أهل الكوفة حتى اجتمع عنده اثنا عشر ألف كتاب : فعندها قام الحسين عليه السلام فصلى ركعتين بين الركن والمقام وسأل الله الخيرة في ذلك ، ثم دعا مسلم بن عقيل وأطلعه على الحال وكتب معه جواب كتبهم يعدهم بالوصول إليهم ويقول لهم ما معناه : قد نفذت إليكم ابن عمي مسلم بن عقيل ليعرفني ما أنتم عليه من رأي جميل. فسار مسلم بالكتاب حتى وصل الكوفة . وأهمل قدس سره ما جرى عليه في الطريق .

قال الشيخ(2): ودعا الحسين بن علي عليه السلام مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، فسرَّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعُمارة بن عبد السلولي وعبدالرحمن بن عبد الله الأرحبي، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين(3)عجّل إليه بذلك .

وفي رواية : ومعه جماعة من صناديد الكوفة الحاضرين.

وفي رواية : ودّع مسلم الحسين عليه السلام فبكيا . وخرج مسلم بن عقيل وارتحل ، وإذا رجلٌ يرمي الصيد، نظر إليه قد الصيد، نظر إليه قد رمى ظباء حين أشرف إليه فصرفه ، فقال مسلم : يُقتل أعداؤنا إنشاء الله.


1) اللهوف ص 107 .

2) الإرشاد للمفيد 39/2.

3) مستوسقين : مجتمعين منقادين .

قيل : فتطير ورجع إلى الحسين عليه السلام فودّعه ثانياً وبكيا ساعةً ثم ارتحل .

وذكر جماعة قضية الصيد والظبي بعد خروجه عن المضيق كما سيأتي . ولعل الأول أصح.

قال المسعودي(1): فأقبل رحمه الله حتى أتى المدينة ، فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وودع من أحب من أهله ، ثم استأجر دليلين من قيس ، فأقبل بهما يتنكبَّان الطريق(2)فضلًا وأصابهما عطش شديد ، فعجزا عن المسير وأومأله إلى سَنَن الطريق(3)بعد أن لاح لهما ذلك ، فسلك مسلم ذلك السَّنَن ومات الدليلان عطشاً .

فكتب مسلم بن عقيل من الموضع المعروف بالمضيق مع مسهر بن قيس الصيداوي: «أما بعد ، فإني أقبلتُ من المدينة مع دليلين لي ، فحارا عن الطريق وضلا ، واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا ، وأقبلنا أمسها إلى الماء، فلم ينج الالحشاشة أنفسنا ، وهذا الماء بمكان يُدعى المضيق من بطن الخشب، وقد تطيرتُ من وجهي هذا، فإن رأيت إعفني منه وابعث غيري. والسلام».

فكتب الحسين عليه السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي إلى ابن عمه مسلم بن عقيل

أما بعد ، لقد خشيتُ أن لا يكون حملك إلى الكتاب إليّ في الاستعفاء من التوجه الذي وجهتك إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك يابن العم، إني


1) مروج الذهب 54/3 .

2) يتنكبان الطريق : يعدلان عنه .

3) سنن الطريق : واضح الطريق .

سمعتُ جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما منا أهل البيت من تطير ولا يتطير به ، فإذا قرأت كتابي فامض إلى ما أمرتك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» .

فلما قرأ مسلم الكتاب قال : أما هذا فلستُ أتخوّفه على نفسي .

فأقبل حتى مر بماء لطي ، فنزل ثم ارتحل عنه ، ثم اقبل حتى دخل الكوفة ، وذلك لخمس خلون من شوال .

قال السيد(1): فلما وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بإيابه، فأنزلوه في دار المختار بن أبي عبيد الله الثقفي وصارت الشيعة تختلف إليه ، فلما اجتمعت الشيعة جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون .

وفي مروج الذهب : فنزل على رجل يقال له عوسجة متستّراً(2). والظاهر - على ما يظهر من كلام الأزدي - أنه عليه السلام نزل في دار مسلم بن عَوْسَجة متستراً حتى علم أهل الكوفة بمكانه فانتقل إلى دار المختار بن أبي عبيد .

قال السيد : واختلف إليه الشيعة حتى بايعوه ثمانية عشر ألفاً(3).

وقد مرّ في ترجمة عابس بن أبي شبيب الشاكري وترجمة سعيد بن عبدالله الحنفى ما تكلما في دار المختار بن أبي عبيد.

قال الأزدي : فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً ويأمره بالقدوم ، وذلك قبل أن يقتل مسلم بسبعة وعشرين يوماً(4).

قال السيد : وكتب عبد الله بن مسلم الباهلي وعُمارة بن وليد وعمر بن سعد إلى


1) اللهوف ص 107 .

2) مروج الذهب 54/3 .

3) اللهوف ص 25 .

4) أنظر : روضة الواعظين ص 173 ، الإرشاد للمفيد 41/2 .

يزيد يخبرونه بأمر مسلم ويشيرون عليه بصرف النعمان بن بشير وولاية غيره .

فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد - وكان والياً على البصرة - بأنه قد ولاه الكوفة وضمها إليه ، ويعرّفه أمر مسلم وأمر الحسين، ويشدّد عليه في تحصيل مسلم وقتله ، فتأهّب عبيد الله للمسير إلى الكوفة .

قال : وكتب الحسين إلى أشراف الكوفة كتاباً . وقد مرّ ذكره في ترجمة سليمان ، وعند ذكر كتبه عليه في الجزء الأول من هذا الكتاب.

قال الأزدي وغيره(1): فلما وصل كتب القوم إلى يزيد دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله بن زياد كتاباً وأرسل معه : «أما بعد فإنه كتب لي شيعتي من أهل الكوفة يخبروني أن ابن عقيل بها يجمع الجموع لشق عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقبه ، فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام» وسلم إليه عهده إلى الكوفة .

فسار مسلم بن عمرو الباهلي حتى قدم على عبيد الله بالبصرة، فأوصل إليه العهد والكتاب . فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيؤ إلى الكوفة ، من غد ، فأخذ رسول الحسين سلماه مولاه وصلبه ، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف .

قال السيد : ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح استناب أخاه عثمان بن زياد، وأسرع حتى قرب الكوفة ، فلما قاربها نزل حتى أمسى ثم دخلها ليلاً ، فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام فتباشروا بقدومه ودنوا منه ، فلما عرفوا أنه ابن زياد تفرّقوا عنه، فدخل قصر الإمارة وبات فيه إلى الغد. ثم خرج وصعد المنبر وخطبهم وتوعدهم على معصية السلطان ووعدهم مع الطاعة بالإحسان .


1) روضة الواعظين ص 174 ، الإرشاد للمفيد 42/2 ، مقتل الحسين للازدي ص 26 .

فلما سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه من الإشتهار ، فخرج من دار المختار وقصد دار هاني بن عروة، فآواه وكثر اختلاف الشيعة إليه ، وكان عبيد الله قد وضع المراصد عليه .

قال أبو الفرج ومثله في الإرشاد(1): أقبل ابن زياد من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن عمر الجارود وشريك بن الأعور وحشمه وأهله .

وعن الطبري : انتخب من أهل البصرة خمسمائة ، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الأعور وكان شيعة لعلي ، وأخذ ابن زياد طريق البر معجّلاً فى السير ، ومعه نفر قليل منهم شريك بن الأعور ، وكان شريك يبطؤونه في السير وهو لا يعلم لدخول الحسين عليه السلام الكوفة قبل ابن زیاد لظنه بخروج الحسين . وفي الفصول المهمة : فلما قرب الكوفة دخلها ليلاً ليوهم أنه الحسين عليه السلام ، ودخل من جهة البادية بزي أهل الحجاز.

قال أبو الفرج : دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو ملتثم ، والناس ينتظرون قدوم الحسين عليه السلام ، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا : مرحباً بك يابن رسول الله قدمت خير مقدم ، ورأى من الناس من يبشرهم بالحسين فأساءه.

وفي الإرشاد(2): فقال مسلم بن عمر و الباهلي لما أكثروا : تأخروا هذا الأمير عبیدالله بن زیاد .

وسار حتى وافى القصر في الليل ومعه جماعة قد التفوا به لا يشكون أنه الحسين عليه السلام ، فأغلق النعمان بن بشير عليه وعلى خاصته ، فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب ، فأطلع عليه النعمان وهو يظنه الحسين ، فقال : أنشدك الله إلا


1) الإرشاد للمفيد 42/2 ، مقاتل الطالبيين ص 63.

2) الإرشاد للمفيد 42/2.

تنحيت ، فوالله ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، ومالي في قتالك من إرب . فجعل لا يكلمه .

ثم إنه دنى فتدلى النعمان من شرف ، فجعل يكلمه فقال : إفتح الباب لا فتحت ، فقد طال ليلك . وسمعها إنسان خلفه ، فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من الكوفة على أنه الحسين عليه السلام ، فقال : أي قوم ابن مرجانة والذي لا إله غيره .

قال المسعودي : وفتح له النعمان ودخل وضربوا الباب على وجوه الناس ، فانفضوا.

قال أبو الفرج : وقال عمر عن أبي مخنف عن المعلى بن كليب عن أبي الوداك قال : لما نزل ابن زياد القصر فأصبح نودي في الناس : الصلاة جامعة . فاجتمع إليه الناس وخرج إلينا ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وتغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم ، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليتق امرؤ على نفسه ، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد .

وفي رواية قال : فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي - يعني مسلم بن عقيل - مقالتي وغضبي. ثم نزل .

فأخذ العرفاء بالناس أخذاً شديداً ، فقال : اكتبوا إلى العرفاء ومن قبلكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والنفاق ثم ليجاؤا بهم لنرى رأينا فيهم ، ومن لم يكتب لنا ما فى عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغ علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله ، وأيّ عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وتلك العرافة من الغطاء .

وفي الفصول المهمة : أمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في تلك الساعة.

قال أبو الفرج(1): عن أبي مخنف : وسمع مسلم بن عقیل بمجلس عبید الله بن زیاد ومقالته خرج فأقبل حتى أتى دار هاني بن عروة المرادي ، فدخل بابه ، فأرسل إليه أن أخرج ، فخ إليه هاني ، فقال : إني أتيتك لتجيرني وتضيفني . قال له : رحمك الله ، لقد كلفتني شططاً ، ولولا دخولك داري وثقتك بي لأحببت وسألتك أن تنصرف عني ، غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ، أدخل فدخل داره. فأقبلت الشيعة تختلف إليه في دار هاني بن عروة المرادي على تستر واستخفاء من عبید الله ، وتواصوا بالكتمان .

وفي المناقب : وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل ، فعزم على الخروج ، فقال هاني : لا تعجل .

قال الطبري(2): ودعا ابن زياد مولى له يقال له مَعْقِل ، فقال له : خذ ثلاثة آلاف درهم ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا أصحابه ، ثم أعطهم هذه الثلاثة الآلاف، فقل لهم : استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم، فإنك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك ووثقوا بك ولم يكتموك شيئاً من أخبارهم ، ثم أنخ عليهم ورُح . ففعل ذلك ، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عَوْسَجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون : إن هذا يبايع للحسين عليه السلام، فجاء وجلس حتى فرغ من صلاته، ثم قال : يا عبدالله إني امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع ، أنعم الله عليَّ بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم ، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردتُ بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحداً يدلني


1) مقاتل الطالبيين ص 64 .

2) تاريخ الطبري 362/5.

عليه ولا يعرف مكانه ، فإني جالس آنفاً في المسجد إذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت وإنى أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه . فقال : أحمد الله على لقائك إياي ، فقد سرني ذلك لتنال ما تحب، ولينصر الله بك أهل بيت نبيه ، ولقد ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته .

فأخذ بيعته قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن ، فأعطاه من ذلك ما رضي به . ثم قال له : اختلف إلي أياماً في منزلي فأنا طالب لك الإذن على صاحبك . فأخذ يختلف مع الناس ، فطلب له الإذن .

قال الطبري(1): ثم إن معقلاً مولى ابن زياد الذي رسه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه ، اختلف إلى مسلم بن عوسجة أياماً ليدخله على ابن عقيل ، فأقبل به حتی أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور ، فأخبره خبره كله. فأخذ ابن عقيل بيعته وأمر أباثمامة الصيداوي فقبض ماله الذي جاء به ، وهو الذي كان يقبض أموالهم وما يعين به بعضهم بعضاً ، يشتري لهم السلاح ، وكان به بصيراً ، وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة .

وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم ، فهو أول داخل وآخر خارج، يسمع أخبارهم ويعلم أسرارهم ثم ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد .

قال السيد : فلما علم [ابن زياد] أنه في دار هاني بعث إليه . وسيأتي عند ذكر هاني بن عروة ما يتعلق بكيفية حبسه وضربه وقتله .

قال الطبري(2): قال أبو مخنف : حدثني الحجاج بن علي ، عن محمد بن بشر الهَمْداني


1) تاريخ الطبري 218/4 .

2) تاريخ الطبري 368/5 .

قال : لما ضرب عبيد الله هانئاً خشي [مسلم] أن يثب الناس به ، فخرج وصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك ، وقد أعذر من أنذر .

قال : ثم ذهب لينزل ، فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قِبَل التمارين يشتدون ويقولون : قد جاء ابن عقیل ، قد جاء ابن عقيل . فدخل عبيد الله القصر مسرعاً وأغلق أبوابه .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف : حدثني يوسف بن يزيد، عن عبدالله بن خازم ، قال : أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما صار أمر هاني . قال : فلما ضُرب وحُبس ركبتُ فرسي وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عثرتاه يا تكلاه. فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر ، فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ منهم الدور حوله ، وقد بايعه ثمانية عشر ألفاً، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي: ناد «يا منصور أمت» ، فناديت «يا منصور أمت» ، وتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه ، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندي على ربع كندة وربيعة وقال : سر أمامي في الخيل ، ثم عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على رُبع مَذْحِج وأسد وقال : أنزل في الرجال فأنت عليهم، وعقد لأبي تمامة الصائدي على ربع تميم وهَمْدان، وعقد لعباس بن جَعْدة الجدلي على ربع المدينة . ثم أقبل نحو القصر ، فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرّز في القصر وغلق الأبواب.

قال أبو مخنف : وحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن عباس الجدلي ، قال :


1) تاريخ الطبري 275/4 .

خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف ، فما بلغوا القصر إلا ونحن ثلاثمائة .

قال : وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر ، ثم إن الناس تداعَوْا إلينا واجتمعوا، فوالله ما لبثنا إلا قليلاً حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق ، وما زالوا يثوّبون حتى المساء ، فضاق بعبيد الله ذَرْعَه ، وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر ، وليس معه إلا ثلاثون رجلاً من الشرط وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه ، وأقبل أشراف الناس يأتون إليه من قِبَل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من بالقصر مع ابن زياد يُشرفون عليهم فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة ، وأن يشتموهم وهم لا يفترون على عبيد الله وعلى أبيه .

ودعا عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي، فأمره أن يخرج في من أطاعه من مَذْحِج فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوّفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج في من أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس . وقال مثل ذلك للقعقاع ابن شَوْر الذهلي وشَبَث بن ربعي التميمي وحجّار بن أبجر العجلي وشمر بن ذى الجوشن العامري ، وحبس سائر وجوه الناس عنده إستيحاشاً إليهم لقلة عدد من معه من الناس . وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل .

قال أبو مخنف : فحدثني أبو جناب الكلبي : أن كثيراً لقي رجلاً من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان ، فأخذه حتى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره ، فقال لابن زياد : إنما أردتك . قال : وكنتَ وعدتني ذلك من نفسك ، فأمر به فحبس .

وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة

ابن صَلْخَب الأزدي وهو يريد ابن عقيل وعليه سلاح، فأخذه وبعث به إلى ابن زیاد فحبسه.

فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبدالرحمن بن شريح الشبامي ، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرة من أتاه أخذ يتنحى ويتأخر ، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمد بن الأشعث: قد جُلت على ابن عقيل من العرار ، فتأخر عن موقفه فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين ، فلما اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع في من عبيدالله أطاعهم من قومهم ، فقال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد : أصلح الله الأمير ، معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك ، فاخرج بنا إليهم . فأبي عبيد الله ، وعقد لشبث بن ربعي لواء فأخرجه .

وأقام الناسُ مع ابن عقيل يكبرون ويثوّبون حتى المساء وأمرهم شديد. فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه ، ثم قال : أشرفوا على الناس فنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام إليهم .

وقال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن عبدالله بن خازم البكري من الأزد من بني كثير ، قال : أشرف علينا الأشراف ، فكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب ، فقال : أيها الناس ألحقوا بأهاليكم ، ولا تعجلوا الشر ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يُحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البرئ بالسقيم والشاهد بالغائب ، حتى لا يبق له فيكم بقية من

أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها وتكلم الأشراف بنحو من هذا الكلام . فلما سمع الناسُ مقالتهم أخذوا يتفرقون .

قال أبو مخنف : فحدثني المجالد بن سعيد : أن المرأة كانت تأتي إبنها أو أخاها فتقول : انصرف فإن الناس يكفونك ، ويجي الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول : غداً يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشر ، إنصرف ، فيذهب به .

فما زالوا يتفرقون ويتصدّعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه إلا ثلاثون نفساً في المسجد ، حتى صليت المغرب فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفساً . فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجهاً نحو أبواب كندة ، فلما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان ، والتفت فإذا هو لا يجد أحداً يدله على الطريق ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو ، فمضى على وجهه يتلدَّد(1)في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ، حتى خرج إلى دور بني جَبَلة من كندة .

وقال الشيخ ابن نما(2): لما بلغ مسلم بن عقيل خبر هاني بن عروة خرج بجماعة ممن بايعه إلى حرب عبيد الله بن زياد بعد أن رأى أكثر من بايعه نقضوا البيعة وهم مع عبيدالله ، فتحصّن بدار الإمارة واقتتلوا قتالاً شديداً إلى أن جاء الليل، فتفرقوا عنه وبقي معه أناس قليل ، فدخل المسجد يصلي وطلع متوجهاً نحو باب كندة ، فإذا هو وحده لا يدري أين يذهب.

وقال المسعودي(3): فنزل عن فرسه ومشى متلدّداً في أزقة الكوفة لا يدري


1) لدّ عن الشي : منعه عنه.

2) مثير الأحزان ص 119 .

3) مروج الذهب 58/3 .

أين يذهب ، حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة ، فمشى .

وفي تاريخ الطبري(1): وذكر هارون بن مسلم، عن علي بن صالح ، عن عيسى بن يزيد : أن المختار بن عبيد الثقفي وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم ، خرج المختار براية خضراء ، وخرج عبدالله براية حمراء وعليه ثياب حمر ، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث ، وقال : إنما خرجت لأمنع عمراً ، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شؤر وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً ، وجاء شبث فجعل يقول : إنتظروا بهم الليل يتفرقون . فقال له القعقاع : إنك قد شددت على الناس وجة مصيرهم فأفرج لهم ينسر بوا(2)، وإن عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث ، وجعل فيهما جُعْلاً ، فأتي بهما فحبسا .

قال السيد(3): فلما رأى مسلم تفرّق الناس خرج من المسجد وحيداً في دروب الكوفة ، حتى وقف على باب امرأة يقال لها طوعة.

قال الطبري(4): قال أبو مخنف : فمشى حتى انتهى إلى باب دار امرأة يقال لها : : طوعة أم ولد كانت للأشعث بن قيس فأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً، وكان بلال قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره، فسلّم عليها ابن عقیل ، فقال لها : يا أمة الله إسقيني ماءاً ، فدخلت وسقته فجلس ، وأدخلت الإناء ثم خرجت فقالت : يا عبد الله ألم تشرب ؟ قال : بلى . قالت : فاذهب إلى


1) تاريخ الطبري 381/5.

2) ينسر بوا : يذهبون على وجوههم.

3) اللهوف ص 119.

4) تاريخ الطبري 371/5.

أهلك. فسكت، ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت ، ثم قالت له : في الله(1)، سبحان الله يا عبد الله فمر إلى أهلك عافاك الله ، فإنه لا يصلح لك الجلوس إلى بابي ولا أحلّه لك . فقام وقال : يا أمة الله مالي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي مكافتك به بعد اليوم . فقالت : يا عبد الله وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذَبَني هؤلاء القوم وغرّوني . قالت : أنت مسلم ؟ قال : نعم . قالت : أدخل . فأدخلته بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش.

ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها ، فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه ، فقال : والله إنه ليريبني كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه ، إن لكِ لشأناً . فقالت : يا بنى اله عن هذا . قال : والله لتخبرني . قالت : أقبل على شأنك ولا تسألني عن شئي . فألح عليها ، فقالت : يا بني لا تحدثن أحداً من الناس بما أخبرك به . وأخذت عليه الأيمان ، فحلف لها فأخبرته ، فاضطجع وسكت .

قال الطبري(2): قال أبو مخنف : ولما طال على ابن زياد ولم يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتاً كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه : أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحداً . فأشرفوا فلم يروا أحداً .

قال : فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم. ففعلوا ذلك حتى أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظُّلة التي فيها المنبر . فلما لم يروا شيئاً أعلموا ابن زياد ، ففتح باب السدة التي في المسجد . ثم خرج فصعد المنبر وخرج أصحابه معه ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة ، وأمر عمرو بن نافع فنادى :


1) في الله : أي اتق الله في.

2) تاريخ الطبري 278/4 .

ألا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد.

فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس.. فصلى بالناس ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته . وأمرهم بالطاعة ولزومها .

ثم قال: يا حُصين بن تميم - وكان على شرطته وهو من بني تميم وقال له : يكفيك أنك إن صاح باب سكة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مُراصدةً على أبواب السكك وأصبح غداً والدور وجسّ خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل.

ثم نزل ابن زياد فدخل القصر، وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس.

فلما أصبح [ابن زياد] جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه ، وأقبل محمد بن الأشعث فقال : مرحباً بمن لا يُستغش ولا يتهم . ثم أقعده بجنبه.

وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابن عقيل ، فغدا إلى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه . قال : فأقبل عبدالرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره ، فقال ابن زیاد : ما قال لك ؟ قال : أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا . فنخس ابن زياد بالقضيب في جنبه ثم قال : قم فأتني به الساعة.

قال الطبري : قال أبو مخنف : فحدثني قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي : أن ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس : أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلاً

كلّهم من قيس ، وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل، فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السُّلَمي في ستين أو سبعين من قيس ، حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل .

(بیان):

ما ذكرنا من أمر مسلم بن عقيل إلى هنا مطابق لما نقله أبو مخنف باسناده على ما ذكره الطبري ، وما ذكره المحدثون والمؤرخون ينتهي إلى أبي مخنف باختلاف يسير باختصار أو توضيح، وكان أبو مخنف على ما ذكره بعضهم شاهد ما في الواقعة ، فروايته أصح من غيره. إلا أن في تاريخ الأعثم الكوفي زيادة ، وهو قتل محمد بن كثير وابنه في نصرة مسلم بعد ما آوى مسلم إليه بدلالته سعيد بن أحنف في تلك الليلة التي كان مسلم يدور في أزقة الكوفة قبل أن يصل إلى دار طوعة .

والقصة مفصلة ذكرها في الناسخ وعليها آثار الصدق، تركناها لتفرده بها، ومن أرادها فليراجع.

وفي بعض المقاتل : لما أن طلع الفجر جاءت طوعة إلى مسلم بماء يتوضأ ، قالت : يا مولاي ما رأيتك رقدت في هذه الليلة . فقال لها : إعلمي أني قد رقدتُ رقدةً فرأيتُ في منامي عمي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول : الوحا الوحا، العجل العجل ، وما أظن إلا أنه آخر أيامي من الدنيا .

قال السيد(1)، فأحضر ابن زياد محمد بن الأشعث وضم إليه جماعة وأنفذه لإحضار مسلم ، فلما بلغوا دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل لبس درعه وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيد الله حتى قتل منهم جماعةً ، فنادى إليه


1) اللهوف ص 120 .

محمد بن الأشعث وقال : يا مسلم لك الأمان. فقال له مسلم؛ وأي أمان للغدرة الفجرة . ثم أقبل يقاتلهم ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن :

أقسمت لا أُقتل إلا حرا *** وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نكراً

والأبيات على ما في الناسخ والقمقام وبعض الكتب المعتبرة هكذا بعد البيت الأول :

أكره أن أُخدَع أو أغرا *** رُدّ شعاع النفس فاستقرا

أو أخلط البارد سخناً مرا *** كل امرىء يوماً ملاقٍ شرا

أضربكم ولا أخاف ضُرا *** فعل غلامٍ قَطُّ لن يفرا

وكل ذي غدر سيلق غدرا

قال السيد(1)بعد ذكر الأبيات : فنادوا «إنك لا تخدع ولا تُغر» ، فلم يلتفت إلى ذلك وتكاثروا عليه بعد أن أتخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه، فخر إلى الأرض ، فأخذ أسيراً .

(بیان):

يظهر من السيد قدس سره ومن غيره أنه روحي فداه لم يقبل الأمان بعد ما أتوه به ، وظاهر الرجز بل صريحه ذلك أيضاً ، كما أن صريح كلامه تبعاً لابن نما كونه على فرس له. إلا أن صريح أبي مخنف - على ما ذكره الطبري وغيره - يخالفه في كلا الأمرين . ولعل الأصح ما ذكره قدس سره .

قال الطبري(2): قال أبو مخنف : فلما سمع مسلم بن عقيل وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتي ، فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ،


1) اللهوف ص 34.

2) تاريخ الطبري 373/5.

فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك.

قال أبو الفرج(1): فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ويُلهبون النار فى أطباق القصب ثم يقذفونها عليه من فوق السطح. فلما رأى ذلك قال : أكلمها أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل يا نفسي أخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص - فخرج رضوان الله عليه مُصْلِتاً سيفه إلى السكة ، فقاتلهم .

وفي بعض المقاتل : قال روحي له الفداء لهم : مالكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفار وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، ألا ترعَوْن حق رسول الله في ذريته.

و في المناقب وغيره(2): فحمل عليهم مسلم وهو يقول :

هو الموتُ فاصنع ويك ما أنت صانعُ *** فأنت بكأس الموت لا شك جارع

فصبراً لأمر الله جل جلاله *** فحكم قضاء الله في الخلق ذائع

وفى بعض المقاتل : إن مسلم بن عقيل كان مثل الأسد، وكان من قوته أنه يأخذ الرجل فيرمي به فوق البيت.

قال أبو مخنف(3): فاختلف هو وبكير بن حُمران الأحمري ضربتين ، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وأشرع السيف في السفلى و نصلت له ثنيتاه ، فضربه مسلم ضربةً في رأسه منكرة وثنّى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه .


1) مقاتل الطالبيين ص 69 و ما بعدها .

2) مناقب آل أبي طالب 101/4 .

3) تاريخ الطبري 373/5.

قال أبو مخنف : ولما عجز من القتال وقد أثخن بالحجارة فأسند ظهره إلى جنب دار بكر بن الحارث ، فدنا محمد بن الأشعث فقال : لك الأمان . فقال : آمن أنا ؟ قال : نعم . وقال القوم : أنت آمن. غير عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي فإنه قال : لا ناقة لي ولا جمل في هذا وتنحى عنه .

قال ابن عقيل: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم. وأتي ببغلة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه . فكأنه عند ذلك آيس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال : هذا أول الغدر . قال محمد بن الأشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس. قال : ما هو إلا الرجاء، أين ،أمانكم، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وبكى . فقال له عمرو بن عبید الله بن عباس السلمى : إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك . قال : إني والله ما لنفسي أبكي ولا لها من القتل أرثى ، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي ، أبكي للحسين وآل الحسين .

قال أبو الفرج والطبري(1): ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال : يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني. وسأله أن يبعث رسولاً إلى الحسين ليخبره الخبر ويسأله الرجوع . فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن وأعلمن ابن زياد أني قد آمنتك .

قال أبو مخنف : دعا محمد بن الأشعث أياس بن العثل الطائي وكتب إلى الحسين الذي أمره ابن عقيل، فقال له : ألق حسيناً فأبلغه هذا الكتاب ، وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل . ثم خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال ، فأخبره الخبر وبلغه الرسالة . فقال له الحسين : كل ما حتم نازل ، وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا .

قال أبو مخنف : وأقبل محمد بن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر ، فاستأذن


1) مقاتل الطالبيين ص 69 ، تاريخ الطبري 280/4.

فأذن له، فأخبر عبيد الله خبر ابن عقيل وضرب بكير إياه ، فقال : بُعداً له . فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إياه . فقال عبيد الله : ما أنت والأمان ، كأنا أرسلناك لتؤمنه ، إنما أرسلناك لتأتينا به فسكت وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر .

وقال محمد بن أبي طالب : ولما قتل مسلم جماعةً كثيرةً وبلغ ذلك إلى ابن زياد ، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول : بعثناك إلى رجل واحد لتأتيني به فتَلَم في أصحابك ثلمة عظيمةً ، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره . فأرسل ابن الأشعث : أيها الأمير أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو إلى جَرْمقاني من جَرامِقَة الحيرة(1)، أو لم تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كفّ بطل همام من آل خير الأنام . فأرسل إليه ابن زياد : أن أعطه الأمان، فإنك لا تقدر عليه إلا به .

وأما حكاية البئر ووقوعه عليه السلام فيه لم أرها في كتب القدماء والمتأخرين ، إلا أنه مذكور في مقتل أبي مخنف الموجود وتبعه غيره من المؤرخين وأرباب المقاتل المتأخرين ، قال : فلما قتل منهم جمعاً كثيراً قال رجل ملعون منهم : أنا أنصب له شركاً فإنه لا يخلص منه . قالوا : بماذا ؟ قال : نحفر له بئراً في الطريق ونطمها بالدَّغل(2)والتراب ، ونحمل عليه وننهزم من قدامه، وأرجو أن لا ينفك منها . ففعلوا ذلك ومسلم لا يعلم ما فعلوا من المكر ، ثم حملوا عليه وحمل عليهم ، فاطردوا من بين يديه فوقع في البئر فأحاطوا به من كل جانب ومكان ،


1) الجرامقة : قوم من العجم في أوائل الاسلام، اسم خاص.

2) الدغل : الشجر الكثير الملتف.

وأخذوه أسيراً حتى أتوابه إلى قصر الإمارة.

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: قال أبو مخنف : فحدثني قدامة بن سعد أن مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة على الباب ، فقال ابن عقيل: أسقوني من هذا الماء . فقال له مسلم بن عمرو : أتراها ما أبردها ، لا والله لا تذوق منها قطرة أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم . قال له ابن عقيل : ويحك من أنت ؟ قال : أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفته ، أنا مسلم بن عمرو الباهلي . فقال ابن عقيل : لأمك التكل ما أجفاك وما أفظك وأقسى قلبك وأغلظك يا بن باهلة ، أنت أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني . ثم جلس متسانداً إلى حائط .

قال أبو مخنف : فحدثني قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاماً له يُدعى سليمان فجاءه بما في قلة فسقاه .

قال أبو مخنف : وحدثني سعيد بن مدرك بن عُمارة : أن عُمارة بن عُقبة بعث غلاماً له يُدعى قيساً فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح، فصبّ فيه ماءاً ثم سقاه ، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دماً ، فلما امتلأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه ، فقال : الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته .

وأدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلّم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي : ألا تسلم على الأمير . فقال له : إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ، وإن كان لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عليه . فقال له ابن زياد: العمري لتقتلن . قال : كذلك . قال نعم .


1) تاريخ الطبري 375/5.

قال أبو مخنف : ثم إن ابن زياد قال : إيه يابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرّق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض . قال : كلا لستُ أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب . قال : وما أنت وذالك يا فاسق ، أو لم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر . قال : ما أنا أشرب الخمر ، والله إن الله ليعلم أنك غير صادق وأنت قلت بغير علم، وإني لستُ كما ذكرت ، وان أحق من يشرب الخمر مني وأولى منها من يلغ في دماء المسلمين ولغاً ، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن ، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً . فقال له ابن زياد : يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله. قال : فمن أهله يابن زياد ؟ قال : أمير المؤمنين يزيد . فقال : الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حَكَماً بيننا وبينكم . قال : كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئاً . قال : والله ما هو بالظن ولكنه اليقين . قال : قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يُقتلها أحد في الاسلام . قال : أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحقُّ بها منك . وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسيناً وعلياً وعقيلاً، وأخذ مسلم لا يكلمه .

ثم قال : فدعني أوصي إلى بعض قومي . فنظر في جلسائه عمر بن سعد فقال : يا بن سعد إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وقد يجب عليك نجح حاجتي. فأبى أن يمكنه من ذكرها ، فقال له عبيد الله : لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك . فقام معه وجلس حيث ينظر إليه ابن زياد ، فقال له : إن علي بالكوفة ديناً استدنته

منذ قدمت بالكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني ، وانظر جثتي واستوهبها من ابن زياد فوارها ، وابعث إلى الحسين عليه السلام من يرده ، فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلاً.

فقال عمر لابن زياد : أتدرى ما قال لى ، إنه ذكر كذا وكذا . قال له ابن زياد : إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن ، أما مالك فهو لك ولسنا أن نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت ، وأما الحسين فإنه إن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكفّ عنه ، وأما جئته فإنا لا نبالي إن قتلناه ما صنع بها .

وفي بعض الروايات : إن علي ديناً استدنته سبعمائة درهم. وفي بعضها ألف درهم. وفي بعضها مائتا درهم، قال : فاقضها عن مالي بالمدينة. وفي بعض الروايات : إن لي ضيعة بالمدينة بعها واقض ديني. وفي بعضها : اقضها من درعي وسيفي .

قال الطبري وغيره(1)ثم قال ابن زياد: إصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم أتبعوا جسده رأسَه . فقال : يابن الأشعث أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت ، قم بسيفك دوني فقد أُخفِرَت ذمتك . ثم قال : يا بن زياد أما والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني .

ثم قال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه، فدعي فقال : أصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه. فصعد به وهو بكير بن حمران ، وهو يكبر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله وهو يقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكَذَبونا وأذلونا.


1) تاريخ الطبري 378/5 .

قال الطبري: قال أبو مخنف : حدثني الصقعب بن زهير عن عون بن أبي جحيفة ، قال : نزل الأحمري بكيرُ بن حُمران الذي قتل مسلماً ، فقال له ابن زیاد : قتلته ؟ قال : نعم . قال : فما كان يقول وأنتم تصعدون به ؟ قال : كان يكبر ويسبح ويستغفر الله ، فلما أدنيتُه لأقتله قال : اللهم احكم بيننا وبين قوم كَذَّبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا ، فقلت له : أدن مني، الحمد لله الذي أقادني منك، فضربته ضربةً لن تغن شيئاً ، فقال : أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد . فقال ابن زياد: أو فخراً عند الموت . ثم قال : ضربت الثانية فقتلته .

قال المسعودي(1): فضرب بكيرُ الأحمري عنقَ مسلم، فأهوى رأسه إلى الأرض ثم أتبعوا جسَده رأسَه .

قال السيد(2): ونزل بكير مذعوراً ، فقال له ابن زياد : ما شأنك ؟ فقال : أيها الأمير رأيتُ ساعة قتله رجلاً أسوداً شني الوجه حذاىَ عاضاً على إصبعه - أو قال على شفتيه ، ففزعت منه فزعاً لم أفزعه قط . فقال ابن زياد : لعلك دهشت.

وستأتي تتمة هذه عند ترجمة هاني بن عروة، وفي ترجمة عمرو بن حريث ومسلم الباهلي وبكير الأحمري وابن عباس السلمي عند ترجمة الأعداء.

وقد ذكرنا عند ترجمة النساء ترجمة بنت مسلم وما جرى عليها في ليلة الحادي عشر ، وما جرى عليها بين خالها الحسين عليه السلام وبينها في منزل زبالة لما بلغ خبر مسلم وهاني إلى الحسين عليه السلام.

(بیان):

قال الفاضل المعاصر أيده الله تعالى في شرح الأرجوزة عند قوله «وشعاعُ


1) مروج الذهب 60/3 .

2) اللهوف ص 122 .

النفس فاستقرا» : الشعاع المتفرّق من الشئ تفرّقاً دقيقاً ، يقال : ما ريب نفسُه شعاعاً أي تفرقت، فالمعنى في الرجز أن النفس استقرت بعد ما تفرقت. ويمضي في جملة من الكتب «شعاع الشمس» وهو غلط وتصحيف ، صحفه من لم يفهم شعاع النفس ، فرأى أن الشعاع بالشمس أليق. انتهى.

والعجب منه أيده الله كيف اشتبه عليه الشّعاع بالفتح والشُّعاع بالضم . نعم ، الشعاع بالفتح بمعنى التفرق على ما صرح به في القاموس، ولكن الشعاع بالضم على ما صرح به في القاموس والمجمع هو ما يُرى من ضوء الشمس عند غروبها وذرودها ، وحينئذ فإن قرأنا بالفتح فالمتعيَّن النفس ، إلا أن استفادة المعنى على ما ذكره يحتاج إلى عناية . وإن قرأنا بالضم فالمتعين الشمس، ويؤيده ما في بعض النسخ «غار شعاع الشمس فاستقرا»، فالمعنى ذهاب شعاع الشمس . فهي كناية عن بلوغ العمر إلى النهاية ، فهذا المعنى أنسب وأظهر . فتأمل .

مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة، أبو حجل الأسدي السعدي

*مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خزيمة ، أبو حجل الأسدي السعدي

عده الشيخ في رجاله(1)من أصحاب الحسين عليه السلام .

وفي محكي الطبقات قال : وكان رجلاً شجاعاً ، له ذكر في المغازي والفتوح الاسلامية(2).

وقال القسطلاني : كان رجلاً شريفاً سرياً عابداً قارئاً متنسكاً ، استشهد مع الحسين بطف كربلاء، وكان صحابياً ممن رأى النبي صلى الله عليه وآله على ما


1) رجال الطوسي ص 80.

2) أنظر : تنقيح المقال 214/3 .

في الطبقات، وكان وكيل مسلم بن عقيل في قبض الأموال وبيع الأسلحة وأخذ البيعة.

وقد ذكرنا قصة معقل و دسيسته في ترجمة مسلم بن عقيل ، وذكرنا هناك أنه عقد يوم خروجه الألوية على أرباع الكوفة ، وأنه عقد لابن عوسجة على ربع مذحج وأسد.

وجلالة شأنه وعظم خطره وعلو مقامه يظهر مما ورد في حقه من الناحية المقدسة في الزيارة المأثورة «السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي، القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الإنصراف : أنحن نخلي عنك وبم نعتذر عند الله من أداء حقك ، لا والله حتى أكسر في صدورهم رمحي هذا وأضرتهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم أفارقك حتى أموت معك ، وكنتَ أول من شرى نفسه وأول شهيد شهد الله وقضى نحبه، ففزت ورب الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك ، ومشى إليك وأنت صريع فقال : رحمك الله يا مسلم بن عوسجة ، وقرأ فَمنهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(1)، لعن الله المشتركين في قتلك عبدالله الضبابي وعبدالرحمن بن حصابه البجلي ومسلم بن عبدالله الضّبابي»(2).

وعن أبي مخنف وغيره(3): إن الحسين عليه السلام لما خطب ليلة العاشور وأذن أصحابه بالإنصراف، وتكلم الأصحاب كل بكلام، تكلم مسلم بن عوسجة - كما في الرواية مع اختلاف يسير .


1) سورة الأحزاب : 23.

2) المزار لابن المشهدي ص 491. إقبال الأعمال 76/3 و 344 ، بحار الأنوار 69/45 .

3) تاريخ الطبري 419/5.

ويظهر من الزيارة - كما صرح به جماعة - أن ابن عوسجة من المقتولين في الحملة الأولى، بل في الطبري أنه أول قتيل من أصحاب الحسين عليه السلام.

قالوا : لما التحم القتال حملت ميمنه ابن سعد على ميسرة الحسين عليه السلام ، وفي ميسرة ابن سعد عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وفي ميسرة الحسين زهير بن القين ، وكان قتالهم من نحو الفرات فاضطر بوا ساعة ، وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة، فقاتل قتالاً شديداً لم يُسمع مثله قط، فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه فيقول :

إن تسألوا عني فإني ذو لبد *** من فرع قوم من ذرى بني أسد

فمن بغانا حائد عن الرشد *** وكافر بدين جبار الصمد

ولم يزل يضرب فيهم بسيفه ، فصرع مسلم بن عوسجة .

قال الطبري(1): عن أبي مخنف : ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه وارتفعت الغبرة فإذاهم بمسلم بن عوسجة صريع، فمشى إليه الحسين فإذا به رمق ، فقال : رحمك الله يا مسلم بن عوسجة فيهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً، فدنا منه حبيب بن مظاهر الأسدي فقال : عزّ عليّ مصرعُك يا مسلم ، أبشر بالجنة . فقال له مسلماً قولاً ضعيفاً : بشرك الله بالخير. فقال له حبيب : لولا أعلم أني في أثرك لاحق بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين . قال : بل أنا أوصيك بهذا ، رحمك الله - وأهوى بيده إلى الحسين عليه السلام - أن تموت دونه . قال : فما كان أسرع من أن مات في أيديهم.


1) تاريخ الطبري 236/5 .

قال الطبري : قال أبو مخنف، وفي البحار عن محمد بن أبي طالب : فصاحت جاريةٌ له فقالت : يابن عوسجتاه ، یا سیداه(1).

يظهر مما ذكرناه أنه كان مع ابن عوسجة جارية له ، بل صرح الفاضل المعاصر أيده الله قال في الإبصار(2): ثم إن مسلم بن عوسجة بعد أن قُبض على مسلم وهاني وقتلا اختف مدة ، ثم فرّ بأهله إلى الحسين عليه السلام فوافاه بكربلاء وفداه بنفسه.

وهذا ينا في ما ذكره أيده الله في ترجمة حبيب بن مظاهر(3)، قال : قالوا وجعل حبيب ومسلم يأخذان البيعة للحسين عليه السلام في الكوفة حتى إذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة وخذل أهلها عن مسلم وأنصاره حبسهما عشيرتهما وأخفياهما ، فلما ورد الحسين كربلاء خرجا إليه مختفين يسيران الليل ويكمنان النهار حتى وصلا إليه .

والذي يظهر بالتتبع والتأمل في كتب السير والتواريخ هو صحة الثاني ، ولم أر من ذكر فراره مع أهله فيها بأيدينا من الكتب إلا ما ذكره المعاصر .

ثم إن قضية الجارية ذكرها الطبري عن أبي مخنف وتبعه غيره . ويمكن إتيان الجارية فقط معهما أو لحوقها بمسلم في كربلاء .

قال الطبري وغيره(4)عن أبي مخنف : فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي . فقال شَبَتْ لبعض من حوله من أصحابه :


1) تاريخ الطبري 332/4 ، مقتل أبو مخنف ص 138 ، بحار الأنوار 20/45.

2) إبصار العين ص 170.

3) المصدر ص 57 .

4) تاريخ الطبري 436/5 .

تكلتكم أمهاتكم، إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلّلون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يُقتل مسلم بن عوسجة ، أما والذي أسلمت له لرُبّ موقف له قد رأيته فى المسلمين كريم، لقد رأيته يوم سَلَق آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل تنام خيول المسلمين ، أفيقتل منكم مثله وتفرحون .

(بیان):

«سَلَق» بفتح السين واللام : الأرض المستوية لا نبات له قاله في المجمع .

وفي القاموس : السَّلَق الأرض المستوية في ذيل الجبال.

قوله «تتام» منقطتين ، من تم ، أي من قبل أن خيول المسلمين حين ورودهم .

مصعب بن يزيد الرياحي

أخو حر بن يزيد الرياحي.

قال لسان المؤرخين بعد ذكر شهادة على بن حر الرياحي كما مر : ثم برز بعده مصعب بن يزيد الرياحي ، فاشتاق للقتال فأذن له، فقاتل قتالاً شديداً وقتل منهم جمعاً كثيراً ، فقتل رضوان الله عليه.

مقسط بن زهیر بن الحرث التغلبي

قد سبق في كردوس ذكر أخيه مقسط وفي قاسط أخوهما : أن الثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين عليهم السلام ، كان في الكوفة ، ولما ورد الحسين كربلاء خرجوا إليه ، فجاؤه إليه ليلاً وقُتلوا بين يديه في الحملة الأولى رضوان الله عليهم(1).


1) أنظر : إبصار العين ص 151 .

المعلى بن المعلى

عن شرح الشافية وعن أبي مخنف : أن المعلى كان رجلاً معروفاً بالشجاعة والشهامة ، إستأذن الحسين عليه السلام فأذن له ، فحمل وهو يرتجز ويقول :

أنا المعلّى حافظاً لأرحلي *** ديني على دين محمد وعلي

أذب حتى ينقضي أجلي *** ضرب غلام لا يخاف الرجل

أرجو ثواب الخالق الأزل *** ليختم الله بخير عملي

ولم يزل يقاتل حتى قتل أربعة وعشرين رجلاً ، وقيل ستين رجلاً ، فأخذوه أسيراً وأوقفوه بين يدي عمر بن سعد ، فقال له : الله درك من رجل ما أشدّ نصرتك لصاحبك . ثم أمر بضرب عنقه ، فعجل الله روحه إلى الجنة .

منجح بن سهم ، مولى الحسن عليه السلام

في الزيارة المأثورة «السلام على منجح مولى الحسن بن علي»(1).

لم أر من تعرّض لضبطه ، والظاهر كما في أكثر النسخ - منجح بفتح الميم وسكون النون ثم الجيم ثم الحاء كمنبر .

اختلفت كلماتهم في أنه روحي له الفداء من موالي الحسن أو الحسين عليهما السلام.

وعن الحدائق الوردية : كان منجح من موالي الحسن ، خرج من المدينة مع ولد الحسن عليه السلام في صحبة الحسين عليه السلام ، فأنجح سهمه بالسعادة وفاز بالشهادة. ولما تبارز الفريقان في كربلاء قاتل القوم قتال الأبطال، فعطف عليه حسان بن بكر الحنظلي فقتله ، وذلك في أوائل القتال . انتهى .

وقد عرفت ما في الزيارة من أنه من موالى الحسن عليه السلام .


1) المزار لابن المشهدي ص 491 ، إقبال الأعمال 76/3 و 346 ، بحار الأنوار 69/45 .

وعن ربيع الأبرار للزمخشري : إن حسينية كانت جارية للحسين عليه السلام، اشتراها من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، ثم تزوجها سهم فولدت منه منجحاً ، فهو مولى الحسين(1).

هي كانت تخدم في بيت علي بن الحسين زين العابدين إلى أن خرج الحسين من المدينة إلى كربلاء خرجت الجارية معه ومعها ابنها منجح حتى أتت كربلاء .

وعن الجزري : وقتل منجح مولى الحسين(2)، قتله حسان بكر الحنظلي .

وعن أبي علي في رجاله : منجح بن سهم مولى الحسين ، قتل معه في كربلاء(3).

وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(4).

موسى بن عقيل بن أبي طالب

أمه أم البنين بنت أبي بكر بن كلاب العامري .

عن أبي مخنف : لما قتل أخوه جعفر بن عقيل تقدم موسى بن عقيل إلى القتال بين يدي الحسين عليه السلام فأذن له ، فحمل على القوم وهو يرتجز ويقول :

يا معشر الكهول و الشبّانِ *** أضربكم بالسيف و السنان

أحمي عن الفتية والنسوان *** وعن إمام الإنس ثم الجانِ

أرضي بذاك الخالق الرحمنِ *** سبحانه ذو الملك الديان

وفي بعض النسخ : ثم رسول الملك المنان .


1) من تنقيح المقال 247/2/3 .

2) الكامل في التاريخ 93/4 .

3) منتهى المقال 329/6.

4) رجال الطوسي ص 80.

فجعل يضربهم بالسيف حتى قتل منهم ثلاثين أو سبعين فارساً سوى من جُرح ، ثم كمن له عمرو بن جميع الصيدائي ، فطعنه برمحه وكبا به جواده فأرداه في الأرض صريعاً ، فحاطت به القوم واختزوا رأسه رضوان الله عليه .

موقع بن ثمامة بن أثال الأسدي الصيداوي

«الموقع» بالميم والواو والقاف المشدّدة والعين المهملة كمظفر بمعنى المبتلى، سمي بذلك لما سيجي.

و «ثمامة بضم الثاء المثلثة وميمين بينهما ألف وبعد الثاني هاء .

و «الاثال» بالهمزة والثاء المثلثة والألف واللام .

عن العسقلاني في الإصابة: هو موقع بن ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة بن عتيبة ابن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن ثمامة الأسدي الصيداوي . قاله ابن الكلبي .

وكان الموقع ممن جاء إلى الحسين في الطف بعد ما ردّوا الشروط عليه ، وخلص إليه ليلاً مع من خلص إليه .

وعن أبي مخنف : إنه قاتل يوم الطف بين يدي الحسين عليه السلام إلى أن نفد نبله ، ثم جثا على ركبتيه وقد أثخن بالجراح وهو يدفعهم عن نفسه ، حتى وقع صريعاً من كثرة الجراحات، فاستنقذه قومه من بني أسد، فقالوا: أنت آمن أخرج إلينا ، وأتوا به إلى الكوفة فأخفوه ، فلما قدم عمر بن سعد اللعين على ابن زياد أخبره بخبره، فأرسل إليه ليقتله، فشفع فيه جماعة من بني أسد فلم يقتله ، ولكن كبّله بالحديد ونفاه إلى الزارة، وكان مريضاً من الجراحات التي به ، فبقي بالزارة مريضاً مكبّلاً حتى مات بعد سنة(1).


1) أنظر : مستدركات علم الرجال 37/8 ، قاموس الرجال للتستري 303/10.

نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة

من مَذْحِج ، وهو جملي مرادي .

«الجملي» نسبة إلى الجمل بفتح الجيم والميم بعدها لام، ابن سعد العشيرة أبي حي من مذحج ، وسعد أخو مراد بن مذحج، وهو ابن أدد ، وقيل هو ابن مالك بن أدد . ومنه يظهر وجه النسبة في المرادي.

قد اضطربت كلماتهم واختلفت أقوالهم في أن صاحب الترجمة هو هلال بن نافع أو نافع بن هلال، ثم هو الجبلي أو الجملي :

ففي البحار وتبعه جماعة : ثم برز هلال بن نافع البجلي وهو يقول «أرمي بها معلمة أفواقها» إلى آخر ما سيأتي(1).

وقال الطبري : قال أبو مخنف : وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله ، فجعل يرمى بها مسمومة(2).

والأفواق جمع فوق : موضع الوتر من السهم.

وفي روضة الواعظين للفتال النيسابوري قدس سره: ثم برز هلال بن حجاج وهو يقول «أرمي بها أفواقها معلمة» إلى آخره .

وفي لواعج الأشجان : وخرج من أصحاب الحسين نافع بن هلال وقيل هلال بن نافع وهو يقول «آرمي بها معلمة أفواقها» إلى آخره.

وفي الزيارة المأثورة «السلام على نافع بن هلال بن نافع البجلي المرادي»(3).

وفي بعض النسخ : العجلي المرادي ، لأن العجلي هو المرادي.


1) بحار الأنوار 27/45 .

2) تاريخ الطبري 441/5 .

3) المزار لابن المشهدي ص 493 ، إقبال الأعمال 78/3 و 344 ، بحار الأنوار 71/45.

والبجلي - على ما مرّ في زهير بن القين - من انمار بن أراش بن كهلان من القحطانية . والبجيلة هي أمهم .

قال الفاضل المعاصر أيده الله في إبصار العين وتبعه السيد في الذخيرة والمحقق في التنقيح .

قاله الفاضل المعاصر : يجري على بعض الألسن ويمضي في بعض الكتب «هلال بن نافع» وهو غلط ، ويمضي على الألسن وفي بعض الكتب «البجلي» وهو غلط واضح(1).

وهذا منه أيده الله عجيب، يصدر هذا وأمثاله من الاستعجال في الكتب وعدم التتبع والذي يظهر من كتبهم وصرح به جمع منهم أن هناك رجلان شهدا الوقعة وقتلا في سبيل الحسين عليه السلام : أحدهما نافع بن هلال الجملي المرادي. والثاني هلال بن نافع البجلي .

نعم، قد يذكر بعض ما يخص بنافع بن هلال في هلال بن نافع وبالعكس، ونحن نترجم أولاً نافع بن هلال مع ما يخص به ، ونترجم في باب الهاء ما يخص بهلال بن نافع مع ترجمته . نقول :

كان نافع بن هلال سيداً شريفاً سرياً شجاعاً ، وكان قارئاً كاتباً من حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، حضر معه في حروبه الثلاث ، حملة الحديث، وخرج إلى الحسين عليه السلام فلقيه بالطريق بعد وكان من وصوله عُذَيْب الهجانات(2).

وفي الإبصار وتبعه في الذخيرة : ذلك قبل مقتل مسلم(3). ولعله سهو منه أو


1) إبصار العين ص 114 ، كلام في الهامش.

2) مقتل أبو مخنف ص 87 ، لواعج الأشجان ص 94 .

3) إبصار العين ص 114 .

من الناسخ كما لا يخفى . والصحيح قبل وصول خبر قتل مسلم .

وكان قد أوصى أن يتبع بفرسه المسمى بكامل ، فاتبع مع عمر بن خالد وأصحابه مع الطرماح - على ما مر في ترجمته.

وهو الذي قام بعد خطبة الحسين عليه السلام لما ضيّق حر الرياحي عليه أو في ليلة العاشور ، حيث قال : أما بعد ، فقد نزل من الأمر ما ترون - إلى آخرها ، قال ابن شهر اشوب وغيره : بعد ما تكلم به زهير بن القين ثم قام نافع بن هلال الجملي المرادي فقال : يابن رسول الله أنت تعلم أن جدَّك رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقدر أن يُشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر، يلقون بأحلى من العسل ويخلفون بأمر من الحنظل حتى قبضه الله ، وإن أباك علياً قد كان مثل ذلك ، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين ، وقوم خالفوه حتى أتاه أجله ومضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده وخلع نيته فلن يضر إلا نفسه والله مغن عنه ، فسر بنا راشداً معافى ، مشرقاً إن شئت وإن شئت مغرّباً ، فوالله ما أشفقنا من قدر الله ولا كرهنا لقاء ربنا ، فإنا على نياتنا وبصائرنا ، نوالي من والاك ونعادي من عاداك(1). فقام برير وتكلم بما مضى .

قال الطبري(2)عن أبي مخنف : ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش ، دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً


1) أنظر : إبصار العين ص 114 .

2) تاريخ الطبري 412/5.

وبعث معهم بعشرين قربة ، فجاؤا حتى دنوا من الماء ليلاً ، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي - وكان حارس الماء : من الرجل ؟ قال نافع : من بني عمك . فقال : من أنت ؟ قال : نافع بن هلال . فقال : ماجاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه(1). قال : فاشرب منه هنيئاً لك . قال : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه ، فطلعوا عليه . فقال : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، إنما وُضعنا بهذا المكان لمنعهم عن الماء.

فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله : أملأوا قربكم. فنزلوا وملأوا قربهم . وثار إليهم عمر و بن الحجاج وأصحابه ، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكشفوهم وفرقوهم ، ثم انصرفوا إلى رحالهم ، فقالوا : أمضوا ووقفوا دونهم وقد قتلوا منهم رجالاً ، فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه وأطّردوا قليلاً .

ثم إن رجلا من صُداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج ، طعنه نافع بن هلال ، فظن أنها ليست بشي ، ثم إنها انتقضت بعد ذلك فمات منها .

وجاء أصحاب الحسين عليه بالقرب فأدخلوها عليه . انتهى .

وقد اشتبه الأمر على المحقق المعاصر في التنقيح(2)، ولم يكن عنده تاريخ الطبري(3)، إذ لم يراجع حتى قال : وكان في حملته تلك حتى طعنه أصحاب عمر بن سعد طعنة ظن هلال أنها ليست بشي ثم إنها انتقضت بعد ذلك فمات .


1) حلاً عن الماء : طرد من يريد الشرب منه .

2) تنقيح المقال 266/2/3.

3) تاريخ الطبري 435/5 .

وهذا منه اشتباه محض . رحمه الله .

وقد مرّ في ترجمة عمرو بن قرظة الأنصاري : انه جاء علي بن قرظة أخوه وكان مع ابن سعد ليأخذ بثاره ، فهتف بالحسين عليه السلام ، فحمل عليه نافع بن هلال فضربه بسيفه فسقط وأخذه أصحابه فعولج بعد ذلك وبرىء .

قال أبو مخنف : ثم جالت الخيل التي منعت علياً بن قرظة ، فردها نافع عن أصحابه وكشفها عن دخولهم .

قال أبو مخنف : حدثني يحيى بن هاني بن عروة المرادي : ولما جالت الخيل بعد ضرب نافع علياً حمل عليها نافع بن هلال ويقاتل وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن الجملي *** ديني على دين حسين بن علي

فقال له مزاحم بن حريث : أنا على دين عثمان . فقال له نافع : أنت على دين شيطان، ثم شدّ عليه بسيفه ، فأراد أن يولى ولكن السيف سبقه فوقع مزاحم قتيلاً .

قال الطبري(1): كان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نَبله(2)، فجعل يرمي بها مسومة(3)وهو يقول «أنا الجملي ، أنا على دين علي» ، فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح ، قال : فضُرب حتى كُسرت عضداه فأخذ أسيراً .

قال : فأخذه شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعاً حتى أتي به إلى عمر بن سعد ، فقال له عمر : ويحك يا نافع ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟


1) تاريخ الطبري 441/5 .

2) أفواق جمع الفُوْق : مشقَّ رأس السهم حيث يقع الوتر .

3) مسومة : معلمة ، أي ذات علامة .

قال : إن ربي أعلم بما أردت . قال : والدماء تسيل على لحيته وهو يقول : والله لقد قتلت منكم اثني عشر سوى من جرحت ، وما ألوم نفسي على الجهد ، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني . فقال له شمر : أقتله أصلحك الله . قال : أنت جئت به ، فإن شئت فاقتله . قال : فانتضی شمر سیفه ، فقال له نافع : أما والله أن لو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فأحمد الله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه . فقتله رضوان الله عليه ولعن قاتليه .

نصر بن أبي نيزر ، مولى علي بن أبي طالب

كان نصر فارساً شجاعاً ، إنضم بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن وبعده إلى الحسين عليهما السلام ، ثم خرج معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء. فلما كان يوم العاشر وشبّ القتال إستقدم أمام الحسين ، فقاتل حتى عُقرت فرسه ، ثم قتل في أول القتال في الحملة الأولى مع من قتل رضوان الله عليهم . كذا عن الحدائق الوردية(1).

وأما أبوه أبو نيزر ، فعن العسقلاني والذهبي : أنه كان من ولد النجاشي، جاء وأسلم، وكان مع النبي في مؤنته(2).

وقال المبرد في الكامل(3): إنه كان من أبناء بعض ملوك العجم، فرغب في الاسلام صغيراً ، فأسلم على يدي النبي وكان معه في مؤنته ، ثم كان بعد النبي مع فاطمة سلام الله عليها وولديها الحسن والحسين ، وكان يقوم على ضيعتين في


1) أنظر : تنقيح المقال 268/2/3.

2) الإصابة 199/4.

3) أنظر الكامل 207/3 ، عن السماوي في أنصار الحسين ص 97.

البقيع تسمى إحداهما البُغَيْبِغَة(1)والأخرى عين أبي نيزر ، وله مع علي عليه السلام في عين أبي نيزر قصة معروفة(2).

النعمان بن عمر و الأزدي الراسبي أخو الحُلاس بن عمرو

قد مرّ في ترجمته أنهما ابنا عمر و الراسبيان من أهل الكوفة ، وكانا من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان الحلاس على شرطته .

خرجا مع عمر بن سعد ، فلما ردّ ابن سعد الشروط جاءا إلى الحسين عليه السلام ليلاً، ليلة الثامن من المحرم في من جاءه، فلما شبّ القتال تقدما وقاتلا وقتلا في الحملة الأولى(3).

وقيل : قتل النعمان مبارزة بعد ما عقروا فرسه .

نعیم بن عجلان بن النعمان بن عامر بن رزين الخزرجي

كان هو وأخواه النضر والنعمان أدركوا النبي صلى الله عليه وآله .

وهم من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ولهم في صفين مواقف . وكانوا شجعاناً وشعراء.

وقد استعمل علي عليه السلام النعمان على البحرين .

ثم إن النعمان والنضر ماتا في خلافة الحسن عليه السلام وبقي نعيم بالكوفة ، فلما ورد الحسين عليه السلام العراق خرج إليه وصار معه ، فلما كان اليوم العاشر


1) البغيبغة في الأصل : البئر القريبة الرشاء.

2) هذا ملحق كلام العسقلاني .

3) أنظر : مناقب آل أبي طالب 122/4 ، تنقیح المقال 273/2/3، إبصار العين ص 144.

تقدم إلى القتال، فقاتل وقُتل في الحملة الأولى قبل الظهر(1).

وفي الزيارة المروية «السلام على نعيم بن العجلان الأنصاري».

واضح التركي ، مولى الحرث المذحجي السلماني

كان واضح غلاماً تركياً شجاعاً قارئاً ، وكان للحرث السلماني، فجاء مع جنادة بن الحرث للحسين عليه السلام . كذا في الحدائق الوردية .

فلما كان اليوم العاشر تقدم واضح مع جنادة وعمرو بن خالد الصيداوي ومن معهم الذين جاؤا من الكوفة - على ما مرّ في ترجمة الحر الرياحي - فقاتلوا في الحملة الأولى فقتلوا في مكان واحد(2).

وهذا غير أسلم الذي كان أبوه تركياً وجاء مع الحسين عليه السلام من المدينة وقتل مبارزةً ، ووضع الحسين خده على خده كما سبق في محله .

وهب بن عبدالله بن حباب الكلبي

قد ذكر جمع من المعاصرين ما جرى على وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي في عبد الله بن حمير بن عباس بن عبد قیس بن علیم بن خباب الكلبي السليمي ، ظناً منهم أن وهب بن عبد الله هو عبد الله بن عمير . وهذا اشتباه منهم عليهم الرحمة . ومنشأ اشتباههم كلمة «أم وهب» و «حباب» و «الكلبي»، ولم يتفطنوا أن أم وهب هناك زوجة عبدالله بن عمير وهنا أم وهب بن عبدالله . و«جناب» في عبد الله - على ما ذكرنا في ترجمته بضم الجيم بعده الألف وبعده النون ، وهنا بالحاء المهملة والألف والباء الموحدة . واتحاد العشيرة لا يدل على اتحادهما .


1) إبصار العين ص 123.

2) أنظر : إبصار العين ص 112.

وأول من تفطن لهذا فيما أعلم الخبير المطلع صاحب القمقام، قال فيه بالفارسية : «نگارنده گوید: وهب بن عبدالله در زیارت ناحیه مقدسه مذکور نیست و کیفیت شهادت او را و زوجه اش را محدثين بيك نهج با عمير بن عبدالله روایت کرده اند ، و شاید که به سبب کنیت زوجه عبدالله که ام وهب باشد و اتحاد قبیله با عمیر بن عبدالله که در قائمیات ذکر شده مشتبه شده باشد». انتهى. ثم أخذ في ذكر شهادة وهب بن عبدالله.

نعم ، قد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن عمير عن الطبري عن أبي مخنف جملة ما ذكروه في وهب بن عبد الله في عبد الله بن عمير، إلا أن جل المحدثين ذكر وا جملة ما ذكر في عبد الله بن عمير في وهب بن عبد الله ، فالتحقيق أن وهب بن عبد الله - وإن لم يُذكر في الزيارة المأثورة - إلا أنه من المستشهدين والمبارزين والمقتولين بين يدي الحسين عليه السلام صُرح بذلك في أمالي الصدوق وروضة الواعظين للفتال النيسابوري واللهوف والبحار وروضة الصفا والقمقام والناسخ والتظلم والمنتخب وغيرها من القدماء والمتأخرين(1).

وفي روضة الواعظين : وبرز وهب بن عبدالله وكان نصرانياً أسلم على يد الحسين عليه السلام هو وأمه ، فاتبعوه إلى كربلاء . ومثله عن أمالي الصدوق .

قال المجلسي في البحار(2): ورأيت حديثاً أن وهب بن عبدالله كان نصرانياً فأسلم هو وأمه على يد الحسين عليه السلام.

ولعل كلمة «وهب» الثاني في روضة الشهداء اشتباه من الناسخ، والصحيح


1) روضة الواعظين ص 187 ، الأمالي للصدوق ص 225 ، المناقب للخوارزمي 101/4، بحار الأنوار 16/45 ، مناقب آل أبي طالب 250/3 .

2) بحار الأنوار 13/45 .

وهب بن عبد الله . ولعل هذا منشأ اشتباه الطريحي في المنتخب حيث ذكر وهب بن عبدالله ثم ذكر وهب بن وهب وذكر بعض ما جرى للأول في الثاني وما جرى للثاني في الأول. وهو اشتباه في اشتباه .

قال السيد في اللهوف(1): وخرج وهب بن حباب الكلبي ، فأحسن في الجلاد وبالغ في الجهاد، وكان معه أمه وزوجته ، فرجع إليهما وقال : يا أماه أرضيت عني أم لا ؟ فقالت : لا ، ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الحسين . وقالت امرأته : بالله عليك لا تفجعني بنفسك. فقالت له أمه : يا بني أعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيك تنل شفاعة جده يوم القيامة . فرجع ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه .

وفي البحار(2): فرجع قائلاً :

إني زعيم لكِ أم وَهْبٍ *** بالطعن فيهم تارة والضرب

ضربَ غلامٍ مؤمن بالربِّ *** حتى يذيق القوم مُرَّ الحرب

إني امرؤ ذو مرَّةٍ وعَصْبِ *** ولست بالخوار عند النَّكْبِ

حسبي إلهي من عليم حسبي

فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، ثم قطعت يداه .

وفي الناسخ وغيره : إنه لما رجع إلى أمه وامرأته وأراد الرجوع تعلقت به زوجته وقد مضى من ليلة زفافه سبعة عشر يوماً ، فقالت له : لا أدعك إلا أن تقدم معي عند الحسين، فجاءت به إلى الحسين عليه السلام فقالت له : يابن رسول الله إني أعلم أن بعلي هذا إذا سقط من فرسه واستشهد تعانق مع الحور العين ويدخل الجنة ، أريد أن يعاهدني أن لا يدخل الجنة إلا معي ، وإني يا مولاي


1) اللهوف ص 63 .

2) بحار الأنوار 13/45 .

لا عشيرة لي ولا من ينظر في أمري بعد زوجي هذا ولا أستطيع أن أرد أهلي وقومي ، أرجو منك أن تضمني إلى أهلك وأخواتك وتوصيني إليهن بالشفقة عليّ والنظر في أمري. فبكى الحسين عليه السلام من إصغاء كلماتها ، وقال لها : قد أجيبت مسألتك . فودع وهب أمه وزوجته ورجع إلى القتال، فقاتل وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن الكلب *** سوف تروني وترون ضربي

وحملتي وصولتي في الحرب *** أدرك ثاري بعد ثار صحبي

و أدفع الكرب أمام الكربِ *** لیس جهادي في الوغى باللعب

ثم حمل على القوم فلم يزل يقاتل حتى قتل من القوم خمسين رجلاً ، فوقعت به سبعون ضربة وطعنة ونبلة .

قال لسان المؤرخين(1): فكمن له رجل فضرب يده اليمنى فقطعت ، وأخذ السيف بيده اليسرى وحمل ، وضربه رجل من كندة وقطعت يده اليسرى .

وفي اللهوف(2): وأخذت امرأته عموداً . ومثله في أكثر كتب الحديث والتاريخ . وفي البحار : فأخذت أمه عموداً . والأول هو الأصح والأشهر على ما ذكره الأكثر .

فأقبلت الامرأة نحوه وقالت: فداك أبي وأمي قاتل دون الطالبين حرم رسول الله . فأقبل كي يردها إلى النساء ، فأخذت بجانب ثوبه وقالت : لن أعود دون أن أموت معك . فقال الحسين عليه السلام : جزيتم عن أهل بيتي خيراً ، إرجعي إلى النساء رحمك الله . فانصرفت إليهن .

وفي البحار(3): ثم أخذ أسيراً فأتي به إلى عمر بن سعد فقال له : ما أشدّ


1) لواعج الأشجان ص 144 .

2) اللهوف ص 63 .

3) بحار الأنوار 13/45

صولتك، ثم أمر فضرب عنقه ورمي رأسه إلى عسكر الحسين، فأخذت أمه الرأس فقبلته ثم رمت به إلى عسكر عمر بن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته . ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين عليه السلام: إرجعي يا أم وهب ، أنت وابنك مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإن الجهاد مرفوع من النساء.

فرجعت وهي تقول : إلهي لا تقطع رجائى . فقال لها الحسين عليه السلام : لا يقطع الله رجاءك يا أم وهب . ثم قالت : الحكم الله يا أمة السوء ، إن النصارى في بيعها واليهود في كنائسها خير منكم .

وفي البحار وغيره(1): فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه ، فبصر بها شمر ، فأمر غلاماً له فضربها بعمود كان معه ، فشدخها وقتلها . وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين عليه السلام .

وفي كتب بعض أصحابنا : إن أمه جاءت ووقعت على جسد ابنها ، وجاء رجل فضربها بالسيف فقتلت رضي الله عنها .

هاني بن عروة المرادي

قال ابن عساكر في تاريخه : هو هاني بن عروة بن غنمران بن عمرو بن قعاس بن عبد يغوث بن مخدس بن حصر بن غنم بن مالك بن عوف بن منبه بن عطيف بن مراد بن مذحج المذحجي المرادي الغطيفي(2).

وقال العسقلاني في الإصابة(3): هو هاني بن عروة بن الفضفاض بن عمران بن


1) بحار الأنوار 17/45.

2) أنظر : إبصار العين ص 107.

3) الإصابة 616/3 .

عمرو بن حفص بن عبد يغوث المرادي ثم الغطيفي ، سكن الكوفة .

كان هاني صحابياً كأبيه عروة ، وكان هو وأبوه من وجوه الشيعة ، وحضر مع أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه الثلاثة ، وكان من خواصه.

ومما قال له ابن زياد برواية الطبري(1)عن أبي مخنف : يا هاني أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حُجْر ، وكان من حُجْر ما قد علمت .

وذكر المبرد في الكامل وغيره في غيره : أن عروة خرج مع حُجر بن عدي وأراد قتله معاوية فشفع فيه زياد بن أبيه .

وعن ابن سعد في الطبقات : إن عمره كان يوم قتل بضعاً وتسعين سنة.

وذكر بعض المؤرخين : أن عمره كان ثلاثاً وثمانين ، وكان يتوكأ على عصا فيه زُج(2)، وهي التي ضربه بها ابن زياد لعنه الله .

وفي مروج الذهب للمسعودي(3): إنه كان شيخ مراد وزعيمها، يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، فإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع.

وقد اتفقت كلمة المحدثين والمؤرخين في كيفية شهادته وقتله رضوان الله عليه باختلاف يسير، ونحن نذكر ما ذكره السيد بألفاظه ونشير إلى بعض مواقع الاختلاف(4).


1) تاريخ الطبري 361/5.

2) الزج : الحديدة التي في أسفل الريح.

3) مروج الذهب 59/3 .

4) اللهوف ص 114 فما بعدها .

قال قدس سره: فلما سمع مسلم بورود ابن زياد الكوفة وماجرى عند وروده وما خطب وحدّر الناس ، خاف مسلم على نفسه من الإشتهار، فخرج من دار المختار وقصد دار هاني بن عروة، فآواه وكثر اختلاف الشيعة إليه ، وكان ابن زياد قد وضع عليه المراصد ، فلما علم أنه في دار هاني دعا محمد بن الأشعث وأسماء ابن خارجة وعمرو بن الحجاج وقال : ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا ؟ فقالوا : ما ندري وقد قيل إنه يشتكي . فقال : قد بلغني أنه قد برئ وأنه يجلس على باب داره ، ولو أعلم أنه شاك لعدته ، فالقوه ومروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا ، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله ، لأنه من أشراف العرب.

فأتوه حتى وقفوا عليه عشية على بابه ، فقالوا : ما يمنعك من لقاء الأمير ، فإنه قد ذكرك وقال : لو أعلم أنه شاك لعدته . فقال لهم : الشكوى يمنعني . فقالوا له : قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك ، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان من مثلك لأنك سيد قومك، ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا إليه .

فدعا بثيابه فالبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر ، كأن نفسه قد أحست ببعض الذي كان ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة : يابن أخي إني والله من هذا الرجل الخائف، فما ترى ؟ فقال : والله يا عم ما أتخوف عليك شيئاً فلا تجعل على نفسك سبيلاً . ولم يك حسان يعلم في أي شي بعثه عبيد الله . فجاء هاني والقوم معه حتى دخل على عبيد الله .

قال الطبري(1): وذكر هشام عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي وذاك ، قال : نزل شريك بن الأعور على هاني بن عروة المرادي ، وكان شريك


1) تاريخ الطبري 361/5 .

شيعياً ، وقد شهد صفين مع عمار ، وسمع مسلم بن عقيل مجي ابن زياد ، فخرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هاني بن عروة المرادي ، فدخل بابه - على ما مرّ ذكره في ترجمة مسلم .

قال الطبري : وقدم شريك بن الأعور ،شاكياً ، فقال لهاني : مر مسلماً يكون عندي، فإن عبيد الله يعودني ، وقد جاء عبيد الله يعوده في منزله . وقد مرّ في ترجمة مسلم أيضاً .

وقال شريك : أيها الأمير أريد أن أوصي إليك . قال : أعود إليك . فجعل مهران يطرد به وقال : أراد والله قتلك . فخرج عبيد الله عن دار هاني ، فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث فقال : إئتياني بهاني . فقالا له : إنه لا يأتي إلا بالأمان. قال : وماله والأمان، فإن لم يأت إلا بالأمان فأمناه. فأتياه ودعواه فقال : إنه إن أخذني قتلني، فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيدالله يخطب يوم الجمعة ، فجلس في المسجد وقد رجل هاني غديرتيه . فلما صلى عبيد الله قال : يا هائي . فتبعه ودخل فسلَّم عليه .

قال الطبري : ولبث شريك الأعور في دار هاني بعد ذلك ثلاثة أيام ثم مات ، فخرج ابن زیاد فصلی علیه .

وبلغ عبيد الله بعد ما قتل مسلماً وهانياً أن ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرّض مسلماً ويأمره بالخروج إليك ليقتلك. فقال عبيد الله : والله لا أصلي على جنازة أحد من أهل العراق أبداً، والله لو لا قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً .

(بیان):

قوله «ولو أن قبر زياد فيهم» يظهر منه أن قبر زياد بن أبيه في الكوفة ، وبه

صرّح جمع . قال المحدث القمي في سفينة البحار في مادة «الثوية» : الثوية كما في النهاية - هي بضم الثاء وفتح الواو وتشديد الياء ، ويقال بفتح الثاء وكسر الواو . موضع بالكوفة فيه قبر أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة . وفي المراصد ذكر أنها كانت سجناً للنعمان يحبس من أراد قتله. وذكر في من دفن بها زياد بن أبي سفيان أيضاً.

قلت : ودفن بها أيضاً شريك الأعور والأحنف بن قيس وغيرهما من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقبر كميل فيها مشهور يُزار . وهي الآن تل بقرب الحنّانة عن يسار الطريق لمن يقصد من المشهد إلى الكوفة .

وقال المفيد والسيد ابن طاوس والشهيد في مزارهم : فصلِّ عندها ركعتين ، لما روي أن جماعة من خواص مولانا أمير المؤمنين عليه السلام دفنوا هناك(1). انتهى .

(عود إلى بدء):

قال السيد : فلما رأى ابن زياد هانياً قال : أتاك بحائن لك رجلاه(2). ثم التفت إلى شريح القاضي - وكان جالساً عنده - وأشار إلى هاني وأنشد بيت عمرو بن معدي كرب الزبيدي :

أريد حياته(3)ويريد قتلي *** عَدِيْرَك من خليلك من مرادِ

فقال له هاني : ما ذاك أيها الأمير ؟

فقال : إيه يا هاني ، ما هذه الأمور التي تتربّص في دورك لأمير المؤمنين وعامة


1) المزار للشهيد الأول ص 32، بحار الأنوار 282/97.

2) مثل يضرب لمن أتى أجله وسعى إليه برجله . والحائن الذي أتى حينه ، أي أجله . وقد يُروى في بعض النسخ «بخائن» من الخيانة .

3) في بعض المصادر «أريد حباءه».

المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل وأدخلت دارك وجُجمع له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أن ذلك يخفى عليّ .

فقال : ما فعلت . فقال ابن زیاد : بلی فعلت . فقال : ما فعلت أصلح الله الأمير .

فقال ابن زیاد : عليّ بمعقل مولاي. وكان مَعْقِل عينه على أخبارهم وقد عرف كثيراً من أسرارهم. فجاء معقل حتى وقف بين يديه . فلما رآه هاني عرف أنه كان عيناً عليه ، فقال : أصلح الله الأمير والله ما بعثت إلى مسلم بن عقيل ولا دعوته ، ولكن جاءني مستجيراً فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام فآويته ، فأما إذ قد علمت فخل سبيلي حتى أرجع إليه وأمره بالخروج من داري إلى حيث شاء من الأرض لأخرج بذلك من ذمامي فيه وجواره.

فقال له ابن زياد : والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به.

فقال : لا والله لا آتيك به أبداً ، آتيك بضيفي حتى تقتله .

فقال : والله لتأتيني به .

قال : لا والله لا آتيك به .

فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي ، فقال : أصلح الله الأمير أخلني وإياه حتى أكلمه .

فقام وخلى به ناحية - وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما - إذ ارتفع أصواتهما ، فقال له مسلم : يا هاني أنشدك الله لا تقتل نفسك ولا تدخل البلاء على عشيرتك ، فوالله إني لأنفس بك عن القتل، إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضاريه، فادفعه إليه ، فإنه ليس عليك بذلك تخزاة ولا منقصة ، وإنما تدفعه إلى السلطان .

فقال هاني : والله إن بذلك علي الخزي والعار ، أنا أدفع جاري وضيفي ورسول

ابن رسول الله إلى عدوه وأنا صحيح الساعدين وكثير الأعوان، والله لو لم أكن إلا رجلاً واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه . فأخذ يناشده وهو يقول : والله لا أدفعه إليه أبداً .

فسمع ابن زياد ذلك فقال : أدنوه مني ، فأدني منه ، فقال : والله لتأتيني به أو لأضر بن عنقك ، فقال هاني : إذن والله تكثر البارقة حول دارك . فقال ابن زياد : والهفاه عليك أبالبارقني تخوفني . وهاني يظن أن عشيرته يسمعونه.

ثم قال ابن زياد : أدنوه مني ، فأدني منه ، فاستعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خده وجبينه على لحيته ، فانكسر القضيب .

فضرب هاني بيده إلى قائم سيف شرطي، فجذبه ذلك الرجل، فصاح ابن زیاد : خذوه ، فجروه حتى ألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه ، فقال : اجعلوا له حرساً ، ففعل ذلك به.

فقام أسماء بن خارجة إلى عبيد الله بن زياد - وقيل إن القائم حسان بن أسماء - فقال : أيها الأمير أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه على لحيته وزعمت أنك تقتله .

فغضب ابن زیاد من كلامه وقال : وأنت ههنا . ثم أمر به فضرب حتى تُرك وقيد وحبس في ناحية من القصر ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى نفسي أنعاك يا هاني.

قال الراوي : وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قتل، وكانت رويحة بنت عمرو بن الحجاج هذا تحت هاني بن عروة، فأقبل عمرو في مَذْحِج كافةً حتى أحاط بالقصر ونادى : أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم

نخلع طاعة ولم نفارق جامعة ، وقد بلغنا أن صاحبنا هانياً قد قتل .

فعلم ابن زياد باجتماعهم وكلامهم، فأمر شريحاً القاضي أن يدخل على هاني فيشاهده ويخبر قومه بسلامته من القتل. ففعل ذلك وأخبرهم، فرضوا بقوله وانصرفوا .

قال : وبلغ الخبر إلى مسلم بن عقيل، فخرج بمن بايعه إلى حرب عبيدالله ابن زیاد.

وفي تاريخ الطبري(1)مثله باختلاف يسير ، قال : وقام محمد بن الأشعث إلى عبیدالله عبيد الله بن زياد وكلمه في هاني بن عروة وقال : إنك قد عرفت منزلة هاني بن عروة في المصر وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة قومه، هم أعز أهل المصر وعُدّد أهل اليمن .

قال : فوعده أن يفعل ، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ماكان بداله وأبى أن يق له بما قال .

قال السيد(2): بعد ما قتل مسلم بن عقيل أمر بهاني بن عروة فأخرج ليقتل، فجعل يقول : وامَذْحِجاه وأين مني مذحج ، واعشيرتاه وأين مني عشيرة . فقال له : مد عنقك . فقال : والله ما أنا بها بسخي وما كنت لأعينك على نفسي . فضرب عنقه غلام لعبيد الله بن زياد يقال له رشيد ، فقتله .

قال الطبري(3): فأمر ابن زياد بهاني بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل ، قال :


1) تاريخ الطبري 378/5.

2) اللهوف ص 122 ، بتغيير يسير .

3) تاريخ الطبري 259/4.

أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه . قال : فأخرج هاني إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف ، فجعل يقول : وامَذْحِجاه ولا مذحج لي اليوم، وامذحجاه وأين مني مذحج ، فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال : أما من عصاً أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش(1)به رجل عن نفسه.

قال : ووثبوا إليه فشدوه وثاقاً ، ثم قيل له : أمدد عنقك ، فقال : ما أنا بها مُجدٍ سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي . قال : فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يقال له رشيد بالسيف ، فلم يصنع سيفه شيئاً ، فقال هاني : إلى الله المعاد ، اللهم إلى رحمتك ورضوانك . ثم ضربه أخرى فقتله.

قال الطبري : فبصر به عبدالرحمن بن الحصين المرادي بخازر(2)وهو مع عبیدالله بن زياد ، فقال الناس : هذا قاتل هاني بن عروة . فقال ابن الحصين : قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه ، فحمل عليه بالرح فطعنه وقتله .

قال الطبري(3): قال أبو مخنف : عن أبي جناب يحيي بن أبي حيّة الكلبي قال : ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلماً وهانياً بعث برأسها مع هاني بن أبي حيّة الوادعي والزبير بن الأرْوَح التميمي إلى يزيد بن معاوية ، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد كتاباً ، فكتب وأرسل ، وكتب إليه يزيد جواب كتابه يشكره على فعاله وسطوته .


1) يجاحش : يدافع .

2) خازر: نهر بين إربل والموصل، موضع كانت عنده وقعة بين عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في أيام المختار ، وذلك في سنة 66 للهجرة. معجم البلدان 337/2.

3) تاريخ الطبري 380/5.

وفي المناقب: وأنفذ رأسهما إلى يزيد في صحبة هاني بن حيوة الوادعي، فنصب الرأسين في درب من دمشق .

وقال المسعودي(1): ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل من بني هاشم صلبت جثته وأول رأس من رؤوسهم حمل إلى دمشق.

وقال الشيخ ابن نما : إنهم أخذوا مسلماً وهانياً يسحبونهما في الأسواق .

وفي خبر عبدالله بن سليمان والمنذر المُشْمَعِل الأسديين في منزل زَرُوْد لما رأيا رجلاً يجي من الكوفة فلقياه وأخبرهما بخبر الكوفة ، فلقيا الحسين عليه السلام وقالا له : إن الرجل حدثنا إنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهاني بن عروة ورآهما يجران في الأسواق بأرجلها . فقال عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما . يردّد ذلك مراراً .

قال أبو حنيفة الدينوري(2): ولما رحل الحسين عليه السلام من زَرُود تلقاه رجل من بني أسد ، فسأله عن الخبر ، فقال له : لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، ورأيت الصبيان يجرون بأرجلهما ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، عند الله أحتسب أنفسنا .

فالذي يُستظهر من الأحاديث والتواريخ ويُستفاد منها بل صرح جمع من أرباب المقاتل أن جنة مسلم وهاني صلبتا في سوق القصابين وبقيتا زماناً حتى سرقتا ، فدفن مسلم في الموضع الذي قبره الآن بجنب المسجد الأعظم، ودفن هاني في الموضع الذي الآن يزار(3).


1) مروج الذهب 60/3.

2) الأخبار الطوال ص 247 .

3) الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم 27/4 ، كتاب الفتوح 64/5.

وبه صرح جلّ المتقدمين ، إلا أن الشيخ ابن نما رحمه الله قال : ثم إنهم أخذوا مسلماً وهانياً يسحبونهما في الأسواق، فبلغ خبرهما إلى بني مذحج ، فركبوا خيولهم وقاتلوا القوم وأخذوا مسلماً وهانياً فغسلوهما ودفنوهما(1).

وأما ما كان من أمر الرأسين ، فالظاهر المستظهر من الآثار أنهما بقيا مصلوبين في درب دمشق إلى يوم ورود الرؤوس والسبايا إلى دمشق، فجرى عليها ما جرى على سائر الرؤوس .

حدثني سيدي ومعتمدي العالم العليم عصارة المحدثين وفخر الفقهاء الراشدين السيد إبراهيم القزويني قدس سره ، عن أبيه السيد السند أستاد المجتهدين وفخر الماضين والباقين شيخي وأستادي في علم الرجال السيد هاشم القزويني قدس سره ، عمن حدثه أنه قال : بعد ما صُلب مسلم وهاني في سوق القصابين أتت زوجة حبيب بن مظاهر إلى رويحة زوجة هاني بنت عمرو بن الحجاج وقالت لها : إشفعي عند ابن زياد في جسد هاني ومسلم لعلك تأخذيهما وتدفنيهما . قالت لها : لا أفعل ذلك لأنهما خرجا على إمام زمانهما فقتلا وصلبا . وليس هذا ببعيد عنها ، لأنها أخت عمرو بن الحجاج وإن كانت أم يحيى بن هاني المستشهد بين يدي الحسين عليه السلام على ما هو مذكور في ترجمته ، فإن الله تعالى يُخرج الحي من الميت ، والولد تابع لأشرف الأبوين .

(بیان) :

قوله عليه اللعنة «إيه يا هاني» بكسر الهمزة والهاء، ينوّن ولا ينوّن، فإن نوّنت الهاء كانت كلمة استنطاق وإن سكنت الهاء كانت كلمة استنكاف . فيعني


1) لم أجده في المصدر المذكور.

الأول تكلَّم ومعنى الثاني أسكت .

قوله «أتتك بحائن رجلاه تسعى» الحائن بالحاء المهملة ، ويمضي في بعض النسخ بالخاء المعجمة . وهو غلط . والحائن إما بمعنى الأحمق ، أي أحمق يسعى برجله إلى الموت. أو من «الحين» بمعنى الهلاك ، أي هالك ساقه الموت برجليه . وهذا مثل معروف ، قيل أول من قاله المحرق لوافد البراجم . وقيل أول من قاله عبدالوصى للنعمان بن المنذر في يوم بؤسه ، وكان قصده أن يمدحه ولم يعرف أنه يوم بؤسه ، فلما انتهى إليه قال النعمان : ما جاء بك يلعيد ؟ قال : أتاك الحائن برجليه . وقيل غير ذلك(1).

قوله «خازر» بالخاء والزاي المعجمتين . نهر بين الموصل وإربل كانت به الواقعة التي قتل بها إبراهيم بن مالك الأشتر عبيد الله بن زياد في أيام المختار . قيل : وكان ذلك في عاشر محرم سنة ست وستين .

وقد اشتهر عن السيد الأجل العلامة الطباطبائي قدس سره في أمر هاني روحي له الفداء كلام تركناه لطوله وعدم الفائدة في إيراده بعد معلومية حاله رضوان الله عليه ، فهو كالنار على المنار والشمس في رابعة النهار. من أراده فليطلبه من مظانه . وقد أورده العلامة المامقاني في التنقيح . فليراجع(2).

ولنختم ذلك بما قاله الفرزدق(3)ورواه عبد الله بن الزبير الأسدي عنه في رثاء مسلم وهاني ، قال :

إن كنتِ لاتدرين ما الموتُ فانظري *** إلى هاني في السوق وابن عقيل


1) الغارات 829/2.

2) أنظر : تنقيح المقال 289/3.

3) الأبيات مذكورة في تاريخ الطبري 379/5 ، منسوبة إلى ابن الزبير نفسه وقيل الفرزدق .

إلى بطل قد هتم السيفُ وجهه *** وآخر يهوي من طمار(1)قتيل

أصابهما فرخُ البغى فأصبحا(2)*** أحاديث من يسري بكلّ سبيل

تری جسداً قد غيّر الموتُ لونه *** ونَضْحَ دم قد سال كلَّ مسيل

فتى هو أحيى من فتاةٍ حَیِيَّةٍ *** وأقطعُ من ذي شفرتين صقيل

أيركب أسماء الهاليج آمناً *** وقد طلبته مِذْحَجّ بدحول(3)

تُطيف حواليه مراد وكلّهم *** على رقبة من سائلٍ ومَسُولِ

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمُ *** فكونوا بغايا أُرضيت بقليل

الهفهاف بن المهند الراسبي

«الهفهاف» بهائين بينهما ألف . و «الراسبي» نسبة إلى راسب بطن من أزد.

وهو - على ما رواه حميد بن أحمد في كتابه الحدائق الوردية كان فارساً شجاعاً بصرياً من الشيعة ومن المخلصين في الولاء ، له ذكر في المغازي والحروب، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وحضر معه مشاهده كلها . وأمره علي يوم صفين على أزد البصرة ، وكان ملازماً لعلي إلى أن قتل. وانضم بعده إلى ابنه الحسن ثم إلى الحسين عليهما السلام.

فلما بلغه خروجُ الحسين من مكة إلى العراق خرج من البصرة، فسار حتى انتهى إلى العسكر بعد صلاة العصر ، فدخل على عسكر عمر بن سعد، فسأل القوم : ما الخبر أين الحسين بن علي ؟ فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنا الهفهاف


1) الطمار : الوثوب إلى الأسفل . وفي بعض النسخ «من جدار» .

2) في المصدر «أصابهما أمر الأمير».

3) الهملاج : البِرْدَوْن الحسن السير ، جمعه هماليج . الذحول : الثارات .

الراسي البصري الأزدي جئت لنصرة الحسين حين سمعت خروجه من مكة إلى العراق . فقالوا له : قد قتلنا الحسين وأصحابه وأنصاره وكلَّ من لَحِقَ به وانضم إليه ، ولم يبق غير النساء والأطفال وابنه العليل علي بن الحسين ، أما ترى هجوم القوم على المخيم وسلبهم بنات رسول الله .

فلما سمع الهفهافُ مقتل الحسين عليه السلام وهجوم القوم انتضى سيفه وهو يرتجز ويقول :

يا أيها الجند المجند *** أنا الهفهاف بن المهند

أحمي عيالات محمد

ثم شدّ عليهم كليث العرين يضر بهم بسيفه ، فلم يزل يقتل كل من دنى منه من عيون الرجال ، حتى قتل منهم جماعةً كثيرةً حتى أثخن بالجراح، وحملوا عليه من كل جانب واحتوشوه حتى قتلوه في حومة الحرب بعد ما عقروا فرسه. رضوان الله عليه(1).

هلال بن نافع البجلي

عن روضة الأحباب(2)لكمال الدين من مؤرخي العامة ومعتمديهم ، قال : ثم برز بعد قتل مسلم بن عوسجة هلال بن نافع البجلي ، وكان شاباً بديعاً صبيحاً جميلاً، ومعه امرأته قد تزوّجها ولم يبن بها، وتعلقت بهلال وقالت : إلى أين يا هلال وأنا غريب لا والي لي . فبكت وبكى هلال من بكائها ، فلما رأى الحسين عليه السلام ذلك قال : يا هلال أنت في حلّ ، وإن شئت فكن مع حليلتك . فقال هلال : يا سيدي إن لم أنصرك فماذا أقول غداً عند جدك رسول الله صلى الله عليه وآله .


1) منقول في تنقيح المقال 303/3.

2) أنظر : بحار الأنوار 27/45 .

ثم ودّع عياله . قيل : وجلس بين أطناب الخيم ومعه ثمانون نبلة، وقتل بكل نبلة رجلاً حتى قتل ثمانين رجلاً بثمانين نبلة ، ثم أخذ سيفه وحمل وهو يرتجز ويقول :

أنا الغلام اليمني البجلي *** ديني على دين حسين بن علي

إن اقتل اليوم فهذا أملي *** فذاك رائي وألاتي عملي

وحمل عليه رجل يقال له قيس، فضربه هلال بالسيف فقتله ، ثم حملوا عليه وأخذوه أسيراً بعد ما كسروا يديه ، وجاؤا به إلى شمر فأمر بقتله ، فقتلوه واحتزوا رأسه . رضوان الله عليه .

یحیى بن سليم المازني

قال لسان المؤرخين(1): ثم بر ز يحيى بن سليم المازني ، فاستأذن وأذن له ، فحمل وهو يرتجز ويقول :

لأضربنَّ القوم ضرباً فيصلا *** ضرباً شديداً في العداة مُعْجِلا

لا عاجزاً فيها ولا مُوَلُوِلا *** ولا أخاف اليومَ موتاً مقبلا

لكنني كالليث أحمي أشبُلا

فقاتل وقتل جمعاً كثيراً حتى قتل رضوان الله عليه .

يحيى بن كثير الأنصاري

عن أبي مخنف وعن شرح الشافية : ثم برز يحيى بن كثير ، فاستأذن وأذن له، فحمل على القوم مرتجزاً وهو يقول :

مناق الخناق بابن سعد و ابنه *** بلقاهما بفوارس الأنصار


1) أنظر : مناقب آل أبي طالب 251/3 .

ومهاجرين مخضّبين رماحهم *** تحت العجاجة من دم الكفارِ

خُضبت على عهد النبي محمد *** واليوم تخضب من دم الفجار

خانوا حسيناً والحوادث جمةٌ *** ورضوا يزيداً والرضا في النارِ

فاليوم نَشعَلُه بحد سيوفنا *** بالمشرفية والقنا الخطار

هذا على ابن الأوس فرض واجب *** و الخزرجية و قبسة النجار

فقتل منهم خمسون رجلاً فقتل رضوان الله عليه .

یحیى بن علي بن أبي طالب

أمه أسماء بنت عميس الخثعمية . صرح بذلك في أسد الغابة(1)وغيره ، قال : لا خلاف في ولادتها يحيى لأمير المؤمنين عليه السلام.

وقد ذكر بعض المؤرخين أنه من شهداء الطف ، ولكن المشهور الذي صرّح به جمع من أهل النسب والتاريخ أن يحيى توفي في زمن أمير المؤمنين عليه السلام(2).

يحيى بن هاني بن عروة المرادي

أمه رَوْعَة أو رُوَيْحَة أخت عمرو بن الحجاج الزبيدي .

قال أبو مخنف ومحمد بن أبي طالب : فلما قتل ابنُ زياد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فرّ يحيى بن هاني خوفاً من ابن زياد واختفى عند قومه ، فلما سمع بمجي الحسين ونزوله بكربلاء جاء إليه في من جاء وانضم إليه ، فلما كان يوم الطف وشبّ القتال تقدم أمام الحسين عليه السلام وهو يرتجز ويقول :


1) أسد الغابة 395/5.

2) تنقيح المقال 69/3 ، قسم النساء.

أغشاكُم ضرباً بحد السيف *** لأجل من حلّ بأرض الخَيْفِ

بقدرة الرحمن ربِّ الكيف *** أضربكم ضرباً بغير خيف

فقاتل حتى قتل منهم رجالاً كثيراً ثم قتل رضوان الله عليه .

یزید بن ثبيط العبدي، عبد قيس البصري

«تُبَيْط» بالثاء المثلة والباء المفردة والياء المثناة تحت والطاء المهملة ، عَلَم مصغر . وفي بعض النسخ «ثبت» و «نبيط» وهما مصحفان .

و «قيس» نسبة إلى قيس عيلان أبي قبيلة ، وهو الياس بن مضر أخو إلياس . وهذا ليس منسوباً إلى قيس عيلان بل إلى عبد قيس .

وذكر العسقلاني في الإصابة وغيره أنه من الشيعة ومن أصحاب أبي الأسود الدولي ، وله ولابنه عبد الله بن يزيد ولعبيد الله بن يزيد ذكر في الحروب والمغازي، وكان شريفاً في قومه(1).

قال أبو جعفر الطبري(2): قال أبو مخنف : وذكر أبو المخارق الراسبي ، قال : اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد قيس يقال لها مارية ابنة سعد - أو منقذ - أياماً ، وكانت تتشيع ، وكان منزلها لهم مألفاً يجتمعون يتحدثون فيه ، وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق.

قال : فأزمع يزيد بن ثبيط الخروج وهو من عبد قيس إلى الحسين عليه السلام، وكان له بنون عشرة ، فقال : أيكم يخرج معي، فانتدب معه ابنان له


1) أنظر : تنقيح المقال 325/3.

2) تاريخ الطبري 353/5.

عبدالله وعبيد الله ، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة : إني قد أزمعت على الخروج وأنا خارج . فقالوا له : إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد . فقال : إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان علي طلب من طلبني .

قال : ثم خرج فتقدّى(1)في الطريق حتى انتهى إلى الحسين عليه السلام، فدخل في رحله بالأبطح. وبلغ الحسين مجيئه ، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رحل الحسين ، فقيل له : قد خرج إلى منزلك فأقبل في أثره . ولما لم يجده الحسين عليه السلام جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالساً، فقال بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا(2).

قال : فسلّم عليه وجلس إليه ، فخبره بالذي جاء إليه ، فدعا له بخير . ثم أقبل معه حتى أتى كربلاء ، فقتل معه هو وابناه . انتهى . ومثله في البحار وغيره .

وقد سبق أنه لما خرج صحبه نفر من الشيعة وفيهم عامر بن مسلم العبدي ومولاه سلام مولى عامر وسيف بن مالك العبدي والأدهم بن أمية العبدي . وقد ذكرنا ترجمتهم رضوان الله عليهم .

وفي الزيارة المروية «السلام على يزيد بن ثبيط القيسي البصري ، السلام على عبدالله وعبیدالله ابني يزيد بن ثبيط القيسي»(3).

يزيد بن حصين المشرقي

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام(4).


1) تقدى : أسرع في السير .

2) سوره یونس : 58 .

3) المزار لابن المشهدي ص 494 ، إقبال الأعمال 78/3 ، أنظر : معجم رجال الحدیث 97/12.

4) رجال الطوسي ص 81.

وفي كفاية الطالب لمحمد بن عبد الله الكنجي قال : يزيد بن حصين الهَمْداني، كان رجلاً شريفاً ناسكاً بطلاً من أبطال الكوفة وعابداً من عبادها . وله ذكر في المغازي والحروب، وكان من خيار الشيعة ممن بايع مسلماً ، فلما خُذل مسلم خرج من الكوفة ومال إلى الحسين عليه السلام ، وكان معه إلى أن حالوا بين الحسين وبين الماء ، فقال للحسين : ائذن لي يابن رسول الله في أن آتي عمر بن سعد مقدم هؤلاء وأكلمه في الماء لعله يرتدع . فأذن له ، فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فكلمه فلم يجبه ، فرجع إلى الحسين وكان مع من جاهد من أصحابه حتى قتل . وكان قتله في الحملة قبل الظهر(1).

وفي الزيارة المروية «السلام على يزيد بن حصين الهمداني المشرقي القاري المجدل بالمشرفي»(2).

«حصين» كزبير مصغر حصن بالحاء المهملة المكسورة والصاد المهملة .

وقد مرّضبط «المشرقي» أنه بكسر الميم وفتح الراء بطن من هَمْدان .

و المجدل «بالمشرفي» أي المجادل بالسيف المشرفي بالفاء.

يزيد بن زياد بن مهاصر ، أبو الشعثاء الكندي الهَمْداني

*يزيد بن زياد بن مهاصر ، أبو الشعثاء الكندي الهَمْداني ، من بني بهدلة

كان يزيد هذا رجلاً شريفاً شجاعاً فاتكاً . قيل : إنه خرج مع عمر بن سعد مع من خرج إلى حرب الحسين عليه السلام، فلما ردّوا الشروط مع الحسين مال إليه ، وجاءه ليلة التاسع من المحرم ، فقاتل بين يديه فارساً فقتل.

والأصح ما عن أبي مخنف : أنه خرج إلى الحسين من الكوفة، فصادفه في


1) أنظر : تنقيح المقال 325/3.

2) إقبال الأعمال 77/3.

الطريق قبل أن يتصل به الحر الرياحي ، فلازمه إلى يوم العاشر .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف : لما كتب الحربن يزيد إلى ابن زياد في أمر الحسين وجعل يسايره ، فإذا برجل على نجيب له وعليه السلاح منكباً قوسه من الكوفة ، فوقفوا جميعاً ينتظرونه ، فلما انتهى إلى الحر سلم ولم يسلم على الحسين وأصحابه ، فدفع إلى الحركتاباً من عبيد الله بن زياد ...

فنظر یزید بن زياد بن مهاصر الكندي أبو الشعثاء إلى رسول ابن زياد ، فعنّ له فقال : أمالك بن نسير البَدّي ؟ قال : نعم، وكان أحد كندة. فقال له يزيد بن مهاصر : ثكلتك أمك ماذا جئت فيه ؟ قال : وما جئت فيه ، أطعت إمامي و وفيت ببيعتي . فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربك وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت النار والعار ، ألم تسمع قول الله تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ(2)فهو إمامك . وفي نسخة : فهزء مالك ، أي أجابه بكلام فيه استهزاء .

قال أبو مخنف : وقاتل فارساً حتى عُقرت فرسه ، فلما عقرت فرسه جنا على ركبتيه بين يدي الحسين عليه السلام فرمى بمائة سهم ما سقط منها إلا خمسة أسهم ، وكان رامياً ، فكان كلما رمى قال :

أنا ابن بهد له *** فرسان العرجله

فكان يدعو له الحسين عليه السلام ويقول : اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة . فلما رمى ونفدت سهمه حمل على القوم بسيفه وهو يقول :


1) تاريخ الطبري 408/5 .

2) سورة القصص : 41 .

أنا يزيد وأبي مهاصر *** كأنني ليت بغيل خادر

يا رب إني للحسين ناصر *** ولا بن سعد تارك مهاجر

فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه(1).

وفي الزيارة المأثورة «السلام على يزيد بن زياد بن المهاصر الكندي». وفي بعض النسخ بالجيم بدل الصاد . قيل : هو غلط .

یزید بن مغفل بن عوف بن عمير ابن سعد المذحجي الحنفي

*یزید بن مغفل بن عوف بن عمير بن كليب بن ذهل بن يسار بن والبة بن الدئل بن سعد مناة بن عامر بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الحنفي.

كذا قاله العسقلاني في الإصابة ، قال : له إدراك النبي صلى الله عليه وآله ، فهو صحابي وشهد القادسية هو وأخوه زياد بن مغفل في عهد عمر بن الخطاب(2).

وقال الطبري كان من أصحاب أمير المؤمنين ، وحارب معه في صفين، ثم بعثه في وقعة الخوارج إلى حرب خربت بن راشد الناجي من بني ناجية بأرض الأهواز مع معقل بن قيس ، وكان أحد الشجعان من الشيعة والقراء الجيدين .

وعن المرزباني في كتاب معجم القراء : كان يزيد من التابعين. وأبوه مغفل من الصحابة .

وفي التنقيح وغيره : كان ممن جاء مع الحسين عليه السلام عند مجيئه من مكة ، وأرسله الحسين مع الحجاج بن مسروق إلى عبد الله بن الحر الجعني في قصر بني مقاتل يدعوه إلى نصرته فلم ينصره و ندم بعد ذلك على عدم النصرة.

وفي المناقب وغيره : لما التحم القتال في اليوم العاشر ، استأذن يزيد بن مغفل


1) أنظر : إبصار العين ص 134 .

2) الإصابة 579/1 و 277/3.

الحسين إلى البراز فأذن له، فقدم أمام القوم وهو يرتجز ويقول :

أنا يزيد وأنا ابن مغفل *** أعلو به الهامات وسط القَسْطَلِ

عن الحسين الماجد المفضَّل *** ابن رسول الله خيرِ مُرسَلِ

فقاتل حتى قتل من القوم نيفاً وعشرين رجلاً وقاتل قتالاً لم ير مثله حتى قتل . رضوان الله عليه .

وفي الزيارة المروية «السلام على يزيد بن مغفل الجعني».

هذا آخر ما أردناه من ترجمة أنصار الحسين عليه السلام.


خاتمة

ينبغي التنبيه هنا على أمور فيها فوائد تكون خاتمة لما سبق :

(الأمر الأول) :

إن الذي ذكرناه من المقتولين في سبيل الحسين عليه السلام وأنصاره وأعوانه - سواء كانت شهادتهم قبل وقعة الطف كمسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، أو بعدها كهفهاف وأمثاله - إنما هم المذكورون بأسمائهم في كتب المقاتل والتواريخ .

وإلا فالمقتولون في سبيله من أول خروجه من المدينة إلى بعد شهادته كثيرون أكثر من خمسمائة ، بل يقرب من ألف، بل أزيد ، فإن اللعين ابن زياد بعد ما خرج من البصرة وقتل وصلب سليمان رسول الحسين عليه السلام إلى أهل البصرة، وهو أول من قتل كما سبق في ترجمته، ودخل ابن زياد الكوفة ، وكان شديد الغضب على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام والتنكيل بهم والتعذيب لهم ، وبمن أعانهم وأضافهم وأجارهم، خصوصاً على من بايع مسلم بن عقيل وعند ماكتب إلى الحسين عليه السلام كتاباً يدعوه إلى المجئ إلى الكوفة ، فجعل عليهم المناظر والمراصد ، فأخذهم أخذاً شديداً .

وقد سبق النقل عن الطبري أنه عند وروده إلى الكوفة قتل خمسمائة نفساً ممن بايع مسلماً وكاتب الحسين عليه السلام ، وقتل جمعاً كثيراً يوم خروج مسلم ، ثم أخذ بحبسهم وقتلهم واحداً بعد واحد حتى حبس مختار بن أبي عبيد الثقفي

وجمعاً من شيعة علي ممن بايع مسلماً ، وقتل جمعاً كثيراً منهم ميثم التمار رضوان الله عليه ، فإنه قتل قبل ورود الحسين عليه السلام بعشرة أيام، ولا زال يقتلهم بالتهمة والظنة على ما أمره يزيد بن معاوية في كتاب إليه .

ولا يزال ابن زياد اللعين كذلك حتى بعد استشهاد الحسين عليه السلام في مدة بقائه بالكوفة وإمارته فيها ، إلا من اختفى أو فرّ أو شُفع فيه . وقد مرّ بعض ذلك في تراجمهم.

(الأمر الثاني) :

الاختلاف الذي يترائى من المحدثين وأرباب المقاتل في المقتولين يوم الطف ليس اختلافاً بحسب الأخبار والآثار ، بل الإختلاف هو بحسب الأنظار والتتبع في الآثار.

وما ذكرناه في هذا الكتاب هو المستفاد من مجموع ما بأيدينا من كتب الحديث والتاريخ، فلعل المتتبع يطلع على أكثر مما ذكرنا .

ولا منافاة بين ما ذكرنا وما ورد من أنه قتل معه سلام الله عليه سبعة عشر رجلاً ما لهم في العالمين نظير ولا متهم ألم الحديد. وما ورد من أنهم «نيف وسبعون» وأمثال ذلك . فإنه محمول على من خرج معه من المدينة أو من مكة أو من قتل مبارزةً وأمثال ذلك من المحامل .

وقد ذكر في زيارة الناحية أكثر من ثمانين . وقد روي أن في ليلة العاشور ضم إليه عليه السلام ثلاثون ، وفي رواية أكثر من ذلك .

نعم، قد صرح في جمع من الأخبار أن أصحاب الحسين عليه السلام محصورون معينون لا زيادة فيهم ولا نقيصة ، كما جاء التصريح به في رواية عبد الله بن جعفر . وهذا عذر من تمكن من النصرة ولم يوفق لها .

(الأمر الثالث) :

قد اختلف المؤرخون والمحدثون في عدد أصحاب عمر بن سعد وجنده وعسكره فمن مقل ومن مكثر : فالمقلون من عشرين ألف أو ثلاثين ألف، وبه ، جاءت الرواية في قوله عليه السلام «إزدلف عليه ثلاثون ألف». والمكثرون من خمسمائة ألف أو أكثر .

والتحقيق المستفاد من الآثار والتواريخ أن جند ابن سعد وعسكره وأنصاره كانوا على صنفين :

صنف منهم جندي نظامي عسكري قانوني سلطاني، يأخذون المعاش من

حكومة الوقت لهم سلاحهم ومعاش من الحكومة وهم مو موظفون من خليفة عصرهم، حربهم وجدالهم ومقاتلتهم على نظام ذلك العصر من الميمنة والميسرة والقلب والجناح، وتعيين محل خاص للنبالة ومكان مخصوص للعرافة وأمثال ذلك ، وهم ثلاثون ألف الذين رجعوا بعد فتح نهاوند في زمن عمر إلى الكوفة وأسكنوا بها بأمره في إمارة سعد بن أبي وقاص على ما ذكره المؤرخون . وعليه يُنزل ما جاء في الرواية المتقدمة من ذكر ثلاثين ألف.

والصنف الآخر قومي شخصي عشائري، تحت أوامر شيوخهم ورؤساء عشائرهم ، فليس لهؤلاء حدّ محدود ولا عدد معدود إلا بالتقريب.

وقد عرفت في ترجمة هاني بن عروة أنه كان إذا ركب يركب في ثلاثين ألف دارع. وقد كثر أمثاله في الكوفة .

وقد مرّ أيضاً أن عمر بن سعد أمر رؤساء الجند أن يلقوا الحسين عليه السلام ويكلمونه بماذا جاء إلى الكوفة ، فأبوا أن يكلموه . وأمر رؤساء العشائر أن يلقوه ويكلموه ، فأبوا أن يراجعوه واعتذروا بأنهم كاتبوه .

وبالجملة ، فعسكر ابن سعد وأنصاره عليه وعليهم اللعنة لا يعدّ ولا يحصى.

وعليه يدل بل وبه يصرح قوله عليه السلام في رجزه حيث يقول «كفر القوم» إلى قوله :

وابن سعد قدرماني عَنْوة *** بجنود كوكوف الهاطلين

في المجمع : الوكوف أي التقاطر ، وَكَفَ البيت بالمطر وكفاً ووَكيفاً ووكافاً، والعين بالدمع من باب وَعَد : سال.

والهطل : تتابع المطر ، والدمع: سيلانه، في القاموس: الهطل بالفتح المطر الدائم . والمعنى يجود كنزول المطر. والهاطلين : إن قرىء بالتثنية - كما هو الظاهر - المطرين في الربيع والخريف، وإن قرئ بالجمع فالمعنى نزول الأمطار. وعلى التقديرين كناية عن كثرتهم بحيث لا تُعدّ ولا تُحصى.

(الأمر الرابع) :

المستشهدون والمقتولون من أصحابه وأنصاره عليه وعليهم السلام والمعروفون بأسمائهم والمذكورون في الكتب والزيارة الناحية قبل وقعة الطف خمسة، وهم سليمان مولى الحسين عليه السلام المقتول في البصرة، ومسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبدالله بن يقطر ، وقيس بن مسهر الصيداوي . وقد سبقت ترجمتهم .

والمقتول بعد وقعة الطف من أصحابه وأنصاره عليه وعليهم السلام أيضاً خمسة ، وهم : محمد وإبراهيم ابنا مسلم بن عقيل اللذين أسرا من معسكره عليه السلام وقد ذكرنا ترجمتها ، والهفهاف البصري المار ذكره، وطفل قد خرج من تلك الأبنية قالوا : لما صرع الحسين عليه السلام و تصايحت النساء وخرجن ذَعُر

طفل وخرج إلى باب الخيمة . قال الطبري : قال هشام حدثني أبوالهذيل ممن شهد قتل الحسين ، قال : إني واقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس وقد جالت الخيل وتضعضعت إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعمود من تلك الأبنية وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً ، فكأني أنظر إلى درتين في أذنه تذبذبان كلما التفت إذ أقبل رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف ، قيل اسمه محمد بن سعيد .

(بیان):

الذعر : الخوف . وتضعضع إما بالصادين المهملتين بمعنى تفرق ، أو بالضادين المعجمتين أي ذل وخضع ، وتضعضعت أركانه أي ضعفت .

(الأمر الخامس) :

في نفس المهموم وغيره : أنه أحضر عند يزيد بن معاوية رجل من أصحاب الحسين ابن علي عليهما السلام وكان قد أسر في كربلاء ، فقال له يزيد : وكان أبوك الذي قال : أرجل جمتي وأمر ذيلي ؟ قال نعم ، فأمر يزيد بقتله ، فقتل رضوان الله عليه .

الأبيات تنسب إلى عروة أبي هاني بن عروة ، وله قصة في زمن معاوية في كثير بن شهاب والي خراسان، فاحتال مالاً كثيراً ، فهدر معاوية دمه ، فقالها عروة أبوهاني . والقصة معروفة مشهورة .

(الأمر السادس) :

قطعت أو كسرت يدا خمسة من أصحاب الحسين عليه السلام وأنصاره : أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين، وعبد الله بن عمير، وعبد الله بن الحسن، ووهب بن عبد الله ، ونافع بن هلال أو هلال ، بن نافع .

(الأمر السابع) :

حملات يوم العاشور خمسة كلها دفاعية ، لأن الحسين عليه السلام كره أن يبدأ بالقتال ولو في الأثناء:

الأولى - حملة صبيحة يوم العاشور بعد تصفيف الصفوف من الجانبين ، وابتدأ عمر بن سعد بالحرب بعد ما رمى لعنه الله بالنبل إلى معسكر الحسين عليه السلام لا على ما ذكر في محله ، وقتل في هذه الحملة جمع كثير من الأصحاب بلغ عددهم إلى ستين قتيل وجرح الباقون ، حتى أنه لم يسلم أحد.

الحملة الثانية - قبل الظهر بساعة ، وقتل فيها أيضاً جمع من الأصحاب .

الحملة الثالثة - مختصة ببني هاشم ونفر من الأصحاب ، وهي بعد صلاة الظهر ، وقتل فيها عدد من الأصحاب سبق ذكرهم عند تراجمهم .

الحملة الرابعة - قبل العصر حين هجموا على المخيم بحيث كانت تصل رماحهم إلى أطناب الخيام. وهي أيضاً مختصة بالباقين من بني هاشم ونفر يسير من الأصحاب.

الحملة الخامسة - مختصة بالحسين عليه السلام وأبي الفضل العباس على ما ذكره المفيد ، وقد قتل في هذه الحملة أبو الفضل روحي له الفداء.

وهذه الحملات غير الحملات المختصة بنفسه الشريفة حين بقي وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين .

(الأمر الثامن) :

قطعت رؤوس جمع من الشهداء في المعركة قبل قطع رؤوس الباقين بعد المعركة، وهو ، وهو رأس بریر بن خضير، وحبيب بن مظاهر ، وعبدالله بن عمير، ووهب بن عبدالله ، والطفل الذي قتل أبوه في المعركة ، ونفر آخر مذكورون في ترجمتهم .

(الأمر التاسع) :

أسر نفر من الأصحاب، فقتلوا خارج المعركة عند عمر بن سعد وبحضوره عليه اللعنة . وقد سبق ذكرهم .


هذا آخر ما أردنا ذكره ووفقنا الجمعه وترصيفه من ترجمة أصحاب الحسين عليه السلام والمقتولين في نصرته . ولعل المتتبع يطلع على أكثر مما ذكرناه .

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .

فهرس الکتاب

إبراهيم بن الحصين الأسدي ... 7

إبراهيم بن علي بن أبي طالب ... 8

إبراهيم بن مسلم بن عقيل ... 9

أبو الحتوف بن الحرث بن سلمة الأنصاري العجلاني ... 9

أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب ... 10

أبوبكر بن علي بن أبي طالب ... 11

أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام ... 11

5 أحمد بن محمد بن عقيل الأدهم بن أمية العبدي البصري ... 13

أسلم بن كثير الأعرج ... 14

أسلم بن عمر و مولى الحسين عليه السلام ... 14

أمية بن سعد بن زيد الطائي ... 15

أنس بن الحرث بن نبيه ... ابن خزيمة الأسدي ... 16

أنيس بن معقل الأصبحي ... 18

بریر بن خضير المشر في الهَمْداني ... 19

بشر بن عمر بن الأحدوث الحضرمي الكندي ... 28

بكر بن حي بن تيم الله بن ثعلبة التيمي ... 29

جابر بن الحجاج مولى عامر بن نَهْشَل التيمي ... 30

جابر بن عروة الغفاري ... 30

جبلة بن علي الشيباني ... 31

جعفر بن عقيل بن أبي طالب ... 32

جعفر بن علي بن أبي طالب ... 33

جنادة بن الحرث المذحجي المرادي السلماني الكوفي ... 35

جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي ... 36

جندب بن حجير الكندي الخولاني ... 36

جون بن حوي بن قتادة بن الأعور بن عوف بن كعب بن حوي ... 37

جوين بن مالك التميمي ... 40

الحارث بن نبهان ... 40

الحارث بن امرئ القيس بن عابس ... 41

حباب بن عامر بن كعب التيمي ... 41

حبشة بن قيس بن سلمة ... ابن حارثة الهمداني النهمي ... 42

حبیب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر الأسدي الفقعسي ... 42

الحجاج بن زيد التميمي السعدي البصري ... 53

الحجاج بن مسروق بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي ... 53

حر بن يزيد بن ناجية بن قَعْنَب ... التميمي اليربوعي الرياحي ... 54

الحلّاش بن عمر و الهجري الأزدي الراسبي ... 73

حنظلة بن أسعد بن جشم بن عبد الله الهَمْداني الشبامي ... 74

حنظلة بن عمر و الشيباني .... 76

حبان بن حارث السلماني الأزدي ... 76

خالد بن عمرو بن خالد الصيداوي الأسدي ... 77

داود بن طرماح ... 77

رافع بن عبدالله ... 77

ربيعة بن حوط بن رئاب ، المكنى بأبي ثور ... 78

زاهر بن عمر الأسلمي الكندي .. 78

زهير بن سليم بن عمر و الأزدي ... 80

زهير بن بشر الخثعمي ... 80

زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي ... 80

زیاد بن عريب بن حنظلة بن دارم ، أبو عمرة الهمداني الصائدي ... 89

زياد بن مصاهر الكندي ... 90

سالم بن عمر بن عبدالله ، مولى بني المدينة الكلبي ... 90

سالم مولى عامر بن مسلم العبدي ... 90

سعد بن الحارث بن سلمة الأنصاري العجلاني ... 91

سعد بن الحارث الخزاعي ، مولى أمير المؤمنين عليه السلام ... 91

سعد بن حنظلة التميمي ... 91

سعد مولى عمر و بن خالد الصيداوي الأسدي ... 92

سعيد بن عبدالله الحنفي ... 92

سلمان بن مضارب بن قيس الأنماري البجلي ... 95

سليمان مولى الحسين عليه السلام ... 95

سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمير بن نهم الهمداني النهمي ... 96

سويد بن عمر بن أبي المطاع الأنماري الخثعمي ... 97

سيف بن الحارث بن سريع بن جابر الهمداني الجابري ... 98

سيف بن مالك العبدي البصري ... 99

شبیب بن عبدالله مولى مالك بن سريع ... 100

شبيب بن عبدالله النهشلي ... 100

شوذب بن عبدالله الهمداني الشاكري ... 100

ضرغام بن مالك الثغلبي ... 102

طرماح بن عدي ... 102

عائذ بن مجمع بن عبدالله ... 106

عابس بن شبيب الشاكري ... 106

عامر بن مسلم العبدي البصري ... 109

عباد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني ... 109

عباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام ... 110

عباس الأصغر ابن أمير المؤمنين عليه السلام ... 127

عباس بن جعدة الجدلي ... 127

عبدالرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي ... 128

عبدالرحمن بن عبدالله بن الكدن بن أرحب الهمداني الأرحبي ... 129

عبدالرحمن بن عروة بن الحراق وأخوه عبدالله الغفاريان ... 130

• عبدالرحمن بن عقيل بن أبي طالب .... 131

عبدالرحمن بن مسعود بن الحجاج التميمي .... 132

عبدالله بن بشر بن ربيعة بن عمر و الأنماري الخثعمي ... 132

عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ... 132

عبدالله بن الحسن الأكبر ... 135

عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ... 136

عبد الله بن علي بن أبي طالب ... 136

عبدالله بن عمير بن عباس بن عبد قيس الكلبي العليمي ... 136

عبدالله بن عروة الغفاري ...139

عبدالله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب ... 140

/ عبدالله الأصغر بن عقيل بن أبي طالب ... 140

عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ... 140

عبدالله بن يزيد بن ثليط العبدي البصري ... 144

عبد الأعلى بن يزيد الكلبي العليمي ... 144

عبدالله بن يقطر الحميري ... 145

عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن ربيعة الهمداني ... 148

عبیدالله بن عبدالله بن جعفر الطيار ... 149

عبيد الله بن علي بن أبي طالب ... 149

عبیدالله بن عمرو بن عزيز الكندي ... 151

21- عثمان بن علي بن أبي طالب ... 152

عقبة بن الصلت بن مالك الجهني ... 153

علي بن الحر بن يزيد الرياحي ... 154

22- علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ... 155

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الرضيع الصغير ... 185

علي بن مظاهر الأسدي ... 203

عمار بن حسان بن شريح بن سعد الطائي ... 204

عمار بن سلامة بن عبدالله بن عمران بن رأس بن دالان ... 204

عمارة بن صلحب الأزدي ... 206

عمرو بن جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي ... 206

عمر و بن جندب بن كعب بن عبد الله ... ابن دهماء الحضرمي ... 208

عمرو بن جنادة بن حارث عمرو بن خالد بن حكيم بن حزام الأسدي الصيداوي ... 210

عمرو بن عبدالله بن كعب بن الصائد ، أبو ثمامة الصائدي الهمداني ... 212

عمرو بن عبد الله الجندعي ... 216

عمرو بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي ... 218

عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي ... 219

24- عمر بن علي بن أبي طالب ... 223

عمر و بن مطاع الجعفي ... 225

عمير بن عبدالله المذحجي ... 226

با عون بن جعفر بن أبي طالب ... 226

• عون بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ... 229

عون بن علي بن أبي طالب عليه السلام ... 231

قارب بن عبدالله بن أريقط ... 234

قاسط بن عبدالله بن زهير بن الحرث التغلبي ... 235

قاسم بن حبيب بن أبي بشر الأزدي ... 236

قاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ... 236

قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب ... 247

قعنب بن عمر و النميري أو النمري ... 248

قیس بن مسهر بن خالد ... ابن خزيمة الأسدي الصيداوي ... 249

کردوس بن زهير بن الحرث التغلبي ... 251

كنانة بن عتيق بن معاوية بن الصامت بن قيس التغلبي ... 251

مالك بن أنس الكاهلي ، أو مالك بن الحرث الكاهلي ... 252

مالك بن سريع الجابري ... 252

مجمع بن زياد بن عمر و بن كعب ... ابن مودعة الجهني ... 252

مجمع بن عبد الله ... ابن سعد العشيرة المذحجي العائذي ... 253

محمد بن جعفر بن أبي طالب ... 254

محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ... 256

محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ... 258

محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب ... 258

محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب ... 260

محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام الأوسط ... 261

محمد الأكبر بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ... 261

محمد الأصغر بن مسلم بن عقيل ، وأخوه إبراهيم بن مسلم ... 262

محمد بن مطاع ... 273

مسعود بن الحجاج التيمي وابنه عبدالرحمن بن مسعود ... 274

مسلم بن كثير بن قليب الصدفي الأزدي ... 274

مسلم بن عقيل بن أبي طالب ... 275

مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة ، أبو حجل الأسدي السعدي ... 308

مصعب بن يزيد الرياحي ... 312

مقسط بن زهير بن الحرث التغلبي ... 312

المعلى بن المعلى ... 313

منجح بن سهم، مولى الحسن عليه السلام ... 313

3- موسى بن عقيل بن أبي طالب ... 314

موقع بن ثمامة بن أثال الأسدي الصيداوي ... 315

نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة ... 316

نصر بن أبي نيزر ، مولى علي بن أبي طالب ... 321

النعمان بن عمر و الأزدي الراسبي أخو الحلاس بن عمرو ... 322

نعيم بن عجلان بن النعمان بن عامر بن رزين الخزرجي ... 322

واضح التركي مولى الحرث المذحجي السلماني ... 323

وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي ... 323

هاني بن عروة المرادي ... 327

الهفهاف بن المهند الراسبي ... 339

هلال بن نافع البجلي ... 340

يحيى بن سليم المازني ... 341

يحيى بن كثير الأنصاري ... 341

يحيى بن علي بن أبي طالب ... 342

يحيى بن هاني بن عروة المرادي ... 342

يزيد بن ثبيط العبدي، عبد قيس البصري ... 343

يزيد بن حصين المشرقي ... 344

يزيد بن زياد بن مهاصر أبو الشعثاء الكندي الهمداني ... 345

يزيد بن مغفل بن عوف بن عمير ابن سعد المذحجي الحنفي ... 347

خاتمة ... 349