موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن جلد 17

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

الخرسان، محمّد مهدي 1928م.

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.

قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390

الفهرسة طبق نظام فيپا.

ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.

مركز الأبحاث العقائدية.

1390 4خ / 17الف 8/ 92 Bp 1924/ 297

الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101

مركز الأبحاث العقائدية

● إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم34

ص. ب: 3331 / 37185

الهاتف: 37742088 (25)(0098)

الفاكس: 37742056 (25)(0098)

● العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلي الله عليه وآله

شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص. ب: 729

الهاتف: 332679 (33)(00964)

● الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com

● البريد الإلكتروني: info@aqaed.com

شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً

شابك (ردمك) ج17 / 7 - 38 - 7100 - 600 - 978

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن

تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

الجزء السابع عشر

الطبعة الأُولى: 2000 نسخة

سنة الطبع: 1437ه-

الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش

المطبعة: الوفاء

السعر 150000 ريال

*جميع الحقوق محفوظة للمركز *

اشارة

موسوعة عبدالله بن عباس

سلسلة رد الشبهات - 5

موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن

الجزء السابع عشر

الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان

في حديث بيت مال البصرة

تأليف: السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

اشارة

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين أجمعين، وعن التابعين لهم إلى يوم الدين، وبعد:

من البديهي أن يكون المرء على يقين، بأنّ لكلّ حادث حديثاً، ولكلّ حديث زماناً ومكاناً.

وليست هذه المعرفة من خصائص الفلسفة، فتحتاج إلى التدليل عليها، بل هي من بسائط المدركات الحسّية، فلذلك حين إقامة الموازنة بين الصحيح وغيره، والثابت وغيره، لا بدّ أن يستحضرها الفكر للتوازن بين الحادث والحديث عنه، وإن كان بعض الناس يغفل عنها، لأنّه قليل التعامل معها، ثمّ لما يراه من حشد كبير من روايات الحدث فيتخيّلها واقعية لا يشوبها شكّ، وهذا ما يجعل الباحث المجدّ يحسّ بمرارة عند غياب تلك المعرفة بأن لا حدث في التاريخ من دون زمان ومكان، وفقدان الموازنة بين حجم الحدث وزمانه ومكانه، وأنكى من هذا الإقبال على قبول المرويات كحقائق ثابتة، فيتقبّلها من لا دربة له بأُصول علم الدراية والرواية، وينصاع مخدوعاً ببهرجة الكتاب ورواته، وجعل المعطيات التاريخية التي نجدها في زبر الأوّلين والآخرين، ونجد ما بينها من التناقض في المنقول، فقد غفل عنها أصحاب العقول، لأنّها من الموروث المقدّس، وليس في هذا أيّ إنجاز لحفظ الحديث والحدث كما هو الواقع، بقدر ما هو هدر لما هو المعقول المقبول.

إنّ ابن عبّاس الذي سمّيته في الموسوعة حبر الأُمّة وترجمان القرآن، وسنقرأ عنه في هذا الجزء أحاديث خيانية -- ولا نستبقها فنقول خيالية -- تنزله من برجه العاجي الشمم في القمم إلى حضيض الهاوية، وإن صحّت -- وهي لم ولن تصحّ -- فعقباه نار حامية، وما أدراك ما هي، إنّها خيانة بيت مال البصرة، وقد مرّت الإشارة إليها في الحلقة الأولى، وفي الثالثة أيضاً.

أمّا الآن، فإلى قراءة نصوص ما رواه أصحاب المصادر في التراثين الشيعي والسُنّي، مرتّبة رواياتهم حسب سنيّ وفياتهم.

ونقرأ قبلها:

إلمامة عابرة بالأحداث الغابرة

هنا نقرأ عرضاً موجزاً لما مرّ في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من ذكر الأحداث التي عاشها ابن عبّاس، أو عايشها أيام ولايته على البصرة، لأنّ استذكارها سيوقفنا على وجود ابن عبّاس بالبصرة منذ بدء ولايته، وحتّى نهايتها التي قيل: إنّه غادرها مغاضباً؟ وقيل عنها: خرج مطروداً؟ وقيل: بل خرج مطارداً، ولكلّ من هذه الأقوال سند في بعض الأخبار، لذلك ما دمنا ونحن نبحث عن الحقيقة لا بدّ من تمحيص لتلك الأخبار، والتمحيص إنّما يتم باستعراض الأحداث أيام ولايته بدءاً ونهاية، وهي ذات فصول ثلاثة:

أوّلها: من بدء ولايته، وحتّى كتاب الإمام إليه بالتهيؤ لحرب معاوية.

ثانيها: من الخروج إلى حرب صفّين، وحتّى الرجوع إلى البصرة.

ثالثها: من رجوعه إلى البصرة، وحتّى مفارقته لها.

وإلى قراءة عابرة وسريعة عن تلك الفصول:

الفصل الأوّل :من بدء ولايته وحتّى حرب صفّين

لمّا انتهى الإمام عليه السلام من تسيير عائشة إلى المدينة، ولم يبق له همّ بالبصرة سوى تعيين رجل ذي خبرة وكفاءة يولّيه أمورها، وثمّة رواية تشير إلى أنّ الإمام عليه السلام لم يترك المشورة في ذلك، فاستكشف دخائل البصريين، وكان أبو بكرة -- كما في ابن الأثير -- وزياد -- كما في الطبري -- وهو أحد الذين تقاعسوا عن نصرة الإمام عليه السلام وتمارض بعد الحرب -- ممّن استشارهم الإمام عليه السلام فيمن يولّيه أمر البصرة، فقال له: (يا أمير المؤمنين! رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس، فإنّه أجدر أن يطمئنوا أو ينقادوا، وسأكفيكه وأشير عليه)(1).

ويخطب الإمام في أهل البصرة ليعلن لهم عن واليهم الجديد وخليفته فيهم، فقال في ذلك:

(معاشر الناس، قد استخلفت عليكم عبد الله بن العبّاس فاسمعوا له وأطيعوا أمره ما أطاع الله ورسوله، فإن أحدث فيكم أو زاغ عن الحقّ فأعلموني أعزله، فإنّي أرجو أن أجده عفيفاً تقيّاً ورعاً، وإنّي لم أولّه عليكم إلاّ وأنا أظنّ ذلك به، غفر الله لنا ولكم)(2).


1) - تاريخ الطبري 4/543، ط دار المعارف، وقد تقدّم.

2) - كتاب الجمل: 208، ط الحيدرية سنة 1368ه-.، وقد تقدّم.

ويدور همس حول هذا التعيين، ربّما يكون مصدره بعض المنافقين، ويكثر الهمز واللمز، وينبري مالك الأشتر النخعي رحمه الله لقطع تلك القالة، فيرفع إلى الإمام عليه السلام مقالة الناس في ذلك، فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟! فيقول له الإمام عليه السلام: (أفهل ولّيت حسناً أو حسيناً، أو أحداً من ولد جعفر أخي، أو عقيلاً أو أحداً من ولده، وإنّما ولّيت ولد عمّي العبّاس، لأنّي سمعت العبّاس يطلب الإمارة من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم مراراً، فقال له رسول الله: يا عمّ! إنّ الإمارة إن طلبتها وُكلت إليها، وإن طلبتك أعُنت عليها. ورأيت بنيه أيّام عمر وعثمان يجدون في أنفسهم إن وُلّي غيرهم من أبناء الطلقاء ولم يولّ أحد منهم. فأحببت أن أصل رحمهم وأزيل ما كان في أنفسهم)(1)

وكان الإمام عليه السلام قد ولّى عبيد الله على اليمن، وقثم على مكّة، وإلى هذه اليد البيضاء التي أسداها الإمام إلى بني العبّاس أشار المأمون العبّاسي في شعره:

ألام على شكر الوصي أبي الحسن*** وذلك عندي من عجائب ذا الزمن

خليفة خير الناس والأوّل الذي*** أعان رسول الله في السرّ والعلن

ولولاه ما عدت لهاشم أمرة*** وكانت على الأيام تقصى وتمتهن

فولى بني العبّاس ما اختص غيرهم*** ومن منه أولى بالتكرّم والمنن

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى*** وفاض عبيد الله جوداً على اليمن

وقسّم أعمال الخليقة بينهم*** فلا زلت مربوطاً بذا الشكر مرتهن

(مروج الذهب 4/334)

2- البحار 9/642 عن ابن أبي الحديد.

.

(وبعد، فإن علمت أنّ أحداً هو خير منهم، فأتني به)(2).


1) - شرح النهج، لابن أبي الحديد 3/416، وقد تقدّم.

ثمّ استدعى ابن عبّاس وأوصاه بقوله:

(يا بن عبّاس! عليك بتقوى الله والعدل بمن وُلّيت عليه، وأن تبسط للناس وجهك، فتوسّع عليهم في مجلسك، وتسعهم بعلمك وحلمك، وإياك والغضب فإنّه طيرة من الشيطان، وإياك والهوى فإنّه يصدّك عن سبيل الله، واعلم أنّ ما قرّبك من الله فهو يباعدك من النار، وما باعدك من الله فهو مقرّبك من النار، واذكر الله كثيراً ولا تكن من الغافلين)(1).

ولمّا سار الإمام عليه السلام من البصرة نحو الكوفة، قام ابن عبّاس بما وجب عليه، ضابطاً لما تحت يده، راعياً لما استحفظ عليه، بكفاءة أثبتت قدرته السياسية في تدبير الشؤون، حتّى قيل عنه: افتتن به البصريون لما انتهجه من أساليب تثقيفية لم يعهدوها من قبل عند الولاة قبله، حتّى قال الحسن البصري: إنّ ابن عبّاس صعد المنبر وقرأ سورة البقرة وآل عمران ففسّرهما حرفاً حرفاً، وكان والله مثجّاً يسيل غرباً(2)

وعلى قول الحسن تحفظ، لأنّه لم يكن أيام ولاية ابن عبّاس بالبصرة!

3- الإصابة ترجمة ابن عباس 2/322، وقد تقدّم.

4- شرح النهج، لابن أبي الحديد 3/472، وقد تقدّم.

.

وقال بصري آخر: (قدم علينا ابن عبّاس البصرة وما في العرب مثله حشماً وعلماً وثياباً وجمالاً وكمالاً)(3).

وعبّر ثالث عن إعجابه بكلامه، فقال: (لو أذن لي لقبّلت رأسه لحلوّ منطقه)(4).


1) - كتاب الجمل: 207، وقد تقدّم.

2) - انظر: الفائق في غريب الحديث 1/144.

وقد مرّ بنا هذا كلّه، كما مرّ بنا أنّه كان ينتهز فرصة المناسبات الدينية كشهر رمضان والأشهر الحرم وأيام الجمعة، فيتّخذ منها مواسم لتعليم الناس أحكام دينهم، ففي كلّ سنة كان في عشية عرفة، يعرّف فيها للناس، وهو أوّل من عرّف بالبصرة، وهذه السيرة مورد اتّفاق المؤرّخين، (وقد ذكر الحافظ في كتاب نظم القرآن: (أنّ أوّل من سنّ التعريف في مساجد الأمصار عبد الله بن عبّاس)(1).

ومرّ بنا قول صعصة وقد قدم على الإمام عليه السلام في الكوفة فسأله عن ابن عبّاس؟ فقال له: (يا أمير المؤمنين! إنّه آخذ بثلاث وتارك لثلاث:

آخذ بقلوب الناس إذا حَدّث، وبحسن الاستماع إذا حُدّث، وبأيسر الأمرين إذا خولف، وترك المراء، ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه)(2).

وهذا وصف صادق من إنسان غير متّهم عليه، ولكن مع ذلك فلن تعدم الحسناء ذامّاً من شرّ الوشاة، فكان بدايات سببها موقفه المتصلّب من فئات حاقدة منذ يوم الجمل، وأولئكم العثمانية الذين كانوا بالبصرة، فإنّهم ما برحوا مصرّين على غيّهم معلنين الخلاف أحياناً، مضافاً إلى ما كانوا يسرّون من بغضاء للإمام ولواليه منذ يوم الجمل، ورام ابن عبّاس أن يستعلم رأي الإمام عليه السلام فيما يجب اتّخاذه أزاءهم، فكتب إليه فيهم، فجاءه الجواب: (من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عبّاس. أمّا بعد، فالحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد عبده ورسوله. أمّا بعد، فقد قدم


1) - تاريخ الخميس 2/304.

2) - مختصر تاريخ دمشق 12/313، وقد تقدّم في ج4.

عليَّ رسولك (أتاني كتابك) وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي، وسأخبرك عن القوم: هم بين مقيم لرغبة يرجوها، أو عقوبة يخشاها، فأرغب راغبهم بالعدل عليه، والإنصاف والإحسان إليه، وحلّ عقدة الخوف عن قلوبهم، فإنّه ليس لأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلاّ قليل منهم، وانته إلى أمري ولا تعده، وأحسن إلى هذا الحيّ من ربيعة، وكلّ من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إن شاء الله والسلام.. وكتب عبيد الله ابن أبي رافع في ذي القعدة سنة 37ه-).

وانتهى الحبر ابن عبّاس إلى أمر إمامه، لكن بني تميم -- أنصار الجمل -- لم تبرح طائفة منهم على الخلاف معه، حتّى كأنّهم كانوا مرصدين للفتنة، وربّما اعترضه بعضهم وهو يخطب، إثارة للعامّة وتحريشاً عليه، كما ذكر: أنّه كان يخطب مرّة وقت العصر في مجتمع حافل، ولم يزل يخطب حتّى غربت الشمس وبدت النجوم في السماء، فطفق رجل من بني تميم يقول الصلاة الصلاة، ليستفزّ الشعور العام ضدّ ابن عبّاس، لكن ابن عبّاس ردّ عليه قائلاً: (لا أمّ لك! أنت تعلّمني السُنّة، فقد جمع رسول الله بين الصلاتين بين المغرب والعشاء)، ثمّ استمر في حديثه إلى أن فرغ، فنزل وصلّى بالناس.

ويبدو من بعض الشواهد التاريخية تفاقم الخطب بين ابن عبّاس وبين بني تميم، حتّى أقصاهم عن مجلسهم عنده، وتنكّر لهم، وسمّاهم شيعة الجمل، وأنصار عسكر -- اسم جمل عائشة -- وحزب الشيطان، فاشتدّ عليهم. ولم يكونوا جميعاً كذلك، بل كان من بني تميم رجال صدقوا الإمام ما عاهدوه عليه من الولاء، كجارية بن قدامة السعدي، وأضرابه ممّن لم يشملهم إجراء ابن عبّاس مع قومهم، إلاّ أنّه كبر عليهم تلك المقاطعة، وربّما

خشي عقلاؤهم تفاقم الخطب، فكتب جارية إلى الإمام عليه السلام يخبره بذلك وإضراره بهم، فكتب الإمام إلى ابن عبّاس في ذلك كتاباً مرّ ذكره في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة(1)، وكان ابن عبّاس بحكم ولايته الواسعة، حيث كانت ولاية البصرة تشمل إدارة بلاد المشرق كلّه من ثغر الهند إلى أقاليم فارس، والأهواز، وأصفهان، وخراسان، مضافاً إلى البحرين، واليمامة، وما يلحق بهما. وكانت شراذم من الصعاليك يثورون هنا وهناك كقطّاع طرق، ومنهم الذين غدروا بعون بن جعدة بن هبيرة، وكان الإمام أرسله إلى سجستان فقتله بهدالي الطافي، وكان من اللصوص في طريق العراق، وخرج بعض الصعاليك مثل حسكة بن عتاب الحبطي، وعمران بن الفضيل البرجمي في عدّة من صعاليك العرب، وذلك بعد وقعة الجمل بقليل، فكان ابن عبّاس بحكم ولايته يرسل من يحاربهم، وقد تفاقم شرّهم، حتّى خرجت سجستان فنكث أهلها طاعة الإمام، فبلغه ذلك، فكتب الإمام إلى ابن عبّاس أن يولّي سجستان رجلاً في أربعة آلاف، فوجّه ربعي ابن الكاس العنبري في أربعة آلاف، فوردوا سجستان وقتلوا حسكة، وضبط ربعي البلاد(2)، وبقي ابن عبّاس بالبصرة حتّى كتب إليه الإمام عليه السلام باستنفار البصريين إلى حرب معاوية، وقد مرّت صورة الكتاب وما كان قبله من مكاتبات وأحداث قبل صفّين، وذكرنا بعض تلك الكتب ممّا له تعلّق بمسألة بيت مال البصرة، وهو الكتاب الذي يوحي جوّه وفحوى الخطاب،


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة/نشاطه الإداري والسياسي.

2) - فتوح البلدان: 403.

بوقوع حدث استوجب حزن ابن عبّاس، فكان الكتاب بمثابة تسلية له عمّا فاته، وكان ابن عبّاس يقول: (ما اتعظت بكلام قطّ اتعاظي بكلام أمير المؤمنين)(1).

وإلى هنا نكتفي بذكر ما أردنا ذكره في الفصل الأوّل في إلمامة عابرة بالحوادث الغابرة.


1) - راجع موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة/التوجّه العلمي والديني.

الفصل الثاني :في الخروج إلى حرب صفّين

فإنّ الإمام عليه السلام كتب إلى ابن عبّاس:

(أمّا بعد، فأشخص إليَّ بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين، وذكّرهم بلائي عندهم، وعفوي عنهم في الحرب، واستبقائي لهم، ورغّبهم في الجهاد، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل، والسلام).

وامتثل ابن عبّاس أمر الإمام عليه السلام، فجمع أهل البصرة وقرأ عليهم كتاب الإمام عليه السلام، وخطبهم بما مرّ ذكره في الجزء الرابع من الحلقة الأولى؛ فراجع(1)!

ولمّا عزم على التوجّه إلى الكوفة بمن معه من أجناد البصرة، رتّب شؤون الولاية، فاستعمل أبا الأسود، كما في (وقعة صفّين)(2)، وقيل: إنّه استخلف زياد بن أبيه، وجعل أبا الأسود على الصلاة -- وإنّما اختار زياداً، لأنّه ذو خبرة سابقة، حيث استكتبه ثلاثة من ولاة البصرة قبل ابن عبّاس، وهم: المغيرة بن شعبة أيام ولايته على البصرة من قبل عمر، ثمّ استكتبه أبو موسى الأشعري وكان عامل عمر وثلاث سنين لعثمان، ومن بعده استكتبه


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة/إلى جهاد القاسطين ص88 فما بعدها.

2) - وقعة صفّين: 131.

عبد الله بن عامر، وكان عامل عثمان -- ولحق ابن عبّاس ومن معه بأجناد الكوفة، ووجد الإمام عليه السلام ينتظره في النخيلة، وهو المعسكر لأهل الكوفة.

وسارت جيوش الإمام عليه السلام إلى حرب معاوية، والتقوا مع عدوّهم بصفّين، ودامت الحرب بينهم، وكان لابن عبّاس فيها مقامه المعلوم ودوره المهم، وانتهت بتلك النهاية المحزنة والخديعة النكراء (حيلة رفع المصاحف)، ودبّ الخلاف في صفوف العراقيين، ونجحت المحكّمة ووضعت الحرب أوزارها على ما شاؤوا، وقبل بذلك الإمام مضطّراً، ورام تعيين ابن عمّه عبد الله بن العبّاس حَكَماً ممثلاً عنه وعن العراقيين، لكن الأشعث -- وهو رأس كلّ فتنة -- ومن شايعه أبوا ذلك واختاروا يمانياً مغفّلاً، هو (أبو موسى الأشعري)، فقال لهم الإمام عليه السلام: أنّه ليس لي بثقة، قد فارقني وخذّل الناس عنّي، ثمّ هرب منّي حتّى آمنته، بعد أشهر، ولكن هذا ابن عبّاس أولّيه ذلك. ويأبى الأشعث ذلك ويصرّ معه المحكّمة، ويصرّ الإمام على ترشيح ابن عمّه ويوضح لهم سرّ ذلك الإصرار بقوله:

(إنّ معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص، والله لا يصلح للقرشي إلاّ مثله، فعليكم بعبد الله بن عبّاس فارموه به، فإنّ عمراً لا يعقد عقدة إلاّ حلّها عبد الله، ولا يحلّ عقدة إلاّ عقدها عبد الله، ولا يبرم أمراً إلاّ نقضه، ولا ينقض أمراً إلاّ أبرمه)(1).

وخشي الأشعث أن تلقى إشارة الإمام عليه السلام أذاناً صاغية من جنوده، فاهتبل الفرصة فأثارها نعرة قبلية، وعصبية يمانية، فقال: لا والله، لا يحكم


1) - الفتوح 4/401.

فيها مضريان حتّى تقوم الساعة، ولكن اجعله رجلاً من أهل اليمن. إذ جعلوا رجلاً من مضر، فاضطر الإمام عليه السلام مضطهداً أن يعرض عن ترشيحه ابن عمّه إلى ترشيح آخر من قادة أصحابه وهو من اليمن، وذلك هو مالك الأشتر، ولكن الأشعث ومن شايعه أبوا إلاّ أبا موسى الأشعري(1).

وكان ذلك بداية النصر لأهل الشام، وأوّل الخذلان لأهل العراق.

وكان لابن عبّاس دوره في مسألة التحكيم بدايةً من الترشيح، ومروراً بتعيين أبي موسى ونصبه له، وانتهاءً بحضوره في دومة الجندل عند اجتماع الحكمين.

ولمّا عاد الإمام عليه السلام بجيوشه إلى الكوفة انخزل عنه طائفة من القرّاء كانوا اثني عشر ألفاً -- وقيل: ثمانية آلاف -- إذ ندموا على التحكيم، وقالوا: لا بدّ من الاعتراف بالخطأ والتوبة، ثمّ العودة إلى صفّين لحرب معاوية، ونزلوا قرية حروراء، فسمّوا بعد ذلك ب-(الحرورية)، فأرسل إليهم الإمام عليه السلام ابن عمّه عبد الله بن العبّاس، وكان له معهم حجاج قويّ وموقف مشرّف، استطاع بقوّة الحجّة إقناع كثير فرجعوا إلى الحقّ وثبت قوم، وهم الذين ساروا إلى النهروان(2)، وعاد ابن عبّاس إلى مقرّ عمله. ومن هنا سيبدأ الفصل الثالث:


1) - انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/آثار خدعة التحكيم السيئة.

2) - تاريخ الخلفاء، للسيوطي: 117.

الفصل الثالث :من رجوعه إلى البصرة وحتّى مفارقته لها

بعد انتهاء أمر الحكمين، وقد ازداد المُحكِّمة في عنادهم وأصرّوا على موقفهم العدائي، وكثرت الأراجيف بأنّ الخوارج في البصرة على اتّصال مع إخوانهم الكوفيين في تعيين ساعة الصفر لإعلان ثورتهم.

ووصل الخبر إلى ابن عبّاس بأنّ خوارج البصرة وهم خمسمائة أَمّروا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، وهمسوا ليلاً، فاتبعهم بأبي الأسود الدؤلي في ألف فارس فلحقهم بالجسر الأكبر -- جسر تستر -- وتواقفوا حتّى حجز بينهم الليل، واغتنم مسعر سواد الليل فأدلج بأصحابه، وأصبح أبو الأسود وقد فاتوه، فرجع إلى ابن عبّاس فأخبره، وسار مسعر حتّى لحق بخوارج الكوفة في النهروان.

وورد على ابن عبّاس كتاب الإمام عليه السلام:

(أمّا بعد، فإنّا قد عسكرنا بالنخيلة، وقد أزمعنا على السير إلى عدوّنا من أهل الشام. فاشخص إليَّ فيمن قبلك حين يأتيك رسولي. والسلام)(1).

قال المسعودي: (وأتاه -- أي: الإمام -- من البصرة مع عبد الله بن عبّاس -- وكان عامله عليها -- عشرة آلاف، فيهم الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة


1) - هذا الكتاب ذكره الدينوري في (الأخبار الطوال)، ولنا ملاحظة حول ما ذكره الطبري في المقام، وهي في الأصل لا يسع المقام ذكرها.

السعدي، وذلك سنة (38))(1).

وقال أبو حنيفة الدينوري: (فقدم عليه ابن عبّاس في فرسان البصرة وكانوا زهاء سبعة آلاف رجل)(2).

وتتابعت أخبار إفساد الخوارج في الأرض، وقتلهم عبد الله بن خبّاب ابن الأرت وزوجته، وثلاث نسوة من طي، وأُمّ سنان الصيداوية في أحداث أُخرى، فأرسل الإمام عليه السلام إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليستعلم حقيقة الحال ويكتب إليه، فلمّا انتهى إليهم أخذوه وقتلوه. وتصايح الناس: يا أمير المؤمنين! علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا، سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا فيما بيننا وبينهم، سرنا إلى عدوّنا من أهل الشام.

فسار الإمام عليه السلام بجيشه نحو الحرورية، ولمّا وصل إلى النهروان، أرسل إليهم ابن عمّه ابن عبّاس لينصحهم. وله حديث معهم قد مرّ، وانتهى برجوع ألفين منهم إلى الحقّ، وحارب الباقون فقتلوا، ولم يفلت منهم إلاّ دون العشرة. وعاد الإمام بجيشه، ورام التوجّه إلى الشام، إلاّ أنّ الأشعث ومن شاكله استمهله حتّى العودة إلى الكوفة ليستعد الناس، ويعوّضوا ما فني من سلاحهم ويريحوا دوابهم. وهكذا رجع الإمام عليه السلام إلى الكوفة مرغماً، ونزل النخيلة وأمر الجيش بالإقامة في معسكرهم بالنخيلة، وأن يقلّوا من


1) - المروج 2/36، ط العامرة البهية سنة 1346ه-، وفي الطبعة الثالثة بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد: أبدلت العبارة فصارت (من قبل) بدل (مع)، فلاحظ مدى التلاعب بالنصوص فيما يتعلّق بابن عبّاس على الخصوص، وقد مرّت الإشارة إلى خصوص ما وقع في (مروج الذهب) في طبعاته المتعدّدة، راجع الجزء الخامس من الحلقة الأولى تجد شواهد ذلك.

2) - الأخبار الطوال: 206، ط تراثنا بمصر.

زيارة أهاليهم، ولكنّهم بدءوا يتسلّلون لواذاً ويتركون الإمام عليه السلام والصفوة من صحبه في النخيلة، فلمّا رأى الإمام عليه السلام ذلك دخل الكوفة. وعاد ابن عبّاس وجيش البصريين إلى البصرة.

وبعد حرب النهروان ورد خبر مقتل محمّد بن أبي بكر بمصر، فساء ذلك الإمام عليه السلام كثيراً، وكتب إلى ابن عبّاس هذا الكتاب:

(بسم الله الرحمن الرحيم.. من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن عبّاس... الخ). فكتب إليه ابن عبّاس جواباً على ذلك(1).

وتوجّه بنفسه بعد ذلك إلى الكوفة ليعزّي الإمام عليه السلام بمقتل محمّد، وبقي عنده أياماً، ومنذ مغادرته البصرة كان قد استخلف على البصرة زياداً(2)، فكتب عبّاس بن صخار العبدي(3)إلى معاوية يهنئه بفتح مصر ويخبره أنّ ابن عبّاس خرج إلى الكوفة ويحرضه على مداهمة البصرة برجل يجتمع عليه من كان على رأيه من أهلها ويستعجله في ذلك، فلمّا قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمت رأياً سوى ما كتب به إليَّ هذا، ودعا عبد الله بن عامر


1) - تاريخ الطبري 6/63، وقد مرّ ذكره في الموسوعة: الجزء الرابع/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/فتنة ابن الحضرمي بالبصرة.

2) - شرح النهج 1/320 نقلاً عن كتاب الغارات، للثقفي، وتاريخ الطبري 6/63، وفي ابن كثير 7/316: عن ابن ديزيل: ثمّ ركب ابن عبّاس من البصرة إلى عليّ وهو بالكوفة، واستخلف ابن عبّاس على البصرة زياداً.

3) - قال ثعلبة بن عبادة: إنّ الذي كان سددّ لمعاوية رأيه في تسريح ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه عبّاس بن صخار العبدي، وهو ممّن كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبّهم عليّاً عليه السلام ونصرتهم إياه، ثمّ ذكر نص الكتاب، راجع شرح نهج البلاغة، للمعتزلي 1/350 نقلاً عن كتاب الغارات للثقفي.

الحضرمي، وقال له: سر إلى البصرة فإنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان، ويعظّمون قتله، وقد قُتلوا في الطلب بدمه، فهم موتورون حنقون لما أصابهم، وودّوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، واحذر ربيعة وانزل في مضر، وتودّد الأزد، فإنّ الأزد كلّها معك إلاّ قليلاً منهم، وإنّهم إن شاء الله غير مخالفيك؟

وتوجّه ابن الحضرمي إلى البصرة بعد مشاورات معاوية لأصحابه، ومكاتبته لعمرو بن العاص وهو بمصر يستشيره في ذلك، ولمّا قدمها ابن الحضرمي نزل في بني تميم، واتّصل بالرؤوس، واجتمع عليه نفر من العثمانية حتّى كثر تبعه فخاف زياد -- وهو خليفة ابن عبّاس بالبصرة -- على نفسه وعلى بيت المال من ابن الحضرمي وأتباعه، فاستجار بالأزد، فأجابوه وتعهدوا له بالحماية إن انتقل إليهم ونزل فيهم، فرحل من قصر الإمارة إلى دار صبرة بن شيمان الأزدي، وحمل معه بيت المال، وكتب إلى ابن عبّاس ما نصّه: (للأمين(1)عبد الله بن عبّاس من زياد بن عبيد...)(2).

فرفع ذلك ابن عبّاس إلى عليّ عليه السلام، وشاع في الناس بالكوفة خبر ما كان من ذلك، فوجّه الإمام عليه السلام أعين بن ضبيعة المجاشعي بعد أن عاتبه الإمام في إسراع قومه بالبصرة في نصرة ابن الحضرمي والتفافهم حوله، فتعهد له بطاعتهم وتفريق جماعتهم ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله إن أرسله إليهم، فوجّهه إليهم. ولمّا قدم البصرة واجتمع بزياد واتّفقا على


1) - كذا في شرح النهج 1/351، ط الأولى مصر، وكذا في 4/42 تحقيق أبو الفضل إبراهيم، ولعلّ الصواب للأمير؛ فلاحظ!

2) - ومرّ ذكر الكتاب في الموسوعة: الجزء الرابع.

خطّة قام أعين بتنفيذها، وانتهت إلى مقتله حيث بيّته عشرة نفر فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه، وكاد زياد يقاتل ابن الحضرمي بعد مقتل عيينة لولا كراهة الأزد قتال بني تميم.

فكتب إلى الإمام عليه السلام يخبره بذلك كلّه، وطلب منه أن يبعث جارية ابن قدامة السعدي (فإنّه نافذ البصيرة، ومطاع في العشيرة، شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرّق بينهم، بإذن الله).

واستدعى الإمام جارية وأخبره الخبر وعاتبه في أمر مضر، وقال له: (تمنع الأزد عاملي وبيت مالي، وتشاقني مضر وتنابذني، وبنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة، عرّفها الهدى، وتداعوا إلى المعشر الذين حادوا الله ورسوله، وأرادوا إطفاء نور الله سبحانه، حتّى علت كلمة الله وهلك الكافرون). فقال: يا أمير المؤمنين! ابعثني إليهم واستعن بالله عليهم. قال: (قد بعثتك إليهم، واستعنت بالله عليهم). فخرج جارية في خمسين رجلاً من تميم ما فيهم يماني غير كعب بن قمين. ولمّا وصل البصرة لم يبرح منها حتّى قاتل ابن الحضرمي وحصره في سبعين رجلاً في دار سبيل السعدي، وأحرق الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلاً، وسمّي جارية منذ ذلك اليوم محرّقاً. وسارت الأزد بزياد حتّى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال، وفي ذلك يقول ابن العرندس الأزدي:

رددنا زياداً إلى داره*** وجار تميم ينادي الشحب

لحا الله قوماً شووا جارهم*** لعمري لبئس الشواء الشحب

ينادي الخناق وأبناءها*** وقد شيّطوا رأسها باللهب(1)


1) - الخناق لقب قوم بني تميم، شرح النهج 2/53 تحقيق إبراهيم.

وكتب زياد بذلك إلى الإمام عليه السلام، فقرأه على الناس، وتوجّه ابن عبّاس بعد هذا إلى البصرة.

ونجمت فتنة الخريت بن راشد في بني ناجية سنة 38ه-، حيث أظهروا الخلاف على الإمام عليه السلام وفارقوه مدلجين.

فكتب الإمام عليه السلام نسخة واحدة إلى عمّاله: (أمّا بعد، فإنّ رجالاً خرجوا هرّاباً، ونظنّهم وجّهوا نحو بلاد البصرة، فسل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك، واكتب إليَّ بما ينتهي إليك عنهم. والسلام).

واتبعهم بزياد بن خصفة في (120) من قومه يتقصى آثارهم، حتّى نزل دير أبي موسى، فورد على الإمام عليه السلام كتاب قرظة بن كعب الأنصاري يخبره فيه بأنّ القوم مرّوا بهم متوجّهين نحو نفّر، وقد قتلوا زاذان بن فرّوخ، من دهاقين أسفل الفرات.

وأرسل الإمام عليه السلام عبد الله بن وال التميمي إلى زياد بن خصفة، وهو بدير أبي موسى يخبره بتوجّههم نحو نفّر ويأمره باتّباعهم، فسار مجداً في طلبهم حتّى أدركهم بالمذار، وجرت بينهم مناوشات حجز الليل بينهم، فأدلجوا نحو البصرة، فلحقهم زيادٌ نهاراً ففاتوه إلى الأهواز، فكتب زياد إلى الإمام عليه السلام يخبره بذلك، وأنّه نزل البصرة ليتداوى هو وأصحابه من جراحاتهم وينتظر الأمر منه. فندب الإمام عليه السلام معقل بن قيس، وندب معه ألفين من أ هل الكوفة، منهم يزيد بن المغفل الأزدي، وكتب إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فابعث رجلاً من قبلك صليباً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل فيتبع معقلاً، فإذا مرّ ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه، حتّى يلقى

معقلاً، فإذا لقي معقلاً فمعقل أمير الفريقين، وليسمع من معقل وليطعه ولا يخالفه، ومر زياد بن خصفة فليقبل، فنعم المرء زياد، ونعم القتيل قتيله)(1).

قال عبد الله بن فقيم الأزدي -- وكان هو وأخوه كعب في جيش معقل -- فوالله ما سرنا يوماً حتّى أدركنا فيج(2)يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عبّاس: (أمّا بعد، فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت فيه مقيماً أو أدركك وقد شخصت منه فلا تبرح المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي واثبت فيه حتّى يقدم عليك بعثنا الذي وجّهناه إليك، فإنّي قد بعثت إليك خالد بن معدان الطائي، وهو من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة، فاسمع منه واعرف ذلك له. والسلام). فقرأ معقل الكتاب على الناس وحمد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم، قال فأقمنا حتّى قدم الطائي علينا، وسار معقل إلى الأهواز وواقف الخارجة فلم يثبتوا له، فانهزم الخريت إلى أسياف البحر بعد مقتل ثلثمائة من الأكراد والعلوج الذين معه، وشدخ سبعين من العرب من بني ناجية وغيرهم.

فكتب معقل إلى الإمام عليه السلام بذلك، فجاءه الجواب باتّباعه حتّى يقتله أو ينفيه: (فإنّه لن يزال للمسلمين عدوّاً، وللقاسطين وليّاً ما بقي)(3)، وسار معقل في أثره حتّى أدركه بأسياف البحر وقد التف حوله جمع من عبد القيس، ومن ناجية، وبعض العثمانية، وغيرهم، وكانوا ثلاث فرق، نصارى، وفرقة نصارى ثمّ أسلموا ثمّ ارتدوا، وفرقة نصارى أسلموا وثبتوا على


1) - الطبري 6/70.

2) - الفيج: الرسول الذي يشتد على رجليه.

3) - الطبري 6/72.

إسلامهم، فنصب معقل راية أمان ودعا الناس إلى الدخول تحتها، واستثنى منهم الخريت وأصحابه الذين حاربوهم أوّل مرّة، فتفرّق الناس عن الخرّيت، ودارت الحرب على الخريت ومن ثبت معه حتّى قتل في مائة وسبعين، وتفرّق الباقون، وسبى معقل رجالاً كثيراً ونساءً وصبياناً، ثمّ نظر فيهم، فأمّا من كان مسلماً فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأمّا من كان ارتدّ، فعرض عليهم الإسلام فرجعوا وخلّى سبيلهم وسبيل عيالهم، إلاّ شيخاً منهم نصرانياً فإنّه أبى أن يسلم فقتل، وعمد إلى باقي النصارى الذين لم يكونوا أسلموا فحملهم وعيالهم، لأنّهم منعوا الجزية واجترءوا على قتال أهل القبلة(1)، فمرّ بهم على أردشير خرة، وكان مصقلة بن هبيرة الشيباني عامل الإمام بها، فبكى الصبيان، وتضرّع الرجال إلى مصقلة أن امنن علينا، فاشترنا وأعتقنا، فساوم مصقلة معقلاً عنهم بخمسمائة ألف درهم. وكانوا خمسمائة -- وقيل: بألف ألف -- فقبل معقل، وقال له: عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر ثمّ ابعث بصدر آخر كذلك، حتّى لا يبقى منه شيء إن شاء الله(2)، وتخلّف مصقلة عن وعده، فكتب إليه الإمام عليه السلام يستقدمه، فاقبل حتّى نزل البصرة، فمكث بها أياماً.

ثمّ إنّ ابن عبّاس سأله المال -- وكان عمّال البصرة يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عبّاس، ويكون ابن عبّاس هو الذي يبعث به إلى عليّ --


1) - الطبري 6/75.

2) - ورد في تاريخ ابن كثير 7/309: أنّ معقلاً طالب مصقلة بالثمن، فهرب منه إلى ابن عبّاس بالبصرة، فكتب معقل إلى ابن عبّاس، فقال له مصقلة: إنّي أنا جئت لأدفع ثمنهم إليك، ثمّ هرب منه إلى عليّ، فكتب ابن عبّاس ومعقل إلى عليّ، فطالبه... الخ.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

فقال له: نعم انظرني أياماً، ثمّ أقبل حتّى أتى عليّاً، فأقرّه أياماً، ثمّ سأله المال، فأدى إليه مائتي ألف، ثمّ إنّه عجز فلم يقدر عليه، ففرّ إلى معاوية هرباً، فقال الإمام عليه السلام: (ما له برحه الله فعل فعل السيّد، وفرّ فرار العبيد، وخان خيانة الفاجر، والله لو أنّه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه)(1).

ويبدو أنّ ابن عبّاس لمّا كان بالكوفة حدثت فتنة في فارس وكرمان، حيث طمع أهلها في الخراج، وغلب أهل كلّ ناحية على ما يليهم، وأخرجوا عمّالهم، فقال ابن عبّاس للإمام عليه السلام: أكفيك فارس، فقدم البصرة وذلك سنة 39ه-، فوجّه زياداً عن أمر الإمام إلى فارس وكرمان، وذلك بعد منصرفه من عند الإمام عليه السلام من الكوفة إلى البصرة(2).

وكما يبدو أيضاً من كلمة للإمام عليه السلام وردت في (نهج البلاغة) قالها لزياد وقد استخلفه لعبد الله بن عبّاس على فارس وأعمالها، أنّه حضر عنده بالكوفة فأوصاه في كلام طويل، نهاه فيه عن تقدّم الخراج، وقال له: (استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فإنّ العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعوا إلى السيف)(3).

وقد روى الواقدي: أنّ الإمام عليه السلام بعث ابن عبّاس أمير الموسم في سنة 39ه- لإقامة الحجّ، وهذا هو الصحيح عندي، وإن أنكر ذلك المدائني، وأبو


1) - الطبري 6/76.

2) - تاريخ الطبري 6/79، وذكر ذلك غيره من المؤرّخين، كابن الأثير، وابن كثير، وأبي الفداء، وغيرهم في حوادث سنة 39ه-.

3) - شرح النهج، لابن ميثم البحراني 5/466.

مصعب. وسواء أكان ذلك وصحّ قول الواقدي، أو لم يكن، وصحّ قول المدائني، فإنّ ابن عبّاس كان في البصرة عاملاً عليها حتّى سنة (40ه-)، وهي السنة التي قتل فيها الإمام عليه السلام.

وفي تلك السنة ذكر المؤرّخون، كابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم، أنّه فارق البصرة مغاضباً، فذكروا من أحداث سنة 40ه- مفارقة ابن عبّاس. ومن هنا كانت البذرة لحديث الخيانة، فمدّ النوّالة خيوط الخيانة، وأحكم القوّالة بعد ذلك النسج، والتزويق بما شاء لهم الهوى.

ومن هنا لا بدّ لنا من وقفة تحقيق عند حديث الخيانة المزعوم.

تمهيد:

(حديث الخيانة)

إنّ خير منهجية للبحث في صدق الخبر وكذبه هي المحاسبة على ضوء القاعدة الرصينة الذهبية التي تقول: (إن كنتَ ناقلاً فالصحّة، وإن كنتَ مدّعياً فالدليل).

ولقد قالوا في الخبر -- كلّ خبر بما هو خبر في حدّ ذاته -- هو ما يحتمل الصدق والكذب، وبذلك ميّزوه عن الإنشاء، والمنهج العلمي المتّبع لإثبات النصّ، هو التحقّق من صحّة السند وصحّة المتن، وقالوا في قبولهما وردّهما: عرضهما على ما قرّروه من موازين ذكروها، تبدأ أوّلاً من خلال أمرين:

أوّلهما: سلامة سنده:

وهذا يعرف من حال الرواة، فإنّهم على ما قيل عنهم: (وما آفة الأخبار إلاّ رواتها)، ولم يبعد القائلون بهذا عن أمر الله تعالى حيث أمر المؤمنين أن يتبيّنوا، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1).

وبهذا أيضاً يحكم العقل مضافاً إلى التعبّد الشرعي بآية النبأ، فيلزمنا العقل بالفحص عن حال الرواة ما دمنا نريد معرفة صدق ما رووه أو كذبه.


1) - سورة الحجرات/6.

ولا شكّ أنّ الرواة كما كان فيهم الصادق المقبول خبره، ففيهم الكاذب المردود عليه كَذِبُه، وهم في كلّ زمان ومكان. وآية النبأ دلّت على ذلك، وكذلك قوله صلي الله عليه و آله وسلم: (من كذب عليَّ فليتبوء مقعده من النار)(1).

ولولا وجودهم لما احتجنا إلى علمي (الرجال، والدراية) لتمييز من هو مقبول الرواية، لأنّه عدل، أو صادق، أو ثقة، أو حسن، أو، أو. ومَن ليس كذلك لأنّه كذّاب، أو وضّاع، أو ضعيف، أو غير ذلك من جرح فيه يمنع من قبول خبره.

ولولا وجودهم لما كان لعلم الدراية حاجة، وفيه نتعرّف على حال الخبر من حيث مراتب القبول والردّ، في تقسيمه إلى خبر واحد وإلى متواتر، وإلى مسند وإلى مرسل، وغير ذلك ممّا يتعلّق بأقسام الحديث، وعند تعارض التوثيق والتضعيف يقدم الجرح المفسّر وإلاّ فلا.

ولم تقصر الحاجة إلى معرفة ذلك على جانب واحد من جوانب العلم والمعرفة في التراث الإسلامي، فأصحاب الحديث والتفسير والتاريخ والأنساب كلّهم بحاجة لاستعمال تلك الآلية، فهم يشتركون فيما يطلبون من صحّة الخبر وعدمه، وصدق الراوي وكذبه.

ثانيهما: صحّة المتن:

يشترط في صحّة المتن ألاّ يكون مخالفاً لما ثبت عقلاً وشرعاً من الكتاب والسُنّة والسيرة.

ولمّا كنّا نحن في موضوع حسّاس في كشف البُهمة، عن تاريخ ابن


1) - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/522.

عبّاس وما فيه من خبر التهمة، فعلينا أن نستعرض ما قيل فيه من أخبار ذامّة، وكذلك المادحة أيضاً، وعرضها على موازين القبول والردّ من خلال معرفة الرواة، فما سلم عن كلّ خدشة نقبله، وما لم يسلم نرميه عرض الحائط، حتّى ولو ذكر في كثير من المصادر، فكثرة المصادر مع بيان العوار فيها ليس من المرجحات السندية ولا الدلالية، ثمّ للزمان والمكان دخل في القبول والردّ في مقامنا، فإنّ العقل لا يستطيع أن يدرك شيئاً حتّى يحصره بين اثنين الزمان والمكان، فما لم ينحصر بينهما لم يدركه العقل بنفسه، ولا يحكم إلاّ في حدود الزمان والمكان، فما كان خارجاً عنهما فلا حكم للعقل عليه، محيطاً به.

وعلى ضوء هذا فلنقرأ أهم خبر من الأخبار الذامّة، وهو: تهمة خيانة بيت مال البصرة. في حدود الزمان والمكان:

حديث تهمة الخيانة؟ بين الإثبات والنفي:

لا بدّ لنا من متابعة الحديث في موضوع تهمة الخيانة التي نُبز بها ابن عبّاس حتّى كادت تكون -- في أذهان الكثيرين -- حقيقة ثابتة، أو تضاهي الحقيقة في قبولها، لنتبيّن نهاية ولاية ابن عبّاس على البصرة.

ولا بدّ لنا -- ونحن نروم البحث عنها -- من مصاحبة المؤرّخين في رواياتهم، وفحص أسانيدهم، ومواكبة كلّ ما قيل في إثباتها أو نفيها، لنصل في النهاية إلى السبيل الذي نختار سلوكه في مفترق الطرق، مع اطمئنان بالوسائل التي تعيّن لنا المعالم وتنير لنا الدرب.

وإذا لم نواكب ذلك كلّه، فسوف لا نستطيع إقناع أنفسنا فضلاً عن

القارئ والباحث بالحقيقة التي تلمسناها، وستبقى كما هي، وفيها تضيع الحقائق، وتظلم الجهود المشكورة بظلم ذويها.

وبين يدي ذلك، لا بدّ لنا أوّلاً من تعيين الزمن الذي حدثت فيه تهمة الخيانة -- المزعومة(1)-- فإنّ في تعيين ذلك سنتبيّن الفجوات البعيدة في حديث المثبتين، كما أنّ مع عدمه ستبقى أدلّة النافين لا تفي بالقناعة الكافية.

وتعيين زمن الخيانة كحدث من الأحداث المهمة التي سجلها التاريخ لا يكفي ذلك وحده، بل لا بدّ من تحديد الظرف الذي حدثت فيه بمقارنة حوادث أُخرى مشاركة لها في وقوعها في سنته، أو حدثت من بعده ولكن لها دخل في كمال الاستهداء المثمر، كمقدّمة موصلة إلى نتيجة مثمرة.

ولهذا فلا مناص من عرض لحوادث سنتي (39 و40) من الهجرة، وهذا ما فعلناه، حيث تلاحقت الأحداث وترابطت الأسباب، وكانت طبيعة جملة من الأحداث تومي إلى أنّ ثمّة أصابع أثيمة وراء كلّ منها، وتشابه بعضها الآخر، يثير الشكّ في عفوية الحدوث، وليس لنا أن نستبق النتائج قبل عرض المقدّمات.

ومن خطل الرأي إثبات المسببات بدون ذكر الأسباب، كما أنّ من جزاف القول الحكم على مقارنة سبب لآخر على أنّه من محض الصدف.

ولعلّ غفلة فريق من المؤرّخين -- سواء القدامى والمحدّثين -- عن ذلك أورثتهم الحيرة في حديث الخيانة، فأثبته المثبت وكأنّ في روايته للحديث


1) - لا بدّ لنا من ذكر هذا الوصف حتّى تثبت الخيانة، وإلاّ فهي مزعومة، والمتّهم بريء حتّى تثبت إدانته.

كلّ شيء في إثبات الإدانة، ممّا حدا بالنافي إلى ردّ ذلك، وكأنّ عدم قبوله هو الأوّل والآخر.

ولو تفطّن كلّ فريق إلى المقدّمات الأوّلية، فأخذوا في الاعتبار مراعاة النزعات والميول التي كانت تطغى على رواة الأحداث، ولاحظوا الظروف وملابساتها، لما تسرّع المثبت منهم في الحكم بالإدانة، ولا النافي منهم في إنكارها، إذ ليست الحكومة تنتهي بهذا فحسب.

ولنا -- ونحن نحاول عرض المسألة بجميع مراحلها وما مرّ عليها عبر الزمن الطويل الذي يفصل بيننا وبينها -- أن نطلب من القارئ التحلّي بالصبر والأناة، وعدم السأم من الإطناب في العرض، فإنّا نضطر بحكم الهدف الذي نبتغيه من معرفة الحقيقة، إلى عرض شامل وكامل ليتسنّى لنا الغوص في باطن الأحداث، تلمساً وراء تلك الأصابع الأثيمة التي اختلقت الحديث أو زادت عليه، حتّى صار في ضخامة الحجم الذي وصل إلينا، فكان من العسير إنكاره جملةً وتفصيلاً.

على أنّا نعلم أنّه ليس كلّ ما يُروى لنا في بطون الكتب صحيحاً، ولا كلّ ما كان صحيحاً روي لنا، فكثير من الصحيح لم يصل إلينا، وكثير من غير الصحيح حشر علينا في الكتب ووصل إلينا، ولكنّا مع ذلك كلّه لا يسهل علينا إنكار ما تضخّم حجمه بأسانيده ومتونه، ولو أنكر ذلك منكر لم يُسمع منه، ولقالوا له: إن وراء كلّ دخان ناراً.

وما ذلك إلاّ للغرور بضخامة الحجم، وروعة المنظر -- بمعنى فزعته -- ومن الذي لا يُفزعه المظهر ولا يخدعه المنظر، اللّهمّ إلاّ أولئك النفر القليل الذين يستشفّون المخبَر من وراء المظهر، ويبحثون عن الأسباب للهناة

الصغيرة، كما يغوص الغواصون في عمق البحار يبحثون بيقظة وحذر بالغَيْن عن لؤلؤة البحرين مثلاً.

وإذا كانت موضوعية البحث تقضي مواكبة الحديث عن تهمة الخيانة منذ البداية وحتّى النهاية، فعلينا أن نسرد الروايات بمختلف صورها كما عرضتها المصادر، ولكن من الجدير بنا ونحن نعرض لمدوّنات المؤرّخين استقراءً لروايات التهمة، أن يكون العرض منسّقاً بينها حسب عصور مؤلّفيها، وعلى أساس ذلك التنسيق سيكون الحساب والتقييم للروايات، وسوف تتّضح الرؤى للنتائج.

وسيكون ذلك العرض الشامل لما في المدوّنات التاريخية بمثابة أدلّة الإثبات لمن حاول إدانة ابن عبّاس بتهمة الخيانة (المزعومة)، على ما في ذلك من مسامحة في التعبير لا تخفى، وستأتي الإشارة إليها. وهذا -- العرض -- سنقرؤه تحت عنوان (أدلّة الإثبات)، وكانت النتيجة كمّاً هائلاً من نصوص متفاوتة وأحياناً متدافعة، تظهر دون أدنى لبس، ظاهرة التلفيق في إبراز تلك التهمة بمظهر الحقيقة الخارجية.

وحتّى إذا انتهينا من ذلك العرض، فلا بدّ لنا من عرض لجميع ما تبنّاه فريق النافين، ومنهم محامو الدفاع -- إن صحّ التعبير- من حجج وبيّنات تبطل مزاعم الإدانة، وتثبت زيف الادّعاء الكاذب، وهي حجج كثيرة وردت في دفاع غير واحد، وفي أكثر من كتاب، قد لا يتسنّى للباحث الاطّلاع عليها جميعاً، فكيف بسائر القرّاء!

فمن الحيف أن لا نعرض لتلك المطالعات على ما فيها من مناقشات استتماماً للبحث وإحاطة للقارئ بكلّ ما يمت إلى حديث الخيانة بصلة.

وهذا ما سنعرضه تحت عنوان (أدلّة النفي)، والوقوف عند بعض مرتكزاتها الأساسية.

وقد يبقى القارئ كغير واحد من الباحثين واجماً أمام حجج المثبتين وأدلّة النافين، فهو متأرجح لا يسعه قبول التهمة لما في أدلّة الدفاع من قوّة، كما لا يسعه إنكارها لما في حجج المثبتين من ضخامة وتجسيد، فهو من المتوقّفين كما ستأتي الإشارة إلى بعضهم.

وبعد فهل ثمّة من سبيل إلى الخلاص من تلك الحيرة؟

والجواب: نعم، هو ما سيقرؤه في (منشأ الانتزاع لهذه التهمة)، و(صدقوا وكذبوا).

وربّما يعجب القارئ حين ينتهي من قراءة ذلك دون أن يلمس تلك الأصابع الأثيمة التي خطت أوّل صورة باهتة لابن عبّاس (الخائن؟!) -- كما في إدانة المثبتين -- بينما يرى معالم الصورة تبرز فيرى بوضوح وتتجلّى كلّما امتد الزمن بتلك الصورة عبر عصور التاريخ. وبمقدار ما رسمت لها الأقلام من أبعاد وملامح، نفخت فيها حتّى تخال لناظرها وهي تجسيد حيّ.

فبمقدار ذلك التضخّم، تخفى حقيقة الصورة الواقعية لابن عبّاس الأمين -- كما تصوّره حجّة النافين -- وراء تلك الكثافة من عناصر التضبيب، حتّى صعبت الرؤية وكادت تخفى وراء الستار، فأين هي تلك الأصابع التي خطّت، ثمّ تابعت (الرتوش) حتّى جسّدت، وتم لها ما شاءت من تصوير؟

والجواب: لا بدّ من غوص في باطن الأحداث، وأعني بها تلك الأحداث التي مرّ بها التاريخ الإسلامي، ابتداءً بحديث الخيانة، ومروراً بحكومة الأمويين، وانتهاءً بتولّي العبّاسيين زمام السلطة.

فإنّ النظر فيها بعمق يبدد كثيراً من تلك السحب القاتمة، التي توالت على حديث الخيانة في صورته الأولى الباهتة فعتمت، بغبش، وضخّمته بأبعاد وملامح حتّى كاد أن يكون هو الصورة الحقيقية، وهذا ما سنعرضه في الحديث عن (عناصر التضبيب).

وبعد ذلك قد نكون موفّقين في استجلاء الصورة على واقعها، ومن ثَمّ نختار السبيل الذي نسلكه، إمّا مع المثبتين، أو النافين، أو المتوقّفين، أو نشقّ طريقاً رابعاً قد تلتقي عنده سُبل الباحثين السابقين.

وليس لنا أن نستبق النتائج قبل عرض المقدّمات.

فإلى ملخّص ما مرّ من تسلسل الأحداث في سطور:

1- أحداث سنتي 39 -- 40ه- :

عرض خاطف وهادف لأحداث سنتي 39 و40 من الهجرة، لما فيه من تحديد لزمن وقوع تهمة الخيانة (المزعومة)، ومن ثمّ تفتح صفحة الحساب للمثبتين والنافين، والأحداث التي وقعت هي كما في (تاريخ الطبري)، ويعتبر من أهم مصادر التاريخ سعة وشمولاً، ومؤلّفه من أهم شيوخ التاريخ دراية ورواية.

(فمن أحداث سنة 39ه-)

1- غارة النعمان بن بشير في ألفي رجل على عين التمر(1).

2- غارة سفيان بن عوف في ستّة آلاف رجل على هيت والأنبار(2).


1) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/77.

2) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/78.

3- غارة عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل على تيماء(1).

4- غارة الضحّاك بن قيس في ثلاثة آلاف رجل على واقصة وما يليها من البادية والقرى(2).

5- غارة معاوية بن أبي سفيان بنفسه في جيش لجب على العراق حتّى شارف دجلة(3).

6- إرسال معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم للناس الحجّ سنة 39ه-(4)، وإرسال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عبّاس لنفس الغرض(5).

7- انتقاض أمر فارس وكرمان على الإمام عليه السلام حتّى طمع أهلهما في الخراج، فغلب أهل كلّ ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمّالهم(6).

(ومن أحداث سنة 40ه-)

1- توجيه معاوية بسر بن أرطاة في ثلاثة آلاف رجل إلى الحجاز واليمن في حملته المدمِّرة(7).


1) - المصدر نفسه.

2) - المصدر نفسه.

3) - المصدر نفسه.

4) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/79.

5) - المصدر نفسه في حديث عمر بن شيبة.

6) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/79.

7) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/80.

2- فارق ابن عبّاس البصرة وشخص إلى الحجاز؟(1)

3- مقتل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في شهر رمضان لأحدى عشرة ليلة بقيت منه(2).

4- بيعة الإمام الحسن الزكي عليه السلام في 21 شهر رمضان(3).

هذه هي أهم الأحداث التي وقعت في سنتي 39 -- 40ه- .


1) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/81.

2) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/82.

3) - الطبري في تاريخ الأُمم والملوك 6/91.

أدلّة الإثبات:

ينبغي لنا -- ونحن نريد الدخول في عرض التهمة بأسانيدها المختلفة ورواياتها المتعدّدة، وصورها المتفاوتة، أن ننّبه القارئ إلى ما أشرنا إليه آنفاً: من أن تسميتنا لهذا العرض بأدلّة الإثبات بمنتهى التسامح في التعبير، والدّقة تقضي أن نسمّيه حديث التهمة، فإنّه -- العرض -- لا يخرج عن إطار الاتّهام، وإن تفاوتت الصور وتعدّدت الروايات.

والذي أباح لنا تلك المسامحة، هو ما قرأناه عند المثبتين من استنادهم في إثبات التهمة إلى تلك الروايات، وما ردّدته المصادر من صور متفاوتة جملة وتفصيلاً، حتّى صار التصاعد العددي في كثرة المصادر والرواة يضفي على التهمة برقع الإدانة، فلا يكاد يسهل الخدش فيها. فعدّها البعض نوعاً من التواتر الإجمالي -- ولا نريد مناقشته فعلاً، فلنا معه حساب بعد ذلك -- .

وعلى منطق أولئك، فقد جرينا في التسمية، وإلاّ فالواقع إنّما هي نفس التهمة تردّدها المصادر بشكل أو بآخر، ولا يكون ترديد التهمة دليلاً على ثبوتها، ومتى كانت كثرة المردّدين أقوال بعضهم من بعض من أدلّة الإثبات؟!

وعلى كلّ حال ففي هذا العرض لا بدّ من تنسيق بين المصادر، وتمييز الأُصول منها عن الفروع، كما أنّه من الجدير بنا أن نلحظ التسلسل الزمني في تدوينها، ولذلك أثر كبير في تقييمها، فيحسن بنا إذاً تقسيمها حسب سنيّ وفيات مؤلّفيها، وأقدمها -- فيما أعلم -- هو كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة المتوفّى سنة (276ه-)، وكتابه الآخر (غريب الحديث)، وثمّ كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري المتوفّى سنة (279ه-)، وبعده كتاب (التاريخ)

لابن واضح اليعقوبي المتوفّى سنة (292ه-). وسوف لا نغفل ما ذكره ابن سعد المتوفّى سنة (231ه-) في ترجمة أبي الأسود الدؤلي، بما يشير إلى الإدانة من طرف خفيّ.

وهذه كلّها مدوّنات العصر العبّاسي الأوّل، أي: في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، المليء بالأحداث سياسياً وعقائدياً، وكثرة أصحاب الفِرق والمقالات من مختلفي المذاهب والمشارب.

وبعد هذه المصادر تأتي مدوّنات القرون المتأخّرة.

ونسجل فيما يلي ما ورد في كلّ مصدر على حاله، ثمّ نتبعه بما لنا من تعقيب عليه.

ونسجل فيما يلي كشفاً إجماليا بأسماء المصادر حسب القرون، فأوّلها:

(القرن الثالث الهجري)

1- عيون الأخبار، لأبي محمّد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة المتوفّى سنة 276ه- .

2- غريب الحديث، لابن قتيبة.

3- أنساب الأشراف، للبلاذري المتوفّى سنة 279ه- .

4- تاريخ اليعقوبي، المتوفّى سنة 296ه- .

(القرن الرابع الهجري)

1- أخبار القضاة، لوكيع = محمّد بن خلف الضبي المعروف بوكيع المتوفّى سنة 306ه- .

2- تاريخ الأُمم والرسل والملوك، لأبي جعفر الطبري المتوفّى سنة 310ه- .

3- تاريخ ابن أعثم، المعروف بكتاب الفتوح، لابن أعثم الكوفي المتوفّى سنة 314ه- .

4- العقد الفريد، لابن عبد ربّه الأندلسي المتوفّى سنة 327ه- .

5- الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني المتوفّى سنة 356ه- .

6- نزهة الأبصار ومحاسن الآثار، لأبي الحسن علي بن مهدي الطبري المامطيري المتوفّى سنة 360ه- .

7- طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر محمّد بن الحسن الزبيدي المتوفّى سنة 379ه- .

(القرن الخامس الهجري)

1- الغريبين، للهروي المتوفّى سنة 401ه-.

2- نهج البلاغة، للشريف الرضي المتوفّى سنة 404ه- .

3- ثمار القلوب في المضاف، والمنسوب للثعالبي المتوفّى سنة 424ه- .

4- الشافي، للشريف المرتضى المتوفّى سنة 436ه- .

5- تلخيص الشافي، للشيخ الطوسي المتوفّى سنة 460ه- .

6- اختيار الرجال -- المعروف برجال الكشي -- اختيار الشيخ الطوسي المتوفّى سنة 460ه- .

7- زين الفتى، لأبي محمّد أحمد بن محمّد بن علي العاصمي أحد أئمّة القرن الخامس، إذ كان مولده سنة 378ه- .

(القرن السادس الهجري)

1- مجمع الأمثال، للميداني المتوفّى سنة 518ه- .

2- ربيع الأبرار، وكتاب الفائق، للزمخشري المتوفّى سنة 538ه- .

3- معارج نهج البلاغة، لعلي بن زيد البيهقي المتوفّى سنة 565ه- .

4- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر المتوفّى سنة 571ه- .

5- منهاج البراعة، للقطب الراوندي المتوفّى سنة 573ه- .

6- المغيث في غريب القرآن والحديث، لأبي موسى المديني المتوفّى سنة 581ه- .

7- غريب الحديث، لابن الجوزي المتوفّى سنة 597ه- .

(القرن السابع الهجري)

1- النهاية في غريب الحديث، للمبارك بن محمّد ابن الأثير المتوفّى سنة 606ه- .

2- الكامل في التاريخ، لعز الدين علي بن محمّد ابن الأثير المتوفّى سنة 630ه- .

3- تذكرة خواص الأئمّة، لسبط ابن الجوزي المتوفّى سنة 654ه- .

4- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي المتوفّى سنة 656ه- .

5- تهذيب الأسماء واللغات، للنووي المتوفّى سنة 676ه- .

6- شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني المتوفّى سنة 679ه- .

(القرن الثامن الهجري)

1- لسان العرب، لابن منظور الأنصاري المتوفّى سنة 711ه- .

2- المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء المتوفّى سنة 732ه- .

3- تاريخ ابن الوردي، المتوفّى سنة 749ه- .

4- البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي المتوفّى سنة 774ه- .

(القرن التاسع الهجري)

1- العبر في أخبار العرب والعجم والبربر، لابن خلدون المتوفّى سنة 808ه- .

2- المقفّى الكبير، للمقريزي المتوفّى سنة 845ه- .

3- جواهر المطالب، لأبي البركات الباعوني الشافعي المتوفّى سنة 871ه- .

(القرن العاشر الهجري والقرن الحادي عشر الهجري)

لم أقف فيهما على شيء يذكر.

(القرن الثاني عشر الهجري)

1- بحار الأنوار، للشيخ محمّد تقي بن محمّد باقر المجلسي المتوفّى سنة 1111ه-.، وليس فيه إلاّ النقل عن بعض المصادر المتقدّمة.

(القرن الثالث عشر الهجري)

1- تاج العروس، لأبي الفيض السيّد محمّد بن محمّد المرتضى الحسني الزبيدي الحنفي المتوفّى سنة 1205ه- .

(القرن الرابع عشر الهجري)

1- شرح نهج البلاغة، للشيخ محمّد عبده المصري الأُستاذ المتوفّى سنة 1323ه- .

2- محاضرات تاريخ الأُمم الإسلامية، للشيخ محمّد الخضري المصري المتوفّى سنة 1345ه- .

3- دائرة معارف القرن العشرين، لمحمّد فريد وجدي المتوفّى سنة 1373ه- .

4- التاريخ، لحمد الله المستوفي.

5- مدارك نهج البلاغة، للشيخ هادي كاشف الغطاء المتوفّى سنة 1373ه- .

6- الفتنة الكبرى، للدكتور طه حسين.

7- تاريخ البصرة، لعلي ظريف الأعظمي.

8- عقيدة الشيعة، للمستشرق دوايت، ترجمة عبد المطّلب الهاشمي.

هذه قائمة إجمالية بأسماء المصادر مرتّبة حسب القرون باعتبار وفيات أصحابها. ولم نذكر جميع الدراسات الحديثة لأنّ أصحابها من الأحياء المعاصرين، ولكن لم نعرض عن بعضهم.

ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أنّ إدانتنا للمؤرّخين إنّما هي بعد إدانة الرواة الذين نقلوا عنهم ذلك الحَدَث، سواء منهم المجمل أو المفصّل، إذ أحسنوا الظنّ بهم فرووا عنهم دون تمحيص، أو تطرّق للريب.

كما أنّ الرواة الذين يبدأ الإسناد بهم، هم أيضاً إنّما يدانون بعد إدانة من ينتهي الإسناد إليهم، الذين هم أقرب زماناً إلى وقوع الحَدَث، لأنّ مَن في أوّل الإسناد إنّما يرويه عمّن كان في آخره.

هذا إذا أحسنا الظنّ بالمتأخّرين، وأنّهم لم يكن لهم دور إلاّ الرواية والرواية فقط، أمّا إذا اتّهمناهم بالوضع وتركيب الإسناد تمشية لموضوعاتهم، فتلك البلية ما فوقها من بلية.

والآن لا بدّ من عرض شامل لكلّ ما جاء في كلّ واحد من مصادر الإثبات، والتعقيب عليه بما يقتضيه المقام ويوفّيه الكلام.

ماذا قال أصحاب الإدانة؟

وقبل الشروع في عرض ما ذكره المؤرّخون الذين ذكرناهم مرتّبين لهم حسب سنيّ وفياتهم، لغرض معرفة تأثير مرويات المتقدّم منهم في مرويات المتأخّر، لا بدّ من الإشارة إلى ما ذكره ابن سعد المتوفّى سنة 231ه- في كتابه الطبقات الكبير، في ترجمة أبي الأسود الدؤلي، حيث قال:

(وكان شاعراً متشيّعاً، وكان ثقة في حديثه إن شاء الله، وكان عبد الله ابن عبّاس لمّا خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود الدؤلي، فأقرّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1).

وهذا الذي ذكره لا يمكن أن يؤخذ به كمؤشّر على الإدانة، لأنّ قوله عن ابن عبّاس: (لمّا خرج من البصرة)، لا يدلّ على المفارقة المزعومة مغاضباً، فهو لم يفصح عن السبب في خروجه منها، فضلاً عن ذكر الجهة التي ذهب إليها.

ولو أردنا حشر ابن سعد مع المثبتين بموجب هذه الفقرة من كلامه، لقد فعلنا إذاً شططا، لأنّ ابن عبّاس قد خرج من البصرة مراراً:

1- خرج منها إلى الكوفة، وذلك لمشاركته بجيش البصرة في حرب صفّين.

2- وخرج منها إلى الكوفة أيضاً، لمشاركته بجيش البصرة في حرب النهروان.


1) - الطبقات الكبرى 7/99.

3- وخرج منها إلى الكوفة أيضاً، في تعزيته لابن عمّه وخليفته بمقتل محمّد بن أبي بكر.

4- وخرج منها إلى مكّة، أميراً للحاج سنة 38ه-، وسنة 39ه-

ومن الطبيعي أن يكون له خليفة في كلّ خروج، ولا بدّ له أن يستخلف على البصرة أحداً. فكان يستخلف زياداً على الشؤون الإدارية، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء والصلاة، وربّما بيت المال أيضاً.

فذِكرُ ابن سعد خروج ابن عبّاس من البصرة واستخلافه أبا الأسود، لا يعني بالضرورة خروج مفارق مغاضب، بل من المحتمل أن يكون مراده هو إحدى تلكم المرّات التي أشرنا إليها.

وممّا يبعد احتمال أن يكون غرضه هو خروج المفارق المغاضب، هو ذكر استخلافه أبا الأسود الدؤلي عند خروجه، فلو كان مفارقاً مغاضباً لم يكن ليستخلف أبا الأسود الذي هو سبب تلك المفارقة فيما يقول المثبتون، لذلك لم أذكر ابن سعد مع أصحاب الإدانة.

والآن إلى قراءة ما جاء في المصادر:

الفصل الأوّل:تهمة الخيانة في المصادر القديمة

اشارة

(مدوّنات القرن الثالث الهجري)

الأوّل: (عيون الأخبار)

الأوّل: (عيون الأخبار)، لابن قتيبة، المتوفّى سنة 276ه-، ج1/57، طبعة دار الكتب المصرية.

الثاني: (غريب الحديث)

الثاني: (غريب الحديث)، لابن قتيبة ج2/135 تحقيق عبد الله الجبوري، طبعة وزارة الأوقاف ببغداد سنة 1877م.

قال ابن قتيبة في (عيون الأخبار): (ووجدت في كتاب لعليّ بن أبي طالب(كرّم الله وجهه) إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ...).

وفي (غريب الحديث): (وقال أبو محمّد في حديث عليّ عليه السلام أنّّه كتب إلى ابن عبّاس: (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى)(1)..

وفي الكتاب: (ضحّ(2)رويداً فكأنّ قد بلغت المدى وعُرضت عليك


1) - وذكر في 2/82 في كتاب عليّ رضي الله عنه إلى ابن عبّاس: لمّا رأيت العدوّ على ابن عمّك قد حرِب... إلى قوله دامية المعزى.

2) - ضحّ: من ضحِت الغنم إذا رعيتها في الضحى، أي: ارع نفسك على مهل، فإنّما أنت على شرف الموت، عن هامش المصدر.

أعمالك بالمحلّ الذي به ينادي المغترّ بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة)...) اه- .

تعقيب:

أقول: هذا الذي ذكره ابن قتيبة مرسلٌ، فلم يذكر له سنداً، ومع إرساله لا يمكن الاعتماد عليه بنفسه، على أنّ ابن قتيبة لم يصرّح باسم الكتاب الذي وجده فيه، ولا باسم مؤلّفه! وإهمال ابن قتيبة لذلك يكشف عن عدم التزامه بصحّة ما نقله، وهو الذي يسند كثيراً في كتابه -- عيون الأخبار -- وربّما ذكر أكثر من سند لحديث واحد، واحتاط في نقله، فما كان من سماعه، قال: حدّثنا، وما لم يكن، قال: بلغني.

هذا كلّه إذا أحسنا الظنّ بابن قتيبة، وإذا استعرضنا آراء العلماء فيه، فسيخّف ميزانه، ولا يعتمد على قوله.

قال فيه الدارقطني: (كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه، منحرفاً عن العترة، وكلامه يدلّ عليه)(1).

وقال الحاكم: (أجمعت الأُمّة على أنّ القتيبي كذّاب)(2).

وقال ابن حجر: (فإنّ في ابن قتيبة انحرافاً عن أهل البيت)(3).

(وسمعت شيخي العراقي يقول: كان ابن قتيبة كثير الغلط)(4).


1) - لسان الميزان 3/357.

2) - لسان الميزان 3/358.

3) - لسان الميزان 3/359.

4) - المصدر نفسه.

وقال الأزهري في مقدّمة كتابه (تهذيب اللغة): (وأمّا ابن قتيبة: ... ما رأيت أحداً يدفعه عن الصدق فيما يرويه عن أبي حاتم السجستاني، والدباسي، وأبي سعيد الضرير. وأمّا ما يستند(؟) فإنّه ربّما تُرك، وهو كثير الحدس والقول بالظنّ فيما لا يحسنه ولا يعرفه. ورأيت أبا بكر ابن الأنباري ينسبه إلى الغباوة وقلّة المعرفة، ويزري به)(1).

أضف إلى ذلك كلّه، أنّه كان (يغلو في البصريين، إلاّ أنّه خلط بين المذهبين، وحكى في كتبه عن الكوفيين)(2).

وقد نقده على ذلك أبو الطيّب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتابه (مراتب النحويين)، فقال: إنّه (قد خلط عليه بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها)(3). ولم يقف نقده عند حدّ النحو، بل تجاوزه إلى كثير من مؤلّفاته، وفي جملتها كتاب (المعارف)، و(الشعر والشعراء)، و(عيون الأخبار)، فقال: (إنّ ابن قتيبة كان يشرع في أشياء ولا يقوم بها نحو تعرّضه لتأليف أمثال هذه المؤلّفات)(4).

ومهما كان حال ابن قتيبة في نفسه، فإنّ كتابه (عيون الأخبار) قد جمع أخباره من مختلف المصادر، ففيها ما يمكن الاعتماد عليه، وفيها ما لا يصحّ فيه -- ذلك شأن سائر الكتب -- فقد قال ابن قتيبة في مقدّمته: (واعلم أنّا لم


1) - المصدر نفسه.

2) - الفهرست، لابن النديم: 121.

3) - الفهرست، لابن النديم: 137.

4) - مقدّمة عيون الأخبار، لأحمد زكي العدوي: 22.

نزل نتلقط هذه الأحاديث في الحداثة والاكتهال عمّن هو فوقنا في السنّ والمعرفة، وعن جلسائنا وإخواننا، ومن كتب الأعاجم وسيرهم، وبلاغات الكتّاب في فصول من كتبهم، وعمّن هو دوننا، غير مستنكفين أن نأخذ عن الحديث سنّاً لحداثته، ولا عن الصغير قدراً لخساسته، ولا عن الأَمة الوكعاء لجهلها، فضلاً عن غيرها...

وهذا يكون في مثل كتابنا، لأنّه في آداب ومحاسن أقوام ومقابح أقوام، والحسن لا يلتبس بالقبيح، ولا يخفى على من سمعه من حيث كان.

فأمّا علم الدين والحلال والحرام، فإنّما هو استعباد وتقليد، ولا يجوز أن تأخذه إلاّ عمّن تراه لك حجّة ولا تقدح في صدرك منه الشكوك)، اه- .

وأمّا كتابه (غريب الحديث)، فما طبع منه ليس بكامل من أوّله، لذلك فلا نعرف عن مصادره شيئاً.

فكيف يسوغ بعد هذا الاعتراف الصريح منه بأخذه عمّن هبّ ودبّ أن يعتمد في إدانة ابن عبّاس على ما رواه في هذا المقام مرسلاً؟!

ولم نعثر في غير هذا الكتاب، وكتاب (غريب الحديث) من كتب ابن قتيبة التي وصلت إلينا نسختها ما يشير إلى الإدانة، على أنّ ثمّة ما يناسب ذكره والإشارة إليه.

ففي كتابه (المعارف) عند ذكر خلافة الإمام عليه السلام، قال: (واستعمل على البصرة عبد الله بن عبّاس)(1)، ولم يشر إلى إدانة ابن عبّاس بانقطاع ولايته بمفارقته مثلاً. وفي ذكر عبد الله بن عبّاس لم يشر إلى ذلك، وفي


1) - المعارف: 209.

ذكر أبي الأسود، قال: (وولي البصرة لابن عبّاس)(1).

ولو كان ابن قتيبة على ثقة من خبر الخيانة لما فاته ذكره في كتابه (الإمامة والسياسة)، الذي روى فيه من الأخبار ما عزّ وندر، وشذّ فبهر، حتّى لقد روى: (أنّ رجلاً قال: يا أمير المؤمنين! إنّ الموت نازل لا بدّ منه، فإن حلّ فمن صاحبنا؟ قال عليّ: أحدثكم عن خاصّة نفسي، أمّا الحسن فصاحب خوان، وفتى من الفتيان، ولو قد التقتا حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حبالة عصفور، وأمّا ابن أخي عبد الله بن جعفر فصاحب لهو، وأمّا أنا والحسين ابني ومحمّد ابني، فإنّني منهم وهم منّي، والله ما خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بإصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم...).

وهذا الخبر وإن ورد في عدّة مصادر مسنداً ومرسلاً، وقال عنه الذهبي، والهيثمي في (مجمع الزوائد) بتوثيق رجال إسناده، لكنّه مستبطن كذبه لمن ألقى السمع وهو بصير! فقد ذكر الرواة أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قاله على المنبر وقد سأله رجل عن الخليفة بعده: فأجاب بما مرّ.

ولو صحّ هذا، كيف أوصى إلى الإمام الحسن عليه السلام قبل موته، كما في التراث الشيعي وبعض المصادر عند غيرهم؟!

ثمّ إنّ صحّ ذلك، فكيف بايع المسلمون -- أهل الكوفة -- للحسن عليه السلام، وقد دامت مدّة خلافته ستّة أشهر؟! واستدلّ بها من قال بصحّة حديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ ملك وجبرية)؟ فهم رووا أنّ أباه لم يؤهله، ثمّ هم بايعوه! تناقض في أقوالهم وأعمالهم، أليس فيهم رجل رشيد!!


1) - المعارف: 434.

ولندع هذا الجانب ونعود إلى أنّ ابن قتيبة راوي الخبر، وفيه ذكر الإمام الحسن عليه السلام، وعبد الله بن جعفر بما يشين ذكرهما -- كما سيأتي، فإنّه إن صحّ هذا، فهو من أدلّة عدم وقوع الخيانة من ابن عبّاس.. ولو كانت لشهّر به الإمام عليه السلام عنها، وذكر الإمام الحسين عليه السلام ومحمّد بن الحنفية بما يزين ذكرهما، بينما نجد في جملة من المصادر ذكر (ابني عبّاس) بما يشينهما بالإعراض عنهما، ولم يرد ذكرهما عند ابن قتيبة، وورد في روايته الآنفة الذكر اسم محمّد -- ابن الحنفية -- وهذا لم يرد عن غيره، ولدى التحقيق في جملة أسانيد الخبر، فجميعها ينتهي إلى المسيّب بن نجية، فلماذا الاختلاف؟!

ونعود إلى أنّ ما ذكره ابن قتيبة في كتابيه (عيون الأخبار)، و(غريب الحديث) حول حديث الخيانة لا يمكن الاعتماد عليه في الإدانة لإرساله، وسيأتي.

الثالث: (أنساب الأشراف)

الثالث: (أنساب الأشراف)، للبلاذري، المتوفّى سنة 279ه-، ج1 ق2.

فقد جاء فيه في ترجمة ابن عبّاس ورقة (269/ب):

(وحدّثني عبّاس بن هشام، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي صالح، قال ولد عبد الله...

(أ)-- قال أبو صالح... وولاّه عليّ بن أبي طالب البصرة، وشخص معه إلى صفّين، ثمّ رجع إليها والياً عليها، ثمّ كتب أبو الأسود فيه إلى عليّ، فغاضب عليّاً وشخص إلى الحجاز...

(ب)-- حدّثني عبّاس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جدّه، وعن أبي مخنف، وعوانة، قالوا: قال عبد الله بن الزبير يوماً -- وهو على منبر مكّة -- وابن

عبّاس حاضر: إنّ ها هنا رجلاً أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، يفتي في القملة والنملة، وقد حمل ما في بيت مال البصرة وترك أهلها يرضخون -- كذا -- النوى، وكيف يلام على ذلك، وقد قاتل أُمّ المؤمنين، وحواري رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، ومن وقاه بيده -- يعني طلحة -- ؟!

فقال ابن عبّاس لقائده -- يقال: إنّه سعيد بن جبير مولى بني أسد بن خزيمة -- استقبل بي ابن الزبير، ثمّ حسر عن ذراعيه، فقال:

يا بن الزبير:

إنّا إذا ما فئة نلقاها*** نردّ أولاها على أخراها

حتّى يصير حرضا دعواها*** قد أنصف القارة من راماها

يا بن الزبير! أمّا العمى: فإنّ الله يقول: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (1).

وأمّا فتياي في القملة والنملة: فإنّ فيهما حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك.

وأمّا حمل مال البصرة: فإنّه كان مالاً جبيناه، ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت منه بقية هي دون حقّنا في كتاب الله وسهامه، فأخذناه بحقّنا.

وأمّا المتعة: فإنّ أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر في آل الزبير، فسل أُمّك عن بردي عوسجة؟

وأمّا قتال أُمّ المؤمنين: فبنا سُمّيت أُمّ المؤمنين لا بك وبآبائك، وانطلق


1) - سورة الحجّ/46.

أبوك وخالك -- يعني طلحة -- فعمدا إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثمّ اتّخذاها فئة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فوالله ما أنصفا الله ولا محمّداً في ذلك.

وأمّا قتالنا إيّاكم: فإن كنّا لقيناكم زحفاً ونحن كفّار، فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا، وأيم الله، لولا مكان خديجة فينا وصفية فيكم ما تركت لك عظماً مهموزاً إلاّ كسرته). اه- .

(ج)-- في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ج1 ق2 ورقة 165 - 167/ أ حديث/200.

(قالوا: واستعمل عليّ عبد الله بن عبّاس -- رضي الله تعالى عنهما -- على البصرة، واستعمل أبا الأسود على بيت مالها، فمرّ ابن عبّاس بأبي الأسود، فقال له: يا أبا الأسود! لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت له راعياً ما بلغت به المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشتى.

فكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مسئولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم، وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإنّ عاملك وابن عمّك قد أكل ما تحت يده بغير علمك، ولا يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما قِبَلَنا، واكتب إليَّ برأيك، والسلام.

فلمّا بلغ كتابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أجابه: (أمّا بعد، فقد فهمت كتابك، ومثلك نصح الإمام والأُمّة، ووالى على الحقّ، وفارق الجور، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليَّ فيه من أمره، ولم أعلمه بكتابك إليَّ فيه، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك، ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك

الصفحة السابقةالصفحة التالية

محقوق، وهو عليك واجب، والسلام).

وكتب إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين.

بلغني أنّك جردت الأرض، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أشدّ من حساب الناس، والسلام).

فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد، فإنّ كلّ الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدّق عليَّ الأظناء، رحمك الله، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذته، وفيما وضعت ما أنفقت منه، فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه، فإنّ المتاع بما أنت رازمه قليل، وتباعة ذلك شديدة، والسلام).

فلمّا رأى ابن عبّاس أنّه غير مقلع عنه، كتب إليه: أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك عليَّ مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من أهل هذه البلاد، ووالله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحبّ إليَّ من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمارة، فابعث إلى عملك مَن أحببت.

وأجمع ابن عبّاس على الخروج.

قالوا: فلمّا قرأ عليّ الكتاب، قال: (أو ابن عبّاس لم يشركنا في هذه الدماء؟!).

ولمّا أراد ابن عبّاس الخروج دعا أخواله من بني هلال ليعينوه، فجاءه الضحّاك بن عبد الله الهلالي -- وهو كان على شرطة البصرة -- وعبد الله بن

رزين الهلالي، وقبيصة بن عبد عون الهلالي، وغيرهم من الهلاليين، فقال الهلاليون: لا غناء بنا عن إخواننا من بني هوازن، ولا غناء بنا عن إخواننا من بني سليم، فاجتمعت قيس كلّها.

وصحب ابن عبّاس أيضاً سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، والحصين ابن أبي الحرّ العنبري، والربيع بن زياد الحارثي، فلمّا رأى عبد الله من معه حمل المال وهو ستّة آلاف في الغرائر(1)ثمّ سار، واتبعه أخماس البصرة كلّهم، فلحقوه بالطف على أربعة فراسخ من البصرة، إرادة أخذ المال منه.

فقالت قيس: والله لا يصلون إليه ومنّا عين تطرف، فقال صبرة بن شيمان بن عكيف (كذا) وهو رأس الأزد: يا قوم! إنّ قيساً إخواننا وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدوّ، ولو ردّ عليكم هذا المال كان نصيبكم منه الأقلّ، فانصرفوا.

وقالت بكر بن وائل: الرأي والله ما قال صبرة بن شيمان، واعتزلوا أيضاً.

فقالت بنو تميم: والله، لنقاتلنهم عليه، فقال لهم الأحنف: أنتم والله أحقّ ألاّ تقاتلونهم وقد ترك قتالهم مَن هو أبعد منكم رحماً، فقالوا: والله، لنقاتلنهم عليه.

فقال الأحنف: والله لا أساعدكم، وانصرف عنهم، فرأسوا عليهم رجلاً يقال له ابن الجذعة وهو من بني تميم، وبعضهم يقول: ابن المخدعة.

فحمل عليه الضحّاك بن عبد الله الهلالي فطعن ابن الجذعة فصرعه، وحمل سلمة بن ذويب على الضحّاك فطعنه، فاعتنقه عبد الله بن رزين الهلالي فسقطا إلى الأرض يعتركان، وكان ابن رزين شجاعاً، وكثرت


1) - الغرائر: ج الغرِارة بالكسر شبه العدل (المصباح المنير).

الجرحى بينهم، ولم يقتل من الفريقين أحد.

فقال مَن اعتزل من الأخماس: والله، ما صنعتم شيئاً حيث اعتزلتم وتركتموهم يتناحرون، فجاءوا حتّى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض، وحجزوا بينهم، وقالوا لبني تميم: والله، لنحن أسخى أنفساً منكم، تركنا لبني عمّكم شيئاً أنتم تقاتلونهم عليه، فخلّوا عن القوم وعن ابن أختهم، ففعلوا ذلك.

-- وقال ابن الكلبي: الجذعة: بنت معاوية بن مالك بن زيد بن مناة، وهي أُمّ جشم وعبشمس (كذا) ابني كعب بن سعد، يقال لهم: بنو الجذعة --

ومضى عبد الله بن عبّاس ومعه من وجوههم نحو من عشرين سوى مواليهم ومواليه، ولم يفارقه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين، حتّى وافى مكّة.

وقال قائل من أهل البصرة:

صبّح من كاظمة الخصّ الغضب*** سبع دجاجات وسنّور جرب

مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب

وبعضهم ينشده: يتبعن عبّاس بن عبد المطّلب، -- على الغلط --

وكان ابن عبّاس يعطي في طريقه من سأله ومن لم يسأله من الضعفاء حتّى قدم مكّة. ويقال: إنّه كان استودع حصين بن الحرّ مالاً، فأدّاه إليه.

قالوا: ولمّا قدم ابن عبّاس مكّة، ابتاع من صبرة (حبيرة) مولى بني كعب (ظ) من خزاعة ثلاث مولّدات: حوراء، وفتور (قنور)، وشادن، بثلاثة آلاف دينار.

فكتب إليه عليّ بن أبي طالب: (أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في

أمانتي، ولم يكن في أهل بيتي رجلٌ أوثق منك في نفسي، لمواساتي وموازرتي، وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأُمّة قد فتنت، قلبت له ظهر المجنّ، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدّيت، كأنّك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم عن دنياهم، وتطلب غِرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشرة -- الشدّة خ ل -- أسرعتَ العدوة، وغلّظت الوثبة، وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الهزيلة، وظلعها الكسر، فحملت أموالهم إلى الحجاز، رحيب الصدر تحملها غير متأثم من أخذها، كأنّك -- لا أبا لغيرك -- إنّما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأُمّك، سبحان الله أفما تؤمن بالمعاد؟ ولا تخاف سوء الحساب، أمّا تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟ أو ما يعظم عليك وعندك أنّك تستثمن الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم البلاد؟ فاتّق الله وأدّ أموال القوم، فإنّك والله إلاّ تفعل ذلك ثمّ أمكنني الله منك أعذر الله فيك، حتّى آخذ الحقّ وأردّه، وأقم الظالم وأنصف المظلوم، والسلام).

فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أخذته [أصبته] من مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت المال لأعظم ممّا أخذت منه، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فإنّ من أعجب العجب تزيين نفسك لك أنّ لك في بيت المال من الحقّ أكثر ممّا لرجل من المسلمين، ولقد أفلحت إن

كان ادّعاؤك ما لا يكون، وتمنّيك الباطل ينجيك من الإثم، عمّرك الله إنّك لأنت السعيد إذاً، وقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وصيّرتها قطناً، واشتريت مولّدات المدينة والطائف تتخيّرهن على عينك، وتعطي فيهم مال غيرك، والله ما أحبّ أن يكون الذي أخذت من أموالهم حلالاً أدعه ميراثاً، فكيف لا أتعجب من اغتباطك بأكله حراماً، فضح رويداً، فكأنّك قد بلغت المدى حيث ينادي المغترّ فيه بالحسرة، ويتمنّى المفرّط التوبة، والظالم الرجعة ولات حين مناص، والسلام).

قال البلاذري: وزعم بعض الناس أنّ عبد الله بن عبّاس لم يبرح البصرة حتّى صالح الحسن معاوية، وليس ذلك بثبت، والثبت أنّه لمّا قتل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام كتب إلى الحسن كتابه -- الذي نذكره إن شاء الله في خبر صلح الحسن ومعاوية -- من الحجاز). اه- .

تعقيب:

ولنا تعقيب على ما جاء عند البلاذري في رواياتها الثلاث من ناحية السند أوّلاً:

فحديث (أ): سند الحديث فيه: عبّاس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي صالح.

ولمعرفة حال هؤلاء الرجال، يحسن بنا أن نذكر شيئاً من أقوال علماء الرجال فيهم:

1- عبّاس بن هشام بن محمّد الكلبي، مجهول الحال، لم نقف على من ترجمه بأكثر من أنّه يروي عن أبيه، ويروي عنه البلاذري، كما يظهر من أنسابه.

2- هشام بن محمّد الكلبي، هو أبو المنذر الناسب العالم بالأيام، ذكره

شيخنا النجاشي في رجاله، وقال: (وكان يختصّ بمذهبنا)(1). وذكره السمعاني، وقال: إنّه في التشيّع غالٍ، وذكره الذهبي في (التذكرة)، وقال: بأنّه رافضي(2)، فتشيّعه ممّا لا شكّ فيه. أمّا وثاقته في الحديث، فلم يظهر لنا حقيقة حالها، فلم نقف على توثيق أحدٍ من أصحابنا ممّن يعتدّ بتوثيقه له، وأمّا غيرنا فقد جرّحوه أقسى جرح، فقال الذهبي فيه: أحد المتروكين ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وذكره العقيلي وابن الجارود وابن السكن وغيرهم في الضعفاء(3). وتحامل عليه أبو الفرج في آخر ترجمة دريد بن الصمّة من أغانيه، فقال: وهذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلّها، والتوليد بيّن فيها وفي أشعاره... وهذا من أكاذيب ابن الكلبي(4). وقال فيه أبو حاتم الرازي: كان صاحب أنساب مستمر، وهو أحبّ إليَّ من أبيه(5).

3- محمّد بن السائب الكلبي، هو أبو النضر، عدّه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الباقر عليه السلام(6)، ومن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام(7)، وذكر الشيخ الطوسي رحمه الله له في أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام لا يضفي عليه رداء التوثيق، فقد ذكر المنصور الدوانيقي في أصحاب الصادق عليه السلام، وأغرب


1) - رجال النجاشي: 305.

2) - تذكرة الحفّاظ: 343.

3) - راجع بشأن هذه الأقوال لسان الميزان 6/196.

4) - الأغاني 9/19.

5) - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم 9/69.

6) - رجال الطوسي: 136.

7) - رجال الطوسي: 289.

من ذلك ذكر عبيد الله بن زياد في أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وعليه لم يرد فيه توثيق عندنا.

أمّا العامّة فقد ذكروا أنّ قرة بن خالد، قال: كانوا يرون أنّ الكلبي يزرف، يعني: يكذب(1)، وقال يحيى بن معين: الكلبي ليس بشيء، وقال أبو حاتم: الناس يجتمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به هو ذاهب الحديث.

وذكر ابن أبي حاتم مسنداً عن أبي جناب، قال: حلف أبو صالح: إنّي لم أقرأ على الكلبي من التفسير شيئاً.

وعن أبي عاصم، قال: زعم لي سفيان قال: قال لنا الكلبي: ما حُدثتَ عنّي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، فهو كذب، فلا تروه(2).

4- أبو صالح، كنية لجماعة يمكن روايتهم لذلك، إلاّ أنّ ثمّة تصريحاً بأنّه باذام مولى أُمّ هاني، حيث ذكر ابن حجر في تهذيبه رواية الكلبي عنه.

وأبو صالح باذام سمع من عليّ عليه السلام، ومن ابن عبّاس، وهو صاحب التفسير، وكان علوياً، هلك في إمارة الوليد بن عبد الملك(3).

ولم يترجم الرجل في معاجمنا الرجالية، وترجم في كتب العامّة، وطعنوا فيه.

فقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به(4)، وقال ابن أبي خيثمة


1) - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم 7/271.

2) - المصدر نفسه.

3) - الكنى والأسماء، للدولابي 2/9.

4) - الجرح والتعديل 2/432.

عن ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عن الكلبي فليس بشيء. ونقل ابن الجوزي عن الأزدي أنّه قال: كذّاب(1).

أقول: وما رواه البلاذري ممّا رواه الكلبي عن أبي صالح الذي صرّح ابن معين أنّه ليس بشيء.

وكيف كان، فجهالة الرجل عندنا بحالها.

فسند حديث (أ) غير نقيّ، ولا يمكن الاحتجاج بما جاء من طريقه.

وسند حديث (ب)، هو الحديث الثاني الذي تضمّن تعيير ابن الزبير لابن عبّاس بأخذ المال -- هكذا: (عبّاس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جدّه، وعن أبي مخنف وعوانة).

وقد تبيّن آنفاً حال عبّاس بن هشام، وحال أبيه وجدّه. وإليك حال الباقين:

1- أبي مخنف: ذكره الشيخ النجاشي في رجاله ووصفه بشيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجّههم، وكان يسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمّد عليه السلام.

وترجمه كثير من أصحاب المعاجم كابن النديم، والحموي، وابن قتيبة، وغيرهم، ولم يسلم من جرح أصحاب الجرح والتعديل، فقد ضعّفه الدارقطني، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرّة: ليس بشيء، وذكره الذهبي فقال: أخباري تالف، وسُئل عنه أبو حاتم، فنفض يده، وقال: أحد يسأل عن هذا؟! وذكره العقيلي في الضعفاء(2). وفي الجرح والتعديل: أبو مخنف


1) - تهذيب التهذيب 1/416 -- 417.

2) - راجع ميزان الاعتدال، ولسان الميزان.

متروك الحديث(1).

2- عوانة، هو ابن الحكم، أخباري كوفي مشهور، قال ابن حجر في اللسان: (وقد روى عن عبد الله بن المعتز، عن الحسن بن عليل العنزي، عن عوانة بن الحكم: أنّه كان عثمانياً فكان يضع الأخبار لبني أُميّة، مات سنة ثمان وخمسين ومائة)(2)، وورد في (فهرست ابن النديم): أنّه توفي سنة 147ه-(3)، وجاء في (معجم الأدباء) لياقوت قول الحسن بن عليل العنزي: إنّ عوانة بن الحكم كان عثمانياً، وكان يضع أخباراً لبني أُميّة. كما ورد في الصفحة نفسها: أنّ عامّة أخبار المدائني عنه(4). وذكر الصفدي في (نكت الهميان) أيضاً مثل ذلك(5).

ولم يرد له ذكر في الكتب الرجالية لأصحابنا سوى ما ذكره صاحب (قاموس الرجال) رحمه الله، وليس فيما ذكره ما يكشف عن حاله.

فسند مظلم كهذا لا يمكن الاعتماد على رجاله فيما يروون إذا كان مصادماً للحقيقة! وسيأتي ما يتعلّق بهذا الحديث خاصّة في الكلام عن منشأ الانتزاع.

وأمّا حديث (ج)، فهو مرسل لم يذكر البلاذري سنده، ولم يبيّن مَن


1) - الجرح والتعديل 7/182.

2) - لسان الميزان 4/386.

3) - فهرست ابن النديم: 140.

4) - معجم الأدباء 16/137.

5) - نكت الهميان: 223.

هم الذين (قالوا).

فتبيّن بعد هذا العرض العاجل لما رواه البلاذري من ناحية السند أنّ جميعه محلّ نظر ولا يمكن التسليم به!

أمّا من حيث المتن والدلالة، فهناك فجوات وثغرات لا بدّ من التنبيه عليها، وهي تتلخص في النقاط التالية:

1- لو سلّمنا -- جدلاً -- بصحّة مفارقة ابن عبّاس للبصرة، فثمّ تساؤل عن البصرة، وهل خرجت عن حكم الإمام عليه السلام، أو بقيت تحت حكمه؟ وإذا بقيت تحت حكمه -- وهو المتيقّن والمعلوم -- فهل عيّن لها أميراً جديداً بعد ابن عبّاس، أم تركها بغير أمير؟ وإذا عيّن لها أميراً جديداً، فمن هو ذلك الأمير الجديد؟ وهذا ما لم تشر إليه حتّى المصادر الأُخرى. وإذا لم يعيّن لها فقد فرّط في أمرها، وضيّع ما يلزمه رعايته.

وإذا افترضنا -- جدلاً -- أنّ أبا الأسود تولّى إدارة الحكم في البلاد كما يظهر من بعضهم(1)، فثمّ تساؤل عن تولّي أبي الأسود، هل كان بأمر من الإمام؟ وليس في المدوّنات التاريخية -- التي وصلت إلينا -- ما يشير إلى كتاب توليته، أو أمر تعيينه.

ولو قلنا -- مسامحة -- أنّه تولّى الأمر في البداية حسبة، فلا بدّ في استدامته من إمضاء السلطة الحاكمة الممثلة في شخص الإمام عليه السلام، ولا يوجد أدنى إشارة في التاريخ إلى ذلك، اللّهمّ إلاّ أن يدّعى -- زوراً -- أنّه أعلن


1) - انظر: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأوّل الهجري: 40 للدكتور صالح أحمد العلي.

استقلال البلاد في حكومتها عن المركز، وهذا يعني اقتطاع بلاد الشرق عن حكومة الإمام عليه السلام، ومثل هذا الحدث الخطير لا يخفى على الإمام عليه السلام وشيعته، وحتّى على أخصامه، ولكان لكلّ فريق منه دوره إزاءه، ولم يذكر في التاريخ شيء من ذلك.

2- لقد مرّ في جواب الإمام عليه السلام لأبي الأسود على كتابه، إلزامه بأن يعلمه عمّا يجري بحضرته، ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، وأنّه بذلك ملزم، وعليه واجب.

فهل أعلم الإمام عليه السلام بتحرك ابن عبّاس وتضامن القيسيين معه ومعارضة الأخماس له، حتّى كانت معركة الطفّ -- على أربعة فراسخ من البصرة -- التي كثرت فيها الجرحى، ليتّخذ الإجراء اللازم؟ ولا أقلّ من تجريد سرّية تدرك ابن عبّاس قبل وصوله الحجاز، أو تتبعه حتّى بعد وصوله لاسترداد المال! وإذا كانت ثمّة معركة اشترك فيها الأخماس كلّهم، فلماذا لم يلمح اسم أبي الأسود بين الزعماء؟ -- وإذا حضر فمقامه لا يخفى -- ولم نجد له أيّ دور، والمفروض فيه أن يكون في مقدّمة المنكرين، ويمثل الدور الكبير في المعركة، فإنّه السبب في إثارتها، فلماذا أُسدل الستار عليه في تلك المسرحية، وحتّى بعدها؟!

3- جاء في ثاني كتاب صدر من الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس -- في هذا الحديث -- يأمره فيه أن يعلمه ما أخذ من الجزية، ومن أين أخذه، وفيما وضعه وأنفقه. وهذا يثير في النفس شكوكاً من صحّته!

فإنّ موارد بيت مال البصرة -- وكانت تجبى إليه أموال الدولة في الشرق كلّه -- لم تكن مقتصرة على الجزية حتّى يخصّها الإمام عليه السلام بالسؤال

عنها إيراداً ومصرفاً.

بل إنّ الموارد المالية لبيت المال -- الرئيسية منها -- الفيء، والخمس، والصدقات، بما إليها من ضرائب مفروضة أو مندوبة وجماع ما يجبى من وجوه الخراج والجزية، سوى ما يحصل أحياناً كإرث من لا وارث له ونحوه.

وإذا اعتبرنا رواية يحيى بن آدم في كتابه (الخراج) من أنّ ابن عبّاس بالبصرة كان يأخذ صدقاتها حتّى دساتج(1)الكرّاث(2)، فسندرك كثرة موارد بيت مال البصرة.

فاهتمام الإمام عليه السلام بالسؤال عن الجزية خاصّة دون بقية الموارد يثير استفهاماً لا بدّ من الإجابة عليه! كما يثير شكّاً في واضع الكتاب، وأنّه تحاشى ذكر الفيء وغيره من أموال الخمس تركيزاً للتهمة، ولئلا يقال أنّ لابن عبّاس -- وهو من مفتي الصحابة -- رأياً في وجوه الصرف، فتأوّل في استباحة أخذ بيت المال، أمّا الجزية ومصارفها فلا يسعه اختلاس المال معها وإن تأوّل لها! لذلك كان السؤال عن موارد الجزية ومصارفها من أين أخذ، وفي أيّ وجه أنفق؟

4- ورد في تقدير المال أنّه ستّة ملايين، حمله ابن عبّاس في الغرائر، واجتماع مبلغ كهذا يبعث على الشكّ! فإنّ سيرة الإمام عليه السلام المعروفة، والتي لا يتطرّق إليها الريب: أنّه كان يلاحق العمّال بكتبه في الشؤون المالية


1) - الدساتج: جمع دستجة، وهي الحزمة والباقة.

2) - الخراج: 145.

بتقسيم ما اجتمع عندهم على الرعية، وحمل الباقي إلى جهته لتوزيعه على المسلمين في الكوفة.

وتلك كتبه: إلى زياد -- وهو خليفة ابن عبّاس على البصرة -- يستحثه بحمل المال مع سعيد مولاه، وقد رواه البلاذري(1). وقد تلكأ زياد في ذلك، فكتب إليه موبّخاً، وقد رواه السيّد الرضي في النهج(2).

وكتابه إلى قثم بن العبّاس عامله على مكّة. وقد رواه الشريف الرضي في النهج(3).

وكتابه إلى سليمان بن صرد، وهو بالجبل. وقد رواه البلاذري في سيرة الإمام عليه السلام.

وكتابه إلى قدامة بن عجلان، عامله على كسكر.

وكتابه إلى عبد الله بن عبّاس، وهو مروي في كتاب (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم(4).

وفي كلّ تلك الكتب يستحثّهم على النظر فيما اجتمع عندهم من الأموال وتقسيمها بين ذوي الحقوق، وحمل الباقي إليه, فكيف يمكن تصديق ما يرويه البلاذري من اجتماع مبلغ ستّة ملايين -- درهماً أو ديناراً -- ولا يفرّق بين أصحابه، ولا يحمل إلى الإمام؟!


1) - أنساب الأشراف ج1 ق2 ورقة 165/أ.

2) - نهج البلاغة رقم (20).

3) - نهج البلاغة رقم (67).

4) - وقعة صفّين: 119، ط الأولى.

ومبلغ المال لا يحتمل حصوله دفعة واحدة، لأنّه مبلغ طائل، لا بدّ من تجمعه في مدّة من الزمن، والإمام عليه السلام على علم بموارد بيت المال، وآنات جبايته، وأوقات قسمته، فكيف ساغ له ترك تلك الثروة الطائلة عرضة لاختلاس الطامعين؟! وقد كان لزاماً عليه متابعة بيت مال البصرة منذ رفع إليه أبو الأسود خبر الاختلاس، فقد بقي ابن عبّاس بالبصرة بعد ذلك بما لا يقلّ عن شهرين جرت فيهما مراسلات بينهما!

5- مرّ في حديث (ج) أنّ حرباً جرت بين ابن عبّاس وأنصاره من قيس وبين الأخماس من أهل البصرة كثرت الجرحى بينهم، فلماذا لم يشر في هذا الحديث، ولا في غيره، بل ولا في المصادر الأُخرى إلى صدور شيء من الإمام عليه السلام حول هذا الموضوع، لا في خطبه التي كانت تتفجّر شكوى وألماً من عصيان جنده، وغارات عدوّه، وانتهاك أوامره، ولا في كتابه إلى واليه الجديد -- المجهول الاسم والهوية فعلاً! -- بإنزال العقوبة -- تأديباً -- بأولئك الذين ناصروا ابن عبّاس، حتّى تم له حمل المال، أو معاتبة رؤساء الأخماس الذين اعتزلوا، فكانوا في مواقفهم المخذّلة عوناً للظالم على استمرار ظلمه، وهم صبرة بن شيمان الأزدي، وقد كان سبب انصراف الأزد، وبكر بن وائل، والأحنف بن قيس، وقد انصرف عن قومه وحاول كفّهم، فلم يطيعوه وأصرّوا على مناجزة ابن عبّاس، أو يستردوا المال منه، أو مواساة أولئك الذين خفّوا سراعاً لمعارضة ابن عبّاس، حتّى جرح بعضهم، كابن الجذعة، وسلمة بن ذويب، وبعض بني تميم، بمثابة شكر لهم على موقفهم البطولي، وتشجيعاً لهم على بذل الفداء في سبيل الحقّ ومطاردة الخائنين.

وشيء من كلّ ذلك لم يكن، فلماذا؟!

6- الأمر الذي يلفت النظر في حديث (ج) عند البلاذري -- وكلّه فيه نظر -- أنّ حديث ملاحقة الأخماس لابن عبّاس، لم نجد فيه أدنى إشارة إلى وجود سلطة للإمام يرجعون إليها ويستمدون القوّة منها، وإنّما الذي دلّت عليه محاورة الأخماس -- سواء من ناصر ومن خذل -- كان منطق النفعية الذاتية، فهم يحاولون استرداد المال لأنّ لهم فيه حصّة، ومن رجع منهم فقد عفا عن حصّته، وهذا يشير بوضوح إلى أنّ القوم في طبيعة تصرّفهم ذلك لم يكونوا يخضعون لسلطة حاكمة أو إمام يرجعون إليه! وهذا في نفسه -- إن صحّ -- يسجل خروجاً على السلطة، وتمرّداً يقضي على وليّ الأمر إثبات موجوديته، ولا أقلّ من معاتبة الإمام عليه السلام في شأن أولئك ذوي قرباهم -- بالكوفة كما صنع في حادثة ابن الحضرمي ومناصرته، ثمّ إرساله جارية بن قدامة السعدي وأمره -- بعد معاتبته على قومه -- بملاحقة الجميع ومحاسبتهم على التقصير.

ولم يذكر في شيء من المصادر شيء من هذا القبيل في هذه الواقعة، فهل أنّ الإمام عليه السلام اعتبرها فكّ ارتباط مشروع من ابن عبّاس، فهو لا ينوي ملاحقته؟ أو أنّ الحديث لا أساس له؟!

7- ما جاء في آخر كتاب من الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس، وقد نزل مكّة واشترى بها مولّدات المدينة والطائف: (فوالله لئن أمكنني الله منك... الخ).

كيف يصحّ تصديق ذلك وابن عبّاس إنّما نزل بمكّة، ومكّة ترجع حكومتها إلى الإمام عليه السلام، وبها واليه قثم بن العبّاس فهي تحت سلطانه! وقد أمكنه الله منه، فلماذا لم يأمر بإلقاء القبض عليه، ولا أقلّ من أمر عامله -- قثم -- بمطالبة أخيه بالمال وقبضه منه، وإلاّ فالقبض عليه والضرب على يديه؟

هذه نماذج للثغرات التي في الحديث بصورته عند البلاذري، فعليه وعلى رواته سدّ تلك الفجوات.

أمّا ما يتركه الحديث من أثر سيء في تصوير حكومة الإمام عليه السلام المهزوزة في ضعف الإدارة والتدبير بما لا يلائم واقعية الإمام عليه السلام وصلابته في الحقّ، فلا تأخذه فيه لومة لائم.

كما يعكس استخذاء جنود الأخماس بالبصرة، والبالغ عددهم ستّين ألفاً سوى الأبناء والعبدان -- كما في خطبة لابن عبّاس يوم أراد حشرهم إلى حرب معاوية بصفّين -- أمام شرذمة قليلة قد لا يزيدون على الخمسين! فقد ورد أنّ الذين كانوا مع ابن عبّاس ذلك اليوم وذهبوا معه إلى مكّة كان عددهم عشرين رجلاً سوى مواليهم ومواليه.

ودع عنك هذه الصورة الشوهاء التي مثّلت ابن عبّاس وهو يهوي في انحدار خُلقي لا يقف به حدّ.

فهو خائن لأمانته، وهو عاصٍ لربّه وإمامه، وهو بعد مكابر بجرمه وجريرته، أليس كلّ ذلك ما يبتغيه الراوي عوانة -- الذي كان عثمانياً، وكان يضع أخباراً لبني أُميّة كما مرّ -- وأضرابه ثمناً لأمثال هذه الأحاديث؟!

ولنا عودة على حديث البلاذري في الكلام على عناصر التضبيب.

الرابع: (تاريخ اليعقوبي)

الرابع: (تاريخ اليعقوبي)، المتوفّى سنة 296ه- ج2/181، طبعة النجف الأولى.

قال: (وكتب أبو الأسود الدؤلي -- وكان خليفة عبد الله بن عبّاس بالبصرة -- إلى عليّ عليه السلام، يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب إليه يأمره بردّها، فامتنع، فكتب يقسم له بالله لتردّنها، فلمّا

ردّها عبد الله ابن عبّاس، أو ردّ أكثرها، كتب إليه عليّ عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، واجعل همّك لما بعد الموت، والسلام).

فكان ابن عبّاس يقول: ما اتّعظت بكلام قطّ اتعاظي بكلام أمير المؤمنين عليه السلام). اه- .

وهذا مع إرساله فإنّه لا يصلح أن يكون من أدلّة الإثبات للمفارقة ولا للخيانة، إذ نجد التصريح فيه بردّ المال كلّه، أو ردّ أكثره، وأنّ الإمام كتب إليه واعظاً، واستجاب له ابن عبّاس متّعظاً.

وثمّة تساؤلات لا بدّ من الإجابة عليهما:

1- كتابة أبي الأسود إلى عليّ عليه السلام، وكان خليفة ابن عبّاس بالبصرة. ألا يعني هذا الاستخلاف مفارقة من استخلفه؟ فإذا افترض مفارقة ابن عبّاس. فإلى أين؟ وهذا ما سكت عنه الحديث!

2- أنّ المبلغ الذي أخذه ابن عبّاس حسب هذا الحديث كان عشرة آلاف درهم، بينما مرّ في رواية البلاذري أنّه ستّة آلاف ألف، أي: بزيادة ستمائة ضعف على ما ذكره اليعقوبي. فأيّهما الصحيح؟

3- في ذيل الحديث أنّه ردّه، أو ردّ أكثره، وكتب إليه الإمام عليه السلام واعظاً له، فاستجاب متّعظاً.

وهذا ليس فيه أي غضاضة عليه بعد ما ردّ المال واتعظ بما كتب إليه الإمام عليه السلام -- كما مرّ -- أفلا يصلح أن يكون هذا من أدلّة النافين لا المثبتين؟ كما هو المقبول والمعقول عندي لو صحّ الخبر.

(مدوّنات القرن الرابع الهجري)

الأوّل: (أخبار القضاة)

الأوّل: (أخبار القضاة)، لمحمّد بن خلف الضبّي المعروف بوكيع، المتوفّى سنة 306ه- ج1/287 -- 289، ط الاستقامة بمصر 1366ه-، تحقيق عبد العزيز مصطفى المراغي.

في ترجمة عبد الرحمن بن يزيد الحدّاني: (قال أبو بكر: ولمّا خرج عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى البصرة (؟) استخلف عبد الله بن عبّاس، فاختلف في من ولاه القضاء، فحدّثني أبو علي زكريا بن يحيى بن خلاّد المنقري، قال: حدّثنا الأصمعي، قال: حدّثنا أبو عثمان الشحام عن أبي رجاء، قال: لمّا استُخلف عليّ بن أبي طالب عليه السلام ولّى عبد الله بن عبّاس البصرة، فولّى عبد الله بن عبّاس على القضاء عبد الرحمن بن يزيد الحُدّاني

-- وكان أخا المهلب بن أبي صفرة لأُمّه -- فلم يزل عبد الرحمن قاضياً عليها أيام عليّ بن أبي طالب، وطائفة من عمل معاوية، حتّى قدم زياد فعزله واستقضى عمران بن حُصين. وقيل: استقضى ابن عبّاس أبا الأسود الدؤلي وهو ظالم بن عمرة بن سفيان... عزله واستقضى الضحّاك بن عبد الله الهلالي...

وقال المدائني: يزعم بنو ليث أنّه استقضى عبد الله بن فضالة الليثي.

وقال أبو عبيدة: كان ابن عبّاس يفتي الناس ويحكم بينهم، وأنّه خرج إلى عليّ ومعه أبو الأسود الدؤلي، وغيره من أهل البصرة، فاستقضى الحارث بن عبد عوف بن أصرم بن عمرو الهلالي، ثمّ قدم ابن عبّاس فأقرّ

الحارث. وابن عبّاس يتولّى عامّة الأحكام بالبصرة، ثمّ كان بعد ذلك كلّما شخص عن البصرة استخلف أبا الأسود، فكان هو المفتي -- والقاضي يومئذ يدعى المفتي -- فلم يزل كذلك حتّى قتل عليّ عليه السلام في سنة أربعين...

ثمّ استخلف ابن عبّاس زياداً على الخراج، وأبا الأسود على الصلاة، فوقع بينهما نِفار.

وقال أبو عبيدة: لم ينزح(1)ابن عبّاس عن البصرة حتّى قتل عليّ عليه السلام، فشخص إلى الحسن بن عليّ، وشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثمّ رجع إلى البصرة، وثقله بها فحمله، ومالاً من مالها، قال: هي أرزاقي اجتمعت.

وأنكر المدائني ذلك وزعم أنّ عليّاً عليه السلام قُتل وابن عبّاس بمكّة، وأنّ الذي شهد الصلح عبيد الله بن العبّاس.

وزعم ابن عائشة أنّ ابن عبّاس ولّى قضاء البصرة ابن أصرم الهلالي. وأنكر ذلك المدائني).

تعقيب:

لم يكن غرضي من نقل ما ذكره وكيع في كتابه (أخبار القضاة)، ذكر من تولّى القضاء بالبصرة ومعرفة أسمائهم، ومن هو الذي ولاّهم، وإنّما كان الغرض معرفة ما ذكره في آخر ترجمة عبد الرحمن بن يزيد الحُدّاني من استخلاف ابن عبّاس زياداً على الخراج، وأبا الأسود على الصلاة، (فوقع بينهما نِفار)، ففي هذه الجملة الأخيرة يكمن معنى قول ابن عبّاس لأبي الأسود: (لو كنت جملاً لما بلغت به المرعى)، كما سيأتي بيان ذلك.


1) - في رواية الطبري كما تأتي (لم يبرح)، وهو الصواب.

ثمّ فيما حكاه (وكيع) عن أبي عبيدة في قوله: (لم ينزح ابن عبّاس عن البصرة حتّى قتل عليّ عليه السلام...)، وإلى آخر قوله ما يصلح أن يجعل في أدلّة النفاة، وفيه كشف الغموض الذي أحاط بمغادرة ابن عبّاس وقد أخذ المال. وفي نقل وكيع عن المدائني إنكاره ما مرّ عن أبي عبيدة، يجعلنا في ريبة من أمره، كما أنّ إنكاره ما قاله ابن عائشة ليس ما يدعونا إلى معرفته.

إنّما المهم معرفة أبي عبيدة والمدائني معرفة متوازنة بينهما من خلال مصادر التعديل والتجريح.

فقد ذكر في (جامع الجرح والتعديل)(1)سبعة رجال من الرواة تتّفق كناهم بأبي عبيدة، غير أنّ أقربهم هو أبو عبيدة الحدّاء البصري، واسمه عبد الواحد بن واصل السدوسي مولاهم، سكن بغداد، قال أبو داود: ثقة، ومثله قال يعقوب بن سفيان الفسوي، وسُئل أحمد بن حنبل عنه وعن أبي داود؟ فقال: أبو داود أحفظهما، وكان أبو عبيدة: قليل الغلط، كثير الكتاب(2).

وأمّا المدائني، فالمشهور بهذه النسبة هو علي بن محمّد أبو الحسن المدائني الأخباري، أثنى عليه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)(3)ووصفه بالعلاّمة الحافظ الصادق، وذكره في (ميزان الاعتدال)، وقال: ذكره ابن عدي في (الكامل)، فقال: ليس بالقوّي في الحديث، وهو صاحب الأخبار، قلّ ماله من الروايات المسندة، وترجم له الذهبي في (الضعفاء)(4)، وذكر له


1) - جامع الجرح والتعديل 3/389.

2) - جامع الجرح والتعديل 2/147 رقم2720.

3) - سير أعلام النبلاء 9/126، ط دار الفكر.

4) - الضعفاء 2/454.

في السير قصّة عن أحمد بن أبي خيثمة، وقال: كان أبي ومصعب الزبيري ويحيى بن معين يجلسون بالعشيات على باب مصعب، فمرّ رجل ليلة على حمار فاره، وبزّة حسنة، فسلّم وخصّ بمسألته يحيى بن معين، فقال له يحيى: يا أبا الحسن! إلى أين؟ قال له: إلى هذا الكريم الذي يملأ كميّ دنانير ودراهم، إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فلمّا ولّى، قال يحيى: ثقة ثقة ثقة، فسألت أبي من هذا؟ قال: هذا المدائني.

أقول: وهذا يكفي في تقويم الرجلين أبي عبيدة، والمدائني، فيبقى قول أبي عبيدة عن ابن عبّاس (لم ينزح ابن عبّاس عن البصرة حتّى قتل عليّ عليه السلام...) هو المقبول، دون إنكار المدائني.

الثاني: (تاريخ الأُمم والرسل والملوك)

اشارة

الثاني: (تاريخ الأُمم والرسل والملوك)، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة 310ه-.

(أ)-- جاء في حوادث 39ه-: (وكانت عمّال عليّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرنا أنّهم كانوا عمّاله في سنة 38، غير ابن عبّاس كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة، واستخلف زياداً الذي كان يقال له: زياد بن أبيه، على الخراج، وأبا الأسود على القضاء(؟)

وفي هذه السنة وجّه ابن عبّاس زياداً عن أمر عليّ إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند عليّ من الكوفة إلى البصرة(؟))(1).

(ب)-- جاء في حوادث سنة 40ه-: (وفيها خرج عبد الله بن العبّاس من البصرة ولحق بمكّة في قول عامّة أهل السير، وقد أنكر بعضهم، وزعم أنّه


1) - تاريخ الطبري 6/79، ط الحسينية بمصر.

لم يزل بالبصرة عاملاً عليها من قبل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حتّى قتل، وبعد مقتل عليّ حتّى صالح الحسن معاوية ثمّ خرج حينئذ إلى مكّة.

ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكّة وتركه العراق:

حدّثني عمر بن شبة، قال: حدّثني جماعة، عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: مرّ عبد الله بن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي.

قال: فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جلّ وعلا جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفّر لهم فيأهم، وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم، وإنّ ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك واكتب إليَّ برأيك فيما أحببت أنته إليك، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فمثلك نصح الإمام والأُمّة، وأدّى الأمانة فدلّ على الحقّ، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليَّ فيه من أمره، ولم أعلمه أنّك كتبت، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجب عليك، والسلام).

وكتب إلى ابن عبّاس في ذلك.

فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فإنّ الذي بلغك عنّي باطل، وإنّي لما تحت يدي ضابط قائم له وحافظ، فلا تصدّق الظنون، والسلام.

قال: فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟).

قال: فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من مال أهل البلد، فابعث إلى عملك من أحببت، فإنّي ظاعنٌ عنه، والسلام.

ثمّ دعا ابن عبّاس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمرو الهلاليان، ثمّ اجتمعت معه قيس كلّها، فحمل مالاً)(1).

(ج)-- (قال أبو زيد، قال أبو عبيدة: كانت أرزاقاً قد اجتمعت، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلّها، فلحقوه بالطفّ فتواقفوا يريدون أخذ المال.

فقالت قيس: والله لا يوصل إلى ذلك وفينا عينٌ تطرف، وقال صبرة بن شيمان الحدّاني: يا معشر الأزد! والله، إنّ قيساً لإخواننا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدوّ، وإنّ الذي يصيبكم من هذا المال لو رُدّ عليكم لقليل، وهم غداً خير لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم ودعوهم، فانصرفوا، فقالت بكر وعبد القيس: نِعمَ الرأي رأيُ صبرة لقومه، فاعتزلوه أيضاً.

فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتّى نقاتلهم عليه، فقال الأحنف: قد ترك قتالهم مَن هو أبعدُ منكم رحماً، فقالوا: والله لنقاتلنهم، فقال: إذاً لا


1) - تاريخ الطبري 6/81.

أساعدكم عليهم، فاعتزلهم.

قال: فرأسوا عليهم ابن المجاعة من بني تميم فقاتلوهم، وحمل الضحّاك على ابن المجاعة فطعنه، واعتنقه عبد الله بن رزين فسقطا إلى الأرض يعتركان، وكثر الجراح فيهم، ولم يكن بينهم قتيل، فقالت الأخماس: ما صنعنا شيئاً اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون فضربوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: فنحن أسخى منكم أنفساً حين تركنا هذا المال لبني عمّكم، وأنتم تقاتلونهم عليه، إنّ القوم قد حملوا وحموا فخلّوهم، وإن أحببتم فانصرفوا، ومضى ابن عبّاس ومعه نحو من عشرين رجلاً حتّى قدم مكّة)(1).

(د)-- (وحدّثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدة، ولم أسمعه منه، أنّ ابن عبّاس لم يبرح من البصرة حتّى قتل عليّ عليه السلام، فشخص إلى الحسن، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثمّ رجع إلى البصرة وثقله بها فحمله ومالاً من بيت المال قليلاً، وقال: هي أرزاقي..

قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن، فأنكره! وزعم أنّ عليّاً قتل وابن عبّاس بمكّة، وأنّ الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عبّاس)(2).

انتهى ما عند الطبري ممّا يتعلّق بحديث الخيانة والمفارقة.

تعقيب:

ونظرة فاحصة على ما ورد في الفقرة (أ) من حديثه، نجد التهافت بين قوله: (وكانت عمّال عليّ في هذه السنة -- 39 -- ... عمّاله في سنة 38، غير


1) - تاريخ الطبري 6/82.

2) - المصدر نفسه.

ابن عبّاس كان شخص عن عمله بالبصرة واستخلف زياداً.... على الخراج، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء)، وبين قوله: (وفي هذه السنة -- 39 -- وجّه ابن عبّاس زياداً عن أمر عليّ إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند عليّ من الكوفة إلى البصرة).

فابن عبّاس في الشطر الأوّل من الفقرة: شخص عن عمله واستخلف زياداً على الخراج، وأبا الأسود على القضاء -- وفي ذلك فكّ ارتباط عن العمل ومغادرة للبلد!

بينما في الشطر الثاني من الفقرة: وجّه ابن عبّاس زياداً عن أمر عليّ إلى فارس عند منصرفه من عند عليّ من الكوفة إلى البصرة. وهذا يعني بقاء ابن عبّاس في الولاية، حتّى أنّه كان بالكوفة وأتى البصرة فوجّه زياداً عن أمر عليّ عليه السلام إلى فارس... فكيف التوفيق بينهما؟!

فإذا صحّ الأوّل كيف يتمّ قوله: (وجّه زياداً إلى فارس)؟ وإذا صحّ الثاني كيف يتمّ قوله: (شخص عن عمله واستخلف زياداً على الخراج، وأبا الأسود على القضاء)؟

ولا نتعجّل الحكم على هاتين الجملتين، وسيأتي أنّ كلاًّ منهما صحيح في وقته، وليسا من حديث الخيانة والمفارقة في شيء!

أمّا الفقرة (ب) من حديث الطبري، فثمّة سلسلة استفهامات توحيها طبيعة الحديث عند الطبري:

1- قال: (وفيها -- أي سنة 40 -- خرج عبد الله بن العبّاس من البصرة ولحق بمكّة في قول عامّة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنّه لم يزل بالبصرة عاملاً عليها من قبل أمير المؤمنين عليه السلام حتّى قتل...) الخ.

وهذا لا يتّفق بوجه مع ما سبق في الفقرة (أ) أنّه شخص عن عمله في سنة 39! وهل معنى شخص إلاّ أنّه غادر وسار؟!

وإذا كان قول عامّة أهل السير أنّه خرج في سنة 40، وأنكر ذلك -- الخروج بوجه -- بعضهم. فمن هو القائل بالشخوص في سنة 39ه-؟ وما هي قيمته في ميزان الرواة؟!

2- ذكر في سبب الشخوص حديثاً مسنداً رجاله، كما يلي: (عمر بن شبة، عن جماعة، عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود).

وهذا السند منقطع بجهالة الجماعة الذين رووا عن أبي مخنف وروى عنهم عمر بن شبة، ولا بدّ من تسليط الأضواء على أعلامه المذكورين، ومن ثَمَّ التعقيب على ما في متنه من فجوات:

أ -- عمر بن شبة، هو أبو زيد البصري النميري، مولاهم، ولد سنة 173ه-، وتوفي سنة 262ه-، عن تسعين سنة أو نحوها. وثّقه الدارقطني وغيره كما يقول علماء الجرح والتعديل.

إلاّ أنّ هذا الصدوق الثقة(؟) روى حديثاً أخرجه عنه ابن خلّكان لا يدلّ على مدى أمانته في النقل وصدقه في الرواية(؟)، قال: لمّا (مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعبّاس بن الأحنف، وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلّي عليهم، فخرج فصُفّوا بين يديه، فقال: مَن هذا الأوّل؟ قالوا: إبراهيم الموصلي، قال: أخّروه وقدّموا العبّاس ابن الأحنف، فقدّم فصلّي عليه، فلمّا فرغ وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد

الله بن مالك الخزاعي، فقال: يا سيّدي! كيف آثرت العبّاس بن الأحنف بالتقدّمة على من حضر؟ فأنشد:

وسعى بها ناس وقالوا إنّها*** لهي التي تشقى بها وتكابد

فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم*** إنّي ليعجبني المحبّ الجاحد

ثمّ قال: أتحفظها؟ فقلت: نعم، وأنشدته، فقال لي المأمون: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدّمة؟ فقلت: بلى والله يا سيّدي).

وعقّب ابن خلّكان على ذلك بقوله: (وهذه الحكاية تخالف ما يأتي في ترجمة الكسائي، لأنّه مات بالري على خلاف في تاريخ وفاته)(1).

ونعقّب نحن على ذلك أيضاً، ونقول: بأنّ العبّاس بن الأحنف كان ببغداد بعد موت الرشيد، كما في رواية الصولي عن عون بن محمّد، عن أبيه أنّه رأى العبّاس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد، وكان منزله بباب الشام، قال: وكان لي صديقاً. ومات وسنّه أقلّ من ستّين، قال الصولي: وهذا يدلّ على أنّه مات بعد سنة 192، لأنّ الرشيد مات... سنة 193 بمدينة طوس(2).

وذكر ابن خلّكان في ترجمة الكسائي أنّه توفي سنة 189 بالري


1) - وفيات الأعيان 2/232، تح محمّد محي الدين.

2) - وفيات الأعيان 2/232، وذكر اليافعي في مرآة الجنان 1/342 حديث عمر بن شبة باختصار، وتعقّبه باعتراض من وجهين: أوّلهما: أنّ الكسائي أولى بالتقديم لفضائله ويكفي أنّه إمام في قراءة كتاب الله تعالى. وثانيهما: الخلاف في موته، وحكى ما ذكرناه عن الصولي من حياة العبّاس بن الأحنف بعد موت الرشيد.

وحكى ذلك عن السمعاني، وابن الجوزي، ونقل عن السمعاني أيضاً أنّه قال: وقيل: إنّ الكسائي مات بطوس اثنين أو ثلاث وثمانين ومائة(1).

ونضيف نحن إلى ذلك ما يقوله المرزباني في (معجم الشعراء) أنّ عمر بن شبة نزل بغداد عند خراب البصرة(2).

ولعلّ خراب البصرة المشار إليه كان في سنة (201ه-) عندما ثار أبو السرايا وجماعة من الطالبيين، وكان زيد ابن الإمام موسى بن جعفر توجّه إلى البصرة، وقتل بها خلقاً من شيعة بني العبّاس، وأحرق كثيراً من دورهم ونخيلهم، حتّى عرف بزيد النار.

وإذا لم يكن ذلك هو المقصود، فلم يذكر التاريخ خراباً قبله، وإنّما ثمّة خرابٌ آخر أضرّ بالبصريين كثيراً، وذلك في ثورة صاحب الزنج التي عاث فساداً في البصرة كثيراً، حتّى انتقل منها إلى المدينة التي بناها الموفّق العبّاسي بعد قطع دابر الزنج في سنة (270ه-)، وهذا بعد وفاة عمر بن شبة.

وأيّاً كان، فإنّ ما رواه عمر بن شبة -- الصدوق(؟) -- من حضوره بغداد سنة 188ه-، وشاهد بنفسه صلاة المأمون على الكسائي، والعبّاس بن الأحنف، وإبراهيم الموصلي، وهشيمة الخمارة، هو شاهد على التحفّظ في رواياته! فإنّ عمره يومئذ كان 15 سنة، وكيف نصدّقه في مدحه نفسه بتصوير مكانته الاجتماعية التي أهلته لمصاحبة المأمون، وسؤال المأمون منه


1) - وفيات الأعيان 2/458.

2) - تهذيب التهذيب، لابن حجر 7/461، نقلاً عن المرزباني في معجم الشعراء، وهذا النص ليس في المطبوع من معجم الشعراء للمرزباني.

عن أبيات العبّاس بن الأحنف؟ على أنّ روايته تلك أثارت الشكّ في نفوس المؤرّخين فتعقّبوها بالنقد!

وما يدرينا أنّ ذلك الثقة الصدوق(؟) افتعل الرواية للحطّ من المأمون العبّاسي لتقديمه العبّاس بن الأحنف الشاعر على الكسائي، وهو من أصحاب القراءات.

وثانياً: صلاته على أصحاب اللهو والفساق كإبراهيم الموصلي المعروف بالنديم، وهشيمة الخمّارة.

وثالثاً: جهله بقصيدة ابن الأحنف، أو لا أقل من تجاهله، فطلب من عمر بن شبة أن ينشدها إياه، وهو في مثل ذلك المقام الذي يجب على من حضره الاعتبار بحال من سُجّي أمامه، فتأخذه الفكرة في أمره، والعبرة من غيره، بدلاً من التمادي في الغفلة والانسياق مع الهوى وإنشاد الشعر.

والذي يوحي لنا بهذا ما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته عمر بن شبة، قال: إنّه ممّن قال: بأنّ القرآن كلام الله ليس بمخلوق وامتحن بذلك، فقالوا له أنت كافر ومزّقوا كتبه، وذكر له أرجوزة في أيام محنته يعرّض فيها بالحاكمين، وسمّاهم (الحُمر الطغام)(1).

ولعلّ في أسماء مؤلّفاته ما يوحي بتعصّبه للعثمانية، مضافاً إلى بصريته التي عُرفت بذلك، فإنّ من كتبه: (كتاب مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه)، أمّا ما نجده من أسماء كتبه الأُخرى فليس فيها ما يوحي باعتداله، مثل كتاب: (أخبار المنصور)، وكتاب: (أخبار محمّد وإبراهيم ابني عبد الله


1) - انظر: تاريخ بغداد 11/208 -- 210.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

ابن حسن بن حسن)، ولم يصل إلينا منها شيء نتعرّف منه حقيقته، ولعلّه قد أتى فيها بالطامّات.

وإذا كان التدليس في السند من عيوب الراوي التي توجب التحفّظ في روايته، فإنّ عمر بن شبة كان مدلّساً في إسناده. وقد عثرنا على حديث له روي في الصحاح عن ابن عبّاس، فقد دلّس فيه وخلط، بل وقلب فرواه عن عبد الله بن مسعود! والحديث وارد في الصحاح في المواضع التالية:

عن ابن عبّاس في صحيح البخاري الجزء السادس في آخر تفسير سورة المائدة(1)، وفي آخر تفسير سورة الأنبياء(2). وفي الجزء الثامن ثلاثة أحاديث(3).

وفي صحيح مسلم الجزء الثامن(4).

وفي مسند أحمد الجزء الأوّل(5).

وورد في سنن الترمذي أيضاً، وسنن النسائي، وغيرهما.

أمّا الذي رواه عمر بن شبة فخلط في إسناده وقلب ودلّس، فهو روى عن الحسين بن حفص، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد الله ابن مسعود مرفوعاً: أنّكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً. وأنّ أوّل الخلائق يكسى إبراهيم... الحديث، ورواه عنه علي بن الحسن بن مسلم


1) - صحيح البخاري 6/55 سورة المائدة.

2) - صحيح البخاري 6/97 سورة الأنبياء.

3) - صحيح البخاري 8/109.

4) - صحيح مسلم 8/156 -- 157.

5) - مسند أحمد 1/220، 223، 229، 235، 235.

الحافظ. وقال: هذا عندي دخل لعمر بن شبة حديث في حديث، وهذا -- أي الحديث الذي رواه عمر بن شبة -- مشهور عن المغيرة، عن الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.

وعقّب ابن حجر على ذلك بقوله: (كذلك أخرجه البخاري عن محمّد بن كثير، عن المغيرة، والإسناد الأوّل -- أي: إسناد عمر بن شبة -- خطأ)(1).

فهذا الحديث يكفي في إثارة الشكّ في رواية عمر بن شبة! فإنّ كان الخلط عن عمد، فيدلّ على عدم الأمانة، وإن كان عن غير عمد، فيدلّ على عدم الضبط، وفي الفرضين لا يمكن الاعتماد على روايته.

هذا عرض سريع لعمر بن شبة وروايته.

ب -- أمّا الواسطة الثانية في السند فإنّهم جماعة، نحن لا نعرفهم! ولا الطبري نفسه يعرفهم! ولعلّ عمر بن شبّة نفسه لا يعرفهم! ولو كان يعرفهم لذكرهم، أو سمّى واحداً منهم.

أفلا يكون من المحتمل تعمّد عمر بن شبّة التدليس في ذلك، بعد أن قرأنا شواهد على ذلك؟ وقد يكون هذا الاحتمال مقبولاً إذا عرفنا أنّه كان (ذكياً) كما يصفه المرزباني.

أليس من الذكاء أن يروي طعناً في جدّ العبّاسيين، وقد يطالب بالمستند فهو ينسبه عن جماعة ليضفي عليه هالة القبول ونفي الريب، لا بحجّة إلاّ أنّه عن جماعة! فمن هم أولئك المشايخ الذين روى عنهم أنّهم


1) - تهذيب التهذيب 7/461.

حدّثوه عن أبي مخنف بحديث الخيانة؟ فهل تمادى الزمن به فنسي أسماءهم جملة واحدة؟! فهو عمّا بَعُد زمناً أنسى، أم كان يخشى عليهم -- لو ذكرهم -- من سلطة العبّاسيين لروايتهم الطعن في أبيهم، فكنّى عنهم؟ وكان أولى به أن يحذر هو منهم على نفسه.

أم لا هذا ولا ذاك، ولكن عمر بن شبّة ربّما كان موتوراً من العبّاسيين، ويريد الانتقام لنفسه، وإذا لم تسعه الثورة عليهم لأنّه ليس من رجالها، فإنّ في باب الرواية متسعاً لدس ما شاء.

وكيف ما كان، فإن إهماله ذكر أسماء الجماعة يمنع من الاعتماد على الرواية، للخلل الفني في إسنادها.

ولزيادة تنوير القارئ بافتراء وتلبيس عمر بن شبة، نسوق له ثلاثة شواهد من كتابه (تاريخ المدينة):

افتراء وتلبيس:

1- روى عمر بن شبّة في (تاريخ المدينة)، قال: (حدّثني أبو بكر الباهلي، قال: حدّثني مؤدّب ولد جعفر، عن ابن دأب، قال: قال ابن عبّاس رضي الله عنه: ما ذاكرني عليّ رضي الله عنه شيئاً من أمر عثمان، حتّى حضر أهل مصر وأرسل إليَّ، فقال: أشر عليَّ في هذا الأمر، ما الرأي لي فيه؟ فقلت: إنّك قد عمّيت عليَّ في أمرك، فلست أعلم ما في نفسك، وسأشير عليك مشورة لا أكشف فيها ما سترت عنّي، إن كنت تطمع في هذا الأمر، فإنّ معك من يطمع فيه مثل طمعك ويدّعي فيه مثل حظّك، فإن أنت أشرفت لنفسك أشرف عليه يعذروه ويصدّوه، وكان أحبّ إليهم منك بعدُ، كما كان أحبّ إليهم منك

قبلُ، فإن رأوا أنّك رافضٌ للأمر كفوك المؤونة وولوا نسياً يكفيك، ثمّ تكون من حيث ترى، ورأيي لك: قد سبقك إلى هذا الأمر رجلان لن تعمل أفضل من عملهما إن وليت ما ولياه، واتّباع عملهما بمثل عملهما شيء هو لهما دونك، وقد أشرف...(1)غيرك من شاهد لك وغائب عنك، ووالله لئن قتل عثمان ليلتبسنّ هذا الأمر التباساً لا يتخلّص لك فيما بقي من عمرك حتّى تموت، فإمّا يُلبسه لك من وَليه بك، وإمّا صار لغيرك، فأرى أن ترفضه رفضاً صحيحاً لا تسرّ فيه ولا تُعلن. قال: (فرغت حسبك))(2).

فهذا الخبر مضافاً إلى جهالة في السند لا يصحّ متناً! كيف يقول ابن عبّاس ما ذاكرني... الخ، وقد مرّ بنا حديث ابن عبّاس مع الإمام عليه السلام حول عثمان مكرّراً، بدءاً من وساطته بينهما ومروراً بأحاديث أُخرى، وانتهاءاً بحديثه يوم أراد السفر إلى الحجّ وعثمان محصور؟!

وحسبنا ما رواه الزبير بن بكار في (الموفّقيات)، وعنه ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(3)، فذلك يكفي في تكذيب ما رواه ابن شبّة آنفاً! فارجع إليه في الجزء الثاني من الموسوعة، فقد ذكرناه في (مواقف عثمان مع بني هاشم)(4)، تجد شواهد أُخرى تكذّب ما رواه ابن شبّة.


1) - بياض في الأصل بمقدار كلمة.

2) - تاريخ المدينة 2/1127 -- 1128، تح فهيم محمّد شلتوت، ط دار الفكر قم، و2/197، ط دار الكتب العلمية.

3) - شرح نهج البلاغة 2/398.

4) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثاني، الفصل الرابع/مواقف عثمان مع بني هاشم.

2- وفي الجزء الثاني، قال عمر بن شبة: (حدّثنا معمر بن بكار بن معمر(1)، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد(2)، عن صالح بن كيسان(3)، قال: جاءت امرأة الأشتر إلى عليّ رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنينّ! سمعت من عدوّ الله مقالة ما وسعني القيام معه عليها. قال: (وماذا سمعتِ؟) قالت: سمعته يقول: قتلنا بالأمس خير خلق الله، واستعملنا شرّ خلق الله، يعنيك يا أمير المؤمنين، قال: (فلم يزل في نفسي عليه حتّى هاج هيج مصر)، فقال عليّ رضي الله عنه: (من لها؟) واستشار ابن عبّاس رضي الله عنه، فقال: الأشتر كيف به مع ما قد كان. قال: احمل العبد على الفرس، فإن هلك هلك، وإن ملَك ملَك، قال: فبعثه على ذلك، فلمّا أتاه مصابه، قال: (بالأنف لا بالفم))(4).

حسبنا في تكذيب ذلك مضافاً إلى ما في رجال السند من قدح، أنّ الشريف الرضي روى في (نهج البلاغة)، قال عليه السلام وقد جاءه نعي الأشتر رحمه الله: (مالك وما مالك؟ والله، لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً، لا يرتقيه الحافر، ولا يوفى عليه الطائر).

قال الرضي: والفند: المنفرد من الجبال(5).

3- روى عمر بن شبّة بسنده: (عن ابن عياش، قال: قال عبد الله بن


1) - مجهول لم يعرف حاله.

2) - مطعون فيه، فقد كان مغنّياً مولعاً بالغناء، فليم في ذلك، فانزعج على المحدّثين وحلف أنّه لا يحدّث حتّى يغنّي قبله (سير أعلام النبلاء 7/552، ط دار الفكر).

3) - كان مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز وتلميذ الزهري الذي كان على شرطة بني مروان.

4) - تاريخ المدينة 2/1236، ط قمّ، و2/261، ط دار الكتب العلمية.

5) - نهج البلاغة: الحكمة: 443.

عبّاس: قدم سعيد بن العاص من الكوفة حاجّاً، فمرض بمكّة، فدخل عليه (عليّ رضي الله عنه) يعوده وعنده معاوية، وعبد الله بن عامر، وعبد الله بن خالد بن أسيد، فأوسعوا له عند رأسه، فسأله، فلمّا فرغ، قال له معاوية: أبا حسن إنّي قائل لك قولاً فإن كرهته فاصبر على ما تكره منه فإنّ من ورائه ما تُحبّ، إنّه والله ما صاحبنا غيرُك ولو سكتّ عنّا ما نطق مَن قال معك، وما يُغصب(1)أمرُنا إلاّ بك، وإنّ الذين معك لعليك غداً، ولئن لا يشنأك لنكونّن أحبّ إليهم منك، وباطلنا أحبّ إليهم من حقّك، إنّك والله ما أنت بقويّ على ما تريد، ولا نحن بضعفاء عمّا نطالب، فقال عليّ: (يا معاوية! أفتراني أقعد أقول وتقول!!)، ثمّ خرج.

قال ابن عبّاس: فلقيته فعرفت الغضب في وجهه، فدخلت على سعيد ابن العاص فسألته، ثمّ قلت لهم: كأنّكم أنفرتم شيخكمّ؟ فقال معاوية: أردنا تسكينه فنفر، فقلت: ولم؟ فوالله، إنّه لوقور غيور يسيق(2)بغير مُضغ، فإيّاكم يا بني أُميّة لا تمثلوا به فيمثل بكم)(3).

ج -- أبو مخنف، وهذا الشيخ هو أوّل الأعلام الذين ورد ذكرهم في حديث عمر بن شبة، وثالث واسطة في السند، وقد تقدّم منّا في تعريفه ما يغني عن الإعادة، فراجع رجال السند في حديث البلاذري.

د -- سليمان بن راشد، ورد في كتب الرجال عند أصحابنا المتأخّرين


1) - الصواب (يعصب).

2) - يسيق أي يتابع الكلام في يسر، بغير مضغ أي بغير حمق.

3) - تاريخ المدينة 2/1097، ط قمّ، و2/179، ط دار الكتب العلمية بيروت.

اسم الرجل مستندين في ذكره إلى عدّ الشيخ الطوسي إياه في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وهذا مجهول الحال ولم نقف على توثيق فيه لأصحابنا.

أمّا في كتب العامّة، فقد ورد بهذا الاسم منسوباً (المصري)، قال ابن حجر: (مقبول من السادسة)(1)، أي: من الطبقة السادسة، وهي طبقة أتباع التابعين. وذكره ابن أبي حاتم، وقال: (روى حديثاً مرسلاً روى عنه سعيد ابن أبي هلال، وقال ابن حجر: ذكره ابن حبّان في الثقات)(2).

ه- -- عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود، لم نقف على من ترجمه من أصحاب الرجال. وسيرد ذكره في مدوّنات القرون المتأخّرة، وتظهر له ذاتية في هذا الحديث -- حديث الخيانة -- أحسبها نيطت به، كما سيأتي. فهذا الرجل مجهول الحال.

وبهذا ختم السند في الفقرة (ب) من حديث الطبري.

أمّا الفجوات التي في ذلك، فقد مرّت الإشارة إلى بعضها في التعقيب على حديث البلاذري، والذي هو أيضاً ينتهي إسناده إلى أبي مخنف -- وفي كلّ وادٍ أثر من ثعلبة -- ويتّفق في صيغته العامّة مع رواية الطبري، وإن تفاوتت صياغته، ولكلّ منهما ما يميّزه.

وأمّا الفقرة (ج)، فقد بدأها الطبري بسنده عن أبي زيد، عن أبي عبيدة، وسيأتي الحديث عنهما، ويرد على ما سبق في التعقيب على حديث


1) - تقريب التهذيب، لابن حجر 1/324.

2) - الجرح والتعديل 4/117.

البلاذري؛ فراجع.

وأمّا آخر فقرات حديث الطبري (د)، فليس فيهما ما يغنينا في الإثبات شيئاً سوى قول أبي زيد: ذكرت ذلك -- ويعني: بقاء ابن عبّاس بالبصرة -- لأبي الحسن، فأنكره.

أو تدرون مَن هو أبو زيد؟ هو عمرو بن شبّة.

فلماذا عدل الطبري عن التصريح باسمه إلى كنيته في الفقرة (ج، د) من الحديث، منذ استهلها مسنداً في الأولى، قال: أبو زيد، قال أبو عبيدة... الخ.

وفي هذه قال: وحدّثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدة، ولم أسمعه منه، أنّ ابن عبّاس لم يبرح من البصرة... وحتّى ختمها بقوله: قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أنّ عليّاً قُتل وابن عبّاس بمكّة... الخ.

ألحاجة في نفس الطبري -- حيث كان هو الآخر لا يتورّع عن مثل ذلك؟ أم كان هادفاً في هذا الاتهام لأنّه كان متعصّباً أيضاً، كما قال بعض من ترجمه! فقد ذُكر(1)في ترجمته أنّه في غاية العصبية.

واستدلّوا على ذلك: بعدم ذكره كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر المشتمل على أنّ أبا بكر وعمر هما أوّل من أبعدا عليّاً عن مقام النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم وأرادا قتله، فقال معتذراً: (كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعه العامّة)(2).


1) - قاموس الرجال، للتستري 8/92

2) - تاريخ الطبري 5/232.

وكان ممّا استدلّوا به على عصبيته: كتمانه اسم عمر في حديث الكتف والدواة، مع تصريح ابن سعد في (طبقاته) بذلك في أربعة أحاديث.

وقوله في أسباب مسير المصريين إلى عثمان: وروى الآخرون أموراً شنيعة كرهت ذكرها.

ونحو ذلك ممّا كان يكتمه، ويتعمّد إخفاءه.

فيا هل ترى أنّه تعمّد إخفاء اسم عمر بن شبة فعدل إلى كنيته؟

ثمّ الملاحظ على أعلام السند في هاتين الفقرتين كلّهم مجهولو الاسم! فلم يذكروا إلاّ بالكنية من دون نسبة للتمييز، فلماذا هذه الطلسمة مع أنّهم رجال معروفون؟!

فأبو زيد، هو: عمر بن شبة.

وأبو عبيدة، هو: معمر بن المثني.

وأبو الحسن، هو: علي بن المدائني.

فلماذا كلّ هذا الالتواء في التعبير، والإبهام في البيان؟!

ولا نطيل الحساب مع الطبري في رواياته، فتاريخه -- وهو الذي فضّله المسعودي في أوّل مروجه على تواريخ المتقدّمين والمتأخّرين -- فيه من الأخبار الواهية والمقطوع بكذبها، كأخبار سيف وأضرابه الشيء الكثير، ولا يصحّ الاعتماد على جميع ما ورد فيه من الأخبار من دون تحقيق.

الثالث: (الفتوح)

الثالث: (الفتوح)، لأحمد بن أعثم الكوفي، المتوفّى نحو سنة 214ه- ج4/72، جاء فيه:

(خبر عبد الله بن عبّاس وزياد بن أبيه وأبي الأسود الدؤلي وما جرى

لهم:

قال: ثمّ بعث عليّ إلى عبد الله بن العبّاس وهو عامله على البصرة يأمره أن يخرج إلى الموسم فيقيم الحجّ للناس، قال: فدعا عبد الله بن عبّاس بأبي الأسود الدؤلي فاستخلفه على صلاة البصرة، ودعا بزياد فجعله على الخراج، وتجهز عبد الله بن عبّاس وخرج إلى الموسم.

قال: وجرت بين أبي الأسود وزياد بن أبيه منافرة، فهجاه أبو الأسود، وقال فيه هذه الأبيات:

ألا بلّغا عنّي زياداً رسالة*** يُحث إليه حيث كان من الأرض

فمالك من ورد إذا ما لقيتني*** تُقطّع دوني طرفَ عينيك كالمغضي

ومالي إذا ما أخلق الودّ بيننا*** أمرّ القُوى منه وتعمل في النقض

ألم تر أنّي لا أكوّن شيمتي*** يكوّن غول الأرض في الطول والعرض

قال: ثمّ بلغ أبا الأسود بعد ذلك أنّ زياداً يشتمه ويقول فيه القبيح، فأنشأ يقول:

نبئت أنّ زياداً ظلّ يشتمني*** والقول يُكتب عند الله والعمل

وقد لقيت زياداً ثمّ قلت له*** وقبل ذلك ما جاءت به الرسل

حتّام تذكرني في كلّ مجتمع*** عرضاً وأنت إذا ما شئت تنتقل

حتّام تشتمني حتّام تذكرني*** وقد ظلمتَ وتستعفي وتنتصل

ثمّ تعود وتنسى ما يوافقني*** والعذر يُندِم والنسيان والعجل

قال: وقدم عبد الله بن العبّاس من الحجّ، فأقبل إليه زياد بن أبيه فشكا

إليه أبا الأسود الدؤلي، وذكر أنّه هجاه، فأرسل إليه ابن عبّاس فدعاه، فقال: أما والله لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت للجمل راعياً لما بلغت به المرعى، ولا أحسنت القيام عليه في الماء، مالك وللأحرار تهجوهم وتقول فيهم القبيح، وتذكر أعراضهم بما لا يجب، أخرج عنّي فعل الله بك وفعل.

قال: فخرج أبو الأسود من عند ابن عبّاس مغضباً، ثمّ كتب إلى عليّ ابن أبي طالب: أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى قد جعلك يا أمير المؤمنين والياً مؤتمناً وراعياً مسئولاً، ولقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفّر عليهم حقوقهم، وتزجر نفسك عن دنياهم، ولا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أموالهم وأنّ ابن عمّك هذا قد أكل مال الله بغير حقّ، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما ههنا، واكتب إليَّ برأيك فيما أحببت من ذلك إن شاء الله.

قال: فكتب إليه عليّ رضي الله عنه: (أمّا بعد، فمثلك من نصح الإمام والأُمّة ودلّ على الحقّ، وقد كتبت إلى صاحبك فيما ذكرت من أمره ولم أعلمه بكتابك إليَّ، فلا تدعنّ إعلامي بما يكون بحضرتك ما فيه النظر لأُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم فإنّه واجب عليك في دينك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته).

قال: ثمّ كتب عليّ إلى عبد الله بن العبّاس: (أمّا بعد، يا بن العبّاس! فقد بلغني عنك أمور، الله أعلم بها، فإن تكن حقّاً فلستُ أرضاها لك، وإن تكن باطلاً فإثمها على من اقترفها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعلمني في جوابه ما أخذت من مال البصرة، من أين أخذته وفيم وضعته؟).

قال: فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد علمتُ الذي بلغك عنّي، وأنّ

الذي أبلغك الباطل، وإنّي لما تحت يدي لضابط وحافظ، فلا تصدّق قول الوشاة ما لم يكن، وأمّا تعظيمك مرزأة ما رزأته من هذه البلدة، فوالله لئن ألقى الله عزوجل بما في الأرض من لُجينها وعقيانها و(ما) على ظهرها من طلاعها، أحبّ إليَّ من (أن) ألقاه وقد أرقت دماء الأُمّة، فابعث إلى عملك من أحببت فإنّي معتزل عنه، والسلام.

قال: ثمّ اعتزل ابن عبّاس عمل البصرة وقعد في منزله، فكتب إليه عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه بكتاب يعذله فيه على غضبه، ويكذّب من سعى به إليه، وأعاده إلى عمله).

تعقيب:

فهذا الذي ذكره ابن أعثم يكاد ينفرد به عمّن سبقه بدءاً وختاماً!

ففي البدء مهاجاة أبي الأسود لزياد في غياب ابن عبّاس في موسم الحجّ سنة 39ه-، ولم يذكر السبب في تلك المهاجاة!

إلاّ أنّه يبدو ممّا ذكره من شكوى زياد عند ابن عبّاس بعد رجوعه من هجاء أبي الأسود له، وتعنيف ابن عبّاس لأبي الأسود بتلك اللهجة الصارمة العنيفة، يبدو أنّ السبب كان بين زياد وأبي الأسود خلافاً مالياً، ولا يبعد أن يكون ابن عبّاس نحى أبا الأسود عن وظيفته بحكم رجوعه وتولّيه شؤون الولاية، وهذا أغاض أبا الأسود فكتب ما كتب، وشاية ليس لها من واقع، ولكنّها تلزم الإمام بحكم المسؤولية التحقّق من صحّتها، وهذا ما كان في كتابه إلى ابن عبّاس، وهو كتاب فيه عتاب أشدّ من عقاب، فحمل ذلك ابن عبّاس على الجواب بما هو غير لائق به -- لو صحّ -- وبالتالي غضبه ثأراً لكرامته التي شوهتها الوشاية، حمله على الاستقالة، ولكن الإمام عليه السلام كتب إليه يعذله فيه

على غضبه، ويكذب السعاية به، وأعاده إلى عمله.

وهذا نمط من السياق لم يرد عند من تقدّم ذكرهم من أصحاب المصادر التي ذكرت حديث الخيانة، وهو على إرساله لم يأت بشيء لا يتّسق مع ما أورده من بعد ذلك من أحداث، كان ابن عبّاس أحد رموزها، وهو بعد لا يزال في موقعه من ولاية البصرة، فيكون ما ذكره آنفاً سحابة صيف عمّا قليل تقشعت، فانجاب السحاب، وظهرت شمس الحقيقة لذي عينين. وإن كان كتاب ابن عبّاس لا يزال يثير الشكّ في صحّته! لما جاء في آخره من ذكر الدماء التي خاضها هو أيضاً، فكيف يتّخذها ذريعة تعيير مع سوء تعبير؟!

أمّا الأحداث التي ظهرت فيها شخصية ابن عبّاس كعامل مسؤول، فهي باختصار كما يلي:

1- خبر مصقلة بن هبيرة الشيباني، وما كان منه من خيانة مالية، وما جرى له مع ابن عبّاس بعد مطالبته وهربه إلى الكوفة ومطالبة الإمام له، ثمّ هربه إلى معاوية(1).

2- خبر الخوارج الشراة في حروراء(2).

3- خبر الخوارج بالنهروان(3).

4- كتاب ابن عبّاس من البصرة إلى الإمام الحسن عليه السلام(4).


1) - الفتوح 4/78 -- 79.

2) - الفتوح 4/89 -- 95.

3) - الفتوح 4/121 -- 122.

4) - الفتوح 4/149 -- 150.

وسيأتي الحديث عنه مفصّلاً في أدلّة النفاة.

الرابع: (العقد الفريد)

الرابع: (العقد الفريد)، لابن عبد ربّه الأندلسي، المتوفّى سنة 327ه- ج4/354 -- 359، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر.

((خروج عبد الله بن عبّاس على عليّ)

(أ)-- قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان عبد الله بن عبّاس من أحبّ الناس إلى عمر بن الخطّاب، وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمّد صلي الله عليه و آله وسلم،ولم يستعمله قطّ، فقال له يوماً: كدتُ استعملك ولكن أخشى أن تستحلّ الفيء على التأويل!

فلمّا صار الأمر إلى عليّ استعمله على البصرة، فاستحلّ الفيء على تأويل قوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(1)، واستحله من قرابته من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم.

(ب)-- وروى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن ابن عُبيد، قال: مرّ ابن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم لكنتَ جَملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت المرعى.

فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مسئولاً، وقد بلوناك رحمك الله فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للأُمّة، توفّر لهم فيئهم، وتكفّ نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي بشيء في أحكامهم، وابن عمّك قد أكل ما تحت يديه من غير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك واكتب إليَّ


1) - سورة الأنفال/41.

برأيك فما أحببتَ أتّبعه إن شاء الله، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فمثلك نصح الإمام والأُمّة، ووالى على الحقّ وفارق الجور، وقد كتبتُ لصاحبك بما كتبتَ إليَّ فيه، ولم أعلمه بكتابك إليَّ، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجب لله عليك، والسلام).

وكتب عليّ إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّه قد بلغني عنك أمرٌ إن كنت فعلته فقد أسخطت الله، وأخزيت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين، بلغني أنّك خرّبت الأرض وأكلت ما تحت يدك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس، والسلام).

وكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فإنّ كلّ الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط، وعليه حافظ، فلا تصدّق عليَّ الظّنين.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تعلمني ما أخذتَ من الجزية من أين أخذته، وما وضعتَ منها أين وضعته، فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه، واسترعيتك إياه، فإنّ المتاع بما أنت رازمه قليل، وتبعاته وبيلة لا تبيد، والسلام).

فلمّا رأى أنّ عليّاً غير مُقلع عنه، كتب إليه: أمّا بعد، فإنّه بلغني تعظيمك عليَّ مرزِئة مال بلغك أنّي رزأته أهل هذه البلاد، وأيم الله، لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عِقيانها ومخبئها وبما على ظهرها من طلاعها ذهباً، أحبّ إليَّ من أن ألقى الله وقد سفكتُ دماء هذه الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمرة، ابعث إلى عملك من أحببتَ، فإنّي ظاعن، والسلام.

فلمّا أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال بن عامر بن

صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحّاك بن عبد الله الهلاليّ فأجاره، ومعه رجلٌ منهم يقال له: عبد الله بن رزين، وكان شجاعاً بئيساً، فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن، فقالت هوازن: لا غنى بنا عن بني سُليم، ثمّ أتتهم قيس، فلمّا رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة، وكان فيما زعموا ستّة آلاف ألف، فجعله في الغرائر.

(ج)-- قال: فحدّثني الأزرق اليشكري، قال: سمعنا أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لمّا وضع المال في الغرائر ثمّ مضى به، تبعته الأخماس كلّها بالطفّ على أربعة فراسخ من البصرة، فوافقوه -- كذا والصواب: فواقفوه -- فقالت لهم قيس: والله لا تصلوا إليه ومنّا عين تطرف، فقال ضَمرة -- كذا -- وكان رأس الأزد: والله إنّ قيسا لإخوتنا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدوّ، إنّ الذي تذهبون به المال، لو رُدّ عليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ، وهم خير لكم من المال، قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتّى نقاتلهم عليه، فقال الأحنف بن قيس: أنتم والله أحقّ ألاّ تقاتلوهم عليه، وقد ترك قتالهم مَن هو أبعد منكم رحماً، قالوا والله لنقاتلنهم، فقال: والله لا نعاونكم على قتالهم، وانصرف عنهم، فقدم عليهم ابن المجّاعة فقاتلهم، فحمل عليه الضحّاك بن عبد الله فطعنه في كتفه فصرعه، فسقط إلى الأرض بغير قتل، وحمل سلمة بن ذويب السعدي على الضحّاك فصرعه أيضاً، وكثرت بينهم الجراح من غير قتل، فقال الأخماس الذين اعتزلوا: الله ما صنعتم شيئاً، اعتزلتم قتالهم وتركتموهم يتشاجرون، فجاؤا حتّى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: والله إنّ هذا اللؤم قبيح، لنحن أسخى أنفساً منكم حين تركنا أموالنا لبني عمّكم، وأنتم تقاتلونهم عليها

خلّوا عنهم وأرواحهم، فإنّ القوم فدحوا، فانصرفوا عنهم.

ومضى معه ناس من قيس فيهم الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين، حتّى قدموا الحجاز، فنزل مكّة، فجعل راجزٌ لعبد الله بن عبّاس يسوق له في الطريق ويقول:

صبّحت من كاظمة القصر الخرب*** مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب

وجعل ابن عبّاس يرتجز ويقول:

آوي إلى أهلك يا رباب*** آوي فقد حان لك الإياب

وجعل أيضاً يرتجز ويقول:

وهنّ يمشين بنا هميسا*** إن يصدق الطير نَنِك لميسا

فقيل له: يا أبا العبّاس، أمثلك يرفث في هذا الموضع؟ قال: إنّما الرفث ما يقال عند النساء.

(د)-- قال أبو محمّد: فلمّا نزل مكّة اشترى من عطاء بن جُبير مولى بني كعب من جواريه ثلاثَ مولدات حجازيات، يقال لهن: شادن، وحوراء، وفتون، بثلاثة آلاف دينار.

(ه-)-- وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد الله بالبصرة، فلمّا كان من أمره ما كان، أتيتُ عليّاً فأخبرته، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(1).


1) - سورة الأعراف/175.

ثمّ كتب معه إليه: (أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك بمواساتي ومؤازرتي بأداء الأمانة، فلمّا رأيت الزمان قد كَلبَ على ابن عمّك والعدوّ قد حَردَ، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأُمّة قد فُتِنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان، وخنته مع من خان، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وإنّما كدت أُمّة محمّد عن دنياهم، وغدرتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة، أسرعتَ الغدرة وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، وانقلبت بها إلى الحجاز، كأنّك إنّما حزت عن أهلك ميراثك من أبيك وأُمّك، سبحان الله أما تؤمن بالمعاد، أما تخاف الحساب، أما تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً، وتشتري الإماء وتنكحهن بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله، التي أفاء الله عليهم، فاتّق الله وأدّ إلى القوم أموالهم، فإنّك والله لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، فوالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلتَ، ما كانت لهما عندي هوادة، ولمّا تركتهما حتّى آخذ الحقّ منهما، والسلام).

فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تعظّم عليَّ أمانة المال الذي أصبتُ من بيت مال البصرة، ولعمري، إنّ حقّي في بيت مال الله أكثر من الذي أخذتُ، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فإنّ العجب كلّ العجب منك، إذ ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر ممّا لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان غيّك الباطل وادّعائك ما لا يكون يُنجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله

عليك، عمّرك الله، إنّك لأنت البعيد، قد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري المولّدات من المدينة والطائف، وتختارهن على عينك، وتُعطي بهنّ مال غيرك، وإنّي أقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما أحبّ أن ما أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثاً لعقبي، فما بال اغتباطك به، تأكله حراماً، ضحّ رويداً، فكأنّك قد بلغتَ المدى، وعرضت عليه أعمالُك بالمحلّ الذي يُنادى فيه بالحسرة، ويتمنى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة).

فكتب إليه ابن عبّاس: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنّه إلى معاوية يقاتلك به.

فكفّ عنه عليّ)، اه- .

تعقيب:

وبهذا انتهى ما ذكره ابن عبد ربّه الأندلسي في كتابه (العقد الفريد) تحت عنوان: (خروج عبد الله بن عبّاس على عليّ).

وتمشيّاً مع طريقتنا في متابعة كلّ نص بما يلزمنا من تنبيه القرّاء عليه، فإنّا نودّ لفت أنظارهم إلى أمر بالغ الأهمية، وذلك أنّ ابن عبد ربّه الأندلسي هو أموي بالولاء، وأموي في النشأة، وأموي في الهوى!

أمّا أمويته بالولاء، فهو أحمد بن عبد ربّه بن حبيب بن حُدير بن سالم القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي(1).


1) - مقدّمة العقد الفريد.

وأمّا أمويته في النشأة، فقد نشأ بقرطبة، وقد لازم الأمير عبد الله الذي تولّى عرش قرطبة سنة 275ه-، ونادمه زمناً، ومدحه بمدائح، فلمّا مات الأمير عبد الله سنة 300ه- تولّى بعده عبد الرحمن الناصر، أوّل من لقب بأمير المؤمنين، فاتصل به ولازمه ومدحه، وتوفي ابن عبد ربّه بالفالج سنة 327ه- بعد أن عُمر إحدى وثمانين سنة وشهراً(1).

وأمّا أمويته في الهوى: ففي كتابه (العقد الفريد) شواهد كثيرة يسع القرّاء مراجعتها والوقوف عليها.

ولكن شاهداً واحداً ندلّهم عليه، هو قوله في مدح عبد الرحمن الناصر، حتّى غالى فيه ففضّله على جميع الخلفاء، بقوله:

نوّهت بالخلفاء بل أخملتهم*** حتّى كأنّ نبيلهم لم ينبل

وأمّا أرجوزته في الخلفاء وتواريخهم فهي أدلّ على تعصّبه، بل على نُصبه، فلم يذكر الإمام عليّاً عليه السلام مع الخلفاء، حتّى عاب عليه القاضي منذر ابن سعيد، فسبّه ولعنه بذلك.

فقد ذكر ابن الأبّار في كتاب (التكملة) بسنده: (عن أبي عبيد القاسم ابن خلف الجبيري الفقيه الطرطوشي، قال: نزل القاضي منذر بن سعيد على أبي بطرطوشة -- وهو يومئذ يتولّى القضاء في الثغور الشرقية، قبل أن يلي قضاء الجماعة بقرطبة -- فأنزله في بيته الذي يسكنه، فكان إذا تفرّغ نظر في كتب أبي، فمرّ على يديه كتاب (أرجوزة ابن عبد ربّه) يذكر فيها الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم، ولم يذكر عليّاً فيهم، ثمّ وصل يذكر الخلفاء من بني


1) - مقدّمة العقد الفريد.

مروان إلى عبد الرحمن بن محمّد، فلمّا رأى ذلك منذر غضب وسبّ ابن عبد ربّه، وكتب في حاشية الكتاب:

أو ما عليٌّ لا برحتَ ملعّناً*** يابن الخبيثة عندكم بإمام

ربّ الكساء وخير آل محمّد*** داني الولاء مقدّم الإسلام

قال أبو عبيد: والأبيات بخطّه في حاشية كتاب أبي إلى الساعة، وكانت ولاية منذر للثغور مع الإشراف على العمّال بها والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج إليها سنة ثلاثين وثلثمائة)(1). اه- .

وبعد تسليط الضوء على أموية ابن عبد ربّه المركزّة مائة بالمائة، والتي نيطت بلحمه ودمه، وسيطت بنسبه ونشبه، نعود إلى ما ذكره حسب تسلسل فقراته التي ميّزناها بالحروف الأبجدية، فنقول:

جاء في الفقرة (أ): (قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان عبد الله بن عبّاس أحبّ الناس إلى عمر... الخ)، وابن أبي شيبة هذا محدّث كوفي اسمه عبد الله بن محمّد، قدم بغداد فحدّث بها، له تصانيف في التفسير والتاريخ والسنن والحديث والفتن، توفي سنة 235ه-، ولم يذكر ابن عبد ربّه مصدره في النقل عن ابن أبي شيبة المذكور، لنرى مدى صحّة نقله عنه أوّلاً، وإلى أين ينتهي ما قاله ابن أبي شيبة؟

فإنّ المذكور في هذه الفقرة:

1- مقام ابن عبّاس عند الخليفة عمر، وهذا مذكور في التاريخ، وقد مرّ


1) - التكملة 1/393.

ذكره في أيام عمر في الحلقة الأولى(1).

2- عدم استعمال عمر له، وقول عمر: كدت استعملك... الخ، ولم يرد هذا اللفظ فيما بحثنا عنه، وليت ابن عبد ربّه، أو ابن أبي شيبة ذكر لنا مصدره؟

3- استعمال الإمام عليه السلام له، واستحلاله الفيء على التأويل... الخ، وهذا هو بيت القصيد!

ولنا أن نلاحظ على هذا النص في الفقرة (أ) بمجموعه، عدم الانسجام في صياغته اللفظية بين مطالبه!

فإنّ نهاية التعريف بمقام ابن عبّاس عند عمر، قوله: (وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمّد صلي الله عليه و آله وسلم)، لا ينسجم مع بداية المطلب الثاني، وهو: (ولم يستعمله قطّ...) الخ، فأيّ ربط بين تلك النهاية وهذه البداية؟ وإذا أصررنا على وجود الربط، فثمّة عدة عمر لم يصنعها عمر مع ابن عبّاس، كان على الراوي أن يذكرها مع قوله: ولم يستعمله قطّ... الخ، ولم يرسله قائداً في حرب لأنّه... ولم يبعثه أميراً على الموسم لأنّه... ولم يسمّه في أصحاب الشورى لأنّه... ولم، ولم، وهكذا..

وكلّ تلك أمور خارجة عن بيان المقام، بل ذكرها يدلّ على أنّ ثمّة توطئة لأمر ما، كما رأينا أنّ نهاية عدم تولية عمر منسجم تماماً مع النتيجة المطلوبة من التوطئة لتولية الإمام عليه السلام له، واستحلاله الفيء على التأويل، فيما يرويه ابن عبد ربّه! وإلاّ فحديث عمر مع ابن عبّاس في شأن الولاية


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثاني، الفصل الثالث/حبر الأُمّة في عهد عمر.

مذكور في جملة من المصادر، وليس فيه ما يرويه ابن عبد ربّه.

ومن تلكم المصادر كتاب (الخراج) لأبي يوسف القاضي، المتوفّى سنة (182ه-)(1)، ومنها كتاب (البديع) لعبد الله بن المعتز، المتوفّى سنة (296ه-)(2)، ومنها كتاب (أدب الدنيا والدين) للماوردي، المتوفّى سنة (450ه-)(3).

والحديث في جميع هذه المصادر فيه تفاوت في اللفظ، ونحن ننقل نص ما ورد في أقدمها تدويناً وهو كتاب (الخراج)، فقد جاء فيه:

(قال: وحدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عمّن حدّثه، قال: قال عبد الله بن العبّاس: بعث إليَّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فأتيته.

فقال: يا بن عبّاس! إنّ عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، والخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم فدعوتك لأستعملك عليها، وفي نفسي منك شيء أخافه ولم أره منك وأنا أخشاه عليك، فما رأيك في العمل؟

قال قلت: فإنّي لا أرى أن أعمل لك عملاً حتّى تخبرني بما في نفسك.

قال: وما تريد إلى ذلك؟

قال: أريد إن كنت بريئاً من مثله عرفت أنّي لست من أهله، وإن كنت ممّن أخشى على نفسي خشيت عليها مثل الذي خشيت عليَّ، فقلّما رأيتك ظننت شيئاً إلاّ جاء عليه الوحي(؟)(4).


1) - الخراج: 113، ط السلفية سنة 1352ه-.

2) - البديع: 54.

3) - أدب الدنيا والدين: 187.

4) - في مروج الذهب: (فإنّي قلّما رأيتك طلبت شيئاً إلاّ عاجلته)، وهو الأنسب والأصح، وإلاّ فكيف يقول ابن عبّاس ذلك بعد انقطاع الوحي بموت النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم.

فقال: يا بن عبّاس! إنّي أطمح حالك أنّك لا تجدني إلاّ قريب الجد، وإنّي خشيت عليك أن تأتي على الفيء(1)

وأمّا زعم أنّه يخشى من إتيانه على الفيء، فهو في غير محلّه، فعمر الخليفة الصارم في مراقبة عمّاله مراقبة شديدة، والذي كان يحاسبهم حساباً عسيراً، وفي مقاسمة عمّاله وفيهم عمرو ابن العاص وأبو هريرة وأضرابهم، خير دليل على أنّه لم يكن ليخشى استحلال ابن عبّاس للفيء، وإنّما الذي كان يخشاه هو دعوة الناس بعد موته إلى ولاية بني هاشم الممثلة في إمامة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا ما لا يريده عمر أن يحصل، وهو صاحب المقولة مع ابن عبّاس: (أبت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة)، وقد مرّ هذا في حواراته مع عمر؛ فراجع!

الذي هو آت وأنت في عملك، فيقال لك هلّم إلينا ولا هلّم إليكم دون غيركم، إنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم استعمل الناس وترككم.

قال: قلت: والله لقد رأيت الذي رأيت، ولِمَ تراه فعل ذلك؟

فقال: والله ما أدري أصرفكم عن العمل وأرفعكم عنه وأنتم أهل ذلك، أم خشي أن تعاونوا لمكانكم منه فيقع العتاب عليكم ولا بدّ من عتاب، فقد فرغت لي وفرغت لك فما رأيك؟

قلت: لا أرى أن أعمل لك.

قال: لِمَ؟

قلت: لأنّي إن عملت لك وفي نفسك ما في نفسك لم أبرح قذاة في عينك.


1) - ليس في مروج الذهب كلمة (الفيء) وهي قلقة بعد أن يكون قول عمر كما في المروج: (يا ابن عبّاس! إنّي خشيت أن يأتي عليَّ الذي هو آت وأنت في عملك، فتقول: هلّم إلينا ولا هلّم إليكم دون غيركم... الخ)، فهو لم يخش من تولية ابن عبّاس إلاّ أن يكون بعد موته يدعو الناس إلى تولّي بني هاشم للأمر دون غيرهم.

قال: فأشر عليَّ.

قال: قلت: أشير عليك أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً عليك.

قال: تكون أنت ذلك الرجل؟

قال: قلت: لا تنتفع بي مع سوء ظنّي بك وسوء ظنّك بي). اه- .

ودعنا من كلّ ذلك، أليس من الملفت للنظر حقّاً تلكم التقدمة بين يدي حديث الخيانة المزعومة وما دار فيه من رسائل بين الإمام عليه السلام وبين ابن عبّاس.

وأيّ مقدّمة تلك التي يمهّد فيها أبو بكر بن أبي شيبة أذهان سامعيه والقرّاء من بعدهم لقبول ما يتبعها من نتائج قبولاً تلقائياً!

والحقّ، إنّها كانت عن قصدٍ بارع، وذكاء في فنّ استخلاص النتائج، وإلاّ فبماذا نفسّر ذلك؟! فأيّ ارتباط بين حديث: (خروج عبد الله بن عبّاس على عليّ)، كما جاء في العنوان، وبين أوّل ما أورده من حديث عمر وخشيته من استحلال ابن عبّاس للفيء لو استعمله؟! أليست هذه توطئة تمهيدية لتصديق القرّاء بما يمليه عليهم بعد ذلك!

ثمّ إنّ هذا اللون في عرض حديث الخيانة لم نجده عند الآخرين ممّن سبق ابن عبد ربّه، وكلّهم من المشارقة، وعاشوا في بغداد وأعمالها، فما بال ابن عبد ربّه القرطبي الأندلسي الذي لم يدخل المشرق، يعرض الحديث بتوطئة لها تمام التأثير في نفس القارئ! ألا يكون ذلك استجابة لداعي الهوى الأموي؟ ونصرة لمواليه وأبنائهم -- أمراء المؤمنين!! -- في قرطبة، والذين أسّسوا دولة انفصالية عن خلافة المشرق والتي كان -- أمراء المؤمنين؟! -- فيها هم من أبناء عبد الله بن العبّاس هذا؟! ولا يخفى ما

تضطغنه نفوس الأمويين ومواليهم على العبّاسيين ومن يمتّ إليهم أو يمتّون إليه، لأنّهم الذين قضوا على دولتهم في المشرق، ونكّلوا بهم أحياءاً وأمواتاً.

وجاء في الفقرة (ب) حديث الخيانة مسنداً، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد، وهو على جهالة الطريق بين ابن عبد ربّه وبين أبي مخنف لا يمكن الاعتماد عليه، لجهالة حال كثير من رجاله المسمّين.

وقد مرّ حال أبي مخنف، كما مرّ حال سليمان بن راشد الذي روى عنه أبو مخنف هذا الحديث بعينه، كما في (تاريخ الطبري). وإذ لم نجد في كتب الرجال من ذكر بهذا الاسم (سليمان بن أبي راشد) فقد تيقّنا أنّ كلمة (أبي) من زيادات النسّاخ، أو اشتباه الرواة!

وأمّا عبد الرحمن بن عبيد، فهو نفسه المارّ ذكره في سند الطبري في نفس هذه الفقرة (ب) أيضاً، وقد بينّا فيما مضى جهالة حاله؛ فراجع!

ولا يهمّنا الآن حال رجال السند بقدر ما يهمّنا إعلام القارئ بالشيء الجديد الذي بدأنا نقرؤه عند ابن عبد ربّه، وذلك هو التزيّد في الرواية، وإدخال ألفاظ وجمل، تزيد إمّا في قناعة القارئ بصحّة الحديث لصراحتها ووضوحها في ذلك، أو لا أقلّ من تقوية جانب الشكّ في براءة المتّهم، وتضمُر -- من الضمور -- في نفس القارئ قاعدة (المتّهم بريء ما لم تثبت إدانته)، وبمرور الزمن تختفي تلك القاعدة نتيجة لعوامل التضبيب المكثف حول هذا الحديث.

وفيما يلي نعرض مقارنة لما جاء عند ابن عبد ربّه من رواية أبي مخنف على صورتها المروية في الطبري، لنُلمس القارئ التزيّد المتعمّد

عند ابن عبد ربّه.

وما يجده القارئ بين قوسين فهو المزيد:

1- في كتاب أبي الأسود إلى الإمام عليه السلام زيادة قوله: (رحمك الله)، بعد قوله: وقد بلوناك.

2- وفيه أيضاً: ولا ترتشي (بشيء) وفي أحكامهم.

3- في كتاب الإمام عليه السلام إلى أبي الأسود: ووالى على الحقّ (وفارق الجور).

4- جميع ألفاظ كتاب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس في أمر الخيانة وطلبه رفع الحساب.

5- في كتاب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس ثانياً: أمّا بعد، (فأنّه لا يسعني تركك حتّى) تعلمني... الخ.

6- وفيه أيضاً: (فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه، فإنّ المتاع بما أنت رازمه قليل، وتبعاته وبيلة، والسلام).

7- (فلمّا رأى أنّ عليّاً غير مقلع عنه)، كتب إليه: أمّا بعد، ...(وأيم الله لأن ألقى الله بما في هذه الأرض من عقيانها ومخبئها، وبما على ظهرها من طلاعها ذهباً، أحبّ إليَّ من أن ألقى الله وقد سفكتُ دماء هذه الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمرة).

8- فجاء الضحّاك بن عبد الله (الهلالي فأجاره ومعه رجل منهم، يقال له: عبد الله بن رزين (وكان شجاعاً بئيساً، فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن، فقالت هوازن: لا غنى بنا عن بني سليم، ثمّ أتتهم قيس، فلمّا رأى

اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة، وكان فيما زعموا ستّة آلاف ألف، فجعله في الغرائر).

9- (قال: فحدّثني الأزرق اليشكري، قال: سمعنا أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لمّا وضع المال في الغرائر ثمّ مضى به) تبعته الأخماس كلّها بالطفّ (على أربع -- والصواب: أربعة -- فراسخ من البصرة).

10- فقال الأحنف بن قيس: (أنتم والله أحقّ ألاّ تقاتلوهم عليه).

11- فحمل عليه الضحّاك بن عبد الله فطعنه (في كتفه فسقط إلى الأرض بغير قتل، وحَمَل سلمة بن ذؤيب السعدي على الضحّاك فصرعه أيضاً).

12- وقالوا لبني تميم: (والله، إنّ هذا اللؤم لقبيح)....(خلّوا عنهم وأرواحهم فإنّ القوم فدحوا)، فانصرفوا عنهم.

13- ومضى معه -- مع ابن عبّاس -- (ناس من قيس فيهم الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين).

14- (فجعل راجزٌ لعبد الله بن عبّاس يسوق له في الطريق ويقول:

صبّحت من كاظمة القصر الخرب*** مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب)

15- (وجعل ابن عبّاس يرتجز ويقول:

آوي إلى أهلك يا رباب*** آوي فقد حان لك الإيابُ

وجعل أيضاً يرتجز ويقول:

وهنّ يمشين بنا هميسا*** إن يصدق الطير نَنِك لميسا

فقيل له: يا أبا العبّاس، أمثلك يرفث في هذا الموضع؟ قال: إنّما الرفث ما يقال عند النساء).

16- (قال أبو محمّد: فلمّا نزل مكّة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني كعب من جواريه ثلاث مولّدات حجازيات، يقال لهنّ: شادن، وحوراء، وفتون، بثلاثة آلاف دينار).

17- (وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد الله بالبصرة، فلمّا كان من أمره ما كان، أتيت عليّاً فأخبرته، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(1)).

18- (ثمّ كتب معه إليه): أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي بمواساتي ومؤازرتي... إلى آخر الكتب، وقد مرّت فراجعها في المنقول عن (العقد الفريد).

هذه نماذج من التزيّد في (العقد الفريد) في حديث أبي مخنف على روايته عند الطبري في تاريخه، فمن أين لابن عبد ربّه كلّ هذه الزيادات؟! والعادة تقضي باطّلاع الطبري على كتب أبي مخنف -- وكلاهما من المشارقة -- قبل اطّلاع ابن عبد ربّه عليها، وهو مغربي لم يدخل المشرق.

واحتمال أخذ ابن عبد ربّه ذلك من البلاذري في الفقرة (ج) -- حيث نجد بعض هذه الزيادات عنده -- احتمال واهٍ، وليس بشيء! لأنّ رواية البلاذري مرسلة ولم يسندها إلى أحد بعينه، هذا أوّلاً. وثانياً: ثمّة زيادتان


1) - سورة الأعراف/175.

وهما 16- و18- لم يردا في رواية البلاذري أصلاً! مضافاً إلى التفاوت في الألفاظ عند المقارنة بين حديث البلاذري وحديث ابن عبد ربّه؛ فراجع!

وممّا يبعث الشكّ في رواية ابن عبد ربّه الأندلسي: تلك الأرجاز الثلاثة:

1- فإن أوّلها لراجز لعبد الله بن عبّاس، قال: راجزه وهو يسوق له في الطريق:

صبّحتُ من كاظمة القصر الخرب*** مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب)

وإذا أمعنّا النظر في معنى البيت أنّ السائق صبّح من (كاظمة) -- وهو اسم مكان على سيف البحر من البصرة على مرحلتين، وفيه ركام كثير وماؤه شروب -- القصر الخرب مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب.

ولدى التحقيق في أسماء المنازل والقرى التي يمرّ بها المسافر من البصرة إلى مكّة، لا نجد ذكراً لكاظمة بينها! وإليك أسماء المنازل نقلاً عن كتب الرحالة والجغرافيين:

فمن البصرة إلى المنجشانية، وهي على ثمانية أميال من البصرة، ومنها إلى الحفير على عشرة أميال من المنجشانية، ومنه إلى الرحيل على ثمانية وعشرين ميلاً -- وهكذا نبتعد عن البصرة بمراحل كثيرة، ويتصاعد عدد الأميال إلى 700 ميلاً يقطعها المسافر في خمس وعشرين مرحلة، كما سيأتي تفصيل ذلك. فإذا كانت (كاظمة) على مرحلتين من البصرة على سيف البحر، فأين هي من الطريق الذي يسلكه الذاهب إلى مكّة؟ وقد ذكرنا أسماء ثلاث منازل ممّا قرب موقعه من البصرة وليس بينها (كاظمة)؛

الصفحة السابقةالصفحة التالية

فلاحظ بدقّة!

على أنّ البيت قد ذكره المبرّد، وهو أقدم من ابن عبد ربّه، إذ توفي سنة (286ه-) بلفظ آخر، وساقه شاهداً على إقامة العرب المضاف إليه مقام المضاف، وإليك روايته:

قال: والعرب تقيم المضاف إليه في هذا الباب مقام المضاف، كما قال الآخر:

صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب*** يحملن عبّاس بن عبد المطّلب

يريد ابن عبّاس)(1).

وقد ذكره ابن دريد المتوفّى سنة (321ه-) في (الجمهرة)(2)بنحو ذلك، وهو أيضاً أقدم زمناً من ابن عبد ربّه؛ فلاحظ!

2- وإنّ ثاني الأرجاز، وثالثها، لم نقف على من ذكر أنّ ابن عبّاس قالهما عند سفره هذا إلى مكّة، بل أنّ الرجز الثالث وهو قوله:

وهنّ يمشين بنا هميسا*** إن يصدق الطير نَنِك لميسا

فقالوا: تقول الرفث وأنت محرم يا بن عبّاس؟! فقال: إنّما الرفث عند النساء.

وهذا الحديث يدلّ بصراحة أنّ ابن عبّاس كان محرماً، وليس فيه أي


1) - الكامل في اللغة والأدب 3/151، باب من أخبار الخوارج، رثاء للكميت، تحقيق محمد أبو الفضل، ط3 1417ه-، دار الفكر العربي.

2) - جمهرة اللغة 3/503.

إشارة إلى أنّه كان يرتجز بذلك عند عودته من العراق. وأين هذا من سياق ابن عبد ربّه؟! على أنّا لا نعدم دليلاً من نفس روايته، أنّ الرجز جيء به حشراً وقسراً ولم يحسن حاشره وضعاً، إذ أبقى ما يدلّ على تصدّعه، وذلك قوله: (فقيل له: يا أبا العبّاس! أمثلك يرفث في هذا الموضع؟ قال: إنّما الرفث ما يقال عند النساء)، فإنّ هذا يدلّ بوضوح على أنّ الرجز -- إن صحّت نسبته -- إنّما كان في حالة يصحّ معها الاستنكار، إمّا لأنّه في بلد حرام، أو لأنّ قائله كان محرماً. وفي غير هاتين الحالتين لا معنى للاستنكار؛ فلاحظ!

وممّا يؤيّد ما ذهبنا إليه من أنّ الرجز لم يكن حين سفر ابن عبّاس من البصرة كما زعمه ابن عبد ربّه: ما رواه ابن دريد المتوفّى سنة (321ه-) في (جمهرة اللغة)(1)، وابن منظور المتوفّى سنة (711ه-) في (لسان العرب)(2)، والزبيدي في (تاج العروس)(3)، عن ابن عبّاس، وأنّه كان محرماً، فأخذ بذنب ناقة من الركاب، وهو يقول:

وهنّ يمشين بنا هميسا*** إن يصدق الطير نَنِك لميسا

فقيل له: يا أبا العبّاس! أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنّما الرفث ما روجع به النساء.

وفي لفظ ابن دريد: (فقال: ليس بين الرجال رفث).

ورواه الراغب الأصبهاني في (محاضراته)، وذلك أنّه رأى رجلاً


1) - جمهرة اللغة 2/40.

2) - لسان العرب 2/ 154 فصل الراء (رفث).

3) - تاج العروس 3/ 217 مادّة (رفث).

يتظلّف عن ذكر السوأتين، فقال: (إن تصدق الطير ننك لميسا)، ودخل في الصلاة، يريد أنّ ذكر ذلك ممّا لا يحرج(1). اه- .

وثمّة ملاحظة جديرة بالاهتمام، إذ أنّها تبعث على الشكّ في رواية ابن عبد ربّه مضافاً إلى ما سبق، وتلك هي: ما ورد في أوّل حديثه من تصريح في كتاب أبي الأسود إلى الإمام عليه السلام أنّ ابن عبّاس (قد أكل ما تحت يديه)، يعني: من بيت المال، وجاء بعد ذلك أنّه لمّا اجتمع له قيس حمل ما كان في بيت المال وكان مبلغه ستّة آلاف ألف؛ وهذه جريمة ثانية اقترفها مضافاً إلى ما كان أخذه سابقاً وعلم به أبو الأسود أوّلاً، فإذاً لا بدّ من افتراض ذلك. هذا ما لم تشر إليه المصادر الأُخرى من قريب أو بعيد! إذ كلّ من أدان ابن عبّاس بتهمة أخذ المال، إنّما اتّهمه بأخذه المال أوّلاً وعلم أبي الأسود به، وكتابته إلى الإمام عليه السلام في ذلك، ولم يذكر أنّه أخذ ثانياً من بيت المال ستّة آلاف ألف.

وعليه، فإمّا أن يكون أخذ المال بعد اجتماع قيس؛ فكيف يصحّ توجيه كتابة أبي الأسود سابقاً بتهمة لم تقترف؟

وإمّا أن يكون أخذ المال سابقاً، وهو الذي وشى به أبو الأسود، فلا معنى لقوله: (لمّا اجتمع له قيس حمل ما كان في بيت مال البصرة)، إذ المال مأخوذ سابقاً.

فلاحظ هذا التهافت!

ولا مجال للقول بتعدّد الأخذ، لعدم ذكر ذلك في المصادر التي تثبت الإدانة.


1) - المحاضرات 2/116.

وهناك ملاحظات عامّة يشترك فيها ابن عبد ربّه مع غيره، سيأتي الحديث عنها في (عناصر التضبيب)، نرجئ القول فيها إلى محلّه.

الخامس: (الأغاني)

الخامس: (الأغاني)، لأبي الفرج الأصبهاني، المتوفّى سنة 356ه- ج11/103، ط الساسي، قال أبو الفرج:

(أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيدي، قال: حدّثنا البغوي، قال: حدّثنا علي بن الجعد، قال: حدّثنا معلّى بن هلال، عن الشعبي.

وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثنا المدائني، جميعاً قالوا: لمّا خرج ابن عبّاس(رضي الله عنهما) إلى المدينة من البصرة تبعه أبو الأسود في قومه ليردّه، فاعتصم عبد الله بأخواله من بني هلال فمنعوه، وكادت تكون بينهم حرب، فقال لهم بنو هلال: ننشدكم الله أن لا تسفكوا بيننا دماء تبقى معها العداوة إلى آخر الأبد، وأمير المؤمنين أولى بابن عمّه فلا تدخلوا أنفسكم بينهما، فرجعت كنانة عنه، وكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام، فأخبره بما جرى فولاّه البصرة).

تعقيب:

وحيث أنّ أبا الفرج الأصبهاني (أكذب الناس)، كما يقول الخطيب البغدادي في تاريخه(1)، قد روى الخبر في كتابه (الأغاني) (الذي اشتمل على كثير من الأخبار الواهية، بل الموضوعة)، كما في (تاريخ القضاء في الإسلام)(2)، (ومن تأمّل كتاب الأغاني رأى فيه كلّ قبيح ومنكر)، كما يقول


1) - تاريخ بغداد 11/399.

2) - تاريخ القضاء في الإسلام: 182.

ابن الجوزي في (المنتظم)(1)، فلا حاجة إلى الإطالة في الحديث عنه وعن كتابه؛ وحيث عزّز بتعدّد الإسناد، فلا بدّ من إلقاء نظرة فاحصة عليهم، فنقول:

أمّا رجال الإسناد فليس فيهم من يسلم من تجريح العلماء، ابتداءً من محمّد بن العبّاس اليزيدي الذي كان إماماً في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب، فقد ذُكر أنّه بصري، واستدعي في أواخر عمره إلى تعليم أولاد المقتدر بالله، فلزمهم مدّة، ولقيه بعض أصحابه بعد اتصاله بالخليفة فسأله أن يقرئه؟ فقال: أنا في شغل عن ذلك(2).

وثانياً: مروراً بالبغوي، وهو: عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي الأصل، والذي سمع أكثر من ثلثمائة شيخ، وصنّف (معجم الصحابة)، و(الجعديات)، وطال عمره، لكنّه كان كما قال ابن عدي: كان ورّاقاً، وكان يورّق على جدّه وعمّه، وغيرهما، وكان يبيع أصل نفسه كلّ وقت، وأخذ ابن عدي يضعّفه(3).

وثالثاً: بشيخه علي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي، مولى بني هاشم، الذي قال فيه أبو الحسن السوسي: سمعت النفيلي يقول: لا ينبغي أن يكتب عنه قليل ولا كثير. وضعّف أمره جدّاً، وحكى العقيلي عن ابن المديني ما يقتضي وهنه عنده، وقال الجوزجاني: متشبّث بغير بدعة، زائغ عن الحقّ، وقال العقيلي: قلت لعبد الله بن أحمد: لِمَ لَمْ تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي، وكان يبلغه عنه أنّه يتناول الصحابة، وقال أبو زرعة:


1) - المنتظم 7/40.

2) - ابن خلكان وفيات الأعيان 4/338 تح إحسان عبّاس، ط دار صادر.

3) - الذهبي تذكرة الحفّاظ: 738، ط الثانية.

كان أحمد لا يرى الشكاية (الكتابة ظ) عنه، ورأيته مضروباً عليه في كتابه(1)، وذكره الذهبي في (ديوان الضعفاء والمتروكين)(2).

ورابعاً: مروراً بمعلّى بن هلال، وهو الطحان الكوفي، الذي نقل أبو طالب عن أحمد قوله فيه: متروك الحديث، حديثه موضوع كذب، ونقل عبد الله بن أحمد عن أبيه قوله: المعلّى بن هلال كذّاب، وعن ابن معين: هو من المعروفين بالكذب ووضع الحديث، وعنه أيضاً: ليس بثقة كذّاب، وقال البخاري: تركوه، وعن أبي داود: غير ثقة ولا مأمون، ونقل عن سفيان بن عيينة أنّه مرّ عليه، فقال: هذا من أكذب الناس، وقال في موضع آخر: كان كذّاباً، وسُئل أبو زرعة عن المعلّى بن هلال ما كان تنقم عليه؟ فقال: الكذب، وقال الأزدي: متروك، وقال الجوزجاني، والعجلي، وعلي بن الحسين بن الجنيد: كذّاب، وقال الدارقطني: كان يضع الحديث، وقال ابن حبّان: كان يروي الموضوعات عن قوم أثبات، لا تحلّ الرواية عنه بحال، قال أبو أسامة: سجرت بكتابه التنور، وذكره ابن البرقي في باب من رُمي بالكذب، وقال: كان قدرياً(3)، وذكره الذهبي في (ديوان الضعفاء والمتروكين)، وقال: عن منصور: ممّن يضع الحديث(4). وذكره الفتني في (ذيل تذكرة الموضوعات) بالكذب والوضع، وعنه أيضاً في (ذيل اللئالي): كذّاب، وعن ابن حجر في (مقدّمة فتح الباري): كلّ أحاديثه موضوعة،


1) - ابن حجر تهذيب التهذيب 7/289 -- 292.

2) - الذهبي ديوان الضعفاء والمتروكين: 219.

3) - ابن حجر التهذيب 10/240 -- 242.

4) - ديوان الضعفاء والمتروكين: 304.

وأخيراً فهو كما قال الذهبي في (المغني): كذّاب بالاتّفاق(1).

وخامساً: انتهاءً بالشعبي الذي شهد على نفسه بالكذب في قصّة تصديق المختار في ادّعائه أنّه رسول محمّد بن الحنفية، وأنّه كتب إلى إبراهيم بن الأشتر بأمره بمؤازرة المختار، وأنّ المختار استشهد جماعة على صحّة ذلك كان منهم الشعبي، فشهدوا بصحّة الدعوى. والشعبي نفسه اعترف بعد ذلك بأنّ جميع ذلك كان كذباً.

وسواء صحّت تلك القصّة أم لم تصحّ، فإنّ الشعبي كاذب بما نصبّه هو ميزاناً لصدقه وكذبه، ووضعه حدّاً لمن وقف عليه وتحدّاه، جاز له أن يصفه بالكذب، وذلك: فيما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، قال البلاذري: (حدّثنا شريح بن يونس وعمرو بن محمّد، قالا: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن، قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم من المهاجرين والأنصار غير عليّ، وعمّار، وطلحة والزبير، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب)(2).

أقول: هذا أظهر شاهد على كذبه، فإنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمّا خرج من المدينة إلى حرب الناكثين كان معه سبعون من أهل بدر ممّن بايع تحت الشجرة(3)شهدوا معه الحرب، سوى من لحق به ممّن كان بالكوفة والبصرة منهم، وسوى الذين كانوا مع طلحة والزبير.. وما أدري! وليتني كنت أدري، لِمَ لَمْ يذكر الشعبي أُمّ المؤمنين عائشة؟ ألشكّ في


1) - الذهبي ميزان الاعتدال 4/152.

2) - أنساب الأشراف ج1 ق2 ورقة 181/ب حديث 347 من ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

3) - تاريخ الخلفاء ورقة 42/ب، ط موسكو سنة 1967م.

صحبتها، أو في هجرتها، أو لأمر آخر؟! والجواب عند الشعبي.

أمّا أنا فقد رأيت الغلابي المتوفّى سنة (298ه-) ذكر في (وقعة الجمل)(1)برواية محمّد بن يحيى الصولي المتوفّى سنة (335ه-) أصحاب الرايات مع الإمام عليه السلام، وعدّ منهم أبا أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، وعقبة ابن عامر الجهني من البدريين، وأبا الهيثم بن التيهان وهو عقبي بدري، وخزيمة ذا الشهادتين بدري، وخلاّد وخليدة، وعبادة بن الصامت بدري، وقيس بن سعد ابن عبادة، وهؤلاء هم من الأنصار، وابن عبّاس، وابن جعفر، والحسنين، وغيرهم من الهاشميين ومن الصحابة. ألا يحقّ لنا بعد أن جئنا بخامس وسادس و... و... و... أن نسمّي الشعبي كذّاباً كما شاء ذلك لنفسه!

فلقد ورد في كتاب (تاريخ الخلفاء) طبعة موسكو سنة 1967م خبراً مسنداً ذكر فيه أسماء من شهد مع عليّ بن أبي طالب من أصحاب النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم في صفّين والجمل من المهاجرين والأنصار، سوى من حضر من أهل الخير من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وغيرهم -- ثمّ ساق أسماء جماعة تقرب من مائة اسم، فيهم كثير من البدريين، ثمّ ذكر أسماء صحابة وصفهم بأنّهم أبناء أهل بدر نيّفوا على العشرين، وقال: (شهد معه سبعون من أهل بدر، وسبع مائة ممّن بايع تحت الشجرة، سوى من لا يحصى من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، ومن التابعين ثلاثة نفر بلغنا أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم شهد لهم بالجنّة: زيد ابن صوحان، وجندب الخير، وأويس القرني...)(2).


1) - وقعة الجمل: 30 -- 35.

2) - تاريخ الخلفاء طبعة موسكو سنة 1967م، (نسخة مصورة) سلسلة آثار الآداب الشرقية، ورقة 4/ب، وانظر تاريخ مدينة دمشق 19/442 زيد بن صوحان.

وختاماً فقد قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): (وروى أبو نعيم، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال: ثلاثة لا يؤمنون على عليّ بن أبي طالب: مسروق، ومرّة، وشريح، وروي أنّ الشعبي رابعهم...)(1)اه- . ولم لا يكون هو أوّلهم! أليس هو الذي يحلف بالله أنّ عليّاً دخل اللحد وما حفظ القرآن، فمن بلغ به النُصب البغيض أن يقول هذا مع أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم يقول: (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ)، فماذا يُرجى فيه من صدق في خبر يرويه لتحطيم شخصية ابن عبّاس، ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، وابن عمّ عليّ عليه السلام، وتلميذهما؟

وإلى هذا الكذّاب ينتهي أوّل إسنادي أبي الفرج الأصبهاني.

أمّا إسناده الثاني، فيبدأ بأحمد بن عبيد الله بن عمّار الكاتب، المعروف ب-(حمار العزير) الذي كان قدرياًً، وفيه يقول ابن الرومي -- وكان صديقاً له وهو الذي سمّاه ب-(حمار العزير)، وذلك أنّه كثير السخط لما تجري به الأقدار في آناء الليل والنهار، حتّى عرف بذلك -- فقال له ابن الرومي يوماً: يا أبا العبّاس قد سميتك حمار العزير، قال له: وكيف وقعت لي على هذا الاسم؟ قال: لأنّ العزير خاصم ربّه بأن أسال من دماء بني إسرائيل على يدي بختنصّر سبعين ألف دم، فأوحى الله إليه: (لئن لم تترك مجادلتي في قضائي لأمحونك من ديوان النبوّة)، وفيه يقول:

وفي ابن عمّار عزيرية*** يخاصم الله بها والقدر

ما كان لِم كان وما لم يكن*** لِمْ لَم يكن فهو وكيل البشر


1) - شرح نهج البلاغة 4/98.

لا بل فتى خاصم في نفسه*** لٍمْ لَم يفز قدماً وفاز البقر

وكلّ من كان له ناظر*** صافٍ فلا بدّ له من نظر(1)

أمّا بقية رجاله فهم: عمر بن شبة، والمدائني، وقد سبق تعريفهما في حديث البلاذري؛ فراجع!

وبعد هذا العرض لآراء العلماء في أبي الفرج وكتابه ورجال إسناده، فلا أظنّ أنا بحاجة إلى مناقشة متن حديثه. على أنّ فيه أكثر من هنات نشير إلى بعضها من دون تعليق:

1- عدم ذكر للمال في خروج ابن عبّاس من البصرة، فلماذا لاحقه أبو الأسود بقومه؟!

2- ملاحقة أبي الأسود بقومه -- وهم الدؤل -- لابن عبّاس، فأين كانت الأخماس؟!

3- ظهور بني كنانة على المسرح ورجوعهم بمجرّد مناشدة بني هلال لهم، واختفاء أبي الأسود وقومه عنه. وكأنّ الوظيفة الشرعية لأبي الأسود انتهت بالمناشدة؟!

4- كتابة أبي الأسود إلى الإمام عليه السلام مخبراً بما جرى -- والله أعلم بما جري -- في كتاب لم يطلع عليه إلاّ أبو الفرج ورواته؟!

5- وأخيراً تولية الإمام عليه السلام لأبي الأسود على البصرة -- وهو بيت القصيد -- تلك الولاية المجهولة التاريخ بكتابها المستور في بطن الغيب غير المنظور!!


1) - ياقوت معجم الأدباء 3/332.

السادس: (نزهة الأبصار ومحاسن الآثار)

السادس: (نزهة الأبصار ومحاسن الآثار)، تأليف أبي الحسن علي ابن مهدي الطبري المامطيري، المتوفّى سنة (360ه-) في ص299 -- 300 تح المحمودي، نشر المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، قال:

(وروي أنّه كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ، لمّا ولاّه عليها، وانقلب منها إلى مكّة، (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى).

(وفي الكتاب): (فضّح رويداً، فكأنّ قد بلغت المدى، وعُرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي به ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع بالتوبة، والظالم بالرجعة).

قوله: (قد حرب)، أي: غضب، يقال: حرب الرجل يحرَب حَرباً، وحرّبته أنا، أي: أغضبته، وأسد محرب، أي: مغضب.

وقوله: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)، هذا مثل يضرب به لمن كان لصاحبه على مودّة أو رعاية ثمّ حال عن ذلك، والمجنّ: الترس.

وقوله: (اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى)، إنّما خصّ الدامية دون غيرها، لأنّ في طبع الذئب محبّة الدم، فهو يؤثر الدامية على غيرها، ويبلغ به طبعه في ذلك أنّه يرى الذئب وبه دم، فيثب عليه ليأكله، قال الشاعر:

وكنت كذئب السوء لمّا رأى دما*** بصاحبه يوماً أحال على الدم

وقال آخر أيضاً:

إنّي رأيتك كالورقاء يوحشها*** قرب الأليف وتخشاه إذا عقرا

والورقاء: الذئب، ويستوحش منه، فإذا عُقر وثب عليه.

وقوله: (ضحّ رويداً)، هذا مثل، وهو كما تقول: اصبر قليلاً قليلاً، ويقال: أصله من تضحية الإبل، وهو تغذيتها، يقال: ضحّيتها إذا غذّيتها.

وقال زيد الخيل:

ولو أنّ نصراً أصلحت ذات بينها*** لضحّت رويداً عن مظالمها عمرو

أي: لكفّت عمرو أنفسها عن ظلمها، ونصر وعمرو حيّان من بني أسد).

تعقيب:

ما دام المؤلّف المامطيري، لم يذكر سنداً لنرى رجاله في ميزان الجرح والتعديل، ولا مصدراً لننظر فيه، فقد كفانا مؤنة التعقيب وإطراحه جانباً، وتجاوزه إلى غيره، وقد ذكر محقّق الكتاب أنّ المؤلّف قد اعتمد في المتن والشرح على كتاب (غريب الحديث) لابن قتيبة، بدلالة الموافقة عند المقارنة ما بينهما.

السابع: (طبقات النحويين واللغويين)

السابع: (طبقات النحويين واللغويين)، لأبي بكر محمّد بن الحسن الزبيدي (ت379) تح محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط الأولى سنة 1373ه- -- 1954م، وقف على طبعه ونشره محمّد سامي أمين الخانجي الكتبي بمصر (في ترجمة أبي الأسود الدؤلي:

ص (15): (وروي أنّ أبا الأسود كتب إلى عليّ بن أبي طالب -- رحمه الله -- : أمّا بعد، فإنّ الله جعلك مؤتمناً وراعياً مسئولاً، وقد بلوتك -- رحمك الله --

فوجدتك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توقّر فيئهم، وتنزّه(1)نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابن عمّك عبد الله بن عبّاس قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانُك ذلك، فانظر -- رحمك الله -- فيما هناك، وتقدّم إليَّ فيما أحببت أتبعه إن شاء الله).

فكتب إليه علي رحمه الله: (أمّا بعد، فإنّك ناصح للإمام والأُمّة)(2)، وأنت ممّن والى أهل الحقّ، وبارز أهل الباطل والجور، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبتَ فيه إليَّ من أمره، ولم أعلم كتابك إليَّ، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجب عليك إن شاء الله)(3)).

وفي ص(17): (وروى حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند(4)، عن أبي حرب بن أبي الأسود(5): أنّ ابن عبّاس استخلف أبا الأسود على البصرة، والرواة والنساب وأصحاب السير والتاريخ على هذا).

وفي ص(19): (حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا أحمد بن خالد، قال: حدّثنا مروان الفخار، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال حدّثنا الأصمعي، قال:


1) - في الطبري: (وتظلّف نفسك) وظلف نفسه عن الشيء: منعها من هواها.

2) - في الطبري: (فمثلك نصح للإمام والأُمّة).

3) - الخبر في الطبري: (6/81).

4) - هو داود بن أبي هند القشيري أبو بكر المصري، روى عن المسيب، وأبي العالية، والشعبي، وروه عنه قتادة وحماد بن سلمة والثوري، مات سنة 139ه- (خلاصة تهذيب الكمال: 95).

5) - ذكره ابن الجزري، فقال: (أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، قرأ على أبي الأسود أبيه، وقرأ عليه حمران بن أعين). (طبقات القرّاء 1/221).

سمعت عيسى بن عمر، ينشد قول أبي الأسود:

ذكرتُ ابن عبّاس بباب ابن عامر*** وما مرّ من عيشي ذكرت وما فضل

أميري كانا آخيا لي كلاهما*** فكلاً جزاه الله عنّي بما فعل

فإن كان خيراً كان خير جزاؤه*** وإن كان شرّاً كان شرّاً بما عمل)

تعقيب:

لقد ذكر الزبيدي الخبر مرسلاً، ولم يذكر فيه إلاّ كتاب أبي الأسود بالوشاية وجواب الإمام عليه السلام له، وهذا لإرساله لا يعبأ به في الإدانة!

وما ذكره بعد ذلك: (عن حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، أنّ ابن عبّاس استخلف أبا الأسود على البصرة، والرواة والنساب وأصحاب السير والتاريخ على هذا)، فهو أيضاً مرسل، لأنّ الزبيدي ولد سنة 316ه- وتوفي سنة 379ه-، فلم يدرك حمّاد بن سلمة المتوفّى سنة 167ه-(1).

ثمّ إنّه ليس في خبره من إدانة!

وما ذكره بعد ذلك من شعر أبي الأسود، يوحي بصفاء ومودّة بين ابن عبّاس وبين أبي الأسود. فقد ذكروا أنّه كان يكرمه ويرعى جانبه، ولمّا تولّى ابن عامر في أيام معاوية جفاه لتشيّعه، فقال أبو الأسود شعره، وله مصادر مذكورة في هامش ديوانه بطبعتيه البغدادية بتحقيق الشيخ محمّد حسن آل يس، والبيروتية بتحقيق عبد الكريم الدجيلي.


1) - تهذيب التهذيب 3/13.

(مدوّنات القرن الخامس الهجري)

الأوّل: (الغريبين)

الأوّل: (الغريبين)، لأبي أحمد بن محمّد الهروي المتوفّى سنة (401ه-)، (مخطوط)، وقد طبع منه جزء واحد حسب تجزئة المحقّق وصل فيه إلى نهاية حرف الجيم. فرجعنا إلى النسخة المخطوطة بمكتبة آية الله السيّد الحكيم قدس سره العامّة في النجف الأشرف.

فجاء في مادّة (جنن): (ومن حديث عليّ رضي الله عنه أنّه كتب إلى ابن عبّاس: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)، هذه كلمة تضرب مثلاً لمن كان صاحبه على مودّة أو رعاية، ثمّ حال عن ذلك).

وجاء في مادّة (حرب): (وفي حديث عليّ رضي الله عنه أنّه كتب إلى ابن عبّاس: (لمّا رأيت العدوّ قد حرب). أي: غضب).

وجاء في مادّة (ضحا): (وفي كتاب عليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس: (ألا ضح رويداً فكأنّ قد بلغت المدى)، قال القتيبي معناه: اصبر قليلاً). اه- .

تعقيب:

وحيث أنّ ما أورده الهروي في كتابه مرسلاً، ولا يعلم سنده، فلا يصحّ الاعتماد عليه، على أنّ في نهاية الفقرة الثالثة في مادّة (ضحا) ما يشعر بنقله عن القتيبي، وقد مرّ بنا نقل ما رواه ابن قتيبة في كتابيه (عيون الأخبار)، و(غريب الحديث) في مدوّنات القرن الثالث مع مناقشته؛ فراجع!

الثاني: (نهج البلاغة)

الثاني: (نهج البلاغة)، جمع الشريف محمّد بن الحسن الرضي المتوفّى سنة (404ه-)، وعدّ هذا المصدر في قائمة أدلّة الإثبات فيه من التسامح ما لا يخفى وجهه، إلاّ أنّ جملة من شرّاحه ذهبوا في شرح الكتابين الآتيين -- والذين لم يعنونهما الشريف الرضي إلى شخص بعينه -- أنّ المكتوب إليه هو ابن عبّاس بقرائن ستأتي تفصيلاً عند ذكر شروح النهج، كلّ في مدوّنات قرنه.

أمّا الكتابان اللذان اعتبرا أدلّ حجّة تدين ابن عبّاس بالخيانة، وإن لم يعنونا إليه صراحة، فهما ما ورد في (نهج البلاغة) في باب الكتب ج3/72 -- 75، ط الاستقامة بمصر بشرح محمّد عبده.

1- (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله:

(أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك.

بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس والسلام)).

2- (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله:

(أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلبَ، والعدوّ قد حَرب، وأمانة الناس قد خَزيت، وهذه الأُمّة قد فنكت وشغرت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدّيت، وكأنّك لم تكن الله تريد

بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم وتنوي غِرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأُمّة، أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله، غير متأثم من أخذه كأنّك -- لا أباً لغيرك -- حدرتَ إلى أهلك تراثاً من أبيك وأُمّك فسبحان الله؟ أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف من نقاش الحساب، أيّها المعدود -- كان -- عندنا من ذوي الألباب، كيف تسيغ شراباً أو طعاماً وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد! فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل، ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربتُ به أحداً إلاّ دخل النار، ووالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا منّي بإرادة، حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما، وأقسم بالله ربّ العالمين: ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي، فضح رويداً فكأنّك قد بلغت المدى، ودُفنت تحت الثرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع فيه الرجعة، ولات حين مناص)).

تعقيب:

وأوّل ما يرد على الاستدلال بهذين الكتابين: أنّهما مرسلان من جهة السند، هذا أوّلاً.

وثانياً: مجهولية المكتوب إليه فيهما، وصرفهما إلى ابن عبّاس بقرائن لفظية وردت فيهما -- ستأتي الإشارة إليها والجواب عنها -- لا يكفي لتكون سنداً لإرسالهما من حيث السند. واحتمال أنّ الشريف الرضي تعمّد إخفاء اسم ابن عبّاس في أوّل الكتابين حذراً من سطوة بنيه وهو يعيش في سلطانهم، فهو احتمال واهٍ، والشريف الرضي لم يكن ليخفي الحقيقة رعاية أو حذراً، وهو الذي أبى أن يكتب في المحضر الذي كتبه العبّاسيون في قدح نسب الفاطميين، وكتب فيه القضاة والعلماء حتّى كتب فيه أبوه وأخوه، ولم يضع خطّه فيه، بل إنّ في شعره ما يدلّ على شجاعته واعتداده بنفسه، ولا يرى لنفسه مقاماً دون الخلافة، بل كان يرى أنّه أحقّ بها من بني العبّاس، فلا يكترث بهم ويقول غير هيّاب ولا مرتاب:

صاحت بذودي بغداد فآنسني*** تقلّبي في ظهور الخيل والكور

أطغى على قاطنيها غير مكترث*** وأفعل الفعل فيها غير مأمور

فيا ترى من هم الذين يطغى عليهم من قاطني بغداد ولا يأتمر بأمرهم غير الخلفاء من بني العبّاس أصحاب السلطة والسطوة؟

ثمّ إنّ الشواهد الشعرية التي تنبئ عن اعتزازه بنسبه واعتداده بحسبه أوضح دلالة على عدم اكتراثه بخلفاء بني العبّاس، وجلّ شعره في الفخر والحماسة يصلح الاستدلال به في المقام، كقوله وهو يعرّض ببني العبّاس:

أنا ابن الألى إمّا دعوا يوم معترك*** أمدّوا أنابيب القنا بالمعاصم

وما فيهم إلاّ امرؤ شبّ ناشئاً*** على نمطي بيضاء من آل هاشم

فتى لم توركه الإماء ولم تكن*** أعاريبه مدخولة بالأعاجم

إلى أن يقول:

لويت إلى ود العشيرة جانبي*** على عظم داء بيننا متفاقم

وسالمت لمّا طالت الحرب بيننا*** إذا لم تظفّرك الحروب فسالم

وأصرح من ذلك كلّه أبياته التي أغضبت القادر بالله حتّى أرسل يعاتب والد الشريف الرضي في شأنها، وهي قوله:

ما مقامي على الهوان وعندي*** مقول قاطع وأنفٌ حمي

وإباء محلّق بي عن الض-*** -يم كما راع طائر وحشيّ

أي عذر له إلى المجد إن ذ*** لّ غلام في غمده المشرفيّ

أحمل الضيم في بلاد الأعادي*** وبمصر الخليفة العلويّ

من أبوه أبي ومولاه مولا*** ي إذا ضامني البعيد القصيّ

لفّ عرقي بعرقه سيّد النا*** س جميعاً محمّدٌ وعليّ

إنّ خوفي في ذلك الربع أمنٌ*** وأوامي بذلك الورد ريّ

قد يذلّ العزيز ما لم يشمّر*** لانطلاق وقد يضام الأبيّ

كالذي يقبس الظلام وقد أق-*** -مر من خلفه الهلال المضيّ(1)

ولمّا شاعت هذه الأبيات، أرسل الخليفة القادر بالله القاضي أبا بكر الباقلاني إلى والد الرضي يعاتبه، ولمّا قال له أبوه في ذلك، أنكر الشعر، فقال أبوه: أكتب للخليفة بالاعتذار والقدح بنسب المصري، فامتنع واعتذر بالخوف من دعاة المصريين، ولمّا ألحّ عليه أبوه في ذلك وتردّد القول


1) - المنتظم 7/281، ط الأولى حيدر آباد سنة 1358ه- .

بينهما، حتّى غلظ الرضي في الجواب، فصاح أبوه، وقام الرضي.

قال ابن الجوزي: (وآل الأمر إلى إنفاذ القاضي أبي بكر وأبي حامد الاسفراييني، وأخذا اليمين على الرضي أنّه لم يقل الشعر المنسوب إليه ولا يعرفه، واندرجت القصّة على هذا)(1).

وإذا كان الرضي -- فيما زعموا -- قد تبرأ من تلك الأبيات، فكيف شعره الثابت النسبة إليه، كقوله كما في ديوانه:

ردّوا تراث محمّد ردّوا*** ليس القضيب لكم ولا البرد

هل عرّقت فيكم كفاطمة*** أمّ هل لكم كمحمّد جدّ

جلّ افتخارهمُ بأنّهمُ*** عند الخصام مصاقع لد

إنّ الخلائف والألى فخروا*** بهم علينا قبلُ أو بعد

شرّفوا بنا ولجدّنا خلفوا*** وهم صنائعنا إذا عدّوا(2)

وكذلك ما يغني كقوله في ديوانه من قصيدة طويلة كلّها فخر وحماس، وممّا جاء في آخرها:

سأخطبها بحدّ السيف فعلاً*** إذا لم يغن قول أو خطاب

وآخذها وإن رغمت أنوف*** مغالبة وإن ذلّت رقاب

وإنّ مقام مثلي في الأعادي*** مقام البدر تنبحه الكلاب

رموني بالعيوب ملفقات*** وقد علموا بأنّي لا أعاب


1) - المصدر نفسه.

2) - ديوانه الشريف الرضي: 167، ط نخبة الأخبار سنة 1306ه-.

وإنّي لا تُدنّسني المخازي*** وإنّي لا يروّعني السُباب

ولمّا لم يلاقوا فيّ عيبا*** كسوني من عيوبهم وعابوا(1)

وما دون ذلك قوله في رثاء الشريف أبي القاسم علي بن الحسين أبي تمام الزينبي نقيب العبّاسيين، وتوفي في ذي القعدة سنة (384ه-) من قصيدة، جاء فيها كما في ديوانه:

ءأنسا بني الأعمام دنيا تمازجت*** بأخلاقهم أخلاقنا والضرائب

جميعاً نمانا في ربى المجد هاشم*** وأنجب عرقينا لويّ وغالب

ترى الشم من آنافنا في وجوههم*** وأعناقنا طالت بهنّ المناصب

وكم داخل ما بيننا بنميمة*** تعطر لما زاحمته المصاعب

سوى هفوات شابت الود بيننا*** وأيّ وداد لم تشبه الشوائب

لنا الدوحة العليا التي نزعت بها*** لها المجد أغصان الجدود الأطائب

إذا كان في جو السماء عروقها*** فأين أعاليها وأين الذوائب

علونا إلى إنتاجها ولغيرنا*** عن المنكب العالي وإذ رام ناكب

فما حمل الآباء منّا وساقطت*** إلى الأرض منّا المنجبات النجائب

سيوفٌ على الأعداء تمضي نفوسها*** ولم تتبدلهن أيد ضوارب

فإن ترَ فينا صولة عجرفية*** فقد عرّقت فينا الجدود الأعارب(2)

ثمّ أليس هو الذي يقول في آخر قصيدة له يمدح القادر بالله العبّاسي


1) - ديوانه الشريف الرضي: 57 -- 58.

2) - ديوانه الشريف الرضي: 66.

حين استقر بدار الخلافة، وذلك في شهر رمضان (381ه-):

ولقد أطعتك طاعة ما رامها*** منّي امرؤ إلاّ عصاه شماسي

فسرت إليك بغير داع همتي*** وصغى إليك بلا قياد رأسي(1)

وبعد هذا هل ثمّة مجال لادّعاء أنّ الرضي تعمّد إخفاء اسم العامل المكتوب إليه، لأنّ ذلك يثير حفيظة أبنائه الخلفاء العبّاسيين؟! فهو حذار بطشهم اكتفى في العنوان بقوله (ومن كتاب له إلى بعض عمّاله)، مع أنّ: مثل هذا العنوان مكرّر في (نهج البلاغة) في ثلاثة كتب أُخرى، وليس في متونها ما يستدعي كتمان اسم العامل، فلماذا ظلّ مخفياً؟

فلا بدّ من الجواب: بأنّ الشريف الرضي لم يكن يثبت لديه اسم المكتوب إليه فاكتفى بالعنوان المذكور، كما اكتفى في كتابين آخرين كعنوان أحدهما: (ومن كتاب له إلى بعض أمراء جيشه)، وعنوان الثاني: (إلى أميرين من أمراء جيشه)، وذلك يدلّ على عدم معرفته باسم المكتوب إليهم، وليس ذلك ممّا ينقص من مقام الشريف وقدره؛ فلاحظ!

على أنّ في روايته ذلك لا تحمله أي تبعة، فهذا أخوه الشريف المرتضى قد روى في أماليه حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس مع عمرو بن عبيد، وسؤاله منه عن قول الحسن -- البصري -- فيما نسبه إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وندمه على خوضه حرب صفّين، وما نسبه إلى ابن عبّاس في فتياه في القملة والنملة وأخذه المال في ليلة، وجواب عمرو عن ذلك، ولم يذكر أنّ العبّاسيين نالوه بأذى لروايته تلك، كما سيأتي تمام الخبر.


1) - ديوانه الشريف الرضي: 231.

وكذلك باقي المؤرّخين وكلّهم من معاصري العبّاسيين، لم يذكر أنّهم عاقبوهم على روايتهم لحديث الخيانة؛ فلاحظ!

وختاماً: فقد وقفت على مصوّرات من (نهج البلاغة) ممّا قرب عهده بعصر الشريف(1)، وجميعها خلو من اسم المكتوب إليه، فما صدر حديثاً في بعض المطبوع من (نهج البلاغة) بعنوان: (ومن كتاب له إلى ابن عبّاس) يبقى على ذمّة كاتبيه.

الثالث: (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب)

الثالث: (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب)، للثعالبي، المتوفّى سنة (429ه-)، ص627 ط مصر سنة 1384ه-، بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(ومن حديث عليّ رضي الله عنه أنّه كتب إلى ابن العبّاس(رضي الله عنهما) حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كَلِب، والعدوّ قد حَرِب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من مال الأُمّة اختطاف الذئب دامية المعزي)).

تعقيب:

وما ذكره الثعالبي مرسلٌ لا يعتدّ بمثله، ولا يعرف مصدره الذي أخذ عنه، وما ذكره من ألفاظ الكتاب إنّما هو بعض ما تقدّم عن (نهج البلاغة) وغيره، فلم يأتنا بجديد حتّى ننظر فيه ونجيب عنه.


1) - نسخة (أ)، نسخة (ب)، نسخة (ج)، نسخة (د)، تذكر صوّر صفحات النسخ القديمة.

الرابع: (الشافي في الإمامة)

الرابع: (الشافي في الإمامة)، للشريف المرتضى، المتوفّى سنة (436ه-)، قال في ص207، ط حجرية:

قال: (وأمير المؤمنين عليه السلام لم يولّ متّهماً ولا ظنيناً، وحين أحسّ من ابن عبّاس بعض الريبة لم يمهله ولا احتمله، وكاتبه بما هو مشهور ساير ظاهر). اه- .

تعقيب:

ولا ريب أنّ المرتضى أراد بقوله هذا حديث الخيانة المزعومة، وقد صرّح بخبرها في حوار جرى بين سليمان الأمير العبّاسي وبين عمرو بن عبيد رأس المعتزلة.

فقال الشريف المرتضى في كتابه (الأمالي):

(وروى أبو عبيدة، قال: دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس بالبصرة، فقال له سليمان: أخبرني عن صاحبك -- يعني الحسن -- حين يزعم أنّ عليّاً عليه السلام، قال: (وددت أنّي كنت آكل الحشف بالمدينة ولم أشهد مشهدي هذا)، يعني: يوم صفّين؟

فقال له عمرو بن عبيد: لم يقل هذا، لأنّه ظنّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام شكّ، ولكنّه يقول: ودّ أنّه كان يأكل الحشف بالمدينة ولم تكن هذه الفتنة.

فقال: وقوله في عبد الله بن العبّاس: (يفتينا في القملة والقميلة، وطار بأموالنا في ليلة)؟

فقال له: وكيف يقول هذا، وابن عبّاس(رحمهما الله) لم يفارق عليّاً حتّى قُتل وشهد صلح الحسن؟ وأيّ مال يجتمع في بيت المال بالبصرة مع حاجة

عليّ عليه السلام إلى الأموال، وهو يفرّغ بيت مال الكوفة في كلّ خميس ويرشّه؟ قالوا: إنّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟ وهذا باطل)(1).

تعقيب:

فما ذكره الشريف في كتابيه لا يعني ثبوت حديث الخيانة بوجه ظاهر، ولم يذكره إلاّ على ما هو مشهور سائر ظاهر كما قال في (الشافي)، وربّ مشهور لا أصل له.

الخامس: (تلخيص الشافي)

الخامس: (تلخيص الشافي)، للشيخ الطوسي، المتوفى (460ه-)، ج4، ط النجف.

وقد ذكر عين عبارة (الشافي) بتغيير لفظ في آخره، فقال: (وكاتبه بما هو سائر معروف)، ولم يزد بشيء على ذلك، وهذا لا يثبت حجّة ولا ينير محجّة.

وقد علّق محقّق الكتاب المرحوم العلاّمة السيّد حسين بحر العلوم رحمه الله على ذلك بقوله:

(ومنطلق الريبة -- كما عن الطبري وتابعيه من المتأخّرين -- أنّ ابن عبّاس -- وهو والي البصرة من قبل الإمام عليه السلام وأبو الأسود خازن المال -- يمرّ على أبي الأسود الدؤلي، فيقول له: (لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت المرعى ولا أحسنت مهنته في المشي)، فيكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام (أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحاً للرعية، توفّر لهم فيأهم، وتظلف


1) - أمالي المرتضى: 1/177، تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وان ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك فانظر

-- رحمك الله -- فيما هناك، واكتب إليَّ فيما أحببت أنت [كذا والصواب: أنته] إليه، والسلام).

فكتب إليه عليّ عليه السلام (أمّا بعد، فمثلك نصح لإمام الأُمّة، وأدى الأمانة، ودلّ على الحقّ، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إليّ من أمره...)، وكتب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس في ذلك.

فأجابه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّ الذي بلغك باطل، وإنّي لما تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدّق الظنون، والسلام).

فكتب إليه الإمام عليه السلام: (أمّا بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، وفيم وضعت؟).

فكتب ابن عبّاس يستقيله من منصبه: (أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من بيت مال أهل هذا البلد، فابعث إلى عملك من أحببت، فإنّي ظاعن عنه، والسلام).

بهذا العرض وشبهه يسترسل عامّة المؤرّخين -- وحتّى المعاصرين منهم -- ويقيم الأواخر على ما بناه الأوائل بلا فقه وتحقيق ومخض لمفارقات القصّة

-- وكم فيها من مفارقات، ونحن مع تسليم وثاقة السند، لا نريد نسف القصّة من الجذور -- كما فعل بعض المغالين في عظمة ابن عبّاس إلى أبعد الحدود -- ولا نترك الموضوع على عواهنه ونسترسل مع المؤرّخين بألسنة حداد وأقلام قاسية كما فعله المتأخّرون. وعلى رأس المتأخّرين منهم الدكتور طه حسين في كتابه (عليّ وبنوه).

ولا بدّ أن يكون للموضوع منشأ انتزاع -- كما يقولون -- ولو تمسّك بيت العنكبوت لضعفه وقلّته، ولكن كيف وما وجهة النظر لذلك؟

من هنا ينطلق الحجّة الأُستاذ الحكيم برأيه بعد مخض القصّة على صعيدها الطبيعي، ننقله عن مجلّة النجف س645 اكتفاءً به: (... يبدو لي أنّ واقع القصّة لا يعدو في خطوطه العامّة احتياج عبد الله لشيء من المال لضيق عطائه عن الوفاء بحاجته. وكان لديه من المباني الفقهية ما يسوّغ له سدّ حاجته من بيت المال، فأخذ مقدار حاجته منه، وبما أنّ أبا الأسود لم يكن مرخصاً من قبل الإمام بدفع أكثر ممّا خصّص له -- وهو أمين على هذا المال -- ولم تكن في وجهة نظر ابن عبّاس ما يقنعه، فقد وقعت بينهما ملاحاة لذلك، كما تكشفها بداية الرواية حين قال عبد الله: (ما لو كنت من البهائم كنت جملاً)، وكان من الطبيعي أن يكتب للإمام بذلك، وأن يستوضح الإمام منه، وتدور بعض المراسلات بينهما في هذا الشأن، ولمّا وجد ابن عبّاس إصرار الإمام على رأيه أعاد المال إلى بيت المال، ورضي عنه الإمام وأبقاه على ولايته إلى أن استشهد، وقد أخذت هذه الحادثة بحدودها البسيطة، فضخّمت مع الزمن إلى أن بلغت ما بلغته على لسان رواة الطبري)).

أقول: فما قاله المرحوم بحر العلوم، وما نقله عن الحجّة الأُستاذ الحكيم رحمه الله، لم يخرج عن كونه مجرّد اجتهاد مقابل النص، كما هو الحال تخرّص في تصوير الاحتمال، وهو ليس بجديد، وقد سبق إليه الشيخ المحمودي رحمه الله في (نهج السعادة)، وسنأتي على كلامه بعين ألفاظه إن شاء الله تعالى ضمن آراء المدافعين النافين.

وقبل ختام هذا التعقيب نشير إلى هفوة نادرة، وهي قوله: (وأبو الأسود خازن المال -- من أين هذا؟! وإنّما كان ابن عبّاس يستخلفه على الصلاة وزياد على الخراج، كما مرّ هذا مكرّراً.

السادس: (اختيار الرجال)

السادس: (اختيار الرجال)، المعروف -- برجال الكشي -- للشيخ الطوسي، المتوفّى سنة (460ه-).

وقفة عابرة:

لا شكّ أنّ كتاب الكشي (معرفة الناقلين) مفقود منذ زمان بعيد، وما يتداوله أهل الرجال هو (اختيار) الشيخ الطوسي، ويعرف تسامحاً برجال الكشي، وليس هناك، بل المتداول هو (اختيار معرفة الناقلين) للشيخ الطوسي، وهذا كتاب لم يصدّره لنا الشيخ الطوسي بمقدّمة توضح لنا منهجيته في ذلك الاختيار، وما قيل فيه(1): (وكانت فيه أغلاط كثيرة)، كما ذكره النجاشي، فجرّد شيخ الطائفة ما فيه من الأغلاط وهذّبه، فسُمّي (اختيار الرجال) لا يمكن قبوله، لما بقي في هذا الاختيار من الأغلاط ممّا لا يخفى على أهل الفنّ. ولسنا بصدد استيعاب الحديث عنه.

ولكن فيما يخصّ موضوعنا، فنقول:

لقد ذكر عدّة أخبار في الذمّ والمدح، تتدافع في الظهور، ولم يبيّن الكشي ولا الشيخ الطوسي وجّه الجمع بينهما، وبقيت بحالها، مضافاً إلى ما وقع فيها من تحريف حملناه على الناسخين، وقد أشار بعض الأعلام إلى بعض من ذلك(2).


1) - الذريعة 1/365.

2) - راجع قاموس الرجال 6/63، تح مصطفوي سنة 1384ه-.

والآن نقرأ ما ذكره الكشي فيما يخصّ تهمة خيانة بيت المال، ص60 -- 63، ط جامعة مشهد، بتحقيق حسن المصطفوي، وهو خير طبعات الكتاب:

(أ)-- قال الكشي: (روى علي بن يزداد الصايغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المخرمي البغدادي، عن سفيان بن سعيد، عن الزهري: قال: سمعت الحارث يقول: استعمل عليّ عليه السلام على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة ولحقّ بمكّة وترك عليّاً عليه السلام، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى، فقال: (هذا ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، اللّهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول)).

(ب)-- قال الكشي: (قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي، قال: لمّا احتمل عبد الله بن عبّاس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز، كتب إليه عليّ بن أبي طالب: (من عبد الله عليّ بن أبي طالب إلى عبد الله بن عبّاس، أمّا بعد، فإنّي قد كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حَرِب، وأمانة الناس قد عرت، وهذه الأمور قد فشت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوء خذلان الخاذلين، فكأنّك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم على دنياهم وتنوي غِرّتهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة أُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم، أسرعت الوثبة، وعجلت

العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل رمّية المعزى الكثير (كذا، والظاهر: الكسير)، كأنّك لا أباً لك إنّما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك سبحان الله، أما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف من سوء الحساب، أو ما يكبر عليك أن تشترى الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين، الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد، اردد إلى القوم أموالهم، فوالله لئن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لاعذرنّ الله فيك، فوالله لو أنّ حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة، ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة حتّى آخذ الحقّ وأزيح الجور عن مظلومها، والسلام).

قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: (أمّا بعد، فقد أتاني كتابك، تعظّم عليَّ إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري أنّ لي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، والسلام).

قال: فكتب إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (أمّا بعد، فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك أنّ لك في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت وأكثر ممّا لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله عليك، عمّرك الله أنّك لأنت العبد المهتدي إذن، فقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري مولّدات مكّة والطائف، تختارهنّ على عينك، وتعطي فيهنّ مال غيرك، وإنّي لأقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما يسرّني أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً، فلا غرو وأشد باغتباطك تأكله، رويداً رويداً، فكأن قد بلغت المدى وعرضت على ربّك والمحلّ الذي يتمنّى الرجعة والمضيّع للتوبة كذلك، وما ذلك ولات حين مناص، والسلام).

الصفحة السابقةالصفحة التالية

قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: (أمّا بعد، فقد أكثرت عليَّ فوالله لأن ألقي الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحبّ إليَّ أن ألقى الله بدم رجل مسلم)) اه- .

تعقيب:

وإلقاء نظرة فاحصة على سند حديثي الكشي (أ) و(ب)، يغنينا عناء مناقشة المتن، فإنّ رجال سند حديث (أ)، وهم كما يلي:

1- علي بن يزداد الصايغ الجرجاني، وهو مجهول عندنا، فلم تذكره معاجمنا الرجالية، وورد ذكره في كتب العامّة.

فقال ابن حجر: أبو الحسن علي بن محمّد بن يزداد الصائغ الجرجاني الجوهري ذكر ذلك حمزة السهمي في تاريخ جرجان، وقال حمزة: وعلي ابن يزداد متّهم. وأضاف ابن حجر: (شيخ لابن عدي متّهم، روى عن الثقات أوابد. وقد تقدّم ذكره في عصام بن الليث)(1)، ويشير بذلك إلى ما سبق منه في عصام بن الليث، وهو السدوسي البدوي: (عن أنس بن مالك، وعنه علي بن يزدان ولا يعرفان)(2). وقد يسمّى بعلي بن محمّد الصائغ -- دون النسبة إلى جدّه -- وذكره بذلك ابن حجر في لسانه، ونقل تضعيفه عن الخطيب في تاريخه في ترجمة أبي أحمد الجرجاني، ونقل عنه قوله: وهو ضعيف جدّاً(3). وذكره الذهبي في (ديوان الضعفاء والمتروكين) باسم علي


1) - لسان الميزان 4/267.

2) - لسان الميزان 4/167.

3) - لسان الميزان 4/254.

ابن محمّد الصائغ، وقال: (ضعّفه الخطيب)(1).

فهذا أوّل رجال السند، وهو يروي عن عبد العزيز الجزري..

2- عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، وهذا مجهول لم نقف على من ذكر الاسم، فضلاً عن توثيق صاحبه، ولعلّه بعدُ في مكنون الغيب.

وهو يروي عن خلف المخرمي..

3- خلف المخرمي البغدادي، وهو خلف بن سالم المخرمي أبو محمّد المهلبي مولاهم السندي البغدادي. مجهول في رجال الشيعة، ومترجم في (تهذيب التهذيب)، والمتوفّى سنة 231 أو سنة 232 عن 69 سنة، وذكر فيه أنّ أحمد قال: نقموا عليه تتبعه هذه الأحاديث، وكان أبو داود لا يحدّث عن خلف، وقال عبد الخالق بن منصور، عن يحيى بن معين: صدوق، قال: أنّه كان يحدّث بمساوي الصحابة، قال: قد كان يجمعها، وأمّا أن يحدث بها فلا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بالمسكين بأس لولا أنّه سفيه(2).

وهو يروي عن سفيان بن سعيد..

4- سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ولد سنة (97ه-)، وتوفي سنة (161ه-)، كما في (تهذيب التهذيب)(3)، وقال الذهبي في ميزانه: (متّفق عليه


1) - ديوان الضعفاء والمتروكين: 221.

2) - تهذيب التهذيب 3/152 -- 153.

3) - تهذيب التهذيب 4/114.

مع أنّه كان يدّلس عن الضعفاء)(1)، وفي (تهذيب التهذيب): (قال ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلّسه، فلمّا رآني استحيى، وقال: نرويه عنك)(2)، هذا بعض ما في كتب العامّة، وأمّا عندنا فهو ضعيف لا يوثق بروايته.

وهذا يروي عن الزهري..

5- الزهري، هو محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري من التابعين، ذكر أبو هلال العسكري في (الصناعتين)، قال: (أخبرنا أبو أحمد، عن أبيه علي بن ذكوان، قال: بلغ عليّ بن الحسين رضي الله عنه -- أنّ عروة ابن الزبير وابن شهاب الزهري يتناولان عليّاً ويعبثان به، فأرسل إلى عروة، فقال: أمّا أنت فقد كان ينبغي أن يكون في نكوص أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين عليه السلام، والله لئن كان على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حقّ لقد فرّ أبوك منه.

وأرسل إلى ابن شهاب، فقال: وأمّا أنت يا بن شهاب فما أراك تدعني حتّى أعرّفك موضع كير أبيك)(3)اه- ، والكير: زقّ ينفخ فيه الحدّاد.

كما ذكر ابن أبي الحديد في (شرح النهج) عن الزهري: (أنّ عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول الله إذ أقبل العبّاس وعليّ، فقال: يا عائشة! إنّ هذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: ديني.

قال وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن


1) - ميزان الاعتدال 1/355، ط الهند.

2) - تهذيب التهذيب 4/114.

3) - الصناعتين: 18، ط 2 محمّد علي صبيخ، ونحوه في شرح النهج للمعتزلي 1/370.

عروة، عن عائشة في عليّ عليه السلام، فسألته عنهما يوماً؟ فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! الله أعلم بهما، إنّي لأتهمهما في بني هاشم.

قال: فأمّا الحديث الأوّل فقد ذكرناه -- آنفاً --

وأمّا الحديث الثاني، فهو أنّ عروة زعم أنّ عائشة حدّثته، قالت: كنت عند النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم إذ أقبل العبّاس وعليّ، فقال: يا عائشة! إن سرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب)(1).

وزيادة في تعريفه، ما ذكره ابن عساكر في (تاريخ دمشق) بسنده عن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: (كنت عند الزهري أسمع، فإذا عجوز قد وقفت عليه، فقالت: يا جعفري! لا تكتب عنه، فإنّه مال إلى بني أُميّة وأخذ جوائزهم، فقلت: من هذه؟ قال: أختي رقيّة خرفت، قالت: بل خرفت أنت، كتمت فضائل آل محمّد...)(2).

ثمّ هو كان صاحب شرط لبعض بني مروان، كما قال خارجة: (فرأيته يركب وفي يده حربة وبين يديه الناس بأيديهم كافركوبات(3)

أقول: وقد ورد في المنجد: الكوبة: الطبل الصغير، فظهر أنّ الناس كانوا يضربون بالخشب على طبولهم بين يدي الزهري أشعاراً بمروره لتخلية الطريق أمامه.

، فقلت: قبّح

1) - شرح نهج البلاغة 1/358.

2) - تاريخ مدينة دمشق، ترجمة الإمام 2/65.

3) - (فكوبات الخشب هي السلاح الوطني للسكان الفرس من العامّة، كان هذا السلاح يسمّى قديماً (الكافركوبات) الطبري 2/694، الدولة العربية وسقوطها: 399 يوليوس ولهاوزن ترجمة الدكتور يسوف العش.

الله ذا من عالم، فانصرفت فلم أسمع منه(1).

ومع ذلك فقد وصفه الشافعي والدارقطني بالتدليس، وعدّه ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلّسين(2).

وقد عدّه ابن أبي الحديد في (شرح النهج) من جملة المنحرفين عن عليّ عليه السلام.

وهذا يروي عن الحارث..

6- الحارث، هو المعروف بالحارث الأعور الهمداني، من كبار صحابة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وليست الطامّة في الحديث مِن قِبله.

هذه أضواء مسلطة على سلسلة الحديث الأوّل من حديثي الكشي، وقد تبيّن من خلالها حال رجالها فهم -- ما عدا الحارث -- بين مجهول، أو متّهم، أو ضعيف، أو مدلّس، أو سفيه، أو منحرف، أو ناصبي!

على أنّه ثمّة ملاحظة دقيقة في السند ينبغي الإشارة إليها، وهي أنّ خلف بن سالم المخرمي توفي سنة 232ه-، فيما يقول أحمد عن 69 سنة، فتكون ولادته سنة 163ه-، وهو يروي عن سفيان بن سعيد الثوري المتوفّى سنة 161ه-، كما في (تهذيب التهذيب)(3)-- وفيه قال ابن سعد: اجتمعوا على أنّه توفي بالبصرة سنة إحدى وستّين ومائة -- وعلى هذا فتكون ولادة خلف


1) - الثقات، لابن حبّان، كما في جامع فهارس الثقات صنعة حسين إبراهيم زهران: 122، ط مؤسّسة الكتب الثقافية 8/5.

2) - طبقات المدلّسين، لابن حجر: 27، ط المحمودية بمصر.

3) - تهذيب التهذيب 4/114.

المخرمي بعد وفاة سليمان بسنتين، فهل ثمّة شكّ في كذب الرواية؟ وهل يفتخر المحدّثون بمثل هذا الإسناد ليرووا للناس عنه أمثال هذه الطامّات، وهم الذين قالوا عنه: كان يحدّث بمساوئ الصحابة؟

أمّا رجال الحديث (ب) عند الكشي، فهم:

1- شيخ من أهل اليمامة، لسنا نعرف من أمره شيئاً، ولا الكشي يدري، ولا الذي اختار من كتابه يدري، بل وحتّى المنجم لا يدري، هل هو شيخ حديث؟ أو شيخ قبيلة؟ أو شيخ ذو سنّ عالية؟ ومهما كانت شيخوخته فهو مجهول الحال بكلّ معنى الكلمة، وهو يروي عن.

2- معلى بن هلال، وقد تقدّم حاله في رجال الأغاني من مدوّنات القرن الرابع، وخاتمة ذلك قول ابن حجر في (مقدّمة فتح الباري): كلّ أحاديثه موضوعة؛ فراجع!

وهو يروي عن الشعبي..

3- الشعبي، وهو كسابقه في الحال والمقال، ذكرنا كذبه باعترافه، وأثبتنا ذلك بميزانه في مناقشة سند (الأغاني) من مدوّنات القرن الرابع؛ فراجع!

وهؤلاء الشيوخ الثلاثة يؤلّفون سند الحديث الثاني من حديثي الكشي، وهم بين مجهول لا يعلم من هو؟ وبين مَن كلّ أحاديثه موضوعة، وبين من كان كذّاباً.

فزهٍ بإسنادٍ كهذا لا يؤبه برجاله، فضلاً عن الاهتمام بما يروون؟! ولا ينقضي العجب ممّن اختار الخبر بروايتهم؟

السابع: (تهذيب زين الفتى)

السابع: (تهذيب زين الفتى)، لأبي محمّد أحمد بن محمّد بن علي العاصمي، أحد أئمّة القرن الخامس الهجري، ترجم له القفطي في (إنباه الرواة)، وقال: (من أهل خراسان أديب فاضل... مولده في 478ه-)(1).

قال العاصمي في كتابه ج2/85 تح المحمودي:

(ومن بلايا المرتضى رضوان الله عليه رجوع عبد الله بن عبّاس ابن عمّه عنه مع مال البصرة، حتّى كتب المرتضى إليه: (أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهل بيتي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، وفارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال هذه الأُمّة، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى).

ومن هذا الكتاب: (ضحّ رويداً فكأن قد بلغت المدى، وعُرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي فيه المغتّر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة).

قال العاصمي: ينبغي لنا تفسير غريب هذا الحديث:

قوله عليه السلام: (كلب)، أي: اشتدّ وأعراه الكَلب؟ وهو جنون يعري (كذا -- يعرو) الكلب، فمن عقره كلب وبه ذلك الداء قتله، ويقال كلبٌ كَلِب.

وقوله عليه السلام: (حرب)، أي: غضب، يقال: حرب الرجل حَربا، أي: غضب، وحربته أنا: أغضبته.

وقوله عليه السلام: (قلبت ظهر المجنّ لابن عمّك)، هذا مَثَل لمن كان


1) - إنباه الرواة 1/133.

لصاحبه على مودّة، ثمّ حال عن ذلك.

وقوله عليه السلام: (اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى)، إنّما: خصّ الدامية دون غيرها، لأنّ في طبع الذئب محبّة الدم، فهو يؤثر الدامية على غيرها، ويبلغ به طبعه في ذلك أنّه يرى الذئب مثله وقد دُمي فيثب عليه ليأكله.

ومن ذلك قول الشاعر:

وكنت كذئب السوء لمّا رأى دماً*** بصاحبه يوماً أحال على الدم

وقوله عليه السلام: (ضحّ رويداً)، هذا مثل، وهو كما نقول: (اصبر قليلاً)، وأصله من تضحية الإبل، وهو تغذيتها، يقال: ضحيتها، إذا غذّيتها.

وقال زيد الخيل:

فلو أنّ نصراً أصبحت ذات بينها*** أضحت رُويداً عن مظالمها عمرو)

تعقيب:

لم يذكر العاصمي مستنده في نقل جميع ما مرّ، وأرسله إرسال المسلّمات، وهذا غير مقبول عند أصحاب الدراية والعقول!

فلا نقف عنده، ونتخطاه إلى ما بعده من مدوّنات القرن السادس الهجري.

(مدوّنات القرن السادس)

الأوّل: (مجمع الأمثال)

الأوّل: (مجمع الأمثال)، لأبي الفضل الميداني المتوفّى سنة 518ه- ج2/42 -- 43 ط المطبعة البهية بمصر، وج2/101 برقم 2869 بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، ط دار الفكر بيروت:

(كتب أمير المؤمنين عليّ(كرّم الله وجهه) إلى ابن عبّاس رضي الله عنه حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ لفراقه مع المفارقين، وخذله مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل رابية [دامية/ صح، كما في بقية المصادر] المعزى، أصبح رويداً فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة)) اه- .

تعقيب:

وهذا كأمثاله من المرسلات التي لا يعتّد بها ولا يحتجّ بمثلها، وما نقله من ألفاظ الكتاب إنّما هو بعض ما تقدّم عن (نهج البلاغة) وغيره. فليس ثمّة من جديد.

الثاني: (ربيع الأبرار)

الثاني: (ربيع الأبرار)، للزمخشري المتوفّى سنة 538ه-، فقد ذكر في كتابيه (ربيع الأبرار)، و(الفائق) ما يشير إلى حديث الخيانة المزعومة، فلنقرأ

ما جاء فيهما:

1- جاء في الأوّل في باب الجوابات المسكتة ورشقات اللسان (مخطوط) ج1 نسخة مكتبة الأوقاف ببغداد، وج1/710 طبع وزارة الأوقاف ببغداد:

(قال ابن عبّاس لأبي الأسود الدؤلي: لو كنت جملاً لكنت ثقالاً.

فقال: يا بن عبّاس! لو كنت راعي ذلك الجمل ما رويته من ماء، ولا أشبعته من كلاء). اه- .

وفي ج3 باب: الغدر والخيانة والسرقة، وج3/375 ط الأوقاف:

(وكتب -- عليّ عليه السلام- إلى عامله: (فلمّا أمكنتك الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى، فحملته رحيب الصدر، تحمله غير متأثم من أخذه، كأنّك لا أباً لغيرك حدّرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد، وما تخاف نقاش الحساب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً، لا عذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار)).

تعقيب:

وهذا كسابقه في كونه من المرسلات التي لا تثبت حجّة، ولا تنير محجّة، وما جاء في فقرته الثانية إنّما هو بعض فقرات الكتاب المروي في (نهج البلاغة). وليس ثمّة من جديد.

أمّا الجديد الذي نلمسه عنده، فهو ما يطالعنا به في الفقرة (أ)، وذلك من جواب أبي الأسود لابن عبّاس عند قوله: (لو كنت جملاً لكنت ثقالاً)، فقال: (لو كنت راعي ذلك الجمل ما رويته من ماء ولا أشبعته من كلاء).

ولا بدّ من وقفة عند هذا النص، فهل هو تغيير في مقالة ابن عبّاس كما سبق عند المؤرّخين؟ أو ثمّة خلط عند المؤرّخين بين قول ابن عبّاس وجواب أبي الأسود؟ ولنا إلى هذا عودة في (عناصر التضبيب).

2- (الفائق) للزمخشري أيضاً ج2/208 طبع حيدر آباد (كَلَب):

((عليّ عليه السلام) كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، بفراقه مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى).

وفيه: (ضح رويداً فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة والظالم الرجعة)).

أقول: ومرّ عنده في ج1/29 (ضحا) عليّ رضي الله عنه في كتابه إلى ابن عبّاس: (ألا ضح رويداً، فكأن قد بلغت المدى، أي: اصبر قليلاً واتئد)(1)

(ضح رويداً)، أي: ترفّق ولا تعجل، وأصله أنّ الأعراب في باديتها تسير بالضعن فإذا عثرت على لمع من العشب قال ذلك، وغرضها أن ترعى الإبل الضحى قليلاً قليلاً وهي سائرة حتّى إذا بلغت مقصدها شبعت، فلمّا كان من الترفّق في هذا توسعوا فقالوا في كلّ موضع: ضح، بمعنى أرفق، والأصل ذاك، قال زيد الخيل:

ولو أنّ نصراً أصلحت ذات بينها*** لضحت رويداً عن مطالبها عمرو

ولم يبعد أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال 2/6 ولا البكري في فصل المقال 1/337 عن المعنى الذي ذكره الزمخشري كما مرّ، وتبعهم الميداني في مجمع الأمثال على ذلك.

.

1) - جاء في المستقصى في أمثال العرب 2/145 (للزمخشري):

وهذا الذي ذكره في (الفائق) هو جزء من الكتاب الذي ذكره في (ربيع الأبرار)، وهو مرسلٌ في الكتابين معاً، فلا يمكن الاحتجاج به لإرساله، مضافاً إلى ما سيأتي من مناقشة في الدلالة عند بسط (أدلّة النافين).

الثالث: (معارج نهج البلاغة)

الثالث: (معارج نهج البلاغة)، لعلي بن زيد البيهقي الأنصاري، المتوفّى سنة (565ه-) تحقيق أسعد الطيّب، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قسم إحياء التراث الإسلامي/ إيران، ص757، قوله في كتابه إلى ابن عبّاس:

((قلبت لا بن عمّك ظهر المجنّ).

قلبَ ظهر المجنّ، مثل(1)يضرب لمن يخالف بعد ما كان موافقاً، ويتغيّر عمّا كان عليه.

قوله: (الذئب الأزلّ): السمع(2)الأزلّ: الذئب الأرسح، يتولّد بين الذئب والضبع، وهذه الصفة لازمة له، كما يقال للضبع: العرجاء، وفي المثل: هو أسمع من الذئب الأزلّ. والأزلّ الخفيف الوركين. وامرأة زلاّء، أي: رسحاء بيّنة الزَلل(3)

قلت -- والقائل محقّق الكتاب -- ولا كلّ هذا أيّها الشارح، فإن أكثر هذا خارج عن حدّ الشرح وإنّما جرّه كثرة النقل عن الصحاح، ويكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.

.

قوله: (لا أباً لغيرك)، تقدّم الكلام في ذلك، وها هنا المراد به الذمّ،


1) - مجمع الأمثال 2/2490 المثل 2869، جمهرة الأمثال 2/106 المثل 1563، المستقصى 2/198 المثل671.

2) - في (د) السبع، والتصويب من (خ) والصحاح، ولعلّ في نسخته من نهج البلاغة (السبع الأزل).

3) - الفقرة كلّها في الصحاح: 1717 -- 1718 (زلل).

لذلك قال: لغيرك.

قوله: (لأعذرنّ إلى الله فيك)، استعارة عن المبالغة في ما يحصل به رضى الله.

قوله: (ضحّ رويداً)، مثل للعرب(1)، أي: لا تعجل(2)في ذبحها، وضح من التضحية(3).

قوله: (ويتمنّى المضيّع فيه الرجعة)(4)، مأخوذ من قوله تعالى: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً(5).

(ولات حين مناص): تقدّم القول فيه).

هذا جميع ما ورد في (معارج نهج البلاغة) فيما يتعلّق ببعض الألفاظ وردت في كتاب الإمام عليه السلام المذكور النهج (إلى بعض عمّاله)، واللافت للنظر! أنّ البيهقي صاحب (المعارج) ذكر أوّل الفقرات ((قوله: في كتابه إلى ابن عبّاس: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ))، وتسمية المرسل إليه لم


1) - مجمع الأمثال 2/261 المثل 2205، جمهرة الأمثال 2/6 المثل 2171، المستقصى 2/145 المثل 489.

2) - الصحاح: 2408 (ضحا).

3) - من (في ذبحها) إلى هنا زيادة خاطئة من المؤلّف، فقد جاء في لسان العرب (ضحى) -- نقلاً عن التهذيب للأزهري (والعرب قد تضع التضحية موضع الرفق والتأني في الأمر، وأصله أنّهم في البادية يسيرون يوم ظعنهم فإذا مروا بلمعة من الكلاء قال قائدهم: ألا ضحوا رويداً، فيدعونها (أي: إبلهم وأنعامهم) تضحى وتجتر... لرفقهم بحمولتها في ضحائها ومالها من الرفق في تضحيتها.

4) - في (خ) و(د) الحسرة، والتصويب من نهج البلاغة.

5) - سورة السجدة/12.

ترد في نسخ (نهج البلاغة)، والذي دلّ على عدم ذكر المرسل إليه تمحّل الشرّاح ومعاناتهم في تعيينه، ومن ذهب إلى أنّه ابن عبّاس، إنّما اعتمد على القرائن في نفس الكتاب، نحو ما مرّ: (قلبت لابن عمّك...) ونحو ذلك، كما ستأتي في كلمات بعض الشارحين.

فمن أين للبيهقي تعيين اسم المرسل إليه؟! ولا يخلو حاله في هذا التعيين إمّا بالنصّ لما رآه من نسخة من (النهج) عنده فيها ذلك، وهذا يحتاج إلى إثبات؟ وإمّا أن يكون باجتهاد منه، وهذا لا يسوّغه التعيين بعد خلوّ أصل الشريف منه.

ومهما كان سبيله، فهو على إرساله ليس عنده رأي مستقل في الإدانة أو عدمها لننظر فيه، وقد نقلنا جميع ما ذكره ممّا لم يخرج عن الإطار اللغوي في تفسير بعض الفقرات، كما نقلت جميع ما علّقه أسعد الطيّب محقّق الكتاب زيادة في إفادة القارئ.

الرابع: (تاريخ دمشق)

الرابع: (تاريخ دمشق)، لابن عساكر، المتوفّى سنة (571ه-)، في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ج38/86:

(عن أبي القاسم العلوي، عن رشا بن نظيف، عن الحسن بن إسماعيل، عن أحمد بن مروان، عن محمّد بن عبد العزيز، عن محمّد بن الحرث، عن المدائني، قال: كتب عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى بعض عمّاله: (رويداً فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة)).

تعقيب:

وتمشياً مع طريقتنا في متابعة السند من المدوّنات بإلقاء نظرة فاحصة

على رجاله.

فإنّ سند ابن عساكر يبدأ بشيخه أبي القاسم العلوي، وهو علي بن إبراهيم بن العبّاس الحسيني، كان صدراً معظماً من أهل السُنّة والجماعة، ترجمه ابن عساكر، وقال: (وكان متسنّناً، وسبب تسنّنه مؤدّبه أبو عمران الصقلي... صلّى مرّة على جنازة فكبّر عليها أربعاً، قال: فجاء كتاب صاحب مصر إلى أبيه يعاتبه في ذلك، فقال له أبوه: لا تصلّ بعدها على جنازة، قال الذهبي: كان أصحاب مصر رافضة.

قال ابن عساكر: وكانت له جنازة عظيمة، وأوصى أن يصلّي عليه جمال الإسلام أبو الحسن الفقيه، وأن يسنم قبره، وأن لا يتولاه أحد من الشيعة (؟)).

فهذا العلوي الذي صحّ فيه قول من قال:

إذا العلوي تابع ناصبياً*** على رأي فما هو من أبيه

وكان الكلب خيراً منه طبعاً*** لأنّ الكلب طبع أبيه فيه

وهذا يروي الخبر عن رشأ بن نظيف، وهو ابن ما شاء الله من أهل المعرّة، ترجمه الذهبي في (معرفة القرّاء الكبار)(1)من الطبقة العاشرة، وحسبنا بهذين الشيخين ومَن وثّقهما.

ولننظر في بقية رجال السند:

1- ابتداءً من (الحسن بن إسماعيل)، وهو الضراب المصري، المتوفّى سنة (392ه-)، وقد ضعّفه الدارقطني، كما في ترجمة الحسن بن الليث من


1) - معرفة القرّاء الكبار: 321 برقم 33.

(لسان الميزان)(1).

2- ومروراً ب-(أحمد بن مروان)، وهو الدينوري، المتوفّى سنة (333ه-)، صاحب المجالسة، اتّهمه الدارقطني، بل صرح بأنّه يضع الحديث.

3- وب-(محمّد بن عبد العزيز)، وهو الدينوري من طبقة الكديمي، منكر الحديث، كما في (ديوان الضعفاء والمتروكين)(2)للذهبي، وقال ابن حجر في (اللسان): (أكثر عنه أحمد بن مروان في المجالسة له، وهو منكر الحديث ضعيف، ذكره ابن عدي وذكر له مناكير... وكان ليس بثقة يأتي ببلايا)(3).

4- وب-(محمّد بن الحرث)، وهو مشترك بين جماعة في (ديوان الضعفاء والمتروكين)(4)للذهبي، بين من ضعّفه غير واحد وليس بشيء، أو سيء الحفظ أو مجهول، أو لا يعرف، أو مجهول كإمامه.

5- وانتهاءً ب-(المدائني)، وهو علي بن محمّد أبو الحسن المدائني الأخباري الشهير، وهو ليس بالقدير في الحديث، كما في (اللسان) نقلاً عن الكامل لابن عدي(5). وذكره الذهبي في (ديوان الضعفاء والمتروكين). وقبل هذا فهو راجع في ولائه لعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، وقد مرّ ذكره، وما كان عليه من ممالاة وموالاة المغنّي إسحاق بن


1) - لسان الميزان 2/248.

2) - ديوان الضعفاء والمتروكين: 280.

3) - لسان الميزان 5/260.

4) - ديوان الضعفاء والمتروكين: 268.

5) - لسان الميزان 4/253.

إبراهيم الموصلي، وتهكّم ابن معين عليه بقوله: (ثقة، ثقة، ثقة)(1).

فهذا حال رجاله بين: ضعيف، ووضاع، ومنكر الحديث، وليس بثقة، يأتي ببلايا، وليس بالقوي في الحديث.

فإسنادٌ كهذا كيف يحتجّ بمتنه!! على أنّ ليس في متنه سوى جزء من كتاب تقدّمت الإشارة إليه عند بعض المؤرّخين، بأنّ المكتوب إليه هو ابن عبّاس، وإلاّ فعند ابن عساكر لم يعيّن المكتوب إليه، وإنّما هو بعض عمّاله، وله نظراء فيمن تقدّم من المؤرّخين، كما سبق في حديثنا عن الرضي في (نهج البلاغة).

الخامس: (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة)

الخامس: (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة)، لقطب الدين سعيد ابن هبة الله الراوندي، المتوفّى سنة (573ه-)، بتحقيق السيّد عبد اللطيف الكوهكمري، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي رحمه الله -- قم سنة 1406ه- ج3/129 -- 130.

((ومن كتاب له عليه السلام)

(إلى بعض عمّاله):

(أمّا بعد، فقد)(2)بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك، بلغني أنّك جردت الأرض، فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك. فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس، والسلام).

(ومن كتاب له عليه السلام)


1) - راجع أوّل مدوّنات القرن الرابع.

2) - ليس ما بين المعقوفين في ب.

(إلى بعض عمّال)

(وهو عبد الله بن العبّاس)(1):

(أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ. فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت، وهذه الأُمّة قد فتكت(2)وشغرت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أديت.

وكأنّك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم وتنوي غرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأُمّة، أسرعت الكرّة وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله، غير متأثم من أخذه، كأنّك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك.

فسبحان الله، أما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف نقاش(3)الحساب. أيّها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً، وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى


1) - ليس ما بين المعقوفين في ب، يد. وليس في نا: ((بعض عمّاله وهو)).

2) - في ب: قد فننت.

3) - في هامش نا، م: من نقاش.

والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد.

فاتّق الله، واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار.

(و)(1)والله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا منّي بإرادة، حتّى آخذ الحقّ منهما، وأزيح الباطل عن مظلمتهما.

وأقسم بالله ربّ العالمين، ما يسرّني أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي، فضح رويداً، فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيع فيه الرجعة، ولات حين مناص، (والسلام)(2))...

وقوله(3): (وأخزيت أمانتك)، أي: أظهرت فيها الخزي والهوان، ويقال:


1) - ليس (و) الأولى في م، ألف.

2) - الزيادة من م فقط.

3) - لقد وقع تقديم وتأخير في ذكر كتابي الإمام عليه السلام هذين وتعقيب المؤلّف عليهما، لم يتنبّه له المحقّق، فقد ذكر كتاب الإمام عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة وبعده (ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني... في ص131، ثمّ ذكر في ص132: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد ابن أبيه، وفي ص133 ذكر بعض تعقيب للمؤلّف، وأقحم فيه بعض كلام المؤلّف عن كتاب الإمام عليه السلام إلى عمرو بن العاص الذي قد مرّ ذكره عنده في ص128، ثمّ عاد في هذه الصفحة 135 إلى ذكر تعقيب للمؤلّف على كتاب الإمام عليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس، فذكر ما ذكره أعلاه.

خزى بالكسر، أي: ذل وهان، وقال ابن السكيت: وقع في بلية وأخزاه الله، وخزي: استحيى، وخزاه يخزوه: قهره.

وقوله: (جردت الأرض) بالتخفيف، أي: أهلكت أشجارها وخزيتها وتركتها كعصاة أجرد، وهو الذي لا نبات به، وبالتشديد للتكثير، وكلّ شيء قشرته عن شيء فقد جردته. وسنة جارودة: شديدة المحلّ.

وقوله: (فأخذت ما تحت [قدميك)، أي: ضممت إلى ملكك جميع ما وجدته على الأرض].

وقوله: ([أكلت ما تحت] يديك)، أي: انتفعت بجميع ما كان في يدك من الزكاة والصدقات.

وقوله: (فارفع إليَّ حسابك)، أي: اكتب جميع ما أخذت من الناس، وانهه إليَّ حتّى أحاسبك عليه، ولا تدع حسابك إلى يوم القيامة، فإنّه غداً أشدّ.

ولم يرو أنّ هذا الكتاب إلى أي عامل.

فأمّا ما بعده فقد روي: أنّه إلى عبد الله بن العبّاس، فإنّ عليّاً عليه السلام كان ولاّه على البصرة، فأخذ مالاً كثيراً وخرج إلى المدينة نحو بيته، وكتب إلى عليّ عليه السلام، أن اجعلني في حلّ من كذا، فإنّ عيالي كثير وتغرم من مالك.

ويمكن أن يكون هذا العامل عبيد الله بن العبّاس، فنحو ذلك بهذا أليق.

والاحتياج يعمّ جميع الناس، ولا يوحشنك خشونة الكلام، فإنّ الكلام مع الأقرباء في [مثل](1)هذا الموضع أغلظ.


1) - الزيادة من د.

وقوله: (أشركتك في أمانتي)، أي: جعلتك شريكاً لنفسي فيما جعلني الله أميناً فيه.

والشعار: ما ولي الجسد من الثياب.

وقوله: (وجعلتك شعاري وبطانتي)، أي: جعلتك من خواصّي بمكان الشعار من الثياب مع الجسد. وبطانة الثوب: خلاف ظهارته، وبطانة الرجل وليجته، وأبطنت الرجل: إذا جعلته من خواصّك.

والمواساة: تكون المعاونة بالمال، والمؤازرة بالبدن. والأوثق: الأشدّ به وثوقاً.

وكلب الزمان: اشتدّ، يقال: كلب الشتاء إذا صار برده شديداً.

وحرب العدوّ، أي: اشتدّ غضبه، ومنه أسد حرب، أي: شديد الغضب، (وحربته: أغضبته)(1).

وخزيت الأمانة: هانت وذلّت.

وفتكت هذه الأُمّة، أي: قتلت على غفلة.

(وشغرت)، أي: أبعدت في الفساد، ولم يدعوا جهداً فيه، بل رفعوا في ذلك. وشغر البلد: خلا. وشغرت القوم: أخرجتهم. والمراد به هو الثاني ههنا ليطابق قوله: فتكت.

وقوله: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)، هذا مثل يضرب لمن يصير حرباً بعد كونه سلماً. والمجنّ: الترس، ومن كان ناصراً لك عند لقاء العدوّ فبطن ترسه إليك فإذا تغيّر عليك وصار مع عدوّك فقد جعل إليك ظهر


1) - ما بين المعقوفين ليس في د.

ترسه. وهذا جواب قوله: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب)، وذكره قرابته وبنات(1)عمّه مرتين وثلاثاً تواضعاً ووضعاً لقدر نفسه لعظمة الله، ولم يقل: فلمّا رأيت الزمان عليَّ كلب قلبت لي ظهر المجنّ، مراقبة لجانبه وحثاً له على الوفاء، وأنّه عليه السلام مشفق عليه أكثر من شفقته على الأجنبي.

و(غرتهم)، أي: غفلتهم.

و(فيئهم)، أي: غنيتمتهم التي فائت ورجعت إليهم.

وذكرنا أنّ (آسيت) أفصح من (واسيت)، ومعناه: ساعدت.

و(الشدّة): الحملة والعدوة.

و(اختطفت)، أي: استلبت لخاصّة نفسك من أموالهم المصونة لأراملهم، أي: المال الذي أمر الله أن يصان لأجل المرأة الأرملة التي لا زوج لها.

(اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة)، أي: كما يختطف ذئب جلد شاة مجروحة، فهو عليها أجرأ.

والأزل: الخفيف الوركين. والاختطاف: الاستلاب. والمعزى: والمعز من الغنم خلاف الضأن، وكلاهما اسم جنس، الواحد ماعز. والكسيرة: المكسورة، وهي صفة الدامية، وهي الشاة التي تدمى بعد أن جرحت وإن لم يسل الدم.

(فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر): أي أخذت مال الضعفاء ولا يضيق صدرك بذلك.


1) - في د وهامش م: بنو عمّه. انتهى. ولعلّه: بنوة مصدر ابن أي ذكره بنوة عمّه.

(غير متأثم)، أي: لا ترى في ذلك إثماً.

وقوله: (كأنّك لا أبا لغيرك)(1)

فعلى الأوّل يكون قوله عليه السلام: (لا أبا لغيرك)، يكون ذمّاً له بمدح غيره، وعلى الثاني يكون مدحاً له تلفظاً ومماشاة مع إشعار بالذمّ، وعلى الثالث يكون أبعاداً له عن التعجب من سوء فعله تلطفاً أو ذمّاً له بالتعجب من حسن فعل غيره دون فعله.

، كلام الوالد المشفق، فخلط اللين بالخشونة.

و(حدرت) متعد، وهو أفصح من أحدرت، أي: أرسلت جميع ذلك إلى أسفل.

و(تراثك) مفعوله، أي: كنت فارغ القلب كأنّك أدخلت على أهلك ميراثاً أصبته حلالاً من قريب لا كراهة فيه.

ثمّ تعجب وسبح الله كما يفعل المتعجب، وقال: إنّ من كان له الإيمان بالمرجع إلى القيامة، وخاف مناقشة الحساب، لا يفعل مثل ذلك.

والنقاش: الاستقصاء في الحساب.

ثمّ بالغ عليه السلام في توبيخه وتهديده، ثمّ مهد عذراً، وقال: (لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل ذلك ما كانت هوادة)، أي: مصالحة ومماثلة عندي لهما، حتّى (أزيح الباطل من مظلمتهما)، أي: أبعده وأذهبه.

والمظلمة: مصدر ظلمه يظلمه ظلماً، وهو أيضاً اسم لما تطلبه عند الظالم ممّا أخذه منك.


1) - في هامش نسختنا نقلاً عن الميرزا علاء الدين ما لفظه: قال ابن الأثير في النهاية: أكثر ما يستعمل ((لا أباً لك)) في معرض المدح، أي: لا كافي لك غير نفسك. وقد يذكر في معرض الذم، كما يقال: ((لا أُمّ لك))، وقد ذكر في معرض التعجب ودفعاً للعين. انتهى.

ثمّ حلف بأنّ ذلك المال لو كان من أمواله لما تركه ميراثاً للورثة، بل أنفقه في سبيل الله.

يدعوه بذلك: أي ردّه على الفقراء(1).

وقوله: (فضح رويداً) كناية عن ترك المعاجلة والأمر بالسكينة.

قال زيد الخيل الطائي(2):

فلو أنّ نصراً أصلحت ذات بينها*** لضحت رويداً عن مطالبها عمرو

ونصر وعمرو ابنا قعين، وهما بطنان من بني أسد.

وقوله: (ويتمنّى المضيّع فيه الرجعة)، إشارة إلى قوله: ارْجِعُونِ_ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً(3).

وناص عن قرنه: أي فرّ. وقوله: (ولات حين مناص)، أي: ليس وقت تأخّر).

تعقيب:

إنّ قول المؤلّف عن الكتاب الأوّل: (ولم يرو أنّ هذا الكتاب إلى أيّ عامل)، قد يشير من طرف خفي إلى أنّ الكتاب الثاني الذي ذكره بعده فيه اختلاف في المكتوب إليه، ولذا قال: (فأمّا ما بعده، فقد روي أنّه إلى عبد الله بن العبّاس فإنّ عليّاً عليه السلام كان ولاه على البصرة، فأخذ مالاً كثيراً وخرج إلى المدينة نحو بيته، وكتب إلى عليّ عليه السلام أن اجعلني في حلّ من كذا، فإنّ


1) - في د وهامش م: إلى ردّه إلى الفقراء.

2) - هو زيد بن مهلهل، كان فارساً مغواراً مظفراً شجاعاً بعيد الصيت.

3) - سورة المؤمنون/99 -- 100.

عيالي كثير وتغرم من مالك).

وهذا من المؤلّف شيء غريب لم يقله غيره في ذهاب ابن عبّاس بالمال إلى المدينة نحو بيته! كما لم يذكر غيره أنّ ابن عبّاس كتب إلى الإمام عليه السلام يستحل منه ما أخذ لاحتياجه إليه لكثرة عياله، ولم يصرح باسم المصدر الذي اعتمده في أخذه هذه المعلومة منه؟

ثمّ قال: (ويمكن أن يكون هذا العامل عبيد الله بن العبّاس، فنحو ذلك بهذا أليق).

وهذا الذي ذكره في المقام لم يكن بضرس قاطع، حتّى يجوز لابن أبي الحديد حكايته عنه باتّاً ويناقشه فيه، وإنّما الذي ذكره مجرّد احتمال، ثمّ عاد لترميم ما في نسبة أخذ المال إلى عبد الله.

فقال: (والاحتياج يعمّ جميع الناس، ولا يوحشنّك خشونة الكلام، فإنّ الكلام مع الأقرباء في مثل هذا الموضع أغلظ)، وفي كلام القطب هنا نحو تمرير وتعذير ولا أقول هو تبرير.

السادس: (المغيث في غريب القرآن والحديث)

السادس: (المغيث في غريب القرآن والحديث)، لأبي موسى محمّد بن أبي بكر المديني الأصفهاني، المتوفّى سنة (581ه-).

ولم تصل نسخته إلينا، إنّما اعتمدنا على نقل ابن الأثير عنه، حيث نثر كتاب (المغيث) في كتابه (النهاية). وأشار إليه بعلامة (س) تمييزاً له عن كتاب (الغريبين) للهروي، الذي أفرغه جميعه أيضاً في كتابه وعلّم عليه ب-(ه-).

فجاء في مادّة (حرب): (وفي حديث عليّ رضي الله عنه أنّه كتب إلى ابن عبّاس: (لمّا رأيت العدوّ قد حرب)، أي: غضب).

ولم يعلّم عليه وما قبله ابن الأثير بعلامة، إلاّ أن ما قبلهما علّم عليه برمز (س)، فهما تابعان لما علّم عليه ب-(س)، فهو عن المغيث إذاً.

وجاء في مادّة (زلل): ((س) ومنه حديث عليّ، كتب إلى ابن عبّاس(رضي الله عنهما): (اختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى)).

وجاء في مادّة (كلب): (ومنه حديث عليّ، كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ مال البصرة: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب). كلب، أي: اشتد).

وهذا لم يعلّم عليه برمز (س)، إلاّ أنّ عدم وروده في غريبي الهروي يدلّ على عدم أخذه منه، بل أخذه عن (المغيث)، إذ أنّ ابن الأثير ملتزم بأخذ ذلك منهما، وما كان من غيرهما صرّح بمستنده.

تعقيب:

ومهما يكن، فجميع ما ذكر مرسل لا يمكن الاعتماد عليه والاحتجاج به؛ فلاحظ!

السابع: (غريب الحديث)، لابن الجوزي، المتوفّى سنة (597ه-) تح: الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ط دار الكتب العلمية بيروت، قال في ج1:

(أ)-- (وكتب عليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ) يضرب مثلاً لمن كان لصاحبه على مودّة ثمّ حال).

(ب)-- وقال في ج2/7: (وكتب عليّ إلى ابن عبّاس: (ألا ضح رويداً)، أي: اصبر رويداً).

تعقيب:

هذا الذي ذكره ابن الجوزي في كتابه (غريب الحديث) لم يغنِ عنّا شيئاً في المقام، إنّما هو اجترار لما سبقه إليه غيره من أهل اللغة، على أنّه لم يستوف بقية ما ذكروه كما في (الغريبين) للهروي، و(غريب الحديث) للمديني، وهما من السابقين عليه، وقد نيّف عليه ابن الأثير في (النهاية)، وهو من اللاحقين به.

(مدوّنات القرن السابع)

الأوّل: (النهاية في غريب الحديث)

الأوّل: (النهاية في غريب الحديث)، للمبارك بن محمّد مجد الدين ابن الأثير، المتوفّى سنة (606ه-)، فقد ورد فيها ما يشير إلى الحادثة، حيث اسشتهد بفقرات من كتاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس في قضية مال البصرة المروي آنفاً في النهج، وذلك في موارد هي:

(أ)-- ج1/214 (جنن): ((ه-) ومنه حديث عليّ رضي الله عنه، كتب إلى ابن عبّاس(رضي الله عنهما): (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ...)، هذه كلمة تضرب مثلاً لمن كان صاحبه على مودّة أو رعاية ثمّ حال عن ذلك).

(ب)-- ج1/244 (حرب): ((س) وفي حديث عليّ رضي الله عنه، أنّه كتب إلى ابن عبّاس: (لمّا رأيت العدوّ قد حرب)، أي: غضب).

(ج)-- ج3/15 (ضحا): ((ه-) كتاب عليّ إلى ابن عبّاس: (ألا ضح رويداً قد بلغت المدى)، أي: أصبر قليلاً).

(د)-- ج4/32 (كلب): ((ه-) ومنه حديث عليّ كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ مال البصرة: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب)).

تعقيب:

أقول: إنّ ابن الأثير قد جمع في كتابه (النهاية) بين (الغريبين) للهروي

(من مدوّنات القرن الخامس)، وبين (المغيث) لأبي موسى المديني (من مدوّنات القرن السادس)، فرمز للأوّل ب-(ه-)، وللثاني ب-(س)، وقد سبق منّا ذكرهما في محلّيهما وتعقّبناهما بما لا حاجة إلى التعقيب هنا ثانياً؛ فراجع!

الثاني: (الكامل في التاريخ)

الثاني: (الكامل في التاريخ)، لابن الأثير، المتوفّى سنة (630ه-) ج3/167 -- 168 ط بولاق، قال:

((ذكر فراق ابن عبّاس البصرة)

في هذه السنة -- 40 -- خرج عبد الله بن عبّاس من البصرة ولحق بمكّة في قول أكثر أهل السيَر، وقد أنكر ذلك بعضهم، وقال: لم يزل عاملاً عليها لعليّ حتّى قتل، وشهد صلح الحسن مع معاوية، ثمّ خرج إلى مكّة، والأوّل أصحّ، وإنّما كان الذي شهد صلح الحسن عبيد الله بن عبّاس.

وكان سبب خروجه أنّه مرّ بأبي الأسود، فقال: (لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت راعياً لما بلغت المرعى)، فكتب أبو الأسود إلى عليّ: (أمّا بعد، فإنّ الله عزوجل جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحاً للرعية، توفر لهم فيئهم، وتكفّ نفسك عن دنياهم ولا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم، وأنّ ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، ولم يسعني كتمانك رحمك الله، فانظر فيما هناك واكتب إليَّ برأيك فيما أحببت، والسلام).

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فمثلك نصح الإمام والأُمّة، ووالى على الحقّ وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليَّ ولم أعلمه بكتابك، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه صلاح للأُمّة، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجب عليك، والسلام).

الصفحة السابقةالصفحة التالية

وكتب إلى ابن عبّاس في ذلك..

فكتب إليه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّ الذي بلغك عنّي باطل وإنّي لما تحت يدي لضابط وله حافظ، فلا تصدّق الظنين، والسلام).

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية؟ ومن أين أخذت؟ وفيما وضعت؟).

فكتب إليه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت، فإنّي ظاعن عنه، والسلام).

واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلّها، فحمل مالاً وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة فلحقوه بالطفّ يريدون أخذ المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف.

فقال صبرة بن شيمان الحدّاني: يا معشر الأزد! إنّ قيساً إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدوّ، وإنّ الذي يصيبكم من هذا المال لقليل، وهم لكم خير من المال، فأطاعوه فانصرفوا، وانصرفت معهم بكر وعبد القيس وقاتلتهم بنو تميم، فنهاهم الأحنف فلم يسمعوا منه فاعتزلهم، وحجز الناس بينهم، ومضى ابن عبّاس إلى مكّة). اه- .

تعقيب:

وهذا كلّه من المرسلات نكراً لا عرفاً، كشأن أمثاله ممّا مرّ صنفاً ووصفاً، وإذا أردنا أن نخرجه عن الإرسال إلى الإسناد، فإنّ ابن الأثير صرّح في أوّل كتابه باعتماده على (تاريخ الطبري) أوّلاً، ثمّ أضاف إليه ممّا وجده عند غيره (إلاّ ما يتعلّق بما جرى بين أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم -- فقد قال -- فإنّي

لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً، إلاّ ما فيه زيادة بيان، أو اسم إنسان، أو ممّا لا يطعن على أحد منهم في نقله).

وما ذكره من فراق ابن عبّاس للبصرة ومشاقّته للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، هو ممّا جرى بين صحابيين من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم؟ فهو مأخوذ من (تاريخ الطبري). ولدى المقارنة بين النصيّن نجد ما ذكره ابن الأثير هو عين ما ذكره الطبري باقتضاب يسير في بعض الألفاظ!

وإذا تمّ ذلك، فإنّ ما سبق لنا من مناقشته حول ما ذكره الطبري تكفي لردّ ما ذكره ابن الأثير على إرساله؛ فراجع!

الثالث: (تذكرة خواص الأئمّة)

الثالث: (تذكرة خواص الأئمّة)، تأليف الحافظ يوسف بن قزأوغلي الواعظ الشهير ب-(سبط ابن الجوزي)، المتوفّى سنة (654ه-) ص89 -- 90 ط إيران على الحجر سنة 1285ه-.

((فصل: في ذكر قصّة جرت له عليه السلام مع عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه)

(أ)-- أخبرنا أبو الحسن بن النجار المقري، قال: أنبأ محمّد بن أبي منصور، أنبأ أحمد بن علي بن سوار، أنبأ أحمد بن عبد الواحد بن محمّد الحريري، أنبأ أحمد بن محمّد الجندي، أنبأ أبو حامد محمّد بن هرون الحضرمي، ثنا إبراهيم بن سعد الجوهري، ثنا المأمون عبد الله بن هرون، عن أبيه هرون، عن أبيه محمّد المهدي، عن أبيه أبي جعفر المنصور، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن عبد الله بن عبّاس -- عن أبيه عبد الله بن عبّاس ظ -- قال: (ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنين كتب إليَّ: (سلام عليك، أمّا بعد، فإنّ المرء يسوؤه فوتُ ما لم يكن ليدركه، ويسرّه دركُ ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما

نلتَ من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما فاتك من الدنيا فلا تأسفن عليه، وليكن همّك فيما بعد الموت، والسلام).

(ب)-- وقد روى السدّي هذا عن أشياخه، وقال عقيبه: كان الشيطان قد نزغ بين ابن عبّاس وبين عليّ عليه السلام مدّة، ثمّ عاد إلى موالاته.

قال: وسببه: إنّ أمير المؤمنين ولّى ابن عبّاس البصرة، فمرّ بأبي الأسود الدؤلي، فقال له: (لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت به المرعى).

فكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، لا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في الحكم، وأنّ ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله في ذلك).

فكتب أمير المؤمنين إلى أبي الأسود: (أمّا بعد، فمثلك مَن نصح الإمام والأُمّة، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا فيه صلاح للأُمّة، فأنت بذلك جدير).

ثمّ كتب إلى ابن عبّاس: (فأعلمني ما أخذت من الخراج والجزية؟ وفي أي شيء وضعته؟).

فكتب إليه ابن عبّاس: (ابعث إلى عملك من أحببت، فإنّي ظاعن، والسلام).

ثمّ دعا ابن عبّاس أخواله من بني هلال بن عامر، جاءه الضحّاك بن عبيد الله، وعبد الله بن زريق في جماعة، واستدعى قيساً، فجاءته فأخذ ما كان في بيت المال من الأموال ولحق بالطفّ، فعارضه عليّ عليه السلام بالخيل،

ففاته إلى مكّة، وكان الذي عارضه بكر وجماعة من البطون فاقتتلوا قتالاً كثيراً، وجرح من الفريقين جماعة، ثمّ أفلت ابن عبّاس في عشرين من أخواله إلى الحجاز فنزل مكّة.

(ج)-- قال هشام: كان الذي أخذه من بيت المال أربعمائة ألف درهم، وقيل سبعمائة ألف. ولمّا مضى إلى مكّة كتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: (سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي أوثق في نفسي منك لمؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد حرب، والعدوّ قد كلب، وأمانة الناس قد خربت والأُمّة قد افتتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بمفارقته مع المفارقين وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من مال الأُمّة اختطاف الذئب فاردة المعزى،أما توقن بالمعاد ولا تخاف ربّ العباد؟ أما يكبر عليك أنّك تأكل الحرام وتنكح الحرام وتشتري الإماء بأموال الأرامل والأيتام، اردد إلى المسلمين أموالهم، ووالله لئن لم تفعل لأعذرن فيك، فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ما فعلت لما كان لهما عندي هوادة، والسلام).

فكتب إليه ابن عبّاس: (حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت منه).

فكتب إليه عليّ عليه السلام: (العجب العجب من تزيين نفسك لك أنّك أخذت أقل ممّا لك، وهل أنت إلاّ رجل من المسلمين وقد علمت بسوابق أهل بدر، وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم، وكفى بك أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري مولّدات الطائف ومكّة والمدينة ما تقع عليه عينك، وتميل إليه نفسك، تعطي فيهنّ مال غيرك، وإنّي أقسم بالله ما أحبّ أن ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه بعدي ميراثاً، فكأن قد بلغت

المدى وعرضت عليك أعمالك غداً، بالمحلّ الأعلى الذي يتمنّى فيه المضيّع للتوبة الخلاص ولات حين مناص).

فكتب إليه ابن عبّاس: (لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبطنها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم).

فكتب إليه عليّ عليه السلام: (إنّ الدماء التي أشرتَ إليها قد خضتها إلى ساقيك، وبذلت في إراقتها جهدك، ووضعت باباحتها حظك (خطّك/ ظ)، وتقشّعت عنها فتياك، وإذ لم تستح فافعل ما شئت).

(د)-- قال أبو أراكة: ثمّ ندم ابن عبّاس واعتذر إلى عليّ عليه السلام، وقبل أمير المؤمنين عذره، وقيل: أنّه عاد إلى الكوفة. والصحيح أنّه لم يزل مقيماً بمكّة حتّى استشهد عليّ عليه السلام في هذه السنة).

تعقيب:

والجديد الذي يطالعنا به سبط ابن الجوزي، هو تقدمة كتاب رواه غير واحد من المؤرّخين، أرسله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس، قال فيه ابن عبّاس: (ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنين عليه السلام كتب إليَّ...) الخ.

وهذه المقدّمة ذكرها في أوّل (فصل في ذكر قصّة جرت له عليه السلام مع عبد الله بن عبّاس)، ثمّ تعقّبها برواية السدّي عن أشياخه لذلك الكتاب، وقول السدّي عقيبها: (كان الشيطان قد نزغ بين ابن عبّاس وبين عليّ عليه السلام مدّة، ثمّ عاد إلى موالاته).

ونحن إذا كنّا نؤخّر الكلام عن الفقرة (أ) ما ذكره مسنداً من كتاب

أمير المؤمنين إلى ابن عبّاس، والذي انتفع به ابن عبّاس، إلى (عناصر التضبيب)، فإنّا لا نؤخّر الكلام حول ما ذكره في الفقرة (ب) عن السدّي عن أشياخه.

ولا بدّ أوّلاً من إلقاء نظرة على رجال السند لنتبيّن حالهم، وهم:

أوّلاً: السدّي: مردّد بين إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، المفسّر المشهور المعروف بالسدّي الكبير توفي سنة (127ه-)، ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الأئمّة السجاد، والباقر، والصادق عليهم السلام ، ولم ينص على توثيقه، عند قدماء أصحابنا، ووثقه السمعاني في أنسابه، وابن الأثير في (اللباب)، قال: (وكان ثقة مأموناً)(1)، ووثقه الترمذي ونقل توثيقه عن الثوري، وشعبة، والقطان، وغيرهم(2).

فالرجل ثقة عند هؤلاء، ولكنّه لم يسلم من جرح الجوزجاني، فقال: (كذّاب شتّام)، وقال الطبري: لا يحتجّ بحديثه، وقال أبو زرعة: ليّن(3)، وكلّ ذلك فيما يبدو لي لأنّه شيعي، ولعلّ كلمة ابن حجر في (التقريب) تدلّ بصراحة على ذلك، قال: (صدوق يَهِم رُمي بالتشيع)(4).

فوثاقة السدّي لا تغني عن وثاقة أشياخه، فكيف لنا بمعرفة أشياخه حتّى نعرف حالهم؟ ثمّ كيف لنا بمعرفة الطريق بين سبط ابن الجوزي المتوفّى سنة (654ه-)، وبين السدّي المتوفّى سنة (127ه-)، فمن هم رجاله؟


1) - اللباب 1/537.

2) - تذكرة خواص الأئمّة لسبط بن الجوزي: 22.

3) - تهذيب التهذيب 1/314.

4) - التقريب 721.

وما هي حالهم؟

أمّا الرجل الثاني الذي كان يعرف ب-(السدّي) أيضاً، هو: الصغير: وهو محمّد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل -- السدّي الكبير الآنف الذكر -- وهذا الرجل لم يوثّق عند رجالنا، ولم يسلم من جرح غيرنا، فقال فيه أبو حاتم: (ذاهب الحديث، متروك الحديث، لا يكتب حديثه البتة)(1)، وذكره ابن شاهين في (الضعفاء)(2).

ولو سلم من جميع ذلك، ففي جهالة السند بينه وبين السبط كفاية لردّ الاستدلال بما رواه عنه، مضافاً إلى جهالة حال مشايخه.

كلّ هذا ممّا يتعلّق بسند الفقرة (ب) من حديث السبط في (التذكرة).

أمّا ما ورد من جديد في متن رواية السدّي، هو التزيّد في كتاب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس، حيث ورد فيه: (فأعلمني ما أخذت من الخراج والجزية...) الخ، فلفظ (الخراج) يطالعنا به السبط في رواية السدّي دون من سبقه من المؤرّخين؛ فلاحظ!

وهذا يدفع البعض إلى التساؤل الذي ذكرناه آنفاً حول موارد بيت المال، ولماذا خصّ الإمام عليه السلام الجزية دون غيرها؟ أمّا الآن فقد ضمّت رواية السدّي (الخراج) إلى الجزية، وبمرور الزمن ربّما تضاف بقية الموارد المالية إليهما، فلا يبقى ثمّة أيّ إشكال ينبع من الفجوات الباقية في الكتاب!

وثمّة جديد ثانٍ في رواية السبط في الفقرة (ب)، وهو قول السدّي:


1) - الجرح والتعديل 8/86.

2) - نفس المصدر 1/436 -- 437.

(فعارضه عليّ عليه السلام بالخيل، ففاته إلى مكّة).

وهذه المعارضة -- المزعومة -- لم نقرأها عند غير السبط، ولم نروها إلاّ من حديث السدّي عن أشياخه!

وهذه المعارضة بالخيل، إمّا أمر، أو خرج بنفسه بالخيل قاصداً ردّ ابن عبّاس، لكنّه فاته إلى مكّة، فليت الراوي لهذه المعارضة أحكم الرواية فتفطّن إلى أنّ عليّاً عليه السلام كان في الكوفة وابن عبّاس كان بالبصرة! فإذا كان خرج بنفسه، فمتى خرج؟ وإلى أين وصل في حملته التأديبية وانتهى إليه فوات ابن عبّاس؟ وإذا كان أمر غيره من جنده، فمن؟ ومتى؟

كلّ ذلك ممّا سكت عنه الراوي ولم يذكره غيره من المؤرّخين، فأين كانت هذه المعارضة عنهم؟ ولماذا لم يطّلع عليها سوى السدّي وأشياخه؟!

أمّا الفقرة (ج) من رواية السبط، وهي التي ابتدأها بقول هشام في تقدير المال الذي أخذه ابن عبّاس.

فهي على إرسالها أوّلاً، وجهالة حال هشام ثانياً -- وربّما كان هو الكلبي الذي تبيّن حاله عند الحديث عن مدوّنات القرن الثالث برقم (2) إذ كان في إسناد البلاذري، فراجع -- فإنّ الجديد في هذه الفقرة سوى ما فيها من تفاوت في ألفاظ الكتب:

أوّلاً: الإدلال بسابقة أهل بدر، وأنّهم لم يأخذوا سوى ما فُرض لهم، حيث ورد قوله: (وهل أنت إلاّ رجل من المسلمين وقد علمت بسوابق أهل بدر وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم)، فهذا الإدلال بالسابقة لم يكن من سيرة الإمام عليه السلام في شيء، خصوصاً وأنّ في أهل بدر من لم تكن خاتمته كسابقته، مثل قدامة بن مظعون الذي شرب الخمر، وجلده الحدّ عمر بن

الخطّاب، ولم تمنعه سابقته البدرية؛ فلاحظ!

على أنّه يمكن القول أنّ أوّل من اتّخذ من هذه السابقة دالّة على سائر المسلمين هو الخليفة عمر بن الخطّاب، حيث فضّل أهل بدر على غيرهم في العطاء، وفي حديث حاطب بن أبي بلتعة لا يخلو من دلالته على تفضيل أهل بدر لقوله صلي الله عليه و آله وسلم: (اطّلع الله على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم)، وهذا لم يصحّ أيضاً!

ثانياً: جواب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على كتاب ابن عبّاس في تعييره بالدماء، وهذا الكتاب لم نجد له ذكراً عند غير هشام!

أمّا سائر ما يتّفق من حديث السبط مع غيره ممّا سبق ذكره فيكفي ما تقدّم منّا في مناقشته خصوصاً حديث هشام المروي عند البلاذري؛ فراجع!

وأمّا المحكي عن أبي أراكة من الندم والرجوع معتذراً، وقبل الإمام عليه السلام عذره، فهو يتوافق مع ما في (تاريخ اليعقوبي) مضموناً، وأبو أراكة هذا من شخصيات الكوفة الأشراف، وأبو أراكة اسمه كما في (الاشتقاق) لابن دريد(1)، ونسبه ابن حزم في (الجمهرة)، ثمّ قال: زوج بنت جرير بن عبد الله البجلي، وهو صاحب دار أبي أراكة بالكوفة(2).

الرابع: (شرح نهج البلاغة)

الرابع: (شرح نهج البلاغة)، لابن أبي الحديد، المتوفّى سنة 656ه-، المجلد الرابع ص61 -- 64:

فقد ورد في شرح كتاب الإمام عليه السلام إلى بعض عمّاله: (أمّا بعد، فإنّي


1) - الاشتقاق: 517.

2) - الجمهرة: 388.

كنت أشركتك في أمانتي...) الخ، وقد تقدّم لفظه عن (نهج البلاغة).

قال ابن أبي الحديد: (وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون: إنّه عبد الله بن العبّاس رحمه الله، ورووا في ذلك روايات، واستدلّوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب:

كقوله: (أشركتك في أمانتي، وجعلتك بطانتي وشعاري، وأنّه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك).

وقوله: (على ابن عمّك قد كلب)، ثمّ قال ثانياً: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)، ثمّ قال ثالثاً: (ولا ابن عمّك آسيت).

وقوله: (لا أباً لغيرك)، وهذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله، فأمّا غيره من أفناء الناس فإنّ عليّاً عليه السلام كان يقول: (لا أباً لك).

وقوله: (أيّها المعدود كان عندنا من أولى الألباب).

وقوله: (لو أنّ الحسن والحسينH)، وهذا يدلّ على أنّ المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجرى مجراهما عنده.

وقد روى أرباب هذا القول: أنّ عبد الله بن عبّاس كتب إلى عليّ عليه السلام جواباً عن هذا الكتاب، قالوا وكان جوابه: (أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظم علىّ ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت، والسلام).

قالوا: فكتب إليه عليّ عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ العجب أن تزين لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل واحد من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحلّ لك المحرم، إنّك لأنت المهتدي السعيد إذاً، وقد بلغني

أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً تشترى بها مولدات مكّة والمدينة والطائف، تختارهنّ على عينك وتعطى فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، وأخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيّب في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد، قد فارقت الأحباب، وسكنت له التراب، وواجهت الحساب، غنياً عمّا خلّفت، فقيراً إلى ما قدّمت، والسلام).

قالوا: فكتب إليه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّك قد أكثرت عليَّ، ووالله لإن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلّها وذهبها وعقيانها ولجينها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم، والسلام).

وقال آخرون -- وهم الأقلون --: هذا لم يكن، ولا فارق عبد الله بن عبّاس عليّاً عليه السلام، ولا باينه، ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قتل عليّ عليه السلام، قالوا: ويدلّ على ذلك: ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لمّا قتل عليّ عليه السلام، وقد ذكرناه من قبل.

قالوا: وكيف يكون ذلك ولم يخدعه معاوية ويجرّه إلى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيراً من عمّال أمير المؤمنين عليه السلام، فما باله وقد علم النبوّة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عبّاس، ولا اجتذبه إلى نفسه، وكلّ من قرأ السير وعرف التواريخ، يعرف مشاقّة ابن عبّاس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه السلام، وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام، وما كان يثنى به على أمير المؤمنين عليه السلام، ويذكر خصائصه وفضائله، ويصدع به من مناقبه ومآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك، بل كانت الحال

تكون بالضدّ لما اشتهر من أمرهما.

وهذا عندي هو الأمثل والأصوب.

وقد قال الراوندي: المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العبّاس لا عبد الله. وليس ذلك بصحيح، فإنّ عبيد الله كان عامل عليّ عليه السلام على اليمن، وقد ذكرت قصّته مع بسر بن أرطاة فيما تقدّم، ولم ينقل عنه أنّه أخذ مالاً، ولا فارق طاعة. وقد أشكل علىّ أمر هذا الكتاب، فإن أنا كذّبتُ النقل وقلت: هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام، خالفت الرواة، فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذكر في أكثر كتب السير.

وإن صرفته إلى عبد الله بن عبّاس، صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته.

وإن صرفته إلى غيره، لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام، والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه.

فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين). اه- .

تعقيب:

أقول: ما ذكره ابن أبي الحديد من كتب دارت بين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبين ابن عبّاس لم يذكر أسانيدها، لنتعرّف حال رواتها، فهي مرسلة كما هي عند غيره!

وما تعقّب به خصوص كتاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض عمّاله المذكور في (النهج) من أطباق الرواة على روايته وذكره في أكثر كتب السير، لا يخرجه عن الإرسال.

والذي أودّ تنبيه القارئ عليه، هو جدّة العرض عنده لمواقف الناس من ذلك الكتاب، فثمّة أكثرون قالوا: إنّ المكتوب إليه هو ابن عبّاس، ولهم أدلّة على ذلك.

وهذا العرض مع التحقيق لم يسبق لنا أن قرأناه فيما سبق من المدوّنات! إنّما الذي قرأناه آنفاً عرضاً موجزاً، أو إشارة عابرة، ولكن الجديد عند ابن أبي الحديد هو العرض الشامل مع ذكر حجج الفريقين.

أمّا رأيه الشخصي فقد أبانه، حيث صادق فريق الأقلين على إنكار قصّة الخيانة، وقال: (وهذا عندي هو الأمثل والأصوب).

ولكن موقفه من تعيين (بعض عمّاله) المكتوب إليه الكتاب كان من المتوقّفين.

ثمّ إنّه حكى عن الراوندي رأيه في أنّ المكتوب إليه (عبيد الله بن العبّاس)، وردّه كان متيناً، غير أنّا مررنا بكتاب الراوندي (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة) وهو المظنون أن نجده فيه، فلم نقرأ فيه ما حكاه ابن أبي الحديد! ولعلّه كان في نسخته ولم تصل إلينا، أو كان في بعض كتبه الأُخرى.

الخامس: (شرح نهج البلاغة)

الخامس: (شرح نهج البلاغة)، لابن ميثم البحراني، المتوفّى سنة 679ه- ج5/89 طبع إيران سنة 1384ه- .

قال ابن ميثم بعد ذكره لكتاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض عمّاله: (أمّا بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي الخ) المذكور في (نهج البلاغة):

(أقول: المشهور أنّ هذا الكتاب إلى عبد الله بن عبّاس حين كان والياً له على البصرة، وألفاظ الكتاب تنبّه على ذلك كقوله: (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)، وقوله: (فلا ابن عمّك آسيت)، وكذلك ما روي إنّ ابن عبّاس كتب إليه جواباً عن هذا الكتاب: (أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظم فيه ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت المال لأكثر ممّا أخذت، والسلام).

فكتب عليه السلام جواب ذلك: (أمّا بعد، فإنّ العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت المال من الحقّ أكثر ممّا لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادّعاك ما لا يكون ينجيك من المآثم، وتحلّ لك المحارم، لأنت المهدي السعيد إذاً، وقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكّة والمدينة والطائف تختارهنّ على عينك وتعطي فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، وأخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيّب في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد، قد فارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت غنيّاً عمّا خلّفت، فقيراً إلى ما قدّمت، والسلام).

وأنكر قوم ذلك وقالوا: إنّ عبد الله بن عبّاس لم يفارق عليّاً عليه السلام، ولا يجوز أن يقول في حقّه ما قال. قال القطب الراوندي -- رحمه الله -- : يكون المكتوب إليه هو عبيد الله، وحمله على ذلك أشبه وأليق.

واعلم أنّ هذين القولين لا مستند لهما:

أمّا الأوّل: فهو مجرّد استبعاد أن يفعل ابن عبّاس ما نسب إليه، ومعلوم

أنّ ابن عبّاس لم يكن معصوماً، وعليّ عليه السلام لم يكن ليراقب في الحقّ أحداً، ولو كان أعزّ أولاده كما تمثل بالحسن والحسين عليهما السلام في ذلك، فكيف بابن عمّه؟ بل يجب أن يكون الغلظة على الأقرباء في هذا الأمر أشدّ.

ثمّ إنّ غلظته عليه وعتابه له لا يوجب مفارقته إياه، لأنّه عليه السلام كان إذا فعل أحد من أصحابه ما يستحقّ المؤاخذة أخذه به، سواء أكان عزيزاً أو ذليلاً، قريباً منه أو بعيداً، فإذا استوفى حقّ الله منه أو تاب إليه ممّا فعل، عاد في حقّه إلى ما كان عليه، كما قال: (العزيز عندي ذليل حتّى آخذ الحقّ منه، والذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له)، فلا يلزم إذاً من غلظته على ابن عبّاس ومقابلته إياه بما يكره، مفارقته له وشقاقه على ما بينهما من المحبّة الوكيدة والقرابة.

وأمّا القول الثاني: فإنّ عبيد الله كان عاملاً له عليه السلام باليمن، ولم ينقل عنه مثل ذلك). اه- .

تعقيب:

وتمشياً مع التزامنا في التعقيب على كلّ مصدر من مدوّنات القرون.

فنقول: ما ذكره ابن ميثم رحمه الله من كتب الإمام عليه السلام وجواب ابن عبّاس عليها، جميع ذلك لم يذكر له من الإسناد ما يصلح حجّيته، فهو مرسل كما هو عند غيره ممّن سبقه، وما ذكره تعقيباً على ذلك فلا يخرج عن كونه اجتهاداً منه رحمه الله، فهو يمثل وجهة نظرة خاصّة، وهو رأي لا يخلو من وجاهة، لولا أنّ في (أدلّة النفي) الآتية ما يدحض ذلك، كما أنّ في (منشأ الانتزاع لهذه التهمة) ما يكفي لردّ ذلك ا لرأي.

السادس: (تهذيب الأسماء والّلغات)

السادس: (تهذيب الأسماء والّلغات)، للنووي، المتوفّى سنة 676ه-، جاء في ج1/276:

(أنّ عليّ بن أبي طالب أمّره على البصرة، ثمّ فارقها قبل قتله وعاد إلى الحجاز).

تعقيب:

هكذا جاء تحديد زمن مفارقة ابن عبّاس للبصرة، ولكن بعد البحث والتنقيب عثرتُ على نفس النص منقولاً عن النواوي في كتابه المشار إليه، وفيه: (ثمّ فارقها بعد قتله وعاد إلى الحجاز)، وذلك منقولٌ في كتاب (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) للتقي الفاسي، فيبدو أنّ اليد الأثيمة امتدت إلى تحريف كلمة (بعد) بكلمة (قبل)، وبذلك صار النص من موارد أدلّة الإثبات! وإلاّ فهو بموارد أدلّة النفي أشبه.

ومهما يكن، فسيأتي في عنوان (وقوع التحريف في النصوص) ذكر ذلك وغيره ممّا ينفع في المقام.

(مدوّنات القرن الثامن)

الأوّل: (لسان العرب)

الأوّل: (لسان العرب)، لجمال الدين محمّد بن مكرم الأنصاري، المعروف بابن منظور، المتوفّى سنة 711ه- ط أوفست بولاق.

(أ)-- في ج3/220 (كلب):

(وفي حديث عليّ كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب)).

(ب)-- في ج6/246 (جني):

(وفي حديث عليّ(كرّم الله وجهه) كتب إلى ابن عبّاس (قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ) قال ابن الأثير: هذه الكلمة تضرب مثلاً لمن كان لصاحبه على مودّة أو رعاية ثمّ حال عن ذلك).

(ج)-- ج19/215 (ضحا):

(وفي كتاب عليّ إلى ابن عبّاس(رضي الله عنهم) (ألا ضح رويداً فقد بلغت المدى) أي اصبر قليلاً). اه- .

تعقيب:

ما ذكره ابن منظور في المواضع الثلاثة مرسل، اعتمد فيه على ابن الأثير، حيث أفرغ في كتابه جميع كتاب (النهاية)، ولدى المقارنة في المقام لم نجد لابن منظور أيّ ذاتية تخصّه حتّى نتعقّبه بشيء، فجميع ما مرّ في

مناقشة (النهاية) يجري بعينه في (لسان العرب)؛ فلاحظ!

نعم، له نحو تعقيب على ما ذكره في كتابه الآخر (مختصر تاريخ مدينة دمشق)، فقد ذكر فيه ج12/320 ط دار النفائس بدمشق: (قال أبو محمّد بن قتيبة في حديث عليّ أنّه كتب إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: (إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى...

وفي الكتاب -- ضح رويدا فكأن قد بلغت المدى، وعُرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي المغتّر بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة والظالم الرجعة.

قوله: قد حرب، أي: غضب، وقوله: قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ: هو مثل يضرب لمن كان لصاحبه على مودّة أو رعاية، ثمّ حال عن ذلك، والمجنّ: التُرس، وقوله: اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى، خصّ الدامية دون غيرها، لأنّ في طبع الذئب محبّة الدم، فهو يؤثر الدامية على غيرها، ويبلغ به طبعه في ذلك أنّه يرى الذئب مثله وقد دُمي فيثب عليه ليأكله).

الثاني: (المختصر في أخبار البشر)

الثاني: (المختصر في أخبار البشر)، لأبي الفداء عماد الدين إسماعيل الملك المؤيّد صاحب حماة، المتوفّى سنة 732ه-، ج1/192 ط الحسينية بمصر.

قال: (ولمّا توفي عليّ رضي الله عنه بايع الناس ابنه الحسن، وكان عبد الله بن

العبّاس قد فارق عليّاً قبل مقتله وأخذ من البصرة مالاً وذهب به إلى مكّة، وجرت بينه وبين عليّ مكاتبات في ذلك، ولمّا تولّى الحسن الخلافة كتب إليه ابن عبّاس يقوّي عزيمته على جهاد عدوّه). اه- .

تعقيب:

وهذا الذي ذكره أبو الفداء لم يروه بلسان الرواية حتّى يعدّ من المرسلات التي لا يحتجّ بها، وإنّما صيغة البيان منه تحكي رأيه في المقام، وإذا كان ذلك رأيه فعليه بيان مستنده في الإدانة ولم يبيّن!

والقاعدة المحكمة تقول: (إن كنت راوياً فالصحّة وإن كنت مدّعياً فالدليل).

كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ(1).

الثالث: (تاريخ ابن الوردي)

الثالث: (تاريخ ابن الوردي)، المتوفّى سنة 749ه- ج1/222 ط الحيدرية.

قال: (وبعد وفاة عليّ رضي الله عنه بويع الحسن ابنه، فكتب إليه عبد الله بن عبّاس من مكّة يحضّه على جهاد عدوّه، وكان ابن عبّاس قد أخذ من البصرة مالاً ولحق بمكّة قبل مقتل عليّ). اه- .

تعقيب:

وهذا التاريخ هو اختصار ل-(تاريخ أبي الفداء)، مع إضافات منه وتذييل عليه من حيث انتهى (المختصر)، كما بينت ذلك في مقدّمة (تاريخ ابن


1) - سورة الكهف/5.

الوردي) الطبعة الحيدرية(1).

فإذا علمنا ذلك فسبيله سبيل ما تقدّمه.

والذي يلفت النظر فيه تزيّد كلمة (من مكّة) بعد قوله: (فكتب إليه عبد الله بن عبّاس)، ولم تكن في (تاريخ أبي الفداء) السابق ذكره، وإن كانت مدلولاً عليها في السياق؛ فلاحظ!

الرابع: (البداية والنهاية)

الرابع: (البداية والنهاية)، لابن كثير الشامي، المتوفّى سنة 774ه-، ج7/322 ط دار الفكر بيروت 1407ه-.

قال: (قال ابن جرير: وفي هذه السنة خرج ابن عبّاس من البصرة إلى مكّة وترك العمل في قول عامّة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم، وزعم أنّه لم يزل عاملاً على البصرة حتّى صالح عليّ (؟) معاوية، وأنّه كان شاهداً للصلح، وممّن نصّ على ذلك أبو عبيدة، كما سيأتي.

ثمّ ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عبّاس عن البصرة: وذلك أنّه كلّم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبي الأسود، فكتب أبو الأسود إلى عليّ يشكو إليه ابن عبّاس وينال من عرضه، فإنّه تناول شيئاً من أموال بيت المال، فبعث عليّ إلى ابن عبّاس فعاتبه في ذلك وحرّر عليه التبعة.

فغضب ابن عبّاس من ذلك، وكتب إلى عليّ: (ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن عنه، والسلام).

ثمّ سار ابن عبّاس إلى مكّة مع أخواله بني هلال وتبعهم قيس كلّها،


1) - انظر: تاريخ ابن الوردى 1/42 ط الطبعة الحيدرية.

وقد أخذ شيئاً من بيت المال ممّا كان اجتمع له من العمالة والفيء، ولمّا سار تبعته أقوام أُخر، فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم من المسير، فكان بينهم قتال، ثمّ تحاجزوا ودخل ابن عبّاس مكّة). اه- .

تعقيب:

وهذا الذي ذكره ابن كثير في هذا المقام نقله عن ابن جرير، وقد تقدّم منّا نقله عنه مفصّلاً والردّ عليه كذلك في مدوّنات القرن الرابع؛ فراجع!

على أنّ الذي يظهر من ابن كثير في مقام آخر من تاريخه عدم تسليمه بحديث الخيانة والمفارقة! فقد قال في الجزء الثامن:

تولّي ابن عبّاس إمامة الحجّ سنة خمس وثلاثين... وحضر ابن عبّاس مع عليّ الجمل، وكان على المسيرة يوم صفّين وشهد قتال الخوارج، وتأمّر على البصرة من جهة علي... فلم يزل عليها حتّى مات عليّ، ويقال: إنّ عليّاً عزله عنها قبل موته(1).

فنسبته العزل (؟) إلى القيل مشعرةً بالتمريض.


1) - البداية والنهاية 8/304.

(مدوّنات القرن التاسع)

الأوّل: (العبر في أخبار العرب والعجم والبربر)

الأوّل: (العبر في أخبار العرب والعجم والبربر)، لابن خلدون، المتوفّى سنة 808ه- ج2 ق2 ص183 ط أوفست لبنان.

(وفي سنة أربعين فارق عبد الله بن عبّاس عليّاً ولحق بمكّة، وذلك أنّه مرّ يوماً بأبي الأسود ووبّخه على أمر، فكتب أبو الأسود إلى عليّ بأنّ ابن عبّاس استتر بأموال الله، فأجابه عليّ يشكره على ذلك، وكتب لابن عبّاس ولم يخبره بالكاتب، فكتب إليه يكذّب ما بلغه من ذلك وأنّه ضابط للمال حافظ له، فكتب إليه أعلمني ما أخذت، ومن أين أخذت وفيما صنعت، فكتب إليه ابن عبّاس: فهمت استعظامك لما رفع إليك أنّي رزأته من هذا المال فابعث إلى عملك، ولم يبعث الأموال، وقال: هذه أرزاقنا، واتبعه أهل البصرة ووقفت دونه قيس، فرجع صبرة بن شيمان الهمداني بالأزد، وقال: قيس أخواننا وهم خير من المال فأطيعوني، وانصرف معهم بكر وعبد القيس، ثمّ انصرف الأحنف بقومه من بني تميم، وحجز بقية تميم عنه ولحق ابن عبّاس بمكّة).

تعقيب:

وهذا وإن كان مرسلاً إذ لم يصرّح بمستنده، إلاّ أنّنا يمكن أن نخرّج له مصدراً من قوله في مكان آخر، وذلك بعد بيعة الإمام الحسن عليه السلام، فقد قال: (وهذا آخر كلام في الخلافة الإسلامية، وما كان فيها من الردّة والفتوحات

والحروب، ثمّ الاتّفاق والجماعة، أوردتها ملخصّة عيونها ومجامعها من كتاب محمّد بن جرير الطبري وهو تاريخه الكبير... وأتبعتها بمفردات من غير كتاب الطبري... وإذا ذكرت شيئاً في الأغلب نسبته إلى قائله...(1).

فظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون إنّما أخذه من تاريخ الطبري، وقد مرّ الحديث عنه وما فيه في مدوّنات القرن الرابع؛ فراجع!

الثاني: (المقفّى الكبير)

الثاني: (المقفّى الكبير)، لتقي الدين المقريزي، المتوفّى سنة 845ه- ج4/489 -- 492 ط دار الغرب الإسلامي، تحقيق محمّد البعلاوي، في ترجمة ابن عبّاس، قال:

((انقطاعه عن عليّ بسبب خراج البصرة).

وشخص معه إلى صفّين، ثمّ رجع إليها والياً، ثمّ كتب أبو الأسود فيه إلى عليّ، فغاضب عليّاً وشخص إلى الحجاز.

(200أ)/ روى هشام بن الكلبي(2)عن أبيه، قال: كان أبو الأسود مقيماً بالبصرة وكان يطالع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، بمَا يبدو من العمّال. وعلم به عبد الله بن عبّاس.

قال أبو مخنف: فمرّ ابن عبّاس يوماً على أبي الأسود، فقال له: لو كنتَ من البهائم لكنت جَملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت بك المرعى ولا أحسنت مهنتك!(3).


1) - تاريخ ابن خلدون ج2 ق2 ص188.

2) - هشام بن محمّد بن السائب بن الكلبي ((أعلم الناس بالأنساب)) المعارف: 536.

3) - العقد 4/354.

فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مسؤولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحاً للرعيّة ترفدهم وتظلف نفسك عن دنياهم، وإنّ ابن عمّك هذا قد أكل ما تحت قدميه(1)بغير علمك، فلم يسعْني كتمانُك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك، والسلام.

فكتب إليه: (أمّا بعد، فإنّ مثلَك من ينصح الإمام والأمّة، فلا تدع إعلامي بما يكون، ممّا فيه صلاح الأُمّة، فإنّه واجب عليك، والسلام).

وكتب إلى ابن عبّاس في ذلك، فكتب إليه ابن عبّاس: فإنّ الذي بلغك باطلٌ، وإنّي لما تحت يدي ضابط وله حافظ، فلا تصدّق الظنين، والسلام.

فكتب إليه عليّ: (أخبرني بالذي جبيت من الخراج والجزية، وفي أيّ شيءٍ وضعته؟).

فكتب إليه: ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن.

ثمّ دعا أخواله من بني هلال بن عامر (بن صعصعة)، فأتاه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رَزين وجماعة، فأخذ ما كان في بيت مال البصرة، وهو أربع مائة ألف -- وقيل ألف ألف -- درهم، فتبعتهم بكر وغيرها، فاقتتلوا وكثرت الجراحات في الفريقين، وأفلت ابن عبّاس في عشرين رجلاً بالمال إلى مكّة، وبلغ عليّاً ذلك فأرسل الخيل وراءه ففاتهم.

وكتب إليه: (أمّا بعد، فإنّي أشركتُك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجلٌ أوثق في نفسي منك لمؤازرتي وأداء الأمانة، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد قلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد ذهبت،


1) - العقد 4/354: ما تحت يديه.

والأُمّة قد اقتُتلت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان، واختطفت ما قدرت عليه من مال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ (دامية المعزى)(1)، أما توقن بالمعاد؟ أما تخاف ربّ العباد؟ أما يكبُر عليك أنّك تأكل الحرام، وتنكح وتشتري (200ب) الإماء بأموال الأرامل والأيتام؟ أردُدْ إلى المسلمين أموالهم، ووالله لئن لم تفعَل لا عذرتُ الله فيك! فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ذلك لم يكن لهما عندي هوادة، والسلام).

فكتب إليه ابن عبّاس: حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت.

فكتب إليه عليّ: (العجب كلّ العجب من تزيين نفسك لك أنّك أخذتَ أقل ممّا تستحقّه! وهل أنت إلاّ رجل من المسلمين ليست لك سابقة، وقد علمت سوابق أهل بدر وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم، ويكفي أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري من مولّدات الطائف ومكّة ما تقع عليه عينُك وتميل إليه نفسُك، وتبذل فيه مالَ غيرك، فكأنّك قد بلغة المدى، وعُرض عليك عملُك غداً بالمحلّ الأعلى، الذي يتمنّى المضيّع فيه التوبة الخلاص(2)،وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ(3)).

فكتب إليه ابن عبّاس: لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبما في بطنها أحبّ إليّ من أن ألقاه بدم مسلم.


1) - الزيادة من عيون الأخبار 1/57 و2/82، والأزل: الخفيف الوركين، كناية عن الهزال.

2) - العقد 4/359.

3) - سورة ص/3.

فكتب إليه عليّ: (إنّ الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك، وبذلت في إراقتها جهدك، ووضعت بإباحتها خطك، وتقشعت عنها فتياك، والسلام).

وذكر البلاذري أنّ ابن عبّاس لمّا قدم مكّة ابتاع من عطاء بن جبير مولى بني كعب الخزاعي ثلاث مولدات: حوراء، وفتون، وشادن، بثلاثة آلاف دينار.

وقد قال قوم: إنّ ابن عبّاس ما زال بالبصرة حتّى قتل أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه.

قال أبو زيد: زعم أبو عبيدة -- ولم أسمعه منه -- أنّ ابن عبّاس لم يزل بالبصرة حتّى قتل عليّ، فشخص إلى الحسن بن عليّ يشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثمّ رجع إلى البصرة فحمل ثقله ومالاً من بيت المال، وقال: هي أرزاقي.

قال أبو زيد: فذكرت ذلك لأبي الحسن، فأنكره، وزعم أنّ عليّاً قتل وابن عبّاس بمكّة، والذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عبّاس.

قلت: وهذا هو الصحيح كما ذكره المدائني وغيره).

تعقيب:

لقد مرّ بنا ذكر هشام بن الكلبي وما قيل من تجريح فيه وفي أبيه، كما مرّ بنا حال أبي عبيدة وأبي زيد وأبي الحسن هؤلاء الثلاثة الذين ذكروا بالكنية تدليساً وتلبيساً، وقد مرّت الإشارة إلى هذا النحو من الإيهام في التعقيب على ما جاء في (تاريخ الطبري)، فراجع تجد الأوّل هو معمر بن

المثنّى، وتجد الثاني هو عمر بن شبة، وتجد الثالث هو علي بن محمّد المدائني. ولم يسلم واحد منهم من التجريح.

الثالث: (جواهر المطالب)

الثالث: (جواهر المطالب)، لشمس الدين أبي البركات محمّد بن أحمد الباعوني الدمشقي الشافعي، المتوفّى سنة 871ه- في ج2/79 -- 84 تح المرحوم الشيخ المحمودي، نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.

وإلى القارئ ما فيه متناً وهامشاً، قال:

(الباب السابع والخمسون: في خروج عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه (من البصرة مغاضباً لعليّ عليه السلام)(1).

عن أبي بكر ابن أبي شيبة، قال: كان عبد الله بن عبّاس من أحبَّ الناس إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمّد صلي الله عليه و آله وسلم، ولم يستعمله قطُّ، فقال له يوماً: كنت (أحبُّ) على أنّ استعملك ولكنّي أخشى أن تستحلَّ الفيء على التأويل(2).

فلمّا صار الأمر إلى عليّ عليه السلام استعمله على البصرة، فاستحلَّ الفيء على (تأويل)، قول الله عزوجل: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(3)، فاستحلَّه لقرابته من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم.

وروى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن


1) - ما بين المعقوفين أخذناه من مقدّمة المصنّف.

2) - كذا في أصلي، وفي العقد الفريد 5/96: ((فقال له يوما: كدت (أن) أستعملك...)). أقول: لم أجد الحديث في مصنّف ابن أبي شيبة، والظاهر أنّ الحديث مختلق.

3) - سورة الأنفال/41.

عبيد الله، قال: مرَّ ابن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت المرعى!!

فكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام: أمَّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مسئولاً، وقد بلوناك رحمك الله فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توَّفر فيئهم، وتظلف نفسك عن دنياهم(1)ولا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإنّ ابن عمَّك قد أكل ما تحت يده بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك، وأكتب إليَّ برأيك فيما أحببت أتبعه إن شاء الله، والسلام.

فكتب إليه عليٌ عليه السلام: (أمّا بعد، فمثلك من نصح الإمام والأُمّة، ووالى على الحقِّ وفارق على الجور(2)، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إليَّ فيه، ولم أعلمه بكتابك إليَّ، فلا تدع إعلامي عمَّا يكون بحضرتك، ممّا يكون النظر فيه للأُمّة صلاحاً، فإنّك بذلك جدير وهو حقٌ واجب لله عليك، والسلام)(3).

و(أيضاً) كتب عليٌ عليه السلام إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت الله وأخزيت أمانتك، وعصيت أمامك، وخنت المسلمين، بلغني أنَّك جرَّدت الأرض وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليَّ


1) - هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد: ((وتكف نفسك عن دنياهم...)).

2) - كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: ((وفارق على الجور؟)).

3) - وللكتاب مصادر يجد الطالب ذكر كثير من مصادرها في ذيل المختار: (165)) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج السعادة 5/325، ط1.

حسابك، واعلم أنَّ حساب الله أعظم من حساب الناس، والسلام)(1).

فكتب إليه ابن عبّاس: أما بعد، فإنّ الذي بلغك عنّي باطل، وأنا لما تحت يديَّ ضابط، فلا تصدّق عليَّ الظنين.

فكتب عليه السلام إليه: (أمّا بعد، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته؟ وما وضعت منها أين وضعته؟ فاتَّق فيما ائتمنتك عليه، واسترعيتك إيّاه، فإنّ المتاع بما أنت رازمه قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد(2)، والسلام).

فلمّا رأى ابن عبّاس أنّ عليّاً غير مقلع عنه كتب إليه: أمّا بعد، فقد بلغني تعظيمك عليَّ مرزأة ما رزأته أهل هذه البلاد، وأيم الله لأن ألقى الله بما في بطن الأرض من عيانها ولُجينها وبما على الأرض من طلاعها، أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الأُمّة، لأن أنال بذلك الملك والإمرة(3)، ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن، والسلام.

فلمّا أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله من بني هلال بن عامر ابن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحّاك بن عبد الله الهلالي فأجاره ومعه رجل


1) - هذا هو الصواب المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: ((واعلم أنّ حسابك أعظم من حساب الناس)).

2) - هذا هو الظاهر، وفي أصلي: ((وتباعته وبال...)).

3) - الكلام تعريض بأمير المؤمنين عليه السلام، ولكن ساحة ابن عبّاس أجل من أن يخطر هذا الأمر الباطل على قلبه فضلاً عن أن ينطق به، أو يخطّه قلمه، فالكلام اختلقه دعاة بني أُميّة كي يسجّلوا على الناس أنّ حروب أمير المؤمنين عليه السلام كانت بهدف الحفاظ على الملك والإمارة، لا أنه كان مأموراً بقتال من قاتله، كما هو مدلول قوله عليه السلام المستفيض: (أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين).

الصفحة السابقةالصفحة التالية

منهم يقال له رزين بن عبد الله(1)وكان شجاعاً، فقالت بنو هلال: لا غناء بنا عن بني سليم. ثمّ أتتهم قيس.

فلمّا رأى ابن عبّاس اجتماعهم له، حمل ما كان في بيت المال بالبصرة -- وكان فيما زعموا ستّة آلاف ألف -- فجعله في الغرائر(2).

قال: فحدّثني الأزرق اليشكري(3)، قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لمّا وضع ابن عبّاس المال في الغرائر ثمّ مضى، تبعته الأخماس كلّها، فلحقوه بالطفّ على أربعة فراسخ من البصرة فواقعوه، فقالت لهم قيس: لا يصلون إليه وفينا عين تطرف. فقال صبرة بن شيمان وكان رأس الأزد(4): والله إنّ قيساً لإخواننا في الإسلام وجيراننا على العدوّ، وإنّ الذي يذهبون به من المال لو ردّ إليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ، ولهم خير لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم.

فقال بكر بن وائل وعبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة فاعتزلوهم.

فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتّى نقاتلهم عليه، فقال الأحنف بن قيس: أنتم والله أحقّ أن لا تقاتلوهم عليه وقد ترك قتالهم من هو أبعد رحماً منكم. قالوا: والله لنقاتلنّهم. فقال: والله لا نشايعكم على قتالهم. فانصرف


1) - كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: عبد الله بن رزين.

2) - الغرائر: جمع غرارة -- بكسر الغين المعجمة --: الجوال وجمعه جوالق.

3) - كذا في أصلي، ومثله في كتاب العقد الفريد، ومرجع الضمير في ((قال)) غير واضح، كما أنّ الأزرق اليشكري ما وجدت له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال.

4) - الظاهر أنّ هذا الصواب، وهكذا جاء في المطبوع من العقد الفريد 5/98، ط بيروت. ومثله في تاريخ الطبري 5/142، وفي أصلي: فقال ضمرة؟...

عنهم الأحنف فقدموا عليهم(1)

ومثله في تاريخ الطبري 5/142، وفيه ((المجاعة)).

2- كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: ((خلوا عنهم وأرواحهم فإن القوم فدحوا؟ فانصرفوا عنهم)). وفدحوا -- على زنة منعوا، وبابه --: ثقلوا أي ثقل وصعب عليهم قتالكم إيّاهم.

ابن المجدعة فقاتلهم، فحمل عليه الضحّاك بن عبد الله وطعنه في كتفه فصرعه وسقط إلى الأرض بغير قتل، وحمل سالم بن ذويب السعدي على الضحّاك فصرعه أيضاً، وكثرت بينهم الجراح من غير قتل.

فقالت الأخماس الذين اعتزلوا: والله ما صنعتم شيئاً، اعتزلتم عن قتالهم وتركتموهم يتشاجرون؟!! فجاؤا حتّى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: إنَّ هذا لَلُؤم قبيح، لنحن أسخى أنفساً منكم، حين تركنا أموالنا لبني عمّكم، وأنتم تقاتلونهم عليها، خلّوا عنهم وعن ابن أختكم، فإنَّ القوم قد جمعوا فانصرفوا عنهم(2).

فمضى ابن عبّاس ومن معه ومضى معهم ناس من قيس فيهم الضحّاك ابن عبد الرحمن بن رزين حتّى قدموا الحجاز، فنزل مكّة، فجعل راجز لعبد الله بن عبّاس يسوق به ويقول:

صبّحت من كاظمة القصر الخرب*** مع ابن عبّاس بن عبد المطّلب

وجعل ابن عبّاس يرتجز ويقول:

آوي إلى أهلك يا رباب*** آوي فقد حان لك الإياب


1) - كذا في أًصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد 5/98: فقال (الأحنف): والله لا نساعدكم على قتالهم... فقدموا عليهم ابن مجاعة...

وجعل يرتجز أيضاً:

وهنّ يمشين بنا هميسا*** إن يصدق الطير نَنِك لميسا

فقيل له: يا أبا العبّاس، أمثلك يرفث في هذا الموضع؟ قال: إنّما الرفث ما يقال في النساء(1).

قال أبو مخنف: فلمّا نزل (ابن عبّاس) مكّة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني كعب من جواريه ثلاث مولّدات حجازيّات، يقال لهنّ: شاذن، وحوراء، وفتون (؟) بثلاثة آلاف دينار.

وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبد الرحمن(2)

وأبو الكنود ذكره ابن حجر في باب الكنى من كتاب تهذيب التهذيب 12/212، قال: أبو الكنود الأزدي الكوفي، قيل: اسمه عبد الله بن عامر، وقيل: عبد الله بن عمران. وقيل: عبد الله بن عويمر. وقيل (عبد الله) بن سعيد. وقيل: عمرو بن حبشي.

روى عن علي وابن مسعود وخباب بن الأرت وابن عمر.

وعنه أبو إسحاق السبيعي وقيس بن وهب وإسماعيل بن أبي خالد وأبو سعد الأزدي قارئ الأزد. ذكره ابن حبّان في الثقات... وقال أبو موسى: أدرك الجاهلية.

3- سورة الأعراف/175.

4- كذا في أصلي، وفي العقد الفريد 5/99: ثمّ كتب علي إليه: أما بعد...

، قال: كنت من أعوان عبد الله في البصرة، فلمّا كان من أمره ما كان، أتيت عليّاً عليه السلام فأخبرته، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(3): ثمّ كتب عليّ معي إليه(4).

1) - كذا في أصلي، والرفث -- على زمة الفرس --: قول الفحش كقول ابن عبّاس ها هنا: ((ننك لميسا)).

2) - كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ((وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود))، ولعلّه الصواب.

(أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك، لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانات الناس قد خزيت، وهذه الأُمّة قد فتنت، قلّبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان، وخنته مع من خان، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدَّيت كأن لم تكن على بينة من ربّك(1)وإنّما كدت أُمّة محمّد عن دنياهم، وغررتهم عن فيئهم!! فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة أسرعت العدوة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أمواله، وانتقلت بها إلى الحجاز، كأنَّك إنّما حزت إلى أهلك ميراثاً من أبيك وأُمّك!!

فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟(2)

وفي أصلي: ((أما تؤمن بالعذاب؟)).

3- الهوادة -- على زنة السعادة --: الرفق واللين، المحاباة.

أما تخاف الحساب؟ أما تعلم أنّك تأكل حراماً؟ وتشرب حراماً؟ وتشتري الإماء وتنكحهن بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم؟!!

فاتّق الله وأد إلى القوم أموالهم، فإنّك والله لئن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك!!

فوالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة(3) ولمّا تركتهما حتّى آخذ الحقّ منهما، والسلام).


1) - هذا هو الظاهر، وفي أصلي: ((كأن لم تكن على بينة لربك...)).

2) - هذا هو الظاهر الموافق للعقد الفريد، وغير واحد من المصادر، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه ومن غيره.

فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أصبت، من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، والسلام.

فكتب إليه (عليّ عليه السلام): (أمّا بعد، فإنّ العجب كلّ العجب منك أن ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر ممّا لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان تمنيك الباطل، وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلُّ لك ما حرّم الله عليك، عمَّرك الله إنّك لأنت السعيد السعيد(1)

وفي الطبعة القديمة من العقد الفريد: إنّك لأنت البعيد البعيد.

وفي طبعة بيروت منه: ((إنّك لأنت البعيد؟)) من غير تكرار.

، وقد بلغني عنك أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً تشتري المولدات من المدينة والطائف، وتختارهنّ على عينك، وتعطي بها مال غيرك، فإني اقسم بالله ربّي وربّ العزّة ما أحبُّ أنّ ما أخذت من أموالهم حلال لي أدعه ميراثاً لعقبي، فما بال اغتباطك به تأكله حراماً!!

ضحّ رويداً وكان قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلِّ الذي ينادي فيه المغترُّ بالحسرة، ويتمنَّى المضيّع التوبة والظالم الرجعة)!!

فكتب إليه ابن عبّاس: والله، لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنّه إلى معاوية كي يقاتلك به!!

فكفّ عنه أمير المؤمنين عليه السلام ولم يكاتبه بعدها.

ذكر ذلك كلّه ابن عبد ربّه في تاريخه المسمّى ب-(العِقْد)، والله أعلم).


1) - لعلّ هذا هو الصواب، وفي أصلي: ((إنّك لأنت المفيد السعيد؟)).

تعقيب:

أقول: هذا جميع ما سطره الباعوني في كتابه، ولمّا كان قد نقله كلّه من (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي، وقد تقدّم منّا ذكره وتعقيبنا عليه، فلا حاجة للتطويل هنا، وفيما ذكرناه هناك يغنينا عن بسط الكلام في التعقيب عليه هنا.

فإلى (مدوّنات القرن الثاني عشر)

اشارة

-- حيث لم أقف فعلاً على شيء من مدوّنات القرن العاشر والحادي عشر، فيما يخصّ حديث الخيانة، لذلك تخطّيتهما إلى مدوّنات القرن الثاني عشر --

ولمّا كان أجمع مصدر ضمّ ما ورد حول ذلك هو كتاب:

الأول : (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار)

اشارة

(بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار)، للشيخ المجلسي المتوفّى سنة 1111ه-، وهو موسوعة جامعة ونافعة، ولكنّها ليست مانعة، وخاضعة من خلال النظر إليها نظر تحقيق وتدقيق، كشأن سائر المؤلّفات الأُخرى فيؤخذ منها ويترك.

وأرى من الخير تنوير القارئ بشيء عن هذه الموسوعة التي تفاوتت الأنظار في تقويم أخبارها، فكانت مختلفة، وذلك من خلال ما اشتملت عليه، فهي كاسمها، ففي البحار من العجائب والغرائب ما يفوق اليابسة من مخلوقات، ففيها اللؤلؤ والمرجان، كما فيها الصدف والخزف.

إذاً لا بدّ من تسليط الضوء عليها، ونكتفي بتقويم مؤلّفها قدس سره لها، فهو أعرف من غيره بما فيها، وما ضمّت من أخبار لم يكن هو يعتمدها، حسب ما يأتي من تصريحاته.

وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا ذكرها ما دام هو يصرّح بعدم وثوقه بصحّتها؟

وسيأتي الجواب على هذا السؤال من خلال النماذج التي نسوقها من كلامه قدس سره.

ولمّا كنت قد سعدت قبل خمس وأربعين عاماً بتحقيق تسعة أجزاء من هذه الموسوعة استجابة لطلب ناشرها صاحب المكتبة الإسلامية بطهران رحمه الله، فكان منها الأجزاء 46 -- 47 -- 48 المتضمّنة لتواريخ أربعة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام وهم: الإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق، والإمام الكاظم عليهم السلام.

والباقي هي الأجزاء: 99 -- 100 -- 101 -- 102 -- 103 -- 104، المتضمّنة الكتب الفقهية التالية: كتاب الحجّ والعمرة، وكتاب المزار، وبقية كتاب أحكام العقود والإيقاعات وبقية الأحكام الشرعية إلى نهاية كتاب الديّات...

وقد عانيت فيما حقّقت كما أشرت إليه في مقدّمات الأجزاء المشار إليها، إذ عانيت ثمّة فجوات كثيرة لم يسدّها المغفور له المؤلّف ببياناته الشافية، لذلك قلتُ: عانيت، وقد عالجت تصحيح بعضها، وتركت بعضاً آخر منها مكتفياً بالتخريج.

ولدى البحث عن أسباب وجود تلك الفجوات، تبيّن أنّ تلكم الأجزاء ممّا لم تخرّج إلى البياض من قلمه الشريف، فخلت من التعقيبات عن البيان، أو التوضيحات الشافية، وبقيت بعض أماكنها بياضاً خالياً من أيّ تعليق، أو مع ذكره قليلاً أحياناً، فهذا إن كان ممّا يرفع إصر المؤاخذة قليلاً، فهو يزيد تعقيد الجواب على السؤال المتقدّم، لماذا ذكر المؤلّف ما لم يعتمد عليه ولا يثق بصحّته؟

ولا بدّ لمن يبتغي مخاضة (البحار) من التوفّر على معرفة منهجية المؤلّف رحمه الله بقراءة مقدّمته التي أبان فيها فعله وفضله، وذلك لما عاناه في سبيل جمع المصادر المنثورة غير المشهورة حتّى سمّاها بالمهجورة.

فإلى قراءة مقتطفات ممّا جاء في المقدّمة:

مقتطفات ممّا جاء في المقدّمة:

قال(رحمه الله تعالى): (...ثمّ بعد الإحاطة بالكتب المتداولة تتبعت الأُصول المعتبرة المهجورة، التي تركت في الإعصار المتطاولة، والأزمان المتمادية، إمّا لاستيلاء سلاطين المخالفين وأئمّة الضلال، أو لرواج العلوم الباطلة بين الجهّال... أو لقلّة اعتناء جماعة من المتأخّرين بها، اكتفاء بما اشتهر منه، لكونها أجمع وأكفى وأشفى...

فطفقت أسال عنها في شرق البلاد وغربها...

ولقد ساعدني على ذلك جماعة من الأخوان، ضربوا في البلاد لتحصيلها، وطلبوها في الأصقاع والأقطار، طلباً حثيثاً، حتّى اجتمع عندي بفضل ربّي... كثير من الأُصول المعتبرة التي كان عليها معوّل العلماء في الأعصار الماضية...

فألفيتها مشتملة على فوائد جمّة خلت عنها الكتب المشهورة المتداولة...).

أقول: أليس من المحزن أن يكون مَن بلغ الجهد منه غايته حتّى نال بغيته، ثمّ رصف أخبار موسوعته بترتيب مُعجِب ومُغرب بعد جهدٍ مُتعب، ومنهجية فائقة وشائقة، لولا ما تخلّلها فكان منها الشائكة، أن صرنا نقرأ

بعض ما قال، ممّا حسب عليه لا له، ويجعلنا في حيرة من أمره(رحمه الله تعالى)، فإلى قراءة ذلك البعض، ممّا فيه الغضّ:

تقويم بلا تأثيم:

1- قال(رحمه الله تعالى): في الفصل الأوّل من المقدّمة في ذكر المصادر: (وكتاب مشارق الأنوار وكتاب الألفين للحافظ رجب البُرسي، ولا أعتمد ما ينفرد بنقله، لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع، وإنّما أخرجنا منها ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأُصول المعتبرة...)(1).

2- وقال: (وكتاب الدرّ النظيم كتاب شريف كريم، مشتمل على أخبار كثيرة من طرقنا وطرق المخالفين في المناقب، وقد ينقل من كتاب مدينة العلم وغيره من الكتب المعتبرة... وقلّ ما رجعنا إليه لبعض الجهات...)(2)(؟).

3- وقال أيضاً في الفصل المتقدّم ذكره: (وكتابا الملحمة -- ملحمة دانيال وملحمة... مشهوران، لكن لا اعتمد عليهما كثيراً...)(3).

4- وقال: (وكتاب الأضواء محتوٍ على فوائد كثيرة، لكن لم نرجع إليه كثيراً...)(4).

ومراده كتاب (أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي)


1) - بحار الأنوار 1/10.

2) - المصدر نفسه.

3) - بحار الأنوار 1/45.

4) - المصدر نفسه.

لبعض الأعلام (؟).

5- وقال: (وكتاب النبذة مؤلّفه لا نعلم حاله...)(1).

إلى غير ذلك، سوى ما له من تعقيبات قالها قدس سره بعد إيراده بعض الأخبار التي صرّح بعدم اعتماده عليها.

فإلى نماذج ممّا قاله رحمه الله في ذلك:

1- قال: (أقول إنّما أوردت هذه القصّة بطولها مع عدم اعتمادي عليها، لكونها كالشرح والتفصيل لما أوردته بالأسانيد المعتبرة، فما وافقها فهو المعتمد، وما خالفها فلا يعوّل عليه، والله الموفّق لكلّ خير)(2).

2- في الجزء التاسع والعشرين جاء بعد إيراد خبر طويل وتفسير عريض، فقال: (ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه ممّا يخالف السير وسائر الأخبار)(3).

3- في الجزء الثلاثين أورد خبراً عن كتاب (إرشاد القلوب)، ثمّ قال: (أقول: وجدت الخبر في كتاب سليم عن أبان عن سليم عن عبد الرحمن ابن غنم وذكر الحديث مثله سواء. ثمّ قال في بيانه: هذا الخبر أحد الأمور التي صارت سببا للقدح في كتاب سليم، أن محمّداً -- وهو ابن أبي بكر -- ولد في حجّة الوداع كما ورد في أخبار الخاصّة والعامّة، فكانت له عند موت أبيه سنتان وأشهر، فكيف كان يمكنه التكلم بتلك الكلمات، وتذكّر تلك


1) - المصدر نفسه.

2) - بحار الأنوار 12/372.

3) - بحار الأنوار 29/65 و28، ط تحقيق آية الله الغروي، ط دار الرضا بيروت.

الحكايات، ولعلّه ممّا صحّف فيه النسّاخ أو الرواة، أو يقال إن ذلك من معجزات أمير المؤمنين عليه السلام ظهر فيه...)(1). ثمّ أطال الكلام في توثيق كتاب سليم، ولم يذكر في دفع الخبر غير ما مرّ ممّا أبقى السؤال قائماً بحاله؟

4- في الجزء الثلاثين من كتاب الفتن والمحن في باب حيرة الناس بعد رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، جاء تعقيباً على خبر ورد فيه قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لرجل هاروني: (ويحك أنا وصيّ محمّد، أعيش بعده ثلاثين لا تزيد ولا تنقص يوماً...)، فقال المجلسي رحمه الله: (أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، ويشكل تصحيحه لعدم اتّحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب، وقوله لا تزيد استئناف بيان أنّ الموعد الذي وعدت لذلك لا يتخلّف وأعلمه، بحيث لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً. وقيل: الضمير يرجع إلى كتاب هارون، وربّما يقرئه تزيد وتنقص على صيغة الكتاب، أي: أنّك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة، فتتوهم أنّه لا كسر فيها، وليس كذلك، بل هو مبني على إتمام الكسر). ثمّ قال رحمه الله: (ولا يخفى بُعدهما...)(2).

5- في الجزء الثلاثين أورد خبراً نقلاً عن كتاب (إرشاد القلوب) فيه من الوهن ما دعاه لأن يقول: (إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتج به وهن أو مخالفة للمشهور...)(3).


1) - بحار الأنوار 30/72 تح الغروي.

2) - بحار الأنوار 30/98، ط دار الرضا، و54 تح الغروي.

3) - بحار الأنوار 3/300، ط دار الرضا، و215 تح آية الله الغروي.

6- في الجزء الثلاثين أورد خبراً فيه غرائب كما قال: (لم أجد الرواية بغير هذا السند وفيها غرائب)(1).

7- في الجزء الثلاثين ذكر خبراً عمّا يراه المحتضر حال الاحتضار، ثمّ قال: (هذا حديث غريب لم أره إلاّ في الكتاب المذكور)(2).

8- في الجزء الثلاثين ذكر كلاماً كثيراً تعقّب به بعض الأخبار ثمّ قال: (إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتج به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية والله الموفّق)(3).

9- في الجزء الثلاث والأربعين في تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام ، قال: (أقول وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتهاعليها السلام فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعوّل عليه، ثمّ ساق الخبر بطوله)(4)(؟).

إلى غير من أمثال هذه النماذج التي ذكرها وصرّح فيها، إمّا بعدم اعتماده بالكلّية أو اعتماداً محدوداً، لما فيها من هنات أو هفوات كانت مبعث القيل والقال، وطرح السؤال، إذ ليست هي من تعويذة عين الكمال، ليغّض الطرف عنها، وقد كان رحمه الله في غنى عن ذكرها، إذ وجودها بين جمهرة معتبرة، تشويه لها، وبعثرة يلقى عليها غبرة.


1) - بحار الأنوار 30/300، ط دار الرضا.

2) - بحار الأنوار 30/335، ط دار الرضا.

3) - بحار الأنوار 30/376، ط دار الرضا.

4) - بحار الأنوار 43/174ط الإسلامية.

ومهما قيل أو يقال في تبرير ذكرها، وأنّ المؤلّف قد برئ من عهدتها حين ذكرها مع تحقيق وبيان يرفع عنه إصر المؤاخذة، فمع الإغماض عن المطالبة بمزيد من العناية والاحتياط في النقل، لكن سيبقى ما أخذه من كتاب زيد النرسي في كتاب الحجّ فوق التعذير، إذ لم يعقّب عليه بشيء، مع أنّه من الأخبار الساقطة بالمرّة سنداً ومتناً ودلالة، ولا يمكن الاعتماد عليه، ولا الاعتذار عنه، وإلى القارئ ذلك:

ما ذكره المجلسي من كتاب زيد النرسي؟

لقد ذكر الشيخ المجلسي -- رحمه الله تعالى -- خبرين أخذهما من كتاب زيد النرسي، كلاهما من الأخبار التي لا ينبغي ذكرهما، لآفة مستندهما، وهما في كتاب الحجّ في باب الوقوف بعرفات وفضله في الجزء التاسع والتسعين(1).

فأوّلهما: (كتاب زيد النرسي: عن عليّ بن مزيد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أحدٌ ينقلب من الموقف من برّ الناس وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، إلاّ برحمة ومغفرة، يغفر للكافر ما عمل في سنته، ولا يغفر ما قبله ولا ما يفعل بعد ذلك، ويغفر للمؤمن من شيعتنا جميع ما عمل في عمره وجميع ما يعمله في سنته بعدما ينصرف إلى أهله من يوم يدخل إلى أهله سنته، ويقال له بعد ذلك: قد غُفر لك، وطهرت من الدّنس، فاستقبل واستأنف العمل، وحاجُ غفر له ما عمل في عمره ولا يكتب عليه سيئة فيما يستأنف، وذلك أن تدركه العصمة من الله فلا يأتي بكبيرة أبداً، فما دون الكبائر مغفور له)(2).


1) - بحار الأنوار 99/262 برقم 42 و43.

2) - كتاب زيد النرسي: 39 من الأُصول الستّة عشر.

وثانيهما: (ومنه عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنّ الله عزوجل ينظر إلى أهل عرفة من أوّل الزّوال حتّى إذا كان عند المغرب ونفر الناس وكّل الله ملكينَ بحيال المأزمين، يناديان عند المضيق الذي رأيت: يا ربّ سلّم سلّم، والربّ يصعد إلى السماء ويقول جلّ جلاله: آمين آمين ربّ العالمين، فلذلك لا تكاد ترى صريعاً ولا كسيراً)(1)

فمنها قول رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: (أنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه). وقد روي عين هذا الحديث عن علي عليه السلام.

وقول الباقر عليه السلام وابنه الصادق عليه السلام لبعض أصحابهما: (لا تصدّق علينا إلاّ بما يوافق كتاب الله وسُنّة نبيّه).

وقول الصادق عليه السلام: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف).

وقوله: (كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسُنّة)، و(كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف).

وقوله عليه السلام: (ما أتاكم من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل).

وقوله عليه السلام: (إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به).

وقوله عليه السلام لمحمّد بن مسلم: (يا محمّد! ما جاءك من رواية من برّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به).

إلى غير ذلك من الأحاديث الآمرة بعرض كلّ حديث على كتاب الله وسُنّة نبيّه.

وهذان الحديثان من كتاب زيد النرسي وأضرابهما ممّا يوهم القول بالتجسيم أو صريح فيه، لا يمكن إقراره والأخذ به لمخالفته لكتاب الله وهو شاهد ناطق بأنّه جلّ وعلا: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (سورة الأنعام/103)، وأنّه تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (سورة الشورى/11)، وقوله: (أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) (سورة فصلت/54)، وغير ذلك ممّا ورد في آي الذكر الحكيم في كمال صفاته جلّ وعلا وإحاطته بكلّ شيء ولا يحويه شيء.

ولقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، فشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال فيم؟ فقد ضمنه، ومن قال علام؟ فقد أخلى منه، كائن لاعن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة) (نهج البلاغة أوّل خطبة فيه).

إلى غير ذلك ممّا ورد في نفي الجسم والصورة والتحديد ونفي الزمان والمكان والكيف، ونفي الحركة والانتقال، بل ونفي إحاطة الأوهام بكنه جلاله، تقدّست أسماؤه وعظمت آلاؤه.

فأحاديث النزول إلى السماء الدنيا وأشباهها لا تؤخذ بنظر الاعتبار لمخالفتها لكتاب الله وسُنّة رسوله صلي الله عليه و آله وسلم، بل هي من الأحاديث المدسوسة في كتب أصحابنا القدماء وتلقّاها بعض المتأخّرين فرواها كما هي وتمحّل في تأويلها.

ولو أنّا جعلنا حديث يونس بن عبد الرحمن نصب أعيننا وتشدّده في الحديث لعلمنا أنّ الدسّ كان منذ أيام الصادق عليه السلام، بل في أيام الباقر عليه السلام، وهذه الأحاديث كلّها مدسوسة.

فقد ورد في رجال الكشي (ص195) طبع النجف: عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أنّ بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمّد! ما أشدك في الحديث؟ وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا؟ فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟

فقال: حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسُنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسُنّة نبيّنا محمّد صلي الله عليه و آله وسلم، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزوجل وقال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم).

قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام، وقال لي: (أنّ أبا الخطّاب كان كذب على أبي عبد الله عليه السلام، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السُنّة، إمّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان) (كتاب معرفة الناقلين للكشي في اختياره للطوسي: 195).

فمن جميع ما تقدّم ظهر لنا أنّ أحاديث التشبيه والتجسيم والحلول وأضرابها لا تقبل ويضرب بها عرض الجدار، وإن رويت في أصحّ كتاب، أو رواها أوثق رجل.

مضافاً إلى ذلك أنّ حديث زيد النرسي فيه مناقشة خاصّة من حيث سنده، فزيد لم يصرّح بتوثيقه في كتب القدماء، وما استدلّ به بعض المتأخّرين على وثاقته مردود، فإنّه اجتهاد منه. وشهادته عن حدس لا عن حس فهي لا تكفي في المقام. ولو سلّمنا وثاقته لا لما ذكره بل لوقوعه في إسناد كامل الزيارات كما عليه سيّدنا الأُستاذ قدس سره في أوّل أمره، فإنّ: كتاب زيد كما ذكره النجاشي -- أو أصله كما ذكره الشيخ -- وإن رواه ابن أبي عمير وجماعة عنه، إلاّ أنّ ذلك لا يدلّ على توثيق الكتاب جميعه وإن اشتمل على ما يخالف الكتاب والسُنّة.

مع أنّ محمّد بن الحسن بن الوليد وتلميذه الشيخ الصدوق طعنا فيه وقالا: هو من وضع محمّد بن موسى السمان وهو -- السمان -- وإن كان من رجال نوادر الحكمة إلاّ أنّ ابن الوليد وابن بابويه وأبا العبّاس بن نوح استثنوا جماعة من أولئك الرجال كان منهم السمان.

وقد قال فيه ابن الغضائري: ضعيف يروي عن الضعفاء، كما حكى عن جماعة من القميين الطعن عليه بالغلوّ والارتفاع، وما ذكر في الدفاع عن كتاب زيد من قول ابن الغضائري لا يصلح للردّ، وإذ أنّ ابن الغضائري عقّب على إعراض ابن الوليد وتلميذه الصدوق عن كتاب زيد النرسي وكتاب زيد الزرّاد وطعنهما فيهما بقوله: غلط أبو جعفر -- يعني الصدوق -- في هذا القول فإنّي رأيت كتبهما مسموعة من محمّد بن أبي عمير اه-.

وهذا لا ينفي أن يكون لزيد النرسي كتاب رواه ابن أبي عمير وآخر وضعه محمّد بن موسى السمان، فكان ما رواه ابن أبي عمير هو الذي رآه ابن الغضائري، وما وضعه السمّان هو الذي رآه الصدوق. فيكون كلّ من الشيخين على حجّته.

ومن المحتمل قوّياً أنّ الكتابين اختلطت أحاديثهما، أو بعضها فكان من أحاديث السمّان هذا الحديث وأضرابه.

ولنختم الكلام بحديث يفند هذا الحديث وما شاكله رواه ثقة الإسلام في الكافي ج1/125 بسنده عن أبي إبراهيم عليه السلام، وقد ذكر عنده قوم يزعمون أنّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا.

فقال عليه السلام: (أنّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم، أمّا قول الواصفين: أنّه ينزل تبارك وتعالى، فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلّ متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، فمن ظنّ بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ وعزّ عن صفة الواصفين، ونعت الناعتين، وتوهم المتوهمين، وتوكّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين).

.

1) - كتاب زيد النرسي: 54 فماذا في الخبرين من آفة؟ فهذان الحديثان لا يعتنى بهما ولا يؤبه براويهما أيا كان، بعد أن أمرنا في عدّة روايات وفيها الصحاح بعرض كلّ حيث على كتاب الله وسُنّة رسوله صلي الله عليه و آله وسلم.

فهذا الذي ذكره الشيخ المجلسي قدس سره من كتاب زيد النرسي، يجعلنا في حيرة من أمره! وذلك أنّ نسخة كتاب زيد النرسي التي نقل عنها الشيخ المجلسي رحمه الله لا تخلو من ملاحظة دقيقة تستدعي التوقّف عندها، وتحمل على الريبة في أمر كتاب زيد النرسي. لأنّ الشيخ المجلسي رحمه الله ذكر في الفصل الثاني من مقدّمة كتابه (البحار) ما يلي:

(أنّ كتاب زيد النرسي أخذه من نسخة عتيقة مصحّحة بخطّ الشيخ منصور بن الحسن الآبي، وهو نقله من خطّ الشيخ الجليل محمّد بن الحسن القمّي، وكان تاريخ كتابتها سنة أربع وسبعين وثلثمائة. ومنصور بن الحسن الآبي، غير معلوم الحال، ولعلّ تصحيفاً وقع في اسم أبيه، وأنّه (الحسين) ليكون على احتمال هو الذي ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته، فقال:

(منصور بن الحسين الآبي: فاضل عالم فقيه، وله نظم حسن، قرأ على شيخنا المحقّق أبي جعفر الطوسي)، غير أنّ هذا الاحتمال بعيد، لما ذكره المجلسي رحمه الله من تاريخ كتابة النسخة، فقد ذكر أنّ تاريخ كتابتها (374) بينما كانت ولادة الشيخ الطوسي رحمه الله (385ه-)، أي بعد تاريخ الكتابة بإحدى عشرة سنة، فكيف يعقل أن يكون الآبي هو منصور بن الحسين؟ ويبقى الشيخ منصور بن الحسن الآبي كاتب النسخة على جهالته. ونبقى نحن في حيرة من أمر النقل من كتاب زيد النرسي.

على أنّه كان في غنى عن ذكره، ونحن مع بالغ احترامنا لمقامه الرفيع، وتقديرنا العظيم لجهوده الكبيرة في سبيل تأليف موسوعته الخالدة (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار أهل البيت عليهم السلام)، إلاّ أنّا لا نغالي مع المغالين في إضفاء أبراد الصحّة على جميع ما ورد في الكتاب، إذ نرى أخباره كسائر بقية الأخبار في غيره من سائر الكتب التي فيها الصحيح وفيها السقيم، كما أنّا لا نقول بعصمة الشيخ رحمه الله، فهو كبقية الأعلام الذين عكفوا على العلم فأصابوا منه ما أصابوا، وما لم يبلغوه كثير لقوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً(1)، وقوله تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(2).

ونحن مع الشيخ رحمه الله في بياناته التي مرّت نماذج منها، في عدم وثوقه ببعض الأخبار التي ذكرها، لكنّا لسنا معه في أصل إيرادها، حتّى تسبب ذكرها وأشباهها، إلى طغيان أمواج بحاره، فتلاطمت فضاعت عندها سفن


1) - سورة الإسراء/85.

2) - سورة يوسف/76.

النجاة بين أخباره، فقد أسيء فهمها عند كثير من قرائه، فرأوها جميعاً هي اللؤلؤ والمرجان، وفاتهم أنّ البحار فيها الصدَف والخزَف، وفيها ما ينفع الناس، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ(1).

وليس في تصحيح الفهم ما يوحي بالوهم، بأنّ في ذلك غضّاً من مقام الشيخ المجلسي رحمه الله، فليس كذلك، بل هو كغيره من المؤلّفين السابقين واللاحقين، وكتابه كبقية الكتب فيؤخذ منه ويترك، وليس لدينا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلاّ كتاب الله تعالى، فلا موافقة لمن قال: إنّ مجرّد ذكر المجلسي رحمه الله لخبر في كتابه (البحار) يعني أنّه ارتضاه وهو صحيح، كما أنّه لا مؤاخذة على من ناقش الشيخ رحمه الله في أصل إيراده كلّ ما وجده في سواد وبياض.

والآن وبعد هذا البيان الوافي الضافي عن كتاب (بحار الأنوار)، لنقرأ ماذا عند الشيخ المجلسي في بحاره المتلاطمة أمواجها حول ابن عبّاس في تهمة الخيانة، وغيرها ممّا يشعر بذمّ شخصيته واعوجاجها، تصريحاً أو تلويحاً.

فممّا جاء في تهمة الخيانة وغيرها ما ذكره في ج42/149 -- 150 -- و152 -- 155 و181 -- 185:

البحار ج42/149 -- 150:

(14- شي: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل إلى أبي، فقال: ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في


1) - سورة الرعد/17.

القرآن في أيّ يوم نزلت وفيمن نزلت، قال: (فسله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)وفيمن نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ(2)، وفيمن نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(3)؟)، فأتاه الرجل، فغضب وقال: وددت أنّ الذي أمر بهذا واجهني فأسائله، ولكن سله: ما العرش؟ ومتى خلق؟ وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال ما قال، فقال: (وهل أجابك في الآيات؟) قال: لا، قال: (لكنّي أجيبك فيها بنور وعلم غير المدّعي ولا المنتحل، أمّا الأوّليان فنزلتا فيه وفي أبيه، وأمّا الأُخرى فنزلت في أبي وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد، وسيكون من نسلنا المرابِط ومن نسله المرابَط)(4).

15- كش: جعفر بن معروف، عن ابن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام مثله؛ وزاد في آخره بعد الجواب عن سؤال العرش على ما سيأتي: (أما إنّ في صلبه وديعة لقد ذُرئت لنار جهنّم، سيخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه، وستصبغ الأرض من دماء(5)الفراخ من فراخ آل محمّد صلي الله عليه و آله وسلم تنهض تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك، ويرابط الذين آمنوا


1) - سورة بني إسرائيل/72.

2) - سورة هود/34.

3) - سورة آل عمران/200.

4) - تفسير العياشي 2/305.

5) - في المصدر: بدماء.

ويصبرون لما يرون حتّى يحكم الله و هو خير الحاكمين)(1).

21- رجال الكشي: علي بن زياد الصائغ، عن عبد العزيز بن محمّد، عن خلف المخزومي، عن سفيان بن سعيد، عن الزهري، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل عليّ عليه السلام على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة، ولحق بمكّة وترك عليّاً، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى، فقال: (هذا ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم في عمله -- علمه ظ -- وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه؟ اللّهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم، وأقبضني إليك غير عاجز ولا ملول).

قال الكشّي: شيخ(2)من اليمامة يذكر عن معلّى بن هلال، عن الشعبي، قال: لمّا احتمل عبد الله بن عبّاس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز كتب إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (من عبد الله عليّ بن أبي طالب إلى عبد الله بن عبّاس، أمّا بعد، فإنّي قد كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزّت(3)، وهذه الأمور قد فشت، قلّبت لابن عمّك ظهر المجنّ(4)، وفارقته مع المفارقين وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، فكأنّك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة


1) - معرفة أخبار الرجال: 36 و37.

2) - في المصدر: قال شيخ.

3) - عز الشيء: قل فكاد لا يوجد. وفي النخج: قد خزيت.

4) - المجنّ: الترس، وسيأتي توضيح الجملة فيما ينقله عن النهج.

محمّد صلي الله عليه و آله وسلم على دنياهم، وتنوي غرّتهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة أُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم أسرعت الوثبة، وعجلت العدوة فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة(1)كأنّك -- لا أباً لك -- إنّما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمّك. سبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف من سوء الحساب؟ أو ما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟ أردد إلى القوم أموالهم، فوالله لئن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرنّ الله فيك، والله فوالله لو أنّ حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة(2)ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة، حتّى آخذ الحقّ وأزيح الجور عن مظلومهما، والسلام)(3).

قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ لي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، والسلام.

قال: فكتب إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (أمّا بعد، فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك أنّ لك في بيت مال الله أكثر من مال(4)رجل من المسلمين!


1) - الذئب الأزل: السريع الخفيف الوركين وذلك أشدّ لعدوه وأسرع لوثبته. والدامية: شجة تدمى، والمعزى: المعز، أي اختطفت على بيت المال كاختطاف الذئب السريع على المعزى المجروحة والمكسورة بحيث لا تقدر على الدفاع والهرب.

2) - الهوادة: اللين والرفق.

3) - في (ك): مظلومهما.

4) - في الصدر: أكثر ممّا أخذت وأكثر من مال اه-.

فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله عليك، عمرك الله إنّك لأنت العبد المهتدي إذن، فقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري مولّدات مكّة والطائف، تختارهن على عينيك، وتعطي فيهن مال غيرك، وإنّي لأقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما يسرّني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً، فلا غرور(1)أشدّ باغتباطك تأكله(2)رويداً رويداً، فكأن قد بلغت المدى(3)، وعرضت على ربّك المحلّ الذي يتمنّى الرجعة المضيع للتوبة لذلك(4)، وما ذلك ولات حين مناص، والسلام).

قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد، فقد أكثرت عليَّ! فوالله لئن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحبّ إليَّ (من) أن ألقى الله بدم رجل مسلم(5).

27- كا: محمّد بن أبي عبد الله ومحمّد بن الحسن، عن سهل ومحمّد


1) - في المصدر: فلا غرو.

2) - في (ك): بأكله.

3) - المدى: الغاية والمنتهى.

4) - في المصدر: كذلك.

5) - معرفة أخبار الرجال: 40 -- 42 وأورد السيّد الرضي رحمه الله الرسالة الأولى وقال في أوّله (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله). وذكر عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح النهج جوابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام والرسالة الثانية وجوابها أيضاً مع اختلافات لما في (كش)، وقال: قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب فقال الأكثرون: إنّه عبد الله بن عبّاس، وقال آخرون وهم الأقلون: هو عبيد الله بن عبّاس. وسيأتي نقله بعيد هذا.

ابن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعاً عن الحسن بن العبّاس(1)

أقول: لقد أفرد الكليني رحمه الله لما نقله الرجل في شأن إنّا أنزلناه باباً في كتابه الكافي، راجع ج1/242 -- 253، لكن إمارات الوضع والخطأ تلوح من الاضطرابات الواقعة في طيات رواياته، ولأجل ذلك لم نتعمق في بيان هذه الرواية وإن كان بعض جملاتها آبياً عن البيان والتوضيح لكثرة اضطرابها.

2- سورة فصلت/30.

3- سورة الحجرات/10.

، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينا أبي جالس عليه السلام وعنده نفر إذا استضحك حتّى اغرورقت عيناه دموعاً، ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال: فقالوا: لا، قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الذين قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا(2)، فقلت له: هل رأيت الملائكة يا بن عبّاس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن من الخوف والحزن؟ قال: فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(3)، وقد دخل في هذا جميع الأُمّة، فاستضحكت ثمّ قلت: صدقت يا بن عبّاس! أنشدك الله هل في حكم الله جلّ ذكره اختلاف؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتّى سقطت، ثمّ ذهب وأتى رجل آخر فأطار كفّه، فأُتي به إليك وأنت قاضٍ كيف أنت صانع به؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفه

1) - الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي، ضعيف جدّاً، عنونه العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة، والنجاشي في رجاله، وقال: ((ضعيف جدّاً، له كتاب إنّا أنزلناه في ليلة القدر وهو كتاب رديء الحديث مضطرب الألفاظ))، وفي جامع الرواة/205: ((قال ابن الغضائري: هو أبو محمّد ضعيف روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام فضل إنّا أنزلناه كتاباً مصنّفاً فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه)).

وأقول: لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وأبعث به إلى ذوي عدل، قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عزّ ذكره، ونقضت القول الأوّل، أبى الله عزّ ذكره أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود، فليس(1)تفسيره في الأرض، اقطع قاطع الكف أصلاً، ثمّ أعطه ديّة الأصابع هكذا حكم الله ليلة ينزل فيها أمره، إن جحدتها بعد ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فأدخلك الله النار، كما أعمى بصرك يوم جحدتها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: فلذلك عمّي بصري، قال: وما علمك بذلك فوالله إنّ عمى بصري إلاّ من صفقة جناح الملك، قال: فاستضحكت ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله، ثمّ لقيته فقلت: يا بن عبّاس! ما تكلمت بصدق مثل أمس، قال لك عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وإنّه ينزل في تلك الليلة أمر تلك السنة، وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فقلت: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون، فقلت: لا أراها كانت إلاّ مع رسول الله، فتبدّا لك الملك الذي يحدّثه؟ فقال: كذبت يا عبد الله، رأت عيناي الذي حدّثك به عليّ ولم تره عيناه، ولكن وعا قلبه ووقر في سمعه، ثمّ صفقك بجناحيه فعميت! قال: فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا، فقلت: ههنا هلكت وأهلكت(2).

40- نهج: ومن كتاب له إلى عبد الله بن العبّاس: (أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي رجل


1) - في المصدر: وليس.

2) - أُصول الكافي 1/247 و248 الطبعة الحديثة.

أوثق منك في نفسي، لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الأُمّة قد فتكت وشغرت، قلّبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت(1)ولا الأمانة أدّيت، وكأنّك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم، وتنوي غرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأمّة أسرعت الكرّة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، المصونة لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله، غير متأثم من أخذه، كأنّك -- لا أبا لغيرك -- حدرت على(2)أهلك تراثك من أبيك وأمّك، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب؟ أيّها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد؟ فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النّار، والله لو أنّ الحسن والحسين عليهما السلام فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا


1) - آسى الرجل في ماله: جعله أسوته فيه.

2) - في المصدر: إلى.

منّي بإرادة، حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيح الباطل من مظلمتها(1)، وأقسم بالله ربّ العالمين، ما يسرنّي أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي، فضحّ رويداً، فكأنّك قد بلغت المدى ودفنت تحت الثّرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع الرجعة، ولات حين مناص، والسلام)(2).

توضيح: قوله عليه السلام: (وكنت أشركتك في أمانتي)، أي: في الخلافة التي ائتمنني الله عليها، حيث جعلتك والياً، وبطانة الرجل: صاحب سرّه الذي يشاوره في أحواله. والمواساة: المشاركة والمساهمة. قوله: (قد كلب) بكسر اللام، أي: اشتدّ، يقال: كلب الدّهر على أهله إذا ألحّ عليهم واشتدّ، قاله الجزري(3). وقال: (قد حرب)، أي: غضب(4). والفتك أن يأتي الرّجل صاحبه وهو غار غافل حتّى يشدّ عليه فيقتله. قوله عليه السلام: (وشغرت)، أي: خلت من الخير، قال الجوهريّ: شغر البلد أي خلا من الناس(5).

قوله عليه السلام: (قلّبت لابن عمك)، أي: كنت معه فصرت عليه، وأصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ كانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ وبطونها إلى عسكرهم، فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا.


1) - في المصدر: عن مظلمتهما.

2) - نهج البلاغة (عبده، ط مصر) 2/67 -- 69، وقد مضى عن معرفة اختيار الرجال تحت الرقم 20.

3) - النهاية 3/30 و31.

4) - النهاية 1/212.

5) - الصحاح: 700.

قوله عليه السلام: (فلمّا أمكنتك الشدّة)، من قولهم شدّ عليه في الحرب إذا حمل.

قال الجزري: الأزلّ في الأصل: الصغير العجز وهو في صفات الذئب: الخفيف، وقيل: هو من قولهم زلّ زليلاً إذا عدا، وخصّ الدامية، لأنّ من طبع الذئب محبّة الدم حتّى أنّه يرى ذئباً دامياً فيثب عليه ليأكله(1).

وتأثم، أي: تحرّك عنه وكفّ.

قوله عليه السلام: (لا أبا لغيرك)، استعمل ذلك في مقام (لا أبا لك) تكرمة له وشفقة عليه، وما قيل من أنّ (لا أبا لك) لما كان يستعمل كثيراً في معرض المدح، أي: لا كافي لك غير نفسك، فيحتمل أن يكون ذمّاً له بمدح غيره فلا يخفى بعده.

ويقال: حدرت السّفينة إذا أرسلتها إلى أسفل.

وقال الجزريّ: فيه (من نوقش في الحساب عذّب)، أي: من استقصي في محاسبته وحوقق، ومنه حديث عليّ عليه السلام: (لنقاش الحساب)(2)، وهو مصدر منه، وأصل المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه(3).

قوله عليه السلام: (أيّها المعدود كان عندنا)، أدخل عليه (السلام) لفظة (كان) تنبيهاً على أنّه لم يبق كذلك، قيل: ولعلّه عدل عن أن يقول: (يا من كان عندنا من ذوي الألباب) إشعاراً بأنّه معدود في الحال أيضاً عند الناس منهم.

وأعذر: أبدى عذراً والهوادة: الرخصة والسكون والمحاباة.


1) - النهاية 2/130.

2) - أصل الحديث: يوم يجمع الله فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب.

3) - النهاية 4/170.

قوله: (بإرادة)، أي: بمراد. والإزاحة: الإزالة والإبعاد.

وقال الجزريّ: إنّ العرب كان يسيرون في ظعنهم، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيه كلأ وعشب قال قائلهم: ألا ضحّوا رويداً، أي: أرفقوا بالإبل حتّى تتضحّى، أي: تنال من هذا المرعى، ومنه كتاب عليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس: (ألا ضح رويداً فقد بلغت المدى)، أي: اصبر قليلاً(1).

وقال البيضاويّ في قوله تعالى: وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ(2)، أي: ليس الحين حين مناص، و (لا) هي المشبهة بليس، زيدت عليه تاء التأنيث للتأكيد. كما زيدت على ربّ وثمّ، وخصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين، وقيل: هي النّافية للجنس، أي: ولا حين مناص لهم؛ وقيل: للفعل، والنصبُ بإضماره، أي: ولا أرى حين مناص، إلى آخر ما حقّق في ذلك(3)، والمناص: المنجى.

أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: (اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون: إنّه عبد الله بن العبّاس، كما تدلّ عليه عبارات الكتاب، وقد روى أرباب هذا القول: أنّ عبد الله بن العبّاس كتب إلى عليّ عليه السلام جواباً عن هذا الكتاب.

قالوا: وكان جوابه: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظّم عليَّ ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت المال لأكثر ممّا أخذت، والسلام.


1) - النهاية 2/13 و14.

2) - سورة ص/3.

3) - تفسير البيضاوي 2/137.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

قالوا: فكتب إليه عليّ عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل(1)من المسلمين! فقد أفلحت لقد كان(2)تمنّيك الباطل وادّعاؤك مالا يكون ينجيك عن المآثم ويحلّ لك المحرم، إنّك لأنت المهتدي السعيد إذاً، وقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري بها مولّدات مكّة والمدينة والطائف، تختارهنّ على عينك وتعطي فيهنّ مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، وأخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيّب في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد، قد فارقت الأحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب، غنّياً عمّا خلّفت فقيراً إلى ما قدّمت، والسلام).

قالوا: فكتب إليه عبد الله بن العبّاس: أمّا بعد، فإنّك قد أكثرت عليَّ، ووالله لئن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلّها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم، والسلام)(3).

أقول: قد أثبتنا في باب علّة قعوده وقيامه عليه السلام من كتاب الفتن كفر الأشعث بن قيس، وفي باب (سلوني) كفر ابن الكوّاء وغيره، وفي باب احتجاجات الحسن عليه السلام على معاوية وأصحابه حال جماعة، وكذا في باب احتجاج الحسين عليه السلام على معاوية مدح حجر بن عديّ وعمرو بن الحمق، وفي باب احتجاجات الباقر عليه السلام وأبواب أحوال الخوارج ذمّ نافع وغيره،


1) - في المصدر: لرجل واحد اه-.

2) - في المصدر: إن كان.

3) - شرح النهج 4/88.

وفي باب أحوال الصحابة وباب أحوال سلمان وباب فضائله مدح جماعة من أصحابه عليه السلام وذمّ جماعة، وفي باب عبادته عليه السلام مدح أبي الدرداء، وفي جواب أسئلة اليهودي المشتمل على خصال الأوصياء حال جماعة، وفي باب إخباره بالمغيبات وباب علمه عليه السلام كفر عمرو بن حريث، وكذا في باب أنّهم المتوسمون، وفي باب حبّهم عليهم السلام مدح الحارث الأعور، وكذا في باب ما ينفع حبّهم فيه من المواطن.

وفي باب غصب الخلافة ذمّ ابن عبّاس، وأيضاً في باب الإخبار بالمغيبات كفر الأشعث وكذا في باب جوامع مكارمه عليه السلام، وفي باب أحوال أولاده عليهم السلام مكاتبة ابن الحنفية وابن عبّاس، وفي باب إخباره بالمغيبات أحوال كثير منهم، وقد أوردنا باباً آخر في كتاب الفتن يتضمّن أحوال أصحابه صلوات الله عليه مفصّلاً).

هذا ما ورد في (البحار) ممّا يتعلّق بحديث الخيانة وغيره ممّا يوهم انتقاص ابن عبّاس رضي الله عنه، ولمّا كنّا نحن بصدد أخبار الخيانة عند المثبتين لها، فلننظر أوّلاً ماذا أثبت الشيخ المجلسي رحمه الله منها:

إنّه لم يورد فيه ما يستوجب إطالة الوقوف عنده كثيراً، إذ جميع ذلك منقول عن مصادر تقدّم ذكر ما فيها والتعقيب عليها، فلا جديد في المقام.

إنّما الذي ينبغي منّا الوقوف عنده، هو ما ذكره الشيخ المجلسي رحمه الله ما أشار إليه بقوله: (قد أثبتنا في باب قعوده عليه السلام... وفي باب غصب الخلافة ذمّ ابن عبّاس)، فلنقرأ ما أشار إلى ذكره في ذمّ ابن عبّاس:

لقد ذكر خبراً في (باب غصب الخلافة) نقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم، وهو هكذا:

(فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن العبّاس ابن الجريش، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم في المسجد والناس مجتمعون بصوت عالٍ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1).

فقال ابن عبّاس: يا أبا الحسن! لم قلت ما قلت؟

قال: قرأت شيئاً من القرآن.

قال: لقد قلته لأمر؟

قال: نعم، إنّ الله يقول في كتابه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(2)، أفتشهدون على رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أنّه استخلف أبا بكر؟

قال: ما سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أوصى إلاّ إليك.

قال: فهلاّ بايعتني؟

قال: اجتمع الناس على أبي بكر فكنت منهم.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كما اجتمع أهل العجل على العجل، هاهنا فتنتم، ومثلكم مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ _ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ(3))(4).


1) - سورة محمّد/1.

2) - سورة الحشر/7.

3) - سورة البقرة/17 -- 18.

4) - بحار الأنوار 29/19، ط بيروت.

أقول: وهذا الخبر يستدعي النظر في سنده أوّلاً -- وهو ساقط، لأنّ الحسن بن العبّاس بن الجريش راويه، قال فيه النجاشي: ضعيف جدّاً، له كتاب إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وهو كتاب رديء الحديث مضطرب الألفاظ. وقال فيه ابن الغضائري: روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام فضل إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، كتاباً مصنّفاً فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه(1).

وقد تقدّم في هامش سابقه ما يتعلّق به فلا نطيل الوقوف عنده، ونعود إلى ما في متن الخبر، فنقول:

وأمّا ما جاء في متنه فغير قابل للتصديق، لأنّه على خلاف ما هو معلوم من أنّ ابن عبّاس لم يكن يومئذٍ لصغر سنّه من المبادرين إلى بيعة أبي بكر! هذا أوّلاً.

وثانياً: إن كان قد بايع بعد ذلك، فإنّما كانت بيعته بعد مبايعة الإمام عليه السلام نفسه، وذلك بعد ستّة أشهر، ومن بعد موت الزهراء عليها السلام وانصراف وجوه الناس عنه، فبايع مضطرّاً لدرء الفتنة التي أحاقت بالإسلام والمسلمين، وبعد مبايعة الإمام عليه السلام فقد بايع بقية بني هاشم، وقد مرّ الحديث عن هذه البيعة في الحلقة الأولى من الموسوعة بتفصيل(2)، فكيف نصدّق ما في هذا الخبر من قول الإمام عليه السلام لابن عبّاس: (فهلاّ بايعتني؟) فيجيبه: اجتمع الناس على أبي بكر فكنتُ منهم؟! إنّ هذا من التضليل


1) - معجم رجال الحديث 4/379 -- 380، ط الأولى.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثاني/الفصل الأوّل.

والتشويه لمعالم التاريخ الصحيح!

واحتمال أنّ الخبر ربّما كان على نحو التنسيق بين الإمام عليه السلام وبين ابن عبّاس، فالإمام عليه السلام يقرأ الآية بصوت عال، وابن عبّاس يسأل فيسمعهما الناس، إنّما كان لغرض توبيخ الآخرين الذين بايعوا أبا بكر ولم يبايعوا الإمام عليه السلام، من باب (إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة)، فهو احتمال واهٍ غير قابل للتصديق!

ومن الغريب من الشيخ المجلسي قدس سره ذكره لهذا الخبر ولم يعقّب عليه بشيء ممّا يشعر القارئ بغرضه في ذكره نفياً أو إثباتاً! مع أنّه(رحمه الله تعالى) قد ذكر في (ج 16) نقلاً عن (أمالي الطوسي) خبراً طويلاً، وتعقّبه بورود نفس الخبر أيضاً في كتابي (الروضة)، و(الفضائل) لابن شاذان، والخبر يكذّب ما مرّ من خبر المعاتبة جملة وتفصيلاً!

وإلى القارئ ذكر ذلك الخبر:

(7 -- أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعيد ابن عبد الله بن موسى(1)، عن محمّد بن عبد الرحمن العرزمي(2)، عن المعلّى ابن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن العبّاس، قال: سمعت


1) - هكذا في النسخة ومصدره، والظاهر أنّه مصحّف سعد، عن عبد الله بن موسى، كما يأتي في الحديث 12 في طريق الصدوق.

2) - العرزمي بفتح العين وسكون الراء وفتح الزاي نسبة إلى جبانة عرزم بالكوفة، أو نسبة إلى عرزم: قوم كانوا بالبصرة، كما حكى عن ابن دريد، أو كما قال السمعاني في الأنساب: وظنّي أنّه بطن من فزارة، وجبانة عرزم بالكوفة معروفة، ولعلّ هذه القبيلة نزلت بها فنسب الموضع إليهم.

رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم يقول: (أعطاني الله تعالى خمساً، وأعطى عليّاً عليه السلام خمساً: أعطاني جوامع الكلم، وأعطي عليّاً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً، وجعله وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي، وأعطاه الإلهام، وأسري بي إليه، وفتح له أبواب السماء(1)والحجب، حتّى نظر إليَّ ونظرت إليه).

قال: ثمّ بكى رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فقلت له: ما يبكيك فداك أبي وأُمّي؟

فقال: (يا بن عبّاس! إنّ أوّل ما كلمني(2)به أن قال: يا محمّد! انظر تحتك، فنظرت إلى الحجب قد انخرقت، وإلى أبواب السماء قد فتحت(3)، ونظرت إلى عليّ وهو رافع رأسه إليَّ(4)، فكلمني وكلمته، وكلمني ربّي عزّ وجلّ).

فقلت: يا رسول الله بم كلمك ربّك؟

قال: (قال لي: يا محمّد! إنّي جعلت عليّاً وصيك ووزيرك وخليفتك من بعدك، فأعلمه، فها هو يسمع كلامك فأعلمته، وأنا بين يدي ربّي عزّ وجلّ.

فقال لي: قد قبلت وأطعت، فأمر الله الملائكة أن تسلّم عليه، ففعلت، فردّ عليهم السلام، ورأيت الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملائكة من ملائكة السماء، إلاّ هنئوني وقالوا لي: يا محمّد! والذي بعثك بالحقّ لقد


1) - في الفضائل: أبواب السماوات.

2) - في الروضة: كلمني ربّي، وفي الفضائل: كلمني به ربّي.

3) - في الفضائل: قد انفتحت. وفي الروضة: فنظرت وإذا بالحجب قد اخترقت، وأبواب السماء قد تفتحت، حتّى نظرت.

4) - في الروضة: إلى السماء

دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزّ وجلّ لك ابن عمّك، ورأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض.

فقلت: يا جبرئيل! لم نكس حملة العرش رؤوسهم؟

فقال: يا محمّد! ما من ملك من الملائكة إلاّ وقد نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب استبشاراً به ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا الله عزّ وجلّ في هذه الساعة، فأذن لهم أن ينظروا إلى عليّ بن أبي طالب، فنظروا إليه.

فلمّا هبطت جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني به، فعلمت أنّي لم أطأ موطئاً(1)إلاّ وقد كشف لعليّ عنه حتّى نظر إليه).

قال ابن عبّاس: قلت: يا رسول الله أوصني؟

فقال: (عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب وهو تعالى أعلم، فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه(2)

هذا آخر الحديث في الروضة في رواية ابن مسعود وابن عبّاس، وذكر بعده عن ابن عبّاس فقط.

، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء، ثمّ أمر به إلى النار.

1) - في الروضة: ما وطئت موضعاً إلاّ وقد كشف له حتّى نظر إلى ما نظرت إليه، فعند ذلك قال ابن عبّاس: يا رسول الله! أحبّ أن توصيني بشيء قال: يابن عبّاس! اعلم أنّ الله عزوجل لا يقبل حسنة من أحد حتّى يسأله اه-.

2) - في المصدر: فإن جاء بولايته. وفي الفضائل: فمن مات على ولايته، وفيه: وإن لم يأت ولايته لا يقبل من عمله شيء، ثمّ يؤمر به إلى النار. وفي الروضة: فإن كان من أهل الولاية قبل عمله على ما كان فيه، وإن لم يكن من أهل ولايته لم يُسأل عن شيء حتّى يأمر به إلى النار، وإنّ النار أشدّ بغضاً على مبغض علي ممّن زعم أنّ لله ولداً.

يا بن عبّاس! والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض عليّ منها(1)على من زعم أنّ لله ولداً.

يا بن عبّاس! لو أنّ الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه(2)ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار).

قلت: يا رسول الله! وهل يبغضه أحد؟

قال: (يا بن عبّاس! نعم يبغضه قوم يذكرون أنّهم من أُمّتي لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً.

يا بن عبّاس! إنّ من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه(3)، والذي بعثني بالحقّ(4)، ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا وصياً أكرم عليه من وصيي عليّ).

قال ابن عبّاس: فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وأوصاني بمودّته، وإنّه لأكبر عملي عندي.

قال ابن عبّاس: ثمّ مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم


1) - في الفضائل: منهم.

2) - في المصدر: على بغض عليّ، وفي الفضائل: على بغض عليّ بن أبي طالب مع ما يقع من عبادتهم في السماوات لعذبهم الله تعالى في النار. وفي الروضة: لو أنّ الملائكة والنبيين والمرسلين أجمعوا على بغض عليّ عليه السلام لعذبهم الله في جهنم، وما كانوا ليفعلوا، قلت: يا رسول اللهّ وكيف يبغضونه؟ قال: يابن عبّاسّ يكون قوم يذكرون أنّهم من أُمّتي لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً، ويفضلون عليه غيره، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لا نبيّ أكرم على الله منّي، ولا وصي أكرم على الله من وصيي عليّ بن أبي طالب.

3) - في الفضائل: لمن هو أدون منه عليه.

4) - في المصدر والفضائل: بعثني بالحقّ نبيّاً.

الوفاة حضرته، فقلت: فداك أبي وأُمّي يا رسول الله! قد دنا أجلك فما تأمرني؟

فقال: (يا بن عبّاس خالف من خالف عليّاً ولا تكونن له ظهيراً(1)ولا ولياً).

قلت: يا رسول الله! فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته؟

قال: فبكى عليه وآله السلام حتّى أغمي عليه.

ثمّ قال: (يا بن عبّاس! سبق فيهم علم ربّي، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يخرج أحد ممّن خالفه من الدنيا وأنكر حقّه حتّى يغيّر الله تعالى ما به من نعمة.

يا بن عبّاس! إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راضٍ فاسلك طريقة عليّ بن أبي طالب ومل معه حيث مال، وارض به إماماً، وعاد من عاداه ووال من والاه.

يا بن عبّاس! احذر(2)أن يدخلك شكّ فيه، فإنّ الشك(3)في عليّ كفر بالله تعالى)(4).

الروضة، الفضائل: بالإسناد عن ابن مسعود وابن عبّاس مثله(5).


1) - في المصدر والفضائل: ولا تكونن لهم ظهيراً.

2) - في الفضائل: احذر من أن يدخلك.

3) - في الروضة: فإنّ اليسير من الشكّ فيه كفر.

4) - مجالس ابن الشيخ: 64 -- 65.

5) - فضائل شاذان بن جبرئيل: 5 -- 7، رواه عن ابن عبّاس فقط، الروضة: 156، وفيهما اختلافات لفظية ذكرت بعضها.

بيان: قوله صلي الله عليه و آله وسلم: (ولن يفعلوا)، أي: والحال أنّهم لا يفعلون ذلك أبداً.

قوله: وإنّه لأكبر عملي، أي: أعدّ ولايته أكبر أعمالي)(1).

أقول: لم يكن هذا الخبر بطوله هو وحده الذي ينفي صحّة ما سبقه من خبر المعاتبة وغيره من الأخبار الذامّة، بل هناك جملة أخبار ذكرها الشيخ المجلسي رحمه الله في بحاره نقلاً عن مصادرها، ومنها ما رواه الفريقان -- الشيعة والسُنّة -- كالخطبة الشقشقية، وما هو نحوها أسلوباً وغرضاً ممّا كان من حوار الإمام عليه السلام مع ابن عبّاس رضي الله عنه في النخيلة، فهو من رواية التراث الشيعي، إلى غير ذلك من أخبار كثيرة، تعكس حال ابن عبّاس على واقعها في صدق الموالاة والمفاداة، وقد نقلها الشيخ المجلسي رحمه الله من شتّى المصادر التراثية الإسلامية، ولم يعقّب عليها بما يشعر القارئ بتمريضها، إمّا لضعف في السند، أو نكارة في المتن، وهذا كافٍ في الكشف عن رضاه عنها، ولمّا كانت تلك الأخبار منثورة في سائر أجزاء (البحار)، وهي كثيرة نيّفت على الألف فيما أحصيت، وربّما فاتني غير ذلك، وهي بمجموعها تشكّل جزءاً من تاريخ ابن عبّاس العلمي، وتؤلّف أشتاتاً من أخباره تصلح للدراسة والبحث في جوانبها المعرفية المختلفة. فقد رأيت أن أنتقي منها بعض لئاليء الأخبار دون الغوص في أعماق البحار، تصلح أن تذكر مع أدلّة النافين لولا أنّي ذكرتها في آخر هذه الحلقة لأنّها تعدّ من تراثه في فنون المعارف بعنوان (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام).

والآن أذكر منها الخطبة الشقشقية، وما تلاها من حوار النخيلة،


1) - بحار الأنوار 16/317 -- 320.

فكلاهما يرويهما ابن عبّاس رضي الله عنه، ولولاه لضاعت أخبارهما، كسائر ما ضاع من أخبار أهل البيت عليهم السلام.

وكلاهما يدفعان في صدر من يزعم مفارقة ابن عبّاس لإمامه مغاضباً، حين كتب إليه مؤنّباً ومحاسباً، لتأخّر زمان صدورهما عن زمان تلك التهمة بكتبها المجعولة، وأخبارها المنحولة. وقد سبق أن ذكرتهما في الحلقة الأولى من الموسوعة(1)، وقد بعُد عهد القارئ بهما.

وإلى القارئ قراءة هاتين الوثيقتين من جديد برواية الشيخ المجلسي قدس سره الموثوقة لديه.

ولدينا الآن هذان النصّان ولهما أهميتهما القصوى، في تصوير الحزن الذي أحاط بالإمام عليه السلام من ستّ جهاته كما يقال في المثل -- وهما متشابهان شبهاً كثيراً في المضمون، ممّا جعلنا نذكرهما كصنوين، مضافاً إلى الزمان والمكان، فكلّ منهما حدَثَ في الكوفة، وكلّ منهما يرويه ابن عبّاس رواية حضور، ولا يخفى أنّ عنصر المشاهدة أكثر ضبطاً للخصوصيات، ويمتاز به الراوي على غيره من رواة السماع، كما أنّ كلاً منهما فيه لابن عبّاس أثر ذاتي يعكس مشاركته للإمام عليه السلام في أحزانه بوجدانه.

كما نرى فيهما الإمام عليه السلام يفضي إليه بما يعتلج بصدره ممّا لحقه من ظلم الأُمّة له وهضمها لحقوقه، ومن غريب الصدف أن نجدهما معاً ينتهيان بمفاجئة تعرض فينهي الإمام عليه السلام كلامه عندها!

فما هما النصّان؟


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع.

الخطبة الشقشقية وصنوها

إنّهما الخطبة الشقشقية وصنوها، ولا مشاحة في الاصطلاح لو سمّينا النص الثاني بذلك لما مرّ من أوجه الشبه بينهما.

والآن إلى قراءة عابرة لهما:

أوّلاً: الخطبة الشقشقية:

ولمّا كانت شهرتها وفيما كتب عنها ما يغني عن الإفاضة في أدلّة إثباتها(1)، فلا نطيل الوقوف عند ذلك. إلاّ أنّ-ا لا مناص لنا من التنبيه على أمور أقتضى المقام ذكرها:

1- إنّ المصادر التي روت الخطبة كلّها تقريباً روت النص عن ابن عبّاس، اللّهمّ إلاّ ما وجدناه في سند واحد عند الشيخ الطوسي تنتهي روايته إلى الإمام الباقر عليه السلام، فهو قد روى الخطبة عن ابن عبّاس، كما رواها عن أبيه عن جدّه -- يعني الإمام الحسين عليه السلام --.

2- ممّا يثير الغرابة والتساؤل، كيف تكون خطبة الإمام عليه السلام على المنبر يسمعها من حضر -- ولا شكّ بأنّهم كانوا كثيرين وإن لم نعلم عددهم بالضبط -- فلا تشتهر روايتها إلاّ عن ابن عبّاس، فلماذا لم يروها الآخرون؟

ثمّ ما بال الرواة عن ابن عبّاس لهذه الخطبة لم نعرف منهم إلاّ الإمام الباقر عليه السلام، وإلاّ عطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وأظنّه مولاه الآخر غير عكرمة الخارجي الخاسر، مع كثرة الذين يروون عن ابن عبّاس؟

والذي يدفع الاستغراب ويُقنع السائل بالجواب، هو أنّ الخطبة تناول


1) - راجع مصادر نهج البلاغة، للمرحوم السيّد عبد الزهراء الخطيب 1/309 -- 324، ط الأعلمي بيروت.

فيها الإمام عليه السلام حكومة الخالفين قبله، وندّد بهم، حتّى وصف كلاً منهم بأوصاف لم تدع مجالاً للشكّ، في أنّهم تآمروا على استبعاده عن حقّه المشروع، ولمّا شاعت ووصلت أنباؤها حتّى الشام، اتّخذها معاوية وحزبه ذريعة للتنديد بالإمام عليه السلام -- كما سيأتي ذلك في حديثنا عن الصنو -- ولمّا ولي معاوية بعد ذلك متغلباً على الأُمّة ومنع الناس من التحدّث بفضائل الإمام، وأمر بإشاعة أحاديث موضوعة في فضائل الصحابة، كان من الطبيعي أن ينال التعتيم الإعلامي السلطوي تلك الخطبة، فلا يجسر أحد على روايتها، اللّهمّ إلاّ الإمام الحسين الذي رواها عنه ابنه السجاد، وعنه ولده الإمام الباقر عليهم السلام، وإلاّ ابن عبّاس الذي كان معلناً بمرّ الحقّ في مجابهة معاوية وسلطانه -- كما مرّت الشواهد على ذلك في الحديث عن أيام معاوية -- وفي صفحة احتجاجاته.

وكذلك قلّت الرواية عنه إلاّ من طريق ثلاثة فحسب، هم الإمام الباقر عليه السلام، وعطاء، وعكرمة -- المولى الآخر لابن عبّاس كما أراه -- ولمّا كان الثالث هو مولى ابن عبّاس، فلعلّ روايته عنه ورواية عطاء كانتا حين سماعهما منه وهو يحدّث بها الإمام الباقر عليه السلام، لذلك قلّ رواتها عنه، وكانت سلسلة الرواة الذين رووا عن عكرمة هم من أ صحاب الإمام الباقر عليه السلام أو ممّن روى عنه.

فقد رواها عنه أبان بن تغلب، وعليّ بن خزيمة -- كما في أسانيد الصدوق -- وهذا يقرّب صحّة ما احتملناه في سماع عكرمة لها، لذلك لم يتطرّق الريب إليه في روايته للخطبة، على أنّه من المظنون قوّياً أن لا يكون عكرمة هو عكرمة الخارجي، إذ كان لابن عبّاس موليان كلاهما اسمه

عكرمة، وإن اشتهر الخارجي منهما لأسباب ذكرتها في ترجمته في الجزء الثالث من الحلقة الثانية للموسوعة(1)فراجع، وستأتي أكاذيب عكرمة؛ فانتظر!

3- ورد في (إرشاد) الشيخ المفيد، و(شرح النهج) للقطب الراوندي أنّ الخطبة كانت بالرحبة، ويبدو أنّ المكان كان منتدى القوم، وقد ورد ذكر الرحبة في حديث المناشدة الذي استنشد فيه الإمام عليه السلام من سمع حديث الغدير، فشهد أقوام وأبلس آخرون، كان منهم أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، فدعا عليهما فبرص أنس، وعمّي زيد.

والرحبة المشار إليها إنّما هي رحبة الجامع بالكوفة، وهي الفناء الذي أمامه. وليس في تعيين ذلك المكان كبير شأن، لولا ما وجدته في (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي وهو يذكر الخطبة، فقال: (خطبة أُخرى، وتعرف بالشقشقية ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخلّ بالبعض وقد أتيت بها مستوفاة، أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عبّاس، قال: لمّا بويع أمير المؤمنين بالخلافة، ناداه رجل من الصف وهو على المنبر: ما الذي أبطأ بك إلى الآن؟ فقال: بديهاً: والله لقد تقمصها...)(2).

وهذا أمر منه غريب! فإنّ بيعة الإمام عليه السلام كانت بالمدينة، والخطبة تناولت ذكر الناكثين والقاسطين والمارقين، فكيف يصحّ ما ذكره السبط؟! ولو أنّه ذكر لنا تمام سند شيخه النفيس لكان أولى به من هذا التلبيس.


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثامن.

2) - تذكرة الخواص: 73، ط حجرية.

والآن إلى رواية النص بأسانيد المشايخ الأعلام الثلاثة: الصدوق، والطوسي، والقطب الراوندي.

فقد رواه الصدوق، فقال: (حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عمّار بن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، قال: حدّثنا عيسى بن راشد، عن علي بن خزيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس...)(1).

ثمّ قال الصدوق: (وحدّثنا محمّد بن علي بن ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس...).

ورواه الطوسي، فقال: (وبهذا الإسناد، أخبرنا الحفّار، قال: حدّثنا أبو القاسم الدعبلي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أخي دعبل، قال: حدّثنا محمّد ابن سلامة الشامي، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام، عن ابن عبّاس.

ثمّ قال الطوسي: وعن محمّد، عن أبيه، عن جدّه)(2).

ورواه القطب الراوندي، فقال: (وأمّا الرواية للخطبة، فعن الشيخ أبي نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم بن البونارتي، عن الحاجب أبي الوفا محمّد بن بديع وأبي الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني، عن الحافظ


1) - معاني الأخبار: 343، ط الحيدرية بتقديمي، وعلل الشرائع 1/205، ط مكتبة الرضي بقم.

2) - الأمالي 1/382، ط النعمان في النجف.

أبي بكر بن مردويه الأصبهاني، عن سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرنا أحمد بن عليّ الأبّار، أخبرنا إسحاق بن سعيد أبو سلمة الدمشقي، أخبرنا خليد بن دعلج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس...)(1).

(النص) برواية الصدوق المتوفّى سنة (381ه-) في كتابيه، وهما أقدم مصدر وصل إلينا. وإليك لفظه:

(عن ابن عبّاس، قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (أما والله، لقد تقمصها ابن أبي قحافة أخو تيم، وأنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليَّ الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت ارتأى بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً، حتّى إذا مضى لسبيله فأدلى بها لأخي عدي بعده، فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، فصيّرها في حوزة خشناء، يخشن مسّها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن عنف بها حرن، وإن أسلس بها غسق، فمُني الناس بتلوّن واعتراض وبلوى، وهو مع هن وهن. فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّى منهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر، فمال


1) - منهاج البراعة 1/131 -- 13، ط قم منشورات مكتبة السيّد المرعشي.

رجل لضغنه، وأصغى الآخر لصهره.

وقام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع، حتّى أجهز عليه عمله، وكبت به مطيته.

فما راعني إلاّ والناس إليَّ كعرف الضبع قد انثالوا عليَّ من كلّ جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي.

حتّى إذا نهضت بالأمر نكثت طائفة، وفسقت أُخرى، ومرق آخرون، كأنّهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1). بلى والله لقد سمعوها ووعوها، لكنّهم احلولت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها.

أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقرّوا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز).

قال ابن عبّاس: وناوله رجل من أهل السواد كتاباً، فقطع كلامه وتناول الكتاب(2)

فأجاب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: هو يونس بن متى عليه السلام، خرج من بطن الحوت، ولم تكن بينهما قرابة.

منها: ما الشيء الذي قليله مباح وكثيره حرام؟

فقال: هو نهر طالوت، حيث قال تعالى: )إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ((سورة البقرة/249).

منها: ما العبادة التي إن فعلها واحد استحق العقوبة، وإن لم يفعلها استحق أيضاً العقوبة؟

فأجاب أمير المؤمنين قال: هي صلاة السكارى.

منها: ما الطائر الذي لا فرخ له، ولا فرع ولا أصل؟

فقال: هو طائر عيسى عليه السلام حيث قال تعالى: )وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ((سورة المائدة/110).

منها: رجل عليه من الدين ألف درهم يسدّده وله في كيسه ألف درهم، فضمنه ضامن له ألف درهم فحال عليهما الحول، فالزكاة على أي المالين تجب؟

فال: إنّ ضمن الضامن بإجازة من عليه الدين فلا زكاة عليه، وإن ضمنه من غير إذنه وإجازته فالزكاة عليه مفروضة في ماله.

منها: حجّ جماعة ونزلوا في دار من دور مكّة، وأغلق واحد منهم باب الدار، وفي الدار حمامات فمتن من العطش قبل عودتهم إلى الدار، فالجزاء على أيهم يجب؟

قال عليه السلام: على الذي أغلق الباب، ولم يخرج الحمامات، ولم يضع لهنّ ماء.

منها: شهد شهداء أربع على محصن بالزنا فأمرهم الإمام برجمه، فيرجمه واحد من الشهود دون الثلاثة ووافقه قوم أجانب، فرجع عن شهادته من رجمه والمرجوم لم يمت، ثمّ مات المرجوم ورجع الشهود الآخر عن الشهادة بعد موته.

فقال: ديته على من رجمه من الشهود وعلى من وافقه، وتعيين من وافقه مفوض إلى الشاهد الراجم.

منها: شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنّه أسلم.

فقال: لا تقبل شهادتهما؛ لأنّهم يجوزون تغيير كلام الله وشهادة الزور.

(منها): وإن شهد شاهدان من النصارى على نصراني ويهودي أو مجوسي أنّه أسلم.

فقال: تقبل شهادتهما، لقول الله تعالى: )وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً( إلى قوله: )وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ((سورة المائدة/82)، ومن لا يستكبر لا يشهد الزور.

منها: قطع واحد يد إنسان والدم يسيل منه، فحضر أربع شهود عند الإمام وشهدوا على من قطعت يده أنّه محصن زان، فأراد الإمام أن يرجمه فمات قبل الرجم؟

فقال: على من قطع يده ديّة يده فحسب، ولو شهدوا عليه بأنّه سرق نصاباً لا تجب ديّة يده على قاطعها.

، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أطرّدت مقالتك إلى حيث بلغت؟

1) - سورة القصص/83.

2) - قال علي بن زيد البيهقي الأنصاري في كتابه معارج نهج البلاغة 1/236 تحقيق أسعد الطيّب، ط مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قسم إحياء التراث الإسلامي (وجدت في الكتب القديمة: أنّ الكتاب الذي دفعه إليه رجل من أهل السواد كان فيه مسائل: منها ما الحيوان الذي خرج من بطن حيوان وليس (من) نسب بينهما؟

فقال: (هيهات هيهات يا بن عبّاس، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت).

قال ابن عبّاس: فما أسفت على كلام قطّ كأسفي على كلام أمير المؤمنين عليه السلام إذ لم يبلغ به حيث أراد).

مطايبة ابن الخشّاب لابن عبّاس:

قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الخطبة: (حدّثني شيخي أبو الخير مصدّق ابن شبيب الواسطي(1)في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ أبي محمّد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب(2)هذه الخطبة، فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع -- يعني: قول ابن عبّاس: ما أسفت الخ -- قال لي: لو سمعت ابن عبّاس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد؟ والله ما رجع عن الأوّلين ولا عن


1) - بغدادي المولد والوفاة، كان أعلم معاصريه بالعربية، وعالم بعلوم الدين وله إلمام بالفلسفة والحساب والهندسة وقف كتبه على أهل العلم قبل وفاته، توفي سنة 567ه- (أعيان الشيعة 38/94، وروضات الجنّات 5/22، والأعلام، للزركلي 4/67).

2) - اللغوي النحوي الأديب المفسّر الشاعر صاحب تاريخ مواليد ووفيات أهل بيت النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، كان من تلامذة الجواليقي وابن الشجري. وكان خطّه في نهاية الحسن وتوفّي ببغداد سنة 567ه-، ودفن بقرب بشر الحافي.(الكنى والألقاب 1/272، ط الحيدرية سنة 1376ه-).

الآخرين، ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلاّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم.

قال مصدق: وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال: أتقول إنّها منحولة؟

فقال: لا والله، وإنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدّق.

فقلت له: إنّ كثيراً من الناس يقولون: إنّها من كلام الرضي(رحمه الله تعالى).

فقال: أنّى للرضي ولغير الرضي هذا النَفَس وهذا الأسلوب، فقد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور، وما يقع في هذا الكلام في خل ّولا خمر. ثمّ قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صُنفت قبل أن يُخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها، وأعرف خطوط مَن هو من العلماء وأهل الأدب، قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي).

وعقّب ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: (قلت: فقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدّة طويلة...

ووجدت كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب (الإنصاف)، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي(رحمه الله تعالى)، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله موجوداً)(1).


1) - شرح النهج، لابن أبي الحديد 1/69.

ثانياً: والآن إلى النص الثاني وهو الذي سمّيته (الصنو):

لقد تيقظت في نفس الإمام ذكريات مريرة، فصار يستعرض صفحات من تاريخه البعيد والقريب، وفي استعادته ذكرياته الماضيات عاف النوم واستولى عليه الأرق، وهذا ما رواه السيّد ابن طاووس المتوفّى سنة (664ه-) في كتاب (اليقين)(1)، ورواه المجلسي في (البحار)(2)، وقد رمز له بعلامة (شف)، ويعني ذلك الرمز كتاب (كشف اليقين للعلاّمة الحلّي 726ه-)، وقد بحثت في نسخته المطبوعة قديماً على الحجر وحديثاً فلم أقف عليه، ولعلّ في المطبوع سقطاً لم يتنبّه له الطابعون، أو أنّ سهواً من النسّاخ وقع في الرمز. ومهما يكن فأنا أنقله عن السيّد ابن طاووس كما ذكره.

قال (فيما ذكره): (عن أحمد بن محمّد الطبري المعروف بالخليلي(3)، المقدّم ذكره من كتابه المشار إليه من تسمية مولانا عليّ عليه السلام أمير المؤمنين في حياة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، وأمره بالتسليم عليه بذلك، فقال: أخبرنا أحمد بن محمّد ابن ثعلبة الخماني، قال: حدّثنا مخول بن إبراهيم النهدي، قال: حدّثنا عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال ابن عبّاس: كنت أتتبع غضب أمير المؤمنين عليه السلام إذا ذكر شيئاً أو هاجه خبر، فلمّا كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أنّ معاوية وعمر بن العاص وعتبة بن أبي سفيان


1) - اليقين في إمرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الباب/122، ط الحيدرية سنة 1369ه-.

2) - بحار الأنوار 8/261، ط حجرية الكمباني.

3) - ويقال له غلام خليل أبو عبد الله محدث سكن بغداد وحدث بها من تصانيفه: الوصول إلى معرفة الأُصول، الكشف وفضائل أمير المؤمنين عليه السلام توفي سنة 275ه- (أعيان الشيعة 9/455).

والوليد بن عقبة ومروان اجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنين فعابوه وألقوا في أفواه الناس أنّه ينتقص أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، ويذكر كلّ واحد منهم ما هو أهله، وذلك لمّا أمر أصحابه بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا الكوفة وتركوه، فغلظ ذلك عليه. وجاء هذا الخبر، فأتيت بابه في الليل فقلت: يا قنبر! أيّ شيء خبر أمير المؤمنين؟ قال: هو نائم، فسمع كلامه، فقال: من هذا؟ فقال: ابن عبّاس يا أمير المؤمنين. قال: أدخل، فدخلت فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب جالس كهيئة المهموم. فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين الليلة؟

فقال: (ويحك يا بن عبّاس! وكيف تنفس [كذا في المصدر والصواب: تنعسٍ] عينا قلب مشغول؟

يا بن عبّاس! مَلِكُ جوارحك قلبُك فإذا أرهبه أمرٌ طار النوم عنه، ها أنذا كما ترى من أوّل الليل اعتراني الفكر والسهر لما تقدّم من نقض عهد أوّل هذه الأُمّة المقدّر عليها نقض عهده، إنّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أمر من أمر من أصحابه بالسلام عليَّ في حياته بإمرة المؤمنين، فكنت أؤكد أن أكون كذلك بعد وفاته.

يا بن عبّاس! أنا أولى الناس بالناس بعده، ولكن أمور اجتمعت عليَّ رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها وصرف قلوب أهلها عنّي، وأصل ذلك ما قال الله عزّ وجلّ في كتابه: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً(1)، فلو


1) - سورة النساء/54.

لم يكن ثواب ولا عقاب لكان بتبليغ الرسول صلي الله عليه و آله وسلم فرض على الناس اتّباعه، والله عزّ وجلّ يقول: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1)، أتراهم نُهوا عنّي فأطاعوه، والذي فلق الحبّة وبرء النسمة، وغدا بروح أبي القاسم صلي الله عليه و آله وسلم إلى الجنّة، لقد قرنت برسول الله صلي الله عليه و آله وسلم حيث يقول عزّ وجلّ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2).

ولقد أطال -- يا بن عبّاس -- فكري وهمّي وتجرّعي غصّة لأمر ورود قوم على معاصي الله، وحاجتهم إليَّ في حكم الحلال والحرام، حتّى إذا أتاهم أمر الدنيا أظهروا الغنى عنّي، كأن لم يسمعوا الله عزوجل يقول: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ...(3)الآية، ولقد علموا أنّهم احتاجوا إليَّ ولقد غنيت عنهم، أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(4). فمضى من مضى قالٍ عليَّ بضغن القلوب، وأورثها الحقد عليَّ، وما ذاك إلاّ من أجل طاعته في قتل الأقارب مشركين، فامتلأ غيظاً واعتراضاً، ولو صبروا في ذات الله لكان خيراً لهم. قال الله عزوجل: لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...(5)الآية، فأبطنوا من ترك الرضا بأمر الله ما أورثهم النفاق، وألزمهم بقلّة الرضا الشقاق، وقال الله عزوجل: فَلاَ تَعْجَلْ


1) - سورة الحشر/7.

2) - سورة الأحزاب/33.

3) - سورة النساء/83.

4) - سورة محمّد/24.

5) - سورة المجادلة/22.

عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً(1). فالآن يا بن عبّاس! قرنت بابن آكلة الأكباد وعمرو، وعتبة والوليد، ومروان وأتباعهم وصار معهم في حديث، فمتى اختلج في صدري وأُلقي في رُوعي أنّ الأمر ينقاد إلى دنيا يكون هؤلاء فيها رؤساء يطاعون، فهم في ذكر أولياء الرحمن يثلبونهم ويرمونهم بعظائم الأمور من إفكٍ مختلق، وحقدٍ قد سبق، وقد علم المستحفظون ممّن بقي من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أنّ عامّة أعدائي ممّن أجاب الشيطان عليَّ، وزهّد الناس فيّ وأطاع هواه في ما يضره في آخرته وبالله عزّ وجلّ الغنى وهو الموفّق للرشاد والسداد.

يا بن عبّاس! ويل لمن ظلمني ودفع حقّي وأذهب عنّي عظيم منزلتي، أين كانوا أولئك وأنا أصلّي مع رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم صغيراً لم يكتب عليَّ صلاة، وهم عبدة الأوثان، وعصاة الرحمن، ولهم توقد النيران، فلمّا قرب إصعار الخدود وإتعاس الجدود أسلموا كرهاً، وأبطنوا طمعاً في أن يطفئوا نور الله، وتربّصوا انقضاء أمر الرسول وفناء مدّته، لما أطمعوا أنفسهم في قتله، ومشورتهم في دار ندوتهم. قال الله عزوجل : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(2)، ويُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(3).

يا بن عبّاس! ندبهم رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم في حياته بوحي من الله يأمرهم


1) - سورة مريم/84.

2) - آل عمران/54.

3) - سورة التوبة/32.

بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له، فخرج من روح الله ورضوانه وألزم اللعنة لحسده لولي الله، وما ذاك بضاريّ إن شاء الله شيئاً.

يا بن عبّاس! أراد كلّ امرئ أن يكون رأساً مطاعاً تميل إليه الدنيا وإلى أقاربه، فحمله هواه ولذّة دنياه، واتّباع الناس إليه، أن نُوزعت ما جُعل لي، ولولا إتقائي على الثقل الأصغر أن ينبذ فتنقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين، وحصنه الأمين، ولد رسول الله ربّ العالمين، لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزوجل ألذّ عندي من شربة ظمآن ونوم وسنان، ولكنّي صبرت وفي الصدر بلابل، وفي النفس وساوس، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(1)، ولقديماً ظلم الأنبياء، وقتل الأولياء قديماً في الأُمم الماضية والقرون الخالية، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ(2)، وبالله أحلف يا بن عبّاس، إنّه كما فتح بنا يختم بنا، وما أقول لك إلاّ حقّاً.

يا بن عبّاس! إنّ الظلم يتسق لهذه الأُمّة ويطول الظلم ويظهر الفسق، وتعلو كلمة الظالمين، ولقد أخذ الله على أولياء الدين أن لا يقارّوا أعداءه. بذلك أمر الله في كتابه على لسان الصادق رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فقال: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ...(3)الآية.

يا بن عبّاس! ذهب الأنبياء فلا ترى نبيّاً، والأوصياء ورثتهم، عنهم أخذوا علم الكتاب وتحقيق الأسباب، قال الله عزوجل: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ


1) - سورة يوسف/18

2) - سورة التوبة/24.

3) - سورة المائدة/2.

تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ(1)، فلا يزال الرسول باقياً ما نفذت أحكامه وعمل بسُنّته، ودار أحوال أمره ونهيه. وبالله أحلف يا بن عبّاس! لقد نُبذ الكتاب، وترك قول الرسول إلاّ ما لا يطيقون تركه من حلال وحرام، ولم يصبروا على كلّ أمر نبيّهم، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ(2)، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ(3)، فبيننا وبينهم المرجع إلى الله، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(4).

يا بن عبّاس! عامل الله في سرك وعلانيتك تكن من الفائزين، ودع من اتّبع هواه وكان أمره فُرطا، ويحسب معاوية ما عمل وما يعمل به من بعده، وليمدّه ابن العاص في غيّه فكأن عمره قد انقضى وكيده قد هوى، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ(5)).

وأذّن المؤذّن، فقال عليه السلام: (الصلاة يا بن عبّاس لا تفت، أستغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم).

قال ابن عبّاس: فغمني انقطاع الليل وتلهفت على ذهابه)(6).


1) - سورة آل عمران/101.

2) - سورة العنكبوت/43.

3) - سورة المؤمنون/115.

4) - سورة الشعراء/227.

5) - سورة الرعد/42.

6) - كتاب اليقين في إمرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الباب/42، ط الحيدرية سنة 1369ه-.

وإذا قارنا هذا النصّ بما مرّ من نص الشقشقية، وجدنا الشبه كبيراً وكثيراً كما قلنا آنفاً، فبداية كبداية ونهاية كنهاية، وما بين البداية والنهاية نفثات أحزان وأشجان متشابهة، وحتّى أسف ابن عبّاس في آخر الشقشقية يقابله تلهف آخر في آخر صنوها.

وإذا رجعنا إلى النصّين نتعامل معهما كوثائق تاريخية، نستشف منهما تحديد البُعد الزماني للحَدَث، وأنّهما معاً كانا بعد واقعة النهروان.

ففي النص الأوّل نجد قوله عليه السلام: (ومرقت أُخرى)، والمارقة هم الخوارج الذين قتلهم بالنهروان.

وفي النص الثاني قرأنا في مقدّمته قول ابن عبّاس: (وذلك لمّا أمر أصحابه بالانتظار له بالنخيلة، فدخلوا الكوفة وتركوه، فغلظ ذلك عليه)، وهذا إنّما كان بعد رجوعهم من النهروان وأرادهم عليه السلام على الخروج إلى أهل الشام، إلاّ أنّ الأشعث الغادر الفاجر أبى عليه ذلك.

كما أنّا عرفنا لولا حضور ابن عبّاس في كلا الموقفين وروايته لهما، لضاعت تلك النفثات الحارة الساعرة تحت وطأة الجليد الأموي الذي جمّد الأفكار وكمّ الأفواه.

ومن خلالهما أيضاً أدركنا عمق الصلة بين الإمام عليه السلام ومأمومه، وأنّ لابن عبّاس مكانة عند الإمام عليه السلام سمت به إلى أوج الثقة فصار يبثّه شجونه وشؤونه، كما عرفنا صدق الموالاة والمواساة من ابن عبّاس المأموم لإمامه المهضوم المظلوم.

وستأتي في آخر هذه الحلقة مقتنيات لآلئ الأخبار من بحار الأنوار (في رحاب أهل البيت عليهم السلام)، وهي كافية في تكذيب كلّ ما شوّه صفحة

ابن عبّاس حبر الأُمّة، سواء ما مرّ من تهمة الخيانة، والتي سيأتي البحث عنها مفصّلاً في أدلّة النافين وعناصر التضبيب، كما ستأتي مفردات أُخرى رواها الشيخ المجلسي لا تخلو من تجريح، ولكنّها جميعاً من غير الصحيح.

الثاني: (زهر الربيع)

الثاني: (زهر الربيع)، للسيّد نعمة الله الجزائري، المتوفّى سنة 1120ه- ط بمباي سنة 1343ه- .

لقد ذكر السيّد المؤلّف رحمه الله شيئاً عن محمّد بن الحنفية -- وسيأتي ذكره -- وتعرّض فيه لابن عبّاس، فقال: (وكما وقع لعبد الله بن العبّاس لمّا ولاه البصرة، فأخذ ما كان في بيت المال وفرّ إلى اليمن(؟) وتصرّف بالأموال، حتّى كتب إليه بالتهديد والوعيد).

ثمّ قال بعد كلام عن محمّد بن الحنفية وعدم خروجه مع الحسين عليه السلام كما سيأتي في الجزء الرابع من هذه الحلقة: (وأمّا عبد الله بن عبّاس فقد وردت الأخبار ناعية عليه في بعض الحالات، ومع هذا لا نعتقد فيه إلاّ الفوز والصلاح، والله الموفّق والمعين).

أقول: إنّ السيّد المؤلّف رحمه الله معدود من تلامذة المجلسي رحمه الله ومن معاونيه طيلة سنتين في تأليفه (بحار الأنوار)، كما جاء في (روضات الجنّات) في ترجمته، فهو على مشربه ومذهبه في تعامله مع الأخبار، فلا غرابة أن سلك مسلكه في قداسة الموروث، واعتماد المراسيل، ويكفي اسم كتابه عن بيان موضوعه، فهو كالكشكول ضمّ مُلحاً ونوادر ومطايبات، وحتّى جاء فيه أسفاف جنسي، ما كان ينبغي له ذكره. ومهما يكن فهو قد ذكر ابن عبّاس في أوّل كتابه مستدلاًّ بسيرته في المطايبات والمطارفات، وسمّاه رئيس المفسّرين، وقال: إنّه كان إذا فرغ من التدريس ورواية

الأحاديث يقول لتلاميذه حمضّونا حمضّونا.

وفيما ذكره بالنسبة لبيت المال وهم كبير! إذ قال: (فأخذ ما كان في بيت المال وفرّ إلى اليمن...)، ففراره إلى اليمن لم أقف عليه في غير هذا الكتاب! وهو كما قلت كتاب كشكول فيه المقبول والمرذول، وهذا من المرذول الذي لم يذكره أيّ مصدر من قبل فيما أعلم.

وإلى هنا نختم البحث عن مدوّنات القرون الأولى، إذ ليس فيما جاء من بعدها من غير المعاصرين إلاّ تكراراً واجتراراً لما مرّ، فلا ضرورة تستدعي عرضها والردّ عليها.

ولنفتح سجّل كتب المعاصرين نستطلع ما عندهم من آراء، فعسى أن نجد شاردة أو واردة، لم نجدها عند السابقين، فكم ترك الأوائل للأواخر، فإلى قراءة ما في كتب المعاصرين:

الصفحة السابقةالصفحة التالية

الفصل الثاني: تهمة الخيانة في كتب الدراسات الحديثة

اشارة

مقدّمة البحث:

لقد سرت بالقارئ -- فيما أرى -- سيراً سجيحاً مستقيماً لا عوج فيه، منذ بداية الحديث عن حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس، حتّى وصلت به إلى الحلقة الرابعة التي جعلت عنوانها (ابن عبّاس في الميزان) فلم أترك -- فيما أحسب -- ما جاء في تراث السابقين ممّا يتعلّق بحديث تهمة الخيانة، التي كثر اجترارها عند السابقين -- إلاّ وعرضته بنصّه وفصّه -- كما يقال -- وتعقّبت النصوص بما وسع المجال لتفنيدها، مناقشة في أسانيدها ومتونها، وما فيها من فجوات لم يسلم أصحابها من مؤاخذات عليها.

والآن -- واستمراراً في المسيرة -- رأيت من واجبي إطلاع القارئ على ما وقفت عليه ممّا قاله الباحثون المعاصرون، والكتّاب المحدّثون في دراساتهم الحديثة حول موضوع تهمة خيانة بيت مال البصرة، التي أرسلها بعضهم إرسال المسلّمات، وهؤلاء ليسوا جميعاً بمستوى واحد في الفهم والإدراك، بل وجدت فيهم من لا يفقه كثيراً من ملابسات القضية، فلرفع الغشاوة وإزاحة الستار عن هراء تلك الفئة التي وقعت في أخطاء، لم يكن بالحسبان تردّي أقلامهم فيها، ولم يزد بعضهم غير التكرار لما مرّ عند السابقين، ولمّا كان البحث العلمي الموضوعي يقضي باستعراض ما عندهم، وعرضه على القرّاء، لنتبيّن جهدهم، وما يستحقونه من تقييم وتقويم، دون الأخذ ببرهجة الألقاب التي تذكر على ظهر الكتاب، ممّا يعني ذكر الشهادات ببلوغ المستوى العلمي، ولا ننكر أنّ لها بعض الشأن.

ولمّا كانوا على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم يعتمدون المصادر التي

سبق لنا عرض ما فيها من نصوص، وقليل منهم الذين تخطّوا في أبحاثهم إلى ما وراء مرويّات التاريخ، فتتايعوا(1)مع الأغيار من المستشرقين في آرائهم، متأثرين بثقافاتهم، إذ هم درسوا في جامعاتهم، وتسمّمت أفكارهم بما يتلى عليهم في مدراسهم، ومهما تكن نياتهم -- حسنة أو سيئة -- في أغراضهم التي دعتهم للخوض في عرض تهمة الخيانة، فلا مناص من عرض ما عندهم، لا الإعراض عنهم، احتراماً للرأي الآخر، ولغرض إطلاع القارئ على ما عندهم.

ولمّا كانت الإحاطة بجميع من أدلى بدلوه في هذا القليب العجيب الغريب، ليس بإمكان الباحث الإطلاع عليه -- فالعلم كلّه في العالم كلّه -- فأنّى لمثلي قليل البضاعة مع ما بلغتُ من السنّ عتيا الوقوف على جميع ذلك، وهي تزداد كلّ يوم بل في كلّ ساعة ممّا يطالع العالم من جديد الطباعة، وحسبنا قناعة بما وصلت إليه يدي من نصوص النخبة من مشهوري علماء العصر وأدباء مصر وغيرها، وفيهم من يعدّ صاحب مدرسة في النقد، لكنّه على أحسن تقدير غفل، وعلى أسوأ تقدير تغافل عن أنّ الذين اعتمد روايتهم في تواريخهم، فالآخرون هم أيضاً قد اعتمدوا على رواة فيهم من لا يصحّ الأخذ عنه، حسب موازين الجرح والتعديل، لأنّه لم يرصد الحَدَث بمنظار لا يشوبه تشويش أو تهويش، وقد مرّت الإشارة إلى بعض ذلك في مدوّنات القرون الأولى، فضلاً عمّا سيأتي في أدلّة النافين وعناصر التضبيب،


1) - المتايعة -- بالياء المثناة التحتانية -- من التتايع. ركوب الأمر على خلاف الناس والتهافت والإسراع في الشرّ واللجاجة (القاموس المحيط: تاع).

ممّا ينسف ما بنوه على شفا جرف هار فانهار بهم إلى غيابات الوهم والتضليل.

وحيث أنّ هؤلاء المحدَثين يسيرون على خطين متوازيين عقائدياً، كلّ له سماته وخصائصه، تختلف عمّا عليه الطرف الآخر، فالباحث الشيعي له منظوره الخاص في ابن عبّاس وتوجيه التهمة إليه، وكذلك الباحث السُنّي، ولكلّ وجهة هو مولّيها، وربّنا أعلم بمن هو أهدى سبيلا.

ولنبدأ بعد هذه المقدّمة بقراءة ما وقفت عليه من المعاصرين عند كلّ من الفريقين، نستقبل أوّلاً ما جاء في كتب أهل السُنّة من آراء بعض المعاصرين من شيوخ العلم وأساتذة أكاديميين، وهم الأشخاص التالية أسماؤهم حسب الحروف الهجائية لأسماء كتبهم:

الأوّل: (أطوار الثقافة والفكر في ظلال العروبة والإسلام)

الأوّل: (أطوار الثقافة والفكر في ظلال العروبة والإسلام)، تأليف علي الجندي، عميد كلّية دار العلوم (سابقاً)، محمّد صالح سمك (أُستاذ بالمعاهد العليا)، محمّد أبو الفضل إبراهيم (رئيس القسم الأدبي بدار الكتب)، الطبعة الأولى سنة 1960م، ملتزم الطبع والنشر، مكتبة الأنجلو المصرية..

جاء في الجزء الثاني ص77 في ترجمة أبي الأسود الدؤلي:

(وقد عمل أبو الأسود للخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعليّ، وفي عهد الأخير كان كاتباً لابن عبّاس وهو والٍ على البصرة من قبل ابن عمّه، فلمّا خرج ابن عبّاس إلى المدينة مغاضباً لعليّ، تبعه أبو الأسود في قومه ليردّه، فاعتصم ابن عبّاس بأخواله من بني هلال فمنعوه، وكادت تقع الحرب بينهم.

فقالت لهم بنو هلال: ننشدكم الله أن لا تسفكوا دماء تبقى معها العداوة إلى آخر الأبد، وأمير المؤمنين أولى بابن عمّه، فلا تدخلوا أنفسكم

بينهما، فرجعت كنانة، وكتب أبو الأسود إلى عليّ بما جرى فولاّه البصرة).

هذا هو النص الذي ذكره مؤلّفو الكتاب، ومع احترامي لمقامهم الأكاديمي، لا يمنعني هذا من بيان نقاط الضعف في هذا الكلام الذي دبّجته أقلامهم، وهي كما يلي:

أوّلاً: خلوّ النص جميعه من ذكر المصدر الذي رجعوا إليه، فأوقعهم في مزلّة أقدامهم في عدّة موارد منه، وهي:

ثانياً: قالوا: (وقد عمل أبو الأسود للخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعليّ)، وهذا كشف جديد لهم! كان عليهم الإتيان ولو بشاهد واحد لعمالة أبي الأسود لعمر، وكذلك لعثمان، وتاريخ العمّال على البصرة في عهدهما لم يرد اسم أبي الأسود بينهم.

وأقرب مصدر موثوق يعتمد عليه في المقام هو (تاريخ الطبري)، فقد جاء في ج4/241 بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم (وهو أحد مؤلّفي كتاب أطوار الثقافة والفكر...):

(عمّال عمر رضي الله عنه على الأمصار... وعلى البصرة أبو موسى الأشعري، وكان قبله المغيرة بن شعبة). وقد ذكر الطبري في 4/69 خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى، وكان سبب عزل المغيرة زناه بأُمّ جميل وشهادة (أبي بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن كلدة، وزياد)(1).

وبقي أبو موسى عاملاً حتّى تولّى الخلافة عثمان إلى ستّ سنين من خلافته، وكما ذكر الطبري في تاريخه في الأحداث المشهورة في سنة 29،


1) - راجع الخبر في تاريخ الطبري 4/69، ط بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

قال: (ففيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة وكان عامله عليها ستّ سنين وولاها عبد الله بن عامر بن كريز)(1)، وقد ذكر في سبب عزله شكاية أهل البصرة الذين أتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا: (ما كلّ ما نعلم نحبّ أن نقوله فأبدلنا به، فقال: مَن تحبّون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كلّ أحد عوض عن هذا العبد الذي قد أكل أرضنا وأحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعري كان يعظم ملكه عن الأشعريين ويستصغر ملك البصرة، وإذا أمّرت علينا صغراً كان فيه عوض منه أو مهتّرا كان فيه عوض منه، ومن بين ذلك جميع الناس خير منه، فدعا عبد الله بن عامر وأمّره على البصرة...).

ثمّ ذكر الطبري في تاريخه أسماء عمّال عثمان حين قتل، فقال: (...وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز خرج منها فلم يولّ عليها عثمان أحداً)(2).

هذه هي نصوص الطبري في تاريخه عن عمّال عمر وعثمان، ولم يرد اسم أبي الأسود في واحد منها، فمن أين أتى مؤلّفو الأطوار بزعمهم؟! وأكبر العتب على ثالثهم (محمّد أبو الفضل إبراهيم) الذي ولي تحقيق (تاريخ الطبري) الذي نقلنا النصوص السابقة عنه!

ثالثاً: وأمّا زعمهم أنّه عمل لعليّ حين عطفوه على من سبقه، فقالوا: (وفي عهد الأخير كان كاتباً لابن عبّاس وهو وال من قبل ابن عمّه...).


1) - تاريخ الطبري 4/264، ط بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

2) - تاريخ الطبري 4/421، ط بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

فهذا أيضاً زعم يعوزه التحقيق، إذ لا يحظى بأدنى تصديق! فإنّ الطبري أيضاً -- وهو المصدر الموثوق عندهم وعند غيرهم من الباحثين -- قال: (ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق عليّ عمّاله... فبعث عثمان بن حنيف على البصرة... وأمّا عثمان ابن حنيف فسار فلم يردّه أحد عن دخول البصرة، ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأي ولا حزم ولا استقلال بحرب، وافترق الناس بها، فاتبعت فرقة القوم، ودخلت فرقة في الجماعة، وفرقة قالت: ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما صنعوا...)(1).

ثمّ ذكر الطبري دخول عائشة وطلحة والزبير البصرة والحرب بينهم وبين عثمان بن حنيف(2).

وقال الطبري: (ولمّا بلغ ذلك -- نزول عائشة قرب البصرة -- أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين -- وكان رجل عامّة -- وألّزه -- أي ألصقه -- بأبي الأسود -- وكان رجل خاصّة -- فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم مَن معها...

-- ثمّ ساق الخبر وفيها دخولهما على عائشة، ثمّ على طلحة وفي آخره -- : فودعت عمران، وقالت لأبي الأسود: إياك أن يقودك الهوى إلى النار، كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ(3)الآية، فسرّحتهما...

ومضى الرجلان حتّى دخلا على عثمان بن حنيف، فبدر أبو الأسود


1) - تاريخ الطبري 4/442.

2) - تاريخ الطبري 4/462.

3) - سورة المائدة/8.

عمران، فقال:

يا بن حنيف قد أتيتَ فانفر*** وطاعن القوم وجالد واصبر

وأبرز لهم مستلئماً وشمّر

فقال عثمان: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، دارت رحى الإسلام وربّ الكعبة، فانظروا بأي زيفان تزيف)(1).

فهذا أوّل ذكر لأبي الأسود الدؤلي في (تاريخ الطبري) كما في الفهارس العامّة التي صنعها (محمّد أبو الفضل إبراهيم أحد مؤلّفي أطوار الثقافة والفكر)، ثمّ ورد ذكره في الجزء الخامس في عدّة موارد سنأتي على ذكرها عند الحاجة إليها.

إلى أن قال الطبري: (لمّا أخذوا عثمان بن حنيف أرسلوا أبان بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة: نشدتك الله يا أُمّ المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، قالت: ردوا أبانا، فردّوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه، قال: لو علمتُ أنّكِ تدعينني لهذا لم أرجع، فقال لهم: مجاشع بن مسعود اضربوه وانتفوا شعر لحيته، فضربوه أربعين سوطاً، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه(2))(3)، وقامت الحرب على ساق، ولم يذكر أحدٌ أبا الأسود في


1) - تاريخ الطبري 4/461.

2) - هكذا فلتكن غلبة المستولين ورحمة الصحابة مع أُمّ المؤمنين، وسيدخلهم الله الجنّة أجمعين أكتعين أبصعين؟! إنّها مهزلة ما مثلها مهزلة بعقول المسلمين. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

3) - تاريخ الطبري 4/468.

تولّي أمر من الأمور مع الناكثين، فكانت ولاية البصرة بعد الحرب كما قال الطبري وأمّر -- علي -- ابن عبّاس على البصرة، وولى زياداً الخراج وبيت المال، وأمر ابن عبّاس أن يسمع منه(1)...

ثمّ قال الطبري في الجزء الخامس في أحداث سنة 37: (وأمّا خوارج البصرة فإنّهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي فعلم بهم ابن عبّاس، فأتبعه أبا الأسود الدؤلي فلحقهم بالجسر الأكبر فتواقفوا حتّى حجز بينهم الليل...)(2).

ثمّ ذكر الطبري كتاب الإمام إلى ابن عبّاس في تهيئة الناس للشخوص إلى حرب الخوارج، وذكر خطبة ابن عبّاس بقراءة كتاب الإمام عليهم: (وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل، فأستقلهم عبد الله بن عبّاس، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، يا أهل البصرة فإنّه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني باشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم إلاّ ألف وخمسمائة، وأنتم ستّين ألفاً سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم، إلاّ انفروا مع جارية بن قدامة السعدي ولا يجعلنّ رجل على نفسه سبيلا، فإنّي موقع بكلّ من وجدته متخلّفاً عن مكتبه، عاصياً لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم... وخرج أبو الأسود فحشر الناس)(3).


1) - تاريخ الطبري 4/543.

2) - تاريخ الطبري 5/76.

3) - تاريخ الطبري 5/78 -- 79.

وقال الطبري في أحداث سنة 37: (وكان على البصرة عبد الله بن عبّاس وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي...)(1).

وقال الطبري في أحداث سنة 39: (وكانت عمّال عليّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرنا أنّهم كانوا عمّاله في سنة ثمان وثلاثين غير ابن عبّاس، كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة واستخلف زياداً -- الذي كان يقال له ابن أبيه -- على الخراج، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء...)(2).

وقال الطبري في أحداث سنة40: (مرّ عبد الله بن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملاً... فكتب أبو الأسود إلى عليّ. أمّا بعد، فإنّ الله جلّ وعلا جعلك والياً مؤتمناً...)(3).

ثمّ ذكر الطبري في خروج ابن عبّاس من البصرة إلى مكّة ما تقدّم منّا ذكره في مدوّنات القرن الرابع؛ فراجع! وليس فيما ذكره أيّ ذكر لأبي الأسود. حتّى إذا ذكر مقتل الإمام عليه السلام ذكر رثاء أبي الأسود له بأبياته التي أوّلها:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*** فلا قرّت عيون الشامتينا

وآخر ما ورد ذكر أبي الأسود في (تاريخ الطبري) في الجزء الخامس، قال: (وكان واليه على البصرة في هذا السنة (40) عبد الله بن العبّاس، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، وإليه كانت الصدقات


1) - تاريخ الطبري 5/93.

2) - تاريخ الطبري 5/136.

3) - تاريخ الطبري 5/141.

والجند والمعاون أيام ولايته كلّها. وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد بينت قبل. وكان على قضائها من قبل عليّ أبو الأسود الدؤلي، وقد ذكرت ما كان من توليته زياداً عليها، ثمّ إشخاصه إيّاه إلى فارس لحربها وخراجها، فقتل وهو بفارس...)(1).

وبهذا انتهت موارد ذكر أبي الأسود الدؤلي والأحداث التي شارك فيها، ولم نجد في جميع ما مرّ شيئاً ممّا ذكره مؤلّفو (أطوار الثقافة والفكر في ظلال العروبة والإسلام)، فمن أين جاؤا به؟! وكان عليهم أن يذكروا المصدر الذي رجعوا إليه!

وأعجب من هذا كلّه! أنّهم ترجموا لابن عبّاس في كتابهم المشار إليه بعد ترجمتهم لأبي الأسود، بينهما ترجمة (عائشة بنت أبي بكر أُمّ المؤمنين) في ستّ صفحات بينهما ترجمة (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وأبو الخلفاء) في 35 صفحة، من صفحة 106 -- 140، جاء فيها: (وشهد مع عليّ الجمل وصفّين والنهروان، وأمره على البصرة... وبعدما أصيب المسلمون بمقتل عليّ، آثر العودة إلى الحجاز، ورغب عن السياسة والإمارة...).

وأطالوا الترجمة بذكرهم مسائل نافع بن الأزرق في غريب القرآن نقلاً عن (الإتقان) للسيوطي، وهذا هو المورد الوحيد الذي ذكروا مصدره في ترجمة ابن عبّاس! وتبدو غفلتهم عمّا سبق منهم في ترجمة أبي الأسود، أو أنّهم تنبّهوا إلى عدم صحّة ما ذكروه أوّلاً وفاتهم تلافيه، ومهما يكن فهذا جناهم لا -- جنايتهم -- وكلّ جان يده إلى فيه.


1) - تاريخ الطبري 5/155.

الثاني: الأعلام/ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين)

الثاني: الأعلام/ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين)، تأليف خير الدين الزركلي.

جاء في ج3/340 في ترجمة ظالم بن عمرو -- أبي الأسود الدؤلي --: (رسم له عليّ بن أبي طالب شيئاً من أُصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود وأخذه عنه جماعة. وفي صبح الأعشى أنّ أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير، سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام عليّ، استخلفه عليها عبد الله بن عبّاس لمّا شخص إلى الحجاز، ولم يزل في الإمارة إلى أن قتل عليّ...).

ثمّ ذكر في الهامش مصادر الترجمة، وقد أحسن صنعاً حين ذكر محاولة المستشرق (كندروف في دائرة المعارف الإسلامية ج1/307) نفي القول المشهور بأنّه واضع أُصول النحو العربي -- ولديّ بحث حول هذا الموضوع أشرت إلى جانب منه فيما مضى في الحلقة الثانية، فراجع -- فلا نطيل الوقوف هنا، غير أنّ الذي لفت النظر هو قول الزركلي عن أبي الأسود: (وولي إمارتها في أيام عليّ، استخلفه عليها عبد الله بن عبّاس لمّا شخص إلى الحجاز، ولم يزل في الإمارة إلى أن قتل عليّ...)!

فإنّ ذكر هذه الولاية واستخلاف ابن عبّاس له عليها في أيام الإمام فيها نحو تلبيس -- ولا أقول أنّه تدليس -- فإنّ ابن عبّاس كان يذهب أميراً على الحجّ في أيام ولايته على البصرة، كما مرّ ذكر ذلك مفصّلاً في الحلقة الأولى للموسوعة (تاريخ وسيرة)(1)، فيستخلف غالباً زياداً على الخراج، وأبا


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة.

الأسود على الصلاة والقضاء، ولمّا يعود إلى مقرّ عمله يتولّى هو الإشراف العام في ولايته، وما ذكره الزركلي ليس من هذا القبيل، بل الظاهر مراده شخوص ابن عبّاس إلى الحجاز مفارقاً، بدلالة قوله: (ولم يزل -- أبو الأسود -- في الإمارة إلى أن قتل عليّ)! وليته إذ ترجم ابن عبّاس في ج4/228 أشار إلى ذلك بما يوضّح مراده، ولكنّه فيما يبدو تحاشى ذكر الموضوع لما فيه التباس في تاريخ ابن عبّاس، وهذا سنجد مثله عند غير واحد من الباحثين المحدّثين.

الثالث: (تاريخ البصرة)

الثالث: (تاريخ البصرة)، لعلي ظريف الأعظمي، ص26 ط بغداد بمطبعة الفرات سنة 1346ه-.

قال: (فلمّا كانت سنة/40 وشى أبو الأسود الدؤلي على عبد الله بن عبّاس، فأرسل الإمام عليّ إلى عبد الله يعاتبه ويحاسبه في الخراج، وكتب إلى أبي الأسود يأمره بمراقبة أمور البصرة، فاغتاظ ابن عبّاس وكتب إلى الإمام عليّ: ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن عنه، والسلام.

واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر فاجتمعت معه قيس كلّها فسار من البصرة إلى مكّة.

-- قال علي ظريف -- فضيّع الإمام عليّ زعيماً كبيراً يتبعه عدد كبير كما ضيّع أمثاله بتدقيقه الشديد في محاسبتهم، والمبالغة في المحافظة على الدين، في الوقت الذي طمع فيه العمّال في الأحكام (؟) وفُسدت نيّاتُهم، واتّخذ بعض أعدائه قتل عثمان ذريعة للوصول إلى عرش الخلافة، ومنهم معاوية الذي ابتاع الأحزاب بالمال، واجتذب كبار الرجال بالدهاء) اه- .

وهذا الذي ذكره الأُستاذ علي ظريف الأعظمي فيه ظرافة أعظم من

انتمائه، حيث جعل سنة (40ه-) هي بداية الوشاية من أبي الأسود بابن عبّاس، ولو صادقناه على هذا التحديد، فستكون آخر الرسائل المتبادلة صدرت من الإمام عليه السلام في أواخر شهر شوال من تلك السنة على أقلّ تقدير، وهذا يعني بعد شهادة الإمام عليه السلام بنحو شهر، كما سيأتي بيان هذا مفصّلاً في أدلّة النافين.

الرابع: (جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة)

الرابع: (جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة)، تأليف زكي صفوت، أُستاذ اللغة العربية بدار العلوم، ج1/587/594 الطبعة الأولى سنة 1356ه- .

وجرياً على عادتنا في نقل النصّ بلفظه، سنعرض ما ذكره الأُستاذ صفوت من رسائل تتعلّق بتهمة الخيانة، لنوقف القارئ بأن ليس عنده من جديد، إذ كلّ ما نقله من الرسائل فقد ذكر مصادره في آخر كلّ رسالة، فلم تتجاوز (نهج البلاغة)، و(العقد الفريد)، و(تاريخ الطبري)، و(شرح ابن أبي الحديد)، و(مجمع الأمثال) للميداني، وهذه جميعها قد مرّت رواياتها بألفاظها وتمّت مناقشتها، فلا نعيد المناقشة ونكتفي بنقل النص فقط كما جاء في كتاب (جمهرة رسائل العرب) لأُستاذ اللغة العربية بدار العلوم زكي صفوت. فإلى قراءة النص:

(535- كتاب أبي الأسود الدؤلي إلى عليّ

وروي أنّ عبد الله بن عبّاس كان من أحبّ الناس إلى عمر بن الخطّاب، وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمّد صلي الله عليه و آله وسلم، ولم يستعمله قطُّ، فقال له يوماً: كدت استعملك، ولكن أخشى أن تسحتلّ الفَيْء على التأويل، فلمّا صار الأمر إلى عليّ، استعمله على البصرة -- بعد وقعة الجمل كما قدّمنا -- فاستحلّ الفَيْء على تأويل، قوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن

شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...(1)، واستحلَّه لقرابته من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم. ومرَّ ابن عبّاس يوماً على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: (لو كُنتَ مِنَ البهائم لكنت جملاً. ولو كنت راعياً ما بلغت المرعَى، ولا أحسنت مهنتَه في المشي).

فكتب أبو الأسود إلى عليّ: (أمّا بعد، فإنّ الله جلّ وعلا جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مسئُولاً، وقد بَلَوْناك(2)رَحِمك الله، فوجدناك عظيمَ الأمانة، ناصحاً للأُمّة، توفِّر لهم فَيْئَهم، وتَظْلِف(3)نفسَك عن دنياهم، فلا تأكُل أموالهم، ولا ترتشي بشيء في أحكامهم.

وإنّ ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يَسَعْني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك، واكتب إليَّ برأيك، فما أحْبَبْتَ أتَّبعْه إن شاء الله، والسلام).(العقد الفريد 2: 242، وتاريخ الطبري 6: 81).

536- ردّ عليّ على أبي الأسود

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فمِثْلُك نَصَح الإمام والأُمّة، وأدَّى الأمانة، ووَالَى على الحقّ وفارق الجَوْر، وقد كتبت إلى صاحبك بما كتبتَ إليَّ فيه من أمره، ولم أُعلِمه بكتابك إليَّ، فلا تَدَعْ إعلامي بما يكون بحَضْرتك، ممّا النظرُ فيه للأُمّة صلاحٌ، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجبٌ لله عليك، والسلام). (العقد الفريد 2: 242، وتاريخ الطبري 6: 81)


1) - سورة الأنفال/41.

2) - أي: اختبرناك.

3) - ظلف نفسه عنه كضرب، منعها من أن تفعله وكفها عنه، وفي العقد الفريد ((وتكف)).

537- كتاب عليّ ابن عبّاس

وكتب عليّ إلى ابن عبّاس: (أمَّا بَعْدُ، فقد بَلَغَنِي عنك أمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَه فَقَدْ أسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إمَامَكَ، وَأخْزَيْتَ أمَانَتَكَ، وخُنْت المسلمين.

بَلَغنِي أنَّكَ جَرَّدْتَ(1)الأرْضَ، فأخَذْتَ ما تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وأكَلْتَ ما تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إليَّ حِسَابَكَ، واعْلَمْ أنَّ حِسَابَ اللهِ أعْظَمُ من حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلامُ).(العقد الفريد 2: 242، ونهج البلاغة 2: 46)

538- ردّ ابن عبّاس على عليّ

فكتب إليه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإن كلّ الذي بلَغَك باطل، وإنّي لما تحت يديَّ ضابِط قائم له، وعليه حافِظٌ، فلا تصدِّق عليَّ الضَّنين(2)، والسلام). (العقد الفريد 2: 242، وتاريخ الطبري 6: 82)

539- ردّ عليّ على ابن عبّاس

فكتب إليه عليّ: (أمّا بعد، فإنّه لا يَسَعُني تركُك حتّى تُعلمني ما أخذت من الجزية، من أين أخذته؟ وما وضعت منها، فيم وضعته؟ فاتَّق الله


1) - أي: قشرتها، والمعنى أخربتها.

2) - وفي الطبري ((فلا تصدّق الظنون))، والضنين: البخيل. وكان أبو الأسود معروفاً بالبخل، ومن طريف ما يروى عنه أنّ رجلاً قاله له: ((أنت والله ظرف لفظ، وظرف علم، ووعاء حلم، غير أنّك بخيل))، فقال: ((وما خير ظرف لا يمسك ما فيه))، وسلم عليه أعرابي يوماً، فقال أبو الأسود: كلمة مقولة، فقال له: أتأذن في الدخول؟ قال: وراءك أوسع لك، قال: فهل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: أطعمني، قال: عيالي أحقّ منك، قال: ما رأيت ألأم منك؟ قال: نسبت نفسك. (أمالي المرتضى 1: 214)، وسمع أبو الأسود رجلاً يقول: من يعشي الجائع؟ فعشاه، ثمّ قام الرجل ليخرج، فقال: هيهات! تخرج فتؤذّي الناس كما آذيتني ووضع رجله في الأدهم حتّى أصبح. (المحاسن والأضداد 1/69).

فيما ائتمنتُك عليه واسترعَيْتُك إياه، فإنّ المتاع بما أنت رازِمُه(1)قليل، وتبِاعَتَه وبيلَةٌ لا تبيدُ، والسلام).(العقد الفريد 2: 242، وتاريخ الطبري 6/ 82)

540- ردّ ابن عبّاس على عليّ

فلمّا رأى أنّ عليّاً غير مُقلع عنه، كتب إليه: (أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك عليَّ مَرزِئة(2)مال، بلغك أنّي رزأتُه أهل هذه البلاد، وأيم الله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها(3)ومُخَبَّئها وبما على ظهرها من طِلاعها ذهباً، أحبُّ إليَّ من أن ألْقى الله، وقد سفكتُ دماء هذه الأُمّة، لأنال بذلك المُلك والإمْرّة، ابعث إلى عملك من أحببت، فإنّي ظاعن عنه، والسلام).

ورحل ابن عبّاس عن البصرة، وقد حمل ما كان في بيت مالها، حتّى قدم الحجاز، فنزل مكّة واشترى من عطاء بن جبير ثلاث مُوَلَّدات حجازيات بثلاثة آلاف دينار. (العقد الفريد 2: 242، وتاريخ الطبري 6: 82، وشرح ابن أبي الحديد م4: 64).

541- كتاب عليّ إلى ابن عبّاس

ثمّ كتب عليّ إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فَإنّي كنْتُ أشْرَكْتُكَ في أمَانَتِي، وجَعَلْتُكَ شِعَارِي(4)وبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ من أهْل بَيْتي رَجُلٌ أوْثَقَ مِنْكَ


1) - رزم الشيء كضرب ونصر: جمعه في ثوب، والتباعة: التبعة.

2) - رزاه ماله كفتح وفرح: أصاب من ماله شيئاً، ويقال ما رزأته ماله وما رزئته ماله: أي ما نقصته.

3) - العقيان: الذهب، وطلاع الشيء: ملؤه، وفي ابن أبي الحديد ((أمّا بعد: فإنّك قد أكثرت عليَّ، ووالله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلا وذهبها وعقيانها ولجينها، أحب إلي من أن ألقاه بدم امرئ مسلم)) -- واللجين بالضم: الفضّة.

4) - الشعار: الثوب يلي شعر الجسد.

فَي نَفسِي، لِمُواسَاتِي وَمُوازَرتِي، وَأدَاءِ الأمَانَةِ إليَّ، فَلَمَّا رَأيْت الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمّكَ قَدْ كَلِبَ(1)، والعَدُو قَدْ حَربَ، وَأمَانَةَ النَّاس قَدْ خَزيَت(2)، وهذه الأمَّةَ قّدْ فَنَكَتَ(3)وشَغَرَتْ، قَلَبت لاِبْن عَمّكَ ظَهرَ المِجنّ(4)، فَفَارقْتهُ مَع المُفَارِقينَ، وَخَذلْتَهُ اسوأ خِذْلان، وخُنْتَهُ مَعَ من خان(5)، فَلا ابْن عَمّك آسَيْتَ(6)، ولا الأمَانَةَ أدّيْتَ، وَكأنّكَ لَم تكُنِ اللهَ تُريدُ بِجهَادِك، وَكَأنَّكَ لم تكُن عَلَى بَيِّنة مِن ربّكَ، وَكأنَّك إنّمَا كُنتَ تَكيدُ هذِهِ الأمَّةَ عَن دُنْيَاهُم، وَتَنوي غِرَّتَهُمْ(7)عنَ فَيْئهِمْ، فَلَمَّا أمْكَنَتْك الشّدَّةُ(8)فِي خِيانَةِ الأمَّةِ، أسْرَعْتَ


1) - كلب الزمان: اشتدّ، وحرب: العدوّ، استأسد واشتد غضبه، وفي العقد الفريد ((قد حر))، وحرد: كسمع وضرب: غضب.

2) - أي: زلت وهانت.

3) - فنك في الأمر كنصر: لج فيه، وفنك: كذب، وفنك في الكذب: مضى ولج فيه، وفنكت الجارية: مجنت، وكلّ هذه المعاني صالحة هنا، وفي العقد الفريد ((قد فتنت)) وشغرت (كمنع) أي خلت من الخير، من شغرت الأرض: إذا لم يبق بها أحد يحميها ويضبطها فهي شاغرة.

4) - المجنّ: الترس، وهذا مثل يضرب لمن كان لصاحبه على مودّة ورعاية، ثمّ حال عن العهد، قال ابن أبي الحديد: ((وأصل ذلك أن الجيش إذا لقوا العدوّ كانت ظهور مجانهم إلى وجه العدوّ، وبطونها إلى وجه عسكرهم، فإذا فارقوا رئيسهم وصاروا مع العدوّ كان وضع مجانهم بدلاً من الوضع الذي كان من قبل، وذلك أنّ ظهور الترسة لا يمكن أن تكون إلاّ في وجوه الأعداء لأنّها مرمى سهامهم. اه-)).

5) - وفي نهج البلاغة: ((وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين)).

6) - آساه: شاركه وأصابه بخير، وفي الحديث: ((ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر، آساني بنفسه، وماله)).

7) - الغرة: الغفلة.

8) - الحملة، وفي العقد ((فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة أسرعت الغدرة)).

الكَرَّةَ، وعَاجَلْت الوَثْبَةَ، واخْتَطفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِن أمْوَالِهمُ المَصُونَة لأرَامِلِهمْ وأيْتامِهِمُ، اخْتِطَافَ الذّئْبِ الأزَلِّ(1)دَاميَةَ المِعزَى الكَسيرَةَ، فَحمَلتَهُ إلى الحِجازِ، رَحيبَ الصَّدْرِ بحمله، غَيْر مُتأثّم مِن أخْذِهِ كأنَّك -- لا أبا لِغَيْركَ(2)-- حَدرتَ إلى أهْلكَ تُراثَكَ مِن أبِيكَ وأمّكَ، فَسُبْحانَ الله! أمَا تُؤْمِن بالمَعَادِ؟ أوَ ما تَخَافُ نِقاشَ الحِسابِ؟

أيُّها المَعْدُودُ -- كَانَ -- عِندَنَا مِنْ أولِي الألْبَابَ، كَيْفَ تُسِيغُ(3)شَرَاباً وطَعَاما؟ً وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ تَأكُلُ حَراماً، وتَشْرَبُ حَرَاماً؟ وَتَبْتاعُ الإِمَاءَ، وتَنْكِحُ النِّساءَ، مِنْ مَالِ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ، والمُؤْمِنينَ والمُجاهِدينَ الذينَ أفَاءَ اللهُ عَلَيْهمْ هذِهِ الأمْوالَ، وأحْرَزَ بِهٍم هذِهِ البِلادَ.

ٍفاتَّق الله وارْدُد إلى هؤُلاءِ القَوم أمَوالَهُمْ، فإنَّك إنْ لم تَفعَل، ثُمَّ أمكَنَني اللهُ مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ(4)إلى الله فِيكَ، ولأضْربَنَّك بِسَيْفي الذي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أحداً إلاّ دَخَل النَّار، وَوَاللهِ لَوْ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْن فعَلا مِثلَ الذي فَعَلْت، ما كانَتْ لًهُمَا عِنْدِي هَوادَةٌ، ولا ظَفِرا مِنّي بإِرَادَة، حتَّى آخُذَ الحقَّ مِنْهُمَا وأُزيحَ البَاطِلَ عَنْ مَظلَمَتِهمَا، وأُقْسِمُ بالله ربّي ورَبّك ربّ العزّة ما يَسُرُّني أنَّ


1) - الذئب الأزل الخفيف الوركين، وذلك أشد لعدوه وأسرع ولثبته، والدامية: المجروحة، والكسيرة: المكسورة، والرحيب الواسع.

2) - كلمة تقال للتوبيخ مع تحامي الدعاء عليه، وحدره: حطه من علو إلى سفل، والمعنى: جلبت، والنقاش مصدر ناقش كالمناقشة.

3) - ساغ الشراب يسوغ: سهل مدخله في الحلق، وأساغه هو وساغه يسوغه وساغه يسيغه سوغاً وسيغاً، ومن الرباعي قوله تعالى ayebazيَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُayebaste.

4) - أعذر: ثبت له عذر.

ما أخَذْتَ مِنْ أمْوَالِهِم حَلالٌ لِي أدّعُه مِيراثاً لعقبي، فَمَا بالَ اغْتباطِك بِهِ تأكُلهُ حَرَاماً؟

فَضَحّ رُوَيداً فكَأنَّكَ قَدْ بَلَغَتَ المَدَى، ودُفِنْت تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرضَتْ عَلَيْكَ أعْمَالُك بالمَحَلّ الذي يُنادِي فيه المغتَرُّ بالحَسْرةِ، ويَتَمنَّى المُضَيِّعُ التوبة، والظالم الرَّجْعَةَ، ولاتَ حِينَ مَنَاصٍ، والسلامُ).(نهج البلاغة 2: 46، والعقد الفريد 2: 243، ومجمع الأمثال للميداني 2: 32)

542- ردّ ابن عبّاس على عليّ

فكتب إليه ابن عبّاس: (أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظّم عليَّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال البصرة، ولعَمْري إنّ حقّي في بيت مال الله أكثر من الذي أخذت، والسلام). (العقد الفريد 2: 243، وشرح ابن أبي الحديد م4: ص64)

543- ردّ عليّ على ابن عبّاس

(أمّا بعد، فإنّ العجب أن تزين لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل واحد من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون، يُنجيك من الإثم، ويُحِلّ لك ما حرم الله عليك، عمْرك الله(1)! إنّك لأنت البعيد البعيد(2)، وقد بلغني أنّك


1) - عمرك الله: عمر اسم بمعنى التعمير، نصب على معنى عمرتك الله، أي: سألت الله تعميرك، أي: أن يطيل عمرك، فعمرك مفعول ثان لفعل محذوف ولفظ الجلالة مفعول أوّل، أو هو من الأسماء الموضوعة موضع المصادر المنصوبة على إضمار الفعل، وأصله من عمرتك الله تعميرا فحذفت زيادته، فعمرك مصدر نائب عن فعله والله مفعوله.

2) - وفي شرح ابن أبي الحديد: ((إنك لأنت المهتدي السعيد إذن)).

أتخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً(1)، تشترى بها المُوَلَّداتِ من مكّة والمدينة والطائف، وتختارهُنَّ على عينك، وتُعطى فيهن مال غيرك(2)، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، وأخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعَمَّا قليلٍ تفارق من ألِفْتَ، وتترك ما جَمَعتَ، وتُغَيَّب في صَدْع(3)من الأرض غير مُوسَّد ولا مُمَهّدٍ، قد فارقتَ الأحباب، وسكنت له التراب، وواجَهْتَ الحِسابَ، غنياً عمّا خَلَّفْتَ، فقيراً إلى ما قدّمت، والسلام). (العقد الفريد 2: 243، وشرح ابن أبي الحديد م4: ص64)

544- ردّ ابن عبّاس على عليّ:

(والله لئن لم تَدَعْني من أساطيرك لأحْملَنَّه إلى معاوية يقاتلك به).

فكف عنه علي. (العقد الفريد 2: 244)).

الخامس: (جناية البخاري، إنقاذ الدين من إمام المحدّثين)

الخامس: (جناية البخاري، إنقاذ الدين من إمام المحدّثين)، تأليف زكريا أوزون/ الطبعة الأولى كانون الثاني/ يناير 2004م.

قال الكاتب في المقدّمة:

(إنّ إشكالية الحديث النبوي من أهم وأعقد الأمور في الدين الإسلامي، والبحث فيها يتطلّب جرأة مدعومة بالعلم والحجّة والبيّنة نظراً لحساسيتها.

وقد تمّ انتقاء (صحيح الإمام البخاري) لمناقشة ومعالجة موضوع


1) - العطن: مبرك الإبل.

2) - رزى صاحب العقد عقب ذلك: ((وإنّي اقسم بالله ربّي وربّك وربّ العزّة... الخ)) وقد تقدّم.

3) - في شق، أي: في قبر.

الحديث فيه، كونه أفضل وأصحّ كتب الحديث عند الكثير من أئمّة المسلمين، وزيادة في الدقّة والحرص فقد تمّ اعتماد الأحاديث التي اتّفق عليها الشيخان البخاري ومسلم والتي يطلق عليها عبارة: المتّفق عليه.

وإذا كان ما في (صحيح البخاري) محاطاً بالهالة والقدسية، فإنّ إعمال العقل والتخلّص من أوهام النقل هو ما تمّ السعي إليه في هذا الكتاب الذي جاءت أبحاثه مبسّطة مركزة مباشرة وبعيدة عن التعقيد والتكرار والاستطراد الذي اتّصفت به معظم كتب التراث.

أخيراً فإنّ السلف قد رأى أنّ الأجر والثواب هو نصيب العاملين من الأئمّة والسادة العلماء الأفاضل دوماً -- وإن أخطأوا -- لكن الأجدر اعتماد قوله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ _ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً(1)صدق الله العظيم. زكريا أوزون).

ثم ذكر في ص14 تسعة أسئلة أساسية، كان منها السؤال الخامس:

(س5: هل كلّ رواة الحديث النبوي من الصحابة عدول ثقات؟).

وأعاده في ص19، فقال: (وهو من أهم الأسئلة المطروحة، لأنّ الإجابة عنه تعني رفض ونسف كلّ الأساليب والشروط والمبادئ التي اعتمدها البخاري وغيره من الأئمّة في صحاحهم أو متونهم، وذلك يعني ببساطة نسف ظاهرة العنعنة (عن... عن... عن...) التي تعتمد على النقل لا إعمال العقل، تعتمد على من قال وليس ما قال، وإذا قلت: إنّ الصحابة


1) - سورة الأحزاب/67 -- 68.

كغيرهم من الناس يخطئون ويصيبون، يضلّون ويهتدون، يعلمون ويجهلون، وأنّه نزلت فيهم آيات عديدة من الذكر الحكيم تنقدهم وتصحّح مسارهم وأعمالهم، حتّى أنّ سورة التوبة سمّيت بالفاضحة، لأنّها أظهرت حقائق الكثير منهم آنذاك(1).

فإنّ الردّ سيكون: ومن أنت لتقول؟ ومن أنت لترى؟ ومن أنت لتقيّم الصحابة؟ من أنت؟!...

لذلك فإنّي سأورد هنا آراء الصحابة حول بعضهم بعضاً حسب ما جاء في كتب الأثر المعتمدة وعملاً بالقول: (إنّ الحديد بالحديد يفلح).

وما دام الحديث يتعلّق بالحديث النبوي فإنّي سآخذ أكثر الصحابة رواية عن الرسول الكريم، وهم حسب ذلك التصنيف:

1- الصحابي أبو هريرة الدوسي.

2- السيّدة عائشة أُمّ المؤمنين.

3- الصحابي عبد الله بن عبّاس -- حبر الأُمّة).

ثمّ قال في ص20: (وسأترك للقارئ التوصل إلى الاستنتاج الملائم من ذلك العرض، وبالتالي معرفة الإجابة عن السؤال الخامس المطروح).

ثمّ تحدّث أوّلاً عن أبي هريرة الدوسي، وثانياً عن السيّدة عائشة (أم المؤمنين)، وثالثاً عن عبد الله بن عبّاس -- حبر الأُمّة، والذي يعنينا في المقام ما ذكره في ترجمة ابن عبّاس، فلنقرأ ما كتبه عنه بلفظه:

حيث قال في ص23 -- 25: (ولد عبد الله بن عبّاس قبل الهجرة بسنة أو


1) - راجع صحيح البخاري باب التفسير.

سنتين، وعندما توفي الرسول كان صبياً لم يتجاوز عمره أحد عشر ربيعاً، ومع ذلك فقد روى حوالي (1660) حديثاً(1)أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبالرغم ممّا يقال أنّه لازم رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم خلال تلك الفترة، فإنّ ذلك لا يوجد ما يثبته سوى أنّه أعدّ ماءً لوضوء النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم مرّة، ودخل بين صفوف المصلّين خلفه وهو طفل(2).

ولعلّ المأخذ الأوّل والأهم على ابن عبّاس هو صراعه الكلامي والفكري مع ابن عمّه الخليفة الراشدي عليّ بن أبي طالب، وهنا نترك الكلام ونقله للطبري (تاريخ الطبري ج4)(3)الذي يتحدّث عن أسباب ذلك الصراع والخلاف، حيث تبدأ القضية برسالة من أبي الأسود الدؤلي صاحب بيت المال في البصرة تصل إلى الخليفة عليّ وفيها: (عاملك وابن عمّك قد أكل ما تحت يده بغير حق!!).

وعلى الفور يرسل الخليفة رسالة يستوضح فيها من ابن عبّاس صحّة ما جاءه ويطالبه برفع حسابه! فيأتي الجواب: (أمّا بعد، فإنَّ الذي بلغك عنّي باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدّق الأظناء، رحمك الله، والسلام).

ثمّ يعاود الخليفة ويطالبه بكتابة موارده ومصاريفه من أموال الجزية، فيأتي الجواب هنا كما يلي: (والله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من


1) - ابن الجوزي.

2) - راجع صحيح البخاري، كتاب الصلاة.

3) - راجع الكامل، لابن الأثير 3/194.

عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحبَّ من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمارة، فابعث إلى عملك من أحببت).

ثمّ يأتي الخبر بأنّ ابن عبّاس قد جمع أموال بيت المال ومقدارها نحو ستّة ملايين درهم، واستعان بأخواله من بني هلال في البصرة الذين أجاروه بعد مناوشة مع أهل البصرة وأبلغوه مأمنه في مكّة -- مسقط رأسه -- حيث أوسع على نفسه واشترى ثلاث مولدات حور بثلاثة آلاف ديناراً!

الأمر الذي دفع الخليفة للكتابة برسالة -- اكتفينا منها بما يلي:

(...فَلَمَّا أمْكَنَتْكَ الغرَّة أسْرَعْتَ الغَدرَة، وغَلَطْت الوَثْبَةَ، وانْتهَزتَ الفُرصَة، وَاخْتطَفتَ ما قَدَرتَ عَلَيْهِ منْ أمْوَالِهِم اخْتِطَاف الذّئْبِ الأزلّ دَاميَةَ المِعْزَى الهَزيلَة وَضالِعها الكَبيرَة، فَحَمَلْت أمْوالَهم إلى الحِجَازِ رَحيِب الصَّدْرِ تَحْمِلَها غَيْرَ مُتأثِّم من أخْذِها، كَأنَّكَ لا أبَا لِغَيْركَ، إنّما حِزْتَ لأهْلِك تُرَاثَكَ عَنْ أبِيكَ وأمّك، سُبْحَان الله! أفَمَا تُؤمنُ بالمَعَاد ولا تَخافَ سُوء الحِسَابِ؟ أما تَعْلَم أنَّك تَأْكُلُ حَرَاماً وتَشْرَبَ حَرَاماَ؟ أوَ مَا يَعْظِم عَليْك وعِندَك أنَّكَ تَسْتَثمِنَ الإمَاءَ وتَنْكح النّسَاءَ بأموال اليَتَامَى والأرامِل والمُجاهِديِن الذينَ أفَاءَ الله عَلَيْهمْ البِلادَ (؟) فَاتَّق الله. وأدّ أمْوَال القَوْم فإنَّكَ والله إلاّ تَفْعَلْ ذلك ثُم أمْكَنَني الله مِنْكَ لأُعذرِنَّ إلى الله فيكَ، حَتَّى آخُذ الحقَّ وأرُّده، وأقْمع الظَالِم، وأنْصِف المَظْلُومَ، والسَّلامُ).

ويأتي الردّ الحاسم من ابن عبّاس للخليفة: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنّ هذا المال إلى معاوية يقاتلك به).

بهذا الكلام أنهي تلك الفقرة متسائلاً: كيف نقول عن ابن عبّاس: إنّه حبر الأُمّة، وربانيّ أُمّة محمّد، وبحر علمها الزاخر وترجمان القرآن؟!! وقد

قال فيه من عاصره الخليفة عليّ أمير المؤمنين: (يأكل حراماً، ويشرب حراماً، لم يؤدّ أمانة ربّه)).

هذا ما ذكره زكريا أوزون عن ابن عبّاس، وقبل إبداء الملاحظات على ما فيه من الأخطاء، أودّ أن أذكر أنّ أوزون ذكر ابن عبّاس في سبعة موارد أُخرى في كتابه (جناية البخاري) لم يخلها من غمز ولمز أيضاً سأذكرها وأعقب عليها.

والآن إلى ما ذكره آنفاً:

1- قال: (ولد عبد الله بن عبّاس قبل الهجرة بسنة أو سنتين، وعندما توفي الرسول كان صبياً لم يتجاوز عمره أحد عشر ربيعاً (؟)). وهذا خلاف الواقع! فولادة ابن عبّاس كانت في الشعب في آخر سنيّ الحصار والمقاطعة التي فرضتها قريش على بني هاشم، وكان خروجهم منه قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد مرّ تحقيق هذا في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى من الموسوعة (تاريخ وسيرة)(1)، ونستعيد منها ما قاله الواقدي:

(لا خلاف عند أئمّتنا أنّه ولد في الشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وكان له عند موت النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم ثلاثة عشر سنة).

ونحوه أيضاً قال أبو عمر ابن عبد البرّ: (لا اختلاف عند أهل العلم عندنا: أنّ ابن عبّاس ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين).


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/بداية حديثنا عن ابن عبّاس.

إلى غير ذلك ممّا مرّ في (تحقيق في تاريخ زمان ومكان الولادة)(1)فراجع!

2- قال: (ومع ذلك فقد روى حوالي (1660) حديثاً أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما) (؟).

وهذا منه زعم باطل! فقد تقدّم في الجزء الأوّل والثالث من الحلقة الثانية بحث مرويات ابن عبّاس كمّاً وكيفاً، ففي الجزء السادس بدءاً من (ابن عبّاس في مهبّ العاصفة)(2)، ومروراً بنماذج من سماع الصحابة للحديث الشريف كماً وكيفاً، وانتهاءاً ب-(وقفة عابرة مع الغزالي، سيجد القارئ أن روايات ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم المصرّح فيها بالسماع أكثر من أربعين حديثاً، سوى ما جاء في أوّل الجزء الثالث من بحث مستفيض حول كثرة مرويات ابن عبّاس، وفيه عرض المشكلة بأبعادها؛ فلتراجع!

3- أسوأ ما في كلام أوزون المتقدّم زعمه (1660) حديثاً أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما. وهذا خطأ فاحش! فإنّ الذين ذكروا ابن عبّاس وما روي له من الحديث قالوا: اتّفق الشيخان على خمسة وتسعين منها، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين حديثاً، والباقي رواه غيرهما(3).

4- قال: (ولعلّ المأخذ الأوّل والأهم على ابن عبّاس هو صراعه الكلامي


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/بداية حديثنا عن ابن عبّاس.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السادس، الباب الأوّل/الفصل الأوّل/بداية حديثنا عن ابن عبّاس.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السادس، الباب الأوّل/فصل الأوّل/نماذج من سماع الصحابة للحديث/عبد الله بن عبّاس.

والفكري مع ابن عمّه الخليفة الراشدي عليّ بن أبي طالب. وهنا نترك الكلام ونقله للطبري (تاريخ الطبري ج4) الذي تحدّث عن أسباب ذلك الصراع والخلاف، حيث تبدأ القضية برسالة من أبي الأسود الدؤلي صاحب بيت المال في البصرة تصل إلى الخليفة عليّ وفيها: (عاملك وابن عمّك قد أكل ما تحت يده بغير حقّ!!).

وهذا منه تمويه وتشويه لا يخفى على القارئ النبيه! فلقد تقدّم في الفصل الأوّل في مدوّنات القرن الرابع ما جاء في (تاريخ الطبري)، فليرجع إليه القارئ، ويعرض عليه ما ذكره أوزون نقلاً عنه، ليرى التفاوت جملةً وتفصيلاً! لذلك لا نطيل الوقوف معه في هذا، ولكن أمانة الباحث تقضي عليه أن يكون دقيقاً في نقله، أميناً في روايته عن غيره، وهذا ما افتقدناه في كلام أوزون.

ثمّ في إحالته على الطبري لا تعني شيئاً سوى اعتماده عليه، وهذا إنّما يصحّ فيما لو صحّ ما في الطبري، كيف وقد مرّ بنا مناقشة الطبري في رواياته في المقام والخدشة في أسانيده؛ فراجع!

السادس: (الحياة الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري)

السادس: (الحياة الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري)، للدكتور أحمد كمال زكي، مدرس الأدب العربي بكلّية الآداب، جامعة دمشق الطبعة الأولى 1381ه- -- 1961م مطابع دار الفكر بدمشق.

فالكتاب ممتع في بحوثه دلّ على جهد كاتبه، وقد جاء في حديثه عن تكوينهم -- البصريين -- العقلي، فقال: (ويهمنا هنا أن نعيّن تلك النزعات التي غلبت على عقلية البصريين... ونستطيع أن نتبيّن من وراء تلك النزعات اتجاهات خمسة سارت بها الأُصول والفقه والكلام والتاريخ، وأثرت في

الحياة الأدبية والعلوم اللسانية على ما سنرى...

أمّا الاتجاه الأوّل فيتجلّى عند البصريين في ميلهم إلى الثورة، وفي طواعيتهم للتطور...

وأمّا الاتجاه الثاني فتفسّره نزعة البصريين إلى الواقعية المادّية، وكانت البيئة أيضاً تفرض عليهم هذا الاتجاه فرضاً، فهم تجّار، وهم أصحاب ضياع، والفقراء منهم لا يجدون خلاصاً من فقرهم إلاّ عن طريق المال وامتلاك القطائع، وفي العهد الإسلامي يصبح صوت المال هو الصوت الأعلى، وتقوم طائفة بكنزه، فيكثر حديث البخل، وتهبه طائفة أُخرى فيلهج به الشعراء، فيقول أبو نؤاس في صراحة:

سأبغي الغنى إمّا جليس خليفة*** نقوم سواءً أو مخيف سبيل

والحقّ أنّ الدين الجديد لم ينكر حبّ المادّة، وإن يكن قد أوصى بنصيب الفقير من مال الغني، واقتنى بعض الصحابة الدور الفخمة، وراح المال ينثال عليهم وينهال، ويسكن واحد كأنس بن مالك قصراً في الطفوف، ويملك غيره دوراً تحدّث عنها كتب الأخبار، ويكاد يستحل واحد آخر -- كعبد الله بن عبّاس -- فيء المسلمين أيام عليّ، ثمّ يحمل معه هارباً ما في بيت المال، وكان فيما زعموا ستّة آلاف ألف(1)).

فهذا الذي ذكره مؤلّف الحياة الأدبية في البصرة... عن النزعات التي غلبت على عقلية البصريين بحث جيّد، وقد وثّق منقولاته بمصادر ذكرها في الهوامش، غير أنّه فيما يبدو يعتمد جميع ما ورد في المصادر من دون


1) - العقد الفريد 3/121.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

تمحيص بين الغث والسمين. وما قاله حول خيانة عبد الله بن عبّاس وحمله بيت المال، فقد ذكر في الهامش أخذه عن (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي، وقد سبق أن ذكرنا ما عنده في مدوّنات القرن الثالث وتعقّبناه بمناقشة ما رواه سنداً ومتناً؛ فراجع، ولا حاجة في المقام لمحاسبة صاحب الكتاب على ما ذكره.

السابع: (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن)

السابع: (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن)، تأليف الدكتور مصطفى سعيد الخن، المنشور في سلسلة أعلام المسلمين/15، الطبعة الرابعة/ 1415ه- دار القلم بدمشق.

والكتاب في (208) صفحة بقطع الوسط، جمع فيه مؤلّفه ما تيّسر له، فقسمه على مقدّمة وخمسة فصول وخاتمة، فذكر في الفصل الثالث (مواقفه السياسية) فقال في ص16: (توليه بعض المناصب السياسية...

في البداية والنهاية: أنّ عليّاً رضي الله عنه قد ولاّه البصرة سنة ستّ وثلاثين، وذلك أنّ عليّاً عندما قدم البصرة عاد أبا بكرة -- وكان مريضاً -- وعرض عليه أن يولّيه البصرة فامتنع، وقال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس، وأشار عليه بعبد الله بن عبّاس، فولاّه البصرة وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج، وبيت المال وأمر ابن عبّاس أن يسمع من زياد(1).

وفي الإصابة: أنّ عليّاً ولاّه البصرة فلم يزل ابن عبّاس على البصرة حتّى قتل عليّ، فاستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث ومضى إلى الحجاز...).


1) - البداية والنهاية: 7/246 بتصرّف يسير.

ثمّ قال في ص161: (لقد مرّ آنفاً أنّ ابن عبّاس بقي عاملاً على البصرة حتّى وفاة عليّ رضي الله عنه، غير أنّ هناك روايات تقول أنّه ترك عمالته على البصرة وذهب إلى مكّة في حياة عليّ رضي الله عنه.

ففي البداية والنهاية: ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عبّاس من البصرة، وذلك أنّه كلّم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غضّ من أبي الأسود، فكتب أبو الأسود إلى عليّ يشكو إليه ابن عبّاس وينال من عرضه فإنّه تناول شيئاً من أموال بيت المال، فبعث عليّ إلى ابن عبّاس فعاتبه في ذلك وحرّر عليه التبعة، فغضب ابن عبّاس من ذلك وكتب إلى عليّ: (ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ضاعن عنه والسلام)، ثمّ سار ابن عبّاس إلى مكّة مع أخواله بني هلال(1)).

هذا ما ذكره الخنّ في كتابه عبد الله بن عبّاس... ولمّا عرفنا مصدره الذي اعتمد عليه هو البداية والنهاية لابن كثير، وقد تقدّم منّا ذكر ما فيه في مدوّنات القرن الثامن والتعقيب عليه فلا حاجة لإطالة الردّ عليه، وعلى القارئ مراجعة ما مرّ في آخر مدوّنات القرن الثامن الهجري.

الثامن: مع خليل عبد الكريم في كتبه التي طالت ابن عبّاس

الثامن: مع خليل عبد الكريم في كتبه التي طالت ابن عبّاس فنالت منه بسخرية لاذعة.

وقبل الخوض في نقاط البحث، نعرّف القارئ بهذا الرجل ليعرف من هو، نقلاً عن كتبه: (إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب)، و(فترة التكوين)، و(شدو الربابة) بأجزائه الثلاثة:


1) - انظر: البداية والنهاية: 7/323.

هو من الشيوخ الأزهريين، المتحرّرين، إن لم يكن من متطرّفيهم في العقيدة، ومن الذين تصادم وشيوخ الأزهر الذين لم يتركوه وتطاوله، فكانت المعاكسات والممارسات بالوسائل المتاحة لكلّ من الطرفين، فكان هو جاداً وحاداً في نقده كتّاب مصر الذين خاضوا بحار الأخبار والآثار بلغته التي ارتضاها ساخراً ناخراً، تخاله شاعراً فيغدو على حين غفلة ناثراً، أو العكس، وكأنّه علمائي علماني، قد قرأ من كتب التراث ما فتح له أبواب المعرفة حول مصادر التاريخ الإسلامي في عصره الأوّل، فارتسم في ذهنه ما صوّره في كتبه التي اختار أسماءها من مسمّياتها، وعناوينها من مختزن انطباعاته عنها حين قراءته تاريخها، ولا غضاضة في اختياره الأسماء فهو حرّ في ذلك، كما هو حرّ في تفكيره، لكنّه لا يحمد على سخريته اللاذعة، ومؤاخذ على أخطائه التاريخية، فلئن نعى على غيره فيما قال: (هذا الكلام الإنشائي موضعه خطبة منبرية يلقيها واعظ ريفي، لا رسالة أكاديمية)(1)، فهو أيضاً كذلك في بعض كتبه، ولنا شواهد فيها، خالية عن التحقيق، وغير قابلة للتصديق، والذي يعنينا في المقام ما يتعلّق بابن عبّاس رضي الله عنه الذي كان أحد من استهدفه الشيخ خليل عبد الكريم في كتبه:

1- (فترة التكوين في حياة الصادق الأمين)، نشرته دار مصر المحروسة، ط2 سنة2004 بالقاهرة.

2- (مجتمع يثرب).

3- (شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة) في ثلاثة أسفار بثلاثة عناوين:


1) - كتاب (إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب): 26.

أ -- محمّد والصحابة.

ب -- الصحابة والصحابة.

ج -- الصحابة والمجتمع.

4- (إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب)، وقد طبع بعد موته سنة 2006م الانتشار العربي.

فلنمرّ على بعض ما فيها ممّا يمسّ كرامة ابن عبّاس من غير أدب وبدون هوادة.

(فترة التكوين) خليل عبد الكريم، سمّى كتابه (فترة التكوين في حياة الصادق الأمين)، فقال في هامش ص346 تعقيباً على ما ذكره في ص346، فإلى نص ما قاله حتّى مع أرقام هوامشه. في حديثه عن بدء النبوّة، فقال:

(أخرج أحمد، وابن سعد، وأبو نعيم، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم قال لخديجة: (إنّي أسمع صوتاً وأرى ضوءاً)، فذكرت ذلك لورقة، قال: هذا ناموس موسى، فإن يبعث وأنا حيّ فسأعززه وأنصره وأعينه(1).

هذا المقطع بمقدورنا أن نسمّيه (فترة الصوت والضوء)، فقد نقل إلينا ابن سعد في كبرى طبقاته أخبارها من روايتين الأولى عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أي: ابن أُخت التيمية عائشة بنت ابن أبي قحافة، وهي من أكثر زوجاته رواية لأحاديثه, والآخرة عن طريق حبر الأُمّة وترجمان القرآن عبد الله بن العبّاس(2)

وبعد سنوات ولاّه ابن عمّه على مفاتيح بيت مال الكوفة، فلمّا سمع عنه أبو الحسن أشياء تمسّ الأُمّة طفق يحاسبه، وضيق عليه الخناق فاستولى على جميع ما فيه وكنسه ورشّه وهرب بليل في حراسة أصهاره، واشترى بالمال جاريتين وضيئتين من السبايا وعدن في الطائف، ليجتمع له طيب هوائها مع جمال... اه- .

.

1) - [176] الخصائص أكبر من الأوّل ص222 للسيوطي.

2) - [177] نحن نشكّ في نسبة هذه الأوصاف إلى محمّد، ونرجّح أنّها أضيفت إلى جانب ابن عبّاس إبان خلافة أحفاد (ه) العبّاسيين، أنّ هذا العبد الله عندما لحق (من جعلت له الأرض مسجداً) بالرفيق الأعلى بالكاد -- العامّة في مصر تقول: يا دوبك -- راهق الثانية عشرة من عمره فكيف يطلق (الفارق بين الحقّ والباطل) على حدث (حبر الأُمّة وترجمان القرآن).

عن هشام بن عروة...

عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم قال: (يا خديجة! إنّي أسمع صوتاً وأرى ضوءاً، وإنّي أخشى أن يكون بي جنن).

فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا ابن عبد الله.

ثمّ أتت ورقة فذكرت له ذلك، فقال: إن يكن صادقاً فهذا ناموس موسى، فإن يبعث وأنا حيّ فسأعزره وأنصره وأومن به)(1).

هذا ما ذكره خليل عبد الكريم في كتابه (فترة التكوين في حياة الصادق الأمين)، وللرجل في كتابه هذا هفوات لا تغتفر لمثله، وكذلك في بقية كتبه، مع أنّه كان (كعضو ناشط مع جماعة الأخوان المسلمين بأسوان وعمل بعد تخرجه في الحقوق في مكتب اثنين من قادتهم هما: عبد القادر عودة، وإبراهيم الطيّب...)(2).

ثمّ اتّجه إلى اليسار وشارك في تأسيس حزب التجمع(3)، وكتبه نافت


1) - [178] الطبقات الكبرى، لابن سعد، الأوّل ص178 -- 181.

2) - مقدّمة كتابه (إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، بقلم عبد الغني مروة.

3) - المصدر نفسه.

على العشرة، وفيها المغرب أكثر من المعجب، حتّى خاصمه العاملون في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف... (وكان عندما يصدر كلّ كتاب، يتعرّض للتشهير والنقد الديني اللاذع...)، وهددوه بتكفيره وإباحة دمه كما في مقدّمة كتابه (إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) بقلم عبد الغني مروة طبع الانتشار العربي.

والآن بعد أن عرّفناه للقارئ في شذوذه وهفواته، نشير إلى ما في هامشه حول ابن عبّاس من هفوة وجفوة، فهو بلغة الاستعلاء يقول: (نحن نشكّ في نسبة هذه الأوصاف إلى محمّد صلي الله عليه و آله وسلم -- يعني: وصف ابن عبّاس (حبر الأُمّة وترجمان القرآن) -- لأنّه كان عندما لحق النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم بالرفيق الأعلى -- بالكاد -- العامّة تقول: يا دوبك -- راهق الثانية عشرة من عمره، فكيف يطلق (الفارق بين الحقّ والباطل) على حَدَث (حبر الأُمّة وترجمان القرآن)). ويقول أيضاً: (ونرجح أنّها أضيفت إلى جانب ابن عبّاس أبان خلافة أحفاده العبّاسيين).

ولمّا كنت مررت بالقارئ في مقدّمة الجزء الأوّل من الموسوعة بحديث ولادة ابن عبّاس في (مباركة الوليد الجديد)(1)مع توثيق النص، فلا حاجة إلى الوقوف عند شكّ خليل عبد الكريم، إذ لا قيمة لشكّه، والأولى بنا معاً أن نقرأ ما قاله بعد ذلك بفحص دقيق لنرى مدى صحّة ما ذهب إليه في مزاعمه:

فقد قال: (وبعد سنوات ولاّه ابن عمّه على مفاتيح بيت مال الكوفة(؟) فلمّا سمع عنه أبو الحسن أشياء تمسّ الذمّة طفق يحاسبه، وضيّق عليه


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الأوّل/الفصل الأوّل/مباركة الوليد الجديد.

الخناق، فاستولى على جميع ما فيه وكنسه ورشّه (؟) وهرب بليل (؟) في حراسة أصهاره (؟)، واشترى بالمال جاريتين وضيئتين من السبايا (؟) وعدن(؟) في الطائف ليجتمع له طيب هوائها مع جمال... (؟)) اه- .

هذا جميع الذي ذكره، وفي جميع ما تعقّبته بعلامات الاستفهام من الأغلاط الشنيعة، بل ومن الأكاذيب الباطلة، إذ لم ترد في أيّ مصدر مقبول أو مرذول، كما ذكره!

وإلى القارئ تصحيح معاني علامات الاستفهام:

1- (على بيت مال الكوفة)! لم يرد ذلك في أي كتاب قبله، حتّى الذين ذكروا تهمة حديث الخيانة قالوا بيت مال البصرة، حيث كان والياً عليها، فأين الكوفة من البصرة؟!

2- (وكنسه ورشّه)! وهذه فرية صلعاء لم ترد عند غيره حتّى ممّن اتهمه بالخيانة!!

3- (وهرب بليل)! وهذه كسابقتها، فهو عند من اتّهمه قالوا: خرج نهاراً جهاراً، وأدركه الطلب من البصريين، وجرت مطاردة، وقد ذكرتها في الموسوعة بتفصيل فيما مرّ(1).

4- (في حراسة أصهاره)! وأعطف على سابقتيها، والصحيح حمته أخواله بنو هلال، وقد مرّ حديثهم في الموضعين المشار إليهما.

5- (واشترى بالمال جاريتين وضيئتين من السبايا)! ولا يزال العطف على ما سبق من تحريفه، إنّما الذي رواه المؤرّخون: اشترى جوار من


1) - انظر الجزء الرابع من موسوعة عبد الله بن عبّاس، وسيأتي كذلك في الجزء الثامن عشر.

مولدات الطائف وسموهنّ: شادن، وحوراء، وفتون، بثلاثة آلاف دينار، وقد مرّ ذكر هذا في مدوّنات القرن الرابع في هذا الجزء، ولاحظ (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي (ت327ه-) وغيره.

فمن هذا تبيّن لي أنّ الرجلّ راجلٌ إن لم يكن من الزاحفين على موائد العلم، وليس كما وصف في مقدّمة كتابه (إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب) المطبوع بعد وفاته، وعلى ظهر غلافه من التعريف، إذ قرأت خلافه من التوصيف.

وازددت معرفة به في آرائه في الصحابة ومنهم ابن عبّاس، من خلال قرائتي لكتابه (شدو الربابة -- السفر الثاني -- الصحابة والصحابة)، حيث قال في بحثه (الصحابة والمال/ الثروات الشخصية) صفحة (143)، بعد ذكر عمر بن الخطّاب في أوّل بحثه ذلك، وما كان عنده قبل الخلافة، وما أثراه بعد الخلافة، ثمّ ذكر عمرو بن العاص، ثمّ عليّ بن أبي طالب، وبعده عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب:

(حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حمّاد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، قال: جاء رجل إلى ابن العبّاس فقال: أتقبّل منك الأبلّة بمائة ألف. قال: فضربه مائة(1).

ويرى محقّق الكتاب (الشيخ الهراس) أنّها لعلّها ضيعة لابن عبّاس كانت على النهر المسمّى بهذا الاسم: اه- .


1) - الأموال، لأبي عبيد بن القاسم بن سلام ت224ه- تحقيق الشيخ محمّد خليل الهراس ص89 طبعة 1396ه- -- 1976م، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر.

والقبالة: يقال: قبلتك الضيعة، أي: ضمنتها لك والتزمت بها، وتقبلت به، أي: تكفلت به(1).

الرجل عرض على ابن العبّاس أن يدفع له مائة ألف (دينار أو درهماً) مقابل أن يتولّى هو أمر الضيعة التي تطل على نهر الأبلّة مباشرة، ولكن هذا العرض لم يُرق في عين ابن عبّاس فرفضه، ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بالرجل فضرب مائة سوط وأوقع عليه عقوبة أُخرى نحجبها عن القارئ (؟).

وما كان يحقّ لابن عبّاس أن يفعل ذلك حتّى ولو كان الرجل لصّاً واستشعر ابن عبّاس أنّه يريد من وراء هذا العرض أن يسرقه، ولا يوجد في القرآن أو سنّة محمّد ما يخوّله ضرب الرجل مائة سوطاً (أشدّ نكالاً من بعض الحدود التي وردت بها النصوص إ. ه-). ودعك من العقاب الآخر، ونستخلص من الخبر أنّ كبار الصحابة من حقّهم أن يوقعوا أي عقاب على (الناس)، أي: على العامّة أو السواد أو الدهماء أو السوقة أو الرعية ...الخ.

الأمر الذي يؤكّد أنّهم شكّلوا طبقة متميّزة عن سائر المسلمين، وذلك ما سوف نتبينه رويداً رويداً. وابن عبّاس من علماء الصحبة، ويقال عنه: (حَبْر الأُمّة)، وبهذه المثابة لا بدّ أنّه يعلم موقف الإسلام من احتياز الثروات الضخام والضيعات الوسيعة، ولكنّه وهو الحبر الحذفور (بضم الحاء = الشريف إ.ه- .) لم يستطع أن يفلت وطوته تحت جناحها آليات التغير، فاقتنى ضيعة يُعرض عليه فيها مائة ألف قبالة لها، فيغضب ويأمر بضرب العارض أسواطاً يفوق عدّها أسواطاً حدّ القاذف وحدّ الشارب الخمر، ممّا


1) - المعجم الاقتصادي الإسلامي، للشيخ أحمد الشرباصي ص352 -- 353 الطبعة الأولى، 1401ه-/1981م.

يقطع بأنّ القبالة الصحيحة تساوي عشرة أضعاف العرض، إذن كم كان ثمن تلك الضيعة؟).

إلى هنا انتهى ما عند الشيخ خليل عبد الكريم ممّا استدلّ به على ثروة ابن عبّاس، وندّد به في ضربه مائة لمن طلب منه قبالة الأبلّة، وهمز به ولمزه بعدم ذكره العقوبة الأُخرى التي حجبها عن القرّاء، ولو كان على جانب من العلم لبحث الموضوع بجدّية وفهم. ولئلا نستغفل القارئ -- كما فعل الشيخ -- في تلك القضية المشار إليها، نذكّره بالرجوع إلى ما قلناه في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة(1)، ولعلّ في القرّاء من لا عهد له بها، ولا طمع عنده بالحصول عليها، فسأنقلها من هناك مرّة أُخرى، وفي الإعادة إفادة.

جاء في الجزء الرابع من الموسوعة(2):

(6- ومن كتبه عليه السلام إليه: ما رواه الحافظ السروي في مناقب آل أبي طالب: (وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فلا يكن حظّك في ولايتك مالاً تستفيده، ولا غيظاً تشفيه، ولكن إماتة باطل وإحياء حقّ))(3).

ولنقف نحن عند هذا الكتاب ولنستعرض الشواهد في سيرة ابن عبّاس أيام ولايته، فكم أمات باطلاً وأحيى حقّاً.


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع، حبر الأمّة وولايته على البصرة/(1- النشاط الإداري والسياسي).

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 4/48 -- 49.

3) - مناقب آل أبي طالب 1/370، ط الحيدرية.

فمن ذلك ما رواه أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن الحسن البصري, قال: (جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: أتقبّل منك الأبلّة بمائة ألف، قال: فضربه ابن عبّاس مائة وصلبه حيّاً)(1).

فكان هذا منه بعضاً من إماتة الباطل التي أمره الإمام عليه السلام بأخذها حظّاً من ولايته. فإنّ ابن عبّاس لمّا كان يقول: (القبالات حرام)(2)، فأيّ طلب يتقدّم به إليه إنسان يعتبره مخالفة شرعية لا بدّ من تأديبه بما يقتضيه نظره، ولمّا كانت العقوبة التأديبية شديدة، فلا بدّ أن تكون الجناية كبيرة، ولا نعرف عظم الجناية إلاّ إذا عرفنا ما هي الأبلّة.

يقول ياقوت في (معجم البلدان): (الأبلّة بلدة على شاطيء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، لأنّ البصرة مصّرت أيام عمر، وكانت الأبلّة حينئذٍ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى وقائد.

وكان خالد بن صفوان يقول: ما رأيت أرضاً مثل الأبلّة مسافةً، ولا أغذى نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أخفى لعائذ)(3).

وقال الأصمعي: (جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، ونهر بلخ, ونهر الأبلّة، وحشوش الدنيا خمسة: الأبلّة, وسيراف, وعُمان, وأردبيل, وهيت)(4)

ومن الطريف تعليق محقّق كتاب الأموال -- محمّد خليل هراس -- على كلمة الأبّلة، فقال: لعلّها ضيعة لابن عبّاس كانت على النهر المسمّى بهذا الاسم. وهذا منتهى الغفلة منه، والصواب ما ذكرناه أعلاه.

.

1) - كتاب الأموال: 99، ط الكليات الأزهرية تح محمّد خليل هراس سنة 1388ه- .

2) - كتاب الأموال: 100.

3) - معجم البلدان 1/77 دار صادر.

4) - باقتضاب من معجم البلدان.

فإذا عرفنا أنّ الأبلة بما تقدّم من وصفها، وعرفنا أنّها تابعة في شؤونها الإدارية لحكومة البصرة، ولمّا كان ابن عبّاس هو أمير البصرة، وهو يرى حرمة القبالات كما مرّ، فربّما اعتبر هذا الطلب تحدّياً لأمر الشريعة بحرمة القبالات، لذلك عاقبه ليكون عبرة لغيره، فلا يجرأ على مخالفة أحكام الشرع).

ولم يترك الشيخ خليل عبد الكريم ذكر ابن عبّاس بما يسيء ويسوء حتّى عاد في صفحة (339) متحاملاً بعنف عليه وعلى أخيه عبيد الله الذي وصفه بالنذالة، أو الخيانة، أو الجبن، أو الفسولة، أو موت الضمير، (أم هي كلّها مجتمعة) على حدّ تعبيره، كما يأتي، ولست في مقام دفاع، بل لتصحيح المعلومة، سأورد ما قاله الشيخ بنصّه وفصّه(1):

(4- عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب

رابعهم هذا يصيب المرء بالحيرة والدهش معاً(2)لأن كلّ الدلائل كانت تشير أنّه من المستحيل أن يبيع دينه ولو مقابل مليار دينار، ولا أن يتحول من أخلص الأعوان إلى أشدّهم خيانة وفي أشدّ الأوقات حروجة


1) - الشيخ خليل عبد الكريم -- من شيوخ الأزهر -- في كتابه (شدو الربابة) السفر الثاني (الصحابة والمال، مواقف الصحابة بعد محمّد صلي الله عليه و آله وسلم ص339 -- 344 طبع سينا للنشر بمصر 1997م.

2) - الفرق بينهما أن الحيرة تكون خافية والدهش على ظهور، انظر تفصيل ذلك في كتاب الفروق، لأبي هلال العسكري، ص268، مصدر سابق.

وأكثرها دقّة في ميدان الحرب، ولا يكتفي بنفسه، بل يجرّ وراءه الآلاف يحوّلهم إلى معسكر العدوّ ليصيروا جنوداً تحت راية من كانوا يحاربونه أمس وأنصاراً لمن كانوا يقاتلونه البارحة.

إحدى الصور الفريدة التي لا تجدها إلاّ في سير هؤلاء الصحاب الذين لم يمنعهم أيّ وازع من ضمير من الإنفلات من وصايا محمّد وتعليمه إيّاهم هو عبيد الله بن عبّاس، كان أصغر سنّاً من عبد الله، وقد رأى النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم(1). ولذلك فهو يعد من الصحابة، ويذهب صاحب (الأسد)، وصاحب (الاستيعاب)، إلى أنّه سمع أحاديث من محمّد وحفظ عنه(2)، فهو قرشي هاشمي ابن عمّ لمحمّد وابن عمّ عليّ بن أبي طالب، ومن ثمّ كان من الطبيعي أن ينضم إليه، وكان من البديهي أن يضع فيه ثقته، ومن ثمّ فقد استعمله على اليمن(3)، وجعله أميراً على موسم الحجّ في السنوات 36 و37 و38ه-، ولو أنّه في الأخيرة حدثت بينه وبين أمير معاوية على الحجّ مخاشنة.

وسبق لنا أن قلنا إنّ الصحابي بُسر بن أرطأة ذلك الذي فعل الأفاعيل، ذبح ولديّ عبيد الله وهما في حجر أُمّهما، لأنّ عبيد الله هرب وتركهما، ولكن أبا الحسنين وكان كبير القلب سامحه وغفر له جبنه وفراره وستر عاره، بل وأخذ له بثأره إذ أوصل من أدّب ابن أرطأة السفاح.

وبعد أن قتل عبد الرحمن بن ملجم عليه لعنة الله والناس أجمعين عليّاً وآلت قيادة الشيعة إلى ابنه الأكبر الحسن، استمر عبيد الله بن العبّاس على


1) - كتاب نسب قريش، للمصعب الزبيري، ص27، مصدر سابق.

2) - أسد الغابة، المجلد 3 ص524، والاستيعاب المجلد 3 ص1009.

3) - الاستيعاب، المجلد نفسه والصفحة نفسها.

ولائه، ولكن الداهية ابن أبي سفيان أدرك مغزى انشقاق أخيه الأكبر عبد الله عن عليّ، وأخذ أموال بيت المال معه، بل قيل انه كنسه ورشّه، وهذا ما سنذكره بعد قليل، وأدرك أنّ بني العبّاس بن عبد المطّلب -- لديهم شهوة إلى المال، وميل إلى احتيازه، وتوقان إلى جمعه -- فوضع عينه على عبيد الله، لأنّ من شابه أخاه فما ظلم، أو بمعنى آخر فإنّ الأخ لا بدّ أن يكون مثيلاً ونظيراً لأخيه، وظلّ يتحين الفرصة الملائمة حتّى يوقع عبيد الله في حبائله عن طريق المال.

كان عبيد الله من شدّة إخلاصه لقضية ابن عمّه عليّ -- بعد مقتله -- من رأيه ألاّ يهادن الحسن معاوية وأن يستمر في عراكه معه، وأنّه بذلك يكمّل رسالة أبيه، بل إنّه أبدى استعداده لأن يكون قائداً لجيوشه (فيلد مارشال)، وكان من البديهي أن يُسر خاطر الحسن بذلك (ووجّه بعبيد الله بن العبّاس في اثني عشر ألف لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأَمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس بن سعد ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة... والتقى العسكران، فوجّه معاوية إلى قيس بن سعد يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف، فأرسل إليه بالمال وقال له: تخدعني عن ديني! فيقال: إنّه أرسل إلى عبيد الله بن عبّاس وجعل له ألف الف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته(1)، عندما نطالع هذا الخبر بم نصف هذا الصحابي الهاشمي القرشي ابن عمّ محمّد؟

صورة بشعة مستبشعة تدير الرأي من الحيرة والاضطراب والاندهاش...


1) - تاريخ اليعقوبي، المجلد الثاني، ص214.

وأي وصف ينطبق على هذا العبيد: النذالة، أم الخيانة، أم الجبن، أم الفسولة، أو موت الضمير؟ أم هي كلّها مجتمعة: رجل يتحمّس لقضية ابن عمّه فيأتمنه على جيشه ويولّيه قيادته، فيتصل به عدوّه فيشتريه، ولا يكتفي بأن ينضم إليه هو بمفرده، بل أخذ معه ثلث الجيش وينقلب محارباً لابن عمّه وساعياً لقتله.

هل رأى القارئ صورة تقارب -- ولا نقول تماثل -- هذه الصورة؟ ومن الطبيعي أن يتجاهل المؤرّخون المحدّثون هذه الواقعة وأمثالها ممّا لا يتّفق مع الصورة التبجيلية التي يتعيّن أن ترسم لهؤلاء الصحاب! وهم يبررون هذا التجاوز بتسويغات متنوعة:

مرّة: أنّ الواقعة لم ترد في مصدر آخر، وأخر ى: أنّها جاءت بصيغة (التمريض)(1)، أو أنّها لم ترد مصدر آخر، أو أنّ مؤلّف الكتاب الذي حمل الخبر رافضي أو معتزلي الخ... بيد أنّه لو كان الخبر يهرول في طريق التفخيم، تراهم يلتفون عن هذه التعلات، ويتلقفونه بسرور وغبطة ويبرزونه في أظهر مكان.

ونعود إلى سياق الحديث:

عبيد الله بعد أن خان الحسن وانحاز إلى معاوية وساق معه ثلثي جيش الحسن وقبض المليون درهم استيقظ ضميره -- بعد فوات الأوان -- وأدرك مدى الخيانة التي ارتكبها في حقّ الدين والأخلاق والأروم، فأخذ يسخو


1) - في المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، ريح مريضة: ضعيفة الهروب، وشمس مريضة: غير منجلية أو صافية.

بهذا المال علّ ضميره يكفّ عن الوخز والتبكيت(1)، وكان سخياً وجواداً(2)، ولفت نظر أخيه عبد الله فنهاه (وكان ينحر كلّ يوم جزوراً فنهاه أخوه عبد الله فلم ينته ونحر كلّ يوم جزورين)(3)، إذ يبدو أن نقر ضميره له قد تضاعف.

وروي أنّ عبد الله بن صفوان بن أُميّة مرّ يوماً بدار عبد الله بن عبّاس بمكّة فرأى جماعة من طالبي الفقه، ومرّ بدار عبيد الله بن عبّاس فرأى جماعة يتناوبونها للطعام(4)، وفي إحدى المرّات -- في بعض الطريق -- استضافه أعرابي وذبح له سخلة عجفاء هي كلّ ما لديه فأعطاه خمسمائة دينار، فبلغ ذلك معاوية، فقال: (لله در عبيد الله من أي بيضة خرج ومن أي عش درج)(5)، مع أنّ المسألة لا تحتاج إلى إعجاب أو تعجّب، فهذا الصحابي (عبيد الله) وقد حاز مليون درهم ببيع ذمّته وضميره ليس من المستغرب أن يبعثر عرق (العلوج) في أرض السواد يميناً وشمالاً! ولقد ذكّرني سفه عبيد الله الذي تسمّيه المصادر كرماً وسخاء وجوداً بالمثل القائل: (ليتها لم تزن ولم تتصدّق)، فليته لم يخُن تلك الخيانة الفظيعة، ثمّ يسخو ويجود.

وإذا كان عبيد الله بن العبّاس قد فعل ذلك، فإنّ أخاه عبد الله وكان أفقه منه ويعد من علماء الصحابة سبقه وأقدم على فعلة لا تبرير لها ولا مسوّغ، وتعد بكلّ المقاييس منافية ومضادّة ل-(النصوص) التي كان عبد الله أحد أكبر


1) - إليه تنسب نشأة علم النحو.

2) - المصدر نفسه، سبق شرحها.

3) - تاريخ اليعقوبي، الجزء الثاني، ص205.

4) - تاريخ الطبري، الجزء الخامس، ص142، مصدر سابق.

5) - المصدر والصفحة نفسها.

سدنتها. فقد عينه عليّ عاملاً (والياً/محافظاً) على البصرة، ولأمر ما (شخص عن عمله بالبصرة واستخلف زياداً -- الذي كان يقال له زياد بن أبيه -- على الخراج وأبا الأسود الدؤلي على القضاء)(1)، وكان أبو الأسود الدؤلي من رجال عليّ الأوفياء(2)، وكان من الذين لا يخافون في الحقّ لومة لائم، فاكتشف أنّ عبد الله هبش(3)من بيت مال الله والمسلمين عشرة آلاف درهم، فكتب إلى أبي الحسنين يعلمه ذلك، وكان ينظر إلى مثل هذه الأمور نظرته إلى الكبائر -- فسارع بالكتابة إلى ابن عبّاس يأمره بردّ المبلغ، فردّه أو ردَّ أكثره(4)، وكانت تلك الواقعة هي القشّة التي قصمت ظهر البعير، فأعلن ابن عبّاس جفاءه لعليّ ومفارقته إيّاه، وكتب إلى عليّ:

أمّا بعد فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من مال أهل هذا البلد، فابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن(5)، ولكنّه لم يظعن منفرداً وإنّما حمل معه ما وجده في بيت المال، (وقال أبو زيد: كانت أرزاقاً قد اجتمعت فحمل معه مقدار ما اجتمع له(6)، وقد دعا أخواله بني هلال بن عامر، ثمّ اجتمعت معه قيس كلّها، ثمّ بُعثت الأخماس فلحقوهم


1) - في القاموس المحيط، للفيروزآبادي.

2) - كتاب نسب قريش، للمصعب الزبيري، ص27، مصدر سابق.

3) - أسد الغابة، المجلد الثالث، ص524، مصدر سابق.

4) - الاستيعاب، المجلد 3، ص937.

5) - المصدر نفسه والمجلد والصفحة نفسيهما.

6) - تاريخ الطبري/ تاريخ الأُمم والملوك، لأبي جعفر الطبري (224/310ه-) الجزء الخامس تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبعة 1963، دار المعارف بمصر.

ب-(الطف)(1)، فقالت قيس: والله لا يوصل إلى المال وفينا عين تطرف، وكان في الأخماس نفر من الأزد فكرهوا قتال إخوانهم من قيس، ولكن بنو تميم أبوا ورأسوا عليهم ابن المجاعة فقاتلوهم ولكن لم يبلغوا منهم شيئاً فانصرفوا (ومضى ابن عبّاس ومعه نحو عشرين رجلاً حتّى قدم مكّة)(2).

وفي رحاله ما احتازه من المال -- وبقية القصّة أنّه بعد ذلك رحل إلى الطائف مصيف المرفّهين المنعّمين من كبار أثرياء مكّة، وابتنى فيها داراً تليق بمقامه، واشترى جاريتين وضيئتين ليمتع بهما نفسه.

ولا زالت فرق التبجيل تسمّي عبد الله بن العبّاس (حبر الأُمّة)، ولو أنّ الأُمّة اقتدت بحبرها الجليل، أو بجليلها الحبر، لما بقي في خزائن المال العام على طول العالم الإسلامي وعرضها دانق(3))).

(على المحكّ):

جميع ما ذكره الشيخ خليل لا يخلو من تطبيل وتضليل، وقد وردت عنه أخطاء تاريخية، وهو بلغته الساخرة أسقط اعتبار كتابه من حيث لا يريد، وحسبنا ما يأتي في بيان الردّ والنقد في (صدقوا وكذبوا) ما يكشف عن هملجة الشيخ خليل مع المهرّجين.


1) - الطفّ ضاحية الكوفة، وفيها كان مقتل الحسين بن علي على يد يزيد بن معاوية، أو يزيد القرود، ويزيد الطنابير الخمّير السكير العربيد، الذي فرضه معاوية على أُمّة لا إله إلاّ الله ليكون خليفة بعده!!

2) - المصدر نفسه والصفحة نفسها.

3) - في المعجم الاقتصادي الإسلامي، للشيخ الشرباصي، الدانق سدس الدرهم ويُضرب به المثل في القلّة.

التاسع: (تاريخ الأُمم الإسلامية)

التاسع: (تاريخ الأُمم الإسلامية)، مجموع المحاضرات التي ألقاها بالجامعة المصرية الشيخ محمّد الخضري، أُستاذ علم التاريخ الإسلامي بالجامعة المصرية، والمدرّس بمدرسة القضاء الشرعي، مطبعة المعارف بشارع الفجالة، في ج1/451:

(كان معاوية يتساهل بعض الشيء لرؤوس أجناده، ويفيض عليهم من العطاء ما يجعل رقابهم خاضعة له، وعليّ يحاسبهم على النقير والقطمير في وقت هو محتاج إليهم، حتّى كان شيء من ذلك سبباً في تغيّر قلب ابن عبّاس عليه وفرقته له، فترك البصرة وذهب إلى مكّة، وليس شأن عليّ في ذلك شأن عمر، فإنّ عمر كان يشتد على عمّاله والأُمّة كلّها معه، وأمّا عليّ فكان معظم الأُمّة عليه، فضلاً عن أنّ كثيراً من التهم كانت تلصق بعمّاله من قوم يشون بهم، كالحال في قيس بن سعد وعبد الله بن عبّاس...).

وقال في ج2/7 الطبعة الرابعة مطبعة الاستقامة سنة 1353ه-، في ذكر عبد الله بن العبّاس: (ولمّا بويع عليّ رضي الله عنه بالخلافة كان له عضداً ونصيراً في حروبه كلّها وولاّه البصرة وأعمالها، ويقال: إنّه انحرف عنه في أواخر أيّامه وترك البصرة ورحل إلى مكّة فأقام بالطائف، وقيل: إنّ ذلك كان بعد مقتل عليّ).

أقول: ولقد كفانا مؤونة الردّ عليه محمّد العربي التبّاني في كتابه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري)، فقد ردّ عليه ما قاله أوّلاً، فقال:

(ويقال في قوله: (كان معاوية يتساهل بعض الشيء لرؤوس أجناده ويفيض عليهم من العطاء ما يجعل رقابهم خاضعة له): إن كان هذا العطاء من الجود بماله الخاص فعليّ أسخى منه، وإن كان هذا التساهل من العدل

فعليّ عنده منه أضعاف ما عند معاوية، وإن كان من المداراة من نمط ما يعطي لمن يغضب بالنهار ويرضى بالليل فليس عند عليّ.

قالوا: كان مالك بن هبيرة السكوني الكندي من كبار قوّاد معاوية في صفّين، ولمّا أرسل زياد بن أبيه حجر بن عدي الكندي وأصحابه إلى معاوية وكتب فيهم بأنّهم خلعوا طاعتك وأرادوا الفتنة ووضع في الكتاب شهادة بعض أهل الكوفة وشفع في نصفهم كبار أصحاب معاوية لقرابتهم لهم، قام مالك بن هبيرة هذا وشفع في حجر بن عدي، فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي ابن عمّي، فلم يشفعه، فغضب مالك وخرج في قومه إلى المكان الذي فيه حجر وأصحابه وهو مرج عذراء ليستنقذه كرهاً ممّن يريدون قتله بأمر معاوية، فوجدهم قد فرغوا منه، فرجع إلى بيته وجلس فيه، فلمّا جاء الليل أرسل له معاوية مائة ألف فرضي وأصبح ذاهباً إلى مجلسه.

وقوله: (وعليّ يحاسبهم على النقير والقطمير في وقت هو محتاج إليهم)، جهل فادح في الطعن فيه وفي الخلفاء قبله، بل في النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) لقد كانوا يحاسبون عمّالهم، فإن كانت محاسبته لعمّاله طعناً فيه عنده لأنّها دالّة على شحّه، فهو مقتد بهم وبالرسول الأعظم(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فالطعن فيه بها طعن فيهم، ووصمهم بالشحّ وصم لا محالة.

وقوله: (على النقير والقطمير)، مبالغة في البهتان المكذّب له تاريخ الإسلام، والخلفاء كانوا يحاسبون عمّالهم وأشهرهم في ذلك الفاروق، وقد زعم سابقاً في مناقبه أنّه كان يشاطر عمّاله أموالهم، وهل هذا إلاّ من

المحاسبة لهم، وقد صحّ في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنّه بعث رجلاً من الأزد عاملاً على الصدقة، فلمّا قدم حاسبه، فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فخطب عليه الصلاة والسلام، فقال: (أيّها الناس! ما بال الرجل منكم نرسله على مال الله فيأتي فيقول أهدي لي، ألا جلس في بيت أبيه حتّى يعلم هل يهدى له)، وبهذا تحقّق أنّه جاهل بتاريخ الإسلام جهلاً مكعّباً، وأنّ بغض عليّ أصمّه وأعماه وجعله يتخبّط في دياجير جهله وهواه، وهل يصم عاقل بالشحّ من لم يبن في خلافته لبنة على لبنة؟ وهل يصم عاقل بالشحّ من كان يكنس بيت المال ثمّ يصلّي فيها رجاء أن يشهد له يوم القيامة إنّه لم يحبس فيه المال عن المسلمين؟ وهل يصم عاقل بالشحّ من شهد له الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز بأنّه أزهد الناس في الدنيا؟

قالوا: تذاكروا الزهّاد عند عمر بن عبد العزيز، فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالب.

وقوله: (حتّى كان شيء من ذلك سبباً في تغيّر قلب ابن عبّاس وفرقته له فترك البصرة وذهب إلى مكّة)، غير صحيح وإن صحّحه ابن الأثير في كامله، وقد جزم الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة بأنّه لم يزل والياً على البصرة حتّى قتل عليّ، فاستخلف عليها عبد الله بن الحارث ومضى إلى الحجاز، وكذلك ابن كثير في بدايته، قال: لم يزل عليها حتّى مات عليّ.

وحكى هذا الذي صحّحه ابن الأثير بصيغة التمريض، وقد قلّد ابن الأثير في تصحيحه عزله رواية باطلة في ابن جرير، ملخصها: أنّ ابن عبّاس

أساء إلى أبي الأسود الدؤلي فكتب هذا فيه إلى أمير المؤمنين عليّ ناصحاً له، بأنّ ابن عبّاس أكل ما تحت يديه بغير علمك ولم يسعني كتمانك، وأنّ ابن عبّاس لمّا خرج من البصرة بعد عزله استدعى أخواله بني هلال بن عامر فاجتمعت معه قيس كلّها، فحمل مالاً، وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة فلحقوه بالطفّ يريدون أخذ المال منه، فقالت قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف، فقال رئيس الأزد صبرة بن شيمان لقومه: إنّ قيسا إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدوّ، وإنّ الذي يصيبكم من هذا المال لقليل وهم لكم خير من المال، فأطاعوه وانصرفوا وانصرفت معهم ربيعة، وقاتلتهم بنو تميم فحجز بينهم المنصرفون ومضى إلى مكّة. اه- .

أقول: أين المحاسبة على النقير والقطمير في هذه الأسطورة التي استشهد بها على اتّصاف حيدرة بالشحّ افتراءً؟! فلو صحّ عزل ابن عبّاس عن البصرة وخروجه منها على هذه الصفة المزرية من أخذه المال واحتمائه بأخواله للذهاب به معه إلى الحجاز، وخروج أهل البصرة وراءه لانتزاعه منه ومقاتلة بعضهم لأخواله عليه، لكان طعناً في ابن عبّاس وحده حتّى لو كان المال له حقّاً، ولو صحّت هذه الأسطورة لكانت منقبة لعليّ(كرّم الله وجهه)، دلّت على عدله ونزاهته وعدم محاباته لقرابته، ووقوفه مع الحقّ، ولو عقل ولم يغط داء النُصب على قلبه ولم تطمس بصيرته لعدّها من مناقبه، لكنّها باطلة سنداً.

فقد رواها ابن جرير عن عمر بن شبة، قال: حدّثني جماعة، عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: مرّ عبد الله بن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي... إلى آخر الأسطورة.

فعمر بن شبة وإن كان ثقة عند الدارقطني، فإخباره عن جماعة غير معينين يقدح فيه، لأنّه يحوج الممحص لها على فنّ الرواية إلى البحث عن أحوال هؤلاء المبهمين واحداً واحداً لو سمّاهم، وقد أبهمهم فلا سبيل إذا للبحث عنهم، وإخبار هؤلاء المبهمين على فرض تعيينهم وعدالتهم عن أبي مخنف لوط بن يحيى الهالك عند جميع أئمّة الرواية برهان على بطلانها، ولا يرقعها روايته لها عن سليمان بن راشد، إن كان المصري الثقة عند ابن حبّان، وإن كان غيره فهو مجهول، وعبد الرحمن بن عبيد أبو الكنود أس الأسطورة مجهول أيضاً، وطعنه هذا البهتان في حيدرة بالشحّ وسوء التدبير ظاهر.

(9) وفرقه بين عمر وعليّ(رضي الله عنهما) في الشدّة التي لطخها بهما في قوله: (ليس شأن عليّ في ذلك شأن عمر، فإنّ عمر كان يشتدّ على عمّاله والأُمّة كلّها معه)، من المضحكات، فاسد بثلاثة أوجه:

(الأوّل): عمر عاجز عن عمّاله، فلا يستطيع أن يشتدّ على واحد منهم إلاّ إذا كانت الأُمّة كلّها معه تساعده على ذلك، والطعن فيه على هذا الوجه بالخور وضعف الرأي والسياسة، وفي الخليفة أبي بكر(رضي الله تعالى عنه) الذي استخلفه من بعده على المسلمين، وهو في أقصى غاية من العجز.

ولا يخلو استخلافه له من أمرين: إمّا أن يكون عالماً بعجزه ومع ذلك استخلفه عليهم، وعليه فقد غشّ المسلمين باستخلافه عليهم من لا يصلح للخلافة، وحاشا كلّ مؤمن تقي من غش إخوانه المسلمين، فضلاً عن الصديق الأكبر، وإمّا أن يكون جاهلاً عجزه ومع ذلك ولاه عليهم، وهذا أيضاً غش لهم لا يصحّ وقوعه منه،ولا يسوغ له تولية مَن يجهل أخلاقه

على المسلمين.

(الثاني): عمر رضي الله عنه قادر على الشدّة على أي واحد من عمّاله وحده ومع ذلك تكون الأُمّة كلّها معه عليهم، وكونها كلّها معه عليهم على هذا الوجه عبث وتحصيل للحاصل، فإن قيل: المراد بكون الأُمّة كلّها معه رضاها بشدّته عليهم، قلت: هذا فاسد أيضاً بثلاثة أوجه:

الأوّل: عامّة الأُمّة إذ ذاك على فرض صحّة شدّته لا يعلمون فيم اشتدّ على عمّاله وفيم عزلهم؟ فرضاهم بها فرع عن علمهم بها.

الثاني: علمهم بها على تقدير إمكانه لا يستلزم رضاهم بها.

الثالث: علم الخاصّة بشدّته المزعومة على عمّاله لا يستلزم أيضاً رضاهم بها، وتصرّف الإمام العادل في رعيته باجتهاده لا يتوقّف على كون الأُمّة كلّها أو بعضها معه، كما لا يقدح في تصرّفه كون معظمها عليه عند العقلاء.

(الثالث): هذه الشدّة التي لطخ بها الفاروق سابقاً ولاحقّاً وعدّها في مناقبه مفتراة عليه رضي الله عنه لا أصل لها، وهل رضي الله عنه كغيره من الخلفاء لا يشتدّ على عمّاله بأكثر من عزلهم إذا شكاهم أهل عملهم، بل يثني عليهم، فقد أثنى على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقال في وصيته لمّا طعن: إن أصابت الإمرة سعداً فذاك وإلاّ فليستعن به الذي يلي الأمر، فإنّي لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وأثنى على خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، وأثنى على عمّار في الكتاب الذي كتبه لأهل الكوفة لمّا ولاه عليهم، وقال لهم في وصيته أيضاً: لا تقرّوا لي عاملاً أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين.

ولعلّه اغترّ في هذه الشدّة التي وصم بها الفاروق بالأسطورة التي رواها

ابن جرير في ج3 ص167 الطبعة الجديدة عَن واضع الأحاديث المتّهم بالزندقة سيف بن عمر والمجاهيل. وملخصها: أنّ الفاروق لمّا بلغه إجازة خالد بن الوليد للأشعث بن قيس بعشرة آلاف لمّا وفد عليه. كتب إلى أبي عبيدة يأمره بإهانة خالد أمام الناس، وسؤاله من أين له هذا المال الذي أجاز به الأشعث؟ وأنّ أبا عبيدة استحيى من ذلك ولم يجد بدّاً من امتثال أمره، فأمر بلالاً أن ينفذ أمر الخليفة في خالد، فنفذه بلال، ثمّ عمّم خالداً بيده وتكلّم بكلام فيه إجلال خالد وبيان عذره وعذر أبي عبيدة فيما صنعاه به، وأنّ عمر استقدم خالداً بعد هذا إلى المدينة وحاسبه وأخذ منه عشرين ألفاً، ثمّ أكرمه بعد هذا وعوّضه عنها وأثنى عليه، وكتب إلى الأمصار يقول لهم: إنّي لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أنّ الله هو الصانع، وأن لا يكونوا بعرض فتنة اه- .

وقوله: (وأمّا عليّ فكان معظم الأُمّة عليه)، بهتان ظاهر، يقال في إبطاله ما تقدّم في إبطال شدّة الفاروق، ومقصوده بمعظم الأُمّة معاوية وأهل الشام وهو بهتان ثان، فإنّ أهل الشام إذ ذاك لا يبلغون ربع الأُمّة الطائعة لعليّ(كرّم الله وجهه).

وقوله: (فضلاً عن أنّ كثيراً من التهم كانت تلصق بعمّاله من قوم يشون بهم، كالحال في قيس بن سعد وعبد الله بن عبّاس)، صحيح لو سلم عمّال الخلفاء قبله من كلام الناس فيهم وإلصاق التهم بهم، بل لو سلم الأنبياء وخلفاؤهم من كلام الناس فيهم وإلصاق التهم بهم، وسلامة أيّ مخلوق كان من كلام الناس فيه إحدى المستحيلات، فالناس لم يرضوا عن

خالقهم، اتّخذوا له أنداداً عبدوهم من دونه، ونسبوا إليه ما لا يليق بجلاله. والناس قتلوا أنبياء الله تعالى ورموهم بالبهتان، والعرب كذبت سيّد الوجود، فأظهره الله عليهم، وقادهم إلى الحقّ صاغرين.

والناس كنوا أبا بكر بأبي الفصيل احتقاراً له لمّا ارتدّوا.

والناس لقّبوا عثمان(رضي الله تعالى عنه) بنعثل وألصقوا به تهماً باطلة.

والرافضة كفّرت الشيخين والصحابة والأُمّة الإسلامية جمعاء، فلم تضرّهم تلك الحماقة.

وبعض الأحداث من شبان قريش كرهوا عمر لمنعه لهم من الخروج إلى الأمصار، فلم يضرّه ذلك، وقد أثر عنه أنّه قال: ما ترك الحقّ لعمر صديقاً.

وقيس بن سعد رضي الله عنه من أجلاّء الصحابة ومن دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحرب والنجدة والسخاء، وكان حامل راية الأنصار مع النبيّ (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يوم الفتح، وكان عنده بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وكان بعد أبيه سيّد قومه غير مدافع، وكان أبوه وجدّه كذلك، وأبوه سعد بن عبادة(رضي الله تعالى عنه) من أجلاّء الصحابة وسيّد الخزرج.

وعبد الله بن عبّاس دعا له النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) كما في الصحيح، قال: (اللّهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).

وقال المهاجرون لأمير المؤمنين عمر: ألا تدعو أبناءنا لمجلسك كما تدعوا ابن عبّاس؟ فقال: ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.

وقال ابن مسعود فيه: لو أدرك أسناننا ما عاشره منّا أحد، ولنعم ترجمان القرآن ابن عبّاس.

وقال طاووس: رأيت سبعين من أصحاب رسوله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عبّاس.

وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عبّاس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدّث قلت: أعلم الناس.

وأرسله عثمان(رضي الله تعالى عنه) سنة قتله أميراً على الموسم، فخطب الناس وجعل يفسّر سورة النور، فقال رجل: لو سمعت هذا فارس والروم لأسلمت.

وحضر مع ابن أبي سرح غزو إفريقية فتكلّم مع ملكها جرجير، فقال له: ما ينبغي إلاّ أن تكون حبر العرب، فلقب الحبر، ويلقّب أيضاً البحر، وترجمان القرآن.

ولمّا كان أميراً على البصرة كان يغشى الناس في رمضان فما ينقضي الشهر حتّى يفقّههم.

وسعى ساع إليه برجل، فقال له: إن شئت نظرنا، فإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن كنت صادقاً نفيناك؟ وإن شئت أقلتك. قال: هذه.

وشتمه رجل، فقال له: إنّك لتشتمني وفيّ ثلاث: إنّي لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً، وإنّي لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به ومالي بها سائمة ولا راعية، وإنّي لآتي على آية من كتاب الله تعالى فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم)(1).


1) - تحذير العبقري من محاضرات الخضري 2: 131.

العاشر: (تاريخ الخلفاء الراشدين)

العاشر: (تاريخ الخلفاء الراشدين)، تأليف عبد الوهاب النجّار، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها.

قال في صفحة (466): (على هذا النمط -- يعني الأحداث المتسارعة بعد التحكيم ومكايد معاوية -- كانت الأحوال، معاوية يتّسق له الأمر ويضخم ملكه ويزداد قوّة إلى قوّته، وتؤاتيه الأقدار ويرافقه التوفيق، وعليّ تضطرب عليه الأحوال وتتعذّر السبل، وتنتقص أطرافه، وتقتل شيعته وأهل طاعته، وتلتوي عليه الأمور، حتّى أنّ أكثر المؤرّخين يذكرون أنّ عبد الله ابن عبّاس قد فارق عليّاً إلى مكّة، لأنّ عليّاً سمع فيه الوشايات، وقبل عليه السعايات من الساعين إليه بأنّه احتجز الأموال دونه وخان في بيت المال. وقد روى الطبري أنّ الساعي بذلك أبو الأسود الدؤلي، وكان ابن عبّاس عابه، فأصغى إلى قوله، فاحتمل ابن عبّاس ثقله وما كان معه من مال ولحق بمكّة في جوار أخواله بني هلال. وذلك تقدير العزيز العليم). اه- .

أقول: ولا غرابة لو ذكر هذا فهو على نمط صديقه الشيخ محمّد الخضري صاحب كتاب (محاضرات تاريخ الأُمم الإسلامية)، والذي قد مرّت كلمته في مسألة التهمة، وبالمقارنة بين كلامي الرجلين نجد التشابه كثيراً وكبيراً حتّى في المنهج وذكر الأحداث وتعليل الأسباب.

وقد أخذ النجار من الخضري بعض أقواله في عنوان صفة عليّ وأخلاقه في (ص476)، قال: (هنا أترك الكلام لصديقي المرحوم الخضري بك يقول كلمته في ذلك...).

ثمّ ساق كلاماً طويلاً جاء في آخره في (ص480): (كان معاوية يتساهل بعض الشيء لرؤوس أجناده ويفيض عليهم من العطاء ما يجعل

رقابهم خاضعة له، وعليّ يحاسبهم على النقير والقطمير في وقت هو محتاج إليهم، حتّى كان شيء من ذلك سبباً في تغيّر قلب ابن عبّاس عليه وفرقته له، فترك البصرة وذهب إلى مكّة، وليس شأن عليّ في ذلك شأن عمر، فإنّ عمر كان يشتد على عمّاله والأُمّة كلّها معه، وأمّا عليّ فكان معظم الأُمّة عليه، فضلاً عن أنّ كثيراً من التهم كانت تلصق بعمّاله من قوم يشون بهم، كالحال في قيس بن سعد وعبد الله بن عبّاس).

وحسبنا من الردّ عليه ما تقدّم من كلام التبّاني ردّاً على الخضري على ما فيه ممّا لا نوافقه عليه.

الحادي عشر: (دائرة معارف القرن العشرين)

الحادي عشر: (دائرة معارف القرن العشرين)، تأليف محمّد فريد وجدي ط3 بمطبعة دائرة معارف القرن العشرين سنة 1356ه- و1938م:

قال في الجزء 6/658: (ومن أدلّ دلائل الاضطراب في حكومة عليّ أنّ عبد الله بن عبّاس، وهو من أخصّ شيعته فارقه وترك البصرة التي كان قد ولاه عليها، وجاء مكّة لأنّ عليّاً اتّهمه بمال أخذه من مال المسلمين). اه- .

أقول: بهذه الكلمات المقتضبة ساق محمّد فريد وجدي تهمة الخيانة ومفارقة ابن عبّاس لإمامه وتركه عمله، وجعلها من أدلّ دلائل الاضطراب في حكومة عليّ، وأنّها حقيقة ثابتة، وليته ذكر مصدره الذي اعتمد عليه في ثبوت المفارقة.

ثمّ هو له رأيه في استنتاج دلائل الاضطراب في حكومة عليّ؟ فاكتفاؤه بما ذكر، خيانة علمية شأنه شأن بعض الباحثين المعاصرين فيما ينقلون من النصوص، أو فيما يفترضون لأنفسهم من الحقّ في تفسير الأحداث حسب آرائهم فيستنتجون ما يشاؤون، وتجري أقلامهم بما تهوى

به أنفسهم، من دون حجّة تامّة.

الثاني عشر (العقود الفضية في أُصول الأباضية)

الثاني عشر (العقود الفضية في أُصول الأباضية)، لسالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي العثماني الأباضي المضيربي. نشر دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان، ص38:

(قال: وفارق عليّاً أخوه عقيل -- وابن عمّه عبد الله بن عبّاس وكان والياً على البصرة.

وكتب إليه عليّ على ما حكاه في كتاب (بيان الشرع) من الكتب العُمانية القديمة، وهو يشتمل على 72 جزءاً، قال: (أمّا بعد، فَإنّي كنْتُ أشْرَكْتُكَ في أمَانَتِي، وجَعَلْتُكَ شِعَارِي وبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ أحَد من أهْل بَيْتي رَجُلٌ أوْثَقَ مِنْكَ فَي نَفسِي بِِمُواسَاتِي وَمُوازَرتِي، وَأدَاءِ الأمَانَةِ إليَّ، فَلَمَّا رَأيْت الزَّمَانَ قَلَبَ باِبْن عَمّكَ ظَهرَ المِجَنّ، فَارقْتهُ مَع الْقَوم المُفَارِقينَ، وَخَذلْتَهُ أسوأ خِذْلان الخاذِلِينَ، وخُنْتَهُ فيمن خانه من الخائنين، فَلا بابْن عَمّك انتَسبْتَ (كذا والصواب ائتسيت)، ولا أمَانَةَ الله أدّيْتَ، كأنّكَ لَم تكُنِ -- بِجهَادِك تُريدُ الله، وَلم تكُن عَلَى بَيِّنة مِن ربّكَ، وَكأنَّك إنّمَا كُنتَ تَكيدُ أُمّة محمّد صلي الله عليه و آله وسلم عن دينهم، وَتَتوعد بهم عنَ فَيْئهِمْ، فَلَمَّا أمْكَنَتْك الشّدَّةُ فِي خِيانَتك للأمَّةِ أسْرَعْتَ الغدرَّةَ، وعَاجَلْت الوَثْبَةَ فاخْتَطفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ اخْتِطَافَ الذّئْبِ الأزَلِّ، فَحمَلتَ أموالهم إلى الحِجازِ رَحيبَ الصَّدْرِ غَيْر مُتأثّم مِنها كأنَّك لا أب لِغَيْركَ إنّما خرجت لأهْلكَ برأي -- كذا؟-- مِن أبِيكَ وأمّكَ، سُبْحانَ الله العظيم أو مَا تُؤْمِن بالمَعَادِ أوَ تَخَافُ الحِسابِ أو ما يعظم عليك أن تَأكُلُ حَراماً، من أموال الأرامل واليَتَامَى وتشرب حراماً، ٍفاتَّق الله وأدّ إلى القَوم أمَوالَهُمْ التي أفاء الله عليهم فإنَّك إنْ لم تَفعَل وأمكَنَني اللهُ

الصفحة السابقةالصفحة التالية

مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ إلى الله فِيكَ، وَاللهِ لَوْ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْن فعَلا مِثلَ الذي فَعَلْت، ما كانَتْ لًهُمَا عِنْدِي هَوادَةٌ، ولا طرقه عندي في رُخصة إنَّ الله لا يُحبُّ الظالمين).

فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد جائني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من مال البصرة، ولعمري لأن ألقى الله بما في الأرض من ذهب وفضّة أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم رجل مسلم.

وعن هاشم بن غيلان وهو من علماء عُمان في القرن الثالث: كتب عليّ إلى ابن عبّاس يؤنّبه بما أخذه من البصرة من بيت المال، فكتب إليه ابن عبّاس: قد عرفت وجه أخذي المال إنّه كان بقية دون حقّي بعدما أعطيت كلّ ذي حقّ حقّه، ولقد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان ما قلت، ولو كان أخذي باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن. فكفّ عن القوم.

وفي العقد الفريد آخر كتاب كتبه ابن عبّاس لعليّ: لأن لم تدع عنّي من أساطيرك لأحملنّه إلى معاوية يقاتلك به، فكفّ عنه علي.

ومن جملة ما حكاه صاحب العقد الفريد ممّا كتبه ابن عبّاس لعليّ: وأيم الله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ومهبئها وبما على ظهرها من طلاعها ذهباً أحبّ إليَّ من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمرة، ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن، والسلام).

وجاء في ص59: (واعتزل عنه ابن عبّاس رضي الله عنه ثمّ فارقه وكتب إليه عليّ يأنبه (كذا والصواب يؤنبه) بمال أخذه من البصرة من بيت المال، فقال له:

قد عرفت وجه أخذي المال أنّه كان بقية دون حقّي من بعد ما أعطيت كلّ ذي حقّ حقّه، قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان، ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون عليَّ من أن أشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم، فأبى والله أعلى وأعلم، انتهى).

تعقيب:

هذا الذي ذكره سالم بن أحمد الأباضي في كتابه (العقود الفضية في أُصول الأباضية) لا يمكن قبوله، لأنّه لم ينقله أوّلاً عن مصدر موثوق به، وما حكاه عن (كتاب بيان الشرع) فهو من التراث العُماني الأباضي، ولا يعلم هوية صاحبه، ومدى وثاقة وصحّة نقله عند أئمّة الجرح والتعديل من بقية المذاهب الإسلامية، وكذلك ما ذكره عن هاشم بن غيلان، كذلك غير مقبول لنفس العلّة في الجهالة، وأخيراً ذكر بعضاً عن (العقد الفريد) وقد تقدّم في مدوّنات القرن الرابع ما في (العقد الفريد) ونقده؛ فراجع!

ثمّ اللافت للنظر توظيف القضية لصالح الخوارج كما في قوله: (قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان، ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم). وهذا تقدّم بتفاوت يسير، ومهما يكن اللفظ فإنّ الخوارج القامصة كالجوارح القانصة، فقد جعلوا ابن عبّاس ممّن غضب لهم، وعيّر إمامه بقتالهم، وتحرّج من دمائهم، وفي جملة: (فاكفف عن القوم)، دلالة كذب غفل عنها الكاذب الحاطب بليل، فإنّ تهمة أخذ المال كانت بعد قتال أهل النهروان، وانتهاء الحرب، فما معنى (فاكفف عن القوم)؟! وإن أراد عدم ملاحقتهم بحجّة البيان دون السنان، فابن عبّاس لماذا لم يكف هو نفسه عنهم، وقد مرّت بنا

في الحلقة الثانية (الجزء الرابع) نماذج من محاوراته مع الخوارج وقرأنا فيها الدفاع عن الإمام عليه السلام في محاربته لهم؛ فراجع!

الثالث عشر: (الفتنة الكبرى)

الثالث عشر: (الفتنة الكبرى)، اسم كتاب للدكتور طه حسين، ط دار المعارف بمصر سنة 1951 -- 1953.

جعله في جزئين فخصّ الأوّل بحديثه عن عثمان، وسمّاه باسمه، وخصّ الثاني بحديثه عن عليّ وسمّاه باسمه، وبحث في كلّ منهما ما يتعلّق بصاحبيهما، ولا يخلوان من حقائق ذكر بعضها صراحة، وأشار إلى بعضها الآخر على استحياء واستخذاء للموروث أو من المجتمع، ومهما يكن فلم يقدر على التخلّص من عقدة الغير التي أرادها لتكون نظرته (نظرة خالصة مجرّدة لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنّما هي نظرة المؤرّخ الذي يجرّد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء، مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها) ج1/50.

ولكن مع الأسف شطح به القلم فتخلّف عن شرطه، ولسنا في مقام محاسبته على ما فرّط، وقد أشرت إلى بعض ذلك في هوامش نسختي فيما اقتضى التنبيه عليه، فكانت هوامش الجزء الأوّل 15 موضعاً، والثاني عشرة مواضع، وأعرضت عن غيرها ممّا اشتط به القلم فزاغ وراغ عمّا أراده لنفسه في نظرته.

ولمّا كان طه حسين قد تسلسل في ذكر الأحداث التي جرت في أخريات سنيّ خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وكان منها غارات معاوية ومكايده، ممّا أدى إلى انقسام الدولة الإسلامية إلى دولتين شرقاً تحت حكم الإمام عليه السلام، وغرباً تحت حكم معاوية بعد سقوط مصر واستيلاء عمرو

ابن العاص عليها فقتل محمّد بن أبي بكر شرّ قتلة، ثمّ ذكر ما يتعلّق بابن عبّاس وتهمة الخيانة، فأطال الكلام بدءاً من صفحة (129) وانتهاء بصفحة (146)، حيث انتهى به المطاف إلى نتيجة الخلاف بين المأموم والإمام، وابن العمّ مع ابن عمّه، وظلّ يتابع تأكيد ذلك الخلاف بعدُ في عدّة مواضع من كتابه، ولا أتهمه بسوء الظنّ لفقدان الأمانة العلمية فيما ينقل من النصوص، لكنّني لا أبرئه في استنتاجه ما يشاء، وقد يحمّل النص ما لا يطيقه بشكل من الأشكال، الأمر الذي يفرض عليَّ عرض ما كتبه بلفظه وقضّه، ليكون شاهداً على ما أقول:

فإلى قراءة ما قاله الدكتور طه حسين في كتابه:

قال: (وفي أثناء هذا كلّه -- يشير إلى الأحداث التي مرّت في أخريات سنيّ خلافة الإمام عليه السلام -- أضاف أقرب الناس إلى عليّ وآثرهم عنده، محنة إلى محنه الكثيرة، وهو ابن عمّه وعامله على البصرة عبد الله بن عبّاس صاحب رأي عليّ، وأعرف الناس بدخيلة أمره، وأقدرهم على نصحه ونصره، وأجدرهم أن يعينه ويخلص له حين تتنكر له الدنيا، ويمكر به العدوّ، ويتلوى عليه الصديق.

ولم يقصّر عليٌّ في ذات ابن عمّه، لم يخف عليه من أمره شيئاً، ولم يحتجز عنه سرّاً من أسراره، وإنّما كان يراه وزيراً طبيعياً له. أقام هو في الكوفة وولّى وزيره وابن عمّه البصرة، وهي أعظم أمصاره وأجلّها خطراً، وكان عليّ ينتظر أن يمتحن في الناس جميعاً إلاّ في ابن عمّه هذا وفي بنيه.

وكان لابن عبّاس من العلم بأمور الدين والدنيا، ومن المكانة في بني هاشم خاصّة، وفي قريش عامّة، وفي نفوس المسلمين جميعاً، ما كان خليقاً

أن يعصمه من الانحراف عن ابن عمّه، مهما تعظم الكوارث ومهما تدلهمّ الخطوب، ولكنّه فيما يظهر عاد من صفّين منكسر النفس بعدما رأى من ظهور معاوية بالكيد والمكر وطاعة أهل الشام. ومن تفرّق أصحاب عليّ عن إمامهم، وانحراف كثير منهم عنه إلى الحرب الخفية، وانحراف كثير منهم عنه إلى الحرب الظاهرة. ثمّ شهد أمر الحكمين فرأى تخاذل أهل العراق وتظاهر أهل الشام، وعاد وقد استيقن أنّ الدنيا قد أدبرت عن ابن عمّه، وأنّ الأيام قد تنكّرت له، وأنّ الأمور تريد أن تستقيم لمعاوية. ورأى أنّ ابن عمّه على ذلك كلّه ماض في طريقه المستقيمة ولا يعوّج ولا يلتوي، ولا يحبّ اعوجاجاً ولا التواءً من أحد، وإنّما يُجري سياسته سمحة هيّنة، ويسير سيرة عمر بالرفق بالمسلمين والعطف عليهم (؟) ولكنّه لا يشتد شدّة عمر ولا يعنُف بالناس، وإنّما يحارب من حاربه في غير هوادَة، ويسالم من سالمه في غير احتياط، لا يعاقب على الكيد ولا يأخذ بالظنّة، ولا يبادئ الناس بالشرّ حتّى يبادؤه.

وقد رأينا أن ابن عبّاس لم يقدم على عليّ حين أراد الشخوص إلى الشام(؟) ولم يشهد معه النهروان (؟)، وإنّما أقام بالبصرة وسرّح الجند إلى عليّ، كأنّه قد ضاق بهذه الحروب التي لا تغني، فقعد عنها وانتظر عاقبتها، ثمّ لم يلبث أن رأى عاقبتها، شرّاً وفرقةً وتخاذلاً، فقد أوقع عليّ بالخوارج فلم يزد على أن قتل جماعة من أصحابه. ثمّ لم يمض إلى الشام بعد ذلك وإنّما عاد إلى الكوفة، ثمّ لم يستطع أن يخرج منها بعد أن عاد إليها, رأى ابن عبّاس نجم ابن عمّه في أفول ونجم معاوية في صعود، فأقام في البصرة يفكّر في نفسه أكثر ممّا يفكر في ابن عمّه، وفي هذه الخطوب التي كانت

تزدحم عليه، وكأنّه آثر نفسه بشيء من الخير وسار في بيت المال سيرة تخالف المألوف من أمر عليّ ومن أمره هو، حين كانت الأيام مقبلة على ابن عمّه وعليه, وكأنّه أنس من صاحب بيت المال في البصرة وهو أبو الأسود الدؤلي (؟) شيئاً من النكير فأغلظ له في القول ذات يوم.

وضاق أبو الأسود بما رأى وما سمع فكتب إلى عليّ: (أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مسئولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية توفّر لهم وتَظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم ولا ترتش في أحكامهم، وأنّ عاملك وابن عمّك قد أكل ما تحت يده بغير علمك، ولا يسعني كتمانُك ذلك، فانظر رحمك الله فيما قِبَلَنا من أمرك، واكتب إليَّ برأيك إن شاء الله، والسلام).

وليس من شكّ أنّ هذا الكتاب قد روّع عليّاً وأضاف هماً عظيماً إلى همومه العظام، وحزناً ثقيلاً إلى أحزانه الممضّة، ولكنّه صبّر نفسه على ما تكره كما تعوّد أن يفعل دائماً، وكتب إلى أبي الأسود: (أمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَهِمتُ كِتَابُكَ، ومِثلِكَ نَصَحَ للإِمامِ والأمَّةَ، وَوَالَى عَلَى الحَقِّ وفَارَق الجَوْرِ، وَقَد كَتَبتُ إلى صَاحِبِك فِيمَا كَتَبتَ إليَّ مِنْ أمْرهِ وَلَم أُعلِمْه بِكِتَابِكَ إليَّ فِيه، فَلا تَدَع إعلامِي ما يَكُونُ بِحَضْرَتِك ممّا النَّظَرَ فِيِهِ للأُمة صَلاَح، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ مَحْقُوقٌ، وَهُوَ عَلَيْكَ واجِب، والسَّلام).

وكتب في الوقت نفسه إلى ابن عبّاس: (أمَّا بَعْدُ: فَقَد بَلَغَنِي عَنْكَ أمْرٌ إنْ كُنتَ فَعَلْتَهُ فَقَد أسْخَطتَ رَبَّكَ، وأخْرَبْتَ أمَانَتَك وعَصَيتَ إمَامَك وخُنْتَ المُسلِمِينَ: بَلَغَنِي أنَّكَ جَرَّدتَ الأرْضَ وأكَلْتَ ما تَحْتَ يَدْيَكَ، فَارْفَعْ إليَّ حِسَابَكَ واعْلَم أنَّ حِساب الله أشدُّ من حساب الناس).

وليس غريباً من عليّ أن يشجَّع أبا الأسود على أن ينبئه بحقائق ما يكون بحضرته، وأن يرضى منه ما فعل حين كتب إليه من أمر ابن عمّه بما كتب، فقد كان عليّ في أمر المال والعمّال متحرّجاً أشدّ التحرّج، أمره في ذلك كأمر عمر (؟) وكان أحرص الناس على ألاّ يخفى عليه شيء من أمر عمّاله، كما سترى في غير هذا الموضع.

وليس غريباً كذلك أن يكتب إلى ابن عبّاس بما كتب، فهو لم يتعوّد الرفق في أمر المال ولا الإدّهان في أمر من أمور المسلمين، ولكن الغريب هو أن يتلقّى ابن عبّاس هذا الكتاب فلا يزيد على أن يكتب إلى عليّ: (أمّا بعد، فإنّ الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدّق عليَّ الأظناء رحمك الله، والسلام).

كتاب لا يبرئ صاحبه ولا يُرضي قارئه، وإنّما يدلّ على غلوّ في الثقة بالنفس واستخفاف بغيره من الناس, وابن عبّاس بعد ذلك قد صحب عُمر وعرف سيرته وتشدّده في حساب العمّال، وهو قد صحب ابن عمّه وعرف أنّه لا يرقّ في أمر المال ولا يلين، ومن أجل ذلك لم يقنع عليّ بهذا الكتاب الذي لا يغني عنه ولا عن صاحبه شيئاً.

فكتب إلى ابن عبّاس بتشدّد في مطالبته برفع حسابه إليه مفصّلاً ما يريد من ذلك: (أمّا بعد. فإنّه لا يسعني تركُك حتّى تعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذته، وفيما وضعت ما أنفقت منه، فاتّق الله فيما أئمنتك عليه واسترعيتك حفظه، فإنّ المتاع بما أنت رازئ منه قليل، تبعة ذلك شديدة، والسلام).

والغريب أنّ ابن عبّاس تلقّى هذا الكتاب فلم يكد يقرؤه حتّى خرج

عن طوره، فلم يصنع صنيع العامل الذي يرفع إلى أمير المؤمنين حساب ما كُلّف حفظه وضبطه من أموال المسلمين، ولم يصنع صنيع ابن العمّ الذي يرعى لابن عمّه حقّ القرابة وإخاء الصديق، ولم يصنع صنيع الراعي الذي يعرف للإمام حقّه في أن يستقصي أمر ما أؤتمن عليه من أموال الأُمّة ومصالحها، فيعينه على ما يريد من ذلك ويذكره به إن نسيه، ويعظه فيه إن قصّر في ذاته.

لم يصنع صنيع أحد من هؤلاء، وإنّما جعل نفسه ندّاً لإمامه، وكفئاً لخليفته، ورأى أنّه أكبر من أن يسأله إمامه عن شيء أو يحاسبه في شيء، فضلاً عن أن يتّهمه أو يتظنّن فيه. وابن عبّاس كان أعلم الناس بأنّ سنّة الشيخين قد جرت على أن يكون لكلّ مسلم الحقّ في أن يحاسب الإمام ويسأله عمّا يأتي وما يدع. وجرت العادة كذلك على أنّ من حقّ الإمام، بل من الحقّ عليه أن يحاسب الولاة والعمّال عن كلّ ما يأتون ويدعون وأن يشتد في ذلك ليعصم عمّاله وولاته من التقصير، وليجعلهم بمأمن من أن يسوء بهم ظنّ الرعية ويفسد فيهم رأي الضعفاء الذين لا يستطيعون أن يتّقوا ظلمهم أو يأمنوا غوائلهم إذا خُلّي بينهم وبين السلطان يصرّفونه كما يحبّون.

وكان ابن عبّاس يعلم حقّ العلم أنّ سنّة عمر جرت على أن يسمع من الرعية كلّ ما يعيبون على ولاتهم وعمّالهم بمشهد من هؤلاء الولاة والعمّال أو بغيب منهم، وكان يحقّق كلّ ما يُرفع إليه من ذلك تحرّياً للعدل، وإبراءً لذمته أمام الله والناس، وكان يعلم أنّ عمر كثيراً ما قاسم الولاة أموالهم بعد اعتزالهم عمله، وأنّه كان يُحصي عليهم أموالهم حين يولّيهم، ويحصيها عليهم بعد اعتزالهم عمله، وأنّه كان يُحصي عليهم أموالهم حين يولّيهم،

ويحصيها عليهم بعد أن يعزلهم، وكانوا يقبلون منه ذلك في غير إنكار له أو ضيق به أو إكبار لأنفسهم عنه. وكان فيهم نفر من خيرة أصحاب النبيّ.

ثمّ كان ابن عبّاس يعلم أنّ كثيراً من المسلمين وعسى أن يكون منهم، قد أنكروا على عثمان إسرافه في الأموال العامّة، وأنكروا على ولاته وعمّاله ما أظهروا من الأثرة وما تورّطوا فيه من العبث بهذه الأموال العامّة، وأنّ عثمان قتل في سبيل هذا كلّه، وأنّ ابن عمّه إنّما قام ليحيي سنّة النبيّ والشيخين(؟)، فهو لم يتجاوز حدّه، ولم يعد قدره حين طلب إلى أحد عمّاله، وإن كان ابن عبّاس أن يقدّم إليه حساب ما عنده من الأموال العامّة، وكان ابن عبّاس بعد هذا كلّه أعرف الناس بابن عمّه وأقدرهم على أن يخاطبه الخطاب الذي يبلغ من نفسه الرضى دون أن يسوءه أو يُحفِظه أو يشقّ عليه، كان يستطيع أن يكتب إليه في رفق، ليبيّن له أنّه لم يأخذ من الجزية لنفسه شيئاً، ولم يضع منها شيئاً في غير حقّه، وكان يستطيع أن يلمّ به في الكوفة ويظهره على الجليّ من أمره، ولكنّه أعرض عن هذا كلّه، وأنف أن يسير معه عليّ سيرته مع غيره من العمّال فاعتزل عمله (؟)، ولكنّه مع ذلك لم يستعف إمامه، ولم ينتظر أن يعفيه، وإنّما أعفى نفسه وترك المصر. ثمّ لم يتركه ليعود إلى الكوفة أو ليقيم في العراق أو في حيث يستطيع الإمام أنّ يأخذه بتقديم الحساب ويسأله عن عمله قبل أن يعتزله، وإنّما ترك المصر ولحق بمكّة حيث لا يبلغه سلطان الإمام (؟)، وحيث لا يقدر الإمام على أن يناله بالعقاب، إن تبيّن استحقاقه للعقاب، وإنّما أقام بالحرم آمنا بأس إمامه عليّ وبأس خصمه معاوية (؟)؟

ثمّ لم يكتف بهذا الخطأ كلّه، وإنّما صرّح لابن عمّه عمّا يؤذّي نفسه

ويترك في قلبه وضميره حزناً لاذعاً وألماًً ممضماً، فأعلن إليه أنّه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمّته شيء من أموال المسلمين، على أن يلقى الله وفي ذمّته تلك الدماء التي سُفكت يوم الجمل، والتي سُفكت في صفّين، والتي سفكت في النهروان.

ثمّ يضيف إلى ذلك ما هو أمضّ منه وأشدّ إيذاءً، فيزعم لابن عمّه أنّه سفك ما سفك من دماء المسلمين في سبيل الملك، فهو إذاً لم يكن يعتقد أنّ عليّاً إنّما قاتل في سبيل الحقّ، وقاتل قوماً كان يجب عليه أن يقاتلهم.

كتب هذا كلّه إلى ابن عمّه ولم ينس إلاّ شيئاً يسيراً جدّاً خطيراً جدّاً، وهو أنّه شارك ابن عمّه في سفك هذه الدماء، فشهد الجمل، وشهد صفّين(؟)، وقاد جيوش ابن عمّه في هاتين الموقعتين، فهو إذاً لن يلقى الله بما قد يكون في ذمّته من أموال المسلمين فحسب، ولكنّه سيلقاه بما في ذمّته من هذه الدماء التي شارك في سفكها، مع الفرق بينه وبين عليّ، لأنّ عليّاً سفكها وهو مؤمن بأنّه يقاتل في سبيل الحقّ، وهو سفكها وهو يعتقد أنّه يقاتل في سبيل الملك.

ولذلك قرأ عليّ كتاب ابن عمّه فلم يزد على أن قال هذه الجملة التي تصوّر الحزن اللاذع والبأس الممض من الصديق والعدوّ: (وابن عبّاس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء).

واقرأ كتاب ابن عبّاس إلى ابن عمّه وإمامه لترى مقدار ما فيه من الغلظة والقسوة وجحود ما مضى من إخائه لعليّ قبل الخلافة ونصحه له بعد الخلافة:

(أمّا بعد. فقد فهمت تعظيمك عليَّ مرزأة ما بلغك أنّي رزأته من أهل

هذه البلاد، ووالله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولُجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحبّ إليَّ من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأُمّة لأنال بذلك الملك والإمارة، فابعث إلى عملك من أحببت).

وإلى هنا جرت الأمور على نحو من المغاضبة بين الخليفة وعامله، ثمّ بين رجل وابن عمّه، على نحو من العنف كان خليقاً أن يجتنب لو ذكر ابن عبّاس سيرة الشيخين وسيرة عليّ، ولو نسي ابن عبّاس نفسه قليلاً، ولكنّه لم ينس نفسه قليلاً ولا كثيراً، ولم يضعها بحيث كان يجب عليه أن يضعها منذ قبل أن يكون والياً لعليّ على مصر من أمصار المسلمين، وبعد أن بايع عليّاً على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله والعدل بين الرعية.

وأبو الأسود أحد الرعية، فمن حقّه أن يخاصم الوالي عند الإمام، ثمّ هو أمين الإمام على بيت مال البصرة (؟)، فمن الحقّ عليه أن يرفع إليه كلّ ما يريبه من تصرّفات الوالي فيما اؤتمن عليه من المال، ولكن ابن عبّاس لم يكتف بما بلغ من هذه المغاضبة، ولا بما انتهى إليه من هذا التصرّف الغريب، بل أضاف إليه شرّاً عظيماً، لم يبؤ به الإمام وحده، وإنّما أساء به الرعية كلّها وعامّة أهل البصرة خاصّة، فهو قد أجمع الخروج إلى مكّة، ولكنّه لم يخرج منها فارغ اليدين من المال كما دخلها حين ولي عليها، وإنّما خرج منها وقد ملأ يديه بما كان في بيت المال ممّا يُنقل، وهو يعلم أن ليس له في هذا المال حقّ إلاّ مثل ما لأهل البصرة جميعاً فيه.

وقد علم أنّ أهل البصرة لن يخلوا بينه وبين هذا المال الذي يريد أن يستأثر به من دونهم، والذي يقدّره المؤرّخون بستّة ملايين من الدراهم، فدعا إليه من كان في البصرة من أخواله بني هلال، وطلب إليهم أن يجيروه

حتّى يبلغ مأمنه ففعلوا.

وخرج ابن عبّاس ومعه مال المسلمين يحميه أخواله من بني هلال، وثار أهل البصرة يريدون أن يستنقذوا منه ما أخذ. وكادت الفتنة تقع بين بني هلال الغاضبين لابن أختهم الذين ذكروا عصبية العرب القديمة، وأزمعوا أن ينصروا جارهم ظالماً أو مظلوماً، وبين سائر العرب من أهل المصر الذين غضبوا لمالهم وأبوا أن يُغتصب وهم شهود. لولا أن تناهى حلماء ربيعة وتبعهم الأحنف بن قيس ومن معه من بني تميم، ولكن سائر تميم أزمعوا أن يقاتلوا على هذا المال حتّى يستردّوه، وبدأت المناوشة بينهم وبين بني هلال، وكادت الدماء تسفك بين الفريقين، لولا أن رجع إليهم حلماء أهل البصرة، فما زالوا ببني تميم حتّى ردّوهم إلى المصر، ومضى ابن عبّاس آمنا يحميه أخواله، ويحمون ما أخذ من المال حتّى بلغ مأمنه في ظلّ البيت الحرام، ولم يكد يستقرّ بمكّة حتّى أقبل على شيء من الترف. واشترى فيما يروي المؤرّخون، ثلاث جوارٍ مولّدات حور بثلاثة آلاف دينار.

وعرف عليّ ذلك فكتب إليه: (أمّا بعد، فَإنّي كُنْتُ أشْرَكْتُكَ في أمَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ في أهْل بَيْتي رَجُلٌ أوْثَقَ مِنْكَ فَي نَفسِي لِمُواسَاتِي وَمُوازَرتِي وَأدَاءِ الأمَانَةِ إليَّ، فَلَمَّا رَأيْت الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمّكَ قَدْ كَلِبَ، والعَدُو عليه قَدْ حَربَ، وَأمَانَةَ النَّاس قَدْ خَربَتْ، وهذه الأمَّةَ قّدْ فتِنَت، قَلَبت له ظَهرَ المِجنّ، فَفَارقْتهُ مَع القوم المُفَارِقينَ، وَخَذلْتَهُ أسوأ خِذْلان الخاذلين، وخُنْتَهُ مَعَ الخَائنِينَ، فَلا ابْن عَمّك آسَيْتَ، ولا الأمَانَةَ أدّيْتَ، وَكأنَّك إنّمَا كُنتَ تَكيدُ أمَّةَ محمّد عَن دُنْيَاهُم أو تَطْلب غِرَّتَهُمْ عنَ فَيْئهِمْ، فَلَمَّا أمْكَنَتْك

الغٍرَّةُ أسْرَعْتَ العَدْوةَ، وغَلظْت الوَثْبَةَ، وانْتَهزت الفُرصة واخْتَطفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِن أمْوَالِهمُ إلى الحِجازِ، رَحيبَ الصَّدْرِ، تحملها غَيْر مُتأثّم مِن أخْذِهِا كأنَّك، لا أبا لِغَيْركَ إنّما حِزْت لأهْلكَ تُراثَكَ عن أبِيكَ وأمّكَ. سُبْحانَ الله أفمَا تُؤْمِن بالمَعَادِ ولا تَخَافُ سوء الحِسابِ؟ أما تَعْلَمُ أنَّكَ تَأكُلُ حَراماً وتَشْرَبُ حَرَاماً؟ أو ما يعظم عليك وعندك أنَك تستثمن الإِمَاءَ وتَنْكِحُ النِّساء بأموَالِ اليَتَامَى والأرامل والمُجاهِدينَ الذينَ أفَاءَ اللهُ عَلَيْهمْ هذِهِ البِلادَ؟ ٍفاتَّق الله وأدّ أمَوالَ القوم، فإنَّك والله إلاّ تَفعَل ذلك ثُمَّ أمكَنَني اللهُ مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ إلى الله فِيكَ، حتَّى آخُذَ الحقَّ وأرِدّه وأقمع الظَالِمُ وأنْصِفَ المَظْلُوم، والسّلام).

ولست أعرف كلاماً أبلغ -- في تصوير الحزن اللاذع والأسى الممضّ والغضب لحقّ الله وأموال المسلمين، في مرارة ويأس من الناس، والشكّ في وفائهم للصديق وحفظهم للعهد، وأدائهم للأمانة، وقدرتهم على التزام الجادة ومعصية الهوى من هذا الكلام.

ولكن انظر كيف ردّ ابن عبّاس على هذا الكتاب المرّ بهذه الكلمات، التي إن صورت صورّت شيئاً فإنّما تصوّر الإمعان في الثقة بالنفس والاستخفاف برأي غيره فيه غيره فيه: (أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أصبتُه من مال البصرة. ولعمري إنّ حقّي في المال لأعظم ممّا أخذت، والسلام).

ولست في حاجة إلى أن أطيل الوقوف عند هذا الكتاب الغريب الذي لا يثبت حقّاً ولا يبرئ من تبعة، وإنّما أختم هذه المناقشة المؤلمة بين الرجلين بردّ عليّ على ابن عمّه في هذا الكتاب الرائع:

(أمَّا بَعدُ: فإنَّ أعْجَبَ العَجَبَ تَزِْيين ِنَفْسُكَ أنّ لَكَ فِي بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ من الحَقّ أكْثَرُ ممّا لرَّجُل مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَقَد أفلَحتَ إن كان إدّعَاؤكَ مَا لاَ يَكُون وتَمَنّيك البَاطِلُ يُنْجيِكَ مِنْ الإثَمَ، عمّرَك الله. إنّك لأنْتَ البَعِيدِ البَعِيدِ إذاً، وقَدْ بَلَغَنِي إنّكَ اتَّخَذَتْ مَكَّةَ وَطَناً وصيّرتها عَطَناً، وَاشْتَرَيْتَ مُولّدَات المَدِينةِ والطَائِف، تَتَخَيّرهُنَ عَلى عَيْنك، وتُعطِي فِيِهنّ مَال غَيْرُكَ، والله ما أحبَّ أن يكُونَ الذي أخَذْتَ من أمْوَالِهِم لِي حَلالاً أدَعُه مِيرَاثاً، فَكَيْفَ لا أتعجّبْ اغْتِباطِك بأكْلِه حَرَاماً، فَضَحّ رُوَيْداً، مَكَانّكَ قَدْ بَلَغَتَ المَدَى. حيثُ يُنَادِي المغتَرُّ بالحَسْرِة، ويَتَمَنَّى المُفَرِطُ التَوبَة، والظَالِمُ الرَّجْعَةَ، ولاتَ حِينَ مَنَاصٍ، والسَّلامُ).

وبعض الرواة يزعمون أنّ عمر همّ أن يولّي ابن عبّاس على بعض أعماله، ولكنّه خاف منه وخاف عليه، خاف منه أن يتأوّل في أكل الفيء، وخاف عليه أن يورّطه ذلك في الإثم.

ويزعم هؤلاء الرواة أنّ ابن عبّاس حين ولاّه عليّ البصرة تأوّل فيما أباح لنفسه قول الله عزّ وجلّ: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1)، ومكان ابن عبّاس من النبيّ قريب، فله الحقّ في بعض هذا الخمس الذي قسمه الله للرسول وأولي القربة واليتامى والمساكين وابن السبيل. ولكن ابن عبّاس عندي أصحّ رأياً وأعقل عقلاً وأعلم بدينه من هذا التأويل. فهو كان يعلم من غير شكّ أنّ حقّه في هذا الخمس لن يعدو أن يكون كحقّ غيره من


1) - سورة الأنفال/41.

أولي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكان يعلم أنّه لا ينبغي له بل لا يحلّ له أن يأخذ حقّه من هذا الخمس بنفسه، وإنّما ينبغي أن يتلقاه من الإمام الذي نُصب ليقسم بين المسلمين فيئهم، وينفق منه في مرافقهم، وهو الذي يُقسم بين أولي القربى واليتامى والمساكين حقّهم من هذا الخمس.

ولو أنّ غير ابن عبّاس من المسلمين عرف أنّ له حقّاً في بيت المال فأخذه بنفسه دون أن يعدوه أو يزيد فيه، لكان بذلك معتدياً على السلطان، متجاوزاً للحدّ، ولكان من الحقّ على الإمام أن يُنزل به ما يستحقّ من العقاب.

وكان ابن عبّاس يعلم بعد هذا كلّه أنّ ابن عمّه الخليفة هو بحكم قرابته وخلافته أجدر الناس أن يخلُف رسول الله في توزيع هذا الخمس على مستحقّيه.

والغريب أنّ كثيراً من المحدّثين أهملوا هذه القصّة ولم يشيروا إليها تحرّجاً من ذكرها، فمكان ابن عبّاس من النبيّ ومكانه من الفقه بالدين أعظم من أن يُظنّ به مثل هذا التجاوز للحقّ والخلاف على الإمام.

على أنّ رواة آخرين يسرفون في هذه القصّة نفسها بعض الإسراف، فيزعمون أنّ ابن عبّاس ردّ على الكتاب الأخير لعليّ قائلاً: (لئن لم تدعني من أساطيرك، لأحملنّ هذا المال إلى معاوية يقاتلك به)، وما أحسب أنّ الأمر قد بلغ بابن عبّاس هذا الحدّ من التأليب الصريح على ابن عمّه. على أنّ لهذه القصّة نتائجها القريبة المباشرة التي كانت محنة لعليّ في أصحابه وفي سلطانه أيضاً). اه- .

ثمّ ذكر من نتائجها قصّة إرسال معاوية لعبد الله بن عامر الحضرمي

إلى البصرة حين طمع فيها لأنّها إقليم ليس أقلّ خطراً من مصر لما يتبعها من بلاد الفرس، وأنّ العثمانية فاشية فيها، وأنّ أهلها قد ثاروا مع عائشة وصاحبيها للطلب بدم عثمان، وأنّهم لم ينسوا وقعة الجمل بعدُ، وأنّ لهم أوتاراً لم تشفُ كلومها بعد، ورأى أنّ ابن عبّاس قد ترك البصرة مغاضباً لابن عمّه فطمع في أن يستفزّ أهلها ويذكّرهم أوتارهم ويثيرهم للطلب بها...

ثمّ قال ص145: (وكان ابن عبّاس قد ترك البصرة لزياد، فهمّ زياد أن يستجير بربيعة...) الخ.

ثمّ ذكر الأحداث التي سببها دخول ابن الحضرمي إلى مقتله. وما ظهر أثناء ذلك من العصبية القبلية بين الأزد وتميم.

ثمّ قال ص146: (ولو قد أقام عبد الله بن عبّاس على عهد ابن عمّه لهابه معاوية، ولمّا طمع في مُلك ضيّعه أصحابه وتركوه نهباً لمن شاء أن ينهبه. بل لو أقام ابن عبّاس على عهد ابن عمّه لحال بين العصبية وبين هذا الظهور الفجائي البشع، ولجنّب إمامه هذه المحنة القاسية التي تضاف إلى محن قاسية أُخرى فلا تزيدها إلاّ نكرا.

وبعض المؤرّخين يزعم أنّ هذه الأحداث حدثت حين كان ابن عبّاس قد ذهب إلى الكوفة مواسياً لعليّ بعد مقتل محمّد بن أبي بكر، واحتياز عمرو بن العاص لمصر. وهذا كلام لا يستقيم (؟)، فلو قد كان ابن عبّاس عند عليّ لعاد إلى البصرة مُسرعاً حين بلغته هذه الأنباء، ولمّا أقام عند عليّ ينتظر أن يغني عنه زيادٌ وأعين بن ضبيعة وجارية بن قدامة.

والواقع أنّ ابن عبّاس قد ضَعُف عن أمر ابن عمّه بعد قضية الحكمين،

فهو لم ينهض معه إلى الشام حين همّ بالنهوض إليها، ولم يشهد معه النهروان، وإنّما أرسل إليه جنداً من أهل البصرة، ثمّ لم يزد على ذلك، وإنّما أقام حتّى كان من أمره ما كان) اه- .

ولم يزل الدكتور طه حسين يؤكّد تلك التهمة ما وسعه ذلك، فهو يعود حين يتكلّم عن سياسة الإمام عليه السلام في إقامة العدل، فيقول بعد كلام طويل ص174: (والعدل لا يرغّب راغباً وإن حلّ عقدة الخوف عن الخائف. وليس أدلّ على ذلك من أنّ عبد الله بن عبّاس لم يبلغ ما أراد من السياسية، وإنّما أراد أن يرغّب الراغبين فرغب معهم، فلمّا شكاه أبو الأسود إلى عليّ ولامه عليّ فيما فعل، حمل ما قدر عليه من بيت المال وفرّ به إلى مكّة، فأقام فيها بماله الكثير).

ثمّ يعود أيضاً في ص176 وهو يستعرض سيرة الإمام مع عمّاله وكتبه إليهم.. إلى أن يقول: (وليس أمر ابن عبّاس منك ببعيد).

ويعود مرّة ثالثة ص180، فيقول: (هذا ابن عمّه يخالف عنه إلى حيث يعيش ناعماً رضي البال بمكّة...) الخ.

وهكذا لم يتوان الدكتور طه حسين في تأكيد مفارقة ابن عبّاس كلّما سنح له الحال والبال ذلك، فهو حين يتحدّث عن الإمام الحسن السبط وخلافته يؤكّد للمرّة الرابعة، فيقول ص195: (وكتب إليه عبد الله بن عبّاس من مكّة يحرّضه على الحرب، ويلحّ عليه في أن ينهض فيما كان ينهض فيه أبوه).

ويقول مرّة خامسة حين يتحدّث عن صلح الحسن ص196: (وبينما كان الحسن يفاوض في الصلح، كان عبيد الله بن عبّاس يتعجّل السلم لنفسه

ويترك جيشه إلى معاوية دون أن يستخلف عليه أحداً، رشاه معاوية بالمال، فلم يستطع أن يعصي المال، وكذلك انحرف عبد الله بن عبّاس عن عليّ، وانحرف عبيد الله بن عبّاس عن الحسن، كلاهما ينحرف عن صاحبه في أِشدّ الأوقات حرجاً وأعسرها عسراً).

ومرّة سادسة يقول في حديثه عن زياد بن أبيه في ص222: (فلمّا كان يوم الجمل وانتصر عليّ سأل عن زياد فأنبئ بأنّه مريض فعاده، واستبان استعداده للنصح له، فهمّ عليّ أن يولّيه البصرة، ولكن زياداً أشار عليه أن يجعل على المصر رجلاً من أهل بيته يهابه الناس ويطمئنون إليه، وذكر له ابن عبّاس، فولاّه عليّ، وعمل زياد لعبد الله بن عبّاس كما عمل للولاة من قبله. فلمّا انصرف ابن عبّاس عن البصرة قصّته تلك التي ذكرناها آنفاً، قام زياد مقامه وأحسن الحيلة والبلاء في الاحتفاظ بهذا المصر لعليّ رغم ما كاد معاوية لانتزاعها منه (؟)).

وهكذا وهكذا يستمر طه حسين في تأكيد حديث المفارقة كحقيقة تاريخية واقعة، حين يقول ص229 في مسألة استلحاق زياد -- وهذا للمرّة السابعة --: (أيضاً فقد انتظر معاوية باستلحاق زياد أن يموت أبوه ثمّ لم يستلحقه إثر موت أبيه، حين كان قريب المكان من عثمان عظيم الشأن في نفسه، بل لم يستلحقه في أيام عليّ حين كان يعمل في البصرة لعبد الله بن عبّاس، أو حين قام في البصرة مقام ابن عبّاس...).

ولا يكاد ينقضي عجبي من الدكتور طه حسين الذي يعد من أساتذة الجيل في الأدب والتاريخ، كما يُعدّ من المتحرّريين فكرياً بين أبناء عصره ومصره! وكيف ينقضي عجبي منه وهو الذي أخذ على نفسه أن يكون

مخلصاً محايداً صدوقاً غير ممالئ لأحد على أحد، حين قال مفتتحاً كتابه (الفتنة الكبرى) ج1/4 بقوله:

(هذا حديث أريد أن أخلصه للحقّ ما وسعني إخلاصه للحقّ وحده، وأن أتحرّى فيه الصواب ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلاً، وأن أحمل نفسي فيه على الإنصاف ولا أحيد عنه ولا أمالئ فيه حزباً من أحزاب المسلمين على حزب، ولا أشايع فيه فريقاً من الذين اختصموا في قضية عثمان دون فريق، فلست عثماني الهوى، ولست شيعة لعليّ...

وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجرّدة، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنّما هي نظرة المؤرّخ الذي يجرّد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها...).

ومضى الدكتور في هذا ونحوه ممّا استتبعه من إشارة إلى حال من قضى نحبه قبل وقوع الفتنة فمضى حميداً سعيداً، كما أشار إلى حال من عايش الفتنة ولم يخض غمارها، ولا استحرّ أوارها، تجنباً لها حيث غاب عنه وجه الصواب، فقال: لا أقاتل حتّى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق، فيقول: أصاب هذا وأخطأ ذاك.

ثمّ اختار الدكتور أن يكون على مذهب ذلك القائل، فقال: (فأنا أريد أن أذهب مذهب سعد لا أجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء...).

أبعد كلّ هذا الإفصاح والبيان عن عزم الدكتور على التزامه الحياد التام في حديثه عن الفتنة وما استتبعها من الخصومات العنيفة التي فرّقت المسلمين وما زالت تفرّقهم حتّى الآن، وستظل تفرّقهم في أكبر الظنّ إلى

آخر الدهر -- كما يقول الدكتور نفسه.

أبعد ذلك كلّه منه فهل يخشى منه انصياع مع العاطفة أو ميل مع الهوى (؟) لاها الله، ومن يجرأ على اتهامه بذلك (؟) وهو يريد أن يخلص في حديثه للحقّ وللحقّ وحده (؟).

ولكن دعونا نسائله ونتسائل معه: أين غاب عنه الإخلاص للحقّ وحده حين تحدّث عن قضية واحدة عرضها وتعرّض لها، ثمّ أطالها وعرّضها، ثمّ لم يكفه ذلك حتّى صار وكأنّه دليل الإدعاء حين يعرض لائحة الاتهام، فهو يسوق الشبهة تلو الشبهة، ويقوّي الأولى بالأُخرى، وهذا ما يقضي بالعجب! أنا لا أريد أن أناقش أُستاذ الجيل في جميع ما وجدته قد تخلّف فيه عن شرطه في كتابه (الفتنة الكبرى) وقطعه على نفسه من تحرّي الصواب والتزام الحياد وحمل الناس على الإنصاف، فما أكثر الشواهد على ذلك، وبيان ذلك كلّه يحتاج إلى وقت طويل وخروج عمّا أنا بصدده.

ولكن دعونا نقول لأُستاذ الجيل: ما هكذا تورد يا سعد الإبل، كيف تحريّت الصواب والتزمت الحياد وحملت نفسك على الإنصاف، وأنت عرضت في حديثك المحن التي ابتلي بها الإمام أيام خلافته، فتحدّثت بمرارة المتحرّق، وشحذت أفكار قراء حديثك نفسياً لقبوله، وحتّى إذا ما بدأت تنتقل روايات المؤرّخين وأنت لا تسمّيهم -- ولا حاجة إلى ذلك فيما أظن، لأنّ أمانة النقل لم تشترطها ضمن ما أخذت به نفسك من شروط -- فصرت تقدّم بين يدي النص وتعقّب عليه ما يُغفل القارئ عن إدراك الحقيقة، فأنت هيمنت مقدّماً بحسن عرضك، وجودة أدائك، وسلاسة بيانك لا بقوّة بنيانك، وهكذا تنهي الحديث وكأنّك ألمست القارئ الحقيقة كما

تلمستها أنت ولم تلمسها، وأنّى لك وأنت فاقد نعمة البصر، فرجونا لك نفاذ البصيرة حين تحرّقت تميّزاً من الغيظ، فسقت أمثلة النماذج القريبة التي أفرزتها تلك الحقيقة الثابتة -- ولكن في خيالك -- وسمّيتها بالمحنة لعليّ في أصحابه وفي سلطانه أيضاً.

أنا لا أودّ أن أطيل الحساب مع الدكتور، فحسابنا جميعاً على الله، وهل يجدي حساب الناس معه إذ لو كان ثمّة جدوى لنفع حساب من سبقني إلى محاسبته، وما أكثرهم فمنذ قصّة الشعر الجاهلي وحديث الأربعاء وغيرهما ممّا أتحف به المكتبة العربية وجاد به قلمه، ومواقفه التي لم يتهضمها المجتمع معروفة، وإن لم يتركها الباحثون تمر بغير حساب عسير.

ولكن لي وقفة قصيرة مع الدكتور عند سطور من كتابه (الفتنة الكبرى)، وهي تلك التي أوعاها بحديث الخيانة، فذهب إلى عرضها متبيناً قضيّتها بمثابة مدّعٍ عان فعرض فصولها بإسهاب، وغشّاها بكثيف من الضباب من البداية، وحتّى آخر مشهد أسدل بعد الحجاب.

فليت شعري لماذا الدكتور يعرض المحنة كما يسمّيها -- ولا يذكر مصدره بالاسم فيها، بينما ذكر أحياناً في المتن والهامش أسماء بعض المصادر التي اعتمد عليها في المقام؟

ودع هذا فليست بنا حاجة ملحّة إلى معرفة المصدر الذي عنه أخذ رواية الخيانة إذا اطمئننا -- ولا بدّ لنا أن نطمئن -- بما كتبه في رأس قائمة بعض المراجع في آخر الجزء الأوّل من كتابه ذلك، حيث قال: (ليس في هذا الكتاب خبر من أخبار التاريخ أو رأي من آراء المتكلمين القدماء إلاّ ومرجعه كتاب من هذه الكتب التي رجع إليها، ولدى فحصها، وجدنا

أسماء أربعة من كتب التاريخ التي ذكرت حديث الخيانة وهي: أنساب الأشراف للبلاذري، وتاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، وتاريخ ابن خلدون، وقد مرّت الإشارة إلى ما فيها في مدوّنات القرون الأولى.

وأضاف في آخر الجزء الثاني قائمة أُخرى بينها كتاب بحار الأنوار وكتاب الإمام عليّ بن أبي طالب للأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، وهما من الكتب التي ذكرت الحديث ولكن بفارق كبير بينهما فالأوّل -- وهو كتاب أخبار وحديث -- روى القصّة كما ذكرتها في مدوّنات القرن الثاني عشر وتعقّبته بما مرّ فلا حاجة أيضاً إلى إعادته في المقام.

أمّا الثاني وهو كتاب الأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، فيبدو أنّ الدكتور قرأه، ولكنّه لم يرجع إليه في خصوص المقام، لأنّ الأُستاذ عبد الفتاح ذهب في كتابه إلى نقض الرواية وتزييفها بأسلوبه المشرق وحججه التي ارتضاها، بينما ذهب الدكتور إلى إثبات القضية وألحّ على إثباتها. فهما على طرفي نقيص فيها.

وما لنا نذهب بعيداً ونحن يسعنا بكلّ سهولة ويسر، أن نقول للدكتور: ثبّت العرش ثمّ انقش، بيّن لنا المصدر الذي اعتمدته لننظر فيه كما نظروا لك فأنت أعمى لا تبصر، ثمّ لنحكم فيه بما له أو عليه. أما وقد أبقيت الأمر مكتوماً فلا حاجة إلى مناقشة المرسلات من رواياتك، ولا التصديق بجميع ما صغته من افتراضاتك.

نعم، فقط وفقط أودّ أن أذكّر الدكتور بما قاله في الجزء الأوّل من كتابه (الفتنة الكبرى) وهو يستعرض دور ابن سبأ في الأحداث أيام عثمان فقد قال في ص134: (وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا -- إن كان كلّ ما

يروى عنه صحيحاً -- إنّما هو قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف، فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها.

وأكبر الظنّ أنّ خصوم الشيعة أيام الأمويين والعبّاسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أُخرى، فيردّوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة. وما أكثر ما شنّع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان)، اه- .

أقول للدكتور: ما دام أكبر ظنّك -- وظنّ الألمعي يقين -- أنّ خصوم الشيعة في أيام الأمويين والعبّاسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ وذلك لغرض التشكيك في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، ولغرض التشنيع على عليّ وشيعته من ناحية أُخرى، أفلا يتّسع ذلك الظنّ الكبير فيكون من المظنون بأولئك الخصوم أنّ لهم أيضاً دوراً كبيراً في أمر عبد الله بن عبّاس كما كان لهم دور في ابن سبأ؟ وعبد الله بن عبّاس أهم بكثير من عبد الله بن سبأ -- إن صحّ وجوده -- فله مقامه المرموق بين شيعة عليّ، ويكون ذلك الظنّ من المعقول، إن لم يكن لدى الدكتور من المقبول.

فابن عبّاس هو ابن عمّ عليّ، وهو من أقرب ولاته ومستشاريه، وهو حبر الأُمّة، وهو وهو... ثمّ ها هو -- حسب رواية الخيانة -- يفارق عليّاً مغاضباً؟ ثمّ لم يكفه ذلك حتّى صار عدوّاً ناصباً؟ بل بلغت به القحّة أن عيّر إمامه بإراقة دماء المسلمين بالأمس -- وكأنّه كان بريئاً منها -- بل لم يقف عند هذا

الحدّ حتّى جاوز بسيله الرُبى وهدّد الإمام إن لم يكفّ عنه فسوف يحمل ما أختانه من المال إلى معاوية فيقاتله به، فكفّ عنه.. وهنا تسدل الأستار وتبلبل الأفكار، أليس في هذا ما يكفي في التشكيك بسياسة الإمام والتشنيع عليه حيث اشتدّ في محاسبة عامل من أهم ولاته حتّى خسره ففارقه واليه على هذا النحو المذكور!

ثمّ هو تشنيع على ابن عبّاس باعتبار عدم أمانته وقلّة ديانته، بل وحتّى حميّته، حيث أسفّ هُوّياً في حمأة الوقاحة والصلف.

أي حَجَرِ هذا يصك المسامع بإصابة هدفين، ويغمز من قناة الرجلين فلا عليّ يسلم من اختلال النهج وسوء التدبير.

ولا ابن عبّاس يسلم من انحلال الخلق وطيش الغرور. فهل بعد ذلك المرمى من غاية يتوخّاها الخصوم، وحتّى إذا لم تكن الإصابة دقيقة، فالمجال يبقى فسيحاً للافتراض والتخمين، ولتنمو فيه بلبلة الأفكار وتزيّد الأخبار، وليصدّق بها من يشاء وليكذّب بها من يشاء.

فإنّ طرفي النزاع عليّ وواليه. وإنّ الفجوة والنبوّة بين إمام ومأمومه، وبالتالي فإنّ الضحية هو ابن عبّاس وهو ابن عمّ عليّ، أفهل يريد الخصوم غير ذلك؟

الرابع عشر: (فجر الإسلام)

الرابع عشر: (فجر الإسلام)، للدكتور أحمد أمين، الطبعة السابعة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1374ه- -- 1955م.

جاء في ص147: (وفراسته -- يعني عمر -- في الناس وفيمن يولّيه الأعمال فراسة في منتهى الصدق.

جاء في العقد الفريد: كان عبد الله بن عبّاس من أحبّ الناس إلى عمر

ابن الخطّاب -- وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمّد صلي الله عليه و آله وسلم ولم يستعمله قطّ، فقال له يوماً: كدت أستعملك، ولكن أخشى أن تستحلّ الفيء على التأويل، فلمّا صار الأمر إلى عليّ استعمله على البصرة، فاستحلّ الفيء على تأويل قول الله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(1)).

بهذه الكلمات اكتفى أحمد أمين في إدانته ابن عبّاس.

ولمّا كان أحمد قد أصدر كتابه (فجر الإسلام) سنة 1929م، وخلط الحقّ بالباطل، فكثرت عليه الردود والنقود، ولم يرجع عن آرائه حتّى مات، فكان مع الأسف الشديد يبعث الشكّ في نزاهته العلمية، وقد مرّت منّا متابعته في بعض آرائه الشاذّة في الجزء الثالث من الحلقة الثانية للموسوعة(2)فراجع!

والذي يلفت النظر هنا استدلاله على استحلال الفيء على التأويل الذي خشى عمر منه، مع أنّ المال الذي اتّهم ابن عبّاس بحمله من بيت مال البصرة لم يكن كلّه من الفيء، بل فيه من غير الفيء، فافتئاته على ابن عبّاس أنّه استحله على التأويل غبش وهبش وقول بغير علم!

الخامس عشر: (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)

الخامس عشر: (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)، تأليف الدكتور علي سامي النشار، أُستاذ الفلسفة الإسلامية بكلّية الآداب بجامعة الاسكندرية، طبعة ثالثة دار المعارف 1385ه- -- 1965م. ج2/30:


1) - سورة الأنفال/41.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثامن/وقفة عابرة مع أحمد أمين.

(الفصل الثالث

الغلوّ العبّاسي

لم يكن العبّاس بن عبد المطّلب من السابقين الأوّلين إلى الإسلام، وإن كان المؤرّخون في العهد العبّاسي قد حاولوا -- ما وسعهم الأمر -- أن يضفوا عليه الكثير من القدسية، وأن يعتبروه ممّن كتم إيمانه ليكون عيناً للرسول على كفّار قريش، وأنّه قد فعل هذا باتّفاق مع الرسول صلي الله عليه و آله وسلم.

غير أنّ من الثابت تاريخياً أنّه حضر موقعة بدر مع المشركين، وأنّه أُسر ومنّ عليه الرسول بالفداء. وإنّنا لنرى بعد كيف صاح عبد الله بن الحسن في المنصور العبّاسي -- وعبد الله تحت العذاب -- (ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر). وكان العبّاس بن عبد المطّلب نديماً لأبي سفيان، وقد أردفه على بغلته، لكي يقابل الرسول قبل فتح مكّة لينقذه من القتل.

ولا شكّ أنّ العبّاس أخلص للرسول سواء في جاهليته عصبية لبني هاشم أو في إسلامه. وثبت مع الرسول يوم حنين حين تخلّى عنه الناس وكان بجوار عليّ بن أبي طالب يوم بيعة السقيفة.

وكان يرى أنّ عليّاً أحقّ الناس بالخلافة. ولكنّه ظلّ مخلصاً للنظام الإسلامي في ظلّ أبي بكر وعمر.

وتورد لنا الروايات أنّ عمر استسقى به السماء- فنزل المطر وسقى الناس.

وهكذا عاش العبّاس -- عمّ الرسول صلي الله عليه و آله وسلم -- بعده.

وكان عبد الله ابنه -- فيما تجمع المصادر السنّية حبر الأُمّة وعالمها،

وكان أوّل مفسّر للقرآن مصداقاً لدعوة الرسول: (اللّهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل).

أمّا الشيعة فيعتبرونه من أصحاب عليّ، ونحن نعلم أنّه اختلف مع عليّ بعض الاختلاف حين تصرّف ابن عبّاس بأموال المسلمين، وأنّه عاد إلى الحجاز غاضباً، وكان من أسباب خذلان عليّ في يوم التحكيم أنّه لم يرسل عبد الله بن عبّاس لمفاوضة عمرو بن العاص يوم الحكمين، بل بعث تحت إلحاح القرّاء من جيشه أبا موسى الأشعري.

ويبدو أنّ الشيعة نفسها بعد زمن طويل من التحكيم كانت تتدارس الأمر وترى كيف أخطأت حين نزلت على رأي طائفة من القرّاء انقلبوا بعد إلى الخوارج، وبعثوا أبا موسى.

ويتّضح هذا من سؤالهم لعبد الله بن عبّاس: ما منع عليّاً أن يبعثك مكان أبي موسى في يوم الحكمين؟ فقال ابن عبّاس: منعه من ذلك حائل القدر، وقصر المدّة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت مدارج نفسه، ناقضاً لما أبرم ومبرماً لما نقض، أسفّ إذا طار، وأطير إذا أسفّ، ولكن مضى قدر، وبقى أسف، ومع اليوم غداً، وللآخرة خير للمتّقين(1).

وعاش عبد الله بن عبّاس بعد مقتل عليّ في حزن دائم مقيم، يعنى فقط بالعلم الإسلامي من تفسير وفقه وحديث.

ووفد على معاوية -- فيمن وفد من بني هاشم، ولكن لم تكن صلاته بالبيت الأموي صلاة محبّة، بل صلة كاره مبغض مرغم، ثمّ كره أشدّ الكره


1) - المسعودي: مروج ج3 ص45.

بيعة يزيد وإن كان قد بايع. ولكنّه نصح الحسين بن عليّ ألاّ يخرج إلى الكوفة، وطلب منه أن يشخص إلى اليمن: (فإنّها في عزلة)، (ولك فيها أنصار وإخوان)، فأقم بها، وبث دعاتك، وأكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق(1).

فالرجل كان داهية وذا عقلية سياسية مستنيرة، ونراه يستخدم مصطلح الدعاة، ولم يستمع إليه الحسين، وقتل الحسين. ثمّ قامت فتنة ابن الزبير -- وقد ذكرنا من قبل كيف اختلف ابن الزبير مع محمّد بن الحنفية وعبد الله بن عبّاس، وكيف حبسهما في حجرة زمزم، وكاد أن يحرقهما، حتّى أنقذهما أبو عبد الله الجدلي من قبل المختار بن أبي عبيد(2)، ومات عبد الله ابن عبّاس سنة 68ه- وصلاته على غير ما يكون بالبيت العلوي. بل تميّز أيضاً عبد الله بن عبّاس بصلات قوّية بمحمّد بن الحنفية.

وكان علي بن عبد الله أصغر أولاده، ولكنّه كان أعظم قدراً، وكان علي هذا -- من دون أولاد عبد الله بن عبّاس -- الجدّ الأكبر لخلفاء بني العبّاس من بعد، ولم يرد عن علي بن عبد الله علم أو مشاركة في السياسة، اللّهمّ إلاّ ما يذكر من أنّ أخواله من بني كنده قد منعوه بعد الحرّة من مسلم بن عقبة(3). فهل شارك علي بن عبد الله في حرب جيش يزيد؟ ليس هناك إشارة إلى مشاركته فيها، ولكن يبدو أنّه انتقل بعد استتباب الأمر للأمويين


1) - نفس المصدر ج3 ص4.

2) - نفس المصدر ج3 ص27، 28.

3) - المسعودي: مروج ج3 ص18.

إلى الحميمة -- وهي قرية بالشراة -- صقع من أصقاع الشام في طريق المدينة إلى دمشق.

وقد ذهب بعض المؤرّخين كالكامل في المبرد(1)أنّه كان يدعى ب-(بالسجاد)، وكان يدعى بذي الثفنات. لا شكّ أنّ هذه دعاية من العبّاسيين لكي يضعوه مقابلاً للإمام العلوي زيد بن عليّ المشهور بالسجاد وبذي الثفنات(2). كما أعلن العبّاسيون أيضاً أن عليّ بن أبي طالب هو الذي سمّاه عليّاً وكنّاه أبا الحسن ودعاه بأبي الأملاك، بينما يذهب الواقدي إلى أنّه ولد في الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب(3). وقد مات محمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس سنة ثمان عشرة ومائة، وقيل: أربع عشرة ومائة، أو ثماني عشرة ومائة، أو تسع عشرة(4)

وانظر اليعقوبي: تاريخ ج3 ص62

.

ويبدو أنّ الحركة العبّاسية لم تبدأ في عهد علي بن عبد الله، أو على الأقلّ لم يكن هو معنياً بها، ولكن قام ابنه محمّد بن علي بأمر الدعوة، وبدأ بتنظيمها. وقد ذهب بعض المؤرّخين كما قلنا من قبل إلى أنّ (الوصية) و(الإمامة) انتقلت إلى محمّد بن علي عن طريق غنوصي. فيذكرون أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد ابن الحنفية -- سمّ وهو في طريقه إلى فلسطين -- بإيعاز من سليمان بن عبد الملك، وكان أبو هاشم أخطر رجال البيت


1) - الصحيح الكامل في الأدب، للمبرّد.

2) - الصحيح أنّ الملقّب بالسجاد هو الإمام علي بن الحسين عليه السلام والد زيد بن علي لا زيد نفسه.

3) - ذكرت مصادر ولادته وتسميته في ج5 من الموسوعة، فراجع.

4) - ابن خلكان: وفيات الأعيان ج1 ص579 -- 583.

الهاشمي، ويبدو أنّه كان يعدّ العدّة لانقلاب كبير، فلمّا علم سليمان -- أرسل بعض رجاله -- كما قلت من قبل -- وانتظروه في الطريق، ودعوه إلى أخبيتهم وسقوه لبنا مسموماً، فلمّا أحس أبو هاشم بالموت، قال لمرافقيه: (ميلو بي إلى ابن عمّي محمّد بن علي بالحميمة من أرض الشراة)، فلمّا قدم عليه قال له: (يا ابن عمّ! أنا ميت وقد صرت إليك وهذه وصية أبي وفيها أنّ الأمر صائر إليك وإلى ولدك والوقت الذي يكون ذلك والعلامة، وما ينبغي لكم العمل به على ما سمع وروى عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام, فاقبضها إليك. وهؤلاء الشيعة استوص بهم خيراً، وهؤلاء دعاتك وأنصارك، فاستبطنهم، فإنّي قد بلوتهم بمحبّة ومودّة لأهل بيتك. ثمّ هذا الرجل ميسرة فاجعله صاحبك بالعراق، فأمّا الشام فليست لكم ببلاد، وهؤلاء رسله إلى خراسان وإليك، ولتكن دعوتكم بخراسان... فإنّي أرجو أن تتم دعوتكم، ويظهر الله أموركم. واعلم أنّ صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثمّ عبد الله أخوه الذي أكبر منه، فإذا مضت سنة الحمار، فوجّه رسلك بكتبك، ووطد الأمر قبل ذلك بلا رسول ولا حجّة... ثمّ اختر دعاتك، فليكونوا اثني عشر نقيباً، فإنّ الله عزوجل لم يصلح أمر بني إسرائيل إلاّ بهم وسبعين نفساً بعدهم يتلونهم، فإنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم إنّما اتّخذ اثني عشر نقيباً من الأنصار إتباعاً لذلك). ولمّا سأله محمّد بن علي: يا أبا هاشم! وما سنة الحمار؟ قال: لم يمض).

السادس عشر: (كتاب وعّاظ السلاطين)

السادس عشر: (كتاب وعّاظ السلاطين)، للدكتور علي الوردي، طبعة بدون المطبعة أو التاريخ، ص308، قال:

(ولا يخفى أنّ أوّل حرب داخلية نشبت بين المسلمين كانت في عهد عليّ، وقد اتّهم عليّ بتهمة سفك دماء المسلمين مراراً، حتّى أنّ ابن عمّه ونصيره ابن عبّاس، اتّهمه مرّة بهذه التهمة الشنيعة.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

قيل: أنّ ابن عبّاس أخذ شيئاً من بيت المال يوم كان عاملاً على البصرة ثمّ هرب به، فكتب إليه عليّ يلومه ويهددّه ويخوّفه من الله، فأجابه ابن عبّاس: أنّه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمّته شيء من أموال المسلمين على أن يلقى الله وفي ذمّته تلك الدماء التي سفكت في صفّين، والتي سفكت في النهروان فلمّا قرأ عليّ هذا الجواب اللاذع من ابن عمّه، قال متألّماً: (وابن عبّاس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء)(1)).

تعقيب:

ليس لدى الوردي من جديد، وإنّما قطف وردته الذابلة من فتنة طه حسين، وهذا قد تقدّم نقل ما قاله في كتابه (الفتنة الكبرى)، وذكرنا ما عليه من مؤاخذة.

فلا نطيل الوقوف عنده قبل أن نجعله خاتمة قالة السوء من الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، على غير هدى، بل هم في ضلال مبين؟

فله أشباه وأشباه، من أساتذة أكاديميين، ممّن تربّى ثقافياً على أُساتذة مستشرقين غالباً، والإحاطة بأسمائهم وآثارهم تفتح باباً للحساب، تطول به خاتمة الكتاب.

غير أنّي سأذكر بعض الأسماء مروراً عابراً بما قالوه:

-- فمنهم الدكتور جواد علي، في رسالته الجامعية (المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية ص63 /الترجمة العربية)، قال: (عندما بايع الناس


1) - انظر: طه حسين، المصدر السابق 2/ 127 -- 138 (الفتنة الكبرى).

الحسن بعد مقتل أبيه، وجّه إليه ابن عبّاس، الذي كان مستشاراً لعليّ وانسلخ عنه، لاختلافه معه في سياسته الداخلية...).

وذكره أيضاً في مقال نشرته مجلّة الرسالة المصرية، وجاء في مقاله: (ولم يكد -- ابن عبّاس -- يعمل إلاّ إرضاءً لابن عمّه...).

وقد كتبت له ردّاً عليه برسالة بعثها إليه يوم كان سكرتيراً في المجمع العلمي العراقي، ولم أتلق منه إلاّ اعتذاراً بكثرة أعماله الوظيفية في المجمع.

-- ومنهم الدكتور كامل مصطفى الشيبي، في رسالته الجامعية (الصلة بين التصوّف والتشيّع)، فقد جاء في ص50 من الجزء الأوّل، قوله: (فقد ترك عبد الله بن العبّاس عليّاً وهو في أشدّ الحاجة إليه، وذهب إلى مكّة بما أخذه من مال)، ولم يذكر له مصدراً!

-- ومنهم عبد الكريم الدجيلي في تحقيقه وشرحه وتقديمه لديوان أبي الأسود، الطبعة الأولى بغداد سنة 1373ه-، معتمداً على ما كتبه طه حسين ومصادر أُخرى. وليس عنده من جديد.

-- ومنهم الأساتذة الأزهريون:

محمود النواري/ مفتش العلوم الدينية.

محمّد عبد المنعم خفاجي/ الأُستاذ في كلّية اللغة العربية بالأزهر الشريف.

محمود فرج العقدة/ الأُستاذ في كلّية اللغة العربية بالأزهر الشريف.

وهؤلاء هم مؤلّفو كتاب (في ظلّ الإسلام)، فقد ذكروا ابن عبّاس في ترجمة مفصّلة وليست مفضلّة، جاء فيها: (ولأمر قُدّر وقع خلاف بين الإمامين أمير المؤمنين ووالي البصرة، ممّا دعا عبد الله إلى كتابة استقالة

قبلها منه عليّ وسرّحه، فسار حتّى نزل مكّة وألقى بها عصا التسيار، ثمّ بقي كلّ منهما حافظاً لصاحبه ودّه، مقيماً معه على عهده، لا يغمطه واحد منهما الآخر شيئاً) (ص233 ط/1 دار العهد الجديد للطباعة بمصر سنة 1376ه- -- 1957م).

ولم يقصّر عنهم في الخبط والغلط أُستاذ مصري لامع في عصره ومصره هو الدكتور محمود إسماعيل مؤلّف كتاب (الحركات السرّية في الإسلام/ رؤية عصرية)، ط دار القلم بيروت 1973، فقد قال في كتابه ص69 -- 70:

(من المسلّم به أنّ بني العبّاس وينسبون إلى العبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسول صلي الله عليه و آله وسلم لم يقوموا بدور موجّه في النزاع الذي شجر حول الإمامة، والذي أسفر عن ظهور الأحزاب السياسية. فلم يكن بوسع العبّاس أن يطالب بالخلافة بعد موت الرسول صلي الله عليه و آله وسلم، لكنّها لأسباب ما -- لا محلّ لذكرها -- آلت إلى أبي بكر، ومن بعده إلى عمر، ثمّ عثمان. ولمّا بويع عليّ بالخلافة بعد مقتل عثمان آزره عبد الله وعبيد الله ابنا عمّه العبّاس، فعيّن الأوّل والياً على البصرة، والثاني على اليمن، ولمّا أفل نجم عليّ بعد التحكيم خذله أبناء عمومته، فانحازوا إلى غريمه معاوية).

هذا ما قاله الدكتور محمود إسماعيل، ولم يذكر له مصدراً لننظر فيه، فبقي ذكره على علاّته ومن رأيه الخاص، وهو على ظهور فجاجته لا يسوى الوقوف عنده كمن سبق.

وإلى هنا ننهي البحث في مدوّنات الكتاب المعاصرين.

وعرفنا منهم معرفة يقينية أنّ كلّ ما عندهم هو مبني على ما مرّ من مدوّنات القرون الماضية، ولا غرابة فالماضي هو أساس المستقبل، ولا يمكننا فك الارتباط بين هذه الحلقات الثلاث، ولكن يمكننا تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، عسى أن يهتدي من رفع الغشاوة عن بصره وبصيرته فرأى التهافت بل والتناقض فيما مرّ، فيدرك الحقائق من خلال الموازين الصحيحة التي ترد المخطئ جادة الصواب.

وهكذا نأتي على نهاية العرض لمدوّنات القرون التي ذكرت الحديث، وقد راعينا في تسلسلها في العرض أقدمها تدويناً حسب وفيات أصحابها.

وقد لاحظنا نتيجة ذلك العرض أنّ مدوّنات القرون المتأخّرة اعتمدت على ما سبقها كما قلنا آنفاً، فهي في الواقع تكرار وإعادة وليس فيها من الإصالة ما يدعو إلى الاعتماد أو المناقشة.

أمّا المصادر المدوّنة في القرون الأربعة الأولى -- من الثالث، وحتّى السادس -- والتي روت الحديث، فقد تعقّبناها بالمناقشة في السند أوّلاً، والمتن ثانياً، ولم يسلم منها جميعاً ما يصحّ الاعتماد عليه.

وجميع تلك المدوّنات قد صوّرت لنا عبد الله بن عبّاس في تلك القصّة بصورة الخائنين الخائفين المفارقين، حتّى تخيّلها الكثير من المتأخّرين حقيقة تاريخية صادقة، لكثرة من رواها ودوّنها من المؤرّخين.

ولنختم الكلام بما كتبه الباحث الشهير المحقّق الأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود حول موضوع الخيانة:

قال في الجزء التاسع: (ويشرع -- معاوية -- في دسيسته الجديدة، على

خلاف ما هو منتظر، اختار معاوية فريسة له ألصق الناس بالإمام، وأقرب أهله إليه، وأخلص الخلصاء الذين لا تربطهم به روابط الولاء السياسي وحده، بل صلات الولاء الروحي الوثيقة الذي جعله منه أحبّ تلامذته، وأوعاهم لعلمه، وأحرصهم على استيعاب نظراته في الدين والحياة، ونقل تراثه الفكري الخالد نقيّاً عبر الأجيال.

اختار العاهل المخاتل لتجربته التدميرية المقبلة (عنصراً) ليس كالعناصر التي تناولها قبل يومه هذا بالمحاولة والتجريب، اختار امرءاً هو من عليّ بن أبي طالب بمنزلة الحواريين من السيّد المسيح، ينهج نهجه ويسير سيرته ويستقي من فيضه، كمثل استقاء الجدول من النهر الكبير...

وإذا كان معاوية ذهاباً مع شطحة أمانيه -- قد شطّ في اختياره حتّى لأوغل إلى آخر المدى، فإنّه الشطط الذي يحمده ولا يخشاه، لأنّه لو أثمر بالغٌ لا محالة بالأُمّة الإسلامية جميعاً بكلّ أرض وفي كلّ عصر -- بتأثير النتيجة (الأسطورية) المذهلة التي سيسفر عنها -- غاية الشطط والارتباك في تقديرها للأمور والأشخاص، ودافعٌ بها إلى غيابة من الظلام والوساوس تضلّ فيها عن التمييز بين الباطل والحقّ، الخطأ والصواب، الزيف والصدق، الشكّ واليقين، وحسبه هذا فهو ما يرجوه.

أمّا الفريسة فكانت عبد الله بن عبّاس.

وأمّا الدسيسة فكانت التلفيق.

وتتعدّد أمامنا الروايات عن الحادثة، موضع البحث التي نراها حيلة من حيل ابن أبي سفيان، أو واحدة من تجاريبه، ويراها غيرنا حقيقة تاريخية صادقة عاشت على أرض الواقع المستيقن بغير شبهة من شكّ أو مجال لجدال، فلقد

قلّ من أغفلوها من رواة التاريخ، أو أنكروها، أو أخذوها مأخذ ريبة.

وكثر أولئك الذين أوردوها كواقعة ثابتة، ومن رتّبوا عليها النتائج، أو تناولوها بالتعليق، حتّى لتوشك القلّة أن تكون ندرة لا يتلفت إليها، وتوشك الكثرة أن تبلغ حدّ الإجماع.

ومع ذلك فالصواب لا يكون دائماً في جانب الكثرة، كما أنّ الخطأ لا يكون دائماً مع النزر القليل، بل من الإسراف في حسن الظنّ إن لم يكن في الغفلة أن يوزن الحقّ أو الباطل بميزان (عددي) يرجح أحدهما على الآخر بثقل كثرة الرواة والأتباع، إنّما يجدر في مقام كهذا بالرواية ما يجد بالناقد، فيضع في حسابه ظروف الحادث ووقته، والخاسر به والمفيد منه، مع المعالم النفسية والخلقية لمن عاش فيه من الشخصيات، أو من أعاشتهم القصّة للرواة، ثمّ لا يمكن أن تكتمل الصورة بعد هذا كلّه جلية واضحة إلاّ بعد تأمّل واع في الجو العام للواقعة مثار الخلاف، ومعايرة دقيقة لكافّة احتمالات الخطأ أو السلب، واحتمالات الصواب أو الإيجاب.

على هذا النحو يستطاع فرز الصدق عن الكذب في كلّ رواية تواترت عبر الأعصر على الألسنة وفي الأسفار، وأمدها عمرها الذي أخلف القرون بها لتر من القداسة جعلتها من المسلمات... وبنفس الميزان نعاير ما نسب إلى عبد الله بن عبّاس من اعتزاله ابن عمّه أمير المؤمنين في السنة التاسعة والثلاثين الهجرية سنة التمويه المعاوي، الذي لمس بعصاه السحرية بعض الوقائع كما لمس بعض الأشخاص، فإذا هي وهم جميعاً على صفحات التاريخ المكتوبة غير ما كانوا في واقع الحياة. ولا نريد تعجّل النتيجة فنقرّر زيف حادثة الاعتزال، أو نراها من ابتداع الخيال، ولكنّنا لا

نستطيع أيضاً أن نتطلع إليها بمعزل عن سوابق معاوية في نفس المجال، لأنّنا عندئذ إنّما نهدر (الجوّ) النفسي بكلّ ما فيه من دوافع ونزعات لها أكبر الأثر في توجيه السلوك الإنساني الذي يخلق الوقائع ويرسم مسيرة التاريخ، وقد يؤدّي بنا هذا الإهدار إلى خطل التقدير، فنظلم الصدق المطلوب، أو نظلم النص المكتوب.

ونبدأ من البداية.

تقول الروايات:

أصاب ابن عبّاس من بيت مال البصرة مالاً لا حقّ له فيه، فلمّا انتهى الخبر إلى عليّ غضب أعظم الغضب وأراده عليّ ردّ ما أخذ، فأبى، ثمّ خرج بهذا المال من البصرة معتزلاً قالياً لابن عمّه، ناقماً عليه، فأقام بالحجاز ينعم بما أصاب.

(والقصّة هكذا تقدّم لنا ابن عبّاس في غير صورة ابن عبّاس! فهي بما تضمنته من نصوص تنزل به في حمأة السقوط إلى أبعد قاع، وهو بها الخائن الذي كأنّما حرص على أن تجتمع فيه كافة الخيانات، خائن دينه الذي ينافي السلوك المزعوم، ويضعه بمحكم التنزيل فوق قمّة التحريم، خائن وطنه في أحلك الظروف التي تتطلب تضافر جهود كلّ أبنائه، عمّالاً ومواطنين، مسلمين وغير مسلمين، لوقايته من التردّي ثانيةً في وهدة الانحلال التي تحفرها له النكسة المادية المغلبة للشهوات على المبادئ والقيم الإنسانية، بعد أن انتشله منها الإسلام.

خائن ولائه للنظام وعهده للإمام، خائن حقّ مواطني البصرة عليه بالتخلّي عن عمله كما يتخلّى الراعي عن القطيع ويدعه للذئاب، خائن

ماضيه وتراث آبائه وشرف البيت النبوي الذي ينتسب إليه، ويمثل بمنزلته منه الرجل المأمول الذي تتطلّع إليه أنظار الأُمّة الإسلامية بعد عليّ وولديه سبطي الرسول).

ليست هذه قطّ بصورة ابن عبّاس، ولا يمكن أن تكون، وإن استطارت بها الأخبار، وتعدّد الرواة، وجرت فيها أقلام المحدثين والقدامى من كتّاب السير والتراجم بالتعليق أو بالتحليل. فما هي جديرة فيما نخال بالتصديق، أو بمسحة من التصديق، إلاّ أن يكون هذا تجنياً على رويّة التفكير، إذا قيست الواقعة بسببها المعلوم المتواتر، لكان أحرى بها أن تنهار من الجذور، كالصرح الباذخ الذي يبنى على رمال، وإذا هي وزنت بما فطر عليه ابن عبّاس من طبيعة لما كان لها فيه كفّة الميزان إلاّ كمثل ثقل الهباء، وإذا هي فحصت في ضوء ما اشتهرت عنه من خلال: ديناً وخلقاً وعقلاً، وكلّها خليق بأن يكفّه عن الدنايا لمحق ظلمتها إيمانه واستقامة خلقه ودقّة نظره في الأمور، الدقّة التي تورث الحذر والتبصر وتهب إحسان التقدير.

شتّى ألوان الافتراض التي قد تخطر ببال كمحاولات لتفهم واقعة الاعتزال، كفيلة أن تمضي بنا وبأي إنسان في طريق مسدود، فالواقعة أشبه بشطحة خيال، وسببها أدنى إلى عبث الخيال، فإن قيل من بعد: عسى الاعتزال قد وقع بين العامل وبين أمير المؤمنين نتيجة تباين نظرتين أو تعارض سياستين، فأين في بطون تلك الأقاويل المروية ما لعلّه يشير من بعيد أو قريب إلى باعث الجفوة الفكرية التي أثارت الخلاف؟

لو ثبت هذا فظهر باعث كيفما يكون، لما كان عجباً أن تدبّ الفرقة بين عليّ وابن عبّاس ويقع على أثرهما الاعتزال، ثمّ لا لوم ولا تثريب على

المباين المعتزل أخطأ بفعله أو أصاب، فالرأي عادة -- أيّ رأي -- هو اجتهاد رائيه، والاجتهاد ثمرة عوامل عديدة: نفسية وموضوعية تحرّك الذهن وترسم له نهج التفكير، وقد يتغلّب بعض هذه العوامل على بعض، ويؤثّر في الرأي ويطبعه بطابعه، أو يشوب سلامته، منحرفاً به عن السواء، ومع ذلك فحقّ للرائي بغير نزاع أن يعمل بما رأى ما دام على ثقة منه واقتناع به إلاّ أن يتبين له وجه الحقّ في سواه.

لكننا لا نجد هنا اختلافاً في السياسات، ولا رأياً فرّق بين الصاحبين، لأنّ موضوع الاعتزال المزعوم بديهية لا تقبل اجتهاد الرأي وتباين النظرات.

فخلاصة القصّة: بإجماع الروايات عامل غاصب لمال مغصوب، المال مال عام، والعامل موظف عام، والولاية على كليهما للسلطة الشرعية الممثلة في الإمام، بحكم الدين وبحكم القانون، فإذا لم يكن للسلطة أن تسائل الغاصب وتستردّ منه المغصوب، فأيّ دور لها عليها التزامه في مثل هذا المقام، لردع المعتدي حماية لحقوق الجماعة وحفظاً لهيبة النظام؟

ما من امرئ يسعه أن يرى بالنظرة العابرة العادية أو بالنظرة المدقّقة التحليلية في واقعة الاعتزال المعروضة أمامنا على نحو ما نقلها الرواة، غير حادث سرقة أو جريمة اختلاس... وما من امرئ أيضاً يسعه مهما أوتي الحجّة وفصل الخطاب أن يمارس في طبيعتها، فيغيّر من وصفها هذا بوصف سواه، يخرج بمفهومها على فحوى النظرة الصريحة لعامّة الناس، وإن كان الفاعل ابن عبّاس، أو كان الرائي هو ابن عبّاس!

ولئن حلا قديماً وحديثاً للمؤرّخين والمعقّبين أن يوردوا فيها الأقاويل والتهاويل، ويكثروا التعليق والتأويل، محاولين تصويرها في هيئة انفضاض

عن الإمام من أقرب الناس إليه وخروج على طاعته، ومقاومة سلبية للسياسة التي ينتهجها في تدبير أمور الشعب والدولة، فهذه هي المحاولة التي تضع الاعتزال -- من ناحية النظر الجدلي -- في نفس مكانه من المهانة والابتذال، لأنّها لا ترجّح رأي المعتزل الهاجر أو تبرّر سلوكه، ولا تنال من نظرة المعتَزل المهجور وسلامة تصرّفه، بل هي قبل هذا كلّه، المحاولة التي تشقّ على نفسها بالتبرير أو بالتعذير، حيث لا موجب لالتماس المبررات والمعاذير، لأنّها تسير إلى غير غاية، وتدور في فراغ، جرياً وراء وهم خادع وأكذوبة مفتراة؟

الذين عنوا من كتاب السير والتراجم بتناول (اعتزال) عبد الله بن عبّاس عليّاً بالرواية والتحليل، ثمّ نظموه في سلك الواقع، كأنّما جمعوا له من دقائق الحواشي وتفصيلات الأخبار ما يستطرد به على السطور في تسلسل منطقي سليم، وترابط حدثي محكم، ونسق عضوي محبوك، حتّى لتبدو الصورة بألوان كثيفة صارخة، وتبدو الحبكة في الحدث المزعوم، وهي حبكة صناعة لا حبكة طبيعة.

ولا ندّعي أنّهم نحلوه غير ما ذكر عنه، أو قيل فيه، ولكنّنا نحسب أن الدقّة في رسم القصّة على هذا النحو المنقولة به من المبالغة والإغراق تكاد تحمل على الشكّ فيها أُصولاً وفروعاً، لأنّ الحقائق الحيّة في غنى كلّ الغنى عن مثل هذه الحبكة (الفنية) التي لا تتوافر عادة على مسرح الحياة، وإن توافرت في المسرحيات.

ومع ذلك فإنّ ما اجتمع لهذا الحدث المزعوم من المغالاة لإظهار صدقه وتأكيد وقوعه -- بكلّ شاردة أو واردة عرضت له من قريب أو من

بعيد، وبكلّ ما وقعت الأعين عليه فوق الأسطر من كلمات، والتقطته الأسماع في الهمسات من شائعات، وبكلّ صورة ذهنية أو لفظية له -- يكاد يميل بنا بعيداً عن مسيرة التاريخ.

فلقد أغرقوا أجمعين في إبراز الاعتزال من خلال وقائع وجدليات لا تدعو لها طبيعة (الفعلة) التي أنشأته، وما هي بظاهرها وباطنها سوى جريمة اختلاس، لا يمكن بحال أنّنا نحمّل الجاني -- وفي مواجهة شواهد الإدانة وقرائن الاتهام -- إلاّ على الاعتراف والإقرار، وقد تحمله على الإنكار أو محاولة الإنكار، ولكنّها قطعاً لا تدفع به في مهامه من الجدل والحوار، وهو أوّل من يعلم أنّها لا بدّ مشدّدة عليه النكير، مفضية به لا محالة بعد طول اللجاج والمكابرة، وفي نهاية المطاف إلى حسرة أبلغ من الاعتراف.

والصورة المنقولة إلينا عجيبة!

فالروايات تكاد تجمع بغير اختلاف على عامل سالب ومال مسلوب، ثمّ تتّفق على جدل مكتوب يثيره سالب المال في رسائل لا يكون قصاراها أن تنفي جرمه أو تبرئ ساحته، بل كأنّما تؤكّد للناس بخطّه وألفاظه اعترافه بالإثم غير متلوم وإقراره الصريح بالوقوع فيه! ثمّ تتضافر معاً على تصوير الآثم سادراً في غلواء من الجدل المكابر والمكابرة الجدلية إلى الحدّ الذي يقلب فيه الأوضاع فيقف من قاصيه موقف القاضي، ويزج بالإمام في قفص الاتّهام!

تصوّر للأمور غير مقبول، ودفاع عن النفس غريب، ابن عبّاس أكيس من أن يسوقه، ولو كان حقّاً التوى بالمال.

لكن مستيقني الصدق في القصّة (المرسومة) لا يريبهم فيها ما هو غير

مقبول معقول اكتفاء بالمروي المنقول، ولو أمعنوا النظر لطالعتهم فيها ثغرات تكاد تجعل بناءها ينقض من أصل دعاماته، وتهوي به في هاوية الخرافات.

أقوى شواهد صدقها لديهم، البنية اللفظية للخطابات التي زعم أنّها تدور حول السرقة والاعتزال وبعث الإمام بها إلى ابن عبّاس، فأسلوبها اللغوي فما يرون أسلوب عليّ وعباراته، تومئ إلى ابن عمّه الإيماء المعبّر الذي يغني عن الإفصاح، وليس كهذه وذاك دلالة أقدر على إبراز حادث الاعتزال كحقيقة تاريخية ثابتة لا تقبل الجدال.

قيل: كان ممّا كتبه الإمام إلى ابن عبّاس وقد عرف أمر نزوّه على مال البصرة بغير حق: (...فَقَد بَلَغَنِي عَنْكَ أمْرٌ إنْ كُنتَ فَعَلْتَهُ فَقَد أسْخَطتَ رَبَّكَ، وعَصَيتَ إمَامَك، وأخْزَيْتَ أمَانَتَك ... بَلَغَنِي أنَّكَ جَرَّدتَ الأرْضَ فأخذْتَ ما تَحْتَ قَدَمَيْكَ وأكَلْتَ ما تَحْتَ يديك فَارْفَعْ إليَّ حِسَابَكَ...).

وممّا كتب: (إنّي كنْتُ أشْرَكْتُكَ في أمَانَتِي، وجَعَلْتُكَ شِعَارِي وبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ في أهْلي رَجُلٌ أوْثَقَ مِنْكَ فَي نَفسِي... فَلَمَّا رَأيْت الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمّكَ قَدْ كَلِبَ، والعَدُو قَدْ حَرِبَ، وَأمَانَةَ النَّاس قَدْ خَزيَت، قَلَبت لاِبْن عَمّكَ ظَهرَ المِجنّ فَفَارقْتهُ مَع المُفَارِقينَ، وَخَذلْتَهُ معَ الخَاذِلِين، وخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِين، فَلا ابْن عَمّك واسَيْتَ ولا الأمَانَةَ أدّيْتَ...).

ومنه أيضاً: (...أيُّها المَعْدُودُ كَانَ عِندَنَا مِنْ أولِي الألْبَابَ! كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وطَعَاماً وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ تَأكُلُ حَراماً وتَشْرَبُ حَرَاماً وَتَبْتاعُ الإِمَاءَ وتَنْكِحُ النِّساءَ مِنْ أمَوالِ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ والمُؤْمِنينَ والمُجاهِدينَ، الذينَ أفَاءَ اللهُ عَلَيْهمْ هذِهِ الأمْوالَ، وأحْرَزَ بِهٍم هذِهِ البِلادَ؟ ... فاتَّق الله وارْدُد إلى

هؤُلاءِ القَوم أمَوالَهُمْ، فإنَّك إنْ لم تَفعَل، ثُمَّ أمكَنَني اللهُ مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ إلى الله فِيكَ ولأضْربَنَّك بِسَيْفي الذي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أحداً إلاّ دَخَل النَّار... وَوَاللهِ لَوْ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْن فعَلا مِثلَ الذي فَعَلْت، ما كانَتْ لًهُمَا عِنْدِي هَوادَةٌ...).

هذه الصورة هي التي تؤكّد ثبوت حدث الاعتزال بدلالة الأسلوب وإشارة الخطاب في رأي كلّ من حكم بالثبوت.

وليس ثمّة وجه لاعتراض معترض على هذا الرأي الذي استند إليه الرواة، وتعلّق به المعلقون من بعد، وهم يلصقون جريمة الاختلاس بابن عبّاس، ويسلكونها حقيقة واقعة في نسق التاريخ ما دام الأسلوب ينم عن الكاتب، وعباراتها توميء إلى المخاطب، وسياق الكلام يؤكّد الاتّهام المزعوم... لا وجه حقّاً للاعتراض على حكمٍ، الاتّفاق عليه يشبه الإجماع، إلاّ أن يبيّن لنا ما قد يهزّ أسبابه وينقض أركانه، فيطعن فيها وفيه بالبطلان، أو بالقصور على أقلّ تقدير، والقصور والبطلان نراهما معاً حاضرين في جانبي القضية المعروضة: جانب الشكل، وجانب المضمون.

أمّا الشكل: فإنَّ أسلوب الإمام نهج من صياغته الكلام بليغ مبين، يسحر العقول ويستهوي الأسماع، تناول به صاحبه كلّ خاطرة، وطرق كلّ موضوع، ممّا يلم بالدين والحياة، حتّى غدا مدرسة فكرية ولغوية لذوي الآراء، وأئمّة البيان تتلمذت فيها قديماً الأجيال، وما فتئت إلى اليوم قبلة يؤمّها كثيرون... فإذا هي أثمرت ثمرتها وخلفت ورائها أناساً يحتذون حذوها، فليس من العجيب الغريب أن تجد فريقاً ممّن نشئوا في ساحتها، وارتووا من ينابيعها يسعهم -- انطباعاً أو محاكاة -- أن يمتثلوا طرائقها المعروفة في التفكير والتعبير...

وإذا كان تقليد أسلوب عليّ ليس بالمحال على البلغاء الموهوبين والمتمرّسين، وبخاصّة في العصور المتقدّمة التي بلغت اللغة فيها شأو الازدهار، فإنّ أمامنا أيضاً ظاهرة ينبغي ألاّ نغفلها من الحساب، لأنّها تؤيّد إمكان التقليد ولو بعض التأييد...

فقد جاء في استهلال إحدى رسائل الإمام المزعومة لابن عمّه عبارة سلف ورودها -- بالكلمة والحرف -- في كتاب له إلى مصقلة بن هبيرة عن واقعة مماثلة التوى فيها ابن هبيرة بما لم يكن له فيه حقّ من أموال المسلمين، واستحقّ به اللوم من عليّ في خطاب، قال فيه: (...بَلَغَنِي عَنْكَ أمْرٌ إنْ كُنتَ فَعَلْتَهُ فَقَد أسْخَطتَ إلَهَك، وعَصَيتَ إمَامَك)، مقال كمقال، واستهلال هو نفس الاستهلال!

فإن قيل: إنّ الكاتب -- أي كاتب -- لا يسلم من تكرار بعض العبارات بين وقت وآخر، وكلام وكلام، فمن الممكن أيضاً أن يقال: أنّ مطابقة العبارتين إحداهما السابقة للأُخرى اللاحقة لم تكن عفواً، بل نتيجة محاكاة أريد بها ضمان اقتناع القارئ والسامع، بأنّ كلا الكتابين من مصدر واحد هو الإمام، وليس بمجهول أنّ حادث ابن هبيرة كان قبل حادث ابن عبّاس، فلا عجب إذن أن نأخذ الكتاب المدون إلى هذا الأخير بشبهة التقليد.

وكما أنّ محاكاة أسلوب عليّ تقع في نطاق الاحتمال والإمكان، فكذلك لا يبعد أن تقع أيضاً عباراته المومئة إلى شخص مقترف الاعتزال في نفس النطاق, فما ينكر أحد أو يجهل أنّ لغة العرب قد درجت على مخاطبة الغريب -- كالقريب -- بصور أسلوبية عديدة تشيع فيها ألفاظ التعاطف والتقريب، اجتذاباً لمشاعر المخاطب، أو تقديراً وتدليلاً له، أو ولوجاً إلى

نفسه من أوسع باب، وهو باب العتاب الرقيق، فكم قيل: (يا بن أُم)، وقيل: (يا أخي)، وقيل: (يا عمّ)، وقيل.. وقيل، إلى غير هذه وتلك من ألفاظ لا تعبّر عن حقيقة الصلة الأسرية، ولا تزال منها إلى الآن في لغتنا اليومية أشابه يفسّر بقاؤها التزامنا قواعد المجاملة وأدب الخطاب.

ثمّ ندع الخوض في الشكل إلى الموضوع، فماذا عسانا نرى فيه؟ بأعلى صوت تنادي الشواهد بأنّ الواقعة جملة وتفصيلاً، وحكاية هازلة أدنى إلى أن تكون أحقّ بالتندر والسمر في حلقات السمار وسهرات المتندرين منها، إلى رواية جادة خليقة باهتمام المؤرّخين والمعقبين.

من خلال وثائقها المدّعاة تبرز صورة لابن عبّاس ما هي قطّ لابن عبّاس، لأنّها تجمع من نقائض صفاته وأضدادها ما لا يسرح إلى مثله سوى خيال محموم تتخبطه الأوهام، فيها الغفلة والغرّة، وفيها الحمق واضطراب التفكير، وفيها الغدر والخيانة، وفيها كلّ ما يخالف طبيعة العامل المفترى عليه، ويخرج به عن أدب الدين وناموس الأخلاق.

ومن خلال الحقائق المقرّرة تنبو الحكاية المزجاة عن سياق التاريخ وخطّه المستقيم، لأن المقدّمات فيها تجافي النتائج المترتبة عليها، والمسببات تعارض الأسباب، فلقد أبى المدّعون -- فيما نسبوه لابن عبّاس -- أن يرفع إلى أمير المؤمنين حساب ما تحت يديه من مال البصرة، وإن كان ليعلم حقّ العلم إنّ رفع الحساب حجّة له تدرأ عنه الشبهات، وحبسه حجّة عليه تلصق به التهمة، ومع ذلك فقد ارتأوا له ما لا يرتأيه عاقل يحسن التقدير، ثمّ زادوا فمالوا به إلى الاستعلاء، محاولاً التنصل من تبعة الالتواء بما أؤتمن عليه، ومدّعياً لنفسه حقّاً خالصاً في ذلك المال أكثر ممّا أخذ،

وإن كان لموقناً كلّ اليقين أنّه وغيره فيه سواء دون تمييز، إذ هو رجل من المسلمين له ما لهم، وحقّه في المال كحقّ أي الرجال...

أبوا في الأولى حين طالعه أمير المؤمنين بما بلغه عنه فلم يدفع التهمة، ولم ينقضها بدليل، بل اكتفى بنفيها ببضع كلمات لا تغني السائل ولا تعفي المسؤول، دبّج كتاباً كان كلّ ما جاء فيه: (إنّ الذي بلغك باطل، وأنّا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدّق عليَّ الأظنّاء).

فإذا هو المستخفّ المستهين.

وأبوا في الثانية مكابرة وعنتاً حين ألح عليه الإمام بطلب الحساب فأجاب: (أتاني كتابك تعظّم عليَّ ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري أنّ حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت)، فإذا هو الصلف المستكبر.

ثمّ زادوه غيّاً غرة ورعونة، ففارق عمله وتوجّه إلى مكّة بالمال المسلوب جهرى وعلى ملأ، حتّى ضجّ أهل البصرة غيرة على مالهم، وهمّوا أن يبطشوا به، فما ارعوى وثاب، ولا ردّ ما اغتصب، بل امتنع منهم ببني هلال أخواله، وشطر الناس في المصر شطرين متناجزين: فريق عليه برأي الحقّ، وفريق معه بحكم العصبية، يتداعون جميعاً إلى السلاح، حتّى لتوشك الحرب الأهلية أن تحرق البصرة، لولا أن تدارك عقلاء القوم قبل أن تندلع النار.

ومع ذلك فانطفاء الفتنة وظفره بالمال الحرام لا يقعده في مكّة عن الإمعان في لجاج الاغترار، وإنّما تهيء له نظرته المنحرفة -- أم نظرة الرواة؟ -- أن يؤجّج لهيب الخصومة بينه وبين عليّ، فينصب نفسه قاضياً يحاكمه، ويناقشه الحساب!

كتب إليه عليّ يحاول أن يهديه: (... من العجب أن تزيّن لك نفسك

أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ (إلى قوله) فقيراً إلى ما قدمت)، فلم تحركه -- بروايتهم! -- العظة، هو التقي النقي، بل أمعن في الظلام بحماقة معتوه، وغفلة غرير إلى محاولة مفضوحة تأخذ الإمام بجريرة جرم، ابن عبّاس نفسه أوّل من شارك فيه؟

كان جوابه العجيب: (أمّا بعد، فإنّك قد أكثرت عليَّ... بدم امرئ مسلم! ...)، خطأ بخطأ، أو جرم بجريرة، فلا لائم إذن ولا ملوم، لأنّهما كليهما في الإثم سواء! وكأنّما نسي ابن عبّاس -- أو بأصدق تعبير من لفّق حكاية الاعتزال ودسّها عليه وعلى التاريخ -- أنّه بهذا الدفاع الخبيط يقرّ على نفسه بجريمة السرقة من حيث أراد إثبات غثاثتها إذا هي قيست باقتراف عليّ إراقة الدماء المسلمين، وكأنّه نسي أيضاً أنّ دفاعه يجمع عليه الجرمين معاً، لأنّه شارك إمامه القتل والقتال من أوّل لحظة امتشق فيها الحسام!

لكنّه السياق الذي جمعت رواياته الرواة فيه بلا روية كالطرائد المذعورة، تضرب على غير هدى، فتنقلب وتضطرب وتتعثّر وتكبو وتتجاوز في تخبطها الضال مجال الخيال إلى مجال الخبال! وها هو يبعث إلى الإمام حين رآه يعاود تذكيره حقّ الناس وحقّ الله برسالة وعيد:

(... لئن لم تدعني من أساطيرك.... إلى معاوية يقاتلك به...!).

ومن العجب أن يتهدّد ويتوعّد وهو الحقيق بالوعيد والتهديد، ومن العجب أن يسكت عليّ عليه، ويقبض عنه يد السلطان التي تستطيع أن تناله بالعقاب أينما كان ولو لاذ بأبعد مكان، فعلى كثرة ما ورد في واقعة الاعتزال من أقاويل وما لهت وراء التفصيلات، تقف ألسنة الادّعاء عند مكّة خرساء، فلا نحن نسمع عن رسول من لدن عليّ بلغها لمحاسبة ابن

عمّه، ولا نحن نعثر على كلمة واحدة إلى عامله عليها ليلاحقه بالحساب، وما كان الأمر عليه بالعسير، ولا بالذي يغفل عنه لو قد وقع -- فعلاً -- من ابن عبّاس ما يستحقّ المؤاخذة والعقاب، بل الإعذار والعتاب، إنّما كان أولى به وأهون عليه.

فإذا قيل: إنّ لياذ مغتصب المال بالبلدة الحرام وفيها قومه وأهله الأدنون كان عاصماً له من المساءلة والردع، فإنّ أولئك القوم هم كذلك أهل أمير المؤمنين، فهم ألصق به وشيجة وأحرص على امتثال أمره، وأقرب إذن إلى أن يكونوا معه على ابن عمّه الخارج عليه، ثمّ لا عاصم أيضاً في منكر ولا جوار لأثيم.

غير أنّ الاقتضاب فيما يلوح كان أليق كنهاية لهذه الحكاية -- التي تفوح من سطورها رائحة الافتعال، وتشيع في صفحاتها بصمات الإدعاء والتهويل -- من النهاية الطبيعية التي يرسمها منطق الحقائق وخلائق عليّ وسجايا ابن عبّاس! فليس أيسر على الزاعمين من اقتضاب السياق، ولا أسهل من إسدال الستار قبل الختام، لأنّ بحسبهم أن يبلبلوا الخواطر، ويوزعوا الاتهامات، ويشيعوا الريبة في سمعة هذا وقدرة ذاك...

ومع هذا كلّه فاختلاق حادث اعتزال ابن عبّاس يكاد يكون الراجح وصدقه هو المرجوح حين نلقي بنظرة متأمّلة على وقائع الحقبة المعاصرة من خلال النصوص التي نقلتها وما ورد في ثناياها من آراء.

فكثير من الذين ذكروا الحادث كواقعة تاريخية كثر رواتها إلى ما يشبه الإجماع، أوردوا معه روايات آخرين، وإن كانوا قلّة تنفي وقوعه وتقرّر بقاء ابن عبّاس على عمله بالبصرة لم يبارحه إلى يوم مصرع الإمام،

وغيرهم طائفة لم يذكروا شيئاً عن الاعتزال وأغفلوه، وفي الإغفال بطبيعة الحال دلالة على عدم وقوعه، خليقة بأن تشكّك في رواية الذين أثبتوه... ومنهم أيضاً من نسبه إلى عبيد الله بن عبّاس لا إلى عبد الله، ولعلّهم إذا فعلوا قد دفعهم إلى هذا فرار عبيد الله من اليمن أمام بسر بن أرطاة، وما عساه قد اقترن بالفرار من احتمال خروجه -- كعادة الفارين من الخطر -- بكلّ ما استطاع حمله من مال إمارته خشية عليه أن يقع طعمة سائغة في يد العدوّ المغير.

هذا الاضطراب الظاهر في الروايات ليس فحسب خليقاً بأن يحمل على تقبل القصّة المعروضة بالحذر والحيطة، بل هو يحمل أيضاً على الشكّ في صدقها، ثمّ يدفع من بعد إلى نفيها القاطع إذا ما تبدى من سلوك أبطالها في مراحلها العديدة ما يناقض خلالهم المأثورة، ويخالف فطرتهم المفطورة، ويباين مألوف تصرّفاتهم ومشهودها: ما عرف منها قبل الحادث المزعوم وما عرف بعده على السواء.

وقد كان من الجلي في الحدث المروي أنّ فيه من التناقض بين السلوك الواقع وبين السلوك المنتظر من صاحبه ما يؤكّد أنّ الفعل ليس الفعل والفاعل ليس الفاعل، لأنّ صدور هذا التصرّف من هذا المتصرّف هو المحال الذي لا سبيل إلى حدوثه في واقع الحياة، فالقضايا المنطقية لا تجيء نتائجها عفواً وخبط عشواء، ولكنّها تسير بقانون دقيق فتترتب على مقدّمات بذاتها -- لا سواها -- لا تتحقّق إلاّ بها، فإن ثبتت الأولى ثبتت الثانية، وإن تغيّرت تغيّرت، حتّى ليمكن أن يقال: إنّ لها صفة الاستقرار. والأفعال سلوك لا ينشأ بذاته، بل ينبني على مقومات شخصية الفاعل متفاعلة

بظروفه، فهي نتائج منطقية تتكرّر دائماً ولا تتغيّر ما ثبتت المقومات وهي الأشخاص، وابن عبّاس على هذا الأساس كمثال ليس من يسرق ولا من يخفر ذمّته وينكث عهده، ولا من يخون أمانة الله والناس، لأنّ السرقة والنكث والخيانة نتائج منطقية محال ترتبها على المقدّمة المماثلة، وهي شخص الفاعل المفترى عليه بمقومات شخصيته من فطرة، ودين وأخلاق وتكوين نفسي، كفيلة كلّها بأن تعصمه من التردّي في حمأة مثل هذه الموبقات... فإذا قيل في رواية أو روايات بصدور هذه الكبائر الفاحشة منه واجتماعها فيه، فذاك هو النتيجة التي تناقض المقدّمة، أو هو اجتماع ضدّين معاً كالماء والنار، ولا يجتمع ضدّان في آن لأنّهما لا يأتلفان!

وبعيد عن التصوّر كلّ البعد أن تقع الجفوة التي شهدنا بين ابن عبّاس

وأمير المؤمنين حتّى تصل بالعامل إلى حدّ اللدد والتوعّد، ثمّ لا يتحرك معاوية ليستغل هذه الفرصة التي أتته طائعة وتهيأت على غير انتظار، فلقد عهدنا العامل الأموي يجهد الجهد كلّه ويركب الشاق والعسير لاستهواء أصحاب عليّ، وهم بعد في ولائه اجتذاباً لهم والتواءً بهم عن غريمه الحقيقي بالولاء... ومع ذلك فلم نره هنا يحاول استمالة ابن عبّاس، وإنّه عندئذٍ لأطوع للميل إليه وأسلس قياداً بعد أن باين الإمام.

إلى هذا كلّه لم تخل السير من مواقف مشهودة لابن عبّاس تعلن وفاءه لابن عمّه، واعتصامه بطاعته، وحرصه بعد موته على تمجيده ونشر فضائله التي طالما حاول أعداؤه أن يواروها التراب، وقد علم أنّه كتب من البصرة بعد مصرع الإمام إلى معاوية يقرعه ويقسو عليه، وعلم أيضاً أنّه كان لا يتحرّج من مشاقته والعنف به على مسمع جلسائه ورجال دولته بعد

اقتعاده إمرة المؤمنين، خائضاً في مثالبه معدداً مناقب عليّ، حتّى لقد كان الرجل لا يكاد يخلص من سوط لسانه إلاّ أن يداريه ويسترضيه.

فإذا كانت هكذا الحال فأين الجفوة، وأين الاعتزال؟

كلا لم يخرج ابن عبّاس على طاعة عليّ، ولا اعتزله والتوى بمال، بل قد ظلّ موالياً له حافظاً عهده في خلافته وفيّاً له، ناضحاً عن ذكره بعد موته، ثمّ تابع سيرته هذه مع الحسن، فأسرع إلى بيعته ووقف بالكوفة يسانده، وقاد مقدّمته حين عزمت الكوفة على غزو الشام (؟)(1)ولم يلق بطاعته إلى معاوية إلاّ بعد أن ألقى بمثلها إمامه الجديد ابتغاء السلام).

وقال عبد الفتاح عبد المقصود في ج9 ص98 -- 99: (إنّ لم تكن بصمات أصابع ابن أبي سفيان هي المنطبعة على حكاية الاعتزال، فبصمات من هذه تكون؟

ترجيح جانب العاهل الأموي مقبول ممكن، بدلالة سابقته في التلفيق، وبشهادة أنّه وحده الذي يفيد من القطيعة المنتظرة نتيجة للدسيسة بين ابن عبّاس وأمير المؤمنين، وعلى أساس انتفاعه معنوياً من أثر القصّة المختلقة في الناس كشائعة تثير الخواطر، وتبلبل الأفكار، وتوحي إليهم أنّ انفضاض ولي حميم لصيق الصلة بالإمام كابن عمّه إيذان ببدء انهيار سلطان عليّ وذهاب دولته، وإعلان عن الدولة الجديدة البازغة، للفتهم إلى التعلّق بأذيال الشام.


1) - لقد وهم المؤلّف الأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود حين خلط بين ابني عبّاس عبد الله وعبيد الله! فليس الأوّل هو الذي قاد مقدّمة الجيش، بل هو عبيد الله، وعبد الله كان لا يزال بالبصرة عاملاً للحسن عليه السلام، كما مرّ في الحلقة الأولى ج4 تاريخ وسيرة.

ومع أنّ هذا الترجيح معقول، فإنّ أمانة العرض لا تتيح لنا القطع بصحّة الافتراض، ولكنّها كذلك لا تتيح لنا نفيه النفي المطلق الذي يمحوه.

إنّما الأميل إلى الحقّ أن ننكر الاعتزال كحقيقة تاريخية وقعت، وأن نثبت مظاهره ومعالمه كحكاية حيكت بقلم ما، في يوم ما؟!... والفرق لا ريب واضح بين ما يحدث وبين ما يكتب، ثمّ لنا في إنكار حدوث الحادث سند معتمد في خلائق ابن عبّاس، وفي التسلسل المنطقي للتاريخ، كما أنّ لنا في الإقرار بوجود الحكاية كحكاية سنداً معتمّداً من الرسائل والخطابات التي نقلها الرواة.

ولا تناقض في هذا التأرجح من النفي إلى الإثبات، ومن اليسار إلى اليمين.

ولا تفسير إلاّ بفرز الصحيح من الزائف والصدق من التمويه.

فالرواية ثابتة مروية، مصوغة في السير بالحروف والكلمات والعبارات، ولكن ما ترويه من وقائع وما تقدّمه من أسانيد هو المرفوض المدحوض الذي لم يكن ولم يولد، ومن ثمّ فإنّه لم يدبّ بقدمين على أرض التاريخ.

فإذا كان معاوية قد برئ من تلفيقها -- ولا نكاد نراه -- فلعلّ صنيعة للأمويين قد ابتدعها خياله... ثمّ مشى بها لسانه في الندوات والمحافل ما شاء لتفرض نفسها على الأذهان بقوّة الإلحاح، ثمّ لتتسلل كلّ صفحات الأحداث الصادقة التي لها ثبوت اليقين...

أو لعلّ امرأ من شيعة بني أُميّة في عصر لاحق هداه إليها تفكيره فأذاعها لتكون وسيلة شائقة سهلة يستطيع بها أن ينال من قدر شيخ بني

العبّاس، خفضاً من هيبة بنيه الذين حطموا الملك الأموي، وأقاموا دولتهم على أنقاضه، ولا نظنّنا بهذا التقدير نميل كثيراً عن جادة الصواب، وتاريخ الدول الإسلامية المتعاقبة لم يسلم قطّ من عبث خصومها العابثين بسيرتها وبسمعة أساطينها، من خلال تشويه الحقائق وتزييف الوقائع واختلاق الأخبار.

كيفما كان من وضع القصّة، فهي صورة لما تطالعنا به روايات الفترة من محاولات الخداع والتمويه التي اصطنعها معاوية، وزاد تمرّساً باصطناعها في العام الأخير من خلافة الإمام، فقد كثر منه في هذه ألسنة الأخذ -- كما أسلفنا -- بالأساليب التي تضعف من شأن عليّ وتهوّن أمره، أو تظهر له من الضعف والهوان ما ترتع فيه الأخيلة والظنون، وبرع في طريقته تلك البراعة التي تبدي الأكاذيب في هيئة حقائق، وتبدي الحقائق في هيئة أكاذيب، ثمّ جرى في هذا كلّه على سياسة التدرج التي تنتقل بالرأي العام خطوة بعد خطوة ومرحلة وراء مرحلة، لتلوح للناس غايته التي يهفو إلى بلوغها وكأنّها النتيجة الحتمية لتطور الأمور)(1).

هذا ما قاله الأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، ولست أنا معه في جميع ما قاله، بل لي مسلك آخر في نفي التهمة غير ما سلكه هو، وحتّى الآخرين، ممّا سيثير انتباه القرّاء في عنوان: (صدقوا وكذبوا) قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ(2).


1) - الإمام علي بن أبي طالب 9/ 86 -- 89 .

2) - سورة الأنعام/158.

مذاهب شتّى للمحبّين في الهوى*** ولي مذهب فرداً أعيش به وحدي

وقبل أن أختم هذا الجزء، فثمّة كتب صدرت حديثاً تناولت ابن عبّاس في الجانب التفسيري، وقد اتّخذ أصحابها نحواً من التضبيب المعتمّد، فلم يصرّحوا بخبر الخيانة، لكنّهم لم يكونوا بمستوى الأمانة، في نقل وتفسير بعض الجوانب الحياتية الأُخرى لابن عبّاس، وسأذكر بعضاً منها ممّا جعلها أصحابها تتعلّق بالجانب التفسيري، فزاغت أقلامهم وزلّت أقدامهم:

الفصل الثالث :كتب بين التضبيب والتعقيب

اشارة

إنّ من موارد التضبيب المتعمّد ما نجده في بعض الدراسات الحديثة الخاصّة بابن عبّاس رضي الله عنه، التي اتّخذ أصحابها جانب التفسير منهجاً لأبحاثهم، ولمّا كانوا ملزمين بتعريف ابن عبّاس في مقدّمات كتبهم، فيذكرونه في أدوار حياته، ومنها دوره السياسي، وأهم ما فيه ولايته على البصرة من قبل ابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهنا يرتطم قلم الباحث بصخرة صمّاء، وتهمة عمياء، وهو لا يريد المرور بها ما وسعه التجنّب عنها، كما لا يسعه إغفالها بأن لا يذكر عنها شيئاً، ولو بإشارة عابرة، لذلك كان بعضهم يغضي استخذاءاً أو حياءاً، فيشير من طرف خفيّ، ويذهب في سبيله إلى ما اختاره من عنوان دراسته، ولا غضاضة لو أنّ أصحاب تلك الدراسات التي وقفت عليها، تجنبّوا الإفراط في المديح والتفريط بعدم ذكر ما يوهن تلك الشخصية، واتّخذوا الوسطية الإسلامية نهجاً في تقويم ابن عبّاس لكان أولى، فلا محبّ غال ولا عدوّ قال، ولكن أنّى: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(1).

إنّ بداهة اعتماد الباحث -- أيّ باحث كان -- على مصادر التراث التاريخي كتاريخ الطبري وأمثاله من المصادر الموثّقة بالأسانيد، لا يرفع عنه إصر المؤاخذة في تهمة الوضع، لذلك يبقى تحت طائلة السؤال عن الشرط الجوهري، وهو قبول السند الموثّق في المدوّنات المعتمدة، لإثبات الوقائع،


1) - سورة سبأ/13.

أمّا ذكر اسم المصدر والاتكاء على ذكر الموضع الذي هو فيه، ثمّ المرور عابراً بسلام، ليس ذلك بجائز، فهو من التقميش، والحاجة فيه إلى التفتيش، فما أكثر الغثاء والزبد الجفاء، وأقل ما ينفع الناس في تعريفهم بابن عبّاس، وهذا ما لا يرضاه القارئ العابر فضلاً عن جهابذة التحقيق، ولا شكّ فيهم المناصر بالتصديق، والمكابر بالتلفيق والتمزيق، ولمّا كان ابن عبّاس شيخ المفسّرين، وشهرته في هذا لا تخفى على أحد، ولكثرة ما كتب عنه في هذا الباب من دراسات خاصّة لم تخرج عن المناقبية والتقديس، وقد مرّ ذكر دراستين ومناقشة ما فيهما في الجزء السادس من الموسوعة(1)فراجع!

أمّا الآن إلى ستّة كتب أُخرى تخصّ ابن عبّاس في الجانب التفسيري:


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 6/91.

الأوّل: (حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس، ومدرسته في التفسير بمكّة)

الكتاب الأوّل: (حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس، ومدرسته في التفسير بمكّة المكرّمة)، للدكتور عبد الله محمّد سلقيني، أُستاذ مساعد في كلّية أُصول الدين بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية، نشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى 1407ه- 1986م.

فلقد قرأت الكتاب، فوجدت كثرة عناوين، وقلّة مضامين، والمؤلّف خطابياً إنشائياً أكثر منه باحثاً مدقّقاً، وهو لا يخلو من تعصب غير خفيّ لا يحمد عليه، فإنّ ابن عبّاس شخصية إسلامية لم تخل عن ذكره مصادر التراث الإسلامي على اختلاف مذاهب ومشارب أصحابه، فكما هو في كتب السُنّة كذلك هو في كتب الشيعة، وما أدري لماذا أعرض الكاتب عن ذكر مصدر واحد من كتب الشيعة التي ذكرت ابن عبّاس على كثرتها، مع أنّ قائمة المراجع التي ذكرها في آخر كتابه وقد بلغت 138 كتاباً رتّبها على الحروف، وجعل القرآن الكريم في حرف القاف برقم98، مع كتاب قمع النفوس للحصني (مخطوط)، والقاموس للفيروزآبادي! وهذا غير مستساغ أدباً، ثمّ إنّ من بين تلك المراجع كتاب التفسير والمفسّرون للذهبي، وقد عرّف بالتراث الشيعي في التفسير وبابن عبّاس فيه.

والآن إلى بيان بعض الملاحظات التي أخفق المؤلّف في تجاوزها، فعدّت من موارد تقصيره، ومنها كنماذج:

أوّلاً: قال في (ص4): (...وفي الفصل الثاني في شيوخه... فتناولت فيه كيف تلقّى عن معلّمه الأوّل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، ثمّ عمر بن الخطّاب، وأبي بن كعب، وعليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت...).

وقد راجعت الفصل المشار إليه من (ص45) إلى (ص72)، فذكر في أربع الصفحات: الأولى ما يتعلّق بكيفية تلقّيه من معلمه الأوّل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فذكر من المناقبيات ما كان في غنى عن ذكره، لعدم ثبوتها في مصدر ثبت، نحو قوله:

ثانياً: في الفقرة (103): (وكثيراً ما كان يضمّه إلى صدره (؟) ويجلسه في حجره (؟) ليستأنس بجواره (؟) وينعم بحديثه (؟))، ثمّ قال: (وكيف لا وقد أوصى به جبريل الأمين، فقال عنه: إنّه كائن حبر هذه الأُمّة، فاستوص به خيراً (؟)(1).

ويأتيه في بيته مع ما عرف عنه من علم وأدب وفضل ويقول: (العلم يؤتى ولا يأتي))، وأحال في هذا على (غاية النهاية في طبقات القرّاء ج1/269).

فنظرنا المصدر المشار إليه، فلم يرد فيه سوى قول المؤلّف في ترجمة زيد بن ثابت: (وقرأ عليه من الصحابة أبو هريرة، وابن عبّاس، ومن التابعين...)، فأين هذا من زعم المؤلّف: (وكان ابن عبّاس كثير الملازمة لزيد ويأتيه في بيته -- إلى قوله -- (العلم يؤتى ولا يأتي))؟! إنّها مناقبيات إنشائية واهية.

ثالثاً: ممّا لفت نظري في الفقرة (148)، في ذكره الإمام (عليّ بن أبي طالب)، قال: (وثانيهما (العلم الغزير الذي حازه بملازمته لرسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، قال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم ما جاء لعليّ)(انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري 2/159)).


1) - انظر: تهذيب التهذيب 5/279، والإتقان 2/188.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

أقول: إنّ في نقل قول أحمد بن حنبل نقصاً في التعبير، غفل عنه، وذلك أنّ الحاكم النيسابوري ذكره في (المستدرك)(1)، والذهبي في (التلخيص)، عن محمّد بن منصور، قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه)(2).

رابعاً: لقد ذكر في الفقرة (162) أسماء من روى عنهم ابن عبّاس، وجميعهم ممّن ذكرهم ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة ابن عبّاس، وأحسبه أخذهم نقلاً عنه.

ومهما يكن فقد مرّت المناقشة في حشر بعض الأسماء التي لم تثبت رواية ابن عبّاس عن واحد منهم رواية واحدة، يصحّ الاستدلال بها، فراجع الجزء السادس من الموسوعة(3)، ستجد أسماء: أبي هريرة، ومعاوية، وخالد ابن الوليد، وأسماء بنت أبي بكر، بل وحتّى عائشة، لم ترد رواية صحيحة رواها ابن عبّاس عن واحد منهم. لذلك قلت عن كثرة التقميش عند المؤلّف مع قلّة تفتيش!

خامساً: ذكر في الفقرة (218)، أنّه حدّثته نفسه (عن مصنّف في


1) - المستدرك على الصحيحين 3/107.

2) - جاء في كتاب نثر اللئالي في شرح الأمالي لسيّد عبد الحميد الألوسي: 174، ط الشابندر في بغداد سنة 1330ه- بعد نقله كلمة أحمد بن حنبل، فنقل عن القاضي إسماعيل والنسائي وأبي علي النيسابوري قولهم: لم يرد لأحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء لعليّ عليه السلام.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/ مزاعم من غير برهان.

التفسير لابن عبّاس، قال: فبدأت البحث والتنقيب، لكنّي ما وصلت إلى شيء من ذلك، وهذا طبيعي، فإنّ عصر التدوين متأخّر عن عصر الصحابة...).

أقول: وهذا التعليل عليل، لوجود المدوّنات من عصر النبوّة، ثمّ من بعده، كصحيفة عليّ عليه السلام، وقد أشار إليها البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد(1)، وقد سبق للسلقيني ذكرها في الفقرة (187) وأعطف على ذكر هذه الصحيفة ما قيل عن صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يكتب فيها كلّ ما كان يسمعه من النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم فنهته قريش عن ذلك، فأخبر النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم بذلك، فأمره وأجاز له أن يكتب، فإنّه لا يخرج منه إلاّ حقّاً(2).

وقبل هذا وذاك ما روته عائشة، قالت: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب كثيراً، قالت: فغمنّي، فقلت: أتتقلّب لشكوى؟ أو لشيء بلغك؟ فلمّا أصبح، قال: أي بنيّة هلمي التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها، فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون منها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني، فأكون نقلت ذلك)(3).

وما أدري كيف نسي السلقيني ما سبق قوله في الفقرة (238) في


1) - صحيح البخاري 4/269 كتاب الجهاد.

2) - راجع مسند أحمد 2/162، ومستدرك الحاكم 3/528، وجامع بيان العلم 1/71، وغيرها.

3) - تذكرة الحفّاظ، للذهبي 1/5.

ترجمة مجاهد، حيث قال: (عن ابن أبي مليكة، قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عبّاس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عبّاس: أكتب، حتّى سأله عن التفسير كلّه)؟!

ثمّ ما رأيه فيما ورد في كثرة كتب ابن عبّاس التي كانت عند كريب مولاه، كان علي بن عبد الله بن عبّاس إذا احتاج إلى واحد منها كتب إليه فيه، فقد روى ابن سعد في (الطبقات)(1)، وابن أبي خيثمة في (التاريخ الكبير)(2): (عن موسى بن عقبة، قال: وضع عندنا كريب حمل بعير -- أو عدل بعير -- من كتب ابن عبّاس، قال: فكان علي بن عبد الله بن عبّاس إذا أراد الكتاب كتب إليه: أبعث بصحيفة كذا وكذا، قال: فينسخها فيبعث إليه إحداهما -- يعني نسختها الأصل أو المستنسخة --).

فالتدوين كان منذ عصر الرسالة فضلاً عن عصر الصحابة، وأظنّ مراد السلقيني هو إعلان التدوين الرسمي، لأنّ السياسة كانت قد منعت التحديث والتدوين، تعتيماً على ما جاء من التحديث بفضائل أهل البيت عليهم السلام من أحاديث الرسول الكريم صلي الله عليه و آله وسلم، فكيف بتدوينها؟! وفي عهد عمر بن عبد العزيز فكّ الحصار، وسيأتي شواهد تعاطفه مع أهل البيت عليهم السلام، حتّى أنّه ردّ إليهم فدكا (فانتظر رجباً سترى عجباً)، حيث يعلن خليفة ويسلّم عليه بإمرة المؤمنين، الخلاف الصريح الفصيح على أوّل خليفة لهم من الخلفاء الراشدين، فمن ذا هو أحقّ بالإتباع، يا أيّها الأشياع والأتباع؟!!


1) - الطبقات 7/288، ط مصر.

2) - التاريخ الكبير 2/200.

سادساً: ذكر في الفقرات التالية (452 -- 260) عكرمة مولى ابن عبّاس، وأطال في ذكره من (ص128) إلى (ص134).

ولا كبير عتب على من لم يعلم أنّ اثنين من موالي ابن عبّاس اسمهما (عكرمة) مع وجود ثلاثة رواة أيضاً أسماؤهم عكرمة، وكثر الوهم والخلط في الأوّلين، فظنّهما كثير من الباحثين واحداً، وأنّه عكرمة البربري، وهذا ما مرّ منّي التنبيه عليه في الجزء السادس من الموسوعة في ترجمة اسم عكرمة في أسماء الرواة عن ابن عبّاس(1)، وليس في هذا كثير نقد، لكنّ الاندفاع في الدفاع عن عكرمة البربري الكذّاب، الذي أطال السلقيني في ترجمته، والدفاع عنه، حتّى قال في فقرة (258): (ولئن قيل" كان يكذب على ابن عبّاس، وأنّه حبس في ذلك، فإنّ هذا ممّا لا يقوم عليه دليل صحيح)، ولقد ردّ هو بنفسه على هؤلاء، كما روى ابن سعد عنه أنه قال: (أرأيت هؤلاء الذين يكذبّوني من خلفي، أفلا يكذبوني في وجهي، فإذا كذّبوني في وجهي فقد والله كذّبوني)(2)!

أقول: لقد بيّنت في الجزء السادس من الموسوعة بعض أكاذيبه، ومن كذّبه(3)، وسيأتي في الجزء الرابع من هذه الحلقة(4)بعض أكاذيبه العكرمية. وكنت أحسب أنّ من يقرأ كلام ابن عمر مع مولاه نافع، وقول سعيد بن


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السادس، الباب الثاني، الفصل الثاني/ حرف العين.

2) - انظر: الطبقات، لابن سعد 5/288.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السادس، الباب الثاني، الفصل الثاني/ حرف العين 386 -- 393.

4) - أي الجزء التاسع عشر من الموسوعة.

المسيب مع مولاه برد، وفي شهرة قول علي بن عبد الله بن عبّاس لمن عاب عليه حبس عكرمة على باب الكنيف: (إنّ هذا يكذب على أبي)، إلى غير هذا ممّا اتّفقت عليه الأقوال، يكفي الباحث معرفة بسقوط عكرمة في قعر السقوط الشنيع، حتّى أنّه لمّا مات لم يحمل جنازته أحد من الناس، فاستأجروا له أربعة من الحمالين(1)، وذهب الناس إلى جنازة كثير عزّة، (قال علي بن المديني: مات -- عكرمة -- سنة 104 فما حمله أحد، أكروا له أربعة، وسمعت بعض المدينيين يقول: اتّفقت جنازته وجنازة كثير عزة بباب المسجد في يوم واحد، فما قام إليها أحد، قال: فشهد الناس جنازة كثير وتركوا عكرمة). وقال الدارمي: (ما شهدها إلاّ السودان)(2).

سابعاً: قال في الفقرة (276): (وإنّما يبدو بعض التناقض فيما نسب إلى ابن عبّاس -- رضي الله عنهما -- بسبب كثرة الدس عليه، وترجع كثرة الدس هذه إلى أسباب متعدّدة، منها أنّ ابن عبّاس كان حجّة في التفسير، وهو من بيت النبوّة، فالوضع عليه يُكسب الموضوع ثقة وقبولاً.

وقد ينسب إليه بعض غلاة الشيعة ما يستحسنونه من أقوال التفسير، ظنّاً منهم أنّ ذلك يعلي من قدره أو يرفع من شأنه).

أقول: وهذا رأي أحمد أمين المصري وقد مرّ نقله، ثمّ نقده؛ فراجع الجزء الثامن من الموسوعة تجد: (وقفة عابرة مع أحمد أمين)(3)، فلا نطيل الوقوف عند هذا.


1) - تهذيب التهذيب 7/270.

2) - تهذيب التهذيب 7/271.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثامن، الباب الثاني/تمهيد/ وقفة عابرة مع أحمد أمين.

ثامناً: قال في الفقرة (301): (فرسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أثنى عليه منذ نعومة أظفاره، وبشّره بما لم يبشّر به سواه، فقال له: (نعم ترجمان القرآن أنت)، وقد عرف فيه إقباله على العلم والمعرفة، واستعداده لذلك، فدعا الله سبحانه أن يؤتيه الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وهذا جبريل الأمين يخبر الرسول صلي الله عليه و آله وسلم بأنّ ابن عبّاس حبر الأُمّة، ويوصيه به خيراً).

أقول: وهذا مرّ في معناه ومبناه، وهو من نسيج الخيال، وترصيف المقال، كما مرّت مناقشته من قبل، ويبدو أنّ الغلوّ سلق السلقيني في بوتقته فجاز حدّ الغلوّ الذي رمى به غلاة الشيعة، وفاته قول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله*** عار عليك إذا فعلت عظيم

تاسعاً: قال في الفقرة (307): (وقد قال معاوية بن أبي سفيان لعكرمة: مولاك والله أفقه من مات وعاش).

أقول: لقد غفل السلقيني أنّ معاوية مات قبل ابن عبّاس بثماني سنين! فهل قال هذا لعكرمة سلفاً قبل موت ابن عبّاس؟! أو أنّه قال له في رؤيا رآها عكرمة؟! أو لا هذا وذاك، بل هي من بعض أكاذيب عكرمية.

وأقبح من هذا ما ذكره الأُستاذ السلقيني -- عن غفلة وقلّة تدبّر في عناصر الخبر -- فقال: (وقال كعب الأحبار لعكرمة: مولاك ربّاني هذه الأُمّة، هو أعلم من مات ومن عاش)(1)!

كيف لم يلتفت الأُستاذ إلى أنّ كعب الأحبار قد مات في أيام عثمان،


1) - انظر: طبقات ابن سعد 2/370.

ولم يدركه عكرمة، لأنّه بعد لم يكن مولى لابن عبّاس، وربّما لم يكن موجوداً في الحياة، فإنّ عكرمة كان مولى للحصين العنبري، ولمّا ولي ابن عبّاس البصرة بعد حرب الجمل سنة 36ه-، وهبه الحصين لابن عبّاس، فأين التقيا كعب وعكرمة؟! إلاّ أن يكونا في قعر جهنم لكثرة أكاذيبهما التي طفحت بها كتب التراث السُنّي.

عاشراً: وأخيراً لقد قال الأُستاذ في تمهيد كتابه (ص7) في استعراض بيان الرسول صلي الله عليه و آله وسلم للقرآن على وجوه نذكر...

(5- تخصيص عامّة: كتخصيصه -- عليه صلوات الله -- الموّرث بغير الأنبياء بقوله: (إنّا لا نورث ما تركناه صدقة)، وتخصيصه الوارث بغير القاتل (القاتل لا يرث)).

أقول: لمّا كان الحديث الذي ذكره في عدم إرث الأنبياء، مخالفاً لصريح ما ورد في الكتاب المجيد، فجعله مخصصاً لعموم آيات المواريث، لأنّه لمّا رواه أبو بكر، ولم يكن غيره من يرويه، وقد ردّت عليه السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام وطالت المطالبة، وفازت السياسة بالمغالبة، فختمت الدعوة صاحبتها بجملة أسى وتثير شجى، فقالت لأبي بكر: (يا بن أبي قحافة! أترث أباك ولا أرث أبي، فدونكها مرحولة مزمومة، فنعم الحاكم الحقّ والموعد القيامة، ولكلّ نبأ مستقرّ وسوف تعلمون)(1)، وبقيت فدك يتداولها أصحاب السلطان من الخلفاء، حتّى أعطاها عثمان لمروان، وانتهت إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن توارثها قوم بعد آخرين، فلمّا صارت


1) - انظر: نهاية التحقيق: 189 الطبعة الأولى منشورات المكتبة الحيدرية.

جميعها إلى عمر بن عبد العزيز أمر بردّها إلى ذرّية فاطمة عليها السلام ولم ير في رواية أبي بكر تخصيص عام في القرآن، وفي ردّه تكذيب عملي لما رواه أبو بكر، وهو معدود خامس الخلفاء الراشدين عند بعضهم، وهو الذي رفع الحصار عن التدوين السُنّي للسُنّة الشريفة، فلعلّه يحتجّ به عند أهل العلم. ولمّا توفّي، عادت أُميّة الأثيمة إلى عادتها القديمة، فسلبت فدكاً، وبقيت نهباً صريح في حجراته بين الحاكمين، إلى أن ولي الحكم بنو العبّاس، فقيل: إنّ السفاح أعادها، ولكن المنصور سلبها، وهكذا إلى أيام المأمون العبّاسي، فقد أرجعها إلى ذرّية فاطمة عليها السلام، فقال الشاعر في ذلك:

أصبح وجه الزمان قد ضحكاً*** بردّ مأمون هاشم فدكا

وفي عمل هذين الخليفتين الأموي عمر بن عبد العزيز، والعبّاسي المأمون بن الرشيد ما يعني تكذيب الخبر: (إنّا لا نورّث ما تركناه صدقة).

وبهذا اختم بعض ما أردت بيانه من التضبيب المتعمّد، إذ لم يذكر الأُستاذ السلقيني شيئاً عن ولاية ابن عبّاس بالبصرة إلاّ إشارة عابرة ذكرها في (ص23)؛ فراجع!

الثاني: (عبد الله بن عبّاس(رضي الله عنهما)، حياته وتفسيره)

الكتاب الثاني: (عبد الله بن عبّاس(رضي الله عنهما)، حياته وتفسيره)، للدكتور عادل حسن علي، كلّية التربية جامعة عين شمس، طبع مؤسسة المختار للنشر والتوزيع.

هذا كتاب رتّبه مؤلّفه على مقدّمة وأربعة فصول، خصّ الفصل الأوّل بحياة ابن عبّاس رضي الله عنه، فترجم له ترجمة موجزة، قال في آخر المقدّمة: (وقد سبقني بعض الأساتذة الفضلاء في الكتابة عن ابن عبّاس وتفسيره،

فاستفدت من كتاباتهم غير مقلّد ولا تابع...).

وبهذا رفع المؤلّف عنه إصر الكبر، وكبرياء الأنا، مع حفظ الكرامة وعزّة النفس، وبالرغم من دقّة المؤلّف في منهجيته في كتابه، فقد كانت فيه بعض الملاحظات النقدية حول ما جاء في الكتاب من آراء للمؤلّف جانب فيها الصواب، كما أنّه بذل جهداً مشكوراً في الردّ على المستشرق اليهودي المجري (جولدتسيهر) في تجنيه على كتاب الله تعالى من خلال مفسّريه، ولست في تقويم كتاب المؤلّف، فهو كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، وليس هذا بضائر في المضمون، فإن أخلّ بالمفردة في مقام، فقد أصاب في الأُخرى في مقام آخر، وقد قرأت الكتاب عسى أن أجد ما ينفرد بذكره في ابن عبّاس فآخذه منه مذكّراً به مصدراً، ومنوّهاً بفضل جهد مؤلّفه، فكان فيه المكرّر والمعاد كثيراً في فصوله، أمّا الموارد التي استوجب ذكرها ناقداً، فهي الموارد التالية:

1- تسامح المؤلّف في التعبير عند ذكره مولد ابن عبّاس.

فقال في (ص11): (ولد ابن عبّاس قبل هجرة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم بثلاث سنين، والمسلمون محصورون في الشعب(؟)).

والصحيح أنّ المحصورين هم بنو هاشم وبنو المطّلب، كما في الجزء الأوّل من موسوعتي عن ابن عبّاس(1)، نقلاً عن ابن هشام في سيرته(2)، وليس مع من ذكرت غيرهم، كما أنّ في المحصورين من لم يكن أسلم أو أعلن


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الأوّل/تمهيد ص 59.

2) - سيرة ابن هشام 1/272.

إسلامه بعد، ففي تعبير المؤلّف نحو تسامح.

2- قال في (ص12): (...قال مجاهد: فلا نعلم أحداً حنكّه رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم بريقه غيره، نقلاً عن البداية والنهاية 8/295).

أقول: وسُنّة تحنيك المولود عقد لها مسلم في صحيحه في الأدب: باب استحباب تحنيك المولود، وذكر حديث أنس بن مالك، قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم حين ولد ورسول الله في عباءة يهنأ بعيراً له، فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم، فناولته تمرات، فألقاهن في فيه فلاكهن، ثمّ فغر فاء الصبي فمجّه في فيه، فجعل الصبي يتلمظه، فقال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: (حبّ الأنصار التمر)، وسمّاه عبد الله.

وأخرج مسلم عن عائشة: أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم يؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنكّهم..

فظهر أنّ قول مجاهد لا يخلو من تسامح، لم يتفطّن المؤلّف لما فيه.

3- قال في (ص13): (وكان رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم لا ينسى أنّ ابن عبّاس طفل، والطفل يحبّ اللعب واللهو والملاعبة، فكان أحياناً يصفّه مع أخويه عبد الله -- كذا -- وكثير، ويقول لهم: (من يسبق إليَّ فله كذا)، فيستبقون إليه ويقعون على ظهره وصدره فليتزمهم جميعاً ويقبّلهم (انظر حبر الأُمّة عبد الله ابن عباس: ص18)).

أقول: نظرنا المصدر المشار إليه فلم نجد في الصفحة التي ذكرها، بل هو في (ص17)، وهذا ليس بأمر مهمّ، لكن الملاحظ أنّ المصدر المحال عليه حادث وهو الذي تقدّم نقده في عشرة نقاط، ولم أذكر هناك النقاط الأُخرى، ومنها ما حكاه هنا الدكتور عادل صاحب هذا الكتاب، عن أنّ

النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم كان يصفّ ابن عبّاس وأخويه عبيد الله وكثيراً ويقول لهم: (من يسبق إليَّ فله كذا)... وأحال على كتاب حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس للسلقيني، وذاك ذكر في الهامش عدّة مصادر، وقال انظر الطبقات لابن سعد -- وساق أسماء عشرة مصادر غيرها، ولمّا نظرت (الطبقات)، و(الحلية) في المواضع التي أشار إليها فلم أجد خبر المسابقة، فظننت خيراً بالمؤلّف لعلّه في بقية ما ذكر، وإن قصّر في السرد. وأعود إلى الدكتور عادل الذي ذكر ابن عبّاس في طفولته، ولو أنّه ذكر عنه خبر الحطأة(1)

أقول: ولم لا يكون ذلك للنهي عن اللعب، ولا يخلو قول ابن عبّاس: فتواريت خلف باب، من نحو دلالة عليه.

2- صحيح مسلم 8/27، ط صبيح بمصر.

3- موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الخامس، الفصل الأوّل/لا أشبع الله بطنه.

لكان أولى به وأظهر في الاستشهاد، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه: (عن ابن عبّاس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال لي: (اذهب وادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثمّ قال لي: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: (لا أشبع الله بطنه))(2)، وأعاده مسلم مرّة أُخرى، وقد مرّ منّي ذكره في الجزء الخامس من الحلقة الأولى(3)؛ فراجع!

4- قال في (ص15): (لم تذكر المصادر التاريخية لابن عبّاس مشاركة في الأحداث السياسية في عهد أبي بكر وعمر).


1) - الحطأة: قال النووي في شرح صحيح مسلم: هو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنّما فعل هذا بابن عبّاس ملاطفة وتأنيساً.

أقول: ماذا يعني بالمشاركة في الأحداث السياسية في عهد أبي بكر وعمر؟

ولقد مرّ في الجزء الثاني والثالث من الحلقة الأولى(1)ذكر بعض الأحداث التي كان لابن عبّاس فيها دور يذكر، نحو إنقاذه الموقف المحرج الذي كاد أن يقع فيه أبو بكر، وذلك يوم جاء يهودي بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم فدخل المسجد، فقال: أين وصيّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم؟ فأشار القوم إلى أبي بكر، فوقف عليه فقال له: أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال أبو بكر: سل عمّا بدا لك، فقال اليهودي: أخبرني عمّا ليس لله؟ وعمّا ليس عند الله؟ وعمّا لا يعلمه إلاّ الله؟ فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي -- وهمّ أبو بكر والمسلمون باليهودي -- فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: ما أنصفتم الرجل، فقال أبو بكر: أما سمعت ما تكلّم به؟ فقال ابن عبّاس: إن كان عندكم جوابه وإلاّ فاذهبوا به إلى عليّ يجيبه، فإنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب: (اللّهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه). قال: فقام أبو بكر ومن حضره... إلى آخر ما جرى.

وقد مرّ ذكره في الجزء الثاني من الحلقة الأولى من الموسوعة نقلاً عن مصادر تراثية ناهزت العشرة، بينها: (المجتبى) لابن دريد، و(نفح الطيب) للمقري، ورواه العاصمي في (زين الفتى)، وغيرهم.

وفي عهد عمر فقد كانت له محطّات سياسية عبر احتجاجاته على عمر، وقد مرّت في الجزء الثاني، والتاسع من الموسوعة(2)فراجع!


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثاني، الفصل الثاني/حبر الأُمّة في عهد أبي بكر.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثاني، الفصل الثالث/حبر الأُمّة في عهد عمر، الجزء التاسع، الفصل الرابع/المبحث الثالث.

5- قال في (ص15) أيضاً: (وفي عهد عثمان(رض) استخلف ابن عبّاس أميراً على الحجّ، ثمّ قتل عثمان، وابن عبّاس راجع من الحجّ، فقال -- حزنا وتأثراً -- (يا ليتني لا أصل حتّى يأتيني قاتله فيقتلني))(1).

أقول: وكذب هذه المفردة الأخيرة واضح البطلان! إذا ما قرأنا شعر الفضل بن عبّاس -- أخ عبد الله بن عبّاس -- مجيباً عمّا قاله الوليد بن عقبة يحرّض عمارة بن عقبة:

ألاّ إنّ خير الناس بعد ثلاثة*** قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

فإن يك ظنّي بابن أُمّي صادقاً*** عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر

يبيت وأوتار ابن عفان عنده*** مخيّمة بين الخورنق والقصر

فأجابه الفضل بن عبّاس:

أتطلب ثاراً لست منه ولا له*** وأين ابن ذكوان الصفوري من عمرو

كما اتصلت بنت الحمار بأُمّها*** وتنسى أباها إذ تسامى أولي الفخر

ألا أن خير الناس بعد محمّد*** وصيّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكر

وأوّل من صلّى وصنو نبيّه*** وأوّل من أردى الغواة لدى بدر

فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمّكم*** لكانوا له من ظلمه حاضري النصر

كفى ذاك عيناً أن يشيروا بقتله*** وأن يسلموه للأحابيش من مصر(2)

ولمّا كان النص المنقول عن (تاريخ الإسلام) وهو للذهبي، فقد راجعت


1) - تاريخ الإسلام 3/36.

2) - تاريخ الطبري 5/151، ط الحسينية.

طبعة دار الكتاب العربي ج5/160، فرأيت الخبر عن يونس بن يزيد، فإذا هذا هو الأيلي صاحب الزهري الذي ذكره الذهبي في (الميزان)، وقال: (ثقة حجّة، شذّ ابن سعد في قوله: ليس بحجّة، وشذّ وكيع فقال: سيّء الحفظ، وكذا استنكر له أحمد بن حنبل أحاديث، وقال الأثرم ضعّف أحمد أمر يونس)(1).

أقول: ونسبة الشذوذ إلى الذهبي أولى، فقد ذكره الخزرجي في (خلاصة تهذيب الكمال)(2)، فقال: (يونس بن يزيد الأموي مولاهم أبو يزيد الأيلي -- بالفتح -- عن عكرمة، والقاسم، ونافع، وطائفة، وعنه الأوزاعي... وخلق... قال ابن سعد: ليس بحجّة، ربّما يأتي بالشيء المنكر، قال البخاري: توفي سنة تسع وخمسين ومائة...)، وجاء في (الإفصاح): (يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد مولى معاوية بن أبي سفيان، قال الأثرم: ضعّف أحمد أمره، وفي التهذيب: قال الأثرم: رأيت أحمد يحمل عليه وأنكر عليه، وقال أحمد: في حديثه عن الزهري منكرات)(3)، فمن كان أموي الولاء والهوى وصاحب الزهري، ليس بغريب أن يفتري على ابن عبّاس قوله، ولمّا كان الرجل لم يذكر ممّن سمع ذلك من ابن عبّاس، كما لم يذكر الذهبي رجال سنده عن يونس هذا، فالمقولة مكذوبة ومفتراة على ابن عبّاس، وقد مرّ في الجزء التاسع من الموسوعة(4)في


1) - ميزان الاعتدال 4/484 رقم 9924.

2) - خلاصة تهذيب الكمال 2/380.

3) - الإفصاح 4/201 رقم 1633.

4) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء التاسع، الفصل الرابع/المبحث الثالث/محاورات ابن عبّاس مع معاوية.

احتجاجاته على معاوية، وذكر فيها تهديد معاوية بنسبة قتل عثمان إلى بني هاشم، وجواب ابن عبّاس في تعصيب قتل عثمان بعنق معاوية وبني أُميّة وأشياعهم، ولم يظهر من ابن عبّاس أيّ تفجّع أو توجّع لقتل عثمان، ولو صحّ ما حكاه الذهبي عن يزيد بن يونس لظهر ذلك في بعض تلك المحاوارات.

6- قال في (ص16): (وقد ولاّه عليّ على البصرة، وكان أهلها مغبوطين به... فلم يزل عليها حتّى مات عليّ، ويقال: أنّ عليّاً عزله عنها قبل موته(1)).

أقول: وهذا نموذج من التضبيب المتعمّد، ولمّا سبق أن ذكرت ما في (البداية والنهاية) لابن كثير في مدوّنات القرن الثامن، فلا نقف معه عند هذا.

ولكن المقام الذي يستحقّ الوقوف هو فريته الصلعاء بأنّ ابن عبّاس كاتب معاوية في الصلح: (يطلب منه الأمان ويشترط لنفسه، متأسياً بالحسن ابن عليّ (رضي الله عنهما) في حقن دماء المسلمين)، ولم يذكر لهذا مصدراً! ومن قرأ كتاب معاوية إلى ابن عبّاس في مسألة الصلح وقد رواه ابن أبي الحديد وروى الجواب ردّاً عليه، وقد مرّ ذكره في الجزء الرابع من الموسوعة(2)، وإلى القارئ ذكره:

(قال ابن أبي الحديد: (وكتب معاوية إلى ابن عبّاس عند صلح الحسن عليه السلام له كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته، ويقول له فيه: ولعمري، لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضاً, وأن يكون رأياً صواباً,


1) - البداية والنهاية 8/304.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع/موقف ابن عبّاس من الصلح.

فإنّك من الساعين عليه والخاذلين له, والسافكين دمه, وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي, ولا بيدك أمان.

فكتب إليه ابن عبّاس جواباً طويلاً يقول فيه: أمّا قولك: إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه, وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي، فأقسم بالله لأنت المتربّص بقتله, والمحبّ لهلاكه, والحابس الناس قِبلَكَ عنه على بصيرة من أمره, ولقد أتاك كتابُه وصريخُه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به حتّى بعثت إليه معذّراً بأُخرى, أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتّى يقتل, فقتل كما كنت أردت, ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك, فطفقت تنعى عثمان, وتلزمنا دمه, وتقول: قتل مظلوماً, فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين, ثمّ لم تزل مصوّباً ومصعّداً, وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهّال, وتنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتّى أدركت ما طلبت, وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1))(2)).

فهذا الذي جرى بين معاوية وابن عبّاس عند صلح الحسن عليه السلام، فكيف يزعم الدكتور عادل أنّ ابن عبّاس كاتب معاوية في الصلح (يطلب منه الأمان ويشترط لنفسه، متأسياً بالحسن بن عليّ(رضي الله عنهما) في حقن دماء المسلمين)؟! إنّه افتراء عظيم، ولم يكتف بهذا، بل طوى صفحات من تاريخ ابن عبّاس رضي الله عنه طيّ السجل متغابياً عن ذكرها، لأنّها تمسّ


1) - سورة الأنبياء/111.

2) - شرح نهج البلاغة 4/88.

موروثه الوبيء في الحاكمين! وأنا أعرض أيضاً عن ذكرها، والله يحبّ المحسنين.

7- قال في (ص28): (وممّا حدث بينه وبين عليّ، ما رواه الإمام أحمد: (أنّ عليّاً حرّق ناساً ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عبّاس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إنّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم قال: (لا تعذّبوا بعذاب الله)، بل كنت قاتلهم لقول رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: (من بدّل دينه فاقتلوه)، فبلع ذلك عليّاً، فقال: (ويح ابن عبّاس -- وفي رواية: ويح ابن عبّاس -- إنّه لغوّاص على الهنات))- وذكر في الهامش المصدر، فقال: (أخرجه أحمد (1871)، و(2551)، و(2252) من طريق عكرمة، ونقله ابن كثير في البداية 8/300).

أقول: لقد سبق أن بيّنت كذب هذه القصّة في الجزء الرابع من الحلقة الأولى(1)، ومرّة أُخرى في الجزء الثامن(2)في عناوين: (عقوبة التحريق بين التصديق والتلفيق في التراث السُنّي، و(ماذا في التراث الشيعي عن التحريق)، و(يؤتى المرء من مأمنه)، وفيه أثبت أنّ الخبر من أكاذيب عكرمة؛ فراجع!

8- قال في (ص32): (وفاته: توفي ابن عبّاس (رضي الله عنهما) سنة ثمان وستّين في أرجح الأقوال عند الجمهور، وكان سنّه -- حين وفاته، اثنين وسبعين عاماً، وقيل: إحدى وسبعين سنة، قال ابن كثير)، ثمّ ساق جميع ما رواه ابن كثير في وفاة ابن عبّاس، وفيه اختلاف في السنة والسنّ، وذكر


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الرابع/روايات تافهة.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الثامن، الفصل الثالث.

الطائر الذي دخل في أكفانه، وسماع من تلا عند دفنه من قبره: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الآيات (27 -- 30) من سورة الفجر -- لكنّه -- الدكتور عادل -- لم يعدل في النقل فيحسن المعادلة، ولا يهمل ما رواه الإمام أحمد في (فضائل الصحابة) في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام، ورواه العصامي المكّي في (سمط النجوم العوالي)(1)، والباعوني الشافعي في (جواهر المطالب)، وغيرهم: إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه قال عند موته: (اللّهمّ، إنّي أتقرّب إليك بمحمّد وآله، اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب)، فما زال يكرّرها حتّى وقع إلى الأرض ميّتاً.

وقد ذكرت هذا في (حديث الخاتمة) في الجزء الخامس من الحلقة الأولى(2)فراجع!

9- قال في (ص34): (...فإنّ الحديث عن منهج ابن عبّاس في التفسير يحمل في طياته الحديث عن مصادره في التفسير...)، ثمّ قال: (وقد حاولت -- جهدي -- اختيار الأمثلة والشواهد في هذا الجزء من الدراسة، من الآثار التي صحّت عندي أسانيدها، ونحيّت جانباً الآثار الضعيفة أسانيدها، حتّى تكون القضايا المستشهد لها والممثل عليها قائمة على أرض من الواقع صلبة)، وذكر بعد هذا عدّة مطالب: المطلب الأوّل تفسير القرآن بالقرآن، المطلب الثاني تفسير القرآن بالحديث، المطلب الثالث تفسير القرآن بالاجتهاد، وذكر فيه سبع نقاط، وفيها ما يستدعي إعادة النظر في ذكره:


1) - سمط النجوم العوالي 2/384.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء الخامس، الفصل الثالث/حديث الخاتمة.

نحو ما ذكره في (ص49) عند ذكر ما سمّاه (فرائد ابن عبّاس)، وفيها تناول ثلاثاً من آرائه التي انفرد بها، عارضاً ومحلّلاً، وهي تدور حول:

أ -- المسح على القدمين في الوضوء.

ب -- نكاح المتعة.

ج -- مسألة العول في الفرائض ومسألة التعصيب.

د -- ميراث البنت.

وهذا ممّا خالف فيها ابن عبّاس آراء الحاكمين، ولو أنّ الدكتور عدّل في نظرته إلى مصادر التراث الإسلامي، فراجع ما كتبه شيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الخلاف)، وهو في الفقه المقارن، لوجد عدّة المسائل التي انفرد فيها ابن عبّاس عشرين مسألة.

10- قال في (ص58): (وقد ذكرت في ترجمة ابن عبّاس كيف كان اجتهاده وجدّه في طلب العلم من صحابة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، فلنا أن نتصوّر فيما نحن بصدده الآن كيف أنّه حصل ما عند هؤلاء الصحابة جميعاً من معرفة أسباب نزول القرآن، وما أحاط به من ملابسات وظروف، فقد جمع -- رضي الله عنه -- ما عند الأصحاب من معرفة بهذا الجانب من علوم القرآن، لذلك كان ابن عبّاس(رضي الله عنه) الملجأ في الملمّات والمعضلات، وبخاصّة فيما يتّصل بفهم القرآن الكريم وتفسيره...).

أقول: لا يخلو كلام المؤلّف من مناقبية واسعة ل-(هؤلاء الصحابة جميعاً من معرفة أسباب نزول القرآن...)، مع العلم أنّ فيهم من لم يعرف معنى (الأب) في قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً(1)، فكيف يعرف أسباب النزول؟!


1) - سورة عبس/31، انظر: تفسير النسائي 1/16 -- 17، تح سيف الجليمي وصبري الشافعي.

وقد ذكر المؤلّف نفسه في (ص150) كلام ابن عطية في مقدّمة تفسيره: (أمّا صدر المفسّرين والمؤيّد فيهم فعليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، ويتلوه عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، وهو تجرّد للأمر وكمّله، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد وسعيد بن جبير، وغيرهما، والمحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن عليّ بن أبي طالب، وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عبّاس، ويحضّ على الأخذ عنه...).

وقال في (ص159): (... تكشف مرويات عليّ في التفسير عن أُستاذيته لابن عبّاس، الأمر الذي يشهد لما جاء عن ابن عبّاس نفسه في هذا المعنى، فقد روى سعيد بن جبير عنه أنّه قال: (إذا ثبت لنا الشيء عن عليّ لم نعدل عنه إلى غيره)(1)، وهذا في العلم بعامّة، وروى عنه في التفسير بخاصّة ما هو أصرح من ذلك، حيث قال: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب)(2)).

أقول: وهذا الذي قاله أليس ينفي ما قاله سابقاً عن أخذه تفسير القرآن عن عمر، وأُبي، وزيد بن ثابت؟!

11- قال في (ص230) في أسباب الوضع على ابن عبّاس: (2- التعصب المذهبي الذي ولد في بدايات تولّي عليّ بن أبي طالب مهام الخلافة الراشدة، وأدّى إلى افتراق الأُمّة شيعاً وأحزاباً، فظهر الخوارج والشيعة الذين حاولوا بشتّى الطرق الانتصار لمذاهبهم الباطلة وأهوائهم المبتدعة، ومن


1) - أسد الغابة 4/23.

2) - أسد الغابة 4/18.

تلك الطرق اختراع الأحاديث في التفسير وغيره، ولا ريب أنّ علم التفسير وحبر الأُمّة فيه ابن عبّاس، كان مطمع هؤلاء المبتدعة في نسبة هذه المخترعات من الأحاديث كي يجدوا لها قبولاً لدى الناس. ومن أمثلة ذلك ما رواه الواحدي بسنده عن محمّد بن مروان السدّي الصغير، عن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه قد آمنوا، فقالوا: يا رسول الله! إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدَث، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله ورسوله وصدّقناه، رفضونا، وآلوا على أنفسهم ألاّ يجالسونا ولا يناكحونا، ولا يكلمونا، فشقّ ذلك علينا، فقال لهم النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ(1).

ثمّ إنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم خرج إلى المسجد، والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلاً فقال: (هل أعطاك أحد شيئاً؟) قال: نعم، خاتم من ذهب، قال: (من أعطاكه؟)، قال: ذلك القائم، وأومأ بيده إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: (على أي حال أعطاكه؟)، قال: أعطاني وهو راكع؟ فكبّر النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم ثمّ قرأ: وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(2)).

فتعقّب المؤلّف هذا الخبر بقوله: (فهذه الرواية أتت من طريق سلسلة الكذب: السدّي، عن الكلبي، واضحة الدلالة على أنّ واضعها إنّما أراد أن يزكّي عليّ بن أبي طالب -- وهو مزكّى -- رضي الله عنه، بأن يجعله من الذين آمنوا الذين يعطون زكاة أموالهم وهم على هيئة الركوع، وبالتالي فهو من الذين


1) - سورة المائدة/55، وبقية الآية: )الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(.

2) - سورة المائدة/56.

تشهد لهم صدر الآية بأنّهم أولياء المؤمنين، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، ثمّ تشهد لهم الآية التالية بأنّهم من الغالبين: وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [الذين تقدّمت صفتهم في الآية قبلها] فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، فالرواية وإن كانت في شأن الزكاة، فإنّ لها دلالة سياسية ومغزى مذهبياً لا يخفى على المتأمّل فيها).

هذا ما قاله المؤلّف وألحقه في آخره في الهامش في نفي وَهُمْ رَاكِعُونَ، مبيّناً لهيئة المزكّي: (أي: ليست حالاً من قوله: ويؤتون الزكاة، قال ابن كثير في تفسيره)، ثمّ ذكر ما قاله في تفسير الآية في 2/71.

ولنقف مع المؤلّف ها هنا وقفة حساب يسير، فنسأله عن قوله عن الخوارج والشيعة وانتصارهم لمذاهبهم الباطلة، ثمّ ذكر لهم شاهداً عليه ألم يقرأ في كتاب (الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع): (...عن ابن لهيعة، قال: سمعت شيخاً من الخوارج تاب ورجع، وهو يقول: إنّ هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً...)(1)، ولهذا مصادر أُخرى، فقد ذكره ابن الجوزي في مقدّمة كتابه (الموضوعات)(2)، وفي (النكت على كتاب ابن الصلاح)(3)، وللقاسمي في كتابه (قواعد التحديث في مصطلح الحديث)(4)، تعقيب على قول الخارجي،


1) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/137، ط الرياض.

2) - الموضوعات 1/38.

3) - النكت على كتاب ابن الصلاح 1/228، ط دار الأرقم.

4) - قواعد التحديث في مصطلح الحديث: 128، ط دار الكتب.

تحسن مراجعته.

ومهما كان عذره، فمن حقّنا أن نسأله عن هوية أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي ومذهبه هل كان من الخوارج أو من الشيعة؟ وهو الذي كان يكذب على ابن عبّاس حسبة وقربة إلى الله، وحديثه رواه السيوطي في (تدريب الراوي)، فقال: (ومن أمثلة ما وضع حسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمّار المروزي، أنّه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك ذلك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا (نوح الجامع)، قال ابن حيان: جمع كلّ شيء إلاّ الصدق)(1).

ثمّ نسأل المؤلّف عن هوية ميسرة بن عبد ربّه المذهبية، هل كان خارجياً أو شيعياً؟! وقد روى ابن حبّان في (الضعفاء) عن ابن مهدي: (قال: قلت لميسرة بن عبد ربّه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أُرغّب الناس، وكان غلاماً جليلاً يتزهّد وهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث)!

ونسأله ثالثاً عن أبي داود النخعي؟ أطول الناس قياماً بليل، وأكثرهم صياماً بنهار -- وكان يضع!

ورابعاً عن أبي بشير أحمد بن محمّد الفقيه المروزي؟ قال ابن حبّان:


1) - تدريب الراوي 1/282.

من أصلب أهل زمانه في السُنّة، وأذبّهم عنها، وأقمعهم لمن خالفها، وكان يضع الحديث!

وأخيراً نسأله عن وهب بن حفص؟ الذي قال عنه ابن عدي كان من الصالحين، مكث عشرين سنة لا يكلّم أحداً، وكان يكذب كذباً فاحشاً(1).

وختاماً بما قاله ابن الصلاح وعنه السيوطي: (وجوزت الكرامية) وهم قوم من المبتدعة نسبوا إلى محمّد بن كرّام السجستاني المتكلّم (الوضع في الترغيب والترهيب)... فهل كانوا من الخوارج؟ أو من الشيعة؟

هذا عن قوله في الخوارج والشيعة، والأهم ممّن هذا كلّه ما ذكره من شاهد على كذب الشيعة ورواه عن الرواية التي قال عنها: (أتت من طريق سلسلة الكذب السدّي، عن الكلبي، واضحة الدلالة على أنّ واضعها إنّما أراد أن يزكي عليّ بن أبي طالب -- وهو مزكّى -- رضي الله عنه).

أقول: لمّا كان حديث التصدّق بالخاتم ممّا رواه عدّة من الصحابة غير ابن عبّاس، وبأسانيد ليس من طريق سلسلة الكذب، ونظمه الشعراء مدحاً لأمير المؤمنين عليه السلام، واستدلّ به من الفقهاء غير الشيعة، ورواه أكثر من مصدر، وكلّهم من غير الشيعة، فهل هؤلاء جميعاً غير مقبولين لدى الدكتور عادل الذي لم يعدل في ميزانه! فإليه وإلى القرّاء أذكر ما كتبته حول هذا الحديث في كتابي (عليّ إمام البررة)، لأنّه خلوّ من ذكر أيّ مصدر شيعي، بل جميع ما كتبته أخذاً من مصادر التراث السُنّي، فإليه بنصه وفصّه:


1) - راجع تدريب الراوي 1/282 -- 283 عن جميع من تقدّم ذكره.

(آية الولاية والتصدّق بالخاتم.

92- خُصِّصْتَ في التنْزِيلِ بالولايةْ*** فَسَّرَتِ السُّنّةُ تلك الآيةْ

إشارة منه (دام ظلّه) إلى آية الولاية، وهي قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

وهذه الآية مخصوص بها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لأنّها نزلت في حقّه وحده، ولم يشاركه فيها أحد حتّى من أهل بيته، ولذلك قال سيّدنا الناظم: (خصصّت في التنزيل بالولاية).

أمّا ما أشار إليه من تفسير السنّة لتلك الآية، فهو ما ورد في شأن نزول الآية الكريمة. وإلى القارئ بعض ما ورد في ذلك:

قال الآلوسي في تفسيره (روح المعاني): (وغالب الأخباريين على أنّها -- الآية -- نزلت في عليّ(كرّم الله وجهه)، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس(رضي الله تعالى عنهما) بإسناد متّصل، قال: أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبيّ(صلّى الله تعالى عليه [وآلهٍ] وسلم)، فقالوا: يا رسول الله! إنَّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا مُتحدث دون هذا المجلس، وإنَّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلي الله عليه و آله وسلم وصدّقناه رفضونا، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا، فقال لهم النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ، ثمّ إنّه (صلّى الله عليه تعالى وسلّم)


1) - سورة المائدة/55.

خرج إلى المجلس والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم، خاتم من فضّة. فقال: من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم وأومأ إلى عليّ(كرّم الله وجهه)، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: على أي حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع. فكبّر النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، ثمّ تلا هذه الآية، فأنشأ حسّان رضي الله عنه يقول:

أبا حسنٍ تفديك نفسي ومُهجتي*** وكلُّ بطيءٍ في الهُدى ومُسارعِ

أيذهبُ مدحيك المحبّرُ ضائعاً*** وما المدح في جنب الإله بضائعِ

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً*** زكاةً فدتْك النفسُ يا خير راكع

فأنزل فيك اللهُ خيرَ ولايةٍ*** وأثبتها أثْنَا كتاب الشرائع(1)

وقال: وبلغني أنّه قيل لابن الجوزي(رحمه الله تعالى): كيف تصدَّق عليّ(كرّم الله وجهه) بالخاتم وهو في الصلاة، والظنّ فيه بل العلم الجازم أنَّ له كرّم الله تعالى وجهه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها، وقد حكى ما يؤيّد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:

يَسقى ويشربُ لا تُلهيه سَكرتهُ*** عن النديم ولا يلهو عن الناس(2)

أطاعه سُكرهُ حتّى تمكّن من*** فِعْلِ الصحاة فهذا أوحدُ الناسِ)(3)

وقال الفخر الرازي في كتابه (الأربعين في أُصول الدين) بعد تقرير وجه الاستدلال بالآية المذكورة، وبيان الكلام في معنى الولي والولاية


1) - روح المعاني 6/149، كذا ورد في المصدر، وسيأتي ما يتعلّق بالشعر وصحّته ونسبته وروايته.

2) - كذا في المطبوع من تفسيره، وببالي أنَّ المحفوظ قوله: (ولا يلهو عن الكاس).

3) - روح المعاني 6/151.

المرادين في الآية، وأنّ المراد من لفظ الولي هو المتصرّف لا بمعنى الناصر، قال: (فصار معنى الآية: إنَّما المتصرّف فيكم أيّها الأُمّة هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا، والمتصرّف في كلّ أُمّة هو الإمام، فثبت أنَّ هذه الآية دالّة على إمامة شخص معيَّن، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون ذلك الشخص هو عليّاً رضي الله عنه، ويدلّ عيه وجهان:

الأوّل: أنَّ الأُمّة في هذه الآية على قولين: منهم من قال: إنّها لا تدلّ على إمامة أحد منهم. ومنهم من قال: إنّها تدلّ على إمامة عليّ بن أبي طالب. وليس في الأُمّة أحد يقول: إنّها تدلّ على إمامة غيره. فلمّا ثبت دلالتها على أصل الإمامة وجب دلالتها على إمامة عليّ بن أبي طالب، إذ لو دلّت على إمامة غيره كان ذلك قولاً ثالثاً خارقاً للإجماع، وهو باطل.

الثاني: أنّه اتّفق أئمّة التفسير على أنّ المراد بقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، هو عليّ بن أبي طالب، فلمّا دلّ قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ، والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا على إمامة من كان مراداً بقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ، وثبت أنّ المراد بذلك هو عليّ، ثبت دلالة هذه الآية على إمامة عليّ رضي الله عنه)(1).

وقد روى شأن نزول الآية في عليّ عليه السلام جماعة من الصحابة، منهم عليّ، وأبو ذر، وابن عبّاس، وعبد الله بن سلام، وعمّار بن ياسر، وسلمة بن كهيل، وأبو رافع، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعتبة بن حكيم، والمقداد بن الأسود الكندي.


1) - الأربعين في أُصول الدين: 448، ط حيدر آباد.

وقال به من التابعين: ابن الحنفية، ومجاهد، والسدّي، وابن جريج، وعطاء.

واستدلّ به بعض الفقهاء: على أنّ العمل القليل لا يبطل الصلاة، وإنَّ الصدقة تسمّى زكاة.

ونظمه الشعراء منقبة ثابتة مختصّة به عليه السلام.

فأمّا أحاديث الصحابة فيمكن مراجعة أحاديث كلّ منهم في مصادره، كما يلي:

فحديث عليّ عليه السلام: في (الدرّ المنثور) للسيوطي، وقال: أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه, وأخرجه ابن كثير في تفسيره، وفي تاريخه، والحاكم في (معرفة علوم الحديث)(1)، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام)، والخوارزمي في (المناقب)، وغيرهم.

وحديث أبي ذرّ رضي الله عنه: أخرجه النيسابوري في تفسيره(2)، وابن الصباغ الصفاقسي المالكي في (الفصول المهمة) نقلاً عن الثعلبي في تفسيره، والحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل)(3).

وحديث ابن عبّاس رضي الله عنه: أخرجه الخطيب في (المتفق)، وعنه السيوطي في (الدرّ المنثور)(4)، وقال: وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عبّاس في قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ


1) - معرفة علوم الحديث: 102، ط دار الكتب المصرية سنة 1137ه-.

2) - تفسير النيسابوري (بهامش تفسير الطبري)، ط الميمنية 6/145.

3) - شواهد التنزيل 1/177 -- 180.

4) - الدرّ المنثور 2/293.

وَرَسُولُهُ الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب. والبلاذري في أنساب الأشراف، وابن عساكر في تاريخه(1)، وغيرهم. وحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه: أخرجه ابن مردويه، وعنه السيوطي في تفسيره، والمحبّ الطبري في (الرياض النضرة)، والرازي في تفسيره، وغيرهم.

وحديث عمّار بن ياسر رضي الله عنه: عنه أخرجه الطبراني في (الأوسط)، وابن مردويه، كما في (تفسير السيوطي)، و(فرائد السمطين)(2)، والحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)، وغيرهم.

وحديث سلمة بن كهيل رضي الله عنه: أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر(3).

وحديث أبي رافع رضي الله عنه: أخرجه الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم.

وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: أخرجه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)(4)، وأبو الفتوح الرازي في تفسيره(5).

وحديث أنس بن مالك: أخرجه الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل)، والحمويني في (فرائد السمطين)، والكنجي الشافعي في (كفاية الطالب).


1) - تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) 2/409.

2) - فرائد السمطين: في الباب/40.

3) - تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) 2/410، كما في الدرّ المنثور 2/263.

4) - شواهد التنزيل 1/174.

5) - تفسير أبي الفتوح الرازي 4/246.

وحديث عتبة بن حكيم: أخرجه عنه الطبري في تفسيره(1).

وحديث المقداد بن الأسود الكندي: أخرجه الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل)(2).

فهؤلاء عشرة من الصحابة سوى أوّلهم وإمامهم ووليّهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

وأمّا التابعون لهم بإحسان، فكلّ الذين رووا عن أولئك الصحابة الأوّلين، أمّا الذين وصلت أقوالهم إلينا، فهم:

1- محمّد بن الحنفية: وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل)(3).

2- مجاهد بن جبر المكّي: أخرج حديثه ابن جرير الطبري في تفسيره(4)، والسيوطي في (الدرّ المنثور)(5).

3- ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج المكّي: وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل)(6).

4- عطاء بن السائب المكّي: وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في


1) - تفسير الطبري 6/165.

2) - شواهد التنزيل 1/177.

3) - شواهد التنزيل 1/167.

4) - تفسير الطبري 6/165.

5) - الدرّ المنثور 2/293.

6) - شواهد التنزيل 1/168

الصفحة السابقةالصفحة التالية

(شواهد التنزيل)(1).

5- إسماعيل السدّي: أدرك أنس بن مالك، ورأى الحسين عليه السلام، توفي حدود (128ه-)، وحديثه أخرجه ابن جرير في تفسيره(2).

وأمّا ما استدلّ به الفقهاء، فقد قال الكيا الطبري: وهذا يدلّ على أنَّ العمل القليل لا يبطل الصلاة، فإنّ التصدّق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة، ولم تبطل الصلاة(3).

وقال: وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، يدلّ على أنَّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة، فإنّ عليّاً تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ(4)، وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة، وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين.

وقال ابن خويز منداد: قوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة، وذلك أنَّ هذا خرج مخرج المدح، وأقلّ ما في باب المدح أن يكون مباحاً، وقد روي أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أنّ هذه صلاة تطوّع، وذلك أنّه مكروه في الفرض...الخ(5).


1) - شواهد التنزيل 1/168.

2) - تفسير الطبري 6/165.

3) - تفسير القرطبي 6/221.

4) - سورة الروم/39.

5) - تفسير القرطبي 6/222.

وقال الجصّاص الحنفي في (أحكام القرآن) في أوّل (باب العمل اليسير في الصلاة): قال الله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

روي عن مجاهد، والسدّي، وأبي جعفر، وعتبة بن أبي حكيم أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب حين تصدّق بخاتمه وهو راكع...

إلى أن قال: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة، لأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه تطوّعاً، وهو نظير قوله تعالى: وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.

وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة، وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين(2).

وقال إسماعيل القنوي الحنفي في حاشيته على تفسير البيضاوي في قول البيضاوي (وعلى هذا): أي: وعلى كون المراد الركوع (يكن دليلاً على أنّ الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها)، وهو ما لا يظنّ الرائي أنّه ليس في الصلاة، أو ما يستكثره المصلّي. قال الإمام السرخسي: هذا أقرب إلى مذهب أبي حنيفة، فإنّ رأيه التفويض إلى رأي المبتلى، وقيل: ما يحتاج إلى اليدين كثير، وإلاّ فهو قليل(3).

وقال الشهاب القاضي في (عناية القاضي وكفاية الراضي) حاشيته


1) - سورة المائدة/55.

2) - أحكام القرآن، للجصّاص 2/446.

3) - حاشية القنوي على تفسير البيضاوي.

على تفسير البيضاوي: وقيل: إنّه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، فإنّه كان جائزاً ثمّ نُسخ، وبأنّه أشار إليه فأخذه من إصبعه بلا فعل له(1).

وقال أبو السعود العمادي الحنفي في تفسيره، وسليمان الجمل في (الفتوحات الإلهية): وروي أنّها -- الآية -- نزلت في عليّ رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع، فطرح إليه خاتمه، كأنّه كان مرخىً في خنصره غير محتاج إلى كثير عمل يؤدِّي إلى فساد الصلاة(2).

وأمّا نظم الشعراء لتلك المنقبة، فأوّلهم حسّان بن ثابت، وقد مرَّت بك أبياته التي رواها الآلوسي في تفسيره، وقد رواها قبله جمع، لعلّ أقدمهم زماناً -- فيما اطلعت عليه من المصادر -- هو الحافظ الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري، فقد رواها بنحو ما تقدّم بتفاوت يسير(3)، ورواها أيضاً الخوارزمي في (المناقب)، والحمويني في (فرائد السمطين)، والكنجي الشافعي في (كفاية الطالب)، والزرندي في (نظم درر السمطين)، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص)(4)، وأخيراً وليس آخراً الآلوسي كما سبق، وفي المصادر المذكورة نجد بيتاً خامساً قبل الأخير، وهو قوله:

بخاتمك الميمون يا سيّد الورى*** ويا خير شارٍ ثمّ يا خير بايعِ


1) - عناية القاضي وكفاية الراضي 2/256.

2) - تفسير أبو السعود 2/39، الفتوحات الإلهية 1/504.

3) - راجع شواهد التنزيل 1/187.

4) - المناقب: 178، فرائد السمطين 1/187، كفاية الطالب: 250، ط الثانية بالحيدرية، نظم درر السمطين: 87، تذكرة الخواص: 10، ط إيران.

ولحسّان أيضاً شعر ذكر فيه جملة من فضائل الإمام عليه السلام، ومنها ما يتعلّق بالمقام من جملة أبيات:

من ذا بخاتمه تصدَّق راكعاً*** وأسرَّها في نفسِه إسرارا

ولكن كلّ ذلك وغيره، لم يذكر في مطبوع ديوان حسّان بن ثابت بتحقيق وشرح عبد الرحمن البرقوقي، وقد استدركنا عليه جملة وافرة من ذلك، كلّها تتعلّق بمدح الإمام أمير المؤمنين وزوجته الصديقة فاطمة الزهراءعليهما السلام.

ولم يكن حسَّان بن ثابت الشاعر الصحابي الوحيد الذي ذكر هذه الفضيلة، فقد ذكر المرزباني في كتاب أخبار شعراء الشيعة في ترجمة خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين الأبيات التالية من قوله:

فديتُ عليّاً إمام الوَرَى*** سراجَ البرية إمام التقى

وصيَّ الرسول وزوج البتولِ*** إمام البرية شمس الضحى

تصدَّق خاتمه راكعاً*** وأحسنْ بفعل إمام الورى

ففضَّله اللهُ ربُّ العباد*** وأنزل في شأنههَلْ أَتَى(1)

وعنه أخرجها ابن شهرآشوب في (مناقب آل أبي طالب)(2).

وقال السيّد الحميري في قصيدة له في ديوانه:

من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً*** فأثابه ذو العرش عنه ولاء(3)


1) - أخبار شعراء الشيعة: 37.

2) - مناقب آل أبي طالب 3/6.

3) - ديوان السيّد الحميري: 56.

وقال أيضاً:

وأنزل فيه ربُّ الناس آياً*** أقرّتْ من مواليه العيونا

بأنّي والنبيَّ لكم وليٌّ*** ومؤتون الزكاة وراكعونا(1)

وقال دعبل بن علي الخزاعي كما في ديوانه، وكتاب شعر دعبل بن علي الخزاعي(2):

نطق القرانُ بفضل آل محمّدٍ*** وولاية لعليِّه لم تُجحدِ

بولاية المختار من خير الذي*** بعد النبيّ الصادق المتودّدِ

إذ جاءه المسكين حال صلاته*** فامتدَّ طوعاً بالذراع وباليدِ

فتناول المسكين منه خاتماً*** هبة الكريم الأجود بن الأجودِ

فاختصَّه الرحمن في تنزيله*** من حاز مثل فخاره فليعددِ

إنّ الإله وليّكم ورسولَه*** والمؤمنين فمن يشأ فلْيَجْحَدِ(3)

يكن الإله خصيمه فيها غداً*** والله ليس بمخلفٍ في الموعدِ

والباحث لا يُعدم الشواهد الكثيرة ممّا نظمه الشعراء في ذلك.


1) - ديوان السيّد الحميري: 430.

2) - ديوان دعبل بن علي الخزاعي: 68، جمع وتحقيق الدكتور محمّد يوسف نجم، الجامعة الأمريكية -- بيروت، شعر دعبل بن علي الخزاعي: 256 صنعة الدكتور عبد الكريم الأشتر المدرس في كلّية الآداب بجامعة دمشق.

3) - لقد وهم الدكتور نجم في تعليقه على البيت السادس، حيث قال: لعلّه يشير إلى حديث غدير خم... ولكن الدكتور الأشتر أصاب حين علّق بقوله: إشارة إلى قوله تعالى: )إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...ْ(.

وختاماً لذكرهم نختم الحديث عنهم بما ختم به الصاحب بن عباد من قوله:

ولمّا علمت بما قد جنيتُ*** وأشفقت من سخط العالمِ

تقشت شفيعي على خاتمي*** إماماً تصدَّق بالخاتمِ

وبعد هذا الاتّفاق على رواية الحديث وشأن نزول الآية الكريمة منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء ومحدّثين، ومفسّرين ومؤرّخين، وحتّى نظمه الشعراء من السابقين فضلاً عن المحدَثين.

بعد كلّ هذا نقرأ قول ابن تيمية في (منهاج السنّة): قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)، نزلت في عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل...(2)

إلى آخر ما ذكره من أوهام وأباطيل، ومزاعم وأضاليل، لا تقيم حجّة ولا تنير محجَّة، لكنّها شناشن أخزمية، وضغائن أقوام ناصبية، لم يستمرئوا الحقّ، وإلاّ لم هذه العقدة المستعصية من عليّ، وما ذنب عليّ في هذا؟

ألا مُسائل هذا الرجل ومن تابعه وشايعه: إذا كان الحديث مُفترى كيف استدلّ به الفقهاء على إثبات حُكم شرعي يتعبّد به المسلمون، وجعلوا الآية من آيات الأحكام؟! وقد مرّ ما يثبت ذلك.


1) - سورة المائدة/55.

2) - منهاج السنّة 1/156، ط الأولى.

ثمّ كيف يكون الحديث كذباً بإجماع أهل العلم بالنقل، مع تخريج الحفّاظ وأئمّة الحديث له في كتبهم؟! وقد مرّ بك قول الفخر الرازي في حكاية اتّفاق أئمّة أهل التفسير، وقول الآلوسي، وغالب الأخباريين، فأين الإجماع الذي يدّعيه ابن تيمية؟! اللّهمّ إلاّ أن يكون أولئك الحفّاظ ليسوا من أهل العلم، فلا يضرّ خروجهم بإجماع ابن تيمية المزعوم.

وليت شعري لماذا لم يسمِّ لنا عشرة منهم!

أمّا نحن الآن فسنقدّم للقارئ قائمة بأسماء ستّين مصدراً أخرج أصحابها -- الحديث المُفترى عند ابن تيمية -- ليحكم القارئ على أصحابها -- وهم من مشاهير الحفّاظ وأئمّة أهل الحديث وأعلام المفسِّرين والمؤرِّخين -- بما يراه، ولنترك الأمر لإنصافه، فيما زعمه ابن تيمية في خلافه.

مصادر حديث التصدّق بالخاتم في الصلاة حال الركوع وأن ذلك سبب نزول الآية:

1- تفسير الطبري 6/165، 6/288، ط الثانية مصطفى البابي الحلبي بمصر.

2- مختصر تفسير الطبري، لأبي يحيى التجيبي 1/148، ط الهيئة العامّة للتأليف والنشر سنة 1390ه-.

3- تفسير الكشاف، للزمخشري 1/468، ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1367ه- .

4- تفسير ابن كثير 2/71، وعقّب على رواية ابن مردويه للحديث بإسناده، فقال: وهذا إسناد لا يقدح به.

5- تفسير الخازن 1/475، ط الميمنية.

6- تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 1/491، و1/289، ط دار الفكر بيروت.

7- تفسير البيضاوي بهامش تفسير السراج المنير 2/42، ط الخيرية.

8- تفسير البغوي بهامش تفسير الخازن 2/55.

9- تفسير القرطبي 6/221.

10- تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي 3/514.

11- تفسير التسهيل، لابن جزي 1/181، ط مصطفى محمّد.

12- تفسير الدرّ المنثور، للسيوطي 2/293 -- 294.

13- تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 6/145 -- 146، الطبعة المصرية الأولى.

14- تفسير الشوكاني (فتح القدير) 2/50.

15- تفسير الألوسي (روح المعاني) 6/149، ط المنيرية.

16- تفسير الرازي 12/2631، ط أفست دار الكتب العلمية.

17- أسباب النزول، للواحدي ص148.

18- أسباب النزول، للسيوطي بهامش تفسير الجلالين 1/127، ط الثالثة.

19- أحكام القرآن، للجصّاص 2/446.

20- الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف ص56.

21- شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني 1/165 وما بعدها.

22- مطالع الأنظار، للبيضاوي ص476 -- 479.

23- شرح التجريد، للقوشجي ص402، ط إيران سنة 1301ه- .

24- معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري ص102، ط دار الكتب المصرية.

25- جامع الأُصول، لابن الأثير 9/478.

26- المواقف، للإيجي 3/276.

27- المقاصد، للتفتازاني 2/288.

28- كنز العمّال 15/95، 146، ط حيدر آباد الثانية.

29- منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/38.

30- المتّفق والمفترق، للخطيب البغدادي.

31- أنساب الأشراف، للبلاذري 1/150، ط بيروت تحقيق المحمودي.

32- الرياض النضرة، للمحبّ الطبري 2/227.

33- ذخائر العقبى، للمحبّ الطبري ص102.

34- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3/275، ط مصر الأولى.

35- نقض العثمانية، للإسكافي ص319 تح هارون للعثمانية.

36- المناقب، لابن المغازلي المالكي ص311 -- 314، ط إيران.

37- المناقب، للخوارزمي الحنفي ص178، ط إيران.

38- مطالب السؤول، لابن طلحة الشافعي ص31، ط إيران.

39- تذكرة خواص الأئمّ-ة، لسبط ابن الجوزي ص9، ط إيران (الحجرية).

40- كفاية الطالب، للكنجي الشافعي ص228، 250، ط النجف الثانية.

41- فرائد السمطين، للحمويني 1/178، ط بيروت.

42- نظم درر السمطين، للزرندي 86 -- 87، ط النجف.

43- الفصول المهمّة، لابن الصباغ المالكي ص123، ط إيران.

44- ينابيع المودّة، للقندوزي الحنفي ص202، 212، ط إسلامبول سنة 1302ه- .

45- نور الأبصار، للشبلنجي ص77.

46- تاريخ ابن عساكر 2/409 (ترجمة الإمام)، ط بيروت.

47- جواهر العقدين، للسمهودي ق2/ ج1/106، ط بغداد.

48- الصواعق المحرقة، لابن حجر ص24.

49- كتاب الأربعين في أُصول الدين، للفخر الرازي ص448 -- 449، ط حيدر آباد.

50- الجمع بين الصحاح الستّ لرزين كما في جامع الأُصول لابن الأثير 9/8 .

51- تفسير فتح البيان 3/80.

52- تفسير زاد المسير، لابن الجوزي 2/383.

53- تفسير المنار 6/446، ويلاحظ فيه ما قاله محمّد عبده المصري.

54- وجوه المثاني، للتهانوي (بهامش بيان القرآن) 3/41، ط لاهور.

55- تفسير القاسمي 6/243.

56- عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي 3/257.

57- تفسير أبي السعود 2/39.

58 الفتوحات الإلهية، للشيخ سليمان الجمل 1/504.

59- تفسير شاهي للأمير أبي الفتح الجرجاني 2/87، ط إيران.

60- الإكليل على مدارك التنزيل (حاشية عبد الحقّ الدهلوي) 3/196، ط الهند)(1).

12- قال في (ص209): (وكان ابن عبّاس -- رضي الله عنهما -- يستدلّ على الأحكام الفقهية من القرآن الكريم، فيستخرج من كنوز القرآن أحكام الحلّ والحرمة لبعض المسائل الفقهية)، وذكر ما رواه عبد الرزاق عنه في قوله تعالى (اشهد أنّ السلف المضمون إلى أجل مسمّى قد أحلّه الله وأذن فيه، قال الله: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى(2)، ثمّ ذكر حكم السلم من نفس الآية نقلاً عن الطبري، وأعقبها المؤلّف بذكر شاة سودة، وقول النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: (لولا أخذتم مسكها)، وخبرها مذكور في طهارة جلد الميتة إذا دبغ، وفي هذا كلام، لاختلاف الخبر فيه.

ولو أنّ المؤلّف ذكر ما أخرجه الطبراني وابن مردويه -- وعنهما السيوطي في (الدرّ المنثور)(3)، عن ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، قال: (لا يدخل الجنّة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر)، قال ابن عبّاس: فذهبنا ننظر في كتاب الله فإذا هم فيه، في العاق، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي


1) - عليّ إمام البررة 1/353 -- 370.

2) - سورة البقرة/282.

3) - الدرّ المنثور 3/167، ط دار إحياء التراث العربي.

الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(1)، إلى آخر الآية. وفي المنان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى(2).

وفي الخمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ(3).

فإنّ هذا ممّا لا خلاف فيه، وهو أدلّ على ما يريده المؤلّف.

13- قال في (ص287) وقد ذكر الأسانيد في روايات التفسير عن ابن عبّاس.

فذكر برقم/18: (عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: وهذا إسناد صحيفة علي بن أبي طلحة، وهو إسناد صحيح تتابع الأئمّة على قبوله، وقبول الصحيفة التي روي بها).

ثمّ ذكر الأرقام التالية:

(22- بشر عن عمارة، عن أبي روق عطية بن الحارث، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس.

23- جويبر بن سعيد، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس.

24- عبيد بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس.

25- علي بن الحكم، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس).


1) - سورة محمّد/22.

2) - سورة البقرة/264.

3) - سورة المائدة/90.

فقال: (وهذه أسانيد ضعيفة للانقطاع بن الضحّاك وابن عبّاس...).

أقول: فما دام الانقطاع هنا آفة في قبول رواية الضحّاك عن ابن عبّاس، فهو موجود كذلك في رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، فكيف صحّت صحيفته بإسناده المنقطع عن ابن عبّاس، وصار إسناداً صحيحاً تتابع الأئمّة على قبوله، وقبول الصحيفة التي روي بها؟ ثمّ ضعّفت جميع الأسانيد الأربعة عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، للانقطاع أيضاً، فما دامت العلّة واحدة، فيكون أثرها في المعلول أيضاً واحد، أمّا ازدواجية المعايير، فباء تجّر عندكم وأُخرى عرجاء لا تجر عند غيركم، فهذا تعسّف بغير إنصاف، وليس في هذا خلاف.

14- قال في (ص288) في آخر الفصل الرابع برقم: (28 -- محمّد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، وهذا إسناد ضعيف جدّاً، لضعف الكلبي واتّهامه بالكذب، فإن كان الراوي عنه ابنه هشاماً فأشدّ ضعفاً.

وإن كان محمّد بن مروان السدّي الصغير، فهي سلسلة الكذب).

أقول: لقد مرّ في الجزء السابع من الموسوعة في (تقويم بلا تأثيم)(1)، ذكر الطرق المختلفة لروايات ابن عبّاس في التفسير. وأقوال العلماء في التمييز بينها قبولاً وردّاً، وتوثيقاً وتضعيفاً، ومن تلك الأقوال ما جاء في (الإتقان)، وحكاه السيوطي، فقال: (وأوهى طرقه طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمّد بن مروان السدّي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي، لكن


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس: الجزء السابع/الفصل الأوّل/تقويم بلا تأثيم .

قال ابن عدي في الكامل: للكلبي أحاديث صالحة، وخاصّة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه، ولا أشبع، وبعده مقاتل ابن سليمان، إلاّ أنّ الكلبي يفضّل عليه لما في مقاتل من المذاهب الرديّة.

وطريق الضحّاك بن مزاحم عن ابن عبّاس منقطعة، فإنّ الضحّاك لم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبي روق، فضعيفة لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير، وابن أبي حاتم، وإن كان من رواية جويبر عن الضحّاك فأشدّ ضعفاً، لأنّ جويبراً شديد الضعف متروك، ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئاً، إنّما أخرجها ابن مردويه وأبو الشيخ ابن حبّان)(1).

الثالث: (موسوعة مدرسة مكّة في التفسير/ تفسير عبد الله بن عبّاس)

الكتاب الثالث: (موسوعة مدرسة مكّة في التفسير/ تفسير عبد الله بن عبّاس)، جمع وتحقيق ودراسة أ. د. أحمد العمراني، ط مؤسسة البحوث والدراسات العلمية، فاس، المغرب، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر.

جهد مشكور، وعمل مذكور ومبرور، لتيسير الاطّلاع على ما في مصادر التراث العربي الإسلامي من روايات ابن عبّاس في التفسير، وهو في وضعه العام يشبه إلى حدّ كبير كتاب (تفسير ابن عبّاس ومروياته في التفسير من كتب السُنّة) للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، الأُستاذ بجامعة أُمّ القرى بمكّة المكرّمة، وهو مطبوع بالرياض في سلسلة منشوارت الجامعة برقم (53) من التراث الإسلامي.


1) - الإتقان 2/188 -- 189، ط حجازي بمصر.

ولو أنّ الأُستاذ العمراني اكتفى به واقتصر على الموقوف عن ابن عبّاس، لوفّر على نفسه جهداً كبيراً، وعلى القارئ وقتاً كثيراً، ولا ينقصه من أجره يسيراً، فإنّه مع كثرة تقميشه قصّر في قلّة تفتيشه، ومع تفادي كثرة أخطاء الطباعة، فهي ليست قليلة، وهذا كلّه يبقى في جواب التمنّي ب-(لو)، وهي حرف امتناع لامتناع، وعطفاً عليه ما تبيّن لي بوضوح أن العُمراني على سيرة إخوانه في رجوعه إلى مصادر التراث السُنّي فحسب، وإغفال ما عداها من بقية مصادر التراث الإسلامي، ممّا دلّ على أنّه لا يمتاز عن بعض الدارسين من المعاصرين في ضيق العطن، وإن كان هو لا يخلو من تعصّب خفيف -- على حدّ قول الذهبي في شريك القاضي، وأبي نعيم، وأهل الكوفة الذين يقدّمون عليّاً على عثمان -- فقال: فيه تشيع خفيف(1)، أضف إلى هذا عدم ذكر شيء عن ابن عبّاس في أوّل موسوعته هذه، والاكتفاء بالشهرة ليس بكافٍ لجميع القرّاء، مع ما في تاريخ ابن عبّاس من تضبيب، إمّا انسياباً مع المناقبية، أو تشكيكاً في الوقائع الحياتية له، وإذا جاوزنا هذا إلى موسوعة تفسيره التي جمعها وحقّقها ودرسها العُمراني -- كما كتب على ظهرها في أجزائها الثلاثة -- نجد الجمع وافراً في تقميشه، لكن التحقيق والدراسة ليس مذكوراً، إن لم يكن مفقوداً بالمرّة، فأين التحقيق والدراسة


1) - قال الذهبي في ميزان الاعتدال 3/52، ط عيسى البابي الحلبي بمصر في ترجمة محمّد بن زياد الألهاني... ونحن معشر أهل السُنّة أولو محبّة للخلفاء الأربعة، ثمّ خلق من شيعة العراق يحبون عثمان وعليّاً، لكن يفضلون عليّاً على عثمان، ولا يحبّون من حارب عليّاً من الاستغفار لهم، فهذا تشيّع خفيف، راجع قوله في شريك في سير أعلام النبلاء، وكذا قوله في أبي نعيم.

في بعض مرويات مكذوبة على ابن عبّاس كما سيأتي التنبيه على بعضها، لولا ما جاء الإعلان عنه في آخر الجزء الثالث عن عناوين الأجزاء التي تلي هذه الثلاثة والتي خصّها بابن عبّاس، وسمّى باقي الأجزاء أسماء تفسير مجاهد 4 و5 في مجلدين، وتفسير سعيد بن جبير في المجلد السادس، وتفسير عكرمة في المجلد السابع، وتفسير طاووس في المجلد الثامن، ثمّ ذكر بعدها (قسم الدراسة المتعلّقة بموسوعة مدرسة مكّة في التفسير)، ولا أدري هل هذا بعد لم يطبع أو في قيد الإنجاز؟ فلذلك لم يعيّن له رقماً في عناوين الموسوعة، أم أنّه مطبوع ولم أحصل على نسخته؟

ومهما يكن أمر هذا القسم، فلنا حقّ النظر فيما جاء في الأجزاء المختصّة بتفسير ابن عبّاس، الذي رتّبه المؤلّف حسب سور القرآن الكريم، ولمّا كان لابن عبّاس روايات مرفوعة وموقوفة تتعلّق بفضل أهل البيت عليهم السلام، فقد ذكر المؤلّف بعضها، ولم يذكر بعضها، إمّا غفلة أو إعراضاً، ولدى مراجعة مواضع تلك الروايات حسب ورودها في الآيات، فوجدت ما ينبغي التنبيه عليه:

1- فلقد ذكر المؤلّف في ج1/109 برقم/ 431 في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ(1)... عن ابن عبّاس، قال: (ما أنزل آية في القرآن يقول فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إلاّ كان عليّ شريفها وأميرها، ولقد عاتب أصحاب محمّد في غير آية من القرآن وما ذكر عليّاً إلاّ بخير) [تفسير ابن أبي حاتم 1/197، وذكره السيوطي مرفوعا نقلاً عن أبي نعيم، وقال أبو نعيم فيه: لم


1) - سورة البقرة/104.

نكتبه مرفوعاً إلاّ من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رأوه موقوفاً] هامش الكتاب.

أقول: لقد أخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء) بسنده: (عن ابن أبي خيثمة، عن عباد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان الحضرمي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: (ما أنزل الله آية فيها يا أيّها الذين آمنوا إلاّ وعليّ رأسها وأميرها)، قال الشيخ -- أبو نعيم -- لم نكتبه إلاّ من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رووه موقوفاً)(1).

وقد رواه موقوفاً أحمد بن حنبل في (فضائل الصحابة)(2)، وقد بلغت قائمة مصادر هذا في (الكشاف المنتقى) (27) مصدراً؛ فراجعه.

2- ومن ذلك ما ذكر في ج1/26 في تفسير قوله تعالى: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ _ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ(3)، فقد ذكر عن ابن عبّاس في تفسيره إحدى عشرة رواية قالها ابن عبّاس، من 83 إلى 94.

ولكن المؤلّف سامحه الله فاته ما أخرجه الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب)(4)، والحسكاني في (شواهد التنزيل)(5)، والخوارزمي الحنفي في


1) - حلية الأولياء 1/64.

2) - فضائل الصحابة: 654.

3) - سورة البقرة/14 -- 15.

4) - كفاية الطالب/121

5) - شواهد التنزيل 1/72 -- 73.

(مناقب عليّ بن أبي طالب)(1): عن ابن عبّاس: أنّ عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا فاستقبلهم عليّ عليه السلام، فقال عليّ: (يا عبد الله! اتّق الله ولا تنافق، فإنّ المنافق شرّ خلق الله)، فقال: مهلاً يا أبا الحسن! والله إنّ إيماننا كإيمانكم، ثمّ تفرّقوا، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: كيف رأيتم ما فعلت، فأثنوا عليه خيراً، فنزل على رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ....

3- ومن ذلك ما ذكره في ج1/57 برقم 216، و217، و218، في تفسير قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(2).

وفاته ما أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)(3)نقلاً عن ابن النجار، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأل بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب عليه).

4- ومن ذلك ما ذكره في ج1/63 برقم 240 و241، في تفسير قوله تعالى: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ(4).

وفاته ما أخرجه الحسكاني في (شواهد التنزيل)(5)، والخوارزمي


1) - مناقب علي بن أبي طالب: 196.

2) - سورة البقرة/37.

3) - الدرّ المنثور 1/60، ط الأولى.

4) - سورة البقرة/43.

5) - شواهد التنزيل 1/85.

الحنفي في مناقبه(1)، وسبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان)(2)، وفي (تذكرة خواص الأئمّة)(3): عن ابن عبّاس، قال في قوله تعالى: وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ: نزلت في رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وعليّ خاصّة، وهو أوّل من صلّى وركع.

5- ومن ذلك ما ذكره في ج1/206 برقم 857 و959، في تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ(4)، قال في الثانية عن ابن عبّاس: نزلت في صهيب، وفي نفر من أصحابه أخذهم أهل مكّة فعذبوهم ليردّوهم إلى الشرك بالله، منهم: عمّار وأُمّه سمية، وأبوه ياسر، وبلال، وخباب، وعابس مولى حويطب بن عبد العزّى، أخذهم المشركون فعذّبوهم(5).

أقول: لقد ذكرت في كتابي (عليّ إمام البررة)(6)ما يتعلّق بشأن نزول هذه الآية المباركة في أمير المؤمنين عليه السلام، وممّن نقلت عنهم من المفسّرين قول الثعلبي في (الكشف والبيان)(7)، والرازي في تفسيره(8)، والقرطبي في


1) - مناقب الخوارزمي: 198.

2) - مرآة الزمان 4/4.

3) - تذكرة خواص الأئمّة: 13.

4) - سورة البقرة/207.

5) - تاريخ دمشق 24/222، ونقله عنه السيوطي في الدرّ المنثور 1/577، وذكره ابن كثير 1/438.

6) - عليّ إمام البررة 3/280 -- 302.

7) - الكشف والبيان 2/126.

8) - تفسير الرازي 5/223 و224.

تفسيره(1)، وفاتني ذكر أبي حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط)(2)، وقول الألوسي في تفسيره (روح المعاني)(3)، فهؤلاء جميعاً ذكروا شأن نزول الآية في عليّ عليه السلام، وأحد الأقوال الواردة في نزولها وكم كان حسناً لو أنّ المؤلّف نحا نحوهم، ولم يعرض بالمرّة متغافلاً عن ذكره، ولو لم يكن كذلك لما خفي عليه، فإنّه ذكر من مصادره (تاريخ دمشق 24/222...)، وحبذا لو رجع أيضاً إلى (تاريخ دمشق في ترجمة الإمام عليّ عليه السلام)، لرأى فيه حديثين رواهما بسندين مختلفين عن ابن عبّاس، قال في الأوّل: (بات ليلة خرج رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم إلى المشركين على فراشه ليعمّي على قريش، وفيه نزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ(4)).

وقال في الثانية: (...أنام رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم عليّاً على فراشه عليه السلام ليلة انطلق إلى الغار... وفيه نزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ(5))، ومن رام الزيادة فليرجع إلى كتاب (عليّ إمام البررة).

6- ومن ذلك ما ذكره فه ج2/968 برقم/4297 فقال أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(6)أقطع رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم


1) - تفسير القرطبي 3/21.

2) - البحر المحيط 2/118، ط مصر.

3) - روح المعاني 2/97.

4) - راجع تاريخ دمشق في ترجمة الإمام عليّ عليه السلام 1/137 برقم 187.

5) - راجع تاريخ دمشق في ترجمة الإمام عليّ عليه السلام 1/138 برقم 188.

6) - سورة الإسراء/26.

فدكا(1).

أقول: لقد خان المؤلّف في النقل خيانة عظمى، فحذف اسم فاطمة من الخبر! فإنّ الحديث المشار إليه ذكره السيوطي في تفسير الآية الكريمة(2): (...أقطع رسول الله فاطمة فدكاً)، ولمّا كانت فدكاً قد انتزعت قهراً من فاطمة، وجرى في شأنها ما جرى، عزّ على المؤلّف نقل الحديث كما هو فحذف اسم (فاطمة) وأبقى الحديث مبتوراً، مع أنّ السيوطي قال -- قبل ذكره خبر ابن عبّاس المشار إليه --: (وأخرج البزّار، وأبو يعلي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً)، فخبر يرويه ابن عبّاس، وأبو سعيد الخدري، ويخرجه البزّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ويصافقهم السيوطي عليه بروايته له عنهم، فيخبر به العمراني مبتوراً، تلك جناية وخيانة وخزاية، فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ(3)، ألم يرو هو في موسوعته في تفسير قوله تعالى: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(4)، نقلاً عن الطبراني في (المعجم الكبير 3/47/2641، وعنه السيوطي في الدرّ المنثور 7/348 عن ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف)، وإنّ فاطمة من القربى بل أقرب من كلّ قريب، فلماذا يحذف اسمها في خبر فدك؟!


1) - الدرّ المنثور 5/274.

2) - الدرّ المنثور 5/238، ط دار إحياء التراث العربي.

3) - سورة البقرة/79.

4) - سورة الشورى/23.

7- ومن ذلك ما ذكره في ج2/968 برقم/4297، فقال: (أخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، أقطع رسول الله فدكاً (الدرّ المنثور 5/274))، هذا نص ما ذكره.

ولمّا كان النصّ بيّن النقصّ، فرجعت إلى المصدر، فكان: (...أقطع رسول الله فاطمة فدكاً)، فحذف اسم فاطمة من النصّ لا يخلو من حالتين: إمّا عمداً أو سهواً، والثاني غير مقبول عادة، لأنّ المؤلّف أخذ من (الدرّ المنثور)، وفيه خبر آخر رواه السيوطي قبل خبر ابن عبّاس الذي رواه المؤلّف منقوصاً، فقال: (وأخرج البزّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً)، ولا شكّ أنّ المؤلّف قد رآه وعرف معناه، وهو مشابه لما عن ابن عبّاس رواه، ولمّا كان هذا على خلاف الموروث عند قومه، وفيه تنبه للحسّ الخامل، ولمّا كانت مسألة غصب فدك إحدى مسائل الخلاف بين الشيعة والسُنّة، وابن عبّاس من الصحابة، ومن أهل البيت وهو ممّن يروي نحلة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة عليها السلام فدكاً، فكيف المهرب من تبعة الإلزام، فليس منجىً سوى حذف اسم فاطمة عليها السلام من الخبر! ليبقى مبتوراً، وقليل ما هم الذين يسترعي أنظارهم هذا الحذف. ومَن يلتفت إليه يحتمل أن يكون الحذف من الأخطاء الطباعية.

أمّا أنا فقد رأيت الحذف عن عمد، إيهاماً للقارئ، ومن باب سدّ الذرائع في الحديث عن فدك، لئلا ينجّر الحدث إلى ما جرى بين الصدّيقة والصدّيق، في شأنها وما بقي من أخبارها، فالنبيّ صلي الله عليه و آله وسلم أعطاها، وأبو بكر انتزعها وسلبها، فغضبت فاطمة عليها السلام وماتت وهي غاضبة عليه، راجع صحيح

البخاري)(1)في أواخر غزوة خيبر تجد حديث عائشة: (... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفيّت...)، وفي باب مناقب قرابة رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم نحو منه(2)، وفي كتاب الفرائض باب قول النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: (لا نوّرث ما تركناه صدقة)، قالت عائشة: (فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت)، إلى غير هذا من مصادر ذكرتها في كتابي (المحسن السبط، مولود أم سقط)، فارجع إليه واقرأ نصوص الإدانة من صفحة (231) إلى صفحة (482)، فإنّ خبر ابن عبّاس الذي ذكره المؤلّف مبتوراً، وخبر أبي سعيد الخدري الذي رواه البزّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وصافقهم السيوطي على روايته، إذ ذكره عنهم من دون تعقيب صحيح صريح في إعطاء النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم فدكاً لفاطمة عليها السلام، فحذف العمراني للاسم لا يغير من الواقع شيئاً، ولو أنّ العمراني ذكره، ثمّ علّق عليه كما صنع الألوسي في (روح المعاني)(3)، حيث قال في تفسير الآية وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ: (... وما أخرجه البزّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، من أنّه لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله(صلّى الله تعالى عليه) فاطمة فأعطاها فدكاً، لا يدلّ على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام، على أنّ في القلب من صحّة الخبر شيئاً بناء على أنّ السورة مكّية، وليست هذه الآية من


1) - صحيح البخاري 5/139.

2) - صحيح البخاري 5/20.

3) - روح المعاني 15/62، ط دار إحياء التراث وص58، ط المنيرية بمصر.

المستثنيات، وفدك لم تكن إذ ذاك تحت تصرّف رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، بل طلبها (رضي الله تعالى عنها) ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور يأبى القول بالصحّة، كما لا يخفى) اه- .

وهذا الذي قاله الألوسي لأنّه في قلبه شيء من صحّة الخبر ليس بمستغرب! فقبله ابن كثير ذكر في تفسير الآية رواية أبي سعيد بتخريج البزّار له، ولمّا كان في قلبه مرض منه أيضاً، قال تعقّباً عليه: (وهذا الحديث مشكل لو صحّ إسناده لأنّ الآية مكّية، وفدك إنّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذا حديث منكر، والأشبه أنّه من وضع الرافضة)(1).

أقول: لا نطيل النزاع مع ابن كثير في قوله: (والأشبه أنّه من وضع الرافضة)، فهم دائماً عليم أن يدفعوا ضريبة الرفض.

ولكن من حقّنا أن نسأله عن نور الدين الهيثمي صاحب (مجمع الزوائد) الذي روى الخبر في كتابه عن أبي سعيد، قال: (لمّا نزلت وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فأعطاها فدك، رواه الطبراني، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف متروك)(2). فهل هؤلاء من الرافضة؟!

ورواه الخوارزمي الحنفي في (مقتل الحسين) بسنده عن أبي سعيد: (قال: لمّا نزلت الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(3)، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة


1) - تفسير القرآن العظيم 3/36، ط الاستقامة بمصر سنة 1373.

2) - مجمع الزوائد 7/49.

3) - سورة الإسراء/26.

فأعطاها فدكاً)(1). فهل كان الخوارزمي ورجال إسناده من الرافضة؟!

ورواه أبو يعلى في مسنده، فقال: (قرأت على الحسين بن يزيد الطحان هذا الحديث، فقال: هو ما قرأت على سعيد بن خشيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا النبيّ فاطمة وأعطاها فدك)(2). فهل هؤلاء من الرافضة؟!

ورواه ابن أبي حاتم في (علل الحديث)، رواه: (عن سعيد بن خشيم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فجعل لها فدك)(3). فهل هؤلاء من الرافضة؟

وقد رواه ابن حاتم في تفسيره أيضاً.

ولنسأل ابن كثير أيضاً عن الحاكم الحسكاني الذي روى هذا في (شواهد التنزيل) بعشرة أسانيد، فمنها واحد عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: (حدّثني أبو الحسن الفارسي، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد الماسرجي، قال: حدّثنا جعفر بن سهل ببغداد، قال: حدّثنا المنذر بن محمّد القاموسي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني عمّي، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ، قال: (لمّا نزلت: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فأعطاها


1) - مقتل الحسين 1/71.

2) - مسند أبي يعلى 2/334 برقم 1075 و534 برقم 1409.

3) - علل الحديث 2/57 برقم 1656.

فدكاً))(1). فهل هؤلاء قبل أبان بن تغلب من الرافضة؟

وروى الحسكاني هذا الحديث عن ابن عبّاس أيضاً، فقال: (أخبرنا عليّ بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا أبو مروان عبد الملك بن مروان -- قاضي مدينة الرسول بها سنة سبع وأربعين وثلاثمائة -- قال: حدّثنا عبد الله بن منيع، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا سفيان، عن واصل الأحدب، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: لمّا أنزل الله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة وأعطاها فدكاً، وذلك لصلة القرابة، وَالْمِسْكِينَ الطوّاف الذي يسألك يقول أطعمه، وَابْنَ السَّبِيلِ وهو الضيف، حثّ على ضيافته ثلاثة أيام، وأنّك يا محمّد! إذا فعلت هذا فافعله لوجه الله، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: أنت ومن فعل هذا من الناجين في الآخرة من النار الفائزين بالجنّة)(2). فهل رجال الحسكاني من الرافضة؟

ونسأله عن ابن عدي الجرجاني صاحب (الكامل في ضعفاء الرجال) الذي روى الخبر في كامله(3)بسنده، فقال: (أخبرنا القاسم بن زكريا، ثنا عباد بن يعقوب، ثنا علي بن عابس، عن فضيل -- يعني: ابن مرزوق -- عن عطية، عن أبي سعد، قال: لمّا نزلت: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فاطمة فأعطاها فدك).

ثمّ قال ابن عدي: (ولعلي بن عابس أحاديث حسان، وروى عن ابن


1) - شواهد التنزيل 1/442 برقم 473.

2) - شواهد التنزيل 1/580 برقم 68.

3) - الكامل في ضعفاء الرجال 5/190، ط الثالثة دار الفكر.

تغلب وعن غيره أحاديث غرائب، وهو مع ضعّفه يكتب حدثه).

أقول: فهل كان ابن عدي ورجال سنده من الروافض فوضعوا الحديث؟! إنّها عقدة النواصب، فلا تحلّ بإيراد الحديث حتّى من مصادرهم وبرجال أسانيدهم!

ألم يفعل هذا الذهبي إذ قال في (ميزان الاعتدال) في ترجمة علي بن عابس بعد أن ذكر الخبر عن أبي سعيد، كما في كامل ابن عدي سنداً ومتناً: (قلت: هذا باطل، ولو كان وقع ذلك لمّا جاءت فاطمة(رضي الله عنها) تطلب شيئاً وهو في حوزتها وملكها، وفيه غير علي من الضعفاء)(1).

أقول: في كلام الذهبي نحو تلبيس وتدليس! فإنّ فاطمة عليها السلام كيف تطالب بفدك وهي بيدها، بل إنّما جاءت تطالب بها بعدما انتزعت منها وطرد وكيلها.

فقد روي أنّ عمر وأبا بكر جاءا إلى عليّ بعد موت رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فقال عمر -- والقول له والخبر بروايته --: ما تقول فيما ترك رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم؟

قال: نحن أحقّ الناس برسول الله صلي الله عليه و آله وسلم.

فقلت -- والقائل عمر --: والذي بخيبر؟

قال: والذي بخيبر.

قلت: والذي بفدك؟

قال: والذي بفدك.

فقلت: أما والله حتّى تحزّوا لرقابنا بالمناشير قتلاً). وقال الهيثمي فيه:


1) - ميزان الاعتدال 3/135.

(رواه الطبراني في الأوسط)(1).

ومن هنا بدأت عملية الانتزاع، فلمّا طرد وكيلها، جاءت تطالب باسترجاعها.

وفي كلام عليّ عليه السلام: (بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله...)، قال ابن أبي الحديد: (وهذا الكلام كلام شاكٍ متظلّم)(2).

أقول: وأصرح منه لفظاً وأقوى دلالة، كلام الصديقة الزهراء عليها السلام مع أبي بكر:

(... فدونكها مرحولة مزمومة، تكون معك في قبرك، وتلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، ونعم الزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(3))(4).

فإذا لم تكن بأيديهم، ثمّ انتزعت منهم، لا تصحّ شكوى متظلّم، ولا كلام مظلوم متوعّد.

وإلى هنا نوقف جري القلم في محاسبة الأُستاذ العمراني على ما في كتابه (موسوعة مدرسة مكّة في التفسير/ تفسير عبد الله بن عبّاس) من هفوات جريحة.

ونختم الكلام معه بأداء النصيحة -- والدين النصيحة -- فنقول له: إنّ من


1) - مجمع الزوائد 9/39 -- 40، ط القدسي بمصر.

2) - شرح نهج البلاغة 16/208.

3) - سورة الأنعام/67.

4) - منال الطالب، لابن الأثير 2/504، ط الخانجي بمصر.

يروي في موسوعته في تفسير قوله تعالى: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، نقلاً عن الطبراني(2)(عن ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه): عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: لمّا نزلت: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قالوا: يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وابناهما))، فإنّ من يروي هذا لا يتجاهل اسم فاطمة عليها السلام، فلا يذكره في خبر نحلة فدك كما مرّ، فهذا خلاف المودّة، وإن كان في حسبان العمراني أنّ الحذف يسدّ باب التساؤل حول مصير فدك، وكيف أخذها أبو بكر؟ وروايته إنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم لا يورث، حجّة داحضة! فإنّ أوّل من خالفه عملاً صاحبه ونصيره عمر بن الخطّاب، إذ أعطاها بيد عليّ عليه السلام والعبّاس، وحديثهما في الصحيحين وغيرهما ذو شجون، وقد ذكرته في كتابي (المحسن السبط)، ولمّا ولي عثمان أعطاها لمروان(3)، ولم تزل في يد مروان وبنيه، حتّى إذا ولي عمر بن عبد العزيز أرجعها إلى ولد فاطمة عليها السلام، فكانت في أيديهم مدّة ولايته، ثمّ سلبت منهم، وبقيت يتداولها بنو أُميّة، ولمّا ولي بنو العبّاس، ردّها السفّاح على عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن عليه السلام، ثمّ قبضها المنصور بعدما شبّ النزاع بينه وبين ابني عبد الله المحض، ثمّ ردّها المهدي، ثمّ سلبها موسى الهادي، ومن بعده الرشيد، إلى أيام المأمون


1) - سورة الشورى/23.

2) - في المعجم الكبير 3/47/2641، وعنه السيوطي في الدرّ المنثور 7/348.

3) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/67، ط مصر الأولى: وأقطع عثمان مروان فدك، وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات الله عليه تارة بالميراث، وتارة بالنحلة فدُفعت عنها.

وأعادها سنة 210ه-، وكتب بذلك كتاباً إلى عامله، وفي أيام المتوكّل سلبها. فسلوك هؤلاء الحكام في أمرها، وهم عند فئات المسلمين يحكمونهم باسم (أمير المؤمنين)، ففي إرجاع من أرجعها دلالة على عدم صحّة حديث أبي بكر: (إنّا لا نورّث)، وإنّما أعيدت فدك إلى ذرّية فاطمة عليها السلام لأنّهم ورثتها، وهي كانت قد ملكتها بالنحلة، ثمّ غصبت منها، وجرى لها وعليها ما لست أذكره، ففي حديثها شجون وشجون، وإنّا إليه راجعون.

الرابع: (عبد الله بن عبّاس، حبر الأُمّة وترجمان القرآن)

الكتاب الرابع: (عبد الله بن عبّاس، حبر الأُمّة وترجمان القرآن)، تأليف الدكتور محمّد أحمد أبو النصر، الأولى سنة 1412ه- دار الجيل بيروت.

قال في (ص7) من تصدير: (وإنّني إذ أخذت بحظّي من النظر في تراثنا الإسلامي، لم أعثر على باحثين اقتربوا من هذا الطود الشامخ [يعني: ابن عبّاسٍ] ليقدّموه علماً من أعلام الإسلام، ولينهلوا من غدير حبر هذه الأُمّة، محاولين تقديم ميراثه لشباب الإسلام..

ولست أدري حتّى الآن سبباً وجيهاً يجعل مفكّرينا وأدباءنا يحجمون عن الكتابة عنه، وعن علمه الواسع، وما خلّفه في شتّى المعارف الإنسانية من أدب ورسائل وفقه وتفسير، ممّا يكون منهجاً متكاملاً، مؤسّساً على النهج الإسلامي الذي أراده الله ورسوله للناس أجمعين.

الأمر الذي جعلني أتردّد في خوض غمار هذا المورد النمير، ولكن الله -- جلت قدرته -- أنار لي الطريق، وأعانني وهداني سواء السبيل، فعرفت أنّ هذا المورد العذب -- وإن لم يتزاحم عليه الواردون -- يفيض عن عين ثرّة

الصفحة السابقةالصفحة التالية

لا تغيض، بيد أنّي لا أدخل نفسي فيمن عناهم أبو العلاء المعرّي، بقوله:

وإنّي وإن كنت الأخير زمانه*** لآت بما لم تستطعه الأوائل

وإن كان ذلك لا يعني أنّ الكتابة كانت سهلة عنه، أو أنّ مراجع البحث كانت دانية القطاف(1)

1- تهذيب الآثار (مسند ابن عبّاس) لابن جرير الطبري المتوفّى سنة.

2- أسامي من نزل فيهم القرآن برواية ابن عبّاس، للضرير الحيري، وقد مرّ ذكره في ج12 من الموسوعة = الثاني من الحلقة الثالثة.

3- تنوير المقباس في تفسير ابن عبّاس، للفيروز آبادي، مطبوع مكرّراً.

4- اللغات في القرآن الكريم عن ابن عبّاس، للوزان الحنفي، حقّقه وطبعه الدكتور صلاح الدين المنجّد بالقاهر سنة 1946م.

5- نور الاقتباس في مشكاة وصية النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم لابن عبّاس لابن رجب الحنبلي، طبع مكرّراً.

6- موسوعة فقه ابن عبّاس، للدكتور محمّد رواس قلعةجي، ط دار النفائس.

7- رخص ابن عبّاس، للدكتور إسماعيل سالم، ط بالقاهرة.

8- كشف الإلباس عمّا رواه مشافهة ابن عبّاس لمحمّد عابد بن السندي.

9- بيان معاني ألفاظ القرآن عن ابن عبّاس برواية ابنه علي بن عبد الله بن عبّاس، فهذا وتاليه من أقدم ما وصل إلينا عن ابن عبّاس.

10- كتاب غريب القرآن رواية عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس.

11- صحيفة علي بن أبي طلحة، طبعها محمّد فؤاد عبد الباقي باسم معجم غريب القرآن، بمصر سنة 1950م.

12- مسائل نافع بن الأرزق عن عبد الله بن عبّاس، حقّقها وذيّلها الدكتور محمّد بن أحمد الغالي، ط دمشق سنة 1993م.

13- مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس حبر الأُمّة عبد الله، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، ط دار روائع التراث العربي مكتبة التراث الإسلامي سنة 1424ه-.

14- شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق، للدكتور أحمد الخباطي نشره في مجلّة دار الحديث الحسنية بالمغرب.

15- في الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم، تأليف الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري، نشر مكتبة دار المنهاج بالرياض.

16- ابن عبّاس مؤسس علوم العربية، أ. د. عبد الكريم بكار، ط دار الإعلام عمان ط2/ 1423ه-.

17- (تفسير ابن عبّاس ومروياته في التفسير من كتب السنّة)، للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، ط الرياض.

18- تفسير ابن عبّاس دراسة وتحليل، أطروحة (ماجستير) لعبد المجيد محمّد أحمد الدوري، رسالة مقدّمة إلى كلّية الشريعة في جامعة بغداد (مطبوع على الآلة الكاتبة).

19- أدب التفسير في جزئين لكاتب الحروف، رآه شيخ الباحثين وقرضّه في سنة كما مرّت الإشارة إليه.

20- عبد الله بن عبّاس لكاتب الحروف، في أربعة أجزاء كبار، كما رآه شيخ الباحثين، فذكره في كتابه الذريعة، وهذا قد كتبته منذ أكثر من نصف قرن، كما مرّت الإشارة إليه في أوّل أجزاء الموسوعة، وهو نواتها التي كانت قطوفها دانية، والحمد لله على توفيقه وسبوغ نعمائه المتوالية.

.

1) - لقد طفح كيل الغرور [الأنا] الأدبي فجاز حدود التواضع الأدبي إلى ما لا يحمد ذكره، فقال الذي قاله، وهو في غفلة عمّا كتبه الأقدمون عن ابن عبّاس رضي الله عنه فضلاً عن المعاصرين، وإلى القارئ عرضاً عابراً، بأسماء الكتب التي كتبت عن ابن عبّاس رضي الله عنه:

وقال: وإذ قدّر الله لي أن أخوض تلك المعركة النبيلة، وأكتب هذه الرسالة عن شخصية عبد الله بن عبّاس [أدبياً]، أرجو أن أكون بها قد أضفت إلى التراث ما يكتبه الله لي في سجل حسناتي...

وقال: لقد أعجبت بابن عبّاس غلاماً حدثاً تهوى نفسه الإسلام، وهو بعد لم يبلغ العاشرة من عمره...

وأعجبت به يافعاً يلازم رسول الرحمة ويسمع منه، ويعيش حياته

الخاصّة ليتّخذ منه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة....

وأعجبت به شاباً يسعى إلى أبواب أهل المعرفة ليأخذ عنهم ما سمعوه من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، متحمّلاً في سبيل ذلك وقدة الحرّ وزمهرير البرد من غير ملل ولا ضجر.

وأعجبت به كهلاً يتصّدر المجالس، يقدّم للمتحلّقين حوله من طلاب العلم ورواد المعرفة ممّا تعلّمه من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم ومن صحابته الكرام.

وأعجبت به خطيباً تتناثر الدرر من فيه، حتّى إذا أخذ في الكلام استولى على القلوب وأتى بالمقصود في أجمل بيان وأوجز عبارة.

وأعجبت به فارساً في ميدان القتال يسهم بسيفه في فتوحات الشمال الأفريقي، وفي مواقع الجمل وصفّين والنهروان.

وأعجبت به سياسياً بارعاً يعرف كيف يلجم خصمه بالحجّة، وكيف لا وقد استطاع بقدرته على الحوار، واختياره اللفظ الدقيق المعبّر عن المعنى المقصود، أن يغلق على رؤوس الخوارج منافذ القول، وألزمهم الحجّة حتّى أذعنوا أو سلموا ورجع معظمهم تحت راية الإمام عليّ(كرّم الله وجهه).

وخلاصة القول: إنّي ما توجّهت إلى البحث عن فضيلة إلاّ ووجدتها عنده واضحة جلّية، إذ أنّه مجموعة من الفضائل والشمائل التي يسعد المؤمن بالتحلّي بها، واكتسبها ابن عبّاس من تلك البيئة الإسلامية الأولى، ومن هذه الصحبة الكريمة للنبيّ الخاتم صلي الله عليه و آله وسلم، فهو الصحابي الجليل الذي ملك المجد من أطرافه، فما فاته منه شيء.

مجد الصحبة للرسول الخاتم، ولو تأخّر ميلاده قليلاً لما شرّف بها.

ومجد القرابة، فهو ابن عمّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم.

ومجد العلم، فهو حبر أُمّة محمّد وبحر علمها الزاهر.

ومجد التقى، فقد كان صوّاماً قوّاماً مستغفراً بالأسحار، بكاءً من خشية الله حتّى خدد الدمع خدّيه.

إنّه عبد الله بن عبّاس، ربّانّي أُمّة محمّد وأعلمها بكتابه، وأفقهها بتأويله، وأقدرها على النفوذ إلى أغواره وإدراك مراميه وأسراره).

وقال في آخر تصديره -- بعد ما مرّ من إطناب في تصدير الكتاب -- : (ولذا كنت سعيداً كثيراً أن أكتب هذه الرسالة عن ذلك الضوء الشاهق، والقمّة الشامخة).

وأفاض في التصدير، خطابيات أدبية لا تحظى كلّها بالتسليم عند التقويم في التقديم.

ومهما يكن، فقد قال:

1- في (ص16): (... ومع نور الفجر كانت -- لبابة الكبرى -- تتهادى داخل الشعب، ونداء رسول الإسلام يطنّ في أذنيها... يا أُمّ الفضل إنّك حامل بغلام، فإذا ولدت فأتني به...

فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وسمّاه عبد الله(1)-- ثمّ ألبأه -- واللباء أوّل ما يحلب من اللبن عند الولادة... وألبأه صبّه في حلقه... رواه أبو نعيم.

ويروى أنّ الرسول الكريم، وهو في داخل الشعب التقى بعمّه العبّاس،


1) - أسد الغابة 7/313، والأنوار المحمّدية، للنبهاني: 576.

فقال له عمّه: ما أرى أُمّ الفضل إلاّ قد اشتملت على حمل، فقال عليه الصلاة والسلام: (لعلّ الله يقر أعيننا بغلام)، فكان ذلك الغلام عبد الله(1)).

فهذا الذي ذكره المؤلّف كلّه من المناقبيات الموضوعة! وقد سبق أن أشرت إليها وإلى مناقشتها في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى من الموسوعة، ومن الغرابة بمكان أنّ الذين رووا عن النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم أذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، هم الذين يروون تشريع الأذان كان في السنة الثانية من الهجرة برؤية عبد الله بن زيد في المنام (؟). ولقد قيل: ليس للكذوب حافظة.

2- قال في (ص25): (ويؤدّي الرسول رسالة ربّه، ويكمّل على يديه دينه، ويبلغ الكتاب أجله، ويكون العبّاس أشدّ الناس حزناً على فراق المصطفى صلي الله عليه و آله وسلم، وإن وجد من الرعاية والتكريم في عهد صاحبيه أبي بكر، ومن بعده عمر).

ثمّ ذكر مرور عمر وما أصابه من ميزاب دار العبّاس وقلعه، وثمّ إعادته، وعدّ هذا من مظاهر الرعاية والتكريم من عمر للعبّاس، وذكر بعده عدّة شواهد عمرية، وكان عليه أن لا يتجاوز أبا بكر في رعايته للعبّاس ولو بشاهد واحد، وأنّى له (؟) وللعبّاس مواقف مناوءة للسلطة، إذ كان مع الإمام عليّ عليه السلام هو وجميع بني هاشم، ولم يبايعوا أبا بكر إلاّ بعد ستّة أشهر وبعد موت فاطمة عليها السلام، كما في رواية عائشة، وعنها عروة، وعنه الزهري، وقد رواه البخاري في صحيحه، وقد ذكرت مواقف العبّاس في تلك الفترة في


1) - الحلية 1/324، وأسد الغابة 3/192.

الجزء الثاني من الحلقة الأولى(1)، فلماذا أعرض المؤلّف عن ذكرها والإشارة إليها؟ إنّها سذاجة فهم؟ أو قلّة علم؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل تعمّد الكتم؟

3- قال في (ص28) وهو يتحدّث عن استسقاء عمر بالعبّاس -- نقلاً عن (الاستيعاب) -- ويتحدّث عبد الله بن عبّاس، وأنس بن مالك(رض): (إنّ الأرض أجدبت إجداباً شديداً، ويهرع الناس إلى عمر(رض) يشكون ما هم فيه من جوع... ويدخل كعب على عمر، قائلاً: يا أمير المؤمنين! إنّ بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعض الأنبياء، فقال عمر: هذا عمّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وصنو أبيه، وسيّد بني هاشم، ومشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناس من القحط، ثمّ صعد المنبر ومعه العبّاس، فقال: اللّهمّ أنّا توجّهنا إليك بعمّ نبيّنا وصنو أبيه، فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثمّ تقدّم العبّاس، فقال بعد حمد الله تعالى، والثناء عليه:

اللّهمّ إنّ عندك سحاباً وعندك ماء، فانشر السحاب، ثمّ أنزل الماء منه علينا.. ثمّ ذكر تمام الدعاء وذكر الاستجابة ونزول الغيث، والتبجح شعراً في عمر وفي العبّاس في قول حسّان بن ثابت:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا*** فسقى الغمام بغرة العبّاس

عمّ النبيّ وصنو والده الذي*** ورث النبيّ بذاك دون الناس

أحيا الإله به البلاد فأصبحت*** مخضّرة الأجناب بعد الياس)

أقول: لقد مرّ منّي أن ذكرت هذا الموضوع في الجزء الأوّل من


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثاني، الفصل الأوّل/ مواقف العبّاس في تلك الفترة.

الموسوعة(1)، وذكرت المصادر التي ذكرت الحادثة -- وهي كثيرة -- وكان منها (تاريخ مدينة دمشق)(2)، والخبر أطول ممّا ذكره الدكتور محمّد أحمد أبو النصر وفيه: (... فقال العبّاس: يا عمر! أقعد في بيتي، فأرسل -- العبّاس -- إلى بني هاشم أن تطهّروا والبسوا من صالح ثيابكم، فأتوه، فأخرج طيباً فطيّبهم، ثمّ خرج العبّاس وعليّ أمامه، والحسن عن يمينه، والحسين عن يساره، وبنو هاشم خلف ظهره، وقال: يا عمر! لا تخلط بنا غيرنا، ثمّ أتوا المصلّى فوقفوا، ثمّ إنّ العبّاس حمد الله وأثنى عليه، فقال: اللّهمّ إنّك خلقتنا وعلمت ما نحن عاملون به قبل أن تخلقنا، فلم يمنعك علمك بحالنا عن رزقنا، اللّهمّ كما تفضّلت علينا في أوّله، فتفضّل علينا في آخره...).

وذكرت نقلاً عن الطبري الإمامي في كتاب (المسترشد) أنّ العبّاس قال في ذلك الموقف: (يستسقون بنا ويتقدّمونا). وذكرت ما قيل في ذلك من شعر.

ومهما يكن، فبالرغم من كثرة المصادر التي زادت على العشرين فيما ذكرت، فقد استبعد جمال البنا في كتابه (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم)، وقال: (هذا بعيد، فعمر بن الخطّاب ما كان يستشفع بأحد خلاف الرسول، دع عنك العبّاس الذي لم تذكر له سابقة، أو نصرة، وكان تاجراً ومرابياً، ومع أنّه عمّ الرسول فإنّ أبا لهب كان عمّه، ولا جدال أنّ الحديث من وضع أحد عملاء الخلافة العبّاسية)(3). اه- .


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/استسقاء عمر بالعبّاس.

2) - تاريخ مدينة دمشق 36/362 نشر دار الفكر بيروت.

3) - تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم: 254، ط الانتشار العربي بيروت سنة 2011ه-.

أقول: وهذا تجنّ واضح، وما ذكره عن العبّاس فينفيه ما ذكرته من مواقف العبّاس في بيعتي العقبة الأولى والثانية، وموقفه يوم حنين مع النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم إذ فرّ من كان معه، فأمره النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم أن ينادي المنهزمين -- وكان رجلاً جهورياً صيّتا -- فقال صلي الله عليه و آله وسلم له: ناد بالقوم وذكرّهم العهد، فنادى العبّاس بأعلى صوته، يا أهل بيعة الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة! إلى أين تفرّون، اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، والقوم على وجههم قد ولّوا مدبرين. وله شعر في ذلك جاء فيه:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة*** وقد فرّ من قد فرّ عنه وأقشعوا

وعاشرنا لاقى الحمام بسيفه*** بما مسّه في الله لا يتوجّع

وشهد مع النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم غزوة الطائف، وغزوة تبوك راجع الجزء الأوّل من الموسوعة(1)تجد الحديث عن العبّاس مفصّلاً من دون تزويق أو تمزيق.

وإنّ من أبى أو يأبى هذا، فعليه أن يجيب بكلا بملء فيه، ويتعيّن عليه أن يوافينا بنص الردّ الثابت، ويقول ذلك وهو ثابت الجنان، أمّا وهو يستعين بمرويات مرسلة ومهلهلة، فأولى به في السلّة المهملة خير مكان، وليفرط في عينه حبّ الرمّان، كما يقول المثل.

4- وقال في (ص32): (كان ابن عبّاس يبيت عند خالته ميمونة... وتلعب المصادفة دورها في أن يكون الرسول الكريم عندها في ليلتها...).

أقول للباحث الكريم: ليست هي مصادفة، بل هو تصميم وبإشارة من


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/نشأة حبر الأُمّة.

أبيه، فقد مرّ في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى من الموسوعة(1)ذكر حديث الطبراني عن ابن عبّاس، قال: (أهدى رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم إلى أبي بكارة

-- ولد الناقة -- فاستصغرها، ثمّ قال لي اذهب بها إلى رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: يا بنيّ! فقل: إنّا قوم نعمل، فإن كان عندك أسنّ منها فابعث بها إلينا، فأتيت بها، فقال: (ابن عمّي وجّهها إلى إبل الصدقة)، ثمّ أتيته في المسجد فصلّيت معه العشاء، فقال: (ما تريد أن تبيت عند خالتك الليلة قد أمسيت)، فوافقت ليلتها من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فعشّتني ووطأت لي عباءة بأربعة فافترشتها، فقلت: لأعلمنّ ما يعمل النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، فدخل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، فقال: يا ميمونة! قالت: لبيك يا رسول الله! قال: (أفلا عشّيتيه إن كان عندك شيء)، قالت: قد فعلت، قال: (فوطئت له)، قالت: نعم: فمال إلى فراشه...)، وساق الحديث ومراقبته لأعماله في قيام الليل من الوضوء والصلاة والدعاء... فأين هو لعب المصادفة؟

5- وقال في (ص32): (لقد اعتاد ابن عبّاس أن ينام على فراش سيّد البشر ويرتوي من رحيقه...).

إنّ هذا ادّعاء رخيص، وكأنّه من طبائعه فماله منها محيص، إذ سرد خطابياً عدّة سطور.

6- إلى أن قال في (ص33): (فكان -- ابن عبّاس -- يسلك مسلك القدوة، فلا يلعب لعب الأتراب من لداته...).

واستمر الرجل في حشر أمثال هذه الكلمات المبذولة المهزولة،


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/شواهد ومشاهد رقم (16).

للمناقب المكذوبة، ونسي أو تناسى أنّ ابن عبّاس كان هو يحدّث عن لعبه مع الأتراب، كما في حديث الحطأة الآتي ذكره، فلماذا هذه المناقبية الرخيصة؟ وحديث لعبه مع الصبيان رواه مسلم في صحيحه -- وهو في قمّة الصحاح بعد البخاري -- فماذا روى مسلم في صحيحه؟

لقد أخرج في صحيحه في كتاب البرّ والصلة في باب من لعنه النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم أو سبّه أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك كانت له زكاة وأجرا ورحمة (؟)، ولفظه بسنده: (عن أبي حمزة القصّاب، عن ابن عبّاس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، ثمّ قال لي: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: (لا أشبع الله بطنه))(1)، وأعاد مسلم ذكره مرّة أُخرى بسند آخر إلى أبي حمزة، وبتفاوت يسير.

وقد ذكرت ما قاله علماء التبرير في تفسير هذا الحدث دفاعاً عن معاوية -- حشروا معه -- ولا يعنينا ذكر ذلك، والأولى تفسير الحطأة التي تلقّاها ابن عبّاس وهو يلعب مع الصبيان، قال النووي: (فحطأني حطأة، وهو الضرب باليد المبسوطة بين الكتفين، وإنّما فعل هذا بابن عبّاس ملاطفة وتأنيساً).

أقول: ولم لا يكن ذلك نهياً عن اللعب، ولا يخلو قول ابن عبّاس: (تواريت خلف باب) من نحو دلالة على هذا. ويبقى أشياع معاوية في


1) - صحيح مسلم 8/27، ط محمّد علي صبيح بمصر.

دوامة تفسير دعاء النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم عليه بقوله: (لا أشبع الله بطنه)(1).

7- وقال في (ص36): (وقف ابن عبّاس والدموع تترقرق في عينيه وهو يوّدع الرسول الكريم يوم لقاء ربّه، وقد عادت به الذكرى إلى ذلك الموقف المشهود في حجّة الوداع حين وقف صلي الله عليه و آله وسلم يقول للناس: (أيّها الناس: اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عام بهذا الموقف)، وقف يرى ما يقوله المصطفى.

أقول: لقد طوى صحيفة ابن عبّاس التي كانت ذات الأحداث الجسام ببضعة سطور من الخيال الإنشائي، وأغفل ذكر ما كان ابن عبّاس يرويه من سيرة نبوية في حجّة الوداع، وما كانت منه صلي الله عليه و آله وسلم في القيام بتبليغ الولاية في غدير خمّ، وقول ابن عبّاس: (وجبت والله في أعناق القوم)، وأعمّها فجيعة تركه الإشارة إلى حديث الرزية، وهو حديث (الدواة والكتف) الذي كان في يوم الخميس قبل وفاة النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم بأربعة أيام، وكان ابن عبّاس يقول: (الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وبين كتابة ذلك الكتاب)، ويبكي حتّى يبل الحصباء، وقد مرّ ذكر هذا الحديث فيما له وعليه بأوفى ما قدرت على جمعه من طرقه ورواته فراجع الجزء الأوّل من الحلقة الأولى من الموسوعة(2)تجد عجائب المصائب.

8- وخاض المؤلّف مخاضة ضحلة في المعرفة حين تحدّث عن (ابن عبّاس -- مفسّراً)، فقال في (ص65): (ويروى أن عمر بن الخطّاب كان يقدّم


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الأوّل/لا أشبع الله بطنه.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/241 -- 463.

ابن عبّاس صبيّاً على كبّار الصحابة، تقديراً لذكائه الحاد ومعارفه الواسعة الأمر الذي دعا معاصريه أن يمدحوه:

وأبو الفضل وابنه الحبر عبد*** الله إن عيّ بالريء الفقهاء)

وذكر في الهامش: (القصيدة للشاعر عبد الله بن قيس الرقيات، وجاء في شرح السكري، بأنّ الابن المقصود هو عبد الله بن العبّاس، وكلمة الريء تعني: الرأي، وهل هذا يكون بينهما قلب مكاني).

أقول: إنّ استعمال كلمة (صبي) في ابن عبّاس أيام عمر بن الخطّاب، من الخطأ الصبياني، إنّ عُمر ابن عبّاس كان قد جاز البلوغ -- ومن بلغ لا يقال له (صبي) -- فكيف إذا كان جاور أو جاوز العشرين سنة؟

9- وقال في (ص81) برقم (11): (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ(1)، قال ابن عبّاس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: (هي شجرة الزقوم)(2)).

أقول: لقد ذكر القرطبي في تفسيره: (عن ابن عبّاس: أنّه عليه السلام رأى في المنام بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فقيل: إنّما هي الدنيا أعطوها فسريّ عنه)(3)، وذكر ذلك غير القرطبي، وقالوا: في ذلك نزل قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ


1) - سورة الإسراء/60.

2) - البخاري 5/27، 7/214.

3) - تفسير القرطبي 10/282.

فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً(1)، ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عبّاس، قال: (هذه الشجرة بنو أُميّة...) 10- وقال في (ص176): (وكان ابن عبّاس إذا سمع قصيدة زهير بن أبي سلمى:

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم*** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم*** قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا

محسدّون على ما كان من نعم*** لا ينزع الله عنهم ماله حُسدوا

قالوا: لمّا سمع ذلك ابن عبّاس: قال: ما كان أحبّ إليَّ لو كان هذا المدح في بيت محمّد).

وذكر في الهامش مصدره: (كتاب السحر والشعر لابن الخطيب (مخطوط)، وكتاب السيراء لابن الأبار ج1/2).

وفي هذا تلبيس وتدليس، متناً وهامشاً، فطواها طيّاً مشوشاً مؤلّف الكتاب، كما إنّ ذكره للمصدرين في الهامش فيهما تشويش، فإنّ الكتابين لم يرد ذكرهما في قائمة المصادر والمراجع بالمرّة، فلم نعرف عنهما شيئاً إلاّ أنّه في ذكره كتاب السيراء لابن الأبار، عرفنا المراد به هو كتاب (الحلّة السيراء) لابن الأبار، وما ذكره نقلاً عنه لم يوجد فيه، فقد بحثت كثيراً في نسخته طبعة نشر الشركة العربية للطباعة والنشر بمصر بتحقيق الدكتور حسين مؤنس، وهذا من غرائب المؤلّف وما أكثرها في كتابه هذا.


1) - سورة الإسراء/60.

وإلى القارئ ما أشار إليه ممّا يتعلّق بشعر زهير:

أمّا في المتن فإنّ المنشد للأبيات هو ابن عبّاس نفسه، والقائل للكلمة في مدح أهل البيت عليهم السلام هو عمر، في محاورة طويلة جرت بينه وبين ابن عبّاس وسؤاله عن أشعر الشعراء، وقد مرّ ذكرها في الحلقة الثانية للموسوعة(1)، نقلاً عن يحيى بن زيد الشيباني المعروف ب-(ثعلب) المتوفّى سنة (291ه-)، وروايته هي أوفى من روايات الآخرين، فراجع ستجد أنّ نفراً من الصحابة عند عمر فذكروا الشعر..

(فقال لهم عمر: من كان أشعر العرب؟ فاختلفوا، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم عبد الله بن عبّاس، فقال عمر: قد جاءكم ابن بجدتها، وأعلم الناس بأيامها. فسأله عمر؟

فقال: زهير بن أبي سلمى، فاستنشدوه من شعره ما يستدلّ به على قوله فيه، فأنشده قصيدة زهير في مدحه بني سنان قوماً من غطفان -- وهي تنيف على ثلاثين بيتاً -- جاء في آخرها:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم*** قومٌ بأوّلهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم*** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إنس إذا أمنوا جنّ إذا غضبوا*** مرزّؤن بهاليل إذا جهدوا

محسدّون على ما كان من نَعَم*** لا ينزع الله منهم ماله حُسدوا

لو يوزنون عياراً أو مكايلة*** مالوا برضوى لا ولم يعدلهم أحد


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء التاسع، الفصل الرابع/المبحث الثالث رقم (10)، (11).

فجثا عمر على ركبتيه، قال: ما لهذا الشاعر قاتله الله، لقد قال كلاماً حسناً، ما كان ينبغي أن يقال إلاّ في أهل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم لما خصّهم الله به من النبوّة والكرامة.

فقال ابن عبّاس: وفقك الله يا أمير المؤمنين، فلم تزل موفّقاً عارفاً بحقّنا.

قال عمر: إي والله، إنّي لأعرف حقّكم، وأعجب كيف عدل الناس بهذا الأمر عنكم.

فقال ابن عبّاس: لا أدري.

فقال عمر: لكن عمر يدري.

قال ابن عبّاس: فلم لا تخبرنا كيف كان ذلك؟

قال عمر: إنّ قريشاً كرهت أن تجمع لكم النبوّة والخلافة فتجمخون عليها جمخاً، فنظرت قريش لأنفسها واختارت أبا بكر، أسنّها وأفضلها، وأصابت قريش ووفّقت... وذكر حديثاً طويلاً موضعه غير هذا(1).

فأطرق ابن عبّاس طويلاً، ثمّ رفع رأسه، وقال: إن يأذن لي أمير المؤمنين ويميط عنّي غضبه فيسمع كلامي؟

قال: هات، قل ما تشاء.

قال ابن عبّاس: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(2).

وأمّا قولك: إنّا كنّا نجحف جحفاً، فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة،


1) - شرح ديوان زهير: 268، ط دار الكتب المصرية.

2) - سورة محمّد/9.

ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من أخلاق رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم ، الذي قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(1)، وقال له: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2).

وأمّا قولك: إنّ قريشاً اختارت فأصابت ووفّقت، فإنّ الله تعالى يقول: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(3)، وقد علمت يا أمير المؤمنين! إنّ الله تعالى اختار من خلقه لذلك من أختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ولوفّقت وأصابت.

فقال عمر: على رسلك يا بن عبّاس! أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ ضغناً وغشّاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول.

فقال ابن عبّاس: مهلاً يا أمير المؤمنين! لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ، فإنّ قلب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من قلوب بني هاشم، الذي طهرّه الله تعالى وزكاه، وهم أهل البيت الذين، قال الله تعالى لهم: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(4).

وأمّا قولك: حقداً، فكيف لا يحقد من غُصب شيئُه ويراه في يد غيره؟!

فقال عمر: أمّا أنت يا بن عبّاس، فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي.


1) - سورة القلم/4.

2) - سورة الشعراء/215.

3) - سورة القصص/68.

4) - سورة الأحزاب/33.

قال: وما هو يا أمير المؤمنين! أخبرني به؟ فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقّاً فإنّ منزلتي عندك لا تزول به.

قال: بلغني إنّك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منّا حسداً وبغياً وظلماً.

قال ابن عبّاس: أمّا قولك حسداً، فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة، فنحن ولده المحسودون.

وأمّا قولك: ظلماً، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو؟ فقد ثبت للجاهل والحليم.

ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟ واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟ واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟ فنحن أحّق برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من سائر قريش.

فقال عمر: إليك عنّي يا بن عبّاس! قم الآن فارجع إلى منزلك.

فقال ابن عبّاس: فقلت أفعل، فلمّا ذهبت لأقوم، استحيى منّي، فقال: يا بن عبّاس! مكانك أيّها المنصرف إنّي على ما كان منك، فوالله إنّي لراع لحقك، محبّ لمّا سرّك.

فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك وعلى كلّ مسلم (مؤمن) حقّاً برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، وحظّه أصاب، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع، وحظّه أخطأ. ثمّ قام ابن عبّاس فمضى.

فقال عمر لجلسائه: لله درّ ابن عبّاس، واهاً لابن عبّاس، والله ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه)(1).


1) - راجع مصادر هذه المحاورة في الجزء التاسع من الموسوعة صفحة 114، تجد الطبري في التاريخ، وابن الأثير في الكامل، وابن أبي الحديد في شرح النهج، وأسامة بن منقذ في (المنازل والديار)، سوى مصادر التراث الشيعي.

فهذه المحاورة بطولها كانت بسبب شعر زهير الذي استنشده عمر من ابن عبّاس فأنشده، فأعجب ذلك عمر فجثا على ركبتيه، وقال: (ما لهذا الشاعر قاتله الله، لقد قال كلاماً حسناً، ما كان ينبغي أن يقال إلاّ في أهل رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم لما خصّه الله به من النبوّة والكرامة). فأين هذا ممّا ذكره المؤلّف؟!

ويزيد الأمر غرابة أنّ المؤلّف ذكر المحاورة في (ص250) باقتضاب! ثمّ كرّر في (ص254) ذكر إنشاد ابن عبّاس قصيدة زهير وكلمة عمر: (والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح إلاّ لهذا البيت من بني هاشم لقرابتهم من رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم).

11- وقال في (ص256): (وكان ابن عبّاس -- رضي الله عنهما -- يستمع إلى شاعر فحل هو أبو الأسود الدؤلي وولي البصرة مع ابن عبّاس (؟) ...(وممّا يستجاد له قوله) أمام حبر الأُمّة ابن عبّاس:

ليت شعري عن أميري ما الذي*** غاله في الود حتّى ودّعه

لا تهنّي بعد إذ أكرمتني*** فشديد عادة منتزعة

لا يكن برقك برقاً خُلّبا*** إنّ خير البرق ما الغيث معه

فذكر في الهامش:

(1) انظر الشعر والشعراء 1/615.

(2) انظر ديوانه ص14، وقد حدث خلاف بينه وبين ابن عبّاس وقد رفع الأمر للإمام عليّ بن أبي طالب).

أقول: لقد نظرنا الهامش الأوّل وهو (الشعر والشعراء/طبعة ليدن)، فلم يكن أمام الأبيات إلاّ ما ذكرته بين القوسين، وليس ثمّة ذكر لابن عبّاس، والمؤلّف لم يذكر (الشعر والشعراء) في قائمة المصادر والمراجع لنعرف أيّ طبعات الكتاب أحال عليها، فذا خلل فنّي يؤاخذ عليه.

ونظرنا الهامش الثاني في ديوان أبي الأسود الدؤلي الذي حقّقه وشرحه وقدّم له عبد الكريم الدجيلي الطبعة الأولى سنة 1373ه- 1954م بغداد، فكان في ص122: وقال أبو الأسود أيضاً لحوثرة صاحب (رزداق جي):

لا تواخ الدهر جبساً راضعاً...

وذكر ثمانية أبيات،كان خامسها:

لا يكن برقك برقا خُلّبا*** إنّ خير البرق ما الغيث معه

وذكر المحقّق في هامش الديوان ما مرّ عن (الشعر والشعراء) وليس فيه ذكر لابن عبّاس، وكذا ما ذكره عن البحتري في حماسته(1)الأبيات الثلاثة الأوّل من المقطوعة المذكورة في الديوان، وليس ثمّة ذكر لابن عبّاس، وذكر ما في (خزانة الأدب)(2):

ليت شعري من خليل ما الذي*** غاله في الحب حتّى ردعه


1) - حماسة البحتري: 19.

2) - خزانة الأدب 2/350.

فشاذّ، لأنّه استعمل الماضي من -- ردع --

ثمّ قال محقّق الديوان -- عبد الكريم الدجيلي: وذكر صاحب تهذيب تاريخ ابن عساكر (7/114) ما يأتي: وكانت له من معاوية ناحية حسنة فوعد وعدا فأبطأ عليه فقال له:

لا يكن برقك برقا خلّبا*** إنّ خير البرق ما الغيث معه

لا تهني بعد إذ أكرمتني*** فشديد عادة منتزعة

وقد ذكر هذا ابن خلكان في (وفيات الأعيان ج2/536 ط دار صادر).

ووردت هذه الأبيات في (حماسة) البحتري برواية أُخرى منسوبة لأنس بن أنس الليثي، وهي:

سل أميري ما الذي غيّر لي*** ودّه والنفع حتّى ودعه

وذكر أربعة أبيات بعده... ثمّ قال المحقّق: وذكر الأمير أسامة بن منقذ في كتاب (لباب الألباب) ثلاثة أبيات من هذه المقطوعة مع اختلاف يسير في الألفاظ.

أقول: فأين ذكر ابن عبّاس في هذا الشعر؟ فمن أين جاء به مؤلّف كتاب (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن) وأضاف قوله: (وقد حدث خلاف بينه وبين ابن عبّاس ورفع الأمر للإمام عليّ بن أبي طالب)؟ إنّ ذا قلّة بضاعة في التحقيق، وإضاعة وقت منّي في التدقيق.

12- وقال في (ص328): (وليس لحكمة ابن عبّاس -- مكان بعينه -- من حديثه، وإنّما يرسلها حيث تحل من الكلام في صدره، ولنستمع إليه وهو واقف على قبر الإمام الحسن وقد اغرورقت عيناه بالدموع، فقال:

رحمك الله يا أبا محمّد، فلئن عزّت حياتك، لقد هدّت وفاتك...)، وساق كلاماً طويلاً، وذكر في الهامش: (انظر زهر الأداب ج2/60 -- 61).

ونظرنا، فكان الوهم مضاعفاً! ففي تعيين الجزء والصواب (ج1) لا (ج2)، وهذا ليس بشيء حين يكون فيه الكلام كلّه ليس لابن عبّاس، وإنّما لمحمّد بن الحنفية!

وكم لهذا من نظير من أخطاء طباعية وغيرها(1)

فلاحظ ص310 تجد النص نقلاً عن ابن خلكان في (وفيات الأعيان ج2/218), فلمّا شخص علي على الحجاز، والصواب: فلمّا شخص إلى الحجاز، يعني: المراد به ابن عبّاس، فالزيادة من تصرّف المؤلّف فراجع ج2/538، ط دار صادر، تجد العبارة هكذا: وحكى خليفة بن خياط: أنّ عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه كان عاملاً لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة، فلمّا شخص إلى الحجاز استخلف أبا الأسود عليها، فلم يزل حتّى قتل عليّ رضي الله عنه.

، وهذا كلّه لا يمنعنا من التسليم بجهد المؤلّف في تحقيق بعض أبحاث كتابه ما في مناقشاته مع طه حسين حول مال البصرة (اتّهام باطل) ص307 فما بعدها، وفي ذكره ابن عبّاس والانتحال في الشعر الجاهلي إطناب فيما لا يخصّ ابن عبّاس، بل أتى على ذكر ما في مصادر (الشعر الجاهلي) لناصر الدين الأسد، و(تاريخ آداب العرب) للرافعي، وعن كتابي طه حسين: (الشعر الجاهلي أوّلا) ثمّ غيّره وجعله في الأدب الجاهلي.

1) - كثرة الأخطاء تحتاج إلى جدول خاص، وأنكى من ذلك نقل النصوص بتوسط الآخرين دون الإشارة إليهم، فحين ينقل عن (وفيات الأعيان) فيعين الجزء والصفحة ولم يعين الطبعة لا في المكان ولا في ذكر (وفيات الأعيان) في قائمة المصادر والمراجع، ومثله (الشعر والشعراء) لابن قتيبة، و(ديوان أبي الأسود)، و(الحلّة السيراء)، وعشرات أمثالها، ويا ليت يكون النقل صحيحاً.

وإلى (ص213) شرع في نقد منهج طه حسين وذكر الكتب التي صدرت في نقده، وانساب ناقلاً لا ناقداً حتّى (ص243).. وهكذا حين ذكر الحكم النقدي عند ابن عبّاس وذكر بعض شواهده..

فيبقى المؤلّف في كتابه كبقية المؤلّفين ممّن يؤخذ من كتابه ويترك، ولم يكن موقفه مع المثبتين لحديث الخيانة، وهو في بحثه عن الجانب الأدبي في ابن عبّاس شعراً ورسالة وخطابة وحكمة، كثير التقميش، ولكنّه ليس كذلك عند التفتيش.

وممّا لا يخفى عن قارئه قداسة الموروث عنده، ولا كبير مؤاخذة في هذا بقدر ما هي كبيرة في ترحمه على معاوية في (ص191)، فقال: (وقال معاوية -- رحمه الله -- يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب (ابن رشيق ج1/29).

وهذا وإن قاله ابن رشيق في كتابه (العمدة)(1)بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، وأمانة النقل تقتضيه، لكن ما كان ينبغي له أن يذكره، وهو الذي قد ذكر من قبل أنّ ابن عبّاس مرّ بقوم وهم يسبّون عليّاً عليه السلام فوقف عليهم -- وذكر المحاورة -- وفيها روى ابن عبّاس عن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، قال: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله أدخله النار)، ومن الثابت أنّ معاوية سبّ عليّاً والحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس من بعد واقعة التحكيم، ثمّ استمر ببدعة السبّ للإمام عليه السلام وفرضها، فكانت إحدى بدعه التي استحقّ بها اللعن، فكيف بمن يترحّم عليه. وهو


1) - العمدة: 15 تح محمّد محي الدين عبد الحميد.

ملعون من قبل أيضاً على لسان النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، فقد روى الزبير بن بكار في كتاب (المفاخرات)، وعنه ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(1)، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص)(2)، وأحمد زكي صفوت في (جمهرة خطب العرب)(3): أنّ الإمام الحسن السبط عليه السلام قال لمعاوية في حديث طويل ردّ به على معاوية وزمرته ممّن تناولوا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالسبّ: (...ولكن اسمع يا معاوية! واسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم...) إلى أن قال: (وأنشدك الله يا معاوية! أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فقال: (اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق)، وما قابله أبوك في موطن إلاّ ولعنه وكنت معه)، وما في كتابي (المأمون) و(المعتضد) المذكور في (تاريخ الطبري)(4)، ما يغني ويقني في إثبات لعن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم لمعاوية.

وليت المؤلّف اقتدى بالحافظ النسائي صاحب (السنن)، الذي قال له أهل الشام في أن يكتب لهم في معاوية، كما كتب (خصائص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام)، فقال: أو ما يرضى معاوية رأساً برأس في الميزان حتّى يفضل، أفلا يرضى المؤلّف أن يترك معاوية غفلاً عن مدح وذمّ حتّى يترحّم عليه؟! إنها بلية الموروث المعثوث وما أولاه وإيانا جميعاً بقول ابن عبّاس (ما من أحد إلاّ يؤخذ من علمه ويترك إلاّ رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم)، أخرجه


1) - شرح نهج البلاغة 6/289، ط محقّقة.

2) - تذكرة الخواص: 155، ط حجرية 1287ه-.

3) - جمهرة خطب العرب 2/22.

4) - تاريخ الطبري 10/24، ط محقّقة.

الطبراني من حديثه يرفعه بلفظه: (من قوله ويدع)(1).

الخامس: (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن)

الكتاب الخامس: (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن)، تأليف الدكتور مصطفى سعيد الخن، طبعة دار القلم بدمشق، الطبعة الرابعة/ 1415 -- 1994م أعلام المسلمين/15.

واسم هذا الكتاب نفس اسم الذي مرّ قبله، وهو أيضاً يشبهه في مقدّمته بتصدير الكتاب في الذي قبله، حتّى تصافق المؤلّف اللاحق والسابق في دواعي الإعجاب بابن عبّاس، فاتّفقا في ذكر الموارد التي أعجبتهما بلغة واحدة..

فقال الأوّل: (لقد أعجبت بابن عبّاس غلاماً حدثاً تهوى نفسه الإسلام...).

وقال الآخر: (لقد أعجبت بابن عبّاس غلاماً حدثاً تهوى نفسه الإسلام وهو بعد لم يبلغ العاشرة...).

وقال الأوّل: (وأعجبت بابن عبّاس يافعاً يلازم رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم ويسمع منه ويدخل عليه في حياته الخاصّة...).

وقال الآخر: (وأعجبت به يافعاً يلازم رسول الرحمة ويسمع منه ويعيش حياته الخاصّة...).

وقال الأوّل: (وأعجبت به شاباً في مقتبل الشباب يسعى إلى أبواب أهل العلم...).

وقال الآخر: (وأعجبت به شاباً يسعى إلى أبواب أهل المعرفة...).


1) - إحياء علوم الدين 1/78، ط التجارية الكبرى بمصر.

وقال الأوّل: (وأعجبت به كهلاً يتصدّر المجالس...).

وقال الآخر: (وأعجبت به كهلاً يتصدّر المجالس...).

وهكذا اشتركا في بقية جوانب الإعجاب بشخصية ابن عبّاس خطيباً مصقعاً، وفارساً في ميدان القتال، وسياسياً بارعاً... إلى آخر ما توافقا عليه.

فمن السابق؟ ومن اللاحق؟ ليكون هو السطو بلا عزو، أو هو كتوارد الخواطر عند الشاعر؟ والذي يبدو لي أنّ هذا الكتاب -- الخامس -- يمتاز عن السابق لما عند صاحبه من زيادة في سوق الفضائل المعجبة في ابن عبّاس والمناقبيات المسهبة، مع ذكر المصادر في الهوامش توثيقاً للنص، ولم يخرج عن أفق أمثاله الضيق فيبتعد عن النظر في مصادر التراث الإسلامي عموماً، بل حالف الأخذ من البخاري، وابن كثير، والذهبي، وحياة الصحابة، ولئلا نبخسه حقّه في الإشارة إلى مميزات كتابه على سابقه: منهجيته التي اتّخذها في الفصل الثاني (علمه وفقهه)، كما لا يفوتنا التنبيه على ما في الفصل الثالث (مواقفه السياسية) من ذكر رأيه -- يعني ابن عبّاس -- في تولّي عليّ الخلافة، فذكر خبر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه... نقلاً عن (البداية والنهاية)(1)، وهذا الراوي المتّهم بالزندقة كما في كتاب (الضعفاء والمتروكون) للذهبي، قال: (سيف بن عمر التميمي الأسدي تركوه واتّهم بالزندقة -- ت -- )(2).

فمن كان هكذا، كيف يطمئن إلى حديثه ويوثق بخبره؟! مضافاً إلى


1) - البداية والنهاية 7/2226 -- 227.

2) - الضعفاء والمتروكون: 140، ط مكّة المكرّمة.

جهالة شيوخه أنّه رواه ابن كثير، وهذا من المؤاخذة التي لا ينجو الكاتب، منها اعتماده الكلّي في ذكر أخبار تلك الفترة على ابن كثير في (البداية والنهاية)، وفي انحراف ابن كثير -- لشاميته -- عن عليّ عليه السلام ما ينبغي للباحث تركه أو الرجوع إلى غيره فيما يؤيّده.

ثمّ ذكر في (تولّيه بعض المناصب السياسية): (إنّ عليّاً ولاّه البصرة فلم يزل ابن عبّاس على البصرة حتّى قتل عليّ، فاستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث ومضى إلى الحجاز) نقل هذا عن (الإصابة)، غير أنّه لم يكد يتجاوز ذلك بيسير حتّى عاد فقال: (لقد مرّ آنفاً أنّ ابن عبّاس بقي عاملاً على البصرة حتّى وفاة عليّ رضي الله عنه، غير أن هناك روايات تقول أنّه ترك عمالته على البصرة وذهب إلى مكّة في حياة عليّ رضي الله عنه، ففي (البداية والنهاية)...)، وساق الخبر عنها عن ابن جرير، ولم يعقّب بشيء؟ وكأنّه يتحاشى الخوض فيما يمسّ البروج العالية للصحابة!

فقد أعرض عن التعقيب على حديث الكتف والدواة الذي رواه ابن عبّاس وأخرجه البخاري، وفيه: (روى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ صلي الله عليه و آله وسلم وجعه، قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده)، قال عمر: إنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: (قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع)، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم وبين كتابه)(1).

وهذا الحديث قد ذكرته بتفصيل رواته ومصادره في الجزء الأوّل من


1) - البخاري 1/37، وانظر: البخاري 5/137، وانظر: مسلم 5/76.

الموسوعة(1)، وبيّنت فيه إدانة عمر واعترافه لابن عبّاس بغرضه من المنع؛ فراجع! وذكرت هناك فيما بعده ما كان يجري بين ابن عبّاس وعمر حول منعه كتابة ذلك الكتاب.

كما أنّ الباحث تحاشى ذكر أنّ ابن عبّاس كان يقرئ عمر بن الخطّاب كما كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف، فذكر ابن عوف ولم يذكر عمر حفاظاً على المقام الخليفي! بينما ذكر هذا المحبّ الطبري في (الرياض النضرة)(2).

كما تحاشى التعليق على اختلاف الإمام عليه السلام وابن عبّاس في مسألة التحريق، وقد مرّ بحثها في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس)(3)فراجع!

إلى غير هذا ممّا ذكره نقلاً عن الآخرين من دون تعقيب، وحتّى في خاتمة كتابه لم يخل من غفلة حين ذكر: (وأخذ الناس يتبارون في تأبينه والثناء عليه... وقال معاوية: مات والله أفقه من مات ومن عاش.(البداية والنهاية 8/300 -- 301)، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سطحية الباحث في التاريخ الابتدائي، فلم يلتفت إلى أنّ ابن عبّاس كان موته بعد معاوية قرابة عقد من الزمان، فكيف يقول فيه معاوية مؤبّناً؟!! إنّها سخرية لاذعة ممّن قال ربّما كان الباحث سمع معاوية في رؤيا رآها، كما تحكي الرؤى الإلهية والنبوية، وتعد من كرامات الصالحين!!


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/ثالثاً: حديث الرزيّة.

2) - الرياض النضرة 2/70.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس عشر/الرسالة رقم (16).

السادس: (تحقيق حول ابن عبّاس ومكانته في التفسير والمعارف)

الكتاب السادس: (تحقيق حول ابن عبّاس ومكانته في التفسير والمعارف الأُخرى)، تأليف الدكتور محمّد باقر حجّتي الطبعة الأولى بيروت 1990- 1410ه- .

قال مؤلّفه في مقدّمته: (أمّا بعد، في سنة 1967م، أي منذ حوالي إحدى وعشرين سنة، وأنا أمارس تدريس مادّة علوم القرآن في كلّية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران، وشرعت تدريجياً بإعداد جذاذات ومذكرات حول الدراسات القرآنية، ومنها ما يخصّ ابن عبّاس ودوره في التفسير ومنزلته (1973م)، وفي السنة التالية نظمت هذه الجذاذات والمذكرات حيث وجدتها مناسبة للنشر، وبالتالي فقد طبعت في مجلّة (مقالات وبررسيها)، أي: في مجلّة الدراسات للكلّية المذكورة، حيث نالت هذه الدراسة في عام 1975م جائزة الدراسات العلمية لجامعة طهران، وهذه المقالة التي كتبتها باللغة الفارسية، وهي لا تتعدّى ثلاثين صفحة شجعتني لإضافة مواد جديدة عليها، وقبل حوالي أربع سنوات عندما انتخبت عضوا مراسلاً في (مجمع اللغة العربية) بدمشق، فكرت في إعداد مقالة لنشرها في مجلّة المجمع، ولذلك ركّزت اهتمامي في إعدادها وإخراجها بشكل دقيق علمي، ومن ثمّ ترجمتها إلى العربية حيث انتهى بي المطاف لإخراج الكتاب الذي أضعه بين أيديكم.

وعلى ما اعتقد أنّه لا يوجد بحث أو كتاب عن ابن عبّاس وشخصيته العلمية وآثاره بهذا التفصيل(1)، لأنّ ما ورد عن ابن عبّاس في جميع الكتب


1) - ليس الأمر على ما تعتقد، فهناك دراسات كثيرة نشر بعضها، وقد ذكرت قائمة بأسماء الكتب التي نشرت ممّا تتعلّق بابن عبّاس، وألحقتها بهامش كتاب (حبر الأُمّة وترجمان القرآن) للدكتور محمّد أحمد أبو النصر؛ فراجع.

والدراسات السابقة يسودها النقص والاضطراب العلمي، وعليه لم نتوصّل إلى كشف الحقائق كما استعرضناها عن شخصيته العظيمة في كتابنا هذا.

وقد اعتمدنا في تأليف هذا الكتاب على المصادر المهمّة التي تتعلّق بهذه الدراسات، محاولين قدر الإمكان استعراض شخصية ابن عبّاس استعراضاً تحليلياً من جوانب عديدة يمكن أن تكون أساساً لدراسات مستقبلية أوسع يقوم المحقّقون والباحثون حول هذا الرجل الفذّ.

وعلى الرغم ممّا عانيته خلال تأليف هذا الكتاب، إلاّ أنّي لا أدّعي أنّه يأتي كاملاً وخالياً من الأخطاء والهفوات، وذلك بسبب الظلال التي تضيفها الكتب والمصادر وما تحتويه من غموض وتناقض وتضارب في الآراء والأقوال، ممّا جعل الضباب يلفّ آراء هذا الرجل العظيم وأفكاره، وكلّ هذا يدعوني إلى أن أمدّ بإخلاص يد الاستعانة إلى الباحثين الكرام، راجياً أن يرفدوني بملاحظاتهم القيّمة لتلافي ما ورد فيه من نواقص، وما يفتقر إليه هذا البحث في المستقبل ليفتح الطريق واسعاً ممّهداً أمام من يحرص على معرفة هذه الشخصية العظيمة التي وصفها الرسول الأكرم صلي الله عليه و آله وسلم ب-(ترجمان القرآن)، و(فارس القرآن)، و(حبر الأُمّة)، والرجل الذي كان أبرز تلاميذ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في مدرسة التفسير.

وفيما يلي ندرج مسرداً بالموضوعات التي تناولها الكتاب عن ابن عبّاس بالبحث والدراسة.

1- ابن عبّاس، اسمه ونسبه ومولده ووفاته.

2- ابن عبّاس مع النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم.

3- أُستاذ ابن عبّاس في التفسير والحديث.

4- شهرة ابن عبّاس العلمية في البلاد الإسلامية.

5- ألقاب ابن عبّاس العلمية.

6- سعة اطّلاع ابن عبّاس التفسيرية.

7- مصادر ابن عبّاس التفسيرية.

8- ابن عبّاس والمعربّات في القرآن الكريم.

9- طرق الرواية عن ابن عبّاس في التفسير.

10- آثار ابن عبّاس في التفسير والمعارف الأُخرى.

11- إخلاص ابن عبّاس لأمير المؤمنين عليّ وأهل بيت النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، ونهاية عمره، ونقل بعض كلماته.

سائلاً المولى عزّ وجلّ قبول ما قمت به من خدمة متواضعة، وجعلها ذخيرة لي، يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ _ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(1)، إنّه سميع مجيب).

أقول: وهذا الكتاب أكثر فائدة وأوفى حظاً في التحقيق ممّا سبق، ولا يعني أنّ العين اللوامة لم تصبه..

فقد جاء في (ص11) قول المؤلّف: (يستفاد من بعض الروايات أنّه


1) - سورة الشعراء/88 -- 89.

الصفحة السابقةالصفحة التالية

ولد حين كان النبيّ وأصحابه المسلمون قد حوصروا في شعب أبي طالب(؟)).

وفي هذا نهاية التسامح في التعبير، إذ لم يكن مع النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم سوى بني هاشم وبني المطّلب مسلمهم ومن لم يسلم إلاّ أبا لهب، فالتعبيرُ (وأصحابه المسلمون) لا يخلو من مؤاخذة!

1- وجاء في (ص15): (وروى المحدّثون والمؤرّخون في هذا المجال -- ملازمة ابن عبّاس للنبيّ صلي الله عليه و آله وسلم -- وقائع تحكي عن ملازمته للنبيّ صلي الله عليه و آله وسلم.

أ: يقول أبو منصور حسن بن فضل الطبرسي: (ولقد قرّب إلى رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم إناء فيه لبن، وابن عبّاس عن يمينه، وخالد بن الوليد عن يساره، فشرب، ثمّ قال لعبد الله بن عبّاس: (إنّ الشربة لك أفتأذن أن أعطي خالد بن الوليد -- يريد السُنّة --؟) فقال ابن عبّاس: لا والله لا أؤثر بفضل رسول الله أحداً، فتناول القدح فشربه)(1).

أقول: وهذا الخبر رواه ابن سعد في (الطبقات)(2)، وأحمد بن حنبل في (المسند)(3)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)(4)بتفاوت يسير في اللفظ، فذِكره عن مصادر شيعية لمتأخّرين زماناً، لا ينفع من يرى خالداً سيف الله وإن أراق دماء عباد الله، وتبرأ من فعله رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم، كما في قتله بني جذيمة.


1) - مكارم الأخلاق: 22، سفينة البحار 2/150.

2) - طبقات ابن سعد ج1 ق2/111، ط ليدن.

3) - المسند 1/220 و225.

4) - حلية الأولياء 1/314.

2- وقال في (ص16): (ب: صاحب (المباني في نظم المعاني)، يذكر صاحب هذا الكتاب -- الذي هو من علماء المغرب، ولم يُعرف بعد -- في مقدّمته واقعة مبيت ابن عبّاس عند خالته (ميمونة) إحدى أزواج الرسول صلي الله عليه و آله وسلم، وما شاهده من أسرار الرسالة هذه الواقعة وغيرها، تعدّ من الشواهد التاريخية التي تؤيّد ملازمة ابن عبّاس للنبيّ صلي الله عليه و آله وسلم، بل تشير إلى اهتمام رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم به. نعم، يقول صاحب المباني...) وساق الخبر بطوله.

ولمّا كان هذا الخبر مروياً في مصادر موثوقة لمؤلّفين معلومين، فكان الأولى والأجدر بالدكتور المؤلّف أن ينقل عنها، وهي في متناول الأيدي مثل (مستدرك الحاكم النيسابوري)(1)، و(تلخيص المستدرك) للذهبي بهامشه، و(معجم الطبراني الكبير)(2)، وهذه مروياتها مسندة، فلماذا فضّل النقل عن مصدر مجهول المؤلّف ولا يعرف عن رجال إسناده شيئاً؟

3- وقال في (ص17): (ج: ذكر المحدّث القمّي في كتابه: أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم أردفه خلفه لمّا ركب البغلة التي أهداها له كسرى أو قيصر، ثمّ أوصاه بكلمات شريفة ووصايا منيفة)(3).

أقول: وهنا تلبيس في الخبر، كان على المؤلّف أن يلتفت إليه! وذلك ضم اسم كسرى إلى قيصر، وهو من الغلط الفاحش، فإنّ كسرى لمّا قرأ كتاب النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم يدعوه إلى الإسلام مزّقه، وتمزّق ملكه وورثته حفيدته،


1) - المستدرك 3/535.

2) - المعجم الكبير 10/275.

3) - سفينة البحار 2/154.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله وسلم: (لا يفلح قوم تملكهم امرأة)(1)، وأمّا قيصر فعامله الذي أهدى له البغلة كما في (السيرة الحلبية)(2)، ثمّ ذكر خبر الوصية باقتضاب دون ذكرها مع وصفها بأنّها كلمات شريفة ووصايا منيفة، ممّا يستدّعي ذكرها والترغيب في الاطّلاع عليها، لكنّه أعرض عن ذكرها، وعن أمثالها ممّا ذكرته في الجزء الأوّل من الموسوعة.

4- وقال في (ص17) أيضاً: (ويذكر القمّي نقلاً عن بعض العلماء -- معلّقاً على هذا الحديث: [اللّهمّ فقهه في الدين وانشره منه]، وكان كذلك، فروت منه جميع الأُمّة، وهو الذي فعل لأبي أيوب ما فعل أبو أيوب لرسول الله صلي الله عليه و آله وسلم(3)).

أقول: وهذا الفعل مع أبي أيوب مذكور في مصادر موثوقة وقديمة ك-(مستدرك الحاكم)(4)، وتلخيصه للذهبي، و(أنساب الأشراف) للبلاذري، وغيرها، وهذا سيأتي بحثه بتفصيل في الجزء الآتي من هذه الحلقة في (صدقوا وكذبوا).

وقد فات المؤلّف ذكر مواقف ذات مغزى لابن عبّاس أيام الرسول صلي الله عليه و آله وسلم، نحو: رواياته مناسك الحجّ، وروايته بيعة الغدير وكلمة ابن عبّاس فيها: (وجبت في أعناق القوم)، وأهم من كلّ ذلك روايته حديث: الرزية كلّ الرزية يوم دعا رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم بدواة وكتف ليكتب لأُمّته كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً، فمنع من


1) - السيرة الحلبية 3/248، ط البهية بمصر سنة 1320ه- .

2) - السيرة الحلبية 3/251.

3) - سفينة البحار 2/154.

4) - المستدرك 3/536.

ذلك عمر، وقال: كلمة معناها غلبه الوجع (إنّه يهجر) فتنازع الحضور ذلك.. والخبر مرّ بتداعياته في الجزء الأوّل من الموسوعة(1)فراجع!

5- وقال في (ص35): (ويروى أنّ عمر بن الخطّاب كان يقدّم ابن عبّاس صبيّاً على كبار الصحابة تقديراً لذكائه الحاد ومعارفه الواسعة(2)).

أقول: لقد مرّ عين هذا في مؤاخذتي على الكتاب السابق، وقلت: إنّ ابن عبّاس كان يومئذ قد جاوز -- أو جاوز -- العشرين أيام عمر، ومن كان بعمره لا يقال له صبيّ. والذي في (الإحياء): (كان عمر بن الخطّاب(رض) يقدّم ابن عبّاس وهو حديث السنّ على أكابر الصحابة يسأله دونهم)(3)، فأين حديث السنّ من التعبير بالصبيّ؟ فراجع الجوهري في (الصحاح): (ورجل حدث، أي: شاب، فإن ذكرت السنّ قلت: حديث السنّ)(4)، فعلى هذا يكون ابن عبّاس يومئذ شاباً قد جاوز سنّ الصبا.

6- وقال في (ص39): (كان ابن عبّاس على مرّ العصور الإسلامية شخصية مرموقة في التفسير، ويعتبره العلاّمة الحلّي (سنداً أساسياً) في هذا الحقل(5)).

وهذا من المؤلّف شطح عجيب! فهو مسلم وشيعي، وابن عبّاس مسلم شيعي، والعلاّمة الحلّي مسلم وشيعي، فلماذا ينقل ما قاله العلاّمة الحلّي المسلم الشيعي في ابن عبّاس المسلم الشيعي عن مستشرق يهودي مجري،


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/ثالثاً: حديث الرزيّة.

2) - انظر: إحياء علوم الدين 1/140، وعنه نقل جولدزيهر.

3) - الإحياء 1/143.

4) - الصحاح 1/278.

5) - كشف اليقين نقلاً عن مذاهب التفسير الإسلامي: 97.

وليته كان ثقة في نقله. فان كتاب (كشف اليقين) للعلاّمة مطبوع في إيران طبعة حجرية سنة 1298ه-، ولا شكّ أنّ النسخة التي رآها المستشرق اليهودي المجري هي هذه الطبعة الأولى، ولدى فحصها كان أقرب إلى النص فيها ما جاء في المبحث الثاني في العلم، فقال في آخر الوجه التاسع: (... وقال ابن عبّاس: العلم ستّة أسداس، لعليّ من ذلك خمسة أسداس، وللناس سدس، ولقد شاركنا في السدس حتّى لهو أعلم به منّا)(1).

وما جاء في الوجه العاشر: (... قال -- عليّ عليه السلام -- : (لمّا قبض رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم أقسمت لا أضع ردائي على ظهري حتّى أجمع ما بين اللوحين، وما وضعت ردائي على ظهري حتّى جمعت القرآن)، وعلّم الناس تفسيره، وكان أخصّهم به في ذلك ابن عبّاس)(2).

وأين هذا ممّا ذكره المؤلّف نقلاً عن (مذاهب التفسير الإسلامي) لجولدزيهر المستشرق المجري اليهودي؟ فقد جاء في كتاب (مذاهب التفسير الإسلامي) لجولدتسيهر (ترجمة عبد الحليم النجار)، قال: (ففي كتاب الحسن بن المطهر الحلّي الشيعي عن فضائل عليّ يرد ذكر ابن عبّاس كثيراً أيضاً، على أنّه السند الأصلي [كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (بومباي 1298)])(3). ولقد وهم المترجم في ذكر مكان طبع الكتاب، فهو في إيران، وليس في بومباي.


1) - كشف اليقين: 12.

2) - كشف اليقين:12

3) - مذاهب التفسير الإسلامي: 97.

7- وقال في (ص57): (... وكان والياً على البصرة في خلافة [أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام سنة 39 هجرية، ولكنّه ترك البصرة بعد عام واحد، وعاد إلى الطائف؟ بعيداً عن الحياة السياسية متفرّغاً للعلم...]).

وهذا من الأُستاذ الدكتور جهل بالتاريخ، فإنّ ابن عبّاس ولي البصرة بعد حرب الجمل، وهي كانت في سنة 36ه-، وفي حضوره حربي صفّين والنهروان مع الإمام عليّ عليه السلام، ثمّ عودته إلى البصرة مقرّ ولايته، وذهابه إلى الكوفة لتعزية الإمام بمقتل محمّد بن أبي بكر في سنة 39ه-، وحضوره في شهر رمضان سنة شهادة الإمام عليه السلام 40 من الهجرة ما يكذّب ما ذهب إليه المؤلّف.

وفي قوله: (... ولكنّه ترك البصرة بعد عام واحد وعاد إلى الطائف...)، نحو إشارة إلى خيانة بيت المال، على استحياء! ولم يكن خروجه إلى الطائف إلاّ في أيام ابن الزبير حين رشّح نفسه للخلافة، وطلب من ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفية أن يبايعاه فلم يفعلا، فحبسهما ومن معهما من بنيهما في شعب عامر وهددّهما بالحرق، وقد مرّ في الجزء الخامس من الحلقة الأولى للموسوعة(1)ذكر هذا بتفصيل.

8- وقال في (ص58): (وكان مهتمّاً أشدّ الاهتمام بأمر القرآن والتفسير والحديث، ويحض الآخرين عليه، حتّى إنّه روي عن عكرمة (مولى ابن عبّاس) أنّه قال: (وكان ابن عبّاس يجعل في رجلي الكبل، ويعلّمني القرآن والسنن)(2)، ولو رأى ابن عبّاس شخصاً له رأي صحيح في تفسير القرآن يشجّعه ويكرمه.


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الثالث/حبس ابن الزبير لبني هاشم.

2) - الإتقان 4/241، الطبقات الكبرى 2/386 و5/287.

بيّن عكرمة لابن عبّاس بعض ما أشكل عليه من القرآن، قال ابن حجر: روى داود بن أبي هند، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عبّاس هذه الآية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً(1)... وقال: ما أدري ما فعل بهم؟ وقال عكرمة: قلت لابن عبّاس -- لمّا قال: ما أدري ما فعل بهم --: ألا ترى أنّهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم، فقالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فلم أزل به حتّى عرفّته أنّهم قد نجوا، فكساني حلّة(2)).

أقول: من الغريب من الباحث اعتماده على قول عكرمة الذي مرّ منه وعنه اعترافه بأنّ ابن عبّاس يجعل في رجليه الكبل ويعلّمه القرآن والسنن، فمتى صار وبجرة من القلم مرشداً لابن عبّاس ما خفي عنه من القرآن! على أنّ عكرمة بربري النجّار، وابن عبّاس عربي اللسان، فمن أين لعكرمة ذلك الفهم الذي أدرك به ما خفي على ابن عبّاس؟! ولندع هذا جانباً ونقرأ ما قاله علماء الرجال في عكرمة، وأنّه كان خارجياً داعياً إلى بدعته، وهو الذي أدخل مذهب الأباضية إلى المغرب، مضافاً إلى ما اشتهر به من كذبه على ابن عبّاس، حتّى حبسه علي بن عبد الله بن عبّاس على باب الكنيف من أجل كذبه على أبيه، وكان مضرب المثل في كذبه على مولاه، ألم يقل ابن عمر لمولاه نافع: (لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عبّاس)؟ ألم يقل سعيد بن المسيب لمولاه بُرد مثل هذا؟

9- وقال في (ص127) في الردّ على غولدزيهر وأحمد أمين: (...وبهذا


1) - سورة الأعراف/164.

2) - جامع البيان 9/64، الطبقات الكبرى 5/287 -- 288، الجامع، لأحكام القرآن 7/307.

المسلك يكون الصحابة قد جمعوا بين قوله عليه السلام: (حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وقوله: (لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم) هامش (في الآية/79 من سورة البقرة...)).

أقول: فرجعنا إلى الآية المشار إليها، فهي قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَ-ذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ، فكان على الباحث بيان وجه الاستشهاد بالآية في المقام.

10- وقال في (ص166): (الطريق الثالثة: طريق ابن إسحاق صاحب السيرة، عن محمّد بن محمّد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد ابن جبير، عنه (هكذا بالترديد) يقول السيوطي: وهي طريق جيّدة، وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيراً، وفي معجم الطبري منها أشياء. (الإتقان 4/239، التفسير والمفسّرون 1/79، حري بالذكر أنّ الذهبي لم يصرّح بنقل هذا المقال عن السيوطي مع أنّه قد نقل عنه)).

أقول: كان على الباحث الرجوع إلى الذهبي المؤرّخ الشهير والرجالي الخبير، فهو قد ذكر في (ميزان الاعتدال) برقم (8129): (محمّد بن أبي محمّد (مدني)، عن سعيد بن جبير وغيره: لا يعرف، روى عنه ابن إسحاق)(1).

وأمّا ما ذكره الباحث أنّه لم يجد له ذكراً في كتب الرجال الشيعة، فهو ليس من الرواة عندهم، وما ذكره عن الكشي في ترجمة عكرمة لا ربط له بتوثيق طريق ابن إسحاق.


1) - ميزان الاعتدال 4/26.

وما دام الباحث بعد في التقميش، فنضيف إلى قوله: إنّ في موالي ابن عبّاس اثنين اسمهما عكرمة، أحدهما عكرمة البربري الخارجي، وهو المشهور، والثاني مغمور، وسيأتي في أكاذيب عكرمية بعض ما ينفع في المقام، وقد مرّ في الجزء السادس من الموسوعة(1)، ذكر خمسة من الرواة عن ابن عبّاس اسم كلّ منهم عكرمة، وذكرت اثنين منهم كانا موليين لابن عبّاس؛ فراجع!

وخير ما في الكتاب ختامه في: (إخلاص ابن عبّاس لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ولأهل بيت النبيّ(صلوات الله عليهم) ونهاية عمره، ونقل بعض كلامه).

أقول: ولقد أعيد نشر كتابه هذا بعنوان: (الحلقة الرابعة (رجال آمنوا)، إعداد لجنة التأليف بالمؤسسة الفكرية، توزيع دار الكتاب الإسلامي بيروت -- لبنان، فلم يغيّر عن الطبعة الأولى بشيء في الصورة سوى الصفحة التي جعلت عنواناً للكتاب! ولم أجد تفسيراً سليماً لهذا التصرّف.

السابع: (في ظلال الإسلام)

ولنختم هذا الفصل من ذكر كتب بين التضبيب والتعقيب، بما جاء في كتاب (في ظلال الإسلام)،تأليف محمود أمين النواوي، ومحمّد عبد المنعم خفاجي، ومحمود فرج العقيدة، ط دار العهد الجديد للطباعة الطبعة الأولى سنة 1377ه- .

فقد قالوا في (ص227): ((العربيّ الحرّ ترجمان القرآن)...)، وساقوا ترجمة مطوّلة، إلى ص234، غثها أكثر من سمينها، وخطابها الإنشائي شاب


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الثاني، الفصل الثاني/حرف العين.

تحقيقها التاريخي على قلّته، وما كان ينبغي للمحامدة الثلاثة أن يقع في كتابهم (في ظلال الإسلام) ما يلقي بظلاله عليه بالتضبيب، فإنّهم كما لهم حرّية التقميش في مقالهم (العربي الحرّ) كان عليهم دقّة التفتيش أيضاً، فليس كلّ ما سطر في الكتب خال عن التهميش..

فإنّ قولهم: (ولأمر قُدّر وقع خلاف بين الإمامين أمير المؤمنين ووالي البصرة، ممّا دعا عبد الله إلى كتابة استقالته، قبلها منه عليّ وسرّحه، فسار حتّى نزل بمكّة وألقى بها عصا التسيار، ثمّ بقي كلّ منهما حافظاً لصاحبه ودّه، مقيماً معه على عهده، لا يغمط واحد منهما الآخر شيئاً) ص233.

فهذا الذي ذكروه فيه تزوير، وفيه تحوير وسوء تعبير، وقلّ لهم من غيرهم فيه من نظير، فتبنّيهم نظرة الجبرية (ولأمر قُدّر) ماذا كان ذلك الأمر الذي قدّر؟ وكيف قدّر ومن قدّر؟ كلّ ذا مطوي إن لم يكن ببطن الغيب ففي صدور الأساتذة المحامدة، ولولا خوف الإطالة والملالة، لذكرت ممّا جاء في مقالهم عن (العالم الحرّ) من أخطاء وخطابيات فيها أكاذيب وأعاجيب، يطول الكلام فيها من جديد، ولست في مقام البحث فيها والردّ عليها، وحسبي الإشارة.

والحمد لله ربّ العالمين، تم تبييض هذا الجزء في اليوم الخامس من شهر شوال المكرم سنة 1435ه- بجوار مرقد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على يد مؤلّفه الراجي عفو ربّه المنان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.