ghaemiyeh.com
الخرسان، محمّد مهدي 1928م.
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.
قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390
الفهرسة طبق نظام فيپا.
ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.
مركز الأبحاث العقائدية.
1390 4خ / 17 الف 8/ 92 Bp 1924/ 297
الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101
شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً
شابك (ردمك) ج16 / 0 -37 - 7100 - 600 - 978
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء السادس عشر
الطبعة الأُولى: 2000 نسخة
سنة الطبع: 1437ه-
الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش
المطبعة: الوفاء
السعر 150000 ريال
*جميع الحقوق محفوظة للمركز *
سلسلة ردّ الشبهات - 5
الجزء السادس عشر
الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان
بين الجرح والتعديل
دلالة العنوان تكفي في كشف ما في الكتاب من بيان
الخرسان، محمّد مهدي 1928م.
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.
قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390
الفهرسة طبق نظام فيپا.
ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.
مركز الأبحاث العقائدية.
1390 4خ / 17 الف 8/ 92 Bp 1924/ 297
الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101
شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً
شابك (ردمك) ج16 / 0 -37 - 7100 - 600 - 978
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء السادس عشر
الطبعة الأُولى: 2000 نسخة
سنة الطبع: 1437ه-
الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش
المطبعة: الوفاء
السعر 150000 ريال
*جميع الحقوق محفوظة للمركز *
بسم الله الرحمن الرحيم
(طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة)
نبوي شريف (عوالي اللئالي 4/ صلي الله عليه وآله وسلم0)
(العلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه منهم)
نبوي شريف (عوالي اللئالي 4/61)
(العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء)
(مصباح الشريعة/16)
إلى سيّدي ومولاي أمير المؤمنين عليه السلام باب مدينة العلم أوّل راع بعد الرسول الكريم صلي الله عليه وآله وسلم رعى ابن عبّاس رضي الله عنه حتّى أثمر غرسه، وزكت نفسه بفضل تعاليمه، أقدّم هذه الأوراق، راجياً قبولها على ما بها وداعياً الله سبحانه التوفيق لإخراج ما تبقى من أجزاء هذه الموسوعة، إنّه وليّ ذلك.
عبدك ووليّك
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
عفي عنه
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدى للعالمين وصلّى الله على سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين، محمّد بن عبد الله حبيب إله العالمين، وعلى آله الأئمّة الميامين، الطيبين الطاهرين، ورضي عن الصحابة المهتدين أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)
لئن ضاعت المنهجية الأولى بضياع أوراق من الكتاب، بعناوينها ومفرداتها، في بعثرة غبار السنين، ولكن -- والحمد لله -- لم تفقد الذاكرة أهداف الفكرة، فهي واضحة الأبعاد، وإن تغيّرت المفردات من التحليل إلى الرواية والإسناد، ولم ترتطم في فوضى الارتجال بأوحال التناقض في الأقوال، بل بقيت ترتبط المواضيع قريباً من تخطيطها الأوّل، يوم كان كتاب (عبد الله بن عبّاس) في أربعة أجزاء كبار، كما ذكر شيخنا المغفور له الرازي في كتابه (الذريعة)، أمّا اليوم وقد تبدّل اسماً ورسماً، فصار موسوعة يضم أربع حلقات،
حشدت فيها ما وصلت إليه يدي ووسعني جمعه مع التنسيق بين معطياتها، وعلى هذا كانت حصيلة البحث عن ابن عبّاس في تاريخه العريض الطويل، ومن الطبيعي أن تغيّرت طريقة المنهج السابق المنظم على ترتيب الأجزاء في الترابط بين عناوينه ومفرداته، أمّا اليوم وقد تبعثرت المادّة قديمها وحديثها، بعد أن فقدت تألقها السابق فقد تخلّفت في كثير من عناوينها، وتحلّقت من جديد في أسماء حلقاتها، وصارت كلّ حلقة تضم بأجزائها الخمسة عالَما قائماً بنفسه، وتحكي جانباً رحباً من الحياة في تاريخ ابن عبّاس.
وهذا معنى ما قلته أوّلاً مشيراً إلى ضياع المنهجية السابقة التي تبعثرت في أوراقها البالية الأولى، حتّى أتى عليها غبار السنين فمحا بعضها، وأتلف بعضها، وما بقي منها فهو شجى للناظر، أفقدها ذلك الحال قوّة الترابط بينها، فأقنعت نفسي بقبول الحال الحاضر، إن كان الانطلاق غير ممكن من نقطة الصفر التي بدأت منها يومئذ حين بدأت، بل الاكتفاء بالأمر السهل عندي وإن كان هو الصعب أيضاً، كما قلت -- منّي -- قبل منشداً قول القائل:
لأستسهلنّ الصعب أو أدرك المنى *** وما انقادت الأمال إلاّ لصابر
وفي الإحاطة بجميع الجديد ممّا فيه المزيد من العديد، يعني الضرب على بارد الحديد، فإذن وأنا أخشى معالجة القدر، أن أقنع بما تيسّر من ربط الماضي بالحاضر بين الحلقات، لغرض استخلاص النتائج من تأليف الموسوعة، وهي معرفة ابن عبّاس في الميزان، وهذه هي (الحلقة الرابعة)، وكلّ الصيد في جوف الفرا، وسأعرض أثر ابن عبّاس في مصادر التراث الحديثي الإسلامي عند الشيعة والسُنّة، وإنّما غلّبت الجانب الحديثي على غيره لأنّ أصحابه أكثر التزاماً بالرواية والإسناد، فهم وكتبهم جميعاً وما جاء
فيها عن ابن عبّاس يبقون (على المحكّ).
وبعد، يحسن بنا تذكيراً بعناوين ما مرّ بنا في أجزاء هذه الموسوعة:
لقد مرّت بنا في الحلقة الأولى: معرفة ابن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن من خلال سيرته وتاريخه، وقد استوعبت خمسة أجزاء في تسلسل الأحداث التي عاشها أو عايشها.
ومرّت بنا في الحلقة الثانية: ثمار تاريخه العلمي (دراسة وعطاء) في ذكر جوانب من حياته العلمية، تضمّنت أجزاؤها ذكر ينابيع المعرفة التي ارتوى منها، فكانت له خير معين في تربيته جمهرة كبيرة من التابعين، خلّدوه من خلال مدارسهم في البلاد الإسلامية، ثمّ ذكر بعض النماذج ممّا ورد عنه في التفسير والحديث والفقه واللغة، وتمّت الحلقة بذكر ما روي عنه من خطب، ورسائل، واحتجاجات، وكلمات حكمية قصار.
ومرّت بنا في الحلقة الثالثة: بقية تاريخه العلمي بعنوان (عطاء غير مجذوذ من المقبول والمنبوذ)، وقد ضمّت في أجزائها بعض آثار حبر الأُمّة في التفسير والحديث والفقه واللغة وآدابها، وفيها كان البحث عن آثار نسبت إليه ولم تصحّ نسبتها.
والآن نحن على أبواب الحلقة الرابعة من الموسوعة، ولا بدّ لنا من معرفة ما ستتناوله أبحاثها، وهي تتضمّن أخطر ما في تاريخ ابن عبّاس حساسية، وذلك هو جانب الجرح والتعديل، حيث خضع لذلك تاريخه، فكانت مؤاخذات خطيرة، وإن لم تكن كثيرة، لكنّها إن صحّت فلا جدوى من قراءة جميع ما تقدّم، لأنّها تنسفه بريحها العاصفة. والآن فلا بدّ من اعتباره هو بعدُ في مهبّ العاصفة، فإمّا أن تمرّ عليه بسلام فيبقى تاريخه نقيّاً برياً، وإلاّ فوا سوأتاه، فهو إذاً في الميزان.
ماذا هي أهم المؤاخذات؟
لقد ذُكر في كتب التاريخ والرجال واللغة والأدب بعض النصوص، تدين ابن عبّاس بقضية أخذه ما في بيت مال البصرة، خيانة، وثُمّ كانت المفارقة، وهي استدعت إلى معاتبة ومكاتبة، وهذه أهم ما ذكر من مؤاخذات عليه، وقد أثارت عدّة تساؤلات قديماًً وحديثاً، وقد لخصت الجواب عنها قبل أكثر من عشرين سنة، في جواب سؤال ورد من لندن من زهير جعفر، يسأل سماحة المغفور له سيّدنا الأُستاذ السيّد الخوئي قدس سره حول تلك القضية، فكلّفني بالجواب، فأجبت بما هذه صورته:
(باسمه تعالى شأنه..
جميع ما ورد في إلصاق تهمة الخيانة بابن عبّاس رضي الله عنه بالصورة المذكورة في الكتب مخدوش سنداً بين مرسل وضعيف، كما أنّه مناقش متناً، سواء في ذلك ما روي من طرقنا أو من طرق غيرنا، والكتاب المروي في (النهج) مرسل، ولا يلزم من ذلك الخدشة في جميع ما جاء في (النهج)، لثبوت كثير من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وكتبه وحِكَمِه بأسانيد معتبرة رويت في غير (النهج).
على أنّ ما جاء معارضاً لتهمة الخيانة -- وهو شيء كثير -- فيه ما هو أقوى سنداً، وأوضح دلالة، وهو الموافق لسيرة ابن عبّاس رضي الله عنه المنقولة في التاريخ.
فمن ذلك: وجوده إلى جانب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة في شهر رمضان الذي قتل فيه عليه السلام.
فقد كان يتعشى عنده في بعض الليالي من ذلك الشهر، كما عن ابن عساكر في تاريخه، والحمويني في فرائده، وأخطب خوارزم في مناقبه،
والمتّقي الهندي في كنزه؛ وهؤلاء من العامّة، أمّا من الخاصّة فقد ذكره الشيخ المفيد في إرشاده، والإربلي في كشفه، والفتوني في ضيائه، والسيّد المدني في درجاته، وغيرهم..
كما وقد اشترك في تغسيل الإمام عليه السلام مع أولاده، كما عن أبي الفرج، وأخطب خوارزم، وغيرهما.
وله رثاء وتأبين للإمام عليه السلام قال له بالكوفة، رواه فرات بن إبراهيم في تفسيره.
كما له خطبة بين يدي الإمام الحسن السبط عليه السلام يوم خطب الناس بعد دفن أبيه، رواها أبو الفرج في مقاتله، والمعتزلي في شرحه، وابن الصباغ المالكي في فصوله، والصفوري الشافعي في نزهته، وغيرهم من العامّة؛ ورواها من الخاصّة الشيخ المفيد في إرشاده، والإربلي في كشفه، والمجلسي في بحاره وجلائه، والقمّي في منتهاه وأنواره، والخطي في مقتله وغيرهم وغيرهم..
كلّ ذلك وغيره ممّا لا يسع المقام ذكره، يدفع عنه تلك التهمّة، ويبعث على الاطمئنان في النفس ببراءة الرجل ممّا ألصق به.
رضي الله عنه وأرضاه، وجعلنا ممّن يحبّه ويتولاه.
الراجي عفو المنّان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
28 ربيع الأوّل سنة 1407ه-).
كما تعرّضت لهذه القضية بصورة أوسع في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة(1)تحت عنوان: (طرد أو مطاردة)، و(طبيعة مال
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 4: 366 -- 376.
البصرة وموارده).
ولم تكن قضية بيت المال هي الوحيدة الفريدة في لائحة الإدانة، فثمّة نقاط أخرى ساخنة سنتعرض لها بعد معالجة القضية الأولى.
ولمّا كانت كلّ تلكم المؤاخذات قد بحثتها قبل أكثر من نصف قرن يوم تمّ تأليف كتاب ابن عبّاس، كما كان ذلك هو الاسم الأوّل، ولكن قد استجدّت موادّ جديدة، وتوالت نقود عديدة مستجدّة زاحمت روايات الأقدمين وفرضت نفسها، فعلَيَّ أن أبحثها أيضاً، ولا غضاضة على ابن عبّاس منها، فإنّها بمثابة نتوءات ثآليل، تزول بأدنى علاج، وعلَيَّ ما دمت اخترت لنفسي أن أكون عنه باحثاً صادقاً مجدّاً، فعلَيَّ أن أكون أيضاً محامياً عنه مدافعاً محقّاً، فأزيل الغبش عن تاريخ تلك الشخصية الفذّة في مواهبها من بدايتها إلى نهايتها، دون أن أرتطم بأوحال المناقبية الفجّة، بل أنهج بموضوعية تبعد عنّي رذاذ الهمز واللمز ممّن نظروا إلى ابن عبّاس من هلال نظارتاهم السوداء، وإن أصابني رذاذ بعض ذلك الهمز واللمز، فلا غضاضة، فهذا مبلغ علمي وأقصى جهدي، وأنا مع القائل:
لا تقل عن عمل ذا ناقص *** جيء بأوفى ثمّ قل ذا أكمل
ليس فخراً أن تصير ناقداً *** فهراء القول دوماً أسهل
فاتبع النقد بفعل شاهدا *** تصدق القول إذا ما تفعل
قال ابن حجر المكّي -- صاحب الصواعق -- في كتابه (الخيرات الحسان في مناقب النعمان) عن ابن عبد البرّ: (يستدلّ على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، ألا ترى عليّاً(كرّم الله وجهه)، هلك فيه فئتان: محبّ أفرط،
ومبغض فرّط)(1). وإنّ هذه الكلمة الصادقة كلّ الصدق إن لم تنطبق على ابن عبّاس رضي الله عنه تمام الانطباق، إلاّ أنّها لا تختلف كلّ الاختلاف، فهناك أحاديث للناس عن ابن عبّاس تحدّثت عن آرائه في أكثر مناحي الحياة، علماً وثقافة، وسياسة وكياسة، وظرفاً وخُلقاً، وتلقّاها المخالفون كما تلقّاها الموافقون، فلم ينكرها الأوّلون، ولم يستنكرها الآخرون.
وفي اتّفاق الجميع، فقد أصابه رذاذ من استهداف الأمويين وأذنابهم، والخوارج وأحزابهم، ومن أخصام العبّاسيين وأضرابهم، على أنّ لجميع أولئكم نزغات أهواء، ونزعات آراء، فقالوا فيه في التجريح بالتصريح والتلويح، وليس ابن عبّاس معصوماً، لكنّه مظلوماً.
ونبقى نحن معه في رحاب كتاب الله الذي قصّ أحسن القصص، فقال سبحانه وتعالى في سورة الحجّ: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ _ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نبيّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثمّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ _ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ _ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ _ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حتّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ _ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ _ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
1) - الخيرات الحسان في مناقب النعمان: 81، ط تح جميل إبراهيم، 1410ه- بغداد، وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ 2/148.
فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ _ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثمّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ _ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ _ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثمّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(1). هذه عشر آيات بيّنات تهدي إلى النور مَن في الظلمات.
فمن يهدي الله فهو المهتد.. ومن يضلل فلا هادي له.. وما ربّك بظلاّم للعبيد.
لقد جرى القضاء بما كان، أن تأخّر إصدار الحلقة الرابعة من موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأئمّة وترجمان القرآن رضي الله عنه، إلى هذا الوقت، وقد حال دون التعجيل بإصدارها طبع ما سبقها من الحلقات الثلاث، وكنت قد ذكرت في عنوانها (ابن عبّاس في الميزان)، كما سيأتي بيان السبب في اختيار العنوان، وكنت قد ذكرت في أوّلها بعضاً، وفصولاً من كتابي: (الموروث المقدّس على المحكّ رجال وكتب) استباقاً إلى ما ورد من غلوّ أو تقصير في تاريخ ابن عبّاس رضي الله عنه، وقد تضمّنت تلك الفصول مظاهر التقديس بين التسويس والتسييس، على إجمال ما ورد في بعض أعلام المحدّثين والمؤرّخين والرجاليين الذين دونوا التراث الإسلامي من الشيعة والسُنّة، من الذين مرّوا بابن عبّاس تعديلاً أو تجريحاً، فكان له من الفريقين سهماً غير منقوص، من دون تفريق أو تزويق أو تمزيق، فكما أنّ البخاري عند السُنّي له مقامه عند الذي يرى في جامعه الصحيح أنّه أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى، فكذلك الكليني عند الشيعي له مقامه عند الذي يرى في
1) - سورة الحجّ/51 -- 60.
كتاب (الكافي) أنّه من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة، لم يعمل الإمامية مثله، إلى آخر ما قيل فيهما.. وفي كلام الفريقين نظر! إذ لا يخلو ذلك من الغلوّ، ومهما كان الإنسان -- غير المعصوم -- قد بلغ من العلم مبلغاً عالياً، ففوق كلّ ذي علم عليم، وكلّ كتاب يؤخذ منه ويترك إلاّ كتاب الله تعالى.
هكذا كانت مسيرتي في الجزء الأوّل من هذه الحلقة (الرابعة)، ولكن للظروف القاهرة أحكامها، فقد ابتليت الأُمّة الإسلامية بعدوٍ كافر وصديق جاهل، كلّ يعمل على شاكلته السياسية، فرمونا بنوازع الشرّ، حتّى نزغ الشيطان بين أصحاب الآراء المذهبية تبعاً للسياسة، وكثر الخلاف، وبدت نذر الشرّ تنذر بمستقبل عصيب ويوم رهيب، إذ كثرت المهاترات، وبلغت حدّاً يكفّر بعضهم بعضاً علانية في وسائل الإعلام، ويستبيح المسلم دماء إخوانه المسلمين، لا لشيء إلاّ لأنّهم على غير مذهبه الفقهي، أو ليسوا من حزبه السياسي، وأعمال التفجير والتخريب في البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً تعجّ بأخبارها وكالات الأنباء، فما من زمان إلاّ والذي يأتي بعده شرّ منه، كما في الحديث الشريف(1)
وعن البراء بن عازب، قال: خطبنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتّى أسمع العواتق في الخدور ينادي بأعلى صوته: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّ من يتّبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته)، كنز العمّال 21: 84، ط حيدر أباد (الثانية).
لهذا فقد تركت تلك الفصول تفصيلاً، تحاشياً لسوء التفسير، واكتفيت بذكر ما يتعلّق بابن عبّاس خاصّة فيما ورد فيه من1) - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن باب لا يأتي زمان إلاّ والذي بعده شرّ منه، عن أنس، فتح الباري 19ح 7068، وأخرجه الترمذي في سننه 4: 492ح2206، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في المسند 3: 133ح177، 179.
الغلوّ والتقصير في كتب التراثين إجمالاً، دون الإفاضة في ذكر تفصيل ما في تلك المصادر، وما فيها من هفوات مؤلّف أو زلاّت محقّق. لئلا أزيد الجو لهيباً، وقد رأينا ونرى وسمعنا وما زلنا نسمع من وسائل الإعلام ما زادنا نصباً، فكلّ بلاد المسلمين هذه الأيّام تعيش على بركان نار، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، كما قال الله وصدق في كتابه المجيد: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ _ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّ-ا إِلَيْهِ رَاجِعونَ(1).
مع علمي أنّ كتابي (موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن) قد أحدث تغييراً في بعض الرؤى لدى الكثيرين من القارئين، فلقد علمت هذا من خلال ما قرأت تحريراً وسمعت شفاهاً، وكثرة الإلحاح بتعجيل إخراج الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان)، فهي أولى وأجدر، إذ تستطيع تغيير بعض المفاهيم الخاطئة عن ابن عبّاس رضي الله عنه، وإنّي لا أزعم لنفسي أنّي سأفتح مغاليق التاريخ، وآتي بما لم تستطعه الأوائل، لكن بعونه تعالى أستطيع تجلية بعض النقاط الموهمة للجرح، بقدر ما أوتيت من قوّة في البحث والبيان، لتكن تلك التجلية نحو تحلية لما قيل من إجابات حول بعض التساؤلات التي قيلت وتقال، وأرجو أن أكون موفقاً في هذا السبيل، ولم أقل: إنّه القول الفصل، لكنّه ليس بالهزل، ويبقى ابن عبّاس في الميزان، بقدر ما يرى القارئ فيما أقوله من صواب أو خطأ، وبقدر قناعته في إجابتي إن كانت موفّقة، وهي في نظري موثّقة، ويبقى الباب مفتوحاً لمن شاء أن يخوض العباب، سواء مع التيار أو بضدّه، فطلب الجواب الصحيح هو الغاية المتوخاة،
1) - سورة البقرة/155 -- 156.
وإذا لم أبلغها فقد أعذرت في البحث والتنقيب، وفوق كلّ ذي علم عليم.
لقد كثرت في هذه الأيّام وسائل الإعلام والمعرفة، وصار البث والنشر لكلّ شاردة وواردة، أو بادرة نادرة، حتّى أنّ من يزعم أنّه له في كلّ قدر مغرفة كثير الشبهات قد تنطّع كالصاهل ما وجد من يسمع منه القول ولو على عواهنه، إذ لكلّ ساقطة لاقطة.
وبلغني ما نال ابن عبّاس من نصيب، معيب أو مصيب، ولم يكن ذلك معوّقاً لي عن الاستمرار في عملي من إكمال أجزاء الموسوعة بإصدار الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان)، آملاً أن تكون مساعداً في تصحيح بعض الأفهام الخاطئة، وإزالة الأوهام والانحرافات التي شابت الموسوعة، سائلاً من الله العلي القدير تسديد الخُطى والتوفيق لاستجلاء الحقائق، ولو من خلال الحوار الحقيقي الجاد، بعيداً عن الهوس والهلوسة، وخلط الأوراق والهملجة، ولا مشاحّة في تبنّي كلّ امرئ ما يتبنّاه، ممّا حملته عليه رؤاه، دون الخداع بإثارة المعمعة في العقيدة، فتلهي العوام وتخسره الخواص، فإنّ في العصر الحاضر قد دخل الموروث المقدّس عند أصحابه مرحلة صعبة، كقول الشاعر:
ألهت بني تغلب عن كلّ مكرمة *** قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم
وعند غيرهم لديهم مظاهر التقديس بين التسويس والتسييس، وكثر التجاذب، وأُسيء التخاطب، وتعرّض التراث الإسلامي على اختلاف مكوناته من أكثر الأنماط في الحياة، فصار عرضة للدخيل، مع أنّ سُنّة التطور في المعارف تقتضي التجديد بالتحديد، وليس بالانفلات لكلّ من
يريد أن يزيد، فعلى الباحث إعادة النظر في التقديس، بلا تسويس ولا تسييس، بل مع العقلانية دون صنمية الذات، لغرض نبذ الشوائب ممّا علق بالتراث. فإنّ أصحابه أناس مثلناً، كتبوا ما رووا، وإن قلّ ما رأوا، ولا يلزمنا الخضوع بتصديق جميع ما في كتبهم، ولا يعني هذا هو الإعراض عمّا وجدناه، سواء لنا أم علينا، فإنّ احترام الرأي الآخر، والنظر فيما قيل ويقال، يفتح لنا آفاقا في المعرفة، يتم من خلالها تمحيص المرويات، سواء كانت في (صحيح البخاري) عند السُنّة، أو كتاب (الكافي) عند الشيعة، فكلا الكتابين لم تخطئهما العين اللوامة، ففي كلا الكتابين روايات لا يمكن قبولها بجرّة من القلم، فإنّ قلم التمحيص سيتناول بعض ما فيهما وغيرهما من تصحيح أو تفنيد ممّا يتعلّق بابن عبّاس، حسب الموازين المقرّرة عند أصحاب كلّ كتاب، دون الجنوح إلى عاطفة، أو استيحاش من غرابة طرح، فحرّية الرأي وسلامة القصد تزيل التهمة، وترفع الشكّ والريبة.
وهذا ما أتوخاه في أبحاث هذه الحلقة الرابعة، وأحسبه سيكون مقبولاً عند ذوي الفهم الصحيح، ما دامت النية حسنة، هدانا الله جميعاً إلى الصراط المستقيم.
استذكار فيه اعتبار
قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ(1).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى
1) - سورة الحديد/25.
أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(1). وبعد لقد مرّت بنا في الحلقة الأولى معرفة ابن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن، من خلال سيرته وتاريخه، وقد استوعبت خمسة أجزاء في تسلسلها مع الأحداث التي عاشها أو عايشها.
ومرّت بنا في الحلقة الثانية ثمار تاريخه العلمي (دراسة وعطاء)، وجوانب من حياته العلمية تضمّنت أجزاؤها الخمسة ذكر ينابيع المعرفة التي ارتوى منها، ثمّ ذكر مدارسه وتلاميذه والرواة عنه، وبعض آفاق معرفته بالتفسير والحديث والفقه، وشيء من خطبه وكتبه واحتجاجاته وكلماته القصار.
ومرّت بنا في الحلقة الثالثة بقية تاريخه العلمي، وقد اشتملت على آثاره في التفسير والحديث والفقه واللغة وآدابها، وفيها مجموعة آثار نسبت إليه من العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ؛ وقد مرّت بعض الإحالات على الحلقة الرابعة.
أمّا الآن ونحن في مدخل الحلقة الرابعة وهي تتضمّن جوانب الجرح والتعديل وما قيل فيه، لا بدّ لي أن أنبّه على أمر ذي بال، وهو أنّ موادّ هذه الحلقة كانت مقتصرة على ما قيل فيه سابقاً عند الأقدمين من مؤاخذات، أهمّها قضية مال البصرة، وقد جمعتها وأجبت عنها بما تيسّر لي يومئذ(2)،
ولكن بعد مرور نصف قرن على تأليف الكتاب فقد استجدّت مواد جديدة، حيث جاءت نقود الآخرين فزاحمت نقود الأقدمين، وفرضت نفسها علَيَّ أن أبحثها، ولا غضاضة ما دامت هي الأخرى تتعلّق بابن عبّاس، تلك الشخصية الفذّة في مواهبه ومعالي أموره، فمني لعمر الله من الناس بخبط وشماس، فمتى تبقى نتوءات الثآليل في صفحات التاريخ تشوّه ناصعه، لما فيها من همز ولمز، فأغرت تلكم بعض الناس لسذاجتهم، فنظروا إلى ابن عبّاس كما قلت آنفاً من خلال النظّارة السوداء، واتّخذوا من تلك الهمزات شبهات صارت أساساً للنقد، فرأوا فيها مرجعية صالحة للإدانة خصوصاً في حديث الخيانة، ولكن ضوء الشمس لا يحجبه نسج العنكبوت، ولئن بقيت في بعض الرؤى مشوّهة أخبارُه، لكنّها بحمد الله تبدّلت عند الكثيرين بعد صدور الحلقة الأولى، كما لمست ذلك من خلال رسائل ووسائل التعبير، حتّى صارحني بعض أصحاب الثقافات العالية بأنّه كان لا يحبّ العبّاس وبنيه، ولكن بعد قراءته الحلقة الأولى، صار من المخلصين له ولابنه عبد الله، ولا ضير أنّ يكون ابن عبّاس عند البعض كذلك، فهو كان مستهدفاً من قبل عدّة عناصر من الناس ذكرتهم في أوّل الحلقة الأولى، فقلت في الجزء الأوّل: (فكان -- باختصار -- ضحية لأموية حاقدة، وعبّاسية بغيضة، وحسنية موتورة، وخوارج ناصبة، وأخيراً ليهودية وصليبية كافرة)(1)، وقد صرت مدفوعاً برغبة أكيدة على انجاز هذه الحلقة، وإن لم يتم تنضيد جميع ما قبلها، ولا ضير ما دام رصيد الحلقات موجوداً.
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 1: 32 مقدّمة المؤلّف.
والآن إلى فهرسة المطالب التي سنبحثها في هذه الحلقة:
الجزء الأوّل: تمهيد، فيه مرور عابر على انطباع القرّاء سلباً وإيجاباً، ثمّ الكتاب في بابين:
نقرأ في الباب الأوّل: الوسطية عند ابن عبّاس، ثمّ بحث الغلوّ والتقصير فيه، ومظاهر التقديس بين التسويس والتسييس.
الباب الثاني: كتب ورجال على المحكّ، أذكر ما له دخل في التقويم، فأذكر نخبة من رجال التراث الإسلامي وكتبهم فيما لهم فيه من لقاء بابن عبّاس من خلال رواياتهم عنه.
الجزء الثاني: في أخبار الإدانة، بما فيها خبر الخيانة، في بابين:
الباب الأوّل: أدلّة الإثبات منذ القرون الأولى وحتّى الوقت الحاضر.
الباب الثاني: منشأ الانتزاع ومناقشة ما في المصادر.
الجزء الثالث: في أدلّة النفي، وفيه فصول:
الفصل الأوّل: في عوامل التضبيب، أموية حانقة، عبّاسية بغيضة، زيدية موتورة، خوارج ناصبة.
الفصل الثاني: في وقوع التحريف في النصوص.
الفصل الثالث: في مناقشة الحديث سنداً.
الفصل الرابع: في مناقشة الحديث دلالة.
الفصل الخامس: سكوت أعدائه عن تعييره، وما ذا عن تعيير ابن الزبير؟
الفصل السادس: مكانته عند أهل البيت عليهم السلام وحبّهم له.
الجزء الرابع: في ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل: في ذكر بقية ما قيل في ثلبه، وفيه فصول:
الفصل الأوّل: في حديث الجرادة والعمى، وغير ذلك والمناقشة في ذلك.
الفصل الثاني: في تخلّفه عن الخروج مع الحسين عليه السلام، شبهات وأوهام نذكرها بلفظها.
الفصل الثالث: في جملة أوهام من أصحاب الأقلام لا تخفى على ذوي الأفهام، ابن عبّاس وعقيدة المهدي، أكاذيب عكرمية.
الباب الثاني: في جنايات المستشرقين، أكاذيب وأباطيل.
الباب الثالث: مواقف دفاع، وفيها فصول:
الفصل الأوّل: نماذج دفاعية من أقوال العلماء، من العلاّمة الحلّي، وابن طاووس، إلى الميزرا محمّد في (منهج المقال)، ثمّ نذكر بقية الأقوال الواردة، للأمين في (أعيان الشيعة)، والشيخ عبّاس القمّي في (الكنى والألقاب)، والمامقاني في رجاله، والسيّد الخوئي، والمحقّق التستري، وغيرهم.
الفصل الثاني: واقفة متوقّفة، كابن أبي الحديد، والمجلسي.
الفصل الثالث: في آراء الخوارج والمعتزلة والأشاعرة.
الفصل الرابع: كتب حديثة في ابن عبّاس.
الجزء الخامس: في رحاب أهل البيت عليهم السلام. وبه ختام الموسوعة.
لقد قلت: إنّه بلغني مكرّراً تأثير أجزاء الحلقات الثلاث من (موسوعة ابن عبّاس) في نفوس القرّاء من خلال كثرة المطالبة بإصدار الحلقة الرابعة، فتيقنت أنّها أحدثت تغيّراً في الرؤى عند القرّاء، فلذا كثر الإلحاح على إخراج ما بقي من أجزاء الموسوعة التي يجمعها عنوان (الحلقة الرابعة):
ابن عبّاس في الميزان من كتابي (على المحكّ)
فهي التي تستطيع أن تأتي بثمار الأبحاث السابقة، وتستطيع أن تغيّر جذرياً بعض المفاهيم الخاطئة عن ابن عبّاس، وإنّي لا أزعم لنفسي -- كما قلت -- أنّي سأفتح مغاليق مقفلة في التاريخ، أو آتي بما لم تأت به الأوائل، لكنّي أستطيع بعون الله تعالى، تجلية بعض الأمور من خلال عرض المصادر وأصحابها على المحكّ، وإن كان هذا قد يغضب فئة المتزمتين في بعض أطياف المجتمع، وقد يعتبره البعض بمثابة السباحة ضدّ التيار في العباب الزاخر فلا يتهضمه بقناعة، ولكنّها الحقيقة التي يجب أن تقال، فإنّ معنى (ابن عبّاس في الميزان)، يعني أن تكون الموازنة صحيحة وقائمة على أساس الوسطية التي كان هو يدين بها ويفسّر بها بعض آي القرآن الكريم، كما سيأتي، وهي التي نادى بها من قبل ابن عمّه ومعلّمه وإمامه، حين قال: (وسيهلك فيّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ، وخير الناس فيّ
حالاً النمط الأوسط فألزموه)(1)، وهو القائل: (اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطي هي الجادّة)(2).
وقال عليه السلام: (نحن النُمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي)(3).
وإنّي لا أزال أكرّر القول أنّ ما أعرضه من إجابة على بعض التساؤلات سيبقي الباب مفتوحاً للمناقشة ما دامت حرية الرأي تحترم الرأي الآخر، وليكن ابن عبّاس بما أوتي من علم وفهم يبقى على المحكّ ولا غضاضة، ما دام البحث يستدعي التنقيب عن الخطأ والإصابة، فهو وسائر الصحابة كسائر الناس، ليسوا من ذوي العصمة الذين نزههم الله تعالى بقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(4)، وإن كانت قربى ابن عبّاس بهم لصيقة، وهو يرى ويروي هذه الحقيقة، لكنّه كغيره يبقى على المحكّ، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(5)، ويبقى هو كسائر الناس، فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ(6)، كما أنّ أصحاب التراث الإسلامي من أيّ مذهب كانوا أو أي مشرب، فهم أيضاً خاضعون للمساءلة، سواء كانوا في الدنيا من قبل
قرّائهم، وفي الآخرة يوم الحساب من ربّهم، فلا غلوّ ولا تقصير في حقّهم، ومهما جادل أشياعهم عنهم فلن يغنوا عنهم شيئاً، قال تعالى: هَاأَنتُمْ هَ-ؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(1).
والقرآن الكريم يلزمنا بأدب المحاورة مع الآخرين، حتّى لو كانوا من غير المسلمين، ألم نقرأ قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(2).
وقال تعالى: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ _ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(3).
قال الشيخ المفيد (ت413ه-): (فالموازين هي: التعديل بين الأعمال والجزاء عليها، ووضع كلّ جزاء في موضعه، وإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه، فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو من أنّ في القيامة موازين كموازين الدنيا، لكلّ ميزان كفّتان توضع الأعمال فيها، إذ أنّ الأعمال أعراض، والأعراض لا يصحّ وزنها، وإنّما توصف بالثقل والخفّة على وجه المجاز، والمراد بذلك أن ما ثقل منها هو ما كثر واستحقّ عليه عظيم الثواب، فما خفّ منها ما قلّ قدره، ولم يستحقّ عليه جزيل الثواب)(4).
أقول: وهذا الذي قاله الشيخ المفيد في تفسير الموازين لا يخلو من نظر! فإنّ الانتقال من الحقيقة إلى المجاز لا بدّ له من قرينة دالّة على ذلك. وما ذكره من أنّ الأعمال أعراض، والأعراض لا يصحّ وزنها، ليس هو الرأي المتّفق عليه، فإنّ مسألة تجسيم الأعمال ثابتة بأدلّتها عند الفريقين، كما مرّ في الجزء الخامس من الموسوعة(1)فراجع.
ومن الغريب أن يقول الشيخ المفيد رحمه الله هذا! وهو الذي قد روى في كتابه (الأمالي)، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (إنّ العمل الصالح يذهب إلى الجنّة فيمهد لصاحبه، كما يبعث الرجل غلامه فيفرش له)، ثمّ قرأ الآية: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ(2)(3).
وقد ذكر القرطبي في كتابه (التذكرة) عن ابن عبّاس: (إنّ الله يقلب الأعراض أجساماً فيزنها يوم القيامة)(4).
وروى القرطبي أيضاً في تفسيره عن ابن عبّاس أنّه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفّتان، فأمّا المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفّة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفّة الميزان فيخفّ وزنه حتّى يقع في النار)(5).
ما دام تعريف الوسط ما كان على مسافة متعادلة بين طرفين، ومنه قالوا: (الفضيلة وسط بين رذيلتين).
لقد أخرج علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا: أي: حلفوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ _ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ _ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(1).
قال علي بن إبراهيم: فإنّه كان سببها ما حدّثني أبي، عن إسحاق بن الهيثم، عن علي بن الحسين العبدي، عن سليمان الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، أنّه قيل له: إنّ قوماً من هذه الأُمّة يزعمون أنّ العبد قد يذنب فيحرم به الرزق؟ فقال ابن عبّاس: فوالذي لا إله غيره، لهذا أنور في كتاب الله من الشمس الضاحية، ذكره الله في سورة ن والقلم...)، ثمّ ذكر خبراً طويلاً عن الشيخ الذي كانت له جنّة، فلا يدخل بيته ثمرة منها حتّى يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فلمّا قبض الشيخ وورثه بنوه، وكانوا خمسة، فحملت جنّتهم في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملاً لم يكن حملته قبل ذلك، فراح الفتية إلى جنّتهم بعد صلاة العصر فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم، فلمّا نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا،
1) - سورة القلم/17- 19.
وقال بعضهم لبعض: إنّ أبانا كان شيخاً كبيراً قد ذهب عقله وخرف، فهلموا نتعاهد ونتعاقد فيما بيننا أن لا نعطي أحداً من فقراء المسلمين في عامنا هذا شيئاً حتّى نستغني وتكثر أموالنا، ثمّ نستأنف الصنعة فيما نستقبل من السنين المقبلة، فرضي بذلك منهم أربعة، وسخط الخامس، وهو الذي قال الله تعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ(1).
فقال الرجل -- السائل -- يا بن عبّاس! كان أوسطهم في السنّ؟ فقال: لا، بل كان أصغر القوم سنّاً وكان أكبرهم عقلاً، وأوسط القوم: خير القوم، والدليل عليه في القرآن فإنّكم يا أُمّة محمّد أصغر القوم، وخير الأُمم، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً(2)...(3)، إلى آخر الخبر.
فهذه الوسطية التي عند ابن عبّاس هي العدل، وهذا المعنى هو الذي تظافر على نقله المفسّرون، وحسبنا منهم قول الشيخ الطوسي في (التبيان) في تفسير الآية التي مرّت، قال: (أخبر الله تعالى أنّه جعل أُمّة نبيّه محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وسطا، أي: سمّاها بذلك، وحكم لها به، والوسط العدل، وقيل: الخيار، ومعناهما واحد)(4).
وهذا كما قيل: أخذ الوسط من التوسط بين المقصّر والغالي، فالحقّ معه.. وقال زهير:
إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم *** همُ وسطٌ يرضى الأنام بحكمهم
وهذا المعنى للوسطية قد ورد في حديث عنه صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (أُمّة وسطاً: عدولاً)، كما في تفسير ابن جرير(1)، فالعدل هو القسطاس المستقيم الذي أمرنا الله تعالى به في قوله: وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ(2).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(3).
وقال تعالى: الرَّحْمَنُ _ عَلَّمَ الْقُرْآنَ _ خَلَقَ الإِنسَانَ _ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ _ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ _ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ _ وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ _ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ _ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ(4).
فوسطية ابن عبّاس هي التي عرفها من ابن عمّه الإمام عليه السلام قولاً وعملاً، وهو عرفها من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وهو من ربّ العزّة جلّ جلاله كما في الآيات الكريمة.
إذاً من الوسطية لنا نحن أن نعرف هوية ابن عبّاس المذهبية، فهل هو من الشيعة؟ فلا غضاضة لو تناولته أقلام غيرهم بالتجريح، أما وتتناوله الشيعة بالتجريح فغير صحيح! اللّهمّ إلاّ أن يكون هو من غيرهم أيضاً، فلا
غضاضة في نقد الشيعة له، أو كان هو فوق الميول والاتجاهات العقيدية وله مسلك خاص؟ وهذا ما لم يعرف به، ولو كان لشهّروا به لخروجه على بقية المذاهب عقيدة، كما شهروا به في فتاواه الفقهية التي خالفهم فيها، كالمتعة والعول والربا..
ولنا في تعيين مذهبه العقيدي من خلال مواقفه من الأحداث بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وتلك المواقف هي التي ميزّت الفرقتان الشيعة والسُنّة.
فقد قال أبان بن تغلب -- أحد مبرّزي الشيعة أيّام الإمام الصادق عليه السلام -- وقد توفي قبله سنة 141ه- فقال عليه السلام -- لأبي البلاد -- : (لقد أوجعني موت أبان)، يا أبا البلاد! تدري من الشيعة؟ الشيعة: الذين إذا اختلف الناس عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أخذوا بقول عليّ عليه السلام، وإذا اختلف الناس عن عليّ عليه السلام أخذوا بقول جعفر بن محمّد عليهما السلام(1).
ولمّا كان ابن عبّاس رضي الله عنه -- لمّا اختلف الناس عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم -- فقد أخذ هو وأبوه وأهل بيته وجميع بني هاشم بقول عليّ عليه السلام. وقد مرّت بنا الشواهد على صحّة هذا في الحلقة الأولى(2)، وقد قال معاوية في إحدى محاوراته مع ابن عبّاس: أنت على ملّة عليّ؟ فقال ابن عبّاس: ولا على ملّة عثمان، أنا على ملّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فسكت معاوية مخصوماً، وقد مرّ هذا في الموسوعة(3)فراجع!
إذاً فهو من الشيعة الأوائل القلائل، فلماذا إذاً التهريج والتجريح؟! فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وما كان الرجل مغموراً في تاريخه، بل كان واضحاً كلّ الوضوح في سلوكه ونصرته لابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ومن بعد شهادته مع أبنائه الحسن والحسين عليهما السلام ومحمّد بن الحنفية، وهذا الأخير هو الذي تولّى تجهيزه ودفنه والصلاة عليه وضرب سرادقاً على قبره، وأبّنه بقوله: (اليوم مات ربانيّ هذه الأُمّة)، وفي أحاديث ابن عبّاس رضي الله عنه عن بقية الأئمّة الذين لم يكونوا في عصره، فقد روى أحاديث مرفوعة عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فيهم، حتّى الإمام المهدي المنتظر(عجّل الله فرجه)، وقد مرّ بعضها في الجزء الخامس من الحلقة الثالثة(1)، ويأتي غيرها.
إذاً من أين أُتي الرجل؟ فشوهت ناصع تاريخه ثآليل ناتئة نابية! إنّها عُقُد المعارضة الأموية والخوارج، وكان للعبّاسيين في أجواء التضبيب السياسي نصيب غير منقوص.
وكلّما تمادت القرون بعد القرون، وتفاعلت الأحداث بين الحكام والمعارضين من الشيعة تصاعد الرذاذ الطيني حتّى صار لزباً، فعسرت إزالته على من وجد ضغثاً من هنا، وضغثاً من هنا في تاريخه، وقرأ المواقف المختلفة بين متزمت يكاد يكون خصماً خصيماً، ومنفتح معتدل عليماً فهيماً، وبينهما أنماط وأسقاط زادوا الغبش، فانعدمت الرؤية الصحيحة كما هي أو كادت أن لا ترى، واتّسعت الفجوة وصارت الحبّة قبّة، فصارت
1) - الجزء الخامس عشر من موسوعة عبد الله بن عبّاس.
النظرة إلى ابن عبّاس بمنظار الشكّ والريبة، نتيجة القراءات المختلفة في الحديث والتاريخ واللغة، وبقي القليل الذي ميّز الحقّ من الباطل، فقال كلمة الحقّ، وهذا شأن كلّ ذي حقّ مهضوم من شيعة عليّ المعصوم، وتبقى هذه البلية تأكل الأخضر واليابس، ما دامت توري نارها أصابع من لا حريجة له في الدين، فاتسعت شقّة الخلاف حين اختلط الحابل بالنابل، وتصاعدت حمى الغلوّ فتجاوزت مقياس الاعتدال، وهبط به التقصير إلى أدنى مستوى في تقييم الرجال.
وهذا ما نقرؤه في:
ماذا عن الغلو؟
وماذا عن التقصير؟
وماذا كان نصيب ابن عبّاس منهما؟
والجواب على الأوّلين، هو: تجاوز الحدّ فيهما عن حدّ الاعتدال، ففي تجاوز الحدّ في الغلوّ، هو إذا رمي السهم أقصى الغاية في الارتفاع، وتجاوز الحدّ في التقصير، هو الخروج إلى النقصان في التسافل، (والزيادة في الحدّ والنقصان عنهما كلاهما فساد، ودين الله الذي أمر به يسر هو بين الغلوّ والتقصير وهو الاقتصار)(1).
وإذا رجعنا إلى ما قرأناه في الحلقات الثلاث، وجدنا ابن عبّاس قد ناله الغلوّ كما نابه التقصير.
ففي جانب الغلوّ في علمه: قالوا: أفضل، وقالوا: أعلم.. إلى غير هذا من أفعال التفضيل، وحتّى قالوا: فسّر سورة البقرة (وقيل: سورة النور) لو سمعته الترك والديلم لأسلموا.
وفي جانب الغلوّ في عبادته قالوا: كان في خدّه مثل الشراك البالي من
1) - مجمع البيان 3/395، ط الأعلمي.
كثرة بكائه من خشية الله.
وفي جانب الغلوّ في خلقته، قالوا: كان جسيماً يأخذ مقعد رجلين، وكان أحسن عيناً قبل أن يكفّ بصره...
وفي الغلوّ فيها أيضاً، قال عطاء: ما رأيت البدر إلاّ ذكرت وجه ابن عبّاس لحسنه وجماله وبهائه.
وقال مجاهد: (كنّا نفخر على الناس بأربعة: بفقيهنا وقاضينا وقارئنا ومؤذّننا. ففقيهنا ابن عبّاس، وقاضينا عبيد بن عمر، وقارؤنا عبد الله بن السائب، ومؤذّننا أبو محذورة)(1).
وقال عكرمة: كانوا -- الصحابة -- يدخلون على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عبّاس: مَاذَا قَالَ آنِفاً(2)؟ فيقول: كذا وكذا، وكان ابن عبّاس أصغر القوم، فأنزل الله الآية.
وكان ابن عبّاس من الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ(3).
وتصاعدت حمّى المناقبية في (مسند الربيع)، حيث قال الربيع: (قال أبو عبيدة: كان ابن عبّاس فقيها عالماً لم نعلم في زمانه أعلم منه، كان الناس يسمّونه البحر لما فيه من كثرة فنون العلم، وقيل: إنّه قعد ذات يوم مع أصحابه فقال لهم: سلوني عمّا شئتم، عمّا دون السماء السابعة والأرضين
السفلى أخبركم به)(1)(؟!).
فهل فوق هذا من غلوّ؟! إنّها أساطير المحبّة تجعل من الحبّة قبّة.
وهكذا توالت الأقوال في صفاته خلقاً وخُلقاً وعلماً وديناً، وقد مرّ ذكر بعضها في الجزء الأوّل من الموسوعة، ولا يخلو بعضها من مزايدات مناقبية لأنّه أبو الخلفاء العبّاسيين فلتكن له ميزة على الباقين.
وإنّي رأيت من لم يسمع من ابن عبّاس حديثاً واحداً، ولم يره لتأخّر زمانه، قال قولاً يصف فيه ابن عبّاس وصف مشاهد ومعاشر، وذلك هو علي ابن أبي طلحة، قال: (كان عبد الله بن عبّاس مديد القامة، جيّد الهامة، مستدير الوجه، جميله أبيضه، وليس بالمفرط بالبياض، سبط اللحية، في أنفه قناة، معتدل الجسم...)(2).
وهذا الإنسان الذي يصف ابن عبّاس بهذا الوصف لم ير ابن عبّاس ولم يجتمع به، ومع ذلك قالوا عنه: روى عن ابن عبّاس تفسيره، وروى عنه كتابه (الناسخ والمنسوخ)، وهذا من الغريب العجيب! أن يتهالك مترجموه على ذكره، وفي مقدّمتهم البخاري الذي ذكره في (التاريخ الكبير)، وقال في آخر ترجمته: (قدم علي على أبي العبّاس أمير المؤمنين -- يعني السفاح --). على أنّه غمز قناته، فقال: (روى عن ابن عبّاس مرسل)(3).
أتدري لماذا أصرّ على ذكره، وروايته عن ابن عبّاس؟! لأنّه هو أخرج
عنه في صحيحه بتدليس، فلا يسمّيه ويقول: قال ابن عبّاس، أو يذكر عن ابن عبّاس(1)، وهذا من البخاري نحو تدليس بلا تلبيس، حيث يروي عن علي بن أبي طلحة، وهو لم ير ابن عبّاس فضلاً عن سماعه عنه! قال ابن حبّان في الثقات: (وهو الذي يروي عن ابن عبّاس الناسخ والمنسوخ ولم يره)(2).
أتريد غلواً فوق هذا من إنسان لم ير ابن عبّاس، ثمّ يصفه لك وصف شاهد معاشر!!
بينما ذكر العلاّمة الحلّي (ت 726ه-) في إجازته لبني زهرة، فقال: (...ومن ذلك كتاب تفسير ابن عبّاس بهذا الإسناد، عن السيّد فضل الله، عن الشيخ أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد، عن أبي الحسين أحمد ابن محمّد بن الحسين بن فاذشاه الوزير، عن الطبراني، قال: أخبرنا عبد الغني بن سعيد المصري، قال: حدّثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن جريج، عن عبد الله بن نافع المقري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس)(3)، فتبيّن لنا أنّ علي بن أبي طلحة روى تفسير ابن عبّاس، عن ابن جريج، وهو عن عبد الله ابن نافع المقري، وهذا عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، فروى بثلاث وسائط عن ابن عبّاس، فكيف حال من زعم أنّه روى عن ابن عبّاس بدون واسطة كما في صحيح البخاري؟!
وفي جانب التقصير، فقد قيل فيه: أنّه اختان بيت مال البصرة، وخرج
به مغاضباً لابن عمّه، وسكن الطائف يشتري المولِدات الحسناوات بتلك الأموال! ورووا عدّة مراسلات بين الإمام وبينه حول موضوع المال. وسرت تلك المكاتبات إلى التاريخ الشيعي، فذكرها الكشّي، وغيره، وأدخلت الحيرة عند بعض المؤرّخين، فكان من الواقفة إزاءها متوقّفاً.
ومهما كان وقع هذه القضية كبيراً وخطيراً في تاريخ ابن عبّاس، إلاّ أنّه لم يبلغ حدّ تكفيره فيَكتب فيه كتاب، وهذا ما ذكره ابن الآلوسي خير الدين نعمان في كتابه (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين)(1)، يعني: ابن تيمية، وابن حجر، فذكر أنّ ابن تيمية كتب في تكفير ابن عبّاس كتاباً؟! وقد بحثت كثيراً فلم أقف عليه، على أنّه ذكر ابن عبّاس في فتاواه وبقية كتبه مكرّراً بلغت (871) مرّة (حسب ما جاء في الحاسوب)، وليس بينها ولا مرّة واحدة ما يشعر بتكفيره، وسواء صحّ أم لم يصحّ، أليس في نقله تقصير ما دونه من تقصير، إنّه التكفير فهل له من نظير؟!
ولقد جاء في (الصواعق المرسلة) لابن قيم الجوزية -- وهو من أبرز أتباع ابن تيمية، قال: (وكان عبد الله بن عبّاس يحتجّ في مسألة متعة الحجّ بسنّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأمره لأصحابه بها، فيقولون له أن أبا بكر وعمر أفردا الحجّ، ولم يتمتعا، فلمّا أكثروا عليه، قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وتقولون: أبو بكر وعمر.
ثمّ قال ابن القيم: فرحم الله ابن عبّاس، كيف لو رأى أقواماً يعارضون قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بقول أرسطو، وأفلاطون، وابن سينا، والفارابي، وجهم بن
1) - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: 92، ط بولاق 1298ه-.
صفوان، وبشر المريسي، وأبي الهذيل العلاّف، وأضرابهم)(1).
وجاء في (رفع الملام عن الأئمّة الأعلام) لابن تيمية، قال: (ليس لأحد أن يعارض الحديث الصحيح عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بقول أحد من الناس، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة، فأجابه فيها بحديث، فقال له ]قال أبو بكر وعمر[ فقال ابن عبّاس: يوشك أن تنزّل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر...)(2).
أقول: والعجب من ابن تيمية! فهو الذي روى هذا عن ابن عبّاس، سرعان ما كذب نفسه حين قال في (مجموع الفتاوي): (وقد ثبت عن ابن عبّاس أنّه كان يفتي من كتاب الله، فإن لم يجد فيما سَنّه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر، ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعليّ، وابن عبّاس حبر الأُمّة وأعلم الصحابة وأفقههم في زمانه، وهو يفتى بقول أبي بكر وعمر، مقدّماً لقولهما على قول غيرهما من الصحابة، وقد ثبت عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (اللّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل))(3).
أقول: والذي يكذّب هذا الزعم من ابن تيمية، قول ابن عبّاس: (إذا حدّثنا الثقة عن عليّ بفتيا فلا نعدوها)، وهذا رواه ابن سعد في (الطبقات)، وابن عبد البرّ في (الاستيعاب)، وابن حجر في (الإصابة)، و(تهذيب التهذيب)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، والسيوطي في (تاريخ الخلفاء)، وغيرهم.
وقد سُئل ابن عبّاس: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط (كالمثعنجر).
ولم يتّبع ابن قيم الجوزية شيخه في زعمه، بل ذكر في كتابه (الطرق الحكمية)، فقال: (قال أبو عبيد: يروى عن عليّ بن أبي طالب أنّ رجلاً أتاه فأخبره أنّ امرأة أتته فذكرت أنّها أرضعته وامرأته؟ فقال: (ما كنت لأفرّق بينك وبينها، وأن تنزه خير لك)، قال: ثمّ أتى ابن عبّاس فسأله؟ فقال له مثل ذلك)(1).
ومن راجع كتب الفقه السُنّي يجد الموارد التي أفتى فيها ابن عبّاس بفتيا عليّ عليه السلام أكثرها في الفقه الحنبلي، فقد بلغت (166) مورداً، بينما لم ترد في فتاوى ابن عبّاس بمثل ما أفتى به عمر سوى (49) مورداً، وليس عن أبي بكر شيء، وقد مرّ في (أقباس واقتباس) من فقه ابن عبّاس ما يتعلّق بالمقام؛ فراجع!
ثمّ كيف يصدّق ابن تيمية في زعمه بأنّ ابن عبّاس كان يفتى من كتاب الله، فإن لم يجد فبما سَنّه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر، ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعليّ؟ مع مخالفة الشيخين لما جاء في كتاب الله في بعض الأحكام، كميراث الجدّة، والمتعتين، وغيرهما، وابن عبّاس يقول: (إذا حدّثتكم عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حديثاً فلم تجدوا تصديقه في القرآن ولم يكن حسناً في أخلاق الرجال فأنا من الكاذبين)(2).
من الهزء والسخرية بالعقول إنكار ما حلّ بمظاهر التقديس -- سواء في الرجال أو الكتب أو الطقوس -- من تسويس وتسييس، ومن العبث بل الجهل نكران وقوع الغلوّ في بعض المظاهر من خلال ممارسة بعض الطقوس المؤثرة والمعبّرة عن شعور في نفوس البسطاء وأهل الفطرة، فاستغل ذلك الشعور بعض أصحاب المبادئ عن وعي تام باستخدام تلك المظاهر كوسائل لبلوغ الأهداف، دون حساب المجهول الغامض الذي ينتظرهم ومن لفّ لفهم، لذلك لم تعد المُثل العليا وحدها كافية على توجيه وتنظيم المسلك الإنساني، وإن الإقرار بعدم جدوى تلك الوسائل لا يغضّ من قدر الموروث المقدّس، لكن التقدّم العلمي في دنيا الحضارات، صار يهزأ من طروحات متهرئة أساءت إلى المثل العليا في الإسلام، فالاستعانة بتلك المظاهر لا يمكن أن تصبح حقيقة واقعية لتلك المثل العليا، بل تحتاج إلى وسائل أكثر حسماً وواقعية، فالصلاة مثلاً التي لا تنهى المصلّي عن الفحشاء والمنكر كيف تجدي المجتمع الذي ينشد السلامة في الأخلاق والسلام بين الناس والوئام؟ فأين تلك المظاهر من نشدان المسلم ما يبتغيه؟ ومهما كثرت جمل الإطراء والثناء على الرجال أو الكتب أو المبادئ فهي لا تغني شيئاً في سوق الحقائق، وإن اجتازت في المجاز على نحو المجاز من غير جواز، لكن تبقى الحقائق هي الميزان في الواقع، وإن جهل قدرها، فمهما طال ليل لا بدّ من فجر وإصباح.
ثمّ إنّ ما يراه البعض في تلك المظاهر من روعة في التعبير عن الشعور الديني، ففيها أيضاً فزعة وفراغ من سلطة داخلية في الفرد تمنعه من الانحراف والتسيّب على غير هدى، وراء شعارات برّاقة، وألقاب فارغة باسم الموروث المقدّس من رجال أو كتاب أو طقوس، فإنّ الدين النصيحة، فهذه قضايا الموروث المقدّس قد تشابكت وتشابهت فيها عدّة عوامل، كأنّ الدين لافتة العنوان فقط، ولكن من الذي يدري أنّه ليس وراء هذا العنوان أصابع تعمل من حيث يخفى على الانحراف لتسوّس الهيكل بالقشرية الباهتة، وهناك أيضاً أيادي خفيّة تعمل على استغلال تلك المظاهر لمصالحها الطائفية، وقد تكون هي السياسة أيضاً، فغدا الدين يعاني أزمة يقظة ضمير القائمين برسالته على وجهها الصحيح من دون تزويق أو تخريف، فثمّة عدد غير قليل ممّن يعي تلك المشاكل، ولكن فقدان الثقة والمنتفعين بجاهها والمتحدّثين باسمها يحول ذلك دون الانتفاع من مظاهر الدين الصحيحة الذي لا يخص الفرد وحده، بل يجمع الفرد مع مئات الألوف والملايين في حظيرة المقدّس، والناس إن تجمعهم القناعة بصحّة الهدف، ولكن الأسف أن تمزقهم سيئات أعمال البعض فيكونوا أشتاتاً، فتسير القافلة كلّ له وجهة هو موليها.
ويبقى ابن عبّاس كبقية الرجال النوابغ في التاريخ، كلّ يسجله في تاريخه كما شاء، لذا فهو يتحمل المسؤولية عمّا تخطّه يمناه، ولئن غفر للمؤرّخين القدامى الذين جمعوا الأخبار عن طريق الرواية بالإسناد، فلا يغفر اليوم لمن سجّل الأحداث أو كتب الماضي حسب تفسيره وهواه.
فحين نرى في المقام مثلاً تاريخ ابن عبّاس في الوسط التاريخي السُنّي
صحابياً سُنيّاً مائة في المائة، وإذا قرأناه في الوسط التاريخي الشيعي نجده كذلك شيعياً بلا شكّ -- وهو كذلك -- إلاّ أنّ التعتيم السياسي كاد ولمّا أن يضيّع معالم الطريق في تاريخه الصحيح، وفي الدراسات الحديثة عنه كذلك إن لم تكن أسوأ حالاً ومقالاً، خصوصاً كتب الأكاديميين ممّن امتاروا من الآخرين، واختاروا آراء الغربيين، فكانوا على حدّ قول القائل الذي حذّر منهم، فقال: (لكن يجب أن لا تخدعنا هذه (الكثرة) الظاهرة في المؤلّفات الأكاديمية، فإنّ معظمها لا يعدو أن يكون غثاءً كميّاً -- إذا صحّ التعبير -- لا يضيف جديداً، إن على مستوى المنهج أو على مستوى الموضوع. فضلاً عن أنّه يكشف عن خواء محزن في القدرة على التحليل والتركيب، وفي الخلفية الثقافية وقوّة الخيال، وفي الأسلوب وطرائق التعبير، ثمّ وهو الأنكى والأمرّ، أنّ عدداً من الأطروحات هذه تجري وفق ما تريد الجامعة أو المؤسسة التي تنجز فيها، أو ما يريده لها الأُستاذ المشرف، وليس وفق الحقيقة التاريخية وحدها، وهكذا يغدو التاريخ الإسلامي -- على سبيل المثال -- أمريكياً في جامعة برنستون، ماركسياً في جامعة موسكو، انكليزياً في جامعة أكسفورد، أو لندن، أو سانت اندروز، مع هوى بني إسرائيل في الجامعة العبرية)(1).
وبالتالي تبقى الصحّة في كلمة شيخ المؤرّخين الطبري في مقدّمة كتابه (تاريخ الأُمم والرسل والملوك) تنير الدروب الملتوية عند تسجيل الحوادث وقداسة الموروث، حيث قال:
1) - الدكتور عماد الدين خليل، حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي: 34 -- 35، ط دار الثقافة، الدوحة، قطر سنة 1406ه-.
(فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ممّا يستنكره قارؤه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنّه لم يعرف له وجهاً صحيحاً، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنّه لم يؤت ذلك من قبلنا، وإنّما أوتي من بعض ناقليه إلينا، وإنّما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا)(1).
1) - تاريخ الطبري، المقدّمة.
وفيما نحن بصدده، أقول:
ما دامت كتب الحديث السُنّية والشيعية على السواء أُخضعت لاعتبارات مذهبية، واكتسبت مكانة برفعة أصحابها، فرفع الغلوّ قدرها حتّى جاوز الحزام الطبيين.
فمثلاً نرى صحيح البخاري ومسلم -- على ما فيهما من هنات وهفوات -- فهما أصحّ كتاب بعد كتاب الله عند بعض أهل السُنّة(1).
وكذلك كتاب (الكافي) للكليني عند بعض الشيعة -- على ما فيه من هنات وهفوات -- قالوا: لم يعمل الإمامية مثله(2). وآخر يقول: (النظر في أسانيده حرفة عاجز)(3).
وهكذا تتصاعد حمى المزايدات، حتّى كتب على ظهر (الجامع الصحيح) للترمذي -- بتحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر القاضي الشرعي: (من كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيّ يتكلّم)(4).
1) - في تقريب النواوي: أوّل مصنّف في الصحيح المجرّد، صحيح البخاري ثمّ مسلم، وهما أصحّ الكتب بعد القرآن، والبخاري أصحّهما وأكثرهما فوائد، وقيل: مسلم أصحّ، والصواب الأوّل، تدريب الراوي 1/88 -- 91.
2) - بحار الأنوار 107/ 190.
3) - حكاه سيّدنا الأُستاذ قدس سره عن أُستاذه الشيخ النائيني رحمه الله (معجم رجال الحديث 1/80).
4) - الجامع الصحيح، وهو: سنن الترمذي لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة، بتحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر، نشر المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ.
إنّها مصيبة التعصّب للموروث المقدّس، حتّى لقد نقل الذهبي في (التذكرة)، وابن حجر في (التهذيب)، وطاش كبرى زادة في (مفتاح السعادة)، كلّهم نقلاً عن أبي علي بن منصور بن عبد الله الخالدي، عن الترمذي أنّه قال في شأن كتابه (الجامع): (صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومَن كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيّ يتكلّم)! فبعد هذا الإغراق فلا غرابة إذا ما رأينا آخرين من المحدّثين يقولون في كتبهم ما يقولون؛ فبعضهم كتب: (ما رويته فيه واعتقد أنّه حجّة بيني وبين ربّي وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع)(1).
وهكذا كلّ يقدّم كتابه بما يوثّقه لدى قارئه حسب نظره، ولكن لا يعني هذا تقليد القارئ له في رأيه، بل لديه الموازين التي نصبها العلماء لتمييز الصحيح المقبول من غيره، ولا يعني ذلك هو الردّ أو النقد، إنّما هو التمحيص، إذ ربّما فات المؤلّف أو نسي، ولا بدع فأوّل الناس كان هو الناسي، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً(2).
فكتاب كتبه فلان بن علاّن، وله عند أهل مذهبه المقام الرفيع، فمن أين له بصحّة جميع ما فيه، وفيه ما لا يرضاه الله ممّا يعبّر عن واقعه، فإنّ من قال الحقيقة استهانوا به، وحتّى إن كانت النتيجة التي توصّل إليها الباحث بأدلّة معقولة، لكنّها عند أهل ذلك الكتاب غير مقبولة، وحبّذا لو توقّفت
مسألة القبول أو الردّ عند هذا الحدّ، لكنّها قد أولدت الخصومات والمهاترات، والاندفاع بالتشهير إلى حدّ التكفير، فمع هذا الحال كيف يكون التصحيح والتغيير؟ إنّها الحيرة!
وإني وإياها لمختلفان *** هوى ناقتي خلفي وقدّامي الهوى
ومع الأسف الشديد أن يقال: لقد أساء الطرح، فأساؤا الفهم، مع أنّه لا فرق في رأي العلم بين زيد وعمرو إلاّ بالاعتقاد والإيمان، فليس القول بالعصمة لكلّ أحد، بل هي مخصوصة بأصحاب الرسالات السماوية، وهم الأنبياء عليهم السلام، وثمّ الأوصياء عليهم السلام، لأنّهم امتداد لأولئك في تبليغ رسالاتهم ولا غير، هذا عند من يعتقد فيهم بالعصمة، أمّا الذين لا يرونها، فهم في من تجنّب عنها، ويبقى كلّ إنسان يجوز عليه الخطأ والسهو والنسيان، هذا إذا أحسنّا الظنّ، وإلاّ فقد يتعمّد الكذب على حساب الدين، كعصمة أبي نوح الذي كذب على عكرمة، وعلى ابن عبّاس رضي الله عنه في أحاديثه في فضل سور القرآن(1)، وكم له من نظير من الوضّاعين.
فمع هذا الحال ينبغي الاعتدال في نصب الموازين، ولا نؤخذ ببهرجة المهرّجين، أو بريق الأسماء اللامعة من المخرّجين المخرّفين، ولا تأخذنا الخشية من توجيه الناس إلى الصحيح المتّفق عليه عند جميع المسلمين من شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، والالتزام بما جاء به من أوامر ونواهي لا يختلف فيها المسلمون، فمن أتى بها على وجهها فقد صحّ عمله، وليس لأحد تكفير آخر من المسلمين وهو يعبد الله ويدين بالإسلام
1) - تدريب الراوي 1/282، ط2 منشورات المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
قولاً وعملاً , فلا نجعل صكوك الغفران مقصورة على من مارس طقساً، أو قال قولاً وافق هوانا، فإنّ الغلوّ مذموم في كلّ أشكاله وعناوينه ومفاهيمه، فكلّ ما خرج عن حدّ الاعتدال والوسطية التي عرّفها أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بقوله: (هلك فيّ اثنان محبّ غال وعدو قال).
فكلّ ما استجدّ ممّا لم يكن من مظاهر التقديس، فقد استُغِل وتجاوز الحدّ وله ردّة فعل، فكان النقد والردّ، وضاعت المقاييس التي يجب أن نزن بها أقوالنا وأعمالنا وهي أركان الإيمان، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(1)، فلا يغلبنا الهوى، فنشرّع، فنرفع ونضع فيما يفّرق الكلمة في الأُمّة، ونغالي في الألقاب مثلاً، فليس ذا بمستحب، ولقد كثر تنضيدها في القرون المتأخّرة عن عصر الغيبة وفي العهد المغولي بالخصوص على نحو مملّ.
فمثلاً حين تقرأ في مقدّمة كتاب (فهرس الشيخ منتجب الدين رحمه الله)، قوله بعد الحمد والثناء والصلاة على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (وبعد، فقد حضرت عالي مجلس سيّدنا ومولانا الصدر الكبير، الإمام السيّد الأجلّ، الرئيس الأنور، والأطهر الأشرف، المرتضى المعظّم، عزّ الدولة والدين، شرف الإسلام والمسلمين، رضي الملوك والسلاطين، ملك النقباء في العالمين، اختيار الإمام، افتخار الأنام، قطب الدولة، ركن الملّة، عماد الأُمّة، عمدة الملك، سلطان العترة الطاهرة، عمدة الشريعة، رئيس رؤساء الشيعة، صدر علماء العراق، قدوة الأكابر، معين الحقّ، حجّة الله على الخلق، ذي الشرفين، كريم
1) - سورة فصلت/33.
الطرفين، نظام الحضرتين، جلال الأشراف، سيّد أمراء السادة شرقاً وغرباً، قوام آل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أبي القاسم يحيى بن الصدر السعيد المرتضى الكبير، شرف الدولة والدين، عزّ الإسلام والمسلمين، أبي الفضل محمّد...)، وهكذا استمر بذكر آباءه وأجداده مع الإطراء والثناء لجملة منهم، حتّى إذا انتهى إلى الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام عاد إلى ثرثرة الإطراء الممل، فقال: (صلوات الله عليهم أجمعين، وأدام معاليه، وأهلك أعاديه، الذي هو ملك السادة، منبع السعادة، وكهف الأُمّة، وسراج الملّة، وطود الحلم والدراية، وقسّ القشر والرواية، وعلم الفضل والأفضال، ومقتدى العشرة والآل، وسلالة من نجل النبوّة، وفرع من أصل الفتوة، عضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصي والبتول، وأحد القوم الذين ولاؤهم برزخ بين الجحيم والنعيم).
وهكذا استمر فأطنب إطناباً مملاًّ، وكأنّه حاول أن يلمّ بجميع الأوصاف والنعوت فيسطرها لممدوحه، فلم يترك صفة إلاّ وصفه بها حتّى بالإمامة التي كان سام قدرها(1)
وذوو الإمامة كلّهم معصوم *** إنّ الإمامة كان سام قدرها
حتى ادّعاها زاعم وزعيم *** ما بالنا أنّا أضعنا حقّها
ليحدَّ عات إذ يصان حريم *** يا ليتنا أنّا رعينا أمرها
معنى كحال الطبل وهو يعوم *** ما قيمة الألقاب جوفاء بلا
. وهذا من الغلوّ غير المرغوب فيه، ويأباه من1) - ولبعضهم من الشيعة في هذا المعنى قوله:
عرف أن قدر المرء ما يحسنه من دون غلوّ ولا تفريط لا بطنطنة الألقاب، وهكذا انتشرت ظاهرة تنضيد الألقاب حتّى تسيّبت لكلّ من هبّ ودبّ.
وقد يساء بنا الظنّ بأنّنا كلّنا على هذا التسويس أو التسييس، اللّهمّ غفرانك ربّنا أرنا الحقّ حقّاً فنتبعه والباطل باطلاً فنتجنبه، وما أولانا أن نكون كما أراد إمام العصر(عجّل الله فرجه) أن نكون حيث كان يدعو لشرائح المسلمين بما يدعوا به لنفسه، فيقول:
(اللّهمّ أرزقنا توفيق الطاعة، وبُعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحُرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة، وأكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، وأسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلّمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتّباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفّة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة، وعلى الغزاة بالنصر والغلبة، وعلى الأُسراء بالخلاص والراحة، وعلى الأُمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة، وبارك للحجّاج والزوار في الزاد والنفقة، واقض ما أوجبت عليهم من الحجّ والعمرة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين)(1).
1) - مصباح الكفعمي: 280، ط حجرية سنة 1321ه-.
فأي اعتدال واستقامة فوق هذا!!
قال الشريف المرتضى في (جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة):
(... اعلم أنّه لا يجب الإقرار بما تضمنته الروايات، فإنّ الحديث المروي في كتب الشيعة، وكتب جميع مخالفينا يتضمن ضروب الخطأ وصنوف الباطل، من محال لا يجوز أن يتصوّر، ومن باطل قد دلّ الدليل على بطلانه وفساده، كالتشبيه والجبر والرؤية والقول بالصفات القديمة.
ومن هذا الذي يحصي أو يحصر ما في الأحاديث من الأباطيل، ولهذا وجب نقد الحديث بعرضه على العقول، فإذا سلم عليها عرض على الأدلّة الصحيحة، كالقرآن وما في معناه، فإذا سلم عليها جوّز أن يكون حقّاً والمخبر به صادقاً.
وليس كلّ خبر جاز أن يكون حقّاً وكان وارداً من طريق الآحاد يقطع على أنّ المخبر به صادق، وهذا الخبر -- يعني سؤال هشام بن الحكم من الإمام الصادق عليه السلام حول قدرة الله تعالى أن يدخل الدنيا في قشر البيضة من غير أن يصغر الدنيا ولا يكبر قشر البيضة -- المذكور بظاهره يقتضي تجويز المحال على المعلوم بالضرورات فساده، وإن رواه الكليني رحمه الله في كتاب التوحيد، فكم روى هذا الرجل وغيره من أصحابنا في كتبهم ما له ظواهر مستحيلة أو باطلة، والأغلب الأرجح أن يكون هذا خبراً موضوعاً مدسوساً)(1).
1) - رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى: 409 -- 410، نشر دار القرآن الكريم.
فلا يستفزّ القارئ ما جاء في العنوان، فهو يحكي ما فيه عن شمولية ظاهرة لمن يرد ذكرهم من الأعلام، وهم أصحاب كتب، سواء كانوا شيعة أو سُنّة، وسواء كانت كتبهم حديثية أو فقهية، أو أدبية، أو تاريخية، ولكن الذي يقصّر تلك الشمولية هو ما في موضوعات تلك الكتب ممّا يتعلّق ب-(ابن عبّاس في الميزان)، وليس البحث يشمل جميع ما في تلك الكتب من المفارقات والمؤخذات، كما أنّ البحث عنها سيكون موضوعياً ومتجرّداً عن العواطف مهما كان الموروث المقدّس لدى أربابه، فلقد رأينا منهج أصحاب الصحاح والجوامع الحديثية كلاًّ يعمل على شاكلته، ولا غضاضة، إنّما المؤاخذة على التخلّف عند بعضهم عمّا اشترطه أو ذكره في خطبة كتابه تحصيناً منيعاً بأن لا يذكر فيه إلاّ الصحيح، أو ما كان حجّة بينه وبين ربّه، ونحو هذا ممّا وجدنا التخلّف فيه عمّا ذكره ظاهراً، وبناءً على موازين النقد التي تفاوت اعتبارها من بعد عصره، إذ الصحيح قديماً غير الصحيح حديثاً لاختلاف المباني.
لهذا سأذكر بعض الأسماء ممّن لهم الذكر الحسن والثناء الجميل من أصحاب الكتب من الجوامع الحديثية والصحاح ونحوها، وهم كذلك وفوق ذلك إلاّ أنّهم ليسوا بمعصومين ممّا يعرض لبني الإنسان من السهو والخطأ والنسيان، لغرض المعرفة والتقويم لا للتهديم، فلا يساء بنا الظنّ أو
الفهم (ولكلّ امرئ ما نوى)(1)، و(إنّما الأعمال بالنيات)(2)، والله سبحانه هو العالم بما في الضمائر والمطّلع على السرائر (اللّهمّ اجعلني خيراً ممّا يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون).
وأبدأ برجال التراث الشيعي، ثمّ برجال التراث السُنّي:
فمن نخبة المفسّرين الشيعة: علي بن إبراهيم القمّي (أقدم تفسير وصلت إلينا نسخته)، ثمّ العياشي، ثمّ فرات بن إبراهيم الكوفي، ومن أتى بعدهم فهم عيال عليهم من النفر الآخرين.
ومن نخبة المحدّثين: سليم بن قيس التابعي، وبعض أصحاب الأُصول، ثمّ الصفّار، ثمّ الكليني، ثمّ الصدوق ابن بابويه القمّي، ثمّ المفيد، ثمّ الطوسي، ومن أتى بعدهم فهم عيال عليهم.
ومن نخبة الرجاليين: البرقي، ثمّ الكشّي، ثمّ الطوسي، ثمّ النجاشي، ومن بعدهم عيال عليهم.
وحسبنا بذكر هؤلاء من أعيان رجالات الاثني عشرية، وثمّة آخرين ذكرتهم تباعاً.
أمّا من رجال التراث السُنّي، فسأذكر:
من نخبة المفسّرين: الطبري، ثمّ الرازي، ثمّ السيوطي، ومن بعدهم عيال عليهم.
ومن نخبة المحدّثين: الدارمي، ثمّ مالك، ثمّ أحمد بن حنبل، ثمّ البخاري، ثمّ مسلم، ثمّ الترمذي، ثمّ أبا داود، ثمّ النسائي، ثمّ ابن ماجة، ومن بعدهم فعيال عليهم.
وحسبنا بذكر هؤلاء من أعيان رجال التراث السُنّي، وربّما تبعهم غيرهم.
وأعود أكرّر -- لغرض تثبيت الرأي والغرض عند القارئ -- أنّي لست متطاولاً على أحد من أولئك الأعلام، إلاّ أنّي أتناول ما ذكروه عن ابن عبّاس ممّا يتعلّق به وهو في الميزان، لأرى أيّ الكفّتين أولى بالرجحان، والله سبحانه وتعالى يقول: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ(1).
1) - سورة الرحمن/9.
تابعي احتلّ مكانة في التراث الشيعي، وفيها النقض والإبرام، فمن غلوّ وارتفاع وأنّ كتابه أبجد الشيعة، ومن تقصير (والكتاب موضوع لا مرية فيه)، وهكذا يبقى هو وكتابه على المحكّ.
وقد سبق أن أخذت بعض أخبار كتابه ممّا يتعلّق بابن عبّاس في الجزء الثامن من الموسوعة(1)، وليس أخذي منه يعني تصديقي لكلّ ما فيه، بل هو كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، وقد رأيت الشيخ المفيد (ت413ه-) أكثر اعتدالاً في تقييم (كتاب سليم)، حيث قال في أواخر (شرح اعتقادات الصدوق): (وأمّا ما تعلّق به أبو جعفر -- يعني الصدوق -- من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف برواية أبان بن أبي عياش، فالمعنى فيه صحيح، غير أنّ هذا الكتاب غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتدين أن يتجنب العمل بكلّ ما فيه، ولا يعوّل على جملته، والتقليد لروايته، ويفزع إلى العلماء فيما تضمّنه
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثامن، الفصل الثاني، المبحث الأوّل/ أحاديث مختارة عن ابن عبّاس.
من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد...).
أمّا الذي قال فيه قولاً شائناً، فهو: ابن الغضائري، الذي قال فيه: (والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات شافية تدلّ على ما ذكرنا، منها ما ذكر أنّ محمّد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت، ومنها أنّ الأئمّة ثلاثة عشر...).
وهذا الشاهد الذي ذكره ابن الغضائري حقّ لا مرية فيه، أمّا أنّا لولا أمانة النقل لما ذكرت خبر سليم عن ابن عبّاس وفيه وصف عمر بفرعون هذه الأُمّة، وهذا ما يأباه سلوك ابن عبّاس مع عمر الذي قد عاش معه صاحباً ومشيراً في السفر والحضر وسمع منه وأسمعه في محاوراته كلاماً جريئاً، ولكنّه لم يخرج عن حدود أدب الحوار بين الخصوم مع مراعاة حرمة السلطة بين الحاكم والمحكوم، لهذا لم أصدّق جميع ما في ذلك الخبر، وإنّما ذكرته بلفظه كنموذج لما نسب إلى ابن عبّاس، والله العالم.
ومن أراد معرفة المزيد من معرفة سليم وكتابه، فليرجع إلى (معجم رجال الحديث)(1)للسيّد الأُستاذ قدس سره.
وإلحاقاً بالمقام، نمرّ بذكر ما في كتب الأُصول الستّة عشر، وكتب: محاسن البرقي، وقرب الإسناد للحميري، مرورا عابراً على المحكّ:
لقد ورد ذكر ابن عبّاس في أربعة منها ستّ مرّات:
1- ففي كتاب أبي سعيد عبّاد العصفري: عن عمرو بن ثابت، عن أبي
1) - معجم رجال الحديث 8/218 -- 230، ط الآداب في النجف الأشرف.
إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: أمر أبو بكر خالد بن الوليد، فقال: إذا أنا سلّمت فاضرب عنق عليّ، قال: وبدا له فسلّم في نفسه ثمّ نادى يا خالد! لا تفعل ممّا أمرتك به من شيء، فالتفت عليّ إلى خالد لعنه الله، فقال: (يا خالد! أكنت فاعلاً؟) قال: نعم والله. قال: (أنت أضيق خلقة من ذاك)(1).
فهذا الخبر فيه فجوات تنبئ عن خلل في السند، وكذلك في المتن.
ف-(على المحكّ):
نجد الاختلاف في هوية صاحب الكتاب، فهل هو عبّاد بن يعقوب الرواجني المتّهم بالرفض عند أهل السُنّة، وبالعاميّة عند شيخ الطائفة الطوسي، والعلاّمة الحلّي من الشيعة؟
لذلك قال شيخ مشايخنا الميرزا النوري قدس سره: (ومن الغريب بعد ذلك رمي الشيخ والعلاّمة طاب ثراهما إيّاه بالتسنّن وأنّه عاميّ المذهب، مع أنّ علماءهم رموه بالرفض والتشيّع، فصار المسكين مطرود الطرفين، وغرض النصال في البين)(2).
مضافاً إلى جهالة أبي إسحاق، هل هو السبيعي الذي لم يوثّق، أو غيره؟ فهو على جهالته. هذا ما في السند.
وأمّا في المتن، فإنّ قول أبي بكر -- إن صحّ الخبر -- (يا خالد! لا تفعل ما أمرتك به من شيء)، ليس فيه تعيين المأمور به، فكيف التفت عليّ عليه السلام إلى
خالد لعنه الله، فقال: يا خالد أكنت فاعلاً؟ قال: نعم والله، قال: أنت أضيق خلقة؟
وهذا الخبر ذكره ابن أبي الحديد في (شرح النهج)، فقال: (الطعن الثاني عشر: قولهم أنّه تكلّم في الصلاة قبل التسليم. فقال: لا يفعلنّ خالد ما أمرته؟ قالوا: ولذلك جاز عند أبي حنيفة أن يخرج الإنسان من الصلاة بالكلام وغيره من مفسدات الصلاة من دون تسليم، وبهذا احتجّ أبو حنيفة.
والجواب: إنّ هذا من الأخبار التي تنفرد بها الإمامية ولم تثبت... وما يذكره في المقام من سبب كلام أبي بكر في الصلاة أمر بعيد، ولو كان أبو بكر يريد ذلك لأمر خالد أن يفعل ذلك الفعل بالشخص المعروف وهو نائم في بيته ولا يعلم أحد من الفاعل)(1).
أقول: وما ذكره ابن أبي الحديد إنّ هذا من الأخبار التي تنفرد بها الإمامية ولم تثبت، غير صحيح! فقد رواه السمعاني المتوفى سنة (562ه-) في (الأنساب)، فقال في ذكره: ((الرواجني) روى عنه جماعة من مشاهير الأئمّة مثل أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري، لأنّه لم يكن داعية إلى هواه، ورُوي عنه حديث أبي بكر(رض) أنّه قال: لا يفعل خالد ما أمر به (أمرته ظ)، سألت الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني بالكوفة عن معنى هذا الأثر؟ فقال: كان أمر خالد بن الوليد أن يقتل عليّاً، ثمّ ندم بعد ذلك فنهى عن ذلك)(2).
أقول: ويبدو من هذا أنّ الخبر كان معروفاً عند العلماء من غير الإمامية، ولم ينكر السمعاني تفسير الشريف، وهما -- السائل والمسؤول -- ليسا من الإمامية.
ولست بصدد تصحيح الخبر أو نفيه، ولكنّه فيه فجوات على المحكّ. وقد مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة ما يتعلّق بهذا(1)فراجع!
2- أيضاً من كتاب أبي سعيد عبّاد العصفري: وعن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: حدّثني جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أنّهم غزوا معه، فأحلّ لهم المتعة ولم يحرّمها. قال أبو جعفر عليه السلام: وكان عليّ يقول: (لولا ما سبقني ابن الخطّاب -- يعني عمر -- ما زنى إلاّ شقي)، ثمّ قال أبو جعفر عليه السلام: وكان ابن عبّاس يقول: لا جناح عليكم فيما استمتعم به منهنّ إذا آتيتموهن أجورهن، هؤلاء يكفرون بها اليوم، وهي حلال، وأحلّها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ولم يحرّمها.
(على المحكّ):
لقد مرّ في الحلقة الثالثة في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس) ما يتعلّق بهذا(2)، فلا مزيد من تعليق.
3- في كتاب جعفر بن محمّد بن شريح: قال: سمعت المعلّى، قال: أخبرنا محمّد بن زياد، عن ميمون، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أنّه كان إذا دخل عليه أناس من اليمن، قال: (مرحباً برهط شعيب وأحبار موسى).
(على المحكّ):
ليس في المتن ما يستدعي البحث عن رجال السند، وهذا الخبر لم
أقف عليه عاجلاً في غير هذا المصدر، وعنه رواه المجلسي في (البحار).
4- في كتاب محمّد بن المثنى بن القاسم الحضرمي:... قال: أبو عبد الله عليه السلام، فحدّثني ابن جريج وغيره من ثقيف: أنّ ابن عبّاس لمّا مات أخرج به، فخرج من تحت كفنه طير أبيض ينظرون إليه يطير نحو السماء حتّى غاب عنهم)، ثمّ قال: كان أبي يحبّه حبّاً شديداً، كان أبي وهو غلام تلبسه أُمّه ثيابه فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب، فأتاه يوماً فقال: من أنت؟ -- بعدما أصيب ببصره -- قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السلام، قال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك.
(على المحكّ):
الخبر يرجّح كفّة الحسنات في الميزان، وقد مرّ ذكره في الجزء الخامس من الموسوعة(1)فراجع!
5- في كتاب محمّد بن المثنى الحضرمي:... جعفر، عن ذريح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال ابن عبّاس: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ...(2)الآية؟ فقال أبو عبد الله: نحن الناس المحسودون.
(على المحكّ):
الخبر كسابقه.
6- في كتاب سلام بن أبي عمرة: سلام، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله عليه السلام: (صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: مرجئ، وقدري).
(على المحكّ):
ليس في الخبر ما يستدعي البحث سنداً ومتناً بعد أن وجدناه في مصادر أخرى بلفظ: (صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية)، أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح(1).
1- برقم (139): عنه، عن محمّد بن بكر، عن زكريا بن محمّد، عن عيسى بن سوادة، عن ابن المنكدر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال ابن عبّاس: ما ندمت على شيء ندمي على أن لم أحجّ ماشياً، لأنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من حجّ بيت الله ماشياً كتب له الله سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم)، قيل: يا رسول الله! وما حسنات الحرم؟ قال: (حسنة ألف ألف حسنة)، وقال: (فضل المشاة في الحجّ كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم)، وكان الحسين بن عليّ عليهما السلام يمشي إلى الحجّ ودابته تقاد وراءه(2).
2- برقم (502): عنه، عن محمّد بن علي، عن أحمد بن عمرو بن مسلم، عن الحسن بن إسماعيل الميثمي، عن يحيى بن ميمون البصري، عن رجل، عن مقسم مولى ابن عبّاس، قال: لمّا سيّر ابن الزبير عبد الله بن العبّاس إلى الطائف زاره محمّد بن عليّ بن الحنفية، قال: فبينا هو ذات يوم عنده، إذ جيء بالخوان للغداء، فجاءت جرادة ضخمة حتّى تقع على المائدة، فسمع
ابن عبّاس صوت وقعها، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمع؟ قالوا: جرادة سقطت على المائدة، قال: فمن تناولها؟ قالوا: مقسم، قال: يا مقسم! انشر جناحها فانظر ما ترى تحتها؟ قال: أرى نقطاً سوداء، فقال: صدقت، قال: فضرب بيده على فخذ محمّد بن عليّ، (وكان إلى جنبه)، فقال: هل عندكم في هذا شيء؟ فقال: حدّثني أبي، عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: أنّه ليس من جرادة إلاّ وتحت جناحها مكتوب بالسريانية: (إنّي أنا الله ربّ العالمين، قاصم الجبابرة، خلقت الجراد وجعلته جنداً من جنودي، أهلك به من شئت من خلقي)، قال: فتبسم ابن عبّاس، ثمّ قال: يابن عمّ! هذا والله من مكنون علمنا، فاحتفظ به(1).
3- برقم ( 708): عنه، عن السياري، عن عمرو بن إسحاق، قال: حدّثنا محمّد بن صالح، عن عبد الله بن زياد، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (السداب جيد لوجع الأذن)(2).
(على المحكّ):
لقد روى البرقي في المحاسن ثلاثة أخبار عن ابن عبّاس رضي الله عنه:
فأوّلها: ندمه إذ لم يحجّ ماشياً، مع الفضل الكبير لمن حجّ ماشياً، وهذا له في الحساب، بعد الغضّ عمّا في السند لجهالة زكريا بن محمّد وعيسى بن سوادة.
والثاني: حديث الجرادة، وسيأتي ذكره وما يتعلّق به عند الكلام على ما في (رجال الكشّي) من مؤاخذات، مع أنّ السند هنا في بعض رجاله جهالة، كأحمد بن عمرو بن مسلم، والحسن بن إسماعيل بن ميثم، ويحيى
ابن ميمون البصري، مضافاً إلى (رجل) لم يعرف اسمه، فضلاً عن حاله.
والثالث: كسابقه في جهالة بعض رواته، كالسياري، وعمرو بن إسحاق، ومحمّد بن صالح، وعبد الله بن زياد، ولم يعرف منهم إلاّ الضحّاك ابن مزاحم، وهذا أيضاً لم يسلم من القول فيه، وقد مرّ ذكره في الرواة عن ابن عبّاس رضي الله عنه في الحلقة الثانية من الموسوعة(1)فراجع!
لأبي العبّاس عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري، سمع منه أهل الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وقد جمع الأسانيد العالية إلى كلّ إمام في جزء، والموجود منه بعضه، وهو (قرب الإسناد) إلى الإمام الصادق عليه السلام، وإلى الرضا عليه السلام، وقد طبع مكرّراً في إيران، وفي النجف؛ راجع عنه الذريعة(2).
ولقد وردت فيه ثلاثة أحاديث عن ابن عبّاس، هي كما يلي:
1- برقم (331): محمّد بن عبد الحميد، وعبد الصمد بن محمّد جميعاً، عن حنان بن سدير، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: سألني عيسى بن موسى عن الغنم للأيتام، وعن الإبل المؤثلة، ما يحل منها؟ فقلت له: إنّ ابن عبّاس كان يقول: إذا لاط حوضها، وطلب ضالّتها، وهنأ جرباها، فله أن يصيب من لبنها من غير نهك لضرعها ولا فساد لنسل(3).
2- برقم (387): جعفر، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: انتدب رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم الناس ليلة بدر إلى الماء، فانتدب عليّ، فخرج وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة، فخرج بقربته، فلمّا كان إلى القليب لم يجد دلواً فنزل في الجب تلك الساعة، فملأ قربته ثمّ أقبل، فاستقبلته ريح شديدة، فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أخرى، فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أخرى، فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، فلمّا جاء، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما حبسك يا أبا الحسن؟) فقال: لقيت ريحاً، ثمّ ريحاً شديدة فأصابتني قشعريرة، فقال: (أتدري ما كان ذلك يا عليّ؟) فقال: لا، فقال: (ذلك جبرئيل في ألف من الملائكة وقد سلّم عليك وسلّموا، ثمّ مرّ ميكائيل في ألف من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا، ثمّ مرّ إسرافيل في ألف من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا)(1).
3- برقم (503): وعنه، عن جعفر، عن أبيه، عن ابن عبّاس، أنّهما قالا: النظر إلى الفرج عند الجماع يورث العمى(2).
(على المحكّ):
هذه الأخبار الثلاثة رواها الإمام الصادق عليه السلام عن ابن عبّاس رضي الله عنه، فأوّلها في جواب سؤال عيسى بن موسى، وهو من العبّاسيين، واحتمال صدور الجواب بروايته عن ابن عبّاس، كان للتقية، فإنّ الخبرين الآخرين ليسا كذلك، بل الأوّل منهما حكاية منقبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والثاني في آداب الجنس، فرواية الإمام الصادق عليه السلام لهما عن ابن عبّاس رضي الله عنه تدلّ على نحو توثيق وتصديق له. وهي موفّرة عليه في جانب الإطراء والثناء، إلاّ أنّ ابن عبّاس في الأوّل منهما مرسل، ومراسيل الصحابة لا تخلو من كلام.
هو أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ الصفّار القمّي المتوفى سنة (290ه-)، من أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ويكنّى بأبي جعفر الأعرج مولى عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله بن السائب بن مالك بن عامر الأشعري، ذكره الشيخ الطوسي في (الفهرست) وذكر كتبه، وقال: (أخبرنا بكتبه ورواياته ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفّار، إلاّ كتاب بصائر الدرجات فإنّه لم يروه عنه محمّد بن الحسن بن الوليد)(1)، ونحو هذا في رجال النجاشي.
وكتاب (بصائر الدرجات) لم يروه محمّد بن الحسن بن الوليد لما فيه من أخبار موهمة للغلوّ -- كما قيل -- والذي يعنينا في المقام ما ورد فيه ذكر ابن عبّاس، وهي ثلاثة موارد:
1- قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن جعفر ابن عمران الوشاء، عن أبي المقدام، عن ابن عبّاس، قال: كتب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كتاباً، فدفعه إلى أُمّ سلمة، فقال: (إذا أنا قبضت فقام رجل على هذه الأعواد -- يعني المنبر -- فأتاك يطلب هذا الكتاب فادفعيه إليه)، فقام أبو بكر ولم يأتها، وقام عمر ولم يأتها، وقام عثمان ولم يأتها، وقام عليّ عليه السلام فناداها في الباب؟ فقالت: ما حاجتك؟ فقال: الكتاب الذي دفعه إليك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. فقالت: وإنّك أنت صاحبه، فقالت: أما والله إن الذي كنت أحبّ أن
1) - الفهرست: 221.
يحبوك به، فأخرجته ففتحه، فنظر فيه، ثمّ قال: إنّ في هذا لعلماً جديداً.
(على المحكّ):
يكفي وجود أبي المقدام، الذي هو ثابت بن هرمز العجلي مولى بني عجل الكوفي الحدّاد، زيدي بتري، قال ابن داود في رجاله: (مهمل، وفيه غمز، ذكر لأجله في الضعفاء)(1)، وإعراض محمّد بن الحسن بن الوليد عنه وعدم روايته للكتاب يكفي في التحفظ على الأخذ منه.
2- قال: حدّثني الحسن بن علي بن عبد الله عن علي بن حسّان، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمّد بن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام بالناس يريد صفّين حتّى عبر الفرات، فكان قريباً من الجبل بصفّين إذ حضرت صلاة المغرب، فأمعن بعيداً ثمّ توضأ وأذّن، فلمّا فرغ من الأذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء بلحية بيضاء ووجه أبيض، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين عليه السلام ورحمة الله وبركاته، مرحباً بوصي خاتم النبيّين، وقائد الغرّ المحجلّين، والأعز المأثور، والفاضل والفايق بثواب الصديقين، وسيّد الوصيين. فقال: وعليك السلام يا أخي شمعون بن حمون وصيّ عيسى بن مريم روح القدس، كيف حالك...
ثمّ ذكر محاورة مفصّلة دارت بينهما، إلى أن قال: ودّعه شمعون بقوله: والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، والتأم الجبل، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى عسكره، فسأله عمّار بن ياسر، وابن عبّاس، ومالك الأشتر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص -- وذكر أسماء آخرين -- عن الرجل؟ فأخبرهم أنّه شمعون بن حمون وصيّ عيسى بن مريم، وسمعوا كلامهما فازدادوا بصيرة، ثمّ ذكر كلام عبادة بن الصامت، وأبي أيوب في التفاني في نصرته.
1) - رجال ابن داود الحلّي: 60، ط الحيدرية.
(على المحكّ):
ويكفي في ردّ الخبر وجود الراوي علي بن حسّان عن عمّه فإنّه كذّاب، وهو واقفي أيضاً، لم يدرك أبا الحسن موسى عليه السلام، كما في (جامع الرواة) نقلاً عن الكشّي.
ثمّ إنّ في الخبر مؤشّر على كذبه، هو: ذكر الجبل بصفّين! بينما موقع صفّين في سهل بين العراق والشام، وقد رسمت خارطة لأهم البلدان والمواضع التي ورد ذكرها في كتاب (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون الطبعة الأولى بالقاهرة سنة 1365ه-، فليس في صفّين من جبل، مضافاً إلى إعراض محمّد بن الحسن بن الوليد عن روايته كتاب (بصائر الدرجات)، فالخبر ساقط.
3- قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد، عمّن رواه، عن محمّد بن عبد الكريم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابن عبّاس: إنّ الله علّمنا منطق الطير كما علّمه سليمان بن داوود، ومنطق كلّ دابة في برّ أو بحر.
(على المحكّ):
يكفي جهالة (عمّن رواه) في ردّ الخبر سنداً، مضافاً إلى ما قيل في أبان ابن عثمان كان من الناووسية. وعن فخر المحقّقين، قال: سألت والدي عنه؟ فقال: الأقرب عدم قبول روايته، لقوله تعالى: إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ(1).
فهذا الصفّار، وهذه آثار ابن عبّاس في كتابه، وليس فيها ما يخدشه بشائبة، فهو في سلامة ممّا روى عنه الصفّار في كتابه فيه.
1) - سورة الحجرات/6.
أشهر من أن يذكر في سطور، وهو من مجدّدي المذهب في القرن الرابع، وقد كُتب عنه قديماً وحديثاً ما أغنى لمن ألقى السمع وهو شهيد.
والذي لا شكّ فيه عندي أنّ قداسة الموروث بدت ظاهرة في بعض تلكم الدراسات الحديثة، وهذا لا يمنع من الاعتراف بأنّ الكليني قد جمع في كتاب (الكافي) أكبر عدد ممّا وصلت إليه يده من أُصول المتقدّمين من أصحاب الأئمّة عليهم السلام، ولولا جمعه لضاعت أخبارها ونسيت آثارها، على أنّه بالرغم من طول المدّة التي استغرقت لتأليفه، حتّى قيل: إنّها عشرون سنة، لم يخل جمعه من بعض الهفوات، ولا يمنع هذا من الاعتراف بفضله دون غلوّ ولا تقصير، ولعلّ أبدع ما في كتابه، منهجيته التي أبدعها من الترتيب والتبويب، ويمكن عدّه رائداً فيها، وإلى القارئ صورة عنها نقلاً عن كتاب (أسانيد الكافي)(1):
عدد كتب الكافي:
يشتمل كتاب الكافي على خمسة وثلاثين كتاباً، كما يلي:
1) - أسانيد الكافي 1/56.
مجموع هذه الأبواب (2272) باباً، مضافاً إلى باب واحد جاء لا عنوان له ولا حديث، يتضمّن أبحاثاً لغوية(1)، فيكون (2273) باباً، كما جاء بعض المطالب بشأن ديّة الأعضاء في نسختنا غير مصدّرة بكلمة (باب)، وهي (21) فصلاً، قد جاءت في بعض النسخ من (الكافي) مصدّرة بكلمة (باب)(2)، يكون المجموع (2294) باباً.
هذه قائمة بالكتب التي جاءت في النسخة المتداولة من (الكافي).
إنّ أحاديث كتاب (الكافي) تمتاز على غيرها بأنّها أكثر إتقاناً من حيث الأسانيد، وأقوى من حيث المتن، وأشمل من حيث المواضيع، وفيها أحاديث لم توجد في سائر الكتب الحديثية المتداولة حالياً، ممّا سبق تأليفها على كتاب (الكافي).
ويشتمل كتاب (الكافي) على أحاديث بشأن الأُصول الاعتقادية، ويبحث عن قضايا تاريخية، وغيرها، ممّا لم نجده في بقية الكتب الأربعة.
وفي هذا الفصل إشارة سريعة إلى تنويع هذه الأحاديث وعددها.
قال المحقّق البحراني: (قال بعض مشايخنا المتأخّرين: أمّا الكافي فجميع أحاديثه حصرت في ستّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً.
والصحيح منها باصطلاح من تأخّر: خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً.
والحسن: مائة وأربعة وأربعون حديثاً.
والموثّق: مائة حديث وألف حديث وثمانية عشر حديثاً.
والقويّ منها: اثنان وثلاث مائة حديث.
والضعيف منها: أربع مائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثاً)(1).
وبعد جمع هذه الأعداد الخمسة يبلغ العدد (15901) خمسة عشر ألف وتسع مائة وواحد، فينقص (298) مئتين وثمانية وتسعين حديثاً.
ولا يعرف سبب ذلك، كما لم يذكر المعيار الذي تمّ على أساسه هذا التصنيف.
على أنّ أحاديث (الكافي) ليست على نمط واحد، فقد جاء جلّها مبدوء
1) - لؤلؤة البحرين: 394.
بشيوخ الكليني، أو ب-(عدّة من أصحابنا)، ويسير منها مبدوء ب-(بعض أصحابنا)، أو مرسلة لم تبدأ بشيوخ الكليني، وقد جاءت جلّ هذه المراسيل ذيل الأحاديث المرقّمة، وهي في النسخة المتداولة بلا ترقيم، كما جاء عدد كبير منها معلّقاً على سابقه، يجب فيها تحديد المعلّق عليه بالضبط، فهي ليست بمراسيل، بل مسندة.
قال الكليني: (أمّا بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح(1)أهل دهرنا على الجهالة وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم العلم وأهله، حتّى كاد العلم معهم أن يأرز(2)كلّه، وينقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله.
وسألت: هل يسع الناس المقام على الجهالة والتديّن بغير علم، إذا كانوا داخلين في الدين، مقرين بجميع أموره على جهة الاستحسان، والنشوء عليه(3)، والتقليد للآباء، والأسلاف والكبراء، والاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء وجليلها؛ فاعلم يا أخي رحمك الله! أنّ الله تبارك وتعالى خلق عباده خلقة منفصلة من البهائم في الفطن والعقول المركبة فيهم،
1) - قال المجلسي في قوله: من اصطلاح أهل دهرنا، أي: تصالحهم وتوافقهم، والتوازر: التعاون.
2) - قوله: أن يأرز، في بعض النسخ بتقدّم المعجمة على المهملة، وهو جاء بمعنى القوّة والضعف، والمراد هنا الثاني، والظاهر أنّه بتقديم المهملة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغيبة: فيأرز العلم كما تأرز الحيّة إلى حجرها، أي: ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها.
3) - قوله: والنشؤ عليه، بفتح النون على فعل، أو بالضم على فعول، قال الجوهري: نشأت في بني فلان نشوءاً إذا شببت فيهم، وفي بعض النسخ: (والنشق) بالقاف، قال الجوهري: نشق الظبي في الحبالة، أي: علقّ فيها، ورجل نشيق إذا كان ممّن يدخل في أمور لا يكاد يتخلّص منها، وفي بعضها: والسبق إليه، والأوّل أصوب.
محتملة للأمر والنهي(1)، وجعلهم جلّ ذكره صنفين: صنفاً منهم أهل الصحّة والسلامة، وصنفاً(2)منهم أهل الضرر والزمانة، فخصّ أهل الصحّة والسلامة بالأمر والنهي، بعد ما أكمل لهم آلة التكليف، ووضع التكليف عن أهل الزمانة والضرر، إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم، وجعل عزّ وجلّ سبب بقائهم أهل الصحّة والسلامة، وجعل بقاء أهل الصحّة والسلامة بالأدب والتعليم، فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحّة والسلامة لجاز وضع التكليف عنهم، وفي جواز ذلك بطلان الكتب والرسل والآداب، وفي رفع الكتب والرسل والآداب فساد التدبير، والرجوع إلى قول أهل الدهر، فوجب في عدل الله عزّ وجلّ وحكمته أن يخص(3)من خلق من خلقه خلقة
1) - قوله: على عقولهم، الضمير راجع إلى الأسلاف والكبراء، أو إلى أنفسهم، والأوّل أظهر. قوله: منفصلة، أي: متميزة، وقوله: والعقول، مجرور بالعطف على الفطن. وقوله: محتملة صفة بعد أخرى لقوله خلقه، أو حال عن العقول، ويحتمل أن تكون العقول مبتدأ ومحتمله خبره.
2) - قوله: صنفاً، بدل أو عطف بيان للمفعول الأوّل، وقوله: أهل الصحّة مفعول ثان. ويحتمل تقدير الفعل ثانياً، ثمّ إنّه يحتمل أن يكون المراد بالصنف الأوّل المكلّفين مطلقاً، وبالصنف الثاني غير المكلّفين أصلاً من الصبيان والمجانين، ويمكن أن يكون المراد بالأوّل من كان قابلاً لتحصيل المعارف والعلوم والكمالات، وبالثاني: الضعفاء العقول من المكلّفين الذين ليس لهم قوّة تحصيل العلوم والمعارف والتمييز التام بين الحقّ والباطل، واستنباط الأحكام من أدلّتها، وهذا أظهر، وإن كان بعض الفقرات الآتية يؤيّد الأوّل، فعلى الثاني المراد بالأمر والنهي: الأمر بتحصيل المعارف والأحكام، والنهي عن الاكتفاء بالتقليد كالعوام، وكذا المراد بوضع التكليف رفع التكليف بتحصيل العلم، وإن أمكن حمله في الثاني على رفع التكليف مطلقاً، إذ مع رفع العلم مطلقاً لا يتأتى التكليف أصلاً، وعلى الأوّل بطلان الكتب والرسل لأن الغرض الأصلي من البعثة تكميل النفوس القابلة.
3) - قوله: أن يخصّ، بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة والضاد المعجمة، بمعنى التحريص والترغيب، والأوّل أظهر، وقوله: بالأمر والنهي متعلّق بيخص، والسُدى بضم السين، وقد يفتح، وكلاهما للواحد والجمع بمعنى المهمل، وقوله: مهملين عطف بيان موضحة.
محتملة للأمر والنهي، بالأمر والنهي، لئلا يكونوا سدى مهملين، وليعظموه ويوحدوه، ويقرّوا له بالربوبية، وليعلموا أنّه خالقهم ورازقهم، إذ شواهد ربوبيته دالّة ظاهرة، وحججه نيّرة واضحة، وأعلامه لائحة تدعوهم إلى توحيد الله عزّ وجلّ، وتشهد على أنفسها لصانعها بالربوبية والإلهية، لما فيها من آثار صنعه، وعجائب تدبيره، فندبهم إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه ويجهلوا دينه وأحكامه، لأنّ الحكيم لا يبيح الجهل به، والإنكار لدينه، فقال جلّ ثناؤه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ(1)، وقال: بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ(2)، فكانوا محصورين بالأمر والنهي، مأمورين بقول الحقّ، غير مرخّص لهم في المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال(3)، والتفقّه في الدين، فقال: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ(4)،
1) - سورة الأعراف/169. قوله تعالى: ayebazمِّيثَاقُ الْكِتَابِayebaste، أي: الميثاق المأخوذ في الكتاب وهو التوراة، وقوله: ayebazأَن لاَّ يِقُولُواْayebaste عطف بيان للميثاق، أو متعلّق به، أي: بأن لا يقولوا، وقيل: المراد بالميثاق قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنّه لا يغفر ayebasteلهayebaz إلاّ بالتوبة، وحينئذ قوله: أن لا يقولوا مفعول له، أي: لئلا يقولوا.
2) - سورة يونس/39. قوله تعالى: ayebazبَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِayebaste، أقول: تتمة الآية: ayebazوَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُayebaste، والمعنى كما قيل: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يفقهوا ويتدبروا آياته، ويقفوا على تأويله ومعانيه.
3) - قوله: أمرهم بالسؤال، لمّا كان بمنزلة التعليل للسابق ترك العاطف.
4) - سورة التوبة/122. قوله تعالى: ayebazلِّيَتَفَقَّهُواْayebaste، الظاهر أنّ ضمير الجمع فيه وفي: ayebazوَلِيُنذِرُواْayebaste وفي ayebazرَجَعُواْayebaste راجع إلى الطائفة، فالمراد بالنفور الخروج للتفقّه، وقيل: المراد به النفور إلى الجهاد، أي: لولا نفر طائفة للجهاد ويبقى بعضهم للتفقّه لينذر ويعلم الباقون الساكنون، النافرين من بعد رجوع النافرين إليهم، فالضمير في: ayebazلِّيَتَفَقَّهُواْayebaste، وayebazلِيُنذِرُواْayebaste راجع إلى الفرقة، أي: بقيتهم، وفي: ayebazرَجَعُواْayebaste إلى القوم.
وقال: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1). فلو كان يسع أهل الصحّة والسلامة، المقام على الجهل، لما أمرهم بالسؤال، ولم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب والآداب، وكادوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم، ومنزلة أهل الضرر والزمانة، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين، فلمّا لم يجز بقاؤهم إلاّ بالأدب والتعليم، وجب أنّه لا بدّ لكلّ صحيح الخلقة، كامل الآلة من مؤدّب، ودليل، ومشير، وآمر، وناه، وأدب، وتعليم، وسؤال، ومسألة.
فالحقّ ما اقتبسه العاقل، والتمسه المتدبّر الفطن، وسعى له الموفّق المصيب، العلم بالدين، ومعرفة ما استعبد الله به خلقه من توحيده(2)، وشرائعه وأحكامه، وأمره ونهيه وزواجره وآدابه، إذ كانت الحجّة ثابتة، والتكليف لازماً، والعمر يسيراً، والتسويف غير مقبول، والشرط من الله جلّ ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدّوا جميع فرائضه بعلم ويقين(3)وبصيرة، ليكون المؤدّي لها محموداً عند ربّه، مستوجباً لثوابه، وعظيم جزائه، لأنّ الذي يؤدّي بغير علم وبصيرة، لا يدري ما يؤدّي، ولا يدري إلى من يؤدّي، وإذا كان جاهلاً لم يكن على ثقة ممّا أدّى، ولا مصدّقاً، لأنّ المصدّق لا
يكون مصدّقاً حتّى يكون عارفاً بما صدّق به من غير شكّ ولا شبهة، لأنّ الشاكّ لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرّب مثل ما يكون من العالم المستيقن، وقد قال الله عزّ وجلّ: إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(1)، فصارت الشهادة مقبولة لعلّة العلم بالشهادة، ولولا العلم بالشهادة، لم تكن الشهادة مقبولة، والأمر في الشاكّ المؤدّي بغير علم وبصيرة، إلى الله جلّ ذكره، إن شاء تطوّل عليه فقبل عمله، وإن شاء ردّ عليه، لأنّ الشرط عليه من الله أن يؤدّي المفروض بعلم وبصيرة ويقين، كيلا يكونوا ممّن وصفه الله، فقال تبارك وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(2)، لأنّه كان داخلاً فيه بغير علم ولا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين، وقد قال العالم عليه السلام(3): (من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه، ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه)، وقال عليه السلام: (من أخذ دينه من كتاب الله وسُنّة نبيّه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول(4)، ومن أخذ دينه من أفواه
1) - سورة الزخرف/86. قوله: بالشهادة، أي: الأمر المشهود به.
2) - سورة الحجّ/11. قوله تعالى: ayebazعلى حرفayebaste أي: على وجه واحد كأن يعبده على السرّاء لا الضرّاء، أو على شكّ، أو على غير طمأنينة، والحاصل أنّه لا يدخل في الدين متمكّناً مستقراً، وقال القاضي: أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرّ وإلاّ فرّ.
3) - قوله: وقد قال العالم، أي المعصوم: وتخصيصه بالكاظم عليه السلام غير معلوم.
4) - قوله: قبل أن يزول، الضمير المستتر إمّا راجع إلى الموصول، أو إلى الدين.
الرجال ردّته الرجال)، وقال عليه السلام: (من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب(1)الفتن).
ولهذه العلّة انبثقت(2)على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة، والمذاهب المستشنعة التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلّها، وذلك بتوفيق الله تعالى وخذلانه، فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتاً مستقرّاً، سبّب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسُنّة نبيّه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً -- نعوذ بالله منه -- سبّب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة، فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه، وإن شاء سلبه إياه، ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، لأنّه كلّما رأى كبيراً من الكبراء مال معه، وكلّما رأى شيئاً استحسن ظاهره قبله، وقد قال العالم عليه السلام: (إنّ الله عزّ وجلّ خلق النبيّين على النبوّة، فلا
1) - قوله: لم يتنكب، قال في القاموس: نكب عنه كنصر وفرح وفرح نكباً ونكّباً ونكوباً: عدل كنكّب وتنكّب.
2) - قول: انبثقت، يقال: بثق الماء بثوقاً: فتحه بأن خرق الشط، وانبثق هو: إذا جرى بنفسه من غير فجر، والبثق بالفتح والكسر الاسم، كذا في المغرب، والبثوق فاعل انبثقت، فإن كان المراد بالبثوق الشقوق، أي: المواضع المنخرقة، فالمراد بالانبثاق: التشقق، ولو حمل على الجريان فالإسناد مجازي، وكذا لو حمل البثوق على المعنى المصدري لا بدّ من ارتكاب تجوز في الإسناد، ويحتمل على بعد إرجاع الضمير انبثقت إلى الفتن، فيكون البثوق مفعولاً مطلقاً من غير بابه، وقيل: شبّه الأديان الفاسدة بالسيول، وأثبت لها البثوق، ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وفيه ما لا يخفى على المتأمّل، وسيأتي تحقيق معنى التوفيق والخذلان على وجه يوافق أُصول أهل العدل في كتاب الإيمان والكفر إن شاء الله تعالى.
يكونون إلاّ أنبياء، وخلق الأوصياء على الوصية، فلا يكونون إلاّ أوصياء، وأعار قوماً إيماناً فإن شاء تممه لهم، وإن شاء سلبهم إياه). قال: (وفيهم جرى قوله: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ(1)).
وذكرت أنّ أموراً قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنّك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممّن تثق بعلمه فيها، وقلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع ]فيه[ من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة(2)عن الصادقين عليهم السلام والسنن القائمة
1) - سورة الأنعام/98. قوله تعالى: ayebazفَمُسْتَقَرٌّayebaste، بفتح القاف وكسرها على اختلاف القراءة جار في النبيّ والوصي، فبالفتح اسم مفعول يعني: مثبت في الإيمان، أو اسم مكان يعني: له موضع استقرار وثبات فيه، وبالكسر اسم فاعل يعني: مستقر ثابت فيه، (ومستودع) بفتح الدال اسم مفعول، أو اسم مكان جار في المعار، وقال البيضاوي في قوله تعالى: ayebazوَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌayebaste: أي: فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، وقرء ابن كثير والبصريان بكسر القاف، على أنّه فاعل، والمستودع مفعول، أي: فمنكم قار ومنكم مستودع.
2) - قوله: بالآثار الصحيحة، استدلّ به الإخباريون على جواز العمل بجميع أخبار الكافي وكونها كلّها صحيحة وإنّ الصحّة عندهم غير الصحّة باصطلاح المتأخّرين، وزعموا أنّ حكمهم بالصحّة لا تقصر عن توثيق الشيخ أو النجاشي أو غيرهما رجال السند، بل ادّعى بعضهم أنّ الصحّة عندهم بمعنى التواتر، والكلام فيها طويل، وقد فصّلنا القول في ذلك في المجلّد الآخر من كتاب (بحار الأنوار) وخلاصة القول في ذلك. والحقّ عندي فيه: إنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأُصول المعتبرة ممّا يورث جواز العمل به، لكن لا بدّ من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض، فإنّ كون جميعها معتبراً لا ينافي كون بعضها أقوى، وأمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم عليه السلام لكونه في بلدة السفراء، فلا يخفى ما فيه على ذي لب، نعم عدم إنكار القائم وآبائه صلوات الله عليه وعليهم عليه وعلى أمثاله في تأليفاتهم ورواياتهم ممّا يورث الظنّ المتاخم للعلم بكونهم عليهم السلام راضين بفعلهم ومجوّزين للعمل بأخبارهم.
التي عليها العمل، وبها يؤدّي فرض الله عزّ وجلّ وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله ]تعالى[ بمعونته وتوفيقه(1)إخواننا وأهل ملّتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم.
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه(2)عن العلماء عليهم السلام برأيه، إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام: (اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه)، وقوله عليه السلام: (دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم)، وقوله عليه السلام: (خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه)، ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ أقلّه(3)
الأوّل: أنّه لمّا كان الاطّلاع عليها عسراً، والانتفاع بها نزراً، فينبغي تركها والأخذ بالتخيير، وهذا هو الظاهر من كلامه، فيرد عليه أنّ ذلك لا يصير سبباً لتركها فيما يمكن الرجوع إليها مع ورودها في الأخبار المعتبرة.
والثاني: أن يكون المراد أنّ الانتفاع بقاعدة التخيير أكثر، والانتفاع بغيرها أقلّ، ولا بدّ من العمل بها جميعاً في مواردها، وهذا صحيح لكنّه بعيد من العبارة، ويؤيّد الأوّل ترك المصنّف رحمه الله إيراد الأخبار المتعارضة، واختيار ما هو أقوى عنده وفيه ما فيه، ولذا وجّه بعض المعاصرين ذلك بأنّه إنّما فعل ذلك برخصة الإمام عليه السلام وقد عرفت ما فيه، وأمّا سند خبر التخيير وطريق الجمع بينه وبين مقبولة عمر بن حنظلة، فسيأتي بعض القول فيهما في باب اختلاف الحديث إن شاء الله تعالى، وتمام القول فيهما موكول إلى كتابنا الكبير.
، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم1) - قوله: بمعونته وتوفيقه، قيل: الضميران عائدان إلى السبب لا إلى الله تعالى، لخلوّ الجملة الوصفية عن العائد ويمكن تقدير العائد.
2) - قوله: ممّا اختلفت الرواية فيه، قيل، المراد بالروايات المختلفة التي لا يحتمل الحمل على معنى يرتفع به الاختلاف بملاحظة جميعها، وكون بعضها قرينة على المراد من البعض، لا التي يتراءى فيها الاختلاف في بادي الرأي، وطريق العمل في المختلفات الحقيقية كما ذكره بعد شهرتها واعتبارها العرض على كتاب الله والأخذ بموافقه دون مخالفه، ثمّ الأخذ بمخالف القوم، ثمّ الأخذ من باب التسليم بأيّها تيسر (انتهي).
3) - قوله: إلاّ أقلّه، أي: أقلّ ذلك الجميع، والمعنى: إنّا لا نعرف من أفراد التمييز الحاصل من جهة تلك القوانين المذكورة إلاّ الأقلّ، أو لا نعرف من جميع ذلك المذكور من القوانين الثلاثة إلاّ الأقلّ، والحاصل أنّ الاطّلاع على تلك الأمور والتوسّل بها في رفع الاختلاف بين الأخبار مشكل، إذ العرض على الكتاب موقوف على معرفته وفهمه، ودونه خرط القتاد، وأيضاً أكثر الأحكام لا يستنبط ظاهراً منه، وأمّا أقوال المخالفين فإنّ الاطّلاع عليها مشكل لأكثر المحصّلين ومع الاطّلاع عليها قلّ ما يوجد مسألة لم يختلفوا فيها، ومع اختلافهم لا يعرف ما يخالفهم إلاّ أن يعلم ما كان أشهر وأقوى عند القضاة والحكّام في زمان من صدر عنه الخبر عليه السلام، وهذا يتوقّف على تتبع تام لكتب المخالفين وأقوالهم، ولا يتيسر لكلّ أحد، وأمّا الأخذ بالمجمع عليه فإن كان المراد به ما أجمع على الإفتاء به كما فهمه أكثر المتأخّرين فالاطّلاع عليه متعسّر بل متعذّر، إلاّ أن يحمل على الشهرة فإنّها وإن لم تكن حجّة في نفسها يمكن كونها مرجّحة لبعض الأخبار المتعارضة، لكن يرد عليه أنّ الفتوى لم تكن شايعاً في تلك الأزمنة السالفة، بل كان مدارهم على نقل الأخبار وكانت تصانيفهم مقصورة على جمع الأخبار وروايتها وتدوينها، وإن كان المراد به الإجماع في النقل والرواية، وتكرّره في الأُصول المعتبرة كما هو الظاهر من دأبهم، فهذا أيضاً ممّا يعسر الاطّلاع عليه، ويتوقّف على تتبع كلّ الأُصول المعتبرة، فظهر أنّ ما ذكره رحمه الله من قلّة ما يعرف من ذلك حقّ، لكن كلامه يحتمل وجهين:
ذلك كلّه إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسّع من الأمر فيه، بقوله عليه السلام: (بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم).
وقد يسّر الله -- وله الحمد -- تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة، إذ
كانت واجبة لإخواننا وأهل ملّتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس منه، وعمل بما فيه في دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الرب عزّ وجلّ واحد، والرسول محمّد خاتم النبيّين -- صلوات الله وسلامه عليه وآله -- واحد، والشريعة واحدة، وحلال محمّد حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ووسّعنا قليلاً كتاب الحجّة وإن لم نكمله على استحقاقه، لأنّا كرهنا أن نبخس حظوظه كلّها.
وأرجو أن يسهّل الله عزّ وجلّ إمضاء ما قدّمنا من النيّة، إن تأخّر الأجل صنفّنا كتاباً أوسع وأكمل منه، نوفّيه حقوقه كلّها إن شاء الله تعالى، وبه الحول والقوّة، وإليه الرغبة في الزيادة في المعونة والتوفيق. والصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطاهرين الأخيار.
وأوّل ما أبدأ به وأفتتح به كتابي هذا: كتاب العقل، وفضائل العلم، وارتفاع درجة أهله، وعلوّ قدرهم، ونقص الجهل، وخساسة أهله، وسقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار وبه يحتجّ وله الثواب، وعليه العقاب، والله الموفّق)(1).
فتبيّن بعد هذا العرض الشامل للتعريف بالكليني وكتابه (الكافي) أنّهما كبقية أصحاب الجوامع وكتبهم لا يخلوان من عين لوّامة، والكمال لله سبحانه وتعالى وحده، والعصمة لأهلها.
فمّما قالوا عليه من مؤاخذات:
ما قيل في تأليفه طيلة عشرين سنة -- كما قال النجاشي في رجاله --
1) - الكافي، الجزء الأوّل (خطبة الكتاب).
وهذه فترة طويلة تقتضي عادة أن يعيد النظر في كتابه فيهذّبه ويشذّبه من بعض الزوائد غير المقبولة، حتّى لقد قال سيّدنا الأُستاذ في (معجم رجاله): (ثمّ إنّ في الكافي -- ولا سيما في الروضة -- روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم عليه السلام، ولا بدّ من ردّ علمها إليهم عليهم السلام، والتعرّض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب، لكنّنا نتعرّض لواحدة منها، ونحيل الباقي إلى الباحثين.
فقد روى محمّد بن يعقوب، بإسناده: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(1)، فرسول الله صلّى الله عليه وآله الذكر، وأهل بيته المسؤولون وهم أهل الذكر)(2).
أقول -- والقائل هو السيّد الأُستاذ طاب ثراه --: لو كان المراد بالذكر في الآية المباركة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فمن المخاطب؟ ومَن المراد من الضمير في قوله تعالى: لَّكَ وَلِقَوْمِكَ؟ وكيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام من المعصوم عليه السلام فضلاً عن دعوى القطع بصدوره؟!
وعلى الجملة: إنّ دعوى القطع بعدم صدور بعض روايات (الكافي) عن المعصوم عليه السلام -- ولو إجمالاً -- قريبة جدّاً، ومع ذلك كيف يصحّ دعوى العلم بصدور جميع رواياته عن المعصوم عليه السلام؟ بل ستعرف -- بعد ذلك -- أن روايات الكتب الأربعة ليست كلّها بصحيحة، فضلاً عن كونها قطعية الصدور)(3).
قلت: لمّا كان السيّد الأُستاذ قدس سره ذكر نموذجاً واحداً لا يسع التصديق بصدوره عن المعصوم عليه السلام، وأحال الباقي إلى الباحثين، فإنّي وإن لم أكن منهم، لكنّي أذكر نموذجاً آخر ممّا لا يمكن التصديق به، بل هو كذب صريح وقبيح!
وذلك ما رواه محمّد بن يعقوب في (الروضة) برقم (313)، كما في شرح المولى محمّد صالح المازندراني (ج12/303، ط المكتبة الإسلامية)، وبرقم (313) في (ج26/178 في مرآة العقول) للمولى محمّد باقر المجلسي (الأوّل)، ط دار الكتب الإسلامية، وبرقم (314) في (ج15/535) تحقيق قسم إحياء التراث مركز بحوث دار الحديث، والخبر بلفظ الأوّل:
(ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد بن معاوية، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنّ يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحجّ (؟!) فبعث إلى رجل من قريش فأتاه، فقال له يزيد: أتقّر لي أنّك عبد لي، إن شئت بعتك، وإن شئت استرقيتك؟ فقال له الرجل: والله يا يزيد! ما أنت بأكرم منّي في قريش حسباً، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام، وما أنت بأفضل منّي في الدين ولا بخير منّي، فكيف أقرّ لك بما سألت، فقال له يزيد: إن لم تقرّ لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن عليّ عليهما السلام ابن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأمر به فقتل.
(حديث عليّ بن الحسين عليهما السلام مع يزيد لعنه الله)
ثمّ أرسل إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام فقال له مثل مقالته للقرشي، فقال له: عليّ بن الحسين عليهما السلام، أرأيت إن لم أقرّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس، فقال له يزيد لعنه الله: بلى، فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: قد
أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك، وإن شئت فبع، فقال له يزيد لعنه الله: أولى لك، حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك). اه-
هذا هو الخبر الذي رواه الكليني في (الروضة) بسنده، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد بن معاوية، ورجال السند من الممدوحين وغير متهمين بالوضع، فمن أين أُتينا؟!
والخبر يستبطن كذبه! إذ لم يرد في أيّ كتاب من كتب التاريخ والسير والحديث، أنّ يزيد دخل المدينة وهو يريد الحجّ وذلك بعد شهادة الحسين عليه السلام، وإنّما الذي ورد أنّه أرسل مسلم بن عقبة على رأس جيش وأمره فاستباح المدينة ثلاثة أيّام، وتلك هي وقعة الحرّة التي قتل فيها الآلاف، وانتهكت فيها الأعراض و...و... وقام مسلم بن عقبة بأخذ البيعة ليزيد على أنّ من يبايع هو عبد قنّ ليزيد، ولم يسلم من تلك البيعة إلاّ الإمام زين العابدين عليه السلام الذي ذكر المؤرّخون أنّ مسلم بن عقبة لم يصبه بأذى.
فقد روى ابن سعد في (الطبقات الكبير)، قال: (أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، أنّه سأله عن يوم الحرّة: هل خرج فيها أحد من أهل بيتك؟ فقال: ما خرج فيها أحد من آل أبي طالب، ولا خرج فيها أحد من بني عبد المطّلب، لزموا بيوتهم، فلمّا قدم مُسرف وقتل الناس وسار إلى العقيق، سأل عن عليّ ابن الحسين أحاضر هو؟ فقيل له: نعم، فقال: ما لي لا أراه؟ فبلغ ذلك أبي، فجاءه ومعه أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمّد بن عليّ -- ابن الحنفية -- فلمّا رأى أبي رحّب به وأوسع له على سريره، ثمّ قال له: كيف كنت بعدي؟ قال: إنّي أحمد الله إليك، فقال مسرف: إنّ أمير المؤمنين أوصاني
بك خيراً، فقال أبي: وصل الله أمير المؤمنين. قال: ثمّ سألني عن أبي هاشم والحسن ابني محمّد، فقلت هما ابنا عمّي، فرحّب بهما وانصرفوا من عنده)(1).
أقول: فأين هذا ممّا رواه الكليني عن أبي جعفر عليه السلام؟ فهذا أيضاً من رواية أبي جعفر عليه السلام وهو أولى بالقبول.
ومن الغرابة بمكان أنّ الشارح المازندراني لم يعقّب على ما رواه الكليني في المقام بشيء!
لكنّ المرحوم الشيخ أبو الحسن الشعراني علّق في الهامش بقوله: (قوله: (وهو يريد الحجّ) ذكر العلماء الأُصوليون من علائم كذب الخبر عدم تواتر ما من شأنه أن يتواتر، ومثّلوا لذلك بخبر سقوط المؤذّن من المنارة يوم الجمعة في المسجد الجامع، إذا لم يتواتر، ووجود بلد عظيم بين بغداد وسرّ من رأى لم يره أحد، وسفر يزيد إلى الحجاز لم ينقله أحد، ولو كان حقّاً لتواتر، واستوجه العلاّمة المجلسي بسهو الراوي واشتباه يزيد بمسلم بن عقبة، وهو خلاف عبارة الرواية، فإنّ مسلم بن عقبة لم يكن قرشياً، والظاهر سراية السهو إلى المتن أيضاً، والصحيح ما في مروج الذهب: أنّ مسلم بن عقبة لمّا نظر إلى عليّ بن الحسين عليه السلام سقط في يديه وقام واعتذر منه وأرجعه بتكريم، وقيل له: رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه، فلمّا أتي به إليك رفعت منزلته، فقال: ما كان ذلك لرأي منّي لقد ملئ قلبي منه رعباً (ش)).
1) - الطبقات 7/213، ط الخانجي، تح الدكتور علي محمّد عمر.
والذي أشار إليه الشيخ الشعراني من رأي المجلسي، هو ما جاء في شرح الحديث في (مرآة العقول).
قال المجلسي رحمه الله: (الحديث الثالث عشر والثلثماية: حسن.
قوله عليه السلام (دخل المدينة وهو يريد الحجّ) هذا غريب، إذ المعروف بين أهل السير إنّ هذا الملعون بعد الخلافة لم يأت المدينة، بل لم يخرج من الشام، حتّى مات، ودخل النار، ولعلّ هذا كان من مسلم بن عقبة، وإلى هذا الملعون حيث بعثه لقتل أهل المدينة، فجرى منه في قتلى الحرّة ما جرى، وقد نقل أنّه أجرى بينه وبين علي بن الحسين، قريب من ذلك، فاشتبه على الرواة)(1). انتهى ما قاله المجلسي الأوّل في (مرآة العقول).
لكنّ ابنه المجلسي الثاني في (البحار) في تاريخ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، في باب أحوال أهل زمانه من الخلفاء وغيرهم، ذكر الخبر وتعقّبه بقوله: (ثمّ اعلم أنّ في هذا الخبر إشكالاً، وهو أنّ المعروف في السير أنّ هذا الملعون لم يأت المدينة بعد الخلافة، بل لم يخرج من الشام حتّى مات ودخل النار، فنقول مع عدم الاعتماد على السير، لا سيما مع معارضة الخبر يمكن أن يكون اشتبه على بعض الرواة، وكان في الخبر أنّه جرى ذلك بينه عليه السلام وبين من أرسله الملعون لأخذ البيعة وهو مسلم بن عقبة، كما مرّ.
قال ابن الأثير في (الكامل)(2): لمّا سيّر يزيد مسلم بن عقبة، قال: فإذا
ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً بما فيها من مال أو دابة أو سلاح فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر عليّ بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً، فإنّه لم يدخل مع الناس، وقد أتاني كتابه، وقد كان مروان بن الحكم كلّم ابن عمر لمّا أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أُميّة في أن يغيّب أهله عنده، فلم يفعل، فكلّم عليّ بن الحسين، وقال: أنّ لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك، فقال: أفعل، فبعث إليه بامرأته وهي عائشة بنت عثمان بن عفّان وحرمه إلى عليّ بن الحسين، فخرج عليّ بحرمه وحرم مروان إلى ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله إلى الطائف.
ولمّا ظفر مسلم بن عقبة على المدينة واستباحهم دعا الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول له، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع عن ذلك قتله، فقتل لذلك جماعة، ثمّ أتى مروان بعليّ بن الحسين فجاء يمشي بين مروان وابنه عبد الملك، حتّى جلس بينهما عنده، فدعا مروان بشراب ليتحرّم بذلك، فشرب منه يسيراً ثمّ ناوله عليّ بن الحسين، فلمّا وقع في يده، قال مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعد كفّه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح، فقال: جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؟ والله لو كان إليهما لقتلتك، ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبرني أنّك كاتبته، فإن شئت فاشرب، فشرب، ثمّ أجلسه معه على السرير، ثمّ قال: لعلّ أهلك فزعوا؟ قال: أي والله، فأمر بدابته فأسرجت له، ثمّ حمله عليها فردّه، ولم يلزمه البيعة ليزيد على ما شرط على أهل المدينة)(1). اه-
1) - بحار الأنوار 46/138، ط الإسلامية بتحقيقي.
ومع هذا، فالذي ذكره المجلسي رحمه الله لم يرفع إصر المؤاخذة عن صاحب المصدر الأوّل -- وهو الشيخ الكليني -- كيف ذكر مثل هذا الخبر وهو خرّيت الصناعة؟! لكنّ للجواد كبوة، وللسيف نبوة، والعصمة لأهلها.
ولا ينقضي العجب أيضاً من الشيخ الحرّ صاحب (الوسائل)، حيث ذكر الخبر فيها في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في باب (35) جواز إقرار الحرّ بالرقيّة مع التقيّة وإن كان سيّداً(1). فذكر الخبر، ولم يذكر معه غيره في الباب، وكأنّه ارتضاه، فعقد له باباً خاصّة ورواه، ولم يعقّبه بشيء سوى قوله: (هذا في الروضة) كما ذكر في الهامش.
وأعجب من هذا وذاك! أنّ اللّجنة التي تولّت التحقيق لم تعلّق على الخبر بشيء مع وضوح كذبه، فذكرت تخريجه في الهامش من (الكافي في 8/234/313، وعلّق المصنّف عليه بقوله: (هذا في الروضة) بخطّه)، واكتفت بهذا فقط! أعاذنا الله من الشطط والغلط.
فهذا النموذج الواحد أيضاً ممّا لا يسع الباحث الإغماض عنه بحجّة (ردّوا علمه إليهم عليهم السلام)، ومع هذا تجد الخبر مبثوثاً في بعض جوامع الحديث من دون تعقيب، كما مرّ عن (الوسائل)، واعطف عليها (جامع أحاديث الشيعة)، الذي كتب عليه: (ألّف تحت إشراف سيّدنا ومولانا فقيد الإسلام المحقّق العلاّمة الإمام آية الله العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي (أعلى الله مقامه الشريف)، تأليف الحاج شيخ إسماعيل المعزي الملايري).
إنّها بلية الموروث المقدّس..
1) - وسائل الشيعة 16/53، ط مؤسسة آل البيت.
وللعلاّمة الشيخ محمّد آصف محسني كبوة أيضاً، حيث أشار إليه، فقال في كتابه (الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة): ( 7- ما ورد في إقرار الحرّ بالرقيّة -- المذكورة برقم 1، معتبرة سنداً، فإنّ الراوي الأوّل ليس هو يزيد بن معاوية، كما في الكتاب (جامع الأحاديث) فإنّه من غلط الطابع أو الكاتب، بل هو بريد بن معاوية، كما في نفس المصدر، وهو الكافي، نعم متنها مخالف للواقعية التاريخية جزماً، فيرجع الاشتباه في نقل الواقعة إلى أحد الرواة)(1).
وقد تعقبته بقولي: ويبقى الشيخ الكليني نفسه مورداً للاشتباه أكثر من الباقين، لأنّه هو الذي ذكر الخبر في كتابه مع استبطان الخبر لكذبه، فما يجدي اعتبار السند مع وضوح كذب المتن؟!
والآن فالذي ينبغي أن يقال في صحّة روايات (الكافي)، هو: ما قاله سيّدنا الأُستاذ المغفور له المحقّق السيّد الخوئي قدس سره، فهو من غير تطرّف لا في الغلوّ ولا في التقصير، بل هو الوسطية المعتدلة، فقد قال رحمه الله تعالى في (معجم رجاله):
(نظرة في روايات الكتب الأربعة:
إنّ إبطال ما قيل من أنّ روايات الكتب الأربعة كلّها صحيحة يقع في فصول ثلاثة:
الفصل الأوّل:
النظر في صحّة روايات الكافي:
1) - الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة: 316.
وقد ذكر غير واحد من الأعلام أنّ روايات الكافي كلّها صحيحة ولا مجال لرمي شيء منها بضعف سندها.
وسمعت شيخنا الأُستاذ الشيخ محمّد حسين النائيني قدس سره في مجلس بحثه يقول: (إنّ المناقشة في إسناد روايات الكافي حرفة العاجز). وقد استدلّ غير واحد على هذا القول بما ذكره محمّد بن يعقوب في خطبة كتابه:
(أمّا بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوت... وذكرت أنّ أموراً قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنّك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممّن تثق بعلمه فيها، وقلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع (فيه) من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدّى فرض الله عزّ وجلّ وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله (تعالى) بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملّتنا، ويقبل بهم إلى مراشدهم.. وقد يسّر الله -- وله الحمد -- تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملّتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس منه، وعمل بما فيه في دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الربّ عزّ وجلّ واحد، والرسول محمّد خاتم النبيّين صلوات الله وسلامه عليه وآله واحد، والشريعة واحدة، وحلال محمّد
حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ووسّعنا قليلاً كتاب الحجّة وإن لم نكمله على استحقاقه؛ لأنّا كرهنا أن نبخس حظوظه كلّها).
ووجه الاستدلال:
إنّ السائل إنّما سأل محمّد بن يعقوب تأليف كتاب جامع لفنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، ومحمّد بن يعقوب قد لبّى دعوته فألّف له كتاب الكافي.
والظاهر أنّه كتب الخطبة بعد إتمام الكتاب، وقال: وقد يسّر الله تأليف ما سألت، فهذه شهادة من محمّد بن يعقوب بأنّ جميع ما ألّفه في كتابه من الآثار الصحيحة عن الصادقين سلام الله عليهم.
أقول: أمّا ما ذكر من أنّ الظاهر أنّ الخطبة قد كتبها محمّد بن يعقوب بعد تأليف كتاب الكافي فغير بعيد، بل هو مقطوع به في الجملة، لقوله: (ووسّعنا قليلاً كتاب الحجّة...).
وأمّا ما ذكر من شهادة محمّد بن يعقوب بصحّة جميع روايات كتابه وأنّها من الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، فيردّه:
أوّلاً: أنّ السائل إنّما سأل محمّد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين سلام الله عليهم، ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، أو ما صحّ عن غير الصادقين عليهم السلام، ومحمّد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتاباً مشتملا على الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم عليهم السلام، أو الصحيحة عن غيرهم أيضاً استطراداً وتتميماً للفائدة، إذ لعلّ الناظر يستنبط صحّة رواية لم تصحّ عند المؤلّف، أو لم تثبت صحّتها.
ويشهد على ما ذكرناه: أنّ محمّد بن يعقوب روى كثيراً في الكافي عن غير المعصومين أيضاً، ولا بأس أن نذكر بعضها:
1- ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن هشام ابن الحكم، قال: (الأشياء لا تدرك إلاّ بأمرين...)(1).
2- ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي، قال: (بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل...)(2)، ورواه أيضاً عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد(3).
3- ما رواه بسنده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين عليه السلام ارتج الموضع بالبكاء)(4).
4- ما رواه بسنده عن إدريس بن عبد الله الأودي، قال: (لمّا قتل الحسين عليه السلام، أراد القوم أن يوطئوه الخيل)(5).
5- ما رواه بسنده عن الفضيل، قال: (صنايع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبّة)(6).
6- وما رواه بسنده عن ابن مسكان، عن أبي حمزة، قال: (المؤمن
1) - الكافي: ج1 الكتاب 3، باب إبطال الرؤية 9، الحديث 12.
2) - الكافي: ج1، الكتاب4، باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى عليه السلام 70، الحديث13.
3) - الكافي: ج1، الكتاب4، باب الإشارة النص على أبي الحسن موسى عليه السلام، الحديث14.
4) - الكافي: ج1، الكتاب4، باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه112، الحديث4.
5) - الكافي: ج1، الكتاب2، باب مولد الحسين بن عليّ عليهما السلام115، الحديث8.
6) - الكافي: ج2، الكتاب1، باب حسن البشر50، الحديث5.
خلط عمله بالحلم...)(1).
7- ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله، قال: (رأيت يحيى بن أُمّ الطويل وقف بالكناسة...)(2).
8- ما رواه بسنده عن إسحاق بن عمار، قال: (ليست التعزية إلاّ عند القبر...)(3).
9- ما رواه بسنده عن يونس، قال: (كلّ زنا سفاح، وليس كلّ سفاح زنا...)، وهو حديث طويل عقد محمّد بن يعقوب له باباً مستقلاً(4)، وأيضاً روى بسنده عن يونس، قال: (العلّة في وضع السهام على ستّة لا أقلّ ولا أكثر)، وأيضاً قال: (إنّما جعلت المواريث من ستّة أسهم...)(5). وقد جعل لهما أيضاً محمّد بن يعقوب باباً مستقلاً.
10- ما رواه بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: (أخذني العبّاس بن موسى...)(6).
11- ما رواه عن كتاب أبي نعيم الطحان، رواه عن شريك، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن زيد بن ثابت، أنّه قال:
1) - الكافي: ج2، الكتاب1، باب الحلم55، الحديث2.
2) - الكافي: ج2، الكتاب1، باب مجالسة أهل المعاصي163، الحديث16.
3) - الكافي: ج2، الكتاب3، باب التعزية وما يجب على صاحب المصيبة 70، الحديث3.
4) - الكافي: ج5، الكتاب 3، باب تفسير ما يحل من النكاح وما يحرم 191، الحديث 1.
5) - الكافي: ج 7، الكتاب 2، باب العلة في أنّ السهام لا تكون أكثر من ستّة 11، الحديث 1، 2.
6) - الكافي: ج6، الكتاب 6، باب الأشنان والسعد 134، الحديث 5.
(من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء)(1).
12- ما رواه بسنده عن إسماعيل بن جعفر، قال: (اختصم رجلان إلى داود عليه السلام في بقرة...)(2).
وثانياً: لو سلّم أنّ محمّد بن يعقوب شهد بصحّة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنّه إن أراد بذلك أنّ روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجّية فهو مقطوع البطلان، لأنّ فيها مرسلات، وفيها روايات في أسنادها مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري وأمثاله.
وإن أراد بذلك أنّ تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجّة، إلاّ أنّه دلّت القرائن الخارجية على صحّتها ولزوم الاعتماد عليها، فهو أمر ممكن في نفسه، لكنّه لا يسعنا تصديقه، وترتيب آثار الصحّة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجّية، فإنّها كثيرة جدّاً.
ومن البعيد جدّاً وجود أمارة الصدق في جميع هذه الموارد، مضافاً إلى أنّ إخبار محمّد بن يعقوب بصحّة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكون شهادة، وإنّما هو اجتهاد استنبطه ممّا اعتقد أنّه قرينة على الصدق. ومن الممكن أنّ ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظنّ بالصدق أيضاً، فضلاً عن اليقين.
وثالثاً: أنّه يوجد في الكافي روايات شاذّة لو لم ندّع القطع بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام فلا شكّ في الاطمئنان به. ومع ذلك كيف تصحّ
دعوى القطع بصحّة جميع روايات الكافي، وأنّها صدرت من المعصومين عليهم السلام.
وممّا يؤكّد ما ذكرناه من أنّ جميع روايات الكافي ليست بصحيحة: أنّ الشيخ الصدوق قدس سره لم يكن يعتقد صحّة جميع ما في الكافي(1)، وكذلك شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد على ما تقدّم من أنّ الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف(2).
والمتحصّل أنّه لم تثبت صحّة جميع روايات الكافي، بل لا شكّ في أنّ بعضها ضعيفة، بل إنّ بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام. والله أعلم ببواطن الأمور)(3).
أقول: ويؤكّد صحّة ما قاله سيّدنا المغفور له ما سيأتي من نموذج آخر ممّا لا يصحّ التصديق به وقد أربك شرّاح كتابه.
فإلى ما جاء في (مرآة العقول):
(372-(4)
قوله: (تعرّض) أي: أراد الفجور معها ومراودتها.
قوله: (فقالت له) أي: للعقيلي مولاها.
قوله: (فشدّ عليه) أي: حمل عليه، وقد كان كمن له في الدهليز.
قوله: (فلقيته) أي: قال سماعة: ذهبت إليه عليه السلام وأخبرته بالواقعة.
قوله: (فسطر) بالسين المهملة، أي: زخرف لها الكلام وخدعها.
قال الجزري: سطَّر فلان على فلان، إذا زخرف له الأقاويل ونمّقها، وتلك الأقاويل الأساطير والسطر (النهاية 2/365)، وفي بعض النسخ بالشين المعجمة.
قال الفيروز آبادي: يقال شطر شطره، أي: قصد قصده (القاموس 2/60 (الشطر).
قوله: (على ملك الدومة) أي: دومة الجندل، وهي بالضم حصن بين المدينة وبين الشام، ومنهم من يفتح الدال.
قوله: (تحمل عليه ببطون قريش) أي: كلّفهم الشفاعة عند الزبير ليدفع إليه الخطّاب، ثمّ إنّه لمّا يئس من تأثير شفاعة قريش عنده ذهب إلى عبد المطلب ليتحمل على زبير بعبد المطلب مضافاً إلى بطون قريش، فقال عبد المطلب لنفيل: ما بيني وبينه عمل، أي: معاملة وألفة، أما علمتم أنّه يعني زبيراً ما فعل بي في ابني فلان، وأشار بذلك إلى ما سيأتي من قصّة العبّاس في آخر الخبر، وقال: (ولكن امضوا أنتم) يعني: نفيلاً مع بطون قريش إلى الزبير.
قوله: (أن لا يتصدّر) أي: لا يجلس في صدر المجلس.
قوله: (ولا يضرب معنا بسهم) أي: لا يشترك معنا في قسمة شيء، لا ميراث ولا غيره.
قوله عليه السلام: (بل الولاء لي) يدلّ على أنّه يرث الولاء أولاد البنت، وأنّهم لا يقدّمون على أولاد العمّ، ويحتمل أن يكون لخصوص الواقعة مدخل في الحكم للولاية العامّة، أو الإمامة وقد مرّ الكلام فيه، وذكرنا الاختلافات الواقعة فيه في كتاب المواريث.
قوله عليه السلام: (فقد كان حظّ أبيك) أي: جدّك عبد الله بن العبّاس. (فيه الأوفر) أي: أخذ حظاً وافراً من غنائم تلك الغزوة، وكان من شركائنا وأعوانه عليه السلام عليها.
قوله عليه السلام: (ثم فرّ بخيانته) إشارة إلى خيانة عبد الله في بيت مال البصرة، كما رواه الكشّي بإسناده عن الزهري: قال: سمعت الحرث (في المصدر: الحارث) يقول: استعمل عليّ عليه السلام على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة، ولحق بمكّة وترك عليّاً عليه السلام، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك، فبكى، فقال: هذا ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، اللّهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول. (اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) 1/27، ط مؤسسة آل البيت، قم).
وقد روى رواية أخرى عن الشعبي (اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) 1/27، ط مؤسسة آل البيت، قم) فيها طول تشتمل على مراسلاته عليه السلام في ذلك، وما أجاب ابن عبّاس عنها، وهي تشتمل على قدح عظيم فيه، والأخبار الدالّة إلى ذمّه كثيرة.
قوله عليه السلام: (لأطوقنك غداً طوق الحمامة) أي: طوقاً لازماً لا يفارقك عاره وشناره، كما لا يفارق عنق الحمامة طوقها.
قوله عليه السلام: (أما إنّه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حقّ) أي: وإلاّ ادّعيت بعرة ذلك الوادي وأخذتها ولم تتركها، ويحتمل أن يكون اسماً لواد كان بينه عليه السلام وبينه فيه أيضاً منازعة، فأجاب عليه السلام عن سفهه بكلام حقّ مفيد في الحجاج.
قوله عليه السلام: (فأولدها فلاناً) يعني: العبّاس.
قال الحرث بن سعيد التغلبي في قصيدته الميمية التي مدح بها أهل البيت عليهم السلام يخاطب بني العبّاس في جملة أبيات:
ولا نثيلتكم من أُمّهم أمم *** ولا لجدّكم مسعاة جدّهم
وأُمّ الزبير وعبد الله وأبي طالب كانت فاطمة بنت عمرو بن مخزوم، وكانت شريفة في قومها، وقيل: كانت نثيلة بنت كليب بن مالك بن حباب، وكان تعان في الجاهلية.
قوله عليه السلام: (فأخذها عبد المطلب) الظاهر أنّه كان أخذها برضا مولاتها، وكان نزاع الزبير معه على سبيل الجهل، لأنّ جلالة عبد المطلب تمنع أن ينسب إليه غير ذلك.
قوله: (فتحمل عليه) أي: عبد المطلب على الزبير.
الحرث بن سعيد التغلبي: هو الشاعر أبو فراس الحمداني الذي قيل فيه: فارس ميدان العقل والفراسة والشجاعة والرياسة، الذي قال فيه الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني: امرء القيس وأبا فراس، والبيت من قصيدته المعروفة بالشافية، وقد شرحها بعض الفضلاء من أهل الحائر شرحاً جيّداً. (الكنى والألقاب 1/134، ط الحيدرية).
عنه، عن أحمد، عن زرعة، عن سماعة، قال: تعرّض رجلمن ولد عمر بن الخطّاب بجارية رجل عقيلي، فقالت له: إنّ هذا العمري قد آذاني، فقال لها: عديه وأدخليه الدهليز، فأدخلته فشدّ عليه فقتله وألقاه في الطريق، فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصاحبنا كفوٌ لن
نقتل به إلاّ جعفر بن محمّد وما قتل صاحبنا غيره، وكان أبو عبد الله عليه السلام قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه، فقال: دعهم، قال: فلمّا جاء ورأوه وثبوا عليه وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك وما نقتل به أحداً غيرك، فقال: ليكلّمني منكم جماعة، فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم فأدخلهم المسجد فخرجوا وهم يقولون: شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمّد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به انصرفوا.
قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم؟ قال: نعم دعوتهم فقلت: أمسكوا وإلاّ أخرجت الصحيفة، فقلت: وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟ فقال: إنّ أُمّ الخطّاب كانت أًمة للزبير ابن عبد المطّلب فسطر بها نفيل فأحبلها، فطلبه الزبير فخرج هارباً إلى الطائف، فخرج الزبير خلفه، فبصرت به ثقيف، فقالوا: يا أبا عبد الله! ما تعمل ههنا؟ قال: جاريتي سطر بها نفيلكم فهرب منه إلى الشام، وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام فدخل على ملك الدومة، فقال له: يا أبا عبد الله! لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك أيّها الملك؟ فقال: رجل من أهلك قد أخذت ولده فأحبّ أن تردّه عليه، قال: ليظهر لي حتّى أعرفه، فلمّا أن كان من الغد دخل على الملك، فلمّا رآه الملك ضحك: فقال: ما يضحكك أيّها الملك؟ قال: ما أظنّ هذا الرجل ولدته عربية لما رآك قد دخلت لم يملك أسته أن جعل يضرط، فقال: أيّها الملك إذا صرت إلى مكّة قضيت حاجتك، فلمّا قدم الزبير، تحمّل عليه ببطون قريش كلّها أن يدفع إليه ابنه فأبى، ثمّ تحمّل عليه بعبد المطّلب، فقال: ما بيني وبينه عمل، أما علمتم ما فعل في ابني فلان، ولكن امضوا أنتم إليه، فقصدوه وكلّموه فقال لهم الزبير:
إنّ الشيطان له دولة وإنّ ابن هذا ابن الشيطان، ولست آمن أن يترأس علينا ولكن أدخلوه من باب المسجد عليَّ على أن أحمي له حديدة وأخطّ في وجهه خطوطاً، وأكتب عليه وعلى ابنه ألاّ يتصدّر في مجلس ولا يتأمر على أولادنا ولا يضرب معنا بسهم، قال: ففعلوا وخطّ وجهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب، وذلك الكتاب عندنا، فقلت لهم: إن أمسكتم وإلاّ أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم فامسكوا.
وتوفّي مولى لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لم يخلّف وارثاً فخاصم فيه ولد العبّاس أبا عبد الله عليه السلام وكان هشام بن عبد الملك قد حجّ في تلك السنة فجلس لهم فقال داود بن علي: الولاء لنا، وقال أبو عبد الله عليه السلام: بل الولاء لي، فقال داود ابن علي: إنّ أباك قاتل معاوية، فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظّ أبيك فيه الأوفر، ثمّ فرّ بخيانته، وقال: والله لأطوقنك غداً طوق الحمامة، فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون عليَّ من بعرة في وادي الأزرق، فقال: أما إنّه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حقّ، قال: فقال هشام: إذا كان غداً جلست لكم، فلمّا أن كان من الغد خرج أبو عبد الله عليه السلام ومعه كتاب في كرباسة وجلس لهم هشام، فوضع أبو عبد الله عليه السلام الكتاب بين يديه، فلمّا أن قرأه، قال: ادعوا لي جندل الخزاعي، وعكاشة الضمري، وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية، فرمى بالكتاب إليهما، فقال: تعرفان هذه الخطوط؟ قالا: نعم، هذا خطّ العاص بن أُميّة، وهذا خطّ فلان وفلان لفلان من قريش، وهذا خطّ حرب بن أُميّة، فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم؟ فقال: نعم، قال: فقد قضيت بالولاء لك، قال: فخرج وهو يقول:
وكانت النعل لها حاضرة *** إن عادت العقرب عدنا لها
قال: فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك؟ قال: فإنّ نثيلة كانت أمة لأُمّ الزبير ولأبي طالب وعبد الله، فأخذها عبد المطّلب فأولدها فلاناً، فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من أُمّنا وابنك هذا عبد لنا، فتحمل عليه ببطون قريش، قال: فقال: قد أجبتك على خلّة على أن لا يتصدّر ابنك هذا في مجلس، ولا يضرب معنا بسهم، فكتب عليه كتاباً وأشهد عليه، فهو هذا الكتاب)(1).
النموذج الثاني:
أقول: ومن الغريب في المقام أنّ المرحوم المجلسي الثاني قد كرّر رواية هذا الخبر في موسوعته (البحار) ثلاث مرّات، فذكره في ج22/268 في تاريخ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، في باب أحوال عشائره وأقربائه برقم (12) نقلاً عن الكافي، وعاد فذكره في ج31 ص206 في باب 24، ثمّ ذكره ثالثة في ج47باب 33 في تاريخ الإمام جعفر الصادق عليه السلام، باب أحوال أصحابه وأهل زمانه عليه السلام، وفي جميع تلك الأماكن نقل الخبر عن (الكافي)، ولم يعلّق عليه بما يشينه، وكأنّه يرى صحّته، كما لم يردّ عليه من محقّقي المكانين الأوّلين ما يشعر بانتباههم لما في الخبر من فجوات دالّة على كذبه.
غير أنّي لمّا كنت قد حقّقت بعض أجزاء البحار، وكان منها الجزء (47) الذي ورد فيه الخبر للمرّة الثالثة، علّقت عليه بما يلي:
(هذا الحديث من حديث الغالية، ويكفي في الإعراض عنه أنّ في طريقه أحمد بن هلال وهو العبرتائي الذي وصفه الشيخ بأنّه كان غالياً متهماً
1) - مرآة العقول 26/245 ح (372).
في دينه، وقال فيه العلاّمة: ورد فيه ذموم عن سيّدنا أبي محمّد العسكري عليه السلام، وقال الميرزا محمّد في رجاله الكبير: وعندي أن روايته غير مقبولة. هذا من جهة السند.
وأمّا نسبة الخيانة إلى حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، فهي من أحاديث الوضّاعين، وقد اشترك في تركيزها عدّة عوامل أهمّها: سلطان بني أُميّة بادئ الأمر، وخصوم بني العبّاس أخيراً. وقد استعرضنا في كتابنا الكبير في حياة ابن عبّاس رضي الله عنه في الجزء الرابع منه جميع النقود التي طعن بها في ساحة ابن عبّاس رضي الله عنه ومنها -- وهو أهمّها -- حديث الخيانة المزعوم، وقد ذكرنا صوره، وأدلّة القائلين به، وناقشناه من حيث السند والدلالة، مضافاً إلى ما ذكرناه من مكانة الحبر ابن عبّاس رضي الله عنه عند أئمّة أهل البيت من معاصريه وشيعتهم، وغير ذلك ممّا يكذّب الحديث المزعوم ويبرئ ساحة ذلك الحبر الجليل، وأسأل الله أن يوفقنا لطبعه ونشره ليعم نفعه)، (وكان هذا في سنة 1385ه- أي: قبل نصف قرن تقريباً).
فهذا هو النموذج الثاني.
ويكفي في سقوطه سنداً روايته عن أحمد بن هلال الذي مرّت الإشارة إلى حاله، ولم يخل حال زرعة وسماعة من الهمز والغمز، فزرعة من الواقفة، وكذلك سماعة، كما عن الصدوق، وقد عدّه العلاّمة الحلّي وابن داود في رجاليهما في القسم الثاني (من لا يعتمد على روايتهم)، ونختم هذا بما قاله المرحوم الشيخ أبو الحسن الشعراني في تعليقه على كتاب الوافي، حيث ذكر هذا الخبر، فقال: (الخبر مشتمل على قضيتين متشابهتين في نسب عمر والعبّاس، وصاحب الدعوى فيهما زبير بن عبد
المطّلب عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وادّعى مالكية الخطّاب والعبّاس، ثمّ بعد مباحثات ومناقشات رضي بإخراجهما من مزايا قريش ونسبهم، ونسب فيه عبد المطّلب إلى الزنا، نعوذ بالله للقدح في نسب العبّاس، والحديث موضوع لا محالة، وفيه شواهد بيّنة، والمتّهم به أحمد بن هلال الملعون على لسان العسكري عليه السلام، وكان مطعوناً في دينه غالياً، ولم يكن داعيه في وضع الخبر إلاّ كونه شعوبياً كارهاً لدولة العرب، ورضي بالقدح في خلفاء بني العبّاس بنسبة الزنا إلى عبد المطّلب، ولا يرضى به مسلم البتة)(1).
وقال أيضاً تعليقاً على خبر ميراث مولى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والتنازع عند هشام بن عبد الملك: (قوله: (وكان هشام بن عبد الملك قد حجّ في تلك السنة)، هذا الكلام يوهن الخبر، ويؤيّد كونه موضوعاً، وأحمد بن هلال متّهم بوضع الأحاديث، وكان داود بن علي من بني العبّاس عمّ السفاح والمنصور، وصار أميراً على الحجاز في صدر الدولة العبّاسية سنة اثنتين وثلاثين ومائة ومات سنة بعده، وأمّا هشام فقد حجّ سنة ستّ ومائة، وكان أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام حيّاً والإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام وكذلك داود في تلك السنة، من أبناء خمس وعشرين سنة، وأمراء مكّة مذكورون في التواريخ من سنة الفتح إلى عصرنا، وكان والي مكّة في عهد هشام بن عبد الملك إبراهيم بن إسماعيل المخزومي، وأخوه محمّد بن هشام ونافع بن عبد الله الكناني، ولم تكن إمارة داود في زمن هشام، وبنو أُميّة ما كانوا يشاركون أحداً من بني عبّاس في ولايتهم، وعلى كلّ حال
1) - انظر: الوافي، للفيض الكاشاني 26/405 الهامش.
ففي حياة الباقر عليه السلام كان المناسب أن يكون دعوى الولاية عليه.
وهذا المولى الذي كان لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبقي إلى عهد هشام، وعمّر أكثر من مائة سنة لا نعرفه في مواليه صلي الله عليه وآله وسلم، والرجلان اللذان أدركا الجاهلية وعرفا خطّ العاص بن أُميّة وبقيا إلى عهد هشام بن عبد الملك لا بدّ أن يكون عمرهما أكثر من مائة وخمسين سنة، مع بقاء بصرهما وعقلهما وقدرتهما على تميّز الخطوط، وكلّ ذلك مستبعد لا يمكن أن يذهب إليه بهذا الخبر. وقال المجلسي رحمه الله: إنّه ضعيف.
وبالجملة: أحمد بن هلال لا يعتد به، إلاّ أن يروي من بعض الكتب المشهورة التي رواها غيره، ويذكر أحمد في السند من غير احتياج إليه)(1).
لقد روى الكليني في (الكافي) عشرة أخبار ورد فيها ذكر ابن عبّاس لا يخلو بعضها من المؤاخذة عليه، وهي كما يلي في الموارد التالية:
1- في كتاب الأُصول 1/191، باب في شأن إنّا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها، وردت فيه الرواية الثانية، وفيها ذمّ لابن عبّاس، وبرقم (11) أيضاً، وسيأتي ذكرها وما يتعلّق بها.
2- في الأُصول أيضاً 1/444، باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم عليهم السلام، في الرواية الرابعة من الباب شهادته لابن جعفر بصدق حديثه عند معاوية، وفيها مدح لابن عبّاس، وسيأتي ذكرها.
3- في الفروع 4/290، باب الحجّ الأكبر والأصغر، الرواية الثالثة من
1) - انظر: الوافي، للفيض الكاشاني 26/407 الهامش.
الباب، وسيأتي ذكرها.
4- في الفروع 6/256، باب ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها، الرواية الأولى، وسيأتي ذكرها.
5- 6- في الفروع 6/441 و442، باب اللباس الروايتان (6 و 7)، وسيأتي ذكرهما.
7- في 79/7، باب في إبطال العول، الرواية الثانية، وسيأتي ذكرها.
8- في الروضة 8/504، حديث يأجوج ومأجوج برقم (275).
9- في الفروع 317/7، باب نادر الرواية (1)، وسيأتي ذكرها.
10- في الروضة 8/546 برقم (327)، كتاب الإمام إلى ابن عبّاس.
الحديث الأوّل:
أخرجه الكليني في (أُصول الكافي)(1)معلّقاً على سند قد مرّ، وهو: محمّد بن أبي عبد الله ومحمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعاً عن الحسن بن العبّاس بن الحريشٍٍعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتّى اغرورقت عيناه دموعاً، ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قالوا: لا، قال: زعم ابن عبّاس أنّه من: الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا(2)، فقلت له: هل رأيت الملائكة يابن عبّاس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن
من الخوف والحزن؟ قال: فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(1)، وقد دخل في هذا جميع الأُمّة، فاستضحكت، ثمّ قلت: صدقت يابن عبّاس! أنشدك الله هل في حكم الله جلّ ذكره اختلاف؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتّى سقطت، ثمّ ذهب وأتى رجل آخر فأطار كفّه فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وابعث به إلى ذوي عدل. قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عزّ ذكره، ونقضت القول الأوّل، أبى الله عزّ ذكره أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدّ وليس تفسيره في الأرض، اقطع قاطع الكفّ أصلاً، ثمّ أعطه ديّة الأصابع، هكذا حكم الله ليلة ينزل فيها أمره، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فأدخلك الله النار، كما أعمى بصرك يوم جحدتها عليّ بن أبي طالب. قال: فلذلك عمي بصري؟ قال: وما علمك بذلك؟ فوالله إنّ عمي بصري إلاّ من صفقة جناح الملك. قال: فاستضحكت.
ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله، ثمّ لقيته فقلت: يابن عبّاس! ما تكلّمت بصدق مثل أمس، قال لك عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، وإنّ لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله عليهم السلام، فقلت: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون، فقلت: لا أراها كانت إلاّ مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فتبدّى لك الملك الذي يحدّثه، فقال: كذبت يا عبد الله! رأت عيناي الذي حدّثك به عليّ -- ولم تره عيناه، ولكن وعى قلبه، وقرّ في سمعه -- ثمّ صفقك بجناحه، فعميت، قال:
1) - سورة الحجرات/10.
فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا، فقلت: هاهنا هلكت وأهلكت).
(على المحكّ):
رحم الله الشيخ الكليني وطيّب ثراه، كيف كتب هذا الخبر في كتابه الذي أتعب نفسه في جمعه عشرين سنة؟! وعنده يومئذ من مصادر الحديث ما لم يصل إلى مَن بعده، وهو أقرب زماناً ومكاناً إلى مَن لو استرشد بهم -- وهم النواب -- لم يبخلوا عليه بالدلالة على وجه الصواب.
ولا ينقضي منه العجب! كيف يروي من كتاب الحسن بن العبّاس بن الحريش، الذي قال فيه أحمد بن الحسين بن الغضائري: (الحسن بن العبّاس ابن الحريش الرازي أبو محمّد ضعيف، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام (فضل إنّا أنزلناه في ليلة القدر) كتاباً مصنّف فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب من حديثه)(1).
وقال النجاشي: (الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي: أبو علي، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام ضعيف جدّاً. له كتاب (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، وهو كتاب رديّ الحديث مضطرب الألفاظ)(2).
وبقي رأي النجاشي في قوله في تقييم الحسن بن العبّاس بن الحريش وكتابه (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) هو المعتمد لمن أتى من الرجاليين، كالعلاّمة الحلّي في (خلاصة الأقوال)، وابن داود في رجاله، والتفريشي في
(نقد الرجال)، وأخيراً سيّدنا الأُستاذ قدس سره في (معجم رجال الحديث)، وغيرهم.
وقد ورد هذا الخبر في الأُصول شرح المولى محمّد صالح المازندراني ]ت/1081 -- 1086[، وقال في أوائل شرحه لهذا الخبر: (واعلم إنّ عبد الله ابن عبّاس كان في بداية الحال من أهل الأمانة والديانة عند أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ تغيّرت حاله وذهبت أمانته وفسدت ديانته، وذمّه عليه السلام في مواضع عديدة، ومن أراد الاطّلاع عليه فليرجع إلى (نهج البلاغة)...)(1)(؟!)
ولمّا كان هذا الكلام لا يخلو من مناقشة، فقد انبرى له المرحوم العلاّمة الشيخ أبو الحسن الشعراني، فعلّق عليه وعلى موارد أخرى في شرح هذا الخبر، فرأيت نقل المتن للكليني، والشرح للمازندراني، والتعليق للشعراني رحمهم الله تعالى جميعاً، كما هو بطوله لغرض إفادة القارئ، وتيسيراً لي عن متابعة فقرات الفجوات التي في الخبر لغرض بيان كذب الخبر عند المحكّ.
قال: (الحديث الثاني من باب شأن إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ
2- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتّى اغرورقت عيناه دموعاً، ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال: فقالوا: لا. قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا(2)، فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عبّاس! تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن من الخوف والحزن؟ قال: فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(1)، وقد دخل في هذا جميع الأُمّة، فاستضحكت ثمّ قلت: صدقت، يا ابن عبّاس! أنشدك الله; في حكم الله جلّ ذكره اختلاف؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتّى سقطت، ثمّ ذهب وأتى به رجل آخر فأطار كفّه فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وأبعث به إلى ذوي عدل، قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عزّ ذكره ونقضت القول الأوّل، أبى الله عزّ ذكره أن يُحدث في خلقه شيئاً من الحدود ]و[ ليس تفسيره في الأرض، اقطع قاطع الكفّ أصلاً ثمّ أعطه ديّة الأصابع، هكذا حكم الله ليلة تنزّل فيها أمره، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها عليّ بن أبي طالب، قال: فلذلك عمي بصري، قال: وما علمك بذلك؟ فوالله إنّ عمي بصري إلاّ من صفقة جناح الملك، قال: فاستضحكت ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله. ثمّ لقيته، فقلت: يا ابن عبّاس! ما تكلّمت بصدق مثل أمس، قال لك عليّ ابن أبي طالب عليه السلام: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وإنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، وإنّ لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقلت: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون، فقلت: لا أراها كانت إلاّ مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فتبدّى لك الملك الذي يحدّثه، فقال: كذبت يا عبد الله! رأت عيناي الذي حدّثك به عليّ -- ولم تره عيناه ولكن وعى قلبه ووقر في سمعه -- فقلت صفقك بجناحه فعميت؟ قال: فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله، فقلت له: فهل حكم الله
1) - سورة الحجرات/10.
في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا، فقلت: هاهنا هلكت وأهلكت.
الشرح: قوله: (حتّى اغرورقت عيناه دموعاً)، يقال: اغرورقت عيناه إذا دمعتا كأنّهما غرقتا في دمعهما.
قوله: (زعم ابن عبّاس أنّه من الذين قالوا ربّنا الله)، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ _ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ _ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ(1)، قد مرّ تفسير هذه الآية بطريق الإجمال في باب بعد باب عرض الأعمال، واعلم أنّ عبد الله بن عبّاس كان في بداية الحال من أهل الأمانة والديانة عند أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ تغيّرت حاله وذهبت أمانته وفسدت ديانته(2)، وذمّه عليه السلام في مواضع عديدة ومن أراد الاطّلاع عليه
1) - سورة فصلت/30 -- 32.
2) - قوله: (ثمّ تغيرت حاله وذهبت أمانته)، إنّ الأمور المعلومة الواضحة المتواترة لا تدفع بالمشكوكات فضلاً عمّا علم بطلانه يقيناً وقد ذكر العلاّمة الحلّي(رحمه الله) ابن عبّاس في الممدوحين من الخلاصة، قال: عبد الله بن عبّاس من أصحاب رسول الله عليه السلام كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذاً له، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى. وقد ذكر الكشّي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه وهو أجل من ذلك قد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله عنه، انتهى قوله وهو الحجّة هنا، وأمّا الكشّي فكما روى أحاديث في القدح روى أحاديث في مدحه غاية المدح وسلامته إلى آخر عمره خلافاً لما قاله الشارح ولعلّ من رأى احتجاجاته في حرب الجمل ومحاجته مع معاوية على ما في البحار وتأسف أمير المؤمنين عليه السلام من عدم رضا أصحابه بتعيين ابن عبّاس مكان أبي موسى الأشعري، وغير ذلك ممّا لا يحصى لم يشكّ في حسن حال الرجل. وأمّا عتاب أمير المؤمنين عليه السلام عليه فلا يدلّ على عناد فيه ومخالفته في الإمامة ولم يكن ابن عبّاس معصوماً، فجاز أن يشتبه عليه أمر في مال أخذه من بيت المال وقد عتب على عثمان بن حنيف بأشدّ من ذلك، وكان كتابه إليه ألطف وأرأف، ولا اعتبار بسائر ما روي بطريق ضعيف والعبرة بالمتواتر من صحبته له ورضاه عنه وسعيه في تأكيد أمره وتحكيم خلافته، وقد ذكر علماؤنا في الكلام أنّ المؤمن الحقّ لا يمكن أن يرتدّ ولا أدري كيف غفل عنه الشارح! ويختلج بالبال أنّ واضع الخبر أراد توهين ابن عبّاس تقرّباً إلى عوام الشيعة تنفيراً لهم عن خلفاء وقته لأنّهم كانوا يفتخرون بجدّهم.(ش).
فليرجع إلى نهج البلاغة.
قوله: (فقلت له: هل رأيت الملائكة(1)- إلى قوله: - والحزن)، قد ذكر الله تعالى جميع ذلك في هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا.
1) - قوله: (فقلت له: هل رأيت الملائكة)، رووا أنّ ابن عبّاس رأى جبرئيل على عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأخبره النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه يعمى في آخر عمره، وكانوا يعدّون ذلك من فضائل ابن عبّاس لأنّ رؤية جبرئيل تدلّ على وجوده بصراً ملكوتياً يرى به ذلك العالم، ولم يكن عماه في آخر عمره مجازاة على رؤية الملك لأنّها لم تكن باختياره، ولم تكن محرّمة حتّى يجازى عليها، ولم تكن من أثر ضربة جناح الملك; وإلاّ لعمي من بدو صباه في عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم. وأمّا واضع هذا الخبر فكان سمع أنّ شيعة بني العبّاس يفتخرون برؤية جدّهم جبرئيل عليه السلام، وأنّ عماه في آخر عمره كان لذاك، لأنّ الذي ينظر إلى ضياء قوي فوق استطاعة القوّة الباصرة يتهيأ بصره للضعف والانحلال، ولم يكن هذا الراوي مطّلعاً على تفصيل ما يرونه ويروونه وما يتمسّكون به، فلفق هذه الحكاية. والمكالمة لم تقع قطّ بين الإمام عليه السلام وابن عبّاس لأنّ الإمام معصوم عن الخطأ والغفلة وإن كان صبياً ولا يشتبه عليه الأمر. ثمّ إنّ الباقر عليه السلام لم يدرك ابن عبّاس إلاّ في صغره جدّاً، فإنّه مات سنة 65 أو 66، وأكثر ما قيل: 68، ولم يكن عليه السلام حين ملاقاته إلاّ غلاماً ابن عشر سنين ونحوه. والحسن بن عبّاس بن الحريش واضع الخبر لم يكن عالماً بالتاريخ لبعد عهده عنهما، وإلاّ لأشار إلى كون هذه المحاجّة معجزة، ولكن روى الخبر بحيث يتبادر منه كون المحاجّة حين إمامة الباقر عليه السلام وكونه محاطاً بأصحابه وحضور أبي عبد الله عليه السلام مع كون ابن عبّاس حيّاً.(ش).
قوله: (فاستضحكت)، سبب الضحك أنّ اندراج ابن عبّاس في آية: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يتوقّف على كونه مؤمناً، وأنّه بعقيدته الفاسدة خرج عن حدّ الإيمان، فيرد عليه المثل المشهور: (ثبت العرش ثمّ انقش)، ولو سلّم دخوله فيها، فالآية لا دلالة فيها إلاّ على اشتراك الأُمّة في أصل الإيمان، وأمّا كونه مندرجاً في آية: قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ، فلا دلالة عليه فلا يثبت مطلوبه. وقوله عليه السلام: (صدقت)، إمّا مبني على التنزّل، وإمّا بمعنى أنّك صدقت في أن المؤمنين إخوة وإن لم يكن فيه دلالة على المطلوب.
قوله: (أنشدك الله...) الخ، قال في (النهاية): يقال: نشدتك الله وبالله، وأنشدك الله وبالله، أي: سألتك وأقسمت عليك، يعني بحقّه، ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة، وتعديته إلى مفعولين، إمّا لأنّه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيداً وبزيد، أو لأنّهم ضمّنوه معنى ذكرت، فأمّا أنشدتك بالله فخطأ.
قوله: (هل في حكم الله اختلاف) أي: هل يكون له أحكام مختلفة في قضية مخصوصة! أو هل يجوز تبديل حكمه بغيره بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال: لا: لأنّ لله تعالى في كلّ قضية حكماً واحداً ولا نسخ بعده.
قوله: (فأتى به) أي: برجل آخر وهو قاطع الكفّ.
قوله: (قلت: جاء الاختلاف)، قيل: لعلّ الاختلاف من تقويم المقوّمين لوقوع الاختلاف في التقويمات كثيراً، وقال الفاضل الأسترآبادي: كان مراد ابن عبّاس من ذكر (ذوي عدل) ما هو المشهور في كتب متأخّري أصحابنا من الأرش وجعل الحرّ تابعاً للعبد(1)، ومن المعلوم الاختلاف بين
1) - في كتب الديّات: الجراحة التي ليست لها مقدر من الديّة يفرض المجروح عبداً لو لم يكن فيه هذه الجراحة كم قيمته، ولو كان فيه هذه الجراحة كم قيمته، وبنسبة التفاوت بين القيمتين من الديّة الكاملة يؤخذ للمجروح.
هذا وبين صالحه عمّا شئت، لأنّ هذا يقتضي أن يكون له قدر معلوم، و(صالحه على ما شئت) يقتضي أن لا يكون له قدر معلوم معيّن، وأيضاً ظاهر قوله عليه السلام: (أعطه ديّة كفّه) أنّ القدر معلوم معيّن.
قوله: (ونقضت القول الأوّل)، وهو أنّه لا اختلاف في حكم الله تعالى.
قوله: (أبى الله أن يحدث)، كأنّه قيل: ليس لله في هذه القضية حكم، أو ما بلغ رسوله حكمها فأجاب بما ذكر.
قوله: (اقطع)، كأنّه قيل: ما الحكم هنا؟ قال: اقطع الكفّ.
قوله: (أصلاً)(1)أي: من أصل الكفّ .
قوله: (ليلة تنزل فيها أمره) أي: في ليلة، فهي منصوبة على الظرفية، والمراد بها ليلة القدر.
قوله: (إن جحدتها) أي: جحدت يا بن عبّاس استمرار حكمها بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة.
قوله: (يوم جحدتها)(2)أي: يوم جحدت تلك الليلة على عليّ بن أبي
1) - قوله: (اقطع قاطع الكفّ أصلاً)، هذا أيضاً من أدلّة ضعف الرواية إذ شرط قصاص الطرف التساوي أو كون الجاني أنقص فلا يجوز قطع يد ذات أصابع قصاصاً بيد فاقدة لها وإن أعطاه ديّة الأصابع، ولا حاجة لنا إلى التكلّف في توجيه فتوى ابن عبّاس بعد عدم اعتبار الخبر.(ش).
2) - قوله: (يوم جحدتها)، لم يعم بصر ابن عبّاس في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وكان في زمن معاوية بصيراً، بل عمي في آخر عمره في زمان ابن الزبير، وقد حجّ في سنة حجّ فيها معاوية في خلافته، فكان لابن عبّاس موكب ولمعاوية موكب، وهذا أيضاً من مخائل ضعف الخبر التي أشار إليها العلاّمة(رحمه الله) في (الخلاصة).(ش).
طالب عليه السلام، وسيجيء في هذا الحديث بيان إنكاره عليه.
قوله: (فلذلك عمي بصري) أي: قال ابن عبّاس اعترافاً: فلذلك الإنكار عمي بصري، ثمّ قال: يا أبا جعفر! وما علمك بذلك؟ يعني: من أين علمت أنّ عمى بصري من أجل ذلك الإنكار؟
قوله: (فوالله... الخ)، من كلام أبي جعفر عليه السلام لبيان سبب عماه، وهو أنّه من صفقة جناح الملك، والصفقة: الضرب الذي له صوت، وكلمة (إن) نافية.
قوله: (قال فاستضحكت)، منشأ الضحك هو أنّ ابن عبّاس لكمال سخافته لم يعقل أنّ عمى بصره لأجل الإنكار يوجب الاعتراف بأنّ ما أنكره حقّ، فإصراره على الإنكار مع الاعتراف بما يزيله محلّ التعجب. فقلت: يا ابن عبّاس ما تكلّمت بصدق مثل أمس حيث اعترفت بأنّ عمى بصرك لذلك الإنكار. وفي بعض النسخ: (يا أبا عبّاس).
قوله: (قال لك عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، تفصيل لما أجمله أوّلاً بقوله: (كما أعمى بصرك يوم جحدتها على عليّ بن أبي طالب)، وبقوله: (إن عمى بصري إلاّ من صفقة جناح الملك).
قوله: (أئمّة محدّثون) خبر لقوله: أنا وأحد عشر من صلبي، أو حال عنه وهو خبر مبتدأ محذوف وهو (هم) أو خبر مبتدأ محذوف أي نحن أئمّة.
قوله: (فقلت لا أراها) أي: فقلت: يا ابن عبّاس لا أرى ليلة القدر كانت إلاّ مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فلمّا مات ذهبت معه(1)وقد عرفت أنّ هذا خلاف الإجماع.
1) - قوله: (فلمّا مات ذهبت معه) لا اعتبار بهذه النسبة ولا يعتد بها مع ضعف الحديث، والمشهور عن ابن عبّاس أن ليلة القدر في السابعة والعشرين من شهر رمضان وهو معروف عنه في كتب العامّة والخاصّة. (ش).
قوله: (فتبدى لك) أي: فظهر لك يا ابن عبّاس الملك الذي كان يحدّث عليّاً عليه السلام، فقال: كذبت يا عبد الله فيما قلت من أنّ تلك الليلة إنّما كانت في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وصدق عليّ عليه السلام فيما قال من أنّ ليلة القدر في كلّ سنة إلى آخره، لأنه رأت عيناي ما حدّثك به عليّ عليه السلام من نزول الملائكة عليه في ليلة القدر إذ كنت من جملتهم، ولم ترهم عينا عليّ عليه السلام، إذ كان محدّثاً، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه، ولكن وعى قلبه وحفظ ما القي إليه وسكن في سمعه وثبت، ثمّ صفقك الملك يا ابن عبّاس بجناحه فعميت، وفي بعض النسخ: (ثمّ خفقك) أي: ضربك، والخفق الضرب بشيء عريض، يقال: خفقه بالسيف، ويخفق إذا ضربه به ضربة خفيفة.
قوله: (ووقر في سمعه)، وقر من باب ضرب ووعد، يقال: وقر الشيء في سمعه، أي: سكن وثبت فيه من غير نسيان، من الوقار وهو الحلم والرزانة، وقد وقر يقر وقاراً، كذا في (النهاية)، وفي بعض النسخ: وقر من القرار والمعنى واحد.
قوله: (قال: فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله)، يعني أنا يا أبا جعفر وأنت إذا اختلفنا في أمر من الأمور، كاستمرار ليلة القدر ونحوه، فالله يعلم المحقّ من المبطل، وغرضه أنّه المحقّ.
قوله: (فقلت له)، الغرض منه حمل ابن عبّاس على الإقرار بأنّه كاذب)(1).
أقول: وأحسن من ذا ما قاله المحقّق التستري رحمه الله في كتابه (الأخبار الدخيلة، الجزء الأوّل، في الباب الثاني في الأحاديث الموضوعة، فقال:
1) - شرح أصول الكافي، للمازندراني 6/2 -- 7، ط دار إحياء التراث العربي 1421ه-.
(ومنها ما رواه الكافي... فذكره ثمّ تعقبه بقوله:
أقول: ويشهد لوضعه أمور:
الأوّل: إنّ المفهوم منه أنّ محاجّة الباقر عليه السلام مع ابن عبّاس كان في زمان إمامته، مع أنّ إمامته كانت بعد خمس وتسعين، وابن عبّاس مات بالطائف في فتنة ابن الزبير سنة ثمان وستّين، وإنّما أدركه الباقر عليه السلام في صغره.
فروى الكشّي عن الصادق عليه السلام: (إنَّ أبي كان يحبّ ابن عبّاس حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب، فأتاه بعدما أصيب بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ ابن الحسين، فقال: حسبك من لا يعرفك فلا عرفك).
الثاني: أنّه دالٌّ على نصب ابن عبّاس، مع أنّ استبصاره من المتواترات ومحاجّاته في الإمامة مع عمر ومعاوية وعائشة وابن الزبير وغيرهم مشهورة معروفة.
الثالث: أنّه مشتمل على أنّ عمى ابن عبّاس كان من صفقة جناح جبرئيل لجحده ليلة القدر على أمير المؤمنين عليه السلام، مع أنّ المسعودي، قال: (كان ذهاب بصر ابن عبّاس لبكائه على عليّ والحسن والحسين عليهم السلام).
ولِمَ لَم يعم جبرئيل مبغضي أمير المؤمنين عليه السلام وأعمى من كان في أوّل المحامين عنه عليه السلام، فإنّه لم يعط أحد لسانه بعد المعصومين عليهم السلام؟! ولِمَ لَم يعم معاوية الذي كان يعيّر بني هاشم بالعمى؟! ففي معارف ابن قتيبة(1)(ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن العبّاس، وأبوه العبّاس، وأبو العبّاس: عبد المطّلب. قال: ولذلك قال معاوية لابن عبّاس: أنتم يا بني هاشم تصابون
1) - المعارف: 589.
في أبصاركم، فقال ابن عبّاس: وأنتم يا بني أُميّة تصابون في بصائركم).
وروى (الاستيعاب): أنّ سبب عماه رؤيته لجبرئيل، فروى عنه أنّه قال: رأيت رجلاً مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فلم أعرفه فسألته عنه فقال لي: أرأيته؟ قلت: نعم، قال: ذاك جبرئيل، أما أنّك ستفقد بصرك، قال: فعمى بعد ذلك في آخر عمره.
قلت: لو صحّ خبر (الاستيعاب) يكون محمولاً على عدم استعداد ابن عبّاس لرؤية جبرئيل، ولعلَّ الجاعل سمح بمثل ذلك فبدّله بما قال.
وممّا يوضّح أنّ ابن عبّاس كان في كمال الخصوصية مع أمير المؤمنين عليه السلام: أنّ معاوية أمر بعد التحكيم بالقنوت على ابن عبّاس، كما أمر بالقنوت على أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام ومالك الأشتر.
الرابع: أنّ عبارات الخبر مختلّة منحلّة، بحيث لا يكاد يفهم منها محصّل، ولا يتكلّم بمثلها أدنى رجل من العامّة، فكيف يتكلّم بمثلها أئمّة هم أمراء الكلام، وفيهم انتشبت عروقه، وتشعّبت غصونه. بل لم ينحصر الاختلال بهذا الخبر، بل جميع أخبار ذاك الباب التي هي أخبار تسعة كلّها بسند واحد عن كتاب ابن حريش المذكور في آخر السند مختلّة منحلّة.
ولله درّ ابن الغضائري في وصف كتابه حيث قال -- بعد عنوان الرجل -- : (كتابه فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع).
وكذلك تلميذه النحرير النجاشي فقال -- بعد عنوانه -- : (كتابه رديّ الحديث مضطرب الألفاظ)، ولا غروّ في رواية سهل الآدمي له، فتقدّم عن النجاشي أنّ الأشعري يشهد على سهل بالغلوّ والكذب، وأخرجه من قمّ إلى الرّي، وقال الكشّي: إنّ الفضل بن شاذان كان لا يرتضي سهل الآدمي، ويقول: (إنّه أحمق)، وإنّما العجب من رواية أحمد الأشعري له! اللّهمّ إلاّ
أن يكون ذكر أحمد خلطاً من النسّاخ، أو وهماً من الكليني، حيث أنّه فيما يأتي اقتصر في روايته على سهل الآدمي.
الخامس: أنّ ما اشتمل عليه الخبر من حكم الحدّ وحكم الدِّية خلاف ما اشتهر به الإمامية، ولم يعمل به الكليني نفسه، حيث ذكره في النوادر -- والنوادر ما لا يعمل به -- فقال في كتاب ديّات كافيه (باب نادر)(1): (عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد الله بن العبّاس: أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف -- إلى قوله -- هذا حكم الله)، كما مرَّ.
ولم يروه الفقيه الذي تضمن بصحّة ما يرويه فيه، ولم يعمل به إلاّ الشيخ في نهايته، وتبعه تلميذه القاضي، وردّه الحلّي بكونه خرقاً للإجماع، وقال: (هذه الرواية مخالفة لأُصول المذهب، لأنّه لا خلاف بيننا أنّه يقتص من العضو الكامل للناقص).
و(المختلف) نقل الرواية مستنداً للشيخ، وقال: (في طريقه سهل)، وذهل عن كون ابن حريش أضعف، كما غفل عن طريق الخبر الآخر)(2).
رواية بعض الخبر عند النعماني والشيخ الطوسي في كتابيهما باسم (الغيبة):
روى أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم الكاتب النعماني المعروف بابن أبي زينب في كتابه (الغيبة) في باب (إنّ الأئمّة اثنا عشر بأسمائهم)،
الحديث الثالث، قال: (حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من رجاله، عن أحمد بن عبد الله بن محمّد بن خالد البرقي، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر محمّد، عن آبائه عليهم السلام: أنّ أمير المؤمنين صلّى الله عليه وآله قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وما قضي فيها، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال ابن عبّاس: من هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون)(1).
أقول: فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) هذا الخبر بتفاوت في السند وفي المتن، فقال: (عنه، عن أبي الحسين، وأخبرني جماعة عن أبي محمّد التلعكبري، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال ابن عبّاس: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون)(2).
وأخرج هذا الخبر أيضاً الشيخ الصدوق ابن بابويه في كتابه (الخصال)، في أبواب الاثني عشر، وبسند آخر، فقال: (حدّثنا محمّد بن موسى المتوكّل رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي، عن أبي جعفر
محمّد بن علي الثاني عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال ابن عبّاس: من هم؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون)(1).
وقد روى الصدوق رحمه الله خبراً آخر من أخبار الحسن بن العبّاس بن الحريش في (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، في كتابه (إكمال الدين)، قال: (حدّثنا محمّد بن الحسن رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن سهل ابن زياد وأحمد بن محمّد بن عيسى قالا: حدّثنا الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول لأصحابه: آمنوا بليلة القدر، إنّها تكون لعليّ بن أبي طالب وولده والأحد عشر من بعده)(2).
والملاحظ في المقام أنّ الصدوق لم يرو الذي رواه عن الحسن بن العبّاس ابن الحريش من طريق الكليني، بل رواه بسنده الخاص عن غير طريق الكليني، ممّا يشير من طرف خفي عدم اعتماده على ما رواه الكليني في (الكافي).
الحديث الثاني:
ممّا أخرجه الكليني في (الكافي) ممّا يتعلّق بابن عبّاس، فقد ذكر في باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، فقال: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي
عياش، عن سليم بن قيس، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، وعلي بن محمّد، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيّار يقول: كنّا عند معاوية، أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وعمر بن أُمّ سلمة وأسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد عليّ فالحسن بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه عليّ ابن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا عليّ، ثمّ ابنه محمّد ابن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين، ثمّ يكمله اثني عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين، قال عبد الله بن جعفر: واستشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وعمر بن أُمّ سلمة وأسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية، قال سليم: وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذرّ والمقداد، وذكروا أنّهم سمعوا ذلك من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)(1).اه-.
(على المحكّ):
ظاهر السند الأوّل صحيح، بناء على تصحيح العصابة (؟) على ما يصحّ عن حمّاد بن عيسى، والسند الثاني مقبول، إلاّ أنّ الثالث مرفوض لوجود أحمد بن هلال الذي ورد فيه ذموم من سيّدنا أبي محمّد العسكري عليه السلام،
1) - الكافي 1/444 برقم4.
كما قال النجاشي، وقال فيه الشيخ الطوسي في (الفهرست): (وكان غالياً متّهماً في دينه)، وقال في (التهذيب): (مشهور بالغلوّ واللعنة، وما يختص بروايته لا نعمل به)، وفي (الاستبصار): (ضعيف فاسد المذهب لا يلتفت إلى حديثه فيما يختص بنقله), وبناءً على رأي سيّدنا الأُستاذ قدس سره: إنّه ثقة، غاية الأمر أنّه كان فاسد العقيدة، وفسادها لا يضر بصحّة رواياته، بناء على ما يراه من حجّية خبر الثقة مطلقاً. (؟!)
أقول: ولهذا قال المجلسي في (مرآة العقول) في شرحه للحديث: (مختلف فيه)(1). وعلى هذا فيكون الخبر مقبولاً، وهو مشعر بالمدح لابن عبّاس، حيث شهد مع الحسن والحسين عليهما السلام وآخرين لابن جعفر في حديثه مع معاوية في إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، وهو بهذا يكذب الخبر الأوّل من طرف خفي.
الحديث الثالث:
أخرج الكليني في (فروع الكافي)، باب الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، فقال: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمّد القاساني جميعاً، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقري، عن فضيل بن عياض، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحجّ الأكبر، فإنّ ابن عبّاس كان يقول، يوم عرفة؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الحجّ الأكبر يوم النحر، ويحتجّ بقوله عزّ وجلّ: فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ(2)، وهي
عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من ربيع الآخر، ولو كان الحجّ الأكبر يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوماً)(1).
(على المحكّ):
قال المجلسي في (مرآة العقول): (الحديث الثالث: ضعيف.
قوله عليه السلام: (لكان أربعة أشهر ويوماً)، لعلّ الاستدلال مبني على أنّه كان مسلّماً عندهم أنّ آخر أشهر السياحة كان عاشر ربيع الآخر)(2).
قال الطبرسي في (مجمع البيان)(3)، في تفسير (يوم الحجّ الأكبر): (فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّه يوم عرفة، عن عمر وسعيد بن المسيّب وعطاء وطاووس ومجاهد، وروي ذلك عن عليّ عليه السلام، ورواه المسوّر بن مخرمة، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال عطاء: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف، والحجّ الأصغر الذي ليس فيه وقوف وهو العمرة.
وثانيها: أنّه يوم النحر، عن علي وابن عبّاس وسعيد بن جبير وابن زيد والنخعي، ومجاهد والشعبي والسدّي، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، ورواه ابن أبي أوفى عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال الحسن: وسمّي الحجّ الأكبر لأنّه حجّ فيه المشركون والمسلمون، ولم يحجّ بعدها مشرك.
وثالثها: أنّه جميع أيّام الحجّ عن مجاهد أيضاً وسفيان، فمعناه أيّام
الحجّ كلّها، كما يقال: يوم الجمل(1)، ويوم صفّين(2)، ويوم بعاث(3)، يراد به الحين والزمان، لأنّ كلّ حرب من هذه الحروب دامت أيّاماً)(4).
أقول: فتبيّن أنّ ابن عبّاس لم يكن المنقول عنه قولاً واحداً، وكذلك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فعنهما معاً وردت الروايتان المختلفتان في تفسير (يوم الحجّ الأكبر) يوم عرفة، ويوم النحر.
الحديث الرابع:
أخرج الكليني في (فروع الكافي)، باب ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها، فقال: (عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت جالساً في مسجد الرسول صلي الله عليه وآله وسلم إذ أقبل رجل فسلّم، فقال: من أنت يا عبد الله؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك، فقال لي: أتعرف أبا جعفر
1) - يوم الجمل، يعني: الحرب التي كانت بالبصرة بين جيش الناكثين طلحة والزبير وبين جيش الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وإنّما عرفت بيوم الجمل لأنّ أُمّ المؤمنين عائشة كانت تقود جيش الناكثين وهي راكبة على الجمل، وفي ذلك من الشعر والنثر الكثير من الشواهد، وقد مرّ ذكر بعضها فيما تقدّم من أجزاء الموسوعة، حسبك منها الجزء الرابع من الحلقة الأولى.
2) - يوم صفّين، يعني: أيّام وقعة صفّين التي استدامت الحرب فيها أيّاماً طويلة بين جيش القاسطين معاوية وأهل الشام، وبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد كتب باسمها عدّة كتب، منها: وقعة صفّين لنصر بن مزاحم، وكتاب صفّين لابن ديزيل، وغيرهما، وإنّما سمّيت بصفّين باسم الموضع الذي كانت فيه.
3) - يوم بعاث، حرب كانت فيها وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وبعاث اسم موضع في نواحي المدينة.
4) - مجمع البيان 5/11.
محمّد بن عليّ عليه السلام؟ فقلت: نعم فما حاجتك إليه؟ قال: هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها، فما كان من حقّ أخذته وما كان من باطل تركته، قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحقّ والباطل؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر عليه السلام فأخبرني، فما انقطع كلامي معه، حتّى أقبل أبو جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ، فمضى حتّى جلس مجلسه وجلس الرجل قريباً منه، قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلمّا قضى حوائجهم وانصرفوا، التفت إلى الرجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصري، فقال له أبو جعفر عليه السلام: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفر عليه السلام: ويحك يا قتادة! إنّ الله جلّ وعزّ خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلاً ثمّ قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك.
قال له أبو جعفر عليه السلام: ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ _ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ(1)، فأنت ثمّ ونحن أولئك، فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين... ثمّ ساق بقية الخبر بطوله وفيه سؤال لقتادة عن
1) - سورة النور/36 -- 37.
الجبت والطاغوت وجواب الإمام عليه السلام له عن ذلك)(1).
(على المحكّ):
والسند ضعيف، كما قال المجلسي رحمه الله في (مرآة العقول)(2)، ومع الإغماض عنه، فالخبر يدلّ على علوّ كعب ابن عبّاس في العلم، حتّى صار يضرب به المثل في الهيبة والجلالة.
الحديث الخامس:
أخرج الكليني في فروع (الكافي)، باب اللباس الحديث السادس من الباب، فقال: (محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العبّاس إلى ابن الكواء وأصحابه، وعليه قميص رقيق وحُلّة، فلمّا نظروا إليه قالوا: يابن عبّاس! أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس؟!
فقال: وهذا أوّل ما أخاصمكم فيه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(3)، وقال: خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ(4))(5).
الحديث السادس:
أخرج الكليني في (فروع الكافي)، باب اللباس الحديث السابع من الباب، فقال: (عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان، عن يوسف بن إبراهيم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعلَيَّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ، فنظر إلَيَّ، فقلت: جعلت فداك علَيَّ جبّة خزّ وطليسان خزّ فما تقول فيه؟ فقال: وما بأس بالخزّ، قلت: وسداه أبريسم؟ قال: وما بأس بأبريسم، فقد أصيب الحسين عليه السلام وعليه جبّة خزّ، ثمّ قال: إنّ عبد الله ابن عبّاس لمّا بعثه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الخوارج فواقفهم لبس أفضل ثيابه، وتطيّب بأفضل طيبه، وركب أفضل مراكبه، فخرج فواقفهم، فقالوا: يابن عبّاس! بينا أنت أفضل الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم، فتلا عليهم هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، فالبس وتجّمل فإنّ الله جميل يحبّ الجمال، وليكن من حلال)(1).
(على المحكّ):
ذكر المجلسي رحمه الله الحديثين في (مرآة العقول)، وهما (6)، و( 7)، كما في الأُصول، فقال عن السادس: (مجهول)(2)، وعن السابع: (ضعيف على المشهور)(3)، ومهما يكن من أمر الإسناد، فليس فيهما أيّ إشارة ذمّ لابن عبّاس رضي الله عنه، بل على العكس يمكن الاستدلال بهما على المدح، حيث
ذكر الإمام الصادق عليه السلام فعل ابن عبّاس رضي الله عنه مستدلاًّ به على جواز التزيّن والتجّمل، بل وحسنه عند ملاقاة العدو للمخاصمة.
الحديث السابع:
أخرج الكليني في (فروع الكافي) الحديث: (محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن يحيى، عن علي بن عبد الله، عن يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزُهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جالست ابن عبّاس فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عبّاس: سبحان الله العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذا النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زُفر بن أوس البصري: يا أبا العبّاس! فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطّاب لمّا التفّت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسّم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله أن لو قدّم من قدّم الله وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر بن أوس: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قدم الله، وأمّا ما أخّر الله فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها ولم يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله، وأمّا التي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله رجعت إلى الربع ولا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء،
فهذه الفرائض التي قدّم الله عزّ وجلّ، وأمّا التي أخّر الله: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله، فإذا اجتمع ما قدّم الله وما أخّر بدأ بما قدّم الله فأُعطي حقّه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخّر الله، فإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال له زفر بن أوس: ما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هيبته، فقال الزهري: والله لولا أنّه تقدّمه إمام عدل كان أمره على الورع فأمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابن عبّاس في العلم اثنان)(1).
(على المحكّ):
قال المجلسي رحمه الله في (مرآة العقول): (ضعيف، قوله: (نصفاً ونصفاً)، مثال ذلك: إن ماتت امرأة وتركت زوجاً وإخوتها لأُمّها وأختها لأبيها، فإنّ للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُمّ الثلث سهمين، وللأخت من الأب أيضاً عندهم النصف ثلاثة أسهم، يصير من ستّة تعول إلى الثمانية، ويحتجّون بذلك بقوله تعالى: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ(2)، وعندنا للأخت من الأب السدس، وسيأتي قوله: (كلّ فريضة لم يهبطها الله) هذا لا يجري في كلالة الأُمّ كما لا يخفى.
قوله: (وإن لم يبق شيء)، قال في المسالك: مبالغة في تقديم من قدّمهم الله عزّ وجلّ، وإلاّ فهذا الفرض لا يقع، إذ لا بدّ أن يفضل لهم شيء)(3).
أقول: لقد مرّ في آخر أجزاء الحلقة الثالثة من الموسوعة(1)في فقه ابن عبّاس، بحث مسألة العول التي كان ابن عبّاس يجاهر بها على خلاف فقهاء السلطة القائمة، وفي قول الزهري في آخر الحديث الذي تقدّم اعتراف بالفضل لابن عبّاس، لكنّه مع تصويبه للخطأ الذي ارتكبته السلطة، وهذا من المكابرة بالباطل.
الحديث الثامن:
أخرج الكليني في (فروع الكافي) باب نادر، فقال: (عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد الله بن عبّاس: يا أبا عبّاس! أنشدك الله هل في حكم الله تعالى اختلاف؟ قال: فقال: لا. قال: فما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتّى سقطت فذهبت، وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده، فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفّ، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، أو ابعث إليهما ذوي عدل.
فقال له: جاء الاختلاف في حكم الله، ونقضت القول الأوّل، أبى الله أن يحدث في خلقه شيء من الحدود وليس تفسيره في الأرض، أقطع يد قاطع الكفّ أصلاً، ثمّ أعطه ديّة الأصابع، هذا حكم الله تعالى)(2).
(على المحكّ):
أقول: هذا الخبر جزء من الخبر الذي مرّ في كتاب الحجّة من
الأُصول، وهو أيضاً عن الحسن بن العبّاس بن الحريش في فضل إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ، وقد مرّت المناقشة فيه، فارجع إليه في الحديث الأوّل من آثار ابن عبّاس في كتاب (الكافي).
الحديث التاسع:
أخرج الكليني في (روضة الكافي) عن يأجوج ومأجوج، فقال:
(حديث يأجوج ومأجوج:
274- الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، عن العبّاس بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلق؟ فقال: خلق الله ألفاً ومائتين في البرّ، وألفاً ومائتين في البحر، وأجناس بني آدم سبعون جنساً، والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج)(1).
(على المحكّ):
هذا الخبر سنده ضعيف، كما قال المجلسي رحمه الله في (مرآة العقول)، ثمّ قال: (ويدلّ على أنّ يأجوج ومأجوج ليسوا من ولد آدم، وروى الصدوق بإسناده، عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن محمّد العسكري عليه السلام: أنّ جميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من ولد يافث(2).. والحديث طويل أوردته في الكتاب الكبير(3)، وهذا الخبر
عندي أقوى سنداً من خبر المتن، فيمكن حمله على أنّ المراد أنّهم ليسوا من الناس وإن كانوا من ولد آدم عليه السلام)(1). اه-
وللمولى محمّد صالح المازندراني كلام في هذا طويل ننقله عنه ربّما يستفيد منه القارئ بعض الفائدة.كلام الشيخ المازندراني منه في شرح الحديث: (قوله: (حديث يأجوج ومأجوج)، قال القاضي: هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقيل: عربيان من أج الظليم إذا أسرع، وأصلهما الهمز، كما قرأ عاصم، ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث، وفي القاموس: من لا يهمزهما يجعل الألفين زايدتين.
(فقال: خلق الله ألفاً ومائتين في البرّ، وألفاً ومائتين في البحر)، كان المراد بها الأصناف بقرينة قوله: (وأجناس بني آدم سبعون جنساً)، إذ المراد بها الأصناف. (والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج) هما أُمّة عظيمة في الكثرة والبطشة، أمّا الكثرة، فلقوله تعالى: وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ(2)، ولمّا نقل من طريق العامّة: (إنّ أوّلهم يمرّ ببحيرة طبرية فيشربونها، ويمرّ آخرهم فيقولون: كان في هذا ماء)، وأمّا البطش، فلقوله تعالى: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ(3)، وقيل: إنّ الواحد منهم ذكر وأنثى لا يموت حتّى يلد ألفاً، فإذا ولدها كان علامة موته، فهم يتسافدون في الطرقات كالبهايم، ويقال: إنّ في خلقهم تشويها، فمنهم المفرط في الطول كالنخلة، وفي القصر كالشبر ودونه، ومنهم صنف طوال
الأذن الواحدة موبرة يشتّي فيها، والآخرة جلدة يصيّف فيها، ويقال: أنّه يأكل بعضهم بعضاً، واختلفوا في أصلهم، فهذا الحديث ظاهره دلّ على أنّهم ليسوا من ولد آدم، وقال كعب: هم بادرة من آدم دون حوا احتلم فاختلطت نطفته بالتراب، فكان عن ذلك يأجوج ومأجوج، وردّ القرطبي: بأنّ الأنبياء عليهم السلام لا يحتلمون.
وقال جماعة منهم القاضي: أنّهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل: في كتاب العلل تصريح بأنّهما من أولاد نوح عليه السلام، ونقل الآبي في كتاب إكمال الإكمال عن مقاتل: أنّهما أُمّة من الترك، ومساكنهم وراء السدّ طول السدّ بين الجبلين، قيل: مائة فرسخ وينتهي إلى البحر المظلم، والكلام في بعثة الرسول إليهم وعدمها وفي إيمانهم وعدمه طويل، إذ لا نص عندنا على ذلك، والقرآن العزيز إنّما أخبر أنّهما مفسدون في الأرض، والفساد أعمّ من الكفر، وقد قيل: إنّ إفسادهم كان بأكل الناس وافتراس الدواب كافتراس السبع وإهلاك الحرث، ونقل من طريق العامّة ما يدلّ على كفرهم، ولكن الأكثر توقّفوا فيه.
والتحقيق: أنّ لهم أربع حالات:
الأولى: قبل السدّ عليهم، وهم حينئذ كغيرهم لمخالطتهم أهل الأرض، فكفرهم وعدمه حينئذ محتمل، لأنّا لم نقف ما يدلّ على شيء منهما.
الثانية: بعد السدّ إلى مجيء الإسلام، وهذه مثل السابقة، لأنّا لم نقف ما يدلّ على أنّ الله تعالى أرسل إليهم رسولاً منهم، وعلى أنّه بلغتهم دعوة رسول من غيرهم، والظاهر عدم بلوغ الدعوة لتعذر وصولها إليهم.
الثالثة: بعد مجيء الإسلام إلى زمان خروجهم، وهذه أيضاً مثل
السابقة لاحتمال بلوغ دعوة نبيّنا صلي الله عليه وآله وسلم إليهم فآمنوا أو كفروا، واحتمال عدم بلوغها فلا يتّصفون بالكفر، لأنّ بلوغ التكليف شرط للحكم بذلك، وفي طريق العامّة نقل واثلة وأبو عمرو، عن وهب بن منبه أنّه قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (انطلق بي جبرئيل عليه السلام ليلة أسري بي فدعوت يأجوج ومأجوج فلم يجيبوني فهم في النار مع المشركين من ولد آدم وإبليس)، هذا صريح في بلوغ الدعوة وفي الكفر، لكن قال أكثر علمائهم: هو من الأخبار التي لا تصحّ من جهة السند، إذ لا سند له، وإنّما هو من الأقاصيص التي تؤدّي مقطوعة ومرسلة، ولا من جهة المعنى لتعذره عادة، ولظلمة الليل والنوم وافتراقهم في منازلهم، فكيف يجتمعون له حتّى يدعوهم، ويقرأ عليهم القرآن فينظرون في معجزاته، وأيضاً فالزمان ضيّق عن فهمهم وتفهيمه لهم التفهيم الذي تقوم به الحجّة.
الرابعة: بعد خروجهم من السدّ في آخر الزمان، فهم في ذلك الزمان كغيرهم من الخلائق مكلّفون بشريعة نبيّنا صلي الله عليه وآله وسلم بتبليغ صاحب الأمر عليه السلام، ولكن لا يؤمنون على ما قيل، والله يعلم حقيقة أحوالهم)(1).
الحديث العاشر:
أخرج الكليني في (روضة الكافي)، فقال: (عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط رفعه، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّه قد يسرّ المرء ما لم يكن ليفوته، ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبداً وإن جهد، فليكن سرورك بما قدّمت من عمل صالح أو حكم
1) - مرآة العقول 12/293 -- 294، بحار الأنوار 12/279 ح274، ط المكتبة الإسلامية.
أو قول، وليكن لأسفك فيما فرطّت فيه من ذلك، ودع عنك ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزناً، وما أصابك منها فلا تنعم به سروراً، وليكن همّك فيما بعد الموت والسلام))(1).
(على المحكّ):
ذكر المجلسي في (المرآة)(2)هذا الخبر، وقال عن سنده ضعيف، ثمّ قال: (قوله عليه السلام: (فقد يسر المرء)، إشارة إلى قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ _ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(3)، ولعلّ المراد بالآية والخبر نفي الأمر المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، بقرينة ذكر الاختيال والفخر في الآية، ويحتمل أن يكون المراد نفي الحزن الناشيء من توهم أنّه حصل ذلك بكدّه وكان يمكنه رفع ذلك عن نفسه، والفرح الناشيء من توهم أنّه حصل ذلك بكدّه وسعيه وتدبيره، وعلى التقديرين يستقيم التعليل والتفريع المستفادان من الآية والخبر.
وأمّا ما ذكره الشيخ الطبرسي -- والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أنّ الإنسان إذا علم أنّ ما فات ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة، فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أنّ ما ناله منها كلّف الشكر عليه
والحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضاً إذا علم أنّ شيئاً منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له، بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد(1)-- فلا مدخل لوجهيه في تصحيح التعليل، إلاّ أن يتكلّف في أوّلهما بأنّ التقدير يستلزم ضمان العوض وإيجاب الشكر، ولذلك صار علّة لعدم الحزن والفرح.
قوله عليه السلام: (أو حكم) أي: حكمة أو قضاء حقّ قضى به على نفسه أو غيره.
قوله عليه السلام: (فلا تنعم به سروراً) أي: لا تزداد في السرور ولا تبالغ فيه، أو لا تكن مرفّه الحال بسبب السرور به.
قال الفيروز آبادي: التنعم: الترفّه، والاسم النعمة بالفتح، نعم كسمع ونصر وضرب، والنعمة -- بالكسر -- المسرّة، ونعم الله بك كسمع ونعمك، وأنعم بك عيناً أقرَّ بك عين من تحبّه، وأنعم الله صباحك من النعومة(2). انتهى.
وحاصل الخبر: أنّه ينبغي للإنسان أن لا يعتني بالدنيا، ولا يكون همّه مصروفاً في حطامها، ولا يبالي في ذلك بفقدها، بل يكون همّه مصروفاً إلى الآخرة ونعيمها الدائم. وفقنا الله وسائر المؤمنين لذلك)(3).
أقول: لقد مرّ ذكر هذا الكتاب في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من الموسوعة(4)، وذكرت من مصادره أكثر من ثلاثين مصدرا، وفاتني ذكر
مصادر غيرها ألحقتها في نسختي، لعلّ من مجموع رواية تلك المصادر يحصل العلم بصحّة الصدور، إذ لا يعقل رواية جميع أصحابها عمّن لا يؤخذ بروايته لوحده! ولو فرضنا هذا، ففي اعتضاد بعضها بعضاً ما يدلّ على قبول هذا الكتاب، وهو يدلّ على مزيد عناية من الإمام عليه السلام بابن عبّاس رضي الله عنه، فكتب إليه بما نفع ابن عبّاس نفعاً عظيماً- حتّى قال: (ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام)، وهذا يدلّ على مدى استجابة ابن عبّاس رضي الله عنه لما كان يسمعه من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من النصائح الخاصّة والعمل في حسن السلوك والسيرة.
ولنختم الحديث عن أثر ابن عبّاس في كتاب (الكافي) للكليني رحمه الله، بإعادة التأكيد على ما مرّ من أنّ الشيعة لا يقولون بعصمة الشيخ الكليني رحمه الله، ولا بمعصومية كتابه وقطعية صدور جميع ما فيه عن أئمّة أهل البيت عليه السلام، وإنّما هو في تقديرهم كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، وليس عندهم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه سوى كتاب الله العزيز المجيد.
نعم، يرون في أحاديث (الكافي) مستخرجة من الأُصول المعتبرة التي كانت متداولة في عصر الكليني رحمه الله، وإذا كان بعض المعجبين يغالون فيه كالأخباريين، فقد ردّ عليهم الأُصوليون دعواهم، بل وحتّى منهم كالأسترابادي المدني في ردّه على الخليل بن غازي القزويني، ولعلّ ردّ خاتمة المحدّثين شيخ مشايخنا العلاّمة النوري في (خاتمة المستدرك)(1)، ما يغني القارئ عن أقوال غيره، حيث فنّد أوهام المغالين وأرشدهم إلى الحقّ المبين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
1) - خاتمة المستدرك 3/533.
لقد قيل فيه وعنه كلام كثير، ولولا ما ورد في نسخة المطبوع منه باسمه عن ابن عبّاس لما تعرّضت له، لأنّي غير متيقن بصحّة نسبته إليه، ولكن شهرة النسبة والثناء على صاحبه فرضا علَيَّ التعرّض له.
فأقول: إنّ المؤلّف المنسوب إليه المطبوع باسمه هو: أبو الحسن علي ابن إبراهيم بن هاشم القمّي، وهو كما وصفه النجاشي بقوله: (ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب سمع فأكثر...)، وكان في عصر الإمام الحسن العسكري عليه السلام، (ت260ه-) وعاش إلى سنة (307)، وقد أكثر الشيخ الكليني الرواية عنه في (الكافي) حتّى بلغت روايته عنه عن (أبيه -- فقط -- سبعة آلاف ومائتين وأربعة عشر حديثاً)(1).
ولكنّه على المحكّ، يبدو أنّ كلّ ما قالوا فيه وعنه من ثناء وإطراء ليس بمانع من النظر في الكتاب المنسوب إليه في التفسير، فهل هو صحيح النسبة؟ وإذا صحّت فهل جميع ما ورد فيه مقبول؟ سؤالان لا بدّ من الإجابة عليهما، والجواب على الأوّل نجده فيما قال عنه المرحوم شيخنا الرازي في (الذريعة)(2)، حيث ذكر أنّ تلميذ علي بن إبراهيم وهو الراوي للتفسير عنه، وهو أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى الكاظم عليه السلام،
هو الذي أدخل في ثنايا تفسير أُستاذه روايات عن أبي الجارود الزيدي، وصولاً إلى الجمع بين رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام، ورواية علي ابن إبراهيم بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام، فيتم له الجمع بين المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وهذا من أوائل سورة آل عمران.
وبناءً على هذا فليس المطبوع المتداول هو تفسير علي بن إبراهيم الذي كتبه بنفسه.
وحيث لم تثبت وثاقة أبي الفضل الجامع بين التفسيرين، لذلك ينبغي تقييد اعتبار التفسير بما صحّت روايته عن علي بن إبراهيم، عن الأئمّة عليهم السلام، ولا يعني هذا قبول جميع ما ورد مرويّاً فيه كذلك، فثمّة روايات لا يمكن قبولها بوجه أبداً، وإن صحّت أسانيدها، كما ورد في قراءة آية الكرسي في تفسيره، التي رواها علي بن إبراهيم: (عن أبيه، عن الحسين بن خالد: أنّه قرأ أبو الحسن الرضا عليه السلام (آلم الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)، قال: (ما بين أيديهم) فأمور الأنبياء وما كان، (وما خلفهم) أي: ما لم يكن بعد، قوله: (إلاّ بما شاء) أي: بما يوحى إليهم، (ولا يؤده حفظهما) أي: لا يثقل عليه حفظ ما في السماوات وما في الأرض، وقوله: (لا إكراه في الدين) أي: لا يكره أحد على دينه إلاّ بعد أن قد تبيّن له الرشد من الغيّ، (فمن يكفر بالطاغوت) وهم الذين غصبوا آل محمّد حقّهم، (فقد استمسك بالعروة الوثقى) يعني: الولاية، (لا انفصام لها) أي: حبل لا انقطاع له، يعني: أمير المؤمنين والأئمّة بعده عليهم السلام، (الله ولي الذين
آمنوا) وهم الذين اتّبعوا آل محمّد عليهم السلام، (يخرجهم من الظلمات إلى النور والذي كفروا أولياؤهم الطاغوت) هم الظالمون آل محمّد والذين اتّبعوا ومن غصبهم، (يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والحمد لله ربّ العالمين)، كذا أنزلت)(1)
من المؤسف حقّاً والغريب جدّاً أن يعتمد هذا الخبر المرحوم الحاج شيخ عبّاس القمّي وذكره في كتابه (مفاتيح الجنان) في أعمال يوم الجمعة، نقلاً عن المجلسي، وهو نقلاً عن علي بن إبراهيم، وهذا الخبر ورد في البحار 92/263 نقلاً عن تفسير القمّي؟! ولم يعقّب عليه بشيء.
.فهذه الرواية غير مقبولة لمخالفتها لما في القرآن الكريم الذي جاء متواترا منذ نزوله وحتّى اليوم وإلى آخر الدنيا، وحتّى يرد على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يوم القيامة عند الحوض كما في حديث الثقلين، فمن الغلوّ إذاً في هذا الكتاب اعتمادنا على كلّ ما جاء فيه، لما ورد في أولّه من قول مؤلّفه علي ابن إبراهيم -- إن صحّ أنّ الكتاب له -- (ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم، وأوجب ولايتهم، ولا يقبل إلاّ بهم...)، ولو سلّمنا تنزلاً وفاقاً لمن قد بنى على هذا التوثيق كسيّدنا الأُستاذ قدس سره الذي بنى عليه في أبحاثه الفقهية ومعجم رجاله.
غير أنّ الذي يخطر بالبال، ويقف حاجزاً عن قبول جميع أخبار ما في هذا الكتاب المطبوع باسم تفسير علي بن إبراهيم، وقوع بعض بل كثير من الروايات عن أبي الجارود، وهذا من البترية الزيدية، ورواياته غير مقبولة ما لم توافق ما ورد عن علي بن إبراهيم عن الأئمّة عليهم السلام، وكذلك ممّا يبعث الريب في صحّة النسبة ورود عدّة أخبار عن ابن عقدة الزيدي أحمد بن
1) - تفسير القمّي 1/84.
محمّد الهمداني (ت333ه-) رواها عن الكليني (ت328ه-)، وهو عن علي بن إبراهيم، فكيف تصحّ رواية علي بن إبراهيم عن تلميذ تلميذه في الرواية لتأخّر عصره بأكثر من ستّة وعشرين سنة؟!
وأيضاً فإنّ رواية علي بن إبراهيم عن ثقاته عن الذين فرض الله طاعتهم... لو صحّت هذه المقولة عنه لا تشمل ما رواه عن رجال العامّة، كابن جريج وعطاء بن أبي رباح في جملة أخبار وردت عن ابن عبّاس، كما يلي:
1- منها: في آخر سورة (ص): (حدّثنا سعيد بن محمّد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله: قُلْ -- يا محمّد -- مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، أي: على ما أدعوكم إليه من مال تعطونيه، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، يريد: ما أتكلف هذا من عندي، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ، يريد: موعظة، لِّلْعَالَمِينَ، يريد: الخلق أجمعين، وَلَتَعْلَمُنَّ: يا معشر المشركين، نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(1)، يريد: عند الموت وبعد الموت يوم القيامة)(2).
فرجال هذا الخبر لا يشملهم التوثيق العام لو قلنا به، فسعيد بن محمّد مجهول، وكذلك المروي عنه بكر بن سهل، وهو عن عبد الغني كسابقه، وهو عن موسى بن عبد الرحمن، عن أبن جريج، عن عطاء كلّهم ليسوا مشمولين بالتوثيق العام لو قلنا به، ومع ذلك لو أغمضنا عن هذا فابن جريج من المدلّسين ويُرسل كما قال ابن حجر، وإن وثّقه وقال فقيه فاضل، وأمّا
عطاء بن أبي رباح فهو كما مرّ ذكره في الموسوعة في تلاميذ ابن عبّاس(1)، بل كان من وعّاظ السلاطين الذين رفعت الأموية بضبعه؛ فراجع. وهو أيضاً مخلّط -- يعني يروي عن الضعفاء -- كما في (رجال الشيخ الطوسي)، وعدّه من أصحاب عليّ عليه السلام، ويبقى كأصحابه لا يشمله التوثيق العام.
2- ومنها في سورة الدخان، بالسند المتقدّم أيضاً: (عن ابن عبّاس في قوله: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ، يريد: ما يسّر من نعمة الجنّة وعذاب النار يا محمّد، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، يريد: لكي يتعظ المشركون، فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ(2): تهديد من الله ووعيد وانتظر إنّهم منتظرون)(3).
فهذا كسابقه لا يشمل رجاله التوثيق العام.
3- ومنها في سورة الجاثية، بنفس السند المتقدّم: (عن ابن عبّاس في قوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ، يريد: المؤمنين، وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا، يريد: المنافقين والمشركين، ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(4)، يريد: إلى الله تصيرون)(5).
ورجال هذا الخبر هم الذين مرّ الكلام فيهم غير مشمولين بالتوثيق العام إن صحّ وقلنا به، وليس هناك.
4- ومنها في سورة عبس، قال: (حدّثني سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا
بكر بن سهل، قال: حدّثني عبد الغني بن سعيد، قال: حدّثني موسى بن عبد الرحمن، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، في قوله: مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(1)، يريد: منافع لكم ولأنعامكم. قوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، يريد: مسودّة، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، يريد: قتار جهنّم، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ(2)، أي: الكافر الجاحد)(3).
ورجال السند كلّهم إلاّ الضحّاك فهو ابن مزاحم لا يشملهم التوثيق العام إن صحّ، وفيهم مجاهيل.
5- ومنها في سورة التكوير، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ(4)، يريد: أوقدت للكافرين، والجحيم النار الأعلى من جهنّم، والجحيم في كلام العرب ما عظم من النار، كقوله عزّ وجلّ: ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ(5)، يريد: النار العظيمة، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ(6)، يريد: قربت لأولياء الله من المتّقين)(7).
ورجال السند كالسابقين في الجهالة وعدم شمول التوثيق العام لهم.
6- ومنها في سورة التكوير، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطا، عن ابن عبّاس، في قوله: رَبُّ الْعَالَمِينَ، قال: إنّ الله عزّ وجلّ خلق ثلاثمائة عالم وبضعة عشر عالماً خلف قاف وخلف البحار السبعة لم يعصوا الله طرفة عين قطّ، ولم يعرفوا آدم ولا ولده، كلّ عالم منهم يزيد على ثلاثمائة وثلاثة عشر مثل آدم وما ولد، فذلك قوله: إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(1))(2).
ورجال السند كسابقيهم في عدم شمولهم بالتوثيق العام إن صحّ.
7- ومنها في سورة الانفطار، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، في قوله: وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(3)، قال: يريد الملك، والقدرة، والسلطان، والعزّة، والجبروت، والجمال، والبهاء، والهيبة، والإلهية وحده لله لا شريك له)(4).
ورجال السند هم كما مرّ في رقم (4) كلّهم غير الضحّاك لا يشملهم التوثيق العام إن صحّ.
8- ومنها في سورة المطففين، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطا، عن ابن عبّاس، في قوله: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ _ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(1)، قال: كانوا إذا اشتروا يستوفون بكيل راجح، وإذا باعوا يبخسون المكيال والميزان، وكان هذا فيهم وانتهوا)(2).
والسند كأمثاله ممّا قد مرّ.
9- ومنها في سورة البروج، قال: (حدّثنا سعد(3)بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، قال: حدّثنا عبد الغني بن سعيد، قال: أنبأنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريح، عن عطا، عن ابن عبّاس: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، يريد: صدّقوا وآمنوا بالله عزّ وجلّ ووحّدوه، يريد: لا إله إلاّ الله، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، يريد: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، يريد: فازوا بالجنّة وأمنوا العقاب، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ -- يا محمّد -- لَشَدِيدٌ(4)إذا أخذ الجبابرة والظلمة من الكفّار، كقوله في سورة هود: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(5)، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، يريد: الخلق، ثمّ أماتهم، ثمّ يعيدهم بعد الموت أيضاً، وَهُوَ الْغَفُورُ
الْوَدُودُ(1)، يريد: لأوليائه وأهل طاعته الودود، كما يودّ أحدكم أخاه وصاحبه بالبشرى والمحبّة)(2). ورجال الخبر كالسابقين لا يشملهم التوثيق العام إن صحّ.
10- ومنها في سورة الأعلى، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى، يريد: ما يكون إلى يوم القيامة في قلبك ونفسك، وَنُيَسِّرُكَ يا محمّد في جميع أمورك لِلْيُسْرَى(3))(4).
ورجال السند حالهم كما مرّوا من قبل لا يشملهم التوثيق العام إن صحّ.
11- ومنها في سورة الغاشية، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد(5)، عن موسى ابن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطا، عن ابن عبّاس في قوله: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ألواحها من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدرّ والياقوت تجري من تحتها الأنهار، وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ، يريد: الأباريق التي ليس لها آذان.
1) - سورة البروج/13 -- 14.
2) - تفسير القمّي 2/414.
3) - سورة الأعلى/ 7 -- 8.
4) - تفسير القمّي 2/417.
5) - في السند سقط واسطتين، ولم ينبّه عليه لا في طبعة النجف، ولا في الطبعة الحجرية، ولا في تفسير البرهان فيما نقل عن تفسير علي بن إبراهيم، ويبدو أنّه من سهو قلم المؤلّف، وإلاّ فقد مرّ مكرّراً مثل هذا السند هكذا: سعيد بن محمّد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، لاحظ جميع الأرقام التي مرّت.
وقال علي بن إبراهيم، في قوله: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، قال: البسط والوسائد، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، قال: كلّ شيء خلقه الله في الجنّة له مثال في الدنيا إلاّ الزرابيّ فإنّه لا يدرى ما هي، ورجع إلى رواية عطا، عن ابن عبّاس، في قوله: أَفَلاَ يَنظُرُونَ إلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، يريد: الأنعام، قوله: وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ _ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ _ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، يقول الله عزّ وجلّ: أيقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، ويرفع مثل السماء، وينصب مثل الجبال، ويسطح مثل الأرض غيري؟ أو يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(1)، أي: فعظ يا محمّد إنّما أنت واعظ)(2).
والسند هم كالسابقين في عدم شمولهم بالتوثيق إن صحّ.
12- ومنها في سورة البلد، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغني، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ على فرائض الله عزّ وجلّ، وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ(3)فيما بينهم، ولا يقبل هذا إلاّ من مؤمن)(4).
ورجال السند كالسابقين.
13- ومنها في سورة البينة، قال: (حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، قال: حدّثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن،
عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، في قوله: أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، يريد به: خير الخلق، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يصفه الواصفون، رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يريد: رضي أعمالهم، وَرَضُوا عَنْهُ رضوا بثواب الله، ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(1)، يريد: من خاف ربّه وتناهى عن معاصي الله تعالى)(2).
ورجال السند كالسابقين ممّن مرّ ذكرهم لا يشملهم التوثيق العام إن صحّ.
14- ومنها في سورة الإخلاص، قال: (حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن(3)حمّاد بن مهران، قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن إبراهيم السعدي، قال: حدّثني أبان بن عبد الله، قال: حدّثني يحيى بن آدم، عن الفزاري، عن حريز، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس قال: قالت قريش للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة: صف لنا ربّك لنعرفه فنعبده، فأنزل الله تبارك وتعالى على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، يعني: غير مبعّض، ولا مجّزى، ولا مكيّف، ولا يقع عليه اسم العدد، ولا الزيادة، ولا النقصان، اللَّهُ الصَّمَدُ الذي قد انتهى إليه السؤدد، والذي يصمد أهل السماوات والأرض بحوائجهم إليه، لَمْ يَلِدْ منه عزير، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله وسخطه، ولا المسيح، كما قالت النصارى عليهم سخط الله، ولا الشمس والقمر ولا النجوم، كما قالت
المجوس عليهم لعائن الله وسخطه، ولا الملائكة، كما قالت كفّار قريش لعنهم الله، وَلَمْ يُولَدْ لم يسكن الأصلاب، ولم تضمّه الأرحام، لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ(1)يقول: ليس له شبيه، ولا مثل، ولا عدل، ولا يكافيه أحد من خلقه بما أنعم عليه من فضله)(2).
هذه هي جلّ الموارد التي وردت فيها أخبار عن ابن عبّاس مسندة، وجميع رجالها غير مشمولين بالتوثيق العام الذي قاله علي بن إبراهيم فيما نسب إليه في هذا التفسير المطبوع، وهذا سوى ما ورد فيه عن ابن عبّاس مرسلاً من أخبار، ولا حاجة بنا إلى ذكرها.
لكنّ الذي لا ينبغي تجاوزه بعدم ذكره، ما رواه مسنداً، عن أبيه: (عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل إلى أبى علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: إنّ ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت، وفيمن نزلت، فقال أبى عليه السلام: سله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(3)؟ وفيمن نزلت: لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ(4)؟ وفيمن نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(5)؟ فاتاه الرجل فسأله؟ فقال: وددت أنّ الذي
أمرك بهذا واجهني به فاسأله عن العرش ممّ خلقه الله؟ ومتى خلق؟ وكم هو؟ وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبى، فقال أبى: فهل أجابك بالآيات؟ فقال: لا، قال أبى: لكن أُجيبك فيها بعلم ونور غير مدّع ولا منتحل، أمّا قوله: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً، ففيه نزل وفي أبيه، وأمّا قوله: ولاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ففي أبيه نزلت، وأمّا الأخرى ففي أبيه (ابنه ك) نزلت وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به وسيكون ذلك من نسلنا المرابِط ومن نسله المرابَط، وأمّا ما سأل عنه من العرش: ممّ خلقه الله؟ فإنّ الله خلقه أرباعاً، لم يخلق قبله إلاّ ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم، والنور، ثمّ خلقه من ألوان أنوار مختلفة، ومن ذلك النور نور أخضر ومنه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة، ونور أحمر منه احمرّت الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار، ثمّ جعله سبعين ألف طبق غلظ كلّ طبق لأوّل (كأوّل ك) العرش إلى أسفل السافلين، وليس من ذلك طبق إلاّ ويسبّح بحمد ربّه ويقدّسه بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة، لو أذّن للسان واحد فاسمع شيئاً ممّا في تحته لهدم الجبال، والمدائن، والحصون، وكشف البحار، ولهلك ما دونه، له ثمانية أركان، يحمل كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصي عددهم إلاّ الله، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، ولو أحس حس (ولو أحسر -- ك) شيء ممّا فوقه ما قام لذلك طرفة عين، بينه وبين الإحساس الجبروت، والكبرياء، والعظمة، والقدس، والرحمة، والعلم، وليس وراء هذا مقال، لقد طمع الحائر في غير مطمع، أما إنّ في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنّم فيخرجون أقواماً من دين الله، وستصبغ الأرض
بدماء فراخ من أفراخ محمّد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، وترابط الذين آمنوا، ويصبرون ويصابرون، حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(1).
أقول: وهذا الخبر قد رواه الكشّي، فقال: (جعفر بن معروف، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد الأنباري، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: أتى رجل إلى عليّ عليه السلام...)(2)إلى آخر الخبر السابق.
فقال السيّد الأُستاذ قدس سره: (جعفر بن معروف لم يوثق)(3).
ثمّ قال: (حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدّثنا الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير، عن أحمد بن حمد بن زياد، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام وذكر نحوه)(4)-- يعني الخبر المتقدّم --.
قال السيّد الأُستاذ قدس سره: (أقول: علي بن محمّد بن قتيبة لم يوثق، على أنّ الرواية مرسلة، وفي رجال المولى عناية الله: محمّد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمّد بن زياد، قال: جاء ... الخ. ولو صحّت النسخة فأحمد بن محمّد بن زياد مجهول)(5).
أقول: إنّ هذا الخبر أورده أيضاً السيّد هاشم البحراني في (تفسير البرهان) نقلاً عن النعماني، وفيه تفاوت قليل(1)فليراجع.
ونقلاً عن علي بن إبراهيم -- كما مرّ قبل هذا -- عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل ...الخ.
ثمّ قال: (وروى المفيد هذا الحديث في (الاختصاص)، إلى: وهو خير الحاكمين)(2).
وقال: (عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن علي ابن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل ابن يسار، عن أبي جعفر، قال: أتى رجل إلى أبي... الحديث بعينه)(3).
ثمّ أعاد ذكر الحديث عن أبي الطفيل عامر واثلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل إلى أبي ...الخ(4).
وهكذا تعدّدت المصادر والأسانيد، وهذا قد يوحي بنحو اعتبار لقبول الخبر.
لكن الذي يأبى جميع هذا، ما ذكره الكشّي أيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: (جعفر بن معروف، قال: حدّثني محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن ابن جريج، عن أبي عبد الله عليه السلام: إنّ ابن عبّاس لمّا مات
وأخرج، خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء، حتّى غاب عنهم، وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب، قال: فأتاه بعدما أصاب بصره، فقال: من أنت؟ فقال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك)(1).
فمن قبل خبر الكشّي الأوّل برواية جعفر بن معروف ليقبل هذا، فهو برواية جعفر بن معروف أيضاً!
وهذا له من المؤيّدات: ما رواه ابن سعد في (الطبقات الكبرى): (عن رزين بن عبيد، قال: شهدت ابن عبّاس وأتاه علي بن الحسين، فقال: مرحباً بابن الحبيب)(2)، وهذا أخرجه أحمد في (فضائل الصحابة)(3).
ولنا عودة حول هذا الخبر -- خبر الآيات -- ومناقشته سنداً ودلالة عند الكلام عن الكشّي وكتاب رجاله.
ونعود إلى المطبوع باسم تفسير علي بن إبراهيم وما فيه من مفارقات، لا يقال فيها: إنّها من سهو القلم، أو أنّها من زيادات التلميذ أبي الفضل العلوي، ولعلّ ما ذكره في تفسيره من أغرب ما روي في محاورة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مع ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام حين أراد تزويجها من أمير المؤمنين عليه السلام، والخبر طويل، والذي يعنينا نقله منه ما جاء في أوّله:
قال -- علي بن إبراهيم --: (ومن الردّ على من أنكر خلق الجنّة والنار
أيضاً، ما حدّثني أبي، عن بعض أصحابه، رفعه، قال: كانت فاطمة عليها السلام لا يذكرها أحد لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ أعرض عنه، حتّى أيس الناس منها، فلمّا أراد أن يزوّجها من عليّ أسرّ إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى، غير أنّ نساء قريش يحدّثني عنه أنّه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين، ضخم الكراديس، أنزع عظيم العينين، لمنكبيه مشاشاً كمشاش البعير، ضاحك السنّ، لا مال له.
فقال لها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة! أما علمت أنّ الله أشرف على الدنيا، فاختارني على رجال العالمين، ثمّ اطلع أخرى فاختار عليّاً على رجال العالمين، ثمّ اطلع فاختارك على نساء العالمين، يا فاطمة...)(1).
واستمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يحدّثها عن رحلته السماوية في الإسراء وما رآه في عدّة مواطن من ذكر عليّ عليه السلام مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وزيراً وناصراً، وإلى آخر ما ذكره.
وقد جاء في آخره: (يا فاطمة! ما بعث الله نبيّاً إلاّ جعل له ذرّيته من صلبه، وجعل ذرّيتي من صلب عليّ، ولولا عليّ ما كانت لي ذرّية، فقالت فاطمة: يا رسول الله! ما اختار عليه أحداً من أهل الأرض، فزوّجها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال ابن عبّاس عند ذلك: والله ما كان لفاطمة كفوء غير عليّ عليه السلام).
أقول: كيف لنا التصديق بجميع ما في الخبر، وهو يستبطن في مقدّمته ما يثير علامات استفهام! فقول فاطمة عليها السلام: (إنّ نساء قريش تحدّثني عنه...)؟ فأين كان عليّ يعيش! هل في بلاد بعيدة فلم تره فاطمة حتّى كانت نساء قريش يحدّثنها عن صفاته؟! أليس عليّ عاش مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم منذ الصبا
1) - تفسير القمّي 2/336.
وحتّى فارقت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم روحه ولحق بالرفيق الأعلى؟ أليس عليّ هو الذي حمل الفواطم من مكّة إلى المدينة عند الهجرة، وكانت فاطمة الزهراء عليها السلام إحدى تلك الفواطم؟
إنّها غرابة في المتن، وجهالة في السند، ومع ذلك يريدون منّا أن نقول بصحّة جميع ما يرويه علي بن إبراهيم في تفسيره!! لا ها الله، فكتابه كسائر الكتب يؤخذ منه ويترك، وعلي بن إبراهيم إنسان غير معصوم، فنجوّز عليه ما نجوّزه على سائر الناس غير المعصومين من السهو والخطأ والنسيان والله العاصم.
من هو العياشي؟
هو أبو النضر -- بالمعجمة -- محمّد بن مسعود بن محمّد بن عياش السلمي السمرقندي، من مشايخ الكشّي، ومن في طبقة الشيخ الكليني (ت328ه-)، وقد روى عنه كتبه ابنه جعفر بن محمّد بن مسعود، فإنّ له ما يزيد على مائتي كتاب في عدّة فنون، ففي: التفسير، والحديث، والرجال، وحتّى في النجوم، وغيرها(1).
والذي يعنينا ما وصل إلينا منها وهو كتاب التفسير، والموجود منه اليوم نصفه الأوّل إلى سورة الكهف، لكنّه مع الأسف محذوف الأسانيد، قال المجلسي رحمه الله: (رأيت منه نسختين قديمتين لكن بعض الناسخين حذف أسانيده للاختصار، وذكر في أوّله عذراً هو أشنع من جريمته).
أقول: فربّما يهوّن الخطب بعض الشيء أنّ الحاكم الحسكاني كانت لديه نسخة من هذا التفسير كاملة السند، فنقل عنه في كتابه (شواهد التنزيل)، وقد أحصيت فيه اثني عشر حديثاً مسنداً في الجزء الأوّل، وسبعة أحاديث في الجزء الثاني، فكان في تلك السبعة حديث واحد رواه عن ابن عبّاس، وهو مذكور في الجزء الثاني برقم (1054)، ولفظه كما في النسخة المطبوعة بتحقيق المرحوم العلاّمة الشيخ المحمودي، قال:
1) - الذريعة 4/295 باقتضاب.
(أبو النضر العياشي في تفسيره ]قال: أخبرنا[ إسحاق بن نجيح، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ(1)، قال: مرض الحسن والحسين مرضاً شديداً، حتّى عادهما جميع أصحاب رسول الله، وكان فيهم ]أبو بكر وعمر[، فقال رسول الله: يا أبا الحسن لو نذرت لله نذراً، فقال عليّ: لئن عافى الله سبطي نبيّه محمّد ممّا بهما من سقم لأصومنّ لله نذراً ثلاثة أيّام، وسمعته فاطمة، فقالت: لله علَيَّ مثل الذي ذكرته، وسمعه الحسن والحسين فقالا: يا أبه ولله علينا مثل الذي ذكرت، فأصبحا وقد ]صاموا، فأتىٍ[ عليّ إلى جار له فقال: أعطنا جزّة من صوف ]تغزلها[ فاطمة، وأعطنا كراه ما شئت، فأعطاه جزّة من صوف وثلاثة أصوع من شعير...
وذكر الحديث بطوله مع الأشعار إلى قوله: إذ هبط جبرئيل، فقال: يا محمّد يهنيك ما أُنزل فيك وفي أهل بيتك: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ(2)إلى آخره، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ﴾عليّاًوجعل يتلوها عليه وعليّ يبكي ويقول: الحمد لله الذي خصنّا بذلك.]والحديث[ اختصرته(3). اه-)أقول: حبّذا لو انبرى بعض الباحثين الغيارى على حفظ التراث، فراجع المطبوع الناقص من (تفسير العياشي فأكمل تلك الأحاديث التي رواها الحاكم الحسكاني وذكر أسانيدها، كما في (شواهد التنزيل) مع دراسة لشخصية العياشي الذي صحبه الكشّي، وأخذ عنه، وتخرّج عليه في داره التي)
كانت مرتعاً للشيعة من أهل العلم، كما قاله النجاشي في ترجمة الكشّي.وقد ذكره ابن النديم في (الفهرست(1)، وعدّ مؤلّفاته منها كتاب (معرفة الناقلين)، ومن المحتمل قريباً أن يكون الكشّي -- وهو تلميذه -- قد استفاد منه حتّى سمّى هو الآخر كتابه باسم كتاب شيخه العياشي -- إن صحّ ما ذكره شيخنا في الذريعة -- وإلاّ فإنّ كتاب معرفة الناقلين للعياشي، ولم يرد تسمية كتاب الكشّي بهذا في فهرستي الطوسي والنجاشي، وسيأتي ما يتعلّق بهذا في ترجمة الكشّي وكتابه.)##### أثر ابن عبّاس في تفسير العياشي:لقد روى العياشي في تفسيره عن ابن عبّاس رضي الله عنه عدّة روايات، فيها روايات صحيحة السند كما في المصادر الأخرى، وفيها غير صحيحة، ولمّا كانت النسخة المطبوعة محذوفة الأسانيد، كما مرّ التنبيه على هذا من قبل، فهي في عرضها جملة كما هي، تنبئ عن وجه اختيار العياشي لروايات ابن عبّاس وسيبقى عرضها على المحكّ هو السبيل لمعرفة ما صحّ، وما لم يصحّ.فمن تلك الآثار كما وردت في بقية المصادر:1- روى العياشي في تفسيره: (عن ابن عبّاس، قال: شرى عليّ عليه السلام بنفسه، لبس ثوب النبيّ عليه السلام ثمّ نام مكانه، فكان المشركون يرمون رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: فجاء أبو بكر وعليّ عليه السلام نائم وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، فقال: أين نبيّ الله؟ فقال عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدرك، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجُعل عليّ عليه السلام يرمى بالحجارة كما
1) - فهرست ابن النديم: 289.
كان يرمى رسول الله عليه السلام وهو يتضوّر قد لفّ رأسه، فقالوا: إنّك.. لكنّه كان صاحبك لا يتضوّر قد استنكرنا ذلك(1).(على المحكّ:)هذا أوّل خبر يرويه العياشي عن ابن عبّاس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ(2)، وهذا الخبر صحيح السند، وقد أخرجه عن ابن عبّاس جماعة من الحفّاظ وأئمّة الحديث كأحمد في مسنده، والحاكم النيسابوري في (المستدرك)، والحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل)، والكنجي الشافعي في (كفاية الطالب)، والذهبي في (تلخيص المستدرك)، وابن الأثير في (أسد الغابة)، وابن عساكر في ترجمة الإمام من (تاريخ دمشق)، وغيرهم وغيرهم. وقد بسطت الكلام فيه في كتاب (عليّ إمام البررة)(3)، كما ذكرته في آخر الحلقة الأولى(4)، وفي آخر الحلقة الثانية من الموسوعة(5)، حيث
1) - تفسير العياشي 1/101 برقم 293.)البحار 17/123، البرهان 1/208 ثمّ إنّه قد اختلفت النسخ هاهنا، ففي بعضها: (قد استكثرنا ذلك منك، وفي آخر: (قد استنكرنا ذلك)، وفي المحكي عن كتاب مسند أحمد بن حنبل هكذا: (فقالوا إنّك للئيم، كان صاحبك نراميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك. اه-)، عن هامش المطبوع.)2- سورة البقرة/207.3- عليّ إمام البررة 3/280 -- 302.4- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الأوّل/تسعة رهط يفسدون في الأرض.5- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء العاشر، الفصل الخامس/حديثه مع تسعة رهط يفسدون في الأرض.
ذكرت محاورة ابن عبّاس مع التسعة رهط الذين جاؤوا إليه يسألونه عن أمير المؤمنين عليه السلام، فالخبر صحيح لا شكّ فيه، وقد شرحته بتفصيل في شرح المناقب العشرة التي سيأتي ذكرها في الجزء الخاص (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام).
2- الحديث الثاني لقد جاء في الجزء الأوّل برقم (25) من روايات سورة النساء: (عن عبد الله بن أسباط، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: إنّ نجدة الحروري كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ فكتب إليه: أمّا اليتيم فانقطاع يتمه أشدّه، وهو الاحتلام، إلاّ أنّ لا يؤنس منه رشد بعد ذلك فيكون سفيهاً أو ضعيفاً فليشدّ عليه)(1).
(على المحكّ):
مضى ذكر هذا الخبر، كما مضى في أكثر من مصدر من الفريقين، ولقد مرّ ذكره في آخر الحلقة الثانية من الموسوعة(2)فراجع، إلاّ أنّ الآفة فيه جهالة عبد الله بن أسباط، ولو أغمضنا عن هذا فالخبر يدلّ على احترام الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام لابن عبّاس حين استشهد برأيه في حكم شرعي ولم يظهر خلافه.
3- الحديث الثالث في الجزء الأوّل برقم (130) من سورة النساء: (عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قول الله: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، قال: ذو
القربى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ، قال: الذي ليس بينك وبيه قرابة، وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ(1)، قال: الصاحب في السفر)(2).
(على المحكّ):
هذا الخبر عن ابن عبّاس أخرجه: ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في (شعب الإيمان) من طرق عدّة عن ابن عبّاس، كما في (الدرّ المنثور)(3)، ونقله عن العياشي البحراني في (تفسير البرهان)، والظاهر أنّ أبا صالح الراوي للخبر عن ابن عبّاس هو باذام مولى أُمّ هاني، الذي كان أكثر لصوقاً بابن عبّاس من الآخرين اللذين كنيتهما معاً أبو صالح، وقد ذكرت الثلاثة في الجزء السادس من الموسوعة(4)فراجع.
4- الحديث الرابع في الجزء الأوّل برقم ( صلي الله عليه وآله وسلم) من سورة المائدة: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ما نزلت آية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ(5)إلاّ وعليّ شريفها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّد عليه وآله السلام في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير)(6).
(على المحكّ):
إنّ القارئ الذي يعرف عكرمة البربري مولى ابن عبّاس، وأنّه الذي كان يكذب عليه في حياته وبعد مماته، قد يستغرب كيف يروي مثل هذا الخبر! لأنّ عكرمة البربري كان من الخوارج الإباضية، وموقف الخوارج من الإمام عليه السلام معروف؟ لكن إذا راجع ما تقدّم في الجزء السادس من الموسوعة في قائمة تلاميذ ابن عبّاس والرواة عنه، سيجد في أسمائهم أربعة يسمّون عكرمة، واثنان منهم كانا من موالي ابن عبّاس، أحدهما البربري والآخر الذي ذكره كلّ من البخاري في (تاريخه الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، وابن حبّان في (الثقات)، فالخبر بيقين ليس عن عكرمة البربري الإباضي، وإنّما هو عن أحد الثلاثة الباقين المسمّين بعكرمة، وهم:
1- عكرمة، مولى ابن عبّاس غير البربري.
2- عكرمة بن خالد بن العاصي المخزومي.
3- عكرمة بن سليم (كما في سبيل الهدى والرشاد للصالحي)(1).
وظنّي هو الأوّل من هؤلاء الثلاثة.
ومهما يكن، فقد روى قول ابن عبّاس هذا عنه في عدّة مصادر من الفريقين، حسبنا ذكر المصادر من الفريق الآخر، فقد أخرجه من أعيان الحفّاظ وأئمّة الحديث: كأبي نعيم في (معرفة الصحابة)(2)، وفي (حلية الأولياء)(3)، وقال: (لم نكتبه مرفوعاً إلاّ من حديث ابن أبي خيثمة)، وعنه
الخوارزمي في (المناقب)(1)، ورواه عبّاد بن يعقوب الرواجني -- وهذا من شيوخ البخاري -- موقوفاً عن ابن عبّاس، كما في (شواهد التنزيل)(2)، و(فضائل) أحمد بزيادات القطيعي(3)، و(المعجم الكبير) للطبراني(4)، و(تاريخ دمشق)(5)، و(كفاية الطالب) للكنجي الشافعي(6)، ومناقب ابن مردويه(7)، و(ذخائر العقبى)(8)، وغيرها وغيرها.
5- الحديث الخامس في الجزء الأوّل برقم (152) من روايات سورة المائدة: (عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله تعالى نبيّه محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم أن ينصب عليّاً عليه السلام علماً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يقولوا حابى ابن عمّه، وأن يطغوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(9)، فقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بولايته يوم غدير خم)(10).
1) - المناقب: 266.
2) - شواهد التنزيل 1/82 رقم 79.
3) - فضائل أحمد بزيادات القطيعي: 162 رقم 239.
4) - المعجم الكبير 11/210 رقم 11687.
5) - تاريخ دمشق 42/363.
6) - كفاية الطالب في الباب: 31.
7) - مناقب ابن مردويه: 219 رقم 303/304/305/306/307.
8) - ذخائر العقبى: 89.
9) - سورة المائدة/67.
10) - تفسير العياشي 1/331 -- 332.
(على المحكّ):
لقد أخرج هذا الحديث الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) مسنداً، فقال: (حدّثني علي بن موسى بن إسحاق، عن محمّد بن مسعود بن محمّد -- هو العياشي -- عن سهل بن بحر، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد ابن أبي عمير، عن عون -- عمر، صحّ -- بن أذينة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله، قالا:...)(1).
ورجال السند فيهم مثل ابن أبي عمير ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، كما في الكشّي، لمن يقول بهذا الإجماع، ومنهم مثل الكلبي، وأبي صالح مختلف فيهما. ومهما كانوا، فحديث الغدير فوق إفاضته الخبير القدير، وقد ألّف الأعلام فيه من الكتب ما يغني عن الإطالة في المقام، ولابن عبّاس فيه كلمة لا تزال ترنّ في مسمع من ألقى السمع وهو شهيد، قالها حين فرغ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من خطبته ودعا الناس إلى مبايعة الإمام عليّ عليه السلام قال ابن عبّاس: (وجبت في أعناق القوم)، وقد مرّ ذكرها في الجزء الأوّل من الموسوعة(2)فراجع، تجدها أحدى ثلاث حفظها ابن عبّاس رضي الله عنه وحدّث بها بإصرار وتكرار.
6- الحديث السادس في الجزء الأوّل برقم (2) من سورة الأنعام: (عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: من قرأ سورة الأنعام في كلّ ليلة كان من الآمنين يوم القيامة، ولم ير النار بعينه أبداً)(3).
(على المحكّ):
جهالة السند عن أبي صالح تكفي في ردّ هذا الخبر، ومع غض النظر عن السند نجد المتن عند عرضه على كتاب الله يعارض ما ورد فيه من قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا(1).
وقد مرّ في العاشر من الموسوعة(2)أنّ نافع بن الأزرق سأل ابن عبّاس معنى الورود، فأجابه وجرى بينهما حوار، فاستدلّ له ابن عبّاس بالآية: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا، وقال أيضاً فيما رواه عطاء عنه، قال: إنّ الورود الذي ذكره الله عزّ وجلّ في القرآن الدخول، ليردنّها كلّ برّ وفاجر، فقال ابن عبّاس: (والله لقد كان من دعاء من مضى: اللّهمّ أخرجني من النار سالماً وأدخلني الجنّة آمنا).
ولعلّ الحديث السادس من صنعة أبي عصمة نوح بن مريم وأضرابه(3).
7- الحديث السابع في الجزء الثاني برقم (32) من سورة الأعراف: (عن يوسف بن إبراهيم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعلَيَّ جبة خزّ وطيلسان خزّ، فنظر إليَّ، فقلت: جعلت فداك علَيَّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ ما تقول فيه؟ فقال: وما بأس بالخزّ، قلت: وسداه أبريسم؟ فقال: لا بأس به، فقد أصيب الحسين بن عليّ عليه السلام وعليه جبّة خزّ، ثمّ قال: إنّ عبد الله بن عبّاس لمّا بعثه أمير
1) - سورة مريم/ 71.
2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء العاشر، الفصل الخامس/محاورات نافع مع ابن عبّاس.
3) - قال السيوطي في تدريب الراوي 1/282، ط2 منشورات المكتبة العلمية بالمدينة المنورة: ومن أمثلة ما وضع حُسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى عمّار المروزي أنّه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حُسبة.
المؤمنين عليه السلام إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه، وتطيّب بأطيب طيبه، وركب أفضل مراكبه، فخرج إليهم فواقفهم، فقالوا: يابن عبّاس! بينا أنت خير الناس إذ أتيتنا في لباسٍ من لباس الجبابرة ومراكبهم، فتلا هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(1)، ألبس وتجمّل، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال وليكن من حلال)(2).
(على المحكّ):
جهالة السند من أوّله لا تمنع من النظر في متنه، وعرضه على كتاب الله تعالى، وما فيه موافق لكتاب الله تعالى.
وقد أخرج الكليني في (الكافي) صدر هذا الحديث بسنده إلى يوسف ابن إبراهيم، فقد قال: (أبو علي الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، عن أبي داود يوسف بن إبراهيم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعليَّ جبّة خزّ...) إلى قوله: (وما بالابريسم...)(3)، دون باقي الحديث.
ولقد تقدّم منّا ذكره بأوسع ممّا هنا في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من الموسوعة(4)، وآخر الحلقة الثانية من الموسوعة(5)فراجع، وهو على
كلّ حال مشعر باستدلال الإمام عليه السلام بفعل ابن عبّاس حتّى يذكر دليله، وهذا يكشف كثيراً ممّا علق بذهن القارئ ممّا مرّ، وفيه تضبيب على ابن عبّاس رضي الله عنه.
8- الحديث الثامن في الجزء الثاني برقم (52): (عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته أنّ نجدة الحروري كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن موضع الخمس لمن هو؟ فكتب إليه: أمّا الخمس فإنّا نزعم أنّه لنا ويزعم قومنا أنّه ليس لنا فصبرنا)(1).
(على المحكّ):
لقد تقدّم هذا الخبر مراراً، وفي بعض مصادره هو صحيح السند، وهذا يدلّ على رضا الإمام عليه السلام برأي ابن عبّاس، وليس ثمّ ما يدعوا إلى حمله على التقية، لأنّه عليه السلام عاش في أيّام العبّاسيين، فإنّ رأي ابن عبّاس في مسألة الخمس هو رأي أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
9- الحديث التاسع في الجزء الثاني برقم (20) من سورة البراءة، قال: (وفي رواية فضيل بن عياض، عنه عليه السلام -- يعني الإمام الصادق عليه السلام -- قال: سألته عن الحجّ الأكبر؟ قال: ابن عبّاس كان يقول: عرفة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: الحجّ الأكبر يوم النحر، ويحتجّ بقول الله: فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ(2)، عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان الحجّ الأكبر يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوماً)(3).
(على المحكّ):
لقد مرّ هذا الخبر في الجزء الثامن من الموسوعة في معارفه القرآنية وغيرها، وقلت: اختلفت المصادر في النقل حتّى ورد النقل عن كلّ من الإمام عليه السلام وابن عبّاس بأن الحجّ الأكبر يوم عرفة، وعن كليهما أيضاً: يوم النحر، كما في (الدرّ المنثور) للسيوطي(1).
10- الحديث العاشر في الجزء الثاني برقم ( 70)، قال: (عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: إنّ نجدة الحروري كتب إلى ابن عبّاس سأله عن أشياء: عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا اليتيم فانقطاع يتمه إذا بلغ أشدّه، وهو الاحتلام)(2).
(على المحكّ):
ليس في الحديث ما يستنكر حتّى نطيل الوقوف عنده.
11- الحديث الحادي عشر في الجزء الثاني برقم (129)، قال: (عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل إلى أبي فقال: ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت؟ وفيمن نزلت؟ قال أبي: فسله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(3)؟ وفيمن نزلت:
لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ(4)؟ وفيمن نزلت
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(1)؟ فأتاه الرجل فغضب، فقال: وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله، ولكن سله ممّ العرش؟ وفيم خلق؟ وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي، فقال: ما قيل له، فقال أبي: وهل أجابك في الآيات؟ قال: لا، قال لكنّي أجيبك فيها بنور وعلم غير المدّعي ولا المنتحل، أمّا الأوّليان فنزلتا في أبيه، وأمّا الأخرى فنزلت في أبيه وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به فعل (بعد، خ) وسيكون من نسلنا المرابِط ومن نسله المرابَط)(2). (على المحكّ):
لقد مرّ هذا الحديث وما فيه من علامات استفهام تسقطه عن الاحتجاج به.
12- الحديث الثاني عشر في الجزء الثاني برقم (52)، قال: (عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنّ نجدة الحروري كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن سبي الذراري؟ فكتب إليه: أمّا الذراري فلم يكن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقتلهم، وكان الخضر يقتل كافرهم، ويترك مؤمنهم، فإن كنت تعلم ما يعلم الخضر فاقتلهم)(3).
(على المحكّ):
الحديث ورد في أكثر من مصدر من التراث عن الفريقين، وليس فيه
ما يستنكر على ابن عبّاس رضي الله عنه.
13- الحديث الثالث عشر في الجزء الثاني برقم (64)، قال: (عن يزيد ابن رويان، قال: دخل نافع بن الأزرق المسجد الحرام والحسين بن عليّ عليه السلام مع عبد الله بن عبّاس جالسان في الحجر، فجلس إليهما، ثمّ قال: يابن عبّاس! صف لي إلهك الذي تعبده؟ فأطرق ابن عبّاس طويلاً مستبطئاً بقوله، فقال له الحسين: إليَّ يابن الأزرق! المتورّط في الضلالة، المرتكن في الجهالة، أجيبك عمّا سألت عنه.
فقال: ما إياك سألت فتجيبني.
فقال له ابن عبّاس: مه عن ابن رسول الله، فإنّه من أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة.
فقال له: صف لي؟
فقال له: أصفه بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتزق، وبعيد غير مُقص، يوحّد ولا يتبعّض، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.
قال: فبكى ابن الأزرق بكاءً شديداً.
فقال له الحسين: ما يبكيك؟
قال: بكيت من حسن وصفك.
قال: يابن الأزرق! إنّي أخبرت أنك تكفّر أبي وأخي وتكفّرني؟
قال له نافع: لئن قلت ذلك، لقد كنتم الحكّام ومعالم الإسلام، فلمّا بدّلتم استبدلنا بكم.
فقال له الحسين: يابن الأزرق! أسألك عن مسألة فأجبني، عن قول الله لا إله إلاّ هو: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ
لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا(1)من حفظ فيهما؟ قال: فأيّهما أفضل أبواهما، أم رسول الله وفاطمة؟ قال: لا بل رسول الله وفاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قال: فما حفظهما حتّى حيل بيننا وبين الكفر؟!
فنهض ثمّ نفض ثوبه، ثمّ قال: قد نبأنا الله عنكم معشر قريش أنتم قوم خصمون)(2).
(على المحكّ):
لقد مرّ هذا في الموسوعة في الجزء العاشر(3)، وفي هذا الجزء أيضاً، والذي فيه ما يحسب لابن عبّاس رضي الله عنه لا عليه فقد نوّه بفضل أبي عبد الله الحسين عليه السلام حتّى طوّع نافع بن الأزرق الخارجي العنيد لأن يجلس عند الحسين عليه السلام ويسأله.
ولم يكن إطراق ابن عبّاس رضي الله عنه ساكتاً عجزاً عن الجواب، بل هو إعظاماً لربّ العالمين، وهذا من كمال عقله، وهو القائل: (أساس الدين بني على العقل، وفُرضت الفرائض على العقل، وربّنا يعرف بالعقل، ويتوسّل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربّه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من برّ العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام)(4).
ذكره شيخنا المغفور له الرازي في (الذريعة) عند ذكر تفسيره.
وقال ما ملخّصه: (أكثر فيه من الرواية: عن الحسين بن سعيد الأهوازي الذي كان من أصحاب الأئمّة: الرضا، والجواد، والهادي عليهم السلام، وعن جعفر بن محمّد بن مالك البزّاز الفزاري المتوفى سنة (300ه-) شيخ أبي غالب الزراري، وعن عبيد بن كثير العامري الكوفي المتوفى سنة (294ه-)... وذكر لكلّ من هؤلاء وغيرهم مشايخ كثيرة وعنهم أسانيد عديدة، وذكر سائر مشايخه البالغين إلى نيف ومائة، كلّهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أُصولنا الرجالية... ويروي التفسير عن فرات والد شيخنا الصدوق المتوفى سنة (329ه-)... كما أنّه يروي عن علي بن إبراهيم المتوفى بعد سنة (307ه- )، ولعلّ فرات بقي إلى حدود تلك السنة... وأمّا الشيخ الصدوق فيروي في كتبه عن فرات كثيراً، إمّا بواسطة والده، أو بواسطة الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي... واعتمد على تفسير فرات من القدماء بعد الصدوقين الشيخ الحاكم أبو القاسم الحسكاني، فنقل عنه في كتابه (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل)(1)... وكان راوية فرات أبا
1) - لقد أحصيت على عجل الموارد التي روى الحسكاني فيها عن فرات فكانت في الجزء الأوّل: ثلاثين رواية، وفي الجزء الثاني: خمساً وثلاثين رواية، وربّما فاتني غيرها.
القاسم عبد الرحمن بن محمّد الحسني، وهذا ليس له ذكر في الأُصول الرجالية، لكنّه مذكور في أسانيد كتب الحديث مكرّراً، وهو شيخ بعض أجلاء مشايخ الصدوق، منهم أحمد بن محمّد بن الحسن القطّان، فإنّه يروي الصدوق في أماليه عنه عن الحسن، ومنهم حمزة بن محمّد العلوي الشريف، فإنّه يروي الصدوق عنه في الأمالي أيضاً عن الحسني)(1).
وكان فرات وعلي بن إبراهيم متعاصرين، ويروي عن كلّ منهما علي ابن بابويه والد الصدوق، وقد طبع تفسيره مكرّراً، وقد حقّقه مؤخّراً محمّد الكاظم، وطبع في إيران سنة1410ه- وفقه الله والعاملين معه وأثابهم على ما بذلوه من جهد لإحياء هذا التراث، وقد اعتمدت الطبعة المحقّقة في استخراج بعض روايات ابن عبّاس في تفسير القرآن.
ويبقى (تفسير فرات) كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، ويبقى فرات كباقي الرواة يخضع للتمحيص في مروياته، وقد أخرج في تفسيره عن ابن عبّاس مرفوعاً نيّف ومائة وثلاثين حديثاً، جلّها فيما يتعلّق بفضل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، وسيأتي جلّها في آخر أجزاء الموسوعة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام).
1) - الذريعة 4/298.
هو أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، تلميذ الكليني، وشريك الصفواني، ويكنّى عند أهل العلم بابن أبي زينب، ترجمه النجاشي في رجاله وأثنى عليه، وله كتب أشهرها: كتاب الغيبة، ودونها في الشهرة كتابه في التفسير، ولم يصل إلينا بتمامه، وإنّما الواصل بعض أخباره في المصادر المتأخّرة(1).
فمن تفسير النعماني، عن ابن عبّاس، ما رواه عن محمّد بن إبراهيم، قال: (أخبرنا علي بن أحمد، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم ابن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليه السلام: أنّ ابن عبّاس بعث إليه من سأله عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(2)؟ فغضب عليّ بن الحسين عليه السلام
1) - وهو مطبوع، ذكره شيخنا الرازي قدّس سرّه في الذريعة 4/318، وهذا بعض ما قاله باقتضاب: قد رأى الشيخ الحرّ العاملي -- صاحب الوسائل -- قطعة منه، ولعلّ مراده من القطعة هي الروايات المبسوطة التي رواها النعماني بإسناد إلى الإمام الصادق عليه السلام وجعلها مقدّمة تفسيره، وقد أوردها بتمامها العلاّمة المجلسي في مجلّد القرآن من البحار، وهي التي دوّنت مفردة مع خطبة مختصرة وتسمى ب-(المحكم والمتشابه) وتنسب إلى السيّد المرتضى.
2) - سورة آل عمران/200.
قال للسائل: وددت أنّ الذي أمرك بهذا واجهني به، ثمّ قال: نزلت في أبي وفينا ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد، وسيكون ذلك ذرّية من نسلنا المرابط، ثمّ قال: أما إنّ في صلبه -- يعني ابن عبّاس -- وديعة ذرئت لنار جهنّم سيخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً، ستصبغ الأرض بدماء فراخ من فراخ آل محمّد عليهم السلام، تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب من غير مدرك، وترابط الذين آمنوا ويصبرون ويصابرون حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين)، كذا في (البرهان). وقال مؤلّفه: وسيأتي هذا الحديث في قوله: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)، بوجه آخر(2).
أقول: لقد ذكر الحديث مرّة أخرى في تفسيره نقلاً عن علي بن إبراهيم، قال: (حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أبى عليّ ابن الحسين عليهما السلام فقال: إنّ ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن في أيّ يوم نزلت وفيمن نزلت، فقال أبى عليه السلام: سله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً؟ وفيمن نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ(3)؟ وفيمن نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ؟ فأتاه الرجل فسأله، فقال: وددت أنّ الذي أمرك بهذا واجهني به فاسأله عن العرش ممّ خلقه الله؟ ومتى خلق؟ وكم هو؟ وكيف هو؟ فانصرف الرجل
إلى أبي، فقال أبي: فهل أجابك بالآيات؟ قال: لا، قال أبي: لكن أجيبك فيها بعلم ونور غير المدّعي ولا المنتحل: أما قوله: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً فقد نزلت فيه وفي أبيه، وأمّا قوله: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ففي أبيه، وأمّا الأخرى ففي ابنه نزلت وفينا، ولم يكن المرابط الذي أمرنا به وسيكون ذلك من نسلنا المرابِطة ومن نسله المرابَطة، وأمّا ما سأل عنه من العرش ممّ خلقه الله؟ فإنّ الله خلقه أرباعاً، لم يخلق قبله إلاّ ثلاثة: الهواء، والقلم، والنور، ثمّ خلقه من ألوان أنوار مختلفة من ذلك النور، نور أخضر ومنه اخضّرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة، ونور أحمر منه احمرّت الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار، ثمّ جعله سبعين ألف طبق، كأوّل العرش إلى أسفل السافلين ليس من ذلك طبق إلاّ يسبّح بحمد ربّه ويقدّسه بأصوات مختلفة، وألسنة غير مشتبهة، لو أذن للسان واحد فأسمع شيئاً ممّا تحته لهدم الجبال والمدائن والحصون وكشف البحار، ولهلك ما دونه، له ثمانية أركان يحمل كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصي عددهم إلاّ الله يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، ولو أحسّ شيء ممّا فوقه ما قام لذلك طرفة عين، بينه وبين الإحساس الجبروت والكبرياء والعظمة والقدس والرحمة والعلم، وليس وراء هذا مقال. فقد طمع الحائر في غير مطمع، أما أنّ في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنّم فيُخرجون أقواماً من دين الله، وستصبغ الأرض بدماء أفراخ من أفراخ آل محمّد، تنهض تلك الأفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، وترابط الذين آمنوا، ويصبرون ويصابرون حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين)(1).
1) - تفسير البرهان 2/432.
(على المحكّ):
لقد رُوي هذا الخبر في عدّة من المصادر المتأخّرة نقلاً عن النعماني، وهو عنده عن علي بن إبراهيم، ولمّا سبق لي أن عرّفت القارئ بعلي بن إبراهيم وتفسيره المطبوع المتداول، وما فيه من هفوات لا تغتفر، وكان منها هذا الخبر، فلا حاجة إلى الوقوف عنده مرّة ثانية، لكن الذي وددت تنبيه القارئ عليه هو أنّ السيّد هاشم البحراني رحمه الله من أعلام أواخر القرن الحادي عشر والمتوفى سنة (1107 أو 1109ه-)، قد ذكر هذا في (تفسيره البرهان) برقم (5) في تفسير قوله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)، وتعقبه بقوله: (وروى المفيد هذا الحديث في الاختصاص إلى وهو خير الحاكمين)(2).
ولمّا كنت قد سبق منّي تقديم الكتاب المذكور في طبعة الحيدرية سنة (1390ه-)، فقد رأيت الخبر فيه في (ص66)، وقد رواه المؤلّف بسند عن غير طريق علي بن إبراهيم، بل قال: (وعنه -- يعني عن جعفر بن الحسين -- عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن علي بن إسماعيل)، وفي هذا يلتقي بسند علي بن إبراهيم، ولا مؤاخذة في هذا، إلاّ أنّ الذي ذكر في الاختصاص قدّم له مؤلّفه بخبرين ينافيان في مؤدّاهما عكس ما في الخبر المذكور المشعر بذم ابن عبّاس.
وإلى القارئ ذكر الخبرين اللذين ذكرهما مؤلّف (الاختصاص)
مفتتحاً بهما عنوان: (عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب):
(1- حدّثنا جعفر بن الحسين، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح بن محمّد المحاربي، عن أبي عبد الله وعن ابن جريح (جريج ظ)، وغيره من ثقيف: أنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج به خرج من تحت كفنه طير أبيض ينظرون إليه يطير نحو السماء حتّى غاب عنهم.
2- وقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكان أبي عليه السلام وهو غلام تلبسه أُمّه ثيابه فينطلق في غلمان بني عبد المطّلب، قال: فأتاه فقال: من أنت؟ -- بعدما أصيب بصره -- فقال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك)(1).
فهذان الخبران قد وردا في (اختيار رجال الكشّي)(2)أيضاً، ولنا عودة إليهما، فهما يدّلان على مدح ابن عبّاس لا على ذمّه، كما في الخبر الأوّل الذي رواه النعماني وغيره.
وكان للنعماني في كتاب (الغيبة) مرور عابر بابن عبّاس، وذلك في الخبر الذي تقدّم، ويأتي في شأن: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(3)، ولكن لا بالصورة المشعرة بالذمّ، بل بالعكس أنّها تشعر بالمدح.
حيث روى النعماني في غيبته، في باب (4)، ما روي في أنّ الأئمّة اثنا
عشر إماماً، وأنهّم من الله وباختياره، الحديث (3)، قال: (وأخبرنا محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من رجاله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر محمّد بن علي، عن آبائه عليهم السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وما قضي فيها، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال ابن عبّاس: من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون)(1).
1) - الغيبة: 68. وهذا الخبر ورد عند الصدوق في بعض كتبه وعند غيره.
ترجمه الشيخ الطوسي في (الفهرست)، و(الرجال)، والنجاشي في رجاله، وابن شهرآشوب في (معالم العلماء)، وابن داود في رجاله، والعلاّمة الحلّي في (الخلاصة)، وغيرهم ممّن تأخّر عنهم، واتّفق الجميع على الثناء عليه وذكر فضله، وذكر تصانيفه التي لم يصل إلينا منها سوى (كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر)، وقد رتّب الأحاديث على أسماء الرواة، فجمع أحاديث كلّ واحد فذكرها مجموعة، وهذا نهج سليم، ولمّا كان ابن عبّاس من رواتها فقد افتتح كتابه بما جاء عنه مرفوعاً، فعقد لها باباً خاصاً، وختم الباب بما ختم به ابن عبّاس حياته، فكانت خاتمة أعماله إعلانه بولاية أهل البيت عليهم السلام، ولم يعهد عن غيره مثله، وقد أحسن الخزّاز صنعاً حين جمع أربعة أحاديث مرفوعة، وخامسها جمع المرفوع والموقوف. وجميع الذي رواه الخزّاز فقد ورد مروياً في مصادر التراث الإسلامي من غير طريق رواتنا، وستأتي جميعها محقّقة في آخر أجزاء الموسوعة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام)، وما ذكره الخزّاز يرجّح كفّة الحسنات في ميزان ابن عبّاس، وحسبنا بهذا على المحكّ.
لقد كُتب عنه الكثير، وفي مقدّمة كتابه (من لا يحضره الفقيه) ترجمة وافية شافية لسماحة السيّد الوالد قدس سره، كما أنّي سعدت بتقديم سبعة من كتبه، فترجمته بما اقتضت طبيعة تقديم كلّ كتاب، وهي بحسب سنيّ صدورها بنشر المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف:
1- التوحيد، طبع سنة 1386ه- .
2- إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة، طبع سنة 1389ه- .
3- الأمالي، طبع سنة 1389ه- .
4- عيون أخبار الرضا عليه السلام، طبع سنة 1390ه- .
5- الخصال، طبع سنة 1391ه- .
6- معاني الأخبار، طبع سنة 1391ه- .
فليس عندي فعلاً مزيد على ما قدّمت لها. ولمّا كان الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى ممّن يشمله كتابي على المحكّ، فلا مناص من التعرّض له من هذا الجانب فيما يتعلّق بابن عبّاس في الميزان في الكتب التي ذكرتها، مضافاً إليها كتابه الخالد الذكر (من لا يحضره الفقيه).
ولا يستوحش القارئ من ذكري له على المحكّ، فهو إنسان ومهما بلغ من العلم مقاماً عليّاً، يجوز عليه ما يجوز على غيره من سائر الناس، من سهو
ونسيان وخطأ، فالعصمة لأهلها.
ومن قرأ كتابه (الاعتقادات)، وقرأ نقد الشيخ المفيد رحمه الله له في (تصحيح الاعتقاد)، يطمأن إلى صحّة قولي من أنّه بشر -- يجوز عليه ما يجوز على أمثاله، فلا مؤاخذة على من رأى فيه ذلك وهو يقرأ ما قاله الشيخ المفيد رحمه الله ناقداً من دون إساءة أدب مع شيخه، لكنّها جرأة.
حيث قال في فصل النفوس والأرواح: ]كلام أبي جعفر -- يعني الصدوق -- في النفس والروح على مذهب الحدس دون التحقيق، ولو اقتصر على الأخبار ولم يتعاط ذكر معانيها، كان أسلم من الدخول في باب يضيق عليه سلوكه[(1).
وقال بعد كلام: ]ما كان ينبغي لمن لا معرفة له بحقائق الأمور أن يتكلّم فيها على خبط عشواء، والذي صرّح به أبو جعفر رحمه الله في معنى الروح والنفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنّه قولهم، فالجناية بذلك على نفسه وعلى غيره عظيمة، فأمّا ما ذكره من أنّ الأنفس باقية فعبارة مذمومة، ولفظ يضادّ ألفاظ القرآن، قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ _ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ(2)، والذي حكاه من ذلك وتوهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين يزعمون أنّ الأنفس لا يلحقها الكون والفساد، وأنّها باقية، وإنّما تفنى وتفسد الأجسام المركبة، وإلى هذا ذهب بعض أهل التناسخ وزعموا أنّ الأنفس لم تزل تتكرّر في الصور والهياكل، لم تحدث، ولم تفن، ولن تعدم، وإنّها باقية غير فانية،
وهذا من أخبث قول وأبعده عن الصواب، وبما دونه في الشناعة والفساد شنع به الناصبة على الشيعة، ونسبوهم إلى الزندقة، ولو عرف مثبته ما فيه لما تعرّض له، ولكن أصحابنا المتعلّقين بالأخبار أصحاب سلامة، وبُعد ذهن، وقلّة فطنة، يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث، ولا ينظرون في سندها، ولا يفّرقون بين حقّها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها...[(1).
وللمفيد رحمه الله كلام في رسالته عدم سهو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فيه تحامل شديد على الصدوق، وإن لم يصرّح باسمه، لكنّه المقصود، إذ هو القائل بسهو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقد قال:
]اعلم أنّ الذي حكيتَ عنه ما حكيتَ ممّا قد أثبتناه، قد تكلّف ما ليس من شأنه، فأبدى بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممّن وُفّق لرشده لما تعرّض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفة طريقه، لكن الهوى مودٍ بصاحبه، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك منهج الحقّ وأوضح الطريق بمنّه[ وختم رسالته في عدم سهو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بقوله:
]وإنّ شيعياً يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبيّ عليه السلام بالغلط والنقص وارتفاع العصمة عنه من العناد لناقص العقل، ضعيف الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل[(2).
أقول: فبعد هذا الكلام الفصيح الصريح أتطلب أثراً بعد عين في نقد الموروث المقدّس؟ فالشيخ المفيد ينقد شيخه الصدوق فيما يراه، وكذا غيره من الأعلام، فلهم في بعضهم من قوارص الكلام ما يُستغرب، ولست في مقام التبرير، بل هو التعذير إن أسيء فهم معنى كلامي لقصوري في التعبير، ومهما يكن فلست في مقام التشهير، لكنّها الحقيقة المرّة التي على الباحث أن يتجرّعها ولا يكاد يستسيغها، فهي كالدواء المرّ لكن فيه الشفاء.
والآن إلى ما في كتب الصدوق رحمه الله ممّا يتعلّق بذاتية ابن عبّاس في الميزان، لغرض عرضه على المحكّ.
فقد روى الصدوق بأسانيده عن ابن عبّاس سبعة أحاديث:
أوّلها: في باب ثواب الموحّدين، الحديث برقم (14)، بإسناده عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (ما من الكلام كلمة أحبّ إلى الله من قول: لا إله إلاّ الله، وما من عبد يقول: لا إله إلاّ الله يمدّ بها صوته فيفرغ إلاّ تناثرت ذنوبه تحت قدميه كما يتناثر ورق الشجرة تحتها).
ثانيها: في نفس الباب السابق برقم (31)، بإسناده عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (والذي بعثني بالحقّ بشيراً لا يعذّب الله بالنار موّحداً أبداً، وإنّ أهل التوحيد يشفعون فيُشفّعون...)الخ.
(على المحكّ):
ليس في هذين الخبرين من مؤاخذة على ابن عبّاس رضي الله عنه لنبحث عن السند فيهما.
ثالثها: في باب التوحيد ونفي التشبيه برقم (35)، قال: (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري بالبصرة، قال: أخبرنا محمّد بن زكريا الجوهري الغلابي البصري، قال: حدّثنا العبّاس بن بكار الضبي، قال: حدّثنا أبو بكر الهلالي، عن عكرمة، قال: بينما ابن عبّاس يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يابن عبّاس! تفتي في النملة والقملة، صف لنا إلهك الذي تعبده، فأطرق ابن عبّاس إعظاماً لله عزّ وجلّ، وكان الحسين بن عليّ عليه السلام جالساً ناحية، فقال: إليَّ يابن الأزرق، فقال: لستُ إياك أسأل، فقال ابن عبّاس: يابن الأزرق! إنّه من أهل بيت النبوّة، وهم ورثة العلم، فأقبل نافع ابن الأزرق نحو الحسين عليه السلام، فقال له الحسين عليه السلام: يا نافع! إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً (ظالعاً ظ) في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يابن الأزرق! أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيد غير متقّص، يوحّد ولا يبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال).
(على المحكّ):
لقد مرّ هذا الخبر في الجزء العاشر من الموسوعة(1)، وفي هذا الجزء، وليس فيه من مؤاخذة على ابن عبّاس، بل قد يستفاد منه المدح، حيث ذكر فضل الحسين عليه السلام لذلك الخارجي العنيد، حتّى انثنى فسمع كلام الإمام
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء العاشر، الفصل الخامس/كلامه في التوحيد.
الحسين عليه السلام في صفة إله العالمين، ولهذا الخبر روايات أخرى، بينها تفاوت في الزيادة والنقصان.
رابعها: في باب ما جاء في الرؤية برقم (22)، بإسناده عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(1)، قال: (يقول: سبحانك تبت إليك من أن أسألك الرؤية، وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى).
(على المحكّ):
رجال السند من المقبولين وإن لم يسلم بعضهم من تجريح عند غيرنا، والمتن صريح صحيح في أنّ ابن عبّاس قال ما هو عنده من قول ينفي الرؤية، بينما مرّ في الموسوعة نقلاً عن الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة نسبة القول بالرؤية إلى ابن عبّاس، ومرّ تفنيد ذلك، وهذا الخبر يؤيّد ما مرّ منّي.
خامسها: في باب ذكر عظمة الله جلّ جلاله برقم (4)، بإسناده عن وهب، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ لله تعالى ديكاً رجلاه في تخوم الأرض السابعة السفلى، ورأسه عند العرش ثاني، عنقه تحت العرش...) إلى آخر الحديث بطوله.
(على المحكّ):
لا يبعد أن يكون موضوعاً من وهب الذي لم تسلم رواياته من الإسرائيليات وينسبها إلى ابن عبّاس لتمشية الحال.
1) - سورة الأعراف/143
سادسها: في آخر باب أدنى ما يجزي من معرفة التوحيد برقم (5)، بإسناده عن ابن عبّاس، قال: جاء إعرابي إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! علّمني من غرائب العلم، قال: (ما صنعت في رأس العلم حتّى تسأل عن غرائبه؟) قال الرجل: ما رأس العلم يا رسول الله؟ قال: (معرفة الله حقّ معرفته)، قال الأعرابي: وما معرفة الله حقّ معرفته؟ قال: (لتعرفه بلا مثل، ولا شبه، ولا ندّ، والله: واحد، أحد، ظاهر، باطن، أوّل، آخر، لا كفو له ولا نظير، فذلك معرفته).
(على المحكّ):
ليس في المتن ما يستغرب، لكن في السند محمّد بن سنان وهو مذموم، عن محمّد بن يعلى الكوفي وهو مجهول، عن جويبر وهو مجروح، عن الضحّاك وهو عندي مقبول.
سابعها: في باب القضاء والقدر برقم (283)، فكذلك خبر الشيخ الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن القضاء والقدر، وهذا الخبر رواه الصدوق بعدّة أسانيد توثيقاً له، وهي تتفاوت تفاوتاً يسيراً، وليس فيه من المؤاخذة على ابن عبّاس رضي الله عنه.
فقد أخرج فيه الصدوق عدّة أحاديث عن ابن عبّاس.
فأوّلها: حديث الأشباه، وهو حديث جليل، فقد رواه الصدوق في كتابه المذكور، فقال: (حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رحمه الله، قال: حدّثنا علي بن الحسين ابن السعدآبادي، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد، قال: حدّثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كنّا جلوساً عند
رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في سلمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطانته، وإلى داود في زهده، فلينظر إلى هذا)، قال: فنظرنا فإذا عليّ بن أبي طالب عليه السلام قد أقبل كأنّما ينحدر من صبب)(1).
(على المحكّ):
هذا الحديث يعرف بحديث الأشباه، لتشبيه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بجماعة من الأنبياء عليهم السلام، كلاًّ في صفة خاصّة، وقد رواه ابن عبّاس وغيره من الصحابة، وأخرجه الحفّاظ في كتبهم الحديثية(2)، ولشهرته فقد نظمه المفجع البصري(3)
قم ذميماً إلى الجحيم خزيّا *** أيّها اللائمي لحبي عليّاً
-ت مذوداً عن الهدى مزويّا *** أبخير الأنام عرّضت لا زل-
وفطيماً وراضعاً وغذّيا *** أشبه الأنبياء كهلاً ونفلا
عُلم الأسماء والمكنيّا *** كان في علمه كآدم إذ
إلى آخر القصيدة.
، وشرحه الحافظ الكنجي الشافعي (ت658ه-) في كتابه1) - إكمال الدين: 26.
2) - كابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام من تاريخ مدينة دمشق 2/280 ط1، وشيخ الإسلام الحموي في فرائد السمطين 1/170، وكلاهما بتحقيق العلاّمة الشيخ المحمودي (ره)، وممّن أخرجه الخوارزمي الحنفي في المناقب في الفصل السابع: 40، ط الغري، والحافظ المحبّ الطبري شيخ الحرم المكّي في كتابيه ذخائر العقبى والرياض النضرة.
3) - ذكره ياقوت في معجم الأدباء 2/321، والقفطي في كتابه (المحمّدون) في ترجمته، فذكرا الحديث عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، ثمّ قالا: فأورد المفجّع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأوّلها:
(كفاية الطالب)، وعقد له باباً خاصاً، فقال: (الباب الثالث والعشرون في تشبيه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب عليه السلام بآدم في علمه، وأنّه مثلّه بنوح في حكمته، ومثلّه بإبراهيم خليل الرحمن في حلمه، عليهم الصلاة والسلام...
ثمّ ساق الحديث بإسناده إلى ابن عبّاس، وتعقبه بقوله: قلت: تشبيهه لعليّ بآدم في علمه، لأنّ الله علّم آدم صفة كلّ شيء، كما قال الله عزّ وجلّ: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا(1)، فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلاّ وعند عليّ فيها علم، وله في استنباط معناها فهم، وشبّهه بنوح في حكمته -- وفي رواية في حكمه وكأنّه أصحّ -- لأنّ عليّاً عليه السلام كان شديداً على الكافرين، رؤوفاً بالمؤمنين، كما وصفه الله في القرآن بقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ(2)، وأخبر الله عن شدّة نوح على الكافرين بقوله: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً(3)، وشبهّه في الحلم بإبراهيم خليل الرحمن، كما وصفه عزّ وجلّ بقوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ(4)، فكان متخلّقاً بأخلاق الأنبياء، متّصفاً بصفات الأصفياء). اه-
هذا الحديث في ميزان ابن عبّاس رضي الله عنه في كفّة الحسنات أرجح فيها من غيرها، لأنّه يحدّث بمناقب الإمام عليه السلام في وقت منع معاوية من التحديث بها، وقد مرّ في الجزء الخامس، والجزء العاشر من الموسوعة(5)ما دار بين
ابن عبّاس وبين معاوية من حوار حول المنع؛ فراجع.
ثانيها: الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه (إكمال الدين)، عن ابن عبّاس، فقال: (حدّثنا علي بن أحمد بن عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جدّه أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه محمّد بن خالد، عن غياث بن إبراهيم، عن ثابت بن دينار، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (يا عليّ! أنا مدينة الحكمة وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلاّ من قبل الباب، فكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك، إنّك منّي وأنا منك، لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك من سريرتي، وعلانيتك من علانيتي، وأنت إمام أُمّتي، وخليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، وفاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمّة من ولدك مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلّ ما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة))(1).
(على المحكّ):
رجال السند جميعاً ثقات، ودلالة المتن أعلى وأغلى في ميزان الموالاة، ويبقى ابن عبّاس رضي الله عنه هو الأوّل في رواية ما ينفع الناس، والمجلي في حلبة الجهاد في سبيل العقيدة وإرشاد الخلق سواء الصراط، وهذا ما يرجّح له كفّة الميزان في الحسنات، ويفنّد ما زُعم له من السيئات، كما في
1) - إكمال الدين: 235.
مسألة خيانة بيت مال البصرة، كما سيأتي الحديث عنها.
ثالثها: الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق في كتابه (إكمال الدين)، عن ابن عبّاس، فقال: (حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسروق، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن المعلّى، عن محمّد البصري، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر، وأوّلهم أخي، وآخرهم ولدي).
قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: (عليّ بن أبي طالب).
قيل: ومن ولدك؟ قال: (المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنوره (نور ربّها ظ) ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب))(1).
(على المحكّ):
رجال السند مقبولون موثّقون، على أنّ فيهن الحكم بن عتيبة وابنه عبد الله بن الحكم وهما من رجال العامّة، وقيل في الحكم ما يجرحه ذمّاً في العقيدة، إلاّ أنّه موثّق في الرواية، لرواية عدّة من الأجلاء عنه، كجميل بن دراح، والفضيل، وعبد الرحمن بن الحجّاج -- وهذا من أصحاب الإجماع المحكي عن الكشّي -- والمتن بالغ القبول، وقد أخرجه من العامّة الحموئي
1) - إكمال الدين: 273 -- 274.
(ت 722ه-) في (فرائد السمطين)، والقندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة)(1)، فهو ممّا يثقل بميزان ابن عبّاس بالحسنات.
رابعها: الحديث الذي أخرجه الشيخ الصدوق في (إكمال الدين)، قال: (حدّثنا علي بن محمّد بن عبد الله الوراق الرازي، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد الله ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون))(2).
(على المحكّ):
كسابقه في أنّه مقبول السند والمتن، وقد رواه من العامّة الحموئي في (فرائد السمطين)(3)، وقد مرّ في الموسوعة مكرّراً، وفي كتاب (عليّ إمام البررة)(4).
خامسها: الحديث الذي أخرجه الشيخ الصدوق في (إكمال الدين)، فقال: (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب العطّار، قال: حدّثنا الفضل بن الصقر العبدي، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عباية
ابن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد النبيّين وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أوّلهم عليّ ابن أبي طالب، وآخرهم القائم (عجّل الله فرجه))(1).
(على المحكّ):
كسابقيه في القبول سنداً ومتناً.
سادسها: الحديث الذي ذكره الشيخ الصدوق في (إكمال الدين)، قال: (حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عثمان، عن محمّد بن الفرات، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عليّ بن أبي طالب إمام أُمّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر)، فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: يا رسول الله! وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: (أي وربّي وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(2)، يا جابر! إنّ هذا الأمر من أمر الله، وسرّ من سر الله مطويّ عن عباده، فإياك والشكّ فيه، فإنّ الشكّ في أمر الله عزّ وجلّ كفر))(3).
(على المحكّ):
كسابقيه سنداً ومتناً ودلالة في القبول.
هذه الأحاديث في مناقب أهل البيت عليهم السلام، وكان حقّها أن تذكر في آخر الموسوعة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام)، لكنّي إنّما ذكرتها لأنّ الشيخ الصدوق ذكر بعدها خبراً طويلاً ليس من جنسها، وفيه فجوات عديدة ولابن عبّاس فيه حوار مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وأنا إذ أذكره لا يعني تصديقي له، بل لبيان أنّ الشيخ الصدوق ذكره وكأنّه مصدّق به، على ما فيه! ويبقى هو شأنه شأن المحدّثين في روايتهم الحديث من غير تعقيب إلاّ نادراً.
سابعها: من الأحاديث التي رواها الشيخ الصدوق رحمه الله في (إكمال الدين)، فقال: (1- حدّثنا أحمد بن الحسن بن القطّان وكان شيخاً لأصحاب الحديث ببلد الريّ يعرف بأبي علي بن عبد ربّه، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى ابن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم ابن بهلول، قال: حدّثنا علي بن عاصم، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خرجته إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو شط الفرات قال: بأعلى صوته: (يا بن عبّاس! أتعرف هذا الموضع؟) قال: قلت: ما أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: (لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي)، قال: فبكى طويلاً حتّى اخضلت لحيته(1)وسالت الدموع على صدره وبكينا معه وهو يقول: (أوه أوه
1) - قوله: اخضلت لحيته أي ابتلت بالدموع.
مالي ولآل أبي سفيان، مالي ولآل حرب: حزب الشيطان وأولياء الكفر؟! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم)، ثمّ دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلّى ما شاء الله أن يصلّي.
ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل إلاّ أنّه نعس عند انقضاء صلاته ساعة، ثمّ انتبه فقال: (يا بن عبّاس)، فقلت: ها أنا ذا، فقال: (ألا أخبرك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي؟) فقلت: نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين، قال: (رأيت كأنّي برجال بيض قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض، قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع، وقد خطوا حول هذه الأرض خطّة، ثمّ رأيت هذه النخيل قد ضربت بأغصانها إلى الأرض، فرأيتها تضطرب بدم عبيط، وكأنّي بالحسين نجلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه، يستغيث فلا يغاث، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبراً آل الرسول فإنّكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة، ثمّ يعزونني ويقولون: يا أبا الحسن أبشر فقد أقرّ الله عينك به يوم القيامة، يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ثمّ انتبهت هكذا.
والذي نفس علي بيده لقد حدّثني الصادق المصدق أبو القاسم صلي الله عليه وآله وسلم، أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً كلّهم من ولدي وولد فاطمة عليها السلام، وأنّها لفي السماوات معروفة، تذكر أرض كرب وبلاء، كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس)، ثمّ قال: (يا بن عبّاس! اطلب لي حولها بعر الظباء، فوالله ما كذبت ولا كذّبت قط وهي مصفرة لونها لون الزعفران).
فقال ابن عبّاس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أمير المؤمنين! قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي، فقال عليّ عليه السلام: (صدق الله ورسوله)، ثمّ قام يهرول إليها فحملها وشمها، وقال: (هي هي بعينها، تعلم يا بن عبّاس ما هذه الأبعار؟ هذه قد شمّها عيسى ابن مريم عليه السلام، وذلك أنّه مرّ بها ومعه الحواريون، فرأى هذه الظباء مجتمعة، فأقبلت إليه الظباء، وهي تبكي، فجلس عيسى عليه السلام وجلس الحواريون، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى، فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد، وفرخ الحرّة الطاهرة البتول شبيهة أُمّي ويلحد فيها، وهي أطيب من المسك، وهي طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول: إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض، ثمّ ضرب بيده إلى هذه البعرات فشمّها، فقال: هذه بعر الظباء على هذه الطيب بمكان حشيشها، اللّهمّ أبقها أبداً حتّى يشمّها أبوه فتكون له عزاء وسلوة). قال: (فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرّت لطول زمنها، هذه أرض كرب وبلاء).
وقال بأعلى صوته: (يا ربّ عيسى بن مريم! لا تبارك في قتلته، والحامل عليه، والمعين عليه، والخاذل له).
ثمّ بكى بكاء طويلاً وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّها في ردائه وأمرني أن أصرّها كذلك، ثمّ قال: (يابن عبّاس! إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً فاعلم أنّ أبا عبد الله عليه السلام قد قتل ودفن بها).
قال ابن عبّاس: فوالله لقد كنت أحفظها أكثر من حفظي لبعض ما
افترض الله عليَّ، وأنا لا أحلّها من طرف كمّي، فبينا أنا في البيت نائم إذ انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً، وكان كمّي قد امتلأت دماً عبيطاً، فجلست وأنا أبكي، وقلت: قتل والله الحسين، والله ما كذبني عليّ قطّ في حديث حدّثني، ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلاّ كان كذلك، لأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره، ففزعت وخرجت، وذلك عند الفجر فرأيت والله المدينة كأنّها ضباب لا يستبين فيها أثر عين، ثمّ طلعت الشمس فرأيت كأنّها منكسفة، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دماً عبيطاً، فجلست أنا أبكي، وقلت، قتل والله الحسين، فسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول:
قتل الفرخ النحول *** اصبروا آل الرسول
ببكاء وعويل *** نزل الروح الأمين
ثمّ بكى بأعلى صوته، وبكيت، وأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرم ويوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت بهذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة لا ندري ما هو، فكنّا نرى أنّه الخضر عليه السلام، أو عليّ بن الحسين، ولعن الله قاتله والمشنع عليه)(1).
(على المحكّ):
لقد روى الصدوق هذا الخبر أيضاً في كتابه (الأمالي)(2)، ومن الغريب
منه رحمه الله إصراره على روايته، مع وجود مجاهيل في السند، وفي المتن ما لا يسع الإذعان بصحّته، فأين كان بعر الظباء عن ابن عبّاس رضي الله عنه حين دخل على الحسين عليه السلام ناصحاً ومشيراً أن لا يذهب إلى العراق؟ وأين صارت تلك الظباء بعد شهادة الحسين عليه السلام؟ إنّه من أخبار الآحاد فلا توجب علماً ولا عملاً، وقد مرّ أنّ ابن عبّاس كان بمكّة يوم قتل الحسين عليه السلام، وكان القتل بعد الظهر، وفي هذا الخبر قبل الفجر؟
أخرج فيه أكثر من خمسين حديثاً رواها بأسانيده عن ابن عبّاس، ولمّا كان كثير منها في الفضائل ولم يسلم بعض الرواة من تجريح، لذلك اخترت منها نماذج لغرض الدلالة على أنّ الصدوق رحمه الله لم يرتفع عن رواية المنقول إلى النظر فيه، ولا أقلّ من ناحية السند، فقد روى عن أناس من لم يسلموا من الطعن فيهم ومروياتهم، كمحمّد بن سنان مثلاً:
1- النموذج الأوّل: قال الصدوق في (الأمالي): (حدّثنا محمّد بن علي رضي الله عنه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن علي الكوفي، عن محمّد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (المخالف على عليّ بن أبي طالب بعدي كافر، والمشرك به مشرك، والمحبّ له مؤمن، والمبغض له منافق، والمقتفي لأثره لاحق، والمحارب له مارق، والرادّ عليه زاهق، عليّ نور الله في بلاده، وحجّته على عباده، عليّ سيف الله على أعدائه، ووارث علم أنبيائه، عليّ كلمة الله العليا، وكلمة أعدائه السفلى، عليّ سيّد الأوصياء، ووصي سيّد الأنبياء، عليّ أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين، وإمام المسلمين، لا يقبل
الله الإيمان إلاّ بولايته وطاعته))(1).
(على المحكّ):
في رجال السند من لم يوثّق، بل فيهم من ضُعّف في العقيدة أيضاً، كمحمّد بن سنان، وزياد بن المنذر (أبو الجارود)، وحسبنا في ابن سنان قول المفيد رحمه الله: وهو مطعون فيه، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه، وما كان هذا سبيله لم يعمل عليه في الدين(2).
2- النموذج الثاني: ما أخرجه الصدوق في (الأمالي)، قال: (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد الحسني، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد ابن عبد الله بن زياد العرزمي، قال: حدّثنا علي بن حاتم المنقري، قال: حدّثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (يا عليّ شيعتك هم الفائزون يوم القيامة، فمن أهان واحداً منهم فقد أهانك، ومن أهانك فقد أهانني، ومن أهانني أدخله الله نار جهنّم خالداً فيها وبئس المصير..
يا عليّ! أنت منّي وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشيعتك خلقوا من فضيل طينتنا، فمن أحبّهم فقد أحبّنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا، ومن عاداهم فقد عادانا، ومن ودّهم فقد ودّنا.
يا عليّ! إنّ شيعتك مغفور لهم على ما كان لهم من ذنوب وعيوب.
يا عليّ! أنا الشفيع لشيعتك غداً إذا قمت المقام المحمود، فبشّرهم بذلك.
يا عليّ! شيعتك شيعة الله، أنصار الله، وأولياؤك أولياء الله، وحزبك حزب الله.
يا عليّ! سعد من تولاك، وشقي من عاداك.
يا عليّ! لك كنز في الجنّة وأنت ذو قرنيها...))(1).
(على المحكّ):
أوّل رجال السند هو القطّان الذي أثنى عليه المؤلّف في آخر المجلس (83) من (الأمالي)، فقال: (وحدّثنا بهذا الحديث شيخ أهل الحديث يقال له: أحمد بن الحسن القطّان المعروف بأبي علي بن عبد ربّه المعدل)(2)، أمّا باقي رجال السند فهم مجاهيل، ومتنه لا يخلو من تحفّظ على بعض ما فيه.
ومهما يكن، فأخبار الفضائل يُتساهل في رواتها، كما قال أحمد بن حنبل: (إذا روينا عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكما أو يرفعه تساهلنا في الأسانيد)(3)، وحكي نحو هذا عن عبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك.
ولقد روى الصدوق رحمه الله في (الأمالي) أكثر من خمسين حديثاً جلّها
ممّا يتعلّق بالفضائل، لكن فيما بينها ما يستدعي الوقوف عنده، وفي روايته عن أبيه وغيره ممّا يثير علامة استفهام كيف رواه؟ مع ما فيها من مؤاخذات، ولعلّ اهتمامه برواية جميع ما يتعلّق بمناسبة أيّام الإملاء من حوادث الزمان والمكان، غفل عن بعض ما فيه من خلل لا يغتفر له السكوت عنه، وممّا يعنينا في المقام ذكر ما يتعلّق بابن عبّاس في الميزان عرض خبرين من أخباره على المحكّ، لبيان الغفلة التي أشرت إليها:
1- (حدّثنا علي بن أحمد رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد، قال: حدّثنا أبي، عن سعيد بن مسلم، مولى لبني مخزوم، عن سعيد بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: سمعت أبي العبّاس يحدّث قال: ولد لأبي عبد المطّلب عبد الله فرأينا في وجهه نوراً يزهر كنور الشمس، فقال أبي: إنّ لهذا الغلام شأناً عظيماً، قال: فرأيت في منامي أنّه خرج من منخره طائر أبيض فطار فبلغ المشرق والمغرب ثمّ رجع راجعاً حتّى سقط على بيت الكعبة، فسجدت له قريش كلّها، فبينما الناس يتأمّلونه إذ صار نوراً بين السماء والأرض وامتدّ حتّى بلغ المشرق والمغرب، فلمّا انتبهت سألت كاهنة بني مخزوم، فقالت لي: يا عبّاس! لئن صدقت رؤياك ليخرجنّ من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعاً له، قال أبي: فهمنّي أمر عبد الله إلى أن تزوّج بآمنة، وكانت من أجمل نساء قريش وأتمّها خلقاً، فلمّا مات عبد الله ولدت آمنة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أتيت فرأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته وتفرّست في وجهه فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأنّي قطعة مسك من شدّة ريحي، فحدّثتني آمنة، وقالت لي: إنّه لمّا أخذني الطلق واشتدّ بي الأمر سمعت
جلبة وكلاماً لا يشبه كلام الآدميين، فرأيت علماً من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والأرض، ورأيت نوراً يسطع من رأسه حتّى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كلّها شعلة نور، ورأيت حولي من القطاة أمراً عظيماً قد نشرت من أجنحتها حولي ورأيت تابع شعيرة الأسدية قد مرّت وهي تقول: آمنة ما لقيت الكهان والأصنام من ولدك، ورأيت رجلاً شاباً من أتمّ الناس طولاً وأشدّهم بياضاً وأحسنهم ثياباً ما ظننته إلاّ عبد المطّلب قد دنا منّي فأخذ المولود فتفل في فيه ومعه طست من ذهب مضروب بالزمرد ومشط من ذهب فشقّ بطنه شقاً، ثمّ أخرج قلبه فشقّه فأخرج منه نكتة سوداء فرمى بها، ثمّ أخرج صرّة من حريرة خضراء ففتحها فإذا فيها كالذريرة البيضاء فحشاه، ثمّ ردّه إلى ما كان، ومسح على بطنه واستنطقه فنطق، فلم أفهم ما قال، إلاّ أنّه قال: في أمان الله وحفظه وكلاءته، وقد حشوت قلبك إيماناً وعلماً وحلماً ويقيناً وعقلاً وحكماً فأنت خير البشر، طوبى لمن اتّبعك وويل لمن تخلّف عنك، ثمّ أخرج صرّة أخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا فيها خاتم فضرب به على كتفيه، ثمّ قال: أمرني ربّي أن أنفخ فيك من روح القدس، فنفخ فيه، وألبسه قميصا،ً وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا، فهذا ما رأيت يا عبّاس بعيني، فقال العبّاس: وأنا يومئذ أقرأ فكشفت عن ثوبه فإذا خاتم النبوّة بين كتفيه، فلم أزل أكتم شأنه ونسيت الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي، حتّى ذكرني رسول صلي الله عليه وآله وسلم). اه-
(على المحكّ):
إنّ هذا الخبر لا يخلو ذكره من مؤاخذة نقدية، فجهالة بعض الرواة تستدعي الإعراض عنه، مضافاً إلى ما في المتن من خلل، فإنّ نسبة الرواية
إلى العبّاس وهو يحدّث عن مشهد لم يشهده وقبل أن يخلق لأثم عظيم! فإنّ موت عبد الله والد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وعمر العبّاس سنتان أو ثلاث على أكثر تقدير حيث ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وقد مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة ذكر ولادته(1)فراجع.
والحديث عن عبد الله والد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ونذر أبيه أن ينحر أحد أولاده إذا بلغوا عشرة، مذكور في مصادر السيرة، ولا يخلو من فجوات، فقد جاء في (الموسوعة القرآنية)(2)(باقتضاب) قصّة نذر عبد المطّلب عليه السلام، وفيها فجوات كبيرة، لعلّ أهمّها: أنّه نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم لئن ولد له عشرة أولاد ثمّ بلغوا معه حتّى يمنعوه لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة، فلمّا توافوا بنوه عشرة، وعرف أنّهم سيمنعونه، جمعهم ثمّ أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كلّ رجل منكم قدحاً ثمّ يكتب فيه اسمه ثمّ أتوني، ففعلوا، ثمّ أتوه، ثمّ قال عبد المطّلب لصاحب القداح: اضرب على بَنيّ هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطاه كلّ رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه.
وكان عبد الله بن عبد المطّلب أصغر بني أبيه، كان هو والزبير وأبو طالب لفاطمة بن عمرو بن عبد بن عمران.. وكان عبد الله أحبّ ولد عبد المطّلب إليه..
وجاء في (سيرة ابن هشام) بهامش (الروض الأنف)، نحو هذا إلى
آخر القصّة بطولها، فعلّق السهيلي عليها بقوله: ((فصل) وذكر نذر عبد المطّلب أن ينحر ابنه... إلى آخر الحديث. وفيه: أنّ عبد الله -- يعني والد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم -- كان أصغر بني أبيه، وهذا غير معروف، ولعلّ الرواية أصغر بني أُمّه، وإلاّ فحمزة كان أصغر من عبد الله والعبّاس أصغر من حمزة.
وروي عن العبّاس رضي الله عنه أنّه قال: أذكر مولد رسول الله عليه السلام وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء بي حتّى نظرت إليه، وجعل النسوة يقلن لي: قبّل أخاك قبّل أخاك، فقبّلته، فكيف يصحّ أن يكون عبد الله هو الأصغر مع هذا؟ ولكن رواه البكائي كما تقدّم، ولروايته وجه وهو أن يكون أصغر ولد أبيه حين أراد نحره ثمّ ولد له بعد ذلك حمزة والعبّاس، وسائر حديث عبد المطّلب ليس فيه ما يشكل)(1).
أقول: لقد جاء ما يتعلّق بالمقام في مرويات الصدوق رحمه الله في كتابه (عيون أخبار الرضا عليه السلام)، وقد سُئل الإمام عليه السلام عن قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا ابن الذبيحين)، وإليكم الخبر:
(باب 18- ما جاء عن الرضا عليه السلام في قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أنا ابن الذبيحين.
1 -- حدّثنا أحمد بن الحسين القطّان، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفي، قال:حدّثنا علي بن الحسين بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن معنى قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا ابن الذبيحين)؟ قال: يعنى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وعبد الله بن عبد المطّلب، أمّا إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله به إبراهيم، فَلَمَّا بَلَغَ
1) - الروض الأنف 1/103، ط الجمالية بمصر سنة 1332ه-.
مَعَهُ السَّعْيَ، وهو لمّا عمل مثل عمله، قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، ولم يقل: يا أبت افعل ما رأيت، سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(1)، فلمّا عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبول في سواد، ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنّة أربعين عاماً، وما خرج من رحم أنثى، وإنّما قال الله عزّ وجلّ: كُن فَيَكُونُ(2)، فكان ليفدي به إسماعيل، فكلّ ما يذبح في منى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين، وأمّا الآخر: فإنّ عبد المطّلب كان تعلّق بحلقة باب الكعبة ودعا الله أن يرزقه عشرة بنين ونذر لله عزّ وجلّ أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله دعوته، فلمّا بلغوا عشرة، قال: قد وفى الله لي فلأوفين لله عزّ وجلّ، فأدخل ولده الكعبة وأسهم بينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وكان أحبّ ولده إليه، ثمّ أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله، ثمّ أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله، فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه، فاجتمعت قريش ومنعته من ذلك، واجتمع نساء عبد المطّلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه اعذر فيما بينك وبين الله عزّ وجلّ في قتل ابنك، قال: وكيف اعذر يا بنية فإنّك مباركة؟ قالت: اعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل وأعط ربّك حتّى يرضى، فبعث عبد المطّلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشراً وضرب بالسهام فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشراً
عشراً حتّى بلغت مائة، وضرب فخرج السهم على الإبل، فكبّرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة، فقال عبد المطّلب: لا حتّى أضرب بالقداح ثلاث مرّات، فضرب ثلاثاً كلّ ذلك يخرج السهم على الإبل، فلمّا كانت في الثلاثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وأخواتهما من تحت رجليه فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كانت على الأرض وأقبلوا يرفعونه ويقبلونه ويمسحون عنه التراب، فأمر عبد المطّلب أن تنحر الإبل بالحزورة ولا يمنع أحد منها، وكانت مائة، فكانت لعبد المطّلب خمس من السُنن أجراها الله عزّ وجلّ في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء، وسنّ الديّة في القتل مائة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمّى زمزم حين حفرها سقاية الحاج، ولولا أن عمل عبد المطّلب كان حجّة، وأنّ عزمه كان على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بالانتساب إليهما لأجل أنّهما الذبيحان في قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا ابن الذبيحين)، والعلّة التي من أجلها دفع الله عزّ وجلّ الذبح عن إسماعيل هي العلّة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، وهي كون النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم في صلبيهما، فببركة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السُنّة في الناس بقتل أولادهم، ولولا ذلك لوجب على الناس كلّ أضحى التقرّب إلى الله تعالى بقتل أولادهم، وكلّ ما يتقرّب الناس به إلى الله عزّ وجلّ من أضحية فهو فداء لإسماعيل عليه السلام إلى يوم القيامة.
قال مصنّف هذا الكتاب: قد اختلفت الروايات في الذبيح، فمنها ما ورد بأنّه إسحاق، ومنها ما ورد بأنّه إسماعيل عليه السلام، ولا سبيل إلى ردّ الأخبار
متى صحّ طرقها، وكان الذبيح إسماعيل عليه السلام، لكن إسحاق لمّا ولد بعد ذلك تمنّى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحه، فكان يصبر لأمر الله عزّ وجلّ ويسلّم له كصبر أخيه وتسليمه فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عزّ وجلّ ذلك من قلبه فسمّاه بين ملائكته ذبيحاً لتمنيه لذلك، وقد أخرجت الخبر في ذلك مسنداً في كتاب النبوّة)(1). اه-
وهذا الذي قاله الصدوق رحمه الله لم يذكر له شاهداً من خبر منقول ومقبول، وإنّما هو مجرّد اجتهاد منه.
2- الثاني: من أخبار الصدوق في (الأمالي)، ممّا لا تبرك عليه الإبل كما في المثل المعروف، لما جاء في متنه فضلاً عن جهالة أبي الحسن العبدي، وهذا لفظه:
(حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد الأسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لمّا أسري به إلى السماء، انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له: النور، وهو قول الله عزّ وجلّ: (خلق الظلمات والنور)(2)، فلمّا انتهى به إلى ذلك النهر، قال له جبرئيل عليه السلام: يا محمّد! اعبر على بركة الله، فقد نوّر الله لك بصرك، ومد لك أمامك، فإنّ هذا نهر لم يعبره أحد، لا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، غير أنّ لي في كلّ يوم اغتماسة فيه، ثمّ أخرج منه، فأنفض
أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلاّ خلق الله تبارك وتعالى منها ملكاً مقرّباً، له عشرون ألف وجه وأربعون ألف لسان، كلّ لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللسان الآخر. فعبر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، حتّى انتهى إلى الحجب، والحجب خمسمائة حجاب، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام. ثمّ قال: تقدّم يا محمّد! فقال له: (يا جبرئيل! ولم لا تكون معي؟) قال: ليس لي أن أجوز هذا المكان. فتقدّم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ما شاء الله أن يتقدّم، حتّى سمع ما قال الربّ تبارك وتعالى: (أنا المحمود وأنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته ومن قطعك بتته، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك، وأنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً، وأنّك رسولي وأنّ عليّاً وزيرك)، فهبط رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فكره أن يحدّث الناس بشيء، كراهية أن يتّهموه، لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، حتّى مضى لذلك ستّة أيّام، فأنزل الله تبارك وتعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ(1)، فاحتمل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذلك حتّى كان يوم الثامن فأنزل الله تبارك وتعالى عليه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(2)، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (تهديد بعد وعيد، لأمضيّن أمر الله عزّ وجلّ فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علَيَّ من أن يعاقبني العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة). قال: وسلّم جبرئيل على عليّ بإمرة المؤمنين، فقال عليّ عليه السلام: يا رسول الله! أسمع الكلام ولا أحس الرؤية! فقال: (يا عليّ! هذا جبرئيل،
أتاني من قبل ربّي بتصديق ما وعدني)، ثمّ أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم رجلاً فرجلاً من أصحابه حتّى سلّموا عليه بإمرة المؤمنين. ثمّ قال: (يا بلال! ناد في الناس أن لا يبقى غداً أحد إلاّ عليل إلاّ خرج إلى (غدير خم).
فلمّا كان من الغد خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بجماعة أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أيّها الناس! إنّ الله تبارك وتعالى أرسلني إليكم برسالة، وإنّي ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهموني وتكذّبوني، حتّى أنزل الله علَيَّ وعيداً بعد وعيد، فكان تكذيبكم إياي أيسر علَيَّ من عقوبة الله إياي، إنّ الله تبارك وتعالى أسرى بي وأسمعني، وقال: يا محمّد! أنا المحمود وأنت محمّد شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتته، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك، وأنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً، وأنّك رسولي وأنّ عليّاً وزيرك)، ثمّ أخذ صلي الله عليه وآله وسلم بيدي عليّ بن أبي طالب فرفعهما حتّى نظر الناس إلى بياض إبطيهما ولم ير قبل ذلك، ثمّ قال: (أيّها الناس! إنّ الله تبارك وتعالى مولاي وأنا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فقال الشكّاك والمنافقون والذين في قلوبهم مرض وزيغ: نبرأ إلى الله من مقالة ليس بحتم، ولا نرضى أن يكون عليّ وزيره، هذه منه عصبية، فقال سلمان والمقداد وأبو ذرّ وعمّار بن ياسر: والله ما برحنا العرصة حتّى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً(1)، فكرّر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذلك ثلاثاً، ثمّ قال: (إن
1) - سورة المائدة/3.
كمال الدين وتمام النعمة ورضا الربّ بإرسالي إليكم بالولاية بعدي لعليّ ابن أبي طالب (عليه الصلاة وعليه السلام))(1).
(على المحكّ):
بعد الإغماض عمّا في رجال السند لوجود مَن هو مجهول الحال كأبي الحسن العبدي، وعلامات استفهام، لا يسع الباحث الإغماض عنها،كما في النقاط التالية:
1- إنّ الإسراء كان بمكّة قبل الهجرة بسنة، وقيل: بثمانية عشر شهراً(2)، وكان عمر ابن عبّاس يومئذ سنة ونصف أو سنتين على أكثر تقدير، وهذا الخبر رواه مرسلاً دون إسناد إلى من أدرك زمن الإسراء، ولا يعني هذا الشكّ فيه، ولكن في الرواة الذين رووا الخبر من بعده.
2- إنّ زمان واقعة الغدير كان السنة العاشرة بعد حجّة الوداع في الرجوع إلى المدينة وابن عبّاس أحد رواتها، وهو القائل: (وجبت في أعناق القوم)، كما مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة(3)، فكيف نصدّق بما رواه الرواة عنه هنا وأنّها كانت في المدينة، وأنّ النبيّ عليه السلام أمر بلالاً بأن يأمر الناس بالخروج إلى غدير خمّ؟! إنّه تناقض واضح.
3- إنّ شأن نزول آية إكمال الدين قد رواه ابن عبّاس، وأنّه في واقعة الغدير، كما روى الرسعني في تفسيره برواية البدخشي في (مفتاح النجا)،
والإربلي في (كشف الغمّة)(1)، فما باله ذكر شأن النزول في خبر الصدوق المتقدّم عن: سلمان، والمقداد، وأبي ذرّ، وعمّار بن ياسر، وكأنّه لم يكن هو من رواته؟!
إنّ أمر هذا الخبر لغريب! وإنّ ذكر الصدوق له لعجيب!
فقد قال:
1- في الجزء الأوّل برقم (30): (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق الرازي، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون))(2).
(على المحكّ):
هذا الحديث ورد في عدّة مصادر، أشرت إلى بعضها فيما تقدّم من أجزاء الموسوعة وفي كتاب (عليّ إمام البررة)(3)، وحسبنا رواية الحافظ الحمويني له في (فرائد السمطين).
2- قال أيضاً في الجزء الأوّل برقم (31): (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكير بن عبد
الله بن حبيب، قال: حدّثنا الفضل بن الصقر العبدي قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عباية الربعي، عن عبد الله بن عبّاس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد النبيّيّن وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم القائم عليه السلام)(1).
(على المحكّ):
هذا الحديث قد مرّ ذكره أيضاً، وله عدّة مصادر، ممّا يدلّ على الوثوق بصحّة صدوره، وهو كسابقه معدود في كفّة الحسنات من ميزان ابن عبّاس رضي الله عنه.
3- ذكر الصدوق في الجزء الثاني برقم (151) من جملة الأحاديث المروية عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، فقال: (وبهذا الإسناد، عن عليّ بن الحسين عليه السلام، قال: قال أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ عبد الله بن عبّاس كان يقول: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا أكل الرمان لم يشرك أحداً فيها، ويقول: في كلّ رمانة حبّة من حبّات الجنّة)(2).
(على المحكّ):
وهذا الخبر كسابقه في الدلالة على حسن حال ابن عبّاس، إذ روى عنه الإمام الحسين عليه السلام ما كان يفعله النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عند أكله الرمان.
4- وقال الصدوق في الجزء الثاني برقم (30): (حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن
أبي الصلت الهروي، قال: قال المأمون يوماً للرضا عليه السلام: يا أبا الحسن! أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين بأي وجه هو قسيم الجنّة والنار، وبأي معنى، فقد كثر فكري في ذلك؟ فقال له الرضا عليه السلام: يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك، عن آبائه، عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر)؟ فقال: بلى، فقال الرضا عليه السلام: فقسمة الجنّة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه فهو قسيم الجنّة والنار، فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنّك وارث علم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قال أبو الصلت الهروي: فلمّا انصرف الرضا عليه السلام إلى منزله أتيته، فقلت له: يا بن رسول الله! ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين، فقال الرضا عليه السلام: يا أبا الصلت! إنّما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدّث عن آبائه، عن عليّ عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ أنت قسيم الجنّة والنار يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي، وهذا لك)(1).
(على المحكّ):
لقد روى الصدوق رحمه الله هذا الخبر عن رجال لم يسلموا من التجريح، ويكفي ما قاله الشيخ الطوسي في رجاله: (إنّ أبا الصلت عاميّ)(2)، لكن العامّة ذكروه ورموه بالتشيّع، وقد وثّقه النجاشي في رجاله، وتبعه العلاّمة الحلّي وابن داود.
ومهما يكن شأن السند، فالمتن صحيح، وقد روى العامّة: أنّ أحمد بن
حنبل حين سُئل عين مسألة المأمون، فأجاب بعين جواب الإمام الرضا عليه السلام، ولعلّه سمع به فأجاب بعينه، راجع (طبقات الحنابلة) لابن أبي يعلى(1)، وبقية المصادر من العامّة في كتاب (عليّ إمام البررة)(2).
5- قال الصدوق في الجزء الثاني من العيون: (حدّثنا محمّد بن أحمد ابن الحسين بن يوسف البغدادي، قال: حدّثنا علي بن محمّد بن عيينة، قال: حدّثنا دارم بن قبيصة النهشلي، قال: حدّثنا عليّ بن موسى الرضا عليه السلام ومحمّد بن عليّ عليه السلام قالا: سمعنا المأمون يحدّث عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال ابن عبّاس لمعاوية: أتدري لم سُمّيت فاطمة فاطمة؟ قال: لا، قال: لأنّها فطمت هي وشيعتها من النار، سمعت رسول الله يقوله)(3).
(على المحكّ):
الخبر من أخبار الفضائل، ورجال السند إلى الإمام فيهم المجهول كعلي بن محمّد بن عيينة، وفيهم الموثّق كالنهشلي، وباقي الرجال إلى ابن عبّاس غير متّهمين في روايته، فهو مقبول، لأنّ فاطمة عليها السلام بضعة من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. وأمّا نجاة شيعتها من النار فيكفي ما أخرجه ابن عدي، وعنه السيوطي في (الدرّ المنثور)(4)عن ابن عبّاس، قال: (لمّا نزلت: إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1)قال رسول الله عليه السلام لعليّ: (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين)، فشيعة فاطمة عليها السلام هم شيعة عليّ عليه السلام. ولم يكن الحديث الذي مرّ برواية الصدوق بسنده عن بني العبّاس هو الفرد من رواياتهم عن جدّهم ابن عبّاس في فضل عليّ عليه السلام وشيعته، فقد أخرج الخوارزمي الحنفي في المناقب حديثاً طويلاً بإسناده: (عن الأعمش، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: كنّا يوماً عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة وقد حملت الحسن على كتفها وهي تبكي بكاءاً شديداً قد شهقت في بكائها، فقال لها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (... يا فاطمة! لا تبكي فإنّ عليّاً وشيعته غداً هم الفائزون يدخلون الجنّة)(2)، وأخرج الحديث بطوله ابن المغازلي المالكي -- الشافعي -- في مناقبه أيضاً، وقد مرّ أن ذكرت حديث الأعمش مع المنصور في الجزء الثامن من الموسوعة(3)فراجع.
لقد ذكر الصدوق في كتابه (الخصال) عن ابن عبّاس أخباراً نيّفت على العشرين، منها في الترغيب، ومنها في الترهيب، ومنها في الفضائل، ومنها في الأحكام، وجلّها رواها بأسانيد لا تخلو من بعض المجهولين، غير
أنّ متونها ليست من غرائب الأحاديث سوى حديث الركبان يوم القيامة، فقد رواه الصدوق وعقّب عليه، فقال: (هذا حديث غريب لما فيه من ذكر البراق وذكر حمزة بن عبد المطّلب)، ثمّ ساق بعده خبراً آخر مشابهاً لسابقه وفيه ذكر البراق أيضاً، ولم يعقّب عليه، فهذا ممّا يلفت النظر، وإلى القارئ صورتهما:
(19- أخبرني أبو بكر محمّد بن علي بن إسماعيل، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن زيدان البلخي فيما قرأه عليه أبو العبّاس بن عقدة، قال: حدّثني علي بن المثنى، قال: حدّثني زيد بن حباب، قال: حدّثني عبد الله بن لهيعة، قال: حدّثني جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما في القيامة راكب غيرنا ونحن أربعة)، فقام إليه العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: من هم يا رسول الله؟ فقال: (أمّا أنا فعلى البراق، ووجهها كوجه الإنسان، وخدّها كخدّ الفرس، وعرفها من لؤلؤ مسموط، وأذناها زبرجدتان خضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة تتوقّدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس، ينحدر من نحرها الجمان، مطوية الحلق طويلة اليدين والرجلين، لها نفس كنفس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل). قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟ قال صلي الله عليه وآله وسلم: (وأخي صالح على ناقة الله عزّ وجلّ التي عقرها قومه)، قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟ قال: (وعمّي حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله، سيّد الشهداء على ناقتي العضباء)، قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟ قال: (وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنّة، زمامها من لؤلؤ رطب عليها محمّل من ياقوت أحمر، قضبانه من الدرّ الأبيض على رأسه تاج من نور
عليه حلتان خضراوان، بيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّداً رسول الله. فيقول الخلائق ما هذا إلاّ نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، فينادي مناد من بطنان العرش: ليس هذا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب وصي رسول ربّ العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين)).
قال مصنّف هذا الكتاب رضي الله عنه: هذا حديث غريب لما فيه من ذكر البراق ووصفه، وذكر حمزة بن عبد المطّلب.
إنّ ما أخرجه الصدوق في (معاني الأخبار) عن ابن عبّاس أربعة عشر حديثاً، وأسانيدها لا يخلو بعضها من مجهول أو لم يوثّق، لكن متونها ليس فيها نكارة، ووردت في مصادر أخرى ما يحملنا على الوثوق بها، وهي في ميزان ابن عبّاس في كفّة الحسنات إن شاء الله.
وإلى القارئ ما ذكره الصدوق في (معاني الأخبار) لنطلعه على آرائه في تفسير الغامض من معانيها:
1- (حدّثني أبو الحسن بن عمر ]و[ بن علي بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا أبو محمّد خلف بن محمّد البلخي بها، عن أبيه محمّد بن أحمد، قال: حدّثنا عياش بن الضحّاك، عن مكّي بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كنّا عند ابن عبّاس بالطائف أنا وأبو العالية وسعيد بن جبير وعكرمة، فجاء المؤذّن، فقال: الله أكبر، الله أكبر. واسم المؤذّن قثم بن عبد الرحمن الثقفي. فقال ابن عبّاس: أتدرون ما قال المؤذّن؟ فسأله أبو العالية، فقال: أخبرنا بتفسيره؟ قال ابن عبّاس: إذا قال المؤذّن: (الله أكبر، الله أكبر)،
يقول: يا مشاغيل الأرض قد وجبت الصلاة فتفرّغوا لها، وإذا قال: (أشهد أن لا إله إلاّ الله)، يقول: يقوم يوم القيامة ويشهد لي ما في السماوات وما في الأرض على أنّي أخبرتكم في اليوم خمس مرّات، وإذا قال: (أشهد أنّ محمّداً رسول الله)، يقول: تقوم القيامة ومحمّد يشهد لي عليكم أنّي قد أخبرتكم بذلك في اليوم خمس مرّات، وحجّتي عند الله قائمة، وإذا قال (حي على الصلاة)، يقول: ديناً قيّما فأقيموه، وإذا قال: (حي على الفلاح)، يقول: هلّموا إلى طاعة الله وخذوا سهمكم من رحمة الله -- يعني الجماعة -- وإذا قال العبد: (الله أكبر الله أكبر)، يقول: حرمت الأعمال، وإذا قال: (لا إله إلاّ الله)، يقول: أمانة سبع سماوات وسبع أرضين والجبال والبحار وضعت على أعناقكم، إن شئتم فاقبلوا، وإن شئتم فأدبروا)(1).
2- (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية، عن ابن عبّاس، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى؟ قال: إنّما سمّي يتيماً لأنّه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأوّلين ولا من الآخرين، فقال الله عزّ وجلّ ممتناً عليه بنعمته: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً، أي: وحيداً لا نظير لك، فَآوَى إليك الناس وعرّفهم فضلك حتّى عرفوك، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى، يقول: منسوباً عند قومك إلى الضلالة فهداهم لمعرفتك، وَوَجَدَكَ عَائِلاً(2)، يقول: فقيراً عند قومك يقولون: لا
مال لك فأغناك الله بمال خديجة، ثمّ زادك من فضله فجعل دعاك مستجاباً حتّى لو دعوت على حجر أن يجعله الله ذهباً ليقل عينه إلى مرادك، وأتاك بالطعام حيث لا طعام، وأتاك بالماء حيث لا ماء، وأغاثك بالملائكة حيث لا مغيث فأظفرك بهم على أعدائك)(1).
3- (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس رضي الله عنه فقال له: أخبرني عن الأنزع البطين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقد اختلف الناس فيه؟ فقال له ابن عبّاس: أيّها الرجل! والله لقد سألت عن رجل ما وطأ الحصى بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أفضل منه، وإنّه لأخو رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وابن عمّه ووصيه وخليفته على أُمّته، وإنّه لأنزع من الشرك، بطين من العلم، ولقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من أراد النجاة غدا فليأخذ بحجزة هذا الأنزع)، يعني: عليّاً عليه السلام)(2).
4- (حدّثنا محمّد بن عمر الحافظ الجعابي، قال: حدّثنا محمّد بن الحارث أبو بكر الواسطي من أصل كتابه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يزيد ابن سليم، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدّثنا أبو مريم، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الله ربّي ولا أمارة لي معه، وأنا رسول ربّي ولا أمارة معي، وعليّ ]وليي و[ وليّ من كنت وليّه ولا أمارة معه)(3).
5- (حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار، قال: حدّثنا علي ابن محمّد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن أحمد بن فضلان، قال: حدّثنا سليمان بن جعفر المروزي، عن ثابت بن أبي صفية(1)
وفي مشيخة الفقيه في طريق نعمان بن سعد (ثابت بن أبي صفية عن سعيد بن جبير).
2- معاني الأخبار:112، ط الحيدرية.
3- سورة الصافات/130.
4- معاني الأخبار: 120.
، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال أعرابي لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: السلام عليك يا نبيئ الله. قال: (لست بنبيئ الله ولكنّي نبيّ الله).قال الصدوق: النبوّة: لفظ مأخوذ من النبوّة، وهو ما ارتفع من الأرض، فمعنى النبوّة: الرفعة، ومعنى النبيّ: الرفيع، سمعت ذلك من أبي بشر اللغوي بمدينة السلام)(2).
6- (حدّثنا عبد الله بن محمّد بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن عبد الباقي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا علي بن الحسن ابن عبد الغني ]قال:[ المغاني، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن مندل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ(3)، قال: السلام من ربّ العالمين على محمّد وآله صلّى الله عليه وعليهم والسلامة لمن تولاهم في القيامة)(4).
7- (حدّثنا علي بن الفضل بن العبّاس البغدادي، قال: قرأت على أحمد بن محمّد بن سليمان بن الحارث، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن
1) - الظاهر هو ثابت بن دينار أبو صفية الثمالي.
خلف العطّار، قال: حدّثنا حسين الأشقر، قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سألت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت علَيَّ، فتاب الله عليه))(1).
8- (حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن الصقر الصائغ، قال: حدّثنا موسى بن إسحاق القاضي، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس، أنّه قال: دار السلام الجنّة، وأهلها لهم السلامة من جميع الآفات والعاهات والأمراض والأسقام، ولهم السلامة من الهرم والموت وتغير الأحوال عليهم، وهم المكرمون الذين لا يهانون أبداً، وهم الأعزّاء الذين لا يذلّون أبداً، وهم الأغنياء الذين لا يفتقرون أبداً، وهم السعداء الذين لا يشقون أبداً، وهم الفرحون المستبشرون الذين لا يغتمون ولا يهتمون أبداً، وهم الأحياء الذين لا يموتون أبداً، فهم في قصور الدرّ والمرجان أبوابها مشرعة إلى عرش الرحمن، وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ _ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(2))(3).
9- (حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن أسد الأسدي، قال: حدّثنا عثمان بن عمر ابن أبي غيلان الثقفي، وعيسى بن سليمان بن عبد الملك القرشي، قالا: حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني ]قال: حدّثنا سعد بن سعيد
الجرجاني[ قال: حدّثنا نهشل بن سعيد، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أشراف أُمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل))(1).
10- (حدّثنا محمّد بن أحمد الشيباني، وأحمد بن الحسن القطّان، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدّب، وعلي بن عبد الله الوراق، وعلي بن أحمد بن موسى بن عمران الدقاق، قالوا: حدّثنا أبو العبّاس أحمد ابن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم في مسجد (قبا) وعنده نفر من أصحابه، فقال: (أوّل من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنّة)، فلمّا سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا وكلّ واحد منهم يحبّ أن يعود ليكون أوّل داخل فيستوجب الجنّة، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذلك منهم، فقال: لمن بقي عنده من أصحابه: (إنّه سيدخل عليكم جماعة يستبقون، فمن بشرني بخروج (آذار) فله الجنّة). فعاد القوم ودخلوا معهم أبو ذر رضي الله عنه، فقال لهم: (في أي شهر نحن من الشهور الرومية)؟ فقال أبو ذر: قد خرج آذار يا رسول الله! فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (قد علمت ذلك يا أبا ذرّ، ولكنّي أحببت أن يعلم قومي أنّك رجل من أهل الجنّة، وكيف لا يكون ذلك؟ وأنت المطرود عن حرمي بعدي لمحبّتك لأهل بيتي، فتعيش وحدك، وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولّون تجهيزك ودفنك! أولئك رفقائي في ]ال-[جنّة الخلد التي وعد المتقون))(2).
11- حدّثنا بذلك أحمد بن الحسن القطّان: قال: حدّثنا أحمد بن محمّد ابن سعيد الكوفي مولى بني هاشم، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد قراءة، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان التميمي، قال: حدّثنا إسماعيل بن مهران، عن عباية، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ]أنّه[ قال: (إنّ فاطمة شجنة منّي يؤذيني ما آذاها ويسرني ما يسرّها، وإنّ الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها صلوات الله عليها))(1).
12- (أخبرنا الحاكم أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي ببلخ، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثني إبراهيم بن سعيد، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا عصام بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال لنسائه: (ليت شعري أيّتكن صاحبة الجمل الأدبب التي تنبحها كلاب الحوأب، فيقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة، ثمّ تنجو بعد ما كادت).
الحوأب: ماء لبني عامر، (والجمل الأذيب) يقال: إنّ الذئبة داء يأخذ الدواب يقال: (برذون مذؤوب)، وأظنّ الجمل الأذيب مأخوذ من ذلك(2). وقوله: (تنجو بعدما كادت)، أي: تنجو بعد ما كادت تهلك)(3).
1) - معاني الأخبار: 288.
2) - ما ظنّه الشيخ الصدوق رحمه الله في تفسير الجمل صحيح بناءً على صحّة نسخته، غير أنّ الصحيح عند أهل اللغة والأدبّ -- بالدال المهملة وبائين متتاليتين -- ومعناه الجمل كثير الوبر، راجع (فائق) الزمخشري، و(نهاية) ابن الأثير، و(غريب الحديث) لابن الجوزي، وقد بحثت هذا الحديث في رسالتي الوتيراء في لقب الحميراء.
3) - معاني الأخبار: 294.
13- (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال، حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: سألت ابن عبّاس عن الصائم يجوز له أن يحتجم؟ قال: نعم، ما لم يخش ضعفاً على نفسه. قلت: فهل تنقض الحجامة صومه؟ فقال: لا، فقلت: فما معنى قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حين رأى من يحتجم في شهر رمضان: (أفطر الحاجم والمحجوم)؟ فقال: إنّما أفطرا لأنّهما تسابّا وكذبا في سبّهما على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لا للحجامة)(1).
14- (حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني -- رضي الله عنه -- قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عمّار بن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدّثنا عيسى بن راشد، عن علي بن خزيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وحدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (والله لقد تقمّصها أخو تيم وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ينحدر عنه السيل، ولا يرتقي إليه الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي ]ما[ بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح
1) - معاني الأخبار: 319.
فيها مؤمن حتّى يلقى الله ]ربّه[.
فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتّى إذا مضى الأوّل لسبيله عقدها لأخي عدي بعده، فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، فصيّرها والله في حوزة خشناء، يخشن مسّها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار والاعتذار ]منها[، فصاحبها كراكب الصعبة إن عنف بها حرن، وإن سلس بها غسق، فمني الناس بتلون واعتراض، وبلوا مع هن وهني، فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي منهم، فيالله لهم وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن بهذه النظائر؟ فمال رجل بضبعه، وأصغى آخر لصهره، وقام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أُميّة يهضمون مال الله هضم الإبل نبتة الربيع، حتّى أجهز عليه عمله، فما راعني إلاّ والناس إلَيَّ كعرف الضبع، قد انثالوا علَيَّ من كلّ جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان وشقّ عطافي، حتّى إذا نهضت بالأمر نكثت طائفة وفسقت أخرى ومرق آخرون، كأنّهم لم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1)، بلى والله، لقد سمعوا ولكن احلولت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الناصر وقيام الحجّة وما أخذ الله تعالى على العلماء أن لا يقرّوا ]على[ كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لأ لقيت حبلها على غاربها،
1) - سورة القصص/83.
ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم أزهد عندي من عفطة عنز).
قال: وناوله رجل من أهل السواد كتاباً فقطع كلامه وتناول الكتاب، فقلت: يا أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك إلى حيث بلغت. فقال: هيهات يا ابن عبّاس! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت. فما أسفت على كلام قطّ كأسفي على كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ لم يبلغ حيث أراد.
قال مصنّف هذا الكتاب: سألت الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر، ففسّره لي، وقال:
تفسير الخبر: قوله عليه السلام: (لقد تقمّصها) أي: لبسها مثل القميص، يقال: تقمّص الرجل أو تدرّع وتردّى وتمندل. وقوله: (محلّ القطب من الرحى)...)(1).
أقول: سيأتي ذكر الخطبة وتفسيرها عن (علل الشرائع) للصدوق رحمه الله؛ فراجع، وما مرّ من الأخبار جميعها لا تخلو من تجريح بعض رجال الأسانيد لكنّما متونها مقبولة.
1- (أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سيف، عن سليمان بن عمر، قال: حدّثني عمران بن عطاء، قال: حدّثني عطاء، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (ما من الكلام كلمة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قول لا إله إلاّ الله، وما من عبد يقول لا إله إلاّ الله يمد بها صوته فيفرغ إلاّ تناثرت ذنوبه تحت قدميه كما تناثر ورق الشجر تحتها)).
1) - معاني الأخبار: 360.
(على المحكّ):
في سنده ثلاثة مجاهيل: الحسين بن سيف، وسليمان بن عمر، وعمران ابن عطاء. والمتن من أخبار الترغيب في السنن ليس فيه ما يستنكر.
2- (حدّثني محمّد بن الحسن، قال: حدّثني محمّد الحسن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن أبي حمّاد، عن محمّد بن سعيد، عن غزوان، عن السكوني، عن ابن جريج، عن عطا، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلّها لا ترى نار جهنّم)).
(على المحكّ):
كسابقه، وقد مرّ أنّ في السند مجاهيل، ووقوع أوهام في الأسماء، ففي بعض النسخ: عن أبي همام بدل أبي حماد، وكلاهما مجهول الهوية، وفي بعضها: محمّد بن سعيد، عن غزوان، والصحيح: محمّد بن سعيد بن غزوان، مضافاً إلى ما في السكوني، وابن جريج، وعطاء، من كلام وتجريح، والذي يهوّن الخطب أنّ الخبر كسابقه من أخبار الترغيب ممّا يتسامح في إسنادها عند من يرى التسامح في أدلّة السنن.
وأعطف على ما تقدّم ما رواه الصدوق رحمه الله من ذكر خبرين في الصيام في رجب وشعبان في أيّامهما عدداً ممّا يبعث الريبة في صدق الرواة المجاهيل، وتركت ذكر الخبرين لطولهما والريبة في صحّة إسنادهما وإن رويا عن ابن عبّاس رضي الله عنه.
وبدلاً عنهما أذكر ما رواه الصدوق رحمه الله في كتابه (علل الشرائع) نقلاً عن ابن عبّاس رضي الله عنه، موقوفاً عليه. فذلك أجدر بالذكر:
1- (حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد أبي عبد الله، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: كانت الخيل العراب وحوشاً بأرض العرب، فلمّا رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، قال إنّي قد أعطيتك كنزاً لم أعطه أحداً كان قبلك، قال: فخرج إبراهيم وإسماعيل حتّى صعدا جياداً، فقالا ألا هلا، ألا هلم، فلم يبق في أرض العرب فرس إلاّ أتاه وتذلّل له وأعطت بنواصيها، وإنّما سمّيت جياداً لهذا، فما زالت الخيل بعد تدعوا الله أن يحبّبها إلى أربابها، فلم تزل الخيل حتّى اتّخذها سليمان، فلمّا ألهته، أمر بها أن تمسح أعناقها، وسوقها حتّى بقي أربعون فرساً).
فهذا الخبر يبقى على المحكّ، لأنّ في إسناده من هو غير موثّق، مضافاً إلى جهالة من هو بين أبان بن عثمان وبين مجاهد.
2- (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية، عن ابن عبّاس، قال: سُئل عن قول الله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى، قال: إنّما سمّي يتيماً لأنّه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأوّلين والآخرين، فقال الله عزّ وجلّ ممتناً عليه نعمة: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً، أيّ وحيداً لا نظير لك، فَآوَى إليك الناس وعرفهم فضلك حتّى عرفوك، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى، يقول: منسوباً عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك،
وَوَجَدَكَ عَائِلاً(1)، يقول: فقيراً عند قومك يقولون: لا مال لك فأغناك الله بمال خديجة، ثمّ زادك من فضله فجعل دعاك مستجاباً، حتّى لو دعوت على حجر أن يجعله الله ذهباً لنقل عينه إلى مرادك، وأتاك بالطعام حيث لا طعام، وأتاك بالماء حيث لا ماء، وأغاثك بالملائكة حيث لا مغيث فأظفرك بهم على أعدائك). (على المحكّ):
ليس في الخبر ما يستغرب منه، وقد ورد تفسير الآيات بنحو هذا في مصادر التفسير عند الفريقين.
3- (حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي الكوفي، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفي، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن الحسين بن محمّد، قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل بن جعفر بن علي بن إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن العبّاس، قال: حدّثنا الحسن بن علي الزعفراني البصري، قال: حدّثنا سهل بن يسار، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي الطايفي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله مولى بني هاشم، عن محمّد بن إسحاق، عن الواقدي، عن الهذيل، عن مكحول، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (لمّا خلق الله تعالى ذكره آدم ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته وزوّجه حواء أمته، فرفع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمس سطور مكتوبات، قال آدم: يا ربّ ما هؤلاء؟ قال تعالى: هؤلاء الذين إذا شفعوا بهم إلى خلقي
1) - سورة الضحى/6 -- 8.
شفعتهم، فقال آدم: يا ربّ بقدرهم عندك ما اسمهم؟ فقال: أمّا الأوّل: فأنا المحمود وهو محمّد، والثاني: فأنا العالي وهذا عليّ، والثالث: فأنا الفاطر وهذه فاطمة، والرابع: فأنا المحسن وهذا الحسن، والخامس: فأنا ذو الإحسان وهذا الحسين، كلّ يحمد الله تعالى)).
(على المحكّ):
وقوع المجاهيل في السند يكفي في التوقّف فيه وردّ علمه إلى أهله.
4- (حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، قال: حدّثني أبو عمر وحفص المقدسي، قال: حدّثنا عيسى بن إبراهيم، عن أحمد بن حسّان، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، أنّه قال: معاشر الناس اعلموا أنّ الله تبارك وتعالى خلق خلقاً ليس هم من ذرّية آدم، ويلعنون مبغضي أمير المؤمنين عليه السلام، فقيل له: ومن هذا الخلق؟ قال: القنابر، تقول في السحر: اللّهمّ العن مبغضي عليّ، اللّهمّ أبغض من أبغضه وأحبّ من أحبّه).
هذا الخبر كسابقه سنداً، ويكفي في متنه ردّ علمه إلى أهله.
5- (حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (أما والله، لقد تقمصّها ابن أبي قحافة أخو تيم وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحها، وطفقت ارتأي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية
عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتّى إذا مضى لسبيله فأدلى بها لأخي عدي بعده، فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته فصيّرها في حوزة خشناء، يخشن مسها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن عنف بها حرن، وإن أسلس بها غسق، فمني الناس بتلون واعتراض وبلوا، وهو مع هن وهن، فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّى منهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظاير، فمال رجل لضغنه، وأصغى آخر لصهره، وقام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع، حتّى أجهز عليه عمله، وكبت به مطيته، فما راعني إلاّ والناس إليَّ كعرف الضبع قد انثالوا عليَّ من كلّ جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، حتّى إذا نهضت بالأمر نكثت طائفة وفسقت أخرى، ومرق آخرون، كأنّهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1)، بلى والله، لقد سمعوها ووعوها، لكنّهم احلولت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقرّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت
1) - سورة القصص/83.
آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز).
قال: وناوله رجل من أهل السواد كتاباً فقطع كلامه وتناول الكتاب، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أطردت مقالتك إلى حيث بلغت، فقال: (هيهات هيهات يا بن عبّاس! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت).
قال ابن عبّاس: فما أسفت على كلام قطّ كأسفي على كلام أمير المؤمنين عليه السلام إذ لم يبلغ به حيث أراد).
قال مصنّف هذا الكتاب -- العلل --: (سألت الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر، ففسّره لي، قال: تفسير الخبر: قوله عليه السلام: (لقد تقمّصها) -- أي: لبسها مثل القميص -- يقال: تقمّص الرجل وتدّرع وتردّى وتمندل.
وقوله: (محلّ القطب من الرحى) -- أي: تدور عليَّ كما تدور الرحى على قطبها -- .
وقوله: (ينحدر عنه السيل ولا يرتقى إليه الطير) -- يريد أنّها ممتنعة على غيري ولا يتمكّن منها ولا يصلح لها -- .
وقوله: (فسدلت دونها ثوباً) -- أي: لأعرضت عنها ولم أكشف وجوبها لي -- والكشح: الجنب والخاصرة بمعنى.
وقوله: (طويت عنها كشحا) -- أي: أعرضت عنها -- والكاشح الذي يوليك كشحه، أي جنبه.
وقوله: (طفقت)، أي: أقبلت وأخذت أرتأي، أي: أفكر -- واستعمل الرأي وانظر في أن أصول بيد جذاء وهي المقطوعة، وأراد قلّة الناصر.
وقوله: (أو أصبر على طخية)، فللطخية موضعان، فأحدهما: الظلمة، والآخر: الغم والحزن. يقال: أجد على قلبي طخياً، أي: حزناً وغمّاً، وهو هاهنا يجمع الظلمة والغم والحزن.
وقوله: (يكدح مؤمن)، أي: يدأب ويكسب لنفسه ولا يعطي حقّه.
وقوله: (أحجى) -- أي: أولى -- يقال: هذا أحجى من هذا وأخلق وأحرى وأوجب، كلّه قريب المعنى.
وقوله: (في حوزة)، أي: في ناحية يقال: حزت الشيء أحوزه إذا جمعته، والحوزة: ناحية الدار وغيرها.
وقوله: (كراكب الصعبة) -- يعني: الناقة التي لم ترض إن عنف بها -- والعنف ضدّ الرفق.
وقوله: (حرن)، أي: وقف ولم يمشي، وإنّما يستعمل الحران في الدواب، فأمّا في الإبل فيقال: خلت الناقة وبها خلا، وهو مثل حران الدواب، إلاّ أنّ العرب إنّما تستعيره في الإبل.
وقوله: (أسلس بها غسق)، أي: أدخله في الظلمة.
وقوله: (مع هن وهن) -- يعني: الأدنياء من الناس -- تقول العرب: فلان هني وهو تصغير هن، أي: دون من الناس، ويريدون بذلك تصغير أموره.
وقوله: (فمال رجل لضغنه)، ويروى: (لضلعه)، وهما قريب، وهو أن يميل بهواه ونفسه إلى رجل بعينه.
وحدّثنا بهذا الحديث محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله، قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن
عمّار ابن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدّثني عيسى بن راشد، عن علي بن حذيفة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، مثله سواء).
(على المحكّ):
راجع (مصادر نهج البلاغة) تجد ذكر المصادر التي ذكرت هذه الخطبة العظيمة ومن شرحها(1).
6- (حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن عباية بن ربعي، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال له: أخبرني عن الأنزع البطين عليّ بن أبي طالب فقد اختلف الناس فيه؟ فقال له ابن عبّاس: أيّها الرجل! والله لقد سألت عن رجل ما وطأ الحصى بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أفضل منه، وأنّه لأخو رسول الله وابن عمّه ووصيه وخليفته على أُمّته، وأنّه الأنزع من الشرك، بطين من العلم، ولقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من أراد النجاة غداً فليأخذ بحجزة هذا الأنزع -- يعني: عليّاً عليه السلام-)).
(على المحكّ):
لقد أخرج هذا عن ابن عبّاس غير واحد، وسيأتي في آخر أجزاء الموسوعة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام).
7- (حدّثنا محمّد بن أحمد السناني وأحمد بن الحسن القطّان والحسين ابن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدّب وعلي بن عبد الله الوراق وعلي بن
1) - نهج البلاغة 1/310 -- 324.
أحمد بن محمّد الدقاق رضي الله عنهم، قالوا: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم في مسجد (قبا) وعنده نفر من أصحابه، فقال: (أوّل من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنّة) فلمّا سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا وكلّ واحد منهم يحبّ أن يعود ليكون هو أوّل داخل فيستوجب الجنّة، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذلك منهم، فقال لمن بقي عنده من أصحابه: (سيدخل عليكم جماعة يستبقون فمن بشّرني بخروج آذار فله الجنّة)، فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذر رحمه الله، فقال لهم: (في أي شهر نحن من الشهور الرومية)، فقال أبو ذرّ: قد خرج آذار يا رسول الله، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (قد علمت ذلك يا أبا ذرّ، ولكن أحببت أن يعلم قومي أنّك رجل من أهل الجنّة، وكيف لا تكون كذلك وأنت المطرود من حرمي بعدي لمحبّتك لأهل بيتي، فتعيش وحدك، وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولّون تجهيزك ودفنك، أولئك رفقائي في الجنّة الخلد التي وعد المتقون)).
(على المحكّ):
هذا من أخبار الفضائل التي مرّت في المنتقى من أخبار (معاني الأخبار).
8- (عن ابن عبّاس، قال: دخلت عائشة على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يقبّل فاطمة، فقالت له: أتحبّها يا رسول الله؟ قال: (أما والله لو علمت حبّي لها لازددت لها حبّاً، إنّه لمّا عرج بي إلى السماء الرابعة أذّن جبرئيل، وأقام
ميكائيل، ثمّ قيل لي: أذّن يا محمّد، فقلت: أتقدّم وأنت بحضرتي يا جبرئيل؟ قال: نعم، إنّ الله عزّ وجلّ فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضّلك أنت خاصّة، فدنوت فصلّيت بأهل السماء الرابعة، ثمّ التفت عن يميني فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام في روضة من رياض الجنّة، وقد اكتنفها جماعة من الملائكة، ثمّ أنّى صرت إلى السماء الخامسة، ومنها إلى السادسة، فنوديت: يا محمّد! نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك عليّ، فلمّا صرت إلى الحجب أخذ جبرئيل عليه السلام بيدي فأدخلني الجنّة، فإذا أنا بشجرة من نور أصلها ملكان يطويان الحلل والحلى، فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذه الشجرة؟ فقال: هذه لأخيك عليّ بن أبي طالب، وهذان الملكان يطويان له الحلىّ والحلل إلى يوم القيامة، ثمّ تقدّمت أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزبد، وأطيب رائحة من المسك، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها فتحوّلت الرطبة نطفة في صلبي، فلمّا أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسية، فإذا اشتقت إلى الجنّة شممتُ رائحة فاطمة عليها السلام)).
(على المحكّ):
كسابقه من أخبار الفضائل.
9- (حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، قال: حدّثنا عمّي محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد الأسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن الحكم بن مقسم، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر ببراءة، ثمّ أتبعه عليّاً فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! خيف فيّ شيء؟ قال: (لا إلاّ أنّه لا
يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ)، وكان الذي بعث فيه عليّ عليه السلام: لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، ولا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عهد فهو إلى مدته).
(على المحكّ):
راجع كتاب (عليّ إمام البررة)(1)تجد المصادر لهذه المنقبة وما حولها وما أحيط بها.
10- (حدّثنا محمّد بن أحمد الشيباني رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، عن سليمان بن حفص المروزي، عن عمرو بن ثابت، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا سدّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الأبواب الشارعة إلى المسجد إلاّ باب عليّ عليه السلام ضجّ أصحابه من ذلك، فقالوا: يا رسول الله! لم سددت أبوابنا وتركت باب هذا الغلام؟! فقال: (إنّ الله تبارك وتعالى أمرني بسدّ أبوابكم وترك باب عليّ، فإنّما أنا متّبع لما يوحى إليّ من ربّي)).
(على المحكّ):
راجع كتاب (عليّ إمام البررة)(2)تجد المصادر.
11- (حدّثنا عبد الله بن النضر بن سمعان التميمي الخرقاني رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد المكّي، قال: حدّثنا أبو الحسن عبد الله بن
محمّد بن عمر الأطروش الحراني، قال: حدّثنا صالح بن زياد أبو سعيد الشوني، قال: حدّثنا أبو عثمان عبد الله بن ميمون السكري، قال: حدّثنا عبد الله بن معن الأودي، قال: حدّثنا عمران بن سليم، قال: كان الزهري إذا حدّث عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال: حدّثني زين العابدين عليّ بن الحسين، فقال له سفيان بن عيينة: ولم تقول له زين العابدين؟ قال: لأنّي سمعت سعيد بن المسيّب يحدّث عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين؟ فكأنّي أنظر إلى ولدي عليّ ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطو بين الصفوف)).
(على المحكّ):
أخرجه ابن عساكر في (تاريخه) ترجمة الإمام زين العابدين عليه السلام بسنده نقلاً، عن جابر بن عبد الله، وابن منظور في (مختصر تاريخ دمشق) في ترجمة الإمام زين العابدين عليه السلام.
12- (حدّثنا محمّد بن الحسن، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن أبي همام، عن محمّد بن سعيد بن غزوان، عن السكوني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلّها لا ترى نار جهنّم)).
(على المحكّ):
لقد مرّ الخبر في (ثواب الأعمال) وما فيه؛ فراجع.
13- (حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما، قالا: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمّد ابن أورمة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي وعبد الرحمن بن أبي
نجران، عن مثنى الحناط، عن منصور بن حازم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (توضؤا بما يخرج ولا تتوضؤا ممّا يدخل فإنّه يدخل طيباً ويخرج خبيثاً)).
(على المحكّ):
لقد مرّ في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس) ما يتعلّق بمضمون الخبر؛ فراجع.
14- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمّد بن الحسن القزويني المعروف بابن قبرة، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا زهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر، فقال: أراد أن لا يحرج على أحد من أُمّته).
15- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمّد بن الحسن المعروف بابن قبرة القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا العبّاس ابن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا ابن عون بن سلام الكوفي، عن وهب بن معاوية الجعفي، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس...)، مثله.
16- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمّد بن الحسن القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن أبي خلف، قال: حدّثنا أبو يعلى بن الليث أخو محمّد بن الليث والي قم، قال: حدّثنا عون بن جعفر المخزومي، عن داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله جمع بين الظهر والعصر والمغرب
والعشاء من غير مطر ولا سفر، قال: فقيل لابن عبّاس: ما أراد به؟ قال: أراد التوسع لأُمّته).
17- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق، قال: حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدّثنا إسماعيل بن علية، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر والحضر).
18- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمّد بن الحسن القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا سويد ابن سعيد الأنباري، عن محمّد بن عثمان، عن الجمحي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس وعن نافع، عن عبد الله بن عمر: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم صلّى بالمدينة مقيماً غير مسافر جمعاً وتماماً).
(على المحكّ):
هذه الأخبار قد مرّ بعضها في (فقه ابن عبّاس)، وهي ممّا رواه العامّة والخاصّة، راجع صحيح مسلم وغيره في مسألة الجمع بين الصلاتين في الحضر من دون علّة ولا مطر، تجد هذا التعليل مذكوراً.
19- (حدّثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمّد بن الحسن المعروف بابن قبّرة القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف، قال: حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا سويد بن سعيد الأنباري، عن محمّد بن عثمان الجمحي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قلت لابن عبّاس: أخبرني لأيّ شيء حذف من الأذان (حيّ على خير العمل)؟ قال: أراد عمر بذلك ألاّ يتّكل الناس على الصلاة ويدعوا الجهاد، فلذلك
حذفها من الأذان).
(على المحكّ):
راجع رسالة (حيّ على خير العمل)، لكاتب الحروف، تجد السبب في حذفها، وهو من التسييس لمظاهر التقديس.
20- (وقال ابن عبّاس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة).
(على المحكّ):
ما بين القوسين ورد ذكره مرسلاً، وهو مروي عن ابن عبّاس مرفوعاً وموقوفاً، وقد رواه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)، فقال: (وروى الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال ابن عبّاس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)(1).
21- (أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن شاذان بن أحمد بن عثمان البرواذي، قال: حدّثنا أبو علي محمّد بن الحارث بن سفيان الحافظ السمرقندي، قال: حدّثنا صالح بن سعيد الترمذي، قال: حدّثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب اليماني، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال لعائشة وهي تطوف معه بالكعبة حين استلما الركن وبلغا إلى الحجر: (يا عائشة! لولا ما طبع الله على هذا الحجر من أرجاس الجاهلية وأنجاسها إذاً لاستشفى به من كلّ عاهة، وإذاً لألفى كهيئة يوم أنزله الله تعالى، وليبعثنه الله على ما خلق عليه أوّل مرّة، وأنّه لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنّة، ولكن الله عزّ وجلّ غيّر حسنه بمعصية العاصين وسترت بنيته عن الأئمّة والظلمة لأنّه لا ينبغي لهم أن
1) - من لا يحضره الفقيه 2/315.
ينظروا إلى شيء بدؤه من الجنّة، لأنّ من نظر إلى شيء منها على جهته وجبت له الجنّة، وإنّ الركن يمين الله تعالى في الأرض، وليبعثنه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان وعينان ولينطقنه الله يوم القيامة بلسان طلق ذلق، يشهد لمن استلمه بحقّ استلامه اليوم بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، وذكر وهب: أنّ الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة أنزلا فوضعا على الصفا فأضاء نورهما لأهل الأرض ما بين المشرق والمغرب كما يضئ المصباح في الليل المظلم، يؤمن الروعة، ويستأنس إليهما، وليبعثن الركن والمقام وهما في العظم مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة، فرفع النور عنهما، وغيّر حسنهما، ووضعا حيث هما).
(على المحكّ):
هذا الخبر فيه غير واحد من المجاهيل، مضافاً إلى أنّ راويه وهب بن منبّه وهو من مسلمة أهل الكتاب، ومتهم بالوضع، وإن كان ما في المتن ليس فيه ممّا يستنكر.
22- (حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار رضي الله عنه، قال: حدّثنا علي بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن يحيى، عن علي بن عبيد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جلست إلى ابن عبّاس فعرض عليَّ ذكر فرائض المواريث، فقال ابن عبّاس: سبحان الله العظيم! أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا ابن عبّاس! فمن أوّل
من أعال الفرائض؟ قال عمر: لمّا التفت عنده الفرائض ودافع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسّم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي مال ما دخل عليه من عول الفريضة. وأيم الله أن لو قدّم من قدّم الله، وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر بن أوس: أيهما قدّم، وأيهّما أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله تعالى عن فريضة إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قدّم الله، وأمّا ما أخّر الله، فكلّ فريضة زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ ما يبقى، فتلك التي أخّر الله، فأمّا التي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم الله تعالى، وأمّا التي أخّر الله، ففريضة البنات والأخوات لها النصف إن كانت واحدة، وإن كانتا اثنتين أو أكثر فالثلثان، فإذا أزالتهم الفرائض لم يكن لهن إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله، فإذا اجتمع ما قدّم الله وما أخّر بُدئ بما قدّم الله، فأعطى حقّه كملا، فإن بقي شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال زفر بن أوس: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ قال: هبته، فقال الزهري: والله لولا أنّه تقدّمه إمام عدل كان أمره على الورع فأمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابن عبّاس من أهل العلم اثنان).
(على المحكّ):
هذا الخبر والذي قبله وغيره ممّا يتعلّق بالعول في الفريضة، كلّها ثابتة معنى ومتناً عن ابن عبّاس رضي الله عنه، وعُرف بذلك وكان هذا هو قول إمام أهل
البيت عليه السلام، وقولهم عليهم السلام هم كذلك أيضاً، وقد تحدّوا بدعوة القائلين به إلى المباهلة، فلم ينقل عن واحد أقدم عليها، وهذا معنى قول الزهري: (لولا أنّه تقدّمه -- أي ابن عبّاس -- إمام عدل -- يعني عمر -- فأمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابن عبّاس من أهل العلم اثنان).
وأخيراً: نودّع الشيخ الصدوق رحمه الله بما ذكره في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وهو أحد الجوامع الحديثية الأربعة التي عند الشيعة من زبر الأقدمين، فلقد ورد فيه عن ابن عبّاس ما يستدعي الإشارة إليه، فقد جاء فيه:
1- وروي عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب خرج يستسقي، فقال للعبّاس: قم فادع ربّك واستسق، وقال: (اللّهمّ إنّا نتوسل إليك بعمّ نبيّك)، فقام العبّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (اللّهمّ إنّ عندك سحاباً وإن عندك مطراً، فانشر السحاب وأنزل فيه الماء، ثمّ أنزله علينا، واشدد به الأصل، واطلع به الفرع، وأحي به الزرع، اللّهمّ إنّا شفعاء إليك عمّن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا شفّعنا في أنفسنا وأهالينا، اللّهمّ إنّا لا ندعو إلاّ إياك، ولا نرغب إلاّ إليك، اللّهمّ أسقنا سقياً وادعاً نافعاً طبقاً مجلجلاً، اللّهمّ إنّا نشكو إليك جوع كلّ جائع، وعري كلّ عارٍ، وخوف كلّ خائف، وسغب كلّ ساغب يدعو الله).
(على المحكّ):
هذا الخبر رواه الشيخ الصدوق مرسلاً، ولم يذكر لنا مصدره الذي اعتمده، ولا الراوي الذي أخبره، وقد مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة(1)
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/استسقاء.
هذا الخبر، وأنّ عمر لمّا دعا العبّاس للاستسقاء خرج العبّاس ومعه بنو هاشم عليّ أمامه، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، وبنو هاشم خلفه، وذكرته نقلاً عن ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)(1)، وذكرت في الهامش عشرين مصدراً للخبر، وفيها أسانيد متعدّدة، وما أخرجته عن ابن عساكر بسنده عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وذكرت ما قيل في ذلك من الشعر، فكان من الجدير بالصدوق رحمه الله أن يذكر الخبر مسنداً، كما عليه أن يذكر كلمة العبّاس في ذلك الموقف: (يستسقون بنا ويتقدّمونا)، وقد ذكرها الطبري الإمامي في (المسترشد)(2).
2- وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال ابن عبّاس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)(3).
(على المحكّ):
وقد ورد هذا الحديث عن ابن عبّاس عليه السلام يرويه الإمام الصادق عليه السلام عنه مرسلاً، والسند صحيح إلى الإمام عليه السلام، وما رواه عن ابن عبّاس في غير هذا فهو عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام، وأحسب هذا من ذاك.
3- وفي رواية محمّد بن بحر الشيباني، عن أحمد بن الحرث، قال: حدّثنا أبو أيوب الكوفي، قال: حدّثنا إسحاق بن وهب العلاف، قال: حدّثنا أبو عاصم النبال، عن ابن جريج، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: (خرج
رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة، فقال: يا محمّد! تشتري هذه الناقة؟ فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (نعم، بكم تبيعها يا أعرابي؟) فقال: بمائتي درهم، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (بل ناقتك خير من هذا)، قال: فما زال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يزيد حتّى اشترى الناقة بأربع مائة درهم، قال: فلمّا دفع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة، فقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فإن كان لمحمّد شيء فليقم البينة، قال: فأقبل رجل فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أترضى بالشيخ المقبل؟) قال: نعم، يا محمّد، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (تقضي في ما بيني وبين هذا الأعرابي؟) فقال: تكلّم يا رسول الله، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي)، فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي إن كان لمحمّد شيء فليقم البينة، فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول الله! وذلك أنّ الأعرابي طلب البينة، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اجلس)، فجلس، ثمّ أقبل رجل آخر، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟) قال: نعم يا محمّد، فلمّا دنا، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اقض في ما بيني وبين الأعرابي)، قال: تكلّم يا رسول الله، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي)، فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، إن كان لمحمّد شيء فليقم البينة، فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول الله! لأنّ الأعرابي طلب البينة، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أجلس حتّى يأتي الله بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحقّ)، فأقبل عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أترضى بالشاب المقبل؟) قال: نعم، فلمّا دنا قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (يا أبا الحسن اقض في ما بيني وبين الأعرابي)، فقال:
تكلّم يا رسول الله، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي)، فقال الأعرابي: لا بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، إن كان لمحمّد شيء فليقم البينة، فقال عليّ عليه السلام: خل بين الناقة وبين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال الأعرابي: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة، قال: فدخل عليّ عليه السلام منزله، فاشتمل على قائم سيفه، ثمّ أتى فقال: خلّ بين الناقة وبين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة، قال: فضربه عليّ عليه السلام ضربة -- فاجتمع أهل الحجاز على أنّه رمى برأسه، وقال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضواً -- قال: فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما حملك على هذا يا عليّ؟) فقال: يا رسول الله! نصدّقك على الوحي من السماء ولا نصدّقك على أربعمائة درهم!(1).
قال مصنّف هذا الكتاب -- رحمه الله --: (هذان الحديثان غير مختلفين لأنّهما في قضيتين، وكانت هذه القضية قبل القضية التي ذكرتها قبلها).
(على المحكّ):
يكفي في سقوط الخبر سنداً: رواية محمّد بن بحر الشيباني، وهو أبو الحسين الرهني من الغلاة -- مجهول -- عن أحمد بن الحارث -- مجهول -- عن أبي أيوب الكوفي -- مجهول -- عن إسحاق بن وهب العلاف -- مجهول -- عن أبي عاصم النبال -- مجهول -- عن ابن جريج = عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج -- موثّق عند العامّة مجهول عندنا --..
فخبر هذا سنده لا يؤبه به، ولا يعتمد عليه، ومن الغريب تعقيب
1) - من لا يحضره الفقيه 3/61 -- 62، ط الإسلامية في النجف.
الصدوق رحمه الله بما لا يجدينا نفعاً!
4- وروى الحسن بن محبوب، عن أبان، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إنّه سئل عن المتعة، فقال: إنّ المتعة اليوم ليست كما كانت قبل اليوم، إنّهنّ كنّ يُؤمنّ يومئذ، فاليوم لا يُؤمنَّ فاسألوا عنهنّ). وأحلّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم المتعة ولم يحرّمها حتّى قبض.
وقرأ ابن عبّاس: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً(1).
(على المحكّ):
الخبر صحيح السند، ومتنه مشعر بنحو تقويم لقراءة ابن عبّاس رضي الله عنه.
5- وروى المعلّى بن محمّد البصري، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال: النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عليّاً وصيي وخليفتي، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناوأهم فقد ناوأني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برّهم فقد برّني، وصل الله من وصلهم، وقطع الله من قطعهم، ونصر الله من أعانهم، وخذل الله من خذلهم، اللّهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعليّ وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).
(على المحكّ):
لم يسلم السند من الخدشة في رجاله، فأوّله المعلّى مضطرب
1) - سورة النساء/24.
الحديث، كما قاله النجاشي، وعبد الله بن الحكم مجهول، وأبوه الحكم بن عتيبة مذموم، ومضمون المتن مروي بطرق أصحّ كان على الصدوق رحمه الله روايته بها.
6- وروى عن ابن عبّاس أنّه قال: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ عليه السلام: (يا عليّ أنت وصيي، أوصيت إليك بأمر ربّي، وأنت خليفتي، استخلفتك بأمر ربّي، يا عليّ أنت الذي تبيّن لأُمّتي ما يختلفون فيه بعدي، وتقوم فيهم مقامي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي، وطاعتي طاعة الله، ومعصيتك معصيتي، ومعصيتي معصية الله عزّ وجلّ).
(على المحكّ):
لقد مرّ هذا مكرّراً برواية ابن عبّاس؛ فراجع.
7- وروى سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان ابن عبّاس يقول: إنّ الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول من ستّة)(1).
(على المحكّ):
كسابقه.
8- وروى الفضل بن شاذان، عن محمّد بن يحيى، عن علي بن عبد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جلست إلى ابن عبّاس فعرض عليّ ذكر فرائض المواريث، فقال ابن عبّاس: سبحان
1) - من لا يحضره الفقيه 4/187.
الله العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر ابن أوس البصري: يا ابن عبّاس! فمن أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر، لمّا التفت عنده الفرائض ودافع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدرى أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر الله، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله أن لو قدّم من قدّم الله، وأخّر من أخّر الله، ما عالت فريضة، فقال له زفر ابن أوس: وأيّهما قدّم وأيّهما أخر؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم الله، وأمّا ما أخّر الله فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ ما بقي فتلك التي أخّر الله، فأمّا التي قدّم الله فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث فإن زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم الله عزّ وجلّ، وأمّا التي أخّر الله ففريضة البنات والأخوات لها النصف إن كانت واحدة، وإن كانت اثنتين أو أكثر فالثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض لم يكن لهن إلاّ ما يبقى فتلك التي أخّر الله، فإذا اجتمع ما قدّم الله وما أخّر بدئ بما قدّم الله فأعطى حقّه كملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال له زفر بن أوس: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟! قال: هبته. فقال الزهري: والله لولا أنّه تقدّمه إمام عدل كان أمره على الورع فأمضى أمراً فمضى ما اختلف
على ابن عبّاس من أهل العلم اثنان)(1).
(على المحكّ):
هذا الخبر تقدّم منّا ذكره في الجزء الخامس عشر من الموسوعة في نماذج من مسائل فقهية عن ابن عبّاس، وقد رواه العامّة كما رواه الخاصّة، وفقهه من المسائل التي اختلفت فتاوى الصحابة فيها، فمذهب أهل البيت عليهم السلام وابن عبّاس منهم أنّ الفرائض لا تعول، وذهب عمر إلى العول، وذلك حين التفت عنده الفرائض كما في هذا الخبر.
9- ما رواه فراس، عن الشعبي، عن ابن عبّاس، أنّه قال: (كتب إليَّ عليّ ابن أبي طالب عليه السلام في ستّة إخوة وجدّ أن أجعله كأحدهم وامح كتابي). فجعله عليّ عليه السلام سابعاً، معهم وقوله عليه السلام: (وامح كتابي) كره أن يشنّع عليه بالخلاف على من تقدّمه، وليس هذا بحجّة للفضل بن شاذان، لأنّ هذا الخبر إنّما يثبت أنّ الجدّ مع الإخوة بمنزلة واحد منهم، وليس يثبت كونه أبداً بمنزلة الأخ ولا يثبت أنّه يرث حيث يرث الأخ ويسقط حيث يسقط الأخ(2).
(على المحكّ):
لقد مرّ هذا في الجزء العاشر في الموسوعة(3)فراجع تجده مع التعقيب عليه.
10- وروى عبد الله بن عبّاس، عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (أشراف
أُمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل)(1).
(على المحكّ):
أخرجه المنذري، عن ابن أبي الدنيا، والبيهقي، ورواه الطبراني، والرازي في (فضائل القرآن وتلاوته)، والفيروزابادي في (بصائر ذوي التمييز)، وابن كثير في (فضائل القرآن)، والقارئ الهروي في (فيض المعين)(2).
11- وروى المعلّى بن محمّد البصري، عن جعفر بن سلمة، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عليّاً وصييّ وخليفتي، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناوأهم فقد ناوأني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برّهم فقد برّني، وصل الله من وصلهم، وقطع الله من قطعهم، ونصر الله من أعانهم، وخذل من خذلهم، اللّهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعليّ وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ﴾يا ربّ العالمين(3).)وهذا آخر خبر في الكتاب، وقد مرّ قبل هذا، لماذا التكرار؟!وليكن منّا هو أيضاً آخر ما عندنا من أحاديث الصدوق رحمه الله.
#### (10 الشيخ المفيد رحمه الله (ت413ه-))##### اشارةهو محمّد بن محمّد بن النعمان بن المعلّم أبو عبد الله العكبري البغدادي (ت413ه-، أشهر من أن يعرّف، أثنى عليه الخاصّة والعامّة، له من المؤلّفات ما ناهز المائتين، وقد طبع منها في سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد أكثر من عشرين كتاباً ورسالة.)وسبق لي أن ساعدني التوفيق فقدّمت لكتابه (الاختصاص في طبعة الحيدرية في النجف الأشرف بمقدّمة ناهزت ثلاثين صفحة، وذكرت في ترجمته بما يغني عن الإطناب في المقام، وقد رأيت في بعض تلكم المؤلّفات ما يستدعي النظر في بعض روايات الشيخ المفيد رحمه الله عن ابن عبّاس.)لذلك قلت: لنا وقفة عند بعض كتبه التي ذكر فيها ابن عبّاس، ممّا يمكن تمريره (على المحكّ لمعرفة رأي الشيخ فيه من غير شكّ ما دام ابن عبّاس بعد في الميزان.)فهو قد ذكره في كتاب (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد في عشرين موضعاً، بينها أربعة مواضع ترحّم عليه، وخامس ترحّم عليه وعلى أبيه، وفي سادس ترّضى عنه، وهي كلّها موقوفة عليه، وله فيها ذاتية محمودة، وتثقل كفّة الحسنات في الميزان، وهي كالتالي:)1- ما جاء في غزوة أُحد وفرار الناس وثبات الإمام عليّ عليه السلام ومواساته النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
قال الشيخ المفيد: (وروى الحكم بن ظُهير، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه: إنّ طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذ فوقف بين الصفّين فنادى: يا أصحاب محمّد! إنّكم تزعمون أنّ الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنّة، فأيّكم يبرز إليَّ؟ فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: (والله، لا أفارقك اليوم حتّى أعجلك بسيفي إلى النار)، فاختلفا بضربتين، فضربه عليّ بن أبي طالب على رجليه فقطعهما، وسقط فانكشف عنه، فقال: أنشدك الله يابن عمّ والرحم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال له المسلمون: ألا أجهزت عليه؟ فقال: (ناشدني الله والرحم، ووالله لا عاش بعدها أبدا)ً، فمات طلحة في مكانه، وبشّر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بذلك، فسُرّ به، وقال: (هذا كبش الكتيبة))(1).)2- في كلام الإمام عليه السلام بالربذة لمّا توجّه إلى البصرة.قال الشيخ المفيد: (ولمّا توجّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة نزل بالربذة، فلقيه بها آخر الحاج، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه، قال ابن عبّاس(رحمة الله عليه: فأتيته فوجدته يخصف نعلاً، فقلت له: نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منّا إلى ما تصنع، فلم يكلّمني حتّى فرغ من نعله، ثمّ ضمها إلى صاحبتها، ثمّ قال لي: (قوّمها)، فقلت له: ليس لها قيمة، قال: (على ذاك)، قلت: كسر درهم، قال: (والله لهما أحبّ إليَّ من أمركم هذا، إلاّ أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً)، قلت: إنّ الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا من كلامك، فتأذن لي أن أتكلّم، فإن كان حسناً كان منك، وإن كان غير ذلك)
1) - الإرشاد 1/85 -- 86 سلسلة مؤلّفات المفيد.
كان منّي. قال: (لا، أنا أتكلّم، ثمّ وضع يده في صدري، وكان شثن الكفّ، فآلمني، ثمّ قام، فأخذت بثوبه، فقلت: نشدتك الله والرحم، قال: (لا تنشدني)، ثمّ خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:)(أمّا بعد، فإنّ الله بعث محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم وليس في العرب أحد يقرأ كتاباً ولا بدعي نبوّة، فساق الناس إلى منجاتهم، أمَ والله ما زلت في ساقتها ما غيّرت ولا خنت، حتّى تولّت بحذافيرها، مالي ولقريش، أما والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، وأنّ مسيري هذا عن عهد عُهد إليَّ فيه، أمَ والله لأبقرّن الباطل حتّى يخرج الحقّ من خاصرته، ما تنقم منّا قريش إلاّ أنّ الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيزنا، وأنشد:)ذنب لعمري شربك المحض خالصاً *** وأكلك بالزبدة المقشرّة البُجراونحن وهبناك العلاء ولم تكن *** عليّاً وحطنا حولك الجرد والسُمرا(1)3- في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بلسان أعدائه.قال الشيخ المفيد: (وروى عكرمة، عن عائشة في حديثها له بمرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ووفاته، فقالت في جملة ذلك: فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم متوكّئاً على رجلين من أهل بيته، أحدهما الفضل بن العبّاس، فلمّا حكى عنها ذلك لعبد الله بن عبّاس رحمه الله، قال له: أتعرف الرجل الآخر؟ قال: لا، لم تسمّه لي، قال: ذلك عليّ بن أبي طالب، وما كانت أُمّنا تذكره بخير وهي تستطيع(2).)
وهذا أيضاً أخرجه البخاري في صحيحه بتفاوت يسير(1، ومسلم في صحيحه(2)فراجع.)4- في بعث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم للإمام إلى وادي الجنّ.قال الشيخ المفيد: (فروى محمّد بن أبي السري التميمي، عن أحمد ابن الفرج، عن الحسن بن موسى النهدي، عن أبيه، عن وبرة بن الحارث، عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه، قال: لمّا خرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق جنّب عن الطريق وأدركه الليل، فنزل بقرب واد وعر، فلمّا كان في آخر الليل هبط عليه جبرئيل عليه السلام يخبره أنّ طائفة من كفّار الجنّ قد استبطنوا الوادي يريدون كيده وإيقاع الشرّ بأصحابه عند سلوكهم إياه، فدعا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقال له: (اذهب إلى هذا الوادي فيعرض لك من أعداء الله الجنّ من يريدك فادفعه بالقوّة التي أعطاك الله عزّ وجلّ، وتحصّن بأسماء الله التي خصّك بعلمها)، وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس، وقال لهم: (كونوا معه وامتثلوا أمره)...)، وساق الخبر بطوله.)ثمّ قال المفيد: (وهذا الحديث قد روته العامّة كما روته الخاصّة ولم يتناكروا شيئاً منه(3).)5- في تاريخ الإمام الحسن عليه السلام، في ذكر أوّل خطبة له بعد أبيه.فذكرها، قال: (ثمّ جلس، فقام عبد الله بن عبّاس(رحمة الله عليهما)
بين يديه، فقال: معاشر الناس! هذا ابن نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه، فاستجاب له الناس وقالوا: ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا، وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتّب العمّال، وأمّر الأمراء، وأنفذ عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه إلى البصرة، ونظر في الأمور(1).)وذكر الشيخ المفيد كثيراً من مواقف ابن عبّاس في نصرة الحقّ لأهل البيت عليهم السلام، كما سنأتي على ذكر بعضها في آخر أجزاء الموسوعة (في رحاب أهل البيت عليهم السلام، ولا غرابة فهو منهم وإليهم، نسباً وسبباً، ومفتخراً بذلك.)ألم ينقل لنا الشيخ المفيد في (الإرشاد، قال: (وجدت في كتاب أبي جعفر محمّد بن العبّاس الرازي(2)، حدّثنا محمّد بن خالد، قال: حدّثنا)
1) - الإرشاد 2/8 -- 9، ط دار المفيد.
2) - لم أقف على شيء من تعريفه، غير أنّ ابن حجر ذكر في (لسان الميزان) من أحفاده: عبد الله ابن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمّد بن أحمد بن العبّاس بن محمّد بن العبّاس الرازي، ثمّ الدوري كان يذكر أنّه من ولد حذيفة بن اليمان، وكان أحد الفقهاء على مذهب الإمامية، ذكره ابن النجّار، روى عن جدّه محمّد بن موسى، روى عنه قريش بن اليسع العلوي، مات بعد الستمائة.)وقد ورد ذكره في (موسوعة أصحاب الفقهاء: الملّقب بنجم الدين من ذرّية الصحابي حذيفة ابن اليمان، روى عن جدّه محمّد بن موسى، والسيّد فضل الله بن علي الحسيني الراوندي، وارتحل إلى بغداد سنة 66ه-، وأقام بها مدّة، وحدّث بها بروايات أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ثمّ عاد إلى بلده، روى عنه محمّد بن جعفر المشهدي مؤلّف (المزار)، والفقيه الكبير محمّد بن إدريس العجلي الحلّي، ومات قبله... ترجمته بإحاطة في (معجم رجال الحديث 10/147 برقم 6757).)وجاء في (موسوعة أصحاب الفقهاء ذكر جعفر بن محمّد بن أحمد بن العبّاس العبسي، من ذرّية الصحابي حذيفة بن اليمان أبو عبد الله الرازي الدوريستي، أحد أعيان فقهاء الإمامية، ولد سنة380ه- في أسرة عرفت بالعلم والفضل، روى عن أبيه الذي كان من تلامذة الشيخ الصدوق، ثمّ رحل إلى بغداد، فقرأ بها على الشيخ المفيد ابن المعلّم، وعلى الشريف المرتضى، وتفقّه بهما، ثمّ عاد إلى بلده فحدّث بها ودرّس، وتخرّج به جماعة من الأعلام، وعلت شهرته، حتّى أنّ الوزير نظام الملك كان يقصده من الريّ في كلّ أسبوعين مرّة يقرأ عليه ويسمع منه الحديث.
إبراهيم بن عبد الله، قال: حدّثنا محمّد بن سليمان الديلمي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عدي بن حكيم، عن عبد الله بن العبّاس، قال: قال: لنا أهل البيت سبع خصال، ما منهنّ خصلة في الناس: منّا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ومنّا الوصي خير الأُمّة بعده عليّ بن أبي طالب، ومنّا حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيّد الشهداء، ومنّا جعفر بن أبي طالب المزيّن بالجناحين يطير بهما في الجنّة حيث يشاء، ومنّا سبطا هذه الأُمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، ومنّا قائم آل محمّد الذي أكرم الله به نبيّه، ومنّا المنصور(؟).)أقول: لمّا كان العدد سبعة ينتهي بقائم آل محمّد (عجّل الله فرجه، فلا يصحّ ذكر أحد بعده، إذ يصيروا ثمانية، وظنّي -- والله أعلم -- إنّ كلمتي (ومنّا المنصور) فيها تحريف من سهو القلم، والصواب: وهو المنصور، إذ هو المتسّق مع كرامة الله لنبيّه به.)وهذه الأخبار ترجّح كفّة الحسنات في الميزان، ويرد لابن عبّاس في (الإرشاد وباقي مؤلّفات المفيد بعض الآراء أو الروايات، ولا تخلوا جميعها من ملاحظة، وإلى القارئ عرضاً سريعاً ومروراً عابراً بها:)
ففي (الإرشاد في (18) موضع ورد ذكر ابن عبّاس، وذكرت بعضها، والبقية جلّها أحاديث مرفوعة عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في فضل الإمام عليه السلام، نحو قوله: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (إنّك تُخاصم فتخصم بسبع خصال ليس لأحد مثلهن: أنت أوّل المؤمنين معي إيماناً، وأعظمهم جهاداً، وأعلمهم بآيات الله، وأوفاهم بعهد الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية وأعظمهم عند الله مزيّة)(1).)ونحو ذكر موقفه في ردّ عادية مروان وبني أُميّة في وفاة الإمام الحسن عليه السلام، قال المفيد: (وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة، فبادر ابن عبّاس إلى مروان، فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت، فإنّا ما نريد أن ندفن صاحبنا عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، لكنّا نريد أن نجدد به عهداً بزيارته، ثمّ نردّه إلى جدّته فاطمة عليها السلام فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعلمت أنّك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك، لكنّه عليه السلام كان أعلم بالله ورسوله وبحرمة قبره من أن يُطرق عليه هدماً كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه.ثمّ أقبل على عائشة، فقال لها: واسوأتاه يوماً على بغل ويوماً على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلين أولياء الله، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين، وبلغت ما تحبّين والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت، ولو بعد حين(2).)
##### أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في باقي مؤلّفات الشيخ المفيد رحمه الله##### 1- كتاب (الاختصاص.)لقد أورد الشيخ ذكر ابن عبّاس في سبعة مواضع من كتابه.أوّلها: في (ص42 في أوّل مسائل عبد الله بن سلام، مرسلاً من دون سند، فلا حاجة للوقوف عندها، فهي بسلّة المهملات أولى.)وثانيها: في (ص136 كسابقه في الإرسال والإهمال.)وثالثها: في (ص223 رواه المفيد، عن الصدوق، عن محمّد بن موسى ابن المتوكّل -- ثقة -- عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي -- ثقة -- عن موسى بن عمران، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن علي بن سالم -- مجهول -- عن أبيه -- كسابقه -- عن سعد بن طريف -- ثقة -- عن الأصبغ بن نباته -- من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام -- قال سمعت ابن عبّاس، يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ذكر الله عزّ وجلّ عبادة، وذكري عبادة، وذكر عليّ عبادة، وذكر الأئمّة من ولده عبادة، والذي بعثني بالنبوّة وجعلني خير البرية إنّ وصيي لأفضل الأوصياء، وإنّه لحجّة الله على عباده وخليفته على خلقه، ومن ولده الأئمّة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الأرض، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبهم يمسك الجبال أن تميد بهم، وبهم يسقي خلقه الغيث، وبهم يخرج النبات، أولئك أولياء الله حقّاً وخلفائي صدقاً، عدتهم عدّة الشهور وهي اثنا عشر شهراً، وعدّتهم عدّة نقباء موسى بن عمران)، ثمّ تلا عليه السلام هذه الآية: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ)(1)، ثمّ قال: (أتقدر يابن عبّاس
1) - سورة البروج/1.
أنّ الله يقسم بالسماء ذات البروج؟ -- ويعني به السماء وبروجها --)، قلت: يا رسول الله: فما ذاك؟ قال: (أمّا السماء فأنا، وأمّا البروج فالأئمّة بعدي أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين).
(على المحكّ):
مضافاً إلى جهالة بعض رجال السند، ممّن يتطرّق الريب إليهم، ممّا رواه الصدوق أيضاً في كتابه (إكمال الدين وإتمام النعمة) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل.. يقول فيه عليه السلام: (ولقد سُئل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأنا عنده عن الأئمّة بعده؟ فقال للسائل: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ، إنّ عددهم عدد البروج، وربّ الليالي والأيّام والشهور إنّ عدتهم كعدّة الشهور).
وجاء في (روضة الكافي): (عن علي بن إبراهيم، وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعاً، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّ للشمس ثلاثمائة وستّين برجاً، كلّ برج منها مثل جزيرة من جزاير العرب، وتنزل يوم -- كلّ يوم -- على برج منها)...)، إلى آخر الخبر.
ويكفي في بروز علامات الاستفهام أنّ كلّ هذه الأخبار عن الأصبغ ابن نباتة، وكأنّه كان معنيّاً بمعرفة البروج، ولعلّ الرجل بريء من الخبر! لأنّ في جميع إسناد رواياته لم يسلم من مجاهيل ومجروحين. وهذا الأخير في سنده سهل بن زياد الذي لم يوثّق، بل ضعيف، كما في (فهرست) الشيخ الطوسي رحمه الله، ذكر في رجال (كامل الزيارات)، و(تفسير القمّي)، فقد قال النجاشي: كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمّد بن
عيسي يشهد عليه بالغلوّ والكذب، وأخرجه من قمّ إلى الريّ، وكان يسكنها...
ورابعها: في (ص264)، روي عن ابن عبّاس أنّه قال: (أوّل المرسلين آدم عليه السلام، وآخرهم محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وكانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبيّ، المرسل منهم ثلاث مائة وخمسة، ومنهم خمسة أولوا العزم صلوات الله عليهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد(صلّى الله عليهم)، وخمسة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، والكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام مائة كتاب وأربعة كتب، منها: على آدم خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون، وعلى إبراهيم عشرون، وعلى موسى التوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الأنجيل، وعلى محمّد الفرقان صلّى الله عليهم).
وهذا مرسل، فإنّ صحّ عن ابن عبّاس فلا يصحّ وقفه عليه، فإمّا رفعه إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أو أخذه عن غيره، وقد ذكره صاحب (البحار) وفيه: (خمسة سريانيون)، بدل (عبرانيون)، وليس قبوله أو ردّه بشيء مهم.
وخامسها: في (ص 71)، قال المفيد رحمه الله: حدّثنا جعفر بن الحسين، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح بن محمّد المحاربي، عن أبي عبد الله، وعن ابن جريج وغيره من ثقيف: إنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج به، خرج من تحت كفنه طير أبيض ينظرون إليه يطير نحو السماء حتّى غاب عنهم، وقال أبو عبد الله عليه السلام: (كان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكان أبي عليه السلام وهو غلام
تلبسه أُمّه ثيابه فينطلق في غلمان بني عبد المطّلب)، قال: فأتاه، فقال: من أنت؟ -- بعد ما أصيب بصره -- فقال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك.
وهذا الخبر مرّ ذكره في الجزء الخامس من الموسوعة، وفي هذا الجزء، وذكر من رواه، فلا حاجة للوقوف عنده على المحكّ.
وسادسها: في (ص صلي الله عليه وآله وسلم1)، قال المفيد رحمه الله: وعنه -- يعني جعفر بن الحسين -- عن محمّد ابن الحسن الصفّار، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام: (أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إنّ رجلاً -- يعني عبد الله بن عبّاس -- يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيما نزلت، قال: فاسأله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)؟ وفيمن نزلت: لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ(2)؟ وفيمن نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(3)، فأتاه الرجل، فغضب وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله، ولكن سله: ممّا العرش؟ ومتى خلق؟ وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي عليه السلام، فقال له ما قال، فقال عليه السلام: فهل أجابك بالآيات؟ قال: لا، قال أبي: ولكن أجيبك...)، ثمّ ساق الجواب إلى آخر الخبر. ولمّا كان هذا تقدّم في أثر ابن عبّاس في (الكافي على المحكّ) فلا حاجة إلى الوقوف عنده هنا.
وسابعها: في (ص136)، قال: قال ابن عبّاس: شهد مجلس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، فإذا نحن بعدّة من العجم، فسلّموا عليه، فقالوا: جئناك لنسألك عن ستّ خصال، فإن أنت أخبرتنا آمنّا وصدّقنا، وإلاّ كذّبنا وجحدنا، فقال عليه السلام: (سلوا متفقّهين ولا تسألوا متعنتين)، قالوا: أخبرنا ما يقول الفَرس في صهيله، والحمار في نهيقه، والدرّاج في صياحه، والقبّرة في صفيرها، والديك في نعيقه، والضفدع في نقيقه؟ فقال عليّ عليه السلام: (إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفَرس رأسه فيقول: سبحان الملك القدوس، ويقول الحمار في نهيقه: اللّهمّ العن العشّارين، ويقول الديك في نعيقه بالأسحار: اذكروا الله يا غافلين، ويقول الضفدع في نقيقه: سبحان المعبود في لجج البحار، ويقول الدراج في صياحه: الرحمن على العرش استوى، وتقول القبّرة في صفيرها: اللّهمّ العن مبغضي آل محمّد)، قال فقالوا: آمنا وصدّقنا، وما على وجه الأرض من هو أعلم منك، فقال عليه السلام: (ألا أفيدكم؟) قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، فقال: (إنّ للفَرس في كلّ يوم ثلاث دعوات مستجابات، تقول في أوّل نهاره: اللّهمّ وسّع على سيّدي الرزق، وتقول في وسط النهار: اللّهمّ اجعلني أحبّ إلى سيّدي من أهله وماله، وتقول في آخر نهاره: اللّهمّ ارزق سيّدي على ظهري الشهادة).
(على المحكّ):
لمّا كان هذا الخبر مسبوقاً بخبر ساقه المفيد بسند هكذا: (أحمد، قال: حدّثنا عمرو بن حفص وأبو نصر، عن محمّد بن الهيثم، عن إسحاق بن نجيح، عن حصيب، عن مجاهد، عن الخدري، قال: أوصى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
عليّ بن أبي طالب عليه السلام -- وساق وصايا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام، ورجال السند فيهم غير موثّقين، كأحمد، وعمرو بن حفص، وأبي نصر، وإسحاق، ونجيح، وحصيب، ومجاهد، فهم بين مجهول وبين مهمل، فيبقى الخبر هكذا على علاّته.
وثمّة رواية مرسلة عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: إنّ بني أُميّة وطئوا على صماخ الدين، وذبحوا كتاب الله بشفرة(1)
أقول: وقوله هذا منكر أيضاً.
2- أخرج ابن كثير في البداية والنهاية 6/242، ط دار الفكر بسنده: عن ابن موهب: أنّ معاوية بينما هو جالس وعنده ابن عبّاس إذ دخل عليهم مروان بن الحكم في حاجة، فلمّا أدبر، قال معاوية لابن عبّاس: أما تعلم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله تعالى بينهم دولاً، وعباده خولاً، وكتابه دغلاً)؟ قال ابن عبّاس: اللّهمّ نعم، ثمّ إنّ مروان ردّ عبد الملك إلى معاوية في حاجته، فلمّا أدبر عبد الملك، قال معاوية: أنشدك بالله يابن عبّاس أمّا تعلم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذكر هذا، فقال: (أبو الجبابرة الأربعة)؟ قال: اللّهمّ نعم، قال ابن كثير: فيه غرابة ونكارة شديدة.
أقول: وليس في قوله هذا غرابة ولا نكارة ما دام على شاميته، ولكن هذا الخبر أخرجه نعيم بن حمّاد في (الفتن برقم 316)، والبيهقي في (دلائل النبوّة 6/507 -- 508)، والمتّقي في (كنز العمّال برقم 31745)، وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، ولم يروا فيه غرابة ولا نكارة.
ومن الطرافة بمكان -- وبعض الطرافة سخافة -- أنّ أحمد بن حنبل روى حديث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ بنو أبي العاص) لكنّه بدّله بقوله: بنو أبي فلان! فحيا الله الأمانة عند أئمّة الحديث، ويبدو منه إمّا كان هو بهذا قد سنّ سنّة سيئة، أو تبع الرواة الذين رووا له حديث عمرو بن العاص، الذي أخرجه هو في مسنده 4/203 برقم 17837، والبخاري في كتاب الأدب، باب الرحمة ببلالها في صحيحه 5/2233 برقم 5644، ومسلم 1/197 برقم 215، وأبو عوانة 1/90 برقم 276، وغيرهم كالطبراني، والنووي في (رياض الصالحين/ باب برّ الوالدين وصلة الرحم).
عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جهاراً غير سرّ يقول: (إنّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنّما وليي الله وصالح المؤمنين)، قال البخاري: زاد عنبسة بن عبد الواحد عن بيان: (ولكن لها رحم أبلّها ببلالها)، ولقد أربك البخاري شرّاح صحيحه في تخريجه لحديث ابن العاص المذكور، فهل يبقى بعد هذا هو وصحيحه في البرج العاجي فوق الشبهات من غير غرابة ولا نكارة؟ إن هذا بليّة الغلوّ والغلاة.
.هذا القول منه إن صحّ، فهو يحكي الواقع الذي كانوا عليه بدءاً من أوّلهم معاوية الذي سمع المؤذّن، فقال: (ألا دفناً دفناً)، ومروراً بابنه يزيد الذي قال: (لا خبر جاء ولا وحي نزل)، وخذ إليك باقي الذين عاصرهم من مروان اللعين وأولاده، الذين صدّق ابن عبّاس رواية معاوية عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فيهم وقد استشهده، أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين اتّخذوا دين الله دغلاً، ومال الله دولاً، وعباده خولاً).
وهذا خبر صحيح رواه من الصحابة: أبو هريرة، ومعاوية(2)، وأبو سعيد
1) - لقد أخرج هذه الكلمة عن ابن عبّاس ابن قدامة في كتاب (العلل والسؤالات في المنتخب من علل الخلال: 237 برقم 143، نشر دار الراية للنشر والتوزيع)، قال: وذكرت لأحمد، حدّثوني عن شعبة عن منصور، عن أبي إدريس، عن المرهبي، عن ابن عبّاس، قال: إنّ بني أُميّة وطئوا على سماخ الدين، وذبحوا كتاب الله بشفرة، فقال: حدّثناه غندر عن شعبة، قلت: منكراً، قال: نعم منكر.
الخدري، وابن عبّاس، وسيّدهم وأصدقهم أبو ذرّ رحمه الله، ولمّا أنكر عليه ذلك، فشهد له عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقال: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: ما أضلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، وأشهد أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قاله)، قال الحاكم في (المستدرك): هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وشاهده حديث أبي سعيد الخدري.
وحسب القارئ الحديث النبوي الشريف: (أوّل من يبدّل سُنّتي رجل
من بني أُميّة)، أخرجه السيوطي في (الجامع الصغير)(1)، والديلمي في (الفردوس): عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا يزال هذا أمر أُمّتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل من بني أُميّة، يقال له: يزيد)، قال البيهقي: هو يزيد بن معاوية، لخبر أبي يعلى، وأبي نعيم، وابن نعيم، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، ومسند أبي يعلى(2)، وفي (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة)(3)حديث أبي ذرّ -- (أصدق الناس لهجة) -- أنّه سمع ذلك من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفي (مجمع الزوائد)(4)عدّة أحاديث دالّة على هذا.
وفي (كنز العمّال)(5)عدّة أحاديث نبوية في ذمّهم ولعنهم وتشبيههم بالقردة.
وأختم هذا بما أخرجه في (كنز العمّال): قال صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا محمّد النبيّ، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، أتتكم الموتة، أتتكم بالروح والراحة، كتاب من الله سبق، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلّما ذهب رَسَل جاء رَسَل(6)، تناسخت النبوّة فصارت ملكاً، رحم الله من أخذها بحقّها، وخرج منها كما دخلها، أمسك يا معاذ وأحص)، قال: فلمّا بلغت
خمسة، قال: (يزيد لا بارك الله في يزيد، نعي إليَّ الحسين، وأوتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً، واهاً لفراخ من آل محمّد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ)، قال فلمّا بلغت عشرة، قال: (الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته، سلّ الله سيفه فلا غماد له)(1).
لقد وردت فيه أخبار عن ابن عبّاس في أكثر من عشرين مورداً ترحّم الشيخ المفيد رحمه الله في خمسة منها عليه:
أوّلها: في (ص1417برقم4) من المجلس الثاني: قال: أخبرني أبو عبيد الله محمّد بن عمران المرزباني، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الجوهري، قال: حدّثنا علي بن سليمان، قال أخبرنا الزبير بن بكّار، قال أخبرني علي بن صالح، قال: حدّثني عبد الله بن مصعب، عن أبيه، قال: حضر عبد الله بن عبّاس مجلس معاوية بن أبي سفيان، فأقبل عليه معاوية فقال: يابن عبّاس! إنّكم تريدون أن تحرزوا الإمامة كما اختصصتم بالنبوّة، والله لا يجتمعان أبداً، إنّ حجّتكم في الخلافة مشتبهة على الناس، إنّكم تقولون: نحن أهل بيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فما بال خلافة النبوّة في غيرنا؟ وهذه شبهة لأنّها تشبه الحقّ، وبها مسحة من العدل، وليس الأمر كما تظنّون، إنّ الخلافة تتقلّب في أحياء قريش برضى العامّة وشورى الخاصّة، ولسنا نجد الناس
1) - كنز العمّال 11/ رقم 3106.
يقولون: ليت بني هاشم ولونا، ولو ولونا كان خيراً لنا في دنيانا وأخرانا، ولو كنتم زهدتم فيها أمس كما تقولون ما قاتلتم عليها اليوم، ووالله لو ملكتموها يا بني هاشم لما كانت ريح عاد ولا صاعقة ثمود بأهلك للناس منكم.
فقال ابن عبّاس -- رحمه الله --: أمّا قولك يا معاوية: (إنّا نحتجّ بالنبوّة في استحقاق الخلافة)، فهو والله كذلك، فإذا لم نستحقّ الخلافة بالنبوّة فبم نستحقّ؟!
وأمّا قولك: (إنّ الخلافة والنبوّة لا يجتمعان لأحد)، فأين قول الله عزّ وجلّ: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً(1)؟ فالكتاب هو النبوّة، والحكمة هي السُنّة، والملك هو الخلافة، فنحن آل إبراهيم، فالحكم بذلك جارٍ فينا إلى يوم القيامة.
وأمّا دعواك على حجّتنا أنّها مشتبهة، فليس كذلك، وحجّتنا أضوأ من الشمس، وأنور من القمر، كتاب الله معنا، وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم فينا، وإنّك لتعلم ذلك، ولكن ثنى عطفّك وصعّرك، قتلنا أخاك وجدّك وخالك وعمّك، فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح في النار هالكة، ولا تغضبوا لدماء أراقها الشرك وأحلّها الكفر، ووضّعها الدين.
وأمّا ترك تقديم الناس لنا فيما خلا، وعدولهم عن الإجماع علينا، فما حرموا منا أعظم ممّا حرمنا منهم، وكلّ أمر إذا حصل حاصله، ثبت حقّه وزال باطله.
1) - سورة النساء/54.
وأمّا افتخارك بالملك الزائل، الذي توصّلت إليه بالمجال الباطل، فقد ملك فرعون من قبلك فأهلكه الله.
وما تملكون يوماً يا بني أُميّة إلاّ ملكنا ونملك بعدكم يومين، ولا شهراً إلاّ ملكنا شهرين، ولا حولاً إلاّ ملكنا حولين.
وأمّا قولك: (إنّا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد وصاعقة ثمود)، فقول الله يكذبك في ذلك، قال الله عزّ وجلّ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ(1)، فنحن أهل بيته الأدنون، ورحمة الله خلقه كرحمته بنبيه خلقه ظاهر، والعذاب بتملكك رقاب المسلمين ظاهر للعيان، وسيكون من بعدك تملك ولدك وولد أبيك، أهلك للخلق من الريح العقيم، ثمّ ينتقم الله بأوليائه، ويكون العاقبة للمتّقين.
الثاني: في (ص19) في أواخر المجلس الثاني، قال: أخبرني أبو الحسن محمّد بن المظفر، قال: حدّثنا محمّد بن جرير، قال: حدّثني أحمد بن إسماعيل، عن عبد الرزاق بن همام، قال: أخبرنا معّمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عبّاس -- رحمه الله -- قال: نظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة).
أقول: وهذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي بعدّة أسانيد، وزيادة في المتن(2)
قلت -- والقائل هو الخطيب -- : وقد رواه محمّد بن حمدون النيسابوري، عن محمّد بن علي بن سفيان النجّار، عن عبد الرزاق، فبرئ أبو الأزهر من عهدته إذ قد توبع على روايته، والله أعلم. أخبرنا أبو سعد الماليني -- إجازة إن لم أكن سمعت منه هذه الحكاية – قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ، قال: سمعت الشرقي -- يعنى أبا حامد النيسابوري -- يقول: قيل لي وأنا أكتب الحديث في بلدي: لم لا ترحل إلى العراق؟ فقلت: وما أصنع بالعراق وعندنا من نبادره الحديث، محمّد بن يحيى الذهلي، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر، وأحمد بن يوسف السلمي، فاستغنينا بهم عن أهل العراق. حدّثنا علي بن أبي علي، قال: قرأنا على الحسين بن هارون، عن أبي سعيد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يوسف، حدّثنا أحمد بن الأزهر. وسمعت محمّد بن يحيى يثني عليه. أخبرني محمّد بن علي المقرئ، أخبرنا محمّد بن عبد الله النيسابوري، قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي، سألت محمّد بن يحيى عن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر، فقال: أبو الأزهر من أهل الصدق والأمانة، نرى أن نكتب عنه، قالها مرّتين. وقال محمّد بن عبد الله: حدّثني أبو محمّد بن أبي حامد، عن مكّي بن عبدان، قال: سألت مسلم بن الحجّاج عن أبي الأزهر؟ فقال: اكتب عنه...
أقول: إنّ الحديث المذكور ورد في أكثر من أربعين كتاباً من التراث السُنّي في مختلف أنواع المعرفة، من بينها: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2/642، ط دار العلم جدة سنة 1403ه-، ولفظه: عن ابن عبّاس، قال: بعثني النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: (أنت سيّد في الدنيا...)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، وتاريخ بغداد، كما مرّت صورة ما فيه، والنقاش حول صحّته مع الشهادة بوثاقة رواته وقول الخطيب: فبرئ أبو الأزهر عن عهدته إذ قد توبع على روايته. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرّد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح.
ومع كلّ هذه التوثيقات قال الذهبي في تلخيص المستدرك 3/128: وإن كان رواته ثقات فهو منكر؟! ألا مسائل هذا عن وجه النكارة في الحديث؟ ولولا النُصب فيه لما قال هذا! وهو علامة النفاق، والله تعالى أوعد المنافقين بالدرك الأسفل من النار، كما في سورة النساء/145، وقال تعالى: ayebazوَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداًayebaste سورة النساء/61، وذكر أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة عن جابر بن عبد الله، قال: ما كنّا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلاّ ببغضهم عليّاً. ونحن في عصرنا صرنا كذلك ما نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً.
راجع قائمة المصادر في الكشاف المنتقى لفضائل عليّ المرتضى عليه السلام، تأليف المرحوم كاظم عبود الفتلاوي: 449 رقم 261.
.1) - سورة الأنبياء/107.
2) - أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، حدّثنا أبو الفضل النيسابوري، حدّثنا عبد الله بن العبّاس، حدّثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر. وأخبرنا الحسن بن أبي بكر، حدّثنا عبد الصمد بن علي الطستي لفظاً، حدّثنا أبو بكر إسماعيل بن الفضل البلخي، حدّثنا أحمد بن محمّد العبدي أبو الأزهر. وأخبرني أبو القاسم الأزهري، حدّثنا على بن عمر الختلي، حدّثنا الحسن بن محمّد ابن الحسن بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي، حدّثنا أبو الأزهر. وأخبرني عبد العزيز بن علي الوراق، حدّثنا أبو المفضل محمّد بن عبد الله الشيباني بالكوفة، حدّثنا أبو حاتم المكّي ابن عبدان النيسابوري بنيسابور وأبو عمران موسى بن العبّاس الجويني، قالا: حدّثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر. وأخبرنا محمّد بن عمر بن بكير المقرئ -- واللفظ له -- حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس. قال: نظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ، فقال: (أنت سيّد في الدنيا، سيّد في الآخرة، ومن أحبّك فقد أحبّني وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوى وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك من بعدي). قال أبو المفضل: فسمعت أبا حاتم يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: خرجت مع عبد الرزاق إلى قريته فكنت معه في الطريق، فقال لي: يا أبا الأزهر! أفيدك حديثاً ما حدّثت به غيرك؟ قال: فحدّثني بهذا الحديث. أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت أحمد بن يحيى بن زهير التستري يقول: لمّا حدّث أبو الأزهر النيسابوري بحديثه عن عبد الرزاق في الفضائل، أخبر يحيى بن معين بذلك، فبينا هو عنده في جماعة أهل الحديث، إذ قال يحيى بن معين: من هذا الكذّاب النيسابوري الذي حدّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا. فتبسّم يحيى بن معين، وقال: أما إنّك لست بكذّاب، وتعجب من سلامته! وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث. قال ابن نعيم: وسمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت أبا حامد الشرقي -- وسُئل عن حديث أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن معمر في فضائل عليّ -- فقال أبو حامد: هذا حديث باطل، والسبب فيه أنّ معمراً كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكّنه من كتبه فأدخل عليه هذا الحديث. وكان معمر رجلاً مهيباً لا يقدر عليه أحد في السؤال والمراجعة، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر. قال ابن نعيم: فسمعت محمّد بن حامد البزّار يقول: سمعت مكّي بن عبدان يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: خرج عبد الرزاق إلى قريته فبكرت إليه يوماً حتّى خشيت على نفسي من البكور، فوصلت إليه قبل أن يخرج لصلاة الصبح. فلمّا خرج رآني. فقال: كنت البارحة هاهنا؟ قلت: لا، ولكنّي خرجت في الليل. فأعجبه ذلك، فلمّا فرغ من صلاة الصبح دعاني وقرأ علَيَّ هذا الحديث، وخصّني به دون أصحابي.
الثالث: في (ص36 -- 37)، وهو الثالث من المجلس الخامس، قال: أخبرني أبو حفص عمر بن محمّد بن علي الصيرفي، قال: حدّثنا أبو الحسين العبّاس بن المغيرة الجوهري، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرّمادي، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، قال: حدّثنا عنبسة، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن العبّاس، قال: لمّا حضرت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فقال عمر: لا تأتوه بشيء فإنّه قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا كثر اللغط والاختلاف، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (قوموا عنّي). قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: وكان ابن عبّاس -- رحمه الله -- يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(1).
الرابع: في (ص86 -- 87)، وهو الثاني من المجلس العاشر، قال: أخبرني أبو عبيد الله محمّد بن عمران المرزباني، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدّثنا عبد الله بن داهر، عن
1) - لقد مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة حديث الرزية بصوره وجمهرة رواته وتداعياته؛ فراجع.
الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عبّاس -- رحمه الله -- قال: سُئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(1)، فقيل له: من هؤلاء الأولياء؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فعرفوا آجلها حين غرّ الخلق بعاجلها، فتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، وأماتوا منها ما علموا أنّه سيميتهم...).
الخامس: في (ص144)، وهو الثالث من المجلس الثامن عشر، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن خالد المراغي، قال: حدّثنا أبو عبد الله الأسدي، قال: حدّثنا جعفر بن عبد الله العلوي المحمّدي، قال: حدّثنا يحيى بن هاشم السمسار الغساني، قال: حدّثنا أبو الصباح عبد الغفور الواسطي، عن عبد الله ابن محمّد القرشي، عن أبي علي الحسن بن علي الراسبي، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس ]رحمه الله[، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الشاكّ في فضل عليّ بن أبي طالب عليه السلام يحشر يوم القيامة من قبره وفي عنقه طوق من نار فيه ثلاثمائة شعبة، على كلّ شعبة شيطان يكلح في وجهه ويتفل فيه).
هذه هي الموارد الخمسة التي ترحّم فيها الشيخ المفيد على ابن عبّاس رحمه الله عند ذكره، وقد روى عنه في (16) مورداً لم يذكر فيها الترحّم، ولكنّها من غرر أخباره، ودرر آثاره.
نحو ما رواه في (ص46) برقم (6) من المجلس السادس، قال: أخبرني أبو حفص عمر بن محمّد... عن عبد الله بن عبّاس، قال: إنّ عليّ بن أبي
1) - سورة يونس/62.
طالب عليه السلام والعبّاس بن عبد المطّلب والفضل بن العبّاس دخلوا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه فقالوا: يا رسول الله! هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: (وما يبكيهم؟) قالوا: يخافون أن تموت، فقال: (أعطوني أيديكم)، فخرج في ملحفته وعصابته حتّى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أمّا بعد، أيّها الناس فما تنكرون من موت نبيّكم، ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم؟ لو خلّد أحد قبلي ثمّ بعث إليه لخُلّدت فيكم، ألا إنّي لاحق ربّي، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا، كتاب الله بين أظهركم، تقرؤونه صباحاً ومساءً، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا أخواناً كما أمركم الله، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي وأنا أوصيكم بهم، ثمّ أوصيكم بهذا الحيّ من الأنصار، فقد عرفتم بلاهم عند الله عزّ وجلّ وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسّعوا في الديار ويشاطروا الثمار، ويؤثروا بهم الخصاصة، فمن ولي منكم أمراً يضرّ فيه أحداً أو ينفعه، فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم). وكان آخر مجلس جلسه حتّى لقي الله عزّ وجلّ.
وذكر المفيد بعده خبر خطبة ابن عبّاس بالبصرة: (أيّتها الأُمّة المتحيّرة في دينها، أما لو قدّمتم من قدّم الله، وأخّرتم من أخر الله، وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله، لما عال سهم من فرائض الله، ولا عال وليّ الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الأُمّة في شيء من كتاب الله، فذوقوا وبال ما فرّطتم فيه بما قدمت أيديكم: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(1)).
1) - سورة الشعراء/227.
وقد مرّ ذكر هذه الخطبة مرّة ثانية بسند آخر برقم (4) في المجلس (34).
وأمّا بقية أخباره عن ابن عبّاس فليس فيها ما يلفت النظر على المحكّ سوى خبرين، هما: خبر مشاركته وأخوته مع الإمام والحسنين عليهم السلام في مشايعة أبي ذرّ رحمه الله، والخبر كما يلي:
فقد ذكره المفيد في (ص161 -- 164) بسنده: (عن أبي الجهضم الأزدي، عن أبيه -- وكان من أهل الشام -- خبر إخراج عثمان أبا ذرّ الغفاري رحمه الله من المدينة إلى الشام، وكتاب معاوية إلى عثمان يشكوه، وكتاب عثمان بإشخاصه.. وذكر ما جرى له عند خروجه إلى المدينة: ولمّا دخل على عثمان، قال له: لا قرّب الله بعمرو عيناً، فقال أبو ذرّ: والله ما سمّاني أبواي عمراً، ولكن لا قرّب الله من عصاه وخالف أمره وارتكب هواه، فقام إليه كعب الأحبار، فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام، فرفع أبو ذرّ عصىً كانت في يده فضرب بها كعب، ثمّ قال: يابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين؟! فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد، فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار، قد خرفت وذهب عقلك، أخرجوه من بين يدي حتّى تركبوه ناقته بغير وطاء، ثمّ انخسوا به الناقة، وتعتعوه حتّى توصلوه الربذة، فتنزلوه بها من غير أنيس حتّى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً بالعصي.. وتقدّم أن لا يشيّعه أحد من الناس، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فبكى حتّى بل لحيته بدموعه، ثمّ قال: (أهكذا يصنع بصاحب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون)، ثمّ نهض ومعه الحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن العبّاس
والفضل وقثم وعبيد الله، حتّى لحقوا أبا ذرّ فشيّعوه...).
وهذا الخبر (على المحكّ):
فيه ما يلفت النظر سنداً ومتناً، ففي السند: جهالة أبي الجهضم الأزدي(1)، وجهالة أبيه، وأمّا في المتن: فذكر الفضل في سياق ذكر أبناء العبّاس -- يعني المراد به هو الفضل بن العبّاس -- وهذا غير صحيح، لأنّ الفضل قتل شهيداً في يوم اليرموك في عهد أبي بكر(2)، ثمّ إنّ الذين خرجوا لتشييع أبي ذرّ كانوا الإمام عليّ وأخاه عقيلاً والحسن والحسين وعمّار بن ياسر، كما في (شرح النهج) لابن أبي الحديد، وغيره.
والخبر الآخر: ما رواه في (ص329) برقم (2) من المجلس (39)، قال: (أخبرني أبو علي الحسن بن محمّد بن حبيش الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي، عن حبيب بن نصر، عن أحمد بن بشير بن سليمان، عن هشام بن محمّد، عن أبيه محمّد بن السائب، عن إبراهيم بن محمّد اليماني، عن عكرمة، قال: سمعت عبد الله بن عبّاس يقول لابنه علي بن عبد الله: ليكن كنزك الذي تدخّره العلم، كن به أشدّ اغتباطاً منك بكنز الذهب الأحمر، فإنّي مودعك كلاماً إن أنت وعيته
1) - لم يرد ذكره في مصادرنا الرجالية، وورد في ميزان الاعتدال 4/205: موسى بن سالم، هو: أبو جهضم العبّاسي مولاهم، أرسل عن ابن عبّاس، وروى عن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس وأبي جعفر الباقر، وعنه عبد الوارث وابن عُليّة وجماعة آخرهم يحيى بن آدم، فهذا ثقة، قاله أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صدوق.. وهذا ليس هو المذكور في المتن ظاهراً، وإن احتمل بعيداً لروايته عن أبي ذرّ سماعاً إذا كان من المعمّرين.
2) - المستدرك على الصحيحين 3/273، وفيه: خرج مجاهداً إلى الشام بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة 18ه- في خلافة عمر بن الخطّاب.
اجتمع لك به أمر الدنيا والآخرة، لا تكن ممّن يرجو الأخرى بغير عمل، ويؤخّر التوبة لطول الأمل، ويقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي فيها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ويأمر بما لا يأتي، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض الجاهلين وهو أحدهم، ويقول لِمَ أعمل فأتعنّى، ألا أجلس فأتمنّى، وهو يتمنّى المغفرة وقد دأب في المعصية، قد عمرّ ما يتذكّر فيه من تذكّر، يقول فيما ذهب لو كنت عملتُ ونصبتُ، كان خيراً لي، ويعصي ربّه عزّ اسمه فيما بقي غير مكترث، إن سقم لم يندم على العمل، وإن صحّ أمن واغتر، وأخّر العمل، مُعجب بنفسه ما عوفي، وقانط إذا ابتلي، إن رغب أشر، وإن بسط له هلك، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، لا يثق بالرزق بما قد ضمن له، ولا يقنع بما قسم له، لم يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصّب فيما يرغب، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، فهو يبتغي الزيادة وإن لم يشكر، يتكلّف من الناس ما يعينه، ويضيّع من نفسه ما هو أكثر، يكره الموت لإساءته، ولا يدع الإساءة في حياته، إن عرضت شهوته واقع الخطيئة، ثمّ تمنّى التوبة، وإن عرض له عمل الآخرة دافع، يبالغ في الرغبة حين يسأل، ويقصّر في العمل حين يعمل، فهو بالطول مدلّ، وفي العمل مقلّ، يبادر في الدنيا تعباً ليمرض، فإذا أفاق واقع الخطايا ولم يُعرض، يخشى الموت ولا يخاف الفوت، يخاف على غيره بأقلّ من ذنبه، ويرجو لنفسه بدون عمله، وهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يرجو الأمانة ما رضي، ويرى الخيانة إن سخط، إن عوفي ظنّ أنّه قد تاب، وإن ابتلي طمع في العافية وعاد، لا يبيت قائماً، ولا يصبح صائماً، ويصبح وهمّه الغذاء، ويمسي ونيّته العشاء، وهو مفطر يتعوّذ بالله منه من هو فوقه،
ولا ينجو بالعوذة منه من هو دونه، يهلك في بغضه إذا أبغض، ولا يقصر في حبّه إذا أحبّ، يغضب من اليسير ويعصي على الكثير، فهو يطاع ويعصي والله المستعان).
(على المحكّ):
هذا الخبر سنداً لا يخلو من تجريح بعض رجاله، ولكن المتن صحيح، لأنّه مأخوذ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام المذكور في النهج برقم (150)، قاله لرجل سأله أن يعظه، وهو ممّا ثبتت صحّته عنه روايته عن جماعة من أهل الفضل والأدب أنّه له من قبل الشريف الرضي رحمه الله ومن بعده(1)، ورواية الشيخ المفيد له في المقام -- وهو أُستاذ الشريفين الرضي وأخيه المرتضى -- بسنده عن ابن عبّاس، وعنه الشيخ الطوسي في أماليه(2)، وعنهما المجلسي في (البحار)(3)، دليل على اقتباس ابن عبّاس رضي الله عنه في كلامه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وفي قوله لابنه: (فإنّي مودعك كلاماً إن أنت وعيته اجتمع لك أمر الدنيا والآخرة...)، لا يخلو من إشارة عابرة إلى أنّ ذلك الكلام مقتبس من غيره، وهو وديعته يريد إيداعها عند ولده.
لقد ورد ذكر ابن عبّاس رضي الله عنه في أكثر من ثلاثين مورداً، وليس فيها ما يستدعي الوقوف عنده على المحكّ، بعد أن قرأنا في الجزء الرابع من
الموسوعة مواقف ابن عبّاس في فترة تلك الحرب الضروس، بدءاً من بيعة الإمام عليه السلام، ومروراً بنصائحه للناكثين طلحة والزبير وعائشة، وانتهاءً بولايته على البصرة، وحتّى مغادرته بعد مهادنة الإمام الحسن عليه السلام معاوية.
وقد ورد فيه ذكر ابن عبّاس في موارد، أطرفها ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله ناقداً إبراهيم النظّام في تخرّصاته الكاذبة، حيث قال الشيخ: (ثمّ قال إبراهيم: وندم -- يعني أمير المؤمنين عليه السلام -- على إحراق المرتدّ بعد الذي كان من فتيا ابن عبّاس، وهذا من أطرف شيء سُمع وأعجبه، وذلك أنّ ابن عبّاس أحد تلامذته والآخذين العلم عنه، وهو الذي يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس بيننا كأحدنا ويداعبنا ويبسطنا، ويقول: (والله ما ملأت طرفي قطّ منه هيبة له عليه السلام)، فكيف يجوز من مثل من وصفناه التقدّم على أمير المؤمنين عليه السلام في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين في الحال التي هو مظهر له فيها الإتباع والتعظيم والتبجيل.
وكيف يكون ما حكاه إبراهيم من ندمه عليه السلام على إحراق المرتدّ حقّاً، وقد أحرق في آخر زمانه الأحد عشر الذين ادّعوا الربوبية فيه، افتراه ندم على ندمه الأوّل؟ كلاّ، ولكن الناصبة تتعلّق بالهباء المنثور)(1).
أقول: لقد مرّت هذه المسألة في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس)، فراجع تجد في الجزء الخامس عشر من الموسوعة تكذيب النسبة إلى الإمام عليه السلام وإلى ابن عبّاس، وتصديق ما قاله المفيد رحمه الله هنا: (ولكن
1) - الفصول المختارة: 214 ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد ج2، ط دار المفيد.
الناصبة تتعلّق بالهباء المنثور).
قال المفيد في جواب السائل عن الطلاق ثلاثاً: (أيّ إجماع على ما ادّعيت، من وقوع الطلاق الثلاث في وقت واحد! والعلماء بالآثار متّفقون على أنّ الطلاق الثلاث كان على عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وطول أيّام أبي بكر، وصدراً من أيّام عمر بن الخطّاب، واحدة، حتّى رأى عمر أن يجعله ثلاثاً، وتبين به المرأة بما خوطبت على ذلك، قال: إنّما لم أقرّه على السُنّة مخافة أن يتتابع فيه السكران والغيران، والرواية مشهورة عن عبد الله بن عبّاس: أنّه كان يفتي في الطلاق الثلاث وفي الوقت الواحد، بأنّها واحدة، ويقول: ألا تعجبون من قوم يحلّون المرأة لرجل وهي تحرم عليه، ويحرّمونها على آخر وهي -- والله -- تحلّ له! فقيل له: مَن هؤلاء يابن عبّاس؟ فقال: هؤلاء الذين يبينون المرأة من الرجل إذا طلّقها ثلاثاً بفم واحد، ويحرّمونها عليه، ويحلّونها لآخر وهي -- والله -- تحرم عليه)(1).
(على المحكّ):
لقد مرّ في الجزء الخامس عشر من الموسوعة في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس) ذكر مصادر الرواية المشهورة التي أشار إليها المفيد؛ فراجع.
وقال: (وذكر حمّاد بن زيد، قال: شهدت أبا حنيفة، وقد سُئل عن محرم لم يجد إزاراً فلبس سراويل؟ فقال: عليه الفدية، فقلت: سبحان الله! حدّثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن يزيد، عن ابن عبّاس، قال: سمعت
1) - المسائل الصاغانية: 146.
رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في المحرم إذا لم يجد إزاراً لبس سراويلاً، وإذا لم يجد نعلين لبس خفّين، فقال: دعنا من حديث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)(1).
(على المحكّ):
قد يستفز القارئ كلام أبي حنيفة!! ولو أنّه راجع كتاب (مصنّف ابن أبي شيبة/ط باكستان منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ج14) لوجد كتاب الردّ على أبي حنيفة من (ص118- إلى ص282)، وفيه (125) مسألة بدأها بعنوان (هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، ولوجد حديث ابن عبّاس في (ص164) برقم (17953)، ومثله (17954) حديث جابر، وبرقم (17955) حديث ابن عمر، ثمّ قال: وذكر أنّ أبا حنيفة قال: لا يفعل، فإن فعل فعليه دم.
وبهذا نختم الكلام عمّا جاء في بعض كتب الشيخ المفيد من آثار ابن عبّاس.
1) - المسائل الصاغانية: 84.
هو أبو الحسن محمّد بن علي بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، مولده سنة (359ه-)، أبوه أبو أحمد النقيب عظيم المنزلة في دولة بني العبّاس وبني بويه، ولُقّب بالطاهر ذي المناقب، ولي نقابة الطالبيين خمس مرّات، توفي سنة (400ه-)، عن (97) سنة، كما في رثاء ابنه الرضي بقوله:
سبع وتسعون اهتبلن لك العدا *** حتّى مضوا وغبرتَ غير مذمّم
ودفن في داره ثمّ نقل إلى مشهد الحسين عليه السلام، وكانت أُمّ الرضي فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن الحسن الناصر الأطروش صاحب الديلم، ويلقّب بالناصر للحقّ، وهي أُمّه وأُمّ أخيه المرتضى.
ولي نقابة الطالبيين، والمظالم، واستخلفه القادر على الحرمين والحجاز وجعله أمير الحجيج، وكانت تنازعه نفسه وعلوّ همته إلى أمور عظيمة، وله شعر يطفح بما يعاني من ذلك وهو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها، منها:
عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا *** في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت *** أبداً كلانا في العلاء معرّق
إلاّ الخلافة شرّفتك فإنّني *** أنا عاطل منها وأنت مطوّق
فقال القادر: على رغم أنف الشريف، توفي الرضي سنة (406ه-).
لقد ذكر الشريف ابن عبّاس في جملة من مؤلّفاته التي وصلت إلينا منها في (نهج البلاغة) ورد في أكثر من مورد، وكذلك في (حقائق التأويل)، ومنها في (تلخيص البيان في مجازات القرآن)، وكذلك في (خصائص الأئمّة عليهم السلام).
فممّا جاء في (المجازات النبوية)(1):
في (ص347) في آخر (358)، من أقواله صلي الله عليه وآله وسلم، قال الشريف الرضي رحمه الله: (عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّه قال: من كرامات الله سبحانه لنبيّه عليه الصلاة والسلام أنّه أقسم في القرآن بحياته ولم يفعل ذلك بنبيّ غيره، قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(2)، وكأنّه سبحانه، قال: وحياتك، إنّهم كذلك).
وجاء في (ص135) برقم (137): (من أقواله عليه السلام: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)... وممّا يحقّق في قولنا ما رواه عبد الله بن عبّاسرحمها الله من أنّه صلي الله عليه وآله وسلم نام ونفخ فصلّى ولم يتوضأ، فقيل له عليه الصلاة والسلام في ذلك...).
وجاء في (ص165) في خبر الغدير برقم (167): (وقد رواه من مشهوري الصحابة عشرة: أوّلهم أمير المؤمنين عليه السلام، وهو الصادق المصدّق، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد، والبراء بن عازب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو أيوب خالد بن زيد، وأنس بن مالك،
وبريدة بن الحُصيب الأسلمي، فأمّا زيد بن أرقم وبريدة بن الحصيب، فقد روي عنهما في هذا الخبر: (من كنت وليّه فعليّ وليّه)، ووافقهما ابن عبّاس على ذلك...).
وجاء في (ص258) في حديث (ما من آدمي إلاّ قلبه بين أصبعين من أصابع الله): (وهذا النوع من جملة الأخبار التي توهم التجسيم وتقتضي التشبيه... وقد روى أيضاً في حديث عبد الله بن عبّاس: أنّ من زعم أنّ لله خنصراً وبنصراً فقد أشرك بالله سبحانه).
وجاء في (ص269) برقم (284): (ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلمات قالهنّ لعبد الله بن عبّاس: (أحفظ الله يحفظك، أحفظه تجده تجاهك)، وفي رواية أخرى/ (تجده أمامك)، وهذا مجاز، لأنّ الله سبحانه أمامنا وخلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، من طريق الحفظ لنا والإحاطة بنا، فليس يختص ذلك منّا بجهة دون جهة، وبحالة دون حالة، إلاّ أنّ المراد بتجاهك وأمامك هنا أنّك تجد حفظه ومعونته حيث توجّهت، وأي طريق سلكت، وذلك كقول الشاعر في التخويف بالله تعالى، وهو نظير الحال التي كلامنا عليها: (والله يصبح من أمام المدلج)، أي: لا يفوته هارب، ولا يضلّ عنه شارد).
أقول: وكلّ هذه الموارد ليس فيها من مؤاخذة على الشريف على المحكّ، لكن الذي لا يسعني تجاوزه من هفوات الشريف كباقي المؤلّفين ما ذكره برقم (310) في (ص286)، فقال: (ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري، وقد رأى الأذان في نومه (ألقه على بلال فإنّه أندى منك صوتاً)...)، وذكر هذا الخبر من كبوات
الجواد! لأنّ حديث الأذان برؤيا عبد الله بن زيد موضوع، لم يروه إلاّ هو، وهو ليس له حديث غيره، وقد بيّنت وجه الضعف في التمسّك به في تشريع الأذان في رسالة (حيّ على خير العمل)، ويبدو أنّ الشريف لم يكن في علم الحديث كنبوغه في علم الأدب؛ ولم ينقص هذا من قدره شيئاً.
أمّا الموارد التي ذكر فيها الرضي ابن عبّاس في كتابه (تلخيص البيان)(1):
فمنها ما في (ص185)، في تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ(2)، قال الشريف: (ويروى عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ...، قال: هو شراء القينات...).
ومنها ما في (ص263) برقم (536)، في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً(3)، قال الشريف الرضي رحمه الله: (وقال بعض أهل التأويل المراد بذلك أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمّا صلّى الصبح ببطن نخلة عند انصرافه من حنين وقد حضره الوفد من الجنّ، وخبرهم مشهور، كادوا يركبون منكبه، ويطأون أثوابه لمّا سمعوا قراءته استحساناً لها وارتياحاً إليها وتعجّباً منها، وروي عن ابن عبّاس في هذا المعنى وهو أغرب الأقوال: إنّ هذا الكلام الحسن لقولهم لمّا رجعوا إليهم، فقالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً(4)، وذلك أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمّا قام ببطن نخلة يصلّي بأصحابه عجب
الجنّ الحاضرون من طواعيتهم له في الركوع والسجود والقيام والقعود، فلمّا رجعوا إلى قومهم قالوا في جملة ما قصّوه عليهم: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوه، أي: يصلّي له، كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً، أي: كادوا يركبونه تزاحماً عليه وتدانياً إليه واحتذاءً لمثاله واستماعاً لمقاله). اه-
أمّا الموارد التي ورد فيها ذكر ابن عبّاس في كتابه (حقائق التأويل)(1)، فهي أربعة عشر مورداً، ترحّم عليه في اثنين منها، وترضّى عليه في مورد واحد، وهي كما يلي:
الأوّل: في (ص13)، في تفسير قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(2)، قال: (فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلّوا بالمحكم على معناه، ولو كان العلماء لا يعلمون شيئاً من تأويل المتشابه بتّة، ما كان لما روي أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّم أمير المؤمنين عليه السلام التفسير معنى، لأنّ معنى التفسير والتأويل إنّما يكون لمّا غمض ودقّ ولم يُعلم بظاهره، وهذه صفة المتشابه، وأمّا المحكم الذي يعلم بظاهره فلا حاجة بأحد إلى تعلّمه، لأنّه أهل اللسان فيه سواء، ولولا أنّ الأمر على ذلك لما كان لدعاء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس رحمه الله بأن يعلّمه الله التأويل معنى، لأنّا نعلم أنّه لم يُرد عليه السلام تعليمه الظاهر الواضح، فلم يبق إلاّ الغامض الباطن).
الثاني: في (ص325)، في مسألة وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً(3)، وذكر عدّة وجوه في تفسير الآية، وقال في الوجه الرابع: (ووجه آخر قيل: إنّ
قوله: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً داخل في باب التمنّي، بعدما نطقت جوارحهم بفضائحهم، وشهدت عليهم بجرائمهم، وهذا الوجه محكي عن ابن عبّاس رحمه الله...).
أمّا المورد الذي ترضّى فيه عنه فهو في (ص121)، حين ذكر وجهاً آخر في شرك أهل الكتاب في العبادة، فقال: (ووجه آخر روي عن عكرمة صاحب ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله تعالى: وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ(1)، قال: نهاهم عن سجود بعضهم لبعض، والنصارى يستعملون هذا المعنى من السجود والتكفير والتضاؤل والخضوع لكبرائهم وديّانيهم وأولي التقدّم في دينهم).
أقول: ليس في هذه الموارد الثلاثة ما يستدعي الوقوف عنده على المحكّ، وقد مرّ في أجزاء الحلقتين الثانية والثالثة ما يتعلّق بتفسير ابن عبّاس قوله تعالى: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً، حيث سأله رجل عن بعض الآيات التي استبهم معانيها، كما سأله نافع بن الأزرق عن الآية المتقدّمة(2).
والآن إلى ذكر ابن عبّاس في (نهج البلاغة)، وفيه موارد عشرة، منها تسعة صريحة صحيحة في ذكره، ومورد واحد محلّ نظر، لمنافاته لما سبق ذكره من ترحّم الرضي على ابن عبّاس وترضّيه عنه، وهذا المورد الوحيد الذي لم يذكره الرضي رحمه الله بصراحة، بل فتح بذلك باب الشكّ في صحّته، وسيأتي الكلام عنه بما له وما فيه في جملة أدلّة الإدانة، ولكن الذي نذكره
في المقام ممّا لا شكّ فيه من موارد ذكره، وهي كما يلي:
أوّلها: في الخطبة الشقشقية التي وردت في عدّة مصادر بروايتها عن ابن عبّاس، وهذا ممّا يلفت النظر إلى مبلغ جهاد ابن عبّاس وجهوده في نشر الحديث في فضل أهل البيت عليهم السلام ضدّ الإعلام السلطوي الذي حظّر نشر الأحاديث، فإنّ اختصاص ابن عبّاس رضي الله عنه برواية هذه الخطبة كاختصاصه برواية حديث الرزية، وقد مرّ الحديث عنه في الجزء الأوّل من الموسوعة؛ فراجع.
أمّا روايته هذه الخطبة، فقد أطبقت المصادر التي ذكرتها مسندة أنّه الراوي لها، كما أجمعت المصادر التي ذكرتها أنّه الوحيد الذي أبدا أسفه على انقطاعها، فأقسم قائلاً: (فوالله ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على ذلك الكلام ألاّ يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد)، ولا تخفى دلالة هذا الكلام من أنّ ابن عبّاس على مدى اجتهاده في إظهار الحقّ للملأ حقّ ابن عمّه، الذي تواثبوا عليه نهباً على حدّ قول الإمام عليه السلام: (أرى تراثي نهبا).
ولولا ابن عبّاس رحمه الله، لضاعت الخطبة في غيابات التراث المنسي، كما أنّه لولاه لما رويت لنا خطبة الإمام عليه السلام الأخرى لمّا كلمه العبّاس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعاه بالخلافة، وقد ذكر الرضي هذه الخطبة في (نهج البلاغة) ولم يذكرها بسندها، إلاّ أنّ سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) رواها بسنده عن مجاهد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وسيأتي في أدلّة الدفاع ما يتعلّق بروايات ابن عبّاس رضي الله عنه لكثير من خطب الإمام عليه السلام وكلماته ما ورد في (نهج البلاغة) خاصّة.
فقد ورد ذكره في أربعة مواضع ترحّم فيها الشريف على ابن عبّاس رضي الله عنه، وهي:
قال الشريف في (ص 70): (قطعة من الأخبار المروية في إيجاب ولاة أمير المؤمنين عليه السلام والصلاة وشيء من أخبار زهده في الدنيا وما يجري هذا المجرى من خواصّ أخباره عليه السلام).
ثمّ قال في (ص 71): (وبإسناده مرفوع إلى عبد الله بن العبّاس رحمه الله، قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً(1)، قال: محبّة في قلوب المؤمنين).
وقال في (ص 75 -- 76): (وحكي أنّ معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن العبّاس(رحمة الله عليه) عن أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال ابن عبّاس: هيهات عقم النساء أن يأتين بمثله، والله ما رأيت رئيساً مجرّباً يوزن به، ولقد رأيته في بعض أيّام صفّين، وعلى رأسه عمامة بيضاء تبرق وقد أرخى طرفيها على صدره وظهره، وكأنّما عيناه سراجاً كسليط، وهو يقف على كتيبة كتيبة، حتّى انتهى إليَّ وأنا في كنف من القوم، وهو يقول: (معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا بالسكينة، وعضّوا على النواجذ، فإنّه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلّها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، وكافحوا بالظُبا، وصلوا السيوف
1) - سورة مريم/96.
بالخطى، واعلموا أنّكم بعين الله، ومع ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فعاودوا الكرّة، واستحيوا من الفرّة، فإنّه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفساً، وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرواق المطنّب، فاضربوا ثبجه، فإنّ الشيطان كامن في كسره، قد قدّم للوثبة يداً، وأخّر للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً، حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ، وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم)، وأنشأ يقول:
إذا المشكلات تصدّينَ لي *** كشفت غوامضها بالنظر
وإن برقت في مخيل الظنون *** عمياء لا تجتليها الفكر
مقنّعة بغيوب الأمور *** وضعت عليها حسام العِبر
معي أصمع كظُبى المرهفات *** أفري به عن بنات السرر
لسان كشقشقة الأرحبي *** أو كالحسام اليماني الذكر
ولكنّني مدره الأصغرين *** أقيس بما قد مضى ما غبر
ولست بإمعة في الرجال *** أماثل هذا وذا ما الخبر
(الأصغران القلب واللسان)، ثمّ غاب عنّي عليه السلام، ثمّ رأيته قد أقبل وسيفه ينطف دماً، وهو يقرأ: فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ(1)).
وقال الشريف في (ص95): (وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يقول: ما انتفعت بكلام أحد بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بكلام كتبه إليَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو: (أما بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن
1) - سورة التوبة/12.
ليفوته، ويسؤوه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً، وليكن همّك فيما بعد الموت)).
هذه هي المواضع التي ورد فيها ذكر ابن عبّاس وقد ترّحم عليه الشريف وترضّى عنه، إنّما ذكرتها بعين ألفاظه، لتبقى خميرة لما سيأتي في أدلّة الإدانة التي غمس فيها الشريف ريشة قلمه، فذكر في (نهج البلاغة): (ومن كتاب له إلى بعض عمّاله: أمّا بعد فإنّي قد أشركتك في أمانتي...)، وهو الذي حيّر جهابذة التحقيق في صحتّه.
والآن إلى التعقيب على ما مرّ من الشريف في الموضع الأوّل، وهو ذكر ابن عبّاس نزول الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: وهذا ما أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)(1)نقلاً عن الطبراني وابن مردويه، وقد ذكره الطبراني في معجميه (الأوسط، والكبير)(2)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)(3)، وغير هؤلاء، أنهاهم المرحوم الفتلاوي في (الكشاف المنتقى) إلى (36) مصدراً من مصادر العامّة.
وأمّا التعقيب على المورد الثاني: فقد أخرج الخطبة برواية ابن عبّاس ابن قتيبة في (عيون الأخبار)(4)والمسعودي في (مروج الذهب)(5)، ولم
يذكرا أنّ معاوية سأل ابن عبّاس عن أمير المؤمنين عليه السلام، وقد وردت في (تاريخ ابن عساكر) في ترجمة الإمام عليه السلام، وغيرهم في التراث الإسلامي في الأدب والتاريخ.
وأمّا ثالث المواضع التي ترضّى فيه الشريف على ابن عبّاس رضي الله عنه: فقد مرّ ذكر كلمة ابن عبّاس في الحلقة الأولى من الموسوعة(1)نقلاً عن أكثر من ثلاثين مصدراً، ذكرت كتاب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام إليه، وقول ابن عبّاس: (ما انتفعت بكلام أحد بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بكلام كتبه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام...).
وذكرت هناك ما يشير إلى أنّ جوّ الخطّاب في الكتاب يوحي بسحابة صيف تقشّعت بهذا الكتاب، ولا يبعد أن يكون ذلك أثر ما قيل ويقال حول بيت مال البصرة، وسيأتي الحديث عن أدلّة الإدانة وردّها..
ولو عرضنا على المحكّ جميع ما مرّ عن الشريف الرضي رحمه الله في ابن عبّاس، لم نجد ما يشينه، سوى الكتاب الذي لم يصرّح فيه باسم المكتوب إليه في جملة من نسخ (نهج البلاغة)، وهو مرسل، وعليه علامات استفهام! سيأتي الحديث عنه في أدلّة الخيانة.
وللشريف الرضي قدس سره هفوة نادرة، وهي: ذكره في (المجازات النبوية) رواية عبد الله بن زيد في تشريع الأذان، وقد مرّت الإشارة إلى هذا، كما له
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة/1- النشاط الإداري والسياسي.
في (النهج) نحو هذا من عدم اعتبار بعض ما ذكره، وسيأتي في (أدلّة الإدانة بحديث الخيانة) ذكر ما جاء في (النهج) على المحكّ، ورحم الله الشريف، فبالرغم من تفوّقه في الأدب، وتفرّده في علوّ الهمّة وحرية الفكر، إلاّ أنّه كان في الحديث لم يبلغ شأو أخيه المرتضى قدس سره، وقد اعتبره بعض المعاصرين منفتحاً على تراث بقية المذاهب، فأخذ منه على حدّ قول الدكتور زكي مبارك المصري في كتابه (عبقرية الشريف الرضي)، حيث قال: (والواقع أنّ الشريف كان قليل الرعاية للعصبية المذهبية، والظاهر أنّه كان حرّ العقل إلى حدّ بعيد، فقد كان يدرس جميع المذاهب الإسلامية ليمدّ عقله بالأنوار التي يرسلها اختلاف الفقهاء)(1).
أقول: وفي هذا تبرير في تقدير، وربّما كان عند بعضهم تعذير في تقصير، وإلاّ كيف يخفى عليه ما رواه ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: (لمّا أُسري برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى السماء، فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل عليه السلام وأقام، فتقدّم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وصفت الملائكة والنبيّون خلف محمّد صلي الله عليه وآله وسلم).
وروى أيضاً بسند صحيح عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، قال: (لمّا هبط جبرئيل بالأذان على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان رأسه في حجر عليّ عليه السلام، فأذّن جبرئيل عليه السلام وأقام، فلمّا انتبه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: يا عليّ سمعت؟ قال: نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: ادع لي بلالاً، فدعا عليّ عليه السلام بلالاً فعلّمه).
1) - عبقرية الشريف الرضي 1/125.
وروى أيضاً بسند صحيح، أو حسن، عن عمر بن أُذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (تروي هؤلاء؟) فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ قال: (في الأذان؟) فقلت: إنّهم يقولون: إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم. فقال: (كذبوا والله فإنّ دين الله أعزّ من أن يرى في النوم)، قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك، فأحدث لنا من ذلك ذكراً، فقال: (إنّ الله تعالى لمّا عرج بنبيّه صلي الله عليه وآله وسلم إلى سماواته السبع...) - وساق الحديث بطوله -- وفيه ذكر الأذان والصلاة بالملائكة والنبيّين، صلوات الله عليهم أجمعين.
وفي حديث آخر عنه عليه السلام: أنّه لعن قوماً زعموا أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أخذ الأذان من عبد الله بن زيد، وقال: (ينزل الوحي على نبيّكم فتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد)(1).
فهذه هي الهفوة النادرة من سيّدنا الشريف الرضي رحمه الله وتجاوز عنه، وجلّ من لا يسهو ويغفل.
1) - حيّ على خير العمل: 40 -- 41، ط 3.
هو أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المشهور بالمرتضى وبعلم الهدى، جمع من الفضائل ما تفرّد به، له تصانيف مشهورة في علوم كثيرة، مجمع على فضله، عدّه ابن الأثير من مجدّدي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة، أشهر كتبه في الإمامة (الشافي في الردّ على المغني) للقاضي عبد الجبار، وفي الأدب كتاب (الغرر والدرر) المعروف ب-(الأمالي)، وهو مجالس أملاها تشتمل على كنوز من معاني الأدب، وهو كتاب ممتع يدلّ على فضل كثير وعلم غزير وسعة اطّلاع، وحكى الشهيد الثاني بخطّه على كتاب (الخلاصة) للعلاّمة الحلّي، عن ابن مقبل، يقول: (لو حلف إنسان أنّ السيّد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لم يكن عندي آثماً)، إلى غير هذا من جمل الإطراء والثناء، وليس كلّه بشيء إزاء ما كان عليه من رعاية أهل العلم، والجرايات التي جعلها لهم، ومكتبته التي خلّفها فيها ثمانين ألف مجلّد من مقروءاته ومصنّفاته ومحفوظاته، وسمّي ب-(الثمانيني)، وخلف من الأموال والأملاك من كلّ شيء ثمانين، وعمّر إحدى وثمانين، ومات سنة 436ه-.
(الانتصار): فقد ورد فيه ذكر ابن عبّاس أربعين مرّة، في النصف منها
وردت جملة الترضّي أو الترحّم عليه مع الاعتماد على آرائه منفرداً أو مع الآخرين.
فجملة: رضي الله عنه وردت في ثمانية مواضع:
الأوّل: في مسألة المسح في الوضوء، قال: (وكان إيجاب المسح تضيقياً من غير بدل يقوم مقامه هو الذي انفردت به الإمامية في هذه الأزمنة، لأنّه قد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عبّاس رضي الله عنه، وعكرمة...)(1).
الثاني: في مسألة الحاجّ إذا وطئ زوجته أو أمته أفسد بذلك حجّه، قال: (وقد روى مخالفونا عن عمر وابن عبّاس رضي الله عنه أنّهما قالا: إذا وطئ الرجل زوجته فقضيا من قابل وبلغ الموضع الذي وطئها فيه فرّق بينهما، ولم يعرف لهما مخالف...)(2).
الثالث: في مسألة تحريم نكاح المحرم، قال: (وقيل: يمكن أن يتناول خبر ميمونة على أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان يرى أنّ من قلّد الهدي كان محرماً...)(3).
الرابع: في مسألة ولاية نكاح الأيم، قال: (وأيضاً بما رواه ابن عبّاس رضي الله عنه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (الأيم أحقّ بنفسها من وليّها)...)(4).
الخامس: في طلاق المكره، قال: (ويمكن أن يعارضوا زايداً بما ذكرناه بما يروونه عن ابن عبّاس رضي الله عنه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من قوله: (رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)...)(1).
السادس: في مسألة الطلاق ثلاثاً: قال: (وروي عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه كان يقول: إنّ الطلاق كان على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وعهد أبي بكر وصدراً من إمارة عمر طلاق الثلاث واحدة، ثمّ جعلها عمر بعد ذلك ثلاثاً...)(2).
السابع: في مسألة الحنث في اليمين، قال: (وقد روى موافقة الشيعة عن ابن عبّاس رضي الله عنه...)(3).
الثامن: في مسألة التعصيب، قال: (لأنّ ابن عبّاس كان يخالفهم في التعصيب ويذهب إلى مثل مذهب الإمامية ويقول فيمن خلف بنتاً وأختاً: أنّ المال كلّه للبنت دون الأخت، ووافقه في ذلك جابر بن عبد الله...)(4).
وورد ذكر ابن عبّاس مع الترحّم عليه بلفظ: (رحمة الله عليه) في ثمانية مواضع، كما يلي:
الأوّل: في مسألة: من تمضمض فوصل الماء إلى جوفه، قال: (وروى عطاء، عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّه قال: إذا توضأ لصلاة مكتوبة فدخل الماء حلقه فلا شيء عليه، وإن توضأ لصلاة تطوّع فعليه القضاء، ثمّ
قال الشريف المرتضى: وهذا فيه بعض الشبه بمذهبنا...)(1).
الثاني: في نفي الزكاة عن عروض التجارة: (وهو قول ابن عبّاس(رحمة الله عليه) فيما رواه الحراني عنه...)(2).
الثالث: في جواز شراء المملوك من الزكاة ثمّ يعتق، قال: (وروي عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّه قال: أعتق من زكاتك...)(3).
الرابع: في فسخ الحجّ، قال: (وقد روي عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّه كان يذهب إلى جواز ذلك...)(4).
الخامس: مسألة إذن الولي في نكاح الثيب، قال: (ويمكن أن يعارض المخالف أيضاً بما يروونه عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (ليس للوليّ مع الثيب أمر)...)(5).
السادس: في مسألة الطلاق ثلاثاً يقع واحدة، قال: (وقد روي أنّ ابن عبّاس(رحمة الله عليه) وطاووساً يذهبان إلى ما تقوله الإمامية...)(6).
السابع: في مسألة العول، قال: (وذهب ابن عبّاس(رحمة الله عليه) إلى مثل ذلك...)(7).
الثامن: في نفس المسألة السابقة: (وهم يروون هذا الترجيح عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه)...)(1).
وورد الترحّم بلفظ: (رحمه الله) في أربعة مواضع:
الأوّل: في القضاء عن الميت: (وبما رواه ابن عبّاس(رحمه الله) عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في صوم النذر أنّه أمر وليّه أن يصوم عنه...)(2).
الثاني: في لحوم الحمر الأهلية، قال: (قد رووا عن ابن عبّاس(رحمه الله) موافقتها -- الشيعة -- في ذلك تحليل لحوم الحمر الأهلية...)(3).
الثالث: في نفس المسألة السابقة، قال: (وبما يروونه عن ابن عبّاس(رحمه الله) أنّه قال: نهى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر، وأمر بلحوم الخيل أن تؤكل...)(4).
الرابع: في المسألة نفسها: (وقد روي عن ابن عبّاس(رحمه الله) أنّه قال: إنّما نهي عن لحوم الحمر لئلا يقلّ الظهر...)(5).
هذه هي الموارد التي ذكر الشريف المرتضى رحمه الله فيها الترضّي عن ابن عبّاس والترحّم عليه، وفي بعض ما لم يذكر ذلك ما يحكى عن احترام الشريف آراء ابن عبّاس الفقهية، نحو قوله: (وقد امتنع من توريث الأخت مع البنت مَن هو أقوى من معاذ، وهو أولى بأن يتّبع وهو ابن عبّاس).
وقد ورد في (أمالي) المرتضى ذكر ابن عبّاس في ثلاثين موضعاً، ورد الترضّي عليه في اثنين منها، وليس في الثلاثين موضعاً ما ينبغي التنبيه عليه سوى موضع واحد، وهو: ما رواه أبو عبيدة، قال: (دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن علي بن عبد الله بن العبّاس بالبصرة، فقال له سليمان: أخبرني عن صاحبك -- يعني الحسن -- يزعم أنّ عليّاً عليه السلام قال: إنّي وددت أنّي كنت آكل الحشف بالمدينة ولم أشهد مشهدي هذا -- يعني: يوم صفّين -- فقال له عمرو بن عبيد: لم يقل هذا، لأنّه ظنّ أنّ أمير المؤمنين شكّ، ولكنّه يقول ودّ أنّه كان يأكل الحشف بالمدينة ولم تكن هذه الفتنة، قال: فقوله في عبد الله بن العبّاس يفتينا في القملة والقميلة وطار بأموالنا في ليلة، فقال له: فكيف يقول هذا وابن عبّاس لم يفارق عليّاً حتّى قتل، وشهد صلح الحسن عليه السلام، وأيّ مال يجتمع في بيت مال البصرة مع حاجة عليّ إلى الأموال، وهو يفرغ بيت مال الكوفة في كلّ خمس ويرشّه، وقالوا: إنّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟! هذا باطل)(1).
وثمّة موارد وردت عن ابن عبّاس رضي الله عنه ذكرها الشريف المرتضى في كتاب (الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن) تأليف أُستاذه الشيخ المفيد رحمه الله، ثلاثة منها في الجزء الأوّل، وقد ترحّم الشيخ المفيد في الأوّل منها في (ص129)، فقد ذكر المرتضى حكاية كلام شيخه المفيد في مسألة الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد في الردّ على أحد الشيخين أبي طاهر وأبي الحسن الجوهريان والشريف أبي محمّد بن المأمون، وقد جرت المسألة
1) - أمالي المرتضى 1/177، ط1 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم بمصر سنة 1373 -- 1954م.
وسُئل عن الدليل على ذلك:
(قال الشيخ أيّده الله، فقلت له: الدلالة على ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ، ومن سُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، ومن إجماع المسلمين، ومن قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ومن قول ابن عبّاس(رحمه الله)، ومن قول عمر بن الخطّاب... فطلب منه البيان، فقال: ...وأمّا قول ابن عبّاس، فإنّه يقول: ألا تعجبون من قوم يُحلّون المرأة لرجل وهي تحرم عليه، ويحرّمونها على آخر وهي تحلّ له، فقالوا: يابن عبّاس! مَن هؤلاء القوم؟ قال: هم الذين يقولون للمطلّق ثلاثاً في مجلس واحد قد حرمت عليك امرأتك...)(1).
وورد ذكر ابن عبّاس في الجزء الثاني في أحد عشر موضعاً، منها ما ذكره الشيخ المفيد من أقوال إبراهيم النظام، ومنها قوله: (وندم -- يعني أمير المؤمنين عليه السلام -- على إحراق المرتدّ بعد الذي كان بلغه من فتيا ابن عبّاس، وهذا من أطرف شيء وأعجبه!! وذلك أنّ ابن عبّاس أحد تلامذته، والآخذين العلم عنه، وهو الذي يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس بيننا كأحدنا ويداعبنا ويبسطنا، ويقول: والله ما ملأت طرفي قطّ منه، هيبة له عليه السلام، فكيف يجوز من مثل مَن وصفناه التقدّم على أمير المؤمنين عليه السلام في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين، في الحال التي هو مظهر له فيها الاتّباع والتقديم والتبجيل...)(2).
وذكره في كتابه (المسائل الناصريات) في عدّة مسائل تقرب من
عشرين موضعاً، وترضّى عليه في واحد منها.
والمسائل التي ورد فيها ذكر ابن عبّاس، هي: المسألة (31)، و(34)، و(89)، وفيها تكرّر ذكره ثلاث مرّات. والمسألة (113)، و(114)، و(115)، و(136)، و(148)، و(150)، و(154)، و(161)، وفيها ترضّى عليه. وفي المسألة (165)، و(190)، وقد تكرّر ذكره مرّتين. و(193) و(198).
وذكره في (جوابات المسائل الموصليات الثالثة) في المسألة (110) لا عول في الفرائض(1).
كما ذكره في (جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة) في المسألة العاشرة في وجه طيب الولد وخبثه، قال: (وعلى ما كان ابن عبّاس رضي الله عنه يقوله ويعلن به، وهو: ما أحبّ عليّاً إلاّ رجل طاهر الولادة، ولا أبغضه رجل إلاّ وشارك أباه الشيطان في أُمّه، وهو ولد الزنا إلى يوم القيامة)(2).
وذكره في (شرح الخطبة الشقشقية)، فقال: (ولمّا اقتضى ابن عبّاس رضي الله عنه بقية الكلام وقد انقطع بما اعترضه وزال عن سننه اعتذر عليه السلام في العدول عن تمامه بانقضاء أسبابه، وانطفاء ناره)(3).
وكذا ذكره في (رسالة إنقاذ البشر)، في خبر عنه مرفوعاً، قال: (قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ألا أنبئكم بأعزّ الناس؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الذي يعفو إذا قدر...)). وموقوفاً، قال: (وروي عن ابن عبّاس في قوله: وَقَدْ
كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(1)، قال: وهم مستطيعون في دار الدنيا)(2). وذكره في (أجوبة المسائل القرآنية)(3).
وفي عرض جميع تلك الموارد على المحكّ، نزداد ثقة بحسن رأي الشريف المرتضى رحمه الله في ابن عبّاس.
ومن آثار ابن عبّاس في تراث السيّد المرتضى رحمه الله، ما جاء في كتابه (الذريعة في أُصول الشريعة)، فقد ذكره أكثر من عشر مرّات، وترحّم عليه في ثلاث منها، وهي:
1- في (ص127)، قال: (والذي يحكى عن ابن عبّاس -- رحمه الله -- في قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(4)، وأنّه قال: لا يغلب عسر يسرين، من حيث حَملَ العسر المعرّف على أنّ الثاني هو الأوّل، واليسر المنكّر على التغاير، فمّما يربأ بابن عبّاس -- رحمة الله عليه -- عنه لموضعه من الفصاحة والعلم بالعربية).
2- في (ص244)، في تخصيص العموم بالاستثناء وأحكامه، قال: (اعلم أنّ الاستثناء لا يؤثّر في المستثنى منه حتّى يتّصل به، ولا يكون منقطعاً عنه، وذلك ممّا لا خلاف فيه بين المتكلّمين والفقهاء، وقد حُكي عن ابن عبّاس -- رحمه الله -- خلاف فيه).
3- في (ص411)، في الجواب عن أدلّة القول بمفهوم الوصف:
(...وقد روي هذا الخبر بلفظ آخر، وهو: (إنّما الماء من الماء)، وبدخول لفظة (إنّما) يُعلم أنّ ما عداه بخلافه، لأنّ القائل إذا قال: (إنّما لك عندي درهم)، يفهم من قوله: وليس لك سواه، وعلى هذا الوجه تعلّق ابن عبّاس -- رحمه الله -- في نفي الربا عن غير النسيئة، لقوله عليه السلام: (إنّما الربا في النسيئة)).
وليس في ذكر بقية الموارد التي ورد فيها ذكر ابن عبّاس كثير فائدة، إلاّ أنّ الذي ينبغي أن لا نغفله بالتعقيب ما مرّ أوّلاً، إنّما استبعده الشريف أن يكون ابن عبّاس قاله في قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(1): لا يغلب عسر يسرين..
ونحن نربأ بسيّدنا الشريف رحمه الله عن صحّة هذه النسبة التي ذكرها! فلقد روى السيوطي في (الدرّ المنثور): عن عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، قال: ذكر لنا أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بشّر بهذه الآية أصحابه، فقال: (لن يغلب عسر يسرين). ورواه ثانية: عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، عن الحسن.. قال مثل ذلك. وحكاه السيوطي عن عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي، عن الحسن، قال: خرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسر يسرين)، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. ورواه عن أنس بن مالك، وابن مسعود(2). ولم يرد ذكر ابن عبّاس مع هؤلاء!
ومادام المحكيّ عن ابن عبّاس -- كما قاله الشريف -- هو المروي عن
النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فلا غضاضة على ابن عبّاس لو صحّت الرواية عنه؛ هذا ما أردنا التنبيه عليه.
وأمّا ما ذكرناه من الموردين الآخرين اللذين ترحّم فيهما الشريف على ابن عبّاس، فإنّ الأوّل منهما في مسألة الاستثناء في اليمين، وقد مرّت الإشارة في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس)، وقد نُسب إليه الاستثناء ولو بعد سنة، وهو بعيد منه، كما قاله الشيخ الطوسي في (التبيان)، فقد قال: (وقد روى في أخبارنا مثل ما حكيناه عن ابن عبّاس، ويشبه أن يكون المراد به أنّه إذا استثنى وكان قد نسي من غير تعمّد، فإنّه يحصل له ثواب المستثني دون أن يؤثّر في كلامه، وهو الأشبه بابن عبّاس والأليق بعمله وفعله، فإنّ ما حكي عنه بعيد جدّاً)(1).
وأمّا آخر الموارد التي مرّت وفيها ذكر الترحّم على ابن عبّاس، فهو في مسألة مدخول (إنّما)، الذي قيل عن ابن عبّاس اعتمده في مسألة جواز الربا النقد بالنقد، اعتماداً على خبر: (إنّما الربا في النسيئة).
وأمّا أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في كتاب (الشافي) للمرتضى رحمه الله، فقد ورد ذكره في عدّة موارد ناهزت الثلاثين، بينها ثلاثة موارد أتبعها الشريف بالترضّي عنه والترحّم عليه، ولكنّه ذكر في الجزء الثاني (ص255) في ردّ كلام القاضي عبد الجبار في (المغني) في تولية عثمان أقاربه، فقال الشريف: (...لم تنقم عليه توليه الأقارب من حيث كانوا أقارب، بل من حيث كانوا أهل بيت الظنّ والتهمة، ولهذا حذّره عمر منهم، أشعر بأنّه
1) - التبيان 7/29، ط النعمان.
يحملهم على رقاب الناس، وأمير المؤمنين عليه السلام لم يولّي من أقاربه متّهماً ولا ظنّيناً، وحين أحسّ من ابن عبّاس بعض الريبة لم يمهله ولا احتمله، وكاتبه بما مشهور سائر ظاهر...)، وهذا الذي قاله الشريف تلميح إلى حديث مال البصرة الذي كتب أبو الأسود إلى الإمام عليه السلام يذكر أنّ ابن عبّاس أخذ من بيت المال، فكتب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس في ذلك. وقد ذكر الشريف نفسه خبر هذا في كتابه (الأمالي/ الغرر والدرر)، وقد تقدّم وما فيه من حوار بين سليمان ابن علي بن عبد الله بن عبّاس وبين عمرو بن عبيد، ممّا دلّ على براءة ابن عبّاس من التهمة، وسيأتي في أدلّة الخيانة مزيد بيان حول هذه التهمة.
وقد أقسم الشريف المرتضى رحمه الله في آخر كتابه (الشافي)، فقال: (ونحن نقسم على من تصفّحه وتأمّله أن لا يقلّدنا في شيء منه، وأن لا يعتقد بشيء ذكرناه إلاّ ما صحّ في نفسه بالحجّة، وقامت عليه الأدلّة...).
وهذا من الشريف المرتضى هو القول المرتضى في حرية الرأي واعتبار الرأي الآخر، وهذه ميزة تميّز بها الشريف، لم أقف على مثلها عند غيره بالرغم من استيعابه مقالات القاضي عبد الجبار في كتابه (المغني)، وردّه عليه بعمق بالجواب الشافي الكافي، ومع هذا دعا إلى تعليق الأخذ من كتابه إلاّ بعد القناعة بصحّة ما أورده، ليتحمّل الآخذ بمسؤوليته وقناعته بصحّة ما يراه مقبولاً أو منبوذاً.
وختاماً: لو نظرنا إلى جميع ما تقدّم نظرة فاحصة نجد ابن عبّاس رحمه الله في آثار المرتضى سالماً من النقد على المحكّ، وإن كان ما مرّ عن (الأمالي) حول بيت مال البصرة على أنّه مرسل، لكن يبقى على المحكّ إلى بحث الموضوع فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
هو أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، ولد سنة 385ه-، وتوفي سنة 460ه-، هاجر سنة 408ه- إلى بغداد، وتلمذ على الشيخ المفيد رحمه الله ومن بعده على الشريف المرتضى رحمه الله، وقد تأثر بهما علماً رواية ودراية، ولم يهاجر إلى النجف الأشرف إلاّ بعد أن أخذت الفتن تترى، وفي العنف الطائفي أحرقت داره وكتبه وكرسيّ الكلام الذي قد جعله له الخليفة العبّاسي القائم بأمر الله.
قال ابن الجوزي في (المنتظم): (وفي صفر هذه السنة -- 448ه- -- كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسيّ كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وضيف إليه ثلاث سناجق -- رايات -- بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع...)(1).
وفي سنة 450ه- كانت هجرته إلى النجف الأشرف، فشيّد وجدّد، وأقام صرحاً علمياً عالمياً ما يزال ولم يزل مناراً للعالم الإسلامي، يأتون إليه من كلّ حدب وصوب، توفي سنة 460ه- .
قال ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة): (وفيها -460ه- - توفّي أبو جعفر الطوسي فقيه الإمامية الرافضة وعالمهم، وهو صاحب التفسير الكبير،
1) - المنتظم 8/179.
وهو عشرون مجلّداً، وله تصانيف أخرى مات بمشهد عليّ... كان رافضياً قوي التشيّع)(1).
والشيخ محمّد أبو زهرة المصري في كتابه (الإمام الصادق عليه السلام)، قد ذكر الشيخ الطوسي فأثنى عليه، وقال: (وكان... مع علمه بفقه الإمامية، وكونه من أكبر رواته على علم بفقه السُنّة، وله في هذا دراسات مقارنة، وكان عالماً في الأُصول على المنهاجين الإمامي والسُنّي...)(2).
وقال أيضا: (كان شيخ الطائفة في عصره -- غير منازع -- ولقد كان من أعيان القرن الخامس الهجري وكتبه موسوعات فقهية وعلمية، ودرس الفقه المقارن، ولم تقتصر دراساته على فقه الإمامية وعلومها...)(3).
وفي مقدّمات كتبه المطبوعة محقّقة يجد القارئ عدّة تراجم بعدّة أقلام متنوعة، وفيها ما يغني ويقني فلا حاجة للإطالة..
والآن إلى نظرة فاحصة إلى أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في آثار الشيخ الطوسي رحمه الله، إذ لم يخل كتاب من كتبه الموسوعية عن ذكره بدءاً من كتاب (التبيان في تفسير القرآن) الذي ذكر عنه كثيراً، حتّى بلغت موارد ذكره أكثر من (1500) مورد، بينها موردان ترحّم عليه فيهما، وهما:
1- في تفسير قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ(4)،
قال: (وروي عن عليّ عليه السلام وابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّ معنى (أذلّة): أهل رحمة ورقّة، ومعنى (أعزّة): أهل غلظة وشدّة).
2- في تفسير قوله تعالى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً(1)، قال: (وروي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وابن عبّاس(رحمة الله عليه)، ومجاهد أنّ (الذاريات): الرياح...).
ولقد ذكره في (تهذيب الأحكام) مترضّياً عنه في سبعة موارد، وهي كما يلي:
1- ((172) 21 ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنه توضأ ومسح على قدمه ونعليه).
2- ((218) 6 صلي الله عليه وآله وسلم الخبر المروي عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّما الأعمال بالنيات)، و(إنّما لامرئ ما نوى...)، الخبر. فلمّا وجدنا الأعمال قد توجد أجناسها من غير نيّة، علمنا أنّ المراد بالخبر أنّها لا تكون قربة وشرعية مجزية إلاّ بالنيات، وقوله: وإنّما لامرئ ما نوى، يدلّ على أنّه ليس له ما لم ينو، وهذا حكم لفظة (إنّما) في مقتضى اللغة، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: إنّما لك عندي درهم، وإنّما أكلت رغيفاً، دلّ على نفي أكثر من درهم وأكل أكثر من رغيف، ويدلّ على أنّ لفظة (إنّما) موضوعة لما ذكرنا أنّ ابن عبّاس(رحمه الله) كان يرى جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقداً، وناظره على ذلك وجوه الصحابة واحتجّوا عليه بنهي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة فعارضهم.
(219) 68 بقوله عليه السلام: (إنّما الربا في النسيئة)، فرأى ابن عبّاس هذا
1) - سورة الذاريات/1.
الخبر دليلاً على أنّه لا ربا إلاّ في النسيئة، ويدلّ أيضاً على أنّ لفظة (إنّما) تفيد ما ذكرناه أنّ الصحابة لمّا تنازعت في التقاء الختانين، واحتجّ من لم ير ذلك موجباً للغسل)(1).
3- (عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة، ثمّ يتجرّدان، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم، إلاّ أنّه لا يلبّي إلاّ من كان حاجّاً أو معتمراً))(2).
4- ((962) 5 أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه يقول: إنّ الذي يحصي رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول من ستّة، فمن شاء لاعنته عند الحجر أنّ السهام لا تعول من ستّة))(3).
5- ((963) 6 الفضل بن شاذان، عن محمّد بن يحيى، عن علي بن عبد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ورواه أبو طالب الأنباري، قال: حدّثني أحمد بن هوذة أبو بكر الحافظ، قال: حدّثني علي بن محمّد الحضيني، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جلست إلى ابن عبّاس رضي الله عنه فعرض ذكر الفرائض والمواريث، فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: سبحان الله
العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، وهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العبّاس! فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطّاب لمّا التفت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر الله وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدّم من قدّم الله وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر بن أوس: فأيّها قدّم وأيّها أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم الله، وأمّا ما أخّر الله فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ ما بقي فتلك التي أخّرها، وأمّا التي قدّم الله فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإذا زالت عنها صارت إلى الثمن لا يزيلها عنها شيء، والأُمّ لها الثلث فإذا زالت عنها صارت إلى السدس لا يزيلها شي عنه، فهذه الفرائض التي قدّم الله عزّ وجلّ، وأمّا التي أخّر الله ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان فإن أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله، فإذا اجتمع ما قدّم الله وما أخّر بُديء بما قدم الله فأعطى حقّه كاملاً فإن بقي شيء كان لمن أخر فإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال له زفر بن أوس: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته. فقال الزهري: والله لولا أنّه تقدّم إمام عدل كان أمره على الورع أمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابن عبّاس في المسألة اثنان)(1).
1) - تهذيب الأحكام 9/248 -- 249.
6 -- 7- (وقد طعن في هذه الأخبار بما يرجع إلى سندها، وقيل في الخبر الأوّل أنّه رواه يزيد بن هارون، عن سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مرسلاً، ولم يذكر فيه ابن عبّاس رضي الله عنه، وإنّما ذكر فيه ابن عبّاس رضي الله عنه وهيب، وسفيان أثبت من وهيب وأحفظ منه ومن غيره، قالوا: وهذا يدلّ على أنّ الرواية غير محفوظة، هذا الذي ذكرناه حكاية عن الفضل بن شاذان رحمه الله وليس هذا طعناً لأنّ هذه الرواية قد رووها مسندة من غير طريق وهيب: روى أبو طالب الأنباري، عن الفرايابي والصاغاني جميعاً، قالا: حدّثنا أبو كريب، عن علي بن سعيد الكندي، عن علي بن عابس، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (الحقوا بالأموال الفرائض فما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر).
قال محمّد بن الحسن: والذي يدلّ على بطلان هذه الرواية أنّهم رووا عن طاووس خلاف ذلك، وأنّه تبرّأ من هذا الخبر وذكر أنّه لم يروه، وإنّما هو شيء ألقاه الشيطان على السُنّة العامّة.
روى ذلك أبو طالب الأنباري، قال:حدّثنا محمّد بن أحمد البربري، قال: حدّثنا بشر بن هارون، قال: حدّثنا الحميدي، قال: حدّثني سفيان، عن أبي إسحاق، عن قارية بن مضرب، قال: جلست عند ابن عبّاس وهو بمكّة فقلت: يا ابن عبّاس! حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: أنّ ما أبقت الفرائض فلاُولى عصبة ذكر، قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول الله عزّ وجلّ: آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ(1)، وقوله: وَأُوْلُو
1) - سورة النساء/11.
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ(1)، وهل هذه إلاّ فريضتان، وهل أبقتا شيئاً، ما قلت هذا ولا طاووس يرويه عليَّ، قال قارية بن مضرب: فلقيت طاووساً، فقال: لا والله ما رويت هذا على ابن عبّاس قطّ، وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد الله بن طاووس فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً يعني بني هاشم)(2). ومن الغريب أن يذكر الشيخ في الديّات والقصاص رواية، عن سهل ابن زياد، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش الذي مرّ وهنه في ذكر ابن عبّاس في (الكافي) للكليني رحمه الله، وفيها توهين ابن عبّاس، وقد عدّه الشيخ في رجاله(3)من أصحاب الأئمّة: الجواد، والهادي، والعسكري عليهم السلام، ووثقه أيضاً، إلاّ أنّ النجاشي قال عنه في رجاله: (وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب، وأخرجه من قمّ إلى الريّ)(4).
وإليك الخبر من دون تعقيب لما مرّ حوله في الحديث عند الكليني في (الكافي)؛ فراجع:
((1082) 8 سهل بن زياد، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد الله بن العبّاس: يابن عبّاس! أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال: فما ترى
في رجل ضربت أصابعه بالسيف حتّى سقطت، فذهبت، فأتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتي به إليك وأنت قاضٍ كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفّ، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، أو أبعث لهما ذوي عدل، قال: فقال له: جاء اختلاف في حكم الله ونقضت القول الأوّل، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض، اقطع يد قاطع الكفّ أصلاً، ثمّ أعطه ديّة الأصابع، هذا حكم الله عزّ وجلّ)(1).
وأمّا ذكره ابن عبّاس في كتابه (الأمالي) فكان كثيراً جاز الخمسين عدداً، ولمّا كان كتاب (الأمالي) هو مجموعة محاضرات أملاها في عدّة أيّام سمعها منه ابنه الملقّب ب-(المفيد الثاني) فجمعها، لذلك قد تنسب إليه. ومهما يكن، فهي مجموعة أحاديث عن أهل البيت عليه السلام وأخبار عن غيرهم، روى أكثرها بالأسانيد، وقليلاً منها من المرسلات، وليس كلّ الأسانيد مقبولة رجالها، كما أنّها متفاوتة في المتون أغراضها، ففيها من المعارف، عقائد، وأخلاق، ومناقب، وبعض النكات التاريخية والتفسيرية، وقد رواها الشيخ الطوسي عن مشايخه من العامّة والخاصّة، لذا تسامح في النقل عنهم، فروى بعض أخباره عن مجهولي الحال، وفيهم من المهملين غير واحد لم نقف على من ذكرهم في المصادر الرجالية عند الفريقين، ولا كبير مؤاخذة في هذا، ما دام كتاب (الأمالي) أشبه ما يكون بالكشكول فيه السمين وفيه الغث، وفيه المقبول وفيه المرذول، في مختلف الأغراض الثقافية، لذلك يهون الخطب ممّا فيه من فجوات ما كان ينبغي ذكرها كما سيأتي التنبيه
1) - تهذيب الأحكام 10/176 -- 277.
على بعضها ممّا يتعلّق بابن عبّاس، من أحاديثه المرفوعة وأخباره الموقوفة.
وفي بعض تلكم الروايات نجد الترضّي على ابن عبّاس، كما في خبر المباهلة الذي رواه الطوسي بسنده عن مجاهد، قال: (قلت لابن عبّاس رضي الله عنه: مَن الذين أراد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أن يباهل بهم؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، والأنفس النبيّ وعليّ عليهما السلام)(1).
كما أنّه -- الطوسي -- ترحّم على ابن عبّاس في روايتي حديث المنزلة، وخطبته بالبصرة.
أمّا حديث المنزلة فقد رواه بسنده عن الأعمش: (عن عباية الأسدي، عن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب(رحمه الله)، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأُمّ سلمةرحمها الله: (يا أُمّ سلمة! عليّ منّي وأنا من عليّ، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، يا أُمّ سلمة! اسمعي واشهدي هذا عليّ سيّد المسلمين))(2).
وأمّا خبر خطبته بالبصرة، فقد رواه مرّتين في أوّل المجلس الثالث(3)، وفي المجلس الرابع(4)وستأتي.
ومن روائع أخباره: وصيّة ابن عبّاس لولده علي، وقد مرّ ذكرها في الجزء الخامس من الموسوعة(5)، وفي هذا الجزء أيضاً في مرويات
الصدوق رحمه الله.
وكذلك كتاب محمّد بن الحنفية إليه حين أخرجه ابن الزبير إلى الطائف.
وروايته الخطبة الشقشقية للإمام عليه السلام، برواية الإمام الباقر عليه السلام، عن ابن عبّاس رضي الله عنه. ولم تكن هذه رواية الإمام الباقر عليه السلام عن ابن عبّاس هي الوحيدة، بل روى عنه أيضاً قوله: (ما وطئت الملائكة فرش أحد من الناس غير فرشنا)(1).
وروايته خطبة الصديقة الزهراء عليها السلام في نسوة المهاجرين والأنصار، وقد جئن لعيادتها(2)، وهذه هي الخطبة الثانية من خطبها كما في (نهاية التحقيق فيما جرى بين الصديقة والصديق)(3).
وقد افتتح الشيخ أخبار ابن عبّاس في أماليه بما رواه عن الشيخ المفيد، فقال: (عنه، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن خالد، قال: حدّثنا زيد بن الحسين الكوفي، قال: حدّثنا جعفر بن نجيح، قال: حدّثنا جندل بن والق التغلبي، قال: حدّثنا محمّد بن محمّد بن عمر المازني، عن أبي زيد الأنصاري، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال له ابن عبّاس: إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام صلّى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يُضرب على رأسه بزلم ولا بقدح، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين. فقال الرجل: إنّي لم أسألك عن هذا، إنّما أسألك عن
حمله سيفه على عاتقه يختال به حتّى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً، ثمّ صار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتّى قتلهم، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم. فقال له ابن عبّاس: أعليّ أعلم عندك أم أنا؟ فقال: لو كان عليّ أعلم عندي منك لما سألتك. قال: فغضب ابن عبّاس حتّى اشتدّ غضبه، ثمّ قال: ثكلتك أُمّك، عليّ عليه السلام علّمني، وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله علمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من الله، وعلم عليّ عليه السلام من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ عليه السلام، وعلم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)(1).
(أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي، قال: حدّثنا عبد الكريم بن محمّد، قال: حدّثنا سهل بن زنجلة الرازي، قال: حدّثنا ابن أبي أويس، قال: حدّثني أبي، عن حميد بن قيس، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا بني عبد المطّلب! إنّي سألت الله لكم أن يعلّم جاهلكم، وأن يثبّت قائمكم، وأن يهدي ضالّكم، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء، أما والله، لو أنّ رجلاً صفّ قدميه بين الركن والمقام مصلّياً فلقي الله ببغضكم أهل البيت دخل النار))(2).
(حدّثنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرني أبو علي الحسن بن علي بن الفضل الداودي، قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن بشر العسكري، قال: حدّثنا أبو إسحاق محمّد بن هارون بن عيسى الهاشمي، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن مهدي الأبلي، قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان الهاشمي،
قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هارون الرشيد، قال: حدّثني أبي المهدي، قال: حدّثنا أمير المؤمنين المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمّد بن علي، قال: حدّثني أبي محمّد بن علي، قال: حدّثني أبي علي بن عبد الله بن عبّاس، عن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (يا أيّها الناس! نحن في القيامة ركبان أربعة ليس غيرنا). فقال له قائل: بأبي أنت وأُمّي -- يا رسول الله -- من الركبان؟ قال: (أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه، وابنتي فاطمة على ناقتي العضباء، وعليّ بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة، خطمها من اللؤلؤ الرطب، وعيناها من ياقوتتين حمراوين، وبطنها من زبرجد أخضر، عليها قبّة من لؤلؤ بيضاء، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، ظاهرها من رحمة الله، وباطنها من عفو الله، إذا أقبلت زفت، وإذا أدبرت زفت، وهو أمامي على رأسه تاج من نور يضيء لأهل الجمع، ذلك التاج له سبعون ركناً، كلّ ركن يضيء كالكوكب الدرّي في أفق السماء، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي في القيامة: (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله)، فلا يمرّ بملأ من الملائكة إلاّ قالوا: نبيّ مرسل، ولا بنبيّ إلاّ يقول: ملك مقرّب، فينادي مناد من بطنان العرش: يا أيّها الناس! ليس هذا ملكاً مقرّباً، ولا نبيّاً مرسلاً، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب. ويجئ شيعته من بعده فينادي مناد لشيعته: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون. فيأتيهم النداء: أيّها العلويون! أنتم آمنون، ادخلوا الجنّة مع من كنتم توالون))(1).
(أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرني أبو عبيد الله محمّد بن عمران
1) - الأمالي 1/32. وقد ذكر الشيخ هذا الحديث برواية ابن عبّاس مرّة ثانية في ص264.
المرزباني، قال: حدّثني أبو بكر أحمد بن محمّد بن عيسى المكّي، قال: حدّثني أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى الرملي، قال: حدّثنا الأعمش، عن عباية الأسدي، عن عبد الله بن عبّاس ابن عبد المطّلب رحمه الله، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأُمّ سلمةرحمها الله: (يا أُمّ سلمة! عليّ منّي وأنا من عليّ، لحمه لحمي، ودمه دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى؟ يا أُمّ سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ سيّد المسلمين))(1).
(أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: حدّثنا المظفّر بن أحمد البلخي، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، قال: حدّثنا أبو عبد الله جعفر ابن محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا عيسى بن مهران، قال: حدّثنا حفص بن عمر الفراء، قال: حدّثنا أبو معاذ الخزّاز، قال: حدّثني يونس بن عبد الوارث، عن أبيه، قال: بينا ابن عبّاس(رحمه الله) يخطب عندنا على منبر البصرة، إذ أقبل على الناس بوجهه، ثمّ قال: أيّتها الأُمّة المتحيّرة في دينها، أما والله لو قدّمتم من قدّم الله، وأخّرتم من أخر الله، وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله، ما عال سهم من فرائض الله، ولا عال ولي لله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، فذوقوا وبال ما فرطتم فيه بما قدّمت أيديكم، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(2))(3).
ومن نوادر أخباره:
(أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرنا أبو نصر محمّد بن الحسين
المقرئ، قال: حدّثنا عمر بن محمّد الوراق، قال: حدّثنا علي بن عبّاس البجلي، قال: حدّثنا حميد بن زياد، قال: حدّثنا محمّد بن تسنيم الوراق، قال: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثنا مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ _ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ _ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(1)؟ فقال: (قال لي جبرئيل: ذاك عليّ، وشيعته هم السابقون إلى الجنّة المقربون من الله بكرامته))(2).
والذي يقرأ أخبار ابن عبّاس في كتاب (الأمالي) للشيخ رحمه الله، يجد بعضها مروية بأسانيد غير مقبولة، لجهالة بعض الرواة أو إهمال ذكرهم، ممّا يكشف عن أنّ جمع الشيخ لم يكن بالدقّة المطلوبة.
وللدلالة على هذا الجانب نقرأ الخبر الآتي:
((وعنه) قال: حدّثنا الشيخ المفيد أبو الحسن علي بن محمّد الطوسي رحمه الله، قال: حدّثنا الشيخ السعيد الوالد رحمه الله، قال: أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمّد بن الحسن، قال: حدّثني أبي، عن سعد (سعيد خ ل) بن عبد الله بن موسى، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن العرزمي، قال: حدّثني المعلّى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن العبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أعطاني الله تبارك وتعالى خمساً، وأعطى عليّاً خمساً: أعطاني جوامع الكلم، وأعطى
عليّاً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً وجعله وصياً، وأعطاني الكوثر، وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي، وأعطاه الإلهام، وأسرى بي إليه، وفتح له أبواب السماء والحجب حتّى نظر إليَّ فنظرت إليه).
قال: ثمّ بكى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقلت له: ما يبكيك فداك أُمّي وأبي؟
فقال: (يا بن عبّاس! إنّ أوّل ما كلّمني به ربّي أن قال: يا محمّد! انظر تحتك، فنظرت إلى الحجب قد انخرقت، وإلى أبواب السماء قد فتحت، ونظرت إلى عليّ وهو رافع رأسه إليَّ، فكلّمني وكلّمته، وكلّمني ربّي عزّ وجلّ).
فقلت: يا رسول الله! بم كلّمك ربّك؟
قال: (قال لي: يا محمّد! إنّي جعلت عليّاً وصيّك ووزيرك وخليفتك من بعدك فأعلمه، فها هو يسمع كلامك، فأعلمته وأنا بين يدي ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: قد قبلت وأطعت. فأمر الله الملائكة أن تسلّم عليه، ففعلت، فردّ عليهم السلام، ورأيت الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملائكة من ملائكة السماء إلاّ هنأوني، وقالوا: يا محمّد! والذي بعثك بالحقّ، لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزّ وجلّ لك ابن عمّك. ورأيت حملة العرش قد نكّسوا رؤوسهم إلى الأرض، فقلت: يا جبرئيل! لم نكس حملة العرش رؤوسهم؟ فقال: يا محمّد! ما من ملك من الملائكة إلاّ وقد نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب استبشاراً به ما خلا حملة العرش فإنّهم أُستاذنوا الله عزّ وجلّ في هذه الساعة، فأذن لهم أن ينظروا إلى عليّ بن أبي طالب فنظروا إليه، فلمّا هبطت جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني به، فعلمت أنّي لم أطأ موطئاً إلاّ وقد كشف لعليّ عنه حتّى نظر إليه).
قال ابن عبّاس: فقلت: يا رسول الله! أوصني.
فقال: (عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو تعالى أعلم، فإن جاء بولايته قبل عمله على ما كان منه، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء، ثمّ أمر به إلى النار. يا بن عبّاس! والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض عليّ منها على من زعم أنّ لله ولداً. يا بن عبّاس! لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغض عليّ -- ولن يفعلوا -- لعذّبهم الله بالنار).
قلت: يا رسول الله! وهل يبغضه أحد؟
قال: (يا بن عبّاس! نعم، يبغضه قوم يذكرون أنّهم من أُمّتي، لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً. يا بن عبّاس! إنّ من علامة بغضهم تفضيلهم من هو دونه عليه، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا وصيّاً أكرم عليه من وصيّي عليّ).
قال ابن عبّاس: فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ووصّاني بمودّته، وإنّه لأكبر عملي عندي.
قال ابن عبّاس: فلمّا مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الوفاة حضرته، فقلت له:فداك أبي وأُمّي يا رسول الله! قد دنا أجلك، فما تأمرني؟
فقال: (يا بن عبّاس! خالف من خالف عليّاً، ولا تكونن لهم ظهيراً، ولا وليّاً).
قلت:يا رسول الله! فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته؟
قال: فبكى عليه السلام حتّى أغمي عليه، ثمّ قال: (يا بن عبّاس! قد سبق فيهم علم ربّي، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يخرج أحد ممّن خالفه من الدنيا وأنكر حقّه حتّى يغيّر الله ما به من نعمة. يا بن عبّاس! إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راض، فاسلك طريقة عليّ بن أبي طالب، ومِل معه حيث مال، وأرض به إماماً، وعاد من عاداه، ووال من والاه. يا بن عبّاس! احذر أن يدخلك شكّ فيه، فإنّ الشكّ في عليّ كفر بالله تعالى))(1).
(على المحكّ):
في السند المذكور ما بين محمّد بن محمّد وهو المفيد إلى ابن عبّاس كلّهم بين مجهول الحال وبين مهمل لم يذكر، ومروراً عابراً على أحوالهم من خلال كتاب المفيد من (معجم رجال الحديث) لسيّدنا الأُستاذ قدس سره، فهم كالتالي:
1- أحمد بن محمّد بن الحسن أبو الحسن، مجهول، روى ( صلي الله عليه وآله وسلم0) مورداً كلّها عن أبيه، وروى عنه في جميع ذلك المفيد، وكذلك أبوه مجهول.
2- سعد (سعيد) بن عبد الله بن موسى، مهمل، لم يذكر في كتب الرجال.
3- محمّد بن عبد الرحمن العرزمي الكوفي، من أصحاب الصادق عليه السلام، مجهول.
4- المعلّى بن هلال أبو سويد الجعفي الكوفي، من أصحاب الإمام الصاق عليه السلام، مجهول.
5- الكلبي، إن كان هو النسّابة فهو مجهول، روى عن أبي عبد الله عليه السلام،
1) - الأمالي 1/108.
وإن كان غيره فمهمل.
6- أبو صالح، إن كان هو باذام -- باذان -- مولى أُمّ هاني، فهو مقبول، وإلاّ فهو مجهول.
فهذا الخبر أحد مظاهر التقديس التي عراها التسويس من حيث جهالة رجال السند، وسرت السوسة إلى المتن فشوّهت بعض جوانبه، ممّا لم أقف عليه في المصادر الأخرى المقبولة.
ولكن الذي لا شكّ فيه أنّ ابن عبّاس بقي في ولائه لإمامه فذّاً في جهاده في سبيله بالسنان والبيان، لم أقف على مثله في رجال الصحابة الذين والوا عليّاً عليه السلام، فهو في نهاية الولاء، ولكن دون الغلوّ، وعليّ عليه السلام حسبه من شيعته ومواليه الوسطية المقبولة، فهو القائل: (هلك فيّ رجلان محبّ غال وعدوٍ قال)، كما في رواية أبي جحيفة، قال: (سمعت عليّاً على المنبر يقول...)، وهذا أخرجه في (كنز العمّال)(1).
وفي (أمالي الصدوق) في المجلس (36) الحديث الثالث، روى عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (وسيهلك فيه اثنان ولا ذنب له، محبّ غال ومقصّر)، والخبر الذي رواه الطوسي لا يخلو بعضه من تسويس.
وأمّا ما ورد من أثر ابن عبّاس في كتاب (تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي رحمه الله، فقد ورد في أكثر من عشرين مورداً، بينها موردان ترحّم عليه الشيخ فيهما، وهما:
1- (وروي عن ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أنّه قال لأمير المؤمنين عليه السلام
1) - كنز العمّال 11/324 ح 31633.
-- لما أبت عائشة الرجوع إلى المدينة --: أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحّلها، فقال له أمير المؤمنين: (إنّها لا تألوا شرّاً ولكنّي أردّها إلى بيتها الذي تركها فيه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإنّ الله بالغ أمره))(1).
2- في الفصل الذي ذكر فيه إمامة الحسن والحسين عليهما السلام وهو من الزيادات على أصل كتاب (الشافي) قال: (فإن قيل: قد بيّنتم أعذار الحسن عليه السلام فما أعذار الحسين عليه السلام لأنّه فعل ضدّ ما فعله، وكيف يمكنكم الجمع بين أفعالهما، لأنّه خرج بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمّر فيها من قبل يزيد منبسط اليد والأمر والنهي، وقد رأى صنيع أهل الكوفة بأبيه وأخيه عليهما السلام، وأنّهم غادرون خوّانون، وكيف خالف ظنّه ظنَّ جميع أصحابه، لأنّ ابن عبّاس(رحمة الله عليه) أشار بالعدول عن الخروج وقطع على العطب، وابن عمر لما ودّعه يقول: استودعك الله من قتيل، وأخوه محمّد مثل ذلك، إلى غير من ذكرناه ممّن تكلّم في هذا الباب... ودون هذا الخوف سلّم أخوه الحسن الأمر إلى معاوية فكيف يجمع بين فعلهما في الصحّة؟
(قيل لهم): قد علمنا أنّ الإمام متى غلب على ظنّه أنّه يصل إلى حقّه والقيام بما فوّض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك...)، إلى أن قال: (فأمّا مخالفة ظنّه لظنّ جميع من أشار عليه من النصحاء كابن عبّاس وغيره، فالظنون إنّما تغلب بحسب الإمارات وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر، ولعلّ ابن عبّاس لم يقف على ما كوتب به عليه السلام من الكوفة وما تردّد
1) - تلخيص الشافي 4/158.
في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق، هذه أمور يختلف أحوال الناس فيها...)(1).
أقول: وهذا المورد على المحكّ: لأنّ فيه كبوة عاثرة وهفوة نادرة، إذ ليس فيما ذهب إليه الشيخ من أنّ الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد: اختاروا منّي: إمّا الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو أن أضع يدي على يد يزيد فهو ابن عمّي يرى فيّ رأيه، وإمّا أن تسيروا بي إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاً من أهله لي ما له وعلَيَّ ما عليه، وأنّ عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد بما سأل، فأبى عليه وكاتبه بالمناجزة، وتمثل بالبيت المعروف، وهو:
يرجو النجاة ولات حين أوان *** الآن وقد علقت مخالبنا به
أقول: وهذه الهفوة في التعليل من أغرب ما تكون من الشيخ رحمه الله!! وكأنّه لم يقرأ ما رواه الطبري عن أبي مخنف، قال: (أنا عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان، قال: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقه حتّى قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا في العراق، ولا في عسكر إلى يوم مقتله ألاّ وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكن قال: (دعوني فلأذهب في هذه الأرض
1) - تلخيص الشافي 4/181.
العريضة، حتّى ننظر ما يصير أمر الناس))(1).
وأحسب أنّ الشيخ تابع أُستاذه الشريف المرتضى رحمه الله في هذا الرأي الآفل، حتّى أنّه نقل كلامه حرفياً بتفاوت يسير(2)، وهذه متابعة كنّا نربأ بالشيخ عنها، كما لم نقبل أصلها من الشريف المرتضى قدس سره من قبله، وتبقى الهنات قذاة دليلاً على أنّ الشيوخ والأعلام في تراث الإسلام، جميعُهم ليسوا بمعصومين عمّا يعتري المرءَ من خطأ أو سهو أو نسيان. والله هو العاصم.
ولكن يبقى العتب على الشريف وتلميذه الشيخ كيف غابت عنهما الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت الحسين عليه السلام وشهادته، والنصوص التاريخية لخطبه عليه السلام، في مكّة وفي الطريق وفي كربلاء، وهو ينعى نفسه وأنّه عليه السلام كان مصمّماً على أداء رسالته وإن لزمته التضحية، وما قوله: (ألا وإنّ الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وبطون طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبيّة أن نؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام...)(3)، إلاّ دليل تصميمه على الشهادة مع سبق علم ومعرفة بها.
وكأنّهما لم يقرءا قول ابن عبّاس: (ما كنّا نشكّ -- وأهل البيت متوافرون -- أنّ الحسين بن عليّ عليه السلام يقتل بالطفّ)(4).
وكذا حديثه: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قبل موته بأيّام يسيرة قال في آخر خطبته: (ألا إنّ جبرئيل عليه السلام قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر). قال ابن عبّاس: ثمّ نزل صلي الله عليه وآله وسلم عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ وتيقّن بأنّ الحسين عليه السلام مقتول(1).
وكأنّهما لم يقرءا ولم يسمعا بحديث ابن عبّاس، قال: (أوحى الله تعالى إلى محمّد صلي الله عليه وآله وسلم: إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً). قال الحاكم النيسابوري: (هذا لفظ ]أبي بكر محمّد ابن عبد الله[ الشافعي، وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل: (إنّي قتلت على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل على دم ابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً)، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)(2). وقال الذهبي في (التلخيص): (على شرط مسلم).
أقول: وقد رواه الحاكم بعدّة أسانيد؛ فراجع.
ولم يقرءا خبر عكرمة عن ابن عبّاس، قال: (كان الحسين عليه السلام في حجر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال جبرئيل عليه السلام: أتحبّه؟ فقال: وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادي، فقال: ألا إنّ أُمّتك ستقتله، ألا أريك موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربتها حمراء)(3).
وكأنّهما لم يريا في كتب الصدوق ابن بابويه وهو من شيوخ شيخهما المفيد أخبار مرور الإمام عليّ عليه السلام بكربلاء في طريقه إلى صفّين، وقوله لابن عبّاس: (أتدري ما هذه البقعة؟) قال: لا، قال: (لو عرفتها لبكيت بكائي)، ثمّ بكى بكاءً شديداً، ثمّ قال: (مالي ولآل أبي سفيان؟) ثمّ التفت إلى الحسين عليه السلام، وقال: (صبراً يا بني، فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده).
ولا قوله كما في رواية كثير الأحمسي البجلي، قال: إنّ عليّاً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين! هذه كربلاء، قال: (ذات كرب وبلاء)، ثمّ أومأ بيده إلى مكان، فقال: (هاهنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم)، ثمّ أومأ إلى موضع آخر، فقال: (هاهنا مهراق دمائهم)..
وكم أمثال هذه الأخبار الدالّة على أنّ قتل الحسين عليه السلام كان يعلمه أهل البيت، حتّى هو عليه السلام.
وفي أخبار أُمّ سلمة وعائشة وباقي الصحابة ما يتيقّن القارئ بأنّ الحسين عليه السلام حين خرج من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق كان في طريقه إلى الشهادة بعلم مسبّق من جدّه وأبيه، وفي التراث الإسلامي عند الفريقين ما يدلّ على هذا، ولم يكن غِرّاً مغّفلاً خدعه أهل الكوفة بكتبهم حتّى أوقعوه في حبالة الصيّاد، إنّها لمكابرة معاند وغفلة من مساند، وحسبنا خطبته في مكّة، وقد أخرجها الخوارزمي الحنفي في (مقتل الحسين)، إذ جاء فيها بعد الحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله: (أيّها الناس! خُط الموت على بني آدم كمخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني بالشوق إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وإنّ لي مصرعاً أنا لاقيه، كأنّي
أنظر إلى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات...)(1).
فهل صاحب هذه الخطبة هو الذي أراد أن يذهب إلى يزيد فيبايعه كما قال الشريف وتلميذه الشيخ الطوسي؟! إنّها كبوة عاثر، وهفوة نادر.
ونعود إلى باقي ما ذكره من أخبار ابن عبّاس وهي كثيرة، إلاّ أنّ الذي يستوقف القارئ الإشارة لحديث الخيانة بقوله: (وأمير المؤمنين عليه السلام لم يولّ متهماً ولا ظنّيناً، وحين أحسّ من ابن عبّاس ببعض الريبة لم يمهله ولا احتمله، وكاتبه بما هو سائر معروف)(2). ولمّا كان هذا سيأتي الحديث عنه بتفصيل سبباً ومنشأ الإدانة، وبحثها سنداً ومتناً وواقعاً في الجزء الآتي فلا نطيل المكث هنا عاكفين على قول الشيخ هذا، وهو عين قول أُستاذه المرتضى من قبل، وليس عند الشيخ من جديد، وسيأتي ما يثير علامة الاستفهام على ما ذكره الشيخ عند البحث عن كتابه (اختيار الرجال) للكشي، وما فيه من مؤاخذات.
أمّا الآن فإلى بقية آثار ابن عبّاس في (تلخيص الشافي):
فمن ذلك قول الشيخ في براءة الإمام عليه السلام من دم عثمان لا مباشرة ولا تسبيباً، وتوجيه أقواله التي عمّى على السائلين والسامعين وجه تخريجها، نحو قوله عليه السلام: (من كان سائلاً عن دم عثمان فإنّ الله قتله وأنا معه): (وقد روي هذا اللفظ من طرق كثيرة. وروي عن أبي حمزة (جمرة صحّ) الضبعي، قال: قلت لابن عبّاس: إنّ أبي أخبرني أنّه سمع عليّاً عليه السلام يقول: (ألا من كان سائلاً عن دم عثمان، فإنّ الله قتله وأنا معه)، فقال: صدق أبوك، هل
تدري ما يعني بقوله؟ إنّما عنى: (الله قتله وأنا معه...))(1).
وهذا الخبر على المحكّ: واضح معناه، كما قال ابن عبّاس يعني أنّ الإمام مع الله، لا يعني أنّه شريك في القتل.
وقال: (ومن ذلك ما رووه: أنّ ابن عبّاس قال لعائشة: ألستِ إنّما سُمّيتِ أُمّ المؤمنين بنا؟ قالت: بلى، قال: أولسنا أولياء زوجكِ؟ قالت: بلى، قال: فلم خرجتِ بغير إذننا؟ قالت: أيّها الرجل كان قضاء وأمر خديعة...)(2).
وهذا الخبر على المحكّ: يعني محاورة ابن عبّاس حين أرسله الإمام إليها في حرب البصرة بعد انقضائها، وقد مرّ الحوار بالتفصيل في الجزء الثالث من الموسوعة وتوثيقه بذكر المصادر حسب القرون(3)، ولم يكن فيه هذا اللفظ؛ فراجع.
وقال: (وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس هذا الخبر بعينه -- يعني فتح خيبر -- على وجه آخر، فقال: بعث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أبا بكر إلى خيبر، فرجع -- وقد انهزم وانهزم الناس معه -- ثمّ بعث من الغد عمر، فرجع وقد جُرح في رجليه، انهزم وانهزم الناس معه، فهو يجبّن الناس، والناس يجبّنونه، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار، ولا يرجع حتّى يفتح الله عليه)، وقال ابن عبّاس: فأصبحنا متشوّقين نري وجوهنا رجاء أن يدعو رجلاً منّا، فدعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً -- وهو أرمد -- فتفل
في عينيه ودفع إليه الراية، ففتح الله على يديه)(1).
فهذا الخبر على المحكّ: فهو ثابت سنداً ومتناً إجمالاً، إلاّ أنّ فيه ما يلفت النظر من قول ابن عبّاس: (فأصبحنا متشوقين)! فالسؤال الذي يفرض نفسه: متى كان ابن عبّاس بالمدينة يومئذ ليحضر في فتح خيبر مع الجيش؟ أليس هو يومئذ بمكّة؟! أوليس كانت هجرته مع أبيه في السنة الثامنة قبل فتح مكّة؟ أوليس فتح خيبر كان في السنة السابعة؟ فكيف نقبل هذا الخبر على علاّته؟! إنّها بلية الرواة يضعون ما يشاؤون كما يشاؤون. وأنكى من هذا رواية الشيخ الطوسي له دون الالتفات إلى الفجوات في الخبر!
وإلى أثر ابن عبّاس في كتاب (الرجال الشيخ)، فقد ذكره في حرف العين من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم برقم (6)، ولم يزد على ذكر اسمه (عبد الله بن عبّاس)، وفي أصحاب عليّ عليه السلام برقم (3)، وقال: عبد الله بن العبّاس ابن عبد المطّلب، وقد عدّ أيضاً أباه العبّاس من أصحابه عليه السلام، وهذا ليس فيه شيء ليذكر على المحكّ. إنّما الذي يثير السؤال: عدم ذكر ابن عبّاس في أصحاب الأئمّة الحسن والحسين وعليّ بن الحسين عليهم السلام مع وجود ذاتية له ظاهرة في أيّام هؤلاء الأئمّة عليهم السلام؟!
ففي أيّام الحسن عليه السلام فهو الذي دعا الناس إلى بيعته، والإمام الحسن عليه السلام هو الذي أنفذه إلى البصرة والياً عليها، وهو كان مع الإمام عليه السلام بعد المهادنة مع معاوية، وكذلك كان مع الإمام الحسين عليه السلام، وقد مرّت الشواهد على هذا في أجزاء الموسوعة من الحلقة الأولى الجزء الخامس،
1) - تلخيص الشافي 3/14.
ومن الحلقة الثانية الجزء التاسع والعاشر؛ فراجع.
وأمّا مع الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، فهو الذي كان يحبّه حبّاً شديداً كما في (اختيار الكشّي)، وعلى هذا المسار يمكن ذكر الإمام الباقر عليه السلام أيضاً مضافاً إلى آبائه، حيث كانت أُمّه تلبسه ثيابه ويأتي مع غلمان بني عبد المطّلب إلى ابن عبّاس بعدما كفّ بصره، فيسأله من أنت؟ فيقول له الباقر عليه السلام: (أنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب)، فيقول له ابن عبّاس: حسبك فلا عرفك من لم يعرفك، كناية عن شرف النسبة وعلوّ النسب، وهذا مذكور في (اختيار رجال الكشّي) للشيخ، فلماذا لم يذكره في أصحاب الأئمّة الثلاثة الحسن والحسين وعليّ بن الحسين عليهم السلام؟
وما دمنا ذكرنا (رجال الكشّي) باختيار رجال الشيخ، فنقول:
ثمّة مؤاخذات وعلامات استفهام حول ما ورد فيه عن ابن عبّاس سنذكرها في أدلّة الإدانة لحديث الخيانة، ونكتفي هنا بالإشارة إجمالاً إلى أنّ في ذلك الكتاب هفوات، وأنّه لا يخلو من خلط وخبط، نربأ بمقام الشيخ عن الغفلة فيها، بل هي أمانة النقل عن الكشّي كما سيأتي في عرض أخباره على المحكّ، وكذا ما ورد في كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي، فقد ورد ذكره خمس مرّات، ثلاث منها في تفسير آيتين في المهدي(عجّل الله فرجه)، ورابعة مع انقطاع سندها، وهي في المهدي عليه السلام أيضاً، وكلّها موقوفة عليه، أمّا الخامسة فهو حديث مرفوع رواه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام: (يا عليّ! إنّ قريشاً ستظاهر عليك وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعواناً فجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك واحقن دمك فإنّ الشهادة من ورائك، لعن الله قاتلك)، وهذا رواه الشيخ
بسنده عن سليم بن قيس، عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عبّاس، وكلّ هذه الأخبار المرفوعة والموقوفة ليس فيها ما يشين ابن عبّاس على المحكّ، فلا نعرضها.
وما ذكرناه من آثار ابن عبّاس في تراث الشيخ الطوسي رحمه الله ليس فيه ما يشينه، فهو في كفّة الرجحان لكفّة حسنات الميزان.
ولا بُعد في وجاهة اعتذار سيّدنا الأُستاذ قدس سره عن بعض ما يؤاخذ به الشيخ رحمه الله، حيث قال: (والتوجيه الصحيح: أنّ ذلك قد صدر من الشيخ لأجل الغفلة والنسيان، فعندما ذكر شخصاً في من لم يرو عنهم عليه السلام غفل عن ذكره في أصحاب المعصومين عليهم السلام وأنّه روى عنهم بلا واسطة، فإنّ الشيخ لكثرة اشتغاله بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ، فقد يذكر شخصاً واحداً في باب واحد مرّتين، أو يترجم شخصاً واحداً في فهرسته مرّتين، وأمّا خطأه في كتابيه التهذيب والاستبصار فكثير، وسنقف على ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى)(1).
وممّا يؤاخذ به في كتابه (الفهرست) عدم ذكر ابن عبّاس فيه، على أنّ في مصادر التراث الإسلامي في علوم القرآن هو أوّل من أملى في تفسير القرآن، وكتب عنه سعيد بن جبير(2)، ومجاهد(3)، وغيرهما، بل كتب حتّى في السيرة النبوية(4)، وقد مرّت بنا أخبار كتبه وكثرتها فلا نعيد(5).
وقد ذكرها الشيخ النجاشي في (رجاله)(1)، في ترجمة عبد العزيز بن يحيى الجلودي (ت332ه-) نيّفت على العشرين، بينما ذكر الطوسي في (الفهرست) هذا الرجل ولم يذكر عنه روايته تلك الكتب عن ابن عبّاس.
أمّا كتابه في (الرجال) (المطبوع) في النجف سنة (138ه-) ففيه أوهام كثيرة متناً وهامشاً، لست بصددها جميعها في المقام، ويكفي التنبيه على غريبة الإبل التي تذاد عن الحوض غداً، ذكر عبيد الله بن زياد في أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام(2)، وذكر المنصور الدوانيقي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام(3)، إلى غير هذا.
طبع مكرّراً في إيران والنجف محقّقاً، وفي طبعة إيران الثانية ترديد في تعيين المؤلّف من البرقيين، وهم: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمّد ابن خالد بن البرقي بين الحفيد والجدّ ووالد الجدّ.
ومهما يكن المؤلّف، فالمؤلَّف الذي وصلت نسخته إلينا يعتبر أقدم نص رجالي وصل إلينا، وقد نهج مؤلّفه نهج الطبقات بدءاً من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ومروراً بأصحاب إمام بعد إمام، حتّى الحسن العسكري عليه السلام، ثمّ أعقبهم بذكر النساء من روى منهنّ عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وعن الأئمّة عليهم السلام، حتّى الإمام الهادي عليه السلام، والكتاب قائمة بسرد الأسماء ليس فيه من معلومات مفيدة إلاّ نادراً في بعضها، ومع هذا الاختصار فلم يستوف الأصحاب المذكورين تماماً عند ذكر المنسوب إليهم.
ففي أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذكر (37) إنساناً، ومن أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (90) إنساناً، بمن فيهم من كرّر ذكره، كالأصبغ بن نباته، وسلمان، والمقداد، وأبي ذرّ، وأبي سنان، وأبي عمرة، وجابر بن عبد الله، وشتير بن شكل العبسي، وأبي عبد الله الجدلي، وهؤلاء عُشر من ذكرهم تقريباً، مع أنه قد فاته الكثير من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأصحاب الإمام عليه السلام، كبقية بني هاشم مثل: جعفر، وعقيل، وأبي سفيان بن الحارث، والفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب، وسميّه ابن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب، وغيرهم.
فهو غير مستوعب ذكر الجميع، وحتّى الذين ذكرهم قصّر في عدم
ذكرهم في أصحاب الآخرين من الأئمّة، كما في ذكر عبد الله بن العبّاس، فقد ذكره في أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يذكره في أصحاب الإمام الحسن عليه السلام، ولا في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، ولا في أصحاب الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام!
ولمّا لم يكن في الكتاب من ذكر لابن عبّاس سوى عدّه في أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وفي أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وليس في هذا الكتاب من جديد، فلا نطيل الوقوف عنده أكثر من هذا على المحكّ.
وحسبنا في تعريفه ما قاله شيخ مشايخ الإجازة في عصره العلاّمة النوري رحمه الله في خاتمة كتابه (مستدرك الوسائل)، فقد قال: (العالم النقّاد البصير المضطلع الخبير الذي هو أفضل من خطّ في فنّ الرجال بقلم، أو نطق بفم، فهو الرجل كلّ الرجل، لا يقاس بسواه، ولا يعدله من عداه، كلّما زدت به تحقيقاً، ازددت به وثوقاً، وهو صاحب الكتاب المعروف الدائر الذي اتكّل عليه كافّة الأصحاب). اه-
أمّا أثر ابن عبّاس في كتابه، فقد مرّ ما ذكرته نقلاً عنه في كتب ابن عبّاس التي رواها عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري (ت332ه-)، وقد رأى الشيخ النجاشي بعضها على ما يبدو، فلا حاجة إلى التطويل فيما لا طائل معه على المحكّ.
وبهذا اكتفي في ذكر أثر ابن عبّاس في آثار المشايخ الأقدمين على المحكّ، ويبقى الكلام عن هذا الجانب في كتب بقية الأعلام من القرون المتأخّرة عن عصر الشيخ الطوسي رحمه الله، كالشيخ ابن إدريس (ت598ه-)، والسيّد رضي الدين علي بن طاووس (ت664ه-)، وأخيه السيّد جمال الدين أحمد بن طاووس (ت673ه-)، والمحقّق الحلّي (ت676ه-)، والعلاّمة الحلّي (ت 726ه-).
فابن إدريس الحلّي، هو: أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن محمّد بن إدريس العجلي الحلّي، من أبرز الأعلام الذين جدّدوا في مرحلة كاد الجمود يستولي على الفقه الشيعي، فيكون الفقهاء مقلّدة للشيخ الطوسي (ت460ه-)، ويكون كتابه (النهاية) هو النهاية، لولا أن تدارك ابن إدريس فوسّع باب الاجتهاد قبل أن يغلق بكامله في وجوه المتفقّهة، لذا يعتبر كتابه (السرائر الحاوي للفتاوي) من خيرة التصانيف التي بلورت آراء الفقهاء بصراحة لم يسبق إليها، ممّا سبّب له نقداً لاذعاً ومدحاً جامعاً، وقد وفقتُ بحمد الله تعالى إلى تحقيقه وطبع في آخر موسوعته، التي ضمّت تفسير (منتخب التبيان)، ثمّ (حاشية الصحيفة السجادية)، ثمّ (أجوبة المسائل)، ثمّ كتاب (السرائر).
ولمّا كان هو الكتاب الأوسع شهرة ونشراً، لذلك سأذكر منه ما يتعلّق ب-(ابن عبّاس في الميزان)، فقد ورد ذكره في موارد كثيرة ناهزت العشرين، ليس فيها ما يشين ابن عبّاس على المحكّ، إلاّ أنّ آخرها ذكراً ورد في (المستطرفات) نقلاً عن (معاني الأخبار) للشيخ الصدوق رحمه الله، فقال:
(وممّا استطرفناه من كتاب معاني الأخبار من الجزء الثاني تصنيف ابن بابويه، قال: معنى: الحوأب، والجمل، الأذيب.
1- حدّثنا الحاكم أبو حامد بن الحسين بن علي ببلخ، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا عاصم بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال
لنسائه: (ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأذبب؟ التي تنبحها كلاب الحوأب، فيقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة، ثمّ تنجو بعدما كادت).
قال ابن بابويه مصنّف كتاب معاني الأخبار: الحوأب: ماء لبني عامر، والجمل الأذيب، يقال: الذيبة داء يأخذ الدواب، يقال: برذون مذوب، قال وأظنّ الجمل الأذيب مأخوذ من ذلك، وقوله: (تنجو بعدما كادت)، أي تنجو بعدما كادت تهلك.
قال محمّد بن إدريس رحمه الله: وجدت في الغريبين للهروي هذا الحديث، وهو في باب الدال الغير المعجمة مع الباء المنقطة تحتها نقطة واحدة، قال أبو عبيد: وفي الحديث: (ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب)، قيل: أراد الأدبّ فأظهر التضعيف، والأدبّ الكثير الوبر، يقال: جمل أدبّ إذا كان كثير الدبب، والدبب: كثرة شعرة الوجه ودببهُ، أنشدني محمّد بن موسى الأصفر الرازي، قال: أنشدني أبو بكر ابن الأنباري:
يمشقن كلّ ذي غصن معكوس *** مشق النساء دبب العروس
يمشقن: يقطعن كلّ غصن كثير الورق، كما ينتف النساء الشعر من وجه العروس.
قال محمّد بن إدريس رحمه الله: ووجدت أيضاً في مجمل اللغة لابن فارس مثل ما ذكره أبو عبيد صاحب الغريبين، وقد أورد الحديث على ما ذكره، وفسّره على ما فسّره، ووضعه في باب الدال غير المعجمة مع الباء، والاعتماد على أهل اللغة في ذلك فإنّهم أقوم به، وأظنّ شيخنا ابن بابويه تجاوز نظره هذا الحرف فزّل فيه فأورده بالذال المعجمة، والياء والباء على ما في كتابه، واعتقد أنّ الجمل الأذيب مشتق من الذيبة على ما فسّره، وهذا تصحيف منه).
أقول: لقد ذكرت في الجزء السابع من موسوعة ابن إدريس هذا الحديث، وذكرت ما في رجاله من آفة الجهالة ومن لم تثبت وثاقته، بل فيهم من كان يرى رأي الخوارج، مثل عكرمة الذي كان يكذب على ابن عبّاس كثيراً، حتّى قيّده علي بن عبد الله بن عبّاس على باب كنيف، فقيل له في ذلك، فقال: إنّه يكذب على أبي، وحتّى أنّ ابن عمر حذّر مولاه نافع من أن يكذب عليه بعد موته كما يكذب عكرمة على ابن عبّاس.
ولكن تحذير ابن عمر لنافع لم يثنه عن الكذب عليه، حتّى قال سالم ابن عبد الله بن عمر: (كذب العبد، أو العلج على أبي -- يعني نافعاً -- كما كذب عكرمة على ابن عبّاس)(1).
وما كان هذا الحديث مشكوكاً فيه، فله أسانيد غير ما ذكر، وأخرجه جمع من الأئمّة والحفّاظ واللغويين والمؤرّخين، كالإمام أحمد في مسنده، وأبي يعلى في مسنده، والبزّار في مسنده، وأبي نعيم والحاكم النيسابوري، والبيهقي، والقاضي عياض، والكنجي الشافعي، والهيثمي، والقسطلاني، والسيوطي في كتابيه (جمع الجوامع، والخصائص الكبرى)، والخفاجي، والزرقاني، والزمخشري، وابن منظور، والفيروزابادي، والبكري، والطبري، والحلبي، وزيني دحلان، والصبّان، وغيرهم وغيرهم، وله أسانيد مختلفة، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): (رواه البزّار ورجاله ثقات)(2).
وقد مرّ الحديث وما قيل عنه وفيه في الجزء الثالث من موسوعة ابن عبّاس رضي الله عنه؛ فراجع.
قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) حوادث سنة 658ه-: علي بن موسى ابن جعفر بن طاووس الحسني النقيب، نقيب الطالبيين، مات في ذي القعدة، وله 76 سنة، ونقل فدفن بمشهد عليّ رضي الله عنه. قال الكازورني: لم يوجد بعده مثله، ولا رأينا أحداً على قاعدته في دينه ونسكه وعباداته وخلقه، رثاه بعض الشعراء(1)، وقد وهم الذهبي في تعيين سنة الوفاة.
وقال ابن الطقطقي في كتابه (الأصيلي): (صاحب التصانيف الكثيرة في الفقه والأدعية والمواعظ والأخبار، كان رفيع الشأن له جلالة ووجاهة ونفس كبيرة، وترّفع تام وهمّة عالية، تولّى نقابة الطالبيين في هذه الدولة القاهرة، ثمّ بقيت له إلى آخر عمره...)(2).
لقد ترجمته في مقدّمة كتابه (فلاح السائل)(3)في عشرين صفحة، فلا نطيل هنا، وإنّما نذكر أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في آثار هذا الشريف المطبوعة التي رأيتها، وهي ستّة عشر كتاباً ورسالة.
وموارد ذكره كثيرة انتقي منها ما للسيّد المؤلّف رحمه الله شارة تبجيل لابن عبّاس:
نحو ما رواه في (فلاح السائل)، حيث قال: (ورواية أخرى في أسرار الأذان مروية عن ابن عبّاس(رضوان الله عليه) -- وتلميذ مولانا عليّ عليه السلام -- وروايته في مثل هذا إمّا إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وإمّا إلى مولانا عليّ عليه السلام...)، وساق الخبر نقلاً عن (أمالي) الشيخ الصدوق ابن بابويه(1)، وقد مرّ ذكره في الجزء الخامس من الموسوعة في ذكر سكناه بالطائف آخر حياته(2).
وذكره مكرّراً في كتابه (مهج الدعوات)، ترضّى عنه في ثلاث منها، وكذا في كتابه (الإقبال)، ذكره مكرّراً ثماني مرّات، بينها رواية نقلها عن (تاريخ بغداد) في ترجمة أحمد بن محمّد بن رميح، فيها ذكر فضل فاطمة الزهراء عليها السلام، فأنّا أذكرها عن (تاريخ بغداد) بلفظ مؤلّفه الخطيب لغرض التوثيق:
قال الخطيب: (حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن زرق -- إملاءً في سنة ستّ وأربعمائة -- أخبرنا أحمد بن محمّد بن رميح النسوي الحافظ، حدّثنا الفضل بن محمّد الجندي بمكّة -- حدّثنا شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا زفّت فاطمة إلى عليّ، كان النبيّ قدّامها، وجبريل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها يسبّحون الله ويقدّسونه، حتّى طلع الفجر.
ثمّ قال الخطيب: حدّثني علي بن محمّد بن نصر، قال: سمعت حمزة ابن يوسف يقول: سألت أبا زرعة محمّد بن يوسف عن أحمد بن محمّد بن رميح النسوي؟ فأومأ إلى أنّه ضعيف، أو كذّاب -- قال حمزة: الشكّ منّي -- قال لي أبو نعيم الحافظ: كان أبو سعيد أحمد بن محمّد بن رميح النسوي ضعيفاً.
ثمّ قال الخطيب: والأمر عندنا بخلاف قول أبي زرقة وأبي نعيم، فإنّ ابن رميح كان ثقة ثبتاً لم يختلف شيوخنا الذين لقوه في ذلك، أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: قال لي أبو الفتح محمّد بن أبي الفوارس: كان أحمد بن محمّد بن رميح النسوي ثقة في الحديث، أخبرنا الحسين محمّد أخو الخلال، عن أبي سعيد الإدريسي، قال: أحمد بن محمّد بن رميح النسوي لم أرزق السماع منه، ذكر لي أصحابنا حفظه وتيقّظه ومعرفته في الحديث، أخبرنا محمّد بن علي المقرئ، عن محمّد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، قال: أحمد بن محمّد بن رميح النخعي أبو سعيد الحافظ ثقة مأمون توفّي بالجحفة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، ذكر غيره أنّه مات في صفر ودفن بالجحفة). اه-
هذا الخبر عن ابن عبّاس وإن لم يسنده عمّن أدرك الزفاف، لأنّه كان يومئذ بمكّة مع أهله، وإن احتمل على بُعدٍ حضوره مع أُمّه لزفاف فاطمة عليها السلام.
ولمّا كان السيّد ابن طاووس قال -- كما مرّ -- في أسرار الأذان: (عن ابن عبّاس(رضوان الله عليه)، وهو تلميذ مولانا عليّ عليه السلام، ورواياته في مثل هذا إمّا إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وإمّا إلى مولانا عليّ عليه السلام). قلت في المقام: كذلك رواه
إمّا عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أو عن مولانا عليّ عليه السلام، كما قال ابن طاووس رحمه الله.
وذكر ابن طاووس رحمه الله في كتابه (فرج المهموم) خبر المنجم اليهودي مع ابن عبّاس وصدق خبره، قال السيّد ابن طاووس: (وممّا رأيت ورويت عن ابن عبّاس في النجوم، ما رويته عن شيخ المحدّثين ببغداد محمّد بن النجّار في المجلّد الحادي والعشرين من تذييله على تاريخ الخطيب في ترجمة علي بن طراد، بإسناده إلى عكرمة، قال: قيل لابن عبّاس: إنّ هاهنا رجل يهودي يتكهّن، فبعث عبد الله بن عبّاس إليه، فجاءه، فقال له: يا يهودي! بلغني أنّك تخبر بالغيب، قال: أمّا الغيب فلا يعلمه إلاّ الله، ولكن إن شئت أخبرتك، قال: هات، قال: لك ولد له عشر سنين يختلف إلى الكتّاب؟ قال: نعم، قال: فإنّه يأتي غداً محموماً من الكتّاب ويموت يوم العاشر، وأمّا أنت فلا تخرج من الدنيا حتّى يذهب بصرك، فقال: هذا ما أخبرتني به عن ابني ونفسي، فأخبرني عن نفسك؟ قال: أموت رأس السنة، قال عكرمة فجاء ابن ابن عبّاس محموماً من الكتّاب ومات في اليوم العاشر، فلمّا كان رأس السنة، قال ابن عبّاس: يا عكرمة! انظر ما فعل اليهودي، فأتيت أهله، فقالوا: مات أمس، ثمّ ما خرج ابن عبّاس من الدنيا حتّى ذهب بصره)(1).
وذكر ابن طاووس رحمه الله ابن عبّاس في كتابه (سعد السعود) في عدّة أخبار، اعترف فيها ابن عبّاس بما اغترف من علم عليّ عليه السلام، منها: ما نقله السيّد ابن طاووس عن كتاب أبي عمرو الزاهد: (بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب، قال: يا أبا عبّاس! إذا صليت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبّانة،
1) - فرج المهموم: 110، ط الحيدرية سنة 1368ه- .
قال: فصليت ولحقته -- وكانت ليلة مقمرة -- قال: فقال عليه السلام لي: (ما تفسير الألف من (الحمد)؟ قال: فما علمت حرفاً أجيبه، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، قال: ثمّ قال لي: فما تفسير اللام من (الحمد)؟ قال: فقلت: لا اعلم، فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، قال: ثمّ قال: ما تفسير الحاء من (الحمد)؟ قال: فقلت: لا أعلم، فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثمّ قال: ما تفسير الميم من (الحمد)؟.. إلى أن قال: ما تفسير الدال من (الحمد)؟ قال: قلت: لا أدري، قال: فتكلّم فيها حتّى برق عمود الفجر، قال: فقال لي: قم يا أبا عبّاس إلى منزلك وتأهب لفرضك، قال أبو العبّاس عبد الله بن عبّاس: فقمت وقد وعيت كلّه، قال: ثمّ تفكّرت، فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ عليه السلام كالقرار في المثعنجر(1)).
ثمّ حكى ابن طاووس عن النقاش في تفسيره قول ابن عبّاس: (جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، ثمّ قال ابن طاووس: (وقال النقاش أيضاً في تعظيم ابن عبّاس لمولانا عليّ بن أبي طالب ما هذا لفظه: أخبرنا... وذهب بصر ابن عبّاس من كثرة بكائه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وذكر النقاش ما هذا لفظه: وقال ابن عبّاس: عليّ عليه السلام علم علماً علّمه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّمه الله، فعلم النبيّ من علم الله، وعلم عليّ عليه السلام من علم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ عليه السلام، وما علمي وعلم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر)(2).
وللسيّد ابن طاووس كلام في ابن عبّاس بعدما ذكر عنه أقواله في شأن نزول السور والآيات، فقال: (ومن عجيب هذه المقالة -- أقوال ابن عبّاس في شأن نزول السور والآيات المكّية -- عن ابن عبّاس أنّه علموا ما كان بالغاً، ولعلّ ما كان موجوداً بمكّة عند نزول السور المكّية، وإنّما رواها عن غيره ممّن حضرها، فهلا ذكروا القرابة والصحابة الذين رواها ابن عبّاس عنهم، وحملوا ذكرهم بهذا المقدار، وكان زيادة في قوّة النقل والآثار)(1).
ثمّ قال: (واعلم أنّ عبد الله بن عبّاس كان تلميذ مولانا عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ولعلّ أكثر الأحاديث التي رواها عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانت عن مولانا عليّ عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فلم يذكر ابن عبّاس مولانا عليّاً عليه السلام لأجل ما رأى من الحسد له والحيف عليه، فخاف أن لا تنقل الأخبار عنه إذا أسندها إليه. وإنّما احتمل الحال مثل هذا التأويل، لأنّ مصنّف كتاب الاستيعاب ذكر ما كنّا أشرنا إليه: أنّ عبد الله بن عبّاس قال: توفّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم، يعني: المفصّل، وهو أعرف بعمره. وروي عن غيره: أنّه كان له عند وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة. فهل ترى ابن عشر سنين وابن ثلاث عشرة سنة ممّن يدرك كلّما أسنده عبد الله بن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، يحفظ ألفاظه وتفاصيله بغير واسطة ممّن يجري قوله مجرى قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم).
ثمّ قال السيّد ابن طاووس: (أقول: وأمّا ابن عبّاس كان تلميذ مولانا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فهو من الأمور المشهورة بين الإسلام، وقد ذكر
1) - سعد السعود: 293.
محمّد بن عمر الرازي في كتاب الأربعين ما هذا لفظه: (ومنها علم التفسير وابن عبّاس رئيس المفسّرين وهو كان تلميذ علي بن أبي طالب))(1).
أقول: وحسبنا بهذا من ذكر أثر ابن عبّاس في بعض آثار السيّد ابن طاووس رحمه الله على المحكّ، وهو ينبئ عن رجحان ابن عبّاس في الميزان عند السيّد ابن طاووس، وفي باقي كتبه ك-(الإقبال، ومهج الدعوات، والتحصين)، وغيرها، ما يزيد القارئ معرفة بآثار ابن عبّاس فيها، فمن ابتغى المزيد فليرجع إليها.
1) - سعد السعود: 296.
قال السيّد الأمين رحمه الله في (أعيان الشيعة): (كان مجتهداً واسع العلم، إماماً في الفقه والأُصول والأدب والرجال، ومن أورع فضلاء أهل زمانه وأتقنهم وأثبتهم وأجلّهم، وهو أوّل من قسّم الأخبار من الإمامية إلى أقسامها الأربعة المشهورة الصحيح والموثوق والحسن والضعيف، واقتفى أثره في ذلك تلميذه العلاّمة وسائر من تأخّر عنه من المجتهدين إلى اليوم، وزيد عليها في زمن المجلسيين على ما قيل من بقية أقسام الحديث المعروفة من المرسل والمضمر والمعضل والمسلسل والمضطرب والمدلّس والمقطوع والموقوف والمقبول والشاذ والمعلّق، وغيرها)(1).
وترجمه تلميذه ابن داود في (رجاله)، فأطراه وذكر كتبه، وختم ذلك بقوله: (وله غير ذلك تمام اثنين وثمانين مجلّداً، من أحسن التصانيف وأحقّها، وحقّق الرجال والرواية والتفسير تحقيقاً لا مزيد عليه)(2).
أقول: وإذا رجعنا إلى ما وصل إلينا من كتبه -- وهي لا تبلغ العُشر ممّا ذكر ابن داود -- أظهرها (بناء المقالة الفاطمية)، نقض فيه كتاب (العثمانية) للجاحظ، وهو كتاب جليل نفيس، ورد فيه ذكر ابن عبّاس عشرات المرّات،
جلّها رواياته المرفوعة وأقواله الموقوفة في فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أطرى السيّد أحمد بن طاووس رحمه الله في أحد تلك الموارد وقد نقل قول الجاحظ: (بما أنّ السائل إذا سأل عن علماء التأويل ذكروا ابن عبّاس ونحوه ولم يذكروه -- يعني: الإمام عليه السلام --) فقال ابن طاووس في ردّه: (وقد سبق جواب الجاهل عن ذلك، وأتمّم ذلك فأقول: أنّه قد يكون إغفال ذكره لاشتهار أمره، إذ الشمس لا تحتاج إلى دالّ عليها ولا كاشف لها، وأمّا أنّ أبا بكر وعمر لا يذكران في علماء التأويل كما قال، فإنّ الوجه فيه عدم ضبطهما القرآن وحفظه، فكيف يتأوّل متأوّل شيئاً لا يحويه ولا يدريه؟
وقد كان عمر -- رضوان الله عليه -- حفظ البقرة في سبع عشر سنة، وقيل في اثنتي عشر سنة ونحر جزوراً(1).
وهذا يوضح عذره -- رضوان الله عليه -- في عدم المعرفة بالتأويل، وكذا نعذر أبا بكر في عدم المعرفة بالأب وعمر أيضاً(2).
ورجّح عبد الله بن عبّاس في معرفة التأويل، قال في معرفته، ولم نجد عند أحد شطره، ولا قريباً منه، يعرّض بأمير المؤمنين عليه السلام، ويكفينا في الشهادة على تكذيبه، ذلّ الحبر المعظم ابن عبّاس بين يديه، واستخذائه عندما نبهه عليه من معنى (العاديات) عليه، وقد سلف من طريق لا يتّهم.
فأراد الجاحظ أن يضع من عليّ فرفع منه، إذ كان المدّعي له معرفة بالتأويل ضارعاً عنده مستفيداً منه، مقرّاً على نفسه بالعجز عن مداناته على ما أسلفت، فأراد الجاحظ أن يذمّ فمدح، وأن يفضح فافتضح)(1).
وذكره في كتاب (عين العبرة في غبن العترة) مكرّراً.
جاء فيه في مقام المقايسة بين بني هاشم وبين بني أُميّة: (...والعبّاس ابن عبد المطّلب رضي الله عنه وولده عبد الله الحبر المعظم(قدّس الله روحه)، وعبيد الله الأريحي السخي، والفضل البطل الكميّ، وقثم المقدّم السري)(2)، ثمّ ذكر بعض أبيات من قصيدة للكميت في هاشمياته.
وأوسع ما جاء من أثر عن ابن عبّاس رضي الله عنه، ما قاله السيّد في كتابه (حلّ الإشكال)، والذي نقله الشيخ حسن صاحب المعالم في كتابه (التحرير الطاووسي)، وسيأتي في إدلّة الدفاع إن شاء الله.
هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، عرف بالمحقّق الحلّي، أثنى عليه مترجموه بدءاً من تلامذته وانتهاءً بأصحاب المعاجم الرجالية.
فتلميذه شمس الدين قال يمدحه:
يا جعفر بن سعيد يا إمام الهدى *** ويا واحد الدهر يا من لا له ثاني
فأنت سيّد أهل الفضل كلّهم *** لم يختلف أبداً في فضلك اثنان
وقال ابن داود -- وهو أحد تلامذته -- في رجاله: (المحقّق المدقّق الإمام العلاّمة واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، وأقومهم بالحجّة، وأسرعهم استحضاراً، قرأت عليه، ورباني صغيراً، وكان له عليَّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنّفه وقرأه ورواه وكلّ ما تصحّ روايته عنه). اه-
ولابن عبّاس رضي الله عنه أثر مذكور في تراث المحقّق الفقهي والأُصولي المطبوع. ففي الفقه ذكر المحقّق رحمه الله ابن عبّاس في كتابه (المعتبر) زهاء مائة وعشرين مورداً، وليس فيها ما يستدعي المرور بها على المحكّ.
لكنّه في كتابه (معارج الأُصول) ذكره بضع مرّات، فكان منها في ذمّ القياس، قال: (وعن ابن عبّاس: تتّخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم، وقال: إذا قلتم في دين الله بالقياس أحللتم كثيراً ممّا حرّم الله، وحرّمتم كثيراً ممّا أحلّ الله) اه- .
وهذا يشير إلى قناعته بصحّة ما حكاه عن ابن عبّاس رضي الله عنه، فهو على المحكّ في صالحه.
هو أبو منصور الحسن بن يوسف بن مطهّر الحلّي جمال الدين، قال الصفدي: (كان ريّض الأخلاق حليماً، قائماً بالعلوم حكيماً، طار ذكره في الأقطار، واقتحم الناس إليه المخاوف والأخطار، وتخرّج به أقوام)(1).
وقال ابن حجر: (وتخرّج به جماعة في عدّة فنون)(2)، إلى غير هذا من جُمل الثناء والإطراء، وقد وُفقت إلى تقديم كتابه (الألفين) الطبعة الحيدرية، وفي أوّله ترجمة المؤلّف ترجمة وافية في أكثر من ستّين صفحة، سوى ما حذفه الرقيب وألحقته بأوّل المطبوع بخطّي، لو جمع ذلك كلّه لكان دراسة مستوعبة عن العلاّمة رحمه الله باختصار.
والآن إلى موارد أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في تراث العلاّمة، ولمّا كان ذلك التراث فيه من كلّ علم معرفة، وفي كلّ قدر له مغرفة، فللاختصار سأمرّ على جملة من المطبوع منه، بما يكفي لمعرفة رأيه في ابن عبّاس على المحكّ.
فمن الكتب الفقهية كتاب (تذكرة الفقهاء)، وهو من خيرة الكتب في بابه، في جمعه لجملة آراء الفقهاء من الفريقين، فهو بكتب الفقه المقارن أشبه، وقد ورد ذكر ابن عبّاس فيه كثيراً جدّاً، وفي جملة منها ذكر اتّفاق
رأي ابن عبّاس مع رأي الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: (وبه قال عليّ عليه السلام وابن عبّاس، كما في نحو من عشرين مورداً)، ولا يعني هذا إغفاله آراء ابن عبّاس التي نسبت إليه موافقته لآراء آخرين من الصحابة ممّا يلفت النظر، لقول العلاّمة رحمه الله في ذلك: (وقول ابن عبّاس وعمر وليس بحجّة)(1).
وفي التي انفرد بها، قال: (لقول ابن عبّاس: ليس في العنبر شيء... وليس بحجّة)، وفي الاعتكاف، قال: وقول ابن عبّاس لا يكون حجّة (المسألة/1 صلي الله عليه وآله وسلم5) وغير هذا في طائفة مسائل لا تتجاوز العشرة، والذي ينبغي الإشارة إليه من أقوال العلاّمة في آراء ابن عبّاس الفقهية رجوعه في الربا: (إنّما الربا في النسيئة، ثمّ رجع ابن عبّاس عن قوله في الربا إلى الجماعة)(2)، وهذا تنبيه وجيه من ذلك الفقيه اللوذعي.
وقد ذكر بعض مواقف ابن عبّاس التي تنبئ عن براعته في الفقه، كموقفه من الخوارج واستدلاله في محاورته معهم(3)، وهذا كلّه على المحكّ لا يشين ابن عبّاس إن لم يزينه في الميزان.
وأمّا أثر ابن عبّاس في بقية كتب العلاّمة الفقهية ك-(المختلف)، فقد ذكر في كتاب الحجّ: (إنّ عليّاً عليه السلام وابن عبّاس كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان)، وقد مرّ الحديث حول هذه المسألة في الجزء السادس من الموسوعة، وفي أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس.
وورد أيضاً ذكره في (المختلف)، في محاورة الإمام الباقر عليه السلام مع ابن عبّاس في حكم الله، وهذا كسابقه في بحثه فيما مرّ مكرّراً في (الكافي)، وفيما بعده، وهو من الأخبار المجهولة على المحكّ، ولم يسلم سنداً ولا متناً.
وورد ذكر ابن عبّاس في (منتهى المطلب) في عشرات الموارد، ليس فيها ما ينبغي التنبيه على ما فيه على المحكّ.
والذي يلفت النظر أنّ العلاّمة ذكر في كتابه (نهاية الأحكام)، فقال: (في مسألة مسح الرجلين في الوضوء: ووصف عليّ والباقر وابن عبّاس(عليهم السلام) وضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ومسح على قدميه ونعليه)(1)، ولم يعهد السلام على ابن عبّاس في الموروث المقدّس، بل المتعارف هو الترضّي عنه، أو الترحّم عليه، وهذه أوّل مرّة رأيت السلام عليه مقروناً بإمامين علَمين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، والإمام محمّد بن علي الباقر عليهما السلام، وإنّ احتمال هذا من سهو القلم غير وارد، لأنّه ورد نحوه في كتابه (المختلف): (إنّ ابن عبّاس وعليّاً عليهما السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان)(2)، وقد مرّت هذه المسألة في أجزاء هذه الموسوعة في فقه ابن عبّاس رضي الله عنه.
وورد ذكر ابن عبّاس في كتب العلاّمة الحلّي رحمه الله غير الفقهية في موارد كثيرة خصوصاً في كتابه (منهاج الكرامة)، فقد ذكره عشرّات المرّات مستشهداً برواياته في فضل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام نقلاً عن مصادر العامّة، لغرض إلزامهم بما رووه هم في كتبهم،
وهذا الكتاب هو الذي أثار حفيظة ابن تيمية فكتب ردّاً عليه (منهاج السُنّة)، وتطاول فيه بلغة بذيئة ودفعاً بالصدر، ولم يفلح فيما أراد، فلقد قال ابن حجر في (الدرر الكامنة): (ويروى أنّه لمّا حجّ -- العلاّمة -- اجتمع بابن تيمية في المسجد الحرام فتذاكرا، فأعجب ابن تيمية كلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ قال: الذي تسمّيه ابن المنجّس -- يريد بذلك التعريض بابن تيمية حيث سمّاه في (منهاج السُنّة) بابن المنجّس -- فحصل بينهما أنس ومباسطة)(1).
كما يروى أنّ ابن تيمية لمّا كتب (منهاج السُنّة) ردّاً على كتاب (منهاج الكرامة)، ووصل إليه الكتاب كتب إليه أبياتاً أوّلها:
لو كنت تعلم كلّ ما علم الورى *** طراً لصرت صديق كلّ العالم
لكن جهلت فقلت إنّ جميع من *** يهوى خلاف هواي ليس بعالم(2)
وكذلك في كثرة آثار ابن عبّاس رضي الله عنه في كتاب (نهج الحقّ وكشف الصدق)، الذي ردّ عليه ابن روزبهان، على نحو ردّ ابن تيمية في الافتراء والدفع بالصدر، وردّ عليه المرحوم الحجّة الشيخ المظفر بكتابه (دلائل الصدق).
وحسبنا هذا في أثر ابن عبّاس في كتب العلاّمة الفقهية والكلامية، ونختمه بما قاله العلاّمة في كتابه (خلاصة الأقوال في الرجال)، حيث ذكره في حرف العين، في أوّل المسمين عبد الله من القسم الأوّل في الممدوحين، فقال: (عبد الله بن العبّاس من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن
يخفى، وقد ذكر فيه الكشّي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالى عنه).
بقي علينا التنبيه على تعدّد ما ذكره العلاّمة الحلّي في كتابه من عدم حجّية قول ابن عبّاس في كتابه (تذكرة الفقهاء).
فقال: (وقول عمر وابن عبّاس ليس بحجّة)(1)، في مسألة ائتمام المسافر بالمقيم يصلّي أربعاً.
وقال فيما يخرج من البحر: (لقول ابن عبّاس: ليس في العنبر شيء إنّما هو شيء ألقاه البحر، وليس بحجّة)(2).
وقال في مسألة قضاء الصوم عن الميت: (لأنّ لابن عبّاس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، أو عليه صوم رمضان؟ قال: أما رمضان فليطعم عنه، وأمّا النذر فيصام عنه. وقول ابن عبّاس ليس حجّة)(3).
وقال في صوم عاشوراء: (وروي عن ابن عبّاس انه التاسع من المحرّم. وليس بمعتمد)(4).
وقال في مسألة الصوم في الاعتكاف: (ولقول ابن عبّاس: ليس على معتكف صوم... وقول ابن عبّاس لا يكون حجّة)(5).
وقال: (وقالت العامّة: يجبره بدم، ويُحرم من موضعه، لما رواه ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (من ترك منسكاً فعليه دم))(1).
وقال: (وقال مالك: يجب الدم مطلقاً، وبه قال أحمد وزفر وابن المبارك، لقول ابن عبّاس: من ترك نسكاً فعليه دم. ونمنع كون قوله حجّة أو العموم)(2).
ونحو هذا ما يدلّ على السلبية فيما حكاه عن ابن عبّاس من أقوال رواها العامّة، فهي على المحكّ مرفوضة عند العلاّمة الحلّي رحمه الله، ولكنّه حكى في بعض الموارد قول ابن عبّاس ممّا اعتمده، بل فرّع عليه، كما في خبر مبيت ابن عبّاس عند خالته ميمونة، قال: (بت عند خالتي ميمونة، فقام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يصلّي، فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه فحوّلني عن يمينه...)، ثمّ قال العلاّمة الحلّي: (وفي حديث ابن عبّاس عدّة فوائد:
أ -- وقوف الواحد عن يمين الإمام.
ب -- صحّة صلاته لو وقف على يساره.
ج -- لا يلزمه سجدة السهو.
د -- استحباب التحوّل إلى اليمين لو وقف على اليسار.
ه- -- إذا لم يتحوّل لم يقّره الإمام وحوّله.
و -- أن يؤخّره بيمينه دون يساره.
ر- أن يديره من خلفه.
ح -- صلاة النفل يحرم فيها الكلام، لأنّه لم يكلّمه.
ونحن نمنع الجماعة في النفل، فإن صحّت رواية ابن عبّاس فيها حملناها على التمرين، أنّه صبيّ، لا أنّها صلاة شرعية، وتكون الفائدة تعليمه موقف الإمام في الفرض.
ط -- عدم البطلان بالفعل اليسير.
ي -- أنّ الصبيّ له موقف في الصف كالبالغ، لأنّ ابن عبّاس كان صبياً.
إذا ثبت هذا، فإذا وقف على يساره ولم يكن على يمينه أحد لم يفعل السُنّة، وصحّت صلاته إجماعاً -- إلاّ أحمد فإنّه أبطل صلاته إن صلّى ركعة كاملة -- لأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لم يأمر ابن عبّاس باستئناف الصلاة.
ولأنّه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخر آخر، فكان موقفاً، وإن لم يكن آخر كاليمين، ولأنّ أحد جانبي الإمام، فأشبه اليمين، احتجّ أحمد بأنّ النبيّ عليه السلام أدار ابن عبّاس، ولا يدلّ على الزجر، وكذا إن وقف متأخّراً)(1).
أقول: وأوضح من هذا اقتداء بفعل ابن عبّاس، ما ذكره في صلاة الاستسقاء في أواخر مسألة (526)، قال: (وينبغي أن يجلس بحيث يصيبه أوّل المطر، لأنّ ابن عبّاس كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ قال: لقول الله سبحانه وتعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً(2)، فأحبّ أن تصيب البركة فراشي ورحلي)(3).
هذا هو العَلَم النيقد، صاحب كتاب (منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان)، وهو من خيرة المصادر في التحقيق والتعليق، وهو صاحب كتاب (مقدّمة المعالم في أُصول الدين وملاذ المجتهدين)، وغير ذلك ممّا صنّف، ولكن مع الأسف لم يتم جملة منها، كما هو مذكور في ترجمته في المصادر المعنية.
ويعتبر هو نُقلة بين عهدين كابن إدريس في جرأته العلمية وشجاعته الأدبية، كما هو ظاهر من مقدّمته الجليلة لكتابه (منتقى الجمان...)، حيث قال في أوّلها: (أمّا بعد، فهذا الكتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، أجمعنا على أن نورد فيه -- بتوفيق الله تعالى -- ما تبيّن لنا انتظامه في سلك الاتّصاف بأحد الوصفين في الجملة(1)من الأخبار المتضمّنة للأحكام الشرعية المتداولة في الكتب الفقهية التي اشتملت عليها الكتب الأربعة المختصّة بين المتأخّرين من علمائنا بزيادة الاعتناء، لما رأوا لها من المزيّة، بحيث استأثرت الآن من بين كتب حديث ]أهل البيت عليهم السلام[على كثرتها بالوجود والمعلومية، وهي: الكافي للشيخ الجليل أبي جعفر محمّد بن
1) - إشارة إلى ما سنذكره من أنّ في الأخبار ما هو صحح عند جماعة من الأصحاب، وليس بصحيح عندنا (منه رحمه الله).
يعقوب الكليني، وكتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي، وتهذيب الأحكام والاستبصار للشيخ السعيد أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي(رضي الله عنهم).
والذي حدانا على ذلك ما رأيناه من تلاشي أمر الحديث، حتّى فشا فيه الغلط والتصحيف، وكثر في خلاله التغيير والتحريف... ولقد كانت حاله مع السلف الأوّلين على طرف النقيض ممّا هو فيه مع الخلف الآخرين... وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه، ولا تعرّضٍ للتمييز بين سليم الإسناد وسقيمه، اعتماداً منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه، وتعويلاً على الإمارات الملحِقة لمنحّط الرتبة بما فوقه، كما أشار إليه الشيخ -- رحمه الله -- في فهرسته، حيث قال: (إنّ كثيراً من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأُصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وكتبهم معتمدة).
وقال المرتضى -- رضي الله عنه -- في جواب المسائل التبانيات المتعلّقة بأخبار الآحاد: (إنّ أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحّتها، إمّا بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة، أو بإمارة وعلامة دلّت على صحّتها...).
وغير خاف أنّه لم يبق لنا سبيل إلى الاطّلاع على الجهات التي عرفوا منها ما ذكروا، حيث حظوا بالعين وأصبح حظّنا الأثر، وفازوا بالعيان، وعوضنا عنه بالخبر، فلا جرم انسدّ عنّا باب الاعتماد على ما كانت لهم أبوابه مشرعة... ولو لم يكن إلاّ انقطاع طريق الرواية عنّا من غير جهة الإجازة التي هي أدنى مراتبها، لكفى بها سبباً لإباء الدراية على طالبها)(1).
1) - منتقى الجمان 1/1 -- 3.
وبعد هذه المقدّمة من المؤلّف، فلنبحث عن أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في نتاجه على المحكّ، فلم يرد له ما يذكر إلاّ ما ذكره في كتابه (التحرير الطاووسي) في أوّل باب العين برقم (213)، قال(1): (عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام والموالاة والنصرة له والذب عنه، والخصام في رضاه، والموازرة ممّا لا شبهة فيه، وقد كان يعتمد ذلك مع من يجب اعتماده بعده على ما نطق به لسان السيرة.
وقد روى صاحب الكتاب -- الكشّي في رجاله -- أخباراً شاذّة ضعيفة تقتضي قدحاً أو جرحاً، ومثل الحبر رضي الله عنه موضع أن يحسده الناس، وينافسوه، ويقولوا فيه ويباهتوه.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله *** فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسدا وبغيا انه لذميم
ولو اعتبر العاقل حال الناس كافة، رأى أنّه ليس أحد منهم خالياً من متعرّض به، أو قائل فيه، إمّا مباهتا أو غير مباهت، ومعلوم أنّ ذلك غير جار على قانون الصحّة ونمط السداد، إذ فيهم من لا شبهة في نزاهته وبراءته.
وما زلت أستصفي لك الودّ أبتغي *** محاسنه حتّى كأنّي مجرم
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي *** سلمتِ وهل حيّ من الناس يسلم
ولو شكّ العاقل في كلّ شيء لما شكّ في حال نفسه عند قول باطل يقال فيه، وبهت يبهت به لا أصل له. ولي كلام شاهد بأنّ السلامة من التعرّض بعيدة، لأنّ الرفيع بمظنّة حسد المتوسط له ومن دونه، فيقولان فيه،
1) - الكلام للسيّد ابن طاووس بتحرير الشيخ حسن المذكور أعلاه.
والمتوسط بمظنّة الحسد من الساقط فيقول فيه، والساقط بمنزلة قدح الرفيع والمتوسط حقّاً فيه، وأنا مورد ما رواه صاحب الكتاب في خلاف ما مدحته به، ومجيب عن ذلك، إن شاء الله تعالى)(1).
ثمّ ذكر أخبار الكشّي وأجاب عنها ردّاً عليه، وسأذكرها في أدلّة الدفاع إن شاء الله تعالى.
ولمّا كان هذا كلام السيّد ابن طاووس ونحوه كلام العلاّمة الحلّي صار هو المتداول في كلام المتأخّرين، فلم أجد حاجة إلى عرض ما عندهم عليه، فليكن هذا -- صاحب المعالم -- آخر من أذكره من أصحاب التراث الشيعي، وأثر ابن عبّاس في آثارهم على المحكّ، ولسوف يبقى ذكر بعضهم عند الحاجة إلى ذكره في مقدّمة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام)، كالشيخ المجلسي، وأبيه، والبهائي، وأبيه، وغيرهم.
1) - التحرير الطاووسي: 312.
بادئ ذي بدء أود أن يعلم القارئ الكريم أنّ أثر ابن عبّاس في التراث السُنّي أكثر منه في التراث الشيعي، وأنّه تجاذبت آراءه وأحاديثه مصادر التفسير والحديث والتاريخ والأدب، كلّ ما وسعه جمعاً، وقد مرّت بنا شواهد في الحلقة الثالثة التي ضمّت رسائل من العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ، وكلّها من التراث الإسلامي السنّي، والآن إطلالة عابرة على لون آخر من ذلك التراث، وهو لون أكثر وضوحاً وأوسع شمولاً، لنتبيّن مدى تأثيره في ثقافة أصحاب الموروث المقدّس، ممّن كتبوا الصحاح والسنن والمسانيد، لإزالة الصدأ عن مفاهيم متوارثة عن ابن عبّاس رضي الله عنه، وتصحيح بعض المواقف المتشنجة حسب منظور أصحابها، فما دام الماضي بعدُ يحتل أفقاً واسعاً من الثقافة الإسلامية، يبقى أثر ابن عبّاس في أوائل الرعيل الأوّل من الصحابة الذين حملوا التراث وحفظوه وبلّغوه إلى مَن بعدهم، وساعده القدر على انتشار ذكره، وجود العبّاسيين من ولده الذين حكموا المسلمين طويلاً، وكان فيمن عاصرهم من حملة التراث نخبة من الأعلام الذين تبوؤا مقاعد الصدارة، فتوهّجوا بمباركة من الحاكم المعاصر لهم أو نقمة منه عليهم، فأثارت التعاطف معهم، وبالتالي صاروا أصحاب المذاهب المتبعة، وهم أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وصار أكثر المسلمين من أتباعهم يرون فيهم وحدهم أنّهم الذين يملكون الحقيقة كاملة، وإن لم يأتوا بجديد، وهذا من بعض آثار الجمود الفكري، الذي
يرفض العقل، ويقدّس النقل، لاعتقادهم بصحّة موروث التراث بفضل سدانة أولئك الحفّاظ الأئمّة الأمناء على ودائع الحديث، فلا يقبلوا فيهم بأي شكل من الأشكال أيّ نقد أو معارضة، أو نقاش، ولمّا كانت آثار ابن عبّاس رضي الله عنه مبثوثة في كتب أولئك النُخب المنتخبة، فلا بدّ لنا من المرور عليها، لنرى ماذا رووا؟ وماذا رأوا؟ وماذا كانت حصيلة ذكر ابن عبّاس من ذلك الكم الهائل؟
ولنبدأ بذكر أهمّ الرموز الذين لا تزال آثارهم تتلى بتقديس، ويأخذ منها بتسييس، وإن عراها ما عراها من التسويس، وسيكون التعريف بهم من مصادر أتباعهم غلواً أو تقصيراً.
والحديث عنه كثير المسالك في كتب الموالك، أمثال (ترتيب المدارك)، و(الديباج المذّهّب)، و(تزيين الممالك)، و(الانتقاء)، و(شجرة النور الزكية)، و(إضاءة الحوالك)، وفي شروح الموطّأ للزرقاني، والسيوطي، والباجي، وما فيها من المناقبية أكثر من الموضوعية، لأنّ كلّ مؤلّف حاول جهده أن يذكر مالك كما يجب أن يكون في نظره، مستشهداً بخبر أو أخبار كما يروق له، حتّى استعان بعضهم بالرؤى والأحلام! وهي على ما بها من تفاوت وربّما تناقض، تبقى عند أصحابها كحقائق ثابتة، وإن طغت عليها العاطفة، فهو على المحكّ فيما نقرأه عنه.
وخير ما قرأت عنه -- حديثاً -- ما كتبه الشيخان الأزهريان: أبو زهرة، والخولي، والحقّ يقال أنّ الثاني منهما أقرب إلى الدراسة المحرّرة، فكان أوعى وأفطن، وكتابه بأجزائه الثلاثة أتقن وأحسن، ومع ذلك فكتابه لا يخلو من تلطيف بعض النصوص عند عرضها، وتلك سجيّته المتّزنة الهادئة في كتابه (مالك بن أنس).
ونحن إذا أردنا أن نعرف هذا الإنسان -- مالك -- لا بدّ أن نقرأ تاريخه من البداية حتّى النهاية، لنتعرّف فيه أثر الوراثة والتربية، فإنّهما من عوامل تكوين الشخصية، فلنقرأ عنه ما اقتبسته من المصادر الآنفة الذكر، ولو في سطور قد تطول لمقامه المشهور، وهي منقولة من كتابي (حديث الثقلين والإجهاز عليه)، لأنّه كان المدوّن الرسمي للسُنّة، الذي شارك الحاكمين
في طمس الحقائق.
1- لقد قالوا في نسبه: هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي من حلفاء بني تيم بن مرّة، كما كان هو يحبّ أن يقال فيه ذلك، لكن خصومه قالوا: هو من مواليهم، كما عن ابن إسحاق الذي كان يقول: إنّ مالكاً وأباه وجدّه وأعمامه موالي لبني تيم بن مرّة، وهذه المقولة جرحت شعور مالك، وهذه قالها الزهري وهو من شيوخ مالك، فلمّا بلغته، غضب وقال: ليته لم يرو عنه شيئاً، وقال: سمعت من ابن شهاب -- هو الزهري -- أحاديث كثيرة، ما حدّثت بها قطّ، ولا أحدّث بها(1).
ومن هنا نعرف مدى الأمانة عنده حين لا يحدّث بما سمعه من الزهري، وكلمته تلكم تهدم صرحاً ممرّداً بناه له المالكيون، فحاول بعضهم الشكّ في صحّة نسبتها، لكن نحن لا نشكّ في صحّة نسبتها إليه، لأنّ قوله هذا ورد في صحيح البخاري في أوائل كتاب الصيام في باب (هل يقال رمضان أو شهر رمضان)، وهم قالوا في صحيح البخاري: هو أصحّ كتاب بعد كتاب الله؟! وقد ولّدت عنده دعوى الولاء عقدة الشعور بالنقص، أبان عنها في مواقفه من ابن إسحاق ومن الزهري اللذين هما مصدر الإشاعة.
2- وقالوا عن حمله: أنّ أُمّه حملت به سنتين، أو أكثر من سنتين، أو ثلاث، وغلا بعضهم فقال: أربع سنين! نزل بعدها الغلام قد أثغر واستوت أسنانه، وما قطع له سرار!!
وعقّب الشيخ أمين الخولي في كتابه (مالك بن أنس) بقوله: (وقد
1) - الديباج المذهب 1/83 و112.
عرض الفقهاء لبيان أطول مدّة الحمل، وعدّوا سنين يختلفون فيها، ولعلّ كلمة العلم لا تؤيدهم... والكلمة للعلم أوّلاً وآخراً)(1).
أمّا الشيخ محمّد أبو زهرة، فقال في كتابه (مالك): (ويظهر أنّ أساس هذا الخبر -- حمله ثلاث سنين -- هو ما رواه الواقدي، فقد قال: (سمعت مالك ابن أنس يقول: قد يكون الحمل ثلاث سنين، وقد حُمل ببعض الناس ثلاث سنين، يعني نفسه)، فكانت هذه الرواية مادّة للذين يريدون أن يقرنوا حياة الإمام بالعجائب والغرائب، لبيان أنّه صنف من الناس ممتاز، اقترنت مميزاته بمولده، إذ أنّه حمل به ثلاث سنين، على حين يحمل بكلّ مولود تسعة أشهر...
فإنّ من الحقّ علينا أن نرفضها وأن نقرر أنّ أُمّه حملت به كسائر الأُمّهات، وليس في ذلك غض من مقامه، ولا نقص من إمامته، ولا نقض لأمر مقر ثابت في التاريخ...)(2)اه-
أقول: أمّا نحن فلا نخوض في شأنه هذا، وليحمد الله الموالك وأُمّه، إذ لم يعضّها بأسنانه! إذ قالوا: الغلام قد أثغر، بما ليس لهم فيه مفخر.
3- وقالوا عن نشأته، فيما هو يحدّثنا، قال: (نشأت وأنا غلام حدث أتّبع المغنّين وآخذ عنهم، فقالت أُمّي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه، فإنّه لا يضرّ معه قبح الوجه، فتركت المغنّين واتّبعت الفقهاء، فبلغ الله عزّ وجلّ فيّ ما ترى)(3).
4- وقالوا عن صفته: إنّه أبيض، أشقر، أزرق، أعين، لم ير أحسن منه صورة، ولم يُر بياض قطّ، ولا حمرة أحسن من وجه مالك(1). وهذا من أكذب الغلوّ، لمنافاته لمّا مرّ وذكروا أنّ أباه سأله وأخاه، فأجاب الأخ وسكت مالك، فقال أبوه: ألهتك الحَمام.
5- وقالوا عن طلبه العلم مع قلّة ذات يده: كان يسكن بيت كرىً مجدّاً في طلب العلم، وإذا احتاج نقض سقف بيته وباع خشبه ولم يترك طلب العلم(2). وفيه أيضاً: كانت له ابنة تبكي جوعاً فيأمر جاريته بأن تحرّك الرحى لئلا يسمع الجيران بكاء ابنته.
6- وقالوا عن يساره: مالت عليه الدنيا -- كما قال تلميذه ابن القاسم وهو غير متّهم عليه -- فكان له من الرياش والمعاش ما لا يخلو من مبالغة، كقولهم: أنّه خلف خمسمائة زوج نعل، ومائة عمامة، فضلاً عن سواها، وكان وكان... في مطعمه، وملبسه، ومراكبه، وجواريه... وتصاعدت حمّى الغلوّ، حتّى قالوا: روى عن تسعمائة شيخ...
7- وقالوا عن سلوكه مع الحاكمين: كان مع السلطان، يفتي له ويأخذ جوائزه، حتّى قال الغزالي: وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمّة(3)...
إلى آخر ما هناك من صحائف أخباره على المحكّ، وأشنع ما فيها، ما قاله الشيخ أبو زهرة في كتابه (مالك): (فجملة أخباره لا تنبئ عن أنّه كان
يميل إلى عليّ رضي الله عنه، بل أنّه يصرّح بأنّه لم يكن في منزلة أبي بكر وعمر وعثمان، من حيث الحكم الصالح والرشد، فإنّ هؤلاء الثلاثة في منزلة دونها سائر الحكام، وعليّ رضي الله عنه كأكثر الصحابة لا يعلو عليهم في نظره... أنّه يجعل عليّاً رضي الله عنه في سائر الصحابة، فلا يمتاز عنهم بشيء... وهو في هذا القول يضرب على نغمة معاوية والأمويين)(1).
وقال الخولي في كتابه: (لأنّ الأزورار عن عليّ آية عثمانية أمويّة واضحة)(2).
وذكر ابن عبد البرّ في كتابه (جامع بيان العلم)(3)أسماء جماعة تكلّموا في مالك.
وعدّه ابن حجر في كتابه (طبقات المدلّسين) منهم، لأنّه يروي عن ثور ابن يزيد حديث عكرمة ولا يذكر عكرمة لأنّه كان صفرياً من الخوارج.
وبهذا نختم تعريف القارئ بالإمام مالك إمام المالكية.
وهلم إلى كتابه (الموطأ) لمعرفة أثر ابن عبّاس فيه. فقد قال المناقبيون: ما على وجه الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك... وقالوا، وقالوا.. وتنازعوا وصف الصحّة بينه وبين كتاب (الجامع الصحيح) للبخاري، وتزايدوا في الكرامات لكلّ من الكتابين، حتّى قالوا، وقالوا... غير أنّ مالك قال عن كتابه: (إنّما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فكلّما وافق الكتاب
والسُنّة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسُنّة فاتركوه)(1).
وقال: (ولقد أخرجت منّي أحاديث لوددت أنّي ضربت بكلّ حديث منها سوطاً ولم أحدّث بها، وإن كنت أفزع الناس من السياط)(2)وقد أشار ابن عبد البرّ -- وهو مالكي -- إلى جملة منها:
1- تركه الراوية عن سعد بن إبراهيم، وعن عكرمة، ولكن روى عنه بتدليس...
2- روايته عن داود بن الحصين، وثور بن زيد...
3- إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر.
4- كلامه في عليّ وعثمان...
5- فتياه بإتيان النساء في الأعجاز.
6- قعوده عن صلاة الجماعة في المسجد.
7- وأهمّها مخالفته لما رواه في كتابه عن عمر: قرأ سجدة على المنبر في يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، فقال مالك: ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد.
8- مخالفته لما رواه في تحريم الرضاع.
فقد ذكر في (الموطأ)، فقد روى عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أنّها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس
معلومات، فتوفي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن، قال مالك: وليس على هذا العمل(1).
9- حديث (البيّعان بالخيار).
فقد ذكره في (الموطأ)، قال مالك: وليس لهذا عندنا حدّ معروف، ولا أمر معمول به فيه، وتركه العمل بهذا الحديث أثار عليه غضب ابن أبي ذئب، فقامت قيامته، فأفتى يستتاب -- مالك -- وإلاّ ضربت عنقه(2).
10- عدم رواية مالك عن عليّ وابن عبّاس في كتابه (الموطأ)، هكذا مستندين إلى ما رواه القاضي عياض في (ترتيب المدارك)(3)، في حديث جاء فيه: قال أسامة بن زيد: لمّا قدم أبو جعفر، دخلنا مسلّمين عليه، وأخذنا مجالسنا، فبينا نحن كذلك، إذ دخل مالك، فقال له أبو جعفر: إلى ها هنا يا أبا عبد الله، ولو تركتم قول عليّ وابن عبّاس، وأخذتم بقول ابن عمر، قال: لأنّه آخر من مات من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال المنصور: والله يا أبا عبد الله ما بقي على الأرض أعلم منّي ومنك، خذ بقول ابن عمر ودعني ممّا سواه.
وهذا الخبر مهلهل الجوانب، من عدّة جهات:
1- لم يترك مالك قول عليّ وابن عبّاس في كتابه، بل ذكر عنهما كما سيجيئ هذا.
2- لم يكن ابن عمر آخر الصحابة موتاً، فإنّه مات سنة ( 72ه-، أو 74ه-)، وكان في الأحياء من الصحابة خلق كثير، بل قالوا: إنّ آخر الصحابة موتاً هو
أبو الطفيل عامر بن واثلة الذي توفي سنة (100ه-، أو سنة 102ه-)، كما في (الإصابة) في ترجمته.
3- لم يكن المنصور ولا مالك أعلم من بقي على الأرض يومئذ كما زعم المنصور، بل في المدينة من هو أعلم منهما، وهو الذي قال أبو حنيفة فيه: أعلم الناس أعلمهم بأقوالهم -- وهو جعفر بن محمّد عليه السلام -- .
وقد ذكر السيوطي في مقدّمة (تنوير الحوالك)، نقلاً عن الخطيب: قال الرشيد لمالك: لم نر في كتابك ذكراً لعليّ وابن عبّاس، فقال: لم يكونا ببلدي، ولم أَلق رجالهما(1). وهذا كسابقه في تفاهة العذر! مع أنّ مالك لم يخل كتابه (الموطأ) من ذكرهما بالمرّة، بل ذكرهما بأقلّ ممّا ذكر ابن عمر.
فقد ذكر عليّاً عليه السلام في (الموطأ) في (الضحية عمّا في بطن المرأة وذكر أيّام الأضحى): عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّه قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى، قال مالك: وبلغني عن عليّ بن أبي طالب مثل قول عبد الله هذا(2). اه-
وهذا هو الأزورار الذي سمّاه الخولي عند مالك عن عليّ عليه السلام، فقد قدم ذكر ابن عمر عليه في هذا المقام، وهذا ينبئ عمّا في صدره من حسيكة الشنئان، ممّا يدلّ على النفاق.
أمّا ما ذكره عن ابن عبّاس، فقد ورد ذكره في سبعة موارد من (الموطأ) برواية ابن زياد، خمسة منها مسندة، واثنان بلاغ، بينما عن ابن عمر ستّة وعشرون موضعاً، ومن راجع (الموطأ) برواية يحيى يجد أكثر من هذا.
لقد أسهب مترجموه في الحديث عنه، فذكروه مدحاً وقدحاً.
فقالوا عنه: كان أصله فارسياً، مولى لموالي الزبير بن العوام القرشي، وأُمّه مولاة لبني نصر بن معاوية، وكان بصرياً، وكان ممّن روى عنه الواقدي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم كثير.
وقالوا عن حفظه أيضاً كثيراً، وعنه قوله: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وفي صدري اثنا عشر ألف حديث لعثمان البري، ما سألني عنها أحد من أهل البصرة، فخرجت إلى أصبهان فبثثتها فيهم(1).
وقال: حدّثت بأصبهان أحد وأربعين ألف حديث ابتداءً من غير أن أسأل(2).
قال أبو مسعود: كتبوا إليَّ من أصبهان أنّ أبا داود أخطأ في تسعمائة، أو قالوا ألف، فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: يحتمل لأبي داود؟!
ويبدو أنّ أحمد بن حنبل كان بحكم روايته عنه، يحاول تبرير خطأ أُستاذه.
ومهما يكن، فهذا الرجل هو أوّل من صنّف في المسانيد كما في (كشف الظنون)، وطبع مسنده بحيدر أباد الدكن سنة1321ه- بعناية
مصححيه، وقد بذلوا جهداً ملحوظاً، وذكر مسند ابن عبّاس في آخر الكتاب من صفحة (339) برقم (2599) إلى صفحة (361) رقم (2767)، فكانت أحاديثه (232) حديثاً مرفوعاً وموقوفاً، موزّعة على أسماء الرواة كلاًّ حسب روايته، أوّلهم طاووس، ثمّ جابر بن زيد، ثمّ سعيد بن جبير، ثمّ مجاهد، والشعبي، وسعيد بن المسيّب، وأبو العالية الرياحي، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، ومحمّد بن سيرين، وعكرمة، ويوسف بن مهران، وأبي حسّان الأعرج، وأبي الطفيل، ومقسم، وعبد الله ابن شدّاد، وكريب أبي مسلم، وعمّار بن أبي عمّار، وأبو نضرة، وأبي الجوزاء، ويحيى بن عبيد البهراني، وعبيد الله بن عبد الله، وعبد الله بن شقيق، وأبو البختري، وعمرو بن حرملة، وصالح مولى التوأمة، وأبو غطفان، وشعبة مولى ابن عبّاس، وشهر بن حوشب، وأبو سعيد مولى ابن عبّاس، وأبو صالح، وعبد العزيز العبدي، والحكم بن سيناء، وابن أبي مليكة، وسعيد بن شقي، والتميمي، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وموسى بن سلمة، وأبو الحكم السلمي، وميمون بن مهران، وأبو حمزة القصّاب واسمه عمران ابن أبي عطاء الرشدي، وأبو جمرة نصر بن عمران، وعمرو بن ميمون، ويحيى بن الجزار، ورجل من بني تميم، وسعيد وعبد الله بن أبي يزيد، وأبو رجاء العطاردي، والمطّلب، وعبد الرحمن بن وعلة، وصهيب، ومسلم القري، وأبو مجلز، وسعيد بن الحويرث، والحسن العرني.
وذكر في مسند عمر سؤال ابن عبّاس منه عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: نعم، حفصة وعائشة.. وساق له الحديث بطوله.
كما ذكر عن ابن عبّاس قول عمر لمّا طُعن: وددت أنّي نجوت منها
كفافاً لا عليَّ ولا لي.
وذكر عن ابن عبّاس قوله على منبر البصرة، فقال: يا أيّها الناس! إنّ عمر بن الخطّاب قام فينا فقال: يا أيّها الناس! ألا إنّ الرجم من حدود الله، فلا تخدعنّ عنه، فإنّه في كتاب الله وسُنّة نبيّكم صلي الله عليه وآله وسلم، وقد رجم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورجم أبو بكر، ورجمتُ.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قام فينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بموعظة، فقال: (يا أيّها الناس! إنّكم محشورون إلى الله عزّ وجلّ حفاة عراة غرلاً كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ...(1)الآية، وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا وأنّه يجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّك لاتدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ...(2)إلى آخر الآية، فيقال لي: إنّ هؤلاء لم يزالوا بعدك مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)(3).
وفي أخبار عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (يخرج من قبل المشرق قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين -- أو قال الإسلام -- كما يمرق السهم من الرمية)(4).
وفي أخبار يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: لمّا توفي عثمان بن مظعون، قالت امرأته: هنيئاً لك يابن مظعون الجنّة، قال فنظر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
إليها نظرة غضبان، قالت: يا رسول الله! فارسك وصاحبك! قال: (ما أدري ما يفعل به)، فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وكان يعد من خيارهم، حتّى توفيت رقيّة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون)، قال: وبكت النساء على رقيّة، فجعل عمر ينهاهنّ أو يضربهنّ، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (مه يا عمر!) قال، ثمّ قال: (إياكنّ ونعيق الشيطان، فإنّه مهما يكون من العين والقلب فمن الرحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان)، قال: وجعلت فاطمةرضي الله عنها تبكي على شفير قبر رقيّة، فجعل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يمسح الدموع عن وجهها باليد، أو قال: بالثوب(1).
وفي خبر أبي الطفيل، عن ابن عبّاسرضي الله عنهم، قال: قلت لابن عبّاس: يزعم قومك أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم طاف على بعير بالبيت، وأنّ ذلك سُنّة؟ قال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وكذبوا؟ قال: صدقوا طاف على بعير وليس بسُنّة، إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان لا يصرف الناس عنه ولا يدفع، فطاف على بعير كي يُسمع كلامه ولا تناله أيديهم. قلت: يزعمون أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد رمل بالبيت، وأنّ ذلك سُنّة؟ قال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وكذبوا؟ قال: صدقوا قد رمل، وكذبوا ليست بسُنّة، إنّ قريشاً قالت: دعوا محمّداً وأصحابه حتّى يموتوا موت النغف، فلمّا صالحوا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم على أن يجيئ في العام القابل فيقيموا بمكّة ثلاثة أيّام، فقدم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأصحابه، والمشركون من قبل قيقعان، قال لأصحابه: أرملوا وليس بسُنّة. قلت: يزعم قومك أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد سعى بين الصفا والمروة، فإنّ ذلك
1) - مسند أبي داود: 351 رقم 2694
سُنّة، قال: صدقوا إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا أري المناسك عرض له شيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم، ثمّ انطلق به جبريل عليه السلام حتّى أتى به منى، فقال: مناخ الناس هذا، ثمّ انتهى إلى جمرة العقبة، فعرض له شيطان فرماه بسبع حصيات حتّى ذهب به إلى الجمرة الوسطى، فعرض له شيطان فرماه بسبع حصيات حتّى ذهب، ثمّ أتى الجمرة القصوى، فعرض له شيطان فرماه بسبع حصيات حتّى ذهب، ثمّ أتى به جُمعاً، فقال: هذا المشعر الحرام، ثمّ أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، قال ابن عبّاس: أتدري لم سُميت عرفة؟ قال: لا، قال: لأنّ جبريل قال له أعرفت؟ قال ابن عبّاس: أتدري كيف كان التلبية؟ قال: إنّ إبراهيم لمّا أُمر أن يؤذّن في الناس بالحجّ، أمرت الجبال فخفضت رؤوسها ورفعت له القرى فأذّن في الناس بالحجّ(1).
وفي خبر عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: خطبنا ابن عبّاس بالبصرة، فلم يزل يخطب حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، فطفق رجل من بني تميم يقول: الصلاة الصلاة، فقال له ابن عبّاس: لا أُمّ لك، أنت تعلّمني السُنّة، فقد جمع بنا رسول الله بين الصلاتين بين المغرب والعشاء. وقال ابن شقيق: فلم يزل في نفسي من ذلك، حتّى لقيت أبا هريرة، فسألته فصدّقه(2).
وفي خبر أبي حمزة القصّاب، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنّه يأكل، ثمّ بعث إليه، فقال: إنّه يأكل، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا أشبع الله بطنه)(3).
وفي خبر أبي جمرة نصر بن عمران، عن ابن عبّاس، قال: تمتعت
-- يعني بالحجّ -- فسألت ابن عبّاس؟ فأمرني بها، فلمّا نمت رأيت في منامي كأنّ قائلاً يقول: حجّ مبرور وعمرة متقبلة، فأتيت ابن عبّاس فذكرت ذلك له، فقال: سُنّة أبي القاسم صلي الله عليه وآله وسلم وربّ الكعبة، فقال: أقم عندي واجعل لك سهماً في مالي، قال: فأقمت، فكنت أترجم بينه وبين الناس، وكان يقعدني معه على السرير(1).
وفي خبر عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لعليّ: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي)(2).
وأيضاً عنه عن ابن عبّاس، قال: أوّل من صلّى مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعد خديجة عليّ(3).
وفي خبر الحسن العرني، عن ابن عبّاس، قال: قدمنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أغيلمة بني عبد المطّلب على حمرات من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: (أي بَنيَ لا ترموا الجمرة حتّى تطلع الشمس)(4).
وهذا هو آخر حديث في (مسند أبي داود الطيالسي)، ولنجعله نحن كذلك، ونعيد النظر فيما تقدّم من أخبار عن ابن عبّاس ونعرضها على المحكّ، سنجد حسن انتقاء أبي داود لها، وترتيبها حسب أسماء رواتها، فكان من المنهجية الصائبة، لم يسبق إليها، ومع الأسف إذ لم يتّبعها تلميذه
أحمد بن حنبل، ولو اقتفى أثره لأفاد كثيراً، ووفّر وقتاً كبيراً على الباحثين، إذ أحاديث كلّ واحدٍ من الرواة عن ابن عبّاس مجموعة في مكان واحد، فيرجع إليها، ويوازن بينها لمعرفة قيم الرواة، ومكانتهم لدى ابن عبّاس من خلال معرفة أحاديثهم، وكشف رجال الأسانيد عنهم. لهذا تميّز أبو داود الطيالسي على غيره.
وإنّ الخبرين في آخر كتابه عن عمر بن ميمون هما جزء من حديث واحد، وهو خبر تسعة رهط الذين أتوا إلى ابن عبّاس وسألوه أن يخليهم، فقام معهم، ثمّ عاد وهو يقول: أفّ وتفّ، وقعوا في رجل له عشر خصال، وقد أخرجه بطوله أحمد بن حنبل وغيره، وشرحته في رسالة (الحدائق النضرة في مناقب الإمام عليه السلام العشرة)، التي ستأتي في آخر الموسوعة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام).
وفيما يلي سطور نتعرّف فيها على شيء من ترجمة هذا الإمام اقتبسناها من كتاب (المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد) للحافظ شمس الدين الجزري (ت833ه-) وغيره:
ولد أحمد ببغداد سنة (164ه-)، وقيل: ولد بمرو، وجيء به من مرو إلى بغداد وهو رضيع، قال الإمام أحمد: لم أر جدّي ولا أبي. نشأ ببغداد، وعُرف فضله وهو غلام في الكتّاب، فسمع من هشيم، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وعبّاد بن عبّاد، وهذه الطبقة، وسمع بالعراق والحجاز والشام واليمن، وروى عنه البخاري، وروى عن واحد عنه في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وعبد الله وأخوه صالح ابناه، وخلق كثير آخرهم أبو القاسم البغوي.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبا زرعة يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت على الأبواب. وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر أو حادي عشر ربيع الأوّل سنة (241ه-) وله سبع وسبعون سنة... وشيّعه أُمم لا يحصيهم إلاّ الله تعالى، حزروا بثماني مائة ألف نفس، والله تعالى أعلم.
قال قتيبة: أحمد بن حنبل إمام الدنيا، وقال إسحاق: أحمد حجّة بين الله وبين خلقه -- وتضاعفت لهجة الغلوّ -- عند أصحاب بشر بن الحرث حين ضُرب أحمد في المحنة: فقالوا يا أبا نصر لو أنّك خرجت فقلتَ: إنّي على
قول أحمد بن حنبل، فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء (؟)، ولم يرض أهل خراسان بهذا، بل كانوا يرون أحمد بن حنبل أنّه لا يشبه البشر، يظنونّ أنّه من الملائكة! وازدادت المزايدات، فقال واحد: نظرة من أحمد تعدل عبادة سنة.
وهناك مزايدات أخرى في الكرامات نحو إبرائه المقعدة بدعائه، وسلام الخضر عليه بتبليغ بعض أصحابه، وقوله: إنّ ساكن السماء على عرشه راض عنك، والملائكة راضون عنك.. إلى غير هذا ممّا لا نطيل المقام بذكره، ولا التعقيب عليه بذكر ما تناوله به خصومه من التجريح.
ولكن لننظر إلى أثر ابن عبّاس في آثاره التي وصلت إلينا، أهمّها (المسند)، والذي أطراه هو بنفسه، فقال: (هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفاً، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلاّ فليس بحجّة)، وللعلماء حول كلمته هذه تشريق وتغريب، ونقد ورد، وتوجيه وتنبيه، حفاظاً على مكانة بقية الصحاح خصوصاً صحيح البخاري الذي فيه أحاديث لم ترد في المسند، كحديث أُمّ زرع، ورواية فضل آية الكرسي برواية أبي هريرة عن الشيطان، وغيرها ممّا أربك محامو الدفاع عنه، فقالوا: إنّ الإمام أحمد شرع في جمع المسند، فكتبه في أوراق مفردة، وفرّقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسوّدة، ثمّ خشي المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه، فألحق به عبد الله ابنه ما يشاكله، فسمع القطيعي من كتبه من تلك النسخة على ما ظفر به منها، فوقع الاختلاط بين المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديماً.
قال الذهبي تعقيباً على قول الإمام أحمد الآنف الذكر: (هذا القول منه على غالب الأمر، وإلاّ فلنا أحاديث قوّية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند، وقدّر الله تعالى أنّ الإمام قطع الرواية قبل تهذيب المسند، وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فتجد في الكتاب أشياء مكرّرة، ودخول مسند في مسند، وسند في سند وهو نادر).
لكن الحافظ الجزري صاحب كتاب (المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد) -- الذي اعتمدناه في نقل ما مرّ -- ما زال على رأيه في مغالاته ومقالاته -- بالرغم من كلّ ما قيل ويقال في المسند -- فقال: (أخبرني بجميع هذا المسند المبارك -- وهو كتاب لم يرو على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه...).
وبقيت جوانب أخرى في (المسند) مادحة وقادحة، وفي تحقيقها إطالة غير صالحة، ما دمنا بصدد معرفة أثر ابن عبّاس في آثار أحمد، وأهمّها كتابه (المسند)، وقد خصّ ابن عبّاس رضي الله عنه بجزء من سنده فيه، وقد حصلت على صورة قطعة من مسند ابن عبّاس من نسخة قديمة عليها إبلاغ بالقراءة والسماع من القرن السابع والثامن فما بعدهما، وهي في خطّها أقدم من ذلك، ولكثرة العناية بها، كثرت صفحات الإبلاغ بالقراءة والسماع، فقد بلغت سبع صفحات مملوءة بالبلاغ سماعاً وقراءة، وجلّ الشيوخ من الحنابلة، وهي لا تساوي من المطبوع إلاّ القليل، فأحاديث ابن عبّاس في (المسند) المطبوع بتحقيق أحمد محمّد شاكر بلغت ألف وسبعمائة وعشرة أحاديث من ج3/252 إلى ج5/183، وفيها كثير ممّا يستدعي الوقوف عنده على المحكّ. وروماً للاختصار سأذكر بعض ما ذكره المرحوم الحجّة
الشيخ شير محمّد الجورقاني الهمداني في كتابه (سند الخصام فيما انتخب من مسند الإمام أحمد بن حنبل)، مع ترك المكرّر منه، ومع عدم ذكر الإسناد، لأنّها -- الأحاديث -- صحيحة الإسناد، كما قال أحمد محمّد شاكر:
1- إنّ ابن عبّاس كان يتوضأ مرّة مرّة، ويسند ذلك إلى رسول الله(1).
2- كتب نجدة الحروري إلى ابن عبّاس يسأله عن قتل الصبيان؟ وعن الخمس لمن هو؟ وعن الصبي متى ينقطع اليتم؟ وعن النساء هل كان يخرج بهنّ أو يحضرنَ القتال؟ وعن العبد هل له في المغنم نصيب؟ قال: فكتب إليه ابن عبّاس:
أمّا الصبيان، فإن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم؟
وأمّا الخمس، فكنّا نقول: إنّه لنا، فزعم قوم أنّه ليس لنا.
وأمّا النساء، فقد كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يخرج معه بالنساء فيداوين المرضى، ويقمن على الجرحى، ولا يحضرن القتال.
وأمّا الصبي، فينقطع عنه اليتم إذا احتلم.
وأمّا العبد، فليس له من المغنم نصيب، ولكنّه قد كان يرضخ لهم(2).
3- عن ابن عبّاس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
1) - سند الخصام 1/219 رقم 258.
2) - الرضخ: هو العطية، سند الخصام 1/223، وورد في ص 207 بأخصر منه، وفيه السؤال عن سهم ذوي القربى لمن تراه؟ قال -- ابن عبّاس --: هو لنا لقربى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قسمه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لهم، وقد كان عمر عرض علينا منه شيئاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله، وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.
على ميمونة بنت الحارث... فجيء بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأنا عن يمينه وخالد عن شماله، فقال لي: (الشربة لك وإن شئت آثرت بها خالداً؟) فقلت: ما كنت لأؤثر بسؤرك عليَّ أحداً، فقال: (من أطعمه الله طعاماً، فليقل: اللّهمّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللّهمّ بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنّه ليس شيء يجزء مكان الطعام والشراب غير اللبن)(1).
4- عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع: (يا أيّها الناس! أيّ يوم هذا؟) قالوا: هذا يوم حرام، قال: (أيّ بلد هذا؟) قالوا: بلد حرام، قال: (فأيّ شهر هذا؟) قالوا: شهر حرام، قال: (إنّ أموالكم ودمائكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)، ثمّ أعادها مراراً، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: (اللّهمّ هل بلّغت؟) مراراً.
يقول ابن عبّاس: والله إنّها لوصية إلى ربّه عزّ وجلّ، ثمّ قال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(2).
5- عن ابن عبّاس، قال: قام فينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بموعظة، فقال: (إنّكم محشورون إلى الله تعالى حفاةً عراة غرلاً، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(3)، فأوّل الخلائق يكسى إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.. قال: ثمّ يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال -- قال ابن جعفر أحد شيوخ أحمد:
وأنّه سيجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال -- فأقول: يا ربّ! أصحابي.. قال: فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم مذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ _ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)(2).
6- عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يعوّذ حسناً وحسيناً يقول: (أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة)، وكان يقول: (كان إبراهيم أبي يعوّذ بها إسماعيل وإسحاق)(3).
7- عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس، قال: رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه أو يتتبع فيها شيئاً، قال: فقلت: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: (دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم)، قال عمّار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل ذلك اليوم(4).
8- عن أبي الطفيل، قال: رأيت معاوية يطوف بالبيت عن يساره عبد الله بن عبّاس، وأنا أتلوهما في ظهورهما أسمع كلامهما، فطفق معاوية يستلم ركن الحجر، فقال له ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لم يستلم هذين الركنين، فيقول معاوية: دعني عنك يابن عبّاس فإنّه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن
عبّاس لا يزيد -- كلّما وضع يده على شيء من الركنين قال له ذلك(1).
9- عن ابن أبي مليكة، قال: قال عروة لابن عبّاس: حتّى متّى تضلّ الناس يابن عبّاس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟! قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحجّ، وقد نهى أبو بكر وعمر، فقال ابن عبّاس: قد فعلها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال عروة: كانا هما أتبع لرسول الله وأعلم به منك(2).
10- عن ابن عبّاس، قال: لمّا حضرت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الوفاة، قال: (هلّم أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، فقال عمر: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، قال: فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: يكتب لكم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أو قال: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف، وغمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (قوموا عنّي)، فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(3)
أقول: لقد مرّ حديث الرزية في الجزء الأوّل من الموسوعة باستيعاب، فراجع.
.1) - سند الخصام 1/236.
2) - سند الخصام 1/242.
3) - سند الخصام 1/274، وفي ص277بتفاوت يسير، وفي ص258 عن ابن عبّاس، قال: لمّا حضر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (أتوني بكتف أكتب لكم فيه كتاباً لا يختلف منكم رجلان بعدي)، قال: فأقبل القوم في لغطهم، فقالت المرأة: ويحكم عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. وفي ص281 عن سعيد ابن جبير، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ نظرت إلى دموعه على خديه تحدر كأنّها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أتوني باللوح والدواة أو الكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً)، فقالوا: رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يهجر.
11- عن ابن عبّاس، في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ(1)، قال: تشاورت قريش ليلة بمكّة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأتبعوه بالوثاق، يريدون النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله عزّ وجلّ نبيّه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تلك الليلة، وخرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حتّى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّاً يحسبونه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه، فلمّا رأوا عليّاً ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلمّا بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمرّوا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال(2).
12- عن ابن عبّاس، قال: أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعد خديجة عليّ، وقال مرّة: أسلم(3).
13- عن ابن عبّاس، قال: إنّ الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعُزى ومنات الثالثة الأخرى ونائلة وأساف، لو قد رأينا محمّداً، لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتّى دخلت على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس رجل منهم إلاّ عرف نصيبه من دمك.
فقال: يا بنيّة أريد وضوءاً فتوضأ، ثمّ دخل عليهم المسجد، فلمّا رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضّوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصراً، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتّى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: (شاهت الوجوه)، ثمّ حصبهم بها، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلاّ قتل يوم بدر كافراً(1).
14- عن كريب: إنّ أُمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس، ثمّ ذكر الهلال، فقال: متى رأيتموه؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(2).
15- قال أبو نضرة: كان ابن عبّاس على هذا المنبر يقول: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يتعوّذ دبر كلّ صلاة من أربع: يقول: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب النار، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتن، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من فتنة الأعور الكذّاب)(3).
16- عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة
رهط، فقالوا: يا أبا عبّاس! إمّا أن تقوم معنا، وأمّا أن يخلونا هؤلاء؟ قال: فقال ابن عبّاس: بل أقوم أنا معكم -- قال وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى -- قال: فانتدوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أفّ وتفّ، وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً، يحبّ الله ورسوله)، قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: (أين عليّ؟) قالوا: هو في الرحى يطحن، قال: (وما كان أحدكم ليطحن؟) قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينه، ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إياه، فجاء بصفية بنت حيي.
قال: ثمّ بعث فلاناً بسورة التوبة، فبعث عليّاً خلفه فأخذها منه، قال: (لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه)، قال: وقال لبني عمّه: (أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟) قال: وعليّ جالس، فأبوا، فقال عليّ: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، قال: (أنت وليي في الدنيا والآخرة) قال: فتركه، ثمّ أقبل على رجل -- رجل -- منهم، فقال: (أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟)، فأبوا، قال: فقال عليّ: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: (أنت وليي في الدنيا والآخرة).
قال: وكان أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة.
قال: وأخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن وحسين، فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1).
1) - سورة الأحزاب/33.
قال: وشرى عليّ نفسه، لبس ثوب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فجاء أبو بكر وعليّ نائم -- قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله -- قال: فقال: يا نبيّ الله! قال: فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار.
قال: وجعل عليّ يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبيّ الله وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له عليّ: أخرج معك، قال: فقال له نبيّ الله: لا، فبكى عليّ، فقال له: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي).
قال: وقال له رسول الله: (أنت وليي في كلّ مؤمن بعدي).
وقال: (سدّوا أبواب المسجد غير باب عليّ)، فقال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه، ليس له طريق غيره.
قال: وقال: (من كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ).
قال: وأخبرنا الله عزّ وجلّ في القرآن أنه قد رضي عنهم -- عن أصحاب الشجرة -- فعلم ما في قلوبهم، هل حدّثنا أنّه سخط عليهم بعد؟ قال: وقال نبيّ الله لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: (أو كنت فاعلاً؟ وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم)(1).
1) - سند الخصام 1/275 -- 277، وما ورد فيه من ذكر المناقب العشرة أفردتها بالشرح والتوثيق في رسالة سمّيتها: (الحدائق النظرة في مناقب الإمام عليه السلام العشرة)، أسأله التوفيق لإتمامها ونشرها.
أقول: بهذا الحديث نكتفي من المختار من أحاديث مسند ابن عبّاس رضي الله عنه برواية الإمام أحمد في مسنده، وجميعها تبرزه على المحكّ بأنّه من خيرة الصحابة الذين كانوا يوالون من والى الله تعالى، ويعادون من عادى الله تعالى.
وله في كتاب أحمد في (فضائل الصحابة) ذكر حسن، فقد ذكر عنه عدّة أحاديث في فضل أهل البيت عليهم السلام:
ففي فضل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ذكر حديث الغدير، كما في صفحة ( 70) برقم (82)، وصفحة (86) برقم (113). وحديث: (إنّ عليّاً أوّل من أسلم) في صفحة (90) برقم (122). ونزول قوله تعالى: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ(1)في الفاسق الوليد بن عقبة، قال لعليّ عليه السلام: ألست أبسط منك لساناً، وأحدّ منك سناناً، وأملأ منك حشوا، فأنزل الله تعالى الآية. وفي صفحة (147) برقم (216) عن ابن عبّاس، قال: بعثني النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: (أنت سيّد في الدنيا، سيّد في الآخرة، من أحبّك فقد أحبّني، وحبيبك حبيب الله، وعدوّك عدو الله، الويل لمن أبغضك بعدي).. إلى غير هذا.
ولقد وردت آثار ابن عبّاس رضي الله عنه في مسائل أحمد على اختلاف رواتها، بدءاَ من ابنه صالح، ثمّ ابنه عبد الله، ثمّ رواية أبي داود السجستاني، ثمّ رواية إسحاق بن راهويه، وفيها الكثير من الموارد عن ابن عبّاس، وكذلك في (الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد) تحقيق سيّد كسروي حسن،
1) - سورة السجدة/18.
الطبعة الأولى سنة 1415ه-، دار الكتب العلمية بيروت، نذكر آحاداً منها كشواهد على مدى أثر ابن عبّاس في تراث أحمد بن حنبل:
1- في كتاب (مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح)(1):
252- قال: وسألته عن حديث ابن عبّاس: إيّاكم والغلو، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ، قال: أبي: لا تغلوّ في شيء من الحبّ والبغض.
571- حدّثنا صالح، قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن رجل، عن ابن عبّاس، قال: التقيّة باللسان، ليس باليد...
603- ...عن مجاهد، قال: هاجت ريح على عهد عبد الله بن عبّاس، فسبّها الناس، فقال ابن عبّاس: لا تسبّوها فإنّها تجيء بالعذاب والرحمة، ولكن قولوا: اللّهمّ اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذاباً، اللّهمّ لا تجعل الريح علينا عذاباً.
2- (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله)(2):
14 صلي الله عليه وآله وسلم- سألت أبي عن الرجل يتيمم أيؤم أصحابه؟ قال: لا بأس به، ثمّ قال: يروى عن ابن عبّاس أنّه أَمّ وهو متيمم وخلفه عمّار بن ياسر، قال أبي: وأنا أذهب إلى فعل ابن عبّاس بعمّار.
231- قال سألت أبي عن الرجل يصلّي وفي ثوبه الدم؟ فقال: إن كان فاحشاً أعاد، قال سمعت أبي يقول: وأنا أذهب إلى قول ابن عبّاس، قال أبي:
إذا فحش عند الرجل أعاد.
272- ...قيل لأبي: الرجل يقرأ فاتحة الكتاب وهو في الصلاة، فإذا فرغ افتتح سورة أخرى، يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: نعم، ولا يجهر بها، لأنّ ابن عمر قرأها مرّتين ابتدأ الحمد وسورة، وعدّها ابن عبّاس آية.
417- سألت أبي عن الجمع بين الصلاتين في السفر... وقد روي عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر.
963- سمعت أبي يقول: ليس لليهود ولا للنصارى أن يحدّثوا في مصر مصّره المسلمون بيعة، ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس، إلاّ ما كان لهم صلح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين على حديث ابن عبّاس: إنّما مصر مصّره المسلمون.
3- (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني)(1):
687- ...قال أحمد: وكان ابن عبّاس يختار المتعة من أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أصحابه بالإحلال.
690- ...حدّثنا أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، قلت له: من أين كان ابن عبّاس يأخذ أنّه من طاف بالبيت فقد حلّ؟ قال: من قول الله: ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ(2)، ومن أمر رسول صلي الله عليه وآله وسلم أصحابه أن يحلّوا في حجّة الوداع، سمعت أحمد، قال: والمتعة آخر الأمر من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
2071- سمعت أحمد، قال: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: كلّ شيء رواه ابن سيرين، عن ابن عبّاس فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيّام المختار.
4- (الوقوف والترجّل من مسائل الإمام أحمد)(1):
185- سُئل أبو عبد الله عن حجّ الأقلف؟ فقال: ابن عبّاس كان يشدّد في أمره، روي عنه: أنّه لا حجّ ولا صلاة له، قيل له: فما تقول؟ قال: يختتن ثمّ يحج. صفحة (147)، وتكرّر هذا سبع مرّات آخرها برقم (199) في صفحة (150): أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا أبي، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (إنّكم لا قوا الله مشاة حفاة غرلاً)، قال أبو عبد الرحمن: وسمعت أبي يقول: غرلاً، قال: الأقلف.
وفي بقية كتب أحمد ك-(الأشربة)، و(الزهد)، وغيرهما، وله آثار مروية تثبت على المحكّ، تنبئ عن حسن حال، وإن لم تخل مرويات تلك المصادر المذكورة جميعاً من دخيل ليس بقليل.
1) - الوقوف والترجّل من مسائل الإمام أحمد، تح سيّد كسروي حسن، ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1415ه-.
هو أبو محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي، أحد أعلام المحدّثين والمفسّرين، وله فيهما تأليف وهو صاحب (السنن)، وتسمّى ب-(المسند) أيضاً.
روى عنه البخاري في غير جامعه، ومسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي خارج سننه: ولمّا نعي إلى البخاري استرجع، وأنشد:
إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم *** وفناء نفسك لا أبالك أفجع
وأثنى عليه أعلام المحدّثين: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي إمام أهل زمانه. وقال أبو سعيد الأشج: عبد الله بن عبد الرحمن إمامنا. وقال بندار: حفّاظ الدنيا أربعة، أبو زرعة بالريّ، ومسلم بن الحجّاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمّد بن إسماعيل ببخارى.. إلى غير هذا من جمل الثناء والإطراء، ولا تخلو من نحو غلوّ.
اشتهر بكتابه (السنن)، وقد سمّي ب-(المسند)، ولم يكن على ترتيب المسانيد، قال ابن حجر: (إنّه ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضمّ إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة، فإنّه أمثل عنه بكثير).
وذكر المغلطائي في أنّه ينبغي أن يجعل (مسند الدارمي) سادساً للخمسة بدل ابن ماجة، فإنّه قليل الرجال الضعفاء، وليس فيه الأحاديث
المنكرة والشاذّة، وإن كان فيه أحاديث مرسلة موقوفة، فهو مع ذلك أولى من (سنن ابن ماجة).. إلى غير هذا.
أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في (سنن الدارمي):
لقد أخرج الدارمي عنه كثيراً، قلّ باب في كتابه ليس لابن عبّاس فيه ذكر، ولقد جاوزت (250) مورداً، إلاّ أنّها ليست كلّها من المقبول، بل فيها من كثير الغثاء المرذول.
وأوّل أخباره: ما ذكره في الجزء الأوّل:
قال: (أخبرنا مجاهد بن موسى، ثنا معن بن عيسى، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عبّاس أنّه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمّد بن عبد الله يولد بمكّة، ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام...)(1).
(على المحكّ):
هذا الخبر حسبنا في تكذيبه ما مرّ في الجزء السادس من الموسوعة(2)، وتكذيب أخذ ابن عبّاس من كعب الأحبار؛ فراجع، ثمّ هو يستبطن كذبه، حيث ذكر الشام دار ملك النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فمتى كان له ملك؟! ومتى كان هو ملكاً؟! والخبر لخدمة الأمويين، وفي رواته معاوية بن صالح، وهو الحضرمي الحمصي، الذي كان يحيى القطّان لا يرضاه، وإذا حدّث ابن
مهدي بحديثه زبره يحيى بن سعيد، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وعن ابن معين: ليس بمرضيّ، وقال أبو إسحاق والفزاري: ما كان بأهل أن يروى عنه(1)، وهذا يروي الخبر عن أبي فروة، وهو يزيد بن سنان الرهاوي، قال فيه النسائي: متروك، وفي التهذيب، قال: حديثه ليس بشيء، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه(2). فهذا أنموذج من المرذول.
والذي فيه من المقبول: ما رواه الدارمي بسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: دخلت على ابن عبّاس فقلت: أوصني، فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتّبع ولا تبتدع(3).
وما رواه بسنده عن ابن عبّاس، قال: معلّم الخير يستغفر له كلّ شيء حتّى الحوت في البحر(4).
وما رواه عن ابن عبّاس، قال: ما سلك رجل طريقاً يبتغي فيه العلم إلاّ سهّل الله لديه طريقاً إلى الجنّة، ومن يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه(5).
وما رواه عن ابن عبّاس، قال: إنّما يحفظ الرجل على قدر نيّته.
وما رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: لو رفقت بابن عبّاس لأصبت منه علماً كثيراً(6).
وما رواه عن طاووس، قال: جاء بشير بن كعب إلى ابن عبّاس فجعل يحدّثه، فقال ابن عبّاس: أعد عليَّ الحديث الأوّل، قال له بشير: ما أدري عرفت حديثي كلّه وأنكرت هذا؟ أو عرفت هذا وأنكرت حديثي كلّه؟ فقال ابن عبّاس: إنّا كنّا نحدّث عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه(1).
وما رواه عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: كنّا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتّى ركبتم الصعب والذلول(2).
وما رواه عن ابن عبّاس، قال: أما تخافون أن تعذّبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقال فلان(3)؟!
(على المحكّ):
هذه جملة صالحة من أقوال ابن عبّاس في طلب العلم وكرامة الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والترغيب فيه، ولمّا كانت أخبار الترغيب والترهيب يتسامح في حال رجال الأسانيد لها، لكن الذي لا يتسامح فيه التغيير في ألفاظها بما يشينها ويسيء فهمها، وهذا ما حدث في آخر خبر مرّ عن ابن عبّاس، فإنّه كان ينكر على الذين تركوا في المتعة قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وبعض الأحكام وأخذوا بأقوال آخرين على خلاف قوله صلي الله عليه وآله وسلم، وهذا هو الذي استنكره ابن عبّاس، وقد مرّت الإشارة إليه في الجزء الخامس من
الموسوعة(1)في الردّ على عروة بن الزبير، وقول ابن عبّاس: ما تقول يا عريّة؟ قال: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ويقولون: قال أبو بكر وعمر...
فلماذا غيّر الدارمي في قول ابن عبّاس؟!! إنّها بلية الموروث المقدّس في المجتمع، وعامل الحبّ والبغض يطغى حتّى يكاد يودي بصاحبه إلى الهلكة.
كما روى الدارمي(2)خبر عائشة فيه صلاة أبي بكر، وفيه الكذب على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفيه كتمان عائشة اسم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لأنّها لا تطيب لها نفس بذكره، كما في رواية البخاري وغيره، نقلاً عن ابن عبّاس، لكن الدارمي روى الخبر بتحريف وتخريف!
فقال: أخبرنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، ثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله، قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقالت: بلى، ثقل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (ضعوا ماءاً في المخضب)، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء فأغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: (ضعوا لي ماءاً في المخضب)، ففعلنا، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول
الله إلى أبي بكر أن يصلّي بالناس، قالت: فأتاه الرسول، فقال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يأمرك بأن تصلّي بالناس، فقال أبو بكر -- وكان رجلاً رقيقاً -- يا عمر! صلّي بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك، قالت: فصلّى بهم أبو بكر تلك الأيّام، ثمّ إنّ رسول الله وجد من نفسه خفّة فخرج بين رجلين -- أحدهما العبّاس -- لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلّي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أن لا تتأخّر، وقال لهما: (أجلساني إلى جنبه)، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قالت: فجعل أبو بكر يصلّي وهو قائم بصلاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر والنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عبّاس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدّثتني عائشة عن مرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: هات، فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئاً غير أنّه قال: أسمّت لك الرجل الذي كان مع العبّاس؟ قلت: لا، قال: هو عليّ بن أبي طالب.
وهذا الخبر (على المحكّ):
يظهر زيف التحريف، والتزييف الذي عراه من الدارمي أو من رواته! لأنّ من يراجع (مصنّف عبد الرزاق) يجد الخبر برواية الزهري، قال: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ عائشة أخبرته، قالت: أوّل ما اشتكى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بيت ميمونة، فأُستاذن أزواجه أن يمّرض في بيتي، فأذن له، قالت: فخرج ويد له على الفضل بن عبّاس ويد أخرى على رجل آخر، وهو يخطّ برجليه في الأرض، قال عبيد الله: فحدّثت به ابن عبّاس، فقال: أتدري من الرجل الذي لم تسّم عائشة؟ هو عليّ بن أبي طالب، ولكن
عائشة لا تطيب لها نفساً بخير(1). وقال المحقّق: أخرجه الإسماعيلي من طريق (المصنّف)، كما في (الفتح 1/107).
وهذا أخرجه أحمد في مسند عائشة(2)، وفيه:... فقال ابن عبّاس: أتدري من ذلك الرجل؟ هو عليّ بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً...
وأخرجه مرّة ثانية(3)بدون ذكر: (ولكن عائشة لا تطيب لها نفساً).
وبدون هذه الجملة، تجد الخبر قد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الهبة (14) باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها(4)، بدون الجملة في آخره، وسيأتي ذكره عند ذكره، وهو كذلك في المصادر التالية:
1- اللؤلؤ والمرجان فيما اتّفق عليه الشيخان 1/128.
2- المسند الجامع 19/128.
3- المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم 2/41 برقم (929 و930).
4- شرح السُنّة للبغوي، في باب مرضه ووفاته صلي الله عليه وآله وسلم 7/51.
5- صحيح مسلم 2/294، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عارض من مرض.
6- مستخرج أبي عوانة 2/112، ط دار المعرفة بيروت.
7- المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم 2/41، ط العلمية بيروت.
وغيرها، وستأتي بألفاظهم عند ذكرهم، فهم من رجالي على المحكّ.
ونعود إلى (سنن الدارمي) لمعرفة أثر ابن عبّاس فيها:
فقد جاء في آخر باب صفة صلاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خبر سعد بن هشام مع عائشة حول قيام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ليلاً، وقد أتى من قبل ابن عبّاس فسأله عن الوتر، فأحاله على عائشة، قال له: فاسألها ثمّ ارجع إليَّ فحدّثني بما حدّثتك، قال: فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أُمّ المؤمنين عائشة قال: إنّي لا آتيها، إنّي نهيت عن هاتين الشيعتين (؟) فأبت إلاّ مُضيّاً، قلت: أقسمت عليك لما انطلقت، فانطلقنا فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرء قتل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم... ثمّ سألها عن قيام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في الليل وعن الوتر، وهي تجيبه... قال: فأتيت ابن عبّاس فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إنّي لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهة، قال: فقلت: أما إنّي لو شعرت إنّك لا تدخل عليها لمّا حدّثتك(1).
فهذا الخبر كشف عن وجود فجوة خلاف وهجران بين ابن عبّاس وعائشة، وكذلك حكيم بن أفلح القائل: (ما أنا بقاربها، إنّي نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين(2)، فأبت فيهما إلاّ مُضيّا...).
1) - سنن الدارمي 1/346.
2) - لا يعزب عن رأي القارئ الكريم، إنّ المراد بلفظ الشيعتين، هم شيعة عليّ، وشيعة أصحاب الجمل، ففي التاريخ الكبير، للبخاري 8 الترجم (3174) يزيد بن بابنونس، قال البخاري كان من الشيعة الذي قاتلوا عليّاً، سمع عائشة، قاله مرحوم عن أبي عمران الجوني، فهذا شاهد على تسمية أتباع الطرفين بالشيعة.
وهذا الرجل من الصحابة، ذكره أبو نعيم في (معرفة الصحابة) وذكر الخبر، وكذلك كاندهلوي في (حياة الصحابة)، وقبلهما أحمد في مسنده، وذكره ابن كثير في (أسد الغابة)، وهذا الخبر ينبئ عن تشنّج المواقف بين ابن عبّاس وعائشة، وهذا طبيعي من بعد وقعة الجمل، أمّا الذي بين حكم وبينها فدلّ على أنّ الرجل ممّن نصحها فنهاها عن الخوض فيما لا ينبغي لها الخوض فيه، فأبت إلاّ مضياً كما قال، وحديثه أخرجه مسلم في صحيحه(1).
ومن آثار ابن عبّاس في آداب التعليم وفضل العلم وشدّة الفتيا، ما أخرجه الدارمي بسنده عن ميمون، عن ابن عبّاس، قال: سألته عن رجل أدركه رمضانان، فقال: أكان أو لم يكن، قال: لم يكن بعد، قال: اترك بلية حتّى تنزل، قال: فدلّسنا له رجلاً، فقال: قد كان، فقال: يطعم من الأوّل منهما ثلاثين مسكيناً لكلّ يوم مسكين(2).
وعن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عبّاس، قال: من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سُنّة من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عزّ وجلّ(3).
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: من أفتى بفتيا يعمى عليها، فأثمها عليه(4).
وفي هذه الأخبار ليس فيها على المحكّ من شائبة، إلاّ أنّ الذي فيه
شائبة ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد، ثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، قال: كان ابن عبّاس إذا سُئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أخبر به، فإنّ لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه.
وهذا الخبر يستبطن كذبه، أخذ ابن عبّاس عن أبي بكر وعمر عند إعواز النصوص من الكتاب والسُنّة، وقد مرّ في مصادر علمه بيان كذب هذا، فراجع تجد أقواله الفصيحة الصريحة بأنّ علمه من علم عليّ عليه السلام ابن عمّه، كما في حديث سعيد بن المسيّب، وقد مرّ مراراً وتكراراً.
وفي بعض المنقول عن ابن عبّاس موقوفاً عليه نجد، مروياً عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كما في وصيته لابنه علي بن عبد الله بن عبّاس.
وفي (سنن الدارمي) التي نحن نقرأ فيها: عن ابن عبّاس، قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتذاكرون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ أظلّتهم الملائكة بأجنحتها حتّى يخوضوا في حديث غيره، ومن سلك طريقاً يبتغي به العلم سهّل الله طريقه من الجنّة و]من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه[) فإنّ هذه الجملة الأخيرة هي من حكم أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة)(1)، ثمّ قال الرضي: وفي رواية أخرى: (من فاته حَسَبُ نفسه لم ينفعه حَسَبُ آبائه).
ومن مرويات الدارمي في سننه حديث الثقلين، الذي تظافرت الأُمّة على نقله، حتّى غدا متواتراً، وقد رواه بسنده عن زيد بن أرقم، ولمّا كان
1) - نهج البلاغة 3/156 شرح محمّد عبده، وكرّر ذكرها رقم 389 في ص247.
ابن عبّاس أحد رواة الحديث، كما سيأتي، وقد طالت يد الخيانة هذا الحديث في عصر الدارمي، فحرّفت جملة: (كتاب الله وعترتي)، إلى: (كتاب الله وسُنّتي)! وأوّل من رواها محرّفة هو مالك بن أنس المار ذكره قبل هذا، ويبدو أنّ الدارمي اختار رواية زيد بن أرقم بلفظها، لأنّها تستعصي على المخرّفين المحرّفين: قال زيد بن أرقم: قام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلميوماً خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (يا أيّها الناس، إنّما أنّا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيبه، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسّكوا بكتاب الله وخذوا به، فحثّ عليه ورغّب فيه)، ثمّ قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)، ثلاث مرّات(1).
والكلام حول حديث الثقلين من بدء رواته إلى مخرّجيه، وكيف كان دور مالك بن أنس في تحريفه لا يسع المجال ذكره هنا، وقد استقصيت -- فيما وسعني -- مراحل الانقضاض عليه بدءاً من مالك بن أنس، ومن أتى بعده في رسالة خاصّة، وكيف استُبدِلت كلمة: (وعترتي) إلى: (وسنتي)، ثمّ حذفها والاقتصار على ذكر الكتاب وحده، ثمّ ما جرى بعد من تحريف وتخريف، وتمويه وتشويه، وستأتي الإشارة إلى ذكر بعض من باء بإثم التغيير في التعبير والتفسير.
أمّا عن باقي آثار ابن عبّاس في (سنن الدارمي) فليس فيها ما يشين، وكلّما ورد من أقواله فهو في صالح أعماله.
1) - سنن الدارمي 2/431 -- 432، ط دمشق سنة 1349ه-.
اقتباس من مصادر موالية له:
فقد ترجمه أبو يعلى الحنبلي في (طبقات الحنابلة)(1)ترجمة مفصّلة في نحو من عشر صفحات في كتابه جاء فيها: (ولد يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة 194ه-)(2).
وجاء فيها: (ذهبت عيناه في صغره، فرأت أُمّه في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال لها: يا هذه! قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، ولكثرة دعائك، فأصبح وقد ردّ الله عليه بصره (؟))(3).
وجاء فيها: (إنّه كان يصلّي يوماً فلسعته الزنبور سبع عشرة مرّة، فلمّا قضى صلاته، قال: انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعاً ولم يقطع صلاته (؟))(4).
وجاء فيها: (إنّه إذا كانت أوّل ليلة من شهر رمضان يجمع إليه أصحابه فيصلّي بهم ويقرأ في كلّ ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم
القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كلّ ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار كلّ يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإفطار كلّ ليلة، يقول: عند كلّ ختمة دعوة مستجابة)(1).
وجاء فيها عنه: (قال: منذ ولدت ما اشتريت من أحد بدرهم شيئاً قط، ولا بعت من أحد بدرهم شيئاً، فسألوه عن شراء الحبر والكواغد؟ فقال: كنت آمر إنسانا يشتري لي)(2).
وجاء فيها: أنّه يروي عن الإمام أحمد بن حنبل ... وذكرت شواهد لذلك تدلّ على استفادته منه، وبالتالي تكون النتيجة أنّ الإمام البخاري من أتباع الإمام أحمد، فهو من الحنابلة لذلك أدخله أبو يعلى في (طبقات الحنابلة).
وليس من حقّنا ولا لغيرنا حقّ السؤال عن صحّة ما ذكره أبو يعلى من الكرامات له من الولادة حتّى الوفاة، بل الأهمّ معرفة تقييم الآخرين له من أصحاب الرجال والدراية، وأظهرهم شهرة هو الحافظ ابن حجر، وهذا قال في (تهذيب التهذيب): (عن محمّد بن يوسف الفربري، قال سمعت محمّد ابن إسماعيل -- يعني البخاري -- يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلاّ عند علي -- يعني ابن المديني -- وربّما كنت أغرب عليه -- يعني أوهمه في الحديث لأختبره.
قال حامد بن أحمد: ذكر لعلي بن المديني قول محمّد بن إسماعيل ... ما تصاغرت نفسي عند أحد إلاّ عند علي بن المديني، فقال: ذروا قوله ما
رأى مثل نفسه)(1).
وكلمة ابن المديني هذه تشير بوضوح إلى غرور البخاري وإعجابه بنفسه، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (المهلكات ثلاث: إعجاب المرء بنفسه، وشح مطاع، وهوى متّبع)(2).
واستمر ابن حجر وهو يحكي قول مسلمة في كتاب (الصلة)، فقال: (وألفّ علي بن المديني كتاب العلل وكان ضنيناً به، فغاب يوماً في بعض ضياعه، فجاء البخاري إلى بعض بنيه وراغبه في المال على أن يرى الكتاب يوماً واحداً، فأعطاه له، فدفعه إلى النسّاخ فكتبه له وردّه إليه، فلمّا حضر علي تكلّم بشيء فأجابه البخاري بنص كلامه مراراً، ففهم القضية واغتمّ لذلك، فلم يزل مغموماً حتّى مات بعد يسير، واستغنى البخاري عنه بذلك الكتاب وخرج إلى خراسان، ووضع كتابه الصحيح فعظم شأنه، وعلا ذكره، وهو أوّل من وضع في الإسلام كتاباً صحيحاً، فصار الناس له تبعاً بعد ذلك)، انتهى كلام مسلمة. ولم يشفع له آخره عمّا جاء في أوّله، فتعقّبه ابن حجر، قائلاً: (وأمّا القصّة التي حكاها فيما يتعلّق بالعلل لابن المديني فإنّها غنيّة عن الردّ لظهور فسادها، وحسبك أنّها بلا إسناد، وأنّ البخاري لمّا مات علي كان مقيماً ببلاده، وأنّ العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري، فلو كان ظنيناً بها لم يخرجها.. إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الأعلوقة، والله الموفق)(3).
أقول: ونحن أيضاً نقول: والله الموفق، لمن يقرأ فيصدّق أو لا يصدّق، ولا نتتبّع ما في كتاب (الصلة) لمسلمة، وإن شهد له ألف مسلم ومسلمة، فمقام البخاري لدى المحدّثين أعلا مقام، وجاز الغلوّ حتّى الهيام.
ولكن على عشّاق البخاري أن لا يستخفنّهم الحبّ إلى أن يكونوا مثل أبي عمرو الخفّاف في بذاءة الكلام، الذي قال: (من قال فيه -- يعني في البخاري -- شيئاً فعليه منّي ألف لعنة)، فإنّ ذلك حجر على الأفكار وحرية الكلام. ولا يغالوا مثل أبي العبّاس بن سعيد، الذي قال: (لو أنّ رجلاً كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب محمّد بن إسماعيل)(1).. إلى غير هذا من جمل الإطراء التي ذكرها ابن حجر الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي.
ومن محظوظية البخاري تجاذبته فرقتان ثنتان، فترجم في كتب الطبقات المذهبية، هما: الحنابلة، والشافعية.
أوّلاهما: ما قد مرّ نقلاً عن (طبقات الحنابلة) لابن أبي يعلى باقتضاب.
والآن إلى ما في (طبقات الشافعية) للسبكي، حيث وردت ترجمته في الجزء الثاني، وهي ترجمة وافية، تميّزت عن ترجمة أبي يعلى بإطراء من السبكي في أوّلها وشعر له في مدحه، قال فيه:
علا عن المدح حتّى ما يُزان به *** كأنّما المدح من مقداره يضع
له الكتاب الذي يتلو الكتاب هدى *** هذي السيادة طوداً ليس ينصدع(2)
إلى ثمانية أبيات، تشير من طرف خفي إلى وجود حاسدين له ولهم،
وإن كان لهم فيه حديث (فإنّ ذلك موضوع ومنقطع).
وفي ترجمته من المزايدات المناقبية ما جاز حدّ الإطراء والثناء، نحو قول جعفر بن محمّد القطّان: (سمعت محمّد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ أو أكثر، عن كلّ واحد منهم عشرة ألاف أو أكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكر إسناده (؟!))(1).
ونحو ما عن الفربري: (رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد البخاري، فقال: اقرأه منّي السلام).
ونحو قول أحمد بن نصر الخفّاف: (محمّد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئاً فمنّي عليه ألف لعنة (؟!))(2).
وذكر النبأ عن وفاته وما جرى له مع أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي، وما أصابه بسبب منافرته للبخاري، وذكر خبر كفنه ودفنه، قال: (فلمّا دفنّاه فاح من تراب قبره رائحة غالية فدام على ذلك أيّاماً، ثمّ علت سواريّ بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون، وأمّا التراب فإنّهم كانوا يرفعون عن القبر حتّى ظهر القبر ولم يكن يقدر على حفظ القبر بالحرّاس، وغُلبنا على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشباً مشبّكاً، ولم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر(3)، وأمّا ريح
الطيب، فإنّه تداوم أيّاماً كثيرة، حتّى تحدّث أهل البلدة، وتعجّبوا من ذلك... ثمّ ذكر الاستسقاء عند قبره والاستشفاء بصاحبه، إلى أن قال السبكي: وأمّا الجامع الصحيح وكونه ملجأ للمعضلات ومجرّباً لقضاء الحوائج فأمر مشهور... ثمّ ذكر نخب وفوائد ولطائف عن أبي عبد الله -- البخاري -- فذكر له أبيات من الشعر، منها بيت شعر فضّله على أشعار آخرين، منهم الطغرائي في بيت من لاميته العصماء، وهو قوله:
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا *** من قبله فتمنى فسحة الأجل
ثمّ ذكر فرع غريب يقع تفريعاً على القول بأنّه يصام عن الميت: في صحيح البخاري(1)، عن الحسن: أنّ من عليه صوم رمضان إذا مات فصام عنه ثلاثون رجلاً في يوم واحد أجزأه(2).. إلى غير هذا.
أقول: وثمّة أقوال في البخاري عن ابن عبّاس من دون سند.
فذكر في باب اغتسال الصائم جملة أقوال للصحابة من دون سند، منها (وقال ابن عبّاس: لا باس أن يتطعم القدر أو الشيء)(3).
وفي أوّل باب متى يقضى رمضان: (وقال ابن عبّاس: لا باس أن يفرّق، لقول الله تعالى: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(4))(5).
وفي باب إذا نوى بالنهار صوماً: (وقالت أُمّ الدرداء: كان أبو الدرداء
يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإنّي صائم، وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عبّاس، وحذيفة رضي الله عنهم)(1).. إلى غير هذا.
وإلى القارئ نموذجاً آخر من شواهد التناقض في مرويات البخاري عن ابن عبّاس:
فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، باب وفاة النبيّ: (حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة وابن عبّاس رضي الله عنه: أنّ النبيّ لبث بمكّة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشراً)(2)(؟).
وأخرج في باب هجرة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة: (...عن ابن عبّاس، قال: بعث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستّين)(3).
وفي حديث آخر في نفس الباب: (... عن ابن عبّاس، قال: مكث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستّين)(4)(؟).
فهل مع هذا الاختلاف يبقى صحيح البخاري أصحّ الكتب بعد كتاب الله؟! إنّها بلية الموروث المقدّس في سوق المزاد، حتّى جازت حدّ المزايدة، فقال صالح بن سيار: (سمعت نعيم بن حمّاد -- المحدّث المروزي -- يقول: محمّد بن إسماعيل فقيه هذه الأُمّة). وهذا إن صحّ فهو منتهى الغلوّ من نعيم.
وكيف نصدّق دعواه وخبر فتياه في نشر حرمة الرضاع، ممّا ذاع عنه
وشاع، وأخرجوه من بخارى بسببها، فيما ذكره السرخسي الحنفي في كتابه (المبسوط) في مكانين، قال في الأوّل: (ولو أرضع الصبّيان من بهيمة لم يكن ذلك رضاعاً، وكان بمنزلة طعام أكلوه من إناء واحد، ومحمّد بن إسماعيل صاحب الأخبار رحمه الله تعالى يقول: يثبت به حرمة الرضاع، فإنّه دخل بخارى في زمن الشيخ الإمام أبي حفص -- الكبير -- رحمه الله تعالى، وجعل يفتي، فقال له الشيخ رحمه الله تعالى: لا تفعل فلست هناك، فأبى أن يقبل نصحه، حتّى استفتي عن هذه المسألة: إذا أرضع صبيان بلبن شاة، فأفتى بثبوت الحرمة، فاجتمعوا وأخرجوه من بخارى بسبب هذه الفتوى)(1)، فكيف تكون حالة الأُمّة إذا كان هذا فقيهها؟!
وقبل الخوض في أثر ابن عبّاس في تراث البخاري، تجدر الإشارة إلى ما قيل في كتابه (الجامع الصحيح) من غلوّ ما فوقه علوّ:
ففي (تدريب الراوي) للسيوطي: (إنّ إسحاق بن راهويه قال لطلابه
-- ومنهم البخاري --: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سُنّة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال البخاري؛ فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح)(2). وبعد هذا فلا يستفز القارئ ما ذكر في نفس المصدر وبنفس الصفحة عن البخاري، قال: (رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وكأنّني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ عنه، فسألت بعض المعبرين؟ فقال: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح، قال: وألفّته في بضع عشر سنة) (؟).
فليس لنا أن نبحث عن الصحيح في السبب الباعث على التأليف، كما
أنّه ليس لنا أن نبحث عن صحّة قول الفربري -- وهو من تلاميذ البخاري وحدّث عنه -- بقوله: (ما وضعت في كتابي الصحيح إلاّ اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين)(1)(؟!).
ولا نبحث عن صحّة قوله الآخر: (أخرجت هذا الكتاب -- يعني الصحيح -- من زهاء ستمائة ألف حديث)، ولا عن قوله: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح)، ولا عن قوله: (كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكر إسناده)(2).. كلّ هذا ونحوه كثير نتركه للباحث القدير الخبير.
أمّا الذي علينا أن نتدبّره فعلاً، هو أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في تراث البخاري، وأهمّه كتابه (الجامع الصحيح)، ثمّ كتابه (الأدب المفرد)، ثمّ بقية تراثه، من أجل أن نتفكّر فيه بعد أن نؤمن بصحّته، ونحن إنّما ننقله كي نتعقّله، ولا نؤخذ ببهرجة الألقاب في المؤلّف والكتاب.
وأرجو للقارئ الكريم سعة صدر في أن يقرأ بتعقّل، منفتح غير منغلق على قداسة الموروث، كتاباً كان أو غيره، فسوف يجد أنّ ابن عبّاس هو إنسان من الناس، كما يجد البخاري ورواته هم أيضاً كذلك ناس من الناس، فإن طالتهم ألسنة النقد والتجريح بما هو الصحيح، وربّما معه غير
1) - رواه أبو يعلى في طبقات الحنابلة 1/274 والسبكي وابن حجر في طبقات الشافعية.
2) - راجع هذه الأقوال وغيرها طبقات الحنابلة 1/275 -- 276، وتهذيب التهذيب 9/49، وستجد أنّ الفربري يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمّد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يرويه عنه غيري، طبقات الحنابلة 1/274، كلّ هذا ونحوه من الأقوال فلندعه في غيابة الإهمال، فالإمام البخاري من الناس -- كلّ الناس -- يعروه النسيان والخطأ، ويغلبه الغرور ويعلوه الغلوّ.
الصحيح، فلا يفزع من ذلك، وله في سلوك طريق السلامة سلامة، وهو كما عن أبي جعفر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي)، ولمّا كانت النصوص التي رويت عن ابن عبّاس رضي الله عنه ورواها البخاري أو غيره من أئمّة الحديث في سوادها الأعظم إن لم تكن كلّها هي أخبار أحادية السند، رواها شخص أو شخصان، فلا نستطيع الجزم بأنّها هي هي بألفاظها كما قالها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ولمّا كان المتن هو الذي يعتمد عليه في ترتيب الأحكام، فلا بدّ إذاً من العرض على كتاب الله تعالى، ولا نخدع بما تعالت به الصروح العالية لبعض أئمّة الحديث، فهناك عوامل سياسية وبيئية تبني وتهدم، ولا نتباهى بكثرة عدد الرواية التي تجاذبتها المذاهب لأصحابها، فكان فلان يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح، كما قاله البخاري، وعن أحمد: أنّه كتب مسنده من سبعمائة ألف حديث (؟) فهذا هو الغلوّ والتغاير بين الأتباع، مضافاً إلى ما مرّت الإشارة إليه في ترجمة الإمام مالك، من تعاطف الحاكمين، وتبنّيهم له ولبعض الرجال الآخرين، حتّى رفعوا لهم الذكر العلي، فكان لهم المقام السُنّي(1)، ولمّا كنّا ذكرنا عن أحاديث ابن عبّاس في الجزء السادس من
1) - جاء في كتاب الإكمال في أسماء الرجال الملحق بمشكاة المصابيح بتحقيق الألباني 3/ 787 -- 788: قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدّث عن ربيعة بن عبد الرحمن وكنّا نستزيده عن حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم بذلك الطاق، فأتينا ربيعة فنبّهناه وقلنا: لأنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدّث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أنّ مثقالاً من دولة خير من جمل علم. (؟)
الموسوعة، وأنّها -- فيما قيل -- (1670)، منها (95) حديثاً متّفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم، ومنها ما انفرد البخاري بروايته (120) حديثاً، ومسلم ب-(49) حديثاً من أصل (1670)(1)، وفي (هدى الساري) لابن حجر: لابن عبّاس (217) حديثاً في البخاري(2).
وأنا لست مصدّقاً لما قيل ويقال في هذا المجال، وأنّه سمع ذلك كلّه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! بعد أن عرفت أنّ ابن عبّاس كان داعية لعليّ عليه السلام بكلّ ما أوتي من قوّة، وهو يرى ويروي أنّ عليّاً هو نفس رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم تنزيلاً بحكم آية المباهلة، فهو يروي عنه عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقد ذكرت هذا فيما سبق فلا حاجة إلى التكرار، والذي ينبغي في المقام الإشارة إليه ما أخرجه البخاري من أخبار عنه معلّقة، كالتي رواها في التفسير عن صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، فهي أخبار غير مقبولة سنداً، لأنّ ابن أبي طلحة لم يدرك ابن عبّاس، وقد بيّنت هذا فيما سبق بتفصيل، وأمّا بقية ما يثير علامات استفهام حول روايات البخاري عن ابن عبّاس، نحو:
1- رواية سعيد بن جبير، قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عبّاس فسألته عنها؟ فقال: نزلت هذه الآية: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ(3)، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء.
1) - جاء في كتاب (جناية البخاري، إنقاذ الدين من إمام المحدّثين) زكريا أوزون ص23، ط الأولى سنة 2004 رياض الريس للطباعة والنشر: أنّه روى حوالي 1660 حديثاً -- أثبتها البخاري ومسلم في صحيحهما، وهذا قول تعوزه الدقّة، والصحيح ما ذكر في المتن، كذلك لا يصحّ قول رشيد رضا في المنار: أنّه -- ابن عبّاس -- لم يسمع شيئاً لأنّه كان صغيراً يوم وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
2) - هدى الساري 2/247.
3) - سورة النساء/93.
أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة النساء آية (16) باب من يقتل مؤمنا متعمّداً فجزاؤه جهنّم(1).
بينما نجد البخاري أيضاً أخرج في صحيحه في كتاب التفسير في سورة البقرة آية (281) قوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللّهِ ثمّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ.
فقال البخاري: (حدّثنا قبيصة بن عقبة، حدّثنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: آخر آية نزلت على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم آية الربا)(2).
فكلتا الروايتين عن ابن عبّاس، وهو يقول: آخر آية نزلت، وآخر ما نزل، فأيّهما أصحّ؟!
2- أخرج في كتاب جزاء الصيد باب تزويج المحرم: (...عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو محرم)(3)(؟).
وهذا ما ردّه فقهاء الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة ولم يأخذوا به، وقالوا: لا يجوز للمحرم أن يعقد لنفسه ولا لغيره ما دام محرماً استناداً إلى أحاديث عن غير طريق ابن عبّاس.
3- ما أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب تعليم الصبيان القرآن: (... سعيد بن جبير... قال: وقال ابن عبّاس: توفي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم). و(سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: جمعت
المحكم في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل).
بينما الموجود في (التاريخ الكبير) للبخاري هذا وضدّه: (وهو ابن خمس عشرة)، وقد مرّ بنا في الجزء الأوّل من الموسوعة(1)في ذكر ولادته في الشعب حين كان بنو هاشم محصورين فيه قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون عمره عند وفاة النبيّ ثلاث عشرة سنة(2).
4- أخرج في كتاب الفتن، باب قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم سترون بعدي أموراً تنكرونها:
الحديث (2) من الباب: (حدّثنا مسدّد، عن عبد الوارث، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة الجاهلية))(3).
الحديث (3): (حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، حدّثني أبو رجاء العطاردي، قال: سمعت ابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية))(4).
فهذان الحديثان مع الإغماض عن سنديهما اللذين يتّفقان في الجعد إلى ابن عبّاس، فما بال المتن فيهما يختلف لفظاً؟! والاستثناء في الثاني في
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الأوّل/تحقيق في تاريخ زمان ومكان الولادة.
2) - قال الواقدي: لا خلاف عند أئمّتنا أنّه ولد في الشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وأنّه كان له عند موت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة، الإصابة 2/330، والاستيعاب في ترجمته.
3) - صحيح البخاري 9/47، ط بولاق.
4) - المصدر نفسه.
غير محلّه، وحاشا نبيّ الأُمّة أفصح من نطق بالضاد أن يقول هكذا!
5- روى البخاري حديث الرزية كلّ الرزية عن ابن عبّاس في عدّة موارد من كتابه، كما مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة(1)، ولا تجدها موحّدة اللفظ مع توحيد الأسانيد في ابن عبّاس؛ فراجع.
6- حديث ابن عبّاس مع عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا، فقد رواه البخاري مكرّراً وتختلف ألفاظه وأبوابه، وقد مرّت الإشارة إلى هذا في الجزء السادس من الموسوعة وغيره، وقلّ أن تجد -- لا بل قد لا تجد -- متناً واحداً مروياً مكرّراً بلفظ واحد، حتّى ولو كان بسند واحد، ممّا دلّ على عدم الضبط عند إمام المحدّثين، وهذا ما اعترف به غير واحد منهم.
فمن الأحاديث التي ذكرها الدارقطني فانتقدها على البخاري، ما روي عن ابن عبّاس، نقلاً عن (هدي الساري) لابن حجر، قال:
1- (الحديث الثاني): قال الدارقطني: وأخرجا جميعاً -- يعني البخاري ومسلماً -- حديث الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عبّاس -- يعني في قصّة القبرين -- وأنّ أحدهما كان لا يستبرئ من بوله، قال: وقد خالفه منصور، فقال: عن مجاهد، عن ابن عبّاس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاطه طاووساً، انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الطهارة عن عثمان ابن أبي شيبة، عن جرير، وفي (الأدب) عن محمّد بن سلام، عن عبيدة بن حميد كلاهما، عن منصور به، ورواه من طريق أخرى من حديث الأعمش...
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الثاني/ثالثاً: حديث الرزية.
2- (الحديث السابع والعشرون): قال الدارقطني... وقال البخاري: ويذكر عن أبي خالد فذكره -- يعني حديث ابن عبّاس: أنّ امرأة زعمت أنّ أختها ماتت وعليها صوم.. الحديث -- قال الدارقطني: وخالفه جماعة منهم: شعبة، وزائدة، وابن نمير، وأبو معاوية، وجرير، وغير واحد، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس...
3- (الحديث الثلاثون): قال الدارقطني: وأخرجا جميعاً -- البخاري ومسلم -- حديث عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: وبلغ عمر ابن الخطّاب أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة... الحديث(1)
2 -- وأخرجه مسلم (41/5) قال: حدّثنا أُميّة بن بسطام، قال: حدّثنا يزيد بن زريع، قال: حدّثنا روح يعني ابن القاسم، كلاهما -- سفيان وروح -- عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عبّاس، فذكره أخرجه الحميدي (14)، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، قال: حدّثنا مسعر، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمير، قال: أخبرني فلان، عن ابن عبّاس، قال: رأيت عمر بن الخطّاب على المنبر يقول بيده على المنبر هكذا، يعني يحركها يميناً وشمالاً: عويمل لنا بالعراق، عويمل لنا بالعراق خلط في فيء المسلمين أثمان الخمر والخنازير، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم فحملوها فباعوها)، يعني أذابوها.
أقول: لقد أخرج هذا الخبر في السنن والمسانيد وفي جميعها التصريح باسم سمرة، إلاّ في البخاري ومسلم تستراً عليه فلم يسمّياه إلاً (فلانا)، وتبعهما بعض أصحاب السنن أيضاً.
.1) - جامع الأُصول، لابن الأثير 1/450 -- 451 بتحقيق عبد القادر الأرنؤط رقم 366 (خ م س) ابن عبّاس رضي الله عنه قال: بلغ عمر بن الخطّاب(رض) أنّ فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم فحملوها فباعوها)، هذه رواية البخاري ومسلم، وأخرجه النسائي، قال: بلغ عمر أنّ سمرة بن جندب باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم... الحديث. قال أيمن صالح شعبان: صحيح أخرجه الحميدي (13)، وأحمد (35/1) (170)، والدارمي (3110)، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد والبخاري (107/3)، قال: حدّثنا الحميدي، وفي (307/4)، قال: حدّثنا علي بن عبد الله ومسلم (5/41)، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن ماجة (3383)، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة والنسائي (7/177)، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم: سبعتهم الحميدي، وأحمد ومحمّد بن أحمد وعلي وأبو بكر وزهير وإسحاق عن سفيان بن عيينة.
4- (الحديث الحادي والخمسون):... عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في قصّة زمزم -- وذكر ابن حجر خلافاً في ذكر الرواة، وذكر عن أبي مسعود الدمشقي -- بأن قال: اختلفوا في هذا الإسناد على وهب بن جرير، كأنّه مغمز البخاري إذ أخرجه في الصحيح...
5- (الحديث الثاني والخمسون) قال أبو علي الجياني قال البخاري: حدّثنا محمّد بن كثير أخبرنا إسرائيل، حدّثنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (رأيت موسى وعيسى وإبراهيم عليه السلام) الحديث. قال: والمحفوظ فيه عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال أبو مسعود أخطأ البخاري في قوله عن ابن عمر، وإنما رواه محمّد بن كثير عن إسرائيل بهذا الإسناد عن ابن عبّاس...
6- (الحديث الخامس والخمسون) قال الدراقطني: أخرج البخاري حديث ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة لمّا طعن عمر قال له ابن عبّاس رضي الله عنه صحبت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فأحسنت صحبته، الحديث، ورواه حمّاد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس ليس فيه المسور...
7- (الحديث السابع والستون) قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: خرج النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم في رمضان عام الفتح وأصحابه بين صائم ومفطر -- الحديث وقد أرسله حمّاد بن زيد والثقفي، عن أيوب، عن عكرمة...
8- (الحديث السبعون) قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث هشام
ابن يوسف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: أنّ علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاس فقل: إن كان كلّ امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذبّن أجمعون، فقال ابن عبّاس: مالكم ولهذه، إنما دعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يهودا فسألهم عن شيء الحديث... وفيه اختلاف في رجال السند.
9- (الحديث الخامس والسبعون): قال أبو علي الغساني: أخرج البخاري في تفسير سورة نوح: حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشام، عن ابن جريج، قال: قال عطاء، عن ابن عبّاس: (صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد الحديث... وهذا الحديث، قال أبو مسعود الدمشقي: هذا الحديث ثبت في تفسير ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس، وعطاء لم يسمع من ابن عبّاس، وابن جريج لم يسمع من عطاء.
10- (الحديث الثمانون): قال الدارقطني: وأخرج البخاري: أنّ أزهر بن جميل، عن الثقفي، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت منه... قال البخاري: حديث أزهر لا يتابع فيه عن ابن عبّاس...
هذه عشرة أحاديث عن ابن عبّاس ممّا انتقد الدارقطني فيها في كلام كثير في أسانيدها، فمن شاء الوقوف عليه فليرجع إلى (هدي الساري)(1).
وهو كما قال ابن حجر: (كثير الفائدة والأدب استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً).
... سبق طبعه في بلدة آراة بالهند سنة 1306ه- وفي القسطنطينية سنة
1) - هدي الساري 2/107 -- 142.
1309ه- وبهامشه مسند أبي حنيفة، وفي القاهرة سنة 1349ه-، ومرّة أخرى سنة 1375ه- بتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي... وتعتبر طبعته أجود الطبعات(1)
ولدى مقارنة طبعة السلفية بمصر بتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي مع الطبعة التركية وجدت فرقاً بينهما، حيث ورد ذكر علي في ص63 تركيا: صلوات الله عليه، بينما أهمل في ص88، ط السلفية، ومن هنا تولّد الريب في صحّة الطبعات، والتلاعب فيها، إذ لا يعقل أن يذكر المؤلّف (صلوات الله عليه) ثمّ يهملها بالمرّة، أو يستبدلها ب-(رضي الله عنه)، وقد عرفنا كيف لعب الناسخون والطابعون في كتاب صحيحه حيث ذكرت الصلاة على النبيّ في الطبعات الأولى صلاة تامّة مع الآل، وفي الطبعات الحديثة ذكرت الصلاة البتراء، فذكري لطبعات (الأدب المفرد) ليس من سرف أو ترف ولكن للتنبيه على ما عرا الكتب القديمة من تلف مع الأسف.
2- الأدب المفرد: 29 رقم 73.
، وقد ورد فيها كثير من أحاديث ابن عبّاس موقوفاً ومرفوعاً، فذكر بعضها ممّا فيه بلاغ خير في الآداب من الموقوف عليه وممّا فيه ذاتية له.1- أخرج البخاري في باب تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم (الحديث الثاني)، قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو أنّه سمع أباه يحدّث عن ابن عبّاس، أنّه قال: احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنّه لا بُعد بالرحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، ولا قرب بها إذا بعدت وإن كانت قريبة، وكلّ رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة، إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها(2).
1) - إنّما ذكرت الطبعات قديمها وحديثها لغاية التأكّد من صحّة المنقول فيها عن البخاري، فهو قد ذكر مثلاً عليّاً عليه السلام ستّ عشرة مرّة، في أربع منها في أوائل كتابه، قال: صلوات الله عليه، كما في ص50 مرّتين، وص52، و70، وأهمل ذلك مرّتين، كما في ص88، وص90، وقال: رضي الله عنه في عشرة مواضع، كما في الباقية 90/145/150/209/213/221/24 صلي الله عليه وآله وسلم/ 263/267/326.
2- أخرج البخاري في باب لا يشبع دون جاره، قال: حدّثنا محمّد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشر، عن عبد الله بن المساور، قال: سمعت ابن عبّاس يخبر ابن الزبير يقول: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)(1).
3- حدّثنا ابن أبي شيبة، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال عمر رضي الله عنه: أخرجوا بنا إلى أرض قومنا، فخرجنا، فكنّا أنا وأبيّ بن كعب في مؤخّر الناس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللّهمّ اصرف عنّا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقالوا: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إنّه دعا الله عزّ وجلّ أن يصرف عنّا أذاها، فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم(2).
4- ...عن ابن عبّاس، قال: النعم تكفر، والرحم تقطع، ولم نر مثل تقارب القلوب(3).
5- ...عن ابن عبّاس، قال: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك(4).
6- عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ(5)، قال: لا يطعن بعضكم على بعض(6).
7- ...قال: إنّ الله لا يحبّ الفاحش المتفحش(1).
8- ...عن ابن عبّاس: فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ(2)، قال: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتّقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم(3).
9- عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: عجبت للكلاب والشاء، إنّ الشاء يذبح منها في السنة كذا وكذا ويهدى كذا وكذا، والكلب تضع الكلبة الواحدة كذا وكذا، والشاء أكثر منها(4).
10- ...عن ابن عبّاس، قال: لو أنّ جبلاً بغى على جبل لدكّ الباغي(5).
11- ...كان ابن عبّاس يقول: (اللّهمّ قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليَّ كلّ غائبة بخير)(6).
12- ...عن ابن عبّاس، قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو بك، فقل: (الله أكبر، الله أعزّ من خلقه جميعاً، الله أعزّ ممّا أخاف وأحذر، وأعوذ بالله الذي لا إله إلاّ هو الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلاّ بإذنه، من شرّ عبدك فلان... وجنوده وأتباعه وأشياعه، من الجنّ والإنس، اللّهمّ كن لي جاراً من شرّهم، جلّ ثناؤك وعزّ جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك)، ثلاث مرّات(7).
13- ...قال: من نزل به همّ، أو غمّ، أو كرب، أو خاف من سلطان، فدعا بهؤلاء استجيب له: (أسألك يا لا إله إلاّ أنت ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، وأسألك بلا إله إلاّ أنت ربّ السموات السبع ورب العرش الكريم، وأسألك بلا إله إلاّ أنت ربّ السموات والأرضين السبع وما فيهنّ إنّك على كلّ شيء قدير)، ثمّ سل حاجتك(1).
14- ...إنّ ابن عبّاس كان إذا سمع صوت الرعد، قال: سبحان الذي سبّحتَ له، قال: إنّ الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه(2).
15- ...عن ابن عبّاس: لا يقولنّ أحدكم لشيء لا يعلمه: ]الله يعلمه[ والله يعلم غير ذلك، فيعلّم الله ما لا يعلم فذاك عند الله عظيم(3).
16- ...قال: المجرّة باب من أبواب السماء، وأمّا قوس قزح فأمان من الغرق بعد قوم نوح عليه السلام(4).
17- ...قال: لا أرى أحداً يعمل بهذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى، حتّى بلغ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(5)، فيقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، فليس أحد أكرم من أحد إلاّ بتقوى الله(6).
18- قال: ما تعدّون الكرم؟ قد بيّن الله الكرم، فأكرمكم عند الله
أتقاكم، ما تعدّون الحسب؟ أفضلكم حسباً أحسنكم خلقاً(1).
19- ...عن عطاء، قال: سألت ابن عبّاس، فقلت: أُستاذنُ على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أختان في حجري وأنا أموّنهما وأنفق عليهما، أُستاذن عليهما؟ قال: نعم، أتحبّ أن تراهما عريانتين؟! ثمّ قرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ(2)، قال: فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلاّ في هذه العورات الثلاث: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا أُستاذنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ(3)، قال: ابن عبّاس: فالإذن واجب -- زاد ابن جريج -- على الناس كلّهم(4).
20- ...قال ابن عبّاس: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات(5).
21- ...قال ابن عبّاس: أكرم الناس عليَّ جليسي أن يتخطّى رقاب الناس حتّى يجلس إليَّ(6).
22- ... عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد مع ابن عبّاس، فكان يقعدني
على سريره، فقال لي: أقم عندي حتّى أجعل لك سهماً من مالي، فأقمت عنده شهرين(1).
وحسبنا بهذا من (الأدب المفرد) من آثار ابن عبّاس، وكلّها على المحكّ تنفي كلّ رين أو صدأ، وتكشف عن خلق رفيع مع أدب إسلامي يسمو بصاحبه.
ولنرجع بنظرة خاطفة إلى (كتاب التاريخ الكبير) للبخاري، ففيه ترجمة لابن عبّاس في المجلّد الخامس طبعة المكتبة الإسلامية ديار بكر(2)، جاء في آخرها خبرين ذكرهما البخاري ولم يعالج ما بينهما من تنافي.
فقد قال: (وقال ابن منصور، أخبرنا عبد الله بن عبد المجيد، حدّثنا شعبة، قال: أخبرني أبو إسحاق، سمع عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: توفّي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة.
شعبة، قال: أخبرني أبو بشر، سمع سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: توفّي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأنا أقرأ المحكم من القرآن، قيل: وما المحكم؟ قال: المفصل، وأنا ابن عشر سنين وأنا مختون)(3).
وهذا على المحكّ ممّا يؤاخذ به البخاري، إذ لم يعلّق عليهما بما يكشف عن رأيه واختياره، فلا يصحّا معاً، وقد مرّ نحو هذا.
كما يؤاخذ على ما ذكره في ترجمة معاوية بن أبي سفيان في المجلّد
السابع: (قال إبراهيم بن موسى، فيما حدّثوني عنه (؟)، عن هشام بن يوسف، عن معمر، قال: سمعت همام بن منبه، عن ابن عبّاس، قال: ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية)(1)(؟)
فإنّه إذا لم يسمع من إبراهيم بن موسى، فمن هم الذين حدثّوه عنه؟!
وبهذه النبذة ننهي مسيرتنا مع الإمام البخاري في خيرة تراثه، ورأيناها حافلة بما جمعه عن ابن عبّاس، ولا يعني أنّ جميع ما ذكره عن ابن عبّاس مقبول ومرضي، بل ثمّة منبوذ لا يؤبه به.
1) - التاريخ الكبير 7/327.
والتعريف به نقلاً عن (تهذيب الأسماء واللغات) للنووي، شارح صحيحه الجزء الثاني من القسم الأوّل، قال: (هو الإمام أبو الحسين مسلم ابن الحجّاج بن مسلم القشيري -- من بني قشير قبيلة من العرب معروفة(1)
طوال الدهر لا تنسى عليّاً *** يقول الأرذلون بنو قشير
من الأعمال ما يقضي عَليّا *** فقلت لهم وكيف يكون تركي
وعبّاساً وحمزة والوصيّا *** أحبّ محمّداً حبّاً شديداً
أحبّ الناس كلّهم إليّا *** بنو عمّ النبيّ وأقربوه
وفيهم أسوة إن كان غيّا *** فإن يك حبّهم رُشداً أصبه
وأهل مودّتي مادمت حيّا *** هم أهل النصيحة من لدنّي
في أبيات غيرها، ديوان أبي الأسود الدؤلي، حقّقه وشرحه وقدّم له عبد الكريم الدجيلي ص1 صلي الله عليه وآله وسلم6، ط الأولى سنة1373ه- ببغداد.
-- النيسابوري إمام أهل الحديث... وأجمعوا على جلالته وإمامته وورعه وحذقه في هذه الصنعة وتقدّمه فيها، وتضلّعه منها، ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه ومقوده في علم الحديث واضطلاعه منها وتفننه فيها، كتابه الصحيح الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن1) - وهم الذين هجاهم أبو الأسود الدئلي بقوله:
الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان، والاحتراز من التحويل في الأسانيد عند اتّفاقها من غير زيادة، وتنبيهه على ما في ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو إسناد ولو في حرف، واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرّحة بسماع المدلّسين، وغير ذلك ممّا هو معروف في كتابه، وقد ذكرت في مقدّمة شرحي لصحيح مسلم جملاً من التنبيه على هذه الأشياء وشبهها مبسوطة ووضحته، ثمّ نبهت على تلك الدقائق والمحاسن في أثناء الشرح في مواطنها، وعلى الجملة فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإرشاد، وهذا عندنا من المحقّقات التي لا شكّ فيها للدلائل المتظاهرة عليها. ومع هذا فصحيح البخاري أصحّ وأكثر فوائد، هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح المختار، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود كما ذكرناه).
وقال في آخر ترجمته: (وقد اقتصرت من أخباره رضي الله عنه على هذا القدر، فإنّ أحواله رضي الله عنه ومناقبه ومناقب كتابه لا تستقصى لبعدها عن أن تحصى، وقد دللت بما ذكرت من الإشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته...)(1).
أقول: ونحن أيضاً نقتصر على ما ذكره النووي شارح صحيح مسلم في ترجمته، ففيها كفاية وبلوغ الغاية من دون مشايعته على ما جاء فيها من مزايدات مناقبية.
ولنرجع إلى ما عندنا من خيرة تراثه المطبوع، لنرى مدى تأثره
1) - تهذيب الأسماء واللغات 2/89 -- 92.
بمرويات ابن عبّاس وما عليها من علامات استفهام، كبا فيها جواده، ومنها نتبيّن صدق النووي وعدم صدقه فيما تقدّم من ذكره.
(على المحكّ):
إنّ للسيوطي الشافعي كلاماً حريّاً بالقراءة ذكره في كتابه (الحاوي) تحت عنوان (نصب ميدان جدلي)، قال: (المجادلون في هذا الزمان كثير، خصوصاً في هذه المسألة -- يعني نجاة آباء الرسول صلي الله عليه وآله وسلم -- وأكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال، فالكلام معهم ضائع، غير أنّي أنظر الذي يجادل وأكلّمه بطريقة تقرب من ذهنه، فإنّه أكثر ما عنده أن يقول: الذي ثبت في صحيح مسلم يدلّ على خلاف ما تقول.
فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب، أقول له: قد ثبت في صحيح مسلم أنّه صلي الله عليه وآله وسلم لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم، وأنت لا تصحّح الصلاة بدون البسملة، وثبت في الصحيحين أيضاً أنّه صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، وإذا صلّى جالساً فصلّوا أجمعون)، وأنت إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، تقول سمع الله لمن حمده مثله، وإذا صلّى جالساً لعذر وأنت قادر تصلّي خلفه قائماً، لا جالساً، وثبت في الصحيحين في حديث التيمم: (إنّما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثمّ ضرب بيديه ضربة واحدة، ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه)، وأنت لا تكتفي في التيمم بضربة واحدة، ولا بالمسح إلى الكوعين، فكيف خالفت الأحاديث التي ثبتت في الصحيحين أو أحدهما؟ فلا بدّ إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول:
قامت أدلّة أخرى معارضة لهذه فقدمت عليها، فأقول له: وهذا مثله، لا يحتجّ عليه إلاّ بهذا الطريقة فإنّها ملزمة له ولأمثاله.
وإن كان المجادل مالكيّ المذهب، أقول له: قد ثبت في الصحيحين (البيّعان بالخيار، ما لم يتفرقا)، وأنت لا تثبت خيار المجلس، وثبت في صحيح مسلم أنّه صلي الله عليه وآله وسلم توضأ ولم يمسح كلّ رأسه، وأنت توجب في الوضوء مسح كلّ الرأس، فكيف خالفت ما ثبت في الصحيح؟ فيقول: قامت أدلّة أخرى معارضة له فقدمت عليه، فأقول له: وهذا مثله.
وإن كان المجادل حنفيّ المذهب، أقول له: قد ثبت في الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وأنت لا تشترط في النجاسة الكلبية سبعاً، وثبت في الصحيحين: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وأنت تصحّح الصلاة بدونها، وثبت في الصحيحين: (ثمّ ارفع رأسك حتّى تعتدل قائماً)، وأنت تصحّح الصلاة بدون الطمأنينة في الاعتدال، وصحّ في الحديث: (إذا بلغ الماء قدر قلّتين لم يحمل خبثاً)، وأنت لا تعتبر القلّتين، وصحّ في الصحيحين أنّه صلي الله عليه وآله وسلم باع المدبّر، وأنت لا تقول ببيع المدبّر، فكيف خالفت هذه الأحاديث الصحيحة؟ فيقول: قامت أدلّة أخرى معارضة لها فقدمت عليها، فأقول له: وهذا مثله.
وإن كان المجادل حنبلي المذهب، أقول له: قد ثبت في الصحيحين: (من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم)، وثبت فيهما: (لا تقدّموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)، وأنت تقول بصيام يوم الشكّ، فكيف خالفت ما ثبت في الصحيحين؟ فيقول: قامت أدلّة أخرى معارضة له فقدمت عليه، فأقول له: وهذا مثله.
هذا أقرب ما يقرب به لأذهان الناس اليوم.
وإن كان المجادل ممّا -- كذا والصواب ممّن -- يكتب الحديث ولا فقه عنده، يقال له: قد قالت الأقدمون: المحدّث بلا فقه كعطار بغير طبيب، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح، والفقيه بلا حديث طبيب ليس بعطار، يعرف ما تصلح له الأدوية إلاّ أنها ليست عنده، وإنّي بحمد الله وقد اجتمع عندي الحديث والفقه والأُصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك، فأنا أعرف كيف أتكلّم، وكيف أقول، وكيف استدلّ، وكيف أرجّح، وأمّا أنت يا أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك، لأنّك لا تدري الفقه والأُصول ولا شيئاً من الآلات، والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهيّن، ولا يحلّ الإقدام على التكلّم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم، فاقتصر على ما أتاك الله، وهو أنّك إذا سُئلت عن حديث تقول: ورد أو لم يرد، وصحّحه الحفّاظ وحَسنّوه وضَعّفوه، ولا يحلّ لك في الإفتاء سوى هذا القدر، وخلّ ما عدا ذلك لأهله.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكِلَه *** لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصَّبِرَا
وثمّ أمر آخر أخاطب به كلّ ذي مذهب من مقلّدي المذاهب الأربعة: وذلك أنّ مسلماً روى في صحيحه عن ابن عبّاس: أنّ الطلاق الثلاث كان يجعل واحدة في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر. فأقول لكلّ طالب علم: هل تقول أنت بمقتضى هذا الحديث، وأنّ من قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، تطلّق واحدة فقط؟ فإن قال: نعم أعرضت عنه، وإن قال: لا، أقول له: فكيف تخالف ما ثبت في صحيح مسلم؟ فإن قال: لما عارضه، أقول له: فاجعل هذا مثله، والمقصود من سياق هذا كلّه أنّه ليس
كلّ حديث في صحيح مسلم يعمل بمقتضاه، لوجود المعارض له)(1)، اه- .
أقول: ومع هذا فقد قالوا في تفضيل صحيح مسلم على صحاح الآخرين:
فقد ذكر السيوطي في (تدريب الراوي) عبارة ابن الصلاح: (وروينا عن أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أنّه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصحّ من كتاب مسلم، فهذا وقول من فضّل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري، إن كان المراد به أنّ كتاب مسلم يترجح بأنّه لم يمتزجه غير الصحيح، فإنّه ليس فيه بعد خطبته إلاّ الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري، فهذا لا بأس به، ولا يلزم منه أنّ كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح، وإن كان المراد أنّ كتاب مسلم أصحّ صحيحاً فهو مردود على من يقوله)(2).
أقول: ولابن حجر وغيره تعليقاً على قول أبي علي، كلام نحن في غنى عن نقله.
وحكى السيوطي في أوّل فوائده في (تدريب الراوي)، فقال: (قال ابن الملقن: رأيت بعض المتأخّرين، قال: إنّ الكتابين سواء، فهذا قول ثالث، وحكاه الطوفي في شرح الأربعين ومال إليه القرطبي)(3).
ولمّا كنّا بصدد أثر ابن عبّاس في تراث مسلم، فلا تعنينا
المفاضلة بين الصحيحين، وفي كليهما ما نقدوهما عليه.
فمن المتأخّرين جمال البنّا له كتاب (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لاتُلزِم)(1)، وهو كتاب فيه فوائد نافعة، كما لا يخلو أيضاً من بعض المؤاخذات، ومهما يكن فللرجل منهجية أهدر بها أربعة عشر نوعاً من الأحاديث، مثل أحاديث الغيب، والإسرائيليات، وأحاديث تمس ذات الله تعالى، وأحاديث تفسير القرآن، وأحاديث تحدّد أسباب نزول آيات القرآن، وأحاديث عن نسخ القرآن، وأحاديث تتضمّن أحكاماً مخالفة للقرآن، والأحاديث القدسية، وأحاديث المعجزات الحسّية، وأحاديث تخلّ بعصمة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، وأحاديث ضدّ حرية الفكر والاعتقاد التي قرّرها القرآن، والسرف في الترغيب والترهيب، وأحاديث تسيء إلى المرأة، وأحاديث متونها مشكلة.
أقول: وأنا لست معه فيها جميعاً من خلال معرفتي بابن عبّاس، حيث أورد ذكره في تلكم الجهات التي تبناها البنّا في نحو من أربعين موضعاً، سأذكر بعضاً ممّا أراه موافقاً، وهي قد لا تخصّ كتاب صحيح مسلم، بل بعضها في الصحيحين(2).
1) - تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لاتُلزِم، ط الانتشار العربي، الطبعة الأولى 2011م بيروت.
2) - ومثله في هذا الجانب كتاب: (نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث/ دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الصحيحين، إسماعيل كردي، ط دار الأوائل 2002م، الطبعة الأولى في سوريا دمشق بموافقة وزارة الإعلام ( 71047) بتاريخ 6/2/2002)، والكتاب من خيرة ما كتب في بابه فيما تناول به أحاديث الصحيحين بالتمحيص.
والآن إلى الموارد التي تخصّ مسلم في صحيحه، وضعّفها أو ردّها عليه غيره من أئمّة الحديث، وقد رواها عن ابن عبّاس:
1- حديث ابن وعلة، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (أيّما إهاب دُبغ فقد طهر)، فان هذا انفرد به مسلم عن البخاري، وقد ضعّفه الإمام أحمد، وغيره، وسيأتي التعقيب عليه. قال السيوطي في (تدريب الراوي): (ورأيت فيما يتعلّق بمسلم تأليفاً مخصوصاً فيما ضعف من أحاديثه، بسبب ضعف رواته... ثمّ قال: وذكر بعض الحفّاظ أنّ في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح بعضها أبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه وجادة وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة)(1).
أقول: ولعلي الحلبي الأثري كتاب (دراسات علمية في صحيح مسلم)، ولم أقف عليه.
2- حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قضى بيمين وشاهد... وقد نقده الإمام الطحاوي في كتابه (شرح معاني الآثار)، فقال: (أمّا حديث ابن عبّاس فمنكر، لأنّ قيس بن سعد لا نعلمه يحدّث عن عمرو بن دينار بشيء، فكيف يحتجّون به في مثل هذا؟)(2).
3- حديث طاووس، عن ابن عبّاس: إنّ الطلاق كان على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة... رواه مسلم وطُعن بصحّته، كما سيأتي ذكره.
4- حديث أبي زميل، عن ابن عبّاس، حول طلب أبي سفيان من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الأمور الثلاثة، وسيأتي في آخر ما عندنا من تعقيب على أحاديث مسلم، وبه الختام.
(الأوّل) لقد أخرج مسلم حديث (أيّما إهاب دبغ فقد طهر)، في كتاب الحيض باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، بعدّة أسانيد، ومتون متفاوتة وهي كما يلي مع ترك الأسانيد روماً للاختصار.
1- عن ابن عبّاس، قال: تُصُدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمرّ بها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به)؟ فقالوا: إنّها ميتة، فقال: (إنّما حرم أكلها).
2- عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وجد شاة ميتة أعُطتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هلا انتفعتم بجلدها)؟ قالوا: إنّها ميتة، فقال: (إنّما حرم أكلها).
3- عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مرّ بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟).
4- قال عطاء: أخبرني ابن عبّاس: أنّ ميمونة أخبرته أنّ داجنة كانت لبعض نساء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فماتت، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به؟).
5- عن عطاء، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مرّ بشاة لمولاة ميمونة، فقال: (ألا انتفعتم بإهابها؟).
6- عن زيد بن أسلم، أنّ عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر).
7- عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.. مثله...
8- عن يزيد بن أبي حبيب، أنّ أبا الخير حدّثه، قال: رأيت على ابن وعلة السبئي فرواً، فمسسته، فقال: مالك تمسّه؟ قد سألت عبد الله بن عبّاس، قلت: إنّا نكون بالمغرب ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذبحوه ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسِقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عبّاس: قد سألنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن ذلك؟ فقال: (دباغه طهوره).
9- عن أبي الخير، قال: حدّثني ابن وعلة السبئي، قال: سألت عبد الله ابن عبّاس، قلت: إنّا نكون بالمغرب فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك، فقال: اشرب، قلت: أرأي تراه؟ فقال ابن عبّاس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (دباغه طهوره).
فهذه صور الحديث الواحد عن ابن عبّاس والتفاوت في النقل عنه، وفي القول بصحّتها جميعاً إفتئات على ابن عبّاس.
(الثاني) حديث آخر عند مسلم نقده الأئمّة الأربعة، ولم يروا صحّته، وقد انفرد بروايته.
بسنده إلى طاووس، عن ابن عبّاس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطّاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
وفي رواية أخرى، عن طاووس: إنّ أبا الصهباء قال لابن عبّاس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان كذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم.
وفي رواية ثالثة أيضاً، عن طاووس: إنّ أبا الصهباء قال لابن عبّاس: أتعلم إنّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عبّاس: نعم.
قال النووي بعد أن ذكر الحديث بألفاظه كما مرّ، وحكى خبر أبي الصهباء، عن سنن أبي داود: (عن أبي الصهباء، عن ابن عبّاس نحو هذا، إلاّ أنّه قال: كان الرجل إذا طلّق امرأته قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة. هذه ألفاظ هذا الحديث، وهو معدود من الأحاديث المشكلة، وقد اختلف العلماء فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: يقع الثلاث. وقال طاووس، وبعض أهل الظاهر: لا يقع بذلك إلاّ واحدة، وهو روايته عن الحجّاج بن أرطاة، ومحمّد بن إسحاق، والمشهور عن الحجّاج بن ارطاة أنّه لا يقع به شيء، وهو قول ابن مقاتل ورواية عن محمّد بن إسحاق، واحتجّ هؤلاء بحديث ابن عبّاس هذا...)، وقال كلاماً كثيراً حول تطليق ابن عمر زوجته ثلاثاً وهي حائض..
ثمّ قال: (وأمّا حديث ابن عبّاس فاختلف العلماء في جوابه وتأويله...)، وختم كلامه الكثير حول روايات مسلم، قال: (وأمّا هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب السختياني، عن قوم مجهولين،
عن طاووس، عن ابن عبّاس، فلا يحتجّ بها، والله أعلم)(1).
(الثالث) في كتاب الكسوف.
1- قال مسلم: ...سمع ابن شهاب يخبر، عن عروة، عن عائشة: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات(2).
2- ...عن الزهري، قال: كان كثير بن عبّاس يحدّث: أنّ ابن عبّاس كان يحدّث عن صلاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم كسفت الشمس بمثل ما حدّث عروة، عن عائشة(3).
3- ...عن ابن عبّاس، قال: صلّى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات، وعن عليّ مثل ذلك(4).
4- ...عن طاووس، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أنّه صلّى في كسوف، قرأ ثمّ ركع، ثمّ قرأ ثمّ ركع، ثمّ قرأ ثمّ ركع، ثمّ قرأ ثمّ ركع، ثمّ سجد، قال: والأخرى مثلها(5).
قال صاحب كتاب (نحو تفعيل قواعد متن الحديث): (ولا شكّ أنّ أحد الأقوال فقط هو الصواب، وما عداه غلط ووهم)(6).
(الرابع) الاختلاف في سنيّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم التي كان فيها بمكّة والتي عاشها في المدينة وفي عمره الشريف، وقد مرّ نحو هذا عند الحديث عن البخاري، والآن إلى ما في كتاب مسلم، فقد أخرج في كتاب الفضائل باب كم أقام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة والمدينة.
1- قال: حدّثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، حدّثنا سفيان، عن عمرو، قال: قلت لعروة: كم كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة؟ قال: عشراً، قلت: فإنّ ابن عبّاس يقول ثلاث عشرة(1).
2- وحدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن عمرو، قال: قلت لعروة: كم لبث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة؟ قال: عشراً، قلت: فإنّ ابن عبّاس يقول بضع عشرة، قال: فغفره، وقال: إنّما أخذه من قول الشاعر(2).
3- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، وهرون بن عبد الله، عن روح بن عُبادة، حدّثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مكث بمكّة ثلاث عشرة، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين(3).
4- وحدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا بشر بن السري، حدّثنا حمّاد، عن أبي جمرة الضُبعي، عن ابن عبّاس، قال: أقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة ثلاث عشرة
سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشراً، ومات وهو ابن ثلاث وستّين سنة(1).
5- وحدّثني ابن منهال الضرير، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا يونس بن عبيد، عن عمّار مولى بني هاشم، قال: سألت ابن عبّاس: كم أتى لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم مات؟ فقال: ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك! قال: قلت: إنّي سألت الناس فاختلفوا عليَّ، فأحببت أن أعلم قولك فيه، قال: أتحسب؟ قال: قلت: نعم، قال: أمسك أربعين بعث لها، خمس عشرة بمكّة يأمن ويخاف، وعشر من مهاجره إلى المدينة(2).
6- وحدّثني محمّد بن رافع، حدّثنا شبابة بن سوار، حدّثنا شعبة، عن يونس، بهذا الإسناد نحو حديث يزيد بن زريع(3).
7- وحدّثني نصر بن علي، حدّثنا بشر -- يعني: ابن المفضل -- حدّثنا خالد الحذّاء، حدّثنا عمّار مولى بني هاشم، حدّثنا ابن عبّاس، أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم توفّي وهو ابن خمس وستّين(4).
وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن عُليّة، عن خالد، بهذا الإسناد.
8- وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا روح، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس، قال: أقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً،
وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً(1).
هذه ثمانية روايات أخرجها مسلم بأسانيده عن ابن عبّاس ليست جميعها متّفقة في تحديد الزمان الذي عاشه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة والمدينة، ولم يحسم الترديد في تعيين الصحيح منها، ومع هذا جعلها حشراً في صحيحه؟!
(الخامس) هل صلّى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم داخل الكعبة لمّا دخلها يوم فتح مكّة، أم لم يصلّ فيها؟
أخرج الشيخان -- البخاري ومسلم -- عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم دخل البيت ومعه أسامة (بن زيد) وبلال وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم الباب طويلاً، ثمّ فتح فكنت أوّل من دخلت، فلقيت بلالاً، فقلت: أين صلّى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقال: بين العمودين المقدّمين.
وهذا ينافيه ما أخرجاه معاً، عن ابن عبّاس يقول: أخبرني أسامة بن زيد: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمّا دخل البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يصلّ فيه حتّى خرج، فلمّا خرج ركع قُبُل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة.
وفي صحيح مسلم، بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم دخل الكعبة وفيها ستّ سوارٍ، فقام عند كلّ سارية فدعا، ولم يصلّ(2).
فأيّ الخبرين هو الصحيح؟!
(السادس) أكذوبة صيام عاشوراء، سبباً وتشريعاً وتطبيقاً بين الشرعية والبدعية.
أخرج الشيخان في الصحيحين عدّة روايات بعضها عن ابن عمر
-- واللفظ لمسلم -- أنّه سمع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول في يوم عاشوراء: (إنّ هذا كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحبّ أن يصومه فليصمه، ومن أحبّ أن يتركه فليتركه)، وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه، إلاّ أن يوافق صيامه(1).
وأخرج عن ابن عبّاس حديثاً يناقض ما سبق، فقد أخرج بسنده، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟)، فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (فنحن أحقّ وأولى بموسى منكم)، فصامه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأمر بصيامه(2).
وأخرج بسنده، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عبّاس رضي الله عنه وسُئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: ما علمت أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيّام إلاّ هذا اليوم، ولا شهراً إلاّ هذا الشهر -- يعني: رمضان --(3).
وأخرج بسنده، عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عبّاس رضي الله عنه وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، قلت: هكذا كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يصومه؟ قال: نعم(4). وأعاده بسند آخر.
وأخرج بسنده، عن إسماعيل بن أُميّة، أنّه سمع غطفان بن طريف المريّ يقول: سمعت عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه يقول: حين صام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنّه يوم تعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم(1). وأخرجه بسند آخر.
وروايات مسلم بأسانيده عن ابن عبّاس تؤذن بمشروعية الصيام في الأمر به، ثمّ تختلف في تعيين يوم عاشوراء، هل هو في التاسع كما في رواية الحكم بن الأعرج، أو هو العاشر الذي كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قد صامه، ولمّا قيل له: إنّه يوم تعظّمه وعد تغييره في العام المقبل في اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وهناك روايات عن غير ابن عبّاس، عن عائشة، وابن عمر، ومعاوية، وابن مسعود، وأفظعها رواية الرُبيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: أرسل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه)، فكنّا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياه عند الإفطار(2). وأخرجه ثانياً بسند آخر عن الربيع.
وأربك شرّاح صحيحه في تفاسيرهم (اللعبة من العهن)، والموضوع بأحاديثه كلّها بأسانيدها الكثيرة لا يسوي اللعبة من العهن، فإنّ صوم عاشوراء من بدع العهد الأموي، ولم يكن له ذكر في العهد النبوي الشريف.
(السابع) زواج النبيّ بميمونة وهو محرم.
لقد أخرج مسلم في كتاب النكاح في باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق الحنظلي جميعاً، عن ابن عيينة، قال ابن نمير، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أنّ ابن عبّاس أخبره: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو محرم. زاد ابن نمير: فحدّثت به الزهري، فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنّه نكحها وهو حلال(1).
وحدّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبّاس: أنّه قال: تزوّج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ميمونة وهو محرم(2).
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا جرير بن حازم، حدّثنا أبو فزارة، عن يزيد الأصم، حدّثتني ميمونة بنت الحارث: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم تزوّجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبّاس(3).
قال النووي: (ذكر مسلم الاختلاف أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو محرم، أو وهو حلال، فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب، وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاحه لحديث قصّة ميمونة، وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إنّما تزوّجها حلالاً. هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يروَ أنّه تزوّجها محرماً إلاّ ابن عبّاس وحده، وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما: أنّه تزوّجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية لتعلّقهم به، بخلاف ابن عبّاس، ولأنّهم أضبط من ابن عبّاس وأكثر.
الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عبّاس على أنّه تزوّجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالاً، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور: (قتلوا ابن عفّان الخليفة محرماً)، أي: في حرم المدينة.
والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأُصوليين ترجيح القول لأنّه يتعدّى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصوراً عليه.
والرابع: جواب جماعة من أصحابنا: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان له أن يتزوّج في حال الإحرام، وهو ممّا خصّ به دون الأُمّة، وهذا أصحّ الوجهين عند أصحابنا، والوجه الثاني: أنّه حرام في حقّه كغيره وليس من الخصائص)(1).
أقول: إنّ هذا الذي قاله النووي في شرح صحيح مسلم جميعه أثبت
1) - صحيح مسلم بشرح النووي 9/193 -- 194.
خلاف ابن عبّاس لما هو الصحيح من تزويج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بميمونة وهو حلال، وإن لم يذكر أنّه رأيه في جواز زواج المحرم، غير أنّ النووي ذكر في (المجموع)، فقال: (فرع: في مذاهب العلماء في نكاح المحرم، قد ذكرنا أنّ مذهبنا أنّه لا يصحّ تزوّج المحرم ولا تزويجه، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهو مذهب عمر بن الخطّاب، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن بشار الزهري)(1). وهذا يبعث الشكّ فيما نسب إلى ابن عبّاس في زواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو محرم!
على أنّ الجصّاص في (أحكام القرآن) رجّح قول ابن عبّاس على قول يزيد بن الأصم، فقال: (حديث ابن عبّاس أولى لأنّه أخبر عن حال حادثة، وأخبر الأخير عن ظاهر الأمر الأوّل)(2)، وعلى العكس من هذا قول ابن تيمية في مقدّمة في أُصول التفسير، وهو يتكلّم عن علم علل الحديث: (وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطه فيه عرف، أمّا بسبب ظاهر كما عرفوا أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو حلال، وأنّه صلّى في البيت ركعتين، وجعلوا رواية ابن عبّاس لتزوّجها حراماً، ولكونه لم يصلّ ممّا وقع فيه الغلط).
وجاء في (غنية النزوع) لابن زهرة الحلبي: (وما رووه -- يعني: العامّة -- من أنّه صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو محرم، معارض بما روي عن ميمونة من قولها: خطبني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو حلال. وفي خبر آخر: تزوّجني بعد رجوعه من
مكّة. وخبر المنكوحة أولى، لأنّها أعرف بحقيقة الحال، وأيضاً فالعرب تسمّي من كان في الشهر الحرام محرماً، قال الشاعر: (قتلوا ابن عفّان الخليفة محرماً)، ولم يكن عاقداً للإحرام بلا خلاف، فيحمل خبرهم على أنّ الراوي أراد به تزويجها وهو في الشهر الحرام)(1).
(الثامن) خبر أبي سفيان بن حرب وعنده ثلاث... أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، وعنون النووي الباب: (باب من فضائل أبي سفيان صخر بن حرب رض).
قال مسلم: حدّثنا أبو زميل، حدّثني ابن عبّاس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: يا نبيّ الله! ثلاث أعطينهن، قال: (نعم)، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوّجكها، قال: (نعم)، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: (نعم)، قال: وتؤمّرني حتّى أقاتل الكفّار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: (نعم). قال أبو زميل: ولولا أنّه طلب ذلك من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ما أعطاه ذلك، لأنّه لم يكن يُسئل شيئاً إلاّ قال: نعم.
قال النووي: واعلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث المشهورة فيه بالإشكال، ووجه الإشكال: أنّ أبا سفيان إنّما أسلم يوم فتح مكّة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قد تزوّج أُمّ حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، قال أبو عبيدة، وخليفة بن خياط، وابن البرقي، والجمهور: تزوّجها سنة ستّ، وقيل: سنة سبع.
1) - غنية النزوع: 156، ط1 مؤسّسة الإمام الصادق 1417.
قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوّجها، فقيل: بالمدينة بعد قدومها من الحبشة، وقال الجمهور: بأرض الحبشة. قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك، فقيل: عثمان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص بإذنها، وقيل: النجاشي، لأنّه كان أمير الموضع وسلطانه. قال القاضي: والذي في مسلم هنا أنّه زوّجها أبو سفيان غريب جدّاً، وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور، ولم يزد القاضي على هذا.
وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة، لأنّه لا خلاف بين الناس أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج أُمّ حبيبة قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر. وفي رواية عن ابن حزم أيضاً أنّه قال: موضوع، قال: والآفة من عكرمة بن عمّار الراوي، عن أبي زميل.
وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح(ره) هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه. قال: وهذا القول من جسارته، فإنّه كأنّه هجوماً على تخطئة الأئمّة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحداً من أئمّة الحديث نسب عكرمة بن عمّار إلى وضع الحديث، وقد وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدّم زواجها غلط منه وغفلة، لأنّه يحتمل أنّه سأله تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه، لأنّه كان ربّما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوّج بنته بغير رضاه، أو أنّه ظنّ أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممّن كثر عليه وطالت صحبته، هذا كلام أبي عمرو(ره). وليس في الحديث: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جدّد العقد، ولا قال لأبي سفيان أنّه يحتاج إلى تجديده، فلعلّه صلي الله عليه وآله وسلم أراد بقوله: (نعم)،
أنّ مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد، والله أعلم)(1).
أقول: إنّ استماتة ابن الصلاح في توجيه حديث مكذوب من الغريب العجيب! مع أنّ هذا الحديث حكم عليه كثير من الحفّاظ بأنّه موضوع مكذوب..
قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة عكرمة بن عمّار -- راوي الحديث --: (وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلاً منكراً عن سماك الحنفي، عن ابن عبّاس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان). وقال في (سير أعلام النبلاء) نحو ذلك.
وقال ابن تيمية في (مجموع الفتاوي): (روى مسلم أحاديث قد عرف أنّها غلط، مثل قول أبي سفيان لمّا أسلم: أريد أن أزوّجك أُمّ حبيبة، ولا خلاف بين الناس أنّه تزوّجها قبل إسلام أبي سفيان)(2).
وقال ابن قيّم الجوزية في (زاد المعاد): (هذا الحديث غلط لا خفاء به)(3).
وبهذا نختم الكلام في أثر ابن عبّاس في صحيح مسلم على المحكّ، وثمّة أحاديث غيرها عليها علائم استفهام عن غير ابن عبّاس، أشار إليها الباحث إسماعيل الكردي في: (نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث)، وكذلك الباحث جمال البنّا في كتابه: (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تُلزِم)، وكتاباهما مطبوعان يسع الراغب في الاطّلاع على المزيد من الهفوات غير النادرة لمسلم؛ فليرجع إليهما.
الربعي بالولاء، القزويني، الحافظ المشهور، مصنّف كتاب (السنن في الحديث)، كان إماماً في الحديث، عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلّق به، ارتحل إلى العراق ودخل البصرة والكوفة وبغداد، وذهب إلى الشام ومصر والريّ في رحلات لسماع الحديث، له تفسير القرآن الحكيم، وله كتاب تاريخ وُصف بأنّه مليح، وكتابه السنن أحد الصحاح الستّة.
قال ابن ماجة: (عرضت هذه السنن على أبي زرعة، فنظر فيه وقال: أظنّ إن وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع أو أكثرها.
ثمّ قال -- الذهبي في (تذكرة الحفّاظ) --: لعلّه لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً ممّا في إسناده ضعف.
قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجة ثقة كبير، متّفق عليه، محتجّ، له معرفة وحفظ، ارتحل إلى العراقين ومكّة والشام ومصر.
قلت -- والقائل هو الذهبي -- : سنن أبي عبد الله كتاب حسن، لولا ما كدّره أحاديث واهية، ليست بالكثيرة. وكانت وفاته لثمان بقين من رمضان سنة 273ه-)(1)اه- .
1) - تذكرة الحفّاظ 2/189، وانظر: سنن ابن ماجة 2/1523 هامش.
وحسبنا بهذا في تعريف ابن ماجة، ولننظر مدى أثر ابن عبّاس في سننه على المحكّ، مع حذف الإسناد روماً للاختصار.
واعلم أنّ ابن عبّاس ورد عنه في (سنن ابن ماجة) أحاديث كثيرة نيّفت على ثلاث مائة وخمسين حديثاً، أشير إلى بعضها ممّا له فيها ذاتية خاصّة، وأشير إلى الطبعة المصرية بتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.
1- روى ابن ماجة في مقدّمة كتابه برقم (22): أنّ أبا هريرة قال لرجل: يابن أخي إذا حدّثتك عن رسول الله حديثاً فلا تضرب له الأمثال.
وهذا هو أوّل حديث يرد فيه ذكر ابن عبّاس تلويحاً لا تصريحاً، وذلك حين قال أبو هريرة: إنّ الوضوء ممّا مستّه النار، فقال له ابن عبّاس: أنتوضأ من الحميم -- أي: الماء الحار --.
(على المحكّ):
لقد روى مسلم في صحيحه عدّة روايات عن ابن عبّاس وغيره في عدم الوضوء ممّا مست النار، منها: بسنده عن عطاء بن يسار: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أكل كتف شاة، ثمّ صلّى ولم يتوضأ(1).
1) - صحيح مسلم 1/188 -- 189، ط محمّد علي صبيح بمصر.
وروى ابن أبي شيبة في (المصنّف) بسنده، عن أبي زياد، قال: شهدت ابن عبّاس وأبا هريرة وهم ينتظرون جدياً لهم في التنور، فقال ابن عبّاس: أخرجوه لنا لا يفتّنا في الصلاة، فأخرجوه فأكلوا منه، ثمّ إنّ أبا هريرة توضأ، فقال له ابن عبّاس: أكلنا رجساً؟ قال: فقال أبو هريرة: أنت خير منّي وأعلم، ثمّ صلّوا(1).
2- وروى في المقدّمة برقم (27) عن طاووس، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: إنّا كنّا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأمّا إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات.
3- وروى في المقدّمة أيضاً برقم (103) عن ابن عبّاس، قال: لمّا أسلم عمر، نزل جبريل، فقال: يا محمّد! لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
وهذا (على المحكّ):
فقد قال في (مجمع الزوائد): إسناده ضعيف؛ لاتّفاقهم على ضعف عبد الله بن خراش، إلاّ أنّ ابن حبّان ذكره في (الثقات)، وأخرج هذا الحديث من طريقه في صحيحه. قال الألباني: ضعيف جدّاً.
4- وروى في المقدّمة برقم (166) عن ابن عبّاس، قال: ضمّني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إليه، وقال: (اللّهمّ علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب). (الحكمة) الظاهر أنّه يراد بها السنّة لأنّها قرنت بالكتاب، قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ(2).
قال الألباني: صحيح.
5- وروى في المقدّمة برقم (255) عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ أناساً من أُمّتي سيتفقّهون في الدين، ويقرأون القرآن ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلاّ الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلاّ). قال محمّد بن الصباح: كأنّه يعني الخطايا، و(القتاد): شجر ذو شوك ولا يكون له ثمر
سوى الشوك.
6- وروى في كتاب الطهارة برقم (347) عن ابن عبّاس، قال: مرّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بقبرين جديدين، فقال: (إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يتنزّه من بوله، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة).
قال الألباني: صحيح.
7- وروى في كتاب المساجد والجماعات برقم ( 740) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أراكم تشّرفون مساجدكم بعدي كما شرّفت اليهود كنائسها، وكما شرّفت النصارى بيعها).
وهذا ما حدث، ولقد صدق المصدوق، فماذا الجواب عن هذا يوم الحساب؟
8- وروى في كتاب إقامة الصلاة والسُنّة فيها برقم (857) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدكم على آمين، فأكثروا من قول آمين).
(على المحكّ):
في (مجمع الزوائد): إسناده ضعيف؛ لاتّفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو، وقال الألباني: ضعيف جدّاً.
9- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (908) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من نسي الصلاة عليَّ خطِئ طريق الجنّة).
وهذا (على المحكّ):
قال الألباني: حسن صحيح. هل يشمل هذا من تعمّد ترك الصلاة على
آله، وصلّى عليه وحده، وهي الصلاة البتراء، كيف وفي أحاديث أبي سعيد الخدري، وكعب بن عجرة، وأبي حُميد الساعدي، وعبد الله بن مسعود كلّهم رووا عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كيفية الصلاة الإبراهيمية: (اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم)، وقد رواها ابن ماجة قبل حديث ابن عبّاس، فماذا يكون الجواب يوم الحساب؟
10- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1046) عن ابن عبّاس، قال: كانت امرأة تصلّي خلف النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يستقدّم في الصف الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخّر، فإذا ركع قال هكذا، ينظر من تحت أبطه، فأنزل الله: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ(1)، في شأنها.
(على المحكّ):
قال الألباني: صحيح. فما رأي زوامل الأسفار في تعديل الصحابة، وأنّهم كلّهم عدول؟
11- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1068) عن ابن عبّاس، قال: افترض الله الصلاة على لسان نبيّكم صلي الله عليه وآله وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين.
قال الألباني: صحيح.
12- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1069) عن ابن عبّاس: أنّ
1) - سورة الحجر/24.
رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء، ولا يطلبه عدوّ، ولا يخاف شيئاً.
(على المحكّ):
لقد ورد عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وسُئل عن ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أُمّته، كما في صحيح مسلم(1).
13- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (10 صلي الله عليه وآله وسلم2) عن ابن عبّاس، يقول: فرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم صلاة الحضر وصلاة السفر، فكنّا نصلّي في الحضر قبلها وبعدها، وكنّا نصلّي في السفر قبلها وبعدها.
قال في (مجمع الزوائد): إسناده حسن.
14- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1201) عن ابن عبّاس، قال: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان يوتر على راحلته.
15- وروى في كتابه السابق برقم (1235) عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: (ادعوا لي عليّاً)، قالت عائشة: يا رسول الله! ندعو لك أبا بكر؟ قال: (ادعوه)، قالت حفصة: يا رسول الله! ندعو لك عمر؟ قال: (ادعوه)، قالت أُمّ الفضل: يا رسول الله! ندعو لك العبّاس؟ قال: (نعم)، فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم رأسه، فنظر فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فقالت عائشة: يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
1) - صحيح مسلم 2/152، ط صبيح بمصر.
إنّ أبا بكر رجل رقيق حَصِر، ومتى لا يراك يبكي، والناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلّي بالناس، فخرج أبو بكر فصلّى بالناس، فوجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خفّة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان في الأرض، فلمّا رآه الناس سبّحوا بأبي بكر، فذهب ليستأخر، فأومأ إليه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أي: مكانك، فجاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر، وكان أبو بكر يأتم بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عبّاس: وأخذ رسول الله من القراءة حيث كان بلغ أبو بكر.
-- قال وكيع: وكذا السُنّة -- قال عبد الباقي في (الزوائد): وإسناده صحيح ورجاله ثقات، إلاّ أنّ أبا إسحاق قد اختلط بآخر عمره وكان مدلّساً، وقد رواه بالعنعنة، وقد قال البخاري: لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من أرقم بن شرحبيل.
وقال الألباني: حسن دون ذكر علي.
(على المحكّ):
أقول: ومن حقّنا أن نسأل الذين رووا هذا وقالوا في إسناده: صحيح ورجاله ثقات، أو حسن دون ذكر علي: ألستم قلتم في البخاري ما قلتم ثناءً وإطراءً، والرجل أخبر منكم في الحديث وهو يقول: لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من أرقم بن شرحبيل؟! وهذا الخبر فيه عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل، مضافاً إلى أنّ أبا إسحاق اختلط بآخر عمره وكان مدلّساً، وفوق هذا أنّ إسرائيل ابنه قال فيه القطّان: روى عنه مناكير، وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر، قال: عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لصّ يسرق الحديث.. إلى غير هذا من تجريح على أنّ وكيع الذي قيل لأحمد بن حنبل: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بن مهدي بقول من
نأخذ؟ فقال: عبد الرحمن يوافق أكثر وخاصّة في سفيان، وعبد الرحمن يسلم منه السلف ويجتنب شرب المسكر، وكان لا يرى أن تزرع أرض الفرات، كلّ هذا تعريض بوكيع الذي روى الحديث، وعقّب على قراءة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من حيث كان بلغ أبو بكر وزعم كذا السُنّة؟ من أين السُنّة؟ ومهما يكن فقد كان يلحن، قال ابن المديني: ولو حدّثت بألفاظه لكانت عجباً.
ولنترك جانب السند، ولننظر في المتن، وهو يستبطن كذبه، فإنّ راويه عن ابن عبّاس غفل عن أنّ ابن عبّاس كان ينقد عائشة إذ لم تسمّ أحد الرجلين الذين خرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يهادى بينهما، فسمّت الفضل -- وفي رواية العبّاس -- ولم تذكر الثاني، فجاء الراوي عنها ذلك فسأل ابن عبّاس، فأخبره أنّه عليّ بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفساً أن تذكره بخير، فما باله هو لم يسمّ الرجلين معاً، فهل نفسه أيضاً لا تطيب أن يذكر أباه، أو أخاه، أو ابن عمّه؟!
ودع عنك المناقشة في صحّة الأمر بالصلاة، وما دامت عن أمره صلي الله عليه وآله وسلم فلماذا خرج؟!
وإذا قيل: وجد خفّة؛ فمن زعمها غفل أنّه صلي الله عليه وآله وسلم خرج بين رجلين تهادى ورجلاه تخطّان في الأرض، فأين الخفّة؟! ومعها لا يحتاج أن يصلّي جالساً.
ثمّ كيف صلّى بقراءة ناقصة، إذ زعم وكيع: قرأ من حيث بلغ أبو بكر، فصلاة المسلمين في قرائتهم ملفّقة بين قراءة أبي بكر وقراءة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم! ولم يسمع في شرع الله في كتابه ولا في سُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم مثل تلك الصلاة الملّفقة!
16- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1266) عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عبّاس أسأله عن الصلاة
في الاستسقاء؟ فقال ابن عبّاس: ما منعه أن يسألني؟ قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم متواضعاً متبّذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً، فصلّى ركعتين كما يصلّي في العيد، ولم يخطب خطبتكم هذه.
(على المحكّ):
لماذا لم يسمّ الراوي الأمير الذي يجهل كيفية صلاة الاستسقاء؟! ويبدو أنّه كان معلوماً، لذا قال ابن عبّاس: ما منعه أن يسألني، غير أنّ رواة السوء كتموا اسمه وكنّوا عنه بأمير من الأمراء. وما دام في السند وكيع، فهو يغني في سقوطه عن ذكر حال الجميع.
17- وروى في كتابه برقم (1363) عن ابن عبّاس أنّه نام عند ميمونة زوجة النبيّ وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأهله في طولها، فنام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حتّى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ النبيّ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثمّ قرأ العشر آيات من آخر سورة آل عمران، ثمّ قام إلى شنّ معلّقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثمّ قام يصلّي، قال: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثمّ ذهبت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يده اليمنى على رأسي فأخذ أذني اليمنى يفتلها، فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذّن فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج إلى الصلاة.
قال الألباني: صحيح.
18- وروى في كتاب إقامة الصلاة برقم (1520) عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أدخل رجلاً قبره ليلاً وأسرج في قبره.
(على المحكّ):
هذا الحديث إسناده حسن، كما قال الألباني، ومتنه واضح الدلالة في جواز الإسراج على القبر. فماذا يقول الأثريون في هذا؟
19- وروى في كتاب الجنائز برقم (1618) عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سألت عائشة، فقلت: يا أمه! أخبريني عن مرض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قالت: اشتكى فعلق ينفث، فجعلنا نشّبه نفثه بنفثة آكل الزبيب، وكان يدور على نسائه، فلمّا ثقل أُستاذنهنّ أن يكون في بيت عائشة وأن يدرن عليه، قالت: فدخل عليَّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو بين رجلين -- ورجلاه تخطّان بالأرض -- أحدهما العبّاس. فحدّثت به ابن عبّاس، فقال: أتدري من الرجل الذي لم تسمّه عائشة، هو عليّ بن أبي طالب.
قال الألباني: صحيح في دون جملة الزبيب.
(على المحكّ):
هذا رواه غير واحد من أهل الحديث والتاريخ، راجع الجزء الثالث من هذه الموسوعة(1)، تجد أخرجه الطبري في تاريخه(2)، وابن إسحاق كما في (سيرة ابن هشام)(3)، وحسبك منهم البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء في باب الغسل والوضوء في المخضب(4)، وفي كتاب الطب باب
اللدود(1)، وأخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة في باب استخلاف الأيّام إذا عرض له عذر(2)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده في مسند عائشة(3)، وأحمد بن حنبل في مسنده(4)، وابن كثير في (السيرة النبوية)(5)، وفي (البداية والنهاية)(6)، وغيرهم.. وفي جملة من المصادر حذف آخر كلمة ابن عبّاس... ولكنّها لا تقدر على أن تذكره -- يعني عليّاً -- بخير وهي تستطيع. وأفظع من هذا كلّه ما في (سمط النجوم العوالي)(7)، حيث حذف سؤال الراوي وجواب ابن عبّاس بالمرّة، وذكرت عائشة عليّاً!
20- وروى في كتاب الطلاق برقم (2016) عن ابن عبّاس، عن عمر ابن الخطّاب: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم طلّق حفصة، ثمّ راجعها.
وحكم الألباني بصحّته.
21- وروى في كتاب التجارات برقم (2257) عن أبي هريرة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، فقلت: إنّي سمعت ابن عبّاس يقول غير ذلك، قال: أما أنّي لقيت ابن عبّاس فقلت: أخبرني عن هذا الذي تقول في الصرف، أشيء سمعته من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أم شيء وجدته في كتاب الله؟ فقال: ما وجدته في
كتاب الله ولا سمعته من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولكن أخبرني أسامة بن زيد: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّما الربا في النسيئة).
حكم الألباني بصحّته.
22- وروي أيضاً في كتاب التجارات برقم (2258) عن أبي الجوزاء، قال: سمعته يأمر بالصرف -- يعني ابن عبّاس -- ويحدّث ذلك عنه، ثمّ بلغني أنّه رجع عن ذلك، فلقيته بمكّة، فقلت: إنّه بلغني أنّك رجعت؟ قال: نعم، إنّما كان ذلك رأياً منّي، وهذا أبو سعيد يحدّث عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّه نهى عن الصرف.
حكم الألباني بصحّته.
23- روى في كتاب الرهون برقم (2439) عن ابن عبّاس، قال: أصاب نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم خصاصة، فبلغ عليّاً، فخرج يلتمس عملاً يصيب فيه شيئاً ليقيت به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأتى بستاناً لرجل من اليهود، فاستسقى له سبعة عشر دلواً، كلّ دلو بتمرة، فخيّره اليهودي من تمره سبع عشر تمرة، فجاء بها إلى نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم.
(على المحكّ):
أين عنه أصحاب الأموال من الصحابة من مهاجرين وأنصار، والمزاعم ذات الطول والعرض في كثرة المال والسخاء الحاتمي، ولا أشاء أن أسمّي، ولمّا كان الخبر فيه فضيلة لعليّ عليه السلام حكم الألباني بضعفه جدّاً! وحكى عبد الباقي عن (الزوائد) عن أحمد وغيره تضعيف حنش، واسمه حسن بن قيس.
25- وروى في كتاب الحدود برقم (2553) عن ابن عبّاس، قال: قال عمر بن الخطّاب: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتّى يقول قائل: ما أجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة من فرائض الله، ألا وأنّ
الرجم حقّ إذا أحصن الرجل وقامت البينة، أو كان حمل، أو اعتراف، وقد قرأتها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، رجم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده.
(على المحكّ):
قال النووي: في إعلان عمر بالرجم وهو على المنبر وسكوت الصحابة عن مخالفته بالإنكار دليل على ثبوت الرجم، وحكم الألباني بصحّة الحديث. فماذا موقف المسلمين اليوم من هذا الحكم الثابت، والذي قرأه عمر (الشيخ والشيخة...)؟
26- وروي في كتاب الديّات برقم (2621) عن سالم أبي الجعد، قال: سُئل ابن عبّاس عمّن قتل مؤمناً متعمداً، ثمّ تاب وآمن وعمل صالحاً، ثمّ اهتدى؟ قال: ويحه وأنّى له الهدى، سمعت نبيّكم صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (يجيء القاتل والمقتول يوم القيامة متعلّق برأس صاحبه، يقول: يا ربّ سل هذا لم قتلني)، والله لقد أنزلها الله عزّ وجلّ على نبيّكم، ثمّ ما نسخها بعد أن أنزلها.
حكم الألباني بصحّته.
27- وروى في كتاب المناسك برقم (2934) عن عبد بن حنين: أنّ عبد الله بن عبّاس والمسوّر بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عبّاس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عبّاس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عبّاس أسألك كيف كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ قال فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأ حتّى
بدا لي رأسه، ثمّ قال لإنسان يصب عليه: أصبب، فصب على رأسه، ثمّ حرّك رأسه بيديه. فأقبل بهما وأدبر، ثمّ قال: هكذا رأيته صلي الله عليه وآله وسلم يفعل.
28- وروى في كتاب المناسك برقم (3039) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: (ألقط لي حصى)، فلقطت له سبع حصيات هنّ حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفّه، ويقول: (أمثال هؤلاء فارموا)، ثمّ قال: (يا أيّها الناس! إياكم والغلوّ في الدين، فإنّه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين).
حكم الألباني بصحّته.
29- وروى في كتاب المناسك برقم (3041) عن ابن عبّاس، قال: إذا رميتم الجمرة فقد حلّ لكم كلّ شيء إلاّ النساء، فقال له رجل: يابن عبّاس! والطيب؟ فقال: أمّا أنا فقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟
30- وروى في كتاب الأطعمة برقم (3377) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا وضع الطعام فخذوا من حافته وذروا وسطه، فإنّ البركة تنزل في وسطه).
31- وروى في كتاب الأطعمة برقم (3347) عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون العشاء، وكان عامّة خبزهم الشعير.
32- وروى في كتاب الأشربة برقم (3383) عن ابن عبّاس، قال: بلغ عمر أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لعن الله اليهود حرمّت عليهم الشحوم فحملوها فباعوها).
(على المحكّ):
الراوي صحابي، والمروي عنه اللعن صحابي، والملعون المغضوب عليه صحابي، فأين صارت مقولة الصحابة كلّهم عدول؟! وهاهم يلعن بعضهم بعضاً! وقد مرّ هذا الخبر من قبل عن صحيح مسلم فيما أظنّ.
33- وروى في كتاب الطبّ برقم (3440) عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عاد رجلاً، فقال له: (ما تشتهي؟) فقال: خبز برّ، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (من كان عنده خبز برّ فليبعث إلى أخيه)، ثمّ قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً فليطعمه).
وهذا الذي رواه ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم توصّل إليه الطبّ الحديث في القرن العشرين.
34- وروى في كتاب الطبّ برقم (3525) عن ابن عبّاس، قال: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يعوّذ الحسن والحسين، يقول: (أعوذ بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة)، قال: وكان أبونا إبراهيم يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق، أو قال: إسماعيل ويعقوب. وهذا حديث وكيع.
35- وروى أيضاً في كتاب الطبّ برقم (3526) عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان يعلّمهم من الحمّى ومن الأوجاع كلّها أن يقولوا: (بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شرّ عرق نعّار، ومن شرّ حرّ النار).
36- وروي أيضاً في كتاب الطبّ برقم (3539) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر).
حكم الألباني بصحّته.
قال ابن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب (السنن)، جمعت فيها أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه.
وعن الخطابي صاحب (معالم السنن شرح أبي داود): سمعت أبا سعيد ابن الأعرابي ونحن نسمع منه كتاب السنن لأبي داود، وأشار إلى النسخة التي بين يديه، يقول: لو أنّ رجلاً لم يكن عنده شيء من كتب العلم إلاّ المصحف الذي فيه كلام الله، ثمّ هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة (؟)
وللأحلام والرؤى من التأثير في الهوى ما ينشّط القوى، فقد قال النووي في (تهذيب الأسماء): (وروينا عن المحسن بن محمّد بن إبراهيم الواذاري قال: رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام فقال: من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود)(1).
وقال الخطابي: لم يصنّف في حكم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافّة (؟) فصار حَكَماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وعليه معوّل أهل العراق ومصر والمغرب وكثير من
1) - تهذيب الأسماء واللغات 2/227.
أقطار الأرض، وقد حلّ كتابه هذا عند أهل الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب، فضربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرُحل. والخطابي هذا هو محمّد بن إبراهيم بن الخطّاب من ولد زيد بن الخطّاب (ت388ه-).
أقول: وله (معالم السنن شرح أبي داود)، وله (أعلام السنن شرح البخاري)، وله كتاب (غريب الحديث)، في غاية الحسن -- كما قيل -- وكتاب (إصلاح غلط المحدّثين)، وغير ذلك، فهو في فقهه وحديثه وأدبه من المبرزّين، وقد استفدت من كتابه (معالم السنن) في معرفة أثر ابن عبّاس في كتاب سنن أبي داود على المحكّ.
1- جاء في كتاب الطهارة(1)عن أبي التياح، قال: حدّثني شيخ، قال: لمّا قدم عبد الله بن عبّاس البصرة فكان يحدّث عن أبي موسى، فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى: أنّي كنت مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم، فأراد أن يبول فأتى دَمَثا في أصل جدار فبال، ثمّ قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً).
(على المحكّ):
هذا تفرّد به أبو داود، كما في (ذخائر المواريث)، وهو مع جهالة الشيخ الذي حدّث أبا التياح، لهذا عدّ الألباني الحديث ضعيفاً، وأشار إلى كتابه ضعيف (الجامع الصغير)(2)، و(المشكاة)(3)، وزعم أنّ ابن عبّاس لمّا
قدم البصرة كان والياً عليها من قبل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو الذي عزل أبو موسى عن ولاية الكوفة قبل حرب الجمل، ولم يكن الحال بينهما على ما يرام بعد ذلك، ففي صفّين اختلفت مواقفهما، وحتّى في تحفظه على اختيار أبي موسى حَكَما، وإلى أن انتهت مهزلة التحكيم بين كلب وحمار كما يسمّيها العقاد، ويعني بهما: عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري، كما مرّ في الحلقة الأولى الجزء الرابع، فكيف نصدّق برواية أبي داود، وجوّها مشحون بعلامات الاستفهام؟ ألم يرو أبو داود في مفتتح كتابه أوّل حديث ذكره عن المغيرة بن شعبة: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد، وهذا أخرجه الترمذي في الطهارة برقم (20)، والنسائي في الطهارة برقم (17)، وابن ماجة في الطهارة برقم (331). (؟)
ألم يرو أبو داود ثاني حديث في كتابه عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتّى لا يراه أحد، وهذا أخرجه ابن ماجة في الطهارة برقم (335)، فكيف صار أبو موسى الأشعري المحظوظ بالصحبة يرى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أتى دَمثاً في أصل جدار فبال؟ لم يكن معه أحد من شيوخ الصحابة الكرام ولا من أهل بيته عليهم السلام؟! (إنّها أحاديث طسم تترك القلب لاهيا).
2- أخرج أبو داود في كتاب الصلاة، باب السجود عن الآيات برقم (1197) بسنده عن عكرمة، قال: قيل لابن عبّاس: ماتت فلانة -- بعض أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم- فخرّ ساجداً، فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم آية فاسجدوا)، وأيّ آية أعظم من ذهاب أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
(على المحكّ):
إنّي على ريبة من صحّة هذا الحديث، وهو كما قال الترمذي وقد أخرجه في سننه أيضاً، فقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه).
قلت: إنّ أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم اللواتي مات عنهنّ تسع، وقد أدرك ابن عبّاس وفاتهن إن لم يكن كلّهن، فلا أقلّ بعضاً ممّن كان له معهنّ ألفة، أو زيارة، كخالته ميمونة وأُمّ سلمة، وحتّى عائشة، فلماذا لم يكرّر السجدة عند موت كلّ منهنّ؟ ولو كان قد فعل لنقل ذلك متضافراً.
ويبقى الغموض يلفت النظر لماذا لم تسمَّ تلك التي سجد ابن عبّاس عند موتها من أُمّهات المؤمنين؟
وفي تقديري -- إن صحّ الخبر -- إنّها تلكم هي الوحيدة التي سجد ابن عبّاس عند موتها لما رأى في موتها نحو تبدّل، وأنّها كانت ذات شأن لها مع ابن عبّاس في حياتها، وإذا قرأنا تاريخه نجد ثلاثاً من أُمّهات المؤمنين، كانت لابن عبّاس معهّن إلفة، أو زيارة:
فميمونة خالته هي التي تمتاز عنهنّ بكثرة الزيارات وقوّة الاتصال لقربى الرحم، حتّى كان قد بات عندها مرّة كما مرّ، فلمّا ماتت وقد حضر تشييعها ودفنها، وقال لحاملي نعشها: إذا رفعتم نعشها فلا تزلزلوها ولا تزعزعوها، وقال: أرفقوا بها فإنّها أُمّكم(1).
والثانية: أُمّ سلمة، وهذه أيضاً توفيت في حياة ابن عبّاس، وله معها خبر
1) - طبقات ابن سعد 8/140 دار صادر.
في شهادة الحسين عليه السلام سنة 61ه- .
والثالثة: عائشة، ولها مع ابن عبّاس عدّة مواقف متشنّجة، بدءاً من يوم الصلصل في أيّام عثمان، ثمّ في حرب الجمل فيما بعد، وكلامه معها في دفن الحسن عليه السلام، وليس آخرها يوم تنازع غلمانها مع غلمان ابن عبّاس، فأقبلت راكبة بغلة، فلقيها ابن أبي عتيق فأقسم عليها وأعادها قائلاً يوماً على جمل ويوماً على بغل يا عمّة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل حتّى تريدين أن يقال يوم البغل، وبقيت مواقفها مع ابن عبّاس متشنّجة حتّى عند موتها، فقد جاء لعيادتها فتمنعت، ثمّ أذنت له، فهل هي التي سجد ابن عبّاس عند موتها إذ رأى في موتها نحو تبدّل لأنّه استراح من عنصر مهمّ من عناصر الكراهية والشنئآن بينهما؟
ومهما يكن، فالحديث أخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي ولم يسمّياها، غير أنّ بعض من ذكر سجوده قال أنّها سودة، وهذه ماتت سنة 54ه-، ولا أعلم لماذا سمّاها؟!
3- أخرج أبو داود في كتاب الطهارة في باب التيمم في الحضر، بسنده عن عمير مولى ابن عبّاس: أنّه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حتّى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمّة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلّم عليه فلم يردّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليه السلام، حتّى أتى على جدار فمسح وجهه ويديه، ثمّ ردّ عليه السلام.
وأخرج أبو داود أيضاً بسنده عن محمّد بن ثابت العبدي، عن نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عبّاس، فقضى ابن عمر حاجته،
فكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في سكّة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، حتّى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكّة، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثمّ ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثمّ ردّ على الرجل السلام، وقال: (أنّه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلاّ أنّي لم أكن على طهر).
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمّد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم.
قال ابن داسة، قال أبو داود: لم يتابع محمّد بن ثابت في هذه القصّة على (ضربتين) عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ورووه فعل ابن عمر.
أقول: ما دام الحديث مخدوش سنداً بمحمّد بن ثابت، كما عن أحمد ابن حنبل، فلماذا أخرجه وعقد له باباً؟! وكيف تكون صحّة ما مرّ من قوله في سننه وتوثيق أخباره وقول الخطابي.
وأخيراً لا آخراً ما روي في المنام من كرامة السنن في الأحلام؟ وآخر المطاف صار الحديث من فعل ابن عمر، إنّها بلية الموروث وتزكية رجال النخب، وزاد الحيرة إخراج البخاري ومسلم لهذا في كتاب الطهارة، وتبعهما النسائي في (السنن).
4- أخرج أبو داود في كتاب الطهارة في باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، بسنده عن عكرمة: أنّ أُناساً من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا بن عبّاس! أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا ولكنّه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل؟ كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان
مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنّما هو عريش، فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في يوم حارّ وعرق الناس في ذلك الصوف، حتّى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلمّا وجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم تلك الريح، قال: (أيّها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسّ أحدكم أفضل ما يجد من دُهنه وطيبه). قال ابن عبّاس: ثمّ جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسّع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم من العرق. اه- .
أقول: وهذا الذي ذكره ابن عبّاس في حكمة التشريع لا يخالفه فيه أحد، غير أنّ عمر بن الخطّاب بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان ابن عفّان فقال عمر: أتحتبسون عن الصلاة؟ فقال عثمان: ما هو إلاّ أن سمعت النداء فتوضأت، فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ أو لم تسمعوا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، فهذا الخبر وقد أخرجه أبو داود في أوّل باب الغسل يوم الجمعة، وأخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم أيضاً في كتاب الجمعة باب فضل الغسل عن ابن عمر عن عمر، وأخرجه أيضاً عن أبي هريرة عن عمر في كتاب الجمعة باب فضل الجمعة، وأخرجه الترمذي والنسائي عن عمر.
فهؤلاء الخمسة من أصحاب الصحاح الستّة رووا خبر عمر، وإنكاره على عثمان عدم الغسل، وسكت عليه عند سماعه عذره، ممّا دلّ على الاستحباب وعدم وجوب الغسل، وهذا يتّفق ورأي ابن عبّاس وروايته، وأنّه غير محتوم.
5- ومن أحاديث أبي داود عن ابن عبّاس في سننه في كتاب الصلاة في باب ما جاء في المواقيت، وهو بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أمنَّي جبريل عليه السلام عند البيت مرّتين، فصلّى الظهر حين زالت
الشمس وكانت قدر الشراك، وصلّى بي العصر حين كان ظلّه مثله، وصلّى بي -- يعني المغرب -- حين أفطر الصائم، وصلّى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلّى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم. فلمّا كان الغد صلّى بي الظهر حين كان ظلّه مثله، وصلّى بي العصر حين كان ظلّه مثليه، وصلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلّى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلّى بي الفجر فأسفر، ثمّ التفت إليَّ فقال: يا محمّد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين).
وهذا الحديث أخرجه أحمد، والشافعي، وابن خزيمة، والدارقطني، وصحّحه ابن العربي في عارضة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي تبعاً له، حيث قال الترمذي: حديث ابن عبّاس حديث حسن صحيح، وقد اعتمد الشافعي هذا الحديث وعوّل عليه في بيان مواقيت الصلاة له، بقي حديث ابن عبّاس يرجع إليه في تعيين المواقيت حتّى من غير التصريح باسمه، كما في كتاب (عوالي اللئالي)، وعنه في (مستدرك الوسائل)(1)من كتب الإمامية، وممّن أشار إليه العلاّمة الحلّي في (منتهى المطلب)(2).
6- أخرج أبو داود في كتاب الصلاة في باب بناء المسجد، بسنده عن يزيد بن الأصم، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما أمرت بتشييد المساجد)، قال ابن عبّاس: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى.
وهذا وإن تفرّد به أبو داود، فقد صدق ابن عبّاس في توقعه، وزيّنت
بالذهب أبواب بعضها، وحتّى القباب فيها، وهذا من المنهيّ عنه.
7- أخرج أبو داود في كتاب الجهاد باب في الأسير يكره على الإسلام، بسنده عن ابن عبّاس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة(1)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلمّا أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ(2).
(على المحكّ):
هذا الخبر ذكره السيوطي في (الدرّ المنثور)(3)، وقال: وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحّاس في ناسخه، وابن مندة في غرائب شعبه، وابن حبّان، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والضياء في المختارة، عن ابن عبّاس، قال: كانت المرأة من الأنصار... وقد ذكر السيوطي عن ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عبّاس في قوله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: ألا استكرههما فإنّهما قد أبيا إلاّ النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك. فأي الخبرين عن ابن عبّاس هو الصحيح؟
8- أخرج أبو داود في كتاب الجهاد باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة، بسنده عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة إلى ابن عبّاس يسأله عن
كذا وكذا، وذكر أشياء، وعن المملوك: أله في الفيء شيء؟ وعن النساء هل كنّ يخرجنّ مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟ وهل لهن نصيب؟ فقال ابن عبّاس: لولا أن يأتي أحموقة ما كتبت إليه، أمّا المملوك فكان يُحذى، وأمّا النساء فكنّ يداوين الجرحى ويسقين الماء.
وأعاد أبو داود هذا بسند آخر عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عبّاس يسأله عن النساء، هل كنّ يشهدن الحرب مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ وهل كان يضرب لهنّ بسهم؟ قال: فأنا كتبت كتاب ابن عبّاس إلى نجدة: قد كنّ يحضرن الحرب مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأمّا أن يضرب لهنّ بسهم فلا، وقد كان يرضخ لهنّ.
(على المحكّ):
خبر يزيد بن هرمز يثير علامة استفهام (؟) فما دام هو كاتب الكتاب كما يزعم فما باله روى أوّلاً قول ابن عبّاس: (لولا أن يأتي أحموقة ما كتبت إليه)؟ ثمّ لم يذكر هذا ثانياً في السند الثاني؟ فمن الذي غيّر وبدّل؟
مع أنّ هذا الخبر أخرجه مسلم في الجهاد باب النساء الغازيات، فيذكره بستّة أسانيد جميعها عن يزيد بن هرمز، ولكنّها تختلف متونها بالزيادة والنقصان، وحتّى في الذي رواه مسلم عن يزيد بن هرمز، وفيه لفظ: (أحموقة)، ففيه زيادة في المسائل، كما هي على النحو التالي: عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عبّاس يسأله: عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ وعن قتل الولدان؟ وعن اليتيم متى ينقطع عنه اليتم؟ وعن ذوي القربى من هم؟ فقال ليزيد: أكتب إليه -- فلولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه -- أكتب إنّك كتبت تسألني عن المرأة
والعبد يحضران المغنم هل يقسم لهما شيء؟ وأنّه ليس لهما شيء إلاّ أن يحذياً، وكتبت تسألني عن قتل الولدان؟ وأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لم يقتلهم، وأنت فلا تقتلهم إلاّ أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى من الغلام الذي قتله، وكتبت تسألني عن اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتم؟ وأنّه لا ينقطع عنه اسم اليتم حتّى يبلغ ويؤنس منه رشد، وكتبت تسألني عن ذوي القربى من هم؟ وإنّا زعمنا أنّا هم، فأبى ذلك علينا قومنا(1).
فأين الصحيح من تلك الصور المختلفة؟! وإذا حمّلنا الرواة عن يزيد ابن هرمز مسؤولية ذلك التفاوت والاختلاف، فكيف نصف مصادر الخبر بالصحّة، ونغالي فيها، فهذا كذا، وهذا كذا.. وإذا راجعنا بقية المصادر كسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن البيهقي، وغيرها من المصادر الحديثية نجد المتون مختلفة في ذكر عدد المسائل، ونجد خبر الأحموقة عليه الأعلوقة -- فأين الثقة الموثوقة؟!!
وورد في (مسند أحمد) بتحقيق شاكر ستّ مرّات، خمس منها عن يزيد بن هرمز، وواحدة عن عطاء، ومدى الاهتمام بخبر يزيد بن هرمز حتّى أخرجوه مراراً، وهو لم يكن بذلك الرجل الذي يثير الاهتمام كما أثار الاستفهام! فقد ورد في (الجامع في الجرح والتعديل)(2)، قال البخاري: قال لي علي، قال عبد الرحمن: يزيد بن هرمز هو الفارسي، فذكرته ليحيى، فلم يعرفه، وكان يكون مع الأمراء(3).
وأغرب الذهبي في (ميزان الاعتدال) حين قال في ترجمته: (يزيد بن هرمز المدني الفقيه، كذا سمّاه أبو حاتم، وقال: ليس بقوي.
قلت -- والقائل الذهبي -- : هذا والد عبد الله بن زيد، يروي عن أبي هريرة وابن عبّاس، وعنه الزهري وجماعته، وثّقه ابن معين وأبو زرعة)(1).
أقول: وممّا يلفت النظر! وجود التفاوت في ذكر المسائل والجوابات، ولعلّ أهم ذلك أنّه ذكر في جواب سهم ذوي القربى:
(فإنّا كنّا نرى أنّه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا)(2).
(وإنّا كنّا نراها لقرابة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فأبى ذلك علينا قومنا)(3).
(وإنّا كنّا نرى قرابة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فأبى ذلك علينا قومنا)(4).
(وأمّا الخمس فكنّا نقول إنّه لنا، فزعم قومنا أنّه ليس لنا)(5).
(هو لنا، لقربى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قسَمه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لهم، وقد كان عمر عَرَض علينا منه شيئاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله، وكان الذي عَرَض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك)(6).
(ولقربى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قسَمه لهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقد كان عمر
عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله)(1).
هذا كلّه من رواية يزيد بن هرمز الذي زعم أنّه هو الذي كتب الكتاب كما مرّ عن سنن أبي داود، فلماذا هذا التفاوت في النقل المخلّ بالأمانة؟!
ثمّ أين هذا من قول سفيان في حديثه: عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.. وقال مرّة سفيان: ولا أعلمه إلاّ عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقال: (من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن)(2)، في كتاب الصيد باب في اتّباع الصيد، وقد أخرجه الترمذي في الفتن باب سكنى البادية.. الخ، والنسائي مرفوعاً في الصيد باب ما أصاب بجد من صيد المعراض.
9- أخرج أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء باب في اتّخاذ الكاتب: بسنده عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاس، قال: السجلّ: كاتب كان للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(3).
(على المحكّ):
قال ابن القيم: سمعت شيخنا ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كاتب اسمه السجلّ قطّ، وليس في الصحابة من اسمه السجلّ، وكتّاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم معروفون لم يكن فيهم من يقال له: السجلّ،
وقوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ(1)آية مكّية، ولم يكن لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كاتب بمكّة، والسجلّ هو الكتاب المكتوب اه-
ونقل صاحب (عون المعبود): إنّ السجل: هو الرجل بالحبشة (انتهى)، من تعليق الشيخ محي الدين عبد الحميد، هكذا في هامش النسخة ط حمص.
أقول:
أوّلاً: التنبيه على بعض ما في طبعات كتاب أبي داود من التشويه والتمويه، فإنّ الذي ذكرته أعلاه عن ابن القيّم من كلام شيخه ابن تيمية فقد ذكر في هامش ص348 ج3 الطبعة الأولى سنة1391ه- 1971م إعداد وتوثيق عزّت عبد الوهاب، نشر وتوزيع محمّد علي السيّد حمص، أشرف على الطبع محمّد رفيق السيّد، ولدى مراجعة سنن أبي داود طبعة دار الفكر ج3/132 كتاب الخراج باب في اتّخاذ الكاتب، وجدت الحديث برقم (2935) تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، وليس ثمّة أيّ تعليق له على هذا الحديث، فيا ترى من الذي أغاضه كلام ابن تيمية فحذفه في طبعة دار الفكر بيروت؟! مع أنّ المرحوم محي الدين قد أجهد نفسه في تحقيقه كما يبدو ممّا بقي له في طبعة دار الفكر بيروت!
ثانياً: ذكر في أوّل ج3 من هذه الطبعة (دار الفكر) كلاماً لابن قيّم الجوزية يتنافى مع ما مرّ من سماعه قول شيخه ابن تيمية، فقد قال: (كتاب السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني(ره) من علماء الإسلام
1) - سورة الأنبياء/104.
بالموضع الذي خصّه الله به، بحيث صار حكَماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحقّون، فإنّه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتّبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء)، فأين هذا جميعاً ممّا تقدّم عنه؟!
ثالثاً: ذكر السيوطي في (الدرّ المنثور)(1)، في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ(2)، فقال: وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مندة في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه وصحّحه، عن ابن عبّاس، قال: السجلّ كاتب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ قال السيوطي: وأخرج ابن المنذر، وابن عدي، وابن عساكر، عن ابن عبّاس، قال: كان لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كاتب يسمّى السجلّ، وهو قوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، قال: كطي الصحيفة على الكتاب.
10- أخرج أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء باب في أخذ الجزية من المجوس(3)، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عبّاس، قال: جاء رجل من الأسبذيّين من أهل البحرين وهم مجوس أهل هجر إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فمكث عنده، ثمّ خرج، فسألته: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شرّ، قلت: مه؟ قال: الإسلام، أو القتل، قال: فقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عبّاس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف، وتركوا ما
سمعت أنا من الأسبذي.
أقول: فهل كان ترك الناس للأخذ بقول ابن عبّاس لأنّهم رأوا قوله هذا كقوله في الصرف لمخالفته لما في الصحيح من سُنّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ أو رأوا في قوله فيما سمعه من الأسبذي خلافاً لسُنّة الخلفاء، كقوله بحلّية المتعتين: متعة الحجّ، ومتعة النساء؟ لم يتوضّح لي وجه ذلك! ويبقى هذا على المحكّ مع الشكّ فيه بين القبول والترك.
11- أخرج أبو داود في أوّل كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتدّ: بسنده عن عكرمة: أنّ عليّاً عليه السلام أحرق ناساً ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عبّاس، فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إنّ رسول الله قال: (لا تعذّبوا بعذاب الله)، وكنت قاتلهم بقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإنّ رسول الله قال: (من بدّل دينه فاقتلوه)، فبلغ ذلك عليّاً عليه السلام، فقال: (ويح ابن عبّاس)(1)
أخرجه البخاري مطولاً ومختصراً في الجهاد باب لا يعذّب بعذاب الله، والترمذي في الحدود باب في المرتدّ، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب تحريم الدم باب الحكم في المرتدّ، وابن ماجة في الحدود باب المرتدّ عن دينه
2- المقاريف: المقرف من الخيل هو الهجين الذي أُمّه برذونة وأبوه عربي، أو بالعكس (المحقّق) عن هامش المطبوعة.
.قال الخطابي في (معالم السنن): قوله: (ويح ابن عبّاس) لفظ الدعاء عليه، ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في أبي بصير: (ويل أُمّه مسعر حرب)، وكقول عمر(رض) حين أعجبه الوادعي في تفضيل سُهمان الخيل على المقاريف(2): (هبلت الوادعي أُمّه لقد أذكرت به)،
1) - سنن أبي داود 4/520، ط حمص.
يريد ما أعلمه أو ما أصوب رأيه، وما أشبه ذلك من الكلام، وكقول الشاعر:
هوت أُمّه ما يبعث الصبح غاديا *** وماذا يردّ الليل حين يؤوب
ويقال: (وَيح) و(وَيس) بمعنى واحد، وقيل: (ويح) كلمة رحمة، وروي ذلك عن الحسن.
وقد اختلف الناس فيما كان من عليّ(كرّم الله وجهه) في أمر المرتدّين، فروى عكرمة أنّه أحرقهم بالنار، وزعم بعضهم: أنّه لم يحرقهم بالنار، ولكنّه حفر لهم أسراباً ودخّن عليهم واستتابهم، فلم يتوبوا حتّى قتلهم الدخان، واحتجّ أهل الرواية الأولى بقول الشاعر فيهم: ما أنشدنا ابن الأعرابي شيئاً عن أبي ميسرة عن الحميدي عن سفيان بن عيينة عن بعضهم في هذه القصّة:
لترم بي المنايا حيث شاءت *** إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما قرّبوا حطباً وناراً *** فذاك الموت نقداً غير دين
زعموا أنّه حفر لهم حفرا وأشعل النار، وأمر أن يرمى بهم فيها.
واختلف أهل العلم فيمن قتل رجلاً بالنار فأحرقه بها، هل يفعل به مثل ذلك، أم لا؟ فقال غير واحد من أهل العلم: يحرق القاتل بالنار، وكذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وروي معنى غير ذلك عن الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يقتل بالسيف، وروي ذلك عن عطاء. (خطابي).
أقول: لقد مرّ الكلام عن هذا فيما مرّ في فقه ابن عبّاس فلا حاجة إلى التعقيب عليه هنا.
وأولى منه بالتعقيب، ما رواه أبو داود في كتاب الحدود باب الحكم
في المرتد(1)بسنده عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان عبد الله بن سعد ابن أبي سرح يكتب لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأزلّه الشيطان فلحق بالكفّار، فأمر به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفّان، فأجاره رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. وهذا الخبر رواه أبو داود ثانية ممّا رواه عكرمة عن ابن عبّاس، كما في رواية مصعب بن سعد -- بن أبي وقاص -- ولفظه: قال: لمّا كان يوم فتح مكّة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفّان، فجاء به حتّى أوقفه على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كلّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟). فقالوا: ما ندري يا رسول الله! ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: (أنّه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين).
ولا بدّ من تعقيب عليه.
(على المحكّ):
فإنّ ابن أبي سرح كان يكتب للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فارتدّ عن الدين، ولحق بالمشركين، قال ابن هشام في سيرته(2): قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكّة، أن لا يقاتلوا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنّه كان قد عهد في نفر سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد أخو بني عامر بن لؤي،
وإنّما أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بقتله، لأنّه كان قد أسلم وكان يكتب لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الوحي، فارتدّ مشركاً راجعاً إلى قريش، ففرّ إلى عثمان بن عفّان، وكان أخاه للرضاعة، فغيّبه حتّى أتى به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعد أن طمأن الناس وأهل مكّة، فاستأمن له، فزعموا أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم صمت طويلاً، ثمّ قال: (نعم)، فلمّا انصرف عنه عثمان، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لمن حوله من أصحابه: (لقد صمتّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه)، فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أومأت إليَّ يا رسول الله؟ قال: (إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة).
قال ابن هشام: ثمّ أسلم بعد، فولاّه عمر بن الخطّاب بعض أعماله، ثمّ ولاه عثمان بن عفّان بعد عمر(1).
12- أخرج أبو داود في كتاب الحدود باب الحكم فيمن سبّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بسنده عن عكرمة، قال: حدّثنا ابن عبّاس: أنّ أعمى كانت له أُمّ ولد تشتم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلمّا كانت
1) - قال الزمخشري في تفسيره الكشّاف 3/180، ط البابي الحلبي بمصر سنة 1367ه- في تفسير قوله تعالى: ayebazأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى$ وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَىayebaste النجم/33 -- 34: روي أنّ عثمانرضي الله عنه كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح -- وهو أخوه من الرضاعة -- يوشك أن لا يبقى لك شيئاً، فقال عثمان: إنّ لي ذنوباً وخطايا، وإنّي أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء، فنزلت، ومعنى تولّى ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل... وقد (أقام عبد الله بن سعد -- وهو ابن أبي سرح أخو عثمان لأُمّه -- بعسقلان بعد قتل عثمان، وكره أن يكون مع معاوية، وقال: لم أكن لأجامع رجلاً قد عرفته أن كان ليهوى قتل عثمان)، المعرفة والتاريخ، للفسوي 1/254، وسير أعلام النبلاء 4/227، ط دار الفكر، ومختصر تاريخ دمشق، لابن عساكر 11/231، نقلاً عن هامش 3/83 من هذه الموسوعة.
ذات ليلة جعلت تقع في النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدمّ، فلمّا أصبح ذُكر لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فجمع الناس، فقال: (أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حقّ إلاّ قام)، فقام الأعمى يتخطّى الناس وهو يتزلزل حتّى قعد بين يدي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول اللهّ أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتّى قتلتها، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم (ألا اشهدوا أنّ دمها هدر).
قال الخطابي في (معالم السنن): (المغول شبه المشعَل، ونصله دقيق ماض، وفيه بيان أن ساب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مهدور الدم، وذلك أن السبّ منها لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ارتداد عن الدين، ولا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله، ولكن إذا كان السابّ ذميّا فقد اختلفوا فيه، فقال مالك بن أنس: ومن شتم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من اليهود والنصارى قتل، إلاّ أن يسلم، وكذلك قال أحمد بن حنبل...).
13- أخرج أبو داود في كتاب الحدود باب في المجنون يسرق أو يصيب حدّاً(1)، بسنده عن ابن عبّاس، قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناساً فأمر بها عمر أن ترجم، فمرّ بها على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: (ما شأن هذه)؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، قال: فقال عليّ: (ارجعوا بها)، ثمّ أتاه فقال: (يا أمير المؤمنين!
1) - سنن أبي داود 2/558 رقم 4399، ط حمص.
أما علمت أنّ القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتّى يبرأ، وعن النائم حتّى يستيقظ، وعن الصبي حتّى يعقل)؟ قال: بلى، قال: (فما بال هذه ترجم)؟ قال: لا شيء، قال: (فأرسلها)، قال: فأرسلها، قال: فجعل يكبّر.
(على المحكّ):
لقد شان على الخطابي حديث ابن عبّاس هذا! لأنّ فيه النقد الواضح لعمر، فأراد الخطابي تعذير عمّه -- لأنّه هو من أبناء زيد بن الخطّاب -- فقال: (قلت: لم يأمر عمر رضي الله عنه برجم مجنونة مطبق عليها في الجنون، ولا يجوز أن يخفى هذا عليه، ولا على أحد ممّن بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت تجنّ مرّة وتفيق أخرى، فرأى عمر رضي الله عنه أن لا يسقط عنها الحدّ لما يصيبها من الجنون إذا كان الزنا منها في حالة الإفاقة، ورأى عليّ كرّم الله وجهه: أنّ الجنون شبهة يدرأ بها الحدّ عمّن يُبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات، فلعلّها قد أصابت ما أصابت وهي في بقية من بلائها، فوافق اجتهاد عمر رضي الله عنه اجتهاده في ذلك فدرأ عنها الحدّ، والله أعلم بالصواب)، (خطابي) عن هامش المصدر.
أقول: إنّ ابن عبّاس روى الخبر حين رواه لم يكن بدافع الحمية لابن عمّه كما فعل الخطابي، بل لبيان حكم شرعي خفي على عمر علمه، ودلّ على هذا أنّه لم يناقش فيما قاله عليّ كرّم الله وجهه، وزادنا بصيرة قول ابن عبّاس: فجعل يكبّر -- يعني: عمر -- وليس ذاك منه بمستغرب وهو القائل: (لولا عليّ لهلك عمر)، في أكثر من مرّة(1).
1) - الفخر الرازي في الأربعين: 466 والخوارزمي في المناقب فصل 7 ح65، والجويني في فرائد السمطين 1/351 ح376، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: 130، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب باب 57/219، وابن قيم الجوزية في الطرق الحكمية: 46، وغيرها.
14- أخرج أبو داود في الموضع السابق، بسنده عن ابن عبّاس أيضاً، قال: مرّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، بمعنى عثمان، قال: أو ما تذكر أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ، وعن الصبي حتّى يحتلم)؟ قال: صدقت، قال: فخلى عنها.
وهذا (على المحكّ) أيضاً، فإنّ رواية أبي داود لا تخلو من إغماض ويحتاج القارئ إلى إيقاظ، فإنّ جملة: (بمعنى عثمان) لم يقلها ابن عبّاس، بل هي من أبي داود قالها إشارة إلى تعدّد الواقعة السابقة مرّة أخرى في أيّام عمر -- كما مرّ -- ومرّة أخرى في أيّام عثمان، وهذا أيضاً ثابت كما أخرجه العاصمي في (زين الفتى في شرح سورة هل أتى)(1).
15- أخرج أبو داود في سننه كتاب الحدود آخر باب في الرجم، بسنده عن ابن عبّاس: أنّ عمر -- يعني ابن الخطّاب -- رضي الله عنه خطب فقال: إنّ الله بعث محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ورجمنا من بعده، وإنّي خشيت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حقّ على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً، إذا قامت البيّنة، أو كان حمل، أو اعتراف، وأيم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله عزّ وجلّ لكتبتها.
1) - الغدير 8/214.
(على المحكّ):
هذا الخبر أخرجه البخاري -- مختصراً ومطولاً -- في الحدود باب رجم الحبلى، والترمذي في الحدود باب في تحقيق الرجم، ومسلم في الحدود باب رجم الثيّب في الزنا، وابن ماجة في الحدود باب الرجم، ونسبه المنذري للنسائي أيضاً (هامش ط حمص). فاتّفاق هؤلاء جميعاً على خطبة عمر في قوله: ما نجد آية الرجم في كتاب الله... وأيم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله عزّ وجلّ لكتبتها. فاتّفاقهم جميعاً أن ليس في الكتاب آية هي منه، بشهادة عمر فلماذا يعيبوا على غيرهم ويرمونهم بالعظائم بأنّهم يقولوا بتحريف الكتاب؟ وإلى متى يبقى التراشق بالتهم؟ والجميع في هذا ليست لديهم حجّة قاطعة على مزاعمهم، وكتاب الله فصيح صريح: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1)، ولكن قداسة الموروث أوردتنا المهالك. وهذا من ذلك.
16- أخرج أبو داود في سننه كتاب الأدب باب الاستئذان في العورات الثلاث، بسنده عن عكرمة: أنّ نفراً من أهل العراق قالوا: يا بن عبّاس! كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بها فيما أمرنا ولا يعمل بها أحد، قول الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
1) - سورة الحجر/9.
لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(1)؟ قال ابن عبّاس: إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين يحبّ الستر، وكان الناس لبيوتهم سُتور ولا حِجال، فربّما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحداً يعمل بذلك بعد.
(على المحكّ):
قال أبو داود: حديث عبيد الله وعطاء يفسد هذا الحديث.
أقول: ومراده بحديث عبيد الله وعطاء، هو ما قد ذكره قبل هذا في أوّل الباب، وفيه: أنّهما سمعا ابن عبّاس يقول: لم يؤمر بها لم يؤمن/خ ل -- أكثر الناس آية الإذن، وإنّي لآمر جاريتي هذه تستأذن عليَّ، وقد جمع بعضهم بين الحديثين بأن وجوب الإذن إذا لم يكن للبيت ستر وحجاب، وتركه إذا كان للبيت ذلك، كما هو صريح قول ابن عبّاس، وليس في هذا ما يستدعي الوقوف عنده على المحكّ.
لكن الذي يسترعي انتباهة القارئ، ما رواه أبو داود في باب اتّخاذ الستور، وباب في الصور في كتاب اللباس، من خبري الستر على باب فاطمة عليها السلام، والنمط في عرض بيت عائشة.
ففي الأوّل: رأى ذلك على الباب، فرجع ولم يدخل حتّى اهتمّت فاطمة عليها السلام لذلك، فلمّا جاء عليّ عليه السلام فسألها عن سبب همّها؟ فقالت: جاء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فلم يدخل، فأتاه عليّ عليه السلام، فقال: يا رسول الله! إنّ فاطمة اشتدّ
1) - سورة النور/58.
عليها أنّك جئتها فلم تدخل عليها، فقال: (وما أنا والدنيا، وما أنا والرقم)، فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقالت: قل لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ما يأمرني به؟ قال: قل لها: (فلترسل به إلى بني فلان)، وروى أبو داود بسند أخر هذا الحديث، وفيه قال: فضيل وكان ستراً موشياً(1).
أمّا الخبر الثاني: في بيت عائشة، فقد رواه أبو داود بسنده عن أبي طلحة الأنصاري، قال: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تمثال)، فقال: انطلق بنا إلى أُمّ المؤمنين عائشة نسألها عن ذلك، فانطلقنا فقلنا: يا أُمّ المؤمنين! إنّ أبا طلحة حدّثنا عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بكذا وكذا، فهل سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يذكر ذلك؟ قالت: لا، ولكن سأحدّثكم بما رأيته فعل، خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، وكنت أتحيّن قفوله، فأخذتُ نمطاً كان لنا فسترته على العرض(2)، فلمّا جاء استقبلته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزّك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط، فلم يردّ عليَّ شيئاً، ورأيت الكراهية في وجهه، فأتى النمط حتّى هتكه، ثمّ قال: (إنّ الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن)، قالت: فقطعته وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم ينكر ذلك عليَّ.
وكلا الحديثين لا يصحّان سنداً.
ففي سند الحديث الأوّل رجال لا يؤبه بهم، فقد قال أبو داود: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا ابن نمير، حدّثنا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أتى فاطمةرضي الله عنها فوجد على بابها ستراً فلم يدخل...
فأوّل رجال السند عثمان بن أبي شيبة، الذي ذكره الذهبي في (الميزان)، وابن حجر في (تهذيب التهذيب)، وغيرهما، فطعنوا فيه.
قال الداودي في (طبقات القرّاء): (وكان مزّاحاً فيما يتصحّف من القرآن).
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): (أنكر العجلي له أحاديث، وقال: موضوعة، أو كأنّها موضوعة).
وفي (تهذيب الكمال) للمزّي ذلك نقلاً عن أحمد... وفي ميزان الذهبي، قال الأزدي: رأيت أصحابنا يذكرون أنّه روى أحاديث لا يتابع عليها... وفي (تاريخ بغداد) للخطيب عن إبراهيم بن أبي طالب، قال: جئته، فقال: إلى متى لا يموت إسحاق بن راهويه؟ فقلت له: مثلك يتمنّى موت شيخ مثله، قال: دعني فلو مات لصفت لي(1).
وهذا روى خبر السترة على بيت فاطمة عليها السلام عن ابن نمير، وهو عبد الله ابن نمير الهمداني، قال ابن حجر في (تقريب التهذيب): ثقة صاحب حديث من أهل السُنّة، وهو رواه عن فضيل بن غزوان، الذي قال فيه العجلي: كوفي
1) - طبقات المفسّرين، للداودي 1/379، ط مصر بتحقيق علي محمّد عمر، والإفصاح عن أحوال رواة الصحاح، للمظفّر 3/132.
ثقة، وكان عثمانياً، وقال يعقوب بن سفيان: سُنّي ثقة(1)، وهو رواه عن نافع، وهو مولى ابن عمر الذي قال له مولاه: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس(2)، وهذا رواه عن ابن عمر، ونُصبه لا عن كلالة، فلم يبايع عليّاً عليه السلام، وامتنع عن بيعته، لكنّه بايع يزيد ونهى بنيه وذويه عن خلع بيعته حين خلع أهل المدينة بيعته، فكانت وقعة الحرّة، ثمّ أتى الحجّاج وبايع لعبد الملك، فقد أخرج البخاري في صحيحه، ومالك في موطأه كتاب ابن عمر إلى عبد الملك بن مروان بالبيعة.
ففي كتاب البخاري كتب إليه: أقرّ لك بالسمع والطاعة على سُنّة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فيما استطعت.
وفي رواية (الموطأ) كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سُنّة الله وسُنّة رسوله فيما استطعت(3).
فخبر يرويه أبو داود بسند رجاله كلّهم ممّن يناوئ أهل البيت عليهم السلام كيف يقبل؟!
ولِمَ لا يكونوا زوامل الأسفار وضعوه لدفع معرّة خبر النمط في بيت عائشة! وحتّى ذلك الخبر لا يصحّ سنداً، فقد رواه أبو داود في سننه، فقال: حدّثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد، عن سهيل -- يعني ابن أبي صالح -- عن
سعيد بن يسار الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري، قال: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تمثال)، وقال: انطلق بنا إلى أُمّ المؤمنين عائشة نسألها عن ذلك، فانطلقنا فقلنا: يا أُمّ المؤمنين! إنّ أبا طلحة حدّثنا عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: بكذا وكذا، فهل سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يذكر ذلك؟ قالت: لا، ولكن سأحدّثكم بما رأيته فَعلَ، خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه وكنت أتحين قفوله، فأخذت نَمَطاً كان لنا فسترته على العَرَض، فلمّا جاء استقبلته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزّك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط، فلم يردّ عليَّ شيئاً، ورأيت الكراهية في وجهه، فأتى النمط حتّى هتكه، ثمّ قال: (إنّ الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن)، قالت: فقطعته وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم ينكر ذلك عليَّ.
وذكر هذا الحديث بسند أخر بلفظ: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن سهيل بإسناده مثله، قال: فقلت: يا أمه، إنّ هذا حدّثني أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال:... وقال فيه سعيد بن يسار مولى بني النجّار.
أقول: إنّ هذا الحديث بإسناديه لا يخلو من جرح بعض الرجال، فإنّ سهيل بن أبي صالح ذكره الذهبي في (الكاشف)، وقال: (... قال ابن معين: هو مثل العلاء -- يعني ابن عبد الرحمن -- وليسا بحجّة، وقال أبو حاتم لا يحتجّ به، ووثّقه ناس)(1)، وهذا العلاء الذي ذكره ابن معين، فقد قال فيه: (ليس حديثه بحجّة، وقال أيضاً مرّة: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه)(2).
17- أخرج أبو داود في سننه كتاب اللباس باب الصور، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السبّاق، عن ابن عبّاس، قال: حدّثتني ميمونة زوج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ جبريل عليه السلام كان وعدني أن يلقاني الليلة، فلم يلقني)، ثمّ وقع في نفسه جرو كلب تحت بساط لنا، فأمر به فأخرج، ثمّ أخذ بيده ماءً فنضح به مكانه، فلمّا لقيه جبريل عليه السلام، قال: إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، فأصبح النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فأمر بقتل الكلاب، حتّى أنّه ليأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
(على المحكّ):
هذا الحديث بدءاً من أحمد بن صالح الذي كان صَلِفاً تيّاهاً، كما قال ابن حبّان في (الثقات)(1)، وقال الخطيب: احتجّ بأحمد جميع الأئمّة إلاّ النسائي، ويقال: كان آفة أحمد الكِبر، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما(2)، فهذا يروي الخبر عن ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، قال أحمد بن صالح: حدّث ابن وهب بمائة ألف حديث (؟) وهو روى الخبر عن يونس، وهو ابن يزيد بن أبي النجاد... مولى معاوية بن أبي سفيان، قال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في حديث يونس عن الزهري منكرات، وهذا روى الخبر عن ابن شهاب، وهو الزهري الذي كان مع عبد الملك بن مروان، ثمّ
مع ابنه هشام، وصار قاضياً ليزيد بن عبد الملك(1)، فحديث يرويه هؤلاء كيف لنا بتصديقهم؟!
ثمّ ما بال جرو الكلب في بيت ميمونة تحت البساط؟!
ومن الطريف أنّ ابن عمر كان يروي عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: أمر بقتل الكلاب، إلاّ كلب ماشية، أو صيد، فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال: إنّ لأبي هريرة زرعاً، رواه مسلم في الصحيح(2).
وهذا أثار حفيظة بعضهم، فقال: ومن الخطأ البيّن والكذب الفاضح دعواهم أنّ أبا هريرة رضي الله عنه زاد في حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (أو كلب زرع) لمصلحته، بناء على ما فهموه من قول ابن عمر رضي الله عنه، قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: (ليس هنا -- يعني قول ابن عمر: أنّ لأبي هريرة زرعاً -- توهيناً لرواية أبي هريرة ولا شكّاً فيها، بل معناه: أنّه لمّا كان صاحب زرع وحرث، اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أنّ المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره...)(3).
أقول: اللّهمّ احفظ على المسلمين عقولها، ولا تدعهم عرضة لنقد الآخرين، حين يؤمنون بصحّة حديث أبي هريرة الذي هو حدّث عن فقره وجوعه أيّام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(4)
وهذا أخرجه الترمذي في الجامع رقم 2367 بهذا الإسناد، وأخرجه أيضاً البخاري في صحيحه رقم 7324، فمن أين له زرع أو ضرع، فتبقى كلمة ابن عمر في أبي هريرة من النقد الجليّ، ومهما حاول النووي وغيره أن يدفعوا معرّة ذلك عن أبي هريرة فلم ولن.
، ولم يكن يومئذ صاحب زرع ولا حرث، وإنّما1) - وفيات الأعيان 4/177/563.
2) - سنن البيهقي 6/9.
3) - الحديث والمحدّثون لمحمّد محمّد أبو زهو من علماء الأزهر الشريف وأُستاذ بكلّية أُصول الدين: 315 الطبعة الأولى سنة 1378.
4) - أخرج الترمذي في كتاب الشمائل في أوّل باب (باب ما جاء في عيش رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[وسلّم)، فقال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن محمّد ابن سيرين، قال: كنّا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتّان، فتمخط في أحدهما، فقال: بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتّان، لقد رأيتني وإنّي لأخرّ فيما بين منبر رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم وحجرة عائشةرضي الله عنها، مغشيّاً عليَّ فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، يرى أنّ بي جنوناً، وما بي جنون، وما هو إلاّ الجوع.
تبحبح في الدنيا أيّام ولايته على البحرين، حيث كان سروقة لأموال المسلمين، كما قال له عمر(1)، واتسعت مكاسبه في الحياة بعد موت عمر، حيث فتح الجراب، وأفاض منه على الناس بلا حساب، وجاوز الحزام الطبييَن في أيّام معاوية، فكان راوية الإسلام وأيّ راوية؟! فمتى سمع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أو كلب زرع)؟ وكيف يصحّ قول النووي وأبو زهو، بل إنّما ذاك كان منهما دفعاً بالصدر.
18- ونبقى مع ابن عبّاس في آثار أبي داود، فقد ذكره في (المراسيل)، قال: حدّثنا عبد الله بن سعيد الكندي: أنّ سليمان بن حيّان حدّثهم عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم
1) - أخرج ابن سعد في الطبقات 4/1335 دار صادر، ومصنّف عبد الرزاق 11/323 رقم 20659، وأبو عبيد في الأموال: 381، وابن زنجويه في الأموال 3/606، والبلاذري في فتوح البلدان: 112، وفيها: أنّ عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فاجتمع له اثنا عشر ألفاً، فلمّا قدم على عمر قال له: يا عدوّ الله وعدوّ المسلمين أسرقت مال الله؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله والمسلمين ولكنّي عدوّ من عاداهما ولم أسرق مال الله، ولكن خيلي تناسلت وعطائي تلاحق وسهامي اجتمعت، قال أبو هريرة: فأخذ منّي عمر اثني عشر ألفاً...
فقال، عليَّ بدنة وأنا موسر لها ولا أجد، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (اذبح سبع شياه)(1). وأعاده برقم (155) بسند آخر إلى ابن جريج، وقال بإسناده ومعناه(2).
وهذا من هفوات أبي داود، فإنّ عطاء الخراساني لم يدرك ابن عبّاس ولم يره باعترافه! فقد روى في (المراسيل)، قال: حدّثنا أبو معمر إسماعيل ابن إبراهيم، حدّثنا حجّاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (لا وصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة)(3). قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك ابن عبّاس ولم يره.
أقول: فإذا كان عطاء لم يدرك ابن عبّاس ولم يره، فلماذا ذكرت حديثه أوّلاً، ولم تنبّه على عدم رؤيته وإدراكه! مع أنّك ذكرت حديثه الآخر ثانياً ونبّهت أنّه لم يدرك ابن عبّاس ولم يره؟! فهل كان هذا في رأيك من العجائبّ كما في رؤيتك القثاء والأترجة بمصر(4)، أم لا عجب من أمرك!!
أحد أصحاب السنن المبرّزين (ت 279ه-)، أشهر مؤلّفاته (الجامع الصحيح/ سنن الترمذي)، وقد طبع مرّات بالهند، ومصر، وعليه شروح كثيرة، أشهرها: (عارضة الأحوذي) لابن العربي المالكي، و(تحفة الأحوذي) لشمس الحقّ العظيم آبادي، وله كتاب (الشمائل المحمّدية) وطبع مرّات في الهند، والأستانة، ومصر، وعليه شروح كثيرة، وله كتاب (العلل الصغير) وقد ألحقه بآخر كتابه (الجامع الصحيح)، وقد شرحه ابن رجب الحنبلي، وطبع بتحقيق صبحي عبد الحميد السامرائي، وهذا طبع بالعراق، وقد كتب نور الدين عتر كتابه (الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين)، وهي رسالته التي نال بها درجة (العالمية مع لقب أُستاذ) في علم الحديث بتقدير ممتاز (الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى) بإشراف الشيخ محمّد محي الدين عبد الحميد، وقد قرّضها هو وغيره، فالكتاب من خيرة ما كتب عن الترمذي، وإن لم يخل من تعويذة عين الكمال، فقد وقعت فيه أغلاط طباعية كثيرة، جعل لها في آخر الكتاب جدول تصحيح في ثمانية جداول في أربع صفحات، ومع ذلك فقد فاته الكثير، وهذا لا يعني بخسه فضله وجهده، فمن أراد المزيد من التعرّف على الترمذي فليرجع إليه، أمّا نحن فيعنينا في المقام معرفة تأثير ابن عبّاس في آثار الرجل الواصلة إلينا، ولمّا كان (الجامع الصحيح) أكثرها استيعاباً
وأيسرها وصولاً للباحثين، فلا نلّم به إلاّ لماماً، ونستغني عنه بكتابيه (العلل)، و(الشمائل) ففيهما غنى فيما نروم.
قال أبو عيسى رحمه الله (في العلل في خاتمة كتابه السنن): جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين، حديث ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم...
ماذا عن هذا الحديث؟
رواه الترمذي في (السنن) في أوّل باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين ]في الحضر[، قال: (... حدّثنا عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بن الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر، قال: فقيل لابن عبّاس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته)، وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى -- هو الترمذي -- حديث ابن عبّاس قد رُوي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وقد رُوي عن ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم غير هذا: حدّثنا أبو سلمة... عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)، قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قاسم، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أحمد وغيره، والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين
إلاّ في السفر أو بعرفة، ورخّص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين(1).
أقول: هذا كلّ ما ذكره الترمذي في حديث ابن عبّاس الذي أشار إليه، ولم يذكر العلّة فيه، وما ذكره من مذاهب التابعين وغيرهم ينبئ عن أخذ بعضهم بحديث ابن عبّاس للمريض، وقد نقده غير واحد، كالنووي في (شرح صحيح مسلم)، حيث قال: (...وأمّا حديث ابن عبّاس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال، منهم من تأوله على أنّه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدّمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: (من غير خوف ولا مطر)، ومنهم من تأوّله على: إن كان في غيم فصلّى الظهر، ثمّ انكشف الغيم وبان أنّ وقت العصر دخل فصلاّها، وهذا أيضاً باطل، لأنّه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء، ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه فلمّا فرغ منها دخلت الثانية فصلاّها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعل ابن عبّاس الذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل، ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه ممّا في معناه
1) - سنن الترمذي 1/354 رقم 187، تح وشرح أحمد محمّد شاكر.
من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي، والمتولي، والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله، لظاهر الحديث. ولفعل ابن عبّاس وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقّة فيه أشدّ من المطر، وذهب جماعة من الأئمّة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتّخذه عادة، وهو قول ابن سيرين، وأشيب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفّال، والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيّده قول ابن عبّاس: (أراد أن لا يحرج أُمّته)، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم).
وهذا الذي ذكره النووي أخيراً هو الصحيح، وما أشار إليه بفعل ابن عبّاس هو ما رواه عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حين غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عبّاس: أتعلّمني السُنّة لا أُمّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جمع بين العصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله ابن شقيق: فحاك في صدري من ذاك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته؟ فصدّق مقالته، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه في جملة أحاديث عن ابن عبّاس في جواز الجمع بين الصلاتين.
وحكى الخطابي في (معالم السنن) عن ابن المنذر يقول به، ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وقال: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عبّاس قد أخبر بالعلّة فيه، وهو قوله: أراد أن لا يُحرج أُمّته، وحكى عن ابن سيرين أنّه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين
الصلاتين، إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتّخذ عادة.
قال أحمد محمّد شاكر في تعليقته على سنن الترمذي: (وهذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، وأمّا التأويل بالمرض، أو السفر، أو غيره، فإنّه تكلّف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين، ويأثمون من ذلك ويتحرجّون، ففي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة، وما لم يتّخذه عادة، كما قال ابن سيرين).
أقول: وجواز الجمع بين الصلاتين هو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وشيعتهم فإنّهم لا يختلفون في ذلك، ودليلهم إجماع الفرقة، وما صحّ من أخبار الأئمّة عليهم السلام عندهم، فقد عقد الكليني في (الكافي) باب الجمع بين الصلاتين، فذكر في أوّل الباب: بسنده، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (صلّى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، وصلّى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علّة في جماعة، وإنّما فعل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ليتّسع الوقت على أُمّته)(1).
فهذا هو الأوّل من حديثي (العلل) للترمذي اللذين قد استثناهما.
والحديث الثاني، هو قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، فليس هذا من أحاديث ابن عبّاس فلا نقف عنده. وبهذا أيضاً اكتفي عن باقي كتاب (العلل).
1) - الكافي 3/286، ط دار الكتب الإسلامية.
لقد ورد عنه أكثر من ثلاثين مورداً وحديثاً عن ابن عبّاس فيما يتعلّق بالشمائل المحمّديّة، صلّى الله تعالى على نبيّه وآله خير البرية، نختار منها ما ينبغي التنبيه عليه.
1- أخرج في آخر باب صفة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وهو أوّل أبواب الكتاب: عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: أفلج الثنيتين، إذا تكلّم رُئي النور يخرج من بين ثناياه. اه-
(على المحكّ):
في السند بعض من احترقت كتبه فصار يحدّث من حفظه، فكان يغلط، وهو عبد العزيز بن أبي ثابت، فقال فيه الهيثمي في (مجمع الزوائد)(1): ضعيف جدّاً، ومع هذا فقد أخرجه البغوي في (شرح السُنّة)(2)من هذا الطريق، وأخرجه الدارمي في (السنن)(3)، ونسبه السيوطي في (الجامع الصغير)(4)إلى البيهقي ورمز لصحّته، وسكت عنه الذهبي في السير، وابن كثير في (شمائل الرسول). فهذا الخبر وإن كان في سنده مقال، إلاّ أنّ تخريج الدارمي والطبراني وغيرهما له يكون مقبولاً، والفلج بين الثنيتين هو الفرق بينهما.
2- أخرج في (باب ما جاء في شعر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، بسنده عن ابن
عبّاس رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يسدلّ شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلّون رؤوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمّ فرق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم رأسه.
(على المحكّ):
هذا من ناحية السند مقبول، وقد أخرجه البخاري ومسلم، وأبو يعلى في مسنده(1).
وذكر محقّق الكتاب (مصطفى عبد القادر عطا) في الهامش مصادر تخريج الحديث، فذكر أحمد في المسند(2)، والبخاري(3)، ومسلم(4)، وأبا داود(5)، وابن ماجة(6)، وغيرهم.
3- أخرج في (باب ما جاء في شيب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! قد شبت؟ قال صلي الله عليه وآله وسلم: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتسائلون، وإذا الشمس كوّرت).
أخرجه الترمذي في (الجامع الصحيح/ السنن)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وتبعه في تحسينه السيوطي في (الدرر المنتثرة)(7)، وفي
(الجامع الصغير)، وصحّحه الحاكم في (المستدرك)(1)، ووافقه الذهبي، ورواه الهيثمي في (مجمع الزوائد)(2)، وغيرهم.
قال البيجوري في (شرح المواهب اللّدنية): (... قوله: (والواقعة...) الخ، زاد الطبراني في روايته (والحاقّة)، وزاد ابن مردويه في أُخرى (وهل أتاك حديث الغاشية)، وزاد ابن سعد في أُخرى (والقارعة، وسأل سائل)، وفي أخرى (واقتربت الساعة)، وإسناد الشيب إلى السور المذكورة من قبيل الإسناد إلى السبب، فهو على حدّ قولهم: أنبت الربيع البقل، لأنّ المؤثّر هو الله تعالى، وإنّما كانت هذه السور سبباً في الشيب لاشتمالها على بيان أحوال السعداء والأشقياء وأحوال القيامة... وما فعل بالأُمم، وإنّما قدمت هود على بقية السور لأنّه أمر فيها بالثبات في موقف الاستقامة التي لا يستطيع الترقي إلى ذروة سنامها إلاّ من شرّفه الله تعالى بخلع السلامة...)(3)اه-.
ويعني بهذا ما ورد من ذكر الأُمم السالفة، وما لقي منهم الأنبياء عليهم السلام من التكذيب والأذى، فما لاقاه نوح عليه السلام من قومه، وهود عليه السلام من عاد، وصالح عليه السلام من ثمود، ولوط عليه السلام من قومه، وشعيب عليه السلام من أهل مدين، وموسى عليه السلام من فرعون وملائه، فكلّ أولئك صبروا على ما نالهم، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ(4)، وَكُ-لاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ
بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَ-ذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(1). وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن أبي علي السري رضي الله عنه، قال: رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! رُوي عنك أنّك قلت: (شيّبتني هود)؟ قال: (نعم)، فقلت: ما الذي شيّبك منه قصص الأنبياء وهلاك الأُمم؟ قال: (لا، ولكن قوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)(2).
4- أخرج في (باب ما جاء أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان يتختّم في يمينه)، بسنده عن الصلت بن عبد الله، قال: كان ابن عبّاس -- رضي الله عنهما -- يتختّم في يمينه، ولا أخاله إلاّ قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يتختّم في يمينه.
وهذا أخرجه الترمذي في الجامع (السنن)، وقال محمّد بن إسماعيل -- البخاري -- : حديث محمّد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن صحيح.
5- أخرج في آخر (باب ما جاء في عمامة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، بسنده عن ابن عبّاس -- رضي الله عنهما --: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم خطب الناس وعليه عصابة دسماء.
(على المحكّ):
أخرج هذا البخاري في صحيحه(3)، فروى الخطبة مبتورة عن ابن عبّاس، قال: (خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصّب بعصابة دسماء، حتّى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ
قال: (أمّا بعد، فإنّ الناس يكثرون ويقلّ الأنصار، حتّى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضرّ فيه وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)، فكان آخر مجلس جلس به النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم).
وهذه الخطبة لها إضافات قطعها الرواة! ويهمّنا منها قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (أيّها الناس سُعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم).
وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (وإنّي والله ما تمسكون عليَّ بشيء، إنّي لم أحلّ إلاّ ما أحلّ الله -- القرآن -- ولم أحرّم إلاّ ما حرّم الله -- القرآن --)(1).
6- أخرج في ثالث أحاديث (باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم) بسنده عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، هو وأهله، لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير.
(على المحكّ):
أخرج هذا الترمذي في الجامع (السنن)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة والسيوطي في (الجامع الصغير) ورمز لحسنه، والنووي في (رياض الصالحين)، وربّما غيرهم.
وليس البحث عن مصادره وأسانيده هو الغاية، بل هو الوسيلة لمعرفة مدى صحّة الأحاديث المناقبية لبعض الصحابة التي ذكرت أنّ فلاناً كانت له قصعة كلّ ليلة تدور على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في بيوت نسائه؟(2)وفلاناً أنفق كذا
1) - سيرة ابن هاشم 4/332، وطبقات ابن سعد 2ق2/46، ط أفست أوربا، وتاريخ الطبري 3/196.
2) - عن عائشة رض... وبنى بي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بيتنا ما نُحرت عليّ جزور ولا ذُبحت عليّ شاة حتّى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة، كان يرسل بها إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذا دار إلى نسائه... مجمع الزوائد 9/227.
وكذا في جيش العسرة(1)، وفي آية سورة الجمعة: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً(2)، تكشف واقعاً مريراً ومزرياً بأولئك الصحابة، كالذي له من الإبل ما سدّ بين جبلين وأضرابهم، ما بالهم تركوا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم طاوياً هو وأهله لا يجدون العشاء؟ فأين تلك المكارم المزعومة؟!
ولا ننسى ما قيل عن ثراء عمّه العبّاس، فهل هذا الذي رواه ابنه في المقام كان صحيحاً وهو لا يعلم به؟! أم أنّه من الموروث المقدّس الذي لا يناله النقد لمقولة وعن الصحابة فاسكتوا، ولعلّ ما رواه ابن عبّاس كان في سنة الجدب التي حدّثت عنها خالته ميمونة.
فلقد روى الهيثمي في (مجمع الزوائد) نقلاً عن الطبراني عن ميمونة بنت الحارث(رضوان الله عليها)، قال: أجدب الناس سنة، وكانت الأعراب يأتون المدينة، وكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يأمر الرجل فيأخذ بيد الرجل فيضيّفه
1) - أخرج الترمذي في سننه 5/626 رقم 3701 ...قال جاء عثمان إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بألف دينار في كمّه حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره -- قال عبد الرحمن بن سمرة راوي الحديث -- فرأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقلبّها في حجره ويقول: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم) مرّتين، قال أبو عيسى -- هو الترمذي -- هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، أقول: لئن كان هذا عند الترمذي من الحديث الحسن الغريب، فإنّ الحاكم في المستدرك، قال: وغلا فاستعلى واستغلى فروى الحديث وان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم)، قال مراراً هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجّاه.
2) - سورة الجمعة/11. أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله: ayebazوَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماًayebaste، قال: جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة، بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لو خرجوا كلّهم لاضطرم المسجد عليها ناراً) الدرّ المنثور 8/156، ط بيروت.
ويعشيّه، فجاء أعرابي ليلة وكان لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم طعام يسير وشيء من لبن، فأكله الأعرابي ولم يدع للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم شيئاً، فجاء به ليلة أو ليلتين، فجعل يأكل أكله، فقلت لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: اللّهمّ لا تبارك في هذا الأعرابي يأكل طعام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ويدعه، ثمّ جاء به ليلة فلم يأكل من الطعام إلاّ يسيراً، فقلت لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: ذاك -- وجاء به وقد أسلم -- فقال: (الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإنّ المؤمن يأكل في معي واحد).
قال الهثمي رواه الطبراني بتمامه، وروى أحمد آخره(1)، ورجال الطبراني رجال الصحيح(2).
7- أخرج في (باب ما جاء في بكاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم) بسنده، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: أخذ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ابنة له تقضي، فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، وصاحت أُمّ أيمنرضي الله عنها، فقال ]يعني النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم[: (أتبكين عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: (إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تُنتزع من بين جنبيه، وهو يحمد الله تعالى).
(على المحكّ):
هذا الحديث يثير علامات استفهام! وقد ناقشه القسطلاني، والمناوي والقاري، وجسوس، وقد تعرّضتُ لهذا في كتابي: (المحسن السبط مولود أم سقط)(3)، وسيأتي ما ذكرت وغيره ثانياً في ذكر النسائي الآتي ذكره بعد
هذا، لأنّه أخرج الحديث أيضاً في (السنن)(1)دون الإشارة إلى ما فيه.
وممّا يثير العجب! أنّ هذا الحديث ذكره أحد محقّقي (الشمائل) من المتأخّرين (عبده علي كوشك) في صفحة 103 طبعة اليمامة بيروت، وقال: أخرجه النسائي (4/12)، وأحمد (1/268)، والبزّار (808) كشف الأستار، وصحّحه ابن حبّان ( 746)، موارد، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على جامع الأُصول (11/91): (حديث حسن) (ابنة له) هي: أُمامة بنت زينب بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (الفتح 3/156)... وهذا من الغرابة بمكان! إذ ليس صحّة السند تدلّ على صحّة المتن، فكم من حديث صحيح السند واهي المتن -- على حدّ قول الحاكم النيسابوري -- فإنّ أُمامة لم تمت وبقيت فتزوّجها أمير المؤمنين عليه السلام، واستشهد عليه السلام وعاشت بعده.
8- أخرج في أوّل (باب ما جاء في سنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم) بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: مكث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشراً، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين.
ثمّ ذكر بعد حديثين: بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، يقول: توفّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو ابن خمس وستّين.
(على المحكّ):
لقد مرّ نحو هذا فيما أخرجه مسلم، والترمذي، وما يتعلّق به، وأنّ الصحيح عن ابن عبّاس هو ما روي عنه أوّلاً: توفّي صلي الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
1) - سنن النسائي 4/12 بحاشية السندي.
9- أخرج في (باب ما جاء في رؤية النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام) بسنده، عن عاصم بن كليب، حدّثني أبي: أنّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثلني)، قال أبي: فحدّثت به ابن عبّاس رضي الله عنه وقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، فقلت: شبّهته به، فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: إنّه كان يشبهه.
10- بسنده عن يزيد الفارسي -- وكان يكتب المصاحف -- قال: رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام زمن ابن عبّاس، فقلت لابن عبّاس: إنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في النوم؟ فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يقول: (إنّ الشيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني فقد رآني)، فهل تستطيع أن تنعت الرجل الذي رأيته في النوم؟ قال: نعم: أنعت لك رجلاً بين الرجلين، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره، قال عوف -- الراوي عن يزيد -- ولا أدري ما كان مع هذا النعت، فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
قال أبو عيسى -- هو الترمذي -- ويزيد الفارسي هو: يزيد بن هرمز، هو أقدم من يزيد الرقاشي، وروى يزيد عن ابن عبّاس رضي الله عنه أحاديث، ويزيد الرقاشي لم يدرك ابن عبّاس، وهو يزيد بن أبان الرقاشي، وهو يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ويزيد الفارسي ويزيد الرقاشي كلاهما من أهل البصرة، وعوف بن أبي جميلة هو عوف الأعرابي...
وخير ما أختم به هذا الموضوع -- رؤيا العتبي للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في المنام -- كما
روى ابن عساكر في (معجم الشيوخ)(1)بسنده عن العتبي، أنّه قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وإذا بأعرابي قد أقبل على ناقة له، فنزل وعقلها، ودنا إلى حجرة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثمّ قال الأعرابي: وجدت الله تعالى يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً(2)، وقد جئتك يا رسول الله مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي، وانصرف.
قال العتبي: فرأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في النوم، فقال لي: (يا عتبي إلحق الأعرابي فقل له: إنّ الله عزّ وجلّ قد غفر له).
وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسن بن علي -- ثمّ ساق السند إلى -- الهلالي محمّد بن حرب، قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل، إنّ الله عزّ وجلّ أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً، وإنّي جئتك مستغفراً من ذوبي، مستشفعاً بك فيها، ثمّ بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثمّ استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في نومي وهو يقول: (الحقّ الرجل فبشّره بأنّ الله قد غفر له بشفاعتي)، فاستيقظت فخرجت في طلبه، فلم أجده.
وأخرج هذه الحكاية ابن الجوزي في (مثير عزم الساكن إلى أشرف الأماكن)، طبعة بتحقيق الأرناؤوط.
وأخرج هذه الحكاية النووي في (الأذكار في آخر كتاب أذكار الزيارة) صفحة (206)، فعلّق عليها، فقال في الهامش: قال الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي في الردّ على السبكي): هذه الحكاية ذكرها بعضهم ويرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمّد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمّد بن حرب، عن أبي الحسن الزعفراني، عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب (شعب الأيمان) بإسناد مظلم، عن محمّد بن روح بن يزيد البري، حدّثني أبو حرب الهلالي، قال: حجّ أعرابي، فلمّا جاء إلى باب مسجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أناخ راحلته فعقلها، ثمّ دخل المسجد حتّى أتى القبر، ثمّ ذكر نحو ما تقدّم، والمعلّق هنا ابن عبد الهادي فهو ممّن ناقش صحّة الخبر، وتبعهما علي حشيش في (سلسلة الأحاديث الواهية)، وغيرهم أيضاً من أتباع ابن تيمية.
ولمّا كانت الحكاية قد رواها من أعلام المذاهب الإسلامية زهاء ثلاثين عالماً، أو يزيدون، فهل كلّ أولئكم ذكروا كذباً ورووا باطلاً وزورا؟! إنّ هذا إلاّ ظلم عظيم، ففيهم مثل الإمام النووي، فقد ذكرها في
جملة من كتبه، ففي كتابه (الأذكار)، كما في طبعة دار ابن حزم بتحقيق الجفان والحنابي صفحة (352)، وفي الهامش قال ابن علان(ره) في (الفتوحات الربّانية 5/40)، ويوجد في بعض النسخ زيادة بعد البيتين بيت ثالث، وهو كذلك في نسخة العلوي:
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته *** عند الصراط إذا ما زلّت القدم
ولقد خمّس البيتين الشيخ محمّد بن أحمد بن أمين الأقشهري(ره) بقوله:
خير المزار لديننا تم أعظمه *** وخير من سرّ عرش الربّ مقدمه
ناديته بمقول وهو أقومه *** يا خير من دفنت في القاع أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والأكم
وبى لجاركم طابت مساكنه *** جار بجار وجار المرتع آمنه
قول إذا قلت تشفيني محاسنه *** نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم(1)
وقد وردت الحكاية مع خمس أبيات في (شرح همزية البوصيري)، منها الثلاثة التي مرّ ذكرها وبعدها:
لولاك ما خلقت شمس ولا قمر *** ولا نجوم ولا لوح ولا قلم
صلّى عليك إله الدهر أجمعه *** فأنت أكرم من دانت له الأمم
ولمّا كان كتاب (الأذكار) للنووي من الكتب المشهورة ومطبوع مكرّراً، إلاّ أنّ بعض محقّقي الكتاب حذف الحكاية! كما في طبعة دار الهدى بالرياض
1) - تاريخ مكّة المشرفة لأبي البقاء ابن الضياء الحنبلي: 346، ط دار الكتب العلمية بيروت.
سنة 1409ه-، عامله الله تعالى ومَن معه بعدله، ومَن كان مِن محقّقي التراث مِن مثله يا ويلهم يوم ما لهم من ولي ولا نصير، لماذا الخيانة وتضييع الأمانة!! والقصّة كما قلت حكاها زهاء ثلاثين أو يزيدون من مختلف المذاهب والمشارب، زماناً ومكاناً، ففيهم المفسّر لكتاب الله تعالى كابن كثير من القدماء، ومحمّد سيّد طنطاوي من المتأخّرين، وغيرهما. وفيهم من الفقهاء الحنابلة كأبي قدامة المقدسي، والبهبوني، وابن مفلج؛ ومن الشافعية كالماوردي، والنووي، وابن الدهان، وغيرهم؛ ومن المالكية كالقرافي في (الذخيرة). وفيهم من المؤرّخين كالفاسي المكّي في (شفاء الغرام)، والسمهودي في (خلاصة الوفاء)، وغيرهم.
وإلى القارئ قائمة بالمصادر التي وردت فيها الحكاية باعتماد مؤلّفيها عليها:
1- (الأذكار) للنووي، طبع دار ابن حزم بتحقيق الجفان والجابي ص352.
2- (الإيضاح) للنووي في مناسك الحجّ على مذهب الشافعي، قال: ومن أحسن ما يقول الزائر ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستجيبين له.
3- (المجموع شرح المهذب) للنووي 8/274، فقه شافعي.
4- (الحاوي الكبير) للماوردي الشافعي 4/214، طبعة دار الكتب العلمية بيروت سنة 1414ه- .
5- (البيان في مذهب الإمام الشافعي) تحقيق قاسم محمّد النوري 4/379، نشر دار المنهاج جدّة سنة 1421ه- .
6- (تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة ونبذ مذهبية نافعة) لأبي شجاع محمّد بن علي بن شعيب بن الدهان 2/157، نشر مكتبة الرشد بالرياض سنة 1422ه- .
7- (الذخيرة للقرافي) فقه مالكي، تحقيق محمّد حجّي 3/376، طبع دار الغرب بيروت سنة 1994م.
8- (المغني) لابن قدامة المقدسي 3/556 -- 557، الطبعة الثالثة بإشراف محمّد رشيد رضا بمطبعة المنار، فقه حنبلي.
9- (الشرح الكبير) لأبي الفرج ابن قدامة المقدسي 3/495، فقه حنبلي.
10- (كشف القناع) لمنصور بن يونس البهبوتي 2/516، طبعة دار الفكر بيروت، فقه حنبلي.
11- (المبدع في شرح المقنع) لابن مفلح الحنبلي 3/184، طبعة دار الكتب بالرياض سنة 1424ه-، فقه حنبلي.
12- (تفسير القرآن العظيم) لابن كثير 1/519 في تفسير قوله تعالى الآية (64) سورة النساء، الطبعة الثالثة الاستقامة بمصر سنة 1373ه- .
13- (مختصر تفسير ابن كثير) للصابوني 2/302، في تفسير الآية (64) النساء.
14- (تفسير جواهر الحسان) 2/258، في تفسير الآية (64) النساء، طبعة بيروت محقّقاً سنة 1418ه- .
15- (تفسير الثعالبي) في تفسير الآية (64) النساء.
16- (تفسير الوسيط) لمحمّد سيّد طنطاوي في تفسير الآية (64) النساء.
17- (الشامل) لأبي منور الصباغ، كما في تفسير ابن كثير 1/519.
18- (شفاء السقام) للسبكي، طبعة بولاق سنة 1318ه- .
19- (المواهب اللّدنية) للقسطلاني.
20- (شرح همزية البوصيري) لبنيس، بهامش (شرح الشمائل) لجسوس 2/58، طبعة محمّد علي صبيح وأولاده بميدان الأزهر بمصر سنة 1346ه- .
21- (خلاصة الوفا) للسمهودي 1/449، طبعة محمّد أمين الكتبي.
22- (مغني المحتاج في شرح كلام النووي في مناسك الحاج) للخطيب الشربيني 1/513، طبعة الحلبي بمصر.
23- (الفتاوى السهمية في الردّ على ابن تيمية): 31 بزيادة في الأبيات ذكرها الشيخ تقي الدين الحصني.
24- (مثير عزم الساكن إلى أشرف الأماكن) لابن الجوزي.
25- (معجم الشيوخ) لابن عساكر 1/599601 تحقيق الدكتورة وفاء تقي الدين نشر دار البشائر دمشق.
26- (إتحاف الزائر وإطراف المقيم للمسافر) لعبد الصمد بن عبد الوهاب نزيل مكّة صفحة 55، الطبعة الأولى، نشر دار الأرقم بن أبي الأرقم.
27- (رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسّل والزيارة) لمحمود سعيد ممدوح، طبعة دار الإمام النووي عمّان الأردن سنة 1416ه-، من خيرة الكتب في بابه.
28- (مفاهيم يجب أن تصحّح) للمرحوم الدكتور محمّد ابن السيّد علوي المالكي، وكان أبوه من شيوخ الإجازة في الحديث بمكّة المكرّمة، قال في صفحة (91): (وهذه الأبيات مكتوبة بفضل الله على الواجهة النبوية الشريفة في العامود الذي بين شباك الحجرة النبوية، يراها القاصي والداني منذ مئات السنين، حتّى في عهد المرحوم الملك عبد العزيز، فالملك سعود، فالملك فيصل، فالملك خالد(رحمهم الله تعالى)، فالملك فهد خادم
الحرمين الشريفين(حفظه الله)، وستبقى بإذن الله بناء على توجيهات خادم الحرمين بالمحافظة على كلّ ما في المسجد النبوي الشريف وعدم إزالة أيّ أثر قديم).
أقول: رحم الله تعالى السيّد محمّد بن علوي، فقد قال بعض من تشرّف مراراً بالحجّ والزيارة، ورأى التطوير والتغيير في كلّ مرّة:
ليتك تبعث فينا نظرة *** لترى ما قد طرا كيف جرى
كلّ ما الماضون فينا أسّسوا *** قد جرى التطوير فيه غَيّرا
كم علامات وكم من معلَم *** غيّروه ضاع فيما غُيّرا
كلّ ما مرّ زمان بعده *** هو شرٌ منه يأتي منكرا
أنت بلغّت الذي قد قلتَه *** أيّها الغائب عنّا في الثرى
هل ترى القبّة تبقى وحدها *** أم ترى أمثالها يا هل ترى
29- (تاريخ مكّة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف) لأبي البقاء ابن الضياء الحنبلي (ت854) صفحة 346، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
30- (الموسوعة الفقهية الكويتية) 14/157، الطبعة الثانية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الكويتية سنة 1433ه- 2012م، نقلاً عن فيض القدير 2/134 -- 135، إعانة الطالبين 2/315، مقدّمة التجريد الصريح بتحقيق الدكتور مصطفى ديب البغا.
وبهذا نختتم الكلام في المقام، والله ولي التوفيق بالتسديد.
الإمام الشهير الشهيد صاحب (السنن الكبرى) وغيرها من مصنّفاته الرائعة النافعة، التي ناهزت الثلاثين صغيراً وكبيراً، وقد كتب عنه الأعلام بما يغني عن إطالة الكلام، فلنقرأ بعض ما قالوا فيه:
1- فقد جاء في (طبقات الشافعية) للسبكي الشافعي: (أحمد بن شعيب ابن علي بن سنان بن بحر، الإمام الجليل، أبو عبد الله النسائي، أحد أئمّة الدنيا في الحديث، والمشهور اسمه وكتابه، ولد سنة خمس عشرة ومائتين.
وسمع قُتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وعيسى ابن حمَّاد، والحسين بن منصور السُلمي النيسابوري، وعمرو بن زرارة، ومحمّد بن نصر المروزي، وسويد بن نصر، وأبا كريب، ومحمّد بن رافع، وعلي بن حُجر، وأبا يزيد الجرمي(1)ويونس بن عبد الأعلى، وخلقاً سواهم بخراسان، والعراق، والشام، ومصر، والحجاز، والجزيرة.
روى عنه أبو بشر الدولابي، وأبو علي الحسين النيسابوري، وحمزة بن محمّد الكناني، وأبو بكر أحمد بن السُّنِّي، ومحمّد بن عبد الله بن حَيُّويه، وأبو القاسم الطبراني، وخلقٌ سواهم.
رحل إلى قتيبة وهو ابن خمس عشرة سنة، وقال: أقمتُ عنده سنة وشهرين.
1) - بفتح الجيم وسكون الراء وفي آخرها الميم، نسبة إلى جرم، وهو قبيلة. اللباب 1/222.
وسكن مصر، وكان يسكن بدرب القناديل، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان كثير الجماع، وله أربع زوجات يقسم لهنّ، ولا يخلو مع ذلك عن السراري.
ودخل دمشق، فسُئل عن معاوية رضي الله عنه، ففضل عليه عليّاً كرّم الله وجهه(1)، فأخرج من المسجد، وحُمل إلى الرملة.
وأنكر عليه بعضهم تصنيفه كتاب (الخصائص) لعليّ رضي الله عنه، وقيل له: كيف تركت تصنيف فضائل الشيخين؟ فقال: دخلت إلى دمشق، والمنحرف بها عن عليّ كثيرٌ، فصنفت كتاب (الخصائص) رجاء أن يهديهم الله، ثمّ صنّف بعد ذلك (فضائل الصحابة) رضي الله عنهم.
قال أبو علي النيسابوري، حافظ خراسان في زمانه: حدّثنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.
وقال منصور الفقيه، وأبو جعفر الطحاويرحمهما الله : النسائي إمام من أئمّة المسلمين.
وقال الدراقطني: أبو عبد الرحمن مقدّم على كلّ من يُذكر بهذا العلم من أهل عصره.
وقال ابن طاهر المقدسي: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل؟ فوثّقه، فقلت: قد ضعّفه النسائي! فقال: يا بنيّ، إنّ لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم.
1) - في الطبقات الوسطى بعد هذا زيادة: (وكانت دمشق إذ ذاك مشحونة بالأمراء ذوي التحامل على عليّ رضي الله عنه).
وقال محمّد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنّه خرج إلى الفداء مع أمير مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه، والانبساط في المأكل، وأنّه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.
وقال الدارقطني: كان ابن الحدّاد أبو بكر كثير الحديث، ولم يحدّث عن غير النسائي، وقال: رضيت به حجّة فيما بيني وبين الله.
قلت: سمعت شيخنا أبا عبد الله الذهبي الحافظ، وسألته: أيّهما أحفظ: مسلم بن الحجّاج صاحب (الصحيح)، أو النسائي؟ فقال: النسائي، ثمّ ذكرت ذلك للشيخ الإمام الوالد تغمده الله برحمته فوافق عليه.
وقد اختلفوا في مكان موت النسائي، فالصحيح أنّه أخرج من دمشق، لما ذكر فضائل عليّ، قيل: ما زالوا يدافعون في خصيتيه(1)حتّى أخرج من المسجد، ثمّ حمل إلى الرملة، فتوفّي بها.
قال أبو سعيد بن يونس: توفّي بفلسطين يوم الاثنين، لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلاثمائة.
وقيل: حمل إلى مكّة، فدفن بها بين الصفا والمروة)(2).
2- وقال ابن الجوزي الحنبلي (ت597) في كتابه (المنتظم): (أحمد ابن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر، أبو عبد الرحمن النسائي الإمام.
كان أوّل رحلته إلى نيسابور، فسمع إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، والحسين بن منصور، ومحمّد بن رافع، وأقرانهم، ثمّ خرج إلى بغداد، فأكثر عن قتيبة، وانصرف عن طريق مرو، فكتب عن علي بن حجر، وغيرهم، ثمّ توجّه إلى العراق فكتب عن كريب وأقرانه، ثمّ دخل الشام ومصر، وكان إماماً في الحديث، ثقة ثبتاً، حافظاً فقيها، وقال الدارقطني: النسائي يقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق الأصبهاني، قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أنّ أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق فسُئل عن معاوية وما روي في فضائله؟ فقال: لا يرضى معاوية رأساً برأس حتّى يفضّل؟ قال: وكان يتشيّع. فما زالوا يدفعون في خصيته حتّى أخرج من المسجد، ثمّ حمل إلى الرملة، فمات فدفن بها سنة ثلاث وثلثمائة.
قال الحاكم: وحدّثني علي بن عمر الحافظ أنّه لمّا امتحن بدمشق، قال: احملوني إلى مكّة ]فحمل إلى مكّة[ فتوفّي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان هذه السنة -- 303ه- --.
وقال أبو سعيد بن يونس المصري: توفّي بفلسطين في صفر هذه السنة)(1)اه-.
1) - المنتظم 13/155، ط دار الكتب العلمية بيروت، دراسة وتحقيق: محمّد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، راجعه وصححه، نعيم زرزور.
3- وقال الذهبي في (تذكرة الحفّاظ): (الحافظ الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب... وبرع في هذا الشأن، وتفرّد بالمعرفة والإتقان وعلوّ الإسناد، واستوطن بمصر، وكان مليح الوجه، ظاهر الدم مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات يقسم لهنّ، ومع ذلك لا يخلو من سريّة، وكان يؤثر أكل الديوك الكبار، تشترى له وتسمن وتخصى.
قال مرّة بعض الطلبة: ما أظنّ أبا عبد الرحمن إلاّ أنّه يشرب النبيّذ، للنظرة في وجهه، وقال آخر: ليت شعري ما مذهبه في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: فسُئل فقال: النبيّذ حرام، ولا يصحّ في الدبر شيء، لكن حدّث محمّد بن كعب القرظي عن ابن عبّاس، قال: إسق حرثك من حيث شئت، فلا ينبغي أن يتجاوز قوله، وقال ابن الذهبي: ثبت نهي المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أدبار النساء، ولي فيه مصنّف عامّة ما ذكرت سمعت الوزير ابن خنزابة، عن محمّد بن موسى المأموني صاحب النسائي، وقال فيه: سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن كتاب (الخصائص) لعليّ رضي الله عنه وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن عليّ بها كثير، فصنفت كتاب (الخصائص)، رجوت أن يهديهم الله، ثمّ إنّه صنّف بعد ذلك فضائل الصحابة، فقيل له -- وأنا أسمع -- : ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرّج؟ حديث: (اللّهمّ لا تشبع بطنه؟) فسكت السائل.
قلت -- والقائل الذهبي -- : لعلّ هذه منقبة معاوية، لقول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة). (؟)
قال حافظ خراسان أبو علي النيسابوري: حدّثنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي: قال أحمد بن نضر أبو طالب الحافظ: من يصبر على ما صبر عليه؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة -- يعني عن قتيبة عنه -- فما صنفها، قال الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن أبي العوام السعدي: ثنا إسحاق ثنا محمّد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إنّ فلاناً يقول: من زعم أن قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي(1)مخلوق فهو كافر، فقال: صدق، قال النسائي: بهذا أقول. قال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل؟ فوثّقه، فقلت: قد ضعّفه النسائي؟ فقال: يا بني إنّ لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم، وقال محمّد بن المظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنّه خرح إلى الغزو مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه، والانبساط في المأكل، وإنّه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.
قال الدارقطني: كان ابن الحدّاد أبو بكر الشافعي كثير الحديث، ولم يحدّث عن غير النسائي، قال: رضيت به حجّة بيني وبين الله.
قال: وأبو عبد الله بن مندة عن حمزة العقبي المصري، وغيره أنّ
1) - سورة طه/14.
النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسُئل بها ]عن[ معاوية وما جاء من فضائله؟ فقال: ألا يرضى رأساً برأس حتّى يفضّل؟ قال: فما زالوا يدفعون في خصيتيه أخرج من المسجد، ثمّ حمل إلى مكّة فتوفّي بها، كذا في هذه الرواية: إلى مكّة، وصوابه الرملة.
قال الدارقطني: خرج حاجّاً فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكّة فحمل وتوفّي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاث مائة، قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال... قلت -- والقائل هو الذهبي -- سمعت المجتبى من السنن كلّه من طريق أبي زرعة المقدسي)(1). اه-
أقول: وذكره غير من مرّ جملة من مؤرّخي الأحداث الحولية، كابن تغربردي الأتابكي في (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)، وقال -- بعد ذكر اسمه ونسبه وولادته ووفاته --: وكان فيه تشيّع حسن، ثمّ ذكر قول حمزة العقبي وغيره حول السؤال عن فضائل معاوية وما لحق به من أذى، وكذا قول الدارقطني(2). وقد مرّ هذا فيما جاء في (تذكرة الحفّاظ).
وذكره عبد الحيّ بن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب)، وحكى أقوال من تقدّم، وزاد عن السيوطي ما قاله في حسن المحاضرة، وابن خلكان في (وفيات الأعيان)، وأبو نعيم الأصبهاني، قال: لمّا داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس، فهو مقتول(3)...
وبهذا نكتفي في تعريف القارئ بأبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله من مصادر التراث السُنّي، ولم يخل التراث الشيعي أيضاً عن ذكره مترجماً، ليس بأنّه من الشيعة كما في بعضها، بل لأنّه من الأعلام الكرام، فلاحظ (روضات الجنات)(1)، و(الكنى والألقاب)(2).
لكن حكى آية الله شيخنا الرازي قدس سره في (الذريعة)(3)عن الحاج مولى باقر الكجوري الجزم بتشيّعه، كما في أوّل كتابه (الخصائص الفاطمية)، وحكى عن أبي نعيم أنّه نقل أكثر أحاديث خصائصه عن كتاب أحمد بن حنبل(؟).
وترجمه المغفور له آية الله السيّد الأمين في (أعيان الشيعة)(4)، وعنون في صفحة (309): (تشيّعه)، وذكر ما قاله ابن خلكان في تاريخه، وابن حجر في (تهذيب التهذيب)، والذهبي في (تذكرة الحفّاظ)، ونقل ما كتب على ظهر (السنن الصغرى) المطبوعة بمصر، وكلّ ما ذكره نقلاً عن مجموعها لا يبعث على الجزم بتشيّعه بالمعنى الذي نعيشه اليوم وقبل اليوم من القرون الوسطى ودخول المغول البلاد الإسلامية، وتشتيت كلمة المسلمين واجتياح بلادهم، والتطرّف الذي طرأ على العقائد بين أصحاب المذاهب، وحسبنا شاهداً صلاة القفّال المروزي أمام الخان خدابنده وأعيان دولته، ممّا سبب انزعاج الخان، فطلّق زوجته التي كانت سبب إسلامه، إذ
أبت أن تقبل به زوجاً وثنياً، فانصاع لرغبتها لشغفه حبّاً لها، هذه القصّة هي سبب تشيّعه، بعد أن ضاق ذرعاً بما أوقع نفسه فيه من ورطة الطلاق الثلاث، وأنّها بانت منه، وليست له حتّى تنكح زوجاً غيره، فأنقذته مشورة طرمطاش (تيمورتاش) الذي دلّه على المذهب الشيعي الذي يرى أنّ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد ليست تبين منه الزوجة بتاتاً، بل له أن يرجع بها قبل انقضاء العدّة، ويحتسب بتلك الثلاث واحدة، وجرى استدعاء العلاّمة الحلّي وآخرين معه، وقد ذكرت ذلك مفصلاً في مقدّمة كتاب (الألفين) للعلاّمة الحلّي، فمنع الرقيب يومئذ من نشره لأنّه فيه إعلان محمّد خدابنده تشيّعه رسماً، فتابعه الناس، والناس على دين ملوكهم، فمنذ ذلك الحين انتشر التشيّع في البلاد، ودخلت فيه عناصر لم تخل من رواسبها العقدية القديمة، فكان التشيّع فيه فرق لها آراء متطرّفة مضافاً إلى الموروث من قبل.
فالقول بتشيّع النسائي لأنّه كتب (الخصائص)، ينبغي عدّ أحمد بن حنبل أيضاً متشيّعاً، وبهذا كان أولى، لأنّه أوّل من ربّع الخلفاء، فقال: بأنّ عليّاً عليه السلام رابع الخلفاء، وقيل له في ذلك؟! فردّ عليهم: بأنّه بايعه المسلمون وخطب باسمه على المنابر وجبي إليه الخراج، مضافاً إلى كتابه (مناقب أمير المؤمنين عليه السلام)، وقال أبو نعيم في كتاب (الخصائص) للنسائي: بأنّ جملة أخباره من كتاب أحمد، كما مرّت الإشارة إلى هذا. وحتّى أبو نعيم فقد عدّه المجلسي الثاني من الشيعة؟! وهذا لا يمكن قبوله بجرّة من قلم، ومهما كان فالقول بتشيّع النسائي بمعناه البسيط الساذج بمعنى المحبّة الصادقة فنعم، وأمّا بمعناه المتابعة والمشايعة بما لها من أحكام قولاً وفعلاً فغير محقّق إن لم يكن منتف! وحسبنا بكتابيه (السنن الكبرى)، و(المجتبى) وما فيها من أحاديث في الأحكام، وفيها ما يخالف ما صحّ عن عليّ عليه السلام من
أحاديث، وستأتي الإشارة إلى بعض هذا.
فلا غرابة إذاً لو قيل: كان الحافظ النسائي من شهداء الفضيلة والعقيدة، وعدّه من الشيعة بالولاء لعليّ عليه السلام والبراءة من معاوية صحيح، كما ذكره في قوله الذي حكاه عنه صاحبه المأموني.
فقال المأموني: فقيل له -- وأنا أسمع -- ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرّج؟ حديث: (اللّهمّ لا تشبع بطنه)، فسكت السائل.
وهذا ذكره الذهبي في (تذكرة الحفّاظ) كما مر، ولم يستسغه فبادر إلى تعقيبه بقوله: لعلّ هذه منقبة معاوية لقول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة) (؟).
وهنا لا بدّ من وقفة (على المحكّ)
لنلقي فيها نظرة فاحصة ماحصة لحديث: (اللّهمّ لا تشبع بطنه)، ولتعقيب الذهبي على جعله منقبة لمعاوية.
فأقول: هاؤم اقرؤا كتابيه الذي فيه أنّ معاوية كافر بالعرش، كما عن سعد بن أبي وقّاص، ومعاوية من أخبث الناس بشهادة المغيرة بن شعبة، فإلى تخريج الحديث بلفظ: (لا أشبع الله بطنه).
1- (إتحاف الخيرة المهرة) للبوصيري:
(17- باب الترهيب من الإمعان في الشبع...
3596- قال أبو داود: حدّثنا هشيم وأبو عوانة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنّه يأكل، ثمّ بعث إليه، فقال: إنّه يأكل، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا أشبع الله بطنه)،
قال أبو محمّد عبد الله بن جعفر: معناه والله أعلم: إنّه لا أشبع الله بطنه في الدنيا حتّى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة، لأنّ الخبر عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة).
قال البوصيري: رواه مسلم في صحيحه من طريق شعبة، عن أبي حمزة... فذكره دون ما قاله أبو محمّد عبد الله بن جعفر)(1).
2- (صحيح مسلم): (عن ابن عبّاس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال: (اذهب وادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال، ثمّ قال لي: (اذهب وادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: (لا أشبع الله بطنه).
قال ابن المثنى: قلت لأُميّة: ما حطأني؟ قال: قفذني قفذة(2))(3).
3- (مسند أبي داود) الطيالسي.
4- (جامع الأُصول) لابن الأثير.
5- (الجمع بين الصحيحين).
6- (مسند أحمد)، في عدّة أماكن، وفي طبعة مصر بتحقيق أحمد محمّد شاكر؛ ولم يذكر الدعاء. وهذا من الغريب العجيب!!
فمنها ما جاء برقم (2150): (حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن
أبي حمزة: سمعت ابن عبّاس يقول: مرّ بي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأنا العب مع الغلمان، فاختبأت منه خلف باب، فدعاني فحطأني حطأة، ثمّ بعث بي إلى معاوية)(1).
ومنها ما جاء برقم (2651): (... عن ابن عبّاس، يقول: كنت غلاماً أسعى مع الصبيان، قال: فالتفت فإذا نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم خلفي مقبلاً، فقلت: ما جاء نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ إليَّ، قال: فسعيت حتّى اختبئ وراء باب دار، قال: فلم أشعر حتّى تناولني، قال: فأخذ بقفاي فحطأني حطأة، قال: اذهب فادع لي معاوية، وكان كاتبه، قال: فسعيت، فقلت: أجب نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم فإنّه على حاجة)(2).
وهنا قال (شاكر): ... ورواه مسلم مختصراً 2/288، وفيه زيادة: (لا أشبع الله بطنه).
ومنها ما جاء برقم (3104)(3). وهو كما سبق، خلو من الدعاء على معاوية؟!
ويبدو أنّ أحمد بن حنبل لم يستسغ رواية الدعاء: (لا أشبع الله بطنه)، فلم يذكره! إلاّ أنّ الذهبي وغيره قالوا برواية الدعاء، فحكاها الذهبي في (سير إعلام النبلاء) عن الحاكم، وعن الطيالسي.
وحكى تفسير بعض المحبّين، فقال: ((لا أشبع الله بطنه)، حتّى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة، لأنّ الخبر عنه أنّه قال: (أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة).
قلت: -- والقائل هو الذهبي -- هذا ما صحّ والتأويل ركيك، وأشبه منه قوله عليه السلام: (اللّهمّ من سببته أو شتمته من الأُمّة فاجعلها له رحمة)، أو كما قال: وقد كان معاوية معدوداً من الأكلة)(1).
أقول: وبهذه الثرثرة تطوى صحيفة معاوية، ويبقى هو كاتب الوحي؟! إنّها أفانين الكذب! فلا عجب أن تبقى بلاد الشام على نُصبها منذ أيّام معاوية وإلى ما بعده، حتّى صارت سيرته سُنّة يتقوّى بها أهل السُنّة.
فهذا الجوزجاني (ت256ه-) الذي وصفه ابن حجر في (هدي الساري مقدّمة فتح الباري) بأنّه كان ناصبياً منحرفاً عن عليّ(2)، يقول عنه ابن منظور في (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر): (سكن دمشق -- كان يحدّث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوّى بكتابه، ويقرؤه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على عليّ)(3).
فمتى كان الخطيب هكذا، كيف يكون حال المستمع؟ إنّ الدماء التي أراقها معاوية في صفّين وبعد صفّين من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، أمثال عمّار (تقتله الفئة الباغية)، وأمثال حجر بن عدي ومن معه من شهداء مرج عذراء (تسبق أرواحهم أبدانهم إلى الجنّة)، حتّى استنكرت عائشة ذلك الحادث، وروت الحديث، وبكى ابن عمر لمصابهم، وقالوا: إنّ معاوية ضلّ يساوره الشعور بالخطيئة حتّى عند موته، إذ كان يقول: (ويلي من حجر)، فخليفة الشام ربّى أهلها بما شاب عليه الصغير وهرم عليه الكبير، يسمعون
السبّ علانية جهاراً نهاراً على منابر المسلمين، وورث سيرته بنو أُميّة، حتّى رفعها عمر بن عبد العزيز أيّام حكمه، ثمّ عاد الذين من بعده إلى ما كانوا عليه. فتعاقبت الأجيال على ممارسة تلك البدعة الضالة، ومن استنكرها سوف يلقى حِمامه ولا يُرعى ذمامه، فلا غرابة في شهادة الإمام النسائي رحمه الله من طغام أهل الشام ممّن ورثوا النصب لا عن كلالة، ألم يتّهم الشافعي إمام المذهب بأنّه رافضي، ولولا خروجه إلى مصر لناله نصيب من النواصب في العراق، ألم يقل:
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي
وتهمة التشيّع نالت الكثير من أعلام الأُمّة وأئمّة الحديث.
فعبد الرزاق بن همام صاحب (المصنّف) قالوا عنه: يتشيّع، مع أنّه كان يقول بتفضيل الشيخين.
ومحمّد بن جرير الطبري -- إمام المفسّرين والمؤرّخين -- قالوا عنه: ثقة صادق فيه تشيّع، وموالاة لا تضر، ومع ذلك فقد منعوا من دفنه نهاراً كما في (تاريخ الكامل) لابن الأثير(1)، وفي (الكشف الحثيث)(2).
ألم يقل ابن تيمية في (منهاج السُنّة): (إنّ الحاكم منسوب إلى التشيّع، وقد طلب منه أن يروي حديثاً في فضائل معاوية، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك الفعل)(3).
وقال الذهبي في ترجمته في (سير أعلام النبلاء): عن ابن طاهر، أنّه
سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمّد الهروي عن أبي عبد الله الحاكم؟ فقال: ثقة في الحديث رافضي خبيث.
قلت -- والقائل هو الذهبي -- كلاّ ليس هو رافضياً، بل يتشيّع.
قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً غالياً عن معاوية(رض) وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه، فسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرّام، وذلك أنّهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثاً لاسترحت من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي(1).
ألم يقل الصفدي في (أعيان العصر) في ترجمة عبد الله بن محمّد بن هارون... قال شيخنا الذهبي: وكتب إلينا بمروياته عام سبعمائة، كان قد جمع بين الرواية والدراية، وتحقّق عند الناس ماله بالعلم من العناية، وأخذ عنه الكبار، وأعاد جدة ما خمل من هذا الفنّ وبار، إلاّ أنّه كان يتشيّع ظاهراً، ويطعن في معاوية وابنه ناظماً وناثراً(2).
ألم يذكر الخليلي في (الإرشاد) قصّة الأخوة الثلاثة كلّ له مذهب وهم على تآخيهم، وهم: عمر بن عبيد، ويعلى بن عبيد، ومحمّد بن عبيد، طنافسيون، عمر أكبرهم سمع أبا إسحاق وهو صدوق، ويعلى متّفق عليه
مخرّج في الصحيحين، ومحمّد فيه تشيّع، وهو صدوق... ويعلى سنّي، وعمر مذهبه عجيب، كان يقول: معاوية أعدل في القتال من عليّ(1)؟!
وأخيراً ألم يقتل أهل الشام الحافظ الكنجي الشافعي صاحب (كفاية الطالب)، و(البيان في أخبار صاحب الزمان)، وقالوا عنه: يتشيّع، يترفّض، وأخيراً: يمالئ الكفّار، يعني: التتار حين دخلوا دمشق(2).
فلا عجب من سلوك أهل الشام النابي مع الإمام النسائي، لأنّه كتب (الخصائص).
غير أنّ من الغرائب في التاريخ أن يتولّى دمشق إنسان فيه تشيّع، كما في (الدرر الكامنة) لابن حجر، قال: (محمّد بن أبي الهيجاء بن محمّد الهذياني الأربلي... وكان متولّي دمشق، وفيه تشيّع ومات سنة ...وسبعمائة)(3).
بالرغم ممّا قيل في كتاب سنن النسائي (المجتبى) من توثيق وتزويق، وأنّه استخلصه من كتابه (السنن الكبرى) من كلّ حديث حسن لم يتكلّم في أصله، ولا في إسناده ورواته بالتعليل والتجريح.
فقد ورد في ج1/13 (بشرح السيوطي وحاشية السندي) ذكر (الفطرة -- الاختتان)، فقال: أخبرنا الحرث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة،
عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (الفطرة خمس: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط).
ثمّ ذكر بعد هذا بلا فصل في صفحة (14): تقليم الأظفار: أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت معمراً، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (خمس من الفطرة: قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستحداد، والختان)..
ثمّ أتبعه في صفحة (15)، فقال: أخبرنا محمّد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وأخذ الشارب).
فهذه روايات ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، للحديث الواحد بثلاث صيغ! والمتيّقن أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لم يقلها جميعاً، بل إنّما قال واحدة منها، فعلى من تحمل تبعة هذا التفاوت من الرواة بدءاً من النسائي وإلى أبي هريرة؟
ومن نظر كتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي، يجد رجالاً مجروحين في الصيغة الأولى: يونس بن يزيد (ع) -- يعني أخرج له الأربع -- الأيلي صاحب الزهري ثقة حجّة، شذّ ابن سعد في قوله: ليس بحجّة وشَذّ وكيع، فقال: سيء الحفظ، وكذا استنكر له أحمد بن حنبل أحاديث، وقال الأثرم: ضعّف أحمد أمر يونس.
ونجد في الصيغة الثانية: المعتمر، وهو ابن سليمان (ع) -- يعني أخرج له الأربعة -- قال ابن خراش: صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدّث من كتابه
فهو ثقة، ونقل ابن دحية عن ابن معين: ليس بحجّة.
ونجد هذا روى عن المعمر، وهو ابن راشد، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وما حدّث به بالبصرة ففيه أغاليط.
ونجد في الصيغة الثالثة: سفيان، ولم ينسب، والمسمّون بسفيان من الرواة عن الزهري اثنان: أحدهما: اسمه سفيان بن حسين الواسطي، قال في (الميزان): ويروي عن الزهري مضطرب فيه، وقال أحمد: ليس بذاك في الزهري، وعن يحيى -- بن معين -- وليس من كبار أصحاب الزهري في حديثه ضعف، وقال: ثقة في غير الزهري، إنّما سمع منه في الموسم، وقال ابن سعد: ثقة يخطئ كثيراً، وقال النسائي نفسه: ليس به بأس إلاّ في الزهري، وهذا الحديث في السنن المجتبى وقد رواه عن الزهري -- فلماذا؟ -- وقال ابن حبّان يروي عن الزهري المقلوبات.
وثانيهما: سفيان بن عيينة، قال في (الميزان): وكان يدلّس، وقال أحمد ابن حنبل: كنت أنا وابن المديني، فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك، فإنّ مالكاً أقلّ خطأً وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثاً عن الزهري، فمن هو المحظوظ بالرواية المذكورة عن الزهري؟ ثمّ من هو الزهري؟
هو الذي ذكره ابن خلكان وأنّه كان مع عبد الملك بن مروان، ثمّ مع ابنه هشام، ثمّ استقضاه الوليد، وقد أكذبته أخته، كما في (تاريخ دمشق) لابن عساكر(1).
1) - راجع: عليّ إمام البررة ج2.
فمع حال هؤلاء الرواة، كيف يصحّ القول: بأنّه لم يوضع مثل مصنّفه
-- النسائي -- في الإسلام، وأنّه أشرف المصنّفات كلّها؟! وقد قال ابن مندة، والسبكي، وأبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، والخطيب، والدارقطني: كلّ ما في سنن النسائي صحيح غير تساهل صريح(1).. إلى آخر ما قيل في النسائي و(سننه الكبرى)، و(المجتبى).
هذه خاطرة عابرة، قد نحتاج إليها في تقويم ما سيرد عن ابن عبّاس في (سنن النسائي (الكبرى)، و(المجتبى)، فلا نشطح في إضفاء الوثاقة على الرجال والكتب، فالجميع على المحكّ، وتمايز الجميع بالدقّة، في سلامة المتن بعد توثيق الأسانيد.
فإلى أثر ابن عبّاس في آثار النسائي: (السنن الكبرى)، و(المجتبى)، و(خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، وكتاب (الضعفاء والمتروكين)، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
(أوّلاً) من كتاب (السنن الكبرى)، (طبعة مؤسسة الرسالة بيروت، بتحقيق حسن عبد المنعم شلبي، الطبعة الأولى سنة 1421ه- -- 2001م)، وأختار منها ما لابن عبّاس فيه ذاتية ظاهرة قولاً وفعلاً، ممّا لم يتقدّم نقله فيما سبق من مصادر الحديث في التراث السُنّي، ولمّا كان ابن عبّاس معدوداً من المكثرين حديثاً من الصحابة، فلا غرابة لو رأينا ذكره في (السنن الكبرى) للنسائي، قد ناهز الألف مرّة، إذ ورد بحسب الحاسوب (967) مرّة، وسأنتقي منها بذكر ما هو أقلّ من عشر العشر.
1) - مقدّمة المجتبى: 1/د، ط المصرية بالأزهر سنة 1348ه-.
1- قال الشيخ النسائي: أخبرنا محمّد بن الحسن بن المثنى، قال: حدّثنا يحيى عن سفيان، قال: حدّثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس، قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فتوضأ مرّة مرة(1).
فهذا الحديث قد رواه غير النسائي من أصحاب السنن الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء الحديثية كثيرون، كما أنّ له عندهم أسانيد مختلفة، ومتوناً متفاوتة كمّاً وكيفاً، فلماذا؟!
وللجواب على هذا، لا بدّ من الإلمام ببحث جوّ الصدور، ودور ابن عبّاس في تصحيح ما عرا ذلك الجوّ من ضبابية حالكة حاكمة، كانت سبباً في اختلاف المذاهب في مسألة الوضوء، وبحث هذا الجانب يستدعي عرض منشأ ما كان سبباً في ذلك:
لقد روى حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفّان بوضوء فتوضأ، ثمّ قال: إنّ أناساً يتحدّثون عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أحاديث لا أدري ما هي، ألا أنّي رأيت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) توضأ مثل وضوئي هذا.. ثمّ قال: من توضأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة(2).
وعن حمران أيضاً، قال: أتيت عثمان بوضوء فتوضأ للصلاة.. ثمّ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (من توضأ فأحسن الطهور
كفّر عنه ما تقدّم من ذنبه)، ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: يا فلان أسمعتها من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ حتّى أنشد ثلاثة من أصحابه، فكلّهم يقول: سمعناه ووعيناه. (الحارث، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف).
وعن حمران أيضاً، قال: كان عثمان يغتسل كلّ يوم مرّة منذ أسلم، فوضعت له وضوءاً ذات يوم للصلاة، فلمّا توضأ، قال: إنّي أردت أن أحدّثكم حديثاً سمعته من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ بدا لي أن لا أحدّثكموه، فقال الحكم بن العاص: يا أمير المؤمنين! إن كان خيراً فنأخذ به أو شرّاً فنتقيه، فقال: إنّي محدّثكم به، توضأ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) هذا الوضوء، ثمّ قال: من توضأ هذا الوضوء فأحسن الوضوء، ثمّ قام إلى الصلاة فأتمّ ركوعها وسجودها، كفّرت عنه ما بينها وبين الصلاة الأخرى، ما لم يصب مقتلة، يعني: كبيرة (حم وهب)(1).
فهذه الأخبار الثلاثة رواها حمران متدرّجاً فيها، ففي الأوّل ثمّة أناس يتحدّثون بأحاديث لم يدر بها عثمان؟ وفي الثاني يبدو أنّ عثمان عظمت عليه، فصار يردّ عليها ويستشهد عليها ثلاثة من أصحابه، وفي الثالث التمس الحكم بن العاص أن يحدّثهم بما لم يرد تحديث أصحابه؟ وعلى الجميع علامات استفهام كبيرة! تنبئ عن حدوث انشقاق في أداء الأمور العبادية، وأنّ في مثل الوضوء الذي يمرّ به المسلم كلّ يوم خمس مرّات لأداء الفرائض الأدائية للصلاة، عجبٌ لا ينقضي!! كيف يختلف المسلمون الصحابة وهم
1) - كنز العمّال 9/250، ط حيدر آباد الثانية.
الذين صاحبوه حضراً وسفراً ورأوه يتوضأ، فهل كان في وضوئه صلي الله عليه وآله وسلم متفاوتاً بأكثر من صورة؟!
ولمّا كان ابن عبّاس رحمه الله من أعضاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، كما مرّ في تاريخه وسيرته في الحلقة الأولى، فكانت السلطة الحاكمة تعرف ذلك منه، هو أيضاً يعرف موقفها منهما، فكانت تجري معه بعض المحاورات خارج أجواء ولاية الحكم، لكنّها تمت إليه وتصب في واحد من روافده، كالمسائل الفقهية التي خُولفت فيها سنن القرآن وسُنّة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جهاراً نهاراً، وكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يعلن استنكاره مهما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فكان من الطبيعي أن يتّبعه ابن عبّاس في ذلك ويقتدي به في استنكار تلك الفتاوى السلطانية المخالفة لصريح السُنّة النبوية، وهما من أعرف الناس بوضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأتبعهم لهديه وسُنّته، وكان كلّ منهما يأتي لكلّ واقعة بما يسعه من أساليب الاستنكار.
فابن عبّاس يعلن الخلاف ويجهر برأيه كما مرّت بعض الشواهد في محاوراته أيّام الخلفاء الثلاثة(1)، وتارة يعلن خلافه بتصحيح المعلومة الخاطئة عند المسلمين، كما في مسألة العول، وقد مرّت الإشارة في بحثها في (إقباس من فقه ابن عبّاس)، ومن قول زفر -- الراوي لها -- لماذا لم تقل ذلك لعمر؟ قال: هبته.
ومن أساليب استنكاره بعض ما يراه مخالفاً لكتاب الله وسُنّة رسول
1) - راجع الجزء الثاني والثالث من الموسوعة، وكذا الجزء الخامس، في أيّام معاوية ويزيد وابن الزبير في مسألة المتعتين، متعة النساء ومتعة الحجّ.
الله صلي الله عليه وآله وسلم، كالخلاف في مسألة الوضوء التي بدت في أيّام عثمان، وهو الذي نغض برأسها، ويقول للناس أنّ هناك أحاديث لم يكن يدري بها، ما هي تلك الأحاديث؟ ومن هم رواتها، ويقول للناس أنّه سمع من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ يستشهد على صحّة سماعه ثلاثة عينهم من أصحابه، فمن هم أولئك الثلاثة المكرّمون بالشهادة؟ لماذا ذلك الإجراء المزري به وهو خليفة؟! أما كان صادقاً ويتهم في سماعه؟ ثمّ الخبر الذي رواه بعد أن أدخل الحكم بن العاص(1)
إنّ اللعين أبوك فارم عظامه *** ان ترم ترم مختلجاً مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل التقى *** ويظل من عمل الخبيث بطينا
فأمّا قول عبد الرحمن: إنّ اللعين أبوك، فقد روي اللعن عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره أنّها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن ما قال: (أمّا أنت يا مروان فأشهد أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعن أباك وأنت في صلبه)، ثمّ ذكر ابن عبد البرّ خبر عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يدخل عليكم رجل لعين)، قال عبد الله: وكنت قد تركت عمرو يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فلم أزل مشفقاً أن يكون أوّل من يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاصي. اه-
وذكر ابن حجر في الإصابة مثل ما مرّ، وزاد عن هند بن خديجة زوج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مرّ النبيّ بالحكم، فجعل الحكم يغمز النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بأصبعه فالتفت فرآه، فقال: اللهم اجعله وزغاً فزحف بمكانه.
في الموقف وهذا يثير عجباً! وأعجب منه أن يستجيب عثمان لعمّه1) - لقد ذكره ابن سعد وابن عبد البرّ وابن حجر في الطبقات والاستيعاب والإصابة، وخير الأمور أوساطها، فإلى القارئ ما في خير كتب تراجم الصحابة ممّن لا يتهم في شأنه، وهو ما قاله أبو عمر ابن عبد البرّ في الاستيعاب (بهامش الإصابة 1/316) كان من مسلمة الفتح، وأخرجه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من المدينة وطرده عنها، فنزل الطائف وخرج معه ابنه مروان، وقيل: إنّ مروان ولد بالطائف، فلم يزل الحكم بالطائف إلى أن ولي عثمان، فردّه عثمان إلى المدينة وبقي فيها. وتوفّي في آخر خلافة عثمان قبل القيام على عثمان بأشهر فيما أحسب، واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله إياه، فقيل: يتحيّل ويستخفي ويتسمع ما يسرّ رسول الله إلى كبّار الصحابة إلى مشركي قريش وسائر الكفّار والمنافقين، فكان يفشي ذلك عنه حتّى ظهر ذلك عليه، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته، إلى أمور غيرها كرهت ذكرها (؟) ذكروا أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا مشى يتكفأ وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه، فالتفت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يوماً فرآه يفعل ذلك، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: فكذلك فلتكن، فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت، فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
الذي لعنه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ونفاه عن المدينة إلى الطائف، ولم يرجعه من تقدّم عثمان في الحكم، ولكنّه أرجعه! فكان ذلك أحد أسباب النقمة عليه.
أمّا مسألة غلطشة أمور العبادة لدى بني أُميّة، فليست في غيابات جبّ مظلمة في ليالي مدلهمة، بل هي واضحة المعالم، فبدءاً من عثمان، ومروراً بمعاوية، وباقي أمرائهم كابنه يزيد، وبقية بني مروان بن الحكم اللعين ابن اللعين كما قالت له السيّدة عائشة -- كما في ترجمة الحكم في الاستيعاب -- ولم يستثن منهم سوى عمر بن عبد العزيز الذي هو كمؤمن آل فرعون -- على حدّ تعبير بعضهم -- والباقي في الهوى جميعاً سوى. وفيما نحن فيه:
فمسألة الخلاف في الوضوء بين المرّة، والمرّتين، والثلاث، وفي المسح، والغسل في الرأس والقدمين، نجد لعثمان وضوءاً خاصّاً به، كما رواه مولاه حمران كما مرّ، وهو غير متّهم عليه بالكذب -- كما قيل في عكرمة البربري في الكذب على ابن عبّاس وشاع عنه وذاع -- ثمّ روت مصادر الحديث السُنّي كالصحاح، ومسند أحمد -- وهي في أبراجها العاجية من الاعتبار -- أنّ عثمان كان يقول: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثمّ صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه بشيء غفر الله له ما تقدّم من ذنبه)(حم، ق، عثمان بن عفّان) (يعني:
مسند أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وسنن النسائي)(1).
ويقول: (من توضأ مثل هذا الوضوء ثمّ أتى المسجد فركع ركعتين ثمّ جلس غفر له ما تقدّم ولا تغتّروا)(خ، د وفي المنتخب ن مكان د.)(2).
وثالثاً يقول: (من توضأ مثل وضوئي هذا...) الخ أخرجه النسائي(3).
ورابعاً وخامساً، وهكذا يؤكّد على فضل وضوئه، ولم يعرفه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
وفي الخبر الثاني جاءت جملة: (ولا تغتروا)، فماذا يعني بها؟ وهل كانت صورة وضوء أخرى مزاحمة لما عنده يأتي بها مَن هو أصدق منه قيلا، وأدنى إلى الرسول صلي الله عليه وآله وسلم قبيلا، وأحظى عند الناس قبولا، منها وضوء عليّ عليه السلام، وابن عبّاس، وأهل البيت عليهم السلام، وهذا هو المحتمل قويّاً في المقام، فعليّ عليه السلام حين يحكي وضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (يابن عبّاس ألا أتوضأ لك وضوء رسول الله؟)، وابن عبّاس مثله يقول: ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فتوضأ مرّة مرة(4)
الأحدب: عبد الله بن الحسن قاضي المصيصة، والأصم: عبد الله بن نصر الأنطاكي، والضرير: أبو معاوية، والأعمش: سليمان بن مهران، والأعور: إبراهيم النخعي، والأعرج: الحكم، والأعمى: عبد الله بن عبّاس، كنز العمّال 9/255، ط حيدر أباد (الثانية)، والسند من غرائب الأسانيد ونوادر المطارفة.
.1) - كنز العمّال 9/210 برقم 1265.
2) - كنز العمّال 9/210 برقم 1266.
3) - نفس المصدر برقم 1265.
4) - قال ابن النجار: أنبانا أبو أحمد الأشقر في كتابه، أنّ أبا الفضل الأشهب أخبره، قال: كتب إليَّ أبو قاسم الزمِن، أنبأنا والدي أبو عبد الله المقعد، قال: حدّثني محمّد بن أبي خراسان المفلوج، حدّثنا الأثرم ببغداد، حدّثنا الحسن بن مهران بن الوليد أبو سعيد الأصبهاني، حدّثنا الأحدب، حدّثنا الأصم، حدّثنا الضرير، عن الأعمش، عن الأعور، عن الأعرج، عن الأعمى: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) توضأ مرّة مرّة.
إذاً فوضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والذي يرويه أهل البيت عليهم السلام وفيه المسح، والذي رواه غيرهم يروي الغسل، ولهذا اشتدّت عزائم السلطة في تثبيت ركيزتهم حتّى انتصروا لمواقفهم بالمرأة ذات الشأن في حكم الخلع، وهي الرُبيع بنت معوّذ، فصار حديثها في الوضوء المناصر للسلطة مثار تساؤل، ولابن عبّاس معها موقف أظهر فيه كذبها، وكذب حجّة من يتقوّى بها، فراجع حديثها معه وجوابه، حين قال: (ما علمت في كتاب الله إلاّ غسلتين ومسحتين)، وفي رواية قال: (يأبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح على القدمين)(1).
ولننتقل إلى كتاب الحجّ، لنقرأ فيه:
2- مسألة التلبية في الحجّ.
أخرج النسائي في (السنن الكبرى)، وفي (المجتبى)(2)، قال: ...عن سعيد بن جبير، قال: كنت مع ابن عبّاس بعرفات فقال: مالي لا أسمع الناس يلبّون، قلت: يخافون من معاوية، فخرج ابن عبّاس من فسطاطه، فقال: لبيك اللّهمّ لبيك، فإنّهم قد تركوا السُنّة من بغض عليّ. وهذا الخبر أخرجه أحمد في مسنده(3)، وفيه (لعن الله فلاناً)، وقد مرّ ذكره في الجزء الخامس من
الموسوعة(1)، وما يتعلّق به من مصادر ذكرته ولم تسمّ الملعون، وأخرى ذكرته، ولعلّ رواية البيهقي أوفى إذ فيه: (فخرج ابن عبّاس من فسطاطه، فقال: لبيك اللّهمّ لبيك، وإن رغم أنف معاوية، اللّهمّ العنهم فقد تركوا السُنّة من بغض عليّ عليه السلام)(2).
3- كما بدأنا أوّل خلق نعيده في (السنن الكبرى) في كتاب التفسير في سورة الأنبياء/104: قال: أخبرنا سليمان بن... سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عبّاس، قال: قام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بموعظة، فقال: (أيّها الناس! إنّكم محشورون إلى ربّكم شعثاً غرلاً، ثمّ قرأ هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ -- إلى أخر الآية -- وأنّ أوّل من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام، وأنّه يؤتى أناس من أُمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ربّ أصحابي! فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول مثل ما قال العبد الصالح: إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3)، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم القهقرى منذ فارقتهم).
(على المحكّ):
هذا الحديث أخرجه غير النسائي من الحفّاظ والأئمّة ممّا يتيّقن القارئ بصحّته وقالوا فيه، حفاظاً على الموروث المقدّس عن الصحابة، وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن ابن
عبّاس، كما في (جمع الجوامع) للسيوطي، وذكر معهم الطيالسي في مسنده، ومن غير هؤلاء النووي في (رياض الصالحين)، والبغوي في (شرح السُنّة)، والطبراني في (المعجم الكبير)، وابن أبي شيبة في (المصنّف)، وابن عساكر في (معجم الشيوخ/ط الشام تح وفاء تقي الدين)، وغيرهم، ممّا يدلّ على صحّة حديث ابن عبّاس سنداً.
وأمّا متناً، فيكفي قوله تعالى: وَمَا محمّد إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً(1)، وهذه الآية هي التي أنذرت الصحابة مغبة الارتداد بعد موت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفي أحاديث الحوض رواها البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، ما يغني عن الإطالة في البحث، لذلك كان من الصحابة من يتعوّذ من الارتداد بعد موت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
وعن ابن عبّاس: أنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله يقول: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت)(2).
4- أخرج في كتاب التفسير في سورة التحريم في قوله تعالى: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا(3)، بسنده، فقال: أخبرنا الحارث بن
مسكين قراءة عليه، عن أبي القاسم، قال مالك: حدّثني أبو النضر، عن علي ابن حسين، عن ابن عبّاس: أنّه سأل عمر عن اللتين تظاهرتا على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقال: عائشة وحفصة.
(على المحكّ):
وهذا الخبر أخرجه عبد الرزاق، وابن سعد، وأحمد، والعدني، وعبد ابن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن حبّان، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر(رض) عن المرأتين من أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم اللتين قال الله تعالى:إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا، حتّى حجّ عمر وحججت معه، فلمّا كان ببعض الطريق، عدل عمر وعدلت معه، بالأداوة، فتبرّز، ثمّ إنّي صببت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم اللتان قال الله: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا؟ فقال: واعجباً لك يابن عبّاس! هما: عائشة وحفصة، ثمّ أنشأ يحدّثني الحديث، فقال: كنّا معشر قريش نغلب النساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟ فوالله إنّ أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قلت: قد خابت من فعلت ذلك منهنّ وخسرت.
قال: وكان منزلي بالعوالي، وكان لي جار من الأنصار كنّا نتناوب النزول إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فينزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوماً فآتيه بمثل ذلك، قال: وكنّا نحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل لتغزونا، فجاء يوماً فضرب عليَّ الباب، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت:
أجاءت غسّان؟ قال أعظم من ذلك، طلّق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نساءه، فقلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أرى ذلك كائناً، فلمّا صلّينا الصبح شددت عليَّ ثيابي، ثمّ انطلقت حيث دخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: أطلّقكن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قالت: لا أدري هو ذا معتزل في المشربة... ثمّ ساق الحديث بطوله.
وهذا أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)(1).
5- في كتاب التفسير في سورة النصر: بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: أنّ عمر كان يسأل المهاجرين عن هذه الآية: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، فيم نزلت؟ قال بعضهم: أمر الله نبيّه إذا رأى الناس، ودخولهم في الإسلام وتسردهم في الدين أن يحمدوا الله ويستغفرون.
قال عمر: ألا أعجبكم من ابن عبّاس؟ يابن عبّاس! مالك لا تتكلّم؟ قال: سأله متى يموت؟ قال: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ _ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً(2)، فهي آيتك من الموت، قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما علمتُ منها إلاّ الذي علمت.
(على المحكّ):
وهذا أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)، في تفسير سورة النصر، نقلاً عن سعيد بن منصور، وابن سعد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم معاً في (الدلائل) عن ابن
عبّاس، ولا غرابة في روايته وتفسيره للآية بما يعلمه عمر أيضاً، إلاّ أنّ الفارق الذي يلفت النظر تأثير كلّ منهما في نفسه، فإنّ ابن عبّاس قال: لمّا نزلت: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، نعيت لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نفسه حين أنزلت، فأخذني أشدّ ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة(1).
وتصديق هذا ما مرّ في الجزء الأوّل والخامس من هذه الموسوعة، حيث ذكر الرواة عنه، أنّها كان في خديه مثل الشراكات من البكاء من خشية الله تعالى، ومن قيامه بالليل، كما رواه من رآه في طريق مكّة، ومن صيامه الاثنين والخميس.. إلى غير هذا من أعماله الصالحة، ممّا دلّ على اجتهاده في أمر الآخرة، أمّا عن عمر، فقالوا: كان يلبس مدرعة الصوف، ويأكل من الطعام الجشب، ولحمانه من لحم الإبل، والذي لا يهضمه إلاّ بشرب النبيّذ عليه، وفي كتاب مناقبه لابن الجوزي ما يغني عن ذكره في المقام، ولست في مقام المفاضلة، ولكن الغرض التنبيه على تأثير العلمين في ذينك الرجلين، بعد أن علمنا بأن كانت سورة النصر فيها كما قال قتادة: ذكر لنا ابن عبّاس، قال: هذه السورة فيها علم وحد حدّه الله لنبيّه ونعى نفسه، أي: إنّك لن تعيش بعدها إلاّ قليلاً، قال قتادة: والله، ما عاش بعدها إلاّ قليلاً، سنتين، ثمّ توفي(2).
6- من (الخصائص)(3)-- وقد ذكرها الذهبي، فقال: وأمّا كتاب (خصائص
1) - السنن الكبرى، للنسائي 6/525 رقم/11712.
2) - الدرّ المنثور، للسيوطي 8/601، نقلاً عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
3) - لقد طبعت مستقلاً محقّقة وغير محقّقة في مصر، والهند، وإيران، والكويت، ولبنان، والعراق، وفي كلّ منها مكرّراً ناهزت العشرين، وقد أحصيت بعضها فذكرته في أوّل، ط إيران بتحقيق محمّد الكاظم، وهي التي اعتمدتها في هذا المقام، وقد أورد فيها عن ابن عبّاس ستّة أخبار أذكر منها أربعة، وادع اثنين، أحدهما: حديث تسعة رهط، وثانيهما: محاورة ابن عبّاس مع الخوارج، وكلاهما قد مرّ ذكره في الحلقة الأولى من الموسوعة، فلا حاجة لإعادتهما.
عليّ) فهو داخل في سننه الكبير...(1)-- .
قال النسائي: أخبرني محمّد بن وهب، قال: حدّثنا مسكين بن بكير، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس -- وأبو بلج هو يحيى بن أبي سليمان (سليم) -- قال: أمر رسول الله بأبواب المسجد فسُدّت إلاّ باب عليّ.
أخبرنا محمّد بن المثنى، قال: حدّثنا عمرو بن ميمون، قال: قال ابن عبّاس: وسدّ أبواب المسجد غير باب عليّ، فكان يدخل المسجد وهو جُنب، وهو طريقه ليس له طريق غيره.
أقول: لمّا كان حديث سدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد النبوي، من الأحاديث التي طالتها أيدي سماسرة الوضّاعين، زلفى للحاكمين الأفاكين، فقلبوا فيه ما وسعهم التغيير، وتزيّدوا فيه ما وسعتهم الزيادة، وقد كتبت فيه كتبٌ خاصّة، نحو كتاب السيوطي (شدّ الأثواب في سدّ الأبواب) المطبوع في الجزء الثاني من كتابه (الحاوي للفتاوي)، وقد طبع بمصر مرّات مكرّراً، منها بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، ولمّا كان السيوطي شافعي المذهب، فلم يخرج عن تسّننه في مسألة سدّ الأبواب، فذكر أوّلاً أخباراً فيها التنويه بأبي بكر وسدّ الأبواب إلاّ بابه، ثمّ ذكر أخبار خوخة أبي بكر، ثمّ ذكر فصلاً في سدّ الأبواب إلاّ باب عليّ، أورد فيه عشرة أحاديث، وقال:
1) - تذكرة الحفّاظ 2/699، وسير أعلام النبلاء 11/200، ط دار الفكر.
فهذه أكثر من عشرين في الأمر بسدّ الأبواب، وبقيت أُخر تركتها كراهة الإطالة، وعقد فصلاً في التوفيق بين أخبار: (إلاّ باب أبي بكر)، وأخبار: (إلاّ باب عليّ)، وأن لا تعارض بينهما، وذكر وجه الجمع عن القاضي إسماعيل المالكي في أحكامه، والكلاباذي في معانيه، والطحاوي في مشكله، وعبارة الكلاباذي: لا تعارض بين قصّة عليّ وقصّة أبي بكر، لأنّ باب أبي بكر كانت من جملة خوخات يطلع منها إلى المسجد، وتركت خوخة أبي بكر فقط، وأمّا باب عليّ فكان داخل المسجد يخرج منه ويدخل منه.
وقال الحافظ ابن حجر: قصّة سدّ الأبواب، وأمّا سدّ الخوخ، فالمراد به طاقات كانت في المسجد يستقربون الدخول منها، فأمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في مرض موته بسدّها إلاّ خوخة أبي بكر، وفي ذلك إشارة إلى استخلاف أبي بكر، لأنّه يحتاج إلى المسجد كثيراً دون غيره، انتهى.
قلت -- والقائل السيوطي -- : ويدلّ على المقام تقدّم قصّة عليّ ذكر حمزة في قصّته، فإنّ حمزة قتل يوم أحد(1).
(على المحكّ):
أقول: إنّها قداسة الموروث تثير العجب العجاب! ومنه ما ذكره السيوطي في رسالته (شدّ الأثواب في سدّ الأبواب)، ولمّا سبق لي أن ذكرت في شرح أرجوزة سيّدنا الأُستاذ قدس سره ما يتعلّق بالمقام، وهو مطبوع في كتابي (عليّ إمام البررة)، ومجرّد الإحالة عليه صارت لا تنفع القارئ غير المطّلع على كثرة المصادر والبحث فيها عمّا في الزوايا من خبايا، حيث
1) - الحاوي 2/59.
اتّخذت بعض فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وسيلة للتقرّب إلى المناوئين، كما أشار ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح النهج)، حيث قال: (ونحو سدّ الأبواب، فإنّه كان لعليّ عليه السلام منقبة فقلبته البكرية إلى أبي بكر...)(1)، فلهذا انقل للقارئ ما كتبته هناك، وهو فيما أحسب سيغنينا عن تتبّع ما قاله زيد وعمرو:
قال المرحوم سيّدنا الناظم قدس سره:
ومذ أتى الوحي من المولى العليّ *** بسدّ أبواب سوى باب عليّ
وسُدّت الأبواب إلاّ بابه *** فأظهر السُخطَ لذا أصحابه
قام النبيّ خاطباً ومعلّماً *** ما كان أمري إنّه أمر السما
قلت في الشرح:
أشار سيّدنا الناظم(دام ظله) إلى الحديث المعروف بحديث سدّ الأبواب إلاّ باب عليّ عليه السلام.
قال الحافظ الحمويني في (فرائد السمطين): وحديث سدّ الأبواب رواه نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة، أغربها حديث ابن عبّاس(2).
أقول: لم يبيّن وجه الغرابة في ذلك، وما ذكره من حديث ابن عبّاس لم يظهر منه ما أشار إليه، وسيأتي بيان ذلك.
أمّا الصحابة الذي روي عنهم الحديث وما في معناه فيما وقفت على أسمائهم زهاء عشرين، منهم سبعة عشر رجلاً، وهم:
1- أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: وأخرج حديثه البزّار في (مسنده)، كما في (مجمع الزوائد) للهيثمي(1)، والسيوطي في كتبه: (الحاوي)، و(اللئالي)، و(جمع الجوامع)، وغيرها.
2- عبد الله بن عبّاس: وحديثه في (سنن الترمذي)، و(خصائص النسائي)(2)، و(معجم الطبراني الكبير)، و(فتح الباري)، و(الإصابة)، و(القول المسدَّد)، كلّها لابن حجر، وغيرها.
3- عمر بن الخطّاب: وحديثه في (تاريخ ابن كثير)، و(مجمع الزوائد)، و(مناقب الخوارزمي)، و(مستدرك الحاكم)، و(تلخيص الذهبي)، و(صواعق) ابن حجر، وغيرها(3).
4- عبد الله بن عمر: وحديثه في (صحيح البخاري)، وشروحه: (فتح الباري)، و(إرشاد الساري)، و(عمدة القاري)، وفي (خصائص النسائي)، و(مجمع الزوائد)، و(لسان الميزان)، وغيرها.
5- سعد بن أبي وقاص: وحديثه في (مسند) أحمد، و(خصائص النسائي)(4)، وقوّى إسناده، وشروح البخاري الثلاثة الآنفة الذكر، و(تاريخ) ابن كثير(5)، وابن عساكر، وغيرها.
6- زيد بن أرقم: وحديثه في (مسند) أحمد، و(مناقبه)، و(خصائص النسائي)، و(مستدرك الحاكم)، و(مجمع الزوائد)، و(صواعق) ابن حجر، و(الرياض النضرة)، و(ذخائر العقبى)، وغيرها.
7- أنس بن مالك: وحديثه في (اللئالي المصنوعة)(1)، نقلاً عن العقيلي(2).
8- أبو ذرّ الغفاري: وحديثه في (مناقب الخوارزمي)، و(ينابيع المودّة)، وغيرهما.
9- حذيفة بن أسيد الغفاري: وحديثه في (مناقب) ابن المغازلي المالكي، وهو أوفى حديث في الباب وسنذكره.
10- البراء بن عازب الأنصاري: وحديثه في (مناقب) ابن المغازلي، و(تاريخ) ابن كثير(3)، و(سيرة الحلبي)(4)، وغيرها.
11- بريدة الأسلمي: وحديثه في (فضائل الصحابة) لأبي نعيم، و(فرائد السمطين)(5).
12- جابر بن سمرة السوائي: وحديثه في (معجم الطبراني الكبير)(6)، و(مجمع الزوائد)(7)، و(القول المسدّد) لابن حجر(8)، و(فتح الباري)،
و(إرشاد) القسطلاني، و(سيرة) الحلبي، وغيرها.
13- جابر بن عبد الله الأنصاري: وحديثه في (تاريخ) الخطيب(1)، و(تاريخ) ابن عساكر (ترجمة الإمام)، و(كفاية الطالب)، و(كنز العمّال)، وغيرها.
14- أبو سعيد الخدري: وحديثه في (مجمع الزوائد)(2)، وقال: رواه أحمد بسند حسن، والطبراني في (الأوسط)، وفي (مستدرك الحاكم)(3)، و(أخبار القضاة) لوكيع(4)، وغيرها.
15- أبو الحمراء: وحديثه في (الإصابة) في ترجمة حبّة العرني الآتي(5)، وفي (الدرّ المنثور) للسيوطي، في سورة النجم، في قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى(6).
16- حبّة العرني: وحديثه في ترجمته في (الإصابة)(7).
17- عبد الله بن مسعود: وحديثه في (فرائد السمطين)، و(اللئالي المصنوعة)(8).
ولا شكّ في أنّه قد فاتني غيرهم بعد ما قرأنا قول الحمويني: ورواه
نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة.
أمّا من رواه من النساء، فقد ذكروا ذلك عن اثنتين من أُمّهات المؤمنين وكفى، وهما السيّدتان:
1- عائشة: وأخرج حديثها الحافظ عبد الغني بن سعيد في كتابه (إيضاح الإشكال)، وعنه السيوطي في (اللئالي المصنوعة)(1)، بالسند إليها تقول: قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد: (وجِّهوا هذه الأبواب عن المسجد)، فدخل النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) المسجد ولم يصنع القوم شيئاً، رجاء أن ينزل عليهم في ذلك رخصة، فخرج عليهم، فقال: (وجِّهوا هذه الأبواب عن المسجد، فإنّي لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب إلاّ لمحمّد). والله أعلم.
هذا ما ذكره السيوطي عن الحافظ عبد الغني بن سعيد، ولم يرد فيه ذكر عليّ ولا آل محمّد، وقد يظنّ أنّه أجنبيّ عن المقام، ولكن إذا رجعنا إلى (تاريخ البخاري الكبير)(2)، وإلى (سنن البيهقي)، كما في (تنزيه الشريعة) لابن عراق(3)، نجد عن عائشة حديثها، قالت: قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) لعليّ: (لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك).
2- أُمّ سلمة: وحديثها في (سنن البيهقي)(4)، و(فرائد السمطين)، و(سيرة) الحلبي، و(مناقب الخوارزمي)، وقد مرَّ في آية التطهير ما يتعلّق
بالمقام في حديثها؛ فراجع.
أمّا من أرسله إرسال المسلمات من سادات التابعين، فهم:
1- أبو حازم الأشجعي: في (الخصائص الكبرى) للسيوطي(1).
2- المطّلب بن عبد الله بن حنطب: وحديثه في (فتح الباري)، و(الكشّاف)، و(أحكام القرآن) للجصّاص، و(اللئالي المصنوعة) للسيوطي(2).
3- عبد الله بن مسلم الضبي الملائي: وحديثه في (وفاء الوفاء)(3).
4- عدي بن ثابت: وحديثه في (مناقب ابن المغازلي)(4).
5- ناصح بن عبد الله: وحديثه عن ابن عساكر.
ونظراً لتعدّد صور الحديث، فإنّا نختار أوفى صورة وصلت إلينا، وقد نشير إلى غيرها عند الحاجة، وتلك الصورة هي ما رواه حذيفة بن أسيد الغفاري، وقد أخرج حديثه ابن المغازلي المالكي في (مناقبه)(5)، بسنده إلى حذيفة، قال:
لمّا قدم أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم المدينة لم تكن لهم بيوت يبيتون فيها، فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا).
ثمّ إنّ القوم بنوا بيوتاً حول المسجد، وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعث إليهم معاذ بن جبل، فنادى أبا بكر، فقال: إنّ رسول الله يأمرك أن
تخرج من المسجد، فقال: سمعاً وطاعة، فسدّ بابه وخرج من المسجد.
ثمّ أرسل إلى عمر، فقال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يأمرك أن تسدّ بابك الذي في المسجد وتخرج منه. فقال: سمعاً وطاعة لله ورسوله، غير أنّي أرغب إلى الله في خوخة في المسجد. فأبلغه معاذ ما قال عمر.
ثمّ أرسل إلى عثمان وعنده رقيَّة، فقال: سمعاً وطاعة، فسدّ بابه وخرج من المسجد.
ثمّ أرسل إلى حمزة فسدَّ بابه، وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله.
وعليّ على ذلك يتردّد، ولا يدرى أهو فيمن يقيم، أو فيمن يخرج، وكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قد بنى له بيتاً في المسجد بين أبياته، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أسكن طاهراً مطهّراً)، فبلغ حمزة قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ، فقال: يا محمّد! تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطّلب؟ فقال نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا، لو كان الأمر إليَّ ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلاّ الله، وأنّك لعلى خير من الله ورسوله، أبشر). فبشَّره النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقتل يوم أحد.
ونفس ذلك رجال على عليّ فوجدوا في أنفسهم، وتبيَّن فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فبلغ ذلك النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقام خطيباً فقال: (إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم في أنّي أسكن عليّاً في المسجد، والله ما (أنا) أخرجتهم ولا أسكنته، إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى وأخيه: أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ(1)، وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله إلاّ هارون وذرّيته... وإنّ عليّاً
1) - سورة يونس/87.
منّى بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحلّ مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلاّ عليّ وذرّيته، فمن ساءه فهاهنا)، وأومأ بيده إلى نحو الشام.
ولمّا كانت صور الحديث كثيرة تبعاً لكثرة رواتها في حيثياتها وزمانها ومكانها، لذلك قد تجد في بعضها ما ليس في بعضها الآخر، ولكنّها متَّحدة المضمون، وذلك أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم سدَّ أبواب المسجد غير باب عليّ، كما هو لفظ حديث ابن عبّاس في ذيل حديث طويل ذكر فيه عشر فضائل للإمام عليّ عليه السلام لم يشاركه غيره فيها، وقد أخرجه عنه أحمد في (مسنده)(1)، وفي فضائله، والحاكم في (المستدرك على الصحيحين)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة(2)، وأخرجه الذهبي في (تلخيصه) معترفاً بصحّته، والنسائي في (الخصائص)، وأبو نعيم في (الحلية)، وابن كثير في (تاريخه)، والخوارزمي في (مناقبه)، وابن المغازلي في (مناقبه)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)، والطبراني في (الكبير)، و(الأوسط) باختصار، وغيرهم وغيرهم، ومنهم الحمويني في (الفرائد)، وقال: وحديث (سدّ الأبواب) رواه نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة، أغربها حديث عبد الله بن عبّاس(3).
ثمّ ذكر الحديث عنه، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): سدّوا الأبواب كلّها إلاّ باب عليّ عليه السلام.
أقول: وهذا الحديث كسابقه، ولم يبيّن لنا وجه الغرابة فيه، ولعلّه أراد بالغرابة رواية ابن عبّاس له بتخيّل فقده عنصر المشاهدة في تلك الحادثة،
حيث لم يكن يومئذ بالمدينة، بل كان بمكّة، ولم يهاجر إلاّ مع أبيه العبّاس في السنة الثامنة.
ولكنّنا إذا انتبهنا إلى أنّ ما رواه ابن عبّاس في هذا المقام لم يكن إلاّ جزءاً من حديث طويل أجاب به تسعة رهط جاؤوا يسألونه، فقالوا: يا بن عبّاس! إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا هؤلاء. فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم. فقام وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، فانتدوا فتحدّثوا لا يُدرى ما قالوا، فجاء ينفض ثوبه ويقول: أفّ وتُفّ، وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره.. ثمّ ذكر الفضائل الآتية:
1- إعطاؤه الراية يوم فتح خيبر.
2- إرساله لتبليغ سورة براءة.
3- حديث بدء الدعوة في إنذار العشيرة ومقامه في ذلك.
4- إنّه أوّل من أسلم.
5- نزول آية التطهير فيه وفي أهل بيته.
6- مبيته على فراش النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة.
7- حديث المنزلة.
8- حديث سدّ الأبواب.
9- حديث الغدير والموالاة.
10- شهوده بدر وموقفه في ذلك اليوم.
فذكره لهذه الفضائل التي منها ما توفّر له فيها عنصر المشاهدة، ومنه ما كانت بالسماع، ليس فيه أيّة غرابة.
نعم، إنّ هذا الحديث -- حديث سدّ الأبواب -- كغيره من أحاديث
فضائل الإمام عليّ عليه السلام لم يسلم من التضبيب والتعتيم، وقد مرَّت الإشارة منّا إلى بعض ذلك في حديث الراية، وحديث الثقلين، وحديث تبليغ سورة براءة، وحديث بدء الدعوة، وحديث المنزلة، وغيرها.
فمّما كان نصيب هذا الحديث من تعتيم، لتقصير مدى الرؤية وبالتالي إلى انعدامها، ذكر العبّاس في بعض صور الحديث، كما في حديث رواه أحمد في (مسنده)(1)، والنسائي في (خصائصه)(2)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)(3)، وقال: رواه: أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، والطبراني. ثمّ قال: وإسناد أحمد حسن.
كلّهم ذكروا الحديث عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أمر بسدّ الأبواب فسُدَّت، وتُرك باب عليّ، فأتاه العبّاس، فقال: يا رسول الله! سددت أبوابنا وتركت باب عليّ؟ قال: (ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها).
ومعلوم أنّ العبّاس لم يكن يومئذ في المدينة حين سدّت الأبواب، بل كان بعد بمكّة ولم يهاجر إلاّ في السنة الثامنة، وزمان سدّ الأبواب كان في السنة الأولى من الهجرة، فبينهما سبع سنين.
فذكر العبّاس إمّا أن يكون سهواً من الرواة حين سمعوا من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم سدّ الأبواب، فقال له عمّه، فظنوه العبّاس، وليس هو، وإنّما المراد به الحمزة كما مرَّ في حديث حذيفة.
وإمّا أن يكون حشر اسم العبّاس عن قصد وعمد ليفتح بذلك باب التشكيك في صحّة الحديث، وبالتالي إلى إنكاره والحكم عليه بالوضع!
ولا تعجب إن قلت إلى إنكاره، فثمّة من بلغت به القحة والنصب فزعم أنّ الحديث باطل وموضوع، ولم يكن زعمهم ذلك من جهة ذكر العبّاس أو غيره، وإنّما لدعواهم معارضته لما ورد في الصحيحين -- يعني صحيح مسلم والبخاري -- من حديث الخوخة: (سدّوا كلّ خوخة إلاّ خوخة أبي بكر)(1).
فتسلّلوا من وراء الخوخة وعَمُوا عن الباب، شأن كلّ مختال مرتاب من النُصّاب، كابن الجوزي(2)
وقال السيوطي: فذكر في كتابه كثيراً ممّا لا دليل على وضعه، بل هو ضعيف، بل وفيه الحسن والصحيح، وأغرب من ذلك أن فيه حديثاً من صحيح مسلم، تدريب الراوي 1/235.
وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة 1/3: وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها -- الموضوعات -- كتاب جامع، إلاّ أنّ عليه مؤاخذات ومناقشات.
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 597ه- من تاريخه: وفي هذه السنة... توفي أبو الفرج... وكان كثير الوقيعة في الناس، لاسيما في العلماء المخالفين لمذهبه.
وقال اليافعي في حوادث سنة 595ه- من مرآة الجنان: وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط، وتلقاه الناس، وبقي في المطمورة خمس سنين، كذا ذكره الذهبي.
3- وهذا كان على شاكلة سابقه، بل زاد عليه حتّى أفتى أصحاب المذاهب ضدّه، وأصدروا فتاواهم بغيّه، بعد محاججاتهم له، وأمر السلطان بمنشور يتلى على المنابر في ذلك، وحبس حتّى مات في سجن القلعة.
4- وهذا هو تلميذ ابن تيمية وعلى رأيه في هواه وفي عناده، ولقي من جراء ذلك الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيمية كما يقول محقّق كتابه العبر في المقدّمة.
5- وهذا تلميذ آخر لابن تيمية، وربّما كان أكثر لصوقاً به، وقد حبس معه فترة، فلا حاجة إلى المزيد في تعريفه مع ما سيأتي ذكره في المتن.
، وابن تيمية(3)، والذهبي(4)، وابن كثير(5) ومنشايعهم، ولم يقف بهم مبلغ علمهم عند حدّ المعارضة والحكم بالوضع على حديث الأبواب، بل تحاملوا على الشيعة فبهتوهم بما ليس لهم في ذلك من ذنب، فقالوا: (وضعته الرافضة).
فاقرأ ما قاله ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات)، وهو يذكر باب في فضائل عليّ عليه السلام: (الحديث الرابع عشر: في سدّ الأبواب غير بابه، فيه عن سعد، وابن عبّاس، وزيد بن أرقم، وجابر. ثمّ ذكر أحاديثهم وأعلّها بحرج بعض رجال إسنادهم، ثمّ قال: فهذه الأحاديث كلّها من وضع الرافضة، قابلوا به -- بها -- الحديث المتّفق على صحّته في (سدّ الأبواب إلاّ باب أبي بكر)، ثمّ ذكر ذلك الحديث بسنده إلى أبي سعيد، قال: خطب رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) الناس، فقال: (إنّ مِن أمَنّ الناس في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربّي عزّ وجلّ لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودّته، لا يبقى في المسجد باب إلاّ سدّ إلاّ باب أبي بكر). أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وأخرج البخاري من حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) قال: (سدّوا عنّي كلّ خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر)، وقد روى بعض المتحذلقين في حديث أبي بكر زيادة ولا تصحّ...
ثمّ ذكر تلك الزيادة من رواية أنس بن مالك، قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خطب الناس، فقال: (سدّوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر)، فقال الناس: سدّوا ]كذا[ الأبواب كلّها إلاّ باب خليله. فقال: (أنّي رأيت على أبوابهم ظلمة، ورأيت على باب أبي بكر نوراً). فكانت الآخرة
أعظم عليهم من الأولى)(1).
هذا مبلغ علم ابن الجوزي، ولم يخرج ابن تيمية عن حفيرته، بل سار على وتيرته، ونسج على منواله، ولم يزد على ما جاء في مقاله، فقد قال في كتاب (منهاج السُنّة)(منهاج الاعتدال) بعد ذكر حديث سدّ الأبواب: (فإنّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإنّ الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال في مرضه الذي مات فيه: (إنّ من أمَنِّ الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو ]كذا[ بكر، ولو كنتُ متّخذاً خليلاً غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أُخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقين خوخة إلاّ سُدّت إلاّ خوخة أبي بكر). (رواه ابن عبّاس أيضاً في الصحيحين))(2).
فانظر إلى ابن تيمية في قوله هذا، هل جاءنا بشيء جديد؟ وإنّما هو اجترار وتكرار لما قاله ابن الجوزي من قبل.
أمّا الذهبي فلم يزد في كتابه (المنتقى) على ما مرَّ ذكره ابن تيمية، ولا غرابة في ذلك فكتابه منتقى من كتاب ابن تيمية السابق، حيث سمَّاه (المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال)(3).
وأمّا ابن كثير، فقد قال في تفسيره في تفسير قوله تعالى: وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتّى تَغْتَسِلُواْ(4)بعد ذكر (سدّوا كلّ خوخة في المسجد إلاّ
خوخة أبي بكر)، قال: ومن روى (إلاّ باب عليّ)، كما في بعض السنن، فهو خطأ، والصواب ما ثبت في (الصحيح)(1).
والآن وبعد مرورنا على أقوال هؤلاء الناس، أليس من حقّ القارئ أن يتساءل مع كلّ منهم: فيقول لابن الجوزي: كيف تحكم على الحديث بالبطلان والوضع وأنّه من وضع الرافضة، والحديث رواه نحو من ثلاثين صحابياً كما مرَّ، وعن كلّ صحابي بعدّة طرق، وأخرجه الحفّاظ من غير الشيعة، ومن جملتهم إمام المذهب الذي تتمذهب به، أعني الإمام أحمد بن حنبل، فهل كلّ هؤلاء من الرافضة؟!
وقد انبرى إلى ردّه غير واحد من أعلام السُنّة فضلاً عن الشيعة، ولسنا بصدد ذكر ردودهم، ونكتفي بما قاله ابن حجر في كتاب (القول المسدَّد في الذب عن مسند أحمد)، حيث قال: (قول ابن الجوزي في هذا الحديث: (إنّه باطل وأنّه موضوع) دعوى لم يستدلّ عليها إلاّ بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرّد التوهّم، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلاّ عند عدم إمكان الجمع...
إلى أن قال: وهذا الحديث من هذا الباب هو حديث مشهور له طرق متعدّدة، كلّ طريق فيها على انفراده لا تقصر عنه رتبة الحسن، ومجموعها ممّا يُقطع بصحّته، على طريقة كثير من أهل الحديث، وأمّا كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلّم، ليس بينهما معارضة...)(2).
إلى أن قال أيضاً: (هذه الطرق المتضافرة بروايات الثقات تدلّ على أنّ الحديث صحيح دلالة قوية، وهذه غاية نظرة المحدِّث...
إلى أن قال: فكيف يدَّعي الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرّد هذا التوهم، ولو فتح الباب لردّ الأحاديث لادَّعي في كثير من هذه الأحاديث الصحيحة البطلان، لكن يأبى الله ذلك والمؤمنون)(1).
وقال ابن حجر في (فتح الباري) بعد ذكر ستّة أحاديث في الباب: (هذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضاً، وكلّ طريق منها صالحة للاحتجاج فضلاً عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعلَّه أيضاً بأنّه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة...(2)
إلى آخر ما قاله ابن حجر في كتابيه (القول المسدّد)، و(فتح الباري)، وفيما ذكرناه عنه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد في ردّ ما قاله ابن تيمية أيضاً، الذي لم يأت من عنده بشيء جديد -- كما مرَّ -- وإنّما تبع ابن الجوزي في إعلاله واعتلاله، فلا يؤبه بحاله.
لكن لا ينقضي عجبي من الحافظ الذهبي! فهو يضلع مع ابن تيمية في
كتابه (المنتقى) في طعن الحديث، بينما نقرأ قوله في كتابه (تلخيص المستدرك للحاكم) عند ذكر الحديث بأنّه صحيح(1)!! فراجع لتعرف التناقض عند الرجل!
وحال ابن كثير لا يبعد في تناقضه عن الذهبي بكثير، فهو في تفسيره -- كما مرَّ -- يطعن بالحديث، ويقول: ومن روى (إلاّ باب عليّ)، كما وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح.
بينما نجده هو في (تاريخه) أخرج الحديث عن ابن عبّاس، وذكر قول عمر: لقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحبّ إليَّ من حمر النعم، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، وسكناه المسجد مع رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، يحلّ له ما حلّ له، والراية يوم خيبر(2).
وذكر أيضاً قول عبد الله بن عمر، وهو مثل قول أبيه في عدّ الخصال الثلاث(3). وذكر حديث سدّ الأبواب برواية زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وسعد بن أبي وقاص(4).
كما ذكر حديث أبي سعيد الخدري عنه (صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) أنّه قال لعليّ: (يا عليّ! لا يحلّ لأحد يجنب في المسجد غيري وغيرك).
فهلّم معي فاضحك -- وشرّ البلية ما يضحك -- فابن كثير في تفسيره يقول: (ما ورد في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح)، وهو نفسه يخرجه في تاريخه كما مرَّ عليك، ولا يكتفي بتخريجه فقط، بل يحاول الجمع بين حديث سدّ الأبواب وحديث الخوخة، فيقول بعد ذكره الحديث برواية سعد بن أبي وقاص: (وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره عليه السلام في مرض الموت بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر الصدّيق، لأنّ نفي هذا في حقّ عليّ كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقاً بها، وأمّا بعد وفاته فزالت هذه العلّة، فاحتيج إلى فتح باب الصدّيق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلّي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته عليه السلام، وفيه إشارة إلى خلافته). اه-.
أوليس معنى الجمع بين الحديثين هو ثبوتهما معاً عنده، ونحن لا نناقشه في تعليله العليل في حقّ باب عليّ لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، ولا نقول له: أين كان بيت فاطمة حين أمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بسدّ الأبواب؟ ألم تكن هي بعد في بيت أبيها لم يتزوّجها عليّ عليه السلام، فسدّ الأبواب كان في السنة الأولى بعد بناء المسجد، وزواجها كان بعد بدر، وهي في السنة الثانية على المشهور عند المؤرّخين، وهو منهم، وقد ذكره في تاريخه(1).
وعلى فرض صحّة ما ذهب إليه، هل لنا أن نقول له: لماذا لم يشمل
1) - المصدر السابق 3/345.
النبيّ بعطفه الأبوي وحنانه النبوي ابنته الأخرى رقيّة، التي كانت يومئذ عند عثمان؟ فلماذا أمر بسدّ بابه كما مرّ في حديث حذيفة؛ فراجع.
ثمّ هل من حقّ القارئ أن يسأله: إذا كان حديث الخوخة صحيحاً، ولفظه: (سدُّوا كلّ خوخة إلاّ خوخة أبي بكر)، فكيف اتسعت الخوخة فصارت باباً ليلج منها ابن كثير وأضرابه؟! ويقول: (احتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلّي بالناس، إذ كان الخليفة عليهم بعد موته عليه السلام، وفيه إشارة إلى خلافته)، من أين علم ذلك ابن كثير؟ وكيف هو فهم أنّ ما حدث كان إشارة إلى خلافته؟!
ولماذا لم يفهم الصديق تلك الإشارة كما فهمها ابن كثير؟! وليته فهمها ولم يترك بيته الذي فيه الخوخة إن كان له هناك بيت(1)، فلا يذهب إلى بيته في السُّنْح(2).
يا عباد الله! كيف يعقل أو يتعقّل أن يفهم تلك الإشارة ابن كثير وأضرابه ولا يفهمها الصدّيق إذا كان قد شرَّفه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حديثاً بتلك الفضيلة، فسدَّ كلّ خوخة إلاّ خوخته؟! لماذا لا يعتني بها ويذهب إلى العوالي إلى منزله بالسنح، ويبقى فيه مفارقاً خليله ونبيَّه وصاحبه في الغار
1) - قال التوربشتي: لم يصحّ عندنا أنّ أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنّما كان منزله بالسنح من أعلى المدينة. إرشاد الساري 6/84، ط أفست عن طبعة بولاق سنة 1325ه-.
2) - قال الفيروز آبادي في كتابه (المغانم المطابة في معالم الطابة): 187، ط الأولى سنة 1389ه- بتحقيق حمد الجاسر: سُنْح بضم أوّله وسكون ثانيه، محلّة من محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق(رضي الله عنه) حين تزوّج ملكية، وقيل: حبيبة بنت خارجة (الخزرجية)، وهي في طرف من أطراف المدينة، وهي منازل بني الحرث بن الخزرج من الأنصار بعوالي المدينة، وبينها وبين منزل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ميل.
والهجرة، حتّى إذا مات النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ولم يكن حاضراً عنده، أقبل على فرس له، فرأى عمر يتهدّد ويتوعّد من يقول: مات النبيّ... إلى آخر ما كان وما جرى ولسنا بصدده... وهل يعقل ذلك؟!
وهل كان يليق هذا من مرشَّح أشير إليه بالخلافة بفتح باب بيته دون غيره، كما يقول ابن كثير، فلا يعرف ذلك، ويذهب إلى بيته بالسنح، حتّى ولو افترضنا أنّه لم يكن له بيت عند المسجد كما مرَّ عن التوربشتي، أو كان ولكن بعدما سُدَّت بابه -- كما في حديث سدّ الأبواب إلاّ باب عليّ -- انتقل إلى بيته بالسنح.
ومن الطريف أنّ المحبّ الطبري روى في (الرياض النضرة): أنّ النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) لمّا قدم المدينة ومعه أبو بكر، نزل هو (صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) على كلثوم بن هدم أخي عمر بن عوف، ويقال: نزل على سعد بن خيثمة، لأنّه كان عزباً لا أهل له، ونزل أبو بكر على حبيب بن أساف أخي بني الحارث بن الخزرج بالسنح(1).
وذكر ابن كثير نفسه في تاريخه: قدم أهل أبي بكر عليه، وذكر عائشة وأمّها أُمّ رومان وشرود الجمل بهما، وما قالته أُمّ رومان وقالته عائشة... إلى أن قال: فتقدّموا فنزلوا بالسنح منذ هجرته وربّما قبل ذلك(2).
إذاً لا غرابة لو كان أبو بكر في السنح عند مرض النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فهو يألفه منذ هجرته، ففيه نزل ولم ينزل مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفيه قدم أهله عليه، وفيه كان
عند مرض النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ينزل إلى المدينة ويعود إليه، ومنه أقبل على فرس له حين أخبره بموت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ولا غرابة في ذلك، إنّما الغرابة كلّ الغرابة في استماتة ابن كثير وأضرابه ولهاثهم في إثبات حديث الخوخة!!
فإذا صحّ ذلك، فلماذا هجر البيت الذي فيه الخوخة، مع أنّ بقاءها دون غيرها إشارة إلى خلافته كما يقول ابن كثير؟!
ولو رجعنا إلى حديث الخوخة، فليس طريق إثباته أقوى من وروده في الصحيحين -- البخاري ومسلم -- ولذا عبَّروا عنه بمتّفق عليه، وكأنّ ما جاء فيهما هو الوحي المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما أكثر المؤاخذات على ما فيهما.
ولسنا بصدد مناقشة الحديث المزعوم لا سنداً ولا دلالة، فلا حاجة لنا في ذلك، كما لا حاجة بنا إلى تقييم الصحيحين على ضوء ما قالوا فيهما(1)، كما لا حاجة لنا لاستعراض وجوه الجمع التي ذكرها غير واحد بخوعاً وتسليماً لحديث: (سدّ الأبواب إلاّ باب عليّ)، وتنطعاً وترميماً لحديث الخوخة، كما حكي ذلك عن القاضي إسماعيل في أحكامه، والكلاباذي في (معاني الأخبار)، والطحاوي في (مشكل الآثار)، وابن حجر(2)
ونقل عن الطحاوي في (مشكل الأخبار) الجمع بهما!! ونحن نقول له: لا مجاز إلى باب المجاز مع انفتاح باب الحقيقة، ومنه المجاز وبولاية صاحبه أبي بكر الصدّيق يكون الجواز، ولابن حجر هذا جوابات مسائل حول أحاديث في مصابيح السُنّة للبغوي وصفت بالضعف، فأجاب عنها، وكان منها حديث: (يا عليّ! لا يحلّ يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)، فقال: أخرجه الترمذي... إلى أن قال: وقد ورد من طرق كثيرة صحيحة: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمّا أمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد إلاّ باب عليّ، فشقّ ذلك على بعض الصحابة، فأجابهم بعذره في ذلك. وقد ورد ذلك في حديث طويل لابن عبّاس، أخرجه أحمد والطبراني بسند جيد. فراجع تجد أجوبة المسائل وهي مطبوعة في آخر مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، ط المكتب الإسلامي بتحقيق الألباني.
، والقسطلاني، والعيني1) - إني أدعو القارئ لمراجعة ما ذكره السيوطي في كتابه الحاوي 9/397 تحت (نصب ميدان جدلي)، حيث ذكر مناقشة أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، فأثبت أنّهم جميعاً خالفوا عملاً في مسائل كثيرة ما ورد في الصحيحين أو في أحدهما، وهو بحث ممتع ونافع وتحسن مراجعته.
2) - قال ابن حجر في فتح الباري 8/16: ومحصّل الجمع أنّ الأمر بسدّ الأبواب وقع مرّتين: ففي الأولى استثني عليّ لما ذكر -- يعني أنّ بيته كان في المسجد، وفي الأخرى استثني أبو بكر -- ولكن لا يتم ذلك إلاّ بأن يحمل ما في قصّة عليّ على الباب الحقيقي، وما في قصّة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرّح به في بعض طرقه. إلى أن قال: فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، اه-.
في شروحهم لصحيح البخاري، وابن كثير، وغيرهم أيضاً كثير.
كما لسنا بحاجة إلى ما قاله السمهودي في (تاريخ المدينة المنورة) المسمّى: (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى)(1).
وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) أمر بسدّ الأبواب الشوارع في المسجد، قال له رجل من أصحابه: يا رسول الله! دع لي كوّة أنظر إليك منها حين تغدو أو حين تروح. فقال: (لا والله ولا مثل ثقب الإبرة).
فعقب السمهودي بقوله: قلت: وقد اقتضى ذلك المنع من الخوخة أيضاً، بل وممّا دونهما عند الأمر بسدّ الأبواب أوّلاً، فإن صحّ ذلك فيحمل الإذن بعده في اتّخاذ الخوخ، ثمّ كانت قصّة أبي بكر بعد ذلك. اه-.
ونحن لا نناقشه في هذا الجمع التبرعي الذي لم يقم عليه شاهد ولا برهان، ولا نطالبه ولا غيره بإثبات الإذن بفتح الخوخ بعد سدّ الأبواب، فمتى كان؟ وفي أي وقت وزمان؟
1) - وفاء الوفا 1/340.
ولكنّا نقول بعد الإغماض عن كلّما قيل ويقال فيه: إنّه لو ثبت حديث الخوخة، فهو تشريف عظيم لأبي بكر، وامتياز له وزنه بميزان الفضائل لو كان صدوره في غير الزمن الذي قالوا بصدوره فيه، وهو مرض النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وقبل موته بثلاثة أيّام، أو خمسة أيّام، كما في بعض المصادر على وجه التحديد.
فإنّ في تلك الفترة من المرض قد صدرت عدّة أوامر أمر بها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فلم يمتثل أمره فيها، فقد أمر بتجهيز جيش أسامة، وشدَّد على ذلك حتّى لعن المتخلّف عنه، وأمر بإحضار دواة وكتف ليكتب للأُمّة كتاباً لن يضلّوا بعده، وأمر بأن يُخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأمر أن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزهم به، وأمر باتّباع أهل بيته والتمسّك بهم، وأوصى بالأنصار خيراً...
إلى غير ذلك من الأوامر التي لم يمتثل أمره فيها، وكان أعظمها وقعاً وأشدّها نكاية، هو حديث الكتف والدواة، وكان أمره بإحضارهما في يوم الخميس، وذلك قبل موته بخمسة أيّام، فأسمعه بعض الحاضرين كلمة (معناها غلبه الوجع)، كما في البخاري وغيره(1)، فأغمي عليه صلي الله عليه وآله وسلم لهول ما سمع، والله سبحانه يقول في نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى _ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(2)، فبعد تنزيه الله تعالى له يقابله من يقول فيه كلمة هو أولى بها، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ(3)، فوقع النزاع والخصام بين من
حضر من الصحابة، فبعض ناصروا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وطالبوا بإحضار الدواة والكتف، وبعض أبى وقال: القول ما قال عمر(1)، فأفاق من غشيته فطردهم قائلاً: (قوموا عني، لا ينبغي عند نبيّ تنازع).
وبقي أثر تلك الكلمة الجارحة في نفوس المسلمين، حتّى كان ابن عبّاس إذا ذكرها يبكي حتّى يبل دمعه الحصى، ويقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) وبين أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً.
وحديث الكتف والدواة حديث صحيح ثابت، أخرجه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتفسير والتاريخ، وحتّى بعض كتب الأدب، وقد بلغت مصادره في إحصاء أوّلي زهاء المائة، وفيها من التشريق والتغريب الشيء العجيب الغريب.
ولمّا لم يمتثل أمره صلي الله عليه وآله وسلم في أمر الدواة والكتف بحجّة ما قيل، فليس لمحتجّ أن يحتجّ بحديث الخوخة لنفس ما قاله من التعليل، لصدور الحديثين في زمان متقارب، إذ كان حديث الكتف والدواة قبل موته بخمسة أيّام، وحديث الخوخة -- فيما يُزعم -- إمّا بثلاثة أيّام، أو خمسة أيّام،
1) - قال أحمد أمين المصري صاحب كتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام في آخر كتبه (يوم الإسلام) ص41، ط سنة 1958م: أراد رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم في مرضه الذي مات فيه أن يعيَّن من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين -- البخاري ومسلم -- أنّ رسول الله لمّا احتضر، قال: (هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده)، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطّاب، فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف القوم واختصموا... فمنهم من قال: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم من قال: القول ما قاله عمر. فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عنده (ص) قال لهم: قوموا. فقاموا.
فهما على حدّ سواء في مدى الاعتبار وعدمه، لاتحادهما في الزمان وبعض الحيثيات الأخرى، فمن لم يأبه بذلك لا ينبغي له أن يحتجّ بهذا، لوجود المانع الذي قيل، ممّا أحدث البلبلة والقيل والقال.
أمّا أن يكون الأمر في أحد الحديثين مردوداً لوجود المانع المشار إليه، وفي الآخر مقبولاً مع عدم ارتفاع ذلك المانع فتحكُّم وتعسُّف، لا يُقرّه منطق، ولا يقبله عاقل منصف، مهما اختلفت الأشخاص والمعايير، واختلقت لهم الحجج والمعاذير.
قال الله سبحانه وتعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَ-ؤُلاء شَهِيداً _ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً(1).
ولزيادة اطمئنان القارئ بأنّ حديث (سدّ الأبواب إلاّ باب عليّ) من الأحاديث الصحيحة الثابتة، وأنّه من خصوصيات عليّ عليه السلام دون غيره، نذكر له ما قاله أبو بكر الجصّاص الحنفي في (أحكام القرآن)، قال: وما ذكر من خصوصية عليّ رضي الله عنه فهو صحيح، وقول الراوي: (لأنّه كان بيته في المسجد ظنّ منه)، لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) قد أمر في الحديث الأوّل بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد... وإنّما كانت الخصوصية فيه لعليّ رضي الله عنه دون غيره... كما خُصَّ حنظلة بغسل الملائكة له حين قُتل جُنباً... وخُص الزبير بإباحة لبس الحرير لمّا شكا من أذى القمل. فثبت بذلك أنّ سائر الناس ممنوعون من دخول
1) - سورة النساء/41 -- 42.
المسجد مجتازين وغير مجتازين... الخ(1).
مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً من كلمات ابن حجر وغيره ومن أشرنا إليهم ممّن أخبت بصحّته وحاول الجمع، نذكر ما قاله الشوكاني في (الفوائد المجموعة):
قال: (وبالجملة، فالحديث ثابت لا يحلّ لمسلم أن يحكم ببطلانه، وله طرق كثيرة جدّاً، قد أوردها صاحب اللئالي، وقد صحَّ حديث زيد بن الأرقم في المستدرك، وكذلك الضياء في المختارة، وإعلاله بميمون غير صحيح، فقد وثّقه غير واحد، وصحَّح له الترمذي.
وأمّا حديث ابن عمر، فقد رواه أحمد في المسند بإسناد رجاله ثقات، وليس فيه هشام بن سعد، والكلام على ردّ ما قاله ابن الجوزي يطول، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى)(2).
ونحن أيضاً نقول: وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
وعلى ضوء جميع ما تقدّم، يمكننا تصديق ابن أبي الحديد في قوله في (شرح النهج): (سدّ الأبواب كان لعليّ عليه السلام، فقلبته البكرية إلى أبي بكر)(3).
وإلى القارئ قائمة بالمصادر التي ذكرت الحديث وما يمت إليه، وكلّها مصادر غير شيعية:
1- سنن الترمذي.
2- تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 13/173 -- 174، طبع الصاوي بمصر.
3- مسند أحمد 1/175، 331، 2/26، 4/369، مصر الأولى.
4- مصابيح السُنّة، للبغوي/202.
5- مشكاة المصابيح، للخطيب التبريزي 3/245 -- 246.
6- فتح الباري، لابن حجر 8/14 -- 16.
7- عمدة القارئ، للعيني 7/592.
8- إرشاد الساري، للقسطلاني 6/48 -- 85، أفست عن طبعة بولاق سنة 1325ه-.
9- كنز العمّال 12/002 -- 120، 215، 15/96، حيدر آباد ط الثانية.
10- السنن الكبرى، للبيهقي 2/344، 7/65، حيدر آباد.
11- معجم الطبراني الكبير 2/246، 12/ 78، 114، ط الثانية بالموصل.
12- المستدرك على الصحيحين 2/579، 3/117 -- 120، 125 -- 132.
13- تلخيص المستدرك، للذهبي بهامشه.
14- مجمع الزوائد، للهيثمي 7/297، 9/114 -- 115، 120، القدسي بمصر.
15- منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/29، 55.
16- جامع الأُصول 9/474 -- 475، السُنّة المحمّدية بمصر.
17- الخصائص، للنسائي 8/12 -- 13 -- 14، 24، 25، 26، ط التقدّم بمصر.
18- كنز الحقائق، للمناوي، ص84، 198، بولاق.
19- فيض القدير 1/106، مصر,
20- المعتصر من المختصر 2/332 -- 333، حيدر آباد.
21- جوامع الجامع، للسيوطي، رقم/4318، كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي.
22- الضعفاء، للعقيلي 1/212، 4/184، 222، 347 نقلاً عن الموسوعة.
23- الموضوعات، لابن الجوزي 1/363، 379، مصر.
24- تنزيه الشريعة المرفوعة، لابن عراق الكناني 1/358، 383، مصر.
25- حلية الأولياء، لأبي نعيم 4/153 السعادة بمصر.
26- المناقب، لابن المغازلي/325 -- 326 إيران.
27- المناقب، للخوارزمي/ 74، 127، 129، 248، 253، 261 ط حجرية.
28- تذكرة خواص الأُمّة، لسبط ابن الجوزي/46 ط حجرية.
29- فرائد السمطين 1/205 -- 208 ط بيروت.
30- ينابيع المودّة، للقندوزي الحنفي/87، 210، 232، 283 إستانبول.
31- نظم درر السمطين، للزرندي، ص103، 108 ط النجف.
32- ذخائر العقبى، للمحب الطبري/ 76 -- 77، 102 ط القدسي بمصر.
33- الرياض النضرة 2/192193، 203 ط الخانجي بمصر.
34- فتح الملك العلي، للسيّد أحمد المغربي/27 ط مصر.
35- مقتل الحسين، للخوارزمي 1/63 ط النجف.
36- شرح نهج البلاغة، للمعتزلي 2/451 ط مصر الأولى.
37- الإصابة، لابن حجر 2/502 ط مصطفى محمّد.
38- ذخائر المواريث 2/ 7، 3/196 ط مصر.
39- السيرة الحلبية 3/346 -- 347 ط مصر.
40- وفاء الوفا، للسمهودي 1/337 -- 340 ط مصر.
41- الحاوي للفتاوي، للسيوطي 2/55 -- 58 (ضمن رسالة شدّ الأثواب في سدّ الأبواب)، ولا تخلو من الخبط والخلط.
42- الصواعق المحرقة/ 74 -- 76 ط مصر.
43- الفتح الكبير، للنبهاني 1/255، 3/399 ط مصر.
44- طبقات ابن سعد ج2/ق2/26 ط أوربا.
45- لسان العرب 3/14 (خوخ) ط دار صادر.
46- تاريخ ابن كثير 7/338، 341 -- 345 ط مصر.
47- التاريخ الكبير، للبخاري 1/408، 2/68 ط ديار بكر.
48- تاريخ بغداد 7/205 ط السعادة، مصر.
49- أخبار القضاة، لوكيع 3/149 ط السعادة سنة 1366 مصر.
50- تهذيب التهذيب، لابن حجر 9/387، وأشار إليه 2/156 ط حيدر آباد.
51- تاريخ الخلفاء، للسيوطي/66، 116 ط مصر.
52- علل الحديث، لابن أبي حاتم 1/99 ط السلفية بمصر.
53- كفاية الطالب، للكنجي الشافعي/200، 243 ط الثاني، النجف.
54- لسان الميزان، لابن حجر 4/165 ط حيدر آباد.
55- اللئالي المصنوعة، للسيوطي 1/181 -- 183 ط الأولى بمصر.
56- أسنى المطالب، لابن درويش الحوت/12 ط مصر.
57- تفسير القرطبي 5/207 -- 208 ط مصر.
58- تفسير ابن كثير 1/501 ط مصر.
59- الخصائص الكبرى، للسيوطي 2/243 ط حيدر آباد، 3/294 ط مصر بتحقيق هراس.
60- تفسير الكشاف 1/398 ط مصطفى محمّد، سنة 1367-.
61- أحكام القرآن، للجصّاص الحنفي 2/204 ط الأستانة.
62- تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 1/185، 222، 223، 253 -- 280، ط بيروت.
63- مسند أبي الحسن الكلابي (ملحق بمناقب ابن المغازلي)/432.
64- القول المسدَّد في الذب عن مسند الإمام أحمد لابن حجر/6 -- 26 ط مصر.
65- تذكرة الموضوعات، للفتني/95.
66- الأمالي الخميسية، لابن الشجري 1/42.
67- تهذيب تاريخ ابن عساكر 6/17، 7/140.
68- شرح قصيدة الصاحب ابن عبّاد للقاضي البهلولي اليماني/86.
69- النهاية، لابن الأثير (خوخ)، ط مصر.
70- سمط النجوم العوالي، للعصامي المكّي 2/491 ط السلفية.
71- إتحاف السادة المتقين، للسيّد مرتضى الزبيدي 7/192، 15/287
(هذا والاثنان بعده نقلاً عن موسوعة أطراف الحديث).
72- جامع مسانيد أبي حنيفة 2/219.
73- كتاب السُنّة، لابن أبي عاصم 2/579.
74- المنتقى، للذهبي/311.
75- منهاج السُنّة، لابن تيمية 3/9 ط الأولى بمصر.
76- جمع الفوائد، للروداني 2/330، 331 ط الأولى، نشر المكتبة الجامعة، مكّة المكرّمة.
77- رسالة في أجوبة ابن حجر عن أحاديث وقعت في مصابيح السُنّة للبغوي، وصفت بالوضع ط في آخر مشكاة المصابيح 3/300 -- 317 ط المكتب الإسلامي.
87 -كفاية الطالب لمناقب عليّ بن أبي طالب، للشنقيطي، ط الأولى، الاستقامة بمصر سنة 1355ه-.
79- التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول (ص)، للشيخ منصور علي ناصف 3/298 ط عيسى البابي الحلبي، الطبعة الثانية.
80- جواهر المطالب، للباعوني الشافعي (نسخة مصورة)، الباب التاسع والعشرون.
81- تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب الهاروني/68 ط بيروت.
82- أسد الغابة 3/214.
83- أنساب الأشراف 2/106)(1).
1) - عليّ إمام البررة 2/46 -- 79.
7- أخرج النسائي في كتاب (الخصائص) وهو من كتابه (السنن الكبرى)، كما مرّ، فقال:
أخبرنا محمّد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، وأحمد بن عثمان بن حكيم -- واللفظ لمحمّد -- قالا: حدّثنا عمرو بن طلحة، قال: حدّثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله يقول: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ(1)، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأُقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى مات، والله إنّي لأخوه وابن عمّه، ومن أحقّ به منّي؟).
(على المحكّ):
أقول: إنّ هذا الذي أخرجه النسائي، فقد أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، عن ابن عبّاس: إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول... من دون قوله عليه السلام: (والله إنّي لأخوه...)، وعنهم أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)(2).
8- أخرج النسائي في كتابه (الخصائص) في عنوان، قال فيه:
ذكر ما أخصّ به عليّ دون الأوّلين والآخرين من فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبضعة منه، وسيّدة نساء أهل الجنّة إلاّ مريم بنت عمران، ثمّ ذكر بسنده إلى بريدة، قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم:
(إنّها صغيرة)، فخطبها عليّ، فزوّجها منه، ثمّ ذكر خبراً آخر بسند آخر عن أسماء بنت عميس، قالت: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فلمّا أصبحنا جاء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فضرب الباب، ففتحت له أُمّ أيمن الباب، فقال: (يا أُمّ أيمن ادعي لي أخي)، قالت: هو أخوك وتنكحه؟ قال: (نعم يا أُمّ أيمن)، وسمعن النساء صوت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فتنحين، قالت: واختبأت أنا في ناحية، قالت: فجاء عليّ، فدعا له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ونضح عليه من الماء، ثمّ قال: (ادعوا لي فاطمة)، فجاءت خرقة من الحيا، فقال لها: (قد أنكحتك أحبّ أهل بيتي)، ودعا لها، ونضح عليها من الماء، فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فرأى سواداً، فقال: (من هذا؟) قلت: أسماء، قال: (بنت عميس؟) قلت: نعم، قال: (كنتِ في زفاف فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم تكرمينها؟) قلت: نعم، قالت: فدعا لي.
ثمّ قال النسائي: خالفه -- يعني الذي روى المتقدّم -- سعيد بن أبي عروبة، فرواه عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس.. ثمّ ساق السند إلى ابن عبّاس، قال: لمّا زوّج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فاطمة من عليّ كان فيما أهدي معها سرير مشروطاً(1)، ووسادة من أدم حشوهاً ليف وقربة، قال: وجاؤوا ببطحاء الرمل فبسطوه في البيت، قال لعليّ: (إذا أتيت بها فلا تقربها حتّى آتيك)، فجاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فدّق الباب، فخرجت إليه أُمّ أيمن، فقال لها: (أثمّ أخي)؟ فقالت: وكيف يكون أخاك وقد زوّجته ابنتك؟ قال: (فإنّه أخي)، قال: ثمّ أقبل على الباب ورأى سواداً، فقال: (من هذا)؟ قالت: أسماء بنت عميس، فأقبل عليها، فقال لها: (جئتِ تكرمين ابنة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)؟ قالت:
1) - خيط أو حبل يفتل من خوص، نفس المصدر 1/421.
نعم، فدعا لها وقال لها خيراً، ثمّ دخل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم -- قال: وكان اليهود يؤخذون الرجل عن امرأته إذا دخل بها، قال -- : فدعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بتور(1)من ماء فتفل فيه، وعوّذ فيه، ثمّ دعا عليّاً، فرشّ من ذلك الماء على وجهه وصدره وذراعيه، ثمّ دعا فاطمة، فأقبلت تعثّر في ثوبها حياء من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ففعل بها مثل ذلك، ثمّ قال لها: (إنّي والله ما ألوت(2)أن أزوّجكِ خير أهلي)، ثمّ قام فخرج.
(على المحكّ):
هذا الخبر برواية ابن عبّاس رجاله ثقات، إلاّ أنّ في المتن وهم لا يتجاوز عنه، وهو ذكر أسماء بنت عميس فيه، وهي لم تكن يومئذ بالمدينة، بل كانت مهاجرة مع زوجها جعفر بن أبي طالب في الحبشة، وما عاد جعفر إلاّ سنة فتح خيبر، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (بأيّهما أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)، وهذا كان في السنة السابعة من الهجرة، والزواج كان بعد بدر في السنة الثالثة.
ولمّا كان خبر ابن عبّاس الذي رواه النسائي -- وقد رواه غيره أيضاً -- وكذلك أحاديث زواج عليّ عليه السلام من فاطمة عليها السلام قد سبق لي أن أحطت القارئ بها خبراً في شرح أرجوزة السيّد الأُستاذ قدس سره في كتابي (عليّ إمام البررة)، وذكرت هناك أحاديث الزواج عن ابن عبّاس وغيره من الصحابة،
وفيها فوائد حول الكمّ والكيف.
فإلى القارئ ذلك ليقرأ أنّ الزواج لم يكن من وحي العواطف، وإنّما لإرادة السماء أمر فوق ذلك:
(زواج عليّ عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام
قال المرحوم سيّدنا الناظم قدس سره:
وزوَّج النور من النور النبيّ *** وزوّجا قبلاً من الله العليّ
وزُوجت فاطمة خير النسا *** بحيدر خامس أصحاب الكسا
فقلت في الشرح: أشار قدس سره إلى تزويج الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام، وذلك بأمر من الله تعالى.
وقد نطقت بذلك الأحاديث عنه بألفاظ مختلفة ومعان متّفقة، نحو قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ).
وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّجكما على أربعمائة مثقال فضّة).
وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّجكَ فاطمة).
وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما أنا زوّجتكِ، بل الله زوّجكِ).
ولعلّ أقربها إلى المتن منطوقاً ما ورد في حديث خبّاب بن الأرت: (إنّ الله أوحى إلى جبرئيل: زوّج النور من النور...).
ونحو ما ورد في حديث أنس، وفيه: (قال الملك: بعثني الله أن أزوَّج النور بالنور...)، وسيأتي الحديث بتمامه.
والأحاديث بذلك كثيرة رواها كثير من الصحابة، منهم:
1- الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كما ورد في (مناقب الخوارزمي)، و(ذخائر العقبى)، وغيرهما.
2- عمر بن الخطّاب، كما جاء في (ذخائر العقبى).
3- عبد الله بن عبّاس، كما في (تاريخ بغداد)، و(مصنَّف عبد الرزاق)، و(معجم الطبراني الكبير)، و(ذخائر العقبى)، و(مناقب الخوارزمي)، وغيرها.
4- عبد الله بن مسعود، كما ورد في (تاريخ بغداد)، و(حلية الأولياء)، و(معجم الطبراني الكبير)، و(كفاية الطالب)، و(مناقب الخوارزمي)، وغيرها.
5- أنس بن مالك، كما جاء في (معجم الطبراني الكبير)، و(صحيح ابن حبّان)، و(مجمع الزوائد)، و(مناقب ابن المغازلي)، و(الرياض النضرة)، و(الذخائر)، وغيرها.
6- البراء بن عازب، كما في (مناقب) الحافظ السروي.
7- بريدة بن الحصين، كما ورد في (الإصابة)، و(أسد الغابة)، و(طبقات) ابن سعد، و(معجم الطبراني الكبير)، و(مجمع الزوائد)، و(ذخائر العقبى)، وغيرها.
8- بلال بن حمامة، كما في (تاريخ بغداد)، و(أسد الغابة)، و(صواعق) ابن حجر، وغيرها.
ومنها: ما أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين)(1)، والديلمي في
1) - فرائد السمطين 1/95.
(الفردوس)(1)، والكناني في (تنزيه الشريعة)(2)، والهمداني في (مودّة القربى) في المودّة الثالثة عشرة، والقندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة)(3)، وغيرهم، واللفظ للأوّل، أخرجه بسنده عن الإمام عليه السلام: قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (يا عليّ إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإنّه أُوحي إليَّ أن أزوَّجك فاطمة على خمس الأرض فهي صداقها، فمن مشى على الأرض وهو مبغض لكم فالأرض حرام عليه أن يمشي عليها).
وإلى هذا الحديث أشار غير واحد من الشعراء، ومنهم سفيان بن مصعب العبدي، وهو معاصر للشاعر السيّد الحميري، قال من قصيدة له:
كان الإلهُ وليَّها وأمينه جبريل خاطب
والمهر خُمس الأرض موهبةً تعالت في المواهب
ونهابها من حمل طوبى طيّبت تلك المناهب
وقال في أخرى:
وزُوِّج في السماء بأمر ربّي *** بفاطمة المهذبة الطهور
وصيَّر مهرها خُمساً بأرض *** لما تحويه من كرم وحور
فذا خير الرجال وتلك خيرُ ال- *** -نساء ومهرها خير المهور
وله في ثالثة:
وزوَّجه بفاطم ذو المعالي *** على الإرغام من أهل النفاقِ
وخمس الأرض كان لها صداقاً *** ألا لله ذلك من صداقِ
ومن الأحاديث ما أخرج الحفَّاظ بأسانيدهم عن ابن مسعود، وله عدّة مرويات، منها: ما أخرجه الخطيب في (تاريخه)، وأبو نعيم في (الحلية)، والطبراني في (معجمه الكبير)، وعنه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وغيرهم، وهو بلفظ الطبراني في (معجمه الكبير):... قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (إنّ الله أمرني أن أزوِّج فاطمة من عليّ)(1).
وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: رواه الطبراني: ورجاله ثقات...(2).
ثمّ اتبعه بحديث ثانٍ عن ابن مسعود، أنّه قال: سأحدِّثكم بحديث سمعته من رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، فلم أزل أطلب الشهادة للحديث فلم أرزقها، سمعت رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) في غزوة تبوك يقول ونحن نسير معه: (إنّ الله لمّا أمرني أن أزوَّج فاطمة من عليّ، ففعلت، قال جبرئيل عليه السلام: إنّ الله تعالى بنى جنّة من لؤلؤة قصب، بين كلّ قصبة إلى قصبة لؤلؤة من ياقوتة مشذّرة بالذهب، وجعل سقوفها زبرجداً أخضر، وجعل فيها طاقات من لؤلؤ مكلّلة باليواقيت، ثمّ جعل عليها غرفاً لبنة من فضّة، ولبنة من ذهب، ولبنة من دُرّ، ولبنة من ياقوت، ولبنة من زبرجد، ثمّ جعل فيها عيوناً تنبع في نواحيها، وحفّت بالأنهار، وجعل على
الأنهار قباباً من درّ قد شعبت بسلاسل الذهب، وجفّت بأنواع الشجر، وبنى في كلّ غصن قبّة بالمسك والعنبر، وجعل في كلّ قبّة حوراء، وللقبّة مائة باب، على كلّ باب حارسان وشجرتان، في كلّ قبّة مفرش وكتاب، مكتوب حول القباب آية الكرسي، قلت لجبرئيل: لمن بنى الله هذه الجنّة؟ قال: بناها لفاطمة ابنتك وعليّ بن أبي طالب سوى جنانهما، تحفة أتحفها، وأقرّ عينك يا رسول الله...)، انتهى الحديث.
فعقب عليه الهيثمي في (المجمع) بقوله: رواه الطبراني، وفيه عبد النور ابن عبد الله المسمعي، وهو كذّاب(1).
أقول: يبدو أنّ مراده من رواية الطبراني له إنّما هو في (معجمه الكبير)، بقرينة وجود سابقه فيه، وعطف اللاحق عليه، ولو كان في غيره، لأشار إلى ذلك، ولدى مراجعة (المعجم الكبير) في مسند عبد الله بن مسعود، لم أقف على هذا الحديث فيه، ويظهر سقوطه من النسخة المطبوعة، والموجود فيه هو الحديث الأوّل الذي علَّق المحقّق عليه بقوله: أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) مطوّلاً(2)... إلى آخر ما ذكره محاولاً تفنيد الحديث، وهو من أوهامه -- وجلّ من لا يسهو -- فإنّ ابن الجوزي لم يورده أصلاً، وإنّ الذي أورده هو الحديث الثاني، فذكر شطراً منه وعقّب عليه بقوله: وذكر حديثاً طويلاً وضعه عبد النور... كذا في كتاب العقيلي. فقال العقيلي: وكان يضع الحديث.
ثمّ قال ابن الجوزي: قال المصنّف: قلت: وقد رواه لنا محمّد بن ناصر من حديث إسماعيل بن موسى النزاري... ثمّ ذكر بقية الحديث بأوسع ممّا مرَّ ولم يعقّب عليه بشيء، ممّا يشعر بعدم موافقته للعقيلي في تجريحه، وسيأتي كلام له في كتابيه (المدهش)، و(التبصرة)، ما هو منعش وفيه تبصرة.
ومهما يكن موقف ابن الجوزي والعقيلي ومن تبعهما من أمثال الذهبي، وابن حجر الهيتمي، وغيرهم ممّن شغبوا في هذا الحديث، فليس ذلك بعجيب ولا غريب، فإنّه في فضل عليّ وفاطمة، وذلك ممّا تضيق به نفوس القوم، ولكن الأعجب من ذلك أن نجد تجريح العقيلي لعبد النور بقوله: (عبد النور ممّن يغلو في الرفض)! كما حكاه عنه السيوطي في (اللئالي المصنوعة)(1)، وأين هذا من نقل ابن الجوزي عنه: (وكان يضع الحديث)؟! ثمّ كيف تطوَّر إلى أن صار كذّاباً عند الهيثمي في (مجمع الزوائد)؟!
وقد نقل الحديث غير من ذكرنا ولم يعقِّب عليه بشيء؛ راجع (تنزيه الشريعة) لابن عراق الكناني(2).
وإذا كان القوم تمالؤوا على الطعن في الحديث من جهة عبد النور لغلوّه في الرفض، كما عن العقيلي، أو لوضعه الحديث، كما عن ابن الجوزي، أو لكذبه، كما عن الهيثمي، فما هو رأيهم في حديث ثالث هو
عن ابن مسعود أيضاً، وليس في سنده عبد النور، بل سنده حسن عال كما يقول مخرّجه الحافظ الكنجي الشافعي؟ فقد أخرج في (كفاية الطالب) بسنده الحسن العالي: عن سفيان الثوري، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: أصاب فاطمة صبيحة العرس رعدة، فقال لها النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (يا فاطمة! إنّما زوَّجتك سيِّداً في الدنيا، وإنّه في الآخرة لمن الصالحين، يا فاطمة! لمّا أردت أن أملكك عليّاً أمر الله تعالى جبرئيل، فزوَّجك من عليّ، ثمّ أمر شجر الجنان فحملت الحلّي والحلل، ثمّ أمرها فنثرته على الملائكة، فمن أخذ منهم يومئذ أكثر ممّا أخذ صاحبه أو أحسن افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة).
قالت أُمّ سلمة: فلقد كانت فاطمة تفتخر على النساء، لأنّ أوّل من خطب عليها جبرئيل.
قلت -- والقائل هو الحافظ الكنجي الشافعي -- : هذا الحديث حسن عالٍ رزقناه عالياً، رواه أبو علي بن شاذان في (مشيخته الصغرى)، وهو شيخ الأئمّة، روى عنه الحفّاظ كأبي بكر الخطيب، والبيهقي. وفيه مناقب كثيرة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام:
منها: أنّ الله عزّ وجلّ زوَّجه في السماء وكان هو وليّه.
ومنها: إنّ جبرئيل خطب لعقد نكاحه.
ومنها: شهود الملائكة إملاكه.
ومنها: تخصيصه بنثار الجنّة على عرسه.
ومنها: شهادة النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) له بالسيادة في الدنيا والآخرة.
ومنها: أنّه في الآخرة لمن الصالحين ومع الصالحين، وهم الأنبياء والمرسلون، وقد دعا الأنبياء والرسل بمثل ذلك، كما أخبر لله عنهم بقوله عزّ وجلّ: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ(1).
أقول: وأخرج هذا الحديث الخطيب في (تاريخه)(2)، والمحبّ الطبري في (الذخائر)(3).
ولولا خوف الملالة والإطالة، لاستعرضت حال رجال الإسناد واحداً واحداً، لنرى هل فيهم من هو كعبد النور الذي اتّهمه العقيلي بالغلوّ في الرفض، ثمّ ترقى به ابن الجوزي إلى وضعه الحديث، ثمّ طفح به كيل الهيثمي، فقال: هو كذّاب.
وما ينفعنا ذلك ما دام ابن الجوزي نفسه يورد الحديث في كتابه (الموضوعات)، وكأنّه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن قد مرّ بنا بعض الكلام عن ابن الجوزي وكتابه (الموضوعات)، فراجع ما قاله العلماء فيه وفي كتابه.
والآن يحسن بنا أن نقرأ بعض ما قاله ابن الجوزي في كتاب (المدهش)، قال:
(الفصل السادس والعشرون في تزويج عليّ بفاطمة عليهما السلام...
كان للنبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) بنات أفضلهنّ فاطمة، وزوجات
سبقتهنّ عائشة(1)
وأخرج البخاري أيضاً في صحيحه 7/36، ط بولاق في كتاب النكاح باب غيرة النساء وجدهن، بسنده عن عائشة، أنّها قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، لكثرة ذكر رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) إياها وثنائه عليها، وقد أوحي إلى رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) أن يبشّرها ببيت لها في الجنّة من قصب.
وأخرج أيضاً في صحيحه 8/8، ط بولاق كتاب الأدب، باب حسن العهد من الإيمان.. بسنده عن عائشة، قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يزوّجني بثلاث سنين، لما كان أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربّه أن يبشّرها ببيت في الجنّة من قصب، وإنّه كان ليذبح الشاة ثمّ يهدي في خلَّها منها.
ونحو ذلك في صحيح مسلم، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومسند أحمد، وغيرها... فأين السبق المزعوم؟!
، وذلك أن اختيار القدر لا يحابي في التساوي (تسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل).لمّا نهض عليّ لخطبتها، طرق بأنامل رجائه أرجاء باب الخطبة، فمشى إليه الإذن على عجل العجل، فنقد صدق الرغبة قبل نقد الصداق، فعقد العقد على درع، لينبّه على جهاد الهوى، وجهّزت بالأجهاز على عدو الزهد،
1) - أليس من الغريب المدهش صنيع ابن الجوزي هذا في كتابه المدهش، فالقارئ يقرأ العنوان في تزويج عليّ بفاطمةعليها السلام والكلام المعنون يكون تبعاً للعنوان، أمّا دسّ وحشي الكلام في السياق فغير مقبول، كما في دسّه ذكر عائشة وسبقها بالفضل أزواج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ كيف يقول ابن الجوزي ذلك، وعائشة هي التي تروي تفضيل خديجة عليها حين تحكي عن غيرتها حينما يذكرها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقد أخرج البخاري في صحيحه 5/48، ط بولاق، باب تزويج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم خديجة وفضلها... بسنده عن عائشة، قال: ما غرت على أحد من نساء النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) يكثر ذكرها، وربّما ذبح الشاة، ثمّ يقطعها أعضاء، ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربّما قلت له: كأنّه لم يكن في الدنيا امرأة إلاّ خديجة. فيقول: (إنّها كانت وكانت، وكان لي منها ولد).
ولم يرض لها جهاز الدنيا، لموافقة البضعة التي هي منه، فحلاّها رسول الله بحلية (فاطمة بضعة منّي)، وعقد لها عقداً، خرزاً نظامه (أنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك)، وبعث بين يديها وصائف (غضوّا أبصاركم)، ونصب لها سدّة (ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأُمّة)، وأدخلها على الزوج في حلل الحالية، عليها قناع القناعة، تسعى في فضاء الفضائل، إلى خلوة الخلّة، حتّى أجلست على منصّة النص، فأمر الله تعالى ليلة عرسها شجر الجنان، فحملت حللاً وحليّاً، فنثرته على الملائكة، وليس المراد بذلك الملَك، ولكن ليعلم رضى الملِك، يا عجباه! نُثرت الحلل لأجل من فراشه جلد كبش، هلاّ حلّت له فيها حُلّة، كلاّ... مركب الملك أحلى من أن يحلّى، فدخل عليها الرسول، فاستدعى بإناء من ماء، فدعا فيه بالبركة، ثمّ رشَّ على حبيبين بلا غش، فلمّا طاب لعليّ ذلك الوقت، سأل الرسول سؤال سكران من شراب الوصل...: يا رسول الله! أنا أحبّ إليك أم هي؟ ففصل الحاكم بين خصوم الحبّ، فقال: (هي أحبّ إليَّ منك، وأنت أعزّ عليَّ منها).
فلمّا جازت بما حازت قناطر الفضل، صين وجه الكمال، بخال الخلل في العيش، فأقوى على الأقوى قفر الفقر... فصيح بفصيح خطاب الشرع: يا عليّ! قم لكسب قوت الوقت. فخرج يسعى على أرض الرضا بين أعلام الصبر، فبات يسقي منها إلى الفجر، بشيء من الشعير على وجه الأجر، فلمّا جاء به وأُصلح للأكل، قام سائل على باب البذل، فنادى: يا أهل نادي الندى والفضل! أطعمونا أطعمكم الله من الفضل. فثارت رياح الارتياح للإيثار، فأثارت سحاباً يقطر من قطرته قطر جود الجود، فسال سيله بقدر وادي الود، فلمّا تروّت بماء أشجار الأنس صدحت على ورقها ورق القدس، وأغنى من
غرايب صدح المدح، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ(1)، ثمّ أخبر الحقّ عن مضمون القصد: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ(2)، فلو رأيت القوم يوم القيامة في ظلّ، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ(3)، وقد اكتست أجساد وكست بكسا الضنك نضارة العيش على حلل الخفض، واستراحت أيدٍ تفرق أيدها من طحن الرضا ونزع الدلو براحة، مُتَّكِئِينَ فِيهَا(4)، هذا من حصاد بذر النذر، ولقد عجب العلماء من شرح هذا الأجر، واستظرفوا عدم ذكر الحور في هذا الذكر، فبقوا متحيرين في حير الأنس، غيرة عليها من ذكر الغير، وإنّما أثر على الطفلين، أنّهما غصنان من شجرة (أبيت يطعمني ربّي)، وبعضٌ من جملة (هي بضعة منّي)، وفرخ البط سابح، وذكاة الجنين كذكاة أُمّه)(5).
فانظر أيّها القارئ بعين الإنصاف، فهل تجد ثمّ اختلافاً أو خلافاً، بين ما أشار إليه ابن الجوزي في كلامه هذا وما تضمّنه من آيات وأحاديث تتعلّق بشأن الإمام والسيّدة الزهراء وأبنائهما الكرام، ومقامهم الكريم، وبين ما ورد في حديث ابن مسعود المذكور، بل باقي أحاديثه، وحتّى أحاديث غيره من الصحابة، ممّا أدرجه ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) في باب ذكر تزويج فاطمة بعليّ عليهما السلام(6)؟ أفهل يحقّ للقارئ أن يتساءل من ابن
الجوزي ومن سار على وتيرته المحتجّين بصنعته: ما الذي أنكرت في حديث ابن مسعود حتّى أدرجته في كتاب الموضوعات؟
أو ليس فيما أنشأته فيما تقدّم من فصل، إلاّ اعترافاً منك بالفضل، وأنّ التزويج كان بأمر الله سبحانه، وكرامة للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وتكريماً لعليّ وفاطمة، أمر سبحانه بما يليق بكرمه وكرامة أوليائه، من نثار شجرة طوبى، وأمره الملائكة بالالتقاط والانتهاب، كما هو عادة الناس في نثار الأعراس...
ولعلّ القارئ يدهش لما مرَّ عن كتاب (المدهش)، ولكن فليزدد في ابن الجوزي خبرة وتبصرة حين يقرأ ما يلي في كتابه (التبصرة)، قال:
(لمّا تبختر جمال فاطمة في جلباب كمالها، حين شروع الشرع في وصف جلالها، نهض الصدّيق خاطباً لها في خطابه، فسكت الرسول عن جوابه، فنهض عمر نهوض الليث في غابه، فلم يجبه، فاشتدّ به الجوى، فلمّا نقل عليّ أقدامه لخطبتها، وجد الوحي قد سبقه قدّامه: (إنّ الله أمرني أن أزوِّج فاطمة من عليّ)، فتزوّجها في صفر وبنى بها في ذي الحجّة...)(1).
ولو أردت أن استقرئ ما في كتبه كتاباً بعد كتاب، لطال بنا المقام، وأريتكم منه العجاب في مجانبته الصواب... فما هو الجواب منه عند الحساب؟!
ولنعد إلى انتقاء بعض أحاديث الصحابة في هذا الباب، فمن ذلك ما روي عن ابن عبّاس، وقد أخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخه) بسنده عن ابن عبّاس، قال: لمّا زُفّت فاطمة إلى عليّ كان النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[
1) - التبصرة 1/452.
وسلّم) قدّامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها يسبّحون الله ويقدّسونه حتّى طلع الفجر)(1).
ثمّ ذكر الخطيب تضعيف أبي زرعة، وأبي نعيم لابن رميح -- أحد رجال السند -- وعقّب على ذلك بقوله: والأمر عندنا بخلاف قول أبي زرعة وأبي نعيم، فإنّ ابن رميح كان ثقة ثبتاً لم يختلف شيوخنا الذين لقوه في ذلك.
أقول: وقد أخرج الحديث غير الخطيب جماعة، منهم: ابن حجر... ولم يطق تحمّله حتّى عقّب عليه بقوله: (قلت: هذا كذب صراح)(2)!!
وليته أبان عن وجه ذلك فصرّح بما فيه من علّة؟! أمّا أن يطلّقها هذراً فذلك منه هجر!
وما روي عن أنس فيما أخرجه ابن المغازلي المالكي في كتابه (مناقب أمير المؤمنين)... بإسناده عنه، قال:
(قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (كنت ذات يوم في المسجد أصلّي إذ هبط عليَّ ملك له عشرون رأساً، فوثبت لأقبل رأسه، فقال: مه يا محمّد! أنت أكرم على الله من أهل السماوات وأهل الأرضين أجمعين. وقبّل رأسي ويدي، فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة التي لم تهبط عليَّ في مثلها قطّ؟ قال: ما أنا بجبرئيل، ولكن أنا ملك يقال لي: (محمود)، بين كتفي مكتوب: (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله)، بعثني الله
أزوِّج النور بالنور، قلت: ما النور؟ قال: فاطمة من عليّ(1).
وهذا جبرئيل وإسرافيل وإسماعيل صاحب السماء الدنيا وسبعون ألف ملك من الملائكة قد حضروا، فقال النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): يا عليّ! قد زوّجتك على ما زوّجك الله من فوق سبع سماوات... ثمّ التفت النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) إلى محمود، فقال: مذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام. وناوله جبرئيل قدحاً فيه خلوق من الجنّة، وقال: حبيبي مُرْ فاطمة أن تلطخ رأسها وبدنها من هذا الخلوق). فكانت فاطمة إذا حكّت رأسها شمَّ أهل المدينة رائحة الخلوق)(2).
وممّا روي عن جابر بن سمرة، ما أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (أيّها الناس! هذا عليّ بن أبي طالب أنتم تزعمون أنّي أنا زوّجته ابنتي فاطمة، ولقد خطبها إلي أشراف قريش فلم أجب، كلّ ذلك أتوقع الخبر من السماء، حتّى جاءني جبرئيل عليه السلام ليلة رابع وعشرين من شهر رمضان، فقال: يا محمّد! العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، وقد جمع الروحانيين والكروبيين في واد يقال له الأفيح تحت شجرة طوبى، فحملت الحلّي والحلل، والدرّ والياقوت ثمّ نثرته، وأمر الحور العين اجتمعن فلقطن، فهنّ يتهادينه إلى يوم
1) - لمّا كان الوحي الإلهي قد سمَّى عليّاً نوراً، وسمَّى فاطمة زوجته نوراً، فلماذا لا يسمِّي الوحي الأموي عثمان ذا النورين أنّه تزوّج رقيّة وأمّ كلثوم؟ ما دام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الوالد واحداً، والأُمّ واحدة وهي خديجة، وقد رضع الجميع من ثدي واحد؟
2) - مناقب أمير المؤمنين، لابن المغازلي: 345.
القيامة، ويقلن: هذا من نثار فاطمة)(1).
وممّا روي عن بلال بن حمامة، ما أخرجه الخطيب في (تاريخه)(2)، وابن خالويه في (كتاب الآل)، وعنه بنيس في (شرح همزية البوصيري)، وابن الأثير في (أسد الغابة)(3)، وابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)، والخوارزمي في (المناقب)، وابن حجر في (الصواعق المحرقة)(4)، والصفوري في (نزهة المجالس)(5)، والحضرمي في (رشفة الصادي)(6)، والهمداني في كتابه (مودّة القربى) في المودّة الثالثة عشرة، والقندوزي الحنفي في (الينابيع) بتفاوت يسير، واللفظ للثالث عن بلال، قال: طلع علينا رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) ذات يوم يضحك، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول الله! ما أضحكك؟ قال: (بشارة أتتني من الله عزّ وجلّ في أخي وابن عمّي وابنتي، إنّ الله عزّ وجلّ لمّا أراد أن يزوّج عليّاً من فاطمة رضي الله عنهما أمر رضوان فهزَّ شجرة طوبى فنثرت رقاقاً -- يعني صكاكاً -- بعدد محبّينا أهل البيت، ثمّ أنشأ من تحتها ملائكة من نور، فأخذ كلّ ملك رقاقاً، فإذا استوت القيامة غداً بأهلها ماجت الملائكة في الخلائق، فلا يلقون محبّاً لنا أهل البيت إلاّ أعطوه رقّاً فيه براءة من النار).
قال ابن الأثير: أخرجه أبو موسى، وقال: هذا حديث غريب لا طريق له سواه، وبلال هذا قيل هنا: هو بلال بن رباح المؤذّن، وحمامة أُمّه نُسب إليها.
أقول: هذا الحديث كغيره من أحاديث بقية الصحابة في هذا الباب، لا بدّ أن يكون غريباً ما دامت النفوس المرضى لا تهضمه ولا تسيغه، حتّى ولو ورد بألف طريق، وأخرجه جميع أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، لأنّه ممّا يتعلّق بفضل عليّ، وعليّ لا تحبّه قريش -- والناس تبع قريش، برّهم لبرّهم، وفاجرهم لفاجرهم -- والقوم أبناء القوم.
وتلك الحقيقة المرّة هي التي اعترف بها عثمان أمام عليّ حين قال له كما روى ذلك أبو نعيم في كتابه (معرفة الصحابة) بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال عثمان لعليّ رضي الله عنهما: ما ذنبيّ إن لم تحبّك قريش، وقد قتلت منهم سبعين رجلاً كأنّ وجوههم سيوف الذهب!(1).
وما نقرؤه عند بعضهم من ذكر بعض الفضائل للإمام، لا يكشف عن صدق ولاء ولا خالص محبّة، فإنّ حبّ عليّ كما قال إبراهيم النخعي: إن لم ينفع حبّ عليّ سرّاً لم ينفع علانية(2).
ولنختم الكلام بما روي من خطبة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في تزويج ابنته الصدّيقة فاطمة، وأمره عليّاً أن يخطب بعده في ذلك.
أمّا خطبته هو صلي الله عليه وآله وسلم، فقد رواها أنس وغيره من الصحابة، وأخرجها كثير من الحفّاظ، أمثال يحيى بن معين في (أماليه)، وابن بطة العكبري الحنبلي
في (الإبانة)، كما حكاها عنهما الحافظ السروي(1)، وأخرجها أبو الخير القزويني الحاكمي، وعنه المحبّ الطبري في (الذخائر)، وأخرجها ابن حجر في (لسان الميزان)(2)، والقسطلاني في (المواهب اللدنية)(3)، والزرقاني في (شرح المواهب)، والملا علي القاري في (المرقاة)(4)، وفي (الحرز الثمين في شرح الحصن الحصين)(5)، وأخرجها ابن حجر المكّي في (الصواعق)(6)، وفي (شرح شمائل الترمذي)، وأخرجها المحبّ الطبري في (الرياض النضرة)(7)، و(ذخائر العقبى)(8)، وأخرجها الهمداني في (مودّة القربى)، والقندوزي الحنفي في (الينابيع)، و... و... إلى آخر من أخرجها.
ولكن ابن الجوزي مع كثرة مخرجيها من أصحاب الفنّ والصناعة في الحديث، أوردها في كتابه (الموضوعات)، وتبعه من هملج على نغمه.
وليس يضيرنا ذلك، إذ الشمس لا تخفى لإغماض الأحمق عينيه لإنكارها، وها نحن نوردها نقلاً عن (ذخائر العقبى):
(عن أنس بن مالك، قال: خطب أبو بكر إلى النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[
وسلّم) ابنته فاطمة، فقال النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد). ثمّ خطبها عمر مع عدّة من قريش، كلّهم يقول له مثل قوله لأبي بكر، فقيل لعليّ: لو خطبت إلى النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) أن يزوّجكها. قال: وكيف وقد خطبها أشراف قريش فلم يزوّجها. قال: فخطبها، فقال النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (قد أمرني ربّي عزّ وجلّ بذلك).
قال أنس: ثمّ دعاني النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) بعد أيّام، فقال لي: (يا أنس! أخرج أدع لي أبا بكر، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، والزبير، وبعدّة من الأنصار). قال: فدعوتهم، فلمّا اجتمعوا عنده كلّهم وأخذوا مجالسهم، وكان عليّ غائباً في حاجة للنبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، فقال النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، (المرغوب فيما عنده)(1)، المرهوب من عذابه وسطواته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمّد(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، إنّ الله تبارك اسمه وتعالت عظمته، جعل المصاهرة نسباًَ لاحقاً وأمراً مفترضاً، أوشج بها الأرحام، وألزم الأنام، فقال عزّ من قائل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً(2)، فأمر الله يجرى إلى قضائه، وقضاؤه يجرى إلى قدره، ولكلّ قضاء قدر، ولكلّ قدر أجل، ولكلّ أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب. ثمّ إنّ الله تعالى أمرني
أن أزوّج فاطمة بنت خديجة من عليّ بن أبي طالب، فاشهدوا أنّى قد زوّجته على أربعمائة مثقال فضّة إن رضي بذلك عليّ بن أبي طالب).
ثمّ دعا بطبق من بُسر فوضعت بين أيدينا، ثمّ قال: (انتهبوا). فانتهبنا، فبينا نحن ننتهب إذ دخل عليّ رضي الله عنه على النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم)، فتبسم النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) في وجهه، ثمّ قال: (إنّ الله قد أمرني أن أزوّجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضّة إن رضيت بذاك). فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله.
قال أنس: فقال النبيّ(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم): (جمع الله شملكما، وأسعد جدّكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيراً طيباً).
قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب)(1).
ورحم الله الحافظ السروي حيث يقول:
سماء صلب المرتضى لفاطم *** عن انتسال الحسنين انفطرتْ
وبانفطار نورها في أرضهم *** كواكب فيها علينا انتثرتْ
إذ البحار منهما آبينا *** بالعلم والتأويل فينا انفجرتْ
وعلمت من اهتدى بهديها *** ما حالها إذا القبور بعثرتْ
فعلمت ما قدَّمت في يومها *** من كسبها بعقدها وأخَّرتْ
وأمّا خطبة الإمام في ذلك، فقد رواها ابن مردويه في (المناقب)، كما عن الحافظ السروي، والديار بكري في (تاريخ الخميس)(2)، والمبرّد في
كتاب (الفاضل)(1)، وهي برواية الأخيرين:
وروي أنّه لمّا همَّ رسول الله(صلّى الله عليه دوآلهج وسلّم) بتزويج فاطمة عليّاً رحمهما الله، أمر بجمع المهاجرين والأنصار، ثمّ قال لعليّ عليه السلام: (تكلّم خطيباً لنفسك)، فقال: الحمد لله حمداً شكراً لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على نبيّه صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح ممّا أمر الله تعالى به ورضيه، واجتماعنا ممّا قدّره الله وأذن فيه، وهذا محمّد بن عبد الله رسول الله(صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم) قد زوّجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا.
ومن طلب المزيد من أحاديث تزويج الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بفاطمة عليها السلام فليرجع إلى المصادر التالية، وهي غيض من فيض:
1- المعجم الكبير، للطبراني 10/156 ط الثانية الموصل.
2- مجمع الزوائد 4/282، 5/520، 9/83، 204، 209 ط مصر.
3- كنز العمّال 12/201، 205 ط حيدر آباد الثانية.
4- جوامع الجامع، للسيوطي/4710، 4722، نقلاً عن موسوعة أطراف الحديث.
5- منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/30 -- 31، 99.
6- حلية الأولياء 5/59 ط مصر.
7- صفوة الصفوة، لابن الجوزي 2/3 -- 4 ط حيدر آباد.
8- الإصابة 2/81، 3/134، 4/365 -- 374 ط الاستقامة.
1) - الفاضل/17.
9- أسد الغابة 1/206، 5/520 أفست الطبعة الأولى.
10- تاريخ بغداد 4/128 -- 129، 5/ 7، 14/363 ط مصر.
11- الرياض النضرة 2/180 -- 184 ط مصر.
12- ذخائر العقبى/ 29 -- 34 ط مصر.
13- نظم درر السمطين/183 -- 185 ط النجف.
14- فرائد السمطين 1/88 -- 95 ط بيروت.
15- المناقب لابن المغازلي/341 -- 350 ط إيران.
16- المناقب للخوارزمي/199، 234 ط حجرية.
17- مقتل الحسين للخوازرمي 1/65 ط النجف.
18- فردوس الأخبار 3/418 ط بيروت.
19- كنوزالحقائق/24 ط سنة 1300ه- مصر.
20- الجامع الصغير، للسيوطي 1/170 ط بولاق.
21- فيض القدير 2/215 ط مصر.
22- التيسير 1/247 ط المكتب الإسلامي.
23- السراج المنير، للعزيزي 1/367 ط مصر.
24- حاشية الحفني على السراج المنير بهامشه 1/36367.
25- ينابيع المودّة/175، 177، 237، 250 ط إسلامبول سنة 1302ه-
26- أمالي الهاروني/52 ط بيروت.
27- الأوائل، لأبي هلال العسكري/52 ط مصر.
28- الفاضل، للمبرّد/17 ط بيروت.
29- الفصول المهمّة، لابن الصباغ المالكي/146 -- 147 ط حجرية.
30- سمط النجوم العوالي 2/488 ط السلفية.
31- السيرة الحلبية 2/205206 ط البهيّة سنة 1320ه-.
32- السيرة الدحلانية بهامش الحلبية 2/8 -- 9.
33- الصواعق المحرقة/84 -- 85، 96 -- 97، 103، 116.
34- الموضوعات، لابن الجوزي 1/415 -- 418 ط مصر.
35- المدهش، لابن الجوزي/128 -- 130 ط بغداد 1345ه-.
36- التبصرة، لابن الجوزي 1/452 ط مصر عيسى البابي الحلبي.
37- ميزان الاعتدال، للذهبي 1/145 ط الهند، 1/361 ط مصر محقّقة.
38- لسان الميزان 2/ 74، 382، 5/163، 6/9، 125، ط حيدر آباد.
39- المواهب اللّدنية، للقسطلاني 2/4 ط الأزهرية.
40- شرح المواهب، للزرقاني 2/5 -- 6 ط الأزهرية.
41- الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، للمجير الحنبلي 1/194 ط الحيدرية.
42- البيان والتعريف، لأبي حمزة الحسيني 1/1174، 2/301 ط حلب.
43- مشارق أنوار اليقين، للحمزاوي/85 -- 86 ط المشرق بمصر 1356ه- .
44- نور الأبصار، للشبلنجي/42 ط العامرة بمصر.
45- نزهة المجالس، للصفوري 2/224 ط مصر.
46- رشفة الصادي، للحضرمي/ 7 -- 10 ط مصر.
47- الأشراف، لابن سويدة التكريتي (عن كفاية الطالب/299).
48- جالية الكدر شرح منظومة البرزنجي، للأبياري/194.
49- شرح قصيدة الصاحب بن عبّاد، للقاضي البهلولي/ 78.
50- جواهر العقدين، للسمهودي 1/ق2/382 ط بغداد.
51- تنزيه الشريعة، لابن عراق الكناني 1/411.
52- أعلام النساء، لعمر رضا كحالة (ترجمة السيّدة فاطمة).
53- الأنوار المحمّدية، للنبهاني/ 70 ط الأدبية بيروت.
54- الخصائص، للنسائي/31 ط التقدّم بمصر.
55- مشكاة المصابيح، للخطيب التبريزي 3/246 المكتب الإسلامي.
56- مصابيح السُنّة، للبغوي/205.
57- فضائل الإمام لأحمد بن حنبل (نسخة مصورة).
58- فضائل فاطمة، لابن شاهين (نسخة مخطوطة).
59- جواهر المطالب، للباعوني (نسخة مخطوطة).
60- الثغور الباسمة، للسيوطي (نسخة مخطوطة).
61- لسان العرب (أبر)، (دجل)، (شبر)، (شمت)، (شمت)، (زف)، (عذف).
62- تاج العروس (أبر)، (دجل)، (شبر).
63- نهاية اللغة (أبر)، (شبر)، (شمت)، (زف).
64- الفائق، للزمخشري (حطم).
65- السنن الكبرى، للبيهقي 7/234 ط أفست حيدر آباد.
66- عمل اليوم والليلة، لابن السني/163 ط حيدر آباد.
67- مسند أحمد 1/108 ط مصر الأولى.
68- مستدرك الحاكم 2/185، 3/157.
69- تلخيص المستدرك، للذهبي 3/157.
70- سنن ابن ماجة 2/538 ط محقّقة مصر.
71- الترغيب والترهيب، للمنذري 3/114 ط مصر.
72- ذخائر المواريث، للنابلسي 3/1630 ط القدسي.
73- جمع الفوائد، للروداني/581 ط مكتبة الطالب الجامعي.
74- الشرف المؤبد، للنبهاني/6162. ط الأدبية بيروت 1309ه-.
75- علل الحديث، لابن أبي حاتم 1/413 ط السلفية.
76- شرح عين العلم وزين الحلم، للهروي/238 ط المنيرية.
77- الإتحاف بحبّ الأشراف، للشبراوي/21 ط الأدبية بمصر.
78- الروض الفائق، لأبي مدين/217 ط مصر.
79- المرقاة، للقاري 5/574.
80- المصنّف، لعبد الرزاق 5/485490 ط المجلس العلمي.
81- طبقات ابن سعد (ترجمة السيّدة فاطمة).
82- تاريخ الخميس، للدياربكري 1/362 ط مصر.
83- أخبار الدول، للقرماني/42، 88 ط بغداد (حجرية).
84- البداية والنهاية، لابن كثير 7/341.
85- تحذير الخواص، للسيوطي/52 ط مصر.
86- الذرّية الطاهرة، للدولابي ورقة 37 (بهامش جواهر العقدين ج1/ق2/184).
87- الأحاديث المختارة، للضياء المقدسي (نقلا عن جواهر العقدين ج1/ق2/183).
88- الفوائد لسمويه (نقلاً عن جواهر العقدين ج1/ق2/ 183).
89- مسند الروياني (نقلاً عن جواهر العقدين ج1/ق2/183).
90- الأضداد، لابن الأنباري/279 ط الكويت.
91- كشف الغمّة، للشعراني 2/96، 101، 109، 110.
92- الكامل، لابن عدي 5/1725.
93- محاضرات الأدباء، للراغب 2/104 ط مصر الأولى.
94- الاستيعاب بهامش الإصابة (ترجمة السيّدة فاطمة) ط مصر.
95- المطالب العالية، لابن حجر 4/61 ط الكويت.
96- جامع الأُصول، لابن الأثير 9/474 ط السُنّة المحمّدية.
97- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان/549 ط السلفية.
98- مطالب السؤول، لابن طلحة الشافعي/9 ط حجرية 1287-.
99- الدرر اليتيمة، للميرغني (نسخة مصورة).
100- المصنّف، لابن أبي شيبة 12/ 75 ط باكستان.
101- الثغور الباسمة، للميرغني (نسخة مصورة))(1).
وبها ننهي الكلام عن أثر بن عبّاس في تراث الحافظ النسائي، وفيه الكفاية في معرفته في الميزان ورجحان كفّته في خالص الإيمان.
1) - عليّ إمام البررة 2/141 -- 168.
الشهير بالورع في الدين، صاحب (المسند) الذي طبع مؤخّراً بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، في سبعة أجزاء، وطبعته دار الكتب العلمية ببيروت 1418ه- -- 1998م، وتوفيراً للوقت أخذ بعض ترجمته من مقدّمة المحقّق في أوّل المسند، حيث قال:
أبو يعلى الموصلي: اسمه ومولده ونشأته:
هو الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الموصلي، محدّث الموصل، وصاحب المسند، والمعجم(1).
ولد الإمام أبو يعلى في ثالث شوال سنة عشر ومائتين، وعاش سبعاً وتسعين سنة، وتوفّي في اليوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثمائة.
نشأ في أسرة مدنية، ورحل في بداية عمره مع أبيه وخاله محمّد بن أحمد بن أبي المثنى، فكانت رحلته إلى منابع العلم، فرحل إلى مصر، وهمذان، وعبدان، ومكّة والمدينة، وبغداد، والكوفة، والبصرة، والريّ، وهرارة، وواسط، ونسا، وحلب، والمدائن، وغيرهم.
شيوخه:
ومن أشهر شيوخه الذين أخذ عنهم: أبو خيثمة زهير بن حرب، وعبيد
1) - انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي 14/174.
الله بن عمر القواريري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمّد ابن أبي بكر المقدمي، وخليفة بن خياط، ويحيى بن معين، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وبشر بن الوليد الكندي، وزكريا بن يحيى زحمويه، وعلي بن المديني، وعمرو بن محمّد الناقد، ومحمّد بن عبد الله ابن نمير، ومحمّد بن العلاء أبو كريب، ومحمّد بن بشار بندار، وعمر بن شبة، وغيرهم الكثير.
تلاميذه:
تتلمذ عليه جمع من كبار المحدّثين، منهم: الإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي، وأبو حاتم محمّد بن حبّان البستي، وأبو زكريا بريد بن محمّد الأزدي، وأبو الفتح الأزدي، وأبو الشيخ عبد الله بن محمّد بن جعفر الأصبهاني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وأبو بكر محمّد بن إبراهيم المقرئ، وأبو بكر أحمد بن محمّد بن السني، وأبو أحمد عبد الله بن عدي، ونصر بن أحمد بن المرجي أبو القاسم، والقاضي يوسف بن القاسم الميانجي، وغير هؤلاء الكثير.
أقوال العلماء فيه:
اتّفق النقاد على توثيقه والثناء عليه، نورد من هذه الأقوال، ما يلي:
قال الحافظ ابن حبّان، وهو أحد تلامذته: (هو من المتّقين المواظبين على رعاية الدين وأسباب الطاعة).
وقال يزيد بن محمّد: (كان من أهل الصدق والأمانة والدين والحلم...، وكان عاقلاً حليماً صبوراً، حسن الأدب، كثير الحديث، غلقت الأسواق يوم موته، وحضر جنازته من الخلق عدد عظيم).
وقال ابن عدي: (ما سمعت مسنداً على وجه الأرض إلاّ مسند أبي يعلى، لأنّه كان يحدّث لله عزّ وجلّ).
وقال السلمي: (سألت الدارقطني عن أبي يعلى، فقال: ثقة مأمون).
وقال الحافظ عبد الغني الأسدي: (أبو يعلى أحد الثقات الأثبات).
وقال ابن مندة: (أبو يعلى أحمد بن المثنى أحد الثقات).
وقال أبو عبد الله الحاكم: (كنت أرى أبا علي الحافظ معجباً بأبي يعلى وحفظه وإتقانه، وحفظه لحديث أبي يعلى حتّى كان لا يخفى عليه منه إلاّ اليسير).
وقال الحاكم: (أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى ثقة مأمون).
وقال ابن العماد: (أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى، صاحب المسند، صنّف التصانيف، وكان ثقة صالحاً متقناً).
وقال الذهبي: (أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى، حافظ من علماء الحديث، ثقة مشهور، رحل وتفرّد، وعمَّر، ورحل إليه الناس).
وقال الذهبي في موضع آخر: (أبو يعلى الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، محدّث الموصل، وصاحب المستند والمعجم، وقد خرج لنفسه معجم شيوخه في ثلاثة أجزاء).
وقال الصفدي: (أبو يعلى الموصلي الحافظ، صاحب السنن، سمع جماعة كباراً، له تصانيف في الزهد وغيره).
وقال أبو عبد الله بن مندة -- وكان قد رحل إلى أبي يعلى --: (وإنّما رحلت إليك لإجماع أهل العصر على ثقتك وإتقانك).
وقال ابن تغري بردي: (كان إماماً عالماً محدّثاً فاضلاً، وثقه ابن حبّان، ووصفه بالإتقان والدين، وقال بينه وبين النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثلاثة أنفس).
وقال ابن كثير: (أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى، صاحب المسند المشهور، سمع الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظاً خيّراً، حسن التصنيف، عدلاً فيما يرويه، ضابطاً لما يحدّث به).
مؤلّفاته:
1- المعجم. جمع فيه أسماء شيوخه، ويقع في ثلاثة أجزاء، ومنه نسخة مصوّرة بدار الكتب المصرية.
2- المسند الكبير، برواية أبي بكر محمّد بن إبراهيم المقرئ، وقال فيه الحافظ إسماعيل بن الفضل التميمي: إنّه بحر مجتمع الأنهار. ولم يعثر عليه إلى الآن.
3- المسند الصغير. وهو الذي بين أيدينا.
4- الفوائد. ذكره يزيد بن محمّد الأزدي في (تاريخ الموصل)، وقال: (خرج الفوائد). وذكره عنه الذهبي في السير، وذكره أبو يعلى نفسه في هذا المسند برقم (6266).
5- المفاريد. ذكره الدكتور فؤاد سزكين في تاريخ التراث الإسلامي.
6- الزهد والرقائق. ذكره الأزدي في تاريخ الموصل، كما ذكره الذهبي في السير.
وفاته:
توفّي -- رحمه الله -- في اليوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع
وثلاثمائة(1).
والآن إلى ما في (المسند) من آثار ابن عبّاس:
لقد جمع أبو يعلى فيه جملة من أحاديثه في آخر الجزء الثاني من صفحة (367) إلى صفحة (569) من رقم (2324) إلى (2747)، وهذا يعني تخريج (424) حديثاً موقوفاً ومرفوعاً. ولم تخل من غرائب -- كغرائب الإبل عند ورودها -- فهو دخيل بينها، كما في حديث (2338) في صفحة (375)، فهو عن عائشة، حيث قال أبو يعلى: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبيدة بن حميد(2)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدّثتني عائشة: أنّ يد سارق لم تقطع في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ في ثمن حجفة، أو ترس)، وحديث أبي هريرة في صفحة (524) برقم (2611)، وحديث جابر بن سمرة صفحة (252) برقم (2614)، وحديث ابن عمر في صفحة (525) برقم (2615)، وحديث ابن مسعود صفحة (527) برقم (2620)، وحديث عبد الله بن ثعلبة العُذري في صفحة (527) برقم (2621)، وحديث أبي هريرة في صفحة (528) برقم (2642)، وحديث أبي بكرة في صفحة (528) برقم (2625)، وحديث ابن عمر في صفحة (529) برقم (2682)، وهكذا ساق جملة أحاديث مروية عن صحابة غير ابن عبّاس إلى صفحة
1) - انظر مصادر ترجمته: سير أعلام النبلاء 14/174- 182، والوافي بالوفيات 7/241، والبداية والنهاية 11/130، والنجوم الزاهرة 3/197، وتذكرة الحفّاظ 2/ 707، 708، والكامل، لابن الأثير 8/38، وشذرات الذهب 2/250، والعبر 2/354، ودول الإسلام 1/186، وكشف الظنون 2/167، ومرآة الجنان 2/249، وطبقات الحفّاظ/306، ومعجم البلدان 5/225.
2) - في (س) (حدّثنا هارون بن عون).
(533) برقم (2639)، وهذا غريب، فإن كان من المؤلّف فهو سهو من القلم، وأغرب منه إن كان من غلط النسخة ولم يتنبه له المحقّق لينبّه عليه، وليس هذا من قبيل جمع المؤلّف بين سندين عن صحابيين لحديث واحد ليغتفر له كما في جمعه بين ما رواه أبو هريرة وابن عبّاس، كما في حديث (2502) في صفحة (461)، وجمعه بين روايتي عائشة وابن عبّاس، كما في حديث (2502) في صفحة (461)، وجمعه بين روايتي ابن عبّاس وأبي حية الأنصاري في صفحة (474) برقم (2529)، إلى أمثال هذا ممّا لا ضير فيه.
ومهما يكن، فليبق أبو يعلى كما قال تلميذه ابن حبّان (هو من المتّقين المواظبين على رعاية الدين وأسباب الطاعة)، وإن كان في مسنده إلى ابن عبّاس ما لا يمكن قبوله، عند من يتفرّغ لفحصه، لأنّ ما جاء عنه في (مسند أبي يعلى) فهو زهاء أربعمائة حديث، بعد حذف الزوائد المروية في مسنده وهي عن غيره، وهذا لا يعنينا كثيراً، بل الذي انتقيته من أحاديث ابن عبّاس ممّا لا يستدعي عرضه على المحكّ للمناقشة، إمّا لغرابته، أو لمتانته واضح الظهور، واكتفي بعشرة أحاديث، وهي كالتالي:
(الأوّل) ما أخرجه أبو يعلى، بإسناده عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (من قبض يتيماً بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتّى يغنيه الله، أوجب الله له الجنّة البتة، إلاّ أن يعمل ذنباً لا يغفر، ومن عال ثلاث بنات فأنفق عليهن، وأحسن إليهن وجبت له الجنّة)، فقام له رجل من الأعراب، فقال: أو اثنتين؟ قال: (نعم)، حتّى لو قال واحدة؟ لقال: نعم.
(وما من عبد أذهب الله كريمتيه إلاّ كان ثوابه عند الله في الجنّة)، قال: وما كريمتاه؟ قال: (عيناه).
قال: وكان ابن عبّاس إذا حدّث هذا الحديث، قال: والله هذا من كرائم الحديث وغرره(1).
(الثاني) أخرجه بسنده عن ابن عبّاس، قال حمّاد -- (أحد الرواة) لا أعلمه ألا قد رفعه إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم -- قال: (عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهنّ أسس الإسلام، من ترك منهم واحدة فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان).
ثمّ قال ابن عبّاس: تجده كثير المال لا يزكي، فلا يزال بذلك كافراً يحلّ دمه، وكثير المال لم يحجّ، فلا يزال بذلك كافراً ولا يحلّ دمه(2).
(الثالث) أخرجه بسنده عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (مررت ليلة أسري بي برائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه ماشطة بنت فرعون، كانت تمشطها، فوقع المشط، فقالت: بسم الله، قالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربّي وربّ أبيك، قالت: أقول له إذاً، قالت: قولي له، قال لها: أولكِ ربّ غيري؟ قالت: ربّي وربّك الذي في السماء، قال: فأحمى لها بقرة من نحاس، فقالت: إنّ لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: إن تجمع عظامي وعظام ولدي، قال: ذلك لك، لما لك علينا من حقّ. فألقى ولدها في البقرة واحداً واحداً، فكان آخرهم صبي، فقال لها: يا أمه اصبري فإنّك على الحقّ).
قال ابن عبّاس: فأربعة تكلّموا وهم صبيان، ابن ماشطة فرعون، وصبي جُريح، وعيسى بن مريم، والرابع لا أحفظه(3).
أقول: وهذا -- إن صحّ الخبر عن ابن عبّاس -- فهو غريب جدّاً! كيف وهو ترجمان القرآن كيف غاب عنه قوله تعالى في سورة يوسف: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا(1)، فهو الرابع.
(الرابع) أخرجه بسنده عن طاووس اليماني، قال: قلت لعبد الله بن عبّاس: زعموا أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلاّ أن تكونوا جُنباً، ومسّوا من الطيب).
فقال ابن عبّاس: أمّا الطيب فلا أدري، وأمّا الغسل فنعم(2).
(على المحكّ):
فهذا الخبر دلّ على مدى احتياط ابن عبّاس في نقل الحديث عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وفي لفظ عند مسلم برواية إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عبّاس: أنّه ذكر قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في الغسل يوم الجمعة، قال طاووس: فقلت لابن عبّاس: ويمس طيباً أو دهناً إن كان عند أهله؟ قال: لا أعلمه(3).
(الخامس) أخرجه بسنده عن يزيد بن الأصم، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّي لم أُؤمر بتشييد المساجد).
(على المحكّ):
ورد في ج2/437/2448، وج2/545/2680 و2681، وفي معناه كثير، وقد قال ابن عبّاس في الأوّل: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
أقول: ولقد صدق ابن عبّاس فيما قال، وعلى قوله قد قال من قال:
يا ناعي الإسلام يبكي أهله *** قوموا انظروا أهليه في المشاهد
قد زخرفوها كالكنائس زينة *** من ضيعوا الإسلام في المعابد
يا ليتها بَعَثَ النبيّ بنظرة *** ليرى ماذا حلّ بالمساجد
(السادس) أخرجه بسنده عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في الأرض أربعة خطوط، فقال: (أتدرون ما هذا)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(1).
(على المحكّ):
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد)(2): (رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح)، وراجع كتابي (عليّ إمام البررة)(3).
(السابع) أخرجه بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال لي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (هلّم القط لي)، قال: فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلمّا وضعتهنّ في يده، قال: (نعم، بمثل هؤلاء، وإيّاكم والغلوّ في الدين، فإنّما هلك من كان قبلكم بالغلوّ في الدين)(4).
(على المحكّ):
أخرجه أيضاً في ج2/427/2421، وله مصادر أخرى.
(الثامن) أخرجه بسنده عن أبي ظبيان، قال: قال ابن عبّاس: أيّ القراءتين تعدّون قراءة الأولى؟ قالوا: قراءة عبد الله، قال: قراءتنا الأولى، وقراءة عبد الله قراءة الأخيرة، إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان يعرض عليه القرآن كلّ رمضان عرضة، فلمّا كان العام الذي قبض فيه عُرض عليه عرضتان، فشهد عبد الله، وشهد ما نُسخ وما بدّل(1).
(على المحكّ):
إثارة هذا السؤال من ابن عبّاس يقتضي هناك ما ينبغي له التنبيه عليه من مفهوم خاطئ عند بعض أصحاب القراءات الذين ينزعون مع رجال السلطة في أهوائهم، على نحو الخلاف في مسائل أخرى، كالوضوء، والتلبية، كما مرّ.
(التاسع) أخرجه بسنده عن النضر بن أنس، قال: كنت عند عبد الله بن عبّاس، فجعلوا يستفتونه، فجعل يفتيهم ولا يذكر فيما يفتيهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، حتّى جاءه رجل من أهل العراق -- أراه -- فقال: أنّي أصوّر هذه التصاوير، قال: أدنه، أدنه -- مرّتين أو ثلاثاً -- سمعت محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من صوّر صورة في الدنيا، كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)(2).
(على المحكّ):
لقد سبق ذكر الحديثين في بعض المواضع، وهو مذكور في جملة من المتون الحديثية، فهو ثابت سنداً، وصحيح متناً، وعليه رأي بعض الفقهاء في الشريعة.
(العاشر) أخرجه بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، في قول الله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً(1)، سألته عن الفتون ما هو؟ قال: استأنف النهار يا بن جبير، فإنّ لها حديثاً طويلاً، فلمّا أصبحت غدوت إلى ابن عبّاس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه: ما كان الله وعد إبراهيم من أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وقد كانوا يظنّون أنّه يوسف بن يعقوب، فلمّا هلك قالوا: ليس كذلك، إنّ الله عزّ وجلّ وعد إبراهيم.
قال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أنّ يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلاّ ذبحوه، ففعلوا ذلك. فلمّا رأوا أنّ الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال التي كانوا يكفونكم! فاقتلوا عاماً كلّ مولود ذكر فيقل نباتهم، ودعوا عاماً فلا يقتل منهم أحد، فينشأ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنّهم لن يكثروا بمن تستحيون، منهم فتخافوا مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إلى ذلك. فأجمعوا أمرهم على ذلك.
1) - سورة طه/40.
فحملت أُمّ موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلمّا كان من قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا بن جبير، ما دخل منه في قلب أُمّه ممّا يراد به، فأوحى الله تبارك وتعالى إليها: وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(1).
فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت، ثمّ تلقيه في اليم، فلمّا ولدت فعلت ذلك به، فلمّا توارى عنها ابنها أتاها(2)الشيطان، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني(3)لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحبّ إليَّ من أن ألقيه بيدي إلى زفرات البحر وحيتانه!!
فانتهى الماء به حتّى انتهى به فرضة، مستقى جواري امرأة فرعون، فلمّا رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهنّ: إنّ في هذا مالاً، وإنّا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه بهيئته لم يحركن منها شيئاً حتّى دفعنه إليها، فلمّا فتحته رأت فيه غلاماً، فألقي عليه منها محبّة لم تجد مثلها على أحد من البشر قطّ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً(4)، من ذكر شيء إلاّ من ذكر موسى.
فلمّا سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن جبير، فقالت لهم: اتركوه فإنّ هذا الواحد لا يزيد
في بني إسرائيل، حتّى آتي فرعون فاستوهبه منه، فإن وهبه لي: كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت به فرعون: فقالت قرّة عين لي ولك، قال فرعون: يكون لك، فأمّا لي فلا حاجة لي في ذلك.
قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (والذي أحلف به لو أقرّ فرعون بأن يكون له قرّة عين، كما أقرّت امرأته لهداه الله به، كما هدى امرأته ولكن حرمه ذلك).
فأرسلت إلى من حولها من كلّ امرأة لها لبن لتختار له ظئرا، فجعل كلّما أخذته امرأة منهنّ لترضعه لم يقبل ثديها، حتّى أشفقت عليه امرأةُ فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت؟ فأحزنها ذلك فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يقبل.
فأصبحت أُمّ موسى والهة، فقالت لأخته: قصّيه، قصّي أثره، واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟ أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب. -- ونسيت ما كان الله وعدها فيه -- فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون -- والجُنُب: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به -- فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤار: أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له، هل تعرفونه؟ حتّى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون يا بن جبير. فقالت: نصيحتهم له وشفقته عليه رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته.
فأرسلوها، فانطلقت إلى أُمّها فأخبرتها الخبر، فجاءت أُمّه، فلمّا وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصّه حتّى امتلأ جنباه رياً، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشّرها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه، فلمّا رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإنّي لم
أحبّ حبّه شيئاً قطّ، فقالت أُمّ موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيراً، وإلاّ فإنّي غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أُمّ موسى ما كان الله عزّ وجلّ وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أنّ الله منجز وعده.
فرجعت إلى بيتها بابنها فأصبح ]أهل القرية[(1)مجتمعين يمتنعون من السخرة والظلم ما كان فيهم(2).
قال: فلمّا ترعرع، قالت امرأة فرعون لأُمّ موسى: أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تريها إياه، فقالت امرأة فرعون لخزانها وقهارمتها وظؤورتها: لا يبقينّ أحد منكم إلاّ استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحصي كلّ ما يصنع كلّ إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أُمّه إلى أن أدخل على امرأة فرعون، فلمّا دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها، وبجّلت أُمّه بحسن أثرها عليه.
ثمّ قالت: لآتين به فرعون فليبجلنّه وليكرمنه، فلمّا دخلت به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة أعداء الله لفرعون: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم نبيّه أنّه يربّك ويعلوك ويصرعك؟ فأرسل إلى الذبّاحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير، بعد كلّ بلاء ابتلي وأربك به فتوناً.
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي! قال: ترينه يزعم أنّه يصرعني ويعلوني! قالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف الحقّ فيه، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنّه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أنّ أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل! فقرب ذلك، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما من يده مخافة أن يحرقانه، فقالت المرأة: ألا ترى! فصرفه الله عنه بعدما كان قد همّ به، وكان الله عزّ وجلّ بالغاً فيه أمره.
فلمّا بلغ أشدّه، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتّى امتنعوا كلَّ الامتناع، فبينما موسى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني، والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضباً شديداً لأنّه تناوله، وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إنّما ذلك من الرضاع إلاّ أُمّ موسى، إلاّ أن يكون الله قد(1)أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلاّ الله والإسرائيلي. فقال موسى حين قتل الرجل: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ(2)، ثمّ قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(3)، فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً
يَتَرَقَّبُ(1)الأخبار. فأتي فرعون، فقيل له: إنّ بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا حقّنا ولا ترخص لهم، فقال: أبغوني قاتله، ومن يشهد عليه، فإنّ الملك وإن كان صفوه مع قوم لا يستقيم له(2)أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقّكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً إذا موسى قد رأى من الغد ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه، فكره الذي رأى لغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي -- لما فعل أمس واليوم -- : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ(3)]فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف[(4)أن يكون إيّاه أراد وما أراد الفرعوني ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاج للفرعوني، وقال: يا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ(5)،
وإنّما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، وتنازعا، وتطاوعا، وأنطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ.
فأرسل فرعون الذبّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رُسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون لموسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، إذ جاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً قريباً حتّى يسبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا بن جبير.
فخرج موسى متوجّها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلاّ حسن ظنّه بربّه عزّ وجلّ، فإنّه قال: عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ _ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ(1)، يعني بذلك: حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوّة نزاحم القوم، وإنّما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغرف في الدلو ماء كثيراً، حتّى كان أوّل الرعاء فراغاً، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظل بشجرة، فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(2).
فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً، فقال إنّ لكما اليوم لشأناً، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما تدعوه له، فأتت موسى فدعته، فلمّا كلمه قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(3)، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته.
قال: قالت إحداهما: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ
الأَمِينُ(1)، فاحتملته الغيرة إلى أن قال: وما يدريكِ ما قوّته وما أمانته؟ قالت: أمّا قوّته(2): فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلاً أقوى في ذلك السقي منه، وأمّا أمانته، فإنّه نظر إليَّ حين أقبلت إليه وشخصت له، فلمّا علم أنّي امرأة صوّب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إليَّ حتّى بلغته رسالتك، ثمّ قال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا الأمر إلاّ وهو أمين. فسري عن أبيها، فصدّقها وظنّ به الذي قالت. فقال له: هل لك أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(3)، ففعل، فكانت على نبيّ الله موسى(صلّى الله عليه وسلّم) ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدّة منه، فقضى الله عنه عدته، فأتّمها عشراً.
قال سعيد: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، فقال: هل تدري أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عبّاس، فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أنّ ثمانياً كان على موسى واجبة، ولم يكن نبيّ الله ليتنقص منها شيئاً، ويعلم أنّ الله قاض عن موسى عدته التي وعد، فإنّه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك. قال: قلت: أجل وأولى.
فلمّا سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قصّ الله عليك، في القرآن فشكا إلى ربّه تبارك وتعالى ما يتخوّف من آل فرعون في القتل وعقد لسانه، فإنّه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربّه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً ويتكلّم عنه، فآتاه الله سؤله فعبّر عنه بكثير ممّا لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحلّ عقدة من لسانه. ]فإنّه كان في لسانه عقدة[(1). فأوحى الله إلى هارون وأمره، أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه، حتّى لقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثمّ أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ(2)، قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى(3)، فأخبره بالذي قصّ الله عليك في القرآن. قال: فما تريد؟ وذكَّره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت، وقال: إنّي أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه ذلك، وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حيّة عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون! فلمّا رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى، أن يكفّها عنه، ففعل، ثمّ أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء -- يعني من غير برص -- ثمّ ردّها، فعادت إلى لونها الأوّل.
فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى(4)، يعني
ملكهم الذي هم فيه والعيش، فأبوا أن يعطوه شيئاً ممّا طلب، وقالوا له: أجمع لنا السحرة فإنّهم بأرضك كثير، حتّى يغلب سحرُهم سحرَهما، فأرسل في المدينة فحشر له كلّ ساحر متعالم، فلمّا أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر، قالوا: يعمل بالحيّات. قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر بالحيّات والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ فقال لهم: إنّكم أقاربي وخاصتي، فأنا صانع إليكم كلّ ما أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة، وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى(1).
قال سعيد: حدّثني ابن عبّاس: أنّ يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء.
فلمّا اجتمعوا في صعيد، قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ(2)-- يعنون موسى وهارون استهزاءً بهما -- فقالوا: يَا مُوسَى -- لقدرتهم بسحرهم -- إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ(3)، قال: بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ(4)، فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ(5)، فلمّا ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعلت العصي بدعوة موسى
تلبس بالحبال، حتّى صارت جرزاً(1)إلى الثعبان تدخل(2)فيه، حتّى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلاّ ابتلعته.
فلمّا عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا هذا، ولكنّه أمر من أمر الله تبارك وتعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عزّ وجلّ، ممّا كنّا عليه!! وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وأظهر الحقّ، وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ _ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ(3)، وامرأة فرعون بارزة متبذّلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمن رآها من آل فرعون ظنّ أنّها ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنّما كان حزنها وهمّها لموسى.
فلمّا طال مكث موسى لمواعيد فرعون الكاذبة، كلّما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف مواعيده، وقال: هل يستطيع ربّك ]أن[(4)يصنع غير هذا، فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصّلات، كلّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفّها عنه، ويواثقه أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفّ ذلك عنه أخلف موعده، ونكث عهده، حتّى أمر بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً.
فلمّا أصبح فرعون ورأى أنّهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين، يتبعهم بجنود عظيمة كثيرة، فأوحى الله إلى البحر أن إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفرق اثني عشر فرقاً حتّى يجوز موسى ومن معه، ثمّ التق على من بقي بعده من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف(1)مخافة أن يضربه موسى بعصاه، وهو غافل، فيصير عاصياً. فلمّا تراءى الجمعان وتقاربا، قال قوم موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(2)، أفعل ما أمرك ربّك فإنّك لن تُكذب ولن تَكذِب.
فقال: وعدني إذا أتيت البحر أن يفرق لي اثني عشر فرقاً حتّى أجاوزه، ثمّ ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه، فانفرق له حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربّه، وكما وعد موسى، فلمّا أن جاوز موسى وأصحابه كلّهم، ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم كما أمر الله، فلمّا أن جاوز موسى البحر، قالوا: إنّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق فلا نؤمن بهلاكه، فدعا ربّه فأخرجه له ببدنه، حتّى استيقنوا بهلاكه.
ثمّ مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة! قال: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ _ إِنَّ هَ-ؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(3)، قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم،
ومضيا. فأنزلهم موسى منزلاً، ثمّ قال لهم: أطيعوا هارون، فإنّي قد استخلفته عليكم وإنّي ذاهب إلى ربّي وأجّلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم، فلمّا أتى ربّه أراد أن يكلّمه في ثلاثين وقد صامهنَّ: ليلهن ونهارهن، كره أن يكلّم ربّه ويخرج من فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى شيئاً من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربّه حين أتاه: أفطرت؟ -- وهو أعلم بالذي كان -- قال: ربّ كرهت أن أكلّمك إلاّ وفمي طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أنّ ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ ارجع حتّى تصوم عشراًَ، ثمّ ائتني ففعل موسى ما أمر به.
فلمّا رأى قوم موسى أنّه لم يرجع إليهم للأجل، قال: ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم، فقال: إنّكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عواري وودائع، ولكم فيها مثل ذلك وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم، ولا أحلّ لكم وديعة ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئاً، من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كلّ قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثمّ أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر -- جيران لهم ولم يكن من بني إسرائيل -- فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثراً فأخذ منه قبضة، فمرّ بهارون، فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، قال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها بشيء إلاّ أن تدعو الله إذا ألقيها أن يكون ما أريد. فألقاه ودعا له هارون، وقال: أريد أن أكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع، أو حلية، أو نحاس، أو
حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روحٌ، له خوار.
قال ابن عبّاس: ولا والله ما كان له صوتٌ قطُّ، إنّما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك.
فتفرّق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا؟ فأنت أعلم به، قال: هذا ربّكم، ولكن موسى أضلّ الطريق، وقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتّى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربّنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربّنا فإنّا نتّبع قول موسى. وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بربّنا، ولا نؤمن به ولا نصدّق.
وأُشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ(1)، ليس هكذا. قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثمّ أخلفنا، هذه أربعون قد مضت؟ فقال سفهاؤهم: أخطأ ربّه، فهو يطلبه ويتبعه.
فلمّا كلّم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً، فقال لهم: ما سمعتم في القرآن: وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ(2)، ثمّ إنّه عذر أخاه واستغفر له وانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وفطنت لها، وعميت عليكم فقذفتها، وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي _ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ
مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثمّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً(1)، ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون. وقالوا -- جماعتهم -- لموسى: سل لنا ربّك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها ويكفّر لنا ما عملنا. فاختار قومه سبعين رجلاً لذلك -- لإتيان الجبل -- ممّن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبيّ الله من قومه ووفده حين فعل بهم ما فُعل، قال: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا(2)، وفيهم من كان الله اطلع على ما أشرب من حبّ العجل إيماناً به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَ-اةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ _ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ(3)، فقال: ربّ سألتك التوبة لقومي فقلت: إنّ رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتّى تخرجني حيّاً في أُمّة ذلك الرجل المرحومة، فقال الله عزّ وجلّ له: إنّ توبتهم أن يقتل كلّ رجل منهم كلّ من لقي: من والدٍ وولدٍ فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن، ويأتي أولئك الذين خفي على موسى وهارون ما اطّلع الله عليه من ذنوبهم، واعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول.
ثمّ سار بهم موسى متوجّهاً نحو الأرض المقدّسة، وأخذ الألواح بعد
ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقرّوا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنّه ظلّة، ودنا منهم حتّى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون إلى الجبل والأرض، والكتاب بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم.
ثمّ مضوا حتّى أتوا الأرض المقدّسة، فوجدوا فيها مدينة فيها قوم جبّارون، خلقهم خلق منكر، وذكروه من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ(1)، لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها، فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ(2)، قال رجلان من الذين يخافون الجبارين: آمنا بموسى فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنّما تخافون ممّا ترون من أجسامهم وعدّتهم فإنّهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، ف-ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ(3)، ويقول ناس: إنّهما من قوم موسى، وزعم عن سعيد بن جبير أنّهما من الجبابرة آمنا بموسى، يقول: مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ(4)، إنّما عنى بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل، قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(5)، فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسمّاهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لمّا رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتّى كان يومئذ، فاستجاب الله له فسمّاهم كما سمّاهم موسى: فاسقين وحرمها عليهم أربعين
سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كلّ يوم فيسيرون ليس لهم قرار.
ثمّ ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهورهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه، فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً(1)، في كلّ ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كلّ سبط عينهم التي يشربون منها لا يرتحلون من منقلة إلاّ وجد ذلك الحجر فيهم بالمكان الذي ﴾كان فيه(2بالأمس.)رفع ابن عبّاس هذا الحديث إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وصدق ذلك عندي أنّ معاوية سمع ابن عبّاس حدّث هذا الحديث فأنكره عليه أن يكون الفرعوني هذا الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، قال: فكيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلاّ الإسرائيلي الذي حضر ذلك وشهده، فغضب ابن عبّاس وأخذ بيد معاوية فذهب به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدّثنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قتيل موسى الذي قتله من آل فرعون، الإسرائيلي أفشى عليه، أم الفرعوني؟ فقال: إنّما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره.(على المحكّ:)أخرج هذا الحديث السيوطي في (الدرّ المنثور في تفسير الآية (طه/40)، عن ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن)
سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، ولقد مرّ بنا سابقاً ذكره، ولكن أثار الشكّ في بعض النفوس لطوله، ولعلّه احتمل فيه أنّ من الإسرائيليات التي اتّهموا ابن عبّاس في أخذها عن بعض رواتهم الذين دخلوا في الإسلام، إلاّ أنّ ما جاء في آخره ينفي قول قائل هذا، وأظنّ أنّ الذي أثار الشبهة والشكّ هو قول ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر الحديث، قال: (هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما -- كلّهم عن يزيد بن هارون -- به، وهو موقوف من كلام ابن عبّاس، وليس منه مرفوع إلاّ قليل منه، وكأنّه تلقّاه ابن عبّاس رضي الله عنهما ممّا أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم، وسمعنا شيخنا الحافظ أبا الحجّاج المزّي يقول ذلك أيضاً.)أقول: وهل كان ابن عبّاس كاذباً وهو يروي حديث (من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار، ومرّ حديثه مع بشير العدوي؟ وهل كان ابن عبّاس مدلّساً، فيسمع من غير النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وينسبه إليه؟ والتدليس من الكذب، أو كان مغفّلاً فيخلط الحابل بالنابل في السماع؟ وهو الذي كان يقول لا يكتب عن الشيخ المغفّل(1).)إنّها شناشن أمويّة لتحطيم الشخصية التي تفخر بها العبّاسية.
1) - الكفاية، للخطيب: 148، ط العلمية.
#### (12 الحافظ الكبير الشهير أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت385ه-))قال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد: كان الدارقطني فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علوّ الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحّة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم سوى الحديث، منها القراءات... لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته في هذا ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإن كتابه السنن يدلّ على ذلك...)ومنها المعرفة بالأدب والشعر، حدّثني حمزة بن محمّد بن طاهر: إنّ الدارقطني كان يحفظ ديوان السيّد الحميري فنُسب لذا إلى التشيّع(1.)أقول: ألأنّ شعر السيّد الحميري فيه مدائح أمير المؤمنين عليه السلام وذكر فضائله، ولم يترك منها واحدة لم ينظم فيها؟! فيا لله والمسلمين من هذا النُصب الخفي، أيكون مَن يحفظها متشيّعاً!!مع أنّ الدراقطني هو القائل عن حاله في التفضيل: (اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: عليّ أفضل، فتحاكموا إليَّ، فأمسكت وقلت: الإمساك خير، ثمّ لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم، وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من عليّ، باتّفاق جماعة أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، هذا قول أهل السُنّة، وهو أوّل عقد
1) - سير أعلام النبلاء، للذهبي 16/484 عن تاريخ بغداد 12/34 -- 35.
يحلّ في الرفض.)وتعقّبه الذهبي في (سير أعلام النبلاء بقوله بما زاد في الطنبور نغمة وفي التشويش على الأُمّة، فقال: (قلت: ليس تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكلّ من عثمان وعليّ ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلّهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء رضي الله عنهما، ولكن جمهور الأُمّة على ترجيح عثمان على الإمام عليّ وإليه نذهب، والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شكّ أبو بكر وعمر من خالف في ذا فهو شيعيّ جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحّة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبّهما واعتقد أنّهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة أبعدهم الله)(1).
1) - سير أعلام النبلاء 12/489، ط دار الفكر بيروت.)أقول: ما ذنب من فضّل عليّاً عليه السلام، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد فضّله بقوله لابنته فاطمة الزهراء عليه السلام: (زوّجتك خير أُمّتي: أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأوّلهم سلماً، أخرجه أحمد في فضائل الصحابة 2/ 764، وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً، قال صلي الله عليه وآله وسلم: (خير رجالكم عليّ بن أبي طالب، وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد صلّى الله عليهما)، ولقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء 12/542 في ترجمة أبي الحسن الرماني، فقال: وكان مع اعتزاله شيعياً، ثمّ حكى عن التنوخي: ومن ذهب في زمانناً إلى أنّ عليّاً رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من المعتزلة، أبو الحسن الرماني، لله درّه.)أقول: لقد مات الرماني سنة 384ه-، وكذلك التنوخي مات سنة 384، فهما متعاصران مع الدارقطني الذي مات 385 زماناً ومكاناً، فكلّهم في بغداد، كيف بالدارقطني ينسب إلى التشيّع ورأيه في التفضيل ما سبق؟ ولقد ذكرت مسألة المفاضلة في كتابي عليّ إمام البررة 2/443، فراجع تجد أسماء من قالوا بأفضلية عليّ عليه السلام على الجميع من صحابة وتابعين، وأذكر للقارئ هنا قول الإمام عليّ عليه السلام في خطبته الشقشقية، قال عليه السلام: (متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر...، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: في هذا المعنى: (من لم يقل عليّ خير الناس فقد كفر) تاريخ دمشق 2/444 (من ترجمة الإمام).)وقال عطاء: سألت عائشة عن عليّ -- رضي الله عنهما -- فقالت: (ذاك خير البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر نفس المصدر 2/449.)ونسب إليها في الكنز المدفون، للسيوطي: 94 طبع مصر (طبع البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1357- -- 1939م، قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟ فأنشدت:)تبيّن زيفه من غير شك *** إذا ما التبر حك على محك
وقال الخطيب البغدادي: (حدّثني أبو نصر بن ماكولا، قال: رأيت كأنّي أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة وما آل إليه أمره، فقيل لي: ذاك يدعى الإمام في الجنّة(1).)وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث(2.)وفي (تذكرة الحفّاظ للذهبي ترجمة طويلة وفيها ثناء كثير(3)، ومع هذا كلّه فلا تعدم الحسناء ذامّاً، فقد قال العيني في (البناية شرح الهداية) في بحث القراءة في حقّه: (هو مستحقّ للتضعيف)(4)، وقد ردّوا عليه قوله،)
ولست بصدد هذا، بل الذي يعنيني في المقام معرفة أثر ابن عبّاس في (سنن الدارقطني، وكتابه (العلل)، بعد أن كان له فيما أثر عنه برواياته عن الصحابة، مع أنّه لم يذكر له -- الدارقطني -- في العلل مسنداً، فجعل بعضهم في هذا دليلاً على أنّ كتاب (العلل) الذي أخرجه الدارقطني إنّما استخرجه من كتاب يعقوب بن شيبة، لعدم وجود مسند ابن عبّاس فيهما معاً(1)، كذا قاله أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، ورد عليه محقّق (العلل) ذلك، وليس يعنيني ذلك كثيراً.)إنّما الذي ينبغي أن أكشفه للقرّاء هلهلة الأبراد الفضفاضة في الألقاب، فالدارقطني الذي هو أمير المؤمنين في الحديث كما قيل، يروي حديث ابن عبّاس عن أبي بكر، قال لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: لقد شبت، فقال: (شيبتني هود، وعمّ يتساءلون، وإذا وقعت الواقعة، وإذا الشمس كورت، ثمّ ذكر علل الإسناد في رجاله إلى ابن عبّاس، فذكر أكثر من عشرة أسانيد اختلف فيها الرواة سنداً ومتناً وأسماء السور وأسماء السائل، وهذا الحديث أخرجه غير واحد من الحفّاظ عن ابن عبّاس وعنه عدد من التابعين، ذكرهم السيوطي في أوّل تفسير سورة هود من (الدرّ المنثور)(2)، فراجع. مع أنّ المتيقن أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال ذلك مرّة واحدة في جواب من سأله، فلماذا هذا الاختلاف عن ابن عبّاس؟! ومع هذا كلّه فقد جعلوا كتاب (علل الدارقطني) يمتاز بكثرة الطرق للحديث الواحد، ومعنى هذا الاختلاف في المتون والسند، ليكون الحديث الواحد عدّة أحاديث، أليس كذلك؟ فتطفح الأرقام عند)
الحفّاظ إلى مئات آلاف؟!وثمّة ملاحظة عابرة وبسيطة هي: قد ذكر الدارقطني في (العلل أحد عشر حديثاً عن ابن عبّاس، عن عمر، وعن عليّ عليه السلام نحو ذلك بزيادة اثنين؟! مع أنّ ابن عبّاس كان يقول: جلّ ما تعلّمت -- أو جلّ علمي -- عن عليّ عليه السلام، كما مرّ مكرّراً، وممّا ذكره عن ابن عبّاس عن عمر أحد عشر حديثاً، ساقها محقّق العلل فذكرها كما يلي:)1- في التغليظ في البكاء على الميت.2- لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم... الحديث(1.)3- في غسل يوم الجمعة.4- في التشهد.5- في المتظاهرين -- المتظاهرتين صحّ -- .6- خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى تبوك في حرّ شديد، فنزلنا منزلاً... الحديث.7- قول عمر: عليّ أقضانا، وأُبي أقرؤنا.8- إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم رأى في يد رجل خاتم ذهب... الحديث.9- عن عمر أنّه سجد في (ص.)10- أتاني الليلة آت... الحديث.
1) - والحديث عن طاووس قال سمعت ابن عبّاس يقول: بلغ عمر(رض) أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها)، يعني جملوها أذابوها. علل الدارقطني 1/ 87.
11- كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذا أوتر أطال الركعة الأخيرة.وأمّا ما ذكره الدارقطني عن ابن عبّاس عن عليّ عليه السلام، فلم يذكرها مرتبة، مع أنّها منثورة، كما يلي:1- ففي سؤال (391 الجزء 3/ 72، قال: وسُئل عن حديث ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة المجنون والنائم والصبي)؟ فقال -- الدارقطني -- وهو حديث يرويه أبو ظبيان حصن بن جندب، واختلف عنه.)فرواه سليمان الأعمش واختلف عنه... ثمّ ذكر وجوه الاختلاف سنداً، ومتناً موقوفاً عن أبي ظبيان، وموقوفاً عن عليّ وعمر من دون ذكر ابن عبّاس.2- ورد في السؤال برقم (2 الجزء 3/74، وسُئل عن حديث ابن عبّاس، عن عليّ، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لا طلاق قبل نكاح)؟ فقال: هو حديث يرويه عبد الله ابن زياد بن سمعان، عن محمّد بن المنكدر، عن طاووس، عن ابن عبّاس، عن عليّ، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ ذكر الاختلاف في روايته مرسلاً ومسنداً، وصحّح الإرسال، ثمّ قال: وعبد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث.)3- وفي السؤال برقم (293 الجزء 3/ 75، وسُئل عن حديث ابن عبّاس، عن عليّ، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، لمّا نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(1)دعاني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا عليّ...) الحديث بطوله. فقال: يرويه محمّد ابن إسحاق، وقد اختلف عنه، ثمّ ذكر وجوه الاختلاف... 4- وفي السؤال برقم (294) الجزء 6/ 77 -- 78، وسُئل عن حديث ابن
1) - سورة الشعراء/214.
عبّاس، عن عليّ: أنّه أرسله بمصحف إلى طلحة والزبير، هل وجدتما عليّ في هذا إثرة أو جوراً في حكم؟ فقالا: لا، ولا واحدة من ثنتين. ثمّ ذكر اختلاف الرواة، فقال: يرويه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عبّاس، حدّث عنه الثوري، ثمّ ذكر الاختلاف عن الثوري، إلى أن ذكر الحديث بسنده، فقال: حدّثنا أبو علي المالكي، حدّثنا بندار، حدّثنا مؤمّل، حدّثنا سفيان، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً أرسل -- كذا والصواب: أرسلني -- إلى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، فقال: قل لهما: إنّ أخاكما عليّاً يقرؤكما السلام ويقول: ما نقمتما عليَّ، استأثرت بمال، أو جرت في حكم؟ فقالا: ولا واحدة من ثنتين، ولكنّه الخوف والطمع.
5- وفي السؤال برقم (295) الجزء 3/ 78، وسُئل عن حديث ابن عبّاس، عن عليّ: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم نهاه عن القراءة في الركوع والسجود، وعن خاتم الذهب، ولبس المعصفر. فقال: هو حديث يرويه ابن أبي ليلى... ثمّ ذكر الاختلاف والعلل فيه سنداً ومتناً وإضافة بعض أحاديث أخرى في رواية بعض الرواة، ولا نطيل بنقلها، إذ قال الدارقطني: والاضطراب في هذا من ابن أبي ليلى، لأنّه كان سيء الحفظ...
إلى آخر ما ذكره في (العلل) من أحاديث رواها ابن عبّاس عن آخرين من الصحابة، نحو ما رواه عن عبد الرحمن بن عوف الذي روى عنه عن عمر خبر السقيفة مفصّلاً ومجملاً، وخطبة عمر وذكر فيها الرجم، وليس في هذا ما يزين أو يشين في ميزان ابن عبّاس على المحكّ.
ونعود إلى ما عند الدارقطني في (سننه) ممّا فيه لابن عبّاس من ذاتية
ظاهرة، نحو ما ذكره.
1- في أوّل باب الوضوء بالنبيّذ، قال: ثنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي، نا المسيّب بن واضح، نا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (النبيّذ وضوء لمن لم يجد الماء). قال أبو محمّد: يعني الذي لا يسكر، كذا قال، ووهم فيه المسيّب بن واضح في موضعين في ذكر ابن عبّاس، وفي ذكر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقد اختلف فيه على المسيّب.
فحدّثنا به محمّد بن المظفر، نا محمّد بن سليمان، نا المسيّب بهذا الإسناد موقوفاً غير مرفوع إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، والمحفوظ أنّه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ولا إلى ابن عبّاس، والمسيّب ضعيف...
أقول: ثمّ ساق الحديث بعشرة أسانيد تختلف متونها كما اختلفت أسانيدها، بينها أربعة عن ابن عبّاس، وأعلّها جميعاً؛ فراجع(1).
2- في آخر باب وجوب غسل القدمين والعقبين، قال: حدّثنا إبراهيم ابن حماد، ثنا العبّاس بن يزيد، نا حيان بن عيينة، حدّثني عبد الله بن محمّد ابن عقيل: أنّ علي بن الحسين أرسله إلى الرُبيع بنت معوذ يسألها عن وضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقالت: إنّه كان يأتيهنّ، وكانت تخرج له الوضوء، قال: فأتيتها فأخرجت إليَّ إناء، فقالت: في هذا كنت أخرج له الوضوء لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثاً، ثمّ يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثاً، ثمّ يمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ثمّ يغسل يديه، ثمّ يمسح برأسه
1) - سنن الدارقطني 1/ 75 -- 76، ط اليماني المدني.
مقبلاً ومدبراً، ثمّ غسل رجليه، قالت: وقد أتاني ابن عمّ لك -- تعني ابن عبّاس -- فأخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلاّ غسلتين ومسحتين، فقلت لها: فبأي شيء كان الإناء؟ قالت: قدر مّد بالهاشمي، أو مد وربع، قال العبّاس بين يزيد: هذه المرأة حدّثت عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه بدأ بالوجه قبل المضمضمة والاستنشاق، وقد حدّث أهل بدر، منهم عثمان وعليّ رضي الله عنهما أنّه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه، والناس عليه(1).
(على المحكّ):
لقد مرّ ذكر دخول ابن عبّاس على الرُبيع بنت معوّذ، وردّه عليها بقوله: ما أجد في الكتاب إلاّ غسلتين ومسحتين، في أحاديث النسائي، ومن قبل في (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس)، فلا وقفة فيه بعدما عرفنا أنّ دخوله كان وقفة في وجوه السلطة وأتباعها.
3- في كتاب الاستسقاء، قال: حدّثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا علي بن جرير، ثنا سهل بن بكار، ثنا محمّد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن طلحة، قال: أرسلني مروان إلى ابن عبّاس أسأله عن سُنّة الاستسقاء؟ فقال: سُنّة الاستسقاء سُنّة الصلاة في العيدين، إلاّ أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلّى ركعتين، وكبّر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ سبّح اسم ربّك الأعلى، وقرأ في الثانية: هل أتاك حديث الغاشية، وكبّر فيها خمس تكبيرات.
أقول: لقد علّق العظيم آبادي في (التعليق المغني على سنن
1) - سنن الدارقطني 1/96.
الدارقطني)، فقال: الحديث أخرجه البيهقي والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي تصحيحه نظر، لأنّ محمّد بن عبد العزيز هذا، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطّان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال، فاعتلّ الحديث بهما.
4- وفي الكتاب السابق أيضاً، قال: حدّثنا الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن القاضي الأنطاكي، ثنا أبو الحارث الليث بن عبدة، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا إسماعيل بن ربيعة بن هشام بن إسحاق من بني عامر بن لؤي، أنّه سمع جدّه هشام بن إسحاق يحدّث عن أبيه إسحاق بن عبد الله: أنّ الوليد بن عتبة أمير المدينة أرسله إلى ابن عبّاس. ح -- حيلولة -- وحدّثنا علي ابن محمّد المصري، نا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا إسماعيل بن ربيعة بن هشام بن إسحاق، قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن إسحاق بن عبد الله: أنّ الوليد أرسله إلى ابن عبّاس، فقال: يا بن أخي سله كيف صنع رسول الله في الاستسقاء يوم استسقى بالناس؟ فقال: نعم، خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم متخشعاً متذلّلاً، فصنع فيه كما يصنع في الفطر والأضحى، وقال القاضي في حديثه: متبذّلاً ولم يقل: متذلّلاً.
5- وفي الكتاب نفسه، قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق بن بهلول، ثنا هارون بن إسحاق الهمداني. ح -- حيلولة -- وحدّثنا الحسين بن إسماعيل حدّثنا يعقوب بن إبراهيم ويوسف بن موسى، والحسين بن علي بن الأسود، قالوا: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه، قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عبّاس أسأله عن الاستسقاء -- وقال
هارون ويوسف: عن الصلاة في الاستسقاء -- فقال ابن عبّاس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً مترسلاً، فصلّى ركعتين كما يصلّى في العيد، ولم يخطب كخطبتكم هذه(1).
أقول: قال العظيم آبادي في (التعليق المغني): قوله عن هشام بن إسحاق.. الحديث، أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال: أرسلني الوليد بن عتبة، وكان أمير المدينة إلى ابن عبّاس أسأله عن الاستسقاء.. الحديث، وهكذا في لفظ النسائي(2).
(على المحكّ):
وهذه الأخبار الثلاثة دلّت على جهل ولاة الأمور يومئذ بالأحكام! ومع جهلهم المطبق -- كالجنون المطبق -- لا يرعوون لنصح ولا يرعون إلاًّ ولا ذمّة، فإذا نزلت بهم نازلة، أو حلّت بهم كائنة، احتاجوا فيها إلى معرفة الحكم فيها لجاؤا إلى من عنده إثارة من علم، كابن عبّاس رضي الله عنه الذي لم يكن يبخل ببيان الأحكام رعاية لفضيلة العلم وواجب الإسلام، وقد تعلّم هذا السلوك من إمامه وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد مرّت شواهد على هذا ممّا جرى في حكم الأوّلين من الخالفين.
6- وفي كتاب الجنائز، باب مكان قبر آدم عليه السلام، والتكبير عليه أربعاً، قال: حدّثنا محمّد بن مخلد، ثنا محمّد بن سليمان العلاّف، ثنا صباح بن مروان، ثنا عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز،
عن سعيد بن جبير وعروة، عن ابن عبّاس، قال: صلّى جبريل عليه السلام على آدم عليه السلام، كبّر عليه أربعاً، صلّى جبريل بالملائكة يومئذ، ودفن بمسجد الخيف، وأخذ من قبل القبلة، ولحّد له، وسنّم قبره.
ثمّ قال الدارقطني: عبد الرحمن بن مالك بن مغول، متروك، ورواه أبو إسماعيل المؤّدب، عن ابن هرمز...
(على المحكّ):
هذا الخبر متضمّن عدّة أحكام، منها الصلاة على آدم عليه السلام ومن صلاّها، وعدد تكبيراتها، ومكان قبره، وكيفية إنزاله، وتلحيده، وتسنيم قبره، ومثل هذا لا يعلم إلاّ عن الوحي إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أو هو من الإسرائيليات، وهذه خلت عن مثله، فهو من الأوّل وإن لم يصرّح به، وإلاّ فالخبر موضوع.
وممّا تنبغي الإشارة إليه في المقام حول توضيح النقاط التالية:
النقطة الأولى: دفن آدم عليه السلام في مسجد الخيف.
لقد ذكر المقدسي البشاري في كتابه (أحسن التقاسيم)، في ذكر المواضع المختلف فيها... قال قوم: قبر آدم عند منارة مسجد الخيف، وقال آخرون: عند قبر إبراهيم، وقال قوم: بالهند، وقيل: أنّ قبر آدم بالتيه، وزعم رجل بإيلياء: أنّه رأى في النوم أنّه خلف جبل زيتا(1).
وفي كتاب (الإشارات في معرفة الزيارات) للهروي (ت611ه-)(2)عند ذكر الكرك: ...وذكر أصحاب السير أنّ قبر آدم، ونوح، وسام، وإبراهيم،
وإسحاق، ويعقوب عليهم السلام في أرض القدس بالمغارة، والله أعلم، وقيل: قبر آدم بوادي سرنديب، وقيل: بجبل أبي قبيس...
وفي صفحة ( 77) عند ذكر جبال مكّة: ...جبل أبي قبيس -- والصفا محسوب منه -- وقيل: قبر آدم عليه السلام به، وقيل: قبره عند منارة مسجد الخيف.
وقيل: قبره في النجف(1)
ذكر الروضة والقبور التي بها. ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة، ولكلّ وارد عليها ضيافة ثلاث أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها الحجّاب، والنقباء، والطواشية، فعندما يصل الزائر، يقوم أحدهم أو جميعهم، وكلّ على قد الزائر، فيقفون معه على العتبة، ويستأذنون له، ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فإن أذنتم له وإلاّ رجع، وإن لم يكن أهلاً لذلك، فأنتم أهل المكارم والستر. ثمّ يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضّة، وكذلك العضادتان، ثمّ يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضّة من الكبار والصغار، وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة مسمّرة بمسامير الفضّة، قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أنّ أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام، والثاني قبر نوح عليه الصلاة والسلام، والثالث قبر عليّ(رضي الله عنه)، وبين القبور طسوت ذهب وفضّة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن به وجهه تبركاً.
وللقبة باب آخر عتبته أيضاً من الفضّة، وعليه ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربعة أبواب، عتبتها فضّة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلّهم رافضية.
وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم أنّ بها قبر عليّ(رضي الله عنه)، فمنها: أنّ في ليلة السابع والعشرين من رجب وتسمّى عندهم ليلة المحيا، يؤتى إلى تلك الروضة بكلّ مقعد من العراقيين، وخراسان، وبلاد فارس والروم، فيجتمع الثلاثون والأربعون ونحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدّس، والناس ينتظرون قيامهم، وهم ما بين مصلّ وذاكر وباك ومشاهد للروضة، فإذا مضى من الليل نصفه، أو ثلثاه، أو نحو ذلك قام الجميع أصحاء من غير سوء، وهم يقولون: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله.
وهذا أمر مستفيض عندهم، سمعته من الثقات ولم أحضر تلك الليلة، لكنّي رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من أرض الروم، والثاني من أصبهان، والثالث من خراسان، وهم مقعدون فاستخبرتهم عن شأنهم؟ فأخبروني أنّهم لم يدركوا (ليلة المحيا)، وأنّهم منتظرون أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقاً عظيمة مدّة عشرة أيام، وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال، وإنّما يحكم عليهم نقيب الأشراف، وأهلها تجّار، يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعة وكرم ولا يضام جارهم، صحبتهم في الأسفار فحمدت صحبتهم، لكنّهم غلواً في عليّ(رضي الله عنه).
ومن الناس في بلاد العراق وغيرها من يصيبه المرض فينذر للروضة نذراً إذا برئ، ومنهم من يمرض رأسه فيصنع رأساً من ذهب أو فضّة ويأتي به إلى الروضة فيجعله النقيب في الخزانة، وكذلك اليد والرجل وغيرهما من الأعضاء، وخزانة الروضة عظيمة، فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته. اه-.
صورة مشرقة كانت في أيام ابن بطوطة (ت 779ه-) ولكن تسافل الحال حتّى وصل التردّي في المجتمع إلى أبعد حدّ، وليت ابن بطوطة يبعث اليوم حيّاً ليرى تلك الأسواق التي وصفها فأحسن وصفها معجباً كيف صار فيها التزاحم على غير نظام، وساء الحال إلى أبعد ما يقال في هذا المجال، إنّها الفوضى والاختلال، وإلى الله المآل..
، كما عليه فقهاء الإمامية.1) - قال ابن بطوطة (ت 779ه-) في رحلته (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار/421) نشر أكاديمية المملكة المغربية -- الرباط سنة 1417ه-، ثمّ رحلنا منها -- ]أي القادسية[ فنزلنا مشهد عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بالنجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق، وأكثرها ناساً، وأتقنها بناءاً، ولها أسواق حسنة نظيفة، دخلناها فاستقبلنا سوق البقالين، والطباخين، والخبازين، ثمّ سوق الفاكهة، ثمّ سوق الخياطين والقيسارية، ثمّ سوق العطارين، ثمّ باب الحضرة، حيث القبر الذي يزعمون أنّه قبر علي عليه السلام، وبأزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة، وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزيّج عندنا، لكن لونه أشرق، ونقشه أحسن.
والنقطة الثانية التي ينبغي التنبيه عليها: في عدد التكبيرات في الصلاة على الميت.
فذهب ابن عبّاس فيها كمذهب عليّ سيّد أهل البيت عليهم السلام خمس تكبيرات، لكن الدارقطني روى في (السنن)(1)باب التسليم في الجنازة واحد، والتكبير أربعاً وخمساً وقراءة الفاتحة، فقال: حدّثنا محمّد بن مخلد، ثنا أحمد بن الوليد الفحام ويحيى بن زيد بن يحيى الفزاري، قالا: نا خنيس ابن بكر بن خنيس، نا الفرات بن سليمان الجزري -- كذا قال الفحام -- عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان آخر ما كبّر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم على الجنازة أربعاً، وكبّر عمر على أبي بكر أربعاً، وكبّر عبد الله بن عمر على عمر أربعاً، وكبّر الحسن بن عليّ على عليّ أربعاً، وكبّر الحسين على الحسن أربعاً، وكبّرت الملائكة على آدم عليه السلام أربعاً، إنّما هو فرات بن السائب متروك الحديث.
حدّثنا ابن مبشر، ثنا أحمد بن سنان، نا ابن مهدي، ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صلّى ابن عبّاس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت له، فقال: إنّه من السُنّة أو من تمام السُنّة.
قال العظيم آبادي في (التعليق المغني): حديث ابن عبّاس أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي وصحّحه، والنسائي، وقال فيه: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر، فلمّا فرغ قال: سُنّة وحقّ.
1) - سنن الدارقطني 2/ 72.
(على المحكّ):
إنّ في خبر صلاة ابن عبّاس على جنازة فقرأ فيها فاتحة الكتاب، رواه عنه طلحة بن عبد الله بن عوف، وهذا كان قاضي المدينة ليزيد، كما ذكره الذهبي في (الكاشف)(1)، ألا يكفي هذا في توثيقه؟ وتعريفه؟ ومع الإغماض عنه، فإنّ القراءة مكروهة وليست بمحرمة، وبها قال الشافعي تبعاً لابن عبّاس، وبه قال ابن مسعود وابن الزبير، وبه قال أحمد(2)، وأمّا في عدد التكبيرات، فقد روي عن عليّ عليه السلام أنّه كبّر على أهل بدر ستّاً، وعلى غيرهم من الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً، وروي أنّه كبّر على أبي قتادة سبعاً، وكان بدرياً، وهذا ثابت عن عليّ عليه السلام، وابن عبّاس كان يقول: (إذا بلغنا عن عليّ لا نتعداه).
7- أخرج الدارقطني في كتاب الحدود والديّات(3)، فقال: نا أبو الحسن علي بن محمّد المصري، نا يحيى بن أيوب العلاف، حدّثني سعيد بن عفير، حدّثني يحيى بن فليح بن سليمان، حدّثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بالأيدي والنعال وبالعصي، ثمّ توفّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فكان في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتّى توفّي، فكان عمر من بعده فجلدهم أربعين كذلك، حتّى أتي برجل من المهاجرين الأوّلين وقد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال: لم تجلدني، بيني وبينك كتاب الله، فقال
عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ الآية، فأنا من الذين: وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثمّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثمّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(1)، شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردّون عليه ما يقول؟ فقال ابن عبّاس: إنّ هؤلاء الآيات أنزلت عذراً للماضين، وحجّة على المنافقين، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ(2)الآية، ثمّ قرأ حتّى أنفذ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. الآية، فإنّ الله قد نهاه أن يشرب الخمر.
فقال عمر(رض): صدقت، ماذا ترون؟ قال عليّ(رض): (إنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين).
قال العظيم آبادي في (التعليق المغني): الحديث أصله في البخاري عن السائب بن يزيد، قال: كنّا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وإمرة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتّى كان آخر أمر عمر فجلد أربعين، حتّى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين، ووقع في مرسل عبيد بن عمير -- أحد كبار التابعين -- فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، نحو حديث السائب، وفيه أنّ عمر جعله أربعين سوطاً، فلمّا رآهم لا يتناهون جعله ستّين سوطاً، فلمّا رآهم لا يتناهون جعله ثمانين
سوطاً، وقال: هذا أدنى الحدود، وكذا قال عبد الرحمن بن عوف، وأراد بذلك الحدود المذكورة في القرآن، وهي حدّ الزنا، وحدّ السرقة القطع، وحدّ القذف، وهو أخفها عقوبة.
وروى النسائي والطحاوي موصولاً من طريق يحيى بن فليح، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مطولاً، ولفظه قريب من لفظ المصنّف، فذكر قصّة رجل أتي به إلى عمر، وأنّه تأوّل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ، وأنّ ابن عبّاس ناظره في ذلك، واحتجّ ببقية الآية، وهو قوله تعالى: إِذَا مَا اتَّقَواْ، والذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتقّ، فقال عمر: ما ترون؟ فقال عليّ: فذكره...
(على المحكّ):
هذا الخبر الذي روي عن ابن عبّاس مطوّلاً ومختصراً، ولم يسمّ الرجل الذي شرب الخمر، وهو من أهل بدر، وقد ناظر عمراً في أمره، هو قدامة بن مظعون خال حفصة وعبد الله بن عمر، وأحسب كتمان الرواة اسمه رعاية لأُمّ المؤمنين حفصة، ولا يبعد هذا بعد أن سمح له عمر بالدفاع عن نفسه بما توهّمه سيدرأ عنه الحدّ، لكن ابن عبّاس ردّ الدفاع وأثبت عليه الحدّ، ولمّا كان عمر قد سبق منه جعله أربعين سوطاً، ثمّ ستّين سوطاً، ثمّ ثمانين سوطاً، وقال: هذا أدنى الحدود، وأقرّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الثمانين على شارب الخمر، وقال: (إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانين جلدة)، فأمر به عمر فجلد ثمانين، والخبر يكشف حقائق مغيّبة ومعيبة، عن رجال في عدالتهم الريبة.
وقد ذكر الدارقطني في (سننه) بعض أحاديث ابن عبّاس، ولم أجد
فيها ما يستوجب الوقوف عنده، إمّا لأنّه قد مرّ عن غيره ومرّت مناقشته، كخبر تحريق المرتدّين بأمر الإمام عليّ عليه السلام، وإمّا ليس في عرضه كبير فائدة نحو الخبر الذي رواه القاسم -- هو ابن محمّد بن أبي بكر -- قد جاءت امرأة إلى ابن عبّاس قد نذرت نحر ابنها، فأمرها بالكفّارة، فقال رجل من القوم: سبحان الله كفّارة في معصية الله تعالى؟! فقال ابن عبّاس: نعم، قد ذكر الله الظهار، وأمر بالكفّارة.
وهذا (على المحكّ):
ليس فيه إدانة لابن عبّاس في استدلاله، لأنّه فيما رواه عنه مالك في (الموطأ)، قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم، ثمّ جعل فيه من الكفّارة ما رأيت، وأشار إلى الآية الشريفة في سورة المجادلة التي ذكرت أنّ المظاهرة منكراً من القول وزوراً، وذكرت الكفّارة، ونختم المقام بالآيات المباركات، قال تعالى: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ _ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ _ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1).
1) - سورة المجادلة/2 -- 4.
وبهذا نختم الجزء الأوّل من الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان)، وقد قرأنا على المحكّ في آثاره في التراثين الشيعي والسُنّي، بعد عرض نماذج من أعلام الفريقين بنظرة إنصاف لما عندهم متماثلة عدداً، متفاوتة أداءً، وفيما مرّ لم أجد ما يُنقص من قدر ابن عبّاس في كفّة الرجحان والتعديل في الميزان، ولا بدّ من التزام الوسطية في كلّ حوار جدلي، لئلا يشط المرء في أحكامه مع أخصامه، فالاهتمام برأي الآخرين من الصواب المنهجي في الحياة، حتّى ولو كان خطأ محضاً لأسباب شخصية، فنحن نحتاج إلى إعادة النظر في الموروث لنا ولغيرنا، من دون تمييز في العرض والتقويم.
وفي الختام فإنّا مع ابن عبّاس رضي الله عنه على حدّ قول أبي الأسود الدؤلي رحمه الله، حيث يقول يمدح أهل البيت عليهم السلام:
يقول الأرذلون بنو قشير *** طوال الدهر لا تنسى عليّا
بنو عم النبيّ وأقربوهم *** أحبّ الناس كلّهم إليّا
فإن يك حبّهم رُشداً أصبه *** ولست بمخطئ إن كان غيّا
لم يقل هذا لكونه كان شاكاً في محبّتهم، وقد أيقن أن محبّتهم رشد وهدى، إنّما قال ذلك على وجه الإنصاف في الحجّاج دون الشكّ، كما قال الله تعالى لنبيّه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(1)، فقد قال الطبرسي رحمه الله في تفسير الآية في (مجمع البيان): (قيل: إنّما قاله على وجه الاستعطاف والمداراة ليسمع الكلام، وهذا من أحسن ما ينسب به المحقّق نفسه إلى الهدى وخصمه إلى الضلال، لأنّه كلام من لا يكاشف خصمه بالتضليل، بل
1) - سورة سبأ/24.
ينسبه إليه على أحسن وجه، ويحثه على النظر، ولا يجب النظر إلاّ بعد التردّد)(1).
أقول: ومن أحسن السبل في المحاورات، تقرير مبدأ المسئولية الشخصية، وهذا من مفاخر الإسلام بخلاف باقي الأديان، بل وحتّى الأعراف القبلية في الجاهلية، فإنّ قوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(2)، وقال: لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(3)، فهو في غاية الإنصاف والاعتدال في أدب الجدال على نحو مهذب وأقرب إلى لمس القلوب لدى المعاندين، وبهذه اللغة الهادئة يأمن المحاور تعدّي محاوره من المعاندين عليه، فما أولانا نحن ومن خالفنا في الرأي أن نكون كذلك.
والحمد لله ربّ العالمين.
فإلى الجزء الثاني حول قضية خيانة بيت مال البصرة، فحديثها مزيج من واقع قليل، ومن خيال واسع كثير، ومن خلط بين الحدث وما ينبغي ويلزم، أبَعدَ عنّا هذا المزيج والخلط حقيقة الواقع، بقدر ما مرّ علينا من غياهب السنين منذ زمانه، فضعفت الرؤية، واستوحشها القارئ فهو بحقّ لو عاش بين التصوّر والتصديق، لأنّه كادت أن تضيع عليه معالم الطريق، بين التمزيق والتلفيق، فإلى البحث حول هذا الموضوع في الأجزاء الآتية من هذه الحلقة، ونسأله تعالى تمام الهداية إلى الحقّ ومزيد من التوفيق.
تم تحريره ليلة السبت 26 ج2/1435ه- على يد الراجي عفو ربّه محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.