ghaemiyeh.com
مركز الأبحاث العقائدية ـ سلسلة ردّ الشبهات (5)
موسوعة عبد الله بن عباس
حبر الأمة وترجمان القرآن
الجزء الرابع عشر
الحلقة الثالثة
تأليف: السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان
عطاء غير مجذوذ من المقبول والمنبوذ
مركز الأبحاث العقائدية
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
الهاتف: 332679 (33) (964+)
ص ــ ب 729
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088(25) (98 +)
فاكس : 37742056(25) (98 +)
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
شابِك (ردمك) :
موسوعة عبد الله بن عبّاس حَبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الرابع عشر
الطبعة الأُولى ـ 2000 نسخة
سنة الطبع :
المطبعة : ستارة
عفي عنه
مركز الأبحاث العقائدية
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
الهاتف: 332679 (33) (964+)
ص ــ ب 729
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088(25) (98 +)
فاكس : 37742056(25) (98 +)
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
شابِك (ردمك) :
موسوعة عبد الله بن عبّاس حَبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الرابع عشر
الطبعة الأُولى ـ 2000 نسخة
سنة الطبع :
المطبعة : ستارة
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم
أ. د. عبد الكريم بكار
ط: دار الإعلام عمّان، الأردن
الطبعة الثانية 1423هـ ــ 2002م
نقد وتعليق
السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
المقدّمة لكاتبها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي الرسالة الثانية عشرة من مجموع العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ، ممّا يتعلّق بحبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس عليه السلام، وهي في عنوانها الذي اختاره مؤلّفها يغري الباحث عن ابن عبّاس أيّما إغراء، ولكن سرعان ما كشفت صفحات الكتاب عن قليل عطاء، فقد بذل جهداً بالغاً يشكر عليه، ولئن خالفه التوفيق فلم يحالفه في إبراز معالم الاهتداء، وسأشير إلى بعض المؤاخذات في الهوامش قد لا تخلو من إفادة القرّاء، نسأل المولى تعالى شأنه أن يتجاوز عنه وعنّا عن سيئات أعمالنا وما فيها من الأخطاء من هفوات الجنان وفلتات اللسان إنّه الحنان المنان.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
الحمد لله أهل الحمد كلّه، والصلاة والسلام على سيّد ولد آدم، إمام الهدى، ونبيّ الرحمة، نبيّنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فإنّ محاولة الوقوف على بدايات العلوم أمر مهم لإدراك مراحل تطورها، حيث إنّ التشكيل الأوّل لكلّ فنّ من الفنون يتحكّم في كثير من الأحيان في ماهية أطواره التالية، وهذا ما لمسناه بصورة واضحة في كثير من الأحيان في ماهية أطواره التالية, وهذا ما لمسناه بصورة واضحة بعد استعراضنا لما أثر عن ابن عبّاسرضي الله عنهما في فنون العربية، حيث صار كثير من أقواله يشكّل مساراً أو اتجاهاً لكثير ممّن جاء بعده، ولعلّ ممّا يهدي في هذا الأمر قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ(1).
ونظراً لكون الكتاب العزيز المحور الذي قامت حوله الدراسات الإسلامية واللغوية، فإنّ التعرّف على الدراسات التفسيرية الأولى أمر جوهري في طريق معرفة نشأة الدراسات اللغوية.
وابن عبّاس رضي الله عنهما أجدر الصحب الكرام بلقب مفسّر(2)، ومن ثمَّ فإنّ التعرّف على ما أُثر عنه في هذا الباب مهم وضروري للباحث.
1) - سورة العنكبوت/20.
2) - أجدر منه مَن علّمه التفسير، وهو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقد روى القرطبي في مقدّمة تفسيره 1/35، ط دار إحياء التراث العربي بيروت، وابن جزي في التسهيل 1/9، ط مصر سنة 1355هـ ، والزرقاني في مناهل العرفان 1/486، جميعاً ذكروا قول ابن عبّاسرضي الله عنه: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب)، ولزيادة المعرفة بهذا الجانب راجع ما مرّ في الجزء السادس من الموسوعة، الباب الأوّل/ عودة إلى ابن عبّاس في مدرسته الأولى. (الخرسان).
ولم أجد في المكتبة العربية من المصنّفات ما يركز على هذا الجانب(1)
(أقول: سيأتي ــ إن شاء الله ــ ما يتعلّق بهذين الكتابين وما فيهما من شطط في القول وخطل في الرأي في الحلقة الرابعة من الموسوعة (ابن عبّاس في الميزان). الخرسان).
من ثقافة حبر الأُمّة، ممّا دفعني إلى محاولة سدّ هذه الثغرة وفاءً لترجمان القرآن، وخطوة في طريق معرفة نشأة العلوم اللغوية.وأكبر عقبة تواجه الباحث في تراث ابن عبّاس الروايات الكثيرة الواردة عنه في المسألة الواحدة، ممّا يجعل الباحث في حيرة من أمره حين يحاول الاعتداد برواية من الروايات على أنّها الممثل لرأي ابن عبّاس. وقد حاولت أن أسدّد وأقارب وأختار من الروايات ما أشم منه القرب من منهج ابن عبّاس العام، وما أحسبه أكثر انسجاماً مع المعارف والأحوال الثقافية التي كانت سائدة في زمانه.
وممّا هو جدير بالذكر، أنّني لم أعقد هذا الكتاب لاستقصاء ما ورد عن ابن عبّاس في الفنون اللغوية، وإنّما أحببت أن أوضح أثره الجمَّ في نشأة تلك العلوم.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل سهماً في خدمة لغة الذكر الحكيم، إنّه أهل التقوى وأهل المغفرة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أ. د. عبد الكريم بكار
أبها في التاسع عشر من رمضان المبارك عام 1410هـ
1) - ممّا وقفت عليه في هذا كتاب (عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن) لأستاذنا د. مصطفى الخن، و(حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس ومدرسته في التفسير) لصديقنا د. عبد الله السلقيني. وقد تناولا جوانب حياته المختلفة، وكان حظ الجانب اللغوي فيها محدوداً، وقد أفدت منهما في بعض ما كتبت.
هو عبد الله بن عبّاس بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنسبه ينتهي إلى ما انتهى إليه نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهو سليل أبي الأنبياء، وأثير بيت النبوّة.
ووالده: العبّاس بن عبد المطّلب أبو الفضل الصحابي الجليل، ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، وكان سيّداً في قومه، وكانت إليه في الجاهلية السقاية والعمارة (هي ألاّ يدع أحداً يسبُّ أحداً في المسجد، ولا يقول فيه هجراً)، وكان من الرجال القلائل الذين ثبتوا يوم حنين. وقد كُفّ بصره في آخر عمره. وكان موضع إجلال وتقدير، فقد استسقى به عمر في خلافته يوم أصابهم القحط، وكان يترجَّل عمر إذا رآه، وكذلك عثمان رضي الله عنهم جميعاً، وقد بارك الله في ذريَّته فكان عدد أولاده عام 200هـ ثلاثة وثلاثين ألفاً(1)
ومن ولد الحسين عليه السلام أربعمائة وأربعين رجلاً ــ من الذكور ــ ومن الإناث أربعمائة وثلاثين امرأة، ومن ولد محمّد بن الحنفية رضي الله عنه من الذكور خمسة وأربعين رجلاً، ومن الإناث خمساً وثلاثين امرأة، ومن ولد العبّاس بن علي مائة وأربعين رجلاً ومن الإناث مائة وثلاثين امرأة، ومن ولد عمر بن عليّ الأطرف تسعين رجلاً، ومن الأناث مائة وستّ عشرة امرأة.
ومن ولد جعفر الطيار مائتين وثلاثين ــ وثمانين ــ رجلاً ومائتين وأربعين امرأة.
قال: وكان عدّة ولد العبّاس بن عبد المطّلب في ذلك الوقت ثلاثة وثلاثين ألف نسمة من رجل وامرأة.
سبحان الله ما أعجب الخبر، وما أكثر العبر فيه، وإنّما أوردته تصديقاً لقولي: إنّ أولاد محمّد بن الحنفية أقلّ الطالبية عدداً.
أقول: وما ذكره أبو نصر من تفصيل الذراري الطالبية لا يتّفق مع ما ذكره مجملاً في أوّل قوله؛ فلاحظ.
ومهما يكن الصواب، فالغرض بيان أنّ البركة التي أشار إليها الأستاذ البكّار كيف انحسرت، ولينظر اليوم أين حلّت مع كثرة ما أصابها الظالمون من قتل وتشريد في أقطار الأرض، وتكاد لا تسمع لبني العبّاس من ثاغية ولا راغية. (الخرسان).
. وكان عمر يقول لابن عبّاس: أعرف فيك مشابهة في أبيك في رأيه1) - قال النسابة أبو نصر البخاري ــ من أعلام القرن الرابع الهجري ــ في كتابه سرّ السلسلة العلوية: 87، ط الحيدرية في النجف سنة 1382هـ: (قال): وقرأت في كتب عديدة أنّ عدّة من أحصي من آل أبي طالب عليه السلام في سنة سبع وعشرين ومائتين بمدينة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وسائر الأمصار فكانوا ألفاً واحداً وثلاثمائة وسبعين رجلاً، ومن الإناث ألفاً وثلثمائة وسبعين امرأة، من ذلك من ولد الحسن بن عليّ عليه السلام ثلثمائة وعشرة من الذكور، ومن الإناث ثلثمائة وأربع عشرة امرأة.
وعقله. وقد ذكر الكلبي أنّ قريشاً تعدُّ أهل الجزالة في الرأي العبّاس بن عبد المطّلب وأبا سفيان بن حرب وابنيهما وأميّة بن خلف. وقد توفي ــ رضي الله عنه ــ سنة اثنين وثلاثين في المدينة عن ثمان وثمانين سنة(1).
وأُمّه هي أُمّ الفضل لُبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، من هلال بن عامر(2).
جرى خلاف قريب في ولادته، ففي (مسند أحمد) عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن عشر سنين(1). وذكر البسوي نحواً من ذلك(2).
وهاتان الروايتان تدلاّن على أنّه ولد عام الهجرة، وتذكر بعض الروايات أنّ ابن عبّاس كان له من العمر عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس عشرة سنة(3).
ولكن أكثر الرواة على أنّه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم محصورون في الشِّعب قبل خروجهم منه بقليل. وقد رجّح الواقدي ذلك، وقال: إنّه لا خلاف في ولادته في الشعب. وهذا ما رجّحه ابن حجر، ولم يذكر الخطيب البغدادي غيره(4).
إنّ للمحيط الذي ينشأ فيه المرء الأثر الأعظم في تشكيل عقله ونفسه وسلوكه على نحو معين، وقد نشأ ابن عبّاس بين أبوين كريمين، وقد كان أبوه ممّن أسلم سرّاً في وقت مبكر، ولكنّه كان مُخفياً إسلامه لمصلحة تعود
على المسلمين، وكان إسلام عبد الله مبكراً ــ على تجوّز في التعبير ــ إذ لا يبعد أنّه أسلم وهو في السابعة من عمره عند بداية التمييز، فقد صحّ عنه أنّه تلا قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء(1)، وقال: كنت أنا وأُمّي من المستضعفين في الأرض، ويقول: كنت أنا وأُمّي ممّن عذر الله(2).
وقد هاجر ابن عبّاس مع أبيه رضي الله عنهما ، وصادفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجحفة في مسيره إلى مكّة ليفتحها سنة ثمان(3).
ومن ذلك اليوم صار ابن عبّاس يعيش مع الجيل الأكرم الأوّل في المهاجر الكريم، مغموراً بعطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان يدخل عليه دون استئذان لكونه صلي الله عليه وآله وسلم زوج خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية.
نال ابن عبّاس من الفضل والكرامة ما لم ينله غيره، فقد ذكر ابن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لمّا كان الرسول صلي الله عليه وآله وسلم في الشِّعب جاء أبي إليه، فقال: يا محمّد! أرى أُمّ الفضل قد اشتملت على حمل.
فقال: (لعلّ الله أن يقر أعينكم).
قال: فلمّا ولدتني أتى بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا في خرقة، فحنَّكني بريقه.
قال مجاهد: فلا نعلم أحداً حنَّكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريقه غيره(1)
(أقول: راجع الجزء الأوّل من الموسوعة، أوّل الفصل الأوّل/وليد الشعب، تجد المناقشة في هذا الخبر، وعدم صحّته. الخرسان).
2- السير 3/337، وأنساب الأشراف 3/37. ومسند أحمد 1/266.
3- الحلية 1/315.
4- السير 3/336، والإصابة 2/322، وتاريخ بغداد 1/173.
(أقول: فات المؤلّف ذكر عبد الرحمن في أولاد ابن عبّاس، وهذا ذكره ابن حزم في الجمهرة، وابن قتيبة في عيون الأخبار، وورد ذكره في تاريخ الخلفاء، ط موسكو، راجع الجزء الخامس من الموسوعة، أوّل الفصل الرابع/رقم (5).
كما فاته ذكر سليط الذي نفاه ابن عبّاس ثمّ استلحقه، وهذا أيضاً ذكره ابن حزم وغيره، راجع الجزء الخامس من الموسوعة، أوّل الفصل الرابع/رقم (7). الخرسان).
.وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مناسبات عدّة، فعن ابن عمر: أنّ عمر دعا ابن عبّاس، فقرّبه، وكان يقول: إنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاك يوماً فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: (اللّهمّ فقهه في الدين، وعلّمه التأويل)(2). ودعا له رسول الله في موضع آخر أن يزيده علماً وفهماً(3).
وقد استجاب الله دعوة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم ، فكان ابن عبّاس بحر علم، ومشكاة فهم.
لابن عبّاس عدد من الأولاد: العبّاس، وهو أكبرهم، وبه يكنّى، وعلي وهو أصغرهم، وهو أبو الخلفاء العبّاسيين، والفضل، ومحمّد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء(4).
1) - البداية والنهاية 8/298.
لقد قسم الله مننه على الناس، فأعطى بعضهم ما حجبه عن آخرين، فإذا اجتمع في الرجل ما تفرَّق في غيره انتزع الإعجاب والثناء، وهذا ما كان عليه ابن عبّاس، فقد أكرمه الله ــ تعالى ــ بعلوّ النسب وكرم الأرُومة، ونشأه في بيت مبارك رفيع العماد كثير الخير، وأتاح له بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالته ميمونة من مخالطة النبيّ ما لم يتح لغيره، ممّا جعل هذه النبتة الكريمة تشرب من ماء لا يقل طيباً عن منبتها!
كان ابن عبّاس صاحب أدب جمّ رفيع، يجعله يعرف قدر من يخالط، ويحفظ لكلّ ذي حرمة حرمته، ومن ذلك ما ذكره عن نفسه، قال: صلّيت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آخر الليل، فجعلني حذاءه، فلمّا انصرفت، قلت: وينبغي لأحد أنّ يصلّي حذاءك وأنت رسول الله؟! فدعا لي أن يزيدني فهماً وعلماً(1).
وهذا الإحساس المرهف، والخلق الرفيع، لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، وإنّما هو سجية لا تفارقه، لاسيما مع علماء الأُمّة وسادتها، فقد ذكر ابن سعد عن ابن عبّاس، أنّه قال: (فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل (أي: في وقت القيلولة)، فأتوسّد ردائي على بابه، تسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا بن عمّ رسول الله! ما جاء بك؟ ألا
1) - السير 3/338.
أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك، فأسأله عن الحديث)(1). إنّه التقدير الصحيح للعلم وأهله، وقد يكون ابن عبّاس أعلم من كثير ممّن يسألهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّه الإحساس العميق بفضل العلم وحرمة أهله.
ولابن عبّاس في خلوته آداب لا يعرفها كثير من الناس، فقد كان رضوان الله عليه لا يدخل الحمام إلاّ وحده وعليه ثوب صفيق، ويقول: إنّي أستحيي من الله أن يراني في الحمام متجرّداً(2).
كان العبّاس يتولّى سقاية الحاج، وعمارة البيت في الجاهلية، وكان من أثرياء قريش، وقد هيأ هذا لابن عبّاس أن ينشأ في بيت نعمة، فعاش عمره جواداً باذلاً ليس في ذاكرته شيء من أيام قلّة أو عوز، وقد قال مجاهد: ((كان ابن عبّاس أمدَّهم قامة، وأعظمهم جفنة(3)، وأوسعهم علماً))(4).
وقال عمرو بن دينار: ((ما رأيت مجلساً أجمع لكلّ خير من مجلس ابن عبّاس: الحلال والحرام، وتفسير القرآن، والعربية والشعر، والطعام))(5).
وذكر البلاذري: أنّ سائلاً جاء ابن عبّاس فسأله، فقال ابن عبّاس: ألست مسلماً تصلّي وتصوم؟ فقال: نعم، فقال: إنّ مواساتك لواجبة، ونزع ثوبه فألقاه عليه(1).
وذكر الذهبي: أنّ أبا أيوب الأنصاري أتى معاوية، فشكا ديناً، فلم يرَ منه ما يحبّ، فقدم البصرة، فنزل على ابن عبّاس، ففرَّغ له بيتاً، وقال: لأصنعنَّ بك كما صنعتَ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ أي: عند نزوله في المدينة مهاجراً ــ ثمّ قال: كم دينك؟ قال: عشرون ألفاً. فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً وكلّ ما في البيت!!(2)وهذا غاية الكرم الممزوج بغاية الوفاء، حيث قابل صنيع أبي أيوب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثله، حيث بذل أقصى جهده في إكرامه، كما بذل أبو أيوب أقصى جهده.
كان ابن عبّاس من أولى الناس بكثرة العبادة، والإعراض عن الدنيا، فتربيته الأولى بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلمه الغزير وعقله الراجح، كلّ أولئك يقضي بأن يكون ابن عبّاس على الحالة التي كان عليها. قال ابن أبي مليكة: صحبت ابن عبّاس من المدينة إلى مكّة، وكان يصلّي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب، ويقرأ: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ(3).
وقال شعيب بن درهم: كان مجرى الدموع من خدي ابن عبّاس مثل الشراك البالي من كثرة البكاء(1).
وذكر سعيد بن أبي سعيد أنّه كان عند ابن عبّاس، فجاءه رجل، فقال: يا بن عبّاس! كيف صومك؟ قال: صوم الاثنين والخميس. قال: ولم؟ قال: لأنّ الأعمال ترفع فيهما، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم(2).
وقال طاووس: ما رأيت أحداً أشدّ تعظيماً لحرمات الله من ابن عبّاس، والله لو أشاء إذا ذكرته أن أبكي لبكيت(3).
ويعرف مع هذا عن ابن عبّاس ميله إلى الترخص في الفتوى (4)، وهذا من فقهه ــ رضي الله عنه ــ فإنّ العالم يأخذ بالعزائم لذات نفسه، ويسهل على المسلمين في الفتوى دفعاً للحرج عنهم.
لا تضيق الدنيا ولا تضيق أرزاقها، ولكن نفوس الناس هي التي تضيق، وقد أخبر الصادق المصدّق: أنّ إيمان المرء لا يكمل إلاّ إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه.
ومن هنا فقد قال عبد الله بن بريدة: إنّ رجلاً شتم عبد الله بن عبّاس
فقال: إنّك لتشتمني وفيَّ ثلاث: إنّي لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه، فأحبّه، ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً، وإنّي لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلاد المسلمين، فأفرح به، وما لي بها من سائمة ولا راعية، وإنّي لآتي على آية من كتاب الله، فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم(1).
وما أحوج الناس إلى هذا الخلق الكريم في أيامنا هذا، حيث طغت الفردية، وتراجع الحسُّ الجماعي!
أسلفنا أنّ قريشاً كانت تعدُّ العبّاس بن عبد المطّلب من أهل الرأي السديد فيها، وقد ورث ابن عبّاس عن أبيه الرأي الجزل، الذي ينمُّ عن استعداد عالٍ، وخبرة واسعة. وقد أبدى ابن عبّاس رأيه في عدد من الملمَّات المدلهمة، والقضايا الشائكة، وقد أثبتت الأيام صحّة رأيه ونفاذ نظره، وكأنّه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ــ كما نعته بذلك عليّ ــ ولا عجب في هذا، فإنّ الفتنة إذا أدبرت عرفها العالم والجاهل، ولكن إذا أقبلت لم يعرفها إلاّ العالم، فإذا انضم إلى ذلك بركة دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بأن يعلّمه الله الحكمة(2)، فأجدر به أن يكون مشكاة فهم وتبصر!!
وقد كان للعبّاس أثر بالغ في إرشاد ولده إلى مقاطع الرشد وتكوين
العقلية الفذّة، فقد ذكر الشعبي: أنّ العبّاس قال لابنه عبد الله: أي بني! إنّي أرى أمير المؤمنين ــ أي عمر ــ يدعوك ويقرّبك، ويستشيرك مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاحفظ عنّي ثلاث خصال: اتق الله لا يجربنَّ عليك كذبة، ولا تفش له سرّاً، ولا تغتابنَّ عنده أحداً.
فقال الشعبي: فقلت لابن عبّاس: كلّ واحدة خير من ألف.
فقال ابن عبّاس: كلّ واحدة خير من عشرة آلاف(1).
وفي عهد عمر رضي الله عنه اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، واحتاج الخليفة الفاروق إلى الكثير من الاجتهاد والرأي والشورى التي تغطي المتغيّرات والمستجدات، وتوجد حلولاً للمشكلات، وقد وجد عمر في ابن عبّاس خير معين على بلوغ ما يريد، فكان إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عبّاس، وقال: أنت لها ولأمثالها، ثمّ يأخذ بقوله ولا يدعو لذلك أحداً. وقد كتب يعلى بن أمية من اليمن إلى عمر يسأله عن مسألة، فأجابه عليها ابن عبّاس، فامتلأت نفس عمر إعجاباً ممّا سمع، وقال له: أشهد أنّك تنطق من بيت نبوَّة!!(2)ويبدو أنّ عمر اعتمد عليه اعتماداً كبيراً في هذا الشأن، فقد مرض ابن عبّاس ذات يوم، فدخل عليه عمر يعوده، ويقول: لقد أخلَّ بنا مرضك، والله المستعان!(3)
ومن المواطن التي يظهر فيها سداد الرأي وقوّة الملاحظة تقويم
الرجال وإبراز خصائصهم، وقد سأل عيسى بن طلحة ابن عبّاس عن الخلفاء الراشدين الأربعة رضوان الله عليهم، فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: كان خيراً كلّه على الحدّة وشدّة الغضب! قال: قلت: أخبرني عن عمر؟ قال: كان كالطائر الحذر، قد علم أنّه قد نصب له في كلّ وجه حبالة، وكان يعمل لكلّ يوم بما فيه على عنف السياق. قال: قلت: أخبرني عن عثمان؟ قال: كان والله صواماً قواماً لم يخدعه نومه عن يقظته. قال: قلت: فصاحبكم ــ يعني عليّاً ــ؟ قال: كان والله مملوء علماً وحلماً، غرَّته سابقته وقرابته، وكان يرى أنّه لا يطلب شيئاً إلاّ قدر عليه. قلت: أكنتم ترونه مجدوداً؟ قال: أنتم تقولون ذاك(1)
(ومعنى المجدود: المحظوظ الذي لا ينفعه حظه في بلوغ مرامه، كما في الدعاء اللّهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ)، الفائق للزمخشري (جدد). (الخرسان).
2- البداية والنهاية 8/302.
ليت الأستاذ البكّار تعلّم من ابن عبّاس بعض خبرته بالرجال، فميّز بين من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (عليّ منّي وأنا من عليّ، عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، عليّ إمام البررة)، إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها ابن عبّاس وغيره، وهي في صحاح أصحابه، وبين من لعنه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولعن أباه وأخاه، في قوله: (لعن الله القائد والراكب والسائق)، كما في تاريخ الطبري 11/357، ط مصر. وسيأتي مزيد بيان. (الخرسان).
.ومن خبرته بالرجال أنّه حين دبّ الخلاف بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما ، ورأى عليّ عزل معاوية عن الشام. نصح عليّاً بأن يبقي معاوية على الشام والياً، ولا يعزله عنها في بادئ الأمر، حتّى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فولّه شهراً، واعزله دهراً. فأبى عليّ ــ رضي الله عنه ــ إلاّ عزله(2).
1) - البيان والتبيين /228، 229.
وحين تراضى عليّ ومعاوية على التحكيم بينهما(1)
فقال الأشعث: والله لئن لم تجبهم انصرفت عنك، ومالت اليمانية مع الأشعث فقال: والله لتجيبنهم إلى ما دعوا إليه أو لندفعنك إليهم برمتك، فتنازع الأشتر والأشعث في هذا كلاما عظيما حتّى كاد أن يكون الحرب بينهم، وحتى خاف علي عليه السلام ان يفترق عنه أصحابه، فلمّا رأى ما هو فيه أجابهم إلى الحكومة) تاريخ اليعقوبي 2/164 ــ 165، ط الغري ألم يروِ البلاذري عن المدائني بسنده عن علقمة بن قيس قال: قلت لعلي أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟ فقال: ما أصنع فأنا مضطهد؟
(**)- لم يكن ذلك من رأي ابن عبّاس، بل هو رأي الإمام عليه السلام (قال الأشعث ومن كان معهم من قرآء أهل العراق: قد رضينا نحن بأبي موسى، فقال لهم علي: (لست أثق برأي أبي موسى ولا بحزمه، ولكن اجعل ذلك لعبد الله بن عبّاس) قالوا والله ما نفرّق بينك وبين ابن عبّاس...) الأخبار الطوال للدينوري: 192 ونحو هذا في تاريخ أعثم 4/401 راجع ج4 من الموسوعة ص142 ــ 143.
(***)- من العجيب الغريب أن ينصاع أكاديميوا الدراسات العالية إلى الموروث الموبوء، فيترضون عن معاوية وعمرو بن العاص وأضرابهما من المنافقين والفاسقين، مع وفرة المصادر في تراثهم المعتمدة عندهم يجدون لعن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لهم بالعموم وبالخصوص، وممن لعنهم صلي الله عليه وآله وسلم: معاوية، وعمرو بن العاص حين سمعهما يتغنّيان، والخبر عن ابن عبّاس، وقد أخرجه أحمد في المسند 4/421، ط مصر الأولى، وأبو يعلى في مسنده ، ونصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين: 246، ط مصر من طريق أبي برزة الأسلمي، والطبراني في معجمه الكبير، عن ابن عبّاس، قال: كنّا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في سفر فسمع رجلين يتغنّيان، وأحدهما يجيب الآخر، وهو يقول:
ولا يزال حواري تلوح عظامه *** زوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرا
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (انظروا من هما؟) قال: فقالوا معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يديه فقال: اللّهمّ أركسهما في الفتنة ركساً، ودعّهما إلى النار دعّا.
وفي تاريخ الطبري 11/357، ط مصر، قد رأى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أبا سفيان مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به، قال: (لعن الله القائد والراكب والسائق)، إلى غير هذا من روايات اللعن، فكيف يستسيغ مسلم صادق في إيمانه أن يترضّى عمّن لعنه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كما مرّ، وهو ممّن مات على غير ملّة الإسلام، كما في حديث ابن عمرو بن العاص، قال: كنت جالساً عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملّتي)، قال: وتركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية، فقال: هو هذا، كما في البلاذري في أنسابه ج1 القسم الرابع/126 بتحقيق إحسان عبّاس برقم 362، ولقد ذكرت في ج3 من كتاب (عليّ إمام البررة) مجموعة أقوال لأساطين البحث والعلم من قدماء ومحدثين تكشف عن الصفحات السوداء لمعاوية وبني أُميّة، منها ما قاله الدكتور علي سامي النشار في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي الإسلامي ج2/18 ــ 19): (ومهما قيل في معاوية، ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخّر وبعض أهل السُنّة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإنّ الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً، ولكنّه لم يستطع أكثر من هذا...). (الخرسان).
كان رأي ابن عبّاس() أن يكون هو الحكم من جهة عليّ، ليكون مكافئاً لعمرو بن العاص الذي كان من جهة معاوية ــ رضي الله عنهم جميعاً(*) ــ ولكن أهل1) - في كلام الأستاذ البكّار نحو إيهام، إذ لم يكن التراضي بين معاوية والإمام عليه السلام وإنّما كان الأشعث واليمانية هم الذين أجبروا الإمام عليه السلام على قبول التحكيم، وقد مرّ في ج4/131 ــ 139 من الموسوعة أقوال المؤرخين في ذلك قال اليعقوبي (...فرفعوا المصاحف ودعوهم إلى التحكيم بما فيها... فقال علي عليه السلام إنها مكيدة وليسوا بأصحاب قرآن، فاعترض الأشعث أبي قيس الكندي ــ وقد كان معاوية استماله وكتب إليه ودعاه إلى نفسه ــ فقال: قد دعوا القوم إلى الحق، فقال علي عليه السلام إنهم إنّما كادوكم وارادوا صرفكم عنهم.
اليمن ومذحجاً أبوا إلاّ أن يكون الحكم أبا موسى الأشعري. وقد كان من أمر الحكمين ما كان(1).
وحين أراد الحسين ــ رضي الله عنه ــ المسير إلى الكوفة نصحه ابن عبّاس بعدم الذهاب، فلمّا رأى إصراره على ذلك عانقه ابن عبّاس وهو يقول: أستودعك الله من مقتول!
1) - السير 3/349، 350.
وقد أنقذ الله بحسن رأيه ورجاحة عقله كثيراً من الخوارج الحرورية من الضلالة، فقد ذهب إليهم وناظرهم حتّى ألزمهم الحجّة، فعاد منهم إلى حظيرة الجماعة عشرون ألفاً، وبقي زهاء أربعة آلاف. ولولا طول أخبار ذلك لأثبتناه هنا، لترى عقلية فذّة نادرة تسلحت بعلم الكتاب، ونهلت من ينابيع النبوّة الفياضة(1).
حضور البديهة وسداد الرأي وغزارة العلم وسعة التجربة، كلّ أولئك منبتةٌ للسان فصيح يملأ الأسماع ويسبي العقول، ويفحم الخصوم، إلاّ أن يشاء الله تعالى شيئاً.
وقد كان ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ خطيباً لا يبارى، ومناظراً لا تنقطع له حجّة، وواعظاً تجيش من درره القلوب، وتدمع العيون، قال الجاحظ: ((ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عبّاس، قالوا: خطبنا بمكّة ــ وعثمان رضي الله عنه محاصر ــ خطبة لو شهدتها الترك والديلم لأسلمتا. وروي عن أبي وائل أنّه قال: خطبنا ابن عبّاس خطبة وهو على الموسم ــ أي: الحجّ ــ فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ، ويفسّر، فجعلت أقول: ما رأيت وسمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت))(2).
ونظر عمر إلى ابن عبّاس وهو يتكلّم، فقال: ((شنشنة أعرفها من أخزم))(1)(2).
وقال الحسن البصري: كان عبد الله أوّل من عرَّف(3)بالبصرة، صعد المنبر، فقرأ البقرة وآل عمران، ففسّرهما حرفاً حرفاً، وكان والله مِثَجّاً يسيل غرْباً(4)
قال في النهاية 3/351: الغرب: أحد الغروب، وهي الدموع حين تجري، يقال: بعينيه غرب: إذا سال دمعها ولم ينقطع، فشبّه به غزارة علمه، وأنّه لا ينقطع مدده وجريه.
5- البداية والنهاية 8/305.
6- الاستيعاب 2/346.
.وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عبّاس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدّث قلت: أعلم الناس(5).
وقال حسان بن ثابت ــ رضي الله عنه ــ مثنياً على فصاحة ابن عبّاس:
إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهُهُ *** رأيت له في كلِّ أحواله فضلا
إذا قام لم يترك مقالاً لقائل *** بمنتظمات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع *** لذي إربة في القول جدّاً ولا هزلا(6)
1) - البيان والتبيين 1/317، والسير 3/351.
2) (كان الأنسب أن يذكر الأستاذ بكّار سبب قول عمر ذلك لابن عبّاس، وهو في المصدر الثاني الذي اعتمده وأشار إليه، وفي الجزء الثاني، الفصل الثالث (في عهد عمر/ تعقيب بلا تثريب) من الموسوعة ما يتعلّق بالموضوع؛ فراجع. الخرسان).
3) - التعريف: جمع الناس في المسجد يوم عرفة ووعظهم موافقة للحُجاج في عرفة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أجازه، ومنهم من قال: هو بدعة.
4) - البداية والنهاية 8/304.
كان لابن عبّاس نظره الثاقب ــ كما أسلفنا ــ وكان له إلى جوار ذلك رؤية واضحة للمستقبل، اعتباراً بما مضى من أيام الناس ــ وهو الخبير بها ــ واهتداءً بسنن الله في الكون في تحول الأمور وتداول الأيام والليالي. وهذا النظر البعيد كان على ما يبدو بارزاً عنده منذ نعومة أظفاره، فقد روى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: (لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ فلنسأل أصحاب رسول فإنّهم اليوم كثير. فقال: واعجباً لك يا ابن عبّاس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فيهم؟! قال: فتركت ذلك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول لي: يا بن عمّ رسول الله! ما جاء بك؟ ألا أرسلت أليَّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك. فأسأله عن الحديث. فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتّى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل منّي)(1).
لقد أدرك ابن عبّاس أنّ الصحابة سيرحل منهم عن المدينة فريق، وسيموت فريق، وأنّه سيأتي على الناس زمان يحتاجون فيه إلى من عنده حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبادر وهو في الثالثة عشرة من عمره عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى طلب الحديث قبل فوات الأوان.
1) - طبقات ابن سعد 2/367.
ويذكر الشاطبي أنّ عمر قال لابن عبّاس: كيف تختلف هذه الأُمّة ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! إنّا أنزل علينا القرآن، فقرأنا وعلمنا فيما نزل، وأنّه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا(1).
وإشارة ابن عبّاس هذه ذات قيمة بالغة في علم دلالة الألفاظ، إذ إن آيات الكتاب حمّالة أوجه، وأكثرها ظنّي الدلالة قابل للاجتهاد، ولا يقطع النزاع في فهمها شيء كمعرفة أسباب النزول التي تحدُّ من شيوع دلالة اللفظ. وقد كان ما توقعه ابن عبّاس، وجرى بين أهل القبلة الواحدة من النزاع على كافّة الصعد ما هو معلوم، ولطالما استدلّ الفريقان المتنازعان من أهل الملّة بالآية الواحدة، كلّ يأخذ منها ما يناسب رأيه.
كان صغر السن ميزة لابن عبّاس في طلب العلم، إذ إن صغير السن أقدر على حفظ ما يسمع، كما أنّه لا يجد غضاضة في أخذ العلم من أهله، كما أنّ ذلك أتاح له أن يعاصر أعداداً كبيرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظراً لتأخر وفاته، حيث عاش أكثر من نصف قرن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما أتاح له ذلك أن يعاصر نمو العقل العربي وتمرُّس العرب بشيء من مناهج البحث، مع نوع من التركيز المعرفي وتفتق أكمام المعرفة الأولى، وقد انعكس كلّ ذلك على ما خلّفه لنا ابن عبّاس من علم.
1) - الموافقات 3/348.
وقد كان ابن عبّاس جاداً في طلب العلم، عارفاً بتكاليف التصدّي له، فعن عبيد الله بن علي عن جدّته سلمى، قالت: رأيت عبد الله بن عبّاس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1). فهذا هو يكتب السُنّة الفعلية التي فاته الكثير منها لحداثة سنه، ولقصر الفترة التي صحب فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحدَّث هو عن نفسه قائلاً: (كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله، وما نزل من القرآن في ذلك، فجعلت أسأل أُبي بن كعب يوماً ــ وكان من الراسخين في العلم ــ عمّا نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة وسائرها بمكّة)(2).
وابن عبّاس من المتثبتين في أخذ العلم، فلا يطمئن إلى القول إلاّ بعد أناة وتمحيص، فقد روى طاووس عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم(3).
أمّا أقوال الناس في علمه، فهناك ما يعسر حصره وجمعه، حيث كان ابن عبّاس ملء السمع والبصر، يفتي الناس في علوم كثيرة. ولا بأس هنا بأن نسوق طرفاً ممّا قيل في علمه لتعرف أيّ رجل في الناس كان ابن عبّاس!
فعن سعيد بن جبير، قال: قال عمر لابن عبّاس: لقد علمت علماً ما علمناه(4). وكان عمر رضي الله عنه يستشير ابن عبّاس في الأمر يدهمه، ويقول: غُصْ
غواص(1). وحين كان يسمع عليٌّ تفسيره وآراءه السديدة كان يقول: (كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق)(2).
ويقول فيه ابن مسعود: لنعم ترجمان القرآن ابن عبّاس، ولو أنّه أدرك أسناننا ما عشره منّا أحد(3). وروى عكرمة عن معاوية رضي الله عنه أنّه قال له: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش(4)(5)
وعن عكرمة: سمعت معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش 4/449، ط دار الفكر. وهذا الخبر هو الذي رواه الواقدي بسنده عن عكرمة، قال: سمعت معاوية يقول: مات والله أفقه من مات ومن عاش. رواه ابن كثير في البداية والنهاية 8/300 ــ 301.
وعلقت عليه: بأنّ هذا كذب صريح! فإنّ معاوية مات سنة 60، وابن عبّاس مات سنة 68، فكيف سمع عكرمة معاوية يقول في ابن عبّاس مات والله أفقه من مات ومن عاش؟ وما أدري كيف خفي على ابن كثير ذلك. اهـ
والآن نضيف إلى ابن كثير الذهبي، ومن الأساتذة أصحاب الشهادات كثير. (الخرسان).
6- السابق 3/350.
. وقال مجاهد: ما رأيت أحداً قطُّ مثل ابن عبّاس، لقد مات يوم مات وإنّه لحبر هذه الأُمّة(6). وقال ليث بن1) - السير 3/344، وأنساب الأشراف 3/32.
2) - البرهان 1/8.
3) - طبقات ابن سعد 2/366. ومعنى ما عشره، أي: ما بلغ أحد منّا عُشر ما عنده.
4) - السير 3/348.
5) لا ينقضي العجب اليوم من أصحاب الشهادات العالية التي تمنح لهم من الجامعات التي تخرجوا منها بدرجة (الدكتوراه) وهم في ضؤولة معارفهم يجتر بعضهم أقوال غيره دون أن يلتفت إلى ما في الاجترار من هفوات تحمل القارئ على العتب والعجب، وشاهدنا في المقام حيث ذكر الأستاذ الدكتور البكّار عن معاوية قال لعكرمة: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش (؟) نقلاً عن السير 3/48، وعند مراجعة المصدر ساق الخبر ضمن أخبار الثناء على ابن عبّاس بلفظ.
أبي سليم لطاووس: لمَ لازمت هذا الغلام ــ يعني ابن عبّاس ــ وتركت الأكابر من الصحابة؟! فقال: إنّي رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله(1).
أمّا في مجال علوم العربية، فحسبك قول ابن جنِّي: ((ينبغي أن يُحسن الظنّ بابن عبّاس فيقال: إنّه أعلم بلغة القوم من كثير من علمائهم))(2).
وقد أتمّ الله على ابن عبّاس النعمة حين وهب له ذاكرة عجيبة زكّاها عمر بن الخطّاب حين قال المهاجرون له: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عبّاس؟ ــ أي: لمجالستك ــ فأجابهم بقول: ذاكم فتى الكهول، إنّ له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً(3).
وتحدّث هو عنها بقوله: (ما سمعت شيئاً قط إلاّ وعيته، وإنّي لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذني كراهة أن أحفظ ما تقول)(4).
وممّا يزيد النفس وثاقة بعلمه، أنّه كان يرى من الواجب على العالم ألاّ يتحرّج من الاعتراف بجهله في بعض المسائل، ويقول: إذا ترك العالم قول (لا أدري) أصيبت مقاتله(5). وكان يصرّح في كثير من الأحيان أنّه لا يعلم كلّ شيء، فقد روى النحاس عنه أنّه قال: (لا أدري ما (الأواه)، وما (غسلين))(6).
ولا نريد الإطالة في هذا، فهذا الكتاب برمته براهين على رسوخ ابن عبّاس في العلم.
جمع الله ــ تعالى ــ لابن عبّاس كرم المخبر وجمال المنظر، فقال واصفوه: إنّه كان أبيض طويلاً مديد القامة، وكان أبوه العبّاس أطول منه، وجدّه عبد المطّلب أطول من العبّاس. وكان يشوب بياضه صفرةٌ، جسيماً وسيماً، وكان يخضب بالحناء. وكان رضي الله عنه يلبس النفيس من الثياب، ولربّما بلغ ثمن ثوبه ألف درهم، وكان ثوبه إلى نصف الساق. كما كان يكثر من الطيب، وإذا مرَّ في الطريق تقول النساء: هذا ابن عبّاس أو رجل مسك. وروى رشدين بن كريب، عن أبيه، قال: رأيت ابن عبّاس يعتمُّ بعمامة سوداء، فيرخي شبراً بين كتفيه، وبين يديه(1).
اختلف أهل العلم في تاريخ انطفاء هذا السراج الوهّاج، فذكر بعضهم أنّه توفي سنة ثمان وستين، ورأى آخرون أنّه توفي في سنة سبع وستين، ومنهم من ذهب إلى أنّ وفاته كانت سنة سبعين. والأوّل أرجحها.
وكما اختلفوا في سنة وفاته اختلفوا في مكانها، فمنهم من ذكر أنّه توفي بمكّة بعدما جاور فيها سنة، ودفن في مقابر المهاجرين، ومنهم من
1) - انظر: الطبقات 1/426، والبداية والنهاية 8/309، والسير 3/355، والكامل للمبرد 1/124.
ذكر أنّه توفي في الطائف، وصلّى عليه محمّد بن الحنفية، وقبره بالطائف مشهور يزار. هذا هو الصحيح، والله أعلم.
وبعد:
فإنّنا لم نقصد إلى الإحاطة بخصائص حبر الأُمّة وبحر التأويل، فذاك أكبر من أن يُختزل في صفحات، ولكن أردنا من هذا أن يكون مدخلاً لما عقدنا سائر هذا الكتاب له، وهو بيان أثره في تأسيس العلوم اللغوية. ونسأل الله إحساناً وتوفيقاً.
من السائد المألوف ميل الناس إلى نسبة كثير من الأقوال والأحوال إلى من شهر بصفة معينة بقطع النظر عن صحّة تلك الأقوال ووثاقة أسانيدها، كما فعلوا ذلك مع حاتم الطائي حيث نسبوا إليه أساطير الكرم، وكما فعلوا ذلك مع عنترة حين نسبوا إليه ضروب البسالة. وقد حصل نحو من ذلك لابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ حيث إنّ دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بأن يعلّمه الله التأويل، وتصدره له عملياً حين وجد حاجة الناس إلى ما لديه من علم بتفسير الكتاب العزيز ــ جعلا نسبة أي قول إليه في التفسير مقبولة في الأوساط العامّة، حيث لا يستغرب الشيء من معدنه. وزاد الطين بلَّة اندفاع غلاة الشيعة إلى رفع أقوال وحكايات إلى ابن عبّاس تؤيد مذهبهم(1)
فما ذنب غلاة الشيعة في ذلك؟ وفي الجزء الثامن في (الردّ على أحمد أمين) ما يغني في ردّ زعم المؤلّف في المقام؛ فليراجع. (الخرسان).
، وأمر1) ليت المؤلّف أثبت صحّة زعمه بشاهد واحد من تلك الأقوال والحكايات، أمّا القول بلا حجّة مقبولة، فهو مقولة مرذولة، وليتني أدري رأي الأستاذ المؤلّف فيما أخرجه أصحاب الصحاح وأحمد بن حنبل وغيرهم من أحاديث مرفوعة وموقوفة، عن ابن عبّاس في فضل أهل البيت عليه السلام، فرواها عنهم الشيعة وهي تؤيد مذهبهم، فهل لغلاة الشيعة ــ كما يسميّهم المؤلّف ــ من يد في رفع تلك الأقوال إلى ابن عبّاس؟! وحسبنا أن نذكر له أنّ لابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليه السلام مقام كريم، وقد مرّ في الجزء التاسع والعاشر من الموسوعة نماذج من مواقفه مع الخلفاء والحاكمين، وغيرهم من الناكثين والقاسطين والمارقين، فاندفع غلاة الشيعة ــ كما يحلو للمؤلّف تسميتهم ــ فتلقفوها لأنّها تؤيد مذهبهم.
آخر وهو التقرّب إلى الخلفاء العبّاسيين بسوق أخبار ابن عبّاس، وما يدلّ على نبوغه وتفرّده بالعلم، وهذا كلّه دعا الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ إلى القول: ((إنّه لم يثبت عن ابن عبّاس في التفسير إلاّ شبيه بمئة حديث))(1). ولا ينبغي الوقوف عند دلالة ظاهر هذا النص، إذ لم يكن مراد الإمام سوى الإشارة إلى كثرة المدسوس في هذا الباب، وإلاّ فإنّ الذي روي عن ابن عبّاس في الصحاح الوثيقة أكثر من ذلك بكثير، ودليل كثرة الصحيح عنه أنّ البخاري وابن حجر ذكرا مئات الروايات عن ابن عبّاس في التفسير(2).
ومن أجود الطرق عن ابن عبّاس ما رواه عنه علي بن أبي طلحة الهاشمي، قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها ابن أبي طلحة، لو رحل رجلٌ فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً. قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس(3).
ومن جيد الطرق كذلك عن ابن عبّاس، طريق قيس عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يخرج منها الحاكم في (المستدرك)(4).
ومن الطرق الجيدة الحسنة طريق ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عنه ــ بالتردّد بينهما ــ وقد أخرج من هذا الطريق لابن عبّاس كثيراً ابنُ جرير في (تفسيره)، وابن أبي حاتم والطبراني في (معجمه الكبير).
ومن أوهى الطرق عن ابن عبّاس طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، فإذا انضمّ إليها رواية محمّد بن مروان الملقب بـ(السدّي الصغير) فهي سلسلة الكذب. لكن ذكر ابن عدي في (الكامل) للكلبي أحاديث صالحة، وخاصّة عن أبي صالح.
ومن أوهى الطرق عن ابن عبّاس كذلك طريق مقاتل بن سليمان، إلاّ أنّ الكلبي يفضُله لما عند مقاتل من المذاهب الرديئة(1).
أمّا التفسير الذي جمعه الفيروزآبادي، وسمّاه (تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس) فإنّ فيه مناكير كثيرة، وأشياء صحيحة أيضاً كثيرة، ولكنّه لا ينبغي أن يقبل إلاّ بعد تدقيق وتمحيص.
وعلى كلّ حال، فإنّ ما جرت به العادة عند الأخباريين التساهل في أسانيد روايات المغازي والوقائع وأيام الناس، وكذلك ما يمس جانب اللغة، حيث تكون هناك فراغات علمية لا يمكن سدّها عن طريق الروايات الصحيحة الموثقة وحدها. ونحن في هذا البحث معنيون في المقام الأوّل بالروايات اللغوية، وهي وإن كان في بعضها نوع من التزيد أو الوضع، إلاّ
1) - انظر: الإتقان 2/189، ومقدّمة أسباب النزول للواحدي: 24 ــ 26، وتاريخ بغداد 13/160، والمعارف: 535، طبقات المفسّرين للداودي 2/189، وتهذيب الأسماء واللغات 2/111.
أنّها في أكثر الأمر قائمة على أسانيد حكم عليها علماء الجرح والتعديل، ممّا يمكن الباحث الفاحص من الحكم على تلك الروايات ووضعها في الموضع اللائق بها في الاحتجاج والاستدلال، على حين أنّ أكثر الأقوال اللغوية المروية عن اللغويين تفتقر إلى الأسانيد، وإذا عثر المرء على إسناد لبعضها كان الحكم على رجالاته غير متيسر ــ في أكثر الأمر ــ لعدم عناية السابقين بهم وبحثهم في أحوالهم.
ومهما كان من شيء فإنّ الثابت الصحيح عن ابن عبّاس كثير جدّاً، وهو كافٍ لتكوين صور واضحة إن لم تكن تامّة عن ملكاته اللغوية والنظرات الثاقبة التي أرسلها في شتى الفنون اللغوية. وهذا البحث يطمح إلى رسمها بحول الله وطَوْله.
جرت سُنَّة الله في الخلق أن يستغرق البناء الثقافي والاجتماعي وقتاً طويلاً، كما قضت سُنّته أن تتراكم جزئيات معرفية كثيرة على سبيل التدريج، لتشكّل في إطار معين فنّاً من الفنون، أو جانباً متميّزاً من جوانب المعرفة. ويهب الله لكلّ فنّ بين الفينة والفينة من يقفز بذلك الفنّ قفزات واسعة تبرز قسماته، وتوضح معالمه، وتنقله من طور إلى طور، ومن ثمّ فإنّ أنظار العلماء والباحثين تتفاوت في تقويم بدايات الفنون، والمراحل التي تقلبت فيها، على مقدار إدراك كلّ واحد منهم لتلك البدايات والأطوار، ووفق المعايير والخلفيات الثقافية التي يمتلكونها.
ونحن إذ نزعم أنّ ابن عبّاس كانت له اليد الطولى في تأسيس العلوم اللغوية، لا نقصد أنّه بدأ من فراغ، واستحوذ على مرحلة التأسيس، وترك لغيره التطوير والتفصيل، وإنّما نريد من وراء هذا أنّه إذا كان لا بدّ من بداية للنشاط اللغوي بفروعه المختلفة، فلتكن البداية عند ابن عبّاس، إذ أنّ أثره في تهيئة المناخ العامّ لاستنبات المعارف اللغوية عند العرب أكبر من أن يُتجاهل أو يُتجاوز. والذي جعلنا ننسب إلى ابن عبّاس ما نسبناه إليه في عنوان هذا البحث، هو النصوص الكثيرة التي أسلمتنا إلى الاعتقاد بوجود
تفكير لغوي منظم استكمل كثيراً من أدواته واتسع الكثير من دوائره، فقد حررّ القرآن الكريم الطاقات الكامنة في العقلية العربية، وأزال عنها الكثير من الغبش الذي كان يحجبها عن الرؤية الصحيحة للكون والحياة والإنسان، وأخذ الناس يتفاعلون مع أُطر الدين الجديد، ويُعيدون تمحور ثقافتهم حول دستوره الخالد، فكان من البديهي أن تتركز الدراسات والمعارف الأولى حوله، لاستجلاء معانيه، والعمل بتوجيهاته، والاعتبار بقصصه. وقد عاش ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ ثلاثة أرباع القرن(1)بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي فترة كافية في حكاية المعارف لبلورة الكثير من الأفكار الأساسية، ورسم الكثير من الخطوط العريضة، وهذا ما نجده واضحاً عند ابن عبّاس، كما سنرى في أثناء هذا البحث.
كان العرب يتكلّمون بلهجاتهم المحلية على السليقة دون معرفة شيء من القواعد التي تحكم نشاطهم اللغوي، كما هو شأن الناس اليوم حين يتحدّثون بلهجاتهم الدارجة التي تلقفوها منذ الصغر من بيئتهم الاجتماعية، وظلّ الأمر على هذه الحال إلى أن جاء الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكان كثير من أولئك الداخلين فيه من العجم، ونظراً لروح الإخاء
1) ( لقد مرّ من البكّار في الثناء على علمه قوله: ((حيث عاش أكثر من نصف قرن بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو تقدير صحيح))، أمّا قوله هنا: ((وقد عاش ابن عبّاسرضي الله عنه ثلاثة أرباع القرن بعد بعثة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم)) فليس بصحيح، لأنّ عمر ابن عبّاسt لم يبلغ ثلاثة أرباع القرن، ولو قال: نحو ثلاثة أرباع القرن، لأمكن تمشية قوله. (الخرسان).
والمساواة التي يشيعها هذا الدين بين جميع من يعتنقونه، بقطع النظر عن الفروقات العنصرية واللغوية التي تفرّق بينهم، فإنّ خلاطاً شديداً وقع بين العرب وغيرهم. والقاعدة المعروفة أنّه ما احتكت لغتان إلاّ نشأ عن ذلك الاحتكاك لغة ثالثة تخالف اللغتين جميعاً، ولكنّها تحمل الكثير من خصائصهما، قال الجاحظ: وقال نفيسٌ لغلام لي: الناس ويلك أنت حياء كلّهم أقلّ! يريد: أنت أقلّ الناس كلّهم حياءً. وقلت لقيس بن بريهة: هذا الصبي في أيّ شيء أسلموه؟ قال: في أصحاب سند نعال. يريد: في أصحاب النعال السندية(1).
فالألفاظ ــ على ما ترى ــ عربية، ولكن سبكها على مقتضى نظام اللغة الأُمّ للمتكلّم.
فانتشرت هذا اللغة الثالثة، وأصبح أطفال العرب يسمعون لغة غير صافية، بينها وبين لغة الأجداد الكثير من الفوارق الصوتية والتركيبية والدلالية. وهذا السبب تشكّل ظاهرة عامّة في اللغات كلّها، إذ أنّ أصل علم اللغات عند جميع الأُمم هو قيام تضاد بين لغتين، أو مرتبتين في لغة واحدة كاللغة الأدبية المشتركة واللهجات المحلية(2).
وانضم إلى هذا السبب سبب آخر، وهو أنّ الشريعة الغراء تفرض على المسلم أن يتكلّم بالعربية في بعض المواطن، كالصلاة مثلاً؛ وإنّ الكتاب العزيز الذي هو ملاك الثقافة الإسلامية كلّها منزّل بالعربية ومكتوب بها، فمن أراد التفقّه في هذا الدين والتعمّق في ثقافته، فلا مندوحة له عن
تعلّم العربية. وهذه مشكلة طارئة حقّاً، إذ كانت العربية تؤخذ بالتلقي والمشافهة عن طريق السمع من عامّة الناس، أمّا حين يأتي رجل ثَقِفَ لغةً أخرى، ويريد أن يتعلّم العربية المشتركة الراقية التي نزل بها القرآن الكريم ــ وهي لغة لم يكن يسيطر عليها سوى الخاصّة من قادة البيان وفرسان الكلمة ــ فإنّه حينئذٍ لا بدّ من القواعد المختلفة التي يتعلّم بواسطتها المسلمون الجدد من العجم(1).
وعندنا الكثير من الروايات التي تشير إلى انتشار اللحن في عهد الخلافة الراشدة، بل إنّ من النصوص ما يدلّ على وجود بضع اللحن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم(2)، ويروي أصحاب كتب التراجم حوادث جزئية كثيرة يزعمون أنّها كانت السبب إلى وضع النحو، ولا حاجة بنا إلى استعراضها لشهرتها بين الناس، وإن كنّا نظنّ أنّ تلك الحوادث كانت السبب في تفجير شعور الاستياء من التحريف الذي شاب العربية، وفي حث الجهود لإيجاد وسيلة تقي من ذلك التحريف وتحجزه عند حدٍّ.
اختلاف الناس في أوَّليات الأشياء والمذاهب أمر طبيعي، وذلك لأنّ تفاصيل كثيرة تتدخل في هذا الأمر، ولكن أكثر القدماء يذهب إلى أنّ واضعه هو أبو الأسود الدؤلي (ت69هـ)(3).
ويرى كثير من النحويين أنّ واضع النحو هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ت40هـ)، وأنّه ألقى إلى أبي الأسود بعض أبواب النحو ليبني عليها ما تبقى من أُصول العربية، قال القفطي: قال أبو الأسود: ((دخلت على أمير المؤمنين عليّ ــ رضي الله عنه ــ فرأيته مطرقاً مفكّراً، فقلت: فيما تفكّر يا أمير المؤمنين؟ فقال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أُصول العربية. فقلت له: إن فعلت هذا أبقيت فينا هذه اللغة العربية. ثمّ أتيته بعد أيام. فألقى إليَّ صحيفة فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمَّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمَّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل). ثمّ قال: (تتبعه، وزد فيه ما وقع لك، واعلم أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر). فجمعت أشياء وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: (إنَّ)، و(أنَّ)، و(ليت)، و(لعل)، و(كأنّ)، ولم أذكر (لكنَّ)، فقال: (لم تركتها؟) فقلت: لم أحسبها منها، فقال: (بل هي منها فزدها فيها))).
قال القفطي: ((ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين جزءاً فيه أبواب من النحو يُجمعون على أنّها مقدّمة عليّ بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي))(1). ويذكر بعض الأخبار: أنّ عمر ــ رضي الله عنه ــ هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بأن يعلم أهل البصرة العربية(2).
ويذهب بعض القدماء إلى أنّ واضع النحو واحد من تلامذة أبي الأسود، وتضطرب الروايات أيضاً فيه، فمنها ما يذكر أنّه نصر بن عاصم، ومنها ما يذهب إلى أنّه عبد الرحمن بن هرمز(1). ولكن أكثر الروايات على أنّ هذين الرجلين لم يكونا في المرحلة الأولى من وضع العربية، وإنّما أخذاها عن أبي الأسود، أو توسعا فيها، كما توسع فيها غيرهما من تلامذة أبي الأسود، من أمثال يحيى بن يعمر، وعنبسة الفيل، وعطاء بن أبي الأسود، وميمون بن الأقرن(2)، ولعلّ هذا هو الأقرب.
يرى بعض المستشرقين، وتابعهم بعض الباحثين العرب، أنّ الحكايات المروية حول وضع النحو من قبل عليّ بن أبي طالب، أو أبي الأسود لا تعدو أن تكون أساطير موضوعة، لا أساس لها من الصحّة(3)(4).
ونجد قريباً من هذا الرأي عند الأستاذ أحمد أمين(5)، ولكنّه تخلّص من هذا بعذر، هو أنّ الرواة متّفقون على أنّ أبا الأسود ابتكر شكل المصحف، وهذه الخطوة الأوّلية لفتت الأنظار إلى التفكير في الإعراب
ووضع قواعد له. ويرى أنّ واضع النحو هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ذو العقل الجبار المبتكر...
وقد تابعه على هذا بعض الباحثين(1).
والقدماء كانوا يفرّقون بشكل جيد بين أبواب النحو التي ذكروا أنّها باكورة هذا العلم، وبين شكل المصحف بالنقط، والدليل على ذلك أنّهم كانوا ينسبون في كثير من الأحيان وضع النحو إلى عليّ ــ رضي الله عنه ــ وشكل المصحف إلى أبي الأسود(2). ومن القدماء من نسب وضع الأبواب الأولى في النحو ونقط المصحف كليهما إلى أبي الأسود نفسه، ممّا يدلّ على إدراك الفرق بينهما دون لبس(3).
وحجّة من أنكر نسبة وضع النحو إلى أبي الأسود قائمة على النظر، وهو أنّ المرحلة التي عاش فيها أبو الأسود لم تكن تسمح بوضع ما نسب إليه، لأنّ المعطيات الثقافية والعقلية التي كانت متوفّرة آنذاك لم تكن كافية لولادة هذه التصاريف والتقاسيم الفلسفية.
وحجّة أخرى، وهي: أنّ كتب النحاة لم تنسب أيّ رأي في النحو لأبي الأسود، ولم يرد في الموسوعات النحوية كالأشموني، والهمع، والمفصَّل، وغيرها ذكر لابن أبي إسحاق (ت117هـ) إلاّ في ستّة مواضع، كما
لم يرد اسم عيسى بن عمر (ت149هـ) إلاّ في ثمانية عشر موضعاً، كما لم يرد اسم أبي عمرو بن العلاء (ت154هـ) إلاّ في تسعة وثلاثين موضعاً. وانتهى الأستاذ إبراهيم مصطفى ــ رحمه الله ــ بعد هذه الإحصائيات إلى أنّ هذا النحو لم يضع شيئاً منه أبو الأسود ولا أحد تلاميذه(1). والمنهج الإسلامي في البحث يقوم على القاعدة الذهبية: (إن كنت ناقلاً فالصحّة، وإن كنت مدّعياً فالدليل)، والروايات التي تنمي وضع النحو إلى أبي الأسود كثيرة وصحيحة، ممّا يجعل تجاهلها وضرب عرض الحائط بها نوعاً من الهدم لأُصول الرواية عندنا. أمّا منهج المستشرقين ومن تفيّأ ضلالهم، فإنّه لا يعوّل كثيراً على الأسانيد وعدالة الرواة، بقدر ما يعوّل على المعطيات العلمية لتلك الروايات ومدى انسجامها مع التطور الطبيعي للعلوم والمعارف.
وعندي أنّ عدم وقوف كثير من الباحثين على الملاحظات النحوية التي ثبتت عن ابن عبّاس، جعلهم يعدّون عمل أبي الأسود ضرباً من النشوز عن المعطيات الثقافية والعقلية في عصره. وأنا لا أستبعد أن يكون قد حصل نوع من التحريف أو التزيد في تسمية الأبواب النحوية الأولى التي نسبت إلى أبي الأسود، إذ هذا من الفرعيات التي قد يقع فيها الخلط والغلط، ولكن أن تكون تلك الروايات الكثيرة جميعاً مصنوعة مزورة، فهذا غير مقبول..
وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين أن يثبت عدم غرابة وضع أبي الأسود للنحو عن طريق سوق بعض الأبيات الشعرية التي قالها أبو الأسود، أو نسبت إليه، والتي كانت مجال بحث في كتب النحاة(2).
وهذا لا يتحصّل منه شيء! وإذا كان مثل هذا يُعدّ بداية للنشاط النحوي، فإنّ ما ورد عن ابن عبّاس في هذا المضمار أولى بجعله البداية الحقيقية للتفكير اللغوي، بل إنّ المقارنة بينهما معدومة تماماً، على ما نراه فيما نستقبل من صفحات هذا الكتاب.
كانت الصلة بين عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس ــ رضي الله عنهم ــ على خير ما يرام على ما هو ذائع، كما كانت بين عليّ وبين أبي الأسود، فقد قال عليّ لابن عبّاس: اذهب لتكون أميراً على الشام، ولكن ابن عبّاس أبى ذلك، لأنّه ليس من المصلحة عزل معاوية في ذلك الوقت، فولاّه على البصرة(1). وحين خرج ابن عبّاس إلى صفّين استخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة بأهل البصرة، وزياداً على بيت المال(2)
*(33) لقد كان ذلك في شهر رمضان، فلعلّه لم يرغب أن يخوض في ذكر الشعر بنفسه وأحاله على أبي الأسود. (الخرسان).
. ويبدو أنّ المعاصرة بين الرجلين كانت طويلة، إذ أنّ أبا الأسود توفي سنة 69هـ ، أي: بعد وفاة ابن عبّاس بسنة واحدة، وهذه الصحبة أوجدت شيئاً من الانسجام وتشكيل الرأي المشترك بينهما، فقد ذكروا أنّ رجلاً قام إلى ابن عبّاس يسأله عن أشعر الناس، فقال ابن عبّاس: أخبره يا أبا الأسود(**). فقال الذي يقول:1) إيهام في التعبير من غير لباقة ولا لياقة، فإنّ ولاية ابن عبّاس على البصرة لم تكن زماناً بعد أن أبى ولاية الشام وعزل معاوية كما في سياق كلام المؤلّف، بل كانت بعد حرب الجمل التي تحاشى المؤلّف ذكرها، وبين زمانهما عدّة شهور! (الخرسان).
2) - السير 3/353، وطبقات الزبيدي: 24. وانظر أيضاً في مدح أبي الأسود الدؤلي لآل البيت الكامل للمبرد 3/1125.
فإنّك كالليل الذي هو مدركي *** وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع(1)
بل إنّ الأمر تجاوز هذه الجزئية إلى ما يتعلّق بوضع النحو نفسه، فقد ذكر القفطي: أنّ أبا الأسود أتى ابن عبّاس، فقال: إنّي أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئاً يقوِّمون به ألسنتهم. قال: لعلّك تريد النحو، أما إنّه حقّ، واستعن بسورة يوسف(2)(3).
فالصلة العلمية بين الرجلين قائمة، وتأثر أبي الأسود بابن عبّاس ثابت، وهذا يجعل ملاحظات ابن عبّاس الجزئية باعثاً على شيء من التنظيم لأبواب النحو، وتلك هي البدايات الطبيعية، حيث تبدأ الفنون بمجموعة من الملاحظات والآراء المتناثرة، ثمّ يهيئ الله تعالى لها يداً رفيقة حانية، وذهنية منظمة تنطلق بها نحو التنهيج العام، والتأصيل الشامل.
لقد أثار القرآن الكريم كوامن الفكر العربي، وقدح زناده حين بعثه من رقاده الطويل، وأنقذه من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية والإسلام. ولمّا كان العرب قليلي الممارسة للقراءة والكتابة، وكان القرآن الكريم يخاطب العرب بما جرى عليه أهل اللسن والفصاحة فيهم، لا بما ألفوه في حياتهم الاجتماعية، كان استغلاق بعض كلمات من الذكر الحكيم أمراً
وارداً. ونظراً لاشتمال القرآن الكريم على الكثير من الصور البيانية والأساليب الرفيعة التي لا تستوي لكلّ عربي، كان شرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض تلك الأساليب والصور أمراً مطلوباً، لاسيما والعربية تملك من الثراء اللفظي والمرونة الدلالية ما يجعل الحاجة ماسّة لتحديد معاني بعض الألفاظ حسب سياقات النص، ومرادات الخالق جلّ وعلا، ومن ثمّ فإنّ ابن عبّاس لم يبدأ من فراغ، بل كان متفاعلاً مع الجو العامّ الذي فتح عينيه عليه، ولكن تأخّر وفاته أتاح له من ذلك ما لم يُتح لغيره. وإليك بعض النصوص التي تصوّر الوسط العامّ الذي نمت فيه معارف ابن عبّاس اللغوية حتّى استوت على سُوقها، وآتت أُكُلَها:
1ـ قد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم التي كان يرى أنّها مشكلة على بعض أصحابه، لاسيما تلك الألفاظ التي فيها نوع من الكناية، أو المجاز، أو الألفاظ التي لا يعرفها إلاّ الخاصّة منهم، كتلك التي كانت معروفة عند قبائل العرب الأخرى. ومن البديهي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفسّر كلّ المشكل، لأنّ معرفة الصحابة متفاوتة، فما يشكل على هذا قد يكون واضحاً عند غيره، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسم للنجباء من أصحابه الخطوط العريضة التي يسيرون عليها في فهم الكتاب العزيز، وإدراك مراميه، ففي قوله تعالى: وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(1)، أخرج البخاري، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي بن حاتم عقالاً أبيض، وعقالاً أسود، حتّى إذا كان بعض الليل نظر،
1) - سورة البقرة/187.
فلم يستبينا، فلمّا أصبح، قال: يا رسول الله! جعلت تحت وسادي. قال: (إنّ وسادك لعريضٌ أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك)!
وفي رواية ثانية عند البخاري: أنّ عدياً، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: (إنّك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين. ثمّ قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار)(1).
فقد بيّن عليه الصلاة والسلام أنّ المراد من الآية ليس ما يتبادر إلى الذهن، وإنّما هما كناية عن الليل والنهار. وهذا فتح لباب في التفسير يعتمد على صرف اللفظ عن ظاهره بمقتضى دلالات السياق.
وفي قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(2). وروي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رزقكم: شكركم، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، ونجم كذا وكذا)(3). وكأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسَّره على حذف مضاف، أي: وتجعلون شكر رزقكم أنّكم تكذبون، أي: تضعون التكذيب موضع الشكر لما رزقكم الله تعالى إياه.
وكان الأمر يتجاوز تفسير القرآن في بعض الأحيان إلى تفسير ألفاظ تروى في بعض أحاديثه الشريفة؛ فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يتقارب الزمان وينقص العمل، ويُلقى الشح، ويكثر الهرج). قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: (القتل القتل)(4). فقد استغلقت لفظة
(الهرج) على بعض السامعين، ففسّرها له ــ عليه الصلاة والسلام ــ . ويذكر بعض اللغويين أنّ هذه الكلمة حبشية، وهي تعني عند الحبشة: القتل(1).
ومع تقدّم الزمان ودخول الناس في دين الله أفواجاً، تعقدت العقلية العربية تبعاً لنمو الخلفية الثقافية، وزادت الحاجة إلى التفسير، وحيث إنَّ تمكن المسلمين الجدد من العربية محدود. وقد عبّر عن هذا أحد العلماء بقوله: ((التفسير الذي روي عن ابن عبّاس أكثر من الذي روي عن ابن مسعود، والذي روي عن ابن مسعود أكثر من الذي روي عن عليّ، والذي روي عن عليّ أكثر من الذي روي عن الخلفاء الثلاثة))(2).
2ـ في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب ــ رضي الله عنه ــ أصبحنا نسمع عن شيء اسمه العربية، كما أنّ عمر ــ رضي الله عنه ــ خطّ المنهج الذي سار عليه ابن عبّاس في تفسير غريب القرآن اعتماداً على الشعر، كما صرنا نسمع عمليات التصحيح اللغوي، حيث ذكر ابن الأنباري بسنده: أنّ عمر مرَّ بقوم وهم يرمون، فقال: ((ما أسوأ رميكم! قالوا: نحن متعلمين. قال: لفظكم أسوأ من رميكم. فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين! يُضحى بالضبي؟ قال: وما عليك لو قلت: ظبي؟! قال: إنّها لغة. قال: رفع العتاب، لا يضحى بشيء من الوحش))(3). ونحن نستفيد من هذا النص شيئاً إضافياً على التصحيح وهو ابتداء تعرف الناس على اللهجات التي كانت تتكلّم بها القبائل الأخرى،
واعتبارها فصيحة مقبولة، للمتكلّم أن يخرج عن لهجته إليها.
وذكر أيضاً أنّ عمر بن الخطّاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: ((أن مر من قبلك بتعلّم العربية، فإنّها تدلّ على صواب الكلام، ومرهم برواية الشعر، فإنّه يدلّ على معالي الأخلاق))(1).
وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطّاب ــ رضي الله عنه ــ على المنبر قال: يا أيّها الناس! ما تقولون في قول الله عزّ وجلّ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ(2)؟ فسكت، الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوّف: التنقص، فخرج رجل فقال: يا فلان! ما فعل دَينك؟ فقال: تخوفته، أي: تنقصته. فرجع فأخبر عمر، فقال: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم. قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه:
تخوَّف الرحلُ منها تامكاً مرِداً *** كما تخوّف عود النبعة السُفنُ
فقال عمر: يا أيّها الناس! عليكم بديوانكم شعر الجاهلية، فإنّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم(3).
فالوسط العامّ كان مفعماً بمقاومة اللحن، وتفسير غريب الكتاب العزيز، كما صار الإحساس بالفوارق بين اللهجات واضحاً عند الكثيرين، بالإضافة إلى الاحتكام إلى الشعر في التفسير، واعتباره مصدراً أساسياً في
ذلك. وممّا هو مشهور في كتب التاريخ والتراجم تلك العلاقة الخاصّة التي كانت تربط عمر بابن عبّاس ــ رضي الله عنه ــ حيث كانا يتقارضان الثناء والسؤال، فعمر يسأل ابن عبّاس عن بعض المسائل، وابن عبّاس يسأل عمر، وكأن توافقاً خاصّاً كان سائداً بينهما في العقل والرأي والحصيلة العلمية(1)(2)
فتعجب عمر! وقال: ما وافقني فيها أحد عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) إلاّ هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه، إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال: (التمسوها في العشر الأواخر)، ثمّ قال: يا هؤلاء! من يؤديني في هذا كأداء ابن عبّاس؟)). وفي هذا الخبر أثنى عمر على ابن عبّاس، فكان على المؤلّف أن لا يقول حيث كانا يتقارضان الثناء؟ أمّا عن سؤال أحدهما الآخر، ففي سؤال ابن عبّاس عن المرأتين كان بمثابة انتزاع اعتراف من أقرب الناس إليهما في إدانتهما، وقد ذكرت ما يتعلّق بهذا في الجزء الثاني من الموسوعة، الفصل الثالث/الحبر مع عمر في أسفاره، والجزء السادس من الموسوعة، الباب الأوّل، الفصل الثاني/البحث عن أخذه الرواية عن عمر؛ فليراجع. (الخرسان).
. وهذا1) - القرطبي 1/26، وحلية الأولياء 1/318.
2) لقد راجعت المصدرين فلم أجد تقارض الثناء كما زعم المؤلّف، ففي تفسير القرطبي 1/26: ((وقال ابن عبّاس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ما يمنعني إلاّ مهابته، فسألته، فقال: هي حفصة وعائشة)). فأين الثناء؟! نعم جاء في المصدر الثاني 1/317 ــ 318: ((أنّ عمر بن الخطّاب(رض) جلس في رهط من أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من المهاجرين ذكروا ليلة القدر، فتكلّم منهم من سمع فيها بشيء ممّا سمع، فتراجع القوم فيها الكلام، فقال عمر: مالك يا بن عبّاس صامت لا تتكلّم؟ تكلّم ولا تمنعك الحداثة. قال ابن عبّاس: فقلت يا أمير المؤمنين! إنّ الله تعالى وتر يحبّ الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق فوقنا سموات سبعاً، وخلق تحتنا أرضين سبعاً، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى من نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بالكعبة سبعاً، وبين الصفا والمروة سبعاً، ورمى الجمار بسبع لإقامة ذكر الله ممّا ذكر في كتابه. فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، والله أعلم.
كان ذا أثر بالغ في مساعدة ابن عبّاس في الاندفاع نحو تشكيل حسّ لغوي واضح القسمات.
3ـ كان من أعلام الصحابة في التفسير عليّ بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ وقد كانت له قدم راسخة في معرفة كتاب الله تعالى، وقد كان يقول: (والله ما نزلت آية من كتاب الله إلاّ وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً)(1). وهذا هو يتقارض الثناء مع ابن عمّه ابن عبّاس، فيقول فيه: (كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق)(2)، ويقول ابن عبّاس فيه: (قُسم علم الناس خمسة أجزاء، فكان لعليّ منها أربعة أجزاء، ولسائر الناس جزء شاركهم فيه عليّ فكان أعلمهم به)، وقال أيضاً: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب)(3).
وقد وعت لنا كتب التفسير الكثير من تفسير عليّ، ولا ريب أنّ تفسيره للقرآن اشتمل على تفسير الغريب، كما اشتمل على تفسير الأساليب القرآنية. وقد يأخذ تفسير الغريب عنده أسلوباً تمثيلياً، كما روي عنه في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إلى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ(4)، أنّه أراد أن يُري أصحابه الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته، وألصقهما، ورفع رأسه(5).
وفي الجملة فإنّ مصطلح (العربية) أخذ يزداد رسوخاً وانتشاراً في النصف
الأوّل من القرن الأوّل، كما أنّ تميّز بعض الأصحاب على غيرهم بمعرفة العربية وحفظ الشعر صار أكثر وضوحاً، وقد ذكروا في هذا السياق أنّ زِرَّ بن حبيش (ت82هـ) كان أعرب الناس، وأنّ عبد الله بن مسعود كان يسأله عن العربية(1).
في هذا الوسط الذي قدمت لمحة عنه، نمت معارف ابن عبّاس اللغوية، وكانت إسهاماته التي سنلقي عليها الضوء فيما نستقبل من صفحات هذا البحث(2).
ما عثرنا عليه من أقوال لابن عبّاس في هذا المضمار يمثل عصر ابن عبّاس تمثيلاً صادقاً، إذ إنّه من المعلوم أنّ كلّ علم تكون قواعده وضوابطه كامنة في تطبيقاته الأولى، وتكون ــ في العادة ــ نشأة المصطلحات متأخّرة عن المباشرة العملية له، وهذا ما وجدناه عند ابن عبّاس، حيث شكلت آراؤه المادّة اللغوية الخام التي تصرفت على وجه أكثر دقّة، وأحسن تبويباً وتنظيماً فيما بعد. وإليك نماذج وافية تمثل آراءه النحوية:
إدراك معنى الأداة فرع عن إدراك المعنى العامّ للآية الذي يقضي به السياق، ومن ثمَّ فإنّ ما تناوله ابن عبّاس من الحديث عنها جزء من نظراته الدلالية التي تضمنها تفسيره لكلام الله ــ تعالى ــ ولكن درج النحويون على ذكر الأدوات في بحوثهم النحوية.
ويمكن أن نقسم إشاراته اللغوية في هذا الباب إلى قسمين:
أ ــ معنى الأداة نظراً لسياق استخدامها:
في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا(1)، روي عن ابن
1) - سورة الأعراف/172.
عبّاس، أنّه قال: (لو قالوا: (نعم) لكفروا). وقد شرح ذلك ابن هشام بقوله: (ووجهه أنّ (نعم) تصديق لمخبر بنفي أو أيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال: أليس لي عليك ألف، فقال: (بلى) لزمته، ولو قال: (نعم) لم تلزمه)(1)، وقد استفاد النحاة ممّا قرّره ابن عبّاس أنّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي ــ كما هو الحال هنا في (ألست) ــ صار معناه التقرير، فيجاب بما يجاب به النفي(2).
وقريب من هذا صرف الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى النفي، وذلك كما في قوله ــ عزّ اسمه ــ : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ(3)، يقال: عييتُ بالأمر، إذا لم تحسنه، ولم يتجه لك، وقد روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس تفسيره للاستفهام هنا على أنّه في معنى النفي، أي: لم نعيَ به. قال أبو جعفر النحاس بانياً على إشارة ابن عبّاس: وهكذا الاستفهام الذي فيه معنى التقرير والتوبيخ يدخله معنى النفي، أي: لم يعي بالخلق الأوّل(4).
وفي قوله ــ عزّ اسمه ــ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا(5)، روي عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنّه يرى أنّ الباء في (بأمرنا) بمعنى (إلى)، أي: يهدون الخلق إلى أمرنا(6)، وقد ذكر ابن هشام: أنّ الباء تأتي للغاية، ومثَّل
لذلك بقوله تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ(1). وقد ذكر بعض النحويين: أنّ (أحسن) ضُمِّن معنى (لَطَف)(2).
وفي قوله ــ جلّ وعلا ــ : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً(3)، ذكر أبو حيان: أنّ ابن عبّاس وقتادة ذهبا إلى أنّ (هل) هنا بمعنى (قد)(4).
وقد تنازع النحويون في مجيء (هل) بمعنى (قد) على ثلاثة مذاهب: الأوّل قول الزمخشري، حيث ذهب إلى أنّ (هل) لا تكون إلاّ بمعنى (قد)(5). والمذهب الثاني: هو القول بما قاله ابن عبّاس. أما المذهب الثالث: فهو منع مجيء (هل) بمعنى (قد)، وقد دعم هذا الاتجاه ابن هشام.
وأوّل ما جاء عن ابن عبّاس بأنّه أراد الاستفهام التقريري، لا الاستفهام الحقيقي(6)، وإذا قلنا: إنّ المراد هو الاستفهام التقريري، لم تكن ثمّة حاجة إلى القول بمجيء (هل) بمعنى (قد).
وفي قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ _ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ(7)، روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: (الحمد لله الذي قال: عن صلاتهم ساهون، ولم يقل: في صلاتهم
ساهون)(1). وروي عنه، أنّه قال: (لو قال: في صلاتهم، لكانت في المؤمنين)(2). وهذا إدراك منه ــ رضي الله عنه ــ أنّ (في) الظرفية، فالمسلم لا يسهو عن الصلاة فيؤخّرها عن وقتها، إذ هي عماد دينه. كما أنّه يدرك أنّ (عن) للمجاوزة، فالمنافق يترك الصلاة ويتجاوزها.
وفي قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ(3)، روي عنه: أنّه يرى أنّ (إن) هنا نافية، وكان يقول: (لم يكن للرحمن ولد)، وتحتمل عند المفسّرين أن تكون شرطية إلى جانب وجه النفي(4).
وفي قوله ــ عزّ وجلّ ــ : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ _ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ(5)نقل عن ابن عبّاس أنّه فسّر (إلاّ من ظلم) بـ(ومن ظلم ثمّ بدَّل حسنا)، فجعل إلاّ بمعنى الواو(6).
وقد ذهب إلى جواز مجيء (إلاّ) بمعنى الواو أبو عبيدة، ونسب ذلك ابن الأنباري إلى الكوفيين، وإن كان الفرّاء قد ردَّ ذلك(7).
وعندي أنّ تفسير ابن عبّاس للآية هنا حلُّ معنى لا حلّ إعراب، حيث أراد بيان مجمل المراد من الآية، ولم يرد التنصيص على أنّ (إلاّ) تأتي
بمعنى الواو، كما توهم ذلك أبو عبيدة والكوفيون.
وفي قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ(1)، روي عن ابن عبّاس أنّه ذكر: أنّ معنى (أو يزيدون): بل يزيدون(2). وقد ذهب الفرّاء الكوفي إلى عين ما نقل عن ابن عبّاس، محتجّاً بأنّ التفسير ورد بذلك مع صحّته في العربية(3). لكن ابن جنّي لا يوافق الفرّاء على ذلك، ويرى أنّ (أو) هنا على بابها من إفادة الشكّ(4). وقول ابن عبّاس ومن تابعه أكثر انسجاماً مع ظاهر النص، وأبعد عن الكلفة.
وفي قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ(5)، ذهب نفر من النحويين إلى أنّ من أقسام الواو أن يؤتى بها بعد العدد (سبعة)، قال ابن هشام: ((واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسّرين كالثعالبي، وزعموا أنّ العرب إذا عدّوا قالوا: ستّة، سبعة، وثمانية، إيذانا بأنّ السبعة عدد تام، وأنّ ما بعدها عدد مستأنف))(6). وقال ابن هشام: ((ويؤيده قول ابن عبّاس ــ رضي الله عنه ــ حين جاءت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق عدَّة عادٍّ يُلتفت إليها))(7). وفي المسألة كلام آخر(8).
ب ــ كما تحكم المعنى في إخراج ابن عبّاس بعض الأدوات عن معناها المباشر إلى معنى آخر، فإنّ حكمه كذلك في الذهاب إلى القول بحذف حرف الجرّ، كما نرى في المثالين التاليين:
1ـ في قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(1)، روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: (صلِّ باسم ربّك الأعلى، كما تقول: ابدأ باسم ربّك. وحذف حرف الجرّ)(2)، وعندي أيضاً أنّ هذا التفسير من ابن عبّاس حل معنى لا حل إعراب، لأنّ حذف حرف الجرّ لا يكون قياسياً إلاّ قبل (أنَّ)، و(أنْ)، و(كي)، ويسمع في النثر في مواضع قليلة، مثل: نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له، والأكثر التصريح بالحرف(3).
وعلى كلّ حال، فإنّ كلام ابن عبّاس عن أشارات عامّة افتتح بها علم العربية، ثمّ ما زالت تتفاعل مع المعطيات المختلفة إلى أن تشكّلت على صورة معينة.
2ـ في قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً _ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً(4)، قال الزمخشري: ((وعن ابن عبّاس على القسم [ربِّ] بإضمار حرف القسم، كقولك: (الله لأفعلن)، وجوابه: لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، كقولك: (والله لا أحد في الدار إلاّ زيد)))(5).
وقد علّق الشيخ عظيمة على الوارد عن ابن عبّاس بقوله: ((ولعلّ هذا التخريج لا يصحّ عن ابن عبّاس، إذ فيه إضمار الجارِّ في القسم، ولا يجوز عند البصريين إلاّ في لفظة (الله)، ولا يقاس عليه، ولأنّ الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فلا تنفى إلاّ بـ(ما) وحدها، ولا تنفى بـ(لا) إلاّ الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، وبماضٍ في معناه))(1).
ولم نعقد هذا البحث لاستقصاء ما ورد عن ابن عبّاس، ولا مناقشة الأقوال التي علّقت على المروي عنه، وإنّما أردنا التدليل على أنّ ما روي عنه يمثل بصدق البداية الحقيقية القوّية للدرس اللغوي عندنا.
لا يخفى أنّ ما قدّمناه من أقوال لابن عبّاس في الأدوات متفرّع عن الحسّ اللغوي العامّ المرتكز على المعنى، وسنعرض هنا أقوالاً أُخرى في أبواب مختلفة ترتكز هي الأُخرى على السليقة اللغوية المبنية على دلالات الألفاظ المباشرة القريبة التناول، كحذف المضاف، وحذف المعطوف، والتقديم والتأخير، وما شاكل هذا ممّا يحسّه صاحب الذوق اللغوي السليم دون مشقّة أو كلفة.. وإليك نماذج على ذلك:
أ ــ حذف المضاف:
في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(2)،
اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية على أقوال عدّة: قال أبو حيان: ((وعن ابن عبّاس: والعمل الصالح يرفعه عامله ويشرِّفه. فجعله على حذف مضاف))(1). وهناك رواية أُخرى عن ابن عبّاس ذكرها الفيروز أبادي، وهي: ( أنّ العمل الصالح يقبله الله بالكلم الطيب)(2).
وفي قوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(3)، ذكر القرطبي: أنّ ابن عبّاس فسّر الكنود بقوله: (هو الكفور الجحود لنعم الله)(4). وإذا كان الأمر كذلك، فيكون كذلك على تقدير مضاف محذوف.
وفي قوله تعالى: وَلاَ أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ(5)، روي عن ابن عبّاس، أنّه قال في تفسير (نسائهن): (نساء أهل دينهن)(6)، ويكون في الآية على هذا مضافان محذوفان: (أهل)، و(دين).
ومن النظر في هذه الأمثلة يتأكّد ما ذكرناه من قبل من أنّ هذه الإشارات اللغوية اعتمدت على المعنى العامّ للنص، وعلى ما يتمتع به ابن عبّاس من الحسّ اللغوي المرهف.
ب ــ حذف المعطوف:
في قوله تعالى: وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ
الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ(1)، قال أبو حيان: ((قال ابن عبّاس، وقتادة، والسُدّي: في الكلام حذف تقديره: ولو أنزلنا ملكاً فكذبوه لقضي الأمر بعذابهم، ولم يؤخروا حسب ما سلف في كلّ أُمّة))(2). فحذف (فكذبوه). وفي قوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً(3)، قال أبو حيان: ((قال ابن عبّاس: كلام محذوف، وتقديره: فسأل موسى بني إسرائيل، أي: طلبهم لينجيهم من العذاب))(4).
ج ــ تأويل يمنع اتحاد الشرط والجزاء:
في قوله تعالى: مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي(5)، قال ابن عبّاس: المعنى: من يُرد الله هدايته(6)، وذلك لأنّ الشرط والجزاء لا بدّ أن يتغايرا لفظاً، فإذا اتحدا احتيج إلى تأويل، وقد أوّله ابن عبّاس بالإرادة. وقد أحسن في ذلك رضي الله عنه وعن أبيه.
د ــ حذف ناصب المفعول به:
في قوله سبحانه: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ(7)، ذهب أبو عمرو بن
العلاء، إلى أنّ (والطير) منصوب بفعل محذوف، تقديره: وسخّرنا له الطير(1). وهذا هو عين الوارد عن ابن عبّاس(2)، فيكون أبو عمرو متابعاً له في هذا.
هـ ــ حذف الحال:
في قوله تعالى: إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ(3)، اختلف النحاة والمفسّرون في تفسير هذه الآية وإعرابها اختلافاً عريضاً، وقد روي عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ قوله: (في الكلام حذف، تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت وقد أشهدتموها على الإيصاء)(4)، ولا يخفى أنّ جملة: (وقد أشهدتموها) التي قدّرها ابن عبّاس في محلّ نصب على الحال.
و ــ التقديم والتأخير:
وهو فرع المعنى، حيث يلاحظ النحوي ارتباط بعض المفردات أو الجمل بأُخرى مع وجود فاصل يفصل بينهما فيدعوه ذلك إلى تقدير ذلك الفاصل، كما نشاهده في الأمثلة التالية:
1ـ في قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ(5)، قال أبو حيان: ((قال ابن عبّاس: في الكلام
تقديم وتأخير، تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم))(1)، ومراد ابن عبّاس: أنّ (من دوننا) نعت لآلهة، فكأنّه قال: أم لهم آلهة دوننا أو غيرنا تكفّ الأذى عنهم.
2ـ في قوله سبحانه: ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ(2)، في (تنوير المقباس)(3)بعد قوله: (كلّهن): مقدَّم ومؤخَّر. ومراده والله أعلم: أنّ (كلّهن) عبارة عن توكيد للنون في (يرضين)، إذ المراد تقرير نسبة الرضا إليهن جميعاً، ولمّا كان الأصل في المؤكِّد أن يأتي بعد المؤكَّد، قدر ابن عبّاس ذلك.
3ـ في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا _ قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً(4)، ذهب ابن عبّاس ــ وتابعه مجاهد، والأخفش، وأبو حاتم، وغيرهم ــ إلى أنّ في هاتين الآيتين تقديماً وتأخيراً، وأنّ تأويله: (الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً)(5).
4ـ في قوله تعالى: وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(6)، اختلف النحويون في متعلّق الجارّ والمجرور (في السماوات وفي الأرض)، ولابن عبّاس رأي حسن في هذا،
إذ جعل في الآية تقديماً وتأخيراً على تأويل: (وهو الله يعلم سرّكم وجهركم في السماوات والأرض، فلا يخفى عليه شيء)(1).
5ـ في قوله تعالى: فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(2)، قال ابن عبّاس وقتادة: (في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة)(3). فيكون (في الحياة) متعلّقاً بـ(يعذبهم)، ويكون (في الآخرة) مقدّراً.
وكلّ هذه التقديرات في الآيات السابقة رائدها المعنى كما لا يخفى.
ز ــ زيادة (كان):
في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ممّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ(4)، قال ابن عبّاس: (القبلة في الآية: الكعبة، و(كنت) بمعنى: (أنت)، كقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ(5)بمعنى: أنتم)(6). ومقتضى تفسير ابن عبّاس أن تُعدَّ (كان) هنا زائدة، ولمّا كان النحاة يشرطون شروطاً خاصّة لزيادة (كان)(7)، علّق أبو حيان على ما نقل عن ابن
عبّاس في هذا بقوله: وهذا من ابن عبّاس ــ إن صحّ ــ تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنّه يؤول إلى زيادة (كان) الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد. والذي صار بأبي حيان إلى هذا هو البناء النحوي العامّ القائم على العامل والمعمول، وهذا ما لم يكن يعرفه ابن عبّاس، ولا أهل زمانه.
ح ــ زيادة (لا):
في قوله تعالى: لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ(1)، روي عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنّه كان يقرأ: (لأن يعلم أهل الكتاب)، على اعتبار أنّ (لا) المثبتة في المصحف زائدة من حيث المعنى، فدلّل على ذلك بحذفها من القراءة(2). وهذه القراءة شاذّة لخروجها على رسم المصحف، وإن كان المعنى عليها.
ولعلّنا لاحظنا بساطة هذه الملاحظات النحوية التي أوردناها، كما لاحظنا مناسبتها لعصر ابن عبّاس الذي يتسم البحث فيه بصورة عامّة بالسذاجة والتناثر، كما لاحظنا كذلك سيطرة المعنى وهيمنته بعيداً عن التعقيدات الصناعية التي بزغ فجرها في مرحلة تالية. وبهذه النماذج نختم الحديث عن التفكير النحوي عند ابن عبّاس.
نزل القرآن الكريم باللغة الأدبية المشتركة التي تكونت من صفوة أساليب قادة البيان لدى عرب الجاهلية عامّة، والقرشيين خاصّة، إذ إنّ القرآن الكريم حين تحدّى العرب بأنّ يأتوا بسورة من مثله، كان تحدّيه موجّهاً نحو الخاصّة منهم. ومن البديهي أنّ الأدبية المشتركة كانت قريبة جدّاً من اللهجات المحلية التي كان يتحدّث بها الناس في شؤونهم العامّة، كما أنّ سيطرة الشعراء والخطباء وأشياعهم من أولي اللسن على الأدبية المشتركة كانت متفاوتة، حيث يأخذونها بالدربة والمران. وقد ذكر بعض علمائنا الأقدمين أنّ إدراك أسرار الإعجاز القرآني لا يتاح للعربي إلاّ بمقدار ما يتقن من الشعر والخطابة والكتابة، يقول الباقلاني: ((وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته، لأنّ الأعجمي لا يعلم أنّه معجز إلاّ بأن يعلم عجز العرب عنه، وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة، فإذا عرف عجز أهل الصنعة حلَّ محلّهم، وجرى مجراهم في توجه الحجّة عليه، وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالي في هذه الصنعة))(1).
وهناك نصوص عدّة تدلّ على أنّ ابن عبّاس كان لا يعرف معاني بعض الكلمات في القرآن الكريم لأنّها من لهجة غير لهجة قريش، أفسحت
1) - إعجاز القرآن: 34.
لها الأدبية المشتركة صدرها، أو لاعتبارات معيَّنة في سياق الآية حدّدت معاني خاصّة لتلك الكلمات، لم تتجه لابن عبّاس. وإليك بعض تلك النصوص:
ذكر الزركشي: أنّ ابن عبّاس كان يقول: (لا أعرف (حناناً)، ولا (غسلين)، ولا (الرقيم))(1).
وذكر أيضاً: أنّ ابن عبّاس قال: (كنت لا أدري ما فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ، حتّى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها)(2).
وقال ابن عبّاس: (ما كنت أدري ما قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ(3)، حتّى سمعت ابنة ذي يزن الحِميري، وهي تقول: أنا أفاتحك، يعني: أقاضيك)(4).
وكان ابن عبّاس يقول: (ما أرسل الله ــ عزّ وجلّ ــ من نبيّ إلاّ بلسان قومه، وبعث الله محمّداً بلسان العرب)(5).
كلّ هذه النصوص يشير ــ كذا ــ إلى أنّ العرب كانوا يتفاوتون في معرفة ألفاظ القرآن الكريم، وإن كان إدراك فحوى النص ومراميه العامّة
متيسراً في أكثر الأمر(1).
وتُعدُّ جهود ابن عبّاس في تفسير غريب القرآن ومشكله، وشرح بعض أساليبه، البداية الحقيقية لتأسيس (علم الدلالة اللغوية)، ذلك العلم الذي يُعد الآن عند الغربيين قمّة الدراسات اللغوية، وهو علم يقوم على بحث العلاقة بين اللفظ والمعنى بصورة أساسية، وقد تطورت ملاحظات ابن عبّاس، وتفسيراته للغريب والمشكل إلى ما عرف بتفسير غريب القرآن، حيث أفردت له المصنّفات فيما بعد، ودعم ذلك في مرحلة تالية الرسائل اللغوية المتخصّصة في موضوعات معينة، كالمطر والريح والنبات والخيل، وغيرها.
وقد هيأ ذلك كلّه لولادة المعجم العربي الأوّل على يد نابغة العرب الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ)(2).
ولمّا كان الوارد عن ابن عبّاس في هذا الباب غزيراًُ جدّاً، فإنّنا نقتصر هنا على عرض نماذج وافية، تمثل رؤيته وجهوده في هذا السبيل. ولكن لابدّ قبل عرض شيء من ذلك، من الإلماع إلى أنّه لا يكفي لمعرفة معاني الربط بين الرموز الصوتية ودلالاتها، ولكن لا بدّ من ربطها بالأحداث والمواقف المختلفة، كما لا بدّ من معرفة السياق العامّ الذي وردت فيه الآية أو الجملة، فمهما كانت براعة المرء اللغوية، فإنّ نقص معرفته بما ذكرناه يؤثر إلى حد بعيد في إدراكه لمعنى النص ومراميه الدقيقة، ومن ثمّ فإنّ ابن عبّاس قسَّم موقف الناس من تفسير القرآن الكريم إلى أربعة أقسام، حيث
روى عبد الرزاق في تفسيره عن سفيان الثوري عن ابن عبّاس: أنّه قسَّم التفسير إلى أربعة أقسام: قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يُعذر أحد بجهالته ــ يقول: الحلال والحرام ــ وقسم يعلمه العلماء خاصّة، وقسم لا يعلمه إلاّ الله، ومن ادّعى علمه فهو كاذب(1).
وقد تولّى الزركشي شرح هذه الأقسام وتوضيحها. وهذا التقسيم ــ إن صحّ عنه ــ فإنّه دليل على إدراك ابن عبّاس لاختلاف مستويات العرب في فهم النص القرآني، وتفاوت قدراتهم في الاستفادة منه في مقام التشريع، كما يدلّ من جهة أُخرى على معرفة ابن عبّاس الدقيقة بجلال المهمة التي تصدَّى لها حين تصدَّر لتفسير الكتاب العزيز.
وتدلّنا بعض النصوص على أنّ إدراك ابن عبّاس لأثر الملابسات التي تحيط بالنص في تحديد دلالته كان مبكراً جدّاً، فقد روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي، أنّه قال: ((خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدّث نفسه: كيف تختلف هذه الأُمّة ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! إنّا أنزل علينا القرآن، فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنّه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عبّاس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال: أعد علَيَّ ما قلت. فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه))(2).
وإذا كان لأسباب النزول أثر واضح في تحديد دلالة النص القرآني، فإنّ معرفتها وحدها لا تكون كافية في كلّ الأحوال لقصر أفهام البشر على فهم معنى واحد للآية، إذ أنّ رحابة مدارج العربية في التعبير، تجعل العربي في حيرة من أمره في مواضع كثيرة. ويروون في هذا السياق عن عليّ بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ كلاماً قاله لابن عبّاس حين بعثه لمحاجَّة الخوارج، وإرشادهم إلى الصراط السوي، حيث أخرج ابن سعد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً أرسله إلى الخوارج، فقال: (اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجّهم بالقرآن فإنّه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسُنّة). وأخرج من وجه آخر: أنّ ابن عبّاس قال له: يا أمير المؤمنين! فأنا أعلم بكتاب الله منهم؛ في بيوتنا نزل ــ أي: فأعرف فيم نزل ــ قال: (صدقت، ولكن القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسُنن، فإنّهم لم يجدوا عنها محيصاً). فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن، فلم تبق بأيديهم حجّة(1).
وسنتناول هنا تفسيره للكلمات الغريبة من الذكر الحكيم تفسيراً دقيقاً محدّداً، يمكن أن نسميه بالتفسير المعجمي، كما سنعرض لنماذج من تفسيره للكلمات على مقتضى ما يوحي به السياق، ممّا يمكن أن نسميه بالتفسير السياقي، ونضم إلى ذلك شرحه لبعض العبارات وبعض المسائل المشكِلة التي توهم تدافع آيات الكتاب العزيز، غير قاصدين في كلّ ذلك إلى الإحفاء والاستقصاء.
1) - الإتقان 1/142.
وهو تفسير يتناول في الغالب كلمة واحدة من الآية، فيشرحها بما لا يزيد على كلمة أو كلمتين، يكون عادة أكثر شهرة عند الناس. وهناك مصدران رئيسان لهذا النوع:
1ـ صحيفة ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس(1): تلك الصحيفة التي قال فيها الإمام أحمد بن حنبل: ((في مصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً)). وقد اعتمد الإمام البخاري على هذه الصحيفة في شرح بعض المفردات الغريبة الواردة في كتاب التفسير من (صحيحه). وهذه الصحيفة ليست مقتصرة على شرح الغريب، بل ذكر فيها أسباب النزول، كما أنّ فيها شرحاً كاملاً لبعض الآيات في بعض الأحيان. وقد حفظ الشطر الأكبر من هذه الصحيفة ابن جرير الطبري في (تفسيره)، ثمّ جاء الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي ــ طيب الله ثراه ــ فألّف كتاباً سمّاه: (معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري)، ذكر فيه ما روي عن ابن عبّاس من طريق ابن أبي طلحة خاصّة(2).
2ـ مسائل نافع بن الأزرق: وهي مجموعة من الأسئلة ألقاها نافع بن الأزرق أحد زعماء الخوارج على ابن عبّاس.
حيث ذكروا: أنّ نافعاً قال لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم له به، فقاما إليه، فقالا: نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله عزّ وجلّ فتفسّرها لنا، وتأتينا بمصداقه من كلام العرب، فإنّ الله ــ عزّ وجلّ ــ إنّما أنزل القرآن بلسان عربي مبين.
قال ابن عبّاس: سلاني عمّا بدا لكما، تجدا علمه عندي حاضراً إن شاء الله تعالى.
فقالا: يا بن عبّاس! أخبرنا عن قول الله ــ عزّ وجلّ ــ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ(1)؟ قال: (عزين): حَلَق الرفاق.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:
فجاءوا يُهرعون إليه حتى *** يكونوا حول منبره عزينا
وعلى هذه الوتيرة يمضي نافع في توجيه أسئلته، ويمضي ابن عبّاس في الإجابة عنها حتّى يمرَّ على نحو مئتين وخمسين موضعاً من الذكر الحكيم. وقد أخرج أفراداً من هذه المسائل: أبو بكر بن الأنباري، والطبراني، والمبرّد، والسيوطي(2). وقد نشرها في كتاب مستقل د. إبراهيم السامرائي تحت عنوان: (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس)(3)، وأجرت دراسة حولها د. عائشة عبد الرحمن، كما ألحقها محمّد فؤاد عبد الباقي في آخر (معجم
غريب القرآن)(1)، وأخيراً جعلها الشيخ أبو تراب الظاهري محوراً لدراسة موسوعية ضمنها الجزء الأوّل من كتابه (شواهد القرآن)(2).
والذي يغلب على ظنّي أنّ هذه المسائل ليست جميعاً لنافع، وإنّما المتصوَّر أن يكون نافع ألقى على ابن عبّاس بعضها، ثمّ جاء من ضمّ إليها ما يشبهها ممّا عثر عليه منسوباً لابن عبّاس، فصارت تنسب جميعها إليه(3).
وهذه نماذج من التفسير المعجمي:
أ ــ قال نافع بن الأزرق: أخبرني عن قوله ــ تعالى ــ : قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً(4)؟
قال: الرمز: الإشارة باليد، والومأ بالرأس.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ما في السماء من الرحمن مرتمز *** إلاّ إليه وما في الأرض من وزر(5)
وإذا رجعنا إلى ما قاله في هذا أهل التفسير، وجدناه لا يخرج عمّا قاله ابن عبّاس، ممّا يدلّ على متابعتهم له(6).
ب ــ قال نافع لابن عبّاس: أخبرني عن قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(1)؟
قال: في اعتدال واستقامة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة يقول:
يا عين هلا بكيت أربد إذ *** قمنا وقام الخصوم في كبد(2)
وقد تابع الفرّاء ابن عبّاس في هذا(3)، لكن جماهير المفسّرين وأهل اللغة يذهبون إلى أنّ الكبد هنا معناه: الشدَّة والعناء، فهو يكابد أمر الدنيا والآخرة. ومع أنّ المعاجم تورد المعنى الآخر الذي ذكره ابن عبّاس، إلاّ أنّ توجههم إلى أنّ المراد بها هنا هو التعب والمشقّة، واستشهد بعضهم ببيت لبيد على معنى المشقّة(4). فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، إلاّ أنّه ورد عن ابن عبّاس قولان آخران: أحدهما: أنّ المراد في شدّة خَلْق، أي: شديد القوّة والأسر. والثاني: ما عليه الجمهور من المشقّة والتعب(5). وأجدر بهذا أن يكون الرواية الصحيحة عنه.
ج ــ قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ(1)؟
قال: السنا: الضوء.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث يقول:
يدعو إلى الحقّ لا يبغي به بدلا *** يجلو بضوء سناه داجي الظلم(2)
وقد تابعت الجماهير ابن عبّاس فيما ذهب إليه، ولم ينازعه في هذا أحد نعلمه.
د ــ في قوله تعالى: وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً _ وَكَأْساً دِهَاقاً(3)، تضافرت الروايات عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنّه فسَّر (دهاقاً): بـ(ملأى)(4).
وذكر السيوطي: أنّ نافعاً قال لابن عبّاس: أخبرني عن قوله تعالى: وَكَأْساً دِهَاقاً؟
قال: ملأى، أما سمعت قول الشاعر:
أتانا عامر يرجو قِرانا *** فأترعنا له كاساً دهاقا(5)
وقال الطبري: قال ابن عبّاس لغلامه: اسقني دهاقاً، فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عبّاس: هذا الدهاق(1). ويبدو أنّ تأكيد ابن عبّاس على هذا المعنى كان للردّ على من يخالفه في هذا، حيث ذهب بعضهم إلى أنّ الدهاق في الآية ليس من الامتلاء، وإنّما من التتابع، من الدهق الذي هو متابعة الشدّ. قال ابن منظور: والأوّل أعرف(2).
وفي كتاب (اللغات) المنسوب لابن عبّاس أنّ استخدام (دهاق) بمعنى (ملأى) لغة هذيل(3). وإذا كان الأمر على هذه الصورة، فإنّ الذين قالوا: (متتابعة) لم يبعدوا النُّجعة، إذ من المحتمل أن يكون ذلك من باب تعدّد اللهجات، لكن أكثر اللغويين على ما نسب إلى ابن عبّاس(4).
هـ ــ في قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ(5)، تظاهرت الرواية عن ابن عبّاس بأنّ المراد من (مترفين) هو التوسع في نعيم الدنيا(6).
وذهب بعض اللغويين والمفسّرين إلى أنّ المراد بـ(مترفين) هنا هو: متكبّرين، أو مشركين(7)، ولكن الجماهير تابعت ابن عبّاس فيما ذهب إليه(8).
1) - انظر: تفسير الطبري 1/13.
2) - اللسان 10/106 (دهق).
3) - اللغات في القرآن: 51.
4) - غريب القرآن لليزيدي: 409، ومجاز القرآن 2/283، ومعاني الزجاج 5/275.
5) - سورة الواقعة/45.
6) - انظر: إعراب النحاس 3/331، وتفسير القرطبي 17/213، ومعجم غريب القرآن: 20.
7) - مجاز القرآن 2/251، والقرطبي 17/213.
8) - انظر: معاني الفرّاء 3/127، وإعراب النحاس 3/331.
بل إنّ ابن منظور لم يذكر لـ(ترف) إلاّ معنى واحداً، هو (التنعُّم)(1)، ممّا يدلّ على أنّ من فسّر (مترفين) بـ(متكبّرين) فسّر اللفظة تفسيراً تقريبياً، إذ إنّ التكبّر والبطر كثيراً ما يلازم السعة في الرزق والبسط في السلطان. كما يدلّ على أنّ من فسّرها بـ(مشركين) إنّما أراد الإشارة إلى أنّ هذا الوعيد الشديد لا يكون جزاء للمنعَّم، وإنّما للمشرك.
هذا وقد ظهر من هذه النماذج الخمسة التي ذكرناها أنّ تأثير تفسير ابن عبّاس في الخالفين بعده كان قوّياً جدّاً، كما نستفيد منها أنّ إمكانات الخلاف في تفسير اللفظة الواحدة واسعة. وبالإمكان التوسع في الاطّلاع على التفسير المعجمي من خلال النظر في (معجم غريب القرآن)، و(شواهد القرآن)(2).
2ـ(3)التفسير السياقي:
المراد بالتفسير السياقي: هو الاتكال على بعض القرائن والملابسات المستفادة من سياق الآية، أو من أسباب النزول، أو ما عرف من آية أُخرى قطعية الدلالة، فيحمل ظنّي الدلالة على قطعيه، أو ما عرف من أحكام الشريعة الغراء. وهذا اللون من التفسير مارسه كلّ من تصدى لشرح الكتاب
1) - اللسان 9/17 (ترف).
2) - وانظر كذلك: إعراب القرآن للنحاس 2/68، 230، 317، 691، 765، 3/101، 116، 117، 186، 216، 138، 257، 262، 301، 304، 315، 677. والوقف والابتداء لابن الأنباري: 1/64، 65، 66، 68، 69، 71، 72، 73، 74. وانظر: حجّة أبي زرعة: 205، 693، والمكتفى: 607، والبحر المحيط 3/157، 219.
3) - في نسخة المؤلف 3 والصواب ما أثبتناه).
العزيز، وهو أمر لا مندوحة عنه في كثير من الأحيان، ولكن ابن عبّاس يُعدُّ بحقّ واضع اللبنات الأولى المكينة في هذا الاتجاه.
وهذه بعض النماذج التي تصوّر ذلك اخترناها من مادّة غزيرة منقولة عنه:
أ ــ قال نافع بن الأزرق لابن عبّاس: أخبرني عن قوله تعالى: وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ(1)؟
قال ابن عبّاس: (اللعنة بعد اللعنة). قال نابغة بني ذبيان:
لا تقذفنِّي بركن لا كفاء له *** وإن تأثَّفك الأعدا بالرِّفد(2)
وليس في معاجمنا (الرفد) بمعنى اللعن، وإنّما مدار المادّة على العطاء والعون، ووصل شيء بشيء آخر. ولكن لمّا كان مقامهم في الدنيا مقام ذمّ وتوبيخ وغضب، وكان ما سيلقونه في الآخرة من جنس ما لاقوه في الدنيا ــ وإن كان أعظم وأبقى ــ حمل ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ الرفد على اللعن، لأنّه من جنس ما أولاهم الله إياه في الدنيا. واعتماداً على السياق ذهب الكلبي إلى أنّ الرفد معناه الزيادة، أي: بئس ما يُرفدون به بعد الغرق النارُ.
وذهب بعض اللغويين إلى بقاء المادّة على أصلها، وهو العطاء، وقال: إنّ المعنى: بئس ما نعطيهم إياه يوم القيامة، ونرفدهم به(3).
ب ــ وقال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم(1)؟
قال: حبسهم، أما سمعت قول أُميّة:
أُركسوا في جهنم أنّهم كانوا *** عتاةً يقولون كذباً وزورا(2)
وعند البخاري أنّ ابن عبّاس فسَّر أركسهم بـ(بدَّدهم)(3). وفي (المقباس) أنّ ابن عبّاس فسّرها بـ(ردّهم إلى الشرك)(4).
ومن الواضح أنّ مادّة (ركس) تعني: الردَّ والرجوع، ولا علاقة للحبس والتبديد بأصل المادّة.
وقد ذكر القطبي ما يعتقد أنّه السبب الذي دفع ابن عبّاس إلى تفسيره ذاك، وهو: أنّ المنافقين في الآية: قوم بمكّة آمنوا، وتركوا الهجرة. قال الضحّاك: وقالوا: إنّ ظهر محمّد صلي الله عليه وآله وسلم فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا، فصار المسلمون فيهم فئتين، قوم يتولّونهم، وقوم يتبرؤون منهم، فنزلت الآية(5). فتفسير الحبس إذاً ظاهر، حيث حبس أولئك المؤمنون عن الهجرة.
لكن الذي في (البخاري) عن زيد بن ثابت، قال: رجع ناس من
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أُحد، وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا. فنزلت(1).. وهذا يؤيد ما في (المقباس).
ج ــ في قوله تعالى: وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ(2)، روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، أنّه قال في تفسيرها: (ولا يَنُحنَ)(3)، وظاهر أنّ المعروف أوسع في دلالته من ترك النياحة، ولكن هناك ما يدعو إلى هذا التخصيص، فقد روت أُمّ عطية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّ ذلك في النوح. وهناك روايات أُخرى تدلّ على ذلك(4). وبهذا تكون بعض القرائن والبينات قد جذَّرت دلالة النص، وركزتها في نوع من أنواع المعروف.
د ــ في قوله تعالى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ(5)، روي عن ابن عبّاس أنّه فسّر (حرام) بـ(وجب)، أي: قدَّر أنّ أهل كلّ قرية أهلكوا أنّهم لا يرجعون إلى الدنيا(6). وذكر الزجّاج أنّه روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لا يرجعون إلى توبة.
وليس في أصل اللغة ما يدلّ على أنّ (حرُم) تأتي بمعنى (وجب)، وإنّما هي مادّة تدور في أكثر معانيها حول المنع، ولكن حتّى يستقيم المعنى ــ إذ الهالك لا يرجع إلى الدنيا، أو إلى التوبة ــ صار ابن عبّاس إلى هذا التأويل.
وكانت هناك سبيل أُخرى في هذا سلكها بعض اللغويين، وهي: أنّ (حرم) على أصلها من المنع، ولكن (لا) في (لا يرجعون) زائدة(1). وبهذا يتحد المعنى في التأويلين، وفي هذا التأويل من صرف الكلام عن ظاهره مثل ما في تأويل ابن عبّاس، ولا حرج.
هـ ــ روى ابن الأنباري بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: (ريب): شكّ إلاّ مكاناً واحداً في الطور: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ(2)، يعني بها: حوادث الأمور، وأنشد ابن عبّاس:
تربَّص بها ريب المنون لعلّها *** تطلَّق يوماً أو يموت حليلها(3)
وهذا يدلّ على أنّ ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ استعرض مادّة (ريب) كلّها في الذكر الحكيم، كما يدلّ على أنّه حكَّم السياق حين أعطى لآية الطور حكماً خاصاً، فجعل الريب فيها بمعنى حوادث الأمور، أو صروف الدهر وما تأتي به الأيام. وقد حاول الراغب أن يجعل (ريب المنون) من جنس غيرها، حين قال: ((سمّاه ريباً لا أنّه مشكّك في كونه، بل من حيث تُشُكِّك في وقت حصوله، فالإنسان أبداً في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه))(4). وما ذكره ابن عبّاس أصرح وأجلى(5). ويمكن أن يستدرك على
ابن عبّاس هنا باستدراك جزئي، وهو أنّ القرآن الكريم استعمل الشكّ والريب في سياق واحد، كما في قوله تعالى: وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(1)، وقوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ(2)، ولا يكون التأويل هنا على معنى: في شكّ مشكّك، والأولى في مثل هذا أن يؤوَّل بالظنّة والتهمة، أي: في شكّ مصحوب بالاتهام. وإطلاق الريب بمعنى الاتهام عربي صريح(3)ولكن تقسيم ابن عبّاس يعد في غاية الدقّة إذا ما نظر إلى الحالة المنهجية والثقافية التي كانت سائدة آنذاك.
والوارد عن ابن عبّاس في هذا المضمار يُعيي الحاصر(4)، ولكنّني أودّ أن أنبه على أمر، وهو أنّ عدم اعتناء علمائنا القدامى بتتبع تطور الدلالة الذي سارع به اختيار الله تعالى للعربية لتكون لغة كتابه، واختيار العرب ليكونوا النواة الأولى لهذه الأُمّة ــ أدى إلى اختلاط المعاني الأصلية للكلمة بالمعاني الجديدة التي اكتسبتها الكلمة المعجمية من خلال ورودها في سياقات معينة في الذكر الحكيم والحديث الشريف وكلام الناس بصورة عامّة، وهذا يجعل الباحث يتردّد كثيراً عند إرادة الفصل بين المعاني الأصلية والطارئة. ولابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ القدح المعلّى، والحظ الأوفى بين الصحابة الكرام في هذا الأمر، لكثرة الوارد عنه في التفسير، ولمعرفته الفذَّة بدلالات الألفاظ.
قد يتجاوز ابن عبّاس بيان اللفظة المفردة إلى توضيح مجمل الآية، وهذا من صميم العمل المعجمي ــ على ما هو معروف ــ ولكن طبيعة العصر لم تكن تقتضي التوسع في مثل هذا اللون من الشرح والتوضيح، إذ إنَّ الفصحى ما زالت لغة القوم، وما زال التحريف الذي دخلها محدوداً جدّاً ممّا يجعل ما يخفى على القارئ للنص العزيز لا يتجاوز في الصفحة الواحدة الكلمة أو الكلمتين، ومن ثمّ فإنّ ما ورد عن ابن عبّاس من هذا القبيل يعد محدوداً إذا ما قورن بغيره.
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
أ ــ قال الله تعالى: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(1)، قال الفرّاء: وحدّثني حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس بذلك، يقول: (سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح)(2)، إذ يكون المعنى: إنّ ابن عبّاس كان يقرأ: (إنّه عَمِلَ غيرَ صالح)(3)، إذ يكون المعنى: إنّ ابن نوح عمل عملاً غير صالح؛ والله أعلم بما صحَّ عنه من ذلك.
ب ــ أخرج ابن الأنباري، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)؟
قال: لا تلبسها على غدر، ولا إثم، البسها وأنت طاهر البدن. وتمثل بقول غيلان الثقفي:
فإنّي بحمد الله لا ثوب غادرٍ *** لبستُ ولا من سوأةٍ أتقنَّع(1)
فقد فهم ابن عبّاس من الآية الأمر بالطهارة المعنوية والحسية، وشمل مع المعنوية طهارة البدن، وهذا صرف للفظ عن ظاهره، ولا يكون عادة إلاّ عند وجود قرائن وأدلّة خارج عن النص ممّا يمس الموضوع.
ج ــ في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(2)، روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: قال جبريل لمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم: (قل يا محمّد! إياك نعبد، إياك نوحد، ونخاف، ونرجو يا ربّنا لا غيرك)(3). وكأنّ ابن عبّاس يشير هنا إلى ما يعرف في البلاغة بـ(القصر) المستفاد من تقديم المفعول به على الفعل.
د ــ قوله تعالى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ(4)، روى ابن أبي طلحة في صحيفته عن ابن عبّاس، أنّه قال: (لا تبدي خلاخيلها ومعضديها ونحرها وشعرها إلاّ لزوجها)(5)، ولا يخفى أنّ ابن عبّاس اعتمد في هذا التفسير على آثار أُخرى توضّح ما يحلّ للمرأة أن تكشفه أمام محارمها، لأنّ النص القرآني هنا لا يدلّ على شيء ممّا ذكر.
هـ ــ في قوله تعالى: فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ(1)، روى الضحّاك عن ابن عبّاس، أنّه قال: (يريد: كنتم في الدنيا تحاربون محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم ، وتحاربونني، فاليوم حاربوني)(2).
وهكذا يمضي ابن عبّاس يبيّن مراد الله تعالى ممهداً الطريق أمام الموسوعات التفسيرية التي ظهرت فيما بعد، والتي لا تكاد تخلو صفحة منها من قول لترجمان القرآن.
هناك بعض المسائل الشائكة التي تفرّق فيها أهل لعلم طرائق قدداً، نظراً لانبهامها في التركيب اللغوي مع عدم وجود أثر يبيّن المراد منها، كما أنّ هناك بعض الآيات الكريمة التي تدلّ دلالة واضحة على المراد منها ولكن يعارضها ــ في الظاهر ــ آية، أو آيات أُخرى تدلّ على عكس ما دلّت عليه، ممّا يربك ذهن السامع، ولكن الراسخين في العلم لا يرون في ذلك ما يراه العامّة، ومن أجدر من ابن عبّاس بكشف اللبس وبيان الحقّ، وهو الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعلّمه الله التأويل، ويفقهه في الدين؟!
وإليك بعض الأمثلة التي توضح ذلك:
أ ــ من جملة المشكلات الحروف المقطعة التي افتتح بها بضع السور الكريمة، وقد اختلف العلماء فيها اختلافاً واسعاً، حتّى أنّ الزركشي ذكر أنّ فيها أكثر من عشرين قولاً! وقد صدّر الزركشي ما ذكره من تلك الأقوال
بقول ابن عبّاس: (إنّ كلّ حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه ــ سبحانه ــ فالألف من (الله)، واللام من (لطيف)، والميم من (مجيد)، أو الألف من (آلائه)، واللام من (لطفه)، والميم من (مجده). قال ابن فارس معقّباً على هذا القول: وهذا وجه جيد، وله في كلام العرب شاهد: (قلنا لها قفي فقالت قَ)، فعبر عن قولها: وقفتُ بـ(قَ).
وذكر ابن النحاس قولاً آخر عن ابن عبّاس في هذا، وهو: أنّ معنى (الر): أنا الله أرى. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق ــ هو الزجاج ــ يميل إلى هذا القول، لأنّ سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد:
بالخير خيرات وإن شرّاً فا *** ولا أريد الشرَ إلاّ أن تا
قال سيبويه: يريد أنّ شرّاً فشرّ، ولا أريد الشرّ إلاّ أن تشاء(1). وعندي أنّ التفويض إلى الله تعالى في هذا أقرب إلى السلامة، ما لم يكن هناك آثار يركن المرء إليها؛ والله تعالى أعلم.
ب ــ هناك خبر طويل مروي عن ابن عبّاس، ذكره عبد الرزاق في (تفسيره)، وأخرجه الحاكم في (المستدرك)، وحكم له بالصحّة، وذكره السيوطي في (الإتقان)، وعلَّق عليه، كما ذكر طرفاً منه ابن قتيبة. ونحن سنفرّق هذا الحديث على ما ورد فيه من الآيات، ذاكرين بعض تعليقات من جاء بعد ابن عبّاس لتكتمل الصورة.
ومفتتح الخبر: أنّ رجلاً جاء إلى ابن عبّاس، فقال: أرأيت أشياء
1) - إعراب القرآن للنحاس 2/48.
تختلف علَيَّ من القرآن؟
فقال ابن عبّاس: أشكٌّ هو؟
قال: ليس بشكّ، ولكنّه اختلاف.
قال: هات ما اختلف عليك من ذلك(1).
ثمّ شرع يسوق شُبهه، وشرع ابن عبّاس يجلوها واحدة بعد أُخرى على النحو التالي:
1ـ قال الرجل لابن عبّاس: أسمع الله تعالى يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(2)، وقال: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً(3)؟
وقد أجاب على هذا بقوله: أمّا قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ...، فإنّهم لمّا رأوا يوم القيامة، وأنّ الله يغفر لأهل الإسلام، ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركاً، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم، فقالوا: وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فختم الله على أفواههم، وتكلّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعلمون. فعند ذلك: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً.
ويشهد لردّ ابن عبّاس ما ورد في حديث طويل عن أبي هريرة، فيه: (ثمّ يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ آمنت بك وبكتابك
وبرسلك، وصلّيت وصمت وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع فيقول: ها هنا إذاً؟ قال: ثمّ يقال له: نبعث شاهداً عليك. ويتفكّر في نفسه من ذا الذي يشهد علَيَّ؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله)(1).
وقد تُلقي جواب ابن عبّاس بالقبول، وأضاف بعضهم وجهاً ثانياً في الجمع بين الآيتين، وهو: أنّ للقيامة مواطن، ففي بعضها يقع الكذب منهم، وفي بعضها لا يقع(2).
2ـ قال الرجل لابن عبّاس: وأسمعه يقول: فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ(3)، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ(4)؟
وقد أجاب ابن عبّاس بقوله: إنّه إذا نفخ في الصور، فصَعِقَ من في السماوات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثمّ نفخ فيه أُخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون(5).
فقد جعل ابن عبّاس انقطاع المسألة بين الناس بعد النفخة الأولى، وجعل التساؤل بعد النفخة الثانية، وجعل جزءاً من آية (الزمر/68) مرتبطاً بحالة، والجزء الثاني مرتبطاً بحالة أخرى.
قال أبو جعفر النحاس في آية (المؤمنون): (في معناه قولان: أحدهما قول ابن عبّاس: إنّهم في وقت لا يتساءلون، والقول الآخر أبين من هذا: يكون معنى فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ: أنّهم لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة، ولا يتساءلون بها كما كانوا في الدنيا يفعلون(1). وهذه غفلة من أبي جعفر رحمه الله، إذ إنّ قول ابن عبّاس إنّما ورد في سياق بيان عدم التدافع بين الآيتين في تساؤل الناس يوم القيامة وعدم تساؤلهم، ولم يرد نفي نفع النسب(2).
3ـ قال الرجل: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...، حتّى بلغ: طَائِعِينَ(3). ثمّ قال في الآية الأخرى: أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا(4)، ثمّ قال: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا(5).
وقد ردَّ ابن عبّاس على الرجل بقوله: (وأمّا قوله: خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، فإنّ الأرض خلقت قبل السماء، وكانت السماء دخاناً، فسواهنَّ سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض.
1) - إعراب القرآن 2/428.
2) - انظر حول متابعة كثير من العلماء لقول ابن عبّاس: تأويل مشكل القرآن: 66، 67، والبرهان 2/55، والكشاف 3/56.
3) - نص الآيات كاملاً: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ _ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ _ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(سورة فصلت/9 ــ 11).
4) - سورة النازعات/27.
5) - سورة النازعات/30.
وأمّا قوله: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، يقول: جعل فيها شجراً، وجعل فيها نهراً، وجعل فيها جبلاً، وجعل فيها بحوراً).
وهذا التخريج من ابن عبّاس في غاية الجودة والوضوح، وقد اختاره ابن قتيبة والطبري، وذكره كلّ من تعرض للجمع بين الآيتين(1).
وهذه الشروح من ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ تعدُّ بداية طيبة جدّاً لدراسات كثيرة جاءت بعد ذلك حاولت فهم الربط الموضوعي بين الآيات التي تحدّث عن موضوع واحد في مواضع مختلفة.
وبذا يكتمل بيان وضع ابن عبّاس لأسس علم الدلالة، أو الدراسات المعجمية، حيث بيّن علاقة اللفظ بالمعنى على مستويات عديدة، آخذاً بعين الاعتبار العلاقة الأصلية بينهما، وما يطرأ عليها من خلال سياقات النص، ورابطاً بين النصوص ذات الموضوع الواحد.
1) - انظر: تأويل مشكل القرآن: 68، والبحر المحيط 7/88، وفتح القدير 5/378.
يقول الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ(1)، فاختلاف الألسنة واللغات كاختلاف الألوان، وكاختلاف الخصائص النفسية والفكرية لدى البشر، وكلّ ذلك من آيات الله التي لا تحصى... وقد غدا من المسلَّم به اليوم أنّ العرب في الجاهلية ــ كما هو شأن أكثر الأمم ــ كانوا يتكلّمون على مستويين اثنين:
مستوى الخاصّة من قادة البيان وفرسان الكلمة، وذلك عند نظم القريض وصياغة الخطب، وفي المحاورات والمنافرات، وأمكنة القول الجاد بشكل عام.
ومستوى العامّة، حيث يتكلّم الناس باللهجات المحلّية في قضاياهم العامّة وشؤونهم الاجتماعية، وهذا المستوى العامّ يسيطر على المتكلّم سيطرة تامّة، ويستوي فيه القارئ والأمي(2).
ومن الباحثين من يرى أنّ الناس كانوا يتكلّمون في الجاهلية وصدر الإسلام على ثلاثة مستويات:
1ـ اللغة المثالية: وهي التي كانت تستعمل في الشعر والخطب.
2ـ اللغة البدوية: وهي التي كانت تستخدم في بوادي نجد وتهامة والحجاز.
3ـ لغة الحواضر: وهي التي كانت تستخدم في المدن كمكّة والمدينة والطائف والحيرة وأطراف الشام. وهذه ليست على مستوى واحد، بل يختلف بعضها عن بعض، وتتفاوت حظوظها في القرب من اللغة المثالية(1). وهذا القول أقرب إلى الحقيقة.
وممّا لا ريب فيه أنّ الكتاب العزيز نزل باللغة المثالية التي هي موضع تفاوت في إتقان الناس لها، والتثقف بها بحسب الدُّربة والمران، وحفظ الشعر والأساليب الراقية.
وهذه اللغة الأدبية كانت مزيجاً من لهجات شتّى، وكان عمودها الفقري ما يتكلّم به خاصّة أهل مكّة، وقد نزل القرآن الكريم بها متحدّياً خاصّة العرب جميعاً، وأهل مكّة في المقدّمة منهم، والأدلّة على عدم معرفة بعض الصحابة معاني بعض الكلمات كثيرة، وقد قدّمنا عدم معرفة ابن عبّاس ــ وهو من خاصّة الخاصّة في هذا الباب ــ معاني بعض الكلمات لأنّها من غير لهجة قريش(2). وفي هذا دليل أيّ دليل على أنّ في الذكر الحكيم من لهجات العرب ما يغاير لغة قريش.
هناك رسالة عثر عليها د. صلاح الدين المنجد في المكتبة الظاهرية
في دمشق بعنوان: (اللغات في القرآن)، وهي برواية ابن حسنون المقرئ بإسناده إلى ابن عبّاس، وقد قام بتحقيقها ونشرها. ويَنْمِي هذه الرسالة إلى ابن عبّاس سلسلة من الرواة تبتدئ بـ((أخبرنا الشيخ أبو محمّد إسماعيل بن عمر بن إسماعيل بن راشد الحدّاد المقرئ قراءة عليه، قال: حدّثني أبو أحمد عبد الله بن الحسين بن محمّد، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ابن أبان القرشي، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أيوب المقرئ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله ــ عزّ وجلّ ــ : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ(1)، قال: بلسان قريش، ولو كان غير عربي ما فهموه...)).
ونظراً لعدم قيام دراسة هذه الرسالة في رواياتها المتعدّدة، فإنّي أبيّن هنا شيئاً عنها لعلّ في ذلك ما يفيد في دراسة نشأة علم اللهجات العربية عامّة، وما يتعلّق منها بالذكر الحكيم خاصّة.
تبتدئ نسخة د. المنجد بعد تلك المقدّمة باستعراض القرآن سورة سورة، ولا يختل هذا النظام إلاّ في النصف الثاني من الجزء الثلاثين، ومجمل الكلمات التي نسبت إلى قبائل عربية في هذه الرسالة يزيد قليلاً على 320 كلمة، وعدد القبائل العربية فيها يصل إلى قرابة خمس وثلاثين قبيلة، كما أنّ كلمات غير قليلة فيها ذكر أنّها وردت موافقة للغات أجنبيّة عن العربية، مثل الفارسية والحبشية والسريانية والعبرية، وغيرها.
وقد ألحق بعض الناشرين هذه الرسالة بهامش (تفسير الجلالين)،
1) - سورة الشعراء/195.
وذكر أنّها لأبي القاسم بن سلام موافقة لما ذكره السيوطي في (الإتقان)(1). وفي أوّلها كذلك إسناد يَنميها إلى ابن عبّاس. ويلتقي الإسنادان عند الحسين بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبان القرشي، وينتهيان إلى عطاء عن ابن عبّاس.
وكان السيوطي قد قال: ((قال أبو القاسم في الكتاب الذي ألّفه في هذا النوع...))(2)، فالسيوطي ذكر أنّ الكتاب لأبي القاسم، فظنّ الناشرون أنّ أبا القاسم هو أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ)! والرجل اسمه: القاسم، ويكنّى أبا عبيد. ولم يذكر ابن النديم أو غيره أنّ لأبي عبيد كتاباً بهذا الاسم(3)، وليس في سلسلة إسناد هذه الرسالة في نسخة د. المنجد، أو النسخة المطبوعة على هامش (تفسير الجلالين) ذكر لأبي عبيد أو أبي القاسم، ممّا يدلّ على أنّ مراد السيوطي في قوله: (أبو القاسم) شخص آخر، لا نعرفه.
بعد المقارنة والموازنة بين نسخة د. المنجد، وما ذكر في هامش (الجلالين)، وما ذكره السيوطي في (الإتقان)، وقفنا على فوارق عدّة، نذكر أهمها فيما يلي:
1ـ أنّ ما ذكره السيوطي مرتب على القبائل، حيث أنّه يسوق الألفاظ
المنسوبة للقبيلة، والتي يُظنّ أنّ القرآن جاء عليها مجتمعة، على حين أنّ النسختين الأخريين مرتبتان على سور القرآن.
2ـ في نسخة د. المنجد، ونسخة (الجلالين)، كلمات كثيرة نسبت إلى قريش، بلغت في نسخة المنجد نحواً من مئة وأربع كلمات، وقريباً منه في نسخة (الجلالين). ولكن السيوطي في (الإتقان) أغفل ذكر قريش بصورة تامّة في الفصل الذي عقده لما وقع في القرآن الكريم بغير لغة الحجاز، فلم ينسب إلى قريش أيّة كلمة، مع أنّه ذكر في ذلك الفصل بعض الروايات المفرّقة التي لم ينسبها إلى كتاب أبي القاسم. ويبدو من صنيعه أنّه يعدُّ ما اختلف فيه ممّا لم ينسبه إلى القبائل من لغة قريش، لأنّ القرآن الكريم نزل في الأعمّ الأغلب على لهجتها.
ولكن ما عنون به لذلك، حين قال: ((النوع السابع والثلاثون: فيما وقع فيه بغير لغة الحجاز))(1)، لا يتناسب مع المضمون، إذ نسب كلمات كثيرة في هذا الباب إلى قبائل حجازية، مثل كنانة وهذيل وخزاعة، ما يدلّ على أنّ مصطلح (الحجاز) لم يكن واضحاً في ذهنه، أو من باب تسمية الجزء باسم الكل، حيث لهجة قريش أهم اللهجات الحجازية.
3ـ هناك خلاف في الترتيب بين نسخة د. المنجد، ونسخة (الجلالين)، قد يكون نشأ من استدراك كلمة نسي الناسخ ذكرها في موضعها، فمن ذلك كلمة (تأس) من قول تعالى: فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(2)،
أُخّرت في نسخة د. المنجد عن الآية (107)، على حين أنّها ذكرت في نسخة (الجلالين) حسب ترتيبها في السورة(1). ووقع في نسخة د. المنجد كذلك أن ذكرت آية في غير موضعها، فقوله تعالى: كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ(2)، ذكر في سورة الحجّ، على حين أنّها ذكرت في نسخة (الجلالين) في موضعها(3). ونحو هذا كثير(4).
4ـ وردت في نسخة د. المنجد وفي (الجلالين) كلمات كثيرة لم ترد في (الإتقان)، فمثلاً لم يرد معنى ضَعِيفاً، ولا وَسَيِّداً، ولا معنى تَدَّخِرُونَ(5). ولعلّ هذا يعود إلى ما أشار إليه من أنّه ذكر ما عثر عليه في رسالة أبي القاسم مختصراً(6).
5ـ هناك خلافات بين النسخ الثلاث تعود إلى التصحيف والتحريف، فقد عمّت البلوى في هذا، حيث إنّه كثيراً ما يبتلي مؤَلَّف بناسخ جاهل تعسر عليه قراءته، فيكتب ما يقع في حدسه وتخمينه، من ذلك:
ما ذكر في كتاب (اللغات) من أنّ معنى الصَّاعِقَةُ(7)بلغة عُمان: الموت، ومثله في (الجلالين). أمّا في (الإتقان) فقد ذكر أنّها الموت بلغة
(عمارة)(1). ونحو من هذا كلمة بَسّاً(2)، فقد ذكر في نسخة د. المنجد: أنّ معناها: (فتاً) بلغة كنانة، ولكن ذكر في نسخة (الجلالين) أنّها بلغة (كندة)(3). ونحو من ذلك: وَسُعُرٍ(4)، حيث ذكر في نسخة د. المنجد: أنّها (الجنون) بلغة (غسَّان)، وفي هامش (الجلالين) أنّها كذلك بلغة (عُمان)(5).
6ـ هناك خلافات بين النسخ تعود إلى نسبة بعض الكلمات إلى أصحابها من القبائل العربية، وذلك كما في اجْتَبَيْتَهَا(6)، حيث ذكر في نسخة د. المنجد أنّ معناها عند قريش بمعنى (أتيتها من ذات نفسك)، أمّا في نسخة (الجلالين) فهي كذلك، ولكن عند (ثقيف) بدل قريش(7). ونحوه كلمة يَحْسَبَنَّ(8)، فهي في نسخة المنجد بكسر السين لغة قريش، وبفتح السين لغة تميم، وفي نسخة (الجلالين) أنّها بفتح السين لغة جرهم(9).
7ـ قد يجري الخلاف بين النسخ الثلاث في المعاني، حيث تتّفق النسبة
1) - انظر: اللغات: 17، وهامش الجلالين: 26؟؟؟؟، والإتقان 1/135.
2) - سورة الواقعة/5.
3) - انظر: اللغات: 46، وهامش الجلالين 2/205.
4) - سورة القمر/47.
5) - اللغات: 45، وهامش الجلالين 2/202.
6) - سورة الأعراف/203.
7) - اللغات: 27، وهامش الجلالين 1/146.
8) - سورة الأنفال/59.
9) - انظر: اللغات: 27، وهامش الجلالين 1/45، وانظر: في نحو هذا اللغات: 32، وهامش الجلالين 1/228، والإتقان 1/135.
إلى قبيلة ما، ولكن يجري الخلاف في معنى الكلمة عند القبيلة، وهذا الخلاف قد يكون قريباً من قبيل المترادف، أو ما يشاكله، وقد يكون بعيداً.
فمن القريب، كلمة حَرِّضِ(1)، فقد ذكر في نسخة المنجد أنّها بمعنى (حرِّص) عند هذيل، وذكر في (الإتقان) وهامش (الجلالين) أنّها عند هذيل بمعنى (حُضَّ)(2)، والمعنى واحد. ولست أستبعد أن تكون إحداهما محرَّفة عن الأخرى.
وقد يكون الخلاف في المعنى بعيداً يعسر تأويله، وذلك كما في أَصْحَابَ الرَّسِّ(3)، فقد ذكر في نسخة د. المنجد أنّ المعنى: (أصحاب البنات)، وعلّل لذلك بأنّ أزد شنوءة يسمّون الرسَّ البنين. أمّا في (الإتقان) وهامش (الجلالين) فقد ذكر أنّ الرسَّ هي البئر عند أزد شنوءة(4). والمعروف في التفسير أنّ الرسَّ البئر(5).
وقد يصل الخلاف بينها إلى حدّ التضادّ، كما في قوله تعالى: سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ(6)ففي نسخة د. المنجد أنّ المعنى: (سحر ذاهب)، وفي هامش (الجلالين): أنّ المعنى (سحر دائم)(7). وبينهما تضادّ كما لا يخفى.
وقد يتجاوز الخلاف دائرة العربية إلى اللغات الأخرى، كما في كلمة يس(1)، ففي نص د. المنجد و(الإتقان) معناها: (يا إنسان) بلغة طيء، وفي هامش (الجلالين) أنّها كذلك في لسان الحبشة(2).
8ـ ومن الفوارق الهامّة بين هذه النصوص الثلاثة، انفراد كلّ واحد منها بكلمات ليست موجودة في غيره، وإذا كان لنص (الإتقان) ما يسوغ سقوط بعض الكلمات منه لأنّ السيوطي ذكر أنّه اختصره اختصاراً، فإنّ المسوّغ معدوم بالنسبة للنصين الآخرين لأنّ إسنادهما واحد. والأمثلة على هذا كثيرة للغاية، نكتفي بذكر عدد يسير منها:
فمما هو موجود في نص د. المنجد وليس موجوداً في (الإتقان): (سيّداً)، (حصوراً)، (تَهِنوا)، (القيوم)، (ضعيفاً)، (جنفاً)، (وسطاً)(3).
وممّا هو موجود في (اللغات) وليس موجوداً في هامش (الجلالين): (سفيهاً)، (ضعيفاً)، (بالقسط)، (زادته)، (عنتِّم)(4).
وممّا هو في هامش (الجلالين) وليس في نص د. المنجد: (ببدنك)، (نادى نوح ابنه)، (حصيد)، (خمراً)، (تفتدون)، (معايش)، (بظاهرٍ من القول)(5).
9ـ ورد في مقدّمة نص د. المنجد ونص (الجلالين) ما ينسب إلى ابن عبّاس من قوله في تفسير قوله تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ(1): (بلسان قريش، ولو كان غير عربي ما فهموه). وقوله: (وليس من ألسنة الأُمم أوسع من لسان العرب، والقرآن ليس فيه لغة إلاّ لغة العرب، وربّما وافقت اللغات اللغات، وأمّا الأصل والجنس فعربي لا يخالطه شيء)(2).
وقول ابن عبّاس: (إنّ القرآن نزل بلسان قريش)، يناقض موضوع الكتاب الذي عقد لبيان ما ورد من لهجات العرب في الذكر الحكيم، إلاّ أن يقال على شيء من التكلّف: إنّ ما جاء في الكتاب يمثل لهجات الكتاب قبل أن تصبح جزءاً من اللغة الأدبية المشتركة، والتي كانت إسهامات قريش فيها هي الأقوى والأعظم، وأنّ ما ينسب إلى ابن عبّاس من أنّ القرآن نزل بلغة قريش، محمول على وضع لهجة خواص القرشيين بعد أن استوعبت خير ما في اللهجات الأُخرى عبر الاحتكاك الثقافي في مواسم الحجّ والمواسم الأدبية.
ويلاحظ فيما نقلناه في النص الثاني أنّ مؤلّف الكتاب ــ وهو قطعاً غير ابن عبّاس ــ كان يتجه إلى أنّ القرآن الكريم ليس فيه شيء من اللغات الأخرى. وقد كانت العبارة الغالبة في نص د. المنجد التعبير بـ(لغة توافق النبطية)، أو نحو ذلك من السريانية، أو العبرية. وهذا القول أحد ثلاثة أقوال للعلماء في هذا الأمر، وقد كان أبو عبيد والطبري يذهبان إلى هذا القول،
ويريان أنّ هذه الكلمات المنسوبة إلى لغات غير العربية إنّما اتّفق فيها أن تتوارد اللغات، فتكلّمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.
لكن ابن عطية وكثيراً من أهل العربية لا يجيزون توافق اللغات إلاّ على سبيل الشذوذ، ويذهبون إلى أنّ تلك الكلمات علقت بألسنة العرب نتيجة اختلاطهم بالشعوب والأُمم الأخرى، وذاعت على ألسنة العرب، وأدخلوها في خطبهم وأشعارهم حتّى جرت مجرى الكلام العربي الفصيح، ثمّ نزل القرآن، فوقعت فيه لتعريب العرب لها وفهمهم معانيها. وهذا القول هو المنقول عن ابن عبّاس، فقد ذكر الزركشي أنّ مذهب ابن عبّاس وعكرمة وغيرهما أنّه وقع في القرآن ما ليس من لغة العرب(1). وهذا القول هو الجدير بالصواب، وهو يناقض ما اتجه إليه مؤلّف الرسالة التي حقّقها د. المنجد، ولكن في مخطوطة هامش (الجلالين) صرّح في غير موضع أنّ كلمة كذا وقعت بلغة كذا بمعنى كذا(2). وهذا دليل آخر على اضطراب تلك النصوص.
10ـ تشغل الكلمات التي نسبت للغات أجنبيّة في النصوص الثلاثة مساحة غير قليلة، واضطراب الأقدمين في هذا الباب كبير، حيث إنّ إرجاع بعض الكلمات الأعجمية التي شاعت على ألسنة العرب إلى أُصولها يقتضي معرفة باللغات الأخرى، وهذا ما لم يكن توفُّره وقتها سهلاً، ولذلك تختلف النصوص الثلاثة في هذا فيما بينها كما يختلف النقل عن غير ابن عبّاس فيها ممّا يؤكّد ما ذكرناه من اضطرابهم في هذا.
فمن ذلك: (شطر)، حيث وردت في نص المنجد، و(الجلالين) أنّها بمعنى (تلقاء) بلغة كنانة(1). وذكر السيوطي أنّ بعضهم يرى أنّ معناها (النصيب) بلهجة موافقة للنبطية، لكن السيوطي يذكر أنّ ابن أبي حاتم روى عن أبي موسى الأشعري ــ رضي الله عنه ــ أنّ معناها (ضِعْف)(2).
ومثل هذا كلمة: (اليمّ)، ففي نص د. المنجد أنّ معناها (البحر) بلغة توافق النبطية، على حين ذكر في نسخة الجلالين أنّها كذلك بلغة توافق القبط. وفي (الإتقان): عن ابن قتيبة أنّ اليمّ البحر بالسريانية. وعن ابن الجوزي أنّها كذلك بالعبرية(3).
ونحو هذا كثير، وهذا كلّه يدلّ على عدم معرفتهم الحسنة باللغات السامية والحامية التي كانت تتبادل مع العربية التأثير والتأثر.
11ـ الظاهر أنّ ما تضمنته النصوص الثلاثة لم يلق اهتماماً من جمهور اللغويين، حيث تجاهلوا ما نسب فيها إلى لهجات العرب، ممّا يدلّ على عدم شهرة هذه الرسالة، أو أنّها من عمل رجل متأخّر، جمعها ثمّ نسبها إلى ابن عبّاس من أجل ترويجها.
وللتأكّد من الإحساس الذي كان يخالجني، قمت بمراجعة ما ورد في نص د. المنجد في سورة البقرة، ومقارنتها بكتابين لهما اهتمام واسع باللهجات، وهما: (لسان العرب)، و(البحر المحيط) في التفسير، وكانت
النتيجة أنّ معاني الكلمات (الثلاثين) الواردة في سورة البقرة أثبتت في (اللسان) و(البحر)، وأمّا نسبة هذه المعاني إلى قبائل بعينها فلم ترد في الكتابين(1), وهذا يدلّ على عدم عتق هذه الرسالة، أو عدم ذيوعها عند العلماء السابقين، وإن لم يكن هذا غير قاطع، ولكنّه مؤشر قوّي إلى ما قلنا. وما يأتي من وراء يكون موضعاً لاستيحاش النفس منه ونفورها عنه.
12ـ إذا نظرنا في حظوظ القبائل من موافقة الذكر الحكيم على مقتضى النتائج التي تفيدها المعلومات الواردة في هذه النصوص، وجدناها لا تتناسب مع بعض نصوص اللغويين في إسهامات القبائل العربية في الأدبية المشتركة، فقد قال الفارابي: ((والذين نقلت اللغة العربية عنهم، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب، هم: قيس، وتميم، وأسد، فإنّ هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثمّ بعض هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم...))(2).
فهذا النص يؤكّد أنّ الرواة العرب اعتمدوا اعتماداً شبه مطلق على القبائل النجدية ومن جاورها، في جمع المادّة اللغوية التي صاغوا منها قواعد العربية، ولهذا الرأي من يسانده من الباحثين المعاصرين(3).
ومقتضى هذا أن يكون لأسد وتميم وقيس نصيب الأسد في الكلمات الواردة في القرآن الكريم ممّا اختلفت فيه العرب، ولكن ما في النصوص الثلاثة يفيدنا خلاف ذلك، حيث إنّه لم يرد ذكر لقبيلة أسد، أمّا تميم وقيس فقد ورد لكلّ منهما ثلاث عشرة كلمة، على حين ذكر لقريش مئة وأربع كلمات، ولهذيل خمس وأربعون كلمة(1).
وفي تكملة كلام الفارابي ما يشير إلى امتناع الرواة من الأخذ عن عدد من القبائل العربية الواقعة على أطراف الجزيرة، لاختلاطها بالأعاجم وتأثرها بلغاتهم، فهم لم يأخذوا عن: لخم، وجذام، وقضاعة، وغسّان، وتغلب، واليمن، وبكر، وعبد القيس، وأزد عُمان، وثقيف، وأهل الطائف(2).
ونجد في النصوص الثلاثة كلمات كثيرة أخذت من أولئك الذين زعم الفارابي أنّ الرواة تحاموا الرواية عنهم(3). ومع أنّني لا أرفع نص الفارابي فوق الشبهات، إلاّ أنّه يضع إشارة استفهام حول هذه النصوص على الأقل!
13ـ وفي نهاية المطاف، فإنّ هناك نصّاً عن ابن عبّاس يشير إلى خلاف ما هو معزوٌ إليه في النصوص الثلاثة، فقد روى أبو عبيد من طريق أبي صالح عن ابن عبّاس، أنّه قال: (نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن). وقد شرح أبو عبيد معنى العجز من هوازن، فقال:
((وهم خمس قبائل أو أربع، منها: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف))(1). وهذا يصادم ما بين أيدينا، حيث ورد في نص د. المنجد ذكر ثلاثين قبيلة!
وهذا الذي ذكرناه يدلّ في مجمله على عدم اطمئنان الباحث إلى صحّة نسبة هذه النصوص إلى ابن عبّاس بهيئتها التي رويت لنا عليها، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ بعض ما ذكر صحيح النسبة إلى ابن عبّاس، التقطه بعض من جمع هذه النصوص من روايات مختلفة عن ابن عبّاس، ثمّ نسب كلّ ما بين يديه إليه.
وإنّما أطلت النفس في الحديث عن نسبة هذه النصوص، لأنّني لم أر من حاول نقدها نقداً داخلياً موضوعياً، ولأنّ تمحيص النصوص الأولى التي وردت إلينا في اللهجات العربية أمر مهم للغاية حتّى نتمكن من بناء شيء تالٍ عليه.
إذا كنّا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه، فإنّ هذا لا ينفي وجود روايات أُخرى في كتب معتمدة ترفع إلى ابن عبّاس بعض الأقوال التي تعبّر عن معرفة حسنة بشيء من لهجات العرب، لأنّ عناية ابن عبّاس بتفسير القرآن وتأويله وحلِّ مشكله واهتمامه البالغ برواية الشعر، يجعل صدور بعض الملاحظات اللهجية عنه أمراً طبيعياً ومتوقعاً، بل إنّ ابن عبّاس نفسه استفاد من تعدّد
1) - المرشد الوجيز: 93، والمزهر 1/210.
اللهجات العربية في الإمكانات التنويعية للدلالات المعجمية والسياقية.
وإليك شيئاً ممّا ورد عنه في هذا السبيل:
1ـ في قوله ــ عزّ اسمه ــ : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً(1)، روي عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنّه قال: (ييأس) بمعنى (علم) لغة للنَّخَع(2). وفي مسائل نافع بن الأزرق أنّها كذلك عند بني مالك(3).
2ـ أخرج أبو عمرو الداني: بسنده إلى سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في قوله ــ تعالى ــ : وَأَنتُمْ سَامِدُونَ(4)، أنّه قال: هو الغناء. قال: وهو لغة يمانية، اسمدي لنا، أي: تغنّي لنا(5). وفي مسائل نافع أنّ السمود هو: اللهو والباطل. دون نسبة إلى قبيلة بعينها(6).
3ـ في قوله ــ تعالى ــ : لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا(7)، قال: الفرّاء: حدّثني حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: اللهو: الولد بلغة حضرموت(8).
4ـ في قوله ــ عزّ اسمه ــ : وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً(1)، روى الفرّاء بالإسناد السابق عن ابن عبّاس، أنّه قال: البور في لغة أزد عمان: الفاسد(2). لكن بعض اللغويين لا يخص هذا المعنى بقبيلة معينة، كما يفهم من ظاهر كلام الزجاج، حين قال: (البائر في اللغة الفاسد الذي لا خير فيه)(3).
5ـ في قوله ــ سبحانه ــ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ(4)، سأل نافع بن الأزرق ابن عبّاس عن معنى: (يفتنكم) في هذا الموضع؟ فقال: يضلّكم بالعذاب والجهد بلغة هوازن، أما سمعت قول الشاعر:
كلّ امرئ من عباد الله مضطهدٌ *** ببطن مكّة مقهور ومفتونُ(5)
ولعلّ الأصرح في المعنى هنا ما ذكره الطبري من قوله: (إذا خشيتم فتنة الكفار باعتدائهم عليكم في سجودكم)(6). إذ الضلال هنا غير مراد، إلاّ أن يقال: إنّه قد ينتج عن الاعتداء عليكم ضعف في صلابة بعضكم فيتراجعوا عن دينهم.
6ـ في قوله ــ تعالى ــ : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ(1)، سأل نافع ابن عبّاس عن معنى (نقبوا)، فقال: معناها: هربوا بلغة أهل اليمن، قال عدي بن زيد: فنَقَّبوا في البلاد حذر المو *** ت وجالوا أيَّ مجالِ(2)
7ـ ذكر أبو بكر بن الأنباري، بإسناده عن حيان بن أبجر، قال: كنت عند ابن عبّاس، فجاءه رجل من هذيل، فقال له ابن عبّاس: ما فعل فلان؟ لرجل منهم. قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء. فقال ابن عبّاس: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(3)، قال: الوراء: ولد الولد(4), وفي هذه الرواية ما يشعر بأنّ إطلاق لفظ (الوراء) على ولد الولد وارد عند هذيل.
8ـ ورد عن ابن عبّاس ما يشير إلى اهتمام بالغ بالوقوف على معاني الكلمة الواحدة عند قبائل مختلفة، من ذلك ما ذكره القرطبي عن ابن عبّاس، أنّه قال: (الكنود) بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، وبلسان كنانة: البخيل السيء الملكة(5).
9ـ وبإمكان المرء أن يقف على روايات كثيرة عن ابن عبّاس غير ما تقدّم، تشير في مجموعها إلى اهتمام ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ بهذا اللون من المعرفة.
ولا ريب عندي في اضطراب كثير من تلك الروايات، ولكن، لو صحّ عُشر ما نسب إلى ابن عبّاس في هذا الباب، لكان كافياً لجعل ابن عبّاس المؤسّس الأوّل لدراسات اللهجات العربية.
ولعلّ الله تعالى يهيئ في قابل الأيام من يقوم بدراسات مركّزة حول أسانيد مختلف تلك الروايات عن ابن عبّاس، ونقد متون تلك الأخبار نقداً داخلياً ينفي عنها الزيف، ويكشف عن الأصيل الصحيح منها.
أنزل الله ــ سبحانه ــ كتابه ليكون هدى للعالمين ورحمة، وحثهم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وتحدّى به أرباب البيان وفرسان الكلمة، وطاولهم في التحدّي بما حواه من بديع النظم وجزالة اللفظ، وحسن الحبك وشرف المعنى، فأذعنوا لذلك وأقرّوا بعجزهم، واستيقنت قلوب العرب جميعاً مسلمهم وكافرهم أنّ هذا القرآن ليس من كلام البشر. وإذا كان هذا موقف الخاصّة، فموقف العامّة منهم أبلغ في العجز والتقصير. ولمّا كان القرآن الكريم منزَّلاً ليعمل به الخاصّة والعامّة، شعر كثير من العامّة بالحاجة إلى تفسير بعض ألفاظه، واشتدت الحاجة إلى ذلك حين دخل كثيرون من غير العرب في الإسلام، وحيث تعقدت عقلية العربي وثقافته، وصار الإدراك العامّ للنص غير كافٍ، بل صار الوقوف على مفرداته كلمة كلمة مطلباً عامّاً لهم.
ووُجد إلى جانب ذلك امتنان الله تعالى على عباده بإنزال كتابه على سبعة(1)
(أقول: وراجع كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص119 ــ 135 تجد المناقشة الجادة النافعة في السند والمتن، وأنّه لا يصحّ الحديث، لاختلاف أسانيده ومتونه ومضامينه، وفساد ما ذكر في توجيه وجوهه، وليس منها ما هو وجيه؛ فراجع، واغتنم قراءة الملحق الثاني في آخر الكتاب. (الخرسان).
أحرف تيسيراً على الأُمّة الأُمية التي لم تتعود الدرس والكتابة، فأقرأ1) - حديث: (أنزل الله القرآن على سبعة أحرف)، رواه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أكثر من عشرين صحابياً. انظر في هذا الحديث: القواعد والإشارات: 23، ولطائف الإشارات: 1/31، والإتقان 1/45.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وترتّب على هذا في بعض الأحيان بعض الاختلاف في المعنى بين القراءات الصحيحة المختلفة، وهو خلاف تغاير وتنوع لا خلاف تضاد وتناف، واقتضى ذلك توجيه العلماء لتلك القراءات، والكشف عن موافقتها للغة العربية، والمعنى العامّ للآيات الواردة فيها ورسم المصحف، إلى آخر ما هنالك من وجوه.
وفنُّ توجيه القراءات يحتاج إلى نسيج متميّز من العلوم والمعارف، فعلى من يتعاطاه أن يعرف أُصول العربية وأكثر فروعها، كما أنّ عليه أن يلمَّ بأسباب النزول وقواعد رسم المصحف، وأقوال المفسّرين في المعنى العامّ المستفاد من الآية التي فيها القراءة التي يريد توجيهها.
نحن نعتقد أنّ توجيه القراءة ارتبط في نشأته بنشأة التفسير، وفرسان التفسير من الصحابة الكرام هم الذين وضعوا اللبنات الأولى في صرح هذا الفنّ. وإذا كان ابن عبّاس هو أجدر الصحابةM بلقب مفسّر، فهو كذلك أجدرهم بجعله مؤسّساً لفنّ الاحتجاج للقراءات. ولكن كثيراً من الباحثين لا يرون هذه الرؤية، ويرجعون الاهتمام بتوجيه القراءات إلى فترات جاءت بعد ابن عبّاس بنحو قرن أو قرنين من الزمان, ولا أريد هنا أن أناقش هذا الموضوع، حيث كنت عرضت له في بحث آخر(1). وما سنعرضه هنا من النصوص كافٍ لإثبات ما ندّعيه.
1) - أُصول توجيه القراءات: 37 وما بعدها.
وسأتحدّث في هذا الباب عن ثلاث مسائل:
1ـ توجيه ابن عبّاس الصريح للقراءات.
2ـ نماذج ذات دلالات خاصّة من قراءته.
3ـ استفادة من جاء بعده من أقواله في توجيه القراءات.
ولعلّنا بذلك نكشف عن إسهام ابن عبّاس في تأسيس هذا الفنّ والأثر الذي تركته أقواله في تنميته فيما بعد.
وردت عن ابن عبّاس روايات عدّة في توجيه بعض القراءات واستحسانها، كما وردت بعض الروايات التي وجه فيها القراءتين الواردتين على الكلمة الواحدة دون تقديم أيّ منهما على الأخرى، وهناك نوع ثالث من الروايات يفيد انتقاد ابن عبّاس لبعض القراءات لعدم انسجامها مع ما يتبادر إلى الذهن من المعنى، أو لخروجها على ما يرتضيه ابن عبّاس من قواعد العربية، وإليك بعض النماذج التي تغطي ذلك كلّه:
1ـ في قوله ــ سبحانه ــ : وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ _ لاَ يَسَّمَّعُونَ إلى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ(1)، قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص: (لا يسَّمَّعون) بالتشديد، وقرأ باقي السبعة: (لا يَسْمَعون) مخففة(2). وقد روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ (يَسْمعون)
بالتخفيف، ويقول: هم يَسَّمَّعون، ولا يسمعون، ولعلّ ابن عبّاس وجد القراءة بالتخفيف تنسجم مع قوله ــ تعالى ــ : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ(1)، فقد اعتمد ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ في اختياره قراءة التخفيف على ما هو ثابت من منع الجنّ من استراق السمع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
2ـ قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)، قرأ حمزة والكسائي: (قال اعلمْ) بالبناء على السكون، على أنّه فعل أمر، وقرأ باقي السبعة: (أعلمُ) على أنّه فعل مضارع. وقد روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ: (اعلمْ)، ويقول: أهو خير أم إبراهيم، إذ قيل له: وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؟(3)
وظاهر هذا الخبر: أنّ ابن عبّاس إنّما اختار قراءة (اعلم) بالأمر، لأنّه يرى أنّه لا يتنافى مع قدر ذلك الذي أماته الله ثمّ بعثه، أن يؤمر؛ لأنّ الأمر وُجِّه إلى إبراهيم خليل الرحمن... فأنت ترى أنّ اعتماده في هذا التوجيه أيضاً على المعنى، ولكن دون الاستناد على نص قرآني أو شيء مقرّر في أُصول الشريعة. ولموجهي القراءات كلام كثير في هذا غير ما قاله حبر القرآن(4).
3ـ في قوله ــ جلّ وعلا ــ : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ(5)، قرأ جمهور
السبعة (سأل) بالهمز، وقرأ نافع وابن عامر: (سال) من غير همز(1). وقد رُوي عن ابن عبّاس أنّه قرأ: (سال سايلٌ) بدون همز في الكلمتين(2)، وذكر أبو زرعة أنّ ابن عبّاس وجَّه القراءتين السبعيتين بقوله: (من قرأها بلا همز فإنّه واد في جهنم، ومن قرأها مهموزة يريد النَّضر)(3). وإذا صحّ هذا عن ابن عبّاس فإنّه يعد خطوة متقدّمة في نمو هذا الفنّ، حيث لا يقتصر الموجه على توجيه قراءة واحدة، وإنّما يتجاوز ذلك إلى إيجاد الانسجام بين القراءتين بوجه من وجوه التأويل.
4ـ ونحو هذا ما نقل عنه في قوله ــ عزّ اسمه ــ : لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً(4)، حيث قرأ حمزة والكسائي: (كُرهاً) بالضم، وقرأ باقي السبعة بفتح الكاف(5). وقد نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: من قرأ (كُرهاً) بالضم، أي: بمشقة، ومن قرأ (كَرْهاً) بالفتح، أي: إجباراً، أي: أُجبر عليه. جعل ابن عبّاس (الكُره) فعل الإنسان، و(الكَره) ما أُكره عليه صاحبه(6). ويروى عن أبي عمرو بن العلاء ما هو قريب من قول ابن عبّاس(7).
5ـ في قوله ــ عزّ اسمه ــ : وَمَا كَانَ لِنبيّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا
غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(1)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (أن يَغُلَّ) بفتح الياء. وقرأ باقي السبعة: (يُغَلَّ) بالبناء للمجهول(2). وقد روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ: (يَغُلَّ) بفتح الياء، ويقول(3): (كيف لا يكون له أن يُغلَّ وقد كان جائزاً أن يُقتل؟! قال الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الأَنبيّاءَ(4)، قال: ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء فُقد، فأنزل الله: وَمَا كَانَ لِنبيّ أَن يَغُلَّ(5)، أي: يخون أُمّته في المغانم، فنفى عنه الغلول)(6). وظاهر هذا النص إنكار ابن عبّاس على من قرأ بضمّ الياء، لأنّه حمل هذه القراءة على معنى نفي أن تُغَلَّ يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عنقه، وهي حالة أخف من القتل الجائز عليه, وقد روي عن يونس بن حبيب أنّه قال: (كيف لا يُغل؟ بلى ويقتل)(7). وهذا منه متابعة لابن عبّاس.
وسياق الكلام، وما ذكر من أسباب النزول لا ينسجم مع هذا المروي عن ابن عبّاس، وكلمة (يُغَلَّ) تحتمل من الناحية اللغوية البحتة أن تكون على معنى: أن يُنسب إلى (الغلول)، أي: يُخَوَّن. كما تحتمل أن يكون على معنى: أن يغلّه أصحابُه، أي: يخونونه بالأخذ من الغنيمة قبل قسمتها. ولذا
ففي النفس شيء من صحّة هذا الكلام عن ابن عبّاس!
6ـ في قوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى(1)، قرأ لفيف من الصحابة ــ منهم: أنس، وأبو الدرداء، وأبو هريرة ــ رضي الله عنهما ــ : (عندها جَنَّهُ المأوى)(2).
وقد روي عن ابن عبّاس، أنّه سأل أبا العالية: كيف تقرؤونها يا أبا العالية؟ فقال: (عندها جنّة المأوى). فقال: صدقت هي مثل الأخرى: (جنات المأوى)(3). وقد اعتمد ابن عبّاس في تأييد قراءة الجمهور هنا على آية أُخرى ليست موضع نزاع، وعلى ما عُرف من السياق العامّ لآيات سورة النجم.
7ـ في قوله سبحانه: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ(4)، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: (في عين حامية)، أي: حارَّة. وقرأ باقي السبعة: (حمئة)، والحمئة: الطين المنتن المتغيّر. قال أبو زرعة: قال ابن عبّاس: (كنت عند معاوية، فقرأ (تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلاّ (في عين حمئة). فقال لعبد الله بن عمرو ابن العاص: كيف تقرؤها؟ فقال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عبّاس: فقلت: في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: أمّا العربية فأنت أعلم بها، وأمّا أنا فأجد
الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين، أراد أنّها تغرب في عين ذات حمئة)(1)(2). ويذكر القرطبي عن ابن عبّاس، أنّه قال: أقرأنيها أُبيٌّ كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (في عين حمئة)(3).
وبهذا يكون ابن عبّاس في ترجيح القراءة على المعنى، وقد أيَّد كعبٌ ابن عبّاس في ذلك، كما اعتمد على الإسناد، إذ إنّه أخذ قراءته عن أقرأ الصحابة، وهو أخذها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
8ـ في قوله تبارك وجهه: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ(4)، قرأ نافع وابن كثير وعاصم: (يقصُ) بالصاد، وقرأ باقي السبعة: (يقضي) بالضاد. وقد ذكر أبو زرعة أنّ ابن عبّاس كان يوجِّه قراءة (يقصُّ) بانسجامها مع قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ(5)، وقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ(6)، وآيات أخرى. وقد عضد مجاهد قول شيخه ابن عبّاس بقوله: لو كان (يقضي) لكانت: (يقضي بالحقّ)، والعرب تقول: قضيت بالحقّ، قال الله عزّ وجلّ: وَاللَّهُ يَقْضِي
بِالْحَقِّ(1). وقد اختلفت الرواية في قراءة ابن عبّاس نفسه، فذكر النحاس أنّه كان يقرأ (يقصُّ)، وذكر الفرّاء أنّه كان يقرأ (يقضي)(2). 9ـ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ(3)، قرأ نافع: (والصابين) من غير همز، وقرأ باقي السبعة بالهمز(4). وقد روي عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنّه قال: (ما الصابون؟ إنّما هي الصابئون، ما الخاطون؟ إنّما هي الخاطئون)(5). وفي هذا المثال نرى ابن عبّاس يرجّح قراءة الهمز في هاتين الكلمتين لأنّه يرى أنّ الهمز أفصح من التسهيل، وهذا يدلّ على معرفة ابن عبّاس بلهجات العرب، كما يدلّ على معرفته بأُصول الإعلال في العربية، حيث اتجه الجمهور من السبعة وغيرهم إلى القراءة بالهمز الذي حسَّنه ابن عبّاس، كما أنّ كثيراً من النحويين يرون أنّ قلب الهمزة هنا بابه الشعر(6).
10ـ في قوله ــ جلّ وعلا ــ : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ(7)، قرأ بعض القرّاء بضم الصاد من (يصدُّون)، وقرأ بعضهم بكسرها(8).
وقد ذكر الفرّاء بسنده إلى ابن عبّاس، أنّه قرأ: (يصِدُّون)، أي: يضجّون، يعجّون.
وروي بإسناده أيضاً: أنّ ابن عبّاس لقي ابن أخي عبيد بن عمير، فقال: إنّ عمّك لعربي فما له يلحن في قوله: (إذا قومك منه يصُدّون)؟! إنّما هي: (يصِدّون)(1). فقد رأى ابن عبّاس أنّ المعنى هنا (يضجّون)، لا (يعرضون) الذي يستفاد من ضم الصاد. وذكر بعض اللغويين أنّ ممّا يقوّي ما ذهب إليه ابن عبّاس استخدام (منه)، وهي مناسبة لمعنى (يضجّون). ولو كان المعنى على الإعراض والانصراف لقيل: (عنه)، لا (منه)(2).
لكن بعض اللغويين يرى أنّهم لغتان للعرب والمعنى واحد(3).
وأنت إذا تأمّلت الأُصول التي اعتمد عليها ابن عبّاس من السند والعربية والمعنى وتأييد النصوص الأُخرى من القرآن والحديث، وتأمّلت ما اعتمده من جاء بعده من النحاة والمفسّرين من ذلك، أيقنت أنّ الإضافات التي حدثت بعد ذلك في فنّ توجيه القراءة لم تكن أكثر من تفريع على ما أصَّل، وترسم لخطاه فيما خَطَّ ورسم.
وبهذا الذي أسلفناه يتبيّن أنّ ابن عبّاس هو المؤسّس لهذا الفنّ، وفي وقت مبكر جدّاً من تاريخ العلوم عند العرب، وما ذلك إلاّ لاكتمال أدواته ونفاد بصيرته.
كان أمام ابن عبّاس قراءات كثيرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أمامه مجال واسع لاختيار ما يراه ينسجم مع رؤيته للمعنى الذي يذهب إليه في الكلمة، أو في الآية الواردة فيها القراءة، وما ينسجم كذلك مع معارفه اللغوية، فقد تكون إحدى القراءات في كلمة ما أكثر موافقة للأفصح في العربية. ونظنّ أنّ ابن عبّاس فعل ذلك في كثير من الأحيان، والذي شجع على هذا الاستنتاج الأمثلةُ التي ذكرناها لتوجيه ابن عبّاس للقراءات القرآنية، وما لمسناه فيها من التوافق بين قراءته وتعليله.
وإليك بعض القراءات التي نعتقد فيها ذلك:
1ـ في قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ(1)، قرأ الجمهور: (يَثْنون). وروي عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ: (تَثْنَونِي) مضارع (اثنوني) على وزن (افعوعل)(2).
قال ابن فارس: (العرب تزيد في حروف الفعل مبالغة، فيقولون: حلا الشيء)، فإذا انتهى قالوا: (احلولي). ويقولون: (اقلولى على فراشه)، وينشدون:
واقلولين فوق المضاجع
وقرأ بعض القرّاء: (ألا إنّهم تثنوني صدورهم) على هذا الذي قلناه من
المبالغة)(1). وهذا من ابن عبّاس دليل على إحساسه اللغوي المرهف، كما أنّه دليل على معرفته مسالك العرب في إحداث التكافؤ بين اللفظ والمعنى بالزيادة في المبنى إشعاراً بزيادة المعنى.
2ـ في قوله ــ عزّ اسمه ــ : وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ(2)، روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ: (ولا يضارِرْ) بكسر الراء، وإسكان الثانية(3).
والمعروف أنّ الميل إلى الإدغام ظاهرة بدوية رويت عن تميم وغيرها من القبائل النجدية، وأنّ الميل إلى الفك في المضعَّفات ظاهرة حضرية مروية عن قريش في أفعال كثيرة، فالحجازيون يقولون: (اغضض)، و(لا تمنن)، و(إن تمسسكم)، والتميميون يقولون: (غضَّ)، و(ولا تمنَّ)، و(إن تمسَّكم)(4).
وبهذا يكون ابن عبّاس قد وافق لغة قومه الحجازيين في الميل إلى الفك، ودعَّم نسبة هذه الظاهرة إليهم.
3ـ في قوله ــ جلَّ وعلا ــ : وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ(5)، قرأ الجمهور: (وآلهتك)، وقرأ عليّ، وابن عبّاس، وابن مسعود ــ رضي الله عنهم ــ : (وإلاهتك)، أي: (عبادتك)(6).
وقد كان ابن عبّاس يقول موجّهاً ما قرأ به: إنّ فرعون كان يُعْبد، ولا يَعبْد(1), فهو يقول: إنّ فرعون كان إلهاً، ولم تكن له آلهة يعبدها حتّى يُقرأ: (وآلهتك).
والجمهور يرون أنّ فرعون كان يعبد البقر... الخ، وقد دلّتنا هذه القراءة على فهم ابن عبّاس للقرآن، وربطه لذلك الفهم بما يعرفه من الوقائع التاريخية من أنّ فرعون كان إلهاً يُتقرّب إليه، ولا يتقرب هو إلى أحد.
4ـ في قوله ــ جلّ وعلا ــ : وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ(2)، قرأ الجمهور: (المعذَّرون)، وقرأ ابن عبّاس وجماعة معه: (المعْذِرون)، من (أعذر)(3).
وقد اختلف المفسّرون في هؤلاء المعتذرين، فقال ابن عبّاس وجماعة: هم مؤمنون، وأعذارهم صادقة. وقال قتادة وجماعة: هم كافرون، وأعذارهم كذب. وكان ابن عبّاس يقول: (رحم الله المعذِرين، ولعن الله المعذَّرين)(4).
وكأنّ ابن عبّاس يرى أنّ المعذِرين هم الذين لهم عذر؛ أخذاً من قولهم: (قد أعذر من أنذر)، أي: بلغ منتهى العذر. وأمّا المعذِّرون، فهم الذين اعتذروا ولا عذر لهم. وهذا منه ــ رحمه الله ــ قصر للعام على بعض ما
يحتمل؛ إذ إنّ من يعتذر قد يكون له عذر، وقد لا يكون. وفي هذه القراءة كما في سالفتها دلالة على توافق قراءة ابن عبّاس مع ما كان يراه من المعنى، فهو يعزز رؤيته في التفسير باختياره في القراءة مدركاً لأهمية الانسجام بينهما.
5ـ في قوله ــ سبحانه ــ : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ(1)، قرأ ابن عبّاس وغيره: (قطرٍ آن) على أنّها كلمتان، والقطر: هو النحاس المُذاب.
وروي عن ابن عبّاس، أنّه قال في تفسير الكلمة الثانية: (آن أن يُعَذبوا به)، أي: حان أن يُعذبوا به(2).
وقراءة الجمهور: (قطران)، وهو ما تُهنأ به الإبل حتّى تشفى من الجرب. وبعضهم يفسّر (آن) على قراءة ابن عبّاس ومن معه بأنّه هو: الذائب الحار الذي قد تناهى حرّه(3). وهذا هو الأقرب إلى الفهم المباشر، أمّا قول ابن عبّاس فقد كان يرمي فيه إلى ما وراء المعنى، أو إلى ما يمكن أن نسمّيه بـ(معنى المعنى)، إذ إنَّ النحاس لا يُصبُّ عليهم إلاّ بعد اشتداد حرّه، حتّى تتحقّق من ذلك حكمة صبه عليه، وهي التعذيب والإهانة. وفي هذا دلالة على زكانة ابن عبّاس، ودقّة إدراكه لأساليب التعبير الراقية.
إذا كانت الأمثلة التي ذكرناها لتوجيه ابن عبّاس للقراءات قد دلّت على إسهامه في نشأة فن توجيه القراءة، فإنّ ما سنذكره من أمثلة الآن يدلّ على إسهاماته في تنمية مقولات الاحتجاج للقراءات وإثراء مادته. ولم يكن لأحد من الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ من التأثير ما يقارب تأثير ابن عبّاس في هذا الباب، إلاّ إذا استثنينا ما روي عن ابن مسعود، فإنّه استفيد منه بصورة كبيرة. وهذا لأنّ الاحتجاج للقراءة ظلّ فترة طويلة من الزمن جزءاً من علم التفسير، قبل أن تكون له كتبه الخاصّة، وهو بعد ذلك ما زال مبثوثاً في بطون الموسوعات التفسيرية على ما هو جليٌّ.
وإليك بعض النماذج التي تكشف عن اعتماد موجهي القراءات على علم ابن عبّاس المأثور عنه:
1ـ قال الله تعالى في تصوير حال المنافقين: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(1)، قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (يكذِبون) بالتخفيف، وقرأ باقي السبعة: (يُكذَّبون). قال أبو زرعة: وحجّة الذين قرؤوا بالتشديد ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: (إنّما عوتبوا على التكذيب لا على الكذب)(2).
2ـ في قوله ــ تعالى ــ : فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ
جِدَالَ فِي الْحَجِّ(1)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) بالرفع والتنوين، و(لا جدالَ). وقد علّل لهذا التفريق أبو عبيد بقوله: ((وإنّما افترقت الحروف عندهم، لأنّهم جعلوا قوله: (فلا رفث ولا فسوق) بمعنى النهي، أي: لا يكن فيه ذاك. وتأولوا في قوله: (ولا جدالَ) أنّه لا شكّ في الحجّ، ولا اختلاف فيه أنّه في ذي الحجّة)). وقرأ باقي السبعة جميع ذلك بالبناء على الفتح. وقد احتجّ للجماعة بقوله: وحجّتهم قول ابن عبّاس: (ولا جدال في الحجّ)، قال: لا تمار صاحبك حتّى تغضبه. فلم يذهب بها ابن عبّاس ذلك، ولكنّه جعله نهياً كالحرفين الأوّلين(2). فيكون المعنى على النهي. ومن ثَمَّ فإنّ البناء على الفتح بصورة مطردة هو الأقرب إلى الفهم المباشر.
3ـ في قوله ــ تعالى ــ : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(3)قرأ ابن عبّاس، وحمزة، والكسائي، وغيرهم: (بموقع)، وقرأ باقي السبعة وآخرون معهم: (بمواقع) على الجمع. وقد احتجَّ بعضهم لقراءة الجمع بما روي عن ابن عبّاس من قوله: (مواقع النجوم: نزول القرآن، كان ينزل منجماً شيئاً بعد شيء)(4). فمواضع النزول مختلفة، ولذا ناسب هذا التفسير قراءة من قرأ (بمواقع). وقد احتجّوا بكلام ابن عبّاس لقراءة الجمع، مع أنّهم رووا عنه أنّه
كان يقرأ بالإفراد، جرياً على عادتهم في ترجيح القول عند معارضة الفعل.
4ـ في قوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(1)، قرأ يحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي: (كبير الإثم)، وقرأ الجمهور: (كبائر) بالجمع. قال الفرّاء: وعن ابن عبّاس: أنّ كبير الإثم هو الشرك، فهذا موافق لمن قرأ: (كبير الإثم) بالتوحيد(2).
هذا ولو أردنا أن نأتي على جميع ما ورد عن ابن عبّاس في هذا لسوّدنا صفحات كثيرة، ولكن فيما قدّمناه مقنع.
ولعلّنا بما سطرناه في أثر ابن عبّاس في نشأة توجيه القراءة وتنميته، نكون قد بلغنا بالقارئ ما نريده من إثبات الفضل الأكبر لابن عبّاس في خط المعالم الأولى لهذا الفنّ.
أثِر عن ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أقوال في قضايا لغوية متفرّقة من نحو نشأة اللغة ونشأة العربية، والاحتجاج بالشعر وبعض مسائل الاشتقاق، وبما أنّ الوارد عنه في هذه المسائل لا تشكّل موضوعاً متكاملاً، فقد آثرنا وضعه تحت هذا العنوان.
ومع أنّ ما سنورده هنا عبارة عن شذرات لغوية، إلاّ أنّنا آثرنا ذكرها لعلّ فيها ما يكمل الصورة التي نريد توضيحها للقارئ عن التفكير اللغوي عند ابن عبّاس.
شُغل كثير من الفلاسفة وعلماء اللغات بمحاولات الكشف عن الكيفية التي بدأت عليها اللغة الإنسانية الأولى، والعوامل التي أثرت فيها، وقد تمحورت آراء القدماء والمحدثين حول أربع نظريات مشهورة في هذا الشأن، ومن هذه النظريات نظرية التوقيف أو الإلهام، وهي نظرية قديمة نسبوا القول بها إلى الفيلسوف اليوناني (هيراكليت) المتوفي سنة (480ق.م)(1)، ومن هنا فإنّ ابن عبّاس حين أدلى بدلوه في هذا الموضوع لم يبدأ من فراغ.
1) - انظر في تلك النظريات: الخصائص في النحو 1/40، والمزهر 1/8، وعلم اللغة: 97.
وقد نقل ابن فارس عن ابن عبّاس أنّه قال: (علَّمه الأسماء كلّها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأُمم وغيرها)(1).
وذكر سعد مولى الحسن بن عليّ، قال: كنت جالساً عند ابن عبّاس، فذكروا اسم الآنية والسوط، قال ابن عبّاس: (وعلم آدمَ الأسماء كلَّها)(2). فكأنّ هذه الرواية تشعر بأنّ ابن عبّاس إنّما اعتمد فيما ذهب إليه على ما جاء في هذه الآية.
وقد فهم ابن فارس من كلام ابن عبّاس هذا أنّ لغة العرب توقيف، وأنّ الله ــ تعالى ــ علَّم آدم من العربية ممّا احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر. ثمّ علَّم بعد آدم ــ عليه السلام ــ من عرب الأنبياء ما شاء أن يعلّمه، حتّى انتهى الأمر إلى نبيّنا محمّد ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فآتاه الله ــ جلّ وعزّ ــ من ذلك ما لم يؤت أحداً قبله(3).
وعندي أنّ ابن عبّاس لم يرد ما فهمه ابن فارس من أنّ الله علّم آدم لفظ دابَّة وأرض... الخ، وإنّما أراد من وراء هذا التمثيل لما علّمه إياه والتدليل على عمومه. وإلاّ فالباحثون لا يشكون اليوم في تشعب لغة آدم ــ عليه السلام ــ إلى لهجات، ثمّ تحوّلت تلك اللهجات على ألسنة ذرّيته إلى لغات وهكذا...
وقد بالغ بعض علمائنا حين قال: علَّم الله آدم كلّ شيء حتّى نحو سيبويه!! وهذا من القول بغير علم، وتكلّف لما لم يكلّف الله ــ تعالى ــ به.
تظاهرت الرواية عن ابن عبّاس في بيان أوّل من نطق بالعربية، فقد قال الجاحظ: روى قيس بن الربيع، عن أشياخه، عن ابن عبّاس: أنّ الله ــ تعالى ــ ألهم إسماعيل ــ عليه السلام ــ العربية إلهاماً(1).
وقال السيوطي: قد روي عن ابن عبّاس: أنّ أوّل من تكلّم العربية المحضة إسماعيل. قال: وأراد به عربية قريش التي نزل بها القرآن، وأمّا عربية قحطان وحمير فكانت قبل إسماعيل عليه السلام(2).
لكن بعض المصادر ترفع هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذكر السهيلي أنّه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (أوّل من كتب بالعربية إسماعيل). قال أبو عمر بن عبد البر: وهذه الرواية أصحّ من رواية من روى أنّ أوّل من تكلّم بالعربية إسماعيل(3). فرجّح ابن عبد البرّ الرواية التي تنسب لإسماعيل ابتداء الكتابة على ابتداء التكلّم.
وروى ابن كثير بإسناده عن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (أوّل من فتق لسانه بالعربية البيِّنة إسماعيل وهو ابن أربع
عشرة سنة)(1). فهذا حسب الظاهر هو الدليل الذي استند إليه ابن عبّاس فيما ذهب إليه. وإذا كان النص لا يشير إلى طريقة تعلّم إسماعيل العربية، فإنّ المتوقع أن تكون لغته الأولى التي تعلّمها كانت خليطاً من لغتي أبويه، وقد كان إبراهيم صلي الله عليه وآله وسلم يتكلّم الكلدانية، ولغة أُمّه كانت القبطية. ثمّ بعد أن نزل مع أُمّه هاجر في جبال (فاران) قرب مكّة، تعلّم العربية من العرب العاربة الذين نزلا عندهم، من جرهم، والعماليق، وأهل اليمن(2).
وهذا هو التفسير المنطقي، لا ما ذكره الجاحظ حين قال: ((ولا بدّ من أنّ يكون فيه ذكر شأن إسماعيل وانقلاب لغته وبيانه بعد أربعة عشرة سنة، وكيف نسي لغته التي ربِّي فيها، وجرى على أعراقها، وكيف لفظ بجميع حاجاته بالعربية عن غير تلقين ولا ترتيب، وحتى لم تدخله عجمة ولا لكنة ولا حبسة، ولا تعلّق بلسانه شيء من تلك العادة))(3).
إذ لم يرد إلينا في أثر أو خبر ما يثبت أنّ إسماعيل تعلّم العربية عن طريق المعجزة، حتّى نعدل عمّا عرفناه من اكتساب اللغات على سبيل التدرج. وكلام ابن عبّاس بعد هذا وذاك يصوّر لنا الجوَّ الثقافي الذي كان سائداً في عصره، كما يصوّر الروح العلمية الوثابة التي غرسها الإسلام في نفوس أبنائه.
مشكلة الخط العربي من المشكلات الكبرى التي ظلّت فترة طويلة من الزمن مسرحاً للآراء والأقوال المتدافعة، فهناك من الروايات عن القدماء في هذا السبيل الكثير، فمنها ما يذكر أنّ الخط العربي توقيف من الله ــ عزّ وجلّ ــ علّمه آدم ثمّ أصابه إسماعيل بعد الطوفان، ومنها ما يذكر أنّه كان اختراعاً، وليس إلهاماً، وقد أخذته العرب عن الحيرة، والحيرة عن الأنبار، وأخذه الأنبار عن اليمن... الخ(1).
وقد أدلى ابن عبّاس بدلوه في هذا الموضوع، حيث ذكر ابن فارس عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: (أوّل من وضع الكتاب العربي ــ أي الخط ــ إسماعيل ــ عليه السلام ــ وضعه على لفظه ومنطقه)(2).
وذكر السيوطي أنّ ابن أشته أخرج في (المصاحف) من طريق سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: (أوّل كتاب أنزله الله من السماء أبو جاد)(3).
وذكر ابن النديم عن ابن عبّاس، أنّه قال: (أوّل من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان ــ وهي قبيلة سكنوا الأنبار، وإنّهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة ـ وهم مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، ويقال: مروة وجدلة. فأمّا مرامر فوضع الصور، وأمّا أسلم ففصَّل،
وأمّا عامر فوضع الإعجام)(1)(2)
وروي عن ابن عبّاس، قال: (أوّل من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان، وهي قبيلة سكنوا الأنبار، وأنّهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة، وهم: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة ــ ويقال مروة وجدلة ــ فأمّا مرامر فوضع الصور، وأمّا أسلم ففصل ووصل، وأمّا عامر فوضع الإعجام).
قال الدكتور الأسد: وقد ذكرنا في صدر هذا البحث أنّ صحّة هذه الرواية وأمثالها عن أصل الخط العربي لا تعنينا في شيء، ونحن هنا لا نسوقها إلاّ لأمر واحد لا نعدوه، وذلك أنّ في هذا القول لابن عبّاس ــ إن كان قاله ــ دليلاً واضحاً على أنّ ابن عبّاس كان يعرف الإعجام، وأنّ من قبله كانوا يعرفونه، وأمّا إن لم يكن قاله، فما زال يحمل من الدلالة ما لايصحّ معه أن نغفله، وذلك أنّ واضع هذا القول وناسبه إلى ابن عبّاس، كان لا بدّ يعرف أنّ ابن عبّاس كان يعرف الإعجام ــ وإلاّ لما قبل الناس قوله. (الخرسان).
3- الفهرست: 6، 7.
4- النبط: قبائل عربية متجوّلة تحضّرت، وأسست في القرنين الأوّل والثاني قبل الميلاد مملكة شمال الجزيرة العربية، واستمرت حتّى سنة (106م).
.وهذه الروايات يدفع بعضها بعضاً، وإن كانت الأخيرة ــ في الجملة ــ أقرب إلى الصحّة، حيث يعضدها كثير من الروايات عن غير ابن عبّاس، وكلّها يشير إلى تلقي العرب خطَّهم عن أهل الأنبار(3). وهذه الرواية الأخيرة ذات قيمة خاصّة عند من يرى أنّ الخط العربي كان معجماً قبل نزول القرآن الكريم الذي كتب بخط مغفل من الشكل والإعجام.
والذي يتجه إليه كثير من الباحثين اليوم، أنّ النبط(4) استخدموا الآرامية والخط الآرامي في كتبهم لقرون عدّة، وبمرور الأيام طوّر النبط الخط الآرامي، فابتعد عن أصله، ثمّ فنيت الكتابة النبطية في آخر أدوارها
لتظهر كتابة أُخرى هي الكتابة العربية(1).
وبهذا فإنّ كلام ابن عبّاس ــ في روايته الأخيرة ــ لا يكون بعيداً كثيراً عمّا وصل إليه البحث العلمي اليوم، إذ إنّ الصلة قائمة بين حواضر العراق العربية وبين مملكة الأنباط (بترا) على ما هو ثابت تاريخياً.
لعلّ من أهم ميزات اللغة العربية القدرة الكامنة في تركيبها العامّ على التوالد، ممّا جعل بحوث الاشتقاق من أهم موضوعات (فقه اللغة). ولا أريد هنا أن أعرض للاشتقاق الأصغر والأكبر، ولا إلى ضوابط عمليات توليد الألفاظ؛ إذ ذاك معلوم مهضوم عند شداة العربية، ولكنّي أريد أن أعرض إلى ما ورد عن ابن عبّاس في هذا، وهو ليس بالكثير، ولكن أليس هكذا تكون البدايات دائماً؟
وهذه أمثلة ثلاثة تشخص لنا فكره الاشتقاقي:
أ ــ قال السيوطي: دخل ابن عبّاس على معاوية وعنده عمرو بن العاص، فقال عمرو: إنّ قريشاً تزعم أنّك أعلمها، فلم سميت قريش قريشاً؟
قال: بأمر بيِّن.
قال: فسِّره لنا.
ففسَّره، قال: هل قال فيه أحد شعراً؟
1) - رسم المصحف (دراسة لغوية تاريخية): 45، 46.
قال: نعم: سميت قريش بدابَّة في البحر، وقد قال المشمرج بن عمرو الحميري:
وقريش التي تسكن البحـ *** ـر سميتْ قريش قريشا
تأكل الغثَّ والسمين ولا تتر *** ك فيك لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حيُّ قريش *** يأكلون البلاد أكلاً كميشا
ولهم آخر الزمان نبيّ *** يُكثر القتل فيهم والخموشا
تملأ الأرض خيلُه ورجالٌ *** يحشرون المطيَّ حشراً كشيشا(1)
وأخرج ابن عساكر في (تاريخه): أنّ معاوية قال لابن عبّاس: لم سمّيت قريش قريشاً؟
قال: بدابة تكون في البحر من أعظم دوابه، يقال لها: القرش، لا تمرُّ بشيء من الغث والسمين ألا أكلته.
قال: فأنشدني في ذلك شيئاً. فأنشده شعر الحميري(2).
وإذا صحّ أنّ هذا هو السبب لهذه التسمية، فإنّه يعني أنّ هذه التسمية جاءت متأخّرة بعد أن صار لقريش صولة وجولة، كما يعني أنّه كان هناك لهذه القبيلة اسم آخر قبل ذلك.
ب ــ قال أبو جعفر النحاس: ((روي عن ابن عبّاس أنّه قال: آدم خلق من أديم الأرض. قال أبو جعفر: أديم الأرض وجهها، فسمّي آدم لأنّه خلق
من وجه الأرض. لكن ثعلباً زعم أنّ من قال ذلك فقد أخطأ في العربية، لأنّه يجب أن يصرفه لأنّه فاعل مثل طابق. قال: ولكنّه مشتق من شيئين: أحدهما أن يكون مشتقاً من قولهم: أدمتُ فلاناً بنفس، أي: خلطته فقيل، آدم لأنّه من أخلاط. والقول الثاني عند ثعلب: أنّ آدم أفعل من الأدمة في اللون. قال أبو جعفر: الذي أنكره أحمد بن يحيى هو قول: أكثر النحويين))(1). وبهذا يتبيّن صحّة ما ذهب إليه ابن عبّاس ومتابعة علماء العربية له.
ج ــ جرى الخلاف بين علماء العربية حول اشتقاق كلمة (إنسان)، فذهب البصريون إلى أنّه مأخوذ من (الإنس)، وسمّي الإنس إنساً لظهورهم، كما سمّي الجنُّ جنّاً لاجتنانهم. وقالوا: يجوز أن يكون سمّي الإنس إنساً، لأنّ هذا الجنس يستأنس به، ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوان.
وذهب أهل الكوفة إلى أنّ (إنسان) أصله: (إنسيان) على (إفْعِلان) من النسيان، إلاّ أنّه لما كثر في كلامهم، وجرى على ألسنتهم، حذفوا منه الياء ــ التي هي اللام ــ لكثرته في استعمالهم(2).
وقد ذكر ابن قتيبة أنّه روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: (إنّما سمّي إنساناً، لأنّه عُهد إليه فنسي)(3).
قال الأزهري مؤيداً مذهب الكوفيين، ومستشهداً بكلام ابن عبّاس: إذا
كان الإنسان في الأصل (إنسيان)، فهو (إفعلان) من النسيان، وقول ابن عبّاس حجّة قوية له، وهو مثل: (ليل إضحيان) من ضَحِي يَضْحى، وقد حذفت الياء فقيل: (إنسان)(1).
فهذا كلّه دليل على الحسِّ اللغوي المرهف الذي مُتَِع به حبر القرآن.
كان ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ مرجعاً في علوم عدّة، وكان من جملة اهتماماته الكبرى العناية برواية الشعر وحفظه، كما كان من المتعالم الذائع بين الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أنّ ابن عبّاس مُتِّع بملكة نقدية تمكنه من المفاضلة بين، الشعراء، وتمييز جيد الشعر من رديئه. ويضاف إلى هذا سبقه إلى الاستدلال بالشعر على مسائل العربية المختلفة. وإليك طرفاً من كلّ ذلك:
أ ــ الاهتمام برواية الشعر:
كان ابن عبّاس شديد الاهتمام بحفظ الشعر، لأنّ الشعر كان سجلّ أيام العرب وديوان أخبارهم، فما من حادثة جليلة إلاّ وخلدت فيه، بالإضافة إلى أنّه كان يمثل بالنسبة لابن عبّاس شيئاً هاماً من زاوية الاستفادة منه في تفسير غريب القرآن على نحو ما وضحناه. ويروي لنا المبرّد في هذا السياق: أنّ نافع بن الأزرق أتى ابن عبّاس يوماً، فجعل يسأله حتّى أملَّه، فجعل ابن عبّاس يُظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن
1) - اللسان 6/11 (أنس).
عبّاس ــ وهو يومئذ غلام ــ فسلَّم، وجلس، فقال له ابن عبّاس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك؟ فأنشده:
أمنْ آل نعم أنت غاد فمبكرُ *** غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجر
حتّى أتمّها وهي ثمانون بيتاً. فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عبّاس! أنضرب إليك أكباد الإبل، نسألك عن الدِّين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه؟! فقال: تالله ما سمعت سفهاً. فقال: ابن الأزرق: أما أنشدك:
رأت رجلاً أمَّا إذا الشمس عارضت *** فيخزى وأمّا بالعشيِّ فيخسرُ
فقال ابن عبّاس: ما هكذا قال: إنّما قال: (فيضحى وأمّا بالعشي فيخصرُ)، قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلاّ ساعتي هذه، ولو شئت أن أردَّها لرددتها! قال فأرددها. فأنشده إياها كلَّها(1).
لقد استهجن ابن الأزرق تشاغل ابن عبّاس بالشعر عمن وفد إليه لتعلّم أمور الدين من فقه وتفسير، ولكن ابن عبّاس كشف له عن اهتمامه بالشعر وتفاعله معه، وآية ذلك أنّه حفظ القصيدة على طولها من أوّل سماعه لها.
وقال المبرّد أيضاً: وروى الزبيريون أنّ نافعاً قال له: ما رأيت أروى منك قط. فقال له ابن عباٍس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من عليّ(2).
إنّ كثرة ما يحفظه ابن عبّاس من شعر ونثر انتزعت إعجاب ابن
الأزرق، فأفاده ابن عبّاس بأنّ عمر أروى منه. وهذا مع ذاك يشير إلى ابتداء حفظ الشعر من أجل استخدامه في إثراء فنون العربية التي كانت للشعر فيها مكانة، وأيّة مكانة!!
ب ــ لم يكن ابن عبّاس راوية للشعر فحسب، بل يملك إلى جانب ذلك حسّاً نقدياً يخوله المفاضلة بين الشعراء، ويمكّنه من الحكم على جودة ما يسمع، وما يروى من الشعر. ولم يكن ابن عبّاس متفرّداً بهذا، فقد كانت المجالس تعجُّ بهذا اللون من المعرفة، وفي بعض الأحيان كانت هناك بعض القبائل التي تفضل شعر شاعر بعينه لملابسات وأسباب متعدّدة.
وقد ذاع بين الكرام الصحابة تمكّن ابن عبّاس من نقد الشعر وطول باعه في تمييز جيد الشعر من رديئه، على نحو ما صوّره لنا ابن الأثير في النص التالي، حيث يقول: ((قال ابن عبّاس: بينما عمر بن الخطّاب وأصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، من أشعر الشعراء؟ قال: قلت: زهير بن أبي سلمى. فقال: هلم من شعره ما تستدلّ له على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوماً من غطفان، فقال:
لو كان يعقد فوق الشمس من كرم *** قوم بأوَّلهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم *** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمنوا جنٌّ إذا فزعوا *** مرزَّؤون بها ليل إذا حشدوا
محسَّدون على ما كان من نعم *** لا ينزع الله منهم ما له حُسدوا
فقال عمر: أحسن والله! وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحيِّ من بني هاشم، لفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرابتهم منه...))(1).
وفي نص آخر: أنّ عمر قال لابن عبّاس: ((أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير: قلت: وكان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتبع حُوشَيَّه، ولا يمدح الرجل إلاّ بما فيه))(2).
وفي هذا النص نرى أنّ عمر رضي الله عنه هو الذي عيَّن أشعر الشعراء، ولكنّه من جهة أُخرى دلَّ على أنّ ابن عبّاس كان معروفاً بالعناية بحفظ الشعر وإنشاده.
ج ــ افتتاح استخدام الشعر في الاستشهاد على مسائل العربية:
هيأ اهتمام ابن عبّاس بحفظ الشعر وروايته وإنشاده الجو العامّ للاستفادة منه في شرح الغريب وتنهيج اللغة، ومارس هو ذلك على نحو ما رأينا في أجوبته على نافع بن الأزرق، بل صار من الذائع عند اللغويين القدامى أنّ ابن عبّاس لا يشرح شيئاً من الغريب إلاّ بإنشاد شيء من الشعر عليه، فقد قال المبرّد حكاية عن أبي عبيدة: ((وسأله ــ أي نافع ــ عنه: الم _ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(3)؟ فقال ابن عبّاس: تأويله: هذا القرآن هكذا جاء. قال أبو عبيدة: ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عبّاس، وأنا أحسبه لم يقبله إلاّ بشاهد))(4).
وتعويل ابن عبّاس على الشعر بصورة أساسية في شرح الغريب، كان ينبع من نظرتهم إلى الشعر والشعراء نظرة تقديس وتبجيل، ومن كون الشعر أسهل حفظاً من النثر، وأكثر علوقاً بالذاكرة، هذا بالإضافة إلى قلّة المحفوظ لديهم من النثر إذا ما قورن بالشعر. ويبدو أنّه جدَّ موقف مغاير لهذا في القرن الثالث الهجري حين رأى مجموعة من الفقهاء الورعين عدم جواز الاستشهاد بالشعر على القرآن، كما صوّره ابن الأنباري، حين قال: ((وإنّما دعانا إلى ذكر هذا، أنّ جماعة لا علم لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن. وقالوا أيضاً: كيف يجوز أن يحتجّ بالشعر على القرآن، وقد قال الله تعالى: وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ(1)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتّى يريَهُ خير من أنّ يمتلئ شعراً)؟!))(2).
ثمّ أخذ ابن الأنباري يردّ عليهم قولهم ذاك.
ولم يكتب لهذا التيار الاستمرار لأنّه كان بعيداً عن القصد والجادة.
وصار الاستشهاد بالشعر بعد ذلك عامّاً لدى كلّ المدارس النحوية، وعدد الشواهد الشعرية في كتب النحو أكبر من عدد الآيات القرآنية، وإن كنّا نرى أنّ النحاة لم يوفقوا في ذلك، حيث كان عليهم الاعتماد على القرآن الكريم وقراءاته الصحيحة والشواهد النثرية الأخرى؛ حيث إنّ الشعر
موضع للضرورات، ممّا يجعل تمثيله للأدبية المشتركة في مقام التراكيب النحوية غير دقيق.
والذي يهمنا من هذا وذاك أنّ ابن عبّاس قد شقّ الطريق أمام اللغويين في مقام الاستفادة من الشعر، في بناء مناهج العربية بصورة عامّة، وفي مجال الشرح المعجمي بصورة خاصّة.
وبعد؛ فإنّني أعتقد أنّني قد أزلت كلّ لبس أو شكّ حول الأثر البالغ الذي كان لابن عبّاس في وضع اللبنات الأولى في بناء العربية بصورة عامّة، ونحن هنا لم نقصد إلاّ بيان هذه الحقيقة، بُغية إدراك معالم النشأة الأولى للدراسات العربية.
وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وصلّى الله وسلَّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حول مؤسّس علم النحو رسالة في تأسيس علم النحو بين الواقع والخرافة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فهذه رسالة مختصرة في تحقيق علم النحو هل له واقع إسلامي؟ أو هو من أساطير الرواة؟ ومن هو واضعه؟ والذي دعاني إلى بحث هذا الموضوع تشكيك بعض أصحاب الدراسات الحديثة تبعاً للأغيار من مستشرقين مستغَربين ومستعرِبين من المستعمرين ثقافياً ومن ثقف بهم من أبناء المسلمين المستعمَرين من مصريين وغيرهم، فكانت أبواقهم تنعق بأنّ بداية علم النحو إنّما هي أساطير موضوعة، وخرافات لا أساس لها من الصحّة.
ألم يقل بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي): ((وتذكر قصّة التاريخ الأدبي عند العرب بأنّ أبا الأسود أوّل من وضع أبواب النحو))(1).
وقال: ((ومهما وجب علينا أن نعدّ من قبيل الأساطير دراسات أبي
1) - تاريخ الأدب العربي 1/172، الترجمة العربية، نقله إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار، ط دار المعارف بمصر.
الأسود الدؤلي وتلاميذه المزعومين، فلا يسعنا أن نرفض الخبر القائل بأنّ معاذ بن مسلم (المتوفى188هـ) كان يبحث في مسائل النحو))(1).
وقال: ((والرأي الذي يتكرّر دوماً عند العرب، وهو أنّ علم النحو انبثق من العقلية العربية المحضة، بغضّ النظر عن الروابط بين اصطلاحات هذا العلم ومنطق أرسطو، وفيما عدا ذلك لا يمكن إثبات وجوه أُخرى من التأثير الأجنبيّ))(2).
وقال: ((أمّا تعيين أوّل من وجّه العرب إلى الاشتغال بالبحوث اللغوية فهذا أمر لا يزال غامضاً بعدُ، وما يروى عن تلاميذ أبي الأسود المزعومين فهو أمر غير أكيد أيضاً مثل علاقات أبي الأسود نفسه بهذه الدراسات))(3).
وقال: ((والخليل بن أحمد هو المؤسّس الحقيقي لعلم النحو العربي، الذي وضعه سيبويه في كتابه بعد أن تلقّاه وتعلّمه عليه...))(4).
وقال: ((ويبدو حقّاً كذلك أنّه ابتكر شكل الحروف وعلامات القراءة استناداً إلى نماذج سريانية(؟)))(5).
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية (الترجمة العربية): ((وليس حقّاً ما يقال إنّه ــ أبو الأسود ــ واضع أُصول النحو العربي، أمّا القصص التي تروى
عنه، فليست ممّا يعلي قدره، ولكن يؤخذ من أشعاره أنّ بعض هذه القصص قد أحكم تلفيقه (كندروف)))(1).
أقول: ولا غرابة من هؤلاء الأغراب الأجناب، لو أنكروا فضل واضع علم النحو وعلم الإعراب، ولكن هلّم الخطب في أدعياء العروبة من أبناء الكنانة والشام والعراق ممّن لمع ذكرهم فعظم خطرهم، كأحمد أمين، وأحمد حسن الزيات، وشوقي ضيف(2)، ومحمّد عطية الأبراشي(3)من مصر، وسعيد الأفغاني(4)من الشام، وجواد علي(5)من العراق، وغيرهم ممّن قالوا: إنّ الأخبار المروية في بداية علم النحو العربي، وأنّ واضعه هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهو الذي ألقى إلى أبي الأسود صحيفة فيها بعض أبواب النحو، لينحو نحوها، وينهج نهجهاً، ومنه جرت تسمية النحو، قالوا: إنّما هي أساطير موضوعة، وخرافات لا أساس لها من الصحّة.
فقال أحمد أمين: وكلّ هذا حديث خرافة، فطبيعة زمان عليّ وأبي الأسود تأبى هذه التعاريف وهذه التقاسيم الفلسفية، والعلم الذي ورد إلينا من هذا العصر في كلّ فرع، يتناسب مع الفطرة، وليس فيه تعريف ولا تقسيم، إنّما هو تفسير آية، أو جمع لأحاديث ليس فيها تبويب ولا ترتيب،
فأمّا تعريف وتقسيم منطقي فليس في شيء ممّا صحّ نقله إلينا عن عصر أبي الأسود، وأخشى أن يكون ذلك من وضع بعض الشيعة الذين أرادوا أن ينسبوا كلّ شيء إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأتباعه.
ويشهد لهذه الروايات الكثيرة المتناقضة في سبب الموضوع، ومن حسن الحظّ أنّ هذا ليس محلّ اتّفاق بين العلماء، فمنهم من قال: إنّ واضع النحو عبد الرحمن بن هرمز في خلافة هشام، ومنهم من قال: إنّه نصر بن عاصم، والقائلون بهذا ــ من غير شكّ ــ ينكرون نسبته إلى عليّ وأبي الأسود(1).
وقال أحمد حسن الزيات: فالمسألة لم تقف عند سطور أو بعض أبواب نحو تذكر مجملة، بل اتسعت لتصبح مقدّمة أو رسالة صنفها عليّ بن أبي طالب، وكأنّه لم يكن مشغولاً حين ذهب إلى العراق والكوفة بإعداد الجيوش لحرب معاوية، ولا كان مشغولاً بحرب الخوارج، إنّما كان مشغولاً بالنحو ووضع رسومه وأُصوله وفصوله، وطبائع الأشياء تنفي أن يكون ذلك قد وضع ذلك، ونفس الرواية السالفة وما أشبهها من الروايات تحمل في تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجري فيها من تعريفات وتقسيمات منطقية لا يعقل أن تصدر عن عليّ بن أبي طالب، أو عن أحد من معاصريه. ولعلّ الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذي لا يتّفق في شيء وأولية هذا العلم ونشأته الأولى(2).
وكان شوقي ضيف تابعاً لأحمد أمين في الرأي حين علّق على تشكيك أحمد أمين، فقال: ولعلّ الأستاذ أحمد أمين لم يكن بعيداً عن الصواب في (أصول النحو)(1).
وقال جواد علي في كتابه (المفصّل)(2): ((...أمّا الموارد الإسلامية فقد رأينا رأيها في أوّل ظهور النحو، وقد رأيناه حاصل روايات مضطربة، يكتنفها غموض، ثمّ هي عاجزة في النهاية عن بيان كيفية توصل الإمام (عليّ)، أو (أبو الأسود) إلى استنباط هذا التقسيم الثلاثي للكلّم، ثمّ البحث في (العطف)، و(النعت)، والتعجّب، والاستفهام، وباب إنّ وأخواتها، والفاعل والمفعول، ونحو ذلك من قواعد، لا يمكن لإنسان استنباطها بمفرده، من غير علم سابق له بقواعد اللغات مهما أوتي ذلك الإنسان من ذكاء خارق وقوّة إبداع...)).
أقول: وعلى هذا النول والمنوال جرى التالون، بل أغرب بعضهم فأقذع شتماً للعرب حتّى زعم أنّ النحو العربي أخذه واضعه من النحو السرياني أو الكلداني. وهذا ما قاله أحمد حسن الزيات في (تاريخ الأدب العربي): ((والغالب على ظنّنا أنّ أبا الأسود لم يضع النحو والنقط من ذات نفسه وإنشائه، وإنّما نظنّ أنّه ألمّ بالسريانية (وقد وضع نحوها قبل نحو العربية) واتصل بقساوستها وأحبارها، فساعده ذلك على وضع ما وضع))(3). اهـ
وقال محمّد عطية الأبراشي في كتابه (الآداب السامية) مع بحث مستفيض عن اللغة العربية، وخصائصها وثروتها وأسرار جمالها: ((وأوّل ما احتاجوا ــ العرب ــ إليه الحركات، وأوّل من رسمها أبو الأسود الدؤلي(1)واضع علم النحو المتوفى سنة69هـ، فإنّه وضع نقطاً تمتاز بها الكلمات، أو تعرف بها الحركات، لتمييز الاسم من الفعل والحرف، ولتمييز الباء من التاء، أو الجيم من الحاء، ولذلك توهّم بعض من وضع نقط الإعجام، والأرجح أنّه اقتبس ذلك من الكلدان أو السريان جيرانه))(2).
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ(3)حين علّق الأبراشي في الهامش على اسم أبي الأسود بقوله: ((ويقال: إنّ أبا الأسود وضع النحو بإشارة من عليّ بن أبي طالب، وكان هذا الإمام متصلاً ببعض علماء اليهود في الكوفة الذين كانوا على علم بنحو اللغة السريانية، وهنا تعرض لنا شبهة تأثر النحو العربي بالنحو السرياني)). ولم يكن صلاح الدين الزعبلاوي دون من سبق، حين قال في كتابه (دراسات في النحو): ((أمّا ما اشتهر واستفاض بأنّ أوّل خطّة اتخذت لوضع النحو كانت لأبي الأسود الدؤلي، كما جاء في مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (ت351هـ)، والزبيدي في طبقاته (ت379هـ)، وابن النديم في الفهرست (ت400هـ)(4)، وسوى ذلك، فيبدو أنّ هذه الخطّة لم تكن تعدو
عند التحقيق (نقط المصحف)، والمراد بذلك الاهتداء إلى ما اتّخذ رمزاً للرفع والنصب والجرّ، صوناً للسان من النحو، وقد وفق الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في ضحى الإسلام حينما أشار إلى ذلك، وأيده فيه الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أُصول النحو)...))(1).
وهكذا تداولت أقلام مثقفة الغرب المتدنية تمج سمومها في ناشئة القرّاء، حتّى غشّوا عقولهم فغشّوهم أن ليس للعقلية العربية من النضج ما يوفق لها لتخترع لأبنائها ما يعصم ألسنتها من الخطأ من القواعد النحوية، ثمّ أدخلت على الناشئة الشكوك في اسم الواضع الأوّل، هل هو عمر؟ هل هو عليّ؟ هل هو ابن عبّاس؟ هل هو أبو الأسود؟ وليس هذه الأسماء فقط؟ ثمّ ما هو الصحيح؟ أو لا صحيح أصلاً، فكثر الشكّ وغامت سماء المعرفة بالضباب، حتّى كاد أن يضيع الصواب، فما هو الجواب على علامات الاستفهام؟
وفي نظري القاصر تكون الإجابة كما يلي:
أوّلاً: ليس لعمر أيّ دخل في الموضوع المبحوث عنه، ومن روى أنّ عمر هو الذي قال لأبي الأسود: ضع للناس، فعليه إثبات ذلك؟ وأنّى له؟ فالخبر رواه ابن الأنباري في أنّ عمر سمع لحنا في القرآن الكريم، فأمر أن لا يقريء الناس إلاّ عالم باللغة، وأمر أبا الأسود أن يضع النحو، ولم يسلم الخبر من تجريح في رواته، ولا في متنه إذ لم يذكر أنّ أبا الأسود استجاب لأمر عمر، فماذا الذي منعه من ذلك؟ والخبر رواه المدائني عن عباد بن
1) - دراسات في النحو ج1 (القياس وصيغ المبالغة).
مسلم عن الشعبي، قال: كتب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى أبي موسى: أمّا بعد فتفقهوا في الدين، وتعلّموا السُنّة، وتفهموا العربية، وتعلّموا طحن الدرية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب. اهـ
وحال رجال الإسناد بدءاً من المدائني الذي ترجمه الذهبي في (المغني في الضعفاء)، وقال: ((فيه ابن عدي في الكامل ليس بالقوي في الحديث))(1)، ومروراً بعباد بن مسلم الذي ترجمه الذهبي في ميزانه، وحكى قول ابن حبّان فيه: منكر الحديث لا يحتجّ به(2)، وانتهاءً بالشعبي الناصبي الكذّاب(3)، فكلّهم لا يعتمد عليهم ولا يوثق بهم، (وأنكر بعض الباحثين المعاصرين أن يكون عمر هو الذي أمر أبا الأسود بوضع النحو، لتقدّم عصر عمر وانشغاله بأمر الدولة، وبُعده عن أبي الأسود الذي كان يسكن البصرة، ولتعارض ذلك مع ما روي، وهو: أنّ الآمر بذلك هو عليّ بن أبي طالب))(4).
ثانياً: أمّا أنّ ابن عبّاس فهو مؤسّس العربية كما يرتأي الدكتور بكّار، وسمّى كتابه بذلك. فليس هو كذلك إنّما كانت له معرفة بالنحو، ولكن ليس هو واضع علمه، نعم كان له نشاط في التأسيس، ومساهمة تكميلية مع أبي الأسود الدؤلي، كما ستأتي الإشارة إلى بعض الشواهد، ممّا يجعلنا نقبل بعض الروايات المأثورة عن تعاون الرجلين في مجال اللغة والنحو، وفي
قول القفطي الآتي ما يشير إلى هذا، فقد روى أنّ أبا الأسود أتى عبد الله بن عبّاس فقال: إنّي أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئاً لهم يقومون به ألسنتهم، قال: لعلك تريد النحو، أما أنّه حقّ، واستعن بسورة يوسف(؟)
وهنا تبرز علامة الاستفهام التي لا يزال الجواب عليها غامضاً، ما المراد بالاستعانة بسورة يوسف؟ وقد أشار الباحث د. عبد الرزاق بن فراج الصاعدي في كتابه (أُصول علم العربية في المدينة المنورة) إلى هذا، وقال: ((ولا ندري مراد ابن عبّاس بحضّه أبا الأسود على الاستعانة بسورة يوسف، ولعلّه أراد أن يتّخذ أبا الأسود بعض آياتها الكريمة رائداً له، مثل: وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ(1)، أولاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(2)، أووَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(3)، أووَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(4)، أو أنّه أراد أنّ في هذه السورة وحدها ما يكفيه لوضع الأسس للنحو))(5).
وهذا الذي ذكره من بعض الآيات ليس فيه ما ينير درب البحث إلى المسائل النحوية ليستعين بها أبو الأسود، ومن راجع بعض المصادر التفسيرية يجد في السورة المذكورة عدّة موارد في إعراب بعض الآيات، ممّا يمكن أن يكون هو الغرض لابن عبّاس بقوله: (واستعن بسورة يوسف)،
ففي (مجمع البيان) مثلاً ما يقرب من عشرين عنواناً للإعراب، وأكثر من عشرين عنواناً عن اللغة، سوى ما جاء في عناوين غيرها، وفي كلّ عنوان من المفردات ما لو جمع لجاز العشرات، وهذا ليس من خصوصيات سورة يوسف، بل هو موجود نحوه في كلّ سور القرآن الكريم.
وثمّة احتمال أن يكون التصحيف جرى على كلمة (صورة)، فجعلت سورة واشتهرت لأنّها الأظهر بالجو اللغوي القرآني الذي حاول أبو الأسود وضع النحو وإعراب القرآن وتنقيطه. ولكن هذا لم يكشف لنا المراد على حقيقته، أمّا إذا رجعت الكلمة إلى أصلها قبل التصحيف فصارت (واستعن بصورة يوسف)(1)، ولعلّها كانت الجملة بمثابة مزحة من ابن عبّاس مع قاضيه أبي الأسود، لأنّ أبا الأسود كان ذا عاهات، منها أنّه كان أعرجاً مفلوجاً أبخراً، كما في معارف ابن قتيبة (عكاشة)(2)، ولمّا كانت صورة يوسف عليه السلام في حسنه مضرب المثل، ويكفي قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ(3).
ويروى لابن عبّاس مع أبي الأسود بعض الكلام الذي لا يخلو من
1) - كذا ذكرها الدجيلي في ديوان أبي الأسود، ولم يعقّب عليها بشيء لتوضيحها.
2) - المعارف: 578. جاء في الأغاني 11/118 كان أبو الأسود أبخر، فسارّ معاوية يوماً بشيء، فأصغى إليه ممسكاً بكمه على أنفه، فنّحى أبو الأسود يده عن أنفه وقال: لا والله لا تسود حتّى تصبر على سرار المشايخ البُخر.
3) - سورة يوسف/31.
انتقاص في ظاهره، نحو قوله: (لو كنت جملاً لما بلغت المرعى)؟ وسيأتي بعض ما يتعلّق بهذا في الحلقة الرابعة من الموسوعة (ابن عبّاس في الميزان)، كما أنّ في شعر أبي الأسود ما يدلّ على مدح ابن عبّاس والوئام الذي كان بينهما، وقد فقده عند تولي ابن عامر ولاية البصرة.
ونعود إلى أنّ زعم الزاعم في تأسيس ابن عبّاس للعلوم العربية، وما ذكره من الشواهد تعوزه الدقّة في التعبير، ولو أعاد كلمة صاحب (الخصائص) لكان أوعى وأرعى لذمام البحث، حيث قال في (باب في صدق النقلة، وثقة الرواة والحملة): ((هذا موضع من هذا الأمر، لا يعرف صحّته إلاّ من تصوّر أحوال السلف فيه تصوّرهم، ورآهم من الوقور والجلالة بأعيانهم، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له، وعلم أنّه لم يوفّق لاختراعه، وابتداء قوانينه وأوضاعه، إلاّ البَّر عند الله سبحانه، الحظيظ بما نوّه به، وأعلى شأنه، أوَ لا يعلم أنّ أمير المؤمنين عليّاً ــ رضي الله عنه ــ هو البادئه، والمنبّه عليه، والمنشئه والمرشد إليه))(1).
ثمّ تحقّق ابن عبّاس ــ رضي الله عنه ــ واكتفال عليّ رضي الله عنه أبا الأسود رحمه الله إياه... وهذا ما حكاه أبو هلال العسكري (ت295هـ) في كتابه (الأوائل)، وذكره السيوطي (ت90هـ) في كتابه (المزهر)(2)، وغيرهما.
وممّا لا شكّ فيه معرفة ابن عبّاس رضي الله عنه بعض المواد النحوية بأسمائها
قبل تدوين النحو في البصرة، وقد ذكرت نماذج نحوية ولغوية في الجزء السابع من الموسوعة(1)أكثر من أربعين نموذجاً، ولا نرتاب في صحّة بعضها إن لم تكن كلّها، ومن تطرّف كثيراً في زعمه بأنّ كلّ ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في تأسيسه علم النحو فهو خرافة، فهو بالنسبة إلى ما يروى عن ابن عبّاس فيه بطريق أولى، لأنّ علمه من علم الإمام عليه السلام كما مرّ مكرّراً، ولا بدّ من مساءلته عن صحّة ما رواه ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) ــ وهو ممّن يعتمد عليه عنده ــ فقد ذكر في الفصل الأوّل، فقال: ((وروي أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ لمّا قرأ: وَنَادَوْا يَا مَالِ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ(2)، أنكر عليه عبد الله بن عبّاس، فقال عليّ: هذا من الترخيم في النداء، فقال ابن عبّاس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء، فقال عليّ: صدقت، فهذا يدلّ على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به))(3).
أقول: لقد ذكر قراءة الإمام عليّ عليه السلام (يا مال)، صاحب (الصافي) نقلاً عن (مجمع البيان)، وهو كذلك في القراءة، قال: (((يا مال)، وروي ذلك عن عليّ عليه السلام))(4)، ولم يذكر عن ابن عبّاس في هذه القراءة إنكاراً عليها.
نعم، ورد في التفاسير التالية: تفسير الرّازي(1)، وتفسير الكشاف(2)، وتفسير الآلوسي(3)، وتفسير النسفي(4)، وتفسير اللباب لابن عادل(5)، وفي (التحرير والتنوير) في تفسير الآية في سورة الزخرف (77)، قال: ((ومن النوادر المتعلّقة بهذه الآية ما روي أنّ ابن مسعود قرأ: (ونادوا يا مال)، بحذف الكاف على الترخيم، فذُكرت قراءته لابن عبّاس، فقال: ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم))(6).
فتبيّن لنا ممّا أورد في هذه المصادر إنكار ابن عبّاس كان على قراءة ابن مسعود، ولعلّ ياقوت وهِمَ في ذكر إنكار ابن عبّاس لتلك القراءة فجعله على عليّ عليه السلام، بينما هو على ابن مسعود.
ثالثاً: أيضاً في الجواب عن السؤال مَن هو واضع علم النحو، عليّ عليه السلام، أو أبو الأسود؟
والصحيح في الجواب أنّ المؤسّس هو الإمام عليّ عليه السلام، والمشيّد هو أبو الأسود، وسيتّضح هذا بعد قراءة ما قاله العلماء في هذا الموضوع، وسأختار منهم من لا يُتهم بمحاباة أو موالاة للإمام عليه السلام، كما هي التهمة التي يتهم بها رجال الشيعة ــ كما مرّ عن أحمد أمين ــ فيضعون كذباً
ما يظنون فيه إعلاء لشأن الإمام عليه السلام، وهم براء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لكنّ النفوس المريضة لا تستعذب الورد الهنيّ.
ومهما يكن فلي في العنوان الآتي ما يسكت النقيق، فهو أبلغ في التحقيق وأقرب إلى التصديق.
وشمائل شهد العدو بفضلها *** والفضل ما شهدت به الأعداء
بيت شعر للسري الرفاء من قصيدة يمدح بها الوزير المهلبي(1).
فأنا متعمد أن اسمّي العنوان بما في البيت، لأنّي معتمد على ما قرأت وسمعت من شعر السري بن أحمد الكندي (السري الرفاء)، فإنّي لا أعرف في معناه أحسن منه، لأنّ شهادة العدو لصالح خصمه أبعد عن التهمة، وأقرب إلى التصديق وفي موضوع تأسيس الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لعلم النحو، الذي أنكره من أنكره، رأيت أن أذكر أسماء الذين قالوا بصحّة رواية التأسيس، على أن يكونوا جميعاً من غير شيعته، لئلا يقول أحمد أمين وغيره: إنّما ذلك من حديث الشيعة.
وأوّل إنسان أبدأ بالنقل عنه: أبا عبيدة معمر بن المثنى (ت209، أو 210هـ)، وهو الذي قال فيه الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة ــ معمر بن المثنى ــ .. وقال فيه ابن قتيبة.. وكان يبغض العرب، وألّف في مثالبها كتباً، وكان يرى رأي الخوارج(2).
فماذا قال أبو عبيدة؟
قال: ((أخذ أبو الأسود عن عليّ بن أبي طالب العربية، فكان لا يخرج شيئاً ممّا أخذه عن عليّ بن أبي طالب إلى أحد حتّى بعث إليه زياد: اعمل شيئاً تكون فيه إماماً ينتفع الناس به, وتُعرب كتاب الله، فاستعفاه من ذلك. حتّى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: (انّ الله بريء من المشركين ورسوله)، فقال: ما ظننت أنّ أمر الناس صار إلى هذا!
فرجع إلى زياد، فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول...))، فهل يتّهم هذا الخارجي بالمحاباة؟!
وقد روى هذا عن أبي عبيدة غير واحد، كما في المصادر التالية: (المنتظم) لابن الجوزي(1)، و(أخبار النحويين) لأبي طاهر المقرئ(2)، ومعلوم مناوءة الخوارج للإمام عليه السلام، فهم إنّما سمّوا بذلك لأنّهم خرجوا عن طاعته. وهم الذين قتلوه.
الثاني: محمّد بن سلام الجمحي (ت231هـ)، قال صالح جزرة: صدوق كما في (ميزان الذهبي، وسير أعلامه)، فقد قال ابن سلام في (طبقات فحول الشعراء): ((وكان أوّل من أسّس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدؤلي... وكان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي... وإنّما قال ذلك حين اضطرب كلام العرب، فغلبت السليقية، ولم تكن نحوية، فكان سراة الناس يلحنون، ووجوه الناس، فوضع باب الفاعل
والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجرّ والجزم))(1).
الثالث: ابن قتيبة الدينوري (ت276هـ)، وقد وثّقه الخطيب في (تاريخ بغداد)، فقال: ((كان ثقة ديناً فاضلاً))(2)، وقال أبو بكر البيهقي: ((كان يرى رأي الكرامية))(3)، فهو إذن ليس بمتهم في قوله في كتابه (الشعر والشعراء): ((وهو ــ أبو الأسود ــ يعدّ في الشعراء، والتابعين، والمحدّثين، والبخلاء، والمفاليج، والنحويين، لأنّه أوّل من عمل في النحو كتاباً...))(4). وقال في (المعارف): ((وهو أوّل من وضع العربية، وكان شاعراً مُجيداً، وشهد صفين مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وولى البصرة لابن عبّاس...))(5).
الرابع: أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد (ت285هـ)، جاء في كتاب (الفاضل) المنسوب إليه: ((فقد ذكر أنّ السبب الذي بني له أبواب النحو وعليه أصّلت أُصوله، أنّ ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت: يا أبت ما أشدّ الحرّ؟ قال: الحصباء بالرمضاء، قالت: إنّما تعجبت من شدّته، قال: أَو قد لحن الناس؟ فأخبر بذلك عليّاً ــ رحمة الله عليه ــ فأعطاه أُصولاً بنى منها، وعُمل بعده عليها، فأخذه عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري، الذي يقال له: عنبسة الفيل، وأبو الأسود أوّل من نقط المصحف))(6).
وقد حكى الزبيدي في (طبقات النحويين) في ترجمة أبي الأسود عن المبرّد قوله: سُئل أبو الأسود عمّن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه؟ فقال: تلقيته من عليّ بن أبي طالب رحمه الله.. وفي حديث آخر: ألقى إلَيَّ أُصولاً احتذيت عليها(1).
فهؤلاء الأربعة الأعلام من رجال القرن الثالث، وكلّهم لم يعرف عنهم موالاة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ليتهموا في ميزان أحمد أمين وأتباعه، بل الأوّل منهم من الخوارج، وهم الذين جرعوه نُغب التهمام، حتّى قتلوه بحدّ الحسام.
والآن إلى بقية أصحاب هذا الرأي ــ تأسيس الإمام لعلم النحو، وإيكال أمره إلى أبي الأسود بأن ينحو نحوه ــ وقد رتّبت أسماءهم حسب القرون كالتالي:
القرن الرابع
1ـ أبو حاتم الرّازي (ت322هـ)، قال في كتاب (الزينة): ([أبو الأسود الدؤلي والأئمّة النحاة]:
وقد كان لسان العرب فسد حين تعرّبت العجم، واختلطت اللغات، ولحن أكثر الناس في كلامه، فاستدرك ذلك أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فوضع للناس رسماً في النحو، فأخذه أبو الأسود الدؤلي... فأسّس العربية، وفتح بابها، ونهج سبيلها، ووضع فيها قياساً..
1) - طبقات النحويين: 13.
وقال: جاء أعرابي إلى عليّ عليه السلام فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! كيف تقرأ هذه الحروف؟ لا يأكله إلاّ الخاطون، كلّنا يخطو.
قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: يا أعرابي (لا يأكله إلاّ الخاطئون).
قال: صدقت يا أمير المؤمنين! ما كان الله ليظلم عباده.
ثمّ التفت أمير المؤمنين إلى أبي الأسود الدؤلي، فقال: إنّ الأعاجم قد دخلت في الدين كافة، فضع للناس شيئاً يستدلّون به على صلاح ألسنتهم، ورسم له الرفع والنصب والخفض...))(1).
2ـ أبو القاسم الزجاجي (ت340هـ)، قال في أماليه:
((حدّثنا أبو جعفر محمّد بن رستم الطبري، قال: حدّثنا أبو حاتم السجستاني، حدّثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدّثنا سعيد بن سلم الباهلي، حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبي الأسود الدؤلي، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقاً متفكّراً، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟
قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أُصول العربية.
فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة.
ثمّ أتيته بعد ثلاث، فألقى ألَيَّ صحيفة فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم:
1) - الزينة 1/71 ــ 72، ط دار الكتاب العربي بمصر.
الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل).
ثمّ قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود: أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.
قال أبو الأسود: فجمعتُ منه أشياء وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت فيها: إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأنّ، ولم أذكر لكن.
فقال لي: لم تركتها؟
فقلت: لم أحسبها منها.
فقال: بل هي منها فزدها فيها))(1).
وذكر الزجاجي في كتابه (الإيضاح في علم النحو)(2)، نحو ما مرّ.
3ـ أبو الطيّب عبد الواحد بن علي اللغوي (ت351هـ)، قال في كتابه (مراتب النحويين)، وحكاه عنه السيوطي في كتابه (المزهر)(3)، والزبيدي في (تاج العروس)(4)ما حاصله:
إنّ أوّل من رسم للناس النحو واللغة أبو الأسود الدؤلي، وكان أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان من أعلم الناس بكلام العرب، وزعموا أنّه كان يجيب بكلّ لغة(1).
4ـ أبو الفرج الأصبهاني (ت356هـ)، قال في كتابه (الأغاني):
((إنّ أبا الأسود دخل إلى ابنته بالبصرة، فقالت له: يا أبت! ما أشدّ الحرّ (ورفعت أشدّ)؟
فظنّ أنّها تسأله وتستفهم منه أي زمان الحرّ أشدّ، فقال لها: شهر ناجر [يريد شهر صفر، الجاهلية كانت تسمّي شهور السنة بهذه الأسماء].
فقالت: يا أبت! إنّما أخبرتك ولم أسألك.
فأتى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين! ذهبت لغة العرب لما خالطت العجم، وأوشك إن تطاول عليهم الزمان أن تضمحل.
فقال له: وما ذلك؟
فأخبره خبر ابنته، فأمره أن يشتري صحفاً بدرهم، وأملى عليه: الكلام كلّه لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى (وهذا القول أوّل كتاب سيبويه)، ثمّ رسم أُصول النحو كلّها، فنقلها النحويون وفرّعوها..
قال أبو الفرج: هذا حفظته عن أبي جعفر وأنا حدث السن، فكتبته من حفظي، واللفظ يزيد وينقص، وهذا معناه))(2).
وقال أيضاً بسنده عن جعفر بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه، قال: ((قيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ ــ يعنون به النحو ــ فقال: أخذت حدوده من عليّ بن أبي طالب عليه السلام))(1).
5ـ أبو سعيد الحسن بن عبد الله القاضي السيرافي (ت368هـ)، ذكر ذلك في كتابه (أخبار النحويين البصريين)(2)، فحكى قول أبي عبيدة معمر ابن المثنى أخذ أبو الأسود عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام العربية.
6ـ أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي (ت379هـ)، حكى في كتابه (طبقات النحاة)(3)قول المبرّد(4): سئل أبو الأسود الدؤلي عمّن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه؟ فقال: تلقيته من عليّ بن أبي طالب رحمه الله. وفي حديث آخر: ألقى إلَيَّ عليٌّ أُصولاً احتذيت عليها.
7ـ ابن النديم (ت380هـ)، قال في آخر (الفهرست)، في الكلام على القلم العربي:
((وقال ابن عبّاس: أوّل من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان ــ وهم قبيلة سكنوا الأنبار ــ وأنّهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة، وهم مرامر بن مروة ــ مرّة ــ وأسلم بن سدرة، وعامر بن جذرة ــ ويقال: مرّة وجذلة ــ فأمّا مرامر فوضع الصور، وأمّا أسلم ففصل ووصل، وأمّا عامر فوضع الإعجام))(5)
لقد مرّ في الصفحة (136) تعليق الدكتور ناصر الدين الأسد على هذا الخبر؛ فراجع.
.وقال في (ابتداء الكلام في النحو أخبار النحويين): ((زعم أكثر العلماء أنّ النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(صلوات الله عليه).
قال أبو جعفر بن رستم الطبري: إنّما سُمّي النحو نحواً، لأنّ أبا الأسود الدؤلي قال لعليّ عليه السلام: ــ وقد ألقى إليه شيئاً في أُصول النحو ــ قال أبو الأسود: فاستأذنته أن أصنع نحو ما صنع، فسمّي ذلك نحوا.
وقال ابن النديم: وقد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو.
فقال أبو عبيدة: أخذ النحو عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أبو الأسود، وكان لا يخرج شيئاً ممّا أخذه. عن عليّ(كرّم الله وجهه) إلى أحد، حتّى بعث إليه زياد: اعمل شيئاً يكون للناس إماماً، ويعرف به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك، حتّى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: (انّ الله بريء من المشركين ورسوله) بالكسر، فقال: ما ظننت أنّ أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فليبغني كاتباً لَقِناً يفعل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر...))(1)إلى آخر الخبر.
8ـ أبو حيان التوحيدي (ت380هـ)، قال في كتابه (البصائر والذخائر):
((إنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه سمع قارئاً يقرأ على غير وجه الصواب، فساءه ذلك، فتقدّم إلى أبي الأسود الدؤلي، حتّى وضع للناس أصلاً مثالاً
1) - الفهرست: 45.
وباباً وقياساً، بعد أن فتق له حاشيته، ومهد له مهاده، وقرب له قواعده))(1).
9ـ أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت382هـ)، قال في كتابه (المصون في الأدب):
((سمعت أبا بكر محمّد بن علي بن إسماعيل المبرمان يحكي عن إبراهيم بن السريّ، قال: أوّل من تكلّم في النحو أبو الأسود، وزعم أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أمره بذلك))(2).
10ـ أبو الفتح عثمان بن جنّي (ت392هـ)، قال في كتابه (الخصائص) (باب صدق النقلة وثقة الرواة وتحمله)، وعنه في (المزهر)(3):
((هذا موضع من هذا الأمر، لا يعرف صحّته إلاّ من تصوّر أحوال السلف فيه تصوّرهم، ورآهم من الوقور والجلالة بأعيانهم، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له، وعلم أنّه لم يوفق لاختراعه وابتداء قوانينه وأوضاعه، إلاّ البرّ عند الله سبحانه، الحظيظ بما نوّه به وأعلى شأنه، أولا يعلم أنّ أمير المؤمنين عليّ ــ رضي الله عنه ــ هو البادئه [كذا وأظنّ الصواب الباديء به]، والمنبّه عليه، والمنشئه، والمرشد إليه.
ثمّ تحقّق ابن عبّاس رضي الله عنه به واكتفال عليّ ــ اقتفاء ــ رضي الله عنه أبا الأسود ــ رحمه الله ــ إياه...))(4).
القرن الخامس
1ـ أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ (ت469هـ)، قال في كتابه (المفيد في النحو):
((وأمّا مستخرج النحو فهو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وذلك أنّ أصحاب التواريخ الثقات ذكروا أنّ أبا الأسود الدؤلي دخل يوماً على أمير المؤمنين عليه السلام، فوجده مفكّراً مطرقاً، فقال: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟
قال: إنّي سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أكتب في أُصول العربية.
فقلت له: إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة.
ثمّ أتيته عليه السلام بعد ذلك، فألقى إلَيَّ صحيفة، فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: الكلام كلّه ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل.
ثمّ قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء لا ظاهر ولا مضمر.
فأخذ أبو الأسود ذلك واحتذاه، ثمّ عرضه على أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: ما أحسن النحو الذي ذهبت إليه، فصار هذا اللقب اسماً وسمة لهذا العلم يعرف به...))(1).
فثبت بهذا وأشباهه أنّه عليه السلام المستخرج لهذا العلم، وأنّ هذا الكلام لم يسمع من أحد قبله... كلّ هذا ببركة ابتدائه وتنبهه، وأنّى يعدوه ذلك، وهو
1) - المفيد في النحو: 34 ــ 35 تحقيق محسن بن سالم العميري الهذلي، ط مكّة المكرمة الفيصلية سنة 2004.
وارث حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفهمه، ووصيه، وباب علمه، وأفصح الأُمّة بعده، وأخطبها، وأشجعها، وأسمحها، وأزهدها عليه السلام.
القرن السادس
1ـ سلامة بن غياض الكفرطابي (ت535هـ)، ذكر ذلك في أوائل كتابه (المصباح) كما في (بغية الوعاة) للسيوطي(1).
2ـ جار الله الزمخشري (ت538هـ)، قال في تفسير الآية (234) من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: يحكى أنّ أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفّى؟ بكسر الفاء.
فقال: الله تعالى.
وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ رضي الله عنه على أنّ أمره بأن يضع كتاباً في النحو))(2).
وقال أيضاً في تفسير الآية (37) من سورة الحاقة: لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ، وروى عنه ــ عن ابن عبّاس ــ أبو الأسود الدؤلي: ما الخاطون؟ إنّما هو الخاطئون. ما الصابون؟ إنّما هو الصابئون(3).
وأخرج السيوطي عن البيهقي في (شعب الإيمان) عن صعصعة بن
صوحان، قال: جاء أعرابي إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: كيف هذا الحرف لا يأكله إلاّ الخاطون، كلّ والله يخطو؟
فتبسم عليّ، وقال: يا أعرابي: لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ.
قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين! ما كان الله ليسلم عبده.
ثمّ التفت إلى أبي الأسود، فقال: إنّ الأعاجم قد دخلت في الدين كافّة، فضع للناس شيئاً يستدلّون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض))(1).
3ـ أبو منصور الجواليقي (ت539هـ)، ذكر ذلك في كتابه (شرح أدب الكاتب)(2).
4ـ أبو سعد السمعاني (ت562هـ)، ذكر ذلك في كتابه (الأنساب)، قال:
((وأبو الأسود يروي عن عليّ، يقال: أنّه أوّل من تكلّم في النحو))(3).
5ـ الراغب الأصبهاني (ت565هـ)، ذكر ذلك في كتابه (المحاضرات)، في ترجمة أبي الأسود الدؤلي(4).
6ـ أبو البركات ابن الأنباري (ت577هـ)، ذكر ذلك في مقدّمة كتابه (نزهة الألباء في طبقات الأدباء)(5)، وله كلام حسن تحسن مراجعته، كما
ذكر ذلك أيضاً في كتابه (لمع الأدلّة في أُصول النحو)(1).
7ـ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي (ت597هـ)، ذكر ذلك في كتابه (المنتظم)، فقال:
((... وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أخذ أبو الأسود عن عليّ بن أبي طالب العربية، وكان لا يخرج شيئاً ممّا أخذه عن عليّ إلى آخر حتّى بعث إليه زياد...
وروى أبو حامد السجستاني.. عن أبي الأسود الدؤلي، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقاً متفكّراً.
فقلت: فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟
قال: إنّي سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع في أُصول العربية.
فقلت، إن فعلت هذا أحييتنا.
فأتيته بعد أيام فألقى إلَيَّ صحيفةً فيها: (الكلام: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل)، ثمّ قال لي: اتبعه وزد عليه ما وقع لك. فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه...))(2).
القرن السابع
1ـ ياقوت الحموي (ت626هـ)، ذكر ذلك في (معجم الأدباء)، في ترجمة أبي الأسود، قال:
((والأكثر على أنّه أوّل من وضع العربية، ونقّط المصحف... وصحب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه صفين.
قال: كان عليّ أوّل من وضع النحو، وسنّ العربية، وذلك أنّه مرّ برجل يقرأ: أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ(1)، بكسر اللام من رسوله، فوضع النحو، وألقاه إلى أبي الأسود الدؤلي))(2).
2ـ أبو يعقوب السكاكي (ت626هـ)، قال في كتابه (مفتاح العلوم):
((...وممّا يشهد لك بهذا، ما يروى عن عليّ أنّه كان يشيّع جنازة، فقال به قائل: من المتوفّي؟ بلفظ اسم الفاعل سائلاً عن المتوفّى، فلم يقل: فلان، بل قال: الله، ردّاً لكلامه عليه مخطئاً إياه، منبّهاً له بذلك، على أنّه كان يجب أن يقول: من المتوفَّى ــ بلفظ اسم المفعول ــ.
ويقال: إنّ هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته على استخراج علم النحو، فأمر أبا الأسود الدؤلي بذلك، فهو أوّل أئمّة النحو رضوان الله عليهم أجمعين، وما فعل ذلك (كرّم الله وجهه) إلاّ لأنّه عرف من السائل أنّه ما أورد لفظ المتوفّي على الوجه الذي يكون جزالة في المعنى، وفخامة في الإيراد))(3).
3ـ ضياء الدين ابن الأثير (ت637هـ)، ذكره في كتابه (المثل السائر)(4).
4ـ جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي المتوفى سنة (646هـ)، فقد ذكر في كتابه القيّم (إنباه الرواة على أنباء النحاة) في الجزء الأوّل من ص5 إلى ص9 ما يتعلّق بالتأسيس، ولم أقف على من بحث مثله في هذا إحاطة وشمولاً، لذلك نقلته بكامله عنه، إفادة للقارئ وقطعاً لألسنة المشكّكين:
((ذكر أوّل من وضع النحو، وما قاله الرواة في ذلك الجمهور من أهل الرواية، على أنّ أوّل من وضع النحو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ــ كرّم الله وجهه ــ.
قال أبو الأسود الدُّؤَلي رحمه الله: دخلت على أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فرأيته مُطرقاً مفكّراً؛ فقلت: فيم تفكر(1)يا أمير المؤمنين؟
فقال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أصنع كتاباً في أُصول العربيّة.
فقلت له: إن فعلت هذا أبقيتَ فينا(2)هذه اللغة العربية.
ثمّ أتيته بعد أيام، فألقى إليّ صحيفةً فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كلّه: اسم، وفعل، وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمَّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل).
ثمّ قال: (تتبّعه وزِد فيه ما وقع لك. واعلم أنّ الأشياء(3)ثلاثة: ظاهر،
ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر؛ وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر).
فجمعت أشياء وعرضتُها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأنّ. ولم أذكر: لكنّ.
فقال: لِم تركتها؟
فقلت: لم أحسبها منها.
فقال: بلى هي منها، فزدها فيها.
هذا هو الأشهر من أمر ابتداء النحو. وقد تعرّض الزجّاجي أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام عليّ كرّم الله وجهه.
ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين جزءاً فيه أبواب من النحو، يُجمعون على أنّها مقدّمة عليّ بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدُّؤلي.
ورُوي أيضاً عن أبي الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخرج لي رقعةً فيها: (الكلام كلّه: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى).
قال: فقلت: ما دعاك إلى هذا؟
قال: رأيت فساداً في كلام بعض أهلي؛ فأحببت أن أرسم رسماً يعرف به الصواب من الخطأ؟
فأخذ أبو الأسود النحو عن عليّ عليه السلام ولم يُظهره لأحد.
ثمّ إنّ زياداً سمع بشيء ممّا عند أبي الأسود، ورأى اللحن قد فشا؛ فقال لأبي الأسود: أظهر ما عندك ليكون للناس إماماً. فامتنع من ذلك، وسأله الإعفاء، حتّى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ(1)بالكسر؛ فقال: ما ظننت أنّ أمر الناس آل إلى هذا. فرجع إلى زياد، فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير؛ فليُبغني(2)كاتباً لقناً(3)يفعل ما أقول، فأُتي بكاتب من عبد القيس(4)، فلم يرضه، فأُتي بكاتب آخر ــ قال المبرِّد: أحسبه منهم ــ فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل نقطة من تحت الحرف, وإن مكّنت(5)الكلمة بالتنوين فاجعل أمارة ذلك نقطتين. ففعل ذلك، وكان أوّل ما وضعه لهذا السبب.
وقد قيل: أنّ الذي رآه أبو الأسود ونكره، أنّه مرّ به سعد ــ وكان رجلاً فارسياً من أهل نُوبَنْدَجان(6)ــ كان قدم البصرة مع جماعة [من] أهله، فادّعوا
1) - سورة التوبة/3.
2) - يقال: أبغني الشيء؛ أي: أعني على طلبه.
3) - اللقن: سريع الفهم.
4) - عبد القيس: قبيلة من بني أسد، وكانت ديارهم في تهامة، ثمّ خرجوا منها إلى البحرين.
5) - في أخبار النحويين للسيرافي: 16: ((فإن أتبعت شيئاً من ذلك غنة، فاجعل مكان النقطة نقطتين)).
6) - نوبندجان، بضم النون وفتح الباء والدّال: مدينة من أرض فارس قريبة من شعب بوان، وفي أخبار النحويين للسيرافي: 18: (بوزنجان).
لقدامة(1)بن مظعون أنّهم أسلموا على يديه؛ فإنّهم بذلك من مواليه. ولمّا مرّ سعد بأبي الأسود ــ وكان يقود فرساً له ــ قال له أبو الأسود: مالك لا تركبه يا سعد؟
قال: ((إنّ فرسي ظالعاً))، وأراد أن يقول: ((ظالع))(2).
قال: فضحك به بعض من حضر.
فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، فصاروا لنا إخوة، فلو علّمناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول.
وأهل مصر قاطبة يروْن بعد النقل والتصحيح، أنّ أوّل من وضع النحو عليّ بن أبي طالب ــ كرّم الله وجهه ــ وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي، وأخذ عن أبي الأسود الدؤلي نصر بن عاصم البصريّ، وأخذ عن نصر أبو عمرو ابن العلاء البصري، وأخذ عن أبي عمرو [الخليل بن أحمد، وأخذ عن الخليل](3)سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قُنَبْر(4)، وأخذ عن سيبويه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط، وأخذ عن الأخفش أبو عثمان بكر بن محمّد المازني الشيباني وأبو عمر الجرمي، وأخذ عن المازني
1) - هو قدامة بن مظعون الجمحي، أحد السابقين الأوّلين المهاجرين، استعمله عمر بن الخطّاب في خلافته على البحرين، وتوفي سنة 36. الإصابة 5/233.
2) - الظالع: الذي يغمز في مشيته.
3) - زيادة تقتضيها صحّة الرواية، ولم يذكر أحد من واضعي التراجم أنّ سيبويه أخذ عن أبي عمرو بن العلاء. والروايات تجمع على أنّه أخذ عن الخليل، وهذا أخذ عن أبي عمرو بن العلاء. انظر: ابن خلكان 1/385، وابن كثير 1/70.
4) - قنبر، بضم ثمّ فتح وسكون، كذا ضبطه في تاج العروس 3/508.
والجرمي أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرِّد، وأخذ عن المبرّد أبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن السرّاج، وأخذ عن ابن السّراج أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، وأخذ عن الفارسي أبو الحسن علي بن عيسى الرَّبعي؛ وأخذ عن الربعي أبو نصر القاسم بن مباشر الواسطي، وأخذ عن ابن المباشر طاهر ابن أحمد بن بابشاذ(1)المصري؛ وأخذ أيضاً عن الزجاج أبو جعفر النحاس أحمد بن إسماعيل المصري؛ وأخذ عن النحاس أبو بكر الأُدفُوي(2)، وأخذ عن الأدفوي أبو الحسن علي بن إبراهيم الحَوْفي، وأخذ عن الحوفي طاهر ابن أحمد بن بابشاذ(3)النحوي؛ وأخذ عن ابن بابشاذ أبو عبد الله محمّد بن بركات النحوي المصري، وأخذ عن ابن بركات وعن غيره أبو محمّد بن بَرِّي، وأخذ عن ابن بَرِّي جماعة من علماء أهل مصر، وجماعة من القادمين عليه من المغرب وغيرها؛ وتصدّر في موضعه بجامع عمرو بن العاص تلميذه الشيخ أبو الحسين النحوي المصري المنبوز بِـ(خُرء الفيل)، ومات في حدود سنة عشرين وستمائة.
ومن الرواة من يقول: إنّ أبا الأسود هو أوّل من استنبط النحو، وأخرجه من العدم إلى الوجود، وإنّه رأى بخطه ما استخرجه، ولم يعزُه إلى أحد قبله.
فمّمن قال ذلك: محمّد بن إسحاق أبي يعقوب أبو الفرج المعروف
بابن النديم(1)، وكان كثير البحث والتفتيش عن الأمور القديمة، كثير الرغبة في الكتب وجمعها، وذكر أخبارها وأخبار مصنّفيها، ومعرفة خطوط المتقدّمين، قال(2): ((كان بمدينة الحديثة(3)رجل يقال له: محمّد بن الحسين، ويعرف بابن أبي بعرة، جمّاعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات، فأنس بي ــ وكان نفوراً ضنيناً بما عنده، خائفاً عليها من بني حمدان ــ فأخرج لي قمطراً كبيراً، فيه نحو ثلثمائة رطل؛ جلود وصكاك(4)، وقرطاس مصري، وورق صيني، وورق تهامي، وجلود أدَم(5)، وورق خراساني، فيها تعليقات لغة عن(6)العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النحو والحكايات والأخبار والأنساب والأُمّهات، وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم. وذكر أنّ رجلاً من أهل الكوفة، ذهب عنّي اسمه، كان مُسْتَهتراً(7)بجمع الخطوط القديمة،
1) - هو أبو الفرج محمّد بن إسحاق النديم، صاحب كتاب (الفهرست). جوّد فيه واستوعب استيعاباً يدلّ على إطلاعه على فنون العلم، وتحقّقه بجميع الكتب, ذكر في مقدّمته أنّه صنّفه في سنة 377هـ، و توفي سنة 385هـ. معجم الأدباء 18/17.
2) - من كتاب الفهرست: 40.
3) - الحديثة، بفتح الحاء وكسر الدال، تطلق على عدّة مواضع: حديثة الموصل، وحديثة الفرات، وغوطة دمشق. معجم البلدان 3/234.
4) - الصكاك: جمع صك، وهو الكتاب.
5) - الأدم، بالتحريك: اسم لجمع الأديم، وهو الجلد المدبوغ.
6) - في الفهرست: ((فيها تعليقات عن العرب)).
7) - المستهتر بالشيء: المولع به.
وأنّه لما حضرته الوفاة خصّه بذلك لصداقة كانت بينهما، وإفضال من محمّد ابن الحسين عليه، ومجانسته بالمذهب، فإنّه كان شيعياً)).
قال ابن النديم: ((فرأيتها وقلّبتها، فرأيت عجباً! إلاّ أنّ الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملاً؛ درسها(1)وأحرفها. وكان على كلّ جزء أو ورقة أو مدرجة(2)توقيع بخطوط العلماء؛ واحداً بعد واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كلّ توقيع توقيع آخر، خمسة وستّة من شهادات العلماء على خطوط بعض لبعض، ورأيت في جملتها مصحفاً بخط خالد بن أبي الهياج، صاحب عليّ عليه السلام(3). ورأيت فيها بخطوط الأئمّة من [آل] الحسن وآل الحسين عليهم السلام(4)، ورأيت عنده أمانات وعهود بخط أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وبخط غيره من كتّاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم). ورأيت من خطوط العلماء في النحو واللغة، مثل أبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيباني، والأصمعي، وابن الأعرابي، [و] سيبويه، و الفرّاء، والكسائي، ومن خطوط أصحاب الحديث مثل: سفيان بن عُيَيْنِة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وغيرهم.
ورأيت ما يدلّ على أنّ النحو من(5)أبي الأسود، ما هذه حكايته، وهي
1) - درسها: أذهب معالمها. وفي الفهرست: (أدرسها).
2) - المدرجة: الورقة المطوية؛ كأنّه يعني بها الورقة المزودجة. وفي الأصل: ((على كلّ جزء ورقة أو مدرجة))، و الوجه ما أثبت من فهرست ابن النديم.
3) - في الفهرست بعد هذه العبارة: ((ثمّ وصل هذا المصحف إلى عبد الله بن حانيّ رحمه الله)).
4) - في الفهرست: ((بخط الإمامين: الحسن والحسين)).
5) - في الفهرست: ((عن أبي الأسود)).
أربع أوراق، وأحسبها من ورق الصين؟ ترجمتها: ((هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود ــ رحمة الله عليه ــ بخط يحيى بن يعمر))، وتحت هذا الخط بخط عتيق: ((هذا خط علاّن النحوي))، وتحته: ((هذا خط النضر بن شُميل)).
قال ابن النديم: ((ثمّ لمّا مات هذا الرجل فقدنا القِمَطر وما كان فيه، فما سمعنا له خبراً، ولا رأيت منه(1)غير المصحف؛ هذا على كثرة بحثي عنه)).
فقد تعيّن إذاً ذكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ــ كرّم الله وجهه ــ وذكر مختصر من خبره؛ ثمّ أتبعه بذكر أبي الأسود الدؤلي وشيء من أخباره، ثمّ أذكر النحاة بعد ذلك على حروف المعجم؛ ليسهل تناول أخبارهم لطالب ذلك. وإذا ذكرت الشخص منهم في بابه عُلم من خبره وزمانه من أيّ الطبقات هو؟ والله الموفِّق؛ إنّه على كلّ شيء قدير؛ وبالإجابة جدير، و هو حسبنا ونعم الوكيل(2).
5ـ كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي (ت652هـ)، ذكر ذلك في كتابه (مطالب السؤول)(3).
6ـ ابن أبي الحديد المعتزلي (ت655هـ)، ذكر ذلك في كتابه (شرح نهج البلاغة)(4).
7ـ أبو المحاسن اليغموري (ت673هـ)، ذكر ذلك في (نور القبس)(1).
8ـ ابن خلكان (ت681هـ)، قال في ترجمة أبي الأسود:
((وهو أوّل من وضع النحو، قيل: إنّ عليّاً رضي الله عنه وضع له: (الكلام كلّه ثلاثة أضرب: اسم، وفعل، وحرف)، ثمّ دفعه إليه، وقال له: تمّم هذا))(2).
وقال: ((وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ يعنون النحو.
فقال: اقتبست حدوده من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: إنّ أبا الأسود المذكور كان لا يخرج شيئاً ممّا أخذه من عليّ بن أبي طالب إلى أحد حتّى بعث إليه زياد... وإنّما سُميّ النحو نحواً، لأنّ أبا الأسود قال: استأذنت عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه أن أضع نحو ما وضع، فسُمّي لذلك نحواً، والله أعلم))(3).
القرن الثامن
1ـ رشيد الوطواط (ت718هـ)، ذكر ذلك في (غرر الخصائص الواضحة)(4).
2ـ ابن تيمية الحراني (ت728هـ)، ذكر ذلك في (منهاج السُنّة)(5).
3ـ شمس الدين الذهبي (ت748هـ)، ذكر ذلك في (تاريخ الإسلام)(6)،
وفي (سير أعلام النبلاء)(1).
4ـ صلاح الدين الصفدي (ت764هـ)، ذكر ذلك في (الوافي بالوفيات)، في ترجمة أبي الأسود، قال:
((وكان أوّل من أسّس علم العربية عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخذه عنه أبو الأسود...))(2).
5ـ ابن نباتة المصري (ت768هـ)، ذكر ذلك في (سرح العيون بهامش الغيث المسجم)(3).
6ـ اليافعي (ت768هـ)، ذكر ذلك في (مرآة الجنان)(4).
7ـ ابن السبكي (ت771هـ)، قال في (طبقات الشافعية الكبرى):
((عن علي رضي الله عنه أنّه كان يشيّع جنازة، فقال له قائل: من المتوفي، بلفظ اسم الفاعل، سائلاً عن المتوفّى، فلم يقل: فلان، بل قال: الله تعالى، ردّاً لكلامه عليه مخطئاً إياه، منبهاً له بذلك على أنّه كان يجب أن يقول: من المتوفّى، بلفظ المفعول، ويقال: إنّ هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته إلى استخراج علم النحو، فأمر أبا الأسود الدؤلي بذلك، فأخذ فيه، فهو أوّل أئمّة علم النحو رضي الله عنهم أجمعين))(5).
8ـ ابن كثير الدمشقي (ت774هـ)، ذكر ذلك في (البداية والنهاية)، في ترجمة أبي الأسود، فقال:
((الذي نسب إليه علم النحو، ويقال: أنّه أوّل من تكلّم فيه، وإنّما أخذه عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب... وحكى قول يحيى بن معين وأحمد ابن عبد الله العجلي في توثيقه، وهو أوّل من تكلّم في النحو.
قال ابن خلكان وغيره: كان أوّل من ألقى إليه علم النحو عليّ بن أبي طالب، وذكر له: أنّ الكلام: اسم، وفعل، وحرف.
ثمّ إنّ أبا الأسود نحا نحوه، وفرّع على قوله، وسلك طريقه، فسمّي هذا العلم النحو لذلك))(1).
القرن التاسع
1ـ كمال الدين الدميري (ت808هـ)، ذكر ذلك في (حياة الحيوان): (الدئل)(2).
2ـ شهاب الدين القلقشندي (ت821هـ)، ذكر ذلك في (صبح الأعشى)، قال:
(((الدئل) وإليهم ينسب أبو الأسود الدؤلي، واضع علم النحو بأمر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه))(3).
وقال أيضاً: ((أوّل من وضع النحو أبو الأسود الدؤلي بأمر أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)))(1).
وقال ثالثاً: ((وقد روي أنّ أوّل من نقط المصاحف ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين (كرّم الله وجهه)...))(2).
3ـ شمس الدين ابن الجزري (ت833هـ)، ذكر ذلك في (غاية النهاية في طبقات القرّاء)(3).
4ـ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، ذكر ذلك في (الإصابة) في ترجمة أبي الأسود(4).
5ـ نظام الدين النيسابوري (ت بعد850هـ)، ذكر ذلك في تفسيره بهامش تفسير الطبري(5).
القرن العاشر
1ـ جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، ذكر ذلك في (بغية الوعاة)(6)، وفي (الأشباه والنظائر)(7)، وفي (الوسائل إلى معرفة الأوائل)(8)، وفي (تاريخ
1) - صبح الأعشى 1/420.
2) - صبح الأعشى 3/151.
3) - غاية النهاية في طبقات القرّاء 1/346، ط السعادة بمصر سنة 1352هـ.
4) - الإصابة 3/562 تح البجاوي.
5) - تفسير الطبري 2/352، ط سنة1321هـ بمصر.
6) - بغية الوعاة 2/22 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط1.
7) - الأشباه والنظائر 1/7، ط الهند.
8) - الوسائل إلى معرفة الأوائل: 119 تح سعد طلس، ط بغداد سنة1369.
الخلفاء)(1)، وفي (الاقتراح في علم النحو)(2)، وفي (المزهر)(3)، وحسبنا من جميع ذلك تأليفه رسالة: (الأخبار المروية في سبب وضع العربية)، ذكر اسمها الكناني في (التراتيب الإدارية)(4).
2ـ طاش كبري زاده (ت968هـ)، في (مفتاح السعادة)(5).
3ـ المتقي الهندي (ت975هـ)، في (كنز العمال)(6)، نقلاً عن الزجاجي في أماليه(7)، نقلاً عن ابن النجار، وابن عساكر.
4ـ الخطيب الشربيني (ت977هـ)، ذكر ذلك في تفسيره (السراج المنير)(8).
القرن الحادي عشر
1ـ ابن العماد الحنبلي (ت1089هـ)، ذكر ذلك في (شذرات الذهب)(9).
القرن الثاني عشر
لم أقف على اسم من ذكر الموضوع في هذا القرن، وفوق كلّ ذي علم عليم.
1) - تاريخ الخلفاء: 81 ، ط السعادة بمصر.
2) - الاقتراح في علم النحو: 100، ط الهند.
3) - المزهر 2/397 تح جاد المولى والبجاوي وأبو الفضل إبراهيم.
4) - التراتيب الإدارية 2/188، ط2 بيروت تح عبد الله الخالدي.
5) - مفتاح السعادة 1/142، ط العلمية بيروت، و 2/38.
6) - كنز العمال 10/172، ط2 حيدر أباد.
7) - أمالي الزجاجي برقم1375، وفي 1376.
8) - السراج المنير 1/126، ط الخيرية بمصر.
9) - شذرات الذهب 1/76، ط مصر.
القرن الثالث عشر
1ـ السيّد مرتضى الزبيدي (ت1205هـ)، ذكر ذلك في (تاج العروس)، نقلاً عن السيوطي في (المزهر)، كلام أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتابه (مراتب النحويين):
((أوّل من رسم للناس النحو واللغة أبو الأسود، وكان أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان أعلم الناس بكلام العرب))(1).
وقال: (((نحا)...لقول عليّ بعدما علّم أبا الأسود الاسم، والفعل، وأبواباً من العربية (انح على هذا النحو)))(2).
2ـ أبو الثناء الألوسي (ت1270هـ)، قال في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً(3): ((حكي أنّ أبا الأسود كان خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي ــ بكسر الفاء ــ فقال: الله تعالى، وكان هذا أحد الأسباب لعليّ كرّم الله تعالى وجهه على أنّ أمره بوضع كتاب النحو...))(4).
القرن الرابع عشر
لقد صدر في العالم العربي في هذا القرن كثير من الدراسات والتحقيقات والكتب، وحتّى بعض الهوامش التراثية حول الموضوع المبحوث عنه، يعسر إحصاؤها، فضلاً عمّا صدر في العالم الإسلامي وغيره،
وفيها الإذعان من أصحابها بإثبات الحقيقة الثابتة بأنّ تأسيس علم النحو إنّما كان من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه أوكل إتمامه إلى أبي الأسود الدؤلي، ولم يتأثر أصحاب تلك الدراسات بآراء المنافقين والمشكّكين، وكان بعضهم مدافعاً عن وجهة نظره بما أوتي من قوّة بيان وحجّة برهان، وإلى القارئ أسماء بعض من تيسر لي الإطلاع على ذكرهم:
1ـ حسن حفظي، صاحب (شرح الأجرومية)، قال:
((...اعلموا يا أيّها الأحباب! إنّ هذا العمل ــ وهو علم النحو ــ اختلف في من كان له قصب السبق، وأكثر الأقوال وأقواها تقول: أنّه أبو الأسود الدؤلي بناءاً على أمر من الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه...)).
وقال: ((...ذكرت لكم أنّ الأوّل الصحيح والأقوى في من بدأ التأليف في هذا النحو إنّه أبو الأسود الدؤلي بإشارة من الإمام عليّ رضي الله عنه... ويقال إنّ أبا الأسود قدم ورقة مكتوبة إلى عليّ بن أبي طالب كتب فيها تقسيم الكلام إلى: اسم، وفعل، وحرف، ثمّ قال: الاسم ما دلّ على المسمّى، والفعل كذا والحرف كذا، فأعجب عليّ بن أبي طالب بهذا، وقال: (ما أحسن هذا النحو الذي نحوت)، لذلك يقول بعضهم: إنّ السبب في تسمية هذا العلم بعلم النحو كلمة الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حينما قال: (ما أحسن هذا النحو الذي نحوت)...))(1).
2ـ محمّد بن أحمد بن عساكر، ذكر في تعليقة له بـ(هامش فتوح
1) - شرح الأجرمية 1/6.
البلدان للبلاذري)، وقد كتب البلاذري صورة ما كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني حبيبة، وأهل مقتا، وفي آخره: (وكتب عليّ بن أبو طالب سنة9)، فعلّق ابن عساكر على هذا، فقال: ((إنّه كذا في الأصل مضبوط ما صورته في آخر الكتاب: (وكتب عليّ بن أبو طالب في سنة 9)، وكذا الحكاية عن جملة من الكتب التي بيد يهود منسوبة إلى خط عليّ كرّم الله وجهه، وفي هذا نظر لذي فهم متأمّله، يبيّن له أنّ هذا الكتاب مفتعل، والدليل عليه من وجهين:
أحدهما: أنّ عليّاً كرّم الله وجهه هو الذي اخترع الكلام في علم النحو خشية من اختلاط كلام العرب بكلام النبط، فما كان عليه السلام ليخش من شيء ويعتمد ما يؤدي إلى الالتباس، و...))(1).
3ـ جرجي زيدان، قال في كتابه (آداب اللغة العربية):
((أمّا واضع علم النحو، أو مدونه، فهو بالإجماع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة (69)... واختلف الرواة فيما بعث أبا الأسود على وضع النحو، ولكنّهم مجمعون على أنّه واضعه كما قدّمناه، وهو يقول: أنّه تلقى ذلك من عليّ بن أبي طالب...))(2).
وقال أيضاً: ((وهو ــ أبو الأسود ــ واضع علم النحو، وكان من أكثر الناس تعلّقاً بعليّ، وعنه أخذ علم النحو كما تقدّم...))(3).
4ـ الباحث العراقي طه الراوي، قال في كتابه (نظرات في اللغة والنحو):
((وكان مجلي الحلبة في هذا المضمار أبو الأسود الدؤلي الكناني أحد أعلام التابعين، بإرشاد من الإمام عليّ رضي الله عنه))(1).
5ـ المحقّق المصري محمّد محي الدين عبد الحميد، قال في كتابه (التحفة السنية بشرح المقدّمة الأجرومية):
((والمشهور أنّ أوّل واضع لعلم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، بأمر من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه))(2).
6ـ الدكتور عبد الرحمن السيّد، قال في كتابه (مدرسة البصرة النحوية) ــ بعد نقل كلمات عدد من المؤرخين وأرباب المعاجم ــ:
((وهذه الروايات المتكاثرة تكاد تجمع أيضاً على أنّ أبا الأسود وضع النحو بإرشاد عليّ، وبعض تروي ذلك على لسان أبي الأسود نفسه))(3).
وقال أيضاً: ((والصحيح أنّ أوّل من وضع النحو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنّ الروايات كلّها تسنده إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسنده إلى عليّ))(4).
7ـ المستشار المصري عبد الحليم الجندي، قال في كتابه (الإمام جعفر الصادق عليه السلام) ــ وهو يذكر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ــ :
((ومن نهج بلاغته يسقى بلغاء العربية وحكماء الإسلام، ومن تعليمه
وضع النحو العربي، ووضع النحو بتعليم يذكر بالمكانة الخاصّة لعليّ في علوم الإسلام))(1).
8ـ الأستاذ السعودي مناع خليل القطان، مدير المعهد العالي للقضاء بالرياض، قال في كتابه (مباحث في علوم القرآن):
((ثمّ كانت خلافة علي رضي الله عنه فوضع أبو الأسود بأمر منه قواعد النحو...))(2).
9ـ الدكتور محمّد رواس قلعه جي، في كتابه (موسوعة فقه إبراهيم النخعي عصره وحياته):
((وراع عليّ أثناء خلافته كثرة الأعاجم في الإسلام، فخاف أن يدخل اللحن القرآن، ولذلك كان لا بدّ من حفظه، فاستدعى أبا الأسود الدؤلي وأرشده لوضع القواعد التي تحفظ لغة القرآن))(3).
10ـ الأستاذ اللبناني سميح عاطف الزين، قال في كتابه (الإعراب في القرآن الكريم):
((ولقد أجمع الباحثون على أنّ نشأة علم النحو تعود إلى أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ، فقد روي أنّ أبا الأسود دخل على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو بالكوفة ــ كذا والصواب بالبصرة ــ فوجده مطرقاً متفكّراً، فلمّا سأله عن سبب ذلك قال له عليّ عليه السلام: إنّي سمعت
ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتاباً في أُصول العربية، وعاد أبو الأسود بعد فترة وجيزة فألقى إليه عليّ عليه السلام برقعة أو صحيفة كتب فيها الأُصول التي أرادها. ومنها: إنّ الكلام كلّه اسم وفعل وحرف...
11ـ الأستاذ المصري حسن إبراهيم، قال في كتابه (تاريخ الإسلام):
((أبو الأسود تلقى أُصول النحو من عليّ بن أبي طالب...))(1).
12ـ الدكتور صبحي الصالح، قال في كتابه (مباحث في علوم القرآن):
((أمّا أبو الأسود، فقد اشتهر بأنّه سبق إلى وضع مسائل في العربية بأمر من عليّ بن أبي طالب...))(2).
وقال: ((وقد اشتهر أيضاً أنّ عليّاً رضي الله عنه أمر أبا الأسود الدؤلي (ت69هـ)، بوضع بعض القواعد للمحافظة على سلامة اللغة العربية، فكان عليّ بذلك واضع الأساس لعلم إعراب القرآن))(3).
13ـ الأستاذ محمّد حسن عواد، قال في مقدّمة كتاب (الكوكب الدري للأسنوي):
((والصحيح أنّ أوّل من وضع النحو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنّ الروايات كلّها تسند إلى أبي الأسود، أنّه سُئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لقنت ــ لفقت ــ حدوده من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه))(4).
14ـ الدكتور ياسين الأيوبي، قال في (معجم شعراء لسان العرب)ــ وقد ذكر أبا الأسود ــ:
((وواضع علم النحو بمساعدة عليّ بن أبي طالب))(1).
15ـ 16ـ الأستاذان المصريان المحقّقان: أحمد العوامري، المفتش الأوّل للغة العربية سابقاً، وعضو مجمع فؤاد الأوّل للغة العربية، وعلي الجارم بك، المفتش الأوّل للغة العربية، وعضو مجمع فؤاد الأوّل للغة العربية، قالا في ترجمة أبي الأسود في هامش صفحة 44 من كتاب (البخلاء) للجاحظ:
((وهو أوّل من وضع علم النحو بأمر من عليّ بن أبي طالب...))(2).
17ـ الأستاذ الخطاط الماهر محمّد طاهر بن عبد القادر الكردي المكّي، ذكر هذا في كتابه (تاريخ الخط العربي وآدابه)، فقال:
((فكان أوّل من وضع الشكل والنحو أبو الأسود الدؤلي، من كبّار التابعين المتوفى سنة 69هـ، قيل: أنّه مات في الطاعون الجارف، وقيل: قبله...
وسببه أنّ ابنته نظرت إلى السماء في ليلة شديدة الصحو، وقالت: ما أحسنُ السماء (بضم النون).
فقال: نجومها.
قالت: أردت التعجب!
فقال: كان عليك أن تقولي: أحسنَ السماء (بفتح النون)، وتفتحي فاكِ.
فلمّا أصبح ذكر ذلك لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فعلّمه أبوابا من النحو، منها: باب إن، وباب الإضافة، وباب الإمالة، وقال له: (انح هذا النحو يا أبا الأسود)، فاشتغل أبو الأسود بوضع أبواب أُخرى في النحو، منها: باب العطف، وباب التعجّب، وباب الاستفهام، واشتهر بعد ذلك أبو الأسود بعلم العربية، فاختلف إليه الناس للأخذ عنه، فتمكّن العرب بالنحو من حفظ لغتهم، فالعارف به يقرأ الكتابة صحيحة، وغيره يقرأ خطأ، فطلب زياد بن سمية ــ وكان والياً على البصرة ــ من أبي الأسود أن يضع طريقة لإصلاح الألسن عند القراءة، فلم يجبه إلى طلبه، فدّبر زياد حيلة ــ وكان من دهاة العرب ــ فقال لرجل من أتباعه: اقعد في طريق أبي الأسود واقرأ شيئاً من القرآن وتعمّد اللحن، ففعل الرجل ذلك وسمعه أبو الأسود يقرأ: (إنّ الله بريء من المشركين ورسوله) وكسر اللام.
فأعظم ذلك أبو الأسود، وقال: عزّ وجه الله تعالى أن يبرأ من رسوله، فذهب إلى زياد من فوره، وقال له: قد أجبناك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ إعراب القرآن، فأبغني كاتباً، فبعث إليه ثلاثين كاتباً، فاختار واحداً منهم، وقال له: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد...))(1)إلى آخر الخبر.
18ـ القاضي أبو الفتح بن الحاج، ذكر ذلك في كتابه، وحكاه عنه الكتّاني في (التراتيب الإدارية)(2).
19ـ القاضي ابن الأزرق، ذكر ذلك في كتابه (روض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام)، وحكاه عنه الكتاني في (التراتيب الإدارية)(1).
20ـ 21ـ 22ـ 23ـ ومنهم الشريشي في (شرح مقامات الحريري)، وخالد الأزهري في (التصريح)، والأبياري في كتابيه (سعود المطالع، والقصر المبني في شرح المغني)، والكتّاني في (التراتيب الإدارية)(2)، وقد حكى عن الذين سبقوه من عشرة مصادر لم يسعني الوقت لمراجعة ما فيها، فذكرت بعض أصحابها نقلاً عنه.
وأخيراً حسبنا في صحّة إثبات نسبة التأسيس إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أقوال من قدّمنا ذكرهم وكلّهم ممّن لا يتّهمون بالتشيّع، ليقول قائل، ويتطاول عليهم بغير طائل: إنّهم وضعوا ذلك ليعلوا قدر إمامهم.
وخير ختام يدلّ على ما في المقام، قول أحد قضاة المغرب العربي، وهو: القاضي ناصر الدين ابن المنير، وهو يرثي علي بن مؤمن بن عصفور الإشبيلي المتوفّى سنة 317هـ :
أسند النحو إلينا الدؤلي *** عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النحو عليّ وكذا *** قل بحقّ ختم النحو عليّ
ذكر هذا السيوطي في (بغية الوعاة)(3)، وعن المقريزي في (نفح الطيب) تجد تفاوتاً في نسبة الشعر والشاعر، ففيه: قال ابن الأزرق في كتابه
(روضة الإعلام) في مدح ابن عصفور:
نقل النحو إلينا الدؤلي *** عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النحو عليّ وكذا *** ختم النحو ابن عصفور علي
ومسك الختام كلمة الأستاذ الكاتب القدير المصري الشهير عبد الفتاح عبد المقصود، في كتابه (السقيفة)، قال:
((وعنت له ــ الإمام ــ اللغة العربية كما لم تعن لغيره.. لان صعبها، وذلّ غريبها، وتفتحت أبوابها.
فإذا هو مشرع الفصاحة ومورّدها، ومنشأ البلاغة ومولّدها، به ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانيها(1).
فالمعلوم الثابت أنّه هو الذي استولدها قواعدها، واستنبطها أسسها، وحدّد لها جوامع الأُصول، التي لا بدّ أن تنهض عليها لتضلّ كحالها عند أهلها الأوائل، سليمة التركيب، مبرأة من عيوب اللحن والخطأ، ومناقص التحريف والالتواء..
إنّه صاحب (علم النحو) الذي حفظ بناء العربية قائماً، ولولاه لمال، ولشابها من لكنة الشعوب الغريبة التي دخلت الإسلام ما يغلب على نقاء جوهرها الأصيل.. ولتبدّلت لغة أُخرى غير لغة القرآن، ولاندثرت اندثار اللغات القديمة، وماتت كاللاتينية التي غدت طللاً دارساً بعد أن تبلبلت بها لهجات الأوربيين..
1) - الشريف الرضي، خطبته في تقديم النهج.
ابتدع الإمام هذا العلم، وأملى على أبي الأسود الدؤلي أُصوله الجامعة.. فقسّم له الكلام كلّه إلى: اسم، وفعل، وحرف. وقسّم الكلمة إلى: معرفة، ونكرة. وقسّم وجوه الإعراب إلى: الرفع، والنصب، والجرّ، والجزم.. فكان هذا الذي ابتدعه أسّ السياج الواقي الذي درأ عن العربية عوادي العجمة واللحن، وأبقى لها اللب والسمت، وضمن صحّة الضبط، واستقامة اللسان..
ولم يكن بين أبنائها من هو مثله أدرى بها، وأعرف بأساليبها، فاق فيها كلّ ناطق وكاتب، فإذا هو أخطب من خطب الناس، وأكتب من خط في قرطاس...))(1).
تمّ تحريرها في ليلة الأربعاء 12 صفر الخير سنة 1434هـ على يد كاتبها الراجي عفو ربّه المنّان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.
والحمد لله ربّ العالمين
1) - السقيفة: 306 ــ 307 نشر مكتبة غريب بمصر.
نقلاً عن كتاب (البيان في تفسير القرآن) لآية الله السيّد الخوئي قدس سره من (ص119 ـ 135) ط1، المطبعة العلمية في النجف الأشرف 1377هـ ـ 1957م.
قال قدس سره:
هل نزل القرآن على سبعة أحرف؟
لقد ورد في روايات أهل السُنّة: أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فيحسن بنا أن نتعرّض إلى التحقيق في ذلك بعد ذكر هذه الروايات:
1ـ أخرج الطبري عن يونس وأبي كريب، بإسنادهما عن ابن شهاب، بإسناده عن ابن عبّاس، حدّثه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أقرأني جبرئيل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده فيزيدني، حتّى انتهى إلى سبعة أحرف). ورواها مسلم عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس(1). ورواها البخاري بسند آخر(2). وروى مضمونها عن ابن البرقي، بإسناده عن ابن عبّاس.
2ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جدّه، عن أُبيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلّي، فقرأ
قراءة أنكرتها عليه، ثمّ دخل رجل آخر فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فدخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقلت يا رسول الله! إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثمّ دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه؟ فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرءا، فحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شأنهما، فوقع في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقاً كأنّما أنظر إلى الله فرقاً.
فقال لي: (يا أُبيّ! أرسل إلَيَّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هون على أُمّتي، فردّ علَيَّ في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف (هكذا في النسخة وفي صحيح مسلم على حرفين)، فرددت عليه أن هوّن على أُمّتي، فرّد علَيَّ في الثالثة أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكلّ ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللّهمّ اغفر لأُمّتي، اللّهمّ اغفر لأُمّتي، وأخّرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلى الخلق كلّهم حتّى إبراهيم عليه السلام).
وهذه الرواية رواها مسلم أيضاً بأدنى اختلاف(1). وأخرجها الطبري عن أبي كريب بطرق أُخرى باختلاف يسير أيضاً، وروى ما يقرب من مضمونها عن طريق يونس بن عبد الأعلى، وعن طريق محمّد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن أُبيّ.
3ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن سليمان بن صرد، عن أُبّي بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلاً يقرأ. فقلت: من أقرأك؟
فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
1) - صحيح مسلم 2/203.
فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: استقرئ هذا. فقرأ.
فقال: أحسنت.
قال: فقلت إنّك أقرأتني كذا وكذا.
فقال: وأنت قد أحسنت.
قال: فقلت: قد أحسنت، قد أحسنت.
قال: فضرب بيده على صدري، ثمّ قال: (اللّهمّ أذهب عن أُبيّ الشكّ).
قال: ففضت عرقاً، وامتلأ جوفي فرقاً.
ثمّ قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الملكين أتياني. فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، قال: فقلت زدني. قال: أقرأه على حرفين حتّى بلغ سبعة أحرف. فقال: اقرأ على سبعة أحرف).
4ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قال جبرئيل: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: على حرفين، حتّى بلغ ستّة أو سبعة أحرف ــ والشكّ من أبي كريب ــ فقال: كلّها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، كقولك: هلّم وتعال).
5ـ وأخرج عن أحمد بن منصور، بإسناده عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قرأ رجل عند عمر بن الخطّاب فغيّر عليه.
فقال: لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يغيّر علَيَّ.
قال: فاختصما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! ألم تقرئني آية كذا وكذا؟
قال: بلى.
فوقع في صدر عمر شيء فعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في وجهه.
قال: فضرب صدره. وقال: (أبعد شيطاناً)، قالها ثلاثا، ثمّ قال: (يا عمر! إنّ القرآن كلّه سواء، ما لم تجعل رحمة عذاباً، وعذاباً رحمة).
وأخرج عن يونس بن عبد الأعلى، بإسناده عن عمر بن الخطّاب قضية مع هشام بن حكيم تشبه هذه القصّة. وروى البخاري ومسلم والترمذي قصّة عمر مع هشام بإسناد غير ذلك، واختلاف في ألفاظ الحديث(1).
6ـ وأخرج عن محمّد بن المثنى، بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عند إضاءة بني غفار.
قال: فأتاه جبرئيل، فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أُمّتك القرآن على حرف.
فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أُمّتي لا تطيق ذلك).
قال: ثمّ أتاه الثانية، فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أُمّتك القرآن على حرفين.
فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أُمّتي لا تطيق ذلك).
ثمّ جاء الثالثة، فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أُمّتك القرآن على ثلاثة أحرف.
1) - صحيح مسلم 2/202، وصحيح البخاري 3/90، و 6/100، 111، و 8/53، 215، وصحيح الترمذي بشرح ابن العربي، باب: ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف 11/60.
فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أُمّتي لا تطيق ذلك).
ثمّ جاء الرابعة. فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أُمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا.
ورواها مسلم أيضاً في صحيحه(1). وأخرج الطبري أيضاً نحوها عن أبي كريب، بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن أبّي بن كعب. وأخرج أيضاً بعضها عن أحمد بن محمّد الطوسي، بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب باختلاف يسير. وأخرجها أيضاً عن محمّد بن المثنى، بإسناده عن أُبيّ ابن كعب.
7ـ وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن زر، عن أُبيّ، قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل عند أحجار المراء. فقال: (إنّي بعثت إلى أُمّة أميين، منهم الغلام والخادم، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز).
فقال جبرئيل: فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف.
ورواها الترمذي أيضاً بأدنى اختلاف(2).
8ـ وأخرج عن عمرو بن عثمان العثماني، بإسناده عن المقبري، عن أبي هريرة، أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة).
9ـ وأخرج عن عبيد بن أسباط، بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف: عليم، حكيم، غفور، رحيم).
وأخرج عن أبي كريب، بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مثله.
10ـ وأخرج عن سعيد بن يحيى، بإسناده عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، قال: تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون، أو ستّ وثلاثون آية.
قال: فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوجدنا عليّاً يناجيه. قال: فقلنا إنّما اختلفنا في القراءة.
قال: فاحمرّ وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: (إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم). قال: ثمّ أسرّ إلى عليّ شيئاً.
فقال لنا عليّ: (إنّ رسول الله يأمركم أن تقرأوا كما علمتم)(1).
11ـ وأخرج القرطبي، عن أبي داود، عن أُبيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أُبيّ! إنّي قرأت القرآن، فقيل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ثمّ قال: ليس منها إلاّ شاف كاف، إن قلت: سميعاً، عليماً، عزيزاً، حكيماً، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب)(2).
هذه أهمّ الروايات التي رويت في هذا المعنى، وكلّها من طرق أهل السُنّة، وهي مخالفة لصحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة). وأيضاً أنّ الصادق عليه السلام حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس: (نزل القرآن على سبعة أحرف). وقال: (ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد)(1).
وقد تقدّم إجمالاً أنّ المرجع بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين، إنّما هو كتاب الله وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وسيأتي توضيحه مفصلاً بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصحّ عنهم. ولذلك لا يهمّنا أن نتكلّم عن أسانيد هذه الروايات. وهذا أوّل شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجّية.
ويضاف إلى ذلك، ما بين هذه الروايات من التخالف والتناقض، وما في بعضها من عدم التناسب بين السؤال والجواب!
فمن التناقض: أنّ بعض الروايات دلّ على أنّ جبرئيل أقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حرف، فاستزاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فزاده، حتّى انتهى إلى سبعة أحرف، وهذا يدلّ على أنّ الزيادة كانت على التدريج، وفي بعضها أنّ الزيادة كانت مرّة واحدة في المرّة الثالثة، وفي بعضها أنّ الله أمره في المرّة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، وكان الأمر بقراءة سبع في المرّة الرابعة.
ومن التناقض: أنّ بعض الروايات يدلّ على أنّ الزيادة كلّها كانت في مجلس واحد، وأنّ طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزيادة كان بإرشاد ميكائيل، فزاده
1) - الوافي 5/272 باب اختلاف القراءات.
جبرئيل حتّى بلغ سبعاً، وبعضها يدلّ على أنّ جبرئيل كان ينطلق ويعود مرّة بعد مرّة.
ومن التناقض: أنّ بعض الروايات يقول: إنّ أُبيّ دخل المسجد، فرأى رجلاً يقرأ على خلاف قراءته. وفي بعضها أنّه كان في المسجد، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته.
وقد وقع فيها الاختلاف أيضاً فيما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأُبيّ، إلى غير ذلك من الاختلاف.
ومن عدم التناسب بين السؤال والجواب: ما في رواية ابن مسعود من قول عليّ عليه السلام: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمركم أن تقرؤا كما علمتم). فإنّ هذا الجواب لا يرتبط بما وقع فيه النزاع من الاختلاف في عدد الآيات.
أضف إلى جميع ذلك، أنّه لا يرجع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول، ولا يتحصّل للناظر فيها معنى صحيح وجوه الأحرف السبعة، وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوهاً كثيرة، نتعرض للمهمّ منها مع مناقشتها وبيان فسادها:
الوجه الأوّل: إنّ المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: عجّل، وأسرع، وأوسع، وكانت هذه الأحرف باقية إلى زمان عثمان، فحصرها عثمان بحرف واحد، وأمر بإحراق بقية المصاحف التي كانت على غيره من الحروف الستّة.
واختار هذا الوجه الطبري(1)وجماعة، وذكر القرطبي: أنّه مختار أكثر
1) - تفسير الطبري 1/15.
أهل العلم(1). وكذلك قال أبو عمرو بن عبد البرّ(2).
واستدلّوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة، وأبي داود، وغيرهما ممّا تقدّم.
وبرواية يونس بإسناده عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب: أنّ الذي ذكر الله تعالى ذكره: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ(3)، إنّما افتتن أنّه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سميع عليم، أو عزيز حكيم، وغير ذلك من خواتم الآي، ثمّ يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أي ذلك كتبت فهو كذلك).
ففتنه ذلك. فقال: إنّ محمّداً أوكل ذلك إلَيَّ فأكتب ما شئت.
واستدلّوا أيضاً بقراءة أنس: (إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأصوب قيلا)، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنّما هي: (وأقوم).
فقال: أقوم، وأصوب، وأهدى واحد. وبقراءة ابن مسعود: إن كانت إلاّ زقية واحدة(4).
وبما رواه الطبري عن محمّد بن بشار، وأبي السائب، بإسنادهما عن همام: أنّ أبا الدرداء كان يقرئ رجلاً: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ(5)،
قال: فجعل الرجل يقول: إنّ شجرة الزقوم طعام اليتيم.
قال: فلمّا أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم. قال: (إنّ شجرة الزقوم طعام الفاجر)(1).
واستدلّوا أيضاً على ذلك بما تقدّم من الروايات الدالّة على التوسعة: (ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة)، فإنّ هذا التحديد لا معنى له إلاّ أن يراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض، فاستثنى من ذلك ختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب.
وبمقتضى هذه الروايات لا بدّ من حمل روايات السبعة أحرف على ذلك بعد ردّ مجملها إلى مبيّنها.
إنّ جميع ما ذكر لها من المعاني أجنبيّ عن مورد الروايات! وستعرف ذلك. وعلى هذا فلا بدّ من طرح الروايات، لأنّ الالتزام بمفادها غير ممكن. والدليل على ذلك:
(أوّلاً): إنّ هذا إنّما يتم في بعض معاني القرآن، التي يمكن أن يعبّر عنها بألفاظ سبعة متقاربة. ومن الضروري أنّ أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك، فكيف تتصوّر هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن؟
(ثانياً): إنّ كان المراد من هذا الوجه: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أُخرى تقاربها في المعنى ــ ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدّمة ــ فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن،
1) - تفسير الطبري 25/78 عند تفسير الآية المباركة.
المعجزة الأبدية، والحجّة على جميع البشر، ولا يشكّ عاقل في أنّ ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل، وعدم الاعتناء بشأنه. وهل يتوهّم عاقل ترخيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ القارئ: (يس، والذكر العظيم، إنّك لمن الأنبياء، على طريق سوي، إنزال الحميد الكريم، لتخوِّف قوماً ما خوّف أسلافهم، فهم ساهون)؟!! فلتقرّ عيون المجوزين لذلك.
سبحانك اللّهمّ إن هذا إلاّ بهتان عظيم. وقد قال الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ(1).
وإذا لم يكن للنبيّ أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه، فكيف يجوز ذلك لغيره؟ وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علَّم براء بن عازب دعاء كان فيه: (ونبيّك الذي أرسلت)، فقرأ براء: ورسولك الذي أرسلت. فأمره صلي الله عليه وآله وسلم أن لا يضع الرسول موضع النبيّ(2). فإذا كان هذا في الدعاء، فماذا يكون الشأن في القرآن؟
وإن كان المراد من الوجه المتقدّم: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الحروف السبعة ــ ويشهد لهذا كثير من الروايات المتقدّمة ــ فلا بدّ للقائل بهذا أن يدلّ على هذه الحروف السبعة التي قرأ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الله سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(3).
(ثالثاً): أنّه صرّحت الروايات المتقدّمة: بأنّ الحكمة في نزول القرآن
على سبعة أحرف هي التوسعة على الأُمّة، لأنّهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد، وأنّ هذا هو الذي دعا النبيّ الاستزادة إلى سبعة أحرف.
وقد رأينا أنّ اختلاف القراءات أوجب أن يكفّر بعض المسلمين بعضاً، حتّى حصر عثمان القراءة بحرف واحد، وأمر بإحراق بقية المصاحف؛ ويستنتج من ذلك أمور:
1ـ إنّ الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأُمّة. وقد ظهر ذلك في عصر عثمان، فكيف يصحّ أن يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله ما فيه فساد الأُمّة؟ وكيف يصحّ على الله أن يجيبه إلى ذلك؟ وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الاختلاف، وأنّ فيه هلاك الأُمّة، وفي بعضها أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تغيّر وجهه واحمرّ حين ذكر له الاختلاف في القراءة. وقد تقدّم جملة منها، وستجيء بعد هذا جملة أخرى.
2ـ قد تضمّنت الروايات المتقدّمة أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ أُمّتي لا تستطيع ذلك (القراءة على حرف واحد) )، وهذا كذب صريح، لا يعقل نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم! لأنّا نجد الأُمّة بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولغاتها قد استطاعت أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فكيف يكون من العسر عليها أن تجتمع على حرف واحد في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كانت الأُمّة من العرب الفصحى؟!
3ـ إنّ الاختلاف الذي أوجب لعثمان أن يحصر القراءة في حرف واحد قد اتّفق في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلّ قارئ على قراءته، وأمر المسلمين بالتسليم لجميعها، وأعلمهم بأنّ ذلك رحمة من الله لهم. فكيف صحّ لعثمان، ولتابعيه سدّ باب الرحمة، مع نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المنع عن قراءة القرآن؟! وكيف جاز للمسلمين رفض قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ قول
عثمان وإمضاء عمله؟! أفهل وجدوه أرأف بالأُمّة من نبيّها؟ أو أنّه تنبه لشيء قد جهله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل وحاشاه! أو أنّ الوحي قد نزل على عثمان بنسخ تلك الحروف؟!
وخلاصة الكلام: أنّ بشاعة هذا القول تغني عن التكلّف عن ردّه، وهذه هي العمدة في رفض المتأخّرين من علماء أهل السُنّة لهذا القول. ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم، كأبي جعفر محمّد بن سعدان النحوي، والحافظ جلال الدين السيوطي، إلى القول: بأنّ هذه الروايات من المشكل والمتشابه، وليس يدري ما هو مفادها(1)مع أنّك قد عرفت أنّ مفادها أمر ظاهر، ولا يشكّ فيه الناظر إليها، كما ذهب إليه واختاره أكثر العلماء.
الوجه الثاني: إنّ المراد بالأحرف السبعة، هي الأبواب السبعة التي نزل منها القرآن، وهي: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
واستدلّ عليه بما رواه يونس، بإسناده عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عمّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كلّ من عند ربّنا)(2).
ويرد على هذه الوجه:
1ـ أنّ ظاهر الرواية كون الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن غير الأبواب السبعة التي نزل منها، فلا يصحّ أن يجمل تفسيراً لها، كما يريده أصحاب هذا القول.
2ـ أنّ هذه الرواية معارضة برواية أبي كريب، بإسناده عن ابن مسعود، قال: (إنّ الله أنزل القرآن على خمسة أحرف: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال)(1).
3ـ أنّ الرواية مضطربة في مفادها، فإنّ الزجر والحرام بمعنى واحد، فلا تكون الأبواب سبعة، على أنّ في القرآن أشياء أُخرى لا تدخل في هذه الأبواب السبعة، كذكر المبدأ والمعاد، والقصص، والاحتجاجات والمعارف، وغير ذلك. وإذا أراد هذا القائل أن يدرج جميع هذه الأشياء في المحكم والمتشابه، كان عليه أن يدرج الأبواب المذكورة في الرواية فيهما أيضاً، ويحصر القرآن في حرفين: (المحكم، والمتشابه)، فإنّ جميع ما في القرآن لا يخلو من أحدهما.
4ـ أنّ اختلاف معاني القرآن على سبعة أحرف لا يناسب ما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة من التوسعة على الأُمّة، لأنّها لا تتمكّن من القراءة على حرف واحد.
5ـ أنّ في الروايات المتقدّمة ما هو صريح في أنّ الحروف السبعة هي الحروف التي كانت تختلف فيها القرّاء، وهذه الرواية إذا تمت دلالتها لا تصلح قرينة على خلافها.
1) - تفسير الطبري 1/24.
الوجه الثالث: أنّ الحروف السبعة، هي: الأمر، والزجر، والترغيب، والترهيب، والجدل، والقصص، والمثل.
واستدلّ على ذلك، برواية محمّد بن بشار، بإسناده عن أبي قلامة، قال: بلغني أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل)(1).
وجوابه يظهر ممّا قدّمناه في الوجه الثاني.
الوجه الرابع: إنّ الأحرف السبعة هي اللغات الفصيحة من لغات العرب، وأنّها متفرّقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وبعضه بلغة كنانة، وبعضه بلغة تميم، وبعضه بلغة ثقيف.
ونسب هذا القول إلى جماعة، منهم: البيهقي، والأبهري، وصاحب القاموس.
ويردّه:
1ـ أنّ الروايات المتقدّمة قد عينت المراد من الأحرف السبعة، فلا يمكن حملها على أمثال هذه المعاني التي لا تنطبق على موردها.
2ـ إنّ حمل الأحرف على اللغات ينافي ما روي عن عمر من قوله: ((نزل القرآن بلغة مضر))(2). وأنّه أنكر على ابن مسعود قراءته: (عتى حين)،
أي: حتّى حين، وكتب إليه: أنّ القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل(1). وما روي عن عثمان أنّه قال: ((للرهط القرشيين الثلاثة، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم))(2). وما روى من: ((أنّ عمر وهشام ابن حكيم اختلفا في قراءة سورة الفرقان، فقرأ هشام قراءة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هكذا أنزلت)، وقرأ عمر قراءة غير تلك القراءة. فقال رسول الله ــ صلّى الله عليه وآله وسلّم ــ (هكذا أنزلت)، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)))(3). فإنّ عمر وهشام كان كلاهما من قريش، فلم يكن حينئذ ما يوجب اختلافهما في القراءة.
ويضاف إلى جميع ذلك أنّ حمل الأحرف على اللغات قول بغير علم، وتحكّم من غير دليل.
3ـ أنّ القائلين بهذا القول إن أرادوا أنّ القرآن اشتمل على لغات أخرى، كانت لغة قريش خالية منها، فهذا المعنى خلاف التسهيل على الأُمّة، الذي هو الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف، على ما نطقت الروايات بذلك، بل هو خلاف الواقع، فإنّ لغة قريش هي المهيمنة على سائر لغات العرب، وقد جمعت من هذه اللغات ما هو أفصحها، ولذلك استحقّت أن توزن بها العربية، وأن يرجع إليها في قواعدها.
وإن أرادوا أنّ القرآن مشتمل على لغات أخرى، ولكنّها تتحد مع لغة قريش، فلا وجه للحصر بلغات سبع، فإنّ في القرآن ما يقرب من خمسين لغة. فعن أبي بكر الواسطي: ((في القرآن من اللغات خمسون لغة، وهي لغات: قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، وأشعر، ونمير...))(1).
الوجه الخامس: إنّ الأحرف السبعة هي سبع لغات من لغات مضر خاصّة، وأنّها متفرّقة في القرآن، وهي لغات: قريش، وأسد، وكنانة، وهذيل، وتميم، وضبة، وقيس.
ويرد عليه جميع ما أوردناه على الوجه الرابع.
الوجه السادس: إنّ الأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءات.
قال بعضهم: إنّي تدبّرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعاً.
فمنها، ما تتغيّر حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: (هن أطهر لكم) بضم (أطهر) وفتحه.
ومنها، ما تتغيّر صورته ويتغيّر معناه بالإعراب، مثل: (ربّنا باعد بين أسفارنا) بصيغة الأمر والماضي.
ومنها، ما تبقى صورته ويتغيّر معناه باختلاف الحروف، مثل: (ننشزها وننشرها) بالزاي والراء.
ومنها، ما تتغيّر صورته ويبقى معناه، مثل: (كالعهن المنفوش، وكالصوف المنفوش).
1) - راجع الإتقان 1/ النوع/37 ص/230.
ومنها ما تتغيّر صورته ومعناه، مثل: (وطلح منضود، وطلع منضود).
ومنها، بالتقديم والتأخير، مثل: (وجاءت سكرة الموت بالحقّ، وجاءت سكرة الحقّ بالموت).
ومنها، بالزيادة والنقصان: (تسع وتسعون نعجة أنثى، وأمّا الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين، فإنّ الله من بعد إكراههن لهنّ غفور رحيم).
ويردّه:
1ـ أنّ ذلك قول لا دليل عليه، ولاسيما أنّ المخاطبين في تلك الروايات لم يكونوا يعرفون من ذلك شيئاً.
2ـ أنّ من وجوه الاختلاف المذكورة ما يتغيّر فيه المعنى وما لا يتغيّر، ومن الواضح أنّ تغيّر المعنى وعدمه لا يوجب الانقسام إلى وجهين، لأنّ حال اللفظ والقراءة لا تختلف بذلك، ونسبة الاختلاف إلى اللفظ في ذلك من قبيل وصف الشيء بحال متعلّقة. ولذلك يكون الاختلاف في (وطلح منضود، وكالعهن المنفوش) قسماً واحداً.
3ـ أنّ من وجوه الاختلاف المذكور بقاء الصورة للفظ، وعدم بقائها، ومن الواضح أيضاً أنّ ذلك لا يكون سبباً للانقسام، لأنّ بقاء الصورة إنّما هو في المكتوب لا في المقروء، والقرآن اسم للمقروء لا للمكتوب، والمنزل من السماء إنّما كان لفظاً لا كتابة. وعلى هذا يكون الاختلاف في (وطلح. وننشزها) وجهاً واحداً لا وجهين.
4ـ أنّ صريح الروايات المتقدّمة أنّ القرآن نزل في ابتداء الأمر على حرف واحد. ومن البيّن أنّ المراد بهذا الحرف الواحد ليس هو أحد
الاختلافات المذكورة، فكيف يمكن أن يراد بالسبعة مجموعها!
5ـ أنّ كثيراً من القرآن موضع اتّفاق بين القرّاء، وليس مورداً للاختلاف، فإذا أضفنا موضع الاتّفاق إلى موارد الاختلاف بلغ ثمانية. ومعنى هذا أنّ القرآن نزل على ثمانية أحرف.
6ـ أنّ مورد الروايات المتقدّمة هو اختلاف القرّاء في الكلمات، وقد ذكر ذلك في قصّة عمر وغيرها. وعلى ما تقدّم فهذا الاختلاف حرف واحد من السبعة، ولا يحتاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رفع خصومتهم إلى الاعتذار بأنّ القرآن نزل على الأحرف السبعة، وهل يمكن أن يحمل نزول جبريل بحرف، ثمّ بحرفين، ثمّ بثلاثة، ثمّ بسبعة على هذه الاختلافات؟! وقد أنصف الجزائري في قوله: ((والأقوال في هذه المسألة كثيرة، وغالبها بعيد عن الصواب. وكأنّ القائلين بذلك ذهلوا عن مورد حديث: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف)، فقالوا ما قالوا))(1).
الوجه السابع: أنّ الأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءة، ولكن بنحو آخر غير ما تقدّم.
وهذا القول اختاره الزرقاني، وحكاه عن أبي الفضل الرّازي في (اللوائح)، فقال:
((الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
الأوّل: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر.
1) - التبيان: 59 .
الثالث: اختلاف الوجوه في الإعراب.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.
السادس: الاختلاف بالإبدال.
السابع: اختلاف اللغات (اللهجات)، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإظهار، والإدغام، ونحو ذلك)).
ويرد عليه: ما أوردناه على الوجه السادس في الإشكال الأوّل، والرابع والخامس منه.
ويردّه أيضاً: أنّ الاختلاف في الأسماء يشترك مع الاختلاف في الأفعال في كونهما اختلافاً في الهيئة، فلا معنى لجعله قسماً آخر مقابلاً له.
ولو راعينا الخصوصيات في هذا التقسيم، لوجب علينا أن نعدّ كلّ واحد من الاختلاف في التثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، والماضي، والمضارع، والأمر قسماً مستقلاً. ويضاف إلى ذلك: أنّ الاختلاف في الإدغام، والإظهار، والروم، والإشمام، والتخفيف، والتسهيل في اللفظ الواحد لا يخرجه عن كونه لفظاً واحداً. وقد صرّح بذلك ابن قتيبة على ما حكاه الزرقاني عنه(1).
والصحيح أنّ وجوه الاختلاف في القراءة ترجع إلى ستّة أقسام:
الأوّل: الاختلاف في هيئة الكلمة دون مادتها، كالاختلاف في لفظة
1) - مناهل العرفان: 154.
(باعد) بين صيغة الماضي والأمر، وفي كلمة (أمانتهم) بين الجمع والإفراد.
الثاني: الاختلاف في مادّة الكلمة دون هيئتها، كالاختلاف في لفظة (ننشرها) بين الراء والزاي.
الثالث: الاختلاف في المادّة والهيئة كالاختلاف في (العهن، والصوف).
الرابع: الاختلاف في هيئة الجملة بالإعراب، كالاختلاف في (وأرجلكم) بين النصب والجرّ.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، وقد تقدّم مثال ذلك.
السادس: الاختلاف بالزيادة والنقيصة، وقد تقدّم مثاله أيضاً.
الوجه الثامن: أنّ لفظ السبعة يراد منه الكثرة في الآحاد، كما يراد من لفظ السبعين والسبعمائة الكثرة في العشرات أو المئات.
ونسب هذا القول إلى القاضي عيّاض ومن تبعه.
ويردّه: أنّ هذا خلاف ظاهر الروايات، بل خلاف صريح بعضها. على أنّ هذا لا يعد قولاً مستقلاً عن الوجوه الأخرى، لأنّه لم يعيّن معنى الحروف فيه، فلا بدّ وأن يراد من الحروف أحد المعاني المذكورة في الوجوه المتقدّمة؛ ويرد عليه ما يرد من الإشكال على تلك الوجوه.
الوجه التاسع: أنّ الأحرف السبعة هي سبع قراءات.
ويردّه: أنّ هذه القراءات السبع إن أريد بها السبع المشهورة، فقد أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال في البحث عن تواتر القراءات ــ وقد تقدّم ذلك.
وإن أريد بها قراءات سبع على إطلاقها، فمن الواضح أنّ عدد القراءات
أكثر من ذلك بكثير، ولا يمكن أن يوجّه ذلك بأنّ غاية ما ينتهي إليه اختلاف القراءات أكثر من ذلك بكثير، الواحدة هي السبع، لأنّه إن أريد أنّ الغالب في كلمات القرآن أن تقرأ على سبعة وجوه فهذا باطل، لأنّ الكلمات التي تقرأ على سبعة وجوه قليلة جدّاً.
وإن أريد أنّ ذلك موجود في بعض الكلمات وعلى سبيل الإيجاب الجزئي، فمن الواضح أنّ في كلمات القرآن ما يقرأ بأكثر من ذلك، فقد قرأت كلمة (وعبد الطاغوت) باثنين وعشرين وجهاً، وفي كلمة (أُفٍّ) أكثر من ثلاثين وجهاً.
ويضاف إلى ما تقدّم: أنّ هذا القول لا ينطبق على مورد الروايات، ومثله أكثر الأقوال في المسألة.
الوجه العاشر: أنّ الأحرف السبعة يراد بها اللهجات المختلفة في لفظ واحد.
اختاره الرافعي في كتابه(1).
وتوضيح القول: أنّ لكلّ قوم من العرب لهجة خاصّة في تأدية بعض الكلمات، ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدية الكلمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم. فالقاف في كلمة (يقول) مثلاً يبدلها العراقي بالكاف الفارسية، ويبدلها الشامي بالهمزة، وقد أنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسعة على الأُمّة، لأنّ الالتزام بلهجة خاصّة من هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الأُخرى التي لم تألف هذه اللهجة، والتعبير بالسبع
1) - إعجاز القرآن: 70 .
إنّما هو رمز إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذه اللفظة، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية، وزيادتها على السبع.
الردّ: وهذا الوجه ــ على أنّه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام ــ غير تام أيضاً:
1ـ لأنّه ينافي ما ورد عن عمر وعثمان من أنّ القرآن نزل بلغة قريش، وأنّ عمر منع ابن مسعود من قراءة (عتى حين).
2ـ ولأنّه ينافي مخاصمة عمر مع هشام بن حكيم في القراءة، مع أنّ كليهما من قريش.
3ـ ولأنّه ينافي مورد الروايات، بل وصراحة بعضها في أنّ الاختلاف كان في جوهر اللفظ، لا في كيفية أدائه، وأنّ هذا من الأحرف التي نزل بها القرآن.
4ـ ولأنّ حمل لفظ السبع ــ على ما ذكره ــ خلاف ظاهر الروايات، بل وخلاف صريح بعضها.
5ـ ولأنّ لازم هذا القول جواز القراءة فعلاً باللهجات المتعدّدة، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين، ولا يمكن أن يدّعي نسخ جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة، لأنّه قول بغير دليل، ولا يمكن لقائله أن يستدلّ على النسخ بالإجماع القطعي على ذلك، لأنّ مدرك الإجماع إنّما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفة، فإذا فرضنا ثبوت ذلك كما يقوله أصحاب هذا القول، فكيف يمكن تحصيل الإجماع على ذلك؟ مع أنّ إصرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نزول القرآن على سبعة أحرف إنّما كان للتوسعة على الأُمّة، فكيف يمكن أن يختصّ ذلك بزمان قليل بعد نزول
القرآن؟ وكيف يصحّ أن يقوم على ذلك إجماع أو غيره من الأدلّة؟! ومن الواضح أنّ الأُمّة ــ بعد ذلك ــ أكثر احتياجاً إلى التوسعة، لأن المعتنقين للإسلام في ذلك الزمان قليلون. فيمكنهم أن يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة واحدة، وهذا بخلاف المسلمين في الأزمنة المتأخّرة، ولنقتصر على ما ذكرنا من الأقوال فإنّ فيه كفاية عن ذكر البقية والتعرّض لجوابها وردّها.
وحاصل ما قدّمناه: أنّ نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح، فلا بدّ من طرح الروايات الدالّة عليه، ولاسيما بعد أن دلّت أحاديث الصادقين ــ عليهم السلام ــ على تكذيبها، وأنّ القرآن إنّما نزل على حرف واحد، وأنّ الاختلاف قد جاء من قبل الرواة.
تنبيّه بلا تشويه
لقد مرّ في بعض أجزاء الموسوعة ذكر ما جرى بين ابن عبّاس ومعاوية حول قراءة الآية الشريفة: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ(1)، واختلافهما في القراءة، فقرأها معاوية: (حامية)، فردّ عليه ابن عبّاس بأنّ الصحيح: (حمئة)، فاستشهد معاوية بابن عمرو بن العاص، فشهد له، فقال ابن عبّاس: ((إنّ القرآن نزل في بيتي))، فلم يكفّ معاوية من غلوائه، فاستنصر بكعب الأحبار، فلم ينصره، بل نصر ابن عبّاس، هكذا خلاصة المروي في جملة المصادر التي ذكرته.
وقد نبّهت على غفلة أصحابها عن أنّ الخبر يستبطن كذبه، وذلك حيث ورد ذكر كعب فيه، وهذا لا يصحّ إلاّ إذا قال الرواة بالرجعة؟! فإنّ كعب قد مات في زمن عثمان قبل موته بسنة في سنة 34هـ، ومعاوية صار عندهم أمير المؤمنين بعد مهادنة الإمام الحسن عليه السلام في سنة 41هـ، فكيف استفتاه معاوية في كيفية قراءة الآية؟! ولئن عذرنا الأوّلين السابقين لغفلتهم عمّا في الخبر من فجوة، بل ثلمة لا يراها فيسدّها أعشى البصر، فما بال الخالفين من المحقّقين المعاصرين من أصحاب الدراسات الأكاديمية، إنّها بلية التقليد الموروث الموبوء، ومظهر من مظاهر التقديس الموؤف بالتسييس والتسويس.
إنّ الذي ذكره المؤلّف الدكتور بكار نقلاً عن القرطبي في اختلاف ابن
1) - سورة الكهف/86.
عبّاس مع معاوية في قراءة الآية: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، عن ابن عبّاس وحامية عن معاوية، فقد ذكره غير القرطبي ممّن هم أكثر جمعاً وأكبر نفعاً، وحسبنا أن نرجع إلى ما رواه السيوطي في (الدرّ المنثور): عن عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عثمان بن حاضر، وعند سعيد ابن منصور، وابن المنذر، من طريق عطاء... وهؤلاء هم الرعيل الأوّل من المفسّرين، كما أنّ من المؤرخين من ذكر الخبر، كالبلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة ابن عبّاس، ورواه غير هؤلاء، وقد مرّ في الملاحظة الثانية في (تعقيب وتصويب) على ما ذكره الدكتور الخباطي في (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق) ما يغني عن الإعادة؛ فراجع.
وجاء في تفسير ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عبّاس يقرأ سورة الكهف فقرأ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحداً يقرؤها كما نزلت في التوراة غير ابن عبّاس، فإنّا نجدها في التوراة في مدرة سوداء))(1).
لكن الذي لا ينبغي تجاوزه، ولم يمّر ذكره، هو استبدال معاوية بطلحة بن عبيد الله ــ أحد العشرة ــ ورواه ابن الجزري في (غاية النهاية)، في ترجمة طلحة بن عبيد الله التيمي، فقال: ((وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وقد اختلف هو وابن عبّاس في قوله تعالى: (في عين حامية)، فقال طلحة: (حامية) ... وقال ابن عبّاس: (حمئة)... فتحاكما إلى كعب الأحبار، فقضى لابن عبّاس، وقال: أجدها في الكتاب تغرب في حمئة وطين))(2)اهـ.
يا لها من محظوظية كعب! فقد صار مرجعاً في القراءة، يرجع إليه وجوه المجتمع الصحابي، طلحة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ولا غضاضة على من ضمّ ابن عبّاس إليهم، ما دام كعب يقضي له على من نازعه.
يا لها من حبكة من غير حنكة! ألا قرّت عيون أبناء كعب المحظوظين، وتختّطهم عيون الحاسدين، فأبوهم الذي أسلم في عهد عمر صار حكماً لطلحة من السابقين، ولمعاوية من الخالفين، يا لها من مهزلة مخزية ومحزنة، أن يكون كعب الأحبار اليهودي يصحّح للصحابة قراءة الآية! ويقضي لابن عبّاس على من نازعه! ولعلّ كثيراً من القرّاء لا يعلم أنّ كعب والى العبّاس بن عبد المطّلب عند مجيئه، فلعلّه راعى نعمة الولاء فحكم لابن عبّاس. على إنّ ابن عبّاس لم يكن يثق به، وقد كذّبه في مروياته الإسرائيلية، كما مرّ في الجزء الأوّل من الحلقة الثانية(1)فراجع.
كما أنّ العبّاس نفسه لم يكن يثق بإسلامه أيضاً، فقد روى ابن سعد في (الطبقات): ((قال سعيد بن المسيّب: قال العبّاس لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، حتّى أسلمت الآن على عهد عمر؟
فقال كعب: إنّ أبي كتب لي من التوراة ودفعه إلَيَّ، وقال: اعمل بهذا، وختم على سائر كتبه، وأخذ علَيَّ حقّ الوالد على ولده أن لا أفضّ الخاتم، فلمّا كان الآن ورأيت الإسلام يظهر، ولم أر بأساً، قالت لي نفسي...))(2).
إنّه هذيان المحموم، أو المجنون، قول من قال: إنّ العبّاس قبل ولاء كعب بعد ذلك الحوار المنبئ عن الشكّ والريبة فيه! اللّهمّ إلاّ أن يكون العبّاس فتن بهذا الزبون، فوالاه على أنّه المغبون، ولله في خلقه شؤون.
يا لها محظوظية كعب، أماته الله أيام عثمان، ثمّ بعثه التراث الكاذب أيام معاوية! ليكون حَكَما بين المسلمين في تصحيح قراءة قرآنهم، والحمد لله إذ لم يقولوا هو مثل عزير الذي أماته الله مائة عام ثمّ بعثه، وليس ذلك على الله بعزيز، ولو صدقت الأحلام، فلا تشنيع على الشيعة الذين قال بعضهم بالرجعة قبل يوم النشور.
ألا رحم الله أبا ذرّ الغفاري، ما أحوجنا اليوم إلى مثله ليقول الحقّ ويضرب الباطل.
فيا ليت يبعث لنا مثل سيّدنا أبي ذرّ الذي ضرب كعباً بعصاه ــ بمحجنه ــ على رأسه حين سمعه يفتي المسلمين في مجلس عثمان وبحضرته(1)
وفي جامع لطائف التفسير 10/235 ــ 236، أورد خبراً آخر فيه: ((أنّ المحاسبي قال: ولقد بلغني أنّه لمّا توفي عبد الرحمن بن عوف، قال ناس من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: إنّما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك، فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن؟ كسب طيباً، وأنفق طيباً، وترك طيباً. فبلغ ذلك أبو ذرّ، فخرج مغضباً يريد كعباً، فمرّ بلحى بعير فأخذه بيده، ثمّ انطلق يريد كعباً، فقيل لكعب: إنّ أبا ذرّ يطلبك، فخرج هارباً حتّى دخل على عثمان يستغيث به، وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذرّ يقص الأثر في طلب كعب، حتّى انتهى إلى دار عثمان، فلمّا دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذرّ، فقال له أبو ذرّ: يا بن اليهودية! تزعم أن لا بأس بما تركه عبد الرحمن...)).
، ليضرب1) - راجع تاريخ الطبري 4/284، والكامل لابن الأثير 3/155، وشرح النهج للمعتزلي 3/54، ومروج الذهب للمسعودي 2/438، ط مصر سنة1346هـ واللفظ له: ((ومن ذلك ما فعل بأبي ذرّ، وهو أنّه حضر مجلسه ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حقّ لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذرّ في صدر كعب وقال له: كذبت يا بن اليهودي، ثمّ تلا: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ) سورة البقرة/177، فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمرنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذرّ العصا فدفع بها في صدر كعب، وقال: يا بن اليهودي! ما أجرأك على القول في ديننا. فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني، فخرج أبو ذرّ إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: أنّ أبا ذرّ تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتّى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه، وكاد أن يتلف, فقيل له: إنّك تموت من ذلك، فقال: هيهات، لن أموت حتّى أُنفى، وذكر جوامع ما نزل به بعد، ومن يتولّى دفنه، فأحسن إليه في داره أياماً، ثمّ دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلّم بأشياء.. وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً ــ ومرّ الخبر بطوله ــ وتكلّم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنضّتّ البُدُر حتّى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً لأنّه كان يتصدّق ويقري الضيف وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين! فشال أبو ذرّ العصا فضرب بها رأس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يا بن اليهودي! تقول لرجل مات وترك هذا المال: إنّ الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك! وأنا سمعت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] يقول: (ما يسرني أن أموت وادع ما يزن فيه قيراطاً)، فقال له عثمان: وارِ عنّي وجهك...)).
على أحاديث كعب التي شوّهت التراث الإسلامي بالإسرائيليات. وقد مرّ في الجزء السادس من الموسوعة تكذيب ابن عبّاس لكعب في حديثه(1)فراجع.
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/ بحث في مزاعم أخذ ابن عبّاس من بعض الصحابة.
مشافهة عن سيّد الناس
(صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم)
لمحمّد عابدين بن أحمد علي الأنصاري السندي
غفر الله تعالى له ولوالديه
ورضي عنهم رضاء لا سخط بعده تفضلاً منه وكرماً آمين
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي عن الصحابة المهتدين أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان، إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذه الرسالة الثالثة عشرة من تراث العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ ممّا يتعلّق بابن عبّاس رضي الله عنه، لصاحبها الشيخ محمّد عابد السندي (ت1257هـ)، ونسختها محفوظة بدار الكتب القومية بمصر بالقاهرة برقم (362) حديث تيمور. وحصلت على صورتها بعد جهد وسعي ممّن له الأجر والشكر، فجزاه الله خيراً.
وكنت أحسب قبل الحصول عليها، أنّي سأظفر بكنز مخفيّ جمعه صاحبها، ولكن بعد أن حصلت عليها، وأجلت النظر فيها، خفّ وزنها التراثي، ولولا بذل الجهد في تحصيلها، لما ذكرتها ضمن هذه الحلقة، لدّة أخواتها من كتب ورسائل، ولئلا يقال: فاتتك إحدى بنات طبق، فأنا أذكرها مع التعقيب ببعض الملاحظات عليها وتخريج أخبارها، وقبل ذلك أذكر صورة أوّلها وآخرها، مع ترجمة المؤلّف، نقلاً عن (الأعلام) للزركلي، دون المعاناة في مراجعة غيره، وفيما ذكره الكفاية.
ترجمة المؤلّف نقلاً عن كتاب (الأعلام) للزركلي(1)، قال:
1) - فهرس الفهارس 1/270 ــ 275، والدرّ الفريد: 119، والرسالة المستطرفة: 64، وإيضاح المكنون 1/196، والروض الأزهر: 148، وانفرد أبجد العلوم: 850 بتاريخ وفاته سنة 1252هـ، والفهرس التمهيدي: 65، ونيل الوطر 2/279، وسمّاه (محمّد عابدين)؟ وقال: إنّ هذا عن الشيخ محمّد عابدين السندي المكّي، أمير المتطوعة في جهاد الفرانسة، المتوفى بمكّة في شوال 1213هـ.
((محمّد عابد السندي (... ــ 1257هـ ــ 1841م):
محمّد عابد بن أحمد بن علي بن يعقوب السندي الأنصاري: فقيه حنفي، عالم بالحديث، من القضاة، أصله من سيون (على شاطيء النهر، شمالي حيدر آباد السند)، ولي قضاء زبيد (باليمن)، وانتقل إلى صنعاء بطلب الإمام المنصور بالله (علي)، وأرسله الإمام المهدي (عبد الله) إلى محمّد علي باشا والي مصر بهدية (سنة 1232هـ)، فولاّه محمّد علي رياسة علماء المدينة المنورة، فسكنها وتوفي بها، ولم يخلف عقباً، وهو أوّل من أخرج إلى اليمن كتاب (تحفة المؤمنين) في الطب، وجمع مكتبة نفيسة وقّفها في المدينة، وصنّف كتباً، منها: (حصر الشارد في أسانيد محمّد عابد ــ ط)، و(المواهب اللطيفة على مسند الإمام أبي حنيفة)، و(طوالع الأنوار على الدرّ المختار)، و(شرح بلوغ المرام لابن حجر ــ خ) قطعة منه في المدينة، ولم يتمّه، و(منحة الباري بمكرّرات البخاري)، و(وترتيب مسند الإمام الشافعي ــ ط)، رتّبه على أبواب الفقه))(1).
1) - الأعلام 7/49.
كشف الإلباس
عمّا رواه ابن عبّاس رضي الله عنه
مشافهة عن سيّد الناس
(صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم)
لمحمّد عابدين بن أحمد علي الأنصاري السندي
غفر الله تعالى له ولوالديه
ورضي عنهم رضاء لا سخط بعده تفضلاً منه وكرماً آمين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
الحمد لله العزيز الذي تواتر فضله المشهور، والصلاة والسلام على أفضل مرسل وصل كلّ منقطع عن الله الغفور، وعلى آله الذين واظبوا على الحسن من العمل الصحيح، وصحبه الذين ساروا بالفضل عمل الصريح.
وبعد؛ فيقول محمّد عابد تاب الله تعالى عليه وعلى والديه: أنّه لمّا تفضل ربّنا تعالى وتقدّس بالاتّفاق بحضرة مولانا العلاّمة الفهامة، من ساد أهل الفضل والاستقامة، وفاق أهل عصره وسما في فخره، سيّدنا الشيخ أحمد عارف، وجدته خير عارف بدقائق العلوم العقلية، وأجلّ عالم بالقوانين النقلية، وأفضل حافظ للأحاديث النبوية، ورغب في سماع هذه الأوراق التي حرّرتها، فأمليتها عليه، فقد تم له سماع ذلك، مع سماع أوّل صحيح مسلم إلى كتاب الصلاة، وصحيح البخاري إلى كتاب الطهارة، وسماع أوّل شرحي على مسند أبي حنيفة، وطلب منّي حسن ظنّ منه إجازة فيها وفي جميع ما يجوز لي روايته، فلم أجد من امتثال أمره بدّاً، وإلاّ فأنا أحقر من أن أذكر، فأجزت له امتثالاً لأمره أن يروي عنّي ما ذكرته وتتمة تلك الكتب مع بقية الستّة، وسنن ابن ماجة، والدارمي، والبيهقي، والدارقطني، ومصنّف ابن أبي شيبة، ومستدرك الحاكم، وجميع ما اشتمل عليه ثبت مولاي العلاّمة الفهامة، ملحق الأصاغر بالأكابر، الشيخ صالح الفلاّني، وجميع ما اشتمل عليه الإمداد في معرفة الإسناد للشيخ عبد الله بن سالم البصري، فإنّي أرويه من طريق من فاق في دهره، وعزّ وجود مثله في
عصره، مولاي وشيخي وعمّي صنو أبي، من حاز علم الأديان والأبدان، الشيخ محمّد حسين بن محمّد مراد الواعظ الأنصاري، وهو يرويه من شيخه محمّد بن عبد الله المقري شيخ الشيخ صالح الفلاّني، وهو عن مؤلّفه، وجميع ما اشتمل عليه الأمم في إيقاظ الهمم، فإنّي أرويه من مولاي العلاّمة من سارت بفضله الركبان، وفاق في دهره على الأقران، الشيخ يوسف بن علاء الدين المزحاجي الزبيدي، وهو تلقّاه عن شيخه الشيخ عبد الخالق بن أبي بكر المزحاجي، وهو عن مؤلّفه، وجميع ما في مسلسلات ابن عقيلة، فإنّي أرويه عن مولانا القطب العلاّمة، من لا يماثله ولا يدانيه غيره في عصره، مولانا السيّد عبد الرحمن بن سليمان، أبقاه الله تعالى وأمتع المسلمين بحياته، وهو تلقّاها عن والده مولانا السيّد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، وهو عن مؤلّفها، وليكن هذا آخر كلامنا، وبالله التوفيق.
حرّر في ربيع الآخر سنة 1203
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا، رافع السماء بغير عمد.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، خصّه الله تعالى بالفضائل العظيمة، والمناقب الجسيمة، وجعله سيّد ولد آدم، صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه ما دامت ألوية الدين تخفق في الأقطار، وتنشر بمرور الأعصار.
وبعد؛ فيقول أفقر عباد الله تعالى إلى رحمته وغفرانه، وأحوجهم إلى رضوانه محمّد عابد بن أحمد علي الأنصاري نسباً، السندي مولداً: إنّي لمّا اطّلعت على ما ذكره الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب، فائدة قال فيها: ((روى غندر: أنّ ابن عبّاس لم يسمع من النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) إلاّ تسعة أحاديث، وعن يحيى القطان عشرة، وقال الغزالي في (المستصفى): أربعة، قال الحافظ: وفيه نظر، ففي الصحيحين عن ابن عبّاس ممّا صرّح بسماعه من النبيّ( صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أكثر من عشرة، وفيها ممّا شهد فعله نحو ذلك، وفيها ممّا له حكم الصريح نحو ذلك، فضلاً عمّا ليس في الصحيحين)). انتهى.
فتتبعت تلك الأحاديث في الصحيحين، وما عداهما من السنن والأجزاء، فوجدت من ذلك قدراً نافعاً، مع إنّي لم أدّع الحصر والاستيفاء،
فأردت أن أجمعها في كراسة ليسهل الوقوف عليها، وسمّيت هذه الرسالة: ((كشف الإلباس عمّا رواه ابن عبّاس مشافهة عن سيّد الناس(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)))
ولنقدّم قبل ذلك حديثاً كالمقدّمة في الأحاديث التي نوردها، حيث اشتمل على فضيلة ابن عبّاس مع إفادته لمشافهة الأخذ.
1ـ فقد أخرج أبو نعيم بسند له عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبّاس، قال: انتهيت إلى رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنّه كائن حبر هذه الأُمّة فاستوص به خيرا(1).
2ـ وأخرج البخاري من طريق عبد الوارث، قال: نا خالد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ضمّني رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، وقال: (اللّهمّ علّمه الكتاب)، وفي لفظ له قال: ضمّني النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) إلى صدره، وقال: (اللّهمّ علّمه الحكمة)(2).
3ـ وأخرج أيضاً من طريق ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) دخل الخلا، فوضعت له وضوءاً، فقال: من فعل هذا؟ فأخبر به، فقال: (اللّهمّ فقّهه في الدين)(3).
4ـ وأخرج ابن سعد، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: دعاني رسول
الله (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) فمسح على ناصيتي، وقال: (اللّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب)(1).
وقد رواه أحمد، عن هشيم، عن خالد، بلفظ: (مسح على رأسي)(2).
5ـ وأخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عبّاس في قيامه خلف النبيّ (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في صلاة الليل، وفيه: فقال لي: ما بالك أجعلك حذائي فتخلفني؟ فقلت له: أو ينبغي لأحد أن يصلّي حذاءك وأنت رسول الله؟! قال: فدعا لي أن يزيدني الله فهماً وعلماً(3).
6ـ وأخرج البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس، أنّه توضأ فغسل وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق، ثمّ أخذ غرفة من ماء فجعل بها، هكذا أضافها إلى يده الأُخرى، فغسل بهما وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثمّ أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثمّ مسح برأسه، ثمّ أخذ من ماء فرشّ على رجله اليمنى حتّى غسلها، ثمّ أخذ غرفة أُخرى فغسل بها رجله ــ يعني اليسرى ــ ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يتوضأ(4).
7ـ وأخرج مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر، نا محمّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمّد بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) جمع عليه ثيابه، ثمّ خرج إلى الصلاة، فأتي بهدية خبز ولحم فأكل ثلاث لقم، ثمّ صلّى بالناس وما مس ماء.
وقد أخرجه أيضاً من طريق الوليد بن كثير، قال: نا محمّد بن عمرو بن عطاء، قال: كنت مع ابن عبّاس... وساق الحديث بمعنى حديث ابن حلحلة، وفيه: أنّ ابن عبّاس شهد ذلك من النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، قال: وصلّى.. ولم يقل بالناس(1).
8ـ وأخرج مسلم أيضاً من طريق زيد بن أسلم: أنّ عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (إذا دبغ الأهاب فقد طهر)(2).
9ـ وأخرج مسلم أيضاً من طريق جعفر بن ربيعة، عن أبي الخير حدّثه، قال: حدّثني ابن وعلة السبائي، قال: سألت عبد الله بن عبّاس: أنا نكون بالمغرب فيأتينا المجوس بالأسقسة فيها الماء والودك؟ فقال: اشرب، فقلت: أرأي تراه؟ فقال ابن عبّاس: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (دباغه طهوره)(3).
10ـ وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث:
سمعت ابن عبّاس يقول: كنّا عند النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فجاء من الغائط وأتي بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: (لم أصلي فأتوضأ)(1).
11ـ وأخرج البخاري من طريق ابن جريج، قلت لعطاء: فقال: سمعت ابن عبّاس يقول: أعتم رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) ليلة بالعشاء حتّى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا ورقدوا، فقام عمر بن الخطّاب، فقال: الصلاة، قال عطاء: قال ابن عبّاس: فخرج النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) كأنّي أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء، واضعاً يده على رأسه، فقال: (لولا أن أشق على أُمّتي لأمرتهم أن يصلّوا هكذا)(2).
12ـ وأخرج أيضاً من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، قال: أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يصلّي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علَيَّ أحد(3).
13ـ وأخرج أيضاً من طريق معبد، عن ابن عبّاس، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بالتكبير(4).
14ـ وأخرج أيضاً من طاوس، عن ابن عبّاس، قال: شهدت العيد مع
رسول الله (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة(1).
15ـ وأخرج أيضاً من طريق عبد الرحمن بن عابس، قال: سمعت ابن عبّاس قيل له: أشهدت العيد مع النبيّ (صلّى الله تعالى عليه وسلّم)؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتّى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلّى، ثمّ خطب، ثمّ أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكّرهنّ وأمرهن بالصدقة، فرأيتهنّ يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال، ثمّ انطلق هو وبلال إلى بيته(2). وفي بعض طرقه ألفاظ كثيرة زائدة، وأحكام متعدّدة، استوفينا حصر جميع روايات هذا الحديث الواردة في البخاري في كتابنا (منحة الباري).
16ـ وأخرج أيضاً من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يسجد فيها(3).
17ـ وأخرج أيضاً من طريق كريب، عن ابن عبّاس، قال: بت عند ميمونة، فقام النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) فأتى حاجته، غسل وجهه ويديه، ثمّ نام، ثمّ قام فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثمّ توضأ وضوءاً بين وضوءين، لم يكثر وقد أبلغ، فصلّى، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أنّي
كنت أرقبه، فتوضأت، فقام يصلّي، فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثمّ اضطجع فنام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال للصلاة، فصلّى ولم يتوضأ، وكان في دعائه: (اللّهمّ اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، واجعل لي نوراً)(1).
قال كريب: وسبع في التابوت، فلقيت رجلاً من ولد العبّاس فحدّثني بهنّ، فذكر: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين، وهما: عظمي، وعصبي(2). ولهذا الحديث طرق كثيرة، وألفاظ زائدة، وأحكام متنوعة.
18ـ وأخرج أيضاً من طريق عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: أقمنا مع رسول الله (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة، وقال ابن عبّاس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا(3).
19ـ وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن دينار، قال: سمعت أبا الشعثاء جابراً، قال: سمعت ابن عبّاس، قال: صلّيت مع رسول الله(صلّى الله تعالى
عليه وسلّم) ثمانياً جمعاً وسبعاً جمعاً(1).
20ـ وأخرج أيضاً من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: أنّ رجلاً وهو محرم وقصه بعيره، ونحن مع النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسّوه طيباً، ولا تخمروا رأسه، فإنّ الله عزّ وجلّ يبعثه يوم القيامة ملبداً)(2).
21ـ وأخرج الشعبي، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) مرّ بقبر دفن ليلاً، فقال: متى دفن هذا؟ قالوا: البارحة، قال: أفلا آذنتموني؟ قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه ــ قال ابن عبّاس وأنا فيهم ــ فصلّى عليه(3)، وفي رواية، قال: أخبرني من شهد مع النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أتى على قبر منبوذ، فصفهم وكبّر أربعاً، قلت: من حدّثك؟ قال: ابن عبّاس(4).
22ـ وأخرج أيضاً من طريق أبي معبد، عن ابن عبّاس، أنّه سمع النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: لا يخلونّ رجل بامرأة، ولا تسافرنّ امرأة إلاّ ومعها محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجّة؟ قال: (اذهب فاحجج مع امرأتك)(5).
23ـ وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن يزيد، قال: سمعت ابن عبّاس، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يخطب بعرفات: (من لم يجد النعلين فليلبس الخفّين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم)(1).
24ـ وأخرج أيضاً من طريق عثمان بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، أنّه سُئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في حجّة الوداع، وأهللنا، فلمّا قدمنا مكّة قال رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلاّ من قلّد الهدي)، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: (من قلّد الهدي فإنّه لا يحلّ له حتّى يبلغ الهدي محلّه)، ثمّ أمرنا عشية التروية أن نهلّ بالحجّ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجّنا وعلينا الهدي، كما قال الله عزّ وجلّ: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نُسكين في عام بين الحجّ والعمرة، فإنّ الله تعالى أنزله في كتابه وسنّة نبيّه(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، وأباحه للناس غير أهل مكّة، قال الله عزّ وجلّ: لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ(2)، وأشهر الحجّ التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة، وذو الحجّة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم، والرفث: الجماع،
والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء(1).
25ـ وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، قال حدّثني ابن عبّاس، أنّه دفع مع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يوم عرفة، فسمع النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: (أيّها الناس عليكم بالسكينة، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع)(2).
26ـ وأخرج أيضاً من طريق عاصم، عن الشعبي: أنّ ابن عبّاس حدّثه، قال: سقيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) من زمزم، فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلاّ على بعير(3).
27ـ وأخرج أيضاً من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عبّاس، قال: ما رأيت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يتحرّى صيام يوم فضلّه على غيره إلاّ هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان(4).
28ـ وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: قال خرج علينا النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يوماً، فقال: (عرضت علَيَّ الأُمم، فجعل النبيّ يمرّ معه الرجل، والنبيّ معه الرجلان، والنبيّ معه الرهط، والنبيّ ليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سدّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سدّ الأفق، فقيل: هؤلاء أُمّتك ومع هؤلاء سبعون ألفاً
1) - صحيح البخاري 6/142 برقم 1572 باب قول الله: ( ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) .
2) - صحيح البخاري 6/201 برقم 1671 باب أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالسكينة عند الإفاضة.
3) - صحيح البخاري 6/247 برقم 1637 باب ما جاء في زمزم.
4) - صحيح البخاري 7/254 باب صيام يوم عاشوراء.
يدخلون الجنّة بغير حساب)، فتفرّق الناس ولم يبيّن لهم، فتذاكر أصحاب النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقالوا: أمّا نحن فولدنا في الشرك ولكنّا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال: (هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكّلون)، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ فقال: (سبقك بها عكاشة)(1).
29ـ وأخرج أيضاً عن قتادة، قال: كنت عند ابن عبّاس وهم يسألونه، فلا يذكر النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، حتّى سُئل، فقال: سمعت محمّداً(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (من صوّر صورة في الدنيا كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)(2).
30ـ وأخرج أيضاً من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: بينما النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (مره فليتكلّم، وليستظل، وليقعد، ويتم صومه)(3).
31ـ وأخرج أيضاً من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يخطب على المنبر، يقول:
(إنّكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلاً)(1).
وفي رواية: قال: قام فينا النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال: (إنّكم محشورون حفاة عراة كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ(2)ــ الآية ــ وإن أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، وأنّه سيجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ! أصحابي! فيقول: أنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ، إلى قوله: الْحَكِيمُ(3)، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم)(4).
32ـ وأخرج أيضاً من طريق عطاء، قال: سمعت ابن عبّاس، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (لو أنّ لابن آدم مثل واد مالاً لأحبّ أنّ إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب).
قال ابن عبّاس: فلا أدري من القرآن هو أم لا(5).
33ـ وأخرج مسلم من طريق داود، عن أبي العالية، عن ابن عبّاس، قال: سرنا مع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بين مكّة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: (أيّ واد هذا؟) قالوا: وادي الأزرق، فقال: (كأنّي أنظر
إلى موسى ــ فذكر من لونه وشعره شيئاً لم يحفظه داود ــ واضعاً اصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارّا بهذا الوادي). قال: ثمّ سرنا حتّى أتينا على ثنية، فقال: (أيّ ثنية هذه؟) قالوا: هرشى، أو لفت، فقال: (كأنّي أنظر إلى يونس بن متّى على ناقة حمراء جعدة، عليه جبّة صوف، خطام ناقته خلبة، وهو يلبّي)(1).
34ـ وأخرج أيضاً من طريق مجاهد، قال: كنّا عند ابن عبّاس فذكروا الدجّال، فقال: إنّه مكتوب بين عينيه كافر، قال: فقال ابن عبّاس: لم أسمعه قال ذلك، ولكنّه قال: (أمّا إبراهيم، فانظروا إلى صاحبكم، وأمّا موسى، فرجل أدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبته، كأنّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبّي)(2).
35ـ وأخرج أيضاً من طريق أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وعن طاووس، عن ابن عبّاس، أنّه قال: كان رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يعلّمنا التشهد كما يعلمّنا السورة من القرآن، فكان يقول: (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات، لله السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله)(3).
36ـ وأخرج أيضاً من طريق بكير: أنّ كريباً مولى ابن عبّاس حدّثه،
عن عبد الله بن عبّاس، أنّه رأى عبد الله بن الحارث يصلّي ورأسه معقوص من ورائه، فقام وجعل يحلّه، فلمّا انصرف أقبل إلى ابن عبّاس، فقال: مالك ورأسي؟! فقال: إنّي سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (إنّما مثل هذا مثل الذي يصلّي وهو مكتوف)(1).
37ـ وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: صلّى بنا رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر(2).
38ـ وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: بينا جبريل قاعد عند النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلاّ اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلاّ اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلاّ أعطيته(3).
39ـ وأخرج أيضاً من طريق كريب مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس: أنّه مات ابن له بقديد، أو بعسفان، فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس؟ قال فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه فأنّي سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى
عليه وسلّم) يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفعهم الله فيه)(1).
40ـ وأخرج أيضاً من طريق عبد الله بن أبي يزيد: سمع ابن عبّاس يقول: أنا ممّن قدّم النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) ليلة المزدلفة في ضعفة أهله(2).
41ـ وأخرج مسلم من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عبّاس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة أخبروا رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) ينظر ولم ينهني(3).
42ـ وأخرج أيضاً من طريق أبي حمزة القصاب، عن ابن عبّاس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فتواريت خلف بابٍ، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال: (اذهب ادع لي معاوية)،
قال: فجئت فقلت: هو يأكل، ثمّ قال: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، ثمّ قال: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: (لا أشبع الله بطنه)(1)
أقول: لقد أخرج اللعن كما في هذا الحديث أكثر من عشرين من أعلام المحدّثين والمؤرخين، وهم ممّن لا يتهمون في معاوية، منهم:
1ـ البيهقي في (دلائل النبوّة) في جماع دعوات نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم مرتين.
2ـ أبو داود الطيالسي في مسنده، فيما أسند عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب: 359 برقم 2746.
3ـ أبو المعاطي النوري في (المسند الجامع 9/207).
4ـ البوصيري في (إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة)، في باب الترهيب من الإمعان في الشبع.
5ـ الحُميدي في (الجمع بين الصحيحين) في المتّفق عليه من مسند عبد الله بن العبّاس.
6ـ ابن الأثير في (جامع الأُصول).
7ـ البلاذري في (فتوح البلدان: 459، وأنساب الأشراف 2/193).
8ـ نصر بن مزاحم في (وقعة صفين: 462).
9ـ ابن الأثير في (أسد الغابة) في ترجمة معاوية.
10ـ ابن أبي الحديد في (شرح النهج) في ذكر كتاب المعتضد العبّاسي بلعن معاوية.
1ـ ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمة معاوية.
12ـ ابن كثير في تاريخه؛ وله كلام طريف في الدفاع عن دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية، حيث قال: ((وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، فإنّه لمّا صار إلى الشام أميراً كان يأكل في كلّ يوم سبع مرّات... وأمّا في الآخرة، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللّهمّ إنّما أنا بشر، فأيّ عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلاً فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة).(8/120).. فأضحك أو أبك!! ما دام الدعاء في الدنيا نعمة كيف انقلب في الآخرة فصار سبّاً كما يراه ابن كثير؟!!
13ـ الطبري في تاريخه 5/622.
14ـ الذهبي في (سير أعلام النبلاء 14/129، وتذكرة الحفاظ 2/699).
15ـ ابن حجر في (تهذيب التهذيب 1/69).
16ـ المزي في (تهذيب الكمال 1/157).
17ـ ابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب 2/240).
18ـ البرزنجي في (الإشاعة لأشراط الساعة: 59).
19ـ أحمد بن حنبل في مسنده 1/240 و291 و335 و338، ط الأولى بمصر، بدون قوله: (لا أشبع الله بطنه).
20ـ وأخيراً لا آخرهم: الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة 11/121)، وقال عن طريق الطيالسي، وهذا إسناد صحيح رجاله كلّهم ثقات رجال مسلم.
أقول: وقد مرّ شيء من الكلام حول هذا في الجزء الخامس من الموسوعة؛ فراجع.
21ـ السيوطي في (الخصائص الكبرى).
22ـ الصالحي الدمشقي في (سبيل الهدى والرشاد).
23ـ عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى).
24ـ أبو الشيخ في (طبقات المحدّثين باصبهان).
إلى غيرهم.
.1) - صحيح مسلم 4/2007 برقم 96 باب من لعنه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم و8/27 برقم 6793 باب من لعنه النبيّ، أو سبّه، أو دعا عليه فهو لهم زكاة ونجاة.
43ـ وأخرج النسائي من طريق عكرمة، قال: قال ابن عبّاس: صلّيت إلى جنب النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، وعائشة خلفنا تصلّي، وأنا إلى جنب النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أصلّي معه(1).
44ـ وأخرج أيضاً من طريق النضر بن كثير أبي سهل الأزدي، قال: صلّى إلى جنبيّ عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف، فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك، فقلت لوهيب بن خالد: إنّ هذا ليصنع شيئاً لم نر أحداً يصنعه، قال عبد الله
1) - سنن النسائي الكبرى 1/295 برقم 915.
ابن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عبّاس يصنعه، وقال عبد الله بن عبّاس: رأيت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يصنعه(1).
45ـ وأخرج النسائي أيضاً من طريق ابن عون، عن محمّد، عن ابن عبّاس، قال: كنّا نسير مع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بين مكّة والمدينة ولا نخاف إلاّ الله نصلّي ركعتين(2).
46ـ وأخرج أيضاً من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، قال: (ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟) قلنا بلى يا رسول الله! قال: (رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتّى يموت، أو يقتل)(3).
(وأخبركم بالذي يليه؟) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: (رجل يعتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة ويعتزل شرور الناس)، (وأخبركم بشرّ الناس؟) قلنا: نعم يا رسول الله! قال: (الذي يسأل بالله ولا يعطي به)(4).
47ـ وأخرج أيضاً من طريق أبي العالية، قال ابن عبّاس: قال لي رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) غداة العقبة وهو على راحلته: (هات الّقط لي)، فلقطت له حصيات هنّ حصى الخذف، فلمّا وضعتهن في يده، قال: (بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلو في الدين، فإنّما أهلك من كان
قبلكم الغلو في الدين)(1).
48ـ وأخرج أيضاً من طريق الحسن العُرني، عن ابن عبّاس، قال: إذا رمى الجمرة فقد حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء، قيل له: والطيب؟ قال: أمّا أنا فقد رأيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يتضمخ بالمسك، أفطيب هو!(2).
49ـ وأخرج أيضاً من طريق سالم بن أبي الجعد: أنّ ابن عبّاس سُئل عمّن قتل مؤمناً متعمّداً، ثمّ تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدى؟ فقال ابن عبّاس: وأنّى له التوبة! سمعت نبيّكم(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (يجيء المقتول متعلّق بالقاتل تشخب أوداجه دماً، فيقول: أيّ ربّ سل هذا فيم قتلني؟) ثمّ قال: (والله لقد أنزلها الله ثمّ ما نسخها)(3).
50ـ وأخرج أيضاً من طريق سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتّى يكتاله)(4).
51ـ وأخرج أيضاً من طريق سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عبّاس، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بمثله والذي قبله: (حتّى يقبضه)(5).
52ـ وأخرج أبو داود من طريق أبي إسحق، عن التميمي الذي يحدّث في التفسير، عن ابن عبّاس، قال: أتيت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) من خلفه، فرأيت بياض إبطيه وهو مجنّح، قد فرّج بين يديه(1).
53ـ أبو داود أيضاً من طريق كريب مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس، قال: بعثني أبي إلى النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في إبل أعطاها إياه من الصدقة(2).
54ـ أيضاً من طريق الحسن العُرني، عن ابن عبّاس، قال: قدّمنا رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطّلب على حمرات، فجعل يلطح(3)أفخاذنا ويقول: (أُبينيّ لا ترموا الجمرة حتّى تطلع الشمس).
قال أبو داود: اللطح الضرب اللين(4).
55ـ أيضاً من طريق عمر بن حرملة، عن ابن عبّاس، قال: كنت في بيت ميمونة، فدخل رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) ومعه خالد بن الوليد، فجاءوا بضبّين مشويين على ثمامتين، فتبزّق رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال خالد: أخالك تقذره يا رسول الله؟ قال: (أجل)، ثمّ أتي رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) بلبن فشرب، فقال رسول
الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللّهمّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه، وإذا سقى لبنا فليقل: اللّهمّ بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنّه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلاّ اللبن)(1).
56ـ أيضاً عن ابن عبّاس، قال: رأيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) جالساً عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: (لعن الله اليهود ــ ثلاثاً ــ إنّ الله تعالى حرّم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه)(2).
57ـ أيضاً من طريق عكرمة، أنّه رأى ابن عبّاس يأتزر، فيضع حاشية إزاره من مقدّمه على ظهر قدمه، ويرفع من مؤخره، قلت: لم تأتزر هذه الإزرة؟ قال: رأيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يأتزرها(3).
58ـ ابن أبي شيبة في مصنّفه من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يعلمنا من الأوجاع كلّها ومن الحمى هذا الدعاء (بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شرّ كلّ عرق نعّار ومن شرّ حر النار)(4).
59ـ أيضاً من طريق أسماء بنت يزيد، عن ابن عمّ لها يقال له: أنس، أنّه سمع ابن عبّاس يقول: ألم يقل الله تعالى: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1)؟ قالوا: بلى، قال: ألم يقل الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً(2)الآية؟ قال: فأشهد على رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أنّه نهى عن نبيّذ النقير، والمزفّت، والدباء، والحنتم(3). 60ـ الحاكم في مستدركه عن ابن عبّاس، قال: جاء رجل إلى رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) فقال: يا رسول الله! أنّي رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأنّي أصلّى خلف شجرة، فرأيت كأنّي قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنّها تسجد بسجودي، فسمعتها وهي ساجدة وهي تقول: (اللّهمّ اكتب لي عندك بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عنّي بها وزراً، واقبلها منّي كما قبلت من عبدك داود).
قال ابن عبّاس: فرأيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) قرأ السجدة، ثمّ سجد، فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن كلام الشجرة، وصحّحه الحاكم، وأقرّه الذهبي(4).
61ـ الحاكم أيضاً في مستدركه من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، قال: أقيمت الصلاة، فقمت أصلّي الركعتين، فجذبني رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال: (أتصلّي الصبح أربعاً).
وقال: على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي(1).
62ـ الطبراني في (الكبير) عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (لمّا أسري بي انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها أمثال القلال). وفي إسناده زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس.
قال الهيثمي: لم أر من ذكرها(2).
63ـ أيضاً في (الأوسط)، و(الكبير) عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (إنّ لله ملكاً لو قيل له التقم السموات والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت)(3).
قال الطبراني: تفرّد به وهب بن روق، قال الهيثمي: ولم أر من ذكر له ترجمة.
64ـ وأخرج أحمد والطبراني في (الكبير) بإسناد فيه ابن لهيعة وحديثه حسن: أنّ رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) كان يخرج في هريق الماء فيمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله! إنّ الماء منك قريب، قال: (ما أدري لعلّي لا أبلغه)(4).
قال يحيى مرّة أُخرى: كنت مع رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فخرج فاهراق الماء فتيمم، فقيل له: إنّ الماء منّا قريب(5).
1) - المستدرك على الصحيحين 1/451 كتاب صلاة التطوع.
2) - المعجم الكبير للطبراني 10/378 برقم 10683.
3) - المعجم الأوسط للطبراني 14/207 برقم 6629، والمعجم الكبير 11/195 برقم 11476.
4) - مسند أحمد 4/488 برقم 2764، والمعجم الكبير 12/238 برقم 11987.
5) - مسند أحمد 4/488 برقم 2764، والمعجم الكبير 12/238 برقم 11987.
65ـ الطبراني في (الكبير) عن ابن عبّاس، قال: كنت ردف النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) على حمار يقال له: يعفور، فعرقت، فأمرني النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أن أغتسل.
وفي إسناده الضحّاك، وقد وثّقه أحمد، ويحيى، وأبو زرعة، وضعّفه غيرهم(1).
66ـ فيه أيضاً عنه، قال: رأيت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يصلّي يسجد على ثوبه. ورجاله رجال الصحيح(2).
67ـ أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح، عنه، قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) وهو يصلّي، فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، أو قال: نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجل: أكان بين يديه عنزة؟ قال: لا(3).
68ـ أيضاً الطبراني في (الكبير)، عنه، قال: سمعت نبيّ الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (إنّا معاشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة). ورجاله رجال الصحيح(4).
69ـ في (الأوسط)، عنه، قال: صلّيت خلف النبيّ(صلّى الله تعالى عليه
وسلّم) صلاة الخسوف، فلم أسمع منه فيها حرفاً.
وفي إسناده ابن لهيعة وحديثه حسن(1).
70ـ أحمد، عنه، قال: أتيت وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إنّ الليلة ليلة القدر، قال: فقمت وأنا ناعس، فتعلّقت ببعض أطناب رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فإذا هو يصلّي، فنظرت في تلك الليلة، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين. ورجاله رجال الصحيح(2).
71ـ أيضاً عنه: أنّ زوج بريرة كان عبداً أسود يسمّى: مغيثاً، قال: فكنت أراه يتبعها في سكك المدينة يعصر عينيه، قال: فقضى فيها النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) أربع قضيات: قضى أنّ الولاء لمن أعتق، وخيّرها، وأمرها أن تعتد عدّة الحرّة، قال: وتصدّق عليها بصدقة، فأهدت منها إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم)، فقال: (هو عليها صدقة، وإلينا هدية). ورجاله رجال الصحيح(3).
72ـ الطبراني في (الكبير)، عنه، قال: دخل رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) حائطاً لبعض الأنصار، فجعل يتناول من الرطب فيأكل وهو يمشي، وأنا معه، فالتفت إليَّ، فقال: (يا بن عبّاس! لا تأكل باصبعين فإنّه أكلة الشيطان، وكل بثلاث أصابع).
وفي إسناده ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح(4).
73ـ أيضاً عنه، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيام صرفاً ولا عدلاً، ومن شرب كأساً لم يقبل الله منه أربعين صباحاً، والمدمن الخمر حقّاً على الله أن يسقيه من نهر الخبال)، قيل يا رسول الله! وما نهر الخبال؟ قال: (صديد أهل النار).
وفي إسناده حكيم بن نافع، قال الهيثمي: وهو ضعيف، وقد وثّقه ابن معين، وغيره(1).
74ـ أيضاً عنه، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (أتاني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمّد! إنّ الله عزّ وجلّ لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وشاربها وحاملها، والمحمولة إليه، وبايعها ومبتاعها، وساقيها ومسقاها). ورجال إسناده ثقات(2).
75ـ أيضاً، عنه، قال: سألت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): قلت: خيل من المسلمين وقعت على قوم من المشركين فقاتلوهم وقتلوا أبناءهم؟ فقال رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم): (هم مع آبائهم).
وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثّقه أحمد، وضعّفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح(3).
76ـ أيضاً في (الأوسط)، عنه، قال: كان قدومنا على رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) لخمس من الهجرة، خرجنا متوصلين مع قريش عام
الأحزاب، وأنا مع أخي الفضل ومعنا غلامنا أبو رافع، حتّى انتهينا إلى العرج، فضلّ لنا في الطريق ركوبه، فأخذ منا في تلك الطريق على الجنحاثة، حتّى خرجنا على بني عمرو بن عوف، حتّى دخلنا المدينة، فوجدنا رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في الخندق، وأنا يومئذ ابن ثمان سنين، وأخي ابن ثلاث عشر سنة(1).
وفي إسناده عبد الله بن محمّد بن عمارة الأنصاري، عن سليمان بن داود بن الحصين. قال الهيثمي: وكلاهما لم يوثقا ولم يضعّفا، وبقية رجاله ثقات.
77ـ البزّار، عنه، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) يقول: (أنا آخذ بحجزكم، أقول: إيّاكم وجهنم، إيّاكم والحدود، ثلاث مرّات، فإذا أنا مت تركتكم، وأنا فرطكم على الحوض، فمن ورد أفلح)(2).
وفي إسناده ليث بن أبي سليم، والغالب عليه الضعف.
انتهيت من كتابته ليلة 21 محرّم الحرام سنة 1434هـ والحمد لله أوّلاً وآخراً، وأنا الراجي عفو المنّان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان، كتبته لغرض تحقيقه ضمن الحلقة الثالثة من موسوعة ابن عبّاس رضي الله عنه.
1) - المعجم الأوسط 8/292 برقم 10000.
2) - أخرج الطبراني هذا الحديث في المعجم الكبير 12/71 برقم 12508 بزيادة في آخره لم يذكرها المؤلّف، ولفظه: (أنا آخذ بحجزكم عن النار، أقول: إيّاكم وجهنّم، إيّاكم والحدود، فإذا أنا مت، فأنا فرطكم، وموعدكم الحوض، فمن ورد أفلح، ويأتي قوم فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ! أُمّتي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك مرتدين على أعقابهم). وهذا أخرجه السيوطي في جامع الأحاديث 6/489، وجمع الجوامع 1/5939.
ــ يبدو من المؤلّف عدم الدقّة في اختيار اسم رسالته، حيث اختار فيه تعبير: ((عمّا رواه ابن عبّاس مشافهة عن سيّد الناس صلى الله عليه وآله وسلم ))، والمشافهة، هي: المخاطبة بين اثنين يجعل فاه إلى فيه، وهذا لم يحصل في كثير ممّا ذكره من الأحاديث، وقد أَحصيتُ أكثر من عشرين مورداً ليس فيها مشافهة، بل ولا سماع! ولو استبدل المشافهة بالمشاهدة لهان الخطب، واتّسع العنوان، ولشمل الرؤية أيضاً والسماع.
ــ إنّ ما ذكره محمّد عابدين في كتابه (كشف الإلباس)، ليس هو جميع ما فيه ذاتية السماع ظاهرة، فقد فاته بعض ذلك أيضاً، ولعلّه رأى بعضها غير نقي المتن أو السند، ففي جملة منها عدم صحّتها ظاهراً.
نحو ما ذكره البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات)، قال: ((وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العبّاس، ثنا محمّد بن إسحاق، يحيى بن معين ح.
وأخبرنا أبو جعفر العزائمي، أنا بشر بن أحمد، ثنا عبد الله بن محمّد بن ناجية، حدّثنا إسحاق بن إسرائيل، ثنا هشام بن يوسف، عن أُميّة بن شبل، قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال أبو عبد الله، عن أبي هريرة. وقال العزائمي: عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي عن موسى على المنبر، قال: (فوقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله تعالى؟ فبعث الله
عزّ وجلّ إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً، ثمّ أعطاه قارورتين، في كلّ يد قاروة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام، وتكاد يداه أن تلتقيا، ثمّ يستيقظ، فينحّي إحداهما عن الأُخرى، حتّى نام نومة فاصطكت يداه فانكسرتا).
وقال العزائمي: فاصطفقت يداه وانكفأت القارورتان، فضرب له مثلاً أنّ الله سبحانه وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السموات والأرض...
متن الإسناد الأوّل أشبه أن يكون هو المحفوظ))(1).
قال محقّق الكتاب: ((هذا خبر منكر، كيف يجهل موسى عليه السلام أنّ ربّه سبحانه وتعالى لا يغفل ولا ينام؟! وإسناده ضعيف فيه أُميّة بن شبل، لم يعرف إلاّ بهذا الخبر المنكر، قال الذهبي في (ميزان الاعتدال): أُميّة بن شبل يماني له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: وقع في نفس موسى هل ينام الله... الحديث، رواه عنه هشام بن يوسف، وخالفه معمر، عن الحكم، عن عكرمة قوله، وهو أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنّما روي ابن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك، وانظر (لسان الميزان) أيضاً، وانظر (الدرّ المنثور) للسيوطي (البقرة/255) في تفسير آية الكرسي، والطبري بإسناده في التفسير برقم(5780)، وابن كثير في تفسير آية الكرسي، وقال: هذا حديث غريب، والأظهر أنّه إسرائيلي لا مرفوع)).
أقول: ولقد فاته ممّا هو نقي السند والمتن، هو ما أخرجه البيهقي في
1) - الأسماء والصفات: 63 تح عبد الله عامر، ط دار الحديث القاهرة سنة 1426هـ.
(الأسماء والصفات)، قال:
((أخبرنا أبو عمرو محمّد بن عبد الله الأديب، أنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، في قوله عزّ وجلّ: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ؟
قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعالج من التنزيل بشدّة، وكان يحرّك شفتيه.
فقال لي ابن عبّاس رضي الله عنه: أنا أحرّكهما لك كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرّكهما.
قال سعيد: وأنا أُحرّكهما كما كان ابن عبّاس يحرّكهما، فحرّك شفتيه، فأنزل الله عزّ وجلّ: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ _ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(1)، قال: جمعه في صدرك ثمّ تقرؤه، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(2)، قال: فاستمع له وأنصت، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا(3): أن نقرأه.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق جبريل عليه السلام قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أقرأه.
وهذا رواه البخاري ومسلم في الصحيح، عن قتيبة))(4).
ــ وممّا فاته وهو كسابقه في صحّة السند واستقامة المتن، ما أخرجه البيهقي في (الأسماء والصفات)، قال:
((أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد... عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: أنّه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله! تفلّت هذا القرآن من صدري...))(1)، فذكر الحديث بطوله.
وكما فاته أيضاً حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس(رض) الذي شرحه ابن رجب الحنبلي وسمّى شرحه (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس)، وسيأتي بعد هذا قبل ختام الجزء الرابع من هذه الحلقة الثالثة(2)... إلى غير ذلك.
وقد مرّ في الجزء الأوّل(3)أكثر من ثلاثين حديثاً، وفي الجزء السادس(4)من الموسوعة في (وقفة عابرة مع الغزالي)، ذكرت فيها 41 حديثاً موزعة بين أجزاء كتاب (الإحياء)، وهي عن ابن عبّاس مرفوعة ومسموعة، فراجعها تجد بينها ما لم يذكره المؤلّف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
تصنيف
الحافظ الإمام عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
رحمه الله تعالى (736 ـ 795هـ)
تحقيق
محمّد بن ناصر العجمي
الطبعة الوحيدة الكاملة
الطبعة الرابعة
مزيدة ومنقحة
دار البشائر الإسلامية
هذه هي الرسالة الرابعة عشرة، وجعلتها أواخر الجزء الرابع من الحلقة الثالثة من (العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ)، وهي تتضمن وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس رضي الله عنه، وقد مرّت الإشارة إليها والإشادة بذكرها في الجزء الأوّل من الموسوعة(1)، وذكرت من مصادرها ما يقرب من ثلاثين مصدراً، ومن شروحها أربعة ضمن شرح الأربعين النووية، وذكرت طبعتها الأولى بشرح ابن رجب في سنة 1365 بمصر شركة مساهمة(2)
1ـ الشيخ عبد الفتاح خليفة الأستاذ بدار العلوم والمفتش بوزارة المعارف سابقاً.
2ـ الشيخ محمود خليفة أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية غرءونا التذكارية.
وفي تحقيقهما فوائد خلت عنها هذه المطبوعة.
، كما بيّنت الاختلاف في روايتها بين التراثين الشيعي والسُنّي، ففي الأوّل أنّ الوصية كانت للفضل بن العبّاس، وفي الثاني كانت لعبد الله بن العبّاس، وتفاوت النقل في بعض فقرات الوصية، وبذلك اكتفي عن الإفاضة عنها في المقام، كما أكتفي بعرض الوصية وشرحها نور الاقتباس حسب هذه الطبعة بشرح ابن رجب، وتحقيق وتعليق محمّد بن ناصر العجمي مع إبداء بعض الملاحظات العابرة حول التحقيق.أسأل الله تعالى التسديد والتأييد، لعرض المفيد ممّا هو جديد ومفيد من آثار ابن عبّاس أنّه هو الولي الحميد.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(1). يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً(2). يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً _ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(3). أمّا بعد؛ فقد ورد من حديث ابن عبّاس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا غلام إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك...) إلى آخر تلك الوصايا العظيمة في هذا الحديث النبوي الكريم ممّا يجب على المسلم أن يتأمّلها ويتفهمها فهماً لا لبس فيه ولا غموض، والخطورة كلّ الخطورة تكمن في
الجهل بها وعدم فهمها وتطبيقها.
ومن أوّل هذه الوصايا العظيمة: (حفظ الله تبارك وتعالى)، وهي القيام بحقوقه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند الأوامر في امتثالها والعمل بها، والوقوف عند النواهي بتركها وعدم مقاربتها، هذا هو معنى حفظ الله، قال تعالى: وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ(1).
وقال جلّ شأنه: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(2).
وقد أمر الله ــ عزّ وجلّ ــ بحفظ أمور كثيرة من هذا الدين، وذلك في مثل قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى(3).
هذا وقد أثنى الله على المحافظين على الصلوات، فقال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(4).
فالصلوات الخمس قد أمر الله بالنص الصريح بحفظها، والقيام بأدائها، وهي داخلة في معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (احفظ الله...)، هذا نموذج من معنى حفظ الله، وهو ممّا وصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عبّاس الذي كان في مقتبل عمره وهو بحاجة إلى من يرسم له المنهج السوي، فأرشده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأرشد كلّ شاب، بل كلّ مسلم إلى ما يحتاجه من توحيد الله والتوجه إليه بالسؤال، وإفراده بالأُلوهية، والاستعانة بالله تعالى في شتّى الأحوال، والتوكّل عليه في
جميع الأمور كلّها، والامتثال لأوامره التي من حافظ عليها كانت سبباً لحفظ المرء في دينه ودنياه...
فهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجه أصحابه وهو النبيّ المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى، والقائد المثالي الذي يوجه إلى الخير.
وإنّ هذه الرسالة التي بين يديك، قد وضّح فيها الإمام ابن رجب ــ رحمه الله ــ حديث ابن عبّاس المذكور، وجلاه في أحسن صورة، وأجمل حُلة، وليس هذا بأوّل حديث يهتم به ويشرحه، بل كان ــ رحمه الله ــ يعمد إلى الأحاديث التي لها أهميتها في ترسيخ العقيدة وتزكية النفوس، فيفردها بالتأليف ويشرحها ويبيِّن مراميها، مع الاهتمام بالناحية الوعظية، وذكر نماذج من أقاويل السلف وما كانوا يتحلّون به من خلق عظيم تجاه الله وتجاه خلقه، كلّ هذا بلطف عبارة، وجمال أسلوب، وترابط الأقوال بعضها ببعض في إتقان معنى، وحسن بيان.
وقد ذكر هذه الرسالة المصنّف ــ رحمه الله ــ في شرحه لهذا الحديث في كتابه (جامع العلوم والحكم ص161)، حيث قال: ((وقد أفردت لشرحه جزءا كبيراً، ونحن نذكر ههنا مقاصده على وجه الاختصار...))، وقد ذكرها ابن عبد الهادي المِبرد في (الجوهر المنضد ص50)، وكذا ذكرها ابن حميد الحنبلي في (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة ص117)، وقال الصنعاني في (سبل السلام 4/176): ((وهو حديث ــ يعني حديث ابن عبّاس ــ جليل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد))، يعني به: ابن رجب، وقد نقل عنه بعض العبارات حول شرح هذا الحديث، ممّا يدلّ على أهمية هذه الرسالة ومكانتها عند أهل العلم.
اعتمدت في تحقيقي لهذه الرسالة على أربع نسخ خطّية.
1ـ النسخة الأولى: نسخة جامعة برنستون (Princeton) بأمريكا. وهي فيها برقم (4161 ــ مجاميع)، من ورقة 117 ــ 147، ويتراوح عدد الأسطر في كلّ ورقة منها ما بين (21 ــ 22) سطراً، نسخت في الخامس من ذي القعدة سنة ست عشرة وثمانمائة، أي: بعد وفاة المصنّف بإحدى وعشرين سنة، وبآخرها قراءة ومقابلة، ممّا ينبئ على أنّها نسخة مصحّحة ومعتمدة، والخطأ فيها قليل، وقد اتخذتها أصلاً للتحقيق، ورمزت لها بحرف (ب) وهي من مصورات مركز البحث العلمي، وهي فيه برقم (663)، وبهذه المناسبة لا يفوتني أن أتقدّم بجزيل شكري وتقديري إلى الأخ فضيلة الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين مدير مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أُمّ القرى في مكّة المكرمة، الذي تكرَّم فصوَّر لي هذه النسخة، فله منّي ومن أهل العلم الثناء الوافر، ومن الله أحسن الجزاء.
2ـ النسخة الثانية: وهي نسخة شستربتي برقم (4951)، تبدأ من صفحة 248 ــ 321، وعدد الأسطر عشرون سطراً في كلّ ورقة، وبها نقص في آخرها بمقدار ثلاث ورقات، إلاّ أنّ الورقة التي فيها اسم الناسخ وسنة النسخ موجودة، وقد نسخت في سبع وعشرين من شهر المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة، أي: في نفس السنة التي نسخت فيها النسخة الأولى، واسم الناسخ: علي بن أحمد المقريء الدمشقي، وخطّها جيد، وقد رمزت لهذه النسخة بحرف (ش).
3ـ النسخة الثالثة: وهي نسخة جامعة ييل، وهي فيها برقم (673 ــ مجاميع)،
تبدأ من ورقة 11 ــ 45، وعدد الأسطر في كلّ ورقة 23 سطراً، وقد نسخت في سنة تسع عشرة ومائة وألف، وناسخها هو رجب بن محمّد العمراني الشافعي، وخطّها جيد وواضح، إلاّ أنّ فيها بعض الأخطاء، والتي لا يخلو منها مخطوط، وقد رمزت لهذه النسخة بحرف (ل)، وبهذه المناسبة فإنّي أشكر الأخ الفاضل حامد النهار؛ فقد حصلت على هذه النسخة بواسطته، فجزاه الله خيراً.
4ـ النسخة الرابعة: وهي نسخة مكتبة جامعة الملك سعود المركزية ــ الرياض سابقاً ــ وهي برقم (1637/8 ضمن مجموع)، تبدأ من صفحة 176 ــ 228، وتتراوح عدد الأسطر فيها ما بين (24 ــ 27) سطراً، وخطّها نسخي معتاد، نسخت سنة 1333هـ، وناسخها هو: عبد الله بن إبراهيم الربيعي، وقد رمزت لهذه النسخة بحرف (ض).
هذا وقد اطّلعت على نسخة أُخرى من الكتاب في مكتبة الشيخ عبد المحسن العباد ــ حفظه الله ــ في المدينة النبوية، إلاّ أنّ هذه النسخة حديثة النسخ فقد نسخت سنة 1339هـ على ما فيها من أخطاء وسقط كثير، فصرفت النظر عنها ولم اعتمد عليها.
واعلم أنّ هذه الرسالة قد طبعت قديماً بتعليق الشيخ عبد الرحمن أبي حجر في مكّة المكرمة في المطبعة الماجدية سنة 1347هـ، ثمّ طبعت عن هذه الطبعة سنة 1400هـ بتعليق عزّ الدين النجّار، وهاتان الطبعتان ينقص منهما ما يقارب ثلث الكتاب(1)، بالإضافة إلى الأخطاء المطبعية الفاحشة، وقد رمزت لمطبوعة الماجدية بحرف (ط). [وقد فات المحقّق ذكر الطبعة
1) - والنقص يبدأ فيها من ص83 إلى ص117، من هذا الطبعة.
المصرية بشركة مساهمة سنة 1365].
1ـ ضبط نص الكتاب وتصحيحه، وقد اتخذت نسخة (ب) أصلاً للتحقيق، ونبهت على المهم من اختلاف النسخ، وما كان في غير نسخة الأصل وضعته بين معكوفين.
2ـ عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف الكريم.
3ـ خرجت الأحاديث النبوية، وما كان منها في غير الصحيحين تكلّمت عليه وفقاً لقواعد مصطلح الحديث، ولم أخرج جميع الآثار الواردة في الكتاب، بل ما كان منها متيسراً خرَّجته لأنّ ذلك يتطلب الوقت الكثير.
4ـ علّقت على بعض المواضع من الكتاب.
5ـ صنعت بعض الفهارس للكتاب، وهي:(1)فهرست الأحاديث النبوية.
(2) فهرست الموضوعات.
وأسأل الله العظيم أن يتقبل منّي هذا العمل على ما فيه من تقصير، ويجعله في موازين حسناتي:
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ _ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(1).. وصلّى الله على النبيّ الأُمّيّ وعلى آله وصحبه وسلّم.
1) - سورة الشعراء/88 ــ 89.
اسمه ونسبه:
هو زين الدين عبد الرحمن بن الحسن بن محمّد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ثمّ الدمشقي الحنبلي، الشهير بـ(ابن رجب)، ولد ابن رجب في بغداد سنة 736هـ.
مشايخه:
أوّل مشايخه والده الشيخ شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الرحمن(1)، وقد كان عالماً صالحاً. وهذا ذكر بعض مشايخه:
1ـ القاضي أبو العبّاس أحمد بن الحسن بن عبد الله، المشهور بـ(ابن قاضي الجبل)، المتوفى سنة 771هـ.
2ـ صلاح الدين، أبو سعيج خليل بن كيكلدي العلائي، المتوفى سنة 761هـ.
3ـ جمال الدين، أبو سليمان داود بن إبراهيم العطار، المتوفى سنة 752هـ.
1) - سبق في اسمه ونسبه هو عبد الرحمن بن الحسن بن محمّد، وهنا صار اسم الأب أحمد بن عبد الرحمن، فأيهما الصحيح؟. (الخرسان).
4ـ محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن الخبازي، المتوفى سنة 756هـ.
5ـ شمس الدين، أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة 751هـ.
6ـ صدر الدين، أبو الفتح محمّد بن إبراهيم الميدومي، المتوفى سنة 754هـ.
7ـ فتح الدين، أبو الحرم، محمّد بن محمّد بن محمّد القلانسي الحنبلي، المتوفى سنة 765هـ.
وغيرهم.
تلاميذه:
تتلمذ على الحافظ ابن رجب جمع ليس بالهين [ذكرهم]، ونذكر جملة منهم:
1ـ أحمد بن أبي بكر بن أحمد الحموي الأصل الحلبي الحنبلي، ويعرف بـ(ابن الرسّام)، المتوفى سنة 844هـ.
2ـ داود بن سليمان بن عبد الله الموصلي ثمّ الدمشقي الحنبلي، المتوفى سنة 844هـ.
3ـ عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن عياش الزين الدمشقي الأصل المكّي، المتوفى سنة 853هـ.
4ـ الحافظ عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الله الزين أبو ذرّ المصري الحنبلي، ويعرف بـ(الزركشي)، المتوفى سنة 846هـ.
5ـ علي بن محمّد بن علي الطرطوسي المزّي، المتوفى سنة 850هـ تقريباً.
6ـ علي بن محمّد بن علي البعلي، ثمّ الدمشقي الحنبلي علاء الدين أبو الحسن، المعروف بـ(ابن اللحام)، وكان أقرب تلاميذه إليه، توفي سنة 803هـ.
7ـ عمر بن محمّد بن أبي بكر السراج أبو حفص الحلبي، ويعرف بـ(ابن المُزَلِّق)، المتوفى سنة 841هـ. وغيرهم.
ثناء العلماء عليه:
قد أثنى عليه كلّ من ترجم له ثناءً عطراً، وإليك ذكر بعض تلك الأقوال في حقّه ــ رحمه الله ــ :
قال ابن حجي: ((أتقن الفنّ، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق)).
وقال ابن فهد المكّي: ((الإمام الحافظ الحجّة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمّة العباد، مفيد المحدّثين، واعظ المسلمين)).
وقال أيضاً: ((كان رحمه الله تعالى إماماً ورعاً زاهداً، مالت القلوب بالمحبّة إليه، وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامّةً نافعة، وللقلوب صادعة)).
وقال الحافظ ابن حجر: ((الشيخ المحدّث الحافظ)).
وقال أيضاً: ((وكان صاحب عبادة وتهجد...)).
وقال ابن عبد الهادي المِبْرد: ((الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوةُ الحفاظ، جامع الشتات والفضائل)).
وقال أيضاً: ((الفقيه الزاهد البارع، الأُصولي المفيدُ المحدّث)).
وقال تلميذه علاء الدين بن اللحام: ((سيّدنا الإمام العلاّمة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلِّي المشكلات، وموضّح المبهمات...)).
وقال أيضاً: ((شيخنا الإمام العالم الحافظ، بقية السَّلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام، زين الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ــ رحمه الله تعالى وعفا عنه برحمته ــ )).
وقال ابن قاضي شهبة: ((الشيخ الإمام العلاّمة، الحافظ الزاهد الورع، شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدّثين...)).
وقال السيوطي: ((الإمام الحافظ المحدّث الفقيه الواعظ)).
وقال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي: ((الشيخ الإمام العلاّمة الزاهد القدوة، البركة الحافظ العمدة الثقة الحجّة، واعظ المسلمين، مفيد المحدّثين، جمال المصنّفين)).
وقال ابن العماد: ((الشيخ الإمام العالم العلاّمة، الزاهد القدوة، البركة الحافظ العمدة، الثقة الحجّة، الحنبلي المذهب)).
وقال ابن العماد أيضاً: ((وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس، ولا يتردّد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين)).
مؤلّفاته:
قال ابن فهد: ((له المؤلّفات السديدة والمصنّفات المفيدة)).
وقال ابن العماد الحنبلي: ((وله مصنّفات مفيدة ومؤلّفات عديدة)). اهـ.
كتبه في الفقه:
1ـ الأحاديث والآثار المتزائدة في أنّ الطلاق الثلاث واحدة.
2ـ أحكام الخواتيم وما يتعلّق بها، مطبوع.
3ـ إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة.
4ـ الاستخراج لأحكام الخراج، مطبوع.
5ـ الإيضاح والبيان في طلاق كلام الغضبان.
6ـ الردّ على من اتّبع غير المذاهب الأربعة.
7ـ القواعد الكبرى في الفروع، مطبوع، وقال عنه الحافظ ابن حجر: ((أجاد فيه))، وقال ابن قاضي شهبة: ((مجلّد كبير، وهو نافع من عجائب الدهر حتّى أنّه استُكثر عليه، حتّى زعم بعضهم أنّه وجد قواعد مبدّدة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك)).
8ـ قاعدة غمّ هلال ذي الحجّة؛ مطبوع.
9ـ القول المعذاب في تزويج أمهات أولاد الغياب.
10ـ الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأَيْمَان.
11ـ منافع الإمام أحمد.
12ـ نزهة الأسماع في مسألة السماع؛ مطبوع.
كتبه في علوم القرآن:
1ـ إعراب البسملة.
2ـ إعراب أُمّ الكتاب.
3ـ الاستغناء بالقرآن.
4ـ تفسير سورة الفاتحة.
5ـ الكلام على سورة الإخلاص(1).
6ـ الكلام على سورة النصر(2).
كتبه في الحديث:
1ـ اختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى؛ مطبوع.
2ـ جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم؛ مطبوع.
3ـ الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة)؛ مطبوع.
4ـ شرح حديث: (إنّ أغبط أوليائي عندي).
5ـ شرح حديث شداد بن أوس: ((إذا كنز الناس الذهب والفضّة)).
6ـ شرح حديث عمار بن ياسر: (اللّهمّ بعلمك الغيب)؛ مطبوع.
7ـ شرح حديث: (ما ذئبان جائعان...)، ويسمّى أيضاً: ((ذمّ الجاه والمال)؛ مطبوع.
8ـ شرح حديث: ((لبيك اللَّهم لبيك)).
9ـ شرح حديث أبي الدرداء: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً...)؛ مطبوع.
10ـ شرح حديث: (يتبع المؤمن ثلاثة)؛ مطبوع.
11ـ شرح حديث: (مثل الإسلام).
12ـ شرح جامع الإمام الترمذي، ويقع في نحو عشرين مجلّداً، كما ذكر الحافظ ابن حجر، والموجود منه (شرح العلل)؛ وهو مطبوع.
13ـ غاية النفع في شرح حديث: (تمثيل المؤمن بخامة الزرع)؛ مطبوع.
14ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، شرح قطعة منه، قال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي: ((وشرح من أوّل صحيح البخاري إلى الجنائز شرحاً نفيساً)).
15ـ كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، وهو شرح حديث: (بدأ الإسلام غريباً...)؛ مطبوع.
16ـ المحجّة في سير الدلجة، وهو شرح حديث: (لن ينجي أحداً منكم عمله)؛ مطبوع.
17ـ نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس، وهو شرح حديث: (احفظ الله يحفظك...)؛ وهو كتابنا هذا.
كتبه في التاريخ:
1ـ الذيل على طبقات الحنابلة؛ مطبوع.
2ـ سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز؛ مطبوع.
3ـ مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز؛ مطبوع.
4ـ وقعة بدر.
كتبه في الوعظ والفضائل:
1ـ استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس؛ مطبوع.
2ـ الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان.
3ـ الإلمام في فضائل بيت الله الحرام.
4ـ أهوال القبور.
5ـ البشارة العظمى في أنّ حظَّ المؤمن من النار الحمى.
6ـ بيان فضل علم السلف على علم الخلف؛ مطبوع(1).
7ـ التخويف من النار؛ مطبوع.
8ـ تسلية نفوس النساء والرجال عن فقد الأطفال.
9ـ الذلّ والانكسار للعزيز الجبار؛ طبع بعنوان: ((الخشوع في الصلاة)).
10ـ ذمّ الخمر.
11ـ صفة النار وصفة الجنّة.
12ـ الفرق بين النصيحة والتعيير؛ مطبوع.
13ـ فضائل الشام.
1) - وقد حقّقته ــ ولله الحمد ــ وطبعته الدار السلفية بالكويت سنة 1407هـ، الطبعة الثانية، وكانت الطبعة الأولى سنة 1404هـ في مكتبة دار الأرقم بالكويت.
14ـ كلمة الإخلاص وتحقيق معناها؛ مطبوع.
15ـ لطائف المعارف فيما لمواسم العامّ من الوظائف؛ مطبوع. قال عنه الحافظ ابن حجر: ((واللطائف في وظائف الأيام بطريق الوعظ، وفيه فوائد)).
وفاته:
يقال: إنّ هذا الإمام جاء إلى حفّار فقال له: احفر لي هنا لحداً، وأشار إلى بقعةٍ، فقال الحفّار: فحفرت له، فنزل فيه فأعجبه، واضطجع فيه، وقال: هذا جيد. فمات بعد أيام، فدفن فيه، وذلك في شهر رجب من سنة 795هـ، رحمه الله رحمة واسعة.
مصادر ترجمته:
1ـ (إنباء الغمر بأبناء العمر 1/460) للحافظ ابن حجر.
2ـ (الدرر الكامنة 2/321)، له أيضاً.
3ـ (الردّ الوافر/106) لابن ناصر الدين الدمشقي.
4ـ (لحظ الألحاظ/180) لابن فهد المكّي.
5ـ (طبقات الحفاظ/536) للسيوطي.
6ـ (الشهادة الزكية/49) للكرمي.
7ـ (شذرات الذهب 6/339) لابن العماد الحنبلي.
8ـ (البدر الطالع 1/328) للشوكاني.
9ـ (الجوهر المنضّد/46) لابن عبد الهادي المبرّد(1).
1) - طبع هذا الكتاب بتحقيق الأخ الدكتور عبد الرحمن العثيمين حفظه المولى ورعاه.
10ـ (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة/117 ــ 118)، مصوّرة مكتبة خدابخش بتنه بالهند، لابن حميد النجدي ثمّ المكّي.
11ـ (هدية العارفين 1/527، 528) للبغدادي.
12ـ (الدارس في أخبار المدارس 2/76) للنعيمي.
13ـ (فهرس الفهارس 2/636) للكتاني.
14ـ (الأعلام 4/67) للزركلي.
15ـ (معجم المؤلّفين 5/118) لرضا كحالة.
16ـ (العلل في الحديث/227 ــ 256) للدكتور همام سعيد.
نور الاقتباس
في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لابن عبّاس
تصنيف
الحافظ الإمام عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
رحمه الله تعالى (736 ـ 795هـ)
تحقيق وتعليق
محمّد بن ناصر العجمي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبّ ربّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزَّ جلاله، وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ الأُمّي وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.
خرَّج(1)الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا غلام ــ أو يا غُليِّم ــ! ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهن؟)
فقلت: بلى.
فقال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله(2)في الرخاء يعرفك في الشدّة. وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفّ القلم بما هو كائن، فلو أنّ الخلق كلّهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله(3)لم يقدروا عليه. واعلم أنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يُسرا).
هكذا ساقه من طريق حنش مع إسنادين آخرين منقطعين(4)، وفي
السياق أنّه لا يحفظ حديث من بعضهم.
وخرّجه أيضاً من طريق حنش وحده مختصراً ولفظه:
(يا غلام! إنّي مُحدّثك حديثاً: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد رفعت الأقلام وجفت الكتب، فلو جاءت الأُمّة ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله(1)لك لما استطاعت، ولو(2)أرادت أن تضرّك بشيء لم يكتبه الله لك لما(3)استطاعت).
وخرَّجه الترمذي بنحو هذا السياق المختصر، ولفظه:
(إنّي أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأُمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
وقال: ((حديث حسن صحيح))(4)
*(33) المشهور: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين بخلاف المتواتر، وهو الذي لا حصر لطرقه في عدد معين. (الخرسان).
.وقال الحافظ أبو عبد الله ابن منده: ((لهذا الحديث طرق عن ابن عبّاس، وهذا أصحها)). قال: ((وهذا إسناد مشهور(**)، ورواته ثقات)).
قلت: قد روي هذا الحديث عن ابن عبّاس من رواية جماعة، فمنهم: علي ابنه، وعطاء، وعكرمة، ومن رواية عمر مولى غفرة عنه، وعبد الملك ابن عمير، وابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، وقيل: إنّهما لم يسمعا منه، وفي أسانيدهما جميعها [كلّها](1)مقال، وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه وصّى بذلك ابن عبّاس، من حديث عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وغيرهم من الصحابة، وفي أسانيدها أيضاً مقال. وذكر العقيلي أنّ أسانيد الحديث كلّها ليّنة، وبعضها أصلح من بعض.
قلت: وأجود أسانيده من رواية حنش، عن ابن عبّاس التي ذكرناها، وهو إسناد حسن(2)لا بأس به.
وقد استوفينا ذكر طرق الحديث مع الكلام عليها في كتاب (شرح الترمذي)(3)
1ـ من طريق حنش الصنعاني، عن ابن عبّاس، قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، فقال: (يا غلام! إنّي أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أنّ الأُمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
أخرجه أحمد 1/293، وابن وهب في كتاب القدر: 28، والترمذي: 2516، واللفظ له، وأبو يعلى في مسنده: 255، وابن السني في عمل اليوم والليلة: 425، والبيهقي في شعب الإيمان 1/148، 149، وإسناده حسن، [وفي الأسماء والصفات: 93]، وأخرجه الطبراني في الدعاء: 42 بمثل هذا اللفظ، إلاّ أنّه من طريق عبد الله بن صالح، وهو صدوق يغلط كثيراً، وأخرجه أحمد 1/307، والبيهقي في شعب الإيمان 1/ق198/أ، وفي الأسماء والصفات: 75، 76، وفي الاعتقاد: 140. واللالكائي في أُصول السُنّة 4/613، 614 من طريق حنش أيضاًً، ولفظه: عن ابن عبّاس، قال: كنت رديف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا غلام ــ أو يا غليم ــ! ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ)، فقلت: بلى، فقال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أنّ الخلق كلّهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً)، وإسناده حسن.
2ـ من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا غلام! ألا أعلّمك شيئاً ينفعك الله به؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بشيء لم يكتب الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو جهد الخلائق أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك).
أخرجه الطبراني في الكبير 11/223، وإسناده ضعيف فيه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف الحديث عن غير الشاميين، وهذه منها، حيث روى عن عمر مولى غفرة المدني، وهو ضعيف أيضاًً.
3ـ من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف بالله في الرخاء يعرفك في الشدّة، واعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أنّ الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يرد الله أن يعطيك لم يقدروا عليه، أو يصرفوا عنك شيئاً أراد أن يصيبك به لم يقدروا على ذلك، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً، واعلم أنّ القلم قد جرى بما هو كائن).
أخرجه العقيلي 3/397، 398، والطبراني في الكبير 11/123، وفي الدعاء: 41، والحاكم 3/542، والبيهقي في الآداب: 1073، والقضاعي في مسند الشهاب: 745، وفي إسناده عيسى بن محمّد القُرشي، قال عنه أبو حاتم: ((ليس بالقوي)). وقال الذهبي: ((عيسى ليس بمعتمد)).
4ـ من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بن عبّاس! احفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده أمامك، وتعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، واعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنّ الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يرد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، أو أن يصرفوا عنك شيئاً أراد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، وأن قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإنّ النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإنّ مع العسر يسراً).
أخرجه عبد بن حميد، كما في المنتخب من مسنده: 634، وإسناده ضعيف فيه المثنى بن الصباح ضعيف، كما في التقريب، وكذا في إسناده محمّد بن عبد الرحمن بن أبي الجدعاني ضعّفه أكثر الأئمّة، وضعفه الحافظ ابن حجر في الأمالي على الأذكار، كما في الفتوحات الربانية 1/384.
وله طريق أُخرى عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس، قال: بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ قال: (احفظ منّي يا غلام: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. رفعت الأقلام، وجفّت الصحف، والذي نفسي بيده لو جهدت الأُمّة ليضروك بغير ما كتب الله لك ما قدرت عليه، أو ما استطاعت).
أخرجها ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة 1/ق133/ب، والعقيلي في الضعفاء 3/53، والآجري في الشريعة: 198، والطبراني في الكبير 11/178 مختصراً، وفي إسنادها عبد الواحد بن سليم ضعيف، كما في التقريب.
5ـ من طريق عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، ولو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئاً لم يكتبه الله عزّ وجلّ لك لم يقدروا عليه، وعلى أن يمنعوك شيئاً كتبه الله عزّ وجلّ لك لم يقدروا عليه، فاعمل لله تعالى بالرضا في اليقين، واعلم أنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً).
أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/،314 وإسناده ضعيف؛ وذلك لأنّ فيه رجلين لم يسمّيا.
6ـ من طريق عبد الملك بن عمير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: أهدي إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بغلة أهداها له كسرى، فركبها بحبل شعر، ثمّ أردفني خلفه، ثمّ سار بي مليّاً، ثمّ التفت، فقال: (يا غلام!) قلت: لبيك يا رسول الله! قال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك، لم يقدروا عليه، ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكرهه خيراً كثيراً، واعلم أنّ مع الصبر النصر، واعلم أنّ مع الكرب الفرج، واعلم أنّ مع العسر اليسر).
أخرجه الحاكم 3/541، وإسناده ضعيف جدّاً؛ فيه ميمون القداح، قال الذهبي في تلخيصه على المستدرك: ((قلت: لأنّ القداح، قال أبو حاتم: متروك والآخر ــ يعني شهاب ابن خراش ــ مختلف فيه وعبد الملك ــ يعني ابن عمير ــ لم يسمع من ابن عبّاس فيما أرى)).
7ـ من طريق الحجّاج بن الفُرافصة، عن ابن عبّاس، ومن طريق همام بن يحيى البصري، أخرجه أحمد 1/307 بنفس لفظ الطريق رقم (1)، وهذان إسنادان منقطعان، فهما لم يدركا ابن عبّاس.
وأمّا حديث عليّ بن أبي طالب: فأخرجه القاضي التنوخي في الفرج بعد الشدّة 1/112، وإسناده ضعيف جدّاً؛ فيه علي بن أبي علي اللهبي، متروك، كما هو في ترجمته من الميزان 3/147.
وحديث سهل بن سعد: أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة 1/ق134/أ، ومن طريقه التنوخي في الفرج بعد الشدّة 1/115، وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، صدوق يخطيء، ومحمّد بن إبراهيم بن المطّلب، لم يوثّقه سوى ابن حبّان.
وأمّا حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه أبو يعلى في مسنده: 1099، وفي معجم الشيوخ: 9،6 وابن عدي في الكامل 7/2683، والآجري في الشريعة: 199، واللالكائي في أُصول السُنّة 4/614، والرافعي في التدوين 1/45، والخطيب في التاريخ 14/125، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عبّاس: (يا غلام ــ أو يا غليم ــ! ألا أعلّمك شيئاً، لعلّ الله أن ينفعك به؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله يكن أمامك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك عند الشدّة، جف القلم بما هو كائن، فلو أنّ الناس اجتمعوا جميعاً على أن يعطوك شيئاً لم يعطك الله عزّ وجلّ لم يقدروا عليه، ولو أنّ الناس اجتمعوا جميعاً على أن يمنعوك شيئاً قدره الله عزّ وجلّ لك وكتبه لك ما استطاعوا، واعلم أنّ لكلّ شدّة رخاءً، وإنّ مع العسر يسراً, وإنّ مع العسر يسراً).
وإسناده ضعيف جدّاً؛ فيه يحيى بن ميمون بن عطاء، وهو متروك، وعلي بن زيد بن جدعان، ضعيف، كما في التقريب.
وورد كذلك من حديث عبد الله بن جعفر: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أردفه، فقال: (يا فتى! ألا أهب لك، ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذ استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّه قد جف القلم بما هو كائن، واعلم بأنّ الخلائق لو أرادوك بشيءٍ لم يردك الله به لم يقدروا عليه، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً).
أخرجه ابن أبي عاصم في السُنّة: 315، والطبراني كما في المجمع 7/189، 190، وقال: ((وفيه علي بن أبي القرشي وهو ضعيف)). اهـ.
.ومقصودنا ههنا الكلام على معنى الحديث وشرح ألفاظه، فإنّه تضمّن وصايا عظيمة، وقواعد كلّيّة من أهم أمور الدين وأجلّها، حتّى قال الإمام أبو الفرج في كتابه (صيد الخاطر): ((تدبّرت هذا الحديث فأدهشني، وكدت أطيش))..
ثمّ قال: ((فوا أسفاً من الجهل بهذا الحديث، وقلَّة الفهم لمعناه)).
يعني احفظ حدود الله وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ولا يتعدّى ما أمر به إلى ما نهي عنه، فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعها، وتركُ المحرمات كلّها، كما في حديث أبي ثعلبة المرفوع(1):
(إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها)(2)
والثانية: أنّه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر)). اهـ. فعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً.
3- سورة التوبة/112.
.وذلك كلّه يدخل في حفظ حدود الله، كما ذكره الله في قوله: وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ(3).
وقال تعالى: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ _ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن
1) المرفوع: ما أضيف إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. (الخرسان).
2) - أخرجه الدارقطني 4/183، 184، ومحمّد بن إسحاق المقريس في معجم شيوخه: 154ب ــ نسخة دار الكتب المصرية، والخطيب في الفقيه والمتفقه 2/9، قال المصنّف ــ رحمة الله ــ في جامع العلوم والحكم: 242: ((وله علتان: إحداهما: أنّ مكحولاً لم يصحّ له السماع عن أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي، وأبو نُعيم، وغيرهما.
بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ(1). وفسّر الحفيظ ههنا بالحفظ لأوامر الله، وفُسر بالحافظ لذنوبه حتّى يرجع عنها، وكلاهما يدخل في الآية.
ومن حفظ وصية الله لعباده وامتثلها، فهو داخل أيضاً، والكلّ يرجع إلى معنى واحد.
وقد ورد في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد(2)في الجنّة:
(إّن الله تعالى يقول لأهل الجنّة، إذا استدعاهم إلى زيارته وكشف لهم الحُجُب: مرحباً بعبادي الذين حفظوا وصيتي، ورعوا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا منّي على كلّ حالٍ مشفقين)(3).
فأمره صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس بحفظ الله يدخل فيه(4)هذا كلّه.
ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلواتُ الخمس.
قال تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى(5).
وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ(6).
1) - سورة ق/32 ــ 33.
2) يوم المزيد سمّيّ بما زاده الله تعالى لأهل الجنّة على ما طلبوه وتمنّوه، ففي الحديث القدسي: (فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم وزدتكم على ما قصرت عنه أمانيكم). (الخرسان).
3) - رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم، عن محمّد بن علي بن الحسين ــ رضي الله عنهما ــ هكذا معضلاً، ورفعه منكر. قال ذلك المنذري في الترغيب والترهيب 4/1018.
4) - وفي (ش): (وفي).
5) - سورة البقرة/238.
6) - سورة المعارج/34.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من حافظ عليها... كان له عند الله عهدٌ(1)أنَّ يُدخله الجنَّة)(2)الحديث.
وفي حديث آخر: (من حافظ عليهنّ كُنَّ له نوراً وبرهاناً نجاة يوم القيامة)(3)الحديث.
وكذلك الطهارة فإنّها مفتاح الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلاّ مؤمن)(4)
وله كذلك طريق أخرى أيضاًً: أخرجها أحمد 5/276، 277، 282، وابن أبي شيبة في المصنّف 1/5، 6، والطيالسي في مسنده: 996، وابن ماجة: 277، والدارمي 1/168، والطبراني في الصغير 2/88، والحاكم 1/130، والبيهقي 1/457، والخطيب في التاريخ 1/293، والبغوي في شرح السُنّة 1/327، وقال: ((منقطع))، وبيَّن سبب الانقطاع البوصيري، فقال في مصباح الزجاجة 1/41: ((هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، إلاّ أنّه منقطع بين سالم وثوبان فإنّه لم يسمع منه...))، فالحديث بهذه الطرق صحيح.
.1) - وفي (ب) و(ط): ((عهداً)). وهو خطأ.
2) - أخرجه مالك في الموطأ 1/123، وأحمد 5/315، 316، 317، 319، 322، وأبو داود: 425، والنسائي 1/230، وابن ماجة: 1401، وابن حبّان: 252، 253، والطبراني في الأوسط، كما في النكت الظراف لابن حجر 4/224 من طرق، وصحّحه ابن عبد البرّ، كما في مختصر سنن أبي داود للمنذري 2/225 من طرق، وصحّحه ابن عبد البرّ، كما في مختصر سنن أبي داود للمنذري 2/123، وليس عندهم قوله: (من حافظ عليها...)، وإنّما هو: (خمس صلوات كتبهن الله...) الحديث بمثله، ولمزيد معرفة صحّة الحديث وطرقه تراجع رسالة (إعلام ذوي الرشاد بتصحيح حديث خمس صلوات كتبهن الله على العباد)، لعطاء عبد اللطيف.
3) - أخرجه أحمد 2/169، وعبد بن حميد، كما في المنتخب من مسنده: 353، والطحاوي في مشكل الآثار 4/229، وابن حبّان: 254، والطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين ق26/أ، والآجري في الشريعة: 135، وفي إسناده عيسى بن هلال، لم يوثقه غير ابن حبّان كعادته في التوثيق!
4) - أخرجه أحمد 5/282، والدارمي 1/168، وابن حبّان: 164، والطبراني في الكبير 2/98، وإسناده حسن، وله طريق أخرى: أخرجها أحمد 5/280 بإسناد لا بأس به في المتابعات.
فإنّ العبد تنتقض طهارته ولا يعلم بذلك إلاّ الله، فالمحافظة على الوضوء للصلاة دليل على ثبوت الإيمان في القلب(1).
وممّا أمر الله تعالى بحفظه الأيمان لما ذكر كفارة اليمين، قال: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ(2).
فإنّ الأيمان كثيراً ما تقع من الناس وموجباتها مختلفة: فتارة يجب فيها كفارة يمين، وتارة يجب فيها كفارة مغلّظة، وتارة يلزم بها المحلوف عليه من طلاق ونحوه. فمن حفظ أيمانه دلّ على دخول الإيمان في قلبه.
وكان السلف كثيراً يحافظون على الأيمان، فمنهم من كان لا يحلف بالله البتة، ومنهم من كان يتورّع حتّى يُكَفِّرَ عمّا شكّ في الحلف فيه. ووصى الإمام أحمد عند موته أن يُخرج عنه كفارة يمين، وقال: أظنّ أنّي حنثت في يمين حلفتها.
وقد روي عن أيوب عليه السلام، كان إذا مرّ باثنين يحلفان بالله، ذهب فكفَّر عنهما يمينيهما، لئلا يأثمان وهما لا يشعران.
ولهذا لمّا حلف على ضرب امرأته مائة جلدة، أفتاه الله بالرخصة لحفظه لأيمانه وأيمان غيره.
وقد اختلف العلماء هل تتعدّى الرخصة إلى غيره أم لا؟
وقال يزيد بن أبي حبيب: بلغني أنّ من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البكاء، فإذا رفع رأسه، قال: سبحانك ما تُخشى حقّ خشيتك. فيقول الله تعالى: لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك.
وقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر كثرة الحلف بالله إلاّ من الجهل بالله، وقلّة هيبته في الصدور.
وممّا لزم المؤمن حفظه رأسه وبطنه، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: (الاستحياء من الله حقّ الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى، ويحفظ البطن وما حوى)، خرَّجه الإمام أحمد والترمذي(1)
وله طريق أخرى: أخرجها الطبراني في الكبير 10/188، وفي الصغير 1/177، وأبو نعيم في الحلية 4/209، وإسناده واهٍ منقطع؛ فإنّ في هذه الطريق مجاعة بن الزبير ضعفه الدارقطني، وعبد الله ابن رُشيد قال عنه البيهقي في السنن الكبرى 6/108: ((لا يحتجّ به))، وقال الذهبي في المغني 1/338: ((ليس بقوي، وفيه جهالة))، وذكره الحافظ العراقي في الذيل على الميزان: 302، وذكر قول البيهقي فيه ولم يزد عليه شيئاً، كما أنّ في الإسناد شيخ الطبراني ــ السَّري بن سهل ــ قال عنه ابن عدي في الكامل 3/1298: ((يسرق الحديث))، أمّا الانقطاع فإنّ فيه أبا عبيدة ابن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه شيئاً، فلا يتقوّى الحديث بهذه الطريق.
2- سقطت هذه العبارة من (ط).
.وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرّمات(2). وحفظ البطن وما حوى يتضمّن حفظ القلب عن الإصرار
1) - أخرجه أحمد 1/387، والترمذي: 2458، والبيهقي في الآداب: 1155، وفي الأربعين الصغرى: 27، والخطيب في تلخيص المتشابه 1/486، 487، والبغوي في شرح السُنّة 14/234 وإسناده ضعيف؛ فيه الصباح بن محمّد بن أبي حازم البجلي الأحمسي ضعيف، كما في التقريب.
على محرّم. وقد جمع الله ذلك كلّه في قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(1).
ويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام إليه من المأكولات والمشروبات.
وممّا يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج.
وفي حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه، دخل الجنّة)، خرَّجه الحاكم(2).
وخرَّجه البخاري من حديث سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولفظه: (من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه، أضمن له الجنَّة)(3).
وفي (مسند الإمام أحمد): عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (من حفظ ما بين فُقْمَيْهِ وفرجه دخل الجنّة)(4)
قوله: (فقميه)، قال ابن الأثير في النهاية 3/465: ((الفُقم بالضم والفتح: اللَّحى، يُريد من حفظ لسانه وفرجه)).
.1) - سورة الإسراء/36.
2) - أخرجه الحاكم 4/357 وصحّحه، ووافقه الذهبي، وليس كما قالا؛ فإنّ فيه أبا واقد صالح بن محمّد الليثي الصغير ضعيف، كما في التقريب، وأخرجه ابن حبّان: 2546، والحاكم 4/357 من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه: (ومن وقي شرّ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنّة)، وفي إسناده أبو خالد الأحمر ــ سليمان بن حبّان ــ صدوق يخطئ، كما في التقريب، ويشهد للحديث ما بعده.
3) - أخرجه البخاري 11/308 ــ فتح.
4) - أخرجه أحمد 4/398، والبخاري في التاريخ الكبير 7/54، والحاكم 4/358، والقضاعي في مسند الشهاب: 545، وإسناده ضعيف؛ فيه عقيل مولى ابن عبّاس، ذكره البخاري في التاريخ 7/54، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 6/218، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، ويشهد له ما قبله وما أخرجه الطبراني في الكبير 1/290 من حديث أبي رافع بإسناد جيد، كما قال الحافظ في الفتح 11/309، والهيثمي في المجمع 10/300.
وقد أمر الله تعالى بحفظ الفروج خاصّة، ومدح الحافظين لها، قال تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ(1).
[و](2)قال تعالى: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ(3).
وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ _ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(4)الآية.
وقد روي عن أبي إدريس الخولاني: (أنّ أوّل ما وصى الله آدم عند إهباطه إلى الأرض بحفظ فرجه، وأن لا يضعه إلاّ في حلال).
يعني أنّ من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله، فإنّ الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ(1).
وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ(2).
وقال: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ(3).
وحفظ الله لعبده يتضمّن نوعين:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه، وولده، وأهله، وماله.
وفي حديث ابن عمر، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح:
(اللّهمّ إنّي أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللّهمّ إنّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهمّ استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي أعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي).
خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة(1).
وهذا الدعاء منتزع من قوله عزّ وجلّ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ(2)الآية.
قال ابن عبّاس هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلّوا عنه(3).
وقال علي رضي الله عنه: (إنّ مع كلّ رجل ملكين يحفظانه ممّا لم يُقدَّر، فإذا جاء القدر خلّيا بينه وبينه، وإنّ الأجل جُنَّةٌ حصينة).
وقال مجاهد: ما من عبد إلاّ له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والأنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلاّ قال: وراءك. إلاّ شيئاً قد أذن الله فيه فيصيبه(4).
ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحّة بدنه وقوّته وعقله وماله.
قال بعض السلف: العالم لا يخرف. وقال بعضهم: من جمع القرآن مُتِّع بعقله.
وتأوَّل بعضهم على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ _ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(5).
1) - أخرجه أحمد 2/25، وأبو داود: 5074، والنسائي 8/282، وفي عمل اليوم والليلة: 566، وابن ماجة: 3871، وابن حبّان: 2356، والحاكم 1/517 وصحّحه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
2) - سورة الرعد/11.
3) - أخرجه ابن جرير في تفسيره 13/77، وإسناده ضعيف؛ فيه سماك بن حرب، وفي سماعه من عكرمة مولى ابن عبّاس اضطراب، كما في ترجمته من التهذيب، وغيره من كتب التراجم.
4) - أخرجه ابن جرير 13/78 وإسناده ضعيف؛ فيه ليث بن أبي سليم ضعيف لاختلاطه.
5) - سورة التين/5 ــ 6.
وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بعقله وقوّته، فوثب يوماً من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة، فعوتب على ذلك؟! فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر(1).
وعكس هذا، أنّ الجُنيد رأى شيخاً يسأل الناس، فقال: إنّ هذا ضيّع الله في صغره، فضيّعه في كبره.
وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده، كما قيل في قوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً(2)، إنّهما حفظا بصلاح أبيهما.
وقال محمّد بن المنكدر: إنّ الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وقريته التي هو فيها، والدُّويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستره.
وقال ابن المسيب لابنه: يا بني! [إنّي](3)لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. وتلا هذه الآية: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموت إلاّ حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.
وقال يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كُهيل: كان لي أخت أسنّ منّي، فاختلطت وذهب عقلها وتوحشت، وكان في غرفة في أقصى سطوحنا،
فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، فبينا أنا نائم ذات ليلة إذا باب بيتي يُدق نصف الليل، فقلت: من هذا؟! قالت: كجه. فقلت: أختي؟ قالت: أختك. ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت أكثر من عشر سنين، فقالت: أُتيت الليلة في منامي، فقيل لي: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة جدّك، وحفظك لأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله فذهب ما بكِ، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإنّ أبا بكر وعمر قد شفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحبّ أبيك وجدّك إياهما. فقلت: فإذا كان لا بدّ من اختيار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، وإنّ الله عزّ وجلّ لواسع بخلقه لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: فإنّ الله قد جمعهما لك ورضي عن أبيك وجدّك بحبّهما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، قومي فانزلي، فأذهب الله ما كان بها(1).
ومتى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله عزّ وجلّ، فإنّ الله تعالى يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد عن حميد بن هلال، عن رجل، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو يريني بيتاً، فقال: ((إنَّ امرأة كانت فيه فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزاً [لها](2)وصيصيتّها، كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزاً [من غنمها] وصيصيتّها، فقالت: يا ربِّ! إنَّك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإنّي قد فقدت عنزاً من غنمي وصيصتي، وإنّي أَنشُدك عنزي وصيصيَّتي. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يذكر شدَّة مناشدتها ربّها تبارك وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها، وهاتيك، فائتها [فسألها](1)إن شئت)، قال: قلت(2): بل أصدقك))(3).
وكان شيبان الراعي يرعى غنماً في البرية، فإذا جاءت الجمعة خط عليها خطاً وذهب إلى الجمعة، ثمّ يرجع وهي كما تركها(4).
وكان بعض السلف في يده الميزان يزن بها دراهم، فسمع الأذان، فنهض ونفضها عن الأرض وذهب إلى الصلاة، فلمّا عاد جمعها فلم يذهب منها شيء.
ومن أنواع حفظ الله لمن حفظه في دنياه: أن يحفظه من شرّ كلّ من يريده بأذى من الجنّ والإنس. كما قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً(5).
قالت عائشة: يكفيه غمَّ الدنيا وهمها.
قال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجاً من كلّ ما ضاق على الناس(6).
وكتبت عائشة إلى معاوية: ((إنّ اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت
1) - ما بين المعكوفين من المسند.
2) - وفي جميع النسخ: ((فقلت))، والمثبت من المسند و(ش) و(ل).
3) - أخرجه أحمد في مسنده 5/67، وإسناده جيد، وقال الهيثمي في المجمع 5/277: ((ورجاله رجال الصحيح))، والصيصية هي: الصِّنَّارة التي يغزل بها وينسج.
4) - الحلية 8/317.
5) - سورة الطلاق/2.
6) - أخرجه الطبري في تفسيره 28/90، وفي إسناده من لم أجد له ترجمة.
الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً)).
وكتب بعض الخلفاء إلى الحكم بن عمرو الغفاري كتاباً يأمره فيه بأمرٍ يخالف كتاب الله، فكتب إليه الحكم: إنّي نظرت في كتاب الله فوجدته قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنّ السموات والأرض لو كانت رتقاً على امرئ فاتقى الله ــ عزّ وجلّ ــ جعل الله مخرجاً، والسلام.
وأنشد بعضهم:
بتقوى الإله نجا من نجا *** وفاز وصار إلى ما رجا
ومن يتقِ الله يجعل له *** كما قال من أمره مخرجا
كتب بعض السلف إلى أخيه: ((أما بعد، فإنّه من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه)).
ومن عجيب حفظ الله تعالى لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى وساعية في مصالحه، وكما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث كُسر به المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى السبع، فقال له: يا أبا الحارث! أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فجعل يمشي حوله ويدلّه على الطريق حتّى أوقفه عليها، ثمّ جعل يهمهم كأنّه يودعه وانصرف عنه(1).
وكان أبو إبراهيم السائح قد مرض في بريّة بقرب دير، فقال: لو كنت عند باب الدير لنزل الرهبان فعالجوني. فجاء السبع فاحتمله على ظهره حتّى وضعه على باب الدير، فرآه الرهبان فاسلموا وكانوا أربعمائة(2).
وكان إبراهيم بن أدهم نائماً في بستان، وعنده حيّة في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتّى استيقظ.
فمن حفظ الله حفظه من الحيوانات المؤذية بالطبع، وجعل تلك الحيوانات حافظة له.
ومن ضيَّع الله ضيَّعه الله بين خلقه، حتّى يدخل عليه الضرر بشيء ممّن كان يرجو أن ينفعه، ويصير أخصّ أهله به، وأرفقهم به يؤذيه.
كما قال بعضهم: إنّي لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلق خادمي وحماري ــ يعني: أن خادمه يسوء خلقه عليه ولا يطيعه، وحماره يستعصي عليه فلا يواتيه لركوبه ــ فالخير كلّه مجموع في طاعة الله والإقبال عليه، والشر كلّه مجموع في معصيته والإعراض عنه.
قال بعض العارفين: من فارق سُدَّة سيّده لم يجد لقدميه قراراً أبداً.
[وقال بعضهم شعراً](1):
والله ما جئتكم زائراً *** إلاّ وجدت الأرض تُطوى لي
ولا ثنيت العزم عن بابكم *** إلاّ تعثرت بأذيالي
بالله واصفحوا واجبروا *** كسري فحالي بكم حالي(2)
النوع الثاني: من الحفظ، وهو أشرفهما، وأفضلهما حفظ الله لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والبدع
المضلّة، والشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإسلام.
قال الحكم بن أبان، عن أبي مكّي: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شمّ رأسه! قال: أجد في رأسه القرآن. قال: شمّ قلبه! قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شمّ قدميه! قال: أجد في قدميه القيام، قال: حفظ نفسه فحفظه الله عزّ وجلّ. خرَّجه ابن أبي الدنيا.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علّمه أن يقول عند منامه: (اللّهمّ إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)(1).
وفي حديث عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه علّمه أن يقول: (اللّهمّ احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسداً). خرَّجه ابن حبّان في (صحيحه)(2).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ودّع من يريد السفر، يقول له: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)(3).
1) - هذا الحديث ليس من حديث البراء، وإنّما هو من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري 11/126، ومسلم 4/2084، وأمّا حديث البراء بن عازب فبلفظ آخر، أخرجه البخاري 11/109، 113، 115، ومسلم 4/2081، 2082.
2) - أخرجه ابن حبّان: 2230، وفي إسناده معلى بن رويبة التميمي، لم أقف له على ترجمة، وهاشم بن عبد الله بن الزبير، لم يسمع من عمر بن الخطّاب، كما في الجرح والتعديل 9/104.
3) - أخرجه أحمد 2/7، والترمذي: 3443، وقال: ((حسن صحيح))، والنسائي في عمل اليوم والليلة: 524 من حديث ابن عمر، وإسناده حسن، وللحديث عدّة طرق وشواهد يصحّ بها إطال النفس في تخريجها، والحكم عليها، الحافظ ابن حجر في الأمالي، كما في الفتوحات الربانية لابن علان 5/116 ــ 119.
وفي روايةٍ، وكان يقول: (إنّ الله إذا استُوْدِع شيئاً حفظه)(1).
خرّجه النسائي وغيره.
وخرَّج الطبراني حديثاً مرفوعاً: (إنّ العبد إذا صلّى الصلاة على وجهها صعدت إلى الله ولها برهان كبرهان الشمس، وتقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني. وإذا ضيّعها لُفَّت كما يلفّ الثوب الخلق، ثمّ يضرب بها وجه صاحبها، وتقول له: ضيّعك الله كما ضيّعتني)(2).
وكان عمر رضي الله عنه عنه يقول في خطبته: اللّهمّ اعصمنا بحفظك، وثّبتنا على أمرك.
ودعا رجل لبعض السلف بأن يحفظه الله، فقال له: يا أخي! لا تسأل عن حفظه ولكن قل: يحفظ الإيمان. يعني: أنّ المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإنّ الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البرّ والفاجر، فالله تعالى يحفظ على المؤمن دينه، ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها، وقديكون يكرهه.
1) - أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة /509، وابن حبّان: 2376، والبيهقي 9/173، وإسناده حسن من حديث ابن عمر أيضاًً.
2) - أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين ق27/أ، من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف جدّاً، فيه عباد بن كثير الثقفي البصري، متروك الحديث، وكذّبه بعض الأئمّة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/302: ((وفيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه)).
وهذا كما حفظ يوسف عليه السلام، قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(1).
فمن أخلص لله خلَّصه من السوء والفحشاء، وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة.
كما رأى معروف الكرخي شباباً يتهيئون للخروج إلى القتال في فتنة، فقال: اللّهمّ احفظهم. فقيل له: تدعو لهؤلاء؟ فقال: إنْ حفظهم لم يخرجوا إلى ما أرادوا(2).
وسمع عمر رجلاً يقول: اللّهمّ إنّك تحول بين المرء وقلبه، فحل بيني وبين معاصيك. فأعجب عمر ذلك ودعا له بخير.
وروي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ(3)، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار(4).
حجَّ بعض المتقدّمين، فبات بمكّة مع قوم، فهمَّ بمعصية، فسمع هاتفاً يقول: ويلك ألم تحجّ؟ فعصمه الله ممّا هم به.
1) - سورة يوسف/24.
2) - وفي (ض) و(ط): ((القتال)).
3) - سورة الأنفال/24.
4) - أخرجه الطبري 9/132 من طريق محمّد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاس، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء ــ وقد أوردته للتنبيّه عليه ــ فمحمّد بن سعد، هو: محمّد بن سعد بن محمّد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال عنه الخطيب في تاريخه 5/322: ((لين))، وأبوه سعد بن محمّد، قال عنه أحمد: ((جهمي))، ذكره في لسان الميزان 3/18، وعمّه هو الحسين بن الحسن بن عطية، ضعّفه ابن معين، وابن حبّان، وغيرهما، كما في ميزان الاعتدال 1/532، وأبوهما الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف، كما في التقريب.
وخرج بعضهم مع رفقة إلى معصية، فلمّا هم بمواقعتها هتف به هاتف:
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(1)، فتركها. ودخل رجل غيضة ذات شجر، فقال: لو خلوت ههنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتاً ملأ ما بين حافتي الغيضة: أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(2).
وهم رجل بمعصية، فخرج إليها، فمرَّ في طريقه بقاص يقص على الناس، فوقف على حلقته فسمعه يقول: أيّها الهامُّ بالمعصية! أما علمت أنّ خالق الهمة مطلع على همتك؟ فوقع مغشياً عليه فما أفاق إلاَّ عن توبة.
كان بعض الملوك الصالحين قد تعلّق قلبه بمملوك له جميل، فخشي على نفسه، فقام ليلة واستغاث الله، فمرض المملوك من ليلته، ومات بعد ثلاث.
ومنهم من عُصِم(3)بموعظة جرت على لسان من أراد منه الموافقة على المعصية.
((كما جرى لأحد الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة، فإنّه لما جلس من تلك المرأة مجلس الرجل من امرأته، قالت له: يا عبد الله! اتّق الله، ولا تفض الخاتم إلاَّ بحقه، فقام عنها))(4).
((وكذلك الكفل من بني إسرائيل، كان لا يتورّع عن معصية، فأعجبته امرأة فأعطاها ستين ديناراً، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت، فقال: أكْرَهْتُكِ؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل ما عملته قط، وإنّما حملتني عليه الحاجة.
فقال: تخافين من الله ولا أخافه! ثمّ قام عنها ووهب لها الدنانير، وقال: والله لا يعصي الله الكفل أبداً. ومات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه، قد غفر الله للكفل)). خرَّج الإمام أحمد والترمذي حديثه هذا من حديث ابن عمر مرفوعاً(1).
وراود رجل امرأة عن نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد. قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الذي بيننا وبين الله عزّ وجلّ. فلم يعرض لها(2).
وراود رجل أعرابية، قال لها: ما يرانا إلاَّ الكواكب. قالت: فأين مكوكبُها؟!(3).
وهذا كلّه من ألطاف الله وحيلولته بين العبد وبين معصيته.
1) - أخرجه أحمد 2/23، والترمذي: 2496، وفي إسناده ضعف، فيه سعد مولى طلحة، قال عنه أبو حاتم الرّازي: ((لا يعرف إلاّ بحديث واحد))، وثقه ابن حبّان، قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 1/226: ((رواه الترمذي من حديث الأعمش به، وقال: حسن، وذكر أنّ بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر، فهو حديث غريب جدّاً، وفي إسناده نظر، فإنّ سعداً هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلاّ بحديث واحد، ووثقه ابن حبّان، ولم يرو عنه سوى عبد الله الرّازي هذا، فالله أعلم)). اهـ.
2) - وفي (ش) و(ض) و(ط): ((يتعرض)).
3) - انظر: ذم الهوى لابن الجوزي: 272.
قال الحسن، وذكر أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم.
وقال بشر: ما أصر على معصية الله كريم، وآثر الدنيا على الآخرة حكيم.
ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أنّ العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدنيا ــ إمّا الولايات، أو التجارات، أو غير ذلك ــ فيحول بينه وبين ما أراد لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر، مع كراهته لذلك.
قال ابن مسعود: إنّ العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة، حتّى يُيَسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنّي إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظلّ يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلاَّ فضل الله عزّ وجلّ.
وأعجب من هذا أنّ العبد قد يطلب باباً من أبواب الطاعات، ولا يكون له فيه خيرة، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر.
وخرَّج الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعاً: (يقول الله عزّ وجلّ: إنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلاّ الفقر، وإن بسطت عليه أفسده ذلك، وإنّ من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلاّ الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلاّ الصحّة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلاّ السقم، ولو صححته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي من يطلب باباً من العبادة فأكفه عنه لكيلا يدخله العُجب، إنّي
أدبِّر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إنّي عليم خبير)(1).
كان بعض المتقدّمين يكثر سؤال الشهادة، فهتف به هاتف: إنّك إن غزوت أُسرت، وإن أسرت تنصّرت، فكفّ عن سؤاله.
وفي الجملة: فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولّى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه آخرته.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه: أنّه ولي المؤمنين، وأنّه يتولّى الصالحين، وذلك يتضمّن أنّه يتولّى مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولا يكلهم إلى غيره:
قال تعالى: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ(2).
وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ(3).
وقال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(4).
وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ(5).
1) - أخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء: 100، 101، وأبو نُعيم في الحلية 8/318، 319 واستغربه، والبيهقي في الأسماء والصفات: 150، وإسناده ضعيف؛ فيه الحسن بن يحيى الخشني، صدوق كثير الغلط، وصدقة بن عبد الله السمين الدمشقي، وليس بسمين في الحديث! بل هو ضعيف.
2) - سورة البقرة/257.
3) - سورة محمّد/11.
4) - سورة الطلاق/3.
5) - سورة الزمر/36.
فمن قام بحقوق الله عليه، فإنّ الله يتكفّل له بالقيام بجميع مصالحه في الدنيا والآخرة، فمن أراد أن يتولّى الله حفظه ورعايته في أموره كلّها فليراع حقوق الله عليه، ومن أراد ألاّ يصيبه شيء ممّا يكره فلا يأت شيئاً ممّا يكرهه الله منه.
كان بعض السلف يدور على المجالس، ويقول: من أحبّ أن تدوم له العافية فليتّق الله.
وقال العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحبّ أن يكون الله لك، فهكذا كن لله ــ عزّ وجلّ ــ .
وقال صالح بن عبد الكريم: يقول الله عزّ وجلّ: وعزتي وجلالي لا أطّلع على قلب عبد أعلم أنّ الغالب عليه حبّ التمسك بطاعتي، إلاّ تولّيت سياسته وتقويمه.
وفي بعض الكتب المتقدّمة: يقول الله عزّ وجلّ: ابن آدم! ألا تُعَلّمني ما يضحكك؟! ابن آدم! اتّقني ونَمْ حيث شئت.
والمعنى: أنّك إذا قمت بما عليك لله من حقوق التقوى فلا تهتم بعد ذلك بمصالحك، فإنّ الله هو أعلم بها منك، وهو يوصلها إليك على أتم الوجوه من غير اهتمام منك بها.
وفي حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله يُنزل العبد منه، حيث أنزله من نفسه)(1).
1) - أخرجه أبو يعلى في مسنده: 1865، 2138، والبزّار 4/5 ــ كشف، والطبراني في الأوسط كما في المجمع 10/77، والحاكم 1/494، 495، وإسناده ضعيف؛ فيه عمر بن عبد الله مولى غفرة ضعيف، وبه أعلّه الذهبي في التلخيص، والهيثمي في المجمع.
فهذا يدلّ على أنّه على قدر اهتمام العبد بحقوق الله، وبأداء حقوقه ومراعاة حدوده، واعتنائه بذلك وحفظه له، يكون اعتناؤه به وحفظه له، فمن كان غاية همَّه رضا الله عنه، وطلب قربه، ومعرفته ومحبّته وخدمته، فإنّ الله يكون له على حسب ذلك، كما قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ(1)، وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ(2).
بل هو سبحانه أكرم الأكرمين. فهو يجازي بالحسنة عشراً ويزيد، ومن تقرَّب منه شبراً تقرَّب منه ذراعاً، ومن تقرّب منه ذراعاً تقرّب منه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة.
فما يأتي الإنسان [إلاّ](3)من قبل نفسه ولا يصيبه المكروه إلاّ من تفريطه في حقّ ربّه عزّ وجلّ، كما قال عليّ رضي الله عنه: (لا يرجوَّن عبد إلاّ ربّه، ولا يخافن إلاّ ذنبه)(4).
وقال بعضهم: من صَفي صُفِّي له، ومن خَلَّط خُلَّط عليه.
وقال مسروق: من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه.
وبسط هذا المعنى يطول جدّاً، وفيما أشرنا إليه كفاية ولله الحمد.
وفي رواية أخرى: (تجاهك)
معناه أنّ من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في جميع الأحوال يحُوطه، وينصره، ويحفظه، ويوفّقه، ويؤيده، ويسدّده، فإنّه قائم على كلّ نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
قال قتادة: من يتّق الله كان معه، ومن يكن معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضلّ.
كتب بعض السلف إلى أخ له: ((أمّا بعد، فإن كان الله معك فممّن تخاف؟! وإن كان عليك فمن ترجو؟! والسلام)).
وهذه المعية الخاصّة بالمتقين غير المعية العامّة المذكورة في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ(1)، وقوله: وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ(2).
فإنّ المعية تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، كما قال تعالى لموسى وهارون: لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(3)، وقوله تعالى:
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا(1). وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد قال لأبي بكر الصديق في تلك الحال: (ما ظنّك باثنين الله ثالثهما)(2).
فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ(3).
فإنّ ذلك عام لكلّ جماعة. ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه: (ولا يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)(4).
إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسُنّة الدالّة على قرب الربّ ممّن أطاعه واتّقاه، وحفظ حدوده وراعاه.
دخل بُنان الحمال البرية على طريق تبوك، فاستوحش، فهتف به هاتف: لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟(5).
فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه على كلّ حال، فاستأنس به واستغنى به(6)عن خلقه.
وفي الحديث: (أفضل الإيمان أن يعلم العبد أنَّ الله معه حيث كان)(1)
قلت: وعثمان هذا هو ابن سعيد بن دينار، ثقة عابد كما في التقريب، والذي جعل الهيثمي ــ رحمه الله تعالى ــ يحكم عليه بأنّه لم يقف على من ذكره بثقة أو جرح، أنّه عند الطبراني نسبه إلى جدّه، وذكر اسمه كاملاً إلاّ اسم أبيه صاحب الحلية، فوجب التنبيّه على هذا، والحديث إسناده ضعيف؛ فإنّ فيه نعيم بن حماد، صدوق يخطيء كثيراً.
2- سقط هذا من (ض) و(ط).
.خرَّجه الطبراني وغيره, وبسط هذاالقول يطول جدّاً.
كان بعض العلماء الربانيين كثير السفر على التجريد(2) وحده، فخرج الناس مرّة معه يودعونه، فردّهم، وأنشد:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا *** كفى لمطايانا بذكراك هاديا
وكان الشبلي ينشد هذاالبيت، وربّما قطع مجلسه عليه.
1) - أخرجه الطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين 1/10/أ ــ أحمد الثالث بتركيا/463، وأبو نعيم في الحلية 6/124 من حديث عبادة بن الصامت، وقال الطبراني بعد سياقه للحديث: ((تفرّد به عثمان بن كثير))، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/60: ((لم أر من ذكره بثقة وجرح)).
المعنى(1): أنّ العبد إذا اتّقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه وصحته، فقد تعرّف بذلك إلى الله، وكان بينه وبينه معرفة، فعرفه ربّه في الشدّة، وعرف له عمله في الرخاء، فنجاه من الشدائد بتلك المعرفة.
وهذه أيضاً معرفة خاصّة تقتضي القرب من الله عزّ وجلّ، ومحبّته لعبده، وإجابته لدعائه، وليس المراد بها المعرفة العامّة، فإنّ الله لا يخفى عليه حال أحد من خلقه، كما قال تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ(2).
وقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ(3).
وهذا التعرّف الخاص هو المشار إليه في الحديث الإلهي: (ولا يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتّى أحبّه...) إلى أن قال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)(4).
اجتمع الفضيل بشعوانة العابدة فسألها الدعاء؟ فقالت: يا فضيل! وما
بينك وبينه؟ إن دعوته أجابك. فشهق الفضيل شهقة خرَّ مغشياً عليه.
وقال أبو جعفر السائح: أتى الحسن إلى حبيب أبي محمّد هارباً من الحجّاج، فقال: يا أبا محمّد! احفظني من الشُّرط، هم على أثري. فقال: استحييت لك يا أبا سعيد، أليس بينك وبين ربّك من الثقة ما تدعوه فيسترك من هؤلاء؟ ادخل البيت، فدخل الشُرط على أثره لم يروه. فذكروا ذلك للحجّاج، فقال: بل كان في بيته إلاّ أن الله طمس أعينهم فلم يروه.
ومتى حصل هذا التعرّف الخاص للعبد، حصل للعبد معرفة خاصّة بربّه توجب له الأنس به والحياء منه، وهذه معرفة خاصّة غير معرفة المؤمنين العامّة, ومدار العارفين كلّهم على حصول هذه المعرفة وهذا التعرّف، وإشاراتهم تومئ إلى هذا.
سمع أبو سليمان رجلاً يقول: سهرت البارحة في ذكر النساء، فقال: ويحك! أما تستحي منه، يراك ساهراً في ذكر غيره، ولكن كيف تستحي ممّن لا تعرف؟
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أحبّ أن لا أموت حتّى أعرف مولاي. وليس معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة الذي إذا عرفته استحييت منه(1).
وهذه المعرفة الخاصّة والتعرّف الخاص توجب طمأنينة العبد بربّه وثقته به في إنجائه من كلّ شدّة وكرب، وتوجب استجابة الربّ دعاء عبده.
1) - سقط من (ش) من قوله: ((أحمد...)) إلى قوله: ((استحييت منه)).
لمّا اختفى الحسن البصري من الحجّاج، قيل له: لو خرجت من البصرة فإنّا نخاف أن يدلّ عليك. فبكى، ثمّ قال: أخرج من مصري وأهلي وإخواني؟ إن معرفتي بربّي وبنعمته علَيَّ تدلّني على أنّه سينجيني ويخلّصني منه إن شاء الله تعالى. فما ضرّه الحجّاج بشيءٍ، ولقد كان يكرمه بعد ذلك إكراماً شديداً، ويحسن ذكره.
وقال رجل لمعروف: ما الذي هيّجك على الانقطاع والعبادة؟ وذكر له الموت والبرزخ والجنّة والنار، فقال معروف: أيّ شيءٍ هذا؟! إنّ ملكاً هذا كلّه بيده، إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا.
وممّا يبيّن هذا ويوضّحه الحديث الذي خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء)(1).
وخرَّج ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وغيرهم من حديث يزيد الرَّقاشي، عن أنس يرفع الحديث: (أنّ يونس عليه السلام لمَّا دعا وهو في بطن الحوت، قالت الملائكة: يا ربّ! هذا صوت معروف من بلاد
1) - أخرجه الحاكم 1/544 وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن صالح صدوق كثير الغلط، وله طريق أخرى: أخرجها الترمذي: 3382 وابن عدي في الكامل 5/1990 والطبراني في الدعاء: 45 وعبد الغني المقدسي في الدعاء: 145/ب، وإسناده ضعيف مسلسل بالضعفاء وهم: عبيد بن واقد ضعيف، وسعيد بن عطية مقبول كما في التقريب ــ يعني لين ــ وشهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، وله طريق أخرى: أخرجها الخطيب في التاريخ 1/414، 8/399 وإسنادها ضعيف جدّاً؛ فيها روح بن مسافر أبو بشر، بصري، تركه ابن المبارك وأبو داود والجوزجاني كما في الميزان 2/61، وأبان بن أبي عياش متروك الحديث، فالحديث ضعيف.
غريبة! فقال الله: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومن هو؟ قال عبدي يونس. قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟! قال: نعم. قالوا: يا ربّ! أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتُنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء)(1).
قال الضحّاك بن قيس: أذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدّة، إنّ يونس عليه السلام كان يذكر الله، فلمّا وقع في بطن الحوت، قال الله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ _ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(2).
وإنّ فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلمّا أدركه الغرق، قال: آمنت. فقال الله تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(3)(4).
وقال رشدين بن سعد: قال رجل لأبي الدرداء: أوصني؟ فقال: أذكر الله في السرّاء يذكرك في الضرّاء.
قال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعّاءً في السرّاء، فنزلت به ضرّاء فدعا الله عزّ وجلّ، قالت الملائكة: صوت معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدّعاءٍ في السرّاء، فنزلت به ضرّاء فدعا الله عزّ وجلّ، قالت الملائكة: صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له.
1) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير 4/21، وابن جرير 23/64، والطبراني في الدعاء: 47، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة: 25 من المطبوعة، وإسناده ضعيف جدّاً؛ فيه يزيد بن أبان الرقاشي متروك، كما قال النسائي وغيره.
2) - سورة الصافات/143 ــ 144.
3) - سورة يونس/91.
4) - أخرجه ابن جرير 23/64 وإسناده حسن.
وحديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة يشهد لهذا أيضاً، فإنّهم فُرِّج عنهم بدعائهم لله بما كان سبق منهم من الأعمال الخالصة(1)في حالة الرخاء: من برّ الوالدين، وترك الفجور، وأداء الأمانة الخفية(2).
فإذا علم أنّ التعرّف إلى الله في الرخاء يوجب معرفة الله لعبده في الشدّة، فلا شدّة يلقاها المؤمن في الدنيا أعظم من شدّة الموت، وهي أهون ممّا بعدها إن لم يكن مصير العبد إلى خير، وإن كان مصيره إلى خير فهي آخر شدّة يلقاها.
فالواجب على العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إلى ذلك، فإنّه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدّة من ليل أو نهار. وذكر الأعمال الصالحة عند الموت ممّا يحصن ظنَّ المؤمن بربّه، ويهوّن عليه شدّة الموت ويقوّي رجاءه.
قال بعضهم: كانوا يستحبّون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح، ليكون أهون عليه عند نزول الموت. أو كما قال: وكانوا يستحبّون أن يموت المرء عقب طاعة عملها من حجّ، أو جهاد، أو صيام.
وقال النخعي: كانوا يستحبّون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنّه بربّه.
قال أبو عبد الرحمن السُلمي في مرضه: كيف لا أرجو ربّي وقد صمت له ثمانين رمضان.
ولمّا احتضر أبو بكر بن عيّاش وبكوا عليه، قال: لا تبكوا، فإنّي ختمت القرآن في هذه الزاوية ثلاث عشرة ألف ختمة.
وروي عنه أنّه قال لابنه: أترى أنّ الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كلّ ليلة؟
وقال بعض السلف لابنه عن موته ورآه يبكي، قال: لا تبك فما أتى أبوك فاحشةً قط.
وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت، ثمّ قال: بحبّي لك إلاّ رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤمّلك لهذا اليوم، كنت أرجوك، لا إله إلاّ الله، ثمّ قضى رحمه الله.
وكان عبد الصمد الزاهد يقول عند موته: سيّدي! لهذه الساعة خبأتك، ولهذا اليوم اقتنيتك، حقّق حسن ظنّي بك.
وقال ابن عقيل عند موته وقد بكى النسوة: قد وقّعت عنه خمسين سنة، فدعوني أتهّنأ بلقائه.
ولمّا هجم القرامطة على الحُجاج وقتلوهم في الطواف، وكان علي بن بابويه(1)الصوفي يطوف، فلم يقطع الطواف والسيوف تأخذه، حتّى وقع, فأنشد:
ترى المحبّين صرعى في ديارهم *** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
وبعده بيت آخر:
تالله لو حلف الأحباب أنّهم *** موتى من البين يوم البين ما حنثوا
1) - في الطبعة المصرية (باكويه). (الخرسان).
فمن أطاع الله واتّقاه وحفظ حدوده في حياته، تولاه الله عند وفاته، وتوفاه على الإيمان، وثبتّه بالقول الثابت في القبر عند سؤال الملكين، ودفع عنه عذاب القبر، وآنس وحشته في تلك الوحدة والظلمة.
قال بعض السلف: إذا كان الله معك عند دخول القبر فلا بأس عليك ولا وحشة. ورؤي بعض العلماء الصالحين في النوم بعد موته، فسئل عن حاله، فقال: يؤنسني ربّي عزّ وجلّ.
فمن كان الله أنيسه في خلواته في الدنيا، فإنّه يرجى أن يكون أنيسه في ظلمات اللحود إذا فارق الدنيا وتخلّى عنها، وفي هذا المعنى يقول بعضهم(1):
فيا ربّ كن لي مؤنساً يوم وحشتي *** فإنّي بما أنزلتَه لمُصدق
وما ضرني أنّي إلى الله صائر *** ومن هو من أهلي أبرّ وأرفق
وكذلك أهوال يوم القيامة وأفزاعها وشدائدها، إذا تولّى الله عبده المطيع له في الدنيا، أنجاه من ذلك كلّه.
قال قتادة في قوله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً(2)، قال: من الكرب عند الموت، ومن أفزاع يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، في هذا الآية: ننجيه من كلّ
كرب في الدنيا والآخرة(1).
وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا(2)، قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنّه لفي الجنّة، وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه.
وقال ثابت البُناني في هذه الآية: بلغنا أنّ المؤمن حين يبعثه الله من قبره يتلقاه الملكان الّذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن. فيُؤمِّن الله خوفه ويقرُّ الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلاّ وهي للمؤمن قرّة عين، لما هداه الله، ولما كان عمل في الدنيا. خرَّج ذلك كلّه ابن أبي حاتم، وغيره(3).
وأمّا من لم يتعرّف إلى الله في الرخاء، فليس له من(4)يعرفه في الشدّة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وشواهد هذا مشاهدةُ حالهم في الدنيا، وحالهم في الآخرة أشدّ، وما لهم من ولي ولا نصير.
أمَر بإفراد الله عزّ وجلّ بالسؤال، ونهى عن سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فقال: وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ(1).
وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (سلوا الله من فضله، فإنّ الله يُحبّ أن يُسأل)(2).
وفيه عن أبي هريرة مرفوعاً: (من لا يسأل الله يغضب عليه)(3).
وفيه أيضاً: (إنّ الله يُحب الملحّين في الدعاء)(4).
1) - سورة النساء/32.
2) - أخرجه الترمذي: 3571 وابن عدي في الكامل 2/665 والطبراني في الكبير 10/124، 125 وفي الدعاء: 22 وإسناده ضعيف؛ فيه حماد بن واقد ضعيف كما في التقريب، وأبو إسحاق لم يصرّح بالتحديث.
3) - أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف 10/200 وأحمد 2/442، 443 والبخاري في الأدب المفرد/658 والترمذي: 3373 وابن ماجة: 3827 وابن عدي في الكامل 7/2750 وابن الأعرابي في معجم شيوخه 178/أ والطبراني في الدعاء: 23 والحاكم 1/491 والبغوي في شرح السُنّة 5/188 وإسناده فيه ضعف؛ فيه أبو صالح الخوزي لين الحديث كما في التقريب.
4) - لم أجده في الترمذي ولم يعزه إليه سوى المصنّف، والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء 4/452 وابن عدي في الكامل 7/2621 من طريق يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعاً به وإسناده موضوع؛ فإن فيه يوسف بن السفر كذّبه البخاري وقال البيهقي: ((هو في عداد من يضع الحديث)) وقد أورد حديثه هذا العقيلي وابن عدي في ترجمته، وأخرجه العقيلي 4/452 والطبراني في الدعاء: 20 من طريق بقية عن الأوزاعي به، وهذا من تدليس بقية حيث أسقطه في هذه الرواية ولذلك اتهم بقية بأنّه كان يدلس عن الضعفاء والمتروكين، قال أبو مسهر: ((أحاديث بقية ليست بنقيّة فكن منها على تقية)).
وفي حديث آخر: (ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلّها حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع)(1)
تحفة الأحوذي، وابن حبّان: 2402، وابن السني في عمل اليوم والليلة: 354، وابن عدي في الكامل 6/2076، والطبراني في الدعاء: 25، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 2/289، من طريق قطن بن نُسير، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس به، وإسناده ضعيف، قطن هذا كان أبو حاتم يحمل عليه، واتهمه ابن عدي بسرقة الحديث.
وللحديث طريق أخرى: أخرجها البزّار 4/37 ــ كشف من طريق سيار ــ ووقع في الكشف بشار والتصويب من المجمع ــ ابن حاتم: ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس به، وإسناده ضعيف أيضاً، فإنّ سياراً هذا قد ضعفه ابن المديني، وقال العقيلي والحاكم: ((عنده مناكير))، هذا وقد رواه الترمذي 4/292 من طريق صالح بن عبد الله، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني مرسلاً، وصالح بن عبد الله هذا ثقة، وقد تابعه على الإرسال القواريري، وهو ثقة أيضاً عند ابن عدي في الكامل 6/2076، حيث قال ــ أي: القواريري ــ ثنا جعفر، عن ثابت به مرسلاً.
ووقع في المطبوع من الكامل ومخطوطة أحمد الثالث منه: عن أنس، والتصويب من تهذيب التهذيب 8/382، والميزان 3/391، قال القواريري: ((باطل))، وقال ابن عدي بعده: ((وهو كما قال))، وبما أنّ قطن وسيار ضعيفان، وقد خالفا من هو أوثق منهما، فالحديث بهذا يكون مرسلاً، فعلى هذا يكون ضعيفاً، والله أعلم.
2- وفي (ض) و(ط): ((هذا)).
.وفي(2) المعنى أحاديث كثيرة، وفي النهي عن سؤال الخلق أحاديث كثيرة صحيحة.
1) - أخرجه الترمذي 4/292.
وفي حديث ابن مسعود مرفوعاً: (لا يزال العبد يسألُ وهو غنيّ حتّى يخلق وجهه فما يكون له عند الله وجه)(1).
وقد بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً(2)، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو ذرّ، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته، فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه.
واعلم أنّ سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعيّن عقلاً وشرعاً، وذلك من وجوه متعدّدة:
منها: أنّ السؤال فيه بذل ماء(3)الوجه، وذلّة للسائل، وذلك لا يصلح إلاّ لله وحده، فلا يصلح الذلّ إلاّ له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبّة الصادقة.
سُئل يوسف بن الحسين: ما بال المحبّين يتلذذون بذلهم في المحبّة؟
فأنشد:
1) - لم أجده بهذا اللفظ من حديث ابن مسعود، وإنّما هو من حديث مسعود بن عمر ــ فلعلّه سبق نظر من المصنّف أو الناسخ ــ أخرجه البزّار 1/434 ــ كشف والطبراني في الكبير 20/333، وقال الهيثمي في المجمع 3/96: ((وفيه محمّد بن أبي ليلى وفيه كلام))، وفي التقريب: ((صدوق سيء الحفظ جدّاً))، وأخرجه البخاري 3/338، ومسلم 2/720 من حديث ابن عمر مرفوعاً، ولفظه: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتّى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزعة لحم)، وأخرج أحمد 5/281، والبزّار 1/436، والطبراني في الكبير 2/86 عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سأل مسألة وهو عنها غنّي كانت شيناً في وجهه يوم القيامة)، وإسناده صحيح، وقال البزّار بعده: ((إسناده حسن)).
2) - أخرجه مسلم 2/721 من حديث عوف بن مالك.
3) - وفي (ش) و(ض) و(ط): ((لماء)).
ذلّ الفتى في الحبّ مكرمة *** وخضوعه لحبيبه شرف
وهذا الذل وهذه المحبّة لا تصلح إلاّ لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحقّ.
كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللّهمّ كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك.
وقال أبو الخير الأقطع: كنت بمكّة سنة فأصابتني فاقة وضرّ، فكنت كلّما أردت أن أخرج إلى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الذي تسجد لي به تبذله لغيري؟
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله *** بدلاً وإن نال الغنى بسؤالِ
وإذا السؤال مع النوال وزنته *** رجح السؤال وخفَّ كلّ نوالِ
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا *** فابذله للمتكرّم المفضالِ
ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مُزعة لحم، كما ثبت ذلك في الصحيحين(1)، لأنّه أذهب عزّ وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي، فيصير عظماً بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهة.
ومنها: أنّ في سؤال الله عبودية عظيمةً، لأنّها إظهار للافتقار إليه،
1) - تقدَّم تخريجه في الصفحة السابقة.
واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأنّ المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضرّ عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره؟ وسؤاله له مقام من يقدر وليس هو بقادر.
ويشهد لهذا المعنى الحديث الذي في (صحيح مسلم): عن أبي ذرّ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عبادي! لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كُلّ إنسان مسألته، ما نقص ذلك ممّا عندي، إلاّ كما ينقص المِخيَط إذا أُدخل البحر)(1).
وفي الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث، وهي: (وذلك بأنّي جواد، واجد، ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلامٌ، إذا أردتُ شيئاً فإنّما أقول له كن فيكون)(2).
فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إنّ هذا لأعجب العجب!
قال بعض السلف: إنّي لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو مالكها، فكيف أسألها من لا يملكهاـ يعني المخلوق ــ.
وحصل لبعض السلف ضيق في معيشته(3)، حتّى همّ أن يطلب من
بعض إخوانه، فرأى في منامه قائلاً يقول: أيحسن بالحرِّ المريد، إذا وجد عند الله ما يريد، أن يميل بقلبه إلى العبيد. فاستيقظ وهو من أغنى الناس قلباً(1).
وقال بعض السلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة: ((يقول الله عزّ وجلّ: يُؤَّمل غيري للشدائد! والشدائد بيدي. وأنا الحي القيوم، ويرجّى غيري. ويطرق بابه بالبُكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن. وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا أمَّلني لنائبة فقطعت به! أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعت رجاءه! ومن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له! أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟! أبخيل أنا، فيُبخلني عبدي! أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كلّه لي؟! فما يمنع المؤملين أن يؤمِّلوني! لو جمعت أهل السماوات والأرض، ثمّ أعطيت كلّ واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبلَّغت كلّ واحد منهم أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرّة، وكيف ينقص ملك أنا قيِّمه؟ فيا بؤساً للقانطين من رحمتي! ويا بؤساً لمن عصاني وتوثَّب على محارمي!)).
ومنها: أنّ الله يحبّ أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأله، فإنّه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحبّ الملحّين في الدعاء.
والمخلوق غالباً يكره أن يسأل لفقره وعجزه، قال ابن السماك: لا تسأل من يفرّ منك، واسأل من أمرك أن تسأله.
1) - من هنا بدأ السقط في المطبوعة الماجدية إلى صفحة 117 سطر 8 من هذه الطبعة (طبق نسخة المؤلف).
قال أبو العتاهية:
الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبُني آدم حين يُسأل يغضبُ
فاجعل سؤالك للإله فإنّما *** في فضل نعمة ربّنا نتقلَّبُ
كان يحيى بن معاذ يقول: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك.
وأنشد بعض الأعراب:
أيا مالك لا تسأل الناس والتمس *** بكفيك فضل الله فالله أوسع
ولو يسأل الناس التراب لأوشكوا *** إذا قيل هاتوا أن يملَّوا ويمنعوا
ومنها: أنّ الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كلّ ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟(1)، وقد قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ(2).
فأي وقت دعاه العبد، وجده سميعاً قريباً مجيباً، ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأمّا المخلوق فإنّه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات.
قال طاووس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيام، أمرك أن
تسأل، ووعدك أن يجيبك.
وقال وهب بن منبه لبعض العلماء: ألم أُخبر أنّك تأتي الملوك وأبناء الملوك تحمل إليهم علمك؟! ويحك تأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه! وتدع من يفتح لك بابه بنصف الليل وبنصف النهار ويظهر لك غناه؟ ويقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1).
ورأى ميمون بن مهران الناس مجتمعين على باب بعض الأمراء، فقال: من كانت له حاجة إلى سلطان فحجبه فإنّ بيوت الرحمن مُفتَّحة، فليأت مسجداً فليصلّ ركعتين ثمّ ليسأل حاجته.
وكان بكر المزني يقول: من مثلك يا بن آدم؟! متى شئت تطهرت، ثمّ ناجيت ربّك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان.
وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين، فقال له: أنا لا أترك باباً مفتوحاً، وأذهب إلى باب مغلق.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
وأفنية الملوك محجبات *** وباب الله مبذول الفناء
وقال آخر:
قُل للذين تحصنوا عن سائلٍ *** بمنازل من دونها حجاب
إن حال دون لقائكم بوَّابكم *** فالله ليس لبابه بوّاب
ولبعض العلماء(2):
لا تجلسنَّ بباب من *** يأبى عليك دُخُول داره
وتقول حاجتي إليه *** يعوقها إن لم أداره
واتركه واقصد ربّها *** تُقضى وربُّ الدار كاره
وخرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! إنّ بني فلان أغاروا علَيَّ فذهبوا بابني وإبلي, فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ آل محمّد كذا وكذا أهل بيت ما لهم مُدّ من طعام أو صاع، فسل الله عزّ وجلّ)، فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعم ما ردّ عليك، فما لبث أن ردّ الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عزّ وجلّ والرغبة إليه، وقرأ عليهم: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً _ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ(1)(2).
وسأل رجلاً ثابتاً البناني أن يشفع له إلى قاضٍ في قضاء حاجة له، فقام ثابت معه، فكان كلّما مرّ بمسجد في طريقه دخل فصلّى فيه ودعا، فما وصل إلى مجلس القاضي إلاّ وقد قام منه، فعاتبه طالب الحاجة في ذلك، فقال: ما كنت إلاّ في حاجتك. فقضى الله حاجته، ولم يحتج إلى القاضي.
وكان إسحاق بن عباد البصري نائماً، فرأى في منامه قائلاً يقول له:
أغث الملهوف. فاستيقظ فسأل: هل في جيرانه محتاج؟ قالوا: ما ندري؟ ثمّ نام، فأتاه ثانياً وثالثاً، فقال له: أتنام ولم تغث المهلوف؟ فقام وأخذ معه ثلاثمائة درهم، وركب بغله فخرج به إلى البصرة حتّى وقف على باب مسجد يصلّى فيه على الجنائز، فدخل المسجد فإذا رجل يصلّي، فلمّا أحس به انصرف فدنا منه، فقال له: يا عبد الله! في هذا الوقت؟ في هذا الموضع؟ ما حاجتك؟ قال: أنا رجل كان رأس مالي مائة درهم فذهبت من يدي ولزمني دين مائتا درهم، فأخرج له الدراهم، وقال: هذه ثلاثمائة درهم خذها، فأخذها ثمّ قال له: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا إسحاق بن عباد، فإن نابتك نائبة فأتني فأتني، فإنّ منزلي في موضع كذا. فقال له: رحمك الله إن نابتنا نائبة فزعنا إلى من أخرجك في هذا الوقت حتّى جاء بك إلينا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصبحنا ذات يوم، فقالت أُمّي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد، فقام فتوضأ ولبس ثيابه، ثمّ صلَّى في بيته، قال: فالتفتت إليَّ أُمّي، فقالت: إنّ أباك ليس يزيد على ما ترى، فأخرج أنت، فخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمّار فجئت إلى سوقه، فلمّا رآني صاح بي، وذهب بي إلى منزله وأطعمني، ثمّ أخرج لي صرة فيها ثلاثون ديناراً من غير أن أذكر له شيئاً من حالنا إلاّ ابتداءً منه. وقال: اقرأ على أبيك السلام، إنّا جعلنا له شركاً في كلّ شيء من [متجرنا](1)وهذا نصيبه منه.
وعن شقيق البلخي، قال: كنت في بيتي قاعداً، فقال لي أهلي: قد ترى
1) - وفي (ب) و(ل): ((تجرنا))، والمثبت من (ش) و(ض).
ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحلّ لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به، قال: فتوضأت وكان لي صديق لا يزال يقسم علَيَّ بالله أن يكن لي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه، فخطر ذكره ببالي، فلمّا خرجت من المنزل مررت بالمسجد، فذكرت ما روي عن أبي جعفر، قال: من عرضت له حاجة إلى مخلوق فليبدأ بها الله عزّ وجلّ. فدخلت المسجد فصلّيت ركعتين، فلمّا كنت في التشهد أفرغ علَيَّ النوم، فرأيت في منامي أنّه قيل: يا شقيق! أتدل العباد على الله ثمّ تنساه! فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيّه نبهني به ربّي، فلم أخرج من المسجد حتّى صلّيت العشاء الآخرة، ثمّ انصرفت إلى المنزل، فوجدت الذي أردت أن أقصد(1)قد حرّكه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم؟
وعن إبراهيم بن أدهم: أنّه خرج إلى الغزو مع أصحابه، وأنّهم تناهدوا، [فوضع](2)كلّ واحد منهم ديناراً، ففكّر فيمن يقصد من إخوانه ويستقرض منه، ثمّ استفاق فبكى، واسوأتاه أطلب من العبيد، وأترك مولاهم، فيقول لي: من كان أحقّ أن يطلب منه: أنا أو عبدي؟ فتوضأ وصلّى وخرّ ساجداً، وقال: يا ربّ! قد علمت ما كان منّي وذلك بخطئي وجهلي، فإن عاقبتني عليه فأنا أهل لذلك، وإن عفوت عنّي فأنت أهل لذلك، وقد عرفت حاجتي فاقضها برحمتك. ثمّ رفع رأسه فإذا هو بنحو أربعمائة دينار، فتناول منها ديناراً واحداً وذهب.
وعن أصبغ بن زيد، قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثاً لم نطعم شيئاً، فخرجت إلَيَّ ابنتي الصغيرة، وقالت: يا أبة! الجوع! فأتيت الميضأة، فتوضأت وصلّيت ركعتين، وأُلهمت دعاءً دعوت به في آخره: اللّهمّ افتح عليّ منك رزقاً لا تجعل لأحد علَيَّ فيه منّة، ولا لك علَيَّ في الآخرة فيه تبعة، برحمتك يا أرحم الراحمين. ثمّ انصرفت إلى البيت، فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إلَيَّ وقالت: يا أبة! جاء عمّي الساعة بهذه الصرّة من الدراهم وبحمّال عليه دقيق، وحمّال عليه من كلّ شيءٍ في السوق، وقال: اقرءوا أخي السلام، وقولوا له: إذا احتجت إلى شيء، فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك. قال أصبغ: والله ما كان لي أخ قط، ولا أعرف من كان هذا القائل؟! ولكن الله على كلّ شيء قدير.
وعن الحكم بن موسى، قال: أصبحت يوماً، فقالت لي المرأة: ليس عندنا دقيق ولا خبز، فخرجت ولا أقدر على شيء، فقلت في الشارع: اللّهمّ إنك تعلم أنّي أعلم أنّك تعلم أنّه لا دقيق لي ولا خبزاً. وقال: ولا دراهم فأتنا بذلك. فلقيني رجل، فقال: خبزاً تريد أو دقيقاً؟ فقلت له: أحدهما ثمّ مشيت نهاري أجمع لا أقدر على شيء، فرجعت فقدَّم أهلي إلي خبزاً ولحماً واسعاً، فقلت: من أين هذا لكم؟ قالوا: من الذي وجهت به. فسكت.
وعن الأوازعي، قال: رأيت رجلاً في الطواف وهو متعلّق بأستار الكعبة، وهو يقول: يا ربّ! إنّي فقير كما ترى، وصبيتي قد عروا كما ترى، وناقتي قد عجزت كما ترى، فما ترى يا من ترى ولا يُرى؟ فإذا بصوت من خلفه: يا عاصم! يا عاصم! الحق عمّك! فقد هلك بالطائف وقد خلف ألف
نعجة، وثلاثمائة ناقة، وأربعمائة دينار، وأربعة أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها، فليس له وارث غيرك. قال: فقلت: يا عاصم! إن الذي دعوته لقد كان قريباً منك. قال: يا هذا أما سمعت قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ(1)(2).
والآثار والحكايات في هذا المعنى كثيرة جدّاً يطول ذكرها، وهي موجودة في مثل: كتاب (الفرج بعد الشدّة)، وكتاب (مجابي الدعوة) لابن أبي الدنيا، وفي كتاب (المستصرخين بالله عند نزول البلاء) للقاضي أبي الوليد بن الصفار، وكتاب (المستغيثين بالله عند نزول البلاء) للحافظ أبي القاسم بن بشكوال الأندلسيين، وفي غيرها من كتب الزهد والرقائق والتواريخ، وغيرها.
وروى [الشيخ](3)أبو الفرج في (تاريخه الكبير)، بإسناده عن الحسن ابن سفيان الفسوي الحافظ: أنّه كان مقيماً بمصر مع جماعة من أصحابه يكتبون الحديث، فاحتاجوا، فباعوا ما معهم حتّى لم يبق لهم ما يباع، وبقوا ثلاثة أيام جياعاً لا يجدون شيئاً يأكلونه، وأصبحوا في اليوم الرابع وقد عزموا على المسألة لشدّة الضرورة، فاقترعوا على من يسأل لهم، فخرجت القرعة على الحسن بن سفيان، قال: فتحيّرت ودهشت، ولم تسامحني نفسي
بالمسألة، فعدلت إلى زاوية المسجد أصلّي ركعتين طويلتين وأدعو ــ الله عزّ وجلّ ــ لكشف الضرّ، وسياقة الفرج، فلم أفرغ من الصلاة حتّى دخل المسجد رجل معه خادم في يده منديل، فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسي من السجود، وقلت: أنا. فقال: إنّ الأمير ابن طولون يقرئكم السلام والتحيّة، ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم، وقد بعثت إليكم بما يكفي نفقة الوقت، وهو زائر لكم غداً ويعتذر إليكم بلفظه، ووضع بين يدي كلّ واحد منَّا صُرة فيها مائة دينار، قال: فتعجّبنا وسألنا عن السبب، قال: إنّه كان اليوم نائماً فرأى فارساً في الهواء يقول له: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه فإنّهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني، فقال له: من أنت؟ قال: أنا رضوان صاحب الجنّة. قال الحسن: فشكرنا الله عزّ وجلّ وأصلحنا أحوالنا وسافرنا تلك الليلة من مصر خشية أن يزورنا الأمير، فيطّلع الناس على أسرارنا، فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم، وانبساط جاه، ويتّصل ذلك بنوع من الرياء والسُّمعة(1).
وروي أيضاً بإسناد له عن محمّد بن هارون الروياني: أنّه اجتمع هو ومحمّد بن نصر المروزي، ومحمّد بن علوية الورَّاق، ومحمّد بن إسحاق بن خزيمة، وبإسناد آخر: أنّ الأربعة كانوا محمّد بن جرير، ومحمّد بن نصر، ومحمّد بن خزيمة، ومحمّد بن هارون(2).
لمّا أمر ــ عليه السلام ــ بحفظ الله والتعرّف إليه في الرخاء، وذلك هو العبادة حقيقة، ثمّ أرشد إلى سؤال الله وحده ودعائه، ((والدعاء هو العبادة))، كما في حديث النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ قرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1)الآية.
خرَّجه أهل السنن الأربعة(2)، أرشد بعد ذلك إلى الاستعانة بالله وحده، وهذا منتزع من قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(3).
وهي كلمة عظيمة جامعة، يقال: إنّ سرّ الكتب الإلهية كلّها ترجع إليها وتدور عليها.
وفي استعانة الله فائدتان:
1) - سورة غافر/60.
2) - أخرجه ابن المبارك في الزهد/1298 والطيالسي/1252 ــ منحة، وابن أبي شيبة في المصنّف 10/200 وأحمد 4/267، 271، 276، 277 والبخاري في الأدب المفرد/714 وأبو داود: 1479 والترمذي: 3372 والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف 9/30 وابن ماجة: 3828 وابن جرير في تفسيره 24/51، 52 وابن الأعرابي في المعجم 120/ب وابن حبّان: 2369 والطبراني في الصغير 2/97 وفي الدعاء 3/ب والحاكم 1/490، 491 والقضاعي في مسند الشهاب: 29، 30 وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي وكذا صحّحه النووي في الأذكار/333 وهو كما قالوا.
3) - سورة الفاتحة/5.
إحداهما: أنّ العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنّه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلاّ الله عزّ وجلّ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)(1).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته ويعلّم أصحابه أن يقولوا: (الحمد لله نستعينه ونستهديه)(2).
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كلّ صلاة أن يقول: (اللّهمّ أعنِّي على ذكرك وشُكرك، وحسن عبادتك)(3).
وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم: (يا ربِّ! أعني ولا تُعن علَيَّ)(4).
1) - أخرجه مسلم 4/2052 من حديث أبي هريرة.
2) - أخرجه مسلم 2/593 عن ابن عبّاس. ولفظه: (ونستهديه)، أخرجها الشافعي: 427 ــ المسند بترتيب السندي، والبيهقي في معرفة السنن والآثار 2/102/ب نسخة أحمد الثالث، وإسنادها ضعيف جدّاً؛ فيه إبراهيم بن محمّد الأسلمي متروك الحديث، وقد كذّبه غير واحد من الأئمّة.
3) - أخرجه أحمد 5/244، 245، 247، وأبو داود: 1522، والنسائي 3/53، وفي عمل اليوم والليلة: 109، وابن السني في عمل اليوم والليلة: 118، وابن خزيمة في صحيحه 1/396، وابن حبّان: 2345 = 2511، والطبراني في الكبير 20/60، والحاكم 1/273، وأبو نعيم في الحلية 5/130، وإسناده صحيح.
4) - أخرجه أحمد 1/227، والبخاري في الأدب المفرد: 665، وأبو داود: 1510، والترمذي: 3551، والنسائي في عمل اليوم والليلة: 607، وابن ماجة: 3830، وابن أبي عاصم في السُنّة: 384، وابن حبّان: 2414 من حديث ابن عبّاس، وإسناده صحيح.
وفي دعاء القنوت الذي كان يقنت به عمر، وغيره: اللّهمّ إنا نستعينك ونستهديك(1).
وفي الأثر المعروف، ويقال: أنّ موسى عليه السلام قاله لمّا ضَرب البحر فانفلق: (اللّهمّ لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المُستغاث، وعليك التُكلان، ولا حول ولا قوّة إلاّ بك)(2).
فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات، كما قال يعقوب عليه السلام لبنيه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(3).
ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فبرأها ما قالوا(4).
وقال موسى عليه السلام لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ(5).
وقال الله لنبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(6).
1) - أخرجه بنحوه الطحاوي في معاني الآثار 1/250، وإسناده جيد.
2) - أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين رقم/4696، ط الرياض، وفي الصغير 1/122 من حديث ابن مسعود مرفوعاً، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/183: ((وفيه من لم أعرفهم)) اهـ.
3) - سورة يوسف/18.
4) - يأتي إن شاء الله تخريج حديث الإفك ص134.
5) - سورة الأعراف/128.
6) - سورة الأنبياء/112.
ولمَّا بشَّر صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بالجنّة على بلوى تصيبه، قال: الله المستعان(1).
ولمّا دخلوا على عثمان وضربوه، جعل يقول والدماء تسيل عليه: لا إله إلاّ أنت، سبحانك إنّي كنت من الظالمين، اللّهمّ إنّي أستعينك عليهم وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني.
وروي عن أبي طلحة: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في بعض غزواته حين لقي العدو: (يا مالك يوم الدين، إيّاك نعبد وإياك نستعين)، قال أبو طلحة: فلقد رأيت الرجال تُصرع. خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني(2).
فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه وفي مصالح دنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبد الله بقضاء دينه: إن عجزت فاستعن بمولاي. فقال له: يا أبت! من مولاك؟ قال: الله، قال: فما وقعت في كربة من دينه إلاّ قلت: يا مولّى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه(3).
وقال عمر بن الخطّاب في أوّل خطبة خطبها على المنبر: ألا إنّ العرب جمل آنف قد أخذت بخطامه، وإنّي حامله على المحجّة، ومستعين بالله عليه.
وكذلك يحتاج العبد إلى الاستعانة بالله على أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده.
1) - أخرج هذه الرواية مسلم في صحيحه 4/1867.
2) - أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة: 334، والطبراني في الأوسط، كما في المجمع 5/328، وأبو نعيم في دلائل النبوّة 2/592 وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في المجمع 5/328: ((وفيه عبد السلام بن هاشم وهو ضعيف)) اهـ، وفيه كذلك حنبل بن عبد الله مجهول، كما في الميزان 1/619.
3) - أخرجه البخاري 6/227.
لمّا احتضر خالد بن الوليد، قال رجل ممّن حوله: والله إنّه ليسؤه، يعني: الموت. قال خالد: أجل فأستعين الله عزّ وجلّ.
وبكى عامر بن عبد الله بن الزبير عند موته، وقال: إنّما أبكي على حرّ النهار وبرد القيام ــ يعني: صيام النهار وقيام الليل ــ وقال: وإنّي استعين الله على مصرعي هذا بين يديه.
ومن كلام بعض المتقدّمين: يا ربّ! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك! عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك إليه.
وقال بعضهم: فاستغن بالله واستعنه فإنّه خير مستعان.
وفي الرواية الأخرى: (رُفعت الأقلام وجفَّت الكُتب)(1)
وفي الرواية الأخرى: (وجفت الصحف)
كلّه كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعاً في كتاب جامع من أمد بعيد، فإنّ الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبَعُد عهده فقد رفعت الأقلام عنه التي كتبت به، وجفت الأقلام التي كتب بها(2)من مدادها، وجفت الصحيفة المكتوب به فيها.
وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دلّ الكتاب والسنن(3)الصحيحة على مثل هذا المعنى.
قال الله عزّ وجلّ: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ(4أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(5).
قال الضحّاك، عن ابن عبّاس: إنّ الله خلق القلم فأمره ليجري بإذنه، وعظم قدر القلم كقدر ما بين الأرض والسماء: فقال القلم: بم يا ربّ أجري؟ قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات أو نفس أو أثر ــ يعني به العمل ــ أو رزق، أو أجل. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأثبته الله في الكتاب المكتوب عنده تحت العرش.
روى أبو ظبيان، عن ابن عبّاس: أنّ أوّل شيء خلقه الله القلم، فقال: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: القدر، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثمّ قرأ: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)(2).
وروى أبو الضحى، عن ابن عبّاس نحوه أيضاً(3). وروي حديث أبي الضحى مرفوعاً ولا يثبت رفعه(4).
وروى ابن بطّة بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعاً: (أوّل شيءٍ خلقه الله القلم، ثمّ خلق النون، وهي الدَّواة، ثمّ قال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فذلك قوله عزّ وجلّ: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، ثمّ ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة)(5).
1) - سورة القلم/1.
2) - أخرجه ابن جرير في تفسيره 29/9، 10.
3) - أخرجه ابن جرير 29/10، وفي إسناده شيخ ابن جرير ــ محمّد بن حُميد الرّازي ــ حافظ ضعيف، كما في التقريب.
4) - أخرجه الطبراني في الكبير 1/433، من حديث ابن عبّاس، وإسناده ضعيف؛ فيه مؤمّل بن إسماعيل، صدوق سيء الحفظ.
5) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير 4/401، والحكيم الترمذي، كما في اللآليء المصنوعة 1/131، وابن عساكر في تاريخ دمشق 17/247/ب، وإسناده ضعيف؛ فيه الحسن بن يحيى الخشني، صدوق كثير الغلط، كما في التقريب، كما فإنّ فيه من لم أجد له ترجمة، وقد استغرب الحديث جدّاً ابن كثير في تفسيره.
وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي: من حيث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ أوّل ما خلق الله القلم، ثُم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)(1).
وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السَّموات والأرض بخمسين ألف سنة)(2).
وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي يده كتابان، فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان؟) فقلنا: لا يا رسول الله! إلاّ أن تُخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: (هذا كتاب من ربّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً)، ثمّ قال للذي في شماله: (هذا كتاب من ربّ العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم، ثمّ أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً). فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمرٌ قد فُرغ منه؟ فقال:
(سدِّدوا وقاربوا، فإنّ صاحب الجنّة يُختم له بعمل أهل الجنّة وإن عمل أيّ عمل، وإنّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل)؟ ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديه فنبذهما ثمّ قال: (فرغ ربّكم من العباد، فريق في الجنّة، وفريق في السعير)(1).
وخرَّج الإمام أحمد، من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فرغ الله إلى كلّ عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه، وشقي أو(2)سعيد)(3).
وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي، من حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (خلق الله كلّ نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها)(4).
وخرَّج مسلم من حديث جابر: أنّ رجلاً قال: يا رسول الله! فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا،
1) - أخرجه أحمد 2/167، وابن وهب في كتاب القدر: 13، والترمذي: 2141، وصحّحه النسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف 6/243، والدارمي في الردّ على الجهمية: 126، 127، وابن أبي عاصم في السُنّة: 348، وابن جرير في تفسيره 25/7، وأبو نعيم في الحلية 5/168، وإسناده جيد.
2) - وفي مسند أحمد: ((أم)).
3) - أخرجه أحمد 5/197، وابن أبي عاصم في السُنّة: 304، وعبد الله بن أحمد في السُنّة: 859، وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد 5/197، وابن أبي عاصم: 303، ولفظه: ((إنّ الله عزّ وجلّ فرغ إلى كلّ عبد من خلقه من خمس من أجله وعمله ومضجعه وأثره ورزقه))، وفي إسناده الفرج بن فضالة، وهو ضعيف.
4) - أخرجه أحمد 1/440، والترمذي: 2143، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/308، وإسناده صحيح.
بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير)، قال: ففيم العمل؟ قال: (اعملوا فكلّ ميسر)(1).
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدّاً، وكذلك الآثار الموقوفة.
وقال بعضهم:
سلّم الأمر كلّه *** جفّ بالكائن القلم
إنّ للناس خالقاً *** لا مردّ لما حكم
1) - أخرجه مسلم 4/2040، 2041.
يريد بذلك أنّ ما يصيب العبد ممّا يضره أو ينفعه في دنياه فكلّه مقدّر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدّر عليه، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلّهم جميعاً.
وقد دلّ القرآن أيضاً على مثل هذا في قوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا(1).
وقوله: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ(2).
وقوله: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ(3)
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنّ ما أصابه لم
يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه)(1).
وخرَّج أبو داود، وابن ماجة من حديث زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معناه أيضاً(2).
واعلم أنّ مدار جميع هذه الوصية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس على هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرّع عليه، وراجع إليه، فإنّه إذا علم العبد أنّه لن يصيبه إلاّ ما كتب الله له من خير أو شرّ، أو نفع أو ضرّ، وأنّ اجتهاد الخلق كلّهم جميعاً على خلاف المقدور غير مفيد شيئاً البتة، علم حينئذٍ أنّ الله تعالى وحده هو الضارّ والنافع، والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه ــ عزّ وجلّ ــ وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرّع والابتهال، وإفراده أيضاً بالعبادة والطاعة؛ لأنّ المعبود إنّما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضارّ، ولهذا ذمّ الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضرّ، ولا يغني عن عابده شيئاً.
وأيضاً فكثير ممّن لا يحقّق الإيمان في قلبه يقدّم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعاً لضرّه.
فإذا تحقّق العبد تفرّد الله وحده بالنفع والضرّ، وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلّهم جميعاً،
1) - أخرجه أحمد 6/441، 442، وابن أبي عاصم في السُنّة: 246، والطبراني كما في المجمع 7/197، وإسناده حسن.
2) - أخرجه أحمد 5/185، 189 وأبو داود: 4699 وابن ماجة: 77 وابن أبي عاصم في السُنّة: 245 والطبراني في الكبير 5/178 وابن حبّان: 1817 وإسناده حسن وله طريق أخرى عند الآجري في الشريعة: 187 إلاّ أن فيها أبا صالح عبد الله بن صالح، كاتب صدوق كثير الغلط.
كما يوجب ذلك أيضاً إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه.
وقد اشتملت هذه الوصية العظيمة الجامعة على هذه الأمور المهمة كلّها.
فإنّ حفظ العبد لله عزّ وجلّ هو حفظ حدوده، ومراعاة حقوقه، وهو حقيقة عبادته، وهو أوّل ما صُدرت به هذه الوصية.
ورُتِّب على ذلك حفظ الله لعبده، وهو نهاية ما يطلبه العبد من ربّه ويريده منه.
ثمّ عقّب ذلك بذكر التعرّف إلى الله في الرخاء، وأنّه مقتض لمعرفة الله لعبده في الشدّة، وهذا هو من تمام حفظ الله لعبده وداخل فيه.
إلاّ أنّ حالة الشدّة لمّا كان العباد مضطرين فيها إلى من يعرفهم ويفرّج عنهم، خُصَّت بالذكر لهذا المعنى. وفي هذه الحالة يُخلص المشركون الدعاء لله وحده، ويفردونه بالسؤال والطلب، لعلمهم أنّه لا يكشف الضرّ سواه سبحانه، ثمّ يعودون عند كشف الضرّ عنهم إلى الشرك، كما ذكر سبحانه ذلك عنهم في مواضع من كتابه وذمهم عليه. فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بمخالفتهم في ذلك بالتعرّف إلى الله في حال الرخاء بإخلاص الدين له وحده وبطاعته والتقرب إليه، ليوجب ذلك معرفته لهم في الشدّة وكشفها عنهم.
ثمّ عقب ذلك بذكر إفراد الله بالسؤال بالاستعانة، وذلك يشتمل حال الشدّة وحال الرخاء.
ثمّ ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الذي تنبني(1)عليه هذه المطالب، وهو: تفرّد الله سبحانه وتعالى بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، وأنّه لا يصيب
1) - في (ب) و(ل): ((يبني))، وفي (ش): ((تبتني)).
العبد ذلك كلّه إلاّ ما سبق تقديره وقضاه له، وأنّ الخلق كلّهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضرّ غير مقدّر في الكتاب السابق.
وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلّق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو ضرّ, وخوفهم من إيصال ضرّ أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضاً، وأن تُقدّم طاعته على طاعة الخلق جميعاً.
وقد جاء في حديث أبي سعيد مرفوعاً: (إنَّ من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمّهم على ما لم يؤتك الله، إنّ رزق الله لا يجده حرص حريص، ولا يردّه كراهة كاره)(1).
وما أحسن قول بعضهم:
فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن *** وكلّ الذي فوق التراب تراب
فمن تحقّق أنّ كلّ مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدّم طاعة شيء من التراب على طاعة ربّ الأرباب؟ أم كيف يُرضي التراب بسخط
1) - أخرجه أبو نعيم في الحلية 5/106، والبيهقي في شعب الإيمان 1/151، وإسناده تالف؛ فيه محمّد بن مروان السدي، كذّبه بعض الأئمّة، وفيه عطية العوفي، ضعيف مدلّس، ولم يصرّح بالتحديث. وأخرجه أبو نعيم في الحلية 10/41، والبيهقي في الشعب 1/152، ومداره على عطية العوفي أيضاًً.
الملك الوهاب، إن هذا لشيء عجاب!
وقد دلّ القرآن على هذا الأصل، وهو: تفرّد الله سبحانه بالعطاء والمنع في مواضع كثيرة جدّاً، كقوله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ(1).
وقوله تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ(2).
وقوله تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(3).
وقوله تعالى حاكياً عن نبيّه نوح عليه السلام لقومه: إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ(4).
وقوله تعالى حاكياً عن نبيّه هود عليه السلام: قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ _ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ _ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم(5).
وقال بعضهم:
ما قدّر الله لي لا بدّ يدركني *** من ذا الذي يدفع المقدور بالحذر
الله أولى بنا منا بأنفسنا *** إن نحن إلاّ مماليك لمقتدر
وشكا رجل إلى فضيل الفاقة، فقال له فضيل: أمدبراً غير الله تريد؟!
وقال بعضهم:
دبّر فليس بمغن عنك تدبير *** وليس يعدوك بالتدبير تقدير
إنّ الأمور لها ربّ يدبّرها *** فما قضى الربّ ساقته المقادير
وفي رواية عمر مولى غفرة، عن ابن عبّاس، زيادة قبل هذا الكلام، وهي: (فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطيع فإنّ الصبر على ما تكره خيراً كثيراً)(1).
ومراده باليقين هاهنا تحقيق الإيمان بما سبق ذكره من التقدير السابق، كما ورد ذلك صريحاً في رواية ابنه علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، لكن بإسناد ضعيف، وفي روايته زيادة، وهي: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع باليقين؟ قال: (أن تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك)(2).
فإذا أنت أحكمت باب اليقين، فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به.
وقد دلّ القرآن على هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(3).
قال الضحّاك في هذه الآية: عزّاهم لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا فإنّا لم نقدره لكم، وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ،
لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه، فإنّه لم يكن يزوي عنكم، خرجَّه ابن أبي الدنيا.
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: لكيلا تأسوا على ما فاتكم من العافية والخصب إذا علمتم أنّه كان مكتوباً عليكم قبل أن يخلقكم. خرَّجه ابن أبي حاتم.
ومن هذا المعنى قول بعض السلف: الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن(1)أصابك شيء فلا تقل: لو أنّي فعلت كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)(2)، فأشار في هذا الحديث إلى أنّ تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وساوس الشيطان الموجبة للهمِّ والحزن والندم على تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها.
وقال أنس: خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي هذا شيء فعلته: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا شيء لَم أفعله: ألا فعلت كذا؟! وقال: وكان إذا لامني بعض أهله، قال: (دعوه فلو قُدِّر شيءٌ كان)، خرَّجه الإمام أحمد بهذا الزيادة(3).
وخرّج ابن أبي الدنيا بإسناد فيه نظر، عن عائشة، قالت: كان أكثر
كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته إذا خلا: (ما قضي من أمر يكن).
وخرَّج أيضاً حديثاً مرسلاً: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن مسعود: (لا تُكثر همَّك ما يُقدَّر يكُن، وما ترزق يأتيك)(1).
وفي حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله. دواء من تسعين داء، أيسرها: الهم). أخرجه الطبراني والحاكم(2).
فإنّ تحقيق هذه الكلمة تقتضي(3)تفويض الأمور إلى الله، وأنّه لا يكون إلاّ ما شاء، والإيمان بذلك يذهب الهم والغم.
وقد وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً، فقال: (لا تتهم الله في شيء قضاه لك)(4).
فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنّه غير متّهم في قضائه، دعا ذلك إلى الرضا بالقضاء، وقال الله عزّ وجلّ: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ(5).
قال علقمة في هذه الآية: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنّها من
1) - أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة 136/1/أ، وإسناده ضعيف؛ وذلك لأنّ فيه خالداً ابن رافع، روى عن النبيّ مرسلاً، كما ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/330.
2) - ضعيف جدّاً، أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة 135/1/أ، والطبراني في الأوسط، كما في المجمع 10/98، والحاكم 1/542، وابن الجوزي في العلل المتناهية 2/348، وقال: ((هذا حديث لا يصح. قال ابن حبّان: بشر بن رافع يروي أشياء موضوعة، كأنّه المتعمد لها. قال أحمد: بشر ليس بشيء)).
3) - وفي (ش) و(ل): يقتضي، ولعلّه أصح.
4) - أخرجه أحمد 5/319، من حديث عبادة بن الصامت، وإسناده ضعيف. قال الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع 1/59: ((رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة)).
5) - سورة التغابن/11.
عند الله فيسلّم لها ويرضى.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلاّ كان خيراً له، إن أصابته سرّاء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء فصبر كان خيراً له، وليس ذلك إلاّ للمؤمن)(1).
وقد دلّ القرآن على مثل هذا المعنى في قوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ _ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ(2).
فأخبر أنّه لن يصيبهم إلاّ ما كتب لهم، فدلّ على أنّه لهم بكلّ حال، سواء كان ممّا يلائم أو لا يلائم، وأخبر أنّه تعالى مولاهم، ومن تولاه الله لم يخذله، بل هو يتولّى مصالحه، قال تعالى: فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(3).
ثمّ عقّب ذلك بقوله: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ(4).
يعني: إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة، وأيّهما كان فهو أحسن.
وخرَّج الترمذي من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)(5).
قال أبو الدرداء: إنّ الله إذا قضى قضاءً أحبّ أن يُرضى به.
وقالت أُمّ الدرداء: إنّ الراضين بقضاء الله الذين ما قضى لهم رضوا به، لهم في الجنّة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.
وقال ابن مسعود: إنّ الله بقسطه وعلمه، جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشكّ والسُخط. وقد روي هذا مرفوعاً من وجه ضعيف(1).
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور إرب إلاّ في مواقع قدر الله عزّ وجلّ، وكان يدعوا بها كثيراً: اللّهمّ رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتّى لا أحبّ تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء قدمته.
وقال ابن عون: ارض بقضاء الله على ما كان من عسر ويسر، فإنّ ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أنّ العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتّى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك؟ ثمّ تسخط إن رأيت قضاءه مخالفاً لهواك! ولعلّ ما هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلّة علمك بالغيب! وكيف تستقضيه إن كنت كذلك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا!
1) - أخرجه موقوفاً على ابن مسعود البيهقي في شعب الإيمان 1/152 وإسناده ضعيف؛ وذلك للانقطاع فيه بين أبي هارون واسمه موسى بن أبي عيسى وهو من أتباع التابعين فهو لم يسمع من ابن مسعود، أمّا مرفوعاً فهو ضعيف كما تقدّم الكلام عليه.
وهذا كلام حسن، ومعناه أنّ العبد إذا استخار الله ــ عزّ وجلّ ــ فينبغي له أن يرضى لما اختاره له من موافق لهواه أو مخالف له، لأنّه لا يدري في أيّهما الخيرة له(1)، والله سبحانه غير متّهم في قضائه لمن استخاره، ومن هاهنا كان طائفة من السلف كابن مسعود وغيره يأمرون من يخاف أو لا يصبر على ما يخالف هواه ممّا يختار له أن يقول في استخارته: في عافية، فإنّه قد يختار له البلاء ولا يصبر عليه. وقد روي هذا مرفوعاً من وجه ضعيف(2).
عن بكر المزني: أنّ رجلاً كان يكثر الاستخارة، فابتلي، فجزع ولم يصبر، فأوحى الله إلى نبيّ من أنبيّائهم أن قل لعبدي فلان: إذا لم تكن من أهل العزائم فهلا استخرتني في عافية!
وفي حديث سعد المرفوع: (إنّ من سعادة المرء استخارته ربّه عزّ وجلّ ورضاه بما قضى، وإنّ شقاوته تركه الاستخارة وسخطه بما قضى)، خرَّجه الترمذي وغيره(3)
وأخرجه أبو يعلى في مسنده/701، وفي إسناده عمر بن علي بن عطاء بن مقدم ثقة، لكنّه يدلّس تدليساً شديداً، كما في التقريب، وكذلك فيه عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله، قال عنه البخاري وأحمد: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، التهذيب 6/146.
.1) - بعد هذه الكلمة زاد في (ش): ((والله تعالى أعلم)).
2) - أخرجه الطبراني في الكبير 10/95 من حديث ابن مسعود ضمن حديث الإستخارة، وإسناده ضعيف جدّاً، فيه صالح بن موسى الطلحي، وهو متروك. وله طريق أخرى أيضاًً: أخرجها الطبراني في الكبير 10/111، 112 وفي إسنادها عمران بن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، مقبول، كما في التقريب، ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيء الحفظ جدّاً.
3) - أخرجه أحمد 1/168، والترمذي: 2151، والبزّار في مسنده 1/359 ــ كشف، والحاكم 1/518، والبيهقي في شعب الإيمان 1/421، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي 2/236، وابن عساكر في تاريخ دمشق 16/232، وإسناده ضعيف؛ فيه محمّد بن أبي حميد ضعيف، ضعفه غير واحد، مثل أبي حاتم، والنسائي، وغيرهما.
وللرضا بالقضاء أسباب:
منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنّه لا يقضي للمؤمن قضاء إلاّ وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح، فإنّه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنّه لا يريد له إلاّ الأصلح، وهذا هو الذي أشار إليه ابن عون في كلامه المتقدّم ذكره.
ومنها: النظر إلى ما وعد الله من ثواب الرضا، وقد يستغرق العبد حتّى ينسى ألم المقضي به، كما روي عن بعض الصالحات من السلف أنّه عثرت فانكسرت ظفرها، فضحكت، وقالت: أنساني لذّة ثوابه مرارة ألمه.
ومنها: هو أعلى من ذلك كلّه الاستغراق في محبّة المبتلي، ودوام ملاحظة جلاله، وعظمته وكماله الذي لا نهاية له، فإنّ قوّة ملاحظة ذلك يوجب الاستغراق فيه، حتّى لا يشعر بالألم كما غاب النسوة اللاتي شاهدن يوسف عن ألم تقطيع أيديهن بمشاهدته.
قال الجنيد: سألت سرياً: هل يجد المحبّ ألم البلاء؟ فقال: لا. وهذه إشارة منه إلى هذا المقام.
ومنه قول جماعة من أهل البلاء: يفعل بنا ما يشاء، فلو قطعنا إرباً إرباً ما ازددنا إلاّ حبّاً.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لو قطعني الغرام إرباً إربا *** ما ازددت على الملام إلاّ حبّا
لا زلت بكم أسير وجدٍ صبّا *** حتّى أقضي على هواكم نُحبا
كان إبراهيم بن أدهم [قد](1)خرج عن ملكه وماله وولده وحشمه، فرأى ولده في الطواف فلم يكلمه، وقال:
هجرت الخلق طُراً في هواكا *** وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحبّ إربا *** لمّا حنّ الفؤاد إلى سواكا
كان جماعة من المحبّين، كالفضيل، وفتح الموصلي، إذا باتوا ليلة بغير عشاء ولا سراج اشتد فرحهم، وبكوا من الفرح، وقالوا: مثلنا يترك بغير عشاء ولا سراج، بأيّ يد كانت منَّا، وبأيّ وسيلة توسلنا بها، وكان فتح يجمع ولده في ليالي الشتاء، ويغطيهم بكسائه، ويقول: أجعتني وأجعت عيالي، وأغربتني وأغربت عيالي، وإنّما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتّى أفرح؟(2)
ودخلوا على بعض السلف وهو مريض [فقالوا له: ما تحبّ؟](3)فقال: أحبُّه إلَيَّ أحبُّه إليه(4).
وفي هذا يقول بعضهم:
عذابه فيك عذب *** وبُعده فيك قُرب
وأنت عندي كروحي *** بل أنت منها أحبّ
حسبي من الحبّ إنّي *** لما تُحبّ أُحبّ
وأنشد أبو تراب:
لا تخدعن فللمحبّ دلائل *** ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمرّ بلائه *** وسروره في كلّ ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة *** والفقر إكرام وبرّ عاجل
دخلوا على رجل قد قتل ابنه في الجهاد يعزونه، فبكى وقال: ما أبكي على قتله، إنّما أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف؟
إن كان سكان الغضا *** رضوا بقتلي فرضى
والله لا كنت لما *** يهوى الحبيب مُبغضا
صرت لهم عبداً وما *** للعبد أن يعترضا
هم قلَّبوا قلبي من الشـ *** ـوق على جمر الغضا
يا ليت أيام الحمى *** يعود منها ما مضى
من لمريض لا يرى *** إلاّ الطبيب الممرضا
والمقصود أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ابن عبّاس رضي الله عنه بالعمل بالرضا إن استطاعه، ثمّ قال له: (فإن لم تستطع، فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً).
وهذا يدلّ على أنّ الرضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب، وإنّما هو فضل مندوب إليه، فمن لم يستطع الرضا فليلزم الصبر، فإنّ الصبر واجب لا بدّ منه، وفيه خير كثير، فإنّ الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر.
قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(1).
وقال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ _ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ _ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(2).
وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ _ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ(3).
قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر مُعَوَّلُ المؤمن.
قال سليمان الخواص: الصبر دون الرضا، والرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر.
وحقيقة الفرق بين الصبر والرضا: أنّ الصبر كفّ النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية على ما سبق تقريره.
ولهذا قال طائفة كثيرة من السلف، منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إنّ الراضي لا يتمنّى غير حاله التي هو عليها، بخلاف الصابر.
وقد روي عن طائفة من الصحابة هذا المعنى أيضاً، وأنّهم كانوا
لا يتمنّون غير ما هم عليه من الحال، منهم عمر وابن مسعود.
قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: كان عابد يتعبّد في بني إسرائيل، فرأى في منامه أنّ فلانة زوجتك في الجنّة، فاستضافها ثلاث ليال لينظر عملها، فكانت تنام وهو يقوم، وتفطر وهو يصوم، فلمّا فارقها سألها عن أوثق عملها عندها، قالت: هو ما رأيت، إلاّ خصلة واحدة، إن كنت في شدّة لم أتمن في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أنّي في صحّة، وإن كنت جائعة لم أتمن أنّي شبعانة، وإن كنت في شمس لم أتمنّ أنّي في فيء.
فقال العابد: هذه والله خصلة يعجز عنها العباد.
وكما أنّ الصبر إنّما يكون عند الصدمة الأولى، كما صحّ ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1)، فالرضا إنّما يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه: (وأسألك الرضا بعد القضاء)(2).
لأنّ العبد قد يعزم على الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة.
فمن رضي بعد وقوع القضاء، فهو الراضي حقيقة.
1) - قطعة من حديث عمار بن ياسر، أخرجه أحمد 4/264، وابن أبي شيبة في المصنّف 10/264، 265، وعبد الله بن أحمد في السُنّة: 466، والنسائي 3/54، 55، وابن خزيمة في التوحيد: 12، وابن نصر في قيام الليل: 246، والدارمي في الردّ على الجهمية: 98، واللالكائي في أُصول السُنّة 3/488، 489، والطبراني في الدعاء: 624، وابن حبّان: 509، وابن منده في الردّ على الجهمية: 96، والحاكم 1/523، 525 وصحّحه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات: 149، وإسناده صحيح.
2) - أخرجه البخاري 3/335، ومسلم 2/729، من حديث أبي سعيد الخدري.
وفي الجملة: فالصبر واجب لا بدّ منه، وما بعده إلاّ السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجّل له من الألم، وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه، كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كلّ خطب عرا *** ولا ترى الأعداء ما يشمتوا
يا قوم بالصبر تنال المنى *** إذا لقيتم فئة فاثبتوا
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من يتصبّر يُصبّره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً ولا أوسع من الصبر)(1)
وقد وصله عبد الله بن المبارك في الزهد: ،630 ووكيع بن الجرّاح في الزهد: 198، وأحمد في الزهد: 117، وأبو نعيم في الحلية 1/50 عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطّاب، فذكره.
ومجاهد لم يسمع من عمر بن الخطّاب، فقد ولد في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين، وعمر بن الخطّاب استشهد ثلاث وعشرين من الهجرة، وعليه فالإسناد منقطع، وقد صحّح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح 11/303، ولعلّه يعني بذلك أنّه صحيح إلى مجاهد.
وأخرجه الحاكم، كما في الفتح 11/303، عن مجاهد عن سعيد بن المسيب، عن عمر.
وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان 2/195، عن عمرو بن الحارث، قال: قال عمر، فذكره.
وإسناده ضعيف فيه محمّد بن خشنام الأصبهاني، ذكره الخطيب في تاريخه 5/252، ولم يحك فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، صدوق يغلط، وعمرو بن الحارث لم يسمع من عمر، فبينهما مفاوز تتقطع دونها أعناق الإبل، فقد ولد عمرو بن الحارث سنة 90، وقيل بعد ذلك.
2- أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/75، 76.
.وقال عمر: وجدنا خير عيشنا الصبر(2).
وقال عليّ: إنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان
1) - أخرجه البخاري 11/303، تعليقاً مجزوماً به.
لمن لا صبر له.
وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنّة، لا يعطيه الله إلاّ لمن كرم عليه.
وقال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئاً من جسيم الخير، نبيّ فما دونه إلاّ بالصبر.
وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد وهب الله له صبراً على الأذى، وصبراً على البلاء وصبراً على المصائب، إلاّ وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ.
وهذا منتزع من قوله تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ إلى قوله: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(1).
والمراد بالبأساء الفقر ونحوه، وبالضرّاء المرض ونحوه، وحين البأس حال الجهاد.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر، إلاّ كان ما عوضه خيراً ممّا انتزع منه، ثمّ تلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(2).
وكان بعض الصالحين في جيبه ورقة يفتحها كلّ ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا(3).
والصبر الجميل: هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها.
قال طائفة من السلف في قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ(1)، قالوا: لا شكوى معه.
كان الأحنف بن قيس قد ذهبت عينه من أربعين سنة ولم يذكرها لأحد.
وذهبت عين عبد العزيز بن أبي روَّاد من عشرين سنة، فتأمّله ابنه يوماً، فقال له: يا أبت، قد ذهبت عينك! فقال: نعم يا بني! الرضا عن الله أذهب عين أبيك من عشرين سنة.
وكان الإمام أحمد لا يشتكي ما به من المرض إلى أحد، وذُكر له أنّ مجاهداً كان يكره الأنين في المرض، فتركه فلم يئن حتّى مات، وكان يقول لنفسه: يا نفس اصبري وإلاّ تندمي.
ودخل بعض العارفين على مريض يقول: آه، فقال له ذلك العارف: ممّن؟!
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفيض النفوس بأوصابها *** وتكتم عُوَّادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي *** هواها إلى غير أحبابها
قال يحيى بن معاذ: لو أحببت ربّك، ثمّ جوَّعك وأعراك، لكان يجب أن تحتمله وتكتمه عن الخلق، فقد يحتمل الحبيب لحبيبه الأذى، فكيف وأنت تشكوه فيما لم يصنعه بك؟
ويقبح من سواك الفعل عندي *** وتفعله فيحسن منك ذاكا
1) - سورة يوسف/83.
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يشدّون على بطونهم الحجارة من الجوع(1).
كان أويس يلتقط الكسر من المزابل، والكلاب تزاحمه، فنبح عليه كلب يوماً، فقال: يا كلب لا تؤذ من لا يؤذيك، كلّ ممّا يليك، وآكل ممّا يليني، فإن دخلت الجنّة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير منّي.
وكان إبراهيم بن أدهم يلتقط السنبل مع المساكين، فرأى منهم كراهة لمزاحمته، فقال: أنا تركت ملك بلخ أفأزاحم المساكين على لقاط السنبل؟ فكان بعد ذلك لا يلتقط إلاّ مع الدواب التي ترعى فيه.
وكان الإمام أحمد يلتقط السنبل مع المساكين.
وآجر سفيان الثوري نفسه من جمالين في طريق مكّة، فطبخ لهم طعاماً فأفسده فضربوه.
وكان فتح الموصلي يوقد النار للناس بالأجرة:
من أجلك قد تركت خدي أرضا *** للشامت والحسود حتّى ترضى
مولاي إلى متى بهذا أحظى *** عمري يفنى وحاجتي ما تقضى(2)
أنزلت من أجلك خدي أرضا *** للشامت الحسود حتّى ترضى
إلى متى ربّي بهذا أحظى *** عمري يفنى والمنى ما تقضى
عن هامش الطبعة المصرية: 51 ــ 52.
[وقال غيره](1):
كم أحمل في هواك ذلاً وعنا *** كم اصبر فيك تحت سقم وضنا
لا تطردنّي فليس عنك غنى *** خُذ روحي إن أردت الثمنا(2)
حملت في هواك ذلاً وعنا *** فيك اصطبرت تحت سقم وضنى
لا تطردني ليس لي عنك غنى *** روحي خذها إن أردت الثمنا
عن هامش الطبعة المصرية: 52.
*(33) هكذا ورد هذان البيتان بالأصل، وهما خارجان بهذا الوضع عن أوزان الشعر المعروفة، ويمكن تعديل نظمهما هكذا:
هواكم به هويت العشقا *** قلبي جو ودمعتي ما ترقى
في حبّكم يهون ما قد ألقى *** ما يسعد النعيم من لا يشقى
عن هامش الطبعة المصرية: 52.
من أجل هواكم هويت العشقا *** قلبي كلف ودمعتي ما ترقا
في حبّكم يهون ما قد ألقى *** ما يسعد بالنعيم من لا يشقى(**)
كانت مصائب الدنيا عندهم نعماً، حتّى قال بعضهم: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.
ومن الإسرائيليات: إذا رأيت الغنى مقبلاً، فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل: مرحباً بشعار الصالحين.
وقال بعض السلف(1): إنّي لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرّات: أحمد الله إذ لم تكن أعظم ممّا هي، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
وانتظار الفرج بالصبر عبادة فإنّ البلاء لا يدوم:
اصبر لكلّ مصيبة وتجلد *** واعلم بأنّ الضرّ غير مؤبّد
واصبر كما صبر الكرام فإنّها *** نُوَبٌ تنوب اليوم تُكشف في غد
إذا غمس أعظم الناس بلاء كان في الدنيا في نعيم الجنّة غمسة، قيل له: هل رأيت بؤساً قط؟ قال: لا يا ربّ(2):
يا نفس ما هي إلاّ صبر أيام *** كأنّ مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة *** وخلِّ عنها فإنّ العيش قُدام
وقال [غيره](3):
وما هي إلاّ ساعة ثمّ تنقضي *** ويذهب هذا كلّه ويزول
1) - هو شريح القاضي، كما في سير أعلام النبلاء للذهبي 4/105.
2) - يشير المصنّف ــ رحمه الله تعالى ــ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم 4/2162، عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة. فيُصبغ في النار صبغة، ثمّ يقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ فيقول لا؟ والله! يا ربّ! ويؤتى بأشدّ الناس بؤساً في الدنيا، من أهل الجنّة، فيصبغ في الجنّة. فيقال له: يا بن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرّ بك شدّة قط؟ فيقول: لا. لا والله! يا ربّ ما مرّ بي بؤس ولا رأيت شدّة قط).
3) - ما بين المعكوفين من (ل) و(ض).
هذا موافق لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً(1).
وقوله تعالى: فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ(2).
وقوله تعالى في قصّة طالوت: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ...، إلى قوله وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(3).
وقوله تعالى: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ...(4)الآيات.
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث في الأمر بالصبر عند لقاء العدو كثيرة جدّاً.
وقال عمر لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوماً إلاّ صبرنا لهم كما صبروا لنا.
قال بعض السلف: كلّنا يكره الموت، وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر.
وسُئل البطال عن الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة.
وهذا كلّه في جهاد العدو الظاهر، وهو جهاد الكفّار، وكذلك في جهاد العدو الباطن، وهو جهاد النفس والهوى، فإنّ جهادهما من أعظم الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في الله)(1)
وأخرجه الترمذي: 1621 بلفظ: (والمجاهد من جاهد نفسه)، وإسناده حسن أيضاًً.
2- أخرجه البيهقي في كتاب الزهد الكبير: 374، والخطيب في التاريخ 13/493، وقال البيهقي: ((هذا إسناد ضعيف))، قلت: وذلك لأجل الليث بن أبي سليم، ضعيف لاختلاطه.
.وقال عبد الله بن عمرو لرجل سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها.
ويروى بإسناد ضعيف من حديث جابر: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لقوم رجعوا من الغزو: (قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: (مجاهدة العبد لهواه)(2).
وقال أبو بكر الصدّيق في وصيته لعمر رضي الله عنه حين استخلفه: إنّ أوّل ما أحذّرك نفسك التي بين جنبيّك.
ويروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حديث أبي مالك الأشجعي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً، قال: (ليس عدوك الذي
1) - أخرجه بهذا اللفظ أحمد 6/20، والطبراني في الكبير 18/307، وابن حبّان: 1624، والقضاعي في مسند الشهاب: 184، من حديث فضالة بن عبيد، وإسناده حسن، وأخرجه من طريق أخرى البزّار 2/35 ــ كشف الأستار، والطبراني في الكبير 18/309، وابن منده في الإيمان: 315، والقضاعي: 131، 183، وابن حبّان: 25، والحاكم 1/10، 11 بلفظ: (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله)، إسناده حسن.
إذا قتلك أدخلك الجنّة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيّك)(1).
وأخذ هذا المعنى العبّاس بن الأحنف الشاعر، فقال:
قلبي إلى ما ضرني داعي *** يكثّر أحزاني وأوجاعي
لقلّ ما أبقى على ما أرى *** يُوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوي إذا *** كان عدوي بين أضلاعي
فهذا الجهاد أيضاً يحتاج إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه، غلب وحصل له النصر، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غُلب وقُهر وأُسر، وصار ذليلاً أسيراً في يدي شيطانه وهواه، [كما قيل](2):
إذا المرء لم يغلب هواه أقامه *** بمنزلة فيها العزيز ذليل
وقال [غيره](3):
ربّ مستور سبته صبوة *** فتعرّى صبره فانهتكا
صاحب الشهوة عبد فإذا *** غلب الشهوة صار الملكا
قال ابن المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع.
وفي الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)(1).
ووصف بعضهم الأحنف بن قيس، فقال: كان أشدّ سلطاناً على نفسه.[عند الغضب](2).
قيل لبعضهم: إنّ فلاناً يمشي على الماء، فقال: من مكّنه الله من مخالفة هواه، فهو أقوى ممّن يمشي على الماء(3)
قال الشافعي: ((فإنّه ــ والله ــ قد قصَّر إن رأيته يمشي في الهواء: فلا تركن إليه...)).
.واعلم أنّ نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجدّ جدّت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.
كان أبو سليمان الداراني يقول: كنت بالعراق، أمر على تلك القصور والمراكب والملابس والمطاعم التي للملوك، فلا تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك، وأمر على التمر، فتكاد نفسي تقع عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين، فقال: تلك الشهوات آيس نفسه منها فأيست، والتمرة أطمعها فيه فطمعت، كما قيل:
صبرت على اللذات حتّى تولتِ *** وألزمت نفسي هجرها فاستمرتِ
1) - أخرج البخاري 10/518، ومسلم 4/2014، من حديث أبي هريرة.
2) - ما بين المعكوفين من (ش).
3) - أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: 184، والبيهقي في المناقب 1/453، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: قلت للشافعي: تروي ــ يا أبا عبد الله ــ ما كان يقول صاحبنا؟ ــ أريد: الليث، أو غيره ــ كان يقول: ((لو رأيته يمشي على الماء (يعني: صاحب الكلام): لا تثق به (أو لا تغتر به)، ولا تكلّمه)).
وما النفس إلاّ حيث يجعلها الفتى *** فإن طمعت تاقت وإلا تسلتِ
وكانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلمّا رأت عزمي على الذل ذلتِ
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (أنّ النصر مع الصبر) يشمل الصبر على جهاد العبد لعدوه الظاهر، وجهاده لعدوه الباطن وهو نفسه وهواه، وكان السلف يفضّلون هذا الصبر على الصبر على البلاء.
وقال ميمون بن مهران: الصبر صبران: الصبر على المصيبة حسن، وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي.
وقال سعيد بن جبير: الصبر على نحوين: أحدهما الصبر عمّا حرّم الله، والصبر لما افترض الله من عبادته، فذلك أفضل الصبر، والصبر الآخر في المصائب.
وقد ورد في هذا حديث مرفوع من حديث عليّ، لكنّه لا يثبت(1).
1) - أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وأبو أيوب في كتاب الثواب، والديلمي في مسند الفردوس، كما في إتحاف السادة المتقين 9/25، وفي إسناده من يجهل.
هذا يشهد له قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا...(1)، الآية.
وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً، إلى قوله: يَسْتَبْشِرُونَ(2).
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي رزين العقيلي: (ضحك ربّنا من قنوط عباده وقرب غيره)، خرَّجه الإمام أحمد.
وخرّج ابنه عبد الله من حديث أبي رزين أيضاً في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (علم الله يوم الغيث إنّه ليشرف عليكم أزلين قنطين، فيظلّ يضحك، قد علم أن غيركم إلى قرب)(3).
والمعنى أنّه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر عنهم، وخوفهم وإشفاقهم ويأسهم من الرحمة، وقد قدّر الله تغيير هذه الحال عن
1) - سورة الشورى/28.
2) - سورة الروم/48.
3) - أخرجه أحمد 4/11، 12، وابنه عبد الله في السُنّة: 452، 453، وابن ماجة: 281، وابن أبي عاصم في السُنّة: 554، والآجري في الشريعة: 279، 280، والدارقطني في الصفات: 30، والذهبي في المعجم الكبير 1/237، وإسناده ضعيف؛ فيه وكيع بن حُدس فيه جهالة، قال الذهبي: ((لا يعرف)).
قرب بإنزال المطر، ولكنّهم لا يشعرون.
وهذا كما اشتكى ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قائم يخطب يوم الجمعة احتباس المطر، وجهد الناس، فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه فاستسقى لهم حتّى نشأ السحاب ومطروا إلى الجمعة الأُخرى، حتّى قاموا إليه صلى الله عليه وآله وسلم فطلبوا منه أن يستصحي لهم، ففعل فأقلعت السماء(1).
وقد قصّ الله في كتابه قصصاً كثيرة، تتضمّن وقوع الفرج بعد الكرب والشدّة، كما قصّ نجاة نوح ومن معه في الفلك من الكرب العظيم، مع إغراق سائر أهل الأرض.
وكما قصّ نجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي ألقاه المشركون فيها، وأنّه جعلها برداً وسلاماً، وكما قصّ قصّة إبراهيم مع ولده الذي أمر بذبحه، ثمّ فداه بذبح عظيم.
وكما قصّ قصّة موسى عليه السلام مع أُمّه لمّا ألقته في اليم، حتّى التقطه آل فرعون، وقصّته مع فرعون لمّا نجّى الله موسى في البحر، وأغرق عدوه.
وقصّة أيوب، ويونس، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام ، وقصّة قوم يونس لمّا آمنوا.
وكما قصّ الله قصص محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ونصره على أعدائه ونجاته منهم في عدّة مواطن، مثل قصّته في الغار، وقصّته يوم بدر، ويوم أُحد، ويوم حنين.
وكما قصّ سبحانه قصّة عائشة في حديث الإفك وبرأها ممّا رميت
1) - ورد هذا ضمن حديث طويل أخرجه البخاري 2/501، 507، ومسلم 1/612، من حديث أنس.
به(1)، وقصّة الثلاثة: وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ(2)
لم تذكر الآية القرآنية في (ب) و(ش) والمثبت من (ل) و(ض) و(ط).
3- حديث توبة الثلاثة: أخرجه البخاري 8/113، 114، 115، 116، ومسلم 4/2121، 2122، 2123، 2124، 2125، 2126، 2127، 2128، من حديث كعب بن مالك.
4- قصّة إبراهيم وسارة مع الجبار: أخرجها البخاري 6/388، ومسلم 4/1840، 1841، من حديث أبي هريرة.
(3).وفي السُنّة من هذا المعنى شيء كثير أيضاً:
مثل قصّة الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة، ففرّج عنهم.
ومثل قصّة إبراهيم وسارة مع الجبّار الذي طلبها من إبراهيم، وردّ الله كيد الفاجر(4).
والحكايات الواقعة في هذا المعنى في الإسلام وقبله كثيرة جدّاً، لا يمكن استقصاؤها، وكثير منها مذكور في الكتب المصنّفة: في (الفرج بعد الشدّة) لابن أبي الدنيا، وغيره، وكتاب (مجابي الدعوة) لابن أبي الدنيا، وكتاب (المستغيثين بالله والمستصرخين به)، وكتب كرامات الأولياء، وأخبار الصالحين، وفي كتب التواريخ، وغيرها.
ونحن نذكر ههنا طرفاً يسيراً من أظرف ما حكي في هذا الباب ليعتبر به:
ذكر بعض العلماء في مصنّف له ــ وأظنّه من المغاربة(1)ــ أنّه سمع من أبي ذرّ(2)الهروي الحافظ يحكي: أنّه كان ببغداد يقرأ على أبي حفص بن شاهين في دكان عطار، وأنّه شاهد رجلاً جاء إلى العطار فدفع إليه عشرة دراهم وأخذ منه حوائج، وجعلها في طبق ووضعه على رأسه، فزلق ووقع طبقه، وتفرّقت حوائجه، فبكى واشتد بكاؤه، وقال: لقد ضاع منّي في قافلة كذا وكذا، هميان فيه أربعمائة دينار، أو قال: أربعة آلاف دينار، ومعها فصوص قيمتها مثل ذلك، فما جزعت لضياعها، ولكن ولد لي الليلة ولد فاحتجنا في البيت إلى ما تحتاج إليه النفساء، ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم، فلمّا قدّر الله ما قدّر جزعت، وقلت: لا أنا عندي ما أرجع به اليوم إلى أهلي، ولا ما أكتسب لهم غداً، ولم يبق لي حيلة إلاّ الفرار عنهم وتركهم على هذه الحال فيهلكون بعدي، فلم أملك نفسي أن جزعت هذا الجزع.
قال أبو ذرّ: ورجل من شيوخ الجند جالس على باب داره، فسمع هذا كلّه، فسأل الجندي أبا حفص أن يدخل هو وأصحابه والرجل المصاب معه إلى بيته ففعل، وطلب من الرجل المصاب إعادة الحكاية في الهميان، فأعاد ذلك عليه، وسأله عن من كان في تلك القافلة، وعن المكان الذي ضاع منه
1) - هو أبو بكر الطرطوشي في مصنّفه سراج الملوك في الباب التاسع والخمسين، والمؤلّف إنّما حكى هذه القصّة بالمعنى. (هامش الطبعة المصرية: 58).
2) - هو لم يسمع من أبي ذرّ، وإنّما سمع من أبي الوليد الباجي، وأبو الوليد سمع من أبي ذرّ، فلعلّ أصل العبارة: إنّه سمع ممّن سمع الخ، والله أعلم. (هامش الطبعة المصرية: 59).
الهميان، فأخبره، ثمّ سأله عن صفة الهميان وعلامته، فأخبره بذلك، فقال: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم، قال: فأخرجه إليه، فلمّا رآه، قال: هذا الهميان الذي سقط منّي، وفيه من الأحجار ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما وصف فدفعه إليه، وخرج من عنده، وقد صار من الأغنياء.
فلمّا خرج بكى الشيخ الجندي بكاءً شديداً فسُئل عن سبب بكائه؟ فقال: إنّه لم يكن بقي لي في الدنيا أمل ولا منية أتمناها إلاّ أن يأتي الله بصاحب هذا المال فيأخذه، فلمّا قضى الله بذلك بفضله ولم يبق لي أمل، علمت أنّه قد حان أجلي.
قال أبو ذر: فما انقضى شهر حتّى توفّي، وصلّينا عليه.
وحكى هذا المصنّف أيضاً في كتابه عن رجل حكى له بالموصل: أنّ رجلاً كان عندهم تاجراً يسافر بتجارته إلى البلدان، فسافر مرّة بجميع ماله وما يملكه إلى الكوفة، فوافقه في تلك السفرة رجل فخدمه فأحسن خدمته، وأنس به حتّى وثق به، ثمّ استغفله في بعض المنازل وأخذ دابته وما عليها من المال والمتاع، ولم يبق له شيئاً البتة، واجتهد في طلبه فلم يقع له على خبر، فرجع إلى بلده راجلاً جائعاً، فدخل المدينة ليلاً وهو على تلك الحال فطرق بابه، فلمّا علم أهله سرّوا، وقالوا: الحمد الله الذي جاء بك في هذا الوقت، فإنّ أهلك قد ولدت اليوم ولداً وما وجدنا ما نشتري به ما تحتاج إليه النفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية فاشتر لنا دقيقاً ودهناً نسرج(1)به، فلمّا سمع ذلك زاد في غمّه وكربه، وكره أن يخبرهم بما جرى له فيحزنهم،
1) - في (ب): ((يسرج)).
فخرج إلى حانوت رجل كان بالقرب من داره فسلّم عليه، وأخذ منه دهناً وغيره ممّا يحتاج إليه، فبينا هو يخاطبه إذ التفت فرأى خرجه الذي هرب به خادمه مطروحاً في داخل الحانوت، فسأله عنه، فقال: إنّ رجلاً ورد علَيَّ بعد العشاء، واشترى منّي عشاء واستضافني فأضفته، فجعلت خرجه في حانوتي ودابته في دار جارنا، والرجل باءت في المسجد، فنهض إلى المسجد ومعه الخرج فوجد الرجل نائماً، فرفسه فاستيقظ الرجل مذعوراً، فقال له: أين مالي يا خائن؟ قال: هو ذا على عنقك، والله ما تفقد منه ذرة. واستخرج الدابة على موضعها، ووسع على أهله وأخبرهم حينئذ بخبره.
ويشبه هاتين الحكايتين ما حكاه التنوخي في كتابه، والحكاية طويلة، وملخّصها: أنّ رجلاً كان ببغداد في زمن الرشيد، وكان صيرفياً، فابتاع جارية بخمسمائة دينار، وشغف بها حتّى تعطّل عن معاشه بسبب ملازمتها، وأنفق رأس ماله حتّى لم يبق معه منه شيء، وحملت جاريته فصار ينقض داره ويبيع أنقاضها حتّى فرغت ولم يبق له حيلة، فضربها الطلق وهو على تلك الحال، وطلبت منه ما يصلح للنفساء، وشكت إليه أنّها تموت إن لم يعجّل عليها بذلك، فبكى، وخرج على وجهه، وهمّ أن يغرق نفسه في دجلة، ثمّ خاف عقاب الله فامتنع، وخرج ماشياً على قدميه من قرية إلى قرية حتّى بلغ خراسان، فأقام بها واكتسب مالاً، وكتب إلى بلده ستّة وستين كتاباً ليتعرّف خبر الجارية، فلم يعد إليه الجواب، فلم يشكّ أنّها ماتت.
ثمّ رجع إلى بغداد بعد مدّة طويلة، ومعه مال قيمته عشرون ألف ديناراً، فخرج على قافلته اللصوص فأخذوا ما كان معه كلّه، وعاد بثيابه
فقيراً، ولم يزل يتوصّل حتّى دخل بغداد فقيراً كما خرج منها بعد أن غاب عنها قريباً من ثلاثين سنة، فقصد داره فوجدها عامرة وبابها حسن، وعليه بواب وغلمان وبغال، فسأل عن الدار لمن هي؟ فقيل: لابن فلان الصريفي وسمّوا الرجل باسمه، قالوا: وهو ابن داية أمير المؤمنين، وهو جهبذه وصاحب بيت ماله، وأخبره الذي سأله أن أباه أخبره أن أبا هذا الرجل صاحب الدار كان صيرفياً فافتقر، وإنّ أُمّ هذا الصبي ضربها الطلق، فخرج أبوه يطلب لها شيئاً، ففقد وهلك، وأنّ أُمّه أرسلت إلى بعض الجيران تستغيث بهم، فقاموا لها بحوائج الولادة، ثمّ أنّه ولد لأمير المؤمنين ولد ذكر وذلك الولد هو المأمون، وأنّه عرض عليه جميع الدايات فلم يقبل أثدائهن، فأرشدوا إلى أُمّ هذا الصبي فحُملت إلى دار الرشيد، فحين وضع فم المولود على ثديها قبله وأرضعته، وصارت عندهم في حال جليلة. ثمّ لما ولي المأمون الخلافة كانت المرأة وابنها معه، وبنى ابنها هذه الدار. وسأله عن أُمّه: أحيّة هي. قالوا: نعم، وهي تمضي إلى دار الخليفة أياماً وتكون عند ابنها أياماً. فجاء الرجل الصريفي حتّى دخل الدار مع الناس، فرآها في غاية الحسن ورأى في صدرها شاباً يشبهه، وبين يديه الكتاب والأموال والموازين يَقبضون ويُقبضون، فجلس الرجل في غمار الناس حتّى تفرّقوا ولم يبق غيره، فقال له الشاب: يا شيخ هل من حاجة؟ قال: نعم أنا أبوك. قال: فتغيّر وجهه ووثب مسرعاً، ثمّ استدعاه إلى داره، وأجلسه على كرسي وهناك ستار، فقال له الشيخ: لعلك تريد أن تختبر صدق قولي من جهة فلانة، وذكر اسم جاريته أُمّ الصبي، فسمعت الجارية صوته فرفعت الستارة
وخرجت إلى مولاها وجعلت تقبله وتبكي، وأخبرها خبره من حين خروجه من عندها إلى أن رجع، فقام ولده حينئذٍ واعتذر إليه من تقصيره، وأصلح حاله، ثمّ أدخله على المأمون فحدّثه بحديثه، فخلع عليه وصيّره جهبذاً له على ما كان عليه ابنه، وأجرى له الرزق وقلّد ابنه عملاً أجل من عمله(1).
وروى المعافى بن زكريا النهرواني، بإسناده عن سوَّار القاضي: أنّه خرج يوماً من دار المهدي، فدخل داره فدعا بغدائه فجاشت نفسه، فردّه، ثمّ دعا بجارية له فلم تطب نفسه، فدخل للقائلة فلم يأخذه النوم، فنهض وركب بغلته فلقيه وكيل له معه ألفا درهم، فقال له: أمسكها معك واتبعني. وخلّى بغلته فذهبت به، فحضرت الصلاة وهو في بعض الشوارع، فدخل فصلّى في مسجد هناك، فلمّا قضى صلاته، إذا هو بأعمى يتلمس، فقال له: ما تريد؟ قال له: أريدك. قال: وحاجتك؟ قال: شممت منك ريح الطيب فظننت أنّك من أهل النعيم، فأردت أن ألقي إليك شيئاً. قال: قل، قال: أترى هذا القصر؟ لقصرٍ هناك. قال نعم، قال: فإنّه كان لأبي فباعه، ثمّ خرج إلى خراسان فخرجت معه فزالت عنّا النعم التي كنّا فيها، فقدمت فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئاً يصلني به وأصير إلى سوّار فإنّه كان صديقاً لأبي، قال سوّار: قلت: فمن أبوك؟ قال: فلان بن فلان، فإذا هو أصدق الناس لي، فقلت له: فإنّ الله قد أتاك بسوّار منعه الطعام والشراب والنوم، وجاء به بين يديك. ثمّ دعا سوّار وكيله، فأخذ منه الدراهم فدفعها إليه. وقال له: إذا كان
1) - ذكر هذه القصّة مطولة التنوخي في كتابه الفرج بعد الشدّة 3/314 ــ 320.
غد فصر إلَيَّ. قال سوّار: ثمّ دخلت على المهدي فحدّثته بهذا الحديث فأعجبه، وأمر للأعمى بألفي دينار، وأمر لسوّار بمائة ألف دينار، قال سوّار: فجاءني الأعمى، فدفعت إليه الألفي دينار، وقلت له: قد رزق الله بكرمه بك خيراً كثيراً، وأعطيته من مالي ألفي دينار أيضاً.
وخرَّج ابن أبي الدنيا في كتابه (الفرج بعد الشدّة) بإسناده، عن وضاح ابن خيثمة، قال: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلاّ يزيد بن أبي مسلم، فنذر هدر دمي، فإنّي لبإفريقية إذ قيل: قدم يزيد بن مسلم، يعني: أميراً على إفريقية، فهربت منه، وأرسل في طلبي فأُخذت، فأُتي بي إليه، فقال لي: والله لطالما سألت الله أن يمكّنني منك. فقلت: وأنا والله طالماً استعذت بالله من شرّك، فقال: والله ما أعاذك، والله لأقتلنك، ثمّ والله لأقتلنك، ثمّ والله لأقتلنك، لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، علَيَّ بالسيف والنَّطع. قال: فجيء بالنطع فأقعدت فيه، وكُتفت، وقام قائم على رأسي بسيفٍ مشهور. وأقيمت الصلاة، فخرج إلى الصلاة، فلمّا سجد أخذته سيوف الجند، فقتل، فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه، وقال لي: انطلق(1).
وبإسناده عن عمر السرايا، وكان يغزو في بلاد الروم وحده، فبينما هو نائم ذات يوم إذ ورد عليه علج منهم، فحرّكه برجله فانتبه، فقال: يا عربي اختر إن شئت مطاعنة، وإن شئت مسايفةً، وإن شئت مصارعة، فقلت: أمّا المطاعنة والمسايفة فلا بقيا لهما، ولكن المصارعة، فنزل فصرعني وجلس
1) - أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدّة 2/155/ب، وفي ذمّ البغي: 29.
على صدري، وقال: أيَّ قتلة أقتلك. فرفعت رأسي، وقلت: أشهد أنّ كلّ معبود ما دون عرشك إلى قرار الأرضين باطل غير وجهك الكريم، قد ترى ما أنا فيه ففرّج عنّي، قال: فأغمي عليه، فأفقت فإذا الرومي قتيل إلى جنبيّ(1).
وروى أبو الحسن ابن الجهضم بإسناده، عن حاتم الأصم، قال: لقينا الترك فكان بيننا جولة، فرماني تركي فقلبني عن فرسي، ونزل فقعد على صدري، وأخذ بلحيتي وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني، فما كان قلبي عنده ولا عند سكينه، وإنّما كان عند سيّدي، فقلت: إن قضيت علَيَّ أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين إنّما أنا لك وملكك، فبينما أنا على هذه الحال إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقط عنّي، فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده فذبحته بها، فما هو إلاّ أن تكون قلوبكم عند السيّد حتّى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات.
وهذا باب يطول ذكره جدّاً، فليقتصر على ما ذكرناه ففيه كفاية.
1) - أخرجه ابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة رقم60، وفي الفرج بعد الشدّة: 34 ــ ط.
هذا منتزع من قوله سبحانه وتعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً(1).
وقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(2).
وروى حُميد بن حماد بن أبي الخوار، ثنا عائذ بن شريح: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً وحياله جحر، فقال: (لو جاء العُسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتّى يدخل عليه فيخرجه)، فأنزل الله عزّ وجلّ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. خرَّجه ابن أبي حاتم في (تفسيره).
وخرَّجه البزّار في (مسنده)، ولفظه: (لو جاء العسر حتّى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتَّى يخرجه)، ثمّ قال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.
حُميد بن حماد هذا ضعّفوه(3)
وتعقبه الذهبي، فقال: ((تفرّد به حميد بن حماد عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ)).
.وخرَّج ابن أبي حاتم من رواية مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال:
1) - سورة الطلاق/7.
2) - سورة الانشراح/5 ــ 6.
3) - إسناده ضعيف. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير 4/525، والبزّار 3/81، وابن عدي في الكامل 2/694، والطبراني في الأوسط، كما في المجمع 7/139، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 1/107، والحاكم 2/255، وقال: ((هذا حديث عجيب غير أنّ الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح)).
كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين(1).
وخرَّج ابن جرير من رواية معمر، عن الحسن، قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً مسروراً فرحاً، وهو يقول: (لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين.. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(2).
وخرَّجه أيضاً من رواية عوف ويونس، عن الحسن مرسلاً أيضاً.
ومن حديث قتادة، قال: ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر أصحابه بهذه الآية، فقال: (لن يغلب عسر يسرين)(3).
وروى ابن أبي الدنيا من حديث معاوية بن قرّة من حدّثه عن ابن مسعود، قال: لو أنّ العسر دخل في حجر لجاء اليسر حتّى يدخل معه، ثمّ قال: قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً _ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.
ومن حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه: أنّ أبا عبيدة حُصر، فكتب إليه عمر يقول: مهما ينزل بأمريء من شدّة إلاّ يجعل الله له بعدها فرجاً، إنّه لن يغلب عسر يسرين، وإنّه يقول: اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(4).
وكذا قال ابن عبّاس، وغيره من المفسّرين في هذه الآية: لن يغلب عسر يسرين.
كان بعض المتقدّمين ليلة في البادية في غمّ شديد، فألقي في روعه بيت من الشعر، فقال:
أرى الموت لمن أصبح *** مغموماً له أصلح
فلمّا جنَّ عليه الليل سمع هاتفاً يقول:
ألا يا أيّها المرء *** الذي الهمُّ به برَّح
وقد أنشد بيتاً لم *** يزل في ذكره يسنح
إذا اشتدت بك العسر *** ففكّر في ألم نشرح
فعُسر بين يسرين *** إذا أبصرته فافرح
قال: فحفظت الأبيات، ففرّج الله غمّي.
وقد أكثر الشعراء في القول في هذا المعنى، ونحن نذكر قطعة منتخبة من محاسن ما قيل في ذلك، فمّما قيل في هذا المعنى:
تصبّر إنّ عقبى الصبر خير *** ولا تجزع لنائبة تنوب
فإنّ العسر بعد اليسر يأتي *** وعند الضيق تنكشف الكروب
ولبعضهم:
وكم جزعت نفوس عن أمور *** أتى من دونها فرج قريب
ولبعضهم:
عسى فرج يكون عسى *** نعلل أنفسنا بعسى
وأقرب ما يكون المرء *** من فرجٍ إذا يئسا
ولغيره:
فأضيق الأمر أدناه من الفرج *** إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً
ولغيره:
فلا تجزع وإن أعسرت يوماً *** فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوء *** فإنّ الله أولى بالجميل
ولا تيأس فإنّ اليأس كفر *** لعلّ الله يُغني عن قليل
فإنّ العسر يتبعه يسار *** وقيل: الله أصدق كلّ قيل
ولبعضهم:
مفتاح باب الفرج الصبر *** وكلّ عسر بعده يسر
والدهر لا يبقى على حالةٍ *** والأمر يأتي بعده الأمر
ولغيره:
إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره واطمأنت *** وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضرّ وجهاً *** ولا أغنى بحياته الأريب
أتاك على قنوطٍ منك غوث *** يمن به اللطيف المستجيب
وكلّ الحادثات وإن تناهت *** فموصول بها الفرج القريب
ولبعضهم:
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى *** له فرجاً ممّا ألج به الدهر
عسى فرج يأتي به الله أنّه *** له كلّ يوم في خليقته أمر
إذا لاح عسر فارج يسراً فإنّه *** قضى الله أنّ العسر يتبعه اليسر
ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها:
فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصبر عليها، وهل يثاب على البلايا بنفسه؟ فيه اختلاف بين العلماء.
ومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربّما تاب ورجع منها إلى الله عزّ وجلّ.
ومنها: زوال قسوة القلوب وحدوث رقتها.
قال بعض السلف: إنّ العبد ليمرض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله، فيغفر له.
ومنها: انكسار العبد لله عزّ وجلّ وذلّه له، وذلك أحبّ إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.
ومنها أنّها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله، والوقوف ببابه والتضرّع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء، وقد ذمّ الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ(1).
وقال: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(2).
وفي بعض الكتب السابقة: إنّ الله ليبتلي العبد وهو يحبّه ليسمع تضرّعه.
وقال سعيد بن عبد العزيز: قال داود عليه السلام(1): سبحان مستخرج الدعاء بالبلاء، وسبحان مستخرج الشكر بالرخاء.
ومرَّ أبو جعفر محمّد بن علي بمحمّد بن المنكدر وهو مغموم، فسأل عن سبب غمّه، فقيل له: الدين قد فدحه، فقال أبو جعفر: أفتح له في الدعاء؟ قيل: نعم. قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من دعاء ربّه كائنة ما كانت.
وكان بعضهم إذا فتح له في الدعاء عند الشدائد لم يحبّ تعجيل إجابته خشية أن ينقطع عمّا فتح له.
وقال ثابت: إذا دعا الله المؤمن بدعوة وكّل جبريل بحاجته، يقول: لا تعجل بإجابته فإنّي أحبّ أن أسمع صوت عبدي المؤمن.
وروي مرفوعاً من وجوه ضعيفة(2).
ورأى بعض السلف ربّ العزّة في نومه، فقال: يا ربّ! كم أدعوك ولا تجيبني؟
قال: إنّي أحبّ أن أسمع صوتك(3).
1) - إلى هنا انتهى ما في نسخة (ش).
2) - ورد مرفوعاً من حديث جابر بلفظ: (إنّ العبد المؤمن يدعوا الله...) الخ الحديث. أخرجه الطبراني في الأوسط، كما في المجمع 10/151، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، متروك، كما قال الهيثمي في المجمع.
3) - كان الأولى بالمصنّف ــ رحمه الله ــ الإعراض عن ذكر مثل هذه الحكاية، وقد شحن كتابه هذا من الحكايات التي جلّها لا أصل له في الكتاب والسُنّة الصحيحة، بل مبنية على الخيال، وكفى بما صحّ من السُنّة وأقوال السلف واعظاً، فنسأل الله أن يتجاوز عنّا وعنه.
ومنها: أنّ البلاء يوصل إلى قلبه لذّة الصبر عليه والرضا به، وذلك مقام عظيم جدّاً، وقد تقدّمت الإشارة إلى فضل ذلك وشرفه.
ومنها: أنّ البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى مخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده.
وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد، فكيف بالمؤمن؟!
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات.
وفي الإسرائيليات: يقول الله عزّ وجلّ: البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
وإذا اشتدّ الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذ قريباً في الغالب.
قال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا(1).
وقال: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ(2).
وأخبر عن يعقوب عليه السلام أنّه لم ييأس من لقاء يوسف، وقال لإخوته: اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ(3).
وقال: عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً(4).
ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب، أنّ الكرب إذا اشتدّ وعظم وتناهى، وجد الأياس من كشفه من جهة المخلوق، ووقع التعلّق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلّق بالخلائق وتعلّق بالخالق، استجاب الله له وكشف عنه. فإنّ التوكّل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، كما قال الإمام أحمد، واستدلّ عليه بقول إبراهيم لمّا عرض له جبريل في
الهواء، وقال: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا.
والتوكّل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإنّ الله يكفي من توكّل عليه، كما قال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(1).
قال الفضيل: والله لو يئست من الخلق حتّى لا تريد منهم شيئاً لأعطاك مولاك كلّ ما تريد.
ومنها: أنّ العبد إذا اشتدّ عليه الكرب، فإنّه يحتاج حينئذٍ إلى مجاهدة الشيطان، لأنّه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون ثواب مجاهدة عدوه ودفعه: دفع البلاء عنه ورفعه.
ولهذا في الحديث الصحيح: (يُستجاب لأحدكم ما لم يُعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، فيدع الدعاء)(2).
ومنها: أنّ المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولاسيما بعد كثرة الدعاء وتضرّعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنّما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت.
وهذا اللوم أحبّ إلى الله من كثير من الطاعات، فإنّه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنّه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنّه تعال عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر.
قال وهب: تعبّد رجل زماناً، ثمّ بدت له إلى الله حاجة، فصام سبعين سبتاً يأكل في كلّ سبت إحدى عشرة تمرة، ثمّ سأل الله حاجته فلم يعطها، فرجع إلى نفسه، فقال: منك أتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك. فنزل إليه عند ذلك ملك، فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك.
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها *** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
فمن تحقّق هذا وعرفه وشاهده بقلبه، علم أنّ نعم الله على عبده المؤمن بالبلاء أعظم من نعمه في الرخاء.
وهذا تحقيق معنى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلاّ كان له خيراً، إن أصابته سرّاء فشكر كان له خيراً، وإن أصابته ضرّاء صبر كان خيراً له، وليس ذلك إلاّ للمؤمن)(1).
ومن ههنا كان العارفون بالله لا يختارون إحدى الحالتين على الأخرى، بل أيّهما قدّر الله، رضوا به وقاموا بعبوديته اللائقة به.
وفي (المسند)، والترمذي عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (عرض علَيَّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهباً، فقلت: لا يا ربّ! ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك)(2).
وقال عمر: ما أبالي أصبحت على ما أحبّ، أو على ما أكره|، لأنّي لا أدري الخير فيما أحبّ، أو فيما أكره(1).
وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت يوماً وما لي سرور إلاّ في مواقع القضاء والقدر.
يا هذا لم نستدعيك إلينا وأنت تفرّ منّا! نسبغ عليك النعم فتشتغل بها عنّا وتنسانا! فنفرغ عليك البلاء لترد إلينا! وتقف على بابنا، ونسمع تضرّعك! البلاء يجمع بيننا وبينك! والعافية تجمع بينك وبين نفسك!
إن جرى بيننا وبينك عتب *** أو تناءت منّا ومنك الديار
فالوداد الذي عهدت مقيم *** والأيادي التي عهدت غزار
كم لنا في طيّ البلايا، من منح وعطايا، وفي الزوايا خبايا.
يا هذا! إن شكرت نعمنا عليك، فتوفيقك للشكر من جملة نعمنا فاشكره! وإن صبرت على بلائنا، فالصبر من جملة فضلنا فأذكره! فكلّ ما تتقلب فيه فهو من نعمنا فلا تكفره!
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(2). إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علَيَّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلاّ بفضله *** وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسّراء عمّ سرورها *** وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلاّ له فيه منّة *** تضيق لها الأوهام والبر والبحر
[تم الكتاب بحمد الله ومنّه وكرمه وحسن توفيقه]
بعونه تعالى تم التعليق على هذا الكتاب
وتحقيقه في الثاني من جمادى الآخرة 1406هـ
فقير عفو ربّه
محمّد بن ناصر بن محمّد الصالحي العجمي
مع تنوير منير
من السيّد محمّد مهدي
السيّد حسن الموسوي الخرسان
عفي عنه
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
ليس من قصدي أن أتحدّث عن موضوع الرسالة، وقد مرّت أمثالها ممّا هو أكثر نفعاً، وأحسن جمعاً، وأقلّ صدعاً، كما ليس من قصدي التعريف بالمؤلّف، فإنّي لست أعرفه شخصياً، وليست معرفته ستعني زيادة نفع للقارئ، ما دامت الحكمة تقول: انظر إلى ما قال لا إلى من قال.
وعلى ضوء هذه الحكمة، سننظر إلى ما قاله المؤلّف (منير عرفة) زاده الله نوراً في إيمانه، واعتدالاً في برهانه، وأدباً في بيانه، الذي عثرت على رسالته متأخّراً في المكتبة الشاملة في أواخر الأجزاء الحديثية، ولمّا كان موضوعها المباشر متعلّقاً بابن عبّاس، استخرجتها بنصّها وفصّها، لألحقها في أواخر هذه الحلقة من العطاء غير المجذوذ، التي ضمّت المقبول والمنبوذ، فهي حريّة بمكانها الذي استدعاني حصولها لذكرها، ولم أستطع التفلّت منها، لأنّي رأيت مؤلّفها قد شرّق وغرّب، وأبعد كثيراً حين أغرب، فرأى (ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق) بعين واحدة حولاء، وهي ترى الشيء شيئين كذي العينين.
فهو أنار الله إيمانه، نظر إلى ابن عبّاس كما ذكر في نبذة عن حياته نظرة إكبار وإعجاب، على النهج التقليدي الذي جرى عليه أصحاب
التراجم، ولا مؤاخذة عليه في هذا، ولكنّه لمّا ذكر ما يأتي في مقدّمته أباح لقارئه نقده على ما ذكر، حين قال: فخذوا العلم على أعلامه، وأكّده بأربعة أبيات، لعلّها من نظمه، وهي:
متى يصل العطاش إلى ارتواء *** إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد *** إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترّفع الوضعاء يوماً *** على الكبراء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأكابر والأسافل *** فقد طابت ملازمة المنايا
فمن هذه الزاوية اتّسع باب المناقشة معه، وليس من المعيب على المرء أن يبذل جهداً فيخيب ويخطيء الهدف ولا يصيب، فكلّ ابن آدم خطّاء، إلاّ من عصم الله، غير أنّ المعيب كلّ المعيب أن يتعمّد خلط الحابل بالنابل، والناعق بالصاهل، ويجعل الحالي كالعاطل، تبعاً لهواه، وتقليداً لمن يراه أهلا فيما يراه، ثمّ يصرّ مستكبراً، وهذه بلية لم ينج المؤلّف من تبعتها، حين شنّ حملاته التكفيرية على من لا يستحقّ منه الذمّ، والتهجم عليهم بغير علم، مع أنّ آداب المناظرة والمحاورة تقضي بأن لا يقول الإنسان في أخيه المسلم إلاّ خيراً، وإلاّ فليصمت، امتثالاً لنهي الله تعالى عن القول بغير علم: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(1)، وقوله تعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(2)، ولكن المؤلّف صال وجال في
نهجٍ حطّه السيل من عل. فكان على حدّ قول جرير ــ وهو من أحسن أمثاله ــ كما قاله الثعالبي في إعجازه وإيجازه:
وابن اللبون(1)إذا ما لزّ(2)في قرن *** لم يستطع صولة البزل(3)القناعيس(4)
قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً(5).
فإلى الرسالة بنصها:
منير عرفة
فخذوا العلم على أعلامه:
متى يصل العطاش إلى ارتواء *** إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد *** إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترّفع الوضعاء يوماً *** على الكبراء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأكابر والأسافل *** فقد طابت ملازمة المنايا
نبذة عن حياته:
حبر الأُمّة هو عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، وكنيته (أبو العبّاس).
وينسب إلى هاشم بن عبد مناف، فيقال له: الهاشمي، وهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحبر الأُمّة، وهو فقيه الأُمّة، وترجمان القرآن، وكان يقال له: (البحر) لكثرة علمه، قال عن نفسه: ضمّني رسول الله، وقال: (اللّهمّ علّمه الحكمة).
وقال أيضاً: دعاني رسول الله، فمسح على ناصيتي، وقال: (اللّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب).
عن ابن عبّاس، قال: قبض النبيّ وأنا ابن عشر سنين مختون، وقد قرأت محكم القرآن (المفصل من القرآن).
وعن عبد الله بن عمر، أنّه قال: ((ابن عبّاس أعلم أُمّة محمّد بما نزل على محمّد)).
وقال سعد بن أبي وقاص: ((ما رأيت أحضر فهماً ولا ألبّ لبّاً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع حلماً من ابن عبّاس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات)).
وهو من المكثرين من الرواية لحديث رسول الله. (أخرج له أصحاب السنن (1660) ألف وستمائة وستين حديثاً، اتّفق البخاري ومسلم على 75 حديثاً منها، وانفرد البخاري بـ 28 حديثاً، وانفرد مسلم بـ 49 حديثاً.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحداً أعلم بالسُنّة، ولا أجلد رأياً، ولا أثقب نظراً حين ينظر مثل ابن عبّاس، وإن كان عمر بن الخطّاب ليقول له: قد طرأت علينا عُضُلُ أقضية أنت لها ولأمثالها.
وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عبّاس أكثر فقها وأعظم، إنّ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلّهم من واد واسع.
(معنى هذا أنّه كان فقيها مفسّراً راوية للشعر).
وقال ابن عبّاس: كان عمر بن الخطّاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله.
وقال ابن مسعود: لو أنّ ابن عبّاس أدرك زماننا ما عسره (أي: ما خالفه) منّا رجل.
وقال مكحول: قيل لابن عبّاس: أنّى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول.
وقال مجاهد: كان ابن عبّاس يسمّى البحر من كثرة علمه.
وقال طاوس: أدركت نحواً من خمسين أو سبعين من أصحاب رسول الله (إذا ذكر ابن عبّاس شيئاً فخالفوه لم يزل بهم حتّى يقرّرهم. (يعني: أنّه كان واسع الرواية قوي الحجّة)).
وقيل لطاوس: أدركت أصحاب رسول الله، ثمّ انقطعت لابن عبّاس؟! فقال: أدركت سبعين من أصحاب محمّد، إذا تدارءوا (تدافعوا، والمراد: إذا اختلفوا) في شيء انتهوا إلى قول ابن عبّاس.
وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عبّاس يقولون: ابن عبّاس أعلم من عمر، ومن عليّ، ومن عبد الله، ويعدّون ناساً، فيثب عليهم الناس، فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنّه لم يكن أحد من هؤلاء إلاّ وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ابن عبّاس قد جمعه كلّه.
وقال الأعمش: كان ابن عبّاس إذا رأيته، قلت: أجمل الناس، فإذا تكلّم، قلت: أفصح الناس، فإذا تحدّث، قلت: أعلم الناس.
وقال مجاهد: كان ابن عبّاس إذا فسّر الشيء رأيت عليه النور.
عن الأعمش: خطب ابن عبّاس وهو على الموسم (الحجّ)، فجعل يقرأ ويفسّر، فجعلت أقول: لو سمعته فارس والروم لأسلمت. وزاد ابن أبي شيبة، عن أبي وائل: سنة قتل عثمان، وكان أمّره على الحجّ تلك السنة.
والدين والفقه والعلم انتشر في الأُمّة عن أصحاب ابن مسعود،
وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب ابن عمر، وأصحاب عبد الله بن عبّاس، فعلم الناس عامّته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأمّا أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأمّا أهل مكّة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عبّاس، وأمّا أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
ويصفه أحد معاصريه، فيقول: لقد رأيت من ابن عبّاس مجلساً لو أنّ جميع قريش فخرت به، لكان لها به الفخر, رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتّى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء أو أن يذهب، فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءاً، فتوضأ وجلس، وقال: أخرج إليهم فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله، فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت، فما سألوا عن شيء إلاّ أخبرهم وزادهم، ثمّ قال: لهم أخوانكم، فخرجوا، ليفسحوا لغيرهم، ثمّ قال لي: أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام، فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم وزادهم، ثمّ قال: إخوانكم، فخرجوا، ثمّ قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم وزادهم، ثمّ قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن العربية والشعر، فآذنتهم فدخلوا حتّى ملأوا البيت، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم وزادهم...
وكان يحبّ الخير للمسلمين كافّة، فقد شتمه أحدهم، فقال عن نفسه: (إنّي لآتي على الآية من كتاب الله فأودّ لو أنّ الناس جميعاً علموا الذي
أعلم، وإنّي لأسمع الحاكم العادل من حكّام المسلمين يقضي بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو له، وما لي عنده قضية، وإنّي لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضاً فأفرح به، وما لي بتلك الأرض سائمة).
عاش عمراً مباركاً 71 عاماً، توفي سنة 68 هجرية بالطائف، وصلّى عليه محمّد بن الحنفية، وقال عنه: ((مات رباني هذه الأُمّة))(1).
واستقرت لابن عبّاس هذه المكانة العالية عند كبار أهل زمانه وعلى مرّ الأجيال، وذلك لأمور أربعة:
الأوّل: بركة دعاء النبيّ له بالفقه في الدين وعلم التأويل.
الثاني: حفظه الله فحفظه الله وبارك في علمه، فهو الذي روى حديث النبيّ، حيث قال: كنت خلف رسول الله يوماً، فقال لي: (يا غلام! إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأُمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف)(2).
الثالث: جده واجتهاده في تحصيل العلم عن أصحاب النبيّ، فكان
يذهب إلى الواحد منهم وينتظره وقت القيلولة ليأخذ عنهم العلم، وهو الذي لو شاء لدعاهم فيجيبوه(1).
الرابع: لتأدبه مع العلماء، فكان يأخذ بركاب زيد بن ثابت، ويقول: هكذا نصنع مع علمائنا.
ومع استقرار مكانة ابن عبّاس في العلم، إلاّ أنّه يوجد في كلّ عصر من يدّعي اتّباع العلم والحقّ، وما يتبع إلاّ هواه، ولذا سمّي العلماء أمثال هؤلاء بأهل الأهواء، وإليك أمثلة لترى أنّ هؤلاء لا يتّبعون إلاّ أهواءهم:
1ـ رجل جاء للنبيّ يقول: اعدل يا محمّد!
عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل. فقال: (ويلك ومن يعدل إذا أنا لم اعدل، قد خبت وخسرت إن لم
1) - روى الإمام الدارمي في سننه حديث رقم 569 بسند كلّه ثقات، عن ابن عبّاس، قال: لمّا توفي رسول الله، قلت لرجل من الأنصار: يا فلان! هلّم فلنسأل أصحاب النبيّ، فإنّهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا بن عبّاس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبيّ من ترى، فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا بن عمّ رسول الله! ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك، فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك فأسأله عن الحديث، قال: فبقي الرجل حتّى رآني وقد اجتمع الناس علَيَّ، فقال: كان هذا الفتى أعقل منّي.
أكن أعدل).
فقال عمر: يا رسول الله! ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: (دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نضبه ــ وهو قدحه ــ فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدر در، ويخرجون على حين فرقة من الناس).
قال أبو سعيد: فأشهد أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمس، فأتي به حتّى نظرت إليه على نعت النبيّ (الذي نعته)(1).
يقول علماؤنا: ذلك وأنّ الشيطان إذا يأس أن يأتي المسلم من جانب التقصير، فيأتيه من جانب الطاعة، فهذا رجل ضالّ يأتي إلى أعدل الناس ومن اختاره الله لرسالته رسول الله ليأمره بالعدل.
2ـ ادّعاء أهل الكوفة بأنّ سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة.
فأيّ جرأة هذه أن يدّعي قوم على رجل من العشرة المبشرين بالجنّة، ومن أصحاب رسول الله الأوائل، إنّه لا يحسن الصلاة، وإليكم هذه الرواية:
عن جابر بن سمرة، قال شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فعزله،
1) - رواه الإمام البخاري في صحيحه ــ كتاب المناقب حديث رقم 3341، ورواه الإمام أحمد والإمام مسلم، وغيرهم.
واستعمل عليهم عمّاراً، حتّى ذكروا أنّه لا يحسن أن يصلّي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق! إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلّي؟ فقال أبو إسحاق: أمّا أنا والله فإنّي كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله، ما أخرم عنها، أصلّي صلاة العشاء، فأركد في الأوّليين، وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظنّ بك يا أبا إسحاق! فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجداً إلاّ سأل عنه ويثنون معروفاً، حتّى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة، يكنّى أبا سعدة، قال: أمّا إذا نشدتنا فإنّ سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله، لأدعونّ بثلاث: اللّهمّ إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن، وكان بعد ذاك إذا سُئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك (أحد الرواة): فأنا رأيته قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وأنّه ليتعرّض للجواري في الطريق يغمزهن(1).
3ـ رجل يتتبع سقطات الخليفة الراشد عثمان بن عفان.
فأيّ ضلال أبين من ذلك أن يتتبع رجل أخطاء أحد علماء الإسلام، وواحد من المبشرين بالجنّة، وزوج ابنتي النبيّ، وواحد من أئمّة الهدى، الذين أُمرنا أن نتّبع سُنّتهم، وإليك هذه الرواية تبيّن لك ما يريد الرجل وكيف كبته ابن عمر:
قال الراوي: جاء رجل من أهل مصر حجّ البيت، فرأى قوماً جلوساً،
1) - رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأذان باب 95، حديث رقم 664.
فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا بن عمر! إنّي سائلك عن شيء فحدّثني: هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: تعلم: أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم، قال: ألله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أمّا فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه وغفر له، وأمّا تغيّبه عن بدر فإنّه كانت بنت رسول الله مريضة، فقال له رسول الله: إنّ ذلك أجر رجل ممّن شهد بدراً وسهمه، وأمّا تغيّبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكّة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكّة، فقال رسول الله بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك(1).
فيا الله! ما أبرك هذا العلم الصحيح، الغير منقوص، والغير مخلوط منك يا بن عمر، وصدق الله: بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ(2).
4ـ رجل يمدح قاتل عليّ بن أبي طالب.
نقل الإمام الشاطبي(3)رحمه الله في اعتصامه مدى ضلال أهل الأهواء، حيث
إنّ عمران بن حطان مدح ابن ملجم لقتله عليّ بن أبي طالب، وقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوماً فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزانا
5ـ الشيعة تسب أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة.
قال: وعلى النقيض وجدنا أناساً ضلّت طريق الإسلام، يغالون في حبّ عليّ، يكفّرون أبا بكر وعثمان وعائشة وغيرهم من الصحابة، بزعم أنّهم قد اغتصبوا الخلافة منه.
وإليك هذا الموقف الذي عايشته بنفسي:
دار حوار بين أحد الشيعة وأحد العقلاء، فقال له: إنّي سائلك أسئلة محدّدة وتجيبني عليها؟
ثمّ شرع يقول له: أفيجوز في دين الله أن تتزوج المؤمنة بكافر، أو المؤمن بكافرة؟
قال الشيعي: لا.
فقال له: إذن لماذا ظلّ النبيّ متزوجاً بعائشة حتّى الوفاة، حتّى دفن في حجرتها؟ وإذا كان ما يقولونه صواباً فلماذا زوّج عليّ بن أبي طالب ابنته أُمّ كلثوم لعمر بن الخطّاب؟ ولماذا سمّى عليّ بن أبي طالب أولاده أبا بكر وعمر وعثمان؟
فما استطاع هذا الشيعي أن يحرّك ساكناً، وبُهت وانقطعت حجّته، لكن الجَرَب كان قد تملك منه، وقضي الأمر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
قال ابن مسعود: من أحبّ منكم أن يكرم دينه، فليعتزل مخالطة الشيطان، ومجالسة أصحاب الأهواء، فإنّ مجالستهم ألصق من الجَرَب.
دخل رجل مبتدع على ابن سيرين بيته، فقال: أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد أن أقرأها ثمّ أخرج، فوضع ابن سيرين اصبعيه في أذنيه، ثمّ قال: أعزم عليك إن كنت مسلماً ألاّ خرجت من بيتي، فقال الرجل: لا أزيد أن أقرأ (آية) ثمّ أخرج، فتهيأ ابن سيرين للقيام، فقال الجالسون للرجل: قد عزم عليك إلاّ خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلاً من بيته؟ فخرج الرجل. فقالوا لابن سيرين بعد خروج الرجل: يا أبا بكر! ما عليك لو قرأ آية ثمّ خرج؟ قال ابن سيرين: إنّي والله لو ظننت أنّ قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنّي خفت أن يلقي في قلبي شيئاً أجهد في إخراجه من قلبي فلا أستطيع.
عن حميد الأعرج، قال: قدم غيلان (مبتدع) مكّة يجاور بها، فأتى غيلان مجاهداً (إمام عصره)، فقال: يا أبا الحجّاج! بلغني أنّك تنهى الناس عنّي وتذكرني، وأنّه بلغك عنّي شيء لا أقوله؟ إنّما أقول كذا فجاء بشيء لا ينكر، فلمّا قام، قال مجاهد: لا تجالسوه فإنّه قدري، قال حميد (الراوي): فإنّي بما كنت ذات يوم في الطواف لحقني غيلان من خلفي يجذب ردائي، فالتفت، فقال: كيف يقول حرفاً كذا وكذا، فأخبرته، فمشى معي، فبصر بي مجاهد معه، فأتيته فجعلت أكلّمه فلا يردّ علىّ، وأسأله فلا يجيبني ــ فقال ــ فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال، فقلت: يا أبا الحجّاجّ أبلغك
عنّي شيء؟ ما أحدثت حدثاً ما لي؟ قال: ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلّموه أو تجالسوه؟ قال: قلت: يا أبا الحجّاج! ما أنكرت قولك وما بدأته، قال: والله يا حميد لولا أنّك عندي مصدّق ما نظرت لي في وجه منبسط ما عشت، ولئن عدت لا تنظر لي في وجه منبسط ما عشت.
عن أيوب، قال: كنت يوماً عند محمّد بن سيرين، إذ جاء عمرو بن عبيد (مبتدع) فدخل، فلمّا جلس وضع محمّد يده في بطنه وقام، فقلت لعمرو: انطلق بنا ــ قال ــ فخرجنا، فلمّا مضى عمرو، رجعت فقلت: يا أبا بكر! قد فطنت إلى ما صنعت، قال: أقد فطنت؟ قلت: نعم، قال: أمّا أنّه لم يكن ليضمّني معه سقف بيت.
وعن بعضهم، قال: كنت أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون، فأعرض عنّي.
وعن الأوزاعي، قال: لا تكلّموا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته.
وعن يحيى بن أبي كثير، قال: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر.
قال الإمام مالك: لا تمكّن زائغ القلب من أذنك، فإنّك لا تدري ما يعلقك من ذلك.
عن سفيان الثوري: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إمّا أن يكون فتنة لغيره، وإمّا يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإمّا أن يقول: والله لا أبالي ما تكلّموا به وأنّي واثق بنفسي، فمن يأمن بغير الله
طرفة عين على دينه سلبه إياه(1).
ونختم هذه الوصفة بخير الكلام، قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(2).
عن أبي هريرة، عن النبيّ، قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)(3).
وسُئل عليّ: هل خصّكم رسول الله بشيء؟ فقال: (ما خصّنا رسول الله بشيء لم يعمّ به الناس كافة، إلاّ ما كان في قراب (جراب) سيفي هذا)، قال: فأخرج صحيفة فيها مكتوب: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من سرق منار (علامة وحدود) الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً)(4).
ومن تدبّر أحوال أهل الأهواء علم بركة هذا الكلام السابق، فلو أنّ أهل العلم كلّموا أهل البدع والأهواء بصورة عادية، لكان ذلك ضياعاً للدين، ومغرياً للعامّة بحديثهم، ولفتح بابه للجدل نهينا عنه شرعاً.
إذن الأصل هو أن يُجتنب أهل الأهواء والبدع والجَرَب، كما يجتنب المصاب بمرض معدي، لكن يمكن لإمام المسلمين أو قادتهم أن ينتدبوا بعض العلماء الثقات ليقاوموا هذا الداء، وليس ذلك لأفراد الناس، وتقدّر هذه الضرورة بقدرها لدى العلماء وبحساب المصالح والمفاسد.
ومَثَلُ العالم الذي ينتدبه المسلمون كالمبارز الذي يتقدّم الصف في أوّل المعركة ينتدبه الإمام ليبارز ولا يخرج من تلقاء نفسه إلاّ مضطراً، حيث إنّ البدعة يطيرها الشيطان في آفاق الناس فتتردّد بينهم حتّى تصل إلى العالم الحقّ فيقمعها، فينتشر قوله يردّده الناس فتموت البدعة, ولذا كان العالم الحقّ أشدّ على الشيطان من مئات العُبّاد.
وصدق الله إذ يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ(1).
وصدق الله: وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً(2)
وصدق النبيّ: (يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)(3).
ولمّا كان ابن عبّاس جبلاً من جبال العلم بدعاء النبيّ له، وبشهادة كبّار الصحابة له، فعلم ابن عبّاس مكانة نفسه، فصال وجال مقيماً حجّة الله على من خاب وخسر، وإليك هذه الرواية:
عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال: لمّا اجتمعت الحرورية(1)يخرجون على عليّ، جعل يأتيه الرجل فيقول يا أمير المؤمنين! إنّ القوم خارجون عليك، قال: (دعهم حتّى يخرجوا)، فلمّا كان ذات يوم، قلت: يا أمير المؤمنين! أبريء بالصلاة فلا تفتني حتّى آتي القوم ــ قال ــ فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، قد أثّر السجود في جباههم، كأنّ أيديهم ثفن الأبل، عليهم قمص مرحضّّة (مغسولة)، فقالوا: ما جاء بك يا بن عبّاس! وما هذه الحلّة عليك؟
قال ابن عبّاس: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيت رسول الله وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، ثمّ قرأ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(2).
فقالوا: ما جاء بك؟
قال ابن عبّاس: جئتكم من عند أصحاب رسول الله، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عمّ رسول الله، وعليهم نزل القرآن، وهو أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم.
فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً، فإنّ الله يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(1)، فقال بعضهم: بل نكلمه ــ قال ــ فكلّمني رجلان ــ أو ثلاثة ــ قال قلت: فماذا نقمتم عليه؟
قالوا: ثلاثاً.
فقلت: ما هنّ؟
قالوا: حكّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ(2).
قال: هذه واحدة، وماذا أيضاً؟
قالوا: فإنّه قاتل، ولم يَسب، ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حلّ قتالهم وسبيهم.
ــ قال ــ قلت: وماذا أيضاً؟
قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
ــ قال ــ قلت: أرأيتم إنّ أتيتكم من كتاب الله وسُنّة رسوله بما ينقض قولكم هذا. أترجعون؟
قالوا: وما لنا لا نرجع.
قال ابن عبّاس: أمّا قولكم حكّم الرجال في أمر الله، فإنّ الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا
يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ(1)، وقال في المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا(2)، فصيّر ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل، أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم، وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى هذا أفضل.
قال: أخرجتم من هذه؟
قالوا: نعم؟
قال: وأمّا قولكم: قاتل ولم يَسب، ولم يغنم، أتسبون عائشة؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأُمّنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟
قالوا: بلى؟
قال: وأمّا قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، أنّ نبيّ الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال رسول الله: (أكتب يا عليّ! هذا ما صالح محمّد رسول الله)، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنّك رسول الله، ولو نعلم أنّك رسول الله ما قاتلناك، قال رسول الله: (اللّهمّ إنّك تعلم أنّي رسولك، يا عليّ! أكتب هذا ما
اصطلح عليه محمّد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو).
قال ابن عبّاس: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم، فخرجوا فقتلوا أجمعون(1).
مسائل ابن الأزرق وردودها، هكذا كان ابن عبّاس فارس الحلبة، صال وجال، حتّى رأينا منه ما أعجب العامّة والخاصّة، ولقد كانت ردوده في مسائل نافع بن الأزرق(2)مثار إعجاب، وصدق من سمّاه بحراً.
وممّا دفعني أن أنقلها بتمامها ما يلي:
كنت جالساً يوماً استمع لأحد القرّاء، فقرأ قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(3)، فقال أحد الحاضرين: إنّ الله أمر بنظافة الملابس... فقال أحد الجالسين: إنّ الله أمر بنظافة الظاهر كما قلت، وكذلك أمر بطهارة القلب (الباطن)، لأنّ العرب تستخدم كلمة (ثياب) بمعنى قلب، قال امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل *** وإن كنت قد زامعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك منّي خطيئة *** فسلّي ثيابك من ثيابي تنسلي
1) - الاعتصام للشاطبي: 406 ــ 407، حكاية عن ابن عبد البرّ بسنده.
2) - نافع بن الأزرق: زعيم طائفة الأزراقة، وهي كبرى فرق الخوارج، كان أوّل خروجه بالبصرة عهد عبد الله بن الزبير، وفي سنة 65 اشتدّت شوكته، وكثرت جموعه، فبعث إليه عبد الله بن الحارث بن مسلم بن عيسى بن كريز بن ربيعة على رأس جيش كثيف، فاشتدّ بينهم القتال، حتّى قتل مسلم بن عيسى أمير الجيش، وقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج.
3) - سورة المدثر/4.
وإنّ معنى الآية يتوافق مع أوّل بيان ينزله الله على رسوله، حيث أمر بتزكية الظاهر والباطن، فاعترض الجالسون جميعاً على ذلك، ولم ينقذه من بينهم إلاّ أنّنا رجعنا إلى تفسير ابن كثير فوجدوا ما يؤيد نفس المعنى، والغريب أنّهم وجدوا نفس الأبيات الشعرية يستدلّ بها الحافظ ابن كثير، ولله الحمد والمنّة.
فعلمت مدى الهوّة السحيقة بيننا وبين الذين نزل عليهم القرآن، حيث عرفوا مخرجه ومدخله. فأردت أن أوردها لتُستفاد ولتشحذ همم أصحاب العزائم لحفظها.
فمن منّا يدري أنّ معنى (فأجاءها)، أي: ألجأها؟!
قال ابن عبّاس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه.
وعنه أيضاً، قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب.
وإليك مسائل نافع بن الأزرق التي أوردها الحافظ السيوطي في كتابه الرائع (الإتقان في علوم القرآن)(1)، وقد أردنا نقلها بتمامها مع ترقيمها..
فساقها (190) مسألة، من ص15 إلى ص25، وقال: هذا آخر مسائل نافع بن الأزرق وردود ابن عبّاس عليها، كما أوردها الحافظ السيوطي، وبعد
1) - الإتقان في علوم القرآن: 158 ــ 175.
ذلك كلّه... كان على نافع بن الأزرق أن يترك ضلاله ويتّبع منهج أصحاب رسول الله المتمثل في منهج ابن عبّاس، لكن الرجل ركب رأسه وتبع أهواءه، وضلّ طريقه في فرقة سمّيت باسمه ((الأزارقة))، حتّى قتل في إحدى المعارك وهو على ضلاله البيّن...
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
التنبيه الأوّل: ليس معنى هذا أنّنا يمكن أن نستغني في تفسير القرآن باللغة العربية وفقط، بل لا بدّ لفهم القرآن الكريم من الرجوع إلى القرآن الكريم نفسه، والسُنّة النبوية الشريفة، عمل سلفنا الصالح.
ونحن نعلم أنّه لكلّ علم معاني لغوية ومعاني اصطلاحية، كذلك شريعة الإسلام ومعاني القرآن، ولا يمكن أن نفسّرها لغوياً وفقط، وإنّما يكون الرجوع إلى اللغة للاسترشاد.
يقول ربّنا جلّ وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1)، السارق في اللغة: يدخل فيها كلّ سارق، سواء سرق بيضة، أو أقل، أو أكثر.
وشرعاً: لا يكون إلاّ إذا سرق ربع دينار، فأكثر.
اليد في اللغة مفتوحة (الكف إلى الرسغ ــ إلى المرفق ــ إلى الكتف)
أمّا شرعاً، فالقطع معروف مكانه.
1) - سورة المائدة/38.
وهذا يبيّن أنّه لا يمكن بحال من الأحوال أن يُكتفى لفهم معاني القرآن باللغة العربية وحدها، بل بما قدّمنا له في أوّل هذا التنبيّه.
ولذا قال عمر بن الخطّاب: لا تجادلوهم بالقرآن، فإنّه حمّال ذو وجوه، ولكن حاججوهم بالرواية.
التنبيه الثاني: بعض الناس يرمي الآخرين بأنّهم مبتدعون لأسباب واهية، فهو يبحث في مجتمعه عمن يرميه بالابتداع، فهذا شأن الخوارج لا أهل السُنّة والجماعة الذين من شأنهم إقالة العثرات، فليس كلّما اختلفت مع عالم ترميه بالابتداع (فلا يرمى بالبدعة في الخلافات الفقهية المعتبرة، مثل: رفع اليدين أو عدمه في تكبيرات الجنازة، إرسال اليدين بعد القيام من الصلاة أو قبضهما، الأخذ برأي من الرأيين في زكاة حليّ المرأة، الأخذ برأي من الرأيين في وجوب النقاب للمرأة). وغيرها من الأمور التي اختلف فيها علماء المسلمون ــ كذا ــ المعتبرون قديماً وحديثاً، فيمكن الاختيار ولا حرج ولا تبديع ولا تفسيق. وليحذر كلّ مسلم أن تتحول خلافاته الشخصية إلى تبديع الآخرين، فهذا من تلبيس إبليس.
أقول: وهذا كلام ناصح مشفق أمين، لولا أنّه سرعان من انقلابه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، حيث قال:
إنّما البدع التي يجب محاربتها تلك التي اتّفق علماء المسلمين المعتبرين على زجرها وهجرها، والتي تناقض أُصول الإسلام ومبادئه ــ كذا ــ ومن أمثلتها: بدع الفرق الضالّة كالشيعة والتكفير والهجرة وغيرها من الفرق التي بان ضلالها.
بدع اتّخاذ الأضرحة والمقامات أماكن للدعاء، والتوسّل، والنذور... وغيرها.
بدع إقصاء الإسلام عن شؤون الحياة المختلفة.
بدعة الجرأة على الإفتاء ممّن ليس أهلا لذلك.
بدعة التفرّق في دين الله، والولاء والبراء لا لله، بل للجماعة التي ينتمي إليها.
بدعة تحديد وقت قيام الساعة.
بدعة الملابس الخارجة عن أُصول الإسلام للنساء.
بدعة القول نأخذ بالقرآن وحده ونترك السُنّة.
بدعة القول بإباحة الربا لمسايرة ظروف العصر.
بدعة انشار الدجل والخرافات بين المسلمين.
بدعة تقديم العقل على نصوص الشريعة.
بدعة القول أنّ العقل السليم يناقض صحيح الدين.
التنبيه الثالث: قد يظنّ ظانّ أنّ هذه المسائل وأشباهها وتعلّمها من فضول العلم، وهذا وإن كان صحيحاً في حقّ الكثير، إلاّ أنّه ينبغي لطائفة من العلماء وخاصّة المنشغلين بعلوم القرآن منهم، إذ أنّ المسلمين اليوم يواجهون حرباً شرسة على كتاب الله وألفاظه وعباراته، بل وتؤلّف في ذلك الكثير من المؤلّفات للطعن في ألفاظ القرآن الكريم، وأسباب التقديم والتأخير هنا أو هناك. ولا يمكن للعالم أن يجاهد في هذا المجال إلاّ إذا
أحاط بعلوم القرآن، وتبحّر في أسرار اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، والاستعانة بما قاله السابقون من الصحابة والقرون الفاضلة.
التنبيه الرابع: يمكن لهذه المسائل أن تحفظ للأولاد النابهين في الكتاتيب، وفي أماكن تحفيظ القرآن الكريم، بأنّ يحدّد عدد من المسائل تحفظ يومياً، استثماراً لفترة الطفولة.
كما يمكن أن تحفظ في الأماكن المعنية بالقرآن الكريم، كالمعاهد والكليات المتخصّصة في دراسة القرآن الكريم. حيث يمكن للمتعلّم أن يحفظها في فصل دراسي واحد...
ويمكن لأيّ مسلم طالب للعلم أن ينفذ ذلك بينه وبين نفسه، بأن يحدّد عدداً معيناً من المسائل ــ وليكن خمس مسائل ــ يحفظها يومياً.. وبذلك يمكن أن يحفظها في أقلّ من أربعين يوماً.
وصدق من قال لأصحاب الهمم العالية:
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
والله الموفق.
ثمّ ذكر قائمة المراجع، وبعدها قائمة التخريجات التي لم يذكرها في الهوامش، ونحن نقلناها إلى أماكنها، لا كما ذكرها.
المراجع:
1ـ الصحيحان (البخاري ومسلم).
2ـ مسند الإمام أحمد.
3ـ السنن الأربعة.
4ـ سنن الإمام الدارمي.
5ـ التاريخ الكبير للبخاري ــ ط دار الكتب العلمية بيروت.
6ـ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ط دار الكتب العلمية بيروت ــ لبنان.
7ـ إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين لابن قيّم الجوزية تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، ط المكتبة العصرية صيدا.
8ـ الاعتصام للإمام الشاطبي ط دار الكتب العلمية ــ بيروت.
9ـ المختار من كنوز السُنّة للأستاذ الدكتور محمّد شوقي خضر السيّد، رئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر.
10ـ الإتقان في علوم القرآن للحافظ السيوطي.
11ـ الفرق بين الفرق للعلاّمة الأُصولي عبد القاهر بن طاهر محمّد ط مكتبة التراث.
12ـ رجال حول الرسول للأستاذ خالد محمّد خالد ط دار الكتب الإسلامية بالقاهرة.
فهرست(1)
الموضوع الصفحة
مقدّمة ......................................................................... 3
نبذة عن حياته................................................................... 4
من مواقف أهل الأهواء......................................................... 12
وصفة لمن أراد النجاة.......................................................... 17
استثناء واجب.................................................................. 20
فارس الحلبة................................................................... 22
مسائل ابن الأزرق............................................................. 27
تنبيّهات........................................................................ 71(2)
المراجع....................................................................... 77(3)
الفهرس....................................................................... 78(4)
1) - الترقيم طبق نسخة المؤلّف.
2) - هكذا الأرقام في الحاسوب، وهي من الأوهام والصواب 31/ 37/ 38، حيث ينتهي الكتاب ب40 صفحة.
3) - هكذا الأرقام في الحاسوب، وهي من الأوهام والصواب 31/ 37/ 38، حيث ينتهي الكتاب ب40 صفحة.
4) - هكذا الأرقام في الحاسوب، وهي من الأوهام والصواب 31/ 37/ 38، حيث ينتهي الكتاب ب40 صفحة.
لقد رأيت كاتب الرسالة ــ منير عرفة ــ قد اتّخذ من موضوع رسالته منفذاً لبثّ ما في نفسه من احتقان لاهب على أهل الأهواء في نظره، فجعل رسالته وسيلة لشن الهجوم بعنف لا هوادة فيه على من لم يوافقه على هواه، فتحامل بإسراف واعتساف على من سمّاهم أهل البدع، فجعل الشيعة منهم وهذا منه بغير إنصاف، فإنّ الشيعة كبقية الفرق الإسلامية يجمعها اسم ينتمي إليه طوائف مختلفة، ومذاهب وآراء متفاوتة، وقد نبّه على هذا أصحاب كتب الفرق والعقائد، ولو قد راجع كتاب الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ــ حيث ذكره في قائمة مراجعه، وأثنى على مؤلّفه، فوصفه بالعلاّمة الأُصولي، ونحن لا نبخسه حقّه، على أنّ ما وصفه به الفخر الرّازي في مناظرته مع أهل ما وراء النهر في المسألة العاشرة بقوله... ((وهذا الأستاذ ــ أبو طاهر ــ كان شديد التعصّب على المخالفين، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه...))(1)، يهبط بمستواه الوصفي.
فهذا يحمل الباحث على التريث في قبول كتابه كمصدر معتمد، ومع غض النظر عن هذا، فإنّه قال في الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب، في
1) - مقدّمة الكوثري في كتاب الفرق: 6، تحقيق السيّد عزت العطار الحسيني طبع سنة 1367هـ بمصر.
بيان تفصيل مقالات فرق الأهواء، وبيان فضائح كلّ فرقة منها على التفصيل، هذا باب يشتمل على ثمانية فصول، وهذه ترجمتها:
1ـ فصل في بيان مقالات فرق الرفض.
2ـ فصل في بيان مقالات فرق الخوارج.
3ـ فصل في بيان مقالات فرق الاعتزال والقدر.
4ـ فصل في بيان مقالات فرق المرجئة.
5ـ فصل في بيان مقالات فرق النجارية.
6ـ فصل في بيان مقالات الضرارية والبكرية والجهمية.
7ـ فصل في بيان مقالات الكرامية
8ـ فصل في بيان مقالات المشبهة الداخلة في غمار الفرق التي ذكرنا.
الفصل الأوّل من فصول هذا الباب في بيان مقالات فرق الرفض.
قد ذكرنا قبل هذا أنّ الزيدية منهم ثلاث فرق، والكيسانية منهم فرقتان، والإمامية منهم خمسة عشر فرقة، ونبدأ بذكر الزيدية، ثمّ الإمامية، ثمّ الكيسانية(1).
وقال: ذكر الإمامية من الرافضة: هؤلاء الإمامية المخالفة للزيدية والكيسانية والغلاة منهم خمسة عشر فرقة: الكاملية، والمحمّدية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والعمارية، والإسماعيلية، والمباركية، والموسوية، والقطعية، والاثني عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية...
1) - الفرق بين الفرق: 22.
فهذا الذي ذكره عبد القاهر عن مقالات فرق الرفض، كما سمّاهم ولم يسمّهم بالشيعة، وساق مقالات بعض الغلاة منهم(1)، فقال: وأمّا الإباحية منهم، فقد زعم أكثرهم أنّ الصحابة ارتدّت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى عليّ وابنيه ومقدار ثلاثة عشر منهم.
فعلى هذا الذي ذكره العلاّمة الأُصولي عبد القاهر البغدادي في كتابه الذي رجع إليه المؤلّف فيما يبدو، فهو لم يذكر اسم الشيعة، وإنّما ذكر فرق أهل الرفض، واسم أهل الرفض لا يخصّ الشيعة وحدهم، بل هناك من هو شاذّ في بعض عقائده، كما في جميع الفرق الإسلامية، فيقال له: رافضي، فلا يسوغ تحميل وزره على جميع أهل نحلته، حتّى أنّ الإمام الشافعي قال في شعر له:
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي
ثمّ إنّ اسم الشيعة بمعناه اللغوي يشمل كلّ من شايع إنساناً على رأيه وناصره في أمره فهو من شيعته، وقد جاء في الذكر الحكيم آيات دلّت على هذا، كقوله تعالى: لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً(2).
وقوله تعالى في سورة القصص في ذكر موسى عليه السلام: هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ(3)، وجاء في سورة الصافات: وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ(4).
وعلى هذا المعنى اشتهر جماعة من الصحابة باسم الشيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منهم: سلمان، وأبو ذرّ، والمقداد، وعمّار، والعبّاس، وجميع بني هاشم، وخالد بن سعيد بن العاص، وأخواه أبان وعمرو، وغيرهم، وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ لمّا نزلت الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1): (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين)، وهذا رواه السيوطي في (الدرّ المنثور) عن ابن عبّاس في تفسير الآية، ورواه غير ابن عبّاس من الصحابة: أبو برزة، وبريدة، وجابر بن عبد الله، وعليّ، وأحاديثهم في (شواهد التنزيل) للحسكاني، و(كفاية الطالب) للحافظ الكنجي الشافعي، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر في ترجمة الإمام، وجاء في تفسير الطبري ذلك عن محمّد بن علي، وهؤلاء كلّهم غير متّهمين بالكذب ولا الممالاة والمحابات للشيعة، فكيف استساغ الأستاذ منير عرفة أن يجعلهم في قائمة أهل الأهواء والبدع ويصنّفهم مع أهل التكفير والهجرة؟! إنّه لظلم عظيم، وقسطاس غير مستقيم.
ثمّ إنّك يا منير! حبّذا لو داويت نفسك من داء شرك المستطير، قبل أن تعطي وصفاتك المسلمين في تجنب أهل الأهواء والبدع والجرب، ألم تعلم أنّ ابن عبّاس الذي ساقتك المقادير على غير تدبير منك يا منير، فكتبت رسالتك (ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق) كان هو وأبوه وأخوته وجميع بني هاشم من الشيعة الذين حذّرت منهم، وكتبت وصفاتك، وأنت لم تعمل بها، فأخذت عن ابن عبّاس وهو من رؤوس الشيعة، فما أحراك بقول أبي
1) - سورة البينة/7.
الأسود الدؤلي ــ وهو أيضاً من أعيان الشيعة ــ ينعى على أمثالك ممّن يصف الدواء لذي السقام وهو عليل، حيث يقول:
يا أيّها الرجل المعلم غيره *** هلاّ لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء من السقام لذي الردى *** ومن الردى قد كنت أنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حليم
فهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى *** بالقول منك وينفع التعليم
1ـ إنّ افتراق المسلمين كما في الحديث الشريف، أكثر من سبعين فرقة منها واحدة ناجية والباقون في النار، فتنازع المسلمون احتضانها وأنّهم الفرقة الناجية، فكلّ يجرّ النار إلى قرصه، وهم في كلّ فرقة كألوان الطيف ولهم مذاهب شتّى، غير أنّ ما رواه الطبراني، وابن عدي، والخطيب البغدادي، عن عوف بن مالك بلفظه: (افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتزيد أُمّتي عليها فرقة، ليس فيها فرقة أضرّ على أُمّتي من قوم يقيسون الدين برأيهم فيحلّون ما حرّم الله ويحرّمون ما أحلّ الله)(1)، فهذا اللفظ أعطى مؤشراً واضحاً إلى ضلال أصحاب القياس، وما أحسن الإنصاف حين تحكيم العقل فلا ترمي الشيعة منهم ولا معهم، فهم ليسوا من أصحاب القياس في منكب ولا موكب، فلا ينبغي عدّهم إذن مع أهل
1) - راموز الأحاديث: 76، ط إسلامبول سنة 1275.
الأهواء والبدع، وكيف وقد اشتهر قولهم:
وليس من مذهبنا القياس *** لأنّ حكم الشرع لا يقاس(1)
2ـ وصفة إلهية تغني المسلم عن غيرها:
لا شكّ في حاجة كلّ مسلم يعنى بتهذيب نفسه، إلى الاهتداء بأنوار الآيات الكريمة في مفاهيمها والاستشفاء بتعاليمها، ويقبل النصيحة من كلّ ناصح، فإنّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الدين النصيحة، إنّ الدين النصيحة، إنّ الدين النصحية ــ قالها ثلاثاً ــ قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، رواه أحمد، والطبراني، عن ابن عبّاس، ورواه غير ابن عبّاس من الصحابة، وأحاديثهم في الجوامع الحديثية.
فمن هذا المنطلق أذكر بعض الآيات الكريمة التي تعنى بتهذيب النفوس المريضة التي ران على قلوب أصحابها، بل على قلوب أقفالها. فليقرأ أصحاب الأهواء وغيرهم ممّن هم من مرضى النفوس، وتلك الآيات المباركات في كتاب الله المنزل على نبيّه المرسل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(2)، فلنتلو الآيات بتدبّر، حتّى نفتح قلوباً غلفا، فقد قال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(3)، وإليك يا منير، نوّر الله قلوبنا جميعاً، بآيات الشفاء من كلّ داء، ولنتلوها من دون تهميش، أو
تشويش، فهي تتحدّث بلسان عربي مبين:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(1).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(2).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(3).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً(4).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ
اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(1). وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ _ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ _ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ _ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(2).
إلى غيرها من آي الذكر الحكيم، ممّا عالجت أدواء المجتمع بالدواء الناجع، ودعت إلى الوسطية في التحاور مع أهل الضلالة، وعلّمتنا آداب الدعوة والدعاة، ونهتنا عن الانسياب بلغة السباب، وحفظت الحدود في التعامل مع الآخرين، فليت المؤلّف ــ منير عرفة ــ عرفها فاستنار بها.
ألم يقرأ قوله تعالى: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(3).
ألم يقرأ قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ _
قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ _ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ(1). ألم يقرأ قوله تعالى وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ(2).
ألم يقرأ قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ(3).
ألم يقرأ قوله تعالى: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(4).
ألم يقرأ قوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً(5).
الم يقرأ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(6).
وأخيراً ألم يقرأ قوله تعالى: إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً(1). هكذا وردت الآيات الكريمة تنير الدرب لمن استهدى لتهذيب المسلمين، والمعايشة مع الآخرين، ولا أظنّ أنّ منير عرفة لم يقرأها، بلى لقد قرأها مكرّراً كما هو دأب أهل المعرفة من المسلمين، وهو منهم إن شاء الله، ولكنّه أخلد إلى الأرض أنار الله إيمانه، ولو أنّه هذّب لسانه، ولم يشطح شططاً، فحشر بين الحالي والعاطل غلطاً، ولم يخرج عن عنوان رسالته، (ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق)، فذكر معلوماته حول مفرداته من دون تشريق وتغريب لكان به أجدى، لكنّه أتى بما برهن به على ما تجيش به نفسه من غلواء إحن وأضغان، فوجد له منفذاً بدأ ينفثها، فقال بعد ترجمته لابن عبّاس بعنوان:
3ـ أهل الأهواء والبدع ووصفة للنجاة من مواقف أهل الأهواء والبدع.
وقال: ((ومع استقرار مكانة ابن عبّاس في العلم، إلاّ أنّه يوجد في كلّ عصر من يدّعي اتّباع العلم والحقّ، وما يتّبع إلاّ هواه، ولذا سمّى العلماء أمثال هؤلاء بأهل الأهواء، وإليك أمثلة لترى أنّ هؤلاء لا يتّبعون إلاّ هواهم)).
فهلّم وانظر إلى أمثلته التي ضربها للناس:
فذكر أوّلا: رجل جاء يقول للنبيّ اعدل يا محمّد.. ثمّ ذكر بعد ذلك الرجل وهو ذو الخويصرة الذي صار بعد ذلك رأساً في الخوارج، وقتل في
1) - سورة الإسراء/9.
النهروان مع أصحابه الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقد روى حديثه عن أبي سعيد الخدري، الذي قال: فأشهد أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه.
وذكر في العنوان الثاني: ادّعاء أهل الكوفة بأنّ سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة.
فساق عن كتاب (الاعتصام) للشاطبي شكاية أهل الكوفة سعداً عند عمر، فعزله واستعمل عمّاراً عليهم، وأرسل رجلاً يحقّق في شكوى أهل الكوفة، فسأل الرجل المفتش في المساجد عن سعد، فسمع الثناء عليه إلاّ في مسجد بني عبس، قام إليه أبو سعد أسامة بن قتادة فذمّه ذمّاً قبيحاً، وبلغ سعداً فدعا عليه بثلاث، استجيبت فيه دعوته.
أمّا العنوان الثالث: رجل تتبّع سقطات الخليفة الراشد عثمان بن عفان، فقال منير: ((فأيّ ضلال أبين من ذلك أن يتتبّع رجل أخطاء أحد أعلام الإسلام، وواحد من المبشرين بالجنّة، وزوج ابنتي النبيّ، وواحد من أئمّة الهدى الذين أمرنا أن نتبّع سُنتّهم)).
فذكر خبر الرجل الذي جاء إلى الحجّ، فرأى حلقة فيها شيخ كبير فسأل عنها وعنه، فقيل له: قريش ومنهم ابن عمر، فجاءه وسأله عن عثمان وعدم حضوره بدراً، وفراره يوم أحد، ولم يحضر بيعة الرضوان، فأجابه ابن عمر معذّراً، وقال له: اذهب بها الآن معك. ولم يذكر لنا المؤلّف هل اقتنع السائل بالجواب أم لا.
وإنّ من حقّ القارئ أن يسأل المؤلّف: ما هي العلاقة في ذكره لهذا وما قبله بمسائل ابن الأزرق الخارجي؟! فإن كان في الأوّل ورد ذكر ذو الخويصرة الذي قال للنبيّ: اعدل يا محمّد، فأخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن سوء عاقبته ومن معه، ففي شكوى أهل الكوفة على سعد ونقد الحاج المصري لعثمان إن لم يظهر شخوصهما من الخوارج، فما هو الغرض من ذكرهما؟ مع الغفلة عمّا يرد عليهما لو صحّ الخبر، خصوصاً في اسباغ النعوت من المؤلّف على عثمان، فهو أحد أعلام الإسلام، وواحد من المبشرين بالجنّة، وزوج بنتي النبيّ، وواحد من أئمة الهدى الذين أمرنا أن نتبّع سُنّتهم! فمن كان هكذا بصفاته، كيف يَطعن فيه الصحابة ويغمزوا من قناته، فتارة تسمّيه أُمّ المؤمنين عائشة نعثلاً وتحرّض عليه، وأُخرى يُقطع عليه خطبته ويترامى الصحابة من كان له ومن كان عليه، حتّى غطى منهم حجار البطحاء أديم السماء، فلم ينظر إليها راوي الخبر، وهو الحسن البصري! وهذا أخرجه الإمام الشاطبي ــ كما سمّاه المؤلّف فهو معتمد عنده إذاً ــ في كتابه (الاعتصام)(1)، وفيه يقول الحسن: وسمعنا صوت أُمّ المؤمنين وهي تقول: ألا إنّ نبيّكم قد بريء ممّن فرّق دينه واحتزب، وتلت قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ(2).
ثمّ ما بال منير عرفة الذي يصف عثمان، فيقول: وواحد من المبشّرين بالجنّة، فيستعظم أن يناله سؤال رجل حاقد أو ناقد لحقيقة ماضيه! هلاّ
استعظم موقف من حرّض على قتله كطلحة والزبير وهما أيضاً من المبشرين بالجنّة؟! سوى غيرهم من الصحابة، أليس كذلك يا منير؟
وخلّ عنك توارد الأسئلة فبعضها يتبع بعضاً، ولا من جواب مقنع، وفي أخبار حرب الجمل وصفين ما يكشف الحقّ المبين لذي دين، وأنّ الذين حرّضوا على قتله هم من الصحابة من المسلمين، ومواقف ابن عبّاس مع عثمان في حياته، ثمّ في مشاركته في حروب الجمل وصفين والنهروان إلى جانب ابن عمّه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وبقائه على مبدئه، ورأيه في عثمان لم يتغيّر، وأنّ أخباره قد مرّت في أجزاء الحلقة الأولى من الموسوعة(1)، فراجع، ستجد ابن عبّاس كان من الناقمين على سيرة عثمان وولاة عثمان.
ومحاوراته مع معاوية وأشياعه، وابن الزبير وأتباعه، في نقد عثمان ما يعطي انطباعاً سيئاً منه عن الخليفة الراشد، وإن لم يعلن ذلك للملأ في كلّ حين، وفي قوله لمعاوية في أحدى محاوراته: (ذلك أدحض لحجتك)، ما يستبطن دخيلة نفسه، فلنقرأ هذا وإن مرّ في الحلقتين السابقتين من الموسوعة(2):
لقد أخرج الحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين) بسنده عن معروف بن خربّوذ المكّي، قال: بينما عبد الله بن عبّاس جالس في المسجد ونحن بين يديه، إذ أقبل معاوية فجلس إليه، فأعرض عنه ابن
عبّاس، فقال له معاوية: ما لي أراك معرضاً؟ ألست تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر من ابن عمّك؟ قال: لم؟! لأنّه كان مسلماً وكنت كافراً؟ قال: ولكنّي ابن عمّ عثمان، قال: فإنّ ابن عمّي خير من ابن عمّك. قال: إنّ عثمان قتل مظلوماً، قال: ــ وعندهما ابن عمر ــ فقال ابن عبّاس: فإنّ هذا أحقّ بالأمر منك، فقال معاوية: إنّ عمر قتله كافر، وعثمان قتله مسلم، فقال ابن عبّاس: ذاك والله أدحض لحجّتك(1)! فإنّ من كان من أئمّة الهدى فلماذا يقتله المسلمون إذن؟! وما دام هو من المبشّرين بالجنّة فلماذا استحلّ حرمته وحرّض على قتله من هو مثله أيضاً مبشّر بالجنّة فيما تقولون. فما تقولون؟
إنّها التناقضات في السلوك والسيرةـ وتجعل القارئ في حيرة من أمره.
ولنرجع البصر كرّة أُخرى إلى عنوان: رجل يمدح قاتل عليّ بن أبي طالب.
فنقل عن الإمام الشاطبي روايته لبيتي عمران بن حطان: يا ضربة من تقي...
وقد عقّب الشاطبي عليهما بقوله، وكذب لعنه الله! وزاد عليه المؤلّف: فعليّ خير الخلق في عصره.
وفي ذكره لشعر ابن حطان، خلق بلبلة فكرية تستدعي النظر في ذكره عمران بن حطّان، فهو ملعون لا شكّ في هذا، لكن البخاري أخرج عنه في صحيحه، ومن روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة ــ كما تقولون ــ فكيف
1) - مستدرك الحاكم 3/467، راجع الموسوعة الجزء الخامس، الفصل الأوّل/بداية عهد جديد/محاورة ثانية.
الموائمة بين الغلّو في صحيح البخاري، وأنّه أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وبين ما ذكره الشاطبي في اعتصامه(1)ولعن ابن حطّان، ولا بدّ لهذا من جواب يا منير، فلك الإمهال من دون استعجال.
4ـ ولنا بعد منك السؤال عن ذكرك لعنوان: (الشيعة تسب أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة).
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هو الربط بينه وبين عنوان رسالتك: ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق؟
وما معنى قولك وعلى النقيض: وجدنا أناساً ضلّت طريق الإسلام يغالون في حبّ عليّ، يكفّرون أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من الصحابة، بزعم أنّهم اغتصبوا الخلافة منه؟!
ثمّ ذكرت موقفاً شاهدته بنفسك جرت فيه محاورة بين شيعي وسُنّي، انقطع فيها الشيعي مخصوماً ولم يحر جواباً، فقلت: ((فما استطاع هذا الشيعي أن يحرك ساكناً، وبهت وانقطعت حجّته، لكن الجَرَبَ كان قد تملك منه، وقضي الأمر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله))!
فإليك التنبيه على ما في العنوان وما فيه من ذكر مسألة السبّ، وحجّة غصب الخلافة من عليّ، وزواج المؤمن بكافرة، أو كافر بمؤمنة، وزواج النبيّ بعائشة ودفنه بحجرتها، وتزويج عليّ لعمر بأُمّ كلثوم. وأخيراً تسمية أبناءه بأسماء الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان. فهذه مسائل ذكرتها يا منير! وكلّها خارجة عن موضوع رسالتك: (ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق)، لماذا؟
1) - الاعتصام 3/103، ط المنار بمصر سنة 1332هـ.
فما هو العذر لو أردنا التعذير والتبرير؟ يا أيّها المنير غير المستنير! ولا مانع أن تبدي رأياً فيما تواضع عليه إخوانك أو أغيارك، من غير أن تجرح مشاعرهم بانتقاص من مبادئهم في اعتقادهم، وأنت حرّ في بيان ما في نفسك عليهم بإسلوب هادئ وبأنصاف، من دون عُنف واعتساف.
5ـ وأنا الآن لا أريد أن أفرض ما عندي عليك أو على غيرك، لكن الذي أريده لك ولأمثالك هو التجرّد عن النزعات والنزغات، عند إبداء الرأي في النزاعات، فإنّ الإمعان في الخصومات التي تؤدي إلى الهلكات حرام، ومن كان بيته من زجاج فلا يرامي بيوت الناس بالأحجار.
وأمّا المشهد الذي رأيته من محاورة الشيعي والسُنّي، فتحدّثت عنه بإعجاب لانقطاع الشيعي عن الردّ فيما حسبت، فقلت: ((لكن الجرب قد تملك منه))، ومن أين لك هذا؟! ولعلّه وما يدريك بأنّه كان عاقلاً، فلم يشأ توسعة الحديث بالنقض والإبرام وتطويل الكلام في الخصام، وإلاّ فهل يعقل هو لا يعرف أن يردّ على السُنّي نفس المسألة في زواج المؤمن بكافرة أو الكافرة بمؤمنة، بأنّ أبا طالب عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متزوّجاً بفاطمة بن أسد، وهي كانت من السابقات إلى الإسلام، ولم يفرّق بينهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم! فلماذا تقولون عن أبي طالب: ضلّ على دين قومه ولم يسلم حتّى مات كافراً؟! وزينب بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت مسلمة، وكان زوجها أبو العاص كافراً، وبقيت على إسلامها ولم يفرّق بينهما في النكاح قبل أن يسلم أبو العاص.
ثمّ إنّ شأن نزول هذه السورة يكفي لذلك الشيعي أن يردّ به على ذلك السُنّي بما رواه البخاري، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب: بأنّ اللتين
تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هما: عائشة، وحفصة، وقد صغت قلوبهما؟!
وفي موضوع التسمية أيضاً يردّ المسألة نفسها عليك: هل كان الراشدون الثلاثة يحبّون عليّاً، أو لا يحبّونه؟ فإن كانوا يحبّونه لماذا لم يسمّوا أحد أبنائهم أو بناتهم باسمه أو باسم أحد أبنائه الحسن والحسين، أو فاطمة أو زينب؟!
وهذا أسلوب الجهلة وأهل العناد، ومثيري الفتن والفساد، فلا ينبغي الخوض فيه، ولكن هلّم الخطب في رداء الطبابة الروحية والبدنية الذي لبسته، فصرت طبيباً للروح والأمراض الجلدية، ولكن للأسف تداوي الناس وأنت عليل، ولنقرأ ما وصفت به من دواء، فقلت:
6ـ ((وصفة: لمن أراد النجاة من الأهواء والجَرَب)).
وهذا عنوان وصفته يا منير! ولأوّل مرّة أقرأ لكاتب إسلامي يجمع وصفة الدواء لأمراض روحية ومرض جلدي، وأخشى عليه من عدوى المجاورة بين الدائين ما سوء عدواهما من تفشيهما، وقد خبرهما الكاتب المصلح، فجمع بينهما في وصفة واحدة، وقد قال الشاعر:
لا تربط الجرباء قرب صحيحة *** خوفي على تلك الصحيحة تجرب
وسوف لا نخاف من تلك المجاورة هلكا، ولا من محاورة المؤلّف دركا، فقد ساق عدّة نصوص نصائحية في مجانبة أهل الأهواء، وختمها بخير الكلام، وهو قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(1)،
1) - سورة النساء/140.
وعقبها بحديث أبي هريرة: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
أقول: بالرغم من كثرة مصادر الحديثين، فلم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم. وزادنا شكّاً فيه قول الترمذي في سننه: وهذا حديث حسن غريب.
ومهما ذكر مؤلّف الرسالة وختم الوصفة بقوله: وسُئل عليّ هل خصّكم رسول الله بشيء؟ فقال: ما خصّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء لمّ يعمّ به الناس كافّة، إلاّ ما كان في قراب سيفي هذا...
ثمّ قال المؤلّف: ((ومن تدّبر أحوال أهل الأهواء، علم بركة هذا الكلام السابق، فلو أنّ أهل العلم كلّموا أهل البدع والأهواء بصورة عادية، لكان ذلك ضياعاً للدين، ومغرياً للعامّة بحديثهم، ولفتح بابا للجدل نهينا عنه شرعاً)).
ثمّ قال في عنوان مستقل:
7ـ استثناء واجب، وهكذا وبجّرة من القلم صار الطبيب مفتياً، فأفتى بوجوب الاستثناء ممّا هو محظور، فقال: ((إذاً الأصل هو أن يُجتنب أهل الأهواء والبدع والجَرَب، كما يُجتنب المصاب بمرض معدي، لكن يمكن لإمام المسلمين أو قادتهم أن ينتدبوا بعض العلماء الثقات ليقاوموا هذا الداء، وليس ذلك لأفراد الناس، وتقدّر هذه الضرورة بقدرها لدى العلماء وبحساب المصالح والمفاسد...))، وبعد كلام له في شرعية الاستثناء الواجب، وقد مرّ بلفظه، صار ينتدب من يصلح للقيام بالواجب، فقال:
((ابن عبّاس فارس حلبتها وابن بجدتها)).
فذكر محاورة ابن عبّاس مع الحرورية، وإقناعهم بخطأ موقفهم فيما نقموه على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ورجوع ألفين منهم، وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعون. ثمّ ذكر مسائل ابن الأزرق وردود ابن عبّاس، فذكر السبب الداعي له على ذكرها، وهو استماعه لمقرئ قرأ قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(1)، وتفسير بعض السامعين للثياب الظاهرة، وردّ آخر عليه في تفسير (الثياب) الظاهرة، والباطنة (القلب)، واستشهد بقول امرئ القيس على ذلك، ورجوعهم إلى تفسير ابن كثير، فوجدوا فيه كما قال الثاني، وحتّى شعر امرئ القيس، واستمر بذكر ما حمله على ذكر مسائل ابن الأزرق برمتها نقلاً عن (الإتقان)، فنقلها وهي (190) سؤالاً، قال بعدها:
((كان على نافع بن الأزرق أن يترك ضلاله، ويتّبع منهج أصحاب رسول الله المتمثل في منهج ابن عبّاس، لكن الرجل ركب رأسه، وتبع أهواءه، وضلّ طريقه في فرقة سمّيت باسمه (الأزارقة)، حتّى قتل في إحدى المعارك، وهو على ضلاله البيّن... ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله)).
أقول: إلى هنا كان على منير عرفة أيضاً أن يختم رسالته، لكنّه أتبعها بتنبيّهات أربع، يمكن للقارئ الرجوع إليها ليقرأها بلفظه، ويرى كيف كانت نصائحه، وهو خلو من مفعولها سوى ما فيها من خلط وخبط لا تترك مجالاً لحسن الظنّ به.
1) - سورة المدثر/4.
فذكر في التنبيّه الأوّل عدم الاكتفاء بتفسير القرآن باللغة العربية وحدها، وختم كلمته بقوله: ((ولذا قال عمر بن الخطّاب: لا تجادلوهم بالقرآن فإنّه حمّال ذو وجوه، ولكن حاججوهم بالرواية))، ونسبة هذا القول إلى عمر بن الخطّاب غير صحيحة، لأنّ الخوارج حدثت بدعة مقالتهم في أواخر أيام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهم إنّما سمّوا بالخوارج لأنّهم خرجوا عن طاعته واعتزلوه.
والصحيح: إنّ القول هو للإمام عليه السلام، قاله لابن عبّاس حين ذهب إلى محاججتهم، فقال: (لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجّهم بالسُنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً)(1).
وذكر في التنبيّه الثاني نصيحة، حبّذا لو كان هو عمل بها ولم يتركها للآخرين، فتذهب هواءً في شبك، لأنّها من واعظ غير متّعظ، حيث ساق ذكر اثني عشر عنواناً للبدع ودعا إلى محاربة أهلها. وإلى القارئ عرض بعضها باقتضاب، وعليه الجواب عن رأيه في المؤلّف، هل أخطأ، أم أصاب حين قال:
((إنّما البدع التي يجب محاربتها، التي اتّفق عليها علماء المسلمين المعتبرين على زجرها وهجرها، والتي تناقض أُصول الإسلام ومبادئه، ومن أمثلتها:
بدع الفرق الضالة، كالشيعة، والتكفير، والهجرة، وغيرها من الفرق التي بان ضلالها.
1) - نهج البلاغة 3 الكتاب 77.
بدع اتخاذ الأضرحة والمقامات أماكن للدعاء، والتوسل، والنذور.. وغيرها.
بدع إقصاء الإسلام عن شؤون الحياة المختلفة.
بدعة الجرأة على الإفتاء ممّن ليس أهلاً لذلك.
بدعة التفرّق في دين الله، والولاء والبراء لا لله، بل للجماعة التي ينتمي إليها.
بدعة تحديد وقت قيام الساعة.
بدعة الملابس الخارجة عن أُصول الإسلام للنساء.
بدعة القول نأخذ بالقرآن وحده ونترك السُنّة.
بدعة القول بإباحة الربا لمسايرة ظروف العصر.
بدعة انتشار الدجل والخرافات بين المسلمين.
بدعة تقديم العقل على نصوص الشريعة.
بدعة القول أنّ العقل السليم يناقض الدين الصحيح)).
هذه البدع التي ذكرها، وابتدأ ذكرها بـ(إنّما) وهي من أدوات الحصر كما يقول النحاة، ولو رجع إلى (معجم البدع) تأليف رائد صبري بن أبي علفة ط دار العاصمة في الرياض، لوجد أضعاف ما ذكره، ولم يحصرها بـ(إنما).
ولو أنّه قرأ قول ابن عبّاس الذي كتب رسالته باسمه، وعرف معنى قوله لم يقل: (إنّما)! لأنّ ابن عبّاس، قال: (ما يأتي على الناس عام إلاّ
أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سُنّة، حتّى تحيا البدع وتموت السنن)(1).
فهي لا تحصر بأداة حصره، على أنّه لم يكن مصيباً في جميع ما ذكره، ويعنينا في المقام هو ذكره الشيعة في رأس قائمة الفرق الضالة، وقد سبق في عنوان: (الشيعة تسبّ أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، بزعم أنّهم اغتصبوا الخلافة من عليّ...).
وذكرت ما يتعلّق بالتزويج والتسمية، وليسا من الأهمية بمكان، كمسألة السبّ التي أضحت مادّة للتهريج، وكأن إثارتها صاعقة كصاعقة عاد وثمود، على أنّها في نفسها غير ثابتة، وإذا صدق الكاتب في زعمه بأنّ السبب هو غصب الخلافة، (فلولا المسبب لم ينجح السبب)، فهذا معلوم لدى الصحابة فمن بعدهم(2)
ترجمة خالد بن سعيد بن العاص، ولقد ورد في الفصول المختارة: أنّه أوّل من قام إلى أبي بكر يوم الجمعة، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (يا أبا بكرّ اتّق الله وانظر ما تقدّم لعليّ بن أبي طالب، أما علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا ونحن محدقون به وأنت معنا في غزاة بني قريضة وقد قتل عدّة من رجالهم: يا معشر قريش! أنّي موصيكم بوصية فاحفظوا عنّي، ومودعكم أمراً فلا تضيعوه، إنّ عليّ بن أبي طالب إمامكم بعدي وخليفتي فيكم، وبذلك أوصاني جبرئيل عن الله عزّ وجلّ...) إلى أخر كلامه، وله كلام غير هذا، رواه عبد الرزاق في المصنّف 5/454؛ فراجع.
ولا تنس! إنّ الزبير بن العوام أيضاًً لم يبايع إلاّ بعد بيعة بني هاشم، ودع عنك ذكر سعد بن عبادة زعيم الخزرج من الأنصار الذي لم يبايع أبا بكر ولا عمر إلى أن خرج من المدينة إلى الشام مهاجراً، واغتيل بحوران، وقيل: قتله الجنّ، وأنشدوا عنهم:
نحن قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عبادة *** ورميناه بسهمين فلم نخطيء فؤاده
إلى غير هؤلاء ممّن لم يبايع أبا بكر، وهم من الصحابة.
واطو كشحاً عن هذا، وهلّم الخطب فيما قاله أبو بكر قبيل موته في مثلثاته التي ستأتي بعد هذا..
، وقد اعترف به عمر حين حاوره ابن عبّاس1) - اعتقاد أهل السُنّة اللالكائي 7/292، المتّفق والمفترق للخطيب 2/206 برقم 1569.
2) - إنّ الذين أبوا بيعة أبي بكر، وامتنعوا عن مبايعته جماعة من الصحابة، ممّن لهم مكانتهم في نفوس المسلمين، فإنّ خالد بن سعيد بن العاص، كان هو عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اليمن، وأخوه على البحرين، وأخوه عمر على تيماء وخيبر وقرى عيينة، ولم يزل خالد وأخواه عمر وأبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا توفي رجعوا عن أعمالهم، فقال لهم أبو بكر: ما لكم رجعتم، ما أحد أحقّ بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بني أبي أحيحة، لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبداً، وتأخر وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: أنّكم لطوال الشجر، طيّبوا الثمر، ونحن تبع لكم، فلمّا بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان. (أسد الغابة لابن الأثير 2/24، ط مصر سنة 1285).
كما سيأتي، وقد استنكر غير واحد من الصحابة تولّي أبي بكر الخلافة وامتنعوا من مبايعته، ويكفي أن تقرأ في صحيح البخاري في باب مناقب فاطمة عليها السلام حديث المسور بن مخرمة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني)(1)، ورواه البخاري أيضاً في باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
واقرأ أيضاً في البخاري في باب فرض الخمس حديث عروة بن الزبير: أنّ عائشة أخبرته: أنّ فاطمة ابنة رسول الله سألته ميراثها؟ فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فغضبت فاطمة بنت رسول الله، فهجرت أبا بكر، فلم تزل فيها حرقة حتّى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ستّة أشهر.
وأيضاً عن عائشة: إنّ فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله
1) - صحيح البخاري 5/29.
ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستّة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر...(1).
فما رأيك يا منير؟! أنار الله لك السبيل، لتقول الجميل، لا أن تحمل على الناس بوحي الوسواس الخناس. فهل كانت فاطمة الزهراء تطلب ما لا تستحقّ وهي سيّدة نساء أهل الجنّة؟!
وهل أنّ أبا بكر أصاب في منعها فهجرته حتّى توفيت، كما مرّ عن صحيح البخاري؟ فإن كان أصاب فلماذا منه الندم؟
وهل أنّ أبا بكر لم يقرأ القرآن والآيات التي توعدت من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مثل قوله تعالى في سورة براءة: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(2)؟
وقوله تعالى في سورة الأحزاب: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً(3).
وقوله تعالى في سورة الأحزاب: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً(1)؟
فإن نسي كلّ هذا، فهل نسي ما نزل فيه وفي صاحبه عمر حين ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى قوله في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ(2)، وقد أخرج أحمد في مسنده(3)بسنده عن أبي مليكة، قال: كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر لما قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجامع، وأشار الآخر بغيره، قال أبو بكر لعمر: إنّما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ إلى قوله عَظِيمٌ.
وهذا ما أخرجه من أعلام المحدّثين من السُنّة، وليسوا من أهل البدع والأهواء يا أستاذ منير! فقد أخرجه البخاري(4)، والطحاوي في (مشكل الآثار)(5)، وأخرجه الحميدي في (الجمع بين الصحيحين)(6)، وابن الأثير في (جامع الأُصول) عن البخاري، والترمذي.
فهل من عتب على من عابهما على سوء تصّرفهما بسوء اختيارهما، ولا تصعق لو ذكرت لك إن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل(1)والعضد الآيجي كما في شرح المواقف للشريف الجرجاني(2)قد ذكرا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (جهزّوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه) وهما ممّن تخلّف عنه وقد قال تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(3).
ولو قدّر لك أن تقرأ ما ورد في كتاب (المحسن السبط مولود أم سقط) من نصوص المؤرخين من أهل السُنّة، تجد عنوان (اعتراف أبي بكر كشف خطير)، لذهلت ورأيت عجباً، ولزيادة التنوير أعرض لك قبل ذلك ما أخرج الطبري في (تهذيب الآثار/ مسند ابن عبّاس)(4)، بسنده عن ابن أبي مليكة، يقول: قد أتى عليّ برهة من الدهر، وما أراني أدرك رجل يقول: (أنا مؤمن)، فما رضي بذلك حتّى قال: على إيمان جبريل وميكائيل، وما كان محمّد عليه السلام يتفوّه بذلك، وما زال الشيطان يتلعب بهم حتّى قالوا مؤمن وإن نكح أُمّه أو أخته وابنته! والله لقد أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجالاً ما مات منهم إلاّ وهو يخشى النفاق.
والآن إلى قراءة اعترافات خطيرة من الصحابة.
فماذا هناك؟
هناك حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف في مرضه الذي مات فيه، وما لحقه من إيهام واستبهام، ممّا ينصب أكثر من علامة استفهام، فليقرأه أبناء الإسلام ليعرفوا حقائق مغيّبة في ضبابية التاريخ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
أخرج الطبري في تاريخه(1)، وابن عبد ربّه المالكي الأندلسي في كتابه (العقد الفريد)(2)، وغيرهما: كالجوهري، والطبراني، ممّن يمكن الرجوع إليهم لغرض المقارنة والتأكيد على صحّة جوهر النص؛ لأنّ التفاوت في المنقول قد يوحي بالشكّ في صحّة المنقول، ولمّا كانت رواية الطبري وابن عبد ربّه أوفى سنداً من رواية غيرهما، فعنهما نذكر النصّ، وهو كما يلي:
قال الطبري: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدّثنا الليث بن سعد...
وقال ابن عبد ربّه: قال أبو صالح: أخبرنا محمّد بن وضاح، قال: حدّثني محمّد بن... بن المهاجر التميمي، قال حدّثني الليث بن سعد(3)، قال: حدّثنا
علوان، عن صالح بن كيسان، عن عمر(1)بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، أنّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفّي فيه، فأصابه مهتمّاً(2)، فقال له عبد الرحمن: أصبحت والحمد لله بارئاً !
فقال أبو بكر: أتراه؟
قال: نعم.
قال: ((أمّا إنّي على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي))(3)، إنّي ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلّكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تقبل، وهي مقبلة، حتّى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذري(4)كما يألم أحدكم أن ينام على حسك (شوك السعدان)، والله لأن يُقدّم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً، فتصدّونهم عن الطريق يميناً وشمالاً، يا هادي الطريق، إنّما هو الفجر، أو البجر(5).
فقلت له: خفض عليك رحمك الله، فإنّ هذا يهيضك في أمرك، إنّما
الناس في أمرك بين رجلين: إمّا رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإمّا رجل خالفك فهو مشير عليك، وصاحبك كما تحبّ، ولا نعلمك أردت إلاّ خيراً، ولم تزل صالحاً مصلحاً، وأنّك لا تأسى على شيء من الدنيا.
قال أبو بكر: أجل، إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غلقوه على حرب، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السُلمي(1)، وأنّي كنت قتلته سريحاً، أو خلّيته نجيحاً(2)، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ــ يريد: عمر وأبا عبيدة ــ فكان أحدهما أميراً، وكنت وزيراً.
وأمّا اللاتي تركتهنّ: فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنّه تخيّل إليَّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه. ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردّة كنت أقمت بذي القصّة(3)
فيالعباد الله ما لأبي بكر *** أطعنا رسول الله ما كان بيننا
وتلك لعمر الله قاصمة الظهر *** أيورثها بكرا إذا مات بعده
وهلاً خشيتم حس راغية البكر *** فهلا رددتم وفدنا بزمانه
كالتمر أو أحلى إليَّ من التمر *** وأنّ التي سالوكم فمنعتم
تاريخ الطبري 430/246، وأوردها دون البيت الرابع الأصبهاني في الأغاني 3/157، منسوبة للحطيئة.
،1) - كان قد أتى أبا بكر فادّعى الإسلام وطلب إليه مشاركته في جهاد المرتدين وأن يحمله، فحمله وأعطاه سلاحاً، فشد غارة على كلّ مسلم، ولمّا أمكنت الفرصة منه وجيء به إلى أبي بكر، أمر فأوقدوا ناراً، ثمّ أمر به فرموه مقموطاً فيها. وقول أبي بكر: كنت قتلته سريحاً، أو خليته نجيحاً.
2) - القتل السريح: السريع، والنجيح: الوشيك.
3) - موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً، وبه نزل أبو بكر في خلافته لما وجّه خالد بن الوليد إلى قتال أهل الردّة. (معجم البلدان). وقال عبد الله الليثي: وكانت بنو عبد مناة من المرتدّة ــ وهم بنو ذبيان ــ في ذلك الأمر بذي القصّة وبذي حمى:
فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هربوا كنت بصدد لقاء، أو مدداً. ووددت أنّي كنت إذ وجّهت خالد بن الوليد إلى الشام، كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل الله ومدّ يديه. ووددت أنّي كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد. ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمّة؟ فإنّ في نفسي منهما شيئاً.
قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثمّ قدم علينا عُلوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث، فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنّه هو حدّث به الليث بن سعد، وسألته عن أبيه، فأخبرني أنّه عُلوان بن داود.
وحدّثني محمّد بن إسماعيل المرادي، قال: حدّثنا عبد الله بن صالح المصري، قال: حدّثني الليث، عن عُلوان، عن صالح بن كيسان، عن حميد
ابن عبد الرحمن بن عوف، أنّ أبا بكر قال: ... ثمّ ذكر نحوه، ولم يقل فيه: (عن أبيه))). إلى هنا انتهى النص.
وقد عقّب عليه الطبري بإسنادين آخرين لروايته زيادة في التوثيق.
وقد مرّت الإشارة إلى أنّ هذا الخبر قد رواه أحمد بن عبد العزيز الجوهري ــ كان حيّاً سنة 320ه ــ في كتاب (السقيفة)، وما ذكره رواه عنه ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة)(1)، حيث انتصب قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي مدافعاً عن أبي بكر، وما طعن به عليه من هذا الخبر، وذكر ابن أبي الحديد ردّ الشريف المرتضى عليه في كتابه (الشافي)، وسيأتي ذكر ذلك.
كما سيأتي ذكر أكثر من عشرة آخرين رووا الخبر بتفاوت رواياتهم، وجرى عليه من بعضهم محاولات بائسة ويائسة، تكتماً وتلعثماً، حتّى أنّ بعضهم ذكر خبر عيادة عبد الرحمن بن عوف وتبرّم أبي بكر، لكنّه ألغى ذكر جميع المثلثات! وآخر ذكرها دون ذكر (كشف بيت فاطمة)، فكنّى عنه بقوله: (كذا وكذا)! وثالث ذكرها وسمّى البيت بيت عليّ، تهرباً من ذكر بيت فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها! غافلاً أو متغافلاً عن أنّ بيتهما واحد، وهما في الحرمة سيان، وبيتهما من أفاضل تلك البيوت التي أمر الله سبحانه وتعالى بأن تصان حرمتها ويعرف قدرها، كما في رواية أنس وبريدة، وقد رواها الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)(2)،
والسيوطي في (الدرّ المنثور)(1)، في ذيل تفسير قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(2)في سورة النور، قال: ((وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك وبريدة، قالا: قرأ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هذه الآية: فِي بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ، فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: (بيوت الأنبياء)، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله! هذا البيت منها ــ لبيت عليّ وفاطمةـ؟ قال: (نعم، من أفاضلها من أفضلها).
وهذا فيما أحسب هو الذي حدا بجمع من المحدّثين والمؤرّخين التستر على شناعة المثلثات، وما فيها من إدانة لأبي بكر والطعن عليه، خصوصاً ذكر (كشف بيت فاطمة)، فذكره يعني الاعتراف بالإساءة والمهانة، وهو حقيق بالإدانة.
ولئلا يظنّ ظانّ مستنكر، أو متعال مستكبر، أنّ ذلك منّا مجرّد تهويل؛ فلنعرض أمام القرّاء ما لحق مثلثات أبي بكر من تضليل:
فنقول: إنّ أوّل من وقفت عليه مستعظماً ذكر (كشف بيت فاطمة) صراحة، هو أبو عبيد القاسم ابن سلام (ت224هـ)، في كتابه (الأموال)، فقد ذكر الخبر وبادر إلى الكناية عن (كشف بيت فاطمة)، فقال: ((أمّا الثلاث التي فعلتها، ووددت أنّي لم أفعلها: فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا.. لخلّة ذكرها لا أريد ذكرها))، وهذا ما جعلنا نهزأ منه حتّى قلنا: إنّها لملكية فوق الملك!
فأبو بكر نفسه يذكر الخلّة كشف بيت فاطمة نادماً عليها، وأبو عبيد يأبى ذكرها!!
وللإنصاف أن نقول له: إنّ حميد بن زنجويه (ت251هـ)، الذي أتى بعدك زماناً، وهو أقلّ ذكراً وشأناً، كان أفصح بياناً وأقوى جناناً، فقد ذكر الخبر مرّتين في كتابه الأموال، كانت الأولى في صفحة 303 ــ 305، فذكر الخبر بنصّه وفصّه، لم يغيّر شيئاً ممّا يمس جوهر القضية، وحتّى في إسناده كان رجاله ثقاة(1).
لكنّه في المرّة الثانية في صفحة 347، فقد ذكر النص بسند آخر، فقال فيه: ((أمّا اللاتي وددت أنّي تركتهنّ، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا، لشيء ذكره...))، وهذا منه مستغرب! بعد ذكره أوّلاً كما مرّ، ولا أحسبه إلاّ أنّه انهار أمام تهديد أو وعيد، فاتقى الشرّ فذكره كناية.
أمّا ثالث القوم الذين تلاعبوا بالنص بصورة غير ذكية، فهو أبو العبّاس المبرّد في كتابه (الكامل)(2)، فقد ذكر الخبر مقتصراً على حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف من دون ذكر المثلثات، وهذا ممّا يؤاخذ عليه .
ورابعهم كان المسعودي الشافعي (ت 345هـ)، فهو ليس بدون من تقدّمه في تعامله مع النص بغير مسوّغ، فقد ذكره في كتابه (مروج الذهب)(3)، فقال: ((ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً، ولمّا
احتضر، قال: ما آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها...، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة، وذكر كلاماً كثيراً))، فعدم ذكره ذلك الكلام الكثير ممّا يؤاخذ عليه.
وخامسهم الباقلاني (ت403هـ)، فقد ذكر في كتابه (إعجاز القرآن)(1)، عيادة عبد الرحمن بن عوف لأبي بكر، وحديث أبي بكر وتبرّمه من أصحابه، ولم يذكر عن المثلثات شيئاً، فحذفها جملة وتفصيلاً، وقد مرّ في نظرة إلى المصادر ما في طبعتي الكتاب، وعمل المحقّقين فيه؛ فراجع .
وسادس هذا النمط المفرط في الإيهام والاستبهام، أبو نعيم الأصبهاني (ت430هـ)، فقد ذكر في كتابه (حلية الأولياء)(2)، حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف إلاّ ذكر المثلثات، فلم يأت بشيء عنها أبداً، لماذا ذلك؟! والجواب لا يخفى على أولي الألباب.
نعم، ذكر نصّاً يوحي بندامة أبي بكر على ما فرّط، فقد قال: إنّ عمر دخل على أبي بكر وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه؟ غفر الله لك، فقال أبو بكر: إنّ هذا أوردني الموارد(3).
وسابع تابع لم يتخلّف عن المسيرة، وذلك هو الحافظ الهيثمي
1) - إعجاز القرآن للباقلاني: 210 ــ 221.
2) - حلية الأولياء 1/34.
3) - حلية الأولياء 1/33، قال الجوهري في الصحاح: 1059، وفي حديث أبي بكر حيث دخل عليه عمر وهو ينصنص لسانه، ويقول: هذا أوردني الموارد، قال أبو عبيد: هو بالصاد لا غير، قال: وفيه لغة أخرى ليست في الحديث نضنضت بالضاد، وكذا جاء في لسان العرب، وتاج العروس وغيرهما في مادتي: (نص) و(نض)؛ فراجع.
(ت807هـ)، فقد ذكر الحديث في (مجمع الزوائد)(1)، وقال: رواه الطبراني وفيه عُلوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر ممّا أنكر عليه.
وثامنهم المتّقي الهندي (ت 975هـ)، ذكر الخبر في (كنز العمّال)(2)، وذكر في (الكنز) مصادره التي روى الخبر عنها، فقال: ((أبو عبيد في كتاب الأموال، عق، وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في فضائل الصحابة، طب، كر، حن))، وقال: ((إنّه حديث حسن إلاّ أنّه ليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أخرج (خ) في كتابه غير شيء من كلام الصحابة)).
أقول: أتعلم ماذا قال الصحابة؟
1ـ عمر بن الخطّاب.
أخرج القاضي أبو محمّد الحسن بن خلاّد الرامهرمزي المتوفى سنة 360هـ في كتابه في (أمثال الحديث)، قال:
حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن ملاعب، حدّثنا مالك بن إسماعيل، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب(رض)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي ممسك بحجزكم عن النار وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب ــ ويوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرط لكم على الحوض فتردون عليَّ معاً وأشتاتاً ــ يقول جميعاً ــ فأعرفكم بأسمائكم وسيمائكم، كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله، فيُذهب بكم ذات الشمال، وأناشد فيكم ربّ العالمين، فأقول: يا ربّ! أُمّتي، فيقال: إنّك لا
تدري ما أحدثوا بعدك؟ إنّهم كانوا يمشون القهقرى بعد، فلأعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها رغاء، ينادي: يا محمّد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغت، ولأعرفنّ يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمّد! يا محمّد! فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغت.
ولأعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعاً من أدم ينادي: يا محمّد! يا محمّد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً...)(1).
وأخرج البخاري في صحيحه، باب هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة(2)، بسنده عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال لي عبد الله ابن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟
قال: قلت لا.
قال: إنّ أبي قال لأبيك: يا أبا موسى هل يسرّك إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملنا معه بَرَد لنا(3)(يرّد لنا كما في دليل القارئ(4))، وإنّ كلّ عمل عملناه بعده نجونا منه كفافاً رأساً برأس.
فقال أبي ــ يعني: أبو موسى ــ لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلّينا وصمنا وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنّا لنرجوا ذلك.
فقال أبي ــ يعني: عمر ــ لكنّي أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك بَردَ لنا، وأنّ كلّ شيء عملناه بعد نجونا كفافاً رأساً برأس.
فقلت: إنّ أباك خير من أبي(1).
وأخرج ابن سعد في (الطبقات)(2)، وابن أبي شيبة في (المصنّف)(3)، وابن المبارك في كتاب (الزهد)(4)، جميعاً عن ابن عمر، قال: كان رأس عمر على حجري، فقال: ضعه لا أُمّ لك، ثمّ قال: ويل أُمّ عمر إن لم يغفر لي ربّي.
وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنّف): إنّ عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني هذه التبنة، ليتني لم أك شيئاً، ليت أُمّي لم تلدني، ليتني كنت نسياً منسياً(5).
وهذا كلّّه دون ما قاله أبو بكر: والله لوددت أنّي كنت شجرة إلى جانب الطريق، مرّ علَيَّ جمل فأخذني فأدخلني فاه فلاكني، ثمّ ازدردني، ثمّ أخرجني بعراً، ولم أكن بشراً!! وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنّف)(6)، وابن المبارك في كتاب (الزهد)، والمتقي الهندي في (كنز العمال)(7).
2ـ وقالت عائشة: وددت أنّي إذا مت كنت نسياً منسياً.
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنّف)(1)، وعبد الرزاق في (المصنّف)(2)، والبخاري(3)، وأحمد في المسند(4).
وقالت لمّا احتضرت فجزعت، فقيل لها: أتجزعين يا أُمّ المؤمنين وابنة أبي بكر؟! فقالت: إنّ يوم الجمل لمعترض في حلقي، ليتني مت قبله، وكنت نسياً منسياً(5).
وقالت لمّا حضرتها الوفاة: ادفنوني مع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّي أحدثت حدثاً. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه(6).
3ـ أبو عبيدة بن الجرّاح.
قال: وددت أنّي كنت كبشاً، فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي، ويحسون مرقي(7).
4ـ عمران بن حصين.
قال: وددت أنّي رماد على أكمة تسفعني الرياح في يوم عاصف(8).
5ـ أبو سعيد الخدري.
عن المسيب: قلنا له: هنيئاً لك برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبته، قال: إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده(1).
6ـ البراء بن عازب.
أخرج البخاري في صحيحه، في المغازي، باب غزوة الحديبية، بسنده عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا بن أخي! إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده.
7ـ الزبير بن العوام.
روى السيوطي في (الدرّ المنثور)، نقلاً عن أحمد، والبزّار، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر، عن مطرف، قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله! ضيعتم الخليفة حتّى قتل، ثمّ جئتم تطلبون بدمه، فقال الزبير: إنّا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً(2)، لم نكن نحسب إنّا أهلها، حتّى وقعت فينا حيث وقعت(3).
8ـ أبو الدرداء.
أخرج الشاطبي في (الاعتصام)، عن أبي الدرداء، إنّه قال: لو خرج
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليكم ما عرف شيئاً ممّا كان عليه هو وأصحابه إلاّ الصلاة(1).
قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟
ونقول نحن: فكيف لو أدرك أولئك السلف زمان هؤلاء الخلف؟
9ـ أنس بن مالك.
أخرج الشاطبي في (الاعتصام)، عنه أنّه قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير قولكم لا إله إلاّ الله.
قلنا بلى يا أبا حمزة؟ قال: قد صلّيتم حتّى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله؟
وقال أنس: لو أنّ رجلاً أدرك السلف الأوّل ثمّ بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئاً، قال ــ الراوي ــ ووضع يده على خده، ثمّ قال: إلاّ هذه الصلاة، ثمّ قال: أما والله على ذلك، فمن عاش في هذا النكُر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعاً يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحنّ إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سُبلهم، ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم ليعوّض أجراً عظيما، وكذلك فكونوا إن شاء الله(2).
وفي مصنّف ابن أبي شيبة، عنه، قال: ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيدي ــ من دفنه ــ حتّى أنكرنا قلوبنا(3)، وعنه هذا أيضاً في (السيرة الحلبية)(4).
10ـ خبّاب بن الأرت.
عن أبي وائل، قال خباب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نبتغي وجه الله فوقع أجرنا على الله، فمنا من ذهب لم ينتفع من أجره شيئاً(1).
11ـ حذيفة: أخرج ابن أبي شيبة في (المصنّف)(2)بسنده عنه، أنّه قال: ربّ يوم لي لو أتاني الموت لم أشكّ، فأمّا اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا فيها. وأوصى أبا مسعود، فقال: عليك بما تعرف وإياك والتلون في دين الله(3).
12ـ عمرو بن ثابت.
أخرج ابن حجر في (تهذيب التهذيب)، قال: وقال الآجري: قال عمرو ابن ثابت: لمّا مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر الناس إلاّ خمسة. وفي رواية الذهبي في (الميزان) إلاّ أربعة(4).
لا إفصاح عن معلوم، ولا تبيان في موهوم، إنّها الحقيقة الثابتة تنطق مبغضاً وعنيداً، بأنّ قريشاً ــ ومنهم أبو بكر ــ صرفوا الأمر عن عليّ، لأنّهم أبوا أن تجتمع في بني هاشم النبوّة والخلافة.
ولا أقول هذا افتئاتا من عند الشيعة، بل هو اعتراف من عمر في حوار له جرى بينه وبين ابن عبّاس برواية مصادر التراث السُنّي، ولئلا ننساق مع العاطفة، ويلفنا غبار الموروث بغبار العاصفة، فإنّ عمر في عنفوانه وصرامته، وابن عبّاس في شجاعته وصراحته ــ وكلاهما من وجوه الصحابة الذين نتلوا فيهم قوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ(1)ــ وكلا هذين الصاحبين كانا متصاحبين سواء على هدى أو في ضلال مبين، فلا تمنعنا صحبتهما عن ذكر ما جرى بينهما لكشف عماية الغموض بضبابية تاريخ كتب لخدمة الحاكمين، فبعيداً عن الاتهام ورفع الإيهام، ننقل الحوار بما كتبه الكاتب المصري الشهير القدير الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه (الإمام عليّ بن أبي طالب)، ونوشحه بذكر المصادر نقلاً عن (موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن)، وبه نختم الكلام في التنوير.
قال الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه (الإمام عليّ بن أبي طالب) ص257 ــ 267:
المبدأ الذي التزمته قريش في اختيار خلفاء رسول الله، كان خروجها دائما على أهل رسول الله، ونزعها حقّهم من أيديهم... هذه حقيقة أيدتها دائماً وقائع الحال، كانت في البدء يحجبها ــ حديثاً ــ في حلوق أصحابها ستار وإن بدت في الأفعال، ثمّ أخذت على الأيام تخرج من نطاق الإسرار
1) - سورة الفتح/29.
إلى المجاهرة والكلام.
ذلك بدا جليّاً غاية في الجلاء، ولو لم تتحرّج قريش عند وفاة محمّد واتساق الأمر بعده لأبي بكر، لوسعها أن تقول لبني هاشم في أصرح بيان وبأعلى صوت: (كرهنا أن تجتمع النبوّة والخلافة لهذا البيت...).
ولقد أمّرت عليها ــ إنفاذاً لمبدئها لمرسوم ــ شيخاً من تيم لا ريب كان له مثل رأيها ذاك، ولكنّه كان فطناً، فيه كياسة وحذق، فلم يجأر بالذي كانوا يسرّون، وجرى أحياناً بينهم مجرى الهمس بعد جريانه كالعقيدة في الأخلاد والظنون. وبقي طاوياً في نفسه شعور قومه تجاه آل الرسول، وإن لغطت الألسن رويداً رويداً بأنّهم أصابوا الجادة حين اختاروا خليفتهم من غير بيت النبيّ، رغبة في البعد بخلافة الإسلام عن التشيّع للعصبية التي نهى عنها الإسلام.
إلاّ أنّه منطق يعوزه السداد وإن بدا كالسداد، فما كانت العصبية جرماً إلاّ أن تمنع صاحب حقّ حقّاً يستقيم له بغيرها، أمّا الاعتذار بها فهو الجرم كلّه إن منع حقّاً يستقيم لصاحبه بها كما يستقيم له بدونها على سواء.
ولكنّه الاعتذار الوحيد الذي انتحلته قريش لتدرأ الشبهات عن حيفها وركوبها آل محمّد بالعدوان. وما كان لها أن تلجأ إلى سواه، وهو ذريعتها لتبدي ــ في صورة غير واضحة الظلال والألوان ــ ما طوت عليه جوانحها للبيت الهاشمي من حسد مكتوم، وحقد مكظوم.
والباحث وراء هذه الأحقاد يستطيع أن يردّها إلى أُصولها القديمة في أحداث التاريخ، كما يستطيع أن يحسّ عواطفها المنبعثة عنها في قلوب
القوم كلّما آنت لحظة يقفون بها في موقف الحكم أمام هذا البيت الكريم، ثمّ لا يستعصي عليه بعد هذا أن يحلّل أحكامهم التعليل الصحيح. كذلك تألبت قريش على محمّد وهي على ضلالتها. وهو يحمل ناموس الهدى والنور.
وكذلك فعلت من بعده حين تجيشت بقضها على ابن عمّه ولم تنصفه، وجاء النصف من جانب قوم من غير قبيلته، وهم الأنصار.
وكذلك مدّت في طغيانها عليه يوم الاستخلاف، وإن صدر عن شيخ بني تيم لأنّه لم يكن سوى المعبر عمّا يحسّ به قومه ويبتغونه كثرة أو يبتغونه، وهم على إجماع. وفيما أتى بعد هذا من فرص النصف ظلّت كدأبها من عليّ في المعسكر المنحرف عنه المتحيّف عليه.
وليس من سبب واحد أقصاه عن مقعد الحكم الذي هو به جدير سوى هذه العاطفة، وإن لاح تعدّد الذرائع والأسباب. ومن أحس الريب وخالجه الشكوك في أثر هذا المانع الوحيد الأصيل، فبحسبه أن يسمعه عن لسان ابن الخطّاب.. فلقد وسعه أن يعتذر مرّة عن حيف قريش بسبب مطروق، سلف إليه قبله رأى أبي عبيدة بن الجرّاح... وثانية بسبب واه كان ظنّاً خالصاً لم يؤيده، فما بعد منطق الأحداث... لكنّه في الثالثة تكلّم بوحي قلبه فأجاد التأويل، وأصاب التعليل.
..أمّا الأولى: فكانت يحادث فيها العبّاس، فقال فيما قال: ((ما أرى يا ابن عبّاس، صاحبك إلاّ مظلوماً...)).
((فاردد إليه ظلامته يا أمير المؤمنين)).
فوقف الشيخ هنيهة يهمهم كأنّما يحدّث نفسه، ثمّ عاد يقول: ((ما أظنّ القوم منعهم منه إلاّ أن استصغروه...))(1).
...وأمّا الثانية: فمرّ فيها بعليّ، وهو بفناء داره ومعه ابن عمّه، ذات ليلة فألقى عليهما السلام، ولمّا همّ أن يسير الخليفة لشأنه، هتف به ابن أبي طالب: (أين تريد؟)
البقيع.
(أفلا نصل جناحك ونقوم معك؟).
فوافق. وأشار عليّ لابن عمّه أن يصحب عنه أمير المؤمنين. ومضى الرجلان في جوف الليل، الأمير صامت كأنّما قد شغله التفكير، ورفيقه لا يحبّ أن يقطع عليه فكره بالحديث. حتّى إذا جاوزوا البقيع بقليل، التفت عمر إلى صاحبه، وقال: ((يا بن عبّاس... أما والله إنّ صاحبك لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله، إلاّ أننا خفناه على اثنتين...)).
فما هما يا أمير المؤمنين؟
قال عمر: ((خفناه على حداثة سنّه، وحبّه بني عبد المطّلب))(2).
1) - الموسوعة 5/107 نقلاً عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 2/8 و3/105، ط مصر الأولى. والسقيفة للجوهري: 70، وكشف الغمة للأربلي 2/45، وكشف اليقين للعلاّمة الحلّي 4/92، ط محقّقة. وهذا الخبر منقول عن الموفقيات، ولم يوجد في المطبوع من الموفقيات ببغداد بتحقيق الدكتور سامي مكّي العاني، ط الأوقاف، وهو ممّا يستدرك عليه ممّا فاته.
2) - الموسوعة 9/102، نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني 1/334، ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي/133، وقد وردت المحاورة بأوسع ممّا ذكر الأستاذ المصري.
...وأمّا الثالثة: ففي بعض مجالس أمير المؤمنين وقد جلس إليه نفر يتذاكرون الشعر والشعراء، ومرّ بهم إذ ذاك عبد الله بن عبّاس، فقال عمر للذين حوله وهو يدعوه: ((قد جاءكم الخبير...)).
ثمّ التفت يسأله: ((من أشعر الناس يا عبد الله؟)).
زهير بن أبي سلمى يا أمير المؤمنين.
((فأنشدني عند (ظ/عنه) ما تستجيده له...)).
قال ابن عبّاس: مدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم *** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا *** مرزءون بهاليل إذا جهدوا
محسدون على ما كان من نعم *** لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
فقال عمر: ((والله لقد أحسن. وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله...)).
وفقك الله يا أمير المؤمنين، فلم تزل موفقاً.
وكأنّ عمر أراد أن يوائم بين رأيه هذا وبين ما سلف من قريش في حقّ هذا البيت الكريم، فراح يقول:
((أتدري يا بن عبّاس ما منع الناس منكم؟))
لا... يا أمير المؤمنين.
((لكنّني أدري))
فما هو؟
((كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة فتجحفوا الناس جحفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت)).
ويبدو أنّ ابن عبّاس لم يكن متهيئاً هذه الآونة للسكوت، فبادر بالجواب الذي ظلّ أعواماً يكتمه في ذات نفسه ولا يفصح عنه...
قال لابن الخطّاب: إن يأذن لي أمير المؤمنين ويميط عنّي غضبه فيسمع كلامي؟
فأمنه عمر قائلاً: ((قل ما تشاء))
أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(1).
وأمّا قولك: إنّا كنّا نجحف، فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا من خلق رسول الله الذي قال ربّه فيه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(2)، وقال له: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(3).
وأمّا قولك: إنّ قريش اختارت، فإنّ الله تعالى يقول: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(4)، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه من اختار، فلو نظرت قريش حيث نظر الله لوفقت وأصابت!...
فتفكّر عمر هنيهة، ثمّ قال وقد آذاه من ابن عبّاس هذا الحديث الصريح:
((على رسلك يا بن عبّاس! أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول)).
مهلا يا أمير المؤمنين!... لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغش، فهي من قلب رسول الله الذي طهّره وزكاه، وإنّهم لأهل البيت الذي قال لهم الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)... وأمّا الحقد فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره؟..
فغضب عمر، وصاح وقد حضره في هذه الآونة أمر كان يكتمه:
((ما أنت يا بن عبّاس؟... إنّي قد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي...))
وما هو يا أمير المؤمنين؟... أخبرني به، فإن يك باطلاً، فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقّاً، فإنّ منزلتي عندك لا تزول به..
((بلغني أنّك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منّا حسداً وظلماً)).
فلم ينكص ابن عبّاس، ولم يتزحزح عن مواطئ قدميه، بل قال: نعم حسداً! وقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة. ونعم ظلماً! وإنّك تعلم يا أمير المؤمنين صاحب الحقّ من هو... يا أمير المؤمنين! ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله، واحتجت قريش على سائر العرب بحقّ رسول
1) - سورة الأحزاب/33.
الله؟ فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش.
وبدرت إذ ذاك من الشيخ بادرة ليس فيها معنى الرضا عن سلوك هذا الفتى الذي لا يعييه أن يمتلك نواصي الحديث بالحجّة وقوّة الجدال، فلم ير عبد الله بداً من ترك المجلس.
فلمّا رآه عمر قائماً يريد أن يبرح، خشي أن يكون قد أساء إليه، فأسرع يقول متلطّفاً به:
((أيّها المنصرف! إنّي ــ على ما كان منك ــ لراع حقّك)).
فالتفت الفتى إليه يقول ولم يزايله جدّه: إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كلّ المسلمين حقّاً برسول الله, فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع!..
ومضى عنه وفي أعقابه كلمات تقدير وإنصاف قالها الأمير للجالسين :
((واها لابن عبّاس!... واها له .. فما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه)).
أقول: ومن الغريب العجيب! أنّ الأستاذ الكاتب لم يذكر محاورته التي قال فيها عمر: ((لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمره ذرواً من قول، لا يثبت حجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك...))، وهذا أخرجه أحمد بن أبي طاهر في (تاريخ بغداد)، وعنه ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(1)، والمحاورة طويلة.
1) - شرح نهج البلاغة 3/97، ط مصر الأولى.
وكذلك المحاورة التي قال فيها عمر: ((أوّل من راثكم ــ أبطأ بكم وأخّركم ــ عن هذا الأمر أبو بكر، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة))، ورواها أبو الفرج في (الأغاني)(1)وقال: ثمّ ذكر قصّة طويلة ليست من هذا الباب فكرهتها.
أقول: فظن خيراً ولا تسل عن الخبر، فأبو الفرج يحشو كتابه بكلّ غث وسمين، لكنّه يضيق عن ذكرها لأنّه كرهها، لماذا؟!
لكن ابن أبي الحديد رواها في (شرح النهج)(2).
وبهذا نختم الكلام في التنوير لمنير، فعساه يستنير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(3).