کتاب نهجِ البلاغة من کلام أَمیر الْمؤمنین علی بن أَبِی طالب علیه السلام جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

کتاب نهج البلاغة

مِنْ كَلامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَي بَن أَبِي طَالِبٌ (علیه السّلام)

بحر العلم ومدار الحق

ISBN 978-9922-9467-0-2

922946702 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 1585 لسنة 2022

مصدر الفهرسة : IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف BP193.1.A2 S53 2022 :LC

المؤلف الشخصي : ابن حبيب الله محمد ، كان حيا 881 للهجرة - مؤلف.

العنوان: كتاب نهج البلاغة: من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب ((علیه السّلام)).

بيان المسؤولية : جمع الرضي ذي الحسبين محمد بن السيد الامام الحسين الرضي الموسوي؛ نسخة التحقيق المعتمدة (نسخة بغداد) نسخها ابن نازويه القمي؛ قابلها المحقق على خمس نسخ خطية وأربعة شروح وبهامش التحقيق شرح السيد فضل الله الراوندي؛ تحقيق ومراجعة وإعداد الاستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي.

بيانات الطبع : الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2022 /1443 للهجرة.

الوصف المادي: 3 مجلد ؛ 24 سم.

سلسلة النشر : (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 1015).

سلسلة النشر : (مؤسسة علوم نهج البلاغة ، 208؛ سلسلة تحقيق المخطوطات، 15).

تبصرة ببليوجرافية : يتضمن هوامش.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - -40 للهجرة - حديث.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - خطب.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - كلمات قصار.

مصطلح موضوعي: البلاغة العربية.

اسم مؤلف اضافي: الراوندي، فضل الله بن علي بن عبيد الله، - 571 -- شارح.

اسم مؤلف اضافي: الفرطوسي، صلاح -- محقق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء ، العراق)، مؤسسة علوم نهج البلاغة. جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بحر العلم ومدار الحق

ISBN 978-9922-9467-0-2

922946702 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 1585 لسنة 2022

مصدر الفهرسة : IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف BP193.1.A2 S53 2022 :LC

المؤلف الشخصي : ابن حبيب الله محمد ، كان حيا 881 للهجرة - مؤلف.

العنوان: كتاب نهج البلاغة: من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب ((علیه السّلام)).

بيان المسؤولية : جمع الرضي ذي الحسبين محمد بن السيد الامام الحسين الرضي الموسوي؛ نسخة التحقيق المعتمدة (نسخة بغداد) نسخها ابن نازويه القمي؛ قابلها المحقق على خمس نسخ خطية وأربعة شروح وبهامش التحقيق شرح السيد فضل الله الراوندي؛ تحقيق ومراجعة وإعداد الاستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي.

بيانات الطبع : الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2022 /1443 للهجرة.

الوصف المادي: 3 مجلد ؛ 24 سم.

سلسلة النشر : (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 1015).

سلسلة النشر : (مؤسسة علوم نهج البلاغة ، 208؛ سلسلة تحقيق المخطوطات، 15).

تبصرة ببليوجرافية : يتضمن هوامش.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - -40 للهجرة - حديث.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - خطب.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (علیه السّلام) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - كلمات قصار.

مصطلح موضوعي: البلاغة العربية.

اسم مؤلف اضافي: الراوندي، فضل الله بن علي بن عبيد الله، - 571 -- شارح.

اسم مؤلف اضافي: الفرطوسي، صلاح -- محقق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء ، العراق)، مؤسسة علوم نهج البلاغة. جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

سلسلة تحقيق المخطوطات

وحدة تحقيق الشروحات

کتاب نعج البلاغة

مِنْ كَلامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَى بَن أَبِي طَالِبٌ (علیه السّلام)

جمع الرضي ذي الحسين محمد بن السيد الإمام الحسين الرضى الموسوي

المتوفى (406) للهجرة النبوية

جَةُ التحقيق المعتمدة (نَسخْةُ بِغَدَادَ) سخها ابن بازويه الفني (ت 556هـ)

وقابلها المحقق عَلَى حَمس نسخ خَطَبَةِ وَارْبَعَةِ شُروح

وبهامش التحقيق شَرْحُ السيد فضل الله الراوندي (ت 751هـ)

الجزء الثاني

تحقيق ومراجعة وَاعْدَادُ

الأستاذ الدَّكْتُورٌ صَلاحَ الفرطوسي

اصدار

ستر علوم نهج البلاغة

العَتَبَةُ الحُسَيْنيَةُ المُقَدَسَةِ

جميع الحقوق محفوظة

العتبة الحسينية المقدسة

الطبعة الأولى

1443ه- – 2022م

الأمانة العامة المقدسة ؟

العراق - كربلاء المقدسة - مجاور مقام علي الأكبر (عليه السلام)

مؤسسة علوم نهج البلاغة

الموقع الألكتروني: www.inahj.org

الإيميل : Inahj.org@gmail.com

موبايل : 07815016633 - 07728243600

كتاب نهج البلاغة

مِن كَلامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)

جمع(1)الرَّضِيُّ ذِي الحسبين مُحَمَّد بنِ السَّيِّد الإمام الحسين الرَّضِيُّ الموسَوِيٌّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ ومَرْقَدَهُ (ت 406 هـ)

بهوامش التحقيق شرح السيد فضل الله الراوندي (ت 571هـ)

الجزء الثاني

تحقيق وتقديم وإعداد

أ.د. صلاح مهدي الفرطوسي


1) في نسخة الأصل: تأليف، وما أثبت في نسخة س وهو المشهور.

بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَسْنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ البقرة 2 : 286

[109] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلى اللهِ سُبْحَانَهُ : الإِيْمَانُ به وبِرَسُولِهِ، والجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ؛ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ(1)الإِسْلامِ، وَكَلِمَةُ الإِخْلاصِ ؛ فإِنَّهَا الفِطْرةُ، َوإِقَامُ الصَّلاةِ فإنَّهَا الملَّهُ(2)، وإيْتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ(3)مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ واعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ ، ويَرْحَضَانِ(4)الذَّنْبَ، وصِلَةُ الرَّحِمِ فإِنَّهَا مَثْرَاةٌ(5)فِي المَالِ ومَنْسَأَةٌ(6)فِي الأَجَلِ، وصَدَقَةُ السِّرِّ فإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وصَدَقَةُ العَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيْتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الهَوَانِ.

أَفِيْضُوا(7)فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ، وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ المُتَّقِينَ،


1) ذروة الشيء: أعلاه.

2) الملة: الدين.

3) الجنة: الوقاية، وفي الأصل: فإنها جنّة، وما أثبت في س، م.

4) يرحصان: يغسلان، والرحض: الغسل.

5) حاشية: مثراة، أي: مدعاة إلى الثروة.

6) المنسأة: محل النسأ، وهو التأخير.

7) الإفاضة في الذكر: الاندفاع فيه.

فإِنَّ وَعْدَهُ أصْدَقُ الوَعْدِ، واقْتَدُوا بِهَدْيِ(1)نَبِيِّكُمْ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الهَدْي، واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ، فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ، وتَعَلَّمُوا القُرآنَ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الحديثِ، وتفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبيْعُ القُلُوبِ، واسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فإنّهُ شِفاءُ الصُّدُورِ، وأحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ القَصَصِ .

وإن(2)العَالِمَ العَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الحَائِرِ(3)الذِي لا يَسْتَفِيقُ مِن جَهْلِهِ ، بَل الحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعظَمُ، والحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ، وهو عِنْدَ اللهِ أَلْوَم(4).

[110] ومِن خُطْبَة له (علیه السّلام)

أمَّا بَعْدُ، فَإني أحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فإنَّها حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بالشَّهَوَاتِ، وتَحَبَّبَتْ بالعَاجِلَةِ، ورَاقَتْ بالقَلِيل، وتَحَلَّتْ بالآمَالِ، وتَزَيَّنَتْ بالغُرُورِ، لا تَدُومُ حَبْرَتُها ، ولا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا(5)؛ غَرَّارةٌ


1) الهدي: ضد الضلال، وهو مصدر.

2) في الأصل: وأنَّ.

3) أشار في هامش الأصل إلى نسخة فيها: الجائر.

4) وهو عند الله ألوم: ليس في س، ع. وذكر الناسخ في الحاشية الآتي: «بلغ العرض والمقابلة إلى هاهنا والله الحمد على ذلك». وهي بالرقم نفسه في الشرح 151/7 ، وبرقم (110) في شرح ابن ميثم 529/3 وبرقم 108 في مصدر سابق 2/ 238 وقال: إن 529/3 (أول هذه الخطبة: الحمد لله فاطر الخلق وخالق الأشباح، وهي خطبة مشهورة بين أهل العلم قبل الرضي وبعده وتعرف عندهم بـ(الديباج).

5) الحبرة: السرور، والفجعة: الرزية.

ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِذَةٌ بَائِدَةٌ، أكَالَةٌ غَوَّالَةٌ(1)، لا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إلَى أَمْنِيَةِ أهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا ، والرِّضَا بِهَا أَن تَكُونَ كَما قَالَ اللهُ سُبْحَانَه كَمَاءٍ أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا(2)، لم يَكُن امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَيْرَةٍ إِلَّا أعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةٌ(3)، ولَم يَلْقَ مِن سَرَّائِهَا بَطْنًا إِلَّا مَنَحَتْهُ مِن ضَرَّائِهَا ظَهْرًا، وَلَمَ تَطْلَّهُ فِيهَا دِيْمَةُ رَخَاءٍ إِلَّا هَتَنَتْ(4)عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلَاءٍ(5)، وَحَرِيٌّ إذا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَن تُقْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً، وإِنْ جَانبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ واحْلَوْلَى، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبُ فَأَوْبَى ؛ لا يَنَالُ امْرقُ مِن غَضَارَتِهَا(6)رَغَبًا إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِن نَوَائِبِهَا تَعَبّا، ولا يُمْسي(7)مِنْهَا «26أ» فِي جَنَاحَ أَمْنِإِلَّا أَصبَحَ عَلى قَوَادِمِ(8)خَوْفٍ، غَرَّارَةٌ غُرُورٌ(9)مَا فِيهَا، فَانِيةٌ فَانٍ مَن عَلَيْهَا، لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِن أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى، مَن أقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنْهُ، ومَن اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ(10)، وزَالَ عَمَّا قَلِيل عَنْهُ.


1) غوالة : تأخذ على غرة.

2) الكهف 45/18 .

3) بالرفع في س.

4) في المعارج 206 يقال : هتن الدمع: قطر.

5) في المنهاج 1 / 474 مزنة بلاء، أي: سحاب بلا ماء أبيض لا يبقى مدة مديدة.

6) أوبى: أمرض ، والغضارة: طيب العيش.

7) ب: تمسي.

8) قوادم الطير: مقاديم ريش جناحه.

9) ب: غَرُور .

10) أوبقه: أهلكه.

كَم مِن وَائِقِ بِهَا قَد فَجَعَتْهُ ، وذِي طُمَانِينَةٍ إِلَيْهَا قَد صَرَعَتْهُ، وذِي أبهة(1)قَد جَعَلَتْهُ حَقِيرًا، وذِي نَخْوَةٍ قَد رَدَّتْهُ ذَلِيلا، سُلْطَاتُها دُوَل، وعَيْشُهَا رَنَقٌ(2)، وعَذْبُهَا أَجَاجُ(3)، وحُلُوهَا صَبِرٌ، وغِذَاؤُهَا سَامٌ، وأَسْبَابُهَا رِمَام(4)، حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتِ ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سَقَمٍ؛ مُلْكُهَا(5)مَسْلُوبٌ ، وعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ ، ومَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ ، وجَارُهَا مَحْرُوبٌ(6).

أَلَسْتُم فِي مَسَاكِن مَن كَانَ قَبْلَكُم أطْوَلَ أعمارًا، وأبْقَى آثَارًا، وأَبْعَدَ آمَالاً، وأعَدَّ عَدِيْدًا، وأكْثَفَ جُنُودًا : تَعَبَّدُوا الدُّنْيَا(7)أي تَعَبُّد، وآثَرُوهَا أَيَّ إِبْثَارِ؛ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغ، ولا ظَهْرِ قَاطِعٍ، فَهَل بَلَغَكُم أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُم نَفْسًا بِفِدْيَةٍ؟ أو أَعَانَتْهُم بِمَعُونَةٍ، أو أحْسَنَتْ هُم صُحْبَةً؟ بَل أَرْهَقَتْهُم بالفَوادِحِ(8)وأَوْهَنَتْهُم بالقَوَارِعِ ، وضَعْضَعَتْهُم(9)بالنَّوَائِبِ ، وعَفْرَتُهُم للمَنَاخِرَ ، ووطِئَتْهُم بِالمَنَاسِمِ(10)،


1) حاشية: الأبهة: العظمة والكبر .

2) رنق: كدر.

3) حاشية: ماء أجاج: ملح.

4) س ، ع: زِمَامٌ، والرمام: البالية.

5) في حاشية ب: مَلِكُهَا ، وفوقها معًا.

6) المحروب: مسلوب المال.

7) س، م: الدنيا، وفي حاشية الأصل: التعبد: التذلل، ومنه طريق معبد، أي: مذلل.

8) أرهقتهم: غشيتهم، وفدحه الأمر: أثقله واغتاله.

9) القارعة: الداهية الشديدة، وضعضعتهم: أذلتهم.

10) المناسم : أخفاف الإبل.

وأَعَانَتْ عَلَيْهِم رَيْبَ المَنُّونِ؛ فقد رأيْتُم تَنكَّرَهَا(1)لَن دَانَ لَهَا، وآثَرَهَا، وأخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ(2)ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الأَبَدِ. هَل زَوَّدَتْهُم إلَّا السَّغَبَ(3)، وأحَلَّتْهُم إِلَّا الضَّنْكَ، أو نَوَّرَت هُمْ إلَّا الظُّلْمَةَ، أو أعْقَبَتْهُم إِلَّا النَّدَامَةَ؟ أفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ؟ أم إلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أم عَلَيْهَا تَخْرِصُونَ !؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لَنْ لَم يَتَّهِمْهَا، ولَم يَكُن فِيهَا عَلَى وَجَلِ مِنْهَا؛ فَاعْمَلُوا وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُم تَارِكُوهَا، وظَاعِنُونَ عَنْهَا، واتَّعِظُوا فِيهَا بِالذِينَ قَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَا قُوَةً(4)، حُمِلُوا إلَى قُبُورِهِم فلا يُدْعَوْنَ رُكْبَانًا، وأَنْزِلُوا فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَانًا، وجُعِلَ هُم مِنَ الصَّفِيحِ أجْنَانُ (5)، ومِنَ التُّرَابِ أكْفَانُ، ومِنَ الرُّفَاتِ(6)جِيْرَانٌ، فهُم جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِيًا، ولا يمْنَعُونَ ضَيِّمًا، ولا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً؛ إن جِيدُوا لَم يَفْرَحُوا، وإن قَحَطُوا(7)لَم يَقْنَطُوا ، جَمِيعٌ وهُم أَحَادٌ، وجِيْرَةٌ وهُم أبْعَادٌ، مُتَدَانُون لا يَتَزَاوَرُونَ، وقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ.

حُلَمَاءُ قَد ذَهَبَت أَضْغَاتُهُم، وجُهَلاءُ قَد مَاتَتْ أَحْقَادُهُم، لا يُخْشَى


1) س، م، ج: شكرَهَا.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: حَتَّى، وكذا في س، م، ج.

3) السغب: الجوع.

4) فصلت 15/41.

5) الأجنان: جمع جنة، وهي الستر.

6) الرفات في المنهاج 1/ 328: العظم البالي .

7) بالضم والفتح في الأصل، وفوقها معا حاشية: قُحِطُوا وأَقْحَطُوا: أصابتهم السنة، وقَحَطَ المطر يقْحَطُ : قل.

فَعُهُم، ولا يُرْجَى دَفْعُهُم، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الأَرْضِ بَطْنا، وبالسَّعَةِ ضِيْقًا، وبالأهْل غُرْبَةً، وبالنُّورِ ظُلْمَةً ؛ فجَاؤُوهَا كَما فَارَقُوهَا، حُفَاةً عُرَاةً قَد ظَعَنُوا عَنْهَا بأَعْمَالِهِم إلى الحَيَاةِ الدَّائِمَةِ ، والدَّارِ البَاقِيَةِ، كَمَا قالَ سُبْحَانَهُ: كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ(1).

[111] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) ذَكَرَ فِيهَا مَلَكَ المَوْتِ وَتَوَفَّيَهُ الأنْفُسَ

*[111] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) ذَكَرَ فِيهَا مَلَكَ المَوْتِ وَتَوَفَّيَهُ الأنْفُسَ(2)

هَل تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَّا؟ أم هَل تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَدًا؟ بَل كَيْفَ يَتَوَفَّى الجنينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِن بَعْضِ جَوَارِحِهَا؟ أم الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا ؟ أم هُوَ سَاكِنُ مَعَهُ(3) فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَن صِفَةِ مَخَلُوقِ مِثْلِهِ !(4)


1) الأنبياء 104/21 ، والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 154/7 - 156، وبرقم (111) في شرح ابن ميثم 535/3 ، وينظر في تخريجها مصدر سابق 2 / 244 ، وفيه برقم 109.

2) وتوفَّيه الأنفس: ليس في س ، م ، وفي ع: وتَوْفِيَتَهُ كذا.

3) ع: معها.

4) ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 2/ 244 ، وهي بالرقم نفسه في الشرح 162/7 ، وفيه مباحث ، وبرقم (112) عند ابن ميثم في شرحه 539/3 ، وذكر أن هذا الفصل من خطبة طويلة ذكره في معرض التوحيد والتنزيه الله تعالى عن اطلاع العقول البشرية على كنه وصفه.

[112] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

وأُحَذِّرُكُم الدُّنْيَا فإنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَتْ بِدَارٍ نُّجْعَةٍ(1)، قَد تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ، وغَرَّتْ بِزِيْنَتِهَا؛ دَارُ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلاهَا بِحَرَامِهَا، وخَيْرَهَا بِشَرِّهَا ، وحَيَاتهَا بِمَوْتِهَا، وحُلْوَهَا بِمُرِّهَا ، لَم يُصَفِّهَا اللهُ لأَوْلِيَائِهِ، ولَم يَضَنَّ بِهَا عَلَى(2)أَعْدَائِهِ؛ خَيْرُهَا زَهِيْدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ(3)، وجَمْعُهَا يَنْفَدُ ، ومُلْكُهَا يُسْلَبُ ، وعَامِرُهَا يَكْرَبُ؛ فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ البِنَاءِ، وعُمْرِ يَفْنَى فَنَاءِ الزَّادِ، ومُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ !؟(4). اجْعَلُوا(5)مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُم مِن طَلِبَتِكُمْ، واسْأَلُوه مِن أدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُم(6)، وأَسْمِعُوا دَعْوَةَ المَوْتِ آذَانَكُم قَبْلَ أَن يُدْعَى بِكُم.

إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُم وإن ضَحِكُوا، ويَشْتَدُّ حُزْتُهُم وإن فَرِحُوا، ويَكْثُرُ مَقْتُهُم أنْفُسَهُم وإِن اغْتَبَطُوا(7)بِمَا رُزِقُوا .


1) في الأصل: نُجَعَة، في حاشية الأصل: النُّجعة بالضم: طلب الكلأ، وفي شرح ابن میثم: هذا منزل قلعة: لا يصلح للاستيطان، وفي المنهاج 2/ 8 ، أي : ليست دار نجعة، أي: لا يطلب المراد منها، ومنزل قلعة ، أي : ليس بمستوطن كأنه يقلع ساكنه.

2) في الأصل عن ، وما أثبت في حاشيتها وفي س، م، ج، ب، ع.

3) العتيد: المهيأ المعدّ.

4) ب: السفر.

5) ب: فاجعَلُوا.

6) حاشية: أي: اسألوه التوفيق بما سألكم من أداء حقه.

7) بالبناء للمجهول في س م.

قَد غَابَ عَن قُلُوبِكُم ذِكْرُ الآجَالِ، وَحَضَرَتْكُم كَوَاذِبُ الآمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُم مِنَ الآخِرَةِ، والعاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُم مِنَ الآجِلَةِ، وإِنَّمَا أَنْتُم إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُم إِلَّا خُبْتُ السَّرَائِرِ ، وسُوءُ الضَّمَائِرِ ؛ فلا تَوَازَرُونَ(1)، ولا تَنَاصَحُونَ، ولا تَبَاذَلُونَ، ولا تَوَادُّونَ.

مَا لَكُم تَفْرَحُونَ باليَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ، وتَحْزَنُونَ باليَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا حِيْنَ يَنُوبُكُم(2)، ولا يَحْزُنُكُمُ الكَثِيرُ مِنَ الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ، ويُقْلِقُكُم اليَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُم حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذلِكَ فِي وُجُوهِكُم، وقِلَّةِ صَبْرِكُم عَمَّا زُوِيَ(3)مِنْهَا عَنْكُم كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُم، وكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُم ، ومَا يَمْنَعُ أَحَدَكُم أَن يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِن عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَن يَسْتَقْبَلَهُ بِمِثْلِهِ مِن عَيْبهِ(4)، وقَد(5)تَصَافَيْتُم عَلَى رَفْضِ الأجَلِ، وحُبِّ العَاجِلِ وصَارَ دِينُ أحَدِكُم لُعْقَةُ(6)عَلَى لِسَانِهِ صَنِيْعَ مَن قَد فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، وأَحْرَزَ رِضَا سَيِّدِهِ(7).


1) حاشية: توازرون، أي لا يحمل بعضكم الثقل عن بعض، ويجوز أن يكون من الوزر، وهو الملجأ، وكذا في المنهاج 9/2 .

2) وتَحْزَنُون باليسير من الدنيا حين ينوبكم ليس في س، م، ب.

3) في المنهاج 9/2، أي: قبض من الدنيا.

4) حاشية: من عينه، وبجنها صح، وفي حاشية أخرى من عتبه ، ومن عينه ليس في س، م، ب، ع.

5) س، م، ب: قد.

6) اللعقة : اسم لما تأخذه الملعقة.

7) وهي بالرقم نفسه في الشرح 168/7 - 169 ، وبرقم (113) في شرح ابن ميثم 541/3 ، وبرقم 111 في مصدر سابق 2/ 247.

[113] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ الوَاصِلِ الحَمْدَ بالنِّعَمِ، والنَّعَمَ بالشُّكْرِ(1)، نَحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ(2)، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ ، ونَسْتَعِينُهُ عَلَى هذِهِ النّفوس البِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ، السّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ ، وأَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرِ ، وكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ ، ونُؤْمِنُ به إِيْمَانَ مَن عَايَنَ الغُيُوبَ، َووَقَفَ عَلَى المَوْعُودِ إِيمَانًا نَفَى إخلاصه الشِّرْكَ ، ويَقِينُهُ الشَّكَ ، ونَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،وأنَّ مُحَمَّدًا (صلی الله علیه و آله و سلم)(3)عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(4)شَهَادَتَينِ(5)تُصْعِدَانِ(6)القَوْلَ ، وتَرْفَعَانِ العَمَلَ، لَا يَخِفُ(7)مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، ولا يَنْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ(8).


1) حاشية: المعنى أنه أنعم، وأمر الحمد على نعمه، ثم إذا حِمدَ وشُكِرَ وعد النعم على الشكر، كما قال تعالى: «لئن شكرتم لأزيدنكم».

2) في القاموس: الآلاء: النعم.

3) صلى الله عليه وآله ليس في س، م، ب، ج، ع: وعلى آله.

4) بعدها في س، م: صلى الله عليه وسلَّم، وفي ج: صلى الله عليه وآله وسلم.

5) حاشية: يعني أن الشهادة بالقلب تساعد القول باللسان.

6) هامش الأصل: نسخة أخرى تُسْعِدان.

7) س، ج : بتشديد الفاء، وبتخفيفها في الأصل.

8) س، م، ج، ع: منه.

أُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ، وبِهَا المَعَادُ: زَادٌ مُبَلِّغُ، ومَعَادٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ ، ووَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ(1)، فأَسْمَعَ دَاعِيْهَا(2)، وفَازَ وَاعِيْهَا.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارِمَهُ، وألْزَمَتْ قُلُوبَهُم مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُم، وأطْمَأَتْ هَوَاجِرَهُم، فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بالنَّصَبِ، والرِّيَّ بالضَّمَاءِ، واسْتَقْرَبُوا الأَجَلَ فَبَادَرُوا العَمَلَ ، وكَذَّبُوا الأمَلَ، فلاحَظُوا الأَجَلَ.

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وعَنَاءٍ وغِيَر(3)وعِبَر «27أ»؛ فَمِنَ الفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوَترّ(4)قَوْسَهُ، لا تُخْطِئُ سِهَامُهُ، ولا تُؤْسَى(5)جِرَاحُهُ، يَرْمِي الحَيَّ بالمَوْتِ والصَّحِيْحَ بالسَّقَم ، والنَّاجِي بالعَطَبِ؛ آكِلْ لا يَشْبَعُ، ، وشَارِبٌ لا يَنْقَعُ(6)، ومِنَ العَنَاءِ(7)أَنَّ المَرءَ يَجْمَعُ مَا لا يَأْكُلُ، ويَبْني ما لا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى اللهِ لا مَالًا حَمَلَ ولا بِنَاءً نَقَلَ، ومِن غَيْرِهَا


1) في المنهاج 2/ 10، أي: حفظها خير حافظ.

2) حاشية: أسمع: أفعل من الإسماع، بحذف الزوائد.

3) حاشية: غير: اسم من التغير.

4) في الأصل : مُوَتَّرٌ ، وفي حاشية الأصل عن نسخة: موتر.

5) لا توسي، أي: لا تداوي.

6) حاشية: نقع الماء العطش، أي: سكنه، وهي في المنهاج 2/ 10.

7) حاشية: العناء: التعب.

أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطًا(1)، والمَغْبُوطُ مَرْحُومًا(2)، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيمًا زَلَّ، وبُوْسًا نَزَلَ، ومِن عِبَرِهَا أَنَّ المَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ؛ فَلا أَمَلٌ يُدْرَكُ، ولا مُؤَمِّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَغَرَّ سُرُورَهَا، وأظمَا رِيَّها، وأضْحَى(3)فَيْاهَا ! لا جَاء يُرَدُّ ولا مَاضٍ(4)يَرْتَدُّ، فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَقْرَبَ الحَيَّ مِن المَيِّتِ لِلْحَاقِهِ به، وأبْعَدَ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُ، إنَّه لَيْسَ شَيْءٌ بِشَر من الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ، وليسَ شَيْءٌ بِخَيْرِ مِن الخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ، وكکلُّ شيءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِن عِيَانِهِ، وكُلُّ شيءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِن سَمَاعِهِ؛ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ العِيَانِ السَّمَاعُ، ومِنَ الغَيْبِ الخَبَرُ ، واعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِن الدُّنْيَا وِزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَم مِن مَنْقُوصٍ رَابِحِ، ومَزِيدٍ خَاسِرٍ.

إِنَّ الذِي أُمِرْتُم بِه أَوسَعُ مِنَ الذِي يُهِيْتُم عَنْهُ، وَمَا أُحِلَّ لَكُم أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُم، فَذَرُوا مَا قَلَّ لَا كَثُرَ ، ومَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ ؛ وقَد تُكُفَّلَ لَكُم


1) تقدمت كلمة المغبوط على المرحوم في س ، م ، ج ؛ وفي المنهاج المغبوط : من يتمنى مثل حاله الحسنها، والغبطة محمودة، والحسد مذموم.

2) حاشية : يعني أنك ترى من هو بمحل الرحمة مغبوطاً عند الناس، ومن هو بمحل الغبطة مرحوما عندهم، ويجوز أن يكون المراد أنك تارة ترى من كان مرحوما في وقت مغبوطا في وقت آخر، ومن كان مغبوطًا في وقت مرحوما في وقت آخر، وكلا الوجهين حسن.

3) أضحى: برز لحر الشمس.

4) قبلها في حاشية الأصل: ولا مؤمل، وفي س، م: ومؤمل.

بالرِّزْقِ، وأُمِرْتُم بالعَمَلِ، فلا يَكُونَنَّ المَضْمُونُ لَكُم طَلَبُهُ أوْلَى بِكُم مِن المَفْرُوضِ عَلَيْكُم عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّثُ ودُخِلَ اليَقِينُ(1)حَتَّى كَانَ الذِي ضُمِنَ لَكُم قَد فُرِضَ عَلَيْكُم، وكَأَن الذِي ضَ عَلَيْكُم قَد وُضِعَ عَنْكُم، فَبَادِرُوا العَمَلَ وخَافُوا بَغْتَةَ الأَجَل؛ فإنَّه لا يُرْجَى مِن رَجْعَةِ العُمْر ما يُرْجَى مِن رَجْعَةِ الرِّزْقِ، وَمَا فَاتَ اليَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَدًا زِيَادَتُهُ، ومَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ العُمْرِ لَم يُرْجَ اليَومَ رَجْعَتُهُ الرَّجَاهُ مع الجائِي ، واليَأْسُ مَعَ المَاضِي، فـاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(2).

[114] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

اشارة

في الاسْتِسْقَاءِ

اللَّهُم قَد َانْصَاحَتْ(3)جِبَالُنَا، واغْبَرَتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابنَا، وتَخَيَّرَت فِي مَرَابِضِهَا ، وعَجَّتْ عَجِيجَ الشَّكَالَى عَلَى أوْلادِهَا ، ومَلَّتِ


1) في المعارج 210 : أي: أصابه الدخل، وهو العيب الباطن.

2) آل عمران 3/ 102 . والخطبة بالرقم نفسه في الشرح / 171 - 172، وبرقم (114) شرح ابن میثم 543/3 ، وينظر في تخريجها مصدر سابق 252/2 ، وهي فيه برقم 112، وورد في حاشية الأصل: «بلغ القراءة على المولى علم الهدى دام ظله»، وفي حاشية ج علامة قراءة أو مقابلة «بلغ».

3) حاشية: انصاحت: تشققت من اليبس.

التَّرَدُّدَ فِي(1)مَرَاتِعِهَا ، والحَنِيْنَ إِلَى مَوَارِدِهَا اللَّهُمَّ فَارْحَم أنينَ الآنَّةِ، وحَنِينَ الحَانَّةِ(2)، اللَّهُمَّ فَارْحَم حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبها، وأنينَهَا فِي مَوَاجِلِهَا.

اللهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ(3)عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنا مخايل(4)الجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ للمُبْتَسِينَ(5)، والبلاغ للمُلْتَمِسِينَ، مَخَايِلُ نَدْعُوكَ حِيْنَ قَنَطَ(6)الأنامُ، ومُنِعَ الغَمَامُ، وهَلَكَ السَّوَامُ(7)، ألا تُؤاخِذْنَا بأَعْمَالِنَا، ولا تُؤَاخِذْنَا بِذُنُوبِنَا، وانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ(8)، والرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ(9)، والنَّباتِ المُونِقِ سَدًّا وَابِلًا تُحْيِي بِهِ مَا قَد مَاتَ، وتَرُدُّ بِهِ مَا قَد فَاتَ.

اللهمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةٌ مُرْوِيَةٌ تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةٌ مُبَارَكَةً، هَنِيَّةٌ مَرِيْعَةً(10)،


1) ع: إلى.

2) اللهم فارحم أنين الآنة وحنين الحانة: ساقطة من م؛ والحنين للإبل، والأنين للغنم في المنهاج 2/ 17 .

3) حاشية: اعتكر الظلام: اختلط، كأنه كرَّ بعضه على بعض البطء انجلائه، وقيل اعتكر: عطف، وقال ابن درید: کلّ كار بعد الفرّ فقد اعتكر، واعتكر المطر، أي: كثر؛ وبعض الحاشية في المنهاج 17/2 ، في القاموس : اعتكر الليل: اشتد سواده، والتبس.

4) حاشية: مخايل: جمع مخيلة، وهي السحابة التي تخال بها مطر، وينظر القاموس.

5) المبتئس: الحزين.

6) كذا في ب أيضًا، ومن باب فرح في س، ج.

7) في المنهاج 18/2 ، يقال : سامت الماشية تسوم سوما، أي: رعت.

8) المنبعق والمنبعج: السحاب المنصب بشدّة.

9) حاشية: المغدق: من غدقت عين الماء، أي: كثرت، وفي القاموس أيضًا: الغَدَق، محركة : الماء الكثير.

10) المريع: المخصب.

زَاكِيًا نَبْتُهَا، ثَامِرًا فَرْعُهَا ، نَاضِرًا وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِن(1)، عِبَادِكَ، وتُحْيِي بِهَا «27 ب» المَيِّتَ من بلادِكَ.

اللهمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا(2)، وتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا(3)، ويُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا، وتُقْبِلُ(4)بِهَا ثِمَارُنَا، وَتَعِيْشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بهَا أَقَاصِيْنَا، وتَسْتَعِينُ بهَا ضَوَاحِينَا(5)مِن بَرَكَاتِكَ الواسِعَةِ، وعَطَايَاكَ الجَزِيْلَةِ عَلى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ(6)، ووحْشِكَ المُهْمَلَةِ، وأَنْزِل عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضَلَةٌ(7)مِدْرَارًا هَا طِلَةٌ يُدَافِعُ الوَدْقُ(8)مِنْهَا الوَدْقَ، ويَحْفِرُ القَطْرُ مِنْهَا القَطْرَ؛ غَيْرُ خُلَّبٍ(9)بَرْقُهَا ، ولا جَهَامِ(10)عَارِضُهَا ، ولا قَزَعِ رَبَابُها، ولا شَفَّانٍ(11)ذِهَابُها(12)، حَتَّى يُخْصِبَ(13)لإمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ ، ويَحيَا


1) حاشية: أي ذا ثمر.

2) النجاد: جمع نجد، وهو المرتفع من الأرض.

3) في الحاشية الوهاد: الأرض المنخفضة.

4) كذا في ع ، ب، وفي س، م: وتزكو، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة.

5) الضواحي: النواحي البارزة، أي أهل نواحينا.

6) حاشية: أرمل القوم: نفد زادهم، وكذا في المنهاج 2/ 20 ، وينظر القاموس، وفي شرح ابن میثم 548/3 : المرملة : قليلة المطر.

7) حاشية : أخضلت الشيء : بَلّلته .

8) الودق : القطر، وفي المنهاج أيضًا 2/ 20 ، يحفز، أي: يدفع دفعا شديدًا.

9) الخلب: التي يكذب الظن فيها، والبرق الخلب في المعارج 210 : الذي لا غيث معه.

10) حاشية: الجهام: الذي أراق ماءه، وفي القاموس: الجهام: السحاب لا ماء فيه، أو هراق ماءه.

11) حاشية: الشفان: مشتق من الشفيف، وهو شدة البرد وهو منصرف؛ لأنه نكرة، وكذا في المنهاج 2/ 20.

12) حاشية: واحدة الذهاب: ذهبة، وفي القاموس: هي المطرة الخفيفة.

13) بالصاد والضاد في ج وفوقها معا.

ببَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ(1)فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وأَنْتَ الوَلِيُّ الحَمِيد.

تَفْسِيرُ ما في هذه الخُطْبَةِ مِن الغَريب

*تَفْسِيرُ ما في هذه الخُطْبَةِ مِن الغَريب(2):

قَوْلُهُ(3)(علیه السّلام)(4): انْصَاحَتْ جِبَالُنَا(5)، أي: تَشَقَّقَتْ مِنَ المُحُولِ، ويُقَالُ: انْصَاحَ الثَّوْبُ، إِذَا انْشَقَّ، ويُقَالُ أَيْضًا: انْصَاحَ النَّبْتُ، وصَاحَ، وصَوَّحَ إِذَا جَفَّ ويَبِسَ وقَوْلُهُ: هَامَتْ دَوَابنَا؛ أي: عَطِشَتْ، وَاهْيَامُ : العَطَشُ ، وقَوْلُهُ : حَدَابِيْرُ السِّنِينَ: جَمْعُ حِدْبَارِ ، وهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي أَنْضَاهَا السَّيْرُ، فَشَبَّهَ بِهَا السَّنَةَ التِي فَشَا فِيهَا الجَدْبُ، قَال ذو الرُّمَّةِ:

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَكُ إِلَّا مُنَاخَةٌ(6)*** عَلَى الْخَسْفِ أَو نَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا

وقَوْلُهُ: ولا فَزَعِ رَبَابُهَا، القَزَعُ: القِطَعُ الصِّغَارِ المُتَفَرِّقَةُ مِنَ السَّحَابِ، وقَوْلُهُ: ولا شَفَانِ ذِهَابُهَا، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ: ولا ذَاتِ شَفَّانٍ(7)،


1) المسنتون: الذين أصابتهم شدّة السنة.

2) تفسير ما جاء في هذه الخطبة من غريب : ليس في س، م، والعنوان في ج: قال السيد (رضی الله عنه) في تفسير ما في هذه الخطبة من غريب . قوله (علیه السّلام).

3) قبلها في س، م: قال السيّد.

4) عليه السلام: ليس في س، م.

5) في الأصل: حبالنا، وهو سهو.

6) حاشية: أخذ على ذي الرمة الا مناخة، وأن لا يجوز إقحامها كما لا يجوز أن تقول: ما نزال إلا قائما، وقد اعتذر بعض الأكابر فقال: انفكّ هذه ليست الناقصة، بل هي بمعنى انفصل فإلّا في مكانه ، أي : لا تفارق أوطانها إلّا مناخة على الخسف.

7) فإن تقديره ولا ذات شفان تأخرت في ع إلى نهاية التعليق، والشفان في الحاشية: من الشفن، وهو شدَّة البرد، وهو منصرف؛ لأنه نكرة.

والشَّفَانُ : الرِّيحُ البَارِدَةُ، والذَّهَابُ: الأَمْطَارُ اللينَةُ، فَحَذَفَ (ذات) لِعِلْمِ السَّامِع به(1).

[115] ومِن خُطْبَةِ لَه (علیه السّلام)

أَرْسَلَهُ دَاعِيًا إلَى الحَقِّ، وشَاهِدًا عَلَى الخَلْقِ، فَبَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ولا مُقَصِّرِ ، وجَاهَد فِي اللهِ أعْدَاءهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ولا مُعَذِّرٍ(2)، إمَامُ مَن اتَّقَى، ونَصِيرُ مَنِ اهْتَدَى.

مِنْهَا(3):

ولَو تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُم(4)غَيْبُهُ، إِذًا خَرَجْتُم إِلَى الصُّعُدَاتِ(5)تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُم، وتَلْتَدِمُونَ(6)عَلَى أَنْفُسِكُم،


1) بالرقم نفسه في الشرح 179/7 - 180 ، وينظر بحثه حول الاستسقاء والأحاديث الواردة فيه، وبرقم (115) في شرح ابن ميثم 547/3 ، ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 256/2 - 257 برقم 113 .

2) حاشية: التعذير في الأمر: التقصير، وكذا في المنهاج 21/2 .

3) منها في ع، ب أيضًا: وليست في س، م، وكتبت في ج بمداد أحمر.

4) في الأصل: عليكم وما أثبت، وفي س، م، ج.

5) حاشية: الصعدات: جمع صُعُدِ، يعني به الفلوات وبخط الرضي (رحمه الله علیه)، الصعدات: الطرق، جمع صُعُد، وكذا في المنهاج 2/ 21 ، وفي القاموس: الصعيد: التراب، أو وجه رض، والجمع : صُعُدٌ وصُعُدات.

6) في المنهاج 2 / 21 ، أي: تضربون وجهكم وصدوركم بالأكفّ، وفي القاموس: اللدم: اللطم... كالتلديم.

ولَتَرَكْتُم أَمْوَالَكُم لا حَارِسَ لَهَا ، ولا خَالِفَ(1)عَلَيْهَا ، ولهَمَّت(2)كُلَّ أمْرِي مِنكُم نَفْسُهُ لا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا، ولكنَّكُم نَسِيتُم مَا ذُكِّرْتُم، وأمِنْتُمْ مَا حُدِّرْتُم، فَتَاهَ عَنْكُم رأيكُم(3)، وتَشَتَّتَ عَلَيْكُم أَمْرُكُم.

لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُم، وأَخْقَنِي بِمَن هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُم، قَوْمٌ واللهِ مَيَامِينُ الرأي، مَرَاجِيْحُ الحِلْمٍ، مَقاوِيلُ بالحَقِّ، مَتَارِيْكُ للبَغْيِ، مَضَوا قُدُمًا(4)عَلَى الطَّرِيقَةِ، وأَوْجَفُوا(5)عَلَى المَحَجَّةِ، فَظَفِرُوا بالعُقْبَى الدَّائِمَةِ والكَرَامَةِ البَارِدَةِ؛ أمَا واللهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُم ، غُلامُ ثَقِيفِ الذَّيَّالُ(6)الميَّالُ، يَأكُلُ خَضِرَتَكُم، ويُذِيْبُ شَحْمَتكُم؛ إيْهِ أبَا وَذَحَةَ.

الوَذَحَةُ(7): الخُنْفُسَاءُ، وهذَا القَوْلُ يُومِنُ بِهِ إلى الحَجَّاج، ولَهُ معَ


1) في الأصل حافظ، وما أثبت من س، م، ب، ع.

2) في الأصل: ولا همت، وما أثبت في حاشية الأصل، وفي س، م، ج، وما أثبت في المنهاج أيضًا 2/ 22، أي: حزنت، وقال: وروي ولا همّت، أي: أذابت.

3) رأي ميمون: مبارك.

4) حاشية : يقال مضى فلان قدما، أي: مضى ولم يعرج على شيء.

5) الوجيف: ضرب من السير.

6) حاشية: ذالت المرأة تذيل، أي: جرت ذيلها، وكذا في المنهاج 22/2، وفيه الذيال: المتبختر، وفي القاموس: الذيَّال: الطويل الذيل، المتبختر في مشيه.

7) قبلها في س، ج: قال السيد، وفي حاشية الأصل: قال ابن دريد: الوذح: ما يعلق بأصواف الضَّأن من أبوالها وأبعارها، والواحدة: وذحة ، وروي أن الحجاج كان يصلي على سجادة له، فإذا خنفساء قد أقبلت تدبُّ إليه، فقال نحوا هذه : فإنها وذحة من وذح الشيطان..، وكذا في المنهاج 2 / 22 - 23 وذكر ابن ميثم في شرحه 549/3 أن المشهور في كتب اللغة أن الوذحة: قطعة من بعر الشاة تنعقد على أصواف أذنابها وتتعلق بها.

الوَذَحَةِ حَدِيثٌ ليسَ هَذا مَوضِعُ ذِكْرِهِ(1).

[116] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

فلا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، ولا أَنْفُسَ خَاطَرْتُم بِهَا لِلَّذِي «28 أ» خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ باللهِ عَلَى عِبَادِهِ، ولا تُكْرِمُونَ اللهَ فِي عِبَادِهِ ، فاعْتَبِرُوا بِنْزُولِكُم مَنَازِلَ مَن كَانَ قَبْلَكُم وانْقِطَاعِكُم عَن أَوْصَلِ اِخْوَانِكُم(2).

[117] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام)

أَنْتُم الأَنْصَارُ عَلَى الحَقِّ، والإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، والجُنَنُ يَوْمَ البَأْسِ، والبِطَانَةُ(3)دُونَ النَّاسِ، بِكُم أَضْرِبُ المُدْبِرَ، وأرْجُو طَاعَةَ المُقْبِلِ،


1) هي بالرقم نفسه في الشرح 188/7 - 189 ، وينظر ما ذكره من روايات حول الوذحة، والخطبة برقم (116) عند بن ميثم في شرحه 3/ 549 ، وذكر أن هذا الفصل خطبة له بالكوفة يستنهض فيها أصحابه إلى حرب الشام، ويتبرم من تقاعدهم، وبرقم 113 في مصدر سابق 2/ 259 - 260 وينظر تعليق المؤلف.

2) بالرقم نفسه في الشرح 192/7، وبرقم (117) في شرح ابن ميثم 3/ 550 ، وبرقم 115 في مصدر سابق 2/ 260 وخرجها المؤلف من شرح النهج، وبسبب اختلاف الرواية رجح أن ابن أبي الحديد عثر عليها في غير النهج، ولا أظنه أصاب لأن الشارح خصص شرحه بالنهج.

3) الجنن : جمع جنة، وهي ما استترت به من السلاح، وبطانة الرجل: خاصته.

فأعِيْنُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ من الغِشّ(1)، سَلِيْمَةٍ مِن الرَّيْبِ، فواللهِ إِنِّي لأولى النَّاس بالنَّاسِ(2).

[118] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام)

وقَد جَمَعَ النَّاسَ وحَضَّهُم عَلى الجِهَادِ ، فَسَكَتُوا مَلِيًّا

فَقَالَ(علیه السّلام)(3): مَا بالكم أمُخْرَسُونَ أنتُم؟ َفقَالَ قَوْمٌ مِنْهُم: يَا أمير المؤمِنِينَ إِن سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ، فَقَالَ (علیه السّلام): مَالَكُم لا سُدَّدْتُم(4)لِرُشْد ، ولا هُدِيْتُم لِقَصْدِ، أفِي مِثْلِ هذا يَنْبَغِي لِيَ أَن أَخْرُجَ ؟ إِنَّما يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّن أَرْضَاهُ مِن شُجْعَانِكُم، وذَوِي بَأَسِكُم، ولا يَنْبَغِي لي أن أدَعَ الجُنْدَ والمِصْرَ ، وبَيْتَ المَالِ، وجِبَايَةَ الأَرْضِ، والقَضَاءَ بينَ المُسْلِمِينَ ، والنَّظَر فِي حُقُوقِ المُطَالِبِينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ(5)أَتَّبِعُ أُخْرَى أتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ القِدْحِ فِي الجفير(6)الفَارغ، وإنما


1) حاشية: جليّة من الغِش، وبجنبها صح.

2) بالرقم نفسه في الشرح 193/7 ، وقال : إن هذا الكلام ذكره المدائني والواقدي في كتابيهما، وبرقم 118 في شرح ابن ميثم، ونقل في مصدر سابق 2/ 261 برقم 116 ، عن الشرح أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قاله بعد فراغه من حرب الجمل.

3) عليه السلام ليست في س، م، ع، ج.

4) بالتخفيف في س.

5) الكتيبة: الجيش.

6) حاشية: الجفير: كالكنانة أوسع منها ، وفي شرح ابن ميثم 551/4 : القدح: السهم قبل أن يراش.

أنَا قُطْبُ الرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وأَنَا بِمَكَانِي؛ فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ(1)مَدَارُهَا ، واضْطَرَبَ ثِفَاهَا(2). هذا لعَمْرُ الله الرّأيُ السَّوء، والله لَوْلا رَجَائِي الشَّهَادَةَ(3)عِنْدَ لِقَانِي العَدُوَّ لَو قَد حُمَّ(4)لِي لِقَاوْهُ، لَقَرَّبْتُ رِكَايِ ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُم؛ فلا أطْلُبُكُم مَا اخْتَلَفَ(5)جَنُوبٌ وشَمَالٌ .

طَعَانِينَ عَيَّابِينَ حَيَّادِيْنَ، رَوَاغِينَ(6)، إِنَّهُ لا غِنَى فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُم مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُم، لَقَد حَمَلْتُكُم عَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِح التي لا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلا هَالِكٌ، مَن اسْتَقَامَ فَإلى الجنَّةِ، ومَن زَلَّ فإلى النَّار(7).


1) حاشية: استحار: تردد، والمستحير : سحاب ثقيل متردد ليس له ريح تسوقه.

2) في حاشية س: ثفال الرحى: الجلد الذي توضع عليه ليسقط عليه الدقيق، وقريب من هذا ورد في حاشية الأصل وقد ذهبت بعض حروف كلماتها.

3) كذا في ب، ج، م أيضًا، وفي ع: في الشهادة، وفي الحاشية عن نسخة: للشهادة.

4) حمّ الأمر : قدّر.

5) في س، م، ب ما اختلفت.

6) في المنهاج 24/2 ، أي: حالكم أنكم تطعنون باللسان فيمن هو فوقكم، وتعيبون من هو مثلكم، تحيدون عن الحق، وتروغون روغان الثعلب.

7) من قوله طعانين إلى نهاية الخطبة له إحالة من الأصل إلى الحاشية، وبجنبه صح، ولم أقف عليه في النسخ المعتمدة، وما ذكر أصل في الشرح 149/7 ، وهو أصل أيضًا في مصدر سابق 2/ 236 ، ونقل المؤلف من شرح ابن أبي الحديد أن الكلام المذكور قاله (علیه السّلام) في بعض غارات أهل الشام على أطراف أعماله بعد انقضاء أمر صفين والنهروان وأصاب بما ذكر، والكلام بالرقم نفسه في الشرح 149/7 ، وبرقم (119) في شرح ابن ميثم 551/3 ، والقول أصل فيه.

[119] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

تَاللهِ لَقَد عَلِمْتُ تَبْلِيْغَ الرِّسَالاتِ، وإثْمامَ العِدَاتِ(1)وَتَمامَ

الكَلِمَاتِ(2)وعِنْدَنَا أهلَ البَيْتِ أَبْوَابُ الحِكم(3)وضِيَاءُ الأَمْرِ، ألا وإِنَّ شَرَائعَ الدِّينِ واحِدَةٌ، وسُبُلُهُ قَاصِدَةٌ(4)، مَن أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وغَيْمَ، ومَن وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ ونَدِمَ، اعْمَلُوا لِيَوْمِ تُدَّخَرُ لَهُ النَّخَائِرُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائرُ ، ومَن لا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنه أَعْجَزُ، وغَائبُهُ أعْوَزُ، واتَّقُوا نَارًا حَرُّهَا شَدِيدٌ، وقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وشَرَابُها صَدِيدٌ(5)ألا وإنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ للمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَه مِنَ المالِ يُورِثُهُ مَن لا يَحْمَدُهُ(6).


1) حاشية : إشارة إلى ما كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من المواعيد للناس، ثم توفي عنها فقضاها عنه أمير المؤمنين (علیه السّلام)، يقول: من يقضي عنِّي ديني، المراد به العدات، والحاشية في المنهاج 2/ 25 بنصها.

2) في المنهاج 2/ 25 ، يعني : تأويل كلمات الله الذي هو تمامها.

3) في الأصل: الحكم ، وكتب فوقها الحكم، وكذا في س، م.

4) قاصدة ، أي : عادلة مستوية في المنهاج 25/2 .

5) وشرابها صديد: من الحاشية، ولا توجد بعدها علامة تصحيح أو إشارة إلى نسخة أخرى، وليست في النسخ المعتمدة، وهي أصل في شرح ابن ميثم 552/3 ، وكذا في مصدر سابق 264/2.

6) الكلام بالرقم نفسه في الشرح 1957 - 191 ، وبرقم (120) في شرح ابن ميثم 552/3، وبرقم 118 في مصدر سابق 2/ 264 - 265 وينظر تعليق المؤلف.

[120] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

وقَد قَام رَجُلٌ مِن أَصْحَابِهِ ، فقالَ : نَهَيْتَنَا عَنِ الحُكُومَةِ ثُمَّ أَمَرْتَنَا بهَا، فَمَا نَدْرِي أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ

قال: فَصَفَقَ (علیه السّلام) إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى ثُمَّ قَال: هَذا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ العُقْدَةَ(1)أما واللهِ لو أَنِّي حِيْنَ أَمَرْتُكُم بِمَا أَمَرْتُكُم(2)بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى المَكْرُوهِ الذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا ، فإِن اسْتَقَمْتُم هَدَيْتُكُم، وإن اعوجَجْتُم قَوَّمْتُكُم، وإن أبَيْتُم تَدَارَكْتُكُم لكانت الوُثْقَى، ولكِن بِمَن؟ وإلى مَن ؟ أُرِيدُ أن أُدَاوِيَ بِكُم، وأنْتُم دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بالشَّوْكَةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ ضَلْعَهَا(3)مَعَهَا(4).

اللهُمَّ قَد مَلَّت أطباء «28 ب» هَذا الدَّاءِ الدَّوِيّ(5)، وكَلَّتِ النَّزَعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِي(6)أَيْنَ القَوْمُ الذِينَ دُعُوا إلى الإِسْلامِ فَقَبِلُوهُ؟ وقَرَأوا


1) العقدة في المعارج 213: موضع العقد، وهو ما عقد عليه.

2) كذا في ب ، ج ، م، أيضًا، و(ما أمرتكم) ليس في س، ع.

3) الضبع: الميل والهوى.

4) ضلعها معها: سقط من م.

5) في المنهاج 2/ 31 ، أي: الشديد.

6) حاشية: هذا مثل ضربه (علیه السّلام) لنفسه، يعني أني قد كللت من وعظهم، ومللت من.. ولا يقبلون، والركي في شرح ابن ميثم 554/3: جمع ركية، وهي البئر.

القُرآنَ فَأَحْكَمُوه، وهِيجُوا إلى الجِهَادِ فَوَلهَّوا(1)اللقَاحَ أَوْلادَهَا(2)، وسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وأخَذُوا بأطْرَافِ الأَرْضِ زَحْفًا زَحْفًا، وصَفًّا صَفًّا ! بَعْضُ هَلَكَ وبَعْضُ نَجَا، لا يُبَشِّرُونَ بالأَحْيَاءِ، ولا يُعَزَّونَ عَن القَتْلى(3)، مُرْهُ(4)العُيُونِ مِنَ البُكَاءِ، خُمْصُ البُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبْلُ الشَّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وُجُوهِهِم غَبَرَةُ الخَاشِعِينَ، أولئكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ، فَحَقَّ لَنَا أَن نَظْمَاً إلَيْهِم ، ونَعَضَّ الأيْدِي عَلَى فِرَاقِهِم.

إِنَّ الشَّيطَانَ يُسَنِّى(5)لَكُم طُرُقَهُ، ويُريدُ أن يَحلَّ دِيْنَكُم عُقْدَةً عُقْدَةً، ويُعْطِيَكُم بالجماعَةِ الفُرْقَة، وبالفُرْقَةِ الفِتْنَةَ(6)، فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ ونَفَئَاتِهِ(7)، واقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُم، واعْقِلُوهَا(8)


1) في حاشية الأصل عن نسخة : فوَلِهوا، والتوليه في المعارج 214: أن يفرق بين المرأة وولدها.

2) في المنهاج 2/ 32، أي: تحيروا مثل تحير الإبل الحلوبة، وهن اللقاح، والواحد لقوح، وهي الحلوب.

3) كذا في ب، وفي س، م، ع، ج : المَوْتَى.

4) حاشية : مرهت العين تمرَه مرهَا ، إذا فسدت لترك الكحل، ومنها عين مرهاء؛ وكذا في المنهاج 32/2.

5) حاشية: سنّى الله الأمر، أي: فتحه وسهله.

6) وبالفرقَةِ الفتنة ليست في س، م، ج، ع، وهي في حاشية ب.

7) في المنهاج 32/2، أي: انصرفوا عن نزغاته، أي: عن فساده، والنفث: شبيه بالنفخ .

8) عقلت عليه كذا، أي: حبسته عليه.

عَلَى أَنْفُسِكُم(1).

[121] ومِن كلامٍ لَه (علیه السّلام) قَالَهُ للخَوارِج وقد خَرَجَ إِلى مُعَسْكَرِهِم

*قَالَهُ(2)للخَوارِج وقد خَرَجَ إِلى مُعَسْكَرِهِم وهُم مُقِيمُون عَلَى إنكار الحكومة ، فقال (علیه السّلام)(3):

شَهِدَ مَعَنَا صِفِّيْنَ؟ شَهِدَ وِمِنَّا مَن لَم يَشْهَد، قَالَ: فَامْتَازُوا فَرْقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَن شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً، ومَن لَم يَشْهَدْهَا فِرْقَةٌ، حَتَّى أُكَلَّمَ كُلَّا مِنْكُم بِكَلامِهِ؛ ونادَى النَّاسَ فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَنِ الكَلامِ، وأنْصِتُوا لِقَوْلي، وأقْبِلُوا بأفئِدَتِكُم إِلَيَّ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ(4)بِعِلْمِهِ فِيْهَا؛ ثُمَّ كَلَّمَهُم (علیه السّلام)(5)بِكَلامٍ طَوِيلٍ،

من جُمْلَتِهِ أَنَّه قَالَ(6):


1) بالرقم نفسه في الشرح 197/7 - 198 وبرقم (121) عند ابن ميثم في شرحه 3/ 554 وقال: كان هذا الكلام منه (علیه السّلام) بصفين حين أمرهم بالحكومة بعدما أنهاهم عنها، وبرقم 119 في مصدر سابق 2/ 268 .

2) قاله: ليست في ب.

3) عليه السلام: ليس في م، س، ع ، وفي حاشية ج علامة قراءة «بلغ».

4) ع: فليشهد.

5) عليه السلام ليست في س، م، ج.

6) من جملته أنه قال، مكانها في س، م: طويل.

ألَم تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ المَصَاحِفَ حِيلَةٌ وغِيلَةٌ ومَكْرًا وخَدِيْعَةً: إخْوَانُنَا وأهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا، واسْتَرَاحُوا إلى كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَه، فالرَّأيُّ القَبُولُ مِنْهُم والتَّنْفِيسُ(1)عَنْهُم، فَقُلْتُ لَكُم : هذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إيْمَانُ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وآخِرُهُ نَدَامَةٌ، فأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُم والزَمُوا طَرِيقَتَكُم، وعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِذِكُم، ولا تَلْتَفِتُوا إلى نَاعِقِ نَعَقَ، إِن أُجِيبَ أَضَلَّ وإِن تُرِكَ ذَلَّ، فَلَقَد كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وإِنَّ القَتْلَ لَيَدُورُ بَيْنَ الآبَاءِ والأَبْنَاءِ والإِخْوانِ والقَرَابَاتِ(2)، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وشِدَّةٍ إِلَّا إِيْمَانًا ومُضِيَّا عَلَى الحَقِّ ، وتَسْلِيمًا للأمْرِ وصَبْرًا عَلَى مَضَضِ الْحِرَاحِ؛ ولَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخواننا فِي الإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِن الزَّيْغِ والاِعْوِجَاج، والشُّبْهَةِ والتَّاوِيلِ، فَإِذَا طَمِعْنَا خَصْلَةٍ(3)يَكُمُ اللهُ بِهَا شَعَثَنَا، ونَتَدَانَى بِهَا إِلَى البَقِيَّةِ(4)فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا ، وأمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا(5).


1) التنفيس : التفريج.

2) ج: الأقرباء.

3) حاشية: في خصلة : إشارة إلى ما قاله لأصحابه.

4) حاشية: الأصل عن نسخة: الى البقية، وعن أخرى إلى التقية.

5) ينظر في تخريجه وتعليق ابن أبي الحديد في الشرح 201/7 - 202 وبالرقم نفسه فيه والكلام برقم (122) في شرح ابن ميثم 555/3 ، وبرقم 120 في مصدر سابق 272 - 271/2 .

[122] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) قَالَه لأصْحَابِهِ فِي سَاعَةِ الحَرْبِ

*قَالَه لأصْحَابِهِ فِي سَاعَةِ(1)الحَرْبِ

وأيُّ امْرِئٍ مِنْكُم أَحَسَّ مِن نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَاشٍ عِندَ اللقَاءِ، ورأى مِنْ أَحَدٍ مِن إِخْوَانِهِ فَشَلًا فَلْيَذُبَّ(2)عَنْ أَخِيهِ بِفَضْل نَجْدَتِهِ(3)الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَن نَفْسِهِ، فَلَو شَاءَ اللَّهُ جَعَلَهُ مِثْلَهُ، إِنَّ المَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لا يَفُوتُهُ المُقِيمُ، ولا يُعْجِزُهُ الهَاربُ ، وإِنَّ أَكْرَمَ «29 أ» المَوْتِ القَتْلُ ؛ والذِي نَفْسُ(4)ابن أبي طالب بيدِهِ لألفُ ضَرْبَةِ بالسَّيْفِ أهْوَنُ مِن مِيتَةٍ عَلَى الفِرَاشِ(5).


1) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع: وقت.

2) س، م : فليذبب، وكذا في حاشية ج عن نسخة، والتذبيب: الدفع والمنع.

3) نجدته: شجاعته.

4) في الأصل : علي بن أبي طالب، وما أثبت في س، م، ج.

5) بالرقم نفسه في الشرح 203/7 ، والجملة الأخيرة فيه (أهون علي من ميتة على فراش في غير طاعة الله)، والكلام برقم (123) في شرح ابن میثم 3/ 557، وبرقم (121) في مصدر سابق 272/2.

[123] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

*[123] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)(1)

وكَأني أنظُرُ إِلَيْكُم تَكِثُونَ كَشيشَ(2)الضَّبَابِ، لا تَأْخُذُونَ حَقَّا، ولا تَتَنَعُونَ ضَيَّا، قَد خُلِّيتُم وَالطَّرِيقَ؛ فَالنَّجَاةُ للمُقْتَحِمِ، والهلکة للمُتَوَمِ(3).

[124] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) في حض أصحابه علی القتال

*[124] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام)(4)

في حقٌّ أَصْحَابِهِ عَلَى القِتَالِ(5)

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ ، وَ أَخِّرُوا الْحَاسِرَ ، عُضْواً علی الْأَضْرَاسِ فَأَنَّهُ أَنَّبَ للیوسف عَنِ الْهَامِ ، وَ الْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ للسأنة ،


1) مكان العنوان في س، م: ومنها، وفي ع: منه.

2) حاشية: كشيش الأفعى: صوتها من جلدها لا من فيها، وكذا في المنهاج 2/ 34، وفي شرح ابن میثم 557/3 : كشيش الضباب: حك جلودها بعضها ببعض عند الازدحام، و في المعارج 214 : يشير إلى استقبال فتنة يضطرب بها الناس ويفترون عن الجهاد.

3) في حاشية الأصل: التلوم: الانتظار والتمكث، وعدَّ محمد عبده كلامه هذا متمماً لكلامه السابق (علیه السّلام)، والظاهر أن السيد عبد الزهراء في كتابه مصادر النهج أفاد من مطبوعة محمد عبده، وعلق في التخريج بعد ذكر مصادره أن النسخة التي عليها شرح ابن أبي الحديد من قوله (علیه السّلام): ( وكأني أنظر إليكم..) إلى آخره كلام آخر، بينما في بقية النسخ أنه تابع لما قبله ولم أقف على مثل هذا في النسخ التي اعتمدت عليها، والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 205/7 .

4) مكان العنوان في س، م: ومنها.

5) مكان العنوان في ع: ومنه.

وغُضُّوا الأبْصَارَ(1)، فإنَّهُ أرْبَطُ لِلجَاش، وأسْكَنُ لِلقُلُوبِ، وأمِيتُوا الأَصْوَاتَ(2)، فإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلفَشَلِ، ورَايَتكُم فَلَا تُميلُوهَا، ولا تُخَلُّوهَا، ولا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُم، والمَانِعِينَ الذَّمَارَ(3)مِنْكُم؛ فإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الحقَائِقِ(4)هُم الذِينَ يَحْفُونَ بِرَايَاتِهم، ويَكْتَنِفُونَها حِفَافَيْهَا(5)وَوَرَاءَهَا وأمَامَهَا؛ لا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا.

أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ(6)، وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ(7)إِلَى أَخِيْهِ فيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وقِرْنُ أَخِيهِ(8). وأَيِّمُ اللَّهِ لَئِن فَرَرْتُم مِن سَيْفِ العَاجِلَةِ لا تَسْلَمُوا مِن سَيْفِ الآخِرَةِ.

أنْتُم لَهَامِيمُ العَرَبِ ، والسَّنَامُ الأعْظَمُ(9)، إِنَّ فِي الفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ ،


1) حاشية، أي: لا تنظروا إلى الأعداء وكثرتهم فتجبنوا.

2) في المنهاج 46/3 ، أي : أقلّوها، فإنّ الميتة مع السكوت، والصمت يسكن القلوب.

3) حاشية الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه وهي في المنهاج 34/2، وفي القاموس ما يلزمك حفظه وحمايته.

4) حاشية: الحقائق: جمع حقيقة، وإنما سميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها، وكذا في المنهاج 2/ 34 .

5) في الأصل: خفافيها، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

6) حاشية: أجزأني الشيء، أي: كفاني والقرن المقارن في الحرب في المنهاج 2/ 35.

7) حاشية: أي لا يكل قرن نفسه إلى أخيه حتى يكفيه هو، فيجتمع عليه قرن نفسه وقرن أخيه فيغلباه.

8) حاشية: لهاميم : جمع لهموم، وهو الجواد من الناس والخيل؛ وفي المنهاج 2/ 35 : لهاميم العرب: ساداتهم، ووصفهم بالسنام الأعظم، لأن سنام الأرض مجدها ووسطها، ويجوز أن يكون المراد أن كل واحد منكم بمنزلة السنام في البعير.

9) حاشية« أي: لا يكل قرن نفسه إلى أخيه حتى يكفيه هو، فيجتمع عليه قرن نفسه وقرن أخيه فيغلباه.

اللازِمَ ، والعَارَ البَاقِي، فإِنَّ الفَارَّ غَيْرُ(1)مَزِيدٍ في عُمُرِهِ، ولا محجوز بينه وبين يومه.

مَن رَائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمَآنِ يَرِدُ المَاءَ الجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ العَوَالِي، اليومَ تُبْلَى الأخبار، والله لأنا أشْوَقُ إلى لِقَائِهِم مِنْهُمْ إلى ديارهم(2).

بِخَطَايَاهُم، اللهُمَّ فإن رَدُّوا الحَقَّ فافُضُضْ جَمَاعَتَهُم ، وشَتُتْ كَلِمَتَهُم، وأبْسِلْهُم(3)إِنَّهُم لَن يَزُولُوا عَن يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ(4)، وضَرْبِ يَفْلِقُ الهَامَ ويُطِيْحُ العِظَامَ، ويُذْرِي(5)السَّوَاعِدَ والأقدام، وحَتَّى يُرْمَوا بالمناسِيرِ(6)تَتْبَعُهَا المَنَاسِرُ ، ويُرْجَموا بالكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الحَلائبُ(7)، وحَتَّى يُجَرَّ بِلادِهِم الخَمِيسُ يَتْلُوهُ الخَمِيسُ ، وحَتَّى(8)تَدْعَقَ الخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ(9)أَرْضِهِم ، وبإعْنَانِ مَسَارِبِهِم(10)ومَسَارِحِهِم.


1) س، ج: لغير.

2) القسم وجملته من هامش الأصل وبجانبه علامة صح ، وليس في س، م، ب، ج، وهو أصل أيضًا عند ابن أبي الحديد في الشرح 210/8.

3) حاشية : أبسلت فلانًا : أسلمته إلى الهلاك.

4) الحاشية: يخرج منه النسيم، أي: طعن ينفذ إلى الجانب الآخر، فتخرج الريح نافذة.

5) ج: ويُنْذِرُ، ب، م: ويندر، ع: ويبدر.

6) في المنهاج 2/ 35: المناسر : جمع منسر، وهو قطعة من الجيش.

7) س، م، ج : الجلائب، والحلائب في الحاشية: الأنصار من بني العم خاصة، وفي القاموس: الجماعات وأولاد العم.

8) النحيرة في المعارج 215 : آخر يوم من الشهر ، وقيل : آخر ليلة مع يومها.

9)

10) س، ج : مَشَارِبِهم؛ والمسارب في المنهاج 36/2: المذاهب في الحاشية: بأعنان، أي: بأعنان طرقهم، والأعنان: ما اعترض كل من السماء أو الأرض، وأكثر ذلك يستعمل في السماء، وكأن واحده عنن.

الدَّعْقُ(1): الدَّقُّ؛ أي: تَدُقُّ الخَيُولُ أرْضَهُم بِحَوَافِرِهَا(2)، نَوَاحِرُ أرْضِهِم مُتَقَابِلاتُهَا، يُقَال: مَنَازِلُ بَنِي فُلانٍ تَتَنَاحَرُ ؛ أي: تَتَقَابَلُ(3).

[125] ومِن كَلام له (علیه السّلام) فِي مَعْنَى الخوارج لَمَّا أَنكَرُوا تَحْكِيمَ الرِّجَالِ، وَيَذُمُّ فِيْهِ أَصْحَابَه

*فِي مَعْنَى الخوارج(4)لَمَّا أَنكَرُوا تَحْكِيمَ الرِّجَالِ، وَيَذُمُّ فِيْهِ أَصْحَابَه(5)

قالَ : إِنَّا لَم نُحَكَّم الرِّجَالَ ، وإِنَّما(6)حَكَمْنَا القُرآنَ، وهذَا القُرآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطُّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَتَيْنِ، لا يَنْطِقُ بِلِسَانِ، وَلابُدَّ لَهُ مِن تُرْجُمَانٍ، وإِنَّما يَنْطِقُ عَنْه الرِّجَالُ. ولَمَّا دَعَانَا القَوْمُ إلى أن نُحَكِّمَ بَيْنَنَا القُرْآنَ لَم نَكُن الفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَن كِتَابِ اللهِ تَعَالى (7)، وقَالَ سُبْحَانَه : فَإِن تنزعتم


1) قبلها في الأصل: قال السيد، وفي حاشيتها: قال السيد (رضی الله عنه)، وفي س، م، ج: قال الشريف، وقول السيد في حاشية ب من دون ذكر للسيد أو الشريف، وقال السيد: ليس في ع، والقول فيه: (تقول : دَعَقَ، أي دق، ونواحر الأرض: متقابلاتها، ومسارحهم، أي: موضع السرح).

2) س، ج: بحوافرها أرضهم.

3) بالرقم نفسه في الشرح 209/8 - 212 و مما ذكره: (وهذه الفاظ لا يتبع بعضًا، وإنما هي منتزعة من كلام طويل انتزعها الرضي (رحمه الله علیه) و اطرح ما عداها)، ثم عاد إلى أخبار صفين، فأفرد له بحثا نقل أغلبه عن كتاب صفين لنصر ، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 558/3 وقال : قاله بصفين وبرقم 122 في مصدر سابق 2/ 276 - 277 .

4) ج: ومن كلامه في التحكيم لما ..

5) كذا في ع، ب، أيضًا، والعنوان في س، م: ومن كلامه في التحكيم.

6) في الأصل وإنا، وما أثبت في س، ب، ج، ع.

7) تعالى: ليست في ب، ج.

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(1)فَرَدُّه إِلَى اللهِ أَن نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، ورَدُّهُ إِلى الرَّسُولِ أَن نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِه، وإِن حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ(2)فَنَحْنُ أَوْلاهُم بِهِ. وأمَّا قَوْلُكُم لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُم «29 ب» أجَلَا فِي التَّحْكِيمِ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الجَاهِلُ، ويَتَثَبَّتَ العَالِمُ ولَعَلَّ الله أن يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الهَدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا يُؤْخَذَ بِأكْظَامِهَا(3)فتُعْجَلَ عَن تَبَيُّنِ الحَقِّ، وتَنْقَادَ لأَوَّلِ الغَيِّ. إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عَند(4)اللهِ مَن كَانَ العَمَلُ بالحَقِّ أحبَّ إِلَيْهِ وإن نَقَصَهُ وكَرَثَه(5)مِنَ البَاطِل وإن جَرَّ إِلَيْهِ فائدة(6)وَزَادَه، فأينَ(7)يُتَاهُ بِكُم(8)؟ ومِن أينَ أَتِيْتُم؟ اسْتَعِدُّوا للمَسِيرِ إِلَى قَوْمِ حَيَارَى عَنِ الحَقِّ، لا يُبْصِرُونَه، ومُوزَعِينَ(9)بالجورِ لا يَعْدِلُونَ بِهِ(10)، جُفَاةٍ عَنِ الكِتَابِ،


1) النساء 59/4 .

2) س، م، ع، ج: رسول الله.

3) لا يؤخذ بأكظامها في المعارج 216 ، يقال : أخذت بكظمه، أي: بمخرج نفسه.

4) كرثه الأمر : اشتد عليه.

5) ب : إلى الله.

6) فائدة: ليست في الأصل، وهي في س، ع، م، ج، وحاشية ب.

7) في الحاشية عن نسخة: فأنى.

8) أي: يحير بكم في المنهاج 2 / 42 ، وقال: وروي فأنى يتاه. 42/2.

9) أوزع له بكذا فهو موزع، إذا أغرى به.

10) في الأصل: عنه وما أثبت في س، ب، م، ج، ع.

نُكْبٍ(1)عَنِ الطَّرِيقِ .

مَا أَنْتُم بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، ولا زَوَافِرَ(2)يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا، لَبِثْسَ حُشَاشُ(3)نَارِ الحَرْبِ أَنْتُم، أُفٍّ لَكُم لَقَد لَقِيْتُ مِنْكُم بَرْحًا(4)، يَوْمًا أُنَادِيكُم، ويَوْمًا أُنَاجِيكُم ! فلا أَحْرَارُ صِدْقٍ(5) عِنْدَ النَّدَاءِ، ولا إِخْوَانُ ثقَة عِنْدَ النَّجَاء(6).

[126] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) لَمَّا غُوتِبَ عَلَى تَصييرهِ النَّاسَ إِسْوةً فِي العَطَاء مِن غَيْرِ تَفْضِيل أولِي السَّابِقَاتِ والشَّرفِ

*لَمَّا غُوتِبَ عَلَى تَصييرهِ النَّاسَ إِسْوةً فِي العَطَاء مِن غَيْرِ تَفْضِيل أولِي السَّابِقَاتِ والشَّرفِ(7)

قَالَ: أَتَأْمُرُونِي أن أطْلُبَ النَّصْرَ بالجَوْرِ فِيمَن وَلَّيْتُ عَلَيْهِ، واللهِ لا


1) حاشية: نُحب: جمع نكوب من نكب، وفي شرح ابن میثم 560/3 نكب: جمع ناكب، وهو العادل الطريق، كباذل وبذل.

2) حاشية: زوافر الرجل: أنصاره وعشيرته.

3) الحشاش: جمع حاشّ، وهو موقد النار ، وكذلك الحشاش بكسر الحاء وتخفيف الشين، كنائم ونوَّام ونيام، وقيل: هو ما يحش به النار، أي: يوقد.

4) البرح: الشدة والأذى، يقال: لقيت منه برحًا بارحًا، وروي ترحًا، وهو الحزن.

5) صدق ليست في: س، ع.

6) الكلام بالرقم نفسه في الشرح 275/8 وشرح ابن ميثم 560/3 . وبرقم 123 في مصدر سابق 2/ 280 ، وينظر تعليق المؤلف.

7) كذا في ج، وفي س ، م ، ع: لما عوتب على التسوية في العطاء.

أَطُورُ(1)بهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، ومَا أمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْما(2)لَو كَانَ اللَمَالُ لِي لسَوَّيْتُ بَيْنَهُم، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا المَالُ(3)هم؟ ثُمَّ قَالَ(4): ألا وإِنَّ عَطَاءَ المَمالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرُ وإِسْرَافُ، وهو يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي

الآخِرَةِ، ويُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، ويُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ، ولَم يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُم، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُم؛ فإن زَلَّتْ بِه النَّعْلُ يَوْمًا فَاحْتَاجَ إلى مَعُونَتِهِم ، فَشَرُّ خَلِيلٍ وألأمُ خَدِينٍ(5).

[127] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) للخَوَارِج

فإن أبَيْتُم إلا أن تَزْعُمُوا أنّي أخْطَأت وضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ


1) حاشية: لا أطور، أي: لا أتحرك طوره، أي جانبه . وفي لقاموس: الطور: ما كان على عند الشيء، أو بحذائه، وأطور في المعارج 217 ، أي: لا أقربه.

2) في المعارج 217 ، أي: قصد نجم نجما، عنى به السيارة.

3) بعدها في س ، ع : مَالُ الله ، وكذا في حاشيتي الأصل وج، وما أثبت في ب أيضًا.

4) ثم قال: ليس في س، م.

5) تقديم وتأخير في س، م ، ج ، ع ، والخطبة التي أشار إليها في هذا المطبوع برقم 142 فلاحظ، وهي بالرقم نفسه في الشرح 279/8 ، وبعدها فيه «وألأم خليل»، وشرح ابن ميثم 562/3 . وبرقم 124 في مصدر سابق /2 281 علق مؤلفه بقوله: (ومما هو جدير بالذكر أن الكلام سيأتي برقم (139 - رقمها في هذا المطبوع 140 -) وأوله (وليس لواضع المعروف في غير حقه) تابع لهذا الكلام، وقال: وتعرف حقيقة ذلك إذا رجعت إلى المصادر المذكورة)، أي: مصادر التخريج التي ذكرها.

أمَّةِ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم)(1)بِضَلالي، وتَأخُذُونَهُم بِخَطَنِي، وتُكَفْرُونَهُم بِذُنُوبِي؛ ، سُيُوفُكُم عَلَى عَوَاتِقِكُم تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ البَرَاءَةِ والسَّقَمِ، وتَخْلِطُونَ مَن أَذْنَبَ بِمَن لَم يُذْنِبُ، وقَد عَلِمْتُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) رَجَمَ الزَّانِي، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أهْلَهُ، وقَتَلَ القَاتِلَ وورَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وقَطَعَ السَّارِقَ وجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ المُحصَنِ، ثُمَّ قَسَّم عَلَيْهِمَا مِن الفَيْءِ، ونَكَحَا المُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُم رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِذُنُوبِهِم ، وأَقَامَ حَقٌّ الله فيهم ، ولَم يَمْنَعْهُم سَهمَهُم مِنَ الإِسْلامِ، ولَم يُخْرِجُ أَسْمَاءَهُم مِن بَيْنِ أَهْلِهِ(2).

ثُمَّ أَنْتُم شِرَارُ النَّاسِ، وَمَن رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيْهَهُ(3). وسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ؛ يُحِبُّ مُفْرِط(4)يَذْهَبُ بِهِ الحُبُّ إلى غَيْرِ الحق، ومُبْغِضُ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ البُغْضُ إلى غَيْرِ الحَقِّ، وخَيْرُ النَّاسِ في حَالَّا النَّمَط(5)الأَوْسَطُ، فالزَمُوهُ، والزَمُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ؛ فَإِنَّ يَدَ


1) في الأصل عليه السلام، وفي س، م: صلى الله عليه وسلم، والمثبت في ب، ج، ع.

2) ينظر شرح نهج البلاغة 118/8.

3) حاشية : التيه المفازة، لأن يتاه ،بها، وفي القاموس التيه المفازة ومتيهة، كسفينة: مَضلَّة.

4) أي: متجاوز للحدّ.

5) حاشية : النمط : ضرب من البسط، وهاهنا يعني الجماعة، وقالوا: النمط : الجماعة من الناس، وما ورد في المنهاج 43/2 ، وفيه أيضًا: الجماعة من الناس الذين لا يعتقدون فيه الإلهية والنبوة.. بل يعلمون أنه ولي الأمر بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله المنصوص عليه، وينظر حديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مجمع الزوائد 9 133 ، وشرح ابن أبي الحديد 20/ 220 .

اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أنَّ الشَّاذَّةَ مِنَ الغَنَم للذِّنْبِ.

ألا مَن دَعَا «30أ» إلى هَذا الشَّعَارِ(1)فَاقْتُلُوهُ وَلَو كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ، وإِنَّما حُكِّمَ الحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا القُرْآنُ، ويُمِيتَا مَا أَمَاتَ القُرْآنُ، وإحْيَاؤُه الاجْتِمَاعُ عَلَيهِ، وإمَاتَتُهُ الافْتِرَاقُ عَنْهُ، فَإِن جَرَّنَا القُرْآنُ إِليهم اتَّبَعْنَاهُم ، وإن جَرَّهُم إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا، فَلَم آتِ - لا أبا لكُمْ - بجرا(2)، ولا خَتَلْتُكُم(3)عَن أَمْرِكُم، ولا لَبَّسْتُه عَلَيْكُم ، وإِنَّما(4)اجْتَمَعَ رأيُ مَلَئِكُم عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَّا يَتَعَدَّيَا القُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ، وتَرَكَا الحقِّ وهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وكَانَ الجَوْرُ هَوَاهُمَا، فَمَضَيَا عَلَيْهِ؛ وقَد سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الحُكُومَةِ بالعَدْلِ، والصَّمْدِ(5)للحَقِّ سُوْءَ رَأيهِمَا ، وجَوْرَ حُكْمِهِما(6).


1) حاشية: يعني الإمامة، وأخشى ؟ أن بشر بالشعار .. الخروج والبدعة، فقوله (علیه السّلام): من دعا إلى آخره فاقتلوه ولو كنتُ؟).

2) حاشية: البجر: الشرُّ والأمر العظيم، وكذا في المنهاج 2/ 43 .

3) الختل: الخديعة.

4) س، م، ج، ب: إنما.

5) الصمد: القصد.

6) بالرقم نفسه في الشرح 280/8 ، وفيه مبحث عن موقف الخوارج من أهل الكبائر،وآخر عن غلاة الشيعة والنصيرية، وفي شرح بن ميثم 564/3 . وبرقم 125 في مصدر سابق 283/2 .

[128] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) وهوَ مِمَّا كَانَ يُخْبِرُ بِه عَنِ المَلاحِمِ بالبَصْرَةِ

اشارة

*وهوَ مِمَّا كَانَ يُخْبِرُ بِه عَنِ المَلاحِمِ(1)بالبَصْرَةِ(2)

يَا أَحْنَفُ(3)كَأَنِّي بِهِ(4)وقَد سَارَ بالجَيْشِ الذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، ولا تَجَبْ، ولا فَعْقَعَةُ مُجمٍ، ولا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ، يُثِيرُونَ الأَرْضَ بِأَقْدَامِهِم كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ.

يومِنُ بِذلِكِ (علیه السّلام) إلى صَاحِبِ الزِّنْج(5)، ثُمَّ قَالَ (علیه السّلام): وَيْلٌ لِسِكَكِكُم العَامِرَةِ، والدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيم الفِيلَةِ(6)مِن أولئكَ الذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُم، ولا يُفْقَدُ غَائِبُهُم؛


1) حاشية: الملاحم : جمع ملحمة، وهي الحرب، وفي الشرح 124/7 : الملاحم: جمع ملحمة، وهي الوقعة العظيمة في الحرب وفي شرح ابن ميثم 566/3 الملحمة: الوقعة العظيمة.

2) العنوان في س: ومن كلامه فيما يُخبر به عن الملاحم بالبصرة، وفي م، ج، ع: ومن كلامه (علیه السّلام) فيمَ يُخبر به عن الملاحم بالبصرة.

3) لي كتاب عنه بعنوان (الأحنف بن قيس أعظم المعاقين في الإسلام) طبعته أمانة العتبة العلوية ، وطبعته أيضًا أمانة مسجد السهلة.

4) حاشية: إشارة إلى من يخرج في آخر الزمان كالسفياني.

5) بعدها في ع: واسمه علي بن محمد العلوي الحسيني البرقعي، صاحب الزنج، وهو صاحب البرقع، واستشهد ابن عساكر في تاريخه 228/41، بأبيات من الشعر لعلي بن محمد البرقعي، ولم يذكر له ترجمة.

6) في المعارج 219: شبه جدران القصور بنسور الأجنحة لبياضها، والأبراج المدورة المبينة في السكك بخراطيم الفيلة.

أنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا(1)، وقَادِرُهَا(2)بِقَدْرِهَا ، وناظرُهَا(3)بِعَيْنِهَا .

ومِنْهُ: يُومِنُ بِهِ إِلَى وَصْفِ الأَتْرَاكِ

كأَنِّي أَرَاهُم قَوْمًا كَأَنَّ وجُوهَهُم المَجَانُ المُطْرَقَةُ(4)، يَلْبَسُونَ السَّرَفَ(5)والدِّيْبَاجَ، ويَعْتَقِبُونَ(6)الخَيْلَ العِتَاقَ، ويَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ(7)قَتْلِ ، حَتَّى يَمْشِيَ المَجْرُوحُ عَلَى المَقْتُولِ، ويَكُونَ المُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ المأسُورِ.

فقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عِلْمَ الغَيْبِ؛ فضَحِكَ (علیه السّلام)(8)، وقَالَ للرَجُل، وكَانَ كَلْبِيًّا : يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ


1) في المعارج 219 ، أي: عالم بأحوالها، وأنها فانية.

2) حاشية: وقادرها ، أي : عارفها حق معرفتها .

3) في الأصل: وناطرها، وما أثبت من بقية النسخ.

4) حاشية: المطرقة : يقال : طرقت النعل إذا ظاهرتها بأخر ؛ والحاشية في المنهاج 44/2، و المجان في شرح ابن ميثم 3/ 568: جمع مجن بكسر الميم ، وهو الترس، والمطرقة عنده بفتح الراء والتخفيف: التي تطبق وتخصف كطبقات النعل .

5) ج ، ب ، م : السَرَّقَ ، وكذا في شرح ابن ميثم 568/3 ، والسرق في الحاشية: شقق الحرير، واحدتها سرقة. قال أبو عبيدة: هي البيض منها، وهو فارسي معرب، أصله: سره، أي جيد، كالاستبرق الغليظ من الديباج.

6) حاشية : يعتقبون: يحبسون الخيل العتاق، يقال : اعتقبت الرجل، أي: حبسته، ويقرب منها ما ورد في المنهاج 2 / 44 ؛ وفي شرح ابن ميثم 568/3 : يعتقبون الخيل : يحتبسونها ويرتبطونها.

7) استحر القتل وحرّ، أي: اشتدَّ .

8) عليه السلام: ليست في س، م، ج.

هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وإِنَّما هُوَ تَعَلَّمُ مِن ذِي عِلْمٍ، وإنَّما عِلْمُ الغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، ومَا عَدَّدهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ(1)الآية، فَيَعْلَمُ سبحانه(2)مَا فِي الأَرْحَامِ مِن ذَكَرٍ أو أنثى، وقَبِيحِ أو جَمِيلٍ، وسَخِيٌّ أو بَخِيْلِ، وَشَقِيّ أو سَعِيدٍ، ومَن يَكُونُ للنَّارِ(3)حَطَبًا، أو في الجِنَانِ للنَبِيِّينَ مُرَافِقًا؛ فهَذا عِلْمُ الغَيْبِ الذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلا اللهُ، ومَا سِوَى ذلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَه اللهُ تَعَالَى نَبِيَّه (صلی الله علیه و آله و سلم)(4)، فَعَلَّمَنِيْهِ، ودَعَا لي بأن يَعِيَهِ صَدْرِي، وتَضطَمَّ عَلَيْهِ جَوانِحِي(5).


1) لقمان 34/31 .

2) سبحانه : ليست في الأصل، وهي في س، م، ب، ج.

3) س، م، ج: في النار.

4) وسلَّم في س.

5) في نهاية الخطبة إشارة لقراءة في نسخة ج، وهي بالرقم نفسه في الشرح 289/8، وفيه مبحث عن أخبار صاحب الزنج، وآخر في وصف الأتراك، وجنكيز خان وفتنة التتر وكذا في شرح ابن ميثم 566/3 ، وبرقم 126 في مصدر سابق 2/ 288 ونقل المؤلف عن شرح ابن ميثم أن الشارح نثر فصولا منها، وقال: هذا الفصل من خطبة له بالبصرة بعد وقعة الجمل. وقال المؤلف : (وهذا الفصل يتصل بالفصل الذي مر برقم 99) ، ورقمها في هذا المطبوع 100 ، وفي المعارج 220 : يقال : اضطمت عليه الضلوع، أي: اشتملت.

[129] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ المَكَايِيلِ والمَوَازِينِ

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّكُم ومَا تَأْمُلُونَ مِن هذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ(1)مُؤَجَّلُونَ(2)، ومَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ، أَجَلٌ مَنْقُوص، وعَمَلٌ محفوظ، فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّع(3)، ورُبَّ كَادِحِ(4)خَاسِرُ ؛ قَد أَصْبَحْتُم فِي زَمَنِ لا يَزْدَادُ الخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَارًا ، والشَّرُّ إلا إقْبَالًا، والشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعًا، فهذا أوانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وعَمَّت مَكِيدَتُهُ، وأَمْكَنَت فَرِيسَتُهُ.

اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِن النَّاسِ، فَهَل تُبْصِرُ(5)إِلَّا فَقِيرًا يُكَابِدُ فَقْرًا، أو غَنِيًّا بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا، أو بَخِيلا اتَّخَذَ «30ب» البُخْلَ بحَقِّ اللهِ وَفْرًا، أو مُتَمَرِّدًا كَأنَّ بِأذْنُهِ عَنْ سَمْع المَوَاعِظِ وَقْرًا(6).


1) حاشية : الثوي: الذي يقيم ليلة واحدة وكذا في المنهاج 50/2، وفي القاموس: الثوى المكان، وبه يثوي ثواء، وأثوى به: أطال الإقامة أو نزل، والتَّوِيُّ: البيت المهيأ للضيف؛ والثوي في المعارج 220: الضعيف.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: مرحلون.

3) ضبطها في الأصل بالفتح والكسر ، وبالكسر في س. والدائب : المجد في العمل.

4) الكدح: العمل.

5) في الأصل: تنظر ، وما أثبت في حاشية الأصل، وكذا في س، م، ج، ع.

6) الوقر: الصمم.

أيْنَ خِيَارُكُم وصُلَحَاؤُكُم، وأيْنَ أحْرَارُكُم وسُمَحَاؤكُم !؟ وأَيْنَ المتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِم والمُتَنَزَّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِم !؟ أَلَيْسَ قَد ظَعَنُوا جَمِيعًا عَن هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ والعَاجِلَةِ المُنَغْصَةِ؟ وهَل خُلَّفْتُم إِلَّا فِي حُثَالَةٍ(1)لا تَلْتَقِي بِذَمِّهِم الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَارًا لِقَدْرِهِم، وذَهَابًا عَن ذِكْرِهِم؟ فـإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(2). ظَهَرَ الفَسَادُ؛ فلا مُنْكِرُ مُغَيّر، ولا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ ، أَفَبِهَذا تُرِيدُونَ أَن تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ(3)، وتَكُونُوا أَعَزَّ أَولِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَن جَنَّتِهِ، ولا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ؛ لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ العَامِلِينَ بِه(4).


1) حاشية: الحثالة: الثّفْلُ ، وكأنَّه الرديء من كل شيء، وكذا في المنهاج 2/ 50، وفي المعارج 221: ما سقط من قشر الشعير والآرز والتمر، فكأنه الرديئ من كل شيء.

2) البقرة 2/ 156 .

3) في المنهاج 2/ 50 ، أي: الجنة.

4) بالرقم نفسه في الشرح 367/8 وفيه بحث حول أقوال الحكماء والصالحين، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 569/3 ، وبرقم 127 في مصدر سابق 2/ 290، وينظر تعقيب المؤلف.

[130] ومِن كَلام له (علیه السّلام) لأبي ذَرُ لَمَّا أُخْرِجَ إِلَى الرَّبَذَةِ

يَا أَبَا ذَرِّ(1)إِنَّكَ غَضِبْتَ اللهِ، فَارْجُ مَن غَضِبْتَ لَهِ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُم وخِفْتَهُم عَلَى دِينِكَ، فاترك مَا(2)فِي أَيْدِيهِم مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، واهْرُبْ مِنْهُم بِمَا خِفْتَهُم عَلَيْهِ، فَما أَحْوَجَهُم إلَى مَا مَنَعْتَهُم ، وأغْنَاكَ عَمَّما مَنعُوكَ ، وسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَدًا، والأكْثَرُ حُمَّدًا، ولو أنَّ السَّمَاواتِ والأَرَضِينَ(3)كَانَتَا عَلَى عَبْدِ رَتْقًا ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا تَخَرَجًا لا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الحَقُّ، ولا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا البَاطِلُ، فَلَو قَبِلْتَ دُنْيَاهُم(4)لأحَبُّوكَ ، ولَو قَرَضْتَ مِنهَا لأمِنُوك(5).


1) ذكر في شرح ابن ميثم 571/3 : أبو ذر : اسمه جندب بن جنادة، وهو من بني غفار قبيلة من كنانة، أسلم بمكة، ولم يشهد بدرًا ولا الخندق؛ لأنه حين أسلم رجع إلى بلاد قومه، فأقام حتى مضت هذه المشاهد، ثم قدم المدينة، وكان يتولى عليا وأهل بيته، وهو الذي قال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في حقه: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ) وروى ابن المعمر عنه قال: رأيت أبا ذر آخذا بحلقة باب الكعبة وهو يقول: أنا أبو ذر الغفاري فمن لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق).

2) ما: ليست في س، م، ع.

3) في س، م، ج، ع: الأرض.

4) بعدها في الحاشية عن نسخة: منهم.

5) بالرقم نفسه في الشرح 372/8، وفيه بحث حول أخبار أبي ذر الغفاري حين خروجه إلى الربذة، وفيه أيضًا كلمة عقيل و الحسن والحسين (علیهم السّلام) و كلمة عمار وما تكلم به أبو ذر (رضی الله عنه) في وداعهم ، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 571/2 . وبرقم 128 في مصدر سابق 291/2 - 293 ، وينظر تعليق المؤلف.

[131] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

*[131] ومِن خُطْبَةٍ(1)لَه (علیه السّلام)

أَيَّتُهَا(2)النُّفُوسُ المُخْتَلِفَةُ ، والقُلُوبُ المُتَشَتَّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُم، والغَائِبَةُ عَنْهُم عُقُوهُم، أظارُكُم(3)عَلَى الحَقِّ وأنْتُم تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ المِعْزَى من وَعْوَعَةِ الأَسَدِ(4)، هَيْهاتَ أَن أُطْلِعَ بکم سِرَارَ(5)العَدْلِ أو أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الحَقِّ.

اللهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَم يَكُن الذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، ولا التمَاسَ شَيْءٍ مِن فُضُولِ الحُطَامِ، ولكِن لِنَرُدَّ المَعَالِمَ مِن دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإِصْلاحَ فِي بِلادِكَ فَيَأْمَنَ المَظْلُومُونَ مِن عِبَادِكَ، وتُقَامَ المُعَطَّلَةُ مِن حُدُودِكَ.

اللهم إني أوَّلُ مَن أنَابَ وسَمِعَ وأَجَابَ، لَم يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(6)بالصَّلاةِ.


1) س، م، ب، ع: كلام.

2) في الأصل وفي م، ج، ع: أيها ، وما أثبت من ب.

3) أظأركم: أعطفكم.

4) وعوعة الأسد: صوته.

5) حاشية: السرار: آخر ليلة من الشهر، ومعنى كلامه (علیه السّلام): هيهات أن أنور بكم سرار العدل، وأُطلعَكُم مُضيئين ليستنير بكم العدل، وكذا في المنهاج 51/2، وفي شرح ابن ميثم 573/3 سرار العدل: ما خفي منه .

6) مكانها في س، م: وسلم.

وقَد عَلِمْتُم أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أن يَكُونَ عَلَى الفُرُوجِ والدِّمَاءِ والمَغَانِمِ والأَحْكَام، وإمَامَةِ المُسْلِمِينَ البَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِم نَهْمَتُهُ(1)، ولا الجَاهِلُ فَيُضِلَّهُم بِجَهْلِهِ، ولا الجَافِي فَيَقْطَعَهُم بِجَفَائِهِ، ولا الخَائِفُ لِلدُّوَلِ(2)فَيَتَّخِذَ قَوْمًا دُونَ قَوْمِ، ولا المُرْتَشِي فِي الحُكْمِ فَيَذْهَبَ بالحقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُوْنَ المقاطع، ولا المعطل للسُنَّةِ فيُهْلِكَ الأمَّة(3).

[132] ومِن خُطْبَةِ لَه (علیه السّلام)

نَحْمَدُهُ عَلى مَا أَخَذَ وأعْطَى ، وعَلَى مَا أَبْلَى وابْتَلَى؛ البَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةِ ، الحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةِ ، العَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ ، ومَا تَخُونُ العُيُونُ، ونَشْهَدُ أن لا إلهَ غَيْرُهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا(4)نَجِيُّهُ وبَعِيثُهُ(5)شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السر الإعلانَ ، والقَلْبُ اللِسَانَ.

مِنْهَا : فإنَّه والله الجدُّ لا اللَّعِبُ «31أ»، والحق لا الكَذِبُ ؛ ومَا


1) حاشية : النهمة: بلوغ الهمة والشهوة في الشيء ، وقد نَهم بكذا، أي: مولع به، وكذا في المنهاج 2/ 51 ، وفي شرح ابن ميثم 573/3 النهمة: الحرص على الدنيا.

2) حاشية: الدول : جمع دولة، والدولة في المال خاصة، ثم صار الفيء دولة بينهم يتداولونه، يكون مرة لهذا، ومرة لهذا، وكذا مع تغيير بسيط في المنهاج 51/2 .

3) بالرقم نفسه في الشرح 380/8 وشرح ابن ميثم 573/3 . وبرقم 129 في مصدر سابق 2/ 295 - 296 ، وللخطبة بداية نقلها المؤلف عن تذكرة الخواص.

4) بعدها في ع: صلى الله عليه.

5) بعثه في القاموس: أرسله.

هُوَ إِلَّا المَوْتُ أسْمَعَ دَاعِيْهِ، وأعْجَلَ حَادِيهِ، فَلا يَغُرَّنْكَ(1)سَوَادُ النَّاسِ(2)مِن نَفْسِكَ، فقد رأيتَ مَن كَانَ قَبْلَكَ مِمَّن جَمَعَ المَالَ وحَذِرَ الإقلال، وأمِنَ العَوَاقِبَ طُوْلَ أَمَلِ، وَاسْتِبْعَادَ أَجَلِ كَيْفَ نَزَلَ بِهِ المَوْتُ ، فأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ، وأَخَذَهُ مِن مَأمَنِهِ مَحْمُولًا عَلى أَعْوَادِ المَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ حَمْلًا عَلَى المَنَاكِبِ، وَإِمْسَاكًا بِالأَنَامِلِ.

أمَا رَأَيْتُم الذِينَ يَأمُلُونَ بَعِيدًا، ويَبْنُونَ مَشِيدًا(3)، ويَجْمَعُونَ كَثِيرًا أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُم قُبُورًا، ومَا جَمَعُوا بُورًا(4)، وصَارَتْ أَمْوَاهُم للوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُم لِقَوْمٍ ،آخَرِينَ لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ ولا مِن سَيِّئَةٍ يُسْتَعْتَبونَ(5)، فَمَن أَشْعَرَ(6)التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرزَ مَهَلُهُ، وفَازَ عَمَلُهُ؛ فاهْتَبَلُوا(7)هَبَلَهَا ، وَاعْمَلُوا للجَنَّةِ عَمَلَهَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَم تُخْلَقْ لَكُم


1) في الأصل سهو في الضبط ، وما أثبتناه في س، م، ب، ج.

2) الحاشية: أي: لا تنظر إلى الناس وأعمالهم فتفتر في العمل، وكذا في المنهاج 52/2، وقد طمست كلمة أعمالهم في الحاشية فأفدناها من المنهاج.

3) المشيد: المعلى .

4) حاشية: البور: الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، يقال: رجل بور، وامرأة بور، وقال أبو عبيدة: قوم بور: هلکی، جمع بائر.

5) في المنهاج 53/2 ، أي : أرضى راجعا عن الإساءة، وتقول: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني.

6) حاشية: أشعرته: ألبسته الشعار، وبرز الرجل، أي: فاق على أصحابه، وكذلك الفرس إذا سبق ، وكذا في المنهاج 53/2 .

7) حاشية : الاهتبال: الاغتنام، والهبل: مصدر هبلته أمه: ثكلته، وكذا في المنهاج 2/ 53 وفيه أيضًا اهتبلوا هبالها، أي: اغتنموا قلة أموالها، وفي شرح ابن ميثم 574/3 الاهتبال في الأمر: السعي في إحكامه.

دَارَ مُقَام، بَل خُلِقَت لَكُم بَجَازًا لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الأَعْمَالَ إِلَى دَارِ القَرَارِ، فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْ فَازِ(1)، وقَرِّبُوا الشُّهُورَ للزِّيَالِ(2).

[133] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

وانْقَادَتْ لَه الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ بأزِمَّتِهَا، وقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ والأرَضُونَ مَقَالِيدَهَا(3)، وسَجَدَتْ لَه بالغُدُوِّ والآصَالِ الأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ ، وقَدَحَتْ لَهُ مِن قُضْبَانِهَا(4)النَّيْرَانُ المُضِيئةُ(5)، واتَتْ أُكُلَهَا(6)بِكَلِمَاتِهِ الثَّمَارُ اليَائِعَةُ(7).

مِنْهَا وكِتَابُ اللهِ بَينَ أظْهُرِكُم ناطِقُ لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وبَيْتُ لا تُهْدَمُ أرْكَانُهُ ، وعِزّ لا يُهْزَمُ أعوانه.

مِنْهَا : أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَتَنَازُعِ مِنَ الأَلسُنِ، فَقَفَّى(8)بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الوَحْيَ؛ فجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، والعادِلِينَ بِهِ.


1) حاشية: أوفاز: جمع وفز، وهو العجلة، وكذا في المنهاج 2/ 53 .

2) الكلام بالرقم نفسه في الشرح 383/8 - 384 ، وشرح ابن ميثم 574/3 ، وبرقم 130 في مصدر سابق 2/ 298.

3) المقاليد: المفاتيح، جمع مقلد بكسر الميم.

4) بضم القاف وكسرها في الأصل وفوقها معا.

5) ضبطها بالفتح في الأصل وما أثبت في س، م.ج.

6) أكُلُها ليست في س، م، ج.

7) بالنصب فيهما في س، م ، واليانع من الثمار: المدرك.

8) قفی به: اتبع به قبله.

مِنْهَا: وإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَر الأعْمَى، لا يُبْصِرُ ما وَرَاءهَا شَيْئًا، والبَصِيرُ يَنْفُذُهَا(1)بَصَرُهُ، ويَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا، فالبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ(2)، والأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ ، والبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدُ، والأَعْمَى لَهَا مُتَزَوَّدُ.

مِنهَا : واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيسَ مِن شَيْءٍ إلا ويَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنه مِنه ويَمَلَهُ إلا الحَيَاةَ؛ فإنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ فِي المَوْتِ رَاحَةً، وإِنَّما ذلِكَ بِمَنْزِلَةِ الحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةُ للقَلْبِ المَيِّتِ، وبَصَرُ للعَيْنِ العَمْيَاءِ، وسَمْعُ لِلأُذُنِ الصَّاءِ، ورِيٌّ للظمآن، وفِيهَا الغِنَى كُلُّه، والسَّلامَةُ كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ به،وتَنْطِقُونَ به ، وتَسْمَعُونَ بِه ويَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، ولا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ.

قد اصْطَلَحْتُم عَلَى الغِل(3)فِيمَا بَيْنَكُم، ونَبَتَ المَرْعَى(4)عَلَى دِمَنِكُم، وتَصَافَيْتُم عَلَى حُبِّ الآمَالِ، َوتَعَادَيْتُم فِي كَسْبِ الأَمْوَالِ ؛ لقد استَهَامَ بكم الخَبِيثُ، وتَاهَ بِكُم الغَرُورُ، والله المُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وأَنْفُسِكُم(5).


1) ضبطت في س، م بضم الياء وفتحها، وبضم الفاء وكسرها، وفوقها معًا.

2) الشاخص: الذاهل والمسافر ، والشاخص أيضًا: الذي يرفع بصره إلى الشيء ويمده إليه، والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 578/3.

3) لغل: الغش.

4) حاشية: نبت المرعى على دمنكم: كناية عن ثبوتهم على ذلك، كقولهم: نسجت عليه العنكبوت، ونبت المرعى عليه.

5) بالرقم نفسه في الشرح 386/8 - 396، وفيه مبحث عن الجناس وأنواعه، وكذا رقمه في شرح ابن ميثم، والتخريج برقم 131 في مصدر سابق 2/ 301.

[134] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) وقَد شَاوَرَهُ عُمَرُ بنُ الخطاب فِي الخُرُوج إلى غَزْوِ الرُّوم

*وقَد شَاوَرَهُ عُمَرُ بنُ الخطاب(1)فِي الخُرُوج إلى غَزْوِ الرُّوم

وقَد تَوَكَّلَ اللهُ لأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بإِعْزَازِ الحَوْزَةِ(2)، وسَتْرِ العَوْرَةِ(3)، والذي نَصَرَهُم وهُم قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، ومَنَعَهُم وهُم قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ حَيُّ لا يَمُوتُ.

إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا العَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُم فَتُنْكَبُ لا تَكُن للمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ(4)دُونَ أَقْصَى «31ب» بِلادِهِم لَيَسَ بَعْدَكَ مَرْجِعُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ؛ فَابْعَثْ إليهم(5)رَجُلًا مِحْرَبا(6)، واحْفِزُ(7)مَعَهُ أَهْلَ البَلاءِ والنَّصِيْحَةِ ؛ فإن أَظْهَرَ اللهُ(8)فذاكَ مَا تُحِبُّ، وإن تَكُن الأخْرَى


1) بعدها في الأصل: رحمة الله عليه: وليست في س، ب، م. ج، ع.

2) حاشية: الحوزة الجماعة، وسبب المشاورة بحسب ابن ميثم في شرحه 581/3: أن ذلك حين خرج قيصر الروم في جماهير أهلها إلى المسلمين، وانزوى خالد بن الوليد فلازم بيته، وصعب الأمر على أبي عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وغيرهما من أمراء السرايا.

3) حاشية : العورة: كل ما يستحى منه ، وكذا في المنهاج 59/2 .

4) حاشية: من كنفت الرجل: حفظته وصنته، وفيها عن نسخة أخرى كهفة. قال: الكهف: الغار، ويقال: فلان كهف، أي: ملجأ، وكذا في المنهاج 60/2، وفي القاموس: كنفه : صانه وحفظه.

5) في الأصل: عليهم، وكذا في ب، وفوقها في الأصل: إليهم، وكذا في م، ج.

6) المحرب بكسر الميم: الرجل صاحب حروب.

7) حفزه: ضمه إلى غيره، وفي المنهاج 2/ 60 ، أي: ادفع.

8) أظهر الله على فلان: نصره عليه.

كُنْتَ رِدْءًا(1)لِلنَّاسِ ومَثَابَةً(2)للمُسْلِمِينَ(3).

[135] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) وقَد وَقَعَت بَيْنَه وبين عُثْمَانَ مشَاجَرَةُ

*وقَد وَقَعَت بَيْنَه وبين عُثْمَانَ مشَاجَرَةُ(4)

فقَالَ المُغِيرَةُ بنُ الأَخْنَس(5)لِعُثْمَانِ أَنَا أَكْفِيكَهُ

فقَالَ أمِيرُ الْمُؤمِنِينَ (علیه السّلام) للمُغيرة(6): يا بنَ اللَّعِين الأبْتَر(7)والشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا ولا فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي! فَوَاللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَن أَنتَ


1) الردء: العون.

2) المثابة: المرجع.

3) بالرقم نفسه في الشرح 402/8 ، وفيه بحث حول غزوة فلسطين وفتح بيت المقدس، وذكر أن الخليفة عمر استخلف عليا (علیه السّلام) على المدينة عند خروجه، والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 518/3 أيضًا، وقال: ذلك حين خرج قيصر الروم في جماهير أهلها إلى المسلمين، وانزوى خالد بن الوليد فلازم بيته وصعب الأمر على أبي عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وغيرهما من أمراء السرايا. والتخريج برقم 132 في مصدر سابق 302/2.

4) في س ، م، ج، ب: وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان.

5) أبوه الأخنس بن شريق من أكابر المنافقين المؤلفة قلوبهم، أسلم يوم الفتح، ابنه أبو الحكم أخو المغيرة قتله أمير المؤمنين (علیه السّلام) في معركة أحد. شرح ابن أبي الحديد 406/8 طبعة الأعلمي.

6) ب: صلوات الله عليه.

7) الأبتر: كل أمر انقطع من الخير أثره.

نَاصِرُهُ، ولا قَامَ مَن أنتَ مُنْهِضُهُ؛ اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ(1)، ثُمَّ ابْلُغ جُهْدَكَ، فلا أبْقَى اللهُ عَلَيْكَ إن أبْقَيْتَ(2).

[136] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

لَم تَكُن بَيعَتُكُم إِيَّايَ فَلْتَةً(3)، ولَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُم واحِدًا؛


1) حاشية: يعني به نوء النجم المعنى: أبعد الله خيرك، ولما كانت أغلب الحواشي في المنهاج فلا أجد ما يدعو للإشارة إليها في كل حاشية، إلا أن أجد ضرورة لذلك؛ وفي شرح ابن میثم 582/3 النوى المقصد الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، والنوى: لغة في النأي، وهو البعد؛ في المعارج 225 ، أي من صحبك.

2) بالرقم نفسه في الشرح 135/8 وفيه ترجمة للمغيرة ذكر فيها المغيرة بن الأخنس بن شريق بن عمرو الثقفي، وإنما قال له أمير المؤمنين : يابن اللعين لأن الأخنس بن شريق كان من أكابر المنافقين ذكره أصحاب الحديث كلهم في المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم، وابنه أبو الحكم بن الأخنس قتله أمير المؤمنين (علیه السّلام) یوم أحد، وهو أخو المغيرة ،هذا، وللرواية بقية، وفيه أيضًا نبذة عن أخبار ثقيف، وذكر بحثًا حول ما شجر بين علي (علیه السّلام) وعثمان، وآخر عن مشاجرة بين عثمان وابن عباس بحضور علي (علیه السّلام)، وثالث حول أسباب المنافسة بين علي (علیه السّلام) و عثمان، وهي مباحث تستحق النظر،، وذكر ابن ميثم في شرحه 3/ 582 أن هذه المشاجرة كانت في زمن ثوران الفتنة على عثمان في خلافته، وكان الناس يستسفرونه (علیه السّلام) إليه ، وهو بالرقم نفسه في الشرح. والتخريج برقم 133 في مصدر سابق 2 / 303 - 305 ، وينظر تعقيب المؤلف.

3) إشارة إلى بيعة الخليفة أبي بكر ، وقد فصلنا القول بها في الجزء الثاني من كتابنا الموسوم بـ(وما أدراك ما علي)، والفلتة عند ابن أبي الحديد في الشرح 24/9 وابن ميثم في شرحه 583/3 : الأمر يقع من غير تدبر ولا روية؛ وفلتة في المعارج 225، أي: فجأة.

إنِّي أُرِيدُكُم الله وأنتُم تُرِيدُونَنِي لأنْفُسِكُم. أيُّهَا النَّاسُ أعِينُونِي عَلَى انْفُسِكُم، وأيم الله لأنْصِفَنَّ المَظْلُومَ ، ولأتُودَنَّ الظَّالِمِ بِخِزَامَتِهِ(1)حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الحَقِّ وإِن كَانَ كَارِها(2).

[137] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) فِي مَعْنى طَلْحَةَ والزُّبَير

أَمَا(3)واللهِ مَا أَنْكَرُوا مُنْكَرًا، ولا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُم نِصْفَا(4)، وإِنَّهُم ليَطلُبُونَ حَقًّا تَرَكُوهُ، ودَمّا هُم سَفَكُوهُ؛ فإن كُنْتُ شَرِيكَهُم فِيهِ؛ فإن هُم نَصِيبَهُم مِنهُ، وَلَئِن(5)كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ(6)إِلَّا قِبَلَهُم؛ وإِنَّ أَوَّلَ عَدْهِم لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِم، وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَنِي مَا لَبَّسْتُ ولا لُبِسَ


1) حاشية، الخزامة: حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد فيها الزمام .

2) بالرقم نفسه في الشرح 24/9 ، وشرح ابن ميثم 3 / 583 . وينظر رقم 134 في مصدر سابق 306/2 ، ذكر المؤلف رواية عن الشعبي أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قال هذا الكلام لما تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن سلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد.

3) أما: ليست في ب، م، س ج، ع.

4) كذا في شرح ابن ميثم 3/ 583 ، أيضًا، وقال : النَّصْف : النصفة، وفي ب: نِصَفا، وفي ع: نَصَفًا.

5) س، م، ج، ب، ع: وإن.

6) ضبطت في شرح ابن ميثم 583/3 بكسر الطاء واللام، والطلبة عنده: المطلوب.

عَلَى(1)، وإِنَّهَا لَلْفِئَةُ البَاغِيَةُ، فِيْهَا الحَمَا(2)والحمَّةُ والشُّبْهَةُ المُغدِفَةُ(3)،وإِنَّ الأَمْرَ لَوَاضِحُ وقَد زَاحَ البَاطِلُ عَن نِصَابِهِ(4)وانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَن شَغْبِهِ(5)، وأيْمُ اللهِ لأُفْرِطَنَّ(6)هُم حَوضًا أَنَا مَاتحُهُ(7)لَا يَصْدُرُونَ عَنه بِرِي ولا يَعُبُّونَ(8)بَعْدَهُ فِي حِسْيِ(9).

مِنْهَا(10): فأَقْبَلْتُم(11)إليَّ إِقْبَالَ العُوذِ المَطَافِيل(12)عَلَى أَوْلادِهَا،


1) البصيرة في المعارج 226 - 227 : ظهور الشيء وبيانه، وقوله: ما لبست و لا لبس علي: ما خدعت أحدًا، وما خدعني أحد.

2) في الأصل: الحمأة، وما أثبت في س، م، ب وحاشية الأصل عن نسخة، وفي حاشية الأصل أيضًا: لا يبعد أن تكون من حمئة من حمى عليه، أي غضب، والحمأ في شرح ابن میثم 583/3 : الطين الأسود المنتن، ويروى الحما بألف مقصورة.

3) حاشية: المغدفة المظلمة، أغدف الليل: أرخى سدوله، وفي المصدر السابق وروي بفتح الدال: الخفية، وأصله أن المرأة تغدف وجهها بالقناع، وقال: الحمة بضم الحاء وتخفيف الميم وفتحها: اسم العقرب

4) أزاح الباطل: انحرف، ونصابه: أصله ومقره.

5) الشغب بالتسكين: المشاغبة وتهييج الشر

6) س: لأفْرِطَنَّ. وفي الحاشية: فرطت الشيء: تركته وتقدمته، وفي القاموس: فرط القوم يفرِطهم فَرْطَا وفَراطَةً: تقدَّمهم إلى الورد لإصلاح الحوض والدلاء. وفي المصدر السابق: لأفرطنَّ : لأملأنّ.

7) الماتح بالتاء: المستقي، والمايح بالياء: الذي يملأ الدلو في البئر.

8) العبّ: الشرب.

9) حاشية: الحسي: مجتمع الماء، وفي المصدر السابق الحِسي: الماء الذي يشربه الرمل فينتهي إلى أرض صلبة تحفظه، ثم يحفر عنه فيستخرج.

10) في الأصل: منه، وكذا في ج، وما أثبت في س، ب، م، ع.

11) ب: وأقبلتم.

12) حاشية: العوذ : جمع عائذ، وهي الناقة الحديثة النتاج. وفي القاموس، المطفل كمحسن:ذات طفل من الإنس والوحش، والجمع : مطافيل.

تَقُولُونَ: البَيْعَةَ البَيْعَةَ! قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعْتُكُم يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا. اللَّهُمَّ إِنَّهَا قَطَعَانِي وَأَلَّبَا النَّاسَ وظَلَمَانِي، ونَكَثَا بَيْعَتِي، عَلَيَّ ، فاحْلُلْ مَا عَقَدَا، ولا تُحْكم هُما مَا أَبْرَمَا، وَأَرِهِمَا المَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلا وعَمِلا، ولَقَد اسْتَثْبَتُهُما(1)قَبْلَ القِتالِ، واسْتَأْنَيْتُ(2)بِهِمَا أَمَامَ الوِقاع، فغَمَطَا(3)النِّعْمَةَ ، ورَدَّا العَافِيَةَ(4).

[138] ومِن خُطْبَة له (علیه السّلام) یومی فِيهَا إِلَى ذِكْرِ المَلاحِمِ

يُومِیُ(5)فِيهَا إِلَى ذِكْرِ المَلاحِمِ

يَعْطِفُ الهَوَى عَلَى الهُدَى إِذَا عَطَفُوا الهُدَى عَلَى الهَوَى، ويَعْطِفُ


1) استثبتهما: طلبت رجوعهما، ويروى بالتاء من التوبة.

2) حاشية: استأنى به، أي: انتظر به، وكذا في المنهاج 62/2 .

3) بكسر الميم في س، وغمط النعمة بكسر الميم في المعارج 228: حقرها.

4) بالرقم نفسه في الشرح 24/9 - 28 ، وفيه النصف : الإنصاف، والحمأة: الطين الأسود، وحمة العقرب: سمّها، والشعب: تهييج الشرّ ، ولأفرطنّ لهم حوضًا، أي: لأملأنّ ، والعبّ: الشرب بلا مصّ كما تشرب الدّابّة، والحسي: ماء كامن في الرمل، يحفر عنه فيستخرج والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 583/3، والتخريج برقم 135 في مصدر سابق 309/2 ، وينظر تعقيب المؤلف. ينظر مصدر سابق 306/2 ، وروى المؤلف عن الشعبي أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قال هذا الكلام لما تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن سلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد.

5) كذا في ب أيضًا، وفي ع، م، ج.

الرَّأيَ عَلَى القُرآنِ إِذَا عَطَفُوا القُرْآنَ عَلَى الرَّأي.

مِنْهَا حَتَّى تَقُومَ الحَرْبُ بِكُم عَلَى سَاقٍ بَادِيًا نَوَاجِدُهَا، مَمْلُوءَةً أخْلافُهَا(1)، حُلْوًا رِضَاعُهَا، عَلْقَا عَاقِبَتُهَا. ألا وفي غدٍ، وَسَيَأْتِي غَدٌ بَمَا لا تَعْرِفُونَ، يأخُذُ الوَالِي(2)مِن غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا، وتُخْرِجُ الأَرْضُ أَفَالِيذ(3)كَبِدِهَا ، وتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْما(4)مَقَالِيدَهَا ، فَيُرِيكُم كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، ويُحْيِي مَيْتَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ .

مِنْهَا «32أ»: كَأَنِّي بِه(5)قَد نَعَقَ(6)بالشَّامِ، وفَحَصَ(7)بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوس(8)، وفَرَشَ الأَرْضَ


1) أخلاف الناقة: حلمات ضرعها .

2) حاشية الوالي هو المهدي(علیه السّلام)، و من غيرها: كأنه تقدم في الكلام، وذكر فيه طائفة ، أو جماعة أنه من غيرها، يعني أنه يأخذ العمال على مساوئ ما يعملون من المعاصي ويجازيهم، وكذا في المنهاج 62/2 مع بعض التغيير، وفي شرح ابن ميثم 585/3 قال : الإشارة في هذا الفصل إلى وصف الإمام المنتظر في آخر الزمان الموعود به في الخبر والأثر.

3) حاشية، أفلاذ: جمع فَلِذ، ويعني بها الكنوز، على ما وردت.. وفي شرح ابن ميثم /3/ 585 أفاليذ: جمع الجمع لفلذة، وهي القطعة القطعة من الكبد، وجمعها فلذ. وهذا الجمع قياسي لكل اسم على فعلة. المحقق.

4) ضبت في س، م، ج بفتح السين وكسرها وفوقها معا .

5) في الحاشية، إشارة إلى بعض من يخرج في آخر الزمان، كالسفياني.

6) نعق الغراب، ونعق الراعي بغنمه بالعين والغين: صاح وفي المعارج 229 قيل: عنى به الحجاج بن يوسف.

7) حاشية : فحص المطر التراب: قلبه.

8) حاشية: الضروس: الناقة السيئة الخلق التي تعض حالبها، وكذا في القاموس.

بالرؤوس ، وقَد(1)فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ(2)، وثَقُلَتْ فِي الأرْض وطاتُهُ بَعِيد الحَوْلَةِ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ؛ واللَّهِ لَيُشَرِّ دَنَّكُم فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُم إِلَّا قَلِيْلٌ كَالكُحْل فِي العَيْنِ؛ فَلا تَزَالُونَ كَذلِكَ حَتَّى تَؤُوبَ إلى العَرَبِ عَوَازِبُ(3)أَحْلامِهَا، فَالْزَمُوا السُّنَنَ القَائِمَةَ، والآثَارَ البَيِّنَةَ ، والعَهْدَ القَرِيبَ الذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ، واعْلَمُوا أن الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي(4)لَكُم طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ(5).

[139] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) فِي وَقْتِ الشُّورى

لَن يُسْرِعَ أَحَدٌ قَيْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَمٍ؛ فاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِي(6)عَسَى أَن تَرَوا هَذا الأَمْرَ مِن بَعْدِ هَذا


1) س: قد.

2) فغرت فاغرته: انفتح فوه، وفي المعارج 198 أيضًا: الفاغرة نوع من الطيب، وفي المنهاج 1/ 442 ، أي فتحت فاها فتنته الشديدة.

3) العزوب في القاموس : الغَيْبَةُ والذهاب.

4) في الحاشية: يسنّي، أي: يفتح ويسهل، وكذا في القاموس

5) العَقِبُ بكسر القاف: مؤخر القدم، وهي بالرقم نفسه في الشرح 29/9 - 34، وفي شرح ابن ميثم 585/3 وينظر في تخريج الخطبة والتعقيب عليها مصدر سابق / 312، وفيه برقم 136.

6) وعوا منطقي في المنهاج 2/ 63 ، أي : احفظوه.

اليَوْم تُنتَضَى فِيْهِ السُّيُوفُ، وتُخَانُ فِيهِ العُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُم أَئِمَّةً لأَهْلِ الضَّلالَةِ، وشِيعَةً لأَهْلِ الجَهَالَةِ(1).

[140] ومن كلام له (علیه السّلام) فِي النَّهْي عَن عَيْبِ الناس

*فِي النَّهْي عَن عَيْبِ(2)النَّاسِ

وإِنَّما(3)ينْبَغِي لأهْلِ العِصْمَةِ(4)، والمَصْنُوع إِلَيْهِم فِي السَّلامَةِ أن يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنوبِ والمَعْصِيَةِ، ويَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الغَالِبَ عَلَيْهِم، والحَاجِزَ لَهُم عَنْهُم ، فَكَيْفَ بالعَائِبِ الذِي عَابَ أَخَاهُ وعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ؟ أمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللهِ عَلَيْهِ مِن ذُنُوبِهِ مَا هوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الذِي عَابَهُ بِه؟ وكَيْفَ يَذْمُّهُ بِذَنْبٍ قَد رَكِبَ مِثْلَهُ؟ فَإِن لَم يَكُن رَكِبَ ذلِكَ لذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَد عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُو أعْظَمُ مِنهُ . وأيمُ اللهِ لَئِن لَم يَكُن عَصَاهُ فِي الكَبِيرِ وعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ ، جَزاتُهُ عَلى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ.


1) في الشرح 35/9: إن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين (علیه السّلام) لأهل الشورى بعد وفاة الخليفة عمر، وهو بالرقم نفسه، وفيه بحث أكمل فيه حديث الشورى، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 589/3 ، وتخريجه برقم 137 في مصدر سابق 2/ 313.

2) كذا في الأصل، وفي ع ، وهي الأنسب ، وكذا في ب أيضًا، وفي هامش الأصل غيبة، وكذا في ج، وفوقها عيب، وفي م غيبة.

3) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع: فإنما.

4) ذكر ابن ميثم في شرحه 589/3 أن أهل العصمة هم الذين أعانهم الله سبحانه على قهر أنفسهم الأمارة بالسوء.

يَا عَبْدَ اللهِ لا تَعْجَلَ فِي عَيْبٍ عَبْدِ(1)بِذَنْبِهِ فَعَلَّهُ(2)مَغْفُورٌ لَه، ولا تَأمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةِ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ؛ فَلْيَكْفُفْ مَن عَلِمَ مِنْكُم عَيْبَ غَيْرِهِ لَا يَعْلَمُ مِن عَيْبِ نَفْسِهِ، وليَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِه غَيْرُهُ(3).

[141] ومِن خُطْبَة له (علیه السّلام)

*ومِن خُطْبَة(4)له (علیه السّلام)

أيُّهَا النَّاسُ، مَن عَرَفَ مِن أخِيهِ وثِيقَةً دِينِ، وسَدَادَ طَرِيقِ فلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ(5)، أمَا إِنَّه قَد يَرْمِي الرَّامِي وتُخْطِئُ السَّهَامُ، ويُحِيكُ(6)الكَلامُ ، َوبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ(7)، واللهُ سَمِيعٌ شَهِيدٌ؛ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ.


1) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع أحد، وكذا في حاشية الأصل.

2) في الأصل: فعله وما أثبت في جميع النسخ المعتمدة.

3) بالرقم نفسه في الشرح 42/9 - 43 ، وفيه بحث في ذم الغيبة والاستماع إلى المغتابين، وآخر عن حكمها في الشرع الإسلامي، وثالث عن أسبابها، والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 589/3 ، وبرقم 138 في مصدر سابق 2/ 314.

4) م، ع، ب، ج: كلام.

5) ج: الناس.

6) بالبناء للمعلوم في س، م، وفي الحاشية: حاك السيف وأحاك، بمعنى، أي: عمل، وفي القاموس، حاك السيفُ : أَثَرَ ، وفي شرح ابن ميثم 591/3: أحاك الكلام يحيك، إذا عمل أثر ، وكذلك حاك، وروي: يحيل، أي: يبطل ولا يصيب.

7) يبور في المنهاج 2/ 63: يهلك.

فَسُئِلَ (علیه السّلام) عَن مَعْنَى قَولِهِ هَذَا، فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، وَوَضَعَهَا بَينَ أَذُنِهِ وعَيْنِهِ، ثُمَّ َقالَ: البَاطِلُ أَن تَقُولَ: سَمِعْتُ، والحَقُّ أَن تَقُولَ رَأَيْتُ(1).

[142] ومِن كَلام له (علیه السّلام)

ولَيْسَ لِوَاضِع المَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وعِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ مِنَ الحَقِّ فِيمَا أَتَى إِلَّا مَحْمَدَةُ الثَّامِ، وثَنَاءُ الأَشْرَارِ ، ومَقَالَةُ(2)الجُهَالِ مَا دَامَ مُنْعِيًا عَلَيْهِم ؛ مَا أجْوَدَ يَدَهُ، وهُوَ عَن ذَاتِ اللهِ بَخِيلٌ، فَمَن آتاه اللهُ مَالًا فَلْيَصِل به القَرَابَةَ، َولْيُحْسِنُ مِنهُ الضَّيَافَة(3)، ولْيَفُكَ بهِ الأسير والعاني(4)، ولْيُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ والغَارِمَ، وليُصِبَرْ(5)نَفْسَهُ «32ب» عَلَى الحُقُوقِ والنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوابِ، فإِنَّ فَوْزًا بِهِذِهِ الخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، ودَرَكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى(6).


1) بالرقم نفسه في الشرح 52/9 ، وكذا في شرح ابن ميثم 3/ 591، وتخريجه برقم 139 في مصدر سابق 2/ 315 - 316 ، وينظر تعقيب المؤلف .

2) بالنصب في الأصل، وهو سهو.

3) ذكر في المعارج 234 أن الحسن (علیه السّلام) مر بفقراء يأكلون خبزًا متكرّجًا، فدعوه لطعامهم، فنزل، فلما فرغ قال لهم: أجيبوني غدًا، فأجابوه في داره، وأحضر لهم طعامًا لذيذا.

4) العاني في المنهاج 2 / 63: الأسير أيضًا.

5) في الأصل وفي ج: واليَصْبر وضبطت في س، م : بالفتح فسكون وبالضم ففتح فتضعيف وفوقها معا.

6) تعالى : ليست في ب، ج، ع ، وإن شاء الله تعالى: ليس في م، والكلام بالرقم نفسه في الشرح 53/9 ، و شرح ابن ميثم 592/3 ، وذكر في مصدر سابق برقم 140 أن كلامه هذا (علیه السّلام) تابع لكلامه لما عوتب على تسوية العطاء، وقد مر برقم 124 ، وهو في هذه الطبعة برقم 116 .

[143] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) في الاستِسْقَاءِ

ألا وإنَّ الأَرْضَ التِي تَحْمِلُكُم، والسَّمَاءَ التِي تُظِلُّكُم مُطِيْعَتَانِ لِرَبِّكُم ، ومَا أَضْحَتَا تَجُودَانِ لَكُم بِبَرَكَتِهِمَا تَوَعًا لَكُم، ولا زُلْفَةً إِلَيْكُم، ولا لِخَيْرِ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُم، ولكِن أُمِرَنَا بِمَنَافِعِكُم فَأطَاعَتَا، وأُقِيمَنَا عَلَى حُدُودِ مَصَاحِكُم فَقَامَتَا.

إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وحَبْسِ البَرَكَاتِ، وإِغْلاقِ خَزَائِنِ الخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، ويُقْلِعَ مُقْلِعٌ، ويَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرٌ ، ويَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ ، وقَد جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الاسْتِغْفَارَ

سَبَبًا لِدُرُورِ الرِّزْقِ ورَحْمَةٌ للخَلْقِ، فَقَال: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ(1)فَرَحِمَ اللهُ امْرَأَ اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، واسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وبَادَرَ مَنِيَّتَهُ.

اللهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِن تَحْتِ الأَسْتَارِ والأَكْنَانِ، وبَعْدَ عَجِيج البَهَائِمِ والوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ ، وخَائِفِينَ مِن عَذَابِكَ ونِقْمَتِكَ.

اللهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْتَكَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، ولا تُهْلِكُنَا بِالسِّنِينَ،


1) نوح 10/71، 11، 12 .

ولا تُؤاخِذْنَا بمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَا(1)يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ، نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ حِيْنَ الْجَأَتْنَا المَضَايِقُ الوَعِرَةُ، وأجَاءَتْنَا(2)المَقَاحِطُ(3)المجْدِبَةُ، وأعْيَتُنَا المَطَالِبُ المُتَعَسِّرَةُ، وتَلاحَمَتْ(4)عَلَيْنَا الفِتَنُ المُسْتَصْعِبَةُ .

اللهُمَّ إِنَّا نَسألُكَ ألَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، ولا تَقْلِبْنَا وَاجِمِينَ(5)، ولا تُخَاطِبْنَا بِذُنُوبِنَا، ولا تُقَايِسْنَا بِأَعْمَالِنَا.

اللهُمَّ انْشُر عَلَيْنَا غَيْتَكَ وبَرَكَتَكَ ، ورِزْقَكَ ورَحْمَتَكَ، واسْقِنَا سُفْيَا نَافِعَةٌ(6)، مُرُوِيَةٌ مُعْشِبَةٌ، تُنْبِتُ بهَا مَا قَد فَاتَ، وتُحيي بِهَا مَا قَد مَاتَ، نَاقِعَة(7)الحَيَا ، كَثِيرَةَ المُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا القِيْعَانَ(8)، وتُسِيلُ البُطْنَانَ(9)، وتَسْتَوْرِقُ الأَشْجَارَ ، وتُرخِصُ الأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ(10).


1) الأعراف 155/7 .

2) حاشية: أجاءتنا، أي: أحوجتنا.

3) لم يذكر لها مفردًا في القاموس، والمقحَط فيه: فرس لا يكاد يعيا جريا. ومَقْحَط مصدر ميمي دل على توكيد الحدث وتقويته. المحقق.

4) تلاحمت في المنهاج 2 / 68 : تداخلت واتصلت.

5) حاشية : الواجم : الذي اشتد حزنه حتى يمسك عن الكلام.

6) النافعة: المروية.

7) حاشية: نقع الماء العطش: سكنه.

8) القيعان: جمع قاع: وهو المستوي من الأرض.

9) حاشية: البطنان: جمع البَطَن، وهو الغامض من الأرض، وفي القاموس، جمع باطن: داخل كل شيء، ومن الأرض: ما غمض ، ومسيل الماء في الغلظ.

10) بالرقم نفسه في الشرح 54/9 - 55، وفيه بحث حول الثواب والعقاب عند أهل الكتاب، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 3 / 594 ، وبرقم 141 في مصدر سابق 320 - 310 .

[144] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

بَعَثَ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُم بِهِ مِن وَحْيِهِ، وجَعَلَهُم حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لئَلَّا تَجِبَ الحُجَّةُ هُم بِتَرْكِ الإعْذَارِ إِلَيْهِم؛ فَدَعَاهُم بِلِسَانِ الصِّدْقِ إلَى سَبِيلِ الحَقِّ، أَلا إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةٌ، لَا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوهُ أَيُّهُمْ ن مَصُونِ أَسْرَارِهِم ، ومَكنونِ ضَمَائِرِهِم ، ولكِن لِيَبْلُوَهُم أیهم أَحْسَنُ عَمَلًا(1)، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً ، والعِقَابُ بَواء(2).

أَينَ الذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُم الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ دُونَنَا كَذِبًا وَبَغْيًا عَلَيْنَا أَن رَفَعَنَا اللهُ ووَضَعَهُم، وأعْطَانَا وحَرَمَهُم ، وَأَدْخَلَنَا وأَخْرَجَهُم بِنَا يُسْتَعْطَى الهُدَى، وبِنَا(3)يُسْتَجْلَى العَمَى، إِنَّ الأَئِمَّةَ مِن قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذا البَطْنِ مِن هَاشِمٍ ، لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُم، ولا تَصْلُحُ الوِلاةُ من غَيْرِهِم.

مِنْهَا: أَثَرُوا عَاجِلًا، وأَخَّرُوا آجلا، وتَرَكُوا صَافِيًا، وشَرِبُوا آجنا(4)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى فَاسِقِهِم وقَد صَحِبَ «33أ» الْمُنْكَرَ ، فأَلِفَهُ، وبَسِيَ بِهِ(5)، ووَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وصُبغَتْ بِه خَلائِقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْيِدًا


1) الكهف 7/18.

2) في المعارج 237 عن الغريبين: البواء: اللزوم، أباء الإمام فلانًا بفلان، أي ألزمه دمه.

3) بنا : ليست في ج.

4) في المعارج 102: الآجن: الماء المتغير

5) حاشية: بسأ به، وبسى، بسوأ، إذا استأنس به، وناقة بسوء: لا تمنع الحالب، والحاشية المنهاج 2/ 69، وقد أفدنا المطموس منها منه، وفي شرح ابن ميثم بسئ به: ألفه واستأنس به.

كالتَّيَّارِ لا يُبَالِي مَا غَرَّقَ، أَو كَوَقْعِ النَّارِ في الهَشِيمِ لا يُحْفِلُ مَا حَرَّقَ ! أَيْنَ العُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ(1)بِمَصَابِيحِ الهُدَى، والأَبْصَارُ اللَّامِحِةُ(2)إلى مَنَارِ التَقْوَى أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتُ اللهِ، وعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ؟! ازْدَحَمُوا عَلَى الحُطَامِ(3)، وتَشَاحُوا عَلَى الحَرَامِ(4)، ورُفِعَ لَهُم عَلَمُ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَصَرَفُوا عَنِ الجَنَّةِ وجُوهَهُم، وأقْبَلُوا إلى النَّارِ بِأعْمَالِهِم؛ دَعَاهُم رَبُّهُم فَنَفَرُوا وَوَلَّوا، ودَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وأقْبَلُوا(5).

[145] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُم فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضْ(6)تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا مَعَ


1) في المعارج 69/2 : المستصبح: المتخذ لنفسه مصباحًا وسراجًا.

2) اللامحة في المصدر السابق: الناظرة.

3) حاشية: الحطام: ما تكسر من اليبس، فشبه مال الدنيا به، وفي حاشية ثانية : قوله (علیه السّلام): ازدحموا، عاد إلى ذم الناس بعد أن انساق إلى الإجبار، فهو كلام مستأنف.

4) في المنهاج 2/ 70 ، أي: تضايقوا.

5) بالرقم نفسه في الشرح 60 - 63 ، وفيه بحث بعنوان (هل يتوجب أن يكون الأئمة من قريش؟)، والتخريج برقم 142 في مصدر سابق 2 / 322، وينظر تعقيب المؤلف. وقال ابن ميثم في شرحه 596/3 ، - والكلام بالرقم نفسه به - : هذا الفصل منافرة بينه وبين جمع من الصحابة الذين كانوا ينازعونه الفضل، وذكر في حاشية الأصل: «بلغ القراءة على المولى علم الهدى، ولله الحمد».

6) الغرض: الهدف.

كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ، وفِي كُلِّ أُكْلَةٍ(1)غَصَصٌ ، لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أَخْرَى، ولا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُم يَوْمًا مِن عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِن أجَلِهِ، ولا تُجَدَّدُ لَه زِيَادَةٌ فِي أُكْلِهِ(2)إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِن رِزْقِهِ، ولا يخيا لَه أَثَرُ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ، ولا يَتَجَدَّدُ لَه جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَن يُخْلِقَ لَه جَدِيدٌ، ولا تَقُومُ لَه نَابِتَةٌ إِلَّا وتَسْقُطُ مِنهُ مَخصُودَةٌ(3)، وقَد مَضَتْ أصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا؛ فَمَا بَقَاءُ فَرْعِ بَعْدَ ذَهَابٍ أَصْلِهِ؟

مِنْهَا: ومَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ(4)إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةَ، فَاتَّقُوا البَدَعَ، والزَمُوا المهيّعَ(5)، إِنَّ عَوَازِمَ(6)الأمُورِ أَفْضَلُهَا ، وإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا(7).


1) كذا في س أيضًا، وفي الحاشية عن نسخة: أكلة بالفتح، وفي المثلث 330/1 الأكلة بالضم: اللقمة، والأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل.

2) كذا في س أيضًا، وضبطها في الأصل بضمتين، وفي حاشيتها عن نسخة: أكْلِهِ. وفي القاموس : جمع أكلة: أكل.

3) س، م: مخضودة.

4) ذكر ابن ميثم أن المراد بالبدعة ما أحدث مما لم يكن على العهد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).

5) المهيع: الطريق الواسع.

6) حاشية: العوازم: الواجبات، وفي شرح ابن ميثم 599/3: العوازم جمع عوزم، وهي العجوز المسنة، وقال في المعارج 236 أيضًا: عوازم الأمور، يعني الأمور القديمة.

7) بالرقم نفسه في الشرح 64/9 - 66 ، والخطبة بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 598/3 ، والتخريج برقم 143 في مصدر سابق 2/ 323.

[146] ومِن كَلامِ له (علیه السّلام) وقَد اسْتَشَارَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فِي الشُّخوص لِقِتَالِ الفُرْسِ بِنَفْسِهِ

*وقَد اسْتَشَارَهُ(1)عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فِي الشُّخوص لِقِتَالِ الفُرْسِ بِنَفْسِهِ(2)

إِنَّ هذا الأمْرَ لَم يَكُنْ نَصْرُهُ ولا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ ولا بِقِلَّةٍ ، هُوَ دِينُ الله الذي أظْهَرَهُ، وجُنْدُهُ الذِي أَعَدَّه وأمَدَّه(3)حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ، ونَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ سُبْحَانَه(4)، واللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، ونَاصِرٌ جُنْدَهُ، ومَكَانُ القَيِّم بالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الخَرَزِ يَجْمَعُهُ ويَضُمُّهُ، فإن انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ وذَهَبَ ، ثُمَّ لم يَجْتَمِعْ بِحَذَا فِيرِهِ(5)أبدًا؛ والعَرَبُ اليَوْمَ، وإن كَانُوا قَليْلًا فَهُم كَثِيرُونَ بِالإِسْلامِ، وَعَزِيزُونَ بالاجْتِمَاعِ، فَكُنْ قُطْبًا، واسْتَدِرِ الرَّحَى بالعَرَبِ ، وأَصْلِهِم(6)دُونَكَ نَارَ الحزب، فإنَّك إن شَخَصْتَ مِن هَذِهِ الأرْض انتَقَضَتْ عَلَيْكَ العَرَبُ مِن أطْرَافِهَا وأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَراءكَ مِن العَوْرَاتِ أَهَمَّ إليكَ مِما بَيْنَ يَدَيْكَ.


1) في الأصل: شاوره، وما أثبت من ب، ع، م، ج.

2) كذا العنوان في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: ومن كَلامِهِ لعُمَرَ وقد استَشَاره في غزو الفرس بنفسِهِ.

3) هامش الأصل عن نسخة: أعزّه وأَيَّدَه.

4) سبحانه : ليست في النسخ وهي في الأصل.

5) حاشية: حذافير الشيء: أعاليه ونواحيه، يقال: أعطاه الدنيا بحذافيرها، أي: بأسرها، الواحد حذفار، والحاشية في المنهاج 2/ 70.

6) أصلهم في المنهاج 2/ 70 ، أي : اجعلهم يصلون نار الحرب ويحترقون بها.

إن الاعاجم إِن يَنظُرُوا إِلَيْكَ غَدًا يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ العَرَبِ، فَإِذَا قَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِم عَلَيْكَ، وطَمَعِهِم فِيكَ؛ فأمَّا مَا ذَكَرْتَ مِن مَسِيرِ القَوْمِ إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُو أَكْرَهُ لَسِيْرِهِم مِنْكَ، وهو أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِن عَدَدِهِم، فإِنَّا لَمْ نَكُن نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ(1).

[147] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا(2)بالحقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ «33ب» مِن عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إلَى عِبَادَتِهِ ، ومِن طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَد بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ العِبَادُ رَبَّهُم؛ إذ جَهِلُوهُ، ولِيُقِرُّوا بِهِ بَعدَ(3)إِذ جَحَدُوهُ، ولِيُثْتُوهُ بَعْدَ إِذ أَنْكَرُوهُ، فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ هُم فِي كِتَابِهِ مِن غَيْرِ أن يَكُونُوا(4)رَأَوْهُ،


1) بالرقم نفسه في الشرح 67/9، وفيه مبحث عن معركة القادسية وآخر عن وقعة نهاوند، وذكر ابن ميثم في شرحه 3/ 600 أن الناقلين اختلفوا في الوقت الذي قال (علیه السّلام) هذا الكلام لعمر، فقيل : قاله في غزوة القادسية، وهو منقول عن المدائني في كتاب الفتوح، وقيل: في غزوة نهاوند عن الطبري، والكلام بالرقم نفسه به، والظاهر أنه منقول من الشرح، والتخريج برقم 144 في مصدر سابق 325/2-328 .

2) كذا في ب ، ج أيضًا، وبعدها في س م ، ع: صلى الله عليه .

3) بعد: ليست في الأصل، وأثبتت من س، م، ب.

4) يكونوا: ليست في س، م.

بِمَا أَرَاهُم مِن قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهُم مِن سَطْوَتِهِ، وكَيْفَ مَحَقَ(1)مَن تَحَقَ بالمثلات، واحْتَصَدَ مَنْ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ.

وإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُم مِن بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِن الحقِّ ولا أظْهَرَ مِن البَاطِل، ولا أكْثَرَ مِن الكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ولَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةُ أَبْوَرَ(2)مِن الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِه، ولا أنْفَقَ مِنْهُ، إِذَا حُرِّفَ عَن مَوَاضِعِهِ، ولا في البِلادِ شَيءٌ أنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، ولا أعْرَفُ(3)مِن المُنْكَر، فَقَد نَبَذ الكِتَابَ حَمَلَتْهُ، وتَنَاسَاه حَفَظَتُهُ؛ فالكِتابُ يَوْمَئِذٍ وأهْلُهُ مَنْفِيَّانِ طَرِيدَانِ، وصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقِ وَاحِدٍ ، لا يُؤْوِيْهَا مُؤْوِ، فالكِتَابُ وأَهْلُهُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ ولَيْسَا فِيْهِم، ومَعَهُم ولَيْسَا مَعَهُم لأنَّ الضَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الهُدَى ، وإِن اجْتَمَعَا؛ فاجْتَمَعَ(4)القَوْمُ عَلَى الفُرْقَةِ، وافْتَرَقُوا عَن الجماعَةِ، كَأَنَّهُم أَئِمَّةُ الكِتاب، ولَيْسَ الكِتَابُ إمَامَهُم، فَلَم يَبْقَ عِنْدَهُم مِنهُ إِلَّا اسْمُهُ، ولا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وزَبْرَهُ(5). ومِن قَبْلُ مَا مَثَلُوا بالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ(6)، وسَمَّوا صِدْقَهُم عَلَى اللهِ فِرْيَةً، وجَعَلُوا


1) حاشية: محق، أي: أبطل وأهلك، وفي القاموس : أبطله ومحاه.

2) حاشية: بار المتاع: كسد.

3) أنكر .. أعرف: ضبطتا بالضم في الأصل، وكأن الرفع فيهما عدل من النصب، وما أثبت في ب، ج، س، وبلا ضبط في م.

4) كذا في ب، وفي س، م، ج، ع: واجتمع.

5) زبره: كتبه .

6) حاشية : مثل بالقتيل : جدعه، والمثلة : العقر، عقوبة السيئة .

فِي الحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيْئة(1)، وإِنَّما هَلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُم بِطُولِ آمَاهِم، وتَغَيُّبِ آجَالِهِم حَتَّى نَزَلَ بِهِم المَوْعُودُ الذِي تُرَدُّ(2)عَنهُ المَعْذِرَةُ، وتُرْفَعُ عَنهُ التَّوْبَةُ، وتَحلُّ مَعَهُ القَارِعَةُ(3)والنِّقْمَةُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَن اسْتَنْصَحَ اللهَ وُفِّقَ، وَمَن اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِي للَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فإنَّ(4)جَارَ اللهِ آمِنٌ، وعَدُوَّهُ خَائِفٌ، وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمِن عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أَن يَتَعَظَّمَ ، فإِنَّ رِفْعَةَ الذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أن يَتَوَاضَعُوا لَه ، وسلامَةَ الذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَن يَسْتَسْلِمُوا لَهُ، فلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَالبَارِئِ مِن ذِي السَّقَمِ، واعْلَمُوا أَنَّكُم لَن تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الذِي تَرَكَهُ، ولَن تَأخُذُوا بِمِيثَاقِ الكِتَابِ(5)حتَّى تَعْرِفُوا الذي تركه، ولَن تَأْخُذُوا بِمِيْثَاقِ الكِتابِ حتَّى تَعْرِفُوا الذِي نَقَضَهُ، ولَن تَمَسَّكُوا بِهِ(6)حَتَّى تَعْرِفُوا الذِي نَبَذَهُ، فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُم عَيْشُ العِلْمِ(7)وَمَوْتُ


1) في الأصل: العقوبة السيئة وفي س، م: عقوبة السيئة وكذا في حاشية الأصل.

2) كذا في س، م، ب، وفي الأصل يُردُّ؛ والموعود في المنهاج 2/ 74: الموت.

3) القارعة: الداهية الشديدة.

4) س، م، ج: وإن .

5) حاشية: ألا تقولوا على الله إلا الحق، وهي في منهاج 75/2.

6) حاشية: أمسكت بالشيء، وتمسكت به، و استمسکت به، و امتسكت به، كلها بمعنى اعتصمت به، والحاشية في المنهاج 2/ 75 .

7) في المنهاج 75/2، أي: أن أهل القرآن يحيا بهم العلم أي: الشرع.

الجَهْلِ، هُم الذِينَ يُخْبِرُكُم حُكْمُهُم عَن عِلْمِهِم، وصَمْتُهُم عَن(1)مَنْطِقِهِم، وظَاهِرهُم عَن بَاطِنِهِم ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ، ولا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُم شَاهِدٌ صَادِقٌ ، وصَامِتٌ نَاطِقُ(2).

[148] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ أهْلِ البَصْرَةِ

*[148] ومِن خُطْبَةٍ(3)لَه (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ أهْلِ البَصْرَةِ

كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما(4)يَرْجُو الأمْرَ لَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ(5)دُونَ صَاحِبِهِ، لا يَمُتَانِ إِلَى اللهِ بِحَبْلِ، ولا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ(6)ضَبٌ لِصَاحِبِهِ، وعَمَّا قَلِيلِ يَكْشِفُ قِنَاعَهُ بِهِ. وَاللَّهِ لَئِن أَصَابُوا الذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذا نَفْسَ هَذا، ولَيَأْتِيَنَّ هَذا عَلَى هَذا.


1) ب: من، وفي الحاشية، أي: حالهم تدل على كنههم، والحاشية في المنهاج 75/2 .

2) بعدها في س: به. والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 72/9 - 75 ، وشرح ابن میثم 603/3 ، التخريج في مصدر سابق 328/2 برقم 145، وعلق المؤلف بقوله: (سيأتي أن الخطبة 237 فصل من هذه الخطبة، كما ستأتي الإشارة إليها في باب الكلمات القصار في الحكمة 98) ، والخطبة المشار إليها برقم 239، في هذه الطبعة، أما الحكمة فبرقم 93 ، وفي المعارج 238 ، أي : ينطق بالقلب ولسان الحال.

3) في الأصل: ومن كلام، وما أثبت من ب، س، م.

4) في المنهاج 2 /75: يعني طلحة والزبير، لا يمتان، أي: لا يتوسلان بقرابة، والمت: توسل بقرابة، وفي الحاشية: المتّ: المد والمتّ: النزع على غير بكرة، والمت: توسل بقرابة، وكذا في القاموس.

5) يعطفه إليه: يجذبه إلى نفسه ويزعم أنه أحق به من صاحبه.

6) في الأصل: حقد ضب، والزيادة ليست في النسخ، والضبّ: الحقد والغل.

قَد قَامَتِ الفِئَةُ البَاغِيَةُ ؛ فأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ(1)؟ قَد سُنَّت لَهُم السُّنَنُ، وقُدِّمَ هُم الخَبَرُ(2)«34 أ»، ولِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، ولِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ، والله لا أكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ(3)يَسْمَعُ النَّاعِي، ويَحْضُرُ البَاكِي، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ(4).

[149] ومِن كلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَبلَ مَوتِهِ

*[129] ومِن كلامِ(5)لَهُ (علیه السّلام) قَبلَ مَوتِهِ

أَيُّهَا النَّاسُ(6)، كُلُّ امْري لاقِ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ، والأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ والهَرَبُ مِنهُ مُوَافَاتُهُ، كَم اطَّرَدْتُ(7)الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَن مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ تَخَزُونٌ.


1) المحتسبون: طالبوا الأجر والثواب.

2) حاشية، أي: النبي (علیه السّلام).

3) حاشية: اللدم: صوت الحجر يقع على الأرض، ومستمع اللدم: المخدوع المغرور، أي: لا أكون مثله أقلد ما يقال بلا حجة، فإن بغى أحد سمعت بغيه، وحضرت المغترين به من غير أن أعلم حقيقة الأمر، أي: لست بمغرور، والحاشية في المنهاج 76/2 وقد ذهبت بعض حروفها وأكملتها منه ، وفي شرح ابن ميثم 607/3: اللدم: ضرب الصدر باليد فعل الحزين .

4) ثم لا يعتبر : ليست في ب، ع. والكلام بالرقم نفسه في الشرح 76/9، وفيه بحث عن معركة الجمل، وآخر عن مقتل طلحة والزبير، وهو بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 3/ 606 ، وينظر في تخريجه مصدر سابق 332/2، برقم 146 .

5) في الأصل: ومن خطبة له...، وما أثبت من ب، س ، ع ، وفي ج، م: ومن كلام له قبل موته.

6) أيها الناس: ليس في س، ج ، م .

7) هامش الأصل عن نسخة : طَرَّدْتُ ، واطّردت الأيام: صيرتها طريدة لي..

أمَّا وَصِيَّتي فالله لا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا، ومُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله و سلم)(1)فلا تُضَيعُوا سُنته. أقِيمُوا هذين العَمُودَيْنِ، وأوْقِدُوا هَذَينِ المِصْبَاحَيْنِ، وخَلاكُم ذَمٌ(2)مَا لم تَشْرُدُوا(3). حَمَّلَ كُلَّ امْرِئٍ مَجْهُودَه ، وخَفَّفَ(4)عَن الجَهَلَةِ، رَبِّ رَحِيْمٌ ، ودِينٌ قَوِيمٌ ، وإمَامٌ عَلِيمٌ(5). أنا بالأَمْسِ صَاحِبُكُم، وأنا اليَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُم، وغَدًا مُفَارِقُكُم غَفَرَ اللهُ لِي ولَكُم. فإن(6)تَثْبتِ الوَطَّأَةُ فِي هَذهِ المَزِلَّةِ فَذَاكَ، وإن تَدْحَضِ(7)القَدَمُ ؛ فَإِنَمّا(8)كُنَّا فِيأفْيَاءِ أَغْصَانٍ، ومَهَابٌ رِيَاحِ، وتَحْتَ ظِلِّ غَمَامِ اضْمَحَلَّ(9)فِي الجُوِّ مُتَلَفْقُهَا(10)وعَفَا فِي الأَرْضِ مَخَطَّهَا(11)، وإِنَّما كُنتُ جَارًا جَاوَرَكُم بَدَني أيامًا، وسَتُعْقِبُونَ(12)مِنِّي جُنَّةً خَلاءٌ، سَاكِنَةٌ بَعْدَ حَرَاكِ، وَصَامِتَةً بَعدَ


1) الصلاة على النبي ليست في س، م، ب، ج، وفي ع: عليه السلام.

2) في المعارج 239 عداكم ذمّ، أي: عداك وجاوزك، وهو مثل أول من قاله قصير بن سعد غلام جذيمة الملك.

3) شرد الجمل: ذهب لوجهه.

4) حاشية الأصل عن نسخة : حُمِّلَ كُلِّ امْرِئ محموده، وخُفِّفَ

5) بعدها في ب: غفر الله لي ولكم، وقد تأخرت في الأصل بعد قوله: وغدًا مفارقكم.

6) كذا في الأصل، وفي س، م، ب إن تثبت.

7) دحضت القدمم: زلقت .

8) في الحاشية الأصل عن نسخة: فإنَّا، وكذا في س، م.

9) اضمحل: فنى.

10) أي: مجتمع مهاب تلك الرياح في المنهاج 77/2 .

11) المخط: الأثر.

12) حاشية: وستعقبون : يقال : أكل فلان أكلة أعقبته سقما، أي: أورثته.

نُطُوقِ(1)لِيَعِظُكُم هُدُوّي وخُفُوتُ(2)إِطْرَاقِي(3)، وسُكُونُ أَطْرَافِي؛ فإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلمُعْتَبِرِينَ مِنَ المَنْطِقِ البَلِيغِ، والقَوْلِ المَسْمُوعِ.

وَدَاعِيكُم وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِد(4)للتَلاقِي. غَدًا(5)تَرَوْنَ أَيَّامِي، ويُكْشَفُ لَكُم عَن سَرَائِرِي، وتَعْرِفُونَنِي(6)بَعْدَ خُلُوٍّ مَكَانِي، وقِيَام غَيْرِي مَقَامِي(7).

[150] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) يُومِنُ فِيهَا إلى الملاحِمِ

*[150] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) يُومِنُ فِيهَا إلى الملاحِمِ(8)

وأخَذُوا يَمِيْنا وشمالا(9)طَعْنًا(10)فِي مَسَالِكِ الغَي، وتَرْكًا لِذَاهِبِ لرُّشْدِ فلا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائنٌ مُرْصَدٌ(11)، ولا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ


1) ج: نُطق.

2) حاشية: خفت الصوت خفوتا: سكن، ويقال للميت: خفت إذا انقطع كلامه.

3) حاشية: أطرق فلان: أرخى عينيه فنظر إلى الأرض.

4) حاشية: مرصد: أرصد له، أي: أعد له.

5) غدًا: ليست في س، م .

6) هامش الأصل في نسخة: تَعْرِفُونِي، وكذا في ب.

7) بالرقم نفسه في الشرح 9/ 80 - 81 ، وكلامه (علیه السّلام) قبل موته، والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 608/3 ، ذكر في مصدر سابق 2/ 334 برقم 147 أن تخريج هذا الكلام سيأتي في باب الكتب برقم 23 .

8) كذا في ب، ع ، وفي س، م: و من خطبة له في الملاحم، وفي ج:.. في الملاحم.

9) في المنهاج 2/ 80 إشارة إلى أنهم تركوا جادة الحق

10) في الأصل: طعنًا، وفوقها إحالة إلى الحاشية، وفيها طعنا، وفسرها بقوله: طعن بالمفازة بالطاء غير المعجمة يطعن طعنًا: ذهب، وكذا في القاموس.

11) ب: مرصد.

الغَدُ بِهِ، فكَم مِن مُسْتَعْجِلِ بِمَا إِن أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّه لَم يُدْرِكْهُ، ومَا أَقْرَبَ اليَوْمَ مِن تَبَاشِير غَدِ.

يَا قَوْمُ، هَذَا إِيَّانُ(1)وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، ودُنُو(2)مِن طَلْعَةٍ مَالا تعرفون(3)ألا وإِنَّ مَن أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ، ويَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ(4)فِيْهَا رِبْقًا(5)، ويُعْتِقَ رِقًا، ويَصْدَعَ شَعْبًا، ويَشْعَبَ صَدْعًا(6)فِي سُتْرَةٍ عَن النَّاسِ(7)، لا يُبْصِرُ القَائِفُ(8)أَثَرَهُ ولَو تَابَعَ نَظَرَهُ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ(9)فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ القَيْنِ(10)النَّصْلَ.


1) إبان الشيء: وقته.

2) ضبطت في الأصل بالرفع والجر ، وبالرفع في ب، وهي بالجر في ج، م.

3) في حاشية ب تعليق على قوله : (من طلعة ما لا تعرفون) إشارة إلى عهد المهدي (علیه السّلام)، والحاشية في حاشية الأصل أيضًا.

4) بضم الحاء وفتحها وكَسِرها وفوقها معا في الأصل، وضبطت في س، م، ب: بفتح فضم.

5) حاشية : الرّبقُ بالكسر : حبل فيه عدة عرى تشدَّ به البهم، والرَّبْق بالفتح: مصدر ربقت الجدي، إذا جعلتَ رَأسه في الرّبقة، والربقة: العروة الواحدة من عرى الرّبق الذي ذكرناه، وفي المعارج 239 ، أي : إذا قامت الفتنة يقوم فيها هاديًا إلى الحق، قائلا بلسان الصدق يوضح الحجة لأربابها.

6) الصدع: الشق.

7) حاشية : يمكن أن تكون إشارة إلى عهد المهدي (علیه السّلام).

8) في المعارج 239: القائف الذي يزجر بالأعضاء، وفي المنهاج 81/2: الذي يعرف الآثار.

9) الشحذ: التحديد.

10) القين: الحداد. م يمنّوا ليس من صفة المشتالين - كذا-، إنما هو صفة من صفات المهدي (علیه السّلام)، والأشبه أن يكون هذا الكلام يعني به الجاهلية، وقوله (علیه السّلام): حتى إذا قبض الله رسوله يدل على هذا ، وعلى الوجه الأول يكون منقطعًا.. الأول مستأنفا، وكلامه (علیه السّلام) يتنوع ويتفنن.

تُجلى بالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُم ، ويُرْمَى بالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِم، ويُغْبَقُونَ كَأسَ الحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح(1).

مِنْهَا: وطَالَ الأمَدُ(2)بهم لِيَسْتَكْمِلُوا الخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الغِيَرَ، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الأَجَلُ، وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلى الفِتَنِ، وَاشْتَالُوا(3)عَن لَقَاحِ حَرْبِهِم لَم يَمُنُّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ(4)، ولَم يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أنْفُسِهِم فِي الحَقِّ(5)حَتَّى إِذَا وَافَقَ وارِدُ القَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ البَلاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُم(6)عَلَى أسْيَافِهِم، ودَانُوا لِرَبِّهِم بِأَمْرِ وَاعِظِهِم حَتَّى إِذَا قَبَضَ الله رَسُولَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم)(7)رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأَعْقَابِ، وغَالَتْهُم السُّبُلُ «34ب»، واتَّكَلُوا عَلَى


1) الغبوق : الشرب بالعشي، والصبوح: الشرب بالغداة.

2) حاشية: الذين طال عليهم الأمد: هم الذين ليسوا مستبصرين في الديانة، يقول: إنهم يثيرون الفتن، فإذا لقحت حربهم اشتالوا، أي: رفعوا أنفسهم عنها ضعفًا وخورًا، والأمد عند ابن میثم 613/3: الوقت.

3) حاشية : الاشتيال: الرفع، يقال: شالت الناقة ذنبها مثل شالت وأشالت، وفي القاموس: شالت الناقة بذنبها شولا وشوالًا، وأشالته: رفعته.

4) حاشية : قوله عليه السلام.

5) س، م، ج، ب: حق.

6) حاشية: البصيرة: شيء من الدم يستدل به على الرمية، قال الجعفي راحوا بصائرهم على أكتافهم، وبصيرتي يعدونها .. يقول : إنهم تركوا آدميتم، وجعلوا.. أي: لم يثأروا به، وأنا طلبت ثأري ؛ وكان أبو عبيد يقول : البصيرة في هذا البيت ؟ : الترس والدرع وكان يرويه حملوا بصائرهم، فقوله (علیه السّلام): حملوا بصائرهم على أسيافهم، إذا كان محمولا على بصرة الدم، فالمعنى أنهم استراحوا .. في الدين إلى السيف، وإذا كان محمواً على الترس والدرع فالمعنى أنهم حملوا ترسهم أو درعهم على السيف، واستعملوهما جميعًا، أي: عنى بالبَصِيرَة الحجة كان المعنى أنهم ضربوا بأسيافهم على بصيرة وحجة من رَبِّهمْ لا عن غفلة واغترار، ويكون الترس الدم.

7) يندر عدم ذكر الآل في الأصل، وأثبتت من ب.

الوَلائِحِ(1)، ووَصَلُّوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، ونَقَلُوا البنَاءَ عَن(2)رَصُ أَسَاسِهِ(3)، فَبَنّوهُ فِي غَيْرِ مَوضِعِهِ.

مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وأبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَد مَارُوا(4)في الخَيْرَةِ، وذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِن آلِ فِرْعَونَ، مِن مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ، أَو مُفَارِقٍ للدِّينِ مُبَاينٍ(5).

[151] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

وأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ ومَزَاجِرِهِ(6)، والاعْتِصَامِ مِن


1) حاشية: يعني بالولائج (علیه السّلام) المكر والخديعة وإبطان الغدر، والوليجة: دخيلة: دخيلة بطانة الرجل ، يقال : هو وليجتي أي: خاصتي، والوليجة: كالداخلة والدخلة، وقد ذهبت حروف من الحاشية أفدناها من المنهاج 2/ 85 ، والوليجة عند ابن ميثم في شرحه 3/ 613 البطانة، وهي خاصة الرجل من خاصة الرجل من أهله وعشيرته.

2) ج: عند.

3) رصُّ الأساس: إحكامه.

4) ماروا: تحركوا.

5) بالرقم نفسه في الشرح 9/ 87 - 91، وشرح ابن میثم 611/3، وينظر في تخريجها مصدر سابق 2/ 337، وفيه برقم 148 .

6) م: ومزَاجِرُهُ، وفي الشرح 95/9: مداحر اشيطان: الأمور التي يدحر بها، أي: يطرد، و مزاجره : الأمور التي يزجر بها، وحبائل الشيطان مكائده وأشراكه، وتحاتله: الأمور التي يختل بها، أي: يخدع ، وفي المنهاج 85/2 ، أي : مطارداتي للشيطان، والدحور: الطرد واالإبعاد.

حَبائِلِهِ ومَخَاتلِهِ(1)، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ونَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ، لا يُوَازَى فَضْلُهُ، ولا يُجبَرُ فَقْدُهُ.

أضَاءَت به البِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ المُظْلِمَةِ، والجَهَالَةِ الغَالِبَةِ، والجَفْوَةِ(2)الخافِيَةِ، والنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الحَريمَ(3)، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ. يَحْيَوْنَ عَلَى ،فَتْرَةِ، ويَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ.

ثُمَّ إِنَّكُم مَعْشَرَ العَرَبِ أغْرَاضُ بَلايَا قَد اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، واحْذَرُوا بَوَائِقَ(4)النّقْمَةِ، وتَثَبِّتُوا فِي قَتَامِ(5)العَشْوَة(6)، واعْوِجَاجِ الفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينهَا ، وظُهُورِ كَمِيْنِهَا ، وانتِصَابِ قُطْبِهَا، ومَدَارِ رَحَاهَا. تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةِ، وتَؤُولُ إِلى فَطَاعَةٍ(7)جَلِيَّةٍ، شِبَابُهَا(8)كَشِبَابِ الغُلامِ، وآثَارُهَا كَآثَارِ السّلامِ(9)، تَتَوَارَثُهَا الظُّلَمَةُ


1) مخاتله: محال غروره التي يخيل إلى الناس بها ويوهمهم أنها نافعة.

2) حاشية: الجفوة: الفعلة الواحدة من الجفو، والجفوة بالكسر : اسم للجفاء، والحِفْوة عند الصرفيين: مصدر هيأة.

3) في الأصل: الحرام، وضرب عليها، وفي الحاشية ما أثبت، وهو في النسخ أيضًا.

4) البوائق: جمع بائقة، وهي الداهية.

5) القتام: الغبار.

6) حاشية: العشوة : أن تركب أمرًا على غير بيان، وكذا في القاموس.

7) الفظاعة: تجاوز الأمر الشديد الحد والمقدار.

8) بفتح الشين فيهما في س ، ع ، ب ، م، ج. وفي حاشية الأصل: الشَّباب بالكسر : نشاط الفرس، ورفع بدنه جميعًا، وكذا في المنهاج 2/ 87 .

9) السلام: الحجارة الصّم ، واحدها سلمة.

بالعُهُودِ، أَوَّهُم قَائِدٌ لآخِرِهِم، وآخِرُهُم مُقْتَدِ بِأَوَّلِهِم، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّة، ويَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيْفَةٍ مُرِيْحَةٍ(1)، وعَن قَلِيلِ يَتَبَرَّأَ التَابِعُ مِن المتبوع، والقَائِدُ مِنَ المَقُودِ، فَيَتَزَايَلُون(2)بالبَغْضَاءِ، ويَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللقَاءِ؛ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الفِتْنَةِ الرَّجُوفِ(3)، والقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ(4)، فَتَزِيعُ(5)قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةِ، وتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ، وتَخْتَلِفُ الأهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا ، وتَلْتَبِسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا(6). مَن أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ(7)، ومَن سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ(8)الحَمِيرِ(9)فِي العَانَةِ(10). قد اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الخَبْل، وعَمِيَ وَجْهُ الأمْرِ ، تَغِيضُ فِيهَا الحِكْمَةُ، وتَنْطِقُ فِيهَا الظُّلَمَةُ، وتَدقُ أَهْلَ البَدْوِ بِمِسْحَلِهَا(11)،


1) المريحة: المنتنة.

2) يتزايلون: يتفارقون .

3) حاشية: الرَّجُوف: من الرجفان، وهو شدة الاضطراب، وذكر ابن ميثم في شرحه /618/3 أن طالع الفتنة الرجوف هي فتنة التتار، إذ الدائرة فيها على العرب.

4) حاشية: الزحوف: من الزحف، وهو المشي.

5) زاغ يزيغ في القاموس: مال.

6) حاشية: النجوم: الظهور والطلوع.

7) ج: فَضَحَتْهُ. وأشرف لها، أي: انتصب لدفعها.

8) حاشية : يتكادمون: من الكدم، وهو العض.

9) كذا في ج أيضًا، وفي س، م، ب، ع: الحمر.

10) حاشية: العانة : القطيع من حمر الوحش، والجمع : عُون، وكذا في المنهاج 87/2.

11) حاشية : المسحل : حديدة عريضة تحت فم الفرس إذا ألجم، وكذا في المنهاج 2/ 87.

وتَرُضُهُم بِكَلْكَلِهَا ، يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الوُحْدَانُ، ويَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ القَضَاءِ، وتَحْلُبُ عَبيط(1)الدِّمَاءِ ، وتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وتَنْقُضُ عَقْدَ اليَقِينِ. يَهْرُبُ(2)مِنهَا الأكيَاسُ، وتُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ. مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَن سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الأرحَامُ، ويُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ، بَرِيتُها سَقِيمٌ ، وطَاعِنُهَا مُقِيمٌ.

مِنْهَا: بَيْنَ قَتِيلِ مَطْلُولٍ(3)، وخَائفٍ مُسْتَجِيرٍ، يُخْتَلُونَ(4)بِعَقْدِ الإيمانِ وبِغُرُورِ الأَيْمَانِ. فلا تَكُونُوا أَنْصَارَ(5)الفِتَنِ، وأَعْلامَ البدع، والزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الجَمَاعَةِ ، وبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ ، واقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، ولا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ، وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، ومَهَابِطَ العُدْوَانِ، ولا تُدْخِلُوا بُطُونَكُم لُعَقَ(6)الحَرَامِ، فَإِنَّكُم بِعَيْنِ مَن حَرَّم عَلَيْكُم «35أ» المَعْصِيَةَ، وسَهَّلَ لَكُم سَبيلَ الطَّاعَةِ(7).


1) حاشية : العبيط: الدم الخالص الطري.

2) ج: تهرب .

3) يقال : طل دم فلان فهو مطلول، إذا هدر ولم يُطلب به.

4) س ، م: يَخْتِلُونَ. وفي حاشية الأصل: يَخْتِلُونَ ويُخْتَلُون: يُخْدَعونَ.

5) في الأصل: أنصاب، ولتصويب من الحاشية ،والنسخ ، وفي القاموس: الأنصاب: حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ، ويذبح لغير الله. وبعضه في الحاشية، وذهب أكثره، والباقي: أنصاب: جمع نصب، وهو ما...

6) اللعق: جمع لعقة، وهي اسم لما تتناوله الملعقة مرة.

7) وسهل لكم سبيل الطاعة: ليس في س، م ، وكتب بالمداد الأحمر في ج. وهي بالرقم نفسه في الشرح 9 / 94 - 100 ، وشرح ابن ميثم 616/3 ، وينظر في تخريجها مصدر سابق 341/2 ، برقم 149 .

[152] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ الدَّالَّ عَلى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وباشْتِبَاهِهِم عَلَى أن لا شِبْهَ لَهُ، لا تَسْتَلِمُهُ المَشاعِرُ(1)، ولا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ والمَصْنُوع، والحاد والمَحْدُودِ، والرَّبِّ والمَرْبُوبِ.

الأحَدُ لا بِتَأْوِيلِ عَدَدِ، والخَالِقُ لا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ ونَصَبٍ، والسَّمِيعُ لا بِأدَاةٍ، والبَصِيرُ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ(2)، والشَّاهِدُ لا بِمُمَاسَّة، والبَائِنُ لا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ، والظَّاهِرُ لا بِرُؤْيَةٍ، والبَاطِنُ لا بلَطَافَةٍ. بَانَ مِنَ الأَشْيَاءِ بالقَهْرِ لَهَا ، والقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالخُضُوع لَهُ، والرُّجُوعِ إِلَيْهِ.

مَن وَصَفَهُ فقَد حَدَّهُ، ومَن حَدَّهُ فقَد عَدَّهُ، ومَن عَدَّهُ فقَد أبطل أبْطَلَ أَزَلَهُ، ومَن قَالَ: كَيْفَ فَقَد اسْتَوْصَفَهُ ، ومَن قَالَ: أَيْنَ؟ فَقَد حَيّزَهُ. عَالِمٌ إذ لا مَعْلُومٌ(3)، ورَبِّ ؛ إذ لا مَرْبُوبٌ ، وقَادِرٌ ؛ إذ لا مَقْدُورٌ(4).


1) في الأصل: المشاعر، وما أثبت من م، ب، ع ، والمشاعر : الحواس، إذ هي محل الشعور ، وفي الحاشية : مواضع المناسك، والمشاعر الحواس، وهو المراد هنا، وبعضها في المنهاج 90/2.

2) في المعارج 246 ، أي: بصير لا بواسطة الألوان والحواس.

3) في المعارج 247 ، أي: لا معلوم سواه في الوجود.

4) ضبطت الكلمات: معلوم، مربوب، مقدور بالضم في الأصل، وكذلك فيع، وأشير فوقها إلى النصب في نسخة، وكلها منصوبة في س، م، ب، ج.

مِنْهَا : قَد طَلَعَ طَالِعُ(1)، ولَمَعَ لامع(2)، ولاحَ لائح، واعْتَدَلَ مَائِلٌ، واسْتَبْدَلَ اللهُ بِقَوْمٍ قَوْمًا، وبِيَوْمٍ يَوْمًا، وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ المَطَرَ . وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ(3)عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَدْخُلُ الجنَّةَ إِلَّا مَن عَرَفَهُم وعَرَفُوهُ، ولا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَن أَنْكَرَهُم وأَنْكَرُوهُ. إِنَّ اللهَ خَصَّكُم بالإسلام، واسْتَخْلَصَكُم لَه، وذلِكَ، لأَنه اسْمُ سَلامَةِ، وجَمَاعُ كَرَامَةٍ، اصْطَفَى اللهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وبَيَّنَ حُجَجَهُ، مِن ظَاهِرِ عِلْمٍ، وَبَاطِنِ حُكْمِ لا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، فِيهِ مَرَابِيعُ(4)النِّعَمِ، ومَصَابِيحُ الظُّلَم، لا تُفْتَحُ الخَيْرَاتُ إِلا بِمَفَاتِحِه، ولا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِحِهِ، قَد أَحْمَىٰ(5)حِمَاهُ، وَأَرْعَى مَرْعَاهُ، فِيهِ شِفَاءُ المُشْتَفِي، وكِفَايَةُ المُكْتَفِي(6).


1) في المنهاج 91/2 ، قيل : إنما قاله بعد رجوع الأمر إليه على ما شافهه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

2) في المصدر السابق: بقتل عثمان، وأشار إلى بعض ما لاح.

3) العرفاء : جمع عريف ، وهو النقيب دون الرئيس.

4) حاشية: المرابيع: الأمطار التي تجيء في أول الربيع، وفي المنهاج 91/2 ، أي: في القرآن جميع أسباب الخيرات والنعم.

5) حاشية: أحميت المكان: جعلته حمى.

6) حاشية: «بلغت القراءة على المولى علم الهدى.. إلى هاهنا ولله الحمد وهي بالرقم نفسه في الشرح 9 / 101 - 105 ، وفيه مبحث بعنوان (هل الإمام إذا عمي استحق الخلع) وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 620/3، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 344/2 ، وفيه برقم 150 ، ومما نقله المؤلف عن ابن أبي الحديد أن هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين (علیه السّلام) حين أفضت الخلافة إليه بعد مقتل عثمان والمشتفي في المنهاج 4345/2 : طالب الشفاء لنفسه.

[153] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

وهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي(1)مَعَ الغَافِلِينَ، ويَغْدُو مَعَ المُذْنِبِينَ، بلا سَبِيلِ قَاصِدٍ، ولا إِمَام قَائِدِ.

مِنْهَا: حَتَّى إِذَا كَشَفَ هُم عَن جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِم، واسْتَخْرَجَهُم مِن جَلَابِيْبِ(2)غَفْلَتِهِم استَقْبَلُوا مُدْبِرًا ، واسْتَدْبَرُوا مُقْبلًا، فَلَم يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِن طَلِبَتِهِم، ولا بِمَا قَضَوا مِن وَطَرِهِم(3)فإني(4)أَحَذِّرُكُم وَنَفْسِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَفِعِ امْرُقٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا البَصِيرُ مَن سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، ونَظَرَ ،فَأَبْصَرَ وانْتَفَعَ بِالعِيرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَدًا(5)وَاضِحًا يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي المَهَاوِي ، والضَّلالَ فِي المَعَاوِي، ولا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الغُوَاةَ بِتَعَسُّفِ فِي حَقٌّ أو تَحْرِيفِ فِي نُطْقِ أو تَخَوُّفٍ مِن صِدْقٍ؛ فأفِقُ أَيُّهَا السَّامِعُ مِن سَكْرَتِكَ، واسْتَيْقِظُ مِن غَفْلَتِكَ، وَاخْتَصِرْ مِن عَجَلَتِكَ، وأَنْعِم الفِكْرَ(6)فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النّبي الأمي (صلی الله علیه و آله و سلم)(7)ما لابدَّ مِنْهُ،


1) بعدها في ع: بها .

2) الجلباب: الملحفة.

3) الوطر: الحاجة.

4) كذا في ع ، ب أيضًا، وفي س، م، ج: وإني.

5) الجدد: الطريق الواضح.

6) حاشية: أنعم الفكر: بالغ فيه، من قولك: سحقه سحقا نِعِماً أي سحق، يقال فيه: نعم ما سحق.. ومنه قيل: أنعم سحقه.

7) بعدها في س م : صلى الله عليه وسلم.، والصلاة على النبي ساقطة من الأصل وأثبتت من ب، ج لتماشيها مع نسخة الأصل في ذكر الآل، وفي ع: صلى الله عليه .

ولا مَحِيصَ عَنهُ ، وخَالِفْ مَن خَالَفَ ذلِكَ إِلى غَيْرِهِ، ودَعْهُ ومَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وضَعْ فَخْرَكَ ، واحْطُطْ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ، وكَمَا تَدِينُ تُدَانُ(1)، وكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَمَا قَدَّمْتَ اليَومَ تَقْدَمُ عَلَيهِ غَدًا، فامْهَدْ لِقَدَمِكَ ، وقَدِّم لِيَوْمِكَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ، والحِدَّ الجدَّ أَيُّهَا «35 ب» الغَافِلُ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(2).

إِنَّ مِن عَزائِم(3)اللهِ فِي الذِّكْرِ الحكيم التِي عَلَيْهَا يُثيبُ ويُعَاقِبُ، وهَا يَرْضَى ويَسْخَطُ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْدًا وإِن أَجْهَدَ نَفْسَه وأَخْلَصَ فِعْلَهُ أن يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لاقِيًا رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الْخِصَالِ لَم يَتُبْ مِنْهَا، أن يُشْرِكَ(4)باللهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِن عِبَادَتِهِ، أَو يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسِهِ(5)، أو يُقرَّ بِأَمْرِ فَعَلَه غَيْرُهُ ، أو يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ، أَو يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَو يَمْشِي فِيهِم بِلِسَانَيْنِ(6)، اعْقِل ذلِكَ فَإِنَّ المِثْلَ(7)دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ.


1) في المعارج 250 : مثل للعرب، أي: كما تجازي تَجازَى.

2) فاطر 14/35.

3) حاشية: العزيمة من الأمر: ما ليس لك أن تفعله.

4) حاشية: قوله : أن يشرك بدل من قوله: خصلة.

5) كذا في ع أيضًا، وفي س، ب، م، ج: نفس.

6) في المعارج 251 هو الذي يكلم كل أحد بما يهواه .

7) س: المثل بفتح الثاء، وفي ب: فإن المثل دليل على شُبْهَة، وفي حاشية الأصل: فإن المثل دليل على شبهه، يقول: تجنب هذه الأفعال، وما تظن أنه ليس منها، فإن مثل الشيء تجر الشبهة في أنه كهوَ.

إِنَّ البَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا ، وإِنَّ السَّبَاعَ هَمُّهَا العُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا، وإِنَّ النِّسَاء هَمُّهُنَّ زِيْنَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، والفَسَادُ(1)فِيهَا. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ(2)، إِنَّ الْمُؤمِنِينَ مُشْفِقُونَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ(3).

[154] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

ونَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيْبِ بِهِ يُبْصِرُ أمَدَهُ(4)، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ ونَجْدَهُ(5)، دَاعِ دَعَا، ورَاعٍ رَعَى، فَاسْتَجِيْبُوا اللدَّاعِي(6)واتَّبِعُوا الرَّاعِيَ قَد خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وأخَذُوا بالبدع دُونَ السُّنَنِ، وأَرَزَ(7)المؤمِنُونَ ، ونَطَقَ الضَّالُّونَ المُكَذِّبُونَ.


1) حاشية : يقول الله تعالى: فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ الحجرات 9/49.

2) إن المؤمنين مستكينون: ليس فيع، وقال في المعارج 253 : هذا كلام مقتبس من قول النبي (علیه السّلام) «رأس الحكمة مخافة الله»، وذكر شواهد من القرآن أيضًا..

3) بالرقم نفسه في الشرح 9/ 107 - 110 وذكر ابن أبي الحديد أن هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو سائر إلى البصرة ولم تقع الحرب إلا بعد تعدد الكبائر، وقوله (علیه السّلام): (ضع فخرك واحطط كبرك واذكر قبرك) ذكرها مع الحكم برقم 400 في اشرح 207/19 ، وأفرد لها حديثًا في (بعض ما قيل في الفخر)، وهي بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 6273 ، وفي مصدر سابق 347/2 ، برقم 151 ، وذكر عن مصادره أن الحكمة رقم 398 في 284/4 منتزعة منها .

4) ناظر قلب اللبيب: عين بصيرته، والأمد: الغاية.

5) غوره ونجده: منخفضه ومرتفعه.

6) في الأصل: الداعي، وما أثبت في س، م، ب، ج، ع، وفي المنهاج 2/ 94 ، أي الذي يعرف به الإنسان حلاله وحرامه، النبي: الداعي، والإمام: الراعي.

7) حاشية: أرزوا، أي: انقبضوا.

نَحْنُ الشَّعَارُ(1)والأَصْحَابُ والخَزَنَةُ والأَبْوَابُ، ولا(2)تُؤْتَى البُيُوتُ إلا من أبوابها، فمَن أتَاهَا مِن غَيْرِ(3)أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقًا.

مِنْهَا: فِيهِم كَرَائِمُ الإيْمَانِ(4)، وهُم كُنُوزُ الرَّحْمَنِ، إِن نَطَقُوا صَدَقُوا، وإن صَمَتُوا لَم يُسْبَقُوا ، فليَصْدُقُ رَائِدٌ أهْلَهُ، وليُحْضِر عَقْلَهُ، وليَكُنْ مِن ا، أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وإلَيْهَا يَنْقَلِبُ. فَالنَّاظِرُ(5)بِالقَلْبِ العَامِلُ بالبَصَر يَكُونُ مُبْتَدَأَ عِلْمِهِ أَن يَعْلَمَ أَعْمَلُهُ عَلَيْهِ أَم لَهُ؟ فَإِن كَانَ لَهُ مَضَى فيه، وإن كَانَ عَلَيْهِ وقَفَ عَنْهُ، فإنَّ العَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيق، فلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ(6)إِلَّا بُعْدًا مِن حَاجَتِهِ، والعامِلُ بالعِلْمِ كَالسَائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِح، فلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ(7)أَسَائِرٌ هُوَ أم رَاجِع؟ واعْلَم أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِنًا عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، ومَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ، وقَد قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ لعل (صلی الله علیه و آله و سلم) «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ ويُبْغِضُ عَمَلَهُ، ويُحِبُّ العَمَلَ ويُبْغِضُ بَدَنَهُ»، واعْلَم


1) حاشية: أي: نحن نلي الرسول صلى الله عليه كما يلي الشعار البدن.

2) لا تؤتى من دون عطف في س، م، ج، ع.

3) ب: بغير أبوابها .

4) كذا في ب أيضًا، وفي س، ج، ع، م: القرآن.

5) في النسخ: والناظر .

6) كذا في ب، م أيضًا، وبعدها في ج: الواضح، وفي ع: الواضحة.

7) مطموسة في م.

أنَّ لِكُلِّ عَمَلِ نَبَاتٌ(1)، وكُلُّ نَبَاتِ لا غِنَى بِه عَن المَاءِ، والمِيَاهُ مُختلِفَةٌ، فَما طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ، وحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، ومَا خَبُثَ سَقْبُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ، وأمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ(2).

[155] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) يَذْكُرُ فِيهَا بَدِيعَ خِلْقَةِ الخُفَّاشِ

*يَذْكُرُ فِيهَا بَدِيعَ خِلْقَةِ الخُفَّاشِ(3)

الحمدُ للهِ الذِي انْحَسَرَتِ(4)الأوصَافُ عَن كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ(5)، ورَدَعَت(6)عَظَمَتُهُ العُقُولَ فَلَم تَجِدْ مَسَاغًا(7)إِلَى بُلُوغ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ. هُوَ اللَّهُ المَلِكُ(8)الحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى العُيُونُ، لَم تَبْلُغُهُ العُقُولُ بِتَحْدِيدِ، فَيَكُونَ مُشَبَّهَا ، ولَم تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهَامُ بِتَقْدِيرِ فَيَكُونَ مُمثلا،


1) بالنصب في الأصل وفي ع، ج، وفي حاشيتها بمداد أحمر (أن كل عمل نبات)، وكذا في حاشية الأصل، وبالرفع أيضًا في س، ب، م: (أن كل عمل نبات).

2) بالرقم نفسه في الشرح 9/ 113 - 122 ، وفيه بحث عن فضائل أمير المؤمنين (علیه السّلام) ذكر فيه أربعًا وعشرين فضيلة، وهي بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 631/3 ، والتخريج برقم 152 في مصدر سابق 2 / 350 ، وينظر تعقيب المؤلف.

3) الخفاش: مفرد، و جمعه خفافيش، وهو من الخفش، وهو ضعف البصر خلقة.

4) حاشية: الانحسار: الانكشاف، وفي شرح ابن ميثم 635/3: كلّت.

5) امتناع: أن تراه العيون في المنهاج 99/2 .

6) ردعت: کفت.

7) المساغ في المنهاج 1 / 431 : سهل مدخله في الحلق، والريق: ماء الفم.

8) الملك: ليس في س، م، ب، ع، ج.

خَلَقَ الخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمثِيلِ ، ولا مَشُورَةٍ مُشِيرٍ، ولا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وأَذْعَنَ(1)لِطَاعَتِهِ فأجَابَ وَلَمْ يُدَافِع ، وانْقَادَ ولَمْ يُنَازِعُ.

ومِن لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ مَا أَرَانَا مِن غَوامِضِ الحِكْمَةِ فِي هَذِه الخَفَافِيش الَّتِي يَقْبِضُهَا الصِّيَاءُ البَاسِطُ لِكُلِّ شَيءٍ، ويَبْسُطُهَا الظَّلامُ القَابِضُ لِكُلٍّ «36أ» حَيَّ، وكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَن أن تَسْتَمِدَّ مِن الشَّمْسِ المُضِيئَةِ نُورًا تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وتَتَّصِلَ(2)بِعَلانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلى مَعَارِفِهَا، وَرَدَعَهَا بِتَلالُوِ ضِيَائِهَا عَن المُضِيَّ فِي سُبُحَاتِ(3)إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَن الذَّهَابِ فِي بَلَجِ(4)ائْتِلاقِهَا ، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الجُفُونِ بالنَّهَارِ عَلى حِدَاقِهَا(5)، وجَاعِلَةُ اللَّيْلَ(6)


1) أذعن: خضع وذلّ.

2) كذا في الأصل، وفوقها: تصل، وكذا في س ، م ، ع ، ب ولكن بالرفع، وفي ج: تصل، وفوقها : تتّصِلَ.

3) حاشية: السبحات: النور ، وفي الحديث «لا حرقت سبحات وجهه جل جلاله»، أي: نور وجهه عز وجل، وأشرقت الشمس: أضاءت، وأشرق فلان: دخل في الشروق، وكذا في المنهاج 2/ 100 ، وفي شرح ابن ميثم 635/3 : سبحات إشراقها : جلالته وبهاؤه ؛ وذكر في المنهاج 2/ 100 ، روي أيضًا سبجات بالجيم، أي: قمصان - كذا - 1، - وهو استعارة هنا على وجهين ، يقال : أشرقت الشمس: أضاءت، وأشرق فلان: دخل في الشروق، والقول مرّ في الحاشية.

4) حاشية: صبح أبلج: بين البلج، أي: الإشراق، بلج الصبح بلوجا: طلع، والائتلاق عند ابن میثم: اللمعان.

5) أي : مغمضة في المنهاج 2/ 100.

6) وجاعلة الليل في س، م، ب، وفي الأصل: جَاعِلَةُ الليل، وفي ع: وجَاعِلَةَ الليل.

سِرَاجًا تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي السَّمَاسِ أَرْزَاقِهَا، فلا يَرُدُّ أبْصَارَهَا إِسْدَافُ(1)ظُلْمَتِه، ولا تَمتَنِعُ مِن المُضِي فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ(2)فإذَا الْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وبَدَتْ أوْضَاحُ نَهَارِهَا ، ودَخَلَ مِن إِشْرَاقِ(3)نُورِهَا عَلَى الضّبَابِ فِي وِجَارِهَا(4)أطْبَقَتِ الأجْفَانَ عَلَى مَاقِيْهَا، وتَبَلَّغَت بما كَسَبَتْهُ مِنَ المَعَاشِ فِي ظُلَمِ ليلِهَا(5)فَسُبْحَانَ مَن جَعَلَ اللَّيْلَ مَا نَهَارًا ومَعَاشًا ، والنَّهَارَ سَكَنا(6)وقَرَارًا .

وجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِن لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ، كَأَنَّهَا شَطَايَا الْآذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيْشٍ ولا قَصَبٍ، إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ العُرُوقِ بَيْنَةٌ أَعْلامًا ، لَهَا(7)جَنَاحَانِ لا يَرِقًا فَيَنْشَقًا، ولم يَغْلُظا فَيَنْقُلا. تَطيرُ ووَلَدُهَا لاصِقٌ بِهَا، لاجِيُّ إِلَيْهَا يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَيَرْتَفِعُ


1) حاشية: السدفة عند أهل نجد: الظلمة، وعند غيرهم: الضوء، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد : هو اختلاط الظلام بالضوء، كما تعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وفي القاموس: وقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار ، وقال : الصَّدفة ويضم : الظلمة تميمية والضوء: قيسية.

2) تأكيد الوصف بالظلمة، والدجنة: الظلمة، والدجنة: الغيم المطبق في المنهاج 2/ 101 .

3) من: ليست في ج.

4) في القاموس: الوجار بالفتح والكسر : جحر الضبع وغيرها، وفي الحاشية: الوجار: سراب الصبح، واستعماله ها هنا مجاز .

5) ج: لياليها .

6) ب: لها سكنا.

7) لَهَا في ب أيضًا وليست في س، م، ع، ج.

إذا ارْتَفَعَتْ، لا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، ويَحْمِلَهُ للنُّهوض جَنَاحُهُ، ويَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، ومَصَالِحَ نَفْسِهِ، فَسُبْحَانَ البَارِئِ لِكُلِّ شيء عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلا مِن غَيْرِهِ(1).

[156] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) خَاطَبَ بِهِ َأهلَ البَصْرَةِ عَلَى جِهَةِ اقْتِصَاصِ المَلاحِم

*خَاطَبَ بِهِ َأهلَ البَصْرَةِ عَلَى جِهَةِ اقْتِصَاصِ المَلاحِم(2)

فَمَن اسْتَطَاعَ عِندَ ذلِكَ أَن يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ(3)عَلَى اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِن أطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُم إِن شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الجَنَّةِ، وإِن كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيْدَةٍ، ومَذَاقَهُ مَرِيْرَهُ.

وأَمَّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأَيُّ النِّسَاءِ وضِغْن(4)غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ القَيْنِ(5)، ولَو دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِن غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَم تَفْعَلْ، ولَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأولى والحِسَابُ عَلَى الله .


1) بالرقم نفسه في الشرح 123/9 - 124 ، وفيه بحث عن أخبار غرائب الطيور وصفاتها، وهي بالرقم نفسه في شرح ابن میثم 635/3 ، وينظر في تخريجها والتعليق عليها مصدر سابق 1 / 113، 159، 2 / 353، وهي فيه برقم 153 .

2) كذا في ع، ب، وفي س، م، ج : ومِن كَلامِ لَه خَاطَبَ بِه أهلَ البَصَرْةِ. وفي حاشية الأصل: الملاحم: جمع ملحمة، وهي الحرب

3) اعتقل نفسه، أي: ضبطها وحبسها.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: ضَعْفُ، الضغن: الحقد.

5) حاشية: القين هاهنا: الصباغ، والقين عندهم: كل من يعمل بالنار، والقين في القاموس: الحداد، والمرجل عند ابن ميثم في شرحه 638/3: القدر، وفي المعارج 259 : يسمى كلّ محترف قينًا.

مِنْهُ: سَبِيلٌ أَبْلَجُ المِنْهَاج، أنْوَرُ السَّرَاج، فبالإيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وبالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلى الإِيمَانِ، وبالإيمَانِ يُعْمَرُ العِلْمُ، وبالعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ(1)، وبالموتِ تُختَمُ الدُّنْيَا، وبالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرة(2)، وإنَّ الخَلْقَ لا مَقْصَرَ هَم عَن القِيَامَةِ(3)، مُرْقِلِينَ(4)في مِضْمَارِهَا إِلَى الغَايَةِ القُصْوَى.

منها : قَد شَخَصُوا مِن مُسْتَقَرٌ الأَجْدَاثِ، وصَارُوا إلى مَصَائِرِ الغَايَاتِ، لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا(5)لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا، ولا يُنْقَلُونَ عَنْهَا، وإِنَّ الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ(6)مِن خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ(7)، وإِنَّهُما لا يُقَرِّبَانِ مِن أَجَلٍ ولا يَنْقُصَانِ مِن رِزْقٍ.

وعَلَيْكُم بِكِتَابِ اللهِ فإنَّهُ الحَبْلُ المتين، والنُّورُ المبين، والشّفَاء النَّافِعُ ، والرَّيُّ النَّاقِعُ(8)، والعِصْمَةُ للمُتَمَسِّكِ ، والنَّجَاةُ لِلمُتَعَلَّقِ، لا


1) مقتبس من قوله تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَواْ فاطر 28/35.

2) بعدها في الشرح 136/9 ، وشرح ابن ميثم 639/3 (وبالقِيَامةِ تُزْلَفُ الجَنَّةُ، وتُبرَّزُ الجَحِيمُ للغَاوِينَ) ولم أقف على الزيادة في النسخ المعتمدة في التحقيق.

3) أي: لا محبس لهم عنها في المنهاج 2/ 102.

4) الإرقال: ضرب من الخبب ، وقال في المعارج 260 - 261 أيضًا: المرقال: لقب هاشم بن عتبة الزهري، لأن أمير المؤمنين (علیه السّلام) دفع إليه الراية يوم صفين، وكان يرقل بها إرقالًا.

5) حاشية : لكل دار أهل: أي الجنة والنار.

6) حاشية: الخلقان: سُنتان.

7) في المعارج 261: الخلق هاهنا: السنة.

8) حاشية: الناقع: الطري.

يَعْوَجُ فَيُقَامَ، ولا يَزِيعُ فَيُسْتَعْتَبَ، ولا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدَّ ووُلُوجُ السَّمْع؛ مَن قَالَ بِه صَدَقَ، وَمَن عَمِلَ بِهِ سَبَقَ .

وقَامَ إِلَيْهِ (علیه السّلام) رَجُلٌ فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الفِتْنَةِ، وَهَل سَأَلْتَ عنها(1)رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال (علیه السّلام):

ما أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَه قَوْلَهُ الَمَ * أَحَسِبَ «36 ب» النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)عَلِمْتُ أَنَّ الفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهَا؟ فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِن بَعْدِي»، فقلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَيْسَ قَد قُلْتَ لِي يَوْمَ أَحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن المُسْلِمِينَ، وحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لي: «أَبْشِر فإِنَّ الشَّهَادَةَ مِن وَرائِكَ» فَقَالَ لي: «إن ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا؟»، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا مِن مَواطِن الصَّبْرِ ، ولكن مِن مَوَاطِنِ البُشْرَى الشَّكْرِ، وقال: «يا عليُّ ، إِنَّ القَوْمَ سَيُفْتَنُونَ(3)بِأمْوالِهِم ، ويَمُةْ بِدِينِهِم عَلَى رَبِّهِم، ويَتَمَنَّونَ رَحْمَتَهُ، ويَأمَنُونَ سَطوَتَهُ(4)، ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بالشُّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ، والأهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الخمر


1) عنها: في س، م، وليست في الأصل.

2) العنكبوت 1/29، 2 .

3) بعدها في ج: بعدي ، وحذفها الناسخ وكتب في الحاشية عن نسخة وبعدي.

4) أي: عقوبته في المنهاج 103/2 .

بالنَّبِيذِ(1)، والسُّحْتَ بالهَدِيَّةِ ، والرِّبَا بِالبَيْعِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فبأي المَنَازِلِ أُنْزِهُم عندَ ذلِك(2)؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَم بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ(3)؟ فقال: «بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ»(4).

[157] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الحَمْدَ مِفْتَاحًا لِذِكْرِهِ، وَسَبَبًا(5)للمَزِيْدِ مِن فَضْلِهِ، ودَلِيلًا عَلَى آلائِهِ وعَظَمَتِهِ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي ِبالبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالمَاضِينَ، لا يَعُودُ مَا قد ولَّى مِنهُ، ولا يَبْقَى سَرْمَدًا(6)مَا فِيهِ. آخِرُ فَعَالِهِ(7)كَأَوَّلِهِ، مُتَسَابِقَةٌ


1) حاشية النبيذ تمر ينقع في الماء، وكان أصحاب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ينتهون إلى الماء الملح : فيطرحون فيه تمرًا ويبيتونه، فإذا أصحوا كسر التمر من شوكة ملوحته، وروي أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طلب من بعض أصحابه ماء ، فقالوا: عندنا نبيذ، يعنون ما ذكر، فقال: ثمرة طيبة وماء طهور، وردّه أصحابنا كالعلّامة والمحقق الحليين وغيرهما.

2) عند ذلك: ليست في الأصل، وهي من م، ب، ج، ع.

3) تقديم وتأخير في ب.

4) بالرقم نفسه في الشرح 128/9 - 137 ، وفيه فصل عن السيدة عائشة وبعض أخبارها، والقسم الخاص منها عن الفتنة أفرده الشارح في 138/9 - 139 برقم 157 ، والخطبة بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 642/3 ، والتخريج برقم 154 في مصدر سابق 3572 - 359 ، وينظر تعقيب المؤلف .

5) هامش الأصل في نسخة : سَبيلاً.

6) أي: أبدًا في المنهاج 107/2 .

7) ضبطت الفاء بالفتح والضم في ج.

أَمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ(1)أعْلامُهُ ، فَكَأَنَّكُم بالسَّاعَةِ تَحْدُوكُم حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ(2)، فَمَن شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وارْتَبَكَ(3)في الهَلَكَاتِ، ومَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ، فالجنَّةُ غَايَةُ السَّابقِينَ، والنَّارُ غَايَةُ المُفَرّطين.

اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنِ عَزِيزِ ، والفُجُورَ دَارُ حِصْنِ ذَلِيلٍ لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، ولا يُخْرِزُ مَن جَا إِلَيْهِ. ألا وبالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةٌ(4)الخَطَايَا، وباليَقِينِ تُدرَكُ الغايَةُ القُصْوَى.

عِبَادَ اللهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزّ الأَنْفُسِ عَلَيْكُم، وأحَبِّهَا إِلَيْكُم، فإِنَّ اللَّهَ قد أوضَحَ سَبِيلَ الحَقِّ، وأنَارَ طُرُفَهُ، فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ، أو سَعَادةٌ دَائِمَةٌ، فتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الفَنَاءِ لأيَّامِ البَقَاءِ، فَقَد دُلِلْتُم عَلَى الزَّادِ، وأُمِرْتُم بالظَّعَنِ، وحُشِثْتُم عَلَى المَسِيرِ، فَإِنَّمَا أَنْتُم كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا تَدْرُونَ مَتَى تُؤمَرُونَ بالمَسِيرِ ، أَلَا فَما يَصْنَعُ بالدُّنْيَا مَن خُلِقَ للآخِرَةِ؟ ومَا يَصْنَعُ بالمَالِ مَن عَمَّا قَلِيلِ يُسْلَبُهُ وتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وحِسَابُهُ!؟


1) م: متسابقة .. متظاهرةً؛ ومتظاهرة أعلامه في المنهاج 107/2، أي: متناصرة راياته، ومتعاونة علاماته على الفناء.

2) بعدها في ع: الإبل، وفي حاشية الأصل: الشول: النوق التي خف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة: شائلة، وهو جمع على غير قياس، والزاجر في المعارج 263: السائق.

3) حاشية: ارتبك في الأمر: نشب فيه ولم يكد يتخلص منه، وفي القاموس : اختلط عليه أمره.

4) حمة العقرب : إبرتها، وهي محل سمها.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَمَا وَعَدَ اللهُ مِن الخَيْر مَتْرَكُ، ولا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ.

عِبَادَ اللهِ ، احْذَرُوا يَوْمًا تُفْحَصُ فِيهِ الأَعْمَالُ، ويَكْثُرُ فِيهِ الزِلْزَالُ، وتَشِيْبُ فيه الأطفال.

اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ عَلَيْكُم رَصَدًا مِن أَنفُسِكُم، وعُيُونًا مِن جَوَارِحِكُم، وحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُم، وعَدَدَ أَنْفَاسِكُم، لا تَسْتُرُكُم مِنْهُم ظُلْمَةٌ لَيْل دَاجِ، ولا يُكنكُم مِنْهُم بَابٌ ذُو رِتَاجِ(1)، وإِنَّ غَدًا مِن اليَوْمِ قَرِيبٌ، يَذْهَبُ «37أ» اليَوْمُ بِمَا فِيهِ، ويَجِيءُ الغَدُ(2)لاحِقًا بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ امرئٍ مِنْكُم قَد بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، ومَخَطَّ حُفْرَتِهِ، فَيَا لَهُ مِن بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، وَمَفْرَدِ غُرْبَةٍ، وكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَد أَتَتْكُم، والسَّاعَةَ قَد غَشِيَتْكُم، وبَرَزْتُم لِفَصْلِ القَضَاءِ، قَد زَاحَتِ الأَبَاطِيْلُ ، واضْمَحَلَّتْ عَنْكُم العِلَلُ ، واسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الحَقَائِقُ(3)، وصَدَرَتْ بِكُم الأُمُورُ مَصَادِرَهَا، فاتَّعِظُوا بالعِبَرِ، واعْتَبِرُوا بالغِيَرِ ، وانتَفِعُوا بِالنَّدْرِ(4).


1) الرتاج: الغلق.

2) بعدها في ع: بما لا خفاء به، و (لاحقا به) لیست بها.

3) في المعارج 263 ، أي : ظهرت حقائقها في أنفسكم.

4) برقم 158 في الشرح 141/9 - 142 ، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 642/3 ، وهي برقم 155 في مصدر سابق 2/ 363.

[158] وَمِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ(1)، وانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ(2)، فَجَاءَهُم بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ المُقْتَدَى بِه(3)، ذلِكَ القُرآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، ولَن يَنْطق، ولكن أُخْبِرُكُم عَنْهُ، أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، والحَدِيثَ عَنِ المَاضِي، ودَوَاءَ دَائِكُم، ونَظْمَ مَا بَيْنَكُم.

مِنْهَا: فَعِندَ ذلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا وأدْخَلَه الظَّلَمَةُ تَرْحَةً، وأوْلَجُوا فِيهِ نَقِمَةٌ، فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى هُم فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ ، ولا فِي الأرْضِ نَاصِرٌ. أَصْفَيْتُم(4)بالأمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ وِرْدِهِ، وسَيَنتَقِمُ اللهُ مِمَّن ظَلَمَ مَأكَلًا بِمَأَكَلٍ، وَمَشْرَبًا بِمَشْرَبٍ مِن مِطَاعِمِ العَلْقَمِ، ومَشَارِبِ الصَّبِرِ والمَقِرِ(5)، ولِبَاسِ شِعَارِ الخَوْفِ، ودِثَارِ السَّيْفِ ؛ وإِنَّمَا هُم مَطَايَا الخَطِيئَاتِ، وزَوَامِلُ(6)الآثَامِ.


1) تكررت العبارة في غير موضع، منها في الخطب 88، 93 ، 133 .

2) المبرم: الحبل المحكم الفتل.

3) في حاشية ب، وبجنبها صح: للمُهتَدِي به.

4) تُحتَهَا في الأصل أعْطَيْتُم، وفي حاشية ج: اصطفيتم.

5) حاشية: المقر: المر، والمقر: الصبر أيضًا.

6) حاشية: الزوامل : جمع زاملة للبعير الذي يستطهر به الرجل عمل متاعه وطعامه.

فأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنَخَّمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِن بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ(1)، ثُمَّ لا تَذُوقُهَا ولا تَتَطَعَمُ بِطَعَامِهَا أَبَدًا مَا كَرَّ الجَدِيدَانِ(2).

[159] ومِن خَطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

ولَقَد أَحْسَنْتُ حِوَارَكُم، وأحَطتُ بِجُهْدِي مِن وَرَائِكُم، وأعْتَقْتُكُم مِن رِبَقِ الذُّلّ، وحَلَقِ الضَّيْمِ، شُكْرًا مِنِّي لِلبِرِّ القَلِيل، وإطْرَاقًا(3)عَمَّا أدْرَكَهُ البَصَرُ، وشَهدَهُ البَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الكَثِير(4).


1) في المنهاج 2/ 109: النخامة، أي: يرمي ماء الأنف إذا دخل الفم أو ينزل في الحلق.

2) برقم 159 في الشرح 146/9 - 147 ، وقال : الترحة : الحزن، وقال: فحينئذ لا يبقى لهم، أي: يحيق بهم العذاب ويبعث الله عليهم من ينتقم، وهذا إخبار عن ملك بني أمية بعد زوال أمرهم عند تفاقم فسادهم في الأمر ، وهذه الخطبة بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 646/30 ، والتخريج برقم 157 في مصدر سابق 2/ 365، وعلق المؤلف بقوله: «يظهر أن هذه الخطبة مرت برقم 86 وأعادها الرضي (رحمه الله علیه) هنا لاختلاف وجه الرواية»، والخطبة التي ذكرها رقمها في هذا المطبوع 87.

3) حاشية: أطرق الرجل: سكت فلم يتكلم، وأطرق: أرخى عينيه ينظر إلى الأرض.

4) في س، م، ب: الكبير. والخطبة برقم 160 في الشرح 9 / 148 - 149 ، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 648/3 ، ذكر السيد عبد الزهراء الخطيب في كتابه مصدر سابق: «الكلام على هذا الفصل في كلمة الختام»، ولم أقف له على تعليق بها.

[160] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

أَمْرُهُ قَضَاءُ(1)وحِكْمَةٌ، ورِضَاهُ أَمَانٌ ورَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْمٍ، ويَعْفُو بِحِلْمِ. اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وتُعْطِي، وعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي، حَمْدًا يَكُونُ أَرْضَى الحَمْدِ لَكَ ، وأَحَبَّ الحَمْدِ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ الحَمْدِ عِنْدَكَ. حمدًا يَمْلأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ ، حَمَّدًا لا يُعْجَبُ عَنْكَ، ولا يُقْصَرُ دُونَكَ، حَمْدًا لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَفْنَى مَدَدُهُ، فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ(2)لا تأخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ(3)، لَم يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ ، ولَم يُدْرِكْكَ بَصَرٌ . أدْرَكْتَ الأَبْصَارَ ، وأَحْصَيْتَ الأَعْمَارَ(4)، وأخَذْتَ بِالنَّوَصِي وَالْأَقْدَام(5)، وما الذي نَرَى مِن خَلْقِكَ، ونَعْجَبُ لَهُ مِن قُدْرَتِكَ، ونَصِفُهُ مِن عَظِيمٍ سُلْطَانِكَ(6)، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنهُ، وقَصُرَتْ أبْصَارُنَا عَنْهُ، وانتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وحَالَتْ سَوَاتِرُ الغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ. فَمَن فَرَّغَ قَلْبَهُ، وأعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ(7)،


1) أي: إنهاء إلى العبد وبلاغ إليه، وقيل: إرادة في المنهاج 2/ 113.

2) في المعارج 267 القيوم عند أبي عبيد : القائم الدائم الذي لا يزول، يعني أنه القائم على العباد بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم.

3) البقرة : 2/ 255 .

4) كذا في ج، م، ع، س، وفي ب: الأعمال، وكذا في الأصل، ولكن صوبت في الحاشية إلى الأعمار.

5) الرحمان 41/55.

6) ب: شأنك.

7) ذكر في المعارج 267 غير معنى العرش، كالسرير، والسقف، وبيوت مكة، وغيرها.

وكَيْفَ ذَرَاتَ خَلْقَكَ؟ وكَيْفَ عَلَّقْتَ في الهواءِ سَمَاوَاتِك؟! وكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى(1)مَوْرِ المَاءِ أَرْضَكَ(2)؟! رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيرًا(3)، وعَقْلُهُ مَبْهُورًا، وسَمْعُهُ «37 ب» وَالِهَا ، وفِكْرُهُ حَائِرًا.

مِنْهَا: يَدَّعِي بِزُعْمِهِ(4)أَنَّهُ يَرْجُو اللهَ، كَذَبَ والعَظيم مَا بَالُه لا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤهُ فِي عَمَلِهِ، فَكُلُّ مَن رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ إِلَّا رَجَاءَ اللهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ(5)، وكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّق إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ(6)، فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اللهَ فِي الكَبِيرِ ، ويَرْجُو العِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي العَبْدَ مَا لا يُعْطِي الرَّبَّ، فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِعِبَادِهِ، أَتَخَافُ أن تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِبًا؟ أو تَكُونَ لا تَرَاهُ للرَّجَاءِ مَوضِعًا؟ وكَذلِكَ إِن هُوَ خَافَ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِن خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ العِبَادِ نَقْدًا، وخَوْفَهُ مِن خَالِقِهِ(7)ضِمَارًا(8)وَوَعْدًا، وكَذلِكَ مَن عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِن قَلْبِهِ أَثَرَهَا عَلَى


1) ب: في.

2) في المعارج 266: المور: الموج.

3) حاشية: كالا: منقطعًا عن النظر .

4) كذا بضم الزاي في الكل، وقال في الشرح 152/9: يجوز بزُعْمِهِ بالضم بالفتح ، وبزعمِهِ بالكسر ، ثلاث لغات.

5) ع: معلول. وفي الحاشية : يعني (علیه السّلام) أنا رجاء الله عنده ليس بخالص.

6) وكل خوف محقق إلا خوف الله : ساقط من ع.

7) س، م، ب: خالقهم.

8) حاشية: الضمار : الدين الذي لا يرجى قضاؤه، والغائب : الذي لا ترجى كذا، وفي المنهاج 2/ 115 ما لا يرجى من الدين والوعد، فكل ما لا يكون على ثقة، كذا.

اللهِ فانْقَطَعَ إِلَيْهَا ، وصَارَ عَبْدًا لَهَا ؛ ولَقَد كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَافٍ(1)لَكَ فِي الأُسْوَةِ(2)، ودَلِيْلٌ لَكَ عَلَى عَيْبِ الدُّنْيَا وَذَمِّهَا(3)، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا ومَسَاوِيْها؛ إذ قُبِضَتْ عَنْهُ أطْرَافُهَا، ووُطَّتَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا(4)، وفُطِمَ مِن رَضَاعِهَا(5)، وزُوِيَ عَن زَخَارِفِهَا.

وإِن شِئْتَ ثَنَّيْتَ بِمُوسَى كَلِيْمِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ(6)إذ(7)يَقُولُ: إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَى مِنْ خَيْرِ فَقِيرُ(8)، واللهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزًا يَأكُلُهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ، وَلَقَد كَانَتْ خُضْرَةُ البَقْلِ تُرَى مِن شَفِيْفِ(9)صِفَاقِ(10)بَطْنِهِ هِزَالِهِ، وتَشَنُّب(11)لَحْمه .

وإن شِئْتَ ثَلَّنْتَ بِدَاودَ(12)صَاحِبِ المَزامِيرِ ، وقارئ أهْلِ الجَنَّةِ،


1) كتب فوقها بمداد أحمر في ج: كَافِيًا.

2) الأسوة في المنهاج 2/ 115 : القدوة.

3) تقديم وتأخير في س، م، ب، ج، ع. لك: ساقطة من س، م.

4) أنت في كنف الله في القاموس، أي: في حرزه وستره.

5) بكسر الراء في الأصل، وما أثبت في س، م، ب، ج.

6) كذا في ج أيضًا، وبعدها في س، م: وسلم، وفي ب: وآله، وفي ع: عليه السلام.

7) حاشية الأصل: حيث يقول، وكذا في ع.

8) القصص 24/28 .

9) حاشية : شف الثوب عن المرأة يشف شفوفا ، إذا بدا ما وراؤه من خلفها.

10) حاشية: الصفاق: الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر، وكذا في المنهاج 2/ 116 ، وزاد في القاموس: أو ما بين الجلد والمصران أو الجلد كله..

11) حاشية : تفرق وتناقص .

12) بعدها في ع: صلى الله عليه.

فَلَقَد كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ(1)الخوص بِيَدِهِ، ويَقُولُ خَلَسَائِهِ: أَيُّكُم يَكْفِينِي بَيْعَهَا، وَيَأكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِن ثَمَنِهَا؟

وإِن شِئْتَ قُلْتَ فِي عِيْسَى بنِ مَرْيَمَ (علیه السّلام): فَلَقَد كَانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ، ويَلْبَسُ الخَشِنَ(2)، وكَانَ إِدَامُهُ الجُوعَ ، وسِرَاجُهُ باللَّيْلِ القَمَرَ، وظلالُهُ في الشَّتَاءِ(3)مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا ، وفَاكِهَتْهُ ورَيْحَانُهُ مَا تُنبِتُ الأرْضُ للبَهَائِمِ، وَلَم تَكُن لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، ولا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، ولا مَالٌ يَلْفِتُهُ، ولا طَمَعْ يُذِلُّهُ؛ دَابَّتُهُ رِجَلاهُ، وخَادِمُهُ يَدَاهُ.

فَتَأَسَ بِنَبِيِّك(4)الأطيبِ الأطْهَرِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةٌ لَن تَأْسَى، وعَزَاءً لَن تَعَزَّى. وأَحَبُّ العِبَادِ إلَى اللهِ المُتَأسي بِنَبِيِّه، والمُقْتَصُّ لأثَرِهِ. قَضِمَ الدُّنْيَا قَضْما، ولَم يُعِرْهَا طَرْفًا. أهْضَمُ أهْلِ الدُّنْيَا كَشْحًا، وأَخْمَصُهُم من الدنيا(5)بَطْنا. عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَن يَقْبَلَهَا، وعَلِمَ أنَّ اللهَ أَبْغَضَ شَيْئًا فَأَبْغَضَهُ، وحَفَرَ شَيْئًا فَحَفَرَهُ، وَصَغَرَ شَيْئًا فَصَغَرَهُ، ولو لَم يَكُن فِيْنَا إِلا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ، وتَعْظِيْمُنَا مَا صَغَر اللهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقَا(6)، ومُحَادَّةً عَن أَمْرِ اللَّهِ، وَلَقَد كَانَ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَأْكُلُ


1) حاشية: سفائف : جمع سَفيفة، وهي نسيج من الخوص.

2) بعدها في ع: ويأكُلُ الجَشِبَ.

3) في الأصل: بالشتاء، وما أثبت في س، م، ب، ج، ع، وكذا عن نسخة بحاشية الأصل.

4) في المعارج 269 ، أي: الزم سنته وعادته.

5) من الدنيا: زيادة من س، م، ب، ج، ع.

6) الشقاق: الخلاف في المنهاج 2/ 116 .

عَلَى الأَرْضِ، ويَجْلِسُ جِلْسَةَ(1)العَبْدِ، ويَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، ويَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، ويَرْكَبُ الحِمَارَ العَارِيَ(2)، ويُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِه، فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ ، فَيَقُولُ: «يَا فُلانَةُ لإحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيّبيْهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وزَخَارِفَهَا»؛ فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وأمَاتَ ذِكْرَهَا مِن نَفْسِهِ، وأَحَبَّ أَن تَغِيْبَ(3)زِينَتُهَا عَن عَيْنِهِ لِكَى لا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشًا «38أ» ، ولا يَعْتَقِدَهَا قَرَارًا، ولا يَرْجُو فِيهَا مُقَامًا ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وأَشْخَصَهَا عَنِ القَلْبِ، وغَيَّبَهَا عَنِ البَصَرِ ، وكَذَلك من أبْغَضَ شَيْئًا أبْغَضَ أَن يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وأَن يُذْكَرَ عِنْدَهُ.

ولَقَد كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِعِ الدُّنْيَا وعُيُوبِهَا؛ إِذ جَاعَ فِيْهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرُ بِعَقْلِهِ، أَأَكْرَم(4)اللهُ مُحَمَّدًا(5)بِذلِك أَم أَهَانَهُ؟ فَإِن قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَد كَذَبَ والعَظيمِ، وأتَى بالإِفْكِ العَظِيمِ(6)، وإن قَال: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الله(7)قَد أَهَانَ غَيْرَه، حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ وزَوَاهَا عَن أَقْرَبِ النَّاسِ


1) جلسة: على وزن فعلة، مصدر هيأة.

2) س: العازي.

3) حاشية الأصل: يُغَيِّبَ .

4) حاشية الأصل عن نسخة: أكَرَّمَ الله ، ب: أكرم.

5) بعدها في س، م: عليه السلام.

6) وأتى بالإفك العظيم ليس في س، ب، ج.

7) بعدها في ج: سبحانه.

مِنْهُ، فَتَأْسَى مُتَأْسٌ بِنَبِيِّهِ(1)، واقْتَصَّ أَثَرَهُ(2)، ووَلَجَ مَوْجُهُ، وإلَّا فَلا يأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّدًا (صلی الله علیه و آله و سلم)(3)عَلَما لِلسَّاعَةِ، ومُبَشِّرًا بالجَنَّةِ، ومُنْذِرًا بالعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَميصًا(4)، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيما . لَم يَضَعْ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ(5)، وأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ.

فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عندَنَا حِيْنَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ، سَلَفًا نَتَّبِعُهُ، وقَائِدًا نَطَأُ عَقِبَهُ. واللهِ لَقَد رَقَعْتُ(6)مِدْرَعَتِي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِن رَاقِعِهَا، ولَقَد قَالَ لِي قَائِلٌ : أَلا تَنْبِذُهَا(7)؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي فـ«عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ(8)القَوْمُ السُّرَى»(9).


1) بعدها في ع: صلى الله عليه وآله.

2) اقتص أثره في المنهاج 369/1، أي: تبعه.

3) بعدها في س، م: صلى الله عليه وسلم، والمثبت في ب، ع، وليس في الأصل.

4) الخميص في القاموس: الضامر البطن.

5) لسبيله ليست في س، م، ج.

6) رَقَعْتُ بالتخفيف في س، م، ج، ع.

7) أي: لا ترميها في المنهاج 2/ 117.

8) في الأصل: بالبناء للمجهول، وما أثبت في س، م، ب.

9) الخطبة برقم 161 في الشرح 149/9 - 156 ، وفيه بحث عن الدنيا الفانية ومن بين ما ذكر فيه أنه جاء في الأخبار أنه (علیه السّلام) قال: (إنما أنا عبد آكل أكل العبد وأجلس جلسة العبد) وكان يأكل على الأرض، ويجلس جلوس العبد، يضع قصبتي ساقيه على الأرض ويعتمد عليهما بباطني فخذيه، وركوبه الحمار العاري آيةُ التواضع وهضم النفس، وإرداف غيره خلفه آكد في الدلالة على ذلك؛ وفيه أخبار عن تواضعه جديرة بالمراجعة، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 649/3 ، وفيه المدخول : الذي فيه شبهة وريبة، وكذلك المعلول: غير الخالص، والمقتص الأثر، أي: المتتبع له، والقضم الأكل بأدنى الفم، والهضيم: الخميص لقلة الأكل، والمحادّة : المعاداة، والرياش الزينة، والمدرعة : الدراعة، وأغرب أي تباعد والتخريج برقم 158 في مصدر سابق 2/ 273 ، وقال في المعارج 271 : أول من قاله خالد بن الوليد حين سار من اليمامة إلى العراق، وذكر كيف استطاع قطع تلك المفازة.

[161] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

بَعثَهُ(1)بالنُّورِ المُضِيِّ، والبُرْهَانِ الْجَلِي، وَالْمِنْهَاجِ البَادِي، والكِتَابِ الهَادِي(2)، أَسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ(3)، وشَجَرَتُهُ خَيْرٌ شَجَرَةٍ، أَغْصَاءُهَا مُعْتَدِلَةٌ ، وتَمارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ(4).

مَولِدُهُ بِمَكَّةَ وهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ(5)، علا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ. أَرْسَلَهُ بِحُجَّةِ كَافِيَةٍ، ومَوْعِظَةٍ شَافِيَةِ ، ودَعْوَةٍ مُتَلافِيَة(6). أظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ المَجْهُولَةَ(7)، وقَمَعَ بِهِ البِدَعَ المَدْخُولَةَ(8)، وبَيَّنَ بِهِ الأحْكَامَ المَفْصُولَةَ(9)فَـمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا(10)تُتَحَقَّقُ شِقْوَتُهُ،


1) في الأصل: ابتعثه، وفوقها بعثه، وهي في النسخ.

2) في المنهاج 2/ 120 البرهان: الحجة، والجلي: الواضح، والمنهاج: الطريق، والبادي: الظاهر، والكتاب الهادي: القرآن.

3) حاشية: أسرة الرجل: رهطه؛ لأنه يتقوى بهم، وفي القاموس: الأسرة بالضم: الدرع الحصينة، ومن الرجل: الرهط الأدنون.

4) المتهدلة: المتدلية.

5) طيبة : اسم للمدينة سماها به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد كان اسمها يثرب، وروي أن يزيد بن معاوية سماها خيبة، وانظر معجم البلدان 53/4 .

6) تلافيت الشيء: استدركته.

7) في المعارج 271 ، أي : أظهر بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان مجهولاً من طريق العقل.

8) في المنهاج 2 / 121 ، المدخول: أي: كلما ابتدعته الجاهلية، وكان مدخولاً معيبًا.

9) أي: الشرائع المتروكة في المنهاج 2/ 121.

10) آل عمران 85/3.

وتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ(1)، ويَكُنْ مَابَهُ إلى الحُزْنِ الطَّوِيلِ، والعَذَابِ الوَبِيلِ(2).

وأَتَوَكَّلُ(3)عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَ الإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وأسْتَرشِدُهُ السَّبِيلَ المُؤَدِّيَةَ إلى جَنَّتِهِ ، القَاصِدَةَ إِلَى مَحَل رَغْبَتِه.

أُوصِيْكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ وطَاعَتِهِ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَدًا، والمَنْجَاةُ أبَدًا . رَهَّبَ فَأَبْلَغَ، ورَغَبَ فَأَسْبَغَ(4)، ووَصَفَ لكم الدُّنْيَا وانْقِطَاعَهَا وزَوالَهَا وانتِقَالَهَا، فأعْرضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُم فِيهَا(5)، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُم مِنْهَا أقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللهِ، وأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ ، فغُضُّوا(6)عَنْكُم عِبَادَ الله غُمُومَها وأَشْغَالَهَا لِمَا قَد أَيْقَتُم به مِن فِرَاقِهَا، وَتَصَرُّفِ حَالاتِهَا(7)، فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ، والمجِدِّ الكَادِحِ(8)، واعْتَبِرُوا بِمَا قَد رَأَيْتُم مِن مَصَارع القُرُونِ قَبْلَكُم، قَد تَزَايَلَتْ أَوْصَاهُم،


1) الكبوة: العثرة.

2) الوبيل: المهلك.

3) في الأصل: أتوَكَّل، وما أثبت من س، م، ب، ج، ع.

4) أكمل الترغيب في ثوابه في المنهاج 122/2 .

5) فوقها في س، م، ج: مِنْهَا ، وكذا في حاشية الأصل.

6) ع: فارفضوا. وفي الحاشية: غضّ طرفه ، أي: خفضه، وغضّ من صوته، وكل شيء كففته فقد غضضته.

7) في الأصل: لحالاتها، وما أثبت من م، س، ب، ج، ع.

8) في الأصل: المكادح، وما أثبت من س، م ، ب، ع. والكدح: السعي والعمل.

وزَالَتْ أسْمَاعُهُم وأَبْصَارُهُم، وذَهَبَ شَرَفُهُم وعِزُّهُم، وانْقَطَعَ نَعِيْمُهُم وسُرُورُهُم(1)، فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأوْلادِ فَقْدَهَا(2)، وبِصُحْبَةِ الأَزْوَاج مُفَارَقَتَهَا «38 ب» لا يَتَفَاخَرُونَ(3)ولا يَتَنَاسَلُونَ ولا يَتَزَاوَرُونَ ولا يَتَجَاوَرُونَ، فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ حَذَرَ الغَالِبِ لنَفْسِهِ(4)، المَانِعِ لِشَهْوَتِهِ ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ، فَإِنَّ الأَمْرَ وَاضِحٌ، والعَلَمَ قَائِمٌ، والطَّرِيقَ جَدَدٌ(5)، والسَّبِيْلَ قَصْدُ(6).


1) تقديم وتأخير في س، م، ب، ج.

2) س: بعدها، وفوقها فقدها، وضرب على كلمة بعدها في م، وكتب فوقها: فقدها.

3) بعدها في ب: ولا يَتَنَاصَرُونَ.

4) فوقها في س، م: نفسه.

5) أي سهل مستقيم في المنهاج 2/ 122 .

6) الخطبة برقم 162 في الشرح 158/9 - 160 ، وهي بالرقم نفسه في شرح ابن میثم 656/3 ، وعلق مؤلف مصدر سابق 2/ 375 برقم 159 بقوله: (ستأتي الإشارة إلى هذه الخطبة في نهاية الكتاب والله الموفق) ولم أقف على تعليقه في نهايته.

[162] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) لِبَعْضِ أصْحَابِهِ وقَد سَألَه كَيْفَ دَفَعَكُم قَوْمُكُم عَن هَذَا المَقَامِ وأنتُم أحَقُ به ؟

*[162] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام)(1)

لِبَعْضِ أصْحَابِهِ وقَد سَألَه كَيْفَ دَفَعَكُم قَوْمُكُم عَن هَذَا المَقَامِ وأنتُم أحَقُ به ؟

فقال(2):

يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ(3)، إِنَّكَ لَقَلِقُ الوَضِيْنِ(4)، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ(5)، ولَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ(6)، وحَقُ المَسْأَلَةِ، وَقَدْ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ : أَمَّا الاسْتِبْدَادُ علينا(7)بِهَذَا المَقَامِ ونَحْنُ الأَعْلَوْنَ نَسَبًا، والأَشَدُّون بِرَسُولِ اللهِ(8)نَوْطًا(9)،


1) ج: ومن كلامه لبعض أصحابه.

2) العنوان في س، م: ومِن كَلامِهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وقد سَأَلَهُ كَيْفَ دَفَعَكُم قَوْمُكُم عَن هَذا المقام، وأنتم أحَقُّ ِبه.

3) في المعارج 271 ، السائل من أقارب ليلى بنت مسعود بن خالد، وليلى امرأة أمير المؤمنين، ولها منه عبد الله وأبو بكر ، لذا قال الإمام (علیه السّلام): «لك بعد ذلك ذمامة الصهر».

4) حاشية: الوضين للهودج: مثل البطان للقتب، والتصدير للرحل، والحزام للسرج، وهما كالنسع إلا أنهما من السيور أو النسيج.. بعضه على بعض، والجمع: وُضُن، ويقال : .. قلق الوضين إذا كان غير ثابت وفلان قلق الوضين في المعارج 271: إذا كان مترددًا وغير ثابت، وقريب من هذا ما ورد في المنهاج 2 / 122 .

5) أي: تتكلم في غير قصد، والسدد والسداد: الاستقامة والصواب في المنهاج 122/2، وفي الحاشية: السدد: باب الدار، وفي الحديث «الشعث الرؤوس الذين لا تفتح لهم السدد»، أي: الأبواب، والمعنى أنهم يتسلمون ما لا يعلمون إلى الله.

6) الذمامة: الحرمة، ويروى ماتة الصهر، أي: وسيلته، وهي المصاهرة.

7) علينا: زيادة من النسخ.

8) س ، م ، وحاشية الأصل: الأشدُّونَ بالرسول، ب: الأشد.

9) النوط : التعلق، والنوط في المعارج 272 : كلما علق من شيء.

فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةٌ(1)شَحَّتْ عَلَيْهَا(2)نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ ، والحَكَمُ اللهُ ، والمَعُودُ إِلَيْهِ القِيَامَةُ(3).

ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيْحَ فِي حَجَرَاتِهِ(4)

وهَلُمَّ(5)الخطبَ فِي ابن أبي سُفْيَانَ(6)، فَلَقَد أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ ابْكَائِهِ ، ولا غَرْوَ(7)وَاللَّهِ ، فَيَا لَهُ خَطْبًا يَسْتَفْرِغُ العَجَبَ، ويُكْثِرُ الأَوَدَ(8). حَاوَلَ القَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللهِ مِن مِصْبَاحِهِ، وسَدَّ فَوَّارِهِ(9)مِن يَنْبُوعِهِ، وجَدَحُوا(10)بَيْنِي وبَيْنَهُم شُرْبًا وَبِيْنًا(11)، فَإِن تَرْتَفِعْ(12)عَنَّا


1) حاشية : يقال : استأثر فلان بالشيء: استبد به، والاسم الأثرة.

2) ب: عنها.

3) في حاشية الأصل عن نسخةٍ: والمعاد إليه: يوم القِيَامَةِ.

4) الحجرة: الناحية، والجمع: حجرات بفتح الجيم وسكونها، وعجز البيت: ولكن حديث ما حديث الرواحل، وهو من قصيدة نسبها ابن أبي الحديد في الشرح 163/9 لامرئ القيس، وذكر حكايتها أيضًا، ولامرئ القيس في شرح ابن ميثم 659/3 أيضًا، وفيه حكاية تنقله بين أحياء العرب بعد مقتل أبيه ، ويبدو أنه أفادها من الشرح.

5) هلم: استعمل بمعنى تعال، وبمعنى هات.

6) في المنهاج 125/2 ، أي: دع أي ما لا يستدرك من استئثار القوم القوم واستبدادهم بالأمانة أولا وثانيًا وثالثًا.

7) لا غرو : لا عجب .

8) الأود: الاعوجاج.

9) كذا في ع، ج، ب، م ، وفي حاشية الأصل عن نسخة: فُوارِهِ، وكذا في س.

10) حاشية: جدحت السويق: لتته، وفي شرح ابن ميثم 658/3: الجدح: الخلط والتخويض والتكوير.

11) الشَّرب بالكسر : الحظ من الماء، والوبيء: ذو الوباء الممرض.

12) في الأصل: يرتفع، وما أثبت في ج، ب، ع؛ وفي المنهاج 2/ 125، أي: تذهب عنا وعنهم محن البلوى.

وعَنْهُمُ حَنُ البَلْوَى أَحْمِلُهُم مِنَ الحَقِّ عَلَى تَحْضِهِ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(1).

[163] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ خَالِقِ العِبَادِ، وَسَاطِحِ المِهَادِ(2)، ومُسِيْلِ(3)الوِهَادِ(4)، ومُخصِب النَّجَادِ(5)، لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداء، ولا لأزلِيَّتِهِ انْقِضَاءُ، هُوَ الأَوَّلُ لَم يَزَلْ، والبَاقِي بِلا أَجَلٍ، خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، ووَخَدَتْهُ الشَّفَاهُ. حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةٌ لَهَا(6)مِن شَبَههَا، لا تَقْدُرُهُ الأوْهَامُ بالحُدُودِ والحَرَكَاتِ، ولا بالجَوَارِح والأدَوَاتِ. لا يُقَالُ لَه مَتَى؟ ولا يُضْرَبُ لَهُ أمَدٌ بِحَتَّى. الظَّاهِرُ لا يُقَالُ: ما؟ والبَاطِنُ لا يُقَالُ: فيما.


1) فاطر 8/35 . والخطبة برقم 163 في الشرح 9 / 161 ، وفيه حديث عن امرئ القيس وبيت الشاهد، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 659/3 ، وينظر بإنعام نظر تخريج كلامه (علیه السّلام) و التعقيب عليه في مصدر سابق 2/ 377 - 380 ، وهي فيه برقم 160 .

2) ساطح باسط، والمهاد: الأرض.

3) يبدو أن الميم كانت مضمومة في الأصل، وغيرت إلى الفتح من بعد، وفي س، ج: مُسَيَّل، وفي م، ب : مُسِيل.

4) حاشية: الوهاد: من الوهدة، وهو الموضع الذي يستنقع فيه الماء، وفي شرح ابن ميثم 3/ 660 الوهاد: المكان المطمئن .

5) النجاد: جمع نجد، وهو المكان المرتفع.

6) في ب: له، وساقطة من ع، م ، ولها إحالة الحاشيتها وفيها: له، لها.

لا شَبَحٌ لَهُ فَيُتَقَصَّى(1)، ولا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى لَم يَقْرُبُ مِنَ الأَشْيَاءِ بالتِصَاقِ، ولَم يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ. لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِن عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ(2)، ولا كُرُورُ لَفْظَةٍ، ولا ازْدِلافُ رُبُوَةٍ(3)، ولا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ(4)فِي لَيْلٍ دَاجِ، ولا غَسَقِ سَاجِ(5)يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ القَمَرُ المنير(6)، وتُعْقِبُهُ(7)الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الكُرُورِ والأُفُولِ، وتَقْلِيبِ الأَزْمِنَةِ والدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلِ مُقْبِلِ وإِدْبَارِ نَهَارِ مُدْبِرٍ قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ ومُدَّةٍ، وكُلِّ إِحْصَاءِ وعِدَّةٍ. تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ المُحَدَدُّونَ مِن صِفَاتِ الْأَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الأَقْطَارِ ، وتَأْثْلِ(8)المَسَاكِنِ، وتَمَكَّنِ الأَمَاكِنِ، فالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ لَم يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أَصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، ولا مِنْ أَوائِلَ أبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ، فَأَقَامَ حَدَّهُ ، وصَوَّرَ مَا صَوَّرَ ، فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ . لَيْسَ لِشَيءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ ، ولا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعُ. عِلْمُهُ بِالأَمْوَاتِ


1) في المنهاج 2/ 130 ، أي : ليس الله تعالى شخص فيبلغ أقصاه .

2) في المنهاج 2/ 130 ، أي: ارتفاعها، يقال: شخص بصره : فتح عينيه وجعل لا يطرف.

3) ازدلاف الربوة: تقدمها .

4) ربوة وخطوة ضبطتا بالضم والفتح وفوقهما (معا) ، وفي حاشية الأصل، أي: لا يخفى عليه تعالى استقبال ربوة تمنع فتح الرجلين، ولا اتساع خطوة، أي: لا يخفى عليه أن يخطو الإنسان، أو يمتنع عليه الخطو.

5) الساجي: الساكن.

6) تفيؤ القمر: ذهابه ومجيؤه حالتي أخذه في التبدر، وأخذه في النقصان إلى المحاق.

7) حاشية : يقال : أعقبت الرجل إذا أركبته، وركب هو عقبه مثل المعاقبة، ومنه .. العرب تعقب بين الفاء والثاء مثل : حدث وحدف.

8) مجد مؤثل، وبيت مؤثل: أصيل قديم، وفي الحاشية، يقال: تأثل مالاً، إذا عقده للانتفاع ؟

المَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأَحْيَاءِ البَاقِينَ، وعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ العُلَى كَعِلْمِهِ «39أ» بِمَا فِي الأَرَضَيْنَ السُّفْلَى.

مِنْهَا : أَيُّهَا المَخلُوقُ السَّوِيُّ ، والمَنْشَأ(1)المَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ ومُضَاعَفَاتِ الأسْتَارِ، بُدِثْتَ مِن سُلَالَة مِّن طِينٍ(2)، ووُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَّكِينِ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ(3)، وأَجَلٍ مَقْسُومٍ ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِينًا لا تُحِيرُ(4)دُعَاءً، ولا تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَم تَشْهَدْهَا ، ولَم تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا، فَمَن هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الغِذَاءِ مِن تَدْي أُمِّكَ، وعَرَّفَك(5)عِنْدَ الحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَن صِفَاتِ ذِي الهَياةِ والأَدَوَاتِ، فَهُوَ عَن صِفَاتِ خَالِقِهِ أعْجَرُ ، ومِن تَنَاوُلِه بحُدُودِ المَخْلُوقينَ أَبْعَدُ(6).


1) السوي: المستوي، والمرعي: المعتنى بأمره.

2) المؤمنون 8/23.

3) المرسلات 77/ 21 ، 22.

4) حاشية : يقال : كلمته فما أحارَ إلي جوابًا، أي: ما ردَّ جوابًا.

5) كذا في م، ج، وفوقها وحرك، وكذا في ع، وحاشية الأصل، وبجنبها صح.

6) الخطبة برقم 164 في الشرح 168 - 172 ، وفيه بحث في علم التوحيد، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 3/ 660 ، وهي برقم 161 في مصدر سابق 2/ 381.

[164] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وشَكُوا مَا نَقَمُوهُ عَلى عُثْمَانَ ، وسَألُوهُ مُخَاطَبَتَهُ عَنْهُم ، واسْتِعْتَابَه لَهُم

*لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وشَكُوا مَا نَقَمُوهُ عَلى عُثْمَانَ(1)، وسَألُوهُ مُخَاطَبَتَهُ عَنْهُم ، واسْتِعْتَابَه لَهُم

فدَخَلَ (علیه السّلام) عَلَى عُثْمَانَ فقال :

إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي قَد اسْتَسْفَرُونِي(2)بَيْنَكَ وَبَيْنَهُم، وواللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ؟ مَا أعْرِفُ شَيْئًا تَجْهَلُهُ، ولا أدُلُّكَ عَلَى أَمْرِ لا تَعْرِفُهُ. إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ. مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، ولا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ، وقَد رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كَمَا صَحِبْنَا؛ ومَا ابنُ أَبِي قُحَافَةَ ولا ابنُ الخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الحَقِّ مِنْكَ، وأنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَشِيْجَةَ(3)رَحِمِ مِنْهُمَا ، وَقَد نِلْتَ مِن صِهْرِهِ مَا لَم يَنَا لا ؛ فاللهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ واللهِ مَا تُبَصَّرُ مِن عَمِّى، ولا تُعَلَّمُ مِن جَهْلِ، وإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ ، فاعْلَمْ(4)أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ(5)هُدِيَ


1) بعدها في الأصل: رضي الله عنه، وليست في النسخ المعتمدة؛ ونقموه في المنهاج 132/2 : أنكروه.

2) استسفروني: اتخذوني سفيرا.

3) الوشيجة: عروق الشجرة.

4) في الأصل: واعلم، وما أثبت من س، م، ب.

5) هامش الأصل عن نسخة: إمامُ عَدْلٍ.

وهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً، وأمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وإِنَّ السُّنَنَ لَنيَّرَةٌ لَهَا أعْلام، وإنَّ البِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلامُ(1)، وإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وضُلَّ بِهِ، فأمَاتَ سُنَّةٌ مَأخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكة(2)، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بالإِمَامِ الجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيْرٌ ولا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ(3)، فيَدُورُ فِيْهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يُرْتَبَطُ(4)فِي قَعْرِهَا»، وإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَن تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ المَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا القَتْلَ والقِتَالَ إلى يَوْمِ القِيَامَة، ويَلْبِسُ أمُوْرَهَا عَلَيْهَا ، ويَبثْ الفِتَنَ فِيْهَا؛ فلا يُبْصِرُونَ الحَقَّ مِنَ البَاطِل، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجًا، ويَمْرُجُونَ(5)فِيهَا مَرْحًا .

فَلا تَكُونَنَّ مَرْوَانَ سَيِّقَةٌ(6)يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنَّ(7)وتَقَفّي العُمْرِ.


1) ج: علامات

2) هامش الأصل عن نسخة: مجهولة.

3) كذا في ع أيضًا، ب، م: جهنم، وفي حاشية ب: في نار جهنم، رواية.

4) في حاشية الأصل: يرتبك وبجنبها صح.

5) حاشية: يمرجون: يرسلون دوابهم إلى المرعى، وفي القاموس: المَرْجُ : الموضع ترعى فيه الدواب.

6) السيّقة: ما يسوقه العدو في الغارة من الدواب.

7) جلال السنّ: علوه.

فقَالَ لَهُ(1)عُثْمانُ: كَلَّمِ النَّاسَ فِي أَن يُوْجُلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِم مِن مَظَالِهِم، فَقَال (علیه السّلام)(2): مَا كَانَ بالمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيْهِ، ومَا غَابَ لها فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيهِ(3).

[165] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) يَذْكُرُ فِيهَا عَجِيبَ خِلْقَةِ الطَّاووس

اشارة

*يَذْكُرُ فِيهَا عَجِيبَ خِلْقَةِ الطَّاووس(4)

ابْتَدَعَهُم خَلْقًا عَجِيْبًا مِن حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ(5)وَسَاكِنٍ وذِي حَرَكَاتِ، وأَقَامَ مِن شَوَاهِدِ البَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَعَظِيْمِ قُدْرَتِهِ مَا انْقَادَتْ لَهُ العُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بهِ، ومُسَلَّمَةٌ لَهُ، ونَعَقَت(6)فِي أسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَى «39 ب» وَحْدَانِيَّتِهِ، ومَا ذَرَأَ مِن مُختلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ الَّتي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ ، وخُرُوقَ فِجَاجِهَا(7)، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا مِن ذَوَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وهَيْآتٍ مُتَبَايِنَةٍ مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ،


1) له: ليست في س، م.

2) عليه السلام: ليست في س، م.

3) إليه : ليست في ب. والخطبة برقم 165 في الشرح 173/9 - 174 ، وكذا في شرح ابن ميثم 663/3 ، وبرقم 162 في مصدر سابق 387/2 - 390 ، وينظر تعقيب المؤلف.

4) الطوس في المعارج 275: القمر، وطاس يطوس طوسًا حسن وجهه، والطاووس في كلام أهل الشام: الجميل من الرجال، وسمي هذا الطائر طاووسًا لحسنه.

5) في المنهاج 2 / 137 ، أي: كالأشجار، والموات: الأرض التي لا مالك لها.

6) نعقت: صاحت.

7) الأخاديد: الشقوق، والفجاج: جمع فجّ، وهي الطريق بين جبلين.

ومُرَفْرِفَةٌ(1)بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الجَوّ الْمُنْفَسِحِ والفَضَاءِ المُنْفَرِج.

كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَم تَكُن فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةِ، ورَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ، ومَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ(2)خَلْقِهِ أَن يَسْمُوَ فِي الهَوَاءِ خُفُوفًا(3)، وجَعَلَهُ يَدِثُ دَفِيفًا(4)، ونَسَّقَهَا(5)عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأصَابِيغ(6)بِلَطِيْفِ قُدْرَتِهِ، ودَقِيْقِ صَنْعَتِهِ؛ فَمِنْهَا مَعْمُوسٌ(7)فِي قَالَبٍ لَوْنِ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَغْمُوسُ فِي لَوْنِ صِبْغ قَد طُوقَ(8)بِخِلافِ مَا صُبغَ بِهِ.

ومِن أَعْجَبِهَا خَلْقًا الطَّاوُوسُ الذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلِ، ونَضَدَ أَلْوَانَهُ(9)فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدِ. بَجَنَاحٍ أَشْرَجَ(10)قَصَبَهُ، وذَنَبٍ أطَالَ مَسْحَبَهُ، إِذَا دَرَجَ إِلَى الأَنْثَى(11)نَشَرهُ مِن طَيِّهِ، وسَمَا بِه مُطِلّا(12)


1) حاشية: رفرف الطائر، إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه، والتاء فيهما ضبطت بتنوين النصب والجر .

2) العبالة: امتلاء الجسد.

3) الخفوف في المنهاج 2/ 138 النهوض.

4) حاشية : دفيف الطائر: مره فوق الأرض.

5) نسقها : نظمها .

6) الأصابيغ في المنهاج 2/ 138: الألوان.

7) المغموس في المصدر السابق: الشيء المستور تحت الماء، أو لون رقيق.

8) حاشية: قد طرق.

9) في المنهاج 2/ 138 ، أي : جعل بعضها فوق بعض.

10) س، م، ج: أسرج.

11) في المنهاج 138/2 ، أي : مشى إليها.

12) مطلا في المعارج 277: مشرفًا.

عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّه قِلْعُ دَارِيٌّ عَنَجَهُ نُوْتِتُهُ. يَخْتَالُ بِألْوَانِهِ، ويَمِيْسُ بِزَيَفَانِهِ. يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، ويَؤُرُّ(1)بِمُلافَحَة أَنَّ الفُحُولِ المُعْتَلِمَةِ(2)أُحِيلُكَ مِن ذَلكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ لا كَمَنْ يُحِيْلُ عَلَى ضَعِيْفَ إِسْنَادُهُ؛ وَلَو كَانَ كَرُعْم مَن يَزْعَمُ أنَّه يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا(3)مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ في ضَفَّتَي جُفُونِهِ، وأَنَّ أَنْتَاهُ تَطَعَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لَقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ(4)لما كَان ذَلكَ بِأعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ(5)الغُرَابِ تَخَالُ قصَبَهُ مَدَارِيَ مِن فِضَّةٍ وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِن عَجِيبٍ دَارَاتِهِ(6)وشُمُوسِهِ خَالِصَ العِقْيَانِ وفِلَذَ(7)الزَّبَرْ جَدِ، فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، قُلْتَ: جَنِيٌّ جُنِي(8)مِن زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعِ، وَإِن ضَاهَيْتَهُ بِاللَمَلَابِسِ، فَهُوَ كَمَوْشِيٌّ الخلل، أو مُونِقِ عَصْبِ(9)اليَمَنِ، وإن شَاكَلْتَهُ بِالحَي فَهُوَ كَفُصُوصٍ


1) حاشية: يؤرّ، أي: ينكح بملاقحة: من الفح الفحل الناقة، والملاحق في شرح ابن ميثم 666/3 : آلات اللقاح وأعضاء التناسل.

2) أَرَّ الفُحُولِ المُعْتَلِمَةِ : ليس في س، م، ب، ج، وهي في ع، والاغتلام: شدة الشبق.

3) في الحاشية: ينسجها، وتنشجُها وتسفحها في المنهاج 139/2: تريقها وتصبها، وبخط الرضي: تنسجها .

4) المنبجس: المنفجر.

5) حاشية: المطاعمة: كالتقبيل ، وهو أن يجعل الطائر منقاره في منقار الأنثى، ويذكر أن الغربان لا تسافد لها، وإنما تبيض من المطاعمة، وذكر أن الغربان البقع تختص بذلك لا السود.

6) داراته : الخطوط المستديرة بقصبه.

7) فلذ: جمع فلذة، وهي القطعة، والزبرجد: قيل: هو الزمرد، وقيل: يطلق على البلخش، والبلخش: نوع من الجوهر يؤتى به من بلاد الترك.

8) جني : ليست في ب، وفي ع: قلت جَنى من زهرة.، و الجنيّ: فعيل بمعنى المجني، وهو الملتقط . وأصل الجني جنبي ووزنه فعيل، أدغمت الياء الساكنة بالمتحركة.

9) في القاموس عصب اليمن: ضرب من البرود، و في شرح ابن میثم 666/3 تعمل باليمن.

ذَاتِ الْوَانِ قَد نُطْقَتْ فِي اللُّجَيْنِ المُكَلَّلِ(1). يَمْشِي مَثْيَ المَرِح المُخْتَالِ، ويَتَصَفَحُ ذَنَبَهُ وجَنَاحَهُ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكًا لِمَمالِ سِرْبَالِهِ(2)، وأصَابِيْغِ وِشَاحِهِ(3)، فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقًا مُعْوِلا(4)بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِيْنُ عَن اسْتِغَاثَتِهِ، ويَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُعِهِ، لأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشُ(5)كَقَوَائِم الدِّيَكَةِ الخِلاسِيَّةِ(6). وقَد نَجَمَت مِنْ ظُنُّبُوبِ سَاقِهِ صِيْصَةٌ خَفِيَّةٌ(7).

ولَهُ فِي مَوْضِعِ العُرْفِ قُنَزَعَةٌ(8)خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ ، وفَخَرَجُ عُنُقِهِ كَالإِبْرِيْقِ، ومَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغ(9)الوَسِمَة(10)اليَمَانِيَّةِ أو كَحَرِيرةٍ مُلْبَسَةٍ(11)مِرْأَةٌ ذَاتَ صِقَالٍ، وكَأَنَّه مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ(12)أَسْحَمَ، إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ


1) س، م: باللجين، وكذا في شرح ابن ميثم 665/3 ، ونطقت باللجين، أي شدت فيه ورصعت، والمكلل في المنهاج 2/ 139 : ما يجعل إكليلا.

2) السربال في المنهاج 2/ 139 : الثوب.

3) الوحاش: سیر ینسج من أدیم و یرصع بالجواهر فتجعله المرأة علی عاتقا إلی کشحها.

4) زقا: صاح، والمعول: الصارخ.

5) الحمش: الدقاق.

6) حاشية: الديك الخلاسي: أحد أبويه أسود، بين الأهلي والهندي، ويقال ذلك للكبير من الحيوانات. قاله أبو عمرو الجاحظ.

7) نجمت: ظهرت، والظنبوب: حرف الساق، والصيصة: الهنة التي في مؤخر رجل الديك.

8) حاشية : القنزعة: الشعر حوالي الرأس.

9) في الأصل كصبع، وما أثبت من النسخ.

10) ضبطت في الأصل بكسر السين وسكونها، والوسمة: شجر العظلم يخضب به.

11) كذا في م، وأصل ج، وعاد فضبطها باللون الأحمر بشد الباء، وبشدها في ع، ب.

12) حاشية: المعجر : ما تشده المرأة على رأسها، والأسحم في شرح ابن ميثم: الأسود.

مَائِهِ وشِدَّةِ بَرِيقِهِ أنَّ الخُضْرَةَ النَّاضِرةَ مُمتَزِجَةٌ بِهِ، ومَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطَّ كَمُسْتَدَةٌ(1)القَلَمِ فِي لَوْنِ الأَقْحُوَانِ أَبْيَضُ يَقَقٌ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ(2). وقَلَّ صِبْعٌ إِلَّا وَقَد أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطِ، وَعَلاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وبَرِيْقِهِ «40 أ»، وبَصِيْصِ(3)دِيْبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ، فَهُو كَالأَزَاهِيْرِ المَبْثُوثَةِ(4)، لَم تَرُبَّهَا أَمْطَارُ رَبِيعِ، ولا شُمُوسُ قَيْطٍ، وقَد يَتَحَسَّرُ(5)مِن رِيْشِهِ ويَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى، ويَنْبُتُ تِبَاعًا، فَيَنْحَتُ مِن قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الأَغْصَانِ، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِيًا حَتَّى يَعُوْدَ كَهَيْتَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ لا يُخَالِفُ سَالِفَ(6)أَلْوَانِهِ، وَلا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ.

وإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِن شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةٌ ، وتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةٌ ، وأَحْيَانًا صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةٌ. وكَيْفَ تَصِلُ(7)إِلَى صِفَةِ هذَا عَمَائِقُ(8)الفِطَنِ ، أو تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ العُقُولِ، أو تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الوَاصِفِيْنَ؟ وأقَلُّ أجْزَائِهِ قَد َأعْجَزَ الأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، والألسِنَةَ أن


1) بفتح الدال وكسرها في الأصل، وفي الحاشية، كمستدق بكسر الدال: القلم الدقيق، وبالفتح: حيث يدق القلم، وهو سنانه.

2) اليقق: الخالص البياض، ويأتلق: يلمع.

3) البصيص : البريق.

4) الأزاهير في المنهاج 1/ 413: الأنوار الملونة.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: يَنْحَسُرِ، وكذا في س، م، ع.

6) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع: سائر.

7) س: تَصِفُ، ب: فكيف تصل.

8) العمائق في المنهاج 2/ 141: الأشياء البعيدة.

تَصِفَهُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ العُقُولَ عَن وَصْفِ خَلْقِ جَلَّاهُ لِلعُيُون، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُودًا مُكَوَّنًا ومُؤلَّفَا مُلَوَّنًا، وأعْجَزَ الألسُنَ عَن تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وقَعَدَ بِهَا عَن تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ، فَسُبْحَانَ(1)مَن أَدْمَجَ(2)قَوَائِمَ الذَّرِّةِ والهَمَجَةِ(3)إلى مَا فَوْقَهُما مِن خَلْقِ الحِيتَانِ والأَفْيِلَةِ، ووَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا وجَعَلَ الحِمَامَ مَوْعِدَه، والفَنَاءَ غَايَتَهُ.

مِنْهَا فِي وَصْفِ الجَنَّةِ:

فَلَو رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا(4)لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ(5)عَن بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهَلْتَ بالفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الِمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا فِي(6)تَعْلِيقِ كَبَائِسِ(7)اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيْجِهَا(8)وأَفْنَانِهَا ، وطُلُوعِ تِلْكَ الثَّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، فَتَأْتِي عَلى مُنْيَةِ مُجتَنِيْها، ويُطَافُ عَلَى نُزَّالها في أفنية


1) س، ج: وسبحانَ.

2) حاشية: أدمجت الشيء، إذا لففته في ثوب.

3) الهمجة: ذبابة صغيرة كالبعوضة.

4) منها : ليست في س.

5) حاشية: لعزفت، أي: زهدت فيها.

6) س، م، ع: وفي.

7) حاشية: كباس: جمع كباسة، وفي القاموس: هو العذق العذق الكبير.

8) عساليج في المنهاج 2 / 141 : الأغصان، ومثلها الأفنان.

قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ الْمُصَفَقَةِ(1)، والحُمُورِ المُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَم تَزَلِ الكَرَامَةُ تَتَهَادَى بِهِم حَتَّى حَلُّوا دَارَ القَرَارِ، وأَمِنُوا نُقْلَةَ الأسْفَار .

فَلَو شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بالوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجِمُ عَلَيْكَ مِن تِلْكَ المَناظِرِ المُونِقَةِ لَزَهَقَتْ(2)نَفْسُكَ شَوْقًا إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِن مَجْلِسي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا. جَعَلَنَا اللهُ وإِيَّاكُم ممن يَسْعَى(3)بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ.

تَفْسِيرُ بَعْضِ مَا فِي هذه الخُطْبَةِ مِنَ الغَرِيبِ

*تَفْسِيرُ بَعْضِ مَا فِي هذه الخُطْبَةِ مِنَ الغَرِيبِ(4).

قَوْلُهُ (علیه السّلام): ويَؤُرُّ بمُلاقَحَة(5): الأر: كِنَايَةٌ عَنِ النِّكَاح، يُقَالُ: السلام ار المرأةَ يَؤُرُّهَا إِذَا نَكَحَهَا(6). وقَوْلُهُ (علیه السّلام): كَأَنَّهُ قِلْعٌ دَارِي(7)عَنَجَهُ السلام نُوتيه(8): القِلْعُ: الشراعُ وَهُوَ شِرَاعُ السَّفِينَةِ(9)، ودَارِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى دَارِينَ ، وهِيَ بَلْدَةٌ عَلَى البَحْرِ يُجْلَبُ مِنْهَا الطَّيبُ. وعَنَجَهُ: عَطَفَهُ،


1) العسل المصفق: المصفّى .

2) في المنهاج 2 / 142 المونقة: المعجبة، وزهقت نفسك: هلكت.

3) س، ج : سَعَى.

4) س: تفسير بعض ما جاءَ فيها مِنَ الغريب.

5) مكان القول في س، م: الأر.

6) مكان إذا نكحها في س، م: يؤرُّهَا .

7) حاشية: داري: منسوب إلى دار بن وهي بلدة على ساحل البحر يجلب منها الطيب.

8) قوله (علیه السّلام): كَأنه قلع داري عنجه نوتيه : ليس في س، م، والقلع الداري: الشراع المنسوب إلى دارين، وهي جزيرة من سواحل القطيف من بلاد البحرين ، يقال : إن الطيب يجلب إليها من الهند، وهي الآن خراب لا عمار بها ولا سكنى وفيها آثار قديمة.

9) في الأصل: القلع: الشراع، هو شراع السفينة، وما أثبت س، م، ب.

يُقَالُ: عَنَجْتُ النَّاقَةَ أعْنِجُهَا عَنْجَا(1)، أي(2): عَطَفْتُهَا ، والنُّوقِ: الملاح. وقَوْلُهُ : ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ(3): الضَّفَّتَانِ : الْجَانِبَانِ(4)،أراد جانبي جفونه، وقوله(5)وفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ.(6)، الفِلَدُ: جَمْعُ فِلْذَةٍ، وهِي القِطْعَةُ(7). وقَوْلُهُ: كَبَائِس اللؤلؤ الرطب(8): الكِبَاسةُ : العِذْقُ ، والعَسَالِيْجُ : الغُصُونُ، واحِدَهَا : عَسْلوج(9).

[166] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

ليَتَاسَ صَغِيرُكُم بِكَبِيرِكُم، ولْيَرْقُفُ كَبِيرُكُم بِصَغِيْرِكُم، «40 ب»، ولا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الجَاهِلِيَّةِ لا فِي الدِّينِ تَتَفَقَّهُونَ، ولا عَنِ


1) س، م: أَعْنُجُهَا.

2) ب، ج، ع: إذا.

3) وضفتي جفونه: ليس في س، م، ب، ع، وضفتي جفونه: جانباها.

4) الضفتان: الجانبان تأخرت في ج بعد الجملة السابقة.

5) حاشية: أراد جانبي جفونه، وقوله : ليس في س، م.

6) وفلذ الزبرجد: ليس في س م .

7) بعدها في ج بقلم مختلف سميك: والكبائس: جمع الكباسة، وهي العذق، والعساليج: الغصون، واحدها عُسلوج.

8) وقوله: كبائس اللؤلؤ الرطب: مكانها الكبائس جمع في س، م.

9) حاشية: «بلغ القراءة على المولى علم الهدى أدام الله ظله إلى ها هنا والحمد الله». والخطبة برقم 166 في الشرح 9 / 177 - 185 ، وهي برقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 3 / 664 ، وتخريجها والتعقيب عليها في مصدر سابق 400/2برقم 163 .

اللهِ تَعْقِلُونَ، كَقَيْضٍ بَيْضِ(1)فِي أَدَاحٍ(2)يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْرًا، ويَخْرُجُ حِضَاءُهَا شَرَّا(3).

مِنْهَا: افْتَرَقُوا بَعْدَ أَلْفَتِهم، وتَشَتَّتُوا عَن أَصْلِهِم، فَمِنْهُم آخِذُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ، عَلَى أَنَّ اللَّهَ(4)سَيَجْمَعُهُم لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ فَزَعُ الخَرِيفِ يُؤلِّفُ اللهُ بَيْنَهُم، يَجْعَلُهُم رُكَامًا كَرُكَامِ السَّحَابِ، ثُمَّ يَفْتَحُ هُم أبْوَابًا يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِم(5)كَسَيْلِ جَنَّتَيْ سَبَاً حَيْثُ لَم تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَّةٌ(6)، ولَم تَثْبُتْ عليهِ(7)أَكَمَةٌ(8)، ولَم يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ، ولا حِدَابُ أَرْضِ يُذَعْذِعُهُم(9)اللهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُم يَنَابِيْعَ فِي الأَرْضِ، يَأْخُذُ بِهِم مِن قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ، وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ. وأيمُ اللهِ ، لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِم بَعْدَ العُلُو والتَّمْكِينِ


1) قيض بيض: كسره، تقول : قضت البيضة: كسرتها، وانقاضت: تصدعت من غير كسر، وتقيضت: تكسرت فلقا.

2) حاشية: أداح: جمع أدحية، وهي حيث تبيض فيه النعام، وفي شرح ابن ميثم 3/ 670 جمع أُدحى أفعول من الدحو، وهو الموضع الذي تفرخ فيه النعامة.

3) حاشية: المعنى أني أتحرج من قتلكم ، وإن أبقيتكم جنى بقاؤكم على الناس شرا.

4) بعدها في س، م: تعالى، وفي ع: سبحانه .

5) مستثارهم: موضع ثورانهم ، وجنتي سَبَاً: في حاشية الأصل.

6) القارة: المستقر الثابت من الأرض.

7) في ب، ع: عليه، وكذا في الأصل وفوقها له، وفي س، م: له.

8) الأكمة: التل.

9) الحداب: جمع حدب، وهو ما ارتفع من الأرض، والذعذعة: التفريق.

كَمَا تَذُوبُ الألْيَةُ عَلَى النَّارِ(1).

أيُّهَا النَّاسُ، لَوْ لَم تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الحَقِّ، وَلَم تَهِنُوا عَنْ تَوْهِيْنِ البَاطِلِ(2)لَم يَطْمَعْ فِيكُم مَن لَيْسَ مِثْلَكُم، ولَم يَقْوَ مَن قَوِيَ عَلَيْكُم، ولكِنَّكُم تِهْتُم مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(3)، ولَعَمْرِي لَيُضْعَفَنَّ(4)لَكُم التّيه مِن بَعْدِي أَضْعَافًا(5). خَلَّفْتُم الحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُم، وقَطَعْتُمُ الأذنى، ووَصَلْتُم الأَبْعَدَ. واعْلَمُوا أَنَّكُم إن اتَّبَعْتُم الدَّاعِي لَكُم سَلَكَ بِكُم مِنْهَاجَ الرَّسُولِ ، وكُفِيتُم مَؤوُنَةَ الاعْتِسَافِ(6)، ونَبَذْتُم التَّقْلَ الفَادِحَ(7)عَنِ الأَعْنَاقِ(8).


1) في المعارج 279: ذلك خبر عن انقراض دولة بني أمية، وفناء رجالهم، وذكر المؤلف قصيدة سديف، وما فعله أبو العباس السفاح بهم ، وذكر نهاية مروان بن محمد.

2) توهين الباطل: إضعافه.

3) حاشية: التيه : المفازة، لأنه يتاه فيها، وكذا فيي المنهاج 2 / 43 في المعارج 281: تحير بنو إسرائيل في تيههم أربعين سنة.

4) في الأصل: ليضَعَّفَنَّ ، وما أثبت صُحح في حاشية الأصل، وبقية النسخ.

5) في المعارج 281: أراد به ملك بني أمية، فإن مدته كانت مائة وعشرين سنة، وتلك المدة أضعاف الأربعين، والتيه في المنهاج 148/2 : التحير ..

6) الاعتساف في المنهاج 148/2 : المشي على غير الطريق، والظلم أيضًا

7) الفادح: المثقل.

8) الخطبة برقم 167 في الشرح 187 - 188 ، ومما ذكره الشارح أنه (علیه السّلام) يذكر حال أصحابه وشيعته بعده، وبرقم المطبوع فيه وفي شرح ابن ميثم 670/3 وتخريجها في مصدر سابق 403/2 ، وفيه برقم 164 ، وذكر المؤلف أن الخطبة رواها الكليني في روضة الكافي، والمفيد في الإرشاد، ويظهر من روايتهما لها أن المختار هنا وما مر برقم 68 من خطبة واحدة في مقام واحد وهي برقم 87 في هذا المطبوع.

[167] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) خَطَبَهَا فِي أَوَّلِ خِلافَتِهِ

*[167] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) خَطَبَهَا فِي أَوَّلِ خِلافَتِهِ(1)

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَه أَنْزَلَ كِتَابًا هَادِيًا بَيَّنَ فِيهِ الخَيْرَ والشَّرَّ ، فَخُذُوا نَهْجَ الخَيْرِ تَهْتَدُوا، واصْدِفُوا عَن سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا(2). الفرائضَ الفَرَائِضَ أدُّوهَا إلَى اللهِ تُؤَدِّكُم إِلَى الْجَنَّةِ. إِنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ حَرَامًا غَيْرَ مَجْهُولٍ، وَأَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ(3)، وفَضَّلَ حُرْمَةَ المُسْلِمِ عَلَى الحَرَمِ كُلْهَا ، وشَدَّ بالإخلاص والتَّوْحِيدِ حُقُوقَ المُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا(4)، فـ«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ إِلَّا بِالحَقِّ»، ولا يَحِلُّ أَذَى المُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ. بَادِرُوا أَمْرَ العَامَّةِ، وخَاصةَ أَحَدِكُم، وهو المَوْتُ ، فإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُم، وإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُم مِنْ خَلْفِكُم، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا ، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُم آخِرُكُم.

اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وبِلادِهِ، فَإِنَّكُم مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البِقَاعِ والبَهَائِمِ. أَطِيعُوا الله ولا تَعْصُوهُ ، وإذا رأيتُم الخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ ، وإذا رَأَيْتُم الشَّرَّ فأَعْرِضُوا عَنْهُ(5).


1) العنوان في س، م: ومن خطبة له في أول خلافته.

2) أصدفوا: أعرضوا ، وتقصدوا: تعدلوا .

3) أحَل حلالا غير مدخول : ليس في س، م، ب، ع.

4) معاقدها: مواضعها.

5) الخطبة برقم 168 في الشرح 9 / 168 ، وبرقم المطبوع في شرح ابن ميثم 672/3 ، وبرقم 165 في مصدر سابق 2/ 404، وذكر المؤلف أن هذه الخطبة ذكرها الطبري في حوادث سنة 35 ، وقد مر جزء منها برقم 21 .

[168] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) بَعْدَمَا بُويِعَ بالخِلافَةِ

وقَد قَالَ لَهُ قَوْمُ مِنَ الصَّحَابَةِ : لَو عَاقَبْتَ قَوْمًا مِمَّنْ أَجْلَبَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَال(1):

يَا إِخْوَتَاهُ، إِنِّي لَسْتُ أجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، ولكِنْ كَيْفَ لي بِقُوَّةٍ والقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدٌ شَوْكَتِهِم(2)يَمْلُكُونَنَا ولا نَمْلِكُهُم؟ وهَاهُم مَوْلاءِ قَد ثَارَت مَعَهُم عُبْدَانُكُم(3)، والتَفَّتْ(4)إِلَيْهِم أَغْرَارُكُم(5)، وهُم خِلالَكُم(6)، يَسُومُونَكُم(7)مَا شَاؤُوا ، وهَل تَرَوْنَ مَوْضِعًا لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وإِنَّ هؤلاءِ القَوْمِ مَادَّةٌ إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ «41أ» إذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورِ: فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وفِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَلا هَذَا(8)، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدأ النَّاسُ ، وتَقَعَ القُلُوبُ مَوَاقِعَهَا ، وتُؤْخَذَ الحقُوقُ مُسْمِحَةً(9)فَاهْدَأُوا


1) فقال: ليست في س، وبعدها في ع:(علیه السّلام).

2) أجلَبَ عليه: جمع، وشوكتهم: قوتهم.

3) العبدان: جمع عبد.

4) التفت: انضمت .

5) ب ، ع: أعرابكم، وكذا في شرح ابن ميثم 673/3 .

6) خلالكم في المنهاج 2 150 : وسطكم.

7) يسومونكم: يكلفونكم.

8) في س، م، ج: وفرقة ترى لا هذا ولا هذا.

9) في الحاشية، يقال: أسمحت قروضة: ذلت نفسه، وفي شرح ابن ميثم 674/3 مسمحة: مسهلة.

عَنِّي، وانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُم بِه أمْرِي، ولا تَفْعَلُوا فَعْلَةٌ تُضَعْضِعُ قُوَّةً، وتُسْقِط مُنَّةٌ، وتُورِثُ وَهْنا وذِلَّةٌ ؛ وسَأُمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وإِذَا لَم أَجِدْ بُدا فَآخِرُ الدَّاءِ الكَيُّ(1).

[169] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) عِنْدَ مَسِير أصْحَابِ الجَمَلِ إِلَى البَصْرَةِ

إِنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِيًا بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، وأمْرٍ قَائِم لا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلَّا هَالِكٌ ، وإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ المُشَبِّهَاتِ هُنَّ المُهْلِكَاتُ(2)إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ منها(3)، وإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُم، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُم غَيْرَ مَلُومَةٍ(4)، ولا مُسْتَكْرَه(5)بِهَا. واللهِ لَتَفْعَلُنَّ أو لَيَنْقُلَنَّ الله عَنْكُم سُلْطَانَ


1) حاشية: في الإصلاح: آخر الدواء الكي، ولا تقل آخر الداء. الكلام برقم 169 في الشرح 192/9 ، وفيه بحث عن موقف أمير المؤمنين (علیه السّلام) من قتلة عثمان جدير بالمراجعة، وهو برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 673/3، وذكر في مصدر سابق 406/2 برقم 166 أن هذا الكلام رواه الطبري في حوادث سنة 35 .

2) في المعارج 284 : البَدْعُ: إحداث شيء لم يكن، والمهلكات: أخلاق وعادات بها يهلك الإنسان.

3) منها : ليست في الأصل، وهي من النسخ ، وفي ب: عصم، وفي حاشيتها عن نسخة: حفظ، وكذا في ع.

4) س م ، ج : مُلَوَّمَةٍ، وفي حاشية الأصل: غير ملومة، أي: غير منتظر منها شيء، ويجوز أن يريد بها كثرة الملامة.

5) في الأصل فوقها إشارة للحاشية وفيها: مستنكر.

الإِسْلامِ، ثُمَّ لا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُم أَبَدًا حَتَّى يَأْرِزُ(1)الأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُم.

إِنَّ هَوْلاءِ تَمَا أُوا(2)عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي، وَسَأَصْبِرُ مَا لَم أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُم، فإِنَّهُم إِنْ تَتَمُوا عَلَى فَيَالَةِ(3)هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِه الدُّنْيَا حَسَدًا لَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ، فَأرَادُوا رَدَّ الأمور عَلَى أَدْبَارِهَا، وَلَكُم عَلَيْنَا العَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ، وبسيرة(4)رَسُولِهِ(5)، والقِيَامُ بِحَقِّهِ، والنَّعْشُ لسُنَّتِهِ(6).


1) يأرز: ينحاز وينقبض.

2) تمالأوا: اجتمعوا.

3) الفيالة: الضعف.

4) ب، ع: وسيرة.

5) الصلاة على النبي من ع، وليست في جميع النسخ.

6) الخطبة برقم 170 في الشرح 9 / 194 - 195 ، وتخريجها في مصدر سابق 2/ 408 برقم 167 ، والنعش في شرح ابن ميثم 675/3: الرفع، والخطبة فيه برقم المطبوع نفسه، وذكر أيضًا أنه روي أنه (علیه السّلام) جمع الناس ووعظهم ، ثم قال: لتقم قتلة عثمان، فقام الناس لام بأسرهم إلا القليل ، وكان ذلك الفعل منه استشهادًا على صدق قوله.

[170] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ العَرَبِ وَقَد أَرْسَلَهُ قَوْمُ مِن أهْلِ البَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ مِنْهَا (علیه السّلام)

*كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ العَرَبِ وَقَد أَرْسَلَهُ قَوْمُ مِن أهْلِ البَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ مِنْهَا (علیه السّلام)(1)

يَعْلَمُ لَهُم مِنهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الجَمَلِ لِتَزُولَ الشَّبْهَةُ مِن نُفُوسِهِم(2)، فَبَيَّنَ لَهُ (علیه السّلام) مِن أَمْرِهِ مَعَهُم مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الحَقَّ، ثم قَالَ لَه : بَايع ، فقَالَ: إِنّي رَسُولُ قَوْم ، ولا أُحْدِثُ حَدَثًا حَتَّى أَرْجِعَ إليْهِم ، فقال (علیه السّلام):(3)

أرأيتَ الذِينَ وَرَاءَكَ لَو بَعَثُوكَ رَائِدًا تَبْتَغِي كَم مَسَاقِطَ الغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهم، وأَخْبَرَتَهُم عَن الكَلةِ والمَاءِ، فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِش والمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعًا؟ قَالَ: كُنْتُ تَارِكَهُم ومُخَالِفَهُم إِلَى الكَلا والماءِ، فَقَالَ (علیه السّلام): فامْدُدْ إِذًا(4)يَدَكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ(5): فوالله مَا اسْتَطَعْتُ


1) حاشية: يعني لما قرب (علیه السّلام) مِنَ البصرة أرسلَ قَومٌ من أهل البصرة بعض العرب يعني كليب الجرمي ليعلم منه (علیه السّلام) لهم حقيقة حاله مع لهم حقيقة حاله مع أصحاب لوأن - وكتب الناسخ بجنبها صح ، وكأن الأمر التبس عليه أيضًا - الجمل لزوال الشبهة من نفوس أهل البصرة. وكليب هذا بحسب التفرشي في نقد الرجال 37/4 نقلا عن الرجال من أصحاب علي (علیه السّلام). و عن والده عاصم روايات عدة في كتب الحديث.

2) مكان هذا في س، م: ومِن كَلامِهِ ما قَالَ لِكُلَيْبِ الجَرْمِي قَبلَ وَقْعَةِ الجَمَلِ : بايع، فَقَالَ: إني رَسُولُ قَوْمي، ولا أَحْدِثُ حَدَثَا دُونَهُم.

3) من بداية الكلام إلى هنا ليس في س، وفي ج: ومن كلامه لما قال لكليب الجرمي قبل وقعة الجمل، وشطب بقية الكلام إلى قوله: أرأيت الذين.

4) إذا من س، م، ب.

5) فقال الرجل : مكانها في س، م، ج: قال.

أن أمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيَّ، فَبَايَعْتُهُ (علیه السّلام)(1).

والرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيبِ الجُرْمِي(2).

[171] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا عَزَّمَ عَلَى لِقَاءِ القَوْمِ بِصِفِّيْنَ

*[171] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)(3)

اللهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ المَرْفُوع، والجو المَكْفُوفِ(4)الذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضًا(5)للَّيْلِ والنَّهَارِ ، وتَجرى للشَّمْسِ والقَمَرِ، ومُختلفًا لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ، وجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطَا(6)مِنْ مَلائِكَتِكَ لا يَسْأَمُونَ مِنْ


1) عليه السلام في ع، ب، ج أيضًا: وليست في س، م.

2) الجملة ليست في س، م، ج، وقد سبقت الإشارة للرجل. والكلام برقم 171 في الشرح 197/9 وقال : الجرمي : منسوب إلى بني جرم.. من حمير، والتخريج في مصدر سابق 2 / 408 - 410 برقم 168 ، وذكر المؤلف أنه كليب بن شهاب الجرمي من أكابر التابعين بالكوفة، وبرقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 3/ 677، وهو أبو عاصم كليب بن شهاب من بني قضاعة من كبار التابعين، ثقة كثير الحديث، ذكره الشيخ مع من روى عن أمير المؤمنين، وذكره ابن حبان وابن الأثير مع الصحابة، وترجمته في كتابي» الثوية بقيع الكوفة 2/ 218».

3) في الأصل: ومن خطبة، وما أثبت في جميع النسخ.

4) في المنهاج 156/2 السقف المرفوع : السماء، والجو: الهواء، والمكفوف: الذي جعل كالقميص ، الذي جعل عليه الكفة، وهي ما استدار حول الذيل.

5) مغيض: مغيب.

6) حاشية: السبط: الأمة، وقال بعضهم: إنّ السبط من ولد إسحاق بمنزلة النساء من : ولد أحمد، فهو واقع على الأمة، والأمة واقعة عليه، ومن قوله تعالى: أَسْبَاطًا - الأعراف 7/ 160 إنما نترجم عن الأسباط بالأمم ، وذكر صاحب المعارج 285: السبط هاهنا: الفرقة.

عِبَادَتِكَ، ورَبَّ هَذِه الأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَارًا للأَنَامِ، وَمَدْرَجًا لِلهَوَامّ والأَنْعَامِ، وما لا يُحْصَى بِمَا يُرَى ومَا لا يُرَى، ورَبَّ الجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَها للأرض أوتَادًا، وللخَلْقِ اعْتِمَادًا، إن أظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا البَغْيَ، وسَدَّدْنَا لِلحَقِّ ؛ وإِن أَظْهَرْتَهُم عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادةَ ، واعْصِمُنَا مِنَ الفِتْنَةِ(1).

أَيْنَ المَانِعُ لِلذِمَارِ ، والغَائِرُ(2)«41 ب» عِنْدَ نُزُولِ الحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الحِفَاظِ(3). العَارُ وَرَاءكُم ، والجَنَّةُ أمَامَكُم(4).

[172] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

اشارة

الحَمدُ للهِ الذِي لا تُوَارِي عَنهُ سَماءُ سَمَاء، ولا أَرْضُ أَرْضًا.

مِنْهَا: وقَد قَالَ لِي قَائِلٌ: إِنَّكَ يابنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى هَذَا الأَمْرِ(5)


1) الفتنة هنا في المعارج 287 : الإثم.

2) حاشية: من الغيرة.

3) الحقائق في الحاشية: جمع حقيقة، وأنها سميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها . والحاشية في المنهاج 34/2.

4) الكلام برقم 172 في الشرح 198/9 ، والتخريج في مصدر سابق 411/2 برقم 169 ، والكلام برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 3/ 668 .

5) س ، م، ج : إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب لَحَرِيصٌ، وذكر ابن ميثم في شرحه 672/3 أن هذا الفصل من خطبة يذكر فيها (علیه السّلام) ما جرى له يوم الشورى، والذي قال له هذا القول هو سعد بن أبي وقاص على الرغم من روايته عن النبي فيه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وهو محل التعجب.

حَرِيصٌ فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتُم واللهِ أحْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ؛ وإِنَّما طَلَبْتُ حَقًّالي، وأنتُم تَكُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ، فَلَما قَرَّعْتُهُ(1)بالحُجَّةِ في الملأ الحَاضِرِينَ بُهِتَ(2)لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ.

اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ ومَن أَعَانَهُم، فإِنَّهُم قَطَعُوا رَحِي، وصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وأجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْرًا هُوَ لي، ثُمَّ قَالُوا: ألا إنَّ فِي الحَقِّ أنْ تَأخُذَهُ، وفي الحَقِّ أن تَتْرُكَهُ(3).

مِنْهَا فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الجَمَلِ:

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَمَا تُجُرُّ الأمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى البَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهُما(4)، وأَبْرَزَا حَبِيسَ(5)رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(6)هما ولِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْشِ مَا مِنْهُم رَجُلٌ إلَّا وقَد َأعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالبَيْعَةِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهِ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلي بِهَا، وخُزَانِ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِم مِن أهْلِهَا، فَقَتَلُوا


1) حاشية: قرَّعته: من التقريع، وهو التوبيخ.

2) في الأصل، وفي ب: هبَّ، وما أثبت من س، م، ج ، وفي حاشية الأصل عن نسخة.

3) سيتكرر دعاؤه على قريش في غير خطبة وكتاب، وقال صاحب المعارج 287 : الإمامة ليست من النوع الذي يحسن تركه، وإنما هو حق على من يستحقه ويصلح له.

4) حاشية: يعني طلحة والزبير.

5) حاشية : يعني عائشة .

6) صلى الله عليه وآله: ليست في الأصل، وأثبتت من ،ب، ع، وفي س، م، ج: صلى الله عليه وسلم.

طَائِفَةٌ صَبْرًا، وطَائِفَةٌ غَدْرًا، فَوَاللَّهِ إنْ(1)لَو لَم يُصِيبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلا جُرْمِ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ؛ إذْ حَضَرُوهُ فَلَم يُنْكِرُوا، ولَم يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانِ، ولا يَدِ، دَعْ مَا إِنَّهُم قَد قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ العِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِم(2).

[173] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

أمِيْنُ وَحْيِهِ، وخَاتِمُ رُسُلِهِ، وبَشِيرُ رَحْمَتِهِ، ونَذِيرُ نِقْمَتِهِ.

أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذا الأمْرِ قوَاهُم عَلَيْهِ، وأَعْمَلهم بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ، فَإِنْ شَغَبَ شَاعِبٌ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ، وَلَعَمْرِي لَئِن كَانَتِ الإمَامَةُ لا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، مَا لي إلَى ذلِكَ سَبِيْلٌ ، ولكِنَّ أَهْلَهَا(3)يَحْكُمُونَ عَلَى مَن غَابَ عَنْهَا، ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أن يَرْجِعَ ولا لِلغَائِبِ أَن يَخْتَارَ؛ ألا وإنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ : رَجُلًا ادَّعى مَا


1) في الأصل : بفتح الهمزة وكسرها، وكذا في الحاشية، ولكنه قال إن هو الصواب.

2) الخطبة برقم 173 في الشرح 199/9 - 203 ، وعلق الشارح بقوله : من خطبة يذكر فيها (علیه السّلام) ما جرى يوم الشورى بعد مقتل ،عمر ، والذي قال له: (إنك على هذا الأمر الحريص) سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وهذا عجب، وفيه بحث حول خروج السيدة عائشة ومسيرها إلى القتال، وآخر حول منافرة بين ابن الزبير وابن عباس والخطبة برقم المطبوع في شرح ابن میثم 679/3 ، والتخريج في مصدر سابق 414/2 برقم 170، وينظر تعقيب المؤلف، وتعقيب البيهقي في المعارج 289 .

3) بالرفع في: س، م.

لَيْسَ لَهُ، وآخَرَ مَنَعَ الذِي عَلَيْهِ.

أوصِيْكُم بِتَقْوَى اللهِ ، فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى بِهِ العِبَادُ، وخَيْرُ عَوَاقِبِ الأمُورِ عِندَ اللهِ، وقَد فُتِحَ بَابُ الحَرْبِ بَيْنَكُم وبَيْنَ أَهْلِ القِبْلَةِ، ولا يَحْمِلُ هَذَا العَلَمَ(1)إِلَّا أَهْلُ البَصَرِ والصَّبْرِ والعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الحَقِّ(2)، فامْضُوا لَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، وقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، ولا تَعْجَلُوا فِي أمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَرًا(3).

ألا وإنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُم تَتَمَنَّوْنَها وتَرْغَبُونَ فِيهَا، وأصْبَحَتْ تُغْضِبُكُم وتُرْضِيكُم لَيْسَت بِدَارِكُم، ولا مَنْزِلِكُم الذِي خُلِقْتُم لَهُ، ولا الذِي دُعِيْتُم إِلَيْهِ؛ ألا وإنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُم، ولا تَبْقَونَ عَلَيْهَا ، وهِيَ وإِنْ غَرَّتْكُم مِنْهَا، فقَد حَذَرَتْكُم شَرَّهَا، فَدَعُوا غُرُوْرَهَا «42أ» لِتَحْذِيْرِهَا ، وأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا، وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيْتُم إِلَيْهَا ، وانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُم عَنْهَا، ولا يَحِنَّنَّ أحَدُكُم حَنِيْنَ(4)الأَمَةِ عَلَى مَا زُويَ عَنْهُ مِنْهَا ، واسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم بالصَّيْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، والمَحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُم مِنْ كِتَابِهِ؛ ألا وَإِنَّهُ لا يَضُرُّكُم تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِن دُنْيَاكُم بَعْدَ حِفْظِكُم قَائِمَةَ دِيْنِكُم.


1) في الأصل: العِلم، وما أثبت في حاشية الأصل وفي ب، وكذا في م أيضًا.

2) بعدها في ج: له.

3) كذا في م، ج، ب، وفوقها عن نسخة: عِبَرَا، وفي ع: غيّرا.

4) في الأصل: يحنن .. حنين، وفي الحاشية: يخنن بالخاء، الخنة: كالغنة، والخنين كالبكاء في الأنف، والضحك في الفم.

ألا وإنَّهُ لا يَنْفَعُكُم بَعْدَ تَضْيِيع دِينِكُم شَيْءٌ حَافَظْتُم عَلَيْهِ مِن أَمْرِ دُنْيَاكُم. أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُم إِلَى الحَقِّ، وَأَهْمَنَا وَإِيَّاكُم الصَّبْرَ(1).

[174] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) فِي مَعْنَى طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ

قَد كُنْتُ ومَا أُهَدَّدُ بالحَرْبِ، ولا أُرْهَبُ بالضَّرْبِ، وأَنَا عَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ(2)، واللهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّدًا لِلطَّلَبِ بِدَمٍ عُثْمَانَ إِلَّا خَوْفًا مِن أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لأَنَّهُ مَظنَّتُهُ، ولَم يَكُن فِي القَوْمِ أَحْرَصُ(3)عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أن يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيْهِ لِيَلْتَبِسَ الأَمْرُ(4)، ويَقَعَ الشَّثُ، ووالله مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ واحِدَةً مِن ثَلاثٍ: لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالًا كَمَا كَانَ يَزْعُمُ، لَقَد كَان يَنْبَغِي لَه أَن يُؤَازِرَ(5)قَاتِلِيهِ، وأن(6)يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ ، ولئِنْ كَانَ مَظْلُومًا لَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَه أَن يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِيْنَ(7)


1) الخطبة برقم 174 في الشرح 215/9 ، وبرقم المطبوع في شرح ابن ميثم 3/ 685 ، وتخريجها في مصدر سابق 2/ 417 ، وفيه برقم 171 .

2) مر في الخطبة برقم 22 في هذه الطبعة.

3) بالنصب في س، م، ج.

4) حاشية : ليلبس لأمرَ .

5) يؤازر في المنهاج 2/ 159 : يعاون، وينابذ: يحارب

6) أن: ليست في س.

7) المنهنه في المنهاج 2/ 159 : الذي يكف الغير عن الشيء

عَنْهُ، والمُعَذِّرِينَ(1)فِيْهِ، ولئِن كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الخَصْلَتَيْنِ لَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَه(2)أَن يَعْتَزِلَهُ، ويَرْكُدَ(3)جَانِبًا، ويَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاثِ ، وجَاءَ بِأَمْرِ لَم يُعْرَفُ بَابُهُ، ولَم تَسْلَم مَعَاذِيرُهُ(4).

[175] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ المَغْفُولِ عَنْهُم ، والتَّارِكُونَ المَأخُوذُ(5)مِنْهُم، مَا لِي أَرَاكُم عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ، وإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ، كَأَنَّكُم نَعَمُ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ(6)إِلَى مَرْعَى وَبِيءٍ ومَشْرَب دَوِيٌّ ؛ إِنَّمَا هِيَ كَالَمَعْلُوفَةِ لِلمُدَى(7)،


1) نهنه عنه : كفَّ وزجر، والمعذرين بالتخفيف: المعتذرين عنه، وبالتشديد: المظهرين للعذر، مع أنه لا عذر.

2) له: ليست في س.

3) ركد: سكن.

4) برقم 175 في الشرح 221/10 ، وفيه بحث حول ما جرى بين طلحة وعثمان نقله عن تاريخ الطبري، وهي برقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 3/ 688 ، وينظر في تخريجها مصدر سبق 2/ 419 - 420 ، وفيه برقم 172 ، وذكر المؤلف أن هذه الخطبة تتصل بالخطبتين 22 ، 135 ، وسبقت الإشارة إلى ذلك. وبالرقم الأول نفسه في هذه الطبعة، وبرقم 137 فيها.

5) المأخوذ منهم في المنهاج 159/2 ، أي : يطالبون بما أمروا به، وكذا في الحاشية.

6) حاشية: أسمت السائمة إلى المرعى: أخرجها إليه، ويجوز أن يكون سائم، بمعنى متكلف، من قوله تعالى: «يَسُومُونَكُم» البقرة 49/2، ووردت في سور أخر.

7) السائم: الراعي، والوبي: محل الوباء، والدوي: محل الداء، والمدى: جمع مدية، وهي السكين.

لا تَعْرِفُ(1)مَاذَا يُرَادُ بِهَا؟ إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وشِبَعَهَا أَمْرَهَا.

واللهِ لَو شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ(2)كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُم بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلَجِهِ،وجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، ولكن(3)أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، ألا وإِنِّي مُفْضِيهِ(4)إِلَى الخَاصَّةِ مِمَّن يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ، والذِي بَعَثَهُ بالحَقِّ وَاصْطَفَاهُ عَلى الخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقًا، ولَقَد عَهِدَ إِلَى ذلِكَ(5)كُلَّهُ، وبِمَهْلِكِ مَن يَهْلِكُ ، ومَنْجَى مَن يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الأمر، ومَا أَبْقَى شَيْئًا يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنِي، وأفْضَى بِهِ إليَّ.

أيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي واللهِ مَا أحْثُكُم عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وأسْبِقُكُم إِلَيْهَا ، ولا أنْهَاكُم عَن مَعْصِيَةِ إِلَّا وأتَناهَى قَبْلَكُم عَنْهَا(6).


1) ب: لا يعرف.

2) في الأصل: أخَبر ، وما أثبت من: س، م، ب، ج.

3) في الأصل: ولكني، وما أثبت من س، م، ب، ج.

4) حاشية الأصل: مُفْضِ بهِ.

5) ج: بذلكَ كُلِهِ.

6) برقم 176 في الشرح 225/10 ، وفيه بحث حول رأي بعض الغلاة في أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وآخر عن إخبار أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالأمور الغيبية، وينظر في تخريجها مصدر سابق 422/2 برقم 173 ، وما نقله من شرح النهج عنها، وهي برقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم.

[176] ومِن خُطْبَةِ لَه (علیه السّلام)

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ ، واتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللهِ، فَإِنَّ الله تعالى(1)قَد أَعْذَرَ إِلَيْكُم بالجليَّةِ(2)، واتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ ، وبَيَّنَ لَكُم مَحَبَّهُ مِنَ الأعْمَمالِ، ومَكَارِهَهُ منها(3)لِتَتَّبِعُوا(4)هَذِهِ، وتَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَان يَقُولُ: «إِنَّ الجنَّةَ حُفَّتْ(5)بالمَكَارِهِ، وإِنَّ النَّارَ حُقَّتْ بالشَّهَوَات».

واعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهِ، ومَا مِن مَعْصِيَة اللهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ، فَرَحِمَ اللهُ رَجُلا(6)نَزَعَ عَن شَهْوَتِهِ(7)، وقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيءٍ مَنْزِعًا(8)، وإِنَّهَا «42 ب» لا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى.


1) تعالى، ليست في الأصل، ولا في ب، وهي من بقية النسخ.

2) في المنهاج 2 / 163 ، أي : بالغ بالذي له العذر فيه من الحجة الواضحة.

3) منها: زيادة من س، ج، ع، م .

4) في الحاشية: لتبتغوا .

5) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل وبقية النسخ: حجبت.

6) فرحم الله رجلاً: ساقطة من ع، وفي الأصل: فَنَزَعَ.

7) في الحاشية عن نسخة: فرحم الله رجلاً نزع عن شهوته.

8) بفتح الزاي وكسرها في الأصل، وكذا ضبطها في س، م، وفوقهما معًا، وفي المعارج 290 : إن الإنسان واقع بين أمرين، أمر الشهوة، وأمر العقل.

واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أنَّ المُؤمِنَ لا يُمْسِي ولا يُصْبِحُ إِلَّا ونَفْسُهُ ظَنُّون(1)عِنْدَهُ، فَلا يَزَالُ زَارِيَّا(2)عَلَيْهَا، وَمُسْتَزِيْدًا لَهَا، فَكُونُوا(3)كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُم، والمَاضِينَ أمَامَكُم قَرَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيْضَ(4)الرَّاحِلِ، وطَوَوهَا طَيَّ المَنَازِلِ. واعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغْشَ، والهَادِي الذي لا يُضِلَّ(5)، والمُحَدِّثُ الذِي لا يَكْذِبُ. ومَا جَالَسَ هَذَا القُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَو نُقْصَانِ؛ زِيَادَةٍ فِي هُدًى، ونُقْصَانٍ مِن عَمَّى . واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ القُرْآنِ مِن فَاقَةٍ، ولا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِن غِنِّى، فَاسْتَشْفُوهُ مِن أَدْوَائِكُم، واسْتَعِيْنُوا بِهِ عَلَى لأوَائِكُم ، فإنَّ فِيهِ شِفَاءٌ مِن أكْبَرِ الدَّاءِ، وهُوَ الكُفْرُ والنَّفَاقُ، والغَيُّ(6)والضَّلال، فاسْأَلُوا اللهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، ولا تَسأَلُوا(7)خَلْقَهُ. إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِهِ ، واعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفعٌ و قَائِلٌ(8)مُصَدَّقٌ، وأَنَّهُ مَن شَفَعَ لَهُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، ومَن


1) حاشية: الظنون: الرجل السيء الخلق، والظنون: الدين الذي لا يدرى أيقضيه آخذه أم لا، والأول لائق لهذا الموضع.

2) الزاري: العائب.

3) ج: فتكونوا، وفي حاشيتها عن نسخة كما في الأصل.

4) تقويض البناء: نقضه.

5) ضبط حرف المضارعة بالفتح والضم وفوقه معًا.

6) اللأواء: الشدّة.

7) في حاشية الأصل: والبَغْي، وكذا في ع.

8) م: وماحل ، وفي حاشيتها عن نسخة: وقائل.

مَحَلَ(1)بِهِ القُرآنُ يَومَ القِيَامَةِ صُدَّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ ألا إن كُلَّ حَارِثِ مُبْتَلَى فِي حَرْثِهِ، وعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ القُرآنِ، فَكُونُوا مِن حَرَثَتِهِ وأَتْبَاعِهِ، واسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُم، واسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُم ، واتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُم ، واعْتَشُوا فِيهِ أهْوَاءَكُم . العَمَلَ العَمَلَ، ثُمَّ النّهَايَةَ النَّهَايَةَ، والاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، والوَرَعَ الوَرَعَ إِنَّ لَكُم نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُم، وإنَّ لَكُم عَلَمًا، فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُم، وإنَّ لِلإسْلامِ غَايَةً، فانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ، واخْرُجُوا إِلَى اللهِ مِمَّا افْتَرَضَ عَلَيْكُم مِن حَقِّهِ، وبَيَّنَ لَكُم مِن وَظَائِفِهِ. أَنَا شَاهِدٌ لَكُم، رحَجِيجُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْكُم(2).

ألا وإنَّ القَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ، والقَضَاءَ المَاضِيَ قَد تَوَرَّدَ(3)، وإنّي مُتكلّم بِعِدَّةِ اللهِ وحُجَّتِهِ ، قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ(4): إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(5)، وقَد قُلْتُم: رَبُّنَا اللهُ، فاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحِةِ


1) حاشية : محل فلان بفلان، إذا قال عليه قولاً يوقعه في مكروه، والمحل: المكر والكيد، ومحل به، إذا سعى به إلى السلطان.

2) في المعارج 292 ، أي متكلم بالحجة عنكم يوم القيامة.

3) توردت الخيل البلدة: دخلتها قطعة قطعة.

4) جل ذكره: مكانها في س، م، ج: تعالى، وفي ب: عز وجل، وفي ع: تعالى ذكره.

5) فصلت 30/41.

مِن عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لا تَمرُقُوا مِنْهَا ، ولا تَبْتَدِعُوا فِيهَا، ولا تُخَالِفُوا عَنْهَا، فإِنَّ أَهْلَ المُرُوقِ مُنْقَطَعْ بِهِم عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ إِيَّاكُم وتَهْزِيعَ(1)الأخْلاقِ وتَصْرِيفَهَا ، واجْعَلُوا اللِسَانَ وَاحِدًا، ولْيَخْتَزِنْ رَجُلٌ(2)لِسَانَهُ، فَإِنَّ هَذَا اللِسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ. وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْدًا يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لِسَانَهُ، فَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ من(3)وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِن وَرَاءِ لِسَانِهِ(4)، لأنَّ الْمُؤْمِنَ إِذا أَرَادَ أَن يَتَكَلَّم بِكَلامِ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَإِن كَانَ خَيْرًا أَبْدَاهُ، وإن كَانَ شَرًّا وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ، لا(5)يَدْرِي مَاذَا لَهُ ومَاذَا عَلَيهِ، وقَد قَال صَلَّى اللهُ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»(6)، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم «43 أ» أن يَلْقَى الله سُبْحَانَهُ وهُو نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِن دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وأَمْوَالِهِم، سَلِيمُ اللِسَانِ مِن أَعْرَاضِهِم فَلْيَفْعَلْ.


1) حاشية: هزعت الشيء وهزّعته، إذا كثرته ، والهزع أيضًا: الاضطراب والسرعة، وفي شرح ابن میثم 693/3: تهزيع الأخلاق: تكسيرها وتفريقها، وفي المنهاج 166/2، أي تغييرها عن محاسنها إلى مساويها.

2) س، م : الرجل ، وكذا في ج، وبحاشيتها اختزن رجل.

3) من: ليست في الأصل وهي في: س، ب، م، ج، وفي هامش الأصل.

4) حاشية: من ورائه .

5) م: ما يدري.

6) ينظر بقية الحديث في مسند أحمد 3/ 128، ومجمع الزوائد 1/ 53 .

واعْلَمُوا - عِبَادَ اللهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ(1)يَسْتَحِلُّ العَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَامًا أوَّلَ، ويُحَرِّمُ العَامَ مَا حَرَّمَ عَامًا أوَّلَ، وإِنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لا يُحِلُّ لَكُم شَيْئًا مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُم، ولكِنَّ الحَلالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، والحَرَامَ مَا حَرَّمَ الله، فَقَد جَرَّبْتُمُ الأُمُورَ وضَرَّسْتُمُوهَا(2)، ووُعِظْتُم بِمَن كَانَ قَبْلَكُم، وضُرِبَتِ الأمْثَالُ لَكُم، ودُعِيْتُم إلَى الأَمْرِ الوَاضِحِ، فَلا يَصَمُّ عَن ذَلِكَ إِلَّا أَصَمُّ، ولا يَعْمَى عَنْهُ إِلَّا أَعْمَى.

وَمَن لَم اللهُ بِالبَلاءِ والتَجَارِبِ لَم يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ العِظَةِ ، وأَتَاهُ النَّقْصُ(3)مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ ويُنْكِرَ مَا عَرَفَ.

وإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، ومُبْتَدِعْ بِدْعَةٌ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الله سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ، ولا ضِيَاءُ حُجَّةٍ، وإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَم يَعِظُ أحَدًا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَسَبَبُهُ الأَمِينُ، وفيه رَبِيعُ القَلْبِ ، ويَنَايِيعُ العِلْمِ؛ ومَا لِلْقَلْبِ جَلاءُ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَد ذَهَبَ المتَذَكَّرُونَ ، وبَقِيَ النَّاسُونَ(4)والمتَنَاسُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُم خَيْرًا فَأَعِيْنُوا عَلَيْهِ، وإذَا رَأَيْتُم شَرًّا فَاذْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَانَ يَقُولُ:


1) حاشية: نسخ المتقين لا يتأتى، على هذا المعنى قوله: إنّ المؤمن.

2) ضرست الأمر: أحكمته تجربة.

3) كذا في الأصل وفي ب، وبحاشية الأصل عن نسخة: النقض من أمامه، وفي حاشية أخرى: التقصير من أمامه، وكذا في س ، م ، وكذا في ج، وبحاشيتها بمداد أحمر النقص، وفي ع: النقض.

4) ج: المتناسيون.

«يابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الخَيْرَ ، ودَعِ الشَّرَّ ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ».

ألا وإنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ: فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ، وظلم لا يُتْرَكُ، وظُلم مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ؛ فأمَا الظُّلْمُ الذي لا يُغْفَرُ فالشَّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ(1): إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ(2)، وأمَّا الظُّلْمُ الذي لا يُتْرَكُ فَظْلم العِبَادِ بَعْضِهِم بَعْضًا، وأمَّا الظلْمُ الذِي يُغْفَرُ(3)، فَظُلم العَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْض الهُنَاتِ(4).

القِصَاصُ هُناكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحًا بِالدَى، ولا ضَرْبًا بِالسِّيَاطِ، ولكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ؛ فَإِيَّاكُم وَالتَّلَوُّنَ فِي دِيْنِ اللَّهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الحَقِّ خَيْرٌ مِن فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ البَاطِلِ، وإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمَ يُعْطِ أَحَدًا بِفُرْقَةٍ خَيْرًا مِن مَضَى، ولا من بَقِيَ.

يا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لَن شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَن عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبَى لَن لَزِمَ بَيْتَهُ، وأكَلَ قُوتَهُ ، واشْتَغَلَ بِطَاعَةِ ربهِ(5)وبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَكَانَ مِن نَفْسِهِ فِي شُغُل ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ(6).


1) س، م: تعالى؛ وفي الحاشية عن نسخة: وأما الظلم الذي لا يطلب به فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضًا.

2) النساء 4 / 48 ، 116 .

3) عن نسخة بحاشية الأصل: لا يطلب.

4) تقدمت العبارة على سابقتها في ب، ج، ع.

5) في الأصل بطاعته، وكذا في ب ع، وما أثبت في س، م، ج.

6) في حاشية الأصل: «بَلَغَ القراءة عَلى المولى عَلَمُ الهدى أدام الله ظله إلى هاهنا والحمد الله». والخطبة برقم 177 في الشرح 299/10 - 241 ، وفيه بحث حول فضل القرآن، و آخر في عذاب جهنم، وثالث في فوائد العزلة وينظر في تخريجها مصدر سابق /430/2 - 431 برقم 174 ، ونقل المؤلف عن مصادره أنها من أوائل خطبه (علیه السّلام) خطب بها أيام بويع بعد مقتل عثمان، وهي برقم المطبوع في شرح بن ميثم 693/3، وفيه: الظنون: التهمة، والزري: العائب، وتقويض البناء: نقضه، واللأواء: الشّدّة، ومحل به السلطان: كاده، وقال فيه ما يضره، وتورّدت الخيل البلدة: دخلتها قطعة قطعة، وتهزيع الأخلاق: تكسيرها وتفريقها، وضرست الأمر: أحكمته تجربة.

[177] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) في مَعْنَى الحَكَمَيْن

فَأجْمَعَ رَأيُ مَلَئِكُم عَلَى أن اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ(1)، فَأَخَذْنَا عَلَيهِما أَن يُجعجعَا(2)عِنْدَ القُرآنِ ولا يُجَاوِزَاهُ، وتَكُونَ الْسِنَتُهُما مَعَهُ، وقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ، فَتَاهَا عَنْهُ، وتَرَكَا الحَقِّ وهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وكَانَ الجَوْرُ هَوَاهُمَا ، والاعْوِجَاج دَأبهما، وقَد سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الحُكْم «43 ب» بالعَدْلِ، والعَمَلِ بالحَقِّ سُوءَ رَأیِهِمَا، وَجَوْرَ حُكْمِها ، والثَّقَةُ(3)فِي أَيْدِينَا لأَنْفُسِنَا حِيْنَ خَالَفَا سَبِيلَ الحَقِّ، وأنْيَا بِمَا لا يُعْرَفُ مِن مَعْكُوسِ الحُكْمِ(4).


1) حاشية: يريد بالرجلين عمر بن العاص وأبا موسى الأشعري، وفي حاشية ج هما.. وفي بداية الخطبة في ج علامة قراءة أو مقابلة «بلغ».

2) يجعجعا: يحبسا نفسيهما على القرآن .

3) في نسخة بهامش الأصل: والبقية.

4) برقم 178 في الشرح 225/10 - 226 ، والكلام برقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 701/3 ، وقال: أن هذا الفصل من خطبة خطبها بعدما بلغه أمر الحكمين، وتخريجه في مصدر سابق 432/2 برقم 175 ، ونقل مؤلفه عن الطبري في حوادث سنة 37 أن كلامه (علیه السّلام) كان مع الخوارج.

[178] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

لا يَشْغَلُهُ شَأنٌ، ولا يُغَيّرُهُ زَمَانٌ، ولا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، ولا يَصِفُهُ لِسَانٌ، ولا يَعْزُبُ عَنهُ عَدَدُ قَطْرِ المَاءِ، ولا نُجُومِ السَّمَاءِ، ولا سَوَافي(1)الرِّيحِ فِي الهَوَاءِ، ولا دَبِيبُ النَّمْلِ(2)عَلَى الصَّفَا ، ولا مَقِيلُ الذَّرِّ في الليْلَةِ الظُّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الأَوْرَاقِ، َوخَفِيَّ طَرْفِ الأَحْدَاقِ؛ وأَشْهَدُ أَن لا إلَه إِلَّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ، ولا مَشْكُوكٍ فِيْهِ، ولا مَكْفُورٍ دِينُهُ، ولا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ شَهَادَةَ مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وصَفَتْ دِخْلَتُهُ(3)، وخَلَصَ يَقِينُهُ، وثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا(4)عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى مِنْ خَلائِقِهِ، والمُعْتَامُ(5)لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ(6)كَرَامَاتِهِ، والمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ(7)رِسالاتِهِ، والموضَحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الهُدَى(8)والمَجْلُو


1) حاشية: من قولهم: سفت الريح التراب: ذَرَّتْهُ.

2) دبيب النمل على الصفا في المنهاج 172/2 : مشيها، والصفا: الحجر الأملس.

3) الدخلة بالكسر والضم: باطن الشيء.

4) بعدها في ع: صلى الله عليه وآله، وهي في حاشية ب.

5) حاشية: العيمة بالكسر : خيار المال، واعتام: أخذ العيمة، والمعتام في شرح ابن ميثم 703/ 3: المختار، واعتام الرجل في المعراج 297 : إذا أخذ الغنيمة، وهي خيار المال.

6) عقائل الشيء: نفائسه.

7) ع: لمكارم، وكذا في ب، وفي حاشيتها عن نسخة: لكرائم .

8) شرائط الهدى: علاماته.

بِهِ غِرْبِيْبُ(1)العَمَى.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ المُؤَمِّلَ لَهَا ، والمُخْلِدَ إِلَيْهَا(2)، ولا تَنَفْسُ(3)بِمَن نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَن غَلَبَ عَلَيْهَا؛ وأيمُ اللهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضٌ نِعْمَةٍ(4)مِن عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُم إِلَّا بِذُنُوبِ اجْتَرَحُوهَا، أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ(5)، ولَو أَنَّ النَّاسَ حِيْنَ تَنْزِلُ بِهِمُ النَّقَمُ، وتَزُولُ عَنْهُمُ النَّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِم بِصِدْقٍ مِن نِيَّاتِهِم، وَوَلَهِ مِنْ قُلُوبِهِم لَرَدَّ عَلَيْهِم كُلَّ شَارِدٍ وأَصْلَحَ لَهُم كُلَّ فَاسِد، وإني لأخْشَى عَلَيْكُم أن تَكُونُوا فِي فَتْرَةِ، وقَد كَانت أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُم فِيهَا مَيْلَةٌ كُنتُم فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُم أَمْرُكُم إِنَّكُم لَسُعَدَاءُ، وَمَا عَلَيَّ إلا الجَهْدُ(6)، ولو أشَاءُ أن أقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ(7).


1) في حاشية ب عن نسخة: غرابيب، والغربيب في شرح ابن ميثم: الأسود.

2) ب: فيها، والمخلد إليها: المسلم إليها أموره.

3) بفتح الفاء وكسرها في الأصل، وفوقها معا، وبفتحها في س، م، ب، ج، ع، ولا تنفس: لا تضن ولا تبخل.

4) غضّ النعمة: طريفها.

5) آل عمران 3/ 182 ، الأنفال 51/8 ، الحج 22 / 10 .

6) بفتح الجيم في الأصل، وفي حاشيتها عن نسخة بضمها وبالفتح والضم في س، و ب، وفوقهما معا، وبالضم في م.

7) المائدة 95/5 . وهي برقم 179 في الشرح 257/10 - 260، وذكر الشارح: خطب بها (علیه السّلام) بعد قتل عثمان في أول خلافته، وقال: وقد تقدم ذكر بعضها، وكذا في شرح ابن ميثم 702/3 ، وبرقم المطبوع نفسه فيه ، وينظر تخريجها في مصدر سابق 2/ 435 برقم 176 .

[179] وَمِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَالَهُ لِذِعْلِبِ اليَمَانِي وقَد سَأَلَهُ هَل رَأَيْتَ رَبَّكَ يا أميرَ المُؤْمِنين

*قَالَهُ لِذِعْلِبِ اليَمَانِي(1)وقَد سَأَلَهُ هَل رَأَيْتَ رَبَّكَ يا أميرَ المُؤْمِنين(2)؟

فَقَالَ : أَفَأَعْبُدُ مَا لا أَرَى!؟ قَالَ : وكَيْفَ(3)تَرَاهُ؟ قَالَ(4): لا تُدْرِكُهُ(5)العُيُونُ بِمَشَاهَدَةِ العِيَانِ، ولَكِن تُدْرِكُهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ، قَرِيْبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرُ مُلامِس، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَاينٍ، مُتَكَلِّمْ بِلا رَوِيَّةٍ ، مُرِيدٌ بِلا هِمَّة(6)، صَانِعُ لا بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لا يُوصَف بالخفاء، كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بالجَفَاءِ، بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بالحَامَّةِ، رَحِيْمٌ لا يُوصَفُ بالرقّة. تَعْنُو(7)الوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وتَجلُ(8)القُلُوبُ مِن مَخَافَتِه(9).


1) لم أقف له على ترجمة باستثناء أنه من أصحاب أمير المؤمنين (علیه السّلام).

2) يا أمير المؤمنين: ليس في س، م . وفي ع، ب: وقد سأله ذعلب اليماني فقال:..، وفي ج: ومن كلام له قاله لذعلب اليماني وقد سأله هل رأيت ربك، والذعلب والذعلبة في المعارج 299: الناقة السريعة، ومنه سمي الرجل..

3) م: فكيف.

4) س، ب، ج: فقال.

5) في حاشية م عن نسخة: لا تراه.

6) في المعارج 298: متكلم لا بروية، أي: هو غني عن التفكر والبحث، والهمة: ما يهم الإنسان من قبل الحاجة، والله منزّه عن ذلك.

7) تعنو: تخضع.

8) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: تَوْجَل، وفي أخرى تِجَبُّ، وكذا في م، س، ج، وتوجل في ب.

9) برقم 180 في الشرح 261/10 ، والخطبة برقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 3/ 705 ، و التخريج في مصدر سابق 2/ 437 برقم 177 .

[180] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) فِي ذَمَّ أَصْحَابِهِ

أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا قَضَى مِن أَمْرِ ، وقَدَّرَ مِن فِعْلِ، وعَلَى ابْتِلائِي(1)بِكُم، أَيَّتُهَا الفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَم تُحِبْ، إِن أَمْهِلْتُم(2)خُضْتُم ، وإِنْ حُورِبْتُم خُرْتُم(3)، وإن اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنتُم، وإن أُجِئْتُم(4)إِلَى مُشَاقَةٍ نَكَصْتُم(5)، لا أَبَا لِغَيْرِكُم ! مَا تَنتَظِرُونَ بِنَصْرِكُم، والجِهَادِ عَلَى حَقَّكُم المَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُم؟ فَوَاللَّهِ لَئِن جَاءَ يَوْمِي ، ولَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وبَيْنَكُم وأَنَا لِصُحْبَتِكُم قَالِ(6)«44 أ»، وبِكُم غَيْرُ كَثِيرِ اللهِ أَنْتُم ! أمَا دِينٌ يَجْمَعُكُم! ولا حَيَّةٌ(7)تَشْحَدُكُم ! أَوَلَيْسَ عَجَبًا(8)أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الجُفَاةَ الطَغَامَ(9)فَيَتَّبِعُونَه عَلَى غَيْرِ


1) في حاشية الأصلِ عن نسخة: وعَلَى مَا ابْتَلاني.

2) ب: أهملتم.

3) حاشية: خرتم: من الخور وهو التعب، وفي شرح ابن ميثم 706/3: الخور : الضعف، ويحتمل أن يكون من الخوار وهو الصياح.

4) س: أجَبْتُم، وفي شرح ابن ميثم 706/3 كما الأصل، وأجئتم: جذبتم، ودعيتم.

5) نكص: رجع على عقبيه.

6) القالي : المبغض.

7) في الأصل: محميَّة، وكذا في س، وما أثبت كتب فوق كلمة محمية عن نسخة، ومحمية أيضا عند ابن ميثم في شرحه 706/3 .

8) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع: عجيبًا.

9) حاشية: الطغام: أوغاد الناس.

مَعُونَةٍ ولا عَطَاء، وأنا أدعُوكُم وأَنْتُم تَرِيكَةُ(1)الإِسْلامِ وبَقِيَّةُ النَّاسِ إلَى المَعُونَةِ أو طَائِفَةٍ مِنَ العَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وتَخْتَلِفُونَ عَلَى. إنَّه لا يَخْرُجُ إِلَيْكُم مِنْ أَمْرِي رِضَى فَتَرْضَونَهُ(2)، ولا سَخَطُ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاقٍ إِلَيَّ المَوتُ.

قَد دَارَسْتُكُم الكِتَابَ ، وفَاتَحْتُكُم الحِجَاجَ وعَرَّفْتُكُم مَا أَنْكَرتُم، ، وسَوَّغْتُكُم مَا مجَجْتُم(3)لَو كَانَ الأَعْمَى يَلْحَظُ، أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ، وأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الجَهْلِ ِباللهِ قَائِدُهُم مُعَاوِيَةُ، ومُؤَدَّبهم ابنُ النَّابِغَةِ(4).


1) حاشية: التريكة: البيضة التي يتركها النعام، والتريكة أيضًا: الروضة التي تركت فلم ترع، وتريكة الإسلام: بيضة الإسلام.

2) حاشية: المعنى أنكم لا توافقوني في مراضي ومساخطي.

3) مجه: ألقاه من فيه.

4) برقم 181 في الشرح 263/10 - 264 ، وبرقم المطبوع نفسه في شرح ابن ميثم 706/3 ، والتخريج في مصدر سابق 2/ 439 - 440 برقم 178 ، وذكر مؤلفه عن مصادره أنه خطب بها (علیه السّلام) الاستنهاض أصحابه لنجدة محمد بن أبي بكر لما جاءه عبد الله بن قعين وكعب بن مالك من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخه قبل الوقعة.

[181] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) وقَد أرْسَلَ رَجُلًا مِن أصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ قَوْمٍ مِن جُنْدِ الكُوفَةِ هَمُوا بِاللْحَاقِ بالخَوارِج

*وقَد أرْسَلَ رَجُلًا مِن أصْحَابِهِ(1)يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ قَوْمٍ مِن جُنْدِ الكُوفَةِ هَمُوا بِاللْحَاقِ بالخَوارِج، وكَانُوا عَلَى خَوفِ مِنْهُ (علیه السّلام)(2)، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ : أمِنُوا(3)فَقَطَنُوا أم جَبْنُوا فَظَعَنُوا ؟ فقَال الرَّجُلُ(4): بَل ظَعَنُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَال (علیه السّلام)(5):

بعْدًا لهم كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ(6)، أمَا لَو أُشْرِعَتِ الأَسِنَّةُ(7)إِلَيْهِم، وصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِم لَقَد نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُم. إِنَّ الشَّيْطَانَ اليَوْمَ قَد اسْتَقَلَّهُم(8)، وهُوَ غَدًا مُتَبَرِّئُ مِنْهُم، ومُخَلَّ عَنْهُم، فحَسْبُهُم بِخُرُوجِهِم مِنَ الهُدَى ، وارْتِكَاسِهِم(9)فِي الضَّلالِ والعَمَى،


1) س، م: ومن كلامِهِ لِرَجُل أَرْسَلَهُ.

2) عليه السلام ليس في س، م.

3) فلما عاد الرجل قالَ لَهُ: أمنوا: مكانها في س، م قال: أأمنوا، وقطنوا: أقاموا.

4) الرجل: ليست في س.

5) عليه السلام: ليست في س.

6) هود 95/11 ، وبعدت بالكسر: هلكت.

7) أشرعت الرمح: سددته وصوبته نحو من تريد ضربه.

8) في الأصل: استَقَلَهم، وفي حاشية الأصل عن نسخة: استَقَلَّهُم، وكذا في س، م، ج، ب وفي حاشية أخرى: استفَزَّهُم ، وفي ع: استقبلهم، وفي شرح ابن ميثم 709/3: استفلّهم ، أي طلب منهم التفرق والهزيمة وزينها لهم، والفلّ: التفريق والانهزام، وفي المنهاج 2 / 176 ، استقلهم، عدّهم قليلا .

9) حاشية : الركس: ردُّ الشيء مقلوبًا، ومنه ارتكس فلان في أمر: نجا منه.

وصَدِّهِم عَنِ الحَقِّ، وجَمَاحِهِم فِي التَّيْهِ(1).

[182] وَمِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

رُوِيَ عَن نَوفِ البَكَّالَّي(2)، قَالَ : خَطَبَنَا بِهِذِهِ الخُطْبَةِ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) بالكُوفَةِ(3)وهو قَائِمُ عَلى حِجَارَةِ نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بنُ هُبَيْرةَ المَخْزُومِيُّ(4)، وَعَلَيهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَحَمَائلُ سَيْفِهِ لِيْفُ ، وفِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِن لِيفٍ(5)، وكَأَنَّ جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِيْر(6)

فقال (علیه السّلام)(7): الحَمْدُ للهِ الذِي إِلَيْهِ مَصَابِرُ الخَلْقِ وعَواقِبُ الأَمْرِ،


1) برقم 182 في الشرح 268/10 ، وتخريجه في مصدر سابق 441/2 - 442 برقم 179، وذكر المؤلف عن مصادره أنه (علیه السّلام) يعني الخريت بن راشد الناجي وأصحابه، والكلام برقم المطبوع نفسه في شرح ابن میثم 708/3 ، وفيه: قطنوا: أقاموا، وبعدت: هلكت، وأشرعت الرمح: سددته وصوبته نحو من تريد ضربه.

2) حاشية : قال ثعلب : بكالة وبكيل: من اليمن، وينظر في أخباره وما رواه عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) أمالي الصدوق 277 ، وخصائص الأئمة 97، وذكر حسين النوري في خاتمة المستدرك 172/9 (يظهر من أخبار كثيرة أنه من خواص أمير المؤمنين).

3) بالكوفة: ليست في س، م، ج.

4) حاشية: جعدة: ابن أخت أمير المؤمنين ، وفي شرح ابن ميثم 711/3: جعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين (علیه السّلام) أم هاني بنت أبي طالب بن عبد المطلب، وأبوه هبيرة بن أبي وهب بن عمر بن عامد بن عمران بن مخزوم، وهو صحابي، والجعدة ترجمة في كتابي الموسوم بـ«الثوية بقيع الكوفة».

5) وفي رجليه نعلان من ليف: ليست في ب.

6) ثفنة البعير: واحدة الثفنات، وهي ما يقع على الأرض من أعضائه.

7) فقال (علیه السّلام): ليست في س، م، ب .

نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمٍ إِحْسَانِهِ، ونَيْرِ بُرْهَانِهِ، ونَوامِي فَضْلِهِ وَامَتِنَائِهِ؛ حَمْدًا يَكُونُ لِحِقِّهِ قَضَاءً، ولِشُكْرِهِ أدَاءً، وإلى ثَوَابِهِ مُقَرِّبًا، وحُسْنِ مَزِيْدِهِ مُوجِبًا، ونَسْتَعِيْنُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجِ لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّلِ لِنَفْعِهِ، وَاثِقِ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنِ لَه بالعَمَلِ والقَوْلِ، ونُؤْمِنُ بِهِ إِيْمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِنًا، وأنَابَ(1)إِلَيْهِ مُؤمِنًا، وخَنَعَ(2)لَهُ مُذْعِنًا، وأخْلَصَ لَهُ مُوَحَّدًا ، وعَظَمَهُ مُعَجِّدًا، ولاذَ بِهِ رَاغِبًا مُجْتَهِدًا.

لَم يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي العِزَّ مُشَارَكًا، ولَم يَلِد فَيَكُونَ مَوْرُونًا هَالِكًا، ولَم يَتَقَدَّمْهُ وقت ولا زَمَانٌ، وَلَم يَتَعَاوَرْهُ(3)زِيَادَةٌ ولا نُقْصَانُ؛ بَل ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِن عَلامَاتِ التَدْبِيرِ المُتَقَنِ، والقَضَاءِ المُبْرَم(4)، فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاواتِ مُوَطَّدَاتٍ(5)بِلا عَمَدٍ، قَائِمَاتِ بلا سَنَدٍ، دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ، غَيْرَ مُتَلَكتات(6)ولا مُبْطِئَاتٍ، َولَوْلا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ(7)بالرُّبُوبيَّةِ ، وإذْعَانُهُنَّ بالطَّواعِيَةِ(8)


1) أناب في المنهاج 2/ 185: رجع.

2) حاشية: الخنوع: الخضوع.

3) يتعاوره: يختلف عليه.

4) المبرم في المنهاج 186/2 : المحكم.

5) موطدات: مهدات، وفي الحاشية، وطدت الشيء ووطدته: أثبته وأثقلته، وكذا في المنهاج 2 / 186 ، وفيه أيضًا: المجعول ثابتا.

6) التلكو : التوقف.

7) له: ساقطة من ج.

8) الطواعية : الطاعة.

لما جَعَلَهُنَّ مَوْضِعًا لِعَرْشِهِ، ولا مَسْكَنًا مَلائِكَتِهِ، ولا مَصْعَدًا لِلكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصَّالِح مِن خَلْقِهِ.

جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَا مَا يَسْتَدِلُّ بِهَا الخَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ(1)الأَقْطَارِ، «44 ب» لَم يَمْنَعْ(2)ضَوْءَ نُوْرِهَا ادْلهِام(3)سُجُفِ(4)اللَّيْلِ المُظْلِم، ولا ب» اسْتَطَاعَتْ جَلابِيبُ سَوَادِ الحَنَادِسِ(5)أن تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاواتِ مِن تَلالُوِ نُورِ القَمَرِ؛ فَسُبْحَانَ مَن لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجِ، ولا لَيْلِ سَاجِ فِي بِقَاعِ الأَرَضِينَ المُتَطَاطِنَاتِ(6)، ولا فِي يَفَاع(7)السُّفْع(8)المتَجَاوِرَاتِ، ومَا يَتَجَلْجَلُ(9)بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَمَا تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الغَمَامِ، ومَا تَسْقُطُ(10)مِن وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَن مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الأَنْوَاءِ(11)، وانْهطَالُ السَّمَاءِ، ويَعْلَمُ مَسْقَطَ القَطْرَةِ ومَقَرَّهَا، وَمَسْحَبَ


1) الفجاج: الطرق بين الجبال.

2) ضوء: ضبطت في الأصل بالنصب والرفع وكذا ضبطت كلمة ادهمام.

3) في س، م بفتح فضم، والادلهام: شدة الظلمة.

4) كذا في ع عن نسخة في حاشية الأصل: سجف، وكذا في س، م، ج، ب، والسجف: الستور.

5) حاشية: جمع حندس: وهو أشد الظلمة.

6) الحاشية: المتطأطئات: المتطامنات.

7) اليفاع: المرتفع من الأرض.

8) حاشية: السفعة: سواد مشرب حمرة ، ويكنّى بالسفع عن الجبال لأن لونها في الأغلب كذلك؛ وفي المعارج 302: السفع الأثافي، وآثار الدار.

9) الجلجلة: صوت الرعد.

10) ب: يَسْقُطُ .

11) حاشية : الأنواء : جمع نوء، وهو منزل من منازل القمر. والعرب تضيف المطر والريح والبرد والحر إلى الأنواء.

الذَّرَّةِ وتَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي البَعُوضَةً مِن قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ مِن أنْثَى فِي بَطْنِهَا. والحَمْدُ للهِ الكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ أو عَرْضٌ أو سَمَاء أو أرْضُ، أو جَانٌّ أو إنس. لا يُدْرَكُ بِوَهُم، ولا يُقَدَّرُ(1)بِفَهم، ولا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، ولا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، ولا يُبْصَرُ(2)بِعَيْنِ، ولا يُحدُّ بِأَيْن، ولا يُوصَفُ بِالأَزْوَاجِ، ولا يَخْلُقُ بِعِلاج، ولا يُدْرَكُ بالحواس، ولا يُقَاسُ بالنَّاسِ . الذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيما، وأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيمًا بِلا جَوَارِحَ، ولا أدَوَاتٍ، ولا نُطق، ولا لَهَوَاتٍ.

بَل إن كُنْتَ صَادِقًا أَيُّهَا المُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جَبْرَئِيلَ أو مِیكَائِيلَ، وجُنُودَ المَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ القُدْسِ مُرْجَحِنِّينَ(3)مُتَوَفِّةٌ عُقُولهُم(4)أن يَحدُّوا أحْسَنَ الخَالِقِينَ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذوو الهيآت(5)والأدَوَاتِ، ومَن يَنْقَضِي إِذا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالفَنَاءِ؛ فلا إله إلا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلام، وأظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.

أوصِيْكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الذِي البَسَكُم الرِّيَاشَ، وأسْبَغَ عَلَيْكُمُ المَعَاشَ، فَلَو(6)أَنَّ أَحَدًا يَجِدُ إِلَى البَقَاءِ سُلَّما أَو لِدَفْعِ الْمَوْتِ


1) حاشية الأصل عن نسخة: يُقْدَرُ .

2) في الأصل ينظرُ ، وما أثبت في نسخة بحاشية الأصل، وكذا في س، م، ج، ع.

3) حاشية: الإرجحنان: الميل

4) ع: قلوبهم.

5) في الأصل: الهيأة، وما أثبت في حاشيتها عن نسخة، وكذا في س، م، ج.

6) س، م: ولو.

سَبِيلًا لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بن دَاودَ عَلَيْهِما(1)السَّلامُ، الذي سُخَّرَ لَه(2)مُلْكُ الجِنِّ والإنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ، وعَظِيْمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ(3)، واسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ الفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوتِ، وأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةٌ ، والمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِنَّ لَكُم فِي القُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً؛ أيْنَ العَالِقَةُ(4)وأَبْنَاءُ العَمَالِقَةِ؟ أَيْنَ الفَرَاعِنَةُ وأَبْنَاءِ الفَرَاعِنَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ مدَائِنِ الرَّسِ(5)الذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وأَطْفَأوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ ، وأَحْيَوا سِيَرَ(6)الجَبَّارِينَ؟ أَيْنَ(7)الذِينَ سَارُوا بالجيوش، وهَزَمُوا الأُلُوفَ، وعَسْكَرُوا العَسَاكِرَ ومَدَّنُوا المَدَائِنَ !

مِنْهَا: قَدْ لَبِسَ لِلحِكْمَةِ جُنَّتَهَا ، وأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا والمَعْرِفَةِ بِهَا والتَّفَرُّغ هَا، فَهِيَ(8)عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ(9)الَّتِي يَطْلُبُهَا ،


1) في الأصل: عليه السلام، وما أثبت في س، م، ج.

2) سَخَّر مُلَكَ في حَاشِية الأصل عن نسخة، وفي ع: سخر الله له.

3) الطعمة: المأكلة.

4) حاشية: العمالقة : قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح (علیه السّلام)، وينظر ما ذكر في المعارج 303.

5) الرسّ في المنهاج 191/2 : اسم بئر البقية ثمود وصالح ، وقيل : الرس: قرية بفلج اليمامة.

6) في الأصل: سنن، وما أثبت في س، م، ج، ع، وقصة أصحاب الرس ذكرها صاحب المعراج في 304.

7) س، م، ج: وأينَ.

8) س، م، ج: وهي.

9) حاشية: كأنه وصف لمن ينبغي أن يستخلفه.

وحَاجَتُهُ التِي يَسْأَلُ عَنْهَا ؛ فَهُوَ مُغْتَرِبْ إِذَا اغْتَرَبَ الإِسْلامُ، وَضَرَبَ بِعَسِيْب ذَنْبِهِ(1)، والْصَقَ الأَرْضَ بِجِرَانِهِ(2)، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِن خَلائِفِ أَنبيَائِهِ.

ثُمَّ قَالَ (علیه السّلام)(3): أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَد بَثَثْتُ لَكُم المَوَاعِظَ التِي وَعَظَ بِهَا لها الأَنْبِيَاءُ أُمعَمهُم، وأدَّيْتُ إِلَيْكُم مَا أدَّتِ الأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُم، وَأَدَّبْتُكُم بِسَوْطِي فَلَم تَسْتَقِيمُوا، وحَدَوْتُكُم بِالزَّوَاجِرِ فَلَم تَسْتَوْسِقُوا(4)، اللَّهِ أَنْتُم أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَامًا غَيْرِي يَطَأُ بِكُم الطَّرِيقَ «45 أ» ويُرْشِدُكُم السَّبِيل ؟!

أَلا إِنَّهُ قَد أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبلًا، وأقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِرًا، وأَزْمَعَ(5)التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الأَخْيَارُ ، وبَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لا يَبْقَى بِكَثِير مِنَ الآخِرَةِ لا يَفْنَى مَا ضَرَّ إخْوَانَنَا الذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤهُم وهُم بِصِفِّينَ أَلَّا يَكُونُوا اليَوْمَ أَحْيَاءٌ يُسِيغُونَ(6)الغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنَقَ(7)، قَد َواللهِ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُم أُجُورَهُم، وأحَلَّهُم دَارَ الأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِم.


1) حاشية: عسيب الذنب: حملته من الجلد والعظم، وفي شرح ابن میثم 716/3 عسيب ذنبه: طرفه.

2) حاشية: جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، وكذا في القاموس.

3) ثم قال (علیه السّلام): ليس في س م ج . وتبقى نسخة الأصل في أغلب المواضع تذكر فيها الصلاة على النبي مع ذكر الآل ويذكر السلام على أمير المؤمنين.

4) حاشية: أي: لم تسفوا ولم تطردوا.

5) أزمع: صمم عزمه.

6) ساغ الشراب في المنهاج 2/ 175: سهل مدخله في الحلق.

7) الرنق: الكدر .

أينَ إِخْوَانِي الذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ، ومَضَوا عَلى الحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وأيْنَ ابنُ التّيْهَانِ(1)؟ وأينَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ(2)؟ وأَيْنَ نُظَرَاؤهُم مِن إِخْوانِهِم الذِينَ(3)تَعَاقَدُوا عَلَى المَنِيَّةِ وأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِم إِلى الفَجَرَةِ.

قَال(4): ثُمَّ ضَرَبَ (علیه السّلام)(5)بِيَدِهِ (6)إلى حِيَتِهِ فَأَطَالَ البُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ: أَوْه(7)عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلُوا القُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وتَدَبَّرُوا الفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، وأحْيَوُا السُّنَّةَ، وأمَاتُوا البِدْعَةَ، دُعُوا للجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بالقَائِدِ فاتَّبَعُوا.

نَادَى بَأَعْلَى صَوْتِهِ : الجِهَادَ الجِهَادَ عِبَادَ اللهِ، ألا وإنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَوْمِي هذَا فَمَن أرَادَ الرَّوَاحَ إِلى اللهِ فَلْيَخْرُجُ .


1) حاشية: أبو الهيثم بن التيهان ذكره المبرد، وابن التيهان مالك بن مالك الأنصاري أحد النقباء ليلة العقبة، صحابي ممن شهد بدرًا، وهو من خيار صحابة أمير المؤمنين (علیه السّلام)، واستشهد بصفين (رضی الله عنه).

2) ورد في حاشية م: ذو الشهادتين: هو خزيمة بن ثابت الأوسي الأنصاري، من الصحابة الذين شهدوا معركة بدر، أقام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) شَهادته بشهادة رجلين، من خاصة أمير المؤمنين (علیه السّلام)، واستشهد بمعركة صفين سنة سبع وثلاثين، وترجمته في تنقيح المقال 277/25 - 288 برقم 7541 .

3) الذين: ليست في س، م.

4) قال : ليست في س، م، ج.

5) عليه السلام: ليست في س، م.

6) س، م ، ج: يده.

7) الواو مخففة في الأصل والهاء ساكنة، ووضع الناسخ شدة على السكون، والواو مشددة في س، والهاء ساكنة، وأتى التصوير السيء على حركة الواو في م. وضبطها ابن ميثم في شرحه 716/3 بسكون الواو وكسر الهاء.

قَالَ نَوْفٌ : وعَقَدَ لِلحُسَيْنِ في عَشَرَةِ آلافٍ، وَلِقَيْسِ بنِ سَعْد(1)فِي عَشَرَةِ آلافٍ، ولأبي أيُّوبَ الأَنْصَارِي فِي عَشَرَةِ آلافٍ(2)، ولِغَيْرِهِم عَلَى أعْدَادٍ أَخَرَ، وهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَة(3)إلى صِفِّيْنَ، فَمَا دَارَتِ الجُمُعَةُ ضَربَهُ المَلْعُونُ ابنُ مُلْجَم لَعَنَهُ اللهُ، فَتَرَاجَعَتِ العَسَاكِرُ، فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِيهَا تَخْتَطِفُهَا(4)الذَّثَابُ مِن كُلِّ مَكَانٍ(5)

والخطبة برقم 183 في الشرح 269/10 - 285 ، وفيه بحث عن نسب جعدة بن هبيرة، وآخر عن نسب العمالقة وعاد وثمود والفراعنة وأصحاب الرس، وثالث عن عمار بن ياسر ، ورابع عن الهيثم بن التيهان، وخامس عن ذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وينظر في تخريج الخطبة مصدر سابق 2 / 451 - 453 برقم 180 ، والخطبة برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 709/3 ، وذكر ابن حبان أنه مات في ولاية معاوية وله ترجمة في كتابي الموسوم بـ«الثوية بقيع الكوفة 1/ 74 - 75»، وفي المعارج 303: فرعون : اسم حيوان مائي، والفراعنة : ألقاب ملوك القبط.

.

1) هو قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، صحابي يكنى أبا عبد الملك، كان من كبار شيعة أمير المؤمنين (علیه السّلام)، شهد معه حروبه، وترجمته في الشرح 292/10 .

2) خالد بن زيد الخزرجي، من خيار الصحابة، أمير المؤمنين، ومن خاواصه، وشهد معه الجمل وصفين وكان على مقدمته يوم النهروان. توفي غازيا في بلاد الروم في ملك معاوية سنة 50 أو 51 أو 52 وهو الاكثر كذا ، وفي الاستيعاب وتهذيب التهذيب سنة 55 وفي مروج الذهب سنة 45 ولم يقله غيره وفي الاستيعاب : دفن قرب سور القسطنطنية. مركز المصطفى، عن أعيان الشيعة 29/ 283 .

3) بفتح الراء وكسرها في س، وفوقها معًا.

4) الاختطاف والتخطف: الأخذ بسرعة.

5) في حاشية الأصل: «بلغت القراءة على المولى علم الهدى إلى هاهنا ولله الحمد».

[183] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ المَعْرُوفِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ، الخالقِ مِن غَيْرِ مَنْصَبَةٍ(1)، خَلَقَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وسَادَ العُظَمَاءَ بِجُودِهِ، وَهُوَ الذِي أسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وبَعَثَ إلى الجن والإنس رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا هُم عَن غِطَائِهَا، ولِيُحَذِّرُوهُم مِن ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُم أَمْثَالَهَا، ولِيُبَصِّرُ وهُم عُيُوبَهَا(2)ولِيَهْجِمُوا عَلَيْهِم بِمُعْتَبَرٍ مِن تَصَرُّفِ مَصَاحُهَا وأسْقَامِهَا ، وحَلالِهَا وحَرَامِهَا ، ومَا أعَدَّ سُبْحَانَهُ لِلمُطِيعِينَ منهُم والعُصَاةِ مِن جَنَّةٍ ونَارٍ وكَرَامَةٍ وهَوَانٍ.

أحْمَدُهُ إِلى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ(3)إلى خَلْقِهِ، جَعَلَ(4)لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، ولِكُلٍّ قَدْرٍ أَجَلًا، ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابًا.

مِنْهَا فِي ذِكْرِ القُرْآنِ: فالقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ ، وصَامِت نَاطِقٌ، حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيهِم مِيثَاقَهُ(5)، وارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُم ، أَتَمَّ نُورَهُ، وأَكْرَمَ بِهِ دِينَهُ، وقَبَضَ نَبِيَّهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد فَرَغَ إِلَى الخَلْقِ مِن أَحْكَامِ الهُدَى


1) المنصبة: التعب.

2) هامش الأصل عن نسخة : مِن عُيُوبَها .

3) حاشية: استحمد إليه، إذا فعل ما يحمد عليه.

4) بعدها في ج: الله.

5) في الأصل: ميثاقهم ، وما أثبت في جميع النسخ المعتمدة.

بِهِ؛ فَعَظْمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَمَ مِن نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَم يُخْفِ عَنْكُم(1)شَيْئًا من دِينِهِ، ولَم يَتْرُك شَيْئًا رَضِيَهُ(2)أو كَرِهَهُ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَما بَادِيًا، وآيَةً مُحكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أو تَدْعُو إِلَيْهِ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ(3)فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ.

واعْلَمُوا أَنَّهُ لَن يَرْضَى عَنْكُم بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَن كَانَ قَبْلَكُم، ولَن يَسْخَطَ عَلَيْكُم بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّن كَانَ قَبْلَكُم، وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرِ بَيْنِ، وتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَد قَالَهُ الرِّجَالُ مِن قَبْلِكُم، قَد كَفَاكُم مَؤُونَةَ دُنْيَاكُم، وحَتَّكُم عَلَى الشُّكْرِ، وافْتَرَضَ مِن ألْسِنَتِكُم الذِّكْرَ ، وأَوْصَاكُم «45 ب» بالتَقْوَى، وجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُم بِعَيْنِهِ ، ونَوَاصِيكُم بِيَدِهِ ، وَتَقَلَّبُكُم فِي قَبْضَتِهِ؛ إِنْ أَسْرَرْتُم عَلِمَهُ ، وإِنْ أَعْلَنْتُم كَتَبَهُ. قَد وَكَّلَ بِذلِكَ حَفَظَةٌ كِرَامًا لا يُسْقِطُونَ حَقًّا، ولا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا.

واعْلَمُوا أَنَّهُ(4)مَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا(5)مِنَ الفِتَنِ، وَنُورًا


1) في الأصل: عليكم ، وما أثبت في النسخ المعتمدة.

2) حاشية: أي: رضى الله تعالى فيما بقي من الزمان هو رضاه فيما مضى، والسخط كذلك، ومعنى بالرضى: المرضيُّ، أي: ترتضي في المستقبل ما ارتضاه في الماضي، وتسخط ما سخطه.

3) ضبطت لطاء بالفتح والضم وفوقها معًا في الأصل، وكذا فيج.

4) س، م: إنَّ.

5) الطلاق 2/65.

مِنَ الظُّلَم، ويُخَلّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلُهُ مَنْزِلَ الكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ؛ ظِلُّهَا عَرْشُهُ، ونُورُهَا بَهْجَتُهُ(1)، وزُوَّارُهَا مَلائِكَتُهُ، ورُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ، فَبَادِرُوا المَعَادَ ، وسَابِقُوا الأَجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أن يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأمَلُ، ويُرْهِقَهمُ(2)الأجَلُ، ويُسَدَّ عَنْهُم بَابُ التَّوْبَةِ، فَقَد أصْبَحْتُم فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم، وأَنْتُم بَنُو سَبِيلِ عَلَى سَفَرٍ مِن دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُم قَد أَو ذِنْتُم مِنْهَا بِالارْتِحَالِ ، وأَمِرْتُم فِيهَا الزَّادِ.

واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذا الجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُم، فَإِنَّكُم قَد جَرَّبتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا فَرَأَيْتُم جَزَعَ أَحَدِكُم مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، والعَثْرَةِ تُدْمِيْهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُخْرِقُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِن نَارٍ ضَجِيعَ حَجَرٍ ، وقَرِينَ شَيْطَانٍ. أَعَلِمْتُم أَنَّ مَلَكًا(3)إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضًا لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا(4)جَزَعًا مِنْ زَجْرَتِهِ.

أيُّهَا اليَفَنُ(5)الكَبِيرُ الذِي قَد هَرَهُ القَتِيرُ(6)كَيْفَ أنْتَ إذَا التَحَمَتْ


1) حاشية: البهجة: الحسن.

2) س، م، ج: ويَرْهَقَهُم.

3) كذا في س، م أيضًا، وفي ج، ب، ع: مالكًا، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وفي المنهاج 2/ 202 مالك: وهو الملك الذي جعله الله خازن نار جهنم.

4) في الحاشية: وتوثبت بشَرَائِرِها جَزَعًا.

5) حاشية: اليفن: الشيخ الضعيف.

6) حاشية: لهزه القتير، أي: خالطه الشيب، فهو ملهوز، ثم هو أشمط، ثم ..

أطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الأعْنَاقِ(1)، ونَشِبَتِ الجَوَامِعُ(2)حَتَّى أَكَلَتْ محومَ السَّوَاعِدِ؟

فالله اللهَ مَعْشَرَ العِبَادِ وأَنْتُم سَالُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ، وفِي الفُسْحَةِ(3)قَبْلَ الضَّيقِ، فَاسْعَوا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُم مِن قَبْلِ أَنْ تَغْلَقَ رَهَائِنُهَا . أَسْهِرُوا عُيُونَكُم، وأضْمِرُوا بُطُونَكُم، واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُم، وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُم، وخُذُوا مِن أَجْسَادِكُم تَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُم، ولا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَد(4)قَالَ اللهُ سُبْحَانَه : وَإِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُنَبَتْ أَقْدَا مَكُمْ(5)وقَالَ (6): مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ مَكُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ(7)فَلَم يَسْتَنْصِرُكُم مِن ذُلّ، ولَم يَسْتَقْرِضُكُم مِنْ قُلّ(8)اسْتَنْصَرَكُم ولَهُ جُنُودُ السَّمَاواتِ والأرْضِ، وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، واسْتَقْرَضَكُم ولَهُ خَزَائِنُ السَّماوَاتِ والأرض وهُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ؛ وإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ «يَبْلُوَكُم أَيُّكُم أَحْسَنُ عَمَلًا»(9)، فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُم


1) في المنهاج 202/2 ، أي: التفت وانضمت بها ، وبعظمها، والتصقت بها وانفلتت.

2) ع: الأغلال، والجوامع : جمع جامعة، وهي الغلّ لجمعها الأيدي إلى الأعناق.

3) الفسحة في المنهاج 202/2: السعة.

4) فقد : من س، ب، وليست في الأصل.

5) محمد 7/47.

6) بعدها في ع: من قائل.

7) الحديد 11/57 .

8) القل في المنهاج 2/ 203 : القلة.

9) حاشية: تصديقًا لقوله تعالى في سورة هود 7/11: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَبِن قُلْتَ إِنَّكُم مبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ.

تكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ، رَافَقَ بهم رُسُلَهُ، وأَزَارَهُم مَلائِكَتَهُ، وأكْرَمَ أَسْمَاعَهُم(1)أَن تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَدًا، وصَانَ أَجْسَادَهُم أن تَلْقَى لُغُوبًا(2)ونَصَبًا ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(3)، أقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وأَنْفُسِكُم، وهُو حَسْبُنَا، ونِعْمَ الوَكِيل(4).

[184] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) للبرج بن مُسْهِر الطائي

*للبرج(5)بن مُسْهِر الطائي

وقد(6)قَالَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ : لا حُكْمَ إِلَّا لِلهِ، وكَانَ مِنَ الخَوَارِج

اسْكُتْ قَبَّحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ(7)، فَوَاللَّهِ لَقَد ظَهَرَ الحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ


1) في نسخة بحاشية الأصل: عن أن.

2) اللغوب: التعب.

3) الحديد 21/57 .

4) بعدها في ع: نِعْمَ المَولى ونِعْمَ النَّصِير . والخطبة برقم 184 في الشرح 293/10 - 300، وفيه بحث حول ما جاء في التقوى من أخبار، وآخر نقل فيه خطبة لأبي الشخباء العسقلاني ليعلم الفرق بين الكلام الأصيل والمولد، وأدرج بحثًا حول رأيه في نهج البلاغة، وثبات نسبته عنده لأمير المؤمنين (علیه السّلام)، وينظر في تخريجها مصدر سابق 459/2 - 460 برقم 181 ، والخطبة برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 717/3 ، وفيه : المنصبة: التعب.

5) ب: لبرج.

6) وقد: ليست في الأصل، وهي من النسخ المعتمدة.

7) حاشية : الذي سقط بعض ثنيته .

ضَئِيلًا شَخْصُكَ، خَفِيًّا صَوْتُكَ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ(1)البَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ المَاعِز(2).

[185] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

اشارة

*[185] (3)ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ الذِي لا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ، ولا تَحْوِيْهِ المَشَاهِدُ(4)، ولا تَرَاهُ «46 أ» النَّوَاظِرُ، ولا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ(5)، الدَّالّ عَلَى قِدَمِهِ بحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وبِاشْتِبَاهِهِم(6)عَلَى أن لا شِبْه(7)


1) حاشية: نعر العرق ينعرُ ، أي : فار منه الدم، ونعر فلان في الفتنة، أي: نهض فيها.

2) الكلام برقم 185 في الشرح 10 / 305 ، وفيه ذكر نسب البرج، والكلام برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 726/3 ، وينظر تعليقه أيضًا، تخريجها في مصدر سابق 461/2، وفيه برقم 182 ، وذكر المؤلف أن البرج من شعراء الخوارج المشهورين.

3) وقع خلط في ترتيب أوراق نسخة أثناء الترميم وعاد إلى ما انقطع في الصحيفة 121 أ منها. ووردت الخطبة في م بعد نهاية كلامه (وهو يلي غسيل رسول الله) الصفحة 155 من ترقيمها، وموقعها في الأصل بعد كلامه للبرج بن مسهر الطائي، ووقع خلط أيضًا في نسخة م، فقد ورد بعد كلامه للبرج خطبته التي أجاب بها همام التي طلب منه وصف المتقين، ومكانها فيها بعد خطبته في ذم إبليس التي تسمى القاصعة، وهي في الصفحة 122 من ترقيم هذه النسخة.

4) حاشية : الحواضر والمشاهد: المحاضر.

5) في المعارج 332: قال قوم: العقل البشري قاصر عن إدراك الوجود الأزلي، لأنه لا مثال له في الشاهد، فيستدل بالشاهد على الغائب.

6) كذا في ع، ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة : وبِأَشبَاهِهِم، وكذا في س، م ، وكذا في أصل ج، وصوبت بمداد أحمر كما الأصل.

7) في ع: شَبية.

لَهُ، الذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَن ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وعَدَل عَلَيْهِم فِي حُكْمِهِ، مُسْتَشْهَدٌ(1)بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أزَليَّتِهِ ، وبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ العَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ، وَاحِدٌ لا بِعَدَدِ ودَائِمٌ لا بأمَد(2)، وقَائِم لا بِعَمَدِ، تَتَلقَّاهُ الأذْهَانُ لا بِمشَاعَرَةٍ(3)، وتَشْهَدُ لَهُ المَرَائِي(4)لا بِمُحَاضَرَةٍ. لَم تُحِطْ بِه الأَوْهَامُ(5)بَل(6)تَجَلَّى لَهَا ، وبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وإِلَيْهَا، حَاكَمَهَا(7). لَيْسَ بِذِي كِبَرِ(8)امتَدَّتْ بِهِ النَّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيما، ولا بِذِي عِظَم، تَنَاهَتْ بِهِ الغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيدًا، بَل كَبُرَ شَانًا وعَظُمَ سُلْطَانًا.


1) في حاشية الأصل عن نسخة: مستشهدًا.

2) دائم لا بأمد، أي: بغاية ينتهي إليها فيفنى، وقائم لا بعمد، أي: قائم بتدبير خلقه في إنشائهم ورزقهم وعلمه بأمكنتهم.

3) الأذهان في المنهاج 419/2: جمع ذهن، وهو الفطنة والحفظ والقوة، والمشاعر: الحواس.

4) المرائي : جمع مَرآة بفتح الميم، وهي المنظر ، يقال : فلان حسن في مرآة العين، وفي رأي العين، أي: في المنظر .

5) حاشية: أي: تجلى الله تعالى للأوهام، وأصحابها بالأوهام، وخلق أصحابها، لأن الأوهام تقع على أنه لولا الله عز وجل لم يكن وهم ولا صاحب وهم، ويقع الوهم على أن الحال وجلّت عظمته لا يقع عليه الوهم، والله تعالى حاكم الأوهام إلى الأوهام، أي: جعلها تحكم وتقضي على أنفُس الأوهام، فإنها لا تحيط به ولا تقع على حقيقته، وتحت الحاشية: المحاكمة: المرافعة إلى الحاكم وبجنبها صح.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: بلى، وكذا في س، م.

7) حاشية الأصل عن نسخة : حَاكَمَهَا، وكذا في س ، م ، ع ، وكذا في ج، وصوبها الناسخ بمداد أحمر كما هو مثبت.

8) في الأصل : كَبْر وما أثبت في م وبكسر الكاف وفتحها في ب.

وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الصَّفِيُّ(1)، وأمِينُه الرَّضِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ(2)وآله وسَلَّمَ، أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الحُجَج، وظُهُورِ الفَلَحِ(3)، وإيُضَاحِ المَنْهَج، فَبَلْغَ الرِّسَالَةَ صَادِعَا بِهَا ، وحَمَلَ عَلَى المَحَجَّةِ دَالَّا عَلَيْهَا، وأَقَامَ أَعْلَامَ الْاهْتِدَاءِ وَمَنَارَ الضَّيَاءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ(4)الإِسْلَامِ مَتِينَةٌ، وعُرَى الإِيمَانِ وَثِيْقَةً .

مِنْهَا فِي صِفَةِ عَجِيبِ خَلْقِ أَصْنَافٍ مِنَ الحَيَوَانِ:

ولَو فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ القُدْرَةِ، وجَسِيمِ النَّعْمَةِ لَرَجَعُوا إلى الطَّرِيقِ، وخَافُوا عَذَابَ الحَرِيقِ، َولكِنَّ القُلُوبَ عَلِيلَةٌ، والأَبْصَارَ مَدْخُولَةٌ(5). ألا يَنْظُرُونَ(6)إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ والبَصَرَ ، وسَوَّى لَهُ العَظْمَ والبشر(7)!

انظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ في صِغَر جُنَّتِهَا ، ولَطَافَةِ هَيْاتِهَا، لا تَكَادُ تُنَالُ بلَحْظِ البَصَرِ(8)ولا بِمُسْتَدْرَكِ الفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا،


1) حاشية الأصل عن نسخة: والمصطَفَى، وكذا في س، م، وفي ج: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى.

2) الآل: زيادة من ب، ومن النادر عدم ذكرهم في الأصل.

3) حاشية: فلج على خصمه، وأفلج ، والاسم: الفُلْجُ، والفُلْجة، ولا نعرف الفَلَجَ، وفي شرح ابن ميثم 75/4 الفلج: الظفر، وأصله بسكون اللام.

4) حاشية: المرسة الحبل، وجمعها: مرس، وجمع المرس: أمراس.

5) الدخل: العيب.

6) حاشية الأصل عن نسخة : تَنْظُرُونَ، وكذا في ب، وبالياء والتاء في ج.

7) البشرة : ظاهر الجلد.

8) كذا في ع، ب، أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: النظر، وس، م، النظر .

وصُبَّتْ(1)عَلى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الحَبَّةَ إِلَى جحرهَا، وتَعِدها فِي مُسْتَقَرِّهَا ؛ تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدْرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوَفْقِهَا، لا يُغْفِلُهَا المَنَّانُ، ولا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَو فِي الصَّفَا اليَابِسِ، والحَجَرِ الجَامِس(2).

ولَو فَكَّرْتَ فِي بَجَارِي أُكُلِهَا(3)، وفِي عِلْوِهَا وسِفْلِهَا(4)، وَمَا فِي الجَوْفِ مِن شَرَاسِيْفِ(5)بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِن عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِن خَلْقِهَا عَجَبًا، ولَقِيتَ مِن وَصْفِهَا تَعَبَّا؛ فَتَعَالَى الذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا، لم يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ ، ولَم يُعِنْهُ فِي خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ(6)فِي مَذَاهِبٍ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ(7)مَا دَلَّتْكَ الدلالَةُ إِلَّا عَلى(8)أنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّحْلَةِ(9)لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وغَامِضِ


1) كذا في ب ، ع أيضًا، وفي حاشية الأصل وضنّت، وكذا في ج، وفي م: وصفت.

2) الجامس: الجامد، وفي المعارج 338: الحامس بالمهملة، والأحمس : المكان الصعب.

3) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ب، ج: أكْلِهَا.

4) بضم السين وكسرها في ج ، وفوقها معا ، وبضم السين والفاء في ع، وبضم السين وسكون الفاء في ب.

5) الشراسيف: أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.

6) الضرب في الأرض: السياحة فيها.

7) س، م: غاياتك.

8) على: ليست في س، م.

9) كذا في س، ج أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: وفي ب، ع النخلة، وكذا في نسخة ابن ميثم في شرحه 80/4.

اخْتِلافِ كُلِّ حَيٍّ(1)، ومَا الجَلِيلُ واللطِيفُ والثَّقِيلُ والخَفِيفُ والقَوِيُّ والضَّعِيفُ في خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ؛ وكَذَلكَ السَّمَاء والهواء والرِّيَاحُ والماء، فانظُرْ إِلَى الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّبَاتِ والشَّجَرِ والمَاءِ والحَجَرِ، وَاخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ والنَّهَارِ ، وتَفَجُرِ هَذِهِ البِحَارِ، وَكَثْرَةِ هذه الجِبَالِ، وطُولِ هَذِهِ القِلالِ(2)، وتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ والألسُن المُخْتَلِفَاتِ ، فالْوَيْلُ(3)لَمَن جَحَدَ الْمُقَدِّرَ وأَنْكَرَ الْمُدَبِّرَ .

زَعَمُوا أَنَّهُم كَالنَّبَاتِ مَاهُم زَارِعٌ ، ولا لاخْتِلافِ صُوَرِهِم صَانِعُ. لَم يَلْجَأوا إلَى «46 ب» حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعوا، ولا تَحْقِيقِ مَا أَوْعَوا(4)، وهَل يَكُونُ بِنَاءٌ مِن غَيْرِ بَانِ، أَو جِنَايَةٌ مِن غَيْرِ جَانٍ؟!

وإن شِئتَ قُلْتَ فِي الجَرَادَةِ؛ إذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ مُرَاوَيْنِ ، واسْرَج لها حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ(5)، وجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الخَفِيَّ، وفَتَحَ لَهَا الفَمَ السَّوِيَّ، وجَعَلَ لَهَا الحِسَّ القَوِيَّ، ونَابَيْنِ بِهَمَا تَقْرِضُ، ومِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ. يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِم، ولا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَها ولَو أَجْلَبُوا(6)بِجَمْعِهِم


1) ب: كل شيء، وفي حاشيتها عن نسخة كما في الأصل.

2) القلال في المنهاج 2 / 423: جمع قلة الجبل، وهي أعلاه.

3) ب: الويل.

4) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: وَعَوا، وفي س: فيما وَعَوا، وفي م: لما وعُوا، وفي ج: وَعَوا، ولكن صوبت بمداد أحمر إلى مثل ما في الأصل. وفي حاشية الأصل، وعيتُ الشيء: حفظتُه، والزاد: جعلته في الوعاء..

5) الحدقة: سواد العين، والقمر: بياضه وضياؤه، يقال: حدقة قمراء: مضيئة.

6) أجلبوا: جمعوا.

حَتَّى تَرِدَ الحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا(1)، وتَقْضِي مِنْهُ(2)شَهَوَاتِهَا، وخَلْقُهَا كُلُّهُ لا يَكُونُ إِصْبَعًا مُسْتَدِقَةٌ. فَتَبَارَكَ اللَّهُ الذِي يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا(3)ويُعَفِّرُ(4)لَهُ خَدًّا وَوَجْهَا، وَيُلْقِي بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سلما(5)وضَعْفًا، ويُعْطِي القِيَادَةَ(6)رَهْبَةً وخَوْفًا؛ فالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لأمْرِهِ، أحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ ، وأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ.

قَدَّرَ أَقْوَاتَها، وأَحْصَى أَجْنَاسَهَا ؛ فهَذَا غُرَابٌ، وهَذَا عُقَابٌ، وهَذَا حَمَامٌ، وهذَا نَعَامٌ. دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأَنْشَأ السَّحَابَ الثَّقَالَ(7)، فَأهْطَلَ دِيَمَهَا ، وعَدَّد قِسَمَهَا، فَبَلَّ الأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا ، وأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُو بِهَا(8).


1) النزوات: الوثبات.

2) س: منها.

3) الرعد 15/31 .

4) التعفير: التمريغ في العفر، وهو التراب.

5) هامش الأصل عن نسخة : سَلَماً، وكذا في س.

6) ب: القياد.

7) الرعد 12/13.

8) كتب الناسخ في حاشية الأصل: «بلغت القراءة على المولى علم الهدى أدام الله ظله إلى هاهنا ولله الحمد»، والخطبة برقم 231 في الشرح 3147/13 ، وفيه (شعر ابن أبي الحديد في المناجاة)، وبحث في (ميزات وصفات الذرة والنملة)، وآخر عن (غرائب الجراد) والخطبة برقم المطبوع في شرح ابن ميثم 74/4 - 80 ، وبرقم 183 في مصدر سابق 2/ 467 .

[186] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) فِي التَّوْحِيد ، وتَجْمَعُ هَذهِ الخُطْبَةُ مِن أُصُولِ العِلْمِ مَا لا تَجْمَعُهُ خُطْبَةٌ

*فِي التَّوْحِيد ، وتَجْمَعُ هَذهِ الخُطْبَةُ مِن أُصُولِ العِلْمِ(1)

مَا لا تَجْمَعُهُ خُطْبَةٌ(2)

مَا وَحْدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَن مَثْلَهُ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَن شَبَّهَهُ، ولا صَمَّدَهُ(3)مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وتَوَهَّمَهُ .

كُلَّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ، فَاعِلٌ بِاضْطِرَابِ أَلَةٍ، مُقَدِّرُ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، عَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةٍ.

لا تَصْحَبُهُ الأوْقَاتُ، ولا تَزْفِدُه(4)الأَدَوَاتُ. سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنُهُ ، والعَدَمَ وَجُودُهُ، والابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيْرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَن لا مَشْعَرَ(5)لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أنْ لا ضِدَّ لَهُ(6)، وبمُقَارنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَلَّا قَرِيْنَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بالظُّلْمَةِ، والوضُوحَ(7)


1) ج: العلوم.

2) بعدها في س: غيرها.

3) صمده: قصده.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: تردفه، وترفده في شرح ابن ميثم 91/4: تعينه .

5) حاشية: المشاعر: الحواس.

6) في المنهاج 434/2 ، يعني أن من يقدر على ثبات التضاد بين الذوات يجب ألا يكون له ضدّ.

7) الوضوح والوضح: البياض، والبهمة: السواد.

بالبُهْمَةِ، والجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، والحُرُورَ بالصَّرَ دِ(1)، مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُقَارِنٌ(2)بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا ، مُقَرِّبُ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، لا يُشْمَلُ بِحَدِّ، ولا يُحْسَبُ بِعَدِّ، وإِنَّمَا تَحدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشِيرُ الآلاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ، مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) القِدْمَةَ(3)، وحَمَتْهَا (قَدُّ) الأزَلِيَّةَ(4)، وجَنَّبَتْهَا (لَولَا) التَّكْمِلَةَ ، بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلعُقُولِ، وبِهَا امْتَنَعَ(5)عَن نَظَرِ العُيُونِ، لا يَجْرِي عَلَيْهِ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ، وكَيْفَ يَجْرِي عَلَيهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، ويَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، ويَحْدُثُ فِيهِ مَا هُو أَحْدَثَهُ؟ إِذًا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، ولَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، ولامْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءُ؛ إذ وُجِدَ لَهُ أمَامٌ ، ولا لْتَمَسَ التَّامَ؛ إذ لَزِمَهُ التَّقْصَانُ، وإِذًا لَقَامَتْ آيَةُ المَصْنُوع فيهِ، ولَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أَن كَان مَدْلُولًا عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامْتِنَاع مِن أن يُؤثرَ فِيهِ مَا يُؤثر فِي غَيْرِهِ.


1) حاشية: الصرد: البرد، فارسي معرب ، وصرد الرجل يصردُ صَرَدًا، إذا وجد البرد سريعا.

2) في الأصل مقارب، وما أثبت من س، م، ب، ع.

3) وكذا في ع أيضًا وبالنصب في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في س، ج، م، ب؛ وذكر في المنهاج 2/ 431 هذه كلمات أوردها (علیه السّلام) تأكيدًا لما ذكره في أول الخطبة من الثناء على الله، وتحقيقا لما وصفه به.

4) ضبطت قد في الأصل بالبناء على السكون، وبلا ضبط في ج، وبكسر الدال في ب، وبالضم في م، س: قد، وفي حاشيتها: القدمة الأزلية ، والمعنى أن الله تعالى هو المتوحد في القدم.

5) حاشية: بها امتنع، أي: يخلقها والمعنى: إن من يقدر على خلق الآلات لا يرى، والأولى أن يكون المعنى: إن هذه الآلات لا يمكن النظر بها إلى الصانع تعالى.

الذي لا يحول ولا يَزُولُ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ(1)، لَم يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُودًا، ولَم يُولَدْ فَيَصِيرَ(2)مَحدُودًا. جَلَّ عَنِ الْخَاذِ الأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ(3)عَن(4)مُلامَسَةِ النِّسَاءِ. لا تَنَالُهُ الأوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، ولا تَتَوَهَّمُهُ الفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، ولا تُدْرِكُهُ الحَوَاسُ فَتُحِسَّهُ(5)، ولا تَلْمُسُهُ الأَيْدِي فَتَمَسَّهُ، لا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، ولا يَتَبَدَّلُ فِي الأَحْوَالِ، ولا تُبْلِيهِ اللَّيالي والأيَّامُ، ولا يُغَيِّرُهُ الضّياءُ والظَّلامُ، ولا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ ولا بالجوارح «47 أ» والأَعْضَاءِ ، ولا بِعَرَضِ مِنَ الأَعْرَاضِ ، ولا بالغَيْرِ والأَبْعَاضِ، ولا يُقَالُ: لَهُ حَلٌّ ولا نِهَايَةٌ، ولا انْقِطَاعٌ ولا غَايَةٌ، ولا أَنَّ الأشْيَاءَ تَحْوِيْهِ فَتُقِلَّهُ أو تُهوِيَهُ(6)، أو أنَّ شَيْئًا يَحْمِلُهُ فَيُمِيْلُهُ أو يَعْدِلُهُ. لَيْسَ فِي الأَشْيَاءِ بِوَالِجِ، ولا عَنْهَا بِخَارِج، يُخْبِرُ لَا بِلِسَانِ وَهَوَاتٍ، ويَسْمَعُ لا بِخُرُوقِ وأَدَوَاتٍ، يَقُولُ ولا يَلْفِظُ، ويَحْفَظُ(7)ولا يَتَحَفَظُ، ويُرِيدُ ولا يُضْمِرُ، يُحِبُّ ويَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ، ويُبْغِضُ ويَغْضَبُ مِن


1) الأفول: الغياب.

2) س، م: فيكون.

3) الظاهر أنها كانت بالضم في الأصل، وصوبها أحدهم إلى الفتح، وبالفتح أيضًا في ج، وفوق الفتحة ضمة رسمت بمداد أحمر، والفعل بالفتح والضم.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: من، وكذا في س، م.

5) في حاشية الأصل: فَتَحُسَّهُ، وكذا في س، م.

6) س، م: تُهوِيهِ.

7) حاشية: يحفظ، أي يحفظ غيره، ولا يشفق على نفسه فيتحفظ؛ لأنه لا يخاف أن تبدر إليه بادرة كما يحن - كذا وقد التبست على الناسخ أيضًا فوضع بجنبها صح - .

غَيْرِ مَشَقَّةٍ، يَقُولُ لَا أَرَادَ كَونَهُ كُن فَيَكُونُ(1)، لا بِصَوْتِ يُقْرَعُ(2)، ولا نِدَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّمَا كَلامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلُ مِنْهُ أَنْشَأَهُ ومَثَلَهُ(3)، لَم يَكُن من قَبْلُ ذَلِكَ كَائِنًا، ولَو كَانَ قَدِيْا لَكَانَ إِلهَا ثَانِيًا.

لا يُقَالُ: كَانَ بَعْدَ أَنْ لَم يَكُن، فَتُجْرَى عَلَيهِ الصِّفَاتُ المُحْدَثَاتُ،ولا يَكُونُ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ فَصْلٌ ، ولا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلُ، فَيَسْتَوِي الصَّانِعُ والمَصْنُوعُ ، ويَتكَافَأ المُبْتَدِعُ والبَدِيعُ .

خَلق الخلائق عَلَى غَيْرِ مِثَالِ خَلا(4)مِن غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِن عَلَى خَلْقِهَا بأَحَدٍ مِن خَلْقِهِ، وأَنْشَأ الأرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِن غَيْرِ اشْتِغَالِ، وَأَرْسَاهَا علي غَيْرِ قَرَارٍ ، وأَقَامَهَا بغیر قَوَائِمَ ، ورَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ ، و حصنها من الأَوَدِ(5)والاعْوِجَاج، ومَنَعَهَا مِنَ التَّهَا فُتِ(6)والانْفِرَاجِ(7).

أرْسَى أَوْتَادَهَا ، وضَرَبَ أسْدَادَهَا(8)، واسْتَفَاضَ عُيُونَهَا ، وخَدَّ(9)أوْدِيَتَهَا، فَلَم يَهِنْ مَا بَنَاهُ، ولا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ.


1) البقرة 117/2.

2) س، م، ج: يَقْرَعُ.

3) حاشية: مثله: جعله مثالاً لمن يستضيء بمصابيحه.

4) خلا: مضى وسبق.

5) الأود: الاعوجاج.

6) حاشية: التهافت: السقوط.

7) الانفراج في المنهاج 2/ 430 : الانفصال، وأوتاد الأرض: جبالها.

8) الأسداد: جمع سدّ وقد يضمّ، وهو كل ما حال وحجز بين شيئين.

9) حاشية الأصل عن نسخة: حَدَّ، والخدّ في شرح ابن ميثم 91/4: الشق.

هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وعَظَمَتِهِ، وَهُوَ البَاطِنُ(1)لَهَا بِعِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ والعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلالِهِ وَعِزَّتِهِ، لَا يُعْجِرُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، ولا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، ولا يَحْتَاجُ إلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ.

خَضَعَتِ الأَشْيَاءُ لَهُ، وذَلَّتْ(2)مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لا تَسْتَطِيْعُ الهرَبَ مِن سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، فَتَمْتَنِعَ مِن نَفْعِهِ وضَرُهِ، ولا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِيَهُ، ولا نَظِيرَ فَيُسَاوِيَهُ، وهُوَ المَفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا.

ولَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِن إِنْشَائِهَا واخْتِرَاعِهَا، وكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِن طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، وَمَا كَانَ مِن مُرَاحِهَا(3)وَسَائِمِهَا ، وأصْنَافِ أَشْبَاحِهَا(4)وأجْنَاسِهَا ومُتَبَلّدَةِ أُممَها وأكْيَاسِهَا(5)عَلى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إحْدَاثِهَا، ولا عَرَفَتْ


1) حاشية: بطنت الشيء: علمت مكنونه، وطَلَبَهُ في الحاشية : فَيَطْلُبَهُ.

2) س، م: فَذَلَّتْ، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في ج، وتحت الفاء واو رسمت بالمداد الأحمر.

3) حاشية: المراح: التي تُرَاح إلى ثويتها، وفي القاموس، المراح: الموضع يروح منه القوم أو إليه، وفي شرح ابن ميثم 269/2 : المكان الذي تأوي إليه الماشية بالليل، وقال في 91/4 مراحها: ما يراح منها في مرابطها ومعاطنها ، وسائمها : ما أرسل منها للمرعى.

4) كذا في ب، وفي س، م، ج، ع: أسْنَاخِهَا، وكذا في شرح ابن ميثم 91/4، وفيه: أسناخها: أصولها.

5) المتبلدة: ذو البلادة، وهي ضد الذكاء، والأكياس : ذوو الذكاء والفهم.

كَيْفَ السَّبِيلُ إلَى إِيجَادِهَا، ولَتَحَيَّرت عُقُوها فِي عِلْمٍ ذَلِكَ، وتَاهَتْ، وعَجَزَتْ قُوَاهَا(1)، وتَنَاهَتْ، ورَجَعَتْ خَاسِئَةٌ حَسِيرَةً(2)عَارِفَةٌ بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةٌ بالعَجْزِ عَن إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَةٌ بِالضَّعْفِ عَن إِفْنَائِهَا.

وإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعُودُ(3)بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بلا وقْتِ ولا مَكَانٍ، ولا حِيْنِ ولا زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الأَجَالُ والأَوْقَاتُ، وزَالَتِ السُّنُونَ والسَّاعَاتُ، فلا شَيْءَ إِلَّا الوَاحِدُ القَهَّارُ(4)الذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَميع الأمُورِ . بلا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاهُ خَلْقِهَا، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا، ولَو قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا لَم يَتَكَاءَ دُهُ(5)صُنْعُ(6)شَيْءٍ مِنْهَا ؛ إذ صَنَعَهُ، ولَم يَؤُدُهُ(7)مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ وَخَلَقَهُ، ولَم يُكَوِّنُهَا «47 ب» لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، ولا خَوْفٍ مِن زَوَالٍ ونُقْصَانٍ، ولا لِلاسْتِعَانَةِ بَهَا


1) ع: قوائمها .

2) حسيرة في المنهاج 2 / 430 : منقطعة معيبة.

3) تقدمت (يعود) على (سبحانه) في س، م، ج.

4) حاشية: بمعنى أن الباري جلت عظمته بخلاف الواحد منا إذا فعل فعلاً استحيت ؟ أعضاؤه فكره عمله من هذه الحمقة بخلاف الباري تعالى فإنه يفعل ما يفعل الأمر معالجه ولا استحثاث آلة.

5) تكاءده الأمر: شقّ عليه وصعب.

6) حاشية: صنع.

7) آده: أثقله .

عَلَى نِدٌ مُكَاثِرٍ، ولا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِن ضِدَّ مُثَاوِرٍ(1)، ولا لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، ولا يُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكَةٍ(2)، ولا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَن يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا، ثُمَّ هُوَ يُفْنِيْهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي صْرِيفِهَا يفِهَا وتَدْبِيرِهَا ، ولا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، ولا لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ.

لا يُمِلُّهُ(3)طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الفَنَاءِ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، ولا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْها(4)، ولا لانْصِرَافٍ مِن حَالِ وَحْشَةِ إِلَى حَالِ اسْتِثْنَاسِ، ولا مِن حَالِ جَهْلِ وعَمِّى إِلَى عِلْمٍ والتماسِ(5)، ولا مِن فَقْرِ وَحَاجَةٍ إِلَى غِنِّى وَكَثْرَةٍ، ولا مِن ذُلِّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزّ وقُدْرَةٍ(6).


1) حاشية: المثاورة: المواثبة، وفي القاموس: ثاوره مشاورة وثوارًا: واثبه. وما كان من الأفعال على وزن فاعل كثيرًا ما يأتي مصدره أيضًا على وزن مفاعلة وفعال. المحقق، وفي المعارج 145 المثاورة : الملاطمة والمراكلة، والمراكلة: المخاصمة.

2) ب، ج: شُرِكِهِ.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: لم يُمِلَّهُ.

4) في الأصل: عليها وما أثبت في حاشية الأصل، وس، م، ج، وفي ع: عليهما.

5) حاشية: التماس: يعني أن يلتمس من غيره أن يعلم.

6) الخطبة برقم 232 في الشرح 13 / 48 - 63 ، والخطبة برقم (229) في شرح ابن ميثم 89/4 ، وبرقم 184 في مصدر سابق 2/ 475 - 477 .

[187] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) تَخْتَصُّ بذِكْر الملاحِمِ

ألا بِأبي وأمي هُم(1)مِن عِدَّةٍ أَسْمَاؤهُم فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ(2)، وفي الأَرْضِ عَجْهُولَةٌ، أَلا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِن إِدْبَارِ أَمُورِكُم، وانْقِطَاعِ يُصَلِكُم ، واسْتِعْمَالِ صِغَارِكُم، ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدَّرْهَم مِن حِلَّهِ، ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ المُعْطَى أَعْظَمَ أَجْرًا مِنَ الْمُعْطِي(3)، ذَاكَ حَيْثُ تَسْكُرُونَ مِن غَيْرِ شَرَابٍ، بَل مِنَ النِّعْمَةِ، والنَّعِيم، وتَحْلِفُونَ(4)مِن غَيْرِ اضْطِرَارِ، وتَكْذِبُونَ مِن غَيرِ إحْرَاج(5)،


1) هم: ليست في س، م، و ألحقت في ج بمداد أحمر، وذكر ابن ميثم في شرحه 4 / 110 أن الضمير إشارة إلى أولياء الله فيما يستقبل من الزمان بالنسبة إلى زمانه (علیه السّلام)، وقالت الشيعة: إنه أراد الأئمة لوده (علیهم السّلام)، و قال ابن أبي الحديد في الشرح 66/13 : الإمامية تقول: هذه العدة هم الأئمة الأحد عشر تعرفها الملائكة المعصومون، أعلمهم الله بأسمائهم.

2) في حاشية الأصل بخط الناسخ: (إشارة إلى صَاحِبِ الأمر المهدي (علیه السّلام))، والعنوان في س، م: ومن خطبة له في الملاحم وسقطت كلمة تختص من ج؛ وذكر في المنهاج ، /439/2 أنه أشار أولا إلى أحد عشر من أولاده الأئمة المعصومين من بعده، وقال: إن الملائكة في السماء يعرفونهم، وأكثر أهل الأرض يجهلونه.

3) في الحاشية: كأن هذا إشارة إلى وقت تهوش تحصله الدنيا قبل خروج صاحب الأمر (علیه السّلام)، فقوله (علیه السّلام): يكون المعطى أعظم أجرًا، كأنه إشارة الى المستحق الذي ما يجد شيئًا، والمعطي إنما لا يكون له بواب؛ لأنه لا يعطي من المال الحلال بدليل قوله (علیه السّلام): حيث تكون ضربة السيف إلى آخره.

4) ع: وتختلفون.

5) أحرجه: ألجأه وضيق عليه.

ذاكَ إِذَا عَضَكُمُ البَلاءُ كَمَا يَعَضُّ القَتَبُ غَارِبَ البَعِير(1)، مَا أطْوَلَ هَذَا العَناءَ، وأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ.

أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هَذهِ الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَثْقَالَ مِن أَيْدِيكُم، ولا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُم فَتَذْمُّوا غِبَّ(2)فَعَالِكُمْ. ولا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلَكُم(3)مِنْ فَورِ نَارِ هَذِهِ(4)الفِتْنَةِ، وأَمِيْطُوا عَن سَنَيْهَا، وخَلَّوا قَصْدَ(5)السَّبِيلِ لَهَا ، فَقَد لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي هَبِهَا المُؤْمِنُ، ويَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسْلِمِ(6).

إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُم مَثَلُ السَّرَاج فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ(7)مَن وَجَهَا، فاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ ، وعُوا، وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُم تَفْهَمُوا(8).


1) القتب في المنهاج 2 / 440: رحل صغير على قدر السنام، والغارب : ما بين السنام والعنق.

2) تصدّعوا: تفرّقوا، وغبّ كل شيء: عاقبته.

3) في الأصل: استقبلتم، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في النسخ المعتمدة.

4) هذه: ليست في النسخ المعتمدة، ولا في شرح ابن ميثم 110/4 وفور النار وفيه: تلهبها وشدة حرها .

5) مطتُ: تنحيت عنه، والسنن: القصد، والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة.

6) كذا في ع أيضًا، ومن هنا إلى نهاية الخطبة بخط مختلف في س، ومن دون ضبط، وساقط من م، وله إحالة الحاشية ب، وقد ذهبت بعض حروفه بسبب الترميم، وكتب بمداد أحمر في ج.

7) في الأصل: بها ، وكذا في س، وما أثبت في ب، ج، ع.

8) الخطبة برقم 233 في الشرح 13 / 65 - 66 ، وبرقم (230) في شرح ابن ميثم 109/4-110 وبرقم 185 في مصدر سابق 478/2 - 479 ، ونقل المؤلف عن المدائني أنه خطب بها (علیه السّلام) بعد انقضاء أمر النهروان، وفي ذكر مصادرها ينتهي الجزء الثاني منه.

[188] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

أوصِيْكُم أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُم، ونَعْمَائِهِ عَلَيْكُم ، وبَلائِهِ لَدَيْكُم، فَكَم(1)خَصَّكُم بِنِعْمَةٍ، وتَدَارَكَكُم بِرَحْمَةٍ. أَعْوَرْتُم(2)لَهُ فَسَتَرَكُم، وَتَعَرَّضْتُم لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُم.

أُوصِيْكُم بِذِكْرِ المَوْتِ ، وإقْلالِ الغَفْلَةِ عَنْهُ، وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُم، وطَمَعُكُم فِيمَنْ(3)لَيْسَ يُمْهِلُكُم، فَكَفَى وَاعِضًا بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُم، حُمّلُوا إِلَى قُبُورِهِم غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأُنْزِلُوا فِيْهَا غَيْرَ نَازِلِينَ،

كَأَنَّهُم لَم يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمارًا ، وكَأَنَّ الْآخِرَةَ لَم تَزَلَ لَهُم دَارًا ، أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ(4)، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، واشْتَغَلُوا(5)فَارَقُوا وأضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا(6)، لا عَن قَبِيحِ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالًا،


1) ب: وكم.

2) حاشية: الاعوار الريبة عن أبي عبيد، وهذا مكان معور، أي: يخاف فيه القطع، واعور لك الصد؟ أي: أمكنك ، واعور الفارس ، إذا بدا فيه موضع خلل الضرب، وفي شرح ابن ميثم 4 / 113 : أعورتم: أبديتم عوارتكم ، والعورة: السوءة، وكلما يستحى منه.

3) س، م: فيما.

4) في المنهاج 442/2، أي: جعلوا الآخرة التي هي وطنهم وحشة بأن لم يعمروها، واستوطنوا الدنيا التي يتركونها عن قليل

5) ب: فاشتغلوا.

6) حاشية : انشغلوا بما فارقوا، بمعنى أنهم انشغلوا بالدنيا التي فارقوها، وأضاعوا الآخرة التي انتقلوا إليها.

ولا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَادًا. أَنِسُوا بالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُم، ووَثِقُوا بها فَصَرَّعَتْهُم، فَسَابِقُوا رَحِمكُم اللهُ إلَى مَنَازِلِكُم «48أ» الَّتِي أُمِرْتُم أن تَعْمُرُوهَا ، والَّتِي رُغْبْتُم فِيْهَا، وَدُعِيتُم إِلَيْهَا ، واسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُم، بالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، والمُجَانَبَةِ لَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَدًا مِنَ اليَوْمِ قَرِيبٌ، مَا أسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي اليَوْمِ(1)، وأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ ، وأَسْرَعَ الشُّهُورَ في السنة(2)، وأسْرَعَ السِّنِينَ فِي العُمْر(3)

1 - آخر الجزء الأول من كتاب نهج البلاغة يتلوه في الجزء الثاني من خطبه لمولانا أمير المؤمنين (علیه السّلام): فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، وكتب الحسين بن الحسن المؤدب حامدًا الله ومسلمًا على رسوله محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا.

2 - قَرَأَ عَلَيَّ هذا الجزء شَيْخِي الفَقِيهُ الأصلَحُ أبو عبد الله الحُسَين رَعَاهُ الله، وكتب محمد بن علي بن أحمد بن بندار بخطه في جمادى آخرة سنة تسع وتسعين وأربعمائة هجرية عظم الله يمنها بِمَنَه.

3 - حاشية لا علاقة لها بالمخطوط حول الطلاق، وختم قديم لم أتبينه بفعل الضرر الذي أصابه، وختم مكتبة آية الله العظمى مرعشي نجفي - قم.

4 - الصفحة 175 من المخطوط بيضاء.

.

1) حاشية: قوله: ما أسرع الساعات في اليوم. أي: في أفناء اليوم، وكذلك الباقي..

2) في الأصل: السنين، وكذا في ع، وما أثبت في حاشية الأصل، وفي س، م، ج. والخطبة برقم 234 في الشرح 13 / 68 - 69 ، وخرجت في مصدر سابق 3/ 17 برقم 186 من كتاب الإعجاز والإيجاز للثعالبي، وهي برقم (231) في شرح ابن ميثم 113/4..

3) ورد في نهاية الصفحة 174 من نسخة ب الآتي:

[189] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

*[189] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)(1)

فَمِنَ الإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتا مُسْتَقِرًّا فِي القُلُوبِ، ومِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ(2)بَيْنَ القُلُوبِ والصُّدورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا كَانَ لَكُم بَرَاءَةٌ مِن أَحَدٍ(3)فِي أَهْلِ الأَرْضِ حَاجَةٌ مِن مُسْتَسِرِّ الأُمَّةِ ومُعْلِنِهَا ، لا يَقَعُ اسْمُ الهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ(4)فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ المَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ البَرَاءَةِ.

والهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدَّهَا الأَوَّلِ، مَا كَانَ اللهِ تعالى(5)إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الحُجَّةِ فِي الأَرْضِ ؛ فَمَن عَرَفَهَا وأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَلَا يَقَعُ اسمُ الاسْتِضْعَافِ عَلَى مَن بَلَغَتْهُ الحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ، ووَعَاهَا قَلْبُهُ.

إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصَعِبٌ لا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا عَبْد(6)امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ


1) قبل العنوان في بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) وقد كتبت بخط مختلف أحدث من خط الأصل، والعنوان فيها (ومن خطبة لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه). بعدها في ج ، ع ضمن العنوان (في الملاحم).

2) العواري : جمع عارية، قيل : كأنها منسوبة إلى العار؛ إذ في طلبها عار.

3) حاشية: يمكن أن يكون إشارة إلى ما كان يتعاطاه مع المنافقين؛ فإنه (علیه السّلام) كان إذا صلى على المنافق كبر أربعًا، فيعلمون أنه منافق، يشير بذلك إلى أنه عند الموت تقع البراءة، وتصح بعلامة التكبيرات، وقيل: بل كان (علیه السّلام) يقول : إذا تبرأتم من أحد فتربصوا به الموت، فإنه ربما يتوب ويرجع ، وقيل : أي : إذا تبرأتم من إنسان لاعتقاده الباطل فانتظروا به ما يخرج عليه من الدنيا، فإنه ربما يكون معتقدًا للحق ونلتم اعتقاده.

4) تعالى ليست في الأصل، وهي في س، م، ج.

5) حاشية: لما ذكر (علیه السّلام) حديث البراءة أعلم أن الله تعالى.

6) بعدها في ع: مؤمن.

لِلإِيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إلا صُدُورٌ أمِيْنَةٌ ، وأَحْلامٌ رَزَيْنَةٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَن تَفْقِدُونِي(1)، فَلَأنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطْرُقِ الأَرْضِ(2)قَبْلَ أَن تَشْغَرَ(3)بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأَ فِي خِطَامِهَا(4)، وتَذْهَبُ بِأَحْلامِ قَوْمِهَا(5).

[190] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

أَحمدُهُ شُكْرًا لإنْعَامِهِ، وأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِف(6)حُقُوقِهِ. عَزيزَ الجُنْدِ، عَظِيمَ المَجْدِ ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وقَاهَرَ(7)أَعْدَاءَهُ، جِهَادًا عَن دِينِهِ، لا يَثْنِيهِ(8)عَن ذَلِكَ اجْتِمَاعُ عَلَى


1) في المعارج 191 : «هذا من جملة الغيب الذي سمعه أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

2) في المعارج 352 : أنا عالم بالعلوم السماوية كما أنا عالم بالعلوم الأرضية.

3) شغرت البلدة: : إذا خلت عن مدبرها، وفي المنهاج 2 / 448، أي: ترفع، وهو مستعار من شعر الكلب يشغر، إذا رفع إحدى رجليه ليبول.

4) الخطام في المنهاج 2/ 448: الزمام ، والبعير إذا ترك خطامه ولم يكن معقولاً ذهب حيث شاء.

5) الخطبة برقم 235 في الشرح 13/ 69 - 70 ، وفيه (قصة واعظ مشهور ببغداد)، وهي في شرح ابن میثم 4 / 115 برقم (232)، وينظر في تخريجها مصدر سابق 19/3 - 20 برقم 187.

6) الوظيفة : ما يقدر للإنسان في كل يوم من طعام أو رزق أو عمل، والوظائف في المنهاج 2/ 448، جمع وظيفة، وهي في الأصل ما يكون كل يوم من طعام أو رزق.

7) في حاشية الأصل عن نسخة: وقهر.

8) يثنيه: يصرفه.

تَكْذِيبِهِ، والتماس لإطْفَاءِ نُورِهِ، فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِيْقًا عُرْوَتُهُ، ومَعْقِلا(1)مَنِيْعًا ذِرْوَتُهُ، وبَادِرُوا المَوْتَ فِي غَمَرَاتِهِ(2)، وامْهِدُوا لَهُ(3)قَبْلَ حُلُولِهِ، وأعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الغَايَةَ القِيَامَةُ، وكَفَى بِذلِكَ وَاعِظًا لَن عَقَلَ، ومُعْتَبَرًا لَمَن جَهِلَ. وقَبْلَ بُلُوغ الغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِن ضِيقِ الأَرْمَاسِ، وشِدَّةِ الإبلاس، وهَوْلِ المُطَّلَعِ(4)، ورَوْعَاتِ(5)الفَزَعِ ، واخْتِلافِ الأضلاع، واسْتِكَاكِ(6)الأَسْمَاعِ، وظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وخِيفَةِ الوَعْدِ، وغَمُ الطَّرِيحِ ، ورَدْمِ الصَّفِيْحِ(7).

فالله اللهَ عِبَادَ اللهِ، فإنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُم عَلَى سَنَنِ(8)، وأَنتُم والسَّاعَةُ فِي قَرَنِ(9)، وكَأَنَّهَا قَد جَاءت بأشْرَاطِهَا، وأزِفَتْ بِأفْرَاطِهَا(10)، ووَقَفَتْ بِكُم عَلَى صِرَاطِهَا(11)، وكَأَنَّها قَد أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا، وَأَنَا خَتْ


1) المعقل: الملجأ.

2) غمرة الشيء: في القاموس : شدته، والجمع : غمرات.

3) مهد له، أي: اتخذ له مهادًا، وهو الفراش.

4) الأرماس: جمع رمس، وهو القبر، والإبلاس: الانكسار والحزن، والمطلع: الاطلاع.

5) الروعات في المنهاج 449/2 : الإفزاع الشديد

6) حاشية: الاستكاك: الانسداد.

7) الصفيح: الحجارة العراض.

8) السنن : الطريقة.

9) القرن: الحبل يقرن به بعيران.

10) أشراطها: علاماتها ، وأزفت: دنت، وأفراطها: مقدماتها، ومنه أفراط الصبح أوائل تباشيره.

11) س، م، ب، ج، ع: سراطِهَا .

بِكَلاكِلِهَا(1)، وانْصَرَمَتِ(2)الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا ، وأُخْرِجْتُم مِن حِضْنِهَا(3)، فكَانَت كَيَومِ مَضَى، وشَهْرٍ تَقَفَّى(4)، وصَارَ جَدِيْدُهَا رَنًّا، وسَمِيْنُهَا غَثّا(5)، فِي مَوْقِفِ ضَنْكِ(6)المَقَامِ، وأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا ، عَالٍ جَبْهَا(7)، سَاطِعِ هَبُهَا، مُتَغَيِّظٍ زَفِيْرُها ، مُتَأجِّجِ سَعِيرُهَا(8)، بَعِيدٍ خُودُهَا، ذَاكِ وُقُودُهَا(9)، مَخُوفٍ وَعِيْدُهَا، عَم قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةِ قُدُورُهَا ، فَظِيعَةٍ أَمُورُهَا(10)وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا(11)قَد أُمِنَ العَذَابُ، وَانْقَطَعَ العِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ ، واطْمَأَنَّت بهم الدَّارُ ، ورَضُوا المَثْوَى(12)والقَرَارَ الذِينَ كَانَت أَعْمَاهُم «48 ب» فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً ، وأَعْيُنُهُم بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُم في


1) كلاكل في المنهاج 2/ 450 ، أي : بصدورها.

2) في الأصل: وانصرفت ، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

3) حاشية: الحضن: ما دون الأبط إلى الكشح، وفي القاموس : الكشح ما بين الخاصرة إلى الضّلَع الخلف.

4) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ب، ج: انقضى.

5) الرثّ: الخلق، والغثّ : المهزول.

6) حاشية: الضنك: الضيق.

7) الكلب: الشّر، اللجب: الصوت.

8) سعيرها: لهبها .

9) وقودها: إيقادها.

10) فظاعة الأمر : شدته ومجاوزته للمقدار.

11) الزمر 73/39 ، والزمر: الجماعات.

12) زحزحوا: بعدوا، اطمأنت: سكنت، المثوى: المقام.

دُنْيَاهُم نَهَارًا(1)تَخَشُعًا وَ اسْتِغْفَارًا ، وكَانَ نَهَارُهُم لَيْلًا تَوَحُشًا وانْقِطَاعًا، فجَعلَ اللهُ لَهُم الجَنَّةَ مابًا(2)والجَزَاءَ ثَوَابًا(3)، وَكَانُوا أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا(4)فِي مُلْكِ دَائِمِ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ، فَارْعَوا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُم، وبإضَاعَتِهِ تَخْسَرُ مُبْطِلُكُم.

وبَادِرُوا آجَالَكُم بِأَعْمَالِكُم ، فإنَّكُم مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُم، ومَدِيْنُونَ بِمَا قَدَّمْتُم ، وكَأَنْ قَد نَزَلَ بِكم(5)المخُوفُ، فَلا رَجْعَةً تَنَالُونَ، ولا عَشْرَةً تُقَالُونَ.

اسْتَعْمَلَنَا اللهُ وإِيَّاكُم بِطَاعَتِهِ وطَاعَةِ رَسُولِهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(6)، وعَفَا عَنَّا وعَنْكُم بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.

الزَمُوا الأَرْضَ واصْبِرُوا عَلَى البَلاءِ، ولا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُم وسُيُوفِكُم هَوَى أَلْسِنَتِكُم، ولا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَم يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُم، فَإِنَّه مَن مَاتَ مِنْكُم عَلَى فِرَاشِهِ، وهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ(7)، وحَقٌّ رَسُوله وأَهْلِ بَيْتِهِ(8)مَاتَ شَهِيدًا، ووَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا


1) في حاشية الأصل عن نسخة: كأنّ لنهارهم في دنياهم نهار، وفي أخرى: كأنّ نهارهم ليل.

2) المآب: المرجع.

3) في س، م، ب ، ع فجعل الله الجنة ثوابًا، وكذا في ج، ولكن جملة الجزاء ثوابا ليس فيها .

4) الفتح 48 / 26 .

5) في الأصل: بهم، وما أثبت من حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في ب، ج، ع.

6) الصلاة على النبي : زيادة من ع، س، م ، والآل من ع.

7) بعدها في س، م: عزَّ وجَلَّ.

8) بعدها في س، م: صلوات الله عليه وعليهم، ع: عليهم السلام.

نَوَى مِن صَالِحٍ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ بِسَيْفِهِ، فَإِنَّ(1)لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وأَجَلا(2).

[191] ومِن خُطْبَة له (علیه السّلام)

الحَمْدُ ِللَّهِ الفَاشي(3)حَمدُهُ ، والغَالِبِ جُنده، والمتعالي جَدُّه(4)، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤَامِ، وآلائِهِ(5)

353 ، أي : التي يتبع بعضها بعضًا.

العِظَامِ، الذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى ، وعَلِمَ مَا(6)يَمْضِي وَمَا مَضَى. مُبْتَدِعُ الخَلائِقِ بِعِلْمِهِ، ومُنْشِئُهُم بِحُكْمِهِ بِلا اقْتِدَاءِ ولا تَعْلِيمِ، ولا احْتِذَاءٍ لِثَالِ صَانِعِ

1) س: وإنَّ، وكذا في ج، وكتب الناسخ بمداد أحمر فإن.

2) الخطبة في الشرح 76/13 - 77 ، وقال : (واعلم أن هذه الخطبة من أعيان خطبه (علیه السّلام)، ومن ناصع كلامه ونادره، وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسنة البريئة من التكلف ما لا يخفى، وقد أخذ ابن نباتة الخطيب كثيرًا من ألفاظها فأودعها خطبه) ورقمها (233) في شرح ابن ميثم 4 / 120 - 121 ، وينظر في تخريجها مصدر سابق /23 - 24 برقم 188 .

3) الفاشي : الذائع والمنتشر.

4) الجد هنا: العظمة، ومنه حديث أنس: كان أحدنا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا، أي: عظم.

5) ؤام: جمع توأم ؛ وحقيقته الولد يقارنه ولد آخر في بطن واحد. قال الخليل: أصله ووأم على وزن فوعل، فأبدلوا من إحدى الواوين تاء، كما قالوا: تولج من وولج، والآلاء: النعم، واحدتها ألى بالفتح، وقد يكسر كحرف الجرّ، والتؤام في المعارج

6) ج، ع: بما.

حَكِيمٍ، ولا إِصَابَةِ ولا إصابَةِ خَطَاً، ولا حَضْرَةِ مَلا(1). وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(2)، ابْتَعَثَهُ والنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، ويَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ(3). قَد قَادَتْهُم أَزِمَّةُ الحَيْنِ، واسْتَغْلَقَت عَلَى أَفْئِدَتِهِم(4)أَقْفَالُ الرَّيْنِ(5).

أُوصِيكُم - عِبَادَ اللهِ - بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقٌّ اللهِ عَلَيْكُم، والموجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُم، وأن تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ، وَتَسْتَعِيْنُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى فِي اليَومِ الحِرْزُ والجُنَّةُ، وفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. مَسْلَكُهَا واضِحٌ وسَالِكُهَا رَابِحٌ، ومُسْتَودَعُهَا حَافِظٌ، لَم تَبْرَحُ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلَى الأُمَمِ المَاضِينَ والغَابِرِينَ(6)حاجَتِهِم إِلَيْهَا غَدًا إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا بَدَأ، أو أخَذَ مَا أَعْطَى، وسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى(7)، فَما أَقَلَّ مَنْ قَبلَهَا وحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا؛ أُولئِكَ الأَقَلُّونَ عَدَدًا، وهُم أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ إذ يَقُولُ: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(8)، فَأَهْطِعُوا(9)بأسْمَاعِكُم إِلَيْهَا، وَوَاكِظُوا


1) حاشية: ولا حضرة ملأ:، أي: يعلَّمُهُ الملأ الصواب، بل هو عالم بجميع ذلك.

2) بعدها في س، م: صلوات الله عليه وسلم، وفي ع: صلى الله عليه وآله.

3) الضرب: السير، والغمرة: ما يغمر العقل من الجهل، والغمرة: الشدَّة أيضًا، ويموجون في حيرة في المعارج 353، أي: يضطربون.

4) في حاشية ج: قلوبهم.

5) الحين بالفتح: الهلاك ، والرين : الطبع، وغلبة الذنوب حتى تتغطى عن البصيرة.

6) الغابر: الباقي ولماضي أيضًا.

7) أسدى: أرسل معروفه .

8) سبأ 13/34.

9) كذا في ب أيضًا وفي ج، س: فانقطعوا، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وفيها أيضًا، هطع فلان، إذا مدَّ عنقه وصوّت، وفي حاشية س عن نسخة كما الأصل، وفي شرح ابن میثم 127/4 أهطع: أسرع.

يجِدُكُم عَلَيْهَا(1)، واعْتَاضُوهَا مِن كُلِّ سَلَفٍ خَلَفًا، ومِن كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقًا، وأيْقِطُوا بِهَا نَوْمَكُم، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُم، وأَشْعِرُوهَا(2)قُلُوبَكُم، وارْحَضُوا(3)بِهَا ذُنُوبَكُم ، ودَاوُوا بِهَا الأَسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الحمام(4)، واعْتَبِرُوا بِمَنْ أضَاعَهَا، ولا يَعْتَبِرَنَّ بِكُم مَنْ أطَاعَهَا؛ ألا وَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا، وكُونُوا عَن الدُّنْيَا نُزَّاهَا(5)، وإلى الآخِرَةِ ولاها(6)، ولا تَضَعُوا مَن رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، ولا تَرْفَعُوا مَن رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، ولا تَشِيمُوا بَارِقَهَا(7)، ولا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا ، ولا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا(8)، ولا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، ولا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا(9)، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ(10)،


1) حاشية: كان في نسخة الأصل وواكظوا الجدكم عليها، والمواكظة: المواظبة والمداومة، وإلى ذلك ذهب ابن ميثم في شرحه 127/4 ، وقال: وروي: كظّوا، أي: الزموا، ولزوم، الشيء في معنى المداومة عليه، وفي المعارج 353: الواكظ الدافع ، يقال : وكظه وكظًا، أي: دفعه.

2) حاشية: تكون الإشعار بمعنى الإعلام والحوران تكون بمعنى جعلك ذلك شعارًا.

3) الرحض: الغسل.

4) في المنهاج 222/2 ، أي : سابقوا مجيء الموت، أي: كونوا متقين.

5) كذا في حاشية الأصل عن نسخة، وفي س، م، ع أيضًا، وفي الأصل: نزها، والنراه في شرح ابن میثم 4/ 127 : جمع نازه ، وهو المباعد عما يوجب الذمّ.

6) الولاه: جمع واله، وهو المتحير من شدة الوجد.

7) الشيم: النظر إلى البرق أين تمطر سحائبه.

8) الناعق: الصائح.

9) حاشية: جمع علق، وهو النفيس.

10) برق خالب وخلّب: لا مطر معه.

ونُطْقَهَا كَاذِبٌ، وأمْواهَا مَحرُوبَةٌ(1)، وأغلاقها مَسْلُوبَةٌ «49أ». ألا وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ العَنُونُ(2)، والجَامِحِةُ الخَرُونُ(3)، والمائِنَةُ الخَؤُونُ، والجَحُودُ الكَنُودُ، والعَنُودُ الصَّدُودُ ، والحيود المیودُ(4). حَالُهَا انْتِقَال(5)، وَوَطَّأَتُها(6)زِلْزَالٌ، وَعِزُّهَا ذُلّ، وجِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلُوهَا سُفْلُ(7)، دَارُ حَرَبٍ وسَلَبٍ ونَهْبٍ وعَطَبٍ. أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ(8)ولَحَاقِ وفِرَاقِ. قَدْ تَخَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا ، وأعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا، فَأَسْلَمَتْهُمُ المَعَاقِلُ، ولَفَظَتْهُم المَنازِلُ، وأعْيَتْهُم المَحَاوِلُ(9)فَمِن نَاجِ


1) مال محروب: مأخوذ بكليته.

2) حاشية : العنون من الدواب: المتقدمة في السير ، وفي شرح ابن يثم 127/4 : المتصدية : المعترضة، والعنون: كثيرة العنن وهو الاعتراض، والعنون أيضًا: الدابة المتقدمة في السير ، والجموح: الدابة التي تغلب فارسها فلا يملكها.

3) حاشية : فرس حرون: لا تنقاد، والحيود: من حاد، أي: مال.

4) من حاد، أي مال، الحرون: الذي إذا اشتد به السوق وقف، والمائنة،: الكاذبة، والكنود: الكفور للنعمة، والعنود: المائلة عن الطريق وعن المرعى، والصدود، المعرضة، والميود،: المتماثلة.

5) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: افتعال، وكذا في م، ج، وفي س أيضًا، وفي حاشيتها انتقال .

6) حاشية: وطأتها، أي: وثارتها، من قولهم: شيء وطيء، أي: وثير.

7) كذا في ع أيضًا، وفي ب: سِفْل، وبضم السين وكسرها في ج.

8) الساق: الشدّة، والسياق، نزع الروح، والسياق مصدر ساقه سوقا وسياقا.

9) المعاقل،: الحصون، وما يلجأ إليه، ولفظتهم: ألقتهم، والمحاول،: جمع محاولة، وهي الحيلة.

مَعْقُور(1)، ولحْمِ تَجْزُورٍ، وشِلْوِ(2)مَذْبُوحٍ، ودَمٍ مَسْفُوحٍ، وعَاضٌ عَلَى يَدَيْهِ، وصَافِقٍ لِكَفَّيْهِ، ومُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ، وَزَارٍ عَلَى رَأْيِهِ، ورَاجِعِ عَنْ عَزْمِهِ. وقَد أَدْبَرَتِ الحِيْلَةُ، وأَقْبَلَتِ الغِيْلَةُ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاص(3). هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، قَد(4)فَاتَ مَا فَاتَ ، وذَهَبَ مَا ذَهَبَ، ومَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا(5)، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(6).


1) ج: نسخت بوجهين: مغفور، معقور، والمعقور،: المجروح..

2) حاشية: الشلو،: العضو من أعضاء اللحم.

3) ص 3/38. في حاشية الأصل: مناص: من النوص،، وهو الهرب، والمناص: هو الملجأ أيضًا، وقال ابن ميثم في شرحه 4 / 128 : لات: حرف سلب، وقال الأخفش: شبهوها بليس، وأضمروا فيها اسم الفاعل ، قال : ولا يكون لات إلا مع حين، وقد تحذف، وقال: قرأ بعضهم (ولات حين مناص) برفع حين، وأضمر الخبر، وقال أبو عبید: هي لا، والتاء إنما زيدت في حين وإن كتبت مفردة، وقال المؤرج: زيدت التاء في لات كما زيدت في ثمت وربّت، وذكر في المعارج 354، أي: ليس وقت تأخر وقرار، وقيل :أي: ليس وقت ملجأ ومفرّ.

4) قد: ليست في ب.

5) البال،: الحال والشأن والأمر، والبال أيضًا: القلب.

6) الدخان 29/44 ، وفي نهاية الآية حاشية في الأصل فيها إشارة إلى قراءة، كتب «بلغت القراءة والحمد لله». والخطبة برقم 237 في الشرح 79/13 - 81 ، وبرقم (223) في شرح ابن ميثم 4 / 126 ، وبرقم 189 في مصدر سابق 3/ 28 ، وعلق المؤلف بقوله: (وسيأتي في الخطبة 194 أن ما رواه الرضي هنا وما رواه هناك خطبة واحدة) ورقم الخطبة المشار إليها فى هذه الطبعة 196.

[192] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذِهِ الخُطْبَةَ القَاصِعَةَ

*ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذِهِ الخُطْبَةَ القَاصِعَةَ(1)

وهِيَ تَتَضَمَّنُ ذَمَّ إِبْلِيسَ عَلَى اسْتِكْبَارِهِ وتَرْكِهِ السُّجُودَ لآدَمَ (علیه السّلام)، وأنَّهُ(2)أَوَّلُ مَن َأظْهَرَ العَصَبِيَّةَ ، وتَبِعَ الحَمِيَّةَ، وَتَحْذِيرَ النَّاسِ مِن سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ(3)

الحَمْدُ للهِ الذِي لَبِسَ العِزَّ والكِبْرِيَاءَ، واخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وجَعَلَهُمَا حِمَى وحَرَمًا عَلَى غَيْرِهِ ، واصْطَفَاهُمَا لجَلالِهِ، وجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَن نَازَعَهُ فِيهِمَا مِن عِبَادِهِ، ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ لِيُمَيِّزَ


1) ذكر ابن ميثم في شرحه 4/ 139 أربعة وجوه في سبب تسميها أحدها: أنه (علیه السّلام) خطبها على ناقته وهي تقصع بجرّتها، فجاز نسبة الخطبة إلى الناقة القاصعة، وبسبب كثرة الاستعمال جعلت من صفات الخطبة، والعرب تسمي الشيء باسم لازمه، وثانيها : بسبب تتابع المواعظ والزواجر فيها فأشبهت جرات الناقة وتتابعها، وثالثها: لأنه هاشمة وكاسرة لإبليس، ومحقرة لكل جبار، ورابعها: لأنها تسكن نخوة المتكبرين وكبرهم، فأشبهت الماء الذي يسكن العطش من قولهم : قصع الماء عطشه، أي: سكنه. والقصع: ابلاع الماء والجرة، وقصعت الرجل قصعًا: صغرته، وقصعت هامته: ضربتها ببسط كفك، وقصع الله شبابه: بقي قمينًا ، فهو مقصوع لا يزداد، وأغلب هذا ذكره ابن أبي الحديد في الشرح 13 / 88 - 89 .

2) ج: وهو .

3) كذا فيج أيضًا، وكلمة طريقته فيها طريقه، وفي س، م (تسمى القاصعة وهي طويلة وفيها ذمُّ إبليس والعصبية) ، وما ورد في الأصل كتب في حاشية نسخة س عن نسخة، وكتب في حاشية ج بمداد أحمر.

الْمُتَوَاضِعِينَ مِنهُم مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَه وهو العَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ ومَحْجُوبَاتِ الغُيُوبِ: إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ(1)اعْتَرَضَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأَصْلِهِ، فَعَدُوُّ اللَّهِ إمَامُ الْمُتَعَصَّبِينَ، وَسَلَفُ المُسْتَكْبِرِينَ، الذِي وَضَعَ أسَاسَ العَصَبِيَّةِ، ونَازَعَ اللَّهَ رِدَاءِ الجَبَرِيَّةِ، وادَّرَعَ(2)لِبَاسَ التَّعَزُّز، وخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ، أَلا تَرَونَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللَّهُ بِتكَثِرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ! فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُورًا(3)، وأعَدَّ لَه فِي الآخِرَةِ سَعِيرًا، ولَو أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَن يَخْلُقَ آدَمَ مِن نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَنْهَرُ العُقُولَ رُوَاؤُهُ، وطِيْبٍ يَأخُذُ الأَنْفَاسَ عَرْفُهُ(4)لَفَعَلَ ، ولَو فَعَلَ لَظَلَّت لَهُ الأَعْنَاقُ(5)خَاضِعَةً، وخَفَّتِ البَلْوَى فِيهِ عَلَى الملائِكَةِ، ولَكِنَّ اللهَ سَبحَانَهُ(6)يَبْتَلي خَلْقَهُ بِبَعْضٍ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمِييرًا بِالِاخْتِبَارِ لَهُم، ونَفْيًا لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُم،


1) ص 71/3، 72، 74،73.

2) الجبرية ، والجبروت،: الكبر، وادّرعه : لبسه كالدرع.

3) الدحر،: الطرد.

4) خَطِفَ ، بالكسر يُخطَفُ: أخذ البصر برهة استلابًا، وتبهر العقول، أي: يغلب نوره أنوارها، والرواء: المنظر الحسن، والعرف،: الرائحة الطيبة.

5) س، م: الأعناق له .

6) سبحانه من س، م، ب، ج، ع.

وإبْعَادًا لِلخُيَلاءِ(1)مِنْهُم، فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِن فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ؛ إذْ أحْبَطَ(2)عَمَلَهُ الطَّوِيلَ ، وجَهْدَهُ(3)الجَهِيدَ، وكَانَ قَد(4)عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ لا يُدْرَى أَمِنْ سِنِيِّ الدُّنْيَا أمْ مِنْ سِنِي الآخِرَةِ، عَن(5)كِيْر سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَن بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْل مَعْصِيَتِهِ؛ كَلَّا مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الجَنَّةَ بَشَرًا بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكًا . إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ «49 ب» وأهْلِ الأَرضِ لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ هَوَادَةٌ(6)فِي إِبَاحَةِ حِمِّي حَرَّمَهُ اللهُ(7)عَلَى العَالَمِينَ.

فاحْذَرُوا(8)عَدُوَّ اللَّهِ أَن يُعْدِيَكُم بِدَائِهِ(9)، وأن يَسْتَفِزَّ كُم(10)بِخَيْلِهِ


1) الخيلاء: الكبر.

2) حاشية : أي : حكم بحبوط عمله، إذا لم يكن مقارنا للإخلاص واقعا موقعه، وفي شرح ابن میثم 139/4 الإحباط،: الإبطال.

3) بضم الجيم وفتحها وفوقها معا في الأصل، وكذا في المنهاج 2/ 236 وبفتحها في س، م، ج، ع، والجهد، بفتح الجيم بشرح ابن میثم 139/4 : الاجتهاد.

4) قد: ليست في س، وفي ج: وقد كان.

5) في حاشية الأصل عن نسخة على كبر، وكذا في س، م، وكذا في ج، وكتب في حاشيتها بمداد أحمر: عن.

6) في الحاشية: الهوادة،: حال ترجى معها السلامة، والهوادة في شرح ابن ميثم 139/4 : الصلح.

7) الله: ليست في ب.

8) في حاشية الأصل عن نسخة: عِبَادَ الله، وكذا في س، م.

9) بدائه في المعارج 357، أي: تكبر إبليس على الله سبحانه.

10) استفزّه،: استخفّه وأزعجه.

ورَجْلِهِ، فَلَعَمْرِي لَقَد فَ لَكُم سَهْمَ الوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُم(1)بِالنزع الشَّدِيدِ، ورَمَاكُم مِنْ مَكَانِ قَرِيْبٍ، و قَالَ رَبِّ مَا أَغْوَيْنَنِي لَأُزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ(2)قَذفًا بِغَيْبِ بَعِيْدِ، وَرَجْمًا(3)بِظَنِّ غَيْرِ مُصِيْبِ صَدَّقَهُ بِهِ(4)أَبْنَاءُ الحَمِيَّةِ، وإخْوَانُ العَصَبِيَّةِ، وفُرْسَانُ الكِبْرِ والجَاهِلِيَّةِ . حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الجَامِحِةُ مِنْكُم ، واسْتَحْكَمَت الطَاعِيَةُ(5)مِنْهُ فِيْكُم فَنَجَمَتِ(6)الحَالُ مِنَ السِّرِّ الخَفِي إِلَى الأَمْرِ الحَلِي اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُم، ودَلَفَ(7)بِجُنُودِهِ نَحْوَكُم فَأَقْحَمُوكُم وَلَجَاتِ(8)لذُّلِ، وأحَلُّوكُم ورَطَاتِ(9)القَتْلِ، وَأوْطَؤُوكُم إِنْخَانَ الحِرَاحَةِ طَعْنا في عُيُونِكُم، وحَزَّا(10)فِي حُلُوقِكُم، ودَقًّا لِمَنَاخِرِكُم، وقَصْدًا لَقَاتِلِكُم،


1) فوق، السهم: جعل له فوقا، وهو موضع الوتر منه، ونزع القوس،، أي: مدّها، والإغراق في المد: استيفاؤه واستيعابه، والقذف ، الرمي.

2) الحجر 15/ 39.

3) حاشية: الرجم: أن يتكلم الإنسان بالظنّ.

4) به: ليست في س، م.

5) الطماعية: الطمع.

6) نجمت: ظهرت.

7) حاشية: الدليف: السير للقريب، ودلف في شرح ابن میثم 4 / 145 : مشى ودنا.

8) أقحموكم،: أدخلوكم قهرًا، والولجات،: جمع ولجة بفتح الجيم: وهي الموضع کالکهف و نحوه تستتر به المارة من المطر وغيره.

9) الورطات،: جمع ورطة، وهي الأرض المطمئنة لا طريق فيها، والورطة: الهلاك أيضًا.

10) الحز، : القطع.

وسَوْقًا بِخَزَائِمِ(1)القَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُم، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُم جُرْحًا ، وأَوْرَى(2)فِي دُنْيَاكُم قَدْحًا مِنَ الذِينَ هُم مُنَاصِبِينَ(3)، وعَلَيهِم مَتَالْبِينَ(4)، فاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُم، ولَهُ جِدَّكُم، فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَد فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُم، ووَقَعَ فِي حَسَبِكُم(5)، ودَفَعَ فِي نَسَبكُم، وأجْلَبَ(6)بِخَيْلِهِ عَلَيْكُم، وقَصَدَ بِرَجْلِهِ سَبِيلَكُم، يَقْتَنِصُونَكُم(7)بِكُلِّ مَكَانٍ، ويَضْرِبُونَ مِنْكُم كُلَّ بَنَانٍ، لا تَمْتَنِعُونَ بِحِيْلَةٍ، ولا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ(8)ذُلّ، وحَلْقَةِ ضِيْقِ، وعَرْصَةِ مَوْتِ(9)، وجَوْلَة بَلاء، فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُم مِن نِيرَانِ العَصَبِيَّةِ وأَحْقَادِ الجَاهِلِيَّةِ، وإِنَّما تِلْكَ الحَمِيَّةُ تَكُونُ في(10)المُسْلِمِ مِن خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ ونَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ(11)، واعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلَّلِ عَلى رُؤُوسِكُم، وإلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُم ، وخَلْعَ التَّكَثِرِ مِن أَعْنَاقِكُم، واتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ


1) حاشية: الخزائم: جمع خزامة، وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير فيشد فيها الزمام.

2) أورى،: أفعل من الورى، وهو إظهار النار .

3) مناصبين ، في المنهاج 2 / 241: معادين.

4) التألب،: الاجتماع.

5) حسب الرجل: ما يعده من مفاخر آبائه.

6) أجلب عليه،: جمع، وأصل الجلبة: الأصوات في الحرب والغارة.

7) يقتنصونكم في المنهاج: يصطادونكم.

8) حومة الشيء،: معظمه، وما استدار منه على ثرة، وكذلك الحلقة للقوم .

9) وعرصة موت، أي: معرض له وبصدده.

10) في حاشية الأصل عن نسخة: من، وكذا في س.

11) النخوة،: الكبر، والنزع،: الإفساد، والنفث: النفخ، وهو أقل من التفل.

مَسْلَحَةٌ(1)بينكُم وبَينَ عَدُوِّكُم إبْلِيسَ وجُنُودِهِ، فإِنَّ لَهُ مِن كُلِّ أمةٍ جُنُودًا وأعْوَانًا، ورَجُلًا وفُرْسَانًا، ولا تَكُونُوا كَالتَكَيّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ(2)مِن غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا أَخْقَتِ العَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الحَسَدِ(3)، وقَدَحَتِ الحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الغَضَبِ، ونَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِن رِيحِ الكِبْرِ الذِي أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ أَثَامَ القَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

ألا وَقَد أَمْعَنتُم(4)فِي البَغْيِ، وأفْسَدْتُم فِي الأَرْضِ مُصَارَحَةٌ(5)لله بالمُنَاصَبَةِ ، ومُبَارَزَةٌ للمُؤمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ؛ فالله اللهَ فِي كِبْرِ الحَمِيَّةِ ، وفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ مَلاقِعُ الشَّنَآنِ(6)، ومَنَافِخُ الشَّيْطَانِ(7)اللَّاتِي خَدَعَ بِهَا الأُمَمَ المَاضِيةَ، والقُرُونَ الخَالِيةَ، حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ(8)جَهَالَتِهِ،


1) حاشية: المسلحة،: قوم ذو سلاح، والمسلحة: كالثغر والمرقب أيضًا.

2) حاشية م: (في غير هذا الكتاب على أخيه ابن أمه وأبيه).

3) في حاشية الأصل عن نسخة: الحسب.

4) الإمعان، في الشيء : التباعد فيه .

5) بكسر الراء في الأصل، وما أثبت من الأصول المعتمدة، والإيصال والمصارحة،: المكاشفة والمجاهرة، والمناصبة ، في المنهاج 2/ 243، أي: ينصب العداوة الله تعالى.

6) الملاقح،: الفحول، واحدها ملقح بفتح الميم ، ويحتمل أن يكون مصدرًا، والشنآن، بفتح النون وسكونها: البغضاء.

7) منافخ الشيطان،: في المنهاج 2 / 244 ، أي : أن الكبر والفخر هو مما ينفخ به في أنوف الجاهلين ويخدعهم.

8) حاشية: أعنق الفرس،، أي سار العنق، وهو سير مسيطر ، والحنادس: جمع حندس، وهو شديد الظلمة، وأعنق الجمل في السير في شرح ابن میثم 145/4: مد عنقه، ووسع خطوته، والحنادس،: جمع حندس بكسر الحاء والدال: الليل الشديد الظلمة.

ومَهَاوِي ضَلالَتِهِ، ذُلُلا(1)عَن سِيَاقِهِ، سُلْسًا فِي قِيَادِهِ، أَمْرًا تَشَابَهَتِ القُلُوبُ فِيهِ، وتَتَابَعَتِ القُرُونُ عَلَيهِ، وَكِبْرًا تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ(2).

ألا فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن طَاعَةِ سَادَاتِكم وكُبَرائِكُم الذِينَ تَكَبَّرُوا عَن حَسَبِهِم، وتَرَفَّعُوا «50 أ»(3)فَوْقَ نَسَبِهِم، وألْقَوُا الهَجْنَّةَ(4)عَلَى رَبِّهِم،وجَاحَدُوا(5)اللهَ مَا صَنَعَ بِهِم؛ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، ومُغَالَبَةٌ لآلائِهِ ، فَإِنَّهُم قَوَاعِدُ أَسَاسِ العَصَبِيَّةِ، ودَعَائِمُ أرْكَانِ الفِتْنَةِ، وسُيُوفُ اعْتَزَاءِ(6)الجَاهِلِيَّةِ. فاتَّقُوا اللهَ، ولا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُم أَضْدَادًا، ولا لِفَضْلِهِ عَلَيْكُم(7)حُسَّادًا، ولا تُطِيعُوا الأدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُم بِصَفْوِكُم كَدَرَهُم، وخَلَطْتُم بِصِحَتِكُم مَرَضَهُم، وأدْخَلْتُم فِي حَقَّكُم بَاطِلَهُم؛ وهُم أسَاسُ الفُسُوقِ، وأخلاسُ العُقُوقِ(8). اتَّخَذَهُم إبْلِيسُ مَطَايَا


1) الذللُ: جمع ذليلة، فعيلة بمعنى مفعولة.

2) حاشية: حال عما ذكره من قبل، ونهى عنه وذمه .

3) الصفحتان 51 أ و 51 ب من نسخة الأصل كتبتا بقلم رفيع وبخط الناسخ نفسه.

4) الحاشية في الأصل ذهبت بعض لماتها، وتبينت منها: القاء الهجنة على الله.. حيث يقول.. لمن هو دونه في.. أنت هجني، وإنما .. الهجنة إلى الله تعالى، وقال في المنهاج 246/2 : بخط الرضي: وألقوا الهجيرة، أي: الغميزة والعيب، وتهجين الأمر تقبيحه.

5) في المنهاج 246/2 الجحد ،: النفي، والجحود: الإنكار مع العلم.

6) الاعتزاء: الانتماء والانتساب إلى أب أو قبيلة، والأدعياء،: جمع دعيّ، وهو الذي يدعى إلى غير أبيه، وينسب إليه.

7) في الأصل: عندكم ، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

8) الحلس،: ما يلزم الشيء، وأصله من حلس البعير، وهو كساء رقيق يجعل تحت بردعته وقاية لظهره، والعقوق،: مشاقة الوالد وذي الرحم، ومنع برهما.

ضَلالٍ، وجُنْدَا يَصُولُ بهم(1)عَلى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلَى الْسِنَتِهِم، اسْتِرَاقًا لِعُقُولِكُم، ودُخُولًا فِي عُيُونِكُم، وَنَفْتًا(2)فِي أَسْمَاعِكُم، فَجَعَلَكُم مَرْمَى، نَبْلِهِ، وَمَوْطِيَ قَدَمِهِ، ومَأَخَذَ يَدِهِ(3).

فاعْتَبِرُوا بِمَا أصَابَ الأمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِن قَبْلِكُم مِن بَأْسِ اللهِ وصَوْلاتِهِ وَوَقَائِعِهِ(4)ومَثُلاتِهِ، واتَّعِظُوا بِمَثَاوِي(5)خُدُودِهِم، ومَصَارِعِ جُنُوبِهِم، فَاسْتَعِيذُوا(6)بِاللَّهِ مِن لَوَاقِحِ الكِيْرِ كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِن طَوَارِقِ الدَّهْرِ(7)فَلَو رَخَّصَ اللهُ فِي الكِبْرِ لأَحَدٍ مِن عِبَادِهِ لَرَخَّصَ


1) س، م، ب، ج، ع: بهم يصول.

2) في حاشية الأصل من دون إشارة لنسخة أو تصويب: نَتَّا، وشرحها بقولِهِ: نَتَقْتُ الحَدِيث: قَريب مِن بَنته، وفي س: نَتَّا، وفي حاشيتها عن نسخة: نَفْتًا.

3) الخطبة برقم 238 في الشرح (13/ 88 ، وبرقم (235) في شرح ابن ميثم 138/4 - 145 ، وقال : نقل في سبب هذه الخطبة أن أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته (علیه السّلام) قد فسدوا، وكانوا قبائل متعددة، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى فيقع فيه أدنى مكروه فيستعدي قبيلته، وينادي باسمها نداء عاليًا يقصد به الفتنة وإثارة الشر، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي قد مرّ بها وينادون يا لتميم يا لربيعة فيضربونه فيمر إلى قبيلته ويستصرخ بها، وتسل بينهم السيوف، وتثور الفتنة، ولا يكون لها أصل في الحقيقة ولا سبب يعرف إلا تعرض الفتيان بعضهم ببعض، وكثر ذلك منهم ، فخرج (علیه السّلام) إليهم فخطبهم هذه الخطبة، وهي برقم 190 في مصدر سابق 29/3 ، وقال : هي أطول خطبه (علیه السّلام).

4) في المنهاج 2 / 367 قوارعه، وبأس الله: ، عقوبته، والوقائع،: جمع الواقعة، وهي الحرب التي فيها دائرة على القوم.

5) المثلات،: العقوبات، والمثاوي،: جمع مثوى، وهو المقام.

6) س، م، ع: واستعيذوا.

7) طوارق الدهر: في المنهاج 249/2 : المحن الآتية غفلة.

فِيهِ لخَاصَّةِ أَنْبِيَائِه(1)ولكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِم التَّكَابُرَ(2)، ورَضِيَ هُم التَّوَاضُعَ فَأَلْصَقُوا بِالأَرْضِ خُدُودَهُم، وعَفَّرُوا(3)فِي التُّرَابِ وجُوهَهُم، وخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُم لِلمُؤمِنِيْنَ ، وكَانُوا أَقْوَامًا مُسْتَضْعَفِينَ، قد اخْتَبَرَهُم(4)اللهُ بالمَخْمَصَةِ، وابْتَلاهُم بالمَجْهَدَةِ(5)، وامْتَحَنَهُم بِالمَخَاوِفِ، ومَخَضَهُم(6)بِالمَكَارِهِ؛ فلا تَعْتَبِرُوا الرّضَا والسُّخْطَ بالمالِ والوَلَدِ جَهْلا(7)بِمَوَاقِعِ الفِتْنَةِ والاخْتِبَارِ فِي مَوَاضِعِ الغِنَى والإِقْتَارِ(8)، فَقَد قَالَ اللهُ(9)سُبْحَانَهُ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ هُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ(10)، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ في أَنْفُسِهِم بِأولِيَائِهِ المُسْتَضْعَفِينَ فِي أعْيُنهم.

ولَقَد دَخَلَ مُوسَى ْبنُ عِمْرَانَ ومَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (علیهما السّلام)(11)عَلَى


1) في حاشية ج، وبمداد أحمر (لأنبيائه ورسله بخاصة أوليائه وأنبيائه)، ع: لرخص لأنبيائه.

2) التكابر: التعاظم.

3) التعفير: إلصاق الخدود بالعفر، وهو التراب.

4) ب: استخرجهم وفوقها اختبرهم، بينهما معًا .

5) المخمصة : المجاعة، والمجهدة: المشقة.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: محصهم، وكذا في حاشية م.

7) م: حملاً .

8) في حاشية الأصل عن نسخة: الافتقار ، وكذا في س، م ، والإقتار في شرح ابن ميثم 158/4 : الفقر.

9) الله: ساقطة من ب،ع.

10) المؤمنون 55/23، 56 .

11) ع: صلى الله عليهما.

فِرْعَونَ وعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وبِأَيْدِيهِمَا العَصَا(1)فَشَرَطَا لَهُ إِن أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ، ودَوَامَ عِزَّهِ ، فَقَالَ: أَلا تَعْجَبُونَ مِن هَذَينِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ العِزَّ، وبَقَاءَ المُلْكِ، وهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ حَالِ الفَقْرِ والذُّلِّ، فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ(2)مِن ذَهَبٍ؟ إعْظَامًا لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، واحْتِقَارًا لِلصُّوفِ ولُبْسِهِ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُم أَن يَفْتَحَ هُم كُنُوزَ الذَّهْبَانِ(3)ومَعَادِنَ العِقْيَانِ(4)، ومَغَارِسَ الجِنَانِ، وأن يَحْشُرَ مَعَهُم طَيْرَ السَّمَاءِ، ووُحُوشَ الأَرَضِينَ لَفَعَلَ، ولَو فَعَلَ لَسَقَطَ البلاءُ وبَطَلَ الجَزَاءُ، واضْمَحَلَّ(5)الأَنْبَاءُ، ولَما وَجَبَ لِلقَابِلِينَ أُجُورُ المُبْتَلَينَ، ولا اسْتَحَقَّ المُؤمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ(6)، ولا لَزِمَتِ الأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا ، ولَكِنَّ


1) في الأصل ونسخة ب: العصي، وما أثبت من حاشية الأصل، وكذا في نسختي م، س، وكذا في ج، ولكن بحاشيتها العصي.

2) الأساورة: جمع أسورة جمع سوار، ويجوز أن يكون جمع أسور، وقال أبو عمرو بن اعلاء: هو جمع أسوار، وهو السوار.

3) في الأصل: الذَّهْبَان، وبحاشيتها (الذهبان بخط السيد)، وفيها أيضًا: الذَّهبان: جمع ذهب، كما قالوا: خرب وخربان - كذا - ، وهو ذكر الحبارى، وفي م: الذَّهْبَان، وفي ج: الذَّهبَان، وبحاشيتها: الذهب، وفي ب : الذهبان بكسر الذال، والذهبان في شرح ابن ميثم 158/4 : جمع ذهب، كحزب لذكر الحبارى، وحزبان.

4) العقيان : خالص الذهب.

5) حاشية قوله (علیه السّلام): اضمحل الأنباء، أي: لم يبعث الأنبياء بالتكاليف؛ لأنهم كانوا إذا يرغبون في هذه الأشياء فيجدونها فما كان يصنع حينئذ بالنبوة، والحاشية في المنهاج 2/ 250 ، واضمحل في شرح ابن ميثم: 158 : فنَى، والأنباء: الأخبار .

6) حاشية: لاستحق المؤمنون ثواب المحسنين، أي: لاستحق المصدقون بهم ثواب الإحسان، لأن إيمانهم لا يكون عن نية، بل عن رغبة أو رهبة، ولا لزمت الأسماء معانيها، أي: من يوصف بالإيمان كأن يكون مؤمنًا على الحقيقة على الصورة المتقدمة، والحاشية في المنهاج 2/ 250 .

اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِم، وضَعَفَةٌ فِيمَا تَرَى الأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِم مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلأُ العُيُونَ والقُلُوبَ غِنّى، وخَصَاصَة(1)تَماةُ الأَبْصَارَ والأَسْمَاعَ أَذًى «50 ب»، ولَو كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ ه لا تُرَامُ، وعِزَّةٍ لا تُضَامُ، ومُلْكِ تُمدُّ نَحْوَهُ أعْنَاقُ الرِّجَالِ، وتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ ، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الخَلْقِ فِي الاعْتِبَارِ ، وأَبْعَدَ لَهُم مِنَ الاسْتِكْبَارِ(2)، ولآمَنُوا عَن رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ هُم، أو رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِم، فَكَانَتِ(3)النيَّاتُ مُشْتَرَكَةٌ(4)، والحَسَنَاتُ مُقَسَّمَةً ، ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَن يَكون الاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ ، والتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ ، والخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، والاسْتِكَانَةُ لأَمْرِهِ، والاسْتِسْلامُ لِطَاعَتِهِ أُمُورًا لَهُ خَاصَّةً لا تَشُوبُهَا(5)مِن غَيْرِهَا شَائِبَةٌ، وكُلَّمَا كَانَتِ البَلْوَى والاخْتِبَارُ أَعْظَمَ، كَانَتِ المَنُّوبَةُ والجَزَاءُ أَجْزَلَ.

ألا تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَر الأوَّلِينَ مِن لَدُن آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم(6)إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا العَالَمِ بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الحَرَامَ الذِي جَعَلَهُ اللهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا ، ثُمَّ


1) الخصاصة: الجوع.

2) حاشية: وأبعد لهم من الاستكبار، أي: كان أبعد بهم أن يستكبروا عليهم، فلا يؤمنوا أو يستكبروا ما كُلَّفُوهُ من الإيمان بهم والعبادات، وهذا مثل قوله (علیه السّلام) في هذه الخطبة: فلو أراد الله سبحانه أن يخلق آدم من نوره لخطف الأبصار. إلى آخره.

3) س، م، ج: وكانت .

4) حاشية: مشتركة، أي: بين الإخلاص لله تعالى والرغبة والرهبة.

5) الشوب: الخلط.

6) وسلَّمَ: من س، م، ج.

وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَرًا، وأقل نَتَائِقِ(1)الدُّنْيَا مَدَرًا، وأضْيَقِ بُطُونِ الأوْدِيَةِ قُطْرًا، بَيْنَ جِبَالِ خَشِنَةٍ ، ورِمَالٍ دَمِثَةٍ، وعُيُونٍ وَشِلَةٍ(2)، وقُرًى مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا(3)خُفٌ ولا حَافِرٌ ولا ظُلْفٌ(4).

ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ووَلَدَهُ أن يَثْنُوا أعْطَافَهُم نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً(5)لِنتَجَع أسْفَارِهِم ، وغَايَةً لِلْقَى رِحَالِهِم تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ(6)مِن مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ ، ومَهَاوِي فِجَاج(7)عَمِيْقَةٍ، وجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُرُّوا مَنَاكِبَهُم ذُلُلا، يُهلِّلُونَ(8)اللهِ حَوْلَهُ، ويَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِم


1) حاشية: النتائق: جمع نتيقة، وهي فعيلة في معنى مفعولة، أي: منتوقة، والنتق عندهم أن يقلعَ الشيء فيرفعه من مكانه ليرمى به، واستعمل بعد ذلك على وجوه أليقها بهذا الموضع أن يكون إنما سَمَّى البلاد نتائق لِتَرَفّع بنيانها وشهرتها في موضعها، وقال السيد الإمام دام ظله - أي فضل الله الراوندي - بل أليقها أن تثار الأرض للزراعة والحرث، وهي أرض مكة أقل الأرض مدرًا تحفر ويزرع فيها لأن تلك الأرض ذات حجارة مدرها المستفلح للزراعة، والقسم الأول من الحاشية في المنهاج 251/2.

2) حاشية : وشلة: قليلة تقطر، والدمثة في شرح ابن ميثم 159/4: اللينة.

3) ب: به.

4) ج: ولا ظلف ولا حافر.

5) حاشية: المنتجع: المنزل في طلب الكلأ ، وكذا في القاموس، والمثابة في شرح ابن ميثم 159/4 : المرجع، والمنتجع: اسم مفعول من الانتجاع وهو طلب الكلأ والماء.

6) حاشية: ثمار الأفئدة : الأشياء العجيبة العزيزة، وهو قوله تعالى: يُحِيَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ : شَيْءٍ القصص 57/28.

7) المفاوز: بالفتح والكسر في الأصل الفلوات الواسعة، والقفار : جمع قفر، وهو المفازة التي لا نبت فيها ولا ماء، والسحيقة : البعيدة، والفجاج: جمع فج، وهي الطريق الواسع بين جبلين.

8) ج: يهلون، وكذا في س، وفي حاشيتها عن نسخة : يهللون، ويهللون: يرفعون أصواتهم بالتلبية، والإهلال: رفع الصوت.

شُعْثا(1)غُبْرًا لَهُ، قَد نَبَذُوا السَّرَابِيلَ ورَاءَ ظُهُورِهُم، وشَوَّهُوا(2)بِإعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِم ابْتِلاءٌ عَظِيمًا، وامْتِحَانًا شَدِيدًا، واخْتِبَارًا مُبِينًا، وتَمحِيصًا(3)بَلِيْغًا، جَعَلَه(4)اللهُ سَبَبًا لِرَحمَتِهِ، وَوَصْلَةٌ(5)إِلَى جَنَّتِهِ ، ولَو أَراد سُبْحَانَهُ أَن يَضَعَ بَيْتَهُ الحَرَامَ ، ومَشَاعِرَهُ(6)العِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وأَنْهَارِ ، وسَهْلِ وقَرَارٍ جَم(7)الأَشْجَارِ، دَانِي الثَّمَارِ ، مُلْتَفٌ البُنَى ، مُتَصِل القُرَى(8)، بَينَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ(9)، وعِرَاصِ مُغْدِقَةٍ(10)، وزُرُوعِ نَاضِرَةٍ، وَطُرُقِ عَامِرَةٍ لَكَانَ قَد صَغَرَ قَدْرَ الجَزَاءِ(11)عَلَى حَسَب ضَعْفِ البلاء.

ولَو كَانَتِ الأَسَاسُ المَحْمُولُ عَلَيْهَا ، والأَحْجَارُ المَرْفُوعُ بِهَا بَينَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ونُورٍ وضِيَاءٍ خَفَّفَ ذَلِكَ مُضَارَعَةَ


1) الرمل بالتحريك: الهرولة، والأشعث: أغبر الرأس متفرق الحال.

2) النبذ: الإلقاء، والسرابيل: القمصان، والتشويه: تقبيح الخلقة.

3) التمحيص: الابتلاء والاختبار، وأصله التلخيص والتمييز.

4) بعدها في س: تعالى.

5) ج، ب: ووصْلَةً.

6) المشاعر : مواضع المناسك

7) القرار: المستقر من الأرض، والجم الكثير.

8) جم الأشجار: في المنهاج 252/2، أي: كسرها، و داني الثمار :: قريبها، وملتف: متصل، والأرياف : جمع ريف، أي: خصب المرعى.

9) المحدقة: المحيطة.

10) حاشية : المغدقة : الكثيرة الماء.

11) حاشية: قد صغر قدر الجزاء، أي: لأعطى الحجاج قليلًا على حسب ما كانوا يتعنُّون في الوصول إليه.

الشَّكِ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ القُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ(1)مِنَ النَّاسِ، ولكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، ويَتَعَبَّدُهُم بِألْوَانِ الَمَجَاهِدِ(2)، ويَبْتَلِيهِم بِضُرُوبِ المَكَارِهِ، إِخْرَاجًا لِلتَكثِرِ مِن قُلُوبِهِم، وإسْكَانَا لِلتَذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِم، ولِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَابًا فُتُحًا إِلَى فَضْلِهِ(3)، وأَسْبَابًا ذُلُلا لِعَفْوِهِ.

فالله اللهَ فِي عَاجِلِ البَغْيِ، وآجِلِ وَخَامَةِ(4)الظُّلْمِ، وسُوءِ عَاقِبَةِ الكيْرِ فَإِنَّهَا مِصْيَدَةُ(5)إِبْلِيسَ العُظْمَى، ومَكِيْدَتُهُ الكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ(6)السُّمُومِ القاتِلَةِ «51أ» فَمَا تُكْدِي(7)أَبَدًا، ولا تُشْوِي(8)أَحَدًا ، لا عَايًّا لِعِلْمِهِ ، ولا مُقِلًّا فِي طِمْرِهِ(9)، وعَن ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بالصَّلَواتِ والزَّكَوَاتِ وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي


1) حاشية : اعتلاج الريب:: هو منازعته اليقين، وكذا في المنهاج 2 / 253 .

2) المجاهد في المنهاج 2/ 253 : المشقات .

3) حاشية: فتحا، أي: مفتوحة واسعة، ومنه قولهم : قارورة فتح، أي: مفتوحة الرأس ، وكذا في المنهاج 2/ 253.

4) طعام وخيم في القاموس : غير موافق، وقد وخم، وتوخمته واستوخمته: لم يستمرئ.

5) وخامة الظلم: وباله وسوء عاقبته، والمصيدة بكسر الميم: الشبكة وما يصاد به.

6) المساورة: المواثبة.

7) حاشية : أكدى : أصاب الكدية، وهي الصلبة من الأرض، وأكدى الحافر في شرح ابن ميثم 159/4 : إذا بلغ في حفره إلى موضع صلب لا يمكنه حفره، وأكدت المطالب: صعبت في وجه طالبها فعجز عنها .

8) حاشية : لا يصيب المقتل، رماه فأشواه، إذا لم يصب المقتل، والشوى: هو الطرف وأخطأ، كذا ، وفي المنهاج 254/2 الشوى: اليدان والرجلان، وكل ما ليس مقتلا.

9) الطمر : الثوب الخلق.

الأأیام المَفْرُوضَاتِ تَسْكِيْنًا لأطرَافِهِم، و لأَبْصَارِهِم، وتَذْلِيلا لِنُفُوسِهِم، وتَخْفِيضًا لِقُلُوبِهِم، وإذْهَابًا لِلخُيَلاءِ عَنْهُم، لَا فِي ذَلِكَ مِن تَعْفِيرِ عَتَائِقِ(1)الوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعا، والتصَاقِ كَرَائِمِ الجَوَارِح بالأَرْضِ تَصَاغُرًا، ومُلْحُوقِ البُطُونِ بالتُونِ(2)مِنَ الصِّيَام تَذَلَّلًا، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِن صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ(3)إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ والفَقْرِ. انْظُرُوا إلى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِن قَمْعِ نَوَاجِمِ(4)الفَخْرِ، وقَدْعِ(5)طَوَالِعِ الكِبْرِ.

ولَقَد نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا عَن عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ(6)تَمْوِيةَ الجُهَلاءِ أو حُجَّةٍ تَلِيْطُ(7)بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ(8)غَيْرَكُم ؛ فَإِنَّكُم تَتَعَصَّبُونَ لأمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ ولا عِلَّةٌ(9).


1) عتائق: جمع عتيقة، وهي كرائم الوجوه وحسانها.

2) المتون في المنهاج 255/ 2: وسط الظهر.

3) وغير ذلك: ليست في ع.

4) القمع: الردّ ، والنواجم: الطوالع، جمع ناجمة، وفي المنهاج 2/ 255: الضرب بالمقامع من الحديد، وهي محاجن يضرب بها على رأس الفيل، وقمعه: أذله، والنواجم: جمع ناجمة، وهي ما ينبت من السن ومن الشّرّ، يقال: نجم الشيء: طلع وظهر.

5) حاشية: القدع: الكفُّ والدفع.

6) كذا في ب، ع أيضًا، في حاشية الأصل عن نسخة: تحمل، وكذا في س، م، ج.

7) في القاموس : لاط الشيء بقلبي : حبب إليه، والتلييط: الإلصاق، التمويه في شرح ابن ميثم 1714 : التلبيس، والتليط: تلتصق وتختلط.

8) السفه: خفة العقل .

9) في حاشية الأصل عن نسخةٍ : ولا مَسَّ يدَ عِلَّة، وكذا في س، م، ج.

أمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيُّ، وأَنْتَ طِيْني، وأمَّا الأغْنِيَاءُ مِن مُتْرَفَةِ الأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لَآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ ، فـقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ(1)فَإِن كَانَ لا بُدَّ مِن العَصَبِيَّةِ فَلْيَكُن تَعَصُّبُكُم لِكَارِمِ الخِصَالِ، ومَحَامِدِ الأَفْعَالِ، ومَحَاسِنِ الأمُورِ الَّتِي تَفَاضَلَت فِيهَا المُجَدَاءُ والنُّجَدَاءُ مِن بُيُوتَاتِ العَرَبِ، ويَعَاسِيْبِ(2)القَبَائِلِ بالأَخْلاقِ الرَّغِيْبَةِ، والأَحْلامِ العَظِيْمَةِ، والأخْطَارِ الجَلِيْلَةِ، والآثَارِ المَحْمُودَةِ، فَتَعَصَّبُوا لِخِلالِ(3)الحَمْدِ مِنَ الحِفْظِ لِلجِوَارِ ، والوَفَاءِ بالدمام، والطَّاعَةِ للبر، والمَعْصِيَةِ للكبْرِ، والأخْذِ بالفَضْل والكَفْفٌ عَنِ البَغْي، والإعْظَامِ لِلقَتْلِ، والإِنْصَافِ لِلخَلْقِ، والكَظْمِ لِلغَيظِ ، واجْتِنَابِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ.

واحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَكُم مِنَ المَثَّلاتِ بِسُوءِ الأَفْعَالِ ، وذَمِيْمِ الأَعْمالِ، فَتَذَكَّرُوا فِي الخَيْرِ والشَّرُ أَحْوَاهُم، واحْذَرُوا أَن تَكُونُوا أَمْثَاهُم، فَإِذَا تَفَكَّرتُم فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِم، فالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ العِزَّةُ بِهِ حَالَهُم، وزَاحَتِ(4)الأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُم، ومَدَّتِ العَافِيَةُ فِيهِ بِهم(5).


1) سبأ 35/34.

2) المجداء: جمع ماجد، وهو كريم الآباء وشريفهم ، والنجداء: جمع نجيد، وهو ذو النجدة، وهي فضيلة تحت الشجاعة، ويعاسيب القبائل: ساداتها.

3) الخلال في المنهاج 2/ 257: الخصال.

4) زاحت: بعدت.

5) كذا في ب، ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: عليهم، وكذا في م، ج.

وانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُم ، وَوَصَلَتِ الكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُم مِنَ الاجْتِنَابِ لِلفُرْقَةِ، واللُّزُومِ لِلأُلْفَةِ، والتَّحَاضُ(1)عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُم، وأوْهَنَ مُنتَهُم مِن تَضَاعُنِ القُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ ، وتَدَابُر(2)النُّفُوس، وتَخَاذُلِ الأَيْدِي؛ وتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ المَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُم كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ(3)والبَلاءِ؟ ألَم يَكُونُوا أَثْقَلَ الخلائقِ أَعْبَاءَ ، وأجْهَدَ العِبَادِ بَلاء، وأضْيَقَ أهل الدُّنْيَا حَالَا؟ اتَّخَذَتْهُمُ الفَرَاعِنَةُ عَبِيدًا، فَسَامُوهُم سُوءَ(4)العَذَابِ ، وجَرَّعُوهُم المُمَرَارَ(5)، فَلَم تَبْرَح الحَالُ بِهِمْ فِي ذُلُّ الهَلَكَةِ، وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَا يَجِدُونَ حِيْلَةٌ فِي امْتِنَاع، ولا سَبِيلًا إِلَى دِفَاعِ حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ جِدَّ الصَّيْرِ مِنْهُم عَلَى الأذَى فِي مَحَبَّتِهِ، والاحتمالَ لِلمَكْرُوهِ مِن خَوْفِهِ، جَعَلَ هُم مِن مَضَايِقِ البَلاءِ فَرَجًا، فَأَبْدَهُم العِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ، والأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكًا حُكَامًا، وأئِمَّةً أَعْلامًا «51 ب»(6)، وبَلَغَتِ الكَرَامَةُ مِنَ اللهِ هُم مَا لَم تَذهَبِ الآمالُ إِلَيْهِ بهم، فانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ


1) التحاض: التحات.

2) الفقرة : الواحدة من خرزات الظهر، والمنّة: القوة، والتضاغن: التحاقد، والتشاحن : التعادي، والتدابر: التقاطع.

3) حاشية : التمحيص: الابتلاء والاختبار.

4) سوم.

5) ب : جُرَعَ المَرَارِ، وكذا في ع، وكلمة جرع ألحقت في ج بمداد أحمر، وفي حاشية الأصل: المرار: شجر مر .

6) هذه الصحيفة والصحيفة «50 أ» كتبتا بقلم أنعم من سابقه، ولكن بالخط نفسه.

الأملاه(1)مُجْتَمِعَةً، والأهْوَاهُ مُوْتَلِفَةٌ، والقُلُوبُ مُعْتَدِلَةٌ، والأيدي مُتَرَادِفَةٌ(2)، والسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً ، والبَصَائِرُ نَافِذَةٌ، والعَزَائِمُ وَاحِدَةٌ ، ألم يَكُونُوا أَرْبَابًا فِي أَقْطَارِ الأَرَضِيْنَ، ومُلُوكًا عَلَى رِقَابِ العَالَمِيْنَ؟ فَانظُرُوا إلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِم حِيْنَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ ، وتَشَتَّتِ الأُلْفَة، واخْتَلَفَتِ الكَلِمَةُ والأَفْئِدَةُ ، وتَشَعَبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ. قَد خَلَعَ اللهُ عَنْهُم لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وسَلَبَهُم غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ(3)، وبَقَى قَصَصَ(4)أَخْبَارِهِم فِيكُم عِبَرًا لِلمُعْتَبِرِينَ مِنكُم. فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ (علیهم السّلام)، فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الأَحْوَالِ، وأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الأَمْثَالِ. تَأَمَّلُوا أَمْرَهُم فِي حَالِ تَشَتُتِهِم وتَفَرُّقِهِم لَيَالِيَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ والقَيَاصِرَةُ أَرْبَابًا هُم يَحْتَازُونَهُم عَن رِيفِ الآفَاقِ، وَبَحْرِ العِرَاقِ، وخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشَّيح، ومَهَافِي(5)الرّيح، فِي ونَكَدِ المَعَاشِ، فَتَرَكُوهُم عَالَةٌ مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَر(6)ووَبَرٍ، أَذَلَّ الأُمَمِ


1) حاشية: جمع ملأ، وهو الجماعة، وهو الخلق أيضًا، وفي القاموس: الملأ:: الأشراف، والملأ: الخلق.

2) الترادف: التعاضد والتعاون.

3) غضارة النعمة:: طيبها .

4) بكسر القاف في الأصل، وكذا في ع، وما أثبت من بقية النسخ وحاشية الأصل عن نسخة، وكذا في القاموس.

5) في حاشية الأصل عن نسخة ،ومهابٌ، وكذا في ع، والاحتياز في شرح ابن ميثم 4 / 235 : الاقتطاع عن الشيء والأخذ عنه، والريف : الأرض ذات الزرع والخصب، ومها في الريح: جمع مهفاة، وهي محلّ هفو الريح، أي حركتها وهبوبها.

6) العالة: جمع عائل، وهو ذو العيلة، وهي الفقر، والدبر: الجرح في ظهر البعير.

دَارًا، وأَجْدَبَهُم قَرَارًا، لا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحٍ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَلا إِلَى ظِلٍّ أَلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزْهَا. فالأحوال مُضْطَرِبَةٌ، والأيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، والكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلاءِ أَزْلٍ(1)وأطْبَاقِ جَهْل، مِن بَنَاتٍ مَوْؤُودَةٍ(2)، وأصْنَام مَعْبُودَةٍ(3)، وأرْحَام مَقْطُوعَةٍ، وغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ(4).

فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ(5)عَلَيْهِم حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِم رَسُولًا، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُم، وجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُم، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِم جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وأسَالَت(6)هُم جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، والتَفَّتِ(7)


1) في المعارج 362: في بلاء أزل:، أي: ضيق وشدة.

2) ذكر ابن فندق في معارجه 362 - 363 أن ملك العرب أغار على بني تميم وسبى ذراريهم ونساءهم فحضروا بابه والتمسوا رد نسائهم فقال الملك للنساء: من أرادت منكن اللحاق بقومها فلا حرج عليها، فأبت نساء بني تميم إلا المقام مع الجند وهربن من أقوامهن، وفي رواية أخرى ذكرها فكلهن اخترن الآباء اخترن آباءهن إلا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت سابیها عمر بن المشرخ، فنذر قيس أنه لا تولد له بنت إلا وأدها أنفة، واقتدى به جماعة من العرب، خوفًا من أن يتزوجهن غير الأكفاء. وأقول إن هذه الرواية تبتعد عن الواقع، فقد اشتهر قيس بالحلم والمروءة، ويوم سئل الأحنف من أين تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، ولا أظن أن ابنته تسلك هذا السلوك المشين.

3) ذكر ابن فندق في معارجه 354 كان لكل قبيلة صنم يعبدونه: سواع لهذيل، وودُّ لبني كلب، ويغوث لمذحج، ونسر لذي الكلاع، ويعوق لهمدان، واللات لثقيف، والعزّى لقريش وبني كنانة، ومناة للأوس والخزرج، وهبل كان في الكعبة، وإساف ونائلة كانا على الصفا والمروة.

4) الأزل: الضيق، والموؤودة: البنت تدفن في التراب حيّة ، وشن الغارة: فرقها في كل جانب.

5) بعدها في ب، ع: سبحانه.

6) في الأصل: وأسال، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

7) في حاشية الأصل عن نسخة: والتَقَتِ.

الِمِلَّةَ بِهِم فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ ، وعَن خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ(1)، قَد تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِم فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَوَاتَهُمُ الحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزّ غَالِبٍ، وتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِم فِي ذُرَى(2)مُلْكِ ثَابِتٍ، فَهُم حُكّامٌ عَلَى العَالَمِينَ، ومُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِيْنَ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَن كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِم، ويُمْضُونَ الأحْكَامَ فِيْمَن كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِم، لا تُغْمَرُ هُم قناةٌ، ولا تُقْرَعُ هُم صَفَاةٌ(3).

ألا وإِنَّكُم قَد نَفَضْتُم أَيْدِيَكُم مِن(4)حَبْل الطَّاعَةِ (5)، وثَلَمْتُم حِضْنَ اللَّهِ المَفْرُوبَ عَلَيْكُم بِأَحْكَامِ الجَاهِلِيَّةِ(6)، وَإِنَّ(7)اللهَ سُبْحَانَهُ قَد امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُم مِن حَبْلٍ هَذِهِ الأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ(8)فِي ظِلُّهَا ، ويَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ


1) في الأصل: فاكهين، وما أثبت من النسخ المعتمدة والفكه في شرح ابن ميثم 4 / 171: طيب النفس: المسرور ، والفكه: الأشر البطر، وتربعت: أقامت، وأصله الإقامة في الربيع، ويحتمل أن يؤيد تمكنت من التربع بجلسته المخصوصة بكونها ذات تمكن.

2) الذرى: جمع ذروة، وهي أعلى الجبل.

3) في المعارج 364 : كنايتان عن العز والمنعة.

4) كذا في ب ، ع أيضًا، وفي س، م، ج: عن.

5) في المنهاج 2/ 264: يكون التقدير نفضتم اليد عن الإسلام بأن تخليتم عن حبل الطاعة للإمام.

6) في المنهاج 2/ 264 - 265 : الثلمة: الخلل في الحائط وغيره، وحصن الله :: شرائع الدين، أي: خربتم الشريعة باستعمالكم أعمال الجاهلية وأحكامها.

7) في الأصل: فإن، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

8) كذا في م، ع أيضًا وفي حاشية الأصل عن نسخة : يتَنَقَّلُون، وفي أخرى: يَتَقَلَّبُونَ، وفي حاشية س: يعقلون.

المَخْلُوقِينَ لَمَا قِيمَةٌ؛ لأنَّهَا أَرْجَحُ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وأجَلُّ مِن كُلِّ خَطَرٍ(1)واعْلَمُوا أَنَّكُم صِرْتُم بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْرَابًا(2)، وبَعْدَ المُوَالاةِ أَحْزَابًا(3)مَا تَتَعَلَّقُونَ(4)مِنَ الإِسْلامِ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيمَانِ إِلا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ: النَّارَ ولا العَارَ ، كَأَنَّكُم تُرِيدُونَ أَن تُكْفِتُوا(5)الإِسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ «52 أ» انْتِهَاكًا لِحَرِيْمِهِ،(6)ونَقْضًا لِميثَاقِهِ الذِي وَضَعَهُ الله(7)لكُم حَرَمًا فِي أَرْضِهِ، وأَمْنَا بَيْنَ خَلْقِهِ(8)، وإنَّكُم إِن تَخَاتُم إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُم أهْلُ الكُفْرِ ، ثُمَّ لا جَبْرَئِيلُ ولا مِيكَائِيلُ ولا مُهَاجِرِينَ(9)ولا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُم إِلَّا الْمُقَارعَةَ(10)بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُم.


1) الخطر: المنزلة والقدر.

2) الأعراب: سكان البادية.

3) حاشية: أحزابا، أي: حزبًا آخر.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: مَا تَعْقِلُونَ.

5) كذا في حاشية الأصل عن نسخة : تَكْفِئُوا، وكذا في ع ، وضبطت الهمزة في ج بالضم والكسر، وفوقها معا، وفي الأصل: تكفأوا. وفي حاشية الأصل: كفأ الإناء: قلبه على وجهه، وقال ابن الأعرابي : أكفاء، وفي المنهاج 2/ 265، أي: تقلبوه.

6) في المنهاج 2 / 266 ، أي لانتهاك حرمته، وهو تناولها بما لا يحل.

7) في حاشية الأصل عن نسخة: وَضَعَ الله، وكذا في س، م.

8) حاشية: يقول المستلم: أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا البقرة 2 / 125 ، وينظر المنهاج 2/ 266 .

9) لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرين ولا أنصار كذا في الأصل، وكذا في ب، وبالرفع في الجميع في س ، م، ع، وهو المختار. وفي حاشية الأصل: ابتد أو قال: ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة، مرفوعة، أي: ذوو المقارعة فحذف المضاف، ويجوز أن يكون المعنى : لا ينجيكم إلا المقارعة، فلا يحتاج إلى حذف المضاف، والحاشية في النهج 266/2.

10) المقارعة: المضاربة.

وإِنَّ عِنْدَكُم الأَمْثَالَ مِن بَأْسِ اللَّهِ وَقَوَارِعِهِ وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ، فَلا تَسْتَبْطِئوا وَعِيْدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ، وتَهَاوُنَّا بِبَطْشِهِ(1)، وَيَأْسًا مِن بَأْسِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ(2)لَم يَلْعَنِ القَرْنَ المَاضِي بَيْنَ أَيْدِيكُم إِلَّا لِتَرْكِهِم(3)الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَلَعَنَ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ المَعَاصِي، والحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي.

ألا وقَد قَطَعْتُم قَيْدَ الإِسْلامِ، وعَطَّلْتُم حُدُودَهُ، وأمَتُم أَحْكَامَهُ. ألا وَقَد أَمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أهْلِ البَغْي(4)والنَّكْثِ والفَسَادِ فِي الأَرْضِ ؛ فَأَمَّا النَّاكِتُونَ فَقَد قَاتَلْتُ، وأمَّا القَاسِطُونَ فَقَد جَاهَدْتُ، وأمَّا المارقة فَقَد دَوَّخْتُ(5)، وأمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ(6)فَقَد كُفِيْتُهُ بِصَعْقَةٍ سَمِعْتُ لَهَا وَجْبَةَ قَلْبِهِ، ورَجَةَ(7)صَدْرِهِ، وبَقِيَ بَقِيَّةٌ(8)مِنْ أَهْلِ البَغْيِ، وَلَئِن


1) في الأصل: ببسطه، وما أثبت في الحاشية من دون إشارة لنسخة.

2) بعدها في س، م: تعالى .

3) كذا في ب، ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: لتركه، وكذا في س، م، ج.

4) حاشية: قال الله تعالى: فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ الحجرات 49/9 والنكث في شرح ابن ميثم 181/4 : نقض العهد.

5) القسوط: الجور، ودوخت القوم:: غلبتهم وقهرتهم.

6) حاشية: الردهة: جمعهارداه، وفيها أيضًا: نقرة في الجبل يجتمع فيها ماء السماء، وفي القاموس: حفيرة في القف تكون خلقة. وفي القاموس أيضًا: القفّ: الشجرة البالية اليابسة، وشيطان الردهة في المعارج 365: مقدم الخوارج في النهروان قتله أمير المؤمنين (علیه السّلام).

7) الصعقة: الغشية من الصيحة ونحوها، والوجبة: واحدة الوجيب، وهو اضطراب القلب، والرجة: واحدة الرجّ، وهي الحركة والزلزلة. البلاد

8) الخوارج.

أذِنَ اللهُ فِي الكَرَّةِ عَلَيهِم لأدِيلَنَّ(1)مِنْهُم، إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ(2)فِي أطْرَافِ الْأَرْضِ تَشَدْرًا.

أَنَا وَضَعْتُ بِكَلْكَلِ العَرَبِ ، وكَسَرتُ نَوَاجِمَ(3)قُرُونِ رَبِيعَةً ومُضَرَ . وقَد عَلِمْتُم مَوضِعِي مِن رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالقَرَابَةِ القريبة، والمَنْزلَةِ الخَصِيْصَةِ. وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وأَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، ويُشِمُّنِي عَرْفَهُ(4)، وكَانَ يَمْضَعُ الشَّيءَ ثُمَّ يُلَقِّمُنِيهِ(5)، ولا(6)وجَدَ لِي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ ولا خَطْلَةٌ(7)فِي فِعْلٍ.

ولَقَد قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مِن لَدُن كَان(8)فَطِيمًا أَعْظَمَ مَلَكِ مِن مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ ومَحَاسِنَ أَخْلاقِ العَالَمَ لَيْلَهُ ونَهَارَهُ.

ولَقَد كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الفَصِيْلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ لي فِي كُلِّ(9)يَوْمِ


1) في حاشية الأصل عن نسخة: لأديلَنَّ ، لأديلنهم، أي: لأقهرنهم، وأكون ذا إدالة منهم، وغلبة عليهم، وفي أخرى لأديلن المؤمنين من أهل البغي، وفي المنهاج 2/ 269 ، يعني إن عمرني الله وكان لي أعوان، والكرة: الرجعة، والإدالة: الغلبة، قال: وروي: لأذيلن.

2) في حَاشِية الأصل عن نسخة: شَذَرَ ، والتشذر في شرح ابن ميثم 181/4 : التفرق.

3) الكلكل : الصدر ، والنواجم: جمع ناجمة، وهو الطالع والخارج.

4) يكنفني في فراشه، أي: يحفظني فيه ويحوطني ويلفني، وعرفه : رائحته.

5) س، م: يُلْقِمُنِيهِ.

6) في الأصل: ولا ، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

7) في حاشية الأصل من دون إشارة إلى نسخة: خَطْئَةً، والخطلة في شرح ابن ميثم 181:4 : السيئة والقبيحة من قول أو فعل..

8) في الأصل: أن كان، وما أثبت من حاشية الأصل عن نسخة، وفي س، م، ب، ج.

9) في الأصل: كل يوم، وما أثبت من حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في النسخ المعتمدة، وفي المنهاج 2/ 270 ، أي : خصلة يؤيد بها كالعلم أو كراية وعلامة.

عَلَمًا مِن أَخْلاقِهِ، ويَأْمُرُني بالاقْتِدَاءِ بِهِ، ولَقَد كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ(1)، فَأَرَاهُ ولا يَرَاهُ غَيْرِي، ولم يَجْمَعُ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَومَئِذٍ فِي الإِسْلامِ غیر رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُما؛ أرَى نُورَ الوَحْي والرِّسَالَةِ، وأشَمُّ رِيْحَ النُّبُوَّةِ. ولَقَد سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَقُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ ، مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ(2)! فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَد أَيسَ مِن عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وإِنَّكَ لَوَزِيرٌ(3)، وإِنَّكَ لَعَلى(4)خَيْرِ .

ولَقَد كُنْتُ مَعَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) ما أتَاهُ المَلأ مِن قُرَيْشٍ، فَقَالُوا(5): يَا محمد، إِنَّكَ(6)قد ادَّعَيْتَ عَظِيمًا لَم يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ ولا أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْرًا إِن أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَم تَفْعَل عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ «52 ب» كَذَّابٌ(7)، فَقَالَ لَهُم (صلی الله علیه و آله و سلم): ومَا تَسألُونَ؟ قَالُوا: تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وتَقِفَ بَينَ يَدَيكَ، فَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، فَإِن فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ


1) في الأصل: بحرا، وما أثبت في س، ج، ب، ع، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وعلق الناسخ بِقَولِهِ : جَبَلْ بِمَكَّة يُذَكَّر ويؤنث، وينصرف ولا ينصرف.

2) الرنّة: صوت يصدر عند حصول المكاره كالحزن ونحوه.

3) كذا في ع، ب، في حاشية الأصل عن نسخة: ولكنك وزير، وكذا في س، م، ج.

4) س، م: على.

5) بعدها له في ج، ب، ع، وكما الأصل في س.

6) إنك: ليست في س، وهي في ع، ج، ب، وهامش م.

7) س: وكذاب.

لَكُم(1)أَتُؤْمِنُونَ وتَشْهَدُونَ بالحقِّ»؟ قَالُوا: نَعَم. قَالَ: «فَإِنِّي سَأُرِيكُم

مَا تَطْلُبُونَ، وإنّي لأعْلَمُ أَنَّكُم لا تَفِيثُونَ(2)إِلَى خَيْرِ، وإنَّ فِيكُم مَن يُطْرَحُ فِي القَلِيبِ(3)، ومَن يُحَذِّبُ الأَحْزَابَ؛ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إن كُنْتِ تُؤْمِنِيْنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ، وتَعْلَمِيْنَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»؛ فَوَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا ، وجَاءَتْ ولَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ ، وقَصْفٌ(4)كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِر حَتَّى وقَفَتْ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مُرَفْرِفَةٌ(5)، وألْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وبِبَعْض أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبَيَّ، وَكُنْتُ عَن يَمِينِهِ؛ فَلَمَّا نَظَرَ القَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا عُلُوًّا واسْتِكْبَارًا: فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا ويَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ، وأَشَدِّهِ دَوِيَّا، فَكَادَتْ تَلْتَفُ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَقَالُوا كُفْرًا وَعُتُوَّا(6):


1) كذا في ج ، م أيضًا، وفي س، ب، ع: بكم.

2) تفيؤون في الوسيط: ترجعون.

3) القليب : البئر قبل أن تطوى يذكر ويؤنث، وقال أبو عبيدة : هي البئر القديمة العادية، و في المنهاج 2/ 270 ، أي: وأعلم أن من جملتكم من يقتل ببدر ويطرح في قليبها، أي بئرها، وكان قد قتل من صناديد قريش سبعون رجلًا قتل أكثرهم علي (علیه السّلام) منهم أبو جهل وشيبة وعتبة .

4) حاشية: القصف : أصله هنا الكسر ، والمراد بها هنا الصوت، والدوي في شرح ابن ميثم 181/4: صوت حفيف الريح والنخل، والقصف: صوت جناح الطير وإصفاقه في الهواء.

5) حاشية: رفرف الطائر، إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه.

6) العتو في المنهاج 2 / 272 : العصيان

فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَرَجَعَ ، فَقُلْتُ أنا: لا إله إِلَّا اللهُ إِنِّي أَوَّلُ مُؤمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِأنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِكَ، وَإِجْلَالًا لِكَلِمَتِكَ، فقَالَ القَوْمُ كُلُّهُم: بَل سَاحِرٌ كَذَّابٌ عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وهَل يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلا مِثْلُ هَذَا، يَعْنُونَنِي(1).

وإِنِّي لَن قَوْم لا تَأخُذُهُم فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، سِيمَاهُم(2)سِيْماءُ الصِّدِّيقِينَ ، وكَلامُهُم كَلامُ الأَبْرَارِ ، عُمَّارُ اللَّيلِ، وَمَنَارُ(3)النَّهَارِ، متَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ القُرْآنِ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ، وَسُنَنَ رَسُولِهِ، لا يَسْتَكْبِرُونَ، وَلا يَعْلُونَ، ولا يَغُلُّونَ(4)، ولا يُفْسِدُونَ. قُلُوبُهُم فِي الجنان، وأجْسَادُهُم في العَمَل(5)

1 - فِي حَاشِيَة الأصل: «بَلَغَت القراءة على المولى السيد الإمام علم الهدى أدام الله ظله إلى هاهنا والحمد الله»، وذكر المعد السيد حسن الموسوي البروجوردي في الصحيفة 14 من تقديمه الآتي : (نصَّ الناسخ لإنهاء قراءته على السيد الراوندي: وقع في آخر صفحة من الكتاب (الورقة : 51) (ب خلف الصفحة على اليمين : «فَرَغْتُ مِن قراءته على المولى السيد الإمام الأجل العالم، الزاهد، العابد، علم الهدى، أبي الرضا فضل الله بن علي الحسيني - أدام الله ظله - في الثاني والعشرين من ربيع الأول إحدى وسبعين وخمسمائة هجرية». ولم أقف على مثل هذا في الصفحة التي ذكرها ولا في سابقتها ولا في لاحِقَتِهَا ، وهو في نهاية النسخة.

في نهاية هذه الخطبة كتب الناسخ في نسخة س بمداد أحمر: (باب المختار من كتب أمير المؤمنين (علیه السّلام)) .

في نهاية هذه الخطبة كتب الناسخ في م: (باب المختار من كتب أمير المؤمنين...)، ولم يذكر الانتهاء من خطبه.

2 - تقديم وتأخير في نسخة س، الذي ابتدأ في نسخة الأصل مع السطر الأخير من الصفحة 46 أ بقوله : ومن خُطبة له (علیه السّلام) الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، فلاحظ ، وجاء في السطر الأخير من هذه الصحيفة (134 ب) بنسخة س. باب المختار من كتب أمير المؤمنين (علیه السّلام) والورقة 135 أ ، 135 ب كتبت بخط مختلف.

3- جاء في نسخة ع بعد انتهاء الخطبة : تم الجزء الأول من نهج البلاغة، وذلك في شهر رمضان المبارك من سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين. عفا الله عن كاتبه، وعن والديه، وعن كافة المؤمنين بفضله ورحمته إنه على كل شيء قدير.

ولا توجد إشارة في نسخة الأصل أو في حواشيها إلى الانتهاء من الجز الأول. وأفرد الناسخ صفحة بعدها بكاملها كتب بها: الجزء الثاني من كتاب نهج البلاغة صنعه الرضي ذي الحسبين أبي الحسن محمد بن السيد الأوحد الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي (رضی الله عنه).

.

1) في حاشية الأصل عن نسخة: يعنوني.

2) السيماء مقصور وممدودًا: العلامة والأثر في الشيء يعرف به.

3) المنار: الأعلام.

4) غَلّ من المغنم يغُل بالضم: إذا خان فيه، قال أبو عبيد : يقال منه : يغل ومن الحقد: يغلّ بالكسر، ومن الخيانة بالمطلقة: أغلّ يُغل.

5) الخطبة برقم 238 في الشرح 13 / 88 - 147 ، وفيه مباحث جديرة بالمراجعة هي (أسباب وأد البنات)، و(القول في إمامة أبي بكر والرد عليه)، و(صلة علي برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في صغره)، و(حياة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في بدء نشأته)، و(في إسلام أبي بكر وعلي (علیه السّلام)) ، وهي برقم (235) في شرح ابن ميثم 4/ 138 - 189، وينظر مصدر سابق 56/3 - 58 برقم 190، وقال المؤلف حول حديث الشجرة: (وأما أمر الشجرة التي دعاها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض) وذكر بعض مصادره، وذكر قبله مثل هذا ابن أبي الحديد في شرحه 13 / 147 - 148 .

[193] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لأمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) يقال له هَمَّامٌ كَانَ رَجُلًا عَابِدًا

*(1)[193] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لأمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السّلام)(2)يقال له هَمَّامٌ(3)كَانَ رَجُلًا عَابِدًا

فقَالَ لَهُ(4): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِي المُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِم!فَتَاقَلَ عَن جَوَابِهِ، ثُمَّ قَال (علیه السّلام):

يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللهَ وأحْسِن فَـإِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ(5). فَلَم يَقْنَع هَمَّامٌ بِذَلِكَ القَوْلِ، حَتَّى عَزَمَ عَلَيهِ(6)، قَال: فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، وصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم)(7)، ثُمَّ قَالَ (علیه السّلام):

أمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ حِينَ(8)خَلَقَهُم غَنِيًّا عَنْ


1) من هنا نعود للمقالة بنسخة س . وقبلها في ع: بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثّقة.

2) في س، م: له مكان لأمير المؤمنين (علیه السّلام)، والخطبة موضعها في م بعد كلامه (علیه السّلام) للبرج بن مسهر الطائي في الصفحة 122 من ترقيم المخطوط الحديث، وكذا مكانها في س في الصفحة 199 من ترقيمها الحديث، وهي برقم 184 في شرح ابن ميثم 726/3.

3) في الشرح 307/10: هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمر.. بن سعد العشيرة، كان من شيعة أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأوليائه، وكان ناسكًا عابدًا.

4) له: ليست في س، ج.

5) النحل 16:128 .

6) حاشية: عزم عليه، أي: شدد عليه، وفي المنهاج 276/2، أي: أقسم عليه أن يصف المتقين بالتفصيل.

7) في س، م: وعلى آله.

8) في الأصل: حيث، وكذا في ب، ع، وما أثبت في م، وحاشية الأصل عن نسخة، وفي ج: حين، وفوقها بمداد أحمر حديث.

طَاعَتِهِم امنا مِن(1)مَعْصِيَتِهِم، لأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَن عَصَاهُ، ولا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَن أطَاعَهُ، فَقَسَّم بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم، ووَضَعَهُم في(2)الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُم، فالمتَّقُونَ فِيهَا هُم(3)أهلُ الفَضَائل، مَنْطِقُهُم الصَّوَاب، ومَلْبَسُهُم الاقْتِصَادُ ، ومَشْيُهُم التَّوَاضُعُ ، «53 أ»، غَضُّوا أبْصَارَهُم عَمَّا ا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِم، ووَقَفُوا أَسْمَاعَهُم عَلَى العِلْمِ النَّافِعِ هُم .

نَزَلَت أَنْفُسُهُم مِنهُم فِي البَلاءِ كالذِي نَزَلَت فِي الرَّخَاءِ(4)

أتقرح أكباد المحبين كالذي *** أرى كبدي من حبّ ميّة تقرح

أي: كما أرى كبدي، وقال: يقال : وخضتم كالذي خاضوا، والحاشية إلى نهاية البيت في المنهاج 2/ 277 .

، لَوْلا(5)الأجَلُ الذِي كَتَبَ اللهُ لَهُم لَم تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِم طرفة عين، شَوْقاً إلَى الثَّوَابِ ، وخَوْفًا مِن العِقَابِ.

عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِم فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِم، فَهُم والجنَّةُ(6)كَمَنْ قَد رَآهَا فَهُم فِيهَا مُنَعَمُونَ، وهُم والنَّارُ(7)كَمَن قَد رَآهَا، فَهُم فِيهَا مُعَذَّبُونَ: قُلُوبُهُم مَحْزُونَةٌ، وشُرُورُهُم مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُم نَحِيفَةٌ،


1) ب: بمعصيتهم، وكذا في ج، وبحاشيتها عن نسخة من معصيتهم، وكذا في ع، م.

2) ب، ج، م، ع، ج: من الدنيا.

3) هم: ليست في س، م.

4) حاشية: كالذي: كناية عن الحال، والتقدير: كالذي يدار عليه في الرحاء، أو يكون الذي بدل ما المصدرية، كقول الشاعر:

5) م: ولولا.

6) ضبطها في الأصل بالرفع والنصب في الأصل وفوقها معا.

7) ضبطها أيضًا بالرفع والنصب في الأصل وفوقها معا.

وحَاجَتُهُم خَفِيفَةٌ، وأنْفُسُهُم عَفِيْفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّامًا قَصِيرَةً أعْقَبَتْهُم رَاحَةً طَوِيلَةٌ، تِجَارَةً مُرْبِحَةً يَسَّرَهَا هُم رَبُّهُم.

أرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا، ولَم يُرِيدُوهَا، وأسَرَتُهُم فَفَدَوا أَنْفُسَهُم مِنْهَا . أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُم، تَالُونَ(1)لأجْزَاءِ القُرآنِ يُرَتِّلُونَهُ(2)تَرْتِيلًا، يُحزنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُم، ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِم، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيْهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعًا، وتَطَلَّعَت نُفُوسُهُم إِلَيْهَا شَوْقًا، وَظَنُّوا أَنَّهَا نَصْبُ(3)أَعْيُنِهِم ، وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِم ، وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِم، فَهُم حَانُونَ عَلَى أَوْ سَاطِهِم، مُفْتَرِشُونَ الجِبَاهِهِم وأكُفِّهِم ورُكَبِهِم، وأطْرَافِ أَقْدَامِهِم يَطْلُبُونَ(4)إِلَى اللهِ تَعَالى(5)فِي فَكَاكِ رِقَابِهِم، وأمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَنْقِيَاءُ، قَد بَرَاهُم الخَوْفُ بَرْيَ القِدَاحِ(6)،


1) في الأصل: تالين، وكذا في ب، س، ج، م أيضًا، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في ب، ع، وحاشية ج.

2) س، م: يرتلونها، وكذا في ج، وصوبت فيها كما الأصل، والترتيل في المنهاج 2 / 277: الترسل في القراءة والتبيّن، وسئل أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن الترتيل ، فقال : حفظ الوقوف وأداء الحروف ؛ وهذا يشتمل على جميع ما يعتبره القراء.

3) بالفتح والضم في الأصل، وكذا في ج، وبالضم في ب، وبالفتح في م، ع.

4) في الأصل: يستطلبون، وما أثبت في س، م، ب، ع، ج، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة.

5) تعالى : ليست في س، م، ج، ب.

6) في المنهاج 2/ 278، أي: نحتهم الخوف كما تبرى السهام.

يَنْظُرُ إلَيهِم النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُم مَرْضَى ومَا بِالقَومِ مِن مَرَضِ، وَيَقُولُ: قَد خُولِطُوا(1)، ولَقَد خَالَطَهُم أمْرٌ عَظِيمٌ، لا يَرْضَونَ مِن أعْمَالِهِم القَلِيلَ، ولا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ، فَهُم لأنْفُسِهِم مُتَّهِمُونَ ، ومِن أعْمَاهِم مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنهُم(2)خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِن غَيْري، ورَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي ، اللَّهُمَّ لا تُؤاخِذْنِي بِمَا يَقُولُون، واجْعَلْنِي أفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ ، واغْفِر لي مَا لا يَعْلَمُونَ.

فَمِن عَلَامَةِ أَحَدِهِم أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينِ، وحَزْمًا فِي لِينٍ، وإِيمَانًا فِي يَقِينِ، وحِرْصًا فِي عِلْمٍ، وعِلْمًا فِي حِلْمٍ، وقَصْدًا فِي غِنِّى، وخُشُوعًا فِي عِبَادَةٍ ، وتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ، وصَبْرًا فِي شِدَّةٍ، وطَلَبًا فِي حَلالٍ، ونَشَاطًا فِي هُدًى، وتَحَرُّجًا عَن طَمَعِ. يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وهُو عَلَى وَجَلٍ، يُمْسِي وهَمَّهُ الشُّكْرُ، ويُصْبِحُ وهَمُّهُ الذِّكْرُ، يَبِيتُ حَذِرًا(3)، ويُصْبِحُ فَرِحًا، حَذِرًا لِمَا حُذْرَ مِنَ الغَفْلَةِ، وفَرِحَا بِمَا أَصَابَ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.

إن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا يَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُوْطَهَا فِيمَا تُحِبُّ. قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ ، وزَهَادَتُهُ فِيمَا لا يَبْقَى . يَمْزُجُ الحِلْمَ بالعِلْمِ والقَوْلَ بالعَمَلِ ، تَرَاهُ قَرِيبًا أَمَلُهُ ، قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعًا قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُورًا


1) خولطوا في المنهاج 279/2، أي: جنّوا.

2) كذا في ب، م أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: أحدهم، وفوقها في ج أحدهم أيضًا.

3) بعدها في ع: لما حذر من الغفلة.

أَكْلُهُ، سَهْلًا أَمْرُهُ، حَرِيز(1)دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْفُومًا غَيظُهُ الخَيْرُ منه «53 ب» مَأْمُولٌ ، والشَّرُّ مِنهُ مَأْمُونٌ . إن كَانَ فِي الغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وإِن كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَم يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، يَعْفُو عَمَّن ظَلَمَهُ، ويُعْطِي مَن حَرَمَهُ، ويَصِلُّ مَن قَطَعَهُ، بَعِيدًا فُحْشُهُ، لَيْنًا قَولُهُ، غَائِبًا مُنْكَرُهُ، حَاضِرًا مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ، مُدْبِرًا شَرُّهُ، فِي الزَّلازِلِ وقُورٌ، وفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ ، لا يَحِيفُ(2)عَلَى مَن يُبْغِضُ، ولا يَأْثَمُ فِيمَن يُحِبُّ، يَعْتَرِفُ بالحَقِّ مِن قَبْلِ أَن يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضَيعُ مَا اسْتُحْفِظَ، ولا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، ولا يُنَابِرُ بالأَلْقَابِ، ولا يُضَارُّ بالجار، ولا يَشْمَتُ بالمَصَائِبِ، ولا(3)يَدْخُلُ فِي البَاطِلِ، ولا يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ . إن صَمَتَ لَم يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وإن ضَحِكَ لَم يَعْلُ صَوْتُهُ، وإن بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الذي يَنتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ في عَنَاءِ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ.

أَتْعَبَ نَفْسَهُ لَآخِرَتِهِ، وأَرَاحَ النَّاسَ مِن نَفْسِهِ. بُعْدُهُ عَمَّن تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ ونَزَاهَةٌ، ودُنُوهُ مِمَّن دَنَا مِنْهُ لِينٌ ورَحْمَةٌ. لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرِ(4)وعَظَمَةٍ، ولا ذُنُوهُ بِمَكْرٍ وخَدِيعَةٍ .


1) الحريز في المنهاج: المحفوظ.

2) لا يحيف في المنهاج 279/2 : لا يجور ولا يظلم .

3) س، ج، ع: لا .

4) في حاشية الأصل عن نسخة: لكبر، وكذا في ع.

قَالَ : فَصَعِقَ هَمَّامٌ(1)صَعْقَةٌ كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا؛ فقال أمير المؤمِنِينَ (علیه السّلام): أما واللهِ لَقَد كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَصْنَعُ المَواعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا. فَقَالَ لَه قَائِلٌ : فَما بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ(2): وَيْحَكَ(3)! إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتًا لا يَعْدُوهُ، وسَبَبًا لا يَتَجَاوَزُهُ، فَمَهْلًا لا تَعُدْ مِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلى لِسَانِكَ(4).


1) بعدها في ب، ع: رحمه الله (همام هذا هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمرو بن جابر بن عوف الأصهب، وكان من شيعة علي (علیه السّلام)، وأوليائه ناسكًا عابدا) كما ذكر ابن أبي الحديد في الشرح 307/10.

2) صلى الله عليه: ليس في س، م، وفي ب، ع: صلى الله عليه وسلم، ج: صلوات الله عليه .

3) ويح في المنهاج 279/ 2: كلمة رحمة، وويل: كلمة عذاب.

4) الخطبة برقم 186 في الشرح 10 / 306 - 307، وفيه بحث في فضل الصمت وآفات اللسان، وآخر حول ما قيل في الخوف، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها وذكر شراحها وسبب تسميتها مصدر سابق 64/3 - 66 برقم 191 ، وقال ابن ميثم في شر حه 728/ 32: (من هنا اختلفت نسخ النهج، فكثير منها تكون هذه الخطبة فيها أول الجلد الثاني منه بعد الخطبة المسماة بالقاصعة، وتكون عقيب كلامه للبرج بن مسهر الطائي قوله : ومن خطبة له (علیه السّلام) الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، وكثير من النسخ تكون هذه الخطبة فيها متصلة بكلامه (علیه السّلام) للبرج بن مسهر، وتتأخر تلك الخطبة فتكون بعد قوله : ومن كلام له (علیه السّلام) وهو يلي غسل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). ويتصل ذلك إلى تمام الخطبة المسماة بالقاصعة . ثم يليه قوله : باب المختار من كتب أمير المؤمنين ورسائله، وعليه جماعة الشارحين كالإمام قطب الدين أبي الحسن الكيدري، والفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد، ووافقتهم هذا الترتيب لغلبة الظن باعتمادهم على النسخ الصحيحة) ، ورقمها في الشرح المذكور 185.

[194] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) يَصِفُ فِيهَا المُنَافِقِينَ

*[194] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)(1)

يَصِفُ فِيهَا المُنَافِقِينَ

نَحْمُدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وذَادَ(2)عَنْهُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ونَسْأَلُهُ لِلَّتِهِ تَمامًا، وبِحَبْلِهِ اعْتِصَامًا، ونَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاضَ إِلى رِضْوانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ(3)، وتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ، وقَد تَلَوَّنَ لَهُ الأدْنَونَ، وتألَّبَ عَلَيْهِ الأَقْصَونَ(4)، وخَلَعَتْ إِلَيْهِ العَرَبُ أَعِتَتَهَا(5)، وضَرَبَتْ إلى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا(6)، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِن أبْعَدِ الدَّارِ ، وأسْحَق المزار(7).

أوصِيكُم عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللهِ، وأُحَذِّرُكُم أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُم الضَّالُّونَ المُضِلُّونَ، والزَّالُونَ المُزِلُّونَ. يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَانًا، ويَفْتَنُّونَ افْتِنَانًا، ويَعْمِدُونَكُم بِكُلِّ عِمَادِ، وَيَرْ صُدُونَكُم بِكُلِّ مِرْصَادِ(8).


1) عليه السلام: ليس في س، م.

2) ذاد: طرد.

3) الغمرة من كل شيء: معظمه.

4) في المنهاج 282/2 ، أي : تغير عليه الأقرباء، وتألب، أي تجمع عليه لمحاربته، والأقصون، أي: البعداء.

5) في المنهاج 2/ 282، أي: أوجفوا الخيل لحربه.

6) في المصدر السابق 2 / 283 ، أي: أتوه لقتاله فرسانًا وركبانًا.

7) أسحق المزار: أبعده ، والسُّحق بضم السين: البعد، وكذلك بضم الحاء.

8) يعمدونكم: يهدونكم ويفدحونكم، والعماد: الأمر الفادح، ويرصدونكم: يقعدون لكم المراصد ، وينتظرونكم.

قلُوبُهُم دَوِيَّةٌ، وصِفَاحُهُم(1)نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الخَفَاءَ، ويَدِبُّونَ الضَّرَّاء(2)، وَصْفُهُم دَوَاءٌ، وقَوْهُم شِفَاءٌ، وفِعْلُهُم الدَّاءُ العَيَاءُ(3)، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، ومُؤَكِّدُو البَلاءِ، ومُقَنِّطُو الرَّجَاءِ(4)، هُم بِكُلِّ طَرِيقِ صَرِيعٌ ، وإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيْعٌ ، ولِكُلِّ شَجْوِ دُمُوعٌ، يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ، ويَتَراقَبُونَ الجَزَاءَ، إن سَأَلُوا أَلْخُفُوا(5)، وإِن عَذَلُوا كَشَفُوا، وإِن حُكِّمُوا أَسْرَفُوا.

قَد أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٌّ بَاطِلًا، ولِكُلِّ قَائِم مَائِلًا، ولِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلا، ولِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا، ولِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحًا، يَتَوَصَّلُونَ(6)

أي: يتقشفون ويُرون من أنفسهم اليأس من حُطام الدنيا وعرضها ..

إلى الطَّمَعِ باليَأسِ «54 أ» لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُم ، ويُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُم(7)، يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ(8)، قَد هَيَّبُوا(9)الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا

1) حاشية: صفاحهم: جمع صفحة، وهو الظاهر من الجسد، يعني (علیه السّلام): أن ظواهرهم نقية، وبواطنهم دوية فاسدة، وكذا في المنهاج 2/ 283 .

2) في الحاشية : الضراء: الشجر الملتف في الوادي، ومنه قولهم: فلان يمشي الضراء، أي: يمشي مستخفيًا، والحاشية في المنهاج 2/ 283 ، وبعدها ويسعى في الفساد مستخفيًا.

3) الداء العياء: في المنهاج 283/2 : الذي يعيي ويعجز من المداواة والمعالجة.

4) أي: مخيبو أهل الرجاء في المنهاج 2/ 284 .

5) الإلحاف: الاستقصاء في السؤال .

6) حاشية: يتوصلون إلى الطمع والمعالجة.

7) الأعلاق: جمع علق، وهي السلعة الثمينة.

8) حاشية: أصل التمويه أن تطلى الحديدة، فيجرى عليها ماء الفضة، والتمويه: من الماء فيقال لكل ما باطنه بخلاف ظاهره: مموّه، والحاشية في المنهاج 2/ 284، التمويه عند ابن ميثم: التزيين والتلبيس.

9) في المنهاج 2/ 284 : هيئوا .

المَضِيْقَ(1)، فَهُم ثُةُ الشَّيْطَانِ، وحُمَّةُ(2)النِّيرَانِ، أَوَلَيْكَ حِزْبُ الشَّيْطَنِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ هُمُ الخَسِرُونَ(3).

[195] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

الحَمْدُ للهِ الذِي أَظْهَرَ مِن آثَارِ سُلْطَانِهِ، وجَلالِ كِبْرِيَائِهِ مَا حَيَّرَ مُقَلَ(4)العُقُولِ مِن عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، ورَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ(5)التَّقُوسِ عَن عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ، وأَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلا اللَّهُ، شَهَادَةَ إِيْمَانِ وإِيْقَانِ وإخلاص وإذْعَانٍ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ؛ أرسَلَهُ وأعْلامُ الهُدَى دَارِسَةٌ ومَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ(6)، فَصَدَعَ بالحَقِّ، ونَصَحَ لِلخَلْقِ وهَدَى إِلَى الرُّشْدِ، وأمَرَ بِالقَصْدِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّم.


1) أضلعوا المضيق إضلاعًا: عوّجوه وأمالوه، وهو الضلع، أي: المائل، الضلع بفتح اللام: العوج خلقة.

2) اللمة في شرح ابن ميثم 736/3 بالتخفيف: الجماعة، وحمة النيران بالتشديد: معظم حرها، وبالتخفيف: سم العقرب، وذكرت في المعارج 307 معان أخر.

3) المجادلة 58/ 19 . وفي نسخة ج علامة مقابلة أو سماع «بلغ هاهنا»، وذكر مثل هذا من قبل للتدليل على أصالتها، والخطبة برقم 187 في الشرح 326/10 - 327 ، ورقمها 186 في شرح ابن ميثم 736/3 ، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 69/3 برقم 192. 192.

4) مقلة العين: شحمتها.

5) الهمهمة: حديث النفس مع صوت خفي لا يفهم.

6) الطامسة: كالدارسة.

واعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّهُ لَم يَخْلُقُكُم عَبَيًّا، ولَم يُرْسِلْكُم هَمَلًا . عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُم، وأحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُم، فَاسْتَفْتِحُوهُ ، واسْتَنْجِحُوهُ، واطْلُبُوا إِلَيْهِ، واسْتَمِيحُوه(1)فَمَا قَطَعَكُم عَنهُ حِجَابٌ، ولا أُغْلِقَ(2)عَنْكُم دُونَهُ بَابٌ ، وإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وفِي كُلِّ(3) حِينٍ وأَوَانٍ، ومَعَ كُلُّ إِنْسِ وجَانٌ.

لا يَثْلِمُهُ العَطَاءُ، ولا يَنْقُصُهُ الحِبَاءُ(4)، ولا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِل، ولا يَسْتَقْصِيهِ(5)نَائِلٌ ، ولا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَن شَخْصِ، ولا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَن صَوْتِ، ولا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَن سَلَبٍ(6)، ولا يَشْغَلُهُ غَضَبْ عَن رَحْمَةٍ، ولا تُوَهُهُ(7)رَحْمَةٌ عَن عِقَابِ، ولا تُحِنُّه(8)البُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، ولا تَقْطَعُهُ(9)الظَّهُورُ عَنِ البُطُونِ.

قَرُبَ فَنَأى، وعَلا فَدَنَا ، وظَهَرَ فَبَطَنَ ، وبَطَنَ فَعَلَنَ ، ودَانَ ولَمْ يُدَنْ.


1) في حاشية الأصل عن نسخة: واسْتَمْنِحُوه، وكذا في س، م، ب.

2) في الأصل: أغلق، بالبناء للمعلوم، وما أثبت في س، م، ج، ب.

3) في : ليست في الأصل وهي في س، م، ب، ج، ع.

4) الحباء: النوال.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: لا يسْتَنْقُصُهُ.

6) حاشية : أي: لا يمنعه كونه واهبًا أن يسلب، إن الحق والأمر له، ويجوز أن يكون المعنى أنه لا تمنعه الهدايا والهبات والرشى عن سلب، أي: ليس من ذوي الحاجات فتنخدع بالرشي.

7) ب: يوهه.

8) تجنّه في المنهاج 2/ 287: لا تستره.

9) ب: يقطعه.

لَم يَذْرَا(1)الخَلْقَ باحْتِيَال، ولا اسْتَعَانَ بِهِم لِكَلال.

أوصِيكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا الزَّمَامُ والقِوَامُ، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا ، واعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا ، تَؤُلُ(2)بِكُم إلى أكْنَانِ الدَّعَةِ، وأَوْطَانِ السَّعَةِ، ومَنَاقِلِ الحِرْز ، ومَنَازِلِ(3)العِزَّ في يومٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ(4)، وتُظْلِمُ لَهُ الأَقْطَارُ ، وتُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ العِشَارِ(5)، وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَرْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وتَبْكَمُ كُلُّ هَتَجَةٍ، وتَذِلُّ الشُّمُ الشَّوَامِخ(6)، والصُّمُ الرَّوَاسِجُ(7)، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَابًا رَفْرَقًا، ومَعْهَدُهَا فَاعًا سَمْلَقًا(8)، فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، ولا حَمِيمٌ يَدْفَعُ، ولا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ(9).


1) ذرأ: خلق .

2) ب، ع: لِتَؤُولَ.

3) س، م: معاقل الحرز ، ومنازل العز، وفي حاشية الأصل عن نسخة: مَعَاقِل الحرز، ومنال، وكذا في ع، والمعقل : الملجأ ، وقال في المنهاج 2/ 288 : الحرز الحفظ، وروي معاقل، والمناقل: الملجأ.

4) إبراهيم 42/14 .

5) الصروم: جمع صرم وصرمة، وهي القطعة من الأبل نحو الثلاثين، والعشار: النوق أتى عليها بعد طروق الفحل عشرة أشهر .

6) الشمّ الشوامخ: الجبال العالية.

7) في المنهاج 2/ 288 حجر أصم: شديد صلب، والرواسخ: الثوابت، والصلد: الحجر الأملس.

8) معهدها: ما كان مسكونًا منها، وقاعًا: خاليًا، والسملق: الصفصف المستوي ليس بعضه أرفع من بعض ، ورَقْرَقًا في حاشية الأصل: رَقْرَاقًا.

9) الخطبة برقم 188 في الشرح 10/ 330 - 331، ، ورقمها (187) في شرح ابن ميثم 739/3، وقال السيد عبد الزهراء في مصدر سابق 72/3 برقم 193 : (سنشير إليها في كلمة الختام إن شاء الله) ولم أقف على تخريجها بها .

[196] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قَائِمٌ، ولا مَنَارُ سَاطِعٌ(1)، ولا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ. أوصِيكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وأَحَذِّرُكُم الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، ومَحَلَّةٌ تَنْغِيصِ، سَاكِنُهَا طَاعِنٌ، وقَاطِنُهَا بَائِنٌ، تَمِيْدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِيْنَةِ تَصْفِقُهَا العَوَاصِفُ فِي تُحجِ البِحَارِ، فَمِنْهُم الغَرِقُ الوَبِقُ(2)، ومِنْهُم النَّاجِي عَلَى مُتُونِ الأمْوَاجِ، تَحْفِرُهُ الرِّيَاحُ بِأذْيَالها(3)، وتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا ، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكِ، وَمَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكِ.

عِبَادَ اللهِ الآنَ فَاعْمَلُوا والألسُنُ مُطْلَقَةٌ، والأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ، والأعْضَاءُ لَدْنَةٌ(4)، والمُتَقَلَّبُ(5)فَسِيحٌ ، والمَجَالُ عَرِيضٌ قَبْلَ إرْهَاقِ(6)«54 ب» الفَوْتِ، وحُلُولِ المَوتِ، فَحَقِّقُوا عَلَيْكُم نُزُولَهُ، ولا تَنتَظِرُوا(7)قُدُومَهُ(8).


1) الساطع: المرتفع.

2) الوبق: الهالك.

3) حفزه في المعارج 307 ، أي دفعه من خلفه.

4) اللدن: الناعم.

5) ب: والمنْقَلَبُ .

6) الإرهاق: الإلحاق.

7) في المنهاج 291/2 ، أي لا تطاولوا المدة بأن لا يتأهبوا للموت فينتظرونه، وتطيلون مدة الانتظار، ولا تعلمون دأب من ينتظر شيئًا، وغالب ما ذكره في الحاشية.

8) الخطبة برقم 189 في الشرح 10/ 335، ورقمها (188) في شرح ابن ميثم 3/ 743، وتخريجها في مصدر سابق 74/3 رقم 194 .

[197] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام)

ولَقَد عَلِمَ المُسْتَحْفَظُونَ(1)مِن أصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنِّي لَم أَرُدَّ عَلَى الله ولا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ، ووَلَقَد وَاسَيْتُهُ(2)بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ(3)فِيها الأبْطَالُ، وتَتَأَخَّرُ الأَقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا.

ولَقَد قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(4)، وإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وقَد سَالَت نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي، ولَقَد وَلِيْتُ غَسْلَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) والمَلائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ والأَفْنِيَةُ(5)، مَلَةٌ يَهْبِطُ ومَلَةٌ يَعْرُجُ(6)، ومَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْئَمَةٌ(7)مِنْهُم يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ؛


1) المستحفظون من الصحابة: العلماء وأهل الدين الذين استحفظوا كتاب الله ودينه، وقال في الشرح 337/10 يمكن أن يعني بالمستحفظين الخلفاء الذين تقدموا، وفيه مبحث عن خبرموت الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وذكر في المنهاج 2/ 345 «بخط الرضي إن عباد ت، الله المستحفظين».

2) في حاشية الأصل عن نسخة آسيته ومواساته (علیه السّلام) في المعارج 308: نومه في فراشه (صلی الله علیه و آله و سلم)، وانهزام أصحابه يوم أحد، ولم يبق معه سواه ومعه العباس بن عبد المطلب، وذكره العباس وهم، أو فوت قلم ولعله أراد حمزة، ويوم الخندق الخندق ويوم حنين حين انهزم أكثر المسلمين، وقتل علي ذا الخمار، وغيرها.

3) ب: تنكِصُ.

4) في كل مواضع الصلاة على النبي في س، م: يكتفي بالصلاة ويحذف الآل، وسبقت الإشارة إلى ذلك.

5) في المنهاج 2/ 293 ، أي: أهلها الحاضرون من الملائكة.

6) في المعارج 308: الملائكة التي صلت عليه.

7) الهينمة: صوت خفي يسمع ولا يفهم.

فَمَن ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيًّا ومَيْتًا؟

فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُم، وتَصْدُقُ(1)نِيَّاتُكُم فِي جِهَادِ عَدُوِّكُم، فَوَالذِي(2)لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الحَقِّ، وإِنَّهُم لَعَلَى مَزِيَّةِ(3)البَاطِل . أقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم(4).

[198] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

يَعْلَمُ عَجِيجَ الوُحُوشِ فِي الفَلَوَاتِ، ومَعَاصِيَ العِبَادِ فِي الخَلَوَاتِ، واخْتِلافَ النَّيْنَانِ(5)فِي البِحَارِ الغَامِرَاتِ، وتَلاطُمَ المَاءِ بالرِّيَاحِ العَاصِفَاتِ(6)، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا نَجِيبُ(7)اللهِ وسَفِيْرُ وَحْيِهِ، وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ.

أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَوصِيْكُم بِتَقْوَى اللَّهِ الذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُم وإِلَيْهِ يَكُونُ


1) في الأصل: وليَصْدُقُ، وهو فوت قلم، وفي المنهاج 2/ 293، أي: فالتصلح.

2) ب، ع: فوالله الذي.

3) بفح الزاي وكسرها في س، م وفوقهما معا.

4) في حاشية الأصل ذكر صاحب المخطوط وناسخه: «تمت القراءة على المولى السيد الإمام إلى ها هنا والحمد لله». والخطبة برقم 190 في الشرح 10/ 337 ، وبرقم (189) في شرح ابن ميثم 744/3 ، وتخريجها في مصدر سابق 3/ 75 - 76، برقم 195.

5) العجيج: رفع الصوت، والنينان: جمع نون، وهو الحوت.

6) العاصفات في المنهاج 2/ 298: الرياح الشديدة.

7) بلا إعجام للجيم والياء في الأصل.

مَعَادُكُم، و بِهِ نَجَاحُ طَلَبَتِكُم ، وإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُم، ونَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُم، وإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُم، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ(1)قُلُوبِكُم، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُم، وشِفَاءُ مَرَضِ أجْسَادِكُم، وصَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُم، وطَهُورُ دَنَس(2)أَنْفُسِكُم، وجَلاءُ عَشَا(3)أَبْصَارِكُم، وأمْنُ فَزَع جَاشِكُم(4)، وضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُم، فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَارًا دُونَ دِثَارِكُم(5)، ودَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُم، ولَطِيفًا بَينَ أَضْلاعِكُم، وأَمِيرًا فَوْقَ أَمُورِكُم، ومَنْهَلًا لِحِيْنِ وِرْدِكُم(6)، وشَفِيعًا لِدَرَكِ طَلِبَتِكُم، وجُنَّةٌ لِيَومٍ فَزَعِكُم، ومَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُم، وسَكَنَا لِطُّولِ وَحْشَتِكُم، ونَفَسًا لِكُرَبِ(7)مَوَاطِنِكُم، فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ حِرْزُ مِن مَتَالِفَ مُكْتَنِفَة(8)، ومَخَاوِفَ مُتَوَفَّعَةٍ، وأُوَار(9)نِيْرَانٍ مُوقَدَةٍ، فَمَن أخَذَ بالتَّقْوَى عَزَبَتْ(10)عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوّهَا ، واحْلَوْلَتْ لَهُ الأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا، وانْفَرَجَت عَنْهُ الأَمْوَاجُ بَعْدَ


1) في حاشية الأصل: دواء داء، وكذا في س، م.

2) الدنس في المنهاج 2/ 298 : الكدر ، والجلاء: الصقال.

3) كذا في ب أيضًا، وفي س، ج، ع، م : غشاء.

4) الجأش : القلب.

5) الدثار في القاموس: ما فوق الشعار من الثياب، والشعار : ما يلي شعر الجسد.

6) في الأصل: ورودكم، وما أثبت في حَاشِيَة الأصل، وفي س، م، ب، ج، ع.

7) ضبطها في س، م بضم الكاف وفتح الراء، وبفتح الكاف وإسكان الراء وفوقها معا.

8) حاشية: مكتنفة، تكنفوه ، واكتنفوه، أي: أحاطوا به.

9) الأوار: حرّ النار.

10) عزبت الشمس:: غابت .

تَرَاكُمِهَا ، وأَسْهَلَت لَهُ الصِّعَابُ بَعد إنْصَابِهَا(1)، وهَطَلَتْ عَلَيْهِ الكَرَامَةُ بَعدَ قُحُوطِهَا(2)، وتَحَدَّبَتْ(3)عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيهِ، النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا ، ووَبَلَتْ عَلَيْهِ البَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا(4)، فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُم بِمَوْعِظَتِهِ، ووَعَظَكُم بِرِسَالَتِهِ ، وامْتَنَّ عَلَيْكُم بِنِعْمَتِهِ ، فَعَبْدُوا(5)أَنْفُسَكُم لِعِبَادَتِهِ ، واخْرُجُوا إِلَيْهِ مِن حَقٌّ طَاعَتِهِ «55 أ» .

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الإِسْلامَ دِينُ اللهِ الذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ(6)، وأصْفَاهُ(7)خِيرَةَ خَلْقِهِ، وأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ. أَذَلَّ الأَدْيَانَ بِعِزِّهِ، وَوَضَعَ المَلَلَ(8)بِرَفْعِهِ، وأهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وخَذَلَ مُحَادِّيهِ(9)بِنَصْرِهِ، وهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةَ بِرُكْنِهِ، وسَقَى مَن عَطِشَ مِن حِيَاضِه، وأتَاقَ(10)الحِياضَ بِمَوَاتِحِهِ، ثُمَّ(11)جَعَلَهُ لا انفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ، ولا فَكَ


1) في حاشية الأصل عن نسخة: انتصابها، وإنصابها: إتعابها..

2) حاشية: قحط المطر قحوطا، إذا احتبس.

3) تحدّبت : عطفت وحنت.

4) حاشية: أرزّت السماء:: أمطرت الرذاذ، وهو المطر الخفيف.

5) عبدوا: ذلّلوا.

6) حاشية: أي: اختاره بمرأى منه.

7) حاشية: وأصفاه من خلقه، أي: من قولك: أصفيته الود.

8) في المنهاج 302/2، أي: نسخها.

9) حاشية: المحادة: المخالفة، ومنع ما يجب عليك.

10) في الحاشية: تثق السقاء: يتأق، وتأق، إذا امتلأ، وأتقته أنا، والماتح: المستقي، وفي شرح ابن ميثم أتاق الحياض: ملأها، والمواتح: المستقون.

11) ثم: زيادة من النسخ.

لخِلْقَتِهِ، ولا انْهِدَامَ لأَسَاسِهِ، ولا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، ولا انْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، ولا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، ولا عَفَاءَ(1)لِشَرَائِعِهِ، ولا جَنَّ لِفُرُوعِهِ، ولا ضَنْكَ لِطُّرُقِهِ، ولا وُعُوثَةٌ(2)لِسُهُولَتِهِ ، ولا سَوَادَ لِوَضَحِهِ، ولا عَوَجَ لانْتِصَابِهِ، ولا عَصَلَ(3)فِي عُودِهِ، ولا وَعْثَ لِفَجِّهِ(4)، ولا انْطِفَاءَ لَصَابِيحِهِ(5)، ولا مَرَارَةَ حَلاوَتِهِ، فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الحَقِّ أَسْنَاخَهَا(6)، وثَبَّتَ لَهَا أسَاسَهَا ، ويَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا ، ومَصَابِيحُ شُبَّتْ نِيْرَانُهَا، وَمَنَارٌ اهْتَدَى بِهَا سُفّارُهَا ، وأَعْلامٌ قَصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا، ومَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا .

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ، وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ، فَهُوَ عِندَ اللهِ وَثِيقُ الأَرْكَانِ، رَفِيْعُ البُنْيَانِ، مُنيَّرُ البُرْهَانِ، مُضِيءُ النِّيْرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ المَنَارِ ، مُعْوِزُ(7)المُثَارِ. فَشَرِّفُوهُ واتَّبِعُوهُ، وأدوا إِلَيهِ حَقَّهُ، وضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ.


1) حاشية : العفاء : الدروس والهلاك.

2) حاشية : الوعث: الأرض السهلة الكثيرة الدهس، تغيب فيه الأقدام ويشق على من يمشي فيه، ومنه وعثاء السفر، وفي القاموس: الدهس: النبت لم يغلب عليه لون الخضرة، والمكان السهل ليس برمل ولا تراب.

3) حاشية : العصل : الالتواء في الأسنان وغيرها.

4) لا وعث لفجه في المعارج 309: الوعث المكان السهل، الكثير الدهس، تغيب فيه الأقدام، ويشق على من يمشي فيه.

5) في الأصل: لمصابحه، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

6) ساخ: غاص، والسنخ: الأصل، وفي المنهاج 303/2 أساخ: أثبت.

7) حاشية: معوز المثار:، أي: تعجز إثارته وأزعاجه.

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الْانْقِطَاعُ، وأقْبَلَ(1)مِنَ الآخِرَةِ الاطِّلاعُ، وأظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وَقَامَت بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ(2)، وخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَزِفَ(3)مِنْهَا قِيَادٌ، فِي انْقِطَاع مِن مُدَّتِهَا، وَاقْتِرَابِ مِن أَشْرَاطِهَا(4)، وتَصَرُّمِ مِن أَهْلِهَا، وانفِصَامٍ مِن حَلَقَتِهَا، وَانْتِشَارِ مِن سَبَبَهَا ، وعَفَاءِ مِن أَعْلامِهَا ، وتَكَشْفِ مِن عَوْرَاتِهَا، وقِصَرٍ مِن طُولِهَا، جَعَلَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَلاغًا لِرِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةٌ لِأُمَّتِهِ، ورَبِيعًا لأَهْلِ زَمَانِهِ، ورِفْعَةً لَأَعْوَانِهِ، وشَرَفًا لِأَنْصَارِهِ.

ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ نُورًا لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ، وسِرَاجًا لا يَخْبُو تَوَقُدُهُ، وبَحْرًا لا يُدْرَكُ فَعْرُهُ، ومِنْهَاجًا لا يَضِلُّ(5)تَهْجُهُ، وشُعَاعًا لا يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وفُرْقَانًا لا يَكْمُدُ بُرْهَانُهُ، وبُنْيَانًا لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وشِفَاءً لا تُخْشَى أَسْقَامَهُ، وعِزًا لا تُهْزَمُ أنْصَارُهُ، وحَقًّا لا تُخَذَلُ أعْوَانُه.

فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ وبُحْبُوحَتُهُ، ويَنَابِيعُ العِلْمِ وبُحُورُهُ، ورِيَاضُ العَدْلِ وغُدْرَانُهُ، وأثَافِي الإسلام وبُنْيَانُهُ، وأوْدِيَةُ الحَقِّ وغِيطَانُه(6)،


1) في الأصل: وأقبلت، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

2) في المعارج 309، أي: على شدّة.

3) حاشية: أزف، أي: قرب انقيادها للزوال.

4) حاشية: اقتراب من أشراطها ، إنما صار الإشراط إلى الدنيا، فإنها تكون فيها، وإن كانت للآخرة.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: لا يُضِلّ.

6) بحبوحة الدار: وسطها، والغيطان: المواضع المطمئنة من الأرض.

وبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ(1)، وعُيُون لا يُنْضِبُهَا المَائِحُونَ، ومَنَاهِل لا يَغِيضُهَا(2)الوَارِدُونَ ، ومَنَازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَهَا المُسَافِرُونَ، وأعْلامٌ لا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وإمَامُ لا يَجُوْرٌ عَنهُ(3)القَاصِدُونَ.

جَعَلَهُ اللهُ(4)رِيَّا لِعَطَشِ العُلَمَاءِ، وَرَبِيعًا(5)لِقُلُوبِ الفُقَهَاءِ، وَمَحَاجَّ(6)لِطُرُقِ الصَّلَحَاءِ ، ودَوَاء لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءُ، ونُورًا لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ ، وحَبْلًا وَثِيقًا عُرْوَتُهُ، ومَعْقِلًا مَنِيْعًا ذِرْوَتُهُ(7)، وعِرًّا لَن تَوَلَّاهُ، وَسِلَّما لَمَن دَخَلَهُ «55ب» ، وهُدًى مَن اتَتَمَّ بِهِ ، وعُدْرًا(8)لَن انْتَحَلَهُ، وبُرْهَانًا لَن تَكَلَّمَ بِهِ، وشَاهِدًا لَمَن خَاصَمَ بِهِ، وفَلْجًا(9)لَمَن حَاجَّ بِهِ، وحَامِلًا لَمَن حَمَلَهُ، ومَطيَّةٌ مِن أَعْمَلَهُ، وآيةٌ لَن تَوَسَّمَ(10)، وجُنَّةً لَن استلام(11)، وعِلْما لمن


1) حاشية : نزفت ماء البئر، إذا نزحته كله.

2) حاشية: غاض الماء: قل ونضب، وغاضه الله تعالى يتعدى ولا يتعدى.

3) في الأصل وفي ب أيضًا : وأكام عَنْها وما ثبت في س، م، ج، ع.

4) ب، ع: الله تعالى.

5) بعدها في ع: ممرعا .

6) المحاج: جمع محجَّة، وهي جادة الطريق.

7) المعقل: الملجأ .

8) حاشية: أي: تعذر من ادعى فيه، وإن لم يكن محقا فيقال: إنه أهل القرآن فيعذر، والحاشية في المنهاج 305/2 ، وفي شرح ابن ميثم 4/ 121 المعقل: الملجأ، وذروته أعلاه.

9) الفلج: الفوز.

10) المتوسم : المتفرس.

11) حاشية: اللامة: الدرع ، ومنه استلام، أي: لبس اللأمة.

وَعَى، وحَدِيثًا لَمَن رَوَى، وحُكْمًا لَمَن قَضى(1).

[199] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) كَانَ يُوصِي بِهِ أَصْحَابَهُ

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ(2)، وحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وتَقَرَّبُوا بِهَا، فإنها كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتا(3). ألا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَاب أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ * قَالُوا لَوْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(4). وإِنَّهَا لَتَحْتُ الذُّنُوبَ حَتَّ الوَرَقِ(5)، وتُطْلِقُهَا صلى الله إطلاق الرِّبَقِ(6)وشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالحَمَّةِ(7)تَكُونُ عَلَى بَابِ


1) حاشية م: «بلغت قراءتي». والخطبة برقم 191 في الشرح 342/10 - 350، وفيه بحث حول ما قيل في عمر الدنيا وآخر في الصلاة وفضلها، وثالث في فضل الزكاة والتصدق، ورقمها (190) في شرح ابن ميثم 746/3 ، وذكر السيد عبد الزهراء في كتابه السابق الذكر 3/ 82 وهي برقم 196 فيه (أن ما رواه الرضي هاهنا وما مرَّ برقم 10 من خطبة واحدة. والخطبة المشار إليها في هذا المطبوع برقم 105.

2) التعهد في المنهاج 309/2: التحفظ بالشيء، وتجديد العهد به.

3) النساء 4 / 102 ، وفي الحاشية: موقوتا، يقال: وقته فهو موقوت، أي: بين للفعل وقتًا يفعل به.

4) المدثر 42 ، 43 .

5) الحت في المعارج 310: قشر الشيء وحكه .

6) الربق: جمع الربقة، وهي الحلقة في الحبل، وفي المنهاج 312/2: الحبل.

7) حاشية: الحَمَّة: الحفيرة التي فيها الحميم، وهو الماء الحار، وفي شرح ابن ميثم 758/3 جفيرة يجمع فيها الماء.

الرَّجُلِ ، فَهوَ يَغْتَسِلُ مِنهَا فِي اليَوْمِ واللَّيلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ(1)؟ وَقَد عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ(2)مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(3)، لا يَشْغَلُهُم(4)عَنْهَا زِيْنَةُ مَتَاعِ، ولا قُرَّةُ عَيْنٍ مِن وَلَدٍ ولا مَالٍ. يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَه رِجَالُ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ(5)، وكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) نَصِبا(6)بالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بالجنَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: وَأَمُرَ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا(7)، فَكَانَ(8)يَأْمُرُ بهَا أهْلَهُ، ويُصَبْرُ(9)عَلَيْهَا نَفْسَهُ.

ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَانًا لأَهْلِ الإِسْلامِ، فَمَن أعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْس بهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارةً، ومِنَ النَّارِ حِجَازًا ووِقَايَةً، فلا يُتبعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، ولا يُكْثِرَنَّ(10)عَلَيْهَا لَهْفَهُ(11)فإنَّ(12)


1) الدرن: الوسخ.

2) كذا في ب أيضًا، ورجال: ليست في س، م ، ع ، ج وكتبت بحاشية ج بمداد أحمر.

3) بعدها في س، م، ب، ج، م، ع: الذين.

4) كذا في ب أيضًا، وبالتاء والياء وفوقها معًا في س، ج.

5) النور 37/24 .

6) النصب: التاعب.

7) طه 132/20.

8) س: وكان.

9) ج ، ع: يَصْبِرِ.

10) س: يَكْثُرَنَّ، وبالوجهين في ج.

11) في الأصل هَفَةُ وصوبها في الحاشية.

12) س، م: وإن.

مَن أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا(1)يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أفْضَلُ مِنْهَا، فَهُوَ جَاهِل بالسُّنَّةِ، مَغْبُونُ الأَجْرِ، ضَالُ العَمَلِ، طَوِيلُ النَّدَمِ.

ثُمَّ أَدَاءُ الأَمَانَةِ، فَقَد خَابَ مَن لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا؛ إِنَّهَا عُرضَت عَلَى السَّمَاواتِ المَبْنِيَّةِ، والأرَضِينَ المَدْحُوَّةِ، والجِبَالِ ذَواتِ(2)الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فلا أطْوَلَ ولا أعْرَضَ ولا أعلى ولا أعْظَمَ مِنهَا ، ولَو امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أو عَرْضٍ أو عِزّ لامْتَنَعْنَ، ولكِن أَشْفَقْنَ مِن العُقُوبَةِ، وعَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَن هُوَ أضْعَفُ مِنهُنَّ، وهُوَ الإنسان، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(3).

إنَّ اللهَ سُبْحَانَه لا يَخْفَى عَلَيهِ مَا العِبَادُ مُقْتَرِفُونَ(4)في لَيْلِهم ونَهَارِهِم، لَطُفَ بِهِ خُبْرًا، وأحَاطَ بِهِ عِلْمًا. أَعْضَاؤكُم شُهُودُهُ، وجَوَارِحُكُم جُنُودُهُ، وضَمَائِرُكُم عُيُونُهُ، وخَلَوَاتُكُم عِيَانُهُ(5).


1) بها: ليست في س، م.

2) س، م، ب، ع، ج: ذات.

3) الأحزاب 72/33.

4) الاقتراف: الاكتساب.

5) الخطبة رقمها 192 في الشرح 10 / 351 - 352 ، ورقمها (191) في شرح ابن ميثم 3/ 757 ، وفي مصدر سابق 3/ 83 برقم 197.

[200] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

واللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى(1)مِنِّي، ولكِنَّهُ يَغْدِرُ ويَفْجُرُ، وَلَوْلا كَرَاهِيةُ الغَدْرِ لَكُنتُ(2)مِن أدْهَى النَّاسِ، ولكِنْ كُلُّ(3)غَدْرَةٍ فَجْرَةٌ، وكُلُّ فَجْرَةٍ كَفْرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاللَّهِ مَا أَسْتَغْفَلُ(4)بالمكيدَةِ، ولا أُسْتَغْمَنُ بالشَّدِيدَةِ(5).


1) في الأصل: أدهى، وما أثبت من: س، م ، ب ، ج ، ع ، وكذا في شرح ابن ميثم 762/3 ، وفيه الدهاء: استعمال العقل والرأي الجيد فيما يراد فعله مما لا ينبغي مع إظهار إرادة غيره، ويسمى صاحبه داهيًا وداهية للمبالغة ، وخبيثا ومكارًا وحيّالا.

2) كذا في ب م وكتبت اللام بمداد أحمر في ج، وفي ع، س: كنت، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، والغدر في المنهاج 2/ 316: ترك الوفاء.

3) ضبطت (كل) في الموضعين بالرفع بالأصل، وكذا في م، ج، وبالنصب في ب، ع.

4) م: أَسْتَغْفِلُ.

5) في حاشية ج إشارة لمقابلة، أو سماع فقد كتب الناسخ: «بلغ هاهنا». والكلام برقم 193 في الشرح 10 / 357، وفيه بحث حول حسن سياسة أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وآخر حول الأسباب التي أوجبت محبة الناس له (علیه السّلام)، وثالث حول سياسة الإمام (علیه السّلام) ومعاوية، ورابع حول أقوال من طعن في سياسة الإمام (علیه السّلام) والرد عليها، وهو جدير بالمراجعة وإنعام النظر، والكلام برقم (192) في شرح ابن ميثم 761/3، وينظر في مصدر سابق 3 / 86 - 89 برقم 193 ما نقله السيد عبد الزهراء بشأن كلامه (علیه السّلام) وما دار حوله.

[201] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ(1)«65 أ» النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وجُوعُهَا طَوِيْلٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسَّخَطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُم اللهُ بالعَذَابِ لا عَمُوهُ بالرّضَا(2)، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ(3)، فَما كَانَ إلَّا أن خَارَتْ(4)أرْضُهُم بالخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَةِ المُحْمَاةِ فِي الأَرْضِ الخَوَّارَةِ(5).

أَيُّهَا النَّاسُ، مَن سَلَكَ الطَّرِيقَ الوَاضِحَ وَرَدَ المَاءَ، ومَن خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ(6)!


1) كذا في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: إن.

2) حاشية: أي: إذا رضوا بقبيح أخذوا به كلهم، وإذا سخطوا له يثبوا كلهم، فاسخط والرضا يجمعانهم.

3) الشعراء 157/26 .

4) حاشية: خارت: صوتت، من خوار البقرة للسكة المحماة، وهي الحديدة التي تثار بها الأرض في طرف الفدان.

5) في المنهاج 316/2: خسف المكان: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض، أي: ذهب به، والسكة: حديدة في أداة الزارع يقلب فيها الأرض، المحماة: الساخنة.

6) حاشية «بلغت القراءة ولله الحمدء». والكلام برقم 149 في الشرح 391/10 - 392، وفيه بحث عن قصة ثمود وصالح ، وهو برقم (193) في شرح ابن ميثم 764/3 ، وينظر في تخريجه مصدر سابق 3/ 90 - 91 برقم 199.

[202] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) رُويَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْن سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَة (سلام الله علیها) كَالمُنَاجِي بِه رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِنْدَ قَبْرِهِ

*رُويَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَهُ(1)عِنْدَ دَفْن سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَة (سلام الله علیها)(2)كَالمُنَاجِي بِه رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِنْدَ قَبْرِهِ(3)السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي وعَن ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، والسَّرِيعَةِ الصَّحَاقِ بِكَ(4). قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ عَن صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، ورَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي(5). إلَّا أنَّ لي في التأسي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحٍ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزّ؛ فَلَقَد وَسَدتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وصَدْرِي نَفْسُكَ.

فـإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(6)، فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الوَدِيعَةُ، وأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ(7)، أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وأمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ(8)إِلى أَن يَخْتَارَ اللهُ


1) بعدها في الأصل (علیه السّلام)، وليست في ب، ج.

2) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج، ع: عليها السلام.

3) في س : ومن كلامه عند دفن فاطمة (سلام الله علیها)، و ألحقت بخط ناعم مختلف : كالمناجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قبره والعنوان في م ومن كلام له عند دفن فاطمة (سلام الله علیها).

4) في المعارج 313 التحقت الزهراء بأبيها صلوات الله وسلامه عليهما بعد أربعة أشهر أو ستة، وهناك روايات أخر ذكرتها في الجزء الثالث من كتابي الموسوم بـ«وما أدراك ما علي».

5) التجلد في المنهاج 317/2 : الصبر، وصوابه التصبر.

6) البقرة 156/2 .

7) استرجع في المنهاج 317/2: استرد.

8) مسهد: مؤرق، وافتكت الرهينة: أي: خلص الرهن.

لي دَارَك الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ، وسَتُنْبِتُكَ ابْنَتُكَ، فَأَحْفِهَا السُّؤال(1)، واسْتَخْبِرْهَا الحَالَ ، هَذَا ولَم يَطل العَهْدُ، ولَم يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ ، والسَّلامُ عَلَيْكُمَا سَلامَ مُوَدَّع لا قَالٍ ولا سَئِم؛ فَإِن أَنْصَرِفْ فلا عَن مَلالَةٍ ، وإن أُقِم فلا عَن سُوءِ ظَنِّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ(2).

[203] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

*[203] ومِن خُطْبَةٍ(3)لَهُ (علیه السّلام)

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ ، والآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِن تَمَرَّكُم لَقَرِّكُم، ولا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُم عِندَ مَن يَعْلَمُ أَسْرَارَكُم، وأَخْرِجُوا مِن الدُّنْيَا قُلُوبَكُم مِن قَبلِ أَن تَخْرُجَ مِنهَا أَبْدَانُكُم، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُم ، ولِغَيْرِهَا خُلِقْتُم إِن المَرْأَ إِذَا هَلَكَ قَال النَّاسُ : مَا تَرَكَ؟ وقالَتِ الملائِكَةُ : مَا قَدَّمَ للهِ آبَاؤُكُم فَقَدِّمُوا بَعْضًا يَكُن لَكُم، ولا تُخَلَّفُوا كُلَّا فَيَكُونَ عَلَيْكُم(4).


1) أحفها السؤال : استقص عليها فيه.

2) الكلام برقم 195 في الشرح 394/10 ، وفيه بحث بعوان (كلام مصنوع لأبي حيان في حديث السقيفة) ، والكلام برقم (194) في شرح ابن ميثم 7/4 ، وتخريجه في مصدر سابق 3/ 93 - 98 برقم 200 .

3) س، م، ب، ج، ع: ومن كلام.

4) كذا في س ، م ، وكتب الناسخ بعدها كلاً وضرب عليها، وكُتِبَ بعدها ثقلاً، والكلام برقم 196 في الشرح 11 / 5 ، وذكر الشارح قطعة تقترب من كلام أمير المؤمنين (علیه السّلام) نسبها الأصمعي لأعرابي بالبادية، وقال: وأكثر الناس على أن هذا الكلام لأمير المؤمنين (علیه السّلام)، ويجوز أن يكون الأعرابي حفظه فأورده كما يورد الناس كلام غيرهم، وهو برقم (195) في شرح ابن ميثم 8/4 ، وبرقم 201 في مصدر سابق 3/ 98.

[204] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) كَانَ كَثِيرًا مَا يُنَادِي بِهِ أَصْحَابَهُ

تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَد نُودِيَ فِيكُم بالرَّحِيلِ، وأقِلُّوا العُرْجَةَ(1)عَلَى الدُّنْيَا، وانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُم مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُم عَقَبَةً كَؤُودًا(2)، ومَنَازِلَ مَخُوفَةٌ مَهُولَةٌ لا بدَّ مِنَ الوُرُودِ عَلَيْهَا ، والوقوفِ عِنْدَهَا .

واعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ المَنِيَّةِ نَحْوَكُم دَائِبَةٌ(3)، وكَأَنَّكُم بِمَخَالِبِهَا وقَد نَشِبَت فِيكُم، وقَد دَهِمَتْكُم(4)مِنْهَا مُفْظِعَاتُ(5)الأمور ، ومُضْلِعَاتُ(6)المَحْذُورِ، فَقَطَّعُوا عَلائِقَ الدُّنْيَا(7)، واسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى.


1) حاشية: العرجة: التعريج، وفي شرح ابن ميثم 4 / 10 العرجة والتعريج: الإقامة على المكان والاحتباس به .

2) حاشية : كؤود: شاقة المصعد.

3) الملاحظ: جمع ملحظ، وهو مصدر أو محل اللحظ ، وهو النظر بمؤخر العين، وفي الحاشية أيضًا: دأب فلان في عمله، أي: جدّ وتعب، ومنه الدائبان: الليل والنهار، وينظر المنهاج 373/1 ، ودانية في شرح ابن ميثم 4 / 10، وتفسيرها عنده: مجددة.

4) قد ليست في الأصل وهي في س، م، ج، ب، ع.

5) في حاشية الأصل مضلعات، وفي الأصل: مقطعات، وما أثبت في جميع النسخ المعتمدة، ومفظعات الأمور، في شرح ابن ميثم 4 / 10: عظائمها وشدائدها المجاوزة حد المقدار المعتاد.

6) في حاشية الأصل عن نسخة معضلات، وكذا في ع، وفي حاشية الأصل: الإضلاع: الإمالة، يقال: حمل مضلع، أي: مثقل.

7) علائق الدنيا : في المنهاج 2/ 320 : أسبابها التي يتعلق القلب بها.

وقَد مَضَى شَيْءٌ مِن هَذَا الكَلامِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِخِلافِ هَذِهِ الرِوايَةِ(1).

[205] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ طَلْحَةَ والزُبَيْرَ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِالخِلافَةِ

كَلَّمَ بِهِ طَلْحَةَ والزُبَيْرَ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِالخِلافَةِ وقَد عَتَبَا مِن تَرْكِ مُشَاوَرَتِهِمَا والاسْتِعَانَةِ فِي الأمور بِهِمَا

لَقَد نَقِمْتُها(2)يَسِيرًا، وأرجَأَتُما(3)كَثِيرًا، ألا تُخَبّرَانِي «56 ب» أيُّ شَيْءٍ لَكُما فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُما عَنْهُ، أو(4)أيُّ قِسْم اسْتَأَثَرْتُ(5)عَلَيْكُما بِهِ !؟ أَم أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ؟ أم جَهِلْتُهُ؟ أم(6)أَخْطَاتُ بَابَهُ؟

واللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الخِلافَةِ رَغْبَةٌ، ولا فِي الوِلايَةِ إرْبَةٌ(7)، ولَكِنَّكُم دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ(8)إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلى كِتَابِ


1) التعقيب من (وقد مضى .... الرواية) ليس في س ، م، ج، وهو في ب، ع أيضًا. والكلام برقم 197 في الشرح 6/11 ، وهو برقم (196) في شرح ابن ميثم 10/4 ، وينظر مصدر سابق 99/3- 100 برقم 202 .

2) كذا في م، ع، م أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: نَقَمْتُاً، وكذا في ج، ب.

3) حاشية: أخرتما.

4) كذا في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: وأي.

5) استأثر: استبد.

6) ب: أو .

7) إربة : حاجة .

8) أفضت: وصلت.

اللَّهِ مَا وَضَعَ لَنَا، وأمَرَنَا بِالحُكُم بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَسَنَّ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَم أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأَيْكُمَا، ولا رَأَي(1)غَيْرِ كُما، ولم يَقَعْ(2)حُكْمُ(3)جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُما وإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ولو كَان ذلِكَ أرْغَبْ عَنْكُما ولا عَن غِيْرِ كُما ؛ وأَمَّا مَا ذَكَرْتُها مِن ذِكْر(4)الأُسْوَةِ(5)، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَم أَحْكُم أَنَا فِيهِ بِرَأْبي، ولا وَلَّيْتُهُ(6)هَوًى مِنِّي، بَل وجَدْتُ أنَا وَأَنْتُها مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَد فُرِغَ مِنْهُ، فَلَم أَحْتَجْ إِلَيْكُما فِيمَا قَد فَرَغَ اللَّهُ مِن قَسْمِهِ، وأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ؛ فَلَيْسَ لَكُما واللهِ عِنْدِي ولا لِغَيْرِ كُما فِي هَذَا عُتْبَى(7)، أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُم إلى الحَقِّ، وألْمَنَا وإِيَّاكُم الصَّبْرَ.

ثُمَّ قَالَ (علیه السّلام)(8): رَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَو رَأَى جَوْرًا فَرَدَّهُ، وكَانَ عَوْنًا بالحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ(9).


1) س، م، ج: ورأي.

2) حاشية الأصل عن نسخة: ولا وقع.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: ولا وقع، وكذلك في س، م، ج.

4) ج: أمر.

5) حاشية: الأسوة: تعني الاقتداء بالنبي (علیه السّلام)، وكأنهما نسبا إليه ترك ذلك.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: وليته.

7) حاشية: عتبي، أي: توبة ورجوع، أي: لا أرجع عن ذلك؛ لأنه حق.

8) ثم قال (علیه السّلام): ليس في س، م .

9) الكلام برقم 198 في الشرح 7/11 - 8 ، وفيه بحث عن طلحة والزبير وأخبارهما، وهو جدير بالمراجعة، وكلامه (علیه السّلام) برقم (197) في شرح ابن ميثم 11/4 ، وينظر مصدر سابق 3/ 100 برقم 203.

[206] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) وقَد سَمِعَ قَوْمًا مِن أصْحَابِهِ يَسُبُّونَ أهْلَ الشَّامِ أَيَّامَ حَرْبِهِم بِصِفّين

إِنِّي أَكْرَه لَكُم أَن تَكُونُوا سَبَّابِينَ ، ولَكِنَّكُم(1)لَو وَصَفْتُم أَعْمَاهُم، وذَكَرْتُم حَاهُم كَان أَصْوَبَ فِي القَوْلِ، وأبْلَغَ فِي العُذْرِ ، وقُلْتُم مَكَانَ سَبِّكُم إِيَّاهُم: اللهم احقِن دِمَاءَنَا ودِمَاءَهُم، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وبينهم، واهْدِهِم منْ ضَلالتِهم حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ مَن جَهِلَهُ، ويَرْعَوِي عَنِ الغَيِّ(2)والعُدْوَنِ مَن هَجَ بِهِ(3).


1) كذا في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: ولكن.

2) ارعوي في المنهاج 2 / 327: ارجع وكفّ، والغي: الجهل.

3) الكلام برقم 199 في الشرح 16/11 - 17 ، وبرقم (198) في شرح ابن ميثم 13/4 ، ولهج به: أولع وحرص عليه، وتخريجه في مصدر سابق 102/3 - 103 برقم 204، وينظر تعقيب المؤلف.

[207] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي بَعْضِ أيَّامٍ صِفِّينَ وقد رأى الحَسَنَ (علیه السّلام) يَتَسَرَّعُ إِلَى الحَرْبِ

*[207] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)(1)

*فِي بَعْضِ أيَّامٍ صِفِّينَ(2)وقد رأى الحَسَنَ (علیه السّلام) يَتَسَرَّعُ إِلَى الحَرْبِ

امْلِكُوا عَنِّي(3)هَذَا الغُلامَ لا يَهْدَّنَي، فَإِنِّي أَنْفَسُ(4)بِهَذَين - يَعْنِي الحَسَنَ والحُسَيْنَ (علیهما السّلام)- عَلَى المَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهَا نَسْلُ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(5).

قَوْلُهُ (علیه السّلام): «امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الغُلام»، من أعْلَى الكَلامِ وأَفْصَحِهِ(6).


1) عليه السلام: ليس في س، م ، وفي ب : وقال (علیه السّلام)، والعنوان في ع: وقال (علیه السّلام) في بعض أيام صفين، وقد رأى ابنه الحسين (علیه السّلام) يتسرع إلى الحرب، وفي س: وقال بصفين وقد رأى الحسين، وفي ب، م: الحسن، وفي المعارج 314عنى به الحسن.

2) مكانه: وقال بصفين.

3) س، م : يعني الحسنين (علیهما السّلام).، وأملكوه: شدّوه واضبطوه.

4) يهدني : يكسرني، ونفست بالكسر أنفس بالفتح، أي: أضن وأبخل.

5) س، م: وعلى آله وسلم.

6) كذا في ب، ع، وفي ج: قال لسيد : يعني الحسنين (علیهما السّلام). أملكُوا هذا الغلام من أعلى لها الكلام وأفصحه، ثم شطب قال السيد، وشطب تعليقه، والقول والتعليق: ليس في س، م . والكلام برقم 200 في الشرح 19/11 ، وبرقم 199 في شرح ابن ميثم 144، وبرقم (198) في شرح ابن ميثم 13/4 ، ينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 103/3 - 105 برقم 205 .

[208] ومِن خُطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي أَمْرِ الحُكُومَةِ

*[208] ومِن خُطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)(1)

لَمَّا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي أَمْرِ الحُكُومَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَم يَزَل أمْرِي مَعَكُم عَلَى مَا أُحِبُّ حَتَّى نَهكَتُكُمُ الحَرْبُ، وقد(2)واللهِ أخَذَت مِنْكُم وَتَرَكَتْ ، وهِيَ لِعَدُوِّكُم أَنْهَكُ.

لَقَد كُنْتُ أمْس(3)أميرًا، وأصْبَحْتُ اليَومَ مَأْمُورًا، وكُنتُ أمْسِ نَاهِيَا فَأَصْبَحْتُ اليَوْمَ مَنْهِيَّا، وقَد أَحْبَبْتُم البَقَاءَ، ولَيْسَ لي أن أحْمِلَكُم عَلَى مَا تَكْرَهُونَ(4).

[209] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) بالبصْرَةِ ، وقَد دَخَلَ عَلى العَلاء بنِ زِيَاد الحارثي وهو من أصحابه يعُودُهُ ، فَلَمَّا رَأَى سَعَةَ دَارِهِ ، قَال :

مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسَعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا؟ أَنْتَ(5)إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنتَ أَحْوَجَ ؛ وبَلَى إِن شِئتَ بَلَغْتَ بِهَا(6)الآخِرَةَ، تَقْرِي فِيهَا «57 أ» الضّيفَ،


1) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج: ومن كلامه، وفي ع: ومن كلام له.

2) س: ولقد.

3) كذا في ب، م أيضًا، وفي ج: بالأمس.

4) الكلام برقم 201 في الشرح 21/11 ، وبرقم (200) في شرح ابن ميثم 14/4 و التخريج في مصدر سابق 3 / 105 - 107 برقم 206 ، وينظر تعقيب المؤلف .

5) حاشية: ما أنت في الدنيا وأنت إليها في الآخرة أحوج، فوق كلمة أنت (صح).

6) كذا في م، ب، وفي ج: فيها.

وتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وتُطْلِعُ مِنْهَا القُوقَ مَطَالِعَهَا؛ فَإِذَا أَنتَ قَد بَلَغْتَ بها الآخِرَةَ، فَقَالَ لَهُ العَلاءُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِليكَ أَخِي عَاصِمَ بنَ زِيَادٍ، قَالَ: وَمَا لَه؟ قَال: لَبِسَ العَبَاءَ، وتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَلَما جَاءَ، قَالَ : يَا عُدَيَّ(1)نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الخَبِيثُ(2)، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ ؟! أَتْرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ َوهُوَ يَكْرَهُ أن تَأخُذَهَا؟ أَنْتَ أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِن ذَلِكَ. قَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ، وجُشُوبَةِ(3)مَأكَلِكَ! قَالَ : وِيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ ، إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى أَئِمَةِ العَدْلِ(4)أَن يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُم بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَى لا يَتَبَيَّعَ(5)بالفَقِيرِ فَقْرُه(6).


1) في الأصل: يا عدو، وما أثبت في س، م، ب، ع، وحاشية الأصل عن نسخة.

2) تحتها في الأصل: الشيطان، واستهام بك، أي: أذهبك لوجهك، وزين لك الهيام، وهو الذهاب في التيه، وفي المعارج 315، أي: الشيطان، وفي المنهاج 2/ 330، أي جعلك الشيطان هائما .

3) جشوبة المأكل : غلظته وخشونته، وقيل: الطعام الجشب: الذي لا إدام معه.

4) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ج: الحقِّ، وفي ب: العدل وفوقها عن نسخة الحق.

5) حاشية: تبوّغ وتبيَّغ الدم، أي: تهيج، وقيل: أصله تبغى فقلب، وفي المنهاج 2/ 330، أي هاج به فقتله.

6) الكلام برقم 202 في الشرح 11/ 23 - 24، وفيه بحث عن أخبار بعض العارفين والزهاد، وأخبار عن سيرة الربيع بن زياد جديرة بالنظر، والتخريج في مصدر سابق 3 / 109 - 111 برقم 207 ، ورجح عند المؤلف أن المعروف بين علماء الأخبار أن الذي عاده أمير المؤمنين (علیه السّلام) هو الربيع بن زياد الحارثي، وهو من الصحابة، قال: لذا قال ابن أبي الحديد: أما العلاء بن زياد فلا أعرفه، ونقل عن خط ابن الخشاب : إن الربيع أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فأتاه (علیه السّلام) عائدا، وينظر أيضًا ما ذكره حول ترجمته (علیه السّلام)، والكلام برقم (201) في شرح ابن ميثم 15/4 ، و نسب ابن ميثم الكلام للعلاء من دون تعليق.

[210] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) وقَد سَأَلَهُ سَائِلُ عَن أَحَادِيثِ البِدَعْ

*وقَد سَأَلَهُ سَائِلُ عَن أَحَادِيثِ البِدَعْ(1)وعَمَّا فِي أيدِي النَّاسِ مِن اخْتِلافِ الخَبَرِ

فَقَالَ (علیه السّلام)(2): إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقًّا وَبَاطِلًا، وصِدْقًا وكَذِبًا، ونَاسِخًا ومَنْسُوخًا، وعَامًا وخَاصَّا، ومُحكَمًا ومُتَشَابِها، وحِفْظًا ووَهُمَا، وقَد كُذِبَ عَلَى رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: «مَن كَذَبَ عَلَى مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّاْ(3)مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وإِنَّما أَتَاكَ بالحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، لَيْسَ لَهُم خَامِسٌ :

رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرُ للإِيمَانِ، مُتَصَنِّع بالإِسْلامِ، لا يَتَأثَّم(4)ولا يَتَحَرَّجُ ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مُتَعَمِّدًا؛ فَلَو عَلِمَ النَّاسُ بِهِ(5)أَنَّهُ مُنَافِقُ كَاذِبٌ لَم يَقْبَلُوا مِنْهُ ، ولَم يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ؛ وَلَكِنَّهُم قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(6)رآه، وسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِفَ(7)عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ،


1) أحاديث البدع، أي الأحاديث المبتدعة بعد رسول الله المنقولة عنه، وما يبتني عليها من الأفعال المبتدعة في الدين بدعة أيضًا.

2) فقال (علیه السّلام): ليست في س، م ، وفي كثير من مواضع التسليم لا يسلمان.

3) تبوأ مقعده: نزله واستقرّ فيه.

4) حاشية: لا يتأثم ، أي لا .. ولا يتحرج لذلك.

5) به: لیست في س، م، ج، ب.

6) صلى الله عليه وإليه : ليست في الأصل، وهي من ج، ب.

7) حاشية: لقفت الشيء وتلقفته، أي: تبادلته بسرعة.

وقد أخْبَرَكَ اللهُ عَن الْمُنَافِقِينَ بمَا أَخْبَرَكَ ، ووَصَفَهُم بِمَا وَصَفَهُم بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ (علیه السّلام)، فَتَقَرَّبُوا إلى أيْمَةِ الضَّلالَةِ، والدُّعَاةِ إلى النَّارِ بالرُّورِ والبُهْتَانِ فَوَلَّوهُمُ الأعمال، وجَعَلُوهُم عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وأَكَلُوا بهم الدُّنْيَا، وإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ المُلُوكِ والدُّنْيَا إِلَّا مَن عَصَمَ الله، فهذَا أَحَدُ الأَرْبَعَةِ.

ورَجُلٌ سَمِعَ مِن رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) شَيْئًا لَم وَجْهِهِ، فَوَهِمَ(1)فِيهِ ولَم يَتَعَمَّدْ كَذِبًا ، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ، يَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، ويَقُولُ : أنا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَلَو عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أنهُ وَهِمَ(2)فِيهِ لَم يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، ولَو عَلِمَ هُوَ أنه كَذلِكَ لَرَفَضَهُ.

ورَجُلٌ ثَالِثُ سَمِعَ مِن رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) شَيْئًا يَأْمُرُ بِهِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وهو لا يَعْلَمُ، أو سَمِعَهُ يَنْهَى عَن شَيءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وهوَ لا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ المَنْسُوحَ، ولَم يَحْفَظِ النَّاسِخَ، فَلَو عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَو عَلِمَ المُسْلِمُونَ ؛ إذ سَمِعُوهِ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.

وآخَرُ(3)رَابِعُ لَم يَكْذِب عَلَى اللهِ ولا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضُ لِلكَذِبِ خَوْفًا اللهِ، وتَعْظِيمًا لِرَسُولِ اللهِ، ولَم يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ،


1) بفتح الهاء وكسرها وفوقها معا في الأصل، وفي الحاشية: وهمت في الحساب بالكسر ، ووهمت بالفتح: في الشيء إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريده، وينظر القاموس.

2) بفتح الهاء وكسرها في الأصل.

3) كذا في م، ع، س أيضًا، وفي ب، ج: ورجل.

فَجَاءَ بِهِ عَلَى سَمْعِهِ(1)، لَم يَزِدْ فِيهِ وَلَمَ يَنْقُصْ مِنْهُ، وحَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ به، وحَفِظَ المَنْسُوخَ فَجَنَّبَ(2)عَنْهُ، وعَرَفَ الخَاصَّ «57ب» والعام، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوضِعَهُ، وعَرَفَ الْمُتَشَابِهَ وَمُحْكَمَهُ، وَقَد كَانَ يَكُونُ مِن رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الكَلامُ لَهُ وَجْهَانِ، فَكَلامٌ خَاصٌ ، وكَلامٌ عَامٌ، فَيَسْمَعُهُ مَن لا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ بِهِ، وَلا مَا عَنَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(3)فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، ويُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ(4)، وَمَا قُصِدَ بِهِ(5)، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ.

ولَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(6)كَانَ يَسْأَلَهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِن كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَن يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ أَو الطَّارِئُ فَيَسْأَلُهُ (علیه السّلام)، حَتَّى يَسْمَعُوا.

وكَانَ لا يَمُرُّ بِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَألتُ عَنْهُ وحَفِظْتُهُ، فَهَذِهِ(7)وُجُوهُ مَا عَلَيهِ النَّاسُ فِي اخْتِلافِهِم وعِلَلِهِم فِي رِوَايَاتِهِم(8).


1) س، م، ب: على ما سَمِعَهُ .

2) جنّب عنه : أخذ عنه جانبًا.

3) بعدها في س: صلى الله عليه وسلم.

4) في الأصل معناه، وما أثبت في جميع الأصول.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: قَصَدَ.

6) صلى الله عليه وآله: من ب، ج، ع، والآل ليست في م.

7) في حاشية الأصل عن نسخة: فهذا.

8) الكلام برقم 203 في الشرح 11/ 27 - 29 ، وفيه بحث بعنوان (النفاق لم يمت بموت رسول الله)، وآخر حول آل البيت (علیهم السّلام) وبعض ما نالهم من الأذى، وفيه فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الأحاديث بزعمه، وبرقم (202) في شرح ابن ميثم 17/4 والتخريج في مصدر سابق 3/ 115 برقم 208.

[211] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام)

فَكَانَ(1)مِن اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ، وبَدِيعِ(2)لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَن جَعَلَ مِن مَاءِ اليَم(3)الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ(4)يَبَسًا جَامِدًا، ثم فَطَرَ مِنهُ(5)أطْبَاقًا فَفَتَقَها سَبْعَ سَمَاوَاتِ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا، فَاسْتَمْسَكَت بِأَمْرِهِ، وقَامَتْ عَلَى حَدّهِ يَحْمِلُهَا(6)الأخْضَرُ المُنْعَنْجِرُ ، والقَمْقَامُ(7)المُسَخَّرُ، قَد ذَلَّ لأمْرِهِ، وأَذْعَنَ هِيْبَتِهِ، َووَقَفَ الجَارِي مِنْهُ(8)لِخَشْيَتِهِ، وجَبَلَ جَلامِيْدَهَا(9)، ونُشُوزَ مُتُونِهَا(10)وأطْوَادَهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا،


1) كذا في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: وكان.

2) في الأصل: وبدائع ، وما أثبت من س، م، ب، ج، ع.

3) كذا في ب، ع أيضًا، وفي حاشية الأصل: البحر، وكذا في س، م، ج.

4) تقاصفه: تراد أمواجه وتلاطمها وكسر بعضها بعضًا.

5) في الأصل فطر به، وما أثبت في س، م، ب، ع.

6) حاشية: أي: يحمل الأرض.

7) حاشية: المثعنجر ، يقال: ثعجرت الدم فالعنجر، أي صبه فانصب، والقمقام هاهنا: البحر، سمي بذلك لاجتماعه، يقال: قمقم الله عصبه، أي: جمعه، والحاشية في المنهاج 2/ 338 ، وفي القاموس، المثعنجرة من الجفان: التي يفيض ودكها، والمثعنجر: وسط البحر، وقمقم الله تعالى عصبه: جمعه وقبضه، والمثعنجر في شرح ابن ميثم 20/4 : السيال الكثير الماء.

8) لحاشية: أي: منعه حتى لا يتساقط.

9) جبل: خلق، وجلاميدها: صخورها.

10) حاشية: نشوز: جمع نشز، وهو المكان المرتفع.

وأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا، فَمَضَتْ رُؤوسُهَا فِي الهَوَاءِ، ورَسَبَت(1)أصُوهُها في الماءِ، فَأَنْهَدَ(2)جِبَالَهَا عَن سُهُوهَا، وَأَسَاخَ(3)قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا، وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا(4)، فَأَشْهَقَ قِلالَهَا، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا(5)، وجَعَلَهَا للأرْضِ عِبَادًا ، وأَرْزَهَا(6)فِيْهَا ،أوتَادًا، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَاتِهَا مِن أنْ تَمِيدَ بِأهْلِهَا ، أو تَسِيحَ بِحَمْلِهَا ، أو تَزُولَ عَن مَوَاضِعِهَا . فَسُبْحَانَ مَن أَمْسَكَهَا بَعدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا ، وأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا(7)، فَجَعَلَهَا خِلْقِهِ مِهَادًا، وَبَسَطَهَا هُم فِرَاشًا فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ(8)رَاكِدٍ لَا يَجْرِي وقَائِم لا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ(9)العَوَاصِفُ ، وتَخَضُهُ الغَمَامُ


1) في حاشية الأصل عن نسخة: رَسَت، وكذا في س، ع.

2) حاشية: فأنهد، نهد ثدي الجارية: أشرف وكور، وأنهده الله تعالى: جعله مشرفًا، وفي شرح ابن ميثم 20/4 أنهد: رفع.

3) أساخ: أدخل.

4) حاشية: الأنصاب : جمع نصب، وهو الشيء المنصوب.

5) الأنشاز: جمع نشز، وهي العوالي منها .

6) حاشية : أرز الشيء يأرز أروزا، إذا ثبت، وأرز: انقبض واجتمع، وأرزها: كان أصله أربزها، أي: أثبتها، فحذف الباء وواصل الفعل، وقد ذهبت بعض حروف الحاشية وكلمة منها أفدنا ذلك من المنهاج 2/ 339 ، وأرزها و في شرح ابن ميثم 20/4 أرزها فيها، أي: كورها وغرزها، وروي أرزها مخففة، أي أثبتها، وعليه نسخة الرضي، والألى أصح وأظهر.

7) أكنافها: أقطارها.

8) حاشية: لجة الماء: معظمه، ومنه بحر لجي.

9) في الحاشية: تكر كر الرياح، أي: تقطعه، وترده على بعض، فإن كان في قرار.. فإن الرياح تصل إليه على إرادته تعالى، وتمخضه، أي: تحركه.. وقال ال.. سمعت من أصحاب السفن أن البحر إذا نزل المطر هاج واضطرب اضطرابا، وفي شرح ابن ميثم تكركره: تردده و تصرفه .

الذَّوَارِفُ(1)، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى(2).

[212] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدِ مِن عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا العَادِلَةَ غَيْرَ الجَائِرَةِ، والمُصْلِحَةَ فِي الدِّينِ والدُّنْيَا غَيرَ المُفْسِدَةِ، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّکُوصَ(3)عَن نُصْرَتِكَ، والإبْطَاءَ عَن إِعْزَازِ دِينِكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً ، ونَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيْعَ مَن أَسْكَنْتَهُ أرْضَكَ وسَمَاوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ المُغْنِي عَن نَصْرِهِ، وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ(4).


1) في المعارج 316: ناقة ذروف: سريعة.

2) النازعات 29/79. والخطبة برقم 204 في الشرح 36/11، ينظر تخريجها في مصدر سابق 3 / 117 - 118 برقم 209 ، وذكر المؤلف أن السيد عبد الحسين شرف الدين نبه في كتابه مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) أول مكتشف لحركة الأرض بقوله : (فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها) وبقوله : (وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها) الذي ورد بخطبة الأشباح، والخطبة برقم (203) في شرح ابن میثم 20/4.

3) النكوص: الرجوع على الأعقاب.

4) ثم أنت المغني عن نصره والآخذ له بذنبه ليس في ب. والخطبة برقم 205 في الشرح 11/ 42 ، وبرقم (204) في شرح ابن ميثم 21/4 ، وذكر المؤلف في مصدر سابق 1183 برقم 210 أنه سينوه عنها في كلمة الختام، ولم يفعل.

[213] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

اشارة

*[213] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)(1)

الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ، الغَالِبِ لَقَالِ الوَاصِفِينَ، الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ للنَّاظِرِينَ، البَاطِنِ بِجَلالِ عِزَّتِهِ عَن فِكْرِ المُتَوَهّمِينَ، العَالِمِ بِلا اكْتِسَابِ ولا ازْدِيَادِ ولا عِلْمٍ مُسْتَفَادِ، المُقَدِّرِ لجميع الأُمُورِ بِلا رَوِيَّة ولا ضَمِيرِ ، الذي لا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ، ولا يَسْتَضِيءُ بالأَنْوَارِ، ولا يَرْهَقُ(2)لَيْلٌ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارُ . لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالإِبْصَارِ ، ولا عِلْمُهُ بِالإِخْبَارِ(3).

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم)

أرسَلَهُ بالضَّيَاءِ ، وقَدَّمَهُ فِي الاصْطِفَاءِ(4)، فَرَتَقَ بِهِ المَفَاتِقَ، وَسَاوَرَ(5)بِهِ المَغَالِبَ، وذَلَّلَ به الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الحُزُونَةَ، حَتَّى سَرَّحَ(6)الضَّلَالَ(7)عَن يَمِينِ وشِمَالِ(8).


1) سقط بمقدر ورقة في ب يبدأ في هذه الخطبة إلى قوله : (الذي جاء من عندك)، والترقيم فى النسخة حديث لا يعتد به.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: يُرْهِقُهُ.

3) في حَاشِيَةِ الأصل عن نسخة: بالاخْتِبَارِ.

4) الاصطفاء: الاستخلاص.

5) المساورة: المواثبة.

6) شرح: فرّق .

7) س، م، ج: الضلالة.

8) برقم 206 في الشرح 43/11 - 44 ، وبرقم (205) في شرح ابن ميثم 4 / 22 ، وذكر مؤلف مصدر سابق 119/3 برقم 211 أنه سيشير لها في كلمة الختام، ولم يفعل.

[214] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

وأشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ، وحَكَمْ فَصَلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وسَيِّدُ عِبَادِهِ؛ كُلَّمَا نَسَخَ(1)اللهُ الخَلْقَ فِرْفَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا، لَم يُسْهِم(2)فِيهِ عَاهِرٌ ، ولا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ .

ألا وإنَّ اللهَ قَد جَعَلَ لِلخَيرِ أهْلًا، وللحَقِّ دَعَائمَ ، ولِلطَّاعَةِ عِصَما، وإِنَّ لَكُم عِندَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْنًا مِنَ اللَّهِ، يَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَيُثَبِّتُ الأَفْئِدَةَ، فِيهِ كِفَاءُ(3)يُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ يُشْتَفِ.

واعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ(4)عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ، ويُفَجِّرُون عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بالولاية، ويَتَلاقَوْنَ بِالمَحَبَّةِ، ويَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةِ، ويَصْدُرُونَ بِرَيَّة(5)، لا تَشُوبُهُم الرِّيبَةُ(6)، ولا تُسْرِعُ


1) نسخ: أزال وغيّر.

2) حاشية: لم يسهم، أي: لم تترك فيه عاهر سهماً؛ لأنه لم يلده إلا الطاهرون والطاهرات، والعاهر في شرح ابن ميثم 24/4: الزاني ، ويصدق على الذكر والأنثى، وكذلك الفاجر، وفي المعارج 316: قال النبي (علیه السّلام): لما خلق الله آدم أودع نوري في جبينه، فمازال ينقله من الآباء الأخاير ، والأمهات الطواهر ، حتى انتهى إلى عبد المطلب، وينظر أيضا شرح ابن ميثم 33/4 .

3) الكفاء: الكفاية والمكافأة.

4) في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في حاشية ج: المستحفَظُونَ.

5) الريّة: الفعلة من الري، وهي الهيأة التي عليها المرتوي.

6) الريبة : الدغل والغل .

فيهم الغِيْبَةُ، عَلَى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُم وأَخْلاقَهُم، فَعَلَيهِ يَتَحَابُّونَ وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ البَذْرِ يُنْتَقَى، فَيُؤْخَذُ مِنهُ ويُلْقَى، قَد مَيَّزَهُ التَّلْخِيصُ، وهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ(1)، فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا(2)، ولْيَحْذَرْ قَارِعَةٌ(3)قَبْلَ حُلُولِهَا ، وَلْيَنْظُرِ امْرُةٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وَقَلِيلٍ مُقَامَهِ فِي مَنْزِلٍ حَتى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلًا، فَلْيَصْنَعْ لِتَحَوَّلِهِ، ومَعَارِفِ مُنتَقَلِهِ(4).

فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيْمٍ أَطَاعَ مَن يَهْدِيهِ، وتَجَنَّبَ مَن يُرْدِيهِ(5)، وأصَابَ سَبِيلَ السَّلامَةِ بِبَصَرِ مَن بَصَّرَهُ، وطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وبَادَرَ الهُدَى قَبْلَ أَن تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ، وتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ، وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وأمَاطَ الحَوْبَةَ(6)، فَقَد أُقِيْمَ عَلى الطَّرِيقِ، وهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ(7).


1) التمحيص: الابتلاء والاختبار.

2) حاشية: أي: بما يجب عليه من حسن القبول، كقوله تعالى: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ آل عمران 37/3 .

3) القارعة : الشديدة من شدائد الدهر.

4) في حاشية الأصل عن نسخة : مُتَنَقَلهِ، وفي الحاشية أيضًا منتقله، أي: موضع انتقاله، التي تعرفها، وتعرف أنه ينتقل إليها، كما يقال : فلان من معارفي، أي ممن أعرفه.

5) يرديه: يوقعه في الردى.

6) أماط: أزال، والحوبة : الإثم.

7) حاشية الأصل: (بلغت القراءة ولله الحمد). والخطبة برقم 207 في الشرح 45/11 - 46، ونقل عن الجاحظ ما أورده حول المطاعن في النسب، وفيه بحث حول كلام العارفين والأولياء، وقال فيه: (واعلم أن الكلام في العرفان لم يأخذه أهل المللة الإسلامية إلا عن هذا الرجل ..)، وينظر في تخريجها مصدر سابق 3/ 122 برقم 212 ، وهي برقم (206) في شرح ابن ميثم 23/4 .

[215] ومِن دُعَاءِ كَان يَدْعُو بِهِ (علیه السّلام) كَثِيرًا

*[215] ومِن دُعَاءِ كَان يَدْعُو بِهِ (علیه السّلام) كَثِيرًا(1)

الحَمْدُ للهِ الذِي لَم يُصْبِحُ بِي مَيْتًا ولا سَقِيها، ولا مَضْرُوبًا عَلى عُرُوقِي بِسُوءٍ، ولا مَأْخُوذًا بِأَسْوَا عَمَلي، ولا مَقْطُوعًا دَابِرِي(2)، ولا مُرْتَدَّا عنْ دِينِي، ولا مُنْكِرًا لِرَبِّي، ولا مُسْتَوْحِشًا مِن إِيمَانِي، ولا مُلْتَبَسا(3)عَقْلِي، ولا مُعَذَّبًا بِعَذَابِ الأُمَمِ مِن قَبْلِي.

أصْبَحْتُ عَبْدًا مَمْلُوكًا ظَالِما لِنَفْسِي، لَكَ عَلَى، ولا الحُجَّةُ لي، ولا أَسْتَطِيعُ أن أخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي، ولا أَتَّقِي إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي.

اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أن أفْتَقِرَ في غِنَاكَ، أو أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أو أَضَامَ في سُلْطَانِكَ، أو أُضْطَهَدَ(4)والأمْرُ لَكَ.

اللهُمَّ اجْعَل نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِن كَرَائِمِي، وَأَوَّلَ وَدِيْعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِن وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي(5).


1) يبدو أن أحدهم غير كلمة دعاء بحبر أسود إلى دعائه فالتبست العبارة، وقوله: كان يدعو به (علیه السّلام) كثيرا: ليس في س ، م، ج، و (كثيرًا) ليست في ع.

2) الدابر: بقية الرجل وولده ونسله، والدابر: الظهر.

3) بكسر الباء في الأصل، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في س، م، والالتباس: الاختلاط..

4) أضطهد: أظلم، وأضام في المنهاج 347/2، أي أظلم.

5) حاشية: هذا مثل قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني». يقول (علیه السّلام): إذا نزعت بعض جوارحي فانتزع نفسي، وينظر مسند الترمذي 242/5 ، والمستدرك 523/1 .

اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أن نَذْهَبَ عَن قَولِكَ أَو نُفْتَتَنَ عَن دِينِكَ، أو تَتَابَعَ(1)بِنَا أَهْوَاوْنَا دُونَ الهُدَى الذِي جَاءَ مِن عِنْدِكَ(2).

[216] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) خَطَبَهَا بِصِفِّينَ

*خَطَبَهَا بِصِفِّينَ(3)

أمَّا بَعْدُ، فَقَد جَعَلَ اللهُ لي عَلَيْكُم حَقًّا بِوِلايَةِ أمْرِكُم ولَكُم عَلَي مِن الحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُم، فالحَقُّ(4)أوسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وأضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ(5)، لا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، ولا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ، ولَو كَانَ لأَحَدٍ أَن يَجْرِيَ لَهُ ولا يَجْرِيَ عَلَيهِ لَكَانَ ذلِكَ خَالِصًا لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، ولِعَدْلِهِ في كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى العِبَادِ أَن يُطِيعُوهُ، وجَعَلَ «58 ب» جَزَاءَهُم عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنهُ،


1) التتابع: التهافت في الشر وإلقاء النفس فيه.

2) نهاية السقط في ب. والخطبة برقم 208 في الشرح 59/11 ، ورقمها (207) في شرح ابن ميثم 26/4 ، وينظر في تخريجها مصدر سابق 3/ 124 برقم 213 .

3) س، م: ومن خطبة له بصفين، والعنوان ساقط من ب، وبداية الخطبة في الصفحة 210 من ترقيم النسخة.

4) ب، ع: والحقُ.

5) حاشية: تناصف القوم:، أي : أنصف بعضهم بعضًا من نفسه. وزنة تفاعل تفيد المشاركة. (المحقق).

وتَوَسُّعًا بِمَا هُوَ مِنَ المَزِيدِ أهْلُهُ(1)، ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِن حُقُوقِهِ حُقُوقا افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتكَافَا(2)فِي وُجُوهِهَا، ويُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ولا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ.

وأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ اللهُ(3)سُبْحَانَهُ مِن تِلْكَ الحُقُوقِ حَقُّ الوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الوَالِي، فَرِيضَةٌ(4)افْتَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ عَلَى كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظَامًا لِأُلْفَتِهِم، وعِرًّا لِدِينِهِم فَلَيْسَت تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إلا بِصَلاح الوُلاةِ، ولا تَصْلُحُ الوِلاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّة؛ فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الوَالِي حَقَّهُ، وأَدَّى(5)إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُم، وقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ ، واعْتَدَلَت مَعَالِمُ العَدْلِ ، وجَرَت عَلَى أَذْلالها(6)السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلِةِ، ويَيْسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ.

وإِذَا غَلَبَت الرَّعِيَّةُ وَالِيهَا ، أو أجْحَفَ(7) الوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ


1) حاشية : التقدير : بما هو أهله من المزيد.

2) حاشية: تتكافأ: تتساوى في جميع وجوهها، ولا ينخرم؟ بعضها، أي: يوجب بعض تلك الحقوق، وهي الطاعة بعضًا؟، وهي المراعاة والإيواء والهداية والوعظ، ولا تستوجب بعض، أي: لا تستحق على...، وهو الطاعة لهم واتباعهم.

3) الله : ليس في س، م، ج.

4) س، م، ب: فَرِيضَةً.

5) كذا في ب، س ، ع أيضًا، وبعدها في ج، م: الوالي.

6) حاشية: الإذلال: جمع ذِلّ ، يقال : إن الأمور تجري على أذلالها، أي مسالكها وطرقها، والإذلال: مكاسر المطوى ، يقال : طويت الثوب على إذلاله، أي: مكاسره؛ لأنه يذل، و أذلالها في شرح ابن ميثم 29/4: وجوهها وطرقها.

7) أجحف بهم:: ذهب بأصلهم.

هُنَالِكَ(1)الكَلِمَةُ ، وظَهَرَت مَعَالِمُ الجَوْرِ، وَكَثُرَ(2)الإدْغَالُ(3)في الدِّينِ، وتُرِكَتْ تَحَاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بالهوى، وعُطِّلَتِ الأحْكَامُ، وكَثُرَت عِلَلُ النُّفُوسِ فلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٌّ عُطَّلَ، ولا لِعَظِيمِ بَاطِلِ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ(4)الأَبْرَارُ ، وتَعِزُّ الأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ العِبَادِ.

فَعَلَيْكُم بالتَّنَاصَحِ فِي ذلِكَ وحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ، وإن اشتَدَّ عَلَى رِضَا اللهِ حِرْصُهُ، وطَالَ فِي العَمَلِ اجْتِهَادُهُ - بِبَالِغِ حَقِيقَةٌ مَا اللَّهُ أهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، ولكن مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلى العِبَادِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِم، والتَعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الحَقِّ بَيْنَهُم.

ولَيْسَ امْرُؤٌ - وإِن عَظُمَتْ فِي الحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وتَقَدَّمَت فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أن يُعَانَ عَلَى مَا حَمَلَهُ اللهُ مِن حَقِّهِ، ولا امْرُؤٌ - وإِن أَصْغَرَتْهُ(5)النُّفُوسُ ، واقْتَحَمَتْهُ(6)العُيُونُ - بِدُونِ أَن يُعِينَ عَلَى ذلِكَ أَو يُعَانَ عَلَيْهِ.

فَأَجَابَهُ (علیه السّلام) رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلامٍ طَوِيلٍ يُكْثِرُ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ،


1) ب، ع: هناك.

2) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، كثرت وكذا في ج، وبحاشيتها بمداد أحمر كما الأصل.

3) في الحاشية: الدغل الفساد، والإدغال: الإفساد.

4) ب: يذلُّ ... يعز.

5) في حاشية لأصل عن نسخة: صغَرَته، وكذا في س، م.

6) اقتحمته: دخلت فيه بالاحتقار والازدراء .

ويَذْكُرُ سَمْعَهُ وطَاعَتَهُ له(1)، فَقَالَ (علیه السّلام): إِنَّ مِن حَقٌّ مَن عَظُمَ جَلالُ الله فِي نَفْسِهِ، وجَلَّ مَوْضِعُهُ مِن قَلْبِهِ أن يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمٍ(2)ذلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وإنَّ أَحَقُّ مَن كَانَ كَذلِكَ لَمَنْ(3)عَظْمَت(4)نِعْمَةُ الله عَلَيْهِ، ولَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيهِ، فَإِنَّهُ لَم تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَما، وإِنَّ مِن أَسْخَفِ(5)حَالاتِ الوُلاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أن يُظَنَّ بِهِم حُبُّ الفَخْرِ، ويُوضَعَ أَمْرُهُم عَلَى الكِبْرِ، وَقَد كَرِهْتُ أَن يَكُونَ جَالَ فِي ظَنّكُم أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذلِكَ ، ولَو كُنْتُ أُحِبُّ أن يُقَالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا الله سُبْحَانَه عن تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِيَاءِ.

ورُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّناءَ بَعْدَ البَلاءِ، فلا تُثنُوا عَلَيَّ بِجَمِيل ثنَاءِ(6)لإخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ وإِلَيْكُم مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقِ لَم أَفْرُغْ مِن أَدَائِهَا، وفَرائضَ «59أ» لا بُدَّ مِن إِمْضَائِهَا، فلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ، ولا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَظُ بِهِ عَنْدَ أهلِ البَادِرَةِ(7)،


1) له: ليست في الأصل، وهي من س، م، ب، ع.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: لِعُظم، وكذا في ب.

3) لمن: ليست في س، م.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: عَظْمَ.

5) أسخف: أضعف وأصغر.

6) بعض الحاشية: يقول (علیه السّلام): لا تمدحوني لانقطاعي إلى الله عبادة له، وإليكم محافظة.

7) حاشية: أهل البادرة: من تخشى بوادره من الظلمة، والبادرة في المعارج 319: الحدّة.

ولا تُخَالِطُونِي بالمُصَانَعَةِ، ولا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا حَقٌّ قِيلَ لي(1)، ولا السَّمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقِّ أن يُقَالَ لَه، والعَدْلَ أن يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ العَمَلُ بِهَا عَلَيْهِ أثْقَلَ، فلا تَكُفُّوا عَن مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أو عَن(2)مَشُورَةِ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أن أُخْطِئ(3)، ولا آمَنُ ذَاكَ مِن فِعْلِي إِلَّا أَن يَكْفِيَ اللَّهُ مِن نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي؛ فَإِنَّمَا أَنَا وأَنْتُم عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِن أَنْفُسِنَا، وأَخْرَجَنَا مِمَّا فِيهِ(4)إلى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ لضَّلالَةِ باهدَى، وأعْطَانَا البَصِيرَةَ بَعْدَ العَمَى(5).


1) حاشية: استثقالاً ، أي: لا أستثقل الحق يقال لي.

2) عن : ليست في النسخ المعتمدة.

3) حاشية: بفوق أن أخطئ: هذا الكلام منه (علیه السّلام) على سبيل الانقطاع، كقول آدم (علیه السّلام): رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا الأعراف 23/7 .

4) حاشية: كنا: إشارة إلى العرب، وإن لم يكن أمير المؤمنين (علیه السّلام) فيه.

5) الخطبة برقم 209 في الشرح 11/ 61 - 64 ، وقسمت فيه على خطبتين الثانية جوابه لرجل من أصحابه أكثر فيه المدح، وهي برقم 210 فيه، وفيه بحث حول ما ورد من أخبار فيما يصلح للملك، وبرقم (208) في شرح ابن ميثم 27/4 ، والتخريج في مصدر سابق 3 / 129 - 131 برقم 214 ، وينظر تعليق المؤلف.

[217] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

*[217] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)(1)

اللهُمَّ إنِّي أسْتَعْدِيكَ(2)عَلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُم قَطَعُوا رَحِي، وأَكْفَاوا(3)إنائي، وأجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقًّا كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِن غَيْرِي وقَالُوا: ألا إِنَّ فِي الحَقِّ أن تَأخُذَهُ، وفِي الحَقِّ أن تُمنَعَهُ، فَاصْبِرْ مَغْمُومًا، أو مُتْ مُتَأَسِّفًا. فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ(4)، ولا ذَاب(5)، ولا مُسَاعِدٌ إِلَّا أهلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بهم عَنِ المَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى القَدَى، وَجَرِعْتُ رِيْقِي عَلَى الشَّجَا(6)، وصَبَرْتُ مِن كَظْمِ الغَيظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ، وآلَمَ لِلقَلْبِ مِن حَنِّ الشَّفَارِ(7).

وقَد مَضَى هَذَا الكَلامُ فِي أثْنَاءِ خُطْبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، إلا أن(8)كَرَّرْتُهُ هُنَا


1) ينظر في هذا المطبوع الخطبة رقم 172 ، والخطبة رقم 217 وكتاب، برقم 36، ففيهم مقاطع من دعائه على قريش لا يبتعد عن دعائه هذا عليهم.

2) أستعديك: أستعينك.

3) إشارة من المتن إلى حاشية الأصل، وفيها: الصواب: كَفَؤوا، والله أعلم، وفي شرح ابن ميثم 34/4 أكفأت الإناء؛ وكفأته: كببته.

4) الرافد: المعاون.

5) في المنهاج 358/2 الذاب: المدافع.

6) القذى: ما يسقط في العين فيؤذيها، والشجى: ما يعرض في الحق عند الغم والحزن من الأثر فيكون الإنسان كالمغتث بلقمة ونحوها.

7) العلقم: شجر مرّ، والشفار : جمع شفرة، وهي السكين.

8) ب: أنني.

لاخْتِلافِ الرُوايَتَيْنِ(1).

[218] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ السَّائِرِينَ إِلى البَصْرَةِ لِحَرْبِهِ (علیه السّلام)

*[218] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)(2)

فِي ذِكْرِ السَّائِرِينَ إِلى البَصْرَةِ لِحَرْبِهِ (علیه السّلام)

فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالي وخُزَانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الذِي فِي يَدِي، وَعَلَى أهْلِ مِصْرٍ كُلُّهُم فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَتُوا كَلِمَتَهُم، وأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُم، وَوَثَبُوا عَلَى شِيْعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْرًا، وطَائِفَةً عَضُّوا(3)عَلَى أسْيَافِهم فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللَّهَ صَادِقِينَ(4).


1) في ج: لاختلاف اللفظين، وتعليق الرضي ليس في: س ، م ، وتنظر الخطبة رقم 26 في : 1 / 229 . والخطبة برقم 211 في الشرح 76/11 ، وفيه بحث بعنوان (لو كان جعفر وحمزة حيين لبايعا عليا (علیه السّلام))، وهي برقم 209 في شرح ابن ميثم 34/4، وينظر في تخريج الخطبة والتعقيب عليها مصدر سابق 3/ 132 برقم 215.

2) ب: ومنه في.

3) جاء في حاشية بنسخة س : في كلام له من كتاب قديم غير نهج البلاغة: وطائفة عَصُوا : بِأسْيَافِهِم، يُقَالُ: عصَيْتُ بالسَّيفِ، أي: ضربتُ بِهِ ، وعضوا على أسيافهم في شرح ابن ميثم 35/4: لزموها.

4) الكلام برقم 212 في الشرح 11 / 84 ، وذكر الشارح أنه قرأ في كتاب غريب الحديث لابن قتيبة في حديث حذيفة بن اليمان أنه ذكر خروج عائشة، فقال: (تقاتل معها مضر، مضرها الله في النار، وأزد عمان سلت الله أقدامها، وإن قيسا لن تنفك تبغي دين الله شرا، حتى يركبها الله بالملائكة، فلا يمنعوا ذنب تلعة)، وقال: هذا الحديث من أعلام نبوة سيدنا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأنه إخبار عن الغيب تلقاه حذيفة عن النبي، وقال أيضًا: وحذيفة أجمع أهل السير على أنه مات في الأيام التي قتل عثمان فيها أتاه نعيه وهو مريض، فمات و علي (علیه السّلام) لم يتكامل بيعة الناس ، ولم يدرك الجمل. وفي حاشية هذه الصفحة من نسخة ج ذكر الناسخ رسالة الخليفة عثمان التي أرسلها للإمام (علیه السّلام) يسأله الخروج إلى ماله بينبع، وكتب قبلها (في نسخة). وستاتي في مطبوعنا هذا فلاحظ. وذكر السيد عبد الزهراء في كتابه مصدر سابق 3/ 133 - 135 برقم 217 أن مصادر هذا الكلام هي مصادر الكلام السابق نفسها، والخطبة برقم (210) في شرح ابن ميثم 43/4 ، وينظر في تخريج الحديث غريب الحديث لابن قتيبة 2 / 43 ، والنهاية 338/4 .

[219] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا مَرَّ بِطَلْحَةَ وعَبْدِ الرَّحْمن بن عَتَّاب بن أُسَيِّدِ وهُمَا قَتِيلانِ يَومَ الجَمَلِ

لقَد أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدِ(1)بِهَذا المَكَانِ غَرِيبًا؛ أما واللهِ لَقَد كُنْتُ أكْرَهُ أن تَكُونَ قُرَيْسٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الكَوَاكِبِ.

أَدْرَكْتُ وِتْرِي مِن بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ(2)، وأَفْلَتَتْنِي أَغْيَارُ(3)بَنِي جُمَحَ.


1) في المنهاج 359/2 أبو محمد: كنية طلحة قتله مروان بن الحكم، رماه بسهم.

2) في المعارج 319: طلحة والزبير لم يكونا من أبناء عبد مناف، ولكن أمهاتهما منه.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: أعيان، وفي أخرى أغيار ، وفي ثالثة أعنان، والثالثة في ج، س، وفي حاشيتها عن نسخة: أعيار، وفي م أعنان، وفي ب: أعيان، وكذا في ع. وجاء في حاشية الأصل وأعنان أي بأعنان طرقهم والأعنان ما اعترض ذلك من السماء أو الأرض، وأكثر ذلك استعمال في السماء، وكأن واحده عنن، وفي شرح ابن ميثم 35/4 أعيان، وقال: أعيان جمع عين وهم سادات القوم، وقال: وروي عوض أعيان أغيار بني جمح وهم السادات أيضًا؛ وروى أن عقابًا احتمل كفه - كف أبي محمد - وأصيب باليمامة في ذلك اليوم، وعرفت بخاتمه وكان يدعى يعسوب قريش شهد الجمل مع عائشة، قيل: قتله مروان بن الحكم رماه بسهم؛ وروى ابن حجر، التقى هو والأشتر فقتله الأشتر ، وقال أيضًا: قيل: قتله جندب بن زهير؛ ورآه علي وهو قتيل فقال هذا يعسوب ،قريش قال وقطعت يده يوم الجمل فاختطفها نسر فطرحها باليمامة فرأوا فيها خاتمه ونقشه عبد الرحمن بن عتاب فعرفوا أن القوم التقوا وقتل عبد الرحمن ذلك اليوم. تنظر الإصابة 35/5.

لَقَد أَتْلَعُوا(1)أَعْنَاقَهُم إِلَى أَمْرِ لَم يَكُونُوا مِنْ(2)أَهْلِهِ فَوْقِصُوا دُونَهُ(3).

[220] ومن كلام له (علیه السّلام)

قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ ، وأَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ ولَطُفَ غَلِيظُهُ، وبَرَقَ لَهُ لامِعٌ كَثِيرُ البَرْقِ، فَأبَانَ لَه الطَّرِيقَ، وسَلَكَ بِهِ السَّبِيْلَ، وتَدَافَعَتْهُ الأبْوَابُ إلَى بَابِ السَّلامَةِ، ودَارِ الإِقَامَةِ، وتَثَبَّتَتْ(4)رِجَلاهُ بِطُمَانِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الأَمْنِ والرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وأَرْضَى رَبَّهُ(5).


1) أتلعوا: مدّوا أعناقهم كالمتطلعين إلى الأمر.

2) من: ليست في س، م، ج، ب، ع.

3) وقصوا: كسرت أعناقهم، والكلام برقم 213 في الشرح 85/11، وفيه بحث عن بني جمح ومن قتل منهم في معركة الجمل، وينظر تعقيب المؤلف في مصدر سابق /134/3 - 135 برقم 217 ، والكلام برقم (211) في شرح ابن ميثم 35/4. وهي برقم (209)، وفي المعارج 319 أعيان وهم أمية بن خلف .

4) في حاشية الأصل عن نسخة: ثبتت.

5) في حاشية م إشارة إلى قراءة، وفيها: «بلغت قراءتي». والكلام برقم 214 في الشرح 87/11 ، وفيه فصل في مجاهدة النفوس وما ورد في ذلك من الآثار، وآخر في الرياضة النفسية وأثر الجوع، والكلام برقم (212) في شرح ابن ميثم 212/4. وينظر في تخريجه مصدر سابق 136/3 برقم 218 .

[221] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَالَهُ بَعْدَ تِلاوَته : أَلْهَئكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ

*قَالَهُ بَعْدَ تِلاوَته : أَلْهَئكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ(1)

يَا لَهُ مَرَامًا(2)مَا أَبْعَدَهُ، وزَوْرًا مَا أغْفَلَهُ!، وخَطَرًا مَا أَفْظَعَهُ(3)! ، لَقَد اسْتَخْلَوا(4)مِنْهُم أَي مُدَّكَر(5)، وتَنَاوَشُوهُم(6)مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ، أفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِم يَفْخَرُونَ؟ أم بِعَدِيدِ الهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ!؟ يَرْجِعُونَ مِنْهُم أجْسَادًا خَوَتْ(7)، وحَرَكَاتِ سَكَنَتْ، ولَأَنْ يَكُونُوا عِبَرًا «59 ب»، أحَقُّ مِن أن يَكُونُوا مُفْتَخَرًا، ولأن يَهْبِطُوا بهم جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِن أن يَقُومُوا بِهِم مَقَامَ عِزَّةٍ، لَقَد نَظَرُوا إِلَيْهِم بِأَبْصَارِ العَشْوَةِ(8)، وضَرَبُوا


1) التكاثر 102 / 1 ، 2 ؛ وفي المنهاج 366/2 يعني أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استرعيتم عددهم - كذا - صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات.

2) المرام: المطلوب.

3) الزور: الزائرون، والخطر: الإشراف على الهلاك، والفضيع : الشديد الذي جاوز الحد في شدته.

4) في ع ، ب : استَحَلوا ، وبهامشها عن نسخة كما في الأصل، واستخلوا، أي اتخذوا تحلية الذكر دأبهم وشأنهم، وقيل: استخلوا، أي: وجدوه خاليًا.

5) حاشية: أي: وجدوا من المزورين مذكّرًا بليغا، أو مدكرا، يعني قبورهم، أو وجدوا دور المزورين خالية، فوجدانها مذكر بليغ.

6) التناوش: التنازل.

7) خوت في المنهاج 369/2: خلت.

8) أحجى: أولى بالحجى، وهو العقل، والعشوة: ركوب الأمر على جهل به.

مِنْهُم فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ(1)، ولَو اسْتَنْطَقُوا عَنْهُم عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَار في الخاوِيَةِ والرُّبوع(2)الخالِيَةِ، لَقَالَت ذَهَبُوا في الأرْضِ ضُلالا، وذَهَبْتُم فِي أَعْقَابِهِم جُهَّالًا، تَطَأونَ فِي(3)هَامِهِم، وتَسْتَنْبِتُونَ(4)فِي أَجْسَادِهِم، وتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا(5)، وتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا . وإِنَّما الأيَّامُ بَيْنَهُم وبَيْنَكُم بَوَاكِ ونَوَائِحُ عَلَيْكُم.

أولئك(6)سَلَفُ غَايَتِكُم ، وفُرَّاطُ(7)مَنَاهِلِكُم، الذِينَ كَانَت هُم مَقَاوِمُ العِزَّ ، وحَلَبَاتُ الفَخْر(8)، مُلُوكًا وسُوَقًا(9)، سَلَكُوا فِي بُطُونِ البَرْزَحْ سَبِيلًا، سُلْطَتِ الأرضُ عَلَيْهِم فِيهِ، فَأَكَلَت مِن لُحُومِهِم، وشَرِبَت مِن دِمَائِهِم فَأَصْبَحُوا فِي فَجَواتِ(10)قُبُورِهِم جَمادًا


1) كذا في ب أيضًا، وجهالة: ليست في س، م، ج. وورد في حاشية الأصل: منهم بيان أن الغمرة المذكورة هي من الموتى ومن المتقين، والضرب هاهنا: السير كقوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ النساء 4 / 101 ، وفي المنهاج 2 / 221، أي يسرعون في جهل وضلالة وغفلة.

2) ب، ع: والرسوم.

3) في: ليست في ب.

4) كذا في ب ، م أيضًا وفي س، ج: تَسْتَثْبِتُونَ، وفي ع: تستثيون.

5) ترتعون: تتنعمون، ولفظوا: رموا وتركوا.

6) في الأصل: أولائكم ، وكذا في ع ، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في س، م، ج .

7) في حاشية الأصل عن نسخة : فَرُط ، والفارط : السابق إلى الماء المورود.

8) حلبات الفخر: جماعاته.

9) السوق: جمع سوقة، وهي الرعية، والبرزخ: ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث.

10) حاشية: الفجوات: جمع فجوة، وهي المتسع من الشيئين.

لا يَنْمُونَ(1)، وضِمَارًا(2)لا يُوجَدُونَ. لا يُفْزِعُهُم وُرُودُ الأهْوَالِ، ولا يَحْزُنُهُم تَنكُرُ الأَحْوَالِ، ولا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ(3)، ولا يَأْذَنُونَ لِلقَوَاصِفِ(4)غُيَّبا لا يُنتَظَرُوْنَ ، وشُهُودًا ، لا يَحْضُرُونَ ، وإِنَّما كَانُوا جَمِيعًا فَتَشَتَتُوا، وأَلَافًا فَافْتَرَقُوا ، ومَا عَن طُولِ عَهْدِهِم، ولا بُعْدِ مَحَلَّهم عَمِيَتْ أَخْبَارُهُم، وصَمَّتْ دِيَارُهُم، ولكِنَّهُم سُقُوا كَأْسًا بَدَّلَتْهُم بِالنُّطْقِ خَرَسًا، وبالسَّمْع صَمَمًا، وبالحَرَكَاتِ سُكُونًا، فَكَأَنَّهُم فِي ارْتِجَالِ(5)الصَّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ(6). جِيْرَانٌ لا يَتَانَسُونَ ، وأَحِبَّاءُ(7)لا يَتَزَاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُم عُرَى التَّعَارُفِ ، وانْقَطَعَتْ منهم أسْبَابُ الإخاءِ، فَكُلُّهُم وَحِيدٌ، هُم جَمِيعٌ ، وبِجَانِبِ الهَجْرِ وهُم أخِلَّاءُ، لا يَتَعَارَفُونَ لِكَيْل صَبَاحًا ولا لِنَهَارِ مَسَاءً .


1) في حاشية الأصل عن نسخة: لا يَنمُّون، وينمون كما الأصل في المنهاج 371/2، أي: لا يتحركون.

2) حاشية: الضمار: ما لا يرجى من الوعد والدين، وكل ما لا تكون منه على ثقة، وفي شرح ابن ميثم 39/4 الضمار: الغائب الذي لا يرجى إيابه، وكذا في المنهاج 372/2.

3) حاشية: الرجفة الزلزلة، والرواجف: منها، وفي المعارج 320 : الرواجف: السهام الواقعة دون الغرض، والرواجف: الجيوش.

4) القواصف في المعارج 320 ، يقال : ريح قاصف، وقاصفة: حديدة، والقصف: اللهو واللعب، وامرأة قاصفة، ونساء قواصف، وقصفة القوم: تدافعهم وازدحامهم.

5) س، م: ارتحال، وفي حاشية الأصل: الارتحال - الكلمة من غير إعجام - الأمان بالصفة على يديهم من غير روية، وارتجال الصفة في شرح ابن ميثم 4/ 39: انتشاؤها.

6) حاشية: السبات: النوم، وأصله الراحة.

7) س: أحياء.

أيُّ الجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِم سَرْمَدًا . شَاهَدُوا مِن أخْطَارِ دَارِهِم أَفْطَعَ مِمَّا خَافُوا، ورَأَوا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا(1)، فَكِلتا الغَايَتَينِ، مُدَّت هُم إلى مَبَاءةٍ(2)فَاتَتْ مَبَالِغَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَلَو كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا(3)بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا ومَا عَايَنُوا، وَلَئِن عَمِيَتْ آثَارُهُم(4)، وانْقَطَعَت أَخْبَارُهُم ، لَقَد رَجَعَتْ فِيْهِم أَبْصَارُ العِبَرِ ، وسَمِعَتْ عَنْهُم آذَانُ العُقُولِ، وتَكَلَّمُوا مِن غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ، فَقَالُوا: كَلَحَتِ(5)الوُجُوهُ النَّوَاضِرُ ، وخَوَتِ الأجْسَادُ النَّوَاعِمُ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ(6)البِلَى، وتَكَاء دَنَا(7)ضِيْقُ المُضْطَجَع(8)، وتَوَارَتْنَا الوَحْشَةَ، وتَهَكَّمَتْ(9)عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ(10)، فاتحت مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَت مَعَارِفُ


1) حاشية: كأن معناه والله أعلم: شاهدوا من الخطر أصعب ما كانوا يخافونه، ورأوا من الآيات العظيمة والرحمة فوق ما كانوا يقدرونه في حياتهم، فكلا غايتهم من الخطر والعظمة امتدت لهم إلى منزل فات خوفهم ورجاؤهم وسبقها، لأن كلا من الرحمة والعقوبة كان فوق ما قدروا، والغايتان.. يكون الأخطار .. الجاري ذكرها، ويحتمل أن يكونا كناية عن الحاري؟ الجاري ذكرها قبل وقسم من الحاشية في المنهاج 2/ 374.

2) المباءة : الموضع يبوء الإنسان إليه، أي: يرجع.

3) عيّ عن الكلام، أي: عجز عنه.

4) عميت في المنهاج 372: خفيت.

5) الكلوح: تكشر في عبوس.

6) حاشية: الأهدام: جمع هدم، وهو الثوب البالي.

7) تكاء دنا: شق علينا وصعب.

8) س، م، ج، ع ، ب: المضجع.

9) حاشية: التهكم: التهدم ، يقال : تهكمت البئر، أي: تهدمت.

10) ب : الصموتُ .

صُوَرِنَا، وطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا، وَلَمْ نَجِد مِن كَرْبِ فَرَجًا، ولا(1)مِن ضِيْقٍ مُتَسَعًا، فَلَو مَثْلَتَهُم بِعَقْلِكَ، أو كُشِفَ عَنْهُم مَحْجُوبُ الغِطَاءِ لَكَ، وقد ارتَسَخَتْ(2)أَسْمَاعُهُم بالهَوَامِّ فَاسْتَكَتْ واكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُم بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وانْقَطَعَتِ الأَلسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِم بَعْدَ ذَلاقَتِهَا، وهَمَدَتِ القُلُوبُ فِي صُدُورِهِم بَعْدَ يَقْظَتِهَا، وَعَاثَ(3)فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُم جَدِيدُ بِلَّى سَمَّجَهَا(4)، وسَهَّلَ طُرُقَ الآفَةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ، فلا أَيْدِ تَدْفَعُ، ولا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوب «60 أ» وأَقْذَاءَ عُيونِ، هُم فِي كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لا تَنْتَقِلُ ، وغَمْرَةٌ لا تَنْجَلِي ، فَكَم أَكَلَتِ الأَرْضُ مِن عَزِيزِ جَسَدٍ، وأَنِيْقِ(5)لَوْنِ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ(6)، ورَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، ويَفْزَعُ إلى السَّلْوَةِ إِن مُصِيبَةٌ نَزَلَت بهِ ضِنًّا(7)بغَضَارَةِ عَيْشِهِ، وشَحَاحَةٌ(8)بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ، فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلٍّ عَيْشٍ


1) ولا: ليست في س م .

2) حاشية: ارتسخت، الرسوخ: الثبات، أي: ثبتت الهوام في أسماعهم، وأقامت فيها وجعلتها موطنا؛ واستكت في المعارج 321: صُمَّت .

3) عاث: انسد.

4) سمجها : قبحها .

5) حاشية: الأنيق: المونق: وهو المعجب الناظر إليه.

6) حاشية: أترفته النعمة:، أي: أطغته.

7) بكسر الضاد وفتحها في الأصل وفوقها معا؛ وضن في المنهاج 2/ 375، أي بخل.

8) في حاشية الأصل عن نسخة: وسجاحة، وكذا في س.

غَفُولٍ؛ إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ(1)، ونَقَضَتِ(2)الأَيَّامُ قُوَاهُ، ونَظَرَتْ إلَيهِ الحُتُوفُ مِنْ كَتَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثْ لا يَعْرِفُهُ، ونَجِيُّ هَمَّ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلِ آنَسَ(3)مَا كَانَ بِصِحَتِهِ، فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأطباءُ مِن تَسْكِينِ الحَارُ بالقَارٌ(4)، وتَحْرِيكِ البَارِدِ بالحَارُ فَلَم يُطْفِئُ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةٌ(5)، ولا حَرَّكَ بِحَارٌ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً، ولا اعْتَدَلَ بِمُمَازِحِ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ، حَتَّى فَتَرَ مُعَلَّلهُ(6)، وذَهَلَ مُمرّضُهُ، وتَعَايَا أهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَن جَوابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجَى خَبَرِ يَكْتُمُونَهُ، فَقَائِلُ: هُوَ لِمَا بِهِ، وَمُمَنْ هُم إِيَابَ عَافِيَتِهِ، ومُصَبَّرٌ هُم عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُم أَسَى الْمَاضِيْنَ مِن قَبْلِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَنَاحِ مِن فِرَاقِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ؛ إذ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِن غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَت لَهُ(7)نَوَافِذُ فِطَنِهِ(8)، ويَبِستْ


1) الحسك في المنهاج 2/ 375: شوك السعدان.

2) س، م، ب، ج، ع: ونقَضَت.

3) حاشية: آنس: نصب حال، وما: مصدرية، والتقدير: فترى آنس كونه، أي: في حال ما كانت أكوانه وحالاته آنس بالصحة، ونسبة الأنس إلى الكون كقولك: نهاره صائم، وليله قائم، وهو كقولك: أخطب ما يكون الأمير قائما، والحاشية في النهج 376/2.

4) القار والقرور: الماء البارد.

5) ثور عليهم الشّر في المنهاج 377/2 ، أي : هيجه.

6) في حاشية الأصل عن نسخةٍ : مُعَدَّلَهُ.

7) له: ليست في س، م، ب، ج.

8) بضم الفاء في الأصل، وما أثبت في حاشيتها عن نسخة، وكذا في س، م، ج، ب.

رُطُوبَةٌ لِسَانِهِ، فَكَمْ مُهِمْ(1)مِن جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَن رَدِّهِ، ودُعَاءِ مُوْلِمٍ لِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَ عَنْهُ مِن كَبِيرٍ كَانَ يُعَلِّمُهُ، أَو صَغِيرِ كَانَ يَرْحَمُهُ.

وإِنَّ للمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْضَعُ مِن أَن تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَو تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أهْلِ الدُّنْيَا(2)

وحق للسيد أن يبكي من هذه الموعظة التي ما وعظ بمثلها أحد من المتقدمين والمتأخرين، والكلام برقم 216 في الشرح 11 / 100 - 105 ، وفيه بحث عن بعض الأشعار والحكايات في وصف القبور، وآخر عن الموت وأحوال الموتى في شعر الشعراء، والخطبة برقم (213) في شرح ابن ميثم 4 / 38 ، وينظر في تخريج كلامه (علیه السّلام) والتعقيب عليه مصدر سابق 3 / 143 - 148 برقم 219 ، ولاحظ ما ذكره ابن أبي الحديد عنه.

.

[222] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) قاله عنْدَ تِلاوَتِهِ : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ

قَالَهُ(3)عِنْدَ تِلاوَتِهِ : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ(4)

إن اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءً لِلقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الوَقْرَة(5)،


1) س، م: من مهم.

2) في حاشية الأصل: «تمت القراءة ولله الحمد»، وفيها أيضًا (بكى السيد الإمام بكاء شدِيدًا)، وفي حاشية ج إشارة لمقابلة ورد فيها: بلغ هاهنا. وفي حاشية الأصل: بلغت القراءة ولله الحمد.

3) قاله في ب أيضًا، وليست في س، م، ج.

4) النور 37/24 .

5) الوقرة: الغفلة، من الوقر وهو الصمم.

وتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ العَشْوَةِ(1)، وتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمَعَانَدَةِ، ومَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّت آلاؤهُ فِي البُرْهَةِ بَعْدَ البُرْهَةِ(2)، وفِي أَزْمَانِ الفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُم فِي فِكْرِهِم، وكَلَّمَهُم فِي ذَاتِ عُقُوهِم فَاسْتَصْبَحُوا(3)بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الأَسْمَاعِ والأَبْصَارِ والأَفْئِدَةِ يُذَكَّرُونَ بِأَيَّامِ اللهِ، ويُخَوِّفُونَ(4)مَقَامَهُ(5)، بِمَنْزِلَةِ الأَدِلَّةِ فِي الفَلَواتِ(6)، مَن أَخَذَ القَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيْقَهُ، وبَشَّرُوهُ بالنَّجَاةِ، ومَن أخَذَ يَمِينًا وشِمَالًا ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وحَذَرُوهُ مِنَ الهَلَكَةِ ، فَكَانُوا(7)كَذَلِكَ مَصَابِيحَ(8)تِلْكَ الظُّلُمَات، وأدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ، وإِنَّ لِلذِّكْرِ لأَهْلا(9)أخَذُوهُ مِن الدُّنْيَا بَدَلًا، فَلَم تَشْغَلْهم تِجَارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الحَيَاةِ، ويَهْتِفُونَ(10)بالزَّوَاجِرِ عَن مَحَارِمِ اللهِ فِي أسْمَاعِ الغَافِلِينَ ، ويَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، ويَنْهَوْنَ


1) حاشية العشوة: فعلة من العشى مصدر الأعشى والعشواء، وفي شرح ابن ميثم 44/4 العشوة: الغفلة من ظلمة العين بالليل دون النهار، وفي المعارج 84 العشواء: الناقة التي في بصرها ضعف، وفي 323 منه: أن تركب أمرًا على غير بيان.

2) البرهة : المدة الطويلة من الزمان.

3) فاستصبحوا في المنهاج 382/2 ، أي: أسرجوا.

4) ب: ويَحرِّفُونَ.

5) حاشية: مقامه: جمع مقامة، وهي مجاز في الله تعالى.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: الفلاة.

7) كذا في ب ، ع أيضًا، وفي س، م، ج: وكَانُوا.

8) س: مصابيح، ولم أقف للرفع على وجه.

9) كذا في ع، ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: أهلاً، وكذا في س، م، ج.

10) يهتفون: يصيحون.

عَن المُنْكَرِ ، ويَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّها قَطَعُوا الدُّنْيَا إلى الآخِرَةِ وهُم فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِكَ، وكَأَنَّهَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْلِ البَرْزَخْ(1)فِي طُولِ الإِقَامَةِ فِيهِ، وحَقَّقَتِ القِيامَهُ عَلَيْهِم عِدَاتِهَا، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُم يَرَوْنَ مَا لا يَرَى النَّاسُ ، ويَسْمَعُونَ مَا لا يَسْمَعُونَ، فَلَو مَثَلْتَهُم «60 ب» لِعَقْلِكَ(2)فِي مَقَاوِمِهِم المَحْمُودَةِ، وبَجَالِسِهِم المَشْهُودَةِ، وقَد نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِم، وفَرَغُوا لِحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِم عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا، فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أو نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أوْزَارِهِم ظُهُورَهُم، فَضَعُفُوا عَنِ الاسْتِقْلالِ بِهَا، فَنَشَحُوا نَشِيجًا(3)، وتَجَاوَبُوا نَحِيبًا، يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِم مِن مَقَامِ نَدَم واعْتِرَافٍ، لَرَأَيْتَ أعلامَ هُدًى، ومَصَابِيحَ دُجى، قَد حَفَّتْ بِهِم الملائِكَةُ ، وتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وفُتِحَتْ هُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وأُعِدَّتْ لَهُم مَقَاعِدُ الكَرَامَاتِ فِي مَقَام(4)اطَّلَعَ اللهُ عَلَيهِم فِيهِ، فَرَضِي سَعْيَهُم، وحَمِدَ مَقَامَهُم، يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ(5)، رَهَائِنُ فَاقَةِ إلَى فَضْلِهِ، وأَسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ.


1) البرزخ: ما بعد الموت من مكان وزمان، وفي القاموس: من وقت الموت إلى القيامة، وسبق شرح .

2) كذا في ع ، ب ، ج ، وفي حاشية الأصل عن نسخة: بعقلك، وكذا في م.

3) النشج: الصوت في ترديد النفس عند البكاء.

4) كذا أيضًا في ب، ع، وفي حاشيتها عن نسخة مقعد، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وفي س، م، ج.

5) حاشية: يتنسمون بدعائهم روح التجاوز، أي: منتظرون بدعائهم الله تعالى روح التجاوز عنهم .

جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُم، وطُولُ البُكَاءِ عُيُونَهُم، لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إلَى اللهِ(1)مِنْهُم يَدٌ قَارِعَةٌ، يسْأَلُوْنَ مَن لا تَضِيقُ(2)لَدَيْهِ المَنادِحُ(3)، ولا تَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ؛ فَحَاسِب نَفْسَكَ لنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ(4).

[223] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) قَالَهُ عِندَ تِلاوَتِهِ : یأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

قَالَهُ عِندَ تِلاوَتِهِ : یأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(5)

أدْحَضُ(6)مَسْؤُولٍ حُجَّةً، وأقْطَعُ مُغْتَرٌ مَعْذِرَةً، لَقَد أَبْرَحَ(7)جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ. يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا جَرَّاكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا آنَسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ!؟ أمَا مِن دَائِكَ بُلُولٌ(8)؟ أم(9)لَيْسَ مِن نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟


1) بعدها في ب، ع: سبحانه.

2) ب: يضيق.

3) حاشية: الندح: السعة.

4) الكلام برقم 217 في الشرح /11/ 121 - 122 وفيه بحث مطول (في مقامات العارفين)، ورقمه (214) في شرح ابن ميثم 434 ، وينظر تخريجه في مصدر سابق 151/3 برقم 220 .

5) الانفطار 6/82 .

6) حجة داحضة: باطلة.

7) حاشية: أبرح ، أي: أتى العجب وبالغ فيه، وجلب إلى نفسه شدة لجهالته.

8) حاشية: بل من مرضه يبل بلا وبلولاً، إذا صح.

9) أم: ساقطة من م.

أمَا تَرْحَمُ مِن نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِن غَيْرِهَا(1)؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ(2)لحرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أو تَرَى المُبْتَلَى بِأَلَم يُمِضُ(3)جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ، فَما صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ ، وجَلَّدَكَ عَلَى مَصَائِبكَ(4)، وعَزَّاكَ عَن البُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وهِيَ أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْكَ، َوكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقَمِهِ وقَد تَوَرَّطْتَ(5)بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتهِ(6)؟ فَتَدَاوَ(7)مِن دَاءِ الفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ، ومِن كَرَى الغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ، وكُن اللَّهِ مُطِيعًا، و بِذِكْرِهِ آنِسًا، وتَمَثَّل(8)فِي حَالِ تَوَلَّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ، ويَتَغَمَّدُكَ(9)بِفَضْلِهِ، وأَنْتَ مُتَوَلٌ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَتَعَالَى مِن قَوِيٌّ مَا أَحْلَمَهُ(10)، وتَوَاضَعْتَ مِن ضَعِيفٍ مَا أَجْرَاكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وأَنْتَ فِي كَنَفِ(11)سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلبٌ، فَلَم يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ، ولَم يَهْتِكْ


1) كذا في ب، ج، ع، وفي س، م، وحاشية ج: غيرك.

2) الضاحي: البارز للشمس.

3) الممض: المؤلم.

4) كذا في ب، ع أيضًا، وفي، ج ، م: مصَابِكَ.

5) حاشية: تورط : وقع في ورطة، وهو الهلاك.

6) السطوة: المرّة منه، والجمع سطوات

7) حاشية الأصل: بكى السيد.

8) حاشية: تمثل، أي: اتخذ إقبال الله عليك هما لا حالة توليك عنه.

9) تغمدك : قصدك .

10) كذا في ع، وفي حاشية الأصل عن نسخة: أكْرَمَهُ ، وكذا في س، م، ج، وفي ب: ما أحكمه.

11) الكنف: الحياطة، والكنف : الجانب.

عَنْكَ سِتْرَهُ، بَل لَم تَخْلُ مِن لُطْفِهِ مَطْرَفَ(1)عَيْنِ، فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أو سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أو بَلِيَّةِ يَصْرِفُهَا عَنْكِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ(2)لَو أطَعْتَهُ.

وأَيْمُ اللهِ لَو أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي القُوَّةِ مُتَوَازِنَيْنِ(3) فِي القُدْرَةِ لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمِ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَسَاوِيَّ الأعمال(4)وحَقًّا أَقُولُ: مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، ولكن بهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَد كَاشَفَتْكَ العِظَاتُ، وآذَنَتكَ عَلى سَوَاءٍ ، وهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِن نُزُولِ البَلاءِ بِجِسْمِكَ، والنَّقْص في قُوَّتِكَ، أصْدَقُ وأَوْفَى من أن تَكْذِبَكَ أو تَغُرَّكَ، وَلَرُبَّ نَاصِحِ لَنَا عِنْدَكَ مُتَهَمٌ ، وصَادِقٍ مِن خَبَرِهَا مُكَذِّبٌ، وَلَئِن تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الخَاوِيَةِ، والرُّبُوعِ الخَالِيَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِن حُسْنِ تَذْكِيرِكَ، وَبَلاغِ مَوعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ، والشَّحِيحِ بِكَ «61 أ».

ولَنِعْمَ دَارُ مَن لَم يَرْضَ بِهَا دَارًا، وتَحَلُّ مَن لَم يُوطِنْهَا مَحَلَّا، وإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَدًا هُم الهَارِبُونَ مِنْهَا اليَوْمَ ، إذا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، وحَقَّتْ(5)


1) كذا في ب أيضًا، وفي ع: بضم الميم وكسرها، وفي حاشية الأصل عن نسخة : مَطْرِفَ، وكذا في س، م، وضبطت في ج بفتح الميم وكسرها.

2) به: ليست في ب.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: مُتَوازَيَيْن، وكذا في س، م؛ والمتوازيين في المنهاج 2/387 المتساويين.

4) في الأصل: الأفعال ، وما أثبت في س، م، ب، ج، ع.

5) كذا في الأصل، وفي س، م، وحاشية الأصل عن نسخة: وحُقَّت، وكذا في ع، وفي ب: وحُقَّت؛ والراجفة في المعارج 328: الزلزلة؛ وحفت في المنهاج 2/ 384: أحاطت.

لخَلائِلِهَا(1)القِيَامَةُ ، ولَحِقَ بِكُلِّ مَنْسِك(2)أهْلُهُ، وبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُه، وبِكُلِّ مُطَاع أَهْلُ طَاعَتِهِ، فَلَم يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَومَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الهَوَاءِ، ولا هَمْسُ(3)قَدَمٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَكَم حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٍ، وعَلائِقِ(4)عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٍ، فَتَحَرَّ(5)مِن أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ وتَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ، وخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لا تَبْقَى لَهُ، وتَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ، وشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ(6)، وارْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِير(7).

[224] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

واللهِ لَإِن أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّدًا، أو أُجَرَّ فِي الأَغْلالِ مُصَفّدًا(8)أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أن ألقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضٍ


1) كذا في ب أيضًا، وبجلائلها في س، م، ع، ج، وحاشية الأصل عن نسخة.

2) في الحاشية: المنسك : الموضع الذي تذبح فيه المناسك، وهي الذبائح، وفي شرح ابن ميثم 49/4 المنسك: موضع العبادة، وأصله كل موضع يتردد إليه ويقصد؛ وفي المنهاج 2/ 388 ، أي : لحق بكل معبود عبدته.

3) في الحاشية: همس القدم: أخفى ما يكون من صوتها.

4) ب، ع: علائق.

5) التحري : طلب الأخرى والأولى.

6) شمّ برق النجاة، أي: انظر إليه.

7) الكلام برقم 218 في الشرح 11 / 165 - 166 ، وهو برقم (215) في شرح ابن ميثم 48/4 ، وينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 3/ 155 - 156 برقم 221 .

8) السعدان: نبت شوكي ذو حسك له ثلاثة رؤوس محددة على أي وجه وقع من الأرض كان له رأسان قائمان، والمصفد: الموثوق شدا بغل أو قيد ونحوهما.

العِبَادِ ، وغَاصِبًا لِشَيءٍ مِنَ الحُطَامِ.

وكَيْفَ أَظِلُمُ أَحَدًا لِنَفْسِ يُسْرِعُ إِلَى البِلَى قُفُولها(1)، ويَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُوها. واللهِ لَقَد رَأَيْتُ عَقِيلًا وقَد أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي(2)مِن بُرِّكُم صَاعًا، ورَأَيْتُ صِبْيَانَهُ(3)شُعْثَ الأَلْوَانِ مِن فَقْرِهِم، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُم بِالْعِظْلِم(4)، وعَاوَدَنِي مُؤَكَّدًا، وكَرَّرَ عَلَى القَوْلَ مُرَدّدًا، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وأَتْبَعُ قِيَادَهُ مُفَارِقًا طَرِيقِي، فَأَحْيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِن جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجٌ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ(5)مِنْ أَلَمَهَا ، وكَادَ أن يَحْتَرِقَ(6)مِن مِيْسَمِهَا(7)، فَقُلْتُ لَهُ: ثكَلَتْكَ(8)الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ ، أَتَيْنُ مِن حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجّرَهَا(9)جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ؟ أَتَيْئِنُّ مِنَ الأذَى ولا أَئِنُّ مِن لَظَى(10)؟!


1) القفول: الرجوع من السفر.

2) الإملاق: الافتقار، والاستماحة: طلب المنح، وهو العطاء

3) بعدها في ب: غرثى.

4) حاشية: العظلم: خضاب أسود، وقيل: هو النيلج والقاموس: العظلم كزبرج: الليل لمظلم، وعصارة شجر، أو نبت يصبغ به، أو هو الوسمة.

5) الدنف: شدة المرض.

6) حاشية : خَرقَ يخرَقُ خَرَقَا ، أي دهش من الخوف أو الحياء.

7) حاشية: أي: مكواها.

8) بفتح الكاف في الأصل، وما أثبت من النسخ المعتمدة.

9) سجرها: وقدها وأحماها.

10) في الحاشية: بكى السيد أشد البكاء.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ(1)فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَتْتُهَا(2)، كَأَنَّمَا عُجِنَت بِرِيقِ حَيَّةٍ أو قَيْئهَا(3)، فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ أم زَكَاةً أم صَدَقَةٌ؟ فذلك مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ. فَقَالَ : لا ذَا ولا ذاكَ، ولكِنَّهَا هَدِيَّةٌ، فَقُلْتُ: هَبلَتْكَ الهَبُولُ(4)، أعَن دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي؟! أمُخْتَبِطُ(5)أم ذُو جِنَّةٍ أم تَهْجُرُ(6)؟ واللهِ لَو أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَاتَحْتَ أَفْلاكِهَا عَلَى أَن أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةِ(7)ما فَعَلْتُهُ، وإِنَّ دُنْيَاكُم عِنْدِي لأهْوَنُ مِن وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا .

مَا لِعَلِيَّ ولِنَعِيْمٍ يَفْنَى، ولَذَّةٍ لا تَبْقَى، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُبَاتِ العَقْلِ، وقُبْحِ الزَّلَلِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ(8).


1) الطارق في المنهاج 398/2: الذي يأتي ليلا، والملفوفة: الهدية لفها في شيء

2) شنأتها : أبغضتها .

3) حاشية : يومي (علیه السّلام) بذلك إلى هدية أهدى إليه فردها.

4) هبلته الهبول : ثكلته الثواكل.

5) حاشية: المختبط: الذي يأتيك بطلب معروفك من غير آصرة، والمعنى بهذه الكلمة هنا أنك تهدي إلي هدية تطلب بها مني معروفًا، والخباط كالجنون، وليس به، وتخبطه الشيطان: أفسده.

6) الجنَّة: الجنون، والهجر: الهذيان.

7) في لحاشية: جلب شعيرة، أي: قشرتها.

8) الكلام برقم 219 في الشرح 170/11 ، وفيه بحث بعنوان (حياة عقيل بن أبي طالب (علیه السّلام)) ، وكلامه (علیه السّلام) برقم (216) في شرح ابن ميثم 4 / 52 - 53 ، والتخريج في مصدر سابق 159/3 برقم 222 وذكر المؤلف أن هذا الكلام رواه الشيخ الصدوق من كلام له طويل.

[225] ومن دعاء له (علیه السّلام)

اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِاليَسَار(1)، ولا تَبْذُلْ جَاهِيَ بالإقْتَارِ(2)فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ(3)، وأسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَن أَعْطَانِي، وأُفْتَتَنَ(4)بِذَمَّ مَن مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِن وَرَاءِ ذلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الإعْطَاءِ والمَنْعِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَى وقَدِيرٌ(5).

[226] ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام)

دَارُ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وبالغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لا تَدُومُ أَحْوَاهُهَا، ولا يَسْلَمُ نَزَّاها، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وتَارَاتٌ(6)مُتَصَرَّفَةٌ . العَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، والأمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وإِنَّمَا أهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدِفَةٌ تَرْمِيهِم بِسِهَامِهَا ، وتُفْنِيهِم بِحِمَامِهَا .


1) صن باليسار في المنهاج 399/2: احفظ بالغنى.

2) اليسار: الغنى، والإقتار: ضيق الرزق والفقر.

3) ع، ب: رفدك، وبحاشيتها عن نسخة: رزقك.

4) كذا في الأصل أَفْتَتِنَ، وفي س، وفي ب، ع: وأُفْتَين، والتصويب في حاشية الأصل عن نسخة: أُفتَتَنَ، وكذا في ج.

5) آل عمران 26/3 ، والدعاء برقم 220 في الشرح 176/11 ، وبرقم (217) في شرح ابن ميثم 55/4 ، وتخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 3/ 160 - 165 برقم 223.

6) التارة: المرّة.

واعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُم ومَا أَنْتُم فِيهِ مِن هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَن قَد مَضَى قَبْلَكُم مِّمَّن كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُم أَعْمَارًا، وأعْمَرَ دِيَارًا، وأَبْعَدَ آثَارًا. «61 ب» أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً، ورِيَاحُهُم رَاكِدَةً، وأجْسَادُهُم بَالِيَةً، ودِيَارُهُم خَالِيَةٌ ، وآثَارُهُم عَافِيَةٌ(1)، فاسْتَبْدَلُوا بالقُصُورِ المُشَيَّدَةِ والنَّارِقِ(2)الْمُمَهَّدَةِ الصُّحُورَ والأَحْجَارَ المُسَنَدَةَ، والقُبُورَ اللَّاطِئَةَ(3)المُلْحَدَةَ(4)الَّتِي قَد بُنِي عَلَى الحَرَابِ فِنَاؤُهَا، وشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاوْهَا؛ فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَينَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ لا يَسْتَأْنِسُونَ بالأَوْطَانِ، ولا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الجِيرَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُم مِن قُرْبِ الجَوَارِ، ودُنُو الدَّارِ.

وكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُم تَزَاوُرٌ وقد طَحَنَهُم بِكَلْكَلِهِ(5)البِلَى ، وأَكَلَتْهُم الجَنَادِلُ والثَّرَى ، وكَأَنْ قَد صِرْتُم إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ، وَارْتَهَنَكُم ذَلِكَ المَضْجَعُ ، وضَمَّكُم ذَلِكَ المُسْتَوْدَعُ، فَكَيْفَ بِكُم لَو تَنَاهَتْ بِكُمُ الأمورُ ، وبُعْثِرَتِ(6)القُبُورُ ؟ هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا


1) عفت الآثار: انمحت.

2) النمارق : جمع نمرق ونمرقة، وهي وسادة صغيرة.

3) حاشية: اللاصقة.

4) ب: الملحدة.

5) الكلكل: الصدر.

6) بعدها في ب: لكم وبعثرت القبور، بعثرتها: إخراج ما فيها ونبشها، يقال: بعثر الرجل متاعه، إذا فرقه وقلب أعلاه أسفله.

إلَى اللهِ مَولَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(1).

[227] ومِن دُعَائِهِ (علیه السّلام)

اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنسِينَ بِأوْلِيائِكَ ، وأَحْضَرُهُم بالكِفَايَةِ لِلمُتَوَكَّلِينَ عَلَيْكَ . تُشَاهِدُهُم فِي سَرَائِرِهِم، وتَطَّلِعُ عَلَيْهِم فِي ضَمَائِرِهِم ، وتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِم فَأَسْرَارُهُم لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وقُلُوبُهُم إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ ، إِنْ أو حَشَتْهُم الغُرْبَةُ آنَسَهُم ذِكْرُكَ ، وإِن صُبَّتْ عَلَيْهِمُ المَصَائِبُ لَجَأوا إلَى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْمًا بِأَنَّ أَزِمَّةَ الأمُورِ بِيَدِكَ، ومَصَادِرَهَا عَن قَضَائِكَ. اللهم فَإِن فَهِهْتُ(2)عَن مَسْأَلَتِي، أو عَمِهْتُ(3)عَن طَلِبَتِي فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وخُذ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذَلكَ بِنُكْرٍ مِن هِدَايَاتِكَ، ولا بِبَدْعِ مِن كِفَايَاتِكَ. اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلى عَفْوِكَ، ولا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ(4).


1) يونس 10/ 30 والخطبة برقم 221 في الشرح 177/11 - 178 ، وفيه بحث عن (ذم الدنيا في شعر بعض الشعراء)، وهي برقم (218) في شرح ابن ميثم 56/4 ، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 3/ 167 - 168 برقم 224 .

2) حاشية: الفهاهة: العي، والعمه: التحير.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: عميت، وكذا في م، وفي س: عميتُ أيضًا، وذكر في حاشيتها أنها في نسخة عَمِهْتُ ، وكذا في ج.

4) الدعاء برقم 222 في الشرح 11 / 184 ، وفيه فصل عن (أدعية أبي حيان التوحيدي)، وينظر في مصدر سابق 3/ 170 برقم 225 تخريجه وتعليق المؤلف، وهو برقم (219) في شرح ابن میثم 58/4 - 59 .

[228] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام)

لِلَّهِ بَلاءُ(1)فُلانٍ ! فَلَقَد قَوْمَ الأَوَدَ(2)، ودَاوَى العَمَدَ(3). أقَامَ السُّنَّةَ ، وخَلَّفَ الفِتْنَةَ ، ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ قَلِيْلَ العَيْبِ، أَصَابَ خَيْرَهَا، وَسَبَقَ شَرَّهَا(4). أَدَّى إِلَى اللهِ طَاعَتَهُ، واتَّقَاهُ بِحَقِّهِ.

رَحَلَ وتَرَكَهُم فِي طُرُقٍ مُتَشَعْبَةِ(5)لا يَهْتَدِي فِيهَا الضَّالُّ، ولا يَسْتَيْقِنُ المُهْتَدِي(6).


1) في حاشية الأصل عن نسخة: بلاد، وكذا في س، م؛ وبلاء فلان في المنهاج 402/2، أي: صنيعه وفعله الحسن.

2) الأود: العرج.

3) حاشية: العمد: فساد السنام، وهو داء يصيب الإبل في أسنمتها، وداوى العمد في المعارج 329 ، يقال: عمده المرض، أي فدحه.

4) في المنهاج 402/2 ، أي: خير السنّة، وسبق شّر الفتنة.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: مُنْشَعِبَةٍ، وكذا في س، م.

6) الكلام برقم 223 في الشرح 195/12 ، وفيه بحث مطول عن (سيرة عمر بن الخطاب) استغرق أغلب الجزء الثاني عشر من الكتاب، وينظر في تخريجه وما دار حوله مصدر سابق 170/3 - 171 برقم 226 ، وهو برقم (220) في شرح ابن ميثم 604 ، وذكر أن المراد بفلان عمر بن الخطاب، والى ذلك ذهب ابن أبي الحديد بحسب ما نقل عنه، وقال: وعن القطب الراوندي أنه إنما أراد بعض أصحابه في زمن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ممن مات قبل وقوع الفتن و انتشارها.

[229] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) في وَصفِ بَيْعَتِهِ بالخِلافَةِ ، وقَد تَقَدَّمَ مِثْلُهُ بِالْفَاظِ مُخْتَلِفَة

في وَصفِ بَيْعَتِهِ بالخِلافَةِ ، وقَد تَقَدَّمَ مِثْلُهُ بِالْفَاظِ مُخْتَلِفَة(1)

وبَسَطْتُم يَدِي فَكَفَفْتُهَا، ومَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُم عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبِلِ الهِيْمِ(2)عَلَى حِيَاضِهَا يَومَ وُرُودِهَا(3)حَتَّى انقَطَعَتِ النَّعْلُ، وسَقَطَ الرِّدَاءُ، ووُطِئَ الضَّعِيفُ وبَلَغَ مِن سُرُورِ النَّاسِ(4)بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أن ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ ، وهَدَجَ(5)إِلَيْهَا الكَبِيرُ ، وتَحَامَلَ(6)نَحْوَهَا العَلِيلُ، وحَسَرَتْ(7)إِلَيْهَا الكِعَابُ(8).


1) تنظر الخطبة التي أولها (فتداكوا علي تداك..) وهي برقم 53 في هذا المطبوع.

2) التداك : الازدحام القوي، والهيم: العطاش .

3) في حاشية الأصل عن نسخة: وِرْدِهَا، وكذا في ب.

4) كذا في ب، م ، وحاشية ج أيضًا، وفي أصلها: من سرورها.

5) هدج في المنهاج 402/2 ، أي: مشى، والهدجان: مشية الشيخ.

6) التحامل : تكلف المشي مع مشقة.

7) حاشية: يمكن أن يكون حسر بمعنى كشف، أي: أن الكعاب تحسر عن يديها للبيعة. وحسر البعير بالفتح: تعب، وحسر البصر بالكسر: كل، وفي شرح ابن ميثم 4 / 62 الكعاب : الجارية نهد ثديها، وحسرت: کشفت وجهها.

8) الكلام برقم 224 في الشرح 13 / 5 ، ورقمه (221) في شرح ابن ميثم 4 / 62 ، وذكر في مصدر سابق 3/ 172 برقم 227 أن هذا الكلام مر تخريجه في الخطبة رقم 26 .

[230] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام)

اشارة

فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ(1)، وذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقُ مِن كُلِّ مَلَكَةٍ، ونَجَاةٌ مِن كُلِّ هَلَكَةٍ(2)، بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، ويَنْجُو الهَارِبُ، وتُنَالُ الرَّغَائِبُ، فَاعْمَلُوا والعَمَلُ يُرْفَعُ، والتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، والدُّعَاءُ يُسْمَعُ، والحَالُ هَادِيَةٌ، والأَقْلَامُ جَارِيَةٌ ، وبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ عُمْرًا نَاكِسًا(3)، ومَرَضًا حَابِسًا، أو مَوْنًا خَالِسًا(4)فَإِنَّ المَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُم، ومُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُم «62أ» ، ومُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ(5). زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبِ، وقِرْنٌ غَيْرُ تَغْلُوب ، ووَاتِرُ(6)غَيْرُ مَطْلُوبِ، قَد أَعْلَقَتْكُم(7)حَبَائِلُهُ، وتَكَنَفَتْكُم(8)


1) السداد : الصواب والعدل في القول والعمل.

2) وعتق من كل مَلَكَةِ، ونجاة من كل هَلَكَةٍ: ساقط من م .

3) الناكس في المعارج 330: المطأطئ الرأس.

4) الحابس: المانع، والخالس: المختطف.

5) الطيات: جمع طيّة، وهو منزل السفر، وفي المنهاج 403/2 الطيات: الطرق، ويقال: مضى لطيّته، أي لنيتهي التي انتواها.

6) حاشية: الموتور: الذي قتل له قتيل، فلم يُدرك بدمه، ومنه وتره يتره وترًا وترة فهو موتور.

7) في الأصل: علقتكم، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في س، م، ب، ع، ج وفي حاشيتها عن نسخة عَلِقَتْكُم؛ وأعلقتكم حبائله في المنهاج 403/2، أي: جعلتكم حبائل الموت تعلقون بها، قال: وروي علقتكم.

8) ضبطها في الأصل بكسر النون وبدون تضعيف، والتكنف: الإحاطة، والغوائل: المصائب تأتي على غرة.

غَوَائِلُهُ، وأَقْصَدَتْكُم(1)مَعَابِلُهُ(2)، وعَظُمَتْ فِيكُم سَطْوَتُهُ، وتَتَابَعَت عَلَيْكُم عَدْوَتُهُ، وقَلَّتْ(3)عَنكُم نَبْوَتُهُ(4)، فَيُوشِكُ أَن تَغْشَاكُم دَوَاجِي ظُلَلِهِ، واحْتِدَامُ(5)عِلَلِهِ، وحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ(6)، ودُجُو إِطْبَاقِه(7)، وجُشُوبَةٌ(8)مَذَاقِهِ، فَكَأَنْ قَد أَتَاكُم بَغْتَةً، فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُم(9)، وفَرَّقَ نَدِيَّكُم، وعَفَّى آثَارَكُم، وعَطَّلَ دِيَارَكُم، وبَعَثَ وُرَّاثَكُم يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُم بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٌ لَم يَنْفَعْ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَم يَمْنَعْ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَم يَجْزَعْ.

فَعَلَيْكُم بِالجِدِّ والاجْتِهَادِ والتَّأهبِ والاسْتِعْدَادِ، والتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ، ولا تَغُرَّنْكُم الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَن كَانَ قَبْلَكُم مِنَ الأُمَم المَاضِيَةِ، والقُرُونِ الحَالِيَةِ الذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَها، وأَصَابُوا غِرَّتَها، وأَفْنَوا


1) حاشية: أقصد السهم، إذا أصاب فقتل.

2) حاشية: المعابل: سهام عراض النصول.

3) في الأصل وقلت بالتخفيف، وما أثبت في جميع النسخ المعتمدة.

4) بضم النون في ب، ونبا السيف: لم يؤثر في الضربة.

5) الظلل : جمع ظلّة، وهو السحاب، والاحتدام: شدة الحدّة والغيظ.

6) في حاشية الأصل إزهاقه، وكذا في س، م، وقال ابن ميثم في شرحه 63/4 : الإرهاق : الإعجال، ويروى بالزاي.

7) ضبطت الهمزة في الأصل بالفتح والكسر ، وكذا في ج، ع، وهي بالفتح في م، وبالكسر في س، ب.

8) الجشوبة: غلظ الطعام.

9) كذا رسمت في الأصل نحيكم من دون علامة إهمال، وما أثبت في النسخ المعتمدة، والنجي: القوم يتناجون، وندي: القوم يجتمعون في النادي، وهو المجتمع..

عِدَّتَها، وأخْلَقُوا جدتها .

أصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُم أجْدَانًا، وأمْواهُم مِبْرَانًا، لایعرفون من اتاهم، ولا يَحْفِلُونَ(1)مَن بَكَاهُم، ولا يُجِيبُونَ مَن دَعَاهُم. فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ. لا يَدُومُ رَخَاؤُهَا ، ولا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلَا يَرْكَدُ بَلاوُهَا.

مِنْهَا فِي صِفَةِ الرُّهَاد

كَانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ الدُّنْيَا، ولَيْسُوا مِن أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيْهَا كَمَن لَيسَ مِنْهَا(2). عَمِلُوا فِيهَا بَمَا يُبْصِرُونَ ، وبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ؛ تُقَلَّبُ(3)أَبْدَانُهُم بَينَ ظَهْرَانِي(4)أَهْلِ الآخِرَةِ. يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَلِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِم، وهُم أَشَدُّ إِعْظَامًا لَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِم(5).


1) لا يحفلون: لا يبالون، والاحتفال بالشيء: الاعتناء به.

2) كذا في ب أيضًا، وكذا كانت في أصل ج، وضرب عليها.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: ثَقُلَتْ، وفي أخرى: تَقَلَّبُ، وهي في س، م، ج، وفي ع: تَقَلَّبُ. وذكر في حاشية الأصل أيضًا تُقَلب، أي: تتقلب أبدان هؤلاء الزهاد من قوم سيموتون، فهم في الحقيقة أهل الآخرة، وإن كانوا في الدنيا، وهؤلاء الزهاد يرون أهل الدنيا معظمين موت الأجساد والزهاد يعظمون موت القلوب أشد من تعظيمهم لموت الأجساد.

4) ظهراني الشيء: وسطه في المنهاج 2/ 405 .

5) في حاشية م إشارة إلى قراءة جاء فيها : «بلغت قراءتي» والخطبة برقم 225 في الشرح 6/13 - 8، وهي برقم (222) في شرح ابن ميثم 62/4 - 63 ، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 175/3 - 176 برقم 228 .

[231] ومِن خُطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) خَطَبَهَا بِذِي قار وهو مُتَوَجَّهُ إِلى البَصْرَةِ،

خَطَبَهَا بِذِي قار(1)وهو مُتَوَجَّهُ إِلى البَصْرَةِ، وذَكَرَهَا الوَاقِدِي فِي كِتاب الجَمَل

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وبَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَلَمَّ(2)اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ(3)، ورَتَقَ بهالفَتْقَ، وَأَلَّفَ بِهِ بَينَ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَعْدَ العَدَاوَةِ الوَاغِرَةِ(4)فِي الصُّدُورِ، والضَّغَائِنِ(5)القَادِحَةِ فِي القُلُوبِ(6).


1) في المنهاج 411/2 ذوقار: موضع على منزلين من صفين

2) في حاشية الأصل: فَلاءم.

3) الصدع: الشق.

4) حاشية: يقال : فلان واغر الصدر عليَّ، أي: متوقد من الغيظ.

5) الضغائن : الأحقاد.

6) الخطبة برقم 226 في الشرح (13/ 9 ، وبرقم (223) في شرح ابن ميثم 68/4 ، وفي مصدر سابق 3/ 175 - 176 برقم 229 ، وذكر المؤلف عن مصادره أن ما نقله الرضي هنا وهو صدر خطبة له (علیه السّلام) خطبها بذي قار.

[232] ومِن كَلامٍ لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ عَبدَ اللهِ بنَ زَمَعَةَ وكَان لَهُ شِيعَةً ، وذلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ فِي خِلافَتِهِ ، فَطَلَبَ مِنهُ مَالا

كَلَّمَ بِهِ عَبدَ اللهِ بنَ زَمَعَةَ وكَان لَهُ شِيعَةً(1)، وذلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ فِي خِلافَتِهِ ، فَطَلَبَ مِنهُ مَالا

فَقَالَ (علیه السّلام): إِنَّ هَذَا المَالَ لَيسَ لِي ولا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيءُ الْمُسْلِمِينَ، وجَلَبُ(2)أَسْيَافِهِم، فَإِن شرکتهم فِي حَرْبهِم كَانَ لَكَ مِثْلَ حَظِهِم، وإِلَّا فَجَنَاةُ(3)أَيْدِيهِم لا تَكُونُ لِغَيْرِ أفْوَاهِهِم(4).


1) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج: وهو من شيعته.

2) الجلب: المال المجلوب، وروي بالخاء

3) جناة الثمر: ما يجنى منه .

4) الكلام برقم 227 في الشرح 13/ 9 ، وذكر فيه بحثًا عن نسب عبد الله بن زمعة فينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 3/ 178 برقم 230 ، وترجم لعبد الله وذكر أن أباه وعمه وأخاه قتلوا يوم بدر ، وإن عليا (علیه السّلام) شارك بقتلهم. وذكرت في كتابي الموسوم بـ(وما أدراك ما علي) 1/ 207 - 208 الأقوال التي ذكرت في قتل أبيه زمعة منها اشتراك علي وحمزة (علیهما السّلام) في قتله بمعركة بدر، أما عمه عقيل فذكرت في الكتاب المذكور 206/1 أن الذي قتله علي (علیه السّلام) في معركة بدر، وقيل اشترك في قتله علي وحمزة (علیهما السّلام)، وذكرت في الكتاب السابق الذكر أيضًا 204/1 أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قتل في المعركة نفسها أخاه الحارث ، والكلام رقمه (224) في شرح ابن ميثم، وقال في ترجمة ابن زمعة : هو عبد الله بن زَمَة بن الأسود بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وكان من أصحاب علي وشيعته.

[233] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

ألا إِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ(1)مِنَ الإِنْسَانِ، فَلا يُسْعِدُهُ القَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، ولا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إذا اتَّسَعَ، وإِنَّا لأُمَرَاءُ الكَلامِ، وفِيْنَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ(2)غُصُونُهُ.

واعْلَمُوا رَحِمَكُم الله أَنَّكُم فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فِيهِ(3)بالحَقِّ قَلِيلٌ، واللَّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ ، واللَّازِمُ لِلحَقِّ ذَلِيلٌ . أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى العِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإِدْهَانِ، فَتَاهُم عَارِمٌ(4)، وشَاتُهُم آثِمٌ، وعَالِهُم مُنَافِقٌ، وقَارِئهُم مُمَاذِقٌ(5). لا يُعَلِّمُ صَغِيرُهُم كَبِيرَهُم، ولا يَحُولُ غَيْتُهُم فَقِيرَهُم(6).


1) البضعة: القطعة.

2) في حاشية الأصل: انْتَشَبَتْ، ونشبت: تعلقت، وتهدلت: تدلت ..

3) فيه ليست في الأصل، وهي في النسخ المعتمدة.

4) س: عَازِمٌ . وهو فوت قلم. وفي حاشية الأصل، عارم: عسر صعب، وفي شرح ابن ميثم: العارم: الشرس السيء الأخلاق.

5) المماذق: الذي يمزج الود ولا يخلصه، وهو نوع من النفاق.

6) الكلام برقم 228 في الشرح 13/ 10 - 11 ، وذكر مناسبته في بحث بعنوان (ذكر من ارتج عليهم أو حصروا عند الكلام)‌، وينظر مصدر سابق 179/3 برقم 231، ونقل المؤلف عن ابن أبي الحديد11/13 أن كلامه عليه اسلام من خطبة طويلة ذكر الرضي (رحمه الله علیه) منها هذه الكلمات، والكلام برقم (225) في شرح ابن ميثم 4/ 70 ، وقال: روي أن الإمام (علیه السّلام) (قال هذا الكلام في واقعة اقتضت ذلك، وهي أنه أمر ) ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي يومًا أن يخطب الناس فصعد المنبر فحصر فلم يستطع الكلام، فقام (علیه السّلام) و تسنم المنبر ، ثم خطب خطبة طويلة ذكر الرضي (رحمه الله علیه) منها هذ الفصل)، وكل كلامه منقول عن شرح ابن أبي الحديد.

[234] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

رَوَى اليَمَانِيُّ عَن أَحَمدَ بنِ قُتَيْبَةَ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ يَزِيد(1)عَن مَالكِ بنِ دِحْيِةَ(2)، قال: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلى (علیه السّلام)، فَقالَ وقَد ذُكِرَ عِندَهُ اخْتِلافُ النَّاسِ:(3)

إنَّما فَرَّقَ بَيْنَهُم مَبَادِئُ طِيْنهم، وذلِكَ أَنَّهُم كَانُوا فِلْقَةٌ(4)مِن سَبَخ أرْضِ وعَذْبِهَا ، وحُزُونِ(5)تُرْبَةِ وسَهْلِهَا، فَهُم عَلَى حَسَبٍ(6)أَرْضِهِم يَتَقَارَبُونَ، وعَلَى قَدْرِ اخْتِلافِهَا(7)يَتَفَاوَتُونَ، فَتَامُ الرُّوَاءِ(8)نَاقِصُ العَقْل، ومَادُّ القَامَةِ قَصِيرُ الهِمَّةِ، وزَاكِي العَمَلِ قَبِيحُ المَنْظَرِ ، وقَرِيبُ القَعْرِ بَعِيدُ السَّيْرِ ، ومَعْرُوفُ الضَّرِيْبَةِ مُنْكَرُ الجَلِيبَةِ(9)، وتَائِهُ القَلْبِ


1) ج: مرتد.

2) ج ب: دحنة، وفي شرح ابن ميثم 71/4: أبو محمد ذعلب اليماني، وأحمد وعبد الله ومالك من رجال الشيعة ومحدثيهم ؛ وكذا في أعيان الشيعة 431/6 .

3) كذا في ب، ج أيضًا، والعنوان في م: ومن كلام له في ذكر اختلاف الناس، وكذا في س وجاء في حاشيتها عن نسخة: (... روى .. اليماني عن أحمد.. عن عبد الله .. يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين، فقال، وقد ذكر عنده اختلاف الناس).

4) الفلقة: القطعة والشق من الشيء.

5) كذا في ب، ع أيضًا، وفي س، م، ج: حزن.

6) كذا في ب أيضًا، وبعدها في س، م، ج، ع: قرب.

7) ب: اختلافهم.

8) الرواء: المنظر الجميل.

9) سبرت الرجل أسبره : اختبرت باطنه وغوره والضريبة: الخلق والطبيعة، والجليبة: ما يجلبه الإنسان ويتكلفه.

مُتَفَرِّقُ اللُّب، وطَلِيقُ النِّسَانِ حَدِيدُ الجَنَانِ(1).

[235] ومِن كَلامٍ قَالَهُ (علیه السّلام) وَهُوَ يَلِي غَسْلَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَتَجْهِيزَهُ

بأبي أنتَ وأُمِّي لَقَد انْقَطَعَ بِمَوتِكَ مَا لَم يَنْقَطِع بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ والأَنْبَاءِ ، وأَخْبَارِ السَّمَاءِ.

خَصَصْتَ(2)حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّيًا عَمَّن سِوَاكَ، وَعَمَمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ، وَلَوْلا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، ونَهَيْتَ عَنِ الجَزَعِ لأَنْفَذْنَا عَلَيكَ مَاءَ الشُّؤُونِ(3)، ولَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا، والكَمَدُ(4)مُحَالِفًا(5)، وقَلَّا لكَ، ولكِنَّهُ مَا لا يُمْلَكُ رَدُّهُ، ولا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ!


1) الكلام برقم 299 في الشرح 13 / 14، وقال: ذعلب وأحمد وعبد الله ومالك: رجال من الشيعة ومحدثيهم، وقال: هذا الكلام لا يجوز أن يحمل على ظاهره، ثم شرحه، وينظر في تخريجه مصدر سابق 181/3 برقم 232 ، والكلام برقم (226) في شرح ابن میثم 71/4 .

2) بالتخفيف في النسخ، وفي حاشية الأصل: خصصت، يعني أن موته (صلی الله علیه و آله و سلم) خاص من حيث لا شك له، وعام لأن الناس في الحزن سواء.

3) الشؤون : مواصل قطع الرأس المشعوب بعضها من بعض، وملتقاها، والعرب تقول : إن الدموع تجيء منها، وقال ابن السكيت: الشأنان: عرقان ينحدران من الرأس إلى الحاجبين ثم العينين.

4) الكمد: الحزن المكتوم، والمحالف: الملازم.

5) بالخاء في س.

بَأبي أنتَ وأُمِّي اذْكُرْنَا عِندَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِن بَالِكَ(1).

[236] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) اقْتَصَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا كَانَ مِنْهُ بَعدَ هِجْرَةِ النَّبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثُمَّ لَحَاقَهُ بِهِ

*[236] (2)

وكلامه هذا (علیه السّلام) كتب في نسخة س في الصفحة 135 أ التي سبقت الإشارة إلى اختلافها في الترتيب مع الأصل، وقد ألحقت هذه الصحيفة بها وهي بخط مختلف ومن دون ضبط .

ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام)

اقْتَصَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا كَانَ مِنْهُ بَعدَ هِجْرَةِ النَّبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثُمَّ لَحَاقَهُ بِهِ

فَجَعَلْتُ أَتَّبِعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى انتَهَيْتُ


1) البال: القلب، وتوجد إحالة من الأصل إلى الحاشية، وورد بها: (زيادة من نسخة كتبت على عهد المصنف، وأوله مكتوب في آخر ..)، وجاء في نهاية الخطبة في ج: تمت المختارات من خطب أمير المؤمنين (علیه السّلام) ويليه باب المختارات من كتبه وصلى الله على محمد وآله الطيبين، وورد في حاشيتها التي تضررت بفعل الترميم: (تم الباب من هنا، ووجدت في نسخة ذكر في آخرها أنه وجد .. نسخة كتبت على عهد المصنف .. فيها زيادة ... اقتص فيه .. ذكر الهجرة هجرة النبي صلى.. ثم لحاقه به)، وفي حاشية الأصل أيضًا يقال: هذا من بالي، أي: مما أباليه. والكلام برقم 230 في الشرح 18/13، وفيه فصل بعنوان (لمع صلى الله من سيرة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) عند موته)، وهو برقم (227) في شرح ابن ميثم 73/4 ، وينظر علية في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 3/ 182 - 183 برقم 233.

2) من هنا اختلف التريب في نسخة س، فعاد الناسخ إلى قوله: (ومن خطبة له (علیه السّلام): الحمد لله الذي لا تُدرِكُهُ الشواهد)، وهي في الصفحة 121 أ منها، أي: إن الصفحات من 121 أ إلى نهاية الصفحة 143 ب تقدمت على ما سبقها، أما الورقة 135 أ، 135ب فقد ألحقت بالمخطوط، وكتبت بخط مختلف وهي بلا ضبط تبدأ بقوله: (ومن كلام له الله قاله لعبد الله بن عباس، وقد جاءه برسالة من عثمان بن عفان وهو محصور يسأله الخروج إلى ماله بينبع، ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل وسيلحق الكلام في نسخة الأصل بآخر الصحيفة 63ب بخط ناعم سنأتي عليه وعلى التعليق الذي ورد معه، ويبدو أن ترتيب نسخة س يتفق مع ترتیب نسخة ابن ميثم في شرحه فقد انتقل بعد كلامه (علیه السّلام) وهو يلي غسل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتجهيزه إلى خطبته التي أولها (الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد) وهي فيه برقم (228) وفي هذا المطبوع برقم (185).

إلَى العَرْج(1).

في كلام(2)طَوِيلٍ، فَقَولُهُ: «فَأَطَأُ ذِكْرَهُ» مِنَ الكَلَامِ الَّذِي رَمَى إلَى غَايَتَي الإِيجَازِ والفَصَاحَةِ، وأرَادَ أَنَّنِي كُنْتُ أُعْطَى خَبَرَهُ (علیه السّلام) مِن بَدْءِ خُرُوحِي إِلَى أن انْتَهَيْتُ إِلَى هَذَا المَوْضِع ، فَكَنَّى عَن ذلِكَ بِهَذِهِ الكِنَايَةِ العَجِيبَةِ(3).

[237] ومِن خُطبَةٍ لَه (علیه السّلام)

*[237] ومِن خُطبَةٍ لَه (علیه السّلام)(4)

فاعْمَلُوا وأنْتُم فِي نَفَس البَقَاءِ،(5)والصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، والتَّوْبَةُ


1) الكلام تأخر في ع إلى ما بعد كلامه في حث أصحابه على الجهاد حتى انتهيت إلى العرج: ليس في س، وبعدها: قال الرضي (رضی الله عنه).

2) ب: حديث .

3) الكلام برقم 240 في الشرح 13 / 208 ، وينظر مصدر سابق 184/3 برقم 234 ، وهو برقم (236) في شرح ابن میثم 4 / 190 ، وذكر قصة نومه (علیه السّلام) في فراش رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولملأ الذي أئتمر على قتله في ليلته تلك، وما مرَّ عليه (علیه السّلام) في تلك الليلة، وتخلفه بمكة لإرجاع الأمانات إلى أهلها ووصوله من بعد إلى المدينة راجلا وقد تورمت قدماه.

4) تأخرت بعض الخطب عن تسلسلها مع الأصل، ووردت في حاشية ج.

5) يقال : فلان في نفس من أمره، أي: في سعة.

مَبْسُوطَةٌ، والمُدْبِرُ يُدْعَى، والمُسِيءُ يُرْجَى قَبْلَ أَن يَخْمُدَ(1)العَمَلُ، ويَنْقَطِعَ المَهَلُ ، وتَنْقَضِي المدَّةُ، وتُسَدَّ بَابُ(2)التَّوْبَةِ، وتَصْعَدَ المَلائِكَةُ. فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وأَخَذَ مِن حَيٍّ(3)لَمَيِّتِ ، ومِن فَانِ لِبَاقِ ومِن ذَاهِبِ لِدَائِمِ امْرُؤٌ خَافَ اللَّهَ َوهُوَ مُعَمَّرُ إِلَى أَجَلِهِ، ومَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وزَمَّهَا بِزِمَامِهَا، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا(4). عَن مَعَاصِي اللهِ، وزَمَّهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللهِ(5).


1) يجمد كذَا رُسِمت في الأصل، وفوقها معًا، ولم أفهم المراد، وبالخاء في ع، وورد في حاشية س يخمد ، وكذا في ب، ولكنه وضع حاء صغيرة تحت الخاء.

2) حاشية الأصل عن نسخة: أبواب، وفي س: ويسد باب، والتوبة ساقطة منها.

3) حاشية: مرحى، يعني نفسه، ولا يبعد أنه يعني بالحي الله تعالى، والله أعلم.

4) ذهبت بعض حروف الكلمة بسبب الترقيع.

5) الخطبة برقم 241 في الشرح 31/ 210 - 211 ، وينظر مصدر سابق 3/ 185 برقم 235 ، وهي برقم (238) في شرح ابن ميثم 191/4 .

[238] ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) فِي شَأْنِ الحَكَمَيْنِ ، وذَمّ أهْلِ الشَّامِ

جُفَاةٌ طَغَامُ(1)، عَبِيدٌ أَقْزَامٌ(2)، جُمِعُوا مِن كُلِّ أوْبِ، وتُلْقَطُوا مِن(3)كُلِّ شَوْبِ(4)مِمَّن يَنْبَغِي أن يُفَقَّهَ ويُؤَدَّبَ ويُعَلَّمَ ويُدَرَّبَ(5)، ويُوَلَّى عَلَيْهِ، ويُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ؛ لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ «63أ» والأَنْصَارِ، ولا مِنَ الذِينَ تَبرَّأوا الدَّارَ(6).

ألا وإنَّ القَوْمَ اخْتَارُوا لأنْفُسِهِم أَقْرَبَ القَوْم(7)مِمَّا يُحِبُّونَ ، وإِنَّكُم(8)اخْتَرْتُم لأنْفُسِكُم أَقْرَبَ القَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ. وَإِنَّمَا عَهْدُكُم بِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْس بالأمْسِ يَقُولُ: إِنَّهَا فِتْنَةٌ، فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُم، وشِيمُوا(9)سُيُوفَكُم ؛


1) س: طغاة، وجفاة : جمع جافٍ، وهو غليظ الطبع قاسي القلب، والطغام في الحاشية: أوغاد الناس.

2) س: قرام. وفي حاشية الأصل: أقزام: جمع قزم، وهم رذال الناس وسفلتهم، وذكر ابن ميثم في شرحه 193/4 ويطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى.

3) من : ذهبت بسبب الترقيع.

4) يقال: جاؤوا من كل أوب، أي: من كل ناحية، والشوب: الخلط.

5) يدرّب : يعوّد العادات الجميلة ويجرّب في الأمور.

6) حاشية: الذين تبوأوا الدار: هم أهل المدينة الذين آمنوا قبل الهجرة بتستر وكانوا.. المساجد ومواضع.. إلى الله تعالى، وقد ذهبت كلمات بسبب الترقيع منها؛ وتبوؤوا الدار في شرح ابن ميثم 193/4 : نزلوا.

7) فوقها في الأصل: عمرو بن العاص.

8) وإنكم: ليست في ب، وفي ج: و أنتم.

9) شمت السيف: أعمدته.

فَإِن كَانَ صَادِقًا فقَد أَخْطَا بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَقَد لَزِمَتْهُ التُّهْمَةُ.

فادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بن العاص بِعَبْدِ اللهِ بْن عَبَّاس، وخُذُوا مُهَلَ(1)الأَيَّامِ، وحُوطُوا قَوَاصِيَ الإِسْلامِ. أَلا تَرَوْنَ إِلَى بِلادِكُم تُغْزَى، وإِلَى صَفَاتِكُم تُرْمَى(2)؟

[239] ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) يَذْكُرُ فِيهِ آلَ مُحَمَّدٍ (علیهم السّلام)

*يَذْكُرُ فِيهِ(3)آلَ مُحَمَّدٍ (علیهم السّلام)(4)

هُم عَيْشُ العِلْمِ، ومَوْتُ الجَهْلِ، يُخْبِرُكُم حِلْمُهُم عَن عِلْمِهِم، وصَمْتُهُم عَن حُكْمِ مَنْطِقِهِم ، لا يُخَالِفُونَ الحَقَّ، ولا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. هُم دَعَائِمُ الإسْلامِ، وولائِجُ(5)الاعتِصَامِ، بهم عَادَ الحَقُّ فِي نِصَابِه(6)،


1) ب: مَهَلَ.

2) الخطبة برقم 242 في الشرح 13 / 211 - 212 ، وفيه مبحث عن (نسب أبي موسى الأشعري)، ذكر في مصدر سابق 3/ 187 برقم 236 أن (مصادر هذا الكلام فيما تقدم برقم 26 لأنه فصل من الكتاب الذي كتبه وأمر أن يقرأ على الناس، والكلام المشار إليه بالرقم نفسه في هذا المطبوع، والخطبة برقم (239) في شرح ابن ميثم 193/4.

3) في الأصل: فيها، وصوابه (فيه) ، وفي س : ومن خطبة يذكر فيه .. كذا

4) بعدها في ج: صلى الله عليه وعليهم أجمعين .

5) الولائج: جمع وليجة، فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي الموضع يعتصم بدخوله.

6) النصاب: الأصل.

وانْزَاحَ البَاطِلُ عَن مَقَامِهِ ، وانْقَطَعَ لِسَانُهُ مِن(1)مَنْبِتِهِ. عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ لا عَقْلَ سَماعِ ورِوَايَةٍ، وإنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، ورُعَاتَهُ قَلِيلٌ(2)

1 - نهاية الصحيفة 135 ب من نسخة س، وفي نهاية حاشية ج كتابة نالها الطمس تبينت منها (صح على تقدير أنها في كل نسخة لكنها ليست كذلك...)

2 - بعد نهاية كلامه (علیه السّلام) الذي ذكر فيه آل محمد (علیهم السّلام) ورد الآتي: نجُزَ بابُ المنتَزَعِ مِن خُطَبِ أمير المؤمِنِينَ (علیه السّلام) وأوامِرُهُ بِحَمْدِ الله ومَنَّهِ والصَّلاةُ على خَيْرِ خَلْقِهِ محمد وعترته الطاهرين. وورد في الحاشية (زيادة من نسخة كتبت على عهد المصنف (رضی الله عنه)) والزيادة فيها كلامه لعبد الله بن عباس، (ومن كلام له (علیه السّلام) يحث أصحابه على الجهاد)، وذكر الناسخ قوله : (تعاد إلى الصفحة الأخرى تحتها.

و كلامه لابن عباس ليس في م، وتقدم في ع على كلامه الذي يحث فيه (علیه السّلام) أصحابه على الجهاد.

ذكر في مصدر سابق 3/ 188 أن (هذا الفصل من الخطبة التي مرت برقم 145، وقد تعرضنا لمصادرها هناك) والخطبة المشار إليها برقم 147 في هذا المطبوع.

.

1) في الأصل عن ، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وعن بقية النسخ.

2) الخطبة برقم 243 في الشرح 13/ 217 ، وينظر مصدر سابق 187/3 برقم 237، وهي برقم (240) في شرح ابن ميثم 195/4 ، وذكر في الحاشية: بلغت المقابلة بثغر جنزة في الرابع عشر من رجب المبارك سنة ست وخمسين وخمسمائة مع الشيخ الأجل الضعيف علي بن أبي القاسم أدام الله بقاءه.

[240] ومِن كلام له (علیه السّلام)

قاله لِعَبدِ الله بن العباس (رحمه الله علیه)(1)، وقد جَاءهُ(2)برِسَالَةٍ من عثمَانَ وهو مَحْصُورُ يسألُهُ فِيها(3)الخروج إلى مَالِهِ بِينْبُعَ(4)، لِيَقِلَّ هَتْفُ النَّاسِ(5)باسمِهِ للخِلافَةِ، بَعدَ أَن كَانَ سَألَهُ مِثْلَ ذلِكَ مِن قبل(6).

فقال (علیه السّلام): يَا بنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلا(7)أَن يَجْعَلَنِي جَمَلًا لها نَاضِحًا بالغَرْبِ(8)أُقْبِلُ وأُدْبِرُ . بَعَثَ إِليَّ أَن أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَن اقْدِمْ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ(9)إِلَيَّ أن اخْرُجْ؛ وَاللَّهِ لَقَد دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أن أكونَ آثِم(10).


1) ب: رضي الله عنهما.

2) س: جاء.

3) فيها: ليست في س.

4) حاشية: كان عثمان يسأل أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يخرج إلى ينبع ؛ وينبع في شرح ابن ميثم 189/4 : قرية صغيرة من أعمال المدينة..

5) هتف الناس: صياحهم ودعاؤهم باسمه.

6) ذكر الناسخ في حاشية الأصل: (زيادة مِن نُسْخَةٍ كتبت على عهد المصنف (رضی الله عنه)) ، وكتب أيضًا (تعاد إلى الصفحة الأخرى تحتها) ، كتب بعدها (و من كلام له (علیه السّلام) اقتصار فيه ذكر ما كان بعد هجرة النبي (علیه السّلام)) ، وسبق ذكر هذا، والخطبة برقم (240) في شرح ابن میثم 195/4 .

7) إلا: ساقطة من ب،ع.

8) حاشية: الغرب: الدلو الكبير، والناضح في شرح ابن ميثم: الجمل يستقى عليه .

9) س: ثم هو يبعث الآن.

10) وقع هذا الكلام في آخر الخطب بنسخة ب، في الصفحة 288 من ترقيم النسخة - وهو حديث - وذكر الناسخ في نهايتها (آخر الخطب ويتلوه المختار من كتبه ورسائله)، وهو برقم 239 في الشرح 13/ 203 ، وفيه ذكر لـ(وصية العباس لعلي (علیه السّلام) قبل موته)، وكلامه (علیه السّلام) في شرح ابن ميثم 189/4 برقم (236) . وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 3 / 189 برقم 238 ، وما نقله المؤلف عن مصادره من خروج أمير المؤمنين إلى ينبع، وكتابة الخليفة عثمان إليه بالعودة مسرعًا بعد أن اشتد عليه الأمر.

[241] ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) يحثُ أصحَابَهُ عَلى الجِهَادِ

*يحثُ أصحَابَهُ عَلى الجِهَادِ(1)

واللهُ مَسْتَأدِيكُم شُكْرَهُ، ومُورِثُكُم أَمْرَهُ، ويُمْهِلُكُم فِي مِضْمَارٍ(2)مَمْدُودٍ لِيَتَنَازَعُوا(3)سَبْقَهُ، فَشُدُّوا عُقَدَ المآزر(4)، واطووا(5)فُضُول الخَوَاصِرِ لا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ ووَلِيْمَةُ. مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ اليَوْمِ، وأنحى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الهِمَمِ «63 ب».(6)


1) كلامه (علیه السّلام) في حث أصحابه على الجهاد: ليس في م.

2) المضمار : المدة التي تضمر فيها الخيل، قيل: إنها أربعون يوما.

3) التنازع: التحازب في الخصومة.

4) المآزر : جمع مئزر .

5) حاشية: يقال : ضربه، فأطر يده، أي قطعها وأندرها، ويأمرهم (علیه السّلام) بالتشمر، وما ذكره كناية عنه.

6) بعدها في الأصل بقلم رفيع (يعاد إلى الصفحة الأخرى تحتها) - وقد أعدناه إلى موضعه - وتحتها: ومن كلام له (علیه السّلام) اقتص فيه ذكر ما كان بعد نحر النَّبي (علیه السّلام). ولم يذكر الناسخ الكلام. وتحتها : «بلغت القراءة على المولى السيد الإمام ضياء الدین، تاج الإسلام، علم الهدى، أبي الرضا، فضل الله بن علي الحسيني، إلى هنا والله الحمد». والكلام برقم 215 في الشرح 11/ 98 ينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق /1903 برقم 239 ، وبنهاية تخريجه ينتهي الجزء الثالث من الكتاب، والكلام برقم (241) في شرح ابن ميثم 196/4.

بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلي(1)

بابُ المُخْتَار من كُتُب أمير المؤمِنِينَ عَلَيَّ (علیه السّلام) ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده

اشارة

*بابُ المُخْتَار من كُتُب أمير المؤمِنِينَ عَلَيَّ(2)(علیه السّلام)(3)وَرَسَائِلِهِ إِلَى أعْدَائِهِ وأُمَرَاءِ بِلادِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ مَا اخْتِيرَ من عُهُودِهِ إِلى عُمَّالِهِ، ووصَايَاهُ لِأَهْلِهِ وأَصْحَابِهِ


1) البسملة والتوكل : ليست في النسخ المعتمدة.

2) علي: ليست في ب، ع، ج.

3) إلى هنا في السطر الأخير من الصحيفة 134 ب في نسخة س كتب الناسخ باب المختار من كتب أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأضيفت بعدها ورقة بخط مختلف احتوت كلامه لابن عباس ، وكلامه الذي اقتص فيه ما كان منه بعد هجرة النبي، ثم من خطبة له، وأخرى في شأن الحكمين وخطبة يذكر فيها آل محمد ، وفي الصفحة 136أ تعود النسخة إلى الخط الأصلي، وفيها بقية العنوان وهو : (ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده، ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عماله، ووصاياه لأهله وأصحابه).

[1] مِن كِتابِ لَه (علیه السّلام) إلى أهل الكوفة عند مَسِيره من المدينة إلى البَصْرَة

مِن عَبْدِ اللهِ عَليَّ أمير المؤمِنِين إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ جَبْهَةِ الأَنْصارِ وسَنَامِ العَرَبِ(1).

أمَّا بَعْدُ، فإِنِّي أُخْبِرُكُم عَن أَمْرِ عُثمانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ. إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ فَكُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ (2)، وأُقِلْ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ والرُّبَيرُ أَهْوَنُ(3)سَيْرِهِمَا فِيهِ الوَجِيْفُ(4)، وأرْفَقُ حدَائِهِمَا العَنيْفُ(5)، وكان من عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَهُ غَضَبٍ(6)، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ


1) في المنهاج 12/3 ، أي : مجدهم

2) في المنهاج 12/3 ، أي : أطلب منه کثیرا أن یرضي الناس ولا ألومه أقل اللوم

3) وبالرفع في س ، م ، ب ، وبالنصب في ع ، وضبطها في ج بالنصب والرفع، وفوقها معًا.

4) الوجيف في المعارج 367: ضرب من سير الإبل.

5) (الوجيفٌ) و (العَنِيفُ) ضبطتا في الأصل بالرفع والنصب، ولكن من دون إشارة إلى جواز الوجهين أو إلى نسخة ثانية، وبالرفع فيهما في ع ، وبالنصب فيهما في س، م، ج، وبالرفع في شرح ابن ميثم 199/4 والوجيف فيه : ضرب من السير فيه سرعة.

6) الفلتة من قول السيدة عائشة ما روي من أنها كانت تقول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً، وينظر ما رواه ابن ميثم بشأنها، والفلتة: البغتة من غير ترو.

فقَتَلُوهُ(1)، وبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرُ مُسْتَكْرَهِينَ وَلا مُجْبَرِينَ، بَل طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ.

واعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الهِجْرَةِ قَد قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا، وَقَلَعُوا(2)بِهَا، وَجَاشَتْ جَيْشَ المَرْجَلِ(3)، وقَامَتِ الفِتْنَةُ عَلَى القُطْبِ. فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُم، وبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُم إن شاء الله(4).

[2] ومِن كتاب له (علیه السّلام) إِلَيْهِم بَعدَ فَتْح البَصْرَةِ

وجَزَاكُمُ اللهُ مِن أَهْلِ مِصْرٍ عَن أَهْلِ(5)بَيْتِ نَبِيِّكُم أَحْسَنَ مَا يَجْزِي العَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ ، والشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، فَقَد سَمِعْتُم وأطَعْتُم، ودُعِيتُمْ فَأَجَبْتُم(6).


1) كذا في ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: قتلوه، وكذا في س، م، ع. وأضيفت الفاء بمداد أحمر إلى نسخة ج.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: وقُلِعُوا؛ وقلع المنزل بأهله في شرح ابن ميثم 199/4 : نبا بهم فلم يصلح لاستيطانهم.

3) المرجل : القدر، وجيشانها : غليانها، ودار الهجرة المدينة، وأراد (علیه السّلام) إعلام أهل الكوفة بنهوض أهل المدينة لقتال أصحاب الجمل.

4) إن شاء الله: ليست في الأصل، وأثبتت من س ، م ، ب ، ج ، ع . والكتاب بالرقم نفسه في الشرح 222/14 ، وفيه بحث بعنوان (الإمام علي (علیه السّلام) في طريقه إلى البصرة)، وآخر بعنوان (نبذ من حياة عائشة ونسبها)، وبالرقم نفسه فيه وفي شرح ابن ميثم 199/4 ، وينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 1943 البرقم نفسه.

5) كذا في ب ، ع أيضًا، أهل: ليست في س، م ، وأضيفت إلى ج بمداد أحمر.

6) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 236/14 ، وينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 3/ 195 - 196 ، وهو بالرقم نفسه فيه، وذكر أن الواقدي أسنده عن عمر بن سعد، وقال المؤلف في الحاشية: إنه عمر بن سعد بن سعد بن أبي الصيد الأسدي، وانظر أيضًا تعليقه في 2/ 84 - 85 ، ومما ذكره المؤلف (رحمه الله علیه) وأحسن إليه أيضًا أن كتابه 84/2 هذا كتبه عبيد الله بن أبي رافع في رجب سنة ست وثلاثين، وذكر في الهامش أيضًا أن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان هو وأخوه علي كاتبين لأمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهما من الأوائل في التأليف في صدر الإسلام، وذكر ما ألفاه من الكتب، وهو بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 200/4 .

[3] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) كَتَبَهُ لِشُرَيح بنِ الحَارِثِ قَاضِيهِ

*[3] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام)(1)

كَتَبَهُ لِشُرَيح بنِ الحَارِثِ(2)قَاضِيهِ

رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحَ بن الحارِثِ قَاضِيَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) اشْتَرَى عَلَى عَهْدِهِ(3)دَارًا بِثَمَانِينَ دِينَارًا، فَبَلَغَهُ (علیه السّلام) ذَلِكَ، فَاسْتَدْعَى شُرَيْحًا، وقَالَ له(4):

بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَارًا بِثَمَانِينَ دِينَارًا، وكَتَبْتَ كِتَابًا، وأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُودًا . فَقَالَ شُرَيْحُ: قَد كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيهِ (علیه السّلام) نَظَرَ مُغْضَبٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا شُرَيحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَن لا


1) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ب، ج: ومن كتاب كتبه.

2) أبو أمية، أو أبو عبد الرحمان من كندة ، ويقال هو من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، أسلم في حياة النبي، صلى الله عليه وآلله، وانتقل إلى المدينة في خلافة أبي بكر، واستقضاه الخليفة عمر على الكوفة سنة ثماني عشرة ، وقد اختلف في سنة وفاته، وله ترجمة في كتابي الموسوم بـ«الثوية بقيع الكوفة 2 / 20 - 24 .

3) بعدها في ب : (علیه السّلام).

4) كذا في ب، ج، وفي س، ع، م: فاستدعاه، وقال.

يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ، ولا يَسْأَلُكَ عَن بَنِيَّتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصًا(1)، ويُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصًا ، فانْظُر يَا شُرَيحُ لا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِن غَيْرِ مَالِكَ، أو نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِن غَيْرِ حِلَّ لَكَ(2)، فَإِذَا أَنْتَ قَد خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا ودَارَ الآخِرَةِ؛ أمَا إِنَّكَ لَو كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِند شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَابًا عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَم تَرْغَبْ فِي شِرَاء هَذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَم فَمَا فَوْقَهُ، وَالنُّسْخَةُ:

هذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِن مَيِّتٍ قَد أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، اشْتَرَى مِنهُ دَارًا مِن دَارِ الغُرُورِ مِن جَانِبِ الفَانِينَ، وخِطَّةِ(3)الهَالِكِينَ «64 أ»، وتَجْمَعُ هذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ: الحَدُّ الأولُ: يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الآفَاتِ، والحَدُّ الثَّانِي: يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي المُصِيبَاتِ، وَالحَدُّ الثَّالِثُ: يَنْتَهِي إِلَى الهَوَى الْمُرْدِي ، والحَدُّ الرَّابِعُ: يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ المُغْوِي، وفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ .

اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالأَمَلِ مِن هَذَا الْمُزْعَجِ(4)بِالأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بالخُرُوجِ مِن عِزَّ القَنَاعَةِ، والدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ والضَّرَاعَةِ، فَما


1) الشاخص: الداخل، وأراد بمن يأتيه ملك الموت.

2) كذا في ب أيضًا، وفي م، ع، س: حلالك ،وكذا في ج، وذكر في حاشيتها حل لك.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: حطة، وفسرها الناسخ، أي: حيث يحطُّونَ الرَّحْلَ.

4) ضبطها بالنصب في س.

أدرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي(1)فِيمَا اشْتَرَى مِن دَرَكٍ، فَعَلَى مُبَلْبِلِ(2)أجْسَام الملُوكِ، وَسَالِبِ نُفُوسِ الجَبَابِرَة، ومُزِيْلِ مُلْكِ الفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وقَيْصَر، وتُبَّع وخمير، ومَن جَمَعَ المالَ عَلَى المَالِ فَأكْثَرَ، ومَن بَنَى وشَيَّدَ وزَخْرَفَ ونَجَّدَ وادَّخَرَ واعْتَقَدَ ، ونَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلوَلَدِ، إِشْخَاصُهُم(3)جَمِيعًا إِلَى مَوْقِفِ العَرْضِ والحِسَابِ، ومَوْضِع الثّوابِ والعِقَابِ إِذَا وقَعَ الأَمْرُ بِفَصْلِ القَضَاءِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ(4)، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ العَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِن أَسْرِ الهَوَى، وسَلِمَ مِن عَلائِقِ الدُّنْيَا(5).


1) في الأصل، وفي ج، ب: هذه المشْتِرَي، والتصويب من س.

2) حاشية: تبلبلت الألسن، أي: اختلطت، وتبلبلت الإبل الكلا، إذا تبعته فلم تدع منه شيئًا، والبلبلة: وسواس الصدر، وما تقدم أشبه بهذا الموضع؛ وفي المنهاج 16/3، أي: على الله الذي يستأصل الملوك الظلمة، وتبلبلت الإبل الكلا: إذا تتبعته فلم تدع منه شيئًا .

3) حاشية : إشخاصهم: حثهم وإبعادهم.

4) غافر 78/40.

5) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 14 / 236 - 237 ، وفيه بحث بعنوان (نبذة من حياة - شریح ونسبه)، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 4/ 200 وفي مصدر سابق 199/3 - 200 ، وينظر تعقيب المؤلف .

[4] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلى بَعْضِ أَمَرَاءِ جَيْشِهِ

*[4] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام)(1)

إلى بَعْضِ أَمَرَاءِ جَيْشِهِ

فَإِن عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الذِي نُحِبُّ، وإن تَوَافَتِ الأُمُورُ بالقَوْم إلَى الشَّقَاقِ والعِصْيَانِ، فائهَدُ بمَنْ أطَاعَكَ إلَى مَن عَصَاكَ، واسْتَغْنِ(2)بِمَن انْقَادَ مَعَكَ عَمَّن تَفَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ المُتكَارِهَ مَغِيْبُهُ خَيْرٌ مِن مَشْهَدِهِ(3)، وقُعُودُهُ أغْنَى مِن نُهُوضِهِ(4).

[5] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلَى الأَشْعَثِ بن قَيْسِ وهو عَامِلُ آذَرْبِيْجَانَ

إلَى الأَشْعَثِ بن قَيْسِ(5)، وهو عَامِلُ آذَرْبِيْجَانَ(6)

وإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، ولكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أمَانَةٌ، وأنْتَ


1) ب: ومن كتاب كتبه إلى بعض أمراء جيشه (علیه السّلام)، ج، م، س: ومن كتاب له إلى بعض أمراء جيشه، ع: ومن كتاب كتبه (علیه السّلام)...

2) في حاشية الأصل عن نسخة: استَعِن.

3) س، م: شهوده.

4) بالرقم نفسه في الشرح 14 / 240 ، وفي شرح ابن ميثم 202/4 وذكر أن الفصل من كتاب له إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة حين قدم طلحة والزبير إليها، وينظر في تخريجه مصدر سابق 200/3 بالرقم نفسه فيه.

5) أبو محمد معد يكرب بن قيس، سمي الأشعث لغيرة شعر رأسه، وهو من زعماء اليمن الكبار ، له ترجمة وافية في كتابي الموسوم بـ(الثوية بقيع الكوفة 46/1 - 48).

6) في معجم البلدان: من فتوح حذيفة بن اليمان زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وهو إقليم واسع من مدائنه تبريز .

مُسْتَرْعَى لِمَن فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَن تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّة(1)، ولا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ(2)، وفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْتَ مِن خُزَانِي حَتَّى تُسَلَّمَهُ إليَّ، ولَعَلّي ألا أكُونَ شَرَّ وُلاتِكَ لَكَ، والسلام(3).

[6] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلَى مُعَاوِيَةَ

إِنَّهُ بَايَعَنِي القَوْمُ الذِينَ بَايَعُوا أبا بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُم عَلَيْهِ(4)، فَلَم يَكُن لِلشَّاهِدِ أَن يَخْتَارَ، ولا لِلغَائِبِ أَن يَرُدَّ؛ وإِنَّمَا الشُّورَى لِلمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ ، فَإِن اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوهُ


1) ليس لك أن تفتات في رعية، أي: تستبد بحكم فيهم وتسبق إليه من دون إذن ممن استرعاك.

2) حاشية: المخاطرة، أي: المراهنة في.. وما يجعل بين المتراهنين ، يقال له: ... الافتتات: افتعال من الفوت، وهو السوق بالشيء دون ائتمار من يؤتمر ، يقول : أقبل عليه بأمر كذا، أي: فاته به، وفلان لا يفتات عليه، أي: لا يعمل شيء دون.. والمخاطرة في شرح ابن ميثم 4/ 202: الإقدام على الأمور العظام، والإشراف على الهلاك، والوثيقة: ما يوثق به في الدين.

3) والسلام: من النسخ المعتمدة ، والكتاب بالرقم نفسه في الشرح 240/14 وفيه ذكر لأول الكتاب، وذكر أنه كتبه (علیه السّلام) بعد انقضاء حرب الجمل، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم ، وروي أنه (علیه السّلام) استقدمه إلى الكوفة، فلما قدم فتش ثقله، فوجد فيه مائة ألف درهم، فأخذها فاستشفع بالحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فأطلق له منها ثلاثين ألفًا، فقال: لا يكفيني، فقال: لست بزائدك درهما واحدًا، وما أظنها تحلّ لك، فقال الأشعث: خذ ممن خدعك ما أعطاك، والكتاب بالرقم نفسه في مصدر سابق 201/3 ، وينظر تعقيب المؤلف، ومما ذكره أن الكتاب أرسله مع زياد بن مرحب الهمداني، وكتبه عبيد الله بن أبي رافع في شهر شعبان سنة وثلاثين.

4) حاشية هذا الكلام منه (علیه السّلام) علی موجب اعتقاد القوم؛ لأنهم كانوا يقصرون في حقة.

إِمَامًا كَانَ ذلِكَ اللَّهِ رِضًى، فَإِن خَرَجَ مِن أمْرِهِم خَارجٌ بِطَعْنٍ أو بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِن أَبِي قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ووَلَّاهُ اللهُ ما تَوَلَّى.

ولَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِن نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَواكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِن دَمِ عثمانَ ، ولَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ(1)، إِلَّا أَن تَتَجَنَّى، فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ ، والسَّلام(2).

[7] ومِن كِتابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلَيْهِ أيضًا

إِلَيْهِ أيضًا(3)

أمَّا بَعْدُ، فَقَد أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ، ورِسَالَةٌ مُحُبَّرَةٌ، نَمَّقْتَهَا(4)بِضَلالِكَ، وأمْضَيْتَهَا بِسُوءٍ رَأيِكَ. َوكِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرُ يَهْدِيهِ،


1) س: مِنهُ .

2) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 242/14، وذكر الشارح أن الذين شاركوا في قتل عثمان قتلوا في داره، أما الذين يطلبهم معاوية فلم يباشروا القتل.. وكل هؤلاء لا يجب عليهم القصاص، وفيه ذكر حول (إرسال علي (علیه السّلام) جريرًا إلى معاوية)، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 4 / 202 - 203 ، وفي مصدر سابق 203/3 ، وذكر أن الكتاب أرسله مع جرير بن عبد الله البجلي، وذكر صدره.

3) أيضًا : ليست في الأصل، وما أثبت في النسخ.

4) حاشية: الموصلة هاهنا: استعارة، وأصلها من الشعر الموصل للغش - كذا - وموصلة في شرح ابن ميثم 203/4: ملتقطة من كلام الناس ملفقة لا تتناسب : وصولها - كذا-، دره

ولا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَد دَعَاهُ الهَوَى فَأَجَابَهُ، وقَادَهُ الصَّلالُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ(1)لاغِطّا(2)، وضَلَّ خَابِطًا(3).

مِنْهُ(4): «64ب» ؛ لأنَّهَا بَيْعَةً واحِدَةٌ لا يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ ولا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الخِيَارُ، الخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنُ ، والمَرْوِيُّ(5)فِيهَا مُدَاهِنُ(6).

[8] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إِلَى جَرير بنِ عبدِ اللهِ البِجَلِي لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى مُعَاوِيةَ

أمَّا بَعْدُ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِل مُعَاوِيَةَ عَلَى الفَصْلِ، وخُذْهُ بِالأَمْرِ الجَزْمِ، ثُمَّ خَيْرُهُ بَينَ حَرْبٍ مُجلِية(7)، أو سلم مُخزِيَةِ(8)، فَإِن اخْتَارَ


1) حاشية: من الهجر، وهو الهذيان.

2) حاشية : اللغط، أي: الجلبة والضجة التي لا فائدة منها، واللغط اختلاط الأصوات.

3) الخابط في المنهاج 19/3 : الذي يمشي فلا يتوقى شيئًا فيخبط بيده كلما يلقاه.

4) ب، ع: ومن هذا الكتاب.

5) حاشية: روّى في الأمر، إذا نظر فيه، ولم يعجل الجواب.

6) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 246/14 ، وذكر الشارح كتبه علي (علیه السّلام) جوابًا عن الا كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفين، بل في أواخرها، وذكر أيضًا كتاب معاوية، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 4/ 203 ، وذكر فيه كتاب معاوية أيضًا، والكتاب برقم (7) أيضًا في مصدر سابق 210/3.

7) في حاشية الأصل من دون إشارة إلى نسخة أو تصويب : مُجلّلَةٍ، ومُجلية، في شرح ابن ميثم 203/4 : تجلي عن الوطن.

8) في حاشية الأصل من دون إشارة إلى نسخة أو تصويب: مجزية، وكذا في ع، وسلم مخزية في شرح ابن میثم 203/4 : فيها ذل، وروي مجزية بالجيم، أي: كافية، وكذا في المنهاج 21/3 .

الحَرْبَ فانْبِذْ(1)إِلَيْهِ ، وإِن اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيعَتَهُ، وَالسَّلام(2).

[9] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى مُعَاوِيَةَ

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا، وَاجْتِيَاحَ(3)أَصْلِنَا، وَهَمُّوا بِنَا الهُمُومَ، وَفَعَلُوا بنَا الأَفَاعِيلَ(4)، ومَنَعُونَا العَذْبَ(5)، وأَحْلَسُونَ(6)الخَوْفَ ، واضْطَرُّونَا إلَى جَبَلِ وَعْرٍ ، وأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الحَرْبِ؛ فَعَزَمَ(7)اللهُ لَنَا عَلَى الذَّبْ عَن حَوْزَتِهِ، والرَّمْيِ مِن وَرَاءِ حُرْمَتِهِ(8)، مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الأجر، وكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الأصْلِ، ومَن أَسْلَمَ مِن قُرَيْشٍ خِلْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ(9)بِحِلْفِ


1) حاشية: فانبذ إليه، أي: حاربه، وارم إليه بالحرب كما يحاربك، وفي شرح ابن ميثم 203/4 ، النبذ: الإلقاء، وهو كناية عن القاء الوعيد بالحرب أو عن إيقاعها.

2) بالرقم نفسه في الشرح 248/14، وكذا في شرح ابن ميثم 203/4. وفي مصدر سابق 214/3.

3) حاشية: الجوح والاجتياح: الاستئصال.

4) الأفاعيل في المنهاج 3/ 28: الأفعال القبيحة.

5) أي : طيب العيش بين الأهل والوطن في المنهاج 3/ 28.

6) أحلسونا في المنهاج 28/3 : ألزمونا الخشية.

7) حاشية : عزم عليه ، إذا أمره أمرًا لا مثنوية فيه.

8) فى حاشية س عن نسخة : حَومَتِهِ.

9) حاشية: يعني أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهله كانوا يخافون دون الذين أسلموا من قريش، فإنهم كانوا عاهدوا جماعة من الكفار، وكانوا ذوي عدد كبير، فكانوا لا يخافون للحلف أو الكثرة.

يَمْنَعُهُ(1)، أو عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُم مِنَ القَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنِ.

وكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِذَا احْمَرَّ البَاسُ، وأحْجَمَ النَّاسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ، فَوَقَى بهم أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ والأسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ(2)يَومَ بَدْرٍ، وقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وأَرَادَ مَن لَو شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، ولكِنَّ آجَاهُم عُجِّلَت، ومَنِيَّتُهُ أُخْرَتْ.

فَيَا عَجَبًا(3)لِلدَّهْرِ؛ إذ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَن لَم يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُن لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لا يُدْيِ أَحَدٌ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَن يَدَّعِي مُدَّعِ مَا لَا أَعْرِفُهُ، ولا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ. فَالحَمْدُ اللهِ(4)عَلَى كُلِّ حَالٍ.

وأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِن دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُم إِلَيْكَ ولا إلَى غَيْرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِن لَم تَنْزِغْ عَن غَيِّكَ وشِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُم عَن قَلِيلِ يَطْلُبُونَك، لا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُم فِي بر ولا بَحْرِ ، ولا جَبَل ولا سَهْل، إلَّا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوؤُكَ وِجْدَانُهُ، وزَوْرٌ لا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ، والسّلامُ لأهْلِهِ(5).


1) أي: عهد يحفظه في المنهاج 29/3 .

2) ابن عبد المطلب (رضی الله عنه).

3) س: عَجَبِي.

4) ب: والحمد.

5) بالرقم نفسه في الشرح 249/14 - 250 ، وفيه بحث بعنوان (قريش وبني هاشم) نقله عن كتابي السيرة والمغازي لابن إسحاق)، ذكر فيه أولية إسلام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ومن جاء بعده وموقف قريش من بني هاشم وما عانوه أثناء الحصار، وفيه أيضًا بحث بعنوان (في إيمان أبي طالب) ، وهو بحث جدير بالنظر، وأعقبه ببحث بعنوان (في غزوة بدر) شرح فيه قصة هذه الغزوة، وذكر أيضًا (كيف نزلت الملائكة يوم بدر وحاربت المشركين)، وفيه أيضًا بحث بعنوان (في الغنيمة والأسرى بعد انتصار المسلمين في بدر)، وآخر في أسماء أسارى بدر وأسماء من أسرهم)، وغير ذلك، في ذكر أسماء المشركين ومن قتلهم، وأسماء من شهد بدرًا من المسلمين، ثم ختم الجزء الرابع عشر بحديث (في أخبار غزوة أحد) أكمله في الجزء الخامس عشر، وتحدث في هذا الجزء عن غزاة مؤتة، ومناقب جعفر الطيار (رضی الله عنه)، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 204/4 ، وفي مصدر سابق 214/3.

[10] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلى مُعَاوِيَةَ

إِلى مُعَاوِيَةَ(1)

وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعُ إِذَا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلَابِيْبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِن دُنْيَا قَد تَبَهَّجَتْ(2)بِزِينَتِهَا ، وخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا؟ دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فاتَّبَعْتَها، وأمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا ، وإِنَّهُ يُوشِكُ أن يَقفَكَ وَاقِفٌ(3)عَلَى مَا لا يُنْجِيْكَ مِنْهُ بِجَن(4)، فاقْعَسْ(5)عَن هذَا الأَمْرِ ، وخُذْ أُهْبَةَ(6)الحِسَابِ ،


1) كذا في ب أيضًا، وفي س، ج، م: ومن كتابٍ لَهُ إليه أيضًا. إلى معاوية: ليست في ع، وذكر ابن ميثم في شرحه 205/4 - 206 أول هذه الكتاب، ولكن من دون إشارة إلى مصدر أو رواية.

2) الجلباب: الملحفة، وتبهجت: تحسنت و تزينت.

3) وقفه على ذنبه، أي: أطلعه عليه.

4) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج: مُنْج، والمجن في شرح ابن ميثم 206/4: الترس، وقال: ويروى: منج.

5) فأقعس، أي: تأخر في المنهاج 30/3.

6) قعس: تأخر، والأهبة: العدة وهو ما يهيا للأمر ويستعد به له.

وشَمِّرُ(1)لَا قَد نَزَلَ بِكَ، ولا تُمَكِّنِ الغُواةَ مِن سَمْعِكَ، وَإِلَّا تَفْعَل أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِن نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفُ(2)قَد أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَآخِذَهُ(3)، وبَلَغَ فِيكَ أمَلَهُ ، وجَرَى مِنكَ(4)عَجُرَى الرُّوحِ والدَّمِ.

ومَتَى كُنتُم يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ ووُلاةَ أَمْرِ الأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ، ولا شَرَفٍ بَاسِقٍ(5)، ونَعُوذُ «65أ» باللَّهِ مِن لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ، وأحَذِّرُكَ أن تكُونَ مُتَمَاديًا(6)في غِرَّةِ الأُمْنِيَةِ(7)، مُختلِفَ العلانِيَةِ والسَّرِيرَةِ، وقَد دَعَوْتَ إِلَى الحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا، واخْرُجُ إِلَيَّ، وأَعْفِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ القِتَالِ لِتَعْلَمَ(8)أَيُّنَا المَرِيْنُ(9)عَلَى قَلْبِهِ، والمُغَطَّى


1) ج: شمره، وشمّر ثوبه: رفعه.

2) المترف: الذي أطغته النعمة.

3) كذا في س، وفي حاشيتها مأخَذَهُ، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وفي م، ج، ع، وبالفتح والكسر في ب.

4) في الأصل: فيك، وما أثبت من: س، م، ب، ج.

5) الباسق: العالي.

6) من قوله : (بغير قدم إلى قوله متماديًا)، له إحالة الحاشية س بخط خشن، وقد ذهبت بسبب الترقيع. ومن قوله: (ومتى كنتم يا معاوية... أن تكون) ساقط من م، والتمادي في الأمر: تطويل المدة فيه.

7) الغرّة: الغفلة، والأمنية: ما يتمنى.

8) في الأصل: ليَعْلَم ، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في ع، س، ج، م، وفي ع: لِتَعْلَمَ .

9) الرين في شرح ابن ميثم 206/4: الغلبة والتغطية، والمرين على قلبه: من غلبت عليه الذنوب وغطت عين بصيرته الملكات الرديئة، وفي الحاشية: الرين: الطبع، وفي القاموس : الرَّين: الطبع، والدنس، وران ذنبه على قلبه رَيْنًا ورُيُونًا: غلب، وكل ما غلبك رانك.

عَلَى بَصَرِهِ؛ فَأَنَا أَبُو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ ، وخَالِكَ، وأخِيكَ(1)، شَدْخًا(2)يَوْمَ بَدْرٍ . وذلِك(3)السَّيْفُ مَعِي، وبِذَلِكَ القَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيْنًا، ولا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيًّا، وإِنِّي لَعَلَى المِنْهَاجِ الذِي تَرَكْتُمُوه طَائِعِينَ ، ودَخَلْتُم فِيهِ مُكْرَهِينَ.

وزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِرًا بِعُثْمَانَ(4)وَلَقَد عَلِمْتَ حَيْثُ وقَعَ دَمُ عُثمانَ، فَاطْلُبُهُ مِن هُنَاكَ إِن كُنْتَ طَالِبًا، فَكَأَنِّي قَد رَأَيْتُكَ تَضِجُ مِنَ الحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَحِيجَ الجَمَالِ بالأَثْقَالِ(5)، وكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعًا مِن الضَّرْبِ المتتابع، والقَضَاءِ الوَاقِعِ، ومَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ إِلَى كِتَابِ اللهِ وهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ، أَو مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ(6).


1) حاشية: أخوه: حنظلة بن أبي سفيان، وخاله: الوليد بن عتبة، وجده: شيبة، وستأتي : الإشارة إليهم في رسالة له (علیه السّلام) إلى معاوية جوابًا برقم 64 في هذا المطبوع، والشدخ في شرح ابن ميثم 206/4 : كسر الشيء الأجوف.

2) الشدخ في المعارج 369: الكسر.

3) م: وذاك.

4) كذا في ب ، ع ، وفي ج بدم عثمان، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة وفي م: لعثمان.

5) في الأصل من الأثقال، وما أثبت حاشية في الأصل عن نسخة، وكذا في النسخ المعتمدة.

6) الحائدة العادلة، والكتاب بالرقم نفسه في الشرح 57/15 ، وذكر الشارح (وإنما قال أمير المؤمنين هذه الكلمة لأن معاوية قالها في رسالة كتبها، ووقفت عليها في كتاب أبي العباس يعقوب بن أبي أحمد الصيمري الذي جمعه من كلام علي (علیه السّلام))، وذكر الرسالة ورد أمير المؤمنين عليها الذي طلب فيه منه أن يبرز إليه، وفي الشرح معلومات مهمة حول اشتراك ثلاثة من أبناء أبي سفيان في معركة بدر، حنظلة وعمرو معاوية، فقتل حنظلة، وأسر الآخر وأفلت معاوية هاربًا على رجليه، فقدم مكة وقد انتفخت قدماه و ورمت ساقاه و عالج نفسه شهرين حتى برأ، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 4 / 206 ، وفي مصدر سابق 218/3 .

[11] ومِن وَصِيَّةٍ وَصَّى بِهَا (علیه السّلام) جَيْشًا بَعَثَهُ إِلَى العَدُوِّ

جَيْشًا بَعَثَهُ إِلَى العَدُوِّ(1)

فَإِذا نَزَلْتُم بِعَدُو أو نَزَلَ بِكُم فَلْيَكُن مُعَسْكَرُكُم فِي قُبُلِ(2)الأَشْرَافِ أو سِفَاحِ(3)الجِبَالِ أو أَثْنَاءِ(4)الأَنْهَارِ كَيْها تَكُونُ(5)لَكُم رِدْءًا ، ودُونَكُم مَرَدًّا. ولْتَكُن مُقَاتَلَتْكُم(6)في وَجْهِ(7)أو اثْنَيْنِ، واجْعَلُوا لَكُم رُقَبَاءَ في صَيَاصِي الجِبَالِ وبِمَنَاكِبِ الحِضَابِ لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ العَدُوُّ مِنْ مكَانِ مخَافَةٍ، أو أَمْنِ. واعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ القَوْم عُيُونُهُم، وعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ


1) العنوان في م: (ومن وصية وصى بها جيشًا لَهُ)، وذكر ابن ميثم في شرحه 209/4 أن هذه الوصية ملتقطة من كتاب كتبه (علیه السّلام) إلى زياد بن النضر الحارثي حين سرحه على مقدمته إلى الشام من النخيلة، وكان قد بعث معه شریح بن هانئ واختلفا، فكتب كل منهما إليه يشكو من صاحبه، ويمكن مراجعة ما التقطه ابن ميثم من الكتاب ولكنه لم يذكر مصدرًا أو رواية، والوصية فيه بالرقم نفسه؛ وشريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك، صحابي وفد في السنة العاشرة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهو من خيار صحابة الإمام (علیه السّلام)، ومن كبارهم وأعيانهم، وكان على طليعة الجيش الذي وجهه لحرب معاوية بصفين رفقة زياد السابق الذكر، واستشهد برتيبل من بلاد خراسان سنة ثمان وسبعين وقد تجاوز المائة بكثير، وله ترجمة في كتابي الموسوم بـ«خلف أسوار الكوفة 103 - 128»، وزياد بن النضر من صحابة الإمام (علیه السّلام) أيضًا، ذكر ابن عساكر في تاريخه 244/19 أنه استشهد بصفين.

2) كذا في ب، وفي حاشية الأصل من دون إشارة إلى نسخة: في قبل، في قبل، وفي س، م: قبل، ج: قبل . وفي حاشية الأصل، القُبُلُ : نقيض الدبر، وقبل الجبل: سفحه.

3) في الأصل: سفاج، وهو سهو.

4) حاشية : أثناء الشيء: تضاعيفه وحدتها: ثنى، والتي من الوادي والجبل: منعطفه.

5) ب: يكون.

6) في حاشية الأصل: مُقاتِلَتكُم.

7) ب، ع: من وجه واحد.

طَلَائِعُهُم(1)، وإيَّاكُم والتَفَرُّقَ، فَإِذَا نَزَلْتُم، فَانزِلُوا جَمِيعًا، وإِذَا ارْتَحَلْتُم فَارتَحِلُوا جَمِيعًا، وإذا غَشِيَكُم الليْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً(2)، ولا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَارًا أو مَضْمَضَةٌ(3).

[12] ومِن وَصِيَّة لَهُ (علیه السّلام) وَصَّى بِهَا مَعْقِلَ بنَ قَيْسِ الرِّيَاحِي حِيْنَ أَنْفَذَهُ إلَى الشَّامِ في ثلاثةِ آلافٍ مُقَدَّمَةً لَهُ

وَصَّى بِهَا مَعْقِلَ بنَ قَيْسِ الرِّيَاحِي حِيْنَ أَنْفَذَهُ إلَى الشَّامِ في ثلاثةِ آلافٍ مُقَدَّمَةً لَهُ(4)

اتَّقِ الله الذي لا بُدَّ لَكَ مِن لِقَائِهِ، ولا مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ، ولا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَن قَاتَلَكَ، وسِر البَرْدَيْنِ(5)، وغَوِّرِ النَّاسَ(6)، ورَفِّهُ فِي السَّيْرِ، ولا


1) العين: الجاسوس، وطليعة الجيش: الذي يبعث ليطلع على العدوّ.

2) حاشية: الكف: الجمع، وكل ما جمعته فقد كففته والكفة: للمستطيل، والكفة : للمستدير من المجموعات بالكسر.

3) الوصية بالرقم نفسه في الشرح 63/15 ، وشرح ابن ميثم 209/4، ومصدر سابق /222/3 - 223 ، وفي المعارج 369: غارت الناقة: قل لبنها، ومنه غرار النوم، أي: قلته، وما مضمضت عيني النوم، أي: ما نمت.

4) العنوان في س، ب، ع: (ومن وصيته (علیه السّلام) لمعقل...)، وفي م، ج (ومن وصيته المعقل...) ، وذكر ابن ميثم في شرحه 4 / 211 روي أنه بعثه من المدائن في ثلاثة آلاف، وقال له: امض على الموصل حتى توافيني بالرقة .

5) البردين: الغداة والعشي، وكذلك الأبردان.

6) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ج: بالناس، وهي في حاشية ب أيضًا. وجاء في حاشية الأصل أيضًا: غور: نزل في الغائرة، وهي الظهيرة، وذكر السيد الرضي (رحمه الله علیه): غور القوم، إذا ناموا، مأخوذ من الغائرة، وهو نصف النهار.

تَسِر أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَنا، وقَدَّرَهُ مُقَامًا لا ظَعَنًا(1)، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ ، وروّحْ ظَهْرَكَ ، فَإِذا وَقَفْتَ(2)حِيْنَ يَنْبَطِحُ(3)السَّحَرُ ، وحِينَ يَنفَجِرُ الفَجْرُ فَسِر عَلَى بَرَكَةِ اللهِ .

فَإِذَا لَقِيْتَ العَدُوَّ فَقِفْ مِن أصْحَابِكَ وَسَطًا، ولا تَدْنُ مِن القَوْمِ دُنُو مَن يُريدُ أن يُنْشِبَ(4)الحَرْبَ، ولا تَبَاعَدْ مِنْهُم تَبَاعُدَ مَن يَهَابُ البَأسَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أمْرِي، ولا يَحْمِلَنَّكُم سُبَابُهُم(5)عَلَى قِتَالِهِم قَبْلَ دُعَائِهِم والإعْذَارِ إِلَيْهِم(6).


1) الظعن: الارتحال.

2) كذا في ب، م أيضًا، وفي حاشية الأصل وع، س: وقفت.

3) ب، ع: ينتطح، وفي ج: بالتاء والباء، والانبطاح: الاتساع.

4) أنشبت الشيء بالشيء: علقته به .

5) في شرح ابن میثم 211/4 شنآنهم، والشنآن: البغض والعداوة.

6) الوصية بالرقم نفسه في الشرح 65/15 ، ومعقل من رجال الكوفة وأبطالهم، أوفده عمار بن ياسر في فتح تستر رفقة الهرمزان، وهو من ولد رياح بن يربوع التميمي، وهو من خيار أصحاب أمير المؤمنين ومن قادته الميامين، له ترجمة موسعة في كتابي الموسوم بـ(خارج أسوار الكوفة)، وذكر الشارح أيضًا أقوالا في الحرب، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 210/4 ، ومصدر سابق 3/ 225، وروى في المعارج 371 قصة بعثه إلى حريث الخارجي، والنصر الذي حققه، وعزا سببه إلى بركات أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وقال : كان معقل مخلصًا له.

[13] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى أَمِيرَيْنِ مِن أُمَرَاءِ جَيْشِهِ

وقَد أَمَّرْتُ عَلَيكُما(1)وعَلَى مَن فِي حَيْزِكُمَا مَالِكَ بنَ الحَارِث الأشتر، فَاسْمعَا لَهُ وأطيعا، واجْعَلاهُ «65 ب» دِرْعًا ومِجَنَّا، فَإِنَّهُ مِمَّن لا يُخَافُ وَهُنْهُ ولا سَقْطَتُهُ، ولا يُطْؤُهُ عَمَّا الإسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ(2)، ولا إسْرَاعُهُ إِلَى مَا البُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ(3).

[14] ومِن وَصِيَّةٍ لَه (علیه السّلام) لِعَسْكَرِهِ قَبْلَ لِقَاءِ العَدُوِّ بِصِفِّين

لِعَسْكَرِهِ قَبْلَ لِقَاءِ العَدُوِّ بِصِفِّين(4)

لا تُقَاتِلُوهُم حَتَّى يَبْدَؤوكُم، فإنكُم بحمد الله عَلَى حُجَّةٍ، وتركُكُم


1) الأميران هما زياد بن النضر ، وشريح بن هانئ وذلك حين بعثهما على مقدمة له في اثني عشر ألفا.

2) السقطة: الزلّة، والحزم: ضبط الرجل أمره ، وأخذه بأولى الآراء وأقواها إلى الصواب.

3) حاشية: يقال : فلان أمثل من فلان، أي: أدناهم إلى الخير، والكتاب بالرقم نفسه في في الشرح 69/15 ، وفيه مبحث عن (بعض مناقب مالك الأشتر)، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 4 / 211 ، وفي مصدر سابق 266/3 .

4) العنوان في س: (ومن وصيته لعسكره بصفين قبل لقاء العدوّ)، وفي م: (ومن وصيته لعسكره بصفين)، وفي ب (ومن وصيته ..)، وفي ج: (ومن وصيته لعسكره قبل لقاء العدو بصفين)، ع : ( . . لعسكره بصفين)، وروى ابن ميثم في شرحه 212/4 أنه (علیه السّلام) كان يوصي أصحابه في كل موطن يلقون العدو فيه بهذه الوصية.

إيَّاهم حَتَّى يبدؤوكُم حُجَّة أُخْرَى لَكُم عَلَيْهِم؛ فَإِذَا كَانَتِ الهَزِيمَةُ بِإِذْنِ الله فلا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، ولا تُصِيبُوا مُعْوِرًا(1)، ولا تُجْهِزُو(2)عَلَى جريح، ولا تُهيجوا(3)النِّسَاءَ بأذى وإِن شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُم، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُم، فَإِنَّهُنَ ضَعِيْفَاتُ القُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالعُقُولِ. إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ مُشْرِكَاتٌ ، وإن كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بِالفِهْرِ أو الهِرَاوَةِ(4)، فَيُعَيَّرُ(5)بِهَا وعَقِبُهُ مِن بَعْدِهِ(6).


1) في اللسان: لا تجهزوا على جريح ولا تصيبوا معور ، قال : وهو من أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب. وفي الحاشية، المعور: الذي بدت عورته، وهي موضع مخافته؟ حتى يمكنه العدو.. وأعور الفارس، إذا ظهر فيه موضع خلل للضرب فهو معور.

2) حاشية: أجهزت على الجريح وجهزت عليه، إذا قتلته.

3) أهجت الشيء: أثرته.

4) الفهر: الحجر المستطيل الأملس، والهراوة: خشبة كالدبوس، والفهر في المعارج 371: حجر ملء الكفّ.

5) حاشية عطف على الضمير المستكن في فيعير من غير إبراز الضمير للجار والمجرور الواقع منهما كقوله تعالى: مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا الأنعام / 148 .

6) الوصية بالرقم نفسه في الشرح 15/ 73 ، وذكر الشارح (نبذ من الأقوال الحكيمة)، و (قصة فيروز بن يزدجرد)، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 212/4 ، وفي مصدر سابق 227/3 .

[15] وكَان يَقُولُ (علیه السّلام) إذا لَقِيَ العَدُوَّ مُحَارِبًا :

اللهُمَّ إِلَيْكَ أفْضَتِ القُلُوبُ(1)، ومُدَّتِ الأعْنَاقُ، وشَخَصَتِ(2)

الأَبْصَارُ ، ونُقِلَتِ الأَقْدَامُ، وأُنْضِيَتِ(3)الأَبْدَانُ. اللهُمَّ قَد صَرَّحَ مَكْنُون(4)الشَّنَآنِ ، وجَاشَتْ مَرَاجِلُ الأضْغَانِ(5). اللهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إلَيكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا ، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَيْمِينَ(6).


1) أفضت القلوب: خرجت إليه عن كل شيء، ووصلت إليه خالصة شرها.

2) شخوص البصر : ارتفاعه نحو الشيء بحيث لا يطرف.

3) إنضاء الأبدان: هزالها.

4) في الأصل : مكتوم، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في بقية النسخ المعتمدة.

5) الشنآن: العداوة والبغضاء، ومكنونه: المستور منه، والمراجل: القدور، وجيشها: غليانها، والضغن: الحقد.

6) الأعراف 89/7، وقوله (علیه السّلام) بالرقم نفسه في الشرح (15/ 78، وقال: (وجدت هذه الألفاظ في دعاء منسوب إلى علي بن الحسين زين العابدين (علیه السّلام)، ولعله من كلامه، وقد كان سديف يدعو به)، والقول بالرقم نفسه وفي شرح ابن ميثم 213/4 ، في مصدر سابق 229/3 .

[16] وكَانَ يَقُولُ (علیه السّلام) لأَصْحَابِهِ عِندَ الحَرْبِ :

لا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُم فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ(1)، ولا جَوْلَةٌ(2)بَعْدَهَا حَمْلَةٌ، وأعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا(3)، ووَطَّنُوا لِلجُنُوبِ مَصَارِعَهَا(4)، واذْمُرُوا(5)أَنْفُسَكُم عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِي، والضَّرْبِ الطَّلَخْفِي(6)، وأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلفَشَلِ.

والذِي فَلَقَ الحَبَّةَ ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ(7)مَا أَسْلَمُوا، ولكن اسْتَسْلَمُوا، وأَسَرُّوا الكُفْرَ ، فَلَما وجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَانًا أَظْهَرُوهُ(8).


1) في المنهاج 44/3 الفرّة: الفعلة الواحدة من الفرار، والكر: الرجوع.

2) الكرّة: الفعلة من الكرّ ، وهو الرجوع على العدو، والجولة الدورة.

3) في المنهاج 3 / 44 كناية عن ضرب الأعداء بالسيف بلا اتقاء ولا محاباة.

4) المصارع: مواضع الصرع للقتلى.

5) ذمّرته أذمره، أي: حثثته.

6) حاشية: الدعس: الطعن، والضرب الطلخفي: الشديد، وفي المعارج 371 يقال : دعست الوعاء: حشوته ، يعني طعن يحشو الحشى.

7) النسمة: الخلق.

8) القول بالرقم نفسه في الشرح 79/15 ، وذكر فيه (أقوال أخر في الحروب)، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 214/4 وكذا في مصدر سابق 231/3 ، وقال : هذا الكلام قاله لأصحابه في يوم من أيام صفين.

[17] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلى مُعَاوِيةَ جَوَابًا عَن كِتَابِ منه إلَيهِ

إلى مُعَاوِيةَ جَوَابًا عَن كِتَابِ منه إلَيهِ(1)

وأمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَم أكُن لِأُعْطِيَكَ اليَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أمْسِ، وأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الحَرْبَ قَد أَكَلَتِ العَرَبَ(2)إِلا حُشَاشَاتِ(3)أَنْفُسِ بَقِيَت. ألا ومَن أكَلَهُ الحَقُّ فَإِلَى النَّارِ(4)، وأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الحَرْبِ والرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكُ مِنِّي عَلَى اليَقِينِ، ولَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ.


1) إليه: ليست في النسخ المعتمدة، وذكر ابن ميثم في شرحه 4 / 216 أنه روي (أن معاوية استشار عمر بن العاص في أن يكتب إلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) كتابا يسأله فيه الشام، فضحك عمرو، وقال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي ! ألسنا بني عبد مناف ؟ قال : بلى، ولكن لهم النبوة، وإن شئت أن تكتب فاكتب)، ونقل ابن ميثم رسالة معاوية التي كتبها مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة، ولما قرأ الإمام (علیه السّلام) كتابه تعجب منه، ثم دعا عبد الله بن أبي رافع كاتبه، وقال له: (اكتب إليه: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يحبها بعض على بعض، وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد، وأما طلبك إلي الشام).

2) كذا في ع أيضًا، وسقط من م (وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا من حُشَاشات أنفُس بَقِيت، ألا من أكَلَه الحَقُّ فَإلى النار)، وليس في س، وألحق بحاشيتها بخط خشن، وكذا في ب، وكذا ألحقت بحاشية ج وكتبت بمداد أحمر.

3) كذا في ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: حُشَاشة، وفي الحاشية أيضًا: حشاش : هو ما يحشّ، وفي شرح ابن ميثم 216/4: الحشاشة بقية الروح.

4) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل: فالنار أولى به. وفي ج: ألا ومن أكله الحق فإلى الجنَّة، ومن أكله الباطل فإلى النار ، وقوله (وأما قولك... فإلى النار) ساقط من م.

وأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ، ولكِن(1)لَيْسَ : أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، ولا حَرْبٌ كَعِبْدِ الْمُطَّلِبِ، ولا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ، ولا المُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ ، ولا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ(2)، ولا المُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ، ولا المؤمِنُ كَالمُدْغِلِ، َولَبِئْسَ الخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفًا(3)هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذْلَلنَا بِهَا العَزِيزَ، ونَعَشْنَا(4)بِهَا النَّلِيلَ.

وما أَدْخَلَ اللهُ العَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا، وأَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الأَمَّةُ طَوْعًا وكَرْهًا ، كُنتُم مِمَّن دَخَلَ فِي الدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وإِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينِ فَازَ(5)«66أ» أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهم ، وذَهَبَ المُهَاجِرُونَ الأوَّلُونَ بِفَضْلِهِم، فلا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيبًا، ولا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلا(6).


1) ولكن: ليست في س، م.

2) الطليق: الأسير الذي أطلق من أسره ، والصريحالرجل الخالص النسب، واللصيق: الدَّعي الملصق بغير أبيه.

3) المدغل: الذي اشتمل باطنه على فساد كنفاق ونحوه، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون.

4) نعشنا: رفعنا.

5) كذا في ع، ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: فات، وكذا في س، م، وكذا في ج، وفي حاشيتها عن نسخة : فاز .

6) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 81/15، ونقل الشارح عن كتاب صفين (ما حدث بين علي ومعاوية يوم صفين)، وهو جدير بالمراجعة، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 216/4 ، وفي مصدر سابق.

[18] ومِن كِتَابِ لَه (علیه السّلام) إلى عبد الله بن عباس (رحمه الله علیه) ، وهو عَامِلُهُ عَلَى البَصْرَةِ

إلى عبد الله بن عباس (رحمه الله علیه)(1)، وهو عَامِلُهُ عَلَى البَصْرَةِ

اعْلَمْ(2)أَنَّ البَصْرَةَ مَهْبِطُ إبْلِيسَ(3)، ومَغْرِسُ الفِتَنِ(4)، فَحَادِثُ(5)أَهْلَهَا بِالإحْسَانِ إِلَيْهِم، واحْلُلْ عُقْدَةَ الخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِم، وقَد بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ(6)لِبَنِي تَمِيمٍ، وغِلْظَتُكَ عَلَيْهِم، وإِنَّ بَنِي تَميْمٍ لَم يَغِبْ هُم نَجْمٌ إلَّا طَلَعَ لَهُم ،آخَرُ ، وإِنَّهُم لَم يُسْبَقُوا بِوَغْم(7)فِي جَاهِلِيَّةِ ولا إسْلامِ، وإِنَّ لَهُم بِنَا رَحِمَا مَاسَّةٌ(8)، وقَرَابَةً خَاصَّةً نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا،


1) كذا في ب، ع أيضًا ، و (رحمهما الله): ليس في س م ، وفي ج: رحمه الله، وذكر ابن ميثم في شرحه 4/ 219 أن ابن عباس أضر ببني تميم بسبب موقفهم يوم الجمل، وانحياز غالبيتهم لطلحة والزبير والسيدة عائشة، فأقصاهم وتنكر عليهم، وعيرهم بالجمل، حتى كان يسميهم شيعة الجمل، وأنصار عسكر ، وهو اسم جمل عائشة، فكتب بذلك حارثة بن قدامة السعدي إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ابن عباس. وللكتاب مقدمة ذكرها ابن میثم.

2) كذا في م وفي ج، ب، ع: واعلم.

3) في المنهاج 49/3 ، أي : موضع هبوطه

4) موضع الغرس في المنهاج 49/3 ، أي: أن الفتن تبدأ منها، والشيطان ينزل بها.

5) م: فحادف. وفي حاشية الأصل: فحادث، أي: اصقل قلوبهم بالإحسان إليهم.

6) التنمر: تنكر الأخلاق وغيرها.

7) الوغم: الحقد.

8) الماسة: القريبة، وروي أنه أراد صلة القرابة التي تجمع تميم ببني هاشم بن عبد مناف بجدهم إلياس بن مضر.

ومَأزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا ؛ فَارْبَعْ(1)أبا العَبَّاسِ رَحِمَكَ اللهُ فِيمَا جَرَى عَلَى يَدِكَ ولِسَانِكَ مِن خَيْرٍ وشَرِّ ، فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ، وكُن عِندَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، ولا يَفِيلَنَّ(2)رأيي فيك، والسلام(3).

[19] كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلَى بَعْضٍ عُمَّالِهِ

أمَّا بَعْدُ، فإِنَّ دَهَاقِينَ(4)أَهْلِ بَلَدِكَ شَكُوا مِنْكَ قَسْوَةً وغِلْظَةٌ(5)، واحْتِقَارًا وجَفْوَةً، فَنَظَرْتُ فَلَم أرَهُم أَهْلًا لِأَنْ يُدْنَوا لِشِرْكِهِم، لأنْ يُقْصَوا ويُجْفَوا لِعَهْدِهِم، فالْبَسْ هُم جِلْبَابًا مِنَ اللينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ


1) مأزورون، أي: يلحق بنا الوزر وهو الإثم، وأربع، أي: توقف وتثبت.

2) يفيل: يضعف.

3) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 86/15 ، وفيه بحث بعنوان (بنو تميم وفضائلهم)، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 3/ 239 ، وذكر أن جارية بن قدامة السعدي قد كتب للإمام بذلك، ولجارية ترجمة في كتابي رجال من بقيع ثوية الكوفة، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 219/4 .

4) حاشية: الدهاقين: هم المجوس، وفي القاموس، الدهقان بالكسر والضم: زعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم، وفي شرح ابن ميثم 4/ 221 أنه لما شكوا إليه غلظة عامله فكّر في أمورهم، فلم يرهم أهلًا للإدناء الخالص لكونهم مشركين، ولا إقصائهم لكونهم معاهدين، فإن إدناءهم وإكرامهم خالصًا هضم ونقيصة في الدين، وإقصاءهم ينافي معاهدتهم، فأمره بالعدل فيهم ، ومعاملتهم باللين المشوب ببعض الشدة.

5) س، م: غِلْظَةً وقسوة.

مِنَ الشَّدَةِ، ودَاوِلُ لهُمْ(1)بَيْنَ القَسْوَةِ والرَّأفَةِ، وامْنُج لَهُم بَيْنَ التَّقْرِيبِ والإدْنَاءِ، والإِبْعَادِ والأَقْصَاءِ إِن شَاءَ الله(2).

[20] ومِن كتاب له (علیه السّلام) إلى زياد بن أبيه ، وهو خَلِيفَةُ عامله عَبْدِ اللهِ بن العباس على البصرَةِ، وعَبْدُ الله عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) يومَئِذٍ عَليها

إلى زياد بن أبيه ، وهو خَلِيفَةُ عامله(3)عَبْدِ اللهِ بن العباس على البصرَةِ(4)، وعَبْدُ الله عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) يومَئِذٍ عَليها وعَلى كُوَرِ الأَهْوَازِ وفَارِسَ وكَرْمَانَ(5)

وإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَمًا صَادِقًا لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِن فَيءِ الْمُسْلِمِينَ شَيئًا صَغِيرًا أو كَبِيرًا، لأشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الوَفْرِ ثَقِيلَ


1) في س، م، ج وحاشية الأصل عن نسخة.

2) إن شاء الله ليست في الأصل وما أثبت من س، م، ب ، ع ، ولكتاب بالرقم نفسه في الشرح 15/ 95 ، وفي شرح ابن ميثم أيضًا، وكذا في مصدر سابق 241/3، وقال عن أحد مصادره: أن العامل هو عمر بن أبي سلمة الأرحبي.

3) عامله : ليست في الأصل، وهي من س، م، ب، ج، ع.

4) الباقي من العنوان ليس في م. وفي حاشية الأصل: عبد الله بن العباس عامل أمير المؤمنين (علیه السّلام) يومئذ عليها وعلى كور الأهواز وفارس، وفي شرح ابن ميثم 222/4 أن زياد بن أبيه كان كاتبًا للمغيرة بن شعبة، ولأبي موسى، ولابن عامر، ولابن عباس، وتنظر فيه تفصيلات أخر عنه به، وله ترجمة في كتابي الموسوم بـ«الثوية بقيع الكوفة 333/201 - 334 .

5) قوله : (وعبد الله ... وغيرها) كتب في س بخط مختلف، وغيرها: ليست في الأصل، ولا في بقية النسخ.

الظَّهْرِ، ضَئِيلَ(1)الأَمْرِ ، والسَّلام(2).

[21] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إليه أَيْضًا

فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِدّا، واذْكُرْ فِي اليَوْمِ غَدًا، وأَمْسِكْ مِنَ المالِ بِقَدَرِ ضَرُورَتِكَ ، وقَدَّم الفَضْلَ لِيَوْم حَاجَتِكَ، أَتَرْجُو أَن يُؤْتِيَكَ(3)اللهُ أَجْرَ المُتَوَاضِعِينَ وأَنتَ عِنْدَهُ مِنَ المُتكَيَّرِينَ؟ وتَطْمَعُ وأنتَ مُتَمَرِّغُ(4)فِي النَّعِيمِ تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ والأَرْمَلَةَ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ المُتَصَدِّقِينَ؟ وإِنَّمَا المَرْءُ عَجْزِيٌّ بِمَا أَسَلَفَ(5)، وقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ، والسلام(6).


1) الوفر: المال، الضئيل: الحقير.

2) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 15/ 95 ، وشرح ابن ميثم 222/4 ، ومصدر سابق 242/3 ، وذكر المؤلف أول الكتاب ومناسبته.

3) في الأصل، وفي ب: يعطيك، وما أثبت حاشية في الأصل عن نسخة، وفي س، م، ج، ع.

4) التمرغ: التمعك والتقلب .

5) كذا في ب، م، ع، وفي حاشية الأصل عن نسخة: سَلَّفَ، وفي أخرى أسْلَفَ، وضبطت اللام بالتضعيف بمداد أحمر في ج؛ وفي المنهاج 51/3، أي: يجزى بما تقدم من فعاله، إن خيرًا فخيرًا ، وإن شرا فشرا.

6) الكتاب بالرقم نفسه في الشرح 69/15 ، وفيه حديث عن قبح زياد وابنه عبيد الله، وما فعلاه، وكذا بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 222/4 ، ومصدر سابق 243/3، وذكر أوله ومناسبته.

[22] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى عبد الله بن العباس (رحمه الله علیه)

إلى عبد الله بن العباس (رحمه الله علیه)(1)

وكان يقول عبد الله(2): مَا اسْتَفَعْتُ بِكلامِ بَعْدَ كَلامِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كانتِفَاعِي بهذا الكلام

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ المَرْءَ يَسُرُّهُ دَرَكُ مَا لَم يَكُن لِيَفُوتَهُ، ويَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَم يَكُن لِيُدرِكَهُ(3)، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بمَا يَلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُن أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا . ومَا يَلْتَ مِن دُنْيَاكَ فلا تُكْثِرُ بِهِ فَرَحًا ، ومَا فَاتَكَ(4)مِنْهَا فَلا تَأْسَ(5)عَلَيهِ جَزَعًا، ولْيَكُن هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ المَوْتِ(6).


1) العنوان في س، م (ومن كتاب له إلى ابن عباس، وكان ابن عباس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتفاعي بهذا الكلام)، ب: رحمه الله .

2) عبد الله: ليس في س، وفي ج: ابن عباس.

3) الدرك: اللحوق.

4) س: فات.

5) لا تأس: لا تحزن.

6) بعدها في ج: والسلام، وفي حاشية الأصل: «بلغت القراءة على المولى السيد الإمام إلى هاهنا والله الحمد»، والكتاب بالرقم نفسه في الشرح 96/15 - 97 ، وكذا في شرح ابن ميثم 223/4 ، وفي مصدر سابق 3/ 245 .

[23] ومِن كَلامِ له (علیه السّلام) قَالَهُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ لَمَّا ضَرَبَهُ ابنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الوَصِيَّةِ

قَالَهُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ لَمَّا ضَرَبَهُ ابنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللهُ(1)عَلَى سَبِيلِ الوَصِيَّةِ(2)

وَصِيَّتِي لَكُم أَلَّا تُشْرِكُوا بِالله(3)شَيئًا، ومُحَمَّدٌ لله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَلا تُضَيّعُوا علي سُتَتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ العَمُودَيْنِ وخَلاكُم ذَمُّ، أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُم، واليَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُم، وغَدًا مُفَارِقُكُم.

إِن أَبْقَ فَأَنَا وَليَّ دَمِي(4) وإن أَفْنَ فالفَنَاهُ مِيعَادِي، وَإِنْ أعْفُ فالعَفْو لي قُرْبَةٌ، وهُوَ لَكُم حَسَنَةٌ(5)، فاعْفُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(6). واللهِ مَا فَجِتَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، ولا طَالِعُ أَنْكَرْتُهُ، ومَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ(7) وَرَدَ ، وطَالِبٍ وَجَدَ. وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار(8).


1) لعنة الله عليه: ليست في بو وعبد الرحمن بن ملجم من مراد، وعداده في كندة، وينظر في شرح النهج 114/6 بيعته أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وموقفه منها، ما دبره اللعين لقتل أمير المؤمنين، وقصة زواجه من قطام التميمية التي قتل أمير المؤمنين (علیه السّلام) في معركة النهروان أباها وأخاها، وله ترجمة مطولة في كتابي الموسوم بالثوية بقيع الكوفة 2 / 85 - 92 .

2) في س، م (قبيل موته على سبيل الوصية).

3) في الأصل: به، وما أثبت في س، م، ب.

4) في حاشية الأصل عن نسخة: أولى بِدَمِي.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: حِسْبَةٌ.

6) النور 22/24 .

7) حاشية : كقارب، أي: طالب الماء وبينه وبين الماء لليلة.

8) آل عمران 198/3 .

وقَد(1)مَضَى بَعْضُ هَذَا الكَلامِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخُطَبِ إِلَّا أَنَّ فِيهِهَاهُنَا زِيَادَةً أَو جُبَتْ تَكْرِيرَهُ(2).

[24] ومِن وَصِيَّةٍ لهُ (علیه السّلام) بِمَا يُعْمَلُ فِي أَمْوَالِهِ كَتَبَهَا بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِن صِفِّين

هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ ابْتِغَاءَ وجهِ اللهِ لِيُو لجني(3)بِهِ الجنَّة، ويُعْطِيَنِي الأَمَنَةَ(4).

مِنْهَا: وإِنَّهُ(5)يَقُومُ بِذلِكَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ، يَأْكُلُ مِنهُ بالمَعْرُوفِ، ويُنْفِقُ مِنهُ فِي الْمَعْرُوفِ، فَإِن حَدَثَ لِحَسَنِ حَدَثٌ وحُسَيْنُ حَيٌّ قَامَ بالأمْرِ بَعْدَهُ، وأصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ(6).

وإنَّ لابْنَي فَاطِمَةَ مِن صَدَقَةِ عَلِيٌّ مثلَ الذِي لِبَنِي عَلى. وإنِّي إنَّما


1) قبلها في س: قال الرّضي وكتبها الناسخ بمداد أحمر، وليس في م، ج، ب، ع.

2) الكلام بالرقم نفسه في الشرح 15/ 98 ، وكذا في شرح ابن ميثم 224/4، وذكر أن هذا الفصل كتبه في بعض أيام مرضه قبل موته (علیه السّلام) وبالرقم نفسه في مصدر سابق 246/3 ، وذكر أنه تابع للخطبة رقم (147) ، وهي برقم (149) في هذه الطبعة.

3) في حاشية الأصل عن نسخة: ليوجه الجنة وليعطيه، وهو الأنسب بحسب السياق.

4) حاشية س عن نسخة: الأمنية.

5) ب: فإنه .

6) حاشية : مصدره : الهاء للحسن (علیه السّلام)، أي : قضى الأمر كما كان يقضيه الحسن (علیه السّلام).

جَعَلْتُ القِيَامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَي(1)فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَقُرْبةٌ إِلَى رَسُولِهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتَكْرِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفًا لِوُصْلَتِهِ.

ويَشْتَرِطُ عَلَى الذِي يَجْعَلُهُ إِلَيهِ أن يَتْرُكَ المَالَ عَلى أَصُولِهِ، ويُنْفِقَ مِن ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ، وهُدِيَ لَهُ، وأَلَّا يَبِيعَ مِن أَوْلادِ نَخِيْلِ هَذِهِ القُرَى وَدِيَّةٌ(2)حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاسًا .

ومَن كَانَ مِن إِمَائِي اللاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَهَا وَلَدٌ(3)، أو هِيَ حَامِلٌ فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا ، وهِيَ مِن حَظَّهِ، فَإِن مَاتَ ولَدُهَا وهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَد أَفْرَجَ عَنْهَا الرَّقُّ، وَحَرَّرهَا العِتْقُ.

قَوْلُهُ (علیه السّلام) في هذهِ الوصِيَّةِ(4): (وأَلَّا يَبِيعَ مِن نَخْلِهَا وَدِيَّةٌ) فَإِنَّ الودِيَّةَ(5)الفَسِيْلَةُ ، وجَمْعُهَا وَدِي. وقَوْلُهُ (علیه السّلام): (حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا ليلا غِرَاسًا) فَهُو(6)مِن أفْصَحِ الكَلامِ، والمُرَادُ بِهِ أَنَّ الأَرْضَ يَكْثُرُ فِيهَا غِرَاسُ(7)النَّخْلِ، حَتَّى يَرَاهَا النَّاظِرُ عَلَى غَيْرِ(8)الصِّفَةِ التِي عَرَفَهَا بِهَا،


1) ب: لابني.

2) حاشية: صغار النخل من نخيل هذه.. والودية في القاموس : صغار الفسيل.

3) في المنهاج 52/ 3 ، كناية عن الوطء، وحررها: أعتقها

4) في هذه الوصية: ليس في س. وبدء التعليق في م: قوله : (حتى..غيرها).

5) س: فالودية الفسيلة.

6) س: هو .

7) في حاشية الأصل عن نسخة: غَرَائس، وكذا في س.

8) بعدها في ج، م، ب: تلك.

فَيُشْكِلُ عَلَيهِ(1)أَمْرُهَا، وَيَحْسَبُهَا غَيْرَهَا(2).

[25] ومِن وَصِيَّةٍ لهُ (علیه السّلام) كَانَ يَكْتُبُهَا لِمَن يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ

كَانَ يَكْتُبُهَا لِمَن يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ وإِنَّمَا ذكرنَا مِنْهَا جُمَلًا هَاهُنَا لِيُعْلَمَ بِهَا أَنَّهُ (علیه السّلام) كَانَ يُقِيمُ عِمَادَ الحَقَّ ، ويَشْرَعُ أَمْثِلَةَ العَدْلِ فِي صَغِيرِ الْأُمُورِ وكَبيرِهَا ودَقِيقِهَا وجَلِيلِهَا(3)

انْطَلِقُ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، ولا تُرَوِّعَنَّ(4)مُسْلِمًا،

ولا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهَا ، ولا تَأخُذَنَّ مِنهُ أكْثَرَ مِن حَقٌّ الله في مالِهِ، فَإذا قَدِمْتَ عَلَى الحَيِّ فَانْزِلَ بِمَائِهِم مِن غَيْرِ أَن تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُم، ثُمَّ امْضِ


1) في الأصل: عليها، وما أثبت من النسخ.

2) الوصية بالرقم نفسه في الشرح 15 / 100 - 101 ، وفيه إشارة إلى أن (عمر أصدق أم كلثوم أربعين ألف درهم، ولا أظنه أصاب، وإن ذكرت رواية الصداق في غير مصدر ؛ وذكر ابن ميثم في شرحه 4 / 226 الآتي: (رويت هذه الوصية بروايات مختلفة بالزيادة والنقصان، وقد حذف السيد منها فصولا) ثم أوردها برواية قال عنها: يغلب على الظن صدقها، وهي: عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: بعث إلي بهذه الوصية أبو إبراهيم (علیه السّلام)) ثم ذكر الرواية، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 3/ 250 - 251، وقد ذكر المؤلف الوصية كاملة.

3) تعليق الرضي ألحق في حاشية س بخط مختلف، وليس في م.

4) في الحاشية عن نسخة : ترَوّعَنَّ، وعن أخرى تَرُوعَنَّ ، وفي س: تَرُوعَنَّ، وروعه عند ابن ميثم: أفزعه.

إِلَيْهِم بِالسَّكِينةِ والوَقَارِ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُم فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِم، ولا تُخْدِج(1)التَّحِيَّةَ لَهُم، ثُمَّ تَقُول: عِبَادَ اللهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُم وَلِيُّ اللَّهِ وخَلِيفَتُهُ «67 أ»، لأخُذَ مِنْكُم حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُم، فَهَل اللهِ فِي أَمْوَالِكُم مِن حَقٌّ فَتُؤدُّوه إِلَى وَلِيَّهِ ؟ فَإِن قَالَ قَائِلٌ : لا ؛ فلا تُرَاجِعْهُ ، وإِن أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ(2)فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أنْ تُخِيفَهُ، أو تُوعِدَهُ، أو تَعْسِفَهُ(3)، أو تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أعْطَاكَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فَإِن(4)كَانت لَهُ مَاشِيةٌ، أو إبل فلا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَه ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فلا تَدْخُلْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّط عَلَيْهِ، ولا عَنِيْفٍ بِهِ، ولا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً، ولا تُفْزِعَنَّهَا، ولا تَسُوأَنَّ صَاحِبَهَا فيها ، واصْدَعِ اللَمَالَ صَدْعَينِ(5)، ثُمَّ خَيَّرْهُ، فَإِذا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لَمَا اخْتَارَ، ثُمَّ اصْدَعِ البَاقِي صدْعَيْنِ ثُمَّ خَيَّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لمَا اخْتَارَ ، فلا تَزَالُ بِذلِكَ(6)حَتَّى يَبْقَى مَا فيه وفَاءٌ لِحِقُ اللهِ فِي مَالِهِ،


1) في حاشية الأصل عن نسخة: بالتحية، وفي ج: ولا تُخدِج بالتحية، وكذا في س وفي الحاشية أيضًا : لا تخدج لا تنقض، وفي الحاشية أيضًا: خدجت الناقة: ألقت ولدها، و به سمى الرجل خديجا، ولاسم: الخداج، وأخدجها؟ غيرها، إذا ألقت ولدها..، وفي القاموس: الخداج: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام، والفعل: كنصر وضرب، وهي خادج، والولد: خديج، وفي شرح ابن ميثم 4/ 229: ولا تخدج التحية، أي لا 229/4: تنقضها، وروي: يخدج التحية من أخدجت السحابة إذا قل مطرها.

2) أنعم له، أي: قال: نعم.

3) حاشية: العسف: الأخذ على غير الطريق، ثم يقال للظلم عسف.

4) س: وإن .

5) صدعت المال صدعين: قسمته قسمين

6) حاشية الأصل عن نسخة: كذلك.

فاقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنه، فَإِن اسْتَقَالكَ فَأَقِلْهُ، ثمَّ اخْلِطْهُما(1)، ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الذِي صَنَعْتَ أَوَّلا، حَتَّى تَأخُذَ حَقَّ الله في مَالِهِ. ولا تَأْخُذَنَّ عَوْدًا(2)، ولا هَرِمَةً ، ولا مَكْسُورَةً، ولا مَهْلُوسَةً، ولا ذَاتَ عُوَار(3).

ولا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَن تَيْقُ بِدِينِهِ، رَافِقًا بِمالِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى وَلِيّهِم فَيُقَسْمَهُ بَيْنَهُم، ولا تُوكِلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحًا شَفِيقًا، وأمِينًا حَفِيظًا، غَيْرَ مُعَنْفٍ ولا تُجْحِفٍ(4)، ولا مُلْعِبٍ(5)، ولا مُنْعِبٍ .

ثُمَّ احْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَيّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَإِذَا أخَذَهَا أَمِيْنُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلّا يَحُولَ بَينَ نَاقَةٍ وبَينَ فَصِيلِهَا(6)، ولا يَمْصُرَ(7)لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بوَلَدِهَا ، ولا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوبًا، ولْيَعْدِلُ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وبَيْنَهَا ، ولْيُرَفِّهُ عَلَى اللاغِبِ(8)، ولْيَسْتَأْنِ(9)


1) حاشية الأصل عن نسخة: اخلطها، وكذا في س.

2) حاشية : العود: المسن من الإبل، وهو الذي جاوز البازل سنة، والهلاس: السل، وقد هلسه المرض.

3) حاشية: العوار بالضم والفتح: العيب.

4) حاشية: أجحف به، أي: ذهب به، والمجحف في شرح ابن ميثم 229/4: الذي يسوق المال سوقاً عنيفا يذهب بلحمه.

5) الملغب: المتعب.

6) في المنهاج 59/3 ، أي: أمر من جعلته راعيها ألا يحول، أي: لا يمنع بين ناقة وولدها، وقال: وبخط الرضي: وبين فصيلها، والأحسن أن يقال: المال بين زيد وعمر، ولا يعاد بين ثانيًا إذا كان الاسم الأول مظهرًا، وإذا كان أحدهما مضمرًا فلابد من تكراره.

7) حاشية: يمصر، مصرت الشاء، إذا حلبت جميع ما كان في ضرعها عن ابن السكيت.

8) اللغوب: الإعياء.

9) ب: ويستأن، واستأن، أي: رفق.

بِالنَّقِبِ(1)والظَّالِع، ولْيُورِدُهَا مَا تَمَرُّ بِهِ مِنَ الغُدُرِ، ولا يَعْدِلُ بِهَا عَن نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادٌ الطَّرُقِ، ولْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وليُمْهِلْهَا عِنْدَ النَّطَافِ(2)والأَعْشَابِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِهَا(3)بِإِذنِ اللهِ بُدَّنا(4)مُنْقِيَاتٍ صلى الله غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ، ولا تَجُهُودَاتٍ لِنُقَسِّمَهَا عَلَى كِتَابِ الله وسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأجْرِكَ ، وأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِن شَاءَ الله(5).

[26] ومِن عهد لَهُ (علیه السّلام) إلى بَعْضٍ عُمَّالِهِ وقَد بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ

*[26] ومِن عهد(6)له (علیه السّلام)

إلى بَعْضٍ عُمَّالِهِ وقَد بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ(7)

أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سَرَائِرِ أَمُورِهِ(8)، وخَفِيَّاتِ أَعْمَالِهِ(9)، حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلا وَكِيلَ دُونَهُ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِن طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا


1) حاشية : نَقِبَ البعير: رقت أجفانه.

2) النطاف: المياه القليلة.

3) في الأصل: تأتينا بها، وما أثبت في ع، ب، وفي ج، م: تأتينا، وبها ليست فيهما.

4) حاشية: البدن: جمع بادن، وهو السمين والمنقية: ذات النقي، وهو المخ، وفي شرح ابن ميثم 229/4 مخ العضام وشحم العين، والنق: كل عظم ذي مخ.

5) الوصية بالرقم نفسه في الشرح 15 / 103 - 104 ، وشرح ابن ميثم 228/4 ، وكذا في مصدر سابق 254/3 ، وذكر المؤلف سندها.

6) في الأصل: كتاب، وما أثبت في س، م، ب، ج.

7) العنوان في س: (ومن عهد له (علیه السّلام) في مثله إلى بعض عماله، وقد بعثه على الصدقة)، والظاهر أن الزيادة عن نسخة. والعنوان في م: (ومن عهد له في مثله).

8) كذا في ب، ع أيضًا وفي س، م، ج: أمره ، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة.

9) كذا في ب ، ع أيضًا وفي س، م، ج: عمله.

ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ ، ومَن لَم يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ، وفِعْلُهُ ومَقَالَتُهُ فَقَد أدّى الأمَانَةَ واخْلَصَ العِبَادَةَ.

وأمَرَهُ أَلَّا يَجْبَهَهُم ، ولا يَعْضَهَهُمْ(1)، ولا يَرْغَبَ عَنْهُم تَفَضُّلا(2)بالإِمَارَةِ عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم الإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، والأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الحُقُوقِ.

وإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيبًا مَفْرُوضًا، وحَقًّا مَعْلُومًا، وشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وإِنَّا مُوفُوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِم حُقُوقَهُم، وإِلَّا فَإِنَّكَ مِن أَكْثَرِ النَّاسِ(3)يَومَ القِيَامَةِ خُصُومًا ، وبُوْسًا لَن خَصْمُهُ عِندَ اللهِ الفُقَرَاءُ والمَسَاكِينُ والسَّائِلُونَ والمَدْفُوعُونَ والغَارمُ(4)وابنُ السَّبِيلِ(5). و مَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ «67 ب»(6)ورَتَعَ في الخِيَانَةِ، ولَم يُنَزِّه نَفْسَهُ ودِيْنَهُ عَنْهَا ، فَقَد أَحَلَّ نَفْسَهُ(7)فِي الدُّنْيَا(8)، وهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وأَخْزَى،


1) جبهته بالمكروه: استقبلته به.

2) ضبطها في الأصل وفي ب بفتح الضاد وكسرها وبفتحها في س، ج، م، ع، وعضهته عضها: رميته بالبهتان والكذب.

3) حاشية: التفضل عليهم: التكبر بسبب الإمارة، ولا يتطاول عليهم غير معتديهم، والحاشية في المنهاج 60/3 .

4) تقدمت كلمة خُصُومًا في س، م، ج.

5) الغارم: المتكفّل.

6) ابن السبيل: المسافر المنقطع الذي يريد الرجوع إلى بلده.

7) س م ، ع: بنفسه. وفي حاشية الأصل: أحل نفسه، أي: أذل، يعني أباح نفسه.

8) كذا في ب أيضًا، وبعدها في س، ج، م: الخزي.

وإِنَّ أَعْظَمَ الخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ، وأفظع(1)الغِشْ غِضُّ الأَئِمَّةِ ، والسَّلام(2).

[27] ومِن عَهْدِهِ (علیه السّلام) إلَى مُحَمَّدِ بن أبي بَكْرِ (رحمه الله علیه) لَمَّا قَلَّدَهُ مِصْرَ

إلَى مُحَمَّدِ بن أبي بَكْرِ (رحمه الله علیه)(3)لَمَّا قَلَّدَهُ مِصْرَ

فاخْفِضْهُم جَنَاحَكَ، وألِنْ هُم جَانِبَكَ(4)، وابْسُط هُم وَجْهَكَ، و آس(5)بَيْنَهُم في اللحْظَةِ والنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ العُظَمَاءُ فِي حَيْفكَ لهُم(6)، ولا يَبْأسَ الضُّعَفَاءُ مِن عَدْلِكَ عَلَيْهِم(7)، وإِنَّ الله(8)يُسَائِلُكُم(9)


1) في الأصل: أقطع، وما أثبت من س، والفظع: الشدّة.

2) العهد بالرقم نفسه في الشرح 15 / 107 - 108 ، وشرح ابن ميثم 231/4 ، ومصدر سابق 259/3 ، وذكر أن العامل هو محنف بن سليم الأزدي (رضی الله عنه). وهو من الصحابة، ومن خيار صحابة الإمام علي ومن خواصه، ومن قادة جيشه في معركتي الجمل وصفين، ومن ولده الإخباري أبو مخنف، وله ترجمة في كتابي الثوية بقيع الكوفة 1/ 154 - 156.

3) رحمه الله من س، م، ج، حين، ب، ع، وذكر ابن ميثم في شرحه 234/4 أن هذا الفصل من العهدد ملتقط من كلام طويل، وقلده الأمر: جعله كالقلادة.

4) خفض الجناح: أصله أن الطائر يمد جناحيه ويخفضهما ليجمع فراخه تحتها إيهامًا للشفقة عليها، وإلانة الجانب: كناية عن الرفق في الأقوال والأفعال، وعدم الغلظة عليهم.

5) حاشية: قوله: آس بينهم أي: اجعلهم يأتسي بعضهم ببعض.

6) لهم: ليست في س، م.

7) عليهم: ليست في م، وحذفها في ج.

8) بعدها في س، م :تعالى .

9) ب: ليسائلكم.

مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِن أَعْمَالِكُم والكَبِيرَةِ، والظَّاهِرَةِ والمَسْئُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَانْتُم أظْلَمُ، وإن يَعْفُ(1)فَهُوَ أكْرَمُ.

واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدَّنْيَا فِي دُنْيَاهُم ، ولَم يُشَارِكَهُم أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِم . سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا(2)مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وأخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الجَبَابرة(3)المتكَبِّرُونَ، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بالزَّادِ المبلغ، والمتجرِ المُربح(4)، أصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُم، وتَيَقَّنُوا أَنَّهُم جِيرَانُ اللهِ غَدًا فِي آخِرَتِهِم، لا تُرَدُّ(5)ثم دَعْوَةٌ، ولا يُنْقَصُ هُم نَصِيبٌ مِن لَذَّةٍ.

فاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ الَمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرِ عَظِيمٍ، وخَطْبٍ جَلِيْلٍ، بِخَيْرِ لا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أبَدًا، أو شَرِّ لا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَدًا، فَمَن أَقْرَبُ إلَى الجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! ومَن أقْرَبُ إلَى النَّارِ مِن عَامِلِهَا! وَأَنْتُم(6)طُرَدَاءُ المَوْتِ، إِن أَقَمْتُم لَه أَخَذَكُم، وإِن فَرَرْتُم مِنْهُ أَدْرَكَكُم، وهُوَ أَلْزَمُ لَكُم مِن ظِلُّكُم.


1) ب: يغفر .

2) حظي من كذا، أي صار له حظوة وهي المنزلة والحظ الوافر.

3) بالنصب في الأصل، وهو سهو، والجبار: البالغ في التكبر.

4) كذا في ب، ع ، وفي ج، م، س : الرابح، وفي حاشيتها عن نسخة: المربح.

5) ب: لا يردُّ.

6) ب، ع: وإنَّكُم، والطرداء : جمع طريدة، وهو ما يطرد من الصيد.

المَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُم، والدُّنْيَا تُطْوَى مِن خَلْفِكُم(1)، فاحْذَرُوا نَارًا قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وحَرُّهَا شَدِيدٌ ، وعَذَابُهَا جَدِيدٌ. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، ولا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، ولا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ، وإِن اسْتَطَعْتُم أَن يَشْتَدَّ خَوْفُكُم مِنَ اللهِ، وأن يَحْسُنَ ظَنُّكُم بِهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ العَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِن رَبِّهِ، وإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللَّهِ أَشَدُّهُم خَوْفًا اللَّهِ.

واعْلَم يَا محمَّدُ بنَ أَبِي بَكْرٍ، أَنِّي قَد ولَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنتَ مَحقُوقُ أن تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وأن تُنَافِحَ(2)عَن دِينِكَ، ولَو لَم يَكُن لَكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ.

ولا تُسْخِطِ اللهَ برِضًا أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ، فَإِن فِي اللهِ خَلَفًا مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ مِنَ اللهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ. صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا المُوَكَّتِ لَهَا، ولا تُعَجِّل وَقْتَهَا لِفَرَاغِ، ولا تُؤَخِّرْهَا عَن وَقْتِهَا(3)لاشْتِغَالِ، وَاعْلَم أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عَمَلِكَ تَبَعُ لِصَلاتِكَ.

ومِن هَذَا العَهْد(4): فَإِنَّهُ لا سَوَاءٌ إِمَامُ اهْدَى وَإِمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ


1) س، م: تطوى خَلْفَكُم، والخلف: العوض.

2) حاشية : نافحت عنه، أي: خاصمت عنه.

3) بالنصب في الأصل، وهو فوت قلم ، وقال ابن ميثم في شرحه 4 / 238 : إن الإمام (علیه السّلام) ذكر أمر الصلاة بكلام طويل لم يذكره الرضي، وذكره، وذكر غيره من هذا العهد.

4) كذا في ب، ع ، وحاشية س أيضًا، وفي، م، ج، س: ومنه .

النَّبِيِّ وعَدُوُّ النَّبِيِّ، ولَقَد قَالَ لي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنّي لا أخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِنًا وَلا مُشْرِكَا؛ أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللهُ بِإِيمَانِه، وأمَّا المُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ، ولَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم كُلَّ مُنَافِقِ الجَنَانِ عَالِمِ اللَّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ «68 أ»، ويَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ»(1).

[28] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلى معاويةَ جَوابًا ، وهو مِن مَحَاسِنِ الكُتُبِ

أمَّا بَعْدُ، فَقَد أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وسَلَّمَ لِدِينِهِ، وتَأْعِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِن أَصْحَابِهِ، فَلَقَد خبأ(2)لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَبًا؛ إذْ طَفِقْتَ(3)تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ اللَّهِ عِندَنَا، ونِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِل التَّمْرِ إِلَى هَجَرٍ(4)، أو


1) العهد بالرقم نفسه في الشرح 15 / 111 - 114 ، وشرح ابن ميثم 233/4، وقال: وهذا العهد ملتقط من كلام طويل، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 3/ 261 ، وينظر تعقيب المؤلف عليه.

2) خبأت الشيء: سترته.

3) طفق : أخذ وجعل .

4) حاشية: هجر : اسم بلدة مذكر مصروف، والنسبة إليه هاجري على خلاف القياس، ومن ذلك قولهم : بناء هاجري ، وفي معجم البلدان اسم لغير ناحية، أشهرها التي في البحرين، ونقل عن ابن الأنباري : الغالب عليه التذكير والصرف، وربما أنثوها ولم يصرفوها، وري في المعارج 372 أن رجلًا قصد البصرة للتجارة فاشترى منها تمرًا يبيعه بمدينة هجر، وهي كثيرة التمر، فأتلف ماله وفسد التمر الذي اشتراه في بيوته.

دَاعِي مُسَدَّدِهِ(1)إِلَى النِّضَالِ(2)، وزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الإِسْلامِ فلانٌ وفُلانٌ، فَذَكَرْتَ أمْرًا إِن تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِن نَقَصَ لَم يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ(3)، وما أنتَ والفَاضِلَ والمَفْضُول، والسَّائِسَ والمَسُوسَ ومَا للطُّلَقَاءِ(4)وأَبْنَاءِ الطَّلَقَاءِ َوالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِم ، وتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِم هَيْهَاتَ لَقَد «حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا»(5)، وطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَن عَلَيْهِ الحُكْمُ لَهَا.

أَلا تَرْبَعُ(6)أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ ، وتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ(7)، وتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخْرَكَ القَدَرُ، فما عَلَيْكَ غَلَبَةُ المَغْلُوبِ، وَلَا لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ، وإِنَّكَ(8)لَذَهَابٌ فِي التَّيْهِ ورَوَّاغٌ(9)عَنِ القَصْدِ، ألا تَرَى(10)


1) المسدد: الذي يقوم غيره لأمر ويهديه إليه.

2) في المنهاج 71/3 ، النضال: المراماة، يقال: ناضلت فلانًا، أي: غلبته بالمناضلة .

3) الثلم : الكسر .

4) الطليق: من أطلق بعد الأسر.

5) في المعارج 373: مثل يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس منها، أو يباهي بما ليس فيه.

6) حاشية : يقال : أربع على ظلعك، أي: كفه، ولا تحمل على نفسك ما لا تطيق، وكأنه من أربع الحجر إذا رفعه، والمعنى ارفع بقدر ما تقدر عليه مع طلعك وغمزك، ويقال: ربع، أي: وقف وتحبَّس، وأربع على ظلعك، أي: أنك طالع فاحتبس وكفّ، وقال في المعارج 373: أربع على ضلعك : مثل، أي: ارفق بنفسك.

7) حاشية: يقال : أبطرته ذَرعه، أي: كلفته ما لم يطقه، وأصل الذرع: بسط اليد، فإذا قلت: ضقت به ذرعًا، أي: بسطت يدي إليه فلم تنله.

8) في الأصل: فإنك ، وكذا في ب، ع، وما أثبت في م، ج.

9) التيه: الضلال والتحير في المفاوز ، والروّاغ: كثير الميل عن القصد.

10) حاشية (علیه السّلام): قوله : ألا ترى أن قوما ، وأنا لا أخبرك بذلك، بل أحدث بنعمة الله.

غَيْرَ مُخَيْرِ لَكَ، لكن بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ(1)اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، ولِكُلِّ فَضْل.

حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وخَصَّهُ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(2)بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ، أو لا تَرَى أَنَّ قَوْمًا قُطِعَتْ أَيْدِيهِم فِي سَبِيلِ اللهِ، - ولِكُلِّ فَضْلُ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنا كَمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِم، قِيلَ : الطَّيَّارُ فِي الجَنَّةِ، وذُو الْجَنَاحَيْنِ، ولَولا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ المَرءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةٌ تَعْرفُهَا(3)قُلُوبُ المؤمنينَ، ولا تَ ُجهَا(4)آذَانُ السَّامِعِينَ. فَدَعْ عَنْكَ(5)مَن مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ(6)رَبَّنَا، والنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا.

لَم يَمْنَعْنَا قَدِيْمُ عِزّنَا، وعَادِيٌّ طَوْلِنَا(7)عَلَى قَوْمِكَ أَن خَلَطْنَاكُم بأَنْفُسِنَا، فَنَكَحْنَا وأَنْكَحْنَا فِعْلَ الأكْفَاءِ، وَلَسْتُم هُنَاكَ(8)، وأَنَّى يَكُونُ


1) (من المهاجرين): تأخرت في س، م، ب، ج، ع بعد (في سبيل الله) .

2) صلى الله عليه وآله، ليست في الأصل، ولا في ج، وأثبتت من ب، ع، وفي س، م، بإسقاط الآل.

3) في الأصل: يعرفُها، وما أثبِتَ في س، م، ب، ج، ع.

4) المجّة: الكثيرة، ومج الماء من فيه: ألقاه.

5) حاشية: دع عنك، أي اترك وماضيه فمالت والرمية اسم للصيد، والهاء فيه؟ للتخصيص، وليس من رميت فهي مرمية، كأنه يقول (علیه السّلام): دع عنك من مال إلى الصيد، ومالت به الرمية، أي: أمالته، وهو مثل في المعارج 373.

6) حاشية : الصنعة: الحسنة، والصَّنعة: المحسن إليه، كأنه صاحب الصنعة.

7) في المعارج 373 ، أي قديم فضلنا.

8) في الأصل: هنالك، وما أثبت في ج، ب، م، ع.

ذَلِكَ كذلِكَ ومِنَّا النَّبِيُّ ، ومِنْكُم المُكَذِّبُ، ومِنَّا أسَدُ الله، ومِنْكُم أسَدُ الأخلافِ(1)، ومِنَّا سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، ومِنْكُم صِبْيَةُ النَّارِ، ومِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَمِنْكُم حَمَّالَةُ الخَطَبِ(2)فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُم، فَإِسْلامُنَا قَد سُمِعَ ، وجَاهِلِيَّتُنَا(3)لا تُدْفَعُ، وكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا ما شَدَّ(4)عَنَّا، وهُو قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كتب الله(5)، وقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(6)، فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بالقَرَابَةِ، وتَارَةً أولى بالطَّاعَةِ(7).

ولَمَّا احْتَج المُهَاجِرُونَ عَلَى الأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَ بِرَسُولِ اللهِ(8)


1) في حاشية ج: (هو عتبة بن أبي ربيعة، وذلك قال : أنا أسد الحلفاء.. قال حمزة: أنا أسد الله..) وفي حاشية الأصل: ومنكم أسد الأحلاف، هذه إشارة إلى حلف المطيبين، وهم عبد مناف وزهرة وأسد بن عبد العزى...

2) هي أم جميل أخت أبي سفيان وعمّة معاوية.

3) ع: جاهليتكم، جاهليتنا لا تدفع: إشارة إلى مجد جدهم هاشم.

4) في الأصل: لما شذ، والمثبت في س، م، ع.

5) الأنفال 75/8.

6) آل عمران 3/ 68 .

7) حاشية : يقول (علیه السّلام): إن كانت القربة بالقرابة، فنحن أولى، وإن كانت بالطاعة الله تعالى ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) فنحن أطوع الجميع.

8) يقول (علیه السّلام): إذا كانت القربى : فنحن أولى وإن كانت الله تعالى ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) فنحن أطوع، وقد مرّت.

فَلَجُوا عَلَيْهِم، فَإِن يَكُن الفُلْجُ(1)بِهِ فَالحَقُ لَنَا دُونَكُم، وَإِن يَكُن بِغَيْرِهِ فالأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُم.

وزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وعَلَى كُلِّهِم بَغَيْتُ، فَإِن يَكُن ذلِكَ كَذَلكَ، فَلَيْسَ الجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ العُذْرُ إِلَيكَ.

وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ «68 ب» عَارُهَا(2)

وقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الجَمَلُ المَخْشُوشُ(3)حَتَّى أُبايع، ولَعَمرُ اللهِ لَقَد أَرَدْتَ أن تَدمَّ فَمَدَحْتَ، وأن تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ، ومَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِن غَضَاضَة(4)فِي أَن يَكُونَ مَظْلُومًا مَا لَم يَكُن شَاكًا في دِينِهِ، ولا مُرْتَابًا بِيَقِينِهِ، وهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، ولكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ(5)مِنْ ذِكْرِها .


1) في ب، ج : الفَلَجُ..، وفي حاشية الأصل: الفلج به الهاء ضمير المهاجر، يقول (علیه السّلام): إن كان الفلج والظفر بالمهاجرة فنحن المهاجرون؛ لأنه وإن يكن الفضل والظفر بغير الهجرة، فالأنصار دعواهم؛ لأنهم كانوا يقولون منا أمير ومنكم أمير. وإن يكن الضمير للرسول (علیه السّلام) وهو الأقوى فيكون المعنى أن الفضل بقربة النبي (علیه السّلام)، وإنك يا معاوية بعيد عن ذلك،

2) في الحاشية ، أي زائل، والمصراع.. من البيت، وهو لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره: وعيرها الواشون أني أحبها، ومنه قول الله تعالى «واتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُم ظِهْرِيَّا» هود 92، أي وفي المنهاج 79/3 صدره: وعيرها الواشون أني أحبها، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي.

3) المخشوش : الذي جعل في أنفه خشاش، هو خشبة تدخل في أنف البعير ليقاد بها.

4) الغضاضة: الذلة والمنقصة.

5) سنح: اعترض.

ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِن أَمْرِي وأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَن تُجَابَ عَن هَذِهِ لِرَحِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أعْدَى(1)لَهُ وأهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ؟، أمَنْ بَذَلَ لَه نُصْرَتَهُ فاسْتَقْعَدَهُ(2)واسْتَكَفَّهُ، أم من اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاحَى عَنْهُ، وبَثَّ المنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ؟ كَلَّا والله لقد عَلِمَ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ (3منكر والقابِلِينَ لِلإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا)(4).

ومَا كُنْتُ أَعْتَذِرُ(5)مِن أنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ(6)عَلَيْهِ أَحْدَانًا، فَإِن كَانَالذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ(7)، فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَه(8).

وقَد يَسْتَفِيدُ الظَّنَّة(9)المتَنصُحُ

ومَا أَرَدْتُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ(10).


1) أعدى: أشدّ عدوانًا.

2) حاشية : فاستقعده : بعث علي (علیه السّلام) إلى عثمان ، وعرض عليه نصرته، فقال: لا أحتاج إلى نصرتك فاقعد عني، وكف عنِّي شرك .

3) المعوقين: المثبطين.

4) الأحزاب 18/33.

5) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ج: لأعتذر.

6) حاشية: أنقم: أنكر لا أعتذر.

7) له: ليست في الأصل، وهي من س، ب، م.

8) في المعارج 374: لا عذر له، وأظنه من أخطاء الطبع وهو كثير في الكتاب، وذكر أن الأحنف سمع يقول: بئس الطعام التمر والأقط، فقال: ربّ.. وقد ذكرت مدى تأثر الأحنف بحكم الإمام في كتابي عنه.

9) حاشية: الظنة: التهمة، والمتنصح: المبالغ في النصيحة، وهو في المعارج 375 عجز بيت صدره: وكم سقت في آثاركم من نصيحة .

10) هود 88/11 .

وذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لي ولا لأصحابي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ ، فَلَقْد أضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ(1)! مَتَى أُلْفِيَتْ(2)بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الأعْدَاءِ نَاكِلِينَ(3)، وبالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ !

فلَبث(4)قَلِيلًا يلْحَق الهيجا حَمَلْ

فَسَيَطْلُبُكَ مَن تَطْلُبُ، ويَقْرُبُ مِنكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وأنَا مُرْقِلٌ(5)نَحْوَكَ فِي جَحْفَلِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدِ زِحَامُهُم سَاطِع قَتَامُهُم مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ(6)المَوْتِ، أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيهِم لِقَاءُ رَبِّهِم ، قَد صَحِبَتْهُم ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ(7)، وسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ قَد عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا(8)فِي أَخِيكَ ، وخَالِكَ ، وجَدْكَ(9)وأهْلِكَ، وَمَا هيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بَعِيدٍ(10)


1) الاستعبار: البكاء.

2) ألفيت كذا: وجدته.

3) النكول: التأخر جبنًا.

4) في الأصل : فلَبت، وهو سهو، وما أثبتناه عن س م ، ب ، ع وفي حاشية الأصل عن نسخة فالْبَث ، ومكان (يلحق) في ب: يُدْرِكِ.

5) الإرقال: ضرب من السير السريع.

6) السرابيل: القمصان.

7) حاشية: ذرية بدرية، أي: من أبناء الصحابة البدريين.

8) نصل السيف: حديدته.

9) سبق ذكرهم.

10) هود 83/11 ، والكتاب بالرقم نفسه في الشرح 15/ 122 - 125 ، وذكر فيه رسالة معاوية إلى الإمام (علیه السّلام)، و (مناكحات بين بني هاشم وبني عبد شمس) و (فضل بني هاشم على بني ، عبد شمس)، وهو فصل مطول جدير بالمراجعة، وفيه أيضًا مبحث بعنوان (من مفاخر بني أمية) و (الجواب عما فخرت به بنو أمية) وبهما ختم الجزء الخامس عشر من كتابه ، وذكر ابن ميثم في 242/4 أن هو هذا الكتاب ملتقط من كتاب ذكر السيد منه فصلا سابقًا، وهو قوله فأراد قومنا هلاك نبينا، وقد ذكرنا كتاب معاوية الذي هذا الكتاب جوابًا له، وذكرنا الكتاب له بأسره هناك، والكتاب فيه بالرقم نفسه، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 3/ 265 .

[29] ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلَى أهْلِ البَصْرَةِ

وقَد كَانَ مِن انْتِشَارِ حَبْلِكُم وشِقَاقِكُم مَا لَم تَغْبَوا(1)عَنْهُ، فَعَفَوْتُ عَن مُجْرِمِكُم، ورَفَعْتُ السَّيْفَ عَن مُدْبِرِكُم، وقَبِلْتُ مِن مُقْبِلِكُم، فَإِن خَطَتْ بِكُم الأمُورُ الْمُرْدِيَةُ ، وسَفَهُ الآرَاءِ الجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتي(2)وخِلافِي، فَهَا أَنذَا قَد قَرَّبْتُ عِيَادِي، ورَحَلْتُ رِكَابِي، ولئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى المَسِيرِ إِلَيْكُم لأوقِعَنَّ بِكُم وَقْعَةً لا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقِ، مَع أنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُم فَضْلَهُ، ولِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِز مُتَهَا إلَى بَريء، ولا نَاكِثًا إلَى وَفِي(3).


1) في القاموس : غبا الشيء، وعنه غبًا وغباوة: لم يفطن له، وهو غبي، والشيء منه خفيّ، وقريبًا منه في شرح ابن ميثم 248/4 ، وكذا في الحاشية، وتعذرت قراءة بعض كلماتها.

2) المردية: المهلكة، والجائرة: المنحرفة عن الصواب، والمنابذة : المخالفة، والمراماة بالعهد والبيعة.

3) بالرقم نفسه في الشرح 207/16 ، ومصدر سابق 279/3 - 280 ، وينظر تعقيب المؤلف، وللكتاب استهلال لم يذكره الرضي، وأفاده المؤلف من كتاب الغارات، وذكر مقدمته، وذكر أيضًا أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) أرسله مع جارية بن قدامة السعدي، وذكر أول هذا الكتاب أيضًا ابن ميثم في شرحه 249/4 ، قد كتبت عن هذا المجاهد بحثًا مفصلًا كتابي الموسوم بـ(رجال من بقيع ثوية الكوفة 257 - 267)، والكتاب بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 248/4 ، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 279/3.

[30] ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى مُعَاوِية

فَاتَّقِ اللهَ فِيمَا لَدَيْكَ، وانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ ، وارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لا تُعْذَرُ بجَهَالَتِهِ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلامًا(1)وَاضِحَةً، وسُبُلًا نَيْرَةً ، ومَحَجَّةً نَهِجَةٌ(2)، وغَايَةً مُطَلَبَةً يَرِدُهَا(3)الأكْيَاسُ، ويُخَالِفُهَا الأَنْكَاسُ(4)، مَن نَكَبَ(5)عَنْهَا جَارَ عَنِ الحَقِّ، وخَبَطَ(6)في التّيْهِ، وغَيَّرَ اللهُ نِعْمَتَهُ، وأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ «69 أ» .

فنَفْسَك نَفْسَكَ، فَقَد بَيَّنَ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ(7)، وحَيْثُ تَنَاهَت بِكَ أمُورُكَ فَقَد أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ ، وحَلَّةِ كُفْرٍ . وإِنَّ نَفْسَكَ قَد أَوْ حَلَتْكَ شَرًّا ، وأَقْحَمَتْكَ(8)غَيَّا ، وأَوْرَدَتْكَ المَهَالِكَ ، وأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ المَسَالِكَ(9).


1) س: أخلامًا.

2) نهجة: واضحة، والمحجة في المنهاج 84/3: الجادّة.

3) ب: يؤدّها، وبحاشيتها عن نسخة: تَرِدُهَا، وفي شرح ابن ميثم 4/ 250 مُطَلَبة، أي: مطلوبة جدا.

4) الإنكاس: جمع نكس، وهو الدنيء من الرجال.

5) س، م : نَكَبَ، ونكب: عدل.

6) الخبط : المشى على غير استقامة.

7) ع ، ب : سُبُلُكَ، وفي حاشيتها عن نسخة: سبيلك.

8) في حاشية الأصل عن نسخة: أو جَلَتْكَ ، وأقحمتك في المنهاج 3/ 85: أدخلتك.

9) في حاشية الأصل: (بَلَغَتِ القِراءة إلى هاهنا ولله الحمد). وذكر أول الكتاب ابن أبي الحديد في الشرح 16 / 208 - 209 ، وكذا فعل ابن ميثم في شرحه 249/4 - 250 ، وهو بالرقم نفسه فيهما، وينظر في تخريج الكتاب والتعقيب عليه وذكر ما لم يذكره الرضي منه في مصدر سابق 281/3 - 282 بالرقم نفسه .

[31] ومِن وَصِيَّةٍ لَهُ (علیه السّلام) للحَسَنِ ابْنِهِ (علیهما السّلام) ، وكتبها إليهِ بَحَاضِرِينَ عِندَ انْصِرافِهِ مِن صِفِّين

للحَسَنِ ابْنِهِ (علیهما السّلام)(1)، وكتبها إليهِ بَحَاضِرِينَ عِندَ انْصِرافِهِ مِن صِفِّين(2)

مِنَ الوَالِدِ الفَاني(3)، المُقِرِّ لِلزَّمَانِ، المُدْبِرِ العُمْرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ، الذَّامُ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ المَوْتَى الظَّاعِنِ عَنْهَا غَدًا إِلَى المَوْلُودِ(4)المُؤَمِّلِ مَا لا يُدْرِكُ(5)، السَّالِكِ سَبِيلَ مَن قَد هَلَكَ، غَرَضِ الأَسْقَامِ(6)، ورَهِينَةِ الأَيَّامِ، ورَمِيَّة(7)المَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الغُرُورِ، وَغَرِيمِ المَنَايَا(8)، وأسِيرِ المَوْتِ، وحَلِيفِ الهُمُومِ، وقَرِينِ الأَحْزَانِ، ونَصْبِ(9)الآفَاتِ، وصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وخَلِيفَةِ الأَمْوَاتِ.

أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ فيما تَبَيَّنْتُ مِن إدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ،


1) ب: ومن وصيته (علیه السّلام) للحسن بن علي (علیه السّلام).. ج: ومن وصيَّة للحسن بن عَلي (علیهما السّلام)...

2) العنوان في س، م: ومن وصيَّة للحَسَنِ بنِ علي (علیهما السّلام) كتبها بِحَاضِرِينَ مُنْصَرِفًا مِن صفين، وانظر بخلاف بسيط في ع، ب.

3) في الأصل وفي م ، ع ، س: الفان، وما أثبت في الحاشية عن نسخة، وفي ب، ج.

4) ج: الولد.

5) بكسر الراء وفتحها في الأصل، وفي س بالفتح.

6) في المنهاج 3/ 91: الهدف الذي يرمى به.

7) الرهينة: ما يرهن والرمية: الهدف.

8) الغريم: المدين.

9) الحليف: المحالف، والنصب : الشيء المنصوب.

وإِقْبَالِ الآخِرَةِ إِلَيَّ مَا يَزَعُنِي عَن ذِكْرِ مَن سِوَايَ، والاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَقَنِي رَأَبِي، وصَرَفَنِي عَن هَوَايَ وصَرَّحَ لِي بَعْضُ أمْرِي، فَأفْضى(1)بي إلَى جِدَّ لا يَكُونُ فِيهِ(2)لَعِبٌ ، وصِدْقٍ لا يَشُوبُهُ كَذِبٌ، وَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَل وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئًا لَو أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَو أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِن أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِن أَمْرِ نَفْسِي.

فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُسْتَظْهِرًا بِهِ إِن أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَو فَنِيتُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ - أَيْ بُنَيَّ - ولُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، والاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ(3)، وأيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِن سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبَينَ اللَّهِ(4)إِن أنتَ أَخَذْتَ بِهِ.

أخي قَلْبَكَ بالمَوْعِظَةِ، وأمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وقَوِّهِ بِاليَقِينِ، ونَوِّرْهُ بالحِكْمَةِ(5)، وذَلّلْهُ بِذِكْرِ المَوْتِ، وقَرِّرْهُ بِالفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا،


1) أفضى: وصل.

2) ب: معه.

3) أي: القرآن في المنهاج 3/ 92 ، قال : وروي أن رجلاً دخل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال : التبس علي معنى آية من القرآن ففسرها لي، وتلا هذه الآية، ما هذا الحبل الذي أمر الله بالاعتصام به ، وكان علي (علیه السّلام) إلى جنبه ، فوضع النبي يده على كتف أمير المؤمنين، وقال: هذا حبل الله، فاعتصموا به فولى الأعرابي يقول : آمنت بالله وبرسوله واعتصمت بحبل الله ... فحبل الله هو حجة الله بعد رسوله، ووصيه على أمته .

4) بعدها في ب، ع: عز وجل.

5) ونوره بالحكمة: ليس في ب.

وحَذْرُهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ ، وفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي والأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أخْبَارَ المَاضِينَ ، وذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَن كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وسِرْ فِي دِيَارِهِم وآثَارِهِم فانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وعَمَّا(1)انْتَقَلُوا، وأينَ حَلُّوا ونَزَلُوا، فإِنَّكَ تَجِدُهُم انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وحَلُّوا دِيَارَ(2)الغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَن قَلِيلِ قَد صِرْتَ كَأحَدِهِم فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، ولا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، ودَع القَوْلَ فِيمَا لا تَعْرِفُ ، والخِطَابَ فِيمَا لَم تُكَلِّفُ، وأمْسِكْ عَن طَرِيقِ إذَا خِفْتَ ضَلالَتَهُ، فَإِنَّ الكَفَّ عِندَ حَيْرَةِ(3)الضَّلالِ(4)خَيْرٌ مِن رُكُوبِ الأهْوَالِ. وأمُرُ بالمَعْرُوفِ تَكُنْ مِن أهلِهِ، وأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وبَايِنْ مَن فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ ، وجَاهِدِ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، ولا تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وخُضِ الغَمَرَاتِ إِلَى الحَقِّ حَيْثُ كَانَ(5)، وتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى المَكْرُوهِ، فَنِعْمَ(6)الخُلُقُ التَّصَبُّرُ(7)، وأَلْجي


1) كذا في ج، ب وفي س، م: وعَمَّ.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: دار، وكذا في س، م، ج ، ع، ب، وكتب تحتها في الحاشية: ديار.

3) كذا في ع أيضًا، وكذا في م، ج، ب، وفي س: عند حيرة، وفي حاشية الأصل عن نسخة: عن حيرة.

4) كذا في م أيضًا، وفي ب، ع ج: الضلالة.

5) من (وأنكر المنكر) إلى قوله : (وتفقه في الدين) ساقط من ع.

6) كذا في ع أيضًا، وفي س، م، ج: ونعم.

7) قوله (علیه السّلام): (وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، فنعم الخلق التصبر) ساقط من ب.

نَفْسَكَ فِي الأمور كُلْهَا إلى إلكَ، فَإِنَّكَ تُلْجِتُهَا إِلَى كَهْفِ حَرِيْزِ ، ومَانِعِ عَزِيزِ ، وأَخْلِصْ فِي المَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ العَطَاءَ وَالحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَةَ ، وتَفَهُم وَصِيَّتِي، ولا تَذْهَبَنَّ صَفْحًا، فَإنَّ خَيْرَ القَوْلِ مَا نَفَعَ واعْلَم أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي عِلْم لا يَنْفَعُ «69 ب»، ولا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ يَحِقُ تَعَلَّمُهُ(1).

أي بُنَيَّ، إني(2)لَّا رَأَيْتُنِي(3)قَد بَلَغْتُ سِنًا، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهُنًا(4)بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ(5)خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَن يَعْجَلَ بي(6)أَجَلي(7)دُونَ أَن أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، أَو أَنْقُصَ فِي رأيي كَمَا نُقِصْتُ في جِسْمِي، أَو يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الهَوَى، وَفِتَنِ الدُّنْيَا فَتَكُونَ كَالصَّعْب التَّفُور(8)، وإِنَّما قَلْبُ الحَدَثِ(9)كَالأَرْضِ الخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِن شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَن يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ


1) حاشية: أي: لا يسوغ الشروع فيه.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: أنه.

3) س ، م : لَمَّا رَأَيْتُكَ قَد بَلَغْتَ.

4) الوهن : الضعف .

5) وأوردت: ليست في ب.

6) س: في.

7) حاشية الأصل عن نسخة: وأحترم دونَ أملي بأن أو أن أنقض. وأُخْتَرَمَ.

8) في المنهاج 3/ 94 كالصعب النفور، أي: فتصير مثل البعير الذي صار فحلاً صعبًا لا يطاق.

9) الحدث في المنهاج 3/ 95: الشاب.

لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدٌ رَأيِكَ مِنَ الأمْرِ(1)مَا قَد كَفَاكَ أهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ(2)وتَجْربَتَهُ، فَتَكُونَ قَد كُفِيْتَ مَؤونَةَ الطَّلِبَةِ(3)، وعُوفِيتَ مِن عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِن ذلِكَ مَا قَد كُنَّا نَأْتِيهِ، واسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّما أَظْلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ مِنهُ.

أي بُنَيَّ ، إِنِّي وإِنْ لَم أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمْرَ مَن كَانَ قَيْلِي، فَقَد نَظَرْتُ في أعْمَالِهِم ، وفَكَرْتُ فِي أَخْبَارِهِم، و فِي آثَارِهِم حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِم بَل كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِن أُمُورِهِم قَد عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّهِم إِلَى آخِرِهِم، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِن كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِن ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِن كُلِّ أَمْرِ نَخِيلَتَهُ(4)، وتَوَخَّيْتُ(5)لَكَ جَمِيلَهُ، وصَرَفْتُ عَنكَ مَجْهُولَهُ، ورَأَيْتُ حَيْثُ عَنَاني(6)مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الوَالِدَ الشَّفِيقَ، وأَجْمَعْتُ(7)عَلَيْهِ مِن أدَبِكَ أَن يَكُونَ ذلِكَ وأَنْتَ مُقْبِلُ العُمْرِ، مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، ونَفْسٍ صَافِيَةِ ، وأَن أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ


1) ب، ع: الأمور.

2) البغية: الطلب.

3) كذا في ب، ع، وفي س، م، ج: الطلب.

4) كذا في ع، ب أيضًا، والنخيل في حاشيتها خالصه، وفي س، م، ج: جَلِيلَهُ. وفي حاشية الأصل عن نسخة جليله، وعن أخرى: لكل حليلته.

5) التوخي: الصد.

6) حاشية: عناني : حملني على العناية، ومنه عنيت بحاجتك، أعني بها و أنا بها معني.

7) أجمعت: صممت العزم.

عَزَّ وَجَلَّ، وتَأْوِيلِهِ، وشَرَائِعِ الإِسْلامِ وأَحْكَامِهِ، وحَلالِهِ وحَرَامِهِ، لا أَجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إلَى غَيْرِهِ(1)، ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَن يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِن أهْوَائِهِم وآرَائِهِم مِثْلَ الذِي التَبَسَ عَلَيْهِم، فَكَانَ إِحْكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِن تَنْبِيهِكَ لَه أَحَبَّ إِلَيَّ مِن إِسْلامِكَ إِلَى أَمْرِ لا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الهَلَكَةَ ، ورَجَوْتُ أَن يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وأن يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.

ومِنْهَا(2): واعْلَم - يَا بُنَيَّ - أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِن وَصِيَّتِي تَقْوَى الله، والاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيكَ(3)، والأخُذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ مِن آبَائِكَ ، والصَّالِحُونَ مِن أهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُم لَم يَدَعُوا أن نَظَرُوا لأَنْفُسِهِم كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ ، وفَكَّرُوا كَما أنتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُم آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الأَخْذِ بَمَا عَرَفُوا، والإمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلِّفُوا،(4)فَإِن أَبَتْ نَفْسُكَ أَن تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَن تَعْلَمَ كَما كَانُوا عَلِمُوا(5)، فَلْيَكُن طَلَبُكَ ذلِكَ بتفهم وتَعَلُّم، لا بِتَوَرُّط(6)الشُّبُهَاتِ، وغُلُو الخَصُومَاتِ وابْدَأ


1) من هنا إلى قوله ومنها ساقط من ع.

2) ومنها: ليس في س، م، ب، ج.

3) في الأصل: افترضه، وفي س، م: على ما افتَرضَ عليك، وما أثبت في ج، ع، ب وحاشية الأصل.

4) يكلفوا: بتخفيف اللام في الأصل، ومن هنا إلى قوله قبل نظرك: ساقط من ع.

5) في حاشية الأصل عن نسخة: كَما عَلِمُوا، وكذا في ج، ب.

6) في الأصل : بتَوَرُّد، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في ج، ب، م.

قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بالاسْتِعَانَةِ بِالهَكَ(1)، والرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ، وتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ(2)أو لَجَنْكَ فِي شُبْهَةٍ، أو أَسْلَمَتْكَ(3)إِلَى ضَلالَةٍ، فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَد صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وتَمَّ رَأَيْكَ واجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمَّا وَاحِدًا ، فانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِن أَنتَ لَم يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِن نَفْسِكَ، وفَرَاغِ نَظَرِكَ وفِكْرِكَ، فَاعْلَم أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ العَشْوَاءَ، وتَتَوَرَّطُ(4)الظُّلْمَاءَ، ولَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ، ولا مَن خَلَّه(5)، والإمْسَاكُ عَن ذَلِكَ أَمْثَلُ(6).

فَتَفَهُم يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي ، واعْلَم أَنَّ مَالِكَ المَوْتِ هُوَ مَالِكُ الحَيَاةِ، وأَنَّ الخَالِقَ هُوَ المُمِيتُ، وأنَّ المُفْنِيَ هُوَ العِيدُ، وأنَّ المُبْتَلِيَ هُوَ المُعَافِي، وأنَّ الدُّنْيَا لَم تَكُن لِتَسْتَقِرَّ إِلا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالابْتِلاءِ، والجزاء «70أ» في المَعَادِ، ومَا شَاءَ مِمَّا لا نَعْلَمُ، فَإِن أَشْكَلَ(7)عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ(8)، فَإِنَّكَ أَوَّلَ مَا خُلِقْتَ خُلِقْت


1) بعدها في ج: عليه.

2) الشائبة في المعارج 375: واحدة الشوائب، وهي الأقذار والأنجاس والأدناس.

3) أسلمته إلى كذا: خليت بينه وبينه.

4) حاشية : تورط : دخل في ورطة، وهي الهلاك.

5) كذا في م، وفي ج، ب: أو خلط، وبحاشيتهما: ولا من.

6) أمثل: أقرب إلى الخير.

7) في المنهاج 3/ 96 ، أي : صار مشكلاً .

8) في المعارج 375: تنبيه على أن علوم الإنسان قاصرة عن إدراك أسرار الربوبية.

جَاهِلا ، ثُمَّ عَلِمْتَ ، ومَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأمْرِ(1)، ويَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأَيْكَ، ويَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَاعْتَصِمُ بالذِي خَلَقَكَ ورَزَقَكَ وسَوَّاكَ، ولْيَكُن لَهُ تَعَبُّدُكَ، وإلَيهِ رَغْبَتُكَ، ومِنْهُ شَفَقَتُكَ.

واعْلَم يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَدًا لَم يُنْبِئ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبِيُّنا (صلی الله علیه و آله و سلم)، فارْضَ بِهِ رَائِدًا(2)، وإِلَى النَّجَاةِ قَائِدًا ، فَإِنِّي لَم أَلُكَ نَصِيحَةٌ(3)، وإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ وإِن اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ.

واعْلَم يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَو كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لأتَتْكَ رُسُلُهُ، ولَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وسُلْطَانِهِ، ولَعَرَفْتَ أفْعَالَهُ وصِفَاتِهِ، ولَكِنَّهُ إِلهُ واحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، ولا يَزُولُ أبَدًا ولَم يَزَلْ(4)، أوَّل قَبْلَ الأَشْيَاءِ بلا أَوَّلِيَّة، وآخِرٌ بَعْدَ الأَشْيَاءِ بلا نِهَايَةٍ، عَظُمَ عَن أن تُثْبَتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أو بَصَرِ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي مِثْلِكَ أن يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ، وَعَظِيمِ حَاجَتِهِ إلَى رَبِّهِ فِي طَلَب طَاعَتِهِ، والرَّهْبَةِ مِن عُقُوبَتِهِ، وَالشَّفَقَةِ مِن سَخَطِهِ، فَإِنَّهُ لَم يَأْمُرُكَ إِلَّا بِحَسَنِ، ولَم يَنْهَكَ إِلَّا عَن قَبيح.

يَا بُنَيَّ ، إِنِّي قَد أَنْبَأَتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وحَالِهَا وزَوَالِهَا وانتِقَالِهَا، وَأَنْبَأَتُكَ


1) كذا أيضًا في ب ع أيضًا، وفي س، م: الأمور.

2) الرائد في المنهاج 79/2: من يجيء ويذهب لمصلحة القوم إذا أرسل في طلب الكلأ .

3) في المنهاج 97/2 ، أي: لم أقصر، ولم أبطئ لك في النصيحة.

4) ضُبطت الزاي بالضم والفتح في الأصل.

عَنِ الآخِرَةِ ومَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا، وضَرَبْتُ لَكَ فِيهِما(1)الأمْثَالَ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا، وتَحْذُو(2)عَلَيْهَا، إِنَّمَا مَثَلُ مَن خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَومٍ سَفْرٍ نَبَا بهم مَنْزِلْ جَدِيْبٌ(3)، فَامُّوا مَنْزِلًا خَصِيبًا، وجَنَابًا مَرِيعًا(4)، فاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وخُشُونَةَ السَّفَرِ، وجُشُوبَةَ(5)المَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِم ومَنْزِلَ قَرَارِهِم فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أَلما، ولا يَرُونَ نَفَقَةٌ مَغْرَمًا، ولا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِم مِمَّا قَرَّبَهُم مِن مَنْزِلِهِم، وأَدْنَاهُم إِلَى مَحَلَّهِم. ومَثَلُ مَن اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِم إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِم، ولا أفْضَعَ عِنْدَهُم مِن مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلى مَا يَهْجُمُونَ(6)عَلَيْهِ، ويَصِيرُونَ إِلَيهِ.

يَا بُنَيَّ اجْعَل نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، واكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، ولا تَظْلِمْ كَما لا تُحِبُّ أن تُظْلَمَ، وأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَن يُحْسَنَ إِلَيْكَ، واسْتَقْبِحَ مِن نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِن غَيْرِكَ، وارضَ مِنَ النَّاسِ بِما(7)تَرْضَاهُ فَهُم مِن نَفْسِكَ، ولا تَقُل مَا لا


1) س: فيها.

2) يحذو: يقتدي.

3) في المنهاج 3 / 104 ، أي: لم يوافقهم مكان أصابه جدب، فأمُّوا منزلاً خصيبًا.

4) أموا: قصدوا، والجناب: الفناء والمنزلة، والمريع: ذو الكلأ والخصب.

5) وعثاء السفر: مشقته، وجشوبة المطعم: غلظته.

6) هجم: وقع بغتة.

7) ب: فيما.

تَعْلَمُ وإن قَلَّ ما تَعْلَمُ ، ولا تَقُل مَا لا تُحِبُّ أن يُقَالَ لَكَ.

واعْلَم أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوابِ، وآفَةُ الأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ(1)، ولا تكُن خَازِنًا لِغَيْرِكَ ، وإِذَا(2)أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ، فَكُن أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ(3).

واعْلَم أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقًا ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمَشَقَّةٍ(4)شَدِيدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا غِنَى(5)بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الارْتِيَادِ(6)، وقَدْرِ بَلاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فلا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالا(7)عَلَيْكَ. وإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الفَاقَةِ مَن يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَدًا حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ، وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ، وَأَكْثِرُ مِن تَزْوِيدِهِ وأَنتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فلا تَجِدُهُ، واغْتَنِم مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ لِيَجْعَلَ «70ب» قَضَاءَهُ لَكَ فِي يوم(8)عُسْرَتِكَ.

واعْلَم أنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُودًا(9)، المُخِتُ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ


1) الكدح: الكسب.

2) ب : فإذا.

3) حاشية م: بلغت قراءتي.

4) في الأصل: أهوال ، وما أثبت من ج، م، ب.

5) في الحاشية: لا غناء.

6) الارتياد: الطلب .

7) الوبال: الهلاك.

8) في الأصل: حال ، وما أثبت من: س، م، ب، ج.

9) عقبة كؤود: شاقة المصعد.

المثقل، والمُبْطِئُ عَليهَا(1)أَقْبَحُ حالا(2)مِنَ الْمُسْرِع، وأنَّ مَهْبِطَهَا بِك لا محَالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أو عَلَى نَارِ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَطَّى(3)المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ، ولا إلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ.

واعْلَم أَنَّ الذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ قَد أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ ، وتَكَفَّلَ لَكَ بالإجَابَةِ، وأمَرَكَ أَن تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ، ولَم يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَن يَحْجُبُكَ عَنْهُ(4)، وَلَم يُلْجِنْكَ إلَى مَن يَشْفَعُ لَكَ إِلَيهِ، ولَم يَمْنَعْكَ إِن أَسَأتَ مِنَ التَّوْبَةِ ، ولَم يُعَيَّرْكَ بالإنابة(5)، ولم يُعَاجِلكَ بالنَّقِمَةِ، ولَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الفَضِيحَةُ(6)، ولَم يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الإِنَابَةِ، ولَم يُنَاقِشْكَ بالجَرِيمَةِ، ولَم يُؤَيِّسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَل جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ(7)حَسَنَةٌ، وَحَسَبَ سَيِّتَتَكَ وَاحِدَةٌ، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْرًا، وفَتَحَ لَكَ بَابَ المَتابِ(8)وبَابَ الاسْتِغْفَار(9)، فَإِذَا


1) في الأصل: عنها، وما أثبت حاشية في الأصل عن نسخة، وكذا في س، م، ب، ج، ع.

2) في الأصل: أمرًا، وكذا في ب، ع، وما أثبت من س، م، ج.

3) حاشية: أوطئتُ الأرض ووطئتها واستوطأتها: اتخذتها وطنًا.

4) حاشية الأصل عن نسخة : يحجبه عنك.

5) ولم يعيرك بالإنابة: لها إحالة من الأصل إلى الحاشية، وبجنبها صح، وليست في النسخ المعتمدة.

6) كذا في جميع النسخ، وبعدها في ع: حيث الفضيحة بك أولى.

7) النزوع عن الذنب : الخروج منه .

8) المتاب في المنهاج 106/3: التوبة.

9) وباب الاستغفار: لها إحالة الحاشية الأصل، وبجنبها صح، وليست في النسخ المعتمدة، وفي شرح ابن ميثم 4 / 271 (باب الاستعتاب)، والاستعتاب عنده: طلب العتبى، وهي الرجوع إلى الرضا.

نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ ، وإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَفْضَيْتَ(1)إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ،وأَبْثَتْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ(2)، وشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ(3)، واسْتَعَنْتُهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِن خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِن زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وسَعَةِ الأَرْزَاقِ، ثُمَّ جَعَلَ في يَدِكَ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِن مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ، واسْتَمْطَرْتَ شَابِيبَ رَحْمَتِهِ، فَلا يُقْنِطَنَّكَ(4)إِبْطَاءُ إجَابَتِهِ، فَإِنَّ العَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ. ورُبَّمَا أُخْرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِلِ، وأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ، ورُبَّما سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْرًا مِنْهُ عَاجِلا أو آجلا، وصُرِفَ(5)عَنْكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرِ قَد طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاكُ دِينِكَ لَو أُوْتِيتَهُ، فَلْتَكُن مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، ويُنْفَى عَنْكَ وبَالُهُ، فَالَمَالُ(6)لا يَبْقَى لَكَ، ولا تَبْقَى لَهُ.

واعْلَم أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ للآخِرَةِ لا للدُّنْيَا، ولِلفَنَاءِ لا لِلْبَقَاءِ، ولِلْمَوْتِ لا للحَيَاةِ، وأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ، ودَارِ بُلْغَةِ(7)، وطَرِيقِ إِلَى


1) الإفضاء: الوصول.

2) حاشية: أبثثته ما في نفسي، أي: أظهرت له ما كنت أعلم.

3) الكروب في المنهاج 3 / 106 : جمع الكرب ، وهو الغم الذي يأخذ النفس لشدته.

4) الشآبيب : جمع شؤبوب، وهو الدفعة من المطر، والقنوط: اليأس.

5) ج ، ب، م: أو صرف.

6) س، م : والمال.

7) منزل قلعة : لا يصلح للاستيطان، والبلغة: ما تبلغ به من العيش.

الآخِرَةِ، وأَنَّكَ طَرِيدُ المَوْتِ(1)الذي لا يَنْجُو مِنه هَارِبُهُ، ولا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ(2)، ولا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَن يُدْرِكَكَ وأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةِ، قَد كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.

يَا بُنَيَّ أَكْثِرُ مِن ذِكْرِ المَوْتِ ، وذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيهِ، وتُفْضِي بَعْدَ المَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وقَد أَخَذْتَ مِنهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَه أَزْرَكَ، ولا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ(3).

وإِيَّاكَ أَن تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِن إِخْلادِ أهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا، وَتَكَالُبِهِم(4)عَلَيْهَا، فَقَد نَبَّاكَ اللهُ عَنْهَا ، ونَعَتتْ(5)لَكَ نَفْسَهَا، وَتَكَشَفَتْ(6)لَكَ عَن مَسَاوِيْهَا، فَإِنَّا أَهْلُهَا كِلابٌ عَاوِيَةٌ «71أ» وسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، ويَأكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، ويَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا ، نَعَمْ مُعَقَّلَةٌ(7)، وأُخْرَى مُهْمَلَةٌ ، قَد أضَلَّتْ عُقُوهَا ، ورَكِبَتْ بَجْهُوهَا(8)، سُرُوحُ عَاهَةٍ(9)


1) طريد الموت في المنهاج 3/ 107 ، أي مطروده ، والطريدة: ما طردت من صيد وغيره.

2) لا يفوته طالبه: ليس في س، م، ب.

3) الأزر: القوة، ويبهرهه: يغلبه ويتعبه، وأصل البهر تتابع النفس من التعب.

4) أخلد إلى كذا: استند إليه، والتكالب: التواثب .

5) في الأصل نعت، وكذا عن نسخة في حاشية الأصل وفي ب، ع أيضًا، وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة أخرى، وفي ج، م.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: وكَشَفَ.

7) المعلقة: المقيدة.

8) المجهول والمجهل: المفازة التي لا أعلام فيها.

9) في حاشية الأصل عن نسخة: عامهة.

بِوَادٍ وَعْثٍ(1)، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، ولا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا(2). سَلَكَتْ بِهِم الدُّنْيَا طَرِيقَ العَمَى(3)، وأَخَذَت بِأَبْصَارِهِم عَن مَنَارِ الهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، واتَّخَذُوهَا رَبَّا(4)، فَلَعِبَت بهم ، ولَعِبُوا بِهَا، ونَسُوا مَا وَرَاءَهَا.

رُوَيْدًا يُسْفِرُ الظَّلَامُ، كَأَنْ قَد وَرَدَتِ الْأَطْعَانُ، يُوشِكُ مَن أَسْرَعَ أن يَلْحَقَ . واعْلَم أَنَّ مَن كَانَت مَطِيَّتُه اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ، وإِن كَانَ وَاقِفًا، ويَقْطَعُ المَسَافَةَ وَإِن كَانَ مُقِيها وَادِعًا.

واعْلَم يَقِينًا أَنَّكَ لَن تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، ولَن تَعْدُوَ أَجَلَكَ(5)، وأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَن كَانَ قَبْلَكَ، فَخَفِّضْ(6)فِي الطَّلَبِ، وأجْمِلْ فِي المُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبِ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ(7)، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، ولا كُلُّ مُجْمِل بِمَحْرُومٍ، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَن كُلِّ دَنِيَّةٍ وإِن سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ(8)، فَإِنَّكَ ، لَن تَعْتَاضَ بَمَا تَبْذُلُ مِن نَفْسِكَ عِوَضًا، ولا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وقَد جَعَلَكَ


1) واد وعث: لا يثبت به خف ولا حافر.

2) حاشية: أسمت السائمة: أخرجتها إلى الرّعي والمسيم في شرح ابن ميثم 275/5 : الراعي.

3) في المنهاج 3/ 108 ، أي : سلكت الدنيا أهلها في طريق العمى.

4) في المنهاج 3/ 198 ، أي : عبدوا الدنيا.

5) أي : لا تتجاوز أبدًا وقت موتك.

6) حاشية: فخفض، أي: هوّن وسهل.

7) (فإنَّه ربَّ طلب جَرَّ إلى حرب): ليس في ب، والحرب هنا: سلب المال.

8) الرغائب: جمع الرغيبة، وهي العطاء الكثير في المنهاج 114/3.

الله حُرًّا . ومَا خَيْرُ خَيْرِ لا يُنَالُ(1)إِلَّا بِشَر ، ويُسْرِ لا يُنَالُ إلَّا بِعُسْرِ.

وإِيَّاكَ يَا بُنَيَّ(2)أن تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَع(3)فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ(4)الهَلَكَةِ، وإن اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ(5)قِسْمَكَ، وآخِذُ سَهْمَكَ ، فَإِنَّ(6)اليَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ وأَعْظَمُ مِنَ الكَثِيرِ مِن خَلْقِهِ وإنْ كَانَ كُلّ مِنْهُ.

وتَلافِيكَ مَا فَرَطَ مِن صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِن إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ من مَنْطِقِكَ، وحِفْظُ مَا فِي الوِعَاءِ بِشَدِّ الوِكَاءِ، وحِفْظُ مَا فِي يَدِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ ، ومَرَارَةُ اليَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ، والحِرْفَةُ(7)مَعَ العِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الغِنَى مَعَ الفُجُورِ. والمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِره(8)، ورُبَّ سَاعِ فِيمَا يَضُرُّهُ. مَن أَكْثَرَ أَهْجَرَ(9)، ومَن تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قَارِن أهْلَ الخير تَكُن مِنْهُم ، وبَايِنْ أهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُم. بِئْسَ الطَّعَامُ الحَرَامُ،


1) س، م: لا يوجد، وكذا في ج، وبحاشيتها لا يُنال.

2) يا بني: ليس في س، م، ج، ع.

3) في المنهاج 114/3 ، أي : أحذرك أن يلقيك الطمع في الهلاك، والإيجاف: السير السريع.

4) أوجفت: أسرعت، والمناهل: المعاطش، وقال في المعارج 158 : الإيجاف: حمل البعير على السير.

5) بالضم والتنوين في س، وفوقها معا.

6) س، م، ج: وإن.

7) حاشية : الحرفة: ضيق القوت، من قولهم: فلان محارف، أي : قد الحرف عنه الرزق.

8) س: بسره.

9) أهجر الرجل: أفحش في منطقه.

وظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ. إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقًا(1)، كَانَ الخَرْقُ رِفْقا. رُبَّما كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً، والدَّاءُ دَوَاء، ورُبَّما نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ، وغَشَ الْمُسْتَنْصَحُ . وإِيَّاكَ والاتِّكَالَ عَلَى المَنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى(2). والعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِب، وخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ.

بَادِر(3)الفُرْصَةَ قَبْلَ أَن تَكُونَ غُصَّةٌ، لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، ولا غَائِبِ يَؤُوبُ، ومِنَ الفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ، وَمَفْسَدَةُ(4)المَعَادِ، ولِكُلِّ أَمْرِ عَاقِبَةُ. سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ، ورُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِن كَثِيرٍ. لا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مُهِينٍ(5)، ولا فِي صَدِيقِ ظنِين(6). سَاهِلِ ظَنِينِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ(7)لَك فَعُودُهُ(8)، ولا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِيَّاكَ أن تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ الدَّجَاجِ(9). احْمِلْ نَفْسَكَ مِن أَخِيكَ عِندَ صَرْمِهِ(10)


1) الخرق: ضدّ اللين.

2) حاشية: النوكى: الحمقى، من النوك، وهو الحمق، ورجل أنوك ومتنوك، أي: أحمق، والجمع: نوكى، ونُوك.

3) المبادرة : المسارعة والمساقة.

4) كذا في م، ب، وفي ج: إفساد .

5) ضبطت الميم في الأصل بالفتح والضم وفوقها معًا، وكذا ضبطها في س، ج.

6) الظنين: المتهم.

7) ذلت الدابة في المنهاج 144/3 : ضد صعبت.

8) حاشية: القعود من الإبل : هو البكر.

9) في المنهاج 3/ 115 ، أي: أحذرك أن يغلبك اللجاج.

10) الصرم: القطع.

عَلَى الصَّلَةِ ، وعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ(1)والْمُقَارَبَةِ، وعِندَ جُمُودِهِ عَلَى البَذْلِ، وعِندَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنْوِّ ، وعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى الدِّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى العُذْر «71ب» حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ ، وكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ، وَإِيَّاكَ أن تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأَن تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ.

لا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقًا، فَتُعَادِي صَدِيقَكَ، والْحَضْ(2)أخَاكَ النَّصِيحَةَ حَسَنَةٌ كَانَت أم قَبِيحَةً، وتَجَرَّعِ الغَيظَ(3)، فَإِنِّي لَم أرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةٌ ، ولا أَلَذَّ مَغَبَّةٌ(4)، ولِنْ لَن غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أن يَلِينَ لَكَ، وخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بالفَضْلِ، فَإِنَّهُ أَحَدُ(5)الظَّفَرَيْنِ. وإِن أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِن نَفْسِكَ بَقِيَّةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْمًا مَا . ومَن ظَنَّ بكَ خَيْرًا فَصَدِّقُ ظَنَّهُ، ولا تُضَيْعَنَّ حَقٌّ أخِيكَ اتَّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَحْ مَن أَضَعْتَ حَقَّهُ.

ولا يَكُن أهْلُكَ أشْقَى الخَلْقِ بِكَ. ولا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ(6). ولا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، ولا يَكُونَنَّ عَلَى


1) في الأصل: اللُّطْفِ، وكذا في ع، وما أثبت من س، ج، م، ب، ج.

2) محضه النصيحة: أخلصها له.

3) في المنهاج 3/ 115 ، أي : اكظم الغضب.

4) حاشية: الغب والمغبة: العاقبة.

5) في الأصل: أحد، وما أثبت من س، م، ج وفوقها أحد.

6) في المنهاج 115/3 ، أي لا تطلب مودة من يكره محبتك، فإنه مذلة عليك.

الإساءةِ أَقْوَى(1)مِنْكَ عَلَى الإِحْسَانِ، ولا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَن ظَلَمَكَ، فَإِنَّه يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، ولَيْسَ جَزَاءُ مَن سَرَّكَ أَن تَسُوْءَهُ.

واعْلَم يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ ورِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِن أنتَ لَم تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الخُضُوعَ عِنْدَ الحَاجَةِ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الغِنَى. إنَّمَا لَكَ مِن دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ، وإِن كُنْتَ جَازِعًا(2)عَلَى مَا تَفَلَّتَ(3)مِن يَدَيْكَ، فَاجْزَع عَلَى كُلِّ مَا لَم يَصِلْ إِلَيْكَ.

اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَم يَكُن بِمَا قَد كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهُ، ولا تَكُونَنَّ مِمَّن لا تَنْفَعُهُ العِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيْلامِهِ، فَإِنَّ العَاقِلَ يَتَّعِظُ بالأدَبِ(4)، والبَهَائِمَ لا تَتَّعِظُ إلَّا بالضّرب.

اطرَحْ عَنْكَ وَارِداتِ الهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ(5)وحُسْنِ اليَقِينِ . مَن تَرَكَ القَصْدَجَارَ. الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ ، والصَّدِيقُ مَن صَدَقَ غَيْبُهُ. والهَوَى شَرِيكُ العَمَى. رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِن قَرِيبٍ، وقَرِيبٍ أَبْعَدُّ من بَعِيد، والغَرِيبُ مَن لَم يَكُن لَهُ حَبِيبٌ . مَن تَعَدَّى الحَقِّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدرِهِ كَانَ


1) ب، ع: أقدر.

2) س، م ، وحاشية ب عن نسخة: وإن جزعت على.

3) المثوى: المقام، وتفلّت: تخلص.

4) بعدها في الأصل: (ولا يتعظ الجاهل إلا بالضرب)، وليست في النسخ، ومكانها: (والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب)، والجملة حاشية في الأصل عن نسخة أيضًا، و أثبتت منها.

5) عزائم الصبر: ما جزمت به من ولزمته.

أَبْقَى لَه . وأوثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.

مَن(1)لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ. قَد يَكُونُ اليَأْسُ إِدْرَاكًا إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلاكًا. لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ(2)تَظْهَرُ، ولا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ، ورُبَّما أَخْطَاً البَصِيرُ قَصْدَهُ، وأصَابَ الأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخْرِ الشَّرَ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ، وقَطِيْعَةُ الجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ العَاقِلِ. مَن أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، ومَنْ أَعْظَمَهُ أهَانَهُ.

لَيْسَ كُلُّ مَن رَمَى أَصَابَ. إذا تغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ. سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ وعَنِ الجَارِ قَبْلَ الدَّارِ. إِيَّاكَ أَن تَذْكُرَ مِنَ الكلام ما يَكُونُ(3)مُضْحِكًا وإن حَكَيْتَ ذلِكَ عَن غَيْرِكَ.

وإِيَّاكَ ومُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَأتِهُنَّ إِلَى أَفْنِ(4)، وعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ، واكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِن أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِن إِدْخَالِكَ مَن لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وإِن اسْتَطَعْتَ أنْ لا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فافْعَل. ولا تُمَلكِ المَرْأَةَ مِن أمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ المَرْأَةَ رَيْحَانَةُ، وَلَيْسَتْ «72أ» بِقَهْرَمَانَةٍ،


1) م، ج: ومن.

2) العورة هنا: الاسم من أعور الصيد، إذا أمكنك من نفسه ، وأعور الفارس، إذا بدا منه موضع الضرب.

3) كذا في ب وفي حاشية الأصل عن نسخة: مَا كَان، وكذا في س، م، ج.

4) الأفن: الضعف.

ولا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ، ولا تُطْمِعْهَا أَن تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا .

وإِيَّاكَ والتغَايُرَ(1)فِي غَيْرِ مَوْضِع غَيْرَةٍ(2)، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيْحَةَ إِلَى السَّقَمِ، والبَرِيئَةَ إِلَى الرَّيْبِ(3). واجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانِ مِن خَدَمِكَ عَمَلًا تَأخُذُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ أحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ(4). وأكْرِم عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُم جَنَاحُكَ الذِي بِهِ تَطِيْرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ ، ويَدُكَ الَّتِي(5)بِهَا تَصُولُ .

أسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ ودُنْيَاكَ، وأسْأَلُهُ خَيْرَ القَضَاءِ لَكَ فِي العَاجِلَةِ والآجلة، والدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِن شَاءَ الله(6)

والوصية بالرقم نفسه في الشرح 16 / 210 - 286 ، وفيه بحث مطول عن (حياة الحسن بن علي (علیهما السّلام)) ، وفيه أيضًا مباحث أخر، منها (وفود الوليد بن جابر على معاوية)، وهو من الصحابة، ثم صحب أمير المؤمنين وشهد معه صفين، وكان من رجاله المشهورين، وما ذكره في مجلسه من بعض صفات أمير المؤمنين في مجلسه، وموقف معاوية منه، وهو جدير بالنظر، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 5/ 255 وقال: إن جعفر بن بابويه القمي روى أن هذه الوصية كتبها (علیه السّلام) إلى ابنه محمد بن الحنفية (رضی الله عنه)، وهو وهم من الطابع أو الناسخ، وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 307/30 - 312، وهي بالرقم نفسه.

.

1) التغاير في المنهاج: التكلف في الغيرة.

2) م: الغيرة.

3) في الأصل: الرّيب، وما أثبت في س، م، ب.

4) ب: حديثك.

5) في الأصل: الذي، وهو سهو.

6) إن شاء الله ليس في س، ج ، م، وفي ع: إن شاء الله تعالى، وورد في حاشية الأصل (بلغت القراءة إلى هنا والله الحمد) وورد في حاشية م أيضًا (بلغت قراءتي).

المحتويات

109 - ومِن خُطبَة لَه (علیه السّلام) ... 5

110 - ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) ... 6

111 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ذَكَرَ فِيهَا مَلَكَ المَوْتِ وتَوَفَّيَهُ الأنْفُسَ ... 10

112 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 11

113 - ومِن خَطبَةٍ لَه (علیه السّلام) ... 13

114 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) في الاسْتِسْقَاءِ ... 16

تَفْسِيرُ ما في هذه الخُطْبَةِ مِن الغَرِيب ... 19

115 - ومِن خُطبَة لَه (علیه السّلام) ... 20

116 - ومِن كَلام له (علیه السّلام) ... 22

117 - ومِن كَلام لَه (علیه السّلام) ... 22

118 - ومِن كَلام لَه (علیه السّلام) ... 23

119 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) ... 25

120 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) ... 26

121 - ومِن كلام لَه (علیه السّلام) قَالَهُ للخَوارِج وقد خَرَجَ إلى مُعَسْكَرِهِم ... 28

122 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَالَه لَأَصْحَابِهِ فِي سَاعَةِ الحَرْبِ ... 30

123 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) ... 31

124 - ومن كلام له (علیه السّلام) في حضْ أَصْحَابِهِ عَلَى القِتَالِ ... 31

125 - ومن كلام له (علیه السّلام) في مَعْنَى الخوارج لما أنكَرُوا تَحْكِيمَ الرِّجَالِ، وَيَذْمُّ فِيْهِ أَصْحَابَه ... 34

126 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) لما عُوتِبَ عَلَى تَصييرهِ النَّاسَ إِسْوةً فِي العَطَاء مِن غَيْرِ تَفْضِيل أولي السَّابِقَاتِ والشَّرفِ ... 36

127 - ومِن كَلَامِ لَهُ (علیه السّلام) للخَوَارِجِ ... 37

128 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) وهوَ مِمَّا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ المَلاحِمِ بِالبَصْرَةِ ... 40

ومِنهُ: يُومِنُ بِهِ إِلَى وَصْفِ الأَتْرَاكِ ... 41

129 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ المَكَاييل والمَوَازِينِ ... 43

130 - ومن كلام له (علیه السّلام) لأبي ذر لما أُخْرج إلى الرَّبَذَةِ ... 45

131 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 46

132 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 47

133 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 49

134 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) وقَد شَاوَرَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي الخروج إلى غَزْوِ الرُّوم ... 51

135 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) وقَد وَقَعَت بَيْنَهُ وبين عُثْمَانٍ مَشَاجَرَةً ... 52

136 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) ... 53

137 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي مَعْنَى طَلْحَةَ والزُّبَير ... 54

138 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) يُومِيُّ فِيهَا إِلَى ذِكْرِ المَلاحِم ... 56

139- ومِن كَلَامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي وَقْتِ الشُّورى ... 58

140 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي النَّهْي عَن عَيْبِ النَّاسِ ... 59

141 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 60

142 - ومِن كَلام لَه (علیه السّلام) ... 61

143 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) في الاستِسْقَاءِ ... 62

144 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 64

145 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 65

146 - و من كلام له (علیه السّلام) وقد اسْتَشَارَهُ عُمَرُ بنُ الطَّابِ في الشُّخوص لِقِتَالِ الفُرْس بِنَفْسِهِ ... 67

147 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 68

148 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ أهْل البَصْرَةِ ... 71

149 - ومِن كلام لَه (علیه السّلام) قَبلَ مَوتِهِ ... 72

150 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) يُومِيُّ فِيهَا إلى الملاحم ... 74

151 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 77

152 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 81

153 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 83

154 - ومِن خُطبَة لَه (علیه السّلام) ... 85

155 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ لا يَذْكُرُ فِيهَا بَدِيعَ خِلْقَةِ الخُفَّاشِ ... 87

156 - ومِن كَلام له (علیه السّلام) خَاطَبَ بِهِ أهلَ البَصْرَةِ عَلَى جِهَةِ اقْتِصَاصِ المَلاحِم ... 90

157 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 93

158 - وَمِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 96

159 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 97

160 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 98

161 - ومِن خَطبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 104

162 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وقَد سَأَلَه كَيْفَ دَفَعَكُم قَوْمُكُم عَن هَذَا المَقَامِ وانتم أحق به؟ ... 107

163 - ومِن خَطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) ... 109

164 - ومن كَلامِ (علیه السّلام) لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وشَكُوا مَا نَقَمُوهُ عَلَى عُثْمَانَ ، وسَأَلُوهُ مُخَاطَبَتَهُ عَنْهُم ، واسْتِعْتَابَه لهُم ... 112

165 - ومِن خُطْبَةِ لَه (علیه السّلام)يَذْكُرُ فِيهَا عَجِيبَ خِلْقَةِ الطَّاووس ... 114

مِنْهَا في وَصْفِ الجَنَّةِ: ... 119

تَفْسِيرُ بَعْضِ مَا فِي هذه الخُطْبَةِ مِنَ الغَرِيبِ ... 120

166 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 121

167 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) خَطَبَهَا فِي أَوَّلِ خِلافَتِهِ ... 124

168 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) بَعْدَمَا بُويعَ بالخِلافَةِ ... 125

169 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) عِنْدَ مَسِيرِ أَصْحَابِ الجُمَل إِلَى البَصْرَةِ ... 126

170 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ العَرَبِ وقَد أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِن أَهْلِ البَصْرَةِ لَّا قَرُبَ لا مِنْهَا (علیه السّلام) ... 428

171 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا عَزَمَ عَلَى لِقَاءِ القَوْمِ بِصِفِّينَ ... 129

172 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 130

مِنْهَا فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الجَمَلِ: ... 131

173 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 132

174 - ومِن كَلام لَه (علیه السّلام) فِي مَعْنَى طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللهِ ... 134

175 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 135

176 - ومن خُطْبَة له (علیه السّلام) ... 137

177 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) فِي مَعْنَى الحَكَمَيْنِ ... 143

178 - ومِن خُطبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 144

179 - وَمِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَالَهُ لِذِعْلِبِ اليَمَانِي وقَد سَأَلَهُ هَل رَأَيْتَ رَبَّكَ يا أَمِيرَ الْمُؤمِنين؟ ... 146

180 - ومِن كَلَامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي ذَمِّ أَصْحَابِهِ ... 147

181 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) وقَد أَرْسَلَ رَجُلاً مِن أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ قَوْمٍ مِن جُنْدِ الكُوفَةِ هَمُّوا بِاللِحَاقِ بالخَوَارِحِ ... 149

182 - وَمِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 150

183 - وَمِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ...158

184 - ومِن كَلَامِ لَهُ (علیه السّلام) لِلبُرْجِ بنِ مُسْهِرٍ الطَّائِي ... 162

185 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 163

مِنْهَا فِي صِفَةِ عَجِيبِ خَلْقِ أَصْنَافِ مِنَ الحَيَوَانِ: ... 165

186 - ومن خطبة له (علیه السّلام) في التوحيد، وتَجمَعُ هَذهِ الخطبة مِن أُصولِ العِلم ما لا تجمَعهُ خُطبَةٌ ... 169

187 - ومِن خُطْبَةِ لَهُ (علیه السّلام) تَخْتَصُّ بِذِكْرِ المَلاحِمِ ... 176

188 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 178

189 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 180

190 - ومن خُطْبَة له (علیه السّلام) ... 181

191 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 185

192 - ومِن خُطْبَةِ لَهُ (علیه السّلام) ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذِهِ الخُطْبَةَ القَاصِعَةَ ... 190

193 - ومِن خُطْبَة لهُ (علیه السّلام) رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لأمِيرِ المُؤمِنِينَ (علیه السّلام) يقال له هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً عَابِدا ... 217

194 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) يَصِفُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ ... 223

195 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 225

196 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 228

197 - ومِن كَلَام لَهُ (علیه السّلام) ... 229

198 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 230

199 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) كَانَ يُوصِي بِهِ أَصْحَابَهُ ... 236

200 - ومِن كَلام له (علیه السّلام) ... 239

201 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 240

202 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) رُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَة (سلام الله علیها) كَالْمُنَاجِي بِهِ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِنْدَ قَبْرِه ... 241

203 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 242

204 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) كَانَ كَثِيرًا مَا يُنَادِي بِهِ أَصْحَابَهُ ... 243

205 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ طَلْحَةَ والزُّبَيرَ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بالخِلافَةِ ... 244

206 و من كلام له (علیه السّلام) وقد سَمِعَ قَوْمًا مِن أَصْحَابِهِ يَسُبُونَ أَهْلَ الشَّامِ أَيَّامَ حَربهم بصفين ... 246

207 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ وقَد رَأَى الحَسَنَ (علیه السّلام) يَتَسَرَّعُ إِلَى الحَرْبِ ... 247

208- ومِن خُطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أصْحَابُهُ فِي أمْرِ الحُكُومَةِ ... 248

209 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) بالبَصْرَةِ، وقَد دَخَلَ عَلى العَلاء بن زياد الحارثي ... 248

210 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) وَقَد سَأَلَهُ سَائِلٌ عَن أَحَادِيثِ البِدَعِ ... 250

211 - ومِن خُطْبَة لَه (علیه السّلام) ... 253

212 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 255

213 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 256

مِنْهَا: فِي ذِكْرِ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 256

214 - ومِن خُطبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 257

215 - ومِن دُعَاءِ كَان يَدْعُو بِهِ (علیه السّلام) كَثِيرًا ... 259

216- ومن خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) خَطَبَهَا بِصِفِّينَ ... 260

217 - ومِن كَلَامِ لَهُ (علیه السّلام) ... 265

218 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) فِي ذِكْرِ السَّائِرِينَ إِلى البَصْرَةِ لِحِرْبِهِ (علیه السّلام) ... 266

219 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) لَمَّا مَرَّ بِطَلْحَةَ وعَبْدِ الرَّحْمن بن عَتَّاب بن أُسَيِّدِ وهُمَا قَتِيلانِ يَومَ الجمل ... 267

220 - ومِن كَلام له (علیه السّلام) ... 268

221 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) قَالَهُ بَعْدَ تِلاوَته: أَلْهَنكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ ... 269

222 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) قَالَهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ: رجال لا تُلْهِهِمْ بَعَرَةٌ وَلَا بَيعَ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ... 275

223 - ومِن كَلام لَه (علیه السّلام) قَالَهُ عِندَ تِلاوَتِهِ: يَاَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ... 278

224 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) ... 281

225 - ومن دعاء له (علیه السّلام) ... 284

226 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 284

227 - ومِن دُعَائِهِ (علیه السّلام) ... 286

228 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) ... 287

229 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) فِي وَصفِ بَيْعَتِهِ بالخِلافَةِ، وقَد تَقَدَّمَ مِثْلُهُ بِأَلْفَاظِ مختلِفَةٍ ... 288

230 - ومِن خُطْبَة لَهُ (علیه السّلام) ... 289

مِنْهَا فِي صِفَةِ الزُّهَاد ... 291

231 - ومِن خُطبَةٍ لَهُ (علیه السّلام) خَطَبَهَا بِذِي قار وهو مُتَوَجِّه إلى البَصْرَةِ، ... 292

232 - ومِن كَلامَ لَهُ (علیه السّلام) كَلَّمَ بِهِ عَبدَ اللهِ بنَ زَمَعَةَ وكَان لَهُ شِيعَةً، وذلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ فِي خِلافَتِهِ، فَطَلَبَ مِنهُ مَالاً ... 293

233 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) ... 294

234 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام)... 295

235 - ومِن كَلامٍ قَالَهُ (علیه السّلام) وَهُوَ يَلِي غَسْلَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَتَجْهِيزَهُ ... 296

236 - ومِن كَلامِ لَهُ (علیه السّلام) اقْتَصَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا كَانَ مِنْهُ بَعدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ثُمَّ لِحَاقَهُ بِهِ ...297

237 - ومِن خُطبَةِ لَه (علیه السّلام) ... 298

238 - ومِن خُطْبَةٍ لَه (علیه السّلام) فِي شَأْنِ الحَكَمَيْنِ ، وذَمَّ أهْلِ الشَّامِ ... 300

239 - ومِن كَلام لَهُ (علیه السّلام) يَذْكُرُ فِيهِ آلَ مُحَمَّدٍ (علیهم السّلام) ... 301

240 - ومِن كلام له (علیه السّلام) ... 303

241 - ومِن كَلامِ لَه (علیه السّلام) يُحثُ أَصحَابَهُ عَلَى الجِهَادِ ... 304

باب المختارات من كتب أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده

1 - مِن كِتاب له (علیه السّلام) إلى أهل الكوفة عند مَسِيرِه من المدينة إلى البَصْرَة ... 307

2 - ومِن كتابٍ لَها (علیه السّلام) إِلَيْهِم بَعدَ فَتْح البَصْرَةِ ... 308

3 - ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) كَتَبَهُ لِشُرَيحَ بنِ الحَارِثِ قَاضِيهِ ... 309

4 - ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلى بَعْضٍ أَمَرَاءِ جَيْشِهِ ... 312

5 - ومِن كِتَابٍ له (علیه السّلام) إلَى الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ، وهو عَامِلُ آذِرْبِيْجَانَ ... 312

6 - ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلَى مُعَاوِيَةَ ... 313

7 - ومِن كِتَابٍ لَهُ (علیه السّلام) إِلَيْهِ أيضًا ... 314

8 - ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى جرير بن عبدِ اللَّهِ البِجَلِي لمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ ... 315

9 - ومِن كِتَابٍ له (علیه السّلام) إلى مُعَاوِيَةَ ... 316

10 - ومِن كِتَابٍ لَهُ (علیه السّلام) إِلى مُعَاوِيَةَ ... 318

11 - ومِن وَصِيَّةٍ وَصَّى بِهَا (علیه السّلام) جَيْشًا بَعَثَهُ إِلَى العَدُوِّ ... 231

12 - ومِن وَصِيَّة لَهُ (علیه السّلام) وَصَّى بِهَا مَعْقِلَ بنَ قَيْسِ الرِّيَاحِي حِيْنَ أَنْفَذَهُ إِلَى الشَّامِ فِي ثلاثةِ آلافِ مُقَدِّمَةٌ لَهُ ... 322

13 - ومن كتاب له (علیه السّلام) إلى أمِيرَيْن مِن أُمَرَاءِ جَيْشِهِ ... 324

14 - ومِن وَصِيَّةٍ لَهُ (علیه السّلام) لِعَسْكَرِهِ قَبْلَ لِقَاءِ العَدُوِّ بِصِفِّين ... 324

15 - وكَان يَقُولُ (علیه السّلام) إذا لَقِيَ العَدُوَّ مُحَارِبًا ... 326

16 - وكَانَ يَقُولُ (علیه السّلام) لإِصْحَابِهِ عِندَ الحَرْبِ : ... 327

17 - ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إلى مُعَاوِيَةَ جَوَابًا عَن كِتَابٍ منه إِلَيهِ ... 328

18 - ومِن كِتَابِ لَه (علیه السّلام) إلى عبد الله بن عباس (رحمه الله علیه)، وهو عَامِلُهُ عَلَى البَصْرَةِ ... 330

19 - ومِن كِتَابِ لَهُ (علیه السّلام) إِلَى بَعْضٍ عُمَالِهِ ... 331

20 - ومن كتاب له (علیه السّلام) إلى زياد بن أبيه ، وهو خَلِيفَةُ عامله عَبْدِ اللهِ بن العباس على البصرَةِ، وعَبْدُ الله عَامِلُ أمير المؤمِنِينَ (علیه السّلام) يومئذٍ عَليها ... 332

21 - ومِن كِتَابٍ لَه (علیه السّلام) إليه أيضًا ... 333

22 - ومِن كِتَاب له (علیه السّلام) إلى عبد الله بن العباس (رحمه الله علیه) ... 334

23 - ومِن كَلام له (علیه السّلام) قَالَهُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ مَا ضَرَبَهُ ابنُ مُلْجَم عَلَى سَبِيلِ الوَصِيَّةِ ... 335

24 - ومِن وَصِيَّة لهُ (علیه السّلام) بمَا يُعْمَلُ فِي أَمْوَالِهِ كَتَبَهَا بَعْدَ مُنْصَرَ فِهِ مِن صِفِّين ... 336

25 - ومِن وَصِيَّة لهُ (علیه السّلام) كَانَ يَكْتُبُهَا لَمَن يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ ... 338

26 - ومِن عهدِ لَهُ (علیه السّلام) إلى بَعْض عُمالِهِ وقَد بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ ... 341

27 - ومِن عَهْدِهِ (علیه السّلام) إِلَى مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ (رحمه الله علیه) لما قَلَّدَهُ مِصْرَ ... 343

28- ومِن كِتَابٍ لَهُ (علیه السّلام) إلى معاويةَ جَوابًا، وهو مِن مَحَاسِنِ الكُتُبِ ... 346

29 - ومِن كِتَاب لَهُ (علیه السّلام) إلَى أهْل البَصْرَةِ ... 353

30 ومِن كِتَابِ له (علیه السّلام) إلى مُعَاوِيَةَ ... 354

31- ومِن وَصِيَّةٍ لَهُ (علیه السّلام) للحَسَنِ ابْنِهِ (علیهما السّلام)، وكتبها إليهِ بحَاضِرِينَ عِندَ انْصِرافِهِ مِن صفين ... 355

المحتويات ... 375