موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن جلد 13

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

مركز الأبحاث العقائدية - سلسلة ردّ الشبهات (5)

موسوعة عبد الله بن عباس

حبر الأمة وترجمان القرآن

الجزء الثالث عشر

حلقة الثالثة

عطاء غير مجذوذ من المقبول و المنبوذ

تأليف

السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسالة السابعة(7)

غريب القرآن / أدب التفسير

تأليف: السيد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي

الخرسان

الصورة

9

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

وصلواته وتحياته، ونوامي بركاته وتسليماته، على أشرف بريته، وخيرته من خلقه، محمّد المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم والسلام على آله الطيبين الشرفا، الطاهرين الخلفا، أهل بيت الرحمة ومعادن الحكمة، سفن النجاة وباب حطّة، ورضي الله عن الصحابة المهتدين، من السابقين الأوّلين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد؛ فإنّ من الأمثال: (ربّ حثيث مكيث)، أي: ربّما عجل الإنسان في أمر فكانت عجلته سبب مكثه(1)، ومنها قولهم: (ربّ عجلة تهب ريثاً)، وهو مثل يضرب للرجل يشتدّ حرصه على حاجته ويخرق فيها حتّى تذهب كلّها(2)، ومنها قولهم: (ربّ ضارّة نافعة)، وهو من الأمثال الذائعة الشائعة، وقد أثبتت الحوادث نفع بعض الكوارث، والشواهد في الحياة كثيرة، لمن كان في أمره على بصيرة، و(رُبّ) للتقليل في كتب النحويين.

والآن فماذا يعني القارئ من هذه الأمثال، فسُنّة الحياة دائماً ذات تصرّف بأهلها والأيام دول؟


1) المستقصى في الأمثال للزمخشري 94/2.

2) - فصل المقال في شرح الأمثال لأبي عبيد البكري: 335، وورد المثل في مجمع الأمثال للميداني، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، وأمثال الضبّي، والفاخر لابن سلمة، وغيرها.

والجواب: أنّي قد كتبت كتابي (موسوعة ابن عبّاس رضی الله عنه) قبل أكثر من ستّين عاماً، ولم يتسنّ لي نشره إلاّ بعد نصف قرن من تأليفه. وكان من جملة فصوله المفصّلة والمنفصلة بحث (مسائل نافع بن الأزرق الخارجي من ابن عبّاس عن غريب القرآن) وتعنّته في مسائله، حيث طلب أن يأتيه بشاهد من شعر العرب دالّ على معنى ما فسّره، وقد أطال واستطال حتّى أملّ ابن عبّاس، وجرت بينهما في آخر المحاورة كلمات دلّت على طول المسائل ومدى تعنت نافع، وقد أثارت تلك المسائل اهتمام عدد من الباحثين قديماً وحديثاً، فبين قابل بها، ومقبل عليها، نسخاً ورواية، وتحقيقاً، وأخيراً نشراً، وبين مشكّك فيها أو منكر لها جملة وتفصيلاً، كبعض المستشرقين ومن شايعهم وتخرّج بهم في ثقافته، وكان بين ذين وذين نمط أوسط عكف عليها توثيقاً وتحقيقاً، بما أدّى إليه سعيه وجهدُه، فيما توفّر لديه من مصادر، وكنت بنظري القاصر أنا من هؤلاء في الجيل المعاصر، فعكفت استقصي الكتب المعنيّة بها، في التفسير والحديث واللغة والأدب، وبذلت قصارى جهدي فيما عندي، حتّى استوت حصيلة البحث في جزئين، وسميّتهما ب-(أدب التفسير)، إلاّ أنّ المغفور له شيخنا الجليل الشيخ أغا بزرك الطهراني قدس سره لمّا اطّلع عليهما، كتب بخطّه الشريف في أوّل الجزء الأوّل، ما يلي:

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه ثقتي

هذا هو الجزء الأوّل من كتاب (غريب القرآن)، الذي ألّفه السيّد الفاضل البارع الأستاذ السيّد محمّد المهدي نجل السيّد العلاّمة الجليل السيّد

حسن آل خرسان النجفي أدام الله توفيقه، وبلّغه غاية مناه، وأعطاه أفضل ما يتمنّاه، حرّره مخلصه وداعيه الأحقر محمّد محسن المدعو بآقا بزرك، في الثاني عشر من ربيع الأوّل المولود (1372ه-).

فبعد هذا لم يبق لي من خيار غير تغيير الاسم إلى ما سمّاه شيخنا المغفور له (غريب القرآن)، أدباً معه، وتبعاً لهذا التغيير في الاسم جرى بعض التغيير في النهج والأسلوب من المقدّمة وبقية الكتاب، وقد أخذ هذا وقتاً ليس بالقليل. ولم أبادر يومئذ بطبعه بالرغم من إلحاح بعض الفضلاء الأجلاّء، فكأنّ المثل: (ربّ حثيث مكيث) صحّ عندي، حيث ضرب الدهر بجرانه علينا، الحصار الثقافي في أيام الحكم الغاشم، الذي أشاع الرعب في صفوفنا، وصرنا نخفي ما عندنا، فتلف منه ما تلف، وما بقي منه قد بقي مبعثراً مع الأسف، وصارت تلك الجهود شذر مذر، وكادت تلك الجزازات أن تضيع لولا حرصي عليها، وإن عفى عليها الزمن، فضاع رسمها، ومُحي خطّ بعضها، وصرت أنظر إليها بحسرة، وحيناً بعَبرة.

وصرت كالمأيوس، من زوال الكابوس، وعودة النشاط إلى الروح، وجرت الرياح بما لا تشتهي السَفن، إلى أن منَّ الله -- وهو اللطيف بعباده -- فأزال نظام الظلم، فزال عنّا الخوف من فرعون وملأه، فدبّت الحياة في أوساط المجتمع الحوزوي من جديد، وأسفر الصبح عن سرعة حركة النشر في بلادنا وانفتاح على نتاج البلدان الأُخرى، في شتّى ميادين المعرفة، فكان ممّا جاءنا (مسائل نافع بن الأزرق) محقّقة قد عكف عليها أساتذة جهابذة، بذلوا جهداً كبيراً في لمّ شتاتها، وتخريج أبياتها، ممّا تيسّر لهم الوقوف عليه من نسخها المخطوطة ومصادرها المطبوعة، ممّا لم يتيسّر لي الوقوف عليه

يوم كتبتها، بالرغم ممّا بذلت من سعي في سبيل تحصيل بعض مصادرها، كمعجم الطبراني (الكبير) مثلاً، الذي يضم طائفة من المسائل، وذلك قبل أن يطبع ولا توجد نسخة من مخطوطاته عندنا، فكلّفت بعض الإخوان الأعلام في هذا السبيل، كما ستأتي أسماؤهم في آخر المقدّمة، وقد تجشم أحدهم وهو المرحوم الأستاذ الحاج عبّاس أفعالي رحمه الله، فكتب لي المسائل بخطّه من (إيضاح الوقف والابتداء) نسخة مكتبة كوپرللي في استانبول في تركيا، لأنّ التصوير ممنوع، ولا أزال أحتفظ بتلك الأوراق التي كتبها مع بقية رسائله للذكرى(تغمّده الله برحمته)، وقد أفدت منها كثيراً، ووجدت بينها وبين المطبوع من مسائل نافع بعض التفاوت، أشرت إليه في محلّه.

واليوم وقد دبّت الحياة في أوصالنا من جديد، فرأينا المزيد ممّا لم نره من قبل من نتاج وافر، ومختلف المصادر، ودراسات علمية حوزوية وأكاديمية، ولكلّ من أصحابها وجهة نظر هو مولّيها، ممّا لا نتّفق معهم في جميع ما أنتجوه، ولكنّنا لا نبخس فضلهم، ولهم أجرهم فيما أصابوا، وليس عليهم وزر فيما أخطأوا ممّا لم يتعمدوه من طمس بعض الحقائق.

وفي هذا المضمار فيما صدر من دراسات مستقلّة وغير مستقلة حول مسائل نافع الخارجي، فقد اطّلعت على كثير منها، فمنها ما هو وافٍ بالغرض المقصود، ومنها ما قصر عن النهج المنشود، ومع ذلك فهو جهد صاحبه، ومبلغ علمه، وفوق كلّ ذي علم عليم. وقد اخترت من ذلك النتاج أربعة أبحاث، بينها دراسة كاملة استغنيت بها عن لمّ مبعثر الجزازات التي عندي، لأنّ فيها من الجديد ما هو مفيد وفيه المزيد، وهي كالتالي:

1- (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق)، للدكتور أحمد الخباطي، نشره في مجلّة دار الحديث الحسنية بالمغرب.

2- (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عبّاس من طريقين...)، كما كتب على صفحة العنوان: حقّقها وعلّق عليها ووضع فهارسها وذيّلها ب-(ذيل مسائل نافع) التي لم ترد في هذه الرواية، الدكتور محمّد أحمد الدالي، مدرّس العربية بجامعتي دمشق وقطر، نشر الحفان والحاني للطباعة والنشر، الطبعة الأولى سنة 1413ه- -- 1993م.

3- (مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس)، تأليف حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب. تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، روائع التراث العربي، مكتبة التراث الإسلامي 1422ه- -- 2001م.

4- (الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم. أهميته، وأثره، ومناهج المفسّرين في الاستشهاد به)، تأليف د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري، الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود، نشر مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض/ سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض/73.

وسأعرض هذه الأربعة بنصّها مجتمعة ضمن هذا الجزء الثالث من الحلقة الثالثة التي تضم العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ، وفي كلّ واحد من تلكم الأبحاث ما يخصّه من فوائد، وقد أشير معلقاً على ما يحتاج إلى التعليق مزيداً جديداً، أو مفنّداً مفيداً، ولا يعني هذا إهمال ما كتبته من قبل باسم (أدب التفسير في سلّة المهملات)، بل سأختار ممّا بقي

في الجزازات ما ينفع القارئ ويمكث في الكتاب، كدلالة على النهج الذي انتهجته، والجهد الذي بذلته، في توضيح أثر ابن عبّاس رضي الله عنه في تراث اللغة العربية، ونشاطه في تأسيس علم النحو وعلوم العربية الأُخرى، من خلال الحث على استعمال الشاهد الشعري في تفسير الحرف الذي خفي معناه عند السائل.

ولا غرابة إذا ما قرأنا عنوان كتاب جديد مفيد (ابن عبّاس مؤسس علوم العربية) بقلم أ. د. عبد الكريم بكّار، ط/2 دار الإعلام، الأردن سنة 1423 -- 2002م وإن كان هذا لا يخلو من العين اللوّامة، فهو لدّة ما تقدّم من دراسات حول مسائل نافع، فضمّه إليها مجدٍ ونافع، وسيكون هو الآخر في هذا الجزء الثالث من حلقة العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ.

وقبل ذلك أشير إلى بعض ما ينبغي ذكره:

قال ابن الأثير في (المثل السائر): (وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام، وجدناه سهلاً سلساً، وما تضمّنه من الكلمات الغريبة يسير جدّاً، هذا وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلّها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالاً، وكفى به قدوة في هذا الباب، قال النبيّ صلى الله عليه و أله وسلم: (وما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أُمّ القرآن، وهي السبع المثاني) يريد بذلك فاتحة الكتاب)(1).

وقال: (أحسن الكلام ما عرف الخاصّة فضله وفهم العامّة معناه)(2).


1) المثل السائر 157/1.

2) - المثل السائر 157/1 -- 158.

ومن النماذج ذات الدلالة على ما كان عند ابن عبّاس من إلمام واسع وإحاطة تامّة بالشعر العربي وانتقاء الشواهد منه، كما هو دالّ على مدى تأثره بالإمام عليّ عليه السلام بالظاهرة القرآنية، حتّى في ترسيخها في الوعي الثقافي العربي، حيث يستشهد بالشعر الجاهلي أحياناً.

فقد روى نصر بن مزاحم في (وقعة صفّين): أنّ الإمام لمّا سار إلى صفّين انتهى إلى مدينة بهرس، فسمع رجلاً من أصحابه يتمثل بقول الشاعر:

جرت الرياح على مكان ديارهم *** فكأنّهم كانوا على ميعاد

فقال له عليه السلام: (أفلا قلت: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ _ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ _ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ _ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ _ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(1)، إنّ هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ولم يشكروا النعمة، فسلبوا دنياهم بالمعصية، إيّاكم وكفر النعم، لا تحلّ بكم النقم، انزلوا بهذه النجوة)(2).

ومع تحوّطه من ذكر الشعر في ذلك المشهد، فقد كان عليه السلام يستشهد بالشعر أحياناً ضمن خطبه وكتبه بما يجري مجرى الأمثال، ففي الشقشقية تمثّل بقول الأعشى:

كيوم حيّان أخي جابر *** شتان ما يومي على كورها

وفي خطبة له بعد التحكيم، وما بلغه من أمر الحكمين، فقال بعد الحمد على البلاء وسبب البلوى، فقال: فكنت وإيّاكم كما قال أخو هوازن:


1) سورة الدخان/25 -- 29.

2) - وقعة صفّين: 159، ط مصر سنة 1365ه- .

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى *** فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

وفي جواب كتاب أخيه عقيل، تمثل بقول أخي بني سليم:

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني *** صبور على ريب الزمان صليب

يعزّ عليَّ أن تُرى بي كآبة *** فيشمت عاد أو يساء حبيب

ومن خطبة له لمّا بلغه استيلاء أصحاب معاوية على اليمن لمّا غلب عليها بسر بن أبي أرطاة، فقام إلى المنبر ضجراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي، وقال: (ما هي إلاّ الكوفة، أقبضها وأبسطها، إن لم تكوني إلاّ أنت تهبّ أعاصيرك، فقبّحك الله)، وتمثل:

لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني *** على وَضَرٍ من ذا الإناء قليل

وقال في آخر خطبته: أما والله، لوددتُ أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم:

نالك لو دعوت أتاك منهم *** فوارس مثل أرمية الحميم

إلى غير ذلك من الشواهد التي ذكرت في (نهج البلاغة) ضمن بعض خطبه وكتبه، وروي له شعر في معنى قوله عليه السلام: (واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة).

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غُيّب

وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب

فهو عليه السلام لم يكن على مسافة بعيدة عن الشعر رواية ودراية، حتّى أنّه عليه السلام روي عنه في المفاضلة بين الشعراء الجاهليين، وسُئل من أشعر الشعراء؟ فقال عليه السلام : (إنّ القوم لم يجروا في حلبة تُعرَفُ الغاية عند قصبتها،

فإن كان ولا بدّ فالملك الضلّيل) -- يريد امرأ القيس -- وفي هذا دلالة على إحاطة تامّة بأشعار الجاهليين.

ومن كان بهذه المثابة، فلا بدع لو شابهه تلميذه البارّ الوفي الصفي، الذكي الألمعي، حبر الأُمّة، فعلمه من علمه كما مرّ اعترافه بذلك في الجزء الأوّل من الحلقة الثانية (في ينابيع العلم)، وغير ذلك من المواضع.

فلا غرابة أن كان ابن عبّاس مبرّزاً في معرفة الشعر والشعراء، وهو الذي كان يحضّ على طلب ما استبهم معناه من آي الذكر الحكيم في الشعر، ومرّت بنا أقواله في ذلك أيضاً في الجزء الثالث من الحلقة الثانية؛ فراجع!

إذن لا بدع إن روت المصادر الأدبية كثرة الشواهد الدالّة على ثقافته العالية المتميّزة في معرفة الشعر الجاهلي، حتّى كان يحتكم إليه في المفاضلة بين الشعراء، كما في حديث عمر بن الخطّاب معه، وقد سأله من أشعر الناس، وهذا أيضاً قد مرّ ذكره في الجزء الرابع من الحلقة الثانية في إحدى احتجاجاته على عمر؛ فراجع. وتبقى مسائل نافع بن الأزرق في غريب القرآن من ابن عبّاس، أثراً باقياً في موسوعته.

تبصير فيه تنوير:

قال الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه (التبيان في تفسير القرآن):

(... ولولا عناد الملحدين وتعجرفهم، لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشيء المشتبه في القرآن، لأنّ غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر

جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الأعراب، أو مَثَل سائر عن بعض أهل البادية، ولا تكون منزلة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم -- وحاشاه من ذلك -- أقلّ من منزلة واحد من هؤلاء، ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي وزهير بن كعب -- كذا والصواب كعب بن زهير -- وغيرهم.

ومن طرائف الأمور أنّ المخالف إذا أورد عليه شعر من ذكرناه ومَن هو دونهم سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وهو لا يرضى بقول محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، ومهما شكّ الناس في نبوّته، فلا مرية في نسبه، وفصاحته، فإنّه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة، ويرجع إليهم في معرفة اللغة، ولو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلّقاً عليه في اللحن والغلط والمناقضة لتعلّقوا به، وجعلوه حجّة وذريعة إلى إطفاء نوره وإبطال أمره، واستغنوا بذلك عن تكلّف ما تكلّفوه من المشاق في بذل النفوس والأموال، ولو فعلوا ذلك لظهر واشتهر، ولكن حبّ الإلحاد، والاستثقال لتحمّل العبادات، والميل إلى الفواحش أعماهم وأصمّهم، فلا يدفع أحد من الملحدين -- وإن جحدوا بنبوّته صلى الله عليه و آله وسلم -- أنّه أتى بهذا القرآن وجعله حجّة لنفسه، وقرأه على العرب. وقد علمنا أنّه ليس بأدون الجماعة في الفصاحة.

وكيف يجوز أن يحتجّ بشعر الشعراء عليه؟ ولا يجوز أن يحتجّ بقوله عليهم، هل هذا إلا عناد محض، وعصبية صرف؟ وإنّما يحتجّ علماء الموحّدين بشعر الشعراء وكلام البلغاء، اتساعاً في العلم، وقطعاً للشغب، وإزاحة للعلّة، وإلاّ فكان يجب ألاّ يلتفت إلى جميع ما يطعن عليه، لأنّهم

ليسوا بأن يُجعلوا عياراً عليه بأولى من أن يُجعل هو عليه السلام عياراً عليهم)(1).

أقاويل أشبه بالأباطيل وأعاجيب أشبه بالأكاذيب:

لقد وردت في تراجم بعض الأعلام مبالغات في الحفظ أو التأليف، سواء في التفسير، أو الحديث، أو الأدب، ممّا لا يسع الباحث الإذعان بصدقها، كيف ولم يذكر لهم من الشواهد ما يؤيد تلك الدعاوى التي ذكرت ذلك، وإنّما من باب المزايدات المناقبية في الكرامات؟

فقد جاء في كتاب (طبقات المفسّرين) للداوودي: (قال الشنبوذي -- وهو غلام شنبوذ -- : أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن)(2).

وتوالت المزايدة في الأرقام، فمثلاً ما ذكره الذهبي في كتابه (معرفة القرّاء الكبار على الطبقات والأعصار) في ترجمة ابن الأنباري، نقلاً عن أبي علي القالي، قال: (كان ابن الأنباري يحفظ ثلثماية ألف بيت شاهد في القرآن...)(3). فهل يوجد من الشعر بهذا المقدار؟!

وقال: (قال محمّد بن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من ابن الأنباري، ولا أغزر من علمه، حدّثوني عنه أنّه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقاً. قال التميمي: وهذا ممّا لا يحفظ لأحد قبله.

وحدّث أنّه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً بأسانيدها...


1) التبيان في تفسير القرآن 16/1، ط العلمية أحمد شوقي الأمين وأحمد حبيب قصير.

2) - طبقات المفسّرين 55/2.

3) - معرفة القرّاء الكبار على الطبقات والأعصار 225/2.

وقيل: إنّ ابن الأنباري أملى كتاب (غريب الحديث) في خمسة وأربعين ألف ورقة.

وله كتاب (الكافي) في ألف ورقة، وكتاب (الأضداد) وهو كبير(1)، وكتاب (الجاهليات) في سبع مائة ورقة... وله كتاب (المذكر والمؤنث) ما ألّف أحد أكبر منه)(2).

وليس على الباحث أن يؤمن بصدق جميع ما ذكره الذهبي، كما وليس من حقّه أن يشكّك في صحّة جميع ذلك. ولكن من حقّه أن يتسائل:

أوّلاً: هل هناك من الشواهد الشعرية في القرآن بذلك القدر المهول المجهول؟

وثانياً: هل يعني أنّ ابن الأنباري -- مع احترامنا له -- كان يحفظ على كلّ حرف من حروف القرآن شاهداً شعرياً.

فإنّ الفيروزابادي الشافعي قال في كتابه (بصائر ذوي التمييز) أعداد الحروف والكلمات والآيات والسور مع اختلاف المكّيين والمدنيين والكوفيين والبصريين والشاميين إلى غير ذلك ممّا ذكره في عنوان: (بصيرة في مجملات السورة وعددها، وعدد الآي، والكلمات، والحروف، والنقط، وكلّ حرف من حروف التهجّي).


1) لقد طبع أخيراً في 421 صفحة، بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبعته الكويت في سلسلة التراث العربي برقم/2 طباعة أنيقة مترفة، ولو كانت طبعته تجارية لكان دون هذا الحجم، وفي مثل حجمه لا يقال فيه (وهو كبير).

2) - معرفة القرّاء الكبار على الطبقات والأعصار 226/2.

فقال: (عن عبد الله بن مسعود، أنّه قال: آيات القرآن ستّة آلاف ومائتان وثمان عشر آية.

وحروفها ثلثمائة ألف حرف وستمائة وسبعون حرفاً...)(1).

وتزايد عدد الحروف نقلاً عن صاحب (الإيضاح)، فقد حكى عدّة روايات فليراجعها من شاء الاستزادة، وكلّها ذكرت عدد الحروف أكثر من ثلثمائة ألف حرف(2).

وإذا صحّ ما ذكره الذهبي عن ابن الأنباري، فهو يعني كان يحفظ على كلّ حرف شاهد من شعر العرب ممّا يصحّ الاستشهاد به؟!

ولا يفوتني التنبيّه على ما جاء عن ابن عبّاس في أعداد السور المكّية والمدنية وعدد الآيات والحروف، فقد أخرج ابن مردويه، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس، قال: جميع سور القرآن مائة وثلاث عشرة سورة، المكّية خمس وثمانون سورة، والمدنية ثمانية وعشرون سورة، وجميع آي القرآن ستّة آلاف آية ومائتا آية وستّ عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفاً(3).

أسلوب القرآن الكريم ومفردات ألفاظه:

قال الأستاذ منير القاضي -- رئيس المجمع العلمي -- في محاضرة له:


1) - بصائر ذوي التمييز 558/1 -- 559.

2) - بصائر ذوي التمييز 561/1 فما بعدها.

3) - الدرّ المنثور للسيوطي 638/8، ط إحياء التراث العربي بيروت.

(أليس من الغريب أن يذهب بعض المشايخ إلى وجود ألفاظ غريبة في القرآن، فيضعوا فيها كتباً قيّمة يفسّرون معانيها، إزالة لغرابتها على زعمهم، وبياناً لغموضها على رأيهم؟!

من ذلك (مفردات الراغب)، التي قال فيها: فالمتشابه من جهة اللفظ يرجع إلى الألفاظ المفردة، أمّا من جهة الغرابة نحو: الأب، ويزفّون.

و(غريب القرآن) لأبي بكر السجستاني، الذي قال في أوّله: هذا تفسير غريب القرآن ألفّ على حروف المعجم، ليقرب تناوله، ويسهل حفظه.

ونحا نحوهما كثير ممّن لهم قدم راسخة في العلم والأدب قبلهما وبعدهما، كابن دريد، وأبي عبيدة، وابن الأنباري، والسيوطي، وغيرهم(1).

وما أدري كيف فات هؤلاء الأئمّة أنّ الغرابة تمحو الفصاحة، والفصاحة ركن من أركان البلاغة، فإذا سقطت من الكلام، سقطت بلاغته، وأصبح سوقيّاً عامّاً، والقرآن كلام الله المعجز، والإعجاز أعلى درجة في سلّم البلاغة؟

وما أدري كيف جاز لهؤلاء الأحفياء في الأدب العربي أن يطلقوا اسم الغريب على طائفة كبيرة من ألفاظ القرآن الكريم، نظموها معاجم، تسهيلاً لإنقاذها من وصمة الغرابة، وهي الدراري المتألقة في سماء الإعجاز، والدرر المنظومة في سلك البيان؟

وكيف يعقل أن يخاطب الرسول قومه بغريب الألفاظ وهو في مقام


1) لقد فات القاضي ذكر ابن قتيبة، وهو ممّن ألّف في غريب القرآن، وهو مطبوع بتحقيق السيّد أحمد صقر.

التبليغ والتبيين؟

بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ(1)،وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ(2). على أنّا إذا استعرضنا ألفاظ القرآن التي وصموها بوصمة الغرابة، وحشروها في ساحة الغموض، نجدها أوضح من فلق الصبح، وأقرب تناولاً في أداء معانيها من أكثر الألفاظ التي عدّوها قريبة لا غريبة، وأليفة غير نافرة، يفهم سامعها المراد منها بلا حاجة إلى مراجعة المعاجم، أو بمراجعة سهلة توصل إلى كشف المعنى بلا تنقير مضن في المعاجم، ولا تفتيش طويل.

وها أنا أورد طرفاً من ذلك شاهداً على ما أقول:

آيات: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. أَسْبَابَ. أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً. الأكْمَهَ. مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ. الأَرْحَامَ. أَنبَاء. آلاء اللّهِ. أَدْلَى دَلْوَهُ. أَصْنَامَ. أَصْفَادِ. الأَحْزَابُ. اجْتُثَّتْ. َاجْنُبْنِي. أُتْرِفُواْ. اهْدِنَا. اسْتَوْقَدَ. اهْبِطُواْ مِنْهَا. اصْطَفَى. بَارِئِكُمْ. بَدِيعُ. بَثَّ فِيهَا. بَازِغاً. بَوَارِ. بَارِزَةً. بَهِيجٍ. تَسْفِكُونَ. تَشَابَهَتْ. قُلُوبُهُمْ. تَرْتَابُوا. تَرْهَقُهُمْ. تَسْرَحُونَ. تَبْذِير. ثَّوَابُ. الثَّرَى. ثَاقِبٌ. الثُعْبَانٌ. جَهْرَةً. جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ. جَاسُوا. زِينَةً. سَمِّ الْخِيَاطِ. شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً. عِفْريتٌ. عِجَافٌ. نَكَالَ. نَبَأَ. نَّكَثُواْ. نَقَمُواْ. يُوعُونَ.

فهذه الألفاظ الممتازة ونحوها، الجارية على اللسان بسهولة، المفهومة


1) سورة المائدة/67.

2) - سورة إبراهيم/4.

المعاني بلا كدّ أو تعب، قد عدّوها من غريب القرآن، وهي من قريب القرآن لا غريبه، ومن أليفه لا من نافره وبعيده.

فهل في هذه الألفاظ الغرّ شيء من ملامح الغرابة؟

وهل يتوقّف فهم معانيها لأوساط الناس على مراجعة المعاجم المبسوطة، والبحث عنها في كتب اللغة المطولة؟ كلاّ، فإذا لم يكن شيء من ذلك فلا غرابة فيها، لأنّ ميزان الغرابة ومقياسها في الألفاظ، وهو ما سألنا عنه لا غير. وإذا أرادوا بالغريب معنى أوسع من هذا المقياس، فهو خروج عن حدود الغرابة التي أقرّها الأدباء، ونطقت به كتب علم البلاغة إجماعاً.

فإن أرادوا بالغريب ما خفي معناه على سائر الناس، أصبح معظم كلام الفصحاء غريباً، وأصبح أكثر القرآن الكريم وسائر الكتب المنزلة، وكلام أهل الحكمة من الناس غريباً. وهذا بعيد عن الصواب كلّ البُعد ولا قائل به، فالمقياس في حدود غرابة الألفاظ هو فهم أوساط الناس، وهم الذين لم يرقوا إلى أعلى درجات البلاغة، ولم ينحطوا إلى أسفلها، بل وقفوا وسط الدرجات.

ومن الغريب أيضاً استدلال مَن ذهب إلى وجود الغريب في القرآن الكريم، بما روي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، من توقّفهم في تفسير معاني بعض الألفاظ، كلفظة (أب) في قوله:وَفَاكِهَةً وَأَبّاً(1)، ولفظة (يَزِفُّونَ) في قوله تعالى: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ(2).


1) سورة عبس/31.

2) - سورة الصافات/94.

أقول: من الغريب الاستدلال بذلك على وجود الغريب في القرآن، لأنّ الروايات في ذلك لم تتوافر فيها شروط الروايات الصحيحة، فهي إمّا مكذوبة، وإمّا ضعيفة، ولأنّ خفاء معنى اللفظ على فرد لا يستلزم خفاءه على غيره من أوساط الناس، بل علماءهم؛ بدليل أنّ من رووا عنه التوقّف في تفسير ما سئل عنه، قد أحالهم على غيره من أضرابه، ففسّرها لهم)(1). إلى هنا انتهت محاضرة الأستاذ منير القاضي.

ولإيضاح معنى المقصود بالغريب، نقول:

ليس المقصود بالغريب أن يكون مستنفراً لفظاً ومعنى، كي ما يخلّ بالبلاغة، بل يكفي أن لا يعرفه من الناس من يجهل معناه، فهو عنده غريب، وإن لم يكن عند غيره ممّن يعرف معناه.

فالناس في أيام نزول القرآن الكريم ما كانوا على مستوى واحد من الفهم، وليسوا بدعاً في ذلك، فالناس في كلّ زمان ومكان بينهم تفاوت في الفهم والإدراك.

وخذ مثلاً قصّة ذبح البقرة التي وردت في القرآن الكريم من الآية -67- حتّى الآية -71- من سورة البقرة، فكم ورد فيها من المحاولات والمجادلات الاستفهامية، فقد دلّت على أنّ بني إسرائيل لم يفهموا لأوّل مرّة ما هي البقرة؟ وتتابعت الاستفهامات تترى حول اللون والعمر.. الخ، إنّهم وإن قلنا بتعنّتهم في سؤالهم المتكرّر، لا لأنّهم لم يعرفوا لفظ البقرة لأنّه كان غريباً عليهم، لكنّهم لم يدركوا المراد منها، فقالوا وقالوا...


1) مجلّة المجمع العلمي العراقي ج1 من السنة الأولى ص25 -- 26، ط التفيض بغداد.

ولنقرأ الآيات لنتبيّن وجود الدلالة:

قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ _ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ _ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِ-عٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ _ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ _ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ(1).

وملاحظة عابرة بالمؤلّفات في غريب القرآن، نجدها يغلب عليها طابع تفسير المفردة، وقد يشمل مصطلح (الغريب) عند أصحابها تفسير المعنى، وقد يتعدى تفسير المعاني المفردة إلى المعاني المركبة فهي متداخلة.

ومهما يكن فإنّ الخوض في غريب القرآن كان منذ عهد الصحابة، ومسائل نافع بن الأزرق من ابن عبّاس هي أوّل ما وصل إلينا في ذلك، وبقي الجري على منوالها حتّى ذكر مترجمو أبان بن تغلب أنّ له تصنيفاً في غريب القرآن وذكر شواهد من الشعر.

فقد ذكر ياقوت في (معجم الأدباء) ترجمة أبان وحكى فيها عن الشيخ الطوسي قوله: (هو ثقة جليل القدر، عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي أبا محمّد عليّ بن الحسين، وأبا جعفر، وأبا عبد الله عليهم السلام ، وروى عنهم،


1) سورة البقرة/67 -- 71.

وكانت له عندهم حظوة وقدم، قال له أبو جعفر: (اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك)، وقال أبو عبد الله -- لمّا أتاه نعيه -- : (أمّا والله لقد أوجع قلبي موت أبان).

قال: وكان قارئاً فقيهاً، لُغوياً ثبتاً، وسمع من العرب وحكى عنهم، وصنّف كتاب الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر، فجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمّد الأزدي الكوفي، فجمع ما كتب أبان ومحمّد بن السائب الكلبي وأبي روق عطية بن الحارث فجعله كتاباً، فيما اختلفوا فيه وفيما اتّفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، وتارة يجيء مشتركاً على ما عمله عبد الرحمن، ولأبان أيضاً كتاب (الفضائل)(1)(2).

ومن المؤسف لم تصل إلينا نسخة من كتاب أبان، ولا من كتاب عبد الرحمن، ولقد وردت أسماء بعض من كان يحفظ الشواهد الشعرية فيستعين بها على تفسير غريب القرآن، كما مرّت في ابن الأنباري في أقاويل أشبه بالأباطيل بعض المبالغات، فراجع!

ولم يكن من الترف والسرف، أن يعطف العلماء على حفظ الشواهد الشعرية والاستشهاد بها، فثمّة بعض الأحاديث الدالّة على تعلّم الشعر لتعلّم عربية القرآن.


1) راجع ترجمته في: معجم الأدباء 107/1 -- 108، طبقات خليفة بن خياط 610/2، لسان الميزان 24/1، نور القبس: 185، بغية الوعاة 404/1، البلغة في تاريخ أئمّة اللغة: 2، أعيان الشيعة 68/5، فهرست النجاشي: 7 -- 10، ط بمبي، فهرست الطوسي: 40 -- 42، ط الحيدرية، معجم رجال الحديث 132/1 -- 143.

2) - معجم الأدباء 107/1.

فقد ذكر أبو حيان الغرناطي في تفسيره (البحر المحيط)، فقال: (وأمّا ما ورد في تفسيره)، فروى ابن عبّاس: أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: أيّ علم القرآن أفضل؟ فقال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: (عربيته فالتمسوها في الشعر)، وقال صلى الله عليه و آله وسلم أيضاً: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، فإنّ الله يحبّ أن يُعرب)(1).

وسيأتي عن ابن عبّاس الحثّ على الرجوع إلى أشعار العرب في استكشاف معنى ما خفي على قارئ القرآن من معنى لفظ تخيّله غريباً، لذا سمّي بغريب القرآن.


1) البحر المحيط 12/1 -- 13، ط دار إحياء الفكر بيروت.

غريب القرآن / أدب التفسير

تأليف: السيّد محّمد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

مقدّمة

مسائل نافع بن الأزرق الخارجي:

يرى الباحث عنها في المصادر ثلاثة مواقف بين الصحّة، والتكذيب، والتشذيب، متباينة متجاذبة، وهذه الثلاثة مواقف للأعلام فرضت على الباحث ثلاثة أبحاث، وفي كلّ منها ثلاثة فروع، وهي كما يلي:

البحث الأوّل: عن النشأة مكاناً وزماناً وأمداً، فما هو الصحيح عنها؟

البحث الثاني: عن الرواية جمعاً، وسنداً، ونماذجَ مرسلة، فما هو الصحيح فيها؟

البحث الثالث: عن القيمة الدلالية في القبول، والردّ والتشذيب، فما هو الصحيح منها؟

سيبحث الكاتب عن الإجابة الصحيحة على هذه المسائل، للوصول إلى قيمة مسائل نافع في الدراسات القرآنية، وهل لها من اعتبار عند ذوي الاعتبار، ثمّ من بعد هذا يعرض الباحث ما تبقى من الباقيات الصالحات في الجزازات، ممّا يحكي المنهج والتطبيق بعد الترميم والتلفيق.

البحث الأوّل عن النشأة مكاناً وزمانا وأمَدَاً فما هو الصحيح عنها؟

لقد مرّ مكرّراً في أجزاء الحلقة الثانية ذكر نافع بن الأزرق وغيره من زعماء الخوارج، ممّن كانوا يسألون ابن عبّاس مستفهمين حيناً، وأحياناً متعنتين، فهم على معرفة تامّة به منذ لقاء حروراء من بعد حرب صفّين، ثمّ ما جرى بعده من لقاءات أُخرى، لعلّ أخيرها وليس آخرها في حرب النهروان.

وكان نافع بن الأزرق أوّل الخوارج الذين ذكرتهم في الجزء العاشر، وذكرت بعض مسائله التي سأل من ابن عبّاس عنها متعنتاً، واستغرقت عشر صفحات من الكتاب(1)فراجع تجدها مسائل تنبئ عن حقد دفين! وقد أشرت إلى مسائله في غريب القرآن، وأنّها ستأتي في هذه الحلقة، وقد حان الموعد بالوفاء.

فنقول: إنّ مسائل نافع بن الأزرق من ابن عبّاس عن بعض ألفاظ القرآن الكريم، التي عسر عليه فهمها، أو تعاسر عليه علمها، فسأل ابن عبّاس عنها متعنّتاً ومشترطاً عليه أن يأتيه بشاهد شعري على كلّ لفظة، وهذا -- فيما أعلم -- لم يسبق إلى مثله أحد غيره مع أيّ واحد من الصحابة، لذلك


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء العاشر، الفصل الخامس، محاورات نافع مع ابن عبّاس.

اكتسبت مسائله شهرة واهتماماً من الباحثين واعتبروها -- إن صحّت -- أوّل مدرسة تفسيرية أدبية، مؤيدة بالشاهد الشعري. ولكن كان الأهم من هذا إثبات تحقّقها كلاًّ أو بعضاً، أو هي أسطورة عبّاسية كما رآها بعض الباحثين.

إذاً لا بدّ لنا بعد معرفة النشأة إجمالاً، من تحقّقها مكاناً وزماناً وأمداً في ثلاثة فروع:

الفرع الأوّل: عن المكان -- إن صحّت الرواية -- فهو أشرف مكان في الإسلام عند البيت الحرام، جنب زمزم حيث مجلس ابن عبّاس، وهذا لا خلاف في شرفه، فلا حاجة إلى التطويل في بيانه.

الفرع الثاني: عن الزمان. وهذا هو الأهم في المقام، فإنّ الخوارج منذ عرفوا بهذا الاسم منذ أيام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عرفوا بنشاطهم السياسي ضدّ الحكم القائم، ولهم في التاريخ أخبار مرعبة، ومستوعبة لما كان يجري منهم مع من خالفهم كما حدث في سنة 64ه-، حيث صاروا شيعاً وأحزاباً وكفّر بعضهم بعضاً، وجرت بينهم خطوب وحروب، كان للأزارقة جماعة نافع بن الأزرق (ت65ه-)، والنجدات جماعة نجدة بن عامر (ت69ه-)، والأباضية جماعة عبد الله بن أباض، وغيرهم ممّن ذكرتهم كتب الفرق والمقالات، كان لهؤلاء ذكر في أيام الحجّ، حتّى بلغ الحال بهم في سنة 68ه- كان لهم لواء أحد أربعة ألوية دفعت في عرفات.

فقد ذكر الطبري في حوادث سنة 68ه-، فقال: (وفي هذه السنة وافت عرفات أربعة ألوية...

وقال: وقفت في سنة ثمان وستّين بعرفات أربعة ألوية: ابن الحنفية في أصحابه في لواء قام عند جبل المشاة، وابن الزبير في لواء، فقام مقام الإمام اليوم، ثمّ تقدّم ابن الحنفية بأصحابه حتّى وقفوا حذاء ابن الزبير، ونجدة الحروري خلفهما، ولواء بني أُميّة عن يسارهما، فكان أوّل لواء انفض لواء محمّد بن الحنفية، ثمّ تبعه نجدة، ثمّ لواء بني أُميّة، ثمّ لواء ابن الزبير واتبعه الناس...

ومن الطريف أنّ ابن عمر لم يدفع تلك العشية إلاّ بدفعة ابن الزبير، فلمّا أبطأ ابن الزبير وقد مضى ابن الحنفية ونجدة وبنو أُميّة، قال ابن عمر: ينتظر ابن الزبير أمر الجاهلية، ثمّ دفع فدفع ابن الزبير على أثره)(1)فصار التابع متبوعاً(2)

زار الحجيج عصابةٌ قد خالفوا *** دين الإله ففر عبد الواحد

ترك الحلائل والإمارة هارباً *** مضى يخّط كالبعير الشارد

لو كان والده تنصلّ عِرقهُ *** لصفت مضاربه بعرق الوالد

وجاء في جمهرة أشعار العرب للقرشي: 801 ، تح البجاوي في مقدّمة قصيدة القطامي -- وهي الثالثة من الباب السابع -- : إنّ قائل الشعر هو ابن الكوسج وذكر بيتين هما:

زار الحجيج عصابة قد خالفوا *** دين الرسول وفرّ عبد الواحد

!

1) تاريخ الطبري 138/6 في حوادث سنة 68ه-.

2) - لقد ذكر الطبري في تاريخه 374/7 في حوادث سنة 129ه- مجيء أبي حمزة الخارجي الموسم، وما جرى له مع الحجّاج وفرار أمير الموسم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على المدينة ومكّة، وذكر فراره في النفر وذمّ الشاعر له بقوله:

وفي الطبري قد ذكر عكرمة مولى ابن عبّاس وأنّه كان مع نجدة الخارجي، في هذا دلالة على مفارقة عكرمة لمولاه حيّاً أو ميتاً، ولمّا كانت وفاة ابن عبّاس في سنة 68ه-، وفيما عندي أنّها كانت قبل الموسم، ولو كانت بعده لحضر الموقف مع ابن الحنفية فهو صاحبه في كلّ ملمّة.

ومهما يكن فابن عبّاس في يوم المحاورة كان بمكّة وعند زمزم، فأتاه نافع ونجدة وجماعة من الخوارج، وهذا مشهد لم يكن يخفى على السلطة الحاكمة أيّاً كانت أموية أم زبيرية، وكلاهما لا يعجبه ذلك، فلا بدّ أن نفترض زماناً لذلك المشهد من خلال سلوك الحاكمين في مكّة مع ابن عبّاس، متسلسلاً من بعد موت معاوية سنة60ه- وانفراط الحكم في الحرمين بعد شهادة الحسين عليه السلام ، فقد ثارت المدينة على بني أُميّة، ومكّة تولّى حكمها ابن الزبير، فهلك يزيد لعنه الله ومن ولاّه وتولاه في أيام تولّي ابن الزبير الحكم في مكّة، وطرد عمّال الأمويين من بعض البلاد التي بسط نفوذه عليها كالعراق واليمن مضافاً إلى الحجاز، ولمّا كانت الكعبة الشريفة قد تصدّعت نتيجة ضربها بالمنجنيق، فأراد ابن الزبير في سنة 64ه- هدمها وتجديد بنائها، فلم يوافقه الكثير من الأعيان، ومنهم ابن عبّاس، وقال له: (دعها على ما أقرّها عليه رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم فإنّي أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تُهدم وتُبنى، فيتهاون الناس في حرقها ولكن أرقعها)، فلم يقتنع بقوله، وامتنع الناس من هدمها إلى أن تولّى ابن الزبير بنفسه في جمادى الآخرة سنة 64ه-، فصعد وهدمها فتبعه الناس.. فلمّا ألصقها بالأرض، خرج ابن عبّاس من مكّة إلى الطائف مغاضباً إعظاما للمقام بها،

وقال له: (اضرب حول الكعبة الخشب، لا تبق الناس بغير قبلة). إذاً ليست هي السنة التي جرت المحاورة فيها لأنّها لا تتسق مع ما جاء في آخرها من وصف عمر ابن أبي ربيعة بالشاب -- بالغلام -- لأنّه ولد يوم قتل عمر بن الخطّاب سنة 22 أو 23ه-، فهو يومئذ ابن أربعين سنة فيكون كهلاً، فلا بدّ إذاً أن تكون قبل سنة 64ه-، ونعود القهقرى إلى أيام معاوية وقد ملك منذ سنة 40 وحتّى هلك سنة 60ه-، وكانت مكّة المكرمة مثابة للناس، غير أنّ ولاة معاوية كانوا أشداء على الناس يضربون أبشارهم ويتعرفون أخبارهم، فهل يعقل أن يأتي نافع ونجدة ومن معهما من زعماء الخوارج للحجّ كبقية المسلمين آمنين مطمئنين، ثمّ يأتون ابن عبّاس ويسأله نافع، وتجري المحاورة بأمان سواء كانت مجملة أو مفصّلة، ولا تطرف عين السلطة لهم بنظرة مريبة ويسلمون من شرّها؟

سؤال يحتاج إلى مزيد من وعي والتفكير، قبل الإجابة عليه بنعم، أو لا، لأنّ معاوية قد أخاف أهل الحرمين بحملته التدميرية بقيادة بسر بن أبي أرطاة منذ أن كان في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، واستمر الضغط وإخافة السُبل كلّما تمادى العمر في الغيّ.

الفرع الثالث: عن أمد المحاورة، ولا بدّ أن يكون طويلاً استغرق عدّة ساعات، بناء على صحّة رواية أصحاب المئات، ولا استحالة في ذلك سواء كانت الأسئلة -190- كما ساقها السيوطي وترك منها بضعة عشر ممّا يعني أنّها جازت المأتين، فلو افترضنا لكلّ سؤال وجواب دقيقة واحدة لاستغرقت أكثر من ثلاث ساعات، وإذا أخذنا بقول من يراها -287- سؤالاً

حسب جمعه الشتات منها، فتكون المدّة أربع ساعات ونصف، وإن تمادينا بقبول عدد من جمع ما هبّ ودب حتّى بلغ -407- سؤالاً، فسيكون أمدها طويلاً ربّما زاد على سبع ساعات، وهذا أمد طويل عريض، ويتّسق مع ما قاله المبرّد في (الكامل): (ويروى من غير وجه أنّ ابن الأزرق أتى ابن عبّاس فجعل يسأله حتّى أملّه، فجعل ابن عبّاس يظهر الضجر، وطلع عمر بن أبي ربيعة على ابن عبّاس وهو يومئذ غلام فسلّم وجلس، فقال له ابن عبّاس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك؟...)، فهذا التعبير: (فجعل يسأله حتّى أملّه، فجعل ابن عبّاس يظهر الضجر) لا يكون الملل والضجر من المسائل إن تجاوزت العشرات، فقد مرّت بنا في الجزء السادس من الموسوعة وصف مجالس درسه، وهي تستغرق وقتاً طويلاً، فلم يكن ثمّة ملل ولا ضجر، فهل كانت طبيعة المسائل مزعجة لابن عبّاس لأنّها مسائل متعنّت يريد الوقيعة بالمسؤول؟ أو أنّها كثيرة أخذت وقتاً طويلاً فأضجرت ابن عبّاس كثرتها؟ كيف ما شئت فقل، فقد قبلها قوم ورفضها آخرون، وتوسّط بينهما ثالث، فكان له رأي وجيه لا زائغ ولا عابث. وهذا ما نقرأ عنه في البحث الثاني في الرواية من طريق الجمع والسند، والإرسال، فلننظر ما هو الصحيح فيها؟

البحث الثاني عن الرواية جمعاً وسنداً ونماذج مرسلة

(1)-- أمّا الجمع فقد اتّفق المعنيّون بها أنّ أوّل من عني بجمعها هو الطستي -- ابن الطستي -- ولا بدّ أن نتعرّف عليه ما دام شغفه حبّها، فعمد إلى جمعها من أفواه الرواة.

قال ابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب): أبو الحسين عبد الصمد ابن علي مكرم، المعروف بابن الطستي، توفي سنة 346ه- عن ثمانين سنة، روى عن أبي بكر بن أبي الدنيا وأقرانه، وله جزء معروف(1).

وذكر الذهبي في (تذكرة الحفاظ) وفاته في وفيات سنة 346ه-، وقال: (ومسند بغداد أبو الحسين عبد الصمد بن علي الطستي...)(2).

وذكره أيضاً في (سير أعلام النبلاء)، وقال: (الطستي المحدّث الثقة المسند أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمّد بن مكرم البغدادي الطستي الوكيل، سمع أحمد بن عبيد الله النرسي، وأبا بكر بن أبي الدنيا، ودبيس بن سلام القصباني، وحامد بن سهل، وإبراهيم الحربي، وطبقتهم، وله جزءان مرويان للسلفي، وقع لنا أحدها بالاتصال، وحدّث عنه أبو الحسن ابن رزقويه، وأبو الحسين بن بشران، وعلي بن داود الرزاز، وأبو


1) انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب 219/3 ، ط بيروت دار التراث العربي.

2) - تذكرة الحفاظ: 863، ط الهند.

علي بن شاذان، وعاش ثمانين سنة توفي في شعبان سنة 346ه-)(1).

أقول: فهذا هو الطستي، وهو أوّل من جمع أشتات المسائل فرواها بإسناده، كما سيأتي ذكر الإسناد.

وتوجد نسخة من مسائل نافع بجمعه وروايته في دار الكتب المصرية في المجاميع -116-، صورة منها في المجمع العلمي العراقي، وعن هذه الصورة حقّق المسائل المرحوم الدكتور إبراهيم السامرائي ونشرها بعنوان: (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس) في عددي 5 و6 من السنة الثانية من مجلّة رسالة الإسلام، وأعاد طبعها بمطبعة المعارف بغداد سنة 1968م، ولم تبلغ نشرته الثلثمائة سؤال، مع أنّه حشر بين جمع الطستي ما ليس منه، ولو كان حيّاً لأعاد التحقيق من جديد لا بالتلفيق للتعضيد.

ومسائل الطستي نثرها السيوطي في كتابه (الدرّ المنثور)، وأوردها مجموعة في (الإتقان)، وعلى كتابه اعتمد المتأخّرون في روايتها.

وفي مكتبة الظاهرية نسختان من مسائل الطستي: إحداها في مجموع -80- تضم إضافة إلى جزء حديثي للطستي (مسائل نافع بن الأزرق، وهي أوسع ما جمع، فبلغ عددها قريباً من ثلثمائة مسألة)، وقد أناف عليها جمعاً الدكتور عبد الرحمن عميرة، إذ جمع في كتابه (مسائل الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه) ط دار الاعتصام -407- مسألة، وقد نقده سميّه بن معاضة الشهريّ في كتابه (الشاهد الشعري


1) سير أعلام النبلاء 172/12.

في تفسير القرآن الكريم)(1)، بأنّه أهمل بعض ما في مخطوطة الظاهرية، وأدخل في مسائل الطستي ما ليس منها؛ ولنجعله آخر من جمع وبينهما بون بعيد، وهذا يكفي في بيان الجمع في معرفة أوّل من جمع وآخر من جمع، وإن أتى الآخر بأكثر من مائة سؤال ما لم يأت به الأوّل (؟).

(2)-- الفرع الثاني من بحث الرواية في معرفة رجال الإسناد بالتوثيق، لنقبل الرواية، أو التجريح فندعها في سلّة المهملات.

ولمّا كانت الرواية وردت بعدّة أسانيد، فسأعرضها كما هي في نسخها المخطوطة والمطبوعة.

أوّلاً: سند الطستي: فقد رواها عن أبي سهل السري بن سهل بن حربان الجنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فرّوخ المكّي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمّد، عن أبيه أبي بكر بن محمّد...

ثانياً: سند إحدى نسختي الظاهرية ولنجعلها الأولى: فقد رواها أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف بن العلاّف (ت442ه-)، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن مسلم الختلي (ت365ه-)، عن أبي العبّاس أحمد ابن عبيد الله بن محمّد بن عمّار الثقفي (ت314ه-)، عن أبي الحسن علي بن مسلم (ت253ه-)، عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني (ت264ه-)، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني (ت202 أو 203ه-)، عن عبيد الله بن العبّاس (؟) عن جويبر (ت140 -- 150ه-)، عن الضحّاك.


1) الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم: 284، ط دار المنهاج.

سند النسخة الثانية بالظاهرية: يرويها أبو نصر محمّد بن عيسى بن الوليد التاجر العكبري (؟) عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الوزّان (ت281ه-)، عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي (ت251ه-)، وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن المفضل الحرّاني، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني، عن عبيد الله بن العبّاس، عن جويبر، عن الضحّاك.

ثالثاً: سند ابن الأنباري (ت328ه-) في كتابه (إيضاح الوقف والابتداء)، قال: (وحدّثنا بشر بن أنس، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدّثنا أبوؤ صالح هدية بن مجاهد، قال: أخبرنا محمّد بن شجاع، قال: أخبرنا محمّد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، قال: دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام...)(1)، وذكر جزءاً منها في كتابه (الأضداد)، فقد رواها عن محمّد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي عبد الله المروزي ومحمّد بن علي بن الحسن، عن أبي صالح هدية بن عبد الوهاب، عن محمّد بن شجاع، عن محمّد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، وله في كتابه (الأضداد) طريق آخر(2).

رابعاً: سند الطبراني (ت360ه-) في معجمه الكبير، وقد ذكر -31- سؤالاً، قال في أوّلها: (حدّثنا أبو خليفة الفضل بن حباب الجمحي، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، ثنا أبو عبد الرحمن الحرّاني -- وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي -- ثنا عبيد الله بن عياش وموسى بن يزيد الحرّانيّان، قالا: ثنا


1) إيضاح الوقف والابتداء: 76 -- 99.

2) - الأضداد: 33 -- 34.

جويبر، عن الضحّاك بن مزاحم الهلالي...)(1).

وهناك أسانيد أُخرى للحاكم النيسابوري في (المستدرك)، ولأبي عبيد القاسم بن سلام (ت244ه-)، وهو أوّل من سبق أن نصّ على المسائل في كتابه (فضائل القرآن)، وكذلك للمبرّد (ت286ه-) إسناد منقطع، وقد ذكر منها في كتابه (الكامل)(2)، وفي كتابه (الفاضل)(3)، وكذلك أبو زيد القرشي من علماء المائة الخامسة، ذكر المسائل في كتابه (جمهرة أشعار العرب) وغيرهم، وقد استوفى ذكرهم ابن معاضة صاحب (الشاهد الشعري في القرآن الكريم)، ونقد الأسانيد كما نقد المتن؛ فليراجع!

(3)-- المرسلات، ذكرت في جملة من المصادر التراثية في التفسير والحديث والأدب واللغة، كما في (لسان العرب) لابن منظور، وذكرها ابن أبي حاتم الرّازي في كتاب (الزينة)، وفي تفاسير البغوي، والرّازي والسمعاني، والقرطبي، وابن كثير، والنحّاس في (معاني القرآن)، وغيرهم ممّن يعسر فعلاً إحصاؤهم، وفيما ذكرت الكفاية، وبهذا تكون النهاية للبحث الثاني.


1) المعجم الكبير 248/10.

2) - الكامل 222/2، تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

3) - الفاضل: 10.

البحث الثالث في القيمة الدلالية للمسائل بين القبول والردّ والتشذيب لمعرفة أيّها الأولى والصحيح منها؟

1-- لقد دلّت أسماء الرواة إضافة إلى المعنييّن بتخريج المسائل وأصحاب المصادر قناعتهم بها، لذلك عكفوا عليها جمعاً ورواية ونسخاً وتداولاً، وهم جمع كثير عدداً، تأبى عادة طبيعة العلماء أمثالهم عن قبول ما لم يروا صحّته، ووجود الضعفاء أو أحد الوضّاعين في بعض الأسانيد، كعيسى بن دأب، لا يعني ردّ جميع ما رووه حتّى وإن لم يعارض الكتاب والسُنّة، ففي أحاديث السير والفضائل والآداب كانوا يعتمدون الروايات الضعيفة، ويتساهلون في قبولها، ولعلّ مَن قَبِل هذه المسائل كانت في نظره مقبولة إذ لم تعارض كتاباً ولا سُنّة، وتهمة عيسى بن دأب بالوضع لها، لأنّه كان متّصلاً بالمهدي العبّاسي ومن بعده بابنه موسى الهادي، فهي مجرّد اتّهام لعيسى بن دأب، إذ لم يذكر له من الموضوعات ما يستدلّ به على إدانته، ثمّ إنّه لا يخفى على الناس كذب الوضّاعين، وقد تيقظ علماء الجرح والتعديل إلى هؤلاء، فذكروهم وشهّروهم، فلا يعقل أن يخفى أثر الوضّاعين لهذه المسائل على جمهرة أولئك الرواة والمؤلّفين لاختلاف ثقافاتهم وأزمانهم وبلدانهم، وهم ينثالون عليها رواية وجمعاً وتخريجاً، مع علمهم بوضعها؟ إنّ هذا لا يقبله من له مسكة من دين أو عقل.

ونظرة فاحصة إلى الأعلام الذين نقلوها رواية، أو دوّنوها في مؤلّفاتهم مجموعة أو متفرّقة، تجعلنا نخبت بصحّتها إجمالاً، وأنّ لها حقيقة واقعية، فإنّ أمثال أبي عبيد القاسم بن سلام (ت244ه-) ذكرها في كتاب (فضائل القرآن)، وكذلك محمّد بن القاسم ابن الأنباري (ت328ه-)، وهو أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، وكان يحفظ ثلثمائة ألف بيت شاهد في القرآن كما مرّ، فقد ذكرها في كتابه (إيضاح الوقف والابتداء)، ومثله المبرّد (ت286ه-) ذكر منها في كتابيه (الكامل) و(الفاضل)، كما مرّت الإشارة إليه.

فهل مثل هؤلاء الأعلام يخفى عليهم أمرها؟ لو لم يكونوا مطمئنين بصحّتها؟

2-- أمّا الذين رفضوها جملة وتفصيلاً، كبروكلمان وجولدزيهر، ومن اعتبرها أسطورة عبّاسية، وتابعه أمثال طه حسين، وأحمد أمين، وجواد علي ومن تثّقف بثقافتهم، وسلك سبيلهم، وليس يعنينا كثيراً أمرهم، والنظر في حججهم، وسيأتي في آخر الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان) مع المستشرقين وجناياتهم، ما يكشف زيف دعاواهم الباطلة حول ابن عبّاس.

3-- التشذيب فيما أراه هو الموقف الوسط بين القبول والتكذيب، وذلك أنّا قرأنا في أوّل البحث الثالث القيمة الدلالية قناعة الرواة وأصحاب المصادر بصحّتها، وعكوفهم عليها رواية وجمعاً دليل قناعتهم بقبولها جملة وتفصيلاً، وقلنا قريباً: إنّ الذين كذّبوها هم بعض المستشرقين وبعض المستغربين، الذين بهرتهم ثقافة الغربيين فتابعوهم، فانكروها وقالوا عنها إنّها موضوعة

لإعلاء شأن ابن عبّاس جدّ العبّاسيين، وذكروا اتّهام عيسى بن دأب بوضعها لأنّه كان من الوضّاعين، وذكروا له القدرة على الإيهام، وقلت إنّه مجرّد إتهام، وذكرت أنّ المسائل رواها بعض العلماء بأسانيد ليس فيها عيسى بن دأب، وتبقى المسائل لها شأن عند علماء اللغة والتفسير، وهي علم يُبتغى لزيادة المعرفة في البحث والتنقير، وليس لها في تراث الصحابة من نظير.

فالذي لا شكّ فيه أنّ نافع بن الأزرق قد أتى ابن عبّاس ومعه نجدة بن عامر ورجال من الخوارج، ورأوا ابن عبّاس وقد ازدحم عليه الناس يسألونه وهو يجيبهم، فغاضهم ذلك المشهد -- كما سيأتي في بداية الخبر ما يدلّ على هذا -- فجاؤه وصار نافع يسأله متعنتاً عن تفسير ألفاظ من القرآن الكريم عسر عليه فهمها، أو تعاسر عليها، وسيأتي الحديث عنها نقلاً عن (معجم الطبراني)، حيث رواها بإسناده، وذكر -31- سؤالاً، وهذا الرقم مقبول ومعقول، ولا يستغرق كثير وقت حتّى يملّ المسئول ويظهر الضجر -- كما في رواية المبرّد في كامله عن حال ابن عبّاس -- ولو شئنا الاستكثار ففي رواية ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء نجد خمسين سؤالاً كما سيأتي ذكرها، وهو رقم مستساغ قبوله على مضض من القارئ، وملل وضجر من المسئول وهذا بنظري القاصر، يتسق مع رواية المبرّد في كامله بأنّ ابن عبّاس أظهر الضجر، ورأى في مجيء الغلام عمر بن أبي ربيعة -- شاعر الغزل -- فرصة للخلاص من أسار المسائل المتكثرة في تعنت سائلها، فقال له: ألا تسمعنا من شعرك، فانشده قصيدته ذات الثمانين بيتاً، وسنأتي على ذكرها وما جرى بينه وبين نافع حولها.

فعلى هذا التشذيب تكون المسائل في أصلها صحيحة، وحقيقة لها واقع مشهود، ذكرها من تلاميذ ابن عبّاس: الضحّاك، وعكرمة، وميمون بن مهران، و...

والآن إلى قراءة ما أراه صحيحاً برواية الطبراني في (المعجم الكبير):

قال: (حدّثنا عبد الله بن محمّد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا محمّد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عبّاس، فقال: تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال: نعم، فقرأ عليه: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ: المغرب، وَحِينَ تُصْبِحُونَ: الصبح، وَعَشِيّاً: العصر، وَحِينَ تُظْهِرُونَ(1)، قال: الظهر، وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء(2)، قال: صلاة العشاء)(3).

وقال: (حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، ثنا أبو عبد الرحمن الحرّاني -- وهو عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي -- ثنا عبيد الله بن عياش وموسى بن يزيد الحرّانيان، قالا: ثنا جويبر، عن الضحّاك بن مزاحم الهلالي، قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج لينقرون عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة, فإذا هم بعبد الله بن عبّاس قاعداً قريباً من زمزم, وعليه رداء أحمر


1) سورة الروم/17 -- 18.

2) - سورة النور/58.

3) - المعجم الكبير 447/10 برقم -10596-

وقميص, وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير, يقولون: يا ابن عبّاس! ما تقول في كذا وكذا؟ فيقول: هو كذا أو كذا.

فقال له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا بن عبّاس على ما تجريه منذ اليوم.

فقال له ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك يا نافع وعدمتك، ألا أخبرك من هو أجرأ منّي؟

قال: من هو يا بن عبّاس؟

قال: رجل تكلّم بما ليس له به علم، ورجل كتم علماً عنده.

قال: صدقت يا بن عبّاس! أتيتك لأسألك.

قال: هات يا ابن الأزرق فسل.

قال: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ(1)، ما الشواظ؟

قال: اللهب الذي لا دخان فيه.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت:

ألا مَنْ مُبلغٌ حسّان عنَّي *** مُغلغلة تَدبُّ إلى عُكاظِ

أليس أبوك قَيْناً كان فينا *** إلى القَيْناتِ فَسلا في الحِفاظِ


1) سورة الرحمن/35.

يمانيّاً يظل يَشُب كيراً *** وينفُخُ دائباً لهبَ الشُواظِ

قال: صدقت، فأخبرني عن قوله: وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ(1)، ما النحاس؟

قال: الدخان الذي لا لهب فيه.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت [قول] نابغة بني ذبيان يقول:

يُضيء كضوء سراج السَّليط *** لم يجعل الله فيه نُحاساً

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ(2)؟

قال: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجاً.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي وهو يقول:

كأنَّ النَّصلَ والفوقينِ مِنهُ خِلالَ الرَّيشِ سِيط بهِ مَشيجُ

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(3)، ما الساق بالساق؟


1) سورة الرحمن/35.

2) - سورة الإنسان/2.

3) - سورة القيامة/29.

قال: الحرب، قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب:

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها *** وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بَنِينَ وَحَفَدَةً(1)، ما البنون والحفدة؟

قال: أمّا بنوك فإنّهم يعاطونك، وأمّا حفدتك فإنّهم خدمك.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت الثقفي:

حفد الولائد حولهن وألقيت *** بأكفهن أزمة الأحمال

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ(2)، ما المسحّرون؟

قال: من المخلوقين.

قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ؟


1) سورة النحل/72.

2) - سورة الشعراء/125.

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت وهو يقول:

فإن تسألينا مم نحن فإنّنا *** عصافير من هذا الأنام المسحّر

قال: صدقت، فأخبرنا عن قول الله عزّ وجلّ: فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ(1)، ما المليم؟

قال: المذنب.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت وهو يقول:

بعيد من الآفات لست لها بأهل *** ولكن المسئ هو المليم

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(2)، ما الفلق؟

قال: ضوء الصبح.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:

الفارج الهم مبذول عساكره *** كما يفرّج ضوء الظلمة الفلق

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا


1) سورة الذاريات/40.

2) - سورة الفلق/1.

فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(1)، ما الأسى؟ قال: لكي لا تحزنوا.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:

قليل الأسى فيما أتى الدهر دونه *** كريم النثا حلو الشمائل مُعجب

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ(2)، ما يحور؟

قال: يرجع.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:

وما المرء إلاّ كالشهاب وضوؤه *** يحور رماداً بعد إذ هو ساطع

قال: صدقت فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ(3)، ما الآن؟

قال: الذي قد انتهى حرّه.


1) سورة الحديد/23.

2) - سورة الانشقاق/14.

3) - سورة الرحمن/44.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بني ذبيان:

فإن يقبض عليك أبو قبيس *** تحط بك المنية في هوان

وتخضب لحية غدرت وخانت *** بأحمر من نجيع الجوف آن

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(1)، ما الصريم؟

قال: كالليل المظلم.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بني ذبيان:

لا تزجروا مكفهراً لا كفاء له *** كالليل يخلط أصراماً بأصرام

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(2)، ما غسق الليل؟

قال: إذا أظلم.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟


1) سورة القلم/20.

2) - سورة الإسراء/78.

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة:

كأنّما جلّ ما قالوا وما وعدوا *** آل تضمنه من دامس غسق

[قال أبو خليفة: الآل الشراب الصواب، كأنّما جلّ ما قالوا [وما وعدوا] أدراج من الراوي.

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(1)، ما المقيت؟

قال: قادراً.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وإنّي في مساءته مقيت

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(2)؟

قال: إقباله بسواده.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:


1) سورة النساء/85.

2) - سورة التكوير/17.

عسعس حتّى لو يشاء كان لنا من ضوء نوره قبس

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ(1)؟

قال: الزعيم: الكفيل.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:

وإنّي زعيم إن رجعت مملّكا *** بسير ترى منه الفرانق أزورا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَفُومِهَا(2)، ما الفوم؟

قال: الحنطة.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي:

قد كنت تحسبني كأغنى وافد *** قدم المدينة عن زراعة فوم

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الأَزْلاَمِ(3)، ما الأزلام؟

قال: القداح.


1) سورة يوسف/72.

2) - سورة البقرة/61.

3) - سورة المائدة/3.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول الحطيئة:

لا يزجر الطير إن مرّت به سنحا *** ولا يقام له قدح بأزلام

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(1)؟

قال: أصحاب الشمال.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ؟

قال: أما سمعت بقول زهير بن أبي سلمى:

نزل الشيب بالشمال قريباً *** والمرورات دائيا وحقيرا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(2)؟

قال: اختلط ماؤها بماء الأرض.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير بن أبي سلمى:


1) سورة الواقعة/9.

2) - سورة التكوير/6.

لقد عرفت ربيعة في جذام *** وكعب خالها وابنا ضرار

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ(1)، ما الحبك؟

قال: ذات الطرائق.

قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير بن أبي سلمى:

مكلّل بأُصول النجم تنسجه *** ريح الشمال لضاحي مائه حبك

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: جَدُّ رَبِّنَا(2)، ما جد ربّنا؟

قال: ارتفعت عظمته.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ؟

قال: نعم، أما سمعت قول طرفة بن العبد للنعمان بن المنذر:

إلى ملك يضرب الدارعين *** لم ينقص الشيب منه قبالا

ترفع بجدك إنّي امرؤ *** سقتني الأعادي سجالاً سجالا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً(3)؟


1) سورة الذاريات/7.

2) - سورة الجنّ/3.

3) - سورة يوسف/85.

قال: الحرض: البالي.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول طرفة بن العبد:

أمن ذكر ليلى إن نأت غربة بها *** أعد حريضاً للكراء مُحرِّم

قال: صدقت فأخبرني عن قول الله جلّ ذكره: وَأَنتُمْ سَامِدُونَ(1)، ما سامدون؟

قال: لاهون.

قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت بقول هزيلة بنت بكر وهي تبكي عادا: .

بعثت عاد لقيما *** وأبا سعد مريدا

قيل قم فانظر إليهم *** ثمّ دع عنك السمودا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِذَا اتَّسَقَ(2)، ما اتساقه؟

قال: إذا اجتمع.

قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ؟

قال: نعم، أما سمعت بقول ابن صرمة الأنصاري:

إنّ لنا قلائصاً نقائقا *** مستوسقاتٍ لو يجدن سائقاً


1) سورة النجم/61.

2) - سورة الانشقاق/18.

قال: صدقت فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (الأحد الصمد)، أمّا الأحد فقد عرفناه، فما الصمد؟

قال: الذي يصمد إليه في الأمور كلّها.

قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ؟

قال: نعم، أما سمعت بقول الأسدية:

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يَلْقَ أَثَاماً(1)، ما الأثام؟

قال: جزاء.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ؟

قال: نعم، أما سمعت بقول بشر بن أبي خازم الأسدي:

وإنّ مقامنا ندعو عليهم *** بأبطح ذي المجاز له أثام

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَهُوَ كَظِيمٌ(2)، ما الكظيم؟

قال: الساكت.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول زهير بن جذيمة العبسي:


1) سورة الفرقان/68.

2) - سورة الزخرف/17.

فإن تكُ كاظماً بمصاب شاسٍ *** فإنّي اليوم مُنطلق لساني

قال: صدقت فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً(1)؟

قال: صواباً.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت بقول خداش بن زهير:

فإن سمعتم بحبلٍ هابط سرفاً *** أو بطن قومٍ فأخفوا الرِّكز واكتتمُوا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ(2)؟

قال: إذ تقتلونهم بإذنه.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت بقول عتبة الليثي:

نحسهم بالبيض حتّى كأنّما *** نفلق منهم بالجماجم حنظلا

قال: صدقت، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ [لم أجد الآية في المصحف الشريف (يا أيّها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء) ووجدت: يَا


1) سورة مريم/98.

2) - سورة آل عمران/152.

أَيُّهَا النبيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء(1)، هل كان الطلاق في الجاهلية؟ قال: نعم، طلاقاً بائناً ثلاثاً، أما سمعت قول أعشى بني قيس بن ثعلبة حين أخذه أختانه عنزة، فقالوا له: إنّك قد أضررت بصاحبتنا، وإنّا نقسم بالله أن لا نضع العصا عنك أو تطلّقها، فلمّا رأى الجدّ منهم وأنّهم فاعلون به شرّاً، قال:

يا جارتا بيني فإنّك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه

فقالوا: والله لتبيّنن لها الطلاق أو لا نضع العصا عنك، فقال:

فبيني حصان الفرج غير ذميمة *** وما موقة منّا كما أنت وامقه

فقالوا: والله لتبيّن الطلاق أو لا نضع العصا عنك، فقال:

وبيني فإنّ البين خير من العصا *** وإن لا تزالي فوق رأسك بارقه

فأبانها بثلاث تطليقات)(2).


1) سورة الطلاق/1.

2) - المعجم الكبير 447/10 -- 256 برقم -10597-. قال في المجمع 310/6 فيه جويبر، وهو متروك. وقال في 284/9 وفيه جويبر، وهو ضعيف. وتقدّم أنّه لم يسمع من ابن عبّاس، وفي نسخة (ننفرون).

مسائل نافع بن الأزرق برواية ابن الأنباري المتوفى سنة 328ه-

لقد روى ابن الأنباري في كتابيه (الأضداد) و(إيضاح الوقف والابتداء) مسائل نافع بأسانيد تخص كلّ واحد من كتابيه، وهذا ممّا يزيدنا اطمئناناً بوقوع المسائل، خاصّة إذا لاحظنا كتابه (الأضداد)، فهو ذكر سؤالين من المسائل وساق كلّ واحد بالسند الذي ساق به الآخر، وفي كتابه (إيضاح الوقف والابتداء) ذكر خمسين سؤالاً ساقها بسند غير سنده في كتاب (الأضداد)، ممّا دلّ على إصراره عملياً على صحّة المسائل لتعدّد الأسانيد. ولمّا كنت قد ذكرت سابقاً جميع ما رواه ابن الأنباري في جملة ما جمعت من المسائل في كتابي (أدب التفسير)، فلم أميّزها بأسانيدها، لأنّي ذكرت الأسانيد لغرض التوثيق في مقدّمة الكتاب. أمّا الآن وقد تغيّر نهج الكتاب بدءاً من اسمه ومروراً بموادّه، وانتهاءاً ببعثرة أوراقه، فرأيت ذكر ما رواه ابن الأنباري بنصّه، لأنّه في جمعه أقرب إلى الصحّة والقبول من رواية غيره ممّن ذكر المئات حتّى بلغت الثلثمائة، وفي جمع الدكتور عميرة عَمُرت حتّى بلغت -407-، ومن هنا حدث الشكّ والإنكار.

ومهما يكن فإنّي سأذكر المسائل برواية ابن الأنباري، وهي كما يلي:

قال في (الأضداد): (وحدّثنا أبو محمّد جعفر بن أحمد بن عاصم

الدمشقي، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي العبّاس، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: قال نافع بن الأزرق لعبد الله بن العبّاس: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(1)، ما معناه؟

فقال ابن عبّاس: عسعس: أقبلت ظلمته.

فقال له نافع: فهل كانت العرب تعرف هذا؟

فقال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:

عسعس حتّى لو يشاء إدّنى *** كان له من ناره مقبس)(2)

وقال: (وأخبرنا أبو محمّد جعفر بن أحمد بن عاصم -- وساق السند كما مرّ عن الضحّاك -- قال: سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن العبّاس عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَنتُمْ سَامِدُونَ(3)؟

فقال: معناه: لاهون.

فقال نافع: وهل كانت العرب تعرف هذا في الجاهلية؟

قال: نعم، أما سمعت قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي عاداً حيث تقول:

بعثت عاد لقيما *** وأبا سعد مريدا

وأبا جلهمة الخيرَ *** فتى الحي العنودا

قيل قم فانظر إليهم *** ثمّ دع عنك السمودا)(4)


1) سورة التكوير/17.

2) - الأضداد: 33، ط الكويت بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

3) - سورة النجم/61.

4) - الأضداد: 43.

وقال في (إيضاح الوقف والابتداء)(1):

116- وحدّثنا بشر بن أنس(2)، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسن(3)ابن شقيق، قال: حدّثنا أبو صالح هدية(4)بن مجاهد، قال: أخبرنا محمّد بن شجاع، قال: أخبرنا محمّد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، قال: دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام، فإذا هو بابن عبّاس جالساً على حوض من حياض السقاية قد دلّى رجليه في الماء، وإذا الناس قيام عليه يسألونه عن التفسير، فإذا هو لا يحبسهم بتفسيره.

فقال نافع: تالله ما رأيت رجلاً أجرأ على ما تأتي به منك يا ابن عبّاس.

فقال له ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك، أولا أدلّك على من هو أجرأ منّي.

قال: ومن هو؟

قال: رجل تكلّم(5)بغير علم، أوكتم علماً عنده.

فقال نافع: يا بن عبّاس! إنّي(6)أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها.

قال: سل عمّا شئت(7).


1) إيضاح الوقف والابتداء 76/1 برقم 116، ط مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1390ه- بتحقيق محي الدين عبد الرحمن رمضان.

2) - ك (بشر بن أنس أبو الخير).

3) - ح (الحسين).

4) - ك (هدبة).

5) - ك (من تكلّم).

6) - لفظ (إنّي) سقط من: غ، ك.

7) - المسائل 2/ب -- 5/أ، والكامل 140/2.

(1)-- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ(1)؟

قال: الخيط الأبيض: ضوء النهار، والخيط الأسود: سواد الليل(2).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل القرآن؟

قال: نعم، قال أُميّة بن أبي الصلت:

الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلقٌ *** والخيط الأسود لون الليل مكموم(3)

[قال أبو بكر: النَّصب في منفلق أجود على الحال](4).

(2)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ(5)، ما السِّنة(6)؟

قال: النعاس(7). قال زهير ابن أبي سلمى:

لا سِنة في طوال الدهر تأخذه *** ولا ينام ولا في أمره فند(8)

16/ب.

(3)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ(9)، ما الربِّيون؟


1) سورة البقرة/187.

2) - اللسان: (خيط)، ومفردات الأصفهاني: 161.

3) - لم أجده في ديوانه، وهو في اللسان: (خيط).

4) - قوله: (قال أبو بكر... على الحال) سقط من: س، ك، ح.

5) - سورة البقرة/255.

6) - لفظ (السنة) سقط من: ز.

7) - غ (قال: السِنة: النعاس)، انظر: تفسير الطبري 391/5، واللسان: (سنن)، ومفردات الأصفهاني:545.

8) - لم أجده في ديوانه، وهو في تفسير القرطبي 25/1.

9) - سورة آل عمران/146.

قال: الجموع: الكثيرة(1). قال فيه حسّان بن ثابت:

وإذا معشر تجافوا عن الحقّ *** حملنا عليهم ربيّا(2)

(4)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ(3)، ما الكاظمون؟

قال: الحابسون الغيظ(4). قال عبد المطّلب بن هاشم:

فحضَضْت قومي واحتسبت(5)قتالهم والقوم من خوف قتالهم كُظُم(6)

(5)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: إِلاَّ رَمْزاً(7)، ما الرَّمز؟

قال: الوحي بالحاجب(8)، قال فيه الشاعر:

ما في السماء من الرحمن من رمزٍ *** إلاّ إليه وما في الأرض مِن وَزَرِ(9)

(6)-- قال: فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ: إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً(10)، ما الحُوب؟


1) تفسير الطبري 266/7، واللسان: (ربب)، وغريب القرآن: 113.

2) - لم أجده في ديوانه، وهو في الإتقان في علوم القرآن 133/1.

3) - سورة آل عمران/134.

4) - اللسان: (كظم)، ومفردات الأصفهاني: 446

5) - ك: (واحتبست).

6) - في تفسير القرطبي 249/9.

7) - سورة آل عمران/41.

8) - اللسان: (رمز)، وغريب القرآن: 105.

9) - لم أعرف قائله، وهو في الإتقان في علوم القرآن 124/1.

10) - سورة النساء/2.

قال: الإثم(1). قال فيه الأعشى:

فإنّي وما كلفتموني وربّكم لأعلم من أمسى أعق وأحوبا(2)

(7)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً(3)، ما الفتيل؟

قال: ما في شقّ النواة، وما فتلت بين أصابعك من الوسخ(4). قال فيه زيد الفوارس:

أعاذل بعض لومك لا تلِجّي *** فإنّ اللوم لا يغني فتيلا(5)

(8)-- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً(6)، ما النقير؟

قال: ما في ظهر النَّواة(7)، قال فيه الشاعر 17/أ:

لقد رزحت كلاب بني زُبيد(8)*** فما يعطون سائلهم نقيرا(9)

(9)-- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(10)، ما المُقيت؟


1) اللسان: (حوب)، وغريب القرآن: 114، ومفردات الأصفهاني: 133.

2) - ديوان الأعشى: 115.

3) - سورة النساء/49.

4) - اللسان: (فتل)، وتفسير الطبري 458/8.

5) - لم أجده في مصدر ممّا عدت إليه.

6) - سورة النساء/53.

7) - تفسير الطبري 473/8، واللسان: (نقر)، ومفردات الأصفهاني: 523.

8) - غ (تميم)، وفي حاشيتها (زبيد نمير).

9) - لم أعرف قائله.

10) - سورة النساء/85.

قال: المُقتدر(1). وقال فيه أحيحة بن الجُلاح:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته مُقيتا(2)

10 -- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ(3)، ما الألم؟

قال: الوجع(4). قال فيه الأعشى:

لا نقيهم حدَّ السلاح ولا نأ *** لم جرحاً ولا نبالي السَّهاما(5)

11- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ(6)، ما المخمصة؟

قال: الجوع(7). قال فيه الأعشى:

تبيتون في المشتى ملاء بُطونكم *** وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا(8)

12- قال: أخبرني(9)عن قول الله تعالى: وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ(10)، ما الوسيلة؟


1) تفسير الطبري 583/8، واللسان: (مقت).

2) - وينسب إلى غيره كما في إصلاح المنطق: 267، وهو في غريب القرآن: 132، واللسان: (مقت)، ومفردات الأصفهاني: 19، والمسائل: 3/أ.

3) - سورة النساء/104.

4) - تفسير الطبري 172/9، واللسان: (ألم)، ومفردات الأصفهاني: 19.

5) - ديوانه: 249.

6) - سورة المائدة/3.

7) - اللسان: (خمص)، مفردات الأصفهاني: 159.

8) - ديوانه: 109، تفسير الطبري 533/9، عيون الأخبار 261/3.

9) - س، غ، ك (فأخبرني).

10) - سورة المائدة/35.

قال: القُربة(1). قال فيها عنترة:

إنّ العدوَّ لهم إليك وسيلةٌ إن يأخذوك تكحَّلي وتخضّبي(2)

13- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: عَذَابَ الْهُونِ(3)، ما الهون؟

قال: الهوان(4). قال فيه الشاعر عبد الله بن الحارث:

إنّا وجدنا بلاد الله واسعة تُنجي من الذلّ والمخزاة والهُون(5)

14- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(6)؟

قال: وليكتسبوا 17/ب ما هُم مكتسبون(7). قال فيه لبيد بن ربيعة:

وإنّي لآتي ما أتيت وإنّني *** لما اقترفت نفسي عليَّ لراهب(8)

15- قال: أخبرني(9)عن قول الله تعالى: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ(10)، ما تصغى؟

قال: ولتميل(11). قال فيه القطامي التغلبي:


1) اللسان: (وسل)، مفردات الأصفهاني: 545.

2) - ديوانة: 24.

3) - سورة الأنعام/93.

4) - اللسان: (هان)، غريب القرآن: 143، مفردات الأصفهاني: 570.

5) - تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير 107/1، الإصابة 52/4.

6) - سورة الأنعام/113.

7) - اللسان: (قرف)، مفردات الأصفهاني: 410، غريب القرآن: 143.

8) - ديوانه: 349.

9) - ز، س، غ، ك، ح (فأخبرني).

10) - سورة الأنعام/113.

11) - ك (ولتميل إليه)، انظر: اللسان: (صغى)، مفردات الأصفهاني: 283.

وإذا سمعن هماهما من رفقة *** ومن النجوم غوابر لم تخفقِ

أصغت إليه هجائنٌ بخُدودها *** آذانهن إلى الحداة السُوَّقِ(1)

16- قال: أخبرني(2)عن قول الله تعالى: مَذْمُوماً مَّدْحُوراً(3)، ما المذموم؟

قال: المعيب(4). قال فيه الأعشى:

وقد قالت قتيلة إذ رأتني *** وإذ لاتعدم الحسناء ذاما(5)

17- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً(6)، ما الأُمم(7)؟

قال: الفرق(8). قال فيه بشر بن أبي خازم:

من قيس عيلان في ذؤابتها *** منهم وهم بعد قادة الأُمم(9)

18- قال: فأخبرني(10)عن قول الله تعالى: كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا(11)؟


1) ديوانه: 33.

2) - ز، غ، ك، ح (فأخبرني).

3) - سورة الإسراء/18.

4) - اللسان: (ذم)، ومفردات الأصفهاني: 182.

5) - ديوانه: 30.

6) - سورة الأعراف/168.

7) - قوله: (ما الأُمم) سقط من: س، غ.

8) - اللسان: (أُمم)، ومفردات الأصفهاني: 182.

9) - لم أجده في ديوانه.

10) - س، غ، ك، ح (فأخبرني).

11) - سورة الأعراف/92.

قال: لم(1)يعمّروا فيها(2). قال فيه(3)المهلهل:

غنيت دارنا في تهامة في الدهر *** وفيها بنو معد حلولا(4)

وقال فيه لبيد(5):

وغنيت سبتاً قبل مجرى داحس *** لو كان للنفس اللجوج خلود(6)

19- قال: أخبرني(7)عن قول الله تعالى: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً(8)، [ما الإل](9)؟

قال: الرحم(10). 18/أ قال فيه حسّان بن ثابت:

لعمرك إنَّ ألّك من قريشٍ *** كإل السقب من رأل النعام(11)

20 -- قال: فأخبرني عن قول الله: يَوْمٌ عَصِيبٌ(12)ما العصيب؟


1) ح (كأن لم).

2) - اللسان: (غني)، وغريب القرآن: 170.

3) - لفظ (فيه) سقط من: ك.

4) - اللسان: (غني).

5) - غ (لبيد أيضاً).

6) - ديوانه: 35، وإصلاح المنطق: 10.

7) - س، غ، ك، ح (فأخبرني).

8) - سورة التوبة/10.

9) - تتمة لازمة من: ك، ح.

10) - اللسان: (ألل)، ومفردات الأصفهاني: 19، وغريب القرآن: 183.

11) - ديوانه: 407، والأضداد: 396.

12) - سورة هود/77.

قال: الشديد(1). قال فيه عدّي بن زيد:

فكنت لزاز خصمك(2)لم أُعرِّد *** وقد سلكوك في يومٍ عصيبِ(3)

21- قال: أخبرني(4)عن قول الله تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ(5)، ما(6)القطع؟

قال: آخر الليل: سحر(7). قال(8)مالك بن كنانة:

ونائحةٍ تقوم بقطع ليل *** على رجل أهانته(9)شعوب(10)

22- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ(11)؟

قال: الَّلعنة بعد الَّلعنة(12). قال فيه نابغة بني(13)ذبيان:


1) اللسان: (عصب)، ومفردات الأصفهاني: 339، وغريب القرآن: 206.

2) - غ (قومك).

3) - ديوانه: 39، وتفسير الطبري 409/15.

4) - س، غ، ك، ح (فأخبرني).

5) - سورة هود/81.

6) - ز (قال ما).

7) - اللسان: (قطع)، وغريب القرآن: 210.

8) - ك (قال فيه).

9) - غ (أصابته).

10) - لم أجده في غير الإتقان في علوم القرآن 127/1.

11) - سورة هود/99.

12) - اللسان: (رفد).

13) - ك (بن).

لا تقذفنّي برُكنٍ لا كفاءَ لهُ وإن تأَثَّفك الأعداء بالرِّفدِ(1)

23- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: هَيْتَ لَكَ(2)؟

قال: هلمّ لك(3). قال فيه أُحيحة بن الجُلاح:

به أحمي المُضاف إذا دعاني *** إذا ما قيل للأبطال هيتا(4)

24- قال: أخبرني(5)عن قول الله تعالى: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ(6)، ما الصُواع؟

قال: الإناء(7). قال فيه(8)الأعشى:

له درمكٌ في رأسه ومشارب *** وشاءُ وطبّاخ وصاعُ وديسقُ(9)

25- قال: أخبرني(10)عن قول الله تعالى: وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ(11)، ما الزّعيم؟


1) ديوانه: 36.

2) - سورة يوسف/23.

3) - اللسان: (هيت)، ومفردات الأصفهاني: 596.

4) - لم أجده في غير الإتقان في علوم القرآن 127/1.

5) - س، غ، ك، ح (فأخبرني).

6) - سورة يوسف/72.

7) - اللسان: (صوع)، ومفردات الأصفهاني: 292.

8) - لفظ (فيه) سقط من: ك.

9) - ز (ورستق)، انظر ديوان الأعشى: 217، والبيت في صفة حصن السموأل المسمّى ب-(الأبلق).

10) - ز، س، غ، ح (فأخبرني).

11) - سورة يوسف/72.

قال: الكفيل(1). قال فيه فروة بن مُسيك:

أكون زعيمكم في كلِّ عام *** بجيش جحفل لجبٍ لُهامِ(2)

26- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(3)ما الكظيم؟

قال: المغموم(4). قال فيه قيس بن زُهير:

فإن أكُ كاظماً لمصاب شأسٍ *** فإنّي اليوم منطلق لساني(5)

27- قال: أخبرني(6)عن قول الله تعالى: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً(7)، وما الحرض؟

قال: الفاسد الدّنِف(8). قال فيه طرفة:

أمِن ذكر سلمى(9)أن نأت غربةٌ بها *** كأنّك حمٌ للأطبّاء مُحرَض(10)


1) اللسان: (زعم)، ومفردات الأصفهاني: 212.

2) - لم أجده في مصدر ممّا رجعت إليه.

3) - سورة يوسف/84.

4) - المسائل 2/ب، واللسان: (كظم).

5) - وينسب إلى زهي بن جذيمة كما في المسائل 2/ب.

6) - ز، س، غ، ح (فأخبرني).

7) - سورة يوسف/85.

8) - اللسان: (حرض)، ومفردات الأصفهاني: 112.

9) - غ (ليلى).

10) - لم أجده في ديوانه، وهو في المسائل 2/ب، واللسان: (حرض).

28- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ(1)، ما المُهطع؟

قال: النّاظر(2). قال فيه الشاعر:

إذا دعانا فأهطعنا لدعوته داعٍ سميع فلفّونا وساقونا(3)

29- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ(4)، ما المُقنع؟

قال: الرّافع رأسه(5). قال فيه كعب بن زهير:

هجانٌ وحمرٌ مُقنعات رؤوسها *** وأصفر مثمول(6)من الزهو فاقعُ(7)

30 -- قال: أخبرني(8)عن قول الله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً(9)، ما الواصب؟

قال: الدّائم(10). قال فيه أُميّة بن أبي الصلت:


1) سورة القمر/8.

2) - اللسان: (هطع)، ومفردات الأصفهاني: 566، وغريب القرآن: 431.

3) - لم أعرف قائله.

4) - سورة إبراهيم/43.

5) - اللسان: (قنع)، ومفردات الأصفهاني: 424، وغريب القرآن: 233.

6) - ك (مشمول).

7) - لم أجده في ديوانه.

8) - ز، س، غ، ح (فأخبرني).

9) - سورة النحل/52.

10) - اللسان: (وصب)، ومفردات الأصفهاني: 546، وغريب القرآن: 243.

ولهُ الدين واصباً وله الم- *** -لك وحمدٌ لهُ على كلِّ حال(1)

31- قال: أخبرني(2)عن قول الله تعالى: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(3)، ما الغسق؟

قال: دُخول الليل 19/أ بظلمة(4). قال فيه(5)زهير بن أبي سلمى:

ظلّت تجوب يداها وهي لاهيةٌ *** حتّى إذا جنح الإظلام والغسق(6)

32- قال: فأخبرني(7)عن قول الله عزّ وجلّ: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ(8)، ما الباخِع؟

قال: يقول(9): قاتل نفسك(10). قال فيه لبيد(11):


1) ديوانه: 51.

2) - ز، س، غ، ح (فأخبرني).

3) - سورة الإسراء/78.

4) - في حاشية: ف (بظلمته فيه)، وفي س، غ (بظلمته)، انظر: اللسان: (غسق)، ومفردات الأصفهاني: 66.

5) - لفظ (فيه) سقط من: غ.

6) - لم أجده في ديوانه، وهو في شرح القصائد السبع الطوال: 559.

7) - غ (أخبرني).

8) - سورة الكهف/6.

9) - لفظ (يقول) سقط من: ك.

10) - اللسان: (بخع)، ومفردات الأصفهاني: 37، وغريب القرآن: 263.

11) - ك (لبيد بن ربيعة).

لعلّك يوماً إن فقد مزارها *** على بعده يوماً لنفسك باخع(1)

33- قال: أخبرني(2)عن قول الله تعالى: وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً(3)، قال(4): ما الملتحد؟

قال: المدخل في الأرض(5). قال فيه خصيب الضَّمري:

يا لهف نفسي ولهف غير مجدية *** عنّي وما عن قضاء الله ملتحد(6)

34- قال: أخبرني(7)عن قول الله تعالى: مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً(8)، ما العِتي؟

قال: اليئوس من الكبر(9). قال فيه الشاعر:

إنّما يعذر الوليد ولا يعذر من *** كان في الزّمان عَتِيّا(10)

35- قال: أخبرني عن قول الله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً(11)،


1) لم أجده في ديوانه.

2) - س، ك (فأخبرني).

3) - سورة الكهف/27.

4) - لفظ (قال) سقط من: ز، س، غ، ك.

5) - اللسان: (لحد)، ومفردات الأصفهاني: 464.

6) - لم أجده في غير تفسير القرطبي 23/19.

7) - س، ك فأخبرني.

8) - سورة مريم/8.

9) - اللسان: (عتى)، ومفردات الأصفهاني: 324، وغريب القرآن: 274.

10) - لم أعرف قائله.

11) - سورة مريم/24.

ما السري(1)؟

قال: النهر الصَّغير(2). قال فيه الشاعر:

سهل الخليقة ماجدٌ ذو نائلٍ *** مثلُ السريِّ تمده الأنهار(3)

36- قال: أخبرني(4)عن قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً(5)، ما الملّي؟

قال: طويلاً(6). قال فيه المهلهل:

وتصدَّعت صُمّ الجبال لموته *** وبكت عليه المرملاتُ مليّا(7)

19/ب

وقال [فيه](8)الشاعر:

فعافت مشرب الشَّبثات يوماً *** وقد شربت به بكرُ مليّا(9)

37- قال: أخبرني(10)عن قوله تعالى: عَلَيْهِمْ ضِدّاً(11)ما الضِدّ؟


1) قوله (ما السري) سقط من: غ.

2) - اللسان: (سري)، ومفردات الأصفهاني: 230، وغريب القرآن: 274.

3) - لم أعرف قائله، وهو في الإتقان في علوم القرآن 127/1.

4) - س، ك (فأخبرني).

5) - سورة مريم/46.

6) - اللسان: (ملي)، وغريب القرآن: 274، ومفردات الأصفهاني: 490.

7) - لم أجده في غير تفسير القرطبي 111/11.

8) - تكملة مناسبة من: ح، وسقطت من غيرها.

9) - لم أعرف قائله.

10) - س، ك (فأخبرني).

11) - سورة مريم/82.

قال: ثِقلاً(1). قال فيه حمزة بن عبد المطّلب:

وإن تكونوا لهم ضدّاً نكن لكم *** ضدّاً بعلباء(2)مثل الليل عُلكوم(3)

38- قال: فأخبرني عن قوله تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزّاً(4)، ما أزّا(5)؟

قال: تُوقدهم وقوداً(6). قال فيه الشاعر:

حليمٌ أمين لا يبالي مخيلةً *** إذا أزَّه الأقوام لم يترمرم(7)

39- قال: أخبرني(8)عن قول الله تعالى: لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً(9)، ما الأمت؟

قال: الشيء الشاخص من الأرض(10). قال فيه كعب بن زهير:

فأبصرت(11)لمحة من رأس عكرشة *** في كافر ما به أمتٌ ولا شرف(12)


1) اللسان: (ضدّ).

2) - ح (بعلياء).

3) - لم أجده في مصدر ممّا رجعت إليه.

4) - سورة مريم/83.

5) - قوله (ما أزَّا) سقط من: ك

6) - اللسان: (أزّ)، ومفردات الأصفهاني: 15.

7) - الشاهد لأوس بن حجر كما في ديوانه: 121، وغريب القرآن: 370.

8) - ك (فأخبرني).

9) - سورة طه/107.

10) - اللسان: (أمت)، وغريب القرآن: 282.

11) - ز (وأبصرت).

12) - لم أجده في ديوانه.

40 -- قال: أخبرني(1)عن قول الله تعالى: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(2)، ما الزفير؟

قال: كزفير الحمار(3). قال فيه أوس بن حُجر:

فلا عذر إن لاقيت أسماء بعدها *** فتغشي علينا إن فعلت فتُعذرُ

فنُخبِرها(4)أن رُبَّ يوم وقفتُهُ *** على هضبات السفح تبكي وتزفر(5)

41- قال: أخبرني(6)عن قول الله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ(7)، ما(8)الصَّهر؟

قال: الإذابة(9). قال فيه ميّاس المُرادي 20/أ:

فظللنا(10)بعد ما امتدَّ الضُحى *** بين ذي قدر ومنّا مُصهر(11)


1) ك (فأخبرني).

2) - سورة هود/106.

3) - انظر: اللسان: (زفر).

4) - ك (فخبرها).

5) - لم أجدهما في ديوانه.

6) - ك (فأخبرني).

7) - سورة الحجّ/20.

8) - غ (قال ما).

9) - اللسان: (صهر)، ومفردات الأصفهاني: 289.

10) - ك (وظللنا).

11) - لم أجده في مصدر ممّا رجعت إليه، والبيت في جماعة أصابوا صيداً فجعلوا يشتوون لحمه ويصهرون شحمه.

وقال فيه الشاعر(1):

فظلَّ مرتثياً للشمس تصهره حتّى *** إذا الشمس مالت جانباً عدلا(2)

42- قال: أخبرني(3)عن قول الله تعالى: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً(4)، ما الأثام؟

قال: الجزاء(5). قال فيه عامر بن الطفيل:

وروَّينا الأسنة من صُداء *** ولاقت حميرٌ منّا أثاما(6)

43- قال: فأخبرني(7)عن قول الله تعالى: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً(8)، ما الغرام؟

قال: المُولَع(9). قال فيه عبد الله بن عجلان:

وما أكلة إن نلتها بغنيمةٍ *** ولا جَوعةٌ إن عفتها بغرام(10)


1) س، غ (الشاعر أيضاً).

2) - الشاهد للأخطل، انظر: ديوانه: 141.

3) - غ (أخبرني).

4) - سورة الفرقان/68.

5) - اللسان: (أثم)، ومفردات الأصفهاني: 366.

6) - لم أجده في مصدر ممّا رجعت إليه.

7) - غ (أخبرني).

8) - سورة الفرقان/65.

9) - اللسان: (غرم)، ومفردات الأصفهاني: 366.

10) - لم أجده في غير تفسير الطبري 538/5: (ولا جوعة أن جعتها).

44- قال: فأخبرني(1)عن قول الله تعالى: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ(2)، ما الحاذرون؟

قال: التامون السلاح(3). قال فيه النجاشي:

لعمر أبي أثالٍ حيث أمسى *** لقد ثأرت به أبناء بكرِ

حنيفة في كتائب حاذراتٍ *** يقودهم أبو شبل هزبرٍ(4)

45- قال: أخبرني(5)عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ(6)، ما الشُّواظ؟

قال: لهب بغير دخان(7). قال فيه أُميّة بن خلف:

ألا من مبلغٌ حسّان(8)عنّي *** مغلغلة تدِبُّ إلى عُكاظِ

أليس أبوك قيناً كان فينا *** لدى الغايات(9)فشلا في الحفاظ


1) غ (أخبرني).

2) - سورة الشعراء/56.

3) - اللسان (حذر)، ومفردات الأصفهاني: 109.

4) - لم أجدهما في مصدر ممّا رجعت إليه.

5) - ح (فأخبرني).

6) - سورة الرحمن/35.

7) - اللسان: (شوظ)، ومفردات الأصفهاني: 272، وغريب القرآن: 438.

8) - ز (حيان).

9) - ز (الغارات).

يظل يشب كيراً بعد كيرٍ *** وينفخ دائباً لهب ا لشواظ(1)

46- قال: أخبرني(2)عن قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ(3)، ما النَّجم؟

قال: ما أنجم الأرض ممّا لا يقوم على ساقٍ، فإذا(4)قام على ساق، فهي شجرة(5). قال صفوان بن أسد التميمي:

لقد أنجم القاعُ الكثيرُ عِضاهُه *** وتمّ به حيّاً تميم ووائل(6)

وقال زهير بن أبي سُلمى:

مكللٌ بأُصول النجم تنسجه *** ريح الجنوب لضاحي مائه حبك(7)

47- قال: أخبرني(8)عن قول الله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ(9)، ما اتّساقُه؟


1) اللسان: (شوظ) (الثاني والثالث باختلاف).

2) - ز، ك، ح (فأخبرني).

3) - سورة الرحمن/6.

4) - غ (وإذا).

5) - اللسان: (نجم)، ومفردات الأصفهاني: 501، وغريب القرآن: 436

6) - لم أجده في غير تفسير القرطبي 153/17.

7) - ديوانه: 176، واللسان: (نجم).

8) - ز، ك، ح (فأخبرني).

9) - سورة الانشقاق/18.

قال: اجتماعه(1). قال فيه(2)أبو طالب:

إنّ لنا قلائصاً فوائقاً *** قد اتسّقْن لو يَجدْنَ سائِقا(3)

48- قال: فأخبرني(4)عن قول الله تعالى: حَتْماً مَّقْضِيّاً(5)، ما الحتم؟

قال: الواجب(6). قال فيه أُميّة بن أبي الصلت:

عبادك يُخطئون وأنت ربٌّ *** بكفيّك المنايا والحتوم(7)

49- قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ(8)؟

قال: لنولعنّك(9). قال فيه الحارث بن حلزة:

لا تخلنا على غِرائك أنّا *** قبل ما قد وشى بنا الأعداء(10)

50 -- قال: فأخبرني(11)عن قول الله تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ


1) اللسان: (وسق)، ومفردات الأصفهاني: 545، وغريب القرآن: 36.

2) - لفظ (فيه) سقط من: غ.

3) - تقدّم تخريجه.

4) - س (أخبرني).

5) - سورة مريم/71.

6) - اللسان: (حتم)، ومفردات الأصفهاني: 105.

7) - ديوانه: 54، والمسائل 4/أ.

8) - سورة الأحزاب/60.

9) - ز، ك (لنولعنّك بهم) انظر: اللسان: (غرى)

10) - شرح القصائد السبع الطوال: 454.

11) - غ (أخبرني).

مُلِيمٌ(1)، ما المُليم؟ قال: المُذنب(2). قال فيه(3)أُميّة بن أبي الصلت:

من(4)الآفات ليس لها بأهلٍ *** ولكن المُسيءَ هو المُليم(5)

21/أ

17- وحدّثي أبو عبد الله القاري، قال: حدّثا أبو بكر الأنصاري، قال: حدّثنا أبو بشر هارون بن حاتِم البزّاز، قال: حدّثا عبد الرحمن بن أبي حمّاد، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُدِّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس [قال](6): رَيْبَ(7): شكّ(8)، إلاّ مكاناً واحداً في الطُّور، رَيْبَ الْمَنُونِ(9)، يعني: حوادث الأمور(10)، قال: وقال ابن عبّاس:


1) سورة الصافات/142.

2) - اللسان: (لوم)، وغريب القرآن: 374.

3) - لفظ (فيه) سقط من: ع.

4) - المسائل 4/أ.

5) - ف، ز، س، غ، ك (في رواية أبي سهل، قال أبو بكر: بريء يفسد البيت، وهو زيادة. قال الشيخ الذي حدّثنا: والصواب ألاّ يكون بريء، ويكون أوّل البيت: من الآفات، وفي جانب الحاشية نفسها جاء ما يلي: قوله بريء خرم يتم به المعنى ولا يعتد به في التقطيع).

6) - تكملة موافقة من: ك.

7) - سورة البقرة/2.

8) - المسائل 2/أ، وتفسير الطبري 128/1.

9) - سورة الطور/30.

10) - اللسان: (ريب)، ومفردات الأصفهاني: 204، وغريب القرآن: 39

تربّص بها ريب المنون لعلَّها *** تُطلق يوماً أو يموت حليلها(1)

ولم يقتصر ابن الأنباري على رواية مسائل نافع عن ابن عبّاسt في ذكر الشاهد الشعري على غريب القرآن، بل ذكر متفرّقاً مسائل أُخرى عن ابن عبّاس فيها شواهد شعرية بينها سؤال لنافع أيضاً، وقد وثّق مروياته بالأسانيد، وهو في هذا تخلّص من مؤاخذة الإرسال.

وإلى القارئ جملة من مروياته عن ابن عبّاس في اتّخاذ الشواهد الشعرية قولاً وعملاً:

حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن فرّوخ، قال: أخبرني أُسامة، قال: أخبرني عكرمة أنَّ ابن عبّاس، قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب(2).

94- قال(3): وحدّثنا إدريس بن عبد الكريم، قال: حدّثنا: خلف، قال: حدّثنا حمّاد بن زيد، عن علي بن زيد بن جُدعان، قال: سمعت سعيد بن جُبير ويوسف بن مِهران يقولان: سمعنا ابن عبّاس يُسأل عن الشيءِ من القرآن، فيقول فيه كذا وكذا: أما سمعتم قول الشاعر يقول فيه كذا وكذا(4).


1) لم أعرف قائله.

2) - العقد الفريد 281/15، ومجالس ثعلب/317 (بمعناه)، والإتقان في علوم القرآن 119/1.

3) - لفظ (قال) سقط من: س، غ، ك، ح.

4) - تفسير القرطبي 24/1.

95- وحدّثنا(1)علي بن محمّد بن أبي الشَّوارب(2)، قال: حدّثنا إبراهيم، يعني: ابن بشار الرَّمادي، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا الأجلح، عن عكرمة -- قال سفيان: أُراه عن ابن عبّاس -- في قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(3)، قال: لا تلبسها على غدر ولا إثم(4)، البسها وأنت طاهر 13/ب البدن، قال سفيان: وقال الشاعر:

فإنّي بحمد الله لا ثوب غادر(5)*** لبست ولا من خزيةٍ(6)أتقنع(7)

96- وحدّثني أبي، قال: حدّثنا علي بن حرب، قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا الأجلح، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: وسأله رجل عن قول الله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ؟ قال: لا تلبس ثيابك(8)على غدرةٍ، وتمثّل بقول غيلان الثقفي:

فإنّي بحمد الله لا ثوب غادر *** لبست ولا من خزيةٍ أتقنع(9)


1) ك (حدّثنا)، ح (وحدّثني).

2) - س (الشوارب القاضي).

3) - سورة المدّثر/4.

4) - اللسان: (طهر)، ومفردات الأصفهاني: 310، وغريب القرآن: 495.

5) - ح (فاجر).

6) - ز (سوءة)، وكتب فوقها (خزية).

7) - الشاهد لغيلان الثقفي انظر: اللسان: (طهر)، وغريب القرآن: 495.

8) - ز (لا يلبس ثيابه).

9) - ما جاء في الفقرتين السابقتين في تفسير القرطبي 25/1

97- وحدّثنا محمّد بن يونس، قال: حدّثنا يحيى بن يعمر الَّليثي أبو الكوّاءٍ، قال: حدّثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: حدّثنا وهب بن حبيب، عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ(1)، قال: مختلط(2). ألم تسمع إلى قول الشاعر:

فجالت والتمست به حشاها *** فخرَّ كأنّه خُوط مريج(3)

99- وحدّثني أبي قال: حدّثنا علي بن حرب، قال: حدّثنا أسباط بن محمّد، قال: حدّثنا هشام عن حسّان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: الزَّنيم الدَّعيّ الفاحش اللئيم، ثمّ قال:

زَّنيم تداعاه الرجال زيادة *** كما زيد في عرض الأديم أكارعه(4)

101- وحدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو زيد(5)عمر بن شَبّة النُميري، قال: حدّثنا ابن أبي عديّ، عن شُعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(6)قال: ما(7)جمع(8)، قال ابن عبّاس:


1) سورة ق/5.

2) - اللسان: (مرج)، ومفردات الأصفهاني: 481، وغريب القرآن: 478.

3) - الشاهد للداخل الهُذلي، انظر: التنبيّه على أوهام القالي: 130، والمسائل 3/أ، واللسان: (مرج) (كأنّه غصن).

4) - ز (الأكارع)، والشاهد لحسّان بن ثابت، ولم أجده في ديوانه، وهو في الكامل 141/2.

5) - قوله (أبو زيد) سقط من: س

6) - سورة الانشقاق/17.

7) - غ (وما).

8) - اللسان: (وسق)، والمسائل 1/أ -- ب، ومفردات الأصفهاني: 545، وغريب القرآن: 521.

مستوسقات لو يجدن سائقاً(1)

وفي حديث آخر: سأل نافع بن الأزرق ابن عبّاس عن قوله عزّ وجلّ: مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ(2)؟ قال: المُهْطِع: الناظر. [وقال أبو عبيدة: المُهْطِع: المُسرع](3)، واحتجّ بقول الشاعر:

بدجلة دارهم ولقد أراهم *** بدجلة مهطعين إلى السماع(4)

أي: مسرعين(5).

104- وحدّثني(6)أبي قال: حدّثنا أبو منصور، قال: حدّثنا أبو عبيد، قال: حدّثنا هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير أو مُجاهد(7)، عن ابن عبّاس في قلوله عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ؟ قال: ما(8)جمع(9)، وأنشد:

قد اتسقن لو وجدن(10)سائقا(11)*** .............


1) قائله أبو طالب، انظر: الكامل 140/2، وينسب إلى العجاج كما في اللسان: (وسق).

2) - سورة القمر/8.

3) - اللسان: (هطع)، ومفردات الأصفهاني: 566، وغريب القرآن: 431.

4) - لم أعرف قائله، انظر: اللسان: (هطع) (بدجلة أهلها)، وتفسير القرطبي 379/9.

5) - قوله (أي مسرعين) سقط من: ك.

6) - غ (حدّثنا).

7) - غ (جبير ومجاهد).

8) - غ، ك (وما).

9) - اللسان: (وسق)، والمسائل 1/أ -- ب، ومفردات الأصفهاني: 545، وغريب القرآن: 521.

10) - غ، ك (يجدن).

11) - المسائل أ/ب.

105- وحدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو منصور، قال: حدّثنا أبو عبيد، قال: حدّثنا هُشيم، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(1)؟ قال: الأرض(2). وقال ابن عبّاس: قال(3)أُميّة ابن أبي الصلت:

عندهم لحم بحر ولحم ساهرة

قال أبو بكر: والرُواة يروون هذا البيت:

وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ *** وما فاهوا به لهم مُقيم(4)

108- وحدّثني أبي، قال: أخبرنا(5)أحمد بن عُبيد، عن الهيثم بن عدّي، عن مسعر بن كِدام، عن قَتادة، عن ابن عبّاس، قال: ما كنت أدري ما قوله: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ(6)، حتّى سمعت بنتَ ذي يزن الحميري وهي تقول: هَلُّم أُفاتحك، تعني: أقاضيك، وفي سورة السجدة: مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(7)، يعني: متى(8)هذا القضاء.


1) سورة النازعات/14.

2) - اللسان، (سهر)، ومفردات الأصفهاني: 245.

3) - غ (قال الشاعر).

4) - ديوانه: 54، واللسان: (سهر)، والفقرة المتقدّمة في تفسير القرطبي 25/1، ومعنى البيت في صفة الجنّة.

5) - ك، ح (حدّثنا).

6) - سورة الأعراف/89.

7) - سورة السجدة/28.

8) - لفظ (متى) سقط من: ك.

وهو(1)قوله: الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ(2)، قال: القضاء. وقوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً(3)، يعني: إنّا قضينا لك قضاء مبيناً(4).

109- حدّثني(5)أبي قال: حدّثنا أبو منصور، قال: حدّثنا أبو عبيد، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ابن عبّاس، قال: كنت لا أدري ما فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ(6)، حتّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، [أي](7): أنا ابتدأتها(8).

110 -- حدّثنا محمّد، قال(9): وحدّثني أبي، قال: حدّثنا(10)أحمد(11)، عن(12)الهيثم، قال: فحدّثني الكلبي، عن حيان بن أَبجر الكندي، وهو من حضرموت، وعبد الوهاب، عن مجاهد: أنّ ابن عبّاس استام بناقة(13)رجل


1) لفظ (هو) سقط من: ح.

2) - سورة سبأ/26.

3) - سورة الفتح/1.

4) - تأويل مشكل القرآن: 376، ومعاني القرآن 44/1، ومفردات الأصفهاني: 276.

5) - ك (حدّثنا).

6) - سورة يوسف/101.

7) - تكملة لازمة من: غ.

8) - فضائل القرآن لأبي عبيد: 98/أ، وفضائل القرآن لابن كثير: 68.

9) - قوله (حدّثنا محمّد، قال) سقط من: س، غ، ك.

10) - س، غ (أخبرنا).

11) - ح (أحمد بن عبيد).

12) - ك (بن).

13) - ز (ناقة).

من(1)حمير، فقال له(2): أنت(3)صاحبها؟ قال: أنا بعلُها. فقال ابن عبّاس: أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ(4)، أتدعو ربّاً، ممّن أنت؟ قال: من حمير.

111- حدّثني أبي، قال: أخبرنا أحمد(5)، عن الهيثم، عن الكلبي، قال: حدّثنا حيان بن أبجر، قال: كنت عند ابن عبّاس فجاءه رجل من هُذيل، فقال(6)له ابن عبّاس: ما فعل فلان رجل لرجل منهم؟ قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، فقال ابن عبّاس: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(7)، قال: [الوراء](8): ولد الولد(9).

أقول: وقد حكى القالي في (الأمالي)(10)، عن ابن الأنباري، أنّه قال: أتى أعرابي إلى ابن عبّاس، فقال:

تخوّفي ما لي أخٌ لي ظالم *** فلا تخذلني اليوم يا خير من بقي

فقال: تخوّفك، أي: تنقصك؟ قال: نعم، قال الله أكبر: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ(11)، أي: تنقّص من خيارهم.


1) غ (بني).

2) - لفظ (له) سقط من: غ.

3) - ح (أأنت).

4) - سورة الصافات/125.

5) - ز (أحمد قال)، س (أحمد بن).

6) - ك (قال).

7) - سورة هود/71.

8) - تكملة لازمة من: ك، وسقطت من غيرها.

9) - الأضداد: 99، وتفسير الطبري 395/15.

10) - الأمالي 112/2.

11) - سورة النحل/47.

إنقاذ المستطاع من سقط المتاع

بعد مرور أكثر من نصف قرن على تأليفي (أدب التفسير) كما سمّيته أوّلاً، وسمّيته ثانياً ب-(غريب القرآن)، كما سمّاه شيخنا الراحل المغفور له الشيخ أغا بزرك الطهراني قدس سره، أعود اليوم إليه فأجده جملة أوراق مبعثرة، وجزازات متناثرة، ومن يطلع عليها يرثي لحال صاحبها الذي بذل في سبيلها الجهد المستطاع، وأسلمها إلى قبضة الضياع، وعاد إليها بعد حين من الدهر، ليجمع المستطاع من سقط المتاع، فرأى فيها ما يغني ويقني لو تفرّغ لها، فأعاد ترتيبها وتبويبها، ولكن أنّى وقد أزف الرحيل، فقنع بالقليل من بيان فهرسة المطالب المبحوث عنها، مع ذكر نماذج ممّا سلم من تلك المسائل وشرحها، واختيار خمسة عشر سؤالاً كانت شواهدها الشعرية لساداتي بني هاشم الذين أكرمهم الله تعالى وشرّفهم حين جعل النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم من أطائب أرومتهم، وهؤلاء هم قربى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جدّه وأعمامه وابنا عمّيه، وبذكر هذه النماذج يتعرّف القارئ نهج الكاتب وجهده في كتابه، ويعرف الخطأ من صوابه.

فمن النماذج:

أوّلاً: بيان الفهارس التي رتبتها، وهي كما يلي:

(1)-- فهرست الآيات الكريمة مرتبة أبجدياً حسب أوائلها، بعد أن تمّ تعيينها من السورة ورقمها.

(2)-- فهرست المسائل حسب ورود الآيات الكريمة في المصحف، ابتداء من سورة البقرة، وانتهاء بسورة الفلق.

(3)-- فهرست مصادر المسائل مجموعة ووحدانا.

(4)-- فهرست أسماء الشعراء وتراجمهم، وذكر ما لكلّ واحد من الشواهد الشعرية في المسائل.

(5)-- فهرست الشواهد المجهولة القائل في المسائل، مع تعيين من عثرت له على اسم القائل.

(6)-- فهرست موارد ما فيه من الدلائل على التزيّد في المسائل.

إلى غير هذا ممّا فيه دلالة على تحقيق وجوه الإنحاء ممّا يتبع الفهرست الآنف الذكر.

ثانياً: ومن النماذج المختارة ما سلم من الضياع، نذكر السؤال الأوّل برواية السيوطي عن الطستي:

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ؟

فقال ابن عبّاس: العزون: حلق الرفاق.

قال نافع: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:

فجاءوا يهرعون إليه حتّى *** يكونوا حول منبره عزينا

الشرح:

تعيين الآية: سورة المعارج/37.

شرح البيت لغة: (يهرعون)، أي: يسرعون، ويقبلون إليه بسرعة واضطراب. (عزينا)، أي: جماعات متفرّقة فرقة فرقة، يعزى بعضهم إلى غير من يعزى إليه البعض الآخر.

مصدر السؤال: (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي/121 وفي ط دار الكتاب العربي 302/1).

وورد في (الدرّ المنثور 265/8 ط دار إحياء التراث العربي، وفيه تحريف في اسم أبي الشاعر الأبرص، ب-(الأحوص)، كما أنّ في روايته البيت نحوه، إذ ورد:

فجاءوا مهرعين إليه حتّى *** يكونوا حول منبره عزين

ولمّا كانت رواية السيوطي في كلا كتابيه نقلاً عن (مسائل الطستي)، فلا بدّ أن يكون التحريف والتصحيف حدث في أحد الكتابين، إمّا من الناسخ، أو من الطابع.

ترجمة الشاعر:

هو عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي، من مضر، أبو زياد، شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، وهو أحد أصحاب (المجمهرات) المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات. عاصر امرأ القيس، وله معه مناظرات ومناقضات، وعمّر طويلاً حتّى قتله النعمان بن المنذر، وقد وفد عليه في يوم بؤسه، له ديوان شعر -- ط (الأعلام للزركلي 339/4 -- 340)(1)، وذكره محمّد


1) الشعر والشعراء: 84، والأغاني 84/19، والآمدي: 50، وشرح الشواهد: 92، وهبة الأيام للبديعي: 285، وخزانة البغدادي 323/1، وصحيح الأخبار 14/1، ثمّ 76/2، وقيل في نسبه: عبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر بن مالك، كما في جمهرة أشعار العرب: 100، وسمط اللئالي: 439، وهو في رغبة الآمل 62/2 عبيد بن الأبرص بن (حنتم) بن عامر، عن هامش الأعلام.

ابن حبيب في (المحبّر/238 ط الهند) من جملة من حرّم في الجاهلية الخمر والسكر والأزلام.

ثالثاً: ومن النماذج المختارة الشواهد الشعرية لبني هاشم:

السؤال/198. حسب التسلسل في (أدب التفسير).

(1)-- عبد المطّلب.

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ؟

قال: الحابسون الغيظ.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد المطّلب بن هاشم يقول:

فحسبت قومي واحتسبت قتالهم *** والقوم من خوف قتالهم كظم

الشرح:

تعيين الآية: في سورة آل عمران/134.

شرح البيت: لقد اختلفت رواية بيت الشاهد في المصادر التي ذكرته، ففي بعضها: (فحضضت قومي واحتسيت قتالهم...)، وفي بعضها: (فخشيت قومي...)، وفي بعضها: (فحبست قومي واحتسبت قتالهم...).

ولا شكّ بأنّ ثمّة من التصحيف والتحريف ما لا يخفى، وليس فيه ما يستدعي الشرح.

مصدر السؤال: (مسائل الطستي)، وعنها في (الإتقان)، و(الدرّ المنثور)، وذكره ابن الأنباري في (إيضاح الوقف والابتداء)، وغيرهم.

ترجمة الشاعر: هو أبو الحارث شيخ البطحاء عبد المطّلب بن هاشم ابن عبد مناف، كان اسمه شيبة الحمد، فغلب عليه اسم عبد المطّلب، لأنّه عاد به عمّه المطّلب من المدينة إلى مكّة، كان زعيم قريش في الجاهلية، وأحد حكام العرب، وهو ممّن حرّم الخمر والأزلام في الجاهلية، وهو الذي صدّ عادية الحبشة عن مكّة، وموقفه الشجاع في ذلك مع أبرهة مشهور ومذكور في التاريخ. كان موصوفاً بكمال العقل والأناة والنجدة، وفصاحة اللسان، وقوّة القلب، أحبّه قومه لسؤدده ومجده فرفعوا من شأنه.

روى الزمخشري في (ربيع الأبرار)، فقال: (كتب بعض الجبابرة إلى أهل مكّة يطلب منهم الأتاوة، فكتب إليه عبد المطّلب:

إنّا أناس لا ندين بأرضنا *** عضّ الرسول ببظر أُمّ المرسل(1)

فكانت له السقاية والرفادة، وقد نافره حرب بن أُميّة إلى نفيل بن عبد العزّى -- جدّ عمر بن الخطّاب -- فقال نفيل لحرب: (يا أبا عمرو! أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً)(2).


1) ربيع الأبرار 324/1، ط أوقاف بغداد.

2) - المحبّر لمحمّد بن حبيب الهاشمي: 173 -- 174، ط الهند.

وذكر مترجموه: أنّه كان أبيض اللون، مديد القامة، وهو أوّل من خضب بالسواد من العرب، وفي عهده طوّل العرب الشعر، وقصّدت القصائد(1)، وروت بعض كتب التاريخ والأدب له بعض الخطب والشعر، عاش 120 سنة، إذ ولد بالمدينة قبل عام الفيل بمائة وإحدى عشر سنة، وتوفّي بمكّة سنة تسع من عام الفيل، وللنبيّ صلى الله عليه و آله وسلم يومئذ ثمان سنين(2).

وكان من المؤمنين على ملّة إبراهيم عليه السلام ، وفي كتاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده الحسن عليه السلام إيحاء بإيمان آبائه الأوّلين، ولا شكّ منهم عبد المطّلب، فقد جاء فيه: (... واعلم يا بنيّ! إنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكّروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر الأمر إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمّا لم يكلّفوا...).

فقوله عليه السلام : (والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك) فيه الحث على اقتفاء أثرهم، ولو لم يكونوا مؤمنين لما ندب الإمام ولده إلى الأخذ بما مضوا عليه، وفي إيمان آباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتب غير واحد، منهم السيوطي وكتابه مطبوع بمصر، وفي وصية عبد المطّلب لابنه أبي طالب عليه السلام ، برعاية النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ما يؤكد إيمانه بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

قال أبو طالب عليه السلام : (ولقد كان أبي يقرأ الكتب جميعاً، ولقد قال: أنّ


1) المزهر للسيوطي 474/2.

2) - الأعلام 299/4، وفي الهامش ذكر المصادر اتي ذكرته.

من صلبي لنبيّاً، لوددت أنّي أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به)(1).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : (والله ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قطّ)، قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: (كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به)(2).

وقال الصادق عليه السلام : (يحشر عبد المطّلب عليه السلام يوم القيامة أُمّة واحدة، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك).

وقال: (إنّ عبد المطّلب حجّة، وأبو طالب وصيّه).

الشرح: لقد ذكر الشاهد الشعري في أكثر من مصدر، منها (إيضاح الوقف والابتداء 78/1) لابن الأنباري، وذكره السيوطي في (الدرّ المنثور 72/2)، وأبو حيان في (البحر المحيط 56/3)، ونسبه الجميع إلى عبد المطّلب. وقد ورد منسوباً إلى أبي طالب، وبدون عزو في تفسير القرطبي، وثمّة تفاوت في روايته بيت الشاهد صدراً وعجزاً بما لا يضرّ بالشاهد؛ ولم يرد لعبد المطّلب غير هذا في شواهد مسائل نافع.

(2)-- أبو طالب بن عبد المطّلب عليه السلام .

ورد له في الشواهد الشعرية في مسائل نافع أربعة أبيات، وهي كما يلي:


1) سفينة البحار 87/6.

2) - سفينة البحار 87/6.

أ -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، ما اتّساقه؟

قال: اجتماعه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي طالب:

إنّ لنا قلائصاً فوايقا *** مستوسقات لو يجدن سائقا

الآية: سورة الانشقاق/18 (وسق).

الشاعر: هو شيخ البطحاء وعصمة المستجير: أبو طالب -- عبد مناف = عمران -- بن عبد المطّلب بن هاشم، أشهر من أن يذكر -- وإذا استطال الشيء قام بنفسه -- وقد كتب الكتّاب من قدامى ومحدّثين كتباً في ترجمته، والدفاع عنه ممّا نسجته يد الأفاكين من زبانية الحاكمين، من أمويين وعبّاسيين، فقالوا: مات كافراً! وراجت تلك الأفكة عند من لا حريجة له في الدين، فصار البخاري وغيره يروون خبر الضحضاح، ونزول الآية: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ(1)، ووَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ(2)، إلى غيرها من أكاذيب ومفتريات، وقد مرّت بنصّها وفصّها والردّ عليها في كتاب (الأسامي التي نزل فيهم القرآن الحكيم) للضرير الحيري، في الجزء الثاني في ترجمة أبي طالب عليه السلام .

مصدر السؤال: (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري، وقد اختلفت بقية المصادر في نسبة الشعر، ففي (الإتقان) لطرفة، وفي (معجم الطبراني)


1) سورة القصص/56.

2) - سورة الأنعام/26.

لابن صرمة الأنصاري، وفي (لسان العرب/ و س ق) إلى العجّاج، وفي عدّة من التفاسير بلا نسبة كما في كتاب (المباني) -- المطبوع مع مقدّمة ابن عطية بعنوان مقدّمتان في علوم القرآن -- /199، وهذا الاختلاف دليل التزيّد، إذ لا يعقل أن يكون من ابن عبّاس ينسبه تارة، ويهمله أُخرى.

ب -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ؟

قال: يدفع اليتيم عن حقّه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب يقول:

يقسم حقّاً لليتيم ولم يكن *** يدّعُ لدى أيسارهن الأصاغرا

الآية: سورة الماعون/2 (دعّ).

الشاعر: تقدّمت ترجمته.

مصدر السؤال: (الإتقان)، و(مسائل نافع للطستي).

ج -- قال نافع: أخبرني عن قوله: صَلْداً(1)؟

قال: أملس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي طالب:

وإنّي لقرم وابن قرم لهاشم *** لآباء صدق مجدهم معقل صلد

د -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً(2)؟


1) سورة البقرة/264.

2) - سورة البقرة/286.

قال: عهداً، كما حملته على اليهود فعصوك، فجعلتهم قردة وخنازير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول:

أفي كلّ عام وافدٌ وصحيفة *** يشوبها أمر وثيق له أصرُ(1)

ألا ليت حظي من حياطتكم بكر *** يرش على الساقين من بوله قطر

وهي في سيرة ابن إسحاق: 153، وسيرة ابن هشام 267/1 تح السقا والأبياري وشلبي.

الآية: سورة البقرة/264 (أصر).

الشاعر: مرّت ترجمته.

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور 377/1)، و(مسائل الطستي).

(3)-- الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

ورد له شاهد شعري واحد في مسائل نافع، وهو:

قال نافع: يا بن عبّاس أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَسْفَلَ سَافِلِينَ؟

قال: هكذا الكافر من الشباب إلى الكبر، ومن الكبر إلى النار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عليّ بن أبي طالب وهو يقول:

فأصبحوا لدى دار الجحيم بمعزل *** عن الشغب والعدوان في أسفل السفل

تعيين الآية: في سورة التين/5.


1) من أبيات قالها يعرّض بالمطعم بن عدّي وآخرين، وأوّلها:

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور 267/6)، و(مسائل الطستي).

ترجمة الشاعر:

ماذا أقول بمن حطت له قدمٌ *** في موضع وضع الرحمن يمناه


وإذا استطال الشيء قام بنفسه *** وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً

ويكفي القارئ إحالته على كتاب (عليّ إمام البررة) يغنيه عن مطوّلات السير والتاريخ إن شاء الله تعالى.

الشرح: وهذا البيت من قصيدة قالها عليه السلام في وقعة بدر، وردت في (الديوان المنسوب إليه ص98 -- 99) ط حجرية 1277ه-، والبيت الشاهد آخر القصيدة، وفيه تفاوت في عجز البيت؛ فراجع.

وجاء في (سيرة ابن هشام ق/2/11 ط/2) بتحقيق مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي ط سنة 1375ه-.

قال ابن إسحاق: وقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام في يوم بدر:

قال ابن هشام: ولم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها، وإنّما كتبناها لأنّه يقال: أنّ عمر بن عبد الله بن جدعان قتل يوم بدر، ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى، وذكره في هذا الشعر.

ألم تر أنّ الله أبلى رسوله *** بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل

بما أنزل الكفار دار مذلّة *** فلاقوا هواناً من إسارٍ ومن قتل

فأمسى رسول الله قد عزّ نصره *** وكان رسول الله أرسل بالعدل

فجاء بفرقان من الله منزلٍ *** مبينّة آياته لذوي العقل

فآمن أقوام بذاك وأيقنوا *** فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل

وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم *** فزادهمُ ذو العرش خبلا على خبل

وأمكن منهم يوم بدر رسوله *** وقوماً غِضاباً فعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خطاف عصوا بها *** وقد حارثوها بالجلاء وبالصقل

فكم تركوا من ناشيء ذي حمية *** صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهل

تبيت عيون النائحات عليهمُ *** تجوب بأسباب الرشاش وبالوبل

سوائح تنعى عتبة الغي وابنه *** وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل

وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم *** مسلّبة حرّى مبيّنة الثكل

ثوى منهم في بئر بدر عصابة *** ذوي نجدات في الحروب وفي المحل

دعا الغيّ منهم من دعا فأجابه *** وللغيّ أسباب مرمّقة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل *** عن الشغب والعدوان في أشغل الشغل

والتفاوت في آخر البيت من تصرّف النساخ، والصواب ما في البيت الشاهد.

(4)-- حمزة بن عبد المطّلب عليه السلام .

له أربعة أبيات شواهد شعرية في مسائل نافع، وهي كما يلي:

أ -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ؟

قال: الحمأ: السواد، وهو الثأط، والمسنون: المصوّر.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطّلب:

أغرّ كأنّ البدر سنّة وجهه *** جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا

الشاعر: هو أسد الله وأسد رسوله حمزة سيّد الشهداء، لقد مرّت ترجمته في الجزء الثاني في الردّ على كتاب الأسامي التي نزل فيهم القرآن، للضرير الحيري؛ فراجع.

تعيين الآية: سورة الحجر/28 (حمأ) (سنن).

مصدر السؤال: (مسائل الطستي)، كما في (الإتقان)، و(سؤالات نافع) للسامرائي، والبيت من قصيدة قالها أبو يعلى حمزة بن عبد المطّلب يرثي بها أخاه أبا طالب شيخ البطحاء، وبمدح النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، وقد ذكرها القاضي النعمان المصري في (المناقب والمثالب) نسخة مخطوطة بمكتبة العلاّمة الشيخ ميرزا محمّد الطهراني سلّمه الله في سامراء، وهي:

أرحت لنوح آخر الليل غرّدا *** نعى الحكيم والرئيس المسدّدا

أبا طالب مأوى الصعاليك والندى *** وذو الحلم ... ولم يك قعددا

أخا كلّ جلي ثلمة ستسدها *** بنو هاشم أن تستباح وتظهدا

فأمست قريش يفرحون لفقده *** ولست ترى شيئاً لشِيء مخلدا

وجاءت أمور زيّنتها حلومها *** لهم سوف توردهم من الغي موردا

يرجّون تكذيب النبيّ وقتله *** وأن يفترى بهتاً عليه ويجحدا

كذبتم وبيت الله حتّى نذيقكم *** صدور العوالي والصفيح المهنّدا

ويبدو منّا منظر ذو كريهة *** إذا ما تسربلنا الحديد المسرّدا

فإمّا تبيدونا وإمّا نبيّدكم *** وإمّا ترو سلم العشيرة أرشدا

وإلاّ فإنّ الحيّ دون محمّد *** بني هاشم خير البريّة محتدا

وإنّ له منكم من الله ناصرا *** ولست بلاق صاحب الله أوحدا

نبيّ أتى من كلّ وحي بخطة *** وسماّه ربّي في الكتاب محمّدا

أغرّ كأنّ البدر سنة وجهه *** ... الشاهد

أمين على ما استودع الله قلبه *** وإن كان قولاً كان فيه مسدّدا

ب -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: عَلَيْهِمْ ضِدّاً ما الضدّ؟

قال: ثقالاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطّلب:

وإن تكونوا لهم ضدّاً نكن لكمُ *** ضِدّاً بغلباء مثل الليل عُلكوم

تعيين الآية: سورة مريم/82 (ضدد).

مصدر السؤال: (إيضاح الوقف والابتداء).

والبيت من أبيات له ذكرها صاحب (البحار)، وعنه سيّد الأعيان في ترجمة الحمزة 169/28، وهي:

لقد عجبت لأقوام ذوي سفه *** من القبيلين من سهم ومخزوم

القائلين لمّا جاء النبيّ به *** هذا حديث أتانا غير ملزوم

فقد أتاهم بحقّ غير ذي عوج *** ومنزل من كتاب الله معلوم

من العزيز الذي لا شيء يعدله *** فيه مصاديق من حقّ وتعظيم

فإن تكونوا له ضدّاً نكن لكمُ *** ضدّاً بغلباء مثل الليل علكوم

فآمنوا بنبيّ لا أباً لكمُ *** ذي خاتم صاغه الرحمن مختوم

ج -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: لِلدِّينِ حَنِيفاً؟

قال: ديّناً مخلصاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطّلب وهو يقول:

حمدت الله حين هدى فؤادي *** إلى الإسلام والدين الحنيف

تعيين الآية: سورة يونس/105 (حنف).

مصدر السؤال: (مسائل الطستي)، ولم يرد في (الإتقان)، وورد في (الدرّ المنثور 26/3).

والبيت الشاهد من أبيات ذكرها ابن إسحاق، وهي كما يلي بعد البيت الشاهد:

لدين جاء من ربّ عزيز *** خبير بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علينا *** تحدّر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداها *** بآيات مبينات الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع *** فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله لا نسلّمه لقوم *** ولمّا نقضي فيهم بالسيوف

ونترك منهم قتلى بقاعٍ *** عليها الطير كالورد العكوف

وقد خبرت بما صنعت ثقيف *** به فخبرك القبائل من ثقيف

آله الناس شرّ جزاء قوم *** ولا أسقاهم صوب الخريف(1)

د -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: قَوْلاً سَدِيداً؟


1) سيرة ابن إسحاق: 173 تح زكار، ط دار الفكر.

قال: قولاً عدلاً حقّاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة:

أمين على ما استودع الله قلبه *** فإن قال قولاً كان فيه مسدّدا

تعيين الآية: سورة يونس/105 (حنف).

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور)، والبيت الشاهد من قصيدة قالها في رثاء أخيه أبي طالب ومدح النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد مرّ ذكرها قريباً.

(5)-- الزبير بن عبد المطّلب.

هو صاحب حلف الفضول، ذكره المبرّد في (كامله 299/1)، فقال:

أتى عبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم فكساه حلّة وأقعده إلى جانبه، ثمّ قال: (إنّه ابن أمّي، وكان أبوه يرحمني).

لقد نسب إليه شاهد واحد، وهو قوله:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته مقيتا

والبيت قد استشهد به ابن عبّاس على تفسير قوله تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(1)، وهو من مسائل نافع بن الأزرق وذكرته في (أدب التفسير) برقم -80-.

وسيأتي البحث عنه في النحو الثالث من أنحاء التفسير، في تردّد الشاهد بين أكثر من شاعر، ولقد نسب في شواهد (الكشّاف) في تفسير


1) سورة النساء/85.

الطبري، والطبرسي، والقرطبي، إلى عبد المطّلب، لهذا ذكرته هنا.

والآن إلى شيء من ترجمة الزبير:

قال أبو القاسم الآمدي في (المؤتلف والمختلف): سيّد كريم وشاعر محسن، وهو القائل:

لقد علمت قريش أنّ بيتي *** بحيث يكون فضلٌ من نظام

وأنّا نحن أكرمها جُدودا *** وأصبرها على العُجم العِظام

وأنّا نحن أوّل من تبنّى *** بحكمتنا البيوت مع الحَمام(1)

وله أشعار حسّان في كتاب بني هاشم.

أقول: وقد ذكر له أبو علي القالي في كتابه (الأمالي) خبراً وشعراً قاله يصف ابن أخيه النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وأخويه العبّاس وضرار، وابنته أُمّ الحكم، ومغيثا ابن جاريته، وهو خبر طريف.

قال القالي: وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثني عمّي، عن أبيه، عن هشام بن محمّد، قال: حدّثني رافع بن بكار ونوح بن درّاج، قالا: دخل النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم على عمّه الزبير بن عبد المطّلب وهو صبي، فأقعده في حجره، وقال:

محمّد بن عبدم *** عشت بعيش أنعم

في فرع عزّ أسنم *** مكرّم معظّم

أي: أبد الدهر.

ثمّ دخل عليه العبّاس بن عبد المطّلب وهو غلام، فأقعده في حجره،


1) المؤتلف والمختلف: 191.

وقال:

إنّ أخي عبّاس عفّ ذو كرم *** فيه عن العوراء إن قيلت صمم

يرتاح للمجد ويوفي بالذمم *** وينحر الكوماء في اليوم الشبم

أكرم بأعراقك من خالٍ وعمّ

ثمّ دخل عليه ضرار بن عبد المطّلب، وهو أصغر من العبّاس، فقال:

ظنّي بميّاس ضرار خير ظنّ *** أن يشتري الحمد ويُغلي بالثمن

ينحر للأضياف ربّاتِ السمن *** ويضرب الكبش إذا البأس ارجحن

ثمّ دخلت عليه ابنته أُمّ الحكم، فقال:

يا حبذا أُمّ الحكم *** كأنّها ريم أحمّ

يا بعلها ماذا يشم *** ساهم فيها فسهم

ثمّ دخلت عليه جارية له يقال لها أُمّ مغيث، فقالت: مدحت ولدك وابن أخيك ولم تمدح ابني مغيثاً.

فقال: علَيَّ به عجّليه، فجاءت به فقال:

وإنّ ظنّي بمغيث إن كبر *** أن يسرق الحجّ إذا الحجّ كثر

ويوقر الأعيار من قرف الشجر *** ويأمر العبد بليل يعتذر

ميراث شيخ عاش دهراً غير حرّ(1)

(6)-- أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب رضي الله عنه .

وردت له أربعة أبيات من شعره شواهد شعرية في مسائل نافع، وهي


1) الأمالي 115/2.

كما يلي:

أ -- قال نافع: يا بن عبّاس أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ؟

قال: ما غاب عنهم من أمر الجنّة والنار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول:

وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا *** يصلّون للأوثان قبل محمّد

تعيين الآية: سورة البقرة/3.

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور 25/1)، و(مسائل الطستي).

ترجمة الشاعر:

قال ابن عبد البرّ: (أبو سفيان بن عبد المطّلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وكان أخا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم من الرضاعة، أرضعتهما حليمة بنت أبي ذويب السعدية... وكان من الشعراء المطبوعين)(1).

قال ابن إسحاق: (وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وعبد الله بن أبي أُميّة بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بنيق العُقاب فيما بين مكّة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلّمته أُمّ سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمّك وابن عمّتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أمّا ابن عمّي فهتك عرضي، وأمّا ابن عمّتي وصهري فهو الذي قال لي بمكّة ما قال،


1) الاستيعاب بهامش الإصابة 83/4 -- 84.

فلمّا خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بُنيّ له اسمه جعفر، فقال: والله ليأذننّ لي أو لآخذ بيد بُنيّ هذا، ثمّ لنذهبنّ في الأرض حتّى نموت عطشاً وجوعاً.

فلمّا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم رقّ لهما، ثمّ أذن لهما فدخلا عليه فأسلما)(1).

وقال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمة أبي سفيان بن الحارث: (وقال عليّ بن أبي طالب لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل وجهه، فقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف: تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ(2)، فإنّه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولاً منه، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(3)، وقبل منهما وأسلما، وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذاره منه، فقال:

لعمرك إنّي يوم أحمل راية *** لتغلب خيل اللات خيل محمّد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله *** فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي

هداني هادٍ غير نفسي ونالني *** مع الله من طرّدت كلّ مطرد

أصدّ وأنأى جاهداً عن محمّد *** وأدعى وإن لم انتسب من محمّد

همُ ما همُ من لم يقل بهواهمُ *** وإن كان ذا رأي يُلَم ويفنّد


1) سيرة ابن هشام ق2/400 -- 401.

2) - سورة يوسف/91.

3) - سورة يوسف/92.

أريد لأرضيهم ولست بلائط *** مع القوم ما لم أُهد في كلّ مقعد

فقل لثقيف لا أريد قتالها *** وقل لثقيف تلك غيريَ أوعدي

فما كنت في الجيش الذي نال عامرا *** وما كان عن جرّا لساني ولا يدي

قبائل جاءت من بلاد بعيدة *** نزائع جاءت من سهام وسُردد

قال ابن إسحاق: فزعموا أنّه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قوله: (ونالني مع الله من طَردّتُ كلّ مطرّد)، ضرب رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم في صدره، وقال: أنت طردتني كلّ مُطرّد؟!

قال ابن عبد البرّ: ثمّ أسلم وحسن إسلامه، فقيل: أنّه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم حياء منه) (1).

وقال المحبّ الطبري في (ذخائر العقبى): (كان -- أبو سفيان -- ممّن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ولم يفرّ -- يوم حنين -- ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى انصرف الناس)(2).

وروي عنه أنّه قال: خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشهدت فتح مكّة وحنيناً، فلمّا لقينا العدوّ بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف مصلتاً والله يعلم أنّي أريد الموت دونه وهو ينظر إليَّ، فقال له العبّاس: أخوك وابن عمّك، فقال: قد غفر الله له كلّ عداوة عادانيها.

وممّا قاله في يوم حنين:


1) الاستيعاب 1674/4 ط الأولى 1412ه- بيروت.

2) - ذخائر العقبى: 242.

إنّ ابن عمّ المرء من أعمامه *** بني أبيه قوّة من قدامه

فإنّ هذا اليوم من أيامه *** يقاتل الحرميّ عن إحرامه

يقاتل المسلم عن إسلامه

وذكر عمر بن شبة في (أخبار المدينة) عن عبد العزيز بن عمران، قال: بلغني أنّ عقيل بن أبي طالب رأى أبا سفيان يجول بين المقابر، فقال: يا بن عمّي ما لي أراك هنا؟ قال: أطلب موضع قبري فأدخله داره وأمر بأن يحفر في قاعها قبراً ففعل، فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثمّ انصرف، فلم يلبث إلاّ يومين حتّى مات فدفن فيه، ويقال: أنّه مات سنة خمس عشرة في خلافة عمر فصلّى عليه، ويقال: سنة عشرين(1).

وكان أحد السبعة الذين يشبهون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وكان مصاهراً لعمّه أبي طالب على ابنته جمانة.

الشرح: إنّ البيت الشاهد الشعري ورد مفرداً في مصدر السؤال، ولمّا كان في معناه ومبناه يتّسق مع ما مرّ ذكره من شعره في أوّل إسلامه، إذ هو على الوزن والقافية، فهو منه غفل الراوي عنه فلم يذكره.

وقد ورد من دون عزوه إلى قائله في (تفسير القرطبي 142/1)، وفي (الغيث المسجم 258/1)، وفي (أمالي ابن الشجري 112/1) بتفاوت يسير.

ب -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً؟

قال: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق.


1) الإصابة 153/7، ط الأولى بيروت 1415 دار الكتب العلمية.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وهو يقول:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى *** وبيّن للإسلام ديناً ومنهاجا

تعيين الآية: في سورة المائدة/48.

مصدر السؤال: (الإتقان)، و(الدرّ المنثور)، و(مسائل الطستي)، والقافية في الطبعة الثالثة من (الإتقان بمصر 207/1) (ومنهجا) بدل (ومنهاجا)، وهو تصحيف طباعي ظاهراً.

ج -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يَصْدِفُونَ؟

قال: يعرضون عن الحقّ.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب:

عجبت لحلم الله عنّا وقد بدا *** له صدفنا عن كلّ حقّ منزّل

تعيين الآية: في سورة الأنعام/46.

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور)، و(الإتقان) عن (مسائل الطستي)، وورد الشاهد في (تفسير الآلوسي)، و(أضواء البيان) للشنقيطي.

د -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ؟

قال: القمّل: الدبا، والضفادع هي هذه -- يعني المعروفة -- .

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، ألم تسمع قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب:

يبادرون النخل من آنها *** كأنّهم في السرق القمّلُ

تعيين الآية: في سورة الأعراف/133.

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور) عن (مسائل الطستي).

ه- -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ؟

قال ابن عبّاس: السنا: الضوء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وهو يقول:

يدعو إلى الحقّ لا يبغي به بدلا *** يجلو بضوء سناه داجي الظلم

الآية: في سورة النور/43.

مصدر السؤال: (الدرّ المنثور)، و(الإتقان) عن (مسائل الطستي).

وأخيراً لا بدّ لي من التنبيّه على ما قاله ابن سلام الجمحي في (طبقات فحول الشعراء) وهو ينتقد ابن إسحاق فيما يرويه من أشعار لأبي سفيان، فقال: (ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية، فسقط ولم يصل إلينا منه إلاّ القليل، ولسنا نعدّ ما يروي ابن إسحاق له -- لأبي سفيان بن الحارث -- ولا لغيره شعراً، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم)(1).

ونحن نردّ على ابن سلام بما ذكره هو نفسه من (أنّ خلاّد بن يزيد الباهلي قال لخلف بن حيان أبي محرز -- وكان خلاّد حسن العلم بالشعر


1) طبقات فحول الشعراء 8/1.

يرويه ويقوله -- : بأي شيء ترّد هذه الأشعار التي تروى؟

قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنّه مصنوع لا خير فيه؟

قال: نعم.

قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟

قال: نعم.

قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر ممّا تعلم أنت)(1).

فهذا دليل على عدم اعتبار ما أسقطه العلماء بالشعر وأهل البصر بروايته(2).


1) طبقات فحول الشعراء 7/1.

2) - الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم لابن معاضة الشهري: 220 -- 221.

البحث المفيد في كشف التزّيد والمزيد

قال الخطيب التبريزي في (شرح ديوان الحماسة): (وعن سعيد بن جبير، قال: سمعنا عبد الله بن عبّاس يُسأل عن الشيء من القرآن فيقول فيه كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا.

وعن عكرمة، قال: ما سمعت ابن عبّاس فسّر آية من كتاب الله عزّ وجلّ إلاّ نزع فيها بيتاً من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر فإنّه ديوان العرب)(1).

وتعدّ مسائل نافع من أوّل ما روي عن ابن عبّاس في غريب القرآن.

قال أبو هلال العسكري في كتابه (الأوائل): (أوّل من صنّف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، صنّف كتاب (المجاز)، وأخذ ذلك من ابن عبّاس حين سأله نافع بن الأزرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسّرها له، واستشهد بأبيات من شعر العرب، وهو أوّل ما روي في ذلك وهو خبر معروف)(2).

وقد كان حريصاً على تعلّم الناس لشعر الجاهلية لمعرفة ما يعسر عليهم فهمه من غريب القرآن، فقد روى السيوطي في (المزهر) عنه قوله:


1) شرح ديوان الحماسة 3/1.

2) - الأوائل: 261.

(إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب)(1).

وقد روي عنه في هذا أكثر ممّا روي عن غيره، وأشهر ما روي عنه هي مسائل نافع بن الأزرق الذي خلد اسمه بها ولا عجب، فإنّ حظوظ الرجال قد تظهر في صدق الأقوال أو مجانسة الأعمال، ومع تقلّب الأحوال، ويبدو أنّ نافع بن الأزرق الخارجي في مسائله المتعنتة التعجيزية كان من ذوي الحظوظ، إذ بقي يذكر كلّما ذكر الشاهد الشعري فيها، أو ذكر ابن عبّاس رضي الله عنه وما أثر عنه منها، فنجد اسم نافع يذكر مع مسائله نشأة ورواية، وتطوراً وشرحاً، وغدت تلك المسائل جزءاً من تراثنا اللغوي والأدبي، حفلت بها الدراسات القرآنية والحديثية واللغوية والأدبية، فلا تخلو مصادر التفسير والعلوم القرآنية من ذكرها كلاّ أو بعضاً، إذ لا يوجد مثلها في التراث القرآني الأدبي في سعة الشمول لجملة من غريب اللفظ مع تفسير المعنى بالشاهد الشعري. وقد مرّ بنا ذكر من عكفوا عليها رواية وجمعاً وتأليفا وشرحاً، وإنّهم غضّوا الطرف أو تغاضوا عن ذكر ما عراها من تزيّد، فأكسبها ذلك المزيد وهناً، فكثرت حولها القالة مع ضعف الدلالة، فرأيت من المفيد أن أكشف بعض ثغرات الوهن التي تسبّبت في الشكّ في صحّتها، وجعلت أنحاء الكلام في هذا على النحو التالي:

النحو الأوّل: ما يشير إلى اختلاف في قراءة السؤال، أو في تفسير المعنى وفي رواية الشاهد.


1) المزهر 302/2.

النحو الثاني: ما يتعلّق بالشاهد الشعري ومجهولية اسم صاحبه.

النحو الثالث: ما يتعلّق بتردّد الشاهد بين اثنين، أو أكثر.

النحو الرابع: ما يتعلّق بتعدّد الشاهد لشاعر، أو شاعرين مختلفين.

ومن المرور على قراءة ما في هذه الأنحاء نستطيع أن نتبيّن حجم التزيّد، فلا غرابة بعدها في قول من رأى التشذيب والتهذيب، وأنّه أحرى بوجه التقريب.

النحو الأوّل ما يشير إلى اختلاف في قراءة السؤال، أو رواية الشاهد، أو تفسير المعنى

فإنّ أوّل ما يثير انتباه القارئ اختلاف بعض صيغ المسائل في طلب الشاهد الشعري، كما في المصادر التي ذكرتها.

ففي بعضها: (... قال نافع: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟...) كما في رواية الطستي على ما في (الإتقان)، و(الدرّ المنثور)، وغيرهما.

وفي بعضها: (... قال نافع: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ...)، كما في رواية الطبراني في (المعجم الكبير)(1)، وعنه في (مجمع الزوائد)(2).

وفي بعضها: (... وقال نافع: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل القرآن على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم ...)، كما في (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري(3).

وفي بعضها: (... قال نافع: وهل كانت العرب تعرف ذلك في


1) المعجم الكبير 248/10 -- 256.

2) - مجمع الزوائد 303/6 -- 310، و 278/9 -- 284.

3) - إيضاح الوقف والابتداء 76/1.

الجاهلية...؟)، كما في كتاب (الأضداد) لابن الأنباري(1).

وفي هذا الاختلاف دلالة على تصرّف الرواة في النقل، وأقرب الصيغ إلى الواقع في نظري هو ما رواه الطبراني في (المعجم الكبير)، وابن الأنباري في كتابيه (الأضداد والإيضاح)، لأنّ نافعاً إنّما كان يطلب الشاهد الشعري على صحّة ما فسّره له ابن عبّاس من شعر العرب، الذين لم يتأثروا بمعاني القرآن، وليس في أشعار الإسلاميين الذين لم يدركوا الجاهلية ما يقنع نافعاً.

نعم، يجوز لابن عبّاس رضي الله عنه أن يستشهد بأشعار المخضرمين: كحسّان، وأُميّة بن أبي الصلت، وسادات بني هاشم، وأوائل المسلمين ممّن أدركوا زمان البعثة، أمّا الذين تأخّروا زماناً عنهم، كعمر بن أبي ربيعة الذي كان غلاماً يومئذ، فليس شعرهم بنافع للردّ على نافع، ومن هنا أمكن القول بدخول التزيّد في المسائل، ومعرفته من خلال معرفة أزمان الشعراء أصحاب الشواهد.

وثمّة إشارات نافعة لمعرفة الدخيل من خلال وجود الاختلاف في تفسير المعنى كما يلي:

أ -- قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَفُومِهَا(2)؟

قال ابن عبّاس: الحنطة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) الأضداد: 33، ط الكويت.

2) - سورة البقرة/61.

قال: نعم، أما سمعت أبا محجن الثقفي وهو يقول:

قد كنت أحسبني كأغنى واحد *** قدم المدينة عن زراعة فوم

قال ابن عبّاس: يا بن الأزرق، ومن قرأها على قراءة ابن مسعود فهو هذا المنتن -- يعني الثوم -- وقد قال أُميّة بن أبي الصلت في ذلك:

كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة *** فيها الفراديس والفومات والبصل

أقول: وإذ لم يعهد من ابن عبّاس النقل عن ابن مسعود في اختلاف القراءة إلاّ في هذا المقام، فيبدو أنّ التلفيق متأخّر.

والشاهد الأوّل وردت نسبته في (الدرّ المنثور)، و(الإتقان)، و(مجمع الزوائد) إلى أبي محجن الثقفي، ووجدته منسوباً إليه فيما ورد في (لسان العرب)(1)، و(تفسير البحر المحيط) لأبي حيان في تفسير الآية، فقد ورد العزو إلى أبي محجن بتفاوت يسير في (قدم المدينة)، و(نزل المدينة).

وجاء الشاهد الشعري في تفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في (المعجم الكبير)، فيما نقله عنهم السيوطي في تفسيره(2)منسوباً إلى أحيحة بن الجلاح، وكذلك ورد في تفسير (مجمع البيان) للطبرسي، وروايتهم للشاهد بلفظ:

قد كنت تحسبني كأغنى واحد *** قدم المدينة عن زراعة فوم

وهذا الاختلاف في نسبة البيت إلى أكثر من شاعر، هو ما يتعلّق بتردّد


1) لسان العرب 358/15.

2) - تفسير السيوطي1/72.

القائل بين اثنين أو أكثر، كما سيجيء في النحو الثالث.

أمّا البيت الثاني الذي استشهد به ابن عبّاس على قراءة ابن مسعود، فقد أثبته القرطبي في تفسيره(1)، وذكره بشير يموت في ديوان أُميّة بن أبي الصلت مفرداً في ص48 ط بيروت بتفاوت يسير.

ولم يكن لابن عبّاس في هذا الترديد شأن، فهو من تزيّد الرواة فيما أرى، والله أعلم.

ب -- من الشواهد على اختلاف المعنى واختلاف رواية الشواهد، ما ورد في السؤال 269 (أدب التفسير): في تفسير قوله تعالى: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ(2):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ، هل كانت العرب تعرف الطلاق ثلاثاً في الجاهلية؟

قال: نعم، كانت العرب تعرف ثلاثاً باتا، أما سمعت الأعشى وهو يقول وقد أخذه أختانه فقالوا له: إنّك قد أضررتَ بصاحبتنا، وإنّا نقسم بالله أن لا نضع عنك العصا حتّى تطلّق أهلك، فقد أضررتَ بها، فلمّا رأى منهم الجدّ، وأنّهم فاعلون به شرّاً، فقال الأعشى:

أيا جارتا بيني فانّك طالقه *** كذاك أمور الناس غاد وطارقه

فقالوا والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال:


1) تفسير القرطبي 425/1.

2) - سورة البقرة/229.

فبيني حصان الفرج غير ذميمة *** وموموقة فينا كذاك ووامقه

وذوقي فتى حيّ فإني ذائق *** فتات أناس مثل ما أنت ذائقه

فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال:

بيني فإنّ البين خير من العصا *** وأن لا تزالي فوق رأسك بارقه

وقد وردت القصّة والأبيات في (مجمع الزوائد)، إلاّ أنّ ياقوت في (معجم البلدان) قال: إنّ رجلاً سأل ابن عبّاس عن طلاق العرب؟ فقال: كان الرجل يطلّق امرأته تطليقة، ثمّ هو أحقّ بها، فإن طلّقها ثنتين فهو أحقّ بها أيضاً، فإن طلّقها ثلاثاً فلا سبيل له إليها، ثمّ استشهد بأبيات الأعشى(1).

وفي ديوان الأعشى ذكرت الأبيات ستّة، ولها شرح مذكور في أوّل الديوان ص183، وفي الشرح ص157... فمن المحتمل أن يكون الرجل السائل غير نافع فحمل عليه من تزيّد الرواة.

ج -- قال المبرّد في (الكامل): وممّا سأله عنه -- يعني نافع سأل ابن عبّاس -- الم _ ذَلِكَ الْكِتَابُ(2)؟ فقال ابن عبّاس: تأويلنا هذا القرآن.

قال المبرّد: هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عبّاس، وأنا أحسبه أنّه لم يقبله إلاّ بشاهد.

وتقديره عند النحويين إذا قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ، أنّهم قد كانوا وُعِدوا كتاباً، هكذا التفسير، كما قال جلّ ثناؤه: فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ


1) معجم البلدان 137/8، ط مصر الأولى.

2) - سورة البقرة/1 -- 2.

كَفَرُواْ بِهِ(1)، يعني بذلك: اليهود، وقال: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ(2)، فمعناه: هذا الكتاب الذي كنتم تتوقعونه(3). ثمّ ساق المبرّد كلاماً كثيراً وشاهداً من شعر خفّاف بن ندبة، فمن شاءه فليراجعه.

د -- جاء في السؤال 91 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يَوْمٌ عَصِيبٌ(4)، ما العصيب؟

قال: شديد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

هم ضربوا قوانس خيل حجر *** بجنب الرده في يوم عصيب

هكذا في رواية (الإتقان)، غير أنّ في رواية ابن الأنباري في (إيضاح الوقف والابتداء/ نسخة خطية مكتبة كوپرللي زاده في تركيا) ذكر بيت الشاهد من قول عدي بن زيد:

فكنتُ لو أنّي خصمك لم أعوّد *** وقد سلكوك في يوم عصيب

والشاهد الأوّل، هو من قصيدة تناهز العشرين بيتاً لبشر بن أبي خازم


1) سورة البقرة/89.

2) - سورة البقرة/146.

3) - الكامل 226/3 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

4) - سورة هود/77.

قالها في هجاء أوس بن حارثة الطائي، كما في (ديوان مختارات العرب)(1)، وفي القسم الثاني من (مختارات ابن الشجري/ ط الهند).

ه- -- جاء في السؤال 90 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: هَيْتَ لَكَ(2)؟

قال: هلم لك، تهيأت لك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:

به أحمي المضاف إذا دعاني *** إذا ما قيل للأبطال هيتا

وقد ورد صدر البيت في شعر المتنخل الهذلي، حيث قال:

به أحمي المضاف إذا دعاني *** ونفسي ساعة الفزع الفلاطِ(3)

و -- -وجاء في السؤال 223 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ(4)، ما الصواع؟

قال: الإناء والكأس الذي يشرب فيه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى:


1) ديوان مختارات العرب 68/1.

2) - سورة يوسف/23.

3) - ديوان الهذليين: 372، والعباب الزاخر حرف الطاء: 154.

4) - سورة يوسف/72.

له درمك في رأسه ومشارب *** ومسك وريحان وراح تصفّق

وحور كأمثال الدمى ومناصف *** وقدر وطباخ وصاع وديسق

ز -- وجاء في السؤال 224 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ(1)؟

قال: الزعيم: الكفيل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت فروة بن مسيك حيث يقول:

أكون زعيمكم في كلّ عام *** بجيش جحفل لجب لهام

هكذا ورد البيت الشاهد، كما في (إيضاح) ابن الأنباري، و(الدرّ المنثور) للسيوطي، غير أنّه ورد في (مجمع الزوائد) للهيثمي بيت الشاهد منسوب إلى امرئ القيس، وهو قوله:

وإنّي زعيم إن رجعت مملكا *** بسير ترى منه الغرانق أزورا(2)

وهذا من قصيدة له مثبتة في (مختارات الشعر الجاهلي)(3).

ح -- وجاء في السؤال 8 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: بَنِينَ وَحَفَدَةً(4)؟


1) سورة يوسف/72.

2) - مجمع الزوائد 307/6.

3) - مختارات الشعر الجاهلي: 44.

4) - سورة النحل/72.

قال: ولد الولد، وهم الأعوان.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

حفد الولائد بينهنّ وأسلمت *** بأكفهنّ أزمة الأجمال

وهذا الشاهد استشهد به كثير من المفسّرين في تفسير الآية؛ فراجع تفاسير: الطبري، والطبرسي، والزمخشري، والقرطبي، وأبي حيان، ونسب بعضهم الشاهد إلى كثير عزة، وفي تفسير ابن شهر آشوب (مخطوط مكتبة الحسينية الشوشترية) نسبه إلى جميل بن معمر، ونسبه ابن دريد في (جمهرة اللغة) إلى الفرزدق بتغيير الأحمال إلى الأجمال(1).

بينما ورد في (مجمع الزوائد)(2)منسوباً إلى أُميّة بن أبي الصلت، ولا خلاف في صحّة النسبة وتردّدها بين أكثر من شاعر، فكان علَيَّ أن أجعل هذا في النحو الثالث الآتي وفيه دلالة على التزيّد، لكن عجلت ذكره لما ورد من اختلاف في التفسير أيضاً؛ فقد ذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) في الجواب قول ابن عبّاس: أمّا بنوك فإنّهم يتعاطونك، وأمّا حفدتك فإنّهم خدمك.

ط -- وجاء في السؤال 11 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: مَثْبُوراً(3)؟


1) جمهرة اللغة 123/1، ط الهند.

2) - مجمع الزوائد 279/9.

3) - سورة الإسراء/102.

قال ابن عبّاس: ملعوناً محبوساً من الخير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى وهو يقول:

إذ أتاني الشيطان في سنة النوم *** ومن مال ميله مثبور

هكذا ورد الشاهد في (سيرة ابن هشام)(1)، و(الإتقان)، و (بداية ابن كثير)(2)بتغيير في أوّله: (اذ أباري الشيطان في سنن الغي)، وفي تفاسير: الطبري، والطبرسي، وأبي حيان، و(طبقات الشعراء) لابن سلام(3)، و(مختار شعر بشار)(4)، بتغيير: (إذ أجاري الشيطان) إلى غير هذا من تفاوت في مصادر غيرها.

ي -- جاء في السؤال 82 (أدب التفسير):

سؤال نافع عن قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً(5)وهو متحدّ مع السؤال 193، غير أنّ الاختلاف في الشاهد الشعري.

ففي الأوّل: قول الشاعر:

سهل الخليقة ماجد ذو نائل *** مثل السريّ تمده الأنهار

وفي الثاني: قول الشاعر:


1) سيرة ابن هشام 39/4.

2) - البداية 308/4.

3) - طبقات الشعراء: 93.

4) - مختار شعر بشار: 184.

5) - سورة مريم/24.

سلما ترى الدالج منها أزورا *** إذا يسجّ في السريّ هرهرا

واللافت للنظر! أنّ السؤال مع الشاهد الشعري ورد في (الدرّ المنثور) مع تفاوت في اللفظ، ولم يذكر أنّه من مسائل نافع، بل جعل السائل مجهولاً(1).

ومهما يكن فمن البعيد جدّاً أنّ يسأل نافع عن السؤال الواحد مرّتين، ويجيبه ابن عبّاس بشاهدين مختلفين، وإذا صحّت رواية (الدرّ المنثور)، فهي تدلّ على سعة علم ابن عبّاس بشواهد الشعر في غريب القرآن، حتّى أنّه يستحضر أكثر من شاهد للسؤال الواحد.

ونكتفي بهذه النماذج في الدلالة على وقوع الاختلاف في قراءة السؤال، أو في تفسير المعنى، أو في رواية الشاهد، وهي تدلّ على وقوع التزيّد في المسائل بعد زمان حدوثها.


1) الدرّ المنثور 268/4، ط افست إيران.

النحو الثاني فيما يتعلّق بالشواهد الشعرية المجهولة الشاعر، ووقفنا على أسمائهم

إنّ مسائل نافع بن الأزرق من ابن عبّاس غشيها من المزيد ما زاد في الريب فيها، وقد وردت جملة من شواهدها الشعرية فلم تنسب إلى أصحابها، وقد نيّفت على الثمانين في جملة ما جمعت سابقاً في (أدب التفسير)، وقد بلغ العدد -286- سؤالاً من ابن عبّاس، وهذا ممّا يلفت النظر في صحّتها، فإنّ ابن عبّاس في ألمعيته ولوذعيته وجامعيته كيف غابت عنه أسماء شعراء ذلك العدد الضخم من الشواهد؟ واحتمال نسيان الرواة أو النسّاخ وإن ورد أوهى من بيت العنكبوت، كيف وهم رووها بإتقان، حتّى ذكروا نسخة البدل في الأسماء وغيرها.

ومهما يكن فقد تمكّنت بعد البحث وبذل الجهد من معرفة أسماء جمع من أولئك الشعراء الذين لم تذكر أسماؤهم، ومن بقي على جهالته، عسى أن يتمكّن من يعثر على أسمائهم فيزيدنا معرفة، وكم ترك الأوائل للأواخر، وفي الاطّلاع عليها نطمئن على طرق التزيّد عليها، ويبقى التشذيب هو القريب بعد التهذيب.

والآن أذكر للقارئ أسماء من تعرّفنا عليه من أصحاب الشواهد المجهولة القائل، متسلسلاً حسب ورودها في كشّاف المسائل في (أدب

التفسير)، ليقف القارئ بينها على أسماء بعض من تأخّروا عن ابن عبّاس زماناً، وعليه فلا يصحّ نسبة ذلك إليه إذاً:

س 5 (أدب التفسير):

عن قوله تعالى: وَرِيشاً(1)؟

قال: الريش: المال، والشاهد قول الشاعر:

فرشني بخير ما قد بريتني *** وخير الموالي من يريش ولا يبري

وهذا البيت عزاه الجاحظ في (البيان والتبيين) مع أربعة أبيات قبله، عزاها إلى سويد بن صامت(2)، بينما ذكر ابن منظور البيت الشاهد في (لسان العرب) ونسبه لعمير بن حباب(3).

س 13:

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: نَدِيّاً(4)؟

قال ابن عبّاس: النادي: المجلس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

يومان يوم مقامات وأندية *** ويوم سير إلى العداء تأويب


1) سورة الأعراف/26.

2) - البيان والتبيين 218/1.

3) - لسان العرب 199/8.

4) - سورة مريم/73.

أقول: هذا البيت من قصيدة لسلامة بن جندل الطهوي، وهي من شعره الحسن المأثور عنه، قال عنها ابن قتيبة أنّها أجود شعر سلامة، وهي في (المفضليات)(1)، وقد ذكر الأب لويس شيخو في (شعراء النصرانية) تمام القصيدة (50 بيتاً)(2)، كما ذكرت في (ديوانه) بشرح الأب لويس شيخو(3)، وردت بعض أبياتها في: (الكامل)(4)، و(الفائق) للزمخشري(5)، وبيت الشاهد في تفاسير: الطبري، والطبرسي.

س 14:

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: أَثَاثاً وَرِئْياً(6)؟

قال ابن عبّاس: الأثاث: المتاع، والرئي: من الشرب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

كأنّ على الحمول غداة ولّوا *** من الرئي الكريم من الأثاث

أقول: ورد هذا البيت بتفاوت في (الأغاني) ضمن سبعة أبيات قالها النميري في زينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجّاج بن يوسف، وهو


1) المفضليات/132، ط العثماني.

2) - شعراء النصرانية قسم 490/4.

3) - ديوان سلامة بن جندل: 7، ط بيروت.

4) - الكامل: 469.

5) - الفائق 290/2.

6) - سورة مريم/74.

كما يلي:

أهاجتك الضعائن يوم بانوا *** بذي الزي الجميل من الأثاث(1)

فإن صحّت النسبة والرواية، فهو دليل على التزيّد في المسائل لتأخّر زمان النميري، أو معاصرته على أكثر تقدير، وليس هو بذلك الشاعر الذي يحفظ ابن عبّاس شعره فيستشهد به عند الحاجة.

س 15 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً(2)؟

قال ابن عبّاس: القاع: الأملس، والصفصف: المستوي.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول:

بملمومة شهباء لو قذفوا بها *** شماريخ من رضوى إذاً عاد صفصفا

أقول: هذا البيت قائله خديج بن العوجاء النصري في أبيات قالها يوم حنين، وهي:

لمّا دنونا من حنين ومائه *** رأينا سواداً منكر اللون أخصفا

بملمومة شهباء... البيت الشاهد، وبعده:

ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم *** إذن ما لقينا العارض المتكشفا


1) الأغاني 196/6.

2) - سورة طه/106.

إذن ما لقينا جند آل محمّد *** ثمانين ألفاً واستمدوا بخندفا(1)

س 16 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى(2)؟

قال: لا تعرف فيها من شدّة حرّ الشمس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول:

رأت رجلاً إما إذا الشمس عارضت *** فيضحي وأمّا بالعشيّ فيخصر

أقول: وهذا البيت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، وهي التي قيل أنشدها لابن عبّاس بعد أن استنشده شيئاً من شعره وبعد أن أملّه نافع بكثرة مسائله. ووجود هذا الشاهد الشعري دليل قاطع على وقوع التزيّد في المسائل، لأنّه من قصيدة بعدُ لم يسمعها ابن عبّاس من صاحبها، فمن أين له العلم بها؟ واحتمال اطّلاعه عليها من قبل احتمال واهٍ، ولو تم فلماذا لم يصرّح باسم قائله، وهو يعرفه، ومن زوّاره، وممّن يقرأ عليه شعره كما يقولون؟

س 19 (أدب التفسير):

عن قوله تعالى: الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ(3)؟


1) سيرة ابن هشام 131/4.

2) - سورة طه/119.

3) - سورة الحجّ/36.

والشاهد قول الشاعر:

على مكثريهم حقّ معترّ بابهم *** وعند المقلّين السماحة والبذل

والبيت ذكره المبرّد في (الكامل) وعزاه إلى زهير بن أبي سلمى بتفاوت يسير لا يضرّ بالشاهد، فقال:

على مكثريهم حقّ من يعتريهم *** وعند المقلّين السماحة والبذل(1)

س 35 (أدب التفسير):

عن قوله تعالى: لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ(2)؟

والشاهد قول الشاعر:

تلك المكارم لا قعبان من لبن *** شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

والبيت الشاهد هو لأُميّة بن أبي الصلت من قصيدة طويلة قالها في مدح سيف بن ذي يزن لما استنجد بكسرى وأخرج الجيش من جزيرة العرب، ذكر النويري الشاهد في (نهاية الأرب)(3)، والقصيدة ذكرها بطولها الأب لويس شيخو في (شعراء النصرانية)(4).

س 41:

في سورة البقرة الآية -10- في قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ


1) الكامل 23/1.

2) - سورة الصافات/67.

3) - نهاية الأرب 68/3.

4) - شعراء النصرانية ق/2/232.

اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ؟ قال ابن عبّاس: الأليم: الوجيع. وقال: أما سمعت قول الشاعر:

نام من كان خليّا من ألم *** وبقيت الليل طولا لم أنم

وروى السيوطي في (الدرّ المنثور) قول ابن عبّاس: كلّ شيء في القرآن أليم فهو الموجع.

وصدر البيت الشاهد ورد في كتاب (الأغاني) في شعر أبي كامل مولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقد غنّاه به من جملة أبيات. فإن صحّت رواية (الأغاني) فهذا دليل على التزيّد في مسائل نافع، إذ حشر في شواهدها الشعرية ما لم يصحّ نسبة إلى ابن عبّاس المتوفّى قبل ولادة الوليد بن يزيد بأكثر من عشرين سنة، فضلاً عن معرفة تاريخ مولاه أبي كامل.

قال في (الأغاني): إنّ أبا كامل غنّى الوليد بن يزيد ذات يوم، فقال:

نام من كان خليّاً من ألم *** وبدائي بت ليلي لم أنم

أرقب الصبح كأنّي مُسندٌ في أكف القوم تغشاني الظلم

إنّ سلمى دلّنا من حبّها *** ديدن في القلب ما أخضّر السلم

قد سبتني بشتيت نبته *** وثنايا لم يعبهنّ قضم

قال: فطرب الوليد وخلع عليه قلنسية وشي مذهّبة كانت على رأسه، فكان أبو كامل يصونها ولا يلبسها إلاّ من عيد إلى عيد، ويمسحها بكمّه ويرفعها ويقول: إنّما أرفعها لأنّي أجد منها ريح سيّدي(1).


1) الأغاني 91/7.

أقول: إنّما ذكرت رواية هذه القذارة للتدليل على الحقارة التي كان يرفل بها خليفة الأمويين وأتباعه من الشعراء المتزلّفين.

س 47:

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ(1)قال ابن عبّاس: أجدر أن لا تميلوا قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

إنا تبعنا رسول الله واطّرحوا *** قول النبيّ وعالوا في الموازيين

أقول: هذا البيت لعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم السهمي القرشي ويعرف بالمبرّق، قاله في أبيات له يحرّض المسلمين على الهجرة إلى الحبشة، وكان هو ممّن هاجر إليها، وحمدوا جوار النجاشي، إذ أحسن إليهم في الجوار حين نزلوا به، فقال عبد الله بن الحارث:

يا راكبا بلّغن عنّي مغلغلة *** من كان يرجو بلاغ الله والدين

كل امرئ من عباد الله مضطهد *** ببطن مكّة مقهور ومفتون(2)

إنّا وجدنا بلاد الله واسعة *** تنجي من الذلّ والمخزاة والهون(3)


1) سورة النساء/3.

2) - هذا البيت من الشواهد برقم -116- (أدب التفسير)، وقد ورد من دون تسمية القائل، بل إلى قول الشاعر.

3) - كسابقه ورد برقم -118- (أدب التفسير)، ولم يسم قائله، وهو من جملة أبيات عبد الله بن الحارث.

فلا تقيموا على ذلّ الحياة وخز *** ي في الممات وعيب غير مأمون

إنّا تبعنا... البيت الشاهد وبعده:

فاجعل عذابك في القوم الذين بغوا *** وعائذ بك أن يعلوا فيطغوني

وله في (الإصابة) ترجمة وافية، وفيها الاختلاف في وفاته؛ فراجع(1).

س 55:

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ(2)؟

قال: عدل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

تلاقينا تعاصينا سواء *** ولكن حمّ عن حال بحال

أقول: هكذا في (الدرّ المنثور)، ولكن في (الإتقان) وغيره:

فقاضيناه سواء *** ولكن جر عن حال بحال

ومهما يكن فالبيت من أبيات الشواهد النحوية، وذكر في شرحي عبد المنعم الجرجاوي وقطة العدوي لشواهد ابن عقيل، وكذلك في شرح شواهد ألفية ابن مالك للسيّد محمّد العاملي(3)، وهو لزيد الخيل بن مهلهل الطائي الذي سمّاه النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ب-(زيد الخير). قاله في أبيات أنشأها لما طعن


1) الإصابة 292/2.

2) - سورة آل عمران/64.

3) - شرح شواهد ألفية ابن مالك: 27 -- 28.

مزيد من بني أسد، كان يتمنّى لقاء زيد فلقيه فطعنه فهرب منه، فأنشأ قائلاً:

تمنّى مزيد زيداً فلاقى *** أخا ثقة إذا اختلف العوالي

كمنية جابر إذ قال ليتي(1)*** أصادفه وأتلف بعض مالي

تلاقينا فما كنّا سواء *** ولكن خرّ عن حال لحال

ولولا قوله يا زيد قدني *** لقد قامت نويرة بالمئالي

شككت ثيابه لمّا التقينا *** لقد قامت نويرة بالمئالي

بمطّرد المهزّة كالخلال(2)

س 86 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يُهْرَعُونَ؟

قال: يقبلون إليه بالغضب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

أتونا يهرعون وهم أسارى *** نسوقهم على رغم الأنوف

فهذا البيت الشاهد هو لمهلهل كما في تفاسير: الطبري(3)، والطبرسي(4)، والقرطبي(5)، وروايتهم:


1) يستشهد به النحويون على حذف نون الوقاية من ليتني، قال ابن مالك: (وليتني فشا وليتي ندرا)، أي: نادراً.

2) - وفي شروح الشواهد مزيد تفصيل فيها.

3) - تفسير الطبري 50/12.

4) - تفسير الطبرسي 51/12.

5) - تفسير القرطبي 75/9.

فجاءوا يهرعون.... نقودهم ...

س 94 (أدب التفسير):

عن قوله تعالى: طَيْراً أَبَابِيلَ(1)؟

قال: ذاهبة وجائية تنقل الحجارة بمناقيرها وأرجلها، فتبلبل عليهم فوق رؤوسهم، واستشهد بقول الشاعر:

وبالفوارس من ورقاء قد عدلوا *** أجلاس خيل على جرد أبابيل

وهذا البيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها الحارث. قال أبو حاتم: لم يعرفها الأصمعي وعرفها أبو عبيدة... وقد ذكرها الأعلم الشنتمري في شرحه لديوان زهير(2).

س 118 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: عَذَابَ الْهُونِ(3)؟

قال: الهوان.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

إنّا وجدنا بلاد الله واسعة *** تنجي من الذلّ والمخزاة والهون

أقول: وهذا البيت الشاهد من جملة أبيات لعبد الله بن الحارث قالها


1) سورة الفيل/3.

2) - شرح ديوان زهير:50 -- 51، ط الحميدية بمصر.

3) - سورة الأنعام/93.

في هجرة الحبشة. وقد مرّ ذكرها في س -47-؛ فراجع!

س 120 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: لاَّ فَارِضٌ(1)؟

قال ابن عبّاس: الهرمة.

قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر:

لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا *** يساق إليه ما يقوم على رجل

وهذا البيت ذكره ابن منظور في (لسان العرب)، وذكر بعده بيتاً آخر، ونسبهما إلى علقمة بن عوف. والبيت هو قوله:

ولم تعطه بكراً فيرضى سمينة *** فكيف يجازى بالمودّة والفعل(2)

س 122 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ(3)؟

قال: باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر يقول:

يُعطي بها ثمناً فيمنعها *** ويقول صاحبها ألا تشري


1) سورة البقرة/68.

2) - لسان العرب 68/8.

3) - سورة البقرة/102.

والبيت من قصيدة تبلغ -40- بيتاً قالها المسيّب بن علس، وهي مذكورة في (الصبح المنير) في مجموعة شعر المسيّب(1)، وفي البيت تفاوت يسير، كما يلي:

يُعطى بها ثمناً ويمنعها *** ويقول صاحبه ألا تشري

رواه أبو عبيدة وابن دريد للأعشى، كما في (خزانة الأدب)(2).

س 124 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ(3)؟

قال: استسلمت وخضعت.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

ليبك عليك كلّ عان بكربة *** وآل قصي من مقلّ وذي وفر

فهذا البيت من قصيدة نيفت على الأربعين، قالها حذيفة بن غانم في رثاء عبد المطّلب جدّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، قال ابن هشام في السيرة(4): قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم، أخو بني عدي بن كعب بن لؤي، يبكي عبد المطّلب ابن هاشم بن عبد مناف، ويذكر فضله وفضل قصيّ على قريش، وفضل ولده من بعده عليهم، وذلك أنّه أخذ بغُرم أربعة آلاف درهم بمكّة فوقف


1) الصبح المنير: 352.

2) - خزانة الأدب 542/1 -- 546.

3) - سورة طه/111.

4) - سيرة ابن هشام ج1/ق 174/1.

بها، فمرّ به أبو لهب عبد العزى بن عبد المطّلب فافتكّه: ثمّ ذكر القصيدة وهي من عيون الشعر.

س 128 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالىحَتَّى تَكُونَ حَرَضاً(1)، ما الحرض؟

قال: المدنف، الهالك من شدّة الوجع.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

أمن ذكر ليلى إن نأت غربة بها *** كأنّك حمّ للأطباء محرض

فهذا البيت من شعر طرفة بن العبد، وقد ورد ذكره في (إيضاح) ابن الأنباري، و(معجم) الطبراني منسوباً إليه، وفي (مجمع الزوائد)(2)بتفاوت في العجز، ولفظه:

أمن ذكر سلمى إن نأت غربة بها *** أعد حريضاً للكرام محرم

ولم يرد في ديوانه.

س 203 (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: الْمَوْقُوذَةُ(3)؟

قال: التي تضرب بالخشب حتّى تموت.


1) سورة يوسف/85.

2) - مجمع الزوائد 308/6.

3) - سورة المائدة/3.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

يلوينني دين النهار واقتضي *** ديني إذا وقذ النعاسُ الرقّدا

وهذا البيت من قصيدة -42- بيتاً للأعشى، قالها لكسرى لمّا أراد منهم رهائن، وهي في ديوانه(1)، وأمالي المرتضى(2).

إلى غير هذا من الشواهد المجهولة القائل ووفقت لمعرفة أصحابها، وسأقتصر على مجرّد الشاهد والأسماء مع تعيين رقم السؤال.

س 65 (أدب التفسير):

أعطى قليلاً ثمّ أكدى بمنّة *** ومن ينشر المعروف في الناس يحمد

البيت للحطيئة، كما في تفاسير: القرطبي، وأبي حيان، في تفسير قوله تعالى: وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى(3)، وكذا ورد في هامش (غريب القرآن) لابن قتيبة(4).

س 144 (أدب التفسير):

وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً(5): فلا تكفروا ما قد صنعنا لكم *** وكافوا به فالكفر بور لصانعه


1) ديوان الأعشى: 151.

2) - أمالي المرتضى 69/3.

3) - سورة النجم/34.

4) - غريب القرآن: 409.

5) - سورة الفتح/12.

البيت لحسّان كما في ديوانه(1).

س 138 (أدب التفسير):

فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ(2): فراغت فانتقدت به حشاها *** فخرّ كأنّه خوط مريج

البيت نسبه القالي في أماليه(3)لأبي ذؤيب الهذلي، وكذا أبو زيد القرشي في جمهرته(4)، إلاّ أنّ الميمني نقد القالي في نسبته وأثبته لعمرو بن الداخل، أو للداخل زهير بن حرام أحد بني سهم بن مرّة، قاله من أبيات له:

كأنّ ظبائها عقر بعيج *** وبيض كالسلاجم مرهفات

مكاناً لا تروغ ولا تعوج *** أطاف الناخشان بها فجاءت

فراغت... البيت الشاهد

كأنّ الريش والفوقين منه *** خلاف النصل سيط به مشيج

س 282 (أدب التفسير):

عن قوله تعالى: الصَّمَدُ(5)؟

قال: أمّا القائل، فقد عرفه لقوله:

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد


1) ديوان حسّان: 266.

2) - سورة ق/5.

3) - أمالي القالي 310/2 -- 314.

4) - جمهرة أشعار العرب: 9.

5) - سورة الإخلاص: 2.

هكذا في رواية ابن شهرآشوب في تفسيره(1).

والبيت من أبيات ثلاثة لهند بنت معبد بن نضلة، تبكي بها عمرو بن مسعود وخالد بن نضلة عمّيها الأسديين، والأبيات:

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد

فمن كان يعيى بالجواب فإنّه أبو معقل لا حجر عنه ولا صدد

أثاروا بصحراء الثوية قبره وما كنت أخشى أن تنآى به البلد

كذا في (البيان والتبيين)(2)، وفي (مجمع الزوائد): الأسدية دون الاسم، وجاء في (رسالة أسماء المغتالين) لابن حبيب (ضمن نوادر المخطوطات)(3)، ذكر البيتين الأوّل والثالث، بتفاوت في الثالث.

وفي (نوادر) ابن الأعرابي(4)، ما تحسن مراجعته متناً وهامشاً.


1) مخطوطة مكتبة الحسينية الشوشترية في النجف الأشرف.

2) - البيان والتبيين 101/1، ط التجارية بمصر، وسيرة ابن هشام 203/2.

3) - نوادر المخطوطات 134/2.

4) - النوادر: 122.

النحو الثالث ما يتعلّق بتردّد قائل الشاهد بين اثنين أو أكثر

لقد مرّ ويأتي ما يدلّ على هذا ضمن الأنحاء الأُخرى.

أمّا الآن فإلى بعض منها:

(1)-- جاء في السؤال -25- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: فَهُوَ كَظِيمٌ(1)؟

قال: الكظيم: المغموم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم: أما سمعت قيس بن زهير حيث يقول:

فإن أك كاظماً لمصاب شاس *** فإنّي اليوم منطلق لساني

هكذا ورد في (الدرّ المنثور)، و(إيضاح) ابن الأنباري، وغيرهما، ك-(أمالي) المرتضى(2)، و(أمالي) القالي(3)، و(سمط اللئالي)(4)، و(عيون الأخبار) لابن قتيبة(5)، ولكن ورد في (مجمع الزوائد) للهيثمي: إنّ القائل هو


1) سورة يوسف/84.

2) - أمالي المرتضى 154/1.

3) - أمالي القالي 262/1.

4) - سمط اللئالي 305/1.

5) - عيون الأخبار 88/3.

زهير بن خزيمة العبسي، وهو سهو فيه، لأنّ البيت من عدّة أبيات قالها قيس في قتله حمل بن بدر يوم جفر الهباءة، وأوّلها:

شفيت النفس من حمل بن بدر *** وسيفي من حذيفة قد شفاني

شفيت بقتلهمُ لغليل صدري *** ولكنّي قطعت بهم بناني

فلا كانت الغبرا ولا كان داحسٍ *** ولا كان ذاك اليوم يوم دهاني

فإن أكُ كاظماً لمصاب شاسٍ *** فإنّي اليوم منطلق لساني

وقد ذكر الأبيات والسبب في عدّة مصادر غير ما سبق، ك-(العقد الفريد)، و(معجم البلدان)(1)، وحماسة الطائي(2).

(2)-- وجاء في السؤال -10- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ(3)؟

قال: أفلم يعلم بلغة بني مالك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت مالك بن عوف وهو يقول:

لقد يأس الأقوام أنّي أنا ابنه *** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

هكذا ورد في (الإتقان)، و(غريب القرآن)، إلاّ أنّ السيوطي ذكر السؤال في (الدرّ المنثور)(4)، وابن الأنباري في (الإيضاح): وقال نافع:


1) معجم البلدان 441/8.

2) - الحماسة 70/1، ط الثانية.

3) - سورة الرعد/31.

4) - الدرّ المنثور 63/4، ط افست إيران.

أخبرني... قال: أما سمعت قول مالك بن عوف النضري:

أقول لهم بالشعب إذ ييئسونني *** ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم

هكذا وردت نسبة البيت، والظاهر أنّ ذلك من وهم النسّاخ أو المؤلّفين.

بينما ذكر ابن منظور في (لسان العرب) هذا البيت ونسبه لسحيم بن وثيل اليربوعي، أو لابنه جابر بن سحيم، مستدلاً بقوله: (أنّي ابن فارس زهدم)، حيث زهدم فرس سحيم، والسبب في قوله ذلك أنّه وقع عليه أسر فضربوا عليه بالميسر يتحاسبون على قسمة فدائه، ويروى: أي ابن قاتل زهدم، وعلى هذا يصحّ أن يكون لسحيم، لأنّ زهدم رجل من عبس قتله سحيم.

وورد في (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف): إنّ البيت لسحيم، ولفظه:

أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني *** ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم

وتعقبه العسكري بقوله: ويروى: إذ يأسرونني، فمن رواه: يأسرونني، فهو من الأسر، ومن روى: ييسروني، فهو من يَسَرتَ الجزور(1).

(3)-- وجاء في السؤال -80- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(2)؟


1) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: 235.

2) - سورة النساء/85.

قال: قادراً مقتدراً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُحيحة بن الجلاح الأنصاري:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على إساءته مقيتا

هكذا ورد في (الدرّ المنثور) والإتقان منسوباً إلى أحيحة بن الجلاح الأنصاري، بينما ذكره ابن سلام في طبقاته(1)ونسبه إلى أبي قيس بن رفاعة اليهودي في أبيات له وهي:

إذا ذكرت أمامة فرط حين *** ولو بعدت محلّتها عَريت

أكلّفها ولو بعدت نواها *** كأنّي من تذكرها حميت

طليح لا يؤب إليّ جسمي *** كأنّي سمّ عاضهة سقيت

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته مقيت

وسيفي صارم لا عيب فيه *** ويمنعني من الرهق النبيّت

متى ما يأت يوم لا تجدني *** بمالي حين أتركه شقيت

ألين لهم وأفديهم بنفسي *** مقارشة الرياح إذا لقيت

وأرهن في الحوادث كف بكري *** لجاري في العظيمة إن دُهيت

أراه ما أقام عليَّ حقّاً *** شريكي في تلادي ما أتيت

وفي (تهذيب إصلاح المنطق) نسبه إلى ثعلبة بن محيصة الأوسي


1) ص112، ط مصر.

الأنصاري(1)، وفي (تاج العروس) نسبه إلى الزبير بن عبد المطّلب وأبي قيس وثعلبة(2)، وهناك اختلاف في نسبته وروايته ورويه مقيتا أو مقيت يطول المقام بشرحه.

(4)-- جاء في سؤال -135- (أدب التفسير):

قوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ(3)؟

قال: هربوا، بلغة اليمن. واستشهد بقول عدي بن زيد:

فنقبوا في البلاد حذر الموت *** وجالوا في الأرض أيّ مجال

والشاهد ذكره الزمخشري في (الكشّاف) ونسبه للحارث بن حلزة، ونسبه في (شواهد الكشّاف) إلى الحارث بن كلدة، واستشهد به القرطبي وأبو حيان وغيرهم في تفاسيرهم.


1) تهذيب إصلاح المنطق: 601.

2) - تاج العروس: ق و ت.

3) - سورة ق/36.

النحو الرابع ما يتعلّق بتعدّد الشاهد لشاعر أو شاعرين مختلفين

(1)-- جاء في السؤال -211- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: حَنِيفاً؟

قال: ديناً مخلصاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطّلب:

حمدت الله حين هدى فؤادي *** إلى الإسلام والدين الحنيف

وقال أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطّلب وفضلهم (كما في الدرّ المنثور):

أقيموا لنا ديناً حنيفاً فأنتم *** لنا غاية قد نهتدي بالذوائب

أقول: فالشاهد الأوّل، قاله حمزة بن عبد المطّلب عليه السلام حين أسلم من جملة أبيات أوردها الدياربكري في (تاريخ الخميس)، أوّلها الشاهد وبعده:

لدين جاء من ربّ عزيز *** خبير بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علينا تحدّر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مبيّنة الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع *** فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله نسلمه لقوم ولمّا نقضي فيهم بالسيوف(1)

وزاد عليها الزرقاني في (شرح المواهب اللدنية) قوله:

ونترك منهم قتلى بقاع *** عليها الطير كالورد العكوف

وقد خبرّت ما صنعت ثقيف *** به فجزى القبائل من ثقيف

الهُ الناس شرّ جزاء قوم *** ولا أسقاهموا صوب الخريف(2)

وأخرجها السهيلي في (الروض الأنف)(3)، وذكر منها أربعة أبيات الأولى في (هامش السيرة لابن هشام)(4).

أمّا الشاهد الثاني، فهو من قصيدة طويلة تبلغ خمسة وثلاثين بيتاً قالها أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف، قالها يعظّم فيها الحرمة وينهى قريشاً عن الحرب، ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكّرهم بلاء الله عندهم، ودفعه الفيل عنهم وكيده، ويأمرهم بالكفّ عن أذى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وأوّلها:

أيا راكباً إمّا عرضت فبلغّن *** مغلغلة عنّي لويّ بن غالب

وقد ذكر القصيدة بطولها ابن هشام في (السيرة) بهامش الروض(5)، وابن كثير في (البداية والنهاية)(6)، وغيرهما.


1) تاريخ الخميس 293/1.

2) - شرح المواهب اللدنية 257/1.

3) - الروض الأنف 186/1.

4) - سيرة ابن هشام 213/1.

5) - الروض الأنف 180/1 -- 181.

6) - البداية والنهاية 154/2.

(2)-- جاء في السؤال -219- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرنا عن قوله تعالى: إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً(1)؟

قال: المكاء: صوت القنبرة، والتصدية: صوت العصافير، وهو التصفيق.

وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكّة كان يصلّي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسدا عليه صلاته.

قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حسّان بن ثابت:

نقوم إلى الصلاة إذا دعينا *** وهمتك التصدي والمكاء

وقال آخر من الشعراء في التصدية:

حتّى تنبهنا سحيرا *** قبل تصدية العصافير

(3)-- جاء في السؤال -111- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا(2)؟

قال: كأنّ لم يسكنوا ولم يعمّروا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد يقول:


1) سورة الأنفال/35.

2) - سورة الأعراف/92.

وغنيت سبتاً قبل مجرى داحس *** لو كان للنفس اللجوج خلود

هكذا في (الإتقان) وغيره، لكن في نسخة (إيضاح الوقف والابتداء/مخطوطة بتركيا، مكتبة كوپرللي زاده): وقال المهلهل:

غنيت دارنا تهامة في الدهر *** وفيها بنو معدّ حلولا

(4)-- جاء في السؤال -152- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: رِكْزاً(1)؟

قال ابن عبّاس: حسّاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

وقد توجّس ركزاً مقفر ندسٍ *** بنبأة الصوت ما في سمعه كذب

بينما ورد الشاهد في (مجمع الزوائد)(2)من قول خراش بن زهير:

فإن سمعتم بخيلِ هابط شرفاً *** أو بطن قوٍّ فأخفوا الركز واكتتموا

والشاهد هو بيت من قصيدة تزيد على -130- بيتاً، قالها ذو الرمة غيلان بن عقبة في وصف ثور وحشي شبه ناقته، وقد عدّها أبو زيد القرشي من الملحمات، وأوّلها:

ما بال عينيك منها الماء ينسكب *** كأنّه من كلى مفريّة سرب

وهذا الاختلاف يشير إلى وقوع التزيّد، إذ لا يعقل أنّ ابن عبّاس


1) سورة مريم/98.

2) - مجمع الزوائد 283/9.

أجاب بالشاهدين معاً مع جهالته اسم قائل أحدهما، وهو هو في إحاطته بعيون الشواهد الشعرية.

5-- جاء في السؤال -49- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ(1)؟

قال: تقتلونهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

ومنّا الذي لاقى بسيف محمّد *** فحسّ به الأعداء عرض العساكر

هكذا ورد الشاهد كما في (الإتقان)، بينما في (الدرّ المنثور)، و(معجم الطبراني)، والهيثمي في (مجمع الزوائد) ذكر شاهداً آخر، وهو قول عتبة الليثي:

نحسهم بالبيض حتّى كأنّنا *** نفلق منهم بالجماجم حنظلا(2)

أقول: يبدو لي أنّ الشاهد الثاني هو الصحيح لما ذكره الآلوسي في تفسير الآية، فقال: وأخرج الأمام أحمد وجماعة عن ابن عبّاس(رضي الله تعالى عنهما) أنّه قال: ما نصر الله تعالى نبيّه في موطن كما نصره يوم أحد، فأنكروا ذلك، فقال ابن عبّاس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله تعالى، إنّ الله تعالى يقول: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم(3)، أي: تقتلونهم،


1) سورة آل عمران/152.

2) - الدرّ المنثور 85/2، المعجم الكبير 256/10، مجمع الزوائد 283/9.

3) - سورة آل عمران/152.

وهو التفسير المأثور، واستشهد عليه الحبر بقول عتبة الليثي:

نحسّهم بالبيض حتّى كأنّنا *** نفلق منهم بالجماجم حنظلا

والشاهد من المزيد.

(6)-- جاء في السؤال -101- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً(1)ما الإلّ؟

قال: القرابة والرحم، والذمّة: العهد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

جزى الله إلاّ كان بيني وبينهم *** جزاء ظلوم لا يؤخّر عاجلا

وقد ورد في (إيضاح ابن الأنباري/ نسخة مخطوطة تركيا)، الشاهد من قول حسّان بن ثابت:

لعمرك إنّ إلّك من قريش *** كإلّ السقب من رأل النعام

وهذا البيت ذكره البكري في (سمط اللئالي) مفرداً نقلاً عن ديوان حسّان ط ليدن ص90، لكن في ديوانه ط مصر تصحيح محمّد أفندي ص108 ذكر بعد الشاهد قوله:

فإنّك إن تمتّ إلى قريش *** كذات البوّ جائلة المرام

وأنت منوّط بهمُ هجين *** كما نيط السرايح بالخدام

فلا تفخر بقوم لست منهم *** ولا تك كاللئام بني هشام


1) سورة التوبة/8.

(7)-- جاء في السؤال -117- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ(1)؟

قال: كأنّ لم يسكنوا ولم يعمّروا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد:

وغنيت سبتاً قبل مجرى داحسٍ *** لو كان للنفس اللجوج خلود

وورد الشاهد أيضاً في (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري، مخطوطة تركيا، قول مهلهل، وهو في ديوانه(2).

(8)-- جاء في السؤال-170- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ(3)، ما الصهر؟

قال: الإذابة، يذاب ما في بطونهم إذا شربوا الحميم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

حبست صهارته فظلّ عثانه *** في سيطل كفئت له يتردّد

أقول: لقد ورد البيت الشاهد في جملة من المصادر بتفاوت في بعض


1) سورة الأعراف/92.

2) - ديوان المهلهل: 34.

3) - سورة الحجّ/20.

الألفاظ لم تغيّر في المعنى، إلاّ أنّ جهالة الشاعر تنازعتها المصادر، ففي (لسان العرب) هو الطرماح(1)، وكذا في (جمهرة ابن دريد)(2)، وفي (إيضاح الوقف والابتداء/ مخطوطة تركيا)، ويرد شاهدان آخران، أحدهما لمياس المرادي، وهو قوله:

فظلّ مرتيئاً للشمس تصهره *** حتّى إذا الشمس مالت جانبا عدلا

(9)-- جاء في السؤال -32 و80- (أدب التفسير):

لقد ورد السؤال مرّتين وبشاهدين مختلفين، وعن آيتين في سورتين مختلفتين:

فالسؤال الأوّل: عن قوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(3)، قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ؟

قال: الفجور والزنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى:

حافظ للفرج راضٍ بالتقى ليس ممّن قلبه فيه مرض

والسؤال الثاني: عن قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ(4)؟


1) لسان العرب 357/13.

2) - الجمهرة 27/3.

3) - سورة الأحزاب/32.

4) - سورة البقرة/10.

قال ابن عبّاس: النفاق. وذكر الشاهد قول الشاعر:

أجامل أقواماً حياء وقد أرى *** صدورهم تغلي عليَّ مراضها

وهذا البيت للشماخ بن ضرار الغطفاني من قصيدة مذكورة في ديوانه(1).

وتكرار السؤال وإن اختلفت الآيتان في تفسير ابن عبّاس يدلّ على التزيّد.

10 -- جاء في السؤال -228- (أدب التفسير):

سؤال نافع عن قوله تعالى: مُهْطِعِينَ(2)؟

فقال ابن عبّاس: مذعنين خاضعين. وأتى بالشاهد الشعري من قول تبّع:

تعبّدني نمر بن سعدِ وقد أرى *** ونمر بن سعد لي مدين ومهطع

هكذا ورد في (الإتقان)، لكن ابن الأنباري في (إيضاح الوقف/ مخطوطة تركيا)، فسّر المهطع ب-(الناظر)، وأتى بالشاهد الشعري قول الشاعر:

إذا دعانا فاهطعنا لدعوته *** داعٍ سميع فلفونا وساقونا

وقد نسب البيت في (البحر المحيط) إلى عمران بن حطّان، وهذا الاختلاف والتفاوت يشير إلى التزيّد في المسائل.

11- جاء في السؤال -234- (أدب التفسير):

سؤال نافع عن قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً(3)؟


1) ديوان الشماخ بن ضرار: 53، ط السعادة سنة 1327ه-.

2) - سورة إبراهيم/43.

3) - سورة مريم/46.

فقال ابن عبّاس: طويلاً، وأنشد قول المهلهل، كما في (الدرّ المنثور):

تصدّعت صمّ الجبال لموته *** وبكت عليه المرملات مليا

وقال فيه الشاعر كما في (إيضاح) ابن الأنباري:

فعافت مشرب الشيشات يوماً *** وقد شربت به بكرٌ مليا

وهذا التكرار بذكر الشاهد الشعري في سؤال واحد يبعد أن يكون من ابن عبّاس، بل هو من التزيّد من بعده.

12- جاء في السؤال -109 و255- (أدب التفسير)، ورد السؤال مرّتين:

فسأل نافع عن قوله تعالى: إِيَابَهُمْ(1)؟

فقال ابن عبّاس: الإياب: المرجع.

فأنشده مرّة قول عبيد بن الأبرص:

وكلّ ذي غيبة يؤوب *** وغائب الموت لا يؤوب

وهو من قصيدة طويلة أوّلها:

أقفر من أهله ملحوب *** فالقطبيات فالذنوب

وأنشد مرّة أُخرى قول الشاعر:

فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافرُ

وهذا من أبيات لراشد بن عبد الله السلمي، كما في (العقد الفريد)(2)،


1) سورة الغاشية/25.

2) - العقد الفريد 51/2 -- 54، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر، و1/186 بالمطبعة الأزهرية سنة 1326ه- .

وفي (الأغاني) نسب إلى معقر البارقي(1)، كما نسب إلى غيره في مصادر أُخرى، وهذا ما يجعلنا مطمئنين إلى وقوع تزيّد في المسائل.

وثمّة شرح حول الشاهد الثاني أعرضنا عن ذكره لطوله.

غنيت دارنا تهامة في الده- *** -ر وفيها بنو معد حلولا

13- جاء في السؤال -119- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً(2)؟

قال: النقير: ما في شقّ النواة، ومنه تنبت النخل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر:

وليس الناس بعدك في نقير *** وليسوا غير أصداء وهام

هكذا ورد في (الإتقان) وغيره، بينما ذكر ابن الأنباري في (إيضاح الوقف والابتداء/ مخطوطة تركيا)، قول الآخر:

لقد رزحت كلاب بني زبيد *** فما يعطون سائلهم نقيرا

أقول: والشاهد الأوّل هو من قول لبيد بن ربيعة من قصيدة قالها في رثاء أخيه أربد، مذكورة في ديوانه(3).

14- جاء في السؤال -272- (أدب التفسير):


1) الأغاني 44/10 -- 45، ط الساسي.

2) - سورة النساء/124.

3) - ديوان لبيد: 209.

سأل نافع عن قوله تعالى: وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ(1)؟

قال ابن عبّاس: لا تعمدوا إلى شرّ ثماركم وحروثكم فتعطوه في الصدقة، ولو أعطيتم ذلك لم تقبلوا.

وقد أنشد فيه شاهدين من شعر الأعشى: الأوّل: قوله:

يممّت راحلتي أمام محمّد *** أرجوا فواضله وحسن نداه

وهذا البيت مذكور في ديوانه في أوّل مجموعة ما أنشده للأعشى من شعر غير موجود في نفس الديوان(2).

والشاهد الثاني: قوله كما في (الدرّ المنثور)(3):

تيممّت قيساً وكم دونه *** من الأرض من مهمه ذي شزن

15- جاء في السؤال -280- (أدب التفسير):

قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: رَيْبَ الْمَنُونِ(4)؟

قال ابن عبّاس: الريب: الشكّ، إلاّ مكاناً واحداً في الطور رَيْبَ الْمَنُونِ، يعني: حوادث الدهور، وقال الشاعر:

تربص بها ريب المنون لعلّها *** تطلّق يوماً أو يموت حليلها

وفي (الدرّ المنثور)(5)ذكر سؤال نافع، فأجابه ابن عبّاس: لا شكّ فيه،


1) سورة البقرة/267.

2) - ديوان الأعشى: 209.

3) - الدرّ المنثور 346/1، ط افست إيران.

4) - سورة الطور/30.

5) - الدرّ المنثور 24/1.

واستشهد بقول ابن الزبعرى:

ليس في الحقّ يا أمامة ريب *** إنّما الريب ما يقول الكذوب

لكن ابن الأنباري ذكر الشاهد الأوّل ولم يذكر أنّه من مسائل نافع.

ولنمسك القلم عن التقاط ما بقي من سقط المتاع، ونكتفي بما ذكرناه، ففيه دلالة على المطلوب في تسليط الضوء على مسائل نافع التي جمعتها باسم (أدب التفسير)، واستبدلته بما سمّاه شيخنا المغفور له الشيخ أغا بزرك إذ سمّاه (غريب القرآن)، كما مرّت في أوّل الجزء صورة خطه الشريف.

والآن إلى عرض أربع دراسات عن تلك المسائل، فهي من العطاء غير المجذوذ، وفيها المقبول وفيها المنبوذ، وقد نبّهت على بعض ما اقتضاه المقام من تصحيح أو زيادة إفادة باسم (الخرسان)، والله المستعان.

وقبل هذا العرض لجهد الآخرين أشير إلى ما قمت به من عمل، وهو غاية ما في المستطاع يومئذ، من جمع المسائل من شتّى المصادر، حتّى أنّي بحثت عنها في مختلف المكتبات خارج العراق، فصدّعت لمّة من أهل الفضل، أنا مدين لهم بالشكر لما أسدوه من معونة علمية، وفي مقدّمتهم شيخنا المغفور له الشيخ أغا بزرك الذي اطلّع على كتابي بجزئيه، وتفضّل مشكوراً فوشّح بخطه الجزء الأوّل وسمّاه: (غريب القرآن)، فرأيت من الأدب استبدال اسم الكتاب (أدب التفسير) بما سمّاه شيخنا وإن كلّفني جهداً في تغيير بعض النهج الذي نهجته.

كما لا أنسى بقية الصفوة من العلماء والأساتذة الذين تفضّلوا بكثير من المعونة العلمية، منهم: المغفور لهم العلاّمة الشيخ حبيب المهاجر من

بعلبك، والأستاذ حسيب الكيالي من سورية، والأستاذ الحاج عبّاس افعالي من تركيا(1)، الذي تجشم معاناة استنساخ المسائل من كتاب (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري من مكتبة كوپرللي زاده في استانبول تركيا، ولا أزال أحتفظ بأوراقها الستّة الكبيرة من القطع الكبير، أسكنه الله دار النعيم.

أمّا الصفوة الأحياء الذين تفضّلوا بإرسال ما تيّسر من كتب ودراسات تخصّ موضوع المسائل، فهم الأماجد الأماثل الأفاضل مع حفظ الألقاب:

(1)-- الشيخ علي أكبر مهدي بور، من قم المقدّسة.

(2)-- الشيخ علي المولى، من لبنان.

(3)-- الشيخ محسن المعلم، من القطيف.

(4)-- السيّد حسن البروجردي، من مكتبة المجلسي في قم.

(5)-- الشيخ مهدي معراجي، من قم.

(6)-- السيّد هاشم الميلاني، في النجف الأشرف.

(7)-- الشيخ محمّد كوزول، من تركيا.

(8)-- الشيخ عبد الله الدرويش، من القطيف.

وغيرهم ممّن لم تحضرني فعلاً أسماؤهم، فمن واجب المرؤة والدين


1) ذكره المرحوم السيّد حسن الأمين في مستدرك أعيان الشيعة 247/5، والترجمة بقلم العلاّمة مهدي بور.

شكر هؤلاء السادة الفضلاء الأخلاء الأوفياء اعترافاً منّي بالفضل وتأدية للواجب، وإحقاقا للحقّ، فإنّهم جميعاً يستحقّون منّي تقديراً وشكراً ودعاءاً عرفاناً بالجميل. فجزاهم الله خير الجزاء، إنّه سميع مجيب.

الثلاثاء 19 شعبان سنة 1433ه-

الراجي

محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

عفي عنه

بسمه تعالى

شأنه قبل أن تبدأ القراءة، وحتّى لا يساء الفهم!

عنوان قرأته للأستاذ جمال البنا -- أخ الدكتور حسن البنا، رئيس الإخوان المسلمين بمصر -- وقد أحسن صنعا في اختياره، لأنّه ذكره في مقدّمة كتابه (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم)، فقال فيه:

(إنّنا في كتابنا هذا لا نتعرّض للسُنّة، لأنّ السُنّة هي الدأب والمنهج والطريقة، أي أنّها عمل الرسول وليس قوله، بل لا نتعرّض لحديثه لو كان هو الذي قال حقّاً، ولكن أنّى لنا أن نستبين ذلك وبيننا وبينه ألف عام، وسبقتها 150 سنة حافلة بالخلافات والانشقاقات والحروب الداخلية، كانت الأحاديث تتناقل شفاهاً قبل أن يأتي وقت التدوين.

فلو قال أحد إنّ هذه الأحاديث لا يعتدّ بها أصلاً لما كان متعسفاً، لأنّ الله تعالى أوجب الكتابة في دَيْن بضعة دراهم مؤجلة بصورة مؤكدة ومفصّلة وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ(1)، مع إثبات الشهادة من (عدلين)، فكيف بأحاديث تتناقل شفاهاً متحدّثاً عن متحدّث طوال 150 عاماً بعد قولها الأوّل المنسوب للرسول دون وسيلة إثبات، تباح


1) سورة البقرة/282.

بها الفروج وتقطع بها الأعناق)(1).

وأنا كذلك أقول لقارئ كتابي قبل أن تقرأ، فاعلم أنّي لا أقول بعصمة أصحاب الكتب جميعاً من قدامى ومحدّثين، فكلّ كتاب يؤخذ منه ويترك إلاّ كتاب الله تعالى.

والآن إلى:

وقفة مع الدكتور فهد العرابي الحارثي، في كتابه: (قال ابن عبّاس حدّثتنا عائشة):


1) تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم: 13.

د.فهد العرابي الحارثي

قال ابن عباس.....

حدثنا عائشة

(فصول في تآخي الأدبي و الشرعي في الثقافة العربية)

(فصول في تآخي (الأدبي) و(الشرعي) في الثقافة العربية)

هذا هو العنوان، الذي لفت نظري، وحفّزني على قراءته من أوّله إلى آخره، عسى أجد شيئاً لم أقف عليه من قبل، لأنّي لم أزل معنيّاً بأخبار ابن عبّاسt ومنذ أكثر من ستّين عاماً، وكتبت باسمه موسوعة كبيرة، في أربع حلقات، صدر منها حتّى الآن الأولى والثانية في عشرة أجزاء متسلسلة، فشاعت وذاعت، وصار بعض الأخوان كلّ ما رأوا كتاباً يتعلّق بابن عبّاس -- وما أكثر الذين يكتبون ويهرفون -- فيخبروني عنه، وأحياناً يبعثون بنسخة من الكتاب لغرض الاطّلاع، لما في بعضها من مجانبة الصواب.

وكان منها كتاب: (قال ابن عبّاس: حدّثتنا عائشة)، وهذا عنوان كما قلت لافت للنظر، ومغرٍ بالقراءة، فتفضّل بإرسال نسخته الخاصّة بعض الإخوان من بلد الإصدار، فرأيت مؤلّفه مغرماً بحبّ أُميّه ولا غضاضة، فأمّه التي ولدته وقد أهدى إليها الكتاب، وهذا شيء حسن، ونحو من أنحاء البرّ، أمّا الأُمّ الثانية، فهي أُمّه أُمّ المؤمنين عائشة، فقد جعل اسمها في عنوان كتابه (قال ابن عبّاس: حدّثتنا عائشة)، ولو صدق العنوان لكان كشفاً جديداً بالنسبة لي.

ولمّا كان ثمّة من مؤاخذة على ذلك الإنسان، ولكن أنّى؟ والمؤلّف لم يأت بما يوثّق مصداقية العنوان، فقد أورد ذكر ابن عبّاس في كتابه في الفصلين الأوّليين من ص1 إلى ص244 أكثر من ستمائة مرّة ليس بينها ولو

لمرّة واحدة تصديق العنوان، وهذا ما يثير الاستغراب، ويطيل العتاب والحساب! فلماذا هذا؟

ولو جعله باسم آخر كان أولى وأحرى. بدل أن أصحّحه بإضافة (ما) النافية في أوّله.

ثمّ ذكر في الفصل الثالث (التآخي) في حالة السيّدة عائشة من ص145 إلى ص342، ولم يذكر فيه ولو لمرّة واحدة (قال ابن عبّاس: حدّثتنا عائشة)، فلماذا التلبيس والتدليس؟! وابن عبّاس فيما بحثت عنه لم ترد عنه رواية واحدة رواها عن عائشة(1)!

وكتابٌ بهذا العنوان قد يغري القرّاء بمراجعته، ولكن سرعان ما يصاب بعضهم بخيبة الأمل، فكيف ستكون الحال في قبول ما في الكتاب مع هذه السطحية الفجّة، حين يجد الدكتور يرجع في جملة أبحاثه إلى مصادر ثانوية ودراسات حديثة، وفي بعضها من الهوس وفجاجة الرأي ما يبعث القلس، ومهما تكن من مؤاخذة في اسم الكتاب فإن تجاوزناها وطالعنا الكتاب، سنجد فيه إنشائيات خطابية ليست بحوثاً تحقيقية، كما فيه انتقاء ما يعجب ممّا لا يعجب للمؤلّف، وهذه مؤاخذة وإن كان لا يسلم منها بعض كتّاب العصر، إذ يطغى الهوى المذهبي أو السياسي، وحتّى القومي، فيكون القلم أسيراً لذلك اليراع الذي يوظف الهوى في النزاع والطباع، فيكابر ويجادل بالباطل. أعاذنا الله من سقطات الألفاظ، ورمزات


1) انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني: بحث في مزاعم أخذ ابن عبّاس عن بعض الصحابة، رقم -6- فاطمة بنت قيس الفهرية.

الألحاظ، وشرور أنفسنا وإغواء الشيطان.

والآن إلى التنبيّه على ما في الكتاب من التمويه:

(1)-- لقد استعمل المؤلّف لفظة (مشروع) لابن عبّاس كثيراً(1)، بدأها في ص39 أربع مرّات في صفحة واحدة، فقال:

(فلا شكّ إنّ احاطات ابن عبّاس بتراث العرب (الشعر بالذات) ستسعفه بأهم ما يحتاج إليه من الأدوات لتأكيد مشروعه في التفسير، كما أنّ حيازته المتفوقة في الشرعي في مجال التأويل بالذات ستمنحه الأحقية في أن (يجترئ)(؟) فيقترح مشروعه ذاك، وهو المشروع الذي عرف فيما بعد باسمه (؟) وكان أساسه التقاء القرآن بالشعر في مجال اللغة، أو هو اللجوء إلى الشعر في شرح الغريب، لقد كان لمشروع ابن عبّاس قيمة خاصّة في ذاته، من حيث اكتمال أدواته، وتفاعل عناصره، ومن حيث اعتباره (اجتراء) فجرّ (الكامن) وبعث المستكين، فكان رائداً في مغامراته وجدته، فهو الشرارة الأولى التي آذنت بميلاد وجه جديد لثقافة عربية جديدة يتأثر فيها الأدبي والشرعي بعد الظرف الحرج الذي مرّت به العلاقة بين الطرفين حين البعثة أو في أثناء الوحي، سنلاحظ أن تجربة ابن عبّاس أعادت إلى (الأدبي) الاعتبار الذي يليق به، وأنّها فتحت أيضاً آفاقاً جديدة لثقافة أصيلة متميّزة).

ثمّ استعملها في ص41 أيضاً أربع مرّات في أربعة سطور، فقال في مدخل حدود التجربة:


1) لاحظ الصفحات التالية: 43/42/44/45/... 100/98/101/107، وغيرها.

(المعنيّون بالدراسات الأدبية يلفت انتباههم في حياة عبد الله بن عبّاس العلمية، نهوضه -- رضي الله عنه -- بالمشروع الذي عرف باسمه فيما بعد(1)وحتّى يومنا هذا، وهو المشروع الذي يتضمنه منهجه في التفسير، حيث يلتقي القرآن الكريم بالشعر في مجال شرح الغريب، ويعدّ ذلك المشروع في تاريخ الثقافة العربية أوّل مشروع (علمي) منهجي منتج...).

وهكذا انساب قلم الدكتور في المقدّمة في استعماله مكرّراً لكلمات (مشروع، تجربة، التآخي)، حتّى أنّه في ص27 ذكر (التآخي) خمس مرّات، في تكرار يراه البعض ممّلاً إن لم يكن مخلاًّ.

وقد ختم مقدّمته بجملات تنبيء عن سلامة قصد، وتواضع محبوب، حيث قال بعد شكره لكلّ من قدّم له مساعدة في أثناء بحثه، ثمّ قال: (واعتقد إنّه ما يزال هناك مجال رحب لمن يريد أن يسدي إليَّ ملاحظات أو مساعدات أُخرى، فلا أبرئ نفسي من التقصير، ولا أزكّي جهدي فأنفي عنه الحيف أو الخطأ، فالشكر لكلّ من سيحاول أن يكمل تقصيري أو يرشدني إلى أخطائي).

استجابة عابرة:

أقول: فأنا من هذا المنطلق أودّ تكميل ما فات المؤلّف ذكره غفلة أو عمداً، فألزمه تقصيراً، وأوجبَ له خطأً، فوجب عليَّ التنبيّه على ما في


1) ليت الأستاذ أيد زعمه هذا بكشف من سمّاه، أو من أشار إليه بهذا الاسم (مشروع ابن عبّاس).

الكتاب من تمويه.

(1)-- ففي الإصرار وتكرار الاستعمال للفظ (المشروع)، فهو بالنسبة إلى ابن عبّاس غير وارد أصلاً، لأنّ هذا (مصطلح في أساسه اقتصادي وقانوني، وقد استعمله الوجوديون للدلالة على كلّ ما ينزع به الفرد إلى تغيير نفسه، أو تغيير ما يحيط به في اتّجاه معين، فالإنسان كلّه عندهم مشروع في طريق التكوين)(1)، فأين هذا من سلوكية ابن عبّاس ليصحّ استهلاك اللفظ فيه مكرّراً؟

وكذلك لفظ تجربة فهي (بالمعنى العام خبرة يكتسبها الإنسان عملياً أو نظرياً، وبالمعنى الخاص التدخل في مجرى الظواهر للكشف عن فرض من الفروض، أو للتحقّق من صحّته، وهي جزء من المنهج التجريبي)(2).

وأعطف على ما مرّ من لفظيّ (مشروع وتجربة) لفظ (تآخي)، وقد استعملها المؤلّف لتبسيط رؤيته الأشياء التي تميّز فيها ابن عبّاس من المعارف (أكثر بساطة ممّا هي عليها في الواقع، وكثيراً ما تؤدي تلك الرؤية إلى التعميم، أو إلى أحكام خاطئة)(3).

وكثرة التكرار في الآراء مجرّد تحصيل حاصل، فلا جديد فيها إلاّ التغاير في التعبير، وهذا لا حاجة إليه، وبالتالي فليعلم بأنّ لَيّ النصوص لم يجعل لدى ابن عبّاس أيّ مشروع يخطط له للتآخي بين الأدبي والشرعي


1) المعجم الفلسفي: 183، ط عالم الكتب بيروت.

2) - المعجم الفلسفي: 38.

3) - المعجم الفلسفي: 37.

كما يسمّيه المؤلّف، وما أراده تحكّمي فلا سند له من ابن عبّاس لا قولاً ولا عملاً، وإذا كان قد رأى في منهجية تعليمه، وتخصيص أيام تعليمه لكلّ علم أو فن يوماً خاصّاً، فهو لمجرّد التنظيم أو نحواً من التنويع في الأداء المعرفي والتخصص، وليس الغرض منه التآخي بين الأدبي والشرعي.

(2)-- تسامحه في التعويل على نقل المتأخّرين من المعاصرين في نقلهم عن مصادر المتقدّمين مع وجود الأُصول وهي مطبوعة مكرّراً ومخطوطة، وهذا ما يسيء إلى فهم المؤلّف بمعرفة التوثيق، وكم وجدته يعتمد نحو هذا، ولا يخلو من ملاحظة نقدية، وإلى القارئ بعض الشواهد على ما أقول:

أ -- ففي ص131 ذكر قول ابن عبّاس: (ما أخذت من تفسير فعن عليّ ابن أبي طالب)، وعلّم عليه برقم -1-، ولدى مراجعة الهامش -1- جاء فيه: -1- البخاري، الصحيح ج5 ص149 نقله الخن د مصطفي، عبد الله بن عبّاس ص111 -- 112)؛ فلفت انتباهي هذا وحفّزني على مراجعة المصدر، ولما راجعت البخاري في الصحيح ط بولاق في الجزء والصفحة، فلم أجد ما أشار إليه! وما وجدته هو ما يتعلّق بدخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكّة يوم فتحها، وفي الصفحة عدّة أحاديث وأحدها عن ابن عبّاس، قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر -- وفيه سؤال عمر منهم عن تفسير قوله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وتخبطهم في الجواب، وفسّرها له ابن عبّاس، فقال له عمر: (ما أعلم منها إلاّ ما تعلم)، فأين هذا من قول ابن عبّاس: (ما أخذت من تفسير فعن عليّ بن أبي طالب)؟ فاحتملت الوهم في نقل الخنّ في كتابه


1) سورة النصر/1.

(عبد الله بن عبّاس)، فراجعت المصدر الثانوي الذي نقل عنه وهو (الخن د مصطفى، عبد الله بن عبّاس ص111 -- 112، وهنا مثار العجب! فإنّ ذكر الرقمين للدلالة على توزع النص في الصفحتين المشار إليهما، فراجعتهما معاً، فالأولى خالية بالمرّة عن ذلك الأثر، وفي الثانية نقله الخنّ عن (مناهل العرفان 486/1)، وليس عن البخاري، فمن أين أتى به الأستاذ فهد العرابي؟ وكيف الوثوق بنقل المؤلّف؟

ثمّ ما يزيد الغرابة أنّ الدكتور فهد العرابي الحارثي ذكر في قائمة المصادر والمراجع ص390 الصحيح الجامع ج3 -- 4 تحقيق م، لودولف كرهل لي -- بريل 1862 -- 1908م ثمّ باللغة الانجليزية... ما يشير إلى اسمه.

وعادة المؤلّفين إنّما يذكرون في قائمة المصادر والمراجع أسماء الكتب التي رجعوا إليها مباشرة، وقد لاحظت هوامش كتاب الأستاذ الدكتور من أوّله إلى آخره فلم أجده إلاّ مرّة واحدة ذكر شيئاً عن هذا الجامع الصحيح للبخاري بتحقيق م... كما في ص55 وما أدري ما صحّة نقله؟ ولو أنّ المؤلّف الدكتور العرابي الحارثي توسّع في حرثه لذكر قول ابن عبّاس: (... فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ عليه السلام كالقرارة في المثعنجر)(1)، وقوله الآخر: (... عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ من الله، وعلم عليّ صلى الله عليه و آله و سلم من النبيّ، وعلمي من علم عليّ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ


1) الموسوعة 51/6 نقلاً عن سعد السعود: 258، والمثعنجر: الماء وسطا البحر، وليس في البحر ماء يشبهه، والمثعنجر أيضاً جنب البحر (قطر المحيط 204/1).

كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)(1).

ب -- قال في ص132: (وفي تفسير الطبري أنّ ابن عبّاس كان يجالس كعب الأحبار ويأخذ منه)، ثمّ أحال في الهامش، فقال: (راجع أحمد أمين: فجر الإسلام ص203). وحيث سبق لي الردّ على مفتريات أحمد أمين في الجزء الأوّل من الحلقة الثانية(2)، فلا حاجة لإعادته، وإضاعة الوقت فيه؛ فليرجع إليه.

ج -- قال في ص169: (ومن ذلك -- يعني الشعر لغير التفسير -- أنّ الشعبي يقول: سألت ابن عبّاس: أيّ الناس كان أوّل إسلاماً؟ قال: أبو بكر الصديق. ألم تسمع قول حسّان:

إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة *** وأوّل الناس منهم صدّق الرسلا

وذكر في الهامش: السيوطي تاريخ الخلفاء/33، والطبري تاريخ الرسل والملوك ج3/1165. وقال: والمعروف عند أهل الحديث أنّ عليّ بن أبي طالب هو أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة، وربّما كان مراد حسّان بن ثابت على تقدير (من).

أقول: وعرفت من خلال قائمة المصادر والمراجع مراده من طبعات المصدرين، فالأوّل: ط القاهرة، والثاني: ط ليدن؛ وقد راجعتهما معاً، فرأيت أنّ ما ذكره متناً وهامشاً لا يخلو من ملاحظة.


1) الموسوعة 56/6، نقلاً عن أمالي الطوسي 11/1، ط النعمان، ص7، ط حجرية سنة 1313ه-، بحار الأنوار 465/8، ط حجرية.

2) - انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس الجزء السادس.

أمّا ما يتعلّق بالمتن، فيكفي في تزييفه ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه (علل الحديث)، قال: (سألت أبي عن حديث، رواه أبو زهير عبد الرحمن ابن مغراء، عن مجاهد، عن الشعبي، قال: سألت ابن عبّاس -- أو سئل ابن عبّاس -- عن أوّل الناس كان إسلاماً؟ قال: أبو بكر، أما سمعت ما قال حسّان:

إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة *** وأوّل الناس منهم صدّق الرسلا

قال أبي: هذا حديث منكر، وأرى أبا زهير أخذه عن الهيثم بن عدي -- وسيأتي أنّ الهيثم متروك -- .

قال أبو محمّد: وقد حدّثنا إبراهيم بن الوليد الطبراني، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن الطائي بهذا الحديث عن مجالد، يعني: الهيثم بن عدي)(1).

وأمّا ما يتعلّق بالهامش، فقد ذكر السيوطي في (تاريخ الخلفاء/33)، ثمّ ذكر الطبري، وكان العكس أصحّ لتقدّم الطبري زماناً ووثوقاً.

ومهما يكن فإنّ السيوطي ذكر الخبر نقلاً عن الطبراني في (الكبير)، وعبد الله بن أحمد في (زوائد الزهد)، عن الشعبي، قال: سألت ابن عبّاس...(2).

وأمّا الطبري، فقد ذكر الخبر بعد أن ذكر إسلام الإمام، نقلاً عن مجاهد ومحمّد بن سعد -- بن أبي وقاص --

ثمّ ذكر خبر الشعبي، عن سهل بن موسى الرّازي، عن عبد الرحمن بن


1) علل الحديث 383/2 برقم -2657-.

2) - تاريخ الخلفاء: 23، ط المنيرية.

مغراء، عن مجالد، عن الشعبي..

وسند ثالث عن ابن حميد، عن يحيى بن واضح، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي..

ثمّ ذكر في آخر الصفحة التالية، فقال: (وقال آخرون أسلم قبل أبي بكر جماعة.. ثمّ ذكر الخبر في ذلك بسنده عن ابن حميد، عن كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قتادة، عن سالم ابن أبي الجعد، عن محمّد بن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين...)(1).

ومهما عذرنا المؤلّف لأنّه أهمل النظر في قيمة الخبر السندية، مخافة أن لا يسلم له رجال الإسناد من تجريح، وهم كذلك، وحسبك فيهم الهيثم ابن عدي والشعبي -- وكلاهما نالهما التجريح بالغاً -- فلا نعذره في تقصيره في النظر في سياق المتن حسب مصدره الطبري، وهو قد رجع إليه، ولمّا رجعنا نحن إليه وجدناه -- ينقل على عادته -- الأقوال مسندة كما مرّ نقلها عنه باختصار، فهو قد ذكر ما جاء في إسلام الإمام قبل إسلام أبي بكر، نقلاً عن مجاهد ومحمّد بن سعد، وبعده ذكر خبر الشعبي بثلاثة أسانيد جميعها مخدوش في رجالها، ولم يكتف بذلك، بل ذكر تأخّر إسلام أبي بكر عن أكثر من خمسين إنساناً قبله. فما بال المؤلّف انساق مع الهوى الشعري دون أن يشعر بما ساقه إليه الهوى؟


1) تاريخ الطبري: 1166.

ثمّ للمطارفة، أخبره أنّ خبر الشعبي الذي بنى عليه بنيانه فانهار به، لأنّه رواه الطبراني في (المعجم الكبير)(1)، وكما رواه عنه الحافظ نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد)، فقال: (رواه الطبراني، وفيه الهيثم بن عدي وهو متروك)(2). فهل ثمّة من باقية لتلك الفضائل الخاوية؟!

ولو كان الدكتور المؤلّف وسيع الاطّلاع بالتاريخ وعلاقته بالشعر، لوجد في سيرة ابن هشام عدّة موارد ذكر فيها شعراً لحسّان وتعقبها بقوله. وأهل العلم ينفيها عن حسّان، فقال في السيرة: (وأكثر أهل العلم ينكرها لحسّان)(3)، وقال أيضاً: (وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسّان)(4)، وقال: (هذه القصيدة مثل التي قبلها، وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسّان)(5)، وقال: (وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسّان)(6)، فما بال الدكتور استلهم رواية الشعبي وآمن بصدقها مع أنّ الشعر ليس لحسّان، بل موضوع على لسانه؟ خصوصاً إذا رأينا جامع ديوانه (عبد الرحمن البرقوقي) ذكر الأبيات في أوّل قافية اللام، وذكر مصدرها (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد القرشي المجهول الهوية، كما في مقدّمة الجمهرة(7).


1) المعجم الكبير 71/12.

2) - مجمع الزوائد 43/9، ط القدسي بمصر.

3) - سيرة ابن هشام 53/1.

4) - سيرة ابن هشام 55/1.

5) - سيرة ابن هشام 178/1.

6) - سيرة ابن هشام 183/1.

7) - راجع ما كتبه علي محمّد البجاوي في مقدّمة الجمهرة.

وأضيف لما سبق، بأنّ الشعبي ناصبي كذّاب، وقد ذكرت في كتاب (عليّ إمام البررة) شواهد كذبه ونُصبه(1)، فراجع تجد فيها يحلف بالله لقد دخل عليّ حفرته وما حفظ القرآن، وهذه الكذبة استفزت مشاعر الصاحبي فقال في (فقه اللغة): (وهذا كلام شنيع جدّاً فيمن يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فما من آية إلاّ أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل)(2).

وليس بدون ما تقدّم شناعة وفضاعة قوله: (لم يشهد الجمل من الصحابة إلاّ أربعة، فإن جاءوا بخامس فأنا كذّاب: عليّ وعمّار وطلحة والزبير)(3)، بينما نجد المسعودي وغيره قالوا: (سار عليّ من المدينة... في سبعمائة راكب فيهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدرياً وباقيهم من الصحابة)(4)، وقد ذُكرت أسماء أربعة عشر إنساناً من الصحابة ممّن كان مع طلحة والزبير وقتلوا، فهل تريد أكذب من الشعبي؟! وهو مع ذلك كان مؤدّباً لولد عبد الملك بن مروان، فوُلي القضاء بالكوفة أيام الحجّاج، قال العلاء بن هارون: ولي الشعبي القضاء فما قام ولا قوي عليه(5).

وبعد هذا فلا حاجة لبيان جهات المناقشة في رواية الأبيات، ولكنّا


1) عليّ إمام البررة 326/2 -- 327.

2) - فقه اللغة: 170.

3) - الفصول المختارة للمفيد: 216، وانظر: المصنّف لابن أبي شيبة 710/8.

4) - مروج الذهب 358/2.

5) - انظر: أخبار القضاة لوكيع 426/2.

ندّل المؤلّف على تعامل ابن عبّاس مع الشعر لغير التفسير، فقد ذكرت له في الجزء التاسع من الموسوعة جملة أبيات قالها في أغراض مختلفة(1)، سوى ما ورد عنه ضمن احتجاجاته على الآخرين، ومنهم عائشة، كما في الخبر الوارد بعد وقعة الجمل الذي تمثل فيه بقول ابن الحضرمي بن نجمان أخو بني أسد:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى نزلتِ كأنّ صوتك فيهم *** في كلّ نائبة طنين ذباب

وفي تلك المحاورة أيضاً تمثل لها بقول أخي بني فهر:

مننت على قومي فأبدوا عداوة *** فقلت لهم كفّوا العداوة والنكرا

ففيه رضا من مثلكم لصديقه *** وأحج بكم ان تجمعوا البغي والكفرا

وكذلك فعل في تعامله مع الشعر خارج التفسير قوله لمن سأله: أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلماً؟ فقال له: وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل:

وقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب *** لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وفي محاورته مع عثمان استشهد بقول أخي كنانة:

بدا بحتر ما رام نال وإن يرم *** نخض دونه غمراً من الغر رائمه

لنا ولهم منّا ومنهم على العدى *** مراتب عزّ مصعدات سلالمه


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الحلقة الثانية، الجزء التاسع.

وفي مثلها أُخرى مع عثمان، قال له:

جعلت شعار جلدك قوم سوء *** وقد يجزى المقارن بالقرين

فما نظروا لدنيا أنت فيها *** بإصلاح ولا نظروا لدين

وله في محاوراته مع معاوية شواهد شعرية أتى بها تقوية لأقواله، سأذكرها مجرّدة عن التعليق والتزويق، ومن رام تفاصيلها فليرجع إلى الموسوعة(1).

ففي المحاورة السابعة:

سأحفظ من آخى أبي في حياته *** وأحفظه من بعده في الأقارب

ولست لمن لا يحفظ العهد وامقاً *** ولا هو عند النائبات بصاحب

وقول الأوّل:

تعرّض لي عمرو وعمرو خزاية *** تعرّض ضبع القفر للأسد الورد

فما هو لي ندّ فأشتم عرضه *** ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد

وقول دريد بن الصمة:

فأنا للحم السيف غير مكرّه *** ونلحمه طوراً وليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفي *** بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

وقول الأزدية:

قوم إذا شهدوا الرياح فلا *** ضرب ينهنهم ولا زجر

وكأنّهم آساد غيلة قد *** غرثت وبلّ متونها القطر


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الحلقة الثانية، الجزء التاسع.

وفي المحاورة التاسعة، أنشد قول التميمي الذي أجاره الزبير بن عبد المطّلب من شرّ حرب بن أُميّة.

وفي المحاورة العاشرة، أنشد قول القائل:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه *** ورجال مكّة مسنتون عجاف

سفرين سنّهما له ولقومه *** سفر الشتاء ورحلة الأصياف

وفي المحاورة العشرين مع معاوية، أنشأ يقول:

أصبح اليوم ابن هند شامتاً *** ظاهر النخوة أن مات الحسن

ولقد كان عليه عمره *** مثل رضوى وثبير وحضن

فارتع اليوم ابن هند آمناً *** إنّما يقمص بالعير السمَن

واتق الله وأظهر توبة *** إنّما كان كشيء لم يكن

وفي إحدى محاوراته مع عمرو بن العاص، أنشد قول نابغة بني ذبيان:

وقدماً قد قرعت وقارعوني *** فما نزر الكلام ولا شجاني

يصدّ الشاعر العرّاف عنّي *** صدود البكر عن قرم هجان

وفي إحدى محاوراته مع ابن الزبير، قال:

قد أنصف القارة من راماها *** إنّا إذا ما فئة نلقاها

نردّ أولاها على أخراها *** حتّى تصير حرَضَا دعواها

وفيها أنشأ قوله:

إن يأخذ الله من عينيّ نورهما *** ففي لساني وقلبي منهما نور

وفي محاورة أُخرى، قال ابن عبّاس:

تنافرني يا بن الزبير وقد قضى *** عليك رسول الله لا قول هازل

ولو غيرنا يا بن الزبير فخرته *** ولكنّما ساميت شمس الأصائل

وفي ختام تلك المحاورة، قال:

ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا *** فلو ترك القطا لغفا وناما

وقال أيضاً فيها في ذم الزبير:

وادرك منها بعض ما كان يرتجي *** وقصّر عن جري الكرام وبلّدا

وما كان إلاّ كالهجين أمامه *** عَناق فجاراه العَناق فأجهدا

وسأل عكرمة مولاه عن قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أُميّة بن أبي الصلت (آمن شعره وكفر قلبه)؟ قال: هو حقّ فما أنكرتم من ذلك؟ قال أنكرنا قوله:

والشمس تطلع كلّ آخر ليلة *** حمراء يصبح لونها يتورّد

ليست بطالعة لهم في رسلها *** إلاّ معذبة وإلاّ تجلد

ما بال الشمس تجلد؟

فقال: إنّما اضطرّه الروي إلى الجلد، لكنّها تخاف العقاب.

وهذا التعامل مع الشعر وتوظيفه في غير التفسير إنّما هو لإبداء الحجّة، ولم يكن لابن عبّاس فيه أيّ مشروع قد خطّط له وما له إلاّ دور التوسع فيه، ثمّ هو لم يكن مقصوراً عليه، بل جلّ معاصريه كان ممّن يستشهد بالشعر عند الحاجة، فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام توظيفه الشعر في كثير من الموارد في خطبه وكتبه، وحتّى في مجالسه، فقد روى ابن عبد ربّه المالكي في (العقد الفريد) في كتاب (الياقوتة) في أصناف الأخوان: أنّ رحيم الكلبي وفد على أمير المؤمنين عليه السلام فما زال يذكر معاوية ويطريه في

مجلسه، فقال له عليّ عليه السلام :

صديق عدوي داخل في عداوتي *** وإنّي لمن ودّ الصديق ودود

فلا تقربن منّي وأنت صديقه *** فإنّ الذي بين القلوب بعيد(1)

وكذلك أنشد في خطبته بالربذة في مسيره إلى البصرة:

أدمت لعمري شربك المحض صابحاً *** وأكلك بالزبد المقشرة التمرا

ونحن وهنّاك العلاء ولم تكن *** عَليّا وحطنا حولك الجُرد والسمرا(2)

وقوله لمّا لقي حكيم بن جبلة...

حلّ بها منزلة النزاع(3)*** دعا حكيم دعوة الزماع

وقد روى أبو حنيفة الدينوري في كتابه (الأخبار الطوال)(4): إنّ معاوية كتب إلى عليّ: إنّما مثلي ومثل عثمان كما قال مخارق:

فمهما تسل عن نصري السيّد لا تجد *** لدى الحرب بيت السيّد عندي مذّمما

فكتب إليه عليّ: إنّي عارض عليك ما عرض مخارق على بني فالج، قال:

بني فالج حيث استقر قرارُها *** يا راكباً إمّا عرضت فبلّغن

بلاقع أرض طار عنها غبارُها *** هلّموا إلينا لا تكونوا كأنّكم

وأرضُهم أرضٌ كثير وبارها *** سُليم بن منصور أناس أعزّة


1) العقد الفريد 307/2.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 110/3.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس 112/3.

4) - الأخبار الطوال: 184 -- 185، الطبعة الأولى سنة 1960م، تراثنا. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، التعليم الجنوبي.

وما كانت أُمّ المؤمنين عائشة فريدة عصرها في الجمع بين ثقافتي الأدبي والشرعي، وما ساقه المؤلّف من الشواهد وجدنا مثله لآخرين من معاصريها، وذوي النباهة في دنياها، فإن قصروا عنها في الشرعي لم يقصروا عنها في الأدب، ومروان بن الحكم على ما فيه من انحلال في الأدب وسوء في السيرة، وهو ممّن أخرج له البخاري في صحيحه -- مع أنّه لم يصحّ له سماع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم -- فقد ذكر التاريخ موقفه المتشنج معها حين أتاها وعثمان محصور، وهي قد أزمعت على الخروج إلى الحجّ لتهيج المسلمين عليه، فطلب منها العدول فأبت، وقالت له: وددت والله أنّه في غرارة من غرائري هذه، وأنّي طُوّقت حمله حتّى ألقيه في البحر، فأنشد مروان:

وحرّق قيس عليَّ البلاد *** حتّى إذا اضطرمت أجذما

فقالت له: أيّها المتمثل عليَّ بالأشعار، وددت أنّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رحىً وأنّكما في البحر، سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدّك: إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن(1).

وكذلك ما كان من أُمّ سلمة، وهي مثلها من أُمّهات المؤمنين ولها شأن في الأدبي والشرعي، وهي بعدُ من مناوئي السلطات المتعاقبة في الحكم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولها مقامها الرفيع في نفوس المسلمين، فقد نهت عائشة عن الخروج فلم تسمع نصحها، فقالت أُمّ سلمة:

نصحت ولكن ليس للنصح قابلٌ *** ولو قبلت ما عنفّتها العواذل


1) الدرّ المنثور للسيوطي 191/4.

كأنّي وقد ردّت الحرب رحلها *** وليس لها إلاّ الترجّل راحل(1)

ثمّ هجرتها فلم تكلّمها، وقد حاولت عائشة استرضاءها بعد أن عادت من حرب الجمل فلم تفلح، حتّى روي أنّ أُمّ سلمة كانت تخاطب الحائط تعرّض بها من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، وقد روى البيهقي في (المحاسن والمساوئ): (أنّ أُمّ سلمة حلفت أن لا تكلّم عائشة من أجل مسيرها إلى حرب عليّ، فدخلت عائشة عليها يوماً وكلمتها، فقالت أُمّ سلمة: ألم أنهك؟ ألم أقل لك، قالت: إنّي استغفر الله كلميني، فقالت أُمّ سلمة يا حائط ألم أنهك؟ ألم أقل لك؟ فلم تكلّمها أُمّ سلمة حتّى ماتت)(2).

وقد زخرت كتب الأدب والتاريخ بشواهد الشعر الذي جرى في حرب الجمل، وكانت السيّدة عائشة هي الطرف المخاطب، ممّا يسّر لها الجانب الأدبي لتخوض فيه نقداً ورداً.

روى البلاذري في (أنساب الأشراف)(3): أنّ عبيد بن أُمّ كلاب صادفها راجعة من الحجّ بعد أن شهّرت بعثمان بما وسعها، فسألته مهيم؟ قال: قتلوا عثمان، قالت: بُعداً وسحقاً، ثمّ أخبرها بمبايعة الناس لعليّ عليه السلام ، قالت: والله ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك.

ولمّا رأى سرعان ما تبدّل موقفها، قال لها:

منكِ البداء ومنكِ الغير *** ومنكِ الرياح ومنكِ المطر


1) تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي: 38، ط حجرية.

2) - المحاسن والمساوئ 231/1.

3) - أنساب الأشراف ج/1 ق1/583.

وأنتِ أمرت بقتل الإمام *** وقلتِ لنا إنّه قد كفر

فهبنا أطعناكِ في قتله *** وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا *** ولم تنكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا تدرء *** يزيل الشبا ويقيم الصَعر

ويلبس للحرب أثوابها *** وما مَن وفى مثل مَن قد غدر(1)

وما دون هذا ما جرى من أرجاز المتحاربين ممّن معها ومن عليها، والشعر كان وسيلتهم الإعلامية التي لم يفارقوها، وما قول عمير بن الأهلب الضبي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة إلاّ دليل على هذا الأدب الطبيعي، ولا يخلو خبره من طرافة كما سيأتي.

ولم يكن الرجال أبلغ من النساء اللائي حضرن يوم الجمل في التصوير إن لم يكنّ أشجى في التعبير، فقد روى المسعودي، فقال: خرجت امرأة من عبد القيس تطوف بين القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قتل زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيئ عليّ البصرة، فأنشأت تقول:

شهدت الحروب فشيّبني *** فلم أرَ يوماً كيوم الجمل

أضرّ على مؤمن فتنة *** وأقتله لشجاع بطل

فليت الضعينة في بيتها *** وليتك عسكر لم ترتحل(2)


1) تاريخ الطبري 459/4، ط دار المعارف.

2) - مروج الذهب للمسعودي 369/2، ط بيروت، وقارن العقد الفريد 325/4 ونسب الأبيات لرجل شهد الجمل، وفي أنساب البلاذري (ترجمة الإمام) 370/2 نسبها لشاعر، ثمّ قال: ويقال هو عثمان بن حنيف.

وثمّة امرأة ثكلى من المعسكر الآخر فقدت أبناءها أربعة أو خمسة، وهم كعب بن سور الأزدي القاضي وأخوته، فقتلوا جميعاً يوم الجمل، فجاءت أُمّهم حتّى وقفت عليهم، فقالت:

يا عينُ جودي بدمع سَرب *** على فتية من خيار العرب

وما لهمُ غير حَين النفو *** س أيُّ أميري قريش غلب(1)

وحسبنا حديث المدائني، وقد رواه البلاذري(2)وغيره، قال: (المدائني، عن أبي خيران الحِمّاني، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، قال: رأيت رجلاً(3)مصطلم الأُذن، فقلت له: أخلقة أُمّ حادث؟ قال: بل حادث، بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى إذ مررت برجل فيهم صريع يخفض رأسه ويرفعه، وهو يفحص برجليه، ويقول:

لقد أوردتنا حومة الموت أُمّنا *** فما صدرت إلاّ ونحن رواء

أطعنا قريشاً ظلّة من حلومنا *** ونصرتنا أهل الحجاز عناء

لقد كان عن نصر ابن ضبّة أُمّه *** وشيعتها مندوحة ومباء

أطعنا بني تيم بن مرّة شقوةً *** وما تيم إلاّ أعبدٌ وإماء

فقلت: سبحان الله أتقول هذا عند الموت، قل: لا إله إلاّ الله، فقال: يا ابن اللخناء إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ قال: فولّيت عنه متعجّباً منه، فصاح بي أدن منّي لقنّي الشهادة، فصرت إليه، فلمّا قربت منه استدناني،


1) الكامل للمبرّد 22/4 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

2) - في أنسابه (ترجمة الإمام) 266/2 تح المحمودي.

3) - سمّاه ابن أعثم في الفتوح 335/2 ب-(مسعود بن عمرو الهمداني).

وقال: ادن منّي ولقنّي فإنّ في أذني وقراً، فدنوت منه، فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فوثب عليَّ فاصطلم أذني كما ترى، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أُمّك فأخبرها أنّ عُمير بن الأهلب الضبّي فعل بك هذا، مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين).

قال ابن أعثم: (وانقلب الهمداني بغير أذن، ثمّ أن كرّ عليه بسيفه حتّى قطعه إرباً إرباً)(1).


1) مروج الذهب 379/2 تح محمّد محي الدين عبد الحميد، وقارن تاريخ الطبري 523/4 -- 524، ط دار المعارف، وابن الأثير 108/3، ط بولاق، ومروج الذهب 370/2، ط بيروت، وسمط النجوم العوالي، وتاريخ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن شمر وفي تهذيبه 130/6، والفتوح لابن أعثم 335/2، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا 466/3)، وغيرها.

د - نقاط نقدية ساخنة:

(1)-- ذكر في ص177 من أعاجيب الأكاذيب: أنّ معاوية أمر ابنه يزيد أن يأتي ابن عبّاس فيعزّيه في الحسن بن عليّ، فلمّا دخل على ابن عبّاس رحّب به، وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عبّاس أن يرفع مجلسه فأبى، وقال: إنّما أجلس مجلس المعزّي لا المهنّي، ثمّ ذكر الحسن، فقال: رحم الله أبا محمّد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وعوّضك من مصابك ما هو خير لك ثواباً وخير عقبى، فلمّا نهض يزيد من عنده، قال ابن عبّاس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس، ثمّ (تمثل):

مغاض عن العوراء لا ينطقوا بها *** وأصل وراثات الحلوم الأوائل

نقل هذا عن ابن كثير في (البداية والنهاية)(1)، ومرّ هذا أيضاً، وقد نقله ابن عبد ربّه في (العقد الفريد) فراجع الجزء الخامس من الموسوعة في ذكر وفاة الإمام الحسن عليه السلام (2)، وأين كان ابن عبّاس يومئذ؟! كما مرّت مناقشته.

وأضيف على ما مرّ لبعده عن القارئ، فأذكر له ما رواه المؤرّخون ممّن لا يتّهمون بالرفض والتشيع، ما جاء ضمن المحاورة السابعة مع معاوية وأذنابه، ومنهم ابنه يزيد، حين قال:


1) البداية والنهاية 228/8 -- 229.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، في ذكر وفاة الإمام الحسن عليه السلام .

يا بن عبّاس إنّك لتنطق بلسان طَلِق، تنبئ عن مكنون قلب حرق، فاطو ما أنت عليه كشحاً، فقد محا ضوء حقّنا ظلمة باطلكم.

فقال ابن عبّاس: مهلاً يزيد، فو الله ما صفت القلوب لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم، ولا دنت بالمحبّة لكم مذ نأت بالبغضاء عنكم، ولا رضت اليوم منكم ما سخطت الأمس من أفعالكم، وان تدلّ الأيام نستقضي ما شُذّ عنّا، ونسترجع ما ابتُزّ منّا، كيلاً بكيل، ووزناً بوزن، وإن تكن الأُخرى فكفى بالله وليّاً لنا ووكيلاً على المعتدين علينا(1)...

فهذا الحوار يكفي لبيان كذب ما رواه ابن كثير وغيره من تعزية يزيد وقول ابن عبّاس، على أنّ الخبر رواه ابن كثير عن المدائني مرسلاً، ولإحاطة القارئ معرفة بالمدائني أذكر له ما ذكره الذهبي في ترجمته في (سير أعلام النبلاء):

(قال أحمد بن أبي خيثمة: كان أبي ومصعب الزبيري ويحيى بن معين يجلسون بالعشيّات على باب مصعب، فمرّ رجل ليلة على حمار فاره وبزّة حسنة، فسلّم وخصّ بمسألته يحيى بن معين، فقال له يحيى: يا أبا الحسن إلى أين؟ قال: إلى هذا الكريم الذي يملأ كمّي دنانير ودراهم، إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فلمّا ولّى، قال يحيى: ثقة ثقة ثقة، فسألت أبي من هذا؟ قال: هذا المدائني)(2).


1) انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الأوّل، بداية عهد جديد/ عهد معاوية، والجزء التاسع، الفصل الرابع، المبحث الثالث، محاورات ابن عبّاس مع معاوية، المحاورة السابعة.

2) - سير أعلام النبلاء 127/9، ط دار الفكر.

أعرفتم من هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي؟ هو من أشهر ندماء الخلفاء، تفرّد بصناعة الغناء، من تصانيفه كتاب أغانيه التي غنّى بها، نادم الرشيد، والمأمون، والواثق، ولمّا نعي إلى المتوكّل، قال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته(1). فهذا هو الذي يملأ كمّ المدائني دنانير ودراهم؟ وفي أغاني أبي الفرج الأصبهاني كثير من أغانيه، وما قول يحيى ابن معين: ثقة ثقة ثقة، فيما أرى إلاّ سخرية بالمدائني، وأسيء فهمه فتخيّله بعضهم توثيقاً مثلثاً على حقيقته!

(2)-- قال في ص178: ويروى أنّ ابن عبّاس اختلف وعمرو بن العاص عند معاوية، فقال ابن عبّاس: ألا أُغنّيك؟ قال: بلى. فأنشده:

والشمس تغرب كلّ آخر ليلة *** في عين ذي خُلب وثأط حرمد

نقل هذا عن (الأغاني4/1345 طبعة دار الشعب).

ولولا الأدب لقلت له ما يزيده العَجَبَ والنصب؛ ألا فكّر في صحّة قول ابن عبّاس: ألا أُغنّيك؟ أفهل كان هو طويس المغنّي؟ متى كان يوماً سمع الغناء فتعلّمه ليقول لعمرو بن العاص: ألا أُغنّيك؟! إنّها فرية بلا مرية؛ ولو كان الأستاذ الدكتور على قدر من الشرعي -- كما يسمّيه -- لعرف أنّ الاختلاف في قراءة الآية الكريمة: حَمِئَةٍ(2)، أو: حامية، مذكور في كتب التفاسير.

وإلى القارئ ما جاء في (الدرّ المنثور) للسيوطي، قال: (أخرج عبد


1) الأعلام 283/1.

2) - سورة الكهف/86.

الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عثمان بن أبي حاضر، أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه ذكر له أنّ معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية الكريمة في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية)، قال ابن عبّاس رضي الله عنه : فقلت لمعاوية ما نقرؤها إلاّ: حَمِئَةٍ.

فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها.

قال ابن عبّاس رضي الله عنه: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن.

فأرسل إلى كعب، فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنّهم أعلم بها، وأمّا أنا فإنّي أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى الغرب.

قال ابن أبي حاضرt: لو أنّي عندكما أيدتك بكلام وتزداد به بصيرة في حَمِئَةٍ.

قال ابن عبّاس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتّباعه إياه:

قد كان ذو القرنين عمرو مسلما *** ملكاً تدين له الملوك وتحسد

فأتى المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب ملك من حكيم مرشد

فقال ابن عبّاس: ما الخُلب؟ قلت: الطين بكلامهم؛ قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة؛ قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود.

فدعا ابن عبّاس رضي الله عنه غلاماً فقال له: اكتب ما يقول هذا الرجل)(1).


1) الدرّ المنثور 396/5، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.

فأين هذا ممّا ذكره الدكتور؟!

(3)-- قال في ص193:

وقال نافع: يا بن عبّاس أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى(1)؟

قال: لا تعرف فيها من شدّة حرّ الشمس.

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر (عمر بن أبي ربيعة) وهو يقول:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيضحي وأمّا بالعشي فيخصر

أقول: يبدو أنّ الأستاذ الدكتور غلب عليه حبّ الشعر لتقوية الجانب الأدبي عند ابن عبّاس، فذكر ما لا يصحّ قبوله، لأنّ البيت الشاهد بعدُ لم يسمعه ابن عبّاس من عمر بن أبي ربيعة، فكيف يستشهد به؟ وذلك لأنّه هو من القصيدة التي قرأها له بعد أن أمَلّه نافع وأضجره، كما في كامل المبرّد وغيره.

وجرى ثمّة خلاف وبحث حول رواية هذا البيت بين نافع وابن عبّاس، ذكره من روى مسائل نافع. ولم يتنبّه الأستاذ الدكتور إلى هذا لغفلته عن أجواء تفسير الآية.

(4)-- قال في ص220: (تقول القصّة -- ثمّ ساق قصّة سؤال عمر من ابن عبّاس من أشعر الشعراء، فقال زهير بن أبي سلمى، وذكر أربعة أبيات من


1) سورة طه/119.

شعره امتدح قوماً من غطفان -- فقال عمر: أحسن والله، وما أعلم أحد أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم، لفضل رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وقرابتهم منه). وأشار إلى المصدر في الهامش برقم -1- (ابن الأثير الكامل ج3/33 -- 34، نقله الحسن بكار ص125)، هذا هو الذي ذكره؛ وما ذكره فهكذا بتره:

أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا تورد يا سعد الإبل

فالمحاورة رواها جملة من أعلام المؤرّخين، ذكرت منهم ثمانية في ج9 من الموسوعة، ثمّ ذكرتها برواية أقدمهم أبي العبّاس ثعلب في (شرح ديوان زهير) مع إضافة ما تنفرد به روايته عن الآخرين، وذكرتها بطولها، وبعده ذكرت ما في بقية المصادر ممّا طواه ثعلب فراغ عن ذكره، فقال: وذكر حديثاً طويلاً موضعه غير هذا(1).

ويبدو أنّ الأستاذ الفاضل سار على نهج ثعلب -- من دون معرفته -- في الطيّ والنشر، وإلاّ لماذا لم يذكر بقية الخبر بالكامل كما في كتاب (الكامل) لابن الأثير، واكتفى بما ذكره الحسن بكار الذي اختصر الخبر هو الآخر؟!

وإلى القارئ أذكر بقية الخبر بتمامه، لبلوغ مرامه، نقلاً عن ابن الأثير، وابن جرير إمامه، وهما ممّن لا يتطرّق الريب في روايتهما لهذا الخبر، جاء فيهما بعد ما مرّ:

(...فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين! ولم تزل موفقاً.


1) انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء التاسع، الفصل الرابع، المبحث الثالث، نماذج من احتجاجاته على عمر، رقم -10-.

فقال: يا بن عبّاس! أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد؟

فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدريني.

فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.

فقلت: يا أمير المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام، وتميط عنّي الغضب تكلّمتُ.

قال: تكلّم يا ابن عبّاس.

فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفِّقت، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأمّا قولك: إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية، فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(1).

فقال عمر: هيهات والله يا بن عبّاس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفُرّك عنها، فتزيل منزلتك منّي.

فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقّاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه.

فقال عمر: بلغني أنّك تقول: إنّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً.


1) سورة محمّد/9.

فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأمّا قولك: حسداً، فإنّ إبليس حسد آدم، ونحن ولده المحسودون.

فقال عمر: هيهات هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً ما يحول، وضغناً وغشّاً لا يزول.

فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغشّ، فإنّ قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قلوب بني هاشم.

فقال عمر: إليك عنّي يا بن عبّاس.

فقلت: أفعل.

فلمّا ذهبت لأقوم استحيا منّي، فقال: يا بن عبّاس! مكانك، فوالله إنّي لراعٍ لحقّك، محبّ لما سرّك.

فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك حقّاً، وعلى كلّ مسلم، فمن حفظه فحظّه أصاب، ومن أضاعه فحظّه أخطأ.

ثمّ قام فمضى)(1).

(5)-- وقال في ص222: ففي خبر آخر: أنّه قام رجل إلى ابن عبّاس فقال: أيّ الناس أشعر؟ فقال ابن عبّاس: أخبره يا أبا الأسود الدؤلي، قال الذي يقول:

فإنّك كالليل الذي هو مدركي *** وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع


1) تاريخ الطبري 222/4 -- 224، ط المعارف؛ وانظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء التاسع، الفصل الرابع، المبحث الثالث، نماذج من احتجاجاته على عمر، رقم -10-.

يعني النابغة الذبياني، وذكر المصدر في الهامش -2- (الأصبهاني الأغاني ج11/5 طبعة دار الكتب).

ويعقب على الخبر بقوله: فالناس -- كما ترى -- يدركون هم أيضاً في ابن عبّاس علمه بالشعر، فيستفتونه في أي الناس (أشعر)، فهو في تقديرهم خير من يستطيع أن يعطي حكماً في هذه المسائل، فهماً وعلماً، وإحاطة، وذائقة أدبية، يسألونه عن ذلك على الرغم من وجود أبي الأسود الدؤلي في المجلس نفسه، دون أن يفكّروا بتقديمه على ابن عبّاس بتوجيه السؤال إليه، وهو العالم باللغة والأدب والشعر، ... إلى آخر ما جرى به قلمه.

وهذا الخبر ورد في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية)، ولفظه: (كان ابن عبّاس مثجاً يتحدر غرباً، وكان أمير البصرة يعشّي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتّى يفقّههم، وكان إذا كانت آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلّم بكلام يردعهم، ويقول: ملاك أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف، إنّ الله كلّفكم الوسع فاتقوا الله ما استطعتم.

قال: فقام أعرابي، فقال: من أشعر الناس أيّها الأمير؟

قال: أفي أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود.

قال: فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الذي يقول:

فإنّك كالليل الذي هو مدركي *** وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع

قال: نابغة بني ذبيان)(1).


1) أخبار الدولة العبّاسية: 33 -- 34.

فتبيّن ان ابن عبّاس إنّما أحال الجواب على أبي الأسود، لأنّه كره أن يكون هو المجيب لسؤال الأعرابي بعد أثر الوعظ وهو في آخر ليلة من شهر رمضان ممّا ينبغي فيها الدعاء والاستغفار.

(6)-- قال في ص255: ثانياً: صلتها بالوحي -- السيّدة عائشة -- .

وساق من أعاجيب الأكاذيب، ما كنّا نربأ به أن يهبط لذلك المستوى من حشر المزايدات المناقبية، أخذ جلّها عن سعيد الأفغاني في كتابه (الإسلام والمرأة)، والرزكشي في كتابه (الإجابة)، وعبد الحميد طهماز (السيّدة عائشة)، وذكر بعضاً منها عن (حلية الأولياء).

ومنها خبر: أنّ أُمّ سلمة سمعت الصرخة على عائشة، فأرسلت جاريتها: انظري ما صنعت، فجاءت فقالت: قد قضت، فقالت: يرحمها الله، والذي نفسي بيده لقد كانت أحبّ الناس كلّهم إلى رسول الله إلاّ أبوها(1).

وهذا رواه أبو نعيم بسند فيه من الرجال المجروحين ما لا يسع الباحث قبول خبره، ويكفي وجود زمعة، وهذا هو ابن صالح الجندي -- بفتح النون -- المكّي، ضعّفه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وقال النسائي: ليس بالقوي كثير الغلط(2)، وقال البخاري: يخالف في حديثه تركه ابن مهدي أخيراً(3). وهذا المتروك روى الخبر عن ابن أبي مليكة، وهذا هو من رجال ابن الزبير، فكان قاضيه ومؤذّنه، وقد مرّ ذكر شيء من أحواله في الجزء الخامس من


1) حلية الأولياء 44/2.

2) - خلاصة تهذيب الكمال: 111، ط الأولى بالخيرية بمصر سنة 1322ه-.

3) - التاريخ الكبير 2 ق/1 /451.

الموسوعة(1)تجد نموذجاً من أكاذيبه على ابن عبّاس كما في صحيح البخاري عنه، فمن كان يكذب على ابن عبّاس لصالح ابن الزبير، لماذا لا يكذب على أُمّ سلمة لصالح عائشة خالة ابن الزبير؟ إنّها بلية التقديس بين التسييس والتسويس.

(7)-- قال في ص259: وأبلغ من ذلك وأكثر قرباً من اهتمامنا هنا، أنّ الوحي كان ينزل في بيتها، فلم يكن لينزل وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها (؟) أخرجه البخاري في المناقب، ورواه ابن حبّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه بلفظ: (ما نزل الوحي عليَّ وأنا في بيت امرأة من نسائي غير عائشة).. لماذا لم يذكر المؤلّف بقية ما في (المستدرك) من قول الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وإنّما زاغ وراغ لأنّه سبق له أن ذكر البخاري أخرجه في المناقب، والحاكم يقول ولم يخرجاه، يعني: البخاري ومسلم! وما ذكره أوّلاً هو عين لفظ ما ذكره الزركشي في (الإجابة)(2)، فلماذا لم يذكر بقية كلام الحاكم؟

ثمّ أنّ الزركشي عقب على الحديث بقوله: والأوّل أصحّ -- يعني أنّ قول عائشة كما في المناقب من البخاري -- فقد كان ينزل في بيت خديجة؛ ونضيف إليه: أنّه نزل في بيت أُمّ سلمة، كما ذكر الحاكم في صحيحه وصحّحه، والترمذي وصحّحه، وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الثالث: حبر الأُمّة أيام ابن الزبير والمروانيين، ماذا عند البخاري.

2) - الإجابة: 59، ط الهاشمية بدمشق تح سعيد الأفغاني سنة 1358ه-.

مردويه، والبيهقي في سننه من عدّة طرق: أنّ قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، نزل في بيت أُمّ سلمة(2).

(8)-- قال في ص273: وعن مسروق (كان يحلف بالله لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عائشة عن الفرائض)، أخرجه أبو عمر (ابن عبد البرّ).

أقول: ومن يعرف مسروق، هو ربيب عائشة، فلا يستغرب منه قوله، ثمّ ليعلم أنّه كان قاضياً لبني أُميّة، وقد اعتذر لما عيب عليه، فقال: لم يدعني ثلاثة: زياد، وشريح، والشيطان حتّى أوقعوني فيه(3). وتولّى على السلسلة سنتين، فقال: (ما عملت عملاً قطّ أخوف عليَّ من أن يدخلني النار من عملي هذا، وما بي أن أكون أصبت درهماً ولا ديناراً، ولا ظلمت مسلماً ولا معاهداً، ولكن ما أدري ما هذا الحبل الذي لم يسُنّه رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر، قال ( شقيق): قلت: فما ردّك عليه وقد كنت تركته؟ قال: اكتنفني زياد وشريح والشيطان، فلم يزالوا يزينونه حتّى أوقعوني فيه)(4).

وقد ذكرت في (نهاية التحقيق) مزيداً من حاله(5)، وأنّه سمّى ابنته


1) سورة الأحزاب/33.

2) - راجع التفصيل في كتاب عليّ إمام البررة 378/1 -- 379.

3) - طبقات ابن سعد 202/8.

4) - طبقات ابن سعد 204/8، ط الخانجي بمصر.

5) - نهاية التحقيق فيما جري في أمر فدك للصدّيقة والصدّيق: 60: 63 ط الثانية العراق 1434ه- .

عائشة، وأنّه قال لولا بعض الأمر لأقمت على أُمّ المؤمنين مناحة.

إلى غير هذا من موارد تسويس التقدّيس، ممّا لا يجدي المؤلّف في كتابه (قال ابن عبّاس حدّثتنا عائشة)، والأصحّ أن يكون اسمه: (ما قال ابن عبّاس حدّثتنا عائشة)، ومن يقرأ تاريخهما معاً، يجد أنّ النفرة والتشنّج فيما بينهما كانت قائمة ودائمة، وقد بحثت هذا الجانب بإسهاب في (موسوعة عبد الله بن عبّاس) الجزء الثالث من الحلقة الأولى(1)، ردّاً على سعيد الأفغاني في كتابه (عائشة والسياسة).

وإلى القارئ ما كتبته بلفظه وطوله وإن لم أستسغ هذا، لولا إغناء من لا يستطيع المراجعة.

ماذا عن نص المحاورة؟

هذا موضوع استجدّ عندي بحثه بعد أن قرأت قريباً كتاب (عائشة والسياسة) لسعيد الأفغاني الشامي، والرجل معروف من خلال كتابه (الإسلام والمرأة)، ومعنّي بعائشة خاصّة من خلال تحقيقه لكتاب (الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة) للزركشي، وقد طبعه بدمشق سنة 1358ه- وتصاعدت حمّى الهيام بها، فأخرج كتابه (عائشة والسياسة) وطبعه بالقاهرة سنة 1947م. فقرأته من ألفه إلى يائه -- كما يقولون -- فرأيته في المقدّمة ينأى بنفسه عن التقليد، ويزعم لنفسه (التحرّر من كثير من الآراء


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثالث، في عهد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام .

والمذاهب التاريخية التي يتعبّد بها بعض الباحثين لعصرنا...)(1).

وقال: (وعلى هذا فلست إذن متّبعاً مذهباً ما، ولن أخضع الحوادث لتفسير مّا، فأكلّف الأشياء غير طبائعها، فلا أقول بالعلّية التاريخية المطردّة، ولا أقرّ (الجبرية) في التاريخ، وأجد أبعد المذاهب عن الواقع وأنآها عن الحقّ والفطرة: مذهب التفسير المادي للتاريخ...).

وهذا نهج جيّد لو استقام على الطريقة، ويستحقّ الإجادة حين رأيته قال: (وأحبّ أن أنبّه هنا إلى خطأ يوقع كثيراً من الباحثين في القصور، ذلك أنّهم يكتفون في بحوثهم في التاريخ العربي بالمصادر التاريخية فحسب، فتجيء بحوثهم على ضلع, ما تكاد تستقل واقفة، وكم من حقائق تاريخية خلت منها مصادر التاريخ وزخرت بها كتب الأدب ودواوين الشعر... وأنّ ما استفدته أنا من كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير والأدب والأخبار... لا يقلّ عمّا أصبته في مطوّلات التاريخ...).

فهذا أيضاً جيّد ونهج قويم لو لم يقل: (ولا بدّ من الإشارة إلى أنّي جعلت أكثر اعتمادي -- بعد البحث في المصادر التاريخية -- على تاريخ الطبري خاصّة، فهو أقرب المصادر من الواقع، وصاحبه أكثر المؤرّخين تحرّياً وأمانة، وعليه اعتمد كلّ من أتى بعده من الثقات. وليس الكامل لابن الأثير إلاّ تاريخ الطبري منسّقاً مختصراً منه الأسانيد واختلاف الروايات، وحسبك انّ ابن خلدون فيلسوف المؤرّخين نقل عنه حوادث الجمل، ثمّ أدلى بهذه الشهادة القيّمة: هذا أمر الجمل ملخصّاً من كتاب أبي جعفر


1) عائشة والسياسة, المقدّمة: 3.

الطبري، اعتمدناه للوثوق به، ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرّخين)(1)

أقول: لقد مرّ بالقارئ ما ذكرته من شواهد خداع وتضليل المؤرّخين ما قاله ابن كثير، ولدى المقارنة تبيّن ما ارتكبه من الخيانة؛ فراجع.

.

فأين التحرّر الّذي زعمه أوّلاً؟! ثمّ أين الدعوة إلى قراءة الحقائق التاريخية في كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير...؟! ولِمَ نعى على الآخرين الاقتصار على المصادر التاريخية فحسب؟ فما دام قد أكثر الاعتماد على الطبري وليكن الباقي مرجعاً ثانوياً، أو لا يكون. وهو لئن قارب الصواب حيناً فقد جانبه أحياناً، ولست في مقام المؤاخذة والحساب على ما وجدته من هنات وهفوات في كتابه. ولقد سجلت ما عندي على هوامش صفحاته حين قراءتي له.

لكن ممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام، أن أشير إلى زلّة من زلاّته ممّا يتعلّق بابن عبّاس، وهذا هو الّذي حداني إلى ذكره في المقام.

فالأفغاني ناقش رواية ابن عبّاس لحديث الحوأب, وهذه نقطة أولى تقدّمت الإشارة إليها في هامش بعض الصفحات قريباً، واكتفيت بردّ ابن بلده ناصر الدين الألباني؛ فراجع.

أمّا النقطة الثانية: فهي مناقشته حوار ابن عبّاس مع عائشة بالبصرة، وقد أرسله الإمام إليها يأمرها بالتهيؤ للرحيل والعودة إلى بيتها الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه. فلا بدّ لي من عرض جميع ما وقفت عليه من نصوص المحاورة، ثمّ


1) تاريخ ابن خلدون 425/2 مطبعة النهضة سنة 1355ه-.

عرض مناقشة الأفغاني بعد ذلك.

بين يديّ فعلاً من المصادر التي روت المحاورة أكثر من عشرين مصدراً، تختلف في روايتها مسندة ومرسلة، مختصرة ومفصّلة، وهي موزّعة على القرون كالآتي:

فمن القرن الثالث:

(1)-- كتاب (الجمل) للواقدي، المتوفى سنة 207ه-، وهذا بتوسط (الشافي) للمرتضى.

(2)-- كتاب (الفتن) لنعيم بن حمّاد، المتوفى سنة 229ه-.

(3)-- (أخبار الدولة العبّاسية) مجهول المؤلّف من القرن الثالث، يميل المحقّقان له أنّه لابن النطّاح المتوفى سنة 252ه-(1).

(4)-- (تاريخ اليعقوبي)، المتوفى سنة 292ه-.

ومن القرن الرابع:

(1)-- (تاريخ الفتوح) لابن أعثم الكوفي، المتوفى سنة 314ه-.

(2)-- (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي، المتوفى سنة 328ه-.

(3)-- (البدء والتاريخ) لأبي زيد البلخي، المتوفى سنة 343ه-(2).

(4)-- (مروج الذهب) للمسعودي، المتوفى سنة 346ه-.


1) أخبار الدولة العبّاسية: 15 المقدّمة، ط دار الطليعة بيروت.

2) - قال كاتب جلبي في كشف الظنون: وهو كتاب مفيد مهذّب عن خرافات العجائز وتزاوير القصاص، لأنّه تتبع فيه صحاح الأسانيد... أقول: وقد طبع في باريس سنة 1916 ميلادية بعناية كليمان هوار، وكتب في صفحة العنوان المنسوب إلى أبي زيد أحمد بن سهل البلخي، وهو لمطهر بن طاهر المقدسي.

(5)-- (شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار) للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي، المتوفى سنة 363ه-.

(6)-- (رجال الكشي/ معرفة أخبار الناقلين) لأبي عمر والكشي، المتوفى قبل سنة 368ه-. وهذا بتوسط (اختيار الرجال للطوسي).

ومن القرن الخامس:

(1)-- (الشافي) للشريف المرتضى، المتوفى سنة 436ه-.

(2)-- (تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي، المتوفى سنة 460ه-.

(3)-- (اختيار الرجال) للشيخ الطوسي، المتوفى سنة 460ه-.

ومن القرن السادس:

(1)-- (مصباح الأنوار) للشيخ هاشم بن محمّد، المتوفى بعد سنة 552ه-.

(2)-- (التذكرة الحمدونية) لأبي المعالي محمّد بن الحسن ابن حمدون المتوفى سنة 562ه-.

ومن القرن السابع:

(1)-- (الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة) لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبرّيّ.

(2)-- (الحدائق الوردية) لحميد بن أحمد المحلّي الشهيد، المتوفى سنة 652ه-.

(3)-- (تذكرة خواص الأُمّة) لسبط ابن الجوزي، المتوفى سنة 654ه-.

(4)-- (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي، المتوفى سنة 655ه-.

ومن القرن الثامن: .....

ومن القرن التاسع:

(1)-- (شرح صحيح مسلم) للأبي المالكي، المتوفى سنة 827ه-.

ومن القرن العاشر: .....

ومن القرن الحادي عشر: .....

ومن القرن الثاني عشر:

(1)-- (سمط النجوم العوالي) للعصامي المكّي، المتوفى سنة 1111ه-.

(2)-- (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي، المتوفى سنة 1111ه-.

(3)-- (الدرجات الرفيعة) للسيّد عليّ خان المدني الشيرازي، المتوفى سنة 1120ه-.

ومن القرن الثالث عشر:

(1)-- (شعب المقال) لأبي القاسم النراقي، المتوفى سنة 1319ه-.

(2)-- (أعيان الشيعة) للسيّد الأمين.

(3)-- (أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة) للسيّد مرتضى العسكري، من المعاصرين.

(4)-- (عائشة والسياسة) لسعيد الأفغاني من المعاصرين.

ولمّا كانت مصادر القرون المتأخّرة مصادر ثانوية، خصوصاً القرون 10, 11, 12, 13, 14 فإنّها تستقي معلوماتها من المصادر الأولى لتصريح أربابها بذلك، إذن لا حاجة بنا إلى الرجوع إليها، إلاّ إذا دعت الحاجة إلى

تصحيح المعلومة فيها، كما سيأتي منّا في محاسبة سعيد الأفغاني على ذلك.

أمّا مصادر القرون الأولى من الثالث وحتّى التاسع، فبعضها يروي المحاورة بسند متّصل وقد يختلف عن سند الآخرين، كما أنّ رواية المحاورة تتفاوت قليلاً أو كثيراً، وذلك مسؤولية الرواة ولا ضير، وبمقارنة بين النصوص المتشابهة يجعلنا أكثر اطمئناناً بما ورد في خصوص مصادر القرنين الثالث والرابع.

وسوف نأتي بنصّ المحاورة نقلاً منها على اختلاف روايتها في القرون الأولى, ومنها:

نص المحاورة في مصادر القرن الثالث:

(1)-- قال السيّد المرتضى: (فإنّ الواقدي روى بإسناده: عن شعبة، عن ابن عبّاس، قال: أرسلني عليّ عليه السلام إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها.

قال: فجئتها، فوقفت على بابها ساعة لا تأذن لي، ثمّ أذنت، فدخلت ولم يوضع لي وسادة ولا شيء أجلس عليه، فالتفت فإذا وسادة في ناحية البيت على متاع فتناولتها ووضعتها، ثمّ جلست عليها.

فقالت عائشة: يا بن عبّاس! أخطأت السُنّة، تجلس على متاعنا بغير إذننا.

فقلت لها: ليست بوسادتك، تركتِِ متاعك في بيتك الّذي لم يجعل الله لكِ بيتاً غيره.

فقالت: والله ما أحبّ أنّي أصبحت في منزل غيره.

قلت: أمّا حين اخترتِ لنفسكِ فقد كان الّذي رأيتِ.

فقالت: أيّها الرجل، أنت رسول فهلمّ ما قيل لك؟

قال: فقلت: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يأمرك أن ترحلي إلى منزلكِ وبلدكِ.

فقالت: ذاك أمير المؤمنين عمر.

قال ابن عبّاس: فقلت: أمير المؤمنين عمر والله يرحمه، وهذا والله أمير المؤمنين.

فقالت: أبيتُ ذلك.

فقلت: أما والله ما كان إلاّ فواق ناقة غير غزير حتّى ما تأمرين ولا تنهين، كما قال الشاعر الأسدي:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

قال ابن عبّاس: فوالله يعلم لبكت حتّى سمعت نشيجها. فقالت: أفعل، ما بلد أبغض إليَّ من بلد لصاحبك مملكة فيه، وبلد قتل فيه أبو محمّد وأبو سليمان -- تعني طلحة بن عبيد الله وابنه -- .

فقلت: أنتِ والله قتلتهما.

قالت: وأجلهما إلى سباق.

قلت: لا ولكنّكِ لما شجّعوكِ على الخروج خرجتِ، فلو أقمتِ ما خرجا.

قال: فبكت مرّة أُخرى أشدّ من بكائها الأوّل. ثمّ قالت: والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن، نخرج لعمري من بلدك، فأبغض بها والله بلداً إليَّ وبمن فيها.

فقلت: والله ما هذا جزاؤنا، وما هي بأيدينا عندك ولا عند أبيك، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً، وجعلناكِ للناس أمّاً.

فقالت: أتمنّون عليَّ برسول الله؟

قلت: إي والله لأمنّن بهِ عليكِ، والله لو كان لكِ لمننتِ به.

قال ابن عبّاس: فقمت وتركتها، فجئت عليّاً عليه السلام فأخبرته خبرها وما قلت لها.

فقال عليه السلام: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)(2).

وهذا رواه الشيخ الطوسي في (تلخيص الشافي) أيضاً ملحقاً ب-(الشافي).

(2)-- (أخبار الدولة العبّاسية)، قال: (لمّا فرغ عليّ(رحمة الله عليه ورضوانه) من قتال أهل البصرة، بعث ابن عبّاس إلى عائشة رضي الله عنها وهي في ذكر شيء (والصواب في دار بني خلف) خلف الستر، فأتاها ابن عبّاس فاستأذن في الدخول، فلم تأذن له، فدخل من غير إذن، فلم تطرح له شيئاً يقعد عليه، فأخذ وسادة فجلس عليها.

فقالت: أخطأت السُنّة يا بن عبّاس! دخلتَ علينا من غير إذن، وجلستَ على مقرمتنا من غير أمرنا.

فقال: ما أنتِ والسُنّة، نحن علّمناكِ وأباكِ السُنّة، ونحن أولى بها منكِ، والله ما هو بيتكِ، وإنّما بيتكِ الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله)


1) سورة آل عمران/34.

2) - الشافي: 292، ط حجرية.

وسلّم، فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ، فأوردتِ من بنيكِ ممّن أطاعكِ موارد الهلكة، ولو كنتِ في بيتكِ الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لم ندخله إلاّ بإذنكِ، إنّ أمير المؤمنين يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلّة العُرجة.

قالت: أردت عمر بن الخطّاب؟

قال: عليّ والله أمير المؤمنين، وإن تربّدت فيه وجوه، وأرغمت فيه أنوف (معاطس)، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم، ظاهر النكد، وما كان مقدار طاعتك إلاّ مقدار حلب شاة، حتّى صرتِ تأمرين فلا تطاعين، وتدعين فلا تجابين، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني أسد:

ما زال يهدي والهواجر بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تركتِ كأنّ صوتك فيهم *** في كلّ ناحية طنينُ ذباب

فانتحبت حتّى سُمع حنينها من وراء الستر، ثمّ قالت: والله ما في الأرض بلدة أبغض إليَّ من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم.

فقال: والله ما ذاك يدنا عندكِ وعند أبيكِ، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة(1)، وجعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت ابنة أُمّ رومان(2)

وقبل هذين العلمين -- ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفية -- كان تعيير أبيها لها كما في مسند أحمد 271/4 -- 272، فقد روى النعمان بن بشير، قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبيّ7 فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله7 فأذن له فدخل، فقال: يا ابنة أُمّ رومان وتناولها...

فأُمّ رومان التي عيّروا عائشة بها هي غير التي في رواية جابر عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما, أنّ امرأة ارتدّت عن الإسلام يقال لها: (أم رومان)، فبلغ أمرها إلى النبيّ7 فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلاّ قتلت، كما في المجموع للنووي 226/19، ط دار الفكر, والاقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع 206/2, ونيل الأوطار 3/8، ومصادر أُخرى.

.

1) كان منادي عبد الله بن جدعان على مائدته، وأجرته أربعة دوانيق، المنمق لمحمّد بن حبيب: 465, وإرشاد القلوب بتوسط سفينة البحار (قحف).

2) - اختلف مترجموها مع الصحابة في نسبها، وفي اسمها، وفي وفاتها، وربّما هناك علّة أُخرى أغفلوها إكراماً لابنتها، وإلاّ فلا معنى لتعيير ابن عبّاس لها بأُمّها، فيقول لها: وأنت بنت أُمّ رومان. وأكد ذلك تعيير محمّد بن الحنفية لعبد الله بن الزبير بها في المسجد الحرام على رؤوس الأشهاد فلم يردّ عليه. فقد روى اليعقوبي في تاريخه 8/3، ط النجف, والمسعودي في مروج الذهب 80/3، ط دار الأندلس، واللفظ له: قال: خطب ابن الزبير فنال من عليّ: فبلغ ذلك ابنه محمّد بن الحنفية، فجاء حتّى وضع له كرسي قدّامه فعلاه، وقال: يا معشر قريش، شاهت الوجوه، أينتقص عليّ وأنتم حضور؟ إنّ عليّاً كان سهماً صادقاً (صارماً) أحد مرامي الله على أعدائه يقتلهم لكفرهم... فعاد ابن الزبير إلى خطبته، وقال عذرت بني الفواطم يتكلّمون فما بال ابن الحنفية؟ فقال محمّد: يا بن أُمّ رومان! وما لي لا أتكلّم...الخ.

قالت: أتمنّون علَيَّ برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟

قال: إي والله، أمّن عليكِ بمن لو كان فيكِ قلامةٌ منه مننتِ به على الخلق، وإنّما نحن دمه ولحمه، وأنتِ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، والله ما أنتِ بأطولهنّ طولاً، ولا أنضرهنّ عوداً.

فانصرف ابن عبّاس وأخبر عليّاً بالّذي جرى. فقال: أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها)(1).


1) أخبار الدولة العبّاسية: 125 تح د عبد العزيز الدوري ود عبد الجبار المطلبي، ط دار الطليعة بيروت.

(3)-- تاريخ اليعقوبي: (ووجّه ابن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالرجوع، فلمّا دخل عليها ابن عبّاس، قالت: أخطأت السُنّة يا بن عبّاس مرّتَين، دخلت بيتي بغير إذني، وجلست على متاعي بغير أمري.

قال: نحن علّمنا إياك السُنّة، إنّ هذا ليس ببيتكِ، بيتكِ الّذي خلّفك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم به، وأمركِ القرآن أن تقرّي فيه.

وجرى بينهما كلام موضعه في غير هذا من الكتاب(؟)(1).

(4)-- كتاب (الفتن) لنعيم بن حمّاد: (عن ابن عبّاس، قال: دخلت على عائشة، فقلت: السلام عليك يا أمه.

قالت: وعليك يا بُني.

قال: قلت لها: ما أخرجك علينا مع منافقي قريش؟

قالت: كان ذلك قدراً مقدوراً)(2).

نص المحاورة في مصادر القرن الرابع:

(1)-- كتاب (الفتوح) لابن أعثم الكوفي، المتوفى نحو سنة 314ه-، (ذكر ما جرى من الكلام بين عبد الله بن عبّاس وبين عائشة لمّا أنفذه إليها برسالته عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنهم ).

قال: (ثمّ دعا عليّ رضي الله عنه بعبد الله بن عبّاس، فقال له: اذهب إلى عائشة فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة.


1) تاريخ اليعقوبي 159/2.

2) - الفتن، نسخة مصورة عن متحف لندن بمكتبتي (47 من المطبوع بتحقيق سهيل زكار حديثاً).

فأقبل إلى عائشة فأستاذن عليها، فأبت أن تأذن له، فدخل عبد الله بغير إذن، ثمّ التفت فإذا راحلة عليها وسائد، فأخذ منها وسادة وطرحها، ثمّ جلس عليها.

فقالت عائشة: يا بن عبّاس! أخطأت السُنّة، دخلتَ منزلي بغير إذني.

فقال ابن عبّاس: لو كنتِ في منزلكِ الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لما دخلت عليك إلاّ بإذنكِ، وذلك المنزل الّذي أمركِ الله عزّ وجلّ أن تقرّي فيه، فخرجتِ منه عاصية لله عزّ وجلّ ولرسوله محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم. وبعد فهذا أمير المؤمنين يأمركِ بالإرتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي.

فقالت عائشة: رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطّاب.

فقال ابن عبّاس: وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف، وأربدّت له الوجوه.

فقالت عائشة: أبيتُ ذلك عليكم يا بن عبّاس.

فقال ابن عبّاس: لقد كانت أيّامك قصيرة المدّة، ظاهرة الشؤم، بيّنة النكد، وما كنتِ في أيامكِ إلاّ كقدر حلب شاة، حتّى صرتِ ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهَين، وما كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد، حيث يقول:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تُركتِ كأنّ قولكِ عندهم *** في كلّ محتفل طنين ذباب

قال: فبكت عائشة بكاءً شديداً، ثمّ قالت: نعم والله أرحل عنكم، فما

خلق الله بلداً هو أبغض إليَّ من بلد أنتم به يا بني هاشم.

فقال ابن عبّاس: ولم ذلك؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر.

فقالت عائشة: وما بلاؤكم عندي يا بن عبّاس؟

قال: بلاؤنا عندكِ، إنّا جعلناكِ للمؤمنين أُمّاً وأنتِ بنت أُمّ رومان، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة، وبنا سُمّيت أُمّ المؤمنين لا بتيم وعديّ.

فقالت عائشة: يا بن عبّاس! أتمنّون عليَّ برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟

فقال: ولم لا نمنّ عليك برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟ ولو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننتِ علينا وعلى جميع العالمين بذلك. وبعد فإنّما كنتِ إحدى تسع حشايا من حشاياه، لستِ بأحسنهنّ وجهاً، ولا بأكرمهنّ حسباً، ولا بأرشحهنّ عرقاً، وأنتِ الآن تريدين أن تقولي ولا تُعصَين، وتأمري ولا تخالفين، ونحن لحم الرسول صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ودمه، وفينا ميراثه وعلمه.

فقالت عائشة: يا بن عبّاس! ما باذل لك عليّ بن أبي طالب؟

فقال ابن عبّاس: أما والله أقرّ له، وهو أحقّ به منّي وأولى، لأنّه أخوه وابن عمّه، وزوج الطاهرة ابنته وأبو سبطيه، ومدينة علمه، وكشّاف الكرب عن وجهه، وأمّا أنتِ فلا والله ما شكرتِ نعماءَنا عليكِ وعلى أبيكِ من قبلكِ.

ثمّ خرج وسار إلى عليّ فأخبره بما جرى بينه وبين عائشة من الكلام.

فدعا عليّ ببغلة رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فاستوى عليها،

وأقبل إلى منزل عائشة، ثمّ أستاذن ودخل، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من نساء أهل البصرة وهي تبكي وهنّ يبكين معها.

قال: ونظرت صفية بنت الحارث الثقفية امرأة عبد الله بن خلف الخزاعي إلى عليّ، فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوة وقلن بأجمعهنّ: يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق بين الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله بن خلف.

فنظر إليها عليّ فعرفها، فقال: أما إنّي لا ألومك أن تبغضيني وقد قتلت جدّك في يوم بدر، وقتلت عمّك يوم أحد، وقتلت زوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبّة كما تقولين، لقتلت مَن في هذا البيت ومن في هذه الدار.

قال: فأقبل عليّ على عائشة، فقال: ألا تنحين كلابك هؤلاء عنّي، أما إنّني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل مَن فيه، وباب هذا البيت فأقتل مَن فيه، ولولا حبّي للعافية لأخرجتهم الساعة، فضربت أعناقهم صبراً.

قال: فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهنّ.

قال: ثمّ أقبل على عائشة، فجعل يوبّخها ويقول: أمركِ الله أن تقرّي في بيتك، وتحتجبي بستركِ ولا تبرّجي، فعصيته وخضّبت (وخضت/ظ) الدماء، تقاتليني ظالمة، وتحرضين عليَّ الناس، وبما (وبنا /ظ) شرّفك الله وشرّف أباك من قبلك، وسمّاك أُمّ المؤمنين، وضرب عليكِ الحجاب، قومي الآن فارحلي، واختفي في الموضع الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إلى أن يأتيكِ فيه أجلكِ. ثمّ قام عليّ فخرج من عندها.

قال: فلمّا كان من الغد، بعث إليها ابنه الحسن، فجاء الحسن، فقال لها:

يقول لك أمير المؤمنين: أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترحلي الساعة لأبعثنّ عليك بما تعلمين.

قال: وعائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن وهي تريد أن تضفر الأيسر، فلمّا قال لها الحسن ما قال، وثبت من ساعتها، وقالت: رحلوني.

فقالت لها امرأة من المهالبة: يا أُمّ المؤمنين! جاءك عبد الله بن عبّاس فسمعناك وأنت تجاوبينه حتّى علا صوتك، ثمّ خرج من عندك وهو مغضب، ثمّ جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقكِ، وقد كان أبوه جاءكِ فلم نرَ منكِ هذا القلق والجزع؟

فقالت عائشة: إنّما أقلقني لأنّه ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فمن أحبّ أن ينظر رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فلينظر إلى هذا الغلام، وبعد فقد بعث إليَّ أبوه بما قد علمت ولا بدّ من الرحيل.

فقالت لها المرأة: سألتك بالله وبمحمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إلاّ أخبرتني بماذا بعث إليكِ عليّ رضي الله عنه ؟

فقالت عائشةرضي الله عنها : ويحكِ إنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أصاب من مغازيه نفلاً، فجعل يقسّم ذلك في أصحابه، فسألناه أن يعطينا منه شيئاً وألححنا عليه في ذلك، فلامنا عليّ رضي الله عنه، وقال: حسبكنّ أضجرتنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فتجهمناه وأغلظنا له في القول، فقال: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ(1)، فأغلظنا له أيضاً في


1) سورة التحريم/5.

القول وتجهمناه، فغضب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم من ذلك وما استقبلنا به عليّاً، فأقبل عليه، ثمّ قال: يا عليّ إنّي قد جعلت طلاقهنّ إليك، فمن طلّقتها منهنّ فهي بائنة، ولم يوقّت النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم في ذلك وقتاً في حياة ولا موت. فهي تلك الكلمة، وأخاف أن أبين من رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم)(1)

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 234/4: وقد قيل ان النبيّ7 فوّض أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيّهنّ شاء إذا رأى ذلك، وله من الصّحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادراً على أن يقطع عصمة ام حبيبة ويبيح نكاحها الرجال عقوبة لها ولمعاوية اخيها فإنّها كانت تبغض عليّاً كما يبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهش لحمه، وهذا قول الإمامية وقد رووا عن رجالهم انهu تهدد عائشة بضرب من ذلك. وقارن مناقب ابن شهر آشوب 397/1، ط الحيدرية كلام عائشة في ذلك وقول خطيب خوارزم:

.

(2)-- (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي، المتوفى سنة 328ه-: (عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا انقضى أمر الجمل دعا عليّ بن أبي طالب بآجرتين فعلاهما، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة، رغا فجئتم، وعقر فهُزمتم، نزلتم شرّ بلاد، أبعدها من السماء، بها مغيض كلّ ماء، ولها شرّ أسماء، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عبّاس؟

قال: فدُعيت له من كلّ ناحية، فأقبلتُ إليه.

فقال: إئتِ هذه المرأة، فلترجع إلى بيتها التي أمرها الله أن تقرّ فيه.

قال: فجئت فأستاذنت عليها، فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن، ومددت


1) كتاب الفتوح 334/2 -- 338، ط أفست دار الندوة الجديدة عن الطبعة الاُولى بحيدر آباد.

يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها.

فقالت: تالله يا بن عبّاس! ما رأيت مثلك، تدخل بيتنا بلا إذننا، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا.

فقلت: والله ما هو ببيتكِ، ولا بيتكِ إلاّ الّذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعليّ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الّذي خرجتِ منه.

قالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك عمر بن الخطّاب.

قلت: نعم، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

قالت: أبيتُ أبيت.

قلت: ما كان إباؤكِ إلاّ فواق ناقة بكيئة(1)، ثمّ صرتِ ما تحلين ولا تمرّين، ولا تأمرين ولا تنهين.

قال: فبكت حتّى علا نشيجها، ثمّ قالت: نعم أرجع، فإنّ أبغض البلدان إليَّ بلدٌ أنتم فيه.

قلت: أما والله، ما كان ذلك جزاؤنا منكِ، إذ جعلناكِ للمؤمنين أمّاً، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.

قالت: أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عبّاس؟

قلت: نعم نمنّ عليكِ بمن لو كان منكِ بمنزلته منّا لمننتِ به علينا.

قال ابن عبّاس: فأتيت عليّاً فأخبرته، فقبّل بين عينيّ، وقال: بأبي ذُرِّيَّةً


1) الفُواق (بضم الفاء وفتحها): ما بين الحلبتين من الوقت، لأنّ الناقة تحلب، ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ، ثمّ تحلب، والبكيئة من النوق: التي قلّ لبنها.

بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)(2). (3)-- (البدء والتاريخ) المنسوب لأبي زيد البلخي، المتوفى سنة 340ه-: (وجاء ابن عبّاس، فقال: إنّما سميتِ أُمّ المؤمنين بنا؟

قالت: نعم.

قال: أولسنا أولياء زوجك؟

قالت: بلى.

قال: فلم خرجت بغير إذننا؟

قالت: قضاء وأمر)(3).

(4)-- (مروج الذهب) للمسعودي، المتوفى سنة 436ه-: (وبعث عبد الله ابن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها.

فقالت له: يا بن عبّاس! أخطأت السُنّة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا.

فقال لها: لو كنتِ في البيت الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ما دخلنا إلاّ بإذنكِ، وما جلسنا على رحلكِ إلاّ بأمركِ، وإنّ أمير المؤمنين يأمركِ بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة.

فقالت: أبيت ما قلت، وخالفت ما وصفت.


1) سورة آل عمران/34.

2) - العقد الفريد 328/4 تح أحمد أمين ورفيقيه، ط مصر والآية.

3) - البدء والتاريخ 215/5، ط باريس أفست.

فمضى إلى عليّ فخبّره بامتناعها، فردّه إليها، وقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكِ أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهّزها عليّ.

وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد أخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان. فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبّة.

فقال: لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت مَن في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر، وغيرهم. فضرب مَن كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا مَن في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه.

فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند سيرك.

فقال: بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم.

فسألته أن يؤمّن ابن أختها عبد الله بن الزبير فأمّنه. وتكلّم الحسن والحسين في مروان فأمّنه، وأمّن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أُميّة، وأمّن الناس جميعاً)(1).

(5)-- (شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار) للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي، المتوفى سنة 363ه-: (وبآخر -- أي سند آخر -- عن عبد الله بن عبّاس، أنّه قال: لمّا استقر أمر الناس بعد وقعة الجمل,


1) مروج الذهب 337/2، ط السعادة بمصر سنة 1377ه- تح محمّد محيي الدين عبد الحميد.

وأقام عليّ صلوات الله عليه في البصرة بمن معه أياماً بعث بي إلى عائشة يأمرها بالرحيل عن البصرة والرجوع إلى بيتها.

قال ابن عبّاس: فدخلت عليها في الدار التي أنزلها فيها, فلم أجد شيئاً أجلس عليه, ورأيت وسادة في ناحية من الدار فأخذتها فجلست عليها.

فقالت لي: يا بن عبّاس ما هذا؟ تدخل عليَّ بغير إذني في بيتي, وتجلس على فراشي بغير إذني؟ لقد خالفت السُنّة.

قال ابن عبّاس: نحن علّمناكِ وغيركِ السُنّة, ونحن أولى بها منك, إنّما بيتكِ البيت الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلوات الله عليه وآله, فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ، عاتبة على ربّكِ، عاصية نبيّكِ, فإذا رجعت إليه لم أدخله إلاّ بإذنكِ، ولم أجلس على ما فيه إلاّ بأمركِ.

قال: فبكت. فقلت لها: إنّ أمير المؤمنين بعثني إليك يأمرك بالرحيل عن البصرة والرجوع إلى بيتك.

قالت: ومن أمير المؤمنين؟ إنّما كان أمير المؤمنين عمر.

فقلت لها: قد كان عمر يدعى أمير المؤمنين, وهذا والله عليّ أمير المؤمنين حقّاً كما سمّاه بذلك رسول الله صلوات الله عليه وآله, وهو والله أمسّ برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم رحماً, وأقدم سلماً, وأكثر علماً, وأحلم حلماً من أبيك ومن عمر.

قال: فقالت: ما شئت ذلك.

قال: فقلت لها: أما والله لقد أبؤك (كذا في النسخة والصواب إباؤك) ذلك قصير المدّة، عظيم التبعة، ظاهر الشوم، بيّن النكاد (النكد)، وما كان إلاّ

كحلب شاة حتّى صرت ما تأخذين ولا تعطين، ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تُركتِ كأنّ قولكِ عندهم *** في كلّ محتفل طنين ذباب

فأراقت دمعتها, وأبدت عولتها, وظهر نشيجها، ثمّ قالت: أرحل والله عنكم, فوالله ما من أبغض إليَّ من دار تكونون بها.

قلت: ولِمَ ذلك؟ والله ما ذلك ببلائنا عندك, ولا بأثرنا عليك وعلى أبيك, إذ جعلناك أُمّاً للمؤمنين وأنت بنت أُمّ رومان، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة.

قالت: تمنّون علينا برسول الله(صلوات الله عليه وآله)؟

قلت: ولِمَ لا نمنّ عليكم بمن لو كانت فيك شعرة لمننتِ بها وفخرت, ونحن منه وإليه لحمه ودمه, وإنّما أنت حشية من تسع حشيات خلّفهن, لست بأرشحهن عرقاً, ولا بأنضرهن ورقاً, ولا بأمدهنّ ظلاً, وإنّما أنت كما قال أخو بني أسد:

مننت على قومي فأبدوا عداوة *** فقلت لهم كفوا العداوة والنكرا

ففيه رضا من مثلكم لصديقه *** وأحرى بكم أن تظهروا البغي والكفرا

قال: فسكتت, وانصرفت إلى عليّ صلوات الله عليه فأخبرته بما جرى بيني وبينها، فقال صلوات الله عليه: أنا كنت أعلم بك إذ بعثتك.

وتثاقلت عائشة بعد ذلك عن الخروج إلى بيتها، فأرسل إليها عليّ صلوات الله عليه: والله لترجعنَ إلى بيتك أو لألفظنّ بلفظة لا يدعوك بعدها

أحد من المؤمنين أُُمّاً, فلمّا جاءها ذلك.

قالت: أرحلوني أرحلوني, فو الله لقد ذكرني شيئاً لو ذكرته قبل ما سرت بسيري هذا.

فقال لها بعض خاصتها: ما هو يا أُمّ المؤمنين؟

قالت: إنّ رسول الله(صلوات الله عليه وآله) قد جعل طلاق نسائه إليه، وقطع عصمتهنّ منه حيّاً وميتاً, وأنا أخاف أن يفعل ذلك إن خالفته, فارتحلت)(1).

(6)-- رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): (جعفر بن معروف، قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن النعمان، عن أبيه، عن معاذ بن مطر، قال: سمعت إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: حدّثني بعض أشياخي، قال: لمّا هزم عليّ بن أبي طالبu أصحاب الجمل، بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عبّاس (رحمة الله عليهما) إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلّة العرجة(2).

قال ابن عبّاس: فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة، قال: فطلبت الإذن عليها فلم تأذن، فدخلت عليها من غير إذنها، فإذا بيت قفار(3)لم يعدّ لي فيه مجلس، فإذا هي من وراء سترين. قال: فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة(4)، قال: فمددت الطنفسة فجلست عليها.


1) شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار 390/1 -- 392، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

2) - العُرجة بالضم والفتح: الإقامة بالمكان.

3) - الخالي وهو من القفر.

4) - الطنفسة: البساط.

فقالت من وراء الستر: يا بن عبّاس أخطأت السُنّة دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا.

فقال ابن عبّاس(رحمة الله عليهما): نحن أولى بالسُنّة منك، ونحن علّمناك السُنّة، وإنّما بيتك الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرجتِ منه ظالمة لنفسك، غاشّةً لدينك، عاتبة على ربّك، عاصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلاّ بإذنك، ولم نجلس على متاعكِ إلاّ بأمركِ. إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعث إليكِ يأمركِ بالرحيل إلى المدينة وقلّة العُرجة.

فقالت: رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطّاب.

فقال ابن عبّاس: هذا والله أمير المؤمنين وإن تربّدت فيه وجوه، ورغمت فيه معاطس، أما والله لهو أمير المؤمنين، وأمسّ برسول الله رحماً، وأقرب قرابة، وأقدم سبقاً، وأكثر علماً، وأعلى مناراً، وأكثر آثاراً من أبيك ومن عمر.

فقالت: أبيت ذلك.

فقال: أما والله، إن كان إباؤك فيه لقصير المدّة، عظيم التبعة، ظاهر الشؤم، بيّن النكَد, وما كان إباؤك فيه إلاّ حلب شاة، حتّى صرتِ لا تأمرين ولا تنهينَ، ولا ترفعين ولا تضعين، وما كان مثلكِ إلاّ كمثل ابن الحضرمي ابن نجمان أخي بني أسد، حيث يقول:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تركتهم كأنّ قلوبهم *** في كلّ مجمعة طنين ذباب

قال: فأراقت دمعتها، وأبدت عويلها، وتبدّى نشيجها، ثمّ قالت: أخرج

والله عنكم، فما في الأرض بلد أبغض إليَّ من بلد تكونون فيه!

فقال ابن عبّاس(رحمه الله): فلم؟ فوالله ماذا بلاؤنا عندكِ، ولا بصنيعتنا إليكِ، إنّا جعلناكِ للمؤمنين أُمّاً وأنت بنت أُمّ رومان، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة.

فقالت: يا بن عبّاس تمنّون عليَّ برسول الله؟

فقال: ولم لا نمنّ عليكِ بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به، ونحن لحمه ودمه، ومنه وإليه، وما أنتِ إلاّ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ بعده، لستِ بأبيضهنّ لوناً، ولا بأحسنهنّ وجهاً، ولا بأرشحهنّ عرقاً، ولا بأنضرهنّ روقاً (رونقاً /ظ)، ولا بأطراهنّ أصلاً، فصرتِ تأمرين فتطاعين، وتدعين فتجابين، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني فهر:

مننت على قومي فأبدوا عداوة *** فقلت لهم كفّ-وا العداوة والنكرا

ففيه رضاً من مثلكم لصديقه *** وأحجَ بكم أن تجمعوا البغي والكفرا

قال: ثمّ نهضت وأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها.

فقال: أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك)(1).

نص المحاورة في مصادر القرن الخامس:

(1)-- لقد روى المحاورة الشيخ المفيد المتوفى سنة 413ه- في رسالته


1) رجال الكشي/ اختيار معرفة الرجال: 57 -- 60 تح حسن المصطفوي، ط جامعة مشهد سنة 1348 شمسي.

(الكافية في إبطال توبة الخاطئة)، ورواها بسندين أحدهما من العامّة، والآخر من الخاصّة(1).

ومن اللافت للنظر خلوّ كتابه (الجمل) منها (؟)، وهو أحرى بذكره فيها، ولعلّ ذلك من نقصان النسخة التي وصلت إلينا.

(2)-- الشريف المرتضى المتوفى سنة 436ه-، روى المحاورة نقلاً عن الواقدي، وله الفضل في حفظ شيء من كتاب الواقدي الّذي عفّى الدهر عليه(2).

(3)-- الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460ه-، روى المحاورة أيضاً عن الواقدي، في كتابه (تلخيص الشافي)، وأحسبه أخذها بتوسط (الشافي)(3).

نص المحاورة في مصادر القرن السادس:

(1)-- الشيخ هاشم بن محمّد المتوفى بعد سنة 552ه- . رواها في كتابه (مصباح الأنوار), فقد قال: (وبالإسناد عن شهردار بن شيرويه الديلمي، قال: أخبرنا عبدوس بن عبد الله بن عبدوس، عن الشريف أبي طالب المفضل بن طاهر الجعفري بإصبهان، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه ابن فورك الاصبهاني: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن الحسين، حدّثنا عليّ بن الحسين بن إسماعيل، حدّثنا محمّد بن الوليد العقيلي، حدّثنا قثم بن أبي قباذ الحرّاني، عن وكيع، عن خالد النوا، عن الأصبغ بن نباتة، قال: لمّا أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل...


1) انظر: البحار 418/8، ط الكمپاني.

2) - الشافي: 292، ط حجرية سنة 1300ه-.

3) - تلخيص الشافي 153/4.

وروى أنّ أمير المؤمنين عليه اسلام قال لولده محمّد بن الحنفية...

وروى عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا هزم أصحاب الجمل، نزلت عائشة في دار عبد الله بن خلف، فأرسلني أمير المؤمنينu إليها يأمرها بالمسير عن البصرة والتأهب للمسير إلى المدينة.

قال ابن عبّاس: فأتيتها فدخلت عليها في بيت قفر لم أجد فيه مجلس إلاّ التراب، فضربت ببصري ناحية البيت فلم أر شيئاً إلاّ رحلها فتناولت طنفسة فقعدت فوقها.

فقالت: أخطأت السُنّة يا بن عبّاس.

قلت: وما فعلت؟

قالت: دخلت بيتي بغير إذني، وتناولت طنفستي بغير أمري.

قلت: نحن علّمناكِ السُنّة، ونحن أحقّ بها منكِ، وإنّما بيتك الّذي أجلسكِ الله فيه ورسوله، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: يَا نِسَاءَ النبيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ...(1)الآيات، فخرجتِ من بيتكِ ظالمة لنفسكِ عاتية على ربّك، عاصية لنبيّك، فإذا رجعتِ إلى بيتكِ فقعدتِ فيه لم يكن لنا أن ندخله إلاّ بإذنك، ولم نأخذ متاعك إلاّ بأمركِ، إنّ أمير المؤمنين بعثني إليكِ يأمركِ بالمسير إلى المدينة.

فقالت: رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب.

قلت: صدقت قد كان عمر أمير المؤمنين رغماً، وهذا والله أمير المؤمنين حقّاً، أَمَ والله لهو أمسّ برسول الله رحماً، وأوجب حقّاً، وأعلم


1) سورة الأحزاب/32.

علماً، وأحلم حلماً، وأقدم سلماً من أبيكِ ومن عمر.

قالت: أبيت ذلك يا بن عبّاس.

قلت: أما والله، لقد كان إباؤك لقصير المدّة، ظاهر الشؤم عليك، بيّن النكال، وما كنتِ إلاّ كحلب الشاة حتّى ما تأخذين ولا تعطين، ولا تأمرين ولا تنهين، ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد (حيث) يقول:

ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تُ-ركتِ كأنّ قولكِ بينهم *** في كلّ مجمعة طنين ذباب

فأوردت دمعتها نشيجها ثمّ قالت: أرحل والله عنكم، أمَ والله ما في الأرض بلدة أبغض إليّ من بلدة أراكم فيها يا بني هاشم.

قلت: أمَ والله ما ذاك ببلائنا عندك، ولا بأثرنا عليكِ، جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت ابنة أُمّ رومان، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة، وأنتِ تسمّين بنا أُمّ المؤمنين لا بتيم وعدي.

قالت: تمنّون عليَّ برسول الله يا بن عبّاس.

قلت: ولِمَ لا نمنّ عليكِ بمن لو كانت فيكِ شعرة منه لمننتِ علينا، ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه، وإنّما أنتِ حشية من تسع حشايا خلّفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لستِ بأرشحهنّ عَرَقاً، ولا بأنظرهنّ ورقاً، ولا بأمدهنّ ظلاً، فصرتِ تأمرين وتنهين فتطاعين، وتدعين فتجابين، فما شكرتِ نعمانا عليك، ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر:

مننت على قومي فأبدوا عداوة *** فقلت لهم كفّ-وا العداوة والنكرا

ففيه الرضا من مث -- له لصديقه *** وأحجى بكم أن تجمعوا البغي والكفرا

ثمّ نهضت فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان إذا بعث رجلاً لم يزل مقعداً له حتّى يأتيه، فأخبرته بما كان بيني وبينها من الكلام.

فقال: أنا كنت أعلم بها منك حيث بعثتك إليها. يا حسن! هلمّ فاذهب إلى عائشة فقل لها: قال لك أمير المؤمنين: والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترتحلي الساعة لأبعثنّ إليك بما تعلمين.

فلمّا أتاها الحسن، دخل عليها بغير إذن، فأخبرها بمقالة أمير المؤمنين.

فقالت: رحّلوني.

فقالت لها امرأة من المهالبة: يا أُمّ المؤمنين! أتاكِ ابن عبّاس شيخ بني هاشم فسمعناك تحاوريه حتّى علا صوتكِ، فخرج من عندك مغضباً، فأتاك غلام فأقلقكِ؟

فقالت: إنّه والله ابن رسول الله، فمن أراد أن ينظر إلى مقلتي رسول الله فلينظر إلى هذا الغلام، وقد بعث أبوه إليَّ بما علّمنيه.

فقالت الامرأة: سألتك بحقّ محمّد رسول الله (كلمات مطموسة) عليك إلاّ أخبرتني بالّذي بعث إليك؟

قالت: إنّ رسول الله جعل طلاق نسائه بيد عليّ، فمن طلّقها عليّ في الدنيا بانت من رسول الله في الآخرة(1).

فقالت لها الامرأة: أنتِ قد علمتِ مثل هذا وقاتلتيه؟!

قالت: قد كان ما رأيتِ)(2).


1) قارن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 397/1، ط الحيدرية.

2) - مصباح الأنوار (مخطوط).

(2)-- (التذكرة الحمدونية): (قال عبد الله بن عبّاس: بعثني عليّ عليه السلام إلى عائشة، أُمّ المؤمنين يأمرها بالرحيل إلى بلادها، فأتيتها ودخلت عليها، فلم تضع لي شيئاً أجلس عليه، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها.

فقالت: يا بن عبّاس! أخطأت السُنّة؛ قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا!

فقلت: ما هذا بيتك الذي أمرك الله تعالى أن تقرّي فيه، ولو كان بيتكِ ما قعدت على وسادتك إلاّ بإذنك.

ثمّ قلت: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى بلادك.

قالت: وأين أمير المؤمنين؟ ذاك عمر.

فقلت: ذاك عمر وعليّ أيضاً.

قالت: أبيت! أبيت!

قلت: والله ما كان إباؤك إلاّ قصير المدّة، عظيم التبع، قليل المنفعة، ظاهر الشؤم، بيّن النكدِ، وما عسى أن يكون إباؤك، وما كان أمرك إلاّ كحلب شاة، حتّى صرت لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كان مثلك إلاّ كقول أخي بني أُميّة، حيث يقول:

ما زال إهداء الضغائن بينهم *** تترى الحديث وكثرة الألقاب

حتّى تركت كأنّ صوتك بينهم *** في كلّ مجمعةٍ طنين ذباب

قال: فبكت حتّى كأنّي أسمع نحيبها من وراء الحجاب، ثمّ قالت: إنّي معجلة الرحيل إلى بلادي، إن شاء الله، والله ما من بلد أبغض إليَّ من بلد أنتم فيه.

قال: ولم ذاك؟ فوالله لقد جعلنا أباك صدّيقا!

قالت: يا بن عبّاس! أتمنّ عليَّ برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)؟!

فقلت: ما لي لا أمنّ عليك بمن لو كان منك لمننت به عليَّ(1)(2).

نص المحاورة في مصادر القرن السابع:

(1)-- (الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة) لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبُريّ، قال: (وقال عبد الله ابن عبّاس: لمّا فرغ عليّt من أمر الجمل، صعد على ربوة من الأرض وخطب، فقال: يا أنصار المرأة، وأصحاب البيهمة, رغا فحننتم، وانخشر -- هرب جبناً -- فانهزمتم, نزلتم شرّ بلاد، أبعدها من السماء, بها مغيض كلّ ماء, هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمُر, أين ابن عبّاس؟

قال: فدعيت له من كلّ جانب, فلمّا حضرت، قال لي: سر إلى هذه المرأة -- يعني أُمّ المؤمنين عائشة -- وقل لها: تسير إلى الموضع الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه.

قال ابن عبّاس: فجئتها, فاستأذنت عليها فلم تأذن لي، فدخلت عليها بغير إذن, وعمدت إلى وساد كان في البيت فجلست عليه.

فقالت: تالله ما رأيت مثلك يا بن عبّاس! تدخل بيتي وتجلس على وسادي بغير إذني؟


1) هنا حاشية أدخلت في المتن جاء فيها: وهذه حكاية خشنة ينبغي إسقاطها من الكتاب ولا يتكلّم بما شجر بينهم، عن هامش/201 من المصدر.

2) - التذكرة الحمدونية 208/7 -945-.

قال: فقلت لها: والله ما هو بيتك إلاّ الّذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعلي. إنّ أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى المدينة.

فبكت وقالت: رحم الله أمير المؤمنين, ذاك عمر بن الخطّاب.

فقلت لها: نعم، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

فقالت: أبيت أبيت.

فقلت لها: ما كان إباؤك إلاّ مثل فواق ناقة بكيّة(1)، ثمّ صرت لا تحلين ولا تُمرين.

فقالت: نعم أسير, إنّ أبغض البلاد إليَّ بلد أنتم فيه.

فقلت: والله ما كان هذا جزاؤنا منك, أن صيّرناك للمؤمنين أُمّاً, وصيّرنا أباكِ لهم صدّيقاً.

فقالت: أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عبّاس؟

قلت: بلى والله، نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننتِ به علينا)(2).

(2)-- (الحدائق الوردية في مناقب الأئمّة الزيدية) لحميد بن أحمد المحلّي، الشهيد الزيدي المتوفى سنة 652ه-، قال: (ولمّا انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عبّاس إلى عائشة... يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الّذي تركها فيه رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وقال له: قل لها: إنّ الّذي


1) من المضحك ما جاء في الهامش: بكية كثيرة البكاء! والصحيح غير ذلك على الناقة البكية، التي قلّ لبنها (قطر المحيط).

2) - الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة 295/2 -- 296 تح د. محمّد القوشنجي الأستاذ بجامعة حلب، ط دار الرفاعي.

يردّها خير من الّذي يخرجها)(1).

(3)-- (تذكرة خواص الأئمّة) لسبط ابن الجوزي، المتوفى سنة 654ه-: (قال علماء السير: ثمّ بعث عليّ عليه السلام عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالمسير إلى المدينة، فدخل عليها ابن عبّاس بغير إذن.

فقالت له: أخطأت السُنّة، دخلت علينا بغير إذن.

فقال لها: لو كنتِ في البيت الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ما دخلنا عليك بغير إذنكِ، ثمّ قال: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى البيت الّذي أمرك الله بالقرار فيه، فأبت عليه، فشدّد عليها، وقال: هو أمير المؤمنين وقد عرفتيه)(2).

(4)-- (شرح نهج البلاغة): (بعث عليّ عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة.

قال: فأتيتها فدخلت عليها، فلم يوضع لي شيء أجلس عليه، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها.

فقالت: يا بن عبّاس! أخطأت السُنّة، قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا.

فقلت: ليس هذا بيتك الّذي أمرك الله أن تقرّي فيه، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلاّ بإذنك، ثمّ قلت: إنّ أمير المؤمنين أرسلني إليك


1) الحدائق الوردية في مناقب الأئمّة الزيدية: 34 نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام كاشف الغطاء بخط المرحوم الحجّة والده الشيخ علي، وفي المطبوعة بصنعاء 63/1.

2) - تذكرة خواص الأئمّة: 45، ط حجرية سنة 1285ه-.

يأمركِ بالرحيل إلى المدينة.

فقالت: وأين أمير المؤمنين ذاك عمر.

فقلت: عمر وعليّ.

قالت: أبيت.

قلت: أما والله ما كان إباؤك إلاّ قصير المدّة، عظيم المشقة، قليل المنفعة، ظاهر الشؤم، بيّن النكد، وما عسى أن يكون إباؤك؟ والله ما كان أمرك إلاّ كحلب شاة، حتّى صرت لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كنتِ إلاّ كما قال أخو بني أسد:

ما زال إهداء الصغائر بيننا *** نثّ الحديث وكثرة الألقاب

حتّى نزلتِ كأنّ صوتكِ بينهم *** في كلّ نائبة طنين ذباب

قال: فبكت حتّى سمع نحيبها من وراء الحجاب، ثمّ قالت: إنّي معجّلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله تعالى، والله ما من بلد أبغض إليَّ من بلد أنتم فيه.

قلت: ولم ذاك، فوالله لقد جعلناكِ للمؤمنين أُمّاً، وجعلنا أباكِ صدّيقاً.

قالت: يا بن عبّاس أتمنّ عليَّ برسول الله؟

قلت: ما لي لا أمُنّ عليك بمن لو كان منك لمننتِ به عليَّ.

ثمّ أتيت عليّاً عليه السلام فأخبرته بقولها وقولي، فسرّ بذلك، وقال لي:

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1). وفي رواية: أنا كنت أعلم بك


1) سورة آل عمران/34.

حيث بعثتك)(1).

نص المحاورة في مصادر القرن التاسع:

(1)-- (إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم) لمحمّد بن خلفة الوشتاني الأبي المالكي، المتوفى سنة 827ه- أو 828ه-: (قال ابن عبّاس: ولمّا انقضى أمر الجمل دخل عليّ البصرة بعد ثلاثة أيام، ثمّ خطب خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة، يا أهل المؤتفكة، إئتفكت بأهلها ثلاث مرّات في الدهر، وعلى الله تمام الرابعة، يا جند المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعُقر فانهزمتم أخلاقكم دقاق وأحلامكم رقاق، ودينكم نفاق، نزلتم أشرّ بلاد الله، وأبعدها من السماء، وسُميت بشرّ الأسماء، هي البصرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عبّاس؟

فدعي له من كلّ جانب. فقال: إئتِ هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الّذي أمر الربّ أن تقرّ فيه.

قال: فجئت فاستأذنت، فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن، ومددت يدي إلى وسادة فجلست عليها.

فقالت: يا بن عبّاس ما رأيت مثلك تدخل بيتي بغير إذن، وتجلس على وسادتي بغير إذن.

فقلت: والله ما هو بيتكِ، وإنّما بيتكِ الّذي أمركِ الله أن تقرّي فيه فلم تفعليّ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الّذي خرجتِ منه.


1) شرح النهج لابن أبي الحديد 81/2 -- 82، ط مصر الاُولى.

قالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذلك عمر.

قلت: نعم، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

قالت: أبيت أبيت.

قلت: ما كان إباؤك إلاّ فواق ناقة، ثمّ أنتِ ما تحكمين ولا تأمرين ولا تنهين.

فبكت حتّى علا نشيجها، ثمّ قالت: نرجع، فإنّ أبغض البلاد إليَّ البلاد أنتم فيها.

فقلت: أما والله ما كان جزاؤنا منك أن جعلناكِ أُمّ المؤمنين، وجعلنا أباكِ صدّيقاً لهم.

قالت: أتمنّ عليَّ برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟

قلت: نعم، أمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننتِ به علينا.

ثمّ أتيت عليّاً فأخبرته، فقبّل بين عيني، وقال: بأبي وأمي ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[(1(2).)### فنادى ابن عبّاس؟ماذا قال سعيد الأفغاني في كتابه (عائشة والسياسة في هذا المقام؟)لقد جعل الفصل الخامس من كتابه في آخر أيام عائشة بالبصرة، وعنونه: (دخول عائشة البصرة وتجهيزها إلى الحجاز.)


1) سورة آل عمران/34.

2) - إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم 239/6، ط دار الكتب العلمية بيروت.

ثمّ بدأ ينقل نصوص الطبري في ذلك بانتقاء أحاديث سيف خاصّة، وهي لا تخلو من مناقشة سنداً ومتناً.ثمّ ختم ذلك بقوله: (وظلّت السيّدة مدّة إقامتها بالبصرة راضية عن سيرة عليّ، فقد كانت خطّته مع المخالفين خطّة إجمال وكفّ، وتغافل في الجملة، وخاصّة مع السيّدة نفسها، فقد صانها عن كلّ أذى ومكروه، ورعاها، وكمّ الأفواه عن قولة السوء فيها، واشتدّ في ذلك على أصحابه حتّى أمسكوا.)وهنا فصل بنجوم ثلاث بين ما مرّ وما يأتي، وتبدلّت اللهجة الجادة إلى هزل أدبي، وكأنّه كاتب قصصي يصوّر للقارئ بعض مشاهد مسرحياته الخيالية، ولعلّه أصابه السأم من مرويات الطبري لأحاديث سيف -- المتّهم حتّى بالزندقة والكذب(1-- فاستبدل النغم، فقال يخاطب قارئه:)(لعلّك اشتقت إلى روايات ابن أبي الحديد الطريفة! فقد طال إمساكنا عن أخباره، وإضرابنا عن قصصه، فها نحن أولاء مطلعوكَ على مشهد ممتع وحوار أمتع:لمّا فرغ عليّ من القتال دعا بآجرتين: فحمد الله وأثنى عليه وخطب في أهل البصرة، قائلاً: (يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة! رغا فجئتم، وعقر فانهزمتم، نزلتم شرّ بلاد، أبعدها عن السماء... الخ.)


1) قال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. قال وقالوا: إنّه كان يضع الحديث. وبقية كلام ابن حبّان: اتهم بالزندقة وقال البرقاني عن الدار قطني: متروك وقال الحاكم: اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. تهذيب التهذيب 296/4.

ثمّ نادى(1ابن عبّاس، فاقبل إليه، فقال له: (إئتِ هذه المرأة فمرها أن ترجع إلى بيتها الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه), ثمّ تمثل:)إني زلَلت زلَة فأعتذر *** سوف أكيس بعدها وأنشمروأجمع الأمر الشتيت المنتشرقال ابن عبّاس: فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها.فقالت عائشة: تالله ما رأيت مثلك يا بن عبّاس! تدخل بيتنا بلا إذننا، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا؟، (أخطأت السُنّة مرّتين.)فقلت: (نحن علّمناكم السُنّة(2)، والله ما هو بيتك، وما بيتك إلاّ الّذي خلّفك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعليّ. إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الّذي خرجتِ منه.)قالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك ابن الخطّاب.قلت: وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.قالت: أبيت أبيت.قلت: ما كان إباؤكِ إلاّ فواق(3ناقة، ثمّ صرت ما تُحلين ولا تمرِين،)


1) هكذا يريد ابن أبي الحديد: نداء وصراخاً على رؤوس الأشهاد. تعليقة الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة: 193.

2) - علق الأفغاني في المقام بقوله: هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 82/2.

3) - الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنّها تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثمّ تحلب -- مختار الصحاح.

ولا تأمرين ولا تنهين، وما كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد:ما زال إهداء الصغائر بيننا *** نثّ الحديث وكثرة الألقابحتّى نزلتِ كأنّ صوتكِ بينهم *** في كلّ نائبة طنين ذبابفبكت حتّى علا نشيجها (!!! ثمّ قالت: نعم أرجع، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلدٌ أنتم فيه.)قالت(1: أما والله ما كان هذا جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّاً، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.)قالت: أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عبّاس؟قلت: نعم، نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننتِ به علينا.قال ابن عبّاس: فأتيت عليّاً فأخبرته بما كان، فقبّل بين عينيّ، وقال: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(2)، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك(3)، انتهت الرواية.


1) كذا في المطبوع، والصواب: قلت.

2) - سورة آل عمران/34.

3) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 82/2, وانظر: العقد الفريد 103/3, واليعقوبي 213/2، ولقد كان هذا الخبر -- إن صحّ -- أجدر أن يوجد في الطبري وأرجّح أنّه راج بعده (مات الطبري سنة 310ه-)، ولعلّه علم به وأهمله لكذبه. ومن أمعن في هذه الأقوال استبعد صدورها عن مثل ابن عبّاس، فليس ممّا يرضاه ذوق أن تجابه امرأة مهزومة بمثل هذا فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة. والخبر مصنوع بأداة حزبية عصبية طبقية، وإلاّ فابن عبّاس أصحّ عقيدة وأتقى لله من أن ينسب إلى أسرته ما هو من صنع الله، وكلّ مسلم يعلم: أنّ زواج عائشة كان بوحي من الله، وأنّ صدّيقية أبي بكر كانت هداية من الله وحده، لا وساماً تمنحه أسرة. وكلّ ما مرّ بك آنفاً وما سيمرّ بك عاجلاً من معاملة عليّ لعائشة ومخالفيه... مبعد عن تصديق هذا الخبر الروائي. لقد كان ابن أبي الحديد (أو صنّاع بعض أخباره على الأصحّ) في كثير ممّا يروى: الصديق الجاهل للإمام كرم الله وجهه. والمشهور من نبل عليّ ودينه وسمو خلقه... يجعل المنصفين يضربون بكثير من هذه الروايات عرض الحائط. وقريب منه في ذلك ابن عبّاس. (تعليقة سعيد الأفغاني بنصّها وفصّها).

أمّا الّذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو روية، فما رواه المسعودي المؤرّخ الحزبي، فقد زعم أنّ عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينهما: (إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك.

فقال عليّ: بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).

وهذا خبر غير معقول ألبتة، وهو مخالف منطق الحوادث، أمن تجييش الجيوش على عليّ، إلى القتال معه؟ أهكذا انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بهذه الخفة والسرعة الخاطفة؟! ألا قليلاً من العقل والرويّة أيّها المؤرّخون العصبيون!).

ثمّ وضع نجومه الثلاث للفاصلة، وقال: (ونعود -- بعد هذه الاستجمامة المسليّة -- إلى التاريخ الجدّ:

جهز عليّ عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع...)(2).

وقفة مع الأفغاني للحساب:

وهنا لا بدّ من وقفة عابرة معه لنحاسبه بعد أن استعاد نشاطه في تلك الاستجمامة المسليّة، فإنّ في كلامه متناً وهامشاً مواقع للنظر، وإلى القارئ بعضاً منها:


1) مروج الذهب 9/2. (تعليقة سعيد الأفغاني).

2) - عائشة والسياسة: 190.

أوّلاً: لقد ساق المحاورة موهماً قرّاءه أنّها نقلاً عن ابن أبي الحديد، وأكّد ذلك في تعليقه على أوّل جملة منها: (ثمّ نادى ابن عبّاس)، فقال في الهامش -- كما مرّ -- : (هكذا يريد ابن أبي الحديد نداءً وصراخاً على رؤوس الجماهير)، وزاد في تأكيده بذكر الجزء والصفحة -2/82-! وهل يشكّ بعد هذا أحد بأنّه نقلها عن ابن أبي الحديد؟

ونحن لا نعنّي القارئ كثيراً سوى الرجوع إلى ما مرّ من نص المحاورة التي رواه ابن أبي الحديد، وهي في مدوّنات القرن السابع، فليقرأها بإمعان، فهل يجد فيها جملة (ثمّ نادى ابن عبّاس)، كما زعم الأفغاني؟ أو سيجدها تبتديء بجملة: (بعث عليّ عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالرحيل...)؛ فلماذا البهتان والتزوير؟!

وقد يعجب القارئ إذا ما نبّهته إلى إغراق الأفغاني في التعتيم على الواقع، حين قال في الهامش بعد ذكر شرح النهج: (وانظر العقد الفريد 103/3, واليعقوبي 213/2). وهذا يعني أنّ في المصدرين المذكورَين أيضاً مثل ما سبق نقله عن (شرح نهج البلاغة 82/2)! وقد مرّت المحاورة أيضاً نقلاً عنهما معاً وليس فيهما جملة: (ثمّ نادى ابن عبّاس).

نعم ورد في نص (العقد الفريد) جملة: (أين ابن عبّاس)، ولعلّه أوّل مصدر ترد فيه هذه الجملة، ثمّ لم ترد بعد إلاّ في نص ورد عند الآبي المالكي في (إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم), وهو من مدونات القرن التاسع. واللافت للنظر أنّ ابن عبد ربّه صاحب (العقد الفريد)، والآبي صاحب (الإكمال) كلاهما مغربيّان، وليست لهما أي صلة بحزبية ابن أبي الحديد كما يحلو للأفغاني رميه بذلك على استحياء كما سيأتي.

وقد يزداد القارئ عجباً إذا أخبرته: أنّ ما ذكره الأفغاني من تمثل الإمام بالشعر الرجز فذكر ثلاثة شطور ليس له في أيّ من المصادر التي ذكرها أيّ أثر!! وقد مرّت جميع نصوص المحاورة في مختلف المصادر عبر القرون وليس فيها ذكر لذلك الرجز! فمن أين أتى به ودسّه سعيد الأفغاني؟!

إنّه أتى به من (تاريخ الطبري)، ولو أنّه نقله بأمانة لرفع عنه إصر الخيانة، ولكنّه غيّر وبدّل! والأبيات مذكورة في (تاريخ الطبري)، وهي من حديث سيف, فقد ذكرها في حديث بيعة الإمام بالمدينة، قال:

ولمّا فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر، قال المصريون:

خذها... واحذراً أبا حسن *** إن-ّا نمرّ الأمر إمرار الرسن

وإنّما الشعر: خذها إليك واحذراً أبا حسن.

فقال عليّ مجيباً:

إنّي عجزت عجزة ما اعتذر *** سوف أكيس بعدها واستمرّ

ثمّ قال الطبري: وكتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة، قالا: ولمّا أراد عليّ الذهاب إلى بيته، قالت السبيئة:

خذها... واحذراً أبا حسن *** إن-ّا نمرّ الأمر إمرار الرسن

صولة أقوام كأسداد السفن بمشرفّيات كغدران اللبنَ

ونطعن الملك بلين كالشطن حتّى يُمرّنَ على غير عنَن

فقال عليّ: وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدةَ ما منّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتّى...(1)


1) هنا نقص في أُصول، ط (عن هامش تاريخ الطبري 437/4، ط دار المعارف).

إنّي عجزت عجزة لا أعتذر *** سوف أكيس بعدها واستمر

ارفع من ذيلي ما كنت أجرّ *** وأجمع الأمر الشتيت المنتشر

إن لم يشاغبني العجول المنتصر *** أو يتركوني والسلاح يبتدر...(1)

ثانياً: لقد مرّت بنا تعليقة الأفغاني على جملة (نحن علّمناكم السُنّة) فقال: (هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد-2/82-). وهذا كسابقه محض بهتان لا ظل له من الحقيقة. وقد مرّت المحاورة برواية ابن أبي الحديد فارجع البصر إليها كرّتين من جديد فلا تجد فيها ما نسبه إليه كذباً وزوراً. وهكذا تتكشف أمانة الأفغاني في النقل!

ثمّ إنّ جملة: (نحن علمناكم السُنّة) لم ترد بهذا اللفظ نصاً في أيّ مصدر من المصادر التي بين يدي وهي أكثر من عشرين مصدراً!

نعم إنّ الّذي ورد فيها جملة: (نحن علّمناكِ وأباكِ السُنّة)(2), أو جملة: (نحن أولى بالسُنّة منكِ، ونحن علّمناك السُنّة)(3), أو جملة: (نحن علمناكِ السُنّة)(4). ثمّ لم ترد في بقية المصادر بأيّ صيغة أُخرى، فأين الأمانة يا سعيد الأفغاني؟!

ثالثاً: لقد مرّ بنا تعليقه في نهاية الخبر تشكيكه في صحّته، ورجّح أنّه راج بعد الطبري الّذي مات سنة310ه-، ثمّ قال: (ولعلّه علم به وأهمله


1) تاريخ الطبري 436/4 -- 437، ط دار المعارف.

2) - كما في أخبار الدولة العبّاسية، راجع رقم -2- من مصادر القرن الثالث.

3) - كما في رجال الكشي، راجع رقم -4- من مصادر القرن الخامس.

4) - كما في مصباح الأنوار، راجع رقم -1- من مصادر القرن السادس.

لكذبه...). وهذا لعمري يدلّ على مدى لوذعية الأفغاني وبُعدِ غوره في فهم الأخبار التاريخية (؟) فما دام لم يذكره الطبري، فهو بترجيحه راج الخبر من بعده، أو لعلّه علم به وأهمله لكذبه...

أيّ ميزان هذا؟! فإنّ الطبري رجل جَمّاع أخبار وليس بصَنّاع, وهو يعترف في مواضع من تاريخه بأنّه قد لا يذكر من الحقائق التاريخية لعلّة هناك, وقد يذكر العلّة أحياناً وقد لا يذكرها!

وإلى القارئ بعض تلك الموارد في خصوص الفترة من زمن عثمان إلى خلافة الإمام، لنقرأ تصريحات خطيرة للطبري، وهي تعني ضياع الكثير من الحقائق التاريخية:

(المورد الأوّل): قال في تاريخه: (أخبار أبي ذرّ رحمه الله تعالى:

وفي هذه السنة -- أعني سنة ثلاثين -- كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذُكر في سبب إشخاصه إياه منها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها.

فأمّا العاذرون معاوية في ذلك، فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب بها إليَّ السري يذكر أنّ شعيباً حدّثه عن سيف...).

-- ثمّ ساق القصّة، وأتبعها بخبر آخر بنفس السند الأوّل، وهكذا بثالث ورابع، وكلّها عن سيف المتّهم بالزندقة، فضلاً عن كونه ساقطاً في الرواية كما مرّ عن الدارقطني، إلى غير ذلك من الأقوال في تجريحه --

ثمّ قال: (وأمّا الآخرون، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأموراً

شنيعة كرهت ذكرها)(1).

لماذا ذكر أخبار العاذرين، وكلّها عن سيف فلم يكره ذكرها، حتّى إذا وصلت النوبة إلى أخبار الآخرين احرنجم عن ذكرها؟!

(المورد الثاني): قال: (ذكر الخبر عن قتل عثمانt:

وفي هذه السنة قتل عثمان بن عفانt. ذكر الخبر عن قتله وكيف قتل:

قال أبو جعفر رحمه الله: قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعللٍ دعت إلى الإعراض عنها...)(2).

لماذا الإعراض يا شيخ المؤرّخين؟!

(المورد الثالث): قال: (خبر وقعة الجمل من رواية أُخرى:

قال أبو جعفر: وأمّا غير سيف، فإنّه ذكر من خبر هذه الوقعة وأمر الزبير... غير الّذي ذكر سيف عن صاحبيه...)(3).

ثمّ قال: (واحتمل محمّد بن أبي بكر عائشة فضُرب عليها فسطاط، فوقف عليّ عليها، فقال: استفززت الناس وقد فزّوا، فألّبتِ بينهم حتّى قتل بعضهم بعضاً... في كلام كثير.


1) تاريخ الطبري 283/4، ط دار المعارف.

2) - تاريخ الطبري 365/4.

3) - تاريخ الطبري 508/4.

فقالت عائشة: يا بن أبي طالب ملكت فاسجح، نعم ما أبليتَ قومك اليوم، فسرّحها عليّ، وأرسل معها جماعة...)(1).

ماذا كان الكلام الكثير؟ ولماذا غصّ الطبري بذكره؟ ولماذا لم يذكر كيف كان أمر تسريحها؟ ومن الّذي أتاها وأمرها وحاورها وحاورته؟ وهذا ما ذكره غيره، وأعرض هو عنه، وهكذا تطمس الحقائق. وهذا ما يتعلّق بابن عبّاس في هذا المقام، فكم ممّا يتعلّق بغيره وطمسته الأقلام!

(المورد الرابع): قال: (وذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: وحدّثني يزيد بن ظبيان الهمداني: أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما وُلّي، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعَها العامة...)(2).

وعلى هذه الموارد فقس ما سواها.

رابعاً: ما ذكره من استبعاد صدور مثل ذلك من ابن عبّاس مع امرأة مهزومة، فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة.

فنقول له: لماذا الاستبعاد؟! فابن عبّاس داهية بني هاشم كما سمّيته أنتَ في كتابك، وهو رسول، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ(3)، وعائشة تعلم يقيناً بما عليه ابن عبّاس من قوّة الحجّة وما عنده من قوّة الشخصية، وهي كما تصفها امرأة مهزومة، وهي كذلك بالفعل لكنّها لم


1) تاريخ الطبري 509/4 -- 510.

2) - تاريخ الطبري 557/4.

3) - سورة النور/54, وسورة العنكبوت/18.

تتخلّ عن عنادها، فلم تأذن له، ولو أذنت له وسمعت منه لجنّبت نفسها كثيراً ممّا جرى حتّى أجرى دمعها وسمع نشيجها، لكنّها على نفسها جنت عائش لا براقش، وهي بعد لها حرمتها ومكانتها، فما كان عليها إلاّ الإذن واستماع ما جاء به الرسول، وتقبل ذلك بعين الرضا، ولو كان مرّ ذلك كلّه بسلام، لما جرى بينها وبين ابن عبّاس من كلام وخصام، ولكنّها بدأت الشرّ، ومن الطبيعي لا يدفع الشرّ إلاّ بالشرّ، ولكلّ نبأ مستقر.

خامساً: نقده لابن عبّاس من دون استحياء، لأنّه نسب سبب أًمومة المؤمنين إلى أسرته، وكذلك صدّيقية أبيها، وأنّ ذلك من صنع الله.

فنقول له: لئن غلبتك عائشتك في الدفاع عن أُمّ المؤمنين، فهل استحوذت على مشاعرك حتّى أنستك مباديء المعاني والبيان، والمثل القائل: (أنبت الربيع البقل)؟

وإذا كان قد بعد العهد بذلك، فقد غاب عنك ما قاله عمر بن الخطّاب للحسين بن عليّ -- سبط الرسول وريحانته -- وقد صعد إليه على المنبر، وقال له: (انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، فأخذه وأجلسه معه، ولمّا نزل أخذه معه إلى منزله، وقال له: من علّمك؟ فقال: والله ما علّمنيه أحد. قال له: يا بني لو جعلت تغشانا؟ فأتاه يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر على الباب، فرجع، فلقيه بعد فقال: لم أرك؟ فقال: جئت وأنت خالٍ بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعنا معه. فقال عمر: أنت أحقّ بالإذن من ابن عمر، وإنّما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله، ثمّ أنتم). وفي طبقات ابن سعد، قال: (ووضع يده على رأسه).

وهذا ما أخرجه ابن سعد في (الطبقات)(1), والخطيب البغدادي في (تاريخه)(2), ورواه في (كنز العمال)، وقال: (أخرجه ابن سعد، وابن راهويه، والخطيب)(3)، وأخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق)، كما في المختصر(4), والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وصحّحه(5), وابن حجر العسقلاني في (الإصابة)، وصحّحه(6)، وأخرجه ابن حجر المكّي في (الصواعق)، إلاّ أنّه قال ذلك مع الحسن عليه السلام(7).

وربّما بعدت عليه الشقّة عن هذه المصادر، فهل غاب عنه قول الله سبحانه لعيسى بن مريم روحه وكلمته: إذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، إلى قوله تعالى: وَإذ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي...(8)إلى آخر الآية.

وأيّاً ما كان فلا منافاة بين أن يكون الأمر بتوفيق من الله سبحانه وإرادته، ثمّ هو يجعل سبب التشريف بالفعل بيد غيره، كما مرّ في الآية المباركة، وقول عمر، والمثل العربي. فتصحّ نسبة الفعل إلى الغير.


1) طبقات ابن سعد 394/1، ط الطائف، تح د محمّد بن صامل السُلمي.

2) - تاريخ بغداد 141/1.

3) - كنز العمال 105/7، ط الاُولى حيدر آباد و 264/16 ط 2 حيدر آباد.

4) - مختصر تاريخ ابن عساكر 127/7.

5) - أعلام النبلاء 285/3.

6) - الإصابة 77/2 -- 78.

7) - الصواعق المحرقة: 107، ط الاُولى.

8) - سورة المائدة/110.

سادساً: قال: (وكلّ مسلم يعلم أنّ زواج عائشة كان بوحي من الله).

وهذا زعم باطل، لم يصحّ فيه حديث واحد، وأنّ ما يراه القارئ في صحاح القوم ومسانيدهم من ذلك، فكلّه من روايات عائشة نفسها، وضعه سماسرة الحزبية الأموية حين صافتهم وصافقتهم، فكانت لهم عوناً وسنداً، فشادوا بذكرها ورفعوا من أمرها.

ولتنوير القارئ حول هذا الموضوع، نقول له:

إنّ أسانيد روايات زواجها ترجع إليها، ويرويها غالباً عنها ابن أختها عروة بن الزبير، وعنه ابنه هشام بن عروة، وهو متّهم في سماعه وحديثه، قال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلاّ بعد ما صار إلى العراق، فإنّه انبسط في الرواية عن أبيه ممّا كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه. وقال ابن لهيعة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه، وربّما مكث سنة لا يكلّمه(1).

وأخيراً، فليراجع القارئ (معجم الطبراني الكبير)، سيجد ثلاثة أحاديث حول هذا الزواج المزعوم، تختلف اختلافاً بيّناً في المتن، مع أنّها جميعاً عن هشام، عن أبيه، عن عائشة! كما يجد حديثاً عن قتادة فيه: (وقد زعموا أنّ جبريل قال: هذه امرأتك قبل أن يتزوّجها). وهذا أيضاً في إسناده زهير بن العلاء القيسي، وقد تكلّم فيه, ومع ذلك فهو مرسل، لأنّ قتادة لم يدرك عائشة(2).


1) انظر: تهذيب التهذيب 50/11 -- 51.

2) - المعجم الكبير 16/23 -- 17 (المتن والهامش).

وبالتالي: إنّ المتيقن في زواج إحدى زوجات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من السماء، ليس إلاّ زواج زينب بنت جحش، وهي ابنة عمّته، فقد نزل في ذلك القرآن، وذلك قوله تعالى: فلمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا الآية(1). قال محمّد بن حبيب الهاشمي في (المحبّر): (وتزويجها إحدى مناقب بني أسد، وكانت زينب تفخر على صواحبها فتقول: أنتنّ زوّجكنّ أولياؤكنّ، وأنا زوّجني الله عزّ وجلّ ... وكان السفير جبريل عليه السلام )(2).

ويبقى زعم الأفغاني في تزويج عائشة بأمر الوحي لا يعلمه إلاّ هو، ومن على شاكلته! وكان عليه أن يحتاط في تعميمه العلم في قوله: (وكلّ مسلم يعلم...)، فليس كلّ مسلم يعلم ذلك، وما ذكره فهو كسائر خصائصها التي نافت عنده على الأربعين فيما ذكرها في مقدّمة كتاب (الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة), وهي دعاوى فارغة من دون حجّة بالغة(3).

ولنا عودة مع سعيد الأفغاني حول ما جاء في تحقيقه كتاب (الإجابة) عند ذكر استدراكها على ابن عبّاس، وهي ثمانية أحاديث، سوف نذكرها ونناقشها في (الحلقة الثانية) من تاريخه العلمي، إن شاء الله تعالى.

سابعاً: ما ذكره عن المسعودي متحاملاً عليه بوصفه (المؤرّخ الحزبي)، ومتهجماً عليه، بأن جعله ممّن لا عقل له ولا رويّة، ومن المؤرّخين العصبيين, ولستُ بصدد الدفاع عن المسعودي بقدر ما يهمّني


1) سورة الأحزاب/37.

2) - المحبّر: 86.

3) - لقد مرّت في هذه الموسوعة، الجزء التاسع، الفصل الرابع، المبحث الثالث.

بيان الخطأ في كلام الأفغاني.

فقد قال: (أمّا الّذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو رويّة، فما رواه المسعودي (المؤرّخ الحزبي)، فقد زعم أنّ عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينها: إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك, فقال عليّ: بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).

وهذا خبر غير معقول البتة، وهو مخالف منطق الحوادث: أمن تجييش الجيوش على عليّ، إلى القتال معه؟! أهكذا انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بهذه الخفّة والسرعة الخاطفة؟؟! ألا قليلاً من العقل والروية أيّها المؤرّخون العصبيون؟!).

فنقول له: أمّا ما ذكرته من حملة مسعورة، فلا مبرّر لها، فالرجل مؤرّخ كسائر المؤرّخين يروي ما وجده في كتب الأقدمين، وقد أحصيت من ذكرهم في أوّل كتابه، فنافوا على الثمانين، وهو رقم عالٍ جدّاً لم يبلغه غيره فيما أحسب. ومن كان يروي عن كتب أولئك والتي لم يصلنا منها إلاّ بضعة قليلة لا تبلغ العشرة، أمّا الباقي فقد ضاع ولم نعلم منها وعنها إلاّ ما ذكره المسعودي في كتابه، فلا سبيل للتحامل عليه بما تهوى النفوس.

ثمّ إنّ الخبر المذكور أقصى مناقشة الأفغاني له، إنّه يرى في موقف عائشة انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار -- كما يقول -- ويبدو أنّ الأفغاني أمرؤ نسيّ، ألم يمرّ عنده في كتابه -ص68- موقف مشابه لهذا


1) مروج الذهب 9/2.

الموقف، حيث تبدلّت عائشة بمنتهى الخفّة والسرعة الخاطفة، فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار!

ولا بأس بأن ننقل للقارئ ما كتبه بنفسه وبلفظه في كتابه، قال: (فلمّا قضت عمرتها خرجت متوجّهة نحو المدينة، فلمّا انتهت إلى(سَرٍف) لقيها رجل من أخوالها من بني ليث، وكانت السيّدة واصلة لهم، رقيقة عليهم، يقال له: عبيد بن أبي سلمة، ويعرف بأُمّه أُمّ كلاب، قادماً من المدينة، فقالت: (مهيم) فأصمّ ودمدم(1). فقالت: ويحك علينا، أم لنا؟ فقال: لا ندري، قتل عثمان وبقوا ثمانيةً, فاستعجلت قائلة: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على عليّ، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز. فقالت: ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك! ثمّ قالت: ردّوني ردّوني، قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه. فقال لها ابن أُمّ كلاب: ولم؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ، ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر(2), قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. فقال لها ابن أُمّ كلاب:

فمنك البداء ومنك الغير *** ومنكِ الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا: إنّه قد كفر


1) المصدر السابق -- الطبري -- 468/3، مهيم كلمة استفهام من معانيها: ما وراءك؟ الدمدمة: الغضب.

2) - مرّ بك دحض هذه الفرية عن السيّدة: 44.

فهبنا(1)أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا *** ولم ينكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا تدراءِ *** يزيل الشبا ويقيم الصَ-عَ-ر(2)

ويلبس للحرب أثوابها *** وما من وفى مثل من غدر(3)

وانصرفت السيّدة راجعة إلى مكّة وهي لا تقول شيئاً ولا يخرج منها شيء(4)(5)

(تنبيّه) الهوامش المذكورة فيما نقلنا عنه كلّها للأفغاني ذكرها في كتابه.

. هذا ما كتبه.

أليس في موقفها بسرِف، وفي حديثها مع ابن أُمّ كلاب تبدّل مفاجيء وبالسرعة الخاطفة؟! فمن نقد لعثمان والدعوة لقتله إلى المطالبة بدمه! هذا ما ذكره الأفغاني ملفّقاً له من روايتين عند الطبري كلاهما من أخبار سيف.

ثمّ لنرجع البصر الحديد من جديد إلى ما مرّ منه من استبعاد أن يصدر ذلك من ابن عبّاس مع امرأة مهزومة، ثمّ تأكيده عدم تصديق ذلك لما سيمرّ به -- فيما يقول -- من معاملة عليّ ونبله لعائشة ومخالفيه، ممّا يجعل


1) هناك رواية ثانية فيها: (ونحن) مكان (فهبنا).

2) - رجل ذو تُدرَاءٍ: مدافع ذو عز ومنعة -- الشبا: العلو، الحد -- الصعر: إمالة الخد عن النظر إلى الناس تهاوناً وكبراً.

3) - يقع في خلدي أنّ هذه الأبيات مصنوعة لنصرة هوىً سياسي، فزيدت في هذا الخبر.

4) - جمعنا بين روايتين للطبري 468/477/3، ويزيد صاحب الإمامة والسياسة: 42: أنّ طلحة لمّا لقيها بمكّة وأخبرها بما جرى قائلاً: بايعوا عليّاً ثمّ أتوني فأكرهوني ولببّوني حتّى بايعت. قالت: وما لعليّ يستولي على رقابنا؟ لا أدخل المدينة ولعليّ فيها سلطان.

5) - عائشة والسياسة: 68 نفس الصفحة السابقة.

المنصفين يضربون بكثير من روايات ابن أبي الحديد، أو صنّاع بعض أخباره ممّا يرويه الصديق الجاهل عرض الحائط.

فهل لنا أن نسأله ولنفترضه هو العدوّ العاقل: كيف لنا أن نضرب بجميع -- أو بكثير على الأصحّ -- ممّا رواه أنصار عائشة من مواقفها المتشنّجة مع أهل البيت بدءاً من سيّدهم عليّ عليه السلام ، ومروراً بأبنائه الحسنين عليهما السلام ، وانتهاءً بالهاشميين؟

مواقف عائشة المتشنجة مع أهل البيت:

اشارة

ولعلّ الأفغاني غافل، أو جاهل، أو يتعامى عن ملاحظة ما في تلك المواقف، التي تؤكد صحّة مفردات المحاورة التي دارت بين ابن عبّاس وبين عائشة.

وإلى القارئ بعض تلك المواقف:

1- فمع عليّ عليه السلام :

وقد ذكرها هو في كتابه، فقال: (الفصل الأوّل في طبيعة علائقهما -- يعني عليّاًu وعائشة -- الماضية)، ثمّ ساق أموراً جنح فيها إلى جانب عائشة حسبنا ما ذكره، فقال:

(5- إشارات عارضة استخرجتها من مواطنها لأنّه -- كذا، والصواب لأنّها -- عظيمة الدلالة على رأيها في عليّ وعاطفتها نحوه، أوردها تباعاً قبل الشروع في الكلام على مقدّمات حرب الجمل، إذ أنّها ستكون المفتاح لما بعدها، والمصباح ينير طريق الباحث فيما يستقبل من أحداث:

أمّا الأولى: فقد رواها عطاء بن يسار، قال: جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار رضي الله عنهما عند عائشة، فقالت: (أمّا عليّ فلست قائلة لك فيه شيئاً، وأمّا عمّار فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما)(1).

وأمّا الثانية: فلهجتها في نفي الوصاية: (سئلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إلى عليّ؟ فقالت: لقد كان رأسه في حجري، فدعا بالطست فبال فيها، فلقد انخنث (انعطف) في حجري، وما شعرت به، فمتى أوصى إلى عليّ؟)(2).

وأمّا الثالثة: وفيها البلاغ، ولقد نبّه إليها داهية بني هاشم عبد الله بن عبّاس، فإليك حديثها عن الطبري: (روي عن عائشة أنّها قالت: لمّا أشتد بالرسول وجعه دعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرّض في بيتي، فأذنّ له، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العبّاس، ورجل آخر، تخطّ قدماه الأرض عاصباً رأسه حتّى دخل بيتي.

قال راوي الحديث: فحدّثت بهذا الحديث عنها عبد الله بن عبّاس، فقال: هل تدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: عليّ بن أبي طالب، ولكنّها لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع)(3).


1) مسند أحمد 113/6.

2) - طبقات ابن سعد 49/8, والإصابة: 94.

3) - تاريخ الطبري 433/2 -- لكن ابن عبد ربّه روى عن السيّدة تقريظاً لعليّ موفياً على الغاية في الثناء، قالت وقد ذكر يوماً عندها: (ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه، ولا امرأة كانت أحبّ إليه من امرأته) (تريد السيّدة فاطمة).(العقد الفريد 94/3).

وحتّى بعد انقضاء حرب الجمل، وانتهاء الأمر بينهما على خير، وتبادل ثناء(؟؟!) لم يزل ما في نفسها نحوه، فقد ذكروا أنّه لمّا انتهى إلى عائشة قتل عليّ، قالت متمثلة:

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت:

فإن يك نائياً فلقد نعاه *** غلام ليس في فيه التراب

فذكروا أنّ زينب بنت أبي سلمة كانت حاضرة، فقالت: (ألعليّ تقولين؟ فقالت: إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكّروني)(1).

قال الأفغاني: وأنا أجد هذا الخبر مفصحاً عن طويّتها نحو عليّ خير إفصاح، وشارحاً ما قدّمت لك من إنّها تخضع من حيث لا تريد لتوجيه عاطفتها (اللاشعورية)، ولست أشكّ أنّها كانت حينئذ شاردة، وأنّ عقلها الباطن هو الّذي تمثّل بهذين البيتين قبل أن تنبّه إلى ما فيهما من بُعد عن الجميل)(2)

هذا ما أردنا نقله عن الأفغاني متناً وهامشاً, ولئن اقتصر في تخريجه الأخير على الطبري فإنّا نضيف إليه (طبقات ابن سعد 3 ق1/27), و(مقاتل الطالبين: 42)، وفيه أنّها تمثلت بعد هذا:

باسم الصديق وكثرة الألقاب *** ما زال إهداء القصائد بيننا

في كلّ مجتمع طنين ذباب *** حتّى تركت وكأنّ قولك فيهم

مضافاً إلى: الموفقيات للزبير بن بكار: 131, وأنساب الأشراف للبلاذري ترجمة الإمام، تح المحمودي: 505, وكامل ابن الأثير: 157.

.

1) تاريخ الطبري 115/4.

2) - عائشة والسياسة: 61.

أقول: ولقد فاته ما هو أصرح دلالة على ما تكنّه عائشة من شنآن لعليّu، ولعلّه أعرض عنه عمداً! ومهما يكن، فالخبر رواه ابن سعد في (الطبقات) بسنده عن أبي غطفان، قال: (سألت ابن عبّاس: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفي وهو مستند إلى صدر عليّ، قلت: فإنّ عروة حدّثني عن عائشة، أنّها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سحري ونحري؟ فقال ابن عبّاس: أتعقل والله لتوفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنّه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الّذي غسّله، وأخي الفضل بن عبّاس، وأبى أبي أن يحضر، وقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا أن نستتر، فكان عند الستر)(1). فهذا بعض حالها في البغض والشنآن والإحن والأضغان.

وقد جاوز الحزام الطبيين -- كما في المثل -- حين قالت: (والله لوددت أنّي لم أذكر عثمان بكلمة قط، وإنّي عشت في الدنيا برصاء سالخ، ولأصبع عثمان الّذي يشير بها إلى السماء خير من طلاع الأرض من عليّ)(2).

قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): (على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أكرمها وصانها وعظم من شأنها... ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به، وشقّت عصا الأُمّة عليه، ثمّ ظفر بها، لقتلها ومزّقها إرباً أرباً، ولكن عليّاً كان حليماً كريماً)(3).


1) طبقات ابن سعد 2 ق 51/2.

2) - الفتن لنعيم بن حمّاد: 80 برقم 208، تح أبو عبد الله محمّد محمّد عرفة، انتشارات المكتبة الحيدرية.

3) - شرح النهج لابن أبي الحديد 254/17.

2- ومع الحسنين(عليهما السلام):

قال الأفغاني: (ولعلّ آخر تعبير عن موقفها السلبي من عليّ بن أبي طالب، انقباضها عن ولديه الحسن والحسين، فلقد كانت تحتجب منهما وهما لها من المحارم: أنّهما سبطا زوجها لا تحلّ لهما ولا يحلاّن لها، ومن المعروف بداهة أنّه (لا تحلّ امرأة الرجل لولده، ولا لولد ولده، ولا لأولاد بناتهم)(1).

وهي تعرف ذلك حقّ المعرفة، لكنّها -- على ذلك -- حجبتهما ولم تكن تأذن لهما إلاّ من وراء حجاب، مبالغة في مباعدتهما.

ولقد علّق على هذا الحادث ابن عبّاس بقوله: (إنّ دخولهما عليها لحلّ)(2)(3).

أقول: ولعلماء التبرير في هذا مداخلة تضليل!

فقد روى ابن سعد في طبقاته، قال: (أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، قال: كان الحسن والحسين لا يريان أُمّهات المؤمنين. فقال ابن عبّاس: إنّ رؤيتهن لهما لحلال)(4). (لأنّهنّ زوجات جدّهما رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم)(5).


1) طبقات ابن سعد 50/8.

2) - انظر: طبقات ابن سعد 50/8 و128.

3) - عائشة والسياسة: 218.

4) - طبقات ابن سعد 279/1 تح محمّد بن صايل السلمي.

5) - طبقات ابن سعد 50/8 و 128.

فيا هل ترى يصحّ ذلك؟ أو ليس هو نحو تحوير وتدجيل لما مرّ من منع عائشة وقول ابن عبّاس في ذلك.

ولكن من يقرأ سيرتها مع عليّ عليه السلام وآل عليّ، ليدرك مدى انقباضها منهم، وليس منعها دفن الحسن عليه السلام عند جدّه إلاّ بعض ذلك، وإن ناقش الأفغاني في ذلك، ولكن سيأتي تحقيقه في مورده.

وحسبنا شهادة ابن أخيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر -- وهو أحد فقهاء المدينة السبعة -- قال: (كانت أُمّ المؤمنين إذا تعودت خُلُقاً لم تحبّ أن تدعه)(1). فهي قد تعوّدت انقباضها من بني هاشم ولم تكتم بغضها لهم، حتّى البلد الّذي هم فيه تبغضه، كما مرّ في المحاورة.

3- ثمّ مع ابن عبّاس:

إنّ في استعراض مواقفها المتشنجة مع ابن عبّاس -- نجدها من قبل حرب الجمل، كما نجدها عند الحرب وبعد الحرب، ثمّ لم تقف عند ذلك الحد، بل استمرت كذلك حتّى وهي في النزع الأخير تلفظ أنفاسها لتفد على ربّها بما كسبت، كما أنّ ابن عبّاس لم يكن يكنّ لها البغضاء، بقدر ما كان شديداً في الحقّ عليها ومعها، ولئن أعوزتنا الشواهد على ذلك في عهد الرسالة، فإنّها لن تعوزنا من خلال أحاديثه التي سمعها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وفيها إدانة لعائشة، مثل خبر الحوأب الّذي مرّت الإشارة إليه.

ولا عبرة بإنكار الأفغاني رواية ابن عبّاس له، بحجّة واهية، حيث قال:


1) طبقات ابن سعد 50/8.

(والثاني أنّ سند الذهبي في هذا الحديث ينتهي في إحدى روايتيه -- إلى ابن عبّاس. وابن عبّاس على عدالته -- ممّن خبّ وأوضع في الحزبية السياسية، فهو أكبر أنصار عليّ وألد خصوم عائشة في خلافها عليه، فلعلّ هذا جعله -- إن صحّت نسبة الحديث إليه -- يتسامح ويغض عمّا فيه لتأييد مذهبه السياسي؟ وإلاّ فإنّي أسأل: هل كان ابن عبّاس حاضراً قول النبيّ هذا وهو بين نسائه؟ إنّي -- استناداً إلى سكوت الرواية عن ذلك من جهة، وإلى ضرورة التصريح بذلك هنا من جهة ثانية -- أقطع بالنفي، وإنّ على المثبت أن يأتي بدليل ينصّ على أنّ ابن عبّاس كان حاضراً مجلس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع نسائه!! ولا يغني -- هنا خاصّة -- قولهم: (إنّ مراسيل الصحابة يحتجّ بها)، لأنّ وجود ابن عبّاس هنا مع النساء في حديث خاص بهنّ، غير مألوف، فيحتاج إثباته إلى النص الصريح. هذا ولم أذكر ما في ذوقي الخاص لقاء هاتين السجعتين في رواية الزمخشري: (ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، تسير حتّى تنبحها كلاب الحوأب)، من بُعد عن البلاغة النبوية عند من أكثر إلفه لها.

ولست أدري لم لا يطبّق أولئك الأفاضل قواعد المحدّثين على المتن والسند معاً؟ ومهما يكن فقد بيّنت للقارئ -- فيما تقدّم -- ما حداني على الشكّ وفيه بلاغ)(1).

أقول: إنّ الأفغاني حاول جاهداً تكذيب الحديث برواية ابن عبّاس، وعمدة حجّته بأنّه -- لو صحّ -- فهو حديث بين نسائه، ويقطع بنفي حضور ابن


1) عائشة والسياسة: 89 -- 90.

عبّاس ذلك المجلس، ولعلّ الأفغاني لم يدرك علاقة ابن عبّاس بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم سوى القرابة والتقريب منه له، أنّه كان يحضر معه في بعض بيوت أزواجه ويبيت عنده، كما بات في بيت خالته ميمونة، وقد مرّ في الجزء الأوّل شواهد ذلك، فراجع(1). وجاء في مسند أحمد: (عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: صلّيت إلى جنب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة خلفنا تصلّي معنا، وأنا إلى جنب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصلّي معه)(2).

وأمّا تكذيبه الحديث مطلقاً، فقد كفانا في الردّ عليه ابن بلده ناصر الدين الألباني(3).

إنّ ابن عبّاس كان يتتبّع جمع المعلومات التي فيها إدانة لعائشة، فهل يشكّ الأفغاني في حديثه الّذي أخرجه البخاري في سؤاله من عمر عن المرأتين اللتين تظاهرا عليه، فقال له: هما عائشة وحفصة، وقد ذكرنا ذلك الموقف وما فيه في الجزء الثاني(4)فراجع.

ولا شكّ أنّ عائشة كانت تبدر منها فلتات مناوئة لأهل البيت(عليهم السلام)، ومخالفة للحقائق، ويتناقلها بعض السامعين إمّا لشكّه في صحّتها أو لغرض آخر، فيأتي ابن عبّاس فيسأله عنها فيصحّح لهم المعلومة، وقد مرّ بنا حديث أبي غطفان عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّه سمع عروة يحدّث


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل.

2) - مسند أحمد 302/1، ط مؤسسة قرطبة بمصر.

3) - راجع كتاب سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلّد الأوّل: 767 -- 777، وفي 772 تجد ردّ الألباني على الأفغاني في عدّة مؤاخذات حرية بالمراجعة.

4) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثاني.

عن خالته عائشة أنّها تقول: (مات بين سحري ونحري)، فقال له ابن عبّاس: أتعقل؟! وهي لهجة استفزاز وتنبيّه على عظم الخطأ في المعلومة المتلقاة من عائشة، ثمّ أتبع ذلك بالقسَمَ مؤكداً صحّة ما لديه في ذلك، وقد مرّ الحديث قريباً في مواقفها المتشنجة مع عليّ؛ فراجع.

كما لا شكّ أنّ الحال تزايدت توتّراً مع تمادي الأيام، وبلغت حدّ المكاشفة منذ يوم الصلصل، وتفاقم الخطب في حرب الجمل، وتفجّر البركان حتّى كاد يبلغ حدّ الاقتتال بين مجموعتين من غلمان كلّ منهما، حتّى رَكبت عائشة على بغلة وخرجت، فلقيها ابن أبي عتيق حفيد أخيها عبد الرحمن، فقال لها: يا أُمّي! جعلت فداك، أين تريدين؟ قالت: بلغني أنّ غلماني وغلمان ابن عبّاس اقتتلوا فركبت لأصلح بينهم، فقال: أعتق ما أملك إن لم ترجعي، فقالت: ما حملك على هذا؟ قال: ما انتهى يوم الجمل حتّى تأتينا بيوم البغلة. (وفي رواية الجاحظ عن الشرقي بن القطامي، قال: عزمت عليك إلاّ ما رجعت فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتّى نرجع إلى يوم البغلة)(1)

ذكر اليعقوبي في تاريخه 200/2 في وفاة الحسن بن عليّ: أنّ عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد، فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر فقال لها: يا عمّة! ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال: يوم البغلة الشهباء... أه-.

وفي ذلك يقول القائل:

سلكت في مسالك المهالك *** عائش ما نقول في قتالك

من الصحيح مومئاً للدار *** وحسبك ما أخرج البخاري

فلِم سجدت الشكر لمّا قبضا؟ *** قد قيل تبت وعليّ غمضّا

.

1) انظر: عائشة والسياسة: 247 نقلاً عن المراح في المزاح: 38، وجمع الجواهر في الملح والنوادر: 4، ط عيسى البابي سنة 1372 تح البيجاوي.

فبعد هذا كلّه لا بدّ لنا من استذكار جميع تلك المواقف التي يستبين فيها ابن عبّاس بمنتهى اللين والتسامح مع البيان الهاديء الواضح، بينما نرى من عائشة التجهم والتهجم، ونرى عندها انقباضاً ونفوراً، ربّما تعداهما فكان تشنّجاً أظهر الشحناء منها علانية.

والآن فلنمرّ على تلك المواقف مرور الكرام، لنعرف مَن كان منهما يريد الوئام والسلام، ومن كان يريد الخصام ولو بحدّ الحسام. ومن هو أهدى سبيلاً.

والمواقف هي كما يلي:

(1)-- موقف يوم الصلصل، وقد ضمّهما المكان، فهي خرجت من المدينة إلى مكّة مغاضبة لعثمان ومحرّضة عليه، وابن عبّاس خرج أميراً على الموسم ليقيم للناس حجّهم، فقالت له: (يا بن عبّاس! أنشدك الله -- فإنّك قد أعطيت لساناً أزعيلاً(1)أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكّك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم، وأنهجت(2)ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد حُمّ، وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمّه أبي بكر.


1) الأزعيل: الذلق.

2) - أنهج الطريق: وضُح وبان.

فقال لها ابن عبّاس: يا أمه لو حدث بالرجل حَدَثٌ ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا.

فقالت: أيهاً عنك، إنّي لست اُريد مكابرتك ولا مجادلتك )(1).

(2)-- موقف ثاني وهو قبل الحرب بالبصرة، وقد أتاها هو وزيد بن صوحان أرسلهما الإمام عليه السلام إليها، وقد مرّ ذكره في أوّل سفارات ابن عبّاس لحقن الدماء(2)فراجع. تجد الرسالة المليئة بالعطف واللطف والنصيحة، كما تجد الجواب المهزوز حين تقول لهما: (ما أنا برادّة عليكم شيئاً، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب.

فقال لها ابن عبّاس: لا طاقة لكِ بحجج المخلوق، فكيف طاقتكِ بحجج الخالق).

(3)-- موقف آخر ثالث قبل الحرب، وقد أتاها رسولاً من قبل الإمام بعد أن اجتمع بطلحة فلم يجد عنده خيراً، وكان معه كتاب من الإمام إليها ينصحها فيه ويخوّفها مغبّة العاقبة. وقد مرّ ذكر ذلك مفصلاً في السفارة الثانية(3)فراجع، تجد ابن عبّاس يبلّغها الرسالة ويقرأ عليها الكتاب، وإذا به يسمع منها الغلظة والفظاظة: (يا بن عبّاس! ابن عمّك يرى أنّه قد تملّك البلاد، لا والله ما بيده منها شيء إلاّ وبيدنا أكثر منه.


1) تاريخ الطبري 407/4، ط دار المعارف, وانظر: الفتوح لابن أعثم 226/2, وكتاب الجمل للشيخ المفيد: 61 تجد ذلك بتفاوت، راجع الجزء الثاني، الفصل الرابع من كتابنا (موسوعة عبد الله بن عباس) هذا تجد الروايات كلّها مذكورة.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثاني، الفصل الرابع.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء التاسع، الفصل الرابع، المبحث الثالث.

فقال لها ابن عبّاس: يا أمّاه! إنّ أمير المؤمنينu له فضل وسابقة في الإسلام، وعظم عناء.

قالت: ألا تذكر طلحة وعناه يوم أحد؟

فقال لها: والله ما نعلم أحداً أعظم عناءً من عليّ عليه السلام .

قالت: أنت تقول هذا ومع عليّ أشباه كثيرة.

قال لها: الله الله في دماء المسلمين.

قالت: وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه.

قال ابن عبّاس: فتبسّمت، فقالت: ممّا تضحك يا بن عبّاس؟

فقال: والله معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه.

قالت: حسبنا الله ونعم الوكيل).

(4)-- موقف آخر رابع، دخل عليها فذكّرها بحديث يوم الصلصل وأنّها السبب في قتل عثمان، محذّراً لها سوء العواقب, فقالت له: (ذاك المنطق الّذي تكلّمتُ به يومئذ هو الّذي أخرجني، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان، ورأيت أنّه قتل مظلوماً.

فقال لها ابن عبّاس: أنت قتلتيه بلسانكِ، فأين تخرجين، توبي وأنتِ في بيتكِ، أو أرضي ولاة دم عثمان وولده.

قالت: دعنا من جدالك فلسنا من الباطل في شيء).

(5)-- وموقف خامس، أتاها وهي في الهودج، وهو يحمل مصحفاً يدعوها ويدعوهم إلى ما فيه، فردّته وقالت: (والله لا سمعت منك شيئاً، ارجع إلى صاحبك فقل له ما بيننا وبينك إلاّ السيف. وصاح من حولها:

ارجع يا بن عبّاس لا يسفك دمك).

هذه هي المواقف التي سبقت المحاورة، وقد رأينا لغة العطف واللطف في كلام ابن عبّاس، وقرأنا لغة الشدّة والعنف في كلام عائشة. فبعد هذا العَرض هل يستنكر من ابن عبّاس لو يردّ على عائشة بنفس اللهجة الحادّة، ولم لا؟ وها هي تستفزّه بكلماتها النابية، وقد طفح كيلها, فأبدت كامن صدرها يفيض حقداً وبغضاً. فلا لوم على ابن عبّاس إذا ما ردّ الحجر من مأتاه، وأسكت النامّة وقد حلّت بسببها الطامة بالعامّة.

وإلى هنا فلنترك الأفغاني ونبعده قصياً، بعد أن قرأناه نَسِيّاً وفَرِيّاً. ولنبصّر القارئ الآن بأنّ ابن عبّاس وعائشة عاشا بعد حرب الجمل متهاجرَيْن تقريباً، وبقيا على حالهما كذلك، حتّى ماتت عائشة، ولعلّه اشتدّت المهاجرة والمخاصمة في عهد معاوية حين تناصرت هي وإياه على عداوة أهل البيت(عليهم السلام). وكان ابن عبّاس رجل الساحة المناصر لأهل البيت(عليهم السلام)، كما يظهر بوضوح من مواقفه مع الأمويين وشيعتهم. كما كانت عائشة تدعمهم فيما ترويه لهم من أحاديث، والشواهد على ذلك متوفّرة، سيأتي بعضها في الحلقة الثالثة: (تاريخه العلمي/ في الفقه والحديث والتفسير) إن شاء الله تعالى، فنعجّل منها واحداً:

أخرج الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب)، وعنه الأربلي في (كشف الغمة)، قال: (روى الكنجي بسنده المنتهى إلى أبي صالح، قال: ذُكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام عند عائشة وابن عبّاس حاضر.

فقالت عائشة: كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم.

فقال ابن عبّاس: وأي شيء يمنعه عن ذاك؟ اصطفاه الله لنصرة رسوله، وارتضاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأخوّته، واختاره لكريمته، وجعله أبا ذرّيته ووصيّه من بعده، فإن ابتغيتِ شرفاً، فهو في أكرم منبت وأورق عود، وإن أردتِ إسلاماً، فأوفر بحظه وأجزل بنصيبه، وإن أردتِ شجاعته، فبهمة حرب وقاضية حتم، يصافح السيوف أنساً، لا يجد لوقعها حسّاً، ولا ينهنه نعنعة، ولا تقله الجموع، الله ينجده، وجبرئيل يرفده، ودعوة الرسول تعضده، أحدّ الناس لساناً، وأظهرهم بياناً، وأصدعهم بالصواب في أسرع جواب، عظته أقلّ من عمله، وعمله يعجز عنه أهل دهره، فعليه رضوان الله، وعلى مبغضيه لعائن الله)(1).

حديث واحد خير شاهد

أمّا الآن فأكتفي بشاهد واحد ردّت فيه عائشة فتيا فقهية لابن عبّاس بإصرار وعناد، لغرض سياسي أكثر منه بيان حكم شرعي، وتلك الفتيا: فيمن أقام وأرسل الهدي تطوّعاً إلى الحرم، هل عليه أن يجتنب عمّا يجتنبه المحرم، كما هو رأي ابن عبّاس؟ أو لا يجب، كما هو رأي عائشة؟

ورُوي عنها في ذلك عدّة أحاديث نافت على العشرة، متفاوتة سنداً ومتناً، حتّى ليخيّل لناظرها أنّها في وقائع متعدّدة، مع أنّ الأصل فيها واقعة واحدة -- كما سيأتي بيانه -- والأحاديث التي رويت عنها ونافت على العشرة، روى بعضها مالك وعنه البخاري أيضاً، كما روى بعضها الآخر هو ومسلم


1) كشف الغمة 363/1, كما في البحار 51/40، ط الجديدة.

وبقية أصحاب السنن والمسانيد. ومدار الجميع على الرواة عن عائشة، وجميعهم من حامّتها وخاصّتها، كعروة ابن أختها، والقاسم ابن أخيها، وعمرة بنت عبد الرحمن ربيبتها، وهؤلاء الثلاثة جعلهم ابن عيينة أعلم الناس بحديث عائشة(1)، ثمّ رواية أبي قلابة، وهو: عبد الله بن يزيد الجرمي(2)، ورواية الأسود بن يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع من المختصّين بها(3)، ولهؤلاء جميعاً مقام مرموق عند حكام الأمويين، أضف إليهم ابن شهاب الزهري، فهو من صنائعهم.

والآن إلى صور الحديث الّذي أشرنا إليه نقلاً عن المصادر الثلاث الأولى:

(1)-- (الموطأ لمالك بشرح تنوير الحوالك) للسيوطي: (حدّثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أنّها أخبرته: أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ عبد الله بن عبّاس، قال: من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتّى


1) إسعاف المبطأ: 21.

2) - كان ديوانه بالشام ومات بدارياً سنة 104 -- 105، وحسبك بذلك تعريفاً. راجع المعارف: 446 -- 447.

3) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 269/1 وروى أبو نعيم: عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال: ثلاثة لا يؤمنون على عليّ بن أبي طالب: مسروق ومرّة وشريح، وروي أنّ الشعبي رابعهم -- وقال: روى سلمة بن كهيل أنّهما -- الأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع -- كانا يمشيان إلى بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقعان في عليّu، فأمّا الأسود فمات على ذلك، وأمّا مسروقً فلم يمت حتّى كان لا يصلّي لله تعالى صلاة إلاّ صلّى بعدها على عليّ بن أبي طالبu، لحديث سمعه من عائشة في فضله.

يُنحر الهديَ، وقد بعثت بهدي، فاكتبي إليَّ بأمركِ، أو مري صاحب الهدي.

قالت عَمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عبّاس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدَيّ، ثمّ قلدَها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، ثمّ بعث بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتّى نُحِرَ الهدي)(1).

(2)-- صحيح البخاري: (حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أنّها أخبرته: أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها : أنّ عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتّى يُنحر هديُه. قالت عَمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها : ليس كما قال ابن عبّاس رضي الله عنه، فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديّ، ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، ثمّ بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحله الله حتّى نُحر الهديَ)(2).

(3)-- صحيح البخاري: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدّثني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أنّها أخبرته: قالت عائشة رضي الله عنها : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديّ، ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديه، ثمّ بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتّى نُحر الهدي)(3).


1) الموطأ 248/1 - 249، ط مصطفى محمّد بمصر.

2) - صحيح البخاري, كتاب الحجّ, باب من قلد القلائد بيده 169/2، ط بولاق.

3) - صحيح البخاري, كتاب الوكالة, باب الوكالة في البدن وتعاهدها 102/3.

(4)-- صحيح مسلم: (حدّثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أنّها أخبرته: أنّ ابن زياد كتب إلى عائشة: أنّ عبد الله بن عبّاس قال: من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتّى ينحر الهدي، وقد بعثت بهدي، فاكتبي إليَّ بأمركِ، قالت عَمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عبّاس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي، ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، ثمّ بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتّى نحر الهدي)(1).

هذه هي صور الحديث الواحد، وأصله عند مالك في (الموطأ)، ورواه الشيخان -- البخاري ومسلم -- عنه، فليقارن القارئ بين هذه الصور، ليعلم مدى الأمانة في النقل، فمن تزيّد، ومن تغيير، ومن نقصان. لماذا ذلك؟

ومن أجل أن تبقى تلك الرموز -- صحاحاً ورجالاً -- في البروج العاجية، استبسل علماء التبرير في سدّ بعض الفجوات، إلاّ أنّهم لم يوفّقوا تماماً. وقد اخترت طائفة من أقوالهم من خلال شروحهم لتلك الصحاح.

فمن شروح (الموطأ): (المنتقى) لأبي الوليد الباجي، و(شرح الزرقاني)، و(تنوير الحوالك) للسيوطي.

ومن شروح البخاري: (فتح الباري) لابن حجر، و(إرشاد الساري) للقسطلاني، و(الكواكب الدراري) للكرماني، و(كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري) للشنقيطي الجكني.


1) صحيح مسلم (كتاب الحجّ) باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم 372/1 ح 11، ط بولاق.

ومن شروح مسلم: (شرح النووي)، و(إكمال إكمال المعلم) للآبي، و(مكمّل إكمال إكمال المعلم) للسنوسي.

إلى غير ذلك ك-(سنن البيهقي)، و(مصنّف ابن أبي شيبة)، و(تكملة المنهل المورود بشرح سنن أبي داود).

ماذا قال علماء التبرير؟

(1)-- قال ابن حجر في فتح الباري: (تنبيّه) وقع عند مسلم، عن يحيى ابن يحيى، عن مالك، في هذا الحديث: أنّ ابن زياد بدل قوله: أنّ زياد بن أبي سفيان، وهو وهم نبّه عليه الغسّاني ومن تبعه)(1).

(2)-- وقال النووي في شرح صحيح مسلم: (إنّ ابن زياد كتب إلى عائشة... هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم: أنّ ابن زياد، قال أبو عليّ الغساني والمازري والقاضي وجميع المتكلّمين على صحيح مسلم: هذا غلط، وصوابه: أنّ زياد بن أبي سفيان، وهو المعروف بزياد بن أبيه، وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري، والموطأ، وسنن أبي داود، وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأنّ ابن زياد لم يدرك عائشة، والله أعلم)(2).

ونحن نقول له: فأين قوله: اتّفق العلماء(رحمهم الله) على أنّ أصحّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم, وتلقتهما الأُمّة بالقبول, وكتاب البخاري أصحّهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة


1) فتح الباري 293/4، ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378ه-.

2) - صحيح مسلم 72/9، ط مصر.

وغامضة(1)؟!! ولا ضيرَ حتّى ولو لم يروه أولئكم، فإنّ البخاري وحده يكفيهم، لأنّ كتابه عندهم أصحّ وأكثر فوائد؟ وإن تزيّد في النقل، فمنح الترضّي حسب الهواية والمشتهاية، وإن تنّقص فحذف في روايته في الوكالة بعض ما ذكره في روايته في كتاب الحجّ، فقارن -- وفي المقامين حذف من رواية المصدر -- جملة (أو مري صاحب الهدي)، فهكذا هي الأمانة في النقل(؟!) ولعلّ هذا من الفوائد والمعارف الغامضة؟

ومهما يكن فنحن لا يهمّنا غلط مسلم في ذكره ابن زياد بدل أبيه، فكلاهما دعيّ، وفي النُصب سواء، والاعتذار بأنّ ابن زياد لم يدرك عائشة، اعتذارٌ واهٍ، فقد أدركها، لأنّها ماتت سنة (56ه-، أو 57ه-، أو 58ه-)، كما في تاريخ اليعقوبي(2), وابن زياد ولاّه معاوية -- خراسان بعد وفاة أبيه زياد سنة (54ه-)، وليس بالضرورة أن يكون سؤاله لها أيام ولايته البصرة، فيمكن أنّه سألها أيام أبيه، وإنّما الّذي يهمّنا هو تنبيّه القارئ إلى أنّ المرجعية الرسمية للأحكام الشرعية يومئذ هي عائشة دون باقي أُمّهات المؤمنين، وبقية فقهاء الصحابة والتابعين! ولذلك قلنا استبسل شرّاح الصحيح في سدّ الثغرات، وزاد بعضهم فضاعف جهده لإثبات صحّة رأي عائشة وتفنيد رأي ابن عبّاس، حتّى ولو كان رأيه موافقاً لرأي عمر، ورأي عليّ عليه السلام، وآراء آخرين من صحابة وتابعين، بل تصاعدت حمّى الزهري -- وهو من فقهاء البلاط الأموي -- فجعل لها المنّة على المسلمين، حيث كشفت لهم ما


1) مقدّمة شرح صحيح مسلم للنووي 14/1.

2) - تاريخ اليعقوبي 212/2.

استغلق عليهم فهمه (؟؟؟) كما سيأتي.

(3)-- قال ابن التين: (خالف ابن عبّاس في هذا جميع الفقهاء، واحتجّت عائشة بفعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعلّ ابن عبّاس رجع عنه)، انتهى(1).

ولفجاجة هذا الرأي وسماجة هذا القول، تعقّبه ابن حجر بقوله: (وفيه قصور شديد، فإنّ ابن عبّاس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة:

منهم ابن عمر: رواه ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، وابن المنذر من طريق ابن جريج، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، كان إذا بعث بالهدي يمسك عمّا يمسك عنه المحرم، إلاّ أنّه لا يلبّي(2).

ومنهم قيس بن سعد بن عبادة: أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد ابن المسيب، عنه نحو ذلك(3).

وروى ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن عليّ بن الحسين، عن عمر وعليّ، أنّهما قالا في الرجل يرسل ببدنته: أنّه يمسك عمّا يمسك عنه المحرم. وهذا منقطع)(4).

(4)-- وقال ابن المنذر: (قال عمر، وعليّ، وقيس بن سعد، وابن عمر،


1) فتح الباري 294/4، ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378.

2) - انظر: المصنّف لابن أبي شيبة 4 ق1/88، ط باكستان إدارة القرآن والعلوم الإسلامية.

3) - فتح الباري 294/4، ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378ه-.

4) - نفس المصدر.

وابن عبّاس، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسل الهدي وأقام، حَرُمَ عليه ما يحرم على المحرم.

وقال ابن مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرماً، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار)(1)(؟).

(5)-- وقال ابن حجر: (ومن حجّة الأوّلين: ما رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه، قال: كنت جالساً عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقدّ قميصه من جيبه حتّى أخرجه من رجليه، وقال: إنّي أمرت ببُدني التي بعثت أن تقلّد اليوم وتشعر على مكان كذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي... الحديث, وهذا لا حجّة فيه لضعف إسناده، إلاّ أنّ نسبة ابن عبّاس إلى التفرّد بذلك خطأ...)(2).

(6)-- وقال أيضاً: (وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنّه لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم إلاّ الجماع ليلة جمع. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح)(3).

(7)-- وقال أيضاً: (نعم، جاء عن الزهري ما يدلّ على أنّ الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عبّاس، ففي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عنه, وأخرجه البيهقي من طريقه، قال: أوّل من كشف العمى عن الناس وبيّن لهم السُنّة في ذلك عائشة. فذكر الحديث عن عروة، وعمرة عنها. قال: فلمّا بلغ الناس قول


1) نفس المصدر.

2) - نفس المصدر.

3) - نفس المصدر.

عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عبّاس(1)(2).

(8)-- وقال أيضاً: (وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنّ من أراد النسك صار بمجرّد تقليده الهدي محرماً، حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق)(3).

(9)-- وقال أيضاً: (وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأمّ البيت، ثمّ قلّد، وجب عليه الإحرام)(4).

10 -- وقال أيضاً: (وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرماً ولا يجب عليه شيء)(5).

11- وقال أيضاً: (ونقل الخطابي عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عبّاس، وهو خطأ عليهم، فالطحاوي أعلم بهم منه، ولعلّ الخطابي ظنّ التسوية بين المسألتين)(6).

12- وقال أمين محمود خطّاب(7): (وسبب هذا الحديث ما روت عمرة


1) سنن البيهقي 233/5 -- 234، فراجع ستجد الدفاع باندفاع عن رأي عائشة.

2) - فتح الباري 294/4. أخرجه الهميثي في مجمع الزوائد 227/3، ط القدسي، وقال: رواه أحمد والبزّار باختصار ورجال أحمد ثقات.

3) - فتح الباري 294/4.

4) - نفس المصدر.

5) - نفس المصدر.

6) - نفس المصدر.

7) - في فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود 14/1، ط الأولى بالاعتصام بالخيمية سنة 1375ه-.

بنت عبد الرحمن: أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة -- وذكر الحديث -- ثمّ قال: أخرجه البخاري والطحاوي)(1).

وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقاً، لبيان حجّة من قال: لا يجب على من بعث هدياً أن يتجرّد عن ثيابه، ولا يترك شيئاً من محظورات الإحرام، إلاّ بدخوله فيه بحجّ أو عمرة. وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة، والحنفيون، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد.

وعن ابن عبّاس، وعمر، وعليّ، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين: أنّ من أرسل هدياً إلى الحرم يلزمه إذا قلّده الإحرام. ويحرم عليه كلّ ما يحرم على المحرم، لحديث عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن عبد الملك ابن جابر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فقدّ قميصه من جيبه حتّى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: إنّي أمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلّد اليوم وتشعر على ماء كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. وكان قد بعث ببُدنه من المدينة فأقام بالمدينة. أخرجه أحمد والطحاوي والبزّار(2)، لكن ابن أبي لبيبة ليس ممّن يحتجّ به فيما ينفرد به، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه.

قال الطحاوي في (شرح معاني الآثار): إسناد حديث عائشة صحيح لا


1) انظر: فتح الباري 354/3 (من قلد القلائد بيده)، و439, وشرح معاني الآثار.

2) - انظر: الفتح الرباني 33/13، ومجمع الزوائد 227/3 (من بعث هدياً وهو مقيم)، وشرح معاني الآثار 439/1 (هامش المصدر السابق).

تنازع بين أهل العلم فيه، وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك، لأنّ من رواه دون من روى حديث عائشة، لكن قال في (مجمع الزوائد) بعد أن ذكر الحديث: ورجال أحمد ثقات. (وعن عطاء) بن يسار عن نفر من بني سلمة، قالوا: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فشقّ ثوبه. فقال: إنّي واعدت هدياً يشعر اليوم. رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وبهذا يردّ على من قال: الظاهر أنّه لا أصل لهذا الحديث.

ماذا وراء الأكمة من غمّة؟

إنّ اندفاع علماء التبرير في دفاعهم المستميت يوحي بدءاً بأنّهم في مقام إثبات حكم شرعي، وإن دلّ على دعم موقف عائشة في فتياها التي ردّت بها على فتيا ابن عبّاس، كما هو الوجه الظاهر للعملة التي يتعاملون بها مع الناس، وهذا وجه باهت اللون خافت النور إذا قيس بالوجه الآخر الّذي كانوا يتعاملون به مع الحكام، فإنّه ليس كذلك، بل هو ذو لون صارخ أشدّ وهجاً وأكثر رهجاً، وهو جوهر القضية في الحديث المذكور.

وذلك فيما أرى -- والله العالم -- كان لاستصدار قرار عائشي بتصديق نسب زياد بعد الاستلحاق، وأنّه ابن أبي سفيان, وهذا يتم من خلال جواب الكتاب تحريراً لو تم. وإذا لم يتم -- كما هو الحال -- فيكفي أنّ راوية الحديث عَمرة بنت عبد الرحمن(1)

وهي التي كتب عمر بن عبد العزيز في حقّها إلى أبي بكر بن محمّد بن حزم: ان انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله؟ يا لله يكون حديث عمرة بمنزلة حديث رسول الله ومثل السُنّة الماضية في ميزان الاعتبار عند الخليفة الأموي؟ ولزيادة الاطّلاع فإنّ أبا بكر بن محمّد بن حزم هو زوج اختها؟ وراوي حديث الفتيا هو ابن اختها فظن خيراً.

ذكرت ذلك عن عائشة، ولم تذكر عنها

1) أتدري مَن عمرة بنت عبد الرحمن؟ كانت هي وأخواتها في حجر عائشة وعندها (طبقات ابن سعد 353/8) أفست ليدن.

إنكاراً لذلك، وفي سكوتها على أقلّ تقدير إمضاء لما جاء في الحديث، وفي هذا حسب زياد وآل زياد، وفي مقابل ذلك لا بدّ من تقديم ثمن لعائشة يساوي ما أخذوه من مثمن، وهل من ثمن أكثر قيمة من إذاعة وإشاعة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث هديه من المدينة، وعائشة هي التي تفتل القلائد للهدي، وأبوها يسوق الهدي إلى مكّة أو إلى منى، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجتنب عمّا يجتنبه المحرم. وهكذا صار الحديث وكأنّه مناورة سياسية أكثر من بيان واقعة شرعية واستمرت المناورة -- فيما يبدو -- فقد ذكر السيّد ابن عقيل أنّ زياداً كتب إلى عائشة كتاباً فيه: (من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب له: إلى زياد بن أبي سفيان ليحتجّ بذلك، فكتبت إليه من عائشة أُمّ المؤمنين إلى ابنها زياد)(1).

وفي رواية ابن أبي الحديد، قال: (كتبت عائشة إلى زياد فلم تدر ما تكتب عنوانه، إن كتبت زياد بن عبيد الله وابن أبيه أغضبته، وإن كتبت زياد ابن أبي سفيان أثمت، فكتبت من أُمّ المؤمنين إلى ابنها زياد، فلمّا قرأه ضحك، وقال: لقد لقيت أُمّ المؤمنين من هذا نَصَبا)(2).


1) النصائح الكافية: 56، ط بمبي سنة 1326ه-.

2) - شرح النهج لابن أبي الحديد 76/4، ط مصر الأولى و 204/16 تح أبو الفضل إبراهيم، والقضايا الكبرى في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي: 188.

وأخيراً نجحت بالتالي مؤامرة زياد، فكتبت إليه كتاب شفاعة لمرّة بن أبي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال ابن الكلبي: هو مولى عائشة، سأل عائشة أن تكتب له إلى زياد وتبدأ به في عنوان كتابه، فكتبت إليه بالوصاة به وعنونته: إلى زياد بن أبي سفيان من عائشة أُمّ المؤمنين، فلمّا رأى زياد أنّها قدّمته ونسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك، وأكرم مرّة وألطفه، وقال للناس: هذا كتاب أُمّ المؤمنين إليَّ وفيه كذا، وعرضه ليقرأ عنوانه، ثمّ أقطعه مائة جريب على نهر الأبّلة، وأمر أن يحفر لها نهرٌ فنسب إليه(1).

وهذا ما أدركه علماء التبرير -- ولا أقلّ بعضهم -- إلاّ أنّهم تسلّلوا من وراء الأكمة لواذاً لئلا تصدمهم الحقيقة المرّة، فتزل قدم بعد اهتزازها على أرضية هشة من المبررات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

حتّى قال بعضهم ممعناً في التبرير والتزوير، فقال: (وقع التحديث بهذا في زمن بني أُميّة، وأمّا بعدهم فما كان يقال له إلاّ: زياد بن أبيه... وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عبيد، وكانت أُمّه سمية مولاة الحرث بن كلدة الثقفي، وهي تحت عبيد المذكور، فولدت زياداً على فراشه، فكان ينسب إليه، فلمّا كان في أيام معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأنّ زياداً ولده، فاستلحقه معاوية بذلك، وخالف الحديث الصحيح: (إنّ الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وذلك لغرض دنيوي، وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها، حتّى قيلت فيها الأشعار، ومنها قول القائل:


1) راجع معجم البلدان 323/5 (نهر مرّة).

ألا أبلغ معاوية بن حرب *** مغلغلة من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ *** وترضى أن يقال أبوك زاني

وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أُميّة فإنّما هو تقيّة.

وذكر أهل الأُمّهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم، مع كونهم لم يؤلفوها إلاّ بعد انقراض عصر بني أُميّة محافظة منهم على الألفاظ التي وقعت من الرواة في ذلك الزمان كما هو دأبهم)(1).

وجاء في (كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري) للشيخ محمّد الخضر الجكني الشنقيطي، المتوفى سنة 1354ه-، ترجمة زياد وكيفية استلحاقه وأسماء الشهود له بذلك، وفي آخر الترجمة: (غضب بني أُميّة من استلحاقه، وذكر شعر عبد الرحمن بن الحكم نقلاً عن (الاستيعاب), فمن أراد ذلك فليرجع إلى المصدر المذكور(2).

وذكر الآبي في شرحه صحيح مسلم، عند قوله: إنّ ابن زياد كتب... (قلت): ابن زياد هو عبيد الله بن زياد... هذا هو الّذي قتل الحسين بن عليّ، وزياد هذا هو والده وكان معاوية استلحقه لأبيه أبي سفيان، وتقدّم إشباع الكلام على ذلك وعلى كيفية استلحاقه في حديث: من انتسب لغير أبيه، من كتاب الإيمان؛ فراجعه هناك(3).


1) نيل الأوطار للشوكاني 107/5، ط العثمانية بمصر سنة 1357ه-.

2) - كوثر المعاني 388/13، ط مؤسسة الرسالة سنة 1415ه-.

3) - شرح صحيح مسلم 413/3.

نور على الدرب:

لو تفحصنا حديث عائشة في المصادر التي مرّ ذكرها، لوجدناه -- كما قلنا -- يتفاوت بين مصدر وآخر، بل بين رواية راوٍ واحد في المصدر الواحد، وللتدليل والاختصار نذكر للقارئ ما في (صحيح البخاري) فقط، وعندهم كلّ الصيد في جوف الفرا.

لقد ذكر الحديث في ستّة أبواب متتابعة بشتّى الصور، وهي كما يلي في كتاب الحجّ بألفاظها:

(1)-- باب من أشعر وقلّد بذي الحليفة، ثمّ أحرم.

قال البخاري: (حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا أفلح، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: فتلت قلائد بُدن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) بيديّ، ثمّ قلّدها وأشعرها وأهداها، وما حُرم عليه شيء كان أحلّ له) (1).

أقول: وهذا الحديث لم يشرحه ابن حجر في (فتح الباري)(2). فظن خيراً!

(2)-- باب فتل القلائد للبدن والبقر.

قال البخاري: (حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، حدّثنا ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثمّ لا


1) صحيح البخاري 169/2ح 3، ط بولاق.

2) - فتح الباري 291/4.

يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم)(1).

أقول: وهذا الحديث أيضاً غض ابن حجر النظر عنه، فتعداه بسلام(2)!

(3)-- باب إشعار البدن.

قال البخاري: (حدّثنا عبد الله بن سلمة، حدّثنا أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: فتلت قلائد هدي النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ أشعرها وقلّدها أو قلّدتها، ثمّ بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلّ)(3).

أقول: وعلى ما عودنا ابن حجر في سابقيه، لقد تغاضى عن شرحه إلى شرح معنى الإشعار ومشروعيته، واختلاف العلماء فيه(4).

(4)-- باب من قلّد القلائد بيده:

قال البخاري: (عبد الله بن يوسف...)، وذكر الحديث الّذي ذكرناه أوّلاً كخير شاهد(5)، فلا حاجة إلى إعادة ذكره.

(5)-- باب تقليد الغنم.

قال البخاري: (حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: كنت أفتل القلائد


1) صحيح البخاري 169/2 ح 2، ط بولاق.

2) - فتح الباري 291/4.

3) - صحيح البخاري 169/2 ح 1، ط بولاق.

4) - انظر: فتح الباري 292/4.

5) - صحيح البخاري 169/2 ح 2، ط بولاق.

للنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فيقلّد الغنم ويقيم في أهله حلالاً)(1).

أقول: وقد استبسل ابن حجر في شرح عنوان الباب، وذكر من رأى تقليد الغنم ومن لم ير، والردّ عليه بحديث الباب.. إلى آخر ما عنده(2).

(6)-- نفس الباب.

قال البخاري: (حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حمّاد، حدّثنا منصور بن المعتمر (ح = حيلولة)؛ وحدّثنا محمّد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: كنت أفتل قلائد الغنم للنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فيبعث بها، ثمّ يمكث حلالاً)(3).

أقول: ذكر ابن حجر إعلال بعض المخالفين حديث الباب: بأنّ الأسود تفرّد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره: ليست هذه بعلّة، لأنّه حافظ ثقة لا يضرّه التفرّد(4).

(7)-- الباب نفسه.

قال البخاري: (حدّثنا أبو نعيم حدّثنا زكرياء عن عامر عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: فتلت لهدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تعني القلائد قبل أن يحرم)(5).


1) المصدر نفسه.

2) - من شاء الاستزادة فليرجع إلى فتح الباري 295/4.

3) - صحيح البخاري 170/2 ح 3، ط بولاق.

4) - فتح الباري 3: 437 ط2 دار المعرفة، بيروت.

5) - صحيح البخاري 170/2ح 4، ط بولاق.

(8)-- باب القلائد من العهن.

قال البخاري: (حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا معاذ، حدّثنا ابن عون، عن القاسم، عن أُمّ المؤمنين رضي الله عنها ، قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي)(1).

أقول: وقد أشار ابن حجر في (فتح الباري) إلى تفاوت رواية يحيى في الباب، كما أشار إلى رواية مسلم للحديث عن ابن عون مثله وزاد: (فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله، وهذه الزيادة كشفت لنا غمغمة الأحاديث السابقة في أقوال عائشة: وما حرم عليه شيء كان أحلّ له، أو لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم، أو فما حرم عليه شيء كان له حلّ، أو قولها: فيقيم في أهله حلالاً، أو ثمّ يمكث حلالاً)(2).

وبعد هذا العرض نترك المقارنة لمن أحبّ، ليعرف كيف التلاعب بألفاظ الحديث عند الرواة، من دون حياء.

والآن إلى:

نقاط على الحروف:

إذا ما رجعنا ثانية إلى الحديث وقرأناه قراءة ثانية ومتأنّية، تساقطت من أجوائه المسائل التالية:

(1)-- ما بال زياد يكتب إلى عائشة في ذلك؟ وكان الأحرى به وقد


1) صحيح البخاري 170/2، ط بولاق.

2) - فتح الباري 296/4.

أصبح ابن أبي سفيان أن يكتب إلى أخته أُمّ حبيبة؟ أليس كذلك؟ فهي أخته فيما يزعمون، وهي من أُمّهات المؤمنين، ولا يخفى عليها ذلك من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم تكن فتلت القلائد مرّة، فلا أقلّ أنّها رأت، أو سمعت من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيئاً. وهذه عاشت كثيراً من سنيّ ولاية زياد وأدرك هو حياتها، فقد ماتت سنة 59ه-، كما في (اسعاف المبطأ)(1).

(2)-- هل أنّ أحاديث عائشة كلّها لواقعة واحدة، فإن كانت، فلماذا تفاوتت صورها، وقد بلغت عند مسلم عشرة أحاديث، ومرّت ثمانية منها عند البخاري؟ أو هي وقائع متعدّدة؟

فإن كانت كلّها لواقعة واحدة، فلماذا اختلفت اختلافاً فاحشاً، حتّى في رواية الراوي الواحد عن عائشة، وفي المصدر الواحد؟

فانظر روايات: عمرة، وعروة، والقاسم، والأسود، وقارن بين رواياتهم على انفراد فضلاً عن مقارنتها بروايات بعضهم مع بعض؟

وإن كانت لوقائع متعدّدة، فما بال عائشة وحدها تتولّى فتل القلائد دون بقية الزوجات في جميع تلك السنين؟

على أنّه من المستبعد جدّاً أن لا يكون قد شاركتها مرّة غيرَها في ذلك الفتل العظيم الّذي خصّت نفسها به.

وأبعد من ذلك كلّه عدم ورود حديث واحد عنهن يؤيد ذلك الاختصاص.


1) إسعاف المبطأ: 35.

(3)-- ثمّ ما بالها لم تذكر -- ولو لمرّة واحدة -- اسم الشخص الّذي كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرسل معه الهدي، وما ذكرت غير أبيها؟ فهل يعني ذلك أنّه وحده كان يتولّى سياق الهدي، كما كانت ابنته تتولّى فتل القلائد في جميع سني الهجرة؟ وهذا ما يكذّبه الوجدان، لأنّه لم يذهب إلى مكّة، أو إلى منى بعد الهجرة إلاّ وهو مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، سواء في عمرة القضاء، أو في حجّة الوداع، وفي كلتيهما كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موجوداً يتولّى هديه بنفسه!

ولو سلّمنا جدلاً زعم بعض علماء التبرير أنّه كان ذلك في السنة التاسعة، وهي سنة تبليغ براءة -- بحجّة ذهابه أميراً على الموسم -- فما بال الرواة وعلماء التبرير أبلسوا عن مصير الهدي عندما لحقه الإمام، وأبلغه أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى المدينة، كيف صار الهدي؟ هل أرجعه معه؟ أو أخذه عليّ كما أخذ آيات براءة؟ أو أرسله أبو بكر مع آخرين غير عليّ؟ وهكذا استفهام بعد استفهام، هذا كلّه إذا صدقت تلكم الأحلام.

ولكي يستبين زيف ذلك الزعم، فلنقرأ في ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند: (قال عبد الله بن أحمد: حدّثنا محمّد بن سليمان لوين، حدّثنا محمّد بن جابر، عن سماك، عن حنش، عن عليّ، قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى مكّة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: يا رسول الله! نزل فيَّ شيء؟ قال: لا. ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو

رجل منك)(1).

ونعود إلى أوّل السؤال، لو سلّمنا جدلاً أنّ أباها تولّى كبر ذلك في السنة التاسعة، فمن هم أولئك الذين تولوا المهمة في باقي السنوات؟ ولماذا لم تذكرهم؟ وهي لا تخلو: إمّا أن تكون تعلمهم وكتمت أسماءهم لحاجة في نفسها -- كما فعلت ذلك في حديث آخر، وذلك في مرض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت خروجه يتوكأ على رجلين الفضل بن العبّاس ورجل.. فسأل السامع ابن عبّاس؟ فأخبره أنّه عليّ، ولكن عائشة لا تطيب لها نفس أن تذكره -- وهذا لا يليق بها.

وأمّا أن تكون لا تعلمهم وهو بعيد غايته، كيف وابن عبّاس كان يعلم بعضاً منهم، فيذكر ذويب الخزاعي منهم، وناجية الأسلمي منهم(2).

وأعود إلى الأفغاني الّذي استدرجني إلى هذه الجولة، لأقول له في الختام: أرأيت كيف كان ابن عبّاس أوعى وأذكى وأزكى في حديثه حين سمّى من عَرفهم، وهو لم يفتل فتلاً ولا حبلاً (!!؟)

وأمّا فتياه، فقد كانت هي الفتيا الصحيحة، ورأيه هو الصواب، وهو


1) زيادات المسند 322/1 برقم 1296.

2) - راجع المحلى لابن حزم 269/7 عن ابن عبّاس، قال: بعث رسول الله7 مع فلان الأسلمي ثماني عشرة بدنة... وفي سنن ابن ماجة 1036/2 برقم 3105 عن ابن عبّاس: أنّ ذويباً الخزاعي حدّث: أنّ النبيّ7 كان يبعث معه بالبدن... وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة: سمّي الأسلمي وهو ناجية، وقال الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح. وفي المبسوط للسرخسي الحنفي 145/4: إنّ النبيّ7 بعث عام الحديبية الهدايا على يد ناجية بن جندب الأسلمي...

على رأي الإمام، ورأي عمر وابنه، وقيس بن سعد، وهؤلاء من الصحابة بينهم خليفتان، مضافاً إلى نفر من فقهاء التابعين، كالنخعي، وعطاء، وابن سيرين، وآخرين.

وحسب ابن عبّاس أنّه كان على رأي عليّ أمير المؤمنين الّذي هو مع الحقّ والحقّ معه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (1)، ولو بحثنا عن جذور المسألة تاريخياً لوجدناها من أيام كان ابن عبّاس بالمدينة قبل أن يخرج منها مع الإمامu، فكان يبعث هديه ويتجرّد، كما كان يفعل ذلك الإمام أمير المؤمنينu أيضاً، فقد روى الشيخ الطوسي في (التهذيب) بسنده عن الإمام الصادقu، قال: (إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم، إلاّ أنّه لا يلبي إلاّ من كان حاجاً أو معتمراً)(2). والحديث صحيح الإسناد(3).


1) تاريخ بغداد 321/14 بسنده، عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ، قال: دخلت على أُمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً، فقالت: سمعت رسول الله7 يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة)، وهذا ما رواه سعد بن أبي وقاص أيضاً، وقد قال: سمعت في بيت أُمّ سلمة، فأرسل معاوية إلى أُمّ سلمة فسألها؟ فقالت: قد قاله رسول الله في بيتي، فقال معاوية لسعد: ما كنت عندي قط ألوم منك الآن فقال: ولم؟ قال: لو سمعت من النبيّ7 لم أزل خادماً لعليّ حتّى أموت. أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 236/7، ولم يسمّ معاوية، بل كنّى عنه بأحد وبالرجل.

2) - تهذيب الأحكام 424/5.

3) - انظر: الجواهر 160/20، ط الآداب النجف.

وقد استمر كذلك حتّى في أيام ولايته على البصرة كما سيأتي مزيد بيان عن ذلك في تاريخ ولايته.

وختاماً لحديثنا عن حوار ابن عبّاس مع عائشة، وما جرنا إليه كلام الأفغاني في كتابه (عائشة والسياسة)، نودّع القارئ بما قاله الكاتب الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي:

فلنقرأ ما يقول أبو الأعلى المودودي في محاضرته (تدوين الدستور الإسلامي): (وإذا كان عند من يسوّغون تدخّل المرأة في شؤون السياسة والحكم دليل يؤيد نظريتهم، فما هو إلاّ أنّ عائشة رضي الله عنها قد خرجت تطالب بدم عثمان، وقاتلت عليّاً(كرّم الله وجهه) في وقعة الجمل.

إلاّ أنّ هذا الدليل قائم على أساس من الخطأ. وذلك أنّه ما دام هدى الله ورسوله واضحاً في المسألة، لا يجوز أبداً أن يحتجّ فيها بعمل شخصي لأحد من الصحابة. ممّا يخالف هدى الله ورسوله باديء الرأي. إنّ سيَر الصحابة رضوان الله عليهم لا ريب هي مشاعل الهدى ومصابيح الدجى، نستضيء بها في اتّباع ما هدانا الله ورسوله إليه، لا نتبع ما فرط منهم من الهفوات الشخصية، معرضين عن الآيات الواضحة وهدى الرسول الثابت. ثمّ كيف يجوز لنا أن نتخذ الفعل الّذي قد خطّأه كبّار الصحابة في تلك الآونة والّذي ندمت عليه أُمّ المؤمنين بنفسها فيما بعد دليلاً على إحداث بدعة في الإسلام.

فهذه أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة رضي الله عنها لمّا بلغها إقدام عائشة رضي الله عنها على ذلك الأمر، كتبت إليها كتاباً قد نقله بتمامه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة)، وابن عبد ربّه في (العقد الفريد)، فانظر فيه ما أشدّ الكلمات التي تعظ بها أُمّ سلمة رضي الله عنها : (قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تندحيه... أقد نسيتِ أنّ رسول

الله صلى الله عليه و آله وسلم قد نهاكِ عن الإفراط في الدين... وما كنتِ قائلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو عارضكِ بأطراف الجبال والفلوات على قَعود من الإبل من منهل إلى منهل).

ثمّ اذكروا قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه : (بيت عائشة خير من هودجها).

واقرأوا قول أبي بكرة هذا في صحيح البخاري: (ما نجوت من فتنة وقعة الجمل إلاّ لمّا تذكرت من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة).

ومن كان يا ترى أعلم بالشرع من عليّ في ذلك الزمن، فقد كتب إلى أُمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها بصراحة: (إنّ ما أقدمتِ عليه يتعدى حدود الشريعة)، ولم يسع أُمّ المؤمنين على فرط ذكائها وكمال فقاهتها أن تجيبه على ذلك بدليل. كانت كلمات عليّ عليه السلام في كتابه: (أمّا بعد، فإنّك خرجت غاضبة(1)لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً، ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟ تطلبين بدم عثمان، ولعمري لمن عرّضك للبلاء وحملك على المعصية أعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان؟).

أُنظر كيف يعدّ عليّ عليه السلام ما أتت به أُمّ المؤمنين مخالفاً للشرع، ولكنّها ما وسعها إلاّ أن تجيبه قائلة: (جلّ الأمر عن العتاب والسلام).

ثمّ لمّا انتهت وقعة الجمل ودخل عليّ عليه السلام على أُمّ المؤمنين، قال لها: (يا صاحبة الهودج: قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك ثمّ خرجت تقاتلين؟)،


1) الصواب (عاصية) كما هو في النهج وغيره، وأرجو أن لا يكون ذلك من التصحيف المتعمد بل من غلط الطبع. ولو صحّ ما في المتن كان ذلك مدحاً لها كيف والكتاب في معرض التوبيخ والذم فلاحظ.

فكذلك لم تستطع حينئذٍ أن ترد عليه قائلة: (إنّ الله لم يأمرنا معشر النساء بالقعود في البيت، وإنّ لنا حقّاً في معالجة السياسة والحرب).

ثمّ قد تحقّق أيضاً أنّ أُمّ المؤمنين رضي الله عنها ما زالت في آخر الأمر نادمة على فعلها، فروى العلاّمة ابن عبد البرّ في (الاستيعاب): (أنّ أُمّ المؤمنين شكت إلى عبد الله بن عمرt، فقالت: ما لك يا أبا عبد الرحمن لم تنهني عن الخروج؟ فقال ابن عمر: رأيت أنّ رجلاً قد غلب على أمركِ ولم أركِ تخالفينه، فقالت: لو نهيتني لم أخرج. فأي حجّة يا ترى بعد هذا كلّه في عمل عائشة رضي الله عنها يحتجّ بها ذو علم...)(1).

أقول: فلا بدع ولا مؤاخذة لو قال الشيخ الطوسي في كتابه (الاقتصاد): (وأمّا إصرار عائشة، فكتاب أمير المؤمنين عليه السلام وما روي من المحاورة بين عبد الله بن العبّاس وبينها وامتناعها من تسميته بأمير المؤمنين دليل واضح على الإصرار)(2).

وقال أيضاً: (وروي عن ابن عبّاس أنّه قال لأمير المؤمنين عليه السلام حين أبت عائشة الرجوع إلى المدينة: دعها في البصرة ولا ترحلها، فقال عليه السلام : (لا تألوا شرّاً، ولكنّي أردّها إلى بيتها)(3).


1) طبعت في (نحو الدستور الإسلامي) لجنة الشباب المسلم، ط القاهرة سنة 120/1373 -- 124 وضمن: نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، دار الفكر بدمشق الطبعة الأولى سنة 1384 -- 1964.

2) - الاقتصاد: 228 تح الشيخ حسن سعيد، ط سنة 1400ه- .

3) - نفس المصدر: 229.

الرسالة الثامنة(8)

شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق

الدكتور أحمد الخباطي

شواهد بين التعريف والتوظيف

معنى الشواهد لغة واصطلاحاً:

الشواهد، في اللغة، جمع شاهد، وأصل مادّة (شهد) كما يقول ابن فارس رحمه الله : لها أصل واحد يدلّ على ثلاثة أمور، وهي: الحضور، والعلم، والإعلام، قال: (شهد) الشين والهاء والدال أصل يدلّ على حضور، وعلم، وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأُصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام...)(1).

وكتب اللغة تذكر في مادّة (شهد) ألفاظاً كثيرة، ولكنّها تؤول إلى ما قرّره ابن فارس، ومنها: (الشهيد)، من أسماء الله، الأمين في شهادته. والشهيد: الذي لا يغيب عن علمه شيء. والشهيد: الحاضر. والشاهد: العالم الذي يبين علمه. ورجل شاهد، والجمع أشهاد وشهود. وشهيد، والجمع شهداء. واستشهده: سأله الشهادة. والشهادة: خبر قاطع، والتشهد قراءة التحيات لله... وشهد الشاهد عند الحاكم، أي بيّن ما يعلمه وأظهرهُ، يدلّ على ذلك قوله تعالى: شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ(2).

وقال أحمد بن يحيى ثعلب: كلّ ما كان (شهد الله) فإنّه بمعنى علم الله. وشهد فلان على فلان بحقّ، فهو شاهد وشهيد. واستشهد فلان، فهو


1) معجم مقاييس اللغة (شهد).

2) - سورة التوبة/17.

شهيد. والمشاهدة: المعاينة، وشهوده شهودا أي حضره، فهو شاهد. وقوم شهود أي حضور... وشُهَّد أيضاً مثل راكع وركّع.. والشهيد الشاهد، والجمع: الشهداء.. واستشهدت فلانا على فلان إذا سألته إقامة شهادة احتملها.. والشاهد والشهيد: الحاضر والجمع شهداء وشُهَّد وأشهاد وشُهود..

وقوله تعالى: وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ(1)، أي: محضور يحضره أهل السماء والأرض. ومثله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً(2)، يعني: صلاة الفجر يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار(3).

غير أنّي لاحظت أنّ المعاجم لا تذكر (الشاهد) بمعنى البيت الشعري الذي يستشهد به، أو تنص على أنّ بعض الآيات تعد شاهداً للأُخرى، أو أنّ بعض الأحاديث النبوية التي فيها كلام قد تجبر بالمتابعات والشواهد..

كل هذا -- فيما رأيت -- لا تعرفه المعاجم، وبتعبير آخر: لا تنص عليه، كقضية لها اسمها الخاص، وهو ليس بحديث العهد، ولكنّه أصبح بعد صدر الإسلام اسماً ذائعاً مشهوراً عند كثير من علماء كلّ فن من الفنون؛ فيقال: شواهد التفسير، وشواهد الحديث، وشواهد اللغة، وشواهد النحو، وشواهد البلاغة.. وغيرها.

أمّا في صدر الإسلام، فقد كان التعبير عن هذا الموضوع بلفظ (المصادق) بدل (الشاهد)، وقصّة نشأة (مسائل نافع ابن الأزرق) ليست ببعيدة عنّا، والتي قال في بدايتها نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر الحنفي


1) سورة هود/103.

2) - سورة الإسراء/78.

3) - لسان العرب: (شهد).

لابن عبّاس: جئنا لنسألك عن أشياء في القرآن على أن تأتينا (بمصَادِقِه)، وفي رواية: (بمصادقة)، وفي ثالثة: (بمصداقِهِ) من كلام العرب. وهناك نماذج ووقائع أُخرى مماثلة لهذا الذي أوردته.

نعم، قد يكون إغفال المعاجم التنصيص على (شواهد) بمعناها الخاص، اتكالاً منها على تعريفها (الشاهد): الإنسان الذي يشهد بصحّة الشيء أو ضدّه، وحملت ذاك على هذا، ولكن هذا المنحى لا يستقيم، فالشاهد الذي يشهد لنا، أو علينا، يجمع على: شهود، وأشهاد، وشهداء. أمّا (الشاهد) الذي يعنينا -- هنا -- فيجمع على (شواهد) على وزن (فواعل) الذي يطّرد في ثمانية أوزان، منها، وهو الخامس: (فاعل) بكسر العين، صفة لمذكر غير عاقل، كصاهل وصواهل، وشامخ وشوامخ، وشاهق وشواهق، وناهق ونواهق(1)، أقول: وشاهد وشواهد..

أمّا الشواهد الشعرية في اصطلاح أهل الفنون، فهي الأبيات الشعرية التي يستدلّ بها على المعاني اللغوية، أو القواعد النحوية، أو البلاغية، أو غير ذلك.

ويظهر أنّ مفهوم (الشاهد) لم يكن واضحاً جلياً في أذهان كثير من الناس إلى عصر الحجّاج بن يوسف الثقفي؛ فقد جرى بينه وبين سميرة بن الجعد حوار جاء فيه: قال الحجّاج: (يا سميرة، هل تروي الشعر؟ قال: إنّي لأروي المثل والشاهد، قال الحجّاج: المثل قد عرفناهُ، فما الشاهد؟ قال: اليوم يكون للعرب من أيامها عليه شاهد من الشعر، فإنّي أروي ذلك الشاهد)(2).


1) انظر: الفيصل في ألوان الجموع: 75.

2) - مروج الذهب 136/3

مجالات الاستشهاد بالشواهد

اشارة

وقد كان ميدان القرآن، وميدان النحو من أسبق وأبرز الميادين لاستعمال تلك الشواهد.

يقول العلاّمة مصطفى صادق الرافعي، في صدد كلامه عن شعر الشواهد: (وهو النوع الذي يدخل فيه أكثر الموضوع، لحاجة العلماء إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو..

وشعر الشواهد في اصطلاح الرواة على ضربين: شواهد القرآن، وشواهد النحو؛ أمّا الأولى، فكثيرة، وقد تقدّم ما رووه من حفظ ابن الأنباري فيها(1)، ولا يبالي الرواة في هذه الشواهد إلاّ باللفظ، فيستشهدون بكثير من كلام سفهاء العرب وأجلافهم، ولا يأنفون أن يعُدُّوا من ذلك أشعارهم التي فيها ذكر الخنى والفحش؛ لأنّهم يريدون منها الألفاظ، وهي حروف ظاهرة...

وأمّا شواهد النحو فأوسعُ الناس حفظاً لها فيما وقفنا عليه: خلف الأحمر النحوي المتوفى سنة 207ه- .. قال ثعلب: إنّه كان يحفظ أربعين ألف بيت


1) الحث على حفظ العلم: 58.

شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب؛ وأبو مسحل الأعرابي الذي روى عن علي بن المبارك أربعين ألف بيت شاهد على النحو)(1).

والاستشهاد بالشعر شمل عدّة مجالات، من أهمها: التفسير، واللغة، والنحو، ويمكن عرضها بتبسيط فيما يلي مع مجالات أُخرى متنوعة:

أوّلاً: مجال القراءات.

فقد استشهد لقراءة أبي جعفر لإِلَفِ قُرَيْشٍ(2)، من ألف يألفُ إلفاً، بشعر مساور بن هند العبسي(3)يهجو بني أسد، والبيت الأوّل من هذين البيتين قد جمع القراءتين:

زعمتم أنّ اخوتكم قريش *** لهم إلف وليس لكم إلافُ

أولئك أومنوا جوعاً وخوفاً *** وقد جاعوا بنو أسدٍ وخافوا(4)

كما استُشهد لقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب في بِمُصْرِخِيَّ(5)، حيث خفضا الياء، وذلك ببيت، قالوا عنه إنّه مجهول، وقال أبو شامة: ليس بمجهول، ورآه في أوّل ديوان العجلي، وهو:

قال لها: هل لك يا قافيّ *** قالت له: ما أنت بالمرضيّ

وضعّف بعضهم هذه القراءة، ونسبها أبو عبيد للغلط، وقال الزجّاج:


1) انظر: تاريخ آداب العرب 368/1 -- 369.

2) - سورة قريش/1.

3) - شاعر شريف، فارس، مخضرم إسلامي وهو من المتقدّمين في الإسلام، ورث الشرف والفروسية والشعر عن أبيه وجدّه، من المعمرين.(خزانة الأدب 573/4 -- 574).

4) - خزانة الأدب 574/4.

5) - الكلمة من سورة إبراهيم آية /22.

رديئة مرذولة عند جميع النحويين. ولكن القشيري يقول في تفسيره: (ما ثبت بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا يجوز أن يقال: هو خطأ، أو قبيح، أو رديء، بل في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح...)(1).

واستشهد أيضاً بشعر تبع الحميري على قراءة حَمِئَةٍ، وكان ابن عبّاس يقرأها كذلك، وتنازع مع معاوية وعمرو بن العاص، (وقيل: عبد الله ابن عمرو بن العاص) حيث وجدهما ابن عبّاس يقرآن (حامية)، فاختلف معهما، فطلب معاوية وابن العاص شاهداً من كلام العرب على قراءته، فلقي ابن عبّاس نافع بن الأزرق(؟) وسأله، فأنشده بيت تّبع، وكان نافع يحفظ شعر تّبع. والبيت في شعر لتبع يذكر ذا القرنين وكلفه بالعلم من أجله، وهو:

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد(2)

ثانياً: مجال التفسير.

ولا يحتاج إلى تفصيل القول؛ فابتداءً من ابن عبّاس إلى الآن والمفسّرون يستشهدون بالشواهد المختلفة على تفسير القرآن، كلّ منهم على حسب ما يذهب إليه، ويكاد يشترك الجميع في الاستشهاد على اللغة، والأخبار والمعاني..

وقد استند المفسّرون في ذلك إلى أقوال الصحابة والتابعين، ومن


1) إبراز المعاني من حرز الأماني: 550 -- 551.

2) - انظر: (فضائل القرآن) لأبي عبيد، بدراستي وتحقيقي، التيجان/111 -- 114، الكشّاف 744/2، فتح القدير 310/3، إبراز المعاني/575، تفسير القرطبي 49/11، غريب القرآن، لابن قتيبة/270، إعراب ثلاثين سورة/164. (انظر: التعقيب والتصويب في آخر المقالة، الخرسان)

بعدهم، وكمثال على ذلك نورد هنا ما قاله سعيد بن المسيب:

(بينما عمر بن الخطّاب رضي الله عنه على المنبر، قال: يا أيّها الناس! ما تقولون في قول الله عزّ وجلّ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ(1)؟

فسكت الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوف: التنقُّص. فخرج رجل فقال: يا فلان، ما فعل دَيّنك؟ قال: تخوُّفته، أي: تنقصته، فرجع فأخبر عمر.

فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟

قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمْكه واكتنازه:

تخوّف الرحل منها تامكاً قردا *** كما تخوّف عود النبعة السَّفنُ

فقال عمر: يا أيّها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية إنّ فيه تفسير كتابكم ومعنى كلامكم)(2).

وفي رواية أُخرى أنّ عمر رضي الله عنه خفي عليه معنى (تخوُّف)، وأراد أن يكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك، حتّى سمع هذا البيت. وقد كان دائماً يؤكد على دور الشعر في تفسير القرآن(3).


1) سورة النحل/47.

2) - تفسير القرطبي 110/10 -- 111.

3) - المحرّر الوجيز 190/10، التيسير، للكافيجي: 195 -- 196، زهر الأفنان 272/2، فتح الباري 292/8، الميسر والقداح وهامشه: 60، البيضاوي 99/3، المخصص 277/4، روح المعاني 152/14، التبيان 386/6، مشاهد الإنصاف: 130، الكشّاف 608/2 -- 609، نظم الدرر 170/11 -- 171، تفسير الطبري 77/14، معاني القرآن للزجّاج 201/3.

وقد عقد فصلاً أحمد بن حمدان الرّازي في كتابه (الزينة في الكلمات الإسلامية العربية) للاحتجاج بالشعر في التفسير تحت عنوان: (الاحتجاج بالشعر في تفسير القرآن)(1).

ثالثاً: مجال الاستشهاد على غريب الحديث وتفسيره.

فقد اعتبر الشعر المادّة الخام التي يتحتم الرجوع إليها في شرح ألفاظ غريب الحديث، وبيان المراد منها، كلّما مست الحاجة إلى ذلك، وقد تفطن إلى هذا كثير من العلماء، وألحوا على استغلال الجانب الشعري في تجلية ألفاظ الأحاديث النبوية، كما يحكى عن سفيان بن عيينة أنّه كان يجالس محمّد بن مناذر فيسأله سفيان عن غريب الحديث ومعانيه(2).

واهتمام العلماء بهذه الأشعار قد أعطى قوّة وتثبيتاً لمكانة الشعر ودوره، وحبّب لطلاب العلم حفظ الأشعار، وتدوينها والاهتمام بها، ولهذا لم يبطل الشعر(3).

ويمكننا إدراك ذلك عملياً بإطلالة سريعة على أي كتاب من كتب غريب الحديث، وما تزخر به أجزاؤها وصفحاتها من الأبيات الشعرية، على اختلاف الأعصر الأدبية، وخاصّة منها العصر الجاهلي، وعصر الخضرمة، والعصر الإسلامي، كما عند أبي عبيد الذي يعد أوّل من شرح غريب


1) انظر: الزينة في الكلمات الإسلامية العربية 125/1 -- 128.

2) - الشعر والشعراء 747/2. وانظر: خاتمة شرح التبريزي على الحماسة 187/4، جمهرة أشعار العرب 1/1.

3) - الزينة 116/1.

الحديث في الأُمّة الإسلامية(1)، وابن قتيبة(2)، وابن الجوزي(3)، والزمخشري(4)، وابن الأثير(5)، وغيرهم كثير.

رابعاً: مجال التاريخ والسير والأنساب.

فكم من أحداث تاريخية ووقائع، وتصحيح أنساب قد اعتمدت على الشاهد الشعري كأوثق حجّة لإثبات الحدث أو نفيه، أو لضبط زمانه، أو مكانه، فهذا الشعبي يسأل ابن عبّاسt عن أوّل الناس إسلاماً؟ فيجيب ابن عبّاس: أو ما سمعت قول حسّان بن ثابت:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها *** بعد النبيّ وأوفاها بما حملا

كما أخذ من أبيات صرمة بن قيس الأنصاري تاريخ ومدّة إقامة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة بعد بعثته، وهي التي يقول في أوّلها:

ثوى في قريش بضع عشرة حجّة *** يذكّر لو يلقى صديقاً مواتيا(6)

خامساً: مجال اللغة.

واعتمد اللغويون، وأصحاب المعاجم اللغوية على الشواهد الشعرية،


1) انظر: كتابه (غريب الحديث).

2) - انظر: كتابه (غريب الحديث).

3) - انظر: كتابه (غريب الحديث).

4) - انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر.

5) - انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر.

6) - الاستبصار: 28 -- 29، 64. أسد الغابة 400/2 -- 401، الاستيعاب 21/1، 203/2، الإصابة 283/2.

يوثقون بها أقوالهم في اللغة، وقد جمعوا بين الشعر الجاهلي والمخضرم، والإسلامي، وحتّى الموّلد عند بعضهم، وهم في حالة جمع المادّة الشعرية لا ينظرون إلى معاني الشعر، بقدر نظرتهم إلى المادّة اللغوية، فلذلك يختلف الغرض الشعري من بيت لآخر، ولا يفاضلون في عمليتهم بين المعاني الشريفة، والمعاني المرذولة...

وكان بعض الشعراء أكثر حظاً في الاستشهاد بشعرهم من غيرهم، حتّى قالوا في شأن الفرزدق -- مثلاً -- : (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب).

ونجد البحر الزاخر من الشواهد الشعرية، ونحن نتصفّح أي معجم من معاجم اللغة العربية، سواء تعلّق الأمر بمعاجم الألفاظ، وما أكثرها: ك-(القاموس)، و(التهذيب) للأزهري، و(الصحاح) للجوهري، و(تاج العروس)، و(أساس البلاغة) للزمخشري، و(لسان العرب) لابن منظور، و(معجم مقاييس اللغة)، و(المجمل) وكلاهما لابن فارس، و(الجمهرة) لابن دريد، وكان يتهم بالوضع والزيادة في اللغة... أو تعلّق الأمر بمعاجم المعاني وما أقلها، ك-(المصنّف) لأبي عبيد، و(المخصّص) لابن سيدة (وقد سدّ -- حقّاً -- ثغرة كبيرة في هذا الجانب)، و(فقه اللغة) للثعالبي...

سادساً: ميدان التمثل بالأشعار.

وهو باب واسع، وهي الأشعار التي قالها أصحابها، واستحسنها الناس، وارتضاها النقاد؛ فحُبِّبت إلى القلوب والعقول، وحُفظت كأغلى ما يمكن الاحتفاظ به من الأعلاق النفيسة، ومن ثمّ حسن التمثل بها في المواقف

المماثلة لنشأتها، وفيها ما فيها من راحة النفس، وشفاء الغليل، ومتعة الذوق الأدبي الرفيع...

وفي طليعة من تمثل بالأشعار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أزواجه، وآل بيته، والخلفاء الراشدون، وكثير من الصحابة والتابعين، واستمر ذلك عند علماء الأُمّة الإسلامية في كلّ عصر ومصر. ولا بأس من سوق نماذج يسيرة من ذلك، تقريراً للمسألة، وتوكيداً للحجّة.

فقد ثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تمثل ببيت طرفة: (ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا..)(1).

وتمثل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ببيت لعبد الله بن رواحة: (هذا الحمال لا حمال خيبر..)(2).

وتمثل بشعر الأعشى الحرمازي، واسمه عبد الله بن الأعور، الذي اشتكى للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من زوجه الناشز بجملة أبيات، أوّلها:

يا سيّد الناس وديّان العرب *** أشكو إليك ذِرْبةً من الذُرب

إلى أن قال في عجز البيت الرابع: (وهن شرّ غالب لمن غلب)، فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يكرّره(3).

وتمثل ببيت قاله الوليد بن الوليد بن المغيرة أخو خالد بن الوليد،


1) الشذرة في الأحاديث المشتهرة 325/1 -- 326. وكذلك في الزينة 98/1 -- 100، وقلب القافية، وانظر: معجم الشعراء: 6.

2) - المواهب اللدنية 425/1 -- 426.

3) - أسد الغابة 266/6 -- 267، الاستيعاب 124/1، وغيرهما من كتب السيرة والحديث، المقاصد النحوية 289/2.

ويقال: هو لعبد الله بن رواحة، وذلك عندما ركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغار، فدميت أصبعه، والبيت هو:

هل أنت إلاّ إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت(1)

وتمثل بشعر عامر بن الأكوع رضي الله عنه ؛ فقد كان النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم يوم الخندق ينقل التراب حتّى أغمر بطنه، أو أغبَّر بطنه، وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا

إنّ الألى قد بغوا علينا *** إذا أرادوا فتنة أبينا

فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يرفع بها صوته، ويقول: أبينا أبينا(2).

وتمثل صلى الله عليه وآله وسلم ببيت لأُميّة بن أبي الصلت، وقد أخذه أبو خراش الهذلي رضي الله عنه، وضم إليه بيتاً آخر، فكان يقولهما وهو يسعى بين الصفا والمروة. وبيت أُميّة هو:

إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا *** وأي عبد لك لا ألّما(3)

ويجوز للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنشاد الشعر والتمثل به -- على ما حقّقه المحقّقون -- لا إنشاؤه(4).


1) انظر: الإصابة 41/1، و3/640، 7/4، صحيح البخاري، بالفتح 14/6، الاستيعاب 16/4، أسد الغابة 98/1، 349/5 المواهب اللدنية 389/1، 253/4، حسن الصحابة 172/1، عيون الأثر 174/1، جمهرة اللغة 303/2 (دمى)، مشاهد الإنصاف: 20.

2) - صحيح البخاري، بالفتح 308/7 -- 309، المقاصد النحوية 451/4.

3) - خزانة الأدب 359/1، وانظر 358 في تحقيق نسبة البيت.

4) - انظر: الفاضل، للمبرّد: 4، 7، 9، 10، خزانة الأدب 359/1.

وقد كانت عائشة رضي الله عنه زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أحفظ الناس للشعر وفهمه, ونقده، وروايته والتمثل به؛ فقد روي: أنّها كانت تحفظ اثني عشر ألف بيت من الشعر(1)، وتمثلت رضي الله عنها بأشعار كثيرة.

منها: أنّها وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن، وتمثلت ببيت متمّم بن نويرة في أخيه مالك بن نويرة، وهو:

وكنّا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا(2)

وعندما بلغ عائشة رضي الله عنه خبر مقتل عليّ(كرّم الله وجهه) تمثلت ببيت مُعَقَّر بن حِمّار البارقي:

فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر(3)

وتمثل الحسن بن عليّ رضي الله عنه ببيت شعر، قال علي بن زيد: ما سمعته متمثلاً بغيره، وهو:

الموت باب وكلّ الناس داخله *** فليت شعري بعد الباب ما الدار(4)

وكان أبو بكر الصديقt يتمثل دائماً ببيت لحنظلة بن سيار، وهو من جملة أبيات:

كلّ امريء مصبّح في أهله *** والموت أدنى من شراك نعله(5)


1) زهر الأفنان 232/2.

2) - حسن الصحابة 115/1، وانظر: سرح العيون: 80، والعقد 70/6، 392.

3) - عيون الأخبار 259/2، الأغاني 346/8، الكامل، لابن الأثير 198/3، تاريخ الطبري 86/6، معجم الشعراء، للمرزباني: 9.

4) - الأغاني 305/21.

5) - المواهب اللدنية، بشرح الزرقاني 418/1، وانظر 462/1، 495.

وهذا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان لا يعرض له أمر إلاّ أنشد فيه بيت شعر(1)، وكان يقارن بين حياته في الجاهلية، وحياته في الإسلام، ويتمثل بخمسة أبيات، أوّلها:

لا شيء ممّا ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله ويودى المال والولد(2)

وقيل لابن عبّاس: أتقول الرفث وأنت محرم؟ قال: الرفث ما كان عند النساء، وتمثل قائلاً:

وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا(3)

وتمثل في عماه بشعر حسّان بن ثابت -- ويقال هو له -- :

إن يأخذ الله من عينيّ نورهما *** ففي لساني وقلبي منهما نور

قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور

وتمثل عمر بن عبد العزيزt بشعر أبي الصلت الثقفي، في خبر مشهور:

تلك المكارم لا قعبان من لبن *** شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا(4)

سابعاً: ميدان التشكّي بالأشعار.

وهو باب مطروق عند الشعراء؛ من ذلك شعر الأعشى الحرمازي -- المذكور سابقاً -- الذي اشتكى بزوجه الناشز للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتمثل رسول الله


1) مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي: 99.

2) - الاستيعاب 472/2 -- 473.

3) - الخبر مذكور في كثير من كتب التفسير، انظر مثلاً: الدرّ المنثور 219/1، والبيت في معاني الفرّاء 192/2.

4) - انظر مثلاً: الروض الأنف 176/3.

بآخر الشعر: (وهن شرّ غالب لمن غلب).

ومن ذلك شعر شيخ من الصحابة جاء يشكو إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عقوق ابنه، فأنصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والشعر سبعة أبيات من أجود الشعر يصلح لتربية الصغار، وإصلاح المراهقين، أسوق منها هنا: الأوّل، والخامس، والسادس، والسابع، هكذا:

غذوتك مولوداً وعلتك يافعا *** تعلّ بما أحنو عليك وتنهل

فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة *** كأنّك أنت المنعم المتفضّل

فليتك إذ لم ترع حقّ أبوتي *** فعلت كما الجار المجاور يفعل(1)

وشكت قتيلة بنت النضر بن الحارث للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى بكى ورق لحالها، وقال: (لو سمعت شعرها ما قتلت أباها)(2).

وقد جاء في شعرها تخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم :

ما كان ضرّك لو مننت وربّما *** منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق(3)

وهناك من يرى أنّ صاحبة الشعر هي قتيلة بنت الحارث أخت النضر، غير أنّ السهيلي يقول: (الصحيح أنّها قتيلة بنت النضر، لا أخته)(4).


1) تمام المتون: 266.

2) - العمدة، لابن رشيق 56/1 -- 57، الأغاني 19/1.

3) - الشعر مبثوث في كتب السيرة، والتفسير، والحديث والأدب... انظر -- مثلاً -- الدرر اللوامع 53/1 -- 54.

4) - انظر: تفسير القرطبي 58/8.

وعندما أودع عمر رضي الله عنه الحطيئة في السجن، على هجائه الناس، ومنهم الزبرقان بن بدر، قال الحطيئة قصيدتهُ الرائية يشكي ويبكي، والتي فيها:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ *** زُغب الحواصل لا ماء ولا شجر

ألقيت كاسيهم في قعر مظلمة *** فاغفر عليك سلام الله يا عمر

فأطلق سراحه، ووصله، واشترى منه أعراض المسلمين، وهدّده بالعقاب إن رجع لفعلته(1).

ثامناً: ميدان التوحيد والعقائد.

روى ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لمّا سمع بيت أُميّة بن أبي الصلت الثقفي، صدّقه، وهو:

رجل وثور تحت رجل يمينه *** والنسر للأُخرى وليث يرصد(2)

وقد صدّق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبيد الصحابي الشاعر المخضرم في صدر بيت، وكذّبه في عجزه، قائلاً: (كذبت نعيم الجنّة لا يزول):

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل *** وكلّ نعيم لا محالة زائل(3)

وقيل: الذي كذّب وصدق لبيداً هو عثمان بن مظعون(4).

ولمّا سمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أعشى بني الحرماز ينشد: (يا مالك الملك وديان


1) العقد الفريد 293/5.

2) - الخازن 120/7، الإصابة 129/1.

3) - أسد الغابة 93/3.

4) - المواهب اللدنية 325/1.

العرب..) يشكو إليه امرأته -- كما سبق -- قال (مه! ذاك الله عزّ وجلّ)(1).

وهناك شاهد مصنوع، استشهد به المعتزلة والجهمية والحرورية على تفسير (الاستواء) ب-(الاستيلاء)، وهو:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق(2)

وهناك بيت آخر استشهد به المعتزلة أيضاً على معنى الكرسي في: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ(3)، حيث فسّروا (الكرسي) بعلمه؛ واستدلّوا بهذا البيت الذي لا يعرف قائله:

مالي بعلمك كرسي أكاتمه *** وهل يكرسيءُ علم الله مخلوق(4)

تاسعاً: مجال الفقه.

واستعملت شواهد الشعر أيضاً في المجال الفقهي والأُصولي، لتقرير بعض القواعد؛ فقد أورد الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) شعراً في إثبات القياس، وهو اثنا عشر بيتاً من الأبيات الطريفة الممتعة لأبي محمّد اليزيدي النحوي المقريء المشهور، برواية أبي عمرو بن العلاء(5).

وفي (مجالس العلماء) للزجّاج شعر يمتزج فيه الفقه بالنحو، ويتغيّر حكم الفقه فيه، وهو الطلاق بين الرفع والنصب في (ثلاث)؛ فهو طلقة


1) الزينة في الكلمات الإسلامية العربية: 100.

2) - انظر: المحرّر الوجيز 8/9، وهامش التيسير: 128، للكافيجي.

3) - سورة البقرة، آية الكرسي/255.

4) - انظر: الزينة 151/2، تاريخ آداب العرب 273/1 للرافعي.

5) - فتح الباري 252/13 -- 253.

واحدة لمن روى في الشعر: (والطلاق عزيمة ثلاث)، وهو الطلاق الثلاث لمن روى: (والطلاق عزيمة ثلاثاً...)(1).

عاشراً: ميدان النحو.

بمختلف تشعباته: النحو، والصرف، والاشتقاق، والإملاء... وهكذا نجد الشواهد الشعرية قامت بالدور التأسيسي والتأصيلي لقواعد النحو وضوابطه، وخاصّة عند مدرستي البصرة والكوفة. والكوفيون أكثر الناس وضعاً للأشعار التي يستشهدون بها. وقد كانوا يتعلّقون بالشواذ ويتّخذونها أصلاً يقيسون عليه، وكان الكسائي أوّل من فتح لهم هذا الباب، فأفسد النحو بذلك!

واضطر الكوفيون إلى وضع أشعار لتقوية مذهبهم في التقعيد النحوي، حتّى كثرت شواهدهم كثرة مذهلة؛ فقد روي أنّ خلف الأحمر النحوي مؤدّب الأمين كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو، زيادة على ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب... وروي أنّ أبا مسحل الأعرابي روى عن علي بن المبارك أربعين ألف بيت شاهداً على النحو.

وفي مقابل مذهب أهل الكوفة كان البصريون يتثبتون في أشعار الشواهد، ومنهم إمام النحاة سيبويه الذي سُمّي كتابه: (قرآن النحو)، وأودعه أصحّ الشواهد.

قال الجرمي: (في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتاً، سألته عنها،


1) انظر: مجالس العلماء: 259 -- 261.

فعرف ألفاً ولم يعرف الخمسين)(1).

والنحويون حرّفوا أبياتاً أثبتها أهل الشعر، واللغة، وأهل التفسير، وبذلك عظمت الطامة(2)، وكان اعتداد النحويين واللغويين بالشواهد الشعرية لا يقف عند حدّ، لأنّها مصدر القواعد(3).

الحادي عشر: ميدان علوم البلاغة.

وهي الشواهد المتعلّقة بعلم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني، قال عبد السلام هارون -- رحمه الله -- : (شواهد البلاغة لا تعد شواهد بالمعنى الدقيق)(4).

الثاني عشر: ميدان العروض.

ولا شكّ أنّ الخليل بن أحمد، مؤسس علم العروض، لم يهتد لذلك إلاّ بجمع الشواهد الشعرية على اختلاف الأبحر، واستخلاص أوزانها، واستقصاء ما في الأشعار العربية من أوزان موسيقية، سمحت له في خاتمة المطاف بتقعيد قواعد علم العروض(5)، وألف كتاب (الشواهد)، ولعلّه في هذا الموضوع(6).


1) انظر: تاريخ آداب العرب 369/1 -- 372، وتاريخ الطبري 88/14 -- 89، 22/15، 84، 22/16، 88/17، 141/18، 349/19.

2) - المقاصد النحوية 347/2 -- 349.

3) - انظر: مقدّمة تحقيق المذكر والمؤنث، لابن الأنباري: 42.

4) - انظر: مقدّمة معجم شواهد العربية، لعبد السلام هارون.

5) - انظر: العقد الفريد 428/5 -- 518.

6) - انظر: المفصل، لجواد علي 210/9.

الثالث عشر: مجال الاستشهاد بالشواهد على آراء المذاهب المستحدثة.

تقوية لوجهة نظرها، وتأصيلاً لمبادئها، كاستشهاد المعتزلة والجهمية والحرورية لتفسير (الاستواء) ب-(الاستيلاء)، بالبيت المشهور:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف أم دم مهراق

وقد قيل: إنّ هذا البيت مصنوع (موضوع)، والمعاجم العربية لا تعرف (استوى) بمعنى: (استولى)(1).

الرابع عشر: مجال الجغرافيا (الأماكن والبلدان).

وهو ميدان رحب للتعريف بالأماكن والبلدان عن طريق الشعر العربي، والاستشهاد به، غير أنّ المؤلّفين في هذا الفنّ قد عزف بعضهم عن الأشعار تماماً، في حين اعتمد آخرون اعتماداً أساسياً على الشعر.

وأذكر من هؤلاء أبا عبيد البكري الأندلسي في كتابه العظيم الأهمية (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع)، وكذلك (معجم البلدان) لياقوت الحموي، فإنّ كلاًّ منهما شفى الغليل، وأكثر من ذكر تلك الشواهد التي استقى منها مادته الجغرافية، وضبط مواقعه، وحدّد معالمه بفضل ما نصّت عليه، وفي هذا الإطار قام بعض المستشرقين الألمان بوضع خريطة دقيقة لمختلف المواقع والجبال والوديان في الجزيرة العربية، مستخرجاً ذلك كلّه من أشعار الجاهليين. وهو عمل عظيم يبعث الروح والحيوية من جديد في نصوص الأدب الجاهلي.


1) انظر: المحرّر الوجيز 8/9، هامش التيسير، للكافيجي: 128.

ونجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد لمّح وأشار إلى بيت لحسّان يوم فتح مكّة، حيث قال لأصحابه الأخيار: (أدخلوها من حيث قال حسّان)، وبيت حسّان هو:

عدمتُ بنيَّتي إن لم تروها *** تثير النقع موعدها كداءُ(1)

الخامس عشر: تنوع مجال الاستشهاد.

ومن أعجب الشواهد وأغربها ما نراه قد استخدم في أكثر من علم، كالبيت الشهير الذي قرأناه وحفظناه أيام الطلب والتحصيل، في علم النحو، وكذلك قرأناه في علوم البلاغة، حيث يرد شاهداً على التعقيد المعنوي، وهو:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد(2)

قالوا: والبيت مجهول القائل، وقيل: هو للفرزدق(3). قال العيني: (هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأنّ الانتساب للآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله)(4).


1) من قصيدة همزية لحسّان بن ثابت، قالها قبل فتح مكّة، وصدر البيت في رواية الديوان هكذا: (عدمنا خيلنا إن لم تروها...)، و(كداء): الثنية العليا بمكّة ممّا يلي المقابر، وهو المعلّى. انظر: المواهب اللدنية بشرح الزرقاني 365/2، ديوان حسّان بشرح البرقوقي: 57.

2) - خزانة الأدب 213/1، شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي 520/2.

3) - انظر: خزانة الأدب 213/1 -- 214.

4) - خزانة الأدب 213/1، ونقله محقّقاً شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي 520/2.

اعتناء العلماء بجمع الشواهد ودراستها ونقدها

وقد اعتنى العلماء بجمع تلك الشواهد على اختلافها عبر الأعصر، باعتبارها ذخيرة فكرية، وباعتبارها أهم دلائل وحجج يتوقّف عليها التوثيق العلمي إلى حدّ كبير، وباعتبارها مصدر القواعد التي تستنبط.

وبرزت عناية العلماء، وخاصّة في الصدر الأوّل، وعصر بداية التدوين بشواهد الشعر العربي الأصيل، وفي طليعته: الشعر الجاهلي، حيث اختيرت أغلب الشواهد من هذا العصر، وتم حفظها وتطبيقها في مجال التفسير واللغة وغيرهما.

ومن السباقين لذلك: ابن عبّاس رضي الله عنهما، و(مسائل ابن الأزرق)، أحسن تشخيص عملي لهذا المبدأ برمته، ثمّ اقتدى به من جاء بعده(1).

وابن عبّاس كان أحياناً لا يكتفي بالشاهد الواحد للاحتجاج به على المسألة، وإنّما يورد أكثر من شاهد، مبالغة في التوثيق والتوكيد، كما تكرّر ذلك في عدّة قضايا من (مسائل ابن الأزرق)، وتأثر بهذا المنحى مفسّرون، منهم مثلاً: الطبرسي(2)، والطوسي(3)، والطبري(4)، والقرطبي(5)، وأبو حيان(6)،


1) انظر: المفصل، لجواد علي 666/8، ومقدّمة طبقات الشعراء: 18.

2) - مجمع البيان 338/2.

3) - التبيان، في عدّة مواضع.

4) - جامع البيان، في عدّة مواضع.

5) - جامع أحكام القرآن، في عدّة مواضع.

6) - البحر المحيط، في عدّة مواضع.

وابن عطية(1)، وغيرهم كثير.

ويقول جولدتسيهر عن تأثر الطبري بمنهج ابن عبّاس: إنّ الطبري كان متابعاً في ذلك توجيه ابن عبّاس(2).

وممّن اعتنى بجمع الشواهد من المفسّرين أيضاً في تفاسيرهم من القدامى: أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة (209ه-)(3)، ويحيى بن زياد الفرّاء المتوفى سنة (207ه-)(4)، وأبو إسحاق الزجّاج المتوفى سنة (311ه-)(5)، وأبو جعفر النحّاس المتوفى سنة 338ه-(6)، وسواهم.

وقد كان أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة (244ه-) ممّن تأثر بمذهب ابن عبّاس في الاستشهاد بالشعر على فهم اللغة، وفهم صحّة معاني القرآن الكريم(7).

وفي مقابل هذا نجد الإمام الأصمعي، وهو من هو في جمع اللغة وحفظها، وتتبع أخبارها وشواردها، والتبحر في رواية الشعر العربي، وفهمه ونقده، كان يتوقّى التفسير عن طريق اللغة والأشعار العربية(8).


1) المحرّر الوجيز، في عدّة مواضع.

2) - مذاهب التفسير الإسلامي: 114.

3) - انظر: تفسيره (مجاز القرآن).

4) - انظر: تفسيره (معاني القرآن).

5) - انظر: تفسيره (معاني القرآن وإعرابه).

6) - انظر: كتابه (إعراب القرآن).

7) - غريب الحديث، لأبي عبيد 370/4 -- 373.

8) - انظر: أخبار النحويين البصريين: 59 -- 62.

وابن الأنباري أكثر الناس جمعاً وحفظاً وتطبيقاً لشواهد القرآن؛ فقد كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر، أو تزيد، على تفسير القرآن، كما كان يحفظ أيضاً مائة وعشرين من التفاسير(1).

ومن أوائل الكتب اللغوية المشحونة بالشواهد، كتب أبي زيد الأنصاري؛ ففيها من شواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره، لأنّه من أعلم الناس باللغات(2)..

وكتب الجاحظ حافلة بالاستشهادات، وخاصّة في كتابه (الحيوان)، فهو يذكر فيه أنواع استشهاداته على كلّ نوع من أنواع معارفه، كالشواهد القرآنية والحديثية وغيرها(3)..

والإمام الشافعي رضي الله عنه المتوفى سنة (204ه-) يعوّل كثيراً على الشواهد الشعرية، لأخذ اللغة، وأوجه قواعد الإعراب لتأكيد صحّة ما يذهب إليه(4). وخبر المناظرة التي دارت بينه وبين أبي عبيد حول مسألة (القُرْء) مذكور مشهور؛ فكان أبو عبيد يقول: إنّه الطهر، وكان الشافعي يقول: إنّه الحيض، ولم يزل كلّ منهما يقرّر قوله، حتّى تفرّقا، وقد انتحل كلّ منهما مذهب صاحبه. ولم يسبق للشافعي أن رجع إلى مذهب أحد في مناظراته إلاّ إلى مذهب أبي عبيد(5).


1) انظر: معجم الأدباء 307/18، الحث على حفظ العلم: 58.

2) - انظر: أخبار النحويين البصريين: 53.

3) - الحيوان 12/6 -- 13، 14.

4) - انظر -- مثلاً -- كتابه: أحكام القرآن.

5) - انظر: دراستي عن أبي عبيد، القسم الأوّل:60 -- 61، وطبقات الشافعية، للسبكي 159/2 -- 160.

أمّا عن الجمع بمعنى التأليف في ميدان الشواهد على اختلاف أنواعها، فقد ألّف فيها وجمعها جمهور من العلماء، أذكر من ذلك على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر:

-- (شواهد القرآن)، لأبي عبيد القاسم بن سلام.

-- كتاب (الشواهد)، للخليل بن أحمد الفراهيدي.

-- كتاب الشعر، (أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب)، لأبي علي الفارسي.

-- كتاب (المعاني الكبير في أبيات المعاني)، لابن قتيبة الدينوري.

-- كتاب (البيان في شواهد القرآن)، لعلي بن الحسين الأصبهاني.

-- (شرح أبيات سيبويه)، للسيرافي.

-- (شرح أبيات إصلاح المنطق)، للسيرافي.

-- (الحلل في شرح أبيات الجمل)، للبطليوسي.

-- (شرح شواهد الكشّاف)، لمحي الدين أفندي.

-- (الشواهد والأمثال)، لابن نفيس(1)

وما قد ذكر هذا فإنّ كتاب (الدرّ الفريد وبيت القصيد في أشعار العرب) لمحمّد بن ايدمر، وفرغ منه سنة694 في ثلاثة أجزاء بخط المؤلّف في مكتبة أسعد أفندي -- أيا صوفيا وفاتح بتركيا، وقد نشره فؤاد سزكين سنة 1988 عن معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت بألمانيا، في خمسة أجزاء. (الخرسان).

.

1) ذكره إسماعيل باشا البغدادي في إيضاح المكنون 59/2، فقال: (الشواهد والأمثال لابن نصر عبد الرحيم بن نفيس بن إبراهيم بن وهبان السلمي الحديثي المتوفى سنة 617 سبع عشرة وستمائة (من كتب آيا صوفية). (الخرسان).

-- (الشواهد الكبرى في النحو)، لمحمّد أسعد القاضي.

-- (الشواهد الكبرى والصغرى)، للعيني أو (شرح شواهد الألفية)، أو (المقاصد النحوية في شرح شواهد الألفية).

-- (معاهد التنصيص على شواهد التلخيص)، للعبّاسي.

-- (تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد)، لابن هشام، وهو (شرح شواهد شرح الألفية)، لابن الناظم.

-- (شرح أبيات الإيضاح والمفتاح)، (شواهد البلاغة).

-- (شرح شواهد الشافية)، للبغدادي.

-- (شرح الجرجاوي لشواهد ابن عقيل).

-- (شرح شواهد ابن عقيل)، لمحمّد قطة العدوي.

-- (ميدان الفرسان في شواهد القرآن)، للسيوطي.

-- (الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب)، للفارقي.

-- (الانتخاب لكشف الأبيات المشكلة الإعراب)، لابن عدلان الموصلي.

-- (الشواهد الشعرية لمن أراد التفرّس في العربية)، لمجهول (مخطوط).

-- (شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح)، لابن مالك النحوي.

-- (شواهد النبوّة)(1)

(شواهد النبوّة -- فارسي لمولانا نور الدين عبد الرحمن بن أحمد الجامي المتوفى سنة 898، أوّله الحمد لله الذي أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين...الخ، وهو على مقدّمة وسبعة أركان، وترجمه محمود بن عثمان المتخلص باللامعي المتوفى سنة 938 ثمان وثلاثين وتسعمائة، ثمّ ترجمه أيضاً المولى عبد العليم بن محمّد الشهير بأخي زاده من صدور الروم المتوفى سنة 1013 ثلاث عشرة وألف، وهو أحسن من ترجمة اللامعي عبارة وأداء).

أقول: فأين هذا ممّا أراد من التأليف في الشواهد الشعرية؟ والكتاب على نحو كتاب (شواهد الربوبية في المناهج السلوكية) لمير صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار الأربعة والحكمة المتعالية. (الخرسان).

.

1) من الغريب أن يذكر الدكتور الخباطي هذا الاسم ضمن كتب الشواهد الشعرية وهو لا يعرفه ما هو؟ ولمن هو؟ ويبدو لي أنّه استخفّه لذكره الشواهد، دون أن يعلم موضوعه ومؤلّفه ولغته، فصحّ خبط الخباطي خبط العشواء في الليلة الظلماء، ولو أنّه رجع إلى (كشف الظنون 1066/2 -- 1067 ط المكتبة الإسلامية) لرأى ما قاله مؤلّفه كاتب جلبي في تعريفه، وإلى القارئ ما قال:

-- (شواهد المؤرّخين)، لمحمّد أسعد القاضي(1).

-- (الدرر اللوامع على شواهد همع الهوامع)، للشنقيطي.

-- (معجم شواهد العربية)، لعبد السلام هارون.

-- (خزانة الأدب)، للبغدادي.

-- (شرح شواهد شرح الكافية)، للاستراباذي.

-- (شواهد معاني غريب الحديث)، للأزهري.

وهذه الشواهد كانت تختار عند المحقّقين من أصحاب كلّ فنّ، فيؤخذ ما صحّ، ويرفض ما خالف ذلك، وقول الزجّاج -- بعد إيراده شاهداً لم يرتضه -- يبيّن ذلك، قال: (وليس يعرف قائل هذا الشعر من العرب، ولا


1) بعسكر الرومي، كما في (إيضاح المكنون). (الخرسان).

هو ممّا يحتجّ به في كتاب الله عزّ وجلّ)(1).

والواقع أنّ الشواهد المستشهد بها، لا تصحّ جميعها، وقد سبق أن رأينا أنّ المبالغة في الرواية كانت عند أهل الكوفة، والاقتصاد والتحرّي فيها عند أهل البصرة.

ومسألة توثيق الشواهد اهتم به الدارسون قديماً وحديثاً، لما لها من أهمية عظمى في إثبات صحّة الأثر الأدبي(2). وقد رفضوا كثيراً منها؛ كشعر عاد وثمود، قال فيه أبو عمرو بن العلاء: لا تصحّ نسبته إليهم. ونقله عنه محمّد بن سلام الجمحي في (طبقات الشعراء)(3). كما رفض الاستدلال بشعر أُميّة بن أبي الصلت الثقفي، لولوعه باستعمال الغريب الذي لم تعرفه العربية، مع افتراض انتحال معظمه(4).

وكذلك رفض الاستدلال بالشعر الحميري في النحو وقواعد العربية، لأنّه يحتوي على مجموعة من الألفاظ فيها من الهجنة والرطانة ما يشهد بفساده، وأحرى أن يستشهد به!(5)

وقد ذكر جواد علي ضوابط مهمّة، ومقاييس ضرورية، لقبول الشواهد الشعرية في كتابه (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام)(6)، وله كلام مهم


1) معاني القرآن وإعرابه، للزجّاج 160/3.

2) - انظر مثلاً: معجم شواهد 5/1 و6.

3) - انظر: الزينة في الكلمات الإسلامية العربية 85/1 -- 86، 90.

4) - انظر: المفصّل، لجواد علي 480/6 489 -- 500.

5) - انظر: المفصّل، لجواد علي 369/9.

6) - المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 276/4 -- 277.

أيضاً في (ج9/674 -- 575) حول صحّة الاستشهاد وعدمه بالشعر إذا كان بغير لسان مضر.

ومعرفة قائل الشاهد الشعري كانت لها الأهمية القصوى عند بعض العلماء(1)، بينما كان بعضهم يقبلها على إرسالها، كأبي عبيدة معمر بن المثنى في مؤلّفاته، وخاصّة (مجاز القرآن) الذي هو الأولى والأحقّ بعناية اختيار الشواهد ومعرفة قائليها، لأنّه مجال الاستشهاد على كلام الله عزّ وجلّ(2).

وقد يضع بعض الزنادقة أشعاراً تشتمل على معان وألفاظ قرآنية، ثمّ ينسبها لشاعر جاهلي، لتكتسب مصداقية الشعر الجاهلي(3).

ومن عُدَّ في أوّل قائمة الوضّاعين: محمّد بن دأب الأديب الإخباري الشهير، صاحب مجالس السمر والخبر والفكاهة والنوادر، وعيسى بن يزيد ابن داب، وكان يضع شعراً فاسد المعنى، وينسبه لأعشى همدان(4).

والوضع في الشاهد قد يكون كلّياً (يشتمل البيت كلّه)، وقد يكون جزئياً، حيث يعمد الناحل الوضّاع إلى كلمة أو كلمات فيحذفها ويضع مكانه ما يناسب الوزن، ويساير المعنى الذي أرادهُ(5). وقد اكتشفت نماذج كثيرة من هذا النوع في دراستي لمسائل ابن الأزرق، وعالجتها بما يسر الله


1) انظر: عمدة القاري 65/4.

2) - انظر: مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي: 98، وباستقصاء من 93 -- 101.

3) - انظر: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص 193/4.

4) - الأغاني 56/6، وانظر: المزهر 414/2، المفصّل لجواد علي 51/9 حيث نقل عن المزهر، وأنساب الأشراف 307/2 -- 310.

5) - انظر: دلائل الإعجاز: 430.

من الفهم والتوفيق.

[ليتني أدري لماذا لا يذكر حمّاد عجرد، وحمّاد الراوية، في قائمة الوضّاعين، مضافاً إلى فسقهما، وهما من ندماء الأمويين، فعجرد نادم الوليد ابن يزيد، ثمّ قدم بغداد زمن المهدي... قتله محمّد بن سليمان أمير البصرة على الزندقة سنة 161ه-، وحمّاد الراوية كان نديماً للوليد بن عبد الملك، وقيل: إنّ الوليد سأله: لم سميّت الراوية؟ قال: لأنّي أروي لكلّ شاعر تعرفه، ولكلّ شاعر تعترف أنّك يا أمير المؤمنين لا تعرفه، وأنشدك على كلّ حرف من حروف المعجم مائة قصيدة للجاهلية، فيقال: أنّه وكلّ به من يستنشده حتّى سرد ألفين وتسعمائة قصيدة (يا سلام؟!)، فأمر له بمائة ألف درهم، وقيل: إنّ هشام بن عبد الملك أعطاه مائة ألف؟ مات سنة 156ه-، وقيل: 164ه-.

فهذان الحمّادان قد وصفهما الذهبي في سيره، فقال: حمّاد عجرد الشاعر المفلق، وقال: حمّاد الراوية هو: العلاّمة الأخباري. فكلاهما كأنّهما لم يشاكا بشوكة في رواياتهما، وهما ممّن اتّهموا في دينهم، قال ثعلب: كان حمّاد الراوية مشهوراً بالكذب في الرواية وعمل الشعر واضافته إلى المتقدّمين، حتّى يقال: أنّه أفسد الشعر، وعدّه بعضهم من الزنادقة، وفيه يقول الشاعر:

نعم الفتى لو كان يعرف ربّه *** ويقيم وقت صلاته حمّاد

كذا في لسان الميزان2/352.

وفيه عن الجاحظ، قال: (كان حمّاد الراوية، وحمّاد عجرد، وحمّاد بن

الزبرقان، وبشّار، ووالبة، وأبان اللاحقي، وحفص بن أبي بردة، ويزيد بن الفيض، وحميد بن محفوظ، ومطيع بن إياس، ومنقذ بن عبد الرحمن، وابن المقفّع، ويونس بن أبي فروة، وعمارة بن حمزة، يتهمون في دينهم) (الخرسان)].

ومن الشواهد التي رأيت أنّه وقع فيها تحريف خطير، وخاصّة أنّ معظم كتب التفسير، وعلوم القرآن، والأُصول، والعقائد قد استشهدت به، وأصبح جارياً على الألسن، وهو:

ترى السفيه به عن كلّ محكمة *** زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء

وصواب رواية البيت -- كما وقفت عليه -- في (شرح الشريشي 374/2) على مقامات الحريري، ونسبه لسابق البربري، وهو آخر ثلاثة أبيات تتعلّق بالحلم والتسفيه، لا بالمحكم والمتشابه، وروايته: (محلمة) بدل (محكمة)، و(التسفيه) بدل (التشبيه).

وقد صحّف أيضاً أبو عبيدة معمر بن المثنى كلمة (يُشرون) بالشين المعجمة إلى (يسرون) بالسين المهملة في بيت امرئ القيس:

تجاوزت أحراساً وأهوال معشر *** علي حراص لو يشرّون مقتلي

ليطبقه على تفسير الآية: وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ(1).

ومن صور التمويه وإفساد الشواهد، ما يعرف ب-(عملية التلفيق)، حيث يأخذ المستشهد شطر بيت، وعجز بيت آخر، ويعرضهما معاً على أنّهما بيت


1) تصحيح التصحيف، للصفدي: 558، مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي: 165 -- 166 نقلاً عن (التنبيّه على حدوث التصحيف)، لحمزة الأصفهاني، صفحة 58، والآية من سورة يونس/54، وآية سبأ/33.

(شاهد) مستقل الكيان، ومرّت معي أيضاً نماذج من هذا القبيل في دراستي لمسائل ابن الأزرق(1).

وليس من اللازم أن تكون عملية التلفيق في الشواهد عن قصد، بل قد تكون عن سهو، كما وقع لابن فارس في موضع من معجمه (مقاييس اللغة: شنأ، علق، فأو)، فيما رأيت في (نوادر المخطوطات) لعبد السلام هارون رحمه الله (2).

والشعر المنحول قبل الاحتجاج به جمهور من العلماء رغم صنعته، واشترطوا فيه أمرين أساسيين:

(1)-- أن يكون محاكياً للأصل، يمثل -- على الأقلّ -- جانباً من الواقع الأصيل(3).

(2)-- أن يقوم بصنعته المختصون المتمكنون من اللغة وكلام العرب، والعارفون بمذاهب الشعراء(4).

هذا عن الأشعار الأصيلة الفصيحة، أمّا الأشعار الموّلدة، فقد فصّل القول فيها ابن رشيق القيرواني؛ إذ قال: (الاستشهاد يصحّ بأشعار المولدين في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ)(5).

ولا يهم في الاسشتهاد موضوع الشعر، فإنّه يصحّ الاستدلال به على صحّة اللغة، ولو كان فاحشاً، خلافاً لمن ذهب لمخالفته(6).


1) انظر: خزانة الأدب 342/2 -- 344.

2) - نوادر المخطوطات 158/1.

3) - المفصّل لجواد علي 403/9 -- 405.

4) - كتاب الزينة 118/1 -- 122.

5) - انظر: العمدة 236/2، نقلاً عن ابن جني.

6) - انظر: دلائل الإعجاز: 60 -- 74.

مسائل ابن الأزرق بين النشأة، والرواية والدراسة

قصّة نشأة مسائل ابن الأزرق

قبل التعريف بمسائل ابن الأزرق، لا بدّ من إلقاء الأضواء على الإطارين الزماني والمكاني لقصّة نشأتها وظهورها، وتوضيح كثير من الملابسات الخفية التي تتصل بها.

الإطار المكاني لنشأة (المسائل)، هو مكّة المكرّمة، حيث كان ابن عبّاس يعقد جلساته العلمية، والناس يحيطون به، يسألونه، وهو يجيب السائلين؛ منهم من يسأل عن القرآن، ومعانيه، وأحكامه، وأسباب النزول، والقراءات والمراد منها، ومنهم من يسأل عن الحديث النبوي، والسيرة المحمّدية العطرة، ومنهم من يسأل عن الفقه والحلال والحرام، ومنهم من يسأل عن الأحداث والوقائع وتاريخ العرب والعجم... ومنهم من يسأل عن لغات العرب وأشعارهم، وخطبهم وأمثالهم وأسجاعهم، وغير ذلك.

فيجد كلّ سائل ضالته المنشودة، وغايته المقصودة في أجوبة ابن عبّاس، وقد مرّ معنا أنّه كان يعقد مثل هذه الحلقات العلمية في منزله أيضاً لمختلف طبقات العلماء والمتعلّمين، ويخصّص وقتاً محدّداً لكلّ أصحاب فنّ من الفنون، وكلّما انتهى وقت حصّة طائفة، ذكّرهم قائلاً: إخوانكم، (أي الذين ينتظرون بالباب)، ثمّ ينادي على غيرهم لفنّ آخر، وهكذا دواليك، حتّى يقرئهم جميعاً.

وفي هذه الأجواء -- وهو يوماً بحوض زمزم، يقرئ الناس -- برزت قصّة هذه المسائل، وذلك أنّ نافع بن الأزرق(1)، ونجدة بن عامر الحنفي(2)حجّا في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة، فإذا هم بعبد الله بن عبّاس قاعداً قريباً من زمزم، وعليه رداء أحمر وقميص، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير.

يقولون: يا بن عبّاس ما تقول في كذا وكذا؟ فيجيبهم ويقول: هو كذا وكذا.

فقال له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا بن عبّاس على تفسير القرآن! وعلى ما تخبر الناس به منذ اليوم.

فقال له ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك يا نافع وعدمتك. ألا أخبرك من هو أجرأ منّي؟

قال: من هو يا بن عبّاس؟

قال: رجل تكلّم بما ليس له به علم، أو كتم علماً عنده.

قال: صدقت، يا بن عبّاس! أتيتك لأسألك.

قال: هات يا بن الأزرق، فسل.

قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ(3)، ما الشواظ؟


1) ستأتي نبذة عن ترجمته.

2) - ستأتي نبذة عن ترجمته.

3) - سورة الرحمن/35.

قال: اللهب الذي لا دخان فيه.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت... (ساق له هنا ثلاثة أبيات)، ثمّ قال نافع بن الأزرق -- بعد سماعها -- : (صدقت)(1).

ويذكر المبرّد في (الكامل) أنّ: (نافع بن الأزرق كان ينتجع عبد الله ابن عبّاس فيسأله، فله عنه مسائل من القرآن وغيره قد رجع إليه في تفسيرها فقبله وانتحله، ثمّ غلبت عليه الشقوة...)(2).

ونقل المبرّد عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي النسابة، عن أسامة ابن زيد، عن عكرمة، قال: رأيت عبد الله بن العبّاس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله ويطلب منه الاحتجاج باللغة، فسأله عن قول الله جلّ ثناؤه: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(3)؟

فقال ابن عبّاس: وما جمع.

فقال: أتعرف ذلك العرب؟

قال ابن عبّاس: أما سمعت قول الراجز:

إنّ لنا قلائصاً حقائقاً *** مُستوْسقات لو يجدن سائقاً

قال المبرّد: (هذا قول ابن عبّاس، وهو الحقّ الذي لا يقدح فيه قادح.


1) انظر: مجمع الزوائد 303/6 -- 304، 278/9، فيما نقله الهيثمي عن (المعجم الكبير) للطبراني.

2) - الكامل بشرح المرصفي: المجلّد 4 ج7/154.

3) - سورة الانشقاق/17.

ويعرض القول فيحتاج المبتديء إلى أن يزداد في التفسير)(1).

والمبرّد ينقل لنا مرّة أُخرى صورة عن تلك الأجواء التي دارت فيها قصّة (مسائل ابن الأزرق)، فيقول: ويروى من غير وجه أنّ ابن الأزرق أتى ابن عبّاس فجعل يسأله حتّى أمَلَّه، فجعل ابن عبّاس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عبّاس، وهو يومئذ غلام، فسلّم وجلس. فقال له ابن عبّاس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك، فأنشده القصيدة التي مطلعها:

أمّن آل نُعْمٍ أنت غاد فمبكر *** غداة غد أم رائح فمهجّر

حتّى أتمّها، وهي ثمانون بيتاً.

فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا بن عبّاس! أنضرب إليك أكباد الإبل، نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش، فينشدك سفهاً فتسمعه! فقال: تالله ما سمعت سفها. فقال ابن الأزرق:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيخزى وأمّا بالعشيَّ فيخسر

(فقال: ما هكذا قال! إنّما قال: (فيضحى وأمّا بالعشي فيخصر).

قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلاّ ساعتي هذه، ولو شئت أن أردها لرددتها. قال: فأرددها؟ فأنشده إياها)(2).

هذا عن المكان الذي جرت فيه الأسئلة والأجوبة، أمّا عن تحديد الزمن الذي جرت فيه، فلم أر أحداً من المؤرّخين، أو الأدباء، أو النقّاد تعرّض له!

وأرى أنّ ذلك كان على وجه التقريب فيما بين 45 و55 هجرية، وتوافق


1) الكامل بشرح المرصفي: المجلّد 4 ج7/154.

2) - الكامل بشرح المرصفي: المجلّد 4 ج7/164 -- 166.

هذه الفقرة تحديد عمر بن أبي ربيعة فيما بين 22 و32 سنة، وهي فترة شبابه، لأنّه ولد سنة 23ه-، ولأنّ أغلب من ذكر قصّة هذه المسائل يصف ابن أبي ربيعة بأنّه غلام، أو شاب، ولأنّ قصيدته فيها من النفس الشعري المسلسل الطويل، ومن براعة التعبير ورشاقة الألفاظ وانتقاء اللغة، ما يبرهن على أنّها شعر ناضج، ولا يتأتى ذلك قطعاً لمن هو دون سن العشرين من عمره.

نعم، قد يجيد ناشئ البيت أو البيتين، أو الأبيات القليلة، ولكن لا يتسنّى له إنشاء قصيدة بمثل حجم وجودة وإتقان ما جادت به قريحة ابن أبي ربيعة، والتي فاقت ثمانين بيتاً، جميع أبياتها في غاية الروعة والجلال والجمال، والإيقاع الموسيقي الراقص الأخّاذ.

ومن القرائن على تحديد فترة نشأة تلك المسائل ، قدوم نافع بن الأزرق مع نجدة بن عامر الحنفي في نفر من رؤوس الخوارج إلى ابن عبّاس ينقُرون عن العلم ويطلبونه، كما سبق قريباً.

فهذا يدلّ صراحة على أنّهم خوارج، والخوارج كان خروجهم على عليّ ابتداء من سنة 37 للهجرة بعد وقعة صفّين وإجراء عملية التحكيم...

ومن القرائن أيضاً التي تؤخذ من خبر قدوم الخوارج إلى ابن عبّاس، أنّهم كانوا لا يزالون صفّاً واحداً قبل أن يظهر ابن الأزرق مبادئه المتشدّدة، وينقسم الخوارج سنة 64 هجرية إلى أزارقة، ونجدات، وأباضية، وصفرية، ثمّ تتفرع فرق أُخرى عن هذه الأربع..

مع العلم أنّ نشأة هذه المسائل كانت قبل أن يعمى ابن عبّاس، وهو ما حددّناه في حوالي سنة 60 للهجرة، وبصفة عامّة فإنّ زمن هذه المسائل كان

في عهد معاوية بن أبي سفيان.

وللتعريف بهذه المسائل، أقول: هي مجموعة من الكلمات القرآنية صعب أمرها، واستشكل فهمها على نافع بن الأزرق، فجاء يسأل عنها ابن عبّاس، كغيره من ألوف السائلين الذين يلتفّون حول ابن عبّاس في حلقاته العلمية، لكنّه اشترط على ابن عبّاس أن يأتيه بشواهد من الشعر من كلام العرب، تصدّق ما أدلى به من شرح وتفسير.

ولذلك تكرّر قول ابن الأزرق لابن عبّاس: (أو تعرف العرب ذلك؟) عقب كلّ شرح لابن عبّاس، أو بلفظ آخر: (وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟).

ولابن الأزرق أسئلة أُخرى كثيرة سأل عنها ابن عبّاس، تتخلل التفاسير القرآنية، مع إجابات ابن عبّاس عنها، غير أنّها تنفرد عن هذه المسائل بكونها لم يشترط فيها ابن الأزرق استحضار كلام العرب، وأشعارها، وبكونها لا تختص بجانب معين، كالجانب اللغوي فقط في (مسائل ابن الأزرق)، وإنّما هي تتوزعها اهتمامات متنوعة، مثل القراءات والتفسير، والفقه، والتوحيد، والمغيبات، بل وحتّى البحث عن الحيوانات وأسرارها.

فقد روي أنّه سأل عن الهدهد، ودوره في خدمة نبيّ الله سليمان عليه السلام ، فقال: (أرأيت نبيّ الله سليمان مع ما خوّله الله وأعطاه كيف عُني بالهدهد على قلّته وضؤولته؟

فقال ابن عبّاس: إنّه احتاج إلى الماء. والهدهد قنَّاءُ، الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك.

قال ابن الأزرق: قف يا وقّاف! كيف يبصر ما تحت الأرض، والفخُّ يغطَّى بمقدار أصبع من تراب، فلا يبصره حتّى يقع فيه؟!

فقال ابن عبّاس: ويحك! يا بن الأزرق، أما علمت أنّه إذا جاء القدر عشي البصر)(1)، وفي رواية أُخرى: (أما علمت أنّ القضاء يغلب الحذر)(2).

وتبدو جرأة ابن الأزرق على ابن عبّاس من بداية الأمر إلى نهايته، حتّى زمن عمى ابن عبّاس رضي الله عنهما ؛ فقد نقل ابن عطية عن الطبري: أنّ نافع ابن الأزرق الخارجي، قال لابن عبّاس: يا أعمى البصر، أعمى القلب، تزعم أنّ قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله تعالى: وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا(3)؟ فقال له ابن عبّاس: ويحك! اقرأ ما فوقها هذه الآية في الكفّار)(4).

نافع بن الأزرق: هو نافع بن قيس الحنفي البكري الوائلي، الحروري(5)، كنيته: أبو راشد، من شيوخ الخوارج في القراءة(6)، كان رئيس


1) الكامل بشرح المرصفي: المجلّد4 ج7/161، غرائب القرآن 227/1، تفسير الطبري 89/19، تفسير القرطبي 178/13، زهر الأفنان1/374 -- 375، الشذرة في الأحاديث المشتهرة 50/1، محاضرات الأدباء 678/4.

2) - مخطوطة الظاهرية لمسائل ابن الأزرق: المجموعة1، وانظر: الحيوان، للجاحظ 512/3 -- 513، و6/309 -- 310، ثمار القلوب: 384، تفسير الهواري 250/3.

3) - سورة المائدة/37.

4) - المحرّر الوجيز 95/5، فتح القدير 38/2 -- 39، تفسير الطبري 147/6، التبيان: 511.

5) - وحول نسب ابن الأزرق وأصله، انظر: نهاية الأرب: 93، فتوح البلدان: 67، المعارف: 44، 266 -- 267، سرح العيون 194 -- 205، المفصّل لجواد علي 517/6، 607، طبقات ابن سعد 247/3، أخبار مكّة للأزرقي 11/1، 12، 13، 23، 31، 247/2 -- 248.

6) - ملخص تاريخ الخوارج: 34.

الأزارقة وفقيههم، من أهل البصرة، وقيل: من أهل الكوفة(1)، وقيل: من (عبيد) بالطائف(2).

وقد صاحب ابن الأزرق عبد الله بن عبّاس، وكان يجالسه بمكّة ويسأله ويعارضه(3)، وينتجعه ويتباحث معه في مسائل كثيرة(4)، معظمها يتعلّق بالقرآن ومنها هذه المعروفة ب-(مسائل نافع بن الأزرق)، وقد قال ابن عبّاس في جلسة من جلساته لابن الأزرق، ونجدة بن عامر الحنفي -- وقد أرادا سؤاله -- : سلا عمّا بدا لكما، [تجدا علمه عندي حاضراً، إن شاء الله تعالىٍٍ](5).

وكان ابن الأزرق من الفقهاء القرّاء الشجعان؛ جمع بين فصاحة اللسان، وشجاعة القلب والجنان، مقداماً على الطعن والضرب بالسيف والسنان، كان من فرسان القتال، كما كان من الشعراء البلغاء، يمتاز بجزالة اللفظ، وقوّة المعنى، شأن شعراء الحماسة.

ومن شعره في قتل مسعود بن عمرو العتكي الأزدي:

فتكنا بمسعود بن عمرو لقيله *** لبَبَّة لا تُخرج من السجن نافعا

ولا تُخرجن منه عطية وابنه *** فخضنا له شوباً من السم ناقعا


1) تاريخ بغداد 156/8.

2) - جوامع السيرة، لابن حزم: 193.

3) - فتح الباري 427/8.

4) - ملخص تاريخ الخوارج: 121.

5) - مخطوطة الطستي لمسائل ابن الأزرق: لوحة 124، وانظر: الإتقان في علوم القرآن 56/2.

وكانت له في الأزد حال عظيمة *** وكان لما يهوى من الأمر مانعا

فقالت تميم: نحن أصحاب ثأره *** ولن ينتهوا حتّى يعضُّو الأصابعا

ويَصلَوا بحرب الأزد والأزد جمرةً *** متى يصطلوها يصبح الأمر جاشعا

فقل لتميم ما أردتم بكذبة *** تكون لها الأوطان منكم بلاقعا(1)

وتسمّى ابن الأزرق بأمير المؤمنين عندما بايعه أصحابه من البصريين، ثمّ استولى على الأهواز وأقام بها، وعظم أمره، واشتدّ خطره، وقويت شوكته مع أصحابه(2)الذين غلوا في تطرّفهم، وتشدّدوا في عقائدهم، حتّى أدى بهم الأمر إلى تكفير جماعة من الصحابة، ومنهم ابن عبّاس(3)الذي صدقت فراسته في نافع بن الأزرق، وكان قد قال له قديماً: (ويحك يا بن الأزرق! ليكونّن لك نبأ)(4).

وجرأة ابن الأزرق دفعته إلى مخاطبة ابن عبّاس مراراً بإسلوب وقح، منها ما حدث بعد عمى ابن عبّاس؛ حيث خاطبه بقوله: (يا أعمى البصر، يا أعمى القلب)!

ولئن كان الخوارج كما وصفهم الشاعر بقوله:


1) ديوان الخوارج: 207، نوادر المخطوطات 172/2، شعر الخوارج لإحسان عبّاس. (وببة) هو لقب عامل البصرة: عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب.

2) - جمهرة خطب العرب 446/2، نقلاً عن الكامل للمبرّد 180/2، ملخص تاريخ الخوارج: 39، ابن أبي الحديد 455/1، الأغاني 142/6.

3) - انظر: الملل والنحل 121/1.

4) - انظر: الدرّ المنثور 260/2، وآخر دراسة شاهد (مخمصة)/القسم 327/2 من أطروحة الباحث.

وقدم الخوارج الضُلال *** إلى عباد ربّهم فقالوا

إنّ دمائكم لنا حلال(1)

فإنّ الأزارقة أسوأ فرق الخوارج حالاً(2).

والأزارقة وصفهم المهلّب بن أبي صفرة، بالفصاحة، قال، وهو يقاتلهم: (الأزارقة قوم عرب، لهم بصر بالشعر، ويقولون فيه بالحقّ)(3).

وزعم أهل الأخبار: أنّ الأزارقة من العمالقة الذين كانوا ينزلون الحجاز(4)، وهذا يناقض ما عرف به نافع بن الأزرق؛ فقد ثبت أنّه كان أصلع قصيراً(5).

وقد قتل نافع بن الأزرق في وقعة (دولاب) سنة65ه-، قتله مسلم بن عبيس، ثمّ قتل هذا أيضاً(6).

وابن الأزرق معدود في أهل البدع والأهواء والضلالات، ولذلك أضربت عن ذكره معظم كتب الجرح والتعديل وغيرها، وقليل منها ذكرته على سبيل القدح والذم والتجريح.


1) فتح القدير 70/4.

2) - التنبيّه والردّ على الملطي: 167، التبصير في الدين للاسفراييني: 49، البدعة للدكتور عزّت: 319 -- 359.

3) - الأغاني 43/8.

4) - المفصّل لجواد علي 517/6، 607.

5) - مخطوطة الظاهرية: المجموعة2/ لوحة 113.

6) - جمهرة خطب العرب 446/2، نقلاً عن الكامل للمبرّد 180/2، زهر الأفنان 130/1، 231 -- 232، تاريخ خليفة بن خياط: 197، الأخبار الطوال: 273.

ولا عقب لابن الأزرق(1)، وقد رثاه رجل من الخوارج بعشرة أبيات، يرد فيها على المهلب والشامتين بموته، وهي:

شمت المهلب والحوادث جمّة *** والشامتون بنافع بن الأزرق

إن مات غير مداهن في دينه *** ومتى يمرّ بذكر نار يصعق

والموت أمر لا محالة واقع *** من لا يصحبه نهاراً يطرق

ورمى المهلب جمعنا بجموعه *** لمّا أصبنا بالصبور المتقي

فلئن أمير المؤمنين أصابه *** ريبُ المنون فمن يصبه يغلق

نعم الخليفة من حذانا نعله *** ذاك ابن ماحوز بقية من بقي

ولئن منينا بالمهلب إنّه *** لأخو الحروب وليث أهل المشرق

ولعلّه يشجى بنا ولعلّنا *** نشجى به في كلّ ما قد نلتقي

بالسمر نختطف النفوس ذوابلا *** وبكلّ أبيض صارم ذي رونق

فيذيقنا في حربنا ونذيقه *** كلّ مقالته لصاحبه: ذُقِ(2)

أمّا نجدة، فهو ابن عامر، ويقال: عويمر، ويقال: عويم بن عبد الله بن ساد، أحد بني حنيفة.. البكري الوائلي، واسمه عند ابن عبد ربّه الأندلسي: (نجدة بن عاصم الحنفي الخارجي)(3)، وكان من أصحاب نافع بن الأزرق، وكان يصاحبه في رحلاته العلمية، وكان يسأل ابن عبّاس باستمرار مشافهة ومكاتبة؛ فقد كاتبه يسأله عن المهدي(4)، وكاتبه يسأله عن خمسة أشياء،


1) انظر: المعارف: 206.

2) - ديوان الخوارج: 230، الأخبار الطوال: 274، وفي هذا سبعة أبيات فقط.

3) - العقد الفريد 394/2، 496، 498.

4) - كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد: 231.

سبق لنا ذكرها في فصل التحمل والأداء(1)، جاء في مقدّمة جواب ابن عبّاس عن سؤال نجدة: (إنّ الناس يقولون: إنّ ابن عبّاس يكاتب الحرورية، ولولا أنّي أخاف أن أكتم علماً، لم أكتب به إليه...)(2).

وفي خاتمة المطاف يختلف نجدة الحروري مع ابن الأزرق، نظراً لمبالغة هذا في التشدّد والمغالاة، فافترقا، وكان ضمن نقط الاختلاط ما جاء في رسالة نجدة إلى ابن الأزرق:

(1)-- تكفير ابن الأزرق للقَعَدة.

(2)-- استحلاله قتل الأطفال.

(3)-- عدم تأديته أمانة مخالفيه.

ثمّ ردّ عليه ابن الأزرق بجواب ينقض له فيه النقاط الثلاث المذكورة(3).

وقد حفلت مصادر ومراجع كثيرة بخبر اختلاف الخوارج، وانقسامهم إلى طوائف كثيرة(4).

وظهرت قوّة نجدة، وانتشر مذهبه باليمامة والبحرين، وذلك سنة 66ه-،


1) سأله هل كان الرسول7 يغزو بالنساء، وهل كان يضرب لهنّ بسهم، وهل كان يقتل الصبيان، ومتى ينقضي يتم اليتيم، ولمن هو الخمس؟

2) - انظر: تفاصيل السؤال والجواب في ص52 من قسم الدراسة من أطروحة الباحث.

3) - انظر: رسالة نجدة الحنفي إلى ابن الأزرق في ديوان الخوارج: 281، وجواب ابن الأزرق في صفحة 278.

4) - انظر: جمهرة خطب العرب 169/2 -- 173, تاريخ الطبري 55/7، تاريخ ابن خياط: 194، ملخص تاريخ الخوارج: 34، تفسير القرطبي 161/4، الكامل بالمرصفي: المجلّد4 ج7/219.

حيث بايعه أهلها(1)، وحجّ بهم، فوقف نجدة بأصحابه، ووقف ابن الحنفية بأصحابه، ووقف ابن الزبير بأصحابه(2)، وعسكر نجدة بأصحابه في شِعْب من شعاب مكّة، فعرف بشعب الخوارج(3).

ومن شعر نجدة بن عامر، قوله:

وإن جرّ مولانا علينا جريرة *** صبرنا لها صبر الكرام الدعائم(4)

وممّا هجي به نجدة قول الراعي (الشاعر)، وذلك في قصيدة له تجاوزت ثمانين بيتاً -86-، مدح فيها عبد الملك بن مروان، وتبرأ من اتّهامه بميله لابن الزبير، أو لنجدة بن عامر، وذلك قوله:

إنّي حلفت على يمين برة *** لا أكذب اليوم الخليفة قيلا

ما زرت آل أبي خبيب طائعا *** يوماً أريد لبيعتي تذليلا

ولما أتيت نجيدة بن عويمر *** أبغي الهدى فيزيدني تضليلا(5)

فما لبث نجدة أن اختلف عليه أصحابه، فقتل غيلة سنة 69ه-، وهو في ريعان الشباب، وانقسمت بعده فرقته إلى فرق(6).


1) شذرات الذهب 74/1.

2) - تاريخ ابن خياط: 202.

3) - أخبار مكّة 287/2.

4) - ديوان الخوارج: 208.

5) - جمهرة أشعار العرب 920/2، طبقات الشعراء: 118، الكامل بالمرصفي: المجلّد4 ج7/102، اللسان: (ضلل).

6) - انظر: أسماء المغتالين، ضمن نوادر المخطوطات 178/2، الاشتقاق 324/2، شذرات الذهب 76/1، التبصير في الدين: 51.

وبهذا أكون قد ألقيت نظرة عن قصّة نشأة مسائل ابن الأزرق، وما أحاط بها من ظروف زمانية، ومكانية، وعرَّفت بتلك المسائل، مبيّنا طبيعتها، ودوافعها، وأهدافها، وترجمت لمن حاورهما ابن عبّاس في شأن أمرها، وهما ابن الأزرق ونجدة الحروريان، وهكذا يستمر حديثي في الفصل الموالي عن رواية تلك المسائل، والرواة الذين رووها إلينا عبر الأعصر، إن شاء الله تعالى.

رواية مسائل ابن الأزرق وأشهر الرواة

انتشرت رواية هذه المسائل منذ عهد ابن عبّاس، لأنّه فتح بها لكافة المفسّرين من بعده باب الاستشهاد بالشعر على مختلف الأغراض، ومن ثمّ أصبحت هذه الطريقة، وهذا المنهج ميداناً للتنافس عند أصحاب كلّ فن..

ويظهر أنّ (مسائل ابن الأزرق) كغيرها من أوائل العلوم في الإسلام، لم تدوّن حين نشأتها، وإنّما كان اعتماد العلماء في نقلها على الرواية الشفوية وحدها، ولم تدون مجموعة إلاّ في القرن الرابع الهجري على يد بعض العلماء، سيأتي الحديث عنهم، كلّ منهم قام بعمل فردي، فجمع منها ما تيسّر له جمعه، وأوسعهم جمعاً لذلك هو الإمام عبد الصمد الطستي، كما سنرى.

هذا عن الجمع المنظم لتلك المسائل، أمّا الإشارة إليها، أو إلى الموضوع العام الذي دارت حوله، وهو استشهاد ابن عبّاس بالشواهد الشعرية على تفسير غريب القرآن، أو ذكر بعض النماذج منها؛ الشاهد، والشاهدين وغير ذلك فقد تكفّلت بها كثير من كتب التراث القديمة، كأبي عبيد القاسم بن سلام (244ه-) في (فضائل القرآن)، حيث يقول: (حدّثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، أنّه كان يُسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني بذلك أنّه كان يستشهد به على التفسير)(1).


1) انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد 173/2 بدراستي وتحقيقي.

ثمّ ساق أبو عبيد بعد هذا طائفة من تفسيرات ابن عبّاس اللغوية لكلمات قرآنية، مستشهداً على بعضها بالشعر، ولكن دون التنصيص على اسم ابن الأزرق، أو اسم مسائله!

فقد ساق مسألة: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(1)، بسنده المتصل إلى مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: في: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ: ما جمع، وأنشد: (قد اتسقن لو يجدن سائقا)(2).

وساق مسألة: فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(3)، بسنده المتصل أيضاً إلى عكرمة، عن ابن عبّاس، قال في تفسير (الساهر): الأرض، وأنشد عليها قول أُميّة بن أبي الصلت الثقفي: (عندهم لحم بحر ولحم ساهر)(4)

ونص البيت:

وما فاهوا به لهم مقيم *** وفيها لحم ساهرة وبحر

وفي بعض الروايات (أبدا) بدل (لهم)، ومعناهما صحيح، وكذلك وزنهما.

.

ونص المبرّد أيضاً في كتابه (الكامل) على نبذة يسيرة منها، عندما ساق خبر قدوم ابن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومعهما نفر من الخوارج، إلى


1) سورة الانشقاق/17.

2) - هذا البيت عجز بيت من بحر الرجز المسدّس الدائرة نسب في (اللسان -- وسق) للعجاج. وقيل: البيت لابن صرمة. وفي ألفاظه روايات، ليس هذا محل بسطها. وصدره: (إنّ لنا قلائصاً حقائقا).

3) - سورة النازعات/14.

4) - قلت في هامش فضائل القرآن 174/2: هذا صدر بيت غير مستقيم -- هنا -- في رواية أبي عبيد، ويوجد البيت سالماً، وهو من البحر الوافر، في: روح المعاني 28/30، تفسير القرطبي 199/19، التبيان 154/19، تفسير الطبري 23/30، مجمع البيان 429/10، البحر 417/8.

ابن عبّاس، وحكى الحوار الذي دار في المجلس وسماع ابن عبّاس قصيدة عُمر بن أبي ربيعة، وحفظه لها..

وهو يؤكد على أنّ خبر هذه المسائل منتشر مستفيض تأكّد لديه من غير وجه، وقد استند في بعض رواياته إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى (المتوفى سنة209ه-)، والذي يعد أوّل من تقمّص المنهج اللغوي عند ابن عبّاس في التفسير، فطبقه في تفسيره(1).

غير أنّ الذي يدعو للتساؤل هو: لماذا خلت مؤلّفات قبله من هذا كلّياً أو جزئياً، مثل تفسير مجاهد الذي بين أيدينا؟ وهو من أشهر تلامذة ابن عبّاس، وقد تحدّث بذلك عن نفسه قائلاً: ختمت على ابن عبّاس ثلاث ختمات -- وفي بعض الروايات أكثر من ذلك -- أقف عند كلّ آية وأسأله عنها(2)

(*) لقد مرّ في الجزء الحادي عشر (الجزء الأوّل من هذه الحلقة (عطاء غير مجذوذ) ما يتعلّق بتفسير مجاهد المطبوع، وبيان ما فيه من شواهد تنفي صحّة نسبته؛ فراجع. (الخرسان).

(**) مرّ في الجزء الحادي عشر (الجزء الأوّل من هذه الحلقة (عطاء غير مجذوذ)؛ فراجع. (الخرسان)

.(*)

وكذلك التفسير المنسوب لابن عبّاس، الذي جمعه الفيروز آبادي تحت اسم: (تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس)؛ فقد تتبعته كلّه، ولا أثر فيه، ولو بإشارة عابرة إلى قصّة هذه المسائل، ولا وجود فيه لأي شاهد شعري من الشواهد التي استعملها ابن عبّاس!!(**)


1) انظر: مجاز القرآن.

2) - الطبري 113/30 -- 114، ومعجم الأدباء 77/17 -- 78.

وكأنّ كبار المفسّرين اللغويين القدامى لم يحفلوا بهذه المسائل، رغم اعتمادهم على منهج ابن عبّاس بصفة عامّة، والذي تبنّوه وطبقوه، أو أنّ هذه المسائل لم تكن بهذه الضخامة والكثرة التي وصلت إلينا، وتكاثر عددها على مرّ السنين؟! حتّى حملت بعض الدارسين على القول بانتحال بعضها، أو انتحالها كلّها جملة وتفصيلاً!

وفي ذلك الحكم إسراف ومغالاة، كما هو الشأن عند بعض المستشرقين، وعند بعض العرب، ومنهم الدكتور طه حسين، والدكتور جواد علي.

ويتجلّى عدم احتفال أولئك المفسّرين الكبار بهذه المسائل في صنيع يحيى بن زياد الفرّاء المتوفى سنة (207ه-)، وهو من هو في اللغة، والعربية والتفسير(1)، وسفيان الثوري المتوفى سنة (161ه-)(2)، والشيخ هود الهواري الخارجي الإباضي الجزائري المتوفى حوالي (280ه-)(3)، وقد أكثر الرواية عن ابن عبّاس(4)، والإمام الشافعي المتوفى سنة (204ه-)(5)، والأخفش (الأوسط) سعيد بن مسعدة المتوفى فيما بين (207و225ه-)(6)، والإمام محمّد


1) انظر: كتابه (معاني القرآن).

2) - انظر: تفسيره الذي طبع حديثاً.

3) - انظر: تفسير الهواري.

4) - انظر: كتابه (أحكام القرآن).

5) - انظر: كتابه (معاني القرآن).

6) - انظر: تفسيره (جامع البيان).

ابن جرير الطبري المتوفى سنة (310ه-)(1)، وأبي إسحاق الزجّاج المتوفى سنة (311ه-)(2)، وأبي جعفر النحّاس المتوفى سنة (338ه-)(3)، والإمام الماوردي المتوفى سنة (450ه-)(4)، والإمام الطوسي شيخ طائفة الشيعة المتوفى سنة (460ه-)(5)، وتلميذه الطبرسي المتوفى سنة (548ه-)(6)، وجار الله الزمخشري المتوفى سنة (538ه-)(7)، والإمام ابن عطية المتوفى سنة (546ه-)(8).

إذا كان هؤلاء الروّاد الأوائل في علم التفسير لم يعرفوا كلّ هذه المسائل، ولم يرووها في تفاسيرهم، فمن أين جاءت هذه الكثرة الكاثرة منها؟ ولماذا انتشرت في كتب التفسير الأخيرة فيما بين القرنين السادس والسابع الهجريين انتشاراً مذهلاً؟!

وهذه الاعتبارات وغيرها دفعت كثيراً من المستشرقين، وبعض العرب إلى الطعن في هذه المسائل، مثل طه حسين، الذي نفى وجحد كثيراً من الشعر الجاهلي، وقال بنفي أسماء لشعراء جاهليين أيضاً، واعتبر كلّ شعر


1) انظر: تفسيره (جامع البيان).

2) - انظر: له (معني القرآن وإعرابه).

3) - انظر: كتابه (إعراب القرآن).

4) - انظر: تفسيره (النكت والعيون).

5) - انظر: تفسيره (التبيان).

6) - انظر: تفسيره (مجمع البيان).

7) - انظر: تفسيره (الكشّاف).

8) - انظر: تفسيره (المحرّر الوجيز).

عند العرب، وكلّ أثر أدبي ضرباً من المتخيل، لم يكن له في يوم من الأيام صلة بالواقع، والغريب أنّه يناقض بنفسه كثيراً من آرائه ومواقفه، وذاك في كتابه (القديم): (في الشعر الجاهلي)، وكذاك بقي الجحد والإنكار في طبعته الجديدة باسم (في الأدب الجاهلي)، وكان من جملة ما أنكره فيه: (مسائل ابن الأزرق)، التي يقول عنها: أنّها أساطير وضعت في سهولة ويسر(1).

والهدف من وراء إنكار الشعر الجاهلي، هو ضرب عملية الاستشهاد بهذا الشعر على اللغة، وفي المقام الأوّل على تفسير القرآن الكريم!! وإذا سقط الشاهد سقط المستشهد عليه، وفي ذلك ما فيه من فساد النية، وسوء العاقبة، وتدمير وجدان الأُمّة المتمثل في رمز وجودها، وسرّ قوّتها وعظمتها: (لغتها) التي تحيا بحياتها وتموت بموتها.

غير أنّ سقطة طه حسين لم تُفلت من عقاب، فقد تصدّى للردّ عليه جماعة كبيرة من علماء الأُمّة وحملة الأقلام؛ فكان منهم العلاّمة المحقّق المدقّق مصطفى صادق الرافعي(2)، والشيخ الخضري(3)، ومحمّد أحمد الغمراوي(4)، وغيرهم.. ممّا أحدث صدى في الحركة الفكرية المعاصرة.

إلاّ أنّ صيحة طه حسين قد وجدت من يصغي لها، وربّما يطري،


1) ينظر: كتاباه (في الشعر الجاهلي)، و(في الأدب الجاهلي).

2) - انظر: كتابه القيم (تاريخ آداب العرب).

3) - انظر: كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي).

4) - انظر: كتابه (النقد التحليلي لكتاب (في الأدب الجاهلي).

وتأثرت أفكار رجال برأيه، فقد رأيت -- فيمن رأيت -- الدكتور جواد علي الدارس والباحث الكبير ممّن يقول بانتحال (مسائل ابن الأزرق)، ويصرّح أنّها وضعت في العصر العبّاسي، ويدعو إلى البحث عن أقدم موردٍ وردت فيه إشارة إليها، قائلاً: (فحينئذ يمكن تعيين الزمان الذي وضعت فيه بوجه تقريبيّ)(1).

وأصابع كثير من الباحثين الذين انساقوا مع هذا التيار تشير إلى أنّ المتّهم -- في الدرجة الأولى -- بوضع هذه المسائل هو عيسى بن يزيد المعروف ب-(ابن دأب) الليثي البكري الكناني، أبو الوليد، الخطيب، الشاعر، الراوية، من أهل، المدينة، من أكابر علماء النسب وأخبار العرب وأشعارهم.

كان ابن دأب يضع بالمدينة الشعر وأحاديث السمر، وينسب كلاماً إلى العرب. وقد فاق أهل الحجاز أدباً وعلماً وعذوبة لفظ، ومعرفة شاملة بأخبار الناس وأيّامهم عرباً وعجماً، وكان لذيذ المفاكهة، طيب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر، حسن الانتزاع له، معدوداً من نقلة الأخبار، ونقّاد الأشعار، حظي عند المهدي العبّاسي حظوة لم تكن لأحد قبله(2)فكان يلازمه ويسمعه أحاديث السمر، وكان المهدي يعجب به أيّما إعجاب، ويستنشده الأشعار، كما تذكر كتب الإخباريين، كأبي الفرج الأصبهاني وغيره(3).

ونال ابن دأب نفس الحظوة أيضاً عند الخليفة الهادي، حتّى أصبح من


1) انظر: كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 665/8، وبتفصيل من 663 -- 665).

2) - الأغاني 2/2، 165/9، البيان والتبيين: 323 -- 334، تهذيب التهذيب 153/9.

3) - انظر: الأغاني 165/9.

مستشاريه، وأقرب الناس إليه(1)، وخاصّة خاصّته، في جده، وهزله، وفي مسامراته، التي ساق المسعودي في (المروج) بعض أخبارها(2)، ثمّ قال: (ولابن دأب مع الهادي أخبار حسان يطول ذكرها، ويتسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا إيراد ذلك في هذا الكتاب؛ لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز بحذف الأسانيد وترك إعادة الألفاظ)(3).

وقال الجاحظ، أثناء حديثه عن النسّابين من العرب: (ومن بني كنانة، ثمّ من بني ليث، ثمّ من بني الشُّداخ: يزيد بن بكر بن دأب، وكان يزيد عالماً بالنسب، وراوية شاعراً، وهو القائل:

الله يعلم في عليّ علمَهُ *** وكذاك علم الله في عثمان(4)

وسخر بعضهم من قوله هذا، فقال:

ما زدتنا يا شيخ علماً زائداً *** فكذاك علم الله بالإنسان

(الخرسان).

ثمّ قال: وولد يزيد يحيى وعيسى، فعيسى هو الذي يعرف في العامّة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثاً وبياناً، وكان شاعراً راوية، وكان صاحب رسائل وخطب، وكان يجيدهما جدّاً)(5).

وذكر السيوطي في (المزهر)، وهو يعدّد علماء الأمصار، أنّ ابن دأب


1) انظر: المحاسن والأضداد: 138و139.

2) - انظر: مروج الذهب 328/3 -- 331.

3) - مروج الذهب 331/3.

4) - البيان والتبيين 323/1.

5) - البيان و التبيين1: 334.

كان له شأن في المدينة المنورة قال: (فأمّا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا نعلم بها إماماً في العربية، قال الأصمعي: أقمت بالمدينة زماناً ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلاّ مصحفة أو مصنوعة، وكان بها ابن دأب، يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلاماً ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه، وخفيت روايته، وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب، يكنّى أبا الوليد، وكان شاعراً، وعلمه بالأخبار أكثر)(1).

وفي ابن دأب هذا يقول معاصره الأديب الإخباري الشاعر محمّد بن مُناذر موصياً بالرواية والأخذ عن الإمامين: مالك بن أنس، وابن عون، ومحذراً من الرواية عن ابن دأب:

ومن يبغي الوصاة فإنّ عندي *** وصاة للكهول وللشباب

خذوا عن مالك وعن ابن عون *** ولا ترووا أحاديث ابن دأب(2)

وتوفي ابن دأب، هذا، سنة 171ه-، قال ابن قتيبة: (وله عقب بالبصرة)(3).

أقول: ولكن تعميم الحكم بوضع هذه المسائل كلّها فيه غلوّ كبير، وفيه ردّ -- بغير موجب -- لما ثبت نقله من هذه المسائل عن الأثبات الثقات، الذين سبق لنا ذكر بعضهم، لأنّ ألفاظاً كثرة عند الدارسين لا توضع في مواقعها من البحث، والدراسة، مثل (جميع)، و(كلّ)، و(كافّة) وما شابهها،


1) المزهر 413/2 -- 414، وانظر: تهذيب التهذيب 153/9.

2) - عيون الأخبار 139/2.

3) - انظر: المعارف/234، والأعلام، للزركلي 298/5.

فكثيراً ما تنعكس سلبياتها على أثر الدارس...

على عكس النظرة التي فيها اعتدال وقبول للأشياء، والتوسط فيما ينبغي فيه التوسط؛ فرفضنا لكلّ هذه المسائل فيه بعد عن الصواب، وإجحاف بثقة من نقل بعضها من الثقات، كما أنّ قبولنا بها كلّها في ما يناقض الحقيقة والواقع، لأنّ تكثيرها وتضخيمها أمر محتمل الوقوع، وقد كذب على سيّد الأوّلين والآخرين!! وقد ثبت عندي أثناء دراستي لهذه المسائل ونقدها نماذج منها، لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال، ولا عدّها من (مسائل ابن الأزرق)، مقيماً -- في كثير من المواقف -- الحجج اللغوية، والتاريخية، والنقدية وغيرها على عدم صحّتها.

ومن أولئك الرواة الثقات الذين نقلوها ودوّنونها في مجموعات، أو ضمن كتبهم، أو نصّوا على صحّة قصّة نشأتها، هؤلاء الأعلام:

1-- أبو عُبيد القاسم بن سلام (ت244ه-)؛ فقد سبق لنا قريباً أنّه نصّ على أصل هذه المسائل نشأتها، وأورد نماذج من استشهادات ابن عبّاس على معاني كلمات قرآنية، وذلك في كتابه (فضائل القرآن)(1).

2-- المبرّد محمّد بن يزيد، المولود بالبصرة، والمتوفى سنة (286ه-)، أبو العبّاس أحد الأئمّة الكبار في الأدب والنقد والأخبار، كان إمام العربية ببغداد في زمنه، ومن أشهر كتبه (الكامل في الأدب واللغة والأخبار).

وقد نصّ في كتابه هذا على (مسائل ابن الأزرق)، وقصّة نشأتها بتفصيل، ومساءلة ابن الأزرق، ومعه نجدة الحروري، ونفر من الخوارج،


1) انظر: كتابه (فضائل القرآن ومعالمه وآدابه 173/2 -- 175) بدراستي وتحقيقي.

لابن عبّاس، واستماع ابن عبّاس في هذه الجلسة لقصيدة عمر بن أبي ربيعة الرائية، وحفظ ابن عبّاس لها وإنشادها من حفظه في الحال... ثمّ ساق المبرّد طائفة يسيرة من تلك المسائل، وكفى بالمبرّد شاهداً وناقلا.. (1).

3-- أبو زيد محمّد بن أبي الخطّاب القرشي، أحد نبغاء أواسط القرن الثالث الهجري، ولم يعرف -- بالتحديد -- تاريخ وفاته. نصّ هو أيضاً على قدوم نافع بن الأزرق إلى ابن عبّاس، وسؤاله عن القرآن، ومخاطبة ابن عبّاس له بقوله: (يا نافع! القرآن كلّه كلام الله عزّ وجلّ، خاطب به العرب [بلفظها] على لسان أفصحها؛ فمن زعم أنّ في القرآن غير العربية فقد افترى؛ قال الله تعالى: قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)(2).

ثمّ عقد القرشي فصلاً بعنوان: (في القرآن مثل ما في كلام العرب)، أورد فيه كلمات وآيات كثيرة، وذكر لكلّ واحدة منها شواهد مناسبة لها من الشعر العربي، ومن ضمن تلك الشواهد لاحظت شواهد توجد عندنا في (مسائل بن الأزرق)(3).

4-- الإمام الطبري محمّد بن جرير، المتوفى سنة (310ه-)، شيخ المفسّرين، وشيخ المؤرّخين الذين انتهت إليه روايات التفسير بالمأثور، فجمعها، وفحصها ونقدها متناً وسنداً، وقارن الأقوال، ورجّح بعضها على بعض، واحتكم في جميع تحليلاته إلى صحّة اللغة، والشواهد الشعرية،


1) انظر: الكامل بشرح المرصفي/المجل4 ج7/154 -- 166.

2) - جمهرة أشعار العرب 2/1. والآية من سورة الزمر/28.

3) - انظر: جمهرة أشعار العرب 3/1 -- 24.

فأصبح تفسيره زاخراً بها.

وقد ذكر مجموعة من (مسائل ابن الأزرق)، ونصّ على صاحبها في مواضع من تفسيره، لا يرى في ذلك غضاضة، وإن كان هو من أهل السُنّة، وتفسيره أيضاً على وجهة نظر أهل السُنّة، بينما ابن الأزرق معدود في أهل البدع والأهواء والضلالات، لأنّ نشر العلم والتسامح المذهبي يقضيان بوجوب إيجاد التواصل والحوار، مهما اختلفت الآراء والمذاهب..

5-- الإمام ابن الأنباري محمّد بن القاسم بن محمّد أبو بكر، المولود في الأنبار (على الفرات) سنة (271ه-)، والمتوفى ببغداد سنة (328ه-)، كان من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر وللأخبار، كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن، وله مؤلّفات قيّمة، منها في ميدان القراءات؛ كتابه الشهير (إيضاح الوقف والابتداء)(1).

وقد رأيته ذكر في هذا الكتاب قصّة نشأة (مسائل ابن الأزرق) بتفصيل، ونقل أخباراً عن ابن عبّاس، وعن الصحابة عموماً حول لغة العرب وشرفها، وفضل تعلمها، وتفسير القرآن، فيما يتعلّق منه بالجانب اللغوي، والاستشهاد عليه بالشعر، في مقدّمة مهمة لكتابه، ثمّ ساق خبر مقدم ابن الأزرق إلى ابن عبّاس، وما كان من مساءلته عن هذه المسائل التي ساق منها -- فيما أحصيت -- خمسين مسألة(2).

6-- الإمام الطستي أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكرم الطستي


1) طبع في جزئين كبيرين، ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1390ه-/1971م.

2) - انظر: إيضاح الوقف والابتداء 61/1 -- 99.

البغدادي، المتوفى سنة (346ه-) عن ثمانين سنة. قال ابن العماد الحنبلي: روى عن أبي بكر بن أبي الدنيا وأقرانه، وله جزء معروف(1).

أقول: المراد بهذا الجزء المشار إليه هو جزء حديثي بمكتبة الظاهرية/مجموع 80، إضافة إلى (مسائل الطستي)، أي: (مسائل ابن الأزرق)، التي رواها وجمعها الطستي رحمه الله . وهي أوسع ما جُمع من (مسائل ابن الأزرق)، بالنسبة لبقية الرواة الآخرين، فبلغ عددها عنده حوالي ثلاثمائة مسألة.

7-- الإمام الطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، من كبار المحدّثين، أصله من طبرية بالشام، ولد بعكّا سنة (260ه-)، ورحل كثيراً في طلب العلم والتحصيل، وتوفي بأصبهان سنة (360ه-).

له ثلاثة معاجم في الحديث: (الصغير)، و(الكبير)، و(الأوسط)، مع مؤلّفات أُخرى، وقد نصّ بدوره أيضاً في (المعجم الكبير) على مسائل ابن الأزرق، وذكر منها طائفة مهمّة بلغت إحدى وثلاثين مسألة(2).

8-- الإمام الهيثمي نور الدين عليّ بن أبي بكر، المتوفى سنة (807ه-)، نقل هذه المسائل عن الطبراني، وذكرها في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) في جزأين منه، ومحّص أسانيد الرواية، وقد جاء في آخر المسائل قوله: (رواه الطبراني، وفيه جويبر، وهو ضعيف)(3).


1) انظر: شذرات الذهب 373/2. وهو ممّن فات ذكره الزركلي في (الأعلام).

2) - مخطوط (المعجم الكبير) للطبراني في مكتبة جامعة الدول العربية بالقاهرة، رقم (489)، ثمّ طبع بمصر في (24) مجلّداً، و(مسائل ابن الأزرق توجد منه في ج10/304 -- 312).

3) - مجمع الزوائد 303/6 -- 310 و9/278 -- 284.

9-- الإمام الزركشي بدر الدين محمّد بن عبد الله المصري الشافعي، المولود بالقاهرة سنة (745ه-)، وتوفي ودفن بالقرافة الصغرى سنة (794ه-). من مؤلّفاته القيمة كتاب (البرهان في علوم القرآن)، أشار في الجزء الأوّل منه في (النوع الثامن عشر: معرفة غريب القرآن) إلى هذا الموضوع، ونصّ فيه كذلك على وجوب معرفة لغة العرب، وأقوال الصحاب، والصدر الأوّل في ذلك، ومنهم ابن عبّاس الذي يقول: (إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر؛ فإنّ الشعر ديوان العرب)(1)، ثمّ ساق مسألة: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(2).

ونص كذلك على (مسائل ابن الأزرق) باسمها، قائلاً: (ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن، واستشهاد ابن عبّاس في كلّ جواب ببيت ذكرها الأنباري في كتاب (الوقف والابتداء) بإسناده...)(3).

10 -- الإمام السيوطي نادرة الزمان، ودائرة معارف كلّ عصر وأوان، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي بن أبي بكر بن محمّد الخضيري، الإمام الحافظ المؤرّخ الأديب، بلغت مؤلّفاته حوالي 600 كتاب في كلّ ضروب الفكر والمعرفة، ولد في القاهرة سنة (849ه-)، ونشأ يتيماً، وهمته القعساء دفعته إلى بلوغ مرتبة العظماء، الذين بيضوا وجه التاريخ، ورفعوا رأس أُمّتهم عالياً. وتوفي بالقاهرة أيضاً سنة (911ه-).


1) البرهان 292/1 -- 293.

2) - سورة الانشقاق/17.

3) - البرهان 293/1 -- 294.

من مؤلّفات السيوطي: (الإتقان في علوم القرآن)، و(الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور)، وقد أورد في كلّ منهما كثيراً من (مسائل ابن الأزرق)، غير أنّها مجتمعة في (الإتقان)(1)، وموزعة على أجزاء (الدرّ المنثور)؛ فبلغ عددها في (الإتقان) مائة وتسعين مسألة، وفي (الدرّ المنثور) ما يزيد على مائتي مسألة(2).

وسأتناول الحديث في الفصل القادم إن شاء الله عن دراسة المسائل، ومدى ما بلغه جهد الدارسين لها في عصرنا الحاضر.


1) انظرها في الإتقان في علوم القرآن 55/2 -- 88.

دراسة مسائل ابن الأزرق

وإذا كانت (مسائل ابن الأزرق) قد عرفت عبر الأعصر الماضية عمليات الرواية والجمع والتدوين، ولم تتجاوزها، فإنّ العصر الحاضر قد عرف مجهودات طيبة بذلها علماء في خدمة هذه المسائل، ودراستها، كلّ حسب نظرته لأبعادها المعجمية، أو اللغوية، أو الأدبية، أو التفسيرية.

وكان رائد الميدان -- فيما أعلم -- هو محمّد فؤاد عبد الباقي، خادم الكتاب والسُنّة، المعروف بتحقيقاته العلمية، ومعجمياته الدقيقة، وخبراته الواسعة في هذا المجال التي تغني شهرتها عن ذكرها، وإحصائها.

ومن بين معاجمه (معجم غريب القرآن) الذي استخرجه من صحيح الإمام البخاري، ورتبه على حروف المعجم، وألحق بآخره (مسائل نافع بن الأزرق)؛ فقد جاء في آخر المعجم، ما يلي: (هذا آخر معجم غريب القرآن. ونُقفّي من بعده بمسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس، لتشابه موضوعها بموضوعه)(1).

ونص على أنّه اعتمد في روايته لهذه المسائل على (الإتقان) للسيوطي، مبتدئاً بالتمهيد المعروف عن ظروف نشأة تلك المسائل، وتحدّث أيضاً عن صيغة السؤال والجواب المتبعين من بداية المسائل إلى نهايتها في الحوار بين ابن الأزرق وابن عبّاس...


1) معجم غريب القرآن: 233.

ثمّ وضع محمّد فؤاد عبد الباقي منهجه الذي سيتبعه في ترتيب تلك المسائل، وهو المنهج المعجمي المرتب على الحروف، وذلك بعد ردّ الكلمة القرآنية إلى أصلها اللغوي الاشتقاقي، على عكس ترتيبها عند السيوطي، الذي يعد جمعاً، وليس بترتيب؛ فهو ليس على ترتيب القرآن في المصحف، ولا على ترتيب السور، ولا على ترتيب المعاجم، ويظهر أنّه كان -- في الغالب -- جمعاً لما كان مدوناً، فتمّ نسخه وتسجيله كما هو، مع بعض التقديم والتأخير، إذا قارناه بمخطوطة (مسائل الطستي)، أو مخطوطات (مسائل ابن الأزرق).

وعمل محمّد فؤاد عبد الباقي كان مركّزاً مبنياً على الاختصار؛ حيث يكتفي بذكر معنى الكلمة في الآية، ثمّ يسوق لها شاهدها الشعري، قال: (وقد آثرت ترتيب هذه المسائل على حسب أوائل حروف المادّة التي منها اللفظة الغريبة، واكتفيت بذكر معناها مع الشاهد الشعري)(1).

وقد اعتمد في عمله على ثلاث نسخ من (الإتقان) طبعة الأزهر 1318ه-، والطبعة الموسوية 1287ه-، ومخطوطة بتاريخ990ه-(2).

وذكر بعض الصعوبات التي واجهته نتيجة التصحيف والتحريف في تلك النسخ كلّها، حتّى يضيع محلّ الشاهد في بعض الشواهد، ممّا جعله يضاعف الجهد والتنقيب؛ قال متحدّثاً عن تلك النسخ: (وكلّها مشحونة بالخطأ والمسخ والتشويه والتحريف والتصحيف، وقد يورد البيت وليس فيه


1) معجم غريب القرآن: 236.

2) - المصدر نفسه.

محلّ الشاهد..وهذا ما جعلني أنقر عن كلّ شاهد تنقيرا، وأمعن في الفحص عنه ما وسعه جهدي، ولاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا)(1).

ثمّ بيّن منهجه فيما توصل إلى معرفته من تلك الشواهد، ومنهجه فيما لم يتوصّل إليه منها، متحلياً بتواضع العلماء، معترفاً بالقصور البشري عن إدراك ما لا يطاق، قال: (فما هديت إليه أثبته صحيحاً مع ذكر موضوع تخريجه، وما ضاق عنه ذرعي تركته بنصّه وأتبعته بهذه النجمة (*)، عسى أن يتسهل لغيري ما تصعّب علَيَّ، وينجلي له ما أحاط به من ظلمات بعضها فوق بعض، وفوق كلّ ذي علم عليم)(2).

أقول: وقد أحصيت الشواهد ذوات النجوم عند عبد الباقي رحمه الله ، أي التي لم يتوصّل إلى معرفتها، فبلغ عددها ثمانين شاهداً.

وقد خدمت هذه المسائل أيضاً ودرستها من الجانب اللغوي المحض أُستاذتنا الدكتورة عائشة عبد الرحمن، وذلك في آخر كتابها: (الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق)، حيث جعلتها ملحقة بآخر (الإعجاز البياني للقرآن)(3).

وبذلك أصبح الكتاب بشقيه يؤلّف دراسة قرآنية ذات محورين: الأوّل: يتعلّق ببلاغة القرآن وإعجازه، وهو جانب مهم استغرق الإمام الزمخشري حياته من أجل إبراز معالمه.


1) معجم غريب القرآن: 237 والآية من سورة الطلاق/7.

2) - المصدر نفسه.

3) - الإعجاز البياني للقرآن: 267 -- 507 (نهاية الكتاب).

الثاني: يتعلّق بلغة القرآن، وفحص سرّ الكلمة فيه، وما مدى التطابق بينها، وبين اللفظ التفسيري الذي استعمله ابن عبّاس، ثمّ ما مدى تطابقهما معاً مع المفردة في البيت (الشاهد الشعري).

وهو مجهود كبير يحتاج لمواصلة الجهد، والصبر والتأني، والمقارنة فيما بين المعاجم اللغوية، زيادة على عرض الآيات القرآنية ذوات النسق الواحد، واستخلاص ما بينهما من فوارق وظواهر في عرض مختلف السياقات القرآنية...

ومنهج الدكتورة عائشة في خدمة هذه المسائل لخصّته بنفسها قائلة: (وتتجلّى محاولتي فيها، غير مسبوقة فيما أعلم، إلى النظر فيها مسألة مسألة، لنرى ما إذا كانت الكلمة القرآنية يرادفها ما فسّرها به ابن عبّاس، أو أنّ تفسيره إنّما هو على وجه الشرح والتقريب الذي لا سبيل إلى سواه في تفسير كلمات الكتاب المعجز)(1).

ومن حيث ترتيبها للمسائل فقد أبقت على ترتيب السيوطي في (الإتقان) ورقّمت المسائل بأرقام مسلسلة...

أمّا الدكتور إبراهيم السامرائي، فقد كان أيضاً ممّن اعتنى بهذه المسائل وحقّقها، وطبعها باسم: (سؤالات نافع بن الأزرق)، ولا نعرف كيفية عمله في الكتاب، ولا مقدار الجهد الذي بذله، ولا الجانب الذي ركّز عليه لأنّ كتابه لم يتيسّر لنا الحصول عليه، رغم استمرار البحث عنه لفترة طويلة(2).


1) الإعجاز البياني للقرآن: 276.

2) - طبع كتاب (سؤالات نافع بن الأزرق) في بغداد سنة 1968م.

ثمّ يأتي دور الشيخ أبي تراب الظاهري، فيؤلف كتابه (شواهد القرآن)، ويخصّص الجزء الأوّل منه ل-(مسائل نافع ابن الأزرق).

فيذكر أوّلاً السند المعروف لرواية هذه المسائل عند السيوطي، ثمّ بدأ بالمسائل كما هي مرتبة في (الإتقان) للسيوطي، ولكنّي رأيت تأثير محمّد فؤاد عبد الباقي واضحاً فيما يتعلّق بتخريج بعض الشواهد عند أبي تراب.

ومنهج أبي تراب يتلخّص في كونه يورد المسألة من مسائل ابن الأزرق بتمامها، سؤالاً، وجواباً، وشاهداً، ثمّ يناقش التفسير اللغوي، ويسيح سياحة مركّزة موفقة، مع معاجم اللغة على اختلافها، والحقّ يقال: إنّه فارس ميدان اللغة، والخبير المطلع على أسرارها، ودقائقها...

غير أنّنا نراه في أغلبية شواهد (مسائل ابن الأزرق) لا يخصّ لها ولو كلمة واحدة، من حيث أسماء الشعراء، وأوزان بحورهم، ومناقشة معاني تلك الشواهد، أو دراستها، أو نقدها، أو التطرّق إلى ما يمكن أن يقال حولها من صحّة، أو انتحال، أو غير ذلك.

فإنّنا وإن كنّا نُسّرُ بالبسط اللغوي الذي يقدّمه، فإنّنا نشعر وهو ينتقل بنا حيث يضع ثلاث نجمات هكذا *** من مسألة إلى أُخرى، نشعر بأنّ المسألة والشاهد كأنّه لم يقل عنهما شيئاً، في حين يستمر في عرض الشواهد الأُخرى الإضافية المتعلّقة بموضوعه اللغوي.

وبتعبير آخر، وبكلمة موجزة: فإنّ المجهود الذي أعطى لمضمون عنوان جزئه الأوّل، وهو (مسائل نافع ابن الأزرق) لا يعد شيئاً مذكوراً بالنسبة لحجم الجزء الكبير، وبالنسبة لمئات الشواهد من غير مسائل ابن الأزرق التي اشتمل عليها الكتاب.

وعلى كلّ، فإنّ الشيخ أبا تراب لغوي فاحص دقيق في إدراكه لأسرار اللغة، والخوض في عبابها الزاخر، وإنّما أقول: كان الأولى أن يقف وقفة أطول عند كلّ مسألة من هذه المسائل فيدرسها بهذا التعمق المعهود فيه.

وأخيراً يأتي دور الدكتور عبد الرحمن عميرة الذي نشر (مسائل الإمام الطستي)، وقال: إنّه رتّب أُصولها، وحقّق نصوصها، وأخرجها للناس تحت عنوان مُغْرٍ، وهو (من مكتبة التراث)!!

وأنا أقول، إحقاقاً للحقّ، وإزهاقاً للباطل، وإنصافاً لحرمة التراث، مع إشفاقي على حال الدكتور عميرة، وحال أمثاله ممّن يفسدون العلم، ويشوهون التراث، والتراث رسالة فكرية، وأمانة علمية يقدرها العلماء المخلصون حقّ قدرها، من أمثال عبد السلام هارون، وأحمد محمّد شاكر، ومحمّد أبي الفضل إبراهيم، والسيّد أحمد صقر، وعبد العزيز الميمني الراجكوتي، وعبد الفتاح أبي غدة، وغيرهم من العلماء المخلصين حقّاً للتراث الإسلامي، والذين سكنوا قلوبنا وعقولنا أحياءً وأمواتاً، وتأثرنا بمنهجهم القويم، وإخلاصهم العظيم، وترسمنا خطاهم بحول الله.

أقول: ليس هناك أُصول، ولا ترتيب للأُصول، ولا نصوص، ولا تحقيق للنصوص!! وإنّما هناك مهزلة فاضحة، وكارثة علمية خطيرة، من البداية للنهاية!!

وكشف قضية الدكتور عميرة بتفاصيلها تحتاج إلى مجلّدات، وقد حاولت أن أعطي خلال دراستي التطبيقية لمسائل ابن الأزرق كثيراً من نماذج أخطائه العلمية التي لا تغتفر، وأذكر بعضها فقط -- هنا -- للدليل على مدى الاستهانة بحرمة العلم عنده!

أوّلاً: سمّاها (مسائل الإمام الطستي)، ولم يقدّم كلمة واحدة تتضمّن التعريف بهذا الإمام الجليل الذي يبيع فكره للناس!!

ثانياً: أين أُصول الكتاب التي يتحدّث عنها ويقول: إنّه رتّبها، وكيف هو هذا الترتيب العجيب الذي يتحدّث عنه؟ إنّنا سنرى عكس ما ادّعاه!

ثالثاً: (مسائل الطستي) تشتمل -- حسبما في المخطوطة الأصلية بدار الكتب المصرية -- على حوالي 280 مسألة. أنا أحصيت ما جمعه الدكتور عميرة، ففاق 400 مسألة! فمن أين له بهذا العدد الضخم؟! والحكم بينه وبين قرائه (الأبرياء) أن يطلعهم على مخطوطة الطستي إن كان حقّاً يكنُّ لهم إخلاصاً وتقديراً واحتراماً.

رابعاً: إذا كان يتعامل -- حقّاً -- مع مخطوطة الطستي، فما علاقة رواية ابن الأنباري -- مثلاً -- في (الوقف والابتداء)(1)بما في صلب ما يعتبره من (مسائل الطستي)؟!، وما علاقة (مسائل الطستي) بعبد بن حميد؟ يقول الدكتور عميرة: (وأخرج عبد بن حميد...)(2)!

وما علاقة (مسائل الطستي) أيضاً بالطبراني؟ يقول الدكتور: (وأخرج الطبراني عن ابن عبّاس...)(3)!

خامساً: كيف ننسب للطستي عدّة مسائل (هي موجودة عند الدكتور عميرة) على أنّها من (مسائل ابن الأزرق)، ونستشهد على تلك المسائل


1) تكرّر النقل عن ابن الأنباري في (الوقف والابتداء) من خلال (مسائل الطستي)؛ فانظره!!

2) - انظر -- مثلاً -- ج1/90 وقد تكرّر ذلك!

3) - انظر -- مثلاً -- ج1/77.

بشواهد لشعراء ولدوا وعاشوا بعد ابن عبّاس وابن الأزرق بفترات زمانية؟! في أشياء أُخرى مخجلة تفوق الحصر، يدرك خطأها طلاّب المرحلة الابتدائية، أو الإعدادية!!

سادساً: أمّا عن التحقيق والتدقيق، فحدّث ولا حرج؛ فأغلب المسائل، وأغلب الشواهد لم يقل فيها كلمة واحدة، وإذا ما قال شيئاً، فكلّ الصيد في جوف الفرا(1)!!

وإذا حصلت منه فلتة، وحاول التعريف بشاعر، فإنّه يضرب هذا الاسم بذاك ويستخرج منه العجائب والغرائب! وكمثال واحد على ذلك نأخذ ما جاء في (ج1/36) عندما ساق مسألة (خالدون)، التي استدلّ عليها ابن عبّاس بقول عدي بن زيد:

فهل من خالد إما هلكنا *** وهل بالموت يا للناس عار

فالمعروف عند العلماء أنّ عدي بن زيد هذا من أقدم شعراء الجاهلية، من نصارى (العِبَاد) بالحيرة، وله ديوان شعر، فيه هذا الشاهد... وقد درست هذا الشاهد في موضعه، وترجمت لعدي بن زيد بما فيه الكفاية.

أمّا الدكتور (عميرة) فقال في ترجمته: (هو عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع: شاعر كبير من أهل دمشق، يكنّى أبا داود، كان معاصراً لجرير، مهاجياً له، مقدّماً عند بني أُميّة، مدّاحاً لهم، خاصاً بالوليد بن عبد الملك... مات في دمشق عام 95ه-)!!

وهذا غيض من فيض(2)!!


1) (الفرا) الحمار الوحشي، وجمعه فراء. وانظر معنى المثل في كتب الأمثال.

2) - أي قليل من كثير، وانظر مختلف كتب الأمثال.

منهج عملي في خدمة المسائل

قبل البدء في العمل، قمت بجمع هذه المسائل من مخطوطات، ومطبوعات؛ فكان من جملة المخطوطات:

(1)-- مخطوطة (مسائل الطستي)، الموجودة بدار الكتب المصرية.

(2)-- مخطوطة (مسائل ابن الأزرق)، في مجموعتين بالمكتبة الظاهرية بدمشق.

(3)-- مخطوطة (مسائل ابن الأزرق)، بالمكتبة الوطنية ببرلين، وهي مأخوذة من (الإتقان) للسيوطي حرفياً، مع بعض التصرّف في العبارات المختصرة، ومع نقص عمّا في (الإتقان) ب--42- مسألة في سياق واحد، وبعضها متفرّقة، ووقع التقديم والتأخير في مسألة واحدة، بالنسبة لترتيبها مع ما في (الإتقان).

(4)-- مخطوطة (مسائل ابن الأزرق)، التي رواها الطبراني في (معجمه الكبير)، بمكتبة جامعة الدول العربية.

وكان من جملة المطبوعات المشتملة على (مسائل ابن الأزرق):

(1)-- (الكامل)، للمبرّد محمّد بن يزيد.

(2)-- (إيضاح الوقف والابتداء)، لابن الأنباري.

(3)-- (المعجم الكبير)، للطبراني، طبعة القاهرة.

(4)-- (البرهان في علوم القرآن)، للزركشي.

(5)-- (الإتقان في علوم القرآن)، للسيوطي.

(6)-- (الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور)، للسيوطي.

(7)-- (سفينة الراغب ودفينة المطالب)، لمحمّد الراغب الوزير، ذكر فيه مسائل ابن الأزرق من صفحة 432 -- 438، نقلها من (الإتقان) للسيوطي.. وأثبت -49- مسألة بترتيب (الإتقان)، وآخر شاهد ذكره هو:

ومنّا الذي لاقى بسيف محمّد *** فحسَّ به الأعداء عرض العساكر

ثمّ قال بعد هذا، مبدياً رأيه في سبب اقتصاره على ذكر بعض المسائل: (وهذه المسائل المعزوَّة لنافع بن الأزرق تبلغ نصف كرّاس، كلّها على هذه الوتيرة، وأكثرها ممّا لا يليق بالسؤال والجواب(1)، ولذلك اكتفينا بهذا القدر. ومن هذه المسائل ما ذكره المبرّد في (الكامل) في أثناء قصّة الخوارج)(2).

وبعد جمع المخطوطات والمطبوعات، وقراءتها قراءة فاحصة متأنية، لأكثر من عقدين من الزمن، قمت بالمقارنة الدقيقة -- جهد الطاقة -- فيما بينها كلّها، وضبطت الروايات المختلفة، واستعنت في جميع مراحل البحث والتنقيب والدراسة بكثير من المصادر والمراجع المهمة، التي استقيت منها صحّة المادّة، وصواب الرواية، وسداد الرأي، فكان كلّ ذلك والحمد لله خير زاد تزودت به في هذا الطريق الصعب الشاق، المرّ الحلو في آن واحد.


1) أقول: هذا الكلام، لم يقله أحد غيره! بل كلّها صالحة للسؤال والجواب، وإنّما يجب التعامل معها بالنقد البنّاء.

2) - انظر: سفينة الراغب: 438 وما بعدها.

واختلف أصحاب تلك المصادر والمراجع في عدد المسائل؛ إذ كان منهم المقل الذي اكتفى بالمسألة، أو المسألتين، أو وما دون العشرة، وكان منهم من ذكر إحدى وثلاثين مسألة، وهو الطبراني في (المعجم الكبير)، ومنهم من ذكر -50- مسألة، وهو ابن الأنباري في (الوقف والابتداء)، ومنهم من ذكر -190- مسألة، وهو السيوطي في (الإتقان)، وبلغ ما عنده في (الدرّ المنثور) -284- مسألة فيما أحصيته ونقلته، وتجاوزت مخطوطة الطستي هذا العدد بقليل.

فبلغ مجموع عدد المسائل، باعتبار تنوع الشواهد، أو تعدّدها، للمسألة الواحدة حوالي -330- مسألة.

وكانت صياغة السؤال والجواب في تلك المسائل والجواب في تلك المسائل تختلف من رواية لأُخرى؛ فمنها سؤال ابن الأزرق: (أخبرني عن قول الله تعالى كذا وكذا...)، و(أرأيت قول الله تعالى كذا...؟)، و(وهل تعرف العرب ذلك؟)، و(هل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟).

ومنها في جواب ابن عبّاس: (أما سمعت قول الشاعر...)، (أما سمعت الشاعر وهو يقول...)، (ألم تسمع ما قال الشاعر...)، أو فلان (الشاعر باسمه)..

أمّا ترتيبها، فقد ارتأيت بعد أن تجمّع لدي هذا الكمّ الهائل من (مسائل ابن الأزرق)، وما جمع كلّ واحد من أولئك الرواة يختلف عن الآخر في طريقة جمعه، ارتأيت أن أمزج فيما بينها جميعاً، وأرتبها على ترتيب حروف المعجم، حسب طريقة محمّد فؤاد عبد الباقي.

وألزمت نفسي بتوثيق كلّ مسألة أذكرها؛ إذ التوثيق هو أساس صحّة العمل، وخاصّة في ميدان التراث، وكلّ نتائج البحث متوقّفة عليه، وتابعة له سلباً وإيجاباً.

والجانب اللغوي في هذه المسائل يعد المحور الأساسي الذي تدور حوله (أي: التفسير اللغوي للقرآن الكريم).

وخلاصة الأمر: أنّ ابن الأزرق استشكلت عليه ألفاظ، فطلب من ابن عبّاس أن يفسّرها، ويستدلّ على تفسيره اللغوي بما يوافق كلام العرب، وبما عرفوه في أشعارهم جاهليها وإسلاميها..

وما رأينا ابن الأزرق يسأل عن غير اللغة في هذه المسائل، من أوّلها إلى آخرها، وإن كانت له أسئلة أُخرى لابن عبّاس، منتشرة في كتب التفسير والمذاهب والتاريخ تتعلّق بالفقه، والتوحيد وغيرهما..

وتتبعت في معالجة كلّ مسألة المراحل الآتية:

(1)-- أورد نصّ المسألة بتمامها؛ سؤالاً، وجواباً، وشاهداً، بعد أن أثبت أصل الكلمة القرآنية (أي: الحروف المكوّنة لها)، ثمّ أضع بين هلالين الكلمة القرآنية.

(2)-- تخريج المسألة؛ حيث أذكر من أخرجها، مبتدئاً بالمخطوطات، ثمّ بالمطبوعات وبالمصادر القديمة، ثمّ بالمراجع ذات الأهمية.

(3)-- أُتبع ذلك بتخريج الآية أو الآيات التي وردت فيها المفردة المسؤول عنها، محدّداً سورتها ورقمها، وقد أحيل في بعض الأحيان على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن إذا تعدّدت ألفاظ المادّة.

(4)-- القراءات في الكلمة والآية، إذا كانت هناك قراءات غير قراءتنا. وذلك لتبيُّن وجه قراءة ابن عبّاس في الآية، لارتباطها بالتفسير الذي ذكره، وقد نجد لابن عبّاس عدّة قراءات في الآية الواحدة، وذلك ما يحملنا على التأمل والبحث، وتخريج تلك القراءات، حتّى نرى منها ما يوافق تفسيره للآية...

(5)-- تفسير ابن عبّاس للمسألة، ومقارنته بتفاسيره وأقواله الأُخرى في التفسير المنسوب إليه (تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس)، ثمّ ما في التفسير المنقول عنه أيضاً في المصادر والمراجع المعتمدة، مثل ما ورد في صحيح البخاري، وما نقله الطبري، وابن حجر، والعيني، والشوكاني، وأصحاب التفاسير اللغوية الأولى، كالفرّاء في (معاني القرآن)، وأبي عبيدة معمر بن المثنى في (مجاز القرآن)، والأخفش (الأوسط) سعيد بن مسعدة في (معاني القرآن)، وأبي إسحاق الزجّاج في (إعراب القرآن ومعانيه)، وأبي جعفر النحّاس في (إعراب القرآن)، وسواهم من أهل العلم والتحقيق...

ولطالما عقدت مقارنات بين وجه تفسيره في المسائل، والوجه المروي عنه في غيرها، مستعرضاً في ذلك أيضاً أقوال جمهرة المفسّرين، واللغويين في تحديد دلالة الكلمة، قصد الوصول إلى الوجه الذي ترتاح له النفس، ويطمئن له القلب ممّا قصده ابن عبّاس رضي الله عنهما .

وقد تكون الكلمة المسؤول عنها غير عربية الأصل، أو هي بلغة بعض القبائل العربية؛ ففي الحالة الأولى نبحث عن صحّتها، وتخريجها في المعربات، وفي الحالة الثانية، نبحث عمّا ورد في القرآن من لغات القبائل،

وذلك عن طريق المعاجم وكتب هذا الشأن، وبذلك يتّضح الصواب في دراسة المسألة..

(6)-- شاهد المسألة، وأبحثه من عدّة جوانب:

أ -- نسبته: قد يردُ البيت مرسلاً، فأقوم بالبحث عن إيجاد إسناده، وغالباً ما أوفق في ذلك، وقد يبقى على إرساله لعدم معرفة العلماء بقائله، لسبب من الأسباب، قد يكون الوضع، وقد يكون غيره..

وقد يرد البيت مسنداً إلى قائله، فتصحّ النسبة عندنا، وكفى الله المؤمنين القتال، وقد ينسب البيت، ولكنّنا نكتشف أنّ نسبته غير صحيحة، وذلك باعتمادنا ضوابط ومقاييس نقدية، منها ما يرجع للزمان، أو للمكان، ومنها ما يرجع للغة المستعملة عند الشاعر، ومنها الموضوع الذي يطرقه؛ فقد يكون فيه من الإيحاءات والدلالات، ما يضع أيدينا على مفتاح الحلّ المستعصي..

وكذلك قد يرد الشاهد ونسبته متنازعة متدافعة بين أكثر من شاعر، كما في مسألة (الوسيلة) -- مثلاً -- ؛ فقد نسب لعنترة، ونسب لخزز بن لوذان السدوسي، ونسب لغيرهما، كما بينت ذلك في قسم التطبيق على الشواهد..

ب -- بحره: وقفت عند بحور هذه الشواهد بعناية وتأمّل وتمحيص، ونسبت كلّ شاهد لبحره من البداية للنهاية، وأصلحت بعض الشواهد التي كانت مكسرة، وبينت وجه الصواب فيها، عن طريق الوزن والتفعيلة والبحر العروضي، وعن طريق النقل والرواية إذا وجدا.

ولاحظت أنّ أكثر الأبحر المستعملة هي الطويل، والبسيط، والكامل،

والوافر، والمنسرح، والخفيف، والرمل، والمتقارب، على تفاوت فيما بينها.

ووجدت في بعض الشواهد عملية التلفيق بين صدر بيت، وعجز بيت آخر ذكرتها في مواضعها، وأرجعت البيوت الملفّقة إلى أصلها.

ج -- رواياته: بذلت مجهوداً متواصلاً لاستقصاء روايات كلّ بيت، والبحث عمّا في كلّ رواية من أوجه الخطأ والصواب، بناء على المصادر والمراجع المعتمدة، كدواويين الشعراء: أصحاب الشواهد، ثمّ المجموعات الشعرية الأولى الموثقة، كالأصمعيات، والمفضليات، والجمهرات، وديوان الهذليين، وكتب الأمالي، وكتب النوادر، وكتب الحماسات، مثل: حماسة أبي تمام، وحماسة البحتري، والحماسة الشجرية، وغيرها.

كما عوّلت كثيراً على أُمّهات المعاجم، وكتب اللغة، والبلدان، ولا أحتاج لذكرها..

وفي مقدّمة كتب اللغة أيضاً: كتب غريب القرآن، وغريب الحديث، كما استأنست بروايات المفسّرين للشواهد التي يعرضونها، ولا ينسبونها في الغالب، أو لا يتحرّى أغلبهم في ذكر نسبة قائلها.

كما عوّلت كثيراً على كتب النقد، ك-(العمدة) لابن رشيق، و(نقد الشعر) لقدامة بن جعفر، و(عيار الشعر) لابن طباطبا العلوي، و(خزانة الأدب) للبغدادي، و(الصناعتين) لأبي هلال العسكري.

وعوّلت كثيراً على كتب التصحيف والتحريف، مثل: (تصحيح التصحيف وتحرير التحريف) للصفدي، و(شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) لأبي أحمد العسكري. و(أخبار المصحفين) له أيضاً،

و(تصحيفات المحدّثين) لأبي هلال العسكري، وسوى ذلك...

ولم يعزب عن بالي -- وأنا أناقش ألفاظ وروايات كلّ شاهد على حدة -- أنّ احتمال التحريف في الشواهد وارد غير مستبعد، قام به من استجلب البيت وأدخل عليه تغييرات تكون متطابقة لصحّة الاستشهاد عنده!

ورأيت نماذج من ذلك في هذه المسألة، منها على سبيل المثال: شاهد (تُبسل) لزهير، وهو من قصيدته القافية المشهورة وروايته في الديوان، وأوثق المصادر الأدبية والنقدية واللغوية، هي:

وفارقتك برهن لا فكاك له *** يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا

وفي بعض الروايات: (وأمسى) بالواو، و(رهنُها) بدل (الرهن)، وكلّها صحيحة وزنا ومعنى.

أمّا رواية عجز الشاهد في (مسائل ابن الأزرق)، فهي هكذا: (يوم الوداع فقلبي مبسل غلقا)!

وهكذا نلاحظ أنّه تمّ استبدال: (فأمسى الرهن قد) ب-(فقلبي مبسل).

وقد أدليت في دراستي لهذه المسألة بحجج أُخرى تؤكد وجهة نظري إن شاء الله.

ويشاء الله أن يتكرّر نموذج آخر مع زهير أيضاً في شاهد (كلّ بنان)، حيث استشهد به في (مسائل ابن الأزرق) على (بنان) برواية:

لدى أسد شاكي البنان مقذّف *** له لبد أظفاره لم تقلم

ورواية الديوان وجمهرة المصادر والمراجع فيه: (شاكي السلاح) بدل (البنان)! وقد أوسعت المسألة بحثاً في موضعها أيضاً.

وهناك شواهد كثيرة أُخرى من هذا القبيل؛ تتبعتها -- باهتمام -- أثناء خدمتي للمسائل. ويصبح الاستشهاد بالبيت غير ذي جدوى، مع صحّة روايات الأُصول..

ودرست أيضاً أغراض تلك الشواهد الشعرية، فوجدتها مختلفة متشعبة، فيها: الحرب والسلم، والحلم والشدّة، والفخر، والمدح، والهجاء، والرثاء، والكرم، والشجاعة، والرحلة والراحلة، والعفو، والانتقام، والخمر، والسكارى، والندامى، والبيع والشراء، والحزم، والجود، والعقوق، واللوم، والعتاب، والفرح، والغضب، والألم...

وأغلب موضوعاتها تتعلّق بالوصف الحسّي؛ وصف السماء، الشمس، القمر، النجوم، السحاب، المطر، الرياح، الليل، النهار، الصواعق، الوابل، الصخور، الإعصار، الجبال، الرحال، التلال، البرد، النور، الظلام، كسوف الشمس.

وكذلك وصف الحيوانات: الخيل، الجمال، الكلاب، الناقة، الصقور، العصافير، النَّعم، النحل والدَّبر، البكر، الأسد، الشبل الرأل، السقب، الطير...

وكذلك الأصوات، مثل: الخُوار، الحفيف، الهمس، الأصداء، الهمهمة، المُكاء، التصدية، الزفير، البكاء، الهرهرة...

ومن مواضيعها أيضاً: الألوان، كالبياض، والسواد، والأصفر، والفاقع، والأحمر، والأشهب...

وكذلك وصف الحروب وأدواتها، من الأهبة والاستعداد، والكرّ، والفرّ، والمراوغة، والسيوف والرماح، والسهام... مع ذكر الأسلاب والغنائم

والأسرى...

واشتملت على ذكر الأشجار والنباتات... كالحنظل، والزهر، والبصل، والفوم، والثوم...

ومنها ما تضمّن التأمل في الحياة، والموت، وجهنم، والجزاء، والتوحيد، والبعث، والإيمان، وغير ذلك ممّا يستوجبه التأمّل العميق، والأخذ من التعاليم السماوية...

أمّا عن أعصر الشعراء أصحاب هذه الشواهد، فأكثرهم جاهلي (على اختلاف الأعصر الجاهلية)، ومنهم المخضرمون، وهم جماعة مهمّة، ومنهم الإسلاميون، وهم قلّة.

د -- مدى المطابقة بين معنى الكلمة القرآنية، ومعنى الكلمة في البيت الشعري: وهي مسألة أساسية لفهم مدى التفاعل بين لغات العرب التي كانوا يألفون معانيها، ويستعملونها في حياتهم العملية، وبين لغة القرآن التي استوعبت تلك اللغة، وزادت عليها ألفاظاً ومعاني جديدة، لها مفهوم خاص في المصطلح الإسلامي، وذاك ما عالجته في مواضعه بقدر الجهد والاستطاعة.

خاتمة:

إنّ اختياري لموضوع شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق، لم يكن وليد الصدفة، وإنّما عن شغف بالموضوع، واقتناع بأنّه يمثل جانباً مهماً من تراث التفسير اللغوي للقرآن الكريم في الأُمّة الإسلامية، وخاصّة عندما تمازج فيه الجانب الأدبي (الشعر) بالجانب اللغوي

الأصيل..

ولقد كان الموضوع حقّاً جذّاباً مغرياً بكلّ جوانبه ومراحله، وأبعاده، كيف لا وهو من النتاج الفكري لعبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، حبر الأُمّة وترجمان القرآن، وأبو التفسير، وسرّ بركة الدعاء النبوي: (اللّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل).

وإذا كان كلّ بحث يهدف إلى مقاصد وغايات، ويتوخّى صاحبه أن ينشر الحقيقة، ويزيح الستار عن جوانب ظلّت محتجبة عن المدارك والعقول، فيأتي بالشيء الجديد، أو يصحّح المفاهيم عن القديم المعروف المألوف، أو يثير مشكلة علمية تحتاج إلى التفاعل معها والانفعال بها، حتّى يتمخض البحث حولها عن إثراء جديد للفكر الإنساني، ممّا يكسبه قوّة ومناعة والوقوف في وجه الزوابع الفكرية التي تثار هنا وهناك على مرّ التاريخ البشري..

إذا كان ذلك هو غاية كلّ باحث، ومقصد كلّ طالب، فما هو الجديد الذي يقدّمه هذا البحث، وما هي أهم النتائج المستخلصة منه؟

يمكن لي أن أقول، وبكلّ تواضع، مع اعترافي بما قد يتعرّض له كلّ بشر من قصور وخطأ ونسيان: إنّ البحث قد كشف مجاهل كثيرة، وأتى بفوائد جمّة، يمكن إجمالها فيما يلي:

-- فتح آفاقاً جديدة على حياة ابن عبّاس، وفكره وعلمه، والأدوار الفعالة التي قام بها على جميع الأصعدة: العلمية، والسياسية، والعسكرية، وغيرها، مستنداً في ذلك إلى جمع النصوص المتعلّقة به، ومقارنتها،

واستنتاجاتي الشخصية لها..

-- قيَّم موازين الروابط والعلاقات التي كانت تربط بين ابن عبّاس وغيره، من أقطاب العلم، والفكر، والسياسة، كعلاقته -- مثلاً -- بمعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، والخوارج، وخاصّة منهم الأزارقة، والنجدات، وكيف تعامل مع الجميع بحزم وعزم، ولطف ورفق ولين...

-- واستخلص البحث أيضاً القيم الأخلاقية العظمى لابن عبّاس، حبر الأُمّة وترجمان القرآن، كالحلم، والصبر، وسعة الصدر، وتحمل الأذى، كحاله -- وهو أعمى -- مع عبد الله بن الزبير الذي أمر بإحراق داره عليه، فخرج مهاجراً للطائف، ولم يوافق أهل الكوفة على قتله والانتقام منه.

-- ووضح البحث الظروف والملابسات الزمانية والمكانية لنشأة (مسائل ابن الأزرق)، وعرَّف بها، وبمن نقلها من الرواة والدارسين..

-- وردّ الأمور إلى نصابها في فكرة انتحال هذه المسائل التي قال بها مستشرقون، وبعض العرب، وذلك بإقامة الأدلّة على صحّة أصل هذه المسائل، بما تناقله الرواة الثقاة المجمع على حفظهم وضبطهم وإتقانهم من أخبارها، وبعض نماذجها..

-- كما أقام البحث الحجج الدامغة على انتحال بعض هذه المسائل، وتكثيرها عبر الزمن إلى حدّ لا يصدّق، كما هو الشأن عند بعض الدارسين المعاصرين!

وقد اعتمدت على ضوابط لاكتشاف ما يرجح أنّه وضع في بعض الشواهد، زيادة على ما رجحت صحّته من الروايات، منها:

-- نوع اللغة التي تضمّنها الشاهد؛ الذي قد يكون جاهلياً، ولكنّنا نتأكد من أنّ ألفاظه إسلامية، كما هو الشأن -- مثلاً -- في مسألة (حدائق).

-- نوع المضمون والمحتوى للبيت؛ فاللفظ الجاهلي، والعقل الجاهلي، والمعنى العام للشعر الجاهلي، هو غير الشعر الإسلامي، وبالمقارنة والتأمّل، نرى أنّ بعض هذه الشواهد كأنّ أصحابها كانوا يستحضرون المعنى القرآني، وهم ينظمون أشعارهم!!

-- تاريخ حياة الشعراء قد يكشف عن فكرة الانتحال في الأثر الأدبي، كما في حالة أحد شاهدي مسألة (ركزاً) لذي الرمّة. وذو الرمّة ولد سنة (72ه-)، وتوفي سنة (117ه-). فكيف يعقل أن يستشهد بشعره ضمن (مسائل ابن الأزرق)، مع العلم أنّ وفاة ابن الأزرق كانت سنة (65ه-)، ووفاة ابن عبّاس رضي الله عنه سنة 68ه-؟!

وكان من نتائج البحث أيضاً: أنّه كان أوّل دراسة شاملة معمّقة لشواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق، من حيث: توثيق الرواية، وتصحيح النسبة، والتشريح العروضي واللغوي في محتوى البيت، وإبراز وجه التطابق فيما بين الكلمة القرآنية، والكلمة الشعرية. ولا يعني هذا أنّي أدعي الحسم في كلّ شيء، معاذ الله؛ فهناك جوانب كثيرة تحتاج إلى متابعة البحث والتنقيب والدراسة.

ولا أنسى أن أذكّر بأنّني بذلت من قوّتي وعصارة فكري المستطاع، وفوق المستطاع، وذلك لاتساع الموضوع، وتشعب نواحيه؛ لأنّه يشتمل التفسير، والقراءات، والنحو، والأدب، والتاريخ، والعروض، والنقد، وغير

ذلك، ويستدعي البحث والاطّلاع على فنون وعلوم كثيرة، وكشف ما تضمنته مجلّدات.

ويمكن لمس هذه الحقيقة بالرجوع لأي مسألة، وأي شاهد؛ فقد بذلت فيه من الجهد والعناء ما لا يقدره حقّ قدره، ولا ينزله منزلته إلاّ العلماء الباحثون، والجهابذة المحقّقون.

وأخيراً؛ أرجو أن أكون قد وفّقت فيما هدفت إليه، من خدمة كتاب الله عزّ وجلّ الذي لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(1)، وأن يكون ما قطعت من عمري في جمع هذه المسائل وخدمتها، وتمحيصها -- وسط خضم من الأهوال المتراكمة، والأحداث المتلاحقة التي تحاصر الباحث، وتضغط عليه بكلكلها، ولا تجعله يقوى في أكثر الأحيان على الصبر والصمود والعطاء -- أرجو أن يكون كلّ ذلك خير هدية أقدمها لأبناء العروبة والإسلام، وخير زاد فكري يضاف للمكتبة العربية الإسلامية، ومعترفاً بفضل من سبقني في معالجة هذا الموضوع المغري الجذّاب، بما فيه من جوانب مشرقة، وبما فيه أيضاً من مظاهر التمنع التي تستوجب من كلّ باحث تجنيد العزائم، واستنهاض الهمم، مستعيذاً بالله من فتنة الدعوى وحبّ الظهور، متبرئاً إليه من حولي وقوّتي، مستشعراً عظم عطيته، وانفتاح أبواب رحمته وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ(2)صدق الله العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.


1) سورة فصّلت/42.

2) - سورة النحل/53.

تعقيب وتصويب

قرأت مقال الدكتور الخباطي (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق) فرأيته ممتعاً، ذكر فيه أوّلاً بحث الشواهد بين التعريف والتوظيف، فبحث معنى الشواهد لغة واصطلاحاً، وهو بحث جيّد، ولو أنّه أتبعه ببحث عنوان (مجالات الاستشهاد بالشواهد) لكان أجود، فهو قد استعمل لفظة مجالات ومجال مكرّراً، ولم يبحث المعنى لغة واصطلاحاً، وهل يصحّ هذا الاستعمال؟ بعد خلوّ المعاجم اللغوية من ذكر معنى (المجال) فيما قصده الدكتور إلاّ على نحو التجوّز والعناية في الاستعمال، على نحو ما قاله عدي بن زيد العبادي هو من شواهد التفسير في مسائل ابن الأزرق في تفسير قوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ(1)، قال:

نقّبوا في البلاد من حذر الموت *** وجالوا في الأرض أيّ مجال

وغرضه التطواف في الأرض، وهو أيضاً غير معنى حاقّ اللفظ ل-(مجال)، فإنّه محلّ الجولان من قولهم: جال في المكان: طاف، دار، وجوّل تجوالاً في الأرض: جال فيها كثيراً... ثمّ إنّ (مجالات): جمع مجالة، مثل: مقالات: جمع مقالة، وإحالات: جمع إحالة، وأصالات: جمع أصالة، فيما لم يرد استعمال (مجالة) بالمحلّ المذكور لمجال، هذه أولى ملاحظات عابرة تتبعها الرادفة.


1) سورة ق/36.

الملاحظة الثانية: حكى عن القشيري في تفسيره أنّه قال: (ما ثبت بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا يجوز أن يقال: هو خطأ، أو قبيح، أو رديء، بل في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح...)، وهذا نقله عنه بتوسط (إبراز المعاني من حرز الأماني)... ثمّ قال: واستشهد أيضاً بشعر تبّع الحميري على قراءة حَمِئَةٍ، وكان ابن عبّاس يقرأها كذلك، وتنازع مع معاوية وعمرو بن العاص، وقيل: (عبد الله (؟) بن عمرو بن العاص)، حيث وجدهما يقرءان (حامية)، فاختلف معهما، فطلب معاوية وابن العاص شاهداً من كلام العرب على قراءته (؟)، فلقي ابن عبّاس نافع بن الأزرق (؟) وسأله؟ فأنشده بيت تبّع، وكان نافع يحفظ شعر تبّع (؟) والبيت في شعر لتبّع يذكر ذا القرنين وكلفه بالعلم من أجله:

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

ثمّ ذكر مصادره في الهامش -2- فقال: (انظر، فضائل القرآن لأبي عبيد في دراستي وتحقيقي، التيجان/111 -- 114، الكشّاف 744/2، فتح القدير 310/3، إبراز المعاني/575، القرطبي 49/11، غريب القرآن لابن قتيبة/270، إعراب ثلاثين سورة/164).

هذا بعض ما ذكره متناً وهامشاً في مجال القراءات. وهو لا يخلو من غرابة في عدّة نقاط، أشرت إليها بعلامات الاستفهام، ولبيانها حسب ورودها في كلامه، نذكرها فيما يلي:

الملاحظة الثالثة: في قوله: (واستشهد (؟) أيضاً بشعر تبّع الحميري).

فمن هو الذي استشهد، أهو القشيري في تفسيره، لمكان واو العطف؟

فبين يدي تفسيره (لطائف الإشارات)، فقد ذكر تفسيره سورة الكهف في الجزء الثاني ولم يرد فيه حتّى ما نقله عنه بتوسط (إبراز المعاني)، وكان عليه مراجعة التفسير بدل الاعتماد على نقل الآخرين.

نعم، ورد في أوائل الجزء الأوّل ذكر البيت الذي استشهد به من دون قوله: (ثبت بالتواتر...).

قال لها هل لك يا تافي *** قالت له ما أنت بالمرضيّ

الملاحظة الرابعة: في قوله: (فطلب معاوية وابن العاص شاهداً من كلام العرب على قراءته (؟).

ولدى مراجعة مصادره التي ذكرها، لم يرد ما ذكره في شيء منها، سوى ما جاء في كتاب (التيجان في ملوك حمير) برواية وهب بن منبه، فقد ورد الخبر في ص111 -- وهذا الكتاب مطبوع وموضوع كما سيأتي -- . وأمّا الخبر: قال: دخل عبد الله بن عبّاس بمكّة على معاوية بن أبي سفيان وعمرو ابن العاص بعد وفاة عليّ بن أبي طالب(كرّم الله وجهه)، ومعاوية وعمرو يقرآن سورة (الحمد لله) الكهف، فقرأ معهم حتّى قرؤوا: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ(1)، فقرأ معاوية وعمرو (وجدها تغرب في عين حامية) من الحرارة، وقرأ عبد الله (حمئة) من الحمأة.

فقالا: يا بن عبّاس! قرأت في (عين حمئة) من الحمأة، وقرأنا نحن (حامية) من الحرارة، ولنا صحبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما هي لك، ونحن اثنان وأنت واحد؟ فعليك البيان أو فارجع إلى قراءتنا.


1) سورة الكهف/86.

قال لهما: نعم، فخرج من عندهما فلقي كعب الأحبار، فقال كعب: مالك يا أبا محمّد أراك حثيثاً مشغولاً؟

قال له عبد الله: نعم، يا كعب الأحبار! دخلت على معاوية وعمرو وهما يقرآن (الحمد لله الكهف)، فقرءا (وجدها تغرب في عين حامية)، وقرأت أنا وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ من الحمأة.

فقال له: صدقت يا عبد الله! والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً ما أنزل على موسى بن عمران من التوراة إلاّ حمئة.

قال له عبد الله: صدق الله ورسوله، ولكنّهما طلبا شاهداً من كلام العرب.

ثمّ مضى عبد الله بن عبّاس فلقيه نافع بن الأزرق، فقال له: ما لك يا بن عبّاس؟ فقال له كما قال لكعب، وادعا (وأعاد ط) عليه قصّة القوم.

فقال له: فأين أنت من قول تبّع تبان أبي كرب في قوله حين غزا المدينة ومكّة، ورفع الجزية التي كانت بنو خندف يؤدونها إلى جرهم وطسم وجديس واليهود.

فقال له عبد الله بن عبّاس: ما الذي قال تبّع أبو كرب؟

قال نافع: قال تبّع أبو كرب هذه الأبيات:

نحن الملوك ذو العلى والسؤدد *** نحن الحماة بنو الهمام الأمجد

قال: فروى عبد الله بن عبّاس الشعر عن نافع بن الأزرق، ثمّ دخل على معاوية وعلى عمرو، فأتى به كما سمعه من نافع بن الأزرق.

فقال له معاوية وعمرو: علمنا أنّ مقرأك أقرب، إلاّ أنّا طلبنا منك سبباً

تأتي بهذا الشاهد عليه. ثمّ عطف معاوية على عبد الله بن عبّاس، فقال له: يا أبا محمّد! هل تدري شكر تبّع فيما فعل بقومك وما كشف عنهم؟

قال له عبد الله: به جعله الله خيراً منك، قال لنبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في قومك: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ(1).

قال معاوية: يا بن عبّاس! فما الخلب والثأط والحرمد؟

قال: الخلب: الحمأة، والثأط: ما تحتها من الطين، والحرمد: ما تحته من الحصى والحجر.

فهذا هو الذي رواه وهب كما في كتاب (التيجان)، وليس منه في المصادر الأُخرى من سؤال ابن عبّاس من نافع، ولا ما رواه من قصيدة تبّع، اللّهمّ إلاّ ثلاثة أبيات وردت من شعره في تفسيري (فتح القدير) برواية عثمان بن أبي حاضر، وفي القرطبي مرسلاً، فليس فيهما ذكر لنافع، فلماذا فضّل الدكتور الخباطي رواية وهب في التيجان عليهما؟ على أنّ وهب بن منبّه ليس مرضيّاً في رواياته(2)

ثمّ إن كتاب (التيجان) لم يروه عن وهب إلاّ سبطه إدريس بن سنان؟ وهذا ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب 194/1)، وحكى أقوال ابن معين: يكتب من حديثه الرقاق، وقول ابن عدي: ليس له كثير رواية وأحاديثه معدودة، وأرجو أنّه من الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن حبّان في (الثقات): يتقى حديثه من رواية ابنه عبد المنعم عنه. أه-

وكتب على ظهر الكتاب وفي أوّله رواية أبي محمّد عبد الملك بن هشام، عن أسد بن موسى، عن إدريس بن سنان، عن جدّه لأُمّه وهب بن منبّه، وقد يجهل القارئ حاله، فهو أموي النسب والحسب، هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، يقال له: أسد السُنّة، قال البخاري: مشهور الحديث، وقال النسائي: ثقة، ولو لم يصنّف كان خيراً له، وقال ابن يونس: حدّث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره، وقال ابن حزم: منكر ضعيف الحديث، وقال عبد الحقّ في (الأحكام الوسطى): لا يحتجّ به عندهم.

ويبقى السؤال ما دام ابن هشام هو الراوي لكتاب (التيجان) عن أسد بن موسى، فلماذا لم يذكر عنه في سيرته حتّى رواية واحدة؟ ولماذا لم يشر فيها إلى كتاب (التيجان في ملوك حميَر) برواية وهب.

واللافت للنظر، أنّه ذكر في الجزء الأوّل ص31 ابتداء وقوع النصرانية بنجران، وروى الخبر عن ابن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبه اليماني، وساق الحديث بطوله إلى ص34، وقال في آخره: قال ابن إسحاق: فهذا حديث وهب بن منبه عن أهل نجران. ثمّ لم يرد له ذكر في مكان آخر من السيرة، على أنّ فيها ما يستدعي ذكره كخبر تبّان أسعد أبو كرب ملك اليمن، فقد ورد في (السيرة 19/1)، وفي (التيجان/94)، ولم يشر إليه في السيرة لا من قريب ولا من بعيد.

، ومن الغريب من الدكتور قوله: (وكان نافع

1) سورة الدخان/37.

2) - راجع موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني، لتعرف حال وهب.

يحفظ شعر تبّع)، فمن أين له هذا؟

وأغرب منه، كتمانه ذكر كعب الأحبار، وإعراضه عن ذكره، مع وروده في مصدره الذي اعتمده في ذكر نافع قبل ذكره؟! وزاد غرابة ورود اسم كعب في مصادره التي ذكرها، كما سيأتي بيانه في الملاحظة الخامسة.

ونيّف على الجميع غرابة، إذ لم يذكر لكلّ مفردة مصدرها المخصوص بذكرها، فأحالها جميعاً على ما أشار إليه برقم -2- في الهامش، فقال: (انظر، فضائل القرآن لأبي عبيد في دراستي وتحقيقي، التيجان/111 -- 114، الكشّاف 744/2، فتح القدير 310/3، إبراز المعاني/575، القرطبي

11/49، غريب القرآن لابن قتيبة/270، إعراب ثلاثين سورة/164)، وفي هذا الجمع نحو تلبيس على القارئ، إذ لا يعلم مصدر كلّ مفردة ذكرها الدكتور إلاّ بعد مراجعة الجميع، وليس كلّ قارئ يسعه مراجعة جميع مصادر الدكتور، إمّا لعدم وجودها عنده، أو تعذّرها لتعدّد طبعاتها، وفي كلّ حال فهذا منه نحو تدليس نربأ بالدكتور عن ارتكابه.

ولئلا أتجنّى عليه، فسأعرض للقارئ ما في مصادره بنصّه وفصّه، إلاّ الأوّل والثاني والخامس لعدم وجودهما عندي:

الثالث: جاء في (الكشّاف): (وقرأ ابن عبّاس حَمِئَةٍ، وكان ابن عبّاس عند معاوية، فقرأ معاوية (حامية)، فقال ابن عبّاس: (حمئة)، فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثمّ وجّه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة، وروى: في ثأط، فوافق قول ابن عبّاس، وكان ثمّة رجل فأنشد قول تبّع:

فرأى مغيب الشمس عند مآبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

أي: في عين ماء ذي طين، وحمأ أسود)(1). أه-

الرابع: (فتح القدير)، قال: (وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عثمان بن أبي حاصر(2):


1) الكشّاف 1270/2، ط مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1367ه-.

2) - ذكره الخزرجي في خلاصة تهذيب الكمال: 219 ط1 بمصر سنة 1322ه-، فقال: عثمان بن حاصر الحميري أبو حاضر القاص، عن ابن عبّاس وابن عمرو، وعنه ابن إسحاق وعمرو بن ميمون، وثّقه لي أبو زرعة.

أنّ ابن عبّاس ذكر له أنّ معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية)، قال ابن عبّاس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلاّ حَمِئَةٍ، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: وكيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عبّاس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنّهم أعلم بها، وأمّا أنا فإنّي أجد في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب.

قال ابن أبي حاضر: لو أنّي عندكما أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة، قال ابن عبّاس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبّع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتّباعه إياه:

قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً ملكاً تذلّ له الملوك وتسجد

فأتى المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

فقال ابن عبّاس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، فدعا ابن عبّاس غلاماً فقال: أكتب ما يقول هذا الرجل)(1).

السادس: القرطبي في تفسيره: (وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشمس، فقال: (نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله


1) فتح القدير: 299 ط1 بمصر (البابي الحلبي) سنة 1350ه-.

لأحرقت ما على الأرض)(1).

وقال ابن عبّاس: أقرأنيها أُبيّ كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وقال معاوية: هي حامية، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فأنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعباً بينهم حكماً، وقالوا يا كعب: كيف تجد هذا في التوراة؟ فقال: أجدها تغرب في عين سوداء، فوافق ابن عبّاس، وقال الشاعر وهو تبّع اليماني:

قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً ملكاً تذلّ له الملوك وتسجد

فأتى المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

الخُلب: الطين، والثأط: الحمأة، والحرمد: الأسود)(2). أه-

السابع: (غريب القرآن) لابن قتيبة: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، ذات حمأة، ومن قرأ (حامية) أراد حارّة، قال الشاعر يذكر ذا القرنين:

فأتى مغيب الشمس عند مآبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

والخلب: الطين في بعض اللغات، والثأط: الحمأة، والحرمد: الأسود)(3). أه-


1) قال ابن كثير في تفسيره هذه الآية فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ معقباً على رواية عبد الله بن عمرو: قلت رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، وفي صحّة رفع الحديث نظر، ولعلّه من كلام عبد الله بن عمرو، ومن زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم. قلت: لا حاجة إلى التبرير ما دام الرجل معلوم الهوية والهوى، من أتباع معاوية كأبيه، فضّل وأضلّ ولقد غوى فهوى وما هدى.

2) - تفسير القرطبي 49/11، ط دار إحياء التراث العربي بيروت سنة 1965 -- 1966م.

3) - غريب القرآن: 270 بتحقيق السيّد أحمد صقر، ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1398ه- -- 1978م.

الثامن: (إعراب ثلاثين سورة): (قال الله تعالى: (في عين حامية)، ومن قرأ (حمئة)، فهي: الثأط، يعني: الحمأة، أي: تغرب في ماء وطين، ويقال للثأط: الحرمد والحال)(1).

انتهت حصيلة ما في مصادر الخباطي بنصّها، فهل وجد القارئ سؤال ابن عبّاس من نافع بن الأزرق في غير كتاب (التيجان)؟ وهل وجد جملة: (وكان نافع يحفظ شعر تبّع) فيه، أو في غيره؟

وإذا كان الخباطي يعتقد بصحّتها، فلماذا لم يذكرها في ترجمته التي ذكرها لنافع بن الأزرق وأطنب فيها؟!

الملاحظة الخامسة: لماذا أغفل الدكتور ذكر كعب الأحبار؟ وقد ورد بهذا الاسم في كتاب (التيجان) الذي اعتمده قبل ذكر نافع بن الأزرق الذي ذكره؟ إنّها الانتقائية غير المقبولة، ثمّ إنّا وجدنا كعباً مذكوراً في جملة من التفاسير التي ذكرت القرائتين: (حمئة) (حامية)، وأصحابهما، وما جرى بين ابن عبّاس وبين معاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسؤال معاوية من كعب.

وإلى القارئ مضافاً إلى ما مرّ في مصادر الدكتور، نذكر ما جاء في عدّة تفاسير لم يذكرها الدكتور، وهي:

1-- (البحر المديد) لابن عجيبة، سورة الكهف: (وروي أنّ معاوية قرأ (حامية)، وعنده ابن عبّاس، فقال ابن عبّاس: حَمِئَةٍ، فقال معاوية لعبد لله ابن عمرو بن العاص: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثمّ وجّه إلى


1) إعراب ثلاثين سورة: 164 ط، دار الكتب المصرية1360ه-.

كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذا نجده في التوراة، فوافق قول عبد الله بن عبّاس)(1).

2-- (الكشف والبيان) للثعلبي: (عن ابن عبّاس: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية: (ووجدها تغرب في عين حامية)، فقلت: ما نقرؤها إلاّ حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر -- كذا والصواب ابن عمرو -- وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين، قال ابن عبّاس: فقلت في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه، فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أمّا العربية فأنتم أعلم بها، وأمّا الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين، قال أبو حاضر -- أو ابن حاضر -- فقلت لابن عبّاس: لو كنت عندكما لأنشدت كلاماً تزداد به نصرة في قولك (حمئة)، قال ابن عبّاس فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبّع:

قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً *** ملكاً تدين له الملوك وتسجد)(2)

3-- (بحر العلوم) للسمرقندي، سورة الكهف: (وروي أنّ معاوية قرأ (في عين حامية)، فقال ابن عبّاس: ما نقرؤها إلاّ حَمِئَةٍ، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: كما قرأتها، قال ابن عبّاس: في بيتي نزل القرآن، فبعث معاوية إلى كعب يسأله: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنّهم أعلم بها، وأمّا أنا فإنّي أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن حاضر: لو


1) البحر المديد في التفسير القرآن المجيد، ط القاهره 1419ه- تح أحمد رسلان.

2) - الكشف والبيان 171/8.

أنّي كنت عندكما أفدتك بكلام تزداد به بصيرة في حَمِئَةٍ، قال ابن عبّاس: وما هو؟ قلت: يؤثر من قول تبّع...)(1).

4-- (تفسير أبي السعود)، سورة الكهف: (روي أنّ معاوية قرأ (حامية) وعنده ابن عبّاسt، فقال: حَمِئَةٍ، فقال معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثمّ وجّه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين...)(2).

5-- (تفسير البيضاوي)، سورة الكهف: (روي أنّ معاوية قرأ (حامية) وعنده ابن عبّاسt، فقال: حَمِئَةٍ، فبعث معاوية إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين...)(3).

6-- (تفسير الخازن)، سورة الكهف: (...وسأل معاوية كعباً: كيف تجد في التوراة تغرب الشمس، وأين تغرب؟ قال: نجد في التوراة أنّها تغرب في ماء وطين...)(4).

7-- (تفسير الرّازي)، سورة الكهف: (... واتّفق أنّ ابن عبّاس كان عند معاوية، فقرأ معاوية بألف، فقال ابن عبّاس: حَمِئَةٍ، فقال معاوية لعبد الله ابن عمر -- كذا -- : كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثمّ وجّه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده


1) بحر العلوم 29/3.

2) - تفسير أبي السعود 5/ 242، ط بيروت دار إحياء الثراث العربي.

3) - تفسير البيضاوي 520/3، ط بيروت دار الفكر.

4) - تفسير الخازن 176/3.

في التوراة)(1).

8-- (السراج المنير) للشربيني، سورة الكهف: باللفظ كما تقدّم عند الرّازي(2).

9-- كتاب (التسهيل لعلوم التنزيل) للجزّي: (وقد اختلف في ذلك -- قراءة حَمِئَةٍ -- معاوية وابن عبّاس، فقال ابن عبّاس: حَمِئَةٍ، وقال معاوية: (حامية)، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهما بالأمر، فقال: أمّا العربية فأنتما أعلم بها منّي، ولكن أجد في التوراة أنّها تغرب في ماء وطين، فوافق ذلك قراءة ابن عبّاس)(3).

10 -- كتاب تفسير (الدرّ المنثور)، قال: (أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عثمان بن أبي حاضر: أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه ذكر له أنّ معاوية قرأ (في عين حامية) الآية في سورة الكهف تغرب، فقال ابن عبّاس رضي الله عنه لمعاوية: ما نقرؤها إلاّ حَمِئَةٍ، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: كما قرأتها، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل هذه أهل العربية فإنّهم أعلم بها، وأمّا أنا فإنّي أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن أبي حاضر: لو أنّي عندكما أيدتك بكلام


1) تفسير الرّازي 166/21.

2) - السراج المنير 402/2، ط بولاق القاهرة.

3) - التسهيل لعلوم التنزيل 195/2، ط مصطفى محمّد الأولى سنة 1355ه-.

تزداد به بصيرة في حَمِئَةٍ، قال ابن عبّاس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبّع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتّباعه إياه:

قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً ملكاً تدين له الملوك وتسجد

فأتى المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

فقال ابن عبّاس: ما الخلب؟ قال ابن أبي حاضر: الطين بكلامهم، فقال: ما الثأط؟ قال: الحمأة، فقال: ما الحرمد؟ قال الأسود، فدعا ابن عبّاس غلاماً فقال: أكتب ما يقول هذا الرجل)(1).

11- كتاب (روح المعاني) للآلوسي، ذكر عين ما مرّ عن السيوطي في (الدرّ المنثور) مع تفاوت يسير(2).

فهذه هي المصادر التي ذكرت اسم كعب، وسؤال معاوية منه، ولا شكّ عندي في وجود غيرها فيها مثل ما في هذه لم يسعني الوقت للبحث عنها.

ومهما يكن الحال يبقى السؤال: لماذا أغمض الدكتور الخباطي عينه عن ذكر كعب بالمرّة؟

والتمست له العذر: ربّما كان استيحاشاً لذكره لأنّه مات قبل أن يتسمّى معاوية -- ظلماً -- بأمير المؤمنين، وسمّاه أتباعه، كما قال له عبد الله بن عمرو ابن العاص، وقد مرّ هذا في روايات القرطبي، و(الكشّاف)، من مصادر


1) الدرّ المنثور 396/5، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.

2) - روح المعاني 30/16، ط المنيرية بمصر.

الدكتور، وفي تفاسير أبي السعود، و(الكشف والبيان) للثعلبي، و(البحر المديد)، ممّا زدته عليها، فإنّ وفاة كعب كانت في أواخر أيام عثمان، كما قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، لكنّه في (العبر) قال: سنة (34ه-)، وفي (المنتخب من ذيل المذيل) للطبري حكى القولين، وعندي ما ذكره ابن سعد في (الطبقات) سنة (32ه-) أولى بالقبول، وهو الذي ذكره النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)، وفي (مختصر تاريخ دمشق) كذلك.

أقول: لعلّ هذا الاختلاف صدّ الخباطي، فربّما استوحش من ذكره لهذا السبب؟ أو لأنّ الدكتور قرأ اتّهام الصحابة لكعب بالكذب، وقريب منه قول معاوية: (إن كنّا لنبلو عليه الكذب)(1)، فاستوحش من ذكره فأعرض عنه؟ أو لأنّه رأى جواب كعب فيه ترويج للتوراة، والتنويه بها، مع ما ورد في القرآن والسُنّة من عدم الاطمئنان إلى ما يرويه الأحبار والرهبان لأنّهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ(2)، فأعرض الدكتور عن ذكر كعب؟

وإن كان لا هذا، ولا ذاك، فيبقى الجواب عند الدكتور في خزانة صدره المستور، ولئلا نستغفل القارئ فيظنّ بنا الظنون، حين لم نكشف له صحيفة كعب الأحبار (الصهيوني الأوّل)، كما سمّاه المرحوم الشيخ أبو رية، وقد مرّ في الجزء السادس من الموسوعة بعض الشيء من تاريخه، وفيه بدء إعلانه الإسلام، ومواقف الصحابة المستريبة في صحّته، وأقوال


1) صحيح البخاري -- كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة -- باب قول النبيّ7: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.

2) - سورة النساء/46.

بعضهم في تجريحه(1).

والآن إلى ما كتبه حافظان من أعلام الحفّاظ مقاماً وشهرة، وهما أبو نعيم الأصبهاني المتوفى سنة (430ه-)، والذهبي المتوفى سنة (748ه-) كتباً عن كعب الأحبار، فرفعا بضبعه، فالأوّل ترجم كعب الأحبار في -84- صفحة من كتابه (حلية الأولياء) المطبوع، وقد توزّعت الترجمة في جزئين، ففي الخامس من ص364 إلى 391، وفي السادس من ص3 إلى 45، ذكر له في كلّ جزء أكثر من مائة خبر، وأطراه في أوّل الترجمة بقوله:

(قال الشيخ رحمه الله: ومنهم الحبر صاحب الكتب والأسفار، المثير للمكتوم والأسرار، والمشير إلى المشاهد والآثار، أبو إسحاق كعب بن ماتع الأحبار).

وختم الترجمة بقوله: (قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله: بقي لكعب الأحبار من الأخبار في العظات والآيات ما فيه معتبر لذوي الألباب والهيئات، اقتصرنا على ما ذكرنا، وأعرضنا عن كثير ممّا كتبنا، ونسأل الله الانتفاع بما رُوي لنا وأملينا...

وأسند كعب عن أكابر الصحابة، عن أمير المؤمنين الفاروق عمر، وعن السيّد المهاجر المتاجر صهيب بن سنان، وعن الصدّيقة عائشة(رضوان الله تعالى عليهم).

توفي كعب رحمه الله قبل مقتل عثمان(رض) بسنة).

ثمّ ذكر له خبراً عن عمر، وآخر عن صهيب، واثنين عن عائشة.


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني.

ونظرة فاحصة فيما كتبه أبو نعيم في ترجمة كعب، نجده مشدوداً إلى عمر أكثر من غيره، ونجد عمر يقرّبه ويسأل منه أن يعظه ويخوّفه(1)، وعندي إنّ هذا إلاّ اختلاق لا يطاق، فعمر الذي كان شديداً على أهله وعلى الناس، حتّى قالوا عنه: كان فظاً غليظاً، وكان يحقّق ويدقّق فيما لا يراه موافقاً، وقد مرّ منه مع ابن عبّاس، وأبيّ، وغيرهما، في شؤون القراءات، وغيرها، كيف ينصاع طبعاً فيسأل كعب الأحبار أن يعظه ويخوّفه؟ أما كان يرى في الصحابة من له أهلية الوعظ والتذكير؟!

إنّها نسائج الكذب والتزوير!

وهل نخدع بما قال كعب لعمر: إنّا نجدك شهيداً، إنّا نجدك إماماً عادلاً، ونجدك لا تخاف في الله لومة لائم، قال: هذا لا أخاف بالله لومة لائم، فمن أين لي بالشهادة؟(2)

وكان كعب يقول: إنّ عمر بن الخطّاب على باب من أبواب النار، فإذا هلك انفتح(3). وإنّ عمر بن الخطّابt أرسل إلى كعب، فقال له: يا كعب كيف تجد نعتي في التوراة؟ قال: خليفة قرن من حديد، لا يخاف في الله لومة لائم، ثمّ خليفة تقتله أُمّته ظالمين له، ثمّ يقع البلاء بعده(4).

وإنّ كعباً قال لعمر(رض): هل ترى في منامك شيئاً؟ فانتهره عمر،


1) حلية الأولياء 368/5 و390.

2) - حلية الأولياء 13/6.

3) - حلية الأولياء 23/6.

4) - حلية الأولياء 25/6.

فقال: إنّي أجد -- أو إنّا نجد -- رجلاً يرى في منامه ما يكون في هذه الأُمّة(1).

وأنّ كعباً مرّ بعمر وهو يضرب رجلاً بالدرّة، فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب الله المنزل ما بينها حرف إلاّ من حاسب نفسه(2).

وإنّ كعباً... وإنّ كعباً... وهكذا سرد الحافظ أبو نعيم في (الحلية) ما لم يطمع كعب به.

أمّا الذهبي فقد ترجمه في (سير أعلام النبلاء) بدون ذلك، ولم يزد في وصفه بأكثر من وصفه العلاّمة الحبر، وأطراه بقوله: (وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء)(3)، وساق بعض أخباره.. وأعجب ما فيها: أنّه كانت لديه نسخة التوراة غير المحرّفة، وأنّه أمر بإلقائها في البحر، فألقيت، وقد اعتمد الذهبي على الخبر، فقال: (فمن الذين يستحلّ أن يورد اليوم من التوراة على وجه الاحتجاج معتقدا أنّها التوراة المنزلة؟ كلا والله)(4).

أقول: فهل رأى الدكتور الخباطي هذا ونحوه في كعب، فزهد في ذكره؟


1) حلية الأولياء 43/6.

2) - حلية الأولياء 389/5.

3) - سير أعلام النبلاء 14/5.

4) - سير أعلام النبلاء 17/5.

الملاحظة السادسة: ذكر في ص177 في (منهج عملي في خدمة المسائل)، فكان أوّل المطبوعات المشتملة على مسائل ابن الأزرق (الكامل) للمبرّد محمّد بن يزيد، ولمّا كان المبرّد ذكر في كتابه الآخر بعضها، رأيت ذكرها للإفادة، جاء في كتاب (الفاضل) المنسوب لأبي العبّاس المبرّد، بتحقيق عبد العزيز الميمني (ط دار الكتب المصرية 1375ه- -- 1956م) ما يلي: في ص10 -- 11 متناً وهامشاً:

وروى أبو عبيدة، قال: كان ابن عبّاس يقول: إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنّه ديوان العرب. وكان يُسأل(1)عن القرآن فيُنشد الشعر.

وسئل عن الزَّنيم؟ فقال: هو الدعيُّ الملصق(2)، ألم تسمع إلى قول الشاعر(3):

زنيم تداعاه الرجال زيادة *** كما زيد في عرض الأديم الأكارع

وسئل عن قوله عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(4)؟ قال: وما جمع، ألم تسمع إلى قول الراجز:


1) مسائل نافع عنه توجد تامّة في استانبول ودار مصر. وساقها في الإتقان في علوم القرآن 112/1؛ وكلّها بطريق ابن دأب، وبعضها في مقدّمة جمهرة الأشعار.

2) - وتحته (الملزق).

3) - الإتقان في علوم القرآن 126/1، وهو للخطيم التميمي، جاهلي، عن ابن بري. وفي الكامل: 567 لحسّان.

4) - سورة الانشقاق/17.

إنّ لنا قلائصاً حقائقا(1)*** مُستوسقات لو يجدن سائقا

وكان يفسّر قوله: فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(2). قال: بالأرض، ألم تسمع إلى قول أُميّة بن أبي الصلت الثقفيَّ(3):

فذاك جزاء ما عملوا قديماً *** وكلُّ بعد ذلكمُ يدوم

وفيها لحم ساهرة وبحر *** وما فاهوا به لهمُ مقيم

وتحدّث عمر بنُ شَبَّة، قال(4): بينما ابن عبّاس في المسجد الحرام وعنده ناس من الخوارج وابن الأزرق يسائلونه، إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، فقال: أنشَدنا، فأنشده:

أمن آل نُعم أنت غادٍ فمبكرُ *** غداة غدٍ أم رائح فمهَجِّرُ

حتّى جاء على آخرها.

فأقبل عليه ابن الأزرق، فقال: تالله(5)يا بن عبّاس! إنّا نضرب إليك أكباد الإبل عن أقاصي البلاد لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل علينا، ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت فيخزى وأمّا بالعشي فيخسرُ


1) وعلى الهامش (نقانقا)، كما في اللسان، وهو في الكامل: 566، وفي الإتقان في علوم القرآن 124/1 لطرفة، وفي اللسان: للعجاج، وهو في زيادات (د) برقم 36، والأزمنة 175/2.

2) - سورة النازعات/14.

3) - البيت الثاني في كلمته عند العيني 346/2، ود(352 أه-) ص54.

4) - الخبر على طوله في الكامل: 570، والرائية أوّل كلمة في (د).

5) - في الكامل للمبرّد: (لله أنت يا بن عبّاس)].

فقال ابن عبّاس: ليس هكذا، قال: فكيف؟ قال: فأنشده:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيضحى وأمّا بالعشي فيخصَرُ

فقال: ما أراك إلاّ وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة كلّها كما [أنشدك] أنشدتك، قال: نعم، فإنّي أشاء، فأنشده القصيدة حتّى جاء على آخرها، ثمّ أقبل على عمر، فقال: أنشد، فأنشده(1):

تشط غدا دار جيراننا *** .............

فقال ابن عبّاس:

وللدار بعد غدٍ أبعدُ *** .............

فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون -- إن شاء الله -- فاضطرب ابن أبي ربيعة وخجل، فقال له ابن عبّاس: إنّما عنيتُ أنّك أنت قلته، قال: يا عمّ، فكيف علمت؟ فقال: لا يكون بعد هذا إلاّ هذا.

الملاحظة السابعة: لقد ذكر الدكتور في ص167 محمّد بن القاسم ابن الأنباري، وأنّه ذكر المسائل بتفصيل في كتابه الشهير (إيضاح الوقف والابتداء)، ولم يذكر شيئاً عن كتابه الآخر (الأضداد)، وعاد مرّة أُخرى في مبحث (منهج عملي في خدم المسائل) فذكر في عداد مصادره كتاب (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري، ولم يشر إلى كتابه الآخر (الأضداد) الذي أورد ابن الأنباري فيه سؤالين من مسائل نافع، فذكر في ص33 بسنده إلى الضحّاك: أنّ نافع سأل ابن عبّاس عن قوله تعالى: وَاللَّيْلِ


1) الكلمة في غ (الدار) 84/1، و(د) رقم146.

إِذَا عَسْعَسَ(1)؟ فقال ابن عبّاس: (عسعس) أقبلت ظلمته، فقال نافع: فهل كانت العرب تعرف هذا؟ قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس: عسعس حتّى لو يشاء إدّنى *** كان له من ناره مقبس

ثمّ ذكر في ص44 أيضاً بسنده عن الضحّاك، قال: سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن العبّاس عن قوله الله عزّ وجلّ: وَأَنتُمْ سَامِدُونَ(2)؟ فقال: معناه: لاهون، فقال نافع: وهل كانت العرب تعرف هذا في الجاهلية؟ قال: نعم، أما سمعت قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي عاداً، حيث تقول:

بعثت عادُ لقيماً *** وأبا سعد مريدا

وأبا جُلهمة الخير *** فتى الحي العنودا

قيل قم فانظر إليهم *** ثمّ دع عنك السمودا

الملاحظة الثامنة: لقد ذكر الأزارقة في ص154، فقال: (...وزعم أهل الأخبار أنّ الأزارقة من العمالقة الذين كانوا ينزلون الحجاز (المفصل 517/6و706)، وهذا يناقض ما عرف به نافع بن الأزرق، فقد ثبت أنّه كان أصلع قصيراً...؟).

وهذا منه لا يخلو من تشويش، فإنّه قد نقل المعلومة الأولى عن (المفصل) في ج6 من صفحتين متغايرتين، وعند مراجعة المصدر، وجدنا قد جاء في ص517 ما لفظه: (وقد زعم أهل الأخبار أنّ العمالقة كانوا أصحاب عزّ وبأس شديد، وكانوا ينزلون الحجاز في جملة ما نزلوا من


1) سورة التكوير/17.

2) - سورة النجم/61.

أماكن في أيام موسى، وكان منهم بنو هف، وبنو سعد، وبنو الأزرق، وبنو مطروق، وملكهم إذ ذاك رجل منهم اسمه (الأرقم) ينزل ما بين تيماء وفدك، وكان سكان يثرب من العمالقة، وكذلك سكان بقية القرى، فلمّا تغلّب عليهم العبرانيين -- كذا -- وأخذوا منهم مساكنهم وأقاموا في مواطنهم من الحجاز).

وجاء في ص607: (...وعند مجيء الرسول إلى الطائف عارضاً نفسه على ثقيف أهلها، كان -- عداس -- وهو في جملة من تكلّم إليه. ومنهم الأزرق ذكر أنّه كان عبداً رومياً حدّاداً، وأنّه هو أبو نافع الأزرق الخارجي الذي ينتمي إليه الأزارقة. وهناك روايات تنفي وجود صلة لهذا الأزرق بالأزرق والد نافع المذكور...) أه-

ونحن لا نطيل تعقيباً في المقام إلاّ بنفي وجود أي صلة بين (بنو الأزرق من العمالقة، الذين كانوا بين تيماء وفدك)، كما في النص الأوّل، وبين الأزرق العبد الرومي الحدّاد الذي كان بالطائف، وبين الأزرق أبو نافع الخارجي الذي ينتمي إليه الأزارقة، المذكور في النص الثاني، والاشتراك في الأسماء قديماً وحديثاً لا يعني اتّحاد المسمّى.

ثمّ إنّه نقل المعلومة الثانية عن (مخطوطة الظاهرية/المجموعة2/لوحة 113)، فلست أدري مدى دقّة النقل عن المصدر، إلاّ أنّ كتب الخوارج أولى بالرجوع إليها والنقل عنها، فضلاً عن كتب التاريخ والفرق والمقالات، وقد راجعت بعضاً منها فلم أجد ما ذكره من وصف نافع بالقصر والصلع، ولهذا لا يكون مناقضاً أن يكون الأزارقة من العمالقة؟! وكأنّه غير راض بما رواه وهب وأبو هريرة، وإن حقّ له أن لا يصدّق حديثاً

رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن)، وهذا رواه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن(1)، وهو حجّة في ردّ خرافة طول عوج بن عنق!

فإذا أردنا تصديق أبي هريرة، علينا أن نجمّد ونمرّ على خرافات الاسرائيليين عمياً بكماً لنقول أنّ طول العمالقة كان كذا وكذا، ومنهم عوج ابن عنق الذي أخذ اثني عشر رجلاً من قوم موسى وضمّهم في جيبه، أو عبّته، وأنّه كان يشوي السمكة بعين الشمس، وأنّه يربط فرسه بالثريا، وأنّه وأنّه؟! وعليه لا بدّ أن نتبع الدكتور لرفع التناقض بين طول العملاق وبين طول نافع.

إنّها خرافات الاسرائيليين رواها وهب بن منبه، وعنه راوية الصحابة ذو الشأن الرفيع؟!

الملاحظة التاسعة: قال في ص169 -- 170 (دراسة مسائل ابن الأزرق): (وإذا كانت مسائل ابن الأزرق قد عرفت عبر الأعصر الماضية عمليات الرواية والجمع والتدوين، ولم تتجاوزها، فإنّ العصر الحاضر قد عرف مجهودات طيبة بذلها علماء في خدمة هذه المسائل ودراستها، كلّ حسب


1) أخرجه البخاري 2299/5 رقم5873، ومسلم 2183/4 رقم 2841، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد 399/1 رقم978 بلفظ: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتّى الآن)، ورواه أحمد في المسند مكرّراً، وغيره كثير. وفي مصنّف عبد الرزاق: 19435، وكنز العمال: 15129، وابن عساكر 214/3 ورد: (خلق الله آدم على صورته طوله سبعون ذراعاً)؛ انظر: موسوعة أطراف الحديث 623/4 -- 624.

نظرته لأبعادها المعجمية، أو اللغوية، أو الأدبية، أو التفسيرية.

وكان رائد الميدان -- فيما أعلم -- هو محمّد فؤاد عبد الباقي...)، وأطال في شرح خدمته المسائل.

وقال في ص172 -- 176: (وقد خدمت هذه المسائل أيضاً ودرستها من الجانب اللغوي المحض أستاذتنا الدكتورة عائشة عبد الرحمن... )، وذكر خدمتها ومنهجها وترتيبها، وذكر بعدها الدكتور إبراهيم السامرائي وكتابه (سؤالات نافع بن الأزرق)، وبعده الشيخ أبو تراب الظاهري في كتابه (شواهد القرآن).

ثمّ ذكر الدكتور عبد الرحمن عميرة الذي نشر المسائل باسم (مسائل الإمام الطستي)، ثمّ نقد عمله نقداً لاذعاً لا يخلو من تجاوز حدود الأدب، وقد وقف عنده ولم يذكر بعد غيره.

وإتماماً للفائدة أذكر أسماء ثلاثة من أصحاب الدراسات النافعة، ذكر كلّ ما يتيسر له من شرح وتعليق وتحقيق، وهم:

(1)-- عبد الكريم أحمد جديان، له تحقيق مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس. طبع روائع التراث العربي، مكتبة التراث الإسلامي 1422ه- -- 2001م، وسيأتي نص ما طبع.

(2)-- الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري، الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود، نشر مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، له كتاب الشاهد الشعري في تفسير القرآن أهميته وأثره ومنهاج المفسّرين في الاستشهاد به، وسيأتي ما يتعلّق بمسائل نافع بن الأزرق نقلاً عنه.

(3)-- الدكتور محمّد أحمد الدالي، مدرس العربية بجامعتي دمشق وقطر، له مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن العبّاس، من طريقين: رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن مسلم الختلي ت365ه-، ورواية أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف بن العلاف ت442ه-، ط الأولى 1413ه- -- 1993م، الخفان والحاني للطباعة والنشر. وسيأتي نصّها.

وثمّة مصدر مخطوط تضمّن مسائل نافع، وألحقها بمثلها من المؤلّف، وهذا ما لم يسبق إليه غيره فيما أعلم، وسيأتي ذكره في آخر الفائدة الثانية.

الملاحظة العاشرة: لقد مرّ ذكر ثلاثة أبيات من الشعر المنسوب لتبّع في مصدرين من مصادر الدكتور -- وهما: القرطبي، وفتح القدير -- وفيها أقواء في القافية، ففي القرطبي:

قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً ملكاً تدين له الملوك وتسجد

بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

بينما في (فتح القدير) مثل هذا، إلاّ في عجز البيت الأوّل، فجاء قوله:

قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً *** ملكاً تذلّ له الملوك وتحسد

ولا شكّ أنّ الإقواء من عيوب الشعر، ولمّا كان الدكتور قد أعتمد كتاب (التيجان) في ذكره لنافع بن الأزرق الذي أنشد الشعر لابن عبّاس -- واستظهر به على معاوية وابن العاص -- والأبيات من قصيدة نافت على خمسين بيتاً كلّها وردت فيها القافية مكسورة، وليس فيها إقواء، فلماذا لم ينبه الدكتور على تصحيف ما وقع في القرطبي وفتح القدير؟

فوائد ذات عوائد

الأولى: فائدة عائدة، ذكرها ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير) في تفسير قوله تعالى: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ(1)، قال: (وربّما يتوهّم أنّ هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء؟! وليس كذلك، فإنّها أكبر من الدنيا مراراً، فكيف تسعها عين ماء؟! وقيل: إنّ الشمس بقدر الدنيا مائة وعشرين مرّة، والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرّة، وإنّما وجدها تغرب في العين، كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه أنّ الشمس تغيب في الماء، وذلك لأنّ ذا القرنين انتهى إلى آخر البنيان فوجد عيناً حمئة، ليس بعدها أحد)(2)أه-

ولم يبعد عن هذا الشيخ الجمل في (الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية)، وزاد بقوله: (وأيضاً: فالله تعالى قادر على تصغير جرم الشمس وتوسيع العين وكرة الأرض، بحيث تسع عين الماء عين الشمس، فلم لا يجوز ذلك؟ وإن كنّا لا نعلم به لقصور عقولنا عن الإحاطة بذلك.

وأيضاً الأنبياء والحكماء لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك، ألا ترى إلى ظنّ موسى فيما أنكره على الخضركرخي)(3)أه-

الثانية: تتميماً لذكر المصادر التي مرّ ذكرها، ثمّة مصدر لم يذكره


1) سورة الكهف/86.

2) - زاد المسير 136/5.

3) - الفتوحات الإلهية 44/3، ط البابي الحلبي بمصر.

الدارسون، لا لقصور فيهم، ولا لتقصير منهم، ولكن لعدم علمهم بخبره، فضلاً عن الإطّلاع على نسخته، ذلك هو كتاب: (الأطوار في أفانين الأنوار).

وأخصر تعريف له، أذكر للقارئ ما قاله شيخنا المغفور له الشيخ أغا بزرك في كتابه (الذريعة): (مجموعة من الفوائد المتفرّقة، محتوية على تفسير الآيات وشرح الروايات، ونقل بعض التواريخ والحكايات، وحلّ كثير من المشكلات، للشيخ عبد الحسين بن الشيخ عيسى الرشتي، المولود بالحائر الشريف سنة (1292ه-)، والمجاور للنجف الأشرف، رأيته في كتبه بخطه...)(1)، وهذا ما قاله شيخنا صاحب (الذريعة)، وليس فيه ما يخصّ المسائل بشيء؛ أمّا أنا وقد عنيت ببحث المسائل ولمّ شتاتها من شتّى مصادرها، وكان منها ما أورد الشيخ الرشتي في كتابه (الأطوار في ص259)، فقال:

طور في أطوار:

عن حميد الأعرج، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد، عن أبيه، قال: بينا عبد الله بن عبّاس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجتريء على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه، فقالا له: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإنّ الله إنّما أنزل القرآن بلسان عربي مبين.

فقال ابن عبّاس: سلاني عمّا بدا لكما.


1) الذريعة 218/2، ط1.

فقال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ(1)؟

قال: العزون: حلق الرفاق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يهرعون إليه حتّى *** يكونوا حول منبره عزينا

قال: أخبرني...

وهكذا استمر في ذكر المسائل.

وفي كتابه الذي هو بخط دقيق نسخ تعليق، مع أنّ المؤلّف اختصر السؤال، فلم يكرّر جملة: (وهل تعرف ذلك)، من سؤال نافع، كما حذف اسمه فلم يكرّره في أوّل كلّ سؤال، واقتصر على ما يلي:

قال: أخبرني عن قوله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ(2)؟ قال: زالت الشمس عن كبد السماء، أما سمعت قول كعب بن مالك:

فتغير القمر المنير لفقده *** والشمس قد كسفت وكادت تأفل

وهكذا استمر إلى ص262، فذكر آخر المسائل، وهي:

قال: أخبرني عن قوله: وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(3)؟ قال: ليكتسبوا ما هم مكتسبون، أما سمعت قول لبيد:


1) سورة المعارج/37.

2) - سورة الأنعام/78.

3) - سورة الأنعام/113.

وإنّي لآتٍ ما أتيت وإنّني *** لما اقترفت نفسي عليّ لراهب

ثمّ قال الشيخ المؤلّف رحمه الله : أخرج ابن الأنباري في كتاب (الوقف والابتداء) منها قطعة: قال حدّثنا بشر بن أنس، أنبأنا محمّد بن علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا أبو صالح هدبة بن مجاهد، أنبأنا مجاهد بن شجاع، أنبأنا محمّد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، قال: دخل نافع المسجد... الخ.

وأخرج الطبراني في معجمه الكبير منها قطعة من طريق جويبر، عن الضحّاك بن مزاحم، قال: خرج نافع بن الأزرق... الخ.

وأخرج السيوطي في (الإتقان) جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب، وقال في آخره: وقد حذفت منها يسير -- كذا -- نحو بضعة عشر سؤالاً، وهي اسئلة مشهورة أخرج الأئمّة أفراداً منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عبّاس.

هذا ما ذكره المرحوم الشيخ الرشتي في كتابه (الأطوار)، وليس في هذا ما يلفت الانتباه، ولكن الذي يأتي بعده هو مثار العجب، فقد قال(رحمه الله تعالى):

ولمّا وصلت إلى هذا المقام، زارني عالم فاضل، فاطّلع على ما كتبته في هذا المقام، فقال لي: هل تقدر أن تجيبني إذا سألتك عن هذه الأسئلة التي سألها نافع بن الأزرق عن ابن عبّاس؟ قلت: هيهات أين الثرى من الثريا، والقطرة من البحر، وهو حبر هذه الأُمّة، وهو الذي قال في حقّه محمّد بن الحنفية يوم مات فيه: (مات ربّانيّ هذه الأُمّة)، وأنا مع عثارتي وفرط غباوتي، وكلال الجدّ، وغلظ الحسّ، وفساد المزاج، لم أحفظ الشعر، وليس عندي دواوين الشعراء حتّى أستشهد بأشعارهم، وبالجملة: أين لي بمقام ابن عبّاس وهو يباري الريح.

فقال: إن لم يكن الكلّ فالبعض، إنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كلّه لا يترك.

قلت: أمّا قوله تعالى: عِزِينَ(1)، فقد قال الراعي:

أخليفة الرحمن إنّ عشيرتي *** أمسى سوامهم عزين فلولا

وقال آخر في صفة حية...

وقال عنترة:

وقرن وقد تركتُ لدى مكرّ *** عليه الطير كالعصب العزينا

وفي قوله تعالى: الْوَسِيلَةَ:

أرى الناس لا يدرون قدر أمرهم *** بلى كلّ ذي لب إلى الله واسل

هذا من لبيد، وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث الذي أسر يوم بدر كافراً فضرب عنقه صبراً:

فالنضر أقرب من أصبت وسيلة *** وأحقّهم ان كان عتق يعتق

وهكذا استمر الشيخ رحمه الله يذكر الآية ويسوق الشاهد عليها، وربّما ذكر أكثر من شاهد واحد، فأنهاها في ص267، وقد استوفى جميع المسائل بترتيب ما سبق منه ذكره نقلاً عن (الإتقان)، فكان آخر المسائل عن قوله تعالى: وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(2)، بمعنى: وليكتسبوا، قال الأعور الشني:

ومن يقترف خلقاً سوى خلق نفسه *** يدعه وتغلبه عليه الطبائع


1) سورة المعارج/37.

2) - سورة الأنعام/113.

وقال المخضع النبهاني:

ومن يقترف خلقاً سوى خلق نفسه *** يدعه وترجعه عليه الرواجع

ثمّ قال الشيخ رحمه الله: ثمّ قال ذلك الصديق الفاضل: إنّي أريد أن أسألك عن مسائل أُخرى غير تلك المسائل التي سألها نافع بن الأزرق عن ابن عبّاس، فعليك أن تجيبني، فقلت له: إن قدرت.

فقال: كلمة (الرحمن) في قوله تعالى: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هل هي كلمة عربية أم لا، كما حكي عن تغلب؟ (ثعلب/ظ).

قلت: هي عربية موجودة في أشعار العرب، قال الشنفرى:

ألا ضربت تلك الفتاة بحسنها *** ألا قضى الرحمن بيني وبينها

وقال سلامة بن جندل:

وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق *** ..........

وقال أُميّة:

ولكن أعبد الرحمن ربّي *** ليغفر ذنبيّ الربّ الغفور

ثمّ قال: ما معنى الآية في قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(1)؟ قلت: الجزاء، وإن كانت له معاني أُخر، قال الشاعر:

واعلم بأنّك ما تدين تدان *** ..........

|

وقال آخر: دنّاهم كما دانوا.

ثمّ قال: ما معنى الهداية في قوله تعالى: اهدِنَا؟ قلت: الدلالة والإرشاد، كما قال طرفة:


1) سورة الفاتحة/4.

للفتى عقل يعيش به *** حيث تهدي ساقَه قدُمه

أو التوفيق، كما قال الشاعر:

فلا تعجلنّ هداك المليك *** فإنّ لكلّ مقام مقالا

وهكذا استمر الفاضل يسأل والشيخ المؤلّف يجيب إلى ص271، وأكمل الباقي في هامشي ص272، وص273.

وهي مسائل كثيرة عن آيات مختلفة في سور متعدّدة، وفي نظري القاصر لو عكف عليها دارس باحث محقّق ما كان ضياعاً جهده، فهي ثروة أدبية توازي مسائل نافع إن لم تفضّل عليها، وإنّما ذكرتها لأنفي ظلال الشكّ في مسائل نافع، وأنّها موضوعة أيام العبّاسيين، فهذه مسائل الشيخ الرشتي التي ذكرها في كتابه الأطوار، فقد ذكر أنّ الرجل الفاضل طارحه السؤال ومنه الجواب، ولو لم نكن نعرف كتابه بخطّه، لعرض الشكّ أيضاً لمن قصرت همته، فقال: إنّها ملفّقة من بعده.

وأخيراً أدعو طلاب العلم والمعرفة وأصحاب الدراسات الأدبية إلى اغتنام فرصة العمر في إحياء هذا الأثر التراثي النجفي النافع، وإنّي مع قلّة البضاعة على استعداد لتقديم أيّ خدمة ممكنة بدءاً من النسخة المصوّرة التي تفضّل باهدائها حفيد الشيخ وسميّه (الفاضل عبد الحسين بن المرحوم صديقي العلاّمة الجليل الشيخ محمّد ابن المؤلّف قدس سره)، ووضع مجموعة الدواوين التي في مكتبتي، وقد نيّفت على المائة لمختلف الشعراء من جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، إلى غيرها من مصادر الأدب واللغة وغيرها، والله من وراء القصد، والحمد لله ربّ العالمين.

الرسالة التاسعة(9)

روائع التراث الإسلامي مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس

تأليف حبر الأُمّة

عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب

تحقيق: عبد الكريم أحمد جدبان

مكتبة التراث الإسلامي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لقد تعدّد نشر مسائل نافع بن الأزرق من ابن عبّاسt حول غريب القرآن، ومنها هذا الذي ذكرت صورة عنوانه في ظهر هذه الورقة، وقال قبل ذكرها أنّها كتاب كما هو صريح كلامه، كالآتي:

فقد ذكر المحقّق مقدّمة استغرقت 75 صفحة استوفى فيها ترجمة ابن عبّاسt، وختمها بذكر نسخة المسائل الخطية في برلين تحت رقم -683- بعنوان كتاب (غريب القرآن)، وفي المكتبة الظاهرية بدمشق، وفي دار الكتب بالقاهرة تحت عنوان: (غريب القرآن) تحت رقم -166-، وفي المجمع العلمي العراقي تحت رقم -69-.

ويوجد منه قطعة في (الكامل) للمبرّد/566، وفي كتاب (الوقف والابتداء) لابن الأنباري، وفي (معجم الطبراني الكبير).

وقال الزركشي: (ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن، واستشهاد ابن عبّاس في كلّ جواب ببيت). وفي (الإتقان) للسيوطي/65 -- 107 -190- سؤالاً، حذف منها بضعة عشر سؤالاً، أسئلة مشهورة، وأخرج الأئمّة أفراداً منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عبّاس.

المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، العدد -25-، الدورة السابعة رجب -- رمضان 1420ه- -- 2000م.

ولا شكّ أنّ هذا الكتاب يعدّ أقدم ما كتب، ويعتبر من أهم مناهج

التفسير للقرآن الكريم، ذلك لأنّ مؤلّفه ترجمان القرآن أوّلاً، ولأسلوبه الفريد في الاستدلال على معاني آيات القرآن الكريم ثانياً.

لذلك آثرت نشره، علّه يؤدي دوره المأمول في شدّ الأُمّة إلى لغتها وكتاب ربّها، والله أسأل أن يذخر لي ذلك عنده إنّه سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين.

عبد الكريم أحمد جدبان

اليمن -- صعدة

جماد أوّل/1422ه- -- الموافق 2001/8م

أقول: لقد صورت ما زاد على ما في (الإتقان) متناً وهامشاً.

191- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ(1)، هل كانت العرب تعرف الطلاق في الجاهلية؟

قال: نعم، كانت العرب تعرفه ثلاثاً بائناً، ويحك يا ابن أُمّ الأزرق! أما سمعت قول الأعشى وقد أخذه أختانه(2)، فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تطلّق أهلك، فإنّك قد أضررت بها، فقال:

يا جارتا بيني فإنّك طالقه *** كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه(3)

فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثني لها الطلاق، فقال:

بيني فإنّ البين خير من العصا *** وأن لا تزال فوق رأسي بارقه(4)

فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال:

وبيني حصان الفرج غي ذميمة *** ومو موقة فينا كذاك ووامقه

192- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قوله عزّ وجلّ: إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(5)؟

قال: إلاّ أن تدع المرأة نصف المهر، أو يعطيها زوجها النصف الباقي، فيقول: كانت في ملكي وحبستها عن الزواج.


1) سورة البقرة/229.

2) - الأختان: مفردها الختن، وهو كلّ من كان من قبل المرأة، مثل الأب والأخ.

3) - ديوان الأعشى: 122، قاله لامرأته الهزانية حين طلقها.

4) - ديوان الأعشى بلفظ:

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول:

حزماً وبراً للإله ويمة *** تعفو على خلق المسيء المفسد(1)

تعفو على خلق المسيء المفسد *** حزماً وبراً للإله وشيمة

الخرسان)

193- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ(2)؟

قال: السِنة: الوسنان الذي هو نائم وليس بنائم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول:

ولا سِنة طوال الدهر تأخذه *** ولا ينام وما في أمره فند(3)

194- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(4)؟

قال: الزوج: الواحد، والبهيج: الحسن.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد مذكور في ديوان زهير: 277، ط دار الكتب بمصر وصورته الصحيحة:

2) - سورة البقرة/255

3) - لم أقف عليه.

4) - سورة الحجّ/5، وسورة ق/7.

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى وهو يقول:

وكلّ زوج من الديباج يلبسه *** أبو قدامة محبوا بذاك معا(1)

195- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ(2)؟

قال: الأنصاب: الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها، والأزلام: القداح.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول:

فلا لعمر الذي مسحت كعبته *** وما هرين على الأنصاب من جسد(3)

196- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا(4)؟

قال: لا يثقله حملهما عزّ وجلّ.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

يعطي المئين فلا يؤده حملها *** محض الضرائب ماجد الأخلاق(5)


1) ديوان الأعشى: 105، قاله يمدح هوذة بن علي الحنفي.

2) - سورة المائدة/90.

3) - ديوان النابغة: 30، قاله يمدح النعمان بن المنذر.

4) - سورة البقرة/255.

5) - لم أقف عليه.

197- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَسْفَلَ سَافِلِينَ(1)؟

قال: هكذا الكافر من الشباب إلى الكبر، ومن الكبر إلى النار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عليّ بن أبي طالبt وهو يقول:

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل *** عن الشعب والعدوان في أسفل السفل(2)

عن البغي والعدوان في أشغل الشغل *** فأضحوا لدى دار الجحيم بمنزل

198- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ(3)؟

قال: يُنشرون من جوف الأرض من كلّ ناحية.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد وهو يقول:

وأمّا يومهن فيوم سوء *** تخطفهن بالحدب الصقور(4)

199- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لِلدِّينِ حَنِيفاً(5)؟


1) سورة التين/5.

2) - ديوان أمير المؤمنين: 89، قاله يوم حنين بلفظ:

3) - سورة الأنبياء/96.

4) - ديوان طرفة: 48، قاله يهجو عمرو بن هند وأخاه قابوس بلفظ:

قال: ديناً مخلصاً؟

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطّلب وهو يقول:

حمدت الله حين هدى فؤادي *** إلى الإسلام والدين الحنيف(1)

لدين جاء من ربّ عزيز *** خبير بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علينا *** تحدر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداها *** بآيات مبينات الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع *** فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله لا نسلمه لقوم *** ولما نقضي فيهم بالسيوف

ونترك منهم قتلى بقاع *** عليها الطير كالورد العكوف

وقد خبرت ما صنعت ثقيف *** به فجزا القبائل من ثقيف

إله الناس شرّ جزاء قوم *** ولا أسقاهم صوب الخريف

وهي أيضاً في الروض الأنف للسهيلي/الخرسان).

وقال أيضاً رجل يذكر بني عبد المطّلب وفضلهم:

أقيموا لنا ديناً حنيفاً فأنتم *** لنا غاية قد يهتدي بالذوائب(2)


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد من عدّة أبيات قالها حمزة بن عبد المطّلب، وقد رواها ابن إسحاق في سيرته ص173 تح زكار، ط دار الفكر، وهي كما يلي بعد البيت الشاهد:

2) - لم أقف عليه. (البيت الشاهد من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت قالها يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحرب... ويأمرهم بالكف عن رسول الله7... والقصيدة أخرجها ابن هشام في السيرة 283/1 -- 286 وهي 35 بيتاً والشاهد هو البيت 23 منها، راجع، ط تراث الإسلام بتحقيق السقا والأبياري وشلبي/الخرسان).

200 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مُسَوِّمِينَ(1)

(*) الصواب: يا بن الأزرق، كما هو في سؤالات نافع بن الأزرق، ولم يرد في غيرها.(الخرسان).

؟

قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسومة، فتلك سيما الملائكة يا ابن أُمّ الأزرق(*).

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

ولقد حميت الخيل تحمل شكتي *** جرداء صافية الأديم مسومه(2)

201- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: صُوَاعَ الْمَلِكِ(3)؟

قال: الصواع: الكأس الذي كان يشرب به.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

له درمكٌ في رأسه ومشارب *** وقدرٌ وطباخ وصاع وديسق(4)

202- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ(5)؟


1) سورة آل عمران/125.

2) - لم أقف عليه.

3) - سورة يوسف/72.

4) - ديوان الأعشى: 116، بلفظ:

قال: الثُّبة: عشرة فما فوق ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم وهو يقول:

فأمّا يوم خشيتنا عليهم *** فتصبح خيلنا عصباً تبينا(1)

203- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْمُنْخَنِقَةُ(2)؟

قال: كانت العرب تخنق الشاة، فإذا ماتت أكلوا لحمها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت امرأ القيس وهو يقول:

يغط غطيط البكر شُد خناقُه *** ليقتلني والمرء ليس بقتال(3)

ألا عم صباحاً أيّها الطلل البالي *** ...........................

204- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ(4)

(*) الصواب: (وخرفتكم) بالفاء من المخرف، من قولهم اشترى فلان مخرفاً صالحاً، أي: نخلات يخترفن، ومنه حديث أبي طلحةt حين نزلت: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً سورة البقرة/345، قال: إنّ لي مخرفاً وأنّي قد جعلته صدقة، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (اجعله في فقراء قومك) الفائق للزمخشري 348/1 تح البجاوي وإبراهيم.(الخرسان).

؟

قال: لا تعمدوا إلى شرّ ثماركم وخرقتكم(*) فتعطوه في الصدقة، لو


1) ديوان عمرو بن كلثوم: 64، من المعلقة. (والصحيح في القافية [ثبيتا] بالثاء المثلثة/الخرسان).

2) - سورة المائدة/3.

3) - ديوان امرئ القيس: 139 من قصيدته التي مطلعها:

4) - سورة البقرة/267.

أعطيتم ذلك لم تقبلوا.

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

يممت راحلتي أمام محمّد *** أرجو فواضله وحسن نداه(1)

كالرجل خان الرجل عرق نساها *** لمّا رأيت ملوك كندة أقبلت

يممت راحلتي أمام محمّد *** ...........................

الأغاني في ذكر عمرو بن معديكرب/الخرسان).

وقال أيضاً:

تيممت قيساً وكم دونه *** من الأرض من مهمه ذي شزن(2)

205- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عُرُباً أَتْرَاباً(3)؟

قال: هنّ العاشقات لأزواجهن، اللاتي خُلقن من الزعفران، والأتراب: المستويات.

قال: هل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول:

عهدت بها سعدى وسعدى عزيزة *** عروب تهادى في جوار خرائد(4)


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد قاله فروة بن مسيك المرادي لمّا توّجه إلى النبيّ7 مع مذحج معلنا إسلامه، وقبله قوله:

2) - ديوان الأعشى: 205.

3) - سورة الواقعة/37.

4) - ديوان النابغة: 43. (الصواب في قراءة الصدر (عهدت بها سعدى وسعدى غريرة...) بالغين المعجمة والراء المهملة، ديوان النابغة شرح البطليوسي/المكتبة الأهلية بيروت/الخرسان).

206- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: سَامِراً تَهْجُرُونَ(1)؟

قال: كانوا يهجرون على اللهو والباطل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

وباتوا بشعب لهم سامر *** إذا خاب نيرانهم أوقدوا(2)

207- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ(3)؟

قال: النحس: البلاء والشدّة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول:

سواء عليه أي يوم أتيته *** أساعة نحس تتقي أم بأسعد(4)

208- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ(5)؟


1) سورة المؤمنون/67.

2) - لم أقف عليه.

3) - سورة القمر/19.

4) - ديوان زهير: 19، بلفظ:

قال: إذا أشرقت الشمس وحلّت الصلاة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

لم ينم ليلة التمام لكي *** يصبح حتّى أضاءه الإشراق(1)

209- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً(2)؟

قال: سُبْحَانَ: تنزيه له وحده لا شريك له، الذي أسرى محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

قلت له لمّا علا فخره *** سبحان من علقمة الفاخر(3)

210 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً(4)؟

قال: الشغاف في القلب: في النياط، يقول: امتلأ قلبها من حبّ يوسف.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) ديوان الأعشى/125.

2) - سورة الإسراء/1.

3) - ديوان الأعشى: 92، بلفظ:

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان هو يقول:

وفي الصدر حبّ دون ذلك داخل *** دخول الشغاف غيَّبته الأضالع(1)

211- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَاء ثَجَّاجاً(2)؟

قال: الثجيج: الكثير الذي ينبت منه الزرع.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:

سقى أُمّ عمرو كلّ آخر ليلة *** حناتم سود ماؤهن ثجيج(3)

212- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَلُوماً مَّحْسُوراً(4)؟

قال: مستحباً مستحلاً قد حسرت من المال، فتقول: هلا أيقنت(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الهذلي وهو يقول:


1) ديوان النابغة الذبياني: 78، بلفظ:

ما قاد من عرب إليَّ جوادهم *** إلاّ تركت جوادهم محسورا(1)

213- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حُسُوماً(2)؟

قال: دائمة شديدة محسومة بالبلاء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أُميّة بن الصلت يقول:

وكم كنّا بها من فرط عام وهذا الدهر مقتبل حسوم(3)

214- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَحُورٌ عِينٌ(4)؟

قال: الحوراء: البيضاء المنعمة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

وحور كأمثال الدُمى ومناسف *** وماء وريحان وراح يصنع(5)


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل، كما في ديوانه: 288 -- 293 وهو البيت 45 من القصيدة ذات 54 بيتاً. راجع ديوان جرير تأليف محمّد إسماعيل عبد الله الصاوي، ط الأولى بمطبعة الصاوي بمصر، وهذا ممّا يدلّ على التزيّد في المسائل لتأخّر زمان المهاجاة عن زمان المسائل/الخرسان).

2) - سورة الحاقة/7.

3) - ديوان أُميّة: 67.

4) - سورة الواقعة/22.

5) - ديوان الأعشى: 116، بلفظ:

215- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(1)؟

قال: الجبّار: القتّال، والعنيد: الذي يعند عن حقّ الله.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

مُصرٌ على الحنث لا تخفى شواكله *** يا ويح كلّ مُصرٍّ القلب جبار(2)

216- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ(3)؟

قال: القرآن ليس بالباطل واللعب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قيس ين رفاعة وهو يقول:

وما أدري وسوف إخال أدري *** أهزل ذاكمُ أم قول جد(4)

217- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ(5)؟

قال: الموضونة: ما يوضن بقضبان الفضّة، عليها سبعون فراشاً.


1) سورة هود/59، وسورة إبراهيم/15.

2) - لم أقف عليه. (الصواب: يا ويح/الخرسان).

3) - سورة الطلاق/14.

4) - لم أقف عليه.

5) - سورة الواقعة/15.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت هو يقول:

أعددت للهيجاء موضونة *** فضفاضة كالنهي بالقاع(1)

فضفاضة مثل لون النهي بالقاع *** تحفز عنّي فجاء السيف سابغة

(لقد وقع وهم في نسبة البيت الشاهد إلى حسّان بينما هو لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، وهو من قصيدة ذكرها القرشي في جمهرة أشعار العرب في المذهبات برقم 7، كما ذكرت في شرح المفضليات: 64، ووردت ثمانية أبيات من أوّلها في ابن الأثير 414/1، والبيت الشاهد هو السابع، أمّا بيت حسّان الذي ذكره الباحث فقد وقع فيه وهم في ألفاظه، والصواب، هو كما في ديوانه (البرقوقي): 257:

فضفاضة مثل لون النهي بالقاع *** تحفزني نجاد السيف سابغة

الخرسان).

218- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ(2)؟

قال: النسل: المشي الخبب، وهذا يوم القيامة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني جعدة وهو يقول:

عسلان الذئب أمسى قاربا *** برد الليل عليه فنسل(3)


1) ديوان حسّان بن ثابت: 148، بلفظ:

2) - سورة يس/51.

3) - لم أقف عليه. (موجود في ديوانه: 90، وقد نسب هذا البيت إلى لبيد بن ربيعة في جملة من المصادر، كما في المحكم لابن سيده 303/1، والجمهرة لابن دريد 32/3، وتاج العروس (عسل)، ولسان العرب (عسل)، وغير منسوب فيه في (نسل)، وغيرها/الخرسان).

219- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(1)؟

قال: العنق: الجماعة من الناس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الحارث بن هشام وهو يقول ويذكر أبا جهل:

يخبرنا المخبر أنّ عمراً *** أمام القوم في عنق مخيل (2)

220 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَاهُ(3)؟

قال: الإنا: النضج، يعني: إذا أدرك الطعام، ذلك أنّ أمراء المؤمنين كانوا يدخلون بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيحدّثون قبل أن يدرك الطعام ويكلّمون نساءه، وذلك قبل الحجاب، فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ(4). فلم يدخلوا بعد ذلك إلاّ بإذن، وكانوا إذا دخلوا أكلوا الطعام وانتشروا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:


1) سورة الشعراء/4.

2) - لم أقف عليه.

3) - سورة الأحزاب/53.

4) - سورة الأحزاب/53.

يفعم ذاك الإنا العبيط كما *** يفعم عزب المجالة الجمل(1)

(الأولى) في تفسيره الأنا ب-(النضح) بالحاء المهملة، وهو خطأ، والصواب: (النضج) بالجيم المعجمة.

(الثانية) في قوله: وذلك أنّ أمراء المؤمنين (؟) كانوا يدخلون بيت النبيّ فيحدّثون (؟) قبل أن يدرك الطعام ويكلّمون نساءه وذلك قبل الحجاب، فشقّ ذلك على النبيّ7، فأنزل الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، وفي هذا كذب صريح، فلم يكن في أيام النبيّ7 من هم أمراء المؤمنين يومئذ، فمن أين أتى بهذا؟ وبين أيدينا مصادر التفسير بالأثر خلوا من ذلك، راجع أسباب النزول للواحدي: 269 -- 271، ط سنة 1315، وتفسير الدرّ المنثور للسيوطي 564/6 -- 568.

(الثالثة) قوله: كانوا يدخلون بيت النبيّ7 فيحدّثون؟ والصواب: فيتحدّثون، كما في المصادر التفسيرية.

(الرابعة) نقله البيت الشاهد خطأ، والصواب كما في الدرّ المنثور 566/6، وقد ذكر السؤال والجواب والشاهد:

يفعم غرب المحالة الجمل *** يفعم ذاك الأنا العبيط كما

الخرسان)

221- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ(2)؟

قال: الإبل يأخذها داء يقال له: الهيام، فلا تروى من الماء؛ قال: فشبَّه شرب أهل النار من الحميم بشرب الإبل الهيم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة يقول:


1) لم أقف عليه. (لقد وهم الباحث فيما ذكره أربع مرّات:

2) - سورة الواقعة/55.

أجزت إلى معارفها بشعث *** وإطلاع من العيدي هيم(1)

222- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(2)؟

قال: زلزلة شديدة عند النفخة الآخرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول:

ملك ينفق الخزائن والذمة *** قد دكّها وكادت تبور(3)

-ة قد ردّها وكادت تبور *** ملك يقسم الخزائن والذم-

الخرسان).

223- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ(4)؟

قال: كذلك نساء أهل الجنّة، لم يدن منهن غير أزواجهن.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:


1) ديوان لبيد بن ربيعة: 184. (الصواب في عجز البيت [واطلاع من العيديّ هيم]، يعني: إبل ونابا مهازيل والواحد طليح، والعيديّ: إبل منسوبة إلى فحل، وقيل: قوم يقال لهم العيد/الخرسان).

2) - سورة الحاقة/14.

3) - لم أقف عليه. (البيت في ديوانه: 92، تح المعيبد، من قصيدة بلغت خمسين بيتاً، وهو البيت49، ولفظه:

4) - سورة الرحمن/56، 74.

مشين إليّ لم يطمثهن قبلي *** وهنّ أصحّ من بيض النعام(1)

وهن أصحّ من بيض النعام *** وأمات درجن على الليالي

(أقول: وهذا منتهى الوهم في الفهم، حين ينسب البيت الشاهد إلى الشريف الرضي المتوفى بعد ابن عبّاس بما يقرب من ثلثمائة سنة! مع إنّ البيت من شعر الفرزدق، وهو في ديوانه: 836، ط الصاوي بمصر، من قصيدة نيفت على ثمانين بيتاً يمدح بها هشام بن عبد الملك، وفيها من المدح ما لا يستحقّ، لكنّها التقية والخوف من بطشه، لأنّه كان مطارداً ومطلوباً للحجّاج، ومسجوناً عند خالد بن عبد الله القسري، وفي ديوانه من الشعر في مدح الأمويين ما يَعجَب المرء منه ولا يُعجِبه! لأنّه جاوز حدّ: الشعر أعذبه أكذبه/الخرسان).

224- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَأَنَا أوّل الْعَابِدِينَ(2)؟

قال: أنا أوّل الآبقين(3)من أن يكون لله ولد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت تبّعاً وهو يقول:

قد علمت فهر بأنّي ربّهم *** طوعا تدين له ولمّا تعبد(4)

225- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَمُولَةً وَفَرْشاً(5)؟

قال: الحمولة: ما تحمل عليه، والفرش: الصغار من الأنعام.


1) البيت للشريف الرضي ديوان: 416، بلفظ:

2) - سورة الزخرف/81.

3) - كذا ولعلّها الآبين. (ولعلّ: الآنفين أصحّ، لاحتمال التصحيف/الخرسان).

4) - لم أقف عليه.

5) - سورة الأنعام/142.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

ليتني كنت قبل ما قد أراني *** في قلال الجبال أرعى الحمولا(1)

في رؤوس الجبال أرعى الوعولا *** ليتني كنت قبل ما قد بدا لي

226- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ(2)؟

قال: قُطع أصلهم، واستؤصلوا من ورائهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير وهو يقول:

القائد الخيل منكوباً دوابرها *** محكومة حكمات القد والإبقا(3)

227- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: خُذِ الْعَفْوَ(4)؟

قال: أمر الله عزّ وجلّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) ديوان أُميّة بن أبي الصلت: 57، بلفظ:

2) - سورة الأنعام/45.

3) - ديوان زهير بن أبي سلمى: 39، بلفظ:

قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:

يعفو عن الجهل والسوآت كما *** يدرك غيث الربيع ذو الضرر(1)

أنزل صوبُ الربيع ذي الرصد *** يعفو على الجهد السؤال كما

الخرسان).

228- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً(2)؟

قال: المكاء: [صوت] القنبرة، والتصدية: صوت العصافير، وهو التصفيق، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة بمكّة كان يصلّي قائمة [الصواب: قائماً] بين الحجر وبين الركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم، يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فيصيح أحدهما كما تصيح المكاء، والآخر يصفق بيديه كتصدية العصافير، ليفسد(3)عليه صلاته.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت وهو يقول:

نقوم إلى الصلاة إذا دعينا *** وهمكم التصدي والمكاء(4)

وقال آخر من الشعراء في التصدية:


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد من قول لبيد في رثاء أخيه أربد، وهو في ديوانه: 159، ط الكويت، ولفظه:

2) - سورة الأنفال/35.

3) - لعلّها: ليفسدا.

4) - لم أقف عليه.

حين تبهنا سُحيرا *** قبل تصدية العصافير(1)

229- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ(2)؟

قال: النسل: الطائر والدواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

كهولهم خير الكهول ونسلهم *** كنسل الملوك لا يبور ولا يجري(3)

كنسل الملوك لا تبور ولا تحري *** كهولهم خير الكهول ونسلهم

لا تبور: لا تهلك، ولا تحري: لا تنقص/الخرسان).

230 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ(4)؟

قال: شبَّه الله أصوات المنافقين والكفارة بأصوات البهم، أي: أنّهم لا يعقلون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي خازم وهو يقول:


1) لم أقف عليه. (الصواب: تنبهنا/الخرسان).

2) - سورة البقرة/205.

3) - لم أقف عليه. (البيت من قصيدة لحذيفة بن غانم يرثي بها عبد المطّلب بن هاشم، وهي في سيرة ابن هشام 174/1 -- 177، والبيت الشاهد هو البيت العشرون من القصيدة، وهي 41 بيتاً، وروايته:

4) - سورة البقرة/171.

هضيم الكشح لم تغمر ببؤسي *** ولم تنعق بناحية الرباق(1)

ولا مدت بناحية الرباق *** هضيم الكشح ما غنيت ببؤس

(الصواب في رواية البيت كما في الديوان: 162، مديرية إحياء التراث القديم، بتحقيق الدكتور عزّة حسن:

ولا مدت بناحية الرياق *** هضيم الكشح ما غذيت ببؤس

الخرسان).

231- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ(2)؟

قال: فيما أشكل عليهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهيراً وهو يقول:

متى يشتجر قوم يقلّ سرواتهم *** هم بيننا فهم رضاً وهم عدل(3)

232- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا(4)؟

قال: عهداً كما حملته على اليهود فعصوك، مسختهم قردة وخنازير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول:


1) ديوان بشر: 114، بلفظ:

2) - سورة النساء/65.

3) - ديوان زهير بن أبي سلمى: 58.

4) - سورة البقرة/286.

أفي كلّ عام وافد وصحيفة *** يُشد بها أمر وثيق وأيصر(1)

يرش على الساقين من بوله قطر *** ألاّ ليت حظي من حياطتكم بكر

وقد وقع في البيت الشاهد تصحيف في القافية، والصواب: (له أصر)/الخرسان).

233- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ(2)؟

قال: أن ترجع بإثمي وإثمك الذي عملت، فتستوجب النار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

من كان كاره عيشه فليأتنا يلقى المنية أو يبوء له غنى(3)

234- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(4)؟

قال: نهر في بطن الجنّة، حافتاه قباب الدرّ والياقوت.

قال: وبأي شيء ذكر ذلك؟

قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل باب المروة، وخرج من باب الصفا،


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد من قصيدة قالها يعرّض بالمطعم بن عدي، ويعمّ من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم، وأوّلها:

2) - سورة المائدة/29.

3) - لم أقف عليه. (البيت للأسعر الجعفي، وهو من قصيدة له في الوحشيات: 44، كما في مسائل نافع بن الأزرق، تحقيق الدكتور محمّد أحمد الدالي، الآتي بنصه/الخرسان).

4) - سورة الكوثر/1.

فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: [من] استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟ قال: ذلك الأبتر، يريد النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، فما برح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى نزلت هذه السورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، نهر في بطنان الجنّة، حافتاه قباب الدرّ والياقوت، فيها أزواجه وخدمه، ثمّ قال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ _ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ(1)، يعني: إنّ عدوّك هو العاص ابن وائل السهمي، الأبتر من الخير، لا أُذكر مكاناً(2)إلاّ ذكرت معي يا محمّد، فمن ذكرني ولم يذكرك، ليس له في الجنّة نصيب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت وهو يقول:

وحباه الإله بالكوثر الأ *** كبر فيه النعيم والخيرات(3)

235- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(4)؟

قال: ما غاب عنهم من أمر الجنّة والنار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول:


1) سورة الكوثر/2 -- 3.

2) - أي: في مكان.

3) - لم أقف عليه.

4) - سورة البقرة/3.

وبالغيب آمنا وقد كان قومنا *** يصلّون للأوثان قبل محمّد(1)

يصلّون للأوثان قبل محمّد *** ومن قبل آمنا وقد كان قومنا

(لقد مرّ منّا ذكره في ترجمة أبي سفيان بن الحارث، وأنّ الشعر له، بدلالة ما له من أبيات على المعنى والمبنى، ذكرناها، فراجع ما في سقط المتاع/الخرسان).

236- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: صَفْرَاء فَاقِ-عٌ لَّوْنُهَا(2)؟

قال: الفاقع: الصافي اللون من الصفرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى [وهو] يقول:

سدم قديم عهد بانيه *** من بين أصفر فاقع وذغال

237- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ(3)؟

قال: في عدّة نسائهم، ومحلّ دينهم، وشروط الناس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر [وهو] يقول:

والشمس تجري على وقت مسخّرة *** إذا قضت سفراً واستقبلت سفرا(4)


1) البيت لعبّاس بن مرداس ديوانه: 56، بلفظ:

2) - سورة البقرة/89.

3) - سورة البقرة/189.

4) - لم أقف عليه.

238- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بِقِنطَارٍ(1)؟

قال: أمّا قولنا أهل البيت، فإنّا نقول: القنطار: عشرة آلاف مثقال، وأمّا بنو جد فإنّهم يقولون: ملء مسكِ ثورٍ ذهباً أو فضّة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول:

وكانوا ملوك الروم تجبي إليهم *** قناطيرها من بين حقّ وفائد(2)

239- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا(3)؟

قال: أنقذكم الله عزّ وجلّ بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبّاس ابن مرداس يقول:

يكبّ على شفا الأذقان كباً *** كما زلق التختم عن خفاف(4)

240 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء(5).


1) سورة آل عمران/75

2) - لم أقف عليه. (البيت من شعر عدي بن زيد، من تسعة أبيات وردت في ديوانه: 124 -- 125، تحقيق محمّد جبار المعيبد سنة 1385ه- -- 1969م، بغداد سلسلة كتب التراث/الخرسان).

3) - سورة آل عمران/103.

4) - لم أقف عليه. (البيت أشبه أن يكون من أبيات قالها العبّاس بن مرداس يهجو خفّاف بن ندبة، وقد وردت في الأغاني 77/18 -- 78، ط دار الكتب؛ فراجع/الخرسان).

5) - سورة النساء/43، وسورة المائدة/6.

قال: جامعتم النساء، وهذيل تقول: اللمس باليد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول:

يلمس الأحلس في منزله *** بيديه كاليهودي المقل(1)

وقال الأعشى:

ودارعة صفراء بالطيب عندنا *** للمس الندامى في يد الدرع مفتق(2)

241- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا(3)؟

قال: من قبل أن نمسخها، فنردّها على غير خلقتها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أُميّة بن أبي الصلت يقول:

من يطمس الله عينيه فليس له *** نور يبين به شمساً ولا قمرا(4)

243- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْمَوْقُوذَةُ(5)؟


1) لم أقف عليه. (البيت في ديوانه: 183، ط الكويت، وهو من قصيدة زادت على ثمانين بيتاً، من عيون الشعر في الحكم/الخرسان).

2) - ديوان الأعشى: 116، بلفظ:

قال: التي تضرب بالخشب حتّى تموت، فتأكلها العرب، وذلك أنّهم جادلوا المسلمين، فقالوا لهم: تزعمون أنّكم على دين الله وما ذبح الله لكم لا تأكلونه، وتزعمون أنّه ميتة، وما ذبحتم أنتم بأيديكم تزعمون أنّه حلال لكم.

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول(1):

يبرينني دين النهار واقتضي *** ديني إذا وقذ النعاس الرَّقدا(2)

ديني إذا وقذ النعاس الرقدا *** يلوينني دين النهار وأجزي

243- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ(3)؟

قال: الأزلام: القداح، كانوا يستقسمون الأمور بها، مكتوب على أحدهما: (أمرني ربّي، والآخر: نهاني ربّي)، وإذا أرادوا الحرب أتوا بيت أصنامهم، ثمّ غطوا على القداح، فأيهما خرج عملوا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الحطيئة وهو يقول:

لا يزجر الطير إن مرّت بنا سنحا *** ولا يفاض له قدح بازلام(4)


1) في المخطوط: سمعت الشاعر يقول.

2) - البيت للأعشى، انظر ديوانه: 54، بلفظ:

3) - سورة المائدة/3.

4) - ديوان الحطيئة: 110، بلفظ:

244- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً(1)؟

قال: اثني عشر وزيراً، وصاروا إلينا بعد ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

وإنّي بحقّ قائلٌ لسراتها *** مقالة نصح لا يضيع نقيبها(2)

245- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ(3).

قال: سرباً في الأرض فتذهب هرباً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(4)يقول:

فدسّ لها على الأنفاق عمراً *** بشكته وما حشيت كمينا

246- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً(5)؟


1) سورة المائدة/12.

2) - لم أقف عليه.

3) - سورة الأنعام/35.

4) - البيت لعدي بن زيد، انظر ديوانه. (في ص183، والصواب فيه: وما خشيت -- بالخاء المعجمة -- /الخرسان).

5) - سورة الأنعام/112.

قال: باطل القول غروراً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أوس بن حجر يقول:

لم يغروكم غرورا ولكن *** يرفع الآل جمعكم والزهاء(1)

وقال زهير بن أبي سلمى:

فلا تغرنك دي إن سمعت بها *** عند امرئ سوءة في الناس مغمور(2)

247- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: رِجْسٌ وَغَضَبٌ(3)؟

قال: الرجس: اللعنة، والغضب: العذاب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

إذا سنة كانت بنجد محيطة *** فكان عليهم رجسها وعذابها(4)

248- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ(5)؟


1) لم أقف عليه. (وقع خطأ في عجز البيت، والصواب: (والضحاء)، وهو ليس لأوس، بل هو للحارث بن حلزة اليشكري من معلقته، كما في شرح القصائد السبع: 491، والتسع: 597، والعشر: 405/الخرسان).

2) - لم أقف عليه. (وقع خطأ في صدر البيت، والصواب: فلا تغرنك دنيا إن سمعت بها/الخرسان).

3) - سورة الأعراف/71.

4) - لم أقف عليه.

5) - سورة الأعراف/133.

قال: القمل: الدبا، وهي فراخ الجراد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن المطّلب وهو يقول:

يبادرون النخل من أنّها *** كأنّهم في السرق القمّل(1)

كأنّهم في السرق القمّل *** يبادرون النخل من آنها

فيه: إنّ القمّل السوس الذي يخرج من الحنطة/الخرسان).

249- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً(2)؟

قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشر عيناً، لكلّ سبط عين يشربون منها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي خازم وهو يقول:

فأسبلّت العينان منّي بواكف *** كما أنّها من واهي المنبجس(3)

250 -- قال: يا ابن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ(4)؟


1) لم أقف عليه. (البيت الشاهد لم يذكر بصيغته الصحيحة، وهي كما في تفاسير الطبري، وابن كثير، والقرطبي، والطبرسي في (مجمع البيان):

2) - سورة الأعراف/160.

3) - ديوان بشر: 80، بلفظ:

قال: من كلّ أحد، وفيها كلمة عربية، يا ابن الأزرق لعلّك لا تحتملها!!

قال: بلى يا ابن عبّاس! فأخبرني بها؟!

قال: نعم، (أخفيها من علمي).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

فإن تدفنوا الداء لا نخفه *** وإن تبعثوا الحرب لا نقعد(1)

أقول: إلى هنا انتهى ما كان مضافاً إلى ما في (الإتقان)، والحمد لله.


1) البيت لامرئ القيس، انظر ديوانه: 84. (البيت الشاهد منسوب لامرئ القيس بن عابس الكندي، كما في مجاز القرآن 16/2 -- 17، ولامرئ القيس بن حجر، كما في ديوانه، وإلى عمرو بن معديكرب، كما في شرح شواهد المغني للبغدادي = خزانة الأدب 309/5 -- 310).

الرسالة العاشرة(10)

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم

أهميته، وأثره، ومناهج المفسّرين في الاستشهاد به

تأليف: د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود

مكتبة دار المنهاج

للنشر والتوزيع بالرياض

المبحث الثاني

مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس رضي الله عنهما

مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس رضي الله عنهما(1)

هذه المسائل شواهد القرآن من أوّل ما عرف في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم.

قال العسكري وهو يتحدّث عن أولية التأليف في غريب القرآن: (أوّل من صنّف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، صنّف كتاب (المجاز)، وأخذ ذلك من ابن عبّاس حين سأله نافع بن الأزرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسّرها له، واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أوّل ما روي في ذلك وهو خبر معروف)(2).

وقد وجدت إشارات مقتضية إلى هذه المسائل في كتب السُنّة، والتفسير، والأدب، غير أنّه لم يقم أحد منهم بالحكم عليها، ونقد أسانيدها ومتونها، ولذلك قام بعض الباحثين المعاصرين بإفراد هذه المسائل بالتأليف، والنظر إليها من زاوية التفسير البياني للقرآن الكريم(3)، أو من زاوية اللغة(4)، بطريقة توهم القارئ أنّ كلّ هذه صحيحة لا شكّ فيها، في حين قام بعض


1) كان حقّ هذا المبحث التقديم على سابقه، غير أنّ الخطة المعتمدة على هذه الصورة.

2) - الأوائل: 261.

3) - انظر: الإعجاز البياني للقرآن، ومسائل نافع بن الأزرق، لبنت الشاطي: 270.

4) - انظر: شواهد القرآن لأبي تراب الظاهري 13/1.

الباحثين بالتشكيك في هذه المسائل، والطعن في ثبوتها(1)، دون أن يكون هذا الطعن مبنيّاً على دراسة نقدية منصفة، تبحث في صحيح هذه الآثار من ضعيفها.

مادّة المسائل:

هذه المسائل هي ألفاظ من غريب القرآن أشكلت على نافع بن الأزرق الخارجي (ت65ه-)، فجاء يسأل عنها عبد الله بن عبّاس (ت68ه-)، وهو في مكّة، واشترط على ابن عبّاس أن يأتيه على كلّ جواب بشواهد من الشعر العربي، تصدّق ما فسّر به ابن عبّاس تلك الكلمات، وكان من أمره: أنّه (خرج نافع بن الأزرق)، ونجدة بن عويمر(2)في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة، فإذا هم بعبد الله بن عبّاس قاعداً إلى جنب زمزم عليه رداء له أحمر، وقميص أبيض، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير، ويقولون: يا ابن عبّاس! ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا.

فقال له نافع بن الأزرق: ... إنّي أتيتك لأسألك. قال: هات يا ابن الأزرق(3).


1) انظر: في الشعر الجاهلي لطه حسين: 51، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 664/8 -- 665.

2) - هو نجدة بن عويمر العجلاني الحنفي البكري الوائلي، رأس فرقة النجدية من الحرورية، وإليه ينسبون بعد اختلافه مع نافع بن الأزرق، توفي سنة 69ه -- ، انظر: الكامل 1102/3.

3) - مسائل نافع بن الأزرق: 33.

وكان نافع طلب من ابن عبّاس أن لا يجيبه بجواب، إلاّ مستشهداً له بشاهد من شعر العرب(1).

وقت هذه المسائل:

لم أجد تحديداً لتاريخ هذه المسائل في الكتب التي نقلتها أو أشارت إليها، ويمكن تقدير وقت هذه الأسئلة ما بين عامي خمسة وأربعين وخمسة وخمسين من الهجرة (45 -- 55ه- -- )، وذلك للقرائن التالية:

(1)-- قدوم نافع بن الأزرق، مع نجدة بن عويمر في نفر من الخوارج إلى ابن عبّاس يسألونه عن العلم، وهذا يدلّ على ظهور أمر الخوارج، وقد كان خروجهم على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ابتداء من سنة -37- هجرية بعد وقعة صفّين(2).

(2)-- إنّ هؤلاء الخوارج كانوا لا يزالون صفّاً واحداً قبل أن يفترق الأزارقة عن النجدية عام -64- هجرية(3).

(3)-- إنشاد عمر بن أبي ربيعة قصيدته الرائية بين يدي ابن عبّاس بحضرة نافع بن الأزرق، وهي قصيدة بديعة، يندر أن يكتبها الشاعر قبل العشرين من عمره، وهذه الحقبة توافق تحديد عمر الشاعر عمر بن أبي ربيعة فيما بين 22 سنة و32 سنة، وهي فترة شبابه، حيث ولد سنة -23- هجرية، وأغلب من


1) انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 35.

2) - انظر: تاريخ الطبري 79/3.

3) - انظر: تاريخ الطبري 398/3.

ذكر قصّة هذه المسائل يصف ابن أبي ربيعة بأنّه شاب(1).

(4)-- إنّ هذه المسائل فيما يبدو كانت قبل أن يكفّ بصر ابن عبّاسt، والذي يمكن تحديده بعام -60- هجرية، وإن كانت العلاقة لم تنقطع بعد عمى ابن عبّاس رضي الله عنه (2)، وعلى هذا فقد كانت هذه المسائل زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان، حيث بويع له بالخلافة عام -40- للهجرة، وبقي حتّى مات سنة -60- للهجرة(3).

مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها:

مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها(4):

-- المسائل في كتب التفسير وما تعلّق به:

(1)-- ذكرها الإمام عبد الرزاق الصنعاني (ت210ه- ) في تفسيره، فقال:


1) انظر: الأغاني 81/1، أمالي المرزوقي: 345.

2) - انظر: تفسير الطبري (هجر) 407/8.

3) - انظر: تاريخ الطبري 166/3، 261.

4) - لهذه المسائل عدد من المخطوطات، منها: مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 3849، وعدد أوراقها 13 ورقة (107 -- 119). ومخطوطة المكتبة الظاهرية رقم 6863، وتقع في خمس عشرة ورقة، وهي ملخّصة من الإتقان في علوم القرآن، وقد قام بتحقيقها معتمداً على هاتين المخطوطتين الدكتور محمّد الدالي. انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 13 -- 14. ومخطوطة مكتبة طلعت في المجموع رقم 266 الأوراق 1 -- 33. ومخطوطة دار الكتب المصرية بالقاهرة في المجموع رقم 166م، الأوارق 132 -- 143، وقد حقّق هذه المخطوطة الدكتور إبراهيم السامرائي، وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد عام 1968م، ولها تحقيق آخر قام به محمّد عبد الرحيم وأحمد نصر الله بعنوان (غريب القرآن في شعر العرب). ومخطوطة مكتبة برلين في المجموع 683، الأوراق 93، 101، وهي نسخة مختصرة من المسائل التي نقلها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن. انظر: تاريخ الأدب العربي 8/4 -- 9,

(أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني من سمع ابن عبّاس يخاصم نافع بن الأزرق...)(1). ولم تتضمّن المسائل فيما أخرجه شواهد من الشعر.

(2)-- أشار الإمام الطبري (ت310ه-) إلى هذه المسائل، عند تفسير قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً(2)، حيث أخرج عن سعيد بن جبير بإسنادين مختلفين، قال: (جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: أشياء تختلف علَيَّ في القرآن...)(3). ثمّ ذكر رواية ثالثة عن الضحّاك -- من غير طريق جويبر -- : (إنّ نافع بن الأزرق أتى ابن عبّاس، فقال: يا ابن عبّاس! قول الله تبارك وتعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً وقوله: وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(4)، فقال له ابن عبّاس: إنّي أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عبّاس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنّ الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقولون: تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: والله ربّنا ما كنّا مشركين، قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنّهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنّوا لو أنّ الأرض سوّيت بهم ولا يكتمون الله حديثاً)(5). ولم تتضمّن روايات الطبري لهذه المسائل التي ذكر فيها نافع بن


1) تفسير عبد الرزاق الصنعاني 11/3، 103/3.

2) - سورة النساء/42.

3) - تفسير الطبري (شاكر) 374/8.

4) - سورة الأنعام/23.

5) - انظر: تفسير الطبري (شاكر) 375/8

الأزرق شواهد من الشعر، وإن كان في مواضع أُخرى لم يشر فيها إلى المسائل قد أورد الشواهد الشعرية عن ابن عبّاس.

(3)-- ثمّ جاء أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباري (328ه-)، فأخرج بسنده مسائل ابن الأزرق بشواهدها الشعرية(1).

(4)-- ثمّ بعد القرن الرابع الهجري كثر رجوع المفسّرين إلى هذه المسائل، والاستشهاد بها لغريب ألفاظ القرآن، وممّن رجع إليها من المفسّرين: ابن العربي المالكي (ت543ه-) في كتابه (أحكام القرآن)، والبغوي في تفسيره(2)، والرّازي في تفسيره(3)، وأبو المظفر السمعاني في تفسيره(4)، وأبو عبد الله القرطبي (ت671ه-) في (الجامع لأحكام القرآن)، وابن كثير الدمشقي (ت774ه-) في (تفسير القرآن العظيم)(5).

فعند تفسيره لقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً(6)، قال ابن العربي: (... ويروى أنّ نافع بن الأزرق سأل ابن عبّاس عن قوله: (وحفدة)؟ قال: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك، قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، وتقوله، أما سمعت قول الشاعر(7):


1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء: 76 -- 98، الأضداد 33، 34.

2) - انظر: معالم التنزيل 204/3، 412، 479.

3) - انظر: تفسير الرّازي 45/18، 157، 22/21، 94/24، 30.

4) - تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني؟؟؟؟/306، 87/4.

5) - انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 499/1 -- 500، 360/3، 97/4، 275.

6) - سورة النحل/72.

7) - هو أُميّة بن أبي الصلت، كما في مسائل نافع بن الأزرق: 39، وليس في ديوانه، وقيل: وليس في ديوانيهما 374/3، وقيل: لجميل، كما في مجاز القرآن 364/1، وقيل: لحميد، كما في تفسير الطبري (هجر) 298/14، وبلا نسبة كما في معاني القرآن للاخفش 591/2.

حفد الولائد حولهن وألقيت *** بأكفهن أزمة الاجمال(1)(2)

(5)-- وذكرها النحّاس في (معاني القرآن)(3)، دون ذكر شواهد شعرية.

(6)-- وذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي عند تفسيره لقوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(4)، حيث قال: (وفي مسائل نافع بن الأزرق الحنفي الحروري فقيه الخوارج لعبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، وسأله عن قول الله عزّ وجلّ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ؟ فقال ابن عبّاس: غير مقطوع. قال هل تعرف العرب ذلك؟ فقال: قد عرفه أخو بني يشكر، حيث قال:

وترى خلفهن من سرعة الرَّج- *** -ع منيناً كأنّه أهباء(5)

يعني: الغبار تقطعه قطعاً وراءها، والمَنينُ: الغبار الضعيف)(6).

(7)-- وأمّا كتب (علوم القرآن)، فقد احتفلت بمسائل نافع بن الأزرق عند


1) مجاز القرآن 364/1، تفسير الطبري (هجر) 298/14، وانظر المصادر السابقة.

2) - أحكام القرآن 1162/3 -- 1163.

3) - معاني القرآن للنحاس 1162/4 -- 1163.

4) - سورة التين/6.

5) - من معلقة الحارث بن حلزِّة اليشكري. انظر: شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري: 443، شرح القصائد العشر للتبريزي: 294.

6) - مجالس في تفسير قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ سورة آل عمران/164، لابن ناصر الدين الدمشقي: 247 -- 248.

الحديث عن غريب القرآن، فقد أشار إليها الزركشي (ت794ه-)(1)، وتوسّع في عرضها السيوطي (ت911ه-) في كتابه (الإتقان)(2)، كما رجع إليها في كتابه الآخر (المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب)(3)، وذكر السيوطي في كتابه (الوسائل في مسامرة الأوائل): أنّ (أوّل من صنّف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، أخذ ذلك من أسئلة نافع بن الأزرق لابن عبّاس)(4). وهو مسبوق بما ذكره العسكري كما تقدّمت الإشارة إليه. وجُلُّ من كتب في المسائل من المتأخّرين اعتمد على ما أورده السيوطي من هذه المسائل في (الإتقان).

- المسائل في كتب الحديث:

(1)-- أورد الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-) روايةً معلّقة في الحديث الثاني الذي قدم به لسورة (فُصِّلَتْ) في كتاب التفسير من صحيحه، قال: (وقال المنهال: عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عبّاس: إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف علَيَّ...)، وقد وصل البخاري الحديث بعد تمامه، فقال: (حدّثنيه يوسف بن عدي، حدّثنا عبيد الله بن


1) انظر: البرهان في علوم القرآن: 397.

2) - الإتقان 121/1.

3) - انظر: المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب : 55، 137 لفظة (حوب) و(يحور).

4) - انظر: الوسائل في مسامرة الأوائل: 112، القرآن الكريم وأثره في الدراسات القرآنية لعبد العال سالم مكرم: 243.

عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال بهذا)(1). قال الحافظ بن حجر (ت852ه-): (قوله: (قال رجل لابن عبّاس)، كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عبّاس بمكّة ويسأله ويعارضه)(2).

(2)-- يُعد (المعجم الكبير) للإمام أبي القاسم الطبراني (ت360ه-) أشهر كتب الحديث التي نقلت هذه المسائل، فقد أخرجها الطبراني ضمن مروياته عن ابن عبّاس من طريق الضحّاك بن مزاحم، قال: (خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة...)(3). وقد أورد الطبراني من هذه المسائل إحدى وثلاثين مسألة مع شواهدها الشعرية. وعن (المعجم الكبير) أخذها جُلّ المتأخّرين، لكن المعاصرين أخذوها من مراجع وسيطة متأخّرة، وربّما يكون تأخّر طبع المعجم الكبير سبباً في ذلك.

(3)-- أخرج هذه المسائل الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، قال: (سأل نافع بن الأزرق ابن عبّاس عن قوله تعالى: هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ(4)، فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً(5)،


1) صحيح البخاري 1815/4 -- 1817.

2) - فتح الباري 419/8.

3) - المعجم الكبير 304/10.

4) - المرسلات/35.

5) - سورة طه/108.

وقوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ(1)، هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ(2).

(4)-- ومن متأخّري المُحدّثين الذين أوردوا مسائل نافع بن الأزرق: الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي (ت807ه-)، حيث أوردها في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) من رواية الطبراني(3).

- المسائل في كتب الأدب:

(1)-- وأمّا كتب الأدب، فقد ظلّ الاهتمام بهذه المسائل محصوراً في بحث علاقة القرآن بالشعر، ويُعد كتاب (الكامل) للمبرّد (285ه-) من أوّل من أشار إلى هذه المسائل، حيث يقول: (حدّث أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي النسابة، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، قال: رأيت ابن عبّاس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله، ويطلب منه الاحتجاج باللغة)(4).. وقد أورد جملة مُختصرة منها حيث يقول: (وله -- أي: نافع بن الأزرق -- ولعبد الله بن عبّاس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب، إن شاء الله)(5).

(2)-- ومن كتب الأدب التي أوردت هذه المسائل، كتاب (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد محمّد بن أبي الخطّاب القرشي، الذي عاش في القرن


1) سورة الصافات/27.

2) - سورة الحاقة/19. المستدرك 245/4، فتح الباري 419/8.

3) - مجمع الزوائد 303/6 -- 310.

4) - الكامل 1144/3 -- 1145، وقد أورد عدداً من هذه المسائل مع التعقيب عليها، وشرح شواهدها، واستغرق ذلك في الكتاب الصفحات التالية 1144/3 -- 1455.

5) - الكامل 1102/3 -- 1103.

الخامس الهجري(1)، فقد نص على قدوم نافع بن الأزرق إلى ابن عبّاس، وسؤاله عن القرآن، ومخاطبة ابن عبّاس له بقوله: (...ونحن ذاكرون في كتابنا هذا ما جاءت به الأخبار المنقولة، والأشعار المحفوظة عنهم، وما وافق القرآن من ألفاظهم، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعر والشعراء، وما جاء عن أصحابه والتابعين من بعدهم... ومن ذلك ما حدّثنا به المفضّل ابن عبد الله(2)، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قدم نافع بن الأزرق الحروري إلى ابن عبّاس يسأله عن القرآن، فقال ابن عبّاس: يا نافع! إنّ القرآن كلام الله تعالى، خاطب به العرب على لسان أفصحها، فمن زعم أنّ في القرآن غير العربية فقد افترى؛ لقوله تعالى: قُرآناً عَرَبِيّاً(3)(4). ثمّ عقد فصلاً بعنوان: (ما وافق القرآن من ألفاظ العرب)، أورد فيه أربعة وثمانين شاهداً من الشعر المنسوب، وكلمات القرآن التي وافقت ما في هذه الشواهد من الألفاظ، وجملة كبيرة من تلك الشواهد وردت في مسائل نافع بن الأزرق(5).

(3)-- وأشار إليها المرزوقي (ت421ه-)، في سياق ذكره لقصيدة عمر بن


1) انظر: مقدّمة تحقيق جمهرة أشعار العرب للقرشي 110/1.

2) - هو المفضل بن عبد الله بن محمّد المجبري، شيخ مؤلّف جمهرة أشعار العرب، لم توجد له ترجمة. انظر حاشية محقّق الجمهرة ذات الرقم -1- 111/1.

3) - سورة الزمر/28.

4) - جمهرة أشعار العرب 110/1 -- 111.

5) - جمهرة أشعار العرب 113/1 -- 139.

أبي ربيعة(1).

(4)-- كما أشار إليها نجم الدين الطوفي (ت716ه-)، في كتابه (الصعقة الغضبية في الردّ على منكري العربية)، فقال: (عبد الله بن العبّاس الذي كان إذا سُئل عن غريب القرآن ومشكلاته، أنشد أشعار العرب، حتّى إنّي رأيت ذلك كتاباً مستقلاً يُعرف بمسائل نافع بن الأزرق ابن عبّاس، ثلاثة كراريس فيه مائتان وخمسون بيتاً تقريباً، يُنشد كلّ بيت على مسألة)(2).

- المسائل عند المعاصرين:

(1)-- أوّل من أشار إليها محمّد فؤاد عبد الباقي عندما أفردها في كتابه (معجم غريب القرآن)، وقد أعتمد على رواية السيوطي، وأعاد ترتيبها على حروف المعجم(3). ثمّ في دراسة د. سزكين لآثار ابن عبّاس رضي الله عنهما في التفسير ذكر الأثر الثالث وهو مسائل نافع بن الأزرق، وقال: (وتضم أسئلة زعيم الخوارج إلى عبد الله بن عبّاس عن معاني مائتي كلمة صعبة في القرآن، أجاب عنها ابن عبّاس وشرحها بشواهد من الشعر القديم)(4).

(2)-- ما كتبته الدكتورة عائشة عبد الرحمن المعروفة ب-(بنت الشاطيء)، بعنوان (الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق)، الصادر عام 1971م، وقد خصصت أكثر من نصف الكتاب لدراسة مسائل نافع بن


1) انظر: أمالي المرزوقي: 345.

2) - الصعقة الغضبية في الردّ على منكري العربية: 272 -- 273.

3) - انظر: معجم غريب القرآن: 262 -- 320.

4) - تاريخ التراث العربي 46/1.

الأزرق من حيث ألفاظها، وموازنتها بما في كتب التفسير(1).

(3)-- ما كتبه الشيخ أبو تراب الظاهري في الجزء الأوّل من كتابه (شواهد القرآن)، فقد أفرده لشرح مسائل نافع بن الأزرق شرحاً لغوياً بديعاً(2)، ولم يعن فيه بتحقيق صحّة هذه المسائل، وإنّما عني بجمعها والكلام عليها من الناحية اللغوية المعجمية.

(4)-- نشرة بعنوان: (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس)، أخرجها إبراهيم السامرائي في بغداد سنة 1968م، وهي تحقيق لمخطوطة المسائل المروية عن الإمام الطستي، المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم -166- مجاميع، وقد نشرها المحقّق في حلقتين بمجلّة (رسالة الإسلام) في العددين 5، 6 من السنة الثانية، ثمّ نشرها في كتاب بعد ذلك.

(5)-- نشرة أُخرى لهذه المخطوطة المعروفة بمسائل الطستي، بتحقيق محمّد عبد الرحيم وأحمد نعامة، صدرت من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة 1413ه- بعنوان: (غريب القرآن في شعر العرب -- سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس)، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلّها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه (3).

(6)-- نشرها الدكتور محمّد الدالي باسم (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد


1) انظر: الإعجاز البياني للقرآن: 270.

2) - انظر: شواهد القرآن 5/1.

3) - انظر: غريب القرآن في شعر العرب: 19، المسألة رقم/160.

الله بن العبّاس)، وقد اعتمد في إخراجها على المخطوطتين المحفوظتين بالمكتبة الظاهرية، وهي أوثق نشرات المسائل من حيث العناية بالنص وخدمته، لا من حيث إسنادها الذي رويت به، فهو موضوع كما سيأتي الحكم عليه في موضعه، ولم ينبّه المحقّق إلى ذلك، وقد ذيلها المحقّق بما لم يرد في هاتين النسختين ممّا ورد عند ابن الأنباري، والمبرّد، والسيوطي، وسؤالات نافع التي أخرجها السامرائي، وهي من رواية الطستي.

(7)-- تناول هذه المسائل كذلك الدكتور أحمد الخباطي في بحثه (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل نافع بن الأزرق)، بدار الحديث الحسنية بالمغرب(1).

(8)-- وهناك نشرة أُخرى لهذه المسائل بعنوان: (غريب القرآن لحبر الأُمّة وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس، نص المحاورة التي دارت بفناء الكعبة بين نافع بن الأزرق وابن عبّاس، ونقلها السيوطي في (الإتقان). عرض وتعليق وتقديم محمّد إبراهيم سليم. وهي مستلة من (الإتقان) للسيوطي.

روايات المسائل:

هذه المسائل من حيث ثبوتها في حاجة إلى دراسة أسانيدها دراسة حديثية لأسانيدها ومتونها، ليتبيّن مدى صحّتها وحجّيتها في باب التفسير اللغوي للقرآن الكريم والاحتجاج له بشعر العرب، وقد جاءت تلك


1) انظر: بحث (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل نافع بن الأزرق) لأحمد الخباطي، بمجلّة دار الحديث الحسنية بالمغرب، العدد/15، 1418ه- 121 -- 185، وهو مختصر من رسالته للدكتوراه.

المسائل في مواضع متفرّقة من كتب أهل العلم، وفي موضوعات متباينة، فكان لا بدّ من جمع جميع الطرق التي رويت بها، ونظراً لعدم اطّلاعي على دراسة حديثة وافية لأسانيد هذه المسائل، ولتعلّقها بموضوع الرسالة قمت بدراسة أسانيدها دراسة حديثية لتكتمل الصورة عند النظر إلى هذه المسائل المشهورة.

أوّلاً: نقد الأسانيد:

هذه المسائل على قسمين:

القسم الأوّل: مسائل ورد فيها السؤال عن آيات من القرآن الكريم دون اشتراط الاستشهاد عليها بشعر العرب، وقد وردت من عدّة طرق:

الطريق الأوّل: مداره على المنهال بن عمرو. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن رجلٍ، عن المنهال بن عمرو(1).

ومن طريق عبد الرزاق، رواه ابن جرير الطبري(2)، ورواه يعقوب الفسوي(3)، والبخاري(4)، والطبراني(5).

ومن طريق الطبراني رواه المزّي(6)، والذهبي(7)، وابن حجر(8)، من


1) تفسير عبد الرزاق 160/1 -- 162.

2) - تفسير الطبري (شاكر) 373/8.

3) - المعرفة والتاريخ 289/1.

4) - صحيح البخاري 1815/4.

5) - المعجم الكبير 304/10 رقم -10597-.

6) - تهذيب الكمال 442/32.

7) - سير أعلام النبلاء 478/10.

8) - تغليق التعليق 301/4.

طريق زيد بن أبي أُنيسة عن المنهال به.

كلاهما: رجل -- مبهم -- وزيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عبّاس: (إنّي أجد في القرآن أشياءً تختلف علَيَّ...)، ثمّ سأله عن عدد من الآيات، وأجابه ابن عبّاس.

ورواه أبو بكر بن أبي شيبة(1)، والحاكم(2)من طريق الأعمش سليمان ابن مِهران، عن المنهال به، بلفظ: (قال ابن عبّاس: كان داود عليه السلام يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثمّ يجيء أشراف الأنس حتّى يجلسوا ممّا يلي الأيمن...) إلى آخر الأثر، وفيها: أنّه استوقفه نافع بن الأزرق وسأله عن الهدهد.

والسائل في الأثر عن ابن عبّاسt رجل مبهم، جاء تمييزه في رواية الطبراني بأنّه سعيد بن جبير، وهذا يخالف ما جاء في بقية المصادر التي روت الأثر، فهو إمّا خطأ طباعي، وإمّا تصحيف في روايات (المعجم الكبير)، فقد جاء في المصادر التي روت الأثر من طريق الطبراني على أنّه (رجل) بصيغة الإبهام، وذهب ابن حجر(3)، والعيني(4)، إلى أنّه نافع بن الأزرق، كما أنّه ورد التصريح باسم نافع بن الأزرق في أثناء الأثر الذي أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم المتقدّم.


1) المصنّف 336/6.

2) - المستدرك 440/2.

3) - فتح الباري 419/8.

4) - عمدة القاري 150/19.

والأثر بهذا الإسناد أورده البخاري في صحيحه، وغاير في سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود، فقال بعد أن ذكر متنه: (حدّثينه يوسف بن عدي: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بهذا)(1). وقد ذكر ابن حجر كلاماً للبرقاني تعليقاً على هذا الصنيع من البخاري، فقال: (ولم يخرج البخاري ليوسف، ولا لعبيد الله بن عمرو، ولا لزيد بن أبي أُنيسة سواه، وفي مغايرة البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنّه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وقد صرّح ابن أبي خزيمة في صحيحه بهذا الاصطلاح، وأنّ ما يورده بهذه الكيفية ليس على شرط صحيحه، وخرج على من يغيّر هذا الصيغة المصطلح عليها إذا أخرج منه شيئاً على هذه الكيفية، فزعم بعض الشراح أنّ البخاري سمعه أوّلاً مرسلاً، وآخراً مسنداً فنقله كما سمعه، وهذا بعيد جدّاً، وقد وجدت للحديث طريقاً أُخرى، أخرجها الطبري(2)من رواية مطرف من طريقٍ، عن المنهال بن عمرو بتمامه، فشيخُ معمر المبهم يحتمل أن يكون مطرِّفاً، أو زيد بن أبي أُنيسة، أو ثالثاً)(3). ولم يتبيّن لي فصل كلام ابن حجر من كلام البرقاني في هذا النقل المتقدّم في المطبوع، فكأنّ البرقاني أو ابن حجر يرجّح صحّة الأثر، وأنّ مغايرة البخاري لسياق إسناده لا تدلّ على عدم صحّته، بدليل وجود طريق أُخرى للأثر عند الطبري،


1) صحيح البخاري 1816/4 -- 1817.

2) - انظر: تفسير الطبري (شاكر) 373/8.

3) - فتح الباري 421/8.

وكذلك فإنّ الحافظ المزّي جزم بعزوه للبخاري، فقال بعد تخريجه: (رواه البخاري بطوله)(1).

الطريق الثاني: روى عبد بن حميد في تفسيره كما في (تغليق التعليق) لابن حجر(2)، قال: حدّثني سليمان بن حرب، ثنا حمّاد بن سلمة، عن علي ابن زيد، عن أبي الضحى(3)، أنّ نافع بن الأزرق، وعطية، أتيا ابن عبّاس، فقالا: يا ابن عبّاس! أخبرنا عن قول الله: هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ(4)، وقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ(5)؟... إلى آخر الرواية، وسألوه عن عدد من الآيات، وأجاب ابن عبّاس عنها. وقد ذكره السيوطي وعزاه لعبد بن حميد(6).

الطريق الثالث: رواه عبد الرزاق(7)، قال: (أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني من سمع ابن عبّاس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن


1) تهذيب الكمال 442/32.

2) - تغليق التعليق 357/4.

3) - أبو الضحى، هو: مسلم بن صُبيح (بالتصغير) الهمداني الكوفي العطار، المشهور بكنيته، ثقة فاضل، مات سنة 100ه-. انظر: تقريب الهذيب: 939.

4) - المرسلات/35.

5) - سورة الزمر/31.

6) - انظر: الدرّ المنثور 185/15. والأثر على هذا ضعيف، في إسناده علي بن زيد بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، ضعيف، من الرابعة، قيل مات سنة 131ه- [انظر: تقريب التهذيب/696]، وباقي رجاله ثقات.

7) - تفسير عبد الرزاق 11/3.

عبّاس: الورود الدخول، وقال نافع: لا...)، إلى آخر الأثر(1).

الطريق الرابع: مدار هذا الطريق على سفيان الثوري، رواه عبد الرزاق(2)، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في (الأوسط)(3)، ورواه الطبراني من طريق محمّد بن يوسف الفريابي(4)، ورواه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن مهدي(5).

ثلاثتهم: عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي، والفريابي عن سفيان الثوري، عن عاصم(6)، عن أبي رزين(7)، قال: (خاصم نافع بن الأزرق ابن عبّاس، فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟...)، الخ الأثر(8).

الطريق الخامس: روى الطبري، قال: (حدّثني المثنى، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الزبير -- هكذا في نسخة شاكر -- وفي نسخة: هجر جويبر(9)، عن الضحّاك: أنّ نافع بن الأزرق أتى ابن


1) وهذا الأثر ضعيف، لجهالة الراوي بين عمرو بن دينار وابن عبّاسt، وباقي رجاله ثقات.

2) - المصنّف 454/1، تفسير عبد الرزاق 103/3.

3) - المعجم الأوسط 321/2.

4) - المعجم الكبير 304/10 رقم -10596-.

5) - السنن الكبرى 359/1.

6) - هو عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي الكوفي، صدوقٌ له أوهام، حُجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة 128ه-. انظر: تقريب التهذيب: 471.

7) - هو مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة 85ه-, انظر: تقريب التهذيب: 936.

8) - والأثر بهذا الإسناد حسن؛ لأنّه من رواية عاصم بن بهدلة، وهو صدوق له أوهام. انظر: تقريب التهذيب: 471.

9) - انظر: تفسير الطبري (هجر) 43/7، وهو كذلك في تهذيب الكمال 291/13، 167/5.

عبّاس فقال: يا ابن عبّاس! قول الله تبارك وتعالى...) الأثر(1).

القسم الثاني: ما ورد من سؤالات نافع بن الأزرق لابن عبّاس متضمّناً لشواهد شعرية من طُرقِ:

الطريق الأوّل: روى الحاكم(2)من طريق أبي عبد الله: محمّد بن علي بن حمزة المروزي، وابن الأنباري(3)من طريق محمّد بن علي بن الحسن بن شقيق.

كلاهما -- أبو عبد الله المروزي، ومحمّد بن علي بن الحسن، عن أبي صالح: هديّة بن عبد الوهاب(4)، عن محمّد بن شجاع(5)، عن محمّد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مِهران: أنّ نافع بن الأزرق سأل عبد الله بن عبّاس، فقال: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً(6)، ما


1) تفسير الطبري (شاكر) 374/8. والأثر بهذا الإسناد ضعيف؛ لأنّه من رواية جويبر وجويبر، تصغير جابر، يقال: اسمه جابر -- وجويبر لقب -- ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، نزيل الكوفة، راوي التفسير، ضعيف جدّاً، مات بعد 140ه-. انظر: تقريب التهذيب: 205؛ ولأنّ الضحّاك لم يشهد القصّة، ولم يخبر بالواسطة بينه وبين ابن عبّاس، أو عمّن سمعها منه أو حضرها، وإن كان الضحّاك بن مزاحم من الثقات، فلعلّ البلاء في هذه الرواية ممّن دونه، فقد قال علي بن المديني: (جويبر ضعيف جدّاً، أكثر على الضحّاك، روى عنه أشياء مناكير)، انظر: تهذيب الكمال 167/5.

2) - المستدرك 404/2.

3) - إيضاح الوقف والابتداء 76/1.

4) - في المستدرك: (هدية بن عبد الوهاب)، وفي الوقف والابتداء: (هدية بن مجاهد)، والصحيح الأوّل وهو المروزي، قال الذهبي: ثقة، مات سنة 241ه-. انظر: الكاشف للذهبي 334/2.

5) - محمّد بن شجاع هو النبهاني المروزي، ضعيف، مات قبل 200ه-. انظر: تقريب التهذيب: 835.

6) - سورة مريم/8.

العتي؟ قال: البؤس من الكبر، قال الشاعر(1):

إنّما يعذر الوليد ولا يع- *** -ذر من كان في الزمان عِتيّا(2)

هذا ما ذكره الحاكم فقط.

وأمّا ابن الأنباري فقد أورد بهذا الإسناد خمسين مسألة(3). وأورده السيوطي(4)، وعزاه للحاكم، ولابن الأنباري(5).

الطريق الثاني: مداره على عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي. روى الطبراني(6)من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي. وابن الأنباري(7)من طريق هشام بن عمّار. وأبو طاهر العلاّف(8)، وأبو نصر محمّد بن عيسى العُكْبري(9)، من طريق أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني.

ثلاثتهم -- إبراهيم الرمادي، وهشام بن عمّار، وأبو بكر الحرَّانيّ -- عن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال: حدّثنا عبيد الله بن عياش الحرّاني،


1) هو إبراهيم بن هرمة.

2) - ديوانه: 26، وهو في مجاز القرآن 2/2، الأغاني 227/12.

3) - انظر: إيضاح الوقف والابتداء 67/1 -- 98.

4) - انظر: الدرّ المنثور 482/5.

5) - والأثر بهذا الإسناد موضوع؛ لأنّ في إسناده محمّد بن زياد اليشكري، قال الإمام أحمد عنه: (كذّاب يضع الحديث)، وقال يحيى بن معين: (كذّاب). انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 154/6.

6) - المعجم الكبير 284/10.

7) - الأضداد: 33.

8) - مسائل نافع بن الأزرق: 31.

9) - مسائل نافع بن الأزرق: 31.

قال: حدّثنا جويبر، عن الضحّاك بن مزاحم الهلالي، قال: (خرج نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج لينقرون عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة، فإذا هم بعبد الله بن عبّاس قاعداً قريباً من زمزم، وعليه رداءٌ أحمر، وقميص، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير، يقولون: يا ابن عبّاس! ما تقول في كذا وكذا، فيقول هو كذا وكذا). وبعد المسألة الثانية والثلاثين قال عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي في صدر المسألة الثالثة والثلاثين: (وحدّثني عبيد الله بن العبّاس، قال: وزاد فيه محمّد بن السائب الكلبي...)(1).

فأمّا الطبراني فقد روى من هذه الطريق إحدى وثلاثين مسألة(2). ورواها من طريقه الهيثمي(3). وأمّا ابن الأنباري فقد روى من هذه الطريق مسألتين(4). وأمّا أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف بن العلاف


1) مسائل نافع بن الأزرق: 62. والأثر بهذا الإسناد ضعيف جدّاً، للعلل التالية: عبيد الله بن العبّاس، أو عبيد الله بن عياش، كما جاء في (المعجم الكبير) للطبراني [ذكر المزّي في ترجمة جويبر، عبيد الله بن عياش الحرّاني، وموسى بن يزيد الحرّاني من بين الرواة عن جويبر. انظر: تهذيب الكمال 168/5] كلاهما لا يُعرف، وإن كان قد تابعه موسى بن يزيد الحرّاني، كما في (المعجم الكبير) للطبراني، فهو كذلك لا يعرف. وجويبر الأزدي، تقدّم أنّه ضعيف جدّاً، انظر: تقريب الهذيب: 205، والضحّاك بن مزاحم لم بشهد القصّة، ولم يخبر بالواسطة بينه وبين ابن عبّاس، وقد تقدّم قول ابن المديني في روايات جويبر المنكرة عن الضحّاك.

2) - انظر: المعجم الكبير 248/10 -- 256.

3) - انظر: مجمع الزوائد 303/6 -- 310.

4) - انظر: الأضداد: 33 -- 34.

فقد روى من هذه الطريق ثنتين وثلاثين مسألة. وكذلك أبو نصر محمّد بن عيسى العكبري روى مثل هذا العدد. وأمّا زيادة محمّد بن السائب الكلبي فقد بلغت عشرين مسألة(1)، ومن هذا الطريق رويت مسائل نافع بن الأزرق التي حقّقها محمّد الدالي عن مخطوطتها المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق.

الطريق الثالث: رواية أبي الحسن علي بن مسلم، عن عبد العزيز بن صالح البُرجُمي، عن أبي شهاب الحنّاط عبد ربّه بن نافع، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عبّاس.

فأمّا أبو شهاب الحناط عبد ربّه بن نافع الكوفي المدائني، المتوفى سنة (172ه-) فقد وثقه يحيى بن معين، وقال يحيى القطان: (لم يكن بالحافظ)(2). فهو من الرواة المختلف فيهم بين الحفاظ.

وأمّا أبو بكر الهُذلي، وهو سُلمى بن عبد الله بن سُلمى، فقد ضعّفه أحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المديني، والنسائي، والدارقطني، وهو متروك الحديث، توفي سنة (159ه-)(3)، وأمّا عبد العزيز بن صالح البُرجمي فلا يعرف(4).

الطريق الرابع: ذكرها المبرّد(5)، فقال: (حدّث أبو عبيدة معمر بن


1) انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 62 -- 79.

2) - انظر: سير أعلام النبلاء 226/8 -- 227.

3) - تاريخ بغداد 223/9 -- 226، ميزان الاعتدال 497/4، تهذيب التهذيب 47/12.

4) - فالأثر بهذا الإسناد ضعيف جداً؛ لوجود أبي بكر الهذلي في إسناده، وعدم معرفة البُرجمي. وقد روي من هذا الطريق أربع وثلاثون مسألة. انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 18.

5) - الكامل 1144/3 -- 1145.

المثنى التيمي النسابة، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة(1)

وأسامة بن زيد في كتب التراجم اثنان مدنيان في طبقة واحدة، وهما من المتّفق من الأسماء، ولم أجد ما أفرق به بينهما، فالأوّل أسامة بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم المدني، ضعيف من قبل حفظه، مات في خلافة المنصور. والثاني أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يَهِم، مات 153ه-. انظر: تقريب التهذيب: 123 -- 124.

. وقد أورد المبرّد من هذه الطريق سبع مسائل.

الطريق الخامس: روى أبو الحسن الطستي(2)، عن أبي سهل الجُنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فَرُّوخ المكّي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حُميد الأعرج، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد، عن أبيه أبي بكر بن محمّد(3)، وذكر السيوطي في (الدرّ المنثور) من هذا الطريق 245 مسألة معزوَّة للطستي، وكذلك في (الإتقان)(4)، والأثر بهذا الإسناد ضعيف جدّاً، ولا يحتجّ به(5).


1) والأثر بهذا الإسناد ضعيف؛ للإنقطاع بين المبرّد وأبي عبيدة، فأبو عبيدة مات سنة 210ه-، والمبرّد ولد سنة 210ه- فلم يدركه، ولم يسمع منه.

2) - هو المحدّث الثقة المسند، أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمّد بن مكرم البغدادي الطستي -- نسبة إلى الطست وعمله -- عاش ثمانين سنة، وتوفي سنة 346ه-. انظر: سير أعلام النبلاء 555/15 -- 556.

3) - انظر: مسائل الإمام الطستي: 9

4) - الإتقان 382/1 -- 416.

5) - هذا الطريق مُعل بعلل، فأبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري، قال فيه البيهقي: (لا يحتجّ به). انظر: ميزان الاعتدال 114/8. ويحيى بن أبي عبيدة لا يعرف، وعيسى بن يزيد بن أبي بكر بن دأب الليثي المدني، قال فيه البخاري، وأبو حاتم الرّازي: (منكر الحديث). انظر: ميزان الاعتدال 375/5.

هذه هي الأسانيد التي رويت بها مسائل نافع بن الأزرق، وقد اختلفت هذه الروايات في عدد المسائل، وزاد فيها محمّد بن السائب الكلبي (ت146ه-) وزاد غيره، حتّى بلغت ثلاثمائة وثلاثين مسألة. فأصل هذه المسائل ثابت، غير أنّ أكثر أسانيدها ضعيف لا يوثق به، وقد أشار إلى ضعف أسانيد مسائل ابن الأزرق عدد من العلماء، منهم الآلوسي في تفسيره، حيث قال: بعد ذكره لإحدى هذه المسائل: (وخبر ابن الأزرق قد قيل فيه ما قيل)(1)

(*) (ما دام المتعنت يريد الإساءة، فقد يكون أراد الإثارة في مسائله البسيطة/الخرسان).

، أي: من الطعن فيه وتضعيفه.

ثانياً: نقد متن المسائل:

يُمكن توجيه عدد من الانتقادات لمتن هذه المسائل، ممّا يطعن في صحّة غالب هذه المسائل، ممّا سبق الحديث على أسانيده وطرقه، ومن هذه الانتقادات:

أوّلاً: أنّ المسائل تضمّنت ألفاظاً سُئل عنها ابن عبّاس ليست من الغريب لوضوحها وسهولتها، إذ إنّه لو جاز له أن يسأل عن معاني أمثال هذه الكلمات: رِئيا، حميم آن، تتبيب، حنيذ، رِبيون، فما يجوز له أن يسأل عن مثل: عذاب أليم، أطعموا البائس، اضربوا كلّ بنان، وعشرات غيرها ممّا يعد متداولاً مفهوماً لا يحتاج إلى سؤال، حتّى لو كان نافع بن الأزرق يقصد بأسئلته التعتنت والمُماراة، فالمتوقّع من المتعنت والمُجادل أن يعمد إلى السؤال عن الغامض البعيد، لا إلى الظاهر القريب(*).


1) روح المعاني للآلوسي 131/4.

ثانياً: وجود شواهد شعرية لشعراء بعد نزول القرآن، كحسّان بن ثابت، وأُميّة بن أبي الصلت، بل بعد هؤلاء أمثال عمر بن أبي ربيعة، وهؤلاء الشعراء متأثرون فيما قالوا بعد الإسلام بالقرآن بعد أن قرأوه وتدارسوه، وهذا لا يغيب عن سائل كنافع بن الأزرق، حيث يقول في سؤاله لابن عبّاس بعد جوابه له: (وهل كانت العرب تعرف ذلك من قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم) (1). فيستبعد قبول نافع بهذه الشواهد لتأخّرها.

ثالثاً: وجود شواهد شعرية في هذه المسائل لشعراء بعد ابن عبّاس بزمن طويل، وجهالة كثير من قائلي الشواهد، وهذه من العقبات التي واجهت محمّد فؤاد عبد الباقي (ت1388ه-) حين درس هذه المسائل ضمن (معجم غريب القرآن). ففي لفظ (الحسبان) تستشهد الرواية عند السيوطي بقول حسّان بن ثابت، ويعلّق على ذلك عبد الباقي بقوله: (ليس في ديوانه)(2)، وكذلك في ألفاظ أُخرى، ك-: (ربيون)، و(ضيزى)، و(المعصرات)(3)، هذا دون الكلام عن الأبيات المختلف في نسبتها، أو المنسوبة إلى أكثر من قائل، أو الأبيات التي تصرّف فيها الرواة حذفاً أو زيادة.

رابعاً: طُبع تفسير منسوب لابن عبّاس، جمعه الفيروزآبادي بعنوان (تنوير المقباس)(4)، ولم أجد فيه موضعاً واحداً اسشتهد فيه ابن عبّاس بشاهد من


1) مسائل نافع بن الأزرق: 35.

2) - معجم غريب القرآن: 276.

3) - انظر: معجم غريب القرآن: 282، 294، 296.

4) - جمعه الفيروزآبادي من كتب التفسير التي أدخل أصحابها هذا الطريق في تفاسيرهم كالثعلبي، والواحدي، وهو طريق لا يعتمد عليه، ولا تصحّ نسبته لابن عبّاس. ولا عبرة بما ذكره الزركلي في الأعلام 95/4 من ثنائه على هذا التفسير. انظر: تفسير ابن عبّاس ومروياته في التفسير من كتب السُنّة لعبد العزيز الحميدي 27/1.

الشعر، ممّا يشكّك في صحّة هذا التفسير المنسوب لابن عبّاس، إضافة إلى أنّه من رواية محمّد بن مروان السُدي، عن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، وهي من أوهى الطرق عن ابن عبّاس(1)وإن كان احتمال حذف الفيروزآبادي -- الذي جمع هذا التفسير -- للشواهد الشعرية وارداً؛ رغبة في الاختصار.

خامساً: ورد ضمن مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس ما (روي عن عكرمة: أنّ نافع بن الأزرق قال لابن عبّاس: يا أعمى ألبصر، أعمى القلب، تزعم أنّ قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جلّ وعزّ: وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا(2)؟

فقال ابن عبّاس: ويحك، اقرأ ما فوقها، هذا للكفار)(3).

وهذه الرواية مُنكرة؛ لسوء الأدب مع الصحابي الجليل ابن عبّاس، وقد أنكرها الزمخشري، فقال تعقيباً عليها: (وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو بين أظهر أعضاده من قريش، وأنضاده من بني عبد المطّلب، وهو حبر الأُمّة وبحرها ومفسّرها، بالخطاب الذي لا


1) انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 189/2، وحبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس ومدرسته في التفسير بمكّة المكّة للدكتور عبد الله سلقيني: 103.

2) - سورة المائدة/37.

3) - تفسير الطبري (هجر) 407/8، الكشّاف للزمخشري 630/1، الدرّ المنثور 280/2.

يجسر عليه أحد من أهل الدنيا، ويرفعه إلى عكرمة دليلين ناصّين أنّ الحديث فريةٌ ما فيها مرية)(1)، وأنكرها كذلك الزيلعي(2).

سادساً: استبعاد حصول هذه المسائل بطولها في مجلس واحد، حتّى ذهب بعض الباحثين إلى أنّه (ليس من المعقول أن يسأل نافع عن نحو مائة وخمس وثمانين كلمة في مجلس واحد، ليجيبه ابن عبّاس بمائة وخمس وثمانين بيتاً من الشعر، تُحفظ لفورها، ويرويها الحاضرون سماعاً دون نسيان)(3). مع أنّه يمكن أن يستأنس بما ذكره المبرّد من قوله: (ويروى من غير وجه: أنّ ابن الأزرق أتى ابن عبّاس يوماً فجعل يسأله حتّى أملّه، فجعل ابن عبّاس يظهر الضجر...)(4). ممّا يعني أنّه قد أطال في الأسئلة على ابن عبّاس.

سابعاً: اتّهم بعض الباحثين هذه القصّة بالوضع من أساسها، مستدلاً بذلك على وضع الشعر الجاهلي لأسباب دينية، فقال: (أليس من الممكن أن تكون قصّة ابن عبّاس ونافع بن الأزرق قد وضعت في تكلّف وتصنّع لغرض من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله، لإثبات أنّ ألفاظ القرآن كلّها مطابقة للفصيح من لغة العرب، أو لإثبات أنّ عبد الله بن عبّاس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين؟)(5). غير أنّ هذه


1) الكشّاف 630/1.

2) - انظر: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكشّاف 394/1 عند الحديث رقم/411.

3) - البيان القرآني لمحمّد رجب البيومي 90 -- 95.

4) - الكامل 1152/3.

5) - في الشعر الجاهلي لطه حسين: 51.

الاحتمالات لا تكفي للقطع بوضع هذه القصّة، فمن المحتمل أن يكون ابن عبّاس ممّن كان يقضي جانباً من وقته في التماس الشواهد على تفسير الغريب من القرآن، حيث رأى الناس مقبلة على هذا النوع من العلم، فيكون جوابه عن مسائل ابن الأزرق نتيجة بحث سابق، وتأمل غير قليل في القرآن الكريم، فلا غرابة أن يجيب ابن عبّاس نافعاً عقب كلّ مسألة بشاهد من الشعر(1).

كما وصفها المستشرق جولدزيهر بأنّها أسطورة، فقال: (وبذلك المبدأ المنهجي المنسوب لابن عبّاس، اقترنت على النمط العربي أسطورة مدرسية عظيمة الإفادة، وجدت مدخلاً إلى المعجم الكبير للطبراني (المتوفى سنة 360ه- = 971م)، وذلك أنّ الزعيم الخارجي نافع بن الأزرق سأل ابن عبّاس عن عدد كبير من مفردات القرآن، طالباً إليه أن يستشهد على معانيها من الشعر القديم)(2). واتّهم اللغويين المتأخّرين بوضع هذه المسائل ونسبتها لابن عبّاس، فقال: (وهذه مبايعة من عالم اللغويين المتأخّرين لأبي التفسير الذي نمّى الطريقة اللغوية في تفسير القرآن)(3). كما شكّك فيها بعض المؤرّخين المعاصرين(4).

مسائل الإمام الطستي:

وقد طبعت مسائل نافع بن الأزرق من رواية الطستي بعنوان (مسائل


1) انظر: نقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمّد الخضر حسين: 121.

2) - مذاهب التفسير الإسلامي: 90

3) - المصدر نفسه.

4) - انظر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 664/8 -- 775.

الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، قام بجمعها الدكتور عبد الرحمن عميرة، والروايات التي في هذه المطبوعة بلغت سبع روايات وأربعمائة رواية، والإسناد الذي رويت به هذه المسائل مُعَلٌّ بعلل سبق ذكرها، وهو ضعيف جدّاً، ولا يحتجّ به، ويضاف إلى ذلك بعض الانتقادات لهذه المطبوعة وهذه الملحوظات هي:

أوّلاً: ليست هذه المسائل جميعاً من رواية الطستي، بل فيها مسائل كثيرة، مروية من طريق عبد بن حميد(1)، ومن طريق ابن الأنباري(2)، ومن طريق ابن أبي حاتم(3)، والطبراني(4).

ثانياً: ورد في المسائل استشهاد ابن عبّاس بشواهد شعرية، لشعراء ولدوا بعد وفاة ابن عبّاس مثل أبان بن تغلب(5)

() (لم يرد في المسائل بيت شعر قائله أبان بن تغلب. بل أنّ المراد أن أبان بن تغلب نهج منهج ابن عبّاس في ذكر ألفاظ القرآن الكريم وساق معها شواهد شعرية، كما ذكر في ترجمته وقد مرّت منّي الإشارة إلى هذا فراجع ص28 -- 29/الخرسان).

، فقد مات سنة 141ه-، ولم يدرك ابن عبّاس(). وكذلك وردت شواهد شعرية كثيرة لشعراء يُشكّ في أنّ ابن عبّاس أدركهم، وفي هذه المسائل ما يدلّ على أنّه روى شعرهم،

1) انظر: مسائل الإمام الطستي 90/1.

2) - انظر: مسائل الإمام الطستي 75/1، 82، 112، 120، 128، 129، 135، 136، 142، 147، 150، 16/2، 30، 94، 105.

3) - انظر: مسائل الإمام الطستي 38/2.

4) - انظر: مسائل الإمام الطستي 77/1، 148/1.

5) - انظر: مسائل الإمام الطستي 120/1، وانظر: بغية الوعاة 404/1.

مثل العجّاج التميمي الرَّاجز حيث يستشهد ابن عبّاس بشعره(1)، ووردت شواهد استشهد بها ابن عبّاس من شعر أبي النجم العجلي (ت120ه-)(2)، ورؤبة بن العجاج(3)، والأخطل (ت95ه-)(4)، والطرماح بن حكيم (ت120ه- تقريباً)(5)، والقطامي (ت101ه-)(6)، وغيرهم.

وربّما أورد ابن عبّاس -- كما في هذه المسائل -- شاهداً شعرياً ينسبه لأحد المتأخّرين في قوله في جواب لنافع عن معنى (المسيح)، حيث قال: (المسيح: العرق يسيل من الجبين. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بعض المتأخّرين يقول:

افرح فسوف تألف الأحزانا *** إذا شهدت الحشر والميزانا

وسأل من جبينك المسيحُ *** كأنّه جداول تسيح(7)

وهذا شعر ضعيف متأخّر، وقد بحثت في معاجم اللغة عن معنى كلمة: (المسيح). فلم أجد من ذكر من معانيه أنّه العرق الذي يسيل من الجبين(8).

ورأيته ذكر أنّ ابن عبّاس استشهد لمعنى عَذَابٌ أَلِيمٌ بشاهد غير


1) انظر: مسائل الإمام الطستي 40/1.

2) - انظر: مسائل الإمام الطستي 41/1.

3) - انظر: مسائل الإمام الطستي 40/1، 63.

4) - انظر: مسائل الإمام الطستي 45/1، 52.

5) - انظر: مسائل الإمام الطستي 51/1، 55.

6) - انظر: مسائل الإمام الطستي 103/1، و 118/1.

7) - انظر: مسائل الإمام الطستي 122/1.

8) - انظر: لسان العرب 451/6 -- 453 (سيح)

منسوب، ولكنّه تظهر عليه علامات الحداثة والتأخّر، وهو قول الشاعر:

نام من كان خليا من ألم *** وبقيت الليل طولا لم أنم

وبعد البحث تبيّن لي أنّه للوليد بن يزيد بن عبد الملك الأموي(1)، وهو من خلفاء الأمويين ولد سنة 88 من الهجرة بعد وفاة ابن عبّاس بعشرين سنة، ممّا يعني استبعاد استشهاد ابن عبّاس بشعره(2)

() (لقد ورد في الأغاني 91/7 ان البيت لأبي كامل مولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وقد غنّاه به من جملة أبيات، تقدّم منّي ذكرها في ص143 فراجع/الخرسان).

().

ثالثاً: ظهور علامات التكلّف في التفسير، ممّا لا يُعرف من منهج ابن عبّاس في التفسير، ومن ذلك قوله في جواب عن معنى (الخوف) في قوله تعالى: إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ(3): (العرب قد تضع (الظنّ) موضع (الخوف)، و(الخوف) موضع (الظنّ) في كلامها لتقارب معنييهما...)(4)، ثمّ أورد شاهداً من الشعر. وهذا النص مع الشاهد الشعري هو نصّ كلام الطبري في تفسيره، ولم ينقله عن ابن عبّاس(5)، وقد نسبه جامع هذه المسائل لابن عبّاس.

ومن علامات التكلّف هذه ذكر ابن عبّاس لأوجه اشتقاقية لم تكن معروفة كصناعة في زمنه رضي الله عنه، وإنّما عرفت عند المتأخّرين. ومن ذلك قول


1) انظر: الأغاني 91/7.

2) - انظر: سير أعلام النبلاء 370/5، خزانة الأدب 328/1.

3) - سورة البقرة/229.

4) - مسائل الإمام الطستي 62/1.

5) - انظر: تفسير الطبري (شاكر) 550/4.

ابن عبّاس في جوابه عن معنى: تَتْلُواْ في قوله تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ(1)، حيث قال: (يتلو كذا) له في كلام العرب معنيان.. أحدهما: الاتباع، كما يقال: تلوت فلاناً إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره، كما قال جلّ ثناؤه: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ(2)، يعني بذلك: تَتَّبع.

والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلان يتلو القرآن...)(3). ثمّ ذكر شاهداً من الشعر عن حسّان بن ثابت رضي الله عنه. وهذا التحليل للفظة ليس من أسلوب ابن عبّاس، وطريقته المعروفة، وإنّما هو من منهج المتأخّرين من العلماء، وهذا الكلام بنصّه وشاهده الشعري للطبري(4)، وهو من كلامه، ولم ينقله عن أحد. وقد تتبعت كثيراً من المسائل المنسوبة لابن عبّاس في هذه المطبوعة المنسوبة للطستي، فوجدتها منقولة من تفسير الطبري بنصّها دون إشارة لذلك(5).

رابعاً: نقل كلاماً لابن عبّاس ينقل فيه ابن عبّاس أقوال علماء متأخّرين كعيسى بن عمر النحوي (ت149ه-)، كقوله عندما سأل نافع بن الأزرق عن معنى: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ(6): (السواء: القصد والمنهج، وأصل السواء:


1) سورة البقرة/102.

2) - سورة يونس/30. قرأ بالتاء (تتلوا) ابن مسعود، وحمزة، والكسائي، وخلف، والأعمش، وزيد بن علي، وروح عن يعقوب. وقرأ الباقون بالباء (تبلوا) انظر: السبعة/325، التيسير/121، النشر 283/2.

3) - مسائل الإمام الطستي 43/1.

4) - انظر: تفسير الطبري (شاكر) 411/2.

5) - انظر: مسائل الطستي 44/1 -- 45 وازنها بما في تفسير الطبري (شاكر) 495/2 -- 496.

6) - سورة البقرة/108.

الوسط، ذكر عن عيسى بن عمر النحوي أنّه قال: ما زلت أكتب حتّى انقطع سوائِي، يعني: وسطي، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم...)(1)، ثمّ أورد شاهداً لحسّان بن ثابت. وفعل مثل ذلك بنقله لكلام، أبي عمرو بن العلاء (ت154ه-)(2)، والفرّاء (ت207ه-)(3)، وأبي عبيدة (210ه-)(4).

وأختم بزعم نقل ابن عبّاس عن قُطرب في قوله لنافع بن الأزرق مجيباً له عن معنى: (الصرصرة)، وأنّها الريح شديدة البرد والصوت، بقوله: (أما سمعت قُطرب وهو ينشد قول الحطيئة:

المطعمون إذا هبت بصرصرة *** والحاملون إذا استودوا على الناس(5)(6)

قُطْرُب توفي سنة 206ه-(7)، فأين ابن عبّاس من قطرب؟!

خامساً: ذكر عميرة أنّ نافعاً سأل ابن عبّاس، فقال: (أخبرني عن قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً(8)؟ قال: هو ما تأكله البهائم من العشب، وكلّ ما أنبتت الأرض ممّا لا يأكله الناس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم... أما سمعت الشاعر وهو يمدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيقول:


1) مسائل الإمام الطستي 45/1.

2) - انظر: مسائل الإمام الطستي 61/2.

3) - انظر: مسائل الإمام الطستي 110/2.

4) - انظر: مسائل الإمام الطستي 106/2.

5) - لم أجده في ديوانه.

6) - انظر: مسائل الإمام الطستي 64/2.

7) - انظر: بغية الوعاة 243/1.

8) - سورة عبس/31.

له دعوة ميمونة ريحها الصبا *** بها ينبت الله الحصيدة والأبّا(1)

وهذه المسألة ليست من مسائل الطستي، ولا من مسائل نافع بن الأزرق في كلّ المصادر، وإنّما هي من كلام القرطبي في تفسيره للآية دون إشارة لنافع ولا لابن عبّاس(2).

سادساً: تكرار بعض المسائل بشواهدها الشعرية. فقد ذكر عند تفسير قوله تعالى: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء(3)أنّ نافع سأل ابن عبّاس عن معنى الملامسة هنا؟ فأجابه بأنّها: الجماع، وفي لغة هذيل: اللمس باليد. واستشهد له بشاهدين من الشعر للبيد بن ربيعة والأعشى(4). ثمّ كرّر المسألة بألفاظها عند تفسير الآية السادسة من سورة المائدة: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء(5)، ومثل ذلك تكراره لشاهد شعري واحد استشهد به ابن عبّاس على مفردتين مختلفتين، كقول زهير:

لدى أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تُقّلم(6)

فقد ورد استشهاد ابن عبّاس به على معنى: (بنان). في رواية للبيت:

شاكي البنان.. بدل شاكي السلاح. وورد استشهاده به على معنى لبد(7).


1) انظر: مسائل الإمام الطستي 121/2.

2) - الجامع لأحكام القرآن 222/9، وانظر: فتح الباري 230/13.

3) - سورة النساء/43.

4) - انظر: مسائل الإمام الطستي 79/1.

5) - انظر: مسائل الإمام الطستي 90/1.

6) - انظر: ديوان زهير: 28، وقد نسب في مسائل الطستي للهذلي دون تعيين 115/1.

7) - انظر: مسائل الطستي 151/1، 103.

سابعاً: الذي يظهر لي أنّ هذه المطبوعة مجموعة من عدّة مصادر، وأهم هذه المصادر هو (الدرّ المنثور) للسيوطي، فقد أوردها السيوطي مفرّقاً بحسب مواضع السور والآيات، ومن أدلّة ذلك:

(1)-- يقول السيوطي قبل كلّ مسألة: (وأخرج الطستي في مسائله عن نافع بن الأزرق كذا وكذا...)، وهكذا المطبوعة.

(2)-- هناك مسائل انفرد بها الطستي في مسائله، نقلها عنه السيوطي، ممّا يوحي باعتماد الدكتور عميرة عليه(1).

(3)-- هناك مسائل عزاها السيوطي للطستي ليست في المخطوطة، في حين ذكرها الدكتور عميرة في مسائل الطستي(2)، وهذا أدلّ على اعتماده على (الدرّ المنثور).

كما يعد كتاب (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري مصدراً مهما لجامع هذه المطبوعة، حيث نقل عنه عدداً من المسائل(3).

وكذلك تفسير الطبري فقد أخذ منه كلاماً للطبري ونسبه لابن عبّاس دون الإشارة إلى ذلك، وقد تقدّمت بعض الأمثلة. وكذلك تفسير القرطبي فقد نقل عنه بعض المسائل.


1) انظر: غريب القرآن في شعر العرب: 132، 203، 235، 248، يقابل بالترتيب بما في الدرّ المنثور 427/3، 90/8، 230/6، 192/14.

2) - انظر: الدرّ المنثور 161/6، مسائل الإمام الطستي 101/1.

3) - انظر: مسائل الإمام الطستي 75/1، 82، 112، 120، 128، 129، 135، 136، 143، 147، 150، 16/2، 30، 94، 105.

وهذا كلّه يرجّح أنّ جامع هذه المسائل، الذي أخرج هذه المطبوعة وسمّاها: (مسائل الإمام الطستي) لم يحقّق النسخة المخطوطة لمسائل الطستي المحفوظة في دار الكتب المصرية برقم/166 مجاميع، وربّما لم يطّلع عليها، وقد حقّق الدكتور إبراهيم السامرائي هذه المخطوطة وأخرجها كما تقدّم. وهناك تحقيق آخر لهذه المخطوطة لمحمّد عبد الرحيم وأحمد نعامة. صدر من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة عام 1413ه- بعنوان: (غريب القرآن في شعر العرب -- سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس)، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلّها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه (1). في حين ذكر الدكتور عبد الرحمن عميرة في هذه المسائل سبع مسائل وأربعمائة مسألة.

ومن أدلّة عدم اطّلاعه على هذه المخطوطة ذكره لمسائل ليست في مخطوطة مسائل الطستي(2)، وإهماله لمسائل ضمن المخطوطة لم يذكرها في المطبوعة(3)كما ذكر عميرة مسائل ليست على شرط نافع بذكر شاهد من الشعر في كلّ مسألة، وقد نقلها عن السيوطي(4).


1) انظر: غريب القرآن في شعر العرب: 190، المسألة رقم/160.

2) - انظر: مسائل الإمام الطستي 112/1، 115، 16/2، 29، 30، 31، 121.

3) - انظر: غريب القرآن في شعر العرب: 51، 72، 89، 92، 150، 156، 167، 173، 192، 218، 260، 283 في مسائل الطستي المجموعة لعميرة.

4) - انظر: مسائل الإمام الطستي 90/1.

منهج عرض المؤلّفين والمفسّرين للمسائل:

اختلف عرض المفسّرين والمصنّفين في علوم القرآن والمحدّثين لهذه المسائل على طريقتين:

الأولى: جمع هذه المسائل بإسناد واحد في مكان واحد، كما صنع ابن الأنباري، والطستي في مسائله، والطبراني، والهيثمي، والسيوطي في (الإتقان).

الثانية: تفريق هذه المسائل بحسب السور والآيات المسؤول عنها، كما فعل المفسّرون: كالطبري، والرّازي، والقرطبي، والسيوطي في (الدرّ المنثور)(1).

-- فأمّا الروايات التي وردت فيها الشواهد الشعرية مجموعة في مكان واحد، فقد وردت مختصرة كما في رواية ابن الأنباري، ثمّ الطبراني، والهيثمي، حيث جاءت مسائل نافع متسلسلة بإسنادٍ واحدٍ، فقد تضمن معجم الطبراني إحدى وثلاثين مسألة، استشهد لها ابن عبّاس بالشعر الجاهلي والإسلامي، وفيها اختلاف في ألفاظ الشواهد، وفي نسبة الأبيات. ومن أمثلة هذه المسائل:

(1)-- قال نافع: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ(2)، ما الشواظ؟


1) نقلت الشواهد الشعرية سابقاً من لسان العرب، فقد ذكرت متفرّقة حسب موادها اللغوية.(الخرسان).

2) - سورة الرحمن/35.

قال ابن عبّاس: اللهب الذي لا دخان له فيه، مستشهدا بقول أُميّة:

يمانيا يظلّ يشب كيراً *** وينفخ دائباً لهب الشواظ(1)

(2)-- قال نافع: أخبرني عن قوله: وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ(2)، ما النحاس؟

قال ابن عبّاس: الدخان الذي لا لهب فيه، محتجّاً بقول النابغة الجعدي:

تضيء كضوء سراج السلي- *** -ط لم يجعل الله فيه نحاسا(3)

(3)-- قال: نافع: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ(4)؟

قال ابن عبّاس: ماء الرجل، وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجاً... قال أبو ذؤيب الهذلي:

كأنّ النصل والفوقين منه *** خلال الريش سيط به مشيج(5)

(4)-- قال نافع: فأخبرني عن قوله تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(6)، ما المقيت؟

قال ابن عبّاس: القادر... أما سمعت بقول النابغة:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وإنّي في مساءته مُقيت(7)


1) انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 36.

2) - سورة الرحمن/35.

3) - تقدّم تخريجه ص95، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق: 37.

4) - سورة الإنسان/2.

5) - انظر: ديوان أبي ذؤيب: 73، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق: 37.

6) - سورة النساء/85.

7) - انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 59.

وأمّا التي وردت فيها مسائل ابن الأزرق وشواهدها مجموعة في مكان واحد بطريقة مطوّلة، كما فعل السيوطي، فقد خصّص النوع السادس والثلاثين من علوم القرآن لمعرفة غريبه، وأدرج ضمن هذا النوع مسائل نافع التي جائت في روايته متضمّنة لمائة وتسع وثمانين مسألة(1). ومتن رواية السيوطي -- فضلاً عن سندها -- يتضمّن من العلل ما يكفي للحكم عليها بالوضع، كما تقدّم في دراسة الطرق. ومثلها المسائل في مسائل الطستي.

-- وأمّا إيراد مسائل نافع بن الأزرق مفرّقة في كتب التفسير بحسب السور والآيات، فأوعب التفاسير التي ذكرتها هو: (الدرّ المنثور) للسيوطي، وبشكل أقلّ بعض التفاسير المتقدّمة كتفسير الطبري، والرّازي، والقرطبي، وغيرهم.

منهج الاستشهاد في المسائل:

أصبحت شواهد ابن عبّاس التي وردت في مسائل نافع بن الأزرق شواهد عند النحويين وعلماء اللغة من بعدُ، ويمكن وصف منهج هذه المسائل بحسب ورودها في الكتب التي أخرجتها، كالتالي:

(1)-- جميع هذه الشواهد لغوية. فكلّها تدخل تحت ما يسمّى بغريب القرآن، ولا سيمّا الجزء الذي يشبه أن يكون أصلاً لهذه المسائل، بخلاف الزيادات التي دخل فيها ما لا يمكن القول بغرابته حتّى في العصر الراهن، فضلاً عن عصر الصحابة(رضي الله عنهم). وقد تقدّم ذكر أمثلة له.


1) انظر: الإتقان في علوم القرآن 382/1 -- 416.

(2)-- الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدّم: أنّ ابن عبّاس سُئل عن معنى الآية: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ(1)؟

فقال: ما جمع، ألم تسمع قول الشاعر(2):

مستوسقات لو يجدن سائقا(3)

(3)-- عدم شرح الشواهد الشعرية. فابن عبّاس يذكر الشاهد دون التعرّض لشرح اللفظة الغريبة المسؤول عنها. وهذا يرجع إلى معرفة السائل بمعاني الشعر، وظهور هذه المعرفة لدى طبقات الناس في ذلك العهد المتقدّم. فمثلاً، عندما سأل نافع عن قوله تعالى: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً(4)؟

قال ابن عبّاس: لا تخافون عظمة ربّكم.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عوامل(5)

واكتفى بذكر الشاهد الشعري دون شرحه وبيان وجه الاستشهاد،


1) سورة الانشقاق/17.

2) - غير منسوب.

3) - انظر: مجاز القرآن 292/2، وانظر: تفسير الطبري (هجر) 247/24، إيضاح الوقف والابتداء 68/1 -- 69.

4) - سورة نوح/13.

5) - انظر: ديوان أبي ذؤيب: 49، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق: 38.

وهكذا في كلّ أجوبته المنسوبة إليه في هذه المسائل.

(4)-- نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته، من مثل قول ابن عبّاس لمّا سُئل عن معنى قوله تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(1)، ما المقيت؟

قال ابن عبّاس: القادر... أما سمعت بقول النابغة:

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وإنّي في مساءته مقيت(2)

فهو قد نسب الشاهد لقائله، وهو النابغة الذبياني؛ لتأكيد الثقة بالشاهد.

وقد ينسب الشاهد إلى قبيلته، كقوله عندما سُئل عن معنى قوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ(3): (الذي يصمد إليه في الأمور كلّها. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول الأسدية حيث تقول:

ألا بكر الناعي بخيريّ بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد(4)

فقد نسب الشاهد لامرأة من بني أسد، وهي هند بن معبد بن نضلة الأسدية(5). وعزاه أبو عبيدة إلى رجل من بني أسد(6).

(5)-- عدم التحرج من ذكر بعض الأبيات ذات المعاني المبتذلة. لم يكن يعني المفسّر معنى الشاهد الشعري، وإنّما كان الغرض هو اللفظة المراد


1) سورة النساء/85.

2) - انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 59.

3) - سورة الإخلاص: 2.

4) - انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 46.

5) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام 221/2، معجم ما استعجم للبكري: 996.

6) - انظر: مجاز القرآن 316/2 وهو سبرة بن عمرو الأسدي كما في: تهذيب الألفاظ: 270، سمط اللآلي: 932.

الاستشهاد لصحّتها وصحّة معناها، فمثلاً عند تفسير قوله تعالى: مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ(1)، فسّرها ابن عبّاس بأنّ معناها: لتثقل عليه. ثمّ استشهد على ذلك بقول امرئ القيس:

تمشي فتثقلها عجيزتها *** مشي الضعيف ينوء بالوسق(2)

فهذا الشاهد في معناه يشير إلى جانب من جوانب النسيب ووصف النساء، ولكن ابن عبّاس نظر إلى لغة الشاهد دون معناه، وهو الجانب المراد من إيراد الشاهد الشعري، وهي أنّ ناء بمعنى ثقل، وقد التمس عبد القاهر الجرجاني العذر للسلف في ذلك، فقال: (وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثمّ لم يعبهم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله)(3).

(6)-- الاستشهاد لمعنى لفظة دون أُخرى في الآية المسؤول عنها. فعند السؤال عن قوله تعالى: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ(4)؟ فسّر ابن عبّاس القانع: بأنّه الذي يقنع بما أُعطي، والمعتر: الذي يعترض الأبواب.

وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر؟ فقال: أما سمعت قول الشاعر:


1) سورة القصص/76.

2) - انظر: ديوانه: 465، وانظر: مسائل الطستي: 39، غريب القرآن في شعر العرب: 234.

3) - دلائل الإعجاز/12.

4) - سورة الحجّ/36.

على مكثريهم حقّ من يعتريهمُ *** وعند المقلين السماحة والبذل(1)

فهو قد شرح اللفظتين، ثمّ أورد شاهداً لمعنى المعتر، دون القانع(2).

أثر مسائل نافع بن الأزرق في كتب التفسير:

أوّلاً: هذه المسائل المنسوبة لابن عبّاس تتّخذ منهجاً مطّرداً، على وتيرة واحدة من دون استثناء، في شرح الكلمة بكلمة، يعقبها شاهد شعري مؤيد للتفسير، في حين تعامل المفسّرون مع هذه الألفاظ التي وردت في المسائل تعاملاً مختلفاً، فقد لا يرى المفسّر حاجة إلى شرح اللفظة الواردة في المسائل وهو قليل، فإن شرحها فقد لا يرادفها بشاهد شعري كما فعل الرّازي، فقد ذكر سؤال نافع بن الأزرق لابن عبّاس وجواب ابن عبّاس له دون أن يذكر الشواهد الشعرية(3)، فإن دعمها بشاهدٍ، فقد لا يكون الشاهد شعرياً، أو قد يكون شعرياً، أو قد يكون شعرياً ومعه غيره من الشواهد النثرية.

فمثلاً: سأل نافع بن الأزرق عن معنى النحاس في قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ(4)؟

فقال ابن عبّاس: الدُخان الذي لا لهب فيه، محتجّاً بقول النابغة الجعدي:


1) لزهير في ديوانه: 145.

2) - انظر: الدرّ المنثور 508/10.

3) - انظر: التفسير الكبير للرازي 45/18، 157، 22/21.

4) - سورة الرحمن/35.

تضيء كضوء سراج السلي- *** -ط لم يجعل الله فيه نحاسا(1)

وقد تأثر جلّ المفسّرين بهذا الجواب، فقد تعرّض أبو عبيدة لهذه اللفظة، وفسّرها بتفسير ابن عبّاس، واستشهد لها بالشاهد نفسه(2)، وكذلك فعل: الفرّاء(3)، والطبري(4)، والزمخشري(5)، وابن عطية(6)، والقرطبي(7).

ثانياً: الشرح المعجمي للمفردات في المسائل حافظ على دلالته مع تغير الزمان؛ لأنّ فهم القرآن ينبغي أن يكون على العرف اللغوي الأوّل، واللغة المستعملة إبّان نزول القرآن، دون التأثر بالتطوّر الدلالي اللغوي الحادث بعد ذلك.

ومن ثمّ فإنّ التفسير الذي فسّره ابن عبّاس بقي محافظاً على قيمته الدلالية حتّى الآن، وربّما استشهد المفسّرون بالشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عبّاس نفسه، وربّما تغير الشاهد الشعري دون الدلالة في المسائل، مثل سؤال نافع عن معنى الشواظ في قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا؟ فأجابه ابن عبّاس بقوله: اللهب الذي لا دخان فيه، مستشهداً بقول أُميّة بن أبي الصلت:


1) انظر: ديوان النابغة: 81، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق: 37.

2) - انظر: مجاز القرآن 244/2 -- 245.

3) - انظر: معاني القرآن 117/3.

4) - انظر: تفسير الطبري (هجر) 226/22.

5) - انظر: الكشّاف 449/4.

6) - انظر: المحرّر الوجيز 338/15، وقد نسب الشاهد للأعشى.

7) - انظر: الجامع لأحكام القرآن 112/17.

يمانيا يظلّ يشب كيراً *** وينفخ دائباً لهب الشواظ(1)

فقد وجدت المفسّرين من بعده قد وافقوه جميعاً في شرح هذه اللفظة، واختلفوا في الاستشهاد بالشاهد الشعري على ثلاثة أقسام:

-- من استشهد بالشاهد الشعري الذي استشهد به، ومنهم ابن عطية(2)، حيث اكتفى بذكر الشاهد الشعري الذي ذكره ابن عبّاس، وأمّا القرطبي فقد أورد الشاهد الذي ذكره ابن عبّاس، والشاهد الذي ذكره أبو عبيدة والطبري(3).

-- من استشهد بشاهد شعري آخر. وهم أبو عبيدة، حيث قال: وشواظ واحد، وهو النار التي تؤجج لا دخان فيها، قال رؤبة:

إنّ لهم من وقعنا أقياظا

ونار حرب تُسعر الشواظا(4)

فهو قد وافق ابن عبّاس في التفسير، ولكنّه خالفه في الشاهد الشعري، فلم يستشهد بالشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عبّاس، وكذلك فعل الطبري، فقد وافق أبا عبيدة في التفسير الشعري(5).

-- من لم يستشهد بالشعر واكتفى بالتفسير. ومنهم الفرّاء، فقد وافقهم


1) انظر: مسائل نافع بن الأزرق: 36.

2) - انظر: المحرّر الوجيز 337/15 -- 338.

3) - انظر: الجامع لأحكام القرآن 112/17.

4) - لم أجده في ديوانه. وانظر: مجاز القرآن 244/2.

5) - انظر: تفسير الطبري (هجر) 221/22 -- 222.

في التفسير للفظة، ولكنّه لم يستشهد لها بشاهد من الشعر(1).

ثالثاً: اختلاف الشواهد الشعرية في مسائل نافع بن الأزرق عن الشواهد الشعرية في كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة، الذي يُعد كلّ من كتب بعده في غريب القرآن عالة على شواهده الشعرية، مع أنّ أبا عبيدة أحد رواة المسائل(2)، وقد كان تأثر الطبري، والزمخشري، وابن عطية، والقرطبي بشواهد (مجاز القرآن) أكثر من تأثرهم بشواهد مسائل نافع بن الأزرق(3).

رابعاً: تأثر المفسّرون بمنهج ابن عبّاس في جوابه لنافع بن الأزرق في الاستشهاد بالشعر، ولم يشذّ أحد من لدن أبي عبيدة في (مجاز القرآن)، حتّى الشنقيطي، وابن عاشور من المعاصرين، مروراً بكبار المفسّرين: كالطبري، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، فالمادّة الشعرية في تفاسيرهم، ومنهجهم في الاستشهاد تدلّ على تأثرهم بهذه المسائل.

خامساً: أورد القرشي في أوّل كتابه (جمهرة أشعار العرب) أربعة وثمانين شاهداً من الشعر، وبعد كلّ شاهد يذكر اللفظة القرآنية التي وردت موافقة لما في الشاهد الشعري، بطريقة مخالفة لطريقة مسائل نافع ابن الأزرق التي تبدأ بالسؤال عن اللفظة القرآنية، ثمّ يأتي الشاهد بعد ذلك. غير أنّ كثيراً من شواهد الشعر التي ذكرها القرشي هي شواهد


1) انظر: معاني القرآن 117/3.

2) - انظر: الكامل 1144/3.

3) - انظر: قضايا اللغة في كتب التفسير للجطلاوي: 156.

وردت في روايات مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس(1)، وهو قبل ذلك قد ذكر قصّة سؤال نافع لابن عبّاس، ولم يسرد المسائل(2)، وفي هذا نوع من التأثر بهذه المسائل.

سادساً: أكثر من رأيته نسج على منوال هذه المسائل دون الإشارة إليها أدنى إشارة: أبو النصر أحمد بن محمّد بن محمّد السمرقندي(3)، المعروف ب-(الحدادي) في كتابه (المُوضَّح في التفسير)، وهو كتاب مختصر في تفسير الغريب من ألفاظ القرآن وأساليبه، يكتفي فيه ببيان اللفظة الغريبة، أو التركيب المشكل في الآية بأوجز عبارة، ثمّ يستشهد على ذلك بشاهد من الشعر أو أكثر، على غرار مسائل نافع بن الأزرق، ويقع الكتاب في -113- مائة وثلاث عشرة صفحة، فسّر فيها -200- مائتي لفظة غريبة، وأسلوب من أساليب القرآن الكريم، واستشهد على تفسيره بمائتين وخمسة عشر شاهداً من الشعر الجيد المحتجّ به عند المفسّرين، ولم ينسب منها لقائله إلاّ ثلاثة وعشرين شاهداً، وبقي تسعة وعشرون شاهداً غير منسوبة، والشعراء الذين استشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، ولم يستشهد بشعر المحدّثين إلاّ في موضع واحد، فقد استشهد ببيت لأبي نواس، معتمداً


1) انظر مثلاً: جمهرة أشعار العرب 130/1، 134، 137.

2) - انظر: جمهرة أشعار العرب 111/1.

3) - هو شيخ القرّاء بسمرقند، والحدادي نسبة إلى عمل الحديد، أو إلى قرية اسمها حدادة. وذكر ياقوت: أنّها قرية كبيرة بين دامغان وبسطام على جادة الري، وهي تابعة لإيران اليوم. وقد توفي بعد الأربعمائة للهجرة. انظر: غاية النهاية 105/1. (مقدّمة كتاب المدخل في التفسير للحداد: 17 -- 20).

على إنشاد الفرّاء له(1). ويظهر من منهجه أنّه لم يكن يعتني بنسبة الشواهد الشعرية إذا ثبت لديه صحّتها، والثقة بها، وقد كان هذا نهجاً عند العلماء، وسيأتي بيان ذلك(2).


1) انظر: الموضّح في التفسير: 120.

2) - للحدّادي السمرقندي هذا كتاب آخر، سمّاه (المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى)، صنّفه بعد (الموضّح)، وقد طبع في مجلّد واحد، وقد أكثر فيه من الاستشهاد بالشعر، فبلغت شواهده (619) شاهداً، وقد ذكر فيه قواعد لغوية وبلاغية في التفسير على غرار ما كتبه ابن قتيبة في تأويل المشكل، وابن فارس في الصاحبي. وفيه من الاستشهاد بالشعر ما يدلّ على رسوخ قدم الحدادي في معرفة الشعر، ولاسيما شعر الجاهلية، الذي هو عمدة أهل التفسير في الاستشهاد، كما دلّت على ذلك هذه الدراسة. انظر: المدخل لعلم تفسير القرآن الكريم للحدادي، تحقيق عدنان داودي ط. دار القلم ص44، 708 -- 755.

الرسالة الحادية عشرة(11)

مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن العبّاس

من طريقين

رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلي (ت365ه-)

رواية أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف العلاّف (ت442ه-)

حقّقها وعلق عليها ووضع فهارسها

وذيلها ب- (ذيل مسائل نافع) التي لم ترد في هذه الرواية

الدكتور

محمّد أحمد الدالي مدرس العربية بجامعتي دمشق وقطر

الجفان والجابي

للطباعة والنشر

الإهداء

إلى أستاذي علاّمة الشام وريحانتها، وخزانة علمها، وإمام العصر أبي عبد الله أحمد راتب النّفاخ(1)

(فكنّا كاجتماع في الثريا *** فصيّرنا الزمان بنات نعش)

وكنّا في الدجى نمشي سوّيا *** ولا نخشى العثار وليس نُعشي

فصرنا اليوم في شرق وغرب *** وقوفاً نحن أم لا نحن نمشي

وترتجف الجوانح خوف حكم *** له بطش شديد أيّ بطش

أقمنا في البيوت كمثل طير *** يخاف الصيد لا يبرح بعشّ

(الخرسان).

، الذي اختاره الله لجواره يوم الجمعة 10

1) لقد عرفته رحمه الله تعالى إنساناً طيباً مؤدّباً، وقد دعانا إلى أمسية سمر عنده في شقّته التي كان يعيش فيها وحده، وكان معي المرحوم صديقي العلاّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي والعلاّمة الشيخ المحمودي، وغيرهما. وهناك تعرّفت على الأستاذ أحمد اسكندر، وهو وزير الأعلام السوري، وذلك أيام إقامة مؤتمر لإحياء ذكرى مرور مائة عام على ولادة محمّد كرد علي، وكان قد دعي إليه من العراق محمّد بهجت الإثري، وعبد الرزاق محي الدين، فقال الوزير اسكندر: أتحب أن ترى الجماعة؟ فقلت: لا، فقال ألا تعرفهم؟ قلت: أعرفهم في العراق وأنكرهم هنا، فضحك، وقال: لماذا؟ قلت: خوف المباحث السورية، إنا أتينا إلى الشام لغرض الاستفادة من المكتبة الظاهرية، لا غرض لنا في غيرها، فودّعنا وانصرف وبقينا مع الأستاذ النفّاخ والآخرين ممّن دعاهم من أدباء، ومنهم بعض أعضاء المجمع العلمي، ولا أنسى الأستاذ محمّد رياض المالح الذي كان ملازماً لنا في جلساتنا العلمية، والتعرّف على شخصيات من شيوخ أهل العلم. وقد أقام لنا صهره مأدبة عشاء في شقّته، وتحدّثت هناك عن كفر معاوية، فكان أهل بيته يصرّون عليه بأنّهم يريدون المزيد من الحديث حول الموضوع. فرحم الله الأستاذ النفّاخ، ورحم الله الماضين ممّن ذكرت، وحفظ الباقين، ولا أعلم ماذا أقول في دهاقين السياسة الذين فرّقوا بيننا وبين أخواننا في إيران، أو سوريا، وغيرهما.

شعبان 14/1412 شباط 1992مt، وتغمّده برحمته، وأدخله فسيح جنّته. محمّد الدالي.

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالعربية وسيّد ولد آدم وخاتم النبيّين محمّد وعلى آله المطهرين.

وبعد، فهذه (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عبّاس) مذيِّلة ب-(ذيل مسائل نافع) التي لم ترد في رواية أصل المسائل المعتمد في التحقيق، أخرجهما لقراء العربية بعد أن بذلت الوسع في تحقيق المسائل وصناعة ذيلها وتحقيقه وضبطهما والتعليق عليهما، ثمّ صناعة الفهارس التي تيّسر السبيل إليهما.

وهي مسائل عن معاني ألفاظ من غريب القرآن سأل نافع بن الأزرق(1)


1) نافع بن الأزرق الحنفي البكري الوائلي الخارجي الحروري، أبو راشد (ت65ه-)، كان أمير قومه وفقيههم، وهو رأس الأزارقة وإليه نسبتهم، ترجمته ومصادرها في الأعلام 351/7.

عنها ابن عبّاس(1)، وطالبه أن يأتي بشواهد على ما يفسّره من معاني الألفاظ من شعر العرب.

وصورة المسألة أن يقول نافع: أ خبرني عن قوله تعالى... فيذكر اللفظ المسؤول عنه، فيقول ابن عبّاس: كذا، فيقول نافع: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ فيقول ابن عبّاس: نعم، أما سمعت قول الشاعر... فيذكر الشاهد، أو نحو هذا.

وهذه المسائل عظيمة القيمة والخطر من الناحيتين: العلمية، والتاريخية. وذلك أنّها أوّل ما يعرف من آثار التفسير اللغوي للقرآن(2)، وأوّل ما يعرف في باب الاحتجاج لمعاني ألفاظ القرآن بالشعر، وأنّ ما فيها من تفسير ألفاظ من غريب القرآن، ومن شواهد الشعر مرويّ عن ابن عبّاس إمام المفسّرين وترجمان القرآن.

والاحتجاج بالشعر في بيان معاني ألفاظ القرآن الكريم، موضوع جليل عظيم الأهمية، والفائدة في الوقوف على معاني ألفاظ القرآن عند العرب في شعرها، قبل أن ينزّل القرآن على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد عليه السلام وحين نزوله وبُعيدَه.


1) عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، أبو العبّاس (ت68ه-، أو نحوها). حبر الأُمّة وفقيهها وربانيها وإمام التفسير وترجمان القرآن، كان بحراً من بحور العلم، وقد دعا له النبيّ عليه السلام بقوله: (اللّهمّ علمه التأويل وفقّهه في الدين). روى عنه خلق كثير، منهم: الضحّاك، وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وميمون بن مهران. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 331/3 -- 359، وتهذيب الكمال 154/15 -- 162.

2) - انظر: تاريخ التراث العربي للدكتور فؤاد سزكين 41/1.

وروي عن ابن عبّاس أنّه كان يسأل عن القرآن فينشد الشعر(1)، وأنّه قال(2): (إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فإنّه ديوان العرب)، وأنّه قال(3): (الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليهم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعوا إلى ديوانها فالتمسوا معرفة ذلك منه).

وقد روي خبر مجلس نافع بن الأزرق وابن عبّاس والمسائل التي سأله إياها، فأجابه ابن عبّاس عنها بأسانيد متعدّدة عنه، منها ما ينتهي إلى الضحّاك، أو عكرمة، أو ميمون بن مهران عنه، ومنها ما روي مرسلاً عنه. وبين هذه الروايات اختلاف في عِدّة المسائل وفي بعض شواهدها.

وانتهت إلينا (مسائل نافع) في نسخ مفردة لها وفي بعض المصادر. والذي وقفنا عليه من نسخها المفردة: مخطوطة دار الكتب الظاهرية من المجموع ذي الرقم/3849، وعدّة مسائلها -52- مسألة. أمّا مخطوطة دار الكتب الظاهرية ذات الرقم/6863 فهي مختصرة من (الإتقان) للسيوطي، وكذلك نسخة مكتبة برلين ذات الرقم/683، فيما قال بروكلمان(4). وعدّة المسائل في مخطوطة دار الكتب المصرية (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس) التي حقّقها الدكتور إبراهيم السامرائي(5)= /248 مسألة(6).


1) الإتقان في علوم القرآن 120/1.

2) - إيضاح الوقف والابتداء: 101، والإتقان في علوم القرآن 119/1.

3) - المصدر نفسه.

4) - تاريخ الأدب العربي (الترجمة العربية) 8/4 -- 9.

5) - وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد 1968.

6) - بإسقاط مسألة عن كلمة لعمر بن الخطّاب، انظر ما يأتي من الكلام على هذه النسخة.

أمّا المصادر التي روت خبر هذه المسائل، وأخرجت قطعة منها كبيرة، أو يسيرة، فهي: (المعجم الكبير) للطبراني، و(مجمع الزوائد) للهيثمي -- وعدّة المسائل فيهما/50 مسألة -- و(الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي -- وعدّة المسائل فيه/190 مسألة -- و(الكامل) للمبرّد، وذكر المبرّد 7 مسائل منها.

وفي المخطوطات والمصادر من المسائل ما اشتُرك في روايته، وفيهما ما انفرد بعضهما بروايته. فإذا جمع ما اشتُرك فيه وما انفرد بعضهما به تحصّل -287- مسألة. هذا فيما وقفنا عليه من المخطوطات والمصادر. وترتفع عدّة المسائل إن وقفنا على مخطوطات أُخرى للمسائل، أو على مصادر روتها. وفيهما أو في إحداهما مسائل زائدة عمّا وقفنا عليه.

متى لقي نافع بن الأزرق ابن عبّاس وسأله هذه المسائل ال- 287؟ وكم مجلساً جرى بينهما؟ وما المسائل التي جرت في كلّ مجلس؟ وما عدَّتُها في كلّ مجلس إن تعدّدت المجالس؟ فمن غير المحتمل ولا المقبول عندنا أن يكون نافع سأله 287 مسألة أجابه عنها في مجلس واحد! وهل تصحّ رواية هذه المسائل جميعاً عنهما وفي أسانيد الرواية من ضُعّف كجويبر عن الضحّاك، وقيل: لم يلق الضحّاك ابن عبّاس، وفيها من كُذّب كمحمّد بن زياد اليشكري عن ميمون بن مهران عن ابن عبّاس، وكمحمّد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس، وأبو صالح كذّاب، والكلبي متروك، وقيل: كذّاب.

ليس بين أيدينا ما يكشف عن جانب من الإجابة عن هذه الأسئلة! والذي نعتقده أنّه قد كان بين نافع وابن عبّاس لقاء ومجلس سأل فيه نافع مسائل أجابه ابن عبّاس عنها، ولا يبعد أن يكون قدر ما من هذه المسائل

ال- 287 قد زيد على ما كان بينهما.

وهذه المسائل بعدُ -- سواء أصحّت روايتها جميعاً، أم صحّت رواية كثير، أو قليل منها -- قيِّمة وجديرة بالتحقيق والنشر، لأنّها أثر من آثار الرواية في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، ولأنّ فيها تفسير 287 لفظ من ألفاظ القرآن عن ابن عبّاس، وهو يوافق في أكثر المسائل ما روي عنه في كتب التفسير، ويخالفه في بعضها، ولأنّها اشتملت على نحو 300 بيت من الشعر، احتجّ به لمعاني ألفاظ القرآن، وهي من الشعر المحتجّ به في اللغة، ومنها ما لم نجده في غير المسائل.

فهذه (مسائل نافع) في مخطوطة الظاهرية، وهي أقدم نسخة تعرف لها. فقد كتبها أبو الحسن بن الفرات (ت384ه-)، مذيّلة ب-(ذيل مسائل نافع) التي لم ترد في رواية المخطوطة الظاهرية. وقدمت بين يديها مقدّمة تحدّثت فيها عن مخطوطات المسائل وسند روايتها، والذيل الذي صنعته لها ومصادره، ثمّ بيّنت عملي فيهما.

والله تعالى أسأل أن يوفّقني إلى ما فيه مرضاته، وأن ينفع بعملي، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب

الدكتور محمّد أحمد الدالي

مصياف 12 ربيع الأوّل 9/1413أيلول 1992م

ثمّ الدوحة 12 جمادى الثانية 17/1413 كانون الأوّل 1992م

مقدّمة التحقيق

(1)- مخطوطات المسائل

(2)- سند رواية المسائل

(3)- ذيل مسائل نافع ومصادره

(4)- عملي في المسائل

-1-

مخطوطات المسائل

انتهت إلينا من (مسائل نافع بن الأزرق) عدّة نسخ، ذكر الدكتور فؤاد سزكين(1)ما عرفه منها، وهي:

مخطوطة الظاهرية/3849.

مخطوطة مكتبة طلعت في المجموع 266 (الأوراق/1 -- 33).

مخطوطة دار الكتب بالقاهرة في المجموع/166م (الأوراق/132 -- 143)، وهي التي حقّقها الدكتور إبراهيم السامرائي، وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد 1968م.

مخطوطة مكتبة برلين في المجموع/683 (الأوراق/93 -- 101)، ذكر بروكلمان(2)أنّها مختصرة من (الإتقان) للسيوطي.

وفي دار الكتب الظاهرية بدمشق مخطوطتان باسم (مسائل نافع بن الأزرق)، أولاهما في المجموع ذي الرقم/3849، والثانية ذات الرقم/6863.

أمّا المخطوطة(3)ذات الرقم/6863 -- وهي 15 ورقة -- فهي ملخصة من (الإتقان) للسيوطي، وجاء في آخرها: (انتهى من الإتقان في علوم القرآن


1) في تاريخ التراث العربي 46/1.

2) - في تاريخ الأدب العربي (الترجمة العربية) 8/4 -- 9.

3) - انظر وصفاً لها في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية -- علوم القرآن ج2 -- وضعه صلاح الخيمي، مجمع اللغة العربية بدمشق 1984، ص283.

للعلاّمة الجلال السيوطي). فجعلها نسخة ثانية من المسائل التي في (الإتقان)، واستأنست بها في بعض المواضع منه.

وأمّا المخطوطة التي اتّخذناها أصلاً في تحقيق المسائل، فهي التي تضمّنها المجموع ذو الرقم/3849. وعدد أوراقها 13 ورقة، وهي الأوراق (107 -- 119) منه. وفي الصفحة نحو 24 سطراً، وفي السطر 14 -- 19 كلمة. وهي(1)نسخة قديمة جيدة كتبها أبو الحسن بن الفرات (ت384ه-) بخط نسخ واضح، وكثير منها مضبوط بالشكل ولا سيّما الشعر، وضبطها على الجادة في أكثره، وهي معجمة، ووضع الناسخ في مواضع من كتابته علامة الإهمال على الراء والسين، ورسم في بعض الموضع صاداً صغيرة تحت الصاد. وقد أصابتها الرطوبة فانطمس كثير من كلماتها، ولولا وقوفي على المخطوطة نفسها لبقي فيما نسخته عن مصوّرة عنها مواضع مشكلة لا تنفع فيها حيلة.

وفي المخطوطة روايتان للمسائل:

أولاهما -- ورمزت لها ب- (ظ1) -- في الأوراق 108/ظ -- 113/و (ربع الصفحة).

وفي 113/و (ثلاثة أرباع الصفحة) -- 114/ظ أحاديث لا علاقة لها بالمسائل.

وثانيتهما -- ورمزت لها ب- (ظ2) -- في الأوراق 115/و -- 118/ظ.

وفي 119/و أحاديث لا علاقة لها بالمسائل.


1) انظر وصفا لها في المصدر نفسه: 282 -- 283.

وفي 119/ظ طباق سماع المسائل على المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، أثبتها في آخر المسائل. وممّن سمعها منه: السَّلفي (ت576ه-)، سمعها مرّتين سنة 494، و496، والجواليقي (ت540ه-) سمعها مرّتين سنة 492، و494.

وفي الورقة الأولى من المخطوطة 107/و كتب في أعلاها في الزاوية اليسرى منها: (بخط أبي الحسن بن الفرات)، وكتب في وسط الصفحة: (مسائل نافع بن الأزرق بن الأزرق)، وتحته: (وقف الشيخ موفق الدين رحمه الله).

وأبو الحسن بن الفرات كاتب النسخة هو الإمام الحافظ البارع المجّود أبو الحسن محمّد بن العبّاس بن أحمد بن محمّد بن الفرات البغدادي (ت384ه-)، وكان غاية في ضبطه حجّة في نقله. (ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 495/16 -- 496).

والشيخ موفق الدين واقفُها هو الشيخ الإمام القدوة المجتهد شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، كان من بحور العلم وأذكياء العالم (ت620ه-). ترجمته ومصادرها في (سير أعلام النبلاء 165/22 -- 173).

وقد وقف الشيخ العلاّمة عبد العزيز الميمني الراجكوتي صاحب (سمط اللآلي) رحمه الله -- (ت1398ه-/1978م) -- على هذه النسخة، فكتب في وسط 107/ظ: (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عبّاس)، وتحته: (الميمني).

وكتب في صفحة غلاف النسخة 108/و في وسطها:

مسائل نافع بن الأزرق عبد(1)الله بن العبّاس عليه السلام من طريقين، وأحاديث غير ذلك.

رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سَلم الخُتلي(2).

سماع محمّد بن العبّاس بن أحمد بن الفرات(3).

رواية أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف العلاف(4)، عن أبي سَلْم سماع للمبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي(5)نفعه الله.

وكتب في أعلى الصفحة وفي أسفلها طباق سماع المسائل على المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي:

أ -- كتب في أعلى الصفحة: (مفروغ أحمد بن محمّد بن سلفة الأصبهاني نسخاً وسماعا(6)-- (سماع أحمد بن طاهر المقدسي) -- (فرغ منه السّاجي سماعاً وانتقاد [كذا] صحّ) -- فرغ من سماعه على الوجه محمّد بن إسماعيل بن محمّد البخاري والحمد لله).


1) كذا وقع وضبط، ولا يعدم وٌجها يحمل عليه، وجعلت في عنوان المسائل (عن عبد الله...).

2) - الحجّة الثقة الثبت (ت365ه-). وال-(الخُتلي) بضم الخاء وفتح التاء المشددة هذا ضبط الأصل، انظر ما سيأتي من التعليق عليه في التعليق على سند المسائل (التعليق2).

3) - الإمام الحافظ البارع المجود (ت384ه-) سلفت ترجمته في المتن قبل قليل.

4) - الإمام العالم الواعظ، كان صدوقا ظاهر الوقار (ت442). ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 608/17.

5) - الإمام المحدّث الثبت بقية النقلة المكثرين، يكنى بأبي الحسين ويعرف بابن الطيوري (ت500ه-) ترجمته في سير أعلام النبلاء 213/19 -- 216.

6) - هو الإمام المحدّث الحافظ المفتي شيخ الإسلام أبو طاهر السلفي الأصبهاني (ت576ه-). ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 5/21 -- 9.

ب -- وكتب تحته: (سمع جميعه على الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار (أعانه الله) بقراءة عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمّد ابن يوسف هبة الله بن علي أبو عبد الباقي رعل وسعد الله بن علي بن الحسن بن أيوب، ومحمّد بن إسماعيل بن محمّد البخاري، وأحمد بن محمّد بن أحمد يعرف بسلفة، ومحمّد بن محمّد بن هبة الله بن الطبيب، ومحمّد بن الحسين بن محمّد الإسكاف، وعلي بن معالي (بن أبي) الإسكاف، وأحمد بن الحسين، وعبد الله بن الحسن بن أيوب (الصيوبري)، وأحمد بن المقوقس الحسن النسّاج، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين وأربع مائة).

ج -- وكتب تحت العنوان: (سمع جميع هذا الجزء من الشيخ الجليل الثقة أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي أيده الله، الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمّد بن الخضر الجواليقي(1)، وأبو الفضل محمّد بن الحسين بن محمّد الإسكاف بقراءة محمّد بن ناصر بن محمّد بن علي. وذلك في يوم الاثنين الثالث والعشرين من المحرم من سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة).

وكتب تحته: (سمعه بقراءته على الشيخ الجليل أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي أكرمه الله تعالى محمّد بن ظفر بن الحسين بن يزداد في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين).

وكتب تحته: (سمع جميع الجزء على الشيخ الجليل أبي الحسين


1) العلاّمة الإمام اللغوي النحوي (ت540ه-). ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 89/90.

المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، بقراءة الشيخ أبي عبد الله الحسين بن محمّد بن حسن الثلجي أبو المظفر عبد الله بن طاهر بن علي بن فارس الخياط، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين يعرف بطهراه الكرخي، ومحمّد بن الفضل بن محمود (الأنصاري)، وسمع من موضع أبو محمّد سعد الله بن علي بن الحسن أبو الركن في مضان سنة أربع وتسعين وأربعمائة).

وكتب في أسفل الصفحة: (وقف الشيخ موفق الدينt).

-2-

سند رواية المسائل

ذكرنا أنّ للمسائل في مخطوطة الظاهرية روايتين، أولاهما رمزنا لها ب-(ظ1)، ورمزنا لثانيتهما ب-(ظ2).

فأمّا المسائل 1 -- 32، فهي مروية في (ظ1) عن أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف بن العلاّف (ت442ه-)، عن أبي بكر أحمد بن سَلم الخُتَّلي (ت365ه-)، عن أبي العبّاس أحمد بن عبد الله بن محمّد بن عمّار الثقفي (ت314ه-)، عن أبي الحسن بن مسلم (ت253ه-)، عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني (ت264ه-)، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني (ت202، أو 203ه-)، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني (ت202، أو 203ه-)، عن عبيد الله بن العبّاس (؟)، عن جويبر (ت بين 140 -- 150ه-)، عن الضحّاك (ت102، أو 105، أو 106ه-).

وهي مروية في (ظ2) عن أبي نصر محمّد بن عيسى بن الوليد التاجر العكبري (؟)، عن أبي بكر محمّد بن إسحق الوزان (ت281ه-)(1)، عن عمرو ابن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي (ت251ه-)(2)، وأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني، عن عبيد الله بن العبّاس، عن جويبر، عن الضحّاك.

وأمّا المسائل 33 -- 50 فلم تقع في رواية الضحّاك، بل هي مسائل زائدة على روايته وقعت في ظ1 وظ2 برواية محمّد بن السائب الكلبي(3)(ت146ه-). قال عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني في صدر المسألة/33: (وحدّثني عبيد الله ابن العبّاس، قال: وزاد فيه محمّد بن السائب الكلبي... -33 -- 50-).

وللمسائل في ظ1 رواية أُخرى ليست عن الضحّاك، فيها زيادة مسألتين (5152). وفيها اختلاف في رواية بعض المسائل (1، 18، 5، 39)، وهي رواية أبي الحسن علي بن مسلم، عن عبد العزيز بن صالح البرجمي (؟)، عن أبي شهاب الحناط عبد ربّه بن نافع (ت172ه-)(4)، عن أبي بكر


1) سير أعلام النبلاء 191/13 عرضاً.

2) - الحافظ الثبت، يكنّى: أبا حفص. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 305/12.

3) - العلاّمة الأخباري المفسّر النسابة، متروك الحديث، روى عن أبي صالح باذام مولى أُمّ هانيء (ت نحو 120ه-) عن ابن عبّاس، وقيل: لم ير أبو صالح ابن عبّاس ولا سمع منه شيئاً، قيل: هو كذّاب، وقيل: ضعيف، وقيل: لا بأس به. فالكلبي: قال لي أبو صالح: انظر كلّ شيء رويت عنّي عن ابن عبّاس فلا تروه. انظر: ترجمة الكلبي في سير أعلام النبلاء 248/6 -- 249، وميزان الاعتدال 556/3، وترجمة أبي صالح في سير أعلام النبلاء 37/5، وميزان الاعتدال 296/1.

4) - الكوفي المدائني المحدّث. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 201/8.

الهذلي(1)(ت159ه-)، عن عكرمة مولى ابن عبّاس (ت105ه-)(2).

والمسائل 1 -- 32 مرويَّة عن الضحّاك في (المعجم الكبير) للطبراني 248/10 -- 256، وعنه في (مجمع الزوائد) للهيثمي 303/6 -- 310، وأخلت روايته بالمسألة/4 منها، فعدّة المسائل فيها 31 مسألة.

وقد رواها الطبراني (ت360ه-)(3)، عن أبي خليفة الفضل بن الحُباب الجُمحي (ت305ه-)(4)، عن إبراهيم بن بشار الرَّمادي (ت224، أو 227ه-)(5)، عن أبي عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الحرّاني، عن عبيد الله ابن عياش وموسى بن يزيد الحرّانيين(؟) عن جويبر، عن الضحّاك بن مزاحم الهلالي. فروايته تلاقي رواية مخطوطة الظاهرية في عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني الطرائفي.

وفي الأضداد لابن الأنباري (ص33، 34) مسألتان، (هما المسألتان/7، 8)، رواهما ابن الأنباري (ت328ه-)(6)، عن أبي محمّد جعفر بن أحمد بن عاصم


1) سُلمى بن عبد الله بن سُلمى، أخباري لين الحديث. ترجمته في تاريخ بغداد 223/9 -- 226، وميزان الاعتدال 497/4.

2) - هو أبو عبد الله القرشي مولاهم المدني البربري الأصل، العلاّمة الحافظ المفسّر. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 12/5 -- 36.

3) - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، الإمام الحافظ الثقة، الرحالة الجوال. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 119/16 -- 130.

4) - الإمام المحدّث الأخباري الأديب شيخ وقته. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 7/14.

5) - أبو إسحق الجرجراني البصري الرمادي، الإمام المحدّث المفيد. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 510/10.

6) - الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، أبو بكر بن القاسم الأنباري. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 234/15.

الدمشقي (ت307ه-)(1)، عن هشام بن عمّار (ت245ه-)(2)، عن أبي عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني الطرائفي بسنده المذكور.

-3-

ذيل مسائل نافع ومصادره

لمّا فرغت من تحقيق (مسائل نافع) في مخطوطة الظاهرية، رأيت أن أصنع لها ذيلاً بالمسائل التي لم ترد في طرق الرواية التي بُنيت عليها المخطوطة.

وكنت قِدْماً صنعته من ثلاثة كتب، هي (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي، و(إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري، و(الكامل) للمبرّد، وذلك عقب فراغي من تحقيق (الكامل) عام 1986. ثمّ وقفت بعد الفراغ منه بزمن طويل (1991/6/17م) على (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله ابن عبّاس) التي حقّقها الدكتور إبراهيم السامرائي، وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد عام 1968م، وهي مستلّة من (مجلّة رسالة الإسلام) العددين الخامس والسادس -- السنة الثانية. وأظنّ أنّ الدكتور المحقّق غير راض عن عمله فيها.


1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور 53/6.

2) - هو أبو الوليد هشام بن عمّار السلمي، الإمام الحافظ العلاّمة المقرئ، عالم الشام وخطيب دمشق. ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 420/11.

اعتمدتُ رواية (الإتقان)، وأثبت المسائل على سياق روايتها فيه، ونبهت على ما ورد منها في (إيضاح الوقف والابتداء)، ف-(الكامل)، ف-(سؤالات نافع) أيضاً. ثمّ أوردت المسائل التي انفرد بروايتها (إيضاح الوقف)، ف-(الكامل)، ف-(سؤالات نافع).

ورقّمت المسائل في الذيل برقمين: أوّلهما عام، تابعت فيها أرقام المسائل المذكورة في المخطوطة، والثاني خاص، هو رقم المسألة في الذيل، وجعلت بينهما علامة المساواة ( = )، وذكرت عقبه موضع المسألة في الكتاب المأخوذ منه.

أمّا (الإتقان في علوم القرآن)، فقد أورد السيوطي فيه190 مسألة، رواها عن أبي عبد محمّد بن علي الصالحي، عن أبي إسحق التنوخي، عن القاسم بن عساكر، عن أبي نصر محمّد بن عبد الله الشيرازي، عن أبي المظفّر محمّد بن أسعد العراقي، عن أبي علي محمّد بن سعيد بن نبهان الكاتب، عن أبي علي بن شاذان، عن أبي الحسين عبد الصمد بن علي بن محمّد بن مكرم المعروف بابن الطَّستي(1)، عن أبي سهل السري بن سهل الجنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فروخ المكّي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد، عن أبيه أبي بكر بن محمّد.

وقال عقبها: (هذا آخر مسائل نافع بن الأزرق، وقد حذفت منها يسيراً، نحو بضعة عشر سؤالاً. وهي أسئلة مشهورة أخرج الأئمّة أفراداً منها


1) المحدّث الثقة المسند (ت346ه-). ترجمته في سير أعلام النبلاء 555/15.

بأسانيد مختلفة إلى ابن عبّاس. وأخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب (الوقف والابتداء) منها قطعة... وأخرج الطبراني في (معجمه الكبير) منها قطعة).

وجعلت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطيء المسائل التي أوردها السيوطي في كتابها (الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق) ص267 -- 507. وعدّة المسائل عندها 189 مسألة، لأنّها أسقطت المسألة 89 من (الإتقان) (رقم 117 في الذيل)، وألحقها الشيخ فؤاد عبد الباقي -- رحمه الله -- بكتابه (معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري)، ص234 -- 292. وقد رتّبها على حسب أوائل حروف المادّة التي منها اللفظة، واكتفى بذكر معناها مع شواهد الشعر. وعدّة المسائل عنده 189 مسألة، لأنّه أسقط المسألة 61 من (الإتقان) (رقم98 في الذيل)(1).

وأخذت 156 مسألة من (الإتقان)، وهي المسائل 53 -- 208 من الذيل.

وأمّا (سؤالات نافع)، فهي مروية عن أبي الحسين عبد الصمد بن علي ابن محمّد بن مكرم المعروف بابن الطَّستي، عن أبي سهل السريّ بن سهل ابن حربان الجنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فروخ المكّي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حميد الأعرج، وعبد الله ابن أبي بكر بن محمّد، عن أبيه أبي بكر بن محمّد.


1) ثمّ وقفت بتاريخ 23 أيلول 1992 على كتيب سمّاه صاحبه: (غريب القرآن، لحبر الأُمّة وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس. نص المحاورة التي دارت بفناء الكعبة بين نافع بن الأزرق وابن عبّاس، ونقلها السيوطي في الإتقان)، عرض وتعليق محمّد إبراهيم سليم؟!! وليس بشيء إلاّ شيئاً لا يعبأ به.

وعدّة المسائل فيها 248 مسألة (بإسقاط مسألة عن كلمة لعمر).

فسؤالات نافع مبنيّة على رواية ابن الطستي بسنده إلى أبي بكر بن محمّد، ورواية السيوطي في (الإتقان) تنتهي إلى ابن الطستي بسنده المذكور أيضاً، فهما رواية واحدة، لكن بينهما اختلافاً من جهتين:

الأولى: أنّ عدّة المسائل في (الإتقان) 190 مسألة، وذكر السيوطي أنّه أسقط بضعة عشر سؤالاً؛ وعدّة المسائل في سؤالات نافع 48 مسألة، ففيها زيادة 58 مسألة عمّا أورده السيوطي، لا (بضعة عشر سؤالاً).

والثانية: أنّ في كلّ منهما مسائل لم ترد في الأُخرى.

فالمسائل: 117، 163، 164، 167، 181 رويت في (الإتقان)، ولم ترد في سؤالات نافع. وفي سؤالات نافع مسائل لم ترد في (الإتقان) ووردت في غيره، وهي المسائل: 27، 32، 36، 41، وفيها أيضاً 60 مسألة انفردت بها لم ترد في (الإتقان) ولا في غيره، وهي المسائل: 228 -- 287 من الذيل.

وأمّا (إيضاح الوقف والابتداء)، ففيه 50 مسألة، رواها ابن الأنباري، عن بشر بن أنس، عن محمّد بن علي بن شقيق، عن أبي صالح هدية بن مجاهد، عن محمّد بن شجاع، عن محمّد بن زياد اليشكري(1)، عن ميمون ابن مهران.

من هذه المسائل 14 مسألة وردت في رواية مخطوطة الظاهرية، وهي المسائل:

(1)، 9، 15، 17، 19، 20، 25، 26، 30، 35، 41، 42، 45، 47. بقي 36 مسألة 18 منها وردت في (الإتقان)، وانفردت ب18 مسألة، وهي المسائل:


1) هو كذّاب يضع الحديث، ترجمته في الجرح والتعديل 2/258/3، وميزان الاعتدال: 552.

209 -- 226 من الذيل (وردت منها في سؤالات نافع المسألتان 209، 214، فانفرد إيضاح الوقف عنها ب16 مسألة).

وأمّا (الكامل) للمبرّد، ففيه 7 مسائل هي ذوات الأرقام: 9، 46، 95، 18، 52، 195، وانفرد بواحدة أخذتها منه (المسألة227). ولم يذكر المبرّد سند روايته للمسائل، واقتصر على أن ذكر أنّ لنافع عن ابن عبّاس مسائل، وأنّه ذاكرٌ صدراً منها (فذكر السبع المسائل)، وأنّها رويت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي وغيره، وذكر في موضع واحد (ص1144) أنّ أبا عبيدة يرويها بسنده عن أسامة بن زيد(1)، عن عكرمة.

فعدّة مسائل الذيل 235 مسألة: (156 من الإتقان + 60 من سؤالات نافع + 18 من إيضاح الوقف + مسألة واحدة من الكامل)، وعدّة مسائل الأصل 52 مسألة، فتكون عدّة مسائلهما معاً 278 مسألة.

-4-

عملي في المسائل

قرأت مخطوطة الظاهرية بروايتيها ونسختها، وعارضت الرواية الأولى بالثانية، وأثبتُ ما اختلفا فيه، ورمزت للأولى ب-(ظ1)، وللثانية ب-(ظ2). ولم ألتزم الأولى التزاماً، فقد أثبت من الثانية ما رأيته أصحّ، أو أولى ممّا في الأولى، وزدت من الثانية ما رأيت زيادته في نص الأولى وجعلته بين


1) الليثي مولاهم المدني، روى عن طاووس وطبقته، ترجمته في تهذيب الكمال 347/2.

حاصرتين، ونصصت على زيادته.

وقصدت في عملي فيها أوّل ما قصدت إلى ضبط النص وتحريره من شوائب التصحيف والتحريف، وبقيت في بعض النصوص مواضع مشكلة أثبتها كما جاءت.

واتبعت في التعليق على المسائل وذيلها المنهج الآتي:

(1)-- ذكرت المصادر التي روت المسألة وذكرت ما اختلفت فيه.

(2)-- وأحلت في تخريج قول ابن عبّاس على تنوير المقباس، وتفسير الطبري، والقرطبي، وابن كثير، ومجمع البيان، إن روت قوله. فإن كان اللفظ المسؤول عنه لغة قوم ذُكرت في (اللغات في القرآن) رواية ابن حسنون المقرئ بإسناده إلى ابن عبّاس = أحلت عليه، وربّما أحلت على ما ذكره السيوطي في (الإتقان) من هذا الباب. وذكرت ما في المصادر إن لم تطابق أو توافق الرواية عن ابن عبّاس فيها رواية المسائل.

(3)-- وخرّجت ما عرفته من شواهد الشعر والأرجاز، وسميت قائله إما عرفته، وذكرت بعض المصادر التي روته، أو ما عرفته منها، وأحلت على دواوين الشعراء ممّن كانوا ذوي دواوين مطبوعة وقفت عليها.

وصنعت للمسائل فهارس تيسر السبيل إليها، فصنعت فهرساً للآيات القرآنية المسؤول عنها مرتبة على سورها في المصحف، وفهرساً للألفاظ المسؤول عنها مرتبة على أُصولها اللغوية، وفهرساً للشعراء مع قوافيهم، وفهرساً للشعر والأراجيز، وفهرساً للمصادر والمراجع التي رجعت إليها في تحقيق المسائل والتعليق عليها.

ولم آل جهداً في تحقيق المسائل وصنع ذيلها والتعليق عليهما. فإن أصبت فمن فضل الله وجميل صنعه، وأن أخطأت فمن عجزي وقصوري، والإنسان خطّاء.

والله تعالى أسأل أن يوفقني إلى ما فيه الخير، وأن ينفع بعملي ويثيبني عليه، إنّه هو السميع المجيب.

وكتب

الدكتور محمّد أحمد الدالي

مصياف 12 ربيع الأوّل 1413ه-

(9) أيلول 1992م(1)


1) (أقول: ثمّ ذكر صورة [الورقة 108/و (صفحة الغلاف) من ظ1]، وصورة [الورقة 115/و أوّل ظ2]، وصورة [الورقة 118/ظ آخر المسائل في ظ4]، وبعدها [مخطط أسانيد رواية المسائل في مخطوطة الظاهرية والمصادر المروية من بعض طرقها]، أعرضت عن ذكرها روماً للاختصار/ الخرسان).

مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن العبّاس

من طريقين رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سَلم الخُتَّلي (ت365ه-)

سماع محمّد بن العبّاس بن أحمد بن الفُرات (ت384ه-)

رواية أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف بن العلاّف (ت442ه-)، عن ابن سلم

سماع للمبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصَّيرفي (ت500ه-)

حقّقها وعلّق عليها

وذيلها ب-(ذيل مسائل نافع) التي لم ترد في هذه الرواية

الدكتور محمّد أحمد الدّالي

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرنا(1)

وقبل (أخبرنا) سطران صغيران غير واضحين.

أبو بكر أحمد بن سلم(2)قراءة عليه، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عبيد الله بن محمّد بن عمّار الثقفي(3)، قال: حدّثني أبو الحسن علي ابن مسلم(4)مؤدب أبي العبّاس الكيّس بن المتوكّل(5)، قال: حدّثنا أبو بكر

1) الراوي عن ابن سلم، كما في صفحة غلاف المخطوطة، أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد ابن يوسف بن العلاّف (ت442ه-)، وكان إماماً عالماً واعظاً صدوقاً ظاهر الوقار، سمع ابن سلم وغيره، انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 608/17.

2) - هو أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلي (ت365ه-)، وكان حجّة ثقة ثبتاً أحد علماء بغداد، انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 82/16. و(الختلي) بضم الخاء وفتح التاء المشدّدة هو ضبط المخطوطة في صفحة الغلاف، وهو ما نص عليه ياقوت في معجم البلدان (الختل) 346/2، وصاحب القاموس (خ ت ل). وفي الأنساب 44/5، واللباب 421/1، ومعجم ما استعجم: 488، والتاج (خ ت ل) عن نصر أنّه بضم الخاء وضم التاء المشدّدة. ولم يضبط التاء الأمير في الإكمال 219/3، وقال الشيخ المعلمي اليماني في التعليق عليه: (وفي المشتبه: بخاء مضمومة ومثناة ثقيلة) زيد في نسخة (مضمومة أيضاً)، وأظنّه من كلام غيره، ففي التوضيح: قلت: المثناة فوق مضمومة أيضاً)، وفي التبصير: بخاء معجمة مضمومة ومثناة ثقيلة مفتوحة...) أه-.

3) - الكاتب المعروف ب-(حمار العُزير) (ت314ه-) له كتاب المبيضة، وأخبار حجر بن عديّ، وأخبار أبي العتاهية، وأخبار أبي نواس، وغيرها، انظر ترجمته في تاريخ بغداد 252/4، ومعجم الأدباء 232/3.

4) - هو أبو الحسن علي بن مسلم بن سعيد الطوسي، ثمّ البغدادي الإمام المحدّث الثقة مسند العراق (ت253ه-)، انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 525/11.

5) - ذكر عرضاً في أنباء الرواة 357/2.

أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني(1)

وفي ظ1 (الخزاعي) مكان الحرّاني، وأثبت ما في ظ2 وهو ما في المصادر. و(المفضل) كذا وقع في ظ1، وظ2، والمشتبه، وفي تاريخ بغداد والأنساب: الفضل.

، قال حدّثني عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني(2)، قال: حدّثني عبيد الله بن العبّاس(3)، عن جويبر(4)، عن الضحّاك بن مزاحم الهلالي(5)، قال(6)

وأبو بكر حمد بن إسحاق الوزان (ت281ه-) قيل: صدوق، وقيل: لا بأس به. ترجمته في تاريخ بغداد 28/4 -- 29.

وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي (ت251ه-)، كان حافظاً ثبتاً. انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 305/12.

:

1) مولى بني أُميّة، ويعرف بالكُزبراني، من أهل حرّان (ت264ه-)، انظر ترجمته في تاريخ بغداد 243/4، والأنساب 415/10، والمشتبه: 549.

2) - الطرائفي المؤدب، مولى بني أُميّة (ت202 أو 203ت)، قيل: صدوق، وقيل: حاطب ليل، وأُنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء، انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 436/9.

3) - كذا وقع بالسين المهملة، ووقع بالشين المعجمة في المعجم الكبير للطبراني 248/10، وتهذيب الكمال 168/5 (عرضا)، والإكمال 73/6، ولم أصب له ترجمة.

4) - هو جويبر بن سعيد أبو القاسم الأزدي البلخي (ت بين140 -- 150ه-)، له رواية ومعرفة بأيام الناس، قيل: ضعيف، وقيل: متروك، انظر ترجمته ومصادرها في تهذيب الكمال 167/5.

5) - هو أبو محمّد وقيل أبو القاسم صاحب التفسير (ت102، أو105، أو 106ه-)، كان من أوعية العلم، وهو صدوق في نفسه، حدّث عن ابن عبّاس وغيره، وبعضهم يقول: لم يلق ابن عبّاس، والله أعلم، انظر ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 598/4، وتهذيب الكمال 291/13.

6) - ها سند ظ1، ونصُّ سند ظ2: (حدّثا أبو نصر محمّد بن عيسى بن الوليد التاج العكبري بعكبرا، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن إسحق الوزان، قال: ثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن دينار الحمصي وأحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحرّاني أبو بكر، قالا: ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن العبّاس، عن جويبر، عن الضحّاك...).

خرج نافع بن الأزرق(1)ونجدة بن عويمر(2)في نفر من رؤوس الخوارج يُنَقِّرون(3)عن العلم ويطلبونه، حتّى قدموا مكّة. فإذا هم بعبد الله بن عبّاس(4)قاعداً إلى جنب زمزم، عليه رداء أحمر وقميص أبيض؛ وإذا الناس(5)قيام يسألونه عن التفسير، ويقولون: يا بن عبّاس! ما تقول في كذا؟ فيقول: هو كذا وكذا.

فقال(6)له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا بن عبّاس على(7)ما تجيءُ به منذ اليوم!!

فقال له ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك يا نافع!! أولا أخبرك بمن هو أجرأ منّي(8)؟


1) الحنفي البكري الحروري ، رأس الأزارقة وإليه نسبتهم، كان أمير قومه وفقيههم (ت65ه-). انظر ترجمته ومصادرها في الأعلام 351/7.

2) - نجدة بن عويمر -- وهو عامر -- الحنفي البكري الوائلي، رأس النجدية من الحرورية وإليه نسبتهم، ويعرفون بالنجدات، كان أوّل أمره مع نافع بن الأزرق، وفارقه لإحداثه مذهبه وانفرد عن سائر الخوارج بآراء (ت69ه-)، انظر ترجمته ومصادرها في الأعلام 10/8.

3) - في ظ1: ينقران.

4) - ابن عبد المطّلب، ابن عمّ رسول الله(صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم)، حبر الأُمّة وترجمان القرآن (ت68 أو 67ه-)، انظر ترجمته ومصادرها في تهذيب الكمال 154/15، وسير أعلام النبلاء 371/3، والأعلام 95/4، وتاريخ التراث العربي لسزكين 43/1.

5) - وفي ظ2: فإذا هم بابن عبّاس. في ظ2: (إلى جانب زمزم عليه قميص أحمر ورداء أبيض والناس...).

6) - عن التفسير ويجيبهم قال.

7) - في ظ2: ما أجرأك على.

8) - في ظ2: ثكلتك أُمّك يا نافع بن الأزرق وعدمتك، أولا أخبرك بأجرأ منّي.

قال: ومن(1)هو يا بن عبّاس؟

قال: هو رجل تكلّم بما ليس له به علم، أو رجل كتم(2)علماً عنده.

قال: صدقت، ثمّ قال: إنّي(3)أتيتك لأسألك.

قال: هات يا بن الأزرق.

(1)-- قال(4): أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ(5)، ما الشواظ؟

قال: هو اللهب الذي لا دخان له(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك من(7)قبل أن ينزل الكتاب على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: [نعم](8)، أما سمعت قول(9)أُميّة بن خلف(10)

والأبيات لأُميّة بن خلف في إيضاح الوقف، والثاني، والثالث له في الصحاح واللسان: (ش و ظ). وانظر تفسير القرطبي 171/17 وفيه ذكر ما في الصحاح وإيضاح الوقف.

وذكر في سؤالات نافع الأبيات التي أجاب بها حسّان، وستأتي في المسألة ( = 1) بآخر هذه المسائل.

، وهو يهجو حسّان

1) في ظ2: قال من.

2) - في ظ2: أو كتم.

3) - في ظ2: ثمّ قال له نافع إنّي.

4) - المسألة والأبيات في المعجم الكبير للطبراني 248/10، ومجمع الزوائد للهيثمي 304/6، وإيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري: 95، وسؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس: 13، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 122/1 (البيت الثالث).

5) - سورة الرحمن/35. (كان المحقّق قد وضع تعيين الآية والسورة في نفس المتن بين معقوفين، فآثرنا وضعها في الهامش للاختصار/ الخرسان).

6) - تنوير المقباس: 452، وتفسير الطبري 81/27، وتفسير القرطبي 171/17، وتفسير ابن كثير 472/7.

7) - ليس في ظ2.

8) - زيادة من ظ2.

9) - ظ1: بقول.

10) - في سؤالات نافع، والمعجم الكبير، ومجمع الزوائد (أُميّة بن أبي الصلت)، وإليه نسبت في تفسيري: الثعلبي، والماوردي، فيما قال القرطبي 171/17. والبيت الثالث له في الإتقان في علوم القرآن، وعنه أورده أستاذنا جامع شعر أُميّة بن أبي الصلت: 415، وانظر تخريجه: 578، ورجّح أن يكون قد وقع خلط بين أُميّة بن خلف وأُميّة بن أبي الصلت.

ابن ثابت وهو يقول:

ألا من مبلغ حسّان عنّي *** مغلغلة تدب إلى عكاظ(1)

أليس أبوك فينا كان قينا *** لدى القينات فسلا في الحفاظ

يمانياً يظلّ يشب كيرا(2)*** وينفخ دائبا لهب الشواظ

قال: صدقت.

(2)-- فأخبرني(3)عن قول الله عزّ وجلّ: وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ(4)، ما النحاس؟

قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه(5).


1) في ظ1 وظ2: تدب على كناظ، وبهامش ظ1 ما نصه: (الصواب: إلى عكاظ). ورسم في ظ1 (تدك) بالكاف وتحتها نقطة، وكتب فوقه (معا) يريد: تدبّ، وتدك.

2) - في إيضاح الوقف والإتقان في علوم القرآن: يظلّ يشب كيراً بعد كير.

3) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 249/10، ومجمع الزوائد 304/6، والإتقان في علوم القرآن 122/1، وسؤالات نافع: 14.

4) - سورة الرحمن/35.

5) - تنوير المقباس: 452، وتفسير الطبري 81/27، وتفسير القرطبي 172/17، وتفسير ابن كثير 472/7.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة(1)

وهو للنابغة الجعدي في شعره ص81، ومجاز القرآن 245/2، وتفسير غريب القرآن: 438، والكامل: 477، ومجمع البيان 203/5، وتفسير القرطبي 172/17، وتفسير ابن كثير 472/7.

(ولسان العرب 112/8، ومعجم الشعراء: 321، وأدب الكاتب: 443، والشعر والشعراء: 55 لابن قتيبة، والفائق للزمخشري 271/1، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت: 200، والأغاني 129/4. الخرسان).

:

يضيء كضوء سراج السلي- *** -ط لم يجعل الله فيه نحاسا

يعني: دخاناً(2).

قال: صدقت.

(3)-- فأخبرني(3)عن قول الله عزّ وجلّ: أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ(4)، ما(5)الأمشاج؟

قال: هو ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشيجاً(6).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟


1) في ظ2: (أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول: وكذا في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد. وإلى النابغة الذبياني عزي في تفسير الطبري 82/27.

2) - (يعني: دخاناً) ليس في ظ2.

3) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 249/10، ومجمع الزوائد 304/6، والإتقان في علوم القرآن 122/1، وسؤالات نافع: 14.

4) - سورة الإنسان/2.

5) - في ظ2: فما.

6) - تنوير المقباس: 495، وتفسير الطبري 126/29، وتفسير القرطبي 121/19، وتفسير ابن كثير 310/8، ومجمع البيان 406/5.

قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي(1)

وعزي البيت الأوّل إلى أبي ذؤيب في المصادر السالفة، إلاّ في تفسير الطبري 16/29، وتفسير القرطبي 121/19. وحكى القالي في أماليه: 310 عن ابن الأنباري: أنّ المريج المختلط، ثمّ قال: (وكذا فسّر ابن عبّاس واستشهد بقول أبي ذؤيب: كأنّه خوط مريج) أه-. وإلى أبي ذؤيب نسب قوله: (كأنّه خوط مريج) في مجاز القرآن 222/2. وأنشد ابن الأنباري في إيضاح الوقف: 64 هذا البيت الثاني ولم ينسبه.

وتعقب البكري في التنبيّه: 130، والسمط: 957 أبا علي القالي، ووهمه، وقال: (إنّما هو للداخل زهير بن حرام أحد بني سهم) أه-. والبيتان من كلمة رواها الأصمعي للداخل، ورواها الجمحي، وأبو عمرو، وابن الأعرابي لعمرو ابنه، انظر شرح أشعار الهذليين: 611، 618، والبيت الثاني فيهما مقدّم على الأوّل، وفيهما: (فراغت فالتمست). (في ديوان الهذليين: والتمست).

(الأساس للزمخشري 387/2، رغبة الآمل 9/7، واستشهد به أبو حيان والشوكاني في تفسيريهما/ الخرسان).

:

كأنّ النصل والفوقين منها *** خلاف الرِّيش سيط به مشيج(2)

فجالت فالتمست به حشاها *** فخرّ كأنّه خوط مريج

ويقول له عند كلّ مسألة: صدقت.. إلى آخر المسائل، فحذفه ابن عمّار من كتابه.

(4)-- قال(3): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً(4)؟


1) في ظ2: (أما سمعت بقول أبي ذؤيب الهذلي وهو يقول).

2) - وكذا وقع في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد، والرواية: كأنّ الريش... خلاف النصل). (ومنها): من السهام، وروي (منه): من السهم.

3) - المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 132/1، وسؤالات نافع: 51.

4) - سورة نوح/13.

قال: لا تخافون(1)عظمة ربّكم(2)

وفي اللغات في القرآن: 34 في تفسير (يرجون) في سورة الكهف/110: (يخافون بلغة هذيل).

.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول(3)أبي ذؤيب(4)

وروايته في ديوان الهذليين 143/1:

إذا لسعته الدبر... ... وخالفها... ... عواسل.

وفيه: أنّه ينشد (وحالفها).

:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وحالفها في بيت نوب عوامل

يقول: لم يخف(5).

(5)-- (6)قال(7)فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بَنِينَ وَحَفَدَةً(8)؟


1) ظ2: قال: لا ترجون لا تخافون.

2) - في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: قال: لا تخشون لله عظمة. وهذا ما في تنوير المقباس: 487. وفي تفسير الطبري 59/29 -- 60، وتفسير ابن كثير 260/8، ومجمع البيان 361/5: (لا تعظمون الله حقّ عظمته)، وفي تفسير القرطبي 303/18: (لا تعلمون لله عظمة)، وفي تفسير القرطبي أيضاً: (لا تخشون لله عقاباً)، وفي مجمع البيان أيضاً: (لا تخشون لله عقاباً).

3) - في ظ2: أما سمعت قول الهذلي وهو يقول.

4) - شرح أشعار الهذليين: 144، وتفسير غريب القرآن: 271، وتأويل مشكل القرآن: 191 وتخريجه فيه. وهو في تفسير الطبري 60/29، ومجمع البيان 360/5 وفيهما: (...نوب عواسل). (والقرطبي 30/1. الخرسان).

5) - (يقول لم يخف) ليس في ظ2.

6) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 249/10، ومجمع الزوائد 304/6، والإتقان في علوم القرآن 120/1، وسؤالات نافع: 10، وهي بنحوها مع البيت في تفسير الطبري 97/14، وتفسير القرطبي 143/10.

7) - في ظ2: (قال: صدقت، فأخبرني)، وكذا فيما يأتي من المسائل.

8) - سورة النحل/72.

قال: أمّا بنوك فإنّهم يُعاطُونك ويكفونك(1)، وأمّا حفدتك فإنّهم خدمك(2)

وفي اللغات في القرآن: 31: (يعني بالحفدة: الأختان بلغة سعد العشيرة)، وروي عنه بهذا اللفظ أيضاً، انظر: تنوير المقباس، وتفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير.

.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول(3)

واختلف في نسبة البيت. فأمّا نسبته إلى أُميّة فلم أجدها إلاّ في هذا النص، وليس في مجموع شعره، وليس فيه كلمة على قريّه.

ونسب إلى الفرزدق في الجمهرة 123/2، وإلى الأخطل في غريب الحديث لأبي عبيد 374/3، وليس في ديوانيهما، وليس فيهما كلمة على قريّه.

ونسب إلى كثيّر في تفسير القرطبي 244/10، وليس في ديوانه، وفيه كلمة على قريّه.

ونسب إلى جميل في مجاز القرآن 364/1، وشمس العلوم 447/1، ومجمع البيان: 73، وتفسير ابن كثير 506/4، وفيما يأتي بآخر المسائل في رواية أُخرى لهذه المسألة برقم ( = 5)، وليس في ديوانه، وفيه بيت واحد على قريّه.

ونسب في تفسير الطبري 98/14 إلى حميد، وليس في مجموع ديوان حميد بن ثور، وفيه أبيات على قريّه.

(وفي تفسير ابن كثير 577/2 نسبه إلى حميد، وفي كتاب (متشابهات القرآن ومختلفه) لابن شهر آشوب 284/2 -- 85 آخر فصل من الكتاب جاء ذكر ستّ من مسائل نافع بينها السؤال عن قوله تعالى: وَحَفَدَةً ، والبيت الشاهد منسوباً إلى جميل بن معمر. وإذا صحّت النسبة لقائله جميل فلا يصحّ الاستشهاد به، لتأخّر زمان جميل عن زمان المسائل، فيكون هذا من دلائل التزيّد فيها. قال محمّد فؤاد عبد الباقي (معجم غريب القرآن: 284) في البيت الشاهد: (هذا البيت استشهد به: الزمخشري، والطبري، والطبرسي، وأبو حيان في تفاسيرهم، ومع ذلك لا أدري كيف أضبطه. الخرسان).

وهو بلا نسبة في معاني القرآن للأخفش: 551، والنهر الماد من البحر المحيط 514/5، وتهذيب الآثار -- مسند ابن عبّاس 393/1.

أُميّة بن أبي الصلت الثقفي حيث

1) في ظ2: يعاطونك ويعينونك.

2) - هو بنحوه في تفسير الطبري 98/14، وتفسير القرطبي 143/10، وتفسير ابن كثير 506/4. وفي سؤالات نافع: (قال: ولد الولد)، وفي الإتقان في علوم القرآن: (ولد الولد، وهم الأعوان)، وقد روي عنه بهذا اللفظ، انظر: تنوير المقباس: 227، وتفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير.

3) - في الإتقان في علوم القرآن، وتفسير الطبري 97/14، وتفسير القرطبي 143/10 (قول الشاعر): ولم يسم، وفي سؤالات نافع: (أما سمعت الشاعر وهو يقول).

يقول(1):

حَفَدَ الولائد حوله وأُسلمت *** بأكفهن أزِمَّة الأجمال

(6)-- قال(2): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَفُومِهَا(3)؟

قال(4): الفوم(5): الحنطة(6)

البيت مع آخر ألحقهما ناشر ديوان أبي محجن: 52 عن الأغاني 2/19. والبيت له في رسالة الملائكة: 17، وشرح ديوان ابن أبي حصينة 109/2، وشرح ديوان أبي تمام 427/4، والروض الأنف 299/2، واللسان: (ف و م).

ونسب إلى أحيحة بن الجلاح الأنصاري في تفسير الطبري 247/1، وتفسير القرطبي 425/1، ومجمع البيان 122/1، والبحر 219/1. وهو بلا نسبة في المحتسب 88/1.

ورواية الأغاني -- وعنه في ديوان أبي محجن -- وسفر السعادة: 857: (... زراعة فول). وقافية البيت الذي قبله: (...غير قليل). فعلى رواية المصادر غير الأغاني وسفر السعادة (فوم) -- والظاهر أنّها الرواية والصواب -- يكون الشاعر قد أكفأ.

وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي) وهو خطأ. وفي ظ2: (أما سمعت بقول... وهو يقول) وفي سؤالات نافع: (أما سمعت أبا محجن الثقفي وهو يقول).

(وجاء في (أدب التفسير س 26): ثمّ قال ابن عبّاس: يا بن الأزرق ومن قرأها على قراءة ابن مسعود فهو هذا المنتن -- يعني الثوم -- وقد قال أُميّة بن أبي الصلت في ذلك:

فيها الفراديس والفومات والبصل *** كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة

وهذا الشاهد أثبته القرطبي في تفسيره 425/1 نقلاً عن ابن عبّاس، وذكره بشير يموت مفرداً في ديوان أُميّة: 48، ط بيروت بتفاوت يسير/ الخرسان).

.

1) في ظ2: (أما سمعت بقول... الثقفي وهو يقول)، وكان في ظ1: (حين يقول)، والوجه ما أثبت.

2) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 252/10، ومجمع الزوائد 307/6، والإتقان في علوم القرآن 122/1، وسؤالات نافع: 14.

3) - سورة البقرة/61.

4) - في ظ2: ما الفوم؟ قال.

5) - ليس في ظ2.

6) - تفسير الطبري 246/1 -- 247، وتفسير القرطبي 425/1. وروي عنه أنّه هو الثوم، انظر تفسير القرطبي، وهو ما في تنوير المقباس: 1.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي محجن الثقفي:

قد كنت أحسبني كأغنى واحدٍ *** قدم المدينة عن زراعة فوم

(7)-- قال(1): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَنتُمْ سَامِدُونَ(2)(3)؟

قال: لاهون(4)

وفي الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع: السمود: اللهو والباطل.

.

1) المسألة والأبيات في الأضداد لابن الأنباري 43 -- 44، وهي والبيتان الأوّل والثالث في المعجم الكبير 254/10، ومجمع الزوائد 308/6 (وفيه عجز البيت الأوّل: (وأتى سعد شريدا) وما ذكره الدارس هو في 283/9. الخرسان)، وهي والبيت الثالث مع آخر في الإتقان في علوم القرآن 122/1 وسؤالات نافع: 14 -- 15.

2) - سورة النجم/61.

3) - بعده في ظ1: ما السمود.

4) - تنوير المقباس: 448، وتفسير الطبري 48/27، وتفسير القرطبي 123/17، وتفسير ابن كثير 443/7، ومجمع البيان 184/5. ويروى عنه (معرضون) انظر: مجمع البيان وتفسير ابن كثير، ويروى عنه أن السمود الغناء، لغة يمانية، انظر: الطبري وابن كثير.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول(1)هُزيلة(2)بنت بكر وهي تبكي عادا حيث تقول:

بعثت عادٌ لقيما *** وأبا سعد مريدا

وأبا جلهمة الخي- *** -ر فتى أنجى العُبودا(3)

قَيْلُ قم فانظر إليهم *** ثمّ دع عنك السمودا(4)

قال: صدقت.

(8)-- فأخبرني(5)عن قول الله عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(6)؟

قال: عسعس الليلُ: إذا أقبل سوادهُ(7).


1) في ظ2: بقول.

2) - هي أخت معاوية بن بكر، وكان بمكّة، وعليه نزل وفد عاد لّما قحطوا فقدموا مكّة ليستقوا لقومهم، وهي زوج لقيم بن هزال الذي كان في وفد عاد، وكان معه قيل بن عتر، وأبو سعد مرثد بن سعد بن عفير، وجلهمة بن الخيبري خال معاوية وهزيلة، انظر تاريخ الطبري 219/1 -- 226.

3) - العبود: قبيلة من عاد، انظر تاريخ الطبري 221/1. وفي إيضاح الوقف: (فتى الحي العنودا)، وهو تحريف.

4) - البيت في الجمهرة 265/2، والبحر 155/8. و(قيْل) هو قيل بن عتر.

5) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 252/10، ومجمع الزوائد 306/6، والأضداد لابن الأنباري: 33.

6) - سورة التكوير/17.

7) - هذا عكس ما روي عنه أن معناه (أدبر)، انظر: تنوير المقباس: 503، وتفسير الطبري 50/30، وتفسير القرطبي 238/19، وتفسير ابن كثير 360/8. وفي اللغات في القرآن: 51: (عسعس، يعني: أدبر، بلغة قريش).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول امرئ القيس(1)بن حُجر(2):

عسعس حتّى لو أشاء آذدنا *** كان لنا من ناره مقبس(3)

(أقول: لقد ورد السؤال في الدرّ المنثور للسيوطي 321/1، ط أفست إسلامية ولفظه: وأخرج عبد الرزاق، عن ابن عبّاس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ؟ قال: إقبال سواده، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول النابغة:

إلّ تضمنه من عسس *** كأنّما خدّما قالوا وما وعدوا

هكذا في المطبوع، وصواب البيت:

كأنّما جلّ ما قالوا وما وعدوا *** ألّ تضمنه من دامس عسس

وقد وهم السيوطي في هذا، وصحيح الشاهد ما ذكره الدارس من قول امرئ القيس، والذي ذكره السيوطي إنّما هو الشاهد الشعري الذي ذكره ابن عبّاس لتفسير قوله: (غسق) مع تحريف فيه، وقد ورد السؤال ولفظ البيت في معجم الطبراني الكبير 252/10:

كأنّما جلّ ما قالوا وما وعدوا *** آل تضمنه من دامس غسق

قال أبو خليفة: الأل: الشراب. الخرسان).

قال: صدقت.


1) في ظ2: بقول: امرئ القيس الكندي وهو يقول.

2) - البيت في ملحق ديوانه: 463 ع، الأضداد لابن الأنباري: 33. وعزي إليه في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد، وتفسير القرطبي 29/19. وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفرّاء 24/3، وتفسير الطبري 50/30، وتفسير ابن كثير 361/8، واللسان: (ع س س). قال الفرّاء: (وكانوا يرون أنّ هذا البيت مصنوع).

3) - قوله: (لو أشاء) كذا وقع في ظ1 وظ2 (في ظ1: أشاه إذاً، وهو تحريف)، وفي باقي المصادر: (يشاء). وقوله: (إذ دنا) هكذا في ظ2 حذفت همزة (إذ)، وفي باقي المصادر غير المعجم الكبير: (ادّنا)، قال الفرّاء: (يريد إذ دنا)، ثمّ يلقي همزة إذ ويدغم الذال في الدال). وفي المعجم الكبير: (لو يشاء كان لنا من صوته مقبس)، وهو مختل. وقوله: (لنا) هكذا هو في المعجم الكبير، وتفسير القرطبي، وفي باقي المصادر: (له).

(9)-- فأخبرني(1)عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ(2)، ما اتساقه(3)؟

قال: اجتماعه(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: قال: نعم(5)، أما سمعت [بقول](6)ابن صرمة الأنصاريّ(7)

وهما بلا نسبة في الكامل: 1145، والفاضل: 10، وسمط اللآلي: 102، وتفسير الطبري 76/30، 77، وتفسير القرطبي 277/19، وتفسير ابن كثير 380/8، والبرهان في علوم القرآن 293/1، والثاني بلا نسبة في مجاز القرآن 291/2، وإعراب القراءات السبع وعللها: 30.

، حيث يقول:

إنّ لنا قلائصاً نقانقا(8)*** مستوسقات لو يجدن سائقا

قال: صدقت.


1) المسألة والبيتان في المعجم الكبير 254/10، ومجمع الزوائد 308/6، والإتقان في علوم القرآن 122/1، وسؤالات نافع: 15، وإيضاح الوقف: 96 -- 97، والكامل: 1145. (والمسألة فيه قوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ سورة الانشقاق/17).

2) - سورة الانشقاق/18.

3) - (ما اتساقه) ليس في ظ2.

4) - تنوير المقباس: 506، وتفسير الطبري 77/30، وتفسير القرطبي 278/19، وتفسير ابن كثير 381/8. وفي اللغات في القرآن: 53: (اتسق القوم: إذا اجتمعوا، بلغة جرهم).

5) - (نعم) ليس في ظ2.

6) - زيادة من ظ2.

7) - عزي البيتان إليه في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد. وعزيا إلى أبي طالب في إيضاح الوقف، وإلى طرفة في الإتقان في علوم القرآن، وعنه ألحقا بديوانه: 18، وإليه نسبا في سؤالات نافع، ونسبا إلى العجاج في اللسان: (و س ق)، وعنه ألحقهما محقّق ديوانه -- ملحقات مستقلة 307/2.

8) - القلائص: جمع القلوص، الفتيّة من الإبل، والنقانق: الظلمان، جمع نِقنِق. ويروى (حقائق): جمع حِقة، وهي من الإبل التي بلغت أن يحمل عليها.

10 -- فأخبرني(1)عن قول الله عزّ وجلّ: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ(2)، ما الآني(3)؟

قال: الحارّ الذي قد اشتدّ حرّه(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة(5):

فإن يقبض عليك أبو قبيس *** تحط بك المنيّةُ في هوان(6)

وتخضب لحيةٌ غدرت وخانت *** بأحمر من نجيع الجوف آن

قال: صدقت.


1) المسألة والبيتان في المعجم الكبير 251/10، ومجمع الزوائد 306/6، وهي والبيت الثاني وحده في الإتقان في علوم القرآن 125/1، وسؤالات نافع: 23.

2) - سورة الرحمن/44.

3) - كأنّه في ظ2: ما آن.

4) - في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (الذي قد انتهى حرّه)، وفي الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع: (الذي انهى طبخه وحرّه). انظر: تنوير المقباس: 452، وتفسير الطبري 84/27، وتفسير القرطبي 175/17، وتفسير ابن كثير 475/7، والعبارة في هذه المصادر: (انتهى حرّه). وفي اللغات في القرآن: 52 في تفسير آنِيَةٍ (سورة الغاشية/5): (يعني: الحارّة؛ بلغة مدين).

5) - في ظ2: بقول النابغة وهو يقول. والبيتان في ديوان النابغة الذبياني: 149 (صنعة ابن السكيت) و113 (صنعة الأعلم)، والثاني في تفسير الطبري 84/27، وتفسير القرطبي 175/17، ومجاز القرآن 245/2.

6) - في ظ2: (إن... تحيط)، وهو خطأ، وفي ظ1: (فإن يقضي)، هو تحريف. وفي الديوان: فإن يقدر).

11- فأخبرني(1)عن قول الله تعالى عزّ وجلّ: قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ(2)؟

قال: [من](3)المخلوقين(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد بن ربيعة(5)حيث يقول(6):

إن تسألينا فيم نحن فإنّنا *** عصافير من هذا الأنام المسحّر(7)

قال: صدقت.

12- (8)فأخبرني(9)عن قول الله عزّ وجلّ: اللَّهُ أَحَدٌ _ اللَّهُ الصَّمَدُ(10)، قال: أمّا الأحد فقد عرفتُه، فما الصمد(11)

وقوله (قال... الصمد) ليس في ظ2. وفي المعجم الكبير ومجمع الزوائد: فقد عرفناه.

؟

1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 250/10، ومجمع الزوائد 305/6.

2) - سورة الشعراء/153، 185.

3) - زيادة من ظ2.

4) - تفسير الطبري 63/19، وتفسير القرطبي 130/13، وتفسير ابن كثير 166/6، ومجمع البيان 200/4. وفي تنوير المقباس: 312: (المجوفين، سوقة مثلنا، لست -- كذا والصواب: ليست -- بملك ولا بنبيّ).

5) - ديوانه: 56، وتخريجه فيه: 372. وهو في تفسير الطبري 63/19، وتفسير القرطبي 130/13، وتفسير ابن كثير 199/4. وسيأتي إنشاده في (الذيل) في المسألة/228.

6) - في ظ2 والمعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (بقول أُميّة بن أبي الصلت وهو يقول). وإلى أُميّة نسب في أمالي المرتضى 577/1، وليس البيت له، وهو للبيد، انظر ديوان أُميّة -- ما أنشد لأُميّة وليس له: 550، وتخريجه فيه/616 -- 617.

7) - قوله (إن) هكذا في ظ1 وظ2 بالخرم، وفي الديوان والمصادر السالفة: فإن.

8) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 255/10، ومجمع الزوائد 308/6.

9) - في ظ1: قال: فأخبرني.

10) - سورة الإخلاص: 1 -- 2.

11) - تفسير الطبري 222/30 -- 224، وتفسير القرطبي 245/20، وتفسير ابن كثير 547/8. وروي عنه أنّه الذي انتهى سؤدده في أنواع الشرف والسؤدد، وروي عنه أنّه الذي لا جوف له، انظر المصادر السالفة. وفي تنوير المقباس: 522: (السيّد الذي قد انتهى سؤدده واحتاج إليه الخلائق، ويقال: الذي لا يأكل ولا يشرب، ويقال: الذي ليس بأجوف...)

قال: الذي يُصمد إليه [في](1)الأمور كلّها.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: [نعم](2)، أما سمعت بقول الأسديَّة(3)

وعزي إلى أسدي في مجاز القرآن 316/2، ومجمع البيان 563/5، وهو سبرة بن عمرو الأسدي، كما في تهذيب الألفاظ: 270، وتهذيب إصلاح المنطق: 139، وسمط اللآلي: 932 -- 933.

وعزي إلى أوس بن حجر في (مسألة سبحان) لنفطويه. (مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق م64 ج3/361).

وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء 268/3، وإصلاح المنطق: 49، وأمالي القالي 288/2، وجمهرة النسب لابن الكلبي 259/1، وتفسير الطبري 224/30، وتفسير القرطبي 245/2.

حيث تقول(4):

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد(5)

(لقد جاء في كتاب النوادر لأبي مسحل الأعرابي 122/1 ما لفظه: وأنشد الأموي لبنت خالد بن نضلة(*)، ولقبه المهزول. والآخر خالد بن المضلل(**)، وهما الخالدان:

بعمرو بن مسعودٍ وبالسيّد الصمد *** -35- ألا بكر الناعي بخير بني أسد

أبو معقل لا حجر عنه ولا حدد *** فمن يك يعيا بالجواب فإنّه

وما كنت أخشى أن تزأزئه البلد *** أثاروا بصحراء الرُّسيس له الثرى

لا حجر: لا صرف.

أي تواريه. وقال: الصمد من الرجال الذي يصمد إليه(***)، ويغشى. قال: وأما الذي لا جوف له فهو الصمد، وهو الحجر، وجمعه صماد.

(*) هو خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن عقين الأسدي، وهو من أجداد مضرس بن ربعي الشاعر (انظر: الإصلاح: 446، والمزهر 187/2، والمخصص 229/13، والآمدي: 191، والمزرباني: 390).

(**) هو خالد بن قيس بن المضلل بن مالك الأصغر بن منقذ بن طريف بن قعين الأسدي. (انظر الإصلاح: 446، والمزهر 187/2، واللآلي: 933، والمخصص 229/13).

-35- ويروى: (بكر)، و(بخيري)، و(يعيا بالبيان)، و(لا حي عنه)، و(لا صدد). ويروى البيتان الثاني والثالث في اللآلي:

فلا تسألاني عن بيان فإنّه *** أبو معمر لا حيد عنه ولا صرد

أثاروا بصحراء الثوية قبره *** وما كنت أخشى أن يزازيه البلد

وأورد في 134/1 نوادر المخطوطات في رسالة أسماء المغتالين لابن حبيب:

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد

يشق بصحراء الجُبيل له الثرى *** وما كنت أخشى أن يزار به البلد

الخرسان).

وفي المخصص 253/13، وفي اللسان: (حيا) عن الفرّاء: فإنّ تسألوني بالبيان فإنّه. وفي البيان: (أن تناءى به البلد).

والأبيات تروى لهند بنت معبد بن نضلة الأسدية، وسبرة بن عمرو الأسدي أيضاً. وهي في رثاء عمرو بن مسعود، وأبي معقل خالد بن نضلة الأسديين، اللذين قتلهما المنذر بن ماء السماء جدّ النعمان بن المنذر، وكانا ينادمانه، فغضب عليهما مرّة وقتلهما، ثمّ ندم على ذلك، وبني عليهما الغريين. وانظر خبرهما وخبر الغريين في نوادر القالي: 192، والأغاني 88/19 -- 89، ومعجم ما استعجم والبلدان (الغريان)، وسيرة ابن هشام 572/1، واللسان: (خير)، وخزانة الأدب 509/4 -- 511، وفي بعض هذه المراجع أوهام؛ فلينظر.

والأبيات في البيان 180/1 (مع تفاوت يسير في الثاني، وكثير في الثالث إذ جاء فيه:

وما كنت أخشى إن تنآى به البلد *** أثاروا بصحراء الثوية قبره

الخرسان] واللآلي: 932 -- 933. والبيتان الأوّل والثاني في الألفاظ: 270. والبيت الأوّل في الإصلاح: 58، والسيرة 572/1، وأمالي القالي 288/2، ومعجم ما استعجم (الغريان)، والأغاني 88/19، والألفاظ: 563، واللسان: (صمد، خير)، وخزانة الأدب 509/4، والعيني 385/2. والبيت الثاني في المخصص 253/13، واللسان: (حيا).

(***) يصمد إليه: أي يقصد).


1) زيادة يقتضيها السياق، وهي في المعجم الكبير ومجمع الزوائد.

2) - زيادة من ظ2.

3) - البيت لأسدية في الأغالي (الأغاني صحّ/ الخرسان) 92/22، وهي هند بنت معبد بن نضلة الأسدية، كما في السيرة النبوية 221/2، ومعجم ما استعجم: 996.

4) - (حيث تقول) ليس في ظ2. وكان في ظ1: (حين) والوجه ما أثبت.

5) - ويروى (بخير بني) وكلاهما صواب. وفي تهذيب إصلاح المنطق: (الرواية الجيدة: بخير بني أسد، بغير تثنية لأنّ باب أفعل لا يثنى ولا يجمع).

قال: [صدقت](1).

13- (2)قال(3): فأخبرني [عن قول الله عزّ وجلّ](4): وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(5)؟

قال: هم أصحاب الشمال(6).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول زهير بن أبي سُلمى(7)حيث يقول(8):

ترك الشِّعب باليمين قريباً *** والمروراة مشأماً وحفيرا(9)

جعل السعد والقنان يمينا

والمروراة ... ...

وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (نزل الشيب)، وأغلب الظنّ أنّه محرّف. وفي ظ2 والمعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (والمروراة دانيا وحفيرا)، ولا شاهد فيه على هذه الرواية.

والشعب: ماء بين العقبة والقاع في طريق مكّة (معجم البلدان 347/3)، والمروراة: جبل لأشجع (معجم ما استعجم/1218)، وحفير: موضع بين مكّة والمدينة (معجم البلدان 276/2 -- 277).


1) زيادة من ظ2.

2) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 253/10، ومجمع الزوائد 307/6.

3) - قدمت هذه المسألة في ظ2 على المسألة/12.

4) - في ظ1. (فأخبرني بأصحاب المشأمة)، وفي ظ2: (فأخبرني عن أصحاب المشأمة)؛ فزدت ما بين حاصرتين ليكون على مثل سياق ما قبله.

5) - سورة الواقعة/9.

6) - تنوير المقباس: 453. وفي اللغات في القرآن: 46: (والمشأمة بمعنى الشمال بلغة كنانة).

7) - وكذا في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد، والصواب: (كعب بن زهير)، انظر: ديوان كعب: 181.

8) - في ظ2: وهو يقول. وكان في ظ1: (حين يقول)، والوجه ما أثبت.

9) - رواية الديوان:

قال: صدقت.

14- فأخبرني(1)

فلا شيء أعلى منك جدّاً وأمجد *** لك الحمد والنعماء والملك ربّنا

وزاد في سؤالات نافع بعده بيتين، هما:

مليك على عرش السماء مهيمن *** لعزته تعنو الوجوه وتسجد

عليه حجاب النور والنور حوله *** وأنهار نور حوله تتوقد

انظر: ديوان أُميّة: 367 -- 68، والأبيات من الشعر المتّهم عند محقّق الديوان.

عن قول الله عزّ وجلّ: تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا(2)؟

قال: ارتفعت عظمة ربّنا(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول(4)طرفة(5)بن العبد البكري وهو يقول للنعمان بن المنذر:

إلى ملك يضرب الدّارعي- *** -ن لم يَنقص الشيب منه قبالا


1) المسألة والبيتان في المعجم الكبير 254/10، ومجمع الزوائد 308/6، وهي في الإتقان في علوم القرآن 25/1، وسؤالات نافع: 2، والشاهد فيهما قول أُميّة بن أبي الصلت:

2) - سورة الجنّ/3.

3) - تنوير المقباس: 488، وفي تفسير الطبري 65/29، وتفسير ابن كثير 265/8: (فعله وأمره وقدرته). وفي تفسير القرطبي 8/19، ومجمع البيان 388/5: (قدرته).

4) - ليس في ظ2.

5) - ليسا في ديوانه. والثاني بلا نسبة في تفسير الطبري 66/29.

ترفع جَدُّك إنّي أمرؤٌ *** سقتني الأعادي إليكم سجالا(1)

15- فأخبرني(2)عن قوله: وَهُوَ مُلِيمٌ(3)؟

قال: وهو مذنب(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة(5)

(أقول: الموجود في المعجم الكبير: (بعيد عن الآفات...)، وكذا في مجمع الزوائد 279/9، وفي الديوان: 55 جمع بشير يموت (بريء من الآفات). الخرسان).

:

من الآفات لست لها بأهلٍ *** ولكن المسيء هو المليم

قال: صدقت.

16- فأخبرني(6)

قعودا لديه بالصريم عواذله *** غدوت عليه غدوة فوجدته

والاستشهاد به أولى كما هو ظاهر، وأحر بأن يكون ابن عبّاس قد استشهد به، فهو نص في معنى لفظة: (الصريم). وقوله: (غدوت عليه...)، يروى: (بكرت عليه).

عن قول الله عزّ وجلّ: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(7)؟

1) في ظ2: (الأعادي بكاس سجالا) وبعده: (يعني: بغرب)، وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (سجالاً سجالا)، وفي تفسير الطبري: (سقتني إليك الأعادي).

2) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 250/10، ومجمع الزوائد 305/6، وإيضاح الوقف: 97، والإتقان في علوم القرآن 124/1، وسؤالات نافع: 20.

3) - سورة الصافات/142، وسورة الذاريات/40.

4) - في تنوير المقباس: 379: يلوم نفسه بما فرّ من قومه.

5) - ابن أبي الصلت، ديوانه: 480.

6) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 251/10، ومجمع الزوائد 306/6، وهي في الإتقان في علوم القرآن 126/1، وسؤالات نافع: 26، 27 والشاهد فيها قول زهير: [ديوانه: 140 (الدار)/112)، قباوة، والأضداد: 85].

7) - سورة القلم/20.

قال: كالليل المظلم(1).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة(2)وهو يقول:

لا تزجروا مكفهراً لا كفاء له *** كالليل يخلط أصراماً بأصرام

قال: صدقت.

17- فأخبرني(3)

ولاقت حمير منّا أثاما *** وروينا الأسنة من صداء

وليس في ديوانه.

عن قول الله عزّ وجلّ: يَلْقَ أَثَاماً(4)؟

قال: هو الجزاء(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول(6)بشر بن أبي خازم(7)وهو يقول:

إنّ مقامنا ندعو عليهم *** بأبطح ذي المجاز له أثام


1) تنوير المقباس: 481، وتفسير الطبري 20/29، وتفسير القرطبي 241/18، وتفسير ابن كثير 222/8. وقوله (المظلم) ليس في ظ2.

2) - ديوانه: 221 (صنعة ابن السكيت)، 83 (صنعة الأعلم)، ويروى: (أو تزجروا).

3) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 255/10، ومجمع الزوائد 309/6. وهي في إيضاح الوقف: 94، والشاهد فيه قول عامر بن الطفيل:

4) - سورة الفرقان/68.

5) - في ظ2: قال: جزاء، وفي تنوير المقباس: 305: (واديا في النار، ويقال: جبّاً).

6) - في ظ2: بقول.

7) - ديوانه: 206، وفيه: (ندعو عليكم)، وقوله: (إن) كذا هو في ظ1 وظ2 بالخرم، وفي الديوان، والمعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (وإن). والبيت في تفسير القرطبي 76/13، ومجمع البيان 178/4، وفيهما: (وكان مقامنا).

يقول: جزاءٌ.

18- (1)قال(2): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(3)؟

قال: هي الحرب(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أبي ذؤيب الهذلي(5)حيث يقول:

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها *** وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا

19- قال(6): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَهُوَ كَظِيمٌ(7)؟

قال: وهو ساكت(8).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟


1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 249/10، ومجمع الزوائد 304/6، والكامل: 1147.

2) - في ظ2: (قال صدقت فأخبرني).

3) - سورة القيامة/29.

4) - في تنوير المقباس: 494، وتفسير الطبري 122/29، وتفسير القرطبي 112/19، وتفسير ابن كثير 307/8، ومجمع البيان 401/5: (الشدّة بالشدّة). وفي اللغات في القرآن: 50: (يعني: الشدّة بالشدّة، بلغة قريش).

5) - وكذا في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد، وليس البيت له، وقد وقع البيت في قصيدة لحذيفة ابن أنس الهذلي. انظر: شرح أشعار الهذليين: 557، ووقع أيضاً في قصيدة لحاتم الطائي، انظر ديوانه: 256 (وشعراء النصرانية ق1/108. الخرسان). وهو بلا نسبة في الكامل: 1147، وتفسير القرطبي 248/18.

6) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 255/10، ومجمع الزوائد 309/6، وإيضاح الوقف: 87.

7) - سورة النحل/58، وسورة الزخرف/17.

8) - في إيضاح الوقف: (المغموم)، وفي تنوير المقباس: 226: (مكروب يتردّد الغم في جوفه)، وفي تفسير الطبري 14، 84، وتفسير القرطبي 116/10: (حزين).

قال: نعم، أما سمعت قول زهير(1)بن جذيمة العبسي(2):

فإن أك كاظماً لمصاب شأس *** فإنّي اليوم منطلق لساني

20 -- قال(3): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً(4)؟

قال: الحَرَض: البالي(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة(6)حيث يقول:

أمن ذكر ليلى أن نأت غربة النوى *** كأنّك حمٌّ للأطباء مُحرض(7)

ولم أجده في ديوان طرفة بهذه الرواية أيضاً.


1) في إيضاح الوقف (قيس بن زهير). ولقيس أبيات على قري هذا البيت، انظر: سمط اللآلي: 305، وعيون الأخبار 88/3، والبيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 249/9.

2) - في ظ2: زهير بن جذيمة وهو يقول.

3) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 254/10، ومجمع الزوائد 308/6، وإيضاح الوقف: 87، وسؤالات نافع: 40. وليست المسألة في ظ2.

4) - سورة يوسف/85.

5) - تفسير الطبري 29/13، وفي تنوير المقباس: 202، وتفسير القرطبي 250/9، ومجمع البيان 258/3: (دنفا). وفي سؤالات نافع: (المدنف: الهالك من شدّة الوجع)، وفي الإتقان في علوم القرآن: (الدنف: الهالك من شدّة الوجع)، وفي إيضاح الوقف: (الفاسد الدنف).

6) - هو له في إيضاح الوقف، والمعجم الكبير، ومجمع الزوائد، وسؤالات نافع. وهو بلا نسبة في الإتقان في علوم القرآن، واللسان: (ح ر ض)، وعجزه بلا نسبة في مجاز القرآن 316/1. وليس في ديوانه.

7) - الرواية في المصادر: (نأت غربة بها)، وفي اللسان: (...سلمى فرية أن نأت بها)؟ وعجزه في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: أعد حريضاً للكرام محرم

21- قال(1): قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(2)؟

قال: اختلط ماؤها بماء الأرض(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول زهير(4)

(أقول: لقد ورد البيت الأوّل في المعجم الكبير 253/1، ومجمع الزوائد 307/6، وج9/281:

وكعب حالها وابنا ضرار *** لقد عرفت ربيعة في جذام

فراجع. الخرسان).

:

وكعب خالها وابنا ضرار *** لقد عرفت ربيعة جدّ أُمّي

لقد نازعتهم حسباً كريما *** وقد سجرت بحارهم بحاري

22- قال(5)

يقولون لا تهلك أسى وتجمّل *** وقوفاً بها صحبي علي مطيّهم

وفي اللغات في القرآن: 23 في الكلام على آية سورة المائدة: (لا تحزن على القوم، بلغة قريش).

وفي ص28 منه أنّها لغة كنانة.

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا

1) المسألة والبيتان في المعجم الكبير 253/10، ومجمع الزوائد 306/6.

2) - سورة التكوير/6.

3) - في تنوير المقباس: 503: (فتحت بعضها في بعض المالح في العذب فصارت بحراً واحداً. ويقال: صيرت ناراً)، وفي تفسير الطبري 43/30، وتفسير ابن كثير 354/8: (يرسل الله عليها الدبور فتسعرها وتصير ناراً تتأجج). وفي اللغات في القرآن: 51: (يعني: جمعت، بلغة خثعم).

4) - ليسا في ديوانه.

5) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 250/10، ومجمع الزوائد 350/6. وفي سؤالات نافع: 26، والإتقان في علوم القرآن 126/1: أنّه سأل عن قوله تعالى: فَلاَ تَأْسَ (سورة المائدة/26، 68)، واستشهد بقول امرئ القيس: [ديوانه: 9]

فَاتَكُمْ(1)؟ قال: يقول: [لكي](2)لا تحزنوا(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد(4)بن ربيعة حيث يقول(5):

قليل الأسى فيما أتى الدهر دونه *** كريم النثا حُلو الشمائل مُعجبٍ(6)

على طيب الأردان غير مسبب *** فمهما نغض منه فإنّ ضمانه

جميل الأسى ... *** ....................

وفي ظ1 وظ2: (معجب)، وهو خطأ.

23- قال(7)

بنبأة الصوت ما في سمعه كذبُ *** وقد توجس ركزا مقفر ندس

وفيها تفسير الركز بالحسّ.

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً(8)؟

1) سورة الحديد/23.

2) - زدتها لموافقة لفظ الآية، وهي في المعجم الكبير.

3) - تنوير المقباس: 459، وتفسير الطبري 135/7 -- 136، وتفسير القرطبي 258/17. وفي ظ2، قال: تحزنوا.

4) - ديوانه: 7، وسم اللآلي: 819.

5) - في ظ2: وهو يقول.

6) - في المعجم الكبير والديوان: (كريم الثنا)، وهو تصحيف. والرواية في الديوان، والسمط: (جميل الأسى)، وضبط في الديوان: (قليلُ الأسى) وما بعده بالرفع، وهو خطأ، صوابه بالجرّ، وهو على الصواب في سمط اللآلي، وقبل البيت:

7) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 255/10، ومجمع الزوائد 309/6، وهي في الإتقان في علوم القرآن 131/1، وسؤالات نافع: 46 والشاهد فيهما قول ذي الرمة [ديوانه: 89]:

8) - سورة مريم/98.

قال: صوتاً(1).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول خداش(2)بن زُهير(3):

إذا سمعتم بخيلٍ هابط سرفاً *** أو بطن مرٍّ فأخفوا الركز واكتتموا(4)

24- قال(5): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ(6)؟

قال: أن لن يرجع(7).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد(8)بن ربيعة(9):

وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه *** يحور رماداً بعد إذ هو ساطعُ


1) تنوير المقباس: 260، وتفسير الطبري 102/16، وتفسير القرطبي 162/11، وتفسير ابن كثير 265/5، ومجمع البيان 533/3. وفي اللغات في القرآن: 34: (يعني: صوتاً، بلغة قريش).

2) - شعره: 94.

3) - بعده في ظ2: وهو يقول.

4) - في ظ2 والمصادر: (فإن سمعتم)، وكان في ظ1 وظ2: (هابطي)، وهو خطأ.

5) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 252/10، ومجمع الزوائد 306/6، والإتقان في علوم القرآن 132/1، وسؤالات نافع: 19.

6) - سورة الانشقاق/14.

7) - تنوير المقباس: 506، وتفسير القرطبي 273/19، وتفسير ابن كثير 379/8. وفي تفسير الطبري 76/30: (يبعث). وفي تنوير المقباس: (لن يرجع إلى ربّه في الآخرة، وهو بلسان الحبشة). وفي الإتقان في علوم القرآن: (أن لن يرجع، بلغة الحبشة).

8) - ديوانه: 169 وتخريجه فيه. وهو في تفسير القرطبي 273/19.

9) - بعده في ظ2: وهو يقول.

25- قال(1)

حتّى إذا جنح الإظلام والغسق *** ظلت تجوب يداها وهي لاهية

وليس في ديوان زهير، وهو بلا نسبة في شرح القصائد السبع: 559.

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(2)؟

قال: إذا أظلم(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة(4)وهو يقول:

كأنّما جُل ما قالوا(5)وما وعَدُوا *** آلٌ تضَمَّنه من دامسٍ غسقُ

26- قال(6): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ(7)؟

قال: كفيل(8).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟


1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 252/10، ومجمع الزوائد 306/6. وهي في إيضاح الوقف: 89، والإتقان في علوم القرآن/132، والشاهد فيهما قول زهير:

2) - سورة الإسراء/78.

3) - في تنوير المقباس: 240: (بعد دخول الليل)، وفي تفسير الطبري 93/15: (بدو الليل).

4) - لم أجد البيت في ديواني النابغتين: الذبياني، والجعدي.

5) - كان في ظ1 وظ2: (وكأن ما قالوا)، فأصلحته من المعجم الكبير، ومجمع الزوائد.

6) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 252/10، ومجمع الزوائد 307/6. وهي في إيضاح الوقف: 86، والشاهد فيه قول فروة بن مسيك: المرادي:

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس(1)حيث يقول(2):

وإنّي زعيم إن رجعت مملكاً *** بسير ترى منه الفُرانِق أزورا(3)

|

27- قال(4): فأخبرني عن [قول الله عزّ وجلّ] (5): وَالأَزْلاَمُ(6)؟

قال: هي القداح(7).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول الحطيئة(8)حيث يقول(9):

لا يزجر الطير إن مرّت به سُنُحاً *** ولا يفاض له قدحٌ بأزلام(10)

(هذا البيت من قصيدة للحطيئة يمدح بها أبا موسى الأشعري، وكان قد كتب الحطيئة لأن يكتب فيمن يغزو العراق معه، فامتنع، ثمّ أتاه بعد أن فرغ ليكتبه، فقال له أبو موسى: إنّ العدّة قد تمت، فقال القصيدة خمسة عشر بيتاً وهي في ديوانه بشرح السكري: 36 و57، ط دار الخلافة العلية سنة1308ه-/الخرسان).


1) ديوانه: 66، وتفسير القرطبي 231/9.

2) - في ظ2: بقول امرئ القيس وهو يقول.

3) - في ظ1: (فإنّي... رجعت مسلما). وفي ظ2: (إنّي) بالخرم.

4) - المسألة والبيت في المعجم الكبير 253/10، ومجمع الزوائد 307/6. وفي سؤالات نافع: 61 المسألة عن قوله تعالى: وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ (سورة المائدة/3). انظر الكلام عليها في تنوير المقباس: 88، وتفسير الطبري 50/6، وتفسير ابن كثير 21/3، ومجمع البيان 158/2.

5) - زيادة من ظ2، وفيها: (الأزلام) بلا الواو، وفي ظ1: أخبرني عن الأزلام.

6) - سورة المائدة/90.

7) - تنوير المقباس: 100، وتفسير الطبري 21/7، وتفسير ابن كثير 170/3. وفي سؤالات نافع: (قال: الأزلام: القداح. كانوا يستقسمون الأمور بها، مكتوب على أحدهما: (أمرني ربّي)، وعلى الآخر: (نهاني ربّي)؛ وإذا أرادوا الحرب أتوا بيت أصنامهم ثمّ غطوا القداح فأيّهما خرج عملوا به).

8) - ديوانه: 227.

9) - في ظ2: وهو يقول.

10) - رواية الديوان: ولا يفيض على قسم بأزلام. وفيه رواية أُخرى، وهي: ولا يفاض له قسم بأزلام.

28- قال(1)

لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا *** هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ(2)؟

قال: الطرائق(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير(4)

وسيأتي البيت في الذيل في المسألة/225.

بن أبي سلمى(5):

مكلل بأُصول الجم تنسجه *** ريح الشمال لضاحي مائه حُبك


1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 253/10، ومجمع الزوائد 307/6. وهي في الإتقان في علوم القرآن 129/1، وسؤالات نافع: 39 -- 40، والشاهد فيهما قول زهير [ديوانه: 159 (الدار) 123 (قباوة)]:

2) - سورة الذاريات/7.

3) - في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: (ذات الطرائق والخلق الحسن)، وفي تفسير القرطبي 31/17: (ذات الخلق الحسن المستوي)، ونحوه في تفسير الطبري 118/26، وتفسير ابن كثير 391/7، ومجمع البيان 153/5. وفي تنوير المقباس: 441: (ذات الحسن والجمال والاستواء والطرق...)، وفي الإتقان في علوم القرآن 134/1 عنه: (الحبك: الطرائق، بلغة جرهم)، وعنه في ملحق اللغات في القرآن: 59.

4) - ديوانه: 176 (الدار) 14 (قباوة)، وروايته: ريح خريق لضاحي

5) - بعده في ظ2: وهو يقول.

29- قال(1)

ومنّا الذي لاقى بسيف محمّد *** فحس به الأعداء عرض العساكر

واستشهد في سؤالات نافع بهذا البيت، ويقول أوس بن حجر:

فما غضبوا أنا نحسّ عليهم *** ولكن رأوا نارا تحصّ وتسفعُ

ورواية ديوان أوس: 57:

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ(2)؟

قال: إذ تقتلونهم بإذنه(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عتيبة(5) الليثي(6):

نحسهم بالبيض حتّى كأنّما *** نفلق منهم بالجماجم حنظلا

30 -- قال(7): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(8)؟


1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 256/10، ومجمع الزوائد 309/6. وهي في الإتقان في علوم القرآن 124/1، وسؤالات نافع: 20، والشاهد في الإتقان في علوم القرآن، قول الشاعر:

قال: قادراً(1).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم.أما سمعت بقول النابغة(2)

وإلى أبي قيس عزي في حاشية الجمهرة 26/2، وهو في أبيات له مضمومة الروي في طبقات فحول الشعراء: 289، وروايته: (...مقيت). وعزي في تهذيب إصلاح المنطق: 601 إلى ثعلبة ابن محيصة الأوسي الأنصاري. وذكر صاحب التاج (ق و ت) نسبته إلى هؤلاء الثلاثة: الزبير، وأبي قيس، وثعلبة. ونبّه أبو محمّد الأسود الغندجاني فيما نقله صاحب التاج عن هامش نسخة الصحاح بخط ياقوت، والصغاني في التكملة (ق و ت) أنّ البيت لثعلبة، وأنّ الرواية: (على مساءته أقيتُ)، والروي: مضموم، وأنشد الغندجاني القصيدة، وأنشد الصغاني أبياتاً منها. وذكر الصغاني أنّه ينسب إلى رفاعة الأوسي الأنصاري، وإليه ينسب في الحماسة الشجرية 91/1، وأنشد ابن الشجري سبعة أبيات مضمومة الروي. والبيت بلا نسبة في إصلاح المنطق: 276، والمخصّص 91/2، وتفسير غريب القرآن: 132.

حيث يقول(3):

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكُنتُ على مساءته مُقيتا(4)

وإنّي في مساءته مقيتُ، وكذا هو في الحماسة الشجرية 91/1.


1) في سؤالات نافع: (قادراً مقتدراً)، وفي تنوير المقباس: 71: (مقتدراً مجازياً)، وفي تفسير الطبري 18/5: (حفيظاً)، وفي اللغات في القرآن: 22: (يعني: قديراً، بلغة مذحج).

2) - كذا في ظ1 وظ2، والمعجم الكبير، وليس في ديواني النابغتين: الذبياني، والجعدي، وفي مجمع الزوائد: (بقول امرئ القيس)، وليس في ديوانه. وفي إيضاح الوقف والإتقان في علوم القرآن: (بقول أحيحة بن الجلاح)، وفي سؤالات نافع: (أما سمعت الزبير بن عبد المطّلب)، وإلى الزبير نسب البيت في تفسير الطبري 119/5، وتفسير القرطبي 296/5، ومجمع البيان 84/2. وفي التنبيّه والإيضاح لابن بري (ق و ت)، وعنه في اللسان: (ق و ت) للزبير، وقيل: لأبي قيس بن رفاعة الأنصاري.

3) - في ظ2: أما سمعت قول النابغة وهو يقول.

4) - عجزه في المعجم الكبير، ومجمع الزوائد:

31- قال(1): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بِرَبِّ الْفَلَقِ(2)؟

قال: هو الصبح(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد(4)بن ربيعة وهو يقول(5):

الفارج الهم مسدولاً عساكره *** كما يفرج غمَّ الظلمة الفلق(6)

32- قال(7): فهل كانت العرب تعرف طلاقاً في الجاهلية؟

قال: نعم. طلاقاً ثلاثاً بتاتاً(8). أما سمعت(9)

وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا النبيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء (سورة الطلاق/1) هل كان الطلاق يعرف في الجاهية؟ قال: نعم...).

وفي سؤالات نافع: (يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ (سورة البقرة/229)؟ هل كانت العرب تعرف الطلاق ثلاثاً في الجاهلية؟ قال: نعم، تعرفه ثلاثاً باتا، ويحك يا بن أُمّ الأزرق، أما سمعت قول الأعشى...).

بقول

1) المسألة والبيت في المعجم الكبير 250/10، ومجمع الزوائد 305/6، والإتقان في علوم القرآن 25/1، وسؤالات نافع: 24.

2) - سورة الفلق/1.

3) - تنوير المقباس: 522، وتفسير الطبري 26/10، وتفسير ابن كثير 554/8. وروي: (الخلق)، انظر المصادر السالفة، وتفسير القرطبي 254/20، وروي: (سجن في جهنم)، انظر: تفسير القرطبي.

4) - ليس في ديوانه. وعزي في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع إلى زهير بن أبي سلمى، وليس في ديوانه. وهو بلا نسبة في أساس البلاغة (ف ر ج).

5) - في ظ2: أما سمعت قول لبيد: الفارج...

6) - في سؤالات نافع: مبذول، وهو خطأ، وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (مبذولاً)، وهو تحريف. وفي ظ2: (يفرج عن ذي الظلمة)، وفي المعجم الكبير، ومجمع الزوائد: (ضوءَ الظلمة)، وفي الإتقان في علوم القرآن، وأساس البلاغة: (يا فارج الهم).

7) - المسألة والأبيات في المعجم الكبير 256/10، ومجمع الزوائد 309/6، وسؤالات نافع: 7.

8) - في ظ2: بتاً.

9) - عبارة ظ2: (فأخبرني هل كان في الجاهلية طلاق يعرف؟ قال: نعم، طلاقاً ثلاثاً بتاً. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم...).

أعشى(1)بني قيس [بن ثعلبة](2)حين أخذه أختانه من عنزة، فقالوا [له](3): إنّك قد أضررت بصاحبتنا وإنّا نقسم بالله لا نرفع عنك العصا حتّى تطلّقها. فلمّا(4)رأى الجدّ منهم وعلم أنّهم فاعلون به شرّاً، قال:

أيا جارتا بيني فإنّك طالقه *** كذاك أمور الناس غاد وطارقه

فقالوا: والله لتثنين لها الطلاق، أو لا نرفع عنك العصا، فقال:

وبيني حصان الفرج غير ذميمةٍ *** ومو موقة فينا كما أنت وامقه(5)

ومو موقة فينا كذاك ووامقة

فقالوا: والله لثلثن لها الطلاق، أو لا رفع عنك العصا، فقال:

وبيني فإنّ البين خير من العصا *** وأن لا تزال فوق رأسك بارقه(6)


1) انظر ديوان الأعشى: 299. والأبيات وخبرها في المحبر: 309 -- 310، والأغاني 121/9.

2) - زيادة من ظ2.

3) - زيادة من ظ2.

4) - في ظ2: لا نرفع العصا عنك حتّى تطلقها. قال: فلما...

5) - لم يرد هذا البيت في مجمع الزوائد. وهو في الديوان، والمحبّر، وسؤالات نافع، مقدّم على البيت التالي: (وبيني فإنّ البين). وفي الأغاني أخر الأوّل: (أيا جارتا)، فجعل بعد قوله: (وبيني حصان)، و(بيني فإنّ البين). وفي الديوان، والأغاني، والمحبّر، وسؤالات نافع:

6) - في الأغاني: وإلا تريْ لي فوق رأسك بارقه

فأبانها بثلاث تطليقات(1)

وأن لا تري لي فوق رأسك بارقه).

.

قال عثمان بن عبد الرحمن: وحدّثني عبيد الله بن العبّاس، قال: وزاد فيه محمّد بن السائب الكلبي:

33- (2)قال(3): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً(4)؟

قال: أمّا المكاء فالتصفيق، وأمّا التصدية فالصفير(5)

وفي سؤالات نافع: (المكاء: القنبرة، والتصدية: صوت العصافير، وهو التصفيق. وذلك أنّ رسول الله7 كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكّة كان يصلّي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فيصيح أحدهما كما يصيح المكاء والآخر يصفق بيديه كتصدية العصافير ليفسد عليه صلاته).

.

1) بعده في ظ1: (الصواب:

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 53.

3) - في ظ2: قال عثمان بن عبد الرحمن: وزادني عبيد الله بن العبّاس عن الكلبي أنّه قال...). وعثمان بن عبد الرحمن الحرّاني سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق 7). وعبيد الله بن العبّاس لم أصب له ترجمة، انظر ما علقناه على سند المسائل (التعليق 8). ومحمّد بن السائب الكلبي هو أبو النضر العلاّمة المفسّر النسابة (ت146ه-) كان متروك الحديث. وروى عن أبي صالح باذام مولى أُمّ هانيء (ت120ه-) عن ابن عبّاس. وقيل: لم ير أبو صالح ابن عبّاس ولا سمع منه شيئاً، قيل: كذّاب: وقيل: ضعيف، وقيل: لا بأس به. قال سفيان الثوري: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: انظر كلّ شيء رويت عنّي عن ابن عبّاس فلا تروه. انظر ترجمة الكلبي ومصادرها في سير أعلام النبلاء 248/6 -- 249، وترجمة أبي صالح فيه 37/5، وانظر ميزان الاعتدال 296/1 (ترجمة أبي صالح)، و3/556 (ترجمة الكلبي).

4) - سورة الأنفال/35.

5) - هذا عكس ما روي عنه من أن المكاء التصفير، والتصدية التصفيق، انظر تنوير المقباس: 148، وتفسير الطبري 157/9، وتفسير ابن كثير 593/3. وهذا بلغة قريش، كما في اللغات في القرآن: 26.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حسّان(1)

صلاتهم التصدي والمكاء

بن ثابت(2)

(لقد ورد السؤال في الدرّ المنثور 183/3، وورد الشاهد فيه قول حسّان بن ثابت:

وهمتك التصدي والمكاء *** نقوم إلى الصلاة إذا دعينا

وهذا ليس في الديوان بشرح البرقوقي

وقد جاء في: تهذيب اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس، في مكا وصفر، وأنشد أبو الهيثم لحسّان:

صلاتهم التصدي والمكاء... الخرسان).

:

إذا قام الملائكة آتَّبعتم *** صلاتكم التصفق والمُكَاءُ

34- قال(3): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً(4)ما الحسوم؟

قال: الدائمة(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أُميّة بن أبي الصلت(6):


1) ليس في ديوانه. وعجزه له في اللسان: (م ك و) وروايته:

2) - في ظ2: أما سمعت بقول حسّان بن ثابت وهو يقول.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 43.

4) - سورة الحاقة/7.

5) - في سؤالات نافع: دائمة شديدة محسومة بالبلاء. وفي تنوير المقباس: 483: (دائماً متتابعاً). وفي تفسير القرطبي 259/18: (متتابعة لا تفتر). وفي مجمع البيان 244/5: (ولاء متتابعة ليس لها فترة). وفي تفسير الطبري 32/29، وتفسير ابن كثير 236/8: (متتابعات).

6) - ديوانه: 470. وفي ظ2: أُميّة بن أبي الصلت وهو يقول.

وكم كنّا بها من فرط عامٍ *** وهذا الدهر مقتبل حُسُوم

35- (1)

ولا جوعة إن عفتها بغرامِ *** وما أكلة إن نلتها بغنيمة

قال(2): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً(3)؟

قال: بلاء(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول بشر بن أبي خازم(5)

وكذا في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع، ومجاز القرآن 80/2، ومجمع البيان 178/4.

[وهو](6)يقول:

ويوم الجفار ويوم النسا *** رِ كانا عذاباً وكانا غراما

36- قال(7): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ _ وَمَا هُوَ


1) المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 130/1، وسؤالات نافع: 44، وهي في إيضاح الوقف: 94 والشاهد فيه قول عبد الله بن عجلان:

2) - في ظ2: قال: صدقت فأخبرني.

3) - سورة الفرقان/65.

4) - في ظ1: البلاء. وفي تنوير المقباس: 305: (لازماً مولعاً ملحاً). وفي سؤالات نافع: (عذاب جهنم بلاء ملازم شديد كلزوم الغريم للغريم). وفي الإتقان في علوم القرآن: (ملازماً شديداً كلزوم الغريم للغريم). وفي إيضاح الوقف: (الغرام: المولع). وفي الإتقان في علوم القرآن 124/1: (أنّ الغرام البلاء، بلغة حمير)، وعنه في ملحق اللغات في القرآن: 58.

5) - ديوانه: 190، وفيه: ويوم النسار ويوم الجفار

6) - زيادة من ظ2. (وأخرج ياقوت في معجم البلدان 285/8 بيت الشاهد، كما في الديوان، وفي لسان العرب 332/15 نسبه للطرماح، والصحيح أنّه لبشر من قصيدة له يفتخر فيها، وردت في مختارات أشعار العرب: 69. الخرسان).

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 44.

بِالْهَزْلِ(1)، ما الهزل(2)؟ قال: اللعب(3).

قال: وهل(4)كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول سويد بن الصامت(5)

(أقول: ما دامت المسألة والبيت في سؤالات نافع كما تقدّم وفيها ذكر بيت الشاهد من قيس بن رفاعة، فكيف أدلى الدكتور الدالي في المتن بقول سويد بن الصامت؟! الخرسان).

:

وما أدري وما كانت حديثاً *** أهزل ذاكم أم قول جِدِّ(6)

37- قال(7): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا(8)، ما الحنان؟

قال: الرحمة(9).


1) سورة الطارق/13 -- 14.

2) - (ما الهزل) ليس في ظ2.

3) - في سؤالات نافع: (القرآن ليس بالباطل واللعب). وفي تنوير المقباس: 508، وتفسير الطبري 96/3: (بالباطل).

4) - في ظ2: فهل. وكذا فيما يأتي من المسائل.

5) - في سؤالات نافع: (قيس بن رفاعة).

6) - صدره في سؤالات نافع: وما أدري وسوف أخال أدري

7) - المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 121/1، وسؤالات نافع: 10.

8) - سورة مريم/13.

9) - تنوير المقباس: 254، وتفسير الطبري 43/16، وتفسير ابن كثير 211/5، ومجمع البيان 506/3. وروي عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: (لا والله ما أدري ما حناناً)، انظر: تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول طرفة بن العبد(1)

(هذا البيت من قصيدة يخاطب بها عمرو بن هند وللعبدي الذي أتاه بالكتاب، وهو في السجن، وكان العبدي حين سجنه للقتل بعث إليه بجارية يقال لها خولة، فأبى أن يقبلها، ولم يروها الشنتمري، وقال أبو عمرو: وكان المفضل ينكرها، ولم يثبتها الأصمعي، ورواها أبو عبيدة: وأوّلها:

فقد نزلت صماء محكمة العضّ *** ألا اعتزليني اليوم يا خول أو غضي

وهي في ديوانه: 25، ط بيروت سنة 1886 جمع الشنقيطي، وفي شعراء النصرانية 318/1، وفي أمالي المرتضى 131/1، وكامل المبرّد 146/2، وفتح القدير للشوكاني في تفسير الآية ورد الشاهد، وفي رجال المعلقات العشر للغلاييني: 120 ذكر حديثها. الخرسان).

وهو يقول للنعمان بن المنذر:

أبا مُنذرٍ أفنيت فاستبق بعضنا *** حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض

38- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ(2)، ما المسغبة(3)؟

قال: المجاعة(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟


1) ديوانه: 172، وتفسير الطبري 43/16، وتفسير القرطبي 87/11، وتفسير ابن كثير 211/5، ومجمع البيان 506/3.

2) - سورة البلد/14.

3) - (ما المسغبة) ليس في ظ2.

4) - تنوير المقباس: 511، وتفسير الطبري 130/30، وتفسير ابن كثير 430/8، ومجمع البيان 495/5. وفي اللغات في القرآن: 52: (يعني: ذي مجاعة، بلغة هذيل).

قال: نعم، أما سمعت بقول ذي الأصبع(1)العدواني(2):

ولا تقوت عيالي يوم مسغبةٍ *** ولا بنفسك في الضرّاء تكفيني

39- قال(3): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(4)، ما الكنود؟

قال: الكفور(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أبي زبيد(6) الطائي(7):


1) البيت من مفضليته، المفضليات: 160 وروايته: في العزّاء تكفيني.

2) - بعده في ظ1 ما نصه: (قال أبو الحسن: وإنّما سمّي ذو الأصبع بإصبع له كانت طويلة). والذي وجدته أنّه سمّي بذلك لأنّه كانت في رجله إصبع زائدة، ويقال: لأنّ أفعى نهشت إصبعه (إبهام رجله) فقطعها، انظر الشعر والشعراء: 708، وألقاب الشعراء، لابن حبيب (نوادر المخطوطات 307/2)، وخزانة الأدب 408/2.

3) - المسألة في الإتقان في علوم القرآن 127/1، وسؤالات نافع: 28، والبيت الشاهد فيهما قول الشاعر:

إن تفُتني فلن(1)أطب عنك نفساً *** غير أنّي أُمنى بدهر كنود

40 -- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(2)، [ما أزري](3)؟

قال: ظهري(4).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أبي طالب(5)وهو يقول:

أليس أبونا هاشم شد أزرَه *** وأوصى بنيه بالطعان وبالضَّربِ

41- قال(6): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَتْماً مَّقْضِيّاً(7)، ما الحتم؟

قال: الواجب(8).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟


1) إن صحّت روايته، كان من شواهد الجزم ب- (لن) في الضرورة، انظر: المغني: 375، والهمع 97/4. وفي شعر أبي زبيد (فلم)، وفيه دخول فاء الجزاء على (لم)، والذي نصّوا عليه أنّها لا تدخله، انظر: الهمع 327/4.

2) - سورة طه/31.

3) - زيادة من ظ2.

4) - تنوير المقباس: 261، وتفسير الطبري 121/16.

5) - البيت في السيرة النبوية 379/1 من كلمة طويلة له، وهو في تفسير القرطبي 193/11.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 43، وإيضاح الوقف: 97.

7) - سورة مريم/71.

8) - في تنوير المقباس: 258: (قضاء كائناً واجباً أن يكون).

قال: نعم، أما سمعت بقول أُميّة بن أبي الصلت(1)حيث يقول(2):

عبادك يخطئون وأنت ربٌّ *** بكفيك المنايا والحُتُومُ

42- قال(3)

لم جرحاً ولا نبالي السهاما *** لا نقيهم حدّ السلاح ولا نأ

وفي ديوان الأعشى: 285: (لا نقيها... ولا نألم جوعاً)، وجوعاً تحريف.

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ(4)، [ما الألم](5)؟

قال: الوجع(6).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أبي جلدة اليشكري(7):

ألِمُو القتل حين دارت رحاهم *** ورحانا على مجاري(8)الدماءِ


1) ديوانه: 481.

2) - في ظ2: (بقول أُميّة: عبادك...).

3) - المسألة في إيضاح الوقف: 80، والشاهد فيه قول الأعشى:

4) - سورة النساء/104.

5) - زيادة من ظ2.

6) - في ظ1: الألم: الوجع. وفي تنوير المقباس: 79: (تتوجعون بالجراحة). وفي تفسير الطبري 168/5: (توجعون).

7) - في ظ2: (أبي جلدة اليشكري وهو يقول). وفي ظ1: (أبي جلدة الحار بن أبي جلدة اليشكري). ولا أعرف أحداً ذكر اسمه، وقد ذكروه بكيته، انظر الأغاني 310/11، والشعر والشعراء: 733، والمؤتلف والمختلف 78 -- 79. وذكر صاحب الأغاني اسم أبيه وهو (عبيد) ولم يذكر كنيته. أغلب الظنّ أن (الحارث بن أبي جلدة) مزيد على أصل الرواية.

8) - في ظ1: عنان؟

43- قال(1): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: كَلاَّ لاَ وَزَرَ(2)، ما الوزر؟

قال: الملجأ(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول ابن الذّئبة(4)الثقفي(5)

إنّي لمن أنكرني ابن الذيبة كريمة عفيفة منسوبة

وهو يذكر حمير وما أصابها:

لعمرك ما للفتى من مفرّ *** من الموت يلحقه والكبر

لعمرك ما إن له صُحرَة *** لعمرك ما إن له من وزر(6)

وأبو بكر، هو: أحمد بن سلم، سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق2).

وأبو الحسن، هو: علي بن مسلم، سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق4).

وحسن بن الربيع، هو: أبو علي البجلي البوراني، الإمام الحافظ الحجّة الثقة (ت221ه-)، ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 399/10.

وابن إدريس، هو: أبو محمّد عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، الإمام الحافظ المقريء القدوة (ت192ه-)، ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 42/9.


1) المسألة والبيت الثاني في الإتقان في علوم القرآن 125/1، وسؤالات نافع: 24، وعزي البيت فيهما إلى عمرو بن كلثوم، وهو خطأ.

2) - سورة القيامة/11.

3) - تفسير الطبري 113/29 -- 114، وتفسير القرطبي 98/19. وفي الطبري أيضاً: (لا حرز)، و(لا حصن). وفي تفسير ابن كثير 302/8: (لا نجاة). وفي تنوير المقباس: 493: (لا جبل يواريه من النار، وهي بلغة حمير). وفي اللغات في القرآن: 50: (لا جبل ولا ملجأ، بلغة توافق النبطية).

4) - السيرة النبوية 41/1، والروض الأنف 59/1، ورُكب في تفسير القرطبي 98/19 بيت من عجز الثاني وعجز الأوّل.

5) - في ظ1 وظ2: (ابن الدثينة).و بعده في ظ1: (قال أبو بكر: قال بعض الثقفيين: ابن الدثينة، وذكر أنّه جدّه. قال أبو الحسن: وحدّثني به حسن بن الربيع عن ابن إدريس)؟! كذا رووا، وهو ابن (الذئبة) قولاً واحداً، وأنشد له ابن حبيب في كتابه. ممّن نسب إلى أُمّه من الشعراء. (نوادر المخطوطات 90/1):

6) - في ظ1، وظ2، والإتقان في علوم القرآن: نافع (صخرة)، وهو تصحيف، صوابه ما أثبت، وهو على الصواب في السيرة والروض. والصحرة: المتسع.

44- قال(1): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ(2)؟

قال: أفلم يعلم(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول مالك بن عوف(4):

لقد يئس(5)الأقوام أنّي أنا ابنه *** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

45- قال(6): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَكَأْساً دِهَاقاً(7)، [ما


1) المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 121/1، وسؤالات نافع: 10.

2) - سورة الرعد/31.

3) - تنوير المقباس: 208، وتفسير الطبري 104/13، وتفسير القرطبي 320/9، ومجمع البيان 294/3. وفي الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: (أفلم يعلم، بلغة بني مالك). وفي مجمع البيان: (قيل: هي لغة النخع، وقيل: هوازن).

4) - البيت له في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع. ونسب إلى رباح بن عدي في تفسير القرطبي 320/9. وهو بلا نسبة في تفسير الطبري 103/13، ومجمع البيان 292/3.

5) - وكذا في سؤالات نافع، وفي الإتقان في علوم القرآن: (ألم تيأس). وفي بقية المصادر: (ألم ييأس).

6) - المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 127/1، وسؤالات نافع: 28.

7) - سورة النبأ/34.

الدهاق](1)؟

قال: الممتلئة(2).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول خداش بن زهير(3):

أتانا عامر يرجو قرانا *** فأترعنا له كأساً دهاقا

46- قال(4)

مثل السري تمده الأنهارُ *** سهل الخليقة ماجد ذو نائل

وهي في الكامل: 1145 والشاهد فيه بيتاً الرجز الآتيان.

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً(5)، ما السريّ(6)؟

قال: هو النهر الصغير(7).


1) زيادة من ظ2.

2) - في ظ1: قال: الدهاق الممتلئة.

3) - في تفسير القرطبي 183/19: (مترعة مملوءة). وفي تنوير المقباس: 499: (ملأاى متتابعة). وفي تفسير الطبري 13/30، وتفسير ابن كثير 332/8: (مملوءة متتابعة). وفي اللغات في القرآن: 51: (ملأى بلغة هذيل).

4) - المسألة في إيضاح الوقف: 90، والإتقان في علوم القرآن 127/1، وسؤالات نافع: 27، والبيت الشاهد في هذه المصادر قول الشاعر:

5) - سورة مريم/24.

6) - (ما السري) ليس في ظ2.

7) - تنوير المقباس: 255، وتفسير الطبري 53/16، وتفسير القرطبي 94/11، وتفسير ابن كثير 218/5، ومجمع البيان 510/3. وفي اللغات في القرآن: 34: (يعني: جدولاً، بلغة توافق السريانية).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد(1)بن ربيعة(2):

فتوسَّطا عُرض السري وصدّعا *** مسجورة متجاورا قُلاّمها(3)

قال(4)أبو الحسن: وحدّثني أبو الربيع الزهراني، قال: ونا نوح بن قيس: ونا عثمان بن محصن، قال: سئل(5)

وأبو الحسن، هو: علي بن مسلم، سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق4).

وأبو الربيع الزهراني، هو: سليمان بن داود العتكي الزهراني أحد الثقات (ت234ه-)، ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 676/10.

ونوح بن قيس الحداني بصري، صالح الحال (ت183 أو 184ه-)، ترجمته في الجرح والتعديل 1/483/4، وتقريب التذهيب 308/2.

وعثمان بن محصن، روى عن ابن عبّاس، مرسل، روى عنه نوح بن قيس الحداني، انظر: الجرح والتعديل 167/3.

ابن عبّاس عن السريّ [في قوله عزّ وجلٍّ](6): قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً؟

فقال: أما سمعت قول القائل:


1) البيت من معلقته، ديوانه: 307، وشرح القصائد السبع: 552، وتفسير الطبري 54/16، وتفسير القرطبي 94/11، ومجمع البيان 510/3، ومجاز القرآن 5/2.

2) - بعده في ظ2: (وهو يقول).

3) - في ظ1 وظ2: أقلامها، وهو خطأ. والقلام: نبت ينبت على الأنهار.

4) - قوله: (قال أبو الحسن... هرهرا) لم يرد في ظ2.

5) - روى المبرّد في الكامل: 1145، هذه المسألة بهذه الرواية عن أبي عبيدة، وغيره عن ابن عبّاس، ورواها ابن -- أبي -- الدنيا في كتابه الإشراف: 176، بهذه الرواية أيضاً عن محمّد بن صدران الأزدي، عن نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن.

6) - زيادة يقتضيها السياق.

سَلمٌ ترى الدالي منها أزورا(1)

إذا يعج في السَّريِّ هرهرا(2)

47- قال(3)

يقودهم أبو شبل هزبر *** حنيفة في كتاب حاذرات

(لقد روى السيوطي في الدرّ المنثور 86/5، ط أفست إسلامية عن ابن الأنباري في الوقف المسألة، وذكر الشاهد من قول النجاشي:

لقد ثارت به أبناء بكر *** لعمر أبي أثال حيث أمسى

يقودهم أبو شبل هزبر *** حنيفة في كتائب حاذرات

الخرسان).

: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ(4)، ما حاذرون؟

قال: مستلئمون السلاح(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول العبّاس بن مرداس(6):


1) البيتان في الكامل: 1145، والإشراف: 176، ومعاني القرآن وإعرابه للزجّاج 25/3، وتفسير القرطبي 94/11، واللسان: (ه- ر ر)، وفي الكامل (سلماً)، وفي الإشراف: (سلام)، وهو خطأ. ويروى: (منه أزوراً)، وقوله: (الدالي) أنكره المبرّد، ورواه: (الدالج)، وردّ ابن حمزة في التنبيّهات: 161 إنكاره، فانظر كلامه.

2) - في تفسير القرطبي واللسان: إذا يعبّ.

3) - المسألة في إيضاح الوقف: 95، والشاهد فيه قول الشاعر:

4) - سورة الشعراء/56.

5) - في ظ2: في السلاح. وفي إيضاح الوقف: (التامون السلاح). وفي تنوير المقباس: 309: (شاكون ممدون بالسلاح). وفي تفسير الطبري 48/19: (مؤدون مقوون)، أي: ذوو أداة قوّة.

6) - البيت له في مجاز القرآن 86/2، ومجمع البيان 190/4، واللسان: (ذ ي ل). وليس في ديوانه. وفي ظ2: عبّاس بن مرداس وهو يقول.

وإنّي حاذر أنمي سلاحي *** على نهد مراكله رفيع(1)

48- قال(2): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً(3)، [ما الهمس](4)؟

قال: خفيّ الأقدام(5).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول أبي(6)زبيد الطائي(7)

فباتوا ساكنين وبات يسري *** بصير بالدجى هادٍ هموس(8)

(ورد البيت الشاهد في أدب الكاتب لابن قتيبة: 32 بتبديل هموس بغموس، وقال: هو لأبي زبيد حرملة بن المنذر الطائي -- وهو ممّن اشتهر بكنيته وترك اسمه -- يذكر قوماً يسيرون، وعلّق المحقّق في هامش المطبوعة، فقال: قاله في وصف قوم سروا ليلهم والأسد يقفوا آثارهم وتبعهم حيث لا يرونه يراعي غرتّهم، ويروى: مكان غموس (هموس) أه-.

وجاء في شواهد الكشّاف: 71: أنّ البيت الشاهد لأبي زبيد الطائي وبعده:

إلى أن عرّسوا وأناخ منهم *** قريباً ما يحسّ له مسيس

سوى أنّ العتاق من المطايا *** أحسنَ به فهن إليه شوس

الخرسان).


1) عجزه في المصادر السالفة: إلى أوصال ذيال منيع.

2) - المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 130/1، وسؤالات نافع: 42.

3) - سورة طه/108.

4) - زيادة من ظ2.

5) - في ظ1: (الهمس: خفي الأقدام). وفي سؤالات نافع، والإتقان في علوم القرآن: (الوطء والكلام الخفي). وفي تنوير المقباس: 266: (وطئاً خفياً كوطء الإبل). وفي تفسير الطبري 157/16، وتفسير ابن كثير 310/5: (وطء الأقدام)، وفي مجمع البيان 31/4: (صوت الأقدام). وفي تفسير القرطبي 247/11: (الحس الخفي)، وفي تفسير الطبري، وابن كثير في رواية أُخرى: (الصوت الخفي).

6) - شعره (شعراء إسلاميون: 630)، وروايته: (وباتوا يدلجون)، وهي الرواية في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع.

7) - بعده في ظ2: وهو يقول.

8) - في ظ1: هابٍ، وهو تحريف. وبعد البيت في ظ1: (يصف الأسد).

49- قال(1): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(2)، ما الكبد؟

قال: الاعتدال(3).

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد(4)بن ربيعة(5):

يا عين هلا بكيت أربد إذ *** قمنا وقام الخصوم في كبد

50 -- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(6)؟


1) المسألة في الإتقان: 120، وسؤالات نافع: 10.

2) - سورة البلد/4. في ظ1: فِي كَبَدٍ ، وأثبت ما في ظ2، ولم يكن فيها لَقَدْ .

3) - في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: (في اعتدال واستقامة)، وفي تنوير المقباس: 511: (معتدل القامة)، وفي تفسير ابن كثير 425/8، وتفسير القرطبي 62/20، ومجمع البيان 493/5: (منتصباً)، وفي تفسير الطبري 126/30: (في انتصاب)، وروي عنه: (في شدّة خلق). انظر المصادر السالفة، وفي تنوير المقباس. (في قوّة وشدّة).

4) - ديوانه: 160. وهو في تفسير الطبري 16/30، وتفسير القرطبي 62/20، ومجمع البيان 492/5.

5) - بعده في ظ2: وهو يقول.

6) - سورة الإسراء/36.

قال: لا تقل(1)ما ليس لك به علم.

قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير(2)بن أبي سلمى حيث يقول:

وإذا رأيت المرء يقفو نفسه *** والمحصنات فما لذاك حريم(3)

قال أبو الحسن(4): ونا عبد العزيز بن صالح البرجمي(5)، قال: ونا أبو شهاب الحنّاط عبد ربّه بن نافع(6)، عن أبي بكر الهذلي(7)، عن عكرمة(8)، قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة ونفر من رؤوس الخوارج يبتغون ويسألون عن الأحاديث، حتّى انتهوا إلى ابن عبّاس وهو جالس في حوض


1) تنوير المقباس: 36، وتفسير الطبري 62/15، وتفسير القرطبي 257/10، وتفسير ابن كثير 72/5، ومجمع البيان: 415.

2) - ليس في ديوانه. وبهامش ظ1 ما نصّه: (هذا للمتوكّل الليثي).

3) - بعده في ظ2: (قال عثمان: وذكر عبيد الله، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: فأخبرني هل كان في الجاهلية طلاق يعرف؟ قال: نعم...)، وهذه المسألة السالفة برقم/32. وانتهت هنا ظ2، وبعد هذا في الورقة 119/و أشياء لا علاقة لها بالمسائل، وفي الورقة 119/ظ طباق سماع المسائل على المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي. وقد جعلتها عقب المسألة/52 آخر مسائل ظ1.

4) - علي بن مسلم، سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق4).

5) - لم أصب له ترجمة.

6) - الكوفي المدائني المحدّث (ت172ه-)، ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 201/8.

7) - هو سُلمى بن عبد الله بن سُلمى، أخباري لين الحديث (ت159ه-). ترجمته في تاريخ بغداد 223/9 -- 226، وميزان الاعتدال 497/4.

8) - هو أبو عبد الله القرشي مولاهم المدني البربري الأصل مولى ابن عبّاس، العلاّمة الحافظ المفسّر (ت105ه-) ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 12/5 -- 36.

زمزم وعليه قميص -- أحسبه قال: قَصَبي -- وجبّة قطرية، وبيده جريدة رطبة، والناس يسألونه، ويقولون: يا بن عبّاس [ما تقول في كذا وكذا؟ فيقول: هو كذا وكذا](1).

قال: فأتاه نافع بن الأزرق، وكان رجلاً أصلعاً قصيراً، فقال: يا بن عبّاس! ما أجرأك على الله!

قال: ثكلتك أُمّك، ما رأيت من جرأتي؟!

قال: رأيتك لا تُسأل عن شيء إلاّ أنبأت به.

قال: غيري أجرأ منّي: رجل قال ما لا يعلم، ورجل كتم على علم عنده.

قال: وإنَّ ما تقول بعلمٍ. قال: نعم.

= 1 -- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ(2)؟

فأجابه بمثل حديث الحرّاني(3). غير أنّه قال: الشعر(4)لأُميّة بن أبي الصلت(5).

وقال: فأجابه حسّان بن ثابت(6):


1) كرّر الناسخ قوله (يا بن عبّاس). وزدت ما بين حاصرتين من صدر المسائل.

2) - سورة الرحمن/35.

3) - هو عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني، سلفت ترجمته في التعليق على سند المسائل (التعليق7).

4) - السالف في المسألة -1-: ألا من مبلغٍ ... ... إلى عكاظ، الأبيات.

5) - في رواية الحرّاني: أنّه لأُميّة بن خلف، انظر ما سلف من التعليق على المسألة -1-.

6) - ديوانه: 197 -- 198. والأبيات 1 -- 4 في سؤالات نافع: 13، والرابع في السيرة النبوية 382/1، وتفسير القرطبي 171/17.

أتاني عن أُمَيّ نثا كلام *** وما هو بالمغيب بذي حفاظِ

ستأتيه قصائد محكمات *** وتنشد بالمجاز إلى عكاظِ

همزتك فآختضعت بذات ذُلٍّ *** بقافية تأجج كالشواظِ

تزورك إن شتوت بكلّ أرضٍ *** وترضخ في محلك بالمقاظِ

ثمّ سأله عمّا وافق حديث الحرّاني.

= 18- وقال: فأخبرني عن قوله: السَّاقُ بِالسَّاقِ(1)؟

قال: الأمر الشديد بالأمر الشديد.

قال: وهل تعرف ذلك العرب؟

قال: أما سمعت قول الراجز(2):

صبراً عكاظ إنّه شرّ باق(3)

قد قامت الحرب بنا على ساق(4)

قبلك سن الناس ضرب الأعناق(5)

= 5 قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بَنِينَ وَحَفَدَةً(6)؟


1) سورة القيامة/29.

2) - الأبيات في سؤالات نافع: 34، بتقديم الثالث على الثاني، والأوّل والثاني في الإتقان في علوم القرآن 128/1، والثاني في إيضاح الوقف: 99، وتفسير الطبري 24/29، وتفسير القرطبي 113/19، وتفسير ابن كثير 225/8.

3) - في الإتقان في علوم القرآن: (صبراً أمام إنّه). وفي سؤالات نافع: (أسلم عصام إنّه).

4) - في تفسير القرطبي: وقامت.

5) - في سؤالات نافع: سر الناس، وهو تحريف.

6) - سورة النحل/72.

قال: أمّا جميل فقد كان يعرفه حيث يقول:

حفد الولائد... *** .............

وهذا خلاف قول الحرّاني(1).

51- قال(2): فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ(3)؟

قال: أمّا الأعشى فقد كان يعرفه حيث يقول(4):

تذكرت ليلي لات حين تذكر *** وعُلّقت منها حاجة ليس تبرحُ(5)

وليس البيت في ديوان الأعشى على الروايتين.

وعلى رواية المتن لا شاهد فيه على (مناص)، وكذلك على إنشاد صدر البيت وحده، وهو شاهد على (لات حين).

وأنشد أبو عبيدة في مجاز القرآن 176/2 صدر البيت، وعزاه إلى عمرو بن شأس الأسدي، استشهد به، على أنّ (لات) هي (لا) فزيدت فيها هاء الوقف، فإذا اتّصلت صارت تاء. ورواية البيت وتمامه كما في شعر عمرو: 97:


1) عزي البيت في رواية الحرّاني [المسألة5] إلى أُميّة بن أبي الصلت، انظر التعليق ثمّة.

2) - المسألة والبيت في الإتقان في علوم القرآن 131/1، وسؤالات نافع: 46.

3) - سورة ص/3.

4) - في الإتقان في علوم القرآن: (ليس بحين فرار. أما سمعت قول الأعشى...). وفي سؤالات نافع: (ليس بحين فرار. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الأعشى وهو يقول). وفي تنوير المقباس: 380: (ليس بحين حملة ولا فرار). وفي تفسير الطبري 77/23، وتفسير القرطبي 145/15، وتفسير ابن كثير 44/7: (ليس بحين نزو ولا فرار). وفي لغات القرآن: 40: (وليس بحين فرار بلغة توافق القبطية). وفي ابن كثير أيضاً: (نادوا النداء حين لا ينفعهم)، وأنشد صدر البيت.

5) - صدر البيت في تفسير ابن كثير 44/7 (وفيه: تذكر ليلى). وعجزه كما في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: وقد بنت عنها والمناص بعيد

= 39- قال: فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(1)؟

فقال: أمّا أُميّة بن أبي الصلت(2)فقد كان يعرفه حيث يقول:

............. *** إن يُكشف الضر بنا نكنُدِ

52- قال(3): فأخبرني عن سليمان بن داود: لِمَ ذكر الهدهد(4)من بين الطير؟

قال: إنّ الهدهد كان يبصر الماء من تحت الأرض كما يبصر الرجل الماء في القارورة.

قال: يا بن عبّاس! كيف يبصر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخّ؟!

قال: ويحك!! أما علمت أن القضاء يَفُلُّ الحذر(5)؟!(6)

آخر المسائل

ولله الحمد كثيراً


1) سورة العاديات/6.

2) - ليس في ديوانه.

3) - المسألة في الكامل: 1149، وتفسير الطبري 89/19، وتفسير القرطبي 178/13، وتفسير ابن كثير 195/6.

4) - في قوله تعالى حاكياً قول سليمان: مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ سورة النمل/20.

5) - في المصادر السالفة: (أما علمت أنّه إذا جاء القدر عشي البصر) وروي: غشي وعمي.

6) - انتهت ظ1 في الورقة 113/و، وفي بقية الورقة 113/ظ، والورقة 114/و -- ظ أحاديث لا علاقة لها بالمسائل، ثمّ النسخة ظ2 في الأوراق 115/و -- 118/ظ. وفي 119/و أحاديث لا علاقة لها بالمسائل، وفي 119/ظ وهي آخر المخطوطة طباق سماع الكتاب، وقد أثبتناها عقب المسائل.

وكتب في آخر ظ2 في الورقة 119/ظ طباق السماع الآتية:

(1)-- سمع جميع هذا الجزء على الشيخ أبي طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف ، عرضاً بكتابه عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلي، بقراءة أبي محمّد بن عبد الملك بن علي بن عيسى بن النحوي، الشيخ أبو عبد الله محمّد بن علي بن عبد الله الصوي الحافظ، وأبو الفضل محمّد بن أحمد بن عبد الله المقريء، وأحمد بن علي الأصبهاني، والمبارك بن أحمد النيسابوري، وعلي بن الحسن بن علي الخياط، ونصر بن أحمد الجربي، وأبو العبّاس علي بن طالب الحنبلي، وأبو حفص عمر بن علي الزنجاني، وأبو بشر محمّد بن الحسن بن (بيدان) التبريزي، وعبيد الله ابن عمر المعروف بابن البقال، وإسماعيل بن المؤمل الإسكافي، والمبارك ابن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، وذلك في جمادى الآخرة من سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.

(2)-- سمع جميع الورقتين اللتين في وسط الجزء... [لا علاقة لهما بالمسائلٍ].

(3)-- سمع جميع هذا الجزء على الشيخ الصالح أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي صان الله ولده، بقراءة الشيخ الحافظ أبي نصر المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي، ابن أخيه أبو منصور أحمد، والقاضي الإمام أبو نصر محمّد بن هبة الله بن مخبل الشرادي، والشيخ الأجل أبو الفضل عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن يوسف، والشيوخ أبو الفضل محمّد بن ناصر بن محمّد بن علي، وأبو منصور موهوب بن أحمد بن

محمّد بن الخضر الجواليقي، وأبو طاهر أحمد بن محمّد بن أحمد يعرف بسلفة، وأبو العبّاس أحمد بن محمّد بن أبي القاسم النحّاس الأصبهانيان، وأبو طالب مهلهل بن علي بن الخضر بن أبي سلم (الهمر الهداير)، وهرارست بن عوض بن الحسن الهروي، وذلك بتاريخ شهر رمضان من سنة أربع وتسعين وأربعمائة، والحمد لله وحده وصلواته على سيّدنا محمّد النبيّ وآله.

(4)-- سمع جميع هذا الجزء على الشيخ الصالح أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي أيده الله، بقراءة الشيخ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، الشيوخ أبو البركات أحمد بن أسد العكبري، ومحمّد بن محمّد الأسكاف، في ذي الحجّة سنة أربع وتسعين وأربعمائة.

الذَّيْل

وهي المسائل التي لم ترد في الرواية

التي بنيت عليها هذه النسخة

أخذت المسائل المذكورة هنا -- وهي المسائل التي لم ترد في رواية النسخة التي حقّقتها -- من ثلاثة كتب: (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي، و(إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنباري، و(الكامل) للمبرّد. واعتمدت رواية السيوطي، وأثبتُّ المسائل على سياق روايتها في كتابه، ونبهت على المسائل التي وردت أيضاً عند ابن الأنباري والمبرّد، ثمّ أثبت ما انفرد بروايته ابن الأنباري فالمبرّد. ثمّ وقفت على (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عبّاس)، فأحلت عليها في تخريج المسائل، وذكرت ما انفردت به من المسائل.

ورقّمت المسائل برقمين: الأوّل: الرقم العام تابعت فيه أرقام المسائل المذكورة في المخطوطة، والثاني: الرقم الخاص بالذيل، وجعلت بينهما علامة المساواة - = -، وذكرت عقبه موضعها في الكتاب المأخوذ منه.

-1-

الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، الجزء الأوّل

53 = 1 -120- قال(1): أخبرني عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ(2)؟

قال: العزون: حلق الرِّفاق(3).

قال: وهل تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص(4)وهو يقول:

فجاؤوا يهرعون إليه حتّى *** يكونوا حول منبره عزينا

54 = 2 -120- قال(5): أخبرني عن قوله: وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ(6).

قال: الوسيلة: الحاجة(7).


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 9

2) - سورة المعارج/37.

3) - في تنوير المقباس: 486: (حلقاً حلقاً). وفي تفسير الطبري 53/29، وتفسير ابن كثير 255/8: (العُصب من الناس).

4) - ليس في ديوانه.

5) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 81، وسؤالات نافع: 9.

6) - سورة المائدة/35.

7) - في تنوير المقباس: 93: (الدرجة الرفيعة، ويقال: اطلبوا إليه القرب في الدرجات بالأعمال الصالحة).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عنترة(1)وهو يقول:

إنّ الرجال لهم إليك وسيلةٌ *** إن يأخذوك تكحَّلي وتخضَّبي

55 = 3 -120- قال(2): أخبرني عن قوله: شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً(3).

قال: الشرعة: الدين، والمنهاج الطريق(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وهو يقول:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى *** وبيّن للإسلام ديناً ومنهاجا(5)

56 = 4 -120- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ(7).

قال: نُضجه وبلاغه(8).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) ديوانه: 273. وهو من أبيات تنسب إلى خزز بن لوذان السدوسي أيضاً، انظر الديوان: 349. والبيت في تفسير الطبري 146/6، وتفسير القرطبي 159/6، ومجمع البيان 189/2، ومجاز القرآن 165/1.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 9.

3) - سورة المائدة/48.

4) - في تنوير المقباس: 95: (فرائض وسنناً)، وفي تفسير الطبري 175/6، وتفسير ابن كثير 120/3، وتفسير القرطبي 211/6: (السنة والسبيل).

5) - في سؤالات نافع: ومنهجاً؟

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 9.

7) - سورة الأنعام/99.

8) - تنوير المقباس: 116، وتفسير الطبري 196/7، وتفسير ابن كثير: 300.

قال: نعم، أما سمعت قول:

إذا ما مشت وسط النساء تأوَّدَتْ *** كما اهتز غصن ناعم النبت يانِع

57 = 5 -120- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَرِيشاً(2).

قال: الريش: المال(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(4)يقول:

فرشني بخير طالما قد بريتني *** وخير الموالي من يريش ولا يبري(5)

ألا رُبّ من تدعو صديقا ولو ترى *** مقالته بالغيب ساءك ما يفري

مقالته كالشهد ما كان شاهداً *** وبالغيب مأثور على ثغره النحر

يسرّك باديه وتحت أديمه *** نميمةُ غش تبتري عَقَب الظهر

تبين لك العينان ما هو كاتم *** من الغل والبغضاء بالنظر الشزر

فرشني بخير طالما قد بريتني *** فخير الموالي من يريش ولا يبري

وله حديث في تصدي النبيّ7 له ودعوته إلى الإسلام ذكره ابن هشام تحسن مراجعته الخرسان).


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 10.

2) - سورة الأعراف/26.

3) - تنوير المقباس: 135، وتفسير الطبري 110/8، وتفسير ابن كثير: 395، ومجمع البيان 409/2.

4) - وهو سويد بن الصامت الخزرجي الأنصاري، انظر السيرة النبوية 67/2، والاستيعاب (بهامش الإصابة 113/2)، وتاريخ الطبري 351/2، والبيان والتبيين 66/4. وعزيت أبيات سويد إلى عمير بن الحباب في اللسان: (ن ش ر) عن التنبيّه والإيضاح لابن بري (ن ش ر). وإليه عزي البيت في اللسان: (ر ي ش).

5) - (البيت الشاهد آخر خمسة أبيات لسويد بن صامت، وكان يعرف في قومه بالكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه قالها في الصداقة والصديق، تصلح لدرس الحال في كلّ زمان، وقد ذكرتها المصادر الأدبية كعيون الأخبار لابن قتيبة: 82 وربيع الأبرار للزمخشري باب الإخاء والمحبّة والصحبة (كما في مخطوطات السماوي والرضوية) والأوقاف في 488/1، ط بغداد، ومفردات الراغب/207 وأساس البلاغة 388/1 ورسالة الصداقة والصديق لأبي حيان/42، ط الجوائب، ولم تخل منها كتب التاريخ كسيرة ابن هشام 46/1 تح السقا والأبياري وشلبي في تراث الإسلام وتاريخ ابن الأثير 72/1، ط ليدن وها هي الأبيات برواية ابن هشام:

58 = 6 -120- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ(2).

قال: السنا: الضوء(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث(4)يقول:

يدعو إلى الحقّ لا يبغي به بدلاً *** يجلو بضوء سناه داجي الظُلم

59 = 7 -120- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: مَثْبُوراً(6).

قال: ملعونا(7)محبوساً من الخير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 10.

2) - سورة النور/43.

3) - تنوير المقباس: 297، وتفسير الطبري 119/18. وفي سؤالات نافع: الضوء الذي يدخل الكوة.

4) - في سؤالات نافع أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 11.

6) - سورة الإسراء/102.

7) - تنوير المقباس: 242، وتفسير الطبري 117/15، وتفسير ابن كثير 124/5، ومجمع البيان 44/3.

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزِّبعرى(1)يقول:

إذ أتاني الشيطان في سنة النّو *** م ومن مال ميله مثبور(2)

إذ أباري الشيطان في سنن الغ- *** -ي ومن مال ميله مثبورُ

ويروى: إذ أجاري.

(هذا البيت من أبيات لابن الزبعرى قالها حين اسلم، وذلك أنّه كان بنجران فقال حسّان بن ثابت بيتاُ واحداً رماه به وهو:

لا نعدمنّ رجلاً أحلّك بغضه *** نجران في عيش أحذ لئيم

فلما بلغ ابن الزبعرى ذلك خرج إلى رسول الله7 فأسلم وقال هذه الأبيات:

يا رسول المليك إن لساني *** راتق ما فتقت إذ أنا بور

إذ أباري الشيطان في سنن الغ- *** -يّ ومن مال ميله مثبور

آمن اللحم والعظام لربّي *** ثمّ قلبي الشهيد أنت النذير

إنّني عنك زاجر ثمّ حياً *** من لؤي وكلّهم مغرور

هكذا رواها ابن هشام في السيرة 39/4، ط مصر الأولى، وابن كثير في تاريخه 308/4.

وورد أوّل بيت الشاهد (إذ أجاري الشيطان) في تفاسير الطبري والطبرسي وأبي حيان، وكذا في طبقات الشعراء لابن سلام: 93، ومختار شعر بشار: 184، ومثلهم في البحار 731/6، ط حجرية. الخرسان).

60 = 8 -121- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: فَأَجَاءهَا


1) شعره/36. وهو في تفسير الطبري 117/15، وتفسير القرطبي 338/10، وتفسير ابن كثير 124/5، ومجمع البيان 444/3، ومجاز القرآن 392/1.

2) - كذا وقع في الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع (وفي الإتقان: مثبورا/وهو خطأ). والرواية:

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 11.

الْمَخَاضُ(1)؟ قال: ألجأها(2).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت(3)

يا غراب البين أسمعت فقل ...

فأجابه حسّان بقوله:

ذهبت بابن الزبعرى وقعة *** كان منّا الفضل لو كان عدل

الخرسان).

يقول:

إذ شددنا شدَّة صادقةً *** فأجأناكم إلى سفح الجبل

61 = 9 -121- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: نَدِيّاً(5)؟

قال: النادي المجلس(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(7)

(البيت الشاهد من قصيدة قال فيها ابن قتيبة: إنّها أجود شعر سلامة، وقد ذكرها شيخو في شعراء النصرانية ق/4/490، وفي المفضليات 132/1، ط العثماني سنة1308 بعضها، وتمامها في ديوانه: 7 شرح الأب لويس شيخو، ط بيروت. الخرسان).

يقول:

1) سورة مريم/23.

2) - تنوير المقباس: 255، وتفسير الطبري 49/16.

3) - ديوانه: 93. (والبيت من قصيدة قالها رداً على قصيدة ابن الزبعرى التي قالها يوم أحد وأوّلها:

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 11.

5) - سورة مريم/73.

6) - كذا وقع في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع، والأنسب (الندي: المجلس) والندي والنادي واحد، انظر تنوير المقباس: 258، وتفسير الطبري 87/16، وتفسير القرطبي 143/11، وتفسير ابن كثير 252/5.

7) - وهو سلامة بن جندل، ديوانه: 94 وتخريجه فيه. وهو له في مجاز القرآن 10/2.

يومان يوم مقامات وأندية *** ويوم سير إلى الأعداء تأويب

62 = 10 -121- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: أَثَاثاً وَرِئْياً(2)؟

قال: الأثاث: المتاع، والرِّيُّ(3)

والذي رواه المفسّرون عنه: أنّ الرئي المنظر، انظر: تفسير الطبري 88/16 -- 89، وتفسير القرطبي 143/11، وتفسير ابن كثير 253/5، ومجمع البيان/526، وتنوير المقباس: 258، والمصادر السالفة.

من الشراب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

كأنّ على الحمول غداة ولَّّوا

من الرئي الكريم من الأثاث(4)

أشاقتك الظعائن يوم بانوا *** بذي الرئي الجميل من الأثاث

كأنّ على الظعائن يوم بانوا *** نعاجا ترتعي بقل البراث

وهما لمحمّد بن عبد الله بن نمير الثقفي في الكامل: 786، والأغاني 196/6 -- 197، وانظر شعره (شعراء أمويون 127/3). وقوله أشتاقك الأثاث -- وروايته: بذي الرئي -- له في مجاز القرآن 365/1، والجمهرة 14/1، وتفسير القرطبي 143/11. وهو بلا نسبة في تفسير الطبري 103/14، وتفسير القرطبي 153/10، ومجمع البيان 424/3.

وذهب المبرّد إلى أنّ الرواية الصحيحة (بذي الزي)، لأنّ (الرئي غير الأثاث، والزيّ من الأثاث).


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 11.

2) - سورة مريم/74. هذه قراءة الجمهور. وقرأه (وريّا) بياء مشدّدة من غير همز، ابن ذكوان عن ابن عامر وقالون عن نافع، انظر: النشر 319/2 و1/394، والبحر 210/6 وفيه نسبتها إلى آخرين.

3) - في الأصل (الإتقان): الرئي، وهو ههنا خطأ، فالريّ من الشراب لا يكون مهموزاً، ووقع على الصواب في سؤالات نافع. وهو مصدر رويت من الماء، والمعنى: أنّ منظرهم مونق من النعمة، عن الزجّاج، وقيل: جلودهم مرتوية من النعمة، عن النحّاس، وذلك لأنّ للريان نظارة وحسناً، عن أبي علي، انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجّاج 342/3، وإعراب القرآن للنحّاس 26/3، ومجمع البيان 524/3 والمحتسب 44/2، وفيهما كلام أبي علي في الاحتجاج للقراءتين.

4) - البيت مركب من بيتين، وهما:

63 = 11 -121- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً(2)؟

قال: القاع: الأملس، والصفصف: المستوي(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

بمولمومة شهباء لو قذفوا بها *** شماريخ من رضوى إذن عاد صفصفا(4)

لمّا دنونا من حنين ومائه *** رأينا سواداً منكر اللون أخصفا

بملمومة شهباء لو قذفوا بها *** شماريخ من رضوى إذن عاد صفصفا

ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم *** إذن ما لقينا العارض المتكشفا

إذن ما لقينا جند آل محمّد *** ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا

الخرسان)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 11 -- 12.

2) - سورة طه/106.

3) - تنوير المقباس: 266، وتفسير الطبري 155/16، ومجمع البيان 29/4.

4) - (البيت الشاهد لخديج بن العوجاء النصري من أبيات قالها يوم حنين ذكرها ابن هشام في سيرته 131/4، ط مصر الأولى، وهي:

64 = 12 -121- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى(2)؟

قال: لا تعرق فيها من شدّة حرّ الشمس(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(4)يقول:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيضحى وأمّا بالعشي فيخصر(5)

65 = 13 -121- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: لَّهُ خُوَارٌ(7)؟

قال: له صياح(8).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 12.

2) - سورة طه/119.

3) - تنوير المقباس: 267. والمشهور عنه أنّه (لا يصبك حرّ الشمس)، انظر: تنوير المقباس، وتفسير الطبري 162/16، ومجمع البيان 33/4.

4) - وهو عمر بن أبي ربيعة، - ديوانه: 94، وتفسير الطبري 162/16، وتفسير القرطبي 252/11، ومجمع البيان 33/4.

5) - (لقد مرّ في النحو الثاني من المفيد ما يدلّ على أنّ هذا من المزيد فراجع. الخرسان).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 12.

7) - سورة الأعراف/148.

8) - في تنوير المقباس: 138: صوت.

كأنّ بني معاوية بن بكر *** إلى الإسلام صائحة تخور(1)

ألا من مبلغ غيلان عنّي *** وسوف أخال يأتيه الخبير

وعروة إنّما أهدي جوابا *** وقولاً غير قولكما يسير

بأنّ محمّدا عبدٌ رسولٌ *** لربّ لا يضل ولا يجور

وجدناه نبيّاً مثل موسى *** فكلّ فتى يخايره مخير

إلى آخر ما في قصيدته، وقد ناهزت الثلاثين بيتاً، أخرجها ابن هشام في سيرته 84/4، وابن عساكر في تاريخه، كما في مهذب ابن بدران 359/7، وابن كثير في تاريخه 335/4. الخرسان).

66 = 14 -121- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي(3)؟

قال: لا تضعفا عن أمري(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

إنّي وجَدِّك ما ونيت ولم أزل *** أبغي الفكاك له بكلّ سبيل

67 = 15 -121- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ(6)؟


1) (قائل البيت الشاهد هو العبّاس بن مرداس السلمي، قاله من قصيدة يذكر فيها قارب بن الأسود وفراره يوم حنين، وكان يحمل راية الأحلاف، ولمّا انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمّه وقومه من الأحلاف، فقال:

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 12.

3) - سورة طه/42.

4) - تنوير المقباس: 262، وتفسير الطبري 129/16، وتفسير القرطبي 198/11، ومجمع البيان 11/4. وروي عن امرئ: (لا تبطئا)، انظر: تفسير ابن كثير 287/5، وتفسير الطبري.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 12، ومجمع البيان 86/4.

6) - سورة الحجّ/36.

قال: القانع الذي يقنع بما أعطي، والمعتّر: الذي يعترض الأبواب(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(2):

على مكثريهم حقُّ معتر بابهم(3)*** وعند المُقلين السَّماحة والبذلُ

68 = 16 (121 -- 122) قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ(5)؟

قال: مشيد بالجص والآجُرِّ(6).

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(7)يقول:

شاده مرمراً وجلّله كل- *** -ساً فللطير في ذُراره وكورُ(8)


1) تنوير المقباس: 280، وتفسير الطبري 120/17، وتفسير ابن كثير 425/5.

2) - وهو زهير، ديوانه: 114 (الدار).

3) - لم أجد هذه الرواية. واعتره واعتراه واحد. ورواية الديوان (حقّ معتريهم)، ورواية تفسير القرطبي 65/12، ومجمع البيان4/86: (حقّ من يعتريهم)، وكذا وقع في سؤالات نافع، وعليه يكون الاستشهاد على المعنى لا على اللفظ.

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 12.

5) - سورة الحجّ/45.

6) - في تنوير المقباس: 281 (مجصص)، وروي عنه (حصين)، انظر: تنوير المقباس، وتفسير القرطبي 74/12.

7) - ديوانه: 88 وتخريجه فيه. وهو في تفسير الطبري 128/17، وتفسير القرطبي 74/12، ومجمع البيان 88/4، ومجاز القرآن 53/2، والكامل: 132. وعند الأصمعي أنّ الصواب والرواية (وخلَّله) بالخاء، انظر: الجمهرة 45/3.

8) - (البيت الشاهد من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، وهي من غرر قصائده الأربع الوعظية، قالها يذكر النعمان بن المنذر ملك الحيرة. وقد ذكرتها عدّة مصادر قديمة منها: البيان والتبيين للجاحظ 53/1، والأغاني 138/2، وربيع الأبرار (باب تبدّل الأحوال واختلافها -- نسخة السماوي والرضوية والأوقاف ببغداد) وفي المطبوع 596/1 -- 597. وقسم منها في البدء والتاريخ 200/3، وغيرها، وقد ذكرتها في أدب التفسير = غريب القرآن. الخرسان).

69 = 17 -122- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(2)؟

قال: فازوا وسعدوا(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة(4):

فأعقلي إن كنت لمّا تعقلي *** ولقد أفلح من كان عقل(5)

إن تقوى ربّنا خير نفل *** وبإذن الله ريثي وعجل

أحمد الله فلا ند له *** بيديه الخير ما شاء فعل

من هداه سبل الخير اهتدى *** ناعم البال ومن شاء أضل

ديوان لبيد ق/2/11 -- 17 وص174، ط الكويت، وفي القصيدة ثلاثة أبيات من الشواهد الشعرية في مسائل نافع، أحدها ما تقدّم في المتن، وثانيها قوله في تفسير قوله تعالى: أَندَاداً سورة البقرة/22، وهو ثاني أبيات القصيدة كما تقدّم، وثالثها في تفسير قوله تعالى: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء سورة النساء/43:

يلمس الأحلاس في منزله *** بيديه كاليهودي المصل

الخرسان).

70 = 18 -122- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ(7)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 13.

2) - سورة المؤمنون/1.

3) - تنوير المقباس: 284.

4) - ديوانه: 177، ومجمع البيان 98/4.

5) - (البيت الشاهد من قصيدة للبيد بن ربيعة من خيار الشعر، ذكرتها بطولها في (أدب التفسير = غريب القرآن)، وقد بلغت 84 بيتاً، أوّلها:

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 13.

7) - سورة آل عمران/13.

قال: يقوّي(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حسّان بن ثابت(2):

برجال لستم أمثالهم *** أيدوا جبريل نصراً فنزل

71 = 19 -122- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: لاَ فِيهَا غَوْلٌ(4)؟

قال: ليس فيها نتن ولا كراهية كخمر الدنيا(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس(6):

ربّ كأس شربت لا غول فيها *** وسقيت النديم منها مزاجا

72 = 20 (122) قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(8)؟

قال: باقون لا يخرجون منها أبداً(9).


1) تنوير المقباس: 43.

2) - ديوانه: 94.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 15.

4) - سورة الصافات/47.

5) - في تنوير المقباس: 375: (وجع البطن وذهاب العقل ولا أذى ولا إثم)، ونحوه في تفسير الطبري 23: 35، وتفسير ابن كثير 10/7 -- 11.

6) - ملحق ديوانه: 458 عن هذا الموضع من الإتقان.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 15.

8) - سورة البقرة/25.

9) - في تنوير المقباس: 6: (دائمون لا يموتون ولا يخرجون).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(1):

فهل من خالد إمّا هلكنا *** وهل بالموت يا للناس عارُ

73 = 21 -122 -- 123- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ(3)؟

قال: كالحياض الواسعة(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول طرفة بن العبد(5):

كالجوابي لا تني مترعةً *** لقرى الأضياف أو للمحتضِر

74 = 22 -123- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(7)؟

قال: الفجور والزنى(8).


1) ذيل ديوانه: 132، والأغاني 151/2، والشعر والشعراء: 229، ومعجم الشعراء: 81.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 15.

3) - سورة سبأ/13.

4) - تنوير المقباس: 360، وتفسير الطبري 49/22، وتفسير ابن كثير 488/6.

5) - ديوانه: 66 وتخريجه فيه، وهو في تفسير القرطبي 276/14. وفي الإتقان في علوم القرآن: بقرى، وهو تحريف.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 16.

7) - سورة الأحزاب/32.

8) - في تنوير المقباس: 353: (شهوة الزنى). وفي سؤالات نافع: (في قلبه الفجور وهو الزنى). وفي لغات القرآن: 38: (يعني الزنى بلغة حمير).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى(1):

حافظ للفرج راضٍ بالتُقى ليس ممَّن قلبه فيه مرض

75 = 23 -123- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ(3)؟

قال: الملتزق(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول النابغة(5):

ولا يحسبون الخير لا شرَّ بعده *** ولا يحسبون الشّر ضربة لازب(6)

كليني يا أميمة ناصب *** وليل أقاسيه بطيء الكواكب

تطاول حتّى قلت ليس بمنقض *** وليس الذي يهدي النجوم بآيب

وقال قبل آخرها بيت الشاهد وبعده:

حبوت بها غسان إذ كنت لاحقا *** بقومي وإذ أعيت عليَّ مذاهبي

الخرسان).


1) ليس في ديوانه. (ذكر الشاهد في (الصبح المنير في شعر أبي بصير)، وهو ديوان الأعشى: 247 طبع بمطبعة أدلف، هلزهوسن بيانه سنة 1927م. الخرسان).

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 16.

3) - سورة الصافات/11.

4) - تنوير المقباس: 374، وتفسير الطبري 29/28، وتفسير القرطبي 68/15، وتفسير ابن كثير 5/7، ومجمع البيان 440/4. وفي سؤالات نافع: (الملتزق الجيد وهو الطين الحر).

5) - الذبياني، ديوانه: 64 (صنعة ابن السكيت): 48 (صنعة الأعلم). وهو في تفسير الطبري 28/28، وتفسير القرطبي 69/15، ومجمع البيان 439/4، ومجاز القرآن 167/2. وفي الإتقان في علوم القرآن: فلا يحسبون.

6) - (البيت الشاهد من قصيدة قالها النابغة الذبياني يمدح بها عمرو بن الحارث المعروف بالأعرج حين هرب إلى دمشق لمّا بلغه أنّ مرّة بن قريع وشي به عند النعمان ملك الحيرة في أمر المتجردة زوجة النعمان، وقيل: أنّ الواشي هو المنخل بن عبيد اليشكري، وأوّلها:

76= 24 -123- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: أَندَاداً(2)؟

قال: الأشباه والأمثال(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة(4):

أحمد الله فلا ندَّ له *** بيديه الخير ما شاء فعل(5)

أتهجوه ولست له بند *** فشركما لخيركما الفداء)

ويروى -- وهي رواية الديوان -- (ولست له بكفء).

77 = 25 -123- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ(7)؟

قال: الخلط(8)بماء الحميم والغسَّاق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(9):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 16.

2) - سورة البقرة/22.

3) - في تنوير المقباس: 5: (أعدالا وأشكالا وأشباهاً). وفي تفسير الطبري 127/1 عن الضحّاك عن ابن عبّاس: (أشباهاً)، وعن غيره عنه: (أكفاء من الرجال).

4) - ديوانه: 174.

5) - بعده في سؤالات نافع: (وقال حسّان بن ثابت يردّ على أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب [ديوانه: 67]:

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 16.

7) - سورة الصافات/67.

8) - تنوير المقباس: 376. وفي تفسير الطبري 41/23 -- 42، وتفسير ابن كثير 17/7: (مزجاً). وفي اللغات في القرآن: 40: (يعني مزجاً بلغة جرهم).

9) - اختلف في قائله: فقيل: أبو الصلت الثقفي، وقيل ابنه أُميّة، وقيل: النابغة الجعدي، وقيل: البيت منحول وليس لواحد منهم، انظر: ديوان أُميّة: 459، وتعليق محقّقه عليه: 590، وديوان النابغة الجعدي: 112.

تلك المكارم لا قَعبَان من لّبنٍ *** شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا(1)

وقد وافقه على نسبة البيت للنابغة صاحب الأغاني في ترجمة النابغة، بينما أصرّ ياقوت في معجم البلدان (غمدان) على نسبة البيت إلى أبي الصلت، والبغدادي في خزانة الأدب، وأمّا صاحب البدء والتاريخ فقد ذكره في 194/3 لأُميّة/الخرسان).

78 = 26 -123- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا(3)؟

قال: القِطّ: الجزاء(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى(5):

ولا الملك النعمان يوم لقيته *** بنعمته يُعطي القُطُوطَ ويطلق(6)

(البيت الشاهد من قصيدة نيّفت على الستّين بيتاً قالها الأعشى، ذكر فيها المحلق فمدحه ورفع من شأنه بعد خموله، وفي القصيدة شاهد آخر من الشواهد الشعرية في مسائل نافع، وهو في قوله تعالى: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ سورة يوسف/72، فقال:

له درمك في رأسه ومشارب *** ومسك وريحان وراح تصفق

وحور كأمثال الدمى ومناصف *** وقدر وطباخ وصاع وديسق

الخرسان).


1) (البيت الشاهد آخر قصيدة قالها أبو الصلت الثقفي في مدح سيف بن ذي يزن، وتروى القصيدة لابنه أُميّة بن أبي الصلت، وقد ذكر ابن هشام في السيرة جملة أبيات من القصيدة آخرها البيت الشاهد الشعري، وقال: هذا ما صحّ لأبي الصلت عن ابن إسحاق إلاّ آخرها، وهو قوله: تلك المكارم -- البيت الشاهد)، فإنّه للنابغة الجعدي واسمه عبد بن قيس أحد بني جعدة... ... في قصيدة له. ولم يذكرها.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 17.

3) - سورة ص/16.

4) - في سؤالات نافع: (الجزاء: وهو الحساب). وفي تنوير المقباس: 381: (كتابنا: أي صحيفة حسابنا). وفي اللغات في القرآن: 40: (يعني كتابنا بلغة توافق لغة النبط). وفي تفسير الطبري 86/23، وتفسير ابن كثير 48/7: (عذابنا).

5) - ديوانه: 255، وتفسير الطبري 85/23، وتفسير القرطبي 157/15، ومجمع البيان 468/4، ومجاز القرآن 189/2.

6) - رواية الديوان والمصادر: (ويأفِق). وفي الديوان، ومجاز القرآن: (بإمته يعطي). وفي تفسير القرطبي: (بغبطته)، وذكر الرواية الأُخرى: (بنعمته).

79 = 27 -123- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ(2)؟

قال: الحمأ: السواد، والمسنون: المصور(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطّلب(4):

أغرّ كأنّ البَدْرَ سُنَّة وجهه *** جلا الغيم عنه ضوؤه فتبدَّدا

80 = 28 -123- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(6)؟

قال: البائس: الذي لا يجد شيئاً من شدّة الحال(7).


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 17.

2) - سورة الحجر/26.

3) - في تنوير المقباس: 217: (من طين منتن). وروي عنه تفسير الحمأ المسنون: بالطين، أو التراب المنتن والرطب، في تفسير الطبري 20/10 -- 21، وتفسير ابن كثير 451/4، ومجمع البيان 335/3. وفي اللغات في القرآن: 31: (الحمأ: الطين، والمسنون: المنتن بلغة حمير). وفي سؤالات نافع: (الحمأ: السوداء، وهو الثأط أيضاً).

4) - في سؤالات نافع: (حمزة بن عبد الملك [كذاٍ] وهو يمدحه عليه السلام).

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 17 -- 18.

6) - سورة الحجّ/28.

7) - في تنوير المقباس: 279: (الضرير الزَّمن المحتاج). وفي تفسير الطبري 109/17: (الزمن).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول طرفة(1):

يغشاهم البائس المُدّفَّعُ وال- *** -ضيف وجارٌ مجاور جُنُب(2)

81 = 29 -123- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: مَّاء غَدَقاً(4)؟

قال: كثيراً(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

تُدني كراديس ملتفّاً حدائقها *** كالنبت جادت بها أنهارهاً غدقا

82 = 30 -123- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: بِشِهَابٍ قَبَسٍ(7)؟

قال: شعلة من نار(8)، تقتبسون منه(9)

وكان في الإتقان: (يقبسون)، والوجه ما أثبت.

.

1) ديوانه: 140 عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن.

2) - المُدفَّع: المحقور الذي لا يضيّف إذا استضاف، ولا يجدى إن استجدى، وقيل: هو الضيف الذي يتدافعه الحي، عن اللسان: (دفع). وكان في الأصل (الإتقان) -- وعنه في الديوان -- وسؤالات نافع: (المدقع) وهو تصحيف يكسر البيت، وهو من المنسرح، وفي الديوان بيت على قريّه.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 18.

4) - سورة الجنّ/16.

5) - في تنوير المقباس: 489: (مالاً كثيراً وعيشاً رغداً واسعاً).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 18.

7) - سورة النمل/7.

8) - تنوير المقباس: 316.

9) - في سؤالات نافع: (شعلة من نار تقتبسون منه. وذلك أنّ موسى لمّا خرج من أرض مدين يريد مصر، وذلك في ليلة مظلمة، طشت السماء، فأنزل أهله وولده وقدح النار فلم يقدح شيئاً، فرفعت له نار من الشجرة، فقال لأهله: امكثوا إنّي أرى ناراً لعلّي آتيكم منها بجذوة، يقول بجمرة، أو آتيكم بشهاب قبس تقتبسون منه ناراً). وكان فيه (وطشت) حذف الواو لأنّه جواب لما.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول طرفة بن العبد(1):

هَم عراني فبتُّ أدفَعه *** دون سهادي كشعلة القبس

83 = 31 -123- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: عَذَابٌ أَلِيمٌ(3)؟

قال: الأليم: الوجيع(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

نام من كان خلياً من ألم *** وبقيت الليل طولاً لم أنم(5)

84 = 32 -123- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم(7)؟


1) ديوانه: 165 عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 18.

3) - سورة البقرة/10.

4) - تنوير المقباس: 4، وفي اللغات في القرآن: 38 في تفسير قوله تعالى: عَذَاباً أَلِيماً سورة الأحزاب/8: (يعني: موجعاً بالعبرانية).

5) - (لقد مرّ في النحو الثاني من أنحاء البحث المفيد ما يتعلّق بهذا البيت، وأنّه ممّا تُزيّد في المسائل فراجع. الخرسان).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 18.

7) - سورة المائدة/46.

قال: أتبعنا(1)على آثار الأنبياء، أي: بعثنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(2):

يوم قَفَّت عيرهم من عيرنا *** واحتمال الحي في الصُبح فلق

85 = 35 -123 -- 124- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: إِذَا تَرَدَّى(4)؟

قال: إذا مات وتردَّى في النار(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(6):

خطفته منيَّة فتردَّى *** وهو في الملك يأمل التعميرا

86 = 34 -124- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(8)؟

قال: النّهر: السعة(9).


1) في تنوير المقباس: 95: (أتبعنا وأردفنا).

2) - ذيل ديوانه: 148 عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 19.

4) - سورة الليل/11.

5) - في تنوير المقباس: 513: (إذا مات، ويقال: إذا تردى في النار). وفي اللغات في القرآن: 52: (إذا مات، بلغة قريش).

6) - ديوانه: 64 وفيه (وهو في ذاك يأمل).

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 19.

8) - سورة القمر/54.

9) - في تنوير المقباس: 450: (أنهار كثيرة، ويقال: بأرض واسعة).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة(1):

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما ورائها(2)

87 = 35 -124- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ(4)؟

قال: أجدَر ألا تميلوا(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(6):

إنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا *** قول النبيّ وعالوا في الموازين(7)


1) وكذا وقع في أصل سؤالات نافع. والصواب: أنّ البيت لقيس بن الخطيم، ديوانه: 8، وتخريجه فيه. وهو له في تفسير غريب القرآن: 45، وهو بلا نسبة في تفسير القرطبي 149/17. ويروى: (يرى قائماً)، وهي رواية الديوان.

2) - (البيت من أوّل قصيدة في ديوان قيس بن الخطيم بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد من كنوز الشعر: 2. الخرسان).

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 19.

4) - سورة النساء/3.

5) - في تنوير المقباس: 64: (أحرى أن لا تميلوا). وتفسير أَلاَّ تَعُولُواْ ب- (ألا تميلوا)، مروي عن ابن عبّاس في تفسير الطبري 161/4، وتفسير القرطبي 20/5، وتفسير ابن كثير 185/2، ومجمع البيان 6/2.

6) - وهو المبرق عبد الله بن الحارث السهمي، والبيت من أبيات له في السيرة النبوية 354/1، وعنها في منح المدح: 156. والبيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 21/5، واللسان: (ع و ل).

7) - (البيت الشاهد من أبيات للمبرق، مرّ ذكرها في النحو الثاني من مبحث المفيد؛ فراجع. الخرسان).

88= 36 -124- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: مَا أَلْفَيْنَا(2)؟

قال: يعني: وجدنا(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بني ذبيان(4):

فحسَّبوه فألفوه كما زَعمت *** تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد(5)

واحكم كحكم فتاة الحي إذ حكمت *** إلى حمام شراع وارد الثمد

يحفّه جانبا نيق وتتبعه *** مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا *** إلى حمامتنا أو نصفه فقد

فحسبوه... البيت الشاهد *** .............

فكملّت مئة فيها حمامتها *** وأسرعت حسبة في ذلك العدد

الخرسان).

89 = 37 -124- قال(6)

(وفي الدرّ المنثور 175/1 نقلاً عن الطستي والطبراني، ولم أقف عليه فيما رواه الطبراني من مسائل نافع، وقد مرّ منّي ذكرها. الخرسان).

: أخبرني عن قوله تعالى: جَنَفاً(7)؟

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 20.

2) - سورة البقرة/170.

3) - تنوير المقباس: 23.

4) - ديوانه: 16 (صنعة ابن السكيت): 24 (صنعة الأعلم).

5) - البيت الشاهد من معلقة النابغة، والتي تعد من عيون الشعر، وقد مدح بها النعمان بعدما جفاه فاعتذر إليه فيها ممّا رموه به بنو قريع من أمر المتجردة، والبيت الشاهد يشير فيه إلى زرقاء اليمامة، فقال:

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 21.

7) - سورة البقرة/182.

قال: الجور والميل في الوصية(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(2):

وأمّك يا نعمان في أخواتها *** يأتين ما يأتينه جَنَفا

90 = 38 -124- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء(4)؟

قال: البأساء: الخصب، والضراء: الجدب(5)

وقوله: (البأساء: الخصب) غريب، والذي في كتب اللغة والتفسير: أنّ البأساء الشدّة، وهي نقيض النعماء.

.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زيد بن عمرو:

إنّ الإله عزيز واسع حكمُ *** بكفه الضُرّ والبأساء والنعم

91 = 39 -124- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: إِلاَّ رَمْزاً(7)؟


1) في تنوير المقباس: 25 (ميلا وخطأ). وفي تفسير الطبري 74/2، وتفسير ابن كثير 304/1 (الخطأ).

2) - كذا وقع، وهو مختل، ولم أجده في ديوان عدي ولا في غيره.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 21.

4) - سورة الأنعام/42.

5) - في تنوير المقباس: 109: (بالبأساء: بالخوف بعضهم من بعض والبلايا والشدائد إذا لم يؤمنوا. والضرّاء والأمراض والأوجاع والجوع). وفي مجمع البيان 301/2: (بالبأساء والضراء، يريد به: الفقر والبؤس والأسقام والأوجاع).

6) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 79، وسؤالات نافع: 21.

7) - سورة آل عمران/41.

قال: الإشارة باليد والومي بالرأس(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

ما في السماء من الرَّحمن مُرتمِزٌ(2)*** إلا إليه وما في الأرض من وزر

92 = 40 -125- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: فَقَدْ فَازَ(4)؟

قال: سعد ونجا(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عبد الله بن رواحة:

وعسى أن أفوز ثُمت ألقى(6)*** حُجّة أتقي بها الفتَّانا

93 = 41 -125-(7): أخبرني عن قوله تعالى: سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ(8)؟

قال: عَدْل(9).


1) في تنوير المقباس: 47: (إلا تحريكا بالشفتين والحاجبين والعينين واليدين). وفي تفسير الطبري: 178: (الرمز: أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده).

2) - في سؤالات نافع: رامزة. وفي إيضاح الوقف: من رمز؟

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 21.

4) - سورة آل عمران/185.

5) - في تنوير المقباس: 62: (فاز بالجنّة وما فيها ونجا من النار وما فيها).

6) - في سؤالات نافع: ثمّ ألقّى.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 21.

8) - سورة آل عمران/64.

9) - تنوير المقباس: 49.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

تلاقينا فقاضَينَا سواء *** ولكن جرَّ عن حال بحال(1)

94 = 42 -125- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(3)؟

قال: السفينة الموقرة(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص(5):

شحنا أرضهم بالخيل حتّى *** تركناهم أذلَّ من الصراط

95 = 43 -125- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: زَنِيمٍ(7)؟

قال: ولد الزنى(8).


1) في سؤالات نافع: لحال. (لقد مرّ في النحو الثاني من البحث المفيد ما يتعلّق بالشاهد الشعري وقائله؛ فراجع. الخرسان).

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 23.

3) - سورة الشعراء/119.

4) - في سؤالات نافع: (الموقرة المملوءة). وفي تنوير المقباس: 311: (السفينة الموقرة المملوءة). وفي تفسير الطبري 57/19: (المشحون: الموقر).

5) - ليس في ديوانه. وهو بلا نسبة في شمس العلوم 425/1.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 23، والكامل: 1146.

7) - سورة القلم/13.

8) - في تنوير المقباس: 481: (ملصق بالقوم ليس منهم). وفي تفسير الطبري 17/29، وتفسير ابن كثير 220/8: (الدعيّ).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(1)

(وفي زعامة الشعر الجاهلي: 113 نسب البيت الشاهد إلى عدي بن زيد قاله في الهجاء. الخرسان).

:

زنيم تداعته الرجال زيادة *** كما زيد في عرض الأديم الأكارع

96 = 44 -125- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: طَرَائِقَ قِدَداً(3)؟

قال: المنقطعة في كلّ(4)وجه(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(6):

ولقد قلت وزيد حاسرٌ *** يوم ولَّت خيل زيد قددا


1) وهو الخطيم التميمي، انظر السيرة النبوية 386/1 -- 387، واللسان: (ز ن م). وعزاه المبرّد في الكامل: 1146 إلى حسّان وهماً. وهو بلا نسبة في تفسير ابن كثير 220/8، ومجمع البيان 34/5، وإعراب القراءات وعللها: 30. والرواية في غير الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع: (تداعاه الرجال).

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 24.

3) - سورة الجنّ/11.

4) - في سؤالات نافع: من كل.

5) - في تنوير المقباس: 489، وتفسير الطبري 29: 70، وتفسير ابن كثير 268/8: (أهواء مختلفة). وفي مجمع البيان 371/5: (فرقاً شتّى على مذاهب مختلفة).

6) - البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 16/19 (وفيه: خيل عمرو)، وذكر محقّقه أنّه نسب في تفسير الشوكاني إلى لبيد، وليس في ديوانه.

97 = 45 -125- قال(1)

سوف يأتيك والسلام جميعاً *** لكلانا فما له من خلاق

وليس في ديوان عدي.

: أخبرني عن قوله تعالى: خَلاَقٍ(2)؟

قال: نصيب(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت(4):

يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم *** إلاّ سرابيلُ من قطر وأغلال

98 = 46 -125- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ(6)؟

قال: مُقِرُّون(7).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد(8)

مؤمن الصدر يرجي عتقه

:

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 2، وزاد شاهداً آخر عزاه إلى عدي بن زيد، وهو:

2) - سورة البقرة/102.

3) - تنوير المقباس: 15، وتفسير ابن كثير 207/1. وفي اللغات في القرآن: 19: أنّها بلغة كنانة. وفي تفسير الطبري 371/1 عن ابن عبّاس: (القوام).

4) - ديوانه: 438، وهو من الشعر المتّهم عند محقّقه. وهو له في تفسير الطبري 371/1، ومجمع البيان 171/1.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 22.

6) - سورة البقرة/116، وسورة الروم/26.

7) - في تنوير المقباس: 17: (مقرون له بالعبودية)، وفي تفسير الطبري 403/1 عن الضحّاك عن ابن عبّاس: (مطيعون)، وكذا في مجمع البيان 192/1.

8) - ديوانه: 61، وصدره فيه:

قاتنا لله يرجو عفوه *** يوم لا يُكفر عبدٌ ما ادَّخر

99 = 47 -125- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ(2)؟

قال: [السلق](3): الطعن باللسان(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى(5):

فيهم الخصب والسماحة والنَّجْ- *** -دة فيهم والخاطب المسلاقُ

100 = 48 -125- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: وَأَكْدَى(7)؟

قال: كدّره بمنَّه(8).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر(9):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 23.

2) - سورة الأحزاب/19.

3) - زيادة يقتضيها السياق.

4) - تنوير المقباس: 352، وفي تفسير الطبري 90/21: (استقبلوكم).

5) - ديوانه: 251، وفيه: (المصلاق). والبيت في تفسير القرطبي 154/14.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 23.

7) - سورة النجم/34.

8) - في تنوير المقباس: 447: (قطع نفقته وصدقته في سبيل الله)، ونحوه في تفسير الطبري 42/27. وتفسير ابن كثير 493/7.

9) - عزي البيت إلى الحطيئة في تفسير القرطبي 17: 112 والرواية فيه: (ثمّ أكدى عطاءه)، ولم أجده في ديوان الحطيئة، وفيه بيت آخر يشركه في القافية، وهو قوله [ديوانه: 61]:

أعطى قليلاً ثمّ أكدى بمنَّه *** ومن ينشر المعروف في الناس يحمد(1)

101 = 49 -125 -- 126- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: قَضَى نَحْبَهُ(3)؟

قال: أجله(4)الذي قدِّر له.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة(5):

ألا تسألان المرء ماذا يحاول *** أنحبٌ فيقضى أم ضلال وباطل

102 = 50 -126- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: ذُو مِرَّةٍ(7)؟

قال: ذو شدّة في أمر الله(8).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بني ذبيان(9):


1) البيت مخروم، وفي تفسير القرطبي (فأعطى) بغير خرم.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 24.

3) - سورة الأحزاب/23.

4) - تنوير المقباس: 352، وفي تفسير الطبري 93/21.

5) - ديوانه: 254 وتخريجه فيه، وهو في تفسير القرطبي 158/14.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 25.

7) - سورة النجم/6.

8) - تنوير المقباس: 446. وفي اللغات في القرآن: 45: (ذو قوّة، بلغة قريش). وفي تفسير الطبري 25/27، وتفسير ابن كثير 419/7: (ذو منظر حسن).

9) - ليس في ديوانه.

[قد كنت أقريه إذا ضافني](1)*** وهناً قرى ذي مرّةٍ حازم(2)

103 = 51 -126- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: الْمُعْصِرَاتِ(4)؟

قال: السحاب(5)

وروي عنه: أنّها الرياح، انظر: تفسير الطبري، وابن كثير، والقرطبي، ومجمع البيان.

يعصر بعضها بعضاً فيخرج الماء من بين السحابتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة(6):

تجر بها الأرواح من بين شمألٍ *** وبين صبا بالمعصرات الدوامس(7)

104 = 52 -126- قال(8): أخبرني عن قوله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ(9)؟

قال: العضد: المعين الناصر.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة [بني ذبيان](10):


1) زيادة من سؤالات نافع.

2) - كان في الإتقان: قوى، وهو تحريف.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 25.

4) - سورة النبأ/14.

5) - تنوير المقباس: 498، وتفسير الطبري 4/30 -- 5، وتفسير ابن كثير 327/8، وتفسير القرطبي 172/19، ومجمع البيان 42/5. وفي اللغات في القرآن: 50: (يعني من السحاب، والواحد المعصر بلغة قريش).

6) - ليس في ديواني النابغتين: البياني، والجعدي.

7) - في الإتقان: (وبين صباها المعصرات)؟ ولعلّه تحريف، صوابه ما أثبت من سؤالات نافع.

8) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 25.

9) - في تنوير المقباس: 326: سنقوي ظهرك.

10) - زيادة من سؤالات نافع. وليس البيت في ديوان النابغة الذبياني.

في ذمّةٍ من أبي قابوس منقذةٍ *** للخائفين ومن ليست له عضدُ

105 = 53 -126- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: فِي الْغَابِرِينَ(2)؟

قال: في الباقين(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص(4):

ذهبوا وخلفني المخلَّف فيهم *** فكأنّني في الغابرين غريبُ

106 = 54 -126- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: يَصْدِفُونَ(6)؟

قال: يعرضون عن الحقّ(7).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي سفيان(8):

عجبت لحلم الله عنّا وقد بدا *** له صدفنا عن كلّ حقّ منّزل

107 = 55 -126- قال(9): أخبرني عن قوله تعالى: أَن تُبْسَلَ(10)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 26.

2) - سورة الشعراء/171.

3) - تنوير المقباس: 313.

4) - ليس في ديوانه.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 26.

6) - سورة الأنعام/46.

7) - تنوير المقباس: 109، وتفسير القرطبي 428/6، وفي تفسير الطبري 125/7، وتفسير ابن كثير 252/3: يعدلون.

8) - في سؤالات نافع أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب.

9) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 26.

10) - سورة الأنعام/70.

قال: تُحبس(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير(2)

يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا

:

وفارقتك برهن لا فكاك له *** يوم الوداع فقلبي مُبسلٌ غلقا

108 = 56 -126- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ(4)؟

قال: زالت الشمس عن كبد السماء(5). أما سمعت قول كعب بن مالك(6):

فتغيّر القمر المنير لفقده *** والشمس قد كسفت وكادت تأفل

109 = 57 -126- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: تَفْتَأُ(8)؟

قال: لا تزال(9). أما سمعت قول الشاعر:


1) في تنوير المقباس: 112: (أن تبسل نفس: لكي لا تهلك ولا توهن ولا تعذب نفس). وفي مجمع البيان 318/2: (تهلك). وروي عنه: (تفضح)، انظر تفسير الطبري 151/7، وتفسير ابن كثير 273/3 -- 274. وروي عنه: (تُسلم)، انظر تفسير ابن كثير.

2) - ديوانه: 33 (الدار): 38 (قباوة)، والرواية:

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 26.

4) - سورة الأنعام/78.

5) - في تنوير المقباس: 113، وتفسير الطبري 162/7، وتفسير القرطبي 25/7: (غابت).

6) - ديوانه: 261، والسيرة النبوية 28/4.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 27.

8) - سورة يوسف/85.

9) - في تنوير المقباس: 202، وتفسير الطبري 28/13: لا تزال.

لعمرك ما تفتا تذَكَّر خالداً *** وقد غاله ما غال من قبل تبَّعا(1)

110 = 58 -126- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ(3)؟

قال: مخافة الفقر(4). أما سمعت قول الشاعر:

وإنّي على الإملاق يا قوم ماجد *** أعد لأضيافي الشِّواء المضهَّبا

111 = 59 -126- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: حَدَائِقَ(6)؟

قال: البساتين(7). أما سمعت قول الشاعر:

بلادٌ سقاها الله أمّا سُهُوُلها *** فقضب ودرٌّ مغدق وحدائق(8)


1) كان في الإتقان في علوم القرآن: (من قبل تبع) وفي المسائل المنقولة عن الإتقان في علوم القرآن باختصار، نسخة الظاهرية ذات الرقم/6863، في الورقة 21/ظ: (ما غال تبع من قبل)؟ وكلاهما خطأ. وفي سؤالات نافع: وقد غاله تبع قبلُ؟ كذا وقع وهو خطأ أيضاً، ولعلّ الصواب ما أثبت.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 27.

3) - سورة الإسراء/31.

4) - تنوير المقباس: 236، وتفسير الطبري 57/15. وفي اللغات في القرآن: 24: (جوع، بلغة لخم).

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 27.

6) - سورة النمل/60.

7) - تنوير المقباس: 320، واللغات في القرآن: 51 (في تفسير قوله تعالى: حَدَائِقَ غُلْباً سورة عبس/30).

8) - القضب: شجر سهلي ينبت في مجامع الشجر، له ورق كورق الكمثرى، إلاّ أنّه أرق وأنعم، عن أبي حنيفة الدينوري (اللسان: ق ض ب).

112= 60 (127) قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ يَؤُودُهُ(2)؟

قال: لا يثقله(3)، أما سمعت قول الشاعر:

يُعطي المئين ولا يؤوده حملها *** محض الضرائب ماجد الأخلاق

113 = 61 -127- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ(5)؟

قال: يحركون(6)رؤوسهم استهزاء بالناس. أما سمعت قول الشاعر:

أتنغِض لي يوم الفجار(7)

(ورد بيت الشاهد في جمهرة أشعار العرب 9/1 تح علي محمّد البجاوي منسوباً إلى زهير مع تفاوت يسير، ولفظه:

وقال زهير أيضاً:

وينغض لي يوم الفجار وقد رأى *** خيولا عليها كالأسود ضواري

الخرسان).

وقد ترى *** خيولا عليها كالأُسود ضواريا

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 27.

2) - سورة البقرة/255.

3) - في تنوير المقباس: 36، وتفسير الطبري 8/3: (لا يثقل عليه).

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 28.

5) - سورة الإسراء/51.

6) - تنوير المقباس: 237، وتفسير الطبري 70/15، وتفسير ابن كثير 83/5. وفي اللغات في القرآن: 32. (يعني: يحركون، بلغة حمير).

7) - كان في الإتقان في علوم القرآن، وأصل سؤالات نافع: (الفخار)، فجعله المحقّق: (الفجار)، ولعلّه الصواب؟

114 = 62 -127- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: يُهْرَعُونَ(2)؟

قال: يُقبلُون إليه بالغضب(3). أما سمعت قول الشاعر(4):

أتونا يُهرعون وهم أُسارى *** نسُوقهم على رغم الأنوف

115 = 63 -127- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ(6)؟

قال: بئس اللعنة بعد اللعنة(7). أما سمعت قول الشاعر(8):

لا تقذفني بركن لا كفاء له *** وإن تأثفك الأعداء بالرِّفد

116 = 64 -127- قال(9): أخبرني عن قوله تعالى: غَيْرَ تَتْبِيبٍ(10)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 28.

2) - سورة هود/78.

3) - في تنوير المقباس: 189: (يسرعون إلى داره ويهرولون هرولة). وفي تفسير الطبري 51/12: (وجاءه قومه يهرعون إليه: يقول مسرعين).

4) - وهو مهلهل، انظر: تفسير الطبري 50/12، وتفسير القرطبي 75/9، ومجمع البيان 182/3، والرواية فيها: فجاؤوا يهرعون... نقودهم...

5) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 85، وسؤالات نافع: 28 -- 29، وهي في مجمع البيان 191/3

6) - سورة هود/99.

7) - في تنوير المقباس: 191: (بئس الغرق ورفده النار، ويقال: بئس العوم وبئس المعان). وفي تفسير الطبري 67/12، وتفسير ابن كثير 278/4: (لعنة الدنيا والآخرة).

8) - في سؤالات نافع: (أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول). وفي إيضاح الوقف: (قال فيه نابغة بني ذبيان). وهو له في ديوانه: 21 (صنعة ابن السكيت): 26 (صنعة الأعلم).

9) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 29.

10) - سورة هود/101.

قال: تخسير(1). أما سمعت قول بشر بن أبي خازم(2):

هم جدعوا الأنوف فأوعبوها *** وهم تركوا بني سعد تبابا

117 = 65 -127- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ(4)، ما القطع؟

قال: آخر الليل سحراً(5)، قال مالك بن كنانة(6)

على رجل بقارعة الصعيد

:

ونائحة تقوم بقطع ليل *** على رجل أصابته شعوب

118 = 66 -127- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: هَيْتَ لَكَ(8)؟

قال: تهيأت لك(9). أما سمعت قول أحيحة بن الجُلاح الأنصاري:


1) تنوير المقباس: 191. وفي اللغات في القرآن: 29: (تتبيب يعني تحير [كذا] بلغة قريش).

2) - ديوانه: 30 وفيه (يبابا)، أي: خرابا.

3) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 85.

4) - سورة هود/81.

5) - في تنوير المقباس: 189: (في بعض الليل: آخر الليل عند السحر). وفي تفسير الطبري 56/12 -- 57، وتفسير القرطبي 79/9: (بطائفة من الليل)، وروي عنه: (جوف الليل). وفي مجمع البيان 184/3: (في ظلمة الليل).

6) - البيت له في إيضاح الوقف: 85. وروي باختلاف في عجزه وقافيته في تفسير القرطبي 80/9، والبحر 248/5، والدرّ المصون 365/6، وروايته فيها:

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 29، وإيضاح الوقف: 86.

8) - سورة يوسف/23.

9) - تنوير المقباس: 195، وتفسير ابن كثير 307/4. وفي إيضاح الوقف: (هلم لك)، وهو المروي عنه في تفسير الطبري 164/9، ومجمع البيان 223/3، وروي عنه في تنوير المقباس. وفي اللغات في القرآن: 30: (يعني: هلم لك بلغة وافقت النبطية). وفي الإتقان في علوم القرآن 140/1: (بالقبطية). وفي تفسير القرطبي: (بالسريانية).

به أحمي المُضاف إذا دعاني *** إذا ما قيل للأبطال هيتا(1)

به أحمي المضاف إذا دعاني *** ونفسي ساعة الفزع الفلاطٍ

العباب الزاخر حرف الطاء: 154، وديوان الهذليين: 372. الخرسان).

119 = 67 -127-قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: يَوْمٌ عَصِيبٌ(3)؟

قال: شديد(4). أما سمعت قول الشاعر(5):

هم ضربوا قوانس خيل حجر *** بجنب الردّة في يوم عصيب(6)

120 = 68 -127- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: مُّؤْصَدَةٌ(8)؟

قال: مطبقة(9). أما سمعت قول الشاعر(10):


1) (لقد ورد صدر البيت في شعر المتنخل الهذلي، حيث قال:

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 29، وهي في إيضاح الوقف: 84، والشاهد فيه قول عدي [ديوانه: 39]:

تحن إلى أجبال مكّة ناقتي *** ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة

121 = 69 -127- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: لاَ يَسْأَمُونَ(2)؟

قال: لا يفترون ولا يملون(3). أما سمعت قول الشاعر:

من الخوف لا ذو سأمة من عبادة *** ولا هو من طول التعبد يهجد(4)

122 = 70 -127 قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: طَيْراً أَبَابِيلَ(6)؟

قال: ذاهبة وجائية(7)تنقل الحجارة بمناقيرها وأرجلها، فتبلبل عليهم فوق رؤوسهم. أما سمعت قول الشاعر:

وبالفوارس من ورقاء قد علموا *** أحلاس خيلٍ على جرد أبابيلِ(8)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 29.

2) - سورة فصّلت/38.

3) - تنويرالمقباس: 403.

4) - (البيت الشاهد من قصيدة لأُميّة بن أبي الصلت فيها بعض الشواهد الشعرية الأُخرى، كما في تفسير قوله تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا في سورة الجنّ/3، كما في رواية السيوطي في الإتقان في علوم القرآن، والقصيدة طويلة نافت على الأربعين، ذكرها بشير يموت في ديوان أُميّة: 28 -- 29، ط بيروت؛ وعنه نقلتها موزعة في أدب التفسير = غريب القرآن حسب ورود الشاهد في الآية. الخرسان).

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 30.

6) - سورة الفيل/3.

7) - في تنوير المقباس: 519: (متتابعة). وفي تفسير الطبري 191/30، وتفسير ابن كثير 508/8، وتفسير القرطبي 197/20: (يتبع بعضها بعضاً).

8) - (البيت الشاهد من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها الحارث، قال أبو حاتم: لم يعرفها الأصمعي وعرفها أبو عبيدة، وهي مذكورة في ديوانه شرح الأعلم الشنتمري: 50 -- 51، ط الحميدية بمصر. الخرسان).

123= 71 -127- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: ثَقِفْتُمُوهُمْ(2)؟

قال: وجدتموهم(3). أما سمعت قول حسّان(4):

فإمّا تثقفن بني لؤيٍّ *** جذيمة إن قتلهم دواء

124 = 72 -127- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً(6)؟

قال: النقع: ما يسطع من حوافر الخيل(7). أما سمعت قول حسّان(8)

عدمت بنيتي إن لم تروها

:

عدمنا خيلنا إن لم تروها *** تثير النقع موعدها كداء

125 = 73 -127- قال(9): أخبرني عن قوله تعالى: فِي سَوَاء الْجَحِيمِ(10)؟

قال: في وسط الجحيم(11). أما سمعت قول الشاعر:


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 30.

2) - سورة البقرة/191.

3) - تنوير المقباس: 26.

4) - ديوانه: 76.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 30.

6) - سورة العاديات/4.

7) - وهو الغبار، تنوير المقباس: 517، وتفسير الطبري 179/30، وتفسير ابن كثير 487/8.

8) - ديوانه: 73. وهو في تفسير القرطبي 158/20 وروايته فيه:

9) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 30.

10) - سورة الصافات/55.

11) - تنوير المقباس: 376، وتفسير الطبري 39/28، وتفسير ابن كثير 13/7.

رماها بسهم فاستوى في سوائها *** وكان قتولا للهوادي الطوارق(1)

126 = 74 -128- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ(3)؟

قال: الذي ليس له شوك(4). أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت(5):

إنّ الحدائق في الجنان ظليلةٌ *** فيها الكواعب سدرها مخضود

127 = 75 -127- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: طَلْعُهَا هَضِيمٌ(7)؟

قال: منضم بعضه إلى بعض(8)

وروي عنه: (لطيف)، انظر تفسير القرطبي، وروي عنه: (لين)، انظر تفسير ابن كثير.

. أما سمعت قول امرئ القيس(9):

دارٌ لبيضاء العوارض طفلةٍ *** مهضومة الكشحين ريّا المعصم(10)

لمن الديار غشيتها بالأنعم *** تبدو معالمها كلون الأرقم

لعبت بها ريح الصبا فتنكرت *** إلا بقيّة نؤيها المتهدم

دار لبيضاء العوارض طفلةٍ *** مهضومة الكشحين ريّا المعصم

إلى آخر الأبيات ناهزت الثلاثين. الخرسان).


1) كان في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: (قبولا)، وهو تصحيف. وفي الإتقان: (للهوى ذي الطوارق)، وهو تحريف، ولعلّ الصواب ما أثبت. والهوادي هوادي الوحش وهي في أوائلها، والطوارق: التي تطرق ليلا.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 30 -- 31.

3) - سورة الواقعة/28.

4) - تنويرالمقباس: 454، وتفسير الطبري 103/27، وتفسير ابن كثير 3/8، ومجمع البيان 218/5.

5) - ديوانه: 377، والبيت من الشعر المتّهم عند محقّقه.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 31.

7) - سورة الشعراء/148.

8) - في سؤالات نافع: (متصل بعضه إلى بعض). وفي تنوير المقباس: 412: (لين لطيف نضيج). وفي تفسير الطبري 61/19، وتفسير القرطبي 128/13، وتفسير ابن كثير 165/6، ومجمع البيان 199/4: (نضيج).

9) - ملحق ديوانه: 477، عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن.

10) - (البيت الشاهد عزي لامرئ القيس، وهو ليس من شعره, بل هو من قصيدة لبشر بن أبي خازم، ذكرها أبو زيد القرشي في جمهرة أشعار العرب: 497 تحقيق البجاوي، وهي القصيدة الرابعة من المجمهرات [وهي في ديوانه: 177، وفي المفضليات 145/2، والأصمعيات: 208، ومنتهى الطلب 151/1 -- نقلاً عن الهامش]، والشاهد هو البيت الثالث وقبله:

128= 76 -128- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: قَوْلاً سَدِيداً(2)؟

قال: قولاً عدلاً حقّاً(3). أما سمعت قول حمزة:

أمين على ما استودع الله قلبه *** فإن قال قولاً كان فيه مسدّدا

129 = 77 -128- قال(4)

لعمرك إن إلك من قريش *** كإل السقب من رأل النعام

(البيت الشاهد ذكره البكري في سمط اللئالي مفرداً، وهو في ديوان حسّان: 90، ط ليدن، ولكن في، ط مصر بتصحيح محمّد أفندي: 108 و، ط مصر تحقيق عبد الرحمن البرقوقي: 407 ذكر بعده ثلاثة أبيات، هي:

فإنّك إن تمتّ إلى قريش *** كذات البو جائلة المرام

وأنت منوّط بهمُ هجين *** كما نيط السمائح بالخدام

فلا تفخر بقوم لست منهم *** ولائك كاللئام بني هشام

الخرسان).

: أخبرني عن قوله تعالى: إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً(5)؟

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 31.

2) - سورة النساء/9.

3) - في تنوير المقباس: 65: (عدلاً في الوصية).

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 31، وهي في إيضاح الوقف: 84، والشاهد فيه قول حسّان [ديوانه: 105]:

5) - سورة التوبة/8.

قال: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد(1). أما سمعت قول الشاعر:

جزى الله إلاّ كان بيني وبينهم *** جزاء ظلوم لا يُؤخَّر عاجلا

130 = 78 -128- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: خَامِدِينَ(3)؟

قال: ميتين(4). أما سمعت قول لبيد(5):

خلوا ثيابهم على عوراتهم *** فهم بأفنية البيوت خمود

131 = 79 -128- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: زُبَرَ الْحَدِيدِ(7)؟

قال: قطع الحديد(8). أما سمعت قول كعب بن مالك(9)

(البيت الشاهد من قصيدة أجاب بها ضرار بن الخطّاب على قصيدته التي قالها في يوم بدر، وأوّلها:

عجبت لفخر الأوس والحين دائر *** عليهم غدا والدهر فيه بصائر

وهي في سيرة ابن هشام 380/2. الخرسان).

:

1) تنوير المقباس: 154، وتفسير الطبري 59/10 -- 60، وتفسير القرطبي 79/8، وتفسير ابن كثير 57/4، ومجمع البيان 8/3. وفي اللغات في القرآن: 27: أنّ الإل: القرابة بلغة قريش. وفي إيضاح الوقف: الإل: الرحم، ولم يفسّر الذمة.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 31.

3) - سورة الأنبياء/15.

4) - تنوير المقباس: 269. وفي تفسير الطبري 8/17: (خامدين خمود النار إذا طفئت)، وفي سؤالات نافع: (أصبح قوم صالح في ديارهم ميتين).

5) - ديوانه: 34، وفيه: (همود).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 32.

7) - سورة الكهف/96.

8) - تنوير المقباس: 252، وتفسير الطبري 20/16، وتفسير ابن كثير 192/5.

9) - ديوانه: 201 وفيه: تلظى علي وهي قد شب حميها.

تلظى عليهم حين أن شدَّ حميها *** بزبر الحديد والحجارة ساجرُ

132 = 80 -128- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: فَسُحْقاً(2)؟

قال: بعداً(3). أما سمعت قول حسّان(4):

ألا من مبلّغ عنِّي أُبياً *** فقد ألقيت في سَحَق السعيرِ

133 = 81 -128- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: إِلاَّ فِي غُرُورٍ(6)؟

قال: في باطل(7). أما سمعت قول حسّان(8)

(البيت الشاهد أوّل أبيات خمسة قالها حسّان في مقتل أُبيّ بن خلف بطعنة النبيّ7 له بالحربة، وحديثه في سيرة ابن هشام 129/1 بتحقيق السقا والأبياري وشلبي، ط تراث الإسلام سنة 1375ه- وغيرها، والأبيات هي:

ألا من مبلغ عنّي أبيّا *** فقد ألقيت في سحق السعير

تمنّى بالضلالة من بعيد *** ونقسم أن قدرت على النذور

تمنيك الأمناني من بعيد *** وقول الكفر يرجع في غرور

فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ *** كريم البيت ليس بذي فجور

له فضل على الأحياء طراً *** إذا نابت ملمات الأمور

الخرسان).

:

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 32.

2) - سورة الملك/11.

3) - تنوير المقباس: 479، وتفسير الطبري 4/29.

4) - صلة ديوانه: 389 عن السيرة النبوية 90/3.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 33.

6) - سورة الملك/20.

7) - في تنوير المقباس: 479: (في أباطيل من الدنيا وغرورها).

8) - السيرة النبوية 90/3، وهو ثالث خمسة، وألحقها محقّق الديوان: 389، وأخطأ في النقل، فركّب بيتاً من صدر البيت الأوّل وعجز الثالث، فصارت عنده أربعة أبيات. وفي الإتقان: تمنتك، وهو تصحيف.

تَمنيك الأماني من بعيدٍ *** وقول الكفر يرجع في غُرور

134 = 82 -128- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَحَصُوراً(2)؟

قال: الذي لا يأتي النساء(3). أما سمعت قول الشاعر:

وحصور عن الخنا يأمر النَّا *** س بفعل الخيرات والتشمِير

135 = 83 -128- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: عَبُوساً قَمْطَرِيراً(5)؟

قال: الذي ينقبض وجهه من شدّة الوجع(6). أما سمعت قول الشاعر(7):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 33.

2) - سورة آل عمران/33.

3) - تفسير ابن كثير 30/2. وفي تنوير المقباس: 46: (لم يكن له شهوة إلى النساء). وفي تفسير الطبري 175/3: (أنّه الذي لا ينزل الماء). وفي اللغات في القرآن: 20: (أنّه الذي لا حاجة له في النساء بلغة كنانة).

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 33 -- 34.

5) - سورة الإنسان/10.

6) - في تنوير المقباس: 495: (شديداً... ويقال هو تعبس الوجه). وفي تفسير الطبري 131/29، وتفسير ابن كثير 314/8: (يعبس الكافر يومئذ حتّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران). وفيهما أيضاً: (طويلاً)، وهو ما في تفسير القرطبي 135/19. وفي الطبري أيضاً: (يقبض ما بين العينين).

7) - عزي البيت إلى أُميّة بن أبي الصلت، ديوانه: 410، وهو من الشعر المتّهم عند محقّقه.

ولا يوم الحساب وكان يوماً *** عبوساً في الشدائد قمطرِيرا

136 = 84 -128- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: إِيَابَهُمْ(2)؟

قال: الإياب المرجع(3). أما سمعت قول عبيد بن الأبرص(4):

وكلّ ذي غيبة يؤوب *** وغائب الموت لا يؤووب(5)

فألقت عصاها واستقرت بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافرُ)

واختلف في نسبته، فنسب إلى راشد بن عبد الله السلمي، وإلى معقر البارقي، وإلى سليم بن ثمامة الحنفي، وإلى مضرّس الأسدي، وإلى الأحمر بن سالم المزني، انظر كتاب العصا: 174، وتعليق محقّقه، والبيان والتبيين 40/3، واللسان: (ع ص و).

137 = 85 -128- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: حُوباً(7)؟

قال: إثماً(8)، بلغة الحبشة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى(9)

... وما كلفتموني وربّكم *** ليعلم ... ... وأحربا

وفي الحيوان 19/1، وإيضاح الوقف: 79:

... ... وما كلفتموني وربّكم *** لأعلم... ... وأحربا

وفي اللسان: (ع ق ق):

... وما كلفتموني بجهلكم *** ويعلم ربّي من أعق وأحوبا

ونقل عن ابن السكيت، أنّه قال: أحوب: جاء بالحوب.

:

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 34.

2) - سورة الغاشية/25.

3) - تنوير المقباس: 509.

4) - ديوانه: 26، وتفسير القرطبي 38/20.

5) - زاد في سؤالات نافع: (وقال:

6) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 79، وسؤالات نافع: 34.

7) - سورة النساء/2.

8) - تفسير الطبري 154/4، وتفسير القرطبي 10/5. وفي تنوير المقباس: 64: ذنبا.

9) - ديوانه: 151: وفيه:

فإنّي وما كلفتموني من أمركم *** ليُعلم من أمسي أعقَّ وأحوبا

138 = 86 -128- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: الْعَنَتَ(2)؟

قال: الإثم(3). أما سمعت قول الشاعر:

رأيتك تبتغي عنتي وتسعى *** مع الساعي عليَّ بغير ذَحل

139 = 87 -128- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: فَتِيلاً(5)؟

قال: الذي يكون(6)في شَق النواة(7). أما سمعت قول النابغة(8):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 34 -- 35.

2) - سورة النساء/25.

3) - العنت: الإثم، بلغة هذيل، كما في اللغات في القرآن: 28. وفي تنوير المقباس: 68: (العنت: الزنى والفجور). وفي تفسير الطبري 17/5: (الزنى). وفي سؤالات نافع: (ذلك لمن خشي الإثم منكم فيتزوّج الأمة إن لم يفعل فهو خير).

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 35.

5) - سورة النساء/49.

6) - في الإتقان في علوم القرآن: التي تكون، والصواب ما أثبت. وفي سؤالات نافع: لا ينقصون من الخير والشرّ مثل الفتيل وهو الذي يكون في شق النواة.

7) - في تنوير المقباس: 71: هو الشيء الذي يكون في وسط النواة، ويقال: هو الوسخ الذي تفتل بين أصبعك. وانظر تفسير الطبري 82/5، وتفسير ابن كثير 293/2، ومجمع البيان 58/2.

8) - الذبياني، ديوانه: 142: (صنعة ابن السكيت): 170: (صنعة الأعلم)، وتفسير القرطبي 248/5، ومجمع البيان 58/2.

يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو *** ثمّ لا يرزأ الأعادي فتيلا(1)

وبعد هذا البيت في سؤالات نافع: (وقال الأوّل):

أعاذل بعض لومك لا تلجي *** فإنّ اللوم لا يغني فتيلا

(لقد نسب هذا البيت إلى زيد الفوارس، كما في مسودات أدب التفسير، نقلاً عن إيضاح ابن الأنباري/ مخطوطة تركيا بخط المرحوم أفعالي. الخرسان).

140 = 88 -128 -- 129- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: مِن قِطْمِيرٍ(3)؟

قال: الجلدة البيضاء التي على النواة(4). أما سمعت قول أُميّة بن أبي الصلت(5):

لم أنل منهم ولازُب- *** -داً ولا فوفةً ولا قطميرا

141 = 89 -129- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: أَرْكَسَهُم(7)؟

قال: حبسهم(8). أما سمعت قول أُميّة(9)

وفي سؤالات نافع موضع هذا البيت بيت آخر لأُميّة، وهو:

فأركسوهم في حميم النار إنّهم *** كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا

وهذا على البسيط، وليس في مجموع ديوانه كلمة على هذا القريّ.

:

1) رواية الديوان (فيغزو). وفي الديوان وتفسير القرطبي، ومجمع البيان: (لا يرزأ العدوّ).

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 35.

3) - سورة فاطر/13.

4) - تنوير المقباس: 365، وتفسير الطبري 83/22، وتفسير ابن كثير 527/6، ومجمع البيان 402/4. وروي عنه: (شق النواة)، انظر تفسير القرطبي 336/14.

5) - ديوانه: 408.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 35 -- 36 والشاهد فيه بيت آخر لأُميّة سيأتي ذكره.

7) - سورة النساء/88.

8) - في تنوير المقباس: 76، ومجمع البيان 86/2، وتفسير الطبري 123/5، في رواية (ردّهم)، وفي تفسير ابن كثير 327/2، وتفسير الطبري 123/5 في رواية (أوقعهم).

9) - ابن أبي الصلت، ديوانه: 408 وفيه: (تقول إفكاً). وكان في الإتقان في علوم القرآن: (عتاة يقولون كذباً)، وهو خطأ مخل بالوزن، والبيت من كلمة له على الخفيف.

أُركسوا في جهنَّمٍ أنّهم كا *** نوا عُتاة تقول كذبا وزُورا

142 = 90 -129- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا(2)؟

قال: سلَّطنا(3). أما سمعت قول لبيد(4)

وقوله: (ييسروا)، كذا وقع في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع، وفي الديوان والمصادر: (يهبطوا).

وقوله (والنفد) هي إحدى روايتين في الديوان، انظر: تعليق المحقّق، وكذا في تفسير الطبري، ومجمع البيان، ومجاز القرآن، والرواية الأُخرى في الديوان: (والنكد)، وهي الرواية في تفسير القرطبي، وسؤالات نافع. وفي سؤالات نافع: أما سمعت لبيد بن ربيعة يقول.

:

إن يغبطوا ييسروا وإن أُمِرُوا *** يوماً يصيروا للهُلك والنَّفد

143 = 91 -129- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 36.

2) - سورة الإسراء/16.

3) - انظر تنوير المقباس: 234، وتفسير الطبري 4/15، وتفسير ابن كثير 58/5. وهذا التفسير مبني على قراءة: (أمّرنا) بالتشديد، وقد رويت: اقراءة بذلك عن ابن عبّاس وغيره، انظر البحر 20/6. وقراءة الجمهور: أَمَرْنَا . وروي عن ابن عبّاس أيضاً: (آمرنا) بالمد، أي: أكثرنا، وعلى هذا المعنى استشهدوا ببيت لبيد. وفي سؤالات نافع: (سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب).

4) - ديوانه: 160، وهو البيت 8 من كلمته. وهو في تفسير الطبري 43/15، وتفسير القرطبي 233/10، ومجمع البيان 405/3، ومجاز القرآن 373/1، وانظر تخريجه في الديوان: 379.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 36.

كَفَرُواْ(1)؟ قال: يضلكم(2). بالعذاب والجهد، بلغة هوازن(3). أما سمعت قول الشاعر(4)

(البيت الشاهد ثاني أبيات ستّة لعبد الله بن الحارث بن قيس السهمي من المهاجرين إلى الحبشة، فأمنوا هناك وحمدوا جوار النجاشي، قال يدعو من بقي بمكّة:

يا راكباً بلغن عنّي مغلغلة *** من كان يرجو بلاغ الله والدين

كلّ امرئ من عباد الله مضطهدٍ *** ببطن مكّة مقهورٍ ومفتون

إنّا وجدنا بلاد الله واسعة *** تنجي من الذلّ والمخزاة والهون

فلا تقيموا على ذل الحياة وخز *** ي في الممات وعيب غير مأمون

إنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا *** قول النبيّ وعالوا في الموازين

فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا *** وعائذاً بك أن يعلو فيطغوني

سيرة ابن هشام 33/2 تح السقا والأبياري وشلبي. وفي البدء والتاريخ 150/4، ط أفست أوربا، (وكانت في الهجرة الثانية للحبشة). الخرسان).

:

كلّ امرئ من عباد الله مضطهدٌ *** ببطن مكّة مقهور ومفتون

144 = 92 -129- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ(6)؟


1) سورة النساء/101.

2) - في تنوير المقباس: 78: (يقتلكم).

3) - في سؤالات نافع: (أن يضلكم الذين كفروا بالعذاب والجهد بلغة هوازن).

4) - في سؤالات نافع: (أما سمعت امرأ القيس وهو يقول)، وليس في ديوانه.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 36، وإيضاح الوقف: 83، والشاهد فيه قول مهلهل:

قال: كأنّ لم يسكنوا(1). أما سمعت قول لبيد(2):

وغنيت سبتاً قبل مجرى داحس *** لو كان للنفس اللجوج خُلُودُ

145 = 93 -129- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: عَذَابَ الْهُونِ(4)؟

قال: الهوان(5). أما سمعت قول الشاعر(6):

إنّا وجدنا بلاد الله واسعةً *** تُنجي من الذُل والمخزاة والهون

146 = 94 -129- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً(8)؟

قال: النقير: ما في ظهر(9) النواة، ومنه تنبت النخل. أما سمعت قول الشاعر(10):


1) في سؤالات نافع: (كأنّ لم يكونوا في الدنيا حين عذبوا). وفي تنوير المقباس: 33: (كأنّ لم يكونوا في الأرض). وفي إيضاح الوقف، ومجمع البيان 450/2: (كأنّ لم يعمروا فيها). وفي تفسير الطبري 5/9: (كأنّ لم يعيشوا فيها). وفي اللغات في القرآن: 25: (ينعموا، بلغة جرهم). وفي الإتقان في علوم القرآن 134/1: (يتمتعوا، بلغة جرهم).

2) - ديوانه: 35، وتفسير القرطبي 252/7.

3) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 81 -- 82، وسؤالات نافع: 37.

4) - سورة الأنعام/93.

5) - في سؤالات نافع: (الهون: الدائم الشديد). وفي تنوير المقباس: 115: (عذاب الهون: الشديد).

6) - وهو عبد الله بن الحارث بن قيس القرشي السهمي، والبيت من أبيات له في الإصابة 292/2 في ترجمته برقم/4605.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 37، وهي في إيضاح الوقف: 80، والشاهد فيه قول الشاعر:

وليس الناس بعدك في نقيرٍ *** وليسوا غير أصداء وهام

147 = 95 -129- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: لاَّ فَارِضٌ(2)؟

قال: الهرمة(3). أما سمعت قول الشاعر(4)

وفي الإتقان في علوم القرآن: يساق... يقوم، وهو تصحيف.

:

لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا *** تساق إليه ما تقوم على رجل

148 = 96 -129- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ(6)؟

قال: بياض النهار من سواد الليل(7)، وهو الصبح إذا انفلق. أما سمعت قول أُميّة(8):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 37.

2) - سورة البقرة/68.

3) - تفسير الطبري 271/1. وفي تنوير المقباس: 11: (لا فارض: لا كبيرة)، وقد روي هذا اللفظ عنه، انظر تفسير الطبري.

4) - البيت في تفسير القرطبي 448/1، ومجمع البيان 131/1، والرواية فيهما: (أعطيت جارك). وعزي مع آخر في البحر 248/1 إلى خفاف بن ندبة السلمي، انظر شعره: 133. وعزي في اللسان والتاج (ف ر ض) إلى علقمة بن عوف. وهو بلا نسبة في الأفعال للسرقسطي 15/4، والدرّ المصون 420/1، والأضداد: 376.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 37.

6) - سورة البقرة/187.

7) - تنوير المقباس: 26. وفي تفسير الطبري 100/2: (الليل من النهار).

8) - ابن أبي الصلت، ديوانه: 483 وتخريجه ثمّة، وهو من الشعر المتّهم عند محقّقه. وهو بلا نسبة في تفسير القرطبي 320/2، وفيه: مكتوم.

الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق *** والخيط الأسود لون الليل مكموم

149 = 97 -129- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ(2)؟

قال: باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا(3). أما سمعت قول الشاعر(4)

(ورد البيت في مجموعة شعر المسيب، في الصبح المنير: 352 في قصيدة تبلغ 40 بيتاً. الخرسان).

:

يُعطى بها ثمناً فيمنعها *** ويقول صاحبها ألا تشري(5)

150 = 98 -129- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ(7)؟

قال: ناراً من السماء(8). أما سمعت قول حسّان(9):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 38.

2) - سورة البقرة/102.

3) - في تنوير المقباس: 15: (ما اختاروا به السحر أنفسهم يعني اليهود). وفي اللغات في القرآن: 17 أن اشتروا -- وشروا -- أيضاً -- بمعنى باعوا لغة هذيل).

4) - وهو المسيب بن علس كما في تفسير الطبري 329/1، والأضداد: 74. وهو من كلمة رواها الأصمعي للمسيب، ورواها أبو عبيدة وابن دريد لابن أخته الأعشى، انظر خزانة الأدب 442/1 -- 546 والبيت فيها، وشرح أبيات مغني اللبيب 88/7 -- 90، ولم يرد البيت فيما أورده منها.

5) - وكذا في تفسير الطبري. وفي الأضداد، وخزانة الأدب: صاحبه.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 38.

7) - سورة الكهف/40.

8) - تنوير المقباس: 247، ومجمع البيان 471/3. وروي عنه (عذاباً)، انظر تفسير الطبري 163/15، وتفسير ابن كثير 155/5. وفي اللغات في القرآن: 33: (يعني برداً بلغة حمير).

9) - ليس في ديوانه.

بقية معشر صُبت عليهم *** شآبيبٌ من الحسبان شُهب

151 = 99 -129- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ(2)؟

قال: استسلمت وخضعت(3). أما سمعت قول الشاعر(4)

(تعقيب: ليس البيت لحسّان بن ثابت، بل ورد مجهول القائل كما في الإتقان، وبعد التحرّي وجدته من جملة أبيات قالها حذيفة بن غانم في رثاء عبد المطّلب، وستأتي الإشارة إليها. الخرسان).

:

لَيبكِ عليك كلّ عان بكربةٍ *** وآل قصيٍّ من مقل وذي وفرِ

152 = 100 -129- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: مَعِيشَةً ضَنكاً(6)؟

قال: الضَّنك: الضيق الشديد(7). أما سمعت قول الشاعر:


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 38 -- 39.

2) - سورة طه/111.

3) - تنوير المقباس: 266، وتفسير الطبري 158/16، وتفسير القرطبي 248/11، وتفسير ابن كثير 311/5، وفي سؤالات نافع: (استسلمت الوجوه وخضعت لله يوم القيامة).

4) - في سؤالات نافع: (أما سمعت حسّان بن ثابت وهو يقول). وليس البيت في ديوانه.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 39.

6) - سورة طه/124.

7) - هذا معنى ما روي عنه أنّه قال: (كلّ مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه لا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة). وروي عنه أنّه: (الشقاء)، انظر تفسير الطبري 163/16 -- 164، وتفسير ابن كثير 316/5، ومجمع البيان 34/4. وفي تنوير المقباس: 267: (عذاباً شديداً في القبر ويقال: في النار). وتفسيره بعذاب القبر قول أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، والسدي، وأبي صالح، وابن مسعود. وروي عن رسول الله عليه السلام.

والخيل قد لحقت بها في مأزقٍ *** ضنك نواحيه شديد المقدم

153 = 101 -129- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: مِن كُلِّ فَجٍّ(2)؟

قال: طريق(3). أما سمعت قول الشاعر(4):

حازوا العيال وسدوا الفِجاج *** بأجساد عادٍ لها آبدات(5)

154 = 102 -130- قال(6): أ خبرني عن قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ(7)؟

قال: يدفعه عن حقّه(8). أما سمعت قول أبي طالب:

يُقسِّم حقّا لليتيم ولم يكن *** يدُعُّ لدى أيسارهن الأصاغِرا(9)

155 = 103 -130- قال(10): أخبرني عن قوله تعالى: السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ(11)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 39.

2) - سورة الحجّ/27.

3) - تنوير المقباس: 279. وفي تفسير الطبري 107/17 (مكان). وفي سؤالات نافع: من كلّ طريق بعيد.

4) - في سؤالات نافع: أما سمعت الشاعر وهو يقول ويذكر قوم عاد.

5) - البيت مخروم. وقوله (آبدات) كان في الإتقان (آبدان) محرفاً، وكان في أصل سؤالات نافع (لا بدار) فأصلحه المحقّق. والآبدات: الباقيات على الأبد.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 40.

7) - سورة الماعون/2.

8) - تنوير المقباس: 520، وتفسير الطبري 201/30، وتفسير القرطبي 211/20، ومجمع البيان 547/5. وفي اللغات في القرآن: 45 أن يدع: يدفع بلغة قريش.

9) - في الإتقان: لذا، وهو تحريف.

10) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 40.

11) - سورة المزمل/18.

قال: منصدع(1). من خوف يوم القيامة. أما سمعت قول الشاعر(2)

طباهن حتّى أطفل الليل دونها *** تفاطير وسمي ....

:

طباهُنَّ حتّى أعوص الليل دونها *** أفاطير وسميٌّ رِواءٌ جذورها(3)

وقوله (أفاطير) الرواية فيه (تفاطير) بالتاء، ويروى (نفاطير) بالنون، وهي نبذ من النبت يقع في مواقع من الأرض مختلفة، ويقال: أوّل النبت. ولا أعرف أحداً ذكر (أفاطير) إلاّ الصغاني في التكملة (ف ط ر)، وتابعه صاحب القاموس (ف ط ر) وذكر أنّها تشقق يخرج في أنف الشاب ووجهه، وهذا إن صحّ مأخوذ من أفاطير النبت.

156 = 104 -130- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ(5)؟

قال: يحبس أوّلهم على آخرهم حتّى تنام الطير(6). أما سمعت قول الشاعر:

وزعت رعيلها بأقّبَّ نهدٍ *** إذا ما القوم شَدُّوا بعد خمسِ


1) في تنوير المقباس: 490، وتفسير الطبري 87/29: (تشقق السماء...).

2) - وهو الحطيئة، ديوانه: 368، وتهذيب اللغة 58/14، والرواية:

3) - كان في الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع: ظباهن، وهو تصحيف. وطباهن: دعاهن. وكان فيهما: أعوض، وهو تصحيف لعلّ صوابه ما أثبت، أي اشتد، على أنّهم لم يذكروا (أعوص الليلُ) ذكروا في باب صفة الليل (انظر: تهذيب الألفاظ والألفاظ الكتابية والمخصص) ولم يذكر في المعجمات. وأحرِ بأن يكون محرفاً عن لفظ آخر لم أتهدّ إلى صورة له.

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 40.

5) - سورة النمل/17.

6) - تنوير المقباس: 316، وتفسير الطبري 88/19، ومجمع البيان 215/4.

157 = 105 -130- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: كُلَّمَا خَبَتْ(2)؟

قال: الخُبوُّ(3): الذي يطفأ مرّة ويستعر(4)أُخرى. أما سمعت قول الشاعر:

والنار تخبو عن آذانهم(5)

(والصواب أنّ البيت الشاهد كما في الدرّ المنثور 304/4، ط إسلامية:

وتخبو النار عن أدنى أذاهم *** وأضرمها إذا ابتردوا سعيرا

الخرسان).

*** وأضرمها إذا ابتدروا سعيرا

158 = 106 -130- قال(6)

(ورد السؤال والشاهد في الدرّ المنثور 261/8 -- 262، ط إحياء التراث، ولقد أخرج الطستي عن ابن عبّاس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (سورة المعارج/8)؟ قال: كدرديّ الزيت وسواد العرق من خوف يوم القيامة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

تنادى به القسم السموم كأنّها *** تبطّنت الأقراب من عرق مهلا

الخرسان).

: أخبرني عن قوله تعالى: كَالْمُهْلِ(7)؟

قال: كدُردِيّ الزيت(8). أما سمعت قول الشاعر:


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 41.

2) - سورة الإسراء/97.

3) - كذا وقع وفيه تفسير الحدث (اسم المعنى) بالذات. وفي سؤالات نافع: (الخبو: أنّ النار تطفأ مرّة وتستعر أُخرى). وفي تنوير المقباس: 242، وتفسير الطبري 112/15، وتفسير ابن كثير 121/5: (خبت: سكنت).

4) - في الأصل (الإتقان): الخبء... ويسعر، والصواب ما أثبت.

5) - كذا وقع في الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع، وهو مختل.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 41.

7) - سورة الكهف/29.

8) - تنوير المقباس: 246، وتفسير الطبري 158/15، وتفسير القرطبي 394/10، وتفسير ابن كثير 150/5، ومجمع البيان 466/3.

تباري بها العيس السموم كأنّها *** تبطنت الأقراب من عرق مُهلا

159 = 107 -130- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: أَخْذاً وَبِيلاً(2)؟

قال: شديداً(3)ليس له ملجأ. أما سمعت قول الشاعر(4):

خزي الحياة وخزي الممات *** وكلاًّ أراه طعاماً وبيلا

160 = 108 -130- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ(6)؟

قال: هربوا(7)، بلغة أهل اليمن. أما سمعت قول عدي بن زيد(8)

(وكذلك في تفسير الكشّاف للزمخشري، إلاّ أنّه في شواهد الكشّاف نسبه إلى الحارث بن كلدة، وأحسبه من وهم المؤلّف. الخرسان).

:

نقَّبوا في البلاد من حذر ا لمو *** ت وجالوا في الأرض أي مجال(9)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 41.

2) - سورة المزمل/16.

3) - تنوير المقباس: 490، وتفسير الطبري 86/29، وتفسير القرطبي 86/19، وتفسير ابن كثير 283/8. وفي اللغات في القرآن: 49: (شديداً بلغة حمير).

4) - وهو بشامة بن الغدير. والبيت من كلمة له مفضلية، انظر المفضليات: 59، ومختارات من الشعر الجاهلي: 105 وتخريجه فيهما.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 41 -- 42.

6) - سورة ق/36.

7) - في تنوير المقباس: 440: (طافوا وتقلبوا في الأسفار بتجاراتهم). وفي تفسير الطبري 110/26، وتفسير ابن كثير 385/7، وتفسير القرطبي 22/17: (أثروا فيها).

8) - ليس البيت في ديوانه. وعزي في البحر 129/8، وتفسير القرطبي 22/17 إلى الحارث بن حلزة.

9) - في الأصل (الإتقان) وسؤالات نافع: (فنقبوا) وهو خطأ مخلّ بالوزن.

161 = 109 -130- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: مُّقْمَحُونَ(2)؟

قال: المقمح: الشامخ بأنفه المنكس رأسه(3). أما سمعت قول الشاعر(4):

ونحن على جوانبها قعود *** نغض الطرف كالإبل القِمَاحِ

162 = 110 -130- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ(6)؟

قال: المريج: الباطل(7). أما سمعت قول الشاعر(8)

ونسب إلى أبي ذؤيب، وليس له، وقد سلف مع آخر في المسألة/3، وانظر التعليق ثمّة. وهو في تفسير الطبري 94/26، وتفسير القرطبي 5/17، ومجمع البيان 140/5.

:

فراغت(9)فانتقدت به حشاها *** فخر كأنّه خوط مريج

163 = 111 -130- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَأَكْوَابٍ(10)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 42.

2) - سورة يس/8.

3) - هو بمعناه في تنوير المقباس: 369، وتفسير الطبري 98/22، وتفسير ابن كثير 449/6 -- 450.

4) - وهو بشر بن أبي خازم، ديوانه: 48. وهو في مجاز القرآن 157/2، وتفسير غريب القرآن: 363، ومجمع البيان 416/4، وتفسير القرطبي 8/15.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 42.

6) - سورة ق/5.

7) - في تنوير المقباس: 438: (ضلال، ويقال ملتبس، ويقال في قول مختلف). وانظر تفسير الطبري 94/26 -- 95، وتفسير القرطبي 5/17.

8) - البيت من كلمة لعمرو بن الداخل الهذلي، وتنسب إلى أبيه الداخل، انظر شرح أشعار الهذليين: 611، 618، وديوان الهذليين 98/3، 103.

9) - قوله: (فراغت) يروى (فجالت). وقوله (فانتقدت) كذا وقع، والرواية (فالتمست).

10) - سورة الزخرف/71.

قال: القلال التي لا عُرى لها(1). أما سمعت قول الهذلي(2):

فلم ينطق الديك حتّى ملأ *** تُ كوب الرباب له فاستدارا

164 = 112 -130- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ(3)؟

قال: لا يسكرون(4). أما سمعت قول عبد الله بن رواحة:

ثمّ لا ينزفون عنها ولكن *** يذهب الهم عنهم والغليل

165 = 113 -130- قال: أخبرني عن قوله تعالى: نَفَشَتْ(5)؟

قال: النَّفش(6): الرعي بالليل. أما سمعت قول لبيد(7):

بُدِّلن بعد النَّفش الوجيفا *** وبعد طول الجِرَّةِ الصَّرِيفا


1) في تنوير المقباس: 541: (كيزان بلا آذان ولا عرى مدورة الرؤوس فيها شرابهم). والقلال جمع قُلّة وهي هنا الكوز الصغير.

2) - كذا وقع، والبيت للأعشى، ديوانه: 83. وكان في الإتقان في علوم القرآن (كوب الدنان). محرفاً.

3) - سورة الصافات/47.

4) - تنوير المقباس: 375، وفي تفسير الطبري 36/28، وتفسير ابن كثير 11/7: (لا تذهب عقولهم).

5) - سورة الأنبياء/78.

6) - تفسير الطبري 40/17، وتفسير ابن كثير 349/5. وفي تنوير المقباس: 274: (دخلت فيه ووقعت فيه بالليل).

7) - ملحق ديوانه: 351 عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن، وفيه: بذلن.... الخبزة؟! وفي تفسير الطبري 30/19، وتفسير ابن كثير 137/6:

166= 114 -130- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: أَلَدُّ الْخِصَامِ(2)؟

قال: الجَدِل المخاصم في الباطل(3). أما سمعت قول مهلهل(4)

(قال أبو أحمد العسكري في شرح ما يقع فيه التصحيف: 316، (وما يشكل بين العين والغين بيت مهلهل:

إنّ بين الأحجار عزماً وحزماً *** وخصماً -- كذا -- ألدّ ذا معلاق

يروى بالعين والغين، وجميعاً صحّ، فمن روى بالعين المعجمة، قال: أخذه من قولهم هو يغلق الحجّة على خصمه، ومن رواه بغير المعجمة، قال: يتعلّق بكلّ حجّة، ويقال: رجل معلاق، إذا كان خصيماً. الخرسان).

:

إنّ تحت الأحجار حزماً وجودا *** وخصيماً ألدَّ ذا مغلاق

167 = 115 -130- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: وَالتَّرَائِبِ(6)؟

قال: هو موضع القلادة من المرأة(7). أما سمعت قول الشاعر(8)

(وجود هذا الشاهد الشعري ضمن المسائل دليل التزيّد فيها، لأنّ قائله -- على الترديد في نسبته -- من الشعراء المتأخّرين، ممّن لم يكونوا على شرط نافع في قبول أقوالهم أن (تعرف العرب ذلك من قبل أن ينزل الكتاب على محمّد7) كما مرّ في أوّل مسائله فراجع. الخرسان).

:

1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 45.

2) - سورة البقرة/204.

3) - في تنوير المقباس: 28: (جدل بالباطل شديد الخصومة). وفي تفسير الطبري 183/2: (ذو جدال).

4) - الكامل: 56، والمقاصد النحوية 212/4، وتفسير القرطبي 16/3. ذا مغلاق: أي يغلق الحجّة على الخصم، ويروى (ذا معلاق) بالعين المهملة، ومعناه: إذا علق خصماً لم يتخلص منه، عن المبرّد.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 45.

6) - سورة الطارق/7.

7) - أي من صدرها، تنوير المقباس: 508، وتفسير الطبري 92/0، وتفسير ابن كثير 396/8، وتفسير القرطبي 5/20، ومجمع البيان 471/5. وروي عنه (صدر المرأة) و(بين ثدييها)، انظر تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير.

8) - قال صاحب الأغاني 323/8: (الشعر ينسب إلى أبي بكر بن المسور بن مخرمة الزهري، وإلى الحارث بن خالد المخزومي، وإلى بعض القرشيين من السبعة المعدودين من شعراء العرب). وقوله (أبي بكر بن المسور) الذي في المعارف: 429 أنّه: (أبو بكر بن عبد الرحمن ابن المسور بن مخرمة). ونسب البيت في اللسان: (ش ر ق) إلى المخبَّل. وانظر شعر الحارث ابن خالد -- ما نسب إليه وإلى غيره: 119. وهو بلا نسبة في تفسير الطبري 93/30، وتفسير القرطبي 5/20، ومجمع البيان 430/5.

والزعفران على ترائبها *** شرقاً به اللبَّات والنحرُ

168 = 116 -130- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً(2)؟

قال: هلكى(3). بلغة عمان(4)

(ورد البيت الشاهد في الإتقان في علوم القرآن والدرّ المنثور وكذا في تفسير الآلوسي وأضواء البيان مجهول القائل، غير أنّي وجدت في ديوان حسّان (البرقوقي) مقطوعة شعرية/15 بيتاً جاء البيت الرابع منها ما يقارب الشاهد لفظا ومعنى وإن خالفه في حركة القافية:

فلا تكفرونا ما فعلنا إليكم *** وأثنوا به والكفر بورٌ بضائعُه

وأظنّ أنّه الشاهد، وعراه التحريف في رواية السيوطي في الإتقان والدرّ المنثور وأخذ منه من تأخّر عنه كالآلوسي وصاحب أضواء البيان. الخرسان).

، وهم من اليمن. أما سمعت قول الشاعر:

فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم *** وكافوا به فالكفر بُورٌ لصانعه


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 45.

2) - سورة الفتح/12.

3) - تنوير المقباس: 432، وتفسير ابن كثير 319/7.

4) - في اللغات في القرآن: 30: دَارَ الْبَوَارِ سورة إبراهيم/28: (دار الهلاك بلغة عمان).

169= 117 -131- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(2)؟

قال: النَّضيج ممّا يشوى بالحجارة(3). أما سمعت قول الشاعر:

لهم راحٌ وفأر المسك فيهم *** وشاويهم إذا شاؤوا حنيذا(4)

170 = 118 -131- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: مِّنَ الأَجْدَاثِ(6)؟

قال: القبور(7). أما سمعت قول ابن رواحة(8):

حتّى يقولوا إذا مروا على جدثي(9)*** أرشده يا ربّ من غاز وقد رشدا

171 = 119 -131- قال(10): أخبرني عن قوله تعالى: هَلُوعاً(11)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 45.

2) - سورة هود/69.

3) - تفسير الطبري 42/12، وتفسير القرطبي 64/9، ومجمع البيان 179/3. وروي عنه (مشوي) في تنوير المقباس: 188، وتفسير ابن كثير 64/4. وفي اللغات في القرآن: 30: (ما يشوى بخدّ في الأرض بلغة العمالقة، وما يشوى بالحجارة بلغة هذيل).

4) - كذا وقع؟ وكان في الإتقان في علوم القرآن (ونار المسك) وهو تحريف.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 46.

6) - سورة يس/51.

7) - تنوير المقباس: 372، وتفسير الطبري 11/23. وفي اللغات في القرآن: 39: (القبور بلغة قريش).

8) - السيرة النبوية 16/4.

9) - كان في الإتقان في علوم القرآن وسؤالات نافع: (حينا يقولون) وهو تحريف. وفي الإتقان: (عان)، وفي سؤالات نافع: (غار)، وكلاهما تصحيف. وفي السيرة النبوية: حتّى يقال إذا... أرشده الله.

10) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 46.

11) - سورة المعارج/19.

قال: ضجراً جزوعاً(1). أما سمعت قول بشر بن أبي خازم(2):

لا مانعاً لليتيم نحلتهُ *** ولا مكباً لخلقه هلعا

172 = 120 -131- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: وَدُسُرٍ(4)؟

قال: الدُسر: الذي تُخرز به السفينة(5)

(ورد البيت الشاهد في لسان العرب 222/7 ولم يعزه لأحد. الخرسان).

. أما سمعت قول الشاعر:

سفينة نُوتيِّ قد احكم صُنعها *** منَحَّتةُ الألواح منسوجة الدُّسر

173 = 121 -131- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: بَاسِرَةٌ(7)؟

قال: كالحة(8). أما سمعت قول عبيد بن الأبرص(9):

صبحنا تميماً غداة النسا *** ر شهباء ملمومة باسِرة


1) في تنوير المقباس: 485: (ضجوراً بخيلاً حريصاً ممسكاً). وفي تفسير الطبري 49/29: (الجزوع الحريص). وفي اللغات في القرآن: 49: (ضجورا، بلغة خثعم).

2) - ليس في ديوانه.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 46.

4) - سورة القمر/13.

5) - في تنوير المقباس: 449: (مسامير وشرط، وكلّ شيء يشد به السفينة فهو دسر). وفي تفسير القرطبي 132/17، ومجمع البيان 189/5: (المسامير). وفي تفسير الطبري 55/27، وتفسير ابن كثير 452/7 (كلكلها). وفي اللغات في القرآن: 45: (يعني المسامير... بلغة هذيل).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 47.

7) - سورة القيامة/24.

8) - تنوير المقباس: 494. وفي سؤالات نافع: كالحة قاطبة.

9) - ليس في ديوانه. وقوله: (شهباء) في سؤالات نافع (بشهباء)، وفي اللسان أن صبح متعد إلى اثنين، يقال: صبح القوم شرَّا: جاء به.

174 = 122 -131- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: ضِيزَى(2)؟

قال: جائرة(3). أما سمعت قول امرئ القيس(4)

إذ يجعلون الرأس كالذنب

:

ضازت بنو أسد بحكمهم *** إذ يعدلون الرأس بالذَّنب

175 = 123 -131- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ(6)؟

قال: لم تغيره السنون(7). أما سمعت قول الشاعر:

طاب منه الطعم والريح معاً *** لن تراه يتغير(8)من أسن(9)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 47.

2) - سورة النجم/22.

3) - تنوير المقباس: 446، وتفسير الطبري 36/27.

4) - ملحق ديوانه: 457، عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن. وهو في تفسير القرطبي 102/17، والبحر 154/8، والرواية فيهما:

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 48.

6) - سورة البقرة/259.

7) - في تنوير المقباس: 37، وتفسير الطبري 26/3: (لم يتغير).

8) - في الإتقان في علوم القرآن: متغيراً؟ والوزن به مختل وأثبت ما في سؤالات نافع، وقد أسكن لام الفعل ضرورة.

9) - ليس قوله (أسن) من مادّة لفظ الآية: يَتَسَنَّهْ ، وهو شاهد على المعنى لا على اللفظ. ويتسنّه قيل: هو من (السنة)، وأصله يتسنّى على أنّ لامها واو، فحذفت الياء للجزم، والهاء للوقف. وقيل أصله يتسنّه على أنّ لام السنة هاء، وسكون الهاء فيه علامة الجزم. وقيل: أصله يتسنّن، ثمّ أبدلت النون الأخيرة ياء، فحذفت للجزم، والهاء للوقف. انظر: معاني القرآن للفراء 172/1، والبحر 292/2، 285.

176 = 124 -131- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: خَتَّارٍ(2)؟

قال: الغدار الظَّلوم الغشوم(3). أما سمعت قول الشاعر:

لقد علمت واستيقنت ذات نفسها *** بأن لا تخاف الدهر صَرمي ولا خَتري

177 = 125 -131- قال(4): أخبرني عن قوله تعالى: عَيْنَ الْقِطْرِ(5)؟

قال: الصُّفر(6). أما سمعت قول الشاعر:

فألقى في مراجل من حديدٍ *** قُدور القطر ليس من البُراة(7)

(ورد البيت الشاهد في الدرّ المنثور في تفسير الآية: عَيْنَ الْقِطْرِ ، وقافيته (من البرام)، والظاهر هو الصحيح، فإنّ البرام جمع برمة، فقد روي من استمع إلى حديث قوم وهو له كارهون ملأ الله مسامعه من البرم، وروي ملأ الله سمعه من البرم. قال: الزمخشري في الفائق 59/1: البرم والبيرم: الكحل المذاب. الخرسان).

178 = 126 -131- قال(8): أخبرني عن قوله تعالى: أُكُلٍ خَمْطٍ(9)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 48.

2) - سورة لقمان/32.

3) - في تنوير المقباس: 346: (غدار)، وفي تفسير الطبري 54/21: (جحاد كفور).

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 48.

5) - سورة سبأ/12.

6) - تنوير المقباس: 359. وفي تفسير الطبري 48/22، وتفسير ابن كثير 487/6، وتفسير القرطبي 270/14: (النحاس). والصفر: ما صفر من النحاس. وفي اللغات في القرآن: 39: {النحاس بلغة جرهم}.

7) - قوله: (البراة) كذا وقع في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع؟ فإن كان صوابه: (البرات) جمع بُرَة، وهي الحلقة في أنف البعير من صفر وغيره فما معناه؟

8) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 48.

9) - سورة سبأ/16.

قال: الأراك(1). أما سمعت قول الشاعر:

ما م-ُغزِلٌ فرد تراعي بعينها *** أغن غضيض الطرف من خلل الخمط(2)

179 = 127 -131- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: اشْمَأَزَّتْ(4)؟

قال: نفرت(5). أما سمعت قول عمرو بن كلثوم(6):

إذا عض الثقاف بها اشمأزت *** وولته عَشَوْزَنةً زَبُونا

180 = 128 -131- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: جُدَدٌ(8)؟

قال: طرائق(9). أما سمعت قول الشاعر:

قد غادر النسع في صفحاتها جُددا *** كأنّها طرقٌ لاحت على أكم

181 = 129 -131- قال: أخبرني عن قوله تعالى: أَغْنَى وَأَقْنَى(10)؟


1) تنوير المقباس: 360، وتفسير الطبري 56/22، وتفسير ابن كثير 495/6، ومجمع البيان 386/4.

2) - البيت مخروم.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 49.

4) - سورة الزمر/45.

5) - تنوير المقباس: 389. وفي تفسير القرطبي 264/15، ومجمع البيان 501/4: (انقبضت). وفي اللغات في القرآن: 41: (يعني: مالت بلغة تميم وأشعر).

6) - البيت من معلقته، ديوانه: 89 وتخريجه ثمّة. وهو في تفسير القرطبي 264/15، ومجمع البيان 500/4. وفي سؤالات نافع، وتفسير القرطبي، ومجمع البيان: (وولتهم) وهي رواية.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 49.

8) - سورة فاطر/27.

9) - تنوير المقباس: 366، وتفسير ابن كثير 530/6.

10) - سورة النجم/48.

قال: أغنى من الفقر وأقنى من الغنى(1). أما سمعت قول عنترة العبسي(2):

فأقني حياءك لا أباً لك واعلمي *** أنّي امرؤ سأمُوت إن لم أُقتلِ

182 = 130 -131- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: لاَ يَلِتْكُم(4)؟

قال: لا ينقصكم(5)، بلغة بني عبس(6). أما سمعت قول الحطيئة العبسي(7)

(وفي شرح ديوانه للسكري: 3 -- 7، ط المتقدّم بمصر سنة 1323ه-، ذكر البيت من قصيدة ناهزت ثلاثين بيتاً، وسبب إنشائها وإنشادها. الخرسان).

:

أبلغ سراة بني سعدٍ مغلغلةً *** جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا

183 = 131 -131- قال(8): أخبرني عن قوله تعالى: وَأَبّاً(9)؟

قال: الأبُّ: ما يعتلف منه الدواب(10). أما سمعت قول الشاعر:


1) في تفسير الطبري 45/27، وتفسير القرطبي 119/17، وتفسير ابن كثير 442/7، ومجمع البيان 183/5: (أغنى: أعطى وأقنى: أرضى). وفي تنوير المقباس: 447 -- 448: (أغنى نفسه عن خلقه (وأقنى) أفقر خلقه إلى نفسه. ويقال: (أغنى): أرضى خلقه (وأقنى): أقنع، ويقال: (أغنى) بالمال، و(أقنى): أرضى: أرضى، ويقال: (أغنى) بالذهب والفضّة (وأقنى): أقنع بالإبل والبقر والغنم).

2) - ديوانه: 252.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 49 -- 50.

4) - سورة الحجرات/14.

5) - تنوير المقباس: 437، ومجمع البيان 138/5 -- 139.

6) - في اللغات في القرآن: 43: (لا ينقصكم بلغة قيس عيلان).

7) - ديوانه: 135.

8) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 50.

9) - سورة عبس/31.

10) - في تفسير الطبري 38/30، وتفسير القرطبي 222/19، وتفسير ابن كثير 347/8: (ما أنبتت الأرض ممّا تأكله الدواب)، وفي تفسير الطبري أيضاً: (الكلأ والمرعى كلّه). وفي تنوير المقباس: 502: (يعني: الكلأ ويقال هو التبن). وفي سؤالات نافع: (الفصفصة وما يعتلف منه الدواب).

ترى به الأبَّ واليقطين مختلطاً *** على الشريعة يجري تحتها الغَرَبُ

184 = 132 -131- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً(2)؟

قال: السرّ: الجماع(3). أما سمعت قول امرئ القيس(4):

ألا زعمت بسباسة اليوم أنَّني *** كبرتُ وأن لا يُحسن السِّرَّ أمثالي

185 = 133 -132- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: تُسِيمُونَ(6)؟

قال: ترعون(7). أما سمعت قول الأعشى(8):

ومشى القوم بالعماد إلى الرَّزْ *** حَى وأعيا المُسيم أين المساقُ(9)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 50.

2) - سورة البقرة/235.

3) - تنوير المقباس: 33. وفي تفسير الطبري 324/2: (الزنية)، وفي تفسير ابن كثير 422/1: (الزنى). ويروى عنه: أي لا تقل لها إنّي عاشق وعاهديني ألاّ تتزوّجي غيري.

4) - ديوانه: 28. وقوله: (السر) رواية، ويروى: (اللهو)، انظر الديوان: 377، وتفسير القرطبي 190/3.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 50.

6) - سورة النحل/10.

7) - تنوير المقباس: 221، وتفسير الطبري 59/14، وتفسير ابن كثير 479/4. وفي الإتقان في علوم القرآن 134/1: أن تسيمون بمعنى ترعون لغة خثعم، وعنه في ملحق اللغات في القرآن: 58.

8) - ديوانه: 249، وتفسير الطبري 59/14، والحيوان 484/3.

9) - كان في الإتقان في علوم القرآن: إلى الدرحاء أعيا، وهو خطأ.

186= 134 -132- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: ذَا مَتْرَبَةٍ(2)؟

قال: ذا حاجة وجهد(3). أما سمعت قول الشاعر:

تربت يدٌ لك ثمّ قَل نوالها *** وترفعت عنك السماء سجالُها

187 = 135 -132- قال(4)

إذا دعانا فأهطعنا لدعوته *** داع سميع فلفونا وساقونا

وهذا البيت في البحر 429/5، وفيه: (فلبونا وساقونا)، وعزي فيه إلى عمران بن حطان.

(وكذلك في المحرّر الوجيز وفي شعر الخوارج: 17 من قصيدة يرثي أبا بلال، وإذا صحّت النسبة فالسؤال هذا من المزيد على المسائل، لتأخّر عمران بن حطان عن زمان المحاورة، وبعيد من ابن عبّاس أن يستشهد بشعره مع حفظه لشعر تبع وفيه شاهد، ولم يعهد منه أن يستشهد بشاهدين في سؤال واحد إلاّ نادراً؛ فلاحظ. الخرسان).

: أخبرني عن قوله تعالى: مُهْطِعِينَ(5)؟

قال: مذعنين خاضعين(6). أما سمعت قول تُبّع:

تعبدني نمر بن سعد وقد أُرى *** ونمر بن سعد لي مدين ومهطع(7)


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 51.

2) - سورة البلد/16.

3) - في تنوير المقباس: 511: (لاصق بالتراب من الجهد). وروي عنه: (ذو العيال)، و(الذي لا مأوى له إلا التراب)، و(المسكين المطروح في التراب)، انظر تفسير الطبري 131/30 -- 132، وتفسير ابن كثير 431/8، ومجمع البيان 495/5.

4) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 51، وهي في إيضاح الوقف 87 -- 88، وفيه تفسير المهطع بالناظر، قال الشاعر:

5) - سورة إبراهيم/43. وسورة القمر/8، وسورة المعارج/36.

6) - في تنوير المقباس: 215: (مسرعين قاصدين ناظرين إلى الداعي). وفي تفسير الطبري 157/13: (الإهطاع: النظر من غير أن يطرف)، ونحوه في تفسير القرطبي 376/9، ومجمع البيان: 321. وفي اللغات في القرآن: 49 في تفسير حرف المعارج: (مسرعين بلغة قريش).

7) - البيت بلا نسبة في الإساس (ه- ط ع)، واللسان: (ع ب د، ه- ط ع)، والأفعال للسرقسطي 128/1، والرواية: (لي مطيع ومهطع). وكان في الإتقان في علوم القرآن، وسؤالات نافع: (وقد درى)، وهو تحريف.

188 = 136 -132- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً(2)؟

قال: ولداً(3). أما سمعت قول الشاعر:

أمّا السميُ فأنت منه مكثر *** والمال فيه تغتدي وتروح(4)

189 = 137 -132- قال(5)

فظللنا بعدما امتد الضحى *** بين ذي قدر ومنها مصهر

وقول الشاعر:

: أخبرني عن قوله تعالى: يُصْهَرُ(6)؟

قال: يُذاب(7). أما سمعت قول الشاعر(8):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 51 -- 52.

2) - سورة مريم/65.

3) - تفسير القرطبي 130/11. وروي عنه: (شبيها أو مثلا)، انظر تفسير الطبري 80/16، وتفسير ابن كثير 245/5، ومجمع البيان 521/3. وروي عنه: (أحداً يسمّى الله أو الرحمن) تنوير المقباس: 258، وتفسير القرطبي، وابن كثير.

4) - في سؤالات نافع: والمال يغتدي ويروح.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 52. وهي في إيضاح الوقف: 93، والشاهد فيه قول مياس المرادي:

سخنت صهارته فظل عُثانُه *** في سيل كفئت له يتردَّد(1)

(والبيت الشاهد (حبست صهارته...) هو للطرماح، ولما كان الطرماح متأخّراً زماناً عن الفرزدق وجرير، فهو من التزيّد في المسائل؛ فليلاحظ. الخرسان).

190 = 138 -132- قال(2): أخبرني عن قوله تعالى: لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ(3)؟

قال: لتثقل(4). أما سمعت قول امرئ القيس(5)

ويروى: وتنوء تثقلها... مشي النزيف. ويروى: نهض الضعيف

(وفي مجموعة المعاني: 138 منسوب للحارث بن حلزة بلفظ:

وتنوء تثقلها روادفها *** فعل الضعيف ينوء بالوسق

الخرسان).

:

تمشي فتثقلها عجيزتها *** مشي الضعيف ينوء بالوسق

191 = 139 -132- قال(6). أخبرني عن قوله تعالى: بَنَانٍ(7)؟


1) كان في الإتقان في علوم القرآن: (فظل عثاله... كفئت به)، وهو تحريف. صهارته: صهارة الشحم، والعثان: الدخان، والسيطل: الطسيسة الصغيرة، يقال: إنّه على صفة تور له عروة كعروة المرجل، له: للعثان.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 52.

3) - سورة القصص/76.

4) - تنوير المقباس: 330، وتفسير الطبري 68/20، وتفسير القرطبي 312/13.

5) - ملحق ديوانه: 466 وهو بيت مفرد. والبيت من أبيات تروى للحارث بن خالد المخزومي، وتروى لابن قيس الرقيات، انظر: المردفات من قريش للمدائني (نوادر المخطوطات 65/1)، وديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: 32، وديوان الحارث بن خالد المخزومي: 76.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 53.

7) - سورة الأنفال/12.

قال: أطراف الأصابع(1). أما سمعت قول عنترة(2):

فنعم فوراس الهيجاء قومي *** إذا علقوا الأعنة بالبنان

192 = 140 -132- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: إِعْصَارٌ(4)؟

قال: الريح الشديد(5). أما سمعت قول الشاعر:

فله في آثارهن خُوارٌ *** وحفيفٌ كأنّه إعصارُ

193 = 141 -132- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: مُرَاغَماً(7)؟

قال: منفسحاً(8)، بلغة هذيل. أما سمعت قول الشاعر:

وأترك أرض جهرة إنّ عندي *** رجاء في المراغم والتعادي

194 = 142 -132- قال(9): أخبرني عن قوله تعالى: صَلْداً(10)؟


1) تفسير الطبري 133/9، وتفسير ابن كثير 566/3، ومجمع البيان 526/2. وفي تنوير المقباس: 146: (بنان: مفصل).

2) - ديوانه: 297. وكان في الإتقان في علوم القرآن: (علق الأعنة) وهو خطأ.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 54.

4) - سورة البقرة/266.

5) - في تنوير المقباس: 38: (ريح حار أو بارد). وفي تفسير الطبري 53/3 روايتان: ريح فيها سموم شديد، والسموم الحارة التي تقتل.

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 55.

7) - سورة النساء/100.

8) - في تنوير المقباس: 78: (محولاً [كذا وصوابه مُتحولا] وملجأ). وفي مجمع البيان 100/2: (متحولاً من الأرض)، وفي تفسير القرطبي 347/5: (المتحول والمذهب). وفي تفسير الطبري 153/5: (التحول من أرض إلى أرض).

9) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 55.

10) - سورة البقرة/264.

قال: أملس(1). أما سمعت قول أبي طالب:

وإنّي لقرم وابن قرم لهاشم *** لآباء صدقٍ مجدهم معقل صلد

195 = 143 -132- قال(2)

وترى خلفهن من سرعة الرج- *** -ع منيناً كأنّه إهباء

وفيه تفسير الممنون بالمقطوع.

: أخبرني عن قوله تعالى: غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)؟

قال: غير منقوص(4). أما سمعت قول زهير(5):

فضل الجواد على الخيل البطاء فلا *** يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا

196 = 144 -132- قال(6): أخبرني عن قوله تعالى: جَابُوا الصَّخْرَ(7)؟

قال: نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً(8). أما سمعت قول أُميّة(9):


1) في تنوير المقباس: 38: (أجرد نقيا بلا تراب). وفي تفسير الطبري 46/3: (نقي ليس عليه شيء)، وري عنه: (ليس عليه شيء). وفي تفسير القرطبي 313/3 عن النقاش أنّه: الأجرد بلغة هذيل.

2) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 56. وهي في الكامل: 1151، والشاهد فيه قول الحارث بن حلزة اليشكري [شرح القصائد السبع: 443، والتسع: 553]:

3) - سورة القلم/3.

4) - تنوير المقباس: 480.

5) - ديوانه: 49 (الدار)، 46 (قباوة).

6) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 56.

7) - سورة الفجر/9.

8) - تنوير المقباس: 510. وفي تفسير الطبري 113/30: (خرقوها، كانوا ينحتون الجبال بيوتاً). وفي تفسير ابن كثير 418/8: (ينحتونها ويخرقونها). وفي مجمع البيان 487/5: (كانوا ينحتون الجبال فيجعلون منها بيوتاً).

9) - ابن أبي الصلت، ديوانه: 521، عن هذا الموضع من الإتقان في علوم القرآن.

وشق أبصارنا كيما نعيش بها *** وجاب للسم أصماخاً وآذانا

197 = 145 -132- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: حُبّاً جَمّاً(2)؟

قال: كثيراً(3). أما سمعت قول أُميّة(4):

إن تغفر اللّهمّ تغفر جما *** وأيّ عبدٍ لك لا ألمّا

198 = 146 -132- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ(6)؟

قال: النفاق(7). أما سمعت قول الشاعر(8)

(جاء في الأغاني 104/8، ط الساسي: قال معاوية لعبد الله بن الزبير وهو عنده بالمدينة في أناس: يا بن الزبير ألا تعذرني في حسن بن عليّ ما رأيته مذ قدمت المدينة إلاّ مرّة، قال: دع عنك حسناً فأنت والله وهو كما قال الشماخ:

أجامل أقواماً حياءً وقد أرى *** صدورهم تغلي عليَّ مراضها

والله لو يشاء حسن أن يضربك بمائة ألف سيف ضربك، والله لأهل العراق أرأم له من أم الحوار لحوارها. الخرسان).

:

1) المسألة والبيتان في سؤالات نافع: 56.

2) - سورة الفجر/20.

3) - تنوير المقباس: 511، وتفسير الطبري 117/30، ومجمع البيان 488/5.

4) - ابن أبي الصلت، ديوانه 491، وتخريجهما: 600، وهما في تفسير القرطبي 54/20، ومجمع البيان 494/5.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 57.

6) - سورة البقرة/10.

7) - هذه رواية الضحّاك عن ابن عبّاس، انظر تفسير الطبري 94/1، وتفسير ابن كثير 74/1، ورواية غيره عنه: شكّ. وفي تنوير المقباس: 4: (شكّ ونفاق وخلاف وظلمة).

8) - وهو الشماخ، ديوانه: 215.

أجامل أقواماً حياءً وقد أرى *** صُدورهم تغلي عليَّ مراضُها

199 = 147 -133- قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: يَعْمَهُونَ(2)؟

قال: يلعبون ويتردّدون(3). أما سمعت قول الأعشى(4):

أراني قد عمهت وشاب رأسي *** وهذا اللعب شَيْنُ بالكبير

200 = 148 -133- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: إِلَى بَارِئِكُمْ(6)؟

قال: خالقكم(7). أما سمعت قول تبع(8):

شهدت على أحمدٍ أنَّهُ *** رسولٌ من الله باري النسم

201 = 149 -133- قال(9): أخبرني عن قوله تعالى: لاَ رَيْبَ فِيهِ(10)؟


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 57.

2) - سورة البقرة/15.

3) - في سؤالات نافع (يلعبون). وفي تفسير الطبري 106/1، وتفسير ابن كثير 79/1 عن الضحّاك عن ابن عبّاس: (يتردّدون)، وروي عنه غيره: (يتمادون). وفي تنوير المقباس: 4: (يمضون عمهة لا يبصرون).

4) - لم يرد في أصل ديوانه (ط. محمّد محمّد حسين)، وهو في ملحقات ديوان الأعشين (ط. جاير): 244.

5) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 57 -- 58.

6) - سورة البقرة/54.

7) - تنوير المقباس: 9.

8) - هو تبع الأوسط أسعد الكامل. والبيت من أبيات له في خلاصة السيرة الجامعة: 122، وشمس العلوم 215/1، والروض الأنف 35/1. وهو في البحر 38/8.

9) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 58.

10) - سورة البقرة/2.

قال: لا شكّ فيه(1). أما سمعت قول ابن الزبعرى:

ليس في الحقّ يا أمامة ريبٌ *** إنّما الريب ما يقول الكذوب(2)

202 = 150 -133- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ(4)؟

قال: طبع عليها(5). أما سمعت قول الأعشى(6):

وصهباء طاف يهوديُّها *** فأبرزها وعليها ختم

203 = 151 -133- قال(7): أخبرني عن قوله تعالى: صَفْوَانٍ(8)؟

قال: الحجر الأملس(9). أما سمعت قول أوس بن حجر:

على ظهر صفوان كأنّ متونه *** عُلِلنَ بدُهنٍ يُزلق المتنزِّلا

204 = 152 -133- قال(10): أخبرني عن قوله تعالى: فِيهَا صِرٌّ(11)؟


1) تنويرالمقباس: 3، وتفسير الطبري 75/1، وتفسير ابن كثير 61/1. وفي سؤالات نافع: (لا شكّ فيه أنّه جاء من عند الله، يعني به القرآن).

2) - البيت له في تفسير القرطبي 159/1، والدرّ المصون 86/1. وهو بلا نسبة في البحر 33/1، وفي تفسير القرطبي: (ما يقول الجهولُ). وليس البيت في مجموع شعره.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 58.

4) - سورة البقرة/7.

5) - تنوير المقباس: 4، وتفسير القرطبي 186/1.

6) - ديوانه: 71، والمختار من شعر بشار: 143، واللسان: (خ ت م)، والرواية: وأبرزها.

7) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 59.

8) - سورة البقرة/264.

9) - في تنوير المقباس: 38 (الحجر)، وفي تفسير الطبري 46/3، روي عنه (الحجر)، و(الصفاة). وفي سؤالات نافع: (الحجر الأملس. وهذا مثل ضربه الله للذي ينفق ماله في غير حقّ الله).

10) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 59.

11) - سورة آل عمران/117.

قال: برد(1). أما سمعت قول نابغة [بني ذبيان](2):

لا يبرمون إذا ما الأرض جلَّلها *** صِرُ الشتاء من الإمحال كالأدم

205 = 153 -133- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ(4)؟

قال: توطن(5). أما سمعت قول الأعشى(6)

وما جعل الرحمن بيتك في العلا

:

وما بوَّأ الرحمن بيتك منزلاً *** بأجياد غربي الصفا والمحرّم(7)

206 = 154 -133- قال(8): أخبرني عن قوله تعالى: رِبِّيُّونَ(9)؟

قال: جموع كثيرة(10). أما سمعت قول حسّان(11):


1) تفسير الطبري 39/4، وتفسير ابن كثير 88/2، وتفسير القرطبي 177/4، وروي عنه: (برد شديد). وفي تنوير المقباس: 54: حرّ أو برد.

2) - زيادة من سؤالات نافع. والبيت في ديوانه: 127 (صنعة ابن السكيت): 101 (صنعة الأعلم).

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 60.

4) - سورة آل عمران/121.

5) - في سؤالات نافع: توطيء، وهو تحريف. وفي تنوير المقباس: 55: (تتخذ للمؤمنين: مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ).

6) - ديوانه: 159، ومعجم البلدان (أجياد) 104/1، والرواية فيهما:

7) - في الإتقان في علوم القرآن: غربي الغنى، وهو تحريف.

8) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 78، وسؤالات نافع: 61.

9) - سورة آل عمران/146.

10) - تنوير المقباس: 57، وتفسير الطبري 77/4، وتفسير القرطبي 230/4، وتفسير ابن كثير 111/2. وفي اللغات في القرآن: 21: (رجال كثير بلغة حضرموت).

11) - ليس في ديوانه. وهو في إيضاح الوقف: 78، وتفسير القرطبي 230/4، وفيهما: (عن الحقّ). وفي سؤالات نافع: 60 كما هنا.

وإذا معشر تجافوا عن القص- *** -د حملنا عليهم رِبيا

207 = 155 -133-قال(1): أخبرني عن قوله تعالى: مَخْمَصَةٍ(2)؟

قال: مجاعة(3). أما سمعت قول الأعشى(4):

تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم *** وجاراتكم سُغب يبتن خمائصا

208 = 156 -133- قال(5): أخبرني عن قوله تعالى: وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(6)؟

قال: ليكتسبوا ما هم مكتسبون(7). أما سمعت قول لبيد(8):

وإنّي لآت ما أتيت وإنّني *** لما اقترفت نفسي عليَّ لراهب


1) المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 81، وسؤالات نافع: 61.

2) - سورة المائدة/3.

3) - تنوير المقباس: 88، وتفسير الطبري 55/6، ومجمع البيان 159/2.

4) - ديوانه: 185، وتفسير الطبري 55/6، وتفسير القرطبي 64/6، ومجمع البيان 157/2. وقوله (سغب) كذا وقع، والذي في الديوان وغيره: (غرثى). ولم أجد (سُغُب) في المعجمات، وواحده المكسر عليه سغباء ولم يذكروه، والذي نصوا عليه: سغبى، وجمعه سغاب. وكان في الإتقان في علوم القرآن: (في المشتاء ملأى)، وهو خطأ.

5) - المسألة والبيت في إيضاح الوقف: 82، وسؤالات نافع: 62.

6) - سورة الأنعام/113.

7) - تنوير المقباس: 117، وتفسير الطبري 7/8، وتفسير القرطبي 70/7، وتفسير ابن كثير 314/3، ومجمع البيان 353/2.

8) - ديوانه -- متفرّقات: 349.

-2-

إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري

209 = 157 -77 -- 78- قال(1): فأخبرني عن قوله تعالى: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ(2)، ما السِّنة؟

قال: النعاس(3). قال زهير بن أبي سلمى(4)

ولا سنة طول الدهر تأخذه *** ولا ينام وما في أمره فند

كذا وقع، وصدره مختل على هذا

:

لا سنةٌ في طوال الدهر تأخذه *** ولا ينام ولا في أمره فندُ

210 = 158 -78- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ(5)، ما الكاظمون؟

قال: الحابسون الغيظ(6). قال عبد المطّلب بن هاشم(7):


1) المسألة والبيت في سؤالات نافع: 21، ونقلها القرطبي في تفسيره 25/1 عن ابن الأنباري.

2) - سورة البقرة/255.

3) - تنوير المقباس: 36، وتفسير الطبري 5/3. وفي سؤالات نافع: (السنة: الوسنان [كذا] الذي هو نائم وليس بنائم).

4) - ليس في ديوانه. وفي سؤالات نافع:

5) - سورة آل عمران/134.

6) - في تنوير المقباس: 56: (الكاظمين غيظهم المرددين حدتهم في أجوافهم). وفي اللغات في القرآن: 41 في تفسير: كَاظِمِينَ سورة غافر/18، (يعني: مكروبين بلغة أزد شنوءة).

7) - البيت له في البحر 56/3، وهو لأبي طالب في الدرّ المصون 395/3، وبلا نسبة في تفسير القرطبي 249/9، والرواية في المصادر: والقوم من خوف المنايا كُظَّمُ.

فحضضت قومي واحتسبت قتالهم *** والقوم من خوفٍ قتالهم كُظُم

211 = 159 -82- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ(1)، ما تصغى؟

قال: ولتميل(2). قال فيه القُطامي التغلبي(3):

وإذا سمعنا هماهما من رفقة *** ومن النجوم غوابر لم تخفق

أصغت إليه هجائن بخدودها *** آذانهنَّ إلى الحداة السُوَّق

212 = 160 -83- قال: أخبرني عن قوله تعالى: مَذْمُوماً مَّدْحُوراً(4)، ما المذموم؟

قال: المعيب(5). قال فيه الأعشى(6):

وقد قالت قتيلة إذ رأتني *** وإذ لا تعدم الحسناء ذاما(7)

213 = 161 -83- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً(8)، ما الأُمم؟


1) سورة الأنعام/113.

2) - تنوير المقباس: 117، وتفسير الطبري 6/8، وتفسير ابن كثير 314/3. وفي اللغات في القرآن: 54 أنّ صغا بمعنى مال لغة خثعم.

3) - ديوانه: 33. ورواية الثاني فيه:

قال: الفِرق(1). قال فيه بشر بن أبي خازم(2):

من قيس عَيْلان في ذؤابتها *** ومنهم وهم بعد قادة الأُمم

214 = 162 -86- قال(3): أخبرني عن قوله تعالى: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ(4)، ما الصواع؟

قال: الإناء(5). قال فيه الأعشى(6)

له في درمك في رأسه ومشارب *** ومسك وريحان وراح تصفق

وحور كأمثال الدمى ومناصف *** وقدر وطباخ وصاع وديسق

:

له درمك في رأسه ومشاربٌ *** وشاء وطبَّاخ وصاع وديسقُ

215 = 163 -88- قال: أخبرني عن قوله تعالى: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ(7)، ما المُقنع؟

قال: الرافع رأسه(8). قال فيه كعب بن زهير:


1) في تنوير المقباس: 141: (فرقناهم سبطا سبطا). وفي مجمع البيان 494/2: (فرقاً مختلفة وجماعات شتّى يعني اليهود). وفي تفسير الطبري 71/9: (في كلّ أرض يدخلها قوم من اليهود).

2) - ليس في ديوانه.

3) - المسألة والبيت في سؤالات نافع: 34.

4) - سورة يوسف/72.

5) - في سؤالات نافع: (الكأس الذي كان يشرب به). وفي تنوير المقباس: 200: (إناء الملك الذي كان يشرب فيه، وكان إناء من ذهب). وفي تفسير الطبري 13/13، وتفسير ابن كثير 325/4: (مثل المكوك أو كالمكوك [وهو الصاع] من فضّة) وفي رواية: من نحاس.

6) - ديوانه: 253. وهو على هذه الرواية مركب من بيتين، وهما:

7) - سورة إبراهيم/43.

8) - في تنوير المقباس: 215: (مطأطئي رؤوسهم، ويقال: رافعي رؤوسهم، ويقال: ماديَّ رؤوسهم). وفي تفسير الطبري 157/13، وتفسير القرطبي 376/9، وتفسير ابن كثير 344/4: (رافعي رؤوسهم). وفي اللغات في القرآن: 31: (يعني: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش).

هجان وحُمر مقنعات رؤوسها *** وأصفر مشمول من الزهو فاقع(1)

216 = 164 -88- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً(2)، ما الواصب؟

قال: الدائم(3). قال فيه أُميّة بن أبي الصلت(4):

وله الدين واصبا وله المل- *** -ك وحمدٌ له على كلّ حال

217 = 165 -89 قال: أخبرني عن قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ(5)، ما الباخع؟

قال: يقول: قاتل نفسك(6). قال فيه لبيد(7):

لعلّك يوماً إن فقدت مزارها *** على بعده يوماً لنفسك باخع

218 = 166 -89 -- 90- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً(8)، ما الملتحد؟


1) ليس في ديوانه. وفي نسخة من إيضاح الوقف: مثمول من الزهو؟

2) - سورة النحل/52.

3) - تنوير المقباس: 25، وتفسير الطبري 81/14، وتفسير ابن كثير 495/4، ومجمع البيان 365/3. وفي اللغات في القرآن: 40 في قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ [الصافات/9]: (يعني الدائم بلغة قريش).

4) - ديوانه: 446.

5) - سورة الكهف/6.

6) - تنوير المقباس: 243. وفي اللغات في القرآن: 33: (يعني: قاتل نفسك بلغة قريش).

7) - ليس في ديوانه.

8) - سورة الكهف/27.

قال: المدخل في الأرض(1). قال فيه خصيب الضمري:

يا لهف نفسي ولهف غير مجدية *** عنّي وما عن قضاء الله ملتحد(2)

219 = 167 -90- قال: أخبرني عن قوله تعالى: مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً(3)، ما العتيُّ؟

قال: اليبوس(4)من الكبر(5)

وفي تفسير الطبري 40/16، وتفسير ابن كثير 209/5: (الكبر).

. قال فيه الشاعر:

إنّما يُعذر الوليد ولا يع- *** -ذر من كان في الزمان عتيا(6)

220 = 168 -91- قال: أخبرني عن قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً(7)، ما المليّ؟

قال: طويلاً(8). قل فيه المهلهل(9):


1) في تنوير المقباس: 246: ملجأ. وفي مجمع البيان 414/3: حرز. وفي اللغات في القرآن: 33: (يعني: ملجأ بلغة هذيل).

2) - البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 26/19 وفيه: ولهفي غير... من قضاء.

3) - سورة مريم/8.

4) - في الأصل: (إيضاح الوقف): (اليؤووس)، وهو تصحيف صوابه ما أثبت.

5) - في تنوير المقباس: 254: (يبوساً من الكبر)، وفيه تفسير المصدر العتي بالصفة. وفي اللغات في القرآن: 34: (يعني: قحولاً، وهو اليابس جلده على عظمه من الكبر)، وفيه تفسير المصدر بالصفة أيضاً.

6) - البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 83/11، وحاشية بعض أُصول مجاز القرآن 2/2. وقوله: (عتيا)، أي: عاتيا، أي: يابساً من الكبر.

7) - سورة مريم/46.

8) - تنوير المقباس: 256. والذي روي عنه في تفسير الطبري 69/16، وتفسير القرطبي 111/11، وتفسير ابن كثير 230/5، ومجمع البيان 517/3: (سوياً سالماً).

9) - البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي 111/11.

وتصدعت صُمّ الجبال لموته *** وبكت عليه المرملات مليا

وقال فيه الشاعر:

فعافت مشرب الشبثان(1)يوماً *** وقد شربت به بكر مليا

221 = 169 -91- قال: أخبرني عن قوله تعالى: عَلَيْهِمْ ضِدّاً(2)، ما الضدّ؟

قال: ثقلاً(3)قال فيه حمزة بن عبد المطّلب:

وإن تكونا لهم ضداً نكن لكم *** ضداً بغلباء(4)مثل الليل علكوم

222 = 170 -92-قال: أخبرني عن قوله تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزّاً(5)، ما أزّاً؟

قال: تُوقدهم وقودا(6). قال فيه الشاعر:

حليم أمين لا يُبالي مخيلة *** إذا أزَّه الأقوام لم يترمرم


1) في الأصل: (إيضاح الوقف): الشبثات، ولعلّ الصواب ما أثبت.

2) - سورة مريم/82.

3) - كذا وقع، ولم أجد هذا المعنى في المعجمات، ولا في كتب التفسير. والذي روي عن ابن عبّاس: أنّ الضدّ الأعوان، وروي عنه: (القرناء)، انظر تفسير الطبري 94/16، وتفسير ابن كثير 257/5، وتنوير المقباس: 259. وفي اللغات في القرآن: 34 (خصماً بلغة كنانة).

4) - كان في الأصل (إيضاح الوقف): بعلباء، وهو تصحيف. والغلباء: العظيمة، والعلكوم: الضخمة.

5) - سورة مريم/83.

6) - في تنوير المقباس: 259: (تزعجهم إلى معصية الله إزعاجاً وتغريهم إغراء بالشرّ)، ونحوه في تفسير القرطبي 150/11، وروي عنه: تغويهم إغواء، وروي عنه: تحرضهم، وانظر تفسير الطبري 95/16، وتفسير ابن كثير 257/5، ومجمع البيان: 531.

223= 171 -92- قال: أخبرني عن قوله تعالى: لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً(1)، ما الأمت؟

قال: الشيء الشاخص من الأرض(2)

انظر تفسير الطبري 156/16، وتفسير القرطبي 246/11، وتفسير ابن كثير 310/5، ومجمع البيان 30/4.

. قال فيه كعب بن زهير(3):

فأبصرت لمحةً من رأس عكرشةٍ *** في كافر ما به أمْتٌ ولا شرف

224 = 172 -92 -- 93- قال: أخبرني عن قوله تعالى: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(4)، ما الزفير؟

قال: زفير كزفير الحمار(5). قال فيه أوس بن حجر(6):

فلا عذر إن لاقيت أسماء بعدها *** فتغشي علينا إن فعلت فتُعذَرُ

فنخبرها أن رُبّ يومٍ وقفته *** على هضبات السَّفح تبكي وتزفر

225 = 173 -98- قال أخبرني عن قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ(7)، ما النجم؟


1) سورة طه/107.

2) - تنوير المقباس: 66. وروي عنه: أنّ الأمت المرتفع، وروي عنه: أنّه الأثر مثل الشراك.

3) - ليس في ديوانه.

4) - سورة هود/106.

5) - تنوير المقباس: 191. وفي تفسير الطبري 70/12، وتفسير القرطبي 98/9: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، وفي مجمع البيان: 194 يريد ندامة ونفساً عالياً وبكاء لا ينقطع.

6) - ليسا في ديوانه.

7) - سورة الرحمن/6.

قال: ما أنجمت الأرض ممّا لا يقوم على ساق، فإذا قام على ساق فهي شجرة(1). قال صفوان بن أسد التميمي(2):

لقد أنجم القاعُ الكثير عضاهُهُ *** وتم به حيا تميمم ووائل

وقال زهير بن أبي سلمى(3):

مكلل بأُصول النجم تنسجه *** ريح الجنوب لضاحي مائه حبك

226 = 174 -97 قال فأخبرني عن قول الله تعالى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ(4)؟

قال: لنولعنَّك(5). قال فيه الحارث بن حلِّزَة(6):

لا تخلنا على غرائك إنّا *** قبلُ ما قد وشى بنا الأعداءُ


1) تنوير المقباس: 451، وتفسير الطبري 68/27، وتفسير القرطبي 153/17، وتفسير ابن كثير 464/7، ومجمع البيان 198/5.

2) - البيت له في تفسير القرطبي 153/17، وفيه: الكبير عضاهه.

3) - ديوانه: 176 (الدار): 134 (قباوة) وروايته: ريح خريق لضاحي. وسلف الاستشهاد به في المسألة/28.

4) - سورة الأحزاب/60.

5) - في تفسير القرطبي 246/14: (قال ابن عبّاس: لم ينتهوا عن إيذاء النساء، وإنّ الله عزّ وجلّ قد أغراه بهم). وفي تنوير المقباس: 357، وتفسير الطبري 34/22، ومجمع البيان 371/4: (لنسلطنك عليهم).

6) - البيت من معلقته، شرح القصائد السبع: 454، والتسع: 564، والعشر: 381.

-3-

الكامل للمبرّد

227 = 175 -1149 -- 1150-، وممّا سأله عنه: الم _ ذَلِكَ الْكِتَابُ(1)؟

فقال ابن عبّاس: تأويله: هذا القرآن(2). [قال المبرّد]: ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عبّاس، وأنا أحسبه لم يقبله إلاّ بشاهد(3)

أقول له والرمح يأطر متنه *** تأمل خفافاً إنّني أنا ذلكا

واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن 28/1، وتفسير الطبري 75/1، وتفسير القرطبي 157/1، ومجمع البيان 36/1، وانظر شعر خفاف: 64.

.

1) سورة البقرة/1 -- 2.

2) - تنوير المقباس: 3، وتفسير الطبري 74/1، وتفسير ابن كثير 60/1.

3) - ثمّ قال المبرّد: (وبيت خفاف بن ندبة على ذلك يصحّ معناه...)، ثمّ أنشد قول خفاف:

-4-

سؤالات نافع بن الأزرق

228 = 176 -19- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ(1)؟

قال: الأنام: الخلق(2). وهم ألف أمّة: ستمائة في البحر وأربعمائة في البرّ.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة(3)وهو يقول:

فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا *** عصافير من هذا الأنام المسحَّر

229 = 176 -19- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(4)؟

قال: إلاّ أن تدع المرأة نصف المهر، أو يعطيها النصف الباقي، فيقول:


1) سورة الرحمن/10.

2) - تنوير المقباس: 451، وتفسير الطبري 70/27، وتفسير ابن كثير 465/7. وفي تفسير القرطبي 155/17: (الناس)، وفي مجمع البيان 198/5: (كلّ شيء فيه روح).

3) - ديوانه: 56، وتخريجه فيه/372. وكان في الأصل: (سؤالات نافع): ممّ نحن، وهو تحريف. وسلف الاستشهاد بالبيت في المسألة/11.

4) - سورة البقرة/237.

كانت في ملكي وحبستها عن الزواج(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى(2)وهو يقول:

حزما وبرّا للإله وشيمةً *** تعفو على خُلق المسيء المفسد

230 = 178 -24- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(3)؟

قال: الزوج: الواحد، والبهيج: الحسن(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(5)وهو يقول:

وكلّ زوج من الديباج يلبسُه *** أبو قدامة محبواً بذاك معا

231 = 179 -25- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ(6)؟

قال: الأنصاب: الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها، والأزلام: القداح(7).


1) هو بنحوه في تنوير المقباس: 33، وتفسير الطبري 334/2 -- 335، وتفسير ابن كثير 425/1.

2) - ديوانه: 277 (الدار).

3) - سورة الحجّ/5.

4) - في تنوير المقباس: 277: من كلّ لون حسن.

5) - ديوانه: 143.

6) - سورة المائدة/90.

7) - تنوير المقباس: 100، 88، وتفسير الطبري 21/7 و6/50، وتفسير ابن كثير 170/3، 21 ومجمع البيان 158/2، وساق تفسير: (الأزلام) في المسألة/27.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان(1)وهو يقول:

فلا لعمرك الذي مسَّحت كعبتهُ *** وما هُريق على الأنصاب من جسدِ

232 = 180 -26- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَلاَ تَأْسَ(2)؟

قال: لا تحزن يا موسى(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت امرأ القيس(4)وهو يقول:

وقُوفا بها صحبي عليّ مطيّهم *** يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل

233 = 181 -31- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)؟

قال: هكذا الكافر من الشباب إلى الكبر ومن الكبر إلى النار(6).


1) ديوانه: 9، وتفسير الطبري 119/6، وتفسير القرطبي 133/6، ومجمع البيان 181/2، ومجاز القرآن 171/1.

2) - سورة المائدة/26.

3) - تنوير المقباس: 92، وتفسير الطبري 119/6.

4) - ديوانه: 9، وتفسير الطبري 119/6، وتفسير القرطبي 133/6، ومجمع البيان 181/2، ومجاز القرآن 171/1.

5) - سورة التين/5.

6) - في تنوير المقباس: 514 (يعني) النار، ويقال: ثمّ رددناه إلى أرذل العمر. وفي تفسير الطبري 156/30، وتفسير ابن كثير 457/8، وتفسير القرطبي 511/5: (إلى أرذل العمر).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عليّ بن أبي طالب(1)t وهو يقول:

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزلٍ *** عن الشغب والعُدوان في أسفل السفل

234 = 182 -32- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ(2)؟

قال: يُنشرون من جوف الأرض من كلّ ناحية(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد(4)وهو يقول:

وأمّا يومهن فيوم سوء *** تخطفهن بالحدب الصُقور

235 = 183 -32- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لِلدِّينِ حَنِيفاً(5)؟

قال: ديِّنا مخلصاً(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطّلب وهو يقول:


1) ديوانه (جمع وترتيب عبد العزيز كرم): 81 وفيه.

2) - سورة الأنبياء/96.

3) - المروي عنه أن الحدب المرتفع من الأرض، انظر تنوير المقباس: 275، وتفسير الطبري 73/17، وتفسير ابن كثير 367/5، وتفسير القرطبي 341/11.

4) - ديوانه: 103 وفيه: تطاردهن بالحدب.

5) - سورة يونس/105.

6) - في تنوير المقباس: 180: حنيفاً: مسلماً.

حمدت الله حين هدى فؤادي *** إلى الإسلام والدين الحنيف(1)

(والشاهد الأوّل من أبيات ذكرها ابن إسحاق في سيرته: 173 بتحقيق د. سهيل زكار، ط دار الفكر بيروت، وقد مرّ ذكرها في النماذج المختارة في إنقاذ المستطاع من سقط المتاع؛ فراجع.

والشاهد الثاني من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت قالها يعظم فيها الحرمة وينهى قريشاً عن الحرب... ويأمرهم بالكف عن رسول الله7... وهي 35 بيتاً، والبيت الشاهد هو 23 من القصيدة ذكرها ابن هشام في السيرة 283/1 -- 286 تحقيق السقا والأبياري وشلبي، ط الثانية تراث الإسلام. الخرسان).

وقال أيضاً رجل يذكر بني عبد المطّلب وفضلهم:

أقيموا لنا ديناً حنيفاً فأنتم *** لنا غاية قد يهتدي بالذوائب

236 = 184 -33- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ(2)؟

قال: الصاعقة: العذاب(3)وأصله الموت.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة(4)وهو يقول:

قد كنت أخشى عليك الحتوف *** وقد كنت آمنك الصّاعقة

237 = 185 -33- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مُسَوِّمِينَ(5)؟


1) البيت له في تفسير القرطبي 388/8.

2) - سورة البقرة/55.

3) - في تنوير المقباس: 9: (النار).

4) - ليس في ديوانه. وهو مخروم.

5) - سورة آل عمران/125.

قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسوَّمة(1)، فتلك سيما الملائكة يا بن الأزرق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

ولقد حميتُ الخيل تحمل شكَّتي *** جرداء صافية الأديم مسوَّمه

238 = 186 -35- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ(2)؟

قال: الثُّبَة عشرة فما فوق ذلك(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم(4)وهو يقول:

فأمّا يوم خشيتنا عليهم *** فتصبح خيلنا عُصباً ثُبينا

239 = 187 -36- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَالْمُنْخَنِقَةُ(5)؟


1) تفسير ابن كثير 95/2، ومجمع البيان 499/1. وروي عنه (مسومين بالصوف) انظر تفسير الطبري 54/4. وفي تنوير المقباس: 55: (معلمين، ويقال: متعممين بعمائم الصوف).

2) - سورة النساء/71.

3) - في تنوير المقباس: 174: (جماعات سرية سرية), وفي تفسير الطبري 105/5، وتفسير ابن كثير 313/2: (يقول: عصباً، يعني سرايا متفرّقين).

4) - ديوانه: 88، وهو في تفسير القرطبي 274/5، ومجاز القرآن 132/1.

5) - سورة المائدة/3.

قال: كانت العرب تخنق الشاة، فإذا ماتت أكلوا لحمها(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت امرأ القيس(2)وهو يقول:

يغط غطيط البكر شُد خِناقُه *** ليقتلني والمرء ليس بقتَّال

240 = 187 -7- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ(3)؟

قال: لا تعمدوا إلى شرّ ثماركم وخُرفتكم فتعطوه في الصدقة، لو أعطيتم ذلك لم تقبلوه(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(5)وهو يقول:

يَممت راحلتي أمام محمّدِ *** أرجو فواضله وحُسنَ نداه

وقال أيضاً(6):

تيممت قيساً وكم دونه *** من الأرض من مهمه ذي شزن


1) تفسير الطبري 44/6، وتفسير القرطبي 48/6، ومجمع البيان 157/2. وفي تنوير المقباس: 88: (التي اختنقت بالحبل حتّى تموت) وذلك بغير خنق أهلها لها.

2) - ديوانه: 33.

3) - سورة البقرة/267.

4) - في تنوير المقباس: 38: (لا تعمدوا إلى الرديء من أموالكم). والخرفة: ما يجتنى من الفواكه.

5) - ليس في ديوانه.

6) - ديوانه: 55، وتفسير الطبري 69/5.

241= 189 -38- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عُرُباً أَتْرَاباً(1)؟

قال: هنّ العاشقات لأزواجهنّ(2)اللاتي خلقن من الزعفران(3)، والأتراب: المستويات(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان(5)يقول:

عهدت بها سُعدى وسعدى غريرة(6)*** عَرُوب تهادى في جَوارٍ خرائد

242 = 190 -39- قال: يا بن عبّاس أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: سَامِراً تَهْجُرُونَ(7)؟

قال: كانوا يهجرون على اللهو والباطل(8).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) سورة الواقعة/37.

2) - تنوير المقباس: 454، وتفسير الطبري 107/27، وتفسير القرطبي 211/17، وتفسير ابن كثير 11/8، ومجمع البيان 219/5.

3) - قوله: (خلقن من الزعفران)، روي هذا عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: حُورٌ ، انظر تفسير الطبري 102/27.

4) - في السن.

5) - ديوانه: 168: (صنعة ابن السكيت): 138 (صنعة الأعلم).

6) - في الأصل: (سؤالات نافع): عزيزة، وهو تصحيف.

7) - سورة المؤمنون/67.

8) - في تنوير المقباس: 288: (تقولون السمر)، وفي تفسير الطبري 30/18 -- 31: (يسمرون حول البيت، يهجرون ذكر الله).

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

وباتوا بشعب لهم سامر *** إذا خب نيرانهم أوقدوا(1)

243 = 191 قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ(2)؟

قال: النَّحس: البلاء والشدّة(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سُلمى(4)وهو يقول:

سواء عليه أي يوم أتيته *** أساعة نحس تتقى أم بأسعد

244 = 192 -40- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ(5)؟

قال: إذا أشرقت الشمس وحلت الصلاة(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(7)وهو يقول:


1) كذا وقع؟

2) - سورة المؤمنون/67.

3) - في تفسير الطبري 58/27: (أيام شداد). وفي تفسير القرطبي 135/17: (في يوم كانوا يتشائمون به). وفي تنوير المقباس: 449: (مشؤوم عليهم).

4) - ديوانه: 232 (الدار) وفيه: أي حين.

5) - سورة ص/18.

6) - صلاة الضحى وهي في الغداة، انظر تفسير الطبري 87/28، وتفسير القرطبي 160/15 -- 161. وفي تنوير المقباس: 381: (غدوة).

7) - ديوانه: 249.

لم ينم ليلة التمام لكي يص- *** -بح حتّى أضاءه الأشراق

245 = 193 -41- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً(1)؟

قال: سبحان تنزيه له وحده لا شريك له(2)الذي أسرى محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم (3)من المسجد الحرام إلى البيت المقدس، ثمّ ردَّه الله إلى المسجد الحرام.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(4)وهو يقول:

قلت له لمّا علا فخره *** سبحان من علقمة الفاخر

246 = 194 -42- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً(5)؟

قال: الشَّغاف في القلب في النياط. يقول: قد امتلأ قلبها من حبّ يوسف(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) سورة الإسراء/1.

2) - في تنوير المقباس: 23: (تعظم وتبرأ عن الولد والشريك).

3) - يقال: أسراه وأسرى به.

4) - ديوانه: 179، وتفسير القرطبي 204/10.

5) - سورة يوسف/30.

6) - في تنوير المقباس: 196: (قد شق شغاف قلبها حبّ يوسف). وفي تفسير الطبري 118/12: (علقها حباً)، وروي: (غلبها). وفي تفسير القرطبي 176/9: (دخل تحت شغافها). وفي تفسير ابن كثير 11/4: (الشغف: الحبّ القاتل).

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول:

وفي الصدر حُبّ دون ذلك داخلٌ *** دخول الشغاف غيبته الأضالع(1)

ويروى: (ولكن هم-ّاً دون ذلك داخل).

ورواية عجزه: (مكان الشغاف تبتغيه الأضالع).

ويروى: (دخول الشغاف ... ... ... ...).

انظر ديوان النابغة: 45 (صنعة ابن السكيت) /32 (صنعة الأعلم). والبيت في تفسير الطبري 117/12، وتفسير القرطبي 176/9، وروايته فيهما:

وقد حال همّ دون ذلك داخل *** دخو الشغاف ... ... ... ...

وهو في مجاز القرآن 308/1 والرواية فيه:

246 = 195 -42 -- 43- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَاء ثَجَّاجاً(2)؟

قال: الثجيج(3): الكثير(4) الذي ينبت منه الزرع.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب(5) وهو يقول:


1) كذا وقع، وكان في الأصل: (سؤالات نافع): رحب، ولعلّ الصواب ما أثبت على هذه الرواية. ورواية صدره في الديوان: (وقد حال همّ دون ذلك شاغل).

سقى أُمّ عمرو كلّ آخر ليلةٍ *** حناتم سودٌ ماؤهن ثجيج

248 = 196 -4- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: مَلُوماً مَّحْسُوراً(1)؟

قال: مستحباً مستحلاً(2)قد حسرت من المال، فتقول: هلا أبقيت(3)

(البيت الشاهد من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل، كما في ديوانه: 288 -- 293، والبيت الشاهد هو 24 من القصيدة ذات 54 بيتاً، راجع ديوان جرير تأليف محمّد إسماعيل عبد الله الصاوي، ط الصاوي بمصر، ط الأولى. الخرسان).

.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

ما قاد من عرب إليَّ جوادهم *** إلاّ تركت جوادهم محسورا

249 = 197-44- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَحُورٌ عِينٌ(4)؟

قال: الحَوراء: البيضاء المُنعَّمة(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) سورة الإسراء/29.

2) - كذا وقع والذي روي عن ابن عبّاس في تفسير: مَّحْسُوراً : (ذاهباً الذي لك من المال)، انظر: تنوير المقباس: 236، وتفسير الطبري 56/15، ومجمع البيان 411/3. وفي اللغات في القرآن: 2: (المحسور: المنقطع بلغة جرهم).

3) - في الأصل: (سؤالات نافع): أيقنت، وهو تصحيف.

4) - سورة الواقعة/22.

5) - في تنوير المقباس: 454: (حور: بيض). وفي تفسير الطبري 102/27: (سود الحدق).

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(1)وهو يقول:

وحور كأمثال الدمى ومناصفٌ *** وماء وريحان وراح يصنع(2)

250 = 198 -44- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً(3)؟

قال: كذلك أهل الجنّة، لا يصيبهم حرّ الشمس فيؤذيهم ولا البرد(4).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(5)وهو يقول:

برهرهة مثل الفني- *** -ق لم ترَ شمسا ولا زمهريرا(6)

مبتلة الخلق مثل المها *** ة لم تر ... ... ... ... ... ...

ورواية القرطبي:

منعمة طفلة كالمها *** ة لم تر ... ... ... ... ... ...

والبرهرهة: التارّة البضّة، تكاد ترعد من الرطوبة، والفنيق: الفحل الكريم من الإبل، يريد أنّها فتية لحيمة سمينة.

251 = 199 -44- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ:


1) ديوانه: 253، وسفر السعادة/277 وتخريجه فيه.

2) - كذا وقع وصوابه: (وصاع وديسق). وقوله مناصف كان في الأصل: (سؤالات نافع) مناسف، وهو تحريف.

3) - سورة الإنسان/13.

4) - في تنوير المقباس: 495: (لا يصيبهم حرّ الشمس ولا برد الزمهرير). والزمهرير: البرد المفظع، عن مجاهد، انظر تفسير الطبري 132/29.

5) - ديوانه: 131، وتفسير القرطبي 137/19.

6) - رواية الديوان:

كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(1)؟ قال: الجبّار: القتال(2)، والعنيد: الذي يعند عن حقّ الله(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

مُصر على الحنث لا تخفى شواكله *** يا ويح كلِّ مصر القلب جبار(4)

252 = 200 -45- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ(5)؟

قال: الموضونة: ما يوضن بقضبان الفضّة عليها سبعون فراشاً(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت(7)

(أقول: إنّ لحسّان بيت شعر يشبه في بعض ألفاظه البيت الشاهد، ولفظه:

تحفز عني فجاد السيف سابغة *** فضفاضة مثل نهي اللون بالقاع

ص257 (البرقوقي).

أما البيت الشاهد فهو من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، ذكرها القرشي في جمهرة أشعار العرب في باب المذهبات رقم/7، تزيد على 20 بيتاً، وروايته (أعددت للهيجاء...)، إلاّ أنّه في شرح المفضليات، وابن الأثير: (أعددت للأعداء...). الخرسان).

وهو يقول:

1) سورة إبراهيم/15.

2) - في تنوير المقباس: 212: (كلّ متكبر ختال).

3) - تفسير القرطبي 349/9. وفي تنوير المقباس: 212: (معرض عن الحقّ والهدى).

4) - كذا وقع، وهو من البسيط، وهو مختل في أوّل أجزائه.

5) - سورة الواقعة/15.

6) - في تنوير المقباس: 452: (موصولة [كذا، وصوابه: موضونة، أي منسوجة] بقضبان الذهب والفضّة منسوجة بالدرّ والياقوت). وفي تفسير الطبري 99/27، وتفسير القرطبي 201/17، وتفسير ابن كثير 495/7: (منسوجة بالذهب).

7) - كذا، وليس البيت له، بل هو لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، ديوانه: 78 وتخريجه فيه. وروايته: (أعددت للأعداء).

أعددت للهيجاء موضونة *** فضفاضة كالنهي بالقاعِ

253 = 201 -47 قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ(1)؟

قال: النسل: المشي الخبب. وهذا يوم القيامة(2).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني جعدة(3)وهو يقول:

عسلان الذئب أمسى قارِباً *** برد الليل عليه فنسل

254 = 202 -47- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(4)؟

قال: العنق الجماعة من الناس(5).


1) سورة يس/51.

2) - في تنوير المقباس: 372، وتفسير الطبري 11/23، وتفسير القرطبي 40/15: (ينسلون: يخرجون).

3) - ديوانه: 90، وهو في تفسير القرطبي 40/15، ومجمع البيان 428/4.

4) - سورة الشعراء/4.

5) - في تفسير الطبري 38/19: (ملقين أعناقهن). وفي تنوير المقباس: 306: (ذليلين). وعليهما فالأعناق على معناها الظاهر جمع عنق، وهي وصلة ما بين الرأس والجسد. وأما حمل الأعناق على أنّها جمع عنق، والمراد بها بالجماعة، فقول عزي إلى أبي زيد والأخفش، انظر تفسير القرطبي 89/13.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الحارث بن هشام وهو يقول ويذكر أبا جهل:

يُخبَّرنا المخبر أنّ عمراً *** أمام القوم في عنق مخيل

255 = 203 -47 -- 48- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَاهُ(1)؟

قال: الإنى: النضج(2)، يعني: إذا أدرك الطعام. وذلك أنّ أمراء المؤمنين كانوا يدخلون بيت النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، فيحدّثون قبل أن يدرك الطعام ويكلّمون نساءه، وذلك قبل الحجاب. فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، فلم يدخلوا بعد ذلك إلاّ بإذن، وكانوا إذا دخلوا أكلوا الطعام وانتشروا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

يَفعم ذاك الإنى العبيط كما *** يفعم غرب المحالة الجمل(3)

256 = 204 -49- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ(4)؟


1) سورة الأحزاب/53.

2) - تنوير المقباس: 356، وتفسير الطبري 25/22، وتفسير القرطبي 224/14، 226.

3) - في الأصل (سؤالات نافع): عزب المجالة، وهو تصحيف. والغرب: الدلو الكبير الذي يستسقى به على الساقية، والمحالة: منجنون يستقى عليها، والعبيط: اللحم الطريّ غير النضيج.

4) - سورة الزخرف/22.

قال: وجدنا آباءنا على ملّة غير الملّة التي تدعونا إليها(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان(2)وهو يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع(3)

فاقني حياءك لا أباً لك وأعلمي *** أنّي امرؤ سأموت إن لم أقتل

وهذا البيت ليس للنابغة، بل هو لعنترة، ولا شاهد فيه على هذا المسألة. وقد مرَّ بيت عنترة شاهداً في المسألة/181 قوله تعالى: أَغْنَى وَأَقْنَى سورة النجم/48.

وكأنّ في سؤالات نافع سقطاً ذهب ببيت النابغة الذي أثبتُه وبالمسألة 181 التي بقي بيت عنترة شاهداً عليها. يشهد لهذا أنّ المسائل 179، 180، 182 جاءت في سؤالات نافع في الصفحة نفسها (ص49 منها).

وبيت النابغة في تفسير القرطبي 75/16.

257 = 205 -50- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ(4)؟

قال: الإبل يأخذها داء يقال له الهيام فلا تروى من الماء(5). قال: فشبه شرب أهل النار من الحميم بشرب الإبل الهيم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) في تنوير المقباس: 412: (على هذا الدين). وفي تفسير الطبري 37/25: (على دين).

2) - ديوانه: 51 (صنعة ابن السكيت) /35 (صنعة الأعلم).

3) - كان في الأصل (سؤالات نافع) في موضع هذا البيت قوله:

4) - سورة الواقعة/55.

5) - تنوير المقباس: 454، وتفسير الطبري 113/27، وتفسير القرطبي 215/17، وتفسير ابن كثير، 16/8، ومجمع البيان 221/5.

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة(1)يقول:

أجزت إليَّ معارفها بشعثٍ *** وأطلاح من العيدي هيمِ

258 = 206 -50- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(2)؟

قال: زلزلة شديدة عند النفخة الآخرة(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد(4)وهو يقول:

ملك يُنفق الخزائن والذم- *** -مة قد دكها وكادت تبور

259 = 207 -51- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ(5)؟

قال: كذلك نساء أهل الجنّة، لم يدن منهن غير أزواجهن(6).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) ديوانه: 104، وهو في تفسير القرطبي 215/17.

2) - سورة الحاقة/14.

3) - في تنوير المقباس: 483: (فكسرتا كسرة واحدة).

4) - ديوانه: 92، وفيه:

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(1)وهو يقول:

مشين إلىَّ لم يُطمثن قبلي *** وهنَّ أصحّ من بيض النَّعام

260 = 208 -52- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَأَنَا أوّل الْعَابِدِينَ(2)؟

قال: أنا أوّل الآنفين(3)من أن يكون لله ولد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت تُّبعا وهو يقول:

قد علمت فهرٌ بأني ربُهم *** طوعا تدين له ولمَّا تعبد

261 = 209 -52- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَمُولَةً وَفَرْشاً(4)؟

قال: الحمولة: ما يحمل عليه، والفرش: الصغار من الأنعام(5).


1) وهو الفرزدق، ديوانه: 836، وتفسير القرطبي 181/17، ومجمع البيان 207/5.

2) - سورة الزخرف/81.

3) - في سؤالات نافع: الآبقين، وهو تصحيف. وقد روي هذا عن سفيان الثوري، انظر تفسير ابن كثير 288/7، وعزي إلى الجبائي، وغيره في مجمع البيان 57/5، ولم ينسب إلى قائل في تفسير القرطبي 120/16، واللسان: (ع ب د). وهو مأخوذ من عبد كفرح: إذا أنف. وفي تنوير المقباس: 416: (أوّل المقرين بأن ليس لله ولد ولا شريك). وهذا مبني على أنّ (إن) في قوله: إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ نافية، أي ما كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين المقرين بذلك، وهو المروي عن ابن عبّاس في تفسير الطبري 60/25، وتفسير ابن كثير 228/7، ومجمع البيان 57/5.

4) - سورة الأنعام/142.

5) - تنوير المقباس: 121، وتفسير الطبري 47/8، وتفسير ابن كثير 343/3، ومجمع البيان 376/2, وروي عنه أيضاً أنّ الحمولة ما حمل عليه من الإبل الكبار، وأنّ الفرش صغار الإبل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أُميّة بن أبي الصلت(1)وهو يقول:

ليتني كنت قبل ما قد أراني *** في قلال الجبال أرعى الحمولا

262 = 210 -52 -- 43- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ(2)؟

قال: قُطع أصلهم واستؤصلوا من ورائهم(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهيراً(4) وهو يقول:

القائد الخيل منكوباً دوابرها *** محكومة حكمات القِد والأبقا

263 = 211 -53- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: خُذِ الْعَفْوَ(5)؟

قال: أمر الله عزّ وجلّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ ذلك(6).


1) ديوانه: 451، وفيه:

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص(1)وهو يقول:

يعفو على الجهد والسؤال كما *** ينزل غيث الربيع ذو الرصد(2)

يعفو عن الجهل والسوآت كما *** يدرك غيث الربيع ذو الصرد

وهو محرف تحريفاً، وصدره مختل الوزن، فأصلحته من ديوان لبيد، ورواية الديوان:

يعفو على الجهد والسؤال كما *** أنزل صوب الربيع ذي الرصد

ويروى (ذو). والرصد: المطر يأتي بعد المطر.

364 = 212 -54- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ(3)؟

قال: هنّ سكن(4)تسكنون إليهن(5)بالليل والنهار.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان(6)وهو يقول:

إذا ما الضجيج ثنى عِطفها *** تثنت عليه فكانت لباسا


1) ليس في ديوانه، وليس البيت له، بل هو للبيد، وهو البيت الخامس من قصيدة له في ديوانه: 159، وتخريجه فيه/379.

2) - كان في الأصل (سؤالات نافع):

3) - سورة البقرة/187.

4) - تنوير المقباس: 26، وتفسير الطبري 95/2، وتفسير ابن كثير 317/1، ومجمع البيان 280/1.

5) - في الأصل (سؤالات نافع): إليهم، والصواب ما أثبت.

6) - بل بني جعدة، ديوان النابغة الجعدي/81. وهو له في تفسير الطبري 94/2، وتفسير القرطبي 316/2. وهو بلا نسبة في تفسير ابن كثير 317/1، ومجمع البيان 279/1. والرواية: (ثنى جيدها).

265 = 213 -54- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ(1)؟

قال: النسل(2): الطائر والدواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

كهولهم خير الكهول ونسلهم *** كنسل الملوك لا يبور ولا يجري(3)

(أقول: بيت الشاهد من قصيدة قالها حذيفة بن غانم يرثي بها عبد المطّلب بن هاشم جدّ النبيّ7، ويذكر فضله وفضل قصي على قريش وفضل ولده من بعده، وذلك أنّه أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكّة فوقف بها، فمر به أبو لهب فأفتكه، فقال حذيفة قصيدته. الخرسان).

266 = 214 -54- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ(4)؟

قال: شبّه الله أصوات المنافقين والكفار بأصوات البهم. أي أنّهم لا يعقلون(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟


1) سورة البقرة/205.

2) - في تنوير المقباس: 28: (النسل: الحيوان). وفي تفسير الطبري 185/2: (نسل كلّ دابة).

3) - كذا وقع ولم أجده.

4) - سورة البقرة/171.

5) - هو بنحوه في تنوير المقباس: 23، وتفسير الطبري 45/2 -- 46، وتفسير ابن كثير 293/1، وتفسير القرطبي 214/2.

قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي خازم(1)

هضيم الكشح ما غذيت ببؤس *** ولا مرّت بناحية الرباق

وعجزه في اللسان: (ن ع ق) وفيه: ولم ينعق، وهو تصحيف، وفيه (بناحية الرقاق).

وهو يقول:

هضيم الكشح لم تغمز ببؤسى *** ولم تنعق بناحية الرِّباق

267 = 215 -55- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ(2)؟

قال: فيما أشكل عليهم(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهيراً(4)وهو يقول:

متى يشتجر قوم يقل سرواتهم *** هم بيننا فهم رضا وهم عدل

268 = 216 -55- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا(5)؟

قال(6): عهداً كما حملته على اليهود فعصوك، فجعلتهم قردة و


1) ديوانه: 162، وروايته فيه:

2) - سورة النساء/65.

3) - في تنوير المقباس: 73: (فيما التبس بينهم، ويقال: فيما اختلف بينهم من الحكم).

4) - ديوانه: 107 (الدار).

5) - سورة البقرة/286.

6) - في تنوير المقباس: 4: (عهداً نحرم علينا الطيبات بترك ذلك: كَمَا حَمَلْتَهُ حرمته، عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا من بني إسرائيل ينقضهم عهدك في الطيبات من لحوم الإبل وشحوم البقر وغير ذلك). وتفسير الإصر بالعهد عن ابن عبّاس في تفسير الطبري 104/3.

خنازير(1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول:

أفي كلّ عام وافد وصحيفةٌ *** يُد بها أمر وثيق وأيصرُ(2)

269 = 217 -55 -- 56- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ(3)؟

قال: أن ترجع بإثمي وإثمك الذي عملت فتستوجب النار(4).

قال: وهل تعرف [العرب](5)ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(6)وهو يقول:

من كان كاره عيشه فليأتنا *** يلق(7)المنية أو يبوء له غنى

270 = 218 -56 -- 57- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(8)؟


1) هذا الكلام بنحو عن عطاء بن أبي رباح في تفسير الطبري 104/3.

2) - الأيصر: حبل صغير يشد به أسفل، ولم يذكروا له معنى العهد.

3) - سورة المائدة/29.

4) - تفسير الطبري 124/6، وتفسير ابن كثير 81/3، ومجمع البيان 184/2. وفي تنوير المقباس: 92: (أن تؤخذ بذنبيّ وَإِثْمِكَ ذنبك الذي لقبل [كذا] دمي).

5) - زيادة يقتضيها السياق.

6) - وهو الأسعر الجعفي، والبيت من كلمة له في الوحشيات: 44 وتخريجها ثمّة.

7) - في سؤالات نافع (يلقى) وهو خطأ. وروياة الوحشيات: أو يؤوب.

8) - سورة الكوثر/1.

قال: نهر في بُطنان(1)الجنّة حافته قباب الدرّ والياقوت(2).

قال: وبأي شيء ذكر ذلك؟

قال(3): إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم دخل باب المروة وخرج من باب الصَّفا، فاستقبله العاص بن وائل السهمي. فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟ قال: ذاك الأبتر، يريد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

فما برح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى أنزل الله هذه السورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ: نهر في بُطنان الجنّة حافته قباب الدرّ والياقوت، فيها أزواجه وخدمه؛ ثمّ قال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ-2- البدن، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ-3-، يعني: إنّ عدوّك هو العاص بن وائل السهمي الأبتر من الخير، لا أذكر مكاناً إلاّ ذكرتَ معي يا محمّد، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنّة نصيب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت(4)وهو يقول:

وحباه الإله بالكوثر الأك- *** -بر فيه النَّعيم والخيرات


1) أي وسطها، وقد جاء هذا اللفظ في حديث عائشة، انظر تفسير الطبري 207/30، وتفسير ابن كثير 521/8.

2) - روي عنه: أنّ الكوثر نهر في الجنّة، وروي عنه: أنّه الخير الكثير، انظر: تنوير المقباس: 520، وتفسير الطبري 207/30، وتفسير ابن كثير 522/8، ومجمع البيان 549/5.

3) - انظر نحو هذه الرواية عنه في أسباب النزول للواحدي: 503.

4) - ليس في ديوانه.

271 = 219 -57- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(1)؟

قال: الغاسق: الظلمة، والوقب شدّة سواده إذا دخل في كلّ شيء(2).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهيراً(3)وهو يقول:

ظلّت تجوب يداها وهي لاهية *** حتّى إذا أصبح الإظلام والغسق

وقال في الوقب:

وقب العذاب عليهم فكأنّما *** لحقتهم نار السماء فأخمِدوا

272 = 220 -58- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(4)؟

قال: ما غاب عنهم من أمر الجنّة والنار(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول:


1) سورة الفلق/3.

2) - في تنوير المقباس: 522: (من شرّ الليل إذا دخل وأدبر). وفي تفسير الطبري 26/30، وتفسير القرطبي 256/20، ومجمع البيان 569/5: (الليل إذا أقبل).

3) - ليس في ديوانه. وهو في إيضاح الوقف: 89، والإتقان في علوم القرآن 132/1، وشرح القصائد السبع: 559، وسلف في التعليق على المسألة/25.

4) - سورة البقرة/3.

5) - تنوير المقباس: ، وتفسير الطبري 79/1. وروي عنه أيضاً: (بالغيب: بما جاء من الله).

وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا *** يُصلّون للأوثان قبل محمّدِ(1)

ومن قبل آمنّا وقد كان قومنا *** يصلّون للأوثان قبلُ محمّدا

أي: آمنّا محمّداً، أي: صدقناه. وعزي هذا البيت إلى العبّاس بن مرداس في الإفصاح: 162. وهو بلا نسبة في الزاهر 203/1، وشرح القصائد السبع/149، وتهذيب اللغة 517/5، ومجمع البيان 37/1، واللسان: (أ م ن)، وسفر السعادة: 719، والأمالي الشجرية 112/1.

(البيت الشاهد هذا له ما يصحّح نسبته إلى أبي سفيان بن الحارث، فإنّ له عدّة أبيات على الروي والقافية والمعنى، وقد مرّ ذكرها في إنقاذ المستطاع من سقط المتاع فراجع. الخرسان).

273 = 221 -58- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: صَفْرَاء فَاقِ-عٌ لَّوْنُهَا(2)؟

قال: الفاقع: الصافي اللون من الصفرة(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى يقول:

سدم قديم عهد بانيه *** من بين أصفر فاقع وذعال(4)

274 = 222 -58 -- 59- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ(5)؟

قال: في عدّة نسائهم ومحل دينهم وشروط الناس(6).


1) البيت بهذه الرواية بلا نسبة في تفسير القرطبي: 264. وثمّة بيت يشبهه، وهو قول الشاعر:

2) - سورة البقرة/69.

3) - في تنوير المقباس: 11: (صافٍ لونها).

4) - كذا وقع؟ ولم يرد في مجموع شعر عبد الله بن الزبعرى.

5) - سورة البقرة/189.

6) - هو بنحوه في تنوير المقباس: 26، وتفسير الطبري 108/2، وتفسير ابن كثير 326/1.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

والشمس تجري على وقت مسخرة *** إذا قضت سفراً واستقبلت سفرا

275 = 223 -59- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: بِقِنطَارٍ(1)؟

قال: أمّا قولنا أهل البيت(2)، فإنّا نقول: القنطار عشرة آلاف مثقال، وأمّا بنو جَدّ فإنّهم يقولون: ملء ثور ذهباً أو فضّة(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد(4)

قناطير مال من خراج وزائد

يقول:

وكانوا ملوك الروم تجبى إليهم *** قناطيرها من بين حقّ وفائد

276 = 224 -59- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا(5)؟


1) سورة آل عمران/75.

2) - أي: أهل مكّة. وقد روي عن ابن عبّاس أنّ القنطار ألف ومائتا دينار من الذهب، ومن الفضّة ألف ومائتا مثقال، وروي عنه أنّه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار. انظر تفسير الطبري 133/3 -- 134، وتفسير القرطبي 30/4 -- 31، ومجمع البيان 417/1.

3) - هذا ما في تنوير المقباس: 50 عنه. وقوله: (أما بنو جد)، فالظاهر أنّه يريد غير أهل البيت من العرب.

4) - ديوانه: 125. ورواية عجزه فيه:

5) - سورة آل عمران/103.

قال: أنقذكم الله عزّ وجلّ بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم (1).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبّاس بن مرداس يقول:

يكب على شفا الأذقان كبّاً *** كما زلق التختُّم عن خُفاف(2)

277 = 225 -60- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء(3)؟

قال: جامعتم النساء(4). وهذيل تقول: اللمس باليد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة(5)وهو يقول:

يلمس الأحلس في منزله *** بيديه كاليهودي المُصل(6)

278 = 226 -60- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ:


1) كذا وقع؟ لم يفسّر (شفا) الذي استشهد له بشعر عبّاس وفي تنوير المقباس: 53 (طرف هوة).

2) - كذا وقع؟ وخفاف هو ابن ندبة السلمي، وكان بين العبّاس وخفاف مهاجاة، انظر الأغاني 76/18 -- 77. وروى أربعة أبيات على قري هذا البيت، وليس البيت الشاهد فيها، وليس في الديوان.

3) - سورة النساء/43.

4) - تنوير المقباس: 70، وتفسير الطبري 65/5 -- 66، وتفسير ابن كثير 75/2 -- 276، ومجمع البيان 52/2.

5) - ديوانه: 183.

6) - كان في الأصل (سؤالات): كاليهودي المقل، وهو تحريف. وقوله: (الأحلس) كذا وقع، والذي في الديوان (الأحلاس).

مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا(1)؟ قال: من قبل أن نمسخها فنردَّها على غير خلقها(2).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أُميّة بن أبي الصلت(3)يقول:

من يطمس الله عينيه فليس له *** نور يبين به شمساً ولا قمرا

279 = 227 -61- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ(4)؟

قال: يعني به: الإبل والبقر والغنم(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى(6)وهو يقول:

أهل القباب الحُمر والن- *** -نعم المؤبَّل والقنابل

280 = 228 -61- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ:


1) سورة النساء/47.

2) - فنجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقري ونجعل لأحدهم عينيه في قفاه، انظر تنوير المقباس: 71، وتفسير الطبري 77/5، وتفسير ابن كثير 85/2، ومجمع البيان 55/2.

3) - ديوانه: 410، وهو من الشعر المتّهم عند محقّقه.

4) - سورة المائدة/1.

5) - تفسير القرطبي 34/6 وفي تنوير المقباس: 87: (صيد البري مثل بقر الوحش وحمر الوحش والظباء). وفي تفسير الطبري 34/6، وتفسير ابن كثير: 6 عنه أنّ المراد جنين الأنعام إذا وجد ميتاً في بطن أمّه إذا ذبحت، وانظر مجمع البيان 152/2.

6) - ديوانه: 385. وكان في الأصل (سؤالات نافع): المؤثل، وهو تصحيف.

وَالْمَوْقُوذَةُ(1)؟ قال: التي تضرب بالخشب حتّى تموت فتأكلها العرب(2). وذلك أنّهم جادلوا المسلمين، فقالوا لهم: تزعمون أنّكم على دين الله وما ذبح الله لكم لا تأكلونه وتزعمونن أنّه ميتة، وما ذبحتم أنتم بأيديكم تزعمون أنّه حلال لكم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(3)يقول:

ديني إذا وقذ النعاس الرُّقَّدا *** يلوينني ديني(4)النهار وأقتضي

281 = 229 -61 -- 62- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً(5)؟

قال: اثني عشر وزيراً وصاروا ألينا بعد ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

وإنّي بحقّ قائل لسراتها *** مقالة نُصح لا يضيع نقيبها


1) سورة المائدة/3.

2) - تنوير المقباس: 88، وتفسير الطبري 45/6، وتفسير القرطبي 48/6، وتفسير ابن كثير 15/3، ومجمع البيان 157/2.

3) - وهو الأعشى، ديوانه: 263، واللسان: (و ق ذ)، والأساس (ل و ي).

4) - كان في الأصل (سؤالات نافع): يبرينني دين، وهو خطأ، صوابه: ما أثبت. وفي الديوان: (وأجتزي) مكان: (وأقضي).

5) - سورة المائدة/12.

282= 230 -62- قال: يا بن عبّاس أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ(1)؟

قال: سرباً في الأرض تذهب هرباً(2).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر(3)يقول:

فدسَّ لها على الأنفاق عمراً *** بشكته وما خشيت كمينا

283 = 231 -52- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً(4)؟

قال: باطل القول غروراً(5).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أوس بن حجر(6)يقول:

لم يغروكم غرورا ولكن *** يرفع الآل جمعهم والزُهاء


1) سورة الأنعام/35.

2) - تنوير المقباس: 108، وتفسير الطبري 117/7.

3) - وهو عدي بن زيد، ديوانه: 183 وفيه (على الأنقاء).

4) - سورة الأنعام/112.

5) - في تنوير المقباس: 117: ( زُخْرُفَ الْقَوْلِ تزيين القول غُرُوراً لكي يغروا به بني آدم). وفي تفسير الطبري 5/8: (حسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم).

6) - ليس البيت في ديوانه، وليس له. بل هو للحارث بن حلزة اليشكري من معلقته، انظر شرح القصائد السبع: 491، والتسع: 597، والعشر: 405، والرواية: (والضحاء). وكان في الأصل (سؤالات نافع): جمعكم، وهو خطأ.

وقال زهير بن أبي سلمى(1):

فلا تغرنك دنيا إن سمعت بها *** عند امرء سوءة في النّاس مغمور

284 = 232 -62- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: رِجْسٌ وَغَضَبٌ(2)؟

قال: الرجس: اللعنة، والغضب: العذاب(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

إذا سنة كانت بنجد محيطةً *** فكان عليها رجسها وعذابها

285 = 233 -62 -- 63- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ(4)؟

قال: القمل: الدّبى(5)

وروي عنه: أنّ القمّل السوس الذي يخرج من الحنطة، انظر المصادر السالفة غير تنوير المقباس.

، وهي فراخ الجراد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول:


1) ليس في ديوانه.

2) - سورة الأعراف/71.

3) - الذي في تنوير المقباس: 130، وتفسير الطبري 157/8، ومجمع البيان 437/2: (الرجس: السخط، والغضب: العذاب).

4) - سورة الأعراف/133.

5) - تنوير المقباس: 136، وتفسير الطبري 22/9، وتفسير ابن كثير: 461، وتفسير القرطبي 269/7، ومجمع البيان 468/2.

يُبادرون النخل من آنها *** كأنّهم في السرق القُمَّل(1)

286 = 25 -63- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً(2)؟

قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشر عيناً لكلّ سبط عين يشربون بها(3).

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي خازم(4)وهو يقول:

فأسبلت العينان منّي بواكف *** كما انهل من واهي الكلى مُتبجس

287 = 235 -63- قال: يا بن عبّاس! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا(5)؟

قال: من كلّ أحد(6). وفيها كلمة عربية يا بن الأزرق لعلّك لا تحتملها.

قال: قال بلى يا بن عبّاس! فأخبرني بها.

قال: قال: نعم، أخفيها من علمي(7).


1) كذا وقع؟

2) - سورة الأعراف/160.

3) - نحوه في تنوير المقباس: 140.

4) - ديوانه: 100. وكان في الأصل (سؤالات نافع): فأسبلت... المتبجس، وهو خطأ.

5) - سورة طه/15.

6) - تفسير الطبري 113/16، وتفسير ابن كثير 272/5.

7) - هذا هو المشهور عن ابن عبّاس، ولفظه: (أخفيها من نفسي)، انظر تنوير المقباس: 261، وتفسير الطبري 113/16، وتفسير القرطبي 184/11، وتفسير ابن كثير 272/5، ومجمع البيان 6/4.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشعر وهو يقول:

فإن دفنوا الداء لا نخفه *** وإن تبعثوا الحرب لا نقعد(1)

ونسب البيت إلى امرئ القيس بن عابس الكندي في مجاز القرآن: 17، وتفسير الطبري 114/16، وهو لامرئ القيس في تفسير القرطبي 182/11، وهو بلا نسبة في مجمع البيان 4/4.

وقوله: (لا نخفه) استشهد به هنا على أنّه بمعنى لا نكتمه، وهو خلاف الظاهر. وجميع من أنشده استشهد به على أنّ معناه (لا نظهره)، والإخفاء هنا بمعنى الإظهار. وروي (لا نخفه) بفتح النون من خفيته أخفيه: أظهرته؛ قال البري: (وهو أولى بالصواب).


1) البيت من كلمة اختلف في قائلها، والمشهور أنّها لامرئ القيس بن عابس الكندي (وذكر البغدادي أنّ المشهور عانس، بالنون)، ونسبت إلى امرئ القيس بن حجر الكندي، وإلى عمرو بن معدي كرب، انظر ديوان امرئ القيس بن حجر: 186، 429 وسمط اللآلي: 530 -- 531، وشرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي 309/5 -- 310، وليست في ديوان عمرو.

وقفة عابرة في الختام

لقد ذكر المبرّد (ت285ه-) في (الكامل) بعض مسائل نافع بن الأزرق من ابن عبّاس في غريب القرآن كما مرّ ذلك، غير أنّه قال بعدها: (يروى من غير وجه أنّ ابن الأزرق أتى ابن عبّاس فجعل يسأله حتّى أملّه، فجعل ابن عبّاس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عبّاس وهو يومئذ غلام، فسلّم وجلس.

فقال له ابن عبّاس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك؟ فأنشده القصيدة التي مطلعها:

أمن آل نُعم أنت غادٍ فمبكر *** غداة غدٍ أم أنت رائح فمهجّر

حتّى أتمها ثمانون بيتاً، فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا بن عبّاس أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض عنّا ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه، فقال: تالله ما سمعت سفها، فقال ابن الأزرق:

رأت رجلاً إمّا إذا الشمس عارضت *** فيُخزى وأمّا بالعشيّ فيخسر

فقال: ما هكذا قال، إنّما قال: فيضحى وأمّا بالعشي فيخصر.

قال: أو تحفظ الذي قال؟

قال: الله ما سمعتها إلاّ ساعتي هذه، ولو شئت أن أردّها لرددتها، قال فارددها، فأنشده إياها.

أقول: وهذا الذي ذكره لا يخلو من نظر تأتي الإشارة إلى ما فيه، ولعلّ

المبرّد هو أوّل من وصلت إلينا روايته لهذا، ولمّا كانت مرسلة، ولم يسمّ لنا وجهاً واحداً من تلك الوجوه التي قال عنه: (ويروى من غير وجه) كناية عن تعدّدها، فصرت أبحث عنها عسى أن أقف على بعضها، فوجدتُ أبا الفرج الأصبهاني (ت356ه-) قد ذكر الخبر في كتابه (الأغاني) بعدّة أسانيد، وهذا لفظه:

(حدّثني الجوهري والمهلبي، قالا: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثني هارون بن عبد الله الزهري، قال: حدّثنا ابن أبي ثابت.

وحدّثني به علي بن أبي صالح بن الهيثم، عن أبي هفان، عن إسحاق، عن المسيّبي والزبيري والمدائني ومحمّد بن سلام، قالوا: قال أيوب بن سيّار.

وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني محمّد بن الحسن المخزومي، عن عبد العزيز بن عمران، عن أيوب ابن سيّار، عن عمر الركاء، قال: بينا ابن عبّاس في المسجد وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين حتّى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عبّاس، فقال: أنشدنا.

فأنشده:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر *** غداة غد أم رائح فمهجّر

حتّى أتى على آخرها، فأقبل عليه نافع بن الأزرق، فقال: الله يا بن عبّاس إنّا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال

والحرام فتتثاقل عنّا، ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيخزَى وأمّا بالعشيّ فيخسر

فقال: ليس هكذا قال.

قال: فكيف قال؟

قال:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت *** فيضحَى وأمّا بالعشيّ فيخصر

فقال: ما أراك إلاّ وقد حفظت البيت.

قال: أجل وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها.

قال: فإنّي أشاء، فأنشده القصيدة حتّى أتى على آخرها.

وفي غير رواية عمر بن شبة: أنّ ابن عبّاس أنشدها من أوّلها إلى آخرها، ثمّ أنشدها من آخرها إلى أوّلها مقلوبة، وما سمعها قطّ إلاّ تلك المرّة صفحاً, قال: وهذا غاية الذكاء، فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قط؟

فقال: لكنّني ما رأيت أذكى قطّ من عليّ بن أبي طالب -- عليه السلام -- .

وكان ابن عبّاس يقول: ما سمعت شيئاً قط إلاّ رويته، وإنّي لأسمع صوت النائحة فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول.

قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: أمن آل نعم... فقال إنّا نستجيدها..

وقال الزبير في خبر عن عمّه: فكان ابن عبّاس بعد ذلك كثيراً ما يقول: هل أحدث هذا المغيري شيئاً بعدنا؟ اه-

قال عمر بن شبّة وأبو هفّان والزبير في حديثهم: ثمّ أقبل على ابن أبي ربيعة، فقال: أنشد، فأنشد: (تشط غداً دار جيراننا) وسكت.

فقال ابن عبّاس: (وللدار بعد غد أبعد).

فقال له عمر: كذاك قلت -- أصلحك الله -- أفسمعته؟

قال: لا ولكن كذلك ينبغي)(1)انتهى.

هذا ما رواه أبو الفرج بإسناده ليبرأ من مؤاخذة المرسلات، ولكن أنّى وكيف! وهو لم يسلم له من رجال إسناده من يوثق بروايته، فضلاً عن سوء الظنّ به لما ورد فيه من تجريح قبيح، كما سيأتي، فلنقرأ:

(المفيد في رجال الأسانيد)

لقد ذكر أبو الفرج ثلاثة أسانيد لما رواه من خبر عمر بن أبي ربيعة في مجلس ابن عبّاس، ورجالها كما يلي:

فالسند الأوّل: عن الجوهري، والمهلبي، وهما عن عمر بن شبّة، عن هارون بن عبد الله الزهري، عن ابن أبي ثابت، فمهما أغمضنا النظر عن الجوهري، والمهلبي، وعمر بن شبّة، فلا يسعنا الإغماض. وتجاوز هارون بن عبد الله الزهري، فقد كان القاضي في عدّة أماكن في أيام المأمون العبّاسي، ولم يذكر عنه في كتب الرجال شيئاً، فهو مجهول: وهو على ما كان فقد روى الخبر.

عن ابن أبي ثابت، وهذا اسمه إبراهيم بن محمّد بن أبي ثابت المسيّبي


1) الأغاني 71/1، ط دار الكتب.

العراقي السامري (ت338ه-)، كما في (سير أعلام النبلاء) للذهبي(1)، ولم يرد فيه جرح، بل وثقه الخطيب في (تاريخ بغداد)(2)، ولا يجدي شيئاً توثيقه، ويبقى السند ساقطاً لجهالة حال هارون.. الخ.

وأمّا السند الثاني: فهو عن علي بن صالح بن الهيثم، عن أبي هفّان، عن إسحاق، عن المسيبي والزبيري والمدائني ومحمّد بن سلام، عن أيوب بن سيار.

فأوّل رجاله ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال)(3)، وقال: لا أدري من هو؟ وحكى عن ابن الجوزي تضعيفه.

والثاني من رجال السند: أبو هفّان، قال ابن الجوزي: لا يعول عليه، وقال في (الميزان)(4): حدّث عن الأصمعي بخبر منكر.

والثالث هو: إسحق (؟) ولمّا كان الرواة في الأغاني ثلاثة، اسم كلّ منهم إسحاق، وأشهرهم منهم (إسحاق) الموصلي المغنّي الذي حرّف بيت ابن أبي ربيعة في سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف فجعله في سكينة بنت الحسين عليه السلام ، فغضب عليه الرشيد ولعنه(5)، والثاني إسحاق بن جرير لا يدري من هو، والثالث إسحاق بن مقحمة، وكلّهم ممّن لا يؤخذ عنهم، لأنّهم ما بين فاسق كإسحاق المغنّي، أو مجهول كما في الآخرَين.

والرابع: المسيّبي، فهو نسبة جماعة أشهرهم اثنان: أحدهما محمّد بن


1) سير أعلام النبلاء 111/1.

2) - تاريخ بغداد 165/6.

3) - ميزان الاعتدال 130/3.

4) - ميزان الاعتدال 582/4.

5) - الأغاني 11/16 -- 12.

إسحاق المسيّبي المترجم في (غاية النهاية في طبقات القرّاء) المتوفى سنة (439ه-)، والثاني هو علي بن يحيى أبو الحسن البغدادي المسيّبي مدح عضد الدولة بفارس، قال أبو عبد الله الخالع وكان منتحلاً، وكنّا نعمل الأشعار ونمدح بها الناس، وكان ماجناً. وهذا هو الأقرب ظنّاً أن يكون هو الراوي عند أبي الفرج، لأنّي رأيت في (الاستيعاب) ذكره مقروناً مع الزبير ابن بكار وعمّه مصعب بن الزبير، وهما من رواة أبي الفرج في الأغاني.

والخامس: الزبيري، وهو مردّد بين الزبير بن بكار وعمّه مصعب، ويكفي في توهين الزبير بن بكار قول أحمد بن علي السليماني، حيث ذكره في عداد مَن يضع الحديث، وقال مرّة: منكر الحديث(1)، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم أدركته ورأيته ولم أكتب عنه(2)، وأمّا مصعب فهو المعروف بأبي عبد الله الزبيري، هو ابن عبد الله الذي كان من أشرار الناس، متحاملاً على ولد عليّ عليه السلام ، وخبره مع يحيى بن عبد الله الحسني ونقض أمانه معروف(3)، والولد سرّ أبيه، وعداوة الزبيريين للهاشميين معروفة متوارثة من آبائهم بدءاً من عبد الله بن الزبير الذي حبسهم في قبة زمزم إن لم يبايعوه وإلاّ أحرقهم، ولولا نجدة المختار لهم بإرسال أبي عبد الله الجدلي لقضى عليهم، وقد مرّ ذكر جانب من هذا في الجزء الخامس من الموسوعة(4)فراجع.


1) ميزان الاعتدال 66/2.

2) - الجرح والتعديل 585/3.

3) - الفهرست لابن النديم: 123 تجدد.

4) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الخامس، الفصل الثالث (حبر الأُمّة أيام ابن الزبير والمروانيين).

والسادس من رجال السند الثاني: المدائني، وقد مرّ بعض حاله، ومصاحبته لإسحاق الموصلي المغنّي، حتّى أنّه مات عنده في داره!

والسابع: محمّد بن سلام الجمحي (ت231ه-)، يكفي قول محمّد بن أبي حيثمة عنه سمعت أبي يقول: لا يكتب عن محمّد بن سلام الحديث. رجل يرمى بالقدر، إنّما يكتب عنه الشعر، فأمّا الحديث فلا(1).

والثامن من رجال السند الثاني: هو أيوب بن سيّار -- وهو الراوي للخبر -- قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وسُئل عنه ابن المديني، فقال: ذاك عندنا غير ثقة، لا يكتب حديثه، وقال السعدي: غير ثقة، وقال النسائي: متروك(2).

وأمّا السند الثالث:

فأوّل رجاله: الحرمي بن أبي العلاء، واسمه أحمد بن محمّد بن إسحاق، كان كاتب الحكم للقاضي أبي عمر محمّد بن يوسف، كما في سير أعلام الذهبي(3)، وهو يروي الخبر عن الزبير بن بكار، وقد مرّ ذكر حاله وأنّه ممّن يضع الحديث.

وهو يروي الخبر عن محمّد بن الحسن المخزومي، وهذا قد كذبوه، كما في تقريب ابن حجر(4).

وهو يروي الخبر عن ابن أبي ثابت، وهذا أيضاً مرّ حاله في رجال


1) ميزان الاعتدال 567/3.

2) - ميزان الاعتدال 289/1.

3) - سير أعلام النبلاء 436/1.

4) - التقريب 154/2.

السند الأوّل؛ وفاتني ذكر قول البخاري فيه: لا يكتب حديثه، كما في (ميزان الاعتدال)(1).

وهو يروي الخبر عن أيوب بن سيّار، وهذا كسابقه مرّ حاله وقول ابن معين فيه: ليس بشيء، وقول المديني: لا يكتب حديثه.. إلى غير هذا، وهو يروي الخبر عن عمر الركاء -- الزكاء -- وهذا مجهول لم يعرف من هو، وهو الذي روي عنه الخبر.

وأمّا ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في (الأغاني)(2)من الخبر الثاني الذي أكمل فيه ابن عبّاس صدر بيت عمر بن أبي ربيعة، فقد رواه عن محمّد بن خلف بن المرزبان، وقد كذبّه يحيى بن معين، كما في ميزان الذهبي(3)، وهو عن محمّد بن إسحاق إمام المغازي، كما سمّاه ابن حجر في تقريبه(4)، غير مالك بن أنس -- إمام المذهب -- سمّاه دجال الدجاجلة، وقد نقدوه على جمعه (الدجاجلة)، ولم ينقدوه على جرحه لابن إسحاق. وهو -- ابن إسحاق -- روى الخبر عن محمّد بن حبيب صاحب (المحبّر والمنمّق)، ولم يعرف اسم أبيه، فنسب إلى حبيب اسم أُمّه، أو جدّته، كما ذكر ياقوت في (معجم الأدباء)، ولم نقف على ذكر له في تراجم رجال الحديث، فهو مجهول الحال من حيث الجرح والتعديل، وهذا هو الذي


1) ميزان الاعتدال 632/2.

2) - الأغاني 81/1.

3) - ميزان الاعتدال 538/3.

4) - التقريب 144/2.

روى الخبر عن هشام بن الكلبي، وهشام جرحه أحمد بقوله: إنّما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أنّ أحداً يحدّث عنه، وقال الدارقطني وغيره: متروك... ولا يوثق به(1).

فتبيّن لنا بعد هذا العرض لأسماء الرواة من رجال الأسانيد عند أبي الفرج ليس فيهم من يوثق بخبره، فضلاً عن حال أبي الفرج نفسه، الذي قال فيه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)(2): (أكذب الناس)، وحال كتابه (الأغاني) قال فيه ابن الجوزي في (المنتظم)(3). ومن تأمّل كتاب (الأغاني) رأى فيه كلّ قبيح ومنكر، وفي (تاريخ القضاء في الإسلام): اشتمل على كثير من الأخبار الواهية، بل الموضوعة(4).

فهل تطلب أثراً بعد عين؟! وليبق خبر مجيء عمر بن أبي ربيعة إلى ابن عبّاس وإنشاده قصيدته الغزلية ذات الثمانين بيتاً، وحفظ ابن عبّاس بسماعها لمرّة واحدة منه، إعجاباً بها، ونقد نافع بن الأزرق الخارجي له على سماعه، إلى آخر ما في رواية أبي الفرج ممّا يتعلّق بذلك، فليبق كلّ هذا على ذمّة الرواة، كما يبقى تصديق القارئ وتكذيبه الخبر من خاصّة رأيه وتفكيره؛ وإنّما ذكرتُ هذا لأنّي لست على يقين من صحّة الخبر لما مرّ من قراءة ابن عبّاس في سيرته في الجزء الرابع، والجزء الخامس الفصل


1) ميزان الاعتدال 403/4 -- 405.

2) - تاريخ بغداد 399/11.

3) - المنتظم 40/7.

4) - تاريخ القضاء في الإسلام: 182.

الخامس من الموسوعة(1)عشر مع الشعراء، فوجدته يشتد مع ابن فسوة الشاعر الهجّاء، فحبسه حين وفد عليه بالبصرة -- لأنّه كان يأتي الأمراء من قبل فيعطونه مخافة شرّ لسانه -- ثمّ أخرجه ملوماً محسوراً، فصار يهجوه إلى أن كفّ الإمام الحسن عليه السلام وابن جعفر منه لسانه بما أعطياه، وخبر ابن عبّاس مع الحطيئة في نهيه عن الهجاء وتشديده فيه، وخبره مع حسّان بن ثابت، جميع تلك الأخبار تجعلنا في ريب من القصّة، وموقف ابن عبّاس ممّا يتنافى وما عرفناه عنه من ورع عن قول الخنا وسماعه، فكيف انصاع بإقبال لسماع شعر عمر الماجن الخليع الذي لم يكن يرعى لله تعالى حرمة لا في بيته ولا في بقية مشاعر الحجّ، حيث كان يترصّد النساء فيتطلّع في وجوههنّ إذ هُن في إحرام -- وإحرام المرأة في كشف وجهها -- فلا يرعوي، وخبره مع زوجة أبي الأسود رواه أبو الفرج في (الأغاني)(2).

وقال: حجّ أبو الأسود الدؤلي ومعه امرأته وكانت جميلة، فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة فكلمها فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه، فقال له عمر ما فعلت شيئاً، فلمّا عادت إلى المسجد عاد فكلمها فأخبرت أبا الأسود فأتاه في المسجد فقال له:

وإنّي ليثنيني عن الجهل والخنا *** وعن شتم أقوام خلائق أربع

حياء وإسلام وبقيا وأنّني *** كريم ومثلي قد يضر وينفع


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع (حبر الأُمّة وولايته على البصرة)، والجزء الخامس، الفصل الخامس (في أشتات مجموعة من أدوار حياته...).

2) - الأغاني 147/1 -- 148 (دار الكتب المصرية).

فقال له عمر: لست أعود يا عمّ لكلامها بعد هذا اليوم، ثمّ عاود فكلمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:

أنت الفتى وابن الفتى وأخو ألفتى *** وسيّدنا لولا خلائق أربع

نكول عن الجُلّى وقرب من الخنا *** وبخلٌ عن الجدوى وأنّك تبّع

ثمّ خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملاً على سيف، فلمّا رآهما عمر أعرض عنها، فتمثل أبو الأسود:

تعدوا الذئاب على من لا كلاب له *** وتتقي صولة المستأسد الحامي(1)

تعدو الذئاب على من لا كلاب له *** وتتقي حوزة المستدفيء الحامي

فقال المنصور: قد سمعت هذا من أبي، وودت أنّ ذوات الخدور جميعاً تسمعنه.

ومهما أغمضنا النظر عمّا في الخبر من فجوات، فلا يسعنا الإغماض عمّا كان ابن عبّاس يرويه في شأن نزول قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(2)، فهل كان ابن عبّاس


1) لقد روى محمّد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في كتابه أخبار القضاة 247/3، ط عالم الكتب. بيروت خبراً يشبه ما في المتن، إلاّ أنّه من رواية السندي بن شاهك، ولم أر له غيرها. قال: أخبرنا أبو خالد المهلبي يزيد بن محمّد، قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: حدّثني السندي بن شاهك، قال: كنت قائماً على رأس المنصور، وعنده الحسن بن عمارة، فقال المنصور له: تحدّث؟ فقال: حدّثني أبو أمير المؤمنين أنّه حجّ مع أبيه عام حجّ عبد الملك بن مروان، فإذا امرأة تطوف قد فرقت النساء، فسمت إليها عيون الناس، فلحق بها عمر بن أبي ربيعة، وأخبرنا أنّه عمر وأنّه قد خامر قلبه منها شيء، فزجرته فلم ينزجر، فقالت: لولي لها أخرج معي إذا خرجت إلى المسجد، فلمّا رآها عمر حاد عنها، فأنشدت:

2) - سورة التوبة/19.

يجهل معنى عمارة المسجد الحرام؟

أو ليس كان أبوه ممّن يتولاها قبلاً (فلا يدع أحداً يستبّ في المسجد الحرام ولا يقول فيه شعراً، ويحمل الناس على عمارته بالخير...)، وقد مرّ ذكر هذا في أوّل الموسوعة في ترجمة العبّاس نقلاً عن (الإصابة) وغيرها(1)فراجع.

فما باله -- إن صحّ الخبر -- استساغ سماع ثمانين بيتاً من شعر ابن أبي ربيعة شاعر الغزل، واحتمل غضاضة نقد نافع بن الأزرق الخارجي؟!

إنّ الخبر أقرب إلى الهجر في سلّة المهملات فيما أراه، وإلحاقه فيما تُزيّد من خبر المسائل، وتبقى حرية الرأي للقارئ بين القبول والردّ.

فهل بعد هذا كلّه؟ يكون الخبر من المقبول أم هو من المنبوذ؟

والجواب عند من حبك القصّة، ويبقى ابن عبّاسt في حساب معهم، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(2).


1) موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الأوّل، الفصل الأوّل (بداية حديثنا عن ابن عباس/ وظائفه قبل الإسلام).

2) - سورة النحل/111.